صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: العقيدة
------------------------------------------
العنوان: آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية (1238-1332ه/ 1821-1914م)
المؤلف: مصطفى بن الناصر وينتن
تنسيق وإعداد للطبع: محمد بن موسى باباعمي - مصطفى بن محمد شريفي
تقديم: محمد ناصر بوحجام
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - الجزائر
تاريخ النشر: 1417ه/ 1996م
الطبعة: د.ط
أصله: رسالة ماجستير
ردمك: 9961-908-34-1
الإيداع القانوني: 98/678
الكلمات الدالة: امحمد بن يوسف اطفيش، سيرة ذاتية، العقيدة الإسلامية، عقيدة المذهب الإباضي
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=39&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/597
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
------------------------------------------
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة. مصطفى بن الناصر وينتن
آرَاءُ الشَّيخِ امحَمَّدِ بنِ يُوسُفَ اطْفِيَّشْ العَقَدِيَّة
(1238 - 1332 هـ / 1821 - 1914 م)
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
بحث مقدَّم لنيل شهادة الماجستير
جمادى الأولى 1417 هـ / أكتوبر 1996 م (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
مصطفى بن الناصر وينس
آرَاءُ الشيخ امحَمَّدِ بن يُوسُفَ اطْفِيَّشِ العَقَديَّة
(1238 - 1332 هـ / 1821 - 1914 م)
بحث مقدم لنيل شهادة الماجستير
جمادى الأولى 1417 هـ / أكتوبر 1996 م (1/3)
صفحة 4
كل الحقوق محفوظة
للناشر
جمعية التراث ــ ص. ب. 19 القرارة (47110)
تنسيق وإعداد الطبع
محمَّد بن موسى باباعمي - مصطفى بن محمَّد شريفي
المطبعة العربية 11 نهج طالبي أحمد – غرداية
الهاتف: 88.36.53/ 87.34.34
الإيداع القانوني رقم: 678/ 98
ردمك 1 - 34 - 908 - 9961 I.S.B.N (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
الإهداء
إلى والدي الكريمين: (رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرا)
إلى إخوتي وأخواتي الأعزاء
إلى أساتذتي الأجلاء
إلى كل صديق سألني يوما مخلصا: أين وصلت في البحث؟
وإلى كل أهل العلم ممن الحق ضالتهم والإسلام منهجهم
إلى هؤلاء جميعا أهدي هذا العمل، وفاء وإخلاصاً
مصطفى (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
شكر وتقدير
بعد أن استوى هذا العمل بحثا بفضل الله تعالى ومنّته أجدني ملزما بالاعتراف بالجميل وشكر من كان لي سندا ومُعينا منذ أن كان العمل فكرة ومشروعا، وهم كثيرون نذكر منهم: الأستاذ المشرف الدكتور بشير بوجنانة الذي بذل جهده في إنارة السبيل أمامنا وتتبّع خطواتنا بِكُلِّ صبر وأناة ولم يدَّخر جهدا في ذلك؛ والمشرفين الأَوَّلَينِ على البحث وهما: الدكتور أبو القاسم الغالي والأستاذ يوسف حسين؛ والمشايخ الأجلاّء بوادي ميزاب الذين أمدّونا بتوضيحاتهم المستفيضة حول حياة الشيخ اطفيش وآثاره وآرائه ونخصّ منهم الشيخ صالح بن الحاج عيسى بزملال والحاج محَمَّد بن سليمان مطهري؛ وإدارات المكتبات التي حوت مصادر بحثنا وتفضّل أصحابها بفتح أبوابها أمامنا منها: مكتبة القطب ومكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ومكتبة الاستقامة ببني يزقن، ومكتبة الأستاذ الحاج سعيد محَمَّد بن أيوب بغرداية، ومكتبة الأساتذة بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة. وجمعية التراث بالقرارة والأخوين الباحثين محَمَّد بن موسى باباعمي ومصطفى بن محَمَّد شريفي، ودار القطب للنشر؛ وكلّ من أسدى إلينا يد المعونة ولو بكلمة طيّبة؛ فجزى الله الجميع عنّا وعن العلم كلَّ خير. (1/9)
صفحة 10
[صفحة فارغة] (1/10)
صفحة 11
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
إنَّ جانبا كبيرا من التراث الفكريِّ الإسلاميِّ فيِ حاجة إِلىَ دراسة، للكشف عن ثرائه وعمقه، وأثره الكبير فيِ الفكر الإنسانيِّ بعامَّة، كما أَنَّ كثيرا مِمَّا دُرس وبُحث وقُدِّم ونُشر هو أَيضًا فيِ حاجة إِلىَ إعادة النظر فيِ أساليب تقديمه ودراسته، لأَنَّهُ قدِّم بطريقة شوَّهته وأنقصت من قيمته، جهلا أو تعصُّبا، أو قصورا فيِ التناول والبحث، لسبب أو لآخر، أو بدافع معيَّن، أملته الظروف النفسيَّة أو الاجتماعيَّة أو السياسيَّة.
أَمَّا اليوم ــ والحمد لله ــ وقد بدأت تزول هَذِهِ العوائق، وتتكسَّر هَذِهِ الحواجز، وتنحسر دائرة التعصُّب، وتتبدَّد موجة الغلوِّ والتطرُّف، وتتَّسع فيِ المقابل ميادين المعرفة، وتتنوَّع وسائل اكتساب الحقائق بفضل تطوُّر طرق البحث والدراسة والتنقيب، وبدأ يبتعد عن فضاء البحث المتطفِّلون عَلَيْهِ، وقد أصبحت العقول والمدارك تتفتَّح لمناقشة ما يقدَّم إِلَيْها، وما تقرأه، إذ زالت هالة القداسة عَمَّا كُتب وما دُوِّن وما قرِّر ... فتشجَّع الباحث والدارس واقتحم ميدان النقد والانتقاد، ومناقشة الآراء والنظرات المسجَّلة، فلم يعد هناك كتَّاب ولا منظِّرون أو متصرِّفون فيِ عقول البشر يملون عَلَيْها مَا يشاؤون أو يريدون، بعد أَن اهتدى الناس إِلىَ مقاييس عِلْمِيَّة، ومعايير ثَقَافِيَّة معقولة، يختبرون بها ما يقدَّم لهم، فيقبلون هَذَا الرأي ويرفضون ذَلِكَ، وبها ينصفون الرأي الراجح، والفكرة الصحيحة المبنية عَلَى أسس سليمة مقبولة عقلا ومنطقا ... (1/11)
صفحة 12
بهذا كان مآل كثير من الأحكام التِي رسخت فيِ الأذهان، وثبتت فيِ المصادر والكتب ... كان مآلها السقوط والزوال من ذاكرة الأجيال. وكان الإنصاف وإرجاع الحقِّ إِلىَ نصابه نصيب كثير من الأفكار والآراء والمذاهب التي ظلمها التاريخ.
من بين ما تمكن الإشارة إِلَيْهِ هنا الفكر الإباضيُّ، الذي عرف بثرائه، وتعدُّد الجوانب التي بحث فيها، مِمَّا أنتجته قرائح أبنائه، ومن بين هَذِهِ المجالات مجال العقيدة أو أصول الدين، التي «فاضت بها أقلام أساطين علماء الإِبَاضِيَّة المتبحِّرين الذين نذروا حياتهم لنصرة الحقِّ وقمع الباطل، بنصب الحجج ودرء الشبه، فتعاقبوا منذ القرن الأَوَّل الهجريِّ عَلَى الاضطلاع بهذا الواجب، وأداء هَذِهِ الرسالة؛ غير أَنَّ من دواعي الأسف أَنَّ السواد الأعظم من المسلمين ظلُّوا محرومين من الانتفاع بِهَذِهِ الكنوز الغالية، إِمَّا لعقد نفسيَّة سبَّبتها القطيعة التِي اصطنعت بين أبناء هَذِهِ الأُمَّة؛ رغم كونها تعبد إلها واحدا، وتدين بملَّة واحدة، وتؤمن برسالة واحدة. وَإِمَّا لقصور فيِ تصوُّر ما تعتقده هَذِهِ الطائفة من الحقِّ، وما تستند إِلَيْهِ من الحجج» (1).
وقد عرف الإِبَاضِيَّة فيِ تراثهم الفكريِّ بالاعتدال وعمق البحث، وعمق النظر، وصفاء المورد والمصدر، والسلامة فيِ الفكر، وَهُوَ ما أقرَّ به من درس هَذَا التراث المتجرِّد من العقد النفسيَّة، والمؤثِّرات الوراثيَّة، والتبعيَّة الفكريَّة المتعصِّبة ... يقول الدكتور عوض محمَّد خليفات: «إنَّ المدقِّق فيِ المصادر الفقهيَّة الإِبَاضِيَّة يجد أَنَّ أصحاب المذهب الإِبَاضِيِّ من أكثر
__________
(1) - ... النصُّ لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي. ينظر: الشيخ فرحات الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإِبَاضِيَّة، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، سنة 1408 هـ/ 1989 م، ج 1/ ص 13. (1/12)
صفحة 13
المسلمين اتِّباعا للسنَّة الشريفة، والاقتداء بها ... » (1).
ويقول الدكتور إبراهيم عبد العزيز بدوي عن مكانة الإِبَاضِيَّة، ودور مدرستها فيِ الفقه الإسلاميِّ انطلاقا من المميِّزات التي تمتاز بها: «وللمذهب الإباضيِّ أثر كبير فيِ البحث والتدوين فيِ شتَّى المجالات العلميَّة، وما يصادف الحياة من مشكلات يوميَّة، فدوَّنوا الأحاديث وشرحوها، واستنبطوا الأحكام وطبَّقوها، وتعرَّضوا للعقائد ونزَّهوها، ودوِّنت لهم مؤلَّفات شتَّى فيِ الحديث والفقه والعقائد والتاريخ وغيرها من صنوف العلم وآدابه، حيث أصبح لهم مكان فسيح فيِ الدراسة للمنهج الذي ساروا عَلَيْهِ» (2).
وقد بدأت تظهر فيِ الساحة الثَّقَافِيَّة بحوث تعنى بدراسة الفكر الإباضيِّ دراسة عِلْمِيَّة سماتها العمق والتحليل والنقد، من هَذِهِ الدراسات بحث الأستاذ مصطفى بن الناصر وينتن، التي تناولت أحد أعلام الفكر الإباضيِّ الذِي يعدُّ بحقٍّ أحد الرجال العاملين المخلصين الذين بذلوا جهودا معتبرة للنهوض بالمجتمع الإسلاميِّ بإصلاح ما فسد فيه، وتثقيفه، وتعليمه ما يعينه عَلَى القيام من كبوته، والصحو من غفلته، وفقه رسالته فيِ الحياة، كما يعدُّ مرجعا أساسيًّا من مراجع الفكر الإباضيِّ؛ وتترجم نظراته وتعبِّر عن مبادئ المذهب الإباضيِّ، والتعرُّف عَلَيْهِ وَعَلَى فكره، يقدِّم معرفة عن الإِبَاضِيَّة، إِنَّهُ العالم الشيخ الحاج امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش. يقول مصطفى وينتن: «ومن أهمِّ المجالات التي كان فيها للشيخ اطفيَّش الفضل الكبير: مجال بعث الفكر الإباضيِّ
__________
(1) - ... الدكتور عوض محمَّد خليفات: الأصول التاريخيَّة للفرقة الإِبَاضِيَّة، مطبعة الجويني، تونس، سنة 1984، ص 54.
(2) - ... ندوة الفقه الإسلاميِّ، وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلاميَّة، ط 1، مسقط، سلطنة عمان، سنة 1410 هـ / 1990 م، ص 722. (1/13)
صفحة 14
من جديد مع مطلع القرن العشرين الميلاديِّ، فجمع آراء من سبقه، ورتَّبها وشرحها وحلَّلها، ومثَّل هَذِهِ المدرسة خير تمثيل، وبقي بذلك مرجعا أساسيًّا فيها». وقد كتب الشيخ اطفيَّش فيِ معظم المسائل المتعلِّقة بالعقيدة إذ يلحظ القارئ والدارس أَنَّ مباحث العقيدة حاضرة فيِ أغلب ما كتب من رسائل، وألَّف من كتب فيِ مختلف الفنون؛ وقد أشار مصطفى وينتن إِلىَ ملاحظة مهمَّة تجعل بحوث الشيخ اطفيَّش ذات قيمة، ومنهجه ذا أصالة ونجاعة، ومن خلال ذَلِكَ يكون منهج الإِبَاضِيَّة فيِ تناول مسائل العقيدة سليما مرضيًّا عنه عند المنصفين والمعترفين بالفضل لأهله، وعند من يرتفعون عن المذهبيَّة الضيِّقة: «فكان يحاول أن يجعل من العقيدة سبيلا للنهوض بهم (أي المسلمين)، وكان تأثُّره بالأوضاع الاستعماريَّة دافعا له لأَن يبحث فيِ العقيدة عَمَّا يمكنه من تحقيق هَذَا التغيير، وَهُوَ مَا جعله يحقِّق وصف العقيدة بكونها عملا حقيقيًّا، وليست مجرَّد تصوُّرات وتصديقات غير مؤثِّرة ... ».
حاول الأستاذ مصطفى وينتن الكشف عن آراء الشيخ اطفيَّش العقديَّة والإبانة عن منهاجه، إبراز ما له وما عَلَيْهِ، وقد انطلق فيِ هَذِهِ المحاولة من سؤالين اثنين:
1) هل كانت للشيخ اطفيَّش آراء عقديَّة اجتهاديَّة فيِ إطار المذهب الإباضيِّ بخاصَّة وَفيِ إطار الفكر الإسلاميِّ بعامَّة؟.
2) مامدى أهمِّيَّة هَذِهِ الآراء إن وجدت؟.
هل وفِّق الباحث فيِ الإجابة عن هذين السؤالين أم لا؟ هَذَا ما ننتظر من القرَّاء والدارسين للكشف عَنه، أَمَّا نحن فنسجِّل الملاحظات الآتية:
1 - تعدُّ هَذِهِ الدراسة ــ فيِ نظري ــ أَوَّل دراسة جريئة فيِ عرض آراء (1/14)
صفحة 15
الشيخ الحاج امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش، ونقدها نقدا علميًّا موضوعيًّا، ذكرت ما للشيخ وما عَلَيْهِ، ما أصاب فيه وما أخطأ، من هنا يستحقُّ هَذَا البحث إيلاءه الاهتمام الكامل، وتناوله تناولا جادًّا وعميقا؛ لمزيد من الحوار والمناقشة فيِ فكر الشيخ اطفيَّش للوقوف عَلَى حقيقة فكره وتمحيص ما جاء فيِ رسالة مصطفى وينتن، واختبار مدى فهمه واستيعابه فكر الشيخ اطفيَّش.
2 - هَذِهِ الدراسة بهذا العرض الجيِّد، ونقل فقرات من أقوال الشيخ تملي علينا ضرورة إعادة قراءة متأنِّية واعية مستفيضة ... لفكر الشيخ فيِ الجوانب المختلفة لحياته: الدِّينِيَّة، الاِجْتِمَاعِيَّة، الثَّقَافِيَّة ... مع العلم أَنَّ آراءه متناثرة فيِ مؤلَّفاته، وكثير من رسائله ومراسلاته وردوده. لذا يجد الدارس صعوبة كبيرة فيِ رصدها وجمعها بطريقة تمكِّنه من تناولها ودراستها، والمقارنة بينها، ومناقشتها، غير أَنَّ الباحث بجهده وإرادته وذكائه تمكَّن أن يتصيَّد هَذِهِ الآراء، وَهَذِهِ النظرات، ويعرضها ويناقشها.
إنَّ الباحث أصابه عنت ونصب بسبب تناثر آراء الشيخ بين تآليف تنوَّعت بين متون وشروح واختصارات وتقريرات واستدراكات، وإعادة تأليف ... فكان عَلَيْهِ أن يقرأها بأناة ليعرف السابق فيِ مؤلَّفاته من اللاحق، ومن ثَمَّ ليعلم مستقرَّ الشيخ فيِ رأيه فيِ نهاية المطاف؛ مع ذَلِكَ سجَّل الباحث بعض الاضطراب فيِ بعض آرائه.
3 - امتازت هَذِهِ الدراسة بما يأتي:
أ- التتبُّع الجيِّد لتطوُّر آراء الشيخ اطفيَّش من خلال التصفيف التاريخيِّ لمؤلَّفاته.
ب- الاطِّلاع الكبير عَلَى مؤلَّفات الشيخ، وحسن قراءتها إِلىَ حدٍّ بعيد. (1/15)
صفحة 16
جـ- طريقة العرض كانت سليمة، تبدأ بالبسط المستفيض لآرائه، مع الإحالات الدقيقة، ثُمَّ المناقشة الهادئة، ثُمَّ إعطاء الرأي والترجيح بعد ذَلِكَ إن أمكن، مع التلخيص المركَّز، أو حوصلة الفكرة فيِ نهاية المبحث أو الفصل.
د- تنوُّع المصادر والمراجع.
هـ- الاعتماد ــ فيِ كثير من الأحيان ــ عَلَى المقارنة بين علماء الإسلام والمذاهب المختلفة.
و- حسن الربط بين المباحث.
4 - ناقش الباحث الشيخ اطفيَّش ــ كثيرا ــ فيِ قضيَّة تأصيل المسائل، وإثبات الأقوال بالأدلَّة المختلفة، وتدعيم الآراء بالحجج النَّقْلِيَّة بخاصة.
5 - سهَّل عَلَى الباحثين مهمَّة البحث فيِ فكر الشيخ، أو ــ عَلَى الأقلِّ ــ ذلَّل لهم كثيرا من العقبات، بمنهجه الواضح فيِ الدراسة، وَمِمَّا بذله من جهد كبير فيِ تعيين حقيقة تراث الشيخ اطفيَّش.
6 - لا شَكَّ أَنَّ ما قدَّمه سيسهم فيِ استثارة الباحثين واستفزازهم بما أثاره من مسائل، وما عرضه من وجهات نظره فيِ آراء الشيخ اطفيَّش، وما أبداه من تتبُّع ملحاح لمعظم ما سجَّله الشيخ فيِ مؤلَّفاته المُتَعَلِّقَة بموضوع الدراسة.
7 - حاول الباحث مناقشة الشيخ مناقشة عِلْمِيَّة، وكان لا يسلِّم له بما أبداه من آراء ونظرات إِلاَّ بعد أن تستبين له الأَدِلَّة ويقتنع بها ... وَهَذَا شَيء مهمٌّ، وَهُوَ من صفات الباحث والدارس الحقيقيِّ، إِلاَّ أَنِّي أراه أحيانا يبالغ بوحي من هَذِهِ الروح العِلمِيَّة، ولغرض استثمار الجهد المضني الذِي بذله فيِ جمع المَادَّة العِلمِيَّة، وبهدف الإتيان بالجديد فيِ ميدان دراسة فكر الشيخ (1/16)
صفحة 17
اطفيَّش، والخروج من دائرة الدراسات التقليديَّة الكلاسيكيَّة فيِ هَذَا المجال؛ وكأنِّي به يستلهم حياة الشيخ ومسيرته، ويترسَّم خطاه، ويقابله بالأسلوب الذي كان يتَّبعه فيِ محاربة الفكر المتحجِّر، وَفيِ عدم المساس بالدين، وَفيِ عدم التسليم بما هو سائد إِلاَّ بعد التمحيص والنقد ...
فيِ الختام أقول: إنَّ بحث وينتن يدعو إِلىَ إعادة النظر فيِ دراسة حياة الشيخ اطفيَّش لتوضيح بَعض المسائل، واستيضاح بَعض آرائه وأفكاره، ومعرفة مدى تقيُّده بمذهبه، ومخالفته له، ومدى تفتُّحه عَلَى المذاهب الإِسلاَمِيَّة، والوقوف عَلَى مدى استيعاب الناس لأفكاره وآرائه ونظراته، وتحديد مكانة العقل والنقل فيِ أبحاثه، لأَنَّ هَذِهِ المسألة قد عرضت كثيرا فيِ هَذَا البحث.
هَذِهِ النظرة الجديدة أو متابعة البحث فيِ فكر الشيخ اطفيَّش تعين عَلَى الوقوف عَلَى تقييم نظرة النَّاس إِلىَ شخصية الشيخ العِلمِيَّة، تسليما بكفايته العالية، وغزارة علمه، ونظرته الثاقبة إِلىَ المسائل، أو تنقيصا من مكانته.
أقول فيِ الأخير: أرجو أن يولي الدارسون بحث الأستاذ وينتن مصطفى عناية خاصَّة لمزيد التعمُّق فيِ فكر الشيخ اطفيَّش، كما أطلب من المعنيِّين السعي والعمل بجدِّيَّة لطبع كتب الشيخ اطفيَّش المخطوطة منها بخاصَّة، لتوضيح آراء الإِبَاضِيَّة، والكشف عن فكرهم، وردِّ الشبهات، ودفع الأباطيل عنهم، ما دام الشيخ يعدُّ مرجعا أساسيًّا فيِ الفكر الإباضيِّ.
والله وليُّ التوفيق
الدكتور: محمَّد ناصر بوحجَّام
باتنة يوم: 11 جمادى الثانية 1417 هـ
24 أكتوبر 1996 م (1/17)
صفحة 18
[صفحة فارغة] (1/18)
صفحة 19
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله ربّ العالمين
وصلَّى اللهُ على سيّدنا محَمَّد النبيء الأمين الذي أرسل رحمة للعالمين.
نزلت العقيدة الإِسلاَمِيَّة من الله تعالى صافية، ثابتة في أصولها ومبادئها، فتلقَّاها المسلمون، ولم يختلفوا في شيء منها، لكن تغيّر البيئات والأزمنة جعل اجتهاد العلماء في فهمها، وفي منهج عرضها والتعامل معها يختلف ويتجدّد مع كلّ عالم، وفي كلّ عصر بما يوافق الظروف؛ شأن العقيدة في هذا شأن باقي علوم الشرع التي ضبطت قواعدها العامّة لكنّها تتطلّب تجديدا في فهمها مراعاة للظروف الزمانيّة والمكانيّة، وبهذا ثبتت صلاحية الدين الحنيف لِكُلِّ عصر.
لقد عرف الفكر الإسلاميّ رجالا نصروا الحقّ وسعوا للتجديد في الدين، كلّ حسب طاقته ومنهجه، غايتهم التمكين لدين الله في الأرض، وتبليغ أمانة الرسالة التي تحمّلوها.
ولا شك أنّ معرفة جهود هؤلاء العاملين أصبحت ضرورة ملحّة لأنّها تنير الطريق للاستمرار في أداء هذا الواجب في ظرفنا المعاصر. (1/19)
صفحة 20
لكن رغم هذه الضرورة، فإنّ جانبا كبيرا من التراث الإسلاميّ ما زال في حاجة إلى عناية الدارسين واهتمامهم؛ وهذا ما حفّزنا إلى الكتابة والبحث في آراء أحد أعلام هذا الفكر الشيخ امْحَمَّد بنِ يُوسُفَ اَطْفَيَّشْ ــ رحمه الله ــ إضافة إلى دوافع أخرى هي:
- أنّ الشيخ اطفيش من أعلام الفكر الإسلاميّ الحديث الذين بذلوا جهدا معتبرا للنهوض بالمجتمع الإسلامي.
- أنّ الشيخ يعتبر مرجعا أساسيًّا من مراجع الفكر الإباضيّ، تُعرِب أعماله عن حقيقة مبادئ هذا المذهب.
- أنّ التراث الإباضيَّ تراث خصب للبحث والدراسة وَهُوَ بحاجة إِلىَ مزيد من جهود الباحثين والدارسين.
ولم تسبقنا إلى هذا الموضوع دراسة علمية خاصّةٌ في الفكر العقديّ للشيخ امحَمَّد ابن يوسف اطفيَّش سوى بعض دراسات عَامَّة في الفكر الإباضيّ أو أخرى اهتمَّت بجوانب من أعمال الشيخ نذكرها كما يلي:
- دراسة المستشرق الفرنسي كوبرلي: P. Cuperly بعنوان: Introduction à L' étude de L’ Ibadisme et de sa théologie (مدخل إلى دراسة الفكر الإباضيِّ وعقيدته).
- ودراسة فرحات الجَعْبِيرِي بعنوان: «البعد الحضاري للعقيدة عند الإِبَاضِيَّة» وهي تحليل للتراث الإباضيّ بالمغرب في علم الكلام في القرون: التاسع والعاشر والحادي عشر الهجريَّة.
- ترجمة «الرسالة الشافية» للمستشرق الفرنسي: كوبرلي بعنوان: Aperçus sur l’histoire de L’Ibadisme au M'zab (لمحة عن تاريخ الإباضية في مزاب)؛ وقد ترجم الباحث الجزء التاريخيّ من الرسالة، وقدّم للترجمة بتعريف للشيخ وقائمة لآثاره. (1/20)
صفحة 21
- ودراسة عدون جهلان ــ رحمه الله ــ بعنوان: «الفكر السياسيُّ عند الإِبَاضِيَّة من خلال آراء الشيخ محَمَّد بن يوسف اطفيَّش».
- ودراسة يحي بن صالح بوتردين وعنوانها: «الشيخ محَمَّد بن يوسف اطفيَّش ومذهبه في التفسير مقارنة بتفسير أهل السنّة».
- ودراسة محَمَّد عكِّي علواني بعنوان: «منهج الشيخ محَمَّد بن يوسف اطفيَّش في تفسيره التيسير».
فهذه الدراسات رغم أهمّيتها لم تبحث الجانب العقديّ من فكر الشيخ اطفيَّش مِمَّا يجعل الحاجة ملحّة إلى دراسته.
ونحاول في هذا البحث الإجابة عن السؤالين التاليين:
هل كانت للشيخ اطفيَّش آراء عقديَّة اجتهاديَّة في إطار المذهب الإباضيِّ خصوصًا والفكر الإسلاميِّ عُمُومًا؟ وما مدى أهمِّيَّة هذه الآراء إن وجدت؟
ومن أجل الوصول إلى إجابة شافية انتهجنا المنهج الوصفيَّ الاستقصائيَّ في أغلب البحث للوصول إلى مظانِّ آراء الشيخ وعرضها، ثُمَّ عمدنا إلى المقارنة بين آرائه وآراء غيره من العلماء، كما استعملنا المنهج التاريخيَّ للإلمام بجوانب حياة الشيخ اطفيَّش، ولوضع بعض القضايا العقديَّة في إطارها التاريخيِّ.
وقد قسَّمنا البحث إلى مُقَدِّمَة وثمانية فصول وخاتمة:
الفصل الأَوَّل وعنوانه: «الشيخ امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش حياته وآثاره» عرّفنا فيه بالشيخ وركّزنا على جهوده في الإصلاح الاجتماعيِّ، ومواقفه من الاستعمار وعمله العلميِّ والفكريِّ.
أَمَّا الفصل الثاني فخصّصناه لمنهج البحث العقديّ عند الشيخ اطفيَّش (1/21)
صفحة 22
ولاسيّما منهجه في الاستدلال ووسائله، ورأيه في التأويل وموقفه من منهج المفوّضين ومنهج الباطنيِّين.
وَأَمَّا الفصل الثالث: فهو بعنوان: «الإيمان بالله تعالى»: وتحدَّثنا فيه عن تعريف الشيخ للتوحيد، وأدلّته، وما يجب فيه، وعن الأسماء الحسنى ومصدرها، ثُمَّ الصفات وأنواعها، مركّزين على مسألة استحالة رؤية الله تعالى.
وفي الفصل الرابع: «الإيمان بالغيب»: تحدّثنا عن الغيب، وأنواعه، والغيب المُتَعَلِّق باليوم الآخر بمراحله المتعدّدة من النفخ في الصور إلى البعث والجنّة والنار وما بين ذلك، وختمنا الفصل بالحديث عن الإيمان بالملائكة وصفاتهم ووظائفهم.
أَمَّا الفصل الخامس: فخصّصناه لدراسة آراء الشيخ اطفيش في إثبات النبوّة والحاجة إليها ومنهجه في ذلك؛ وتعريف الأنبياء وصفاتهم وما أيَّدهم الله تعالى به من معجزات وكتب.
وفي الفصل السادس: «الإيمان والكفر»: بحثنا مفهوم الإيمان وعلاقته بالإسلام، وزيادته ونقصانه والخوف والرجاء، ثمّ بحثنا المنزلة بين الإيمان والكفر ثُمَّ منزلة الكفر.
أَمَّا الفصل السابع: «القضاء والقدر وأفعال الإنسان»: فبحثنا فيه تعريف القضاء والقدر، وصلتهما بالتوحيد، وكيفية الإيمان بهما، ثُمَّ مسؤولية الإنسان في فعله، وحاولنا الإلمام بموقف الشيخ من النظريات التي تداولت القَضِيَّة عند الإِبَاضِيَّة وغيرهم.
وفي الفصل الثامن: تناولنا الوعد والوعيد ومصير الإنسان في الآخرة، والتوبة ومغفرة الذنوب.
أَمَّا الخاتمة فضمَّنَاها أهمَّ نتائج البحث مبرزين مواطن التقليد أو التجديد والقوّة أو الضعف في فكر الشيخ اطفيَّش. (1/22)
صفحة 23
ثم أتبعنا البحث بملحق حوى قائمة مؤلَّفات الشيخ اطفيَّش التي لم يتسنَّ لنا إدراجها ضمن الفصل الأَوَّل.
أَمَّا عن مصادر البحث فقد رجعنا إلى أغلب ما كتبه الشيخ وأثبتناه في ثنايا هذه الدراسة، كما رجعنا إلى مصادر كتبها معاصرون للشيخ أو تلاميذه، من ذلك: آثار الشيخ عبد الله بن حميد السالمي العماني، وسعيد بن تعاريت التونسي في كتابه «المسلك المحمود في معرفة الردود»، وما كتبه الشيخ إبراهيم بن أبي بكر حفّار في «السلاسل الذهبيَّة في الشمائل الطفيشيَّة»، وما ذكره الشيخ أبو اليقظان إبراهيم في «ملحق السير»، وأبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش في كتابه «الدعاية إلى سبيل المؤمنين» ومقدّماته على بعض كتب الشيخ اطفيَّش التي نشرها.
واعتمدنا أيضا مصادر من التراث الإسلاميّ اتخذناها نماذج نستقي منها الآراء المذهبية، ولا سيما في المقارنة بين آراء الشيخ اطفيش وآراء غيره، وركّزنا في هذا على بعض مصادر المذاهب العقديّة التالية: الإباضيّة، والأشاعرة، والسلفيّة، والشيعة الإماميّة، والمعتزلة.
ولم يخل عملنا من صعوبات اعترضت سبيلنا، نذكر منها:
أَوَّلاً- وضعية تراث الشيخ اطفيَّش المخطوط والمطبوع، فقد توزّعته مكتبات متعدّدة بوادي ميزاب، حَتَّى كُنَّا نجد شطر الكتاب في مكتبة وشطره الآخر في مكتبة أخرى، وأغلب المطبوع من هذا التراث غير محقّق، إلاّ نزرا يسيرا جدّا منه، إضافة إلى سوء الطباعة وكثرة الأخطاء التي تصل إلى حذف جمل سواء في المطبوع قديما أو حديثا، وهذا ما ألجأنا إلى القيام بعمل المحقّق والدارس معا، وإلى اعتماد المخطوط رغم وجود المطبوع، أو الطبعة القديمة مع وجود طبعة جديدة إذا كانت رديئة.
ثانيا- إنَّ بعض المكتبات التي تفضَّل أصحابها بفتح أبوابها أمامنا مشكورين كانت ــ في الغالب ــ تفتقر إلى الفهرسة العِلمِيَّة الدقيقة، مِمَّا أدَّى بنا إلى القيام بعمل (1/23)
صفحة 24
المكتبيِّ أَوَّلاً وفهرسة تراث الشيخ، ثُمَّ البحث فيه، إضافة إلى عدم انتظام أوقات بعض المكتبات، وكان أثر ذلك على البحث ضياع الوقت وطول مدّة العمل؛ ومن الواجب أن نستثني بعض المكتبات ونذكر فضل القائمين عليها الذين قدَّموا لنا كلَّ المساعدة ومنها مكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ومكتبة الاستقامة ببني يزقن، ومكتبة الأستاذ محَمَّد ابن أيُّوب الحاج سعيد بغرداية.
ثالثا- تطوّر آراء الشيخ وتغيّرها من بداية عهده بالتأليف إلى نهايته، فلم يكن من الهيّن معرفة الرأي الأخير الذي ارتضاه إذا لم ينصَّ عليه، بل كان أحيانا يتعمّد إخفاءه تدريبا لتلاميذه على اكتشافه، وصعّب علينا العمل في هذا الوضع أَنَّ مؤلَّفاته غير ممكن ترتيبها زمنيًّا بعدُ.
هذه بعض الصعوبات التي لا يخلو منها بحث، وما كان العمل ليتمَّ لولا فضل الله تعالى الذي يسّر علينا تذليل العقبات وتخطّيها؛ وفتح لنا صدور المشايخ والأساتذة الذين أمدّونا بيد المساعدة سواء من كان منهم بوادي ميزاب أم خارجه؛ ونخصُّ بالذكر منهم الأستاذ المشرف الدكتور بشير بوجنانة الذي تفضّل بقبول الإشراف وتابع العمل وصبر على طول مدّته وعلى بُعد الشقَّة بيننا وبينه، ولم يتوان في إرشادنا والأخذ بيدنا فجزاه الله عن العلم وأهله كلَّ خير.
وبعد: فَإِنَّهُ لا يمكننا أن ندَّعي أنَّ هذه المحاولة في دراسة آراء الشيخ اطفيَّش العقديّة قد بلغت الغاية المرجوّة من استيفاء الموضوع حقَّه، فما هي إلاّ بداية طريق، ونسأل الله تعالى أن يتيح لنا ولغيرنا فرصا لإنجاز دراسات أخرى، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، وهو وليُّ التوفيق والحمد لله ربِّ العالمين.
بني يزقن.
8 جمادى الثانية 1416 هـ / 1 نوفمبر 1995 م (1/24)
صفحة 25
الاختصارات المستعملة
خ: مخطوط.
د. ت: دون تاريخ.
د. ر: دون رقم.
الرقم الموجود بين قوسين: ( ... ) بعد اسم المكتبة يدل على رقمه في هذه المكتبة.
ط: مطبوع.
ظ: ظهر الورقة من المخطوط أي: الوجه الثاني منها.
ق: القسم من الكتاب: مثل: الهميان: 1 ق 2: أي الجزء الأول القسم الثاني.
و: وجه ورقة المخطوط
/: خط يفصل بين الجزء والصفحة؛ وبين التاريخ الهجري والميلادي.
-: خط يسبق ذكر مؤلَّفات الشيخ اطفيَّش في الهامش.
ملاحظة: استعملنا كتابي: “ الهميان ” و“ التيسير ” من مؤلَّفات الشيخ اطفيَّش بطبعتيهما القديمتين والجديدتين، وأشرنا إِلىَ الطبعة القديمة فقط بـ: ط 1، أَمَّا الطبعة الجديدة فلم ننصَّ عليها. (1/25)
صفحة 26
[صفحة بيضاء] (1/26)
صفحة 27
الفصل الأَوَّل
الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش
حياته وثقافته وآثاره (1/27)
صفحة 28
[صفحة بيضاء] (1/28)
صفحة 29
0 المبحث الأَوَّل
حياة الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش
1 - أوضاع العالم الإسلاميّ ووادي ميزاب
تعتبر الظروف والأوضاع السياسيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة من أهمِّ المؤثِّرات على أفكار العلماء وآرائهم، ومعرفة هذه الأحوال تساعد على الوصول إلى فهم مراحل حياتهم، وتفسير مواقفهم فيها وآرائهم؛ ولم يشذَّ الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش عن هذه القاعدة، لذا نحاول التعرُّف على الظروف التي عاشها، ويهمُّنا منها حال العالم الإسلاميِّ عُمُومًا، ثُمَّ وادي ميزاب خاصَّة، في الفترة الممتدَّة من بداية القرن الثالث عشر إلى بداية الرابع عشر الهجريَّين أي خلال القرن التاسع عشر الميلاديِّ.
فقد شهد العالم الإسلاميُّ منذ القرن الثامن عشر الميلاديِّ تدهورا واضحا في شتَّى المجالات؛ وخاصَّة في المجال السياسيِّ: كضعف الدولة العثمانيَّة، وبداية التوسُّع الاستعماريِّ الغربيِّ؛ وبدء الاستيلاء على أراضي المسلمين، واتِّساع الإمبراطوريَّات الغربيَّة على حساب أراضي الخلافة الإِسلاَمِيَّة في كُلِّ ناحية، وجسَّد هذا الوضع تطبيق قرارات مؤتمري: «فيَنَّا» سنة 1815 م و «إكس لاشبيل» سنة 1818 م؛ من أجل القضاء على الدولة العثمانيَّة (1).
ونشأت عن هذه الأوضاع ردود أفعال من أجل اليقظة والثورة على
__________
(1) محَمَّد بن بابه الشيخ بلحاج: الشيخ اطفيَّش المجتهد المتفتح: من أعمال “مهرجان القطب” سنة 1981 م، محاضرة مرقونة بمكتبة الحاج سعيد محَمَّد، غرداية. بكير بن سعيد أوعوشت: قطب الأئمَّة، حياته وآثاره الفكريَّة جهاده، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1991 م، 57 - 58. (1/29)
صفحة 30
الظلم والاستبداد، مثل حركات: الشيخ جمال الدين الأفغانيِّ (1)، وأحمد عرابي (2)، والأمير عبد القادر (3).
أَمَّا من الناحية الاجتماعيَّة والفكريَّة، فقد كان العالم أيضا على طرفي نقيض: غرب آخذ بأسباب المدنيَّة والتطوُّر وقطع أشواطا في ذلك، وَاتَّخَذَ الاكتشاف العلميَّ ذريعة لاستعمار البلدان الشرقيَّة؛ وشرقٌ ما زال يرزح تحت أغلال الانحطاط الفكريِّ والاجتماعيِّ، وظهرت فيه بعض الحركات الإصلاحيَّة أثناء النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ مثل: حركة الأفغانيِّ وتلميذه محَمَّد عبده (4) وغيرهما، إِلاَّ أَنَّ طغيان الجمود والتردِّي كان أَشَدَّ قوَّة، وأوسع رقعة؛ فانحصرت هذه الحركات في محيط جغرافيٍّ محدود، وفي مجتمعات معدودة، بينما ركنت المجتمعات الباقية إلى الانحرافات، وتشبَّثت بالأوهام والخرافات (5).
ولم تختلف الأوضاع في وادي ميزاب ــ على عهد الشيخ اطفيَّش ــ كثيرا عن أوضاع العالم الإسلاميِّ. فكانت البيئة الميزابيَّة نموذجا مصغَّرا عن البيئة الإِسلاَمِيَّة العَامَّة،
__________
(1) جمال الدين الأفغاني: محَمَّد بن صفدر (1254 - 1315 هـ/1838 - 1897 م)؛ انظر عن أعماله وجهاده: الزركلي: الأعلام، قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء والعرب والمستعربين والمستشرقين، دار العلم للملايين، ط 7، بيروت، 1986 م: 6/ 168 - 169.
(2) أحمد عرابي بن محَمَّد: زعيم مصريٌّ قاد الثورة العرابيَّة (1257 - 1329 هـ/ 1841 - 1911 م). انظر: المرجع نفسه: 1/ 168 - 169.
(3) الأمير عبد القادر بن محيي الدين الجزائري: (1222 - 1300 هـ/1807 - 1883 م)، قاد المقاومة ضِدَّ الاستعمار الفرنسيِّ إلى أن نفي إلى فرنسا ثُمَّ إلى المشرق. انظر: المرجع نفسه: 4/ 45.
(4) محَمَّد عبده بن حسن: (1266 - 1323 هـ/ 1849 - 1905 م). انظر: المرجع السابق: 6/ 252.
(5) محَمَّد بن بابه الشيخ بلحاج: الشيخ اطفيَّش المجتهد المتفتح. (1/30)
صفحة 31
لكن لها بعض الخصوصيَّات، نذكرها فيما يلي:
فمنطقة وادي ميزاب تقع جنوب الجزائر، وتبعد عن العاصمة بستِّمائة كلم (600 كلم) ترتفع عن سطح البحر بثلاثة وخمسين مترا (53 م). وهي أرض صحراويَّة، تحمل كلَّ خصائص الصحراء من الناحية المناخيَّة وغيرها، تتخلَّلها بعض الوديان إِلاَّ أَنَّهَا في الغالب جافَّة، لا تجري سوى بضعة أَيَّام، وكثيرا ما تعرَّضت إلى الجفاف سنوات فبقيت قاسية، لَكِنَّهَا لم تمنع الذين استوطنوها أن يقيموا فيها عمرانا وحضارة تناقلتها الألسن وشهدت بها الآثار والأعمال (1).
ويخضع المجتمع بوادي ميزاب لقيادة جماعيَّة منذ دخول المذهب الإباضيِّ (2) إليه
__________
(1) انظر في وصف المنطقة: محَمَّد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، المطبعة التعاونيَّة، 1385 هـ/1965 م، 1/ 158. يحي صالح بوتردين: الشيخ محَمَّد بن يوسف اطفيَّش ومذهبه في تفسير القرآن الكريم مقارنة إلى تفسير أهل السنَّة: بحث مقدَّم لنيل الماجستير بجامعة عين شمس، القاهرة، مرقون، 1410/ 1989، 20.
وقد دلت بعض الحفريات على وجود حياة بالمنطقة في العصور القديمة وأغلب المراجع تبدأ تأريخها للمنطقة من قدوم أبي عبد الله محَمَّد بن بكر إليها، حيث وجد طائفة من قبيلة زناتة نشر فيهم المذهب الإباضيَّ ثُمَّ انتقل إليها الإِبَاضِيَّة من مناطق مختلفة، وانتشرت حركة العمران والاقتصاد والفكر، وتوسَّعت المدن وأنشئت مدن أخرى على التوالي: العطف، بنورة، مليكة، غرداية، بني يزقن، ثمّ القرارة وبَرِّيَّان، من القرن الخامس الهجريِّ إلى الحادي عشر، انظر: إبراهيم طلاَّي: ميزاب بلد كفاح دراسة تَارِيخِيَّة واجتماعيَّة تلقي الأضواء على نشأة هذا البلد وحياة ساكنيه، مطبعة البعث، قسنطينة، 1970 م، 13، 19.
P. roffo: Contribution à l'étude de la préhistoire du sahara septentrional: les civilisations paléolithiques du M'zab: Ancienne Imprimerie, Alger: 1934: 70
(2) المذهب الإباضيُّ: هي التسمية الغالبة على أتباع جابر بن زيد التابعي المتوفَّى سنة 96 هـ وهو مؤسِّس المذهب؛ ونسب إلى عبد الله إبن إباض باعتباره المدافع عنه لدى الأمويِّين، وهو من المذاهب الإِسلاَمِيَّة الموجودة إلى اليوم، ولأصحابه كتبهم وآثارهم التى تحوي آراءهم في الفقه والعقيدة، نشأ المذهب بالبصرة في القرن الأَوَّل ثُمَّ انتشر إلى جنوب الجزيرة العَرَبِيَّة وشمال إفريقيا خلال القرن الثاني الهجري. انظر: علي يحيى معمَّر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، ط 2 المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1987 م، وقد شرح المؤلِّف بوضوح آراء المذهب وأصوله. (1/31)
صفحة 32
في القرن الخامس الهجريِّ، هذه القيادة المعروفة بحلقة العزَّابة (1) أو نظام العزَّابة الذي أسَّسه الشيخ أبو عبد الله محَمَّد بن بكر الفرسطائيُّ (2)، وعَرف هذا النظام تجسيدا في الواقع وتطوُّرا، خاصَّة بوادي ميزاب، حَتَّى أصبحت أمور الحلِّ والعقد تعود إليه في الوادي. وَمَرَّ بفترات قوَّة وضعف تبعا للأوضاع العَامَّة وللأحداث المتعاقبة؛ ففي أَيَّام الحكم العثمانيِّ كان للميزابيِّين معاهدات مع داي الجزائر، يحكمون بموجبها منطقتهم ولهم أمناء ينوبون عنهم لدى السلطة العثمانيَّة، فتمكَّنوا بذلك من البقاء في ميزاب مع توسيع نشاطهم التجاريِّ إلى الشمال الجزائريِّ (3)؛ وبقي الأمر هكذا حتّى مجيء الاحتلال الفرنسيِّ الذي لم يلبث أن وصل الصحراء، فكان على الميزابيِّين أن يتَّخذوا
__________
(1) نظام العَزَّابة: تنظيم اجتماعيٌّ خاصٌّ بالإباضيَّة في المغرب، أساسه المحافظة على المجتمع بعد انتهاء حكم الرستميِّين سنة 296 هـ. أسَّسه أبوعبد الله محَمَّد بن بكر بإرشاد من شيخه أبي زكرياء فُصَيل بن أبي مسور، ابتدأ النظام على شكل حلقة تعليميَّة، ثُمَّ تطوَّرت حَتَّى أصبح لها سند اجتماعيٌّ قويٌّ جعلها تقود المجتمع، وتركت أثرا واضحا في نشاط الحركة العِلمِيَّة الحضاريَّة للمجتمعات الإِبَاضِيَّة خاصَّة في ليبيا وجربة ووادي ميزاب. انظر: الدرجيني أبو العَبَّاس: طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق: إبراهيم طلاَّي: مطبعة البعث قسنطينة، د. ت، 1/ 3، 4، 5. إبراهيم طلاَّي: ميزاب بلد كفاح، 38 - 45. فرحات الجعبيري: نظام العَزَّابة عند الإِبَاضِيَّة الوهبيَّة في جربة، نشر المعهد القومي للآثار والفنون، المكتبة التَّارِيخِيَّة -1 - تونس 1975. وقد فصَّل المؤلِّف الحديث عن الموضوع في هذا الكتاب.
(2) أبو عبد الله محَمَّد بن بكر: من علماء القرن الرابع وبداية الخامس الهجريين (10 م)، أصله من جبل نفوسة (ليبيا) تعلَّم بجربة وتولىَّ التدريس والدعوة، تنقَّل بين نفوسة وجربة ووادي ريغ ووارجلان ووادي ميزاب، توفِّي في ابليدة اعمر. انظر: المرجع نفسه: 31 - 46.
(3) إبراهيم طلاي: ميزاب بلد كفاح: 43. (1/32)
صفحة 33
موقفا إزاءه، وقد عرفوا التفوُّق العسكريَّ للمستعمر، ورأوا ما يتركه من البلاء والأثر على العمران والعباد وذلك بعد مشاركتهم في ردِّ الحملة الفرنسيَّة على الجزائر سنة 1830 م (1)؛ وحملتهم هذه التجربة على أن يبرموا معاهدة حماية مع السلطة الاستعماريَّة لَمَّا وصلت إلى مدينة الأغواط ــ شمال ميزاب ــ سنة 1853 م، وكان هذا حلاًّ وسطا بين عدم قدرتهم على المقاومة وبين أن يتجنَّبوا ما ينتج عن التدخُّل الفرنسيِّ في شؤونهم الخَاصَّة (2)، وقد دَلَّت هذه المعاهدة من جانب آخر على انفلات زمام التحكُّم من أيدي العزَّابة والعلماء الذين لم يرتضوها: «فقد كانت الهيئات الدينيَّة غائبة عنه تحرُّجا من إمضاء معاهدة مع المشركين» (3)؛ ولم تدم حال الحماية طويلا، إذ نقضت فرنسا المعاهدة مبرِّرة ذلك بمساندة أهل ميزاب للثورات والثوار في أنحاء الجزائر، فأصبح ميزاب ملحقا بالأراضي المحتلَّة التابعة للإدارة العسكريَّة منذ سنة 1882 م (4)؛ ولم يعد لنظام العزَّابة من سلطة إِلاَّ في قضايا اجتماعيَّة محدودة خاصَّة لَمَّا أصبح القضاء بيد الفرنسيِّين.
أَمَّا من الناحية الاِجْتِمَاعِيَّة والفكريَّة، فإنَّ وادي ميزاب لم يخلُ من بعض الاضطرابات بين أهله وإسرافٍ في سفاسف الأمور، فبقي أهل العلم حَتَّى القرن التاسع عشر الميلاديِّ يعيشون على أنقاض ما خلَّفته عصور الانحطاط والتقليد والجمود، وقد وصف الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش هذه الحال قائلا: «وإنَّما أطنب في هذا المقام
__________
(1) عثمان باشا: داي الجزائر، سيرته وحروبه، نظام الدولة والحياة العَامَّة في عهده، المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر، 1986 م، 138.
(2) إبراهيم طلاي: ميزاب بلد كفاح: 46 - 47.
(3) المرجع نفسه: 49.
(4) حمُّو عيسى النوري: نبذة من حياة الميزابيِّين، دار الكروان، باريس، 1984 م: 1/ 307. محَمَّد ناصر: الشيخ القرادي حياته وآثاره، نشر جمعية النهضة، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية 1990 م: 230. (1/33)
صفحة 34
لأحرِّك أذهانا أَلِفت الجمود، وأهيج أفهاما طالما مال نيرانها إلى الخمود» (1)؛ ولم يمنع هذا الوضع من وجود بعض الحركات الإصلاحيَّة التي قام بها بعض من سبقوا الشيخ اطفيَّش مثل حركة الشيخ أبي زكرياء يحي بن صالح (2)، فحركة الشيخ عبد العزيز الثميني (3)؛ ثمّ جاء عصر الشيخ اطفيَّش في المرحلة الثالثة من أدوار النهضة الحديثة بوادي ميزاب كما يقسمها الأستاذ محَمَّد علي دبُّوز (4)، ولم تكن هذه الفترة الأخيرة
__________
(1) - حاشية السؤالات، (خ) مكتبة القطب، بني يزقن، (ا - و: 7): ظ: 96.
(2) أبو زكرياء يحي بن صالح الأفضلي (1120 - 1202 هـ) من أوائل من قام بنهضة في وادي ميزاب، انتقل إلى جربة بتونس وبقي متعلِّما فيها مُدَّة طويلة، رجع إلى وطنه مدرِّسا ومصلحا اجتماعيًّا، لقي معارضة شديدة، لم تنشر له مؤلَّفات، وتخرَّج عليه من حمل أفكاره ونشرها، توفِّي ودفن ببني يزقن. انظر: محَمَّد علي دبوز: نهضة الجزائر: 1/ 254 - 262. عبد العزيز الثميني: النيل وشفاء العليل، ط 2، المطبعة العَرَبِيَّة، الجزائر، 1967 م، ينظر مُقَدِّمَة المصحِّح عبد الرحمن بكلِّي: 1/ 12.
(3) عبد العزيز الثميني بن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الله: توفّي سنة 1130 هـ أصله من بني يزقن، انتقل مع والده إلى وارجلان، وتعلَّم بها و عمل في تجارة أبيه، ثُمَّ تركها ليلتحق بمدرسة أبي زكريا يحي بن صالح فكان من أبرز تلاميذه، ترأَّس مجلس العزَّابة ثُمَّ مجالس وادي ميزاب عَامَّة، أصبحت كتبه معتمد الإِبَاضِيَّة وخاصَّة “كتاب النيل وشفاء العليل”، و“معالم الدين”، و“التكميل لما أخلَّ به كتاب النيل” ... انظر: محَمَّد علي دبُّوز: النهضة: 1/ 263 - 279. عبد العزيز الثميني: النيل: مُقَدِّمَة المصحِّح: 1/ 12 - 14.
(4) محَمَّد علي دبُّوز: النهضة: 1/ 289؛
المؤلِّف: محَمَّد علي دبُّوز: ولد ببريان (1337 هـ/1919 م) تعلَّم بها ثُمَّ بالقرارة وانتقل إلى تونس متعلِّما؛ عاد فدرَّس في معهد الحياة؛ اهتمَّ بتاريخ المغرب والجزائر خاصَّة. له:“تاريخ المغرب الكبير”، “نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة”، “أعلام الإصلاح في الجزائر”؛ توفي في 16 محرَّم 1402 هـ/13 نوفمبر 1981 م؛ انظر: الحاج سعيد يوسف: تاريخ بني مزاب دراسة اجتماعية واقتصاديَّة وسياسيَّة: المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1992 م: 229 - 230. (1/34)
صفحة 35
ناقصة في الجانب العدديِّ من أهل العلم، بقدر ما كانت تتَّسم بطغيان سلطة غير العلماء، واضطهادهم، إذ رغم جهود المصلحين بقي الوضع كما هو مليئا بالقلاقل والجهل والتخلُّف (1).
2 - نسب الشيخ اطفيَّش ومولده
هو الشيخ امحمَّد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى بن إسماعيل اطفيَّش، هذا ما ذكره بنفسه مرَّات متعدِّدة (2)، ومنه نقل من ترجم له أو كتب عنه (3) وينتهي نسب الشيخ إلى الحفصيِّين العائلة المالكة بالمغرب (625 - 983 هـ/ 1229 - 1574 م)، ثُمَّ يصله إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب t (4) ؛ ولا نستطيع أن نجزم بصحَّة النسب إلى عمر بن الخطَّاب t لعدم توفُّر الأَدِلَّة الواضحة في تسلسل هذا النسب، ولطول الأمد بين عصر الراشدين وعصر الشيخ وكذا بُعد الشقَّة، كما لا يمكن الجزم بعدمه لكن يبقى السؤال: هل ينتهي نسبه حقيقة إلى بني عديٍّ بالجزيرة العَرَبِيَّة؟ فالبعض ينتهون به إلى الحفصيِّين الهنتاتيِّين فقط، إِلاَّ أنَّه يؤكِّد بنفسه الانتهاء إلى بني عديٍّ؛ ولا يكون في هذا إِلاَّ سائرا على منهجه في الرسالة الشافية التي حاول فيها إثبات النسب العربيِّ لكثير من العشائر بوادي ميزاب، ومنها عائلته وعشيرته، وَلَعلَّهُ تابع في ذلك ابن خلدون حين نقل نسب
__________
(1) يحي بكُّوش: شرح النيل دائرة معارف إسلاميَّة، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1984 م: 22.
(2) - قصيدة المعجزات، (خ) مكتبة الاستقامة، بني يزقن، (ف:11): 30 - 31. - الرسالة الشافية، ط 2، د. م. 1326 هـ: 122.
(3) - الذهب الخالص: ط 2، مطبعة البعث، قسنطينة، 1980 م: انظر مُقَدِّمَة أبي إسحاق للكتاب. محَمَّد علي دبُّوز: نهضة: 1/ 290.
(4) - قصيدة المعجزات: 30، 31؛ - تلقين التالي لآيات المتعالي، (خ) مكتبة الاستقامة (جـ - 67): و:23. (1/35)
صفحة 36
الحفصيِّين إلى بني عديٍّ أيضا (1).
وتُلقَّب أسرته بلقب «اطفيَّش»، وهو في لغة ميزاب بمعنى: «خُذْ تَعَالَ كُلْ» من ثلاثة مقاطع بهذا الترتيب، وربَّما هو «كناية عن الكرم والجود» (2) في هذه العائلة. أَمَّا نسبه من جهة أمِّه فَإِنَّهَا السيِّدة مَامَّه سَتيِّ بنت الحاج سعيد بن عَدُّون بن يوسف بن قاسم بن عمر بن موسى بن يَدَّرْ من عشيرة آل يَدَّرْ ببني يزقن (3).
واشتهر الشيخ اطفيَّش عند الإِبَاضِيَّة بلقب «القطب» (4) حتّى أصبح لقبا مقصورا عليه، وليس لهذا اللقب معنى من معاني رتب المتصوِّفة، ولكن يَدُلُّ على مكانة الشيخ وعلى كونه مرجعا للإباضيَّة في وقته وما زال.
أَمَّا عن تاريخ مولد الشيخ فإنَّ بعض المصادر تشير إلى أنَّه كان سنة 1236 هـ (5)، ومصادر أخرى تحدِّده بسنة 1237 هـ (6)، وإذا رجعنا إلى الشيخ اطفيَّش
__________
(1) ابن خلدون: تاريخ العلاَّمة ابن خلدون، دار الكتاب اللبناني، ط 3، بيروت، 1979 م: 12/ 578.
(2) يحي بوتردين: الشيخ اطفيَّش ومذهبه في التفسير: 36.
(3) - تيسير التفسير: ط 1 قديمة، الجزائر، 1326 هـ: 6/ 580. إبراهيم حفَّار: السلاسل الذهبيَّة في الشمائل الطفيشيَّة، (خ) مكتبة الأستاذ الحاج سعيد محَمَّد، غرداية، (126): 15؛ محَمَّد علي دبُّوز: نهضة: 1/ 295؛
بني يزقن: إحدى قرى وادي ميزاب وهي الخامسة نشأت سنة 720 هـ/1321 م؛ وتسمى آت يزجن عند أهلها، أصلها حي تافلالت ثم انضم إليها أحياء مجاورة؛ انظر: الحاج سعيد يوسف: تاريخ بني مزاب: 22.
(4) محَمَّد علي دبُّوز: نهضة: 1/ 290. يحي بوتردين: الشيخ اطفيَّش ومذهبه في التفسير: 36.
(5) - الذهب الخالص: مُقَدِّمة أبي إسحاق: ب. أبو اليقظان إبراهيم: ملحق سير الشَّمَّاخِي: (خ) مكتبة د. محَمَّد ناصر: 153. محَمَّد علي دبُّوز: نهضة: 1/ 290.
(6) إبراهيم حفَّار: السلاسل الذهبيَّة: 6. (1/36)
صفحة 37
نفسه نجده يقول إنَّ عمره سنة 1267 هـ هو نيِّف وعشرون سنة (1)، فأبعد احتمال لسنة ميلاده يكون بتاريخ سنة 1238 هـ إذا كان عمره آنذاك تسعة وعشرين عاما، لذا يمكن اعتبار ميلاده هو سنة 1238 هـ/1821 م لا قبل هذا التاريخ. وفي تحديد مكان ميلاد الشيخ نجد المراجع تذكر أنَّه كان ببلدة بني يزقن نقلا عن أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش (2)، بينما الصحيح أنَّ ميلاده كان ببلدة غرداية كما تذكره بعض المصادر (3) ويصرِّح به الشيخ اطفيَّش نفسه حين يشرح معنى لفظ «مسقط الرأس» ويقول: «أي موضع السقوط نحو: غارداية مسقط رأسي، أي موضع ولدت فيه وسقط فيه رأسي من بطن أمِّي، غفر الله لها» (4). ومع هذا فإنَّ الشيخ ينسب نفسه إلى بني يزقن ويسمِّيها بلده (5)، باعتبار أصوله ونسبه في هذه البلدة وَأَمَّا ذهاب أهله إلى غرداية فكان عرضا مؤقَّتا، كما سيتَّضح عند الحديث عن ظروف نشأته.
3 - نشأته ووفاته
عاش الشيخ اطفيَّش السنوات الأربع الأولى من عمره بمدينة غرداية (6)، لأَنَّهُ ولد في الفترة التي نفي فيها أبوه من بني يزقن بسبب خلافه مع وجهاء البلدة حول قضايا
__________
(1) - شرح شرح الاستعارات، (خ) مكتبة القطب (ا - س:1): و: 238.
(2) - الذهب الخالص: مُقَدِّمَة أبي إسحاق، ب. انظر ترجمة أبي إسحاق في عنوان: “تلاميذ الشيخ اطفيَّش” من المبحث الثاني. محَمَّد علي دبُّوز: نهضة: 1/ 290.
(3) إبراهيم حفَّار: السلاسل الذهبيَّة: 36. أبواليقظان، ملحق السير: 153.
(4) - شرح لامية الأفعال، مطابع سجل العرب، نشر وزارة التراث، عمان، 1407 هـ/1986 م: 4/ 437.
(5) - شرح القلصادي، (خ) مكتبة الاستقامة (71): 02. شرح كتاب النيل، ط 3، دار الفتح، بيروت ومكتبة الإرشاد جدَّة، 1985 م: 9/ 352، 553.
(6) إبراهيم حفَّار: السلاسل الذهبيَّة: 36. أبواليقظان: ملحق السير: 153. (1/37)
صفحة 38
الإصلاح الاجتماعيِّ (1). وكان له من الإخوة ثلاثة أشقَّاء وهم (2): عيسى وهو الأكبر وقد توفِّي سنة 1241 هـ بالجزائر، موسى الذي كان كثير الأسفار في طلب الرزق وتحمّل مهمَّة النفقة على العائلة بعد وفاة والده، وأخوه الحاج إبراهيم وقد كان عالما (3).
وبعد رجوع العائلة من غرداية إلى بني يزقن توفِّي الوالد فعاش الشيخ يتيما تحت رعاية أمِّه وإخوته وكفالتهم، وكان لأمِّه الأثر البالغ في تربيته وتكوينه وتعليمه (4)؛ وقد عانى مع عائلته الفقر وشظف العيش؛ وهذا ما نجده في ثنايا كتبه ورسائله، خاصَّة تلك التي بعث بها إلى العمانيِّين حَتَّى أصبح يتحرَّج من نفقات المراسلات التي يبعث بها إليهم، ولم يكن يجد ما يستنسخ به كتبه، وهذا ما يفسِّر لنا جانبا من ضياع تراثه؛ إذ لم يكن يعدِّد نسخ الكتاب الواحد فأصبح عرضة للضياع، وكان العمانيُّون يودُّون زيارته لَكِنَّهُ لا يبدي رغبته في ذلك، بل يودُّ لو صرفهم عن الزيارة لقلَّة إعانة الناس له على تحمُّل نفقات تلاميذه الوافدين من خارج ميزاب (5) والراجح أنَّ هذه الحال كانت في بداية عهده ثُمَّ لم تلبث أن تحسَّنت. ولم يشتغل طول حياته بغير التعليم، سوى الفترة القصيرة التي تولىَّ فيها القضاء فوجده يشغله عن التدريس والتأليف فتركه، وذلك قبل سنة 1853 م (6).
__________
(1) إبراهيم حفَّار: السلاسل الذهبيَّة: 36. محَمَّد علي دبُّوز: نهضة: 1/ 292.
(2) إبراهيم حفَّار: السلاسل الذهبيَّة: 19.
(3) انظر ترجمته في عنوان: مصادر ثقافته، ص 46.
(4) أبو اليقظان: ملحق السير: 153. محَمَّد علي دبُّوز: نهضة: 1/ 295.
(5) - التيسير: ط 1، 6/ 49؛ ط 2، البابي الحلبي، مصر، نشر وزارة التراث، عمان، 1986 م: 10/ 356 - 357. - كشف الكرب، المطبعة الوطنيَّة، نشر وزارة التراث، عمان 1405 هـ/1985 م: 1/ 11. - مجموع رسائل، (خ) مكتبة القطب، (أ. ز:6): 151. إبراهيم حفَّار: السلاسل الذهبيَّة: 41.
(6) المصدر نفسه: 44. أبو اليقظان: ملحق السير: 157. (1/38)
صفحة 39
ومن المحن التي تعرَّض لها الشيخ اطفيَّش في حياته أنَّه نفي من بلدته بني يزقن فسكن البلدة المجاورة: بنورة، وكان في فترة النفي يواصل التدريس والتأليف أيضا (1)، ويظهر أنَّ هذا النفي هي «الغربة» التي ذكرها في كتابه “شرح شرح الاستعارات” إذ قال فيه: «فقد ألقت إليَّ الغربة صداها أن أضع على شرح الاستعارات لعصام الدين شرحا ... » (2)، وكان سبب هذا النفي محاولة الشيخ اطفيَّش استعجال إصلاح بعض الأوضاع وتغييرها، وقد كان في أَوَّل عهده بالعمل الاجتماعيِّ، ولم يعتبر أنَّ تمكُّن هذه الأوضاع في الناس يستدعي التدرُّج معهم، ومن جهة أخرى بدأ الشيخ يكتسب أنصارا من تلاميذه مِمَّا جعل معارضيه يكيدون له (3)، حتّى نفوه من بلدته، وقد بقي في المنفى حوالي سبع سنين ثُمَّ رجع إلى بلدته وأقام فيها ولم يغادرها إِلاَّ قليلا، حَتَّى وافته المنيَّة رحمه الله يوم السبت 23 ربيع الثاني سنة 1332 هـ الموافق لشهر مارس سنة 1914 م، وتوفِّي بعد مرض ألمَّ به ثمانية أَيَّام (4). ويرى البعض أنَّه توفِّي متأثِّرا بسمٍّ مِن وضع الاستعمار الفرنسيِّ كما يقول ذلك الشيخ حمُّو عيسى النوري (5) ناقلا عَمَّن سمع عن أبي إسحاق في أحد دروسه بمسجد بني يزقن، لكن لم نجد من يذكر هذا عند غيره،
__________
(1) إبراهيم حفَّار: السلاسل الذهبيَّة 26 - 27.
(2) - شرح شرح الاستعارات: و: 02.
(3) محَمَّد علي دبُّوز: نهضة: 1/ 336 - 338.
(4) إبراهيم حفَّار: السلاسل الذهبيَّة: 07. أبو اليقظان: ملحق السير: 196. ولا يختلف هذان المصدران إِلاَّ في اليوم 22 أو 23 من ربيع الثاني.
(5) حمُّو عيسى النوري: نبذة من تاريخ الميزابيِّين: 1/ 326. وَمِمَّن نفى هذا السبب بعض المشايخ الذين التقينا بهم مثل: الشيخ إبراهيم طلاَّي من بني يزقن، الشيخ الحاج محَمَّد مطهري من مدينة مليكة - غرداية، ونرى أن النفي أقرب إلى الواقع لعدم قوة إثبات غيره، وناقل رواية التسميم يذكر أنَّ أبا إسحاق إبراهيم اطفيَّش ظنَّ ذلك ولم يكن متأكِّدا منه.
والمؤلِّف: حمُّو عيسى النوري من بلدة بنورة شارك في ثورة التحرير، اهتمَّ بالتاريخ وكتب فيه، وله شعر ما زال مخطوطا، توفّي سنة 1992 م. (1/39)
صفحة 40
ونفاه آخرون نظرا لكون الشيخ عاش عمرا يحتمل أن يتوفَّى بعده وفاة عادية ــ ستٌّ وتسعون سنة ــ ولو أراد الاستعمار ذلك لفعله قبل هذه السنِّ لَمَّا كان الشيخ في شبابه وفي قوَّة المعارضة.
4 - أسفاره ورحلاته
أسفار الشيخ اطفيَّش قليلة جدًّا، تمثَّلت في بعض التنقُّلات بين قرى وادي ميزاب ثُمَّ وارجلان (1)، ولم يخرج من هذا المحيط إِلاَّ مرَّتين إلى الحجاز؛ وقلَّة رحلات الشيخ تَدُلُّ على مدى تأثير الأوضاع فيه، كاشتغاله معظم الوقت بالتدريس ومنذ وقت مبكِّر من عمره (2)، فألزم نفسه تعليم الناس في عهدٍ هُمْ في أشدِّ الحاجة إليه، مِمَّا يمنعه من كثرة الحركة، والتغيُّب عن تلاميذه، ولكن يبقى السبب الأقوى هو التضييق الاستعماريُّ عليه وتقييد حركاته وأعماله، فأصبح لا ينتقل إِلاَّ برخصة يتلقَّاها من القائد العسكريِّ، وقد اتَّخَذَ ذرائع ومبرِّرات تُسوِّغ له السفر كلَّ مرَّة إلى بلدة برِّيان (3)، فاشترى بستانا بهذه البلدة جعل تعهُّده سببا للسفر وطلب الرخص، وخصَّص وقتا في الخريف وآخر في الربيع يذهب فيهما كلَّ سنة إلى بلدة برِّيان وقد يتمكَّن أحيانا من الحصول على رخصة أخرى للذهاب إلى مدينة القرارة (4)؛ ويصف الأستاذ محَمَّد علي
__________
(1) وارجلان مدينة بالجنوب الشرقيِّ الجزائريِّ، وهي عاصمة ولاية ورقلة حاليا، وكانت منذ القديم حاضرة وملتقى طرق القوافل بين الجنوب والشمال، ازدهرت بالعلم وعرفت كثيرا من العلماء أمثال: أبي يعقوب الوارجلاني، وأبي عمَّار عبد الكافي.
(2) بكير أوعوشت: قطب الأئمة: 113.
(3) برِّيان: مدينة تبعد عن غرداية بنحو أربعين كلم شمالا، تأسَّست في بداية القرن الثاني عشر.
(4) القرارة: مدينة تبعد عن غرداية بنحو 120 كلم شمال شرق غرداية تأسَّست خلال القرن الحادي عشر الهجري. (1/40)
صفحة 41
دبُّوز (1) كيف كان أهل هاتين البلدتين يحتفون بزيارات الشيخ حَتَّى تتحوَّل أَيَّامها إلى أعياد، يقضي فيها الشيخ وقته بين وعظ وإرشاد وتدريس، وتعهُّد لأحوال الناس والإجابة عن استفتاءاتهم، وكذلك كانت حاله عندما سافر إلى وارجلان سنة 1912 م وقد بقي فيها أسبوعين (2)؛ وأيضا لَمَّا نزل جزيرة جربة وهو في طريقه إلى الحجاز سنة 1303 هـ /1886 م (3).
أَمَّا أهمُّ رحلات الشيخ اطفيَّش فهما الرحلتان الحجازيَّتان، وقد ذكرهما كثيرا في مؤلَّفاته، وكانت الأولى منهما في العقد الأخير من القرن الثالث عشر الهجريِّ حوالي سنة 1290 هـ، وهي التي تردَّد ذكرها كثيرا في مؤلَّفاته، كما ذكر الذين التقى بهم من علماء مَكَّة والمدينة (4)؛ وكانت الثانية سنة 1303 هـ/1886 م، وسجَّل مراحلها ووصفها في قصيدته الحجازيَّة ورسم طريقها وأهمَّ المدن التي توقَّف فيها (5)؛ واجتمع في بعضها بالإباضيَّة والمزابيِّين (6)، وذكر ما اقتنى أثناءها من الكتب، وكان رجوعه منها مع بداية سنة 1304 هـ (7).
__________
(1) محَمَّد علي دبُّوز: نهضة: 1/ 340، 341، 350.
(2) إبراهيم بابزيز: كلمة ألقاها في مهرجان القطب عن رحلة الشيخ اطفيَّش إلى وارجلان، انظر أعمال المهرجان.
(3) سالم بن يعقوب: حظُّ جربة من تعاليم القطب: محاضرة مرقونة: 03.
(4) - شرح لامية ابن النضر، (خ) مكتبة القطب (أ-ث:1): 934. - الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ط 1، د. م، 1326 هـ: 240.
(5) - القصيدة الحجازية، (خ) ضمن مجموع قصائد وأجوبة، مكتبة القطب، (أ. ز 7).
(6) - حاشية القناطر، (خ) مكتبة القطب، (أ. و: 5): 1/ و: 252. تفسير ألغاز، ط 1، د. م، 1306 هـ: 11، 12. سالم بن يعقوب: حظُّ جربة من تعاليم القطب: 03.
(7) - رسالة إلى الوالي العام الفرنسيِّ بالجزائر، مؤرَّخة في ربيع الأَوَّل 1304 هـ بقسنطينة، محفوظة في أرشيف أكس أون بروفنس فرنسا تحت رقم 1422 H. (1/41)
صفحة 42
5 - جهوده في الإصلاح الاجتماعي
جاء الشيخ اطفيَّش في وقت وفي ظروف كان فيها المجتمع في أشدِّ الحاجة إلى مصلح يواصل الجهود التي بدأها الشيخ يحي بن صالح أبو زكرياء، والشيخ عبد العزيز الثمينيُّ، حَتَّى تؤتي تلك الأعمال ثمارها، أو تزداد قوَّة ولا تضعف ولا تذهب تلك الجهود سدى، فأصبح الإصلاح الاجتماعيُّ واجبا أمام الشيخ اطفيَّش، وقد أدرك ذلك فقضى عمره في خدمة هذا المجتمع، ولم تثنه الصعاب التي اعترضت سبيله، ورأى أنَّ أهمَّ سبب في تدهور حال المجتمع هو الجهل وطغيان التقليد عن غير علم؛ فاتَّجه إلى تصحيح كثير من الاعتقادات والمفاهيم حَتَّى يعود الناس إلى السبيل الأقوم ويتركوا ما كانوا فيه من سوء الحال والبدع المذمومة (1).
و يَعتبر الشيخ اطفيَّش الإصلاح الاجتماعيَّ من الاهتمام بأمور المسلمين فهو واجب وأولى من غيره ومن بقاء الإنسان منفردا وإن كان يجد فيه صعابا وآلاما إذ من طبيعة الناس أَنَّهُم لا يتقبَّلون التغيير بسهولة؛ والقيام بالإصلاح مع هذه العراقيل يكسب الإنسان راحة وطمأنينة باعتباره أَدَّى واجبا وسدَّ ثغرة في المجتمع، ويقوَى هذا
__________
(1) يقول الشيخ اطفيَّش عن البدعة: «وَسمِّيَت البدعة لأَنَّهُ لم يسبق إليها، والبدعة التي تميت الدين أو تضعفه مردودة [ ... ] وَأَمَّا البدعة التي تقيم الحقَّ أو تعينه فحقٌّ، مثل كتابة العلوم بالقالب». فالبدعة في ذاتها كلُّ جديد فما كان مؤيِّدا للشرع معينا على نشره كان محمودا مقبولا وَأَمَّا غيره فهو المردود المذموم. وهذا الرأي من الشيخ يظهر مدى اهتمامه بالمقصد الشرعيِّ من حفظ الدين، وابتعاده من الجمود على شكليات الأمور والاهتمام بمجرَّد مظاهرها، ولا شكَّ أَنَّ الشيخ أراد بهذا أن يفتح مجالا واسعا للمسلم ينطلق فيه للعمل والإبداع دون أن يحيد عن المنهج القويم. انظر: - الذخر الأسنى: 239، 240 والمقصود بالقالب في النص: الطباعة. (1/42)
صفحة 43
الشعور بقدر إخلاصه لله تعالى وإيمانه بما يقوم به، ونجد هذه الاعتبارات تصدر من الشيخ اطفيَّش وهو يسدي نصحا إلى بعض من راسلوه وسألوه في هذا الموضوع فقال: «وَمِمَّا سألتما عنه: الاشتغال بأمر المسلمين، اعلما أنَّه أولى من الانفراد، لكن مع تحمُّل الأذى ومعالجته، وإذا قوي إخلاصكما سهل عليكما الأذى فتجدان راحة في قلوبكما تصلان معها إلى التعلُّم والتعليم» (1).
ولا يعني الإصلاح الاجتماعيُّ لدى الشيخ الرفض لِكُلِّ موجود، وتغيير كُلِّ شَيء، وهجرة الناس فيما يأتون من تصرُّفات وأعمال، لكن على المصلح أن يراعي مقياسا أيضا مثل الذي يتَّخذه في تحديد البدعة المردودة، فيجاري الناس ويرضى بما يفعلون ما دام موافقا للشرع، ويشاركهم في ذلك أيضا، فإن خالفوا الشرع ولم يسايروا كتابا ولا سنَّة وجب عليه الرفض والسعي لتصحيح ذلك، كما أنَّ عليه أن يبتعد عن الذاتيَّة في هذا العمل الاجتماعيِّ ولا يشرِّع بنفسه ولا يتَّبع هواه في الحكم على الغير، هكذا وضع الشيخ للمصلح طريقه ومنهجه في أحد كتبه التي ذكر فيها تغيير أوضاع الناس وموقف المصلح منها، وقال: «وَإِنَّمَا يتخلَّق الإنسان بأخلاق أهل زمانه فيما لا يخالف السنَّة والقرآن ولا يؤدِّي إلى مخالفتهما ولا يكون تشرُّعا منه» (2)؛ ويوحي هذا الرأي باستفادة الشيخ من المنهج الذي جاء به الإسلام واتبعه الرسول e فلم يكن الإسلام رافضا لِكُلِّ ما كان عليه الناس، ولم يكن مصادما للفطرة الإنسانيَّة السليمة، ولكن جاء مهذِّبا إِيَّاهَا مبصِّرا الناس إلى ما يسعدهم في دنياهم وأخراهم؛ ولم تكن الأخلاق والأعمال الصالحة منعدمة في الجَاهِلِيَّة لذا جاء الرسول e مثبتا للسليم منها ومصحِّحا لغيرها؛ وفي هذا التغيير ينبغي انتهاج سبيل قويم ومنهج سليم أيضا؛
__________
(1) - كشف الكرب: 1/ 106.
(2) - القنوان الدانية في مسألة الديوان العانية، ضمن مجموع خمسة كتب، طبعة قديمة، مصر، 1314 هـ:5. (1/43)
صفحة 44
وَلِكُلِّ مصلح مميِّزاته ومنهجه في الموضوع، ونلاحظ أنَّ الشيخ اطفيَّش قد انتهج طريقتين في تغيير البدع التي وجد الناس عليها ولم يتقيَّد بمنهج واحد، بل كان يرى إلى طبيعة البدعة والوضع الذي يقصد إلى تغييره، فَإِمَّا أن يَتَّخِذ إصلاحه أسلوبا مباشرا ويواجه الناس بالرفض ويدعوهم إلى تغيير سلوك فيهم، وَإِمَّا أن يتدرَّج معهم في التغيير.
وقد استعمل الأسلوب المباشر خاصَّة في بداية عهده بالإصلاح، ومع بعض البدع التي يراها مردودة مصادمة للخلق القويم، أو يكون متأثِّرا فيها باستفزازات المعارضين له، ومن ذلك محاولته إقناع الناس بالرجوع إلى التحيَّة والاستئذان بلفظ «السلام»، فلم يتدرَّج فيها مع الناس مِمَّا أورثه خصوما ومعارضين.
واستعمل الأسلوب الثاني من التدرُّج تجاه بعض البدع الأخرى، فلم يكن يواجه الناس بها بل يكتفي بانتهاز الفرص والمناسبات ليلمِّح إلى تصحيحها أو يذكر مواطن الخطإ والخطر فيها، وقد انتهج هذه السبيل مع بدع وتصرُّفات كانت مسيطرة على الناس، فتشبَّثوا بها واعتبروها عملا حسنا بل لا ينبغي تركه، لذا لم يتسرَّع (1)، أولم ير في بعض هذه البدع ما يستدعي جهدا كبيرا أ وليس على قدر كبير من الخطورة.
وقد تعدَّدت وسائل الشيخ اطفيَّش في نشر إصلاحه، ومن أهمِّها تولِّيه الوعظ والإرشاد، وتدريس الناس؛ فكان يبصِّر الناس ويرشدهم إذا جلس للوعظ في المسجد أو جلس للتدريس، أو التقى بهم في أسفاره وتنقُّلاته (2)، وخصَّص للنساء أوقاتا يستمع فيها إلى أسئلتهنَّ ويرشدهنَّ، سواء كان في بلدته أو ارتحل إلى غيرها، من مدن وادي ميزاب (3). كما كان للتأليف دور في نشر إصلاح الشيخ اطفيَّش حَتَّى غدت كتبه
__________
(1) يحي بكوش: شرح النيل دائرة معارف إسلاميَّة: 34 - 35.
(2) محَمَّد علي دبُّوز: نهضة: 1/ 340، 341، 350.
(3) المرجع نفسه: 1/ 347، 348. (1/44)
صفحة 45
ورسائله وعاء لهذا الإصلاح، تحمل في ثناياها دلالات واضحة على الحال الاجتماعيَّة في عهده.
- نماذج من إصلاحاته وأثرها
تعدَّدت مجالات الإصلاح الذي قام به الشيخ اطفيَّش (1)، وأهمُّها محاولته إصلاح اعتقاد الناس وإبعادهم عن الاعتقادات الفاسدة التي تمكَّنت من قلوبهم فجعلتهم يركنون إلى أنواع من الشعوذة، وتقديس الأماكن، والركون إلى الكسل وانتظار الخوارق، فكان يدعو إلى العمل، وفسَّر لذلك قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} [الشرح:7] وقال: «والآية زاجرة عن البطالة: قال عمر t: “ أكره أن أرى أحدكم لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة”» (2)؛ وقد قضى على صور متعدِّدة من هذا السلوك المعتمد على التواكل، فاختفت أشكال من تقديس المقامات والمزارات في بلدته بني يزقن أو غيرها، وكان يقارن ما يقع فيها بما يقع في مناطق أخرى من البلاد الإِسلاَمِيَّة ويراها باطلا يجب اجتنابه، واجتناب ما يلحق بهذه الزيارات من الاعتقاد في قوَّة الجنِّ وأثرهم، والخوف منهم وتقديم الذبائح ونحرها عند الأضرحة وقبل بداية عملٍ مثل حفر الآبار، وبناء الديار، فَإِنَّهَا مِمَّا يذبح لغير الله تعالى (3)؛ وقد أصلح من سلوك الناس في التحيَّة، إذ استبدلوا بلفظ «السلام» غيره، فاجتهد الشيخ في تربيَّتهم على التحيَّة الإِسلاَمِيَّة، وعلى الاستئذان بها للدخول إلى البيوت والمحالِّ، وخاض من
__________
(1) يحي بوتردين: الشيخ اطفيَّش ومذهبه في التفسير: 47.
(2) - التيسير: ط 1: 6/ 629. ذكر قول عمر بهذا اللفظ عند الألوسي: «إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا .... إلخ». الألوسي: تفسير، دار الفكر، بيروت، 1398 هـ / 1978 م: مج 10: 30/ 220.
(3) - التيسير، ط 1: 6/ 370؛ ط 2: 8/ 416. - شرح عقيدة التوحيد، ط قديمة، 1326 هـ: 34، 35. (1/45)
صفحة 46
أجل ذلك صراعا حَتَّى تمكَّن من إقناعهم بوجوب الأخذ بها وترك غيرها (1).
وقد غيَّر الشيخ وصحَّح بدعا أخرى غير هذه حاول إرجاع الناس بتغييرها إلى الهدي القرآنيِّ والنبويِّ الصافيين من إضافات البشر واستحداثاتهم كاستحداث ركعات خاصَّة لبعض أيَّام من السنة وخاصَّة أيَّام رمضان ولياليه، أو انتخاب آيات من القرآن وتلاوتها كَأَنَّهَا نصٌّ واحد، والبناء على القبور ووضع آنية عليها، فأنكر ذلك واعتبره من البدع التي لا يجد لها سندا من القرآن ولا من السنَّة (2).
لقد كان هذا العمل الإصلاحيُّ شديدا وصعبا على الشيخ اطفيَّش شأنه في ذلك شأن أيِّ نوع من أنواع الإصلاح الأخرى إذ لاقى معارضة قويَّة وطويلة الأمد، وهذا راجع إلى البيئة التي عاشها الشيخ وإلى الظرف الزمانيِّ الذي جاء فيه، فهو ظرف تراكمت فيه مخلَّفات عهود من الركود والجمود، والابتعاد عن معين العقيدة والشريعة الصافي، إضافة إلى يد الاستعمار الذي استغلَّ جهل الناس وأغراهم برفض الإصلاح والتغيير ودفعَهم إلى المعارضة وشجَّعهم عليها، وهذا ما أرهق الشيخ اطفيَّش وشغله عن مواصلة عمله العلميِّ، فأُقحم في قضايا لا علاقة لها بالعلم وببناء المجتمع نتيجة لهذا الوضع، وظهر ذلك في كتبه ورسائله التي بعث بها إلى تلاميذه وأصدقائه يبثُّهم فيها أحزانه وشكواه من أذى الناس واضطهادهم (3)؛ ولم يكتف خصومه بمجرَّد المعارضة والرفض، بل تعدَّوا ذلك إلى نفيه من بلدته سنوات، ثُمَّ محاولة التخلُّص منه بالقتل، كما
__________
(1) - جواب إلى محَمَّد بن عبد الله الخليلي، (خ) مكتبة محَمَّد الحاج سعيد، (141): ظ: 02.
(2) - شرح أصول تيبغورين، (خ) مكتبة القطب، (أ. هـ:4): 448، 562، 563. - حاشية على جواب ابن خلفان، (خ) ضمن مجموع في مكتبة الحاج سعيد محمد، غرداية، (38): 18، 26، 32.
(3) - مجموع قصائد وأجوبة، (خ) مكتبة القطب، (أ. ز 7): 05. - قصائد القطب، (خ) مكتبة الاستقامة، (ف-1): 32. - شرح لامية ابن النضر: 1/ 232. - كشف الكرب: 2/ 55. (1/46)
صفحة 47
يروي ذلك تلميذه أبو اليقظان ويرويه الشيخ محَمَّد علي دبُّوز عن تلميذ الشيخ اطفيَّش: بهون بن إبراهيم فخار (1)؛ ولم يثن ذلك الشيخ اطفيَّش عن عزمه ولم يترك العمل بل بقي ثابتا مستمرًّا فيه إلى آخر أَيَّامه، وقد بدأ بذلك عهدا جديدا في الإصلاح الاجتماعيِّ بوادي ميزاب تميَّز بطول النفس والاستمرار حَتَّى وفاة المصلح أو نجاح رسالته، وهذا ما لم يكن معهودا في بعض المحاولات السابقة التي اعتزل أصحابها الإصلاح الاجتماعيَّ مكتفين بالعمل العلميِّ والتأليف، وأصبح قدوة لمن جاء بعده من تلاميذه وغيرهم من المصلحين الذين انتهجوا هذا الطريق ولم تخر عزائمهم أمام قوَّة الرافضين والمعارضين.
ويمثِّل جهد الشيخ اطفيَّش في الإصلاح الاجتماعيِّ حلقة في النهضة بالمجتمع الإسلاميِّ، والعودة به إلى أصوله العقديَّة الصحيحة المتينة بتصحيح التصوُّرات والحثِّ على العمل، وذلك عن طريق الدعوة والتدريس والتأليف، فكان الأستاذ المربِّي والمنقذ للمجتمع، وبقي هو المرجع الذي يقصد في كثير من القضايا والمسائل، وَلَعَلَّ أهمَّ نتيجة وصل إليها الشيخ اطفيَّش هي تمكُّنه من غرس أفكاره في قلوب أبنائه التلاميذ الذين سعوا بدورهم إلى تجسيد هذه الآراء في الواقع بعد أن مهَّد لهم السبيل (2).
6 - مقاومته للاستعمار
كان الشيخ اطفيَّش مهتمًّا بالواقع السياسيِّ الذي عاشه، متتبِّعا للأحداث، فأورثه هذا حسرة على واقع المسلمين وتذمُّرا من جثوِّ الاستعمار على أراضيهم، فعاش
__________
(1) أبو اليقظان: ملحق السير: 170. محَمَّد على دبُّوز: نهضة: 1/ 331.
بهون بن إبراهيم فخار: من علماء غرداية، تعلم على الشيخ الحاج عمر بن يحي، ثمّ الشيخ اطفيَّش انظر: أبواليقظان: ملحق السير: 361.
(2) يحي بوتردين: الشيخ اطفيَّش ومذهبه في التفسير: 48. (1/47)
صفحة 48
على أمل التخلُّص منه واسترجاع المسلمين لكرامتهم وسيادتهم وسالف مجدهم (1)، وكان موقفه من الظاهرة الاستعماريَّة متميِّزا ينبني على تشخيص الداء للتمكُّن من العلاج؛ فهو يرى أَوَّلاً أنَّ المستعمرين كُفَّار تجب محاربتهم ومقاومتهم (2)، وبعد هذا ينظر إلى حال المسلمين وإلى مسؤوليتهم في الظاهرة، فهل هم حَقًّا مظلومون؟ وباستقراء التاريخ يجد الشيخ أنَّ المجتمع الإسلاميَّ كان سيِّدا، ولم يضعف ويهزم إِلاَّ لَمَّا غيَّر المسلمون ما بأنفسهم فغيَّر الله أحوالهم، فإذا استعمروا فَإِنَّمَا كان هذا بما جنت أيديهم (3)، وَأَوَّلُ أسباب تمكُّن الاستعمار منهم هو تفرُّقهم وتفريطهم في الوحدة، فداهمهم عدوُّهم في عقر دارهم، ثُمَّ لم يتَّعظوا بذلك، فبقوا تحت سيطرته وطال بقاؤه بينهم بسبب كثرة نزاعاتهم فيما بينهم، واتِّساع الخلاف بينهم، والخيانة فيما بينهم واستعانة بعضهم عَلَى بعض بالاستعمار، وسلبيَّتهم وتقاعسهم عن أمر الجماعة وانشغالهم عن أهمِّ الواجبات وهو الجهاد، واشتغالهم بالتعليم والتأليف (4)؛ فحقَّ عليهم حكم الله وسنَّته في أنَّه يسلِّط عذابه على من نسيه ولم ينصر كلمته وانصرف عن الهدى (5)، وهذه الأسباب التي ذكرها الشيخ تجسِّد حقيقة وضع المسلمين ودورهم في الظاهرة الاستعماريَّة، إِلاَّ أنَّ الشيخ لم يوضح كيف كان الانشغال بالتعليم والتأليف من
__________
(1) - هميان الزاد إلى دار المعاد، ط 1، المطبعة السلطانية، زنجبار، 1305 هـ: 13/ 188. وانظر نهاية تفسير كل سورة تجد الشيخ يختم قوله بالدعاء لنصرة المسلمين وإبعاد المستعمرين. كشف الكرب: 2/ 207، 322.
(2) - هميان الزاد، ط 2، مطابع سجل العرب، نشر وزارة التراث القومي، عمان: 1980 م: 5/ 546.
(3) - المصدر نفسه، ط 1: 13/ 202، 203.
(4) - التيسير: ط 2، 4/ 376، 377. انظر: أحمد توفيق المدني: كتاب الجزائر، المطبعة العَرَبِيَّة، الجزائر، 1350 هـ: 124.
(5) - الهميان: 2/ 158. (1/48)
صفحة 49
أسباب السيطرة الاستعماريَّة؛ لأَنَّهُ لو نصر المسلمون العلم الحقيقيَّ لسادوا ولكن انحط فكرهم وانشغلوا بسفاسف الأمور، واكتفوا بالتقليد فلم يستطيعوا النهوض بالمجتمع وتخليصه من الجهل والاستعباد.
فالشيخ اطفيَّش يرى أنَّ البلاد الإِسلاَمِيَّة وقعت في يد الاستعمار بسبب أساسيٍّ هو فساد الأوضاع فيها فسادا يغري أعداءها على الاستيلاء عليها، ويحفِّزهم على البقاء فيها، وهذا الرأي نفسه يظهر عند مفكِّر جزائريٍّ آخر هو مالك بن نبي (1) الذي عرفت عنه نظريَّة القابليَّة للاستعمار وقد عمَّمها على كُلِّ البلاد المستعمرة (2).
هكذا كان تصوُّر الشيخ اطفيَّش لظاهرة الاستعمار، وقد دفعه هذا التصوُّر إلى أن يعيش على أمل التخلُّص من المستعمرين، وأن يفكِّر في المشاركة بما يستطيع لتحقيق هذا الأمل، فجعل الجهاد جزءا من رسالته في الحياة كما يقول:
لَوْلاَ ثَلاَثٌ هُنَّ: تَعْلِيمُ جَاهِلٍ وخِدْمَةُ رَبيِّ وَالجِهَادُ لِذيِ الكُفْرِ
لمَاَ كُنْتُ أَخْشَى المَوْتَ وَالمَوْتُ لاَزِمٌ وَإِلاَّ فَمَا الحَيَاةُ وَالمَرْءُ فيِ قَهْرِ (3)
وهذا الشعور يقتضي منه قيادة ثورة، لكن لم تتح له الظروف لذلك، فقام بمحاولة أولى وقمعها الاستعمار في مهدها لَمَّا دخل أرض وادي ميزاب، وبعدها رجع الشيخ إلى التأليف والتعليم، ويبرِّر ذلك بقوله: «أكبُّ على التأليف إذ لم أجد بِنَا غَازِيًا يوما ولا ما به أغزو» (4)، فقد كان لديه طموح واستعداد، لكن وضعه لم يسعفه إلى
__________
(1) مالك بن نبي: مفكر جزائريٌّ معاصر له عِدَّة مؤلَّفات حول الفكر الإسلاميِّ وأوضاع المسلمين (1323 - 1393 هـ/1905 - 1973 م). انظر: الزركلي: الأعلام: 5/ 266.
(2) مالك بن نبي: شروط النهضة، سلسلة مشكلات الحضارة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986 م: 152 - 155؛.
(3) - قصيدة بدر، (خ) ضمن مجموع، مكتبة الاستقامة، (ف-11): 23.
(4) - التيسير: 4/ 377؛ 5/ 36. (1/49)
صفحة 50
ذلك، فلم يجد عددا ولا عدَّة، كما أنَّ البيئة الصحراويَّة لا تناسب لإقامة
ثورات طويلة النفَس، إضافة إلى إحكام الاستعمار السيطرة عليه
وتقييد حركاته، إِلاَّ أنَّه لم يستسلم، فغيَّر المنهج من المقاومة
المباشرة إلى المقاومة غير المباشرة وهي أطول نفسا وأجدى نفعا
وأبلغ أثرا في الأوضاع التي عاشها، فأعدَّ الرجال الذين تولَّوا
تحقيق الأمل الذي شارك في التخطيط له والاهتمام به.
ولم يكن اهتمام الشيخ بالاستعمار وعملُه على مقاومته مقتصرَيْن على وطنه الجزائر بل كانا بعيديِ الأثر؛ فشملا كلَّ البلاد الإِسلاَمِيَّة، وامتدَّ هذا في الزمان والمكان، فلم يهتمَّ بما أخذ الاستعمار الحديث من أراضي الإسلام فقط، بل أيضا بما كان قديما، فهو يطمح إلى أن تعود الدولة الإِسلاَمِيَّة إلى ما كانت عليه من الاتِّساع فيُسترجع الأندلس المفقود (1). لذا كان يحرِّض تلاميذه، ومن يراسلونه على العمل لهذا الهدف، والمشاركة في كُلِّ ما يحقِّقه، ويمنع من يستفتونه من الهجرة من أوطانهم المستعمرة حَتَّى لا يخلو الجوُّ للمستعمر، ويوصي المسلمين بالإقلال من الملذَّات والنزاعات وبالاهتمام بأمر الإسلام (2). وكان باتِّصال مع أحد قادة الثورة في ليبيا تلميذه سليمان باشا الباروني يؤيِّده بالنصح والدعاء وجمع الأموال التي يتطوَّع بها الناس في الجزائر لتموين المجاهدين (3)، كما تعتبر أعمال تلميذيْه أبي إسحاق اطفيَّش وأبي اليقظان إبراهيم (4) أثرا من تربيته وتوجيهه فحملا أفكاره وعملا بها في مصر وتونس والجزائر.
هذا عن أثر اهتمام الشيخ بالوضع الاستعماريِّ خارج الجزائر، أَمَّا داخلها فقد
__________
(1) - شرح النيل: 15/ 302.
(2) - الهميان، 7 ق، 1/ 291. - التيسير: 8/ 422. - تفسير ألغاز: 51.
(3) محَمَّد علي دبُّوز: نهضة: 1/ 332؛ 12: P. CUPERLY: Aperçus sur l'histoire de l'Ibadisme au M’Zab. رسالة ميتريز مرقونة قدِّمت بالسربون سنة 1971 م.
(4) انظر عنوان: تلاميذه فيه ترجمات لمن ذكروا هنا. (1/50)
صفحة 51
كان له شأن آخر، وَأَوَّلُ ردِّ فعله رفضه لدخول الاستعمار إلى وادي ميزاب سنة 1882 م (1)، فكان يمثِّل العقبة الأولى أمام الحملة الاستعماريَّة، وقد قاد حركة مقاومة سرعان ما استطاع الفرنسيُّون قمعها، واعتقلوا الشيخ حَتَّى لا تتَّسع رقعتها كما حدث في الشمال الجزائريِّ، وليكون ذلك رادعا لغيره (2).
وَلَمَّا أطلق سراحه وضع في إقامة إجباريَّة حَتَّى لا يتحرَّك إِلاَّ في محيط ضيِّق جِدًّا، فلا ينتقل بين مدن ميزاب إِلاَّ برخصة يطلبها من الحاكم في غرداية، وَاتَّخَذَ مبرِّرات شتَّى حَتَّى يسمح له بالذهاب إلى برِّيان والقرارة (3)، وقد تعرَّض الشيخ إلى ما هو أشدُّ من هذا، وتمثَّل في تدخُّل الاستعمار بين الشيخ ومن اختلف معه في الرأي، فكان يثير الفتن ويشجِّع الناس على الخوض فيها، وقد أُرهق الشيخ بذلك، فانساق وراء قضايا تافهة، وخصوم لا سبيل إلى إقناعهم، حَتَّى وصف إحدى هذه المحن بقوله: «أظنُّ أنَّ الشيطان قد دخل فيها بنفسه» (4)، وَلَمَّا يئس من هذه المقاومة التجأ إلى منهج آخر يتَّسم بالرفض القاطع للاستعمار ولِما يأتي منه؛ فحوَّل بيته إلى معهد لتكوين جيل من التلاميذ يحملون هذه الروح، ومجتمع محصَّن ضِدَّ مكايد الاستعمار المتعدِّدة في الفكر والعقائد وسائر مناحي الحياة، وسخَّر التأليف لهذا الغرض (5)، وكان من نتائج ذلك في عهده تمكُّنه من انتزاع حقِّ تولية القضاة بوادي ميزاب، لَمَّا أعلن أنَّ القضاة الذين تولِّيهم
__________
(1) انظر ما سبق عنوان: أوضاع وادي ميزاب، ص 17.
(2) محَمَّد علي دبُّوز: نهضة: 1/ 331؛ علي يحي معمَّر: الإِبَاضِيَّة في موكب التاريخ الحلقة الرابعة: ط 2، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1986 م: 2/ 473، 556.
(3) الحاج سعيد يوسف: تاريخ بني مزاب: 136. انظر: عنوان «أسفاره» فيما سبق، ص 28.
(4) - خطبتا العيدين، (خ) مكتبة القطب، (أ. ز: 03): 45.
(5) عبد القادر جغلول: الاستعمار والصراعات الثَّقَافِيَّة في الجزائر، ترجمة سليم قسطون، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، د. ت: 12. (1/51)
صفحة 52
الإدارة الاستعماريَّة لا تعتبر أحكامهم شرعيَّة إِلاَّ في الضرورة، فأصبح القضاة من تلاميذه الذين تربَّوا على يديه (1).
كما واجه الاستعمار برسائله الاحتجاجيَّة ومطالبته بحقوق المواطنين، ومنع الظلم والتعسُّف، مثل طلب فتح طريق الحجِّ، وتحريم المكس المفروض على التجَّار في الأسواق، وتخفيض الغرامة المفروضة على الناس ... إلخ وقد تنوَّعت أساليب هذه المراسلات بين الاحتجاج والاستنكار أحيانا، والسخريَّة أحيانا أخرى (2).
ومع هذه الجهود التي أبداها الشيخ اطفيَّش في مواجهة الاستعمار نجده قد رسم السبيل والمنهج المؤدِّي إلى التخلُّص من المستعمرين، وهو منهج ينبني على تصوُّره للظاهرة، فأوَّل خطواته الرجوع إلى العقيدة والإخلاص لله تعالى، لأَنَّهُ لا ينصر إِلاَّ من نصره، ثُمَّ الاتِّحاد والحفاظ على الوحدة وجمع الكلمة والتآلف والشعور بالمسؤوليَّة، ولذا فإنَّ المجتمع يتحمَّل نتيجة كُلِّ ما ضاع بسبب التفرقة، ويقول في هذا: «قلت إذا لم يتآلف المؤمنون عوقبوا بِكُلِّ ما ضاع من أمر الدين والدنيا بعدم الألفة بينهم» (3)؛ والخطوة الأخرى هي اليقظة والإعراض عن السفاسف والاشتغال بها، حيث قال عن ذلك مرشدا بعض مراسليه: «لعلّ الله يرحمكم بأن يوقظكم لطرح ما لا يعني ولتقليل الشهوات والباطلات وللاشتغال بالمحافظة على برِّ الإسلام» (4).
ثمّ تأتي الخطوة الأخيرة وهي الأخذ بأسباب القوَّة العِلمِيَّة وَالمَادِّيَّة لمواجهة العدوِّ
__________
(1) - أرجوزة الأحكام، (خ) ضمن مجموع، مكتبة القطب (أ. ز: 7): 47. عبد الرحمن بكلي: محاضرة في مهرجان القطب، أعمال المهرجان: 06.
(2) - الذهب الخالص: مقدِّمة أبي إسحاق: و. د. محَمَّد ناصر: الشيخ إبراهيم القرادي، 232. P. CUPERLY: Aperçus , 12.
(3) - شرح المخمَّسة، (خ) مكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي، بني يزقن، (د. ر): و: 56.
(4) - تفسير ألغاز: 51. (1/52)
صفحة 53
مواجهة الندِّ للندِّ، كما أمر الله تعالى، وقد قال الشيخ عن ذلك: «والآن يجب على عامَّة الموحِّدين، ولا سيما السلاطين وأتباعهم أن يستعدُّوا بالرصاص والبارود والمدافع، ويتعلَّموا ذلك تعلُّما كلِّيًّا محقَّقا ويعلِّموه الأجناد لَعَلَّهُم يزيلون بعض غلبة أهل الشرك، والآية (1) شاملة لهذا بالمعنى والإلحاق والقياس وكأنَّها نصٌّ فيه» (2).
فهذا المنهج نابع عن تفكير عميق في واقع المسلمين، ويحاول تغييره من الجذور لأَنَّ الداء متأصِّل فيه، فكان أعظم جانب من المنهج يتعلَّق بتغيير داخليٍّ في المجتمع الإسلاميِّ، كما يَدُلُّ على أصالة الفكر الإسلاميِّ عند الشيخ؛ فهو يرى الحلَّ في الرجوع إلى الدين الحقِّ، وَأَنَّهُ لا يكون في غير هذا المصدر؛ وقد بقي التفكير في التحرُّر من الاستعمار ملازما للشيخ اطفيَّش إلى آخر حياته ولم يحظ بتحققه، وشغله ذلك كثيرا، وعاش بين أمل في وقوع هذا النصر وبين يأس منه، فإذا نظر في حال البلاد المستعمرة يئس من استقلالها واستبعده وقال لن تستقلَّ حَتَّى ينزل المسيح u؛ ما دام المسلمون لم يغيِّروا ما بهم ويعقدوا العزم على الجهاد (3)؛ وَلَكِنَّهُ يتفاءل أحيانا ويتنبَّأ بقرب خروج الاستعمار من الجزائر (4)، مِمَّا يَدُلُّ على انشغال الشيخ اطفيَّش بالموضوع، وأمله في أن يتحرَّر المسلمون من مستعمريهم.
__________
(1) أراد قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ... } [الأنفال: 60].
(2) - التيسير: 4/ 395.
(3) - الهميان: 9 ق 2/ 300.
(4) - قصيدة بائيَّة، ضمن مجموع قصائد، (خ) مكتبة القطب، (أ. ز 7): 07. (1/53)
صفحة 54
المبحث الثاني
حياته العِلمِيَّة
1 - مصادر ثقافته
ما تزال حياة الشيخ اطفيَّش العلميّة موضوع الدراسة والعناية من الباحثين، فهي الجانب الأهمُّ، والواجهة الحقيقيَّة لتميّز الشيخ واشتهاره، وقد حملت خصائص متعدّدة، يمكن إدراكها عن طريق معرفة مصادر ثقافته، وعمله في التدريس والتأليف، وسنبدأ ببحث مصادر ثقافته وتكوينه؛ وقد تعدّدت وتنوّعت، منها ما يعود إلى نسبه، ومنها ما كان بالتردّد على بعض المشايخ، ومنها ما كان بجهد الشيخ اطفيَّش الذاتيّ.
ا - أثر عائلته*نسبه* وبيته فيه:
لنسب الشيخ اطفيَّش من أبيه وأمِّه أثر واضح في تكوينه وبناء شخصيّته، إذ أحيط بجملة من العلماء والشخصيّات التي كان لها دور كبير في المجتمع، فهو يذكرهم مرارا مفتخرا بهم، وذاكرا فضلهم عليه، وتأثُّره بهم ومحاولته الاقتداء بهم.
فمن جهة نسبه من أبيه نجد والده السيد الحاج يوسف رجلا اجتماعيّا، مهتمًّا بالإصلاح والتغيير، حَتَّى نفي بسبب ذلك من بلدته، ووُلد ابنه ليعيش أوّل أَيَّامه مع أبيه في غير بلدته ثُمَّ يعود إليها، ولا شَكَّ أنَّ لهذه الحادثة أثرًا على الابن، تجعله يتصوَّر ويدرك المحيط الذي جاء إليه، وقد تعرَّض لهذه الوضعية نفسها لَمَّا ابتدأ العمل في الإصلاح الاجتماعيِّ فلم ينزوِ بسبب النفي ولم يترك الهدف الذي رسمه لنفسه؛ وَمِمَّا شجَّعه أكثر على تلقِّي العلم والتطلُّع إلى النبوغ ما روي له أنَّ أباه رأى حلما فيه بشرى (1/54)
صفحة 55
بولادة رجل علم من صلبه يجدِّد الدين ويحييه ()، فعمل الشيخ على تحقيق هذه الرؤيا وجعلها صادقة في الواقع.
كما كان لأخيه العالم الحاج إبراهيم دور في تعليمه، فهو أستاذه في كثير من العلوم التي أخذها وهو في أَوَّل عهده بالتعلُّم (1).
وبعد هاتين الشخصيتين نجد بعضا من أجداده وأعمامه مثل عمّه صالح بن عيسى، الذي وصفه بِأَنَّهُ كان: «رجلا صالحا فقيرا متعفّفا مجوّدا للقرآن حسن الصوت جِدًّا رحمه الله» (2). وعمّه عبد الله بن عيسى الذي كان شيخا عالما انتقل إلى مصر، وجلب منها كتبا انتفع بها الشيخ اطفيَّش (3)؛ ومن أجداده الشيخ عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز (4)، وجدّه الأعلى محمَّد بن عبد العزيز الذي أسندت إليه رئاسة مجلس العزَّابة، وجرى عليه نسب الدين (5)؛ وقد سمّيت إحدى مقابر بني يزقن باسمه (6) تخليدا لذكراه.
أَمَّا من جهة أمّه فقد كانت أيضا من بيت علم، فأخوها عمر بن الحاج سعيد من العلماء الذين تولّوا الفتوى حَتَّى سمِّي بـ «عُمَرْ نَتْمُوسْنيِ» (أي عمر الفتوى) (7)،
__________
(1) انظر: عنوان: مشايخه، ص 44.
(2) - التيسير: ط 1: 6/ 580.
(3) - الرسالة الشافية: 48؛ محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 292.
(4) عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز: من العلماء تعلَّم على أبيه وتأثَّر به في الإصلاح؛ انظر: محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 391.
(5) نسب الدين: مصطلح عند الإباضيّة يَدُلُّ على سلسلة رجال سند رواية الشرع والعقيدة في كل عصر إلى الرسول e.
(6) وهي المقبرة المسماة: «مقبرة الشيخ بامحمد»؛ انظر: - التيسير: ط 1: 6/ 651؛ محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 291.
(7) المرجع نفسه: 1/ 296. (1/55)
صفحة 56
وعمّها هو الشيخ الحاج يوسف بن حمو عالم، صاحب تأليف من تلاميذ الشيخ أبي زكرياء يحي بن صالح الأفضليِّ (1)، وقد أجازه، وترك مؤلفات منها: ترتيب لقط أبي عزيز، وشرح بعض ديوان الدعائم (2)؛ وكان جدُّ أمِّه عدون بن يوسف معاصرا للشيخ عبد العزيز الثميني مناصرا له في نهضته وحركته الإصلاحيَّة (3)، لقد كان هذا النسب زاخرا برجال العلم مِمَّا جعل الشيخ يقتدي بهم، ويسير على هداهم ويعمل على مواصلة مسيرتهم.
ب - مشايخه
لا تذكر المصادر إِلاَّ بعض الذين درس عندهم الشيخ اطفيَّش وأخذ عنهم بعض العلوم، ولا نعلم على من ابتدأ التعلّم، سوى أَنَّهُ ابتدأ مثل غيره بحفظ القرآن الكريم لَمَّا أرسلته أمُّه إلى الكتَّاب، وبعد أن حفظه وعمره ثماني سنوات (4)، أصبح مؤهَّلا لمتابعة الدراسة عند تلاميذ الشيخ عبد العزيز الثميني: أمثال الشيخ محمَّد بن عيسى ازبار (5)، والشيخ عمر بن سليمان (6)، والشيخ سعيد بن يوسف (7)؛ والشيخ الحاج سليمان بن
__________
(1) - انظر ترجمته فيِ الهامش 17 من المبحث الأَوَّل من هَذَا الفصل، ص 22.
(2) -تحفة الحِبِّ في أصل الطبِّ: ط 2 مطبعة عمان، نشر وزارة التراث، عمان: 1405 هـ/1985 م: 125؛ محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 296.
(3) المرجع نفسه.
(4) أبو اليقظان: ملحق السير: 155؛ محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 299.
(5) الشيخ محمَّد عيسى ازبار: عالم من بني يزقن تلميذ الشيخ عبد العزيز الثميني، سافر إلى عمان ومصر ثم رجع مدرسا وواعظا، ترأس حلقة العزّابة ببني يزقن، ثُمَّ حلقات وادي ميزاب، وكان خطيبا من المصلحين وقد تردَّد الشيخ اطفيش عليه كثيرا، انظر: محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 283.
(6) عمر بن سليمان: عالم من القرارة اهتمَّ بالإصلاح، نفي إلى بلدة مليكة ثُمَّ العطف وتولىَّ التدريس فيها توفي سنة 1295 هـ، انظر: أبو اليقظان: ملحق السير: 107، 108.
(7) سعيد بن يوسف وِينْتَنْ: تعلَّم على الشيخ الحاج يوسف بن حمُّ، انتقل إلى تونس وجربة متعلِّما ثم رجع إلى بلدته للتدريس والوعظ، عرف بالحكمة في الكلام والجرأة، توفي حوالي: 1296 م، انظر: المصدر نفسه: 100 - 101. (1/56)
صفحة 57
عيسى (1) وحمو بن كاسي (2)، وعمر بن صالح الذي درس عليه القصاص (3).
وقد أظهر الشيخ اطفيَّش اجتهادا ونبوغا منذ بداية عهده بالدراسة، مِمَّا جعل أساتذته يتوسَّمون فيه الخير والنجاح وتحقّق ذلك، ونبغ حتّى أصبح يتصدّر حلق التدريس، وقد جلس إليه بعض من علّموه في الصغر (4)، ولكن يبدو أَنَّهُ لم يأخذ عن تلاميذ الشيخ عبد العزيز الثميني شيئا كثيرا، إذ لا يذكر منهم إِلاَّ نزرا يسيرا في أحايين قليلة، ويرجع الأستاذ محمَّد علي دَبُّوز ذلك إلى ضعف مستواهم، وإلى عدم تفرّغهم كلّية للتعليم، وانشغالهم بأعمالهم الخَاصَّة (5) لكن ينبغي ألاَّ ننكر فضلهم عليه، فقد فتحوا الباب أمامه لمواصلة التعلّم، ورغّبوه فيه وفي الاستزادة، وأخذ عنهم المبادئ، وحفظ عندهم المتون وبعض الشروح التي تعتبر
__________
(1) الحاج سليمان بن عيسى: من تلاميذ الشيخ الثميني، تولىَّ رئاسة حلقة العزّابة في بلدته بني يزقن ثم رئاسة حلقات وادي ميزاب، وتولىَّ إمامة الدفاع في ردِّ هجوم على بلدته سنة 1203 هـ وفي عهده وعهد الشيخ محمَّد ازبار عرفت بني يزقن حركة عِلْمِيَّة، وابتدأت وفود من الطلبة تقصدها للتعلُّم. انظر: المصدر نفسه: 94 - 96.
(2) حمُّو بن كاسي: من علماء النصف الثاني من القرن الثالث عشر من آل زرقون ببني يزقن، اشتهر بحسن تلاوة القرآن الكريم. انظر: المصدر نفسه: 104؛ 155؛ محمَّد علي دَبُّوز؛ النهضة: 1/ 300.
(3) عمر بن صالح: من علماء مدينة غرداية، كان قاضي القضاة بها، معاصر للشيخ عبد العزيز الثميني. انظر: أبو اليقظان: ملحق السير: 130، 131؛ محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 286.
(4) - مجموع رسائل (خ) مكتبة القطب (أ. ز:7): فيها رسالة إلى الحاكم العسكري يذكر فيها أسماء من كانوا يتعلَّمون في حلقته: 74، إبراهيم حفار: السلاسل الذهبية: 18.
(5) محمَّد على دَبُّوز: النهضة: 1/ 299. (1/57)
صفحة 58
آنذاك أساسا لِكُلِّ علم، فقد حفظ ـ وهو في سنِّ التاسعة ــ (1): مسند الربيع بن حبيب (2) والألفيَّة والأجروميَّة وقطر الندى، والجوهر المكنون، والدرر اللوامع، والرحبيَّة وعقيدة العزّابة؛ وبعد أخذه المبادئ انتقل إلى شيخه الحاج إبراهيم الذي تتلمذ عليه كثيرا وتأثَّر به أكثر من تأثُّره بِأَيِّ شيخ آخر.
وهو شقيقه الحاج إبراهيم اطفيَّش، وكان له أثر عظيم على الشيخ الحاج امحمد ابن يوسف اطفيَّش، وهو من تلاميذ الشيخ عبد العزيز الثميني، بعد تعلّمه في بني يزقن ارتحل إلى المشرق، وبقي في الأزهر أربع سنوات، وتعلّم الكيمياء، وكان مولعا باقتناء الكتب واستنساخها، وقد جلب الكثير منها من عمان ومصر إلى وادي ميزاب (3)، ودرّس ثلاث سنوات بمدينة فاس بالمغرب (4)، وتوفي حوالي سنة 1310 هـ، وقد لازمه الشيخ اطفيَّش بعد رجوعه من رحلته العلميّة، فأصبح شيخه ومرشده في الطريق، وقد أكثر من ذكره والإشادة به وبفضله عليه، وبمآثره وتردّده عليه لأخذ العلم؛ وضمّن كلّ ذلك قصيدة خاصّة في مدحه (5)، وهو ما لم يفعله مع أحد من أساتذته، وذكر من جملة
__________
(1) أحمد فرصوص: الشيخ أبو اليقظان كما عرفته: مطابع دار البعث قسنطينة، د. ت: 22.
(2) أبو عمرو الربيع بن حبيب: أحد أئمة الإباضيّة الأوائل في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، له كتاب «المسند» وهو المعتمد الأَوَّل في الحديث لدى الإباضيّة، جمع فيه ما رواه عن شيخه أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابة خاصَّة ابن عَبَّاس وأمّ المؤمنين عائشة y وله روايات أخر وأجوبة على أسئلة، تولىَّ رئاسة المذهب بعد وفاة شيخه، انظر: الدرجيني: الطبقات: 2/ 273.
(3) محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 284، 285.
(4) إبراهيم حفار: السلاسل الذهبية: 18، 19.
(5) -جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل e: تحقيق: محمَّد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت 1987 م: 2/ 373؛ انظر أيضا: - شرح الدعائم الموسع: (خ) مكتبة القطب (ا و- 2): و: 45. (1/58)
صفحة 59
ما تعلّم عليه (1): الفقه، والحديث، والصرف، والطب والعروض، ودرس عليه من الكتب: شرح الأجروميّة للشريف ابن يعلى (2)، وشرح الاستعارات لعصام الدين (3)، ومتن الاستعارات (4).
جـ - تكوينه الذاتي
عُرف الشيخ اطفيَّش باعتماده شبه الكلِّيِّ على نفسه في تعلُّمه؛ فالإنتاج الذي تركه لا يعادل المحيط الذي عاش فيه والظروف التي عرفها من نقص في المشايخ وفي الكتب، فقد كان يتحيّن الفرص للتعلّم، ويترقّب مجيء أهل العلم من المشرق ليأخذ ما
__________
(1) - شامل الأصل والفرع: ط 1 المطبعة السلفية القاهرة 1348 هـ: 1/ 177، 178؛ - جامع الشمل: 2/ 373؛- شرح لامية الأفعال: 1/ 10؛ 4/ 478؛ - تحفة الحب: 120؛ - إيضاح الدليل إلى علم الخليل: (خ) مكتبة القطب (ا. م:4): 28.
(2) - المسائل التحقيقية في بيان التحفة الأجرومية: (خ) مكتبة القطب: (ا. م: 5): 21؛ - التيسير: 7/ 175؛ الهميان: 9 ق 2/ 142.
- الشريف بن يعلى: محمَّد بن أحمد الحسيني العلوي: صاحب «الدرة النحوية في شرح الأجرومية»، لم نقف على ترجمة حياته، وقد ذكره في «كشف الظنون» دون تأريخ عصره، وما وجدنا من نسخ مخطوطة لكتابه يدلنا على أنه كان موجودا قبل القرن العاشر، وَأَنَّهُ (الشريف) سمع شرح الأجرومية من ابن مؤلف الأجرومية انظر: محمَّد بن يعلى: الدرة النحوية: (خ) مكتبة عشيرة آل يدر بني يزقن مؤرخة في سنة 942 هـ رقمها م: 03؛ حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: وكالة المعارف دم سنة 1362 هـ/1943 م: 2/ 1897؛ فهرس مخطوطات النحو والصرف واللغة والعروض في جامعة محمَّد بن سعود الإسلامية نشر الجامعة 1407 هـ/1987 م: 96 رقم الكتاب فيه: 226.
(3) - شرح شرح الاستعارات: ظ: 176؛ - الهميان: ط 2: 9 ق 1/ 388؛
- عصام الدين إبراهيم بن محمَّد بن عرب: (873 - 945 هـ /1368 - 1538 م) انظر: الزركلي: الأعلام: 1/ 66.
(4) - شرح شرح الاستعارات: ظ: 176. (1/59)
صفحة 60
عندهم، وهذا ما جعله يعتقد أنَّ الاجتماع بشيخ إِنَّمَا يجب أن يحدث في بداية تعلّم كُلِّ فنٍّ، والطالب بعد ذلك يستطيع أن يواصل ما بقي من الفن بالمطالعة (1)، قرّر الشيخ هذه القاعدة وهو في الحقيقة يعبّر عن تجربته ويقيس غيره على نفسه، لأَنَّهَا كانت له المخرج في تعلّمه؛ يبتدئ أَوَّل الكتاب أو أَوَّل الفنِّ على شيخه ثُمَّ يتِمُّ البقيَّة لوحده، وساعده على هذا ذاكرته القويّة في الحفظ والفهم السريع، وطموحه ورغبته في التلقّي والتعلّم، وقد دفعه هذا التكوين العصاميُّ إلى البحث عن المصادر، وانتهج سبلا شتَّى للحصول عليها، ابتدأ في ذلك بما حوله من مكتبات وادي ميزاب واستفاد مِمَّا فيها من الكتب التي تركها سابقوه اقتناء أو تأليفا؛ ومن أهمّها (2): مكتبة شيخه ازبار، واستطاع أن يستفيد منها أكثر لَمَّا صاهره وتزوّج بنته، كما استفاد أيضا من مصاهرة شيخه عمر بن الحاج سعيد، واطّلع على ما في مكتبته من مصادر، ومكتبات أخر كمكتبة الشيخ عبد العزيز الثميني، ومكتبة أخيه الحاج إبراهيم، ومكتبة دار التلاميذ بغرداية (3)، وَلَمَّا وجد هذه المكتبات على أهميّتها وعددها لا تشفي الغليل استعمل طرقا أخر أوَّلها المراسلة إلى العمانيّين خاصّة؛ يمدُّهم بمؤلَّفاته، ويطلب منهم ما عندهم من المصادر اللغويّة والأدبيّة، وكان الحجّاج الميزابيّون واسطة بينه وبين العمانيّين وأهل زنجبار (4)، كما وصلته كتب من مصر، والمغرب الأقصى عن طريق المسافرين من تلاميذه وغيرهم (5)، وكانت رحلتاه الحجازيّتان فرصتين مهمّتين اقتنى فيهما عددا من الكتب وهو في مكّة والمدينة ومصر وغيرها من المدن (6)؛ ويدلّنا ما قام به الشيخ اطفيَّش في جمع المصادر على همّته
__________
(1) - فتح الباب للطلاب: شرح معالم الدين: (خ) مكتبة القطب (أ ز- 03): 40.
(2) محمَّد على دَبُّوز: النهضة: 1/ 303، 304، 305.
(3) - شرح القلصادي: 02.
(4) - مجموع الرسائل (خ) مكتبة القطب (أ. ز 6): 151 - 168؛ -كشف الكرب: 1/ 07، 11، 45.
(5) - الهميان: 3/ 148؛ - السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة: المطابع العالمية عمان 1985 م: 231.
(6) - شرح لامية الأفعال: 3/ 63؛ - تفسير ألغاز: 11، 12؛ - حاشية القناطر: 1/ و: 241؛ -حاشية الموجز: (خ) مكتبة القطب: (أ. هـ: 03): 2/ظ: 71؛ -السيرة الجامعة: 61، 188؛ - التيسير: 4/ 41، 72، 73. (1/60)
صفحة 61
وحرصه على العلم من جهة كما يدلّنا من جهة أخرى على مدى معاناته من نقصها، وفقر المعلومات العِلمِيَّة، وكما يُفَسِّرُ لنا وجود هذا التراث الضخم من الكتب في مكتبته.
وبعد معرفتنا لأهمِّ المصادر التي أخذ منها الشيخ العلم، والظروف التي تعلَّم فيها نتساءل: هل استغلَّ الشيخ كلَّ الطرق المتاحة في عهده للوصول إلى المعرفة؟ وهنا نجد أنَّ الشيخ قد أهمل أو أغفل وسيلة السفر إلى بعض المراكز العِلمِيَّة كالزيتونة في تونس والأزهر في مصر؛ وقد سبقه غيره إلى ذلك، فما سبب إغفاله هذا الجانب، وهو الذي كان يحرص على التعلُّم والتحصيل؟ إنَّ معرفتنا بظروف الشيخ اطفيَّش وأوضاع عصره وبيئته تجعلنا نعتقد أَنَّهُ لم يستغن بما وجده في وادي ميزاب؛ ولم يره كافيا، بل تطلّع إلى ما في غيره، ولو وجد فرصة للاستزادة لَمَا تركها، ولكن صرفته عن ذلك حال اليتم والفقر في صغره وموقف الاستعمار منه الذي قيَّد تنقُّلاته وحصره في نطاق مكانيٍّ ضيِّق لا يتجاوز وادي ميزاب، والسبب الأهمُّ من كُلِّ هذا هو تطلُّع الشيخ اطفيَّش نفسه إلى إقامة نهضة بوادي ميزاب، ونشر العلم فيه، واتخّذ التدريس وسيلة لذلك وباشره منذ وقت مبكر، فصرفه عن التنقُّل والارتحال لأَنَّهُ عمل يتطلَّب الحضور الفعليَّ والاستمرار؛ ونلاحظ أنَّ الشيخ قد حاول تعويض ذلك بالرحلات وإن كانت قليلة خاصَّة منها الحجازيَّتان اللتان أثّرتا كثيرا عليه واستفاد منهما.
2 - مكانته العِلمِيَّة
يمكننا إدراك مكانة الشيخ اطفيَّش من خلال معرفة تصوّره لدوره في الحياة، (1/61)
صفحة 62
وطموحه إلى التغيير فيها، والعلم بعلاقته واتِّصاله بأهل العلم أو السياسة في زمانه.
ا - تطلُّعه إلى التجديد
مع انتهاء القرن الثالث عشر وبداية الرابع عشر الهجريّين أظهر الشيخ اطفيَّش رغبة صادقة في أن يكون المجدّد للدين في عصره (1)، ودفعه إلى هذا الأمل وإلى العمل على تحقيقه أمران: الأوّل: الواقع الذي عاشه، وأوضاع الأمّة الإسلاميّة سياسيّا واجتماعيّا وفكريّا، وقد عبّر عن هذا الشعور بقوله: «قلت: قد بلي هذا الدين فاسألوا الله تعالى أن يجعلني له مجدّدا ولأحواله مسدّدا ولما خفَّ منه مشدّدا» (2)؛ وقوله:
وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ المُجَدِّدَا لِدِينِكَ يَا رَبِّ وَيَا مُظْهِرَ الذُّخْرِ (3)
والثاني هو: ما علمه من رؤيا أبيه، وأمل أهله أن يكون عالما يرفع من شأن الدين الإسلاميّ، وتكون له مكانة بين أهل العلم (4)، ومازال الشيخ يمنيّ النفس بهذا، ويعدُّ له العدَّة من العلم حَتَّى بلغ درجة الاجتهاد في مذهبه ثُمَّ في عموم الشريعة؛ وقد تحدّث بنفسه عن هذا مرارا في آثاره شاكرا نعمة ربِّه عليه (5)، ومتأسّيا بالشيخ جلال الدين السيوطيِّ حين عرّف بنفسه وذكر أَنَّهُ بلغ درجة الاجتهاد (6).
__________
(1) - الرد على العقبي: المطبعة المديرية تونس 1321 هـ: 12.
(2) - خطبتا العيدين: 11.
(3) - ديوان نظم: ضمن مجموع المطبعة المديرية تونس 1321 هـ: 42.
(4) - خطبتا العيدين: 11، 12.
(5) - حاشية أبي مسألة: (خ) مكتبة القطب (أ. و: 6): ظ: 417؛ - شامل الأصل والفرع: 1/ 13؛ - الذهب: 321؛ - فتح الله: شرح شرح مختصر العدل والانصاف: (خ) مكتبة القطب (أ. هـ:1): 2/ و: 111.
(6) إبراهيم حفار السلاسل الذهبية: 11؛ انظر: السيوطي: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة: تحقيق محمَّد أبو الفضل إبراهيم دار إحياء الكتب العربية 1387 هـ/1967 م: 1/ 339. (1/62)
صفحة 63
ب - مكانته في مجتمعه
تبوَّأ الشيخ اطفيَّش مكانة بارزة في مجتمعه، وتميَّز فيه بين معاصريه بنشاطه العلميِّ والإصلاحيِّ، ولم يكن الوصول إلى هذه المكانة ميسورا ولا سهلا لقوَّة المعارضين له، ولصعوبة العمل الاجتماعيِّ، لكنَّ جهاده التربويَّ أحاطه بمجموعة من التلاميذ والمريدين الذين كان أستاذهم ومرشدهم، وتدرَّج في سلك العمل الاجتماعيِّ متَّبعا هيكلة النظام الاجتماعيِّ فدخل حلقة العزَّابة عضوا عاديا مكلَّفا بتجهيز الموتى (1)؛ ثُمَّ أصبح بعد ذلك شيخ الحلقة (2)؛ مِمَّا زاده تأثيرا في الناس بدروس الوعظ والإرشاد، وتوليِّ الفتوى والتدريس فأصبح قبلة القاصدين للعلم والاستفتاء في الدين من الرجال والنساء على السواء.
جـ - علاقته بعلماء عصره
استطاع الشيخ اطفيَّش بعلاقته مع عدَّة شخصيات من العالم الإسلاميِّ أن يربط هذه المنطقة النائيَّة من الجنوب الجزائريِّ بجملة من عواصم العلم في الشرق؛ وكان لوفود الطلبة الذين قصدوه دور كبير في هذا، وكذا ارتحال تلاميذه من ميزاب إلى تونس ومصر، إضافة إلى كتبه التي طبعت في عهده، خاصّة ما قامت به المطبعة البارونيّة بمصر؛ وجعل الجزائر بهذا تساهم مباشرة في نهضة العالم الإسلاميّ منذ نهاية القرن الثامن عشر رغم الوضع الاستعماريّ الذي عاشته (3)، ويذكر بنفسه هذه المكانة التي وجدها بين العلماء خاصّة في رحلتيه الحجازيّتين وكيف جالس علماء مكّة والمدينة، وما كان بينه
__________
(1) - مجموع قصائد ورسائل: (خ) مكتبة القطب (أ. ز: 7): 75.
(2) - أبواليقظان: ملحق السير: 167؛ محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 309؛ P. Louis DAVID: Les mechaikh du M'Zab: p 4. مجموعة محاضرات مرقونة.
(3) عبد القادر جغلول: الاستعمار والصراعات الثقافية في الجزائر: 14. (1/63)
صفحة 64
وبينهم من مناقشات وأحاديث وقد وُطّدت هذه العلاقة بالمراسلات (1)؛ ومن بين هؤلاء العلماء: الشيخ أحمد زيني دحلان (2)، ومحمد سليمان حسب الله (3)، ومحمد حقّي بن علي بن إبراهيم (4)، وعُليش (5) ورحمة الله بن خليل الرحمن الهندي (6).
وكان الشيخ اطفيَّش على اتّصال ببعض المستشرقين، الذين حضروا إلى وادي ميزاب أوراسلوه، مثل الفرنسي ماسكوراي (7) MASQUERAY الذي طلب منه &تأليف الرسالة الشافيّة سنة 1878 م (8)، وقد دعا إنكليزيا للحضور إلى وادي ميزاب لمناظرته في بعض قضايا مقارنة الأديان (9)، وقال الشيخ عبد الرحمن بَكَلِّي (10) إنّ الشيخ
__________
(1) انظر في ذلك مثلا: القصيدة الحجازية: (خ) مكتبة القطب (أ. ز: 07): 90، 91؛ - شرح لامية ابن النظر: 1/ 934؛ - إيضاح المنطق في بلاد المشرق: (خ): مكتبة الاستقامة (65): 1؛- الذخر الأسنى: 240، - الرد على العقبي: 10، 11؛ شرح عقيدة التوحيد: 21؛ - التيسير: 9/ 34؛ - جواب مشايخ مكة: ط 2 الجزائر 1301 هـ: 10،11؛ -خطبتا العيدين: 11، 12؛- إزهاق الباطل بالعلم الهاطل: طبع قديم 1317 م: 22 - 24.
(2) أحمد زيني: (1232 - 1304 هـ / 1817 - 1886 م): الزركلي الأعلام: 1/ 129.
(3) محمَّد سليمان حسب الله: (1244 - 1335 هـ / 1828 - 1917 م): المرجع نفسه: 6/ 125.
(4) محمَّد حقي بن علي بن إبراهيم (1301 هـ/1884 م) المرجع نفسه: 6/ 108.
(5) محمَّد بن أحمد بن محمَّد عليش: فقيه مالكي من أصل مغربي، توفي في السجن لَمَّا قامت الثورة العرابية (1217 - 1299 هـ / 1802 - 1882 م): المرجع نفسه: 6/ 19.
(6) رحمة الله بن خليل الرحمان الهندي: (-1306 هـ/1888 م): المرجع نفسه: 3/ 18.
(7) إميل ماسكراي: مستشرق فرنسي (1843 م-1894 م) عمل بالجزائر، له مؤلفات في الترجمة وتاريخ الجزائر. انظر: نجيب العقيقي: المستشرقون: دار المعارف ط 4 مصر 1980 م: 1/ 202.
(8) - شرح شواهد الوضع: (خ) مكتبة القطب (أ. ع: 03): و: 52: انظر: EMILLE MASQUERAY: Chronique d'Abou Zakaria: Imprimerie de l'Association ouvrière, Alger: P: XXXI
(9) - الرد على الانكليزي: المطبعة المديرية تونس 1321 هـ ضمن مجموع: 05؛ -التيسير: 12/ 55.
(10) عبد الرحمن بكلي: من أعلام الإباضيّة المعاصرين، عالم ومصلح اجتماعي، أصله من مدينة العطف، وأقام ببلدة بريان، له عدة أعمال في نشر التراث وتحقيقه، وكتب في الفتوى منها: فتاوي البكري في جزأين، توفي سنة 1986 م ببريان. (1/64)
صفحة 65
اطفيَّش دُعي لحضور مؤتمر المستشرقين بالجزائر فرفض الدعوة (1)؛ لكن ليس لنا ما يثبت ذلك من المصادر التي بين أيدينا عن حياة الشيخ اطفيَّش.
د - علاقته ببعض أنظمة الحكم في عصره
ربطت بين الشيخ اطفيَّش وبعض الحكّام في عصره علاقات مختلفة من أهمّها تلك العلاقة التي كانت بينه وبين سلاطين عمان وزنجبار بسبب الوحدة المذهبية، والصلة القديمة بين الإباضيّة في المشرق والمغرب، فكانت علاقته بهؤلاء السلاطين وطيدة وثيقة، قلّ أن شهد التاريخ مثل هذا العدد من المراسلات بين إباضية المشرق وإباضيّة المغرب مثل الذي كان في عهد الشيخ وكانت من أهمّ فوائد هذه العلاقة أن تمّ طبع بعض مؤلفات الشيخ بالمطبعة السلطانيّة في زنجبار مثل «هميان الزاد».
كما كانت للشيخ اطفيَّش اتّصالات بالخلافة العثمانيّة أيام عبد الحميد الثاني (1876 - 1909 م)، وكان يرى في حكم العثمانيّين رمزا للحكم الإسلاميّ الباقي إلى عهده، فأبدى النصح لهذا النظام الحاكم الذي كان يمرُّ بآخر أيامه (2).
وقد ألزمه الوجود الاستعماريّ أن يتّصل بمن يمثّل الفرنسيّين سواء في ميزاب أو الجزائر، وذلك عن طريق الرسائل آلتي تضمنّت في الغالب مطالبة بالحقوق، أو احتجاجات.
ونتج عن هذه العلاقات تلقّي الشيخ اطفيَّش أوسمة من هذه الدول مثل (3):
__________
(1) عبد الرحمن بكلِّي: محاضرة في مهرجان القطب: 02.
(2) - مجموعة رسائل: (خ) مكتبة القطب (أ. ز 6): 03.
(3) - الرد على العقبي: 29 - 34؛ رسائل بين القطب والإدارة الاستعمارية: (خ) مكتبة الاستقامة: (د. ر): 05؛ أبو اليقظان: ملحق السير: 159، 161؛ P. Cuperly: Aperçus: 14. (1/65)
صفحة 66
وسام الدولة العثمانيّة ووسام سلطان مسقط وعمان، ووسام سلطان زنجبار، ووسام الأكاديميّة الفرنسيّة؛ ويبدو أنّ الشيخ اطفيَّش بقدر ابتهاجه بهذه الأوسمة كان يتحرّج من الوسام الفرنسيّ باعتباره شعارا صادرا من دولة كفر وظلم (1).
وعلاقة الشيخ اطفيَّش بغيره تدلّنا على مكانته في عصره، ولم يكن لها من سبب سوى المجهود العلميّ الذي قدّمه، والعمل الإصلاحيّ الذي قام به.
3 - عمله في التدريس
اتخّذ الشيخ اطفيَّش التدريس رسالة في الحياة، وعاش من أجل تبليغها (2)، وتحقيق رغبته في الإصلاح والتجديد من خلالها؛ ولم يشتغل بعمل آخر سوى القضاء الذي مارسه فترة قصيرة ثم تركه (3).
جلس الشيخ للتدريس منذ سنّ مبكّرة وذلك لمّا بلغ الخامسة عشرة من عمره، وجعل من داره معهدا يؤمّه التلاميذ من كلّ مكان بوادي ميزاب (4)، وقد قضى حوالي ثمانين عاما في التعليم حتى آخر عمره، ولم يقتصر على مكان بعينه، فهو يدرّس مقيما أو مسافرا، حَتَّى أنّه اتَّخَذَ في منفاه ببلدة بنورة محلاّ يؤمّه تلاميذه يتلقّون عنه (5)، وكذلك فعل في مليكة (6)، وبريان والقرارة وفي جزيرة جربة بتونس، فكان مدرسة متنقّلة لا
__________
(1) محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 329.
(2) انظر ماسبق فيِ المبحث الأَوَّل، عنوان: مقاومته للاستعمار، ص 37.
(3) محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 302.
(4) المرجع نفسه.
(5) إبراهيم حفار: السلاسل الذهبية: 26،27؛ محمَّد علي دَبُّوز: 1/ 337.
(6) - شرح شرح الاستعارات: ظ: 72، و: 81، ظ: 155؛ ظ: 185.
مليكة: إحدى قرى وادي ميزاب تأسست سنة: 750 هـ. (1/66)
صفحة 67
تنقطع بتغير الأماكن؛ يشبه في ذلك الشيخ أبا عبد الله محمَّد بن بكر واضع نظام العزّابة الذي كان يتنقّل من جنوب تونس إلى ميزاب معلّما ومرشدا (1)؛ ولشغفه بالتدريس فقد ألقى أثناء وجوده في المدينة المنورة دروسا بالمسجد النبويّ شرح فيها العقيدة السنوسية (2).
وكان للشيخ اطفيَّش برنامج يتّبعه عندما يدرّس في بلدته بني يزقن: يبتدئ مباشرة بعد صلاة الصبح بالدرس لعامّة الناس (3)، ثم يدرّس التلاميذ من الضحى إلى أوّل الزوال (4)، ويجلس بعد العصر للإفتاء، ثم يبقى الليلُ في جزء كبير منه خاصّا بالتأليف وتحضير الدروس (5)، وهكذا كلّ أيّام الأسبوع إلاّ يوم الجمعة (6)؛ ثمّ طلب تلاميذه المغتربون زيادة يوم الخميس إلى العطلة الأسبوعية، وكان لهم ذلك في الخمسة عشر عاما الأخيرة من عمره (7)؛ كما اتبع نظام جامع الزيتونة في العطلة الصيفيّة حَتَّى يتفرغ التلاميذ في الصيف إلى عملهم في بساتينهم أو لأسفارهم (8)؛ وخصّ تلاميذه الغرباء
__________
(1) انظر ماسبق فيِ الهامش 10 من الفصل الأَوَّل المبحث الأَوَّل، ص 20.
(2) - شرح النيل: 1/ 47؛ - الرد على العقبي: 10، - أعمال مهرجان القطب: فيها وثيقة بإمضاء الشيخ أحمد بن حمزة الرفاعي يروي فيها عن أبيه كيف تمّ قبول تدريس الشيخ اطفيش في المسجد النبوي، وكان هو الواسطة في ذلك.
(3) مجموع رسائل: (خ) مكتبة القطب (أ. ز 7): رسالة إلى الحاكم العسكري يُبَيِّنُ فيها الشيخ معلومات عن التدريس الذي يقوم به: 74؛ فرصوص: أبو اليقظان: 23، محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 309.
(4) المصادر نفسها.
(5) محمَّد على دَبُّوز: النهضة: 1/ 310؛ إبراهيم حفار: السلاسل الذهبية: 45.
(6) إبراهيم حفار: السلاسل الذهبية: 45.
(7) المصدر نفسه.
(8) - مجموع رسائل: مكتبة القطب (أ. ز 7): 74، 75. (1/67)
صفحة 68
الوافدين بحصص بين الظهر والعصر وبالليل (1). ولطول هذا البرنامج فقد قال البعض إنّه كان يعمل ست عشرة ساعة في اليوم (2)، وقال آخر إنّه يعمل باستمرار ولا ينام تقريبا (3)؛ وواضح ما في هذا من المغالاة والمبالغة غير المعقولة، وهذا ما نفاه تلميذه الشيخ إبراهيم حفّار (4)؛ فشأن الشيخ اطفيَّش شأن أيّ عالم آخر يحرص على اغتنام الوقت، ويجتهد في الانتفاع به، وليس بعيدا أن يصل أحيانا إلى هذه الدرجة ولن يكون معتادا عليه؛ وفي جميع الحالات يدلّ هذا على الاهتمام الكبير الذي أولاه الشيخ لعامل الزمن.
وكان الشيخ يدرّس على طريقة الحلقات، وله سلّم في ترتيب العلوم حسب أولويتها في وجوب التعلّم: فالتوحيد أوّلا ثمّ الفقه والحديث وأدب العلم والمعاشرة، فعلوم اللغة وغيرها (5)، كما كانت له مقاييس وشروط لقبول التلميذ في حلقة الدرس منها: حفظ القرآن الكريم والإلمام ببعض مبادئ العلوم، وحفظ عدد من متون العلم المختلفة (6)، وكان يحرص على التحقّق من فهم الطالب للمسألة، وقد يعيدها مرارا
__________
(1) إبراهيم حفار: السلاسل الذهبية: 45؛ فرصوص: أبو اليقظان: 24.
(2) محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 308؛ جهلان عدون: الفكر السياسي عند الاباضية من خلال آراء الشيخ محمَّد بن يوسف اطفيش: نشر جمعية التراث القرارة (دت): 108.
(3) P. Louis DAVID: Mechaikh du M'Zab: 4
(4) إبراهيم حفار: السلاسل الذهبية: 05.
إبراهيم حفار بن أبي بكر: عالم من القرارة تعلم فيها ثم في معهد الشيخ اطفيش، ولد سنة 1308 هـ/1882 م تولى التدريس ونشر العلم ببني يزقن، وأقام فيها، توفي سنة 1954 م، انظر: مجموع متون دينية: المطابع العَرَبِيَّة لدار الفكر الإسلامي الجزائر 1386 هـ/1966 م: مقدمة الحاج عمر بن يوسف عبد الرحمن: 20 - 26.
(5) - خطبتا العيدين: 30.
(6) فرصوص: أبو اليقظان: 22. (1/68)
صفحة 69
حَتَّى يفهم التلميذ ويرسخ الدرس في ذهنه (1)، وقد يستعين بلغة أهل ميزاب للتوضيح، ولا شَكَّ أنّ هذا يكثر في دروسه لعامَّة الناس؛ وقد وظَّف هذه اللغة أيضا في التأليف أحيانا (2).
- تلاميذه
الحديث عن تلاميذ الشيخ اطفيَّش هو حديث عن مجتمع كوّنه بعلمه وتربيته. سواء بوادي ميزاب أم غيره (3)؛ لذا يصعب تحديد عدد تلاميذه، رغم بعض المحاولات: فقد ترجم الشيخ أبو اليقظان لخمسة وخمسين من تلاميذ الشيخ في كتابه «ملحق السير» (4)، ويقول المستشرق ل. دافيد: (L. DAVID) إنّه درّس ثلاثة وثمانين طالبا، دون أن يذكر واحدا منهم (5)، وخصّص الأستاذ محمَّد علي دَبُّوز خمس صفحات لذكر تلاميذ الشيخ اطفيَّش المشهورين (6)؛ وإذا رجعنا إلى الشيخ اطفيَّش نفسه لنستقي منه معلومة في الموضوع، نجده ذكر في رسالته إلى الحاكم العسكريّ عن تلاميذه أنّهم كثيرون، وسمّى ستة ثمّ قال: «وغيرهم لا يحصون لأنّهم يقرأون مدّة ويتجدّد آخرون» (7)؛ ولكن نذكر أمثلة لهؤلاء التلاميذ الذين كان لهم أثر بالغ في الحياة الفكريّة والاجتماعيّة، وهم:
__________
(1) أبو اليقظان: ملحق السير: 161.
(2) - شرح النيل: 10/ 450؛- الهميان: ط 1: 13/ 269؛ إبراهيم حفار: السلاسل الذهبية: 47.
(3) P: Cuperly: Aperçus: 7
(4) محمَّد بباعمي: فهارس ملحق السير: بحث مرقون: جزء منه بمكتبة الباحث: فهرس أسماء تلاميذ القطب.
(5) P: L. DAVID: Les mechaikh du M'Zab: 4.
(6) محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 377 - 381.
(7) - مجموع رسائل: مكتبة القطب (أ. ز 7): 74،75. (1/69)
صفحة 70
- الشيخ الحاج صالح بن عمر لَعْلِي: ولد ببني يزقن يوم 20 رمضان 1287 هـ/1871 م؛ فقد بصره وهو صغير السنّ وأظهر ذكاء وقوّة في العلم والعمل؛ تعلّم على جدّه داود لَعْلِي أَوَّلاً وحفظ القرآن الكريم، ثمّ تعلّم مبادئ العلوم على خاله الحاج سعيد بن يوسف وِينْتَنْ (1) والشيخ امحمد بن سليمان ابن ادْرِيسُو (2)؛ ثُمَّ انتقل إلى معهد الشيخ اطفيَّش وسافر إلى الحجاز مرّتين وحضر أثناء الرحلتين دروس الزيتونة والأزهر، وبعد وفاة الشيخ اطفيَّش تصدّر التدريس وفتح دارا خاصّة لذلك؛ ورأس مجلس العزّابة واشتغل بالإصلاح الاجتماعيِّ، وله من المؤلَّفات:
- القول الوجيز في تفسير كلام الله العزيز: وهو غير كامل ابتدأه ووصل فيه إلى أواخر سورة البقرة.
- خلاصة المراقي في معرفة مبادئ الإسلام: منظومة.
- رسالة في الصوم والإفطار.
- حواش على كتاب “النيل وشفاء العليل”، وكتاب “الإيضاح”، وكتاب “قواعد الإسلام” و“كتاب الوضع”.
- أجوبة وقصائد مختلفة.
وما يزال معظم تراثه مخطوطا، وقد توفى ببني يزقن في 03 ربيع الثاني 1347 هـ/13 أكتوبر 1928 م (3).
__________
(1) انظر ترجمته فيما سبق، هامش 15، ص 45.
(2) امحَمَّد بن سليمان ابن ادريسو: من تلاميذ الشيخ عبد العزيز الثميني في بني يزقن، كان كفيف البصر، له جهود في التعليم والإصلاح الاجتماعيّ، ومؤلفات عديدة مخطوطة، توفي سنة 1298 هـ/1880 م، انظر: محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 285، 286.
(3) المرجع نفسه: 2/ 129 - 145؛ يحي بوتردين، الشيخ اطفيش ومذهبه في التفسير: 158 - 160. (1/70)
صفحة 71
- سليمان باشا الباروني: ولد بجادو في نفوسة (ليبيا) سنة 1291 هـ/1873 م؛ حفظ القرآن الكريم، وانتقل إلى جامع الزيتونة سنة 1305 هـ/1887 م، ثمّ إلى وادي ميزاب ليتعلّم على الشيخ اطفيَّش، وانتقل إلى الأزهر، واهتمّ بالفكر والسياسة كثيرا؛ أنشأ مطبعة الأزهار البارونيّة بمصر وطبع فيها كتابه «الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضيّة»، وديوانه الشعريّ، وأصدر جريدة «الأسد الإسلاميّ» فصودرت لأنّها اهتمّت بقضيّة الجامعة الإسلاميّة في عددها الأوّل؛ قاد المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطاليّ، وتوفيّ بالهند يوم 23 ربيع الأول 1359 هـ/أفريل سنة 1940 م (1).
- أبو إسحاق إبراهيم بن الحاج محمَّد بن الحاج إبراهيم بن يوسف اطفيَّش: من أبرز تلاميذ الشيخ اطفيَّش ولد سنة 1304 هـ/1886 م ببني يزقن، تعلّم أَوَّلاً على بعض أهل العلم بالكتّاب، ثمّ دخل حلقة الشيخ اطفيَّش، ودرس أيضا على الشيخ عبد القادر المجاويّ (2)، ثمّ ذهب إلى تونس حوالي سنة 1335 هـ/1917 م؛ اشتهر بمقاومته الاستعمار، وانشغاله بأوضاع المسلمين في عصره، نشط ضمن الحركة الوطنية في تونس، وقد نفي إليها ثمّ قرّر الفرنسيّون إبعاده إلى بلد آخر فاختار مصر؛ وبذلك فتح الباب أمامه ليواصل نشاطه الفكريِّ والسياسيّ، فأصدر مجلّة «المنهاج» ونشر فيها أفكاره، وقام بأسفار للدعوة في زنجبار سنة 1366 هـ/1947 م؛ ودافع عن القضيّة العمانية ضد بريطانيا في الأمم المتحدة، وعمل في دار الكتب المصرية من سنة 1359 هـ/1940 م
__________
(1) زعيمة الباروني: سليمان الباروني تعريف موجز: مطابع دار لبنان للطباعة والنشر بيروت 1323 هـ/1973 م؛ (وهو في 23 صفحة عن هذه الشخصية).
(2) عبد القادر بن أبي عبد الله محمَّد بن عبد الكريم، ينسب إلى مجاوة، ولد بتلمسان سنة 1264 هـ/1848 م، تعلم بالمغرب في جامع القرويين وكان له جهاد طويل ضِدَّ الاستعمار، وعمل في الاصلاح الاجتماعيِّ، وله مؤلفات منها الكتب ومنها المنظومات، توفي بقسنطينة سنة 1332 هـ/1913 م؛ انظر: محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 82 - 104. (1/71)
صفحة 72
إلى وفاته، وله أعمال كثيرة منها: - الدعاية إلى سبيل المؤمنين - تاريخ الإباضيّة - تأويل المتشابه ..... إلخ. بالإضافة إلى جهوده في تحقيق الكتب ونشر التراث الإسلاميّ، خاصّة لما كان بمصر، وإليه يعود الفضل في طباعة أكثر كتب الشيخ اطفيَّش، وتوفي سنة 1385 هـ/1965 م، ودفن بمصر (1).
- أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى حمدي: ولد بالقرارة يوم 23 صفر سنة 1306 هـ/5 نوفمبر 1888 م، نشأ يتيما منذ السنة الثانية من عمره، تعلّم أَوَّلاً بالكتّاب ثم التحق بمدرسة الشيخ الحاج عمر بن يحي (2) فحفظ جملة من المتون ومبادئ العلم، أهّلته للجلوس إلى حلقة الشيخ اطفيَّش لكنّ الفقر ومعاناة عائلته دفعاه إلى العمل في التجارة فانتقل إلى مدينة باتنة، ولم يلبث أن تركها وعاد إلى الدراسة ولازم الشيخ اطفيَّش فيما بقي من عمره، وحظي لديه بمكانة خاصّة، ثمّ توجّه إلى تونس حيث درس بالخلدونيّة وجامع الزيتونة؛ وعمل في مجال الحركة السياسيّة بتونس مع الشيخ عبد العزيز الثعالبي (3)، وكان عضو اللجنة الأدبيّة للحزب الدستوريّ التونسيّ حين تأسيسه، ثمّ عاد إلى الجزائر وشارك في أعمال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وكان من أعضائها
__________
(1) أبو اليقظان: ملحق السير: 343 - 352؛ د: محمَّد ناصر: الشيخ إبراهيم اطفيش وجهاده الإسلامي: المؤسسة الوطنية للكتاب: الجزائر 1991 م: 15 - 26، 43 - 58؛ محمَّد الصالح الجابري: النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس 1900 م-1962 م: الدار العربية للكتاب تونس والشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1983 م: 222، 265، 267.
(2) الحاج عمر بن يحي: من أعلام مدينة القرارة، تعلم بها وبغرداية، وعلى يد الشيخ اطفيش، وأسَّس مدرسة للتعليم بالقرارة، ولها أثر كبير وواضح في نشر العلم وتخريج العلماء، توفي سنة 1339 هـ. انظر: أبو اليقظان: ملحق السير: 213 - 218.
(3) عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الرحمن الثعالبي: (1291 - 1363 هـ/1874 - 1944 م) زعيم تونسي، عمل في المقاومة السياسية ضمن أحزاب ترأسها منها: حزب تونس الفتاة وحزب الدستور. انظر: الزركلي: الأعلام: 4/ 12،13. (1/72)
صفحة 73
البارزين الذين شاركوا في نشر الوعي وبعث النهضة في نفوس الجزائريين، وانتخب عضوا في إدارة الجمعيّة وعيّن نائبا لأمين المال. وقد استعمل الشيخ أبو اليقظان الصحافة لإظهار معارضته للاستعمار، وكان رائدا في الصحافة الجزائريّة؛ أصدر ثماني صحف متتاليّة كلّما صودرت واحدة جدّد إصدار ثانية؛ ولقي لذلك الكثير من الاضطهاد حتّى أصيب بالشلل النصفيّ. ترك كثيرا من الآثار مطبوعة ومخطوطة، وقد أحصى بنفسه ستة وأربعين (46) عملا بين كتاب ورسالة عدا جرائده. وقد عانى أبو اليقظان من محن كثيرة من جرّاء عمله في الإصلاح الاجتماعيّ وفي الصحافة لكنّه لم يستسلم وواصل الجهاد حتّى وافته المنيّة سنة 1973 م (1).
هَذِهِ نماذج من تلاميذ الشيخ اطفيَّش، كانوا نسخا منه في حبّ العمل والاستمرار فيه، والإصرار على تبليغ أمانة الدعوة الإسلاميّة والحفاظ عليها.
4 - آثاره العِلمِيَّة
أولى الشيخ اطفيَّش التأليف أهميّة وعناية كبرى إذ بدأه وعمره ست عشرة سنة (2)، واستمّر فيه لا ينقطع بتغيّر الأحوال والتنقلات، فألّف وهو مقيم ببلدته أو مسافر (3)؛ لذا كثر إنتاجه وتنوع حتّى صعب حصره؛ ومن أسباب كثرة المؤلفات ودواعي التأليف عنده ما يلي:
__________
(1) أحمد فرصوص: أبو اليقظان كما عرفته: والكتاب كله عن حياة أبي اليقظان ومواقفه وآثاره؛ وكان المؤلف كاتب الشيخ أبي اليقظان وملازما له؛ محمَّد صالح الجابري النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس: 265.
(2) - قصيدة الغريب: (خ) مكتبة القطب (أ. و:9): 01.
(3) - شرح النيل: 1/ 44؛ إبراهيم حفار: السلاسل الذهبية: 46؛ محمَّد علي دَبُّوز: النهضة: 1/ 308، 309. (1/73)
صفحة 74
1 - الاستجابة لرغبة الناس: يلتقي الشيخ اطفيَّش مع غيره من العلماء في هذا؛ فكثيرا ما كانت مؤلفاته جوابا لطلب صديق، أو سائل عن علم، أو راغب فيه، وتدلّنا مراسلات الشيخ اطفيَّش على أنّ كثيرا من كتبه ألّفها مستجيبا لطلب الغير وإلحاحهم، ونجد من ذلك مجموعة رسائل من العمانيين في فترة 1298 هـ/1880 م و 1305 هـ/1885 م فيها أربع وأربعون رسالة أغلبها لطلب تأليف كتاب في موضوع مُعَيَّن أو شرح متن (1)، وكان الشيخ يطلب من العمانيّين أن يخبروه بما يرغبون فيه من التأليف (2)؛ وكثر طلب الناس حتّى أصبح قبلة السائلين، بل تطاول البعض إلى توافه الأمور كطلب شرح الألغاز، وكان الشيخ يشعر بالإرهاق لذلك لَكِنَّهُ لم يكن يرد السائل (3).
2 - تحمّل الشيخ واجب التأليف عن الناس حتّى يشتغلوا بالعمل، وكان يشعر بأنّ التأليف واجب كفائيٍّ لا ينبغي أن ينساق كلّ الناس وراءه ويتركوا العمل الحضاريّ الذي يصلح دنياهم، وقال عن ذلك: «وإلام يشتغل الناس بالتأليف ويتركون العمل والدرس وقد وجدوا من كفاهم مؤنة التأليف؟!» (4).
3 - الفراغ العلميّ الذي عاشه الشيخ اطفيَّش: إذ رأى أن يسدّه بالتأليف ليمهّد السبيل لتلاميذه في اكتساب العلم والمعرفة.
4 - كما لا ننكر ما للجانب الإبداعيّ من أثر في هذا، خاصة وأنّ الشيخ كان يعيش على أمل أن يكون مجدّد عصره (5)، ويظهر ذلك في جهوده التي قدّمها في مجالي
__________
(1) العمانيون: مجموعة كتب من عمان: (خ) مكتبة الحاج سعيد (27)؛ - شرح عقيدة التوحيد: 419؛ - شرح الدعائم: ط 1 قديمة 1325 هـ: 1/ 02.
(2) - كشف الكرب: 1/ 06.
(3) - مجموع رسائل: (خ) مكتبة القطب (أ. ز 6): 32.
(4) - المصدر نفسه: 51.
(5) يحي بوتردين: الشيخ اطفيش ومذهبه في التفسير: 34. (1/74)
صفحة 75
العقيدة والشريعة خاصّة. فهذا العامل في نظرنا من أهمّ العوامل لانسجامه مع أوضاع الشيخ، ومع تطلّعه إلى التجديد.
- إحصاء آثاره
اختلف الدارسون في تحديد عدد مؤلفات الشيخ اطفيَّش، وحول عناوينها كذلك، وقد قدّر البعض المؤلفات بحوالي ثلاثمائة كتاب، والمرجع في هذا ما قاله أبو إسحاق في كتابه «الدعاية إلى سبيل المؤمنين» (1)، لكن هو نفسه لم يثبت في هذا التحديد وأشار مرّة إلى أنها تجاوزت المائة كتاب هكذا على الإطلاق (2)، كما حدّد المستشرق «ل. دافيد» عددها باثنين وتسعين ومائة كتاب دون أن يذكر عنوانا منها، أو يذكر مصدر قوله (3)، واكتفى الباقون ممّن تحدّث في الموضوع بالإشارة إلى كثرة مؤلفات الشيخ، وذكر بعض عناوينها (4)، وأوفر قائمة وجدناها هي القائمة التي أثبتها المستشرق «كوبرلي» وفيها ثلاثة عناوين ومائة عنوان (5). ويرجع السبب في هذا الاختلاف الواسع إلى الوضعية التي يوجد عليها تراث الشيخ اطفيَّش، وللوصول إلى ضبط أعماله ينبغي القيام باستقصاء ما على رفوف المكتبات، وما في ثنايا الكتب التي ألفها الشيخ لأنّه كثيرا ما يشير إلى مؤلفاته؛ والمحاولة التي قمنا بها وفق هذه الطريقة
__________
(1) أبوإسحاق إبراهيم اطفيش: الدعاية إلى سبيل المؤمنين: المطبعة السلفية القاهرة 1342 هـ: 108؛ انظر: أبواليقظان: ملحق السير: 159.
(2) - الذهب الخالص: مقدمة ابي إسحاق للكتاب: هـ.
(3) P.L. DAVID: Les Mechaïkh du M'Zab: 4
(4) منهم: عبد الله كنطابلي: بطاقات تعريف لقطب الأئمة ومؤلفاته: (خ) نسخة منه بمكتبة الباحث. عدون جهلان: الفكر السياسي عند الاباضية: 111 - 117؛ J. Schacht: Bibliothéques et Manuscrits Abadites: Revue Africainne, Année: 1956: 375 - 398.
(5) P. Cuperly: Aperçus: 11. (1/75)
صفحة 76
مكّنتنا من معرفة أنّ مؤلفات الشيخ تبلغ خمسة وثلاثين ومائة أثر، منها الكتب ومنها الرسائل، ماعدا المراسلات (1)، من هذا العدد سبعة ومائة كتاب الموجود منها ثلاثة وتسعون كتابا، والضائع المفقود أربعة عشر كتابا، ومن بين هذه الآثار ثمانية وعشرون قصيدة ومنظومة عدا المقطوعات المتناثرة بين ثنايا كتب الشيخ.
وقد تنوعت الفنون والمواضيع التي احتوتها آثار الشيخ اطفيَّش منها خاصّة: أصول الدين والعقيدة، وأصول الفقه والفقه، وعلوم اللغة، والتفسير والحديث والمنطق، ثمّ آثار أخرى في تاريخ وادي ميزاب، والحساب، والفلك والفلاحة والطب ...... إلخ.
وهي أعمال تدلّ في مجملها على سعة اطِّلاع الشيخ واشتغاله بعلوم متعددة تعلّما وتأليفا وتدريسا، وكما أَنَّهَا تعطينا تصورا عن منهج الشيخ وفكره، فقد كان له إلمام واسع بجوانب الحياة العلميّة والاجتماعيّة والسياسيّة في عصره، وعاش منشغلا بقضيّتين أساسيّتين هما مقاومة الاستعمار وإقامة نهضة بوادي ميزاب، وقد تجلّى ذلك واضحا في آثاره، وفي حياته بمختلف مراحلها.
ولكنّنا نلاحظ أنّه رغم ذلك ورغم اتّصاله ببعض مراكز الفكر وتطوره في عصره فإنه بقي أسير المناهج القديمة في التأليف والتدريس، ولم يخرج فيما كتبه من فنون العلم عن هذه المناهج، وأساليبها المعهودة، وحتى في إنتاجه الأدبيّ المتمثل في بعض القصائد غلب عليها النظم التعليميّ (2).
وينبغي القول إنّ هذا لا يعتبر تقويما نهائيّا كافيا لفكر الشيخ لأنّ هذا لا يتحقّق إلا بعد دراسات مستقصية لآثاره وأعماله، استقصاء يأخذ بالاعتبار الظروف التي وُجد فيها الشيخ وقد كان لها أكبر الأثر عليه، إذ عاش في بيئة ضنينة بمصادر المعرفة فانكبّ
__________
(1) انظر الملحق: فيه قائمة هذه الآثار كاملة، وفيه الفرق بين الرسالة والمراسلة.
(2) يحي بوتردين: الشيخ اطفيش ومذهبه في التفسير: 70. (1/76)
صفحة 77
على التعلّم معتمدا على نفسه، وتولىّ أعمالا تصرف عن التفرّغ للفكر، وواجه محنا شديدة، ولكنّه اجتهد واستطاع أن يجمع بين العمل الميدانيّ والإنتاج الفكريّ (1)، وانطلق من هذا الواقع فخلّف لنا تراثا زاخرا جديرا بالدراسة والاهتمام.
ومن أهمّ المجالات التي كان فيها للشيخ اطفيَّش الفضل الكبير مجال بعث الفكر الإباضيّ من جديد، مع مطلع القرن العشرين الميلاديّ، فجمع آراء من سبقه ورتّبها وشرحها وحلّلها، ومثّل هذه المدرسة خير تمثيل، وغدا بذلك مرجعا أساسيّا فيها، وسنتناول في الفصول المقبلة جانبا من هذه الجهود متمثّلة في الفكر العقديِّ.
__________
(1) عبد الله كنطابلي: بطاقات تعريف لقطب الأئمة ومؤلفاته: 97. (1/77)
صفحة 78
[صفحة بيضاء] (1/78)
صفحة 79
الفصل الثاني
منهج البحث العقديِّ عند الشيخ اطفيَّش (1/79)
صفحة 80
[صفحة بيضاء] (1/80)
صفحة 81
المبحث الأَوَّل
تراث الشيخ اطفيَّش العقديُّ
1 - مكانة العقيدة في مؤلَّفاته
يعتبر البحث في العقيدة من أهمّ مجالات تأليف الشيخ اطفيَّش، فقد كانت العقيدة حاضرة بمسائلها وقضاياها في معظم ما كَتَبَ، سواء ما كان مباشرا في الموضوع أم غير مباشر، ولا نكون مبالغين إذا قلنا: إنّه لا يخلو أحد كتبه أو مراسلاته من مسألة عقديّة، فنجدها في مؤلفاته في اللغة، والبلاغة والتجويد، وهكذا سائر أعماله، وهذه الغزارة في التأليف وفي الاهتمام بالعقيدة، تدلّنا بوضوح على المكانة التي أولاها الشيخ اطفيَّش للعقيدة الإسلاميّة، خاصّة وأنه جاء في ظروف كان الناس فيها في حاجة ملّحة إلى من ينير لهم السبيل، ويأخذ بأيديهم، ويميّز بين الحقّ وما داخله من الخرافات والتقاليد البعيدة عن روح الإيمان الخالص؛ فهذا أهمّ سبب ودافع لدى الشيخ للاهتمام بالبحث العقديّ، إضافة إلى ما يخصّ المذهب الإباضيّ وحاجة أهله ــ في عصر الشيخ ــ إلى من يؤلّف ويدرس المسائل العقديّة وفق الأوضاع الجديدة، فاستجاب إلى هذه الحاجة بالتأليف فيما يَخُصُّ العقيدة مباشرة؛ أوفي غيرها من الميادين؛ وظهر ذلك خاصّة في بداية عهده بالتأليف؛ كما يدلّ على هذا تفسيره «هميان الزاد إلى دارالمعاد» وغيره من المؤلفات. وليس الشيخ اطفيَّش وحيدا بين الإباضيّة في هذا المجال فأكثر آثارهم إنمّا كانت في العقيدة والفقه، كما أنّ المذهب من أساسه مذهب عقديّ قبل كلّ شيء، لذلك اهتمّ أصحابه بهذا الجانب وكثرت أعمالهم فيه. والذي يهمّنا من أعماله ــ وقبل الحديث عن منهجه ــ ما كان خاصّا بالعقيدة أو غالبا فيه، لذا نتتبع قائمة مؤلَّفاته كما سيأتي. (1/81)
صفحة 82
2 - مؤلفات الشيخ اطفيَّش في العقيدة
أوّلا - المؤلفات الذاتية
1 - الحُجَّة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد: وهو نموذج للمتون التي تؤلّف موجزة حتّى يحفظها التلاميذ والعامّة، تقتصر على أصول العقيدة تكاد تخلو من الاستدلال، وهو متن يشبه كتاب الشيخ عامر الشمّاخي (1) المسمّى «متن الديانات» إلاّ أنّ الشيخ اطفيَّش عوّض بعبارة: «ندين بـ ... » المتردّدة في «متن الديانات» عبارة «لا إلاه إلا الله الحمد لله الذي ... » فهو يردّدها كلّ مرّة ليذكر بعدها الصفة من صفات الله تعالى والمتن كلّه في التوحيد، وما يجب تنزيه الله تعالى عنه، وتسليم الأمر إليه؛ من ذلك قوله:
«لا إله إلا الله الحمد لله الذي تنزَّه عن حلول المعاني والآفات. لاإله إِلاَّ الله الحمد لله الذي لا يزداد ولا ينقص ولا يتغيّر ... » (2).
2 - شامل الأصل والفرع: جمع فيه الشيخ بين مسائل العقيدة والفقه وأصوله، على طريقة من سبقوه من الإباضيّة، ومن أهمّ المسائل الواردة في الكتاب (3): قيام الحجة، ومفهوم الإيمان، والإيمان بالملائكة، والولاية والبراءة.
__________
(1) عامر بن علي الشماخي: من علماء القرن الثامن توفي سنة 792 هـ/ 1390 م؛ اشتغل بالتدريس له مؤلفات منها الإيضاح: انظر: أحمد بن سعيد الشماخي: كتاب سيرالمشائخ: طبعة قديمة دت: 559 - 561.
(2) -الحجة في بيان المحجة: طبع قديم. د. م، دت: 38.
(3) - شامل الأصل والفرع: 1/ 02 - 80. (1/82)
صفحة 83
ثانيا- المختصرات
1 - الذهب الخالص: اختصر فيه الشيخ ما جاء في كتاب «قواعد الإسلام» للجيطاليّ، (1) وحاشيته لأبي عبد الله محمد بن أبي ستة (2)، واتّبع ترتيب الأصل نفسه، فكانت الأبواب الأولى حول العقيدة، وقد شغلت جانبا مهمّا من الكتاب (3) وبأسلوب مركّز مختصر جدّا، شمل أغلب فصول العقيدة، مع توسّع في موضوع الولاية والبراءة، ولكنّه ترك بحث الإمامة، ولم يذكرها إلاّ عرضا؛ ويعدّ «الذهب الخالص» من أهمّ المصادر عن فكر الشيخ لأنّه كتبه في صغره ثمّ زاد عليه ونقّحه لما تقدّم به العمر (4).
2 - جامع الوضع والحاشية: وهو شبيه بكتاب «الذهب الخالص» في منهجه وترتيب مسائله، ولكنّه أكثر اختصارا واقتضابا (5)، أصله «كتاب الوضع» لأبي زكرياء يحي بن الخير الجَنَّاوَنِيِّ (6) وحاشيته لأبي ستة.
__________
(1) إسماعيل بن موسى الجيطالي: من علماء نفوسة في النصف الأول من القرن الثامن الهجري. له مؤلفات منها: “قواعد الإسلام”، “قناطر الخيرات”. انظر الجيطالي: قواعد الإسلام: تصحيح عبد الرحمن بكلي المطبعة العربية غرداية 1976 م: 1/ترجمة المصحح للمؤلف: هـ- ز.
(2) أبو عبد الله محَمَّد بن عمر بن أبي ستة: من علماء القرن الحادي عشر (1022 - 1088 هـ/1614 - 1679 م) اشتهر بلقب المُحشِّي لكثرة حواشيه على الكتب أشرف على التدريس بجربة وتولى القضاء؛ انظر: علي يحي معمر: الإباضيّة في موكب التاريخ الحلقة الثالثة: دار الثقافة، بيروت، دت: 189 - 192؛ الجعبيري فرحات: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية: ط 2، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1990 م: 1/ 147.
(3) - الذهب الخالص: 1 - 80.
(4) -كشف الكرب: 1/ 06.
(5) -جامع الوضع والحاشية: 1 - 70.
(6) أبو زكرياء يحي بن الخير الجناوني: من علماء نفوسة (ليبيا) في القرن الخامس الهجري/ 11 م: له عِدَّة مؤلفات. انظر: الشماخي: السير: 535؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 117. (1/83)
صفحة 84
ثالثا - التفسير والشروح
1 - التفاسير: وهي ثلاثة: «هميان الزاد» و «داعي العمل ليوم الأمل» و «تيسير التفسير»؛ والتفسير عموما من أهمِّ مظانِّ الآراء العقديّة لأَنَّ القرآن الكريم مصدر العقيدة الإسلاميّة، فلا يعدو التفسير أن يكون موضّحا لهذا الدليل وموجّها له (1). وقد اتَّخَذَ الشيخ اطفيَّش التفسير وسيلة لبيان العقيدة، لكنَّ تفاسيره تختلف في ذلك، فأهمّها تفسيره الأوّل «الهميان» الذي بسط فيه كثيرا من آرائه ثم بعده «التيسير» فقد كان إذا وصل إلى آية فيها إشارة إلى مسألة من الاعتقاد توقّف عندها، واستفاض أحيانا في توضيحها والاستشهاد بما يماثلها من النصوص.
2 - الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى: تتبّع الشيخ في هذا المؤلف الأسماء الحسنى بالشرح والتفسير، وأشار في ثنايا الكتاب إلى مباحث الصفات ومصدرها، وذاتيّتها وغير ذلك.
3 - شرح عقيدة التوحيد: متن الكتاب وأصله لأبي حفص عمرو بن جُمَيْع (2)، وقد نقله من البربريّة إلى العربيّة وليس بمتن طويل، لكن الشيخ اطفيَّش توسّع كثيرا في شرحه، واستطرد في الاستشهاد بالقرآن والسنّة، وغيرهما من كتب التاريخ، ولم يعد كتابا خاصّا بالعقيدة بل وردت فيه فصول في مسائل فقهية؛ لأَنَّ المتن يُلقّن للمبتدئ حتّى يعرف أمر دينه، ويعرف ما يجب عليه علما وعملا، فتضمّن لذلك مسائل فقهيّة إلى جانب الأصول العقديّة.
__________
(1) يحي بوتردين: الشيخ اطفيش ومذهبه في التفسير: 288.
(2) أبو حفص عمرو بن جميع: من علماء القرن السابع الهجري/13 م بالمغرب؛ انظرالجعبيري: البعد الحضاري:1/ 124. (1/84)
صفحة 85
4 - شرح أصول الدين لتيبغورين (1): شرح فيه أصول الاختلاف الكلاميّة كما وردت في الأصل، فاتَّبع فيه منهجا كلاميًّا مبنيًّا على الاحتجاج وردّ الاعتراضات والاستدلال على الآراء.
5 - شرح الدعائم المختصر: وقد تضمّن شرح قصائد ابن النضر العمانيِّ (2) العقديّة والفقهيّة، وجاءت فيه قصيدة في التوحيد، وقصيدة في قيام الحجّة، وقصيدة في الاستطاعة، وقصيدة في الردّ على من يقول بخلق القرآن (3). وقد اهتم الشيخ اطفيَّش في هذا الكتاب بالجانب اللغويّ خاصّة؛ ونفى نسبة قصيدة الردّ على من يقول بخلق القرآن إلى ابن النضر معتمدا على نقد أسلوبها، ومضمونها الذي لا يتّفق مع عقيدة ابن النضر (4).
6 - شرح لامية ابن النضر: وتسمَّى أيضا بقصيدة الولاية والبراءة، إلاّ أنّ الشيخ اطفيَّش شرحها شرحا تاريخيّا أكثر منه عقديّا، ووقف طويلا في بعض القضايا خاصّة في الإمامة وشروطها.
7 - فتح الله: شرح شرح مختصر العدل والإنصاف (5): وهو مؤلّف في أصول الفقه لكن وردت فيه فصول لقضايا عقديّة خاصّة في الوحي والرسل وأفعال العباد.
8 - شرح كتاب النيل وشفاء العليل: وهو كتاب فقه، وردت أثناءه مسائل عقديّة،
__________
(1) تيبغورين بن عيسى الملشوطي: من علماء الإباضيّة بالمغرب (ملشوطة) في النصف الأوّل من القرن 6 هـ/12 م ينسب إليه كتاب الجهالات؛ انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 116.
(2) أحمد بن النضر بن سليمان: عالم عماني شاعر عاش في القرن الخامس الهجري؛ انظر: ابن النضر: ديوان الدعائم، المطبعة العمومية، دمشق، 1966 م: 4 - 9.
(3) - شرح الدعائم المختصر: 1/ 1 - 258.
(4) - شرح الدعائم: 1/ 225، 229، 232.
(5) انظر الكتاب وأصله ومؤلفه في ملحق مؤلفات الشيخ. (1/85)
صفحة 86
خاصّةً الإمامةُ، والأمر والنهي (1)، لأنّها وإن كانت من أصول الدين لكن تطبيقاتها في حقيقتها ترجع إلى الفقه، وكذلك كتاب الأفعال المنجية من المهلكة في آخر شرح النيل قد حوى مسائل فقه القلوب والاعتقاد والأخلاق وهو آخر كتاب فيه.
رابعا - الحواشي
1 - حاشية الموجز: وهو كتاب في علم الكلام، تضمن مسائل العقيدة، لكن لم نطلع سوى على حاشية الجزء الثاني منه، لأنّ حاشية الجزء الأَوَّل لم يبق منها سوى بضع ورقات.
2 - حاشية القناطر: والموجود منها يصل إلى بعض من حاشية قنطرة الصلاة، وهي مهمّة من حيث احتواؤها على آراء الشيخ اطفيَّش في موضوع الإيمان خاصّة.
خامسا - التقريرات
1 - تقريرات على حاشية الديانات للسَّدْوِيكْشِي (2) وتتمّتها للمصعبي (3): وهي من إملاء الشيخ وكتابة تلميذه أبي اليقطان إبراهيم، وقد تدخّل التلميذ بتوضيحات أثناء ذلك ممّا جعل معرفة كلام الشيخ وتمييزه من توضيحات أبي اليقظان أمرا صعبا، وهذه التقريرات جاءت كلّها في العقيدة تبعا للمتن.
__________
(1) - شرح النيل: 14/ 265 - 804.
(2) أبو عبد الله محمد بن سعيد السدويكشي: نسبة إلى سدويكش بجربة، ترأس فيها مجلس العزابة، ابتدأ تأليف حاشية الديانات ولم يتمَّها. توفي بعد: 1068 هـ/1658 م؛ انظر: الجعبيري: البعد الحضاري:1/ 151،152.
(3) يوسف بن محَمَّد المصعبي أصله من مليكة بوادي ميزاب أقام بجربة مع والده له أعمال في الجانب الاجتماعي والسياسي والعلمي. وتوفي سنة 1188 هـ/ 1774 م، انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 140 - 143. (1/86)
صفحة 87
سادسا - الردود
1 - البرهان الجليّ في الردّ على الجربيّ: وموضوع هذا الردّ جواز رؤية الجنّ، والاستدلال على ذلك، وعلى أنّ رؤية الجنّ ممكنة تخيّلا أو حقيقة، وهو ردّ على من أخذ برأي الإمام الشافعيّ في منع رؤية الجنّ.
2 - عدم الرؤية وإدحاض مذهب أهل الفرية: وهذه الرسالة من أوائل مؤلّفاته (1)، وتظهر فيها نزعة الجدل حادّة، وهي خاصّة بالردّ على من خالفه في إنكار رؤية الله تعالى.
3 - إزالة الاعتراض عن محقّي آل إباض: وهذا الردّ أخفّ ردوده في الأسلوب، تغلب عليه صبغة التعريف بالمذهب الإباضيّ، وشرح مبادئه وأصوله.
4 - الردّ على العقبي: وهو في معظمه سرد تاريخيّ أكثر ممّا هو بحث عقديّ، وفيه يثبت الشيخ اطفيَّش وجود الإباضيّة مجتمعا ومذهبا ويدافع عنهم، ويردّ ما اتّهمهم به العقبي (2)، ونسبه إليهم من الشبه والأباطيل.
5 - الردّ على الصفريّة والأزارقة: ركّز الشيخ في هذا الردّ على إنكار ما يعرف عن الأزارقة من الحكم بشرك العاصي لمجرّد عصيانه، ووجوب الهجرة بعد الفتح، ذاكرا الأدلّة على ذلك.
6 - جواب أهل زوارة: وهو جواب على رسالة من أهل زوارة (3) طلبوا فيها من الشيخ أن يراسلهم ولا يقطع صلته بهم كما يتّصل بغيرهم، وأن يردّ على بعض
__________
(1) - عدم الرؤية وإدحاض مذهب أهل الفرية: (خ) ضمن مجموع رسائل مكتبة القطب (أ. ز 6): 89 - 99.
(2) حسب هذا الرد، يظهر أَنَّ “العقبي” رجل من عَامَّة الناس ولم يكن علما مشهورا.
(3) زوارة: مدينة ساحلية في الشمال الغربي من ليبيا. (1/87)
صفحة 88
الأقوال المنسوبة خطأ إلى الإباضيّة عقيدة أو فقها، فأجابهم إلى ذلك.
هذه هي الآثار التي تناول فيها الشيخ اطفيَّش مباحث العقيدة، وبسط في ثناياها آراءه؛ ومنهج التأليف فيها متقارب متشابه، فهو في الغالب لا يقدّم للكتاب بل يدخل في الموضوع مباشرة، ولا يذكر منهج التأليف إلاّ قليلا جدّا، وإذا كان لهذا من سبب، فهو في نظرنا راجع إلى كون الشيخ يؤلّف كتبه ليقرّرها على تلاميذه، خاصّة الشروح منها والحواشي، فلم يكن له متّسع ومجال للتنقيح إلاّ قليلا، كما كانت تغلب على مؤلفاته نزعة الاهتمام باللغة والبلاغة إلى حدّ الإفراط أحيانا، كما هو الحال في كتابه «شرح الدعائم المختصر».
وليس في هذا التراث العقديّ من المؤلفات الذاتيّة سوى كتابين هما: «الحجة في بيان المحجة»، و «شامل الأصل والفرع»؛ لذا لا نوافق من قال: إنّ الشيخ اطفيَّش لم يؤلّف كتابا مستقلا في العقيدة (1) لأنّ الواقع خلاف هذا، ولكن أيضا لم يكن جهده كلّه في المؤلفات الذاتيّة في العقيدة (2)؛ لأنّ أغلب ما وجدناه كانت مؤلفات تابعة لمتون سابقة إمّا شروح أو حواش، وكانت نزعة الشرح والتكرار طاغية على تراثه، فنقص التجديد لديه من حيث المنهج، وترتيب المسائل والموضوعات؛ ولا يعني هذا الانتقاص من أهميّة هذا التراث وهذا الجهد، لأنّ له ميزات أخر في جوانب متعدّدة؛ ولمجيء الشيخ متأخرا في الزمن تمكّن من الاطلاع على آراء من سبقه من الإباضيّة وغيرهم، فكان له فضل جمع هذه الآراء، والمقارنة بينها ونقدها، وبناء آراء جديدة ابتعدت عن مجرّد التقليد والتكرار، وسيتّضح هذا عند دراسة نماذج من آرائه في العقيدة كما سيأتي، وقبل ذلك نتعرّض إلى منهج الشيخ في عرض العقيدة ثمّ منهجه في الاستدلال.
__________
(1) أعوشت بكير: قطب الأئمة: 130.
(2) الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 187. (1/88)
صفحة 89
المبحث الثاني
منهج الشيخ اطفيَّش في عرض العقيدة
1 - منهج عرض المسائل وخصائصه
أوّل ما يعترض سبيلنا في ترتيب مسائل العقيدة عند الشيخ اطفيَّش هو عدم التمكّن من نسبة منهج خاصّ بالشيخ في الموضوع؛ لأنّ ما أنتجه من المؤلفات غالبه كان تبعا لمؤلفين سابقين، فهو يشرح أو يضع الحواشي أو يختصر على منهجهم وطريقتهم في الترتيب، وقد وجدنا له مؤلَفَيْن في العقيدة ذاتيّين خاصّين به، لكن لم نجد فيهما كلّ مباحث الاعتقاد مستوفاة، كما أنّهما لم يكونا خالصين في ذلك، لهذا نعرّف بمنهجه وطريقته في كلّ نوع من التأليف كما يلي:
أَوَّلاًـ منهجه في متن: «الحجّة في بيان المحجّة»: فهو متن خاصّ بالتوحيد فقط، تعرّض فيه الشيخ إلى إقرار وحدانية الله تعالى وألوهيته وسرد صفاته الواجبة في حقّه، والمستحيلة عنه، وقد وردت فيه بعض المسائل مثل القضاء والقدر، ولم يكن الغرض منها دراسة هذه القضيّة، بل وردت عرضا لبيان قدرة الله تعالى، ووجوب الاستسلام لأمره وقضائه؛ وجاء المتن مختصرا جدّا خاليا من الاستدلال، وهذا لا يمكّننا من معرفة منهج الشيخ في العقيدة، ولا يسيغ لنا استنتاج منهج عامّ لباقي المؤلّفات.
ثانيا ــ منهجه في «شامل الأصل والفرع»: وهذا الكتاب أيضا لم يكن خاصّا بالعقيدة، ولا شاملا جامعا لكلّ مسائلها، فقد جمع فيه الشيخ بين العقيدة وقضايا أصول الفقه؛ إضافة إلى بعض الآداب والأخلاق، كما أنّها لم تكن مرتّبة خاصّة في الجزء (1/89)
صفحة 90
الأول منه الذي جمع فيه بين ما سبق، وهذا الكتاب أيضا لا يدلّ على منهج في عرض االعقيدة وتناولها؛ ونجد من مسائل العقيدة في الكتاب الأوّل: الإيمان والإسلام واليقين والكفر، ثمّ الإيمان بالملائكة والجنّ والخاطر، وفي الكتاب الثاني منه نجد ثلاثة أبواب من العقيدة هي: باب في الولاية والبراءة والوقوف، ثمّ باب الذنوب والتوبة منها، ثمّ باب في البعث والدنيا والآخرة.
ثالثا ــ منهجه في باقي المؤلّفات: أمّا في المؤلفات الأخرى فقد كان الشيخ يتّبع من سبقه، ونجد في شروحه وحواشيه على هذه المؤلّفات طريقتين:
فالطريقة الأولى: هي تخصيص بعض المؤلّفات بالعقيدة، وفي الغالب تتّبع منهجا واحدا، تتدرّج فيه من مسائل التوحيد والصفات كرؤية الله تعالى وخلق القرآن، ثمّ مسائل الأسماء والأحكام، وأخيرا مصير الإنسان، وغالبا ما تقتصر هذه المؤلفات على مسألة مصير صاحب الكبيرة، لما فيها من الخلاف، فكان الشيخ يتناول ذلك بالشرح والتوضيح والتعليق، ونلاحظ أنّ هذا المنهج الكلاميّ يغفل أحيانا بعض الجوانب مثل الإيمان بالنبوة والإيمان بالملائكة، كما أنّه يهتمّ بالردود والاعتراضات.
وأمَّا الطريقة الثانية: فهي طريقة الكتب التي تجمع بين العقيدة والفقه، وأهمّ كتب الشيخ اطفيَّش في ذلك كتابا: الذهب الخالص، وجامع الوضع والحاشية، فهما يبتدئان بقسم أوّل في العقيدة، ثمّ قسم ثان في الفقه، ويختتمان بالآداب والأخلاق، أمّا جانب العقيدة فهو مرتب عَلَى المنهج التالي، أَوَّلاً: مسائل التوحيد والإيمان بالله تعالى، وما يتعلق بالغيب، وفيه الصفات، والإيمان بالملائكة وبالجنة والنار والبعث والحساب، وما يتعلق بهما من أمور القيامة، ثُمَّ مسائل النبوة وعدد الأنبياء، فالإيمان وأقسامه والكفر وأنواعه، مع بيان حكم المؤمن والمنافق والكافر ومصير كلّ واحد منهم، وأخيرا الولاية والبراءة والوقوف. (1/90)
صفحة 91
وهكذا يمكن القول: إن الشيخ اطفيَّش لم يجدّد في ترتيب مسائل العقيدة بل كان على منهج من سبقه؛ ولكنّ مباحثه قد تميزت ببعض الخصائص نوردها فيما يلي:
من هذه الخصائص: تعدّد مصادره التي يعتمدها في تقرير المسائل: فالمصادر الأساسيّة في العقيدة هي القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة، فمنها تستنبط الأحكام وتتّخذ الآراء والمواقف؛ والشيخ اطفيَّش يبحث عن الدليل فيهما أوّلا؛ والشيء الذي اتّسم به وتميّز به هو دقّته واختيار أدلّته المؤدِّية للمقصود، والصالحة للمقام، فلم يكن يلتزم الأدلّة التي يستعملها من سبقه، ونجد هذا في مواطن متعدّدة من المسائل التي ناقشها مثل: تسمية المؤمن، وتسمية صاحب الكبيرة، فقد تعدّدت الأدلّة فيها لكنّ الشيخ ردّ بعضها واكتفى بالقليل من ذلك (1).
وكان مصدره الأوّل في الحديث هو كتاب «الجامع الصحيح» للربيع بن حبيب، ولم يقتصر في الاستدلال بما جاء في هذا الكتاب بل اعتمد مصادر الحديث المختلفة خاصّة المشهورة منها والمتداولة.
ولم يكتَفِ الشيخ في استدلاله بهذين المصدرين بل كان للعقل أثره في صياغة آرائه العقديّة، وبعد العقل نجد أقوال من سبقوه وما جاء في الآثار القديمة؛ فهو يستشهد بأقوال الصحابة، والتابعين ثمّ بأقوال السابقين من الإباضيّة، وأصحاب المذاهب، وينقل ما كتبوه، كما يورد أقوالا من الكتب المقدسّة خاصّة إذا تعلّق الأمر بمسألة في مقارنة الأديان مثل إثبات الحشر بالأجساد، وعدد الرسل وأسمائهم (2)، وكانت هذه الكتب مصدرا ومنفذًا
__________
(1) - الهميان: 4/ 99؛ التيسير: ط 1: 1/ 658، 659؛ انظر: عنوان: “أدلة تسمية صاحب الكبيرة كافرا كفر نعمة”، المبحث الثاني، الفصل السادس، ص 317.
(2) - الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان: ط قديمة 1304 هـ: 126؛- الرسالة الشافية: 06؛ الهميان: 4/ 221؛- شرح العقيدة: 319، 320، 324؛ -التيسير: 6/ 304 ــ 306؛ انظر: عنوان: “حشر الأجساد” فيِ الفصل الثالث؛ وعنوان: “عدد الأنبياء والرسل” فيِ المبحث الثاني، الفصل الرابع، ص 173، و 326. (1/91)
صفحة 92
للإسرائليّات في تراثه، ومن جهة أخرى كان لتعدّد المصادر عند الشيخ أثر مهمّ في المقارنة بين الآراء؛ فعدَّد من المقارنات وإيراد آراء الآخرين وأدلّتها ومناقشتها، والاهتمام بنسبة الرأي إلى صاحبه واهتمّ أكثر بالمقارنة بين أقوال الإباضيّة وآرائهم وبين آراء غيرهم من المعتزلة والأشاعرة خاصّة، واهتمامه بالمعتزلة كان بحكم التقارب بينهم وبين الإباضيّة؛ وأمّا اهتمامه بالأشعريّة فكان بسبب التقارب أيضا، إضافة إلى الجوار في الحيّز الجغرافيّ بين المذهبين خاصّة في المغرب؛ وعقد مقارنات أخرى بين الإباضيّة وبين الصفريّة والأزارقة والشيعة؛ وكان في كلّ ذلك معتزّا بمذهبه، شديد القناعة بصواب آرائه غالبا (1) إلاّ أنّ هذه القناعة لم تمنعه من التمحيص في الأقوال، ومخالفة مشهور المذهب واتخّاذ رأي شخصيّ يظهره عند نهاية إيراده لمختلف الآراء ومناقشتها؛ ولكن نلاحظ أنّ اهتمامه بالمذهب الأشعريّ كان أكثر من اهتمامه بأيّ مذهب آخر، والسبب في هذا يعود إلى ما ذكرناه من الجوار، وإلى الاحتكاك الذي ولَّد مناقشات بين أصحاب المذهبين الأشعريّ والإباضيّ كما كان الشيخ مدفوعا في هذه المقارنات برغبته في تصحيح التصوّر الذي تقدّمه المصادر الأشعريّة عن الإباضيّة وفي الغالب لم يكن تصوّرا صحيحا عن هذا المذهب وآرائه وظهر هذا كثيرا في مراسلات الشيخ إلى الإباضيّة أو إلى غيرهم، من ذلك على سبيل المثال: «الردّ على العقبي» و «إزالة الاعتراض» و «إزهاق الباطل» فهي ردود على من نسب إلى الإباضيّة ما لم يقولوه، وتصحيح لذلك؛ وكان الشيخ اطفيَّش مهتمّا بهذه الردود والمقارنات منذ بداية عهده بالتأليف؛ يدلُّ على ذلك رسالة «إثبات عدم الرؤية» التي ألّفها في عهد الشباب وكانت نزعة الجدل واضحة فيها، ثمّ نلاحظ أنّ هذه النزعة تخفّ بتقدّم العمر وبالرسوخ في العلم في ما جاء بعد ذلك من المؤلفات حتّى وصل الشيخ إلى محاولة تصحيح رواية الأشاعرة عن الأشعريّ؛ للوصول إلى القول الأصليّ الذي يرتضيه للأشعريّ كما فعل في مسألة الكسب
__________
(1) - الهميان: 8 ق 1/ 295. (1/92)
صفحة 93
في الفعل الإنساني (1)؛ وممّا دفع الشيخ إلى المقارنات أيضا رغبته في التقليص من الخلاف أو إثبات الاتفاق بين بعض المذاهب، كما كانت نهاية بحثه في رؤية الله تعالى، أو في مسألة خلق الأفعال في القضاء والقدر (2).
وبعد هذه المقارنات يبدي الشيخ اطفيَّش رأيه الشخصي إمّا بموافقة رأي سابق أو باتِّخاذ موقف جديد، وهو أحيانا يشير إلى ذلك ناسبا القول إلى نفسه، وأحيانا يتركه للقارئ حتّى يكتشفه (3)؛ وهذا ما جعل الوصول إلى مواقفه وآرائه غير ميسور دائما بل يستدعي جهدا وطول بحث، وخاصّة عندما يغيّر من رأيه بين كتاب وآخر دون الإشارة إلى هذا التغيير (4).
وقد كانت آراؤه أحيانا مخالفة لمشهور المذهب الإباضيّ، وهو يدرك هذا، ويسارع إلى التنبيه إلى أنّ مقصده من هذا الرأي هو البحث عن الحق في الموضوع، وأنّه لم يكن يرمي إلى الغرض السيّء من الخلاف والفرقة، وكان شديد الحرص على توضيح ذلك خاصّة في مراسلاته، فهو يهوّن من الخلاف، ويحاول أن يجعله مجرّد خلاف لفظيّ، وأنّ الغاية واحدة والنهاية متماثلة في قوله وقول سائر الإباضيّة.
وتنبغي الإشارة إلى أنّ الشيخ قد غفل في المقارنات التي كان يجريها عن المدرسة السلّفية، وقد كانت آراؤه تتشابه مع آراء هذه المدرسة أحيانا، وكان السبب في نظرنا هو اهتمامه بغيرها من المدارس، وعدم اهتمام المصادر الإباضيّة بها أيضا، وانعدام كتب هذه المدرسة في المحيط الذي عاش فيه الشيخ بالمقارنة إلى وفرة المصادر الأشعريّة فيها.
__________
(1) - التيسير: 3/ 423؛ انظر: الفصل السابع المبحث الثالث، هامش: 73، ص 375.
(2) - الذهب: 29؛ - داعي العمل: ليوم الأمل: (خ) مكتبة القطب (أ ب:2): و: 95؛ انظر: استحالة الرؤية، فيِ الفصل الثالث المبحث الثاني، ص 132.
(3) - شرح لامية ابن النضر: 1/ 06.
(4) انظر: المبحث الرابع من الفصل الثامن، ص 440. (1/93)
صفحة 94
وإذا نظرنا إلى آراء الشيخ اطفيَّش في العقيدة نقف على ميزة أخرى مهمّة تتمثل في محاولته الرجوع بالمسائل إلى أصولها الأولى، فهو يبحث القضيّة كما وجدها في التراث الإسلاميّ، وبحكم تأخُّره في الزمن يجد اختلافا في المسألة الواحدة إلى حدِّ التناقض في الآراء، فيبحث هذه الآراء، ومصدر الاختلاف فيها، ويبحث عن المخرج من الاختلاف فلا يجده إِلاَّ في الرجوع إلى الأصول الأولى، وأوّل ما يرجع إليه هو عهد الرسول e وعهد الصحابة والتابعين، وهذا هو العهد الذي كانت فيه العقيدة خالصة من الآراء والأفكار الدخيلة، وقريبة من فترة نزول الوحي فلم تتأثَّر بعد بالآراء المذهبية، فهنا يجد الشيخ اطفيَّش القول الذي يرتضيه، ويركن إليه لما فيه من انسجام مع الفطرة السليمة، وروح الإسلام ومقاصده، وهذا ما ظهر جليًّا في بحثه لمسألة توحيد الله تعالى وما يجب فيه على المؤمن فخلَّص بذلك العقيدة من الاعتبارات الكلاميّة المختلفة، واستند إلى ما روي عن الرسول e حين كان ينشر الإسلام ويدعو الناس إلى الوحدانيَّة (1)؛ كما كان للشيخ اطفيَّش أصل سلفيّ خاصّ بالمذهب الإباضيّ يرجع إليه إذا خالف المشهور في المذهب، فنجده يلتمس سندا لرأيه في أقوال المؤسّسين الأوائل، ويبيّن أنّ رأيه ليس جديدا في المذهب ولا غريبا عنه وإنَّما هو تجديد وبعث لما كان عليه المذهب في أوّل أمره، ومثل هذا نجده في بحثه مسألة الاستطاعة وَأَنَّهَا تكون قبل الفعل وأثناءه (2).
وامتازت آراؤه بالواقعيّة التي تعطي للآراء العقديّة أثرا عمليّا في الحياة وقد جاء في وضع يختلف عن أوضاع المسلمين في سالف عهودهم، ووجد أنّ الآراء التي قيلت
__________
(1) - الحجّة في بيان المحجة: 28، 29؛ انظر عنوان: “التوحيد وما يجب فيه” فيِ المبحث الأَوَّل من الفصل الثالث، ص 107.
(2) - شرح الدعائم: 1/ 206، 207؛ انظر: عنوان “الاستطاعة فيِ فعل الإِنسَان” فيِ المبحث الثالث من الفصل السابع، ص 357. (1/94)
صفحة 95
في القديم أضحت لا تساير هذا التغيير في الزمان وأحوال الناس، مِمَّا جعلها أحيانا عديمة الجدوى، وغير صالحة للتطبيق مع أنّ الأصول العقديّة في الحقيقة ثابتة وصالحة لكلّ وقت، لكن التفسيرات التي فسّرت بها لم تكن كذلك، واحتاجت إلى تجديد، وهذا ما حاول الشيخ اطفيَّش القيام به، فكان يقرن الأصل العقديّ الذي يدرسه بالواقع الذي يعيشه الناس، ويحاول أن يصبغه بصبغة عمليّة تخرج به من مجرّد الاعتقاد القلبيّ إلى أن يصبح حقيقة عمليّة مجسّدة في التصرّفات، وهذا ما جعل آراءه على درجة كبيرة من الأهمية، والشواهد على هذا كثيرة في المسائل التي درسها، من ذلك أَنَّهُ قارن بين ما يطلبه علماء الكلام في التوحيد، وما أثقلوا به هذا الأصل الإيمانيَّ من المصطلحات والاعتبارات وبين واقع الناس في عصره، فوجد أنّه لو أبقُي مبحث التوحيد على هذا النحو لكان عديم الجدوى، ولا يمكن للناس استيعابه، فقال: إنّ الواجب أن يخاطب الناس بما يفهمون، وبما يمكّنهم من إدراك وجود الله تعالى ومعرفته بيسر؛ وقال عن هذا: «طبع العوامِّ ينفر غالبا عن إدراك الحقائق فمن سمع من العوّام في أوّل الأمر ثبوت موجود ليس بجسم ولا متحيّز ولا مشار إليه ولا عرض ظنّ أنّ هذا عدم ونفي؛ فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالّة على ما يناسب ما توّهموه» (1).
ومن الأصول الاعتقاديّة التي بيّن فيها الجانب العمليَّ وراعى فيها واقع الناس ما قاله في كيفيّة الإيمان بالملائكة، فهو يرى أنّ من تمام الإيمان بهم بعد التصديق بوجودهم العمل بما يرضونه ويحبونه ومن هذه الأعمال الجهاد من أجل تحرير البلاد الإسلاميّة من المستعمرين (2)، ونصح من راسلوه مستفتين عن الهجرة من البلاد المستعمرة فقال في حقّهم إِنَّهُ يجب عليهم البقاء في أراضيهم حَتَّى لا يتركوها فارغة ويستولي عليها المستعمر لهجرتهم
__________
(1) - شامل الأصل والفرع: 1/ 51.
(2) - شرح العقيدة: 350؛ انظر عنوان: “مقاومته للاستعمار” في الفصل الأوَّل، ص 35. (1/95)
صفحة 96
ولجوئهم إلى بلدان مجاورة (1). فمثل هذه الآراء من تنزيل العقيدة إلى واقع المسلمين أكسب تراث الشيخ اطفيَّش أهميّة عظيمة في مسايرة الواقع، وسيتضح لنا هذا الجانب أكثر عند تتبّع آرائه في الفصول القادمة؛ وقبل هذا نرى منهجه في الاستدلال.
2 - منهج الاستدلال عند الشيخ اطفيَّش
يمكننا الوقوف على منهج الاستدلال عند الشيخ اطفيَّش بتتبّع كيفيَّة تعامله مع مصادره في العقيدة خاصّة منها المصدران الأساسيّان: القرآن والسنة؛ ثمّ العقل؛ وبذلك نقف على مدى اعتماد الشيخ على هذه المصادر.
ا - الاستدلال بالقرآن والسنَّة
يتَّفق المسلمون على أنَّ الوحي هو المصدر الأوَّل للعقيدة الإسلاميَّة، متمثِّلا في النصِّ القرآنيِّ والحديث النبويِّ الشريف، ثُمَّ بعدهما أقوال العلماء من السلف التي لا تخالف الكتاب والسنَّة، وهذا ما قال الشيخ اطفيَّش فيه: «واعلم أنَّ الحقَّ هو القرآن والسنّة، وما لم يخالفهما من الآثار، فمن قام بذلك فهو الجماعة والسواد الأعظم ولو كان واحدا؛ لأَنَّهُ نائب النبيء e والصحابة والتابعين الذين اهتدوا وكلّ مهتد، ومن خالف ذلك فهو مبتدع ضالٌّ ولو كان جمهورا» (2). فقد أكّد على أوَّليَّة الاعتماد على المصدر النقليِّ، وتقديمه على غيره، واستدلَّ على ذلك حين فسّر قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فيِ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10] وقال: «والآية تدلُّ على أنَّ علم الديانة لا يدرك بغير التعلّم فلا بدَّ من إرشاد مرشد
__________
(1) - الهميان: 7 ق 1/ 291؛ -التيسير: 8/ 422؛ - تفسير ألغاز: 51.
(2) - الهميان: 2/ 452. (1/96)
صفحة 97
أَوَّلاً، فيسمع السامع ويفهم بعقله ما سمع» (1). وثبت الشيخ على هذا الرأي ودافع عنه كثيرا في أعماله (2)؛ وهو أمر منطقيٌّ: فالكتاب والسنّة هما أساسا العقيدة والشريعة، فبهما يصحُّ الاعتقاد، ويحصل الإجماع.
واعتبار العقيدة أهمَّ ما جاء به الإسلام يفرض وضع مقاييس لقبول النصِّ المثبت لها، لأَنَّ من أسسها تظافر النصوص على إثباتها وأن تكون هذه النصوص واضحة في تقريرها، وأن يجمع المسلمون عليها (3). وقد تمثَّل هذا الاعتبار في اشتراط ما يجعل الدليل النقليّ قويًّا في إثبات العقائد حين أخذه على ظاهره. ودلّت أعمال الشيخ اطفيَّش كمن سبقه على وجوب تقييد الدليل النقليِّ الذي يؤخذ على ظاهره دون إدخال احتمالات وترجيحات، عليه فنجده يذكر ضابطين تكون بهما الأدلّة قطعية لا ظنّ فيها، وهما (4):
الأَوَّل: وضوح الدليل: أو ما اصطلح على تسميته بالنص المحكم، وعرّفه الشيخ بقوله: «ما علّق حكمه بظاهره، وإن شئت فقل: ما تأويله تنزيله، فهو عند سماعه ولا يحتمل وجهين» (5). فالمحكم لا يحتمل معانيَ مختلفة، ولهذا يصبح هو الأصل ويعتمد عليه في فهم ما غمض معناه، وبه يفسّر، وهو المقياس في معرفة ما لم يكن محكما وهذا سواء في أدلّة الكتاب أو السنّة (6).
والثاني: تواتر النصِّ: حتّى يكون قطعيَّ الثبوت، ممكن الاستدلال به، لأنَّه يتعلّق
__________
(1) - داعي العمل: ظ: 242.
(2) - جامع الوضع والحاشية ط قديمة 1306 هـ، د. م: 08،66؛ -الذهب الخالص: 30؛ -شرح أصول تيبغورين: 333.
(3) محمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة: ط 14 دار الشروق، بيروت 1987 م: 9، 10.
(4) - الهميان: 6 ق 1/ 313.
(5) - شامل الأصل والفرع: 1/ 48.
(6) - الهميان: 4/ 13. (1/97)
صفحة 98
بالعقيدة: كالإيمان بالله تعالى وتوحيده، ولا ريب أنّ القرآن الكريم يتّصف بهذه الميزة: فهو منقول بالتواتر الذي لا يضاهيه تواتر في نقل نصٍّ؛ وهو من أوجه إعجازه والله تعالى يقول عنه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجر: 9].
وعندما نتمعّن في اشتراط هذا الضابط نجد الجدل واقعا في تطبيقه على نصوص الحديث؛ هل يكفي أن يكون الحديث صحيحا ولو غير متواتر حتى يحتجّ به؟
فقد اختلف في حديث الآحاد مثلا؛ إذ قال البعض بصحّة الاحتجاج به إذا كان صحيحا دون النظر إلى تواتره، وقال البعض الآخر بعدم الاحتجاج به، وجاء موقف الإباضيّة موافقا لمن اعتبر الآحاد في العقيدة ظنيَّ الدلالة لا يفيد يقينا ولا يثبت به الاعتقاد؛ وهذا ما وضّحه الشيخ السالميّ (1) في قوله: «إنّ مسائل الاعتقاد مبنية على اليقين، فنهينا عن اتباع الظنِّ فيها، ومسائل العمل غير مبنيّة على اليقين فقط؛ بل تكون تارة بالدليل القاطع وأخرى الظنيِّ [ ... ] وخبر الآحاد لا يثمر اليقين وَإِنَّمَا يثمر الظنّ، فلا يجوز ترك ما يثمر العلم لأجل ما يثمر الظنّ» (2).
وإذا نظرنا إلى ما كتبه الشيخ اطفيَّش في هذه المسألة نجده لم يفصل القول فيها، واكتفى بالإشارة إلى ظنِّيَّة الآحاد قائلا: «والآحاد مظنونة» (3). ولم يول مسألة الاحتجاج
__________
(1) عبد الله بن حميد السالمي: من أعلام الإباضيّة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، الميلاديين، من عمان، عاصر الشيخ اطفيش وكانت بينهما مراسلات متعدِّدة، وعاش ضريرا. له مؤلفات منها: “مشارق أنوار العقول” و“شرح طلعة الشمس” و“معارج الآمال”، توفي سنة 1332 هـ/1914 م؛ انظر: السالمي: معارج الآمال على مدارج الكمال: تحقيق محَمَّد محمود إسماعيل: مطابع سجل العرب عمان 1403 هـ/1983 م: المجَلَّد الأَوَّل: المُقَدِّمَة.
(2) السالمي: شرح طلعة الشمس: المطبعة الشرقية، عمان 1401 هـ/1981 م: 2/ 18،19؛ انظر في الاحتجاج بالآحاد: د. سهير رشاد: خبر الآحاد في السنة وأثره في الفقه الاسلامي: دار الشروق، بيروت، دت: 23.
(3) - الذهب: 309. (1/98)
صفحة 99
بحديث الآحاد أَهَمِّيَّة بالغة من حيث المنهج؛ رغم أَنَّهُ كتب فى مصطلح الحديث وَلَكِنَّهُ كان يشير إلى ضعف الدليل لهذا الوصف فيه أثناء مناقشة المسائل العقديّة.
ولكنَّ منهج الشيخ اطفيَّش فى تعامله مع الحديث النبويِّ لم يقتصر على دراسة السند وحده، بل اهْتَمَّ بدراسة متنه ومضمونه أكثر، فكان يرى أنَّ صحَّة الحديث أو ضعفه لا يتوقَّفان على صحَّة سنده وضعفه فقط، بل هناك ضابط آخر يدلُّنا على أنّ النصَّ من الوحي أوليس منه، وهذا الضابط هو المحكم من القرآن الكريم؛ لأَنَّ المفروض ألاَّ يتناقض ما يأتي حديثا مع ما في القرآن الكريم، فما كان موافقا للقرآن الكريم كان صحيحا وصالحا لأن يستدلَّ به إضافة إلى كونه صحيح السند.
أَمَّا إذا جاء الحديث مخالفا في ظاهره لما في محكم القرآن الكريم فإنّ الشيخ اطفيَّش يسلك معه المسلك التالي: إِمَّا أن يؤوّله بما يوافق القرآن الكريم إن كان يحتمل التأويل، وَإِمَّا أن يحكم بضعفه أو وضعه إذا كان لا يحتمل تأويلا بما يوافق القرآن أو كان صريح المناقضة له، ويعتبره نصّا غير صحيح ولا يصلح دليلا في العقيدة، وأغلب ما يظهر هذا المنهج في القضايا الخلافيَّة (1)، ولقد لخَّص الشيخ هذا المنهج في قوله: «والحديث الموافق للقرآن مقبول وكذا المجمع عليه، ويردّ ما خالفه لأَنَّهُ مكذوب فيه عنه e وبعض الأحاديث بعد صحّتها تحتمل التأويل» (2). فهو كما نلاحظ لم يفرّق بين أنواع الحديث، فكلّها على درجة واحدة ما دام المرجع هو القرآن الكريم، ونتج عن هذا أَنَّ بعض الآحاديث مع صحتها ينزّلها منزلة المتشابه، أي يوجب تأويلها بما يوافق محكم القرآن.
__________
(1) - الجُنة فى وصف الجَنَّة: ط 3 مطبعة أمون، مصر، نشر وزارة التراث، عمان: 1405 هـ/1985 م: 75؛ -شامل الأصل والفرع: 1/ 15؛ يحي بوتردين: الشيخ اطفيش ومذهبه في التفسير: 281.
(2) - شامل الأصل والفرع: 1/ 09. (1/99)
صفحة 100
والدافع الأساسيُّ إلى هذا المنهج كما هو واضح في خطواته هو الحفاظ على التناسق والانسجام بين القرآن والسنّة، حَتَّى لا تكون أدلَّتهما متناقضة مع أَنَّهَا متَّحدة المصدر، إِلاَّ أَنَّنَا نلاحظ أنَّ الاقتصارعلى هذا المنهج مع أهمّيته أدّى إلى إهمال دراسة الأسانيد مع ما في هذه الدراسة من الأهمّية، كما أدّى إلى كثرة التأويل أحيانا ولو لغير داع، وأدّى أيضا إلى التسرّع فى الحكم بوضع الحديث أو ضعفه أو احتمال ذلك.
هكذا كان منهج الشيخ اطفيَّش في التعامل مع الدليل النقليِّ من الكتاب وَالسُّنَّة، فهو يأخذه على ظاهره، ويلتزم بما فيه ما دام آية محكمة لا تحتمل إِلاَّ معناها الظاهريَّ، أو حديثا صحيحا موافقا لمحكم القرآن، ويسلّم بهذا النوع من الأَدِلَّة باعتبارها تحقَّق فيها شرط قطعيَّة الدلالة وقطعيَّة الثبوت، أَمَّا إذا كان الدليل على غير هذا الوصف فإنّ طريقة التعامل معه تختلف، وذلك باستعمال العقل معها.
ب - العقل والتأويل
بما أنّ الشيخ اطفيَّش قد قيّد الدليل المستعمل على ظاهره بشروط؛ فَإِنَّهُ احتاج إلى منهج آخر للتعامل مع الأدلّة التي لا تتحقّق فيها هذه الشروط، وهي طريقة الاستدلال العقليِّ والتأويل.
ولم يتَّفق المفكّرون المسلمون في مدى الأخذ بالاستدلال العقليِّ والأخذ بالرأي في العقيدة، بل ذهبوا في ذلك مذاهب مختلفة، وقد وضّح الشيخ اطفيَّش موقفه في ذلك حين مناقشته لمسألة قيام الحجّة على الإنسان ومتى يكفيه عقله في معرفة الشرع ومتى يحتاج إلى السماع.
ففي مسألة قيام الحجّة نجد الشيخ يعتبر العقل وحده كافيا في الوصول إلى إدراك وجود الله تعالى والإيمان به، ولولم يلتق الإنسان بمرشد، ولم يتلقَّ رسالة سماويّة؛ ويقول في (1/100)
صفحة 101
هذا: «والذي عندي أَنَّ الحجّة في التوحيد مجرّد العقل» (1). وَيَسْتَدِلُّ على رأيه بِأَدِلَّةٍ منها:
قوله تعالى: {وَلَقَدَ ـ اتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} [الأنبياء:08].
وحديث «كلُّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء؟» (2).
وقد كان المشهور في المذهب الإباضيّ عكس هذا وهو أنَّ الحجَّة إِنَّمَا تقوم بالنقل والسماع، والشيخ نفسه ينسبه إلى مذهبه ثُمَّ ينقده وَيُبَيِّنُ عدم منطقيّة هذا الرأي وعدم انسجامه مع الواقع؛ ويقول: «والمذهب أنَّ الحجَّة قامت بالكتب والرسل ولو لم تبلغ دعوتهم من لم تبلغهم» (3). ثُمَّ يعقب قائلا: «لكن كيف يقطع عذر من لم يسمع ولم ير كتابا في تفصيل الشريعة، ويقال له: قد سمعت ولو لم تسمع، هكذا على الإطلاق؟» (4).
ثمَّ يخرج الشيخ اطفيَّش من هذا الإشكال بفصل مجال العقل عن مجال النقل، فيقول: «وَإِنَّمَا الكتب والرسل حجَّة في تفصيل الشريعة والأحكام، وزيادة في الحجَّة على التوحيد، وأما التوحيد فقامت الحجَّة فيه بالعقل» (5). ومعنى هذا أنَّ الإنسان مسؤول عن التوحيد بمجرّد وجود العقل لديه، أما ما بعده فإنّه لا يستطيع أن يصل
__________
(1) - شرح الدعائم: 1/ 107، 132؛ انظر: -جامع الوضع والحاشية: 08، 66؛ شرح أصول تيبغورين: 332؛ -داعي العمل: ظ: 241؛ -جواب أهل زوارة: الجزائر: 1325 هـ: 09.
(2) البخاري: الصحيح: ضبط و ترقيم و شرح وتخريج د مصطفى ديب البغا نشر دار الهدى عين مليلة وموفم للنشر الجزائر 1992 م: كتاب الجنائز باب ما قيل في أولاد المشركين رقم: 1319؛ انظر: و نسنك: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث: دار الدعوة ودار سحنون تونس واسطنبول 1988 م: 5/ 180.
(3) - داعي العمل: ظ: 241.
(4) - شرح أصول تيبغورين: 322.
(5) - الهميان: 1/ 490. (1/101)
صفحة 102
إليه، فلا يمكن أن يضع لنفسه تشريعا، ويحاسَب على وفقه، بل هو في ذلك مقيّد بالسماع وبالدليل النقليّ فقط، وموقف الشيخ اطفيَّش هنا ليس جديدا في المذهب الإباضيّ، فقد قال به الورجلانيّ (1) والثمينيّ والسالميّ (2).
إِلاَّ أنّ هذه المكانة التي نزّل فيها الشيخ اطفيَّش العقل لا تعني أنّ العقل يقف في مرحلة وجود الله تعالى وإدراك وحدانيّته، بل للعقل دور آخر في التعامل مع الدليل النقليّ متمثّلا في التأويل؛ فكيف يتمّ ذلك؟
اقترن لفظ التأويل مع مصطلح آخر وهو النصّ المتشابه، لأنّ التأويل كمنهج إنمّا استحدث لفهم هذا النصّ، وقد عرّف الشيخ اطفيَّش المصطلحين بما يلي:
فالنصّ المتشابه: هو ما يصرف عن ظاهره، أو ما استأثر الله تعالى بعلمه، أو ما احتمل وجهين فما فوق (3)، فهذه المعاني كلّها تنطبق على النصّ المتشابه، وتدلّ على عدم إدراك حقيقته والمقصود منه بالذات.
وَأَمَّا التأويل: فهو «تصيير اللفظ إلى معنى بالتفسير مع الصرف عن ظاهره وافق
__________
(1) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني: من أبرز أعلام الإباضيّة بوارجلان في القرن السادس الهجري، تعلم بورجلان وقام برحلة إلى الأندلس ثمّ الحجاز وبرحلة إلى إفريقيا، وله آثار في أصول الفقه وأصول الدين أهمها: «الدليل والبرهان» و «القصيدة الحجازية» و «العدل والانصاف» و «تراجم رجال المسند» و «تفسير مفقود» و «فتوح إفريقيا»، توفي سنة 570 هـ/ 1176 م. انظر: الدرجيني: الطبقات: 2/ 489 ــ 495.
(2) الوارجلاني أبو يعقوب: الدليل والبرهان: المطبعة البارونية مصر: 1306 هـ: 3/ 229 236، 254؛ الثميني: معالم الدين: مطابع سجل العرب نشر وزارة التراث عمان 1407 هـ/ 1987 م: 1/ 256، 257؛ السالمي: مشارق أنوار العقول: تحقيق د عبد الرحمان عميرة دار الجيل بيروت 1409 هـ/1989 م: 276.
(3) - شامل الأصل والفرع: 1/ 49. (1/102)
صفحة 103
الحقَّ أو لم يوافقه» (1). فالمقصود بالتأويل إذن هو إظهار معنى النصّ بتفسيره، وترك المعنى الظاهر منه إلى غيره، وهو خروج بالنصِّ من المعنى الأوّل إلى معاني أخرى، وهذا من أجل الاستجابة لدوافع وأسباب تسوِّغ اللجوء إلى التأويل عوض الأخذ بالظاهر؛ وقد بيّن الشيخ اطفيَّش داعيين أساسيّين دفعا بالمدرسة الإباضيّة إلى الأخذ بالتأويل في النصوص المتشابهة وهما:
أَوَّلاً ـــ التنزيه: وهو السبب والغاية في التأويل، لأَنَّ بعض النصوص يُلزم ظاهرها التجسيم والتشبيه تعالى الله عن ذلك، فحَتَّى لا يقع هذا المحذور يُلجأ إلى تأويلها بما يوافق الآيات المحكمات التي تُنزّه الله تعالى وتصفه بالكمال (2)، قال الشيخ: «وإنمّا احتجنا إلى التأويل لأَنَّ تركه يؤدّي إِلىَ محظور» (3)؛ لذا يصبح النصُّ المحكم هو الأصل وإليه يردُّ ما كان متشابها؛ ومن أمثال ذلك قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالاِكْرَامِ} [الرحمن: 24 - 25]. فأخذ هذه الآية على ظاهرها يؤدّي بالضرورة إلى المحظور، وقد ورد مثلها كثير في القرآن الكريم، وللفظة الوجه معان غير المعنى الظاهر من الجارحة لذا تؤوَّل الآية إلى ما يوافق تنزيه الله تعالى مِمَّا تحتمله هذه اللفظة من المعاني، مثل: الذات (4)، أو العظمة، فتكون من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف: فوجه الله بمعنى: الله الوجه أي: العظيم (5)، وكلّها معان
__________
(1) - الهميان: 4/ 18؛ والتأويل في اللغة: الرجوع والتفسير والتدبير والتقدير. انظر: أَبُو الفضل جمال الدين محَمَّد بن مكرم ابن منظور: لسان العرب، ط 2 دار صادر، بيروت، دت: 11/ 33،34.
(2) يحي بوتردين: الشيخ اطفيش ومذهبه في التفسير: 265، 266.
(3) - شرح الدعائم: 1/ 29.
(4) - الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان: 67؛ انظر: البيضاوي ناصر الدين: تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل: المطبعة الميمنيَّة، مصر، 1330 هـ: 1/ 182.
(5) - الحجّة في بيان المحجة: 23. (1/103)
صفحة 104
محتملة غير المعنى الظاهريِّ الأوّل، وهكذا القول في سائرالنصوص المتشابهة.
ثانيا ــ السعي إلى فهم القرآن الكريم، والحديث بمنهج واحد متناسق غير متضارب ولا متناقض، فما دام مصدرهما واحدا لا يعقل أن يتناقضا أو يختلفا فيما بينهما، ولا بدَّ أن يفسِّر أحدهما الآخر، ويكون هذا بالرجوع إلى الآية المحكمة التي تحسم الموقف وتبيّن الاحتمال الأقرب إلى المقصود والأرجح، وبيّن الشيخ اطفيَّش ذلك في قوله: «والحاصل أنّ مذهبنا ومذهب هؤلاء (1) تأويل الآية (2) عن ظاهرها إلى ما يجوز وصف الله به. وذلك مذهب المتكلّمين؛ [ ... ] لأنّا إذا أوّلناه بما ذكرنا فقد وافقنا سائر الآيات والأحاديث الناهية عن التشبيه» (3)، وهذا السبيل هو الذي يمنح الآراء صبغة المنطقيّة ويمنعها من التناقض فيما بينها؛ لأنّها ستأخذ كلّها اتجاها واحدا واضحا، فكلُّ آية متشابهة تؤوّل إلى ما يثبت الكمال لله تعالى وإلى ما ينسجم مع الآيات المحكمات، وكذلك الشأن مع الحديث النبويّ الشريف.
وحتّى يكون التأويل مشروعا فقد استدلَّ الشيخ اطفيَّش له بفعل الصحابة والتابعين، واستشهد بتأويلاتهم، وبما فهموه من النصوص التي وقع فيها الخلاف، وخاصّة منهم ابن عَبَّاس y (4) وردّ كذلك على اعتراض من لا يرى التأويل بجملة من الأجوبة، منها (5):
1 - لو كان التأويل حراما أو مكروها لما انتهجه الصحابة رضوان الله عليهم.
__________
(1) أي المعتزلة.
(2) قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إلآَّ أَن يَّاتِيَهُمُ اللهُ فيِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210].
(3) - الهميان: 3/ 160، 161.
(4) - التيسير: ط 1: 6/ 290.
(5) - المصدر نفسه. (1/104)
صفحة 105
2 - ليس التأويل سوى استجابة لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] لأَنَّ إبقاء النصوص على ظاهرها يتناقض مع معنى هذه الآية ومؤدّاها.
3 - ترك التأويل مع حال إمكانه تقصير، وفتح لمجال الشكّ ويقول الشيخ في هذا: إنَّه «إبقاء للمرتاب على ارتيابه» (1)، فالمفروض أن يقدِّم التفسير من المعاني ما يذهب الشكَّ، ويسدُّ مصدره بالمعاني الصحيحة الثابتة.
4 - المقصود من الآثار الواردة في ذمّ التأويل عند الشيخ اطفيَّش النهي عن الخوض في التأويل بغير علم، حَتَّى لا يؤدّي التأويل إلى معان غير معقولة، ولا سند لها، وَأَمَّا الأمر بالإيمان بحرفيّة النصّ فهو نهي عن إنكاره ونبذه، وأمر بالإيمان بأنَّ المحكم والمتشابه كلاهما من الله تعالى، ومن ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب t من قول: «احذروا هذا الرأي عن الدين فإنّه ظنٌّ منّا وتكلّف، بخلاف رسول الله e فإنّ الله يريه» (2). فهذا القول في نظر الشيخ اطفيَّش تخويف من الخطإ، وليس إبطالا لإعمال الرأي والعمل به، فإنّه لم يمنعه ولكن حذَّر منه، بدليل أن عمر وابنه عبد الله اجتهدا بأنفسهما في مسائل من الشرع، ولم يمتنعا عن ذلك، ولكن كانا يتحرَّيان الصواب (3).
نلاحظ هنا أنّ الشيخ اطفيَّش كان يرى أنّ التأويل ضروريّ للنصوصّ المتشابهة، وأنّ الحكم ليس في حقّ التأويل ذاته، ولكن في حقّ ما عسى أن ينتج عنه من نتائج، وما دام هذا التأويل مقيّدا بالمحكم فإنّ احتمال الإيغال في التفسير الباطنيّ يكون مأمونا عادة.
وحتّى لا يكون التأويل ضربا من إلقاء القول على عواهنه، فقد جعل له الشيخ
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) انظر قول عمر بن الخطاب: في: ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن ربِّ العالمين: مراجعة طه عبد الرؤوف، دار الجيل، بيروت: 1973 م: 4/ 54.
(3) - التيسير: 12/ 548. (1/105)
صفحة 106
اطفيَّش ضوابط تقلّل من نسبة الخطأ فيه وتقرّبُه من المقصود؛ ومن هذه الضوابط ما يلي:
1 - الرجوع إلى المحكم: ما دام القرآن منه المحكم والمتشابه، فإنّ بعضه يفسّر بعضا، فالآيات المحكمات في الصفات مثلا أصل يفسّر بها ما كان متشابها موهما للتشبيه، وهذه أوّل خطوة في التأويل، للبقاء ضمن المصدر الشرعيّ الأساسيّ للاستدلال، وهوفي الحديث كما هو في الآيات القرآنيّة (1).
2 - الجمع بين النصوص الواردة في الموضوع الواحد: وهذا الضابط قريب من الأوّل، إذ نلاحظ أنّه عند إرادة التأويل تجمع النصوص التي ترد فيها الكلمة الأساسيّة واللفظ المقصود المبهم، فيقارن بين الاستعمالات المختلفة ثمّ يأتي الترجيح بينها للحصول على المقصود من النصّ المتشابه، وقد شاع استعمال هذا المنهج في مؤلَّفات الإباضيّة (2)، واتبعهم الشيخ اطفيَّش فيه، ومن ذلك أنّه في استدلاله على خلق القرآن استشهد بقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف:02] وقال إنّ استعمال فِعل «جعل» في الآية دليل على أنّ القرآن مخلوق، ثمّ جمع نصوصا أخرى ورد فيها هذا الفعل، مثل قوله تعالى: {جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} [المائدة:97] ثمّ انتهى بعد استقراء هذه الشواهد إلى أنّ هذا الفعل في جميع استعمالاته يدلُّ على التصرّف في شيء، والمتصرّف فيه يكون مخلوقا غير خالق (3).
3 - اعتماد اللغة وأساليبها: فاللغة أكبر مسعف في فهم نصوص الأدلّة من قرآن
__________
(1) - شامل الأصل والفرع: 1/ 09؛ - وفاء الضمانة وأداء الأمانة: مطابع سجل العرب نشر وزارة التراث عمان: 1982 م: 1/ 09.
(2) الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 277.
(3) كشف الكرب: 1/ 57؛ أحمد الخليلي: الحق الدامغ: مطبعة النهضة عمان 1409 هـ/ 1989 م: 169. (1/106)
صفحة 107
وسنّة، وآثار الصحابة (1)، وقد اعتمد عليها الشيخ اطفيَّش كثيرا، واهتمّ بها دراسة وتدريسا وتأليفا، فكان حضورها قويّا في مؤلفاته، وفي تأويله النصوص المتشابهة، فهو يرى أنّ اعتبار اللغة أداة للتأويل أولى من المنطق وقياساته، ويبرّر ذلك بأنّ القرآن الكريم نزل باللغة العربية، لذا يفسَّر باللغة التي نزل بها، بينما كان المنطق بعيدا عن القرآن الكريم، فقد نشأ في بيئة غير عربية، فلا يطاوع في التأويل مثل مطاوعة اللغة (2)؛ ورأي الشيخ هنا مهمّ من حيث تأويل القرآن بالوسيلة الأكثر قربا منه، فكلام العرب وأساليبهم أنسب لفهم القرآن من غيره، إِلاَّ أنّنا لا نوافقه في استبعاده المنطق، فهو لا يعدو كونه أداة، وقد تأثَّر في ذلك بنزعة من يرفضون المنطق من غير اعتبار مضمونه ومؤدّاه، ولكن بسبب كونه دخيلا على البيئة الإسلاميّة فقط، فإنّ القرآن نزل بلغة العرب في أسلوبه، ونزل أيضا بلغة عقول الناس جميعا، هذه العقول التي تلتقي في منهج التفكير وفي لغة المنطق، والشيخ نفسه لم يترك المنطق تماما بل قد اعتبره وسيلة مشروعة للتأويل.
4 - استعمال المنطق: رغم تفضيل الشيخ اللغة على المنطق، فإنّه قد اشتغل به أيضا، ودرسه وكتب فيه مؤلَّفه «إيضاح المنطق في بلاد المشرق»؛ وكان مجال علمه الشرعيِّ يفرض عليه بالضرورة الاهتمام بالمنطق، لكنّه اتَّخَذَ تجاهه موقفا خاصّا، فهو لا يرغب في فتح الباب واسعا للاشتغال بالمنطق، بل يشترط الاطلاع على علوم الشرع والمهارة فيها قبل تعلّم المنطق، ويقول في ذلك: «الحكم الشرعيُّ جواز الاشتغال بعلم المنطق المذكور فيه زيغ الملحدين لمن تمهّر في علم القرآن والسنّة حتّى لا يزيغ في اعتقاده بمطالعة ما زاغوا به» (3). وكما نرى فإنّ الشيخ لم يعتبر المنطق أداة مجرّدة بل جعله حاملا لأفكار فلاسفة اليونان، وما فيها مِمَّا يناقض العقيدة الإسلاميّة، فتخوّف من
__________
(1) الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 277.
(2) - فتح الله: 1/ و: 105.
(3) - إيضاح المنطق: 13. (1/107)
صفحة 108
تسرّب هذه الأفكار إلى من تعلّم المنطق من المسلمين، لكنّ هذا الموقف لم يمنعه من الاستفادة من المنطق، واستعمله إلى أبعد الحدود، فهو مثلا يستدلُّ على وجود الله تعالى بمنهج المتكلمين المنطقيّين، وفي كُلِّ مسألة عقديّة نجد لديه أدلّة نقليّة وأخرى عقليّة تعتمد على الاستنتاج المنطقيِّ واستدلالاته، وقد اتَّخَذَ المنطق منهجا أساسيّا في شرح العقيدة السنوسيّة كما يقول ليذكر دقائق التوحيد ونفائسه (1).
وهكذا نجد أنّ منهج الشيخ اطفيَّش في الاستدلال على العقيدة يقوم على الأخذ بالنصّ دليلا، والتسليم بظاهره إذا كان محكما، ويؤوّله إذا كان نصّا متشابها موهما للتشبيه حتّى يتّفق مع ما في المحكم ووافق بذلك المؤوّلين، وحاول أن يتّخذ موقفا وسطا بين التسليم المطلق بالنصّ المتشابه على ظاهره، وبين التأويل المغالي.
فهو ينتقد على منهج المفوّضين المسلّمين بظاهر النصّ الأخذ بظاهر النصوص المتشابهة من غير إعمال نظر، ولا إرجاع إلى المحكم سواء في الحديث أو في القرآن الكريم (2). ويرى أنّ النصّ المتشابه واقع وموجود، وواضح أَنَّهُ يؤدّي بظاهره إلى التشبيه، ولكن لا يمكن تركه على الظاهر، والسكوت تجاهه، والميل إلى مجرّد التفويض، فيبقى السؤال: كيف نتعامل معه؟
فالإمساك عن تأويل المتشابه إلى ما يوافق المحكم في نظر الشيخ اطفيَّش جمود عن الحقّ مع ظهوره وموقف سلبيّ، لأنّه يمكن تأويله بما يوافق سائر النصوص المحكمة الأخرى الناهية عن التشبيه؛ وما المانع من التأويل إذا كان ينتهي إلى المعنى نفسه الذي جاء به المحكم؟ فالتأويل ليس خروجا عن المقصد الشرعيّ للنصوص، بل هو المحافظة عليه عينها (3).
__________
(1) - شرح النيل: 1/ 47.
(2) - شرح أصول تيبغورين: 537.
(3) - الهميان: 3/ 160، 161. (1/108)
صفحة 109
كما أنّه لم يقبل موقف الأشاعرة في الأخذ بالمتشابه مع عدم التكييف، وهم يقولون: نأخذ بظاهره بلا كيف، فهذا في نظره هروب من التشبيه المفهوم صراحة في النصّ لو أخذ على ظاهره؛ فمجرّد التسليم بهذا الظاهر تسليم بهذا التشبيه المحذور، ولا ينفع فيه القول: «بلا كيف» (1)، فالتأويل أصبح ضرورة لا بدّ منها أمام النصّ المتشابه.
ورغم مذهبه في التأويل وأخذه بالعقل فإنّه لم يتّفق مع جميع المؤوّلين، فهو لا يجاري التأويل إلى آخرالمطاف، ولا يرى وجوبه مع كلّ نصّ مهما كان غامضا، بل هناك حدود للعقل يقف عندها مفوّضا، ويقول: «وما لا ندرك معناه نبقيه بلا تأويل ونؤمن به» (2)، وقد ظهر هذا منه خاصّة في مسائل الغيب والقضاء والقدر.
كمّا كان الشيخ شديد الرفض لمنهج الصوفيّة والباطنيّة الذين يرون أنّ للنصوص باطنا غير ما يعلمه الناس، وهذا الرفض مبنيّ على دراية بالتصوّف وممارسته كما قال: «وقد كنت ممارسا لعلم التصوُّف، ولا يخفى عليَّ مقاصدهم والحمد لله تعالى وأجيب عمّا أشكل وكرهته لأنّه يوهم تفسير القرآن بما هو خطأ، وكذا تفسير الحديث» (3)، فسبب هذا الرفض هو التفسير الخاطئ للقرآن الكريم والحديث النبويّ، ولأنّه تركٌ لظاهر النصّ وابتعاد عن التأويل المقبول ولا تسنده الأدلّة الأخرى المحكمة، وبسبب «دعوى أنَّ المراد بها (4) في حقّ الله تعالى ما يذكرونه، وأنّه المراد لا معانيها الظاهرة في اللغة المؤوّلة بما يناسب، وهذا لا يحسن إذ لا يعرفها أهل اللغة العربية، والله تعالى أنزل القرآن بها، ولا يرضى بما يخالفها» (5)؛ فقد أوغل هؤلاء المتصوّفة في التفسير
__________
(1) - المصدر نفسه: ط 1: 13/ 81.
(2) - التيسير: ط 1: 6/ 290.
(3) - الذخر الأسنى: 39.
(4) أي النصوص القُرآنِيَّة والحديث.
(5) - الذخر الأسنى: 39، 40؛ انظر: - الهميان: 1/ 216؛ - التيسير: ط 1: 6/ 71. (1/109)
صفحة 110
الباطنيّ، مع أنّ التأويل الوسط لا يقبل ذلك، ولم يأت الشرع بما يؤيّده ويدلُّ عليه.
هذا هو موقف الشيخ اطفيَّش من التأويل، وتتّضح فيه رغبته في التوسّط بين المنهج الظاهريّ الذي يأخذ به متى كان النصّ محكما لا يحتمل معانيَ متعدّدة، وبين منهج التأويل الذي يستخدمه لجعل النصّ المتشابه يدور دائما في حدود المحكم وفي فلكه، لذا لم يكن يرضى بالمنهج الظاهريّ التفويضيّ الصرف، أو الواقف في حدود «بلا كيف» كما لم يرض بالتأويل الموغل في التفسير الباطنيِّ. فمنهج الشيخ اطفيَّش في الاستدلال على العقيدة لم يكن ثابتا على طريقة واحدة بل حسب الصورة التي يرد فيها الدليل فمرّة نجده ظاهريّا، ومرّة مؤوِّلا ومرَّة أخرى مفوِّضا، كما سيتّضح ذلك في الفصول القادمة، وأوّلها مسائل التوحيد والإيمان بالله تعالى. (1/110)
صفحة 111
الفصل الثالث
الإيمان بالله تعالى (1/111)
صفحة 112
[صفحة بيضاء] (1/112)
صفحة 113
المبحث الأَوَّل
التوحيد
1 - تعريف التوحيد
أ - التوحيد لغة
التوحيد: مأخوذ من مَادَّة وحد، ومنه الواحد، وهو أوّل العدد، يثنّى ويجمع؛ ويعني أيضا المتقدّم في علم أو في قُوَّة (1)، هذا ما نأخذه من أهل اللغة؛ أمّا الشيخ اطفيَّش فإنّه لم يعرّف التوحيد لغة، لكنّه شرح معنى كلمة: الواحد، وقال هو الذي لا يتجّزأ، وهو المتفرّد في كُلِّ وصف عن غيره، وهذا يعني أنّ الذي ينطبق عليه وصف الواحد على الحقيقة هو الله تعالى دون غيره (2).
ب - التوحيد اصطلاحا
يعرّف الشيخ اطفيَّش التوحيد اصطلاحا بِأَنَّهُ: اعتقاد تفرّد الله تعالى وعدم مشاركة غيره في أيّ وصف وعدم مساواته بأحد من مخلوقاته (3).
فالتوحيد اصطلاحا: يطلق على الإيمان بالله تعالى ومعرفة صفاته، وما يجب في حقّه من الاعتقاد وما يستحيل، فَكُلُّ ذلك يعتبر توحيدا؛ ولأهمّية هذا الجزء من
__________
(1) الفيروز آبادي: القاموس المحيط، مطبعة السعادة، دت: 1/ 343.
(2) -التيسير: ط 6: 1/ 714.
(3) - حاشية القناطر: 2 / و: 130؛ -جامع الوضع والحاشية: 51؛ -الذهب الخالص: 22؛ انظر: الجيطالي: قواعد الإسلام: 1/ 33؛ السالمي: مشارق: 1/ 303. (1/113)
صفحة 114
العقيدة سمِّيت به فقيل: «عقيدة التوحيد» مع أنّها لا تتضمّن توحيد الله تعالى فقط، ولكن لأَنَّ كلَّ شيء فيها يرجع إلى توحيده تعالى ومن آمن بوجوده ووحّده، آمن بما جاء به، فَكُلُّ أجزاء العقيدة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتوحيد، والاعتقاد في الله تعالى يتعلّق بإدراك وجوده والاستدلال على وحدانيَّته، وهذا ما عني الشيخ اطفيَّش ببيانه.
2 - أَدِلَّة وجود الله تعالى ووحدانيَّته
يمكن إثبات وجود الله بطريقين ونوعين من الأدلّة، فمنه ما هو عقليٌّ، ومنه ما هو نقليٌّ سماعيٌّ، وقد حدّد الشيخ اطفيَّش مجال استعمال كلٍّ من النقل والعقل في الموضوع، فهو يرى أنّ العقل يكفي في العلم بوجود الله تعالى ووحدانيّته، وأنّ الإنسان مكلّف بالتوحيد على أيّ حال، سمع من غيره أو لم يسمع، ما دام له عقل يفكّر، وأمّا ما وراء ذلك من صفات الله تعالى وما وجب في حقّه، وما استحال فسبيله النقل مثل العبادات (1). لذا كانت وظيفة الرسل والحكمة من إنزال الكتب هي إقامة الحجّة في تفاصيل الأحكام، وزيادة الحجّة في وجود الله تعالى وتوحيده (2).
وقد اسْتَدَلَّ الشيخ اطفيَّش من القرآن والسنَّة على أنّ الإنسان بفطرته يمكنه أن يصل إلى إدراك وجود الله تعالى ووحدانيّته، ومن هذه الأدلّة ما يلي (3):
قوله تعالى: {فَأََلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس:08].
وقوله تعالى: {وَلَقَدَ - اَتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} [الأنبياء:51].
__________
(1) - شرح الدعائم: 1/ 107، 132؛ -جامع الوضع والحاشية: 08، 66؛-شرح أصول تيبغورين: 332؛- داعي العمل: ظ: 241؛ - جواب أهل زوارة: 6، 7، 9؛ -الهميان: 1/ 490.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - جواب أهل زوارة: 09. (1/114)
صفحة 115
وحديث: «كلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» (1).
والشيخ يوافق المعتزلة الذين يرون أنّ من سلم عقله كان مسؤولا عن التوحيد ومعذورا فيما سواه حتّى تبلغه الحجّة السماعيّة؛ ويوافق جانبا من قول الأشاعرة الذين يرون أنّ من لم تصله الدعوة واعتقد الحقّ في التوحيد كان معذورا في غيره (2). ويرى أَنَّهُ بهذا يخالف ما عند الإباضيّة القائلين: إنّ الحجّة في التوحيد لا تقوم إِلاَّ بالسماع والنبوَّة (3). ومن ثمّ ذهب يصحّح رأي الإباضيّة، ويردّه برأيه الجديد، ومن ذلك قوله: «كيف يُقطع عذرمن لم يسمع ولم ير كتابا في تفصيل الشريعة، ويقال له قد سمعت ولولم تسمع، هكذا على الإطلاق» (4)، وقوله: «ولكن أيّ مانع أن يقال نفس الإنسان وسائر الخلق دلائل له على التوحيد إذا استعمل عقله» (5).
والواقع أنّ هذا الفصل بين مجال النقل ومجال العقل في معرفة الله تعالى ليس جديدا عند الإباضيّة، فقد سبقه غيره مثل الوارجلانيِّ والثمينيِّ والسالميِّ حديثا (6)؛ كما أنّ المصادر التي تحدّثت عن النقل والسماع وجعلته هو طريق معرفة الله تعالى دون العقل كانت تقصد بذلك جعل النقل وسيلة لمعرفة تفاصيل الاعتقاد والطاعة، ولم
__________
(1) انظر: هامش 26 من الفصل الثاني المبحث الثاني. ص 89.
(2) البغدادي أبو منصور عبد القاهر: كتاب أصول الدين: ط 3 دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت، 1401 هـ/ 1981 م: 262، 263، وقد شرح المؤلف الأقوال في شأن من لم تصله الدعوة وحكمه.
(3) - داعي العمل: ظ: 241؛ - جامع الوضع والحاشية: 08، 66؛ -الذهب 30.
(4) - شرح أصول تيبغورين: 322.
(5) - جامع الوضع والحاشية: 66.
(6) الوارجلاني: الدليل: 3/ 229، 236، 254؛ الثميني: 1/ 256، 257؛ السالمي: مشارق: 1/ 276؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 200، 201. (1/115)
صفحة 116
تقتصر فيه على مجرّد إدراك الله تعالى وجودا وتوحيدا (1)؛ ممّا يدلّ على أنّ الاختلاف الذي ذكره الشيخ اطفيَّش نشأ عن مجرّد اختلاف في المصطلح أو لعدم تفصيل المصادر السابقة في الموضوع تفصيلا يوضّح مجال العقل ومجال النقل. فكان الشيخ أكثر وضوحا وتفصيلا وموافقا لرأي مذهبه الإباضيّ؛ وهو ما يقتضيه المنطق والواقع، وتسانده أدلَّة القرآن ذاتها.
أ ـ الاستدلال على وجود الله
اتَّبع الشيخ اطفيَّش في الاستدلال على وجود الله طريقتين:
الأولى هي الاستناد إلى النصوص التي تبيّن وجود الله تعالى عن طريق إرشاد العقل إلى التفكير في الكون والتأمل فيه، ومنها ما يلي (2):
قوله تعالى: {إِنَّ فيِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ ِلأُوليِ الاَلْبَابِ} [آل عمران: 190].
وقوله U: {وَفيِ الاَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفيِ أَنفُسِكُمُ, أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20 - 21].
وقوله e: «كل مولود يولد على الفطرة» (3).
__________
(1) أبوعمار عبد الكافي: الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الردِّ على أهل الخلاف: تحقيق د. عمارالطالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر: 1978 م: 2/ 139، 140؛ عامر الشماخي: متن الديانات، مصورة عن مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة، دت: ضمن مجموع كتب مختارة: 50.
(2) - جواب أهل زوارة: 6، 7؛-الهميان: 1/ 490؛ -شامل الأصل والفرع: 1/ 20؛ -شرح الدعائم: 1/ 107؛ -تفسير ألغاز: 25.
(3) انظر ماسبق: هامش 26 من الفصل الثاني المبحث الثاني، ص 89. (1/116)
صفحة 117
فقد تضمَّنت هذه النصوص ـ وغيرها ـ خطابا إلى فطرة الإنسان السليمة ليدرك وجود الله تعالى بأيسر سبيل.
وأمّا الطريقة الثانية التي اتَّبعها الشيخ اطفيَّش فهي الاعتماد على الاستدلال المنطقيّ العقليّ، كما يلي:
1 - دليل العالم من حيث حدوثه: ويشرح الشيخ هذا الدليل بأنَّ العالم لماَّ كان حادثا استدعى ذلك بالضرورة العقليّة أن يكون له محدث، ولا يكون هذا المحدث إِلاَّ الله تعالى فالعالم محدَث، وكل حادث لاَ بُدَّ له من محدِث، إذن فللعالم محدِث (1).
2 - دلالة الصنعة على صانعها: وهو شبيه بالسابق؛ إذ أنَّ لكلّ مصنوع صانعًا صنعه ولا يمكن أن يصنع نفسه ولا أن يأتي من عدم، فدلَّ هذا على أنَّه لكلِّ صنعة صانع، والحوادث مصنوعات من صنع الله تعالى (2).
3 - دليل انتفاء الدور: يدلُّ على وجود الله تعالى لأنَّه لا يمكن أن تتسلسل المخلوقات الواحدة من الأخرى إلى ما لا نهاية، فلا بدَّ من نهاية، يكون الأخير فيها هو الخالق الله تعالى، وهوالأوّل والسبب الحقيقيّ لوجود الحوادث، بينما يثبت الدور تقدّم كلّ حادث على الآخر بدون ابتداء من معيّن وهذا مستحيل (3).
4 - دليل انتفاء خلق الحوادث نفسها: لأنَّها لو خلقت نفسها لكانت على غير الهيئة التي وجدت فيها، ولكانت تقدر على دفع المكروه عن نفسها، وقد كانت قبل أن توجد عدما، فكيف يعقل أن يوجد العدم شيئا أو يوجد نفسه؟ وكيف يفعل ما كان غير موجود؟ لذلك يصبح ادِّعاء خلق الحوادث نفسَها ضربا من التناقض غير المعقول،
__________
(1) - حاشية القناطر: 2/ و: 10.
(2) - شرح الدعائم: 1/ 107؛ -تفسير ألغاز: 25.
(3) - جامع الوضع والحاشية: 17. (1/117)
صفحة 118
فلا يبقى إِلاَّ أنَّ هناك من أوجدها وخلقها (1).
5 - دليل إمكانيَّة وجود الحادث على غيرهيئته التي هو عليها؛ لأنَّ وجوده على ما هو عليه غير واجب ولا ضروريّ، بل يمكن أن يوجد على هيئة أخرى، وترجيح حال على أخرى يحتاج إلى مرجِّح مغاير للموجود، ولا تجري عليه صفات الممكنات، ولا يكون ذلك المرجِّح للحالات الممكنة المتساوية إِلاَّ الله تعالى (2).
هذه أهمُّ الاستدلالات التي ذكرها الشيخ اطفيَّش مثل من سبقه من علماء الكلام (3)؛ وقد صاغوا الأدلَّة صياغة فلسفيَّة منطقيَّة باعتبار أنَّ من يتوجَّه بها إليه لا يؤمن بالله تعالى ولا يمكن أن يستشهد له بنصوص لم يؤمن بمن قالها؛ ولا يجدي ذلك عنده، فكانت هذه المنطقيَّة سببا في جعل الأدلَّة موغلة في التخريج العقليّ الجافِّ، وغابت بذلك روح النصوص القرآنيّة والنبويّة عن التر اث العقدي الإسلامي (4)؛ بينما كان الأجدى في الإقناع الجمع بين إيراد النصوص وبين التحليل العقلي؛ لما في ذلك من قوَّة الإقناع ومخاطبة الفطرة السليمة في الإنسان، وهو ما فعله الرسول e، وأثمر ذلك ميلاد الأمَّة الإِسلاَمِيَّة القويَّة في عقيدتها؛ فإنَّنا نلاحظ أنَّ أدلَّة علماء الكلام لم تكن مخالفة لما في القرآن إِلاَّ في الأسلوب. والقرآن أبلغ وأحسن أثرا في النفس من غيره؛ لأنَّه يأتي بالدليل في أخصر صورة وأجمل أسلوب، بينما يذكر علماء الكلام الدليل نفسه لكن في كلام أطول وأعقد. وقد كان منهج الشيخ اطفيَّش نموذجا لطريقة علماء الكلام، ولكنَّه لم يقتصر على هذا بل جمع بين
__________
(1) - الهميان: 6 ق 1/ 11 - 15؛ -شرح الدعائم: 1/ 60، 61.
(2) - المصدر نفسه: 1/ 107.
(3) الباقلاني: التمهيد: تصحيح يوسف مكارثي المطبعة الكاثوليكية بيروت 1975 م: 22 - 25؛ الثميني: معالم الدين: 1/ 157؛ الرازي: معالم أصول الدين: مكتبة الكليات الأزهرية (دت): 38، 39؛ الوارجلاني: الدليل: 1/ 43.
(4) محمد الغزالي: عقيدة المسلم: دار الشهاب باتنة 1985 م: ص 5، 6. (1/118)
صفحة 119
الاستدلال بالنصوص والاستدلال المنطقيّ خاصَّة في التفسير، بينما غابت أو كادت تغيب النصوص من مؤلَّفاته في علم الكلام إِلاَّ قليلا.
ب - الاستدلال على الوحدانيّة
إنَّ إ ثبات توحيد الله تعالى قريب من إثبات وجوده؛ فإثبات وجود الخالق الواحد هو عين التوحيد، لذلك كانت الأدلَّة تتشابه في المسألتين؛ والدليل الأكثر ورودا في إثبات الواحدانيَّة هو دليل التمانع، الذي يفترض أنَّه لو تعددَّت الآلهة لما كان العالم بهذا النظام للاختلاف المفروض بين هذه الآلهة، ولمنع كلّ واحد منهم الآخر أن يكون هو الأقوى (1)؛ وقد عبّر الشيخ اطفيَّش عن هذا الدليل بلفظ المغالبة، إذ لو كان هناك آلهة متعدّدين مشتركين لسعى كلّ منهم إلى الانفراد بالألوهية وإلى قهر غيره، لأنَّه لا يمكن أن يصطلحوا ولو اصطلحوا لما كان أيّ منهم إ لها لكونهم عاجزين جميعا، وإذا غلب أحدهم فهو الإله الحقيقيّ ولا يستحقُّ هذا الوصف غيره (2)، فثبت للوجود إله واحد هو المسيِّر له، وإليه يرجع الأمر ولو كان غير ذلك لفسد نظام الكون والوجود.
وَلَمَّا ثبتت وحدانيّة الله تعالى فقد وجب اعتقادها والالتزام بما تفرضه من معرفة الله وعبادته.
3 - التوحيد وما يجب فيه
التوحيد كما يراه الشيخ اطفيَّش يقتضي منع كلَّ مشاركة بين الله تعالى وبين عباده، أو تسوية بينه وبين مخلوقاته، فهو اعتقاد الكمال المطلق واستبعاد النقص والعجز
__________
(1) أبو منصور الماتوريدي: كتاب التوحيد: ط 2 تحقيق د فتح الله خليف المطبعة الكاثوليكية بيروت 1982 م: 21.
(2) - الحجة في بيان المحجة: 28. (1/119)
صفحة 120
بكلِّ المعاني والأوصاف؛ وهو أنواع يحدّدها الشيخ هكذا: توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، وتوحيد العبادة، ويشرحها كما يلي (1):
أَوَّلاً - توحيد الذات: فالله تعالى واحد في ذاته ليس بجزء وليس بكلٍّ. هو الله لا يشبه المخلوقات التي هي كلّ متكوّن من أجزاء مختلفة، وليس بعرض ولا جوهر، لا يحويه زمان ولا مكان، لا بداية له ولا نهاية، لا يتغيّر ولا تجري عليه الأحوال (2). وهذا يقتضي أن يستبعد الإنسان في توحيده لله تعالى كلّ الوسائل التي يستعين بها في المعرفة العادية، لأنَّه لا يدرك الموجودات إِلاَّ محدودة في الجهة ومقيَّدة بالزمان والمكان، معتبرا فيها الأجزاء والكلَّ، وهي اعتبارات منتفية عنه؛ لأنَّه منفرد واحد لا يشبه مخلوقاته في شيء من خواصّهم وصفاتهم، منزَّه عن كلِّ ذلك تنزيها مطلقا.
ثانيا - توحيد الصفات: لله تعالى صفات اختصَّ بها دون غيره، وعلى المؤمن أن يعلمها ويصفه بها، ويوحدّه فيها، ولا يشركه مع غيره فيها، مثل: الوجود والبقاء والقدم والعلم، فهو مغاير لكلّ المخلوقات في ذلك، وإن اشتركت معه في الألفاظ، فإنَّها لا تتَّفق معه في المعاني ومؤديّات تلك الصفات، فوجوده مثلا غير وجود مخلوقاته لأنَّ وجوده لا بداية له ولا نهاية، بينما وجود المخلوقات كان بإرادته وأمره، وهكذا القول في العلم والحياة ... الخ (3).
ثالثا - توحيد الأفعال: تفرَّد الله تعالى في أفعاله لا يشاركه أحد فيها، يفعل ما يشاء: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] ولا يجب عليه فعل، يوجد الشيء
__________
(1) - الذهب: 07؛ -الحجة في بيان المحجة: 18.
(2) - المصدر نفسه: 6 ـ 8، 18، 27؛ -الذهب: 07؛ -إزالة الاعتراض: ط 2 المطبعة الشرقية ومكتبتها نشر وزارة الثرات القومي والثقافة عمان 1982 م: 1 0؛-جامع الوضع والحاشية: 23.
(3) -الذهب: 07؛- الحجة في بيان المحجة: 18. (1/120)
صفحة 121
بعد عدم، ويعيده ويعدمه، ولا شريك له في ذلك (1).
رابعا - توحيدالعبادة: على العبد أن يتَّجه بالعبادة إلى الله تعالى وحده دون غيره، لا يعبد سواه، مفرِدا توجُّهه إلى الله إفرادا مطلقا، من غيرإشراك، ولا تسوية ولا يتَّخذ الوسائط لديه، فلا يتوسَّل لديه بغيره ولا بشيء من مخلوقاته، بل يتوَّجه إليه مباشرة، لأنَّه لا حقَّ لأحد على الله تعالى حَتَّى يُتوسَّل به؛ ولا واجب عليه، وقال الشيخ اطفيَّش في منع التوسّل مطلقا: «إنَّه لا يجوز لأحد أن يقول: بحقِّك يا ربِّ على نفسك أو عليك، وأولى أن لا يجوز بحقِّ الأنبياء أو الملائكة أو نحوهم، مِمَّن له شأن عليك إذ لا واجب على الله لغيره، وأجاز بعضهم بقصد الاستشفاع بهؤلاء إلى الله وهو ضعيف، ولو أراد التبرُّك والتوسُّل لا الواجب؛ لأنَّه لفظ موهم لم يجئ به الشرع، ولا يقال: بفضل علمك أو بفضل قدرتك» (2).
فالواجب على المكلَّف إذن أن يوحِّد ربَّه توحيدا خالصا، وعليه أن يعرف ربَّه معرفة تبيِّن له كيفية توحيده. وهذا يدفعنا إلى التساؤل التالي: هل يمكن للإ نسان أن يدرك حقيقة ذات الله تعالى ويعرفه تمام المعرفة بعقله وعلمه؟
إنَّ الجواب على هذا السؤال يُوقفنا على معنى آخر في التوحيد، وهو أنَّه من تمام الاعتقاد في الله تعالى أن يعلم الإنسان أنَّه مهما بلغ من المعرفة وأوتي من العلم، فلن يدرك حقيقة ذات الله تعالى ويبقى عاجزا عن ذلك، فالنصوص العقديّة لا تصف ذات الله تعالى ولكنّها ترشد إلى ما يدلُّ على عظمته وجلاله، وذلك من خلال ما في مخلوقاته من الدلائل؛ وغاية التوحيد أن يدرك الإنسان أنَّه لا يعرف الله تعالى إِلاَّ بكونه مخالفا لكلِّ المخلوقات، مغايرا لكلّ الموجودات، ولكلِّ ما يمكن أن يوجد، ولكلِّ ما
__________
(1) - المصدر نفسه: 21.
(2) - شرح الدعائم: 1/ 39. (1/121)
صفحة 122
يخطر بالأذهان، فالله تعالى هو: «الذي كلّ ما أدرك بالحواس أو من شأنه أن يدرك ممّا وجد أو فرض أو حواه الفهم الخاطر فهو بخلافه» (1). وهذا الاعتقاد يتطلّب من الإنسان جهدا ذهنيًّا يخرج به من وسائل المعرفة التي يستعملها في الإدراك، ويستبعدها ويوقن عدم صلاحيتها لإدراك الله تعالى، وأنَّه لوحاول استعمالها لإدراكه لما ازداد إِلاَّ جهلا كما قال الشيخ اطفيَّش: «ومن تناول غير ذلك ازداد جهلا. وإقبالنا في برزخ البحث إدبار» (2). وهذا ما يدفع إلى التسليم في الموضوع، لعجز الإنسان عن الإدراك الحقيقيّ لله تعالى الذي: «لا يعرف نفسه إِلاَّ هو» (3)؛ ولمَّا لم يكن الوصول إلى هذه الدرجة من التوحيد سهلا فقد اعتبر إدراكها وصولا إلى حقيقة التوحيد لأنَّ من أدرك عجزه عن معرفة حقيقة الله تعالى في ذاته، يكون قد وصل إلى التوحيد في أسمى مراتبه الإنسانيَّة فيعلم أنّ الله تعالى تفرَّد عن كل المخلوقات بأنَّه لا يعرف ولا أحد يحيط بحقيقته علما، وأنَّ العجز عن الإدراك إدراك.
والتوحيد كما يقدِّمه العلماء يكون أحيانا مثقلا بجملة من الأوصاف والعبارات والمفاهيم التي لا يدركها كلُّ النّاس؛ فهل يعني هذا: أنَّه لا يتمُّ توحيد الإنسان إِلاَّ إذا فهم كلّ ذلك ووعاه وردّده؟ أم أنَّ هناك فرقا بين العلم بهذه المفاهيم، وبين ما يجب معرفته في التوحيد؟
إنَّ الواقع يثبت تفاوت النّاس في الإدراك؛ والعدل يقتضي أن يخاطَبوا بما يفهمونه ويدركونه، وأن لا يطلب منهم ما فوق طاقتهم، وقد ذهب الشيخ اطفيَّش إلى أنَّ المطلوب في التوحيد هو ما يكون فهمه مشتركا بين الناس مِمَّن صحَّ تكليفهم؛ ويُقتصر
__________
(1) - الحجة في بيان المحجة: 16.
(2) - تفسير ألغاز: 24، 25.
(3) - المصدر السابق: 25. (1/122)
صفحة 123
في ذلك على اعتقاد «عدم الشريك في الألوهية وخواصِّها» (1) دون ما وراءه؛ ولا تجب معرفة غيره إِلاَّ إذا قامت الحجَّة به، أو خطر بالذهن وتبادر السؤال إليه، حينئذ يكون ذلك من أسباب زيادة المعرفة بالله تعالى، ولكن لا يكلَّف الإنسان بكلِّ ما في مباحث التوحيد جملة واحدة (2)؛ واستدلَّ الشيخ على هذا الرأي بأنَّه فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكان عليه الصحابة والتابعون، وهو قول الجمهور؛ فقد كان توحيدهم خاليًا من الاعتبارات الكلامية، ومن التفاصيل الواردة معها، ويقول عن هذا: «ولم يُروَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه شرطها أو بعضها على أحد، بل يأمر بالكتب إلى الناس فيكتفي منهم بالإيمان الظاهر، وكذا من شافههم، ولا يباحثهم، وبعيد أن يدركوها مرَّة، أو بعضها عاجلا بمجرَّد الأمر بكلمة الشهادة في كتاب أو لسان رسول أو مشافهة» (3)، فقد رجع الشيخ بالموضوع إلى أصله الأوَّل على عهد النبوَّة، وذلك إبعاد منه للأثر السلبيِّ على الدعوة إلى التوحيد، وبرَّر ذلك بأنَّ من «سمع من العوامِّ في أوَّل الأمر ثبوت موجود ليس بجسم ولا متحيّز ولا مشار إليه ولا عرض، ظنَّ أنَّ هذا عدم ونفي؛ فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالَّة على ما يناسب ما توهّموه» (4). وتبدو أهمّية هذا الموقف من الشيخ من جانبين أحدهما: كونه تأصيلاً للمسألة، وتقديمًا للإسلام بطريقة توافق الفطرة السليمة، كما جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ثانيهما: ما نستنتجه من مراعاته لأحوال العصر الذي وجد فيه خاصَّة ضعف المسلمين والمجتمعات الإسلاميّة، بسبب البعد عن يسر الدين والإيغال فيما يجعله عسيرا، وينفّر منه أكثر مِمَّا يدعو إليه، فأوجب الاكتفاء بما يوافق المدارك والفطرة السليمة، وتبقى المباحث الكلامية
__________
(1) - حاشية القناطر: 2/ و: 130.
(2) - جامع الوضع والحاشية: 23؛ -الذهب: 23.
(3) - الحجة في بيان المحجة: 28، 29.
(4) - شامل الأصل والفرع: 1/ 51. (1/123)
صفحة 124
لخصوص من يدرسون العقيدة ويبحثون في قضاياها.
وَمِمَّا يتمُّ توحيد الله تعالى به ومعرفته معرفة الأسماء الحسنى الواردة في القرآن وَالسُّنَّة: فكانت بذلك جزءا من التوحيد.
4 - الأسماء الحسنى
وردت الأسماء الحسنى منسوبة إلى الله تعالى في القرآن الكريم والحديث الشريف؛ ومن ذلك يلي:
قوله تعالى: {وللهِ الاَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلْحِدُونَ فيِ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180]. وقوله أيضا: {قُلُ اُدْعُوا اللهَ أوُ اُدْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الاَسْمَآءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] (1).
قوله e: «إنَّ لله تسعة وتسعين إسما، مائة إِلاَّ واحدا» (2).
وقد اهتمَّ الشيخ اطفيَّش بتعريف هذه الأسماء وعلاقتها بالتوحيد، كما سنبّينه فيما يلي.
ا - تعريف الاسم لغة
الاسم بالكسر والضم: علامة الشيء، واللفظ الموضوع على الجوهر والعرض للتمييز، جمع أسماء وأسماوات، وجمع الجمع: أسامٍ، والفعل منه: سمى وأسمى وأسماه
__________
(1) انظرأيضا: سورة مريم: 19؛ سورة طه: 08؛ سورة الحشر: 24.
(2) البخاري: كتاب الشروط باب ما يجوز في الشروط و الثنيا: رقم: 2585؛ المعجم المفهرس: 2/ 551. (1/124)
صفحة 125
وسماه (1)؛ هذا عن الاشتقاق اللغويّ ومعنى لفظ الاسم، وأهمّ ما فيه: مصدر اشتقاق الاسم من السمو أو السمة؛ فهو عند البصريّين مشتقّ من السموّ، بمعنى الارتفاع والاعتلاء؛ أَمَّا الكوفيّون فيرون أنَّه مشتقٌّ من السمة: بمعنى العلامة، ولم يرجّح الشيخ اطفيَّش شيئا في هذا الاختلاف (2)؛ بينما رجّح من سبقه من الإباضيّة كونه مشتقّا من السموّ لما فيه من الدلالة على قدم الأسماء (3)؛ وعلَّل الباقلاني هذا الاشتقاق لغويًّا بأنّه يصغّر إلى: «سميّ» ولوكان من السمة لكان تصغيره: «وسيم» (4)؛ كذلك ذهب الزمخشري إلى القول باشتقاق الاسم من السموّ لأنَّه يصرّف إلى مثل أسماء، وسمى، وسميت، ولأنَّ السموَّ يدلُّ على مكانة المسمّى والإشادة بذكره (5)؛ وهو ما ذهب إليه المتكلّمون.
ب - مصدر معرفة الأسماء الحسنى
اختُلف في مصدر الأسماء الحسنى: أيُكتفى فيها بما ورد في الكتاب والسنة، فلا تكون الأسماء إِلاَّ توقيفيّة؟ أم يمكن أن تشتّق من بعض المعاني أسماء تُنسب إلى الله تعالى؟
إنَّه لا خلاف في الأسماء التي ورد بها نصٌّ شرعيٌّ، وأنَّ الله تعالى يسمَّى بما
__________
(1) الفيروزآبادي: القاموس: 4/ 344.
(2) - جامع الوضع والحاشية: 19.
(3) الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 212.
(4) أبو بكر الباقلاني: التمهيد: 225.
أبوبكرمحمد بن الطيب بن محمد بن جعفر: من كبار علماء الأشاعرة، انتهت إليه رئاستهم: (338 - 403 هـ/950 - 1013 م) انظر: الزركلي: الأعلام: 6/ 176.
(5) الزمخشري: الكشاف: تحقيق: محمد مرسي عامر، دار المصحف القاهرة ط 2: 1397 هـ/1977 م: 1/ 12.
الزمخشري محمود بن عمر بن أحمد الخوارزمي (467 - 538 هـ/1075 - 1144 م) إمام في التفسير واللغة والأدب، من أهم مؤلفاته: تفسير الكشاف، أساس البلاغة، فضل الاعتزال؛ انظر الزركلي: الأعلام: 7/ 178. (1/125)
صفحة 126
سمَّى به نفسه، أو بما سمَّاه رسوله e؛ ولكنَّ الخلاف فيما لم يرد فيه نهي ولا إذن؛ فقد ذهب المعتزلة إلى جواز تسميّة الله تعالى بما اتّصف بمعناه وليس فيه نقص، واختار جمهور الأشاعرة المنع (1). أمّا الإباضيّة فقد ذهبوا إلى جواز إطلاق الأسماء على الله تعالى إذا ورد معناها في نصّ لكن بشرط إضافتها إلى ما يتمّ معناها، مثل: «فالق الحب»، كما جوّزوا تسميته تعالى بما يمكن تخريجه على المجاز، مثل: يا سندي، بمعنى: المعتمد عليه، ومنعوا اشتقاق الأسماء مِمَّا فيه نقص، ولو ورد ذكر فعله في القرآن الكريم، مثل: مكر، خدع، نسي، فلا يصاغ منها: ماكر، خادع، ناس ..... الخ (2).
أَمَّا موقف الشيخ اطفيَّش في الموضوع فقد اختلف عن غيره؛ لأنَّه لم ينطلق من مجرّد اللفظ الذي يسمّى به الله تعالى بل فرّق بين اللّفظ والمعنى، ورأى أنَّ المختار والأحوط أن تكون الأسماء كلّها توقيفيّة في معانيها، فلا يسمَّى الله تعالى باسم لم يرد معناه منسوبا إليه في القرآن أو السنّة (3)؛ فلا يحق لأحد أن يسمّيه إلاّ بما سمّى به نفسه، ولو ترك هذا المجال لتجرّأ الناس على تسميته بما لا يجوز في حقّه (4). ويدلُّ هذا على أنَّه لا يمكن إضافة معنى جديد في أسماء الله تعالى لأنَّه ابتداع وا ستحداث؛ وَأَمَّا في الألفاظ فيمكن الاشتقاق لأنَّ فيها ما هو توقيفي وما هو توفيقي؛ ومن الصيغ الجائز اشتقاقها صيغة «متفعّل» قياسا على متكبِّر (5)، وصيغة اسم الفاعل مما ورد به الفعل من الله تعالى مثل: «التائب على عباده» من
__________
(1) أبو الحسن الأشعري: كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع: تصحيح يوسف مكارثي المطبعة الكاثوليكية بيروت 1953 م: 10؛ البيجوري: تحفة المريد على جوهرة التوحيد المطبعة الميمنية مصر 1324 هـ: 48.
(2) الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 222، 225.
(3) - الهميان 1/ 434؛ - التيسير: 4/ 264، 265؛ -شرح العقيدة: 417.
(4) - شرح لامية الأفعال: 1/ 16؛ -الهميان: 7 ق 1/ 77؛ -التيسير: 1/ 60.
(5) - شامل الأصل والفرع: 1/ 32. (1/126)
صفحة 127
قوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة:118] (1).
وهناك بعض المعاني التي لا يمكن تسمية الله تعالى بالاسم المشتقّ منها، إلاّ مضافا ومقيّدا بمعموله مثل: ماكر بالذين يمكرون، أو داحي الأرض وباني السماء؛ وقد استحسن الشيخ هذا التقييد، واعتبره تصرُّفا وجيها؛ لأنَّ المطلوب من المؤمن عبادة ربِّه دون تحديد (2). ويرى الشيخ أنّ موقفه هذا لا يعني أنّ الأسماء غير توقيفيّة؛ لأنّه لم يجوِّز في الاشتقاق إِلاَّ ما ورد النصّ بمعناه (3)، ولذلك أجاز إطلاق الاسم إذا ورد به النصّ ولو كان ظاهره لا يصحّ في حقِّه تعالى إِلاَّ بالتأويل، حفاظا على استعمال النصّ وعدم ردِّه، فيجوز تسميته تعالى بالجميل والمتين والصبور وحنَّان وشيء، وهي ألفاظ تردّد فيها بعض الإباضيّة ومنعوها (4).
و يبدو رأي الشيخ في الظاهر مخالفا لمن يرى التوقيف لكنَّه في حقيقته يؤول إليه؛ لأنَّ تأكيده على توقيفيَّة المعاني شيء يتَّفق فيه مع غيره، ولأنَّه لا يمكن استحداث معنى ونسبته إلى الله تعالى وَأَمَّا قوله: باشتقاق الألفاظ، فهوأقرب إلى المعتزلة وأكثر توسُّعا في صيغ الاشتقاق من الإباضيّة.
إنَّ الكلام عن مصدر الأسماء وإمكان اشتقاقها يثير تساؤلا عن المراد بالعدد الوارد في الحديث الشريف، وهل هي محصورة في هذا العدد؟
إنَّ رأي الشيخ اطفيَّش في اشتقاق الأسماء يدلُّ على أنَّها غير محصورة. وتتعدّى العدد المذكور لإجازته اشتقاق أسماء لم يرد النصُّ بألفاظها، وهو ما ذهب
__________
(1) - التيسير: 1/ 60.
(2) - الهميان: 7 ق 1/ 77؛ -التيسير: 4/ 264، 265.
(3) -شامل الأصل والفرع: 1/ 32.
(4) - الحجة في بيان المحجة: 5، 34، 35؛ -الذخر الأسنى: 179. (1/127)
صفحة 128
إليه الشيخ (1)، واستدلّ على عدم حصر الأسماء في عدد بقوله e: «أسألك بكلِّ اسم هو لك سمّيت به نفسك» (2)، فإنَّ الحديث يترك العدد والعلم به على الحقيقة إلى الله تعالى؛ فهو أعلم به وبما يسميِّ نفسه. وفسّرالشيخ الحديث الوارد في أنَّ أسماءه «تسعة وتسعون» بأنَّه لا يعني تحديدها، وحصرها، بل يدلّ على مجرّد كثرة الأسماء مثلما استعمل العدد في مواقف أخرى لمجرَّد الدلالة على الكثرة لا على الحقيقة العدديّة (3).
جـ- الإيمان بالأسماء الحسنى
ترد مسألة الإيمان بالأسماء الحسنى ضمن العقيدة والتوحيد، والمقصود بها معرفة أسماء الله تعالى وما يمكن للإنسان أن ينادي به ربّه في الدعاء، ويسمّيه به مِمَّا يليق بعظمته وجلاله، ومعرفة الاسم الأعظم لله تعالى. وقد ذهب الشيخ اطفيَّش مثل غيره من الإباضيّة إلى أنَّ الاسم الأعظم الذي هو علَم على الذات الإلهيّة هو لفظ الجلالة {الله}، وَأَمَّا الأسماء الأخرى فإنَّها تدلُّ على الصفات وتتضمّنها (4)؛ لكن: هل يقف الإيمان بالأسماء الحسنى عند هذا المعنى؟
إنَّ الشائع لدى المسلمين هو ترديد الأسماء الحسنى على شكل أوراد واتِّخاذها عادة كما هو معروف لدى الصوفية خاصّة، حتى أصبحت عملا آليًّا عند البعض، يردّد ألفاظا دون شعور بها ولا فقه بمعانيها؛ وهل يعقل أن تكون الحكمة من معرفة الأسماء الحسنى هي
__________
(1) - الهميان: 7 ق 1/ 77؛ -التيسير: 4/ 265.
(2) خرَّجه محقِّق جامع الأصول وقال: «عزاه في نزل الأبرار إلى ابن حبّان و أحمد والبزار وأخرجه الحاكم أيضا وصحَّحه، وقال في مجمع الزوائد: و رجال أحمد رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، ووثقه ابن حبَّان»؛ انظر ابن الأثير: جامع الأصول من أحاديث الرسول e: تحقيق محَمَّد حامد الفقي: دار إحياء التراث العربي ط 4 بيروت، 1404 هـ/1984 م: 5/ 94.
(3) -التيسير: 4/ 265؛ الباقلاني: التمهيد: 232.
(4) - شرح أصول تيبغورين: 236؛ -جواب أهل زوارة: 4. (1/128)
صفحة 129
هذا المفهوم فقط؟ وهل يمكن أن يكون لهذه الأسماء أثر على السلوك البشري؟
لقد أشار القاضي عبد الجبّار (1) إلى أنَّ المقصود من معرفة الأسماء والإيمان بها أن تؤثّرعلى الإنسان فتجعله يعظِّم ربَّه ويجلُّه، وعليه أن ينوي ذلك عند ذكرها وقراءتها (2)، لكنَّه اكتفى بهذا الأثر الشعوري وإن كان مهمًّا، ولم يخرج إلى أثر عملي سلوكي؛ وقد أشار الأستاذ الجعبيري إلى عدم وقوفه على ما يفيد هذا المعنى عند الإباضية، ولا عند غيرهم (3)؛ ولكن ما غفل عنه العلماء في الفترة التي درسها الجعبيري وجدناه عند الشيخ اطفيَّش، إذ تقدَّم خطوة هامَّة عند حديثه عن مغزى قوله e: «من أحصاها دخل الجنّة» وأعطاه بعدا أعمق وأحسن أثرا من مجرّد الذكر والتعداد، وبيَّن أنَّ المقصود بالإحصاء في الحديث هو التخلُّق بما توحي به الأسماء من الصفات والأخلاق الحميدة، فإذا كان الإنسان يعتقد في ربِّه معاني هذه الأسماء؛ فعليه أن يسعى إلى تربية نفسه عليها ويتخلَّق بها، ومثَّل لذلك بالاسم الأعظم، فإنَّ معرفته والإيمان به، يقتضيان عبادة من تسمّى به، وأداء الفرائض التي افترضها، ولا شكَّ أنَّ من فعل ذلك دخل الجنَّة، فهذا معنى الإحصاء (4)، وقد مثَّل بلفظ الجلالة {الله} لذلك بقي توضيحه في نطاق العبادات الشرعية، ولنا أن نتصوَّر البعد العملي لهذا الفهم عندما يعمِّم المنهج نفسه على باقي الأسماء الحسنى، وهو يشرح هذا بقوله: «والظاهر عندي أنَّ المراد بإحصائها، العمل بمقتضاها، والصيانة عن الخروج عنه» (5) فلهذا التفسير أثر كبير على السلوك، ولا شكّ أن الشيخ اطفيَّش أراد بهذا الرأي أن يساهم في
__________
(1) القاضي عبد الجبار: (ت: 415 هـ/1025 م) قاض معتزلي له مؤلفات في الفكر الاعتزالي؛ انظر الزركلي: الأعلام: 3/ 273.
(2) عبد الجبار: تنزيه القرآن عن المطاعن: المطبعة الجمالية مصر 1329 هـ: 225.
(3) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 768.
(4) - الهيمان: ط 1: 10/ 270.
(5) - المصدر نفسه. (1/129)
صفحة 130
إبعاد الناس عن الاعتماد على التعاويذ، والاهتمام بترديد الأذكار، ترديدا لا يتجاوز ألسنة الذاكرين، إلى جوارحهم وأعمالهم في دينهم ودنياهم. وهكذا يكون للتَّوحيد مغزى وأثر في كلّ أجزائه، ومنها الإيمان بالأسماء الحسنى باعتبارها سبيلا إلى معرفة الله تعالى، كما أنَّ لمعرفة الصفات أيضا أهميَّة كما سيتّضح من خلال المبحث القادم.
- - - (1/130)
صفحة 131
المبحث الثّاني
الإيمان بالصفات
يعتبر موضوع الإيمان بصفات الله تعالى من أهمِّ المواضيع المناقشة في التوحيد، لأنَّها تزيد الإنسان معرفة بربِّه، وتعلمّه ما يجب أن ينسبه إلى الله وما يستحيل، وهو موضوع واسع؛ نحاول أن نعرف رأي الشيخ اطفيش في بعض مسائله العقديَّة، من تعريف الصفة وأقسامها، ومعاني بعض الصفات الواردة في الآيات المتشابهات.
1 - تعريف الصفة
الصفة لغة: لفظ مأخوذ من مادة وَصَف يَصِف وصفا: بمعنى نَعَت، ويراد به عند النحويّين: النعت الذي يكون اسم فاعل أو اسم مفعول، أو ما يرجع إليهما بالمعنى (1).
أما في الاصطلاح فإنَّ الصفات عند الشيخ اطفيش: هي المعاني المصدريَّة الخالية من الذات، فإن أريد التعبير بها عن الذات صيغ منها اسم الفاعل، أو الصفة المشبّهة؛ مثل صياغة العليم والعالم من العلم والقادر والقدير من القدرة والمريد من الإرادة (2).
2 - الصفات وأقسامها
تعدّدت تقسيمات الصفات الإلهيّة، والمعروف منها عند الإباضيّة ثلاثة هي:
__________
(1) الفيروزآبادي: القاموس: 3/ 204.
(2) - الحجة في بيان المحجة: 21 - 23؛ -شرح أصول تيبغورين: 236. (1/131)
صفحة 132
- تقسيمها إلى صفات ذاتيَّة وصفات فعلية.
- تقسيمها إلى صفات ذاتيَّة وصفات فعليَّة وصفات ذاتيَّة باعتبار، وفعلية باعتبار.
- تقسيمها إلى صفات جائزة، وصفات مستحيلة، وصفات واجبة.
والتّقسيم الأكثر شهرة واستعمالا عند الإباضيَّة هوالأوَّل وقد أخذ به الشيخ (1)، ويرى أنَّه مأخوذ من المشارقة؛ لأنَّ المغاربة لا يميّزون بين الصفات، بل يعتبرونها كلّها ذاتيّة، وأمّا ما دلّ على الأفعال فيسمّونه فعلا فقط دون جعله صفة (2)؛ ويعرّفونها بأنّها المعاني التي لا أوَّل لها ولا آخر، ولا يتّصف الله تعالى بأضدادها؛ وَأَمَّا الأفعال فهي ما كان محدود الأوّل ويتّصف الله تعالى بضدّه مثل الإحياء والإماتة (3). ولم يتّبع الشيخ تقسيم المغاربة إِلاَّ في مؤلّفه: «الحجّة في بيان المحجّة» بينما اتّبع في غيره التقسيم الأوّل.
ا - الصفات الذاتيّة
وهي الصفات التي لا أوَّل لها ولا يوصف الله تعالى بضدّها، أزليّة لا تتجدّد، ولا تجتمع مع ضدّها في الوجود، ولو اختلف محلّ تعلّقها؛ فالعلم مثلا: صفة لله تعالى ذاتيّة، بمعنى أنَّه عالم منذ الأزل، وعلمه لا يتجدّد ولا يكتسب مثل علم مخلوقاته، ولا يوصف بضدِّ العلم وهو الجهل، سواء تعلَّق العلم بشيء واحد أو أشياء متعدّدة؛ فلا يجهل شيئا ثُمَّ يعلمه أو يعلمه ثُمَّ يجهله، أو يعلم شيئا ويجهل آخر، فهو العليم بِكُلِّ شيء؛ لذلك كان متّصفا بالكمال المطلق في كلّ صفاته. وأهمّ الصفات الذاتيّة: الحياة
__________
(1) والثاني هو المشهور لدى الإباضية المشارقة انظر: السالمي: مشارق: 1/ 60: الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 248.
(2) - الذهب: 29.
(3) - الحجة في بيان المحجة: 2، 3، 21. (1/132)
صفحة 133
والعلم والإرادة والقدرة والسّمع والبصر والكلام (1)؛ وقد شرحها الشيخ اطفيش؛ وفسَّرها كما يلي:
فالحياة: في حقِّ الله تعالى تعني عدم الموت، فالله حيٌّ بمعنى لا يموت، وتعني أيضا: ما يلزم عنها من إرادة وعلم وقدرة؛ وليست الحياة بالمعنى المتعارف عليه عند المخلوقات (2). ونلاحظ أنّ تفسيرالحياة بهذه المعاني لا يفيدنا بحقيقة حياة الله تعالى إنّما هومجرّد تقريب للمعنى؛ ونجد تفسير العاِلميْن محمد إقبال ومحمد الغزالي كان أكثر تقريبا للمعنى حيث عبَّرا عن صفة الحياة بالوجود، فحياته بمعنى وجوده وجودا دائما مستمرّا ثابتا لا يتغيّر ولا تتعاقب عليه الأحوال (3).
وَأَمَّا عن صفة العلم فيقول الشيخ اطفيش: إنَّ الله تعالى عالم بذاته، وعلمه سابق للموجودات، علِمها قبل حدوثها، وليس بعلم مركّب في ذاته، بل ذاته كافية في انكشاف الأشياء المعلومة له؛ فهو يعرف كلَّ شيء معرفة كاملة قبل وجوده وأثناءه وبعده؛ وهو محيط بكلِّ شيء علما وليس علمه مُشْبها لعلم المخلوقات لكونه علما متّصفا بالكمال غير مرتبط بالزمان والمكان وغير محدود ولا متجدّد (4).
ويقول عن الإرادة: إنَّ الله تعالى مريد وإرادته تتعلّق بما شاء وقوعه، أو شاء عدم وقوعه، وتتعلّق بالكائن إيجادا وعدما، ولا تتخلّف هذه الإرادة، لأنَّ التخلّف انقلاب من الكمال إلى النقص، تعالى الله عن ذلك؛ وتدلُّ الإرادة على المشيئة، ويراد بها
__________
(1) - الحجة في بيان المحجة: 21؛ -الذهب: 29؛ -شرح الدعائم: 1/ 151، 152.
(2) الوارجلاني: الدليل: 3/ 12؛ -الححجة في بيان المحجة: 19؛ -التيسير: 1/ 407، 408.
(3) محمد إقبال: تجديد التفكير الديني في الإسلام: ترجمة: عباس محمود مطبعة لجنة التأليف، القاهرة، 1955 م: 71، 72؛ محمد الغزالي: عقيدة المسلم: 102.
(4) - تقريرات على حاشية الديانات: (خ) نسخة مصورة بمكتبة الباحث: و: 7؛ -الحجة في بيان المحجة: 4؛ -الذهب: 8؛ -التيسير: 10/ 6؛ -فتح الباب: 05. (1/133)
صفحة 134
أيضا علم الله تعالى وقضاؤه بوجود المخلوق وعدمه؛ وكون الله تعالى مريدا يعني أنَّه قادر على كلِّ شيء، ومالك له ولا مالك على الحقيقه إِلاَّ هو (1).
ورابع الصفات: القدرة: والقادر ــ كما يعرفُّه الشيخ ــ هوالذي يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، لا يعجز عن فعل شيء، ولا يقع ما لا يريده. وتتعلّق قدرته تعالى بالممكن، ولا يقال إنَّه قادر على المستحيل ولا غير قادر عليه، لأنَّ المستحيل لا يصدرمنه، ولا يعني ذلك أنَّه عاجز عنه، ولذا لا يقال إنَّه قادر على اتِّخاذ الصاحبة والولد ولا غير قادر؛ لأنَّه مستحيل في حقّه أن يتّخذهما، ومنّزه عن العجز وعدم القدرة (2)؛ هكذا عرّف الشيخ صفة القدرة ولكن أقحم في الموضوع مسألة القدرة على إيجاد المستحيل مع ما في ذلك من التناقض، فإيجاد المستحيل ليس مجاله ذلك؛ والأفضل لرفع هذا الإشكال أن يقال عن إيجاد المستحيل إنّه أمرمتناقض مع الكمال الإلهيّ، فهو جمع للمتناقضات، وليس من شأن الإله أن يأتي بما يتناقض بعضه مع البعض الآخر، والكمال الحقيقيّ هو إيجاد الانسجام في الوجود، ولو كان فيه تناقض لكان نقصا ونقضا للكمال، فاتخاذ الصاحبة والولد مناقض للألوهية، وطلب إيجادهما والسؤال عنهما يدلُّ على عدم التفرقة بين عالم الموجودات المخلوقة، والعالم الغيبيّ، وصفات الألوهية الحقّة؛ ولا يتعلّق الأمر فيهما بقدرة الله تعالى وعدم قدرته.
أما في صفتي السمع والبصر: فيرى الشيخ أنَّهما تذكران معا لقرب معانيهما: فسمْع الله تعالى هو علمه بالأصوات، وبما يسمَع؛ وبصرُه هو علمه بالألوان والأجسام وما يبصَر ويرى، فالصفتان ترجعان عند الشيخ اطفيش إلى صفة واحدة هي العلم، وهذا الإرجاع لا يخلو من قياس الغائب على الشاهد، فالشيخ يوضِّح سبب تفسير السمع بالعلم بأنَّ المعروف
__________
(1) - داعي العمل: و: 94؛ -الذهب: 8؛ -الحجة في بيان المحجة: 8؛ -شرح الدعائم: 1/ 150.
(2) - الهميان: 1/ 324؛ -الذخر الأسنى: 203؛ -تقريرات على حاشية الديانات: و: 8، -التيسير: 1/ 35، 36. (1/134)
صفحة 135
عند الخلق أنَّ السمع سبب لعلمهم، فكذلك السمع عند الله هو بمعنى العلم، ولكن الله تعالى منزَّه في السمع والبصر عن الحواس، فهو «سميع بلا أذن ولا أصمخة، وبصير بلا جفن ولا حدقة»؛ فسمعه وبصره لا يشبهان أسماع البشر وأبصارهم (1).
وقال في صفة الكلام: يوصف الله تعالى بالكلام بمعنى عدم الخرس، هكذا يفسّر الشيخ اطفيش هذه الصفة، وأنَّها لا تدلّ على النطق بالحروف والكلمات، كما هو عند البشر، ويراد بها لازمها من التبيين، فالله تعالى بيَّن لعباده الغيب والحلال والحرام، وخلق الكلام حيث شاء، وسمَّعه من شاء من عباده، كما أنزل الوحي (2). وهذا التفسير لصفة الكلام جاء غامضا عن الإفصاح بحقيقة اتصافه تعالى بالكلام، وهذا بسبب ارتباط هذه الصفة بقضيّة خلق القرآن، وكان الشيخ يرى رأي من يقول بخلقه، وحاول في تعريف هذه الصفة أن يستبعد معاني النقص من النطق والكلام كما هو عند البشر، وحاول أن يثبِّت هذه الصفة مع إثبات خلق القرآن أيضا، لكن يبقى هذا المعنى المقدَّم لصفة الكلام غير واضح ولا دالّ على الحقيقة، كما هو الشأن مع بعض الصفات الأخرى، إذ حاول علماء الكلام توضيحها معتمدين على المعنى اللغوي (3)، وعلى مجرّد استبعاد ما هو عند المخلوق عن الخالق (4)؛ وهذا غير واف بالمقصود من معرفة الصفات وإدراك حقائقها، لذا تعتبر هذه التعاريف مقربّة للمعاني فقط دون أن تعطينا الحقيقة، لأنَّ إدراك حقيقة الله تعالى أمر مستحيل، ومعرفة الصفات جزء من معرفة الله تعالى، ويبقى التسليم بالصفة كما وردت في النصوص، هو الأفضل دون الخوض فيما لا يمكن إدراكه.
__________
(1) - شرح الدعائم: 1/ 14؛ -الحجة في بيان المحجة: 9، 10؛ -جامع الوضع والحاشية: 23.
(2) - المصدر نفسه: 22؛ -شرح الدعائم: 1/ 236؛ -الهميان: 1/ 447؛ -الحجة في بيان المحجة: 19.
(3) -المصدر نفسه: 18، 19.
(4) -المصدر نفسه؛ ينظر: الوارجلاني: الدليل: 1/ 46، 3/ 23؛ أبو زكرياء الجناوني: كتاب الوضع: مطبعة الفجالة الجديدة: مصر دت: 11. (1/135)
صفحة 136
ب- الصفات الفعليّة
الصفات الفعلية ـ كما يعرِّفها الشيخ اطفيَّش ـ هي ما دلَّ على أفعال الله تعالى، وتختلف عن صفات الذات في أنَّ صفات الأفعال محدودة البداية، مرتبطة بالزمان غير قديمة، يمكن أن يتَّصف الله تعالى بضدّها، ومثل ذلك فعل الخلق: فالله خالق، والخلق صفة فعل، وقع بعده في الزمن، يخلق متى شاء، ويمكن ألاَّ يخلق، وكذلك الإحياء والإماتة والرزق، فهي أفعال متجدّدة غير محصورة (1).
وقد ارتبطت ببحث صفات الأفعال مسألة مصدر هذه الصفات: هل لها علّة تضبطها؟ أم أنَّ الله تعالى يفعل ما يشاء ولا تقيّد أفعالَه علل وأغراض؟
اختلفت الآراء بين المعتزلة الذين يجيزون التعليل بحجَّة أنَّ الله تعالى لا يفعل شيئا عبثا، وبين الإباضيّة والأشاعرة الذين يمنعون التعليل لأنَّه يؤدِّي إلى النقص (2).
ويرى الشيخ اطفيش أنَّ الحقَّ جواز تعليل أفعال الله تعالى مع الإبقاء في هذا التعليل على الغنى الذاتي المطلق، واستبعاد المفهوم المؤدّي إلى النقص (3)، وحتىَّ يتمّ ذلك فإنَّه لم يُجز التعليل مطلقا، ولم يمنعه مطلقا، بل بيَّن الحال التي يجوز فيها التعليل، والحال التي يمنع فيها؛ كما يلي:
فالتعليل جائز تبعا لبعض النصوص التي تدلُّ عليه في ظاهرها، وجاءت صريحة في ذلك (4). ومن هذه النصوص التي استشهد بها الشيخ قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ
__________
(1) - شرح الدعائم: 1/ 151، 152؛ -الذهب الخالص: 29؛ -الحجة في بيان المحجة: 21؛ انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 246.
(2) -الجنة في وصف الجنة: 278؛ -داعي العمل: و، ظ: 313.
(3) -المصدر نفسه: و، 95، و: 313؛ -فتح الله: 1/ظ: 48؛ -الذهب: 29؛ -الحجة بيان المحجة: 13؛ -التيسير: 10/ 64، 12/ 488؛ -وفاء الضمانة: 1/ 53.
(4) - داعي العمل: ظ: 313. (1/136)
صفحة 137
الْجِنَّ وَالاِنسَ إلاَّ لِيَعْبُدونِ} [الذاريات: 56]؛ فهو يرى أنَّ صرف هذا النصّ وأمثاله عن ظاهره تأويل لا سبب له، ما دامت هذه العلّة لا تعني نقصا في ذات الله تعالى ولا يحسن الإكثار من التأويل لأنَّه يؤدّي ـ كما يقول ـ إلى أنَّ الله تعالى: «يفعل ويأمر وينهى بلا إرادة، أو بها مع العبث» (1)؛ كما أنَّ الفعل من الله تعالى لا يمكن أَنَّ يقع اتفاقا وصدفة، بل هو عالم به ومريد له، وإلاَّ كان وقوعه عن غير علم وهو باطل (2)؛ فيصبح التعليل في الأفعال دالاًّ على الكمال، دون المعنى المعهود من النقص والحاجة.
وَأَمَّا التعليل الذي يمنعه الشيخ اطفيش؛ فهو ما يكون القصد فيه المعنى المتعارف عليه، من إسناد صدور الفعل إلى غرض كان هو السبب الذي دعا الفاعل إلى القيام بالفعل، ويمنع هذا لأنَّه يُؤَدِّي إلى وصف الله بالاحتياج إلى هذا الغرض، وإلى استكمال النقص وهوإشراك لتسويته بمخلوقاته في الاحتياج (3).
لقد جاء موقف الشيخ اطفيش وسطا بين المنع والجواز، فهو لم ير أَنَّ التعليل كلّه باطل ومذموم، ولا أَنَّ عدم التعليل على الإطلاق يدلُّ على الكمال حقيقة؛ وهذه الوسطيّة في موقف الشيخ اطفيش جعلته يلتزم في التعليل علّة واحدة تلتقي فيها أفعال الله تعالى، وهذه العلة نفسها صفة من صفاته وهي الحكمة؛ وهذا يدلُّ على كماله تعالى؛ كما أَنَّ الخلاف بينه وبين غيره لفظي؛ لأَنَّ الجميع يتّفقون على وصفه تعالى بالحكمة في الأفعال، ويقول الشيخ عن هذا الخلاف: «والخلاف لفظي؛ فإنَّه إن أريد الاحتياج والاستكمال منعناه كما منعوه (4)، وإن أريد الحكم أجازوه كما أجزناه» (5).
__________
(1) -المصدر السابق: و: 95، ظ: 313؛ انظر: -الذهب: 29.
(2) - داعي العمل: ظ: 313.
(3) - المصدر نفسه: و: 95؛ -شرح العقيدة: 65؛ -الحجة في بيان المحجة: 13؛ -الذهب: 29.
(4) أي الأشاعرة ومن ذهب إلىلمنع.
(5) -المصدر نفسه: 29؛ انظر: -داعي العمل: و: 95؛ -الحجة في بيان المحجة: 13: 14. (1/137)
صفحة 138
وقد ذهب إلى هذا الرأي الشيخ محمد عبده الذي يرى أَنَّ أفعال الله تعالى لا تعلّل بالأغراض، وهي منزّهة من العبث، ولا يمكن أَن تخلو من الحكمة، لكنَّها حكمة قد تظهر للعباد وقد تخفى (1). وهذا الموقف الوسط هو الذي يناسب الكمال الإلهيّ، وينزَّه الله تعالى عن النقص سواء بتقييد أفعاله بالأغراض، أو بمنعها من كلِّ حكمة فتصبح عبثا؛ تعالى الله عن ذلك.
هذه هي الصفات في معانيها وقسميها اللذين اتَّبعهما الشيخ مثل من سبقه. وقد أثارت نسبة الصفات إلى الله تعالى مسألة أخرى وهي علاقتها بالذات وهو ما سنراه في الفقرة التالية.
3 - علاقة الصفات بالذات
لقد بحث علماء الكلام بتوسّع، نسبة الصفات إلى الله تعالى، والعلاقة بينها وبين الذات الإلهيّة، وهي من المسائل التي كثر حولها الجدال والنقاش والاختلاف، ويمكن أَن نتبيَّن ثلاثة مذاهب في الموضوع هي:
أوَّلاً - مذهب من منع الكلام في الموضوع، خروجا من المحذور في القول بالمغايرة بين الصفات والذات، وهو تعدّد الآلهة والقدماء، أو إلغاء المغايرة لما في ظاهره من تعطيل الصفات وهو قول السلفيّة (2).
ثانيا - مذهب الأشاعرة الذين يفرّقون بين الصفات: فمنها ما هو عين الذات مثل الوجود؛ ومنها ما هو غير الذات، وهي الصفات المأخوذة من الأفعال؛ ومنها ما لا
__________
(1) محمد عبده: رسالة التوحيد: ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 1988 م: 39.
(2) محمد بن أبي العز: شرح الطحاوية: المكتب الإسلامي بيروت 1399 هـ: 129، 130. (1/138)
صفحة 139
يقال فيه هو عين الذات ولا غيرها، وهي الصفات النفسيَّة التي لا تفارق الذات (1).
ثالثا - مذهب المعتزلة والإباضيّة الذين يرون أَنَّ الصفات هي عين الذات لا منفصلة عنه ولا مغايرة (2).
وقد وافق الشيخ اطفيش المذهب الأخير، وأيَّده وشرحه، وذهب إلى أَنَّ صفات الله تعالى ذاتيَّة، ولا فرق بينه وبين صفاته، بل هي عين الذات؛ ولا تدلُّ الصفات إِلاَّ على واجب الوجود وليست شيئا زائدا عليه ولا حالَّة فيه، بمعنى أَنَّ ذاته كافية في حصول مفهومات هذه الصفات، ولا تحتاج إلى معاني خارجة عنها (3). وقد بيّن الشيخ أَنَّ الدافع إلى اتِّخاذ هذا الرأي، هو السعي إلى تنزيه الله عن كلِّ نقص وعجز وأيَّد هذا بما يلي:
1 - القول بذاتيَّة الصفات هو المخرج من المحظور وهوتعدّد القدماء اللازم من القول بصفات مغايرة للذات، لأنَّه يُؤَدِّي إلى الاختلاف بين الذات والصفات اختلافا في الزمن، فإمَّا أَن توجد قبل الذات وهو أمر مستحيل، وَإِمَّا أَن توجد مع الذات وهي مغايرة له، فهو تعدّد للقدماء؛ وَإِمَّا أَن توجد بعد الذات فتكون حادثة بعد الله تعالى فيتصف بالحادث، وكلّ هذه الاحتمالات مستحيلة في حقِّه ومخالفة للتنزيه، لذا يكون القول بعدم مغايرة الصفات للذات هو المخرج من المستحيل والمؤدّي إلى التنزيه (4).
__________
(1) الآمدي علي بن أبي علي: غاية المرام في علم الكلام: تحقيق حسن محمود عبد اللطيف، مطابع الأهرام مصر: 1971 م: 145 - 146.
(2) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: تحقيق عبد الكريم عثمان نشر مكتبة وهبة مصر 1384 هـ: 183؛ الثميني: معالم الدين: 1/ 220.
(3) - الهيمان: ط 1: 1/ 53، 144.
(4) -المصدر نفسه: ط 2: 5/ 266؛ انظر: عبدالمجيد بن حمده: المدارس الكلامية بإفريقية إلى ظهور الأشعرية: دار العرب تونس: 1986 م: 89؛ P. CUPERLY: Introduction à l'étude de l’Ibadism et de sa théologie, O.P.U. Alger, 1984, 210. (1/139)
صفحة 140
2 - لو كانت الصفات غير الذات لأدَّى هذا إلى احتياجه تعالى إلى هذه الصفات، لأنَّها لم تكن فيه ثُمَّ اتَّصف بها لَمَّا احتاج إليها، واستكمل بها نقصا، تعالى عن ذلك؛ بينما القول بذاتيّة الصفات يمنع هذا الاعتبار وهذه المعاني، ويُؤَدِّي إلى وصفه تعالى بالكمال (1).
3 - القول بذاتيَّة الصفات ينفي حلولها في الذات؛ لأنَّها لو كانت مغايرة له لكانت حالّة فيه، وتصبح قائمة بالذات، ولم تكن موجودة من قبل فحلَّت فيه (2).
4 - القول بذاتيّة الصفات يمنع من المشابهة بين عالم الغيب وعالم الشهادة، بينما القول بمغايرة الصفات للذات، كان ناشئا عن قياس الغائب على الشاهد، وهو قياس لا يصلح في الموضوع للاختلاف بين العالمين ولعدم وجود جامع بينهما (3).
فنلاحظ أَنَّ الأخذ بهذا القول كان خروجا من الاعتبارات والاحتمالات اللازمة عن المذهب الذي يرى الصفات مغايرة للذات، وخاصَّة ما يُؤَدِّي إليه هذا المذهب من الانفصال بين الذات والصفات، فكان من يرون ذاتيّة الصفات يعتبرون الذات والصفات شيئا واحدا لا يتجزّأ.
وقد وُجِّهت إلى مذهب المعتزلة والإباضيّة انتقادات أوردها الشيخ وحاول ردَّها كما يلي:
1 - يرى الأشاعرة أَنَّ القول بذاتيّة الصفات يجعل الإخبار عنها لا يفيد شيئا جديدا، ما دامت هي والذات شيئا واحدا. وردَّ الشيخ هذا بأَنَّ تعدُّد الصفات لا يعني زيادة ماصَدَقها على حقيقة الذات، إِنَّمَا يفيد زيادة مفهوم هذه الصفات فقط، كمفهوم
__________
(1) - الذخر الأسنى: 230.
(2) - شرح العقيدة: 12.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 277، 278. (1/140)
صفحة 141
العلم والقدرة ونظائرهما؛ فالذات كافية في حصول مفهوم هذه الصفات، ولا تحتاج إلى شيء زائد عليها (1).
2 - يرى مثبتو مغايرة الصفات للذات، أَنَّ جعل الصفات ذاتيّة يُؤَدِّي إلى عدم التمييز بين هذه الصفات في ذاتها، ويرى الشيخ أَنَّ هذا غير واقع، لأَنَّ الصفات مع كونها عين الذات؛ فهي تدلُّ على مفاهيم متغايرة، لكن من غير أَن تتغاير في حقيقتها، لذلك لا يجوز استعمال صفة مكان أخرى، ولوكانت تدلُّ على شيء واحد، فلا يقال: سمع الألوان، وأبصر الأصوات، ولو كان في المعنى صحيحا، لأنَّه يدلُّ على علمه بذلك (2).
هذا هو رأي الشيخ اطفيش في علاقة الصفات بالذات؛ وعندما نقارنه بمذهب الأشاعرة نجده أكثر قربا من التنزيه المطلق، فالله تعالى مغايرللخلق في كلّ شيء، بما في ذلك علاقة ذاته تعالى بصفاته؛ فإذا كان الشأَنَّ في الخلق أَن يكتسبوا الصفات، وأَن تحلّ فيهم، وأَن تكون ذواتهم غير صفاتهم، فإنَّ تفرّد الله تعالى ومخالفته لمخلوقاته يقتضي أَن تُستبعد كلّ هذه المعاني من اعتقاد اتِّصاف الله تعالى بالعلم والقدرة وغيرهما؛ فليس علمه شيئا غيره، ولا احتاج إليه؛ بل ذاته كافية في العلم بالمعلومات وهكذا في سائر الصفات.
لقد بنى الشيخ هذا الرأي ـ وكذلك من سبقوه إليه ـ على استبعاد ما يلزم من النقص عن مذهب الأشاعرة لذا نجده في حقيقته لا يمكنُّنا من تصوُّر حقيقة العلاقة بين الذات والصفات، فما زال الموضوع غامضا لجهل الإنسان بالله تعالى وذاته؛ كما أَنَّ كلا المذهبين ـ الإباضيّ والأشعريّ ـ لم يسلما من استعمال قياس الغائب على الشاهد، فإذا كان عند الأشاعرة واضحا، فإنَّه عند الإباضيّة يظهر عند استبعادهم معاني
__________
(1) -المصدر نفسه؛ ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر: (خ) مصور. نشر سلطنة عمان دت: 1/ 26.
(2) - شرح أصول تيبغورين: 278؛ -شرح الدعائم: 1/ 149. (1/141)
صفحة 142
النقص عن ذات الله تعالى؛ فقد تصوَّروا وجود صفات وذات، كما هو في عالم الشهادة؛ ثم حاولوا أَن يضعوا رابطة بينهما غير واضحة ولا معلومة، لكن ليست من جنس ما يربط ذوات المخلوقات بصفاتها، مع أنَّه كان من الممكن الإيمان بصفات مطلقة واضحة المعاني دون خوض في هذه التفاصيل، فقد اتّفقت هذه المذاهب حول معاني هذه الصفات، ولكنَّها اختلفت حول نسبتها إلى ذات الله تعالى؛ وقد وردت صفات أخرى غيرها جرى الخلاف في معانيها أيضا، وهي تلك التي جاءت في نصوص متشابهة.
4 - معاني الصفات الواردة في نصوص متشابهة
وردت بعض النصوص من المتشابه تنسب إلى الله تعالى صفات، توهم في معناها الظاهري، التشابه بين الله تعالى وبين عباده؛ وقد اختلفت المدارس الإسلاميّة بين أخذ هذه النصوص على ظاهرها وبين تأويلها، ويمكن تقسيم الآراء في ذلك إلى قسمين أساسيَّين هما (1):
أَوَّلاً- مذهب المفوِّضين: الذين أخذوا النصوص الواردة على ظاهرها دون تأويل ودون اعتقاد كيفيَّة اتِّصاف الله تعالى بمثل: اليد، والوجه، والمجيء ... إلخ، بل يُسلّم بها كما جاءت في النصّ. وأهمّ من رأى هذا الرأي السلفيّة ثمّ الأشاعرة؛ والفرق بينهما هو أَنَّ السلفيّة لم يمنعوا الكيفيَّة مثل الأشاعرة ولكنهم أثبتوها مع عدم العلم بها (2).
__________
(1) لقد صنف ابن تيمية المذاهب في هذه المسألة إلى ثلاثة، وكل صنف ينقسم إلى فرعين، لكنه تقسيم متوسع فيه ومتداخل، انظر: ابن تيمية: مجموعة الرسائل الكبرى: ط 2 دار إحياء التراث العربي بيروت 1972 م: 1/ 473 - 475.
(2) الأشعري: الإبانة: دار العلم للطباعة والنشر جدة دت: 09؛ ابن تيمية: مجموعة الرسائل الكبرى: 1/ 394، 400؛ الرازي: معالم أصول الدين: 43؛ محمد خليل هراس: شرح العقيدة الواسطية: مطابع الجامعة الإسلامية المدينة ط 5 دت: 22. (1/142)
صفحة 143
ثانيا- مذهب المؤوّلين: وهم المعتزلة والإباضيّة الذين يرون أَنَّ ترك النصوص المتشابهة على ظاهرها يُؤَدِّي إلى التشبيه والتجسيم، فلزم تأويلها إلى ما يناسب تنزيه الله تعالى (1).
وقد كان منهج الشيخ اطفيش هو منهج المعتزلة والإباضيّة وفسّرالنصوص المتشابهة وأرجعها إلى النصوص المحكمة، وأولّها بالمعاني الممكنة الموافقة للتنزيه، ورأى أَنَّ هذا هو المنهج الواجب الاتباع حتّى لا تعطّل هذه النصوص، ولا تترك على ظاهرها الموهم للتجسيم (2). وسنعرض لبعضٍ من هذه التفسيرات فيما يلي:
- فاليد والقبضة واليمين والأصابع ألفاظ استعملت في معان متقاربة، مثل قوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح:10] وقوله: {وَالاَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتُم بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] وقول الرسول e: «إنّ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن» (3)، فهذه الألفاظ تَدُلُّ ـ حسب رأي الشيخ اطفيَّش ـ على الملك والقوّة؛ وينفرد بعضها بمعان أخرى كدلالة اليد على النعمة؛ وهذه المعاني هي المقصود من النصوص ـ حسب قوله ـ ولا يمكن أَنَّ تدلّ على المعنى الظاهري الذي يُؤَدِّي إلى نسبة الجوارح إلى الله تعالى، وهذه الألفاظ نفسها لم تأت مفردة بل جاءت أحيانا بالتثنية وأحيانا بالجمع، فلا يعقل أَن تؤخذ على ظاهرها؛ ويؤكَّد وجوب الأخذ بهذا التأويل قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88] فإذا أخذت هذه الأقوال على ظاهرها، وجب أخذ الآية المذكورة أيضا على ظاهرها فليزم عن ذلك
__________
(1) - الذهب: 8.
(2) انظر: الفصل الثاني: منهج البحث العقدي عند الشيخ اطفيش، ص 88.
(3) رواه مسلم بلفظ: «إن قلوب بني آدم كلَّها بين ... » انظر صحيح مسلم: تحقيق محَمَّد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي ط 2 بيروت 1972 م: كتاب القدر باب تصرف الله تعالى في القلوب كيف يشاء رقم: 2654؛ انظر: المعجم المفهرس: 1/ 64. (1/143)
صفحة 144
نسبة النقص والتجزئ إلى الله، تعالى عن ذلك، لأَنَّ هذه الأجزاء يشملها حكم الآية إِلاَّ الوجه؛ ولهذا لزم تفسير اليد والقبضة والأصبع بما يوافق كمال الله تعالى وتنزيهه (1).
أمَّا لفظ العين: ـ في رأي الشيخ ـ فيعني الحفظ والعلم، ولا يفيد معنى الجارحة بالضرورة، والله تعالى منزّه عن ذلك، وقد جاءت أيضا مفردة وجمعا مِمَّا يدلّ على أَنَّهُ لا يقصد بها نسبة الجارحة إلى الله تعالى (2) كما في قوله U: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 38 - 39] وقوله أيضا: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: 37].
هكذا كان الشيخ يؤوّل مثل هذه النصوص، ومنها أيضا تأويله للفظ الجَنْب بمعنى الحقّ، فجنب الله حقّه (3)، ومجيئه وإتيانه ونزوله لا تعني الحركة الحقيقيّة فالله ليس بجسم، وَإِنَّمَا تعني مجيء أمره، ونزول ملائكته أو رحمته أو آياته (4)؛ كما أَنَّ استواءه على العرش يعني ملكه للعرش، والاستيلاء عليه، والانتهاء إليه، ولم يخلق شيئا فوقه، ويعني أيضا الغلبة، أي: خلقه إيّاه وقدرته عليه (5)؛ فلا يعني الاستواء الجلوس حقيقة، لما فيه من معاني النقص والعجز والاحتياج، فالله منزّه عن كلّ ذلك، مِمَّا يقتضي إبعاد هذا المعنى الظاهري للاستواء وتأويله.
5 - استحالة الرؤية
قد اهتمّ العلماء اهتماما كبيرا بمسألة رؤية الله تعالى، وشغلت بذلك حيّزا كبيرا من
__________
(1) - شرح الدعائم: 1/ 8؛ -الإمكان فيما جاز أن يكون أوكان: 67؛ -الحجة في بيان المحجة: 24.
(2) -المصدر نفسه.
(3) - الإمكان: 67؛ -شرح الدعائم: 1/ 8.
(4) -المصدر نفسه؛ - التيسير: 507؛ -الحجة في بيان المحجة: 26.
(5) -المصدر نفسه: 6؛ -التيسير: 4/ 82؛ -شرح الدعائم: 1/ 37. (1/144)
صفحة 145
مؤلفاتهم بسبب ارتباطها بأقدس ما يؤمن به المسلم وهو الله تعالى، وقد تباين فيها رأيان: رأي يقول بإثباتها وهو الأشاعرة والسلفيَّة، ورأي يقول: بنفيها وهوللمعتزلة والإباضيّة، واعتمد أصحاب كلّ رأي على أدلَّة من النقل وأدلَّة من العقل؛ وقد وافق الشيخ اطفيش مذهبه واتَّبعه وناصره ودافع عنه، وظهر ذلك منذ أوَّل عهده بالتأليف عندما كتب رسالة «عدم الرؤية» التي أَيَّد فيها نفي الرؤية وردَّ بشدَّة الرأي المخالف، ثم تدرَّج في التأليف العقدي، وأصبحت المسألة عنده من أساسيَّات العقيدة كما هي عند من سبقه (1).
وقبل أَن نعرض موقف الشيخ اطفيش في الموضوع، ينبغي أَن نقف على موضع الخلاف، وعلى المقصود من الرؤية عنده حَتَّى نتمكَّن من فهم رأيه على الحقيقة؛ فهو يعتقد أَنَّ الله تعالى لا يُرى ويستحيل أَن تصله الأبصار في الدنيا والآخرة، والمقصود بهذه الرؤية المنفية، الرؤية المعهودة عند البشر، التي تتمُّ بحاسَّة العين كما خلقها الله تعالى وركّبها في الإنسان، وبالشروط نفسها التي تتمّ بها: من مقابلة المرئي وكونه في جهة وذا لون خاص، وبما يلزم عن هذه الرؤية من تحديد المرئيّ وتجزئته ووصف حاله، فهي الرؤية المعهودة لغة وعرفا بين الناس، بالعين المعروفة في الحياة الدنيا دون تغيير في شيء من ذلك (2). فقد انطلق النافون للرؤية ــ ومنهم الشيخ اطفيَّش ــ من هذا المفهوم وكان كلّ جهدهم في الموضوع أَن يحكموا باستحالة وقوع رؤية في الدنيا أو الآخرة على المعنى المذكور الذي هو كلّه نقص في حق الله تعالى، ولهم في ذلك أدلَّة مختلفة، نذكرها فيما يلي.
__________
(1) - الهميان: ط 1: 13/ 36؛ -شرح العقيدة: 358؛ -شر ح الدعائم: 1/ 250؛ انظر: الربيع: الجامع الصحيح ترتيب أبي يعقوب الوارجلاني المطبعة العربية غرداية 1985 م: 234؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 300؛ P. Cuperly: Introduction, 23.
(2) - شرح العقيدة: 358؛ -شرح الدعائم: 1/ 250: -شرح أصول تيبغورين: 513، 514؛ السالمي: مشارق: 1/ 326، 363. (1/145)
صفحة 146
ا - الاستدلال على نفي الرؤية
- الأدلّة النقلية
استدلّ الشيخ بآيتين هما: قوله تعالى: {لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 104] وقوله: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ؛ قال: ربِّ أرني أنظر إليك ... } [الأعراف: 143].
فالآية الأولى في ظاهرها تمنع إمكانية إدراك الأبصار لله تعالى دنيا وأخرى، فهي لذلك نصّ محكم، وهي الأصل في موضوع استحالة الرؤية، وعلى وفقها تُفهم النصوص الأخر، وتؤوّل إذا كانت متشابهة مخالفة في الظاهرلهذه الآية (1). ويوضّح الشيخ اطفيش ما يجعل الآية دليلا أساسيّا في الموضوع، بأَنَّ سياق النصّ الذي جاءت فيه يدلّ على أنَّها تصف الله تعالى وتمدحه بجملة من الخصائص منها: الإحياء والتصرّف في الطبيعة والكون وخلق الإنسان ورزقه، ونفي الشريك والصاحبة والولد، والوحدانيّة في الخلق والعبادة والقدرة، ثمَّ وصْفُه تعالى بعدم إدراك الأبصار له، فكان نفي رؤية الخلق له مدحا والمدح لا يتغيّر (2).
وقوله تعالى: {وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ} تأكيد لما سبقه من قوله: {لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ} فالله تعالى يَرى وهو لا يُرى، يدرِك ولا يدرَك، وقال: {وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ} تأكيدا ولم يقل: «وهو يدرك الأبدان أو الأجسام ونحو ذلك» (3).
__________
(1) - شرح الدعائم: 1/ 30؛ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 233؛ السالمي: مشارق: 1/ 387.
(2) - شرح الدعائم: 1/ 30؛ -الهيمان: 6 ق 1/ 203؛ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 235؛ السالمي: المشارق: 1/ 387.
(3) - الهيمان: 6 ق 1/ 204. (1/146)
صفحة 147
والفاصلة في الآية تدلّ أيضا على النفي وتؤكّده لقوله: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} فاللطف: هو الدقّة في الخفاء، والعين لا ترى بمجرّدها ما دقّ خفاؤه، ويستحيل عليها إدراكه، وأمّا قوله: {الْخَبِيرُ} فيدلّ على العلم الدقيق بالأمور، وهو يعود في الآية على قوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ} لعلمه الكامل بها وبغيرها (1).
وجاءت الآية لعموم السلب؛ فلا يدركه أيّ بصر مهما كان، ولكنّ الآية في صيغتها تفيد سلب العموم، ويرى الشيخ اطفيش أَنَّ هذا لا ينطبق على الآية، مثلما لم يصدق على آية أخرى كانت لسلب العموم مع أنَّها تدلّ على عموم السلب، وهي قوله تعالى: {لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 57] وهي تدلّ على أنّه لا مختالَ فخورا يحبُّه الله تعالى، ولو أجرينا عليها قاعدة سلب العموم لأفادت عكس ذلك، كذلك آية: {لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ} تدلّ على عموم السلب، والقرينة هي أَنَّ إدراك أيّ بصر له إثبات للنقص والتشبيه (2).
نظرا لهذه المعاني، فإنّ هذه الآية تدلّ على نفي الرؤية نفيا مطلقا عن كلّ أحد وفي كلّ زمن، وقد اعتُرض على هذا الاستدلال بجملة من الاعتراضات منها:
إنّ الآية غير محكمة لأَنَّهَا تحتمل معانيَ تصرفها عن ظاهرها (3)؛ وردّ الشيخ اطفيش على هذا بأَنَّ الأولى أخذ النص على ظاهره ما دام لا يفيد نقصا ولا تشبيها، بل جاءت هذه الآية على عكس ذلك تثبت التنزيه؛ فلا مانع من أخذها على ظاهرها وهو الواجب؛ ولا يوجد سبب للتأويل (4)؛ ولهذا كان استدلال النافين للرؤية أرجح من
__________
(1) -المصدر نفسه: 6 ق 1/ 204، 205.
(2) - شرح أصول تيبغورين: 498؛ -حاشية القناطر: 2/ و: 15؛ - الرسالة الشافية: 65، 66.
(3) الأشعري: اللمع: 35.
(4) - الهيمان: 6 ق 2/ 246. (1/147)
صفحة 148
استدلال المثبتين، كما أَنَّ ردّ الشيخ اطفيش يدلّ بكلّ وضوح على أَنَّ التأويل عنده كان خاضعا لمنهج ولأسباب وضرورات تفرضه، فإذا لم تتوفر يبقي النصّ على ظاهره.
وقال المثبتون إنّ الآية تنفي الإدراك بمعنى الإحاطة ولا يدلّ الإدراك على رؤية البعض، فيجوز أَن تراه الأبصار من غير أَن تحيط به؛ وردّ الشيخ على هذا بأَنَّ الإدراك في اللغة، لا يقتصر على الإحاطة الكلّية بل يدلّ عليها وعلى الإدراك الجزئي؛ ولا يشترط للإدراك أَن يحيط المدرِك بكلّ المدرَك لا في اللغة ولا في العرف، بل يقال: أدركت فلانا إذا عشت زمنه ولو في بعضه، ولا يشترط أَن يكون المدرَك حيّا طول حياة المدرِك كلّها، وكذلك الأمر في قولنا: «أدرك فلان كذا ببصره، إذا رأى بعضه ولو لم يدرك حقيقته، وتقول: لم يدركه، إذا لم يدرك بعضه أو لم يدركه البتة» (1).
وقيّد المثبتون الآية بالمنع من الرؤية في الدنيا دون الآخرة، وبمنع الكفار منها دون المؤمنين (2)، ويرى الشيخ أَنَّ وجود «ال» في لفظ الأبصار للاستغراق فتعمّ بذلك كلّ من له بصر دون تقييد، وجاءت الآية في مقام المبالغة فتعمّ كلّ الأوقات، كما أَنَّهَا مطلقة في مقام المدح؛ فهذه كلّها قرائن تمنع من تخصيص الآية بوقت معين دون آخر، وَإِلاَّ انقلب هذا المدح إلى ضدّه وهو مستحيل (3)؛ ولهذا تبقى الآية دالّة على النفي نفيا عامّا مطلقا، وأمّا تقييدها وتخصيصها فهو تأويل بغير موجب، فالاستدلال بها دون تأويلها أقوى.
أمّا قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرِ اِلَيْكَ؛ قَالَ: لَنْ تَرَانِي وَلَكِن اُنظُرِ اِلىَ الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكَانَه
__________
(1) - حاشية القناطر: 2/و: 15؛ انظر: ابن منظور: لسان العرب: 10/ 419، 420؛ -شرح أصول تيبغورين: 498.
(2) الأشعري: الإبانة: 14؛ اللمع: 35.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 498؛ -التيسير: 3/ 410؛ -الهيمان: 6 ق 1/ 204. (1/148)
صفحة 149
فَسَوْفَ تَرَانِي، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُومِنِينَ} [الأعراف: 143] فيدلّ على النفي المستقبلي لرؤية الله تعالى نفيا غير محدود (1)؛ ويظهر ذلك من خلال أربعة معان فيه كانت هي محورالجدل، وهي: سبب طلب موسى u للرؤية، وأثر النفي بـ «لن»، وسبب توبة موسى u وتعليق الرؤية باستقرار الجبل (2).
أَمَّا في سبب طلب الرؤية: فإنَّ الشيخ اطفيش يرى أَنَّ موسى u لم يطلب الرؤية لنفسه، ــ كما يرى مثبتو الرؤية (3) ــ فهو أعلم بربّه وبصفاته، ولكنّه طلبها وهو يعلم باستحالتها، حتّى يقتنع قومه بذلك عندما يعرفون جواب الله تعالى لموسى (4). ويدلّ على هذا قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى: لَنْ نُّومِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة: 54] وقوله أيضا: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىآ أَكْبَرَ مِن ذَالِكَ فَقَالوُا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} [النساء: 152] (5) فموسى u أعلم بالله، لذلك لَمَّا طلبوها وتلقَّى الجواب، قال: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنَّا} [الأعراف: 155] وهذا تسفيه وتجهيل للقوم فيلزم أَن يكون قد نهاهم، فلا يمكن أَن ينكرها عليهم ويطلبها لنفسه (6).
وقد اختلف المثبتون والنافون للرؤية حول هذا الطلب تبعا لاختلافهم حول علم الرسول: فالنافون يرون أَنَّ الرسول يعرف كلَّ المستحيلات لذلك لم يطلب الرؤية
__________
(1) - الهيمان: 6 ق 1/ 206.
(2) الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 325.
(3) الأشعري: الإبانة: 13؛ الباقلاني: التمهيد: 266؛ البغدادي: أصول الدين: 99.
(4) - التيسير: 4/ 192؛ -الهميان: 6 ق 2/ 240، 241.
(5) -المصدر نفسه.
(6) -المصدر السابق. (1/149)
صفحة 150
لنفسه، بينما يرى المثبتون أنَّه لعلمه بالجائزات طلبها؛ لكنّ القرآن لا يدلّ على أَنَّ الأنبياء يعرفون كلّ المستحيلات والجائزات، فمن الأنبياء من طلب ما لا علم له به، كما قال الله تعالى لنوح u: {فَلاَ تَسْئَلَنِّي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اِنِّيَ أَعِظُكَ أَنَّ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] (1) لذا؛ فالآية لا تدلّ بالضرورة على جواز الرؤية لمجرّد هذا الطلب، ولكن مع هذا فإنَّ حجّة من ينفي الرؤية بهذه الآية أقوى: إذ أنَّ المثبتين يرون أَنَّ النبيء يعلم أَنَّ الرؤية جائزة في حقّ الله تعالى لذلك طلبها، وهذا يقتضي أنّه لعلمه بالله يجب أَن يكون عالما بامتناعها في الدنيا أيضا، فلماذا طلبها؟ وهذا ما يؤيّد كونه لم يطلبها لنفسه وهو العالم بالله، الصادق في إيمانه، وهل سيطلب يقينا أكبر من الوحي والتكليم والمعجزات التي تجري على يده؟ كلّ هذا وغيره لا يحتمل في حقّ النبيء مِمَّا يقوِّي حجّة من ذهب إلى أَنَّ سبب طلب موسى للرؤية هو انتهاج طريقة لإقناع القوم حَتَّى يؤمنوا به.
أَمَّا في أثر النفي بـ «لن»: فقد ذهب المثبتون للرؤية إلى أنّه لا يفيد التأبيد، بل هو للنفي المقيّد في الزمن، ولذا فالآية تدلّ على نفي الرؤية في الدنيا دون الآخرة (2). بينما قال النافون إنَّها تفيد النفي المؤبّد المطلق في الزمن، والرؤية منفية في الدنيا والآخرة (3). أمّا الشيخ اطفيش فقد كان في أوَّل عهده على رأي مذهبه الذي يقول بتأبيد النفي بـ «لن»، واستشهد بقول الربيع في الجامع الصحيح أَنَّ «لن» حرف إياس، وكذلك برأي الزمخشري المؤيّد للتأييد (4)؛ لكن الشيخ لم يثبت على هذا الرأي وغيَّره ورأى أَنَّ الصحيح في نفي «لن» أنَّه ليس مطلقا مؤبَّدا، بل هو نفي مثل النفي بالحرف
__________
(1) الوارجلاني: الدليل: 1/ 66.
(2) البغدادي: أصول الدين: 99.
(3) عبد العزيز الثميني: معالم الدين: 2/ 32؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 327.
(4) الزمخشري: الكشاف: 2/ 133؛ الربيع: الجامع الصحيح: 237؛ -الهميان: 6 ق 1/ 206. (1/150)
صفحة 151
«لا» واستدّل على ذلك بأنَّها وردت مع «لا» لنفي معنى واحد وهو نفي تمنِّي اليهود للموت في قوله تعالى: {وَلَن يَّتَمَنَّوْهُ أَبَدًام بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمْ} [البقرة: 95] وقوله U: {وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ, أَبَدًام بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمْ} [الجمعة: 07] وهذا يدلّ على أَنَّ النفي بـ «لن» أو بـ «لا» واحد، إضافة إلى أنَّه لو كانت «لن» تفيد التأبيد لما كان لوجود لفظة «أبدا» بعدها من معنى، بل جاءت للتأبيد الذي لا تفيده «لن» و «لا» مفردتين كما أَنَّ الآيتين لا تدلاَّن على أَنَّ اليهود لن يتمنَّوا الموت أبدا في الدنيا والآخرة، بل سيتمنّونه مع أهل النار في الآخرة؛ فهذا نفي مقيد في الزمن، وهكذا ينتهي الشيخ اطفيش إلى أَنَّ الحرف «لن» ليس للتأبيد المطلق، بل لمجرّد النفي، لكنه لم يترك رأيه هذا مطلقا بل قال عن آية سورة الأعراف إِنَّهَا تفيد النفي المؤبّد لكن بقرائن خارجيّة ليس لذاتها، ففي موضوع نفي الرؤية يكون النفي مؤبدا لا لوجود «لن»، ولكن باعتبار أَنَّ الرؤية نقص ومستحيلة في حقّ الله تعالى لما يلزم عنها؛ فكان النفي في هذه الآية للتأبيد (1).
وأمّا عن توبة موسى u وسببها: فقد أرجعه البعض إلى كونه طلب الرؤية في الدنيا، أو إلى أنّه سألها من غير إذن من الله تعالى وهذه احتمالات من يثبت الرؤية (2) لأنّها تؤدّي إلى أَنَّ الرؤية جائزة في ذاتها لكنَّها لا تقع في الدنيا، وقد قال الشيخ بالاحتمال الثاني وهو السؤال بغير إذن، وزاد احتمالات أخرى هي:
- أَنَّ موسى لم يقتصر على إرجاع الأمر إلى الله تعالى وهو أعلم بما قالوا وكان عليه أَن يفعل ذلك.
- أو أَنَّهُ استغفر لذنوبه التي يعدّها الله تعالى عليه.
__________
(1) - التيسير: ط 1: 6/ 210، 211.
(2) الرازي: التفسير الكبير: دار إحياء التراث العربي: ط 3 بيروت دت: 14/ 235. (1/151)
صفحة 152
- أو تاب خضوعا لله تعالى وندما لنسبة الطلب إلى نفسه (1).
وما هذه إِلاَّ احتمالات وتأويلات لا تعطينا الحقيقة، وقد برّرالشيخ اللجوء إليها بكونها ضروريّة من أجل الخروج من المحظور، كما هو الشأن مع غير هذا النصّ من المتشابهات (2).
وَأَمَّا عن تعليق الرؤية باستقرارالجبل؛ فيقول الشيخ اطفيش إنَّ الله تعالى علَّق في النصِّ رؤيته باستقرار الجبل، فكان حكمها متعلّقا بهذا الاستقرار، ولكنّه قضى في الأزل أَنَّهُ سيزيل الجبل عند طلب موسى الرؤية، فاستقراره مستحيل ولذلك كانت الرؤية مستحيلة أيضا (3).
هذه مجمل الاعتبارات التي أفادت الحكم باستحالة رؤية الله تعالى؛ ونلاحظ أَنَّ الشيخ اطفيش اكتفى في تحليل الآية باتِّباع خطوات من سبقه إِلاَّ في أثر النفي بالحرف «لن»؛ واقتصر على الجانب الشكليِّ واللفظيِّ، وغاب عن هذا التحليل، الإشارة إلى الموقف الذي عاشه سيّدنا موسى u وتلقّيه لهذا النفي الشديد، الذي ابتدأه الله تعالى بجواب صارم: «لن تراني» كأنَّه يقرّر أمرا بديهيّا في حقِّ الله تعالى؛ ثُمَّ قرنه بآية ظاهرة عظيمة، وهذا ما أدَّى إلى صعق موسى u ثُمَّ استغفاره لمَّا أفاق، وهذا كاف في الدلالة على عظمة التفكير في رؤية الله تعالى، فضلا عن طلبها، لأَنَّ الجواب في الآية كان أشدّ من أيّ جواب آخر على طلب نبيء من الأنبياء، ولأنَّه تعلَّق برؤية الله تعالى في ذاته، وهذا بالمقارنة إلى جوابه على سؤال أنبياء آخرين مثل جوابه لإبراهيم u في طلب كيفيّة الإحياء، وجوابه لنوح u في شأن ابنه ونجاته من الغرق، فكلا الجوابين
__________
(1) - شرح أصول تيبغورين: 509، 510؛ -شرح الدعائم: 1/ 31.
(2) - شرح الدعائم: 1/ 31.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 500؛ - شرح الدعائم: 1/ 31؛ السالمي: مشارق: 1/ 366. (1/152)
صفحة 153
لم يكن شديدا مثلما هوالحال مع موسى u.
هذا عن استدلال الشيخ اطفيش من القرآن الكريم، وأمّا من السنّة فقد ذكرحديثين هما (1):
-قوله e: «جنّتان من فضّة حليتهما وءانيتهما وما فيهما، وجنَّتان من ذهب حليتهما وءانيتهما وما فيهما؛ وما بين القوم وبين أَن ينظروا إلى ربِّهم إِلاَّ رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدن» (2).
فهذا الحديث نصّ صريح وواضح في منع الرؤية عن أهل الجنة، وَأَمَّا غيرهم فهم بالمنع أولى، وقد علّل الرسول e هذا المنع بوجود صفة ذاتيَّة هي صفة الكبرياء، وهي صفة دائمة يستحيل أَن تزول ويتَّصف الله تعالى بضدّها، ولذلك كانت استحالة الرؤية مثل استحالة زوال هذه الصفة (3).
والحديث الثانيّ: ما رواه البخاريّ عن مسروق (4) قال: «قلت لعائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا: “يا أمتاه: هل رأى محَمَّد e ربَّه”؟ أي ليلة الإسراء؛ فقالت: “لقد قفّ شعري ممّا قلت أين أنت من ثلاث من حدّثكهنَّ فقدكذب: من حدَّثك أَنَّ محَمَّدًا e رأى ربّه فقدكذب”؛ ثُمَّ قرأت: {لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ
__________
(1) - التيسير: ط 1: 6/ 31؛ - شرح أصول تيبغورين: 525؛ - الجنة: 160؛ -وفاء الضمانة: 6/ 285.
(2) البخاري: التفسير باب قوله تعالى: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} رقم: 4597؛ مسلم: الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم رقم: 180؛ انظرالمعجم المفهرس: 1/ 379؛ 2/ 250.
(3) - التيسير: ط 1: 6/ 31؛ -شرح أصول تيبغورين: 525؛ - الجنة: 160.
(4) مسروق بن الأجذع بن مالك (توفي سنة 63 هـ/683 م) تابعي ثقة عالم بالفتيا؛ انظر الزركلي: الأعلام: 7/ 214. (1/153)
صفحة 154
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (1) {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَن يُّكَلِّمَهُ اللهُ إلاَّ وَحْيًا اَوْ مِن وَّرَآءِ حِجَابٍ} (2) [ ... ] “ولكن رأى جبريل في صورته مرّتين”» (3).
ولم يذكرالشيخ اطفيش أكثر من هذين الحديثين في الدلالة على نفي الرؤية؛ وقد جاء الأوّل منهما صريحا وواضحا، وَأَمَّا الثاني فيدلّ على منع الرؤية في الدنيا أكثرمن دلالته على نفيها دنيا وأخرى. واستدلّ به الشيخ اطفيش بطريق غيرمباشر اعتمادا على موقف أمّ المؤمنين رَضِيَ اللهُ عَنهَا واستعظامها للأمر، واعتمادا على أَنَّ النفي كان للتنزيه وما كان للتنزيه فهو دائم دنيا وأخرى (4).
وقد أيّد الشيخ رأيه في نفي الرؤية بسرد أسماء مَن رُوي عنهم أنَّهم كانوا يؤمنون بنفيها من الصحابة والتابعين، معتمدا في ذلك على ما ذكر في «الجامع الصحيح» للربيع بن حبيب (5)، ومنهم أم المؤمنين عائشة، وابن عبّاس وعليّ بن أبي طالب، والحسن البصريّ (6)، ومجاهد (7)، والنخعيّ (8)؛ ويرى الشيخ اطفيش أَنَّ الصحابة والتابعين كانوا متّفقين على نفي الرؤية وأَنَّ الخلاف كان بعدهم (9)؛ ولكنّنا نلاحظ أَنَّ الرواية عنهم
__________
(1) *) ... سورة الأنعام: 104.
(2) **) ... سورة الشورى: 51.
(3) الربيع: الجامع الصحيح: 212 رقم 824؛ البخاري: التفسير تفسير سورة والنجم رقم 4574؛ انظر المعجم المفهرس: 2/ 200.
(4) - وفاء الضمانة: 6/ 285.
(5) الربيع: الجامع الصحيح: 227 رقم 854.
(6) الحسن البصري بن يسار: (21 - 110 هـ/ 624 - 728 م) من كبار التابعين؛ انظر الزركلي: الأعلام: 2/ 226.
(7) مجاهد بن جبير (21 - 104 هـ/642 - 722 م)؛ انظر: المرجع نفسه: 7/ 278.
(8) إبراهيم بن يزيد النخعي: (46 - 96 هـ/666 - 715 م)؛ انظر المرجع نفسه: 1/ 80.
(9) - الهميان: 6 ق 2/ 246. (1/154)
صفحة 155
تتناقض مِمَّا يدلّ على عدم هذا الاِتِّفَاق (1)؛ فكلّ مذهب يؤيّد رأيه في الموضوع بقول صحابي أو تابعي، لذلك تبقى الأدلّة الحقيقيّة من النقل هي نصوص القرآن والسنّة بالإضافة إلى الاستدلال العقليّ.
- الأدلّة العقلية
لقد حاول الشيخ اطفيش في كلّ استدلاله العقلي أَن يثبت أَنَّ الرؤية مستحيلة نظرا لما يلزم عنها من نقص في حق الله تعالى ومن هذه الأدلَّة ما يلي:
1 - ثبوت مستلزمات الرؤية في المرئيّ: بما أَنَّ الرؤية تتمّ بالعين المعهودة فَإِنَّهَا لا ترى إِلاَّ بمقاييس، وفي ظروف محدّدة، مِمَّا يستلزم وجود أوصاف في المرئيّ، بها تتمكّن العين من إدراكه، ومن هذه الأوصاف ثبوت الأحوال فيه مثل الطول والقصر، واللون، والغلظة والرقّة (2)، وثبوته في جهة تقابل الناظر، وفي مكان يحده وحيّز يحويه (3)، فإنَّ العين لا يمكن أَن ترى إلى غير جهة: لا أمامها ولا خلفها ولا يسارها ولا يمينها ولا فوقها ولا تحتها (4)؛ كما أَنَّ ما يُرى يلزم أَن تثبت في حقّه الحركة والتنقل، ولا يمكن أَن يكون في كلّ مكان بل لاَ بُدَّ أَن يخلوَ منه مكان فيلزم عن ذلك تنقلّه وحركته (5)، كما يلزم عن الرؤية أيضا إثبات التبعيض والتجزئ، فالمرئيّ إمّا
__________
(1) الرازي: معالم أصول الدين: 70؛ انظر لهذه الروايات: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: المطبعة الميمنية مصر دت: 7/ 182، 183؛ 9/ 36؛ السالمي: مشارق: 1/ 371، 372.
(2) - التيسير: ط 1: 6/ 427؛ -شرح الدعائم: 1/ 29.
(3) - حاشية القناطر: 2/ و: 15؛ -التيسير: ط 1. 6/ 426؛ -الجنة: 158.
(4) ولذا ردّ ابن أبي العز على الأشاعرة في قولهم إن الرؤية تتم في غير جهة وحيز، واعتبره قولا لا يقبله العقل، بل هي رؤية في جهة وفي مقابلة الرائي. انظر: الأشعري: اللمع: 33؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 211.
(5) - التيسير: ط 1: 6/ 427. (1/155)
صفحة 156
أَن يُرى كلّية أو يُرى جزء منه (1)، كما تثبت الرؤية الجنس لما تراه ويكون المرئيّ محسوسا وأوَّل حاسَّة تصله هي العين فتتبيّن جنس ما تراه وتميزه عن باقي المرئيات (2)؛ فهذه مستلزمات الرؤية ونتيجتها التي تثبت في حقّ المرئي، ولا يمكن للعين أَن ترى شيئا لا يتّصف بهذه الخصائص، فهي لا ترى شيئا لا لون له، أو غير محدود الجهات، ولا جنس له ولا شكل، فإذا انتفت هذه الأوصاف انتفى الإبصار واستحالت الرؤية، وبما أَنَّ هذه الصفات اللازمة عن الرؤية كلّها مستحيلة في حقّ الله تعالى؛ فإنّ الرؤية عقلا مستحيلة وغير ممكنة بأيّ حال وفي أيّ وقت، لأَنَّ إثباتها إثبات للنقص والتشبيه بين الخلق وبين الله تعالى (3).
2 - مناقضة الرؤية لصفتيِ الباطن والمتكبّر: فالله تعالى مدح نفسه بكونه هو الباطن، وهو المتكبّر؛ فإذا كان يُرى فإنَّ الرؤية تنفي ثبوت هاتين الصفتين، لأَنَّ المرئيّ لا يكون باطنا والله تعالى هو الباطن (4)، وإذا أمكن رؤيته فإنَّه لا يوصف بكونه متكبّرا بمعنى تعاليه عن الخلق؛ فلا يصلون إليه بأيّ نوع من الإدراك، فعقولهم قاصرة عن إدراك حقيقته وكذلك حواسّهم، أَمَّا إذا رُئي فقد انتفى كلّ ذلك، ويدلّ على هذا الحديث السابق الذي ذكر فيه أنّه لا يمنع المؤمنين من رؤية الله تعالى سوى رداء الكبرياء، وَلَمَّا كانت الرؤية مناقضة لهذا الوصف فهي مستحيلة (5).
3 - دلالة نفي الرؤية على المدح: لقد تبيّن في الاستدلال بآية سورة الأنعام أَنَّ الله تعالى مدح نفسه بعدم إدراك الأبصار له؛ فكان نفي الرؤية عنه مدحا له، وصفة ذاتيّة
__________
(1) -المصدر نفسه؛ -شرح الدعائم: 1/ 29.
(2) - التبيسير: ط 1: 6/ 427.
(3) - شرح النيل: 17/ 611.
(4) - حاشية القناطر: 2/ و: 09؛ -التيسير: 3/ 411.
(5) - الذخر الأسنى: 132؛ انظر الحديث المذكور وتخريجه في الهامش: 74 من هَذَا المبحث. (1/156)
صفحة 157
فيه، وصفات الذات لا تتغيَّر ولا يتَّصف الله بأضدادها، سواء اختلف الزمان والمكان أو لم يختلفا، وإذا تغيَّر المدح انقلب إلى الذمّ؛ فلا يمكن أَن يُرى لأَنَّ ذلك مضادّ للمدح بعدم الرؤية (1) وهو مستمرّ مطلقا في الدنيا والآخرة.
هذا أهمّ ما استدلّ به الشيخ لنفي الرؤية نقلا وعقلا، وقد بقي وفيّا لمنطلقه في الموضوع، حيث وضّح المقصود من الرؤية المنفية وهي رؤية العين كما يعرفها الناس وكما يفهمونها، وعلى هذا الأساس أثبت نفيها عن الله تعالى، وهذا النفي يرجع إلى الثبات على التنزيه واعتقاد استحالة أيّ نوع من الإدراك للذَّات. وفي مقابل استدلال الشيخ على نفي الرؤية اتخذ موقفا من أدلّة المثبتين لها، وعارضها كما سيتضح فيما يلي.
ب - موقف الشيخ اطفيش من أدلّة إثبات الرؤية
قبل دراسة موقف الشيخ اطفيش من أدلّة مثبتي الرؤية تنبغي الإشارة إلى أَنَّ المثبتين لم يتَّفقوا في أهمّ ما يتعلّق بالرؤية، وهو وقتها وكيفيّتها ومن يحظى بها، فقد اختلفوا في وقتها على ثلاثة أقوال: هل تكون في الدنيا والآخرة؟ أم في الآخرة لعموم الناس؟ أم في الجنة فقط؟ وأمّا في الكيفيَّة: فالبعض يقول بالرؤية بدون كيفيّة ودون تفسير لها مثل الأشاعرة، وآخرون يرون أَنَّهَا تكون في مقابلة وجهة مثل السلفيّة؛ وَأَمَّا من يَرى: فقد قصره البعض على المؤمنين، وعمّمه البعض إلى المنافقين وجعلها الآخرون عامّة لكلّ الناس (2). وقد رأى النافون للرؤية أَنَّ هذا الاختلاف دليل على ضعف القول بإثبات الرؤية وترجيح للنفي، بينما لم يهتم الشيخ اطفيش به ولم يشر إليه رغم أهمّيته،
__________
(1) -الهميان: 6 ق 1/ 303؛ - التيسير: 4/ 191.
(2) انظر هذه الآراء في: الأشعري: الإبانة: 10؛ الماتوريدي: كتاب التوحيد: 77؛ الباقلاني: التمهيد: 277؛ الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد: دار الكتب العلمية بيروت 1403 هـ /1983 م: 42، 48؛ ابن تيمية: الرسائل الكبرى: 1/ 402؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 211 - 213؛ سعيد بن علي ابن تعاريت: المسلك المحمود في معرفة الردود: ط حجري، دم، 1321 هـ: 179. (1/157)
صفحة 158
لأَنَّ موضوعا كإثبات الرؤية غير منتظر فيه مثل هذا الاختلاف الواسع، حتّى يجعله البعض أقصى ما يحظى به المؤمن من الثواب ثُمَّ يجعله الآخرون أمرا عاديا (1)، أمّا موقفه من الأدلَّة فقد جاء حسب نوعها.
- الاستدلال بالنقل
يرى الشيخ اطفيش أَنَّ الآيات التي استدلّ بها مثبتوا الرؤية إما أَنَّهَا لا تدلّ على الرؤية، أو هي نصوص متشابهة وليست محكمة فتؤوّل بما يوافق الآية {لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 104] ومن هذه الآيات:
قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلىَا رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 21] (2). فهذه الآية كما يرى الشيخ تؤوّل بتقدير محذوف: «إلى رحمة ربّها ناظرة، أو إلى نعمة ربِّها ناظرة» حَتَّى توافق النصوص المحكمة، ولا تدلُّ على إثبات الرؤية (3)، ومن الحجج التي ذكرها لهذا التأويل قوله: إن النظر يدلّ على الانتظار أيضا وليس مقصورا على الرؤية، ومن ذلك قوله تعالى: {فَنَظِرَةٌ اِلىَ مَيْسُرَةٍ} [البقرة: 279] (4)؛ وكقول القائل: «أنظر إلى الله ثُمَّ إليك» بمعنى أنتظر، أو نظرت فلانا أي انتظرته (5)، ومنه قول حسَّان بن ثابت:
وُجُوهٌ يَوْمَ بَدْرٍ نَاظِرَاتٌ إِلَى الرَّحْمَنِ يَأْتِي بِالفَلاَحِ
__________
(1) أحمد الخليلي: الحق الدامغ: 29.
(2) الأشعري: الإبانة: 12، 13؛ الباقلاني: التمهيد: 267؛ الرازي: معالم أصول الدين: 69.
(3) - التيسير: ط 1: 6/ 426.
(4) -المصدر نفسه: 6/ 427؛ الخليلي: الحق الدامغ: 43.
(5) ابن منظور: اللسان: 7/ 72؛ -التيسير: ط 1: 6/ 426. (1/158)
صفحة 159
وقول الشاعر:
كُلُّ الخَلاَئِقِ يَنْظُرُونَ سِجَالَهُ نَظَرَ الحَجِيجِ إِلَى طُلوُعِ الهِلاَلِ (1)
وقد نسب النظر في الآية إلى الوجه مع أَنَّ الرؤية تكون بالعين، لذلك لم تدلّ على إثبات الرؤية لأَنَّهُ حمل للآية على المجاز من استعمال الكلّ لمعنى الجزء، والوجه فيها يدلّ على الجسم كلّه بدليل أنها تصف الوجه بالنضارة والعين لا توصف بذلك (2)، كما أَنَّ المقابلة في الآية تدلّ على عدم الرؤية، وعلى أَنَّ المقصود بالوجه هو الجسد كلّه لقوله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذِم بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنَّ يُّفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} فالآية تصنّف الناس إلى قسمين: قسم وجوههم مشرقة ينتظرون الرحمة، وقسم آخر وجوههم عابسة تنتظرأَن تلقى في العذاب (3). فالآية لا تدلّ على الرؤية الحقيقيّة عندما نقرن بين ظاهرها وبين القرائن التي تصرفها عن هذا الظاهر؛ فتصبح محتملة لمعان يلزم عنها إبعاد معنى الرؤية بالعين.
قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] فالحسنى هي دخول الجنّة، والزيادة ــ عند مثبتي الرؤية ــ هي رؤية الله تعالى (4)، ويرى الشيخ اطفيش أَنَّ الزيادة المقصودة في الآية هي مضاعفة الحسنات والأجر والثواب، ولا دليل فيها على الرؤية حَتَّى تصرف إليها بل تبقى على ظاهرها (5).
قوله تعالى عن الكفّار: {كَلآَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] فما دام الكفّار محجوبين عن ربّهم، فهذا يعني أَنَّ غيرهم غير محجوبين
__________
(1) -المصدر نفسه؛ - عدم الرؤية: 26؛ -الهميان: ط 1: 14/ 486.
(2) -المصدر نفسه؛ -شرح أصول تيبغورين: 485.
(3) - الهميان: ط 1: 14/ 490؛ انظر: الخليلي: الحق الدامغ: 43، 44.
(4) الأشعري: الإبانة: 14؛ الرازي: معالم أصول الدين: 69.
(5) - شرح الدعائم: 1/ 31. (1/159)
صفحة 160
فيمكنهم أَن يروه (1)؛ وردّ الشيخ اطفيش على هذا الاستدلال بأَنَّ الآية لم تعيّن المقصود بالحجب، فيمكن أَن يقال المراد: الحجب عن خير الله تعالى، فالحجاب يصلح للأمرين، لكنّ الأدلّة تدلّ على عدم الرؤية لأَنَّ المستعمل في اللغة هو حجب السلطان غيره عن خيره ومَنْعُه؛ فيقال: حجبه، وقد يراه ويحجبه عن عطائه، كما يمكن أَن يراه ويأمر بتعذيبه، كما قد لا يراه ويصله بعطائه؛ فلا يقال: حجبه مع أَنَّهُ لم يره؛ لذا فالآية لا تكون دليلا على الرؤية لما فيها من الاحتمالات (2).
هذا عن الاستدلال من القرآن أمّا من السنّة فأهمّ ما ذكره الشيخ من أدلّة المثبتين ثلاثة أحاديث هي:
الأوّل- «عن أبي هريرة: أَنَّ الناس قالوا: يارسول الله، هل نرى ربنّا يوم القيامة؟ فقال رسول الله e: «هل تضارّون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله؛ قال: فهل تضارّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنّكم ترونه كذلك: يجمع الله الناس يوم القيامة؛ فيقول: من كان يعبد شيئا فليتّبعه [ ... ] وتبقى هذه الأمّة فيها شافعوها أو منافقوها ــ شك إبراهيم ــ فيأتيهم الله فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: هذا مكاننا حَتَّى يأتينا ربنّا، فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول لهم: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا فيتّبعونه» (3). وقد أورد الشيخ اطفيش نصّ الحديث ونقد متنه بما يجعله غير صالح للاستدلال لما فيه من التناقض مع العقيدة المتّفق عليها في صفات الله تعالى وتنزيهه: ففيه إثبات الجهة عندما يشرف
__________
(1) - الأشعري: الإبانة: 14؛ الرازي: معالم أصول الدين: 70.
(2) - فتح الله: 2/ و: 335.
(3) البخاري: التوحيد باب قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَّوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلىَ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} رقم 7000؛ وصفة الصلاة باب فضل السجود رقم 773 مع اختلاف اللفظ؛ انظر: المعجم المفهرس: 2/ 202. (1/160)
صفحة 161
الله تعالى على الناس ويأمرهم باتّباعه، وفيه إثبات التغيّر حين ذكر أَنَّ الله تعالى يأتي في صورة غير التي يعرفها الناس، ثُمَّ يأتي في التي يعرفونه بها فيتبّعونه، وفيه تكليف بالاتِّباع مع أَنَّ الآخرة ليست دار تكليف (1)، وهذه كلّها مناقضة للعقيدة الصحيحة. إلاّ أَنَّ التكليف الذي أشار إليه الشيخ اطفيش ونفى وجوده فيه مبالغة؛ فالآخرة ليست دار تكليف بمعنى التكليف الذي يترتّب عنه ثواب أو عقاب لتركه، وليس هذا الأمر ــ في الحديث ــ كذلك، وإلاّ كان الأمر بدخول الجنّة من هذا القبيل أيضا، وقد أغفل الشيخ جوانب يظهر من خلالها اضطراب متن الحديث وذكرها غيره كالسالمي، منها: أنّه يُؤَدِّي إلى التشبيه بين الله تعالى، القمر والشمس حين يشبّه بين رؤية الله ورؤية الشمس والقمر؛ فيلزم من التشابه بين هذه الرؤى التشابه بين المرئيّات (2)، كما يلزم من الحديث أَن يعرف الناس الصورة الكاملة الحقيقيّة لله تعالى، حَتَّى إذا جاءهم في غيرها أنكروه، وكما أَنَّ نصّ الحديث يناقض قول من يرى أَنَّ الرؤية هي أعظم ثواب يتلقّاه المؤمن لأَنَّ الحديث يجعلها في الموقف ويجتمع عليها المؤمن وغيره (3).
وبعد أَن أورد الشيخ نصَّ الحديث ونقده قال في الحكم عليه: إِنَّهُ يحتمل أَن يكون موضوعا لما فيه من مناقضة صفات الله تعالى وكماله، أو يكون صحيحا لكن يجب أَن يؤوّل بما يوافق التنزيه (4)، ومن المعاني التي يؤوَّل إليها: أَنَّ المراد به رؤية أمر الله تعالى أو وعده ووعيده حقّا لا شك فيه، أو أَنَّهُم لا يشكّون في الله تعالى مثلما لا يشكّون في البدر، أو أَنَّهُم يرون مزيد كرامته وأعلى دلائله (5)؛ فهذا التأويل يُخرج من المحذور
__________
(1) - الجنة: 170.
(2) السالمي: مشارق: 1/ 377، 378.
(3) الخليلي: الحق الدامغ: 57 - 59.
(4) - الجنة: 170؛ -الهميان: ط 1: 14/ 488؛ -عدم الرؤية: 27.
(5) - عدم الرؤية: 26، 27؛ -الهيمان: 5/ 234؛ -الجنة: 158. (1/161)
صفحة 162
ويوافق التنزيه ويحتمله النصّ لذلك يلجأ إليه.
الثاني- عن جابر t قال: قال رسول الله e: «بينما أهل الجنّة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا أبصارهم؛ فإذا الربّ جلّ جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنّة وهو قول الله تعالى: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58] فلا يلتفتون إلى شيء مِمَّا هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتّى يحتجب عنهم وتبقى بركته ونوره» (1).
وقد حكم الشيخ اطفيش بوضع هذا الحديث لمخالفته صفات الله تعالى وكماله، مثلما هو الأمر في الحديث السابق، وإذا لم يكن موضوعا فإنه يؤوّل إلى إشراف ملَك الله والنظر إلى كرامته (2).
الثالث- «إذا دخل أهل الجنّةِ الجنّةَ وأهل النار النار؛ نادى مناد: يا أهل الجنّة، إنّ لكم عند الله موعدا يريد أَنَّ يُنْجَِزكُمُوهُ فيقولون: ما هو؟ ألم يثقّل موازيننا ويبيّض وجوهنا ويدخلنا الجنّة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب؛ فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحبّ إليهم من النظر إليه وهي الزيادة» (3).
وقد حكم الشيخ اطفيش أيضا بوضع هذا الحديث لما فيه من التشبيه والتجسيم، ونسبة الجهة والحيّز إلى الله تعالى ومخالفة قوله: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72] ففي الآية أكبر ما يجده المؤمن في الجنّة هو الرضوان، بينما يجعله الحديث هو الرؤية،
__________
(1) قال الألباني عنه: ضعيف وأن ابن الجوازي حكم بوضعه، وخرجه ابن ماجه، وأبو نعيم في الحلية ومن رواته: أبوعاصم العباداني؛ قال الذهبي: واه، وقال الرقاشي: منكرالحديث؛ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 182.
(2) - الجنة: 75.
(3) رواه مسلم مع اختلاف في اللفظ: كتاب الإيمان رقم 297؛ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 206؛ مع هامش الألباني. (1/162)
صفحة 163
وإضافة إلى هذا فإنّ الحديث إذا لم يكن موضوعا فهو آحاد لا يؤخذ به لمخالفته ظاهر القرآن والأدلّة الأخرى؛ وإذا صحّ فإنّه يؤوّل بحصول مزيد العلم بآيات الله تعالى (1).
قد كان موقف الشيخ اطفيش من هذه الأحاديث واحدا، حيث نقد متونها مستندا إلى أَنَّ الحديث والقرآن كلاهما وحي، ولا يمكن أَن يتناقضا فيما بينهما؛ لذا يجب إخضاع الحديث لصريح القرآن ولما ثبت من العقيدة الصحيحة في الله تعالى (2)، وهذه الأحاديث المذكورة وغيرها تناقض في ظاهرها ــ حسب الشيخ ــ العقيدة المتّفق عليها، فكان يحكم عليها بالوضع أو يجعله محتملا، والملاحظ أَنَّهُ لم يكن يبحث سبب الحكم بالوضع من خلال السند، ثُمَّ يحتمل صحتها مع تأويلها بما يوافق المحكم من القرآن والتنزيه.
- الاستدلال بالعقل
استدلّ المثبتون للرؤية عقليا بأَنَّ علّة رؤية ما صحّت رؤيته هي وجوده، والله تعالى موجود إذن يصحّ أَن يرى (3)، ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال كما حكم عليه الرازي نفسه، لأَنَّ الواقع يناقضه كما أشار إلى هذا الشيخ اطفيش في نقده، فلا يلزم من وجود الشيء أَن يرى بالضرورة، وَإِلاَّ لزم أَن ترى كلّ الموجودات، ومنها الأصوات والروائح وهذا مخالف للعقل والواقع، كما أَنَّهُ لا شبه بين وجود الله تعالى ووجود مخلوقاته لذا لا يمكن الحكم بإمكان رؤيته لعلة الوجود لأنّها مختلفة بين الله وبين العباد (4).
__________
(1) - شرح أصول تيبغورين: 525؛ -الهميان: ط 1: 14/ 488؛ -الجنة: 156، 157.
(2) -الحجة في بيان المحجة: 5؛ -الهميان: ط 1: 13/ 36.
(3) الأشعري: الإبانة: 16؛ الرازي: معالم أصول الدين: 68، البغدادي: أصول الدين: 99؛ البيجوري: تحفة المريد: 61.
(4) الرازي: معالم أصول الدين: 68؛ -الهميان: 6 ق 1/ 206؛ -شرح أصول تيبغورين: 503، 504. (1/163)
صفحة 164
فالعقل يقتضي نفي الرؤية عن الله تعالى، لذا بقي المثبتون على ظاهر الأدلّة السمعيّة النقليّة المثبتة للرؤية كما يدلّ على ذلك رأي الإمام الرازي، لكنّهم اختلفوا بين إثباتها دون تكييفها وبين إثباتها، كما جاءت في ظاهرالنصوص؛ فقد التزم السلفيّة (1) ظاهر النص وأثبتوا رؤية لله تعالى في الجهة وفي مقابلة، بينما حاول الأشاعرة تعديل ذلك بإدخال اعتبارين في الرؤية حَتَّى يمكن قبولها عقلا، وهما: القول بالرؤية دون تكييف والقول بها على أنّها رؤية قلبية (2).
وقد ناقش الشيخ اطفيش ذلك مبيّنا أَنَّ الرؤية المنفية هي رؤية العين المعروفة، وهي رؤية تُلزم التكييف وتَثبت عنها صفات محدّدة في المرئيّ، وأمّا إثبات رؤية من غير تكييف، فهو خروج عن مجال النقاش ولا تصبح رؤية على المعنى الحقيقيّ، فلا تسمّى رؤية، واعتبر هذا الرأي اعترافا بعدم إمكان الرؤية وباستحالتها، لأَنَّ القائل به أدرك عدم إمكان رؤية الله على الحقيقة (3) فلجأ إلى القول بها من غيرتكييف.
وأمّا القول برؤية قلبيّة فهو للإمام الغزالي (4)؛ حيث رفض تفسير الرؤية بالمعنى المعروف الذي يتمّ بالجارحة المعروفة (العين)، لأَنَّ الله تعالى لا يُرى بالأعين ولا يدرك بها، ولذا قال إنَّ المقصود برؤية الله تعالى هو إدراك قويّ أرقى وأكمل من مجرّد التخيّل وأوضح منه، ويسمّى رؤية وإبصارا بالنسبة إلى التخيّل، أي: أَنَّ الإنسان يعطى قوّة تمكّنه من مزيد العلم؛ فيعرف الله تعالى معرفة تشبه الرؤية لوضوحها وكمالها (5).
وقد رضي بعض من ينفون الرؤية بتفسير الإمام الغزالي، واعتبروه موافقا لما ذهبوا
__________
(1) ابن تيمية: الرسائل الكبرى: 2/ 144.
(2) الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد: 44، 45؛ الرازي: معالم أصول الدين: 69.
(3) - عدم الرؤية: 25؛ -الهميان: 6 ق 2/ 238.
(4) الغزالي أبو حامدمحمد بن محمد (450 - 505 هـ/1058 - 1111 م)، انظر الزركلي: الأعلام: 7/ 22.
(5) الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد: 44، 45؛ د عبد المجيد بن حمده: المدارس الكلامية: 111. (1/164)
صفحة 165
إليه، ومن هؤلاء الوارجلاني والسالمي (1)، وأمّا الشيخ اطفيش فقد اعترض عليه بأنّه مخالف للتنزيه ولاعتقاد عدم إدراك الله تعالى؛ فهو منزّه عن أَن يعرفه أحد على الحقيقة وخفي عن الإدراك، وقال: «فإن الإدراك بأيّ وجه وبأيّ حاسّة نقص لذلك الكمال والوصف بالواجب» (2)، فالإدراك القلبيّ أو غيره كلّه شيء واحد، وقول الإمام الغزالي خروج من الرؤية الحقيقيّة إلى غيرها وهو الإدراك مع أَنَّ الإدراك مطلقا يلزم عنه المحذوركما يلزم عن الرؤية؛ فقد التزم الشيخ اطفيش في رفضه لهذا القول مبدأه في التنزيه، وفي عدم إدراك الله تعالى؛ لكنّه لم يرفض الرؤية القلبيّة رفضا كلّيّا، بل رضي أَن تنسب إلى القلب رؤية لا تتعلّق بإدراك الله تعالى وذاته، ولكن تتعلّق باليقين به، وهو بهذا يقصد إلى تعديل قول الإمام الغزالي، حتّى يصبح القلب أكثر يقينا بالله تعالى وقال: «وأمّا الرؤية بالقلب بمعنى الإيقان به وازدياد اليقين بازدياد الدلائل فكلّنُا يقول به» (3)؛ والفرق بين ما ذهب إليه الإمام الغزالي وما ذهب إليه الشيخ اطفيش، هو أَنَّ الأوّل يتّجه بالمعرفة القلبية إلى معرفة الذات حَتَّى تصبح كَأَنَّهَا تُرى، بينما قصد الشيخ اطفيش الإبقاء على وظيفة القلب وهي اليقين، وهو يزداد بازدياد الدلائل؛ فكان قوله ألزم بالتنزيه لأنه لم يخرج بالقلب عن حقيقته ووظيفته وهي الإيمان والتصديق.
والخلاصة أَنَّ موقف الشيخ في الرؤية هو المنع والنفي، ونلاحظ أَنَّهُ في الاستدلال على النفي كان يلتزم ظاهر النص أكثر من المثبتين (4)؛ فأدلّتهم من القرآن غلب عليها التأويل وتحميل بعض النصوص ما لا تحتمله إلاّ بوجه غير مباشر، وَأَمَّا ما كان ظاهره
__________
(1) الوارجلاني: الدليل: 1/ 64؛ السالمي: مشارق: 1/ 363؛ انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 307.
(2) - الذخر الأسنى: 132.
(3) -حاشية القناطر: 2/ و: 15؛ انظر: -الهميان: ط 1: 14/ 490؛ -الذخرالأسنى: 132؛ -التيسير: 1/ 81؛ 3/ 410؛ -وفاء الضمانة: 6/ 285؛ -إزالة الاعتراض: 03.
(4) الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 319. (1/165)
صفحة 166
يدلّ على الرؤية، فقد سلك معه الشيخ اطفيش مسلك التأويل حَتَّى لا تتعارض النصوص فيما بينها، وكان يفتح مجال الاحتمال واسعا أمام فهم نصوص الحديث خاصّة، حَتَّى لا يردّها ولا يأخذ بظاهرها المخالف للتنزيه؛ ولكن ما يؤخذ على الشيخ في الاستدلال بالحديث أَنَّهُ كان يتسرَّع في الحكم بالوضع من غير أَن يعلّل هذ الحكم ويستدلّ عليه، وهو يتضارب بين الحكم بالوضع على الحديث ثُمَّ الحكم عليه بالصحة مع تأويله، والأصل أَن يُثبت أحد الحكمين: فهو إما موضوع متروك أوصحيح مؤوّل.
وما تنبغي الإشارة إليه في هذه الاستدلالات أَنَّ الشيخ اطفيش قد التزم منهجا واحدا منطلقه التنزيه المطلق لله تعالى، وأَنَّ الرؤية المقصودة بالنفي هي الرؤية المعهودة المعروفة لدى البشر بشروطها ونتائجها؛ وكان الشيخ في ردّه على مثبتي الرؤية يركّز على المذهب الأشعريّ، ولم يتحدّث عن رأي السلفيّة رغم الاختلاف الواضح بين المذهبين في الموضوع؛ وكان ميَّالا إلى التوفيق أحيانا بين أطراف الأقوال في المسألة، وظهر ذلك جليًّا في تعقيبه على رأي الإمام الغزالي، كما قال أيضا عن قول الأشاعرة: «وإن قلتم نراه بلا كيفيّة، بمعنى: أنَّا نعلم وجوده، فتالله ما ذلك إِلاَّ رجوع منكم إلى مذهبنا» (1).
وفي نظرنا: أَنَّ الخلاف في هذه الآراء ليس سوى خلاف لفظيّ وعدم اتفاق على المصطلح (2). ونستبعد أَن يكون المثبتون للرؤية يقصدون معاني النقص التي يُلزمهم بها النافون الذي انطلقوا في نفيهم من المعنى الحقيقي للرؤية البصريّة، وهذا ما حاول الشيخ اطفيش أَن يجمع عليه الطرفين في آخر المطاف بعد تعديل قول الغزالي ورأي الأشاعرة في الموضوع، كما أَنَّ محور الجدل كان حول وصف الله تعالى، وقد كان واسعا متشعِّبا، مِمَّا يدفعنا إلى البحث عَمَّا يجب اعتقاده من كلّ هذا وما لا يجب.
__________
(1) - عدم الرؤية: 25.
(2) انظر في هذا: محمد عبده: رسالة التوحيد: 163. (1/166)
صفحة 167
6 - ما يجب في الإيمان بالصفات
لقد اتّبع الشيخ اطفيش في مناقشة مسائل هذا المبحث من سبقه من الإباضيّة ولم يخالفهم إلاّ في بعض الجزئيات، وكان الأساس الذي استند إليه في تفسير الصفات وبيان المقصد منها هو التنزيه والتقديس، وتجلّى هذا خاصّة في بيان العلاقة بين الذات والصفات وتفسير الألفاظ المتشابهة ومسألة الرؤية؛ ولكن ينبغي ملاحظة أَنَّ مسائل الصفات قد جرّت الذين تناولوها إلى تجاوز ما نزل من الوحي في الاعتقاد وأوّل ذلك استحداث الكلام عن وصف الله تعالى، والفرق بينه وبين صفاته، ومناقضة الاعتقاد بعدم إدراك ذات الله تعالى، واختلاف عالم الغيب عن عالم الشهادة؛ فقد حاول المتكلّمون أَن يتحدَّثوا عن صفات الله تعالىكأنَّهم يدركونه ويرونه ممّا أوقعهم في قياس الغائب على الشاهد، وإن اختلفوا في نسبة استعمال هذا القياس، لأَنَّ مجرّد التفكير في علاقة الصفة بالذات ــ مثلا ــ هو انطلاق من قياس الغائب على الشاهد، إضافة إلى أَنَّ عقل الإنسان ولغته مهما بلغا في الإبانة لن يسعفاه في وصف ما لا يعلمه ولا يراه (1)؛ ولهذا ذهب البعض إلى الاقتصار في الموضوع على ما كان عليه الرسول e والصحابة رضوان الله عليهم، وهذا ما دعا إليه الشيخ اطفيش بعد البحث، واكتفى في الواجب من الإيمان على الجزم بالقلب، ومعرفة الصفات كما نزلت دون الخوض في الحجج الكلامية ممّا لم يُؤَثِّرُ عن الرسول e وتبقى الاعتبارات التي خاض فيها المتكلّمون من علم الغيب الذي استأثر به الله تعالى (2) وليس كلّ الغيب يعلمه الإنسان، بل بعضه يعلمه ويجب الإيمان به، كما سيتضح من خلال الفصل المقبل.
__________
(1) الوارجلاني: الدليل: 1/ 49.
(2) -المصدر نفسه: 1/ 37؛ -الحجة في بيان المحجة: 28، 29. (1/167)
صفحة 168
(صفحةبيضاء) (1/168)
صفحة 169
الفصل الرابع
الإيمان بالغيب (1/169)
صفحة 170
(صفحةبيضاء) (1/170)
صفحة 171
تمهيد
الإيمان بالغيب من أهمّ أجزاء العقيدة، وقد قرن بأصول الإيمان، ومجال الغيب واسع، ونحاول معرفة آراء الشيخ اطفيَّش في بعض مباحثه مبتدئين بتعريفه كما يلي:
1 - الغيب لغة واصطلاحا
يشير الشيخ اطفيش إلى أَنَّ «الغيب» لفظ مشتقّ من غاب يغيب غيبا وغيبة وغيبوبة، ومعناه الشكّ أو الخفاء، وكلّ ما خفي عن الإنسان فهو غيب بالنسبة إليه، ولو كان قريبا منه (1). وقد استعمل الغيب مصدرا والمراد به اسم الفاعل أي: الغائب، والإيمان بالغيب يعني: الإيمان بالشيء الغائب عنَّا (2). كما يحتمل تركه على معنى المصدر، فيكون المعنى: الإيمان بالغيب أي الإيمان في الغيب أو مع الغيب، أي: حال كون الرسول e غائبا وكذا الصحابة مثل الإيمان في حال حضورهم؛ لكن الظاهر استعماله على معنى اسم الفاعل (3).
أَمَّا اصطلاحا: فالغيب عند الشيخ اطفيش هو ما لا يدركه الحسّ ولا يقتضيه بدلالة العقل (4)، وعالم الغيب مقابل لعالم الشهادة، وتستحيل معرفته من غير سمع ونقل؛ لذا يفوَّض فيه الأمر إلى الدليل النقلي (5)؛ وقال في هذا المعنى أبو الأعلى المودودي (6): «إرجاع ما لم يعرف إلى من يعرفه وتصديقه فيما يقول» (7).
__________
(1) - الهميان: 1/ 209؛ انظر: ابن منظور: لسان العرب: 1/ 654.
(2) - الهميان: 1/ 209.
(3) - المصدرنفسه: 1/ 209، 210؛ انظر: الفيروز آبادي: تنوير المقياس من تفسير ابن عباس: المطبعة المصرية 1290 هـ: 9.
(4) - الهميان: 1/ 209، 210.
(5) - التيسير: 2/ 66.
(6) أبو الأعلى المودودي: (1902 - 1979 م) من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، بدأ حياته العلمية بالصحافة وأصدر عدة كتب وأسس حركة الجماعة الإسلامية، له أكثر من مائة كتاب وخمسين كتابا؛ انظر: محمود الخالدي: قواعد نظام الحكم في الإسلام: المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية الجزائر 1991 م: 9 هامش 1.
(7) أبو الأعلى المودودي: مبادئ الإسلام: ط 2 الدار السعودية للنشر والتوزيع 1402 هـ/1982 م: 30. (1/171)
صفحة 172
2 - أقسام الغيب
الغيب معنى يجمع كلّ ما يجهله الإنسان ولا يتوصّل إلى معرفته بعقله، مِمَّا ليس من عالم الشهادة، لذا كان ما عرف من الغيب قليلاً، ومنه اليوم الآخر والجنّة والنار وأحوال الآخرة والملائكة، وقد اكتفى الشيخ اطفيش بتعداد ما يحويه الغيب دون أن يجعله أقساما (1)، وقسمه الشيخ رشيد رضا (2) إلى قسمين على حسب نسبة العلم والجهل لدى الإنسان:
فالأوّل - هو الغيب الحقيقيّ الذي لا يعلمه إِلاَّ الله تعالى ولا يمكن للإنسان الاطلاع عليه إِلاَّ إذا أظهره الله عليه بدون كسب منه.
وأَمَّا الثاني- فهو الغيب الإضافيّ النسبيّ الذي يختلف فيه الخلق، بعضهم أعلم من بعض حسب الاستعداد الفطريّ والعمل الكسبيّ (3).
وفيما يلي من هذا الفصل نحاول التعرّف على رأي الشيخ اطفيش في بعض هذه الأجزاء من الغيب، وهي اليوم الآخر وما يتعلّق به والملائكة.
__________
(1) - الهميان: 1/ 209؛ -التيسير: 2/ 66؛ المودودي: مبادئ الإسلام: 30.
(2) الشيخ محَمَّد بن علي رشيد رضا: (1282 - 1354 هـ/1865 - 1935 م) تلميذ الإمام محمد عبده ومؤازره في إصلاحه، صاحب مجلة المنار، وله مؤلفات في الفكر الإسلامي؛ انظر الزركلي: الأعلام: 6/ 126.
(3) محَمَّد رشيد رضا: الوحي المحمدي: المطبوعات الجميلة الجزائر 1988 م: 208. (1/172)
صفحة 173
المبحث الأَوَّل
الإيمان باليوم الآخر
ورد ذكر اليوم الآخر مرّات متعدّدة في القرآن الكريم، مقرونا بالإيمان بالله تعالى لأهمّيته وأثره على سلوك الإنسان، وشاء الله تعالى أن يبقى ما يتعلّق بهذا اليوم غيبا إِلاَّ قليلا مِمَّا ذكره في كتابه الكريم أو جاء على لسان رسوله e؛ فهو غيب من حيث وقته ومقدِّماته وتفاصيله؛ ونحن نتناوله بالدراسة كما ورد في تراث الشيخ اطفيش مبتدئين بما يسبق اليوم الآخر وهو قيام الساعة ثُمَّ البعث والحساب وما يَتَعَلَّق بهما.
1 - قيام الساعة
يعني قيام الساعة أجل انتهاء وجود المخلوقات بإذن الله تعالى؛ وتطلق الساعة أيضا للدلالة على نفخة بعث الناس من قبورهم بعد نفخة الموت، وعلى الوقت الذي بين نفخة الموت ونفخة البعث، ويمكن تسمية كلّ ذلك بالقيامة كما يشير إليه الشيخ اطفيش، فاللفظان: الساعة والقيامة مشتركان في الاستعمال لما يَدُلُّ على الفناء بالنفخة الأولى، وعلى القيام من القبور بالنفخة الثانية (1)؛ إِلاَّ أَنَّ المشهور هو تخصيص لفظ “القيامة” على القيام من القبور بعد النفخة الثانية (2)؛ ويُؤَيِّدُ هذا أَنَّ القرآن الكريم استعمل لفظة “الساعة” في الدلالة على فزع الموت ونفخته، و «القيامة» لما بعد البعث من القبور؛ مثل قوله تعالى: {حَتَّىآ إِذَا جَآءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا: يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} [الأنعام: 31]؛ وقوله أيضا: {فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ
__________
(1) - الذهب: 13.
(2) - التيسير: 6/ 418. (1/173)
صفحة 174
القِيَامَةِ} [البقرة: 113]، وأَمَّا الفترة التي بين النفختين وهي المسمَّاة بالبرزخ (1)؛ فقد اخُتلف في كونها من الدنيا أو من الآخرة، فإن كانت الدنيا والآخرة متناقضتين فهي من الآخرة، وإن كانتا متضادَّتين فليست من الدنيا ولا من الآخرة، ويرى الشيخ اطفيش أَنَّهَا من الدنيا لتعاقب الليل والنهار عليها (2)، لكن هذا التعليل غير صالح لانعدامهما (الليل والنهار) بالفناء الشامل الذي يأخذ كلّ شيء، ويهلك الله جميع المخلوقات، وهذا الرأي من جعل البرزخ من الدنيا يتناقض فيه الشيخ اطفيش مع اعتباره أَنَّ كلّ من مات قبل الساعة فهو في الآخرة (3)؛ لذا يبدو أَنَّ الأصلح اعتبار الدنيا منتهية بقيام الساعة وما بعدها قبل البعث ليس من الآخرة ولا من الدنيا؛ أو هو من الآخرة باعتبار أَنَّ الدنيا وما فيها قد انقطع بالفناء الشامل.
ا - علامات الساعة
تأتي الساعة بغتة كما يقول الله تعالى: {ثَقُلَتْ فيِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ لاَ تَاتِيكُمُ, ِإلاَّ بَغْتَةً} [الأعراف: 178]؛ وتكون مسبوقة بعلامات هي الأشراط كما يسميها الله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ اَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمُ, إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} [محَمَّد: 19].
والأشراط في اللغة العلامات، ومنه: أشرط إبله إذا أعلم أَنَّهَا للبيع؛ وأشرط نفسه: أعلمها وأَعَدَّها (4). وأشراط الساعة سابقة لها، تنذر بقرب وقوعها لكن لا تدلّ على تحديد وقتها، وقد وردت نصوص كثيرة في هذه الأشراط، منها ما هو في
__________
(1) الوارجلاني: الدليل: 3/ 221؛ 222؛ -الذهب: 14.
(2) -المصدر نفسه: 13، 14؛ -شامل الأصل والفرع: 1/ 87.
(3) -المصدر السابق.
(4) الفيروزآبادي: القاموس: 2/ 868. (1/174)
صفحة 175
القرآن ومنها ما هو في السنّة، ومن هذه العلامات التي ذكرها الشيخ اطفيش ما يلي:
1 - نبوّة الرسول e فهو آخر الأنبياء لا نبيء بعده ولا شريعة إلى أن تقوم الساعة (1)، وقد أشار القرآن الكريم إلى كونه خاتم النبيئين، في قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]؛ وفي الحديث: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (2)؛ أي: السبّابة والوسطى؛ وكان مجيئه آية للساعة وعلامة عليها، باعتبار أَنَّ الإنسانيّة أدركت آخر عهودها على الأرض، وأَنَّ الرسالة الأخيرة كفيلة بتقنين حياة الناس وهدايتهم إلى الصواب حَتَّى تقوم الساعة، وذلك لما امتازت به من الشموليّة والكمال والإحاطة بكلّ ما يهمّ الإنسان ويسعده في الدنيا والآخرة، فهي بذلك دليل على قرب الساعة بالمقارنة إلى ما سبق من وجود الإنسان والعالم.
2 - خروج الدابَّة: ويَدُلُّ على كون ذلك من العلامات قوله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمُ, أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الاَرْضِ تُكَلِّمُهُمُ, إِنَّ النَّاسَ كَانُوا بِئَايَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ} [النمل: 84] كما ذكرها الرسول e ضمن الآيات العشرة للساعة (3)، ويرى الشيخ اطفيش أَنَّهَا دابّة حقيقيّة كما وردت في النصّ،
__________
(1) - الهميان: ط 1: 13/ 295.
(2) البخاري: التفسير تفسير سورة والنازعات رقم 4652؛ انظر المعجم المفهرس: 3/ 27، 29.
(3) وذلك في حديث حذيفة بن أسيد؛ قال: «اطلع النبيء e علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة: قال: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات؛ فذكر: الدخان، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم u ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم»، رواه مسلم: الفتن رقم 2901؛ انظر: المعجم المفهرس: 1/ 138. (1/175)
صفحة 176
وليست رمزا لشيء معنويّ، وهي تَسِمُ الناس، وتُبَيِّنُ السعيد منهم والشقيّ (1)، وقد ذكر لها الشيخ اطفيش أوصافا غريبة عجيبة، مثل كونها ترى من المشرق والمغرب؛ ولها صفة من كلّ ما خلق الله من إنس وحيوان؛ وبعد أن سرد الشيخ هذه الأوصاف قال: إِنَّهُ لا يصدّ قها، ولكن ذكرها من قبيل الترويح على القارئ (2)، ومن الغريب أن يكون هذا الذكر لمجرّد الترويح مع أَنَّ الموضوع يتعلّق بالاعتقاد، وكان الأولى نفيها وتفنيدها إن لم تصح؛ والأسلم عدم الخوض في أمور من الغيب بلا دليل.
3 - ظهور المسيح الدجال: وهو مِمَّا ثبت بالأحاديث، وقد أنكره الخوارج والجهميّة وبعض المعتزلة، كما يقول الشيخ اطفيش، وردّ عليهم بأَنَّ الأحاديث كثيرة، في الدلالة على صحَّة ظهوره وأَنَّه علامة للساعة (3)؛ من ذلك قوله e في وصفه: «جعد قطط أعور العين اليمنى كأَنَّهَا عنبة طافية» (4)؛ كما ذُكر في حديث علامات الساعة (5)؛ ويكون ظهوره فتنة للناس في دينهم، وقد كثر الحديث في وصفه جسديّا، ووصف أعماله، لكنّ الشيخ اطفيش لم يبد رأيه في كيفية ظهور المسيح الدجال وفي أعماله واكتفى بالإشارة إلى كونه أمرا ثابتا وأَنَّه من علامات الساعة.
__________
(1) - حاشية السؤالات: ظ: 118؛ -الهميان: ط 1: 12/ 108؛ ط 2: 6 ق 1/ 234؛ -شرح العقيدة: 169، 170.
(2) - التيسير: 6/ 381.
(3) -المصدر نفسه: 11/ 367؛ -الهميان: ط 1: 12/ 108، 110؛ ط 2: 6 ق 1/ 234.
(4) الربيع: الجامع الصحيح: 20، 21 رقم 54؛ أخرجه الشيباني وقال: «متَّفق عليه»، مع اختلاف في اللفظ، وصحَّحه الألباني أيضا؛ انظر: الشيباني: تمييز الطَّيِّب من الخبيث فيما يدور عَلَى ألسنة الناس من الحديث، دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت، 1401 هـ/1981 م: 89؛ الألباني: صحيح الجامع الصغير وزيادته: المكتب الإسلامي: بيروت: 1388 هـ/1969 م: 2/ 372.
(5) انظر الهامش السابق رقم 09. (1/176)
صفحة 177
4 - ومن العلامات ما جاء في الحديث: «أن تلد الأمة ربّتها» (1)؛ وقد اختلف العلماء في المقصود من قول الرسول e في هذا الحديث، وذكر الشيخ من ذلك أَنَّ الأمة تلد من مولاها وهو ذو حسب فيكون ولدها مثل أبيه في الحسب، أو أَنَّ المراد بذلك أَنَّ من علامات الساعة أن يكثر التسرّي والولادة، أو يكثر الاستعباد حَتَّى يشتري الإنسان أمَّه وهو جاهل بها (2)؛ وتبقى هذه احتمالات، ولكن تطوّر أوضاع الناس يجعلها بعيدة. وقد قدَّم الشيخ اطفيش تفسيرا آخر هو في نظرنا أنسب لتطوّر الأحوال وتغيرها، وذلك أَنَّه يرى أَنَّ هذا الحديث رمَز وأشار إلى الحال التي سيكون عليها الناس قبل قيام الساعة حيث تتغيّر القيم الخلقيّة ويطغى الباطل على الحقّ، وقال الشيخ في ذلك: «ومحصّله أَنَّ الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربَّى مربِّيا، والعالِم متعلّما والسافل عاليا» (3)؛ وفي موضع آخر يذكر من جملة هذه التغيّرات، ترؤُّس الحفاة العراة، والتطاول في البنيان، وكثرة الغيبة، وأكل الربا، وشرب الخمر، وتعظيم أرباب الأموال، وقلّة الكرام وكثرة اللئام، والتباهي في المساجد واتّخاذها طرقا، وسوء الجوار (4)؛ ويشهد لهذا بعض الأحاديث الواردة في وصف حال الناس قبل قيام الساعة (5).
5 - نزول المسيح u: يرى الشيخ اطفيش أَنَّ عيسى بن مريم u حيّ لم
__________
(1) رواه البخاري: الإيمان باب سؤال جبريل النبيء e عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة رقم 4499؛ انظر المعجم المفهرس: 3/ 439.
(2) - الذهب الخالص: 13.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 91، 92.
(4) - التيسير: 12/ 244، 245.
(5) مثل: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل، ويفشو الزنى ويشرب الخمر ويذهب الرجال وتبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد»، انظر: مسلم: العلم رقم 2671؛ المعجم المفهرس: 3/ 27. (1/177)
صفحة 178
يمت، وسينزل قبل قيام الساعة، ويدعو إلى التوحيد ويؤمن به الناس بما في ذلك اليهود والنصارى (1)، وقد استدلّ الشيخ على هذا بقوله تعالى: {وإِن مِّنَ اَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُومِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159]؛ وقال إنَّ هذا هو الصحيح والمشهور، وقد روي عن الصحابة والتابعين مثل ابن عباس، والحسن وابن جبير (2) وغيرهم (3)، ويؤيّد هذا قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61] (4)؛ إِلاَّ أَنَّ موت عيسى u أو بقاءَه حيًّا ما زال محلّ جدل، للاختلاف حول تفسير قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 54]؛ وينزل المسيح u لينشر الإسلام، ولا يبقى أحد من اليهود والنصارى إِلاَّ آمن به، وهذا يعني أَنَّ آخر عهد الإنسانيّة بالأرض يكون على الإسلام والصلاح، هذا إذا كان نزول المسيح هو آخر علامات الساعة وأقربها إلى قيام الساعة؛ وهذا نفسه غيب مجهول؛ فليس هناك دليل على ترتيب هذه العلامات؛ كما أَنَّ الشيخ اطفيش لم يفصل في هذا ولم يبحثه.
وهذه العلامات التي ذكرها الشيخ هي بعض من علامات أخر كثيرة ذكرها وسردها مجرّد سرد، ومنها ما ورد في بعض الأحاديث مثل: الخسوف، والكسوف، وخروج الشمس من مغربها، وياجوج، وماجوج ونار تخرج من عدن تسوق الناس إلى المحشر (5).
وَمِمَّا ذكره الشيخ في علامات الساعة المهدي المنتظر، وذلك في كتابه “شرح
__________
(1) - الهميان: 5/ 250.
(2) سعيد بن جبير الأسدي بالولاء (45 - 95 هـ/665 - 714 م) من التابعين؛ انظر الزركلي: الأعلام: 3/ 93.
(3) - حاشية السؤالات: ظ: 17؛ انظر: الفيروزآبادي: تنوير المقباس: 84.
(4) الطبري: جامع البيان: 25/ 49.
(5) - حاشية السؤالات: ظ: 118. (1/178)
صفحة 179
لامية ابن النضر” (1) وقد كان في هذا مخالفا لما عند الإباضيّة الذين لا يذكرون المهدي المنتظر من علامات الساعة، ولا نستبعد أن يكون قد تأثّر بما ذكره الوارجلانيُّ الذي قال إنَّ ظهوره يكاد يكون ضروريّا لكثرة الأخبار عنه (2)، وَلَعَلَّ الوارجلانيَّ أيضا قد تأثّر بالموحّدين وهو قريب عهد بهم، وقد جاءت معهم فكرة المهدي المنتظر، ومهما يكن من أمر فَإِنَّهَا فكرة ظاهرة البطلان، وقد رفضها العلماء قديما وحديثا، وعقد ابن خلدون فصلا في بحثها وردِّها (3)، وأرجعها البعض إلى أصول غير إِسْلاَمِيَّة (4)، ويكفي في ردّها عدم توفّر الدليل الصحيح بشأنها؛ لأَنَّ موضوع علامات الساعة غيب لا مجال للعقل فيه ولا للابتداع، فلا يثبت شيء منه إِلاَّ بالنقل والسماع.
وعلامات الساعة تنذر بوقوعها، لَكِنَّهَا ليست محدِّدة لها ولوقتها، ولا يُعلم كم تدوم هذه العلامات؟ وما الوقت الذي يكون بين ظهورها وقيام الساعة (5)؟ ويكون باضطراب كونيٍّ وهول وفزع كما يصف القرآن الكريم مشاهد الساعة، في مثل قوله تعالى: {إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ َوِإذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 1 - 5].
ب- الموت والفناء
يموت كلُّ حيٍّ بقيام الساعة، ويفنى كلُّ شيء، لقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ
__________
(1) - شرح لامية ابن النضر: 2/ 521.
(2) الوارجلاني: الدليل: 2/ 27.
(3) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون: 1/ 555 - 586.
(4) محمد إقبال: تجديد التفكير الديني: 167؛ د: محمد عمارة: الإسلام وفلسفة الحكم: ط 2 المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1979 م: 643؛ عبد الكريم الخطيب: المهدي المنتظر ومن ينتظرونه: دار الثقافة العربية للطباعة مصر 1980 م: 16، 20، 40.
(5) - الذهب: 13. (1/179)
صفحة 180
هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]؛ والفناء كما يعرّفه الشيخ اطفيش: «عدم محض، خلقت [الأشياء] من غير شيء وتعدم إلى غير شيء، وتعاد من غير شيء» (1)، فيندثر كلّ شيء وتفارق الحياة كلّ ما كانت تحلّ فيه (2)؛ واعتقاد هذا الفناء ووقوعه جزء من الإيمان، وقدّمه الشيخ اطفيش في أَوَّل أقسامه، فالإيمان بفناء كلّ العالم واجب، وإنكاره والقول بعدم نهايته شرك بالله تعالى وتسوية بينه وبين مخلوقاته في صفة البقاء؛ ومعارضة لما ورد في القرآن الكريم (3)؛ وقد أورد الشيخ حديثا يعارض ظاهره وقوع الفناء الشامل، وذلك قوله e: «ويبلى كلّ شيء من الإنسان إِلاَّ عجب (4) ذنبه فيه [أو منه] يركب الخلق» (5)؛ ولم يثبت الشيخ في تفسيره على قول واحد: فقد قال أوّلا إنّ الحديث صحيح وأَنَّّ بقاء العجب ثابت به، وليس بقاؤه عجزًا من الله تعالى ولكن أراد ذلك (6)؛ ثُمَّ عدل عن هذا الرأي وقال إنّ ذلك لم يصح وأَنَّه يؤوّل (7)؛ وفي الأخيرعاد إلى إثباته وتأويله بقوله: «والاستثناء في حديث “كلّ ابن آدم يفنى إِلاَّ عجم الذنب فمنه يركّب” منقطع؛ أي لكن عجم الذنب منه يركب بعد إعادته» (8)، وهذا التفسير الأخير ــ في نظرنا ــ هو الرأي الذي رجّحه على الرأيين الأوّلين لأَنَّه
__________
(1) -المصدر نفسه: 12.
(2) -المصدر نفسه.
(3) - الذهب: 12؛ - وفاء الضمانة: 1/ 52.
(4) العَجْبُ والعَجم والعُجم: أصل الذنب عند رأس العصعص؛ انظر: الجوهري: تاج اللغة وصحاح العربية: تحقيق أحمد عبد الغفورعطار دار العلم للملايين ط 3 بيروت 1404 هـ/ 1984 م: 1/ 177، 5/ 1980؛ -الذهب: 12.
(5) البخاري: التفسير: باب «و نفخ في الصور فصعق من في السماوات والارض» [الزمر: 68] رقم: 4536؛ انظرالمعجم المفهرس: 4/ 135.
(6) - شامل الأصل والفرع: 1/ 88.
(7) - التيسير: 10/ 20.
(8) - الذهب: 13. (1/180)
صفحة 181
أورده في “الذهب الخالص” وهو كتاب نقحّه وأعاد كتابته، وقد ذيّله بقوله: «هذا ما ظهر لي وبسطته في حاشية السؤالات» (1) وهي من العبارات التي تدلّ على الرأي الراجح لدى الشيخ؛ وقد وافقه عليه السالمي واعتبره هو القول الأصحّ في الموضوع (2).
وبهذا يثبت الشيخ اطفيش فناء مطلقا، كما تشير إليه الآية من سورة القصص، لكنّ هذا الفناء المطلق يصعب إدراكه إن لم يكن مستحيلا؛ لأَنَّ علم الإنسان قاصر عن أن يتصوَّر عدما محضا، فهو لا يفكّر إِلاَّ من خلال العالم المشاهد، لذا كان اعتقاده والإيمان به كالإيمان بالعدم المحض الأوّل السابق لكلّ المخلوقات؛ والعدم الثاني الذي يكون بعد المخلوقات هو المقترن بقيام الساعة، وهو محصور بين النفختين ففي الأولى تفنى كلّ المخلوقات وفي الثانية تبعث من جديد.
وقد ذُكر النفح في الصور مرّات عديدة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {قَولُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فيِ الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 74] (3) كما ورد أيضا في الحديث الشريف: عن ابن عمر أَنَّ أعرابيا سأل النبيء e عن الصور فقال: «قرن يُنفخ فيه» (4).
وقد ذكر الشيخ الخلاف فيه: هل هو قرن حقيقيّ؟ أم أَنَّ لفظة «الصور» لا تعني جسما ماديا، ولكنّها جمع لصورة على «صُوَر»، وأَنَّ النفخ يكون في الصُّوَرِ لا في قرن أو جسم؛ وردّه الشيخ بأَنَّ ظاهر النصوص يَدُلُّ على كونه جسما، وقد جاء في بعض
__________
(1) -المصدر نفسه.
(2) السالمي: مشارق: 2/ 86، 87.
(3) انظر: سورة الكهف: 95؛ سورة المومنون: 102.
(4) - التيسير: 3/ 347، 9/ 386؛ وقد جاء بلفظ آخر، انظر: أحمد المسند: المطبعة الميمنية مصر 1313 هـ: 2/ 192؛ المعجم المفهرس: 3/ 438؛ قال الألباني صحيح: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها: المكتب الإسلامي 1399 هـ/1979 م: 3/ 69. (1/181)
صفحة 182
الأحاديث بلفظة القرن، فلا داعي لتأويله بالصُّوَرِ (1)؛ كما ذهب الشيخ أيضا إلى وصفه بكونه جسما عظيما مستطيلا مثل قرن الحيوان، فيه ثُقَب على عدد الأرواح (2)؛ واسترسل الشيخ وراء هذه التفاصيل ولم يستدلّ عليها بأدلّة صحيحة، وهي في ذاتها غير مطلوب الإيمان بها؛ فما جاء في القرآن والسنة مجرّد إثبات وقوع النفخ مرَّتين في الصور، دون تحديد وقته ولا نوعه لكنّ الشيخ حاول تحديد النوع والوقت أيضا كما سيأتي.
جـ - تحديد وقت الساعة
لقد ثبت بصريح القرآن والسنة أَنَّ وقت قيام الساعة غيب استأثر الله تعالى به إذ يقول: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 33]، وقد سئل الرسول e عنها وعن وقتها؛ فأجاب القرآن الكريم مكانه بقوله تعالى: {يَسأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلِ اِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} [الأعراف: 187] ولو أُهِّل أحد للعلم بموعد الساعة لكان الرسول e أحقّ الناس بذلك، لَكِنَّهُ استوى مع سائر الخلق في الجهل بهذا الغيب، ومع هذا فإنّ محاولة البحث عن وقتها وتحديده ما زالت تشغل تفكير الناس، فحاولوا التكهّن بذلك، مثلما فعل الشيخ اطفيش فانساق وراء ذلك مقلّدا من سبقه، رغم أَنَّهُ قال: إنّ هذا من علم الله تعالى الذي اختّص به (3)، ثُمَّ نقل عن السيوطي (4) أَنَّ الأمّة لا يزيد عمرها بعد الرسول e على خمسة عشر قرنا (5)؛ واعتمد السيوطيّ في هذا على أخبار أخرجها عن
__________
(1) -التيسير: 9/ 386؛ انظر: الغزالي: إحياء علوم الدين: دار الثقافة الجزائر 1411 هـ/1991 م: 6/ 155.
(2) - التيسير: 3/ 347، 9/ 386، 387.
(3) - الذهب: 13.
(4) السيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (849 - 911 هـ/1445 - 1505 م) إمام حافظ ومؤرخ وعالم موسوعي؛ انظر الزركلي: الأعلام: 3/ 301.
(5) السيوطي: الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف.: وهي رسالة ضمن: الحاوي للفتاوي: نشر مكتبة القدس القاهرة 1352 هـ: 2/ 248 - 256؛ -الهميان: ط 1: 14/ 54؛ -الجنة: 137. (1/182)
صفحة 183
الترمذي وابن عساكر وابن عدي والطبراني (1) تدلّ على أَنَّ عمر الدنيا كلّه سبعة آلاف سنة وأَنَّ الرسول e جاء وسط الألف الخامسة، فلم يبق بعده سوى ألف وخمسمائة سنة، وبناء على ما انتهى إليه السيوطي واصل الشيخ اطفيش الحساب ليحدّد سنة نزول المسيح أيضا حسبما ألهم، وقال في ذلك: «وينزل إن شاء الله تعالى على ما ألهمت وروعت على تمام أربعين عاما بعد ألف وثلاثمائة وخمسة وعشرين؛ إِلاَّ أَنَّ ابتداء الحساب ــ إن شاء الله ــ يكون من الحادي عشر من ذي الحجة من عام خمس وعشرين وثلاثمائة وألف [ ... ] والعلم لله وحده لا لغيره» (2)؛ ومن الواضح الجليّ أثر الإسرائليّات على ما قاله السيوطي واتبعه فيه الشيخ اطفيش، كما لا يخفى خطر الخوض في الغيب الذي جاء الدليل صريحا بجهل الإنسان إياه، وبأَنَّ الساعة لا تأتي إلا بغتة، فما المفاجأة والمباغتة الباقيتان إذا علم الإنسان بموعد الساعة؟ أو تنبّأ به؟ ولا يمكن أن نعتبر ما ذهب إليه العالمان ــ السيوطيّ واطفيش ــ إِلاَّ هفوة، ومن المتروك الذي لا يسلم منه أيّ عالم مهما بلغ علمه، وإن كان الأصل ألاّ يقع، وربما جرّهما إلى هذا عدم التحقيق في النصوص الواردة في الموضوع وعدم نقدها؛ وقد كان المنتظر من الشيخ اطفيش أن يعرض الأحاديث في الموضوع على محكم القرآن كما هو منهجه لكن لم يفعل وانساق متأثرا بالسيوطيّ دون تمحيص وتدقيق؛ وإن كان قد شعر
__________
(1) الترمذي محمد بن عيسى (209 - 279 هـ/824 - 892 م) من أئمة الحديث، له كتاب الجامع الكبير، انظر: الزركلي: الأعلام: 6/ 322.
ابن عساكر: علي بن الحسن بن هبة الله (499 - 571 هـ/1105 - 1176 م) مؤرخ محدث حافظ، انظر الزركلي: 4/ 273.
ابن عدي: عبدالله بن عدي بن عبد الله بن القطان (277 - 365 هـ/890 - 976 م) عالم بالحديث ورواته؛ انظرالزركلي: الأعلام: 4/ 103.
الطبراني سليمان بن أحمدبن أيوب (260 - 360 هـ/873 - 971 م) من كبار المحدثين له: المعجم الكبيروالأوسط والصغير؛ انظر الزركلي الأعلام: 3/ 121.
(2) - التيسير: 12/ 52. (1/183)
صفحة 184
بخطورة الخوض في الموضوع فصدّر القول بنسبته إلى الإلهام فقد يصدق وقد لا يصدق، وختمه بالتأكيد على أَنَّ العلم الحقيقيّ لله وحده.
ونلاحظ أَنَّ الشيخ بحث موضوع قيام الساعة كما بحث غيره من المواضيع المتعلّقة بالغيب لكنّه لم يسلم من إيراد بعض الجزئيات التي تكتنفها الغرابة وتفتقر إلى الدليل الشرعيّ الصحيح، ولم يتمكّن من تمحيص القول فيها ونقدها كما نقد غيرها وأخضعها إلى المحكم، ومع هذا لم يخل البحث من آراء جديرة بالاهتمام.
2 - البعث وما يتعلق به
البعث (1) يعقب النفخة الثانية، وبها يقوم الناس ويُنشرون للحساب والجزاء، وقد كانت الدعوة إلى الإيمان بهذا من الأصول العقدية التي بيّنتها الرسالات السماوية، كما كان إنكار البعث من أهمّ مواضيع الجدل من المشركين لأَنَّه لا يثبت إلا بالسماع أوّلاً.
ا - إثبات البعث
إنّ الإيمان بالبعث هوتصديق بإخبار الله تعالى بوقوعه وتصديق بقدرته على إعادة ما فني بعينه، وتأليف ما تفرّق من الأجساد لتعود كما كانت، والعقل لا يمكنه الوصول إلى وجوب ذلك أو وقوعه، لذا لم يثبت إِلاَّ بالنقل والسماع، وكان أساس إنكار الكفّار للبعث شكّهم في قدرة الله تعالى على الإحياء من جديد، فكان التراث العقديّ الإسلاميّ ــ قديما وحديثا ــ مركّزا على إثبات ذلك وصحّته، وفي هذا المجال يندرج جهد الشيخ اطفيش في الموضوع، فهو يثبت وقوع البعث باعتباره إعادة لما فني وقد كان موجودا، وليس إنشاء
__________
(1) البعث في اللغة: مصدر بعث كمنع بمعنى أرسل، ويقال: بعث الناقة: أثارها، وبعث فلانا من منامه: أهبّه، انظر: الفيروزآبادي: القاموس: 1/ 162. (1/184)
صفحة 185
لمخلوقات جديدة، فكما خلقها أوّل مرة كذلك يقدر على إعادتها من جديد؛ والخلق الأوّل أكبر دليل على إمكان الإعادة لأَنَّ المخلوق في الأوّل لم يكن موجودا فأوجده الله تعالى؛ ثُمَّ في البعث يعيد المخلوق مرّة ثانية بعد أن طرأ عليه العدم؛ وهكذا ينتهي الشيخ اطفيش إلى أَنَّ البعث ليس مستحيلا عقلا ما دام إعادةً لشيء سابق ثبت له الوجود؛ وبما أَنَّه يعني أيضا جمع ما تفرق من الأجساد وتناثر (1).
فالتصديق بالبعث ينبني على التصديق بالخلق الأوّل، والإيمان واليقين في قدرة الله تعالى على كلّ شيء؛ لأَنَّ من آمن بهذا أمكن أن يصدق بالبعث وأما من أنكر وجود الخلق الأوّل فلا يمكن أن يصدّ ق بالبعث؛ لذا كان منهج القرآن الكريم في إثبات البعث هو التذكير بالخلق الأوّل وإثباته ليسهل تصوّر وجود خلق ثان؛ وقد كان جهد العلماء هو إعادة صياغة الأدلّة التي جاء بها القرآن، لأَنَّ موضوع إنكار البعث لم يكن جديدا، ومن ذلك قوله تعالى: {قَالَ مَن يُّحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 77 - 78] ونلاحظ أن الشيخ اطفيش لم يحفل كثيرا بأمر إثبات البعث، ولم يستدلّ عليه إِلاَّ بحجّة ثبوت الخلق الأوّل ودلالته على الخلق الثاني. بينما نجده قد اهتمّ أكثر بمسألة حشر الأجساد: هل تكون بالأجساد الأولى نفسها؟ أم بأجساد غيرها؟
ب - حشر الأجساد
لقد أجمع المسلمون على وقوع البعث، إِلاَّ أَنَّ الجدل كان في شأن المحشور: هل هي الأجساد التي كانت في الحياة الدنيا؟
وقد عُرف عن الفلاسفة خاصة أَنَّهم يستبعدون حشر الأجساد بذاتها لأَنَّهَا قد فنيت، وإنّما الحشر هو حشر الأرواح لأَنَّهَا خالدة. ويذهب الشيخ اطفيش في
__________
(1) - الذهب: 14؛ - شامل الأصل والفرع: 1/ 85، 86؛ -التيسير: 12/ 418. (1/185)
صفحة 186
الموضوع إلى أَنَّ الحشر يكون للأجساد والأرواح معا، والأجساد هي ذاتها التي كانت في الحياة الدنيا، وإذا تفرَّقت جمعها الله تعالى، ولن تحشر إِلاَّ الأجساد التي عاشت وعملت؛ كما لن تُكسَى العظام إِلاَّ اللحم الذي كان عليها (1) وقد أيّد الشيخ هذا المذهب بأدلّة نقليّة وعقليّة منها:
قوله تعالى: {حَتَّىآ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فصلت: 19] فقد نسب الله تعالى هذه الجوارح إلى أصحابها مما يَدُلُّ على حضورها بنفسها (2).
قول الرسول e: «إنّكم تُحشرون إلى الله حفاة عراة غُرْلا {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (3)» (4)؛ فظاهر هذين الدليلين يَدُلُّ على أَنَّ الأجساد التي عاش بها الناس هي التي تحشر وليست أجسادا جديدة (5).
أَمَّا من العقل فيقول الشيخ: إنّ الحكمة من الحشر هو الحساب والجزاء؛ والحساب يتمّ بإشهاد جوارح الإنسان على ما فعل وأتى من الأعمال، فلا يمكن أن تكون الأجساد المحشورة أجسادا غير التي كانت في الحياة، لأَنَّه لا يشهد بالحقّ إِلاَّ من حضر عمل الإنسان والجوارح التي قامت بالأفعال حقيقة. كما لا يمكن أن تجازى الأجساد التي لم تفعل شيئا وتعاقب، فلزم من هذا أن تكون الأجساد الحقيقيّة التي عاش بها الإنسان هي المحشورة وهي التي تشهد وتثاب وتعاقب (6)؛ وقد استشهد الشيخ
__________
(1) -المصدر نفسه: 6/ 141، 505.
(2) - الهميان: ط 1: 13/ 173؛ التيسير: 11/ 68.
(3) سورة الأنبياء: 104.
(4) البخاري: الرقاق باب كيف الحشر رقم: 6161؛ انظر: المعجم المفهرس: 1/ 470.
(5) -الهميان: 6 ق 1/ 182.
(6) - الهميان: ط 1: 13/ 173؛ - التيسير: 11/ 68. (1/186)
صفحة 187
اطفيش بما ورد في الإنجيل مما يَدُلُّ على حشر الأجساد، وهو يرد في هذا على النصارى الذين ينكرونه، وذكر قول الإنجيل عن عيسى u: «أَمَّا هذه الشجرة أي ماؤها أي: الخمر فلا أشربه ولم أشربه إلى أن أشربه معكم في الملكوت» (1)؛ وقال الشيخ إنّ هذا النص يَدُلُّ على أَنَّ المبعوث هو الروح والجسد معا (2).
ونلاحظ أَنَّ الشيخ أجاب في الموضوع على أمرين هما: إثبات حشر الأجساد مع الأرواح وردّ قول الفلاسفة إنّ الحشر يقع للأرواح فقط، وكذلك إثبات أَنَّ الأجساد المحشورة هي نفسها الأجساد التي كانت في الدنيا، ثُمَّ أيّد هذا بالإشارة إلى الحكمة من حشر الأجساد مع الأرواح، وهي الجمع بين السعادتين في الآخرة (الروحية والجسدية) فسعادة الروح في معرفة الله ومحّبته، وسعادة الجسد في إدراك المحسوسات، ولا يمكن للإنسان الجمع حقيقة ودوما بين السعادتين؛ لأنهّ إذا اهتمّ بإحداهما فاتته الثانية، فاجتماع الروح والجسد في الآخرة سبب للجمع بين السعادتين (3)؛ وقد وضّح الشيخ اطفيش هذا الأثر وهذه الحكمة توضيحا مهمّا إلا أَنَّه لم يُشر أيضا إلى جانب العذاب والعقاب، وله أثره البليغ على ترك المعاصي والمنكرات، لأَنَّه يَنْدُر أن يشعرالإنسان بالعذاب روحا وجسدا في الدنيا؛ فقد يتعذَّب بجسده وهو في أتمّ سعادته الروحية؛ كما يمكن أن يعيش أشدّ أنواع العذاب النفسيّ المعنويّ، مع أَنَّه في نعيم حسيّ، فلا يدرك الشقاء على الحقيقة إلا إذا جمع بينهما، وهذا ما يكون في الآخرة، وهنا تظهر الحكمة من حشر الأجساد والأرواح معا، كما يظهر أثر ذلك على سلوك من آمن به حقيقة.
__________
(1) إنجيل مرقس: 14/ 26 ضمن الكتاب المقدس مطبعة أكسفورد بريطانيا: 1871 م.
(2) - الإمكان: 126؛ - الرسالة الشافية: 06؛ - الهميان: 4/ 221.
(3) - حاشية القناطر: 2/ و. ظ: 82. (1/187)
صفحة 188
جـ - الحساب والميزان
يحشر الناس ويُبعثون ليعيشوا الحياة الآخرة الدائمة في نعيم أو في شقاء، وهذا بعد أن يحاسبوا حسابا (1) يطّلعون به على ما قدّموا من أعمال، ويظهر العمل الصالح المقبول، ومقدار الثواب عليه، والعمل السيّء المردود ومقدار العقاب عليه (2).
والمحاسِب هو الله تعالى والمحاسَب هو المكلَّف، وكل مكلَّف محاسب مهما كان العمل، ولا يعفى منه أحد، وكلٌّ يتلقى كتابه عن يمينه أو عن شماله، لأَنَّ الحساب هو مجرّد تبيين سواء للعاصي أو المطيع. ولذا يؤوّل الشيخ اطفيش النصوص التي تنفي الحساب عن البعض، بأَنَّ المراد منها نفي مناقشة الحساب وتفاصيله لا نفي الحساب مطلقا؛ كما بيّن أصناف المحاسبين؛ فمنهم: من لا يسأل عن تفاصيل عمله، وهو النبيء والمشرك لكون مصيرهما معلوما؛ فالنبيء إلى الجنّة، والمشرك إلى النار بسبب إشراكه، وأماّ المؤمن فيحاسب حسابا يسيرا ويدخل الجنّة، والمنافق يحاسب حسابا عسيرا ويدخل النار (3).
وفي كلّ ذلك يتمّ الحساب بميزان عادل؛ لكن كيف يكون هذا الميزان؟ هل هو ميزان حقيقيّ كالذي يعرفه البشر في الدنيا؟ وإذا كان ماديّا؛ فهل يعني ذلك أَنَّ الأعمال الموزونة تنقلب إلى أجسام ماديّة أيضا؟ وقبل التّعرض إلى موقف الشيخ اطفيش في الموضوع، نبحث تعريفه للميزان والمقصود منه.
فلفظة الميزان في اللغة: من مادّة وزن على وزن "مفعال" أصلها موزان قلبت واوها
__________
(1) الحساب في اللغة: من حسبه حسبا وحسبانا وحسابا وحسبة وحسابة: بمعنى عده والمعدود محسوب؛ انظر: الفيروز آبادي: القاموس: 1/ 54.
(2) - الذهب: 14؛ السالمي: مشارق: 2/ 110، 112.
(3) - الذهب: 14. (1/188)
صفحة 189
ياء لوقوعها ساكنة بعد كسر، وهو آلة الوزن المعروفة لدى الناس. ومن معاني الميزان: العدل، والمقدار، ومنه: وازنه أي: عادله، وقابله وحاذاه وكافأه (1).
ويرى الشيخ اطفيش أَنَّ المقصد من الميزان العدل، وأَنَّه أداة لبيان حسنات المكلّف وسيّئاته، وإظهار الحكم له أو عليه، فهو الوسيلة المستعملة في الحساب (2)، وما دام الميزان هو أداة ووسيلة؛ فقد ذهب البعض ومنهم السلفية إلى القول إنّه جسم ماديّ، وهو الميزان المعروف لدى الناس له كفّتان حسّيّتان مشاهدتان (3) مستدلّين بما جاء في حديث البطاقة (4).
ويرى الشيخ اطفيش أَنَّ الميزان شيء معنوي، ولا يقصد به حقيقة ماديّة، وما يعرفه الناس من آلة الوزن؛ فالمراد به العدل وتمييز الأعمال، واستُعمِل لفظ «الميزان» لأَنَّ الناس ألفوا أَنَّ الميزان هو أكثر دقّة وتحديدا وتمييزا مثلما قال أبو طالب:
بمِيزَانِ قِسْطٍ لاَ يَخِيسُ شَعِيرَةً لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلٍ (5)
والأعمال ــ عند الشيخ ــ أعراض لا تنقلب أجساما، فلا يمكن وزنها بميزان ماديّ وحقيقيّ؛ لأَنَّ الميزان الماديّ يحتاج إليه العاجز ويستعين به على التقدير، والله تعالى منزّه عن
__________
(1) الفيروز آبادي: القاموس: 4/ 275؛ -شرح أصول تيبغورين: 536.
(2) -المصدر السابق؛ - الجنة: 208.
(3) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 472.
(4) وقد جاء فيه: «فتوضع السجلاّت في كفّة والبطاقة في كفّة، فطاشت السجلاّت وثقلت البطاقة» رواه ابن ماجه في: كتاب الزهد باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة رقم 4300؛ وقال الألباني: صحيح، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي وحسنه الترمذي؛ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 472؛ المعجم المفهرس: 1/ 189؛ وانظر نصَّ الحديث في الفصل الثامن من البحث المبحث الأَوَّل هامش 70، ص 406.
(5) ابن كثير: السيرة النبوية: تحقيق مصطفى عبد الواحد دار إحياء التراث العربي بيروت دت: 1/ 490؛ - شرح أصول تيبغورين: 582. (1/189)
صفحة 190
ذلك، هكذا احتجّ الشيخ اطفيش لرأيه في كون الميزان معنويا (1)؛ وما ذهب إليه ممكن ويوافق تنزيه الله تعالى عن العجز، ولكن ما يؤخذ على هذا الرأي أَنَّه جاء في مجال الغيب وذلك يحتاج إلى دليل نقليّ، فغير بعيد أن يكون الميزان المذكور في القرآن والسنّة مجرّد كناية عن التمييز والدقّة في الحساب، لكنّ الشيخ لم يُؤَيِّدُ ذلك بدليل نقليّ، وأَمَّا قوله: إنّ الله تعالى لا يحتاج إلى أداة للوزن يتناقض مع رأيه في معنى الحساب، فالحساب عنده لتبيين الأعمال، بمعنى أَنَّه كان بسبب المكلّفين ليعلموا ما قدّموا ويقدّروه، وأَمَّا الله تعالى فهو عالم به من قبل، ولا يتعلّق تقدير أعمالهم بالميزان وانتظار يوم الحساب، لذلك فالميزان لا يَدُلُّ على أَنَّ الله تعالى يحتاج إليه أو يستعمله، بقدر ما يَدُلُّ على أَنَّه وضع للناس ليتبيّنوا مقدار أعمالهم، فغير بعيد أن يكون ماديّا لهذا السبب.
وتبعا لذلك فقد أوّل الشيخ اطفيش النصوص التي تذكر الميزان إلى معنى العدل في الحساب، وعدم الظلم فيه (2): وأَمَّا الحديث الذي يذكر أَنَّ للميزان عمودا وكفّتين فإنّه يحتمل أن يكون موضوعا أو يؤوّل أيضا (3)، ولم يبيّن سبب هذا الوضع. وقد علّل الشيخ أخذه بهذه التأويلات والأحكام بأَنَّ حمل الميزان على المعنى المجازيّ أولى «في فهم العقل وأفصح وأسلم من ردّ العرض جسما ولو كان الله على كلّ شيء قديرا» (4)؛ والحقّ أَنَّ إبقاء الميزان على المعنى الماديّ أقرب إلى الفهم والعقل وهو الأسلم، فقد بالغ هنا في تقديم العقل على النقل، مع أَنَّ الأخذ بالنقل في الموضوع لا يقدح في التوحيد حسب منهجه في الأخذ بالنقل.
__________
(1) عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: تحقيق فؤاد سيد ط 2 الدار التونسية للنشر تونس والمؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1406 هـ /1986 م: 204؛ الثميني، معالم الدين، 2/ 191؛ -الهميان: ط 1: 10/ 401، 406؛ ط 2: 6 ق 2/ 13، 14؛ - شرح أصول تيبغورين: 582؛ -إزالة الاعتراض: 04.
(2) - حاشية القناطر: 2/ و. ظ: 92.
(3) - التيسير: 4/ 13.
(4) -المصدر نفسه: 4/ 14؛ - الهميان: ط 1: 6/ 288. (1/190)
صفحة 191
وكما رأى أَنَّ الميزان أمر معنويّ؛ فقد ذهب أيضا إلى اعتبار الأعمال الموزونة أعراضا ولا تنقلب إلى أجسام ماديّة لتوزن لأَنَّه لا دليل على هذا التحوّل، والنصوص التي تصف الأعمال على أَنَّهَا أجسام ماديّة ليست على حقيقتها إنّما هي للتمثيل (1)، ولكن الشيخ لم يقف عند هذا الرأي بل أجاز أن تجسّم الأعمال لما يَدُلُّ عليه ظاهر النصوص لأَنَّ الله تعالى قادر على كلّ شيء (2)؛ ولكنّ هذا الرأي يناقض ما ذهب إليه في شأن الميزان، وأَنَّه لا يكون مادياّ إضافة إلى التضارب بين أقواله في المسألة تضاربا يصعب تفسيره، حيث يرى أَنَّ الميزان ليس إِلاَّ معنويا، والأعمال يمكن أن تكون مجسّمة؛ والأصل أَنَّهَا تبقى أعراضا كما هي؛ وقد يكون سبب ذلك محاولة الشيخ التوفيق بين ما ذهب إليه عقلا موافقا للإباضية والمعتزلة، وبين كثرة النصوص التي يَدُلُّ ظاهرها على أَنَّ الميزان جسم ماديّ، والأعمال تعرض عليه أجساما؛ لكنّه لم يُول المسألة كلّ العناية التي تجعله يثبت على قول واحد، ويرى أيضا أَنَّهَا ليست من الأصول التي يقطع فيها عذر المخالف ولا تؤدّي المخالفة فيها إلى الكفر والشرك، ووافقه على ذلك السالميّ (3) وهو الرأي الأسلم في مسألة غيبيّة مثل هذه.
د - الصراط:
تردَّد لفظ الصراط كثيرا في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف؛ في مثل قوله تعالى: {اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 5 - 6] وقوله e: «وعلى باب الصراط داع يقول: يا أَيُّهَا الناس ادخلوا الصراط جميعا» (4).
__________
(1) - التيسير: 3/ 277؛ - الهميان: 2/ 445، 446؛ - إزالة الاعتراض: 04.
(2) - التيسير: 1/ 155.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 583؛ - الهميان: 6 ق 2/ 14؛ السالمي: مشارق: 2/ 127.
(4) وهو جزء من حديث رواه الإمام أحمد؛ وقال المناوي: «قال الحاكم: صحيح، وأقروه» انظر: الإمام أحمد: المسند: 4/ 182، 183؛ عبد الرؤوف المناوي: التيسير بشرح الجامع الصغير: المطبعة المصرية بولاق 1286 هـ: 2/ 110؛ ابن الأثير: جامع الأصول: 1/ 184؛ المعجم المفهرس: 3/ 300. (1/191)
صفحة 192
ويعرِّفه الشيخ اطفيش لغة بقوله: «الطريق الواسع، سمّي لأَنَّه يسرط السابلة وسرطه وصرطه: ابتلعه؛ فهو يغيّب الماشي (1) فيه بسيره، كما يغيّب البلع اللقمة» (2).
وقد اُختُلف في تحديد حقيقة الصراط على رأيين: الأوّل يراه على المعنى الماديّ كما هو في اللغة يَدُلُّ على الطريق، والثاني: يراه معنويّا يَدُلُّ على الشريعة والدين والسبيل الصحيح في الطاعة (3).
فالرأي الأوّل للسلفيّة والأشاعرة والقاضي عبد الجبار، الذين يرون أَنَّ الصراط هو الجسر الممدود على النار، يمرّ فوقه الناس يوم القيامة فمن نجا دخل الجنّة ومن سقط هوى إلى النار، والفرق بين هؤلاء هو أَنَّ السلفية والأشاعرة يصفون الصراط بأَنَّه أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف، وهذا مالا يراه القاضي عبد الجبار من المعتزلة، ولكن يقول عنه: إنَّه طريق يتّسع للمؤمن ويضيق على الكافر (4). واستدلّ أصحاب هذا الرأي بالأحاديث خاصة؛ لما فيها من وصف الصراط وما حوله (5).
وقد اعتمد من يرى أَنَّ الصراط يَدُلُّ على الهداية والدين على ما جاء في القرآن الكريم، فالآيات التي ذكرت الصراط تشير إلى طريق الهداية، وإلى سبيل الله تعالى في
__________
(1) ورد في المخطوط بلفظ: المشي.
(2) -شرح أصول تيبغورين: 536، 537؛ ولفظة الصراط: تقرأ بالسين والصاد والزاي بفتح السين والصاد أو بضمهما وتدل كلها على معنى الطريق، كما أن من معانيها: السيف الطويل؛ انظر: ابن منظور: اللسان: 9/ 213؛ الفيروزآبادي: القاموس: 2/ 370.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 537.
(4) عبد الجبار: شرح الاصول الخمسة: 737، 738.
(5) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 469، 470. (1/192)
صفحة 193
الدنيا، لا على طريق فوق جهنّم، وأَنَّ الناس يمرّون فوقه، ولذلك أوّلوا الأحاديث بما يوافق ما جاء في القرآن الكريم (1).
أما الشيخ اطفيش فقد كان على رأي الأشاعرة الذين يقولون إنّ الصراط جسر على جهنّم، لكنّه غيّر رأيه لمّا اطّلع على كتابين هما: «أصول الدين» لأحمد بن عيسى تيبغورين، و «المضنون به عن غير أهله» للغزاليّ، فأخذ بعد ذلك بالقول: إنّ الصراط معنى مجازيّ يَدُلُّ على الدين والطريق إلى الهداية وليس حقيقة ماديّة (2)، وبنى رأيه الجديد على حجج منها (3): أَنَّ الصراط الوارد في القرآن الكريم كلّه يَدُلُّ على الدين الحنيف المستقيم، وأَنَّ تفسيره بالجسر مخالف للأصل والظاهر.
وأَمَّا الأحاديث فعلى احتمال صحتها تؤوّل إلى معان توافق ما جاء في القرآن مثل كونها تعني المراصد السبعة التي يسأل فيها المكلّف عن أنواع التوحيد، وأن دين الله الحنيف واضح لا يمكن لغير المؤمن ادّعاؤه، والله تعالى بصير لا يخفى عليه شيء، ولا يمكن للشّقيّ أن يخفي شيئا مِمَّا عمله، كما لا يمكن السير على حد السيف. ويرى الشيخ أَنَّ هذه المعاني مجمع على صحّتها لذلك فالأولى تأويل الحديث قبل أخذه على ظاهره، وهذه مبالغة منه في الأخذ بالتأويل مع أَنَّ الحديث واضح وظاهر في الدلالة على ماديّة الصراط، وكان الأولى أن يجمع بين الأمرين؛ فالقرآن يَدُلُّ على أَنَّ الصراط أمر معنويّ والحديث يَدُلُّ على أنه ماديّ.
ولكن عند البحث نجد أَنَّ الشيخ نفسه لم يثبت على هذا القول بل مال في الأخير إلى الجمع بين المصدرين وصاغ رأيا آخر يقضي بتفسير الصراط الوارد في
__________
(1) الثميني: معالم الدين: 2/ 189، 190؛ السالمي: 2/ 129.
(2) - شرح أصول تيبغورين: 546، 547؛ - حاشية القناطر: 1/ و: 38؛ -التيسير: 6/ 51.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 539، 540؛ - حاشية القناطر: 1/ ظ: 38؛ -شرح الدعائم: 1/ 248؛ -وفاء الضمانة: 6/ 108، 109؛ - شرح المخمسة: (خ) مكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي بني يزقن د. ت: و: 40، الجنة: 108. (1/193)
صفحة 194
القرآن على المعنى المجازيّ، والذي ورد في الحديث على المعنى الماديّ وأَنَّه جسر بين المحشر والجنّة (1). فموقفه في هذه المسألة يشبه موقفه في سابقتها التي تتعلّق بحقيقة الميزان، فقد تغيرت مواقفه فيها، وهذ الرأي الأخير في نظرنا هو الأقوم، لأَنَّه يجمع بين ما ورد في القرآن الكريم وما ورد في الحديث الشريف. ويؤيّد هذا أَنَّ الحديث لم يصف الصراط دائما على المعنى الماديّ، بل قد جاء فيه ما يوافق القرآن الكريم، مثل قوله e: «والصراط الإسلام [ ... ] والأبواب المفتحة محارم الله تعالى وذلك الداعي على الصراط كتاب الله U، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب المؤمن» (2).
ويَدُلُّ على أَنَّ هذا الرأي هو مذهب الشيخ في الموضوع ما أبداه من الحكم على من خالفه فيه، فهو يرى أَنَّ الخلاف في حقيقة الصراط لا يجيز تخطئة المخالف، ولا تكفيره ولا الحكم عليه بالشرك، خلافا لمن يجعل الإيمان بأَنَّ الصراط هو الهداية أصلا عقديّا، وهذا قوله: «وأقول لا دليل على أَنَّه كفر ونفاق لا من الكتاب ولا من السنّة ولا من القياس مع طول بحثي في ذلك» (3)؛ فترك المفهوم المعنويّ للصراط إلى المفهوم الماديّ ليس قادحا في التوحيد، ويوكّل أمر الصراط لخفائه إلى الله تعالى ـ (4)، وليس الإيمان بكونه معنويّا أو ماديّا من الأصول العقديّة، وبهذا أجاب الشيخ من سأله في الموضوع وقال: «الجواب: أَنَّ ذلك ليس من الأصول» (5)، وقال أيضا: «وإثبات كون الصراط على ظاهره من الفروع» (6).
__________
(1) - جامع الشمل: 2/ 90.
(2) هذا تمام الحديث السابق ذكره؛ انظر هامش 85 من هذا المبحث، ص 179.
(3) - جامع الوضع والحاشية: 96؛ انظر -حاشية القناطر: 1/ 38.
(4) - شرح أصول تيبغورين: 547؛ -إزالة الاعتراض: 04.
(5) - جواب محمد بن عبد الله: ظ: 02.
(6) - مجموع رسائل: (خ) مكتبة القطب (ا. ز: 6): 07؛ -كشف الكرب: 1/ 12. (1/194)
صفحة 195
وبهذا يكون الشيخ اطفيش قد أخرج هذه المسألة من الأصول العقديّة لعدم تأثيرها المباشر على التوحيد، ولا يعني هذا أَنَّهَا مسألة ضعيفة التأثير على السلوك، لأَنَّ الإيمان بالصراط على معنييْه المعنوي والمادي يدفع المؤمن إلى التزام الطاعة والبقاء على الهدى ما استطاع في الدنيا، كما يخاف ويحذر إن فرّط أن تزلّ به قدمه عن الصراط، فيهوى إلى النار يوم القيامة؛ ويرسخ هذا الالتزام باعتقاد وجود الجنّة والنارأيضا.
هـ - الجنّة والنار
آخر منازل يوم القيامة ومقاماته الجنّة والنار (1)، لذا تعيّن الإيمان بهما؛ وقد دفع الحديث عن الجنّة والنار ووجوب الإيمان بهما إلى البحث في وجودهما وفنائهما، وما يجب في ذلك من الإيمان كما يلي:
فهما ــ كما يعرّفهما الشيخ اطفيَّش ــ داران إحداهما ثواب لأولياء الله تعالى بما فيها من قصور وأنهار، وخيرات ونعيم وهي الجنّة، والثانية: وهي النار عقاب لأعداء الله تعالى، نار وقودها الناس والحجارة (2)؛ وقد استفاض القرآن الكريم في ذكرهما والترغيب في الجنّة بالعمل الصالح والترهيب من النار بالنهي عن المعاصي.
والمشهور لدى جمهور المسلمين أَنَّ الجنّة والنار موجودتان الآن (3)، وهو ما
__________
(1) لفظ الجنة في اللغة مشتق من «جنن»، وهي الحديقة ذات الأشجار الكثيرة التي تستر أرضها. سميت بالجنة تشبيها لها بجنان الأرض أو لأنها مستورة وخافية عن الجن والإنس.
وأما النار فهي «اللهيب الذي يبدو للحاسة [ .... ] وقد يطلق على الحرارة» وهي لفظ مؤنث وقد يذكر؛ انظر محمد مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس: المطبعة الخيرية مصر 1306 هـ: 3/ 588، 9/ 166.
(2) - الذهب: 15.
(3) الإيجي: المواقف فيِ علم الكلام نشر عالم الكتب، بيروت، د. ت.: 374 - 375؛ الثميني: معالم الدين، 2/ 197؛ السالمي: مشارق: 2/ 115 - 116. (1/195)
صفحة 196
ذهب إليه الشيخ اطفيش، مستدلاّ بظاهر النصوص القرآنيّة مثل قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ التِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23] وقوله U: {سَارِعُوا إِلىَا مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] (1).
كما يَدُلُّ على وجودهما قصّة آدم u الذي كان في الجنّة، وقال الله تعالى له: {اُسْكُنَ اَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] فالشيخ اطفيش يرى أَنَّ الصحيح إبقاء هذا النصّ على ظاهره ولا دليل على صرفه عنه، ولا على أَنَّ الجنّة المذكورة فيه غير الجنّة المعروفة (2).
ويَدُلُّ على ذلك أيضا حديث الإسراء والمعراج (3) الذي يذكر فيه اطّلاعه e على الجنّة، وهذا أقوى دليلاً من قصّة آدم، والقرآن يؤيّده بقوله تعالى: {وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 13 - 15].
وقد رأى آخرون ومنهم المعتزلة (4) أَنَّ الجنّة والنار ستوجدان في الآخرة، وردّ الشيخ اطفيش هذا المذهب، وقال إنّه يستند إلى تأويل كثير من النصوص، وهو: «لا يحسن ولا سيما مع كثرته» (5). أَمَّا قولهم إنّهما لو كانتا موجودتين لفنيتا مثل
__________
(1) - الهميان: 1/ 359، 3/ 276، 384.
(2) - حاشية السؤالات: ظ: 138؛ -الهميان: ط 1: 1/ 457؛ -التيسير: 1/ 55.
(3) البخاري: الصلاة: باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء رقم 342؛ انظر: المعجم المفهرس 2/ 459.
(4) عبد الجبار: تنزيه القرآن: 184؛ واستثنى منهم الجبائيَّ أبا علي (235 - 303 هـ) وبشرًا بن المعتمر أبا سهل الهلالي (-210 هـ)؛ انظر: عبد الجبَّار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: 265، 287؛ البلخي: مقالات الإسلاميِّين (محقَّق مع: فضل الاعتزال): 72، 265؛ الإيجي: المواقف، 374؛ -داعي العمل: و: 91؛ -حاشية القناطر: 2/ و: 102.
(5) -المصدر نفسه. (1/196)
صفحة 197
باقي المخلوقات، فإنّ الشيخ يردّه بأنهما تفنيان حقيقة ثُمَّ تعودان يوم القيامة كما تعود مخلوقات أخرى (1).
وبعد إثبات وجود الجنّة والنار حاول الشيخ اطفيش أن يحدّد مكانهما أيضا، فهو يرى أَنَّهما بعيدتان بعدا حسّيّا ومعنويّا، وهما خارج العالم بدليل وصف الجنّة في القرآن، وأَنَّ عرضها مثل عرض السماوات والأرض، وقد استعمل الآية هنا (2) على ظاهرها، دون أن يرى أَنَّهَا تدلّ على مجرّد الإشارة إلى اتّساع الجنّة، وليس المقصد حقيقة عرض وطول، ثُمَّ هو يقول: إنّ الجنّة في السماء السابعة والنار في الأرض السابعة (3) دون استدلال على هذا.
ويظهر جليّا أَنَّ البحث عن مكانهما لا طائل من ورائه لانعدام الأدلة الهادية في الموضوع (4) فلا يكون القول في ذلك إِلاَّ احتمالا، كما أَنَّ التكليف لم يَتَعَلَّق بالعلم بمكانهما.
ومسألة أخرى تعلَّقت بالبحث في الجنّة والنار، وهي بقاؤهما وفناؤهما، في الدنيا والآخرة؛ فالشيخ اطفيش يرى أَنَّهما موجودتان الآن، وتفنيان بفناء كل شيء لقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]؛ فهما مثل باقي المخلوقات توجدان ثُمَّ تفنيان، ويوم القيامة يعيد الله تعالى خلقهما (5).
وأَمَّا في شأن وجودهما في الآخرة؛ فالشيخ يرى أَنَّ وجودهما دائم غير منقطع،
__________
(1) -المصدر نفسه: 2/ و: 101؛ - الهميان: 3/ 276، 384؛ -شرح العقيدة: 64.
(2) وهي قوله تعالى: {سَارِعُوا إِلىَا مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] انظر: -الهميان: 3/ 272، 384؛ -الجنة: 279.
(3) - الذهب: 15.
(4) السالمي: مشارق: 2/ 117.
(5) - الهميان: 3/ 276. 384؛ 8 ق 1/ 287؛ -شرح العقيدة: 64؛ - حاشية القناطر: 2/ و: 101. (1/197)
صفحة 198
لأَنَّهما محلّ الثواب والعقاب والوعد والوعيد، فهما خالدتان، وهو في هذا يوافق رأي جمهور المسلمين (1). ويُؤَيِّدُ هذا الرأي الحديث الشريف الذي فيه قوله e: «إذا صار أهل الجنّة إلى الجنّة وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حَتَّى يجعل بين الجنّة والنار، ثُمَّ يذبح؛ ثُمَّ ينادي مناد: ياأهل الجنّة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنّة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» (2)؛ وهذا الموقف من الشيخ في دوام الجنّة والنار، ينسجم مع رأيه ومذهبه في مسألة الخلود، فأهل الجنّة خالدون فيها وأهل النار خالدون فيها، كما أَنَّ الجنّة والنار دائمتان دواما أبدياّ غير منته (3). ويفسّره الشيخ اطفيش بقوله: إنّ الجنّة والنار لا تفنيان لكن أحوالهما تفنى وتتجدّد وتتغيّر كما تتجدّد أحوال الدنيا (4).
كثر الجدل حول مسائل الجنّة والنار، وقد اتّبع الشيخ اطفيش في بحثها من سبقه من العلماء، لكنّه لاحظ أَنَّ الكلام في الموضوع كان متشعّبا، وأَنَّ الخلاف حاصل حول جزئيات ليست ذات شأن كبير، لأَنَّهَا لا تتعلّق بالحكمة من وجود الجنّة والنار، فهما سبيل الترغيب في العمل الصالح، والترهيب من المعاصي، ووعد ووعيد؛ لذا يرى الشيخ أَنَّ الاعتقاد لا يتعلّق بكلّ هذه المسائل الكلاميّة، ويهوّن منها ويحصر الاعتقاد السليم في حقّهما في الإيمان بوجودهما وبقائهما، ويقول إنّ الخلاف: «ليس له كبير فائدة؛ فالأحسن بعد التصديق بوجودهما وبقائهما عدم القطع بشيء من ذلك» (5)، وفي هذا الموقف يوافق
__________
(1) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 480؛ -الهميان: 8 ق 1/ 287.
(2) البخاري: الرقاق باب صفة الجنة والنار رقم 6182؛ -التيسير: 1/ 40؛ -شرح الدعائم: 1/ 154، انظر: المعجم المفهرس: 2/ 172.
(3) انظر الفصل الثامن (الوعد والوعيد)
(4) - الهميان: 8 ق 1/ 287؛ -التيسير: 1/ 40.
(5) - حاشية السؤالات: ظ: 138. (1/198)
صفحة 199
ما قاله من قبل الشيخ إسماعيل الجيطالي أيضا (1).
والإيمان بالجنّة والنار وسائر مسائل الغيب يَتَعَلَّق الإيمان فيها بالتصديق بها دون الخوض في تفاصيلها، وكانت آراء الشيخ تقوم في الغالب على التسليم بما جاء به النصّ، مثل علامات الساعة والنفخ في الصور وحشر الأجساد، وقد مال إلى التأويل في حقيقة الميزان والصراط، ولم يسلم من تغليب التأويل رغم أنّ منهجه يقتضي أن يأخذ بظاهر النصوص، إذا كان غير قادح في التوحيد، ولم يسلم أيضا من الخوض في بعض التفاصيل مثل: ذكر بعض علامات الساعة وتحديد وقتها وحقيقة الصور ونزول المسيح u؛ وهي كلّها أمور غيبيّة ينبغي الالتزام فيها بما ورد به النصّ فقط؛ ولكن تنبغي الإشارة إلى أَنَّ الشيخ مع هذا قد امتاز في آرائه هذه بعدم قطع عذرمن خالفه، وقال إنّها قضايا يسع فيها الخلاف ما دامت تحتمل أخذ نصوصها على الظاهر أو تأويلها.
- - - -
__________
(1) الجيطالي: القواعد: 1/ 19؛ -حاشية القناطر: 2/ و: 101. (1/199)
صفحة 200
المبحث الثاني
الإيمان بالملائكة
ورد الإيمان بالملائكة في القرآن الكريم مقرونا مع الإيمان بالله تعالى في مثل قوله U: {لَيْسَ الْبِرُّ أن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالْكِتَابِ} [البقرة: 176] وقوله تعالى: {ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِليَْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُومِنوُنَ كُلٌّ ـ امَنَ بِاللهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 284]. ولم يحفل الشيخ اطفيش في حديثه عن الملائكة بإثبات وجودهم لشهرة ذلك بين الناس، على اختلاف مللهم، ولكنّه اهتمّ بتعريفهم وبيان صفاتهم ووظائفهم كما يلي.
1 - تعريف الملائكة
يعرّف الشيخ اطفيش الملك في اللغة بقوله: «وأصل الملك ملأك بالهمزة بعد اللام بوزن جعفر، حذفت تخفيفا لكثرة الاستعمال، ولذلك تراها في ملائكة، وهو مقلوب مألك بوزن جعفر بتقديم الهمزة على اللام، من الألوكة وهي الرسالة، والميم زائدة، وقيل زيدت الهمزة في الجمع على غير قياس والميم أصل» (1).
واكتفى الشيخ في التعريف الاصطلاحي للملائكة بِأَنَّهُم خلق لله تعالى، وهم جنس مخالف للإنس والجنّ (2)؛ لما لهم من خصائص تميّزهم في خلقهم وطبائعهم عن سائر المخلوقات.
__________
(1) - الذهب: 18، انظر: -شرح الدعائم: 1/ 257؛ الزبيدي: تاج العروس: 7/ 103.
(2) - الذهب: 15. (1/200)
صفحة 201
2 - طبيعة الملائكة وجنسهم
لاختلاف الملائكة عن الإنس والجنّ فإنّ طبيعتهم وأجسادهم تختلف عن طبيعة الإنس والجنّ ولا يتشابهون في شيء من ذلك، فالملائكة ليسوا مركّبين من لحم وعظام، ولكنّهم أجسام نورانية كما يرى الشيخ اطفيش، ويقول إنّهم ذوو أجسام لطيفة تضيء، وليسوا أرواحا تقبل الغلظة والشدة (1)؛ وهذا الوصف الذي يذكره الشيخ لطبيعة الملائكة لم يرد به نصّ قرآنيّ، إذ رغم أنّ القرآن ذكر طبيعة الإنس والجنّ، فإنّه لم يذكر شيئا عن طبيعة الملائكة (2)، ويؤيّد قوله إنّهم خلقوا من نور بقوله e: «خلقت الملائكة من نور» (3)؛ لكن هذا لا يعني بالضرورة أنّها تضيء كما يقول الشيخ، فالإنسان خلق من تراب ولا أثر للتراب على جسده، والجنّ خلقوا من نار لكن لم يكونوا يحرقون غيرهم بأجسامهم، كما أنّ الحديث لم يصف لنا أنّ الملائكة أجسام لطيفة لا تقبل الغلظة والشدة، فهذا توسّع في الغيب يحتاج إلى أدلّة.
وكما أنّ طبيعة الملائكة مختلفة عن طبيعة الإنس والجنّ؛ فكذلك جنسهم متفرّد، فإنّ الناس لَمَّا ألفوا الثنائيّة في المخلوقات تصوّر بعضهم أنّ الملائكة من جنس الإناث، وكان المشركون خاصّة يقصدون إلى ذلك، فجادلهم القرآن الكريم، وأثبت افتراء من يصف الملائكة بالأنوثة، وأنّهم مختلفون عن البشر والجنّ فلا يقال: إنّهم إناث ولا إنّهم ذكور، وهذا ممّا يجب اعتقاده في حقّهم أيضا (4)، وكما يقول الشيخ اطفيش، فإنّهم مخلوقون كغيرهم لكن يتميّزون بصفات منها: أنّهم ليسوا ذكورا ولا إناثا.
__________
(1) - الهميان: 1/ 416، 417؛ -الذهب: 16، 17؛ -حاشية القناطر: 2/ و: 140؛ -داعي العمل: ظ: 226.
(2) محمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة: 30.
(3) مسلم: الزهد والرقائق رقم 2996؛ انظر: المعجم المفهرس: 6/ 264.
(4) - الذهب: 16، شرح العقيدة: 53، التيسير: 11/ 158، 12/ 18. (1/201)
صفحة 202
وقد بحث الشيخ كيفيّة خلقهم وقال إنّ الصحيح في خلقهم التفاوت أي: لم يخلقوا مرّة واحدة، بل يخلقون بعض بعد بعض إلى يوم القيامة، وإنّهم يموتون جميعا عند قيام الساعة، كما يفنى باقي المخلوقات، ثمّ ذكر الشيخ ما هو أغرب وقال إنّهم يتولّدون بطريقتين الأولى بالأذكار، والثانية بانغماس جبريل u في بحر من نور ثمّ ينتفض فتتولّد الملائكة ممّا يتساقط منه من قطرات النور (1)، وهذا من غريب ما يذكره الشيخ، وانساق وراءه، ولم يذكر أثرا واحدا يدلّ على ما قاله، والأولى ترك الخوض في هذه التفاصيل كما قال الشيخ الجيطالي والسالمي وهو الأنسب للعقيدة، فليست مجالا لسرد ما لم يثبت بدليل صحيح (2).
3 - صفة أجسامهم
ثبت أنّ للملائكة أجساما تتركّب من أجنحة كما هو في القرآن الكريم، ولم يذكر شيئا فوق هذا، وهي أجنحة متعدّدة كما قال تعالى: {الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ جَاعِلِ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً اُوْليِ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فيِ الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ اِنَّ اللهَ عَلىَا كُلِّ شَيْءٍ قَديِرٌ} [فاطر: 1].
ويشير الشيخ اطفيش إلى أنّ للملائكة أعضاء مثل الأعضاء المنسوبة إلى الإنس ومن ذلك الرأس والفم واللسان والأذن وشحمة الأذن، والعين والعاتق واليد والرجل والركبة والساق ونحو ذلك (3)؛ وهذا يعني أنّ الأعضاء الموجودة للإنسان يوجد مثلها للملك؛ ولم يستثن الشيخ من ذلك سوى نسبة الفرج على الحقيقة إلى الملك، وأوّلَ
__________
(1) - الذهب: 16، شرح العقيدة: 53.
(2) الجيطالي: قواعد الإسلام: 1/ 21؛ السالمي: مشارق: 2/ 48.
(3) - الذهب: 16. (1/202)
صفحة 203
الحديث الوارد في ذلك وهو قوله e: «نضح جبريل فرجه بعد الوضوء يريني كيف أفعل» (1)؛ فقال المراد به التمثيل لا نسبة حقيقة الفرج إلى جبريل؛ فالملك لا يوصف بذلك؛ فإذا صحّ ما ذهب إليه الشيخ تكون نتيجة قوله، أنّه لا فرق بين الملك والإنسان في الخلقة الجسديّة، ولم يستثن نسبة الفرج إلى الملك إلاّ لكون ذلك منزَّهًا عنه، وهو في رأيه هذا يوافق ما ذهب إليه القاضي عبد الجبّار الذي يرى أنّ للملائكة أعضاء وعظاما وآلات الجسم وأنّها تتّصل وتنفصل (2)، وعند النظر إلى هذا الرأي نجد أنّ الشيخ يتناقض مع نفسه، فهو ينفي عن الملائكة أن يكونوا من لحم ودم ثمّ ينسب إليهم مثل هذه الأعضاء كالأذن وشحمة الأذن بكلّ هذا التفصيل؛ كما أنّه لم يستدلّ على ما قاله ولو بدليل؛ وفي نظرنا أنّه استقى ذلك من مصدرين: الأوّل: من الكتب القديمة ــ أي الإسرائيلّيات ــ التي تمعن في الجزئيّات وتهتمّ بمثل هذه المواضيع فتسرّبت إلى الفكر الإسلاميّ كما تسرّب غيرها؛ وهذا لا يصلح للاستدلال ولا للاستشهاد؛ وأمّا الثاني: فهي الأحاديث التي تذكر ظهور الملائكة في شكل بني آدم، وهذا أيضا لا يصلح لأنّ ظهور هذا الملك على غير خلقته أكبر دليل على اختلاف جسده عن جسد الآدمي؛ لذا احتاج إلى أن يظهر في غير صورته الحقيقية، واختار الله تعالى صورة الإنس حتّى يأنس الناس إليه ولا ينفروا من رؤيته لعدم تحمّلهم رؤيته على حقيقته، فلا يمكن اعتبار ما ذهب إليه الشيخ ومن رأى رأيه قبله إلاّ جريا وراء ما لا دليل عليه ولا سند.
والشيخ يجيز تشكّل الملك في صورة الآدميّ، وهو يرى ذلك من إرادة الله تعالى الذي يهب من يشاء من ملائكته هذه القدرة (3)، وقد ثبت ذلك بالقرآن الكريم
__________
(1) الدارمي: المعجم المفهرس: 6/ 470؛ وصحح الألباني حديثا مثله باختلاف في النص، انظر: الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2/ 519.
(2) عبد الجبار: تنزيه القرآن: 220.
(3) - الهميان: 6 ق 1/ 27. (1/203)
صفحة 204
في مثل قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَناَ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 16] كما ورد في السنّة أنّ جبريل u كان يتمثّل للرسول e (1) في صورة دحية الكلبي (2)، أو في صورة رجل في حديث جبريل عن الإيمان (3).
4 - عصمتهم عن المعاصي
العصمة من الصفات الواجب اعتقادها في الملائكة: فقد طبعوا على الطاعة، وعدم المعصية (4)، كما شهد الله لهم بهذا في قوله U: {لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ} [التحريم: 06].
ويرى الشيخ اطفيش أنّ الملائكة يطيعون الله ولا يعصونه مختارين في ذلك غير مجبرين (5)، وهو في هذا يجمع بينهم وبين سائر المكلّفين من الجنّ والإنس خاصّة، فكما أنّ الإنسان غير مجبور على أفعاله، فكذلك الملك لم يجبر بل كان مختارا حسب رأي الشيخ، وهذا إقحام لمسألة الاختيار في حقّ الملائكة لا دليل عليه، ولا مانع أن يخلق الله تعالى خلقا جندا له لا يتبادر إليهم العصيان، ومنزّهون عن مجرّد التفكير فيه، فالملائكة مكلّفون لكن ليس تكليفهم كتكليف الإنسان الذي من أجله وضع الثواب
__________
(1) - الذهب: 16؛ - عدم الرؤية: 25؛ -الهميان: 6 ق 2/ 238؛ انظر تخريج حديث جبريل في الهامش 25 من المبحث السابق، ص 165.
(2) دحية الكلبي بن خليفة بن فروة الصحابي (توفي نحو سنة 45 هـ/665 م)؛ انظر الزركلي: الأعلام: 2/ 337.
(3) - الذهب: 16؛ - عدم الرؤية: 25؛ -الهميان: 6 ق 2/ 238؛ انظر تخريج حديث جبريل في الهامش 25 من المبحث السابق.
(4) - الذهب: 17.
(5) - المصدر نفسه. (1/204)
صفحة 205
بالجنّة والعقاب بالنار؛ ولو كان الملائكة مختارين ــ كما يقول الشيخ ــ لكان من المحتمل أن تصدر منهم المعصية أيضا، بل إنّه بنفسه يستبعد ذلك ويؤوّل النصوص التي تحتمل حسب ظاهرها المعصية من الملائكة، كما هو الشأن في مسألتي موقف الملائكة من خلق آدم وقصَّة هاروت.
ففي الأولى وهي خلق آدم فقد تساءل الملائكة قائلين: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}؟ [البقرة: 29]؛ وقد بحث العلماء هذا التساؤل: أهو للاعتراض على خلق آدم أم لغير ذلك؟
فقال القاضي عبد الجبّار إنّه سؤال يراد به التعرّف والعلم، وليس اعتراضا على خلق آدم وذرّيّته، ولذلك كان الجواب {إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (1)؛ أمَّا الشيخ اطفيَّش فيرى أنّ السؤال كان للتعجب: فلمّا لم يعلم الملائكة الحكمة والسبب من خلق آدم وجعله خليفة في الأرض مع أنّه يظلم فيها تعجبوا، وليس هذا اعتراضا، لأنّهم معصومون عن المعصية والاعتراض عصيان (2)، فهذان الرأيان من القاضي عبد الجبّار والشيخ اطفيش يصلحان في الموضوع، لأ نّهما يبعدان شبهة المعصية عن الملائكة، لأنّهم لو اعترضوا لما كان الجواب بإثبات العلم لله تعالى، بل يكون جوابا موافقا لحال من يعصي وهو ما لم يقع، ولكنّ توجيه الشيخ اطفيش بالتعجّب أنسب للمقام؛ فالملائكة لمّا أدركوا صفات هذا المخلوق تعجبوا من قضاء الله تعالى بجعله خليفة في الأرض لأنّهم يجهلون العاقبة والحكمة من وراء ذلك، أمّا رأي القاضي عبد الجبّار فيقتضي أنّ الملائكة لا يعلمون كيف يكون حال الإنسان فيتساءلون: هل سيكون مفسدا مع أنّهم يقدّسون لله تعالى؟
__________
(1) عبد الجبار: تنزيه القرآن: 17.
(2) - الهميان: 1/ 420. (1/205)
صفحة 206
وأمّا في الثانيّة وهي قضية هاروت وماروت: فقد قال الله تعالى في شأنهما: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانَ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنَ اَحَدٍ حَتَّى يَقُولآَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} [البقرة: 101]؛ وفي مناقشة هذه المسألة يشير الشيخ اطفيش أوّلا إلى ما تُردّده بعض الكتب، وإلى ما ينسبه أهل الكتاب إلى الملكين من المعاصي، وأقبح ذلك فاحشة الزنا، قال: «وذلك غير معقول ولا منقول عن رسول الله e وقد أكثروا فيهما» (1)، وقد أحسن الشيخ صنعا في نقد هذه الأقاويل وعرضها على العقل والنقل، فقطع بهذا السبيل أمام احتمال وقوع الملائكة في معصية ممّا ينسبه إليهم أهل الكتب، وهذا الموقف يدلّ على نموذج من النقد والتمحيص في آثار الشيخ اطفيش، لذلك فهو ينسب إلى الملكين السحر الذي نسب إليهما في القرآن الكريم لكن ليس بمعنى أنّهما كانا يؤذيان الناس به، بل كانا يعلّمان السحر ليبصّروا الناس به، وليردّوا عنهم مكايد السحرة وادعاءاتهم، وليعلموا أنّ السحر فتنة فيجتنبوه، فالملكان لم يكونا يفعلان السحر بل يعلّمانه، وقال الشيخ إنّ الضمير “الواو” في “يعلِّمون” يحتمل أن يعود إلى الشياطين، وإنّ “ما” في “ما أنزل” ليست موصولة بل “ما نافيه” فيكون معنى الآية: إنّ الشياطين هم الذين يعلّمون الناس السحر، ولم ينزل هذا السحر على الملكين (2).
إلاّ أنّ هذا الموقف يبقى غامضا للاحتمالات التي بُني عليها، ولنسبة تعليم السحر فيه مرّة إلى الشياطين ومرّة إلى الملكين، والمهمّ في رأي الشيخ هو استبعاد نسبة العصيان إلى الملكين، ووصفهما كغيرهما من سائر الملائكة بالعصمة، وما زالت المسألة تفتقر إلى دليل نقليّ واضح يفسرّها ويخرج عنها الاحتمالات العقليّة؛ وهي مثل سائر
__________
(1) أي أكثروا في شأنهما وفي نسبة المعاصي إليهما، انظر: -الشامل الأصل والفرع: 1/ 54.
(2) - المصدر نفسه: 1/ 53. (1/206)
صفحة 207
ما يوصف به الملائكة من الغيب الذي لا يعرف إلاّ بالنقل، فالملائكة جنس من المخلوقات لا يدرك بالعين ولهذا دخلت في وصفهم تأويلات وآراء غريبة، وجدنا الشيخ ينساق وراءها، ولم يلتزم منهجا معيّنا يمنعه من التناقض، فكان يسرد أحيانا أوصافا متعدّدة دون أن يمحصّها ويتثبّت من نسبتها إلى الملائكة، مثلما فعل في وصف الملائكة الذين يحملون العرش (1)، وهذا ما دفع الأستاذ يحي بوتردين إلى التعجّب من صدور مثل هذا عن الشيخ وقال: إِنَّهُ ربمّا اكتفى بعبارة «والله أعلم بصحة ذلك» وجعلها نقدا لما ذكره من هذه الغيبيات (2)، وفي نظرنا أنّ الموضوع يحتاج إلى موقف مثل الذي وقفه الشيخ في مسألة ما نسب إلى هاروت وماروت وعرضه على النقل والعقل، وهكذا في سائر أوصاف الملائكة ومسائل الغيب؛ فالشيخ لم يلتزم منهجه في تأويل النصوص المتشابهة، كمّا أنّ هذا دليل على أنّ الشيخ لم يتخلّص في بعض المسائل من الإسرائيليّات.
5 - أقسام الملائكة ووظائفهم
يقسِّم الشيخ اطفيش الملائكة إلى قسمين متَّبعا في ذلك الشيخ الجيطالي في كتابه «القواعد» (3)، وهذان القسمان هما: الملائكة الكَرُوِبيّون، والملائكة الروحانيّون، وفي مجموع القسمين عشرة أجزاء من الملائكة (4).
فالكروبيّون كما يعرّفهم الشيخ: وصف من كرَب (5) بمعنى قرب، سمّي به
__________
(1) - التيسير: 11/ 321، 322.
(2) يحي بوتردين: الشيخ اطفيش ومذهبه في التفسير: 234.
(3) الجيطالي: قواعد: 1/ 20.
(4) - الذهب: 15.
(5) وكرب بتخفيف الراء، وفيه لغة بتشديدها، انظر: الزبيدي: تاج العروس: 1/ 454. (1/207)
صفحة 208
الملائكة مخلوقون للعبادة، وهم الذين: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرونَ} [الأنبياء: 20] (1) وتلك هي وظيفتهم، الذكر والتسبيح.
وأمّا الملائكة الروحانيّون: ــ بِضَمِّ الراء ــ كما يعرّفهم الشيخ: منسوبون إلى الروح على غير قياس، بمعنى الهدى والاهتداء، أو بمعنى الرحمة، أو لأنّهم يوحي إليهم بالأعمال أو بأمر النبوّة وأحكام الله وأوامره (2)، وهم الصنف الباقي من مجموع الملائكة، خلقوا للامتثال لأمر الله تعالى، منقطعون للطاعة، يتوّلون حفظ الإنسان وغيره من المخلوقات، ويسجّلون أعمال المكلّفين، ويبلّغون الوحي إلى الرسل، وغير ذلك من الأعمال التي يوكِّلها الله إليهم (3).
ونلاحظ أنّه يراعى في هذا التقسيم الوظيفة التي يقوم بها الملائكة، فهم نوعان ملائكة مسبّحون، وملائكة ينفّذون ما يكلَّفون به، وليس هو التقسيم الوحيد الذي نجده في الفكر الإسلاميّ؛ فقد قسَّم الغزالي الملائكة تقسيما آخر على حسب مجال التكليف ومكانه، وجعلهم ثلاث طبقات: ملائكة سماويّة، وملائكة أرضيّة، وملائكة حملة العرش (4). ولا يمكن التفضيل بين أنواع التقسيمات لأنّها تعتمد على إحصاء أنواع التكاليف التي يكلّف بها الله تعالى الملائكة، أو تعتمد الأوصاف التي وردت في نصوص مختلفة، كما أنّه لم يرد نصّ في التزام تقسيم دون آخر.
__________
(1) - الذهب: 15، الهميان: 1/ 417.
(2) - الذهب: 15.
(3) - الهميان: 1/ 417.
(4) الغزالي: الإحياء: 4/ 384. (1/208)
صفحة 209
6 - فضل الملائكة وتفاضلهم
اختار الله تعالى الملائكة بخلقهم، وتقريبهم منه، وأولاهم وظائف يقصر عن أدائها غيرهم، وقد خصّهم بصفات ليست لسائر المخلوقات، فكان لهم فضل في ذلك، وهل يعني هذا التفضيل أنّ الملائكة أعلى درجة وأفضل من غيرهم من المخلوقات؟ أم هو مجرّد تكريم من الله تعالى؟
يذكر الشيخ اطفيش أنّ الإباضيّة يرون أنّ الملائكة مفضّلون مطلقا لعدم صدور المعصية منهم (1)، وأنهّ يرى غير ذلك حيث يقول: «وعندي أنّ المؤمن أفضل من الملك» (2)؛ واستند في هذا الرأي على حجج منها (3): أنّ الحديث يفضّل المؤمن على كلّ الملائكة، لكنّه لم يذكر نصّا واكتفى بالإشارة (4)؛ ثُمَّ اعتمد على الحجة العقليّة: فهو يرى أنّ الملائكة يخدمون المؤمنين، والخادم أقلّ درجة من المخدوم، والمؤمن يأتي بالعبادة مع وجود ما يمنعه ويصدّه مثل الشيطان والنفس، بخلاف الملك الذي لا يشعر بذلك ولا يجده، فالطاعة أسهل عليه، وخلق الله تعالى آدم لأنّ الملائكة اعتقدوا أنّه لن
__________
(1) - التيسير: 7/ 252.
(2) - الهميان: 1/ 441.
(3) - المصدر نفسه؛ -الذهب: 17.
(4) وقد ذكر حديثا في جامع الشمل قدسيا فيه: «المؤمن أفضل إليَّ من بعض الملائكة»، ولم يجعله دليلا في الموضوع، وقال المحقق: «أخرجه الديلمي وقال الهيثمي: في إسناده ابن المهرم متروك»، وقد وضع الهيثمي بابا في منزلة المؤمن عند ربه، وليس فيه حديث صحيح في تفضيل المؤمن على الملائكة، كما ذكر السيوطي عن البيهقي حديثا موقوفا على أبي هريرة فيه: «المؤمن أكرم على الله من ملائكته»؛ انظر: الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: دار الكتاب العربي ط 3 بيروت 1402 هـ/1983 م: 1/ 81؛ السيوطي: الدر المنثور في التفسير بالمأثور: دار الفكر بيروت 1403 هـ /1983 م: 5/ 385؛ -جامع الشمل: 1/ 189. (1/209)
صفحة 210
يأتي خلق أكرم منهم، فكان آدم وذرّيّته أكرم؛ لهذا قد أُمر الملائكة بالسجود لله تعالى لمّا خلق آدم u ولو كانوا أفضل منه لما أمروا بالسجود، وعلّم الله تعالى آدم من الأسماء ما لم يعلّمه الملائكة والأعلم أفضل من غيره.
وعند التمعن في هذه الحجج نجدها لا تصلح كلّها لإثبات أفضليّة المؤمن على الملك، فإنّه لم يثبت حديث صحيح صريح في الموضوع، وخدمة الملك للمؤمن لا تدلّ على أفضليّة المخدوم (المؤمن) على الخادم (الملك)، لأنّ الملائكة إنّما يطيعون الله تعالى في ذلك لا المؤمن في ذاته؛ وأمّا قول الشيخ إنّ الملك يأتي بالطاعة من غير أن يعرض له مانع فهو معصوم لا يفكّر في المعصية يناقض ما قاله إنّ الملك مختار غير مطبوع على الطاعة، ولا دليل على أنّ الله تعالى خلق آدم إرغاما للملائكة لمّا اعتقدوا أنّه لا يوجد خلق أكرم منهم، ولو كان هذا صحيحا لكان معارضا لاعتقاد العصمة فيهم لأنّهم يزكّون أنفسهم بذلك، كما أنّ سجودهم لم يكن من أجل آدم حتّى يكون أفضل منهم، بل كان استجابة لأمر الله تعالى؛ ولهذا فإنّ تفضيل المؤمن على الملك بهذه الحجج لا يكفي وغير راجح، لأنّه تفضيل للمؤمن في ذاته على الملك من غير دليل.
وقد قدّم الشيخ مسألة التفضيل بين المؤمن والملائكة بمعنى آخر غير السابق، وقال إنّ المؤمن أفضل من الملك باعتبار أنّه أكثر تعرضا لفرص الثواب؛ فيضاعف له فيه، فهو بهذا أفضل من الملك من حيث الثواب لا باعتباره مؤمنا في ذاته (1)، إلاّ أنّ هذا المعنى أيضا لا يناسب الموضوع، لأنّ المقارنة بين الملك والمؤمن في الثواب لا تصح، فمصيرهما ليس واحدا، وجنس الثواب ليس متماثلا بين الملك والمؤمن.
وفي موضع آخر يقول الشيخ: إنّ تفضيل الإنسان بجنسه على جنس الملائكة تفضيلا عامّا لا يلزم عنه تفضيل أفراد الإنسان على أفراد الملائكة، فهو مجرّد تفضيل عامٍّ لجنس على
__________
(1) - حاشية القناطر: 2/ و: 78. (1/210)
صفحة 211
جنس (1)، وهذا المعنى الذي ذكره يجعل التفضيل مفهوما مجرَّدا لا أثر له، وهو مناقض للمعاني السابقة، ومتضارب، وسبب هذا هو عدم تحديد الشيخ لمفهوم التفضيل الذي يقصد ويُراد بين المؤمن والملك، فكان في كُلِّ مَرَّة يستعمله بمفهوم مغاير ولم يجمع بين هذه المعاني بقول مناسب عامٍّ في الموضوع؛ ويظهر هذا عند النظر إلى أنَّ مقتضى التفضيل هو أن يكون المؤمن أعلى المخلوقات درجة، ثُمَّ يأتي بعده سائر الملائكة؛ وفي هذا أيضا لا نجد عند الشيخ اطفيَّش رأيا واحدا في الموضوع، بل سرد الآراء المختلفة في: أيُّهم الأَوَّل: رسل البشر، ثُمَّ رسل الملائكة، ثُمَّ عَامَّة الناس، ثُمَّ عَامَّة الملائكة؟ أو الأنبياء، ثُمَّ الملائكة، ثُمَّ عَامَّة الناس؟ (2) وهذا يثبت ويرجِّح قول من يرى أنَّ أدلَّة التفضيل هنا ظنِّيَّة لا تفيد القطع واليقين، لذا لم تكن موضع اهتمام كلِّ من درس العقيدة (3)؛ فهي من الغيب الذي لا يكفي فيه الاستدلال العقليُّ وحده كما فعل الشيخ اطفيَّش، وإن أشار إلى بعض الأحاديث فَإِنَّهَا لم تكن صحيحة ولا صالحة للاستدلال.
وكما أنَّ تفضيل الملائكة على غيرهم لم يرد فيه قول فصل؛ فكذلك تفاضل الملائكة فيما بينهم، وَأَمَّا قوله تعالى: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ, مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات:164] فإنّه يَدُلُّ على عموم التفاضل، وليس على التفصيل؛ وقد فسَّره الشيخ اطفيَّش بِأَنَّهُ يحتمل أنَّ الملائكة يتفاضلون برتبهم، أو بنور العبادة، أو بالمسارعة إلى امتثال أمر الله تعالى، والخشوع له (4). وتبعا لهذا لم نجد للشيخ اطفيَّش تفصيلا بأسماء الملائكة مرتَّبين، وكلُّ ما أورده هي أقوال لم يفصل فيها بشيء (5).
__________
(1) - التيسير: 7/ 252.
(2) - الذهب: 18.
(3) ابن أبي العز: شرح الطحاويَّة: 338؛ السالمي: مشارق: 2/ 46.
(4) - التيسير: 11/ 162.
(5) - الذهب: 18. (1/211)
صفحة 212
5 - ما يجب في الإيمان بالملائكة
إنّ ما سبق من البحث في شأن الملائكة أشبه ما يكون بتقرير معلومات عنهم مع الخوض في بعض التفاصيل، وهذا ما لا يتعلّق به الاعتقاد كلّه، بل إنّ مجال الاعتقاد أيسر من ذلك؛ وقد حدّده كما يلي:
فأوّل ذلك التصديق بوجودهم والعلم بكونهم مخلوقات لله تعالى، ومعرفة جبريل خصوصا باسمه (1)، وهذا تصديق بالقرآن الكريم الذي يذكرهم ويوجب الإيمان بهم، ويجعل ذلك من أصول العقيدة، ويجب معرفة صفاتهم وخصوصيّتهم عن الإنس والجنّ في ذواتهم، وأنّهم معصومون عن المعاصي مخلوقون للطاعة لا يحتاجون إلى مثل ما يحتاج إليه البشر من الأكل والشرب والملذّات والشهوات المادية (2).
ولا ينتهي الإيمان بالملائكة في حدود هذه المعرفة بل له أثر عمليّ يتمثّل في ولاية الملائكة لأنّهم من جملة المعصومين، ويفسّر الإباضيّة هذه الولاية بأنّها ليست على المعنى العام الذي يفيد الاستغفار للمتولَّى، بل هي في حقّ الملائكة تعني حبّ ما يوافق طبائعهم والترحّم عليهم دون الاستغفار لهم، فالملك يحتاج إلى رحمة الله تعالى ولكنه لا يذنب فهو معصوم؛ فلم يَجُز أن يستغفر له؛ لأنّ ذلك اعتقاد لإمكان عصيانه، وهو مخالف لحقيقته ولصفاته (3)، وقد أيّد الشيخ اطفيش هذا المعنى لولاية الملائكة، ولكنّه لم يتركه مجرّدا عن السلوك العمليّ، بل فسّر القول “بحبّ ما يوافق طبائع الملائكة” تفسيرا يؤثّر على تربية الإنسان ويعينه على التزام الهدى في
__________
(1) الثميني: معالم الدين: 2/ 147؛ -الذهب: 17.
(2) الجيطالي: قواعد الإسلام: 1/ 20؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 338؛ -شرح العقيدة: 53، -حاشية القناطر: 2/ و: 140؛ المودودي: مبادئ الإسلام: 80، 81.
(3) الجيطالي: قواعد الإسلام: 1/ 21؛ الثميني: معالم الدين: 2/ 147؛ -شرح العقيدة: 349. (1/212)
صفحة 213
سلوكه؛ وبالتالي يُؤَثِّرُ على المجتمع المسلم تأثيرا حسنا؛ وقال: «والذي يوافق طبائعهم هو عبادتهم الله تعالى والزيادة فيها، وما يفعله غيرهم من طاعة الله تعالى والمباحِ النافع للمسلمين دنيا وأخرى، ومن ذلك قوّة الإسلام وغلبة أهل التوحيد على أهل الشرك وأعوانهم عموما وخصوصا، وترك المكلّفين المعاصي، وحبّ ذلك ولاية لهم؛ وأقول أيضا فعل ذلك ولاية لهم» (1). فقد وظّف أصلا عقديّا توظيفا عمليا عميقا هكذا، وهو يبدو في أصله ينحصر في الإيمان القلبيّ وقد يتعدّاه إلى الذكر اللسانيّ كما ذهب إليه الإباضيّة، وزاد فيه الشيخ اطفيش معاني جعلته من أهمّ ما يحفّز المؤمن على العمل، وينقله من الركود إلى الحركة، ومن التأثّر إلى التأثير؛ ولعلّ المهمّ فيما قاله الشيخ اطفيش هو قرنه بين عقيدة الإيمان بالملائكة وبين وجوب التغيير من أوضاع المجتمع الإسلاميّ، ممّا يدلّ على عظم انشغاله بتردّي أوضاع المسلمين؛ وإرجاع ذلك إلى ضعف اعتقادهم، فكان يحاول أن يجعل من العقيدة سبيلا للنهوض بهم، وكان تأثّره بالأوضاع الاستعمارية دافعا له لأن يبحث في العقيدة عمّا يمكّنه من تحقيق هذا التغيير، وهو ما جعله يحقّق وصف العقيدة بكونها عملا حقيقيّا، وليست مجرّد تصورات وتصديقات غير مؤثّرة؛ فحقيقة حبّ الملائكة هو العمل على إعلاء كلمة الله تعالى كما يحبّ الملائكة ذلك، ولم يكن سؤالهم عن خلق آدم إلاّ لمّا توقّعوا عصيانه وجحوده الحقّ، ولا يكفي في الإيمان بهم العلم بهم والتغنّي بصفاتهم وتعداد أسمائهم فإنّ ذلك لن يحرّك ساكنا، ولن يغيّر من سلوك الإنسان شيئا.
والإيمان بالملائكة يكمن في هذه المعاني واستحضارها، لأنّ من صدّق بذلك حقيقة، سارع إِلىَ التزام الهدى والنهج السليم في الدين ما دام يؤمن أنّ له رقباء منهم، فيقلّل من معاصيه ويتوب منها ويعظِّم الله تعالى ويقدّره فالملائكة من جنوده منقادون له ولأمره ممتثلون.
__________
(1) - المصدر نفسه: 350. (1/213)
صفحة 214
لذا فالجري وراء دقائق المعلومات في معرفة الملائكة والإيمان بهم غير مطلوب من المكلّف ما لم يخطر شئ في ذهنه أو يسمعه فيسأل عنه، ويقول الشيخ اطفيش في ذلك: «والصحيح أن لا شيء عليه حَتَّى يأخذ بالسمع أو بعلم ما أنّه (1) ملك، وأجمعوا أنّ غيره من أفراد الملائكة لا يلزمه معرفته وولايته خصوصا حَتَّى يأخذ، ولزم ولاية جميع الملائكة» (2). ومع هذا يجب الحذر من الإفراط أو التفريط في حقّهم تقديسا أو تنقيصا، بل يُلتزم فيهم ما أمر به الله تعالى ممّا ثبت بالدليل الصحيح (3). وتلك هي الوسطيّة، وهي المطلوبة في مسائل الغيب.
وفي الأخير نلاحظ أنّ الشيخ اطفيش تناول مسائل الغيب بتوسّع في تقرير معلوماتها، وكان يلتزم في تحديدها ما يجب الإيمان به بما ثبت بالدليل الصحيح، قرآنا أو سنّة أو أثرا من علم الصحابة والسلف؛ وقد كان له منهج في الموضوع يقتضي أخذ ظاهر الدليل المحكم، وتأويل ما كان متشابها بما يوافق المحكم، إلاّ أنّه تنبغي الإشارة إلى أنّه في هذا الفصل من مسائل الغيب لم يلتزم الشيخ مذهبه بكلّ حرفيّتة فظهر متساهلا فيِ الاستدلال بالحديث الضعيف في بعض مسائل الغيب، ممّا يتعلّق بقيام الساعة واليوم الآخر والإيمان بالملائكة، ولو التزم منهجه لأغناه عن كثير من التضارب والتناقض بين آرائه، حَتَّى انساق في بعضها إلى الآثار الغريبة البعيدة عن روح العقيدة، فظهر فيها أثر الإسرائيليّات جليّا؛ ومن جهة أخرى قد امتاز الشيخ بتحقيق كون العقيدة تتضمّن القول والعمل حَتَّى في جانبها الغيبيّ الذي يصعب قرنه بالعمل دائما، وتجلّى هذا خاصة في رأيه في معنى الإيمان بالملائكة وولايتهم، وفي حقيقة الصراط؛ وسيظهر هذا الجانب العمليِّ ويتّضح أكثر مع باقي أصول العقيدة في الفصول المقبلة المتعلّقة بالإنسان مباشرة في سلوكه وتصرُّفاته وأوّل ما نتناوله من ذلك الإيمان بالنبوّة.
__________
(1) الكلام هنا عن جبريل u ووجوب معرفته.
(2) - شرح العقيدة: 349.
(3) - المصدر نفسه: 351؛ السالمي: مشارق: 2/ 47. (1/214)
صفحة 215
الفصل الخامس
النبوّة (1/215)
صفحة 216
(صفحةبيضاء) (1/216)
صفحة 217
تمهيد
كان للأديان السماوية الفضل الكبير في نفع الإنسان، وإرشاده إلى طريق سعادته، وكان الأنبياء هم الواسطة بين عالم الغيب وعالم الشهادة البشريّ؛ لما منحوا من قدرة تحمّل الوحي وتبليغه، ومن هنا عرف الناس ظاهرة النبوّة، لكنّهم لم يتّفقوا في شأنها، بل وقفوا منها موقفين متعارضين:
الموقف الأَوَّل: وهو الأكثر شيوعا، الذي يجعل النبوّة أعلى مرتبة يمكن أن يصلها الإنسان، وبها يفضل على غيره من بني البشر؛ لما يتّصف به النبئ من أخلاق سامية، وقدرة على التحمّل والصبر؛ ولما يعرف به من السعي في سبيل سعادة الناس، وهديهم إلى ما يصلح من أمرهم، فهي في نظر هؤلاء من أجلّ ما يكلّف به الإنسان، لأنّها هي الواسطة بين العابد والمعبود
واشتهر تقدير النبوّة وإنزالها هذه المنزلة عند من اعتنقوا ديانات سماويّة، ورفعوا من مكانتها حتّى ابتعد بعض الناس فيها عن الصواب، فأصبحوا يتطلّعون إلى النبوّة، وحدَّثتهم أنفسهم بادّعائها رجاء نيل هذه المكارم، والوصول إلى هذه الدرجة التي يحظى بها النبيء بين البشر، فعرف التاريخ متنبئين كثيرين من مختلف الأقوام، وما زال هذا الادّعاء موجودا إلى اليوم؛ إلاّ أن هذا لا يمنع من الفصل في القضية، ومعرفة النبئ الحقّ من غيره لأنّ النبوّة ليست ادّعاء فحسب، بل يترتّب عنها أحكام متعددة بيّنتها كتب العقيدة. (1/217)
صفحة 218
أَمَّا الموقف الثاني: فهو موقف الإنكار، وعدم التسليم بوقوع النبوّة، ويأتي هذا الموقف غالبا مِمَّن لا يؤمنون بدين، ولا يسلّمون بوجود عالم غيبيّ؛ فهم يرفضون أن يوجد بين البشر من يتّصل بعالم غيبيّ يتلقّى منه علما لا يصل إليه الناس إلاّ عن طريق الوحي؛ ويرجع هذا الرفض إلى عدم التسليم بحاجة الإنسانيّة إلى الوحي؛ فليست النبوّة ــ في نظر الرافضين ــ سوى ادّعاء وافتراء.
وقد اهتمّ علماء العقيدة بموضوع النبوّة؛ من أجل إظهار الحقّ والصواب من هذين الموقفين، ولكونها من أصول الاعتقاد؛ لذا اتجهت أعمالهم وأبحاثهم إلى إثبات النبوّة، والحاجة إليها، وإلى بيان حقيقتها، ووظيفة الأنبياء، وأوصافهم وأخلاقهم، وما صحب دعوات الرسل من معجزات وكتب منزلة، وهذا ما نحاول التعرّف على آراء الشيخ اطفيش فيه من خلال مباحث هذا الفصل. (1/218)
صفحة 219
المبحث الأول
النبوّة والوحي
1 - النبوّة والحاجة إليها
يستند الشيخ اطفيش إلى النقل والعقل لإثبات وقوع النبوّة، وصدقها مركّزا على إثبات نبوّة سَيِّدنَا مُحَمَّد e ليستدلّ بها على ثبوت غيرها من النبوءات (1). فالدليل النقليّ يتمثّل في مضمون القرآن الكريم، الذي يدلّ على كون الرسول محَمَّد e مبعوثا من الله تعالى بشريعة الإسلام.
أما الدليل العقليّ فيؤخذ من أمرين:
الأوّل: هو وجود القرآن الكريم، باعتباره معجزا، ومتحدِّيا للمنكرين ولم يقدروا على الإتيان بمثله، فهو معجزة حقيقيّة ثابتة، تدلّ على صدق نبوّة من ظهرت على يده؛ وهو مُحَمَّد بن عبد الله e، وإذا صدقت نبوّته فنبوّة من أخبر عنهم صادقة ثابتة أيضا (2).
الثاني: سيرته e، وحياته وأخلاقه التي تناقلتها الروايات، تدلّ على كونها صادرة من نبيء؛ فإنّه لم يعرف منه كذب قطُّ -كما يقول الشيخ اطفيَّش-: «لا في مهمّات الدين ولا في مهمّات الدنيا، ولو كذب مرّة لاشتهر لشدّة عداوة أعدائه
__________
(1) - فتح الله: 2/ظ: 89.
(2) - المصدر نفسه. (1/219)
صفحة 220
وكثرتهم؛ ولم يقدم على قبيح قطّ، قبل النبوّة ولا بعدها، وحمل مشاقّ العدوّ وصبر عليها» (1)؛ وهذا دليل قويّ ومتين في إثبات وقوع نبوّة سَيِّدنَا مُحَمَّد e؛ فالمواقف التي وقفها في حياته، والأخلاق التي اشتهر بها لا تصدر إلاّ عن نبيء مرسل، لذا أمكن الاستدلال بها على أنّ النبوّة ثبتت حقيقة، وقد اتّفق الشيخ اطفيش في هذا الاستدلال مع علماء سبقوه ومنهم: أبو منصور الماتوريدي (2)، وأبو عمَّار عبد الكافي (3)، واكتفى في إثبات النبوّة بهذين الدليلين، وبقي الموضوع مفتقرا إلى أدلّة أقوى تسنده، وتعتمد على تحليل بعض نصوص القرآن للدلالة على أنّه لم يكن من افتراء الرسول e.
هذا عن دليل وقوع النبوّة وإمكانها، أمّا عن إثبات الحاجة إليها فإنّ الشيخ اطفيش يسلك فيه المسلك التالي: إذ يبيِّن أنّ النبوّة أداة للعلم بالدنيا وتسييرها، ومعرفة سبيل سعادة الإنسان الحقيقيّة، وهذه المقاصد يقصر العقل عن بلوغها؛ فالنبوّة ضروريّة ليصل الإنسان إلى ما يصبو إليه من سعادة، ويدلّل على صحة هذا بالمقارنة بين وظيفة النبيء ووظيفة الطبيب؛ فكلاهما يعالج أمراضا، ويصف أدوية، ولكنّ الفرق بينهما في مصدر علميْهما، فمصدر الطب كسبيّ تجريبيّ، أمّا النبوّة فمصدرها إلهيٌّ وطريقها الوحي فقط، ويقول الشيخ اطفيش: «والنبيء يعلم ما لا يَعلم من الله، بخلاف الطبيب، إذ يمكن التوصّل إلى جميع ما يعلمه بمجردّ الفكر والتجربة، فإذا لم يكن هو مستغنى عنه كان النبيء بذلك
__________
(1) - المصدر نفسه، انظر: ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: 158.
(2) الماتوريدي: كتاب التوحيد: 176، 177؛
الماتوريدي: محَمَّد بن محَمَّد بن محمود: أبو منصور: إمام الماتوريدية، من أهم مؤلفاته: كتاب التوحيد، أوهام المعتزلة، انظر: الزركلي: الأعلام: 7/ 19.
(3) أبو عمار: الموجز: 1/ 302، 312.
أبو عمَّار عبد الكافي من أعلام وارجلان في القرن السابع الهجري، تعلَّم بتونس وله مؤلَّفات أشهرها: الموجز، انظر: الدرجيني: الطبقات: 2/ 485 - 491. (1/220)
صفحة 221
أولى» (1)؛ فالطبيب مع كون علمه يمكن اكتسابه فإنّ الاستغناء عنه مستحيل، فكيف بالنبوّة التي لا تكتسب؟ وتظهر حاجة الناس إلى النبوّة أكثر عندما يتعلّق الأمر بالعبادة الشرعية، فمهما بلغ التفكير في وضع أشكال هذه العبادة، وشعائرها فستبقى دائما اجتهادات؛ لأنّها فقدت أهمّ وصف فيها وهو المصدريّة والشرعيّة، وهو ما ليس للعقل إليه سبيل، ولا مصدر يبيّن العبادة المطلوبة من الإنسان سوى ما يأتي من المعبود ذاته، وكذلك الأمر بالنسبة إلى نظام الحياة، وعلاقة الإنسان بغيره، فإنه يحتاج إلى شريعة وقوانين تضبط هذا الجانب، وتاريخ البشريّة حافل بشتّى القوانين التي ينسخ بعضها بعضا، كلّما عجز قانون عن مسايرة الحياة استبدل به غيره، وبقي الإنسان في حاجة إلى شريعة تتيح له الاستقرار، لأنّ ما سنّه ظهر فيه بوضوح جهله بحقيقة نفسه، ففقدت بذلك العدالة المطلوبة، وثبت أنّه لا يستطيع التقنين للإنسان إلاّ خالقه الذي يعلم ما ينفعه ويضره، وفي هذا يقول الشيخ: «والإنسان مدنيّ بالطبع (2)؛ فلا بُدَّ له من قانون عدل محتاج إلى واضع يتميَّز عن بني نوعه» (3).
وبعد أن أثبت الشيخ النبوّة، وأظهر الحاجة إليها، ناقش حجج المنكرين، وبيّن أنّهم يختلفون في إنكارهم، وينقسمون إلى ثلاثة:
أَوَّلاً- منكرو وقوع النبوّة في ذاتها: وهؤلاء جعلوا النبوّة مستحيلة الوقوع، فلا يمكن ــ حسب زعمهم ــ أن يتَّصل عالمان مختلفان، ومن حججهم على ذلك ما يلي (4):
الأولى - قولهم: إنّه لا دليل على حقيقة المصدر الذي جاء منه الوحي، فيختلط الأمر بين الوحي من الله تعالى، أو من الجنّ.
__________
(1) - حاشية القناطر: 2/ظ: 61، و: 62.
(2) جاءت اللفظة في المخطوط هكذا: «الطبعي».
(3) - المصدر نفسه: 2/ و: 62.
(4) - فتح الله: 2/ و: 90. (1/221)
صفحة 222
وردّ الشيخ هذه الحجّة بأنّ النبيء يشعر وأنّ ما يلقى إليه من الله تعالى، وليس من غيره، والله يخلق فيه علما ضروريّا يعرف به الوحي، واكتفى الشيخ اطفيش بهذا الردّ في أهمّ جزء من إثبات النبوّة، ويبدو ردّا غير كاف؛ وما دام الإثبات في جوابه يختص بالرسول مُحَمَّد e، فإنّ الاقتصار على نصوص القرآن كاف للدلالة على كونه ليس وحي جنّ ولا أحد من المخلوقات بل هو إلهيٌّ حقيقيّ؛ يظهر في الأسلوب والمعاني التي لم يعترها أدنى تناقض أو اختلاف. أَمَّا عن الشطر الآخر من الحجّة وهو اختلاط الأمر على النبيء واختلاف جهة الوحي، فإنّه على افتراض حدوثه ــ وهو مستحيل ــ فإنّ ثبوت الوحي الأوّل ودوامه كفيل أن يصحّح له ذلك، ويبيّن للنبيء ما هو وحي صحيح وما ليس بوحي.
الثانية - قولهم: إذا كان الموحي جسما، كيف لا يُرى؟ وإذا كان من الروحانيّات فلا يتصوّر أن تتكلَّم.
وأجاب عنها الشيخ بأنّ الوحي لا يستلزم رؤية الملك الموحي، ولوكان جسدا، فليس من الضروريّ أن يراه النبيء، والله قادر على إخفائه؛ ويؤيّد هذا الردّ ما يعيشه الإنسان المعاصر من أنواع الاتّصالات المختلفة التي لا تستدعي وجود المتّصل به إلى جنبه، ولكن مع هذا فإنّ في السيرة ما يدلّ على رؤية النبيء للملك مرّتين في حياته كما جاء في الحديث عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا، أَنَّهَا سألت النبيء e عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَى} [النجم: 13]، وقوله أيضا: {وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالاُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23] فقال e: «ذلك جبريل u ولم أره في صورته التي خلق عليها إلاّ مرّتين: رأيته قد هبط من السماء فسدّ جسمه ما بين السماء والأرض» (1)،
__________
(1) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: 212 رقم 824؛ انظر: البخاري: بدء الخلق رقم 3062، 3063؛ المعجم المفهرس: 2/ 200؛ انظر المبحث الثاني من الفصل الثالث هامش 77. (1/222)
صفحة 223
وهذا يدلّ على أنّ النبيء كان عالما تمام العلم بمن يلقي إليه الوحي.
الثالثة - قولهم: إنّ التصديق بالرسالة يتوقّف على العلم بوجود المرسِل، وهذا يحتاج إلى طول فكر وتأمّل، وليس الوقت الذي يستغرقه النظر واحدا بين الناس، ويمكن للناظر دعوى عدم توصّله إلى إدراك وجود الله تعالى، فتصبح الرسالة عبثا، أو يطلب من الإنسان أن يؤمن بلا مهلة تفكير وتدبّر وهو تكليف بما لا يطاق، ومستحيل في حقِّ الله تعالى.
وقد أجاب الشيخ اطفيش عن هذه الحجّة مرّتين؛ قال في الأولى: إنّه على رأي الإباضيّة والأشاعرة: لا يقع التكليف بما لا يطاق، ولا يؤمر الإنسان بالإيمان بالنبوّة بدون علمه بالله تعالى، لأَنَّ وجود المعجزة كاف في إثبات صحّة النبوّة، والمكلّف عاقل فتكفيه المعجزة في هذا، وأمّا على رأي المعتزلة فإنّه من الأصلح للمكلّف ألاّ يمهل حَتَّى يفكّر، لأنّ في ذلك الإمهال تفويت مصلحته، فيجب أن يؤمن على الفور استجلابا لنفعه (1).
وقال مرّة ثانية: إنّ الواقع يدحض هذه الحجّة، لأنّ الإنسان ينشأ على فطرة سليمة، ويبقى عليها حال المراهقة، وبها يعقل وجود الله تعالى ولا يكون حال التكليف بالإيمان بالرسول محتاجا إلى معرفة الله تعالى وإدراك وجوده (2).
ونلاحظ أَنَّ جوابه الثاني أصلح في الردّ على هذه الحجّة، لأنّ اعتماد دلالة المعجزة لا يكفي في الإيمان بالمرسل، والمعجزة ذاتها تتعرّض للتشكيك والرفض؛ لذلك كان جوابه الثاني أقوى وأصلح في ردّ الحجّة لأنّه اعتمد على بيان حال المكلّف عند طلب الإيمان منه فهو عاقل، ولا يكلّف من كان مجنونا، وهو بهذا مكلّف بالإيمان بالله
__________
(1) - فتح الله: و: 90، ظ: 90.
(2) - حاشية القناطر: 2/ و: 60. (1/223)
صفحة 224
تعالى قبل الإيمان بالنبوّة، ووجود الله تعالى لا يحتاج إلى سماع وتبليغ، وهو سابق على الإيمان بالنبوّة، لذا لم يتطلَّب الإيمان بالنبوّة مهلة للعلم بالله تعالى ما دام هو موجودًا سابقا، ويؤيّد هذا ما جاء في القرآن الكريم على لسان بعض الرسل يدعون قومهم إلى الإيمان بالله تعالى أَوَّلاً، ثُمَّ طاعته والإيمان بهم رسلا، ومن ذلك قوله تعالى عن نوح u: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ اَنُ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح: 2 - 3]؛ وعن هود u: {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ, أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65]، وجاء في شأن دعوة الرسل جميعا قوله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلآَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنَ اَمْرِهِ عَلىَا مَن يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنَ اَنذِرُوا أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل: 02]، وهكذا لا يمكن إنكار النبوّة باعتبارعدم العلم بالله تعالى للفطرة الموجودة في الإنسان العاقل، لاعتماد الرسل أوّلا على ترسيخ العقيدة في الله تعالى، وإرجاع الناس إلى فطرتهم الأولى.
ثانيا - منكرو النبوّة استغناء بالعقل: وهؤلاء يرون أنّ الإنسان يمكنه الاستغناء عن الوحي بما ركّب فيه من العقل، ويصل بمجردّ تفكيره إلى معرفة الخير والشرِّ، وينسب الشيخ هذا الرأي إلى البراهمة (1) والصابئة (2) والتناسخيّة (3)، وقال إنّ بعضهم
__________
(1) البراهمة: نسبة إلى: براهمى: ملك هندي، وهي ديانة قالت بالتوحيد، ثم أنكرت النبوّة، وبرهم عندهم تعني: المعبود الأول؛ وهم زهاد متنسكون نباتيون يقولون بالتناسخ، انظر: ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل: دار المعارفة: بيروت: 1983 م: 1/ 69؛ البستاني: دائرة المعارف: دار المعرفة بيروت د. ت: 5/ 375، 376.
(2) الصابئة: يقول عنهم الشهرستاني: مالوا عن طريق النبوّة، وصابوا، وهم عند البستاني: المنديا، يهود نصارى، وصابئة حران، ولم ينكروا النبوّة كلها إنما اعترفوا ببعض المرسلين دون بعض، انظر: الشهرستاني: الملل والنحل: (على هامش الفصل): 2/ 97؛ ابن حزم: الفصل: 1/ 98؛ البستاني: دائرة المعارف: 14/ 89، 91.
(3) التناسخية: قالوا بتناسخ الأرواح وانتقالها من شخص إلى غيره، وهي جزء من تعاليم البراهمة، وصنفوا الإنسان درجات: أعلاها النبوّة، ولا شئ فوقها، ولم يورد الشهرستاني أنهم نفوا النبوّة، انظر: الشهرستاني، الملل والنحل: 2/ 91، 92؛ البستاني: دائرة المعارف: 6/ 224، 225. (1/224)
صفحة 225
يعترفون بنبوّة آدم وشيت وإبراهيم عَلَيهِم السَّلاَمُ.
ثُمَّ رَدَّ عليهم مبيّنا دور العقل، وحدود طاقته (1): فالعقل يقتصر على فهم الموجودات وإدراكها، ولا قوّة له على استحداث الجديد من أصله، فهو محدود بالمحيط المشاهد ولا يخلق شيئا، ويصل إلى إدراك المعاني العامّة، مثل إدراك وجود الله تعالى ولكن لا يصل إلى تفاصيل معرفته، ولا إلى تفاصيل التشريع والعبادات، مثل وظائف الصلاة، وكيفيّات الحدود فكلّ هذا فوق طاقة العقل، والوحي يكفيه عناء البحث في هذه المجالات، ويختصر الوقت الذي ينفقه في ذلك، ويعود الشيخ اطفيش إلى تشبيه النبيء بالطبيب، من حيث إنّ دواء الطبيب يمكن للمريض إدراكه والوصول إليه بتجربته وبحثه، لكن لو ترك له ذلك لأهلك نفسه بالبحث، ولأضاع الوقت عوض أن يتوجّه مباشرة إلى الطبيب ودوائه (2)، فكذلك شأن الإنسان مع ما يأتي من الوحي: لو ذهب العقل إلى معرفته بالبحث لما انتهى إلى رأي فصل فيه، ويؤيّد هذا حال البشريّة الذي يدلّ على عجزها عن الوصول إلى سعادة الإنسان رغم طول بحث المفكّرين، وما ذلك إلاّ بسبب اعتماد الإنسان ــ في الغالب ــ على عقله المجردّ دون استناده إلى مصدر سماويّ إلهيٍّ.
ثالثا - من اعترفوا بإمكان النبوّة، ومنعوا وقوعها: فهم يرونها ممكنة في ذاتها، ولم يستبعدوا أن يقع اتّصال بين عالم الغيب وعالم البشر عن طريق الوحي؛ لكنّهم لم يعترفوا بوجود نبيء مرسل موحى إليه، وحجتهم في ذلك أنّ الوحي في أصله مصدر خير، ولا يأتي منه إلاّ ما فيه السعادة ويقبله العقل، لكن يوجد ــ حسب قولهم ــ في التشريعات السماويّة
__________
(1) - الهميان: 1/ 490.
(2) - فتح الله: 2/ و: 91؛ انظر أيضا: أبو عمَّار: الموجز: 1/ 299. (1/225)
صفحة 226
ما ينفر منه العقل، ولا يدلّ على حبِّ الخير فيها، مثل تشريع ذبح الحيوان، وإباحة إيلامه بذلك، وإزهاق روحه، والتكليف بتحمّل بعض المشاقّ والآلام مثل منع الأكل والشرب في الصوم، وتحريم بعض ما يشتهيه الإنسان ويراه من الطيبات. ويرى الشيخ اطفيش أنّ مصدر هذا الرفض يرجع إلى عدم إدراك العقل للحكمة من هذه الشرائع وهو قصور منه، ولو علم الحكمة من إباحة أكل لحم الحيوان، وتحريم المحرَّمات كلّها لاستساغ كلّ ذلك وقبِلَه (1)؛ ويدلّ على صحة ما ذهب إليه الشيخ وردّ به أنّ الناس ليسوا متّفقين في استقباح ما رآه هؤلاء المنكرون قبيحا، وليست كلّ التكاليف مرفوضة من الناس، بل منهم من يجد سعادة في تحمّل مشقّتها إرضاء لربّه، كما يعرف ذلك عند الزهّاد، والمتصوّفة، وهم بشرمثل غيرهم، فهذه الحجّة غير كافية في إنكار وقوع النبوّة لاستنادها إلى أساس نسبيّ لا يتّفق عليه كلّ العقلاء ولأنّ من طبيعة أيّ تشريع أن يتضمّن واجبات وحقوقا، وإباحة ومنعا، وتكاليف والتزامات، وذلك لا يخلو من مشاقّ وتحمّل.
هذا أهمّ ما أورده الشيخ اطفيش في موضوع إثبات النبوّة والحاجة إليها من أدلّة وردود على المنكرين، وقد ركّز أثناء ذلك على نبوّة سيدنا مُحَمَّد e مقتفيا أثر من سبقه، ومدفوعا إلى ذلك بما كان بينه وبين الاستعمار من مكاتبات، أو بينه وبين بعض المستشرقين، حيث حاول إثبات نبوّة سيدنا مُحَمَّد e لأَنَّ نبوّة عيسى وموسى وغيرهما عَلَيهِم السَّلاَمُ أمر مسلّم به لدى هؤلاء النصارى؛ لكنّه بقي على المنهج القديم الذي يستند إلى المجردّات أكثر من توظيفه للواقع وللنصوص وقراءتها قراءة تمكّن من تأييد الوحي وإثبات وقوعه، خاصّة وأنّ إنكاره لم يعد مقتصرا على إنكار رسالة سَيِّدنَا مُحَمَّد e بل تعدَّاه إلى الأنبياء جملة بتوسّعِ رقعة الإلحاد في العالم؛ لكن لا ننكر أنّه استطاع أن يثبت وقوع النبوّة، ويظهر حاجة البشريّة إليها، وأنّ صلاحها متوقّف على بعثة الرسل، وهذا ما أثار النقاش حول حكم بعثة الرسل هل هي واجبة أو ممكنة؟
__________
(1) - فتح الله: 2/ و: 91. (1/226)
صفحة 227
2 - حكم بعثة الرسل
لئن اتّفق المسلمون في شأن النبوّة ووقوعها ــ وهو أحد أسس الإيمان ــ فإنّهم اختلفوا في حكم هذا الوقوع: هل كان لطفا من الله تعالى؟ أم هو واجب؟
وظهر في الموضوع رأيان مختلفان:
الأَوَّل - وهو الذي اشتهر به المعتزلة الذين قالوا بإيحاب إرسال الرسل على الله تعالى؛ لأنّ حاجة الناس وصلاحهم مرتبطان بها، ومن العدل أن يبيّن الله تعالى لهم ما يصلح به أمرهم، وألاّ يخلّ بهذا الواجب (1).
الثاني - وهو رأي الجمهور الذين عارضوا قول المعتزلة، ومنعوا نسبة الواجب إلى الله تعالى، فإنّه لم يرسل الرسل قياما بواجب عليه؛ بل من فضله بعثهم وجعلهم سببا لهداية البشر، ومن الممكن ألاّ يفعل ذلك، فإنّه: {لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] (2).
وقد حاول الشيخ اطفيش أن يقف موقفا وسطا بين الرأيين، بأن اعتبر جانب حاجة البشر إلى الرسل وتوقّف صلاحهم على بعثتهم، وجانب تنزيه الله تعالى عن وجوب شئ عليه، فإنّه لم يجب عليه أن يرسل الرسل، ولكن لما خلق عباده محتاجين اقتضت حكمته البالغة، وعنايته بهم ألاّ يتركهم؛ بل إتماما للنظام الذي خلقه أرسل إليهم الرسل، وقال بذلك عن حكم بعثة الرسل: «والحكمة تقتضي وجود النبيء في العناية الأزلية المقتضية للنظام الأبلغ» (3).
__________
(1) - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 563.
(2) - الجنة في وصف الجنة: 278.
(3) - حاشية القناطر: 2/ و: 62. (1/227)
صفحة 228
لقد جاء رأي الشيخ اطفيش أقرب إلى رأي المعتزلة هنا، فهما يتّفقان في أنّ الله تعالى لا يضيع عباده، وأنّه أرسل الرسل باعتبار وجود الحاجة إليهم، لكن عبارة الشيخ كانت أكثر انسجاما وأحسن تعبيرا بما يليق لذات الله تعالى، وأبلغ في أداء المعنى، لأنه لم يهمل جانب الإرادة في بعث الرسل، بينما كان ظاهر قول المعتزلة سلب هذه الإرادة، ويؤيّد قولَ الشيخ اطفيش هذا النظام الذي وضعه الله تعالى كما شاء؛ فقد بعث الرسل مفرّقين بين الأجناس والعهود والبيئات، خصوصا لبعض الأقوام، أو عموما للبشريّة، أمّا مقتضى رأي المعتزلة فهو أن يرسل إلى كلّ جماعة من البشر رسولا، وأن تصل الدعوة إلى كلّ الناس بكلّ استقصاء في كلّ وقت، لأنّ صلاحهم يقتضي ذلك؛ وهو ما لم يقع، وبقي من الناس من لم يسمع برسالة قطّ، وهذا يدلّ على عدم وجوب البعثة على الله تعالى، يرسل كما يشاء تبعا لنظام خلقه، ولحكمة يراها حين يرسل أو لا يرسل.
فهذه ظاهرة الوحي واقعة، وظهر أثرها وحاجة الناس إليها لسعادتهم الدنيوية والأخروية، لكن ما هو الوحي؟ وكيف يقع؟
3 - الوحي وأنواعه
ا - تعريف الوحي
لم يعرّف الشيخ اطفيش الوحي لغة (1)؛ وأمّا في الاصطلاح فيرى أنّه: الإرسال،
__________
(1) وقد قال عنه الفيروز آبادي: «الوحي: الإشارة، والكتابة والمكتوب، والرسالة والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك». أما الشيخ رشيد رضا فيقول: «فالقول الجامع في معنى الوحي اللغوي: أنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه، بحيث يخفى على غيره، ومنه الإلهام الغريزي كالوحي إلى النحل، وإلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة كالوحي إلى أمّ موسى، ومنه ضده وهو وسوسة الشيطان [ .... ] ووحي الله - تعالى - إلى أنبيائه قد روعي فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة، وهما الخفاء والسرعة». انظر: الفيروز آبادي: القاموس المحيط، مطبعة دار السعادة، د. ت: 4/ 399؛ محَمَّد رشيد رضا: الوحي المحمَّدي: 44. (1/228)
صفحة 229
فيقال: أوحى الله إلى عبد، بمعنى أرسل إليه ملكا يكلّمه، ويكلّفه بالنبوّة؛ ويعني أيضا الإلقاء في القلب، ومنه قول الشاعر:
وَأَوْحَى إِلَيَّ اللهُ أَنْ قَدْ تَأَمَّرُوا بِإِبْلِ أَبِي أَوْفَى فَقُمْتُ عَلَى رَحْلِ (1)
وهذا التعريف يعمّ كثيرين مِمَّن يلهمون أمورا في قلوبهم، وليس خاصّا بالأنبياء، فهو أقرب إلى التعريف اللغويّ منه إلى تعريف اصطلاحيّ، لذا نرى أنّ غيره كان أدقّ في التعريف، مثل الوارجلاني والجيطالي نورد تعريفيْهما حَتَّى يتّضح بهما المعنى: يقول الوارجلاني: «وأمّا وحي الأنبياء فمعروف، وهو مخالطة الملائكة لهم خصوصا وسرّا عن الناس» (2)؛ ويقول الجيطالي: «والوحي: علم الأنبياء والرسل» (3).
ب - أنواع الوحي
وردت كلمة الوحي في القرآن الكريم مرّات متعدّدة، ولم تكن مضافة إلى الأنبياء وحدهم، بل أحيانا حَتَّى إلى الجماد، من ذلك قوله تعالى:
{إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلىَا نُوحٍ وَالنَّبِيئِينَ مِنم بَعْدِهِ} [النساء: 163].
{وَأَوْحَىَا رَبُّكَ إِلىَ النَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا} [النحل: 68].
__________
(1) - التيسير: 11/ 512، - شرح الدعائم: 1/ 17، نسب البيت إلى عبيد بن الأبرص، ولم نجده في ديوان عبيد؛ انظر عبيد بن الأبرص: الديوان: دار بيروت 1399 هـ / 1979 م.
(2) الوارجلاني: الدليل: 2/ 206.
(3) الجيطالي: قواعد الإسلام: 1/ 23. (1/229)
صفحة 230
{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فيِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فيِ كُلِّ سَمَآءٍ اَمْرَهَا} [فصلت: 12].
فالوحي درجات وأنواع يختلف حسب الموحى إليه؛ والوحي باعتباره نقلا للنبوّة والتكليف إلى البشر يتمّ ــ في نظر الشيخ اطفيَّش ــ حسب الترتيب التالي (1).
- يسمع الناس من النبيء؛ لأنّه بشر مثلهم يخاطبهم بما يفهمون.
- والنبيء اصطفاه الله تعالى ومنحه قدرة يسمع بها من الملك مباشرة.
- والملك يتلقّى الأمر من الله تعالى بكلام يخلقه له، وقد يشترك معه بعض الأنبياء في هذه الدرجة، كما هو الشأن بالنسبة لسيدنا موسى u.
فهذه الدرجات تصف لنا ترتيب تسلسل الوحي من الله تعالى إلى المكلّف، وبيّن فيه الشيخ مقدرة الإنسان العاديّ، والنبيء، والملك فكلّ له مقام خاصّ؛ وفيه استعداد على حسب طاقته في الإدراك. أمّا أنواع الوحي وطرقه التي يتلقّاه بها الرسول فإنّها تنقسم إلى سبع طرق كالتالي (2):
أَوَّلاً - مجئ الملك دون صورته: وهي أشدّ طرق الوحي كما وصفها الرسول e في قوله: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال» (3)؛ دون أن يدرك مَن حوله شيئا.
ثانيا - تمثّل الملك في صورة رجل يكلّم النبيء، ويسمع مَن معه كما هو الحال
__________
(1) - الهميان: 1/ 419.
(2) -الهميان: 2/ 239؛ -شرح الدعائم: 1/ 17؛ -التيسير: 3/ 304، 305؛ 11/ 513؛ -الذهب الخالص: 20.
(3) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: 05 رقم 02؛ انظر: البخاري: بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي رقم 02؛ المعجم المفهرس: 7/ 164. (1/230)
صفحة 231
في حديث جبريل u في معنى الإيمان (1)؛ وقال الرسول e عن ذلك: «وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول» (2).
ثالثا - الوحي في المنام: فيعلم النبيء أنّ ما رآه في المنام إِنَّمَا هو وحي من الله تعالى كما هو شأن إبراهيم u مع ابنه حين قال: {قَالَ يَا بُنَيِّ إِنِّيَ أَرَى فيِ الْمَنَام أَنِّيَ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى، قَالَ: يآ أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ} [الصافات:102] وجاء في الأثر: «رؤيا الأنبياء وحي» (3).
رابعا - ظهور الملك على صورته: فيلقي إلى الرسول الوحي، كما حدث لسيدنا مُحَمَّد e في أوّل البعثة وفي الإسراء والمعراج؛ وأشار القرآن إليه في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالاُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23] (4)، وقوله أيضًا: {وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَى} [النجم: 13].
خامسا - الكتابة على أرض أو على غيرها، ويرى الشيخ اطفيش أنّ هذا النوع هو المشهور في غير القرآن، كالزبور والتوراة.
سادسا - الإلهام: وهو ما يلقيه الله تعالى إلى قلب النبيء فيعلم أنّه وحي في اليقظة أو في المنام.
سابعا - الوحي الذي يصدرعن النبيء بالتأمُّل في الأحكام والاجتهاد فيصبح وحيا،
__________
(1) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: 201 رقم: 769؛ انظر الفصل الرابع المبحث الأَوَّل هامش 25.
(2) انظر تخريجه في الهامش: 28 السابق.
(3) استشهد به الشيخ اطفيَّش حديثا وهو في البخاري قول لعبيد بن عمير في كتاب الوضوء باب التخفيف في الوضوء رقم 138؛ انظر: المعجم المفهرس: 7/ 163.
(4) انظر ما سبق هامش: 10 من هذا المبحث. (1/231)
صفحة 232
ويتمثّل في مجموع الحديث النبويّ الشريف، وهو وحي باعتبار أنّ الله تعالى يقرّه على ذلك.
هذه هي طرق الوحي التي عدّدها الشيخ اطفيش، وقد أغفل نوعا آخر وهو التكليم المباشر للنبيء بلا واسطة؛ وعند تأمّل هذه الأنواع نلاحظ أنّها تجعل حياة الرسول بعد البعثة ــ في أغلبها ــ صادرة عن الوحي؛ لَكِنَّهَا لا توقفنا على حقيقة الوحي ووقوعه، فغاية ما تدلّ عليه هو ذكر الاتّصال بالملك وطرق ذلك، فلا ندرك كيفيّة تلقّي الرسول لما يلقيه الملك إليه وهو مصحوب بما يشبه صوت الجرس، كما لا يمكن أن ندرك كيف وقع التكليم لموسى u؛ ويدلّ هذا على أنّ حال الوحي لا توصف، وإنمّا يدركها النبيء الذي وقعت له دون غيره، وهذا ما يفصل بين النبيء وبين الإنسان العاديّ الذي لا يوحى إليه؛ فالنبوّة بهذا درجة خاصّة ببعض البشر دون الآخرين، وهذا ما يدعو إلى التساؤل: هل النبوّة اصطفاء واختيار، أم هي اكتساب واجتهاد؟
4 - النبوّة بين الاكتساب والاصطفاء
اختلف الذين تكلّموا في النبوّة بين كونها اكتسابا، يستطيع الإنسان الحصول عليها بأنواع من رياضة النفس ومجاهدتها، وبين كونها اصطفاء واختيارا من الله تعالى يكلّف بها من يشاء من عباده؛ وقد ذهب الفلاسفة إلى اعتبارها مكتسبة عن طريق التأمُّل، والاجتهاد في الفكر حَتَّى يصبح الإنسان المفكّر أهلا لها (1). واتّفق جمهور المسلمين على أنّها اصطفاء من الله تعالى لما تدلّ عليه الآيات القرآنية وأحوال الأنبياء، وهو رأي الشيخ اطفيش، ويقول: «واعلم أنّ الرسالة والنبوّة ضروريّتان عندنا، وهو الصحيح» (2). فالله يختصّ بالنبوّة من يشاء من عباده، ويمنّ عليهم بذلك، من
__________
(1) اسماعيل الجيطالي: قواعد الإسلام: 1/ 23؛ الثميني: معالم الدين: 2/ 49.
(2) - شرح الدعائم الموسع: ظ: 06. (1/232)
صفحة 233
غير اشتراط وصف ذاتيّ أو اجتهاد، وخلوة عن العباد والتأمّل (1). ويدلّ له قوله تعالى على لسان الرسل: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمُ, إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11]؛ ويرى الشيخ اطفيش أنّ الذي اختير للنبوّة لم يكن من أجل ميزة ذاتيّة فيه، فالناس عند الله سواء، كما أنّ من لم يختر للنبوّة ليس لسبب شخصيّ فيه جعله لا يصلح للنبوّة ولا يكون أهلا لها، بل الله تعالى يختار من يشاء كما يشاء، ويقول الشيخ عن هذا: أنّ من كان نبيّا: «ليس مستحقًّا للنبوّة بالذات ومن لم يكن نبيّا ليس مستحقًّا لعدم النبوَّة بالذات» (2). وهذا ردّ على الكراميّة (3) الذين يرون أنّ النبوّة صفة ملازمة لماهية النبيء، وذاتيّة فيه (4)؛ وقد قال الشيخ اطفيَّش في نفي هذا الرأي: إنّ النبوّة والرسالة: «مجردّ قول الله U لمن اصطفاه: بعثتك أو أرسلتك فبلّغ عنيّ، أو إِنِّي أوحي إليك وأنت نبيء أو نحو ذلك، فذلك كالولاية للوليِّ، والإمامة للسلطان» (5)؛ فشبّه النبوّة والتكليف بها بتوليّ أولياء الله تعالى لأنّه لا اختيار فيه بل واجب وضروريّ أن يتولىَّ المسلم أخاه المسلم، وكذلك السلطان إذا تعيّنت له الإمامة وجب عليه تولّيها، وهو لا يستعدّ لها ولا يطلبها لنفسه، بل يختاره المسلمون لها (6).
فالنبوّة إذا ليست ثمرة ونتيجة لزيادة عمل أو اعتقاد أو اجتهاد من النبيء، بل
__________
(1) - حاشية القناطر: 2/ ظ: 64.
(2) - الهميان: 9 ق 1/ 22.
(3) الكرامية: أتباع أبي عبد الله مُحَمَّد بن كرم، قال عنه الشهرستاني: مثبت للصفات، لكن ينتهي إلى التجسيم، والكرامية فرق متعددة. انظر: الشهرستاني: الملل والنحل: 2/ 144 - 152.
(4) الثميني: معالم الدين: 2/ 49؛ - الغسول من أسماء الرسول: طبع قديم د. م 1319 هـ: 80.
(5) - المصدر نفسه.
(6) - الذهب الخالص: 38، 39 42؛ -حاشية السؤالات: و: 128؛ -شرح العقيدة: 436؛ ... - شرح أصول تيبغورين: 292. (1/233)
صفحة 234
هي محض تفضيل (1). والقرآن الكريم صريح في ذلك، في مثل قوله تعالى: {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاَتِهِ} [الأنعام: 124]، وقوله أيضا: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَن يُّلْقَىآ إِلَيْكَ الْكِتَابُ} [القصص: 84]. وهذا الموقف من الشيخ اطفيش يرمي إلى إبعاد أيّ اكتساب للرسول في النبوّة، ويبيِّن أنّه لم يكن ينتظرها؛ وهذا يستدعي تفسير حياة الرسول قبل البعثة ومكانته بين الناس، إذ نجده يعيش حياة غير حياة الناس الآخرين في عصره، ويفكّر غير تفكيرهم، فهل لهذا من أثر في الاصطفاء؟ وهل كان يقصد إلى النبوّة بتلك التصرّفات؟
يرى الشيخ في سيرة النبيء وأخلاقه قبل البعثة أنّها لم تكن استعدادا منه لتلقّي الوحي، وليست رياضة منه لتحمّل أعباء الرسالة، ولكنّها تفيد في إقناع القوم الذين أرسل إليهم بأنّه نبيء حقّ؛ وتمكّنه من اكتساب مكانة في قلوبهم، وتكون سببا في قبولهم دعوته وتصديقه، لكنّها لم تكن مقصودة من النبيء؛ لأنّه لا يعلم بكونه نبيّا إلاّ إذا نزل عليه الوحي، فهي تأهيل من الله تعالى لمن أراد أن يجعله نبيّا، ويقول الشيخ عن ذلك: «ولا مانع من أن يقال: يخصّها (2) الله U بمن جعل فيه خواصّ شريفة قدسيّة، وليسوا يتأثّرون بها بالقصد إلى النبوّة ولا علموا؛ لأنّهم لا يكونون أنبياء حتّى يوحى إليهم» (3).
ومع مسايرة الشيخ اطفيش لرأي القائلين بالاصطفاء في النبوّة، فإنّه لم يترك ذلك مطلقا، بل ذهب فيه مذهبا آخر يجعل النبوّة مكتسبة لاعتبارات ثلاثة كما هي في قوله: «والرسالة اكتسابيّة: اعتبارا لجانب التبليغ؛ لأنّ الرسالة قد تطلق عليه؛ أو كلتاهما (4) اكتسابيّة اعتبارا لجانب التبليغ في الرسالة وجانب القبول والتأثّر في جانب
__________
(1) - التيسير: 6/ 330.
(2) أي: النبوّة.
(3) - التيسير: 6/ 330.
(4) أي: النبوّة والرسالة. (1/234)
صفحة 235
النبوّة؛ أو لجانب تهذيب النفس فيهما حَتَّى كان أهلا وهو (ص)، (أق)» (1).
لكن هذه الاعتبارات ــ في نظرنا ــ ليست جميعا صالحة لوصف النبوّة بالاكتساب: فالاعتبار الأوّل وهو التبليغ في الرسالة، ليس من أصل الرسالة، بل هو ناتج عنها، وضروريّ لازم، فكلّ رسول يبلّغ ما أنزل إليه، فكونه عملاً من الرسول ومن كسبه لا يعني أنّه اكتسب به وصف الرسول والنبيء، وكذلك الأمر مع الاعتبار الثاني وهو القبول والتأثّر بالنبوّة، فهذا لا يعني أنّ النبيء الذي قبل النبوّة قد اكتسبها؛ لأنّه لا اختيار له وقد أخبر بكونه نبيّا قبل أن يقبل أو يرفض؛ لذا لا يمكن إقحامه سببا في وصف النبوّة بالاكتساب؛ أما الاعتبار الثالث وهو التهذيب النفسيّ فإنّه متناقض مع ما سبق من نفيه أن يكون مقصودا من النبيء؛ ويظهر هنا أنّ الشيخ توسّع في استعمال مصطلح الاكتساب في هذا المجال، مع أنّ موقفه الأصليّ هو القول بالاختيار، وحاول هنا التوفيق بين الموقفين في الموضوع مع أَنَّهُمَا متناقضان، والقرآن الكريم هو الفصل في الموضوع، وكان صريحا في ذلك، فالله يصطفي من يشاء من الناس لرسالاته، وينشئه على أخلاق النبوّة، وقد يتجّه النبيء إلى تهذيب نفسه وإلى التأمّل مع أنّه لم يكن يخطر له أن يكون نبيًّا، ولا أن يطلب النبوّة، والله تعالى يقول: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَن يُّلْقَىآ إِلَيْكَ الْكِتَابُ} [القصص: 84].
وهكذا تكون النبوّة اختيارا، فمن نزل إليه الوحي من البشر فهو النبيء.
فمن هم الأنبياء والرسل؟ هذا ما سنحاول معرفته فيما يأتي من المبحث المقبل.
__________
(1) - الذهب الخالص: 20، (ص): بمعنى الصحيح؛ (أق): بمعنى أقوال. (1/235)
صفحة 236
المبحث الثاني
الأنبياء والرسل
1 - تعريف النبيء والرسول
ارتبط بموضوع الوحي اصطلاحان هما: النبيء والرسول، وَلِكُلِّ منهما دلالته اللغويّة والاصطلاحيّة.
ا - التعريف اللغو ي
يذكر الشيخ اطفيَّش في ضبط لفظ النبيء قراءتين: الأولى النبيء: بالهمز آخر الكلمة، على وزن "فعيل"، من أصل هو: النبأ؛ الثانية النبيّ: بتشديد الياء المنقلبة عن همزة أو واو؛ واختار الشيخ القراءة الثانية على الأولى (1).
أما معنى هذا اللفظ ففيه اعتباران:
- إِمَّا أن يكون أصله من «النبأ» فهي صفة على وزن "فعيل" بمعنى فاعل، أي: منبيء ومخبر، أو بمعنى مفعول، أي منبَّأ ومخبَر؛ فعلى الأوّل منبيء: الذي يخبر الناس؛ وعلى الثاني: منبّأ: الذي يخبره الملَك ويأتيه بالوحي.
- وَإِمَّا أن يكون أصله من النبوءة ــ نبا ينبو نبوءة ــ فجاء لفظ النبي على
__________
(1) الفيروز آبادي: القاموس: 1/ 29، -الهميان: 7 ق 1/ 20؛ -جامع الوضع والحاشية: 25؛ رشيد رضا: الوحي المحمدي: 47؛ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 567؛ السيوطي: الدر المنثور: 1/ 178، 179. (1/236)
صفحة 237
وزن "فعيل" فتكون في الأصل نَبِيوٌ ثمّ قلبت واوه ياء وأدغمت في ياء "فعيل" بمعنى الرفعة، فالنبي: هو المرفوع القدر المشرّف.
وعلى الاعتبارين يكون معنى لفظ النبيء لغة: هو المخبَر أو المخبِر أو المرفوع الشأن (1)؛ وهي كلّها صالحة في الموضوع، كما أنّ من معانيه أيضا: الطريق، باعتبار أنّ النبي يهدي إلى طريق الله المستقيم (2).
وعلى قدر اهتمام الشيخ بالتعريف اللغويّ للفظ النبيء، فإنّه لم يهتمّ بلفظ “الرسول”، ولم يعرّفه لغة، واكتفى بشهرة معناه بين الناس، ووضوحه وقِدَمِ استعماله قبل الإسلام وبعده، دالاّ على بعث أحد إلى الغير مخبرا ومبلّغا، وهذا ما ذهب إليه القاضي عبد الجبار حين تعريفه لهذا اللفظ (3).
ب - التعريف الاصطلاحي
عرّف الشيخ اطفيش النبيء اصطلاحا بقوله: «المشهور أَنَّ النبيّ إنسان أنزل عليه شريعة بيان كيفيّة تعبّده لله تعالى» (4). ثمّ زاد لتعريف الرسول قوله: «فإن أمر بتبليغها إلى الغير سمّي رسولا، هذا هو الصحيح» (5).
فالنبيء والرسول حسب التعريف يلتقيان في معنى تلقّي الوحي من الله تعالى، ثُمَّ يختلف الرسول عن النبيء بكونه مأمورا بتبليغ ما أنزل إليه، وهذا هو الفرق المشهور عند
__________
(1) - الهميان: 7 ق 1/ 20؛ - جامع الوضع والحاشية: 25.
(2) الفيروز آبادي: القاموس: 1/ 29؛ - الهميان: 7 ق 1/ 20.
(3) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 567.
(4) - شرح نونية المديح: (خ) مكتبة القطب (ا-ث: 3): و: 89، ظ: 89.
(5) - المصدرنفسه. (1/237)
صفحة 238
الجمهور (1)، فالنبيء لفظ أعمّ من الرسول؛ ومن الأدلّة التي ذكرها الشيخ اطفيش لهذا الرأي قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ اِلآَّ إَذَا تَمَنَّىآ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فيِ أُمْنِيَتِهِ} [الحج: 52]. فذِكرهما معا في نصّ واحد يدلّ على تغايرهما واختلافهما، ولو كانا يدلاّن على معنى واحد لما كان لذكرهما معنى، ولأصبح تكرارا (2)؛ وقد اختلف القاضي عبد الجبار مع الجمهور في ذلك، فهو يرى أنّ اللفطين يدلاّن على شئ واحد، وذِكرُهما معا لا يدلّ على التغاير، وقد جمع القرآن ألفاظا تدلّ على معنى واحد، مثل قوله تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، مع أنّ الكلّ فاكهة (3)، ويقول الزمخشريّ إنّ هذه الألفاظ لا تدلّ على معنى واحد، وقد جاء اللفظان: النخل والرمان بعد ذكر الفاكهة لأنّهما لم يخلصا للتفكّه، بل أحدهما فيه تفكّه وطعام وهو النخل، والآخر فيه تفكّه ودواء وهو الرمان، فذكرهما يدلّ على اختلافهما ومغايرتهما فيما بينهما وبين الفاكهة (4)؛ إضافة إلى هذا فإنّه سنحتاج دائما إلى الفصل بين من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ، وبين من أوحي إليه وأُمر بالتبليغ، ولا يصلح لهذا إِلاَّ ما ذهب إليه الجمهور.
2 - عدد الأنبياء والرسل
يرى الشيخ اطفيش إلى أنّ عدد الأنبياء هو مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولا (5)؛ ويستند في هذا إلى ما ورد في القرآن الكريم من
__________
(1) الثميني: معالم الدين: 2/ 50؛ -شرح عقيدة التوحيد: 54؛ - الغسول: 79، 81؛ -الهميان: ط 1: 10/ 222؛ وقال ابن أبي العز إن هذا هو أحسن فرق بين الاثنين، انظر: شرح الطحاوية: 167.
(2) - الغسول: 78، 79؛ - شرح لامية ابن النظر: 1/ 161.
(3) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 567، 568.
(4) الزمخشري: الكشاف: 6/ 68.
(5) - الذهب: 19. (1/238)
صفحة 239
أسماء الأعلام التي اتّفق على أنّها أسماء رسل (1)، وإلى ما جاء في الحديث عن أبي ذرّ الغفاري t قال: «قلت: يا رسول الله: كم وفى عدّة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمّا غفيرا» (2)؛ وقد اختلفت الروايات حول عدد الرسل بين خمسة عشر وثلاثمائة أو أربعة عشر وثلاثمائة أو ثلاثة عشر وثلاثمائة، وقد رجّح الشيخ اطفيش العدد الأخير (3).
ونلاحظ أنّ مصدري العقيدة الإسلاميّة ــ القرآن والسنّة ــ لم يعنيا بحصر الأعداد ولا بحشد قوائم الأسماء في موضوع الأنبياء والرسل، لأنّ المقصد من ذكر الأنبياء وأخبارهم الاتّعاظ بهم، وزيادة الإيمان بذلك، ولكنّ الشيخ اطفيش لم يقف عند هذا الحدّ مِمَّا ذكره القرآن والسنّة بل ذهب إلى تعداد كلّ أسماء الرسل حتّى يصل إلى ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولا، وسرد قائمة مطوّلة، في موضعين من مؤلفاته: في كتابه «شرح العقيدة»؛ ثمّ في تفسيره «التيسير» (4)؛ دون أن يحيل على مصدره، وواضح أنّه استقى هذه القائمة مِمَّا كان بين يديه من «التوراة» و «الإنجيل»، وهذه أحد المواطن التي لم يسلم فيها من حشر الإسرائيليّات دون تمحيص وتنقيح.
ورغم هذه الأعداد والأسماء المستقاة من مصادر مختلفة في شأن عدد الرسل والأنبياء، فإنّ السؤال ما زال قائما: هل هو العدد الحقيقيّ للأنبياء؟، وهل علم الرسول e بِكُلِّ من سبقه من الأنبياء؟ فقد ورد في القرآن الكريم ما يَدُلُّ على أنّه لم يكن يعلم كلّ شئ في الموضوع؛ لقوله تعالى: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْل
__________
(1) البيجوري: تحفة المريد: 24، - الذهب: 19.
(2) الإمام أحمد: المسند: 5/ 266؛ وقد خرجه الهيثمي بلفظ آخر عن أحمد والطبراني وقال: مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف؛ انظر الهيثمي: مجمع الزوائد: 1/ 159؛ المعجم المفهرس: 6/ 337.
(3) - الهميان: ط 1: 13/ 149، 150؛ - شرح نونية المديح: ظ: 400.
(4) - شرح عقيدة التوحيد: 319، 320؛ - التيسير: 6/ 304، 305، 306. (1/239)
صفحة 240
وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164]. وكان الشيخ اطفيَّش يرى أنّ الرسول e قد علم بِكُلِّ الأنبياء والرسل، فجنح إلى الجمع بين الآية السابقة وبين ما جاء في حديث أبي ذرٍّ t فقال: إنّ الآية تنفي حكاية أخبار الرسل، ولا تنفي ذكر عددهم أو ذكر أسمائهم، فيمكن أن يعرف عددهم وأسماءهم دون أن يحيط بأحوالهم وأخبارهم؛ أو تكون الآية نزلت قبل أن يُعلمه الله تعالى بعدد الرسل وأسمائهم، لذا انتهى الشيخ إلى الحكم على من قال بجهل الرسول بالعدد فقال: «وأخطأ من قال: إِنَّهُ e لم يعلم عدد الأنبياء والمرسلين» (1)؛ وهذا الرأي مبنيّ على اعتقاد أنّ الرسول e لفضله ومكانته يجب أن يكون عالما بكلّ ذلك؛ ويستند أيضا إلى احتمالات لا تقوم على دليل قاطع ولا تسوّغ تخطئة من خالف الرأي فيها؛ ولم يكن من أجزاء العقيدة الإيمان بعدد للأنبياء مضبوط وحقيقيّ، ونجد الشيخ نفسه قد انتهى إلى هذه النتيجة، وترك قوله الأوّل ورجّح الرأي القائل بالإمساك عن القطع بعدد الأنبياء والرسل، وقال: «والصحيح الإمساك عن حصرهم في عدد لئلاّ يؤدّي إلى نفي النبوّة عن بعضهم أو إثباتها لمن سواهم» (2)، وهو رأي طائفة من العلماء (3).
3 - صفات الأنبياء والرسل
يعتبر الأنبياء والرسل أفضل الناس مرتبة لما اتّصفوا به من خلال وخصال تجعلهم مثلا للناس في الصلاح وقدوة؛ لذا كان الإيمان بما فيهم من صفات تابع للإيمان بهم،
__________
(1) -المصدرالسابق: 11/ 383، 384.
(2) - شرح عقيدة التوحيد: 319؛ انظر المصدر نفسه: 54.
(3) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 349؛ طاهر الجزائري: الجواهر الكلامية في إيضاح العقيدة الإسلامية: ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر: 1990 م: 64. - د. أبو الأعلى المودودي: مبادئ الإسلام: 86، 87. (1/240)
صفحة 241
وهذه الصفات تتعلّق بالناحية الجسميّة، أو تتعلّق بنوع جنسهم أو بأخلاقهم، وقد بحث الشيخ صفات الرسل وأشار إلى بعض ما يتّصفون به كما يلي:
ا - سلامة النبيء من منفر بدني
فهو يرى أنّ الأنبياء لا يتّصفون بعيب في أبدانهم، ولا بما يجعل الناس ينفرون منهم كالأمراض والعاهات، وخاصّة قبل التبليغ، أمّا بعده فيمكن أن يصاب النبيء بضرر في جسده، كما هو الحال مع يعقوب u الذي فقد بصره بعد كونه نبيّا، وبعد تبليغه الدعوة إلى الناس (1).
وقد يكون الدافع إلى اعتقاد هذا الوصف في الأنبياء هو كون المنفّر الخلقيّ يشغل الناس عن اتّباع الرسول وعن تصديقه، ويدفعهم إلى السخريّة منه والاشتغال بالبحث عن عيوبه، لذا قيّده الشيخ اطفيش بكون النبيء يتَّصف بالكمال الجسديّ والمظهريّ قبل التبليغ، ولم يمنع زوال هذا الوصف بعد التبليغ؛ إلاّ أنّ هذا يحتاج إلى استقراء جميع أحوال الرسل ومعرفة وقت إصابة بعضهم بالعاهات أو بما ينفّر منهم، وهو أمر غير متيسّر دائما.
ب - النبوّة في الإنس دون الجنّ
لم يرد دليل نقليّ يثبت النبوّة في الجنّ، لكن من عرفوا من الأنبياء والمرسلين كانوا إنسا؛ فهل يعني هذا أنّ النبوّة محصورة فيِ الإنس دون الجنّ؟
لقد ذهب الشيخ اطفيش في المسألة مذهب من يرى أنّ النبوّة خاصّة بالإنس دون الجنّ، وهو قول ابن عباس، ومجاهد (2)، وروي عن الضحاك (3) في تفسير قوله تعالى:
__________
(1) - الهميان: 8 ق 1/ 268؛ - الذهب: 19؛ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 573.
(2) السيوطي: الدر المنثور: 3/ 359؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 177.
(3) الضحَّاك: بن مزاحم البلخي الخراساني (توفي سنة 105 هـ/723 م) مفسِّر و مؤدِّب أطفال؛ انظر الزركلي: الأعلام: 3/ 215. (1/241)
صفحة 242
{وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّنَاتِ} [غافر: 34]، أَنَّهُ قال: «إِنَّهُ رسول إلى بني آدم وهو من الجنِّ»، وعلَّق الشيخ على هذا الرأي بقوله: إِنَّهُ شاذٌّ لا يَصِحُّ (1).
إنَّ الجزم بكون الرسالة مقصورة على الإنس دون الجنِّ يحتاج كذلك إلى العلم المحيط بعالم الجنِّ، وإلى استدلالٍ، بينما الاعتماد على كون الأنبياء المعروفين إنسًا لا يكفي إِلاَّ بدليل نقليٍّ، وحَتَّى الأنبياء لا نعلم منهم إِلاَّ القليل، وهذا مِمَّا يمنع من الجزم في الموضوع.
جـ - النبوّة في الرجال دون النساء
اختلف في وقوع النبوَّة بين النساء، ومدار الخلاف ومنشَؤُه ما ورد في القرآن الكريم من إسناد الوحي وإرسال الملائكة إلى بعض النساء، ومنه قوله تعالى في شأن بنت عمران: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17]؛ وقوله تعالى في شأن أم موسى u: {وَأَوْحَيْنَآ إِلىَآ أُمِّ مُوسَىآ أَنَ اَرْضِعِيهِ} [القصص:07]؛ فهل تعتبر هذه النصوص ومثلها دليلا على أنَّ هؤلاء النسوة كنَّ من الأنبياء؟
لقد اسْتَدَلَّ من يرى جواز النبوَّة في النساء بهذه النصوص، بينما اعتبرها الجمهور مُجَرَّد دلالة على الكرامة والإلهام، وليس وحيا بالمعنى المعروف لدى الأنبياء والرسل، ويقول الشيخ اطفيَّش: إنَّ الصحيح هو قول الجمهور؛ لأَنَّ النبوَّة هي وحي وإعلام للموحى إليه أَنَّهُ نبيء، وهذه النصوص لا تَدُلُّ على ذلك (2). واستدلَّ أيضا بقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً يُّوحَىآ إِلَيْهِمْ} [الأنبياء: 07]، قال:
__________
(1) - شرح العقيدة: 234؛ انظر: السيوطي: الدر المنثور: 3/ 360.
(2) - الغسول: 80؛ -شرح العقيدة: 54؛ -شرح نونية المديح: و: 423؛ -الذهب الخالص: 19؛ التيسير: 2/ 66. (1/242)
صفحة 243
إنّها تحصر الوحي في الرجال دون النساء (1)؛ وقد رفض الوارجلانيّ قبل الشيخ اطفيش الاستدلال بهذه الآية، وقال: إنّها تدلّ على حصر الرسالة في الرجال، ولا تدلّ على حصر النبوّة فيهم، وفرق بين النبوّة والرسالة (2)، لذلك بقي الخلاف خاصّا في جواز نبوّة النساء، بينما أجمع العلماء على انتفاء الرسالة في النساء (3)؛ وبقي الموضوع محلّ خلاف لعدم وجود أَدِلَّة قطعية ترجّح أحد القولين (4).
د - عصمة الأنبياء من الخطأ والمعاصي
أهمّ ما يتّصف به الأنبياء خُلُقهم القويم الذي يظهر في تعاملهم مع الناس، وفي أداء الرسالة وتبليغ الأمانة، فهم قدوة لغيرهم، ولا يصدر عنهم ما ينقص من درجتهم ومكانتهم، وهو ما يجب اعتقاده في حقّهم؛ وعرف ذلك بالعصمة عن الخطايا والمعاصي، وقد اهتمّ الشيخ اطفيش بهذا الموضوع، وفصَّل فيه القول.
أَوَّلاً - تعريف العصمة
العصمة لغة: تعني الحفظ، كما تعني المنع أيضا (5). ويقول الشيخ اطفيش في معناها الاصطلاحيّ: «والعصمة عندنا وعند الأشعريّة: أن لا يخلق الله فيهم (6) ذنبا، بناء على ما يقتضيه أصلنا من استناد الأشياء إلى الفاعل المختار ابتداء» (7).
__________
(1) - التيسير: 6/ 318؛ - الهميان: 4/ 90.
(2) الوارجلاني: الدليل: 3/ 210، 211.
(3) - التيسير: 2/ 66.
(4) السالمي: مشارق: 1/ 87.
(5) ابن منظور: اللسان: 12/ 403، 404.
(6) أي: الأنبياء.
(7) - حاشية القناطر: 2/ و: 77. (1/243)
صفحة 244
والعصمة للأنبياء فضل من الله تعالى عليهم، وليست وصفا ذاتيّا فيهم، بل يتفضّل الله تعالى بها على نبيِّه فيكون معصوما عن ارتكاب الذنب والوقوع فيه (1) ولكن العصمة لا تتعلّق فقط بالذنوب، بل لها مجال آخر وهو النسيان والخطأ في حياة النبيء عموما.
ثانيا - دليل العصمة
لم يستدلّ الشيخ اطفيش مباشرة على وجود العصمة، ولكنّه ردّ على من استدلّ على عدمها بقوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200]، فقال: «ولا دليل في الآية على أنّ الأنبياء غير معصومين؛ لأنّه جاء النزغ على طريقة العرب في الشكّ بـ «إن» الشرطيّة، وقد علم أنّه لا ينزغه الشيطان، وإنّما قال ذلك تأكيدا؛ كما قال: {لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (2) وقد علم أنّه لا يشرك، أو تعليما للغير؛ أو الخطاب للإنسان مطلقا؛ أو لأنّه ولو نزغه لا يتبعه في نزغه؛ فالعصمة عن قبول الوسوسة لا عنها، وهو الأظهر؛ وفي الحديث “ما منكم من أحد إلاّ وقد وكّل به قرينه من الجنّ يلمّ بشر، وقرينه من الملائكة يلمّ يخير” قالوا: فأنت؟ قال: “وأنا، لكن أعانني الله عليه فأسلم”» (3). وقد ابتدأ الشيخ في النصّ بالرّد على من ينكر العصمة ثمّ انتهى بالاستدلال على وجودها من الحديث الشريف؛ ولم يتوسّع الشيخ أكثر من هذا لبيان وقوع العصمة والاستدلال عليها (4).
__________
(1) - الهميان: 9 ق 1/ 74، ينظر: الإيجي: المواقف في علم الكلام: 366.
(2) سورة الزمر: 65.
(3) - الهميان: 7 ق 2/ 108؛ والحديث رواه مسلم بلفظ مختلف ليس فيه «يلمّ بخير ... يلمّ بشرّ». انظر مسلم: صفات المنافقين رقم 2814؛ المعجم المفهرس: 5/ 373.
(4) انظر في هذا: عبد الجبار: تنزيه القرآن: 18، 132؛ الرازي فخرالدين: معالم أصول الدين: 102، 103؛ الثميني: معالم الدين: 2/ 61. (1/244)
صفحة 245
ثالثا - العصمة من الخطأ والنسيان
ينظر الشيخ اطفيش إلى عصمة النبيء من الخطأ والنسيان باعتبارين:
الاعتبار الأَوَّل: وهو أنّ النبيء يصدر منه النسيان ويخطئ، وهو في هذا مثل سائر البشر غير معصوم، وهذا فيما يتعلّق بأمور الدنيا التي لا علاقة لها بالرسالة وتبليغها (1)، فيعتري النبيء في حاجات الدنيا ما يعتري غيره من البشر ويستوي معهم، وهذا من الصفات الجائزة في حقّ الأنبياء وممّا يثبت بشريّة الرسل.
الاعتبار الثاني: فيما يتعلّق بتبليغ الرسالة والوحي عموما، ويرى الشيخ اطفيش أنّ النبيء يستحيل عليه الخطأ والنسيان في هذا المجال، فهو معصوم لا يمكن أن ينسى شيئا مِمَّا أوحي إليه، أو يخطئ في تبليغه، إلاّ أنّ الشيخ يفرّق بين وقوع الخطأ قبل التبليغ ووقوعه بعده، فهو يمنعه ويجعله مستحيلا قبل أن يبلّغ الرسول ما أمر بتبليغه، وإذا بلّغ فإنّه من الممكن أن ينسى أو يسهو عنه (2).
كما يمكن أن يقع السهو والنسيان من النبيء وذلك لحكمة مقصودة في تبليغ الشريعة، ومثاله الطريقة التي تمّ بها تشريع سجدة السهو في الصلاة إذ كانت بعد سهو الرسول e في صلاته (3).
فهذان الاعتباران يضعان النبيء في مقامه الحقيقيّ، فهو بشر مثل غيره يطرأ عليه ما يطرأ على كلّ الناس من النسيان والسهو، إلاّ أنّه رسول لا يمكن أن يقع له نسيان يؤثّر على تبليغ الرسالة، ويؤيّد هذا قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىآ إِلاَّ مَا
__________
(1) - شرح أصول تيبغورين: 71.
(2) - التيسير: 3/ 336، 337.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 71. (1/245)
صفحة 246
شَآءَ اللهُ} [الأعلى: 6 - 7]، فإذا وقع فلتشريع أراده الله تعالى (1).
رابعا - العصمة من المعاصي
تختلف آراء العلماء والمدارس الإسلاميّة في شأن عصمة الأنبياء من المعاصي، وحتّى نتمكّن من معرفة رأي الشيخ اطفيش في الموضوع نعرض هذه الآراء مقسّمين الحديث فيه إلى ما قبل البعثة وما بعدها، وفي كلّ قسم نرى القول فيه عن العصمة من المعصية الصغيرة، ومن الكبيرة، كما يلي:
1 - العصمة قبل البعثة: يتّفق الإباضيّة والمعتزلة والشيعة الإماميّة على أنّ النبيء معصوم من الوقوع في الكبائر قبل بعثته (2)؛ ووافقهم في هذا الشيخ اطفيش (3)، بينما ذهب الأشاعرة إلى جواز صدور الكبيرة من النبيء قبل أن يُوحى إليه ما دام إنسانا عاديا غير نبيء (4).
و الرأي الأوّل أكثر انسجاما مع ما يوصف به النبيء من الخلق الكريم المؤثّر في قبول دعوته، ومع وصفه بحياة خاصّة من التفكير والتأمّل قبل بعثته، فجواز وقوع الكبيرة منه ينقص من هذا التأثير؛ لذلك ذهب بعض من أجازوا وقوعها إلى أنّها ممكنة لكن غير مقطوع بها، ومن هؤلاء الشيخ السالميّ من الإباضيّة (5)؛ وهذا يدلّ على أنّ هذه الأحكام لم تؤخذ عن استقصاء لحياة الرسل ولما صدر منهم، فهي أشبه بأحكام
__________
(1) د. عمر سليمان الأشقر: الرسل والرسالات، سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنّة: قصر الكتاب البليدة: 1989 م: 97.
(2) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 573؛ الثميني: معالم الدين؛ 2/ 61؛ التعاريتي: المسلك المحمود في معرفة الردود: 77؛ محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي عرض وتحليل وتحقيق: المكتبة العصرية، صيدا بيروت د. ت: 175.
(3) - الهميان: 8 ق 2/ 20.
(4) البغدادي عبد القاهر: كتاب أصول الدين: 167، 168.
(5) السالمي: مشارق: 2/ 26؛ انظر: البغدادي: أصول الدين: 167، 168. (1/246)
صفحة 247
العقل المجرّد، تبحث فيما يجب أن يكون عليه الرسول؛ ولا تقرّر ما صدر منه وتصفه.
كما وقع الخلاف أيضا في حكم وقوع الصغيرة من النبيء قبل البعثة: إذ أجازها المعتزلة والأشاعرة، لعلَّة أَنَّهَا تقلّل من الثواب ولا تقدح في النبوّة، كما قال عبد الجبار: «لا يقدح في صدق الرسل ولا في القبول منهم» (1)؛ فليس من الواجب أن يعصموا منها، أمّا الإباضيّة ــ حسب ما يقرّره الشيخ اطفيَّش ــ فيرون أنّ النبيء معصوم من المعصية الصغيرة قبل أن يبعث؛ وهو الرأي المشهورعندهم (2)؛ أما هو فقد اتَّبَعَ رأي من يقول بعدم العصمة من الصغيرة قبل البعثة، وقال: «والذي عندي عدم عصمتهم بعدها وقبلها لكثرة أدلّته» (3) ولكن لم يذكر هذه الأدلّة، ولا هذه الصغائر التي صدرت من الأنبياء، وسيتّضح هذا أكثر عند تحليل بعض النصوص التي تنسب المعاصي إلى بعض الأنبياء في ظاهرها، مع العلم أنّ الصغيرة والكبيرة ــ كما سنبيّنه ــ غير معروفتين بذواتهما، خاصّة عند الشيخ اطفيش؛ لذلك نتساءل: كيف يمكن مع هذا القطع بوقوع الصغيرة من النبيء؟ أم أَنَّ كُلَّ ما يصدر من النبيء يعتبر صغيرة؟ فالأسلم سَوق الحديث عموما عن ذنوب الأنبياء دون تحديد درجة هذه الذنوب.
2 - العصمة بعد البعثة: يجمع المسلمون على أنّ الأنبياء معصومون عن الكبائر بعد البعثة، فهم موصوفون بمكارم الأخلاق والطاعة وعدم المعصية، وهو كذلك
__________
(1) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 574، 575؛ انظر، البغدادي: أصول الدين: 168.
(2) التيسير: 3/ 353؛ - شرح أصول تيبغورين: 327؛ - الهميان: 8 ق 2/ 20؛ الخليلي: جواهر التفسيرأنوار من بيان التنزيل: مكتبة الاستقامة عمان 1409 هـ/1988 م: 3/ 127، 128؛ وهو أيضا رأي الشيعة الإمامية: انظر: محمد علي ناصر: أصول الدين: 176؛ وقد قال الثميني والسالمي والتعاريتي من الإباضية بعدم وجوب العصمة من الصغائر قبل البعثة، انظر: الثميني: معالم الدين: 2/ 61؛ السالمي: مشارق: 2/ 25؛ التعاريتي: المسلك المحمود: 77.
(3) - الهميان: 8 ق 2/ 20. (1/247)
صفحة 248
الوصف الواجب اعتقاده في حقّهم؛ ولم يكن الحال كذلك في العصمة عن الصغائر: فقد قال بعصمة الأنبياء منها بعد البعثة الأشاعرة والشيعة الإماميّة (1)، وأما المعتزلة فإنّهم لم يوجبوا العصمة منها باعتبارها غير مخلّة بالرسالة ولا بتصديقها (2). وقال الإباضيّة بعصمة الأنبياء من الصغائر بعد البعثة (3)، وفصّل بعضهم في ذلك: فقال الثميني: «ولا يُقرّون عليها بعد النبوّة» (4)؛ وهذا أقرب إلى المعتزلة لأنّه يفيد معنى إمكان الوقوع ثمّ ينزل عليهم ما يصحّح تصرّفهم، وأمّا السالمي والتعاريتيّ (5) فيقولان إنّهم معصومون عن الخسيس من الصغائر (6)، وهذا يعني تقسيم الصغائر إلى خسيس وعاديّ، أو هو من التوسّط بين إيجاب العصمة من الصغائر، وعدم إيجابها؛ أمّا الشيخ اطفيش فقد قال في شرح أصول تيبغورين: «والحق أن لا صغيرة لنبيء» (7)، لكن لم يثبت على ذلك بل قال في تفسير الهميان بجواز صدور الصغيرة من النبيء بعد البعثة لكثرة أدلّتها (8)؛ ويكون قوله في “الهميان” هو رأيه المعتمد، لأنّ “الهميان” كان متأخرا في التأليف عن “شرح تيبغورين” فعدلّ فيه قوله الأوّل؛ ولأنّه سبّق قوله في “الهميان” بلفظ: «والذي
__________
(1) البغدادي: أصول الدين: 167؛ محمد علي ناصر: أصول الدين: 176.
(2) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 575.
(3) -التيسير: 3/ 353؛ - شرح لامية الأفعال: 1/ 82؛ - شرح أصول تيبغورين: 327؛ السالمي: مشارق: 2/ 25؛ التعاريتي: المسلك المحمود: 77.
(4) الثميني: معالم الدين: 2/ 61.
(5) التعاريتي: سعيد بن علي بن تعاريت (1289 - 1355 هـ/1872 - 1936 م) من علماء جربة بتونس، تعلم بها ثمّ درس على الشيخ اطفيش بميزاب ورجع إلى جربة مدرسا وواعظا، له كتاب: «المسلك المحمود في معرفة الردود»، انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 83، هامش رقم: 146.
(6) السالمي: مشارق: 2/ 25؛ التعاريتي: المسلك المحمود: 77.
(7) - شرح أصول تيبغورين: 504.
(8) - الهميان: 8 ق 2/ 20. (1/248)
صفحة 249
عندي» الذي يدلّ على رأيه الذي رجّحه (1)، ويمكن أن يقصد بقوله في شرح تيبغورين أنّ النبيء لا يعاقب بصغيرة، أو لا يموت وهو محاسب عليها بل يموت مغفورا له، فيبقى الراجح هو أنّ النبيء غير معصوم عن الصغائر بعد البعثة.
وإذا أردنا أن نلخِّص رأي الشيخ اطفيش مقارنا بغيره، نقول: إنّ النبيء غير معصوم عن الصغائر قبل البعثة ولا بعدها، ومعصوم عن الكبائر دوما قبل البعثة وبعدها؛ فهو موافق لرأي المعتزلة؛ ويراعي جانبي وجوب وصف النبيء بالمكانة الرفيعة وتفضيله على البشر فيما يتعلّق بالرسالة والدعوة، وجانب الاحتفاظ له بمميزاته البشريّة ولا يبعده عن كونه بشرا كغيره، فهو معصوم فيما يؤثّر مباشرة على الدعوة كالكبائر قبل البعثة وبعدها لأنّ أثرها كبير وواضح على الشخصيّة، وغير معصوم عن الصغائر قبل البعثة ولا بعدها لضعف التأثير على الدعوة، ولأنّه لو كان معصوما أيضا في هذه ــ كما يتصوّره الشيعة الإماميّة ــ لكان خارجا عن طور البشريّة ومثالا يصعب الاقتداء به.
ومع هذا فقد وردت نصوص تنسب أخطاء إلى الأنبياء نحاول معرفة تفسير الشيخ لها وموقفه منها؛ وقد تنوَّعت هذه النصوص فبعضها أحاديث وأخبار، والبعض الآخر نصوص قرآنيّة، ولم يهتمّ الشيخ كثيرا بما ورد في غير القرآن الكريم، وكان ينتقد أحيانا بعض الروايات، ويرفضها إذا كانت موغلة في الافتراء على الأنبياء وظهر بطلان ما فيها (2) ووافق في ذلك الإيجي (3) الذي حكم على هذه الأخبار بأنّها آحاد يجب ردّها، وقال: «لأنّ نسبة الخطأ إلى الرواة أهون من نسبة المعاصي إلى الأنبياء» (4).
__________
(1) - شرح لامية ابن النظر: 1/ 06.
(2) - الهميان: ط 1: 12/ 21، 22.
(3) الإيجي عبد الرحمان بن أحمد عضد الدين (توفي سنة 756 هـ/1355 م) من إيج بفارس، عالم وقاض؛ انظر الزركلي: الأعلام: 3/ 295.
(4) الإيجي: المواقف: 361. (1/249)
صفحة 250
أمّا النصوص القرآنية، فقد اتخّد الشيخ اطفيش معها مواقف متعدّدة كالتالي:
1 - عدم تحديد نوع المعصية: فهو يرى أحيانا أنّ هذه النصوص تنسب إلى الأنبياء بعض الذنوب، لكن لا نعلم درجتها من الصغر والكبر، لذلك نثبتها، ونعتقد أنّ الله تعالى غفر لهم ذلك، وقال: «وأُثبت المعاصي للأنبياء بدون أن أعلم أنّها صغائر أوكبائر عند الله، وهي مغفورة لهم، سواء كنّ كبائر أوصغائر لتوبتهم، ويدلّ لذلك نحو: {وعَصَىآ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} (1) ولا يقال: إن (غوى) و (هدى) دليلان على الكبيرة لأنّ الغواية وما سبق الهدى ضلال وهو كبيرة؛ لأنّا نقول: الغواية والضلال يطلقان على الصغيرة كما على الكبيرة، وقيل خطايا الأنبياء عن عمد مقارن لإشفاق وخوف لم يكونا لغيرهم» (2). فهذا الموقف يدلّ على التسليم بظاهر النصّ مع ترك تأويله والجزم بالمراد منه.
2 - احتمال كونها معاصي صغيرة: يلجأ الشيخ إلى هذا الاحتمال باعتبار أنّ مقام الأنبياء أعلى من أن يأتوا بتلك الذنوب فعظمت في حقّهم، ويقول: «والذي أقول به إنّ ما نسب الله U إلى بعض الأنبياء من المعاصي ليست من جنس معاصينا، لا عمدا ولا خطأ، قبل النبوّة ولا بعدها بل دونها، عدّها عليهم معاصي لعظم مقامهم كمكروه وجائز ومباح، ونسيان وتأويل، كما ذكر في آدم؛ كما شاع “حسنات الأبرار سيِّئات المقرَّبين”» (3) وهذا ما ذهب إليه القاضي عبد الجبّار أيضا (4)، ولكن ما جاء في قول الشيخ اطفيش من احتمال كونها صغائر قبل البعثة، يعارض بأنّ الأصل ألاّ يحاسب النبيء بما صدر منه قبل بعثته، وقبل نزول شرع عليه، وكيف يتوب مِمَّا سبق البعثة؟ أو يؤخذ عليه؟
__________
(1) سورة طه: 121.
(2) - شامل الأصل والفرع: 1/ 80؛ انظر: شرح العقيدة: 349؛ - الهميان: 1/ 460.
(3) - التيسير: 8/ 250؛ انظر: -داعي العمل: ظ: 272.
(4) عبد الجبار: تنزيه القرآن: 18. (1/250)
صفحة 251
3 - اعتبارها من قبيل ترك الأولى: فالشيخ يرى أنّ هذه الأفعال التي ذكرتها النصوص ليست في الأصل ذنوبا، ولكن كان على الأنبياء ألاّ يأتوها والأفضل أن يتركوها نظرا لمنزلتهم وقربهم إلى الله تعالى (1)؛ وهذا هو التأويل الذي انتهجه الرازي (2) ودعا إلى اعتباره مع جميع الآيات الواردة في الموضوع ولم يثبت أنّها تدلّ على فعل معاص بل مجرّد ترك لما هو أولى بالنبيء أن يفعله (3). وهذا الاعتبار قريب من الثاني، والفرق بينهما أنّ الثالث لا يعتبر النصوص تدلّ على ذنوب ومعاص أصلا، بينما الثاني يحتمل كونها معاصيَ صغيرةً.
4 - احتمال أنّها وقعت لتعليم الغير: فهي أخطاء وذنوب صدرت من الأنبياء من أجل تربية أقوامهم بسببها، فهم قدوة لهم، فكان الأنبياء يتوبون منها ليتّبع الناس سيرتهم في التوبة من الخطايا، وتركها (4).
هذه مجمل الاحتمالات التي وردت في جانب النصوص التي تنسب المعاصي إلى الأنبياء، وقد عدّد الشيخ هذه الاحتمالات، مع أنّ المنتظر حسب رأيه في العصمة أن يصرف هذه النصوص جميعا إلى اعتبارها تتحدّث عن معاص صغائر ما دام يجيز وقوع المعصية الصغيرة من النبيء قبل البعثة وبعدها، وإن كان المعنى العام للاحتمالات يؤدّي إلى هذا لولا أنّه شكّ في الاحتمال الأوّل في نوع المعصية؛ كما تفيد هذه الاحتمالات في معرفة النبيء، وفي الإيمان به وأخذ القدوة منه.
__________
(1) - فتح الله: 2/ و: 93.
(2) الرازي: محمد بن عمر بن الحسن الفخر (544 - 606 هـ/1150 - 1210 م) إمام مفسر؛ له تصانيف متعددة منها: التفسير الكبير، ومعالم أصول الدين، ومحصّل أفكار المتقدِّمين والمتأخِّرين من العلماء والحكماء والمتكلِّمين؛ انظر الزركلي: الأعلام: 6/ 313.
(3) الرازي: معالم أصول الدين: 102، 103.
(4) - الهميان: ط 1: 12/ 21، 22؛ - المصدر نفسه: ط 2: 6 ق 1/ 141؛ انظر: الإيجي: المواقف: 361. (1/251)
صفحة 252
وهكذا يتّضح رأي الشيخ اطفيش في صفات الأنبياء وأنّهم بشر كغيرهم من الناس، يتّصفون بما يجوز من المباحات، وبما يثبت بشريّتهم، ويتميّزون ــ بحكم النبوّة ــ بالعصمة فلا يقترفون الكبائر قبل البعثة ولا بعدها ولا يتّهمون بارتكابها، لكنّهم غير معصومين من الصغائر، وأمّا ما نسب إليهم في القرآن الكريم فلا يعني أنّهم ارتكبوا كبائر الذنوب لأنّ تلك النصوص تحتمل معانيَ تليق بمقام النبوّة وتكتنفها ظروف خاصّة.
4 - أصناف الأنبياء والرسل
عمد العلماء إلى تصنيف الأنبياء والرسل للتمييز بينهم، فقسموهم حسب أجناسهم وأقوامهم، وجعلوا منهم أنبياء من العرب، وأنبياء من بني إسرئيل وهكذا، ولا يهمّنا هذا التقسيم في العقيدة بقدر ما ينفع في التاريخ وقصص الأنبياء، وهناك تقسيم آخر يستند إلى تصنيف الأنبياء حسب نوع الوظيفة التي تحمّلها كلّ منهم، وذلك بتقسيمهم إلى صنفين: منهم من أرسل إلى الناس كافّة، ومنهم من أرسل إلى قوم بخصوصهم؛ وقد سار الشيخ على هذا المنهج متّبعا من سبقه، وظهر هذا خاصّة في “شرح العقيدة” (1).
ا - الرسل إلى كافّة الناس
ويقصد بهذا الصنف الرسل الذين نزلت عليهم شرائع، وكلّفوا بتبليغها إلى كلّ البشريّة، ولم تكن خاصّة لبني جنسهم، ولا مقتصرة على المجتمعات التي وجدوا فيها، والزمان الذي وجدوا فيه، ويرى الشيخ اطفيش أنّ الرسل الذين كانوا من هذا الصنف سبعة وهم: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود ويوشع بن نون خليفة موسى، ومحمَّد e (2) ، وقد وافق في ذلك ما ورد في «العقيدة» لأبي حفص عمرو بن جميع، وزاد السابع وهو يوشع بن نون، واكتفى بسرد
__________
(1) - شرح العقيدة: 322.
(2) - المصدرنفسه: 322، 324. (1/252)
صفحة 253
الأسماء دون أن يستدلّ على كونهم رسلا للكافّة؛ واستبعد من الرسل إلى الكافّة عيسى u؛ إذ جعله أبو حفص منهم، وكذلك الشيخ أحمد بن سعيد الشماخي (1) في شرح العقيدة (2)، واستدلّ الشيخ اطفيش على عدم كونه من الكافّة بعبارة من الإنجيل جاء فيها: «لم أبعث إلى جميع الأجناس وإنّما بعثت إلى الغنم الرابضة من بني إسرائيل» (3)؛ وعند النظر إلى هذه القائمة من أسماء الرسل الذين اعتبرهم الشيخ اطفيش من الرسل إلى كافّة الناس نجدهم لا يحقّقون جميعا هذا الوصف: فإبراهيم وموسى، وداود u لا يمكن اعتبارهم رسلا إلى الكافّة لعدم الدليل على ذلك، بل قد بعثوا إلى أقوام مخصوصين، خاصّة منهم موسى وداود اللذان كانا رسلا إلى بني إسرائيل وأمّا آدم ونوح u فيصدق عليهم أنّهما رسولان إلى الكافّة باعتبار آدم أوّل البشر وأرسل إلى بنيه، ونوح أرسل إلى قومه وإلى من بقي ناجيا في السفينة بعد الغرق؛ وأما يوشع بن نون: فإن إقحامه ضمن الرسل إلى الكافّة يعتبر من غريب ما جاء به الشيخ اطفيَّش، إذ لم يرد حتَّى اسمه هكذا في القرآن الكريم، فلا يبقى من الرسل إلى الكافّة حقيقة إلاّ سَيِّدنَا محَمَّدًا e لقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28].
ب - الرسل إلى أقوام بخصوصهم
وأمّا باقي الرسل فهم إلى أقوامهم خاصّة، وهم الأغلب، إلاّ أنّه يصعب تحديد أسمائهم ما دام عددهم غير معروف، وإرسالهم إلى أقوام مخصوصين جعلهم محدودين في الزمن وفي صلاحيّة الشرائع التي جاءوا بها.
وينبغي أن نقف في هذا الحدِّ، إذ ليس في العقيدة ما يدلّ على وجوب العلم بكلّ
__________
(1) أحمد بن سعيد الشماخي أبوالعباس: مؤرخ إباضي عالم، من جبل نفوسة في القرن العاشر. توفي سنة 938 هـ/1521 م؛ له شرح مقدمة التوحيد؛ و كتاب سير مشائخ المغرب؛ انظر: علي يحي معمر: الاباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى القسم الثاني: 125
(2) أحمد بن سعيد الشماخي: شرح مقدمة التوحيد: هامش مقدمة التوحيد: د. م. دت: 87، 88.
(3) - شرح العقيدة: 324؛ انظر الكتاب المقدس: انجيل متى: 15/ 4 (1/253)
صفحة 254
الأنبياء والرسل، ولكن الإيمان يتعلّق بهم إجمالا وبالرسالة الأخيرة تفصيلا.
5 - التفضيل بين الأنبياء والرسل
دلّت بعض الآثار والنصوص على وجود تفضيل بين الأنبياء، واتّفق عليه بين المسلمين (1)، لكن اختلفوا حول تفصيل كيفيّته، وهذا ما نحاول أن نرى رأي الشيخ اطفيش فيه؛ وتنبغي الإشارة إلى أنّه لم يورد أدلّة على إثبات التفضيل رغم أنّه ثبت بصريح القرآن الكريم، في قوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253]، وقوله: {إنَّ اللهَ اصْطَفَىآ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ} [آل عمران: 33]، وقوله: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: 55].
أ - الحكمة من التفضيل ومعناه
هل يدلّ التفضيل بين الأنبياء على التمييز بين نبيء وآخر؟ وهل يدلّ على ترتيبهم حسب درجات مع أنّهم كلّهم أنبياء لله تعالى؟ وهل يدلّ على أنّهم متفاضلون في التبليغ مع أنّه لا يجوز وصفهم بنقص؟
إنّ الشيخ اطفيش يستبعد كُلّ هذه المعاني من تفضيل الأنبياء واعتقاد تفاضل بعضهم على بعض، ويرى أنّ التفضيل لم يقع في ذات النبوّة، ولا في درجة الاجتهاد في تبليغ الرسالة، فالرسل مستوون في هذا، ولكنّ التفضيل متعلّق بذات النبيء، فالنبيء المفضّل فضّل لأمر ذاتيّ فيه (2). ويؤيّد هذا الرأي من الشيخ اطفيش أنّ تفضيل نبيء على آخر لم يكن
__________
(1) البغدادي: أصول الدين: 298؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 169؛ السالمي: مشارق: 2/ 30.
(2) - شرح النيل: 16/ 61. (1/254)
صفحة 255
برأي من عالم أو آخر بل هو اتِّبَاع للنصّ، وهو راجع إلى الله تعالى أن يفضّل نبيا على آخر. كما يدلّ هذا على أنّ الحكمة تخفى على الإنسان، لأنّ الأمر الذي يكون هو محور التفضيل وسببه لا يستطيع الإنسان التوصّل إليه من غير نصّ يدلّ عليه.
ب - كيفيّة التفضيل
بعد ثبوت وقوع التفضيل بين الأنبياء، نجد العلماء يجتهدون في وضع قائمة للتفضيل بين الأنبياء والمرسلين، وكذلك فعل الشيخ اطفيش كما يلي:
أَوَّلاً - أفضلية سيّدنا محمّد e:
لقد جمع الرسول مُحَمَّد e ـ كما يذكر الشيخ اطفيَّش ــ عدّة أوصاف كان بها سيّد الخلق؛ فهو خاتم النبيّين والمرسلين، أفضل كلّ الخلائق من ملائكة وبشر وجنّ وغيرهم؛ ويصل الأمر بالشيخ إلى أن يجعله مخلوقا قبل كلّ شئ وقبل آدم u، إذ خلق نوره قبل آدم، ولولاه لما كان للوجود معنى، بل خُلق الوجود من أجله، ومن نوره وأنفاسه خلق باقي المخلوقات (1). وهذه أوصاف غريبة ذكرها الشيخ متأثّرا فيها بمن سبقه وبما يذكره أصحاب المدائح، الذين يستندون إلى آثار موضوعة فانساق وراء ذلك، كأنمّا تفضيل الرسول لا يكون إلاّ بهذه الأوصاف مع ظهور بطلانها (2). وذكر من الأدلّة على ذلك: قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقال: «ومن كان رحمة للعالمين لزم أن يكون أفضل منهم كلّهم، أمّا من في زمانه أو بعده فظاهر، وأمّا من قبله فإنّه بعث لتقرير أديان الأنبياء السابقة كلّهم فيما لم ينسخ» (3).
__________
(1) - شامل الأصل والفرع: 1/ 82؛ -شرح الدعائم: 2/ 672؛ -شرح نونية المديح: و: 95؛ - الهميان: 6 ق 1/ 163.
(2) د. عمر سليمان الأشقر: الرسل والرسالات: 184، 185، 218.
(3) - الهميان: 3/ 342. (1/255)
صفحة 256
قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 04] واستنتج الشيخ منه أنّ الرسول e: «يذكر مع الله في الأذان والإقامة والدخول في الإسلام، وليس ذلك لسائر الأنبياء» (1).
«وقرنه به في طاعته، والبيعة والعزَّة والإجابة والإرضاء» (2). وقال: {مَن يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80]، {إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعوُنَ اللهَ} [الفتح: 10]، {وَِللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ} [المنافقون: 08]؛ {اِسْتَجِيبُوا ِللهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24].
«نادى الأنبياء في القرآن بأسمائهم وناداه e باسم النبوّة والرسالة: {يَآ أَيُّهَا الرَّسُولُ}؛ {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ}» (3).
قوله e: «لا يدخل الجنّة أحد من الأنبياء حتّى أدخلها أنا» (4).
قوله e: «إنّ الله اتخّذ إبراهيم خليلا وموسى نجيّا واتخّدني حبيبا»؛ ومن الحديث القدسي: «وعزَّتي وجلالي لأوثرنَّ حبيبي على خليلي» (5).
ولأنّه أُمر أن يَقتدي بمن سبقوه من الأنبياء (6) فأطاع الأمر، وجمع
__________
(1) - المصدرنفسه: 3/ 443.
(2) -المصدرنفسه.
(3) -المصدرنفسه.
(4) لم نجده بهذه العبارة وقد خرّج الهيثمي مثله عن الطبراني، وقال: إسناده حسن؛ انظر: الهيثمي: مجمع الزوائد: 10/ 69.
(5) والنصان من حديث طويل ذكره صاحب الإتحافات السنية: عن الترمذي، والطبراني في الكبير وضعفه والديلمي وابن عساكر عن أبي هريرة؛ ينظر: محمد المدني: الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية: مطبعة مجلس دائرة المعارف حيدر آباد الدكن، 1323 هـ: 53 رقم 70.
(6) في قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} [سورة الانعام: 90]. (1/256)
صفحة 257
صفاتهم، فهو أفضلهم (1).
«ولأنّه يريح المحشر بالشفاعة العامّة، وبعث لرفع الآصار والأغلال» (2).
وبعد هذه الأدلّة ينتهي الشيخ إلى النتيجة في قوله: «فهو مُمَيَّزٌ بالتفضيل، فلنا النطق بتخييره» (3).
هذا ما ذكره الشيخ اطفيش في إثبات أفضلية الرسول e وذكر نصوصا أخرى ظاهرها يمنع تفضيله، ووجّهها كما يلي:
من هذه النصوص قوله e:
«لا تخيّروني على موسى؛ فإنّ الناس يصعقون فأصعق معهم، فأكون أَوَّل من يفيق، فإذا أنا بموسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان مِمَّن استثنى الله» (4).
«ولا أقول: إنَّ أحدا أفضل من يونس بن متَّى u» (5) .
وحاول التوفيق بين هذه النصوص وبين أدلّة إثبات الأفضليّة للرسول e وقال إنّ سبب التعارض بينها يحتمل أن يرجع إلى أنّ المنع كان قبل أن يعلم أنّه أفضل الأنبياء،
__________
(1) - الهميان: 6 ق 1/ 166؛ السالمي: مشارق: 2/ 30.
(2) - الهميان: 3/ 343.
(3) -المصدرنفسه.
(4) البخاري: الخصومات باب ما يذكر في الإشخاص والملازمة بين المسلم واليهودي رقم 2280؛ انظر: المعجم المفهرس: 3/ 313.
(5) البخاري: الأنبياء باب قول الله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} رقم 3233؛ انظر: المعجم المفهرس: 5/ 164. (1/257)
صفحة 258
فالتفضيل ينسخها لأنّه جاء بعدها (1). لكنّه لم يوضِّح ذلك وتركه احتمالا مطلقا، فتبقى أدلّة التفضيل على حالها، ووافقه على هذا الشيخ السالمي (2).
- أو أنّ المراد بهذا النهي هو النهي المبنيّ على انتقاص مكانة المفضول عن مكانة الأفضل، وهو التفضيل المذموم (3)، ويدلّ على هذا قوله تعالى: {وَالذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمُ, أُولَئِكَ سَوْفَ نُوتِيهِمُ, أُجُورَهُمْ} [النساء: 152]، ويؤيّد هَذِهِ الحادثة التي جاء فيها نهيه e عن تفضيله على موسى u إذْ كان بعد خصام بين يهوديّ ومسلم، وافتخر كلّ بنبيّه، فنهى الرسول e عن هذا التفضيل الناشئ عن عصبيَّة وحميَّة وانتقاص (4).
- أو المراد بالنهي: التفضيل لذات النبوّة؛ لأنّها لا تتفاضل في حقيقتها، وإنمّا تتفاوت ذوات الأنبياء (5).
وهكذا ينتهي الشيخ اطفيَّش ــ كمن سبقه ــ إلى تقرير أفضليّة سيّدنا مُحَمَّد e على غيره مطلقا، مؤيّدا قوله بالأدلّة، وجامعا بين ما ورد يدلّ على التفضيل، وما ينهى عنه.
ثانيا - أفضلية أولي العزم من الرسل
«أولو العزم من الرسل» وصف ذكر في قوله U: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35]، ولم نجد عند الشيخ اطفيش شرحا ومعنى لهذا الوصف؛ وقال
__________
(1) - وفاء الضمانة: 6/ 186؛ -فتح الباب: 07؛ شرح النيل: 16/ 61؛ -شرح لامية الأفعال: 1/ 106.
(2) السالمي: مشارق: 1/ 91.
(3) - شرح لامية الأفعال: 1/ 106؛ شرح النيل: 16/ 61؛ -وفاء الضمانة: 6/ 186.
(4) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 169، 170.
(5) المصدرنفسه: 172؛ -شرح لامية الأفعال: 1/ 106؛ -شرح النيل: 16/ 61؛ -وفاء الضمانة: 16/ 86. (1/258)
صفحة 259
الشماخيّ إنّه يعني: أهل القوة والصبر (1). وقد ذهب الجمهور إلى تحديد أسماء الرسل الذين يوصفون بكونهم من أولى العزم وجعلوهم خمسة هم: محَمَّد e وإبراهيم، وموسى وعيسى، ونوح (2)، ووافقهم على هذا الشيخ اطفيش مكتفيا بسرد الأسماء (3)، دون أن يشير إلى أنّهم يتفاضلون بينهم؛ كما أنّه لم يستدلّ على سبب جعلهم من أولي العزم دون غيرهم، وهذا ما يثير تساؤلا في الموضوع: لماذا اقتصر على هذه الأسماء؟ والملاحظ أنّه يمكن بالأوصاف التي ذكرها الشمّاخي أن نعتبر كلّ الرسل من أولي العزم فمثلا: آدم u كان أوّل البشر وأباهم وأوّل الرسل، وأوّل من تحمّل مشقّة النبوّة، وصبر عليها؛ ومثله أنبياء آخرون عرفوا بالصبر، وقوّة التحمّل، لكن لم يحشروا ضمن أولي العزم، وهذا ما لم نجد له جوابا عند الشيخ اطفيش لأنّه لم يهتمّ بهذه المسألة اهتمامه بأفضليّة الرسول e على غيره؛ كما أنّها لم تكن تثير اهتماما لدى المسلمين، ولم يناقشوها طويلا، إلاّ أنّنا نجد القاضي عبد الجبار لا يرى هذه التفرقة بين أولي العزم من الرسل وبين غيرهم (4)؛ كذلك أشار الزمخشريّ إلى أنّ “مِنَ” في قوله تعالى: {مِنَ الرُّسُلِ} يمكن أن تفيد البيان أي أولوا العزم صفة لكلّ الرسل، ولا تعني التفرقة بينهم بالضرورة (5)، وفي نظرنا أنّ رأي الزمخشري أرجح للمحذور الناتج من وصف بعض الأنبياء بأولي العزم دون بعض والتفرقة بينهم لذلك؛ فما لم يدلّ دليل صريح في ذلك فليس للإنسان أن يختار من الرسل من يراهم أهلا لهذا الوصف دون غيرهم بل الله تعالى هو الذي يرفع درجات من يشاء، فيبقى وصف أولي العزم مِمَّا يوصف به عامّة الرسل كما هو الشأن في عموم تفاضل الرسل.
__________
(1) الشماخي: شرح العقيدة: 91؛ كما قال عنه محمد ناصر الجعفري إنه يعني: الرسل: «الذين عزموا على إنفاذ أمر الله تعالى وفاقا لما أمر به، بجد وصبر وثبات، وكل منهم أتى بشريعة ناسخة لشريعة من سبقه من النبيين». انظر: محَمَّد على ناصر: أصول الدين الإسلامي: 23.
(2) البغدادي: أصول الدين: 298؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية؛ 349؛ البيجوري: تحفة المريد: 70.
(3) - التيسير: 12/ 212؛ - الذهب الخالص: 21.
(4) عبد الجبار: تتزيه القرآن: 324.
(5) الزمخشري: الكشاف: 5/ 259. (1/259)
صفحة 260
ثالثا - أفضلية باقي الرسل والأنبياء
بعد أفضليّة من سبق ذكره يأتي مقام باقي الرسل وهم أفضل من الأنبياء، للفرق بين الاثنين بالتبليغ، ثمّ يأتي مقام سائر الأنبياء، ولا حاجة هنا إلى ذكر أسمائهم ما داموا غير معروفين جميعا إلاّ قليلا منهم.
و يرى الشيخ اطفيَّش أنَّ الملائكة دون الأنبياء بدليل قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ اصْطَفَىآ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران:33]. فالملائكة جملة من العالمين، فهم في الفضل بعد الأنبياء كما تدلّ عليه الآية (1).
هكذا ناقش الشيخ اطفيش تفاضل الأنبياء، واتَّبَعَ فيه من سبقه من علماء الإباضيّة وغيرهم، ونلاحظ أنّه باستثناء الاِتِّفَاق على أفضليّة سيدنا محَمَّد e فإنّ الباقي لم يكن أمرا متّفقا عليه، وسبب هذا خفاء الحكمة من التفضيل، وغياب الدليل التفصيليّ فيه؛ مع خطورة القول في الموضوع بغير دليل، فالإيمان بالتفضيل لا شكّ فيه لوروده في القرآن الكريم، لكن وروده مجملا يمنع من الخوض فيه، وهذا ما انتهي إليه الشيخ اطفيش نفسه رغم أنّه تكلّم وفصّل القول فيه، لكن خلص إلى القول التالي: «فنعلم أنّهم متفاوتون في الفضل، ولا نصرّح بتفضيل فلان على فلان؛ لأنّ الله جَلَّ وَعَلاَ أثبت التفضيل بينهم إجمالا» (2). وهذا ما يناسب السياق القرآنيّ للموضوع؛ حيث ينسب الله تعالى التفضيل إليه وينسب عدم التفرقة في الإيمان بالرسل إلى المؤمنين، ممّا يدلّ على أنّ التفضيل قد استأثر الله تعالى به، وليس من حقّ البشر الخوض في تفصيله. وقد ذهب إلى مثل هذا الرأي الشيخ السالمي؛ حيث قال: إنّ الأدلّة في الموضوع مقصورة على السماع، وليس للعقل فيها مجال، وما ورد من الأدلّة
__________
(1) - التيسير: 2/ 48.
(2) - الهميان: 3/ 43. (1/260)
صفحة 261
التفصيليّة فآحاد ظنيّ لا يعتمد في العقيدة، وإنّ الناس مختلفون في كيفيّة التفضيل مع اتِّفَاقهم على أفضليّة سيّدنا محمّد e ولو تواتر التفضيل مفصّلا لاشتهر (1). ومع هذا الاِتِّفَاق لا نعتقد أ
نّ فضل الرسول كان لتلك الأوصاف ولتلك الأسباب الموغلة في الغرابة التي ذكرها الشيخ اطفيَّش وغيره، وبأخبار موضوعة أخرجت الرسول e عن حقيقته البشريّة، وأبعدت الناس عن المعنى الحقيقيّ للإيمان به إلى تعداد فضائله وإحصائها دون التفكير في الاستفادة العمليّة والاقتداء من كونه أفضل الخلق عملا وأخلاقا وعبودية لربّه تعالى وكان من الأنبياء الذين أعلى الله تعالى مرتبتهم بين الناس، وحباهم مكانة لا يصل إليها غيرهم، وأيّدهم بالوحي، وبما يثبت كونهم أنبياء، وبلَّغوا ما أُمروا بتبليغه إلى الناس، ومن جملة ما أَيَّدَهم الله تعالى به المعجزات التي أجراها على أيديهم، وهو ما سنتحدَّث عنه في المبحث القادم.
__________
(1) السالمي: مشارق 2/ 29، 33. (1/261)
صفحة 262
المبحث الثالث
معجزات الرسل
اقتضت حكمة الله تعالى أن يقرن دعوات الرسل بما يؤيّدها، ويدلّ على أنّ الرسالات التي جاءوا بها لم تكن من اختلاقهم ولم يكونوا كاذبين، بل هي وحي من الله تعالى، وَمِمَّا يُؤَيِّد دعوة الرسل ما اصطلح على تسميته بالمعجزة؛ وتأتي على أشكال وأنواع، اهتمّ العلماء بدراستها لإثباتها، وتبيين دلالتها على النبوّة، وكيفيّة إعجازها، وهذا ما نحاول أن نقف على رأي الشيخ اطفيش فيه.
1 - تعريف المعجزة
لم نجد لدى الشيخ اطفيش تعريفا لغويّا للفظ: “المعجزة” وهي في كتب اللغة مأخوذة من العجز، وتدلّ على عدم الحزم، وعلى الضعف، وعدم القدرة على التقليد؛ فالناس يضعفون عن تقليدها فكانت معجزة (1).
أما المعجزة اصطلاحا: فإنّها تدلّ على ما يظهر من النبيء مخالفا للعادة، متحدّيا به غيره؛ وقد عرّفها الشيخ اطفيش بقوله: «والمعجزة الأمر الناقض للعادة، الظاهر على يد المتنبِّئ زمان التكليف، مقرونا بالتحدّي من دعوى الرسالة على جهة الابتداء، متضمِّنا للتصديق. (ت): أولى من هذا: أمر خارق للعادة مصدّق للمتنبِّيء حين إتيان النبوءة معجز لمنكرها» (2).
__________
(1) محمّد مرتضى الزبيدي: تاج العروس؛ 4/ 52؛ سعيد الخوري: أقرب الموارد: المطبعة اليسوعية بيروت 1889 م: 2/ 748؛ انظر: البيجوري: تحفة المريد: 76؛ السالمي: مشارق: 2/ 11.
(2) - الذهب الخالص: 22، (ت): قلت؛ انظر: - حاشية القناطر: 1/ و ط: 27؛ - شرح نونية المديح: و: 100 ظ: 101؛ البغدادي: أصول الدين: 170؛ الثميني: معالم الدين: 2/ 53. (1/262)
صفحة 263
هذه هي المعجزة اصطلاحا كما يراها الشيخ؛ ووافق في ذلك التعريف المشهورالمتداول في كتب العقيدة، كما أشار إلى أنّها لا تسمّى بالمعجزة فقط، بل سماها الله تعالى بألفاظ أخرى تدلّ عليها مثل: البرهان، والآية، والبيِّنة (1).
2 - شروط المعجزة
وَلَمَّا كان الوصف المثير في المعجزة أكثر هو خرق العادة، فقد جاءت في التعريف قيود؛ تخرج الكثير من الخوارق التي تحدث في حياة الإنسان وفي الطبيعة؛ وهذه القيود هي الشروط التي بها يسمى الخارق للعادة معجزة، فإذا انتفى أحدها انتفى وصف الإعجاز فيه، وهي:
أ - أن تكون فعلا لله تعالى فإذا لم تكن كذلك لا تسمّى معجزة، فهي فعل لله تعالى، أو ما يقوم مقامه أي ما ليس فعلا وهو الترك، ومثّل لذلك بقوله: «إذا قال معجزتي أن أضع يدي على رأسي وأنتم لا تقدرون على وضع أيديكم على رؤسكم ففعل فعجزوا فإنّه معجز دالّ على صدقه ولا فعل لله ثَمَّ» (2) باعتبار أنّ الترك (ترك خلق القدرة على وضع اليد على الرأس) ليس فعلا.
ب - أن تكون خارقة للعادة: أي ما يخالف العادة، وهو الوصف الذي يضفي
__________
(1) - الهميان: 6 ق 2/ 190، 191؛ - شرح نونية المديح: و: ظ: 101.
(2) وذكر الشيخ الخلاف في هذا التقييد في قوله: «فإنّ عدم خلق القدرة فيهم على ذلك الوضع ليس فعلا صادرا عنه، بل هو عدم صرف؛ ومن جعل الترك وجوديا بناء على أنه الكف تركه من الحد، فالشرط عنده: كون المعجزة من فعل الله وقال الآمدي المعجز إن كان عدما فالمعجز عدم خلق القدرة فيهم فلا يكون فعلا وإن كان وجوديا فالمعجز خلق العجز فيهم فيكون فعلا فلا حاجة إلى قولنا أو ما يقوم مقامه» - حاشية القناطر: 2/ و، ظ: 66. (1/263)
صفحة 264
على المعجزة قوّة في الدلالة على كونها من الله تعالى، وأشار الشيخ اطفيش إلى أنّ البعض لا يرى هذا شرطا في التصديق بالنبيء (1)، ولكن بدون هذا الوصف تصبح المعجزة كغيرها من الأدلّة العادية.
جـ - التحدّي بالمعجزة: فيلزم أن تكون موضوع تحدّ، يتحدّى به النبيء منكري النبوّة، ويتعذّر عليهم معارضته والإتيان بمثل تلك المعجزة، وهذا ما يجعلها معجزة حقيقيّة (2).
د - اقترانها بادّعاء النبوّة: وإذا لم يكن صاحب هذا الخارق مدّعيا للنبوّة، يصبح الخارق مجرّد كرامة من الكرامات؛ فحتّى يكون حقيقة معجزة يجب أن يدّعي من ظهرت على يده النبوّة.
هـ - موافقة خارق العادة والمعجزة لدعوى مدعيّ النبوّة وأقواله، لأنّها وضعت لتصديقه؛ فإذا كذّبته كان هذا دليلا على كذبه وعدم صدق نبوّته (3).
و- تقدّم الدعوى على ظهور المعجزة: فلا تسبقها، إذ يمكن أن يدّعي المتنبيء الإعجاز بما سبق وجوده (4)، كما يجب أن توجد مع حياة النبيء ودعوته، فلا يستعملها غيره بعده (5)، ويلاحظ أنّ هذا الشرط يصحّ مع غير القرآن الكريم من المعجزات، إلاّ باعتبار أنّ عصر النبيء e هو كلّ فترة أمتّه ما دامت موجودة وما دامت رسالته واجبة الاِتِّبَاع ولو توفّي.
__________
(1) - المصدرنفسه: 2/ و، ظ: 62، و، ظ: 66.
(2) - المصدرنفسه: 2/ظ: 66؛ - شرح نونية المديح: و، ظ: 100، و: 101.
(3) -حاشية القناطر: 1/ و، ظ: 27؛ 2/ و، ظ: 66؛ -شرح نونية المديح: و، ظ: 100، و: 101؛ -الهميان: 6 ق 2/ 190، 191.
(4) - المصدرالسابق.
(5) - حاشية القناطر: 1/ و: 342. (1/264)
صفحة 265
3 - الفرق بين المعجزة والكرامة
لم يقدّم لنا الشيخ اطفيش فرقا كافيا بين المعجزة والكرامة، سوى ما يمكن قوله عموما أنّ شروط المعجزة إذا لم تتوفَّر في خارق من خوارق العادة، فإنّه لا يكون معجزة بل يصبح كرامة من الكرامات؛ ومن هذه الشروط خاصّة: التحدّي، وادّعاء النبوّة، وسبق الدعوى على الخارق (1)، فإن لم تتوفّر في خارق العادة، يصبح نوعا من الأحداث الغريبة؛ ولا تقتصر الكرامة على الأولياء كما هو الغالب المعتقد، لأنّ هذا اللفظ اتخّذ أساسا للتَّبرُّك ببعض الناس الذين حدثت لهم بعض غرائب الأمور؛ فاعتقدوا أنّهم أولياء لله تعالى بسبب ذلك الخارق؛ بل يرى الشيخ اطفيش أنّ ذلك مجرّد خرق عادة جرى بمحضرهم (2)، والكرامة الحقيقيّة: هي التي تحصل مقرونة بيقين بالله تعالى وبالتجرّد والعبادة والإخلاص، وما أكثر الحوادث التي يجريها الله تعالى في الطبيعة لعباده، دون تمييز بين مؤمن وفاسق، ويبدو أنّ في هذه التفرقة بين الكرامة وخارق العادة تهوينا من شأن الكرامة، وتضعيفا لمقامها وذلك لإبعاد الناس عن الاعتماد على الكرامات والإسراف فيها على عهد الشيخ اطفيش خاصّة حيث انتشرت الخرافات ومزارات الأولياء؛ وزاد الشيخ رشيد رضا عن الكرامة الحقيقيّة: أنّها خاصّة بالمكرم دون غيره ويقول: «الأصل في الكرامة الإخفاء والكتمان، وكثيرا ما يكون ظهورها فتنة» (3).
__________
(1) - المصدرنفسه: 1/ظ: 27؛ انظر: الإيجي: المواقف: 370.
(2) - الهميان: 2/ 212، 213.
(3) رشيد رضا: الوحي المحمّدي: 212. (1/265)
صفحة 266
4 - دلالة المعجزة وثبوتها
أهمّ ما تعنيه المعجزة عند ثبوتها لنبيء هي أن تكون مؤيّدة له ومصدِّقة، فالله يجعل له خارق العادة دليلا على أنّ ما جاء به من شريعة لم يكن من صنعه بل هو من الله تعالى، ويكون ذلك سببا في يقين من صفت سريرته واستجابت فطرته، وسببا لإفحام من يعارض الدعوة وينكر الحقّ فإمّا أن يستجيب للإيمان مقتنعا، أو يصرّ على الكفر جحودا (1)؛ ويرى الشيخ اطفيش أنّ لكلّ رسول معجزة، ولا يبعث الله تعالى رسولا بغير معجزة، وهو في هذا الرأي يردّ على قول الإيجي، الذي نسب إلى الإباضيّة أنّهم توقفوا في جواز بعثة رسول بلا معجزة، واستند الشيخ اطفيش في القول باقتران المعجزة بكلّ رسالة إلى أنّ الله تعالى لا يعاقب إلاّ بعد قيام الحجّة، والمعجزة هي الحجّة على إثبات رسالة الرسول وصدقه (2)، وهذا احتمال عقليّ، ممكن لكن لا دليل على الجزم به وليس مستبعدا ألاّ تقترن دعوة رسول بمعجزة، وأن يكون إرسال الرسول نفسه حجّة على الناس.
وقد أثبت الشيخ وقوع المعجزة تبعا لوقوع النبوّة وثبوتها، والقرآن دليل عليها لبقائه موجودا ومتحدّيا لمنكره بالإتيان بمثله؛ وردّ أيضا على من أنكر المعجزة بناء على أنّها لو صحّت لأمكن ادّعاء تحويل الجبال إلى ذهب وهو مستحيل، فقال: إنّ قدرة الله تعالى لا حدّ لها، وما في الكون من مظاهر، وخلق السماوات والأرض وما فيهما أعجب من مجرّد تحويل شيء من المخلوقات عن حاله الأولى من أجل إعجاز المنكرين (3).
__________
(1) الثميني: معالم الدين: 1/ 210؛ انظر: أبو عمار: الموجز: 1/ 302.
(2) - شرح لامية ابن النظر: 2/ 554؛ -الهميان: 6 ق 2/ 171؛ انظر: الإيجي، المواقف: 425.
(3) - حاشية القناطر: 2/ و: 62؛ -فتح الله: 2/ ظ: 91؛ السالمي: مشارق: 2/ 10. (1/266)
صفحة 267
وفي نظرنا أنّ إثبات وقوع المعجزة عن طريق القرآن أيسر من الدخول في احتمالات التفكير العقليّ، ويصحّ اللجوء إلى الاستدلال العقليّ لو لم توجد في عصرنا معجزة ماديّة بين أيدينا، والحال أنّها موجودة فلا أدلّ على ثبوت المعجزات من وجود نموذج واقعيّ لها متمثّل في القرآن الكريم، فهو المعجزة الخالدة الباقية إلى يومنا متحدّية كلّ من أراد معارضتها، فهو بذلك دليل على المعجزات الأخر، وإنمّا جنح الشيخ إلى إثبات المعجزة بطريق العقل؛ ليستدلّ خصوصا على وقوع المعجزات الأخر الحسيّة، لكن من آمن بالقرآن معجزة، تيّسر عليه التصديق بغيره، فإذا أنكره استحال أن يؤمن بمعجزات لم يرها ولم يشهدها.
5 - أنواع المعجزات
تختلف العصور وتختلف معها المعجزات التي تقترن بدعوات الرسل، ومن حكمة الله تعالى أن جعل هذه المعجزات مسايرة للنمط الفكريّ والحضاريّ للأمم التي يبعث فيها الرسل، فهي بذلك أحسن أثرا في الناس، وأبلغ في الإقناع، ويرى الشيخ اطفيش كغيره من العلماء أنّ المعجزة من نمط ما يغلب على اهتمام الناس في عصرهم، وقال عن ذلك: «إنّ المعجزة في كلّ زمان من جنس ما يغلب على أهله ويبلغون فيه الغاية بحسب طاقة البشر بل الخلق، فإذا وجد ما فاق ذلك الحدّ علم أنّه من الله، كالسحر في زمان موسى؛ فإنّه كان غالبا على أهله وكانوا مالكين ذروة سنامه [ ... ] وكذا الطبّ في زمان عيسى؛ فإنّ أهل زمانه تناهوا فيه، ومعلوم أنّ إحياء الموتى وإبراء الأكمه خارجان عن صناعة الطب، والبلاغة بلغت في عهد رسول الله e إلى الدرجة العليا، وكان بها فخارهم» (1).
__________
(1) - فتح الله: 2/ و، ظ: 88. (1/267)
صفحة 268
وينطبق هذا المعنى على المعجزات الأساسيّة لبعض الرسالات ولا يمنع من وجود معجزات أخر لا تخضع لهذا، وكانت لمجرّد إثبات البرهان على النبوّة، ونصرة الأنبياء، كما نجّى الله تعالى رسله من تعذيب قومهم، ومن ذلك ردّ النار بردا وسلاما على إبراهيم u، قال تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَىآ إبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] Erreur ! Signet non défini. أوكما وقع الإسراء والمعراج لسيّدنا محمّد e في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلىَ الْمَسْجِدِ الاَقْصَا} [الإسراء: 01] Erreur ! Signet non défini ..
ومعجزات الرسل كثيرة متنوِّعة وقد أشرنا إلى أنّ الشيخ اطفيش يرى أنّه لكلّ رسول معجزة تؤيّده، لكنّ القرآن لم يذكر كلّ تلك المعجزات، كما أنّه لم يسمّ كلّ الرسل (1)؛ لكنّ اهتمام المسلمين بمعجزات سيِّدنا محمّد e كان أكثر من اهتمامهم بمعجزات غيره، لذا نذكر بعضا منها مِمَّا أحصاها الشيخ اطفيَّش.
6 - معجزات الرسول محَمَّد e
وهي كثيرة متعدّدة، أفرد لها الشيخ اطفيش كتابا خاصّا بها وهو «السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة»، حاول أن يستقصي فيه الأخبار الواردة في معجزات سيدنا محمّد e؛ ولم يكن يمحّص هذه الأخبار والأحاديث، إنمّا كان جامعا لكلّ ذلك، إضافة إلى ما ذكره في قصائده التي قالها في مدحه e وهي ستّ (2)، ولكثرة هذه المعجزات نقسمها إلى: معجزة القرآن الكريم، ثم باقي المعجزات.
__________
(1) - شرح لامية ابن النظر: 2/ 554.
(2) انظر: الملحق: مؤلفات الشيخ اطفيش. (1/268)
صفحة 269
أ - معجزة القرآن الكريم
أنزل الله تعالى القرآن على رسوله محمّد e، وأودع فيه معان تجعله هو المعجزة الأساسيّة في آخر الرسالات، ولم يختلف المسلمون في كونه أعظم معجزة نزلت في شريعة سماويّة، واهتمّوا به منذ نزوله وما زالوا؛ ووضعوا علوما خاصّة لدراسته وفهمه والوصول إلى الحِكم البالغة التي يحويها ولإدراك أوجه الإعجاز فيه. وقد عدّدوا مواطن الإعجاز، وسره في القرآن، وجمعها الشيخ اطفيش في قوله: «والإعجاز بالإيجاز والبلاغة والبيان والفصاحة، وبعدم كلال قارئه وملل سامعه، وبخرق العادة في نظمه، وبالإخبار بالغيب، وبأخبار من مضى، وبجمعه علوما لم يجمعها غيره من حلال وحرام، ومواعظ وأمثال، وبصرف الهمّة عن معارضته وعارضه قليل فافتضحوا» (1).
فقد رأى الشيخ اطفيش في هذا النصّ أنّ أوجه الإعجاز في القرآن الكريم كثيرة متعدّدة، ويمكن تلخيصها: في أنّه معجز بنظمه الخارق للعادة من حيث الأسلوب، وفي مضمونه ومحتواه المتعدّد المجالات؛ إذ يستحيل على البشر أن يأتوا بمثله أسلوبا أو مضمونا، ولكن يبدو في قول الشيخ «وبصرف الهمّة عن معارضته وعارضه قليل فافتضحوا» تناقض، لأنّه إذا كان من أوجه الإعجاز صرف الهمم عن التفكير في الإتيان بمثله، فإنّ معارضة البعض مناقض لهذا الصرف، ولو كان قليلا ولو افتضحوا أيضا؛ وللخروج من هذا التناقض يمكن فهم قول الشيخ اطفيش على أساس الواقع، فإنّ من فكّروا في معارضة القرآن قليلون بالمقارنة إلى الذين لم يفكّروا ولم يحاولوا معارضته أبدا وصرف الله هممهم عن ذلك، أو أنّ الشيخ كان يرمي إلى الجمع بين رأي من يقول في الإعجاز بالنظم، وبين من يرجعه إلى صرف الهمّة كما فعل الراغب الأصبهاني (2).
__________
(1) - الذهب الخالص: 21، 22.
(2) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن: عالم الكتب بيروت: دت: 2/ 119، 120.
الراغب الأصبهاني: الحسين بن محمّد بن المفضل أبو القاسم: (توفي سنة 502 هـ/ 1108 م)؛ انظر: الزركلي: الأعلام: 2/ 255. (1/269)
صفحة 270
ب - المعجزات الأخر
وهي معجزات اعتنى بها كثير من العلماء ومنهم الشيخ اطفيش الذي جمع كثيرا منها وعدّدها ابتداء من حادثة ميلاده e وانتهاء بوفاته، ولم يكن يدرس صحّة إسنادها، ولا يبدي رأيه إلاّ في القليل النادر منها (1)، نذكر فيما يلي بعضا ممّا حدث منها بعد البعثة:
- إكثار الطعام على يديه في بعض الغزوات (2).
- حَنِينُ جذع النخلة الذي كان يستند إليه e أثناء خطبه ثمّ تركه (3).
- شكاية بعير إليه من سوء معاملة صاحبه له (4).
- طلب ظبية أن يطلق سراحها (5)؛ وضعّف الشيخ هذه الرواية، وقال عنها: إنّه خبر موضوع (6).
__________
(1) - شامل الأصل والفرع: 1/ 82؛ - شرح الدعائم: 2/ 672؛ -شرح نونية المديح: و: 95.
(2) انظر في هذا ابن الأثير جامع الأصول: 12/ 69 - 87، فقد عقد فصلا في زيادة الطعام والشراب.
(3) البخاري: المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام رقم 3391؛ انظر: المعجم المفهرس: 1/ 520.
(4) أبو داود: السنن: مطبعة المجتبائي دلهي دت: كتاب الجهاد: باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم: 1/ 352؛ قال عنه الألباني: جيد من الصحاح، انظر: المعجم المفهرس: 1/ 372؛ الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشئ من فقهها وفوائدها ط 1 الدار السلفية: الكويت 1399 هـ/1979 م: 1/ 797، رقم: 485.
(5) وخرجه الهيثمي عن الطبراني في الأوسط وهو ضعيف، من أحد رجال سنده: مرة: وهو صالح المري؛ انظر: الهيثمي: مجمع الزوائد: 8/ 294، 295.
(6) - السيرة الجامعة: 97. (1/270)
صفحة 271
- كلام حمار إليه؛ وقال عن هذا الخبر إنّ روايته ضعيفة (1).
- كلام عضو من الشاة التي أهديت إليه وهي مسمومة في غزوة خبير. (2)
- إبراؤه e عين عليٍّ t لما أصيبت في خيبر (3)، وقد نسب الشيخ ذلك إلى قتادة بن النعمان عوضا عن علي، وهو ما ذكره ابن حجر، وقال إنّها كانت في بدر (4).
- حادثة انشقاق القمر إلى شقّين (5).
- نبع الماء من أصابعه e (6) .
فهذه بعض المعجزات التي ذكرها الشيخ اطفيش؛ وممّن سبقه إلى ذلك الآمدي في “غاية المرام” (7) والباقلاني في “التمهيد” وقد قال عنها: إنّها ولو كانت من طريق الآحاد لكن تناقلها أهل الآثار والأخبار زمنا بعد زمن، ورويت لمن حضرها فلم ينكرها» (8). إلاّ أنّ هذا القول لا يعدو أن يكون تبريرا لما اكتنف هذه الأخبار من
__________
(1) وهو من الموضوعات؛ انظر: ابن الجوزي: كتاب الموضوعات: تحقيق: محمّد عثمان: المكتبة السلفية، المدينة: 1386 هـ/1966 م: 1/ 293، 294.
(2) رواه البخاري دون ذكر كلام العضو؛ وأخرج ابن الأثير الرواية بتكليم العضو عن أبي داود؛ انظر البخاري: المغازي: باب الشاة التي سمت رقم 4003؛ ابن الأثير: جامع الأصول: 12/ 64؛ المعجم المفهرس: 2/ 523.
(3) البخاري: الجهاد: باب دعاء النبيء e إلى الإسلام والنبوءة رقم 2783؛ انظر: المعجم المفهرس: 1/ 186.
(4) ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة: دار العلوم الحديثة دم دت: 3/ 225.
(5) البخاري: المناقب: باب سؤال المشركين أن يريهم النبيء e، آية رقم 3437؛ انظر: المعجم المفهرس: 3/ 161.
(6) البخاري: المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام رقم 3379؛ انظر: المعجم المفهرس: 1/ 5.
(7) الآمدي: غاية المرام: 345.
(8) الباقلاني: التمهيد: 134، 135؛ انظر: هذه المعجزات وغيرها من مؤلفات الشيخ اطفيش: - فتح الله: 2/ و: 89؛ - السيرة الجامعة: 19، 29، 53، 57، 61، 62، 64، 67، 97، 189 ... (1/271)
صفحة 272
الغرابة والضعف، والوضع أحيانا، ممّا يشكّك في صحّة حشرها مع المعجزة، لذا نتساءل هل يصدق عليها وصف المعجزة حقيقة؟ فعند النظر إلى شروط المعجزة نجد بعضا من هذه الأخبار وأمثالها لا تتوفّر على كلّ الشروط، ولا تجتمع مع المعجزة ــ في الغالب ــ إلاّ بكونها خارقة للعادة، وهذا لا يكفي لأنّ أهمّ الشروط لا توجد فيها: مثل التحدّي، وادّعاء النبوّة، إذ لم يستعمل منها الرسول e للدلالة على صدق نبوّته إلاّ قليلا؛ مثل الإسراء والمعراج، وأمّا غيرها فلا يدلّ على النبوّة إلاّ بطريق غير مباشر خاصّة ما وقع منها بين المسلمين، فإنّهم لم يكونوا بحاجة إلى التثبّت من صدقه e مثل حال بني إسرائيل مع موسى u الذين كانوا يطالبونه بالخوارق والمعجزات، فهذه الخوارق التي وقعت للرسول e هي من الكرامات، وحشرها مع المعجزات من قبيل التوسّع في المصطلح، باعتبار كونها من الخوارق (1)، إلاّ إذا اعتبرنا المعجزة هي كلّ خارق للعادة يحدث على عهد النبيء؛ لذا تبقى دلالتها على النبوّة ثانويّة (2)؛ ويؤيّد صحّة ذلك أنّها لا تصلح حاليا لإثبات النبوّة، ولن يقتنع بالثابت منها إلاّ من اقتنع أوّلا بالمعجزة الحقيقيّة وهي معجزة القرآن الكريم.
وقد كثر الاهتمام بهذه الكرامات نظرا لاهتمام كتّاب السيرة والتاريخ بحشر الغرائب وسرد الأحداث لذاتها، فكان سردا جافّا، خاليا من أهمّ هدف من معرفة السيرة وهو الاتّعاظ واستخلاص العبر والتذكير، وتربية النفوس اقتداء بالرسول e، فكثرت لذلك هذه الكرامات، حتّى قال عنها الشيخ محمّد رشيد رضا: «إنّ ما رواه المحدّثون بالأسانيد المتّصلة تارة والمرسلة أخرى من الآيات الكونيّة التي أكرم الله بها عبده ورسوله محَمَّدًا e هي أكثر من كلّ ما رواه الإنجيليّون وأبعد عن التأويل، ولم
__________
(1) د. عمر سليمان الأشقر: الرسل والرسالات: 122.
(2) محمّد الغزالي: عقيدة المسلم: دار الشهاب باتنة 1985 م: 192. (1/272)
صفحة 273
يجعلها برهانا على صحّة الدين ولا أمر بتلقينها للناس» (1).
ويظهر أثر هذا الاهتمام الكبير بهذه الكرامات في الانحراف بموضوع الإعجاز من الاهتمام بالمعجزة الحقيقيّة التي تبني الحضارات ومن أجلها بعث الرسول e فأصبح اهتماما بالثانويات، وبقيت في حدود التعداد ومجرّد الذكر، وهذا ممّا لم يسلم منه الشيخ أيضا؛ وإن كان قد نبَّه إلى ضعف روايات بعض هذه الأخبار ورفض بعضها، كما لم يهمل الإشارة إلى المعجزة القرآنية.
,,,
,,,
__________
(1) رشيد رضا: الوحي المحمّدي: 79. (1/273)
صفحة 274
المبحث الرابع
الكتب المنزلة
أيّد الله تعالى رسله بالمعجزات التي تصدّق نبوّتهم، وتفحم المنكرين، ولم تكن هذه المعجزات هي المؤيّد الوحيد للرسل، بل أنزل معها كتبا تتضمّن الأحكام والشرائع التي يبلّغونها إلى أقوامهم، فكان العلم بها والإيمان بها جزءا من الإيمان بالنبوّة، وقد تكلّم الشيخ اطفيش في الموضوع وبيّن ما يتعلّق منه بالاعتقاد.
1 - تعريف الكتاب والصحيفة
لم نجد لدى الشيخ اطفيش تعريفا للفظين ــ الكتاب والصحيفة ــ لغة ولا اصطلاحا، وقد اشتهرا كثيرا، وقد يكون هذا سببا في عدم الاهتمام بتعريفهما؛ ونجد في اللغة عن تعريفهما ما يلي:
- الكتاب: مصدر من الكتب، يقصد به اسم المفعول، أي: المكتوب: ويعني: ما خطّ فيه، ونسخ فيه مجموعة حروف وكلمات (1).
- والصحيفة: هي القرطاس المكتوب، أو الورقة المكتوبة، وجمعها صحف وصحائف، وتؤدّي المعنى نفسه الذي يؤدّيه لفظ الكتاب، فهما مترادفان (2).
وأمّا اصطلاحا: فإنّ اللفظين اشتهرا للدلالة على ما أنزل الله تعالى على رسله مِمَّا يكتب متضمّنا أحكام الشرائع التي جاءوا بها.
__________
(1) الجوهري: الصحاح: 1/ 08، ابن منظور: اللسان: 1/ 698، 701؛ الفيروز آبادي: القاموس: 1/ 121.
(2) الجوهري: الصحاح: 4/ 1384؛ ابن منظور: اللسان: 9/ 186، 187؛ الفيروز آبادي: القاموس: 3/ 161. (1/274)
صفحة 275
2 - عدد الكتب وأسماؤها
لم يذكر القرآن الكريم عدد الكتب والصحف، وإنمّا وردت فيه إضافة بعض الكتب إلى رسل أنزلت عليهم، مثل التوراة لموسى والإنجيل لعيسى؛ ويرى الشيخ اطفيش أنّه ما من رسول إلاّ وقرنت دعوته بكتاب أنزل عليه، وإذا لم ينزل عليه شئ فهو على شريعة من سبقه، ولم يذكر دليلا على هذا الرأي (1)، وقد استدلّ من رأى رأيه بقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ} [الحديد: 25] Erreur ! Signet non défini. (2) ، ويبدو أنّه غير ضروريّ، فليس مستحيلا أن يرسَل الرسول بشريعة شفويّة، فأوّل الرسل آدم u لم يذكر له كتاب ولا صحيفة، وورود (الكتاب) في الآية لا يفسَّر بالمعنى الحقيقيّ، فقد فسّره الزمخشريّ بالوحي مطلقا من غير تقييد (3).
ويرى الشيخ اطفيَّش أنّ المعلوم من عدد الكتب قليل جدّا بالنسبة إلى عدد الرسل (4)، فتبقى مسألة عدد الكتب المنزّلة شبيهة بسابقتها في عدد الأنبياء والرسل، ولا عجب في هذا لأنّ الإيمان لم يكن متعلّقا بهذه الأعداد بقدر ما كان مقصودا به العمل بما في الكتاب الأخير، وقد اتّفق العلماء على العدد المعروف في المسألة، ويذكرون أنّ مجموع ما أنزل الله تعالى هو أربعة كتب ومائة كتاب، واتّبعهم الشيخ اطفيش في هذا وفي تفصيله: وقسمه إلى صحف وكتب كما يلي (5):
__________
(1) - شرح أصول تيبغورين: 579.
(2) محمّد صالح العثيمين: عقيدة أهل السنة والجماعة: نشر دار البيان البليدة: 1989 م: 17.
(3) الزمخشري: الكشاف: 6/ 86.
(4) - شرح أصول تيبغورين: 579.
(5) أبوحفص عمرو بن جميع: عقيدة التوحيد وشروحها: 86، 87؛ إسماعيل الجيطالي: قواعد الإسلام: 1/ 8؛ الثميني: معالم الدين: 2/ 133، 134؛ - الهميان: 1/ 27؛ - خطبتا العيدين: 16. (1/275)
صفحة 276
فالصحف من ذلك مائة: نزلت خمسون منها على شيت بن آدم؛ وثلاثون على إدريس، وعشر صحائف على إبراهيم وعشر أخر على موسى عَلَيهِم السَّلاَمُ.
والكتب من ذلك أربعة هي: التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والفرقان على سيّدنا محمّد صلّى الله عليهم وسلّم أجمعين (1).
وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم، فإنّنا لا نجد كلّ هذا التفصيل خاصّة في الصحف، بل بعضا من ذلك: فقد نزلت التوراة إلى موسى والإنجيل إلى عيسى والزبور إلى داود u والقرآن إلى سيّدنا محَمَّد e وهذه كلّها كتب؛ وأمّا الصحف فلم يرد منها في القرآن سوى صحف إبراهيم وصحف موسى، كما هو في قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فيِ صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى} [النجم: 36، 37] Erreur ! Signet non défini .. وعند المقارنة بين ما ذكره الشيخ اطفيش وغيره، وبين ما ورد في القرآن الكريم نجد اختلافا كبيرا: منه عدم ذكر عدد كلّ الصحف ولا عدد صحف إبراهيم وموسى عَلَيهِمَا السَّلاَمُ ولم يُذكر لإدريس شئ من الكتب ولا الصحف، ولماذا تضاف إلى موسى الصحف والكتب ولا يكون ذلك كلّه شيئا واحدا؟ ونجد القرآن يسمّي ما أنزل على موسى ألواحا وتوراة وصحفا؛ ولم يعدّ علماء العقيدة ما نزل على موسى إلاّ باعتباره توراة وصحفا؛ فلماذا لا يكون كل ذلك شيئا واحدا تعدّدت أسماؤه؟ كما أضيف إلى يحى u كتاب في قوله تعالى: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] Erreur ! Signet non défini.، لكنّ العلماء لم يعتبروه كتابا جديدا، وفسّروه على أنّه الكتاب المعهود من قبل وهو التوراة (2).
وليس العدد الذي ذكره الشيخ اطفيش واحدا، فقد نسب إلى البعض ــ ولم يسمّهم ــ أنّهم يقولون: إنّ عدد الكتب أربعة عشر كتابا ومائة كتاب، بزيادة عشر
__________
(1) - شرح العقيدة: 316، 317.
(2) الطبري: جامع البيان: 16/ 37؛ الرازي: التفسير الكبير: 21/ 191. (1/276)
صفحة 277
صحف لنوح u، وقال عن هذا الرأي إنّه غير معروف ولا مشهور (1).
هكذا يبقى التحديد صعبا لأنّ المسألة تحتاج إلى أدلّة سمعيّة، ولا مجال للفكر فيها، ولا لاعتماد ما لم يثبت ولم يصحّ، لذا فالتسليم في الموضوع أفضل من الخوض فيه، وهذا ما ذهب إليه بعض العلماء خاصّة من السلفيّة، فقد جاء في شرح الواسطيّة ما يلي: «المعلوم لنا منها [صحف إبراهيم] و [التوارة] التي أنزلت على موسى في الألواح، و [الإنجيل] الذي أنزل على عيسى و [الزبور] الذي أنزل على داود و [القرآن الكريم] الذي هو آخرها نزولا، وهو المصدّق لها والمهيمن» (2).
ويورد الشيخ اطفيَّش بعد بيان أسماء الكتب وعددها بعض مسائل تتعلّق بالموضوع، منها:
أَوَّلاً - التفضيل بين الكتب
فهو يرى أنّ العلماء أجمعوا على أفضليّة القرآن الكريم على كلّ هذه الكتب، ثمّ بعده التوراة فالإنجيل فالزبور (3)؛ ولم يذكر أساس هذا التفضيل ولا دليله، إلاّ أن يكون تبعا لتفضيل سيّدنا محَمَّد e فكان الكتاب الذي أنزل عليه هو الأفضل، وهذه المسألة أشبه بباقي مسائل التفضيل في العقيدة إذ تحتاج إلى إثبات واستدلال.
ثانيا - أسماء الكتب عربيّة الأصل
حاول أن يرجع أسماء الكتب المنزلة كلّها إلى أصول عربيّة: فالتوراة بمعنى: الإضاءة من «ورى الزند» (4)؛ والإنجيل من «النجل» (5)؛ لأنّه أوسع من الزبور؛
__________
(1) - الهميان: 5/ 258، 259؛ -شرح العقيدة: 318.
(2) محمّد خليل الهراس: شرح العقيدة الواسطية: 18؛ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 350.
(3) - داعي العمل: ظ: 72، و: 73.
(4) وهو قول لأبي جعفر النحاس (-338 هـ)؛ انظر: د. محمود بن الشريف: الأديان في القرآن: دار عكاظ للطباعة والنشر ط 3 جدة 1979 م: 135، 136.
(5) ولم نجد هذا المعنى، و ذكر ابن منظور أنه مأخوذ من النجل بمعنى الأصل (إذا كان عربي الأصل)؛ انظر ابن منظور: اللسان: 11/ 648. (1/277)
صفحة 278
والزبور أي: المكتوب بمعنى مزبور، أو من الزبر بمعنى الزجر (1)؛ ولا يخفى ما في هذا من تكلّف، فهي وإن وافقت اللغة العربيّة فلأنّها قريبة في لغتها من العربيّة، وترجع إلى اللغات الساميّة كلّها، ولا يدلّ هذا على كونها وضعت أوّل مرّة عربيّة، فالرسل يأتون بلسان أقوامهم كما في القرآن الكريم: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ اِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 04] Erreur ! Signet non défini ..
ثالثا - تاريخ نزول الكتب:
ذكر الشيخ تاريخ نزول كلّ الكتب، وهي تجتمع في شهر رمضان، ولم يذكر الشيخ دليلا على ذلك، وظاهر أنّه مأخوذ من السيوطيّ في «الجامع الصغير» فقد أخرج حديثا عن الطبرانيّ فيه: «أنزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لستّ مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان» (2)؛ وليس هذا ممّا ورد في الصحاح، ولوكان كذلك لصحّ على الأقل في نزول القرآن؛ وهذا جري وراء تفاصيل لا طائل من ورائها، وغير مطلوبة في الإيمان بالنبوّة وغير واجب.
__________
(1) - شرح العقيدة: 317.
(2) السيوطي: الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير: دار الكتب العلمية: بيروت: د. ت: 1/ 109؛ -الذهب الخالص: 21، وقال الألباني عن الحديث: «حسن»؛ انظر: الألباني: صحيح الجامع الصغير: المكتب الإسلامي ط 1 بيروت 1388 هـ/1969 م: 2/ 28. (1/278)
صفحة 279
الواجب من الاعتقاد في النبوّة
رأينا أنّ الحديث عن النبوّة والإيمان بها يتعلّق بإثباتها، والحاجة إليها والعلم بمن كلّفوا بها من الأنبياء وما أيّدهم الله تعالى به.
فقد ثبتت بالنصّ وبالعقل، وخير دليل عليها نبوّة سيّدنا محَمَّد e وكان عمل الشيخ اطفيَّش ــ كما رأيناه في هذا الفصل ــ هو إثبات نبوَّته e وذكر ما يتعلّق بها كَمَثَلٍ على باقي الأنبياء؛ وبيّن أنّ حاجة الناس إلى النبوّة أكيدة للقصور البشريّ الفطريّ عن إدراك طرق العبادة التي يرتضيها الله تعالى من عباده؛ وطرق السعادة الحقيقيّة في الدينا والآخرة؛ وهذا لا يصلح لبيانه إلاّ من كان عالما بخفايا النفس البشريّة، ولا مصلحة له ولا نفع في شقاء البشر وسعادتهم، ولا يكون إلاّ خالقهم، ودلّ على هذا أثر النبوءات والكتب السماويّة في الحضارات البشريّة، فبدونها كانت تتقهقر وتضمحلّ.
وردّ الشيخ اطفيش على منكري البعثة والنبوّة، مثلما فعل من سبقه، إلاّ أنّها ردود بقيت على المنهج القديم المجرّد، ولم يستفد من الواقع الماديّ لإثبات النبوّة، وإن كانت مع ذلك ذات أهمّية في هذا المجال.
والوحي اصطفاء واختيار لا كسب من الإنسان، وأمّا عدد من أوحي إليهم فيبقى مجهولا، في علم الله تعالى لأنّ الدليل الوحيد عليه هو حديث أبي ذرٍّ t، والقرآن يذكر ما ينفي عن الرسول e علمه الكامل بهذا العدد، ولم يسمّ من الأنبياء إلاّ قليلا، وأمّا ما وراء ذلك فمأخوذ ــ في الغالب ــ من غير الكتاب والسنة، ومن أهل الكتاب وقد علّمنا الرسول e أن نقف عن الأخذ منهم في قوله: «لا تصدّقوا أهل (1/279)
صفحة 280
الكتاب ولا تكذّبوهم» (1).
وللأنبياء صفاتهم التي تليق بمقام النبوّة ولا تمنع عنهم خصائص البشريّة الجائزة في حقّهم؛ فهم متّصفون بكلّ الأخلاق الحميدة، معصومون عن النسيان فيما يتعلّق بالتبليغ، وإذا نسوا منه شيئا فلحكمة كان ذلك، ومعصومون عن الكبائر قبل النبوّة وبعدها، وأمّا صدور الصغائر منهم فجائز في الحالين أيضا، وهم متفاضلون فيما بينهم، وقد اتُّفق على أفضليّة سيّدنا محَمَّد e على الجميع، دون ما سوى هذا، وثبتت المعجزات للرسل، والمعجزة القرآنيّة قائمة بكلّ خصائص الإعجاز وشروطه، وهي خير دليل على إثبات المعجزات الأخر؛ وأكمل الله تعالى نعمته على عباده في الرسالات بإنزال الكتب والصحف، ولم يذكرها لنا جميعا بل بعضا منها دون البعض الآخر.
وهكذا نلاحظ أنّ الحديث في فصل النبوّة لم يكن لإثبات الإحصاءات والتواريخ والاستقصاء فيها، وإلاّ تحولت العقيدة إلى القصص التي تتكرّر فيها أخبار الأنبياء ومعجزاتهم لمجرّد الذكر، وهذا ما وقع في أسفار أهل الكتاب قبل المسلمين، وكان سببا في تحريفها، وحفظ الله تعالى القرآن الكريم من ذلك، لكن لم تسلم منه كتب العقيدة والتفسير.
ويمكن تلخيص الإيمان الواجب في النبوّة كما هو عند الشيخ اطفيش بما يلي: فقد فرّق بين ما يجب الإيمان به على الجزم والفور، وبين ما هو موسّع فيه، أو غير مطلوب أصلا، وجملة ما يطلب من المكلّف هو الاعتقاد بعموم ما ذكر في النبوّة دون التفصيل إلاّ في القليل النادر، إذ لم يكن الرسول e يطالب الناس بتفاصيل الإيمان بالرسل والرسالات، ولا وردت في كتاب الله تعالى العزيز الحكيم والواجب اعتقاد جواز النبوّة باعتبارها فعلا لله تعالى، ولا واجب عليه يفعل ما يشاء، ويختار
__________
(1) البخاري: التفسير تفسير سورة البقرة باب قوله: {ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} Erreur ! Signet non défini. رقم 4215. (1/280)
صفحة 281
للنبوّة من يشاء من عباده ويصطفيهم، ويجب الإيمان بجملة الأنبياء والرسل عموما لا على التخصيص ما لم يثبت الدليل السمعيّ الصحيح بنبوّة أحدهم باسمه (1)؛ والمكلّف معذور في ذلك ما عدا نبوّة سيّدنا محَمَّد e وكونه خاتم النبيِّين فيجب تخصيصه في الإيمان به دون غيره من الأنبياء.
ويجب اعتقاد الصفات الحميدة والأخلاق الحسنة في كُلِّ الأنبياء واعتقاد أمانتهم في التبليغ وعدم تقصيرهم، والخشية من نسبة صفة مستحيلة إليهم، لأنّه كذب عليهم وافتراء، ونسبته إليهم شرك باعتباره تكذيبا بالقرآن الكريم (2).
ومن أهمّ الصفات التي يجب الإيمان بها في حقّ الأنبياء هي عصمتهم عن الخطأ في التبليغ وعن المعاصي، قبل نبوّتهم وبعدها في الكبائر، وأمّا الصغائر فهو ممّا يلتقون فيه مع سائر البشر، لذا يجب ألاّ يفهم من العصمة أنّ الأنبياء عالمون بكلّ شئ ولا يخطئون في صغيرة ولا كبيرة من المعارف والعلوم، بل يجوز عليهم الخطأ فيما دون أمور التشريع، وقال الشيخ اطفيش عن ذلك: «والنبيء e لم يبعثه الله لدقائق علم الهيئة، بل للشرعيّات» (3)؛ وهذا يعني أنّهم يجتهدون في الحياة الدنيا كغيرهم.
والتفاضل ثابت بين الأنبياء والرسل لكنّ كيفيّته غير معلومة، سوى أنّه متفق على أفضليّة سيّدنا محَمَّد e وهذا دون الانتقاص من شأن الأنبياء الآخرين أو التمييز بينهم، أو تقديس شخص الرسول e بشكل يلهي عن جوهر الإيمان به وتقديره حقّ قدره، ويشغل عن العمل بما جاء به.
__________
(1) إسماعيل الجيطالي: قواعد الإسلام: 1/ 22؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 49؛ -شامل الأصل والفرع: 1/ 21.
(2) الثميني: معالم الدين: 2/ 61؛ - الذهب الخالص: 18، 19؛ - الهميان: ط 1: 13/ 136، 137.
(3) - التيسير: 1/ 278؛ انظر: محمّد عبده: رسالة التوحيد: 67. (1/281)
صفحة 282
وللأنبياء معجزات تؤيّد أقوالهم ونبوءتهم، ويجب الإيمان بالقرآن وأنّه معجزة سيّدنا محَمَّد e وهو أحد الكتب المنزّلة التي يجب الإيمان بها إجمالا أيضا، وحسب ما علم منها بالقرآن الكريم دون ما وراء ذلك.
هذه هي العقيدة في النبوّة ــ كما تصوّرها الشيخ اطفيَّش ــ وهناك فرق بين ما هو خاصّ بتحليل الموضوع، وذكر تفاصيل فيه، وبين ما هو الجوهر والأصل في الإيمان به حسب سماحة الإسلام وعدم التكليف بما لا يطاق، والإيمان بالنبوّة أصل عقديّ قبل العمل، وبعد الإيمان بالله تعالى وتوحيده؛ وهذا الإيمان في عمومه يختلف من شخص إلى آخر، ومفهومه متغيّر من مدرسة إلى أخرى، وهذا ما سنراه في الفصل السادس إن شاء الله. (1/282)
صفحة 283
الفصل السادس
الإيمان والكفر (1/283)
صفحة 284
(صفحةبيضاء) (1/284)
صفحة 285
تمهيد
بعث الله تعالى سيدنا محَمَّدًا e بالإسلام، وجعل رسالته إلى كافّة الناس، زمانا ومكانا؛ لَكِنَّهُم يختلفون في الاقتناع والا تّباع والخضوع للحقّ. وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله: {هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّومِنٌ} [التغابن: 02] Erreur ! Signet non défini. وذكر هنا المؤمن والكافر، وفي مواطن أخرى ذكر من ليس خالصا في الإيمان ولا خالصا في الكفر؛ وبذلك أصبح الناس تجاه العقيدة الإسلاميّة على منازل بحثها علماء العقيدة في موضوع الأسماء والأحكام، وجعلوا الناس إلى أقسام، تَتَعَلَّق بِكُلِّ قسم أحكام في التعامل مع صاحبه وفي اعتقاد مصيره. كما تُرتَّب هذه الأقسام على مراتب أعلاها مرتبة الإيمان لقرب صاحبها إلى الله تعالى، ثُمَّ يبعد الإنسان وتخسّ درجته حَتَّى يصير كافرا مشركا. وهذه المنازل في الغالب ثلاثة حدّدها الشيخ اطْفِيَّشْ كما يلي: «مؤمن خالص، وكافرخالص، ومنافق مؤمن بلسانه فقط» (1)؛ أو: مسلم موفّ، ومنافق بالجارحة أو بكبائر القلب، أو بإضمار الشرك، ومشرك باللسان والقلب أو بالقلب (2)؛ وهي أقسام متباينة (3).
وهذا التقسيم يأخذ بالاعتبار أَنَّ أمّة الرسول e هم كلّ من وجدوا من البعثة إلى يوم القيامة، ويقسمون أيضا إلى ثلاثة أقسام حسب موقفهم من الدعوة، كما يذكر ذلك الشيخ اطْفِيَّشْ فيما يلي:
«- أمّة الاتّباع: وهم من آمن وعمل واتّقى؛ وأمّة الإجابة: وهم من آمن به وبما جاء به ولم يوفّ العمل والترك؛ - ثُمَّ أمّة الدعوة: وهم من بلغه خبره من أهل
__________
(1) - الهميان: 1/ 251؛ انظر أبو حفص عمرو بن جميع: عقيدة التوحيد: 47، 48، 63، 64.
(2) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 355؛ -شرح العقيدة: 167.
(3) الشماخي: متن الديانات: دم، دت: 49؛ - شرح تيبغورين: 219. (1/285)
صفحة 286
الشرك وأهل الكتاب، فاليهود والنصارى وسائر المشركين كلّهم من أمّته e كفروا به كما كفر بنوح قومه وبهود قومه وبصالح قومه وغيرهم» (1).
ولكلّ قسم مفهومه الخاص به، المختلف فيه أو المتّفق عليه، وهو ما سندرسه في هذا الفصل مقسّما على المنازل، ونرى في كلّ منزلة مفهومها، ومن تصدق عليهم، وما يلزم عنها من الأحكام، هكذا: منزلة الإيمان، ثُمَّ المنزلة بين الإيمان والكفر، وأخيرا منزلة الكفر.
__________
(1) - الجَنَّة في وصف الجَنَّة: 255. (1/286)
صفحة 287
المبحث الأَوَّل
منزلة الإيمان
منزلة الإيمان أهمّ المنازل الثلاثة وأشرفها؛ لتميّز المؤمن عن غيره بإيمانه؛ وَلَمَّا يؤثّر فيه هذا الإيمان ويتركه فيه من الخصال والأخلاق وقد حرص العلماء على توضيح مفهومه ومعناه؛ ودرجاته؛ حَتَّى يجتهد المؤمن في العمل وفي عبادة ربّه عن علم وبصيرة. ويشمل الحديث عن الإيمان الكلام عن تعريفه والفرق بينه وبين الإسلام؛ وزيادته ونقصانه؛ والاِستِثنَاء فيه والأحكام المترتبة عنه.
1 - تعريف الإيمان لغة واصطلاحا
تشير المصادر إلى أَنَّ الإيمان في اللغة يفيد التصديق (1)؛ ويذكر الشيخ اطْفِيَّشْ أَنَّ الإيمان يستعمل أحيانا متعديا بالباء لأَنَّهُ يتضمّن معنى الاعتراف؛ وفسّر بذلك قوله تعالى: {الذِينَ يُومِنُونَ بِالغَيْبِ} [البقرة: 02] Erreur ! Signet non défini. وقال: «ولكن عُدِّي بالباء لتضمّنه معنى الاعتراف بالقلب واللسان أو بالقلب؛ أو باللسان دون القلب في حالة الكذب» (2)؛ والمعنى اللغويّ للإيمان لا يدلّ على عمل الجوارح نطقا باللسان أو عملا آخر (3).
أَمَّا التعريف الاصطلاحيّ فتختلف فيه المدارس الإسلاميّة؛ وتنقسم إلى أربعة آراء هي:
__________
(1) الأشعري: كتاب اللمع: 75؛ الثميني: معالم الدين: 2/ 143؛ - شرح عقيدة التوحيد: 394.
(2) - الهميان: 1/ 193.
(3) - شرح لامية ابن النظر: 1/ 06 (1/287)
صفحة 288
1 - الإيمان: هو المعرفة.
2 - الإيمان: هو التصديق.
3 - الإيمان: هو القول.
4 - الإيمان: هو التصديق والقول والعمل.
أَوَّلاً - الإيمان هو المعرفة
تناقلت المصادر هذا التعريف منسوبا إلى جهم بن صفوان (1) وأتباعه الذين يرون أَنَّ الإيمان هو معرفة الله تعالى وصفاته والرسول e وما جاء به؛ وأنّ هذا يكفي في الإيمان دون ما سواه؛ ولا يجب على المكلّف شيء بعد هذا (2)؛ وقد نسبه الشيخ اطْفِيَّشْ إلى الصالحيّ وابن الراونديّ من المعتزلة (3).
ورفض الشيخ اطْفِيَّشْ هذا التعريف؛ ورأى أَنَّ المعرفة يمكن أن تتضمّن نوعا
__________
(1) جهم بن صفوان السمرقندي (-128 هـ/-745 م) رئيس فرقة الجهمية؛ انظر: الزركلي: الأعلام: 2/ 141.
(2) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 373؛ - شرح عقيدة التوحيد: 394.
(3) -المصدر نفسه؛ والصالحي: اسم لاثنين من المعتزلة:
1 - أبو الحسين الصالحي: ذكره القاضي عبد الجبار في الطبقة السابعة بإيجاز، وله كتب كثيرة لكن لم يسمها، ولا يظهر أَنَّهُ المقصود هنا.
2 - أبو عبد الرحمان الصالحي: كان يقص بنيسابور، صاحب جدل، انتفع به الكثير، وصنفه الحاكم الجشمي في الطبقة الحادية عشرة، توفى سنة 494 هـ؛ انظر: عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: 380؛ الحاكم الجشمي: شرح العيون: مع طبقات المعتزلة: 281 - ابن الراوندي: أبو أحمد يحي بن إسحاق: نسبة إلى راوند بأصفهان: (-298 هـ/910 م)، قيل كان من الزنادقة، كتب في طعن الإسلام والقرآن، وله كتب، نسبت اليه الراوندية من المعتزلة. انظر: الزركلي: الأعلام: 1/ 267، 268. (1/288)
صفحة 289
من الإقرار والاعتراف بأنّ شيئا ما حقّ أو أَنَّ صاحبه على حقّ؛ لكن لا يصل هذا الإقرار والاعتراف إلى حقيقة التصديق الذي يجعله في مرتبة الاعتقاد والإيمان؛ واستدلّ على هذا بقوله تعالى عن أهل الكتاب: {الذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُم} [الأنعام: 20] Erreur ! Signet non défini. وذلك على عهد رسول الله e وبعده؛ ومع هذا لم يكن هؤلاء الذين يعرفون الإسلام مؤمنين به (1)؛ ولم يسمّهم القرآن ولا الرسول e مؤمنين. ويؤيّد هذا أَنَّ الذين لم يؤمنوا بالإسلام في كلّ عصر لم يكونوا حقيقة جاهلين به؛ بل كانوا في الغالب منكرين وجاحدين له وهم عالمون به. وقد التفت الشيخ اطْفِيَّشْ إلى هذا الجانب وردّ هذا التعريف؛ ولم يشر إلى جانب آخر يظهر فيه جليًّا عدم صلاحيّة هذا التعريف وذلك من حيث أثره على الشخص المؤمن؛ إذ لو كان صحيحا أَنَّ الإيمان هو مجرّد المعرفة، لَمَّا كانت هناك ضرورة للتكليف بالشعائر وتشريع الأحكام؛ وهذا يجعل الدين مجرّد فكر خال من المعاني الحقيقيّة التي جاء بها الإسلام؛ وهو ما أشار إليه محَمَّد إقبال في نقده لهذا التعريف (2).
ثانيا - الإيمان هو الإقرار باللسان
وهذا تعريف منسوب إلى الكراميّة (3)؛ ويقصدون به أَنَّ النطق بالشهادة كاف في الحكم على من نطق بها بالإسلام والإيمان؛ واستدلوّا بعموم النصوص وظواهرها؛ مثل:
ما رواه أبو ذرّ t عنه e: «ما من عبد قال لا اله الا الله؛ ثُمَّ مات على ذلك إِلاَّ دخل الجَنَّة؛ قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق؛ قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق؛ قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن
__________
(1) - شرح لامية ابن النظر: 1/ 09، 10.
(2) محَمَّد إقبال: تجديد التفكير الديني في الإسلام: 07؛ انظر: الماتوريدي: كتاب التوحيد: 380.
(3) انظر: فصل النبوة المبحث الأَوَّل هامش، 37. (1/289)
صفحة 290
سرق رغم أنف أبي ذر» (1).
وقوله أيضا: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إِلاَّ الله خالصا مخلصا من قلبه أو من نفسه» (2).
وانتقد الشيخ اطْفِيَّشْ هذا التعريف بما يلي:
أَنَّ الإقرار اللسانيّ لا يكفي وحده؛ إذ يمكن أن يقترن بالكذب؛ فالمقر بالشَّيْء قد يضمر عكسه (3).
أَنَّ الأحاديث التي استدلّ بها أصحاب التعريف لم تذكر بنصوصها الكاملة؛ واكتفى أهل هذا الرأي بأشطرها الأولى؛ وتركوا الأشطر الأخرى؛ التي فيها شرط دخول الجَنَّة؛ وهي تدلّ على أَنَّ من نطق بالشهادة دخل الجَنَّة إذا كان مخلصا في نطقه، خالصا من الشرك في اعتقاده؛ وكانت أعماله تدلّ على ما ينطق به (4).
وأَيَّدَ الشيخ موقفه بما روي عن الزهري (5) وغيره؛ الذين قالوا: إِنَّ هذا الحكم كان في أوّل الإسلام، قبل أن تفرض الفرائض العمليّة (6)؛ وقد روي عن وهب بن منبه (7)
__________
(1) البخاري: اللباس: باب الثياب البيض رقم 5489؛ انظر: المعجم المفهرس: 2/ 277، 455.
(2) البخاري: العلم: باب الحرص على الحديث رقم 99؛ انظر: المعجم المفهرس: 2/ 463.
(3) - شرح عقيدة التوحيد: 396.
(4) الوارجلاني: الدليل: 2/ 50. 51؛ - وفاء الضمانة: 1/ 39.
(5) الزهري: محَمَّد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب (58 - 124 هـ/678 - 742 م ) انظر: الزركلي: الأعلام: 7/ 97.
(6) - وفاء الضمانة: 1/ 37.
(7) وهب بن منبه الأبناوي الصنعاني مؤرخ تابعي رويت عنه كثير من أخبار الكتب القديمة (34 - 114 هـ/654 - 732 م)؛ انظر: الزركلي: الأعلام: 8/ 125. (1/290)
صفحة 291
قوله: إِنَّهُ مقرون بشرط التوبة (1)؛ ونقل الشيخ اطْفِيَّشْ عن البخاري أَنَّ وهبا: «سئل: أليس لا إله إِلاَّ الله مفتاح الجَنَّة؟ قال بلى! ولكن ليس مفتاح إِلاَّ وله أسنان؛ فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلاّ لم يفتح لك» (2). وذهب إلى مثل هذا الرأي الشيخ محَمَّد الغزالي (3) مستشهدا بقول الحافظ المنذري (4) التالي: «فقد ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أَنَّ مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال: “لا إله إِلاَّ الله دخل الجَنَّة” أو “حرم النار” أو نحو ذلك؛ إِنَّمَا كانت في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرّد الإقرار بالتوحيد؛ فَلَمَّا فرضت الفرائض وحُدّت الحدود نُسخ ذلك؛ والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة» (5).
و مِمَّا يمنع من تعريف الإيمان بالإقرار اللسانيّ أَنَّ معنى الإيمان لغة هو التصديق؛ ولا يكون التصديق إِلاَّ بالقلب؛ ولو كان معناه الاصطلاحيّ هو التصديق اللسانيّ؛ لَمَّا ترك عامّا؛ بل لخصّص وقُيّد ليصبح معناه: الإيمان باللسان (6).
ولوكانت حقيقة الإيمان بالإقرار اللسانيّ فحسب؛ لكان من لم ينطق بلسانه كافرا ولوكان لعاهة أو مانع غيرها (7).
__________
(1) - وفاء الضمانة: 1/ 37.
(2) -المصدر السابق؛ انظر البخاري: جنائز: باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه: لا إله إِلاَّ الله؛ المعجم المفهرس: 5/ 55؛ ولفظ البخاري: «قيل لوهب ... ».
(3) محَمَّد الغزالي: عقيدة المسلم: 136.
(4) الحافظ المنذري: أبو محَمَّد عبد العظيم بن عبد القوي (581 - 656 هـ/1185 - 1258 م) انظر: الزركلي: الأعلام: 3/ 215.
(5) الحافظ المنذري: الترغيب والترهيب من الحديث الشريف: ضبط وتعليق مصطفى محَمَّد عمارة، دار إحياء التراث العربي ط 3 بيروت 1388 هـ/1968 م: 2/ 413، 414.
(6) - شرح عقيدة التوحيدة: 397.
(7) -المصدر نفسه. (1/291)
صفحة 292
هذه حجج قويَّة على عدم دلالة الإيمان على مجرّد النطق باللسان كما يدلّ عليه ظاهر هذا التعريف الذي لا يثبت أمام النقد؛ إذ لا فائدة من طلب الإقرار اللسانيّ وحده، والله يعلم ما يخفيه صدر المقرّ من تصديق أو كفر؛ فالأولى أن يكتفى بهذا التصديق قبل أن يطلب النطق اللسانيّ من صاحبه. ولو كان الأمر يَتَعَلَّق بمجرّد النطق اللسانيِّ لَمَّا كان لكثير من الأحكام معنى؛ فلا شيء أسهل على الإنسان من أن يُحرِّك لسانه بكلمات ولو لم يعتقد أَنَّهَا حقّ؛ إذا كان هذا النطق لا يقتضي القيام بفرائض والتزامات ثُمَّ جزاءً بعد ذلك؛ وَلَمَّا وقعت البغضاء والشحناء من المنافقين ما داموا ينطقون الشهادة.
و تنبغي الإشارة إلى أَنَّ الشيخ اطْفِيَّشْ مع نقده لهذا الرأي؛ فَإِنَّهُ لم يرفضه تماما؛ ولكن اعتبره جزءا من الإيمان وليس هو الإيمان كلّه (1)؛ ويوضّح ذلك قوله: «و أَمَّا قول قومنا: إِنَّ رسول الله e قال: من كان آخر كلامه لا إله إِلاَّ الله دخل الجَنَّة؛ فصحيح لكن لم يفهموا الحديث؛ فَإِنَّ المراد به القول الكامل؛ وهو المتبوع بالعمل الصالح» (2).
ثالثا - الإيمان هو التصديق القلبيُّ
ويعني هذا التعريف: أَنَّ الإيمان هو التصديق، ومحلّه القلب وهو الأصل في الإيمان؛ وَأَمَّا ما عدا التصديق القلبيّ، فليس داخلا في مفهوم الإيمان؛ فهذا القول يعتبر التعريف اللغويّ للإيمان هو نفسه التعريف الاصطلاحيّ؛ وبه قال الأشاعرة والماتوريديّة مستندين إلى أَدِلَّة منها (3):
قوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِمُومِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17]
__________
(1) - شرح لامية ابن النظر: 1/ 09؛ - جامع الوضع والحاشية: 30؛ محَمَّد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي: 51.
(2) - الهميان: ط 1: 13/ 182.
(3) الأشعري: اللمع: 75؛ الماتوريدي: كتاب التوحيد: 373 - 375، 380؛ الباقلاني التمهيد: 346. (1/292)
صفحة 293
ومعنى الإيمان هنا التصديق؛ ولا يكون إِلاَّ بالقلب.
قوله تعالى: {وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِيمَانُ فيِ قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] Erreur ! Signet non défini.؛ والمعتاد أَنَّ الاعتقادات في الأديان عموما تُبنى على التصديق القلبيّ.
الإيمان إِنَّمَا يكون بالله تعالى وبما جاء منه؛ وهو أعلم بما في القلوب لذلك كان مَحَلّه القلب دون غيره من الجوارح.
وَمِمَّا يَدُلُّ على أَنَّ الإيمان هو التصديق القلبيّ، أَنَّ المكره لا يُسلب منه الإيمان مع أَنَّهُ ينطق بغيره.
ونقد ابن تيميّة هذا التعريف قائلا: إِنَّ مدلول التصديق لا يقتصر على القلب بل للجوارح كلّها تصديق؛ والقلب إحدى هذه الجوارح؛ وكذلك اللسان يصدُّق بالإقرار؛ فلا معنى لقصر التصديق على القلب وحده. واستدلّ بقوله e: «إِنَّ الله كتب على ابن آدم حظّه من الزنا أدرك ذلك لا محالة: فزنا العين النظر؛ وزنا اللسان المنطق؛ والنفس تتمنَّى وتشتهي، والفرج يصدّق ذلك كلّه أو يكذّبه» (1)؛ فدلّ ذلك على أَنَّ التصديق لا يختص بالقلب وحده، كما قال محَمَّد إقبال عن هذا التعريف: إِنَّهُ يجعل الإيمان مجرّد شعور داخليّ لا أثر له في الواقع من حياة المؤمن ومعاملاته (2). فهو قول يكتفي بأضعف مراتب الإيمان وهي التصديق القلبيّ المجرّد من الآثار العمليّة والظهور الخارجيّ على السلوك الفرديّ والاجتماعيّ. وهذا ما جعل غير الماتوريديّة والأشاعرة يرفضونه بسبب انعدام الشموليّة فيه واعتبروه ناقصا لا يجزئ الإنسان فيما
__________
(1) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: 68 رقم 635؛ البخاري: الاستئذان: باب زنا الجوارح دون الفرج رقم 5889؛ ابن تيميّة: كتاب الإيمان: مطبوعات ميموني للنشر والتوزيع الجزائر دت: 106، 107؛ انظر: المعجم المفهرس: 5/ 94.
(2) محَمَّد اقبال: تجديد التفكر الديني: 07 (1/293)
صفحة 294
بينه وبين الله؛ وفيما بينه وبين العباد: فالله يخاطب الإنسان ويكلّفه بالأعمال لا بمجرّد التصديق؛ والناس يتعاملون فيما بينهم بالظواهر؛ ولا سبيل لهم إلى معرفة المؤمن من غيره، إذا كان الإيمان يَتَعَلَّق بالقلوب فقط.
والمثير للانتباه في آراء الشيخ اطْفِيَّشْ أنّنا لم نقف له على نقد لهذا القول؛ والسبب يرجع في هذا إلى أَنَّ موقفه في الموضوع فيه بعض الاتِّفَاق مع تعريف الأشاعرة والماتوريديّة وهو ما سيتّضح عند دراسة موقفه.
رابعا - الإيمان هو التصديق بالقلب والقول والعمل
خلافا للتعاريف الثلاثة السابقة؛ فقد اتَّفَق الإِبَاضِيَّة والسلفيّة على أَنَّ الإيمان هو: تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح (1). ووضّح الشيخ اطْفِيَّشْ هذا التعريف بقوله: «و إِنَّمَا يفيد الإيمان [ ... ] مع العمل الصالح واجتناب الكبائر، كما ذكر في مواضع من القرآن والسنّة؛ وحيثما لم يذكر، فليحمل المطلق على المقيّد [ ... ] بل كلمة الشهادة مضمونها وجوب اجتناب الذنوب؛ ألا ترى أَنَّ من أسمائها: كلمة التقوى؟» (2). فقد أضاف هذا التعريف القول والعمل إلى التصديق وجعل من كلّ ذلك مفهوما للإيمان؛ والعمل هنا لا يعني المعنى الضيّق من القيام بالفرائض وَلَكِنَّهُ المعنى الشامل لِكُلِّ ما تقوم به جوارح الإنسان بما في ذلك العمل القلبيّ؛ ولكلّ جارحة ما يخصّها من الطاعات وترك المعاصي (3). والعلاقة في هذا المفهوم بين الإيمان والعمل تشبه
__________
(1) ابن تيميّة: كتاب الإيمان: 107؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 373 السالمي: مشارق: 2/ 201؛ عبد الحميد بن باديس، العقائد الإسلامية: مكتبة الشركة الجزائرية: 1981 م: 63؛ محَمَّد خليل الهراس: شرح الواسطية: 48.
(2) - إزالة الاعتراض: 07؛ ينظر: أبو سعيد الكدمي: المعتبر: دار جريدة عمان للصحافة والنشر، وزارة التراث عمان 1984 هـ: 1/ 124، 125؛ السالمي: مشارق: 2/ 201.
(3) الثميني: معالم الدين: 2/ 143؛ - شرح عقيدة التوحيد: 345. (1/294)
صفحة 295
ــ عند ابن تيميّة والشيخ اطْفِيَّشْ ــ العلاقة بين لفظي: الفقير والمسكين: فإذا ذكرا معا كان تقييدا أو عطفا للخاصِّ على العام؛ وإذا ذكر أحدهما تضمّن الآخر (1).
ومن الأَدِلَّة التي يُؤيّد بها هذا التعريف ما يلي (2):
تقييد الإيمان في القرآن الكريم بالعمل الصالح ولا داعي لإلغاء هذا القيد؛ وهو يدلّ على تضمّن الإيمان للعمل.
إِنَّ الإيمان يقتضي عبادة المؤمن ربّه الذي آمن به؛ واعتقاده الجازم في ربِّه يمنعه من عصيانه؛ لأَنَّهُ يلزم عن الإيمان العمل.
العمل كالبناء لأساس هو الإيمان؛ والأسس المتعدّدة لا تردّ بردا ولا حرّا إذا لم يُعلَ البناء فوقها.
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] Erreur ! Signet non défini. فسمّى بعض الأعمال ــ وهي الصلاة هنا ــ إيمانا.
حديث: «الإيمان بضع وسبعون أو وستون شعبة أفضلها قول لا إله إِلاَّ الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق» (3).
حديث: «الحياء من الإيمان» (4).
__________
(1) ابن تيميّة: الرسائل الكبرى: 1/ 29، - شرح عقيدة التوحيد: 396.
(2) ابن تيميّة: الرسائل الكبرى: 1/ 29؛ الوارجلاني: الدليل: 2/ 48؛ - الهيمان: 1/ 61 - شرح عقيدة التوحيد: 395.
(3) مسلم: الإيمان: باب عدد شعب الإيمان رقم 35؛ المعجم المفهرس: 1/ 109.
(4) وهو جزء من حديث فيه: أَنَّ الرسول e مَرَّ على رجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء، فقال: دعه فَإِنَّ الحياء ... ؛ انظر: البخاري: الإيمان: باب الحياء من الإيمان رقم: 24؛ المعجم المفهرس: 1/ 542. (1/295)
صفحة 296
فهذه بعض الأَدِلَّة التي ساقها الشيخ اطْفِيَّشْ وغيره على أَنَّ الإيمان يتضمّن العمل؛ وَأَنَّهُ تصديق وقول وعمل؛ ونلاحظ أَنَّهَا جاءت جميعا مركّزة على إثبات تضمّن الإيمان للعمل؛ دون الاهتمام بالتصديق لأَنَّهُ متّفق عليه. وفي مقابل هذا الرأي فَإِنَّ الأشاعرة يعتبرون العمل شرط كمال؛ فمن تركه بقي على إيمانه إِلاَّ أَنَّهُ فوّت على نفسه الكمال (1).
هذه هي التعاريف المشهورة لمفهوم الإيمان؛ ولم يرفضها الشيخ اطْفِيَّشْ جميعا؛ واستدلّ للقول الأخير؛ ووضّحه لكن لم يقل إِنَّهُ هو التعريف الذي يرتضيه الإيمان ذلك أَنَّ له رأيا آخر نبيِّنه فيما يلي.
خامسا - رأي الشيخ اطْفِيَّشْ في مفهوم الإيمان
لقد بيّن الشيخ اطْفِيَّشْ أَنَّ تعريف الإيمان بكونه: تصديقا وقولا وعملا هو الأصل في المذهب الإباضيّ (2) وشرح هذا التعريف؛ لكن لم يكن يراه تعريفا مناسبا للإيمان، فهو تعريف يتضمّن ثلاثة أجزاء: التصديق والقول والعمل؛ وذكرها بهذا التتابع يدلّ على تغايرها فيما بينها؛ وهذا يعني أَنَّ للإيمان حقيقة غير حقيقة القول والعمل: ونجد من يعرّف الإيمان هكذا يقول: إِنَّهُ «لا يتمّ إِلاَّ بقول وعمل» (3)؛ أو أَنَّ القول والعمل إذا اجتمعا مع الإيمان كان الكلّ يفيد الإيمان المطلق الكامل (4). وهذه الأقوال نفسها تدلّ على أَنَّ الإيمان، غير القول وغير العمل؛ لأنّهما يضافان إليه إضافة ليكمل؛ فهناك فرق بين أصل الشَّيْء وما يتِمُّ به؛ وبين أصله وما يصير به كاملا مطلقا. ويبقى السؤال دائما: ما هو أصل الإيمان؟ وما حقيقته؟
__________
(1) البيجوري: تحفة المريد: 25.
(2) - شرح النيل: 16/ 19.
(3) عمرو بن جميع: عقيدة التوحيد: 23.
(4) ابن باديس: العقائد الإسلامية: 54؛ محَمَّد خليل الهراس: شرح الواسطية: 148. (1/296)
صفحة 297
هذا ما جعل الشيخ اطْفِيَّشْ يعدل عن التعريف الشائع عند الإِبَاضِيَّة؛ وعند السَّلَفِيَّة ويتّخذ رأيا آخر يرى فيه أَنَّ الإيمان: هو التصديق بالقلب، والإذعان لله تعالى وَلَمَّا يَتَرَتَّبُ عنه؛ فهو الإخلاص الحقيقي؛ وهو في حقيقته تصديق بالقلب (1). واستدلّ ببعض النصوص منها (2):
قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللهِ مِنم بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنُ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ, مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمَانِ} [النحل: 106] Erreur ! Signet non défini. فقد أضيف الإيمان والاطمئنان به إلى القلب. مِمَّا يدلّ على أَنَّهُ تصديق بالقلب.
قوله تعالى: {وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِيمَانُ فيِ قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] Erreur ! Signet non défini. وفي الآية إشارة إلى كون الإيمان في القلب.
قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فيِ قُلُوبِهِمُ الاِيمَانَ} [المجادلة: 22] Erreur ! Signet non défini. فالآية واضحة في تثبيت الإيمان في القلوب.
قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} [آل عمران: 86] Erreur ! Signet non défini. ويقول الشيخ في تفسيرها: «والآية دليل على أَنَّ الإقرار غير الإيمان؛ بل الإيمان تصديق بالقلب؛ والإقرار وهو الشهادة إخبار باللسان عمّا في القلب» (3).
حديث: «الإيمان ها هنا وأشار إلى صدره» (4).
__________
(1) - شرح عقيدة التوحيد: 33.
(2) - الهميان: 1/ 196، 197، 200، 206، 207، 362؛ 9 ق 1/ 373؛ انظر: السالمي: مشارق: 1/ 283.
(3) - التسيير: 2/ 114، 115.
(4) لم نقف على نصه، ووجدنا: «التقوى ههنا ... » انظر: مسلم: البر: باب تحريم ظلم المسلم رقم 2564؛ المعجم المفهرس: 3/ 266. (1/297)
صفحة 298
حديث الجارية التي سألها الرسول e: «أين الله؟ قالت: في السماء؛ قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله؛ قال: أعتقها فَإِنَّهَا مؤمنة»؛ ولم يقل: آمنت الآن؛ بمعنى أَنَّهَا كانت في قرارة قلبها مؤمنة (1).
و نذكر بعد هذه الأَدِلَّة بعض أقوال الشيخ التي يشرح فيها رأيه كما يلي:
قال: «لا شكّ عندي أَنَّ الإيمان محلّه القلب لأَنَّهُ التصديق» (2). ثُمَّ قال مبيّنا: «ثُمَّ خذ عنيِّ تحقيقا آخر هو: أَنَّ الإيمان يجوز إطلاقه على مجرّد التوحيد وهو التصديق؛ كما يطلق على ذلك مع الإقرار والعمل وهو الإيمان الكامل؛ لا يدخل أحد الجَنَّة إِلاَّ به؛ فيشتقّ منه مؤمن: بمعنى موحّد؛ ومؤمن: بمعنى موحّد مقرٌّ عامل» (3).
وهذا الرأي يبدو جديدا بالنسبة إلى الإِبَاضِيَّة الذين اشتهرت عندهم عبارة: «الإيمان قول وعمل»؛ وتناقلوها: ورأي الشيخ اطْفِيَّشْ على ظاهره يدلّ على تقليص الإيمان عن شموليته للقول والعمل، وحصره في مجرّد التصديق القلبيّ؛ ويسلب منه ميزة مراعاة التصرفات الإنسانيّة؛ والعلاقة بين الإيمان وعمل الإنسان؛ فهل كان هذا مقصد الشيخ في تعريفه؟
لقد تنبّه الشيخ إلى ما ذكرنا مِمَّا يمكن أن يُفسّر به قوله فقدّم ما يبعد رأيه عن كلّ هذه النتائج والاحتمالات؛ وبيّن أَنَّهُ لم يكن يرمي إلى هذه المعاني؛ وأنّ رأيه ليس شاذا ولا غريبا في المذهب الإباضيّ؛ ويقول عن ذلك: «ومذهبنا أَنَّ الإيمان تارة يطلق على التصديق؛ وتارة على العمل بعده؛ وتارة عليهما: فَإِمَّا أن نفسّر الإيمان بلازمه
__________
(1) مسلم: المساجد ومواضع الصلاة: باب تحريم الكلام في الصلاة رقم 537؛ المعجم المفهرس: 2/ 210.
(2) - الهيمان: 1/ 206، 207.
(3) -المصدر نفسه: 7 ق 1/ 128. (1/298)
صفحة 299
ومسبّبه وهو العمل كما ذكرت آنفا؛ وَإِمَّا أن نفسّره بما ذكرت من التصديق» (1). ثُمَّ أشار إلى أَنَّهُ مسبوق بهذا الرأي عند الإِبَاضِيَّة؛ وقال: «وقال بعض أصحابنا: هو التصديق» (2). ومن هؤلاء الذين أشار إليهم أبو سعيد الكدمي في القرن الرابع الهجري (3)؛ مِمَّا يدلّ على أصالة هذا القول في المذهب (4).
كما أدرك الشيخ اطْفِيَّشْ ما ينتج عن هذا القول من التأويلات؛ ومن الرفض خَاصَّةً في بيئته ــ مثلما وقع له في قضايا أقلّ شأنا من هَذِهِ ــ فبيّن أَنَّهُ رأي رآه من أجل العلم وخدمته لا للخلاف وما يتبعه؛ وقال: «ولولا أَنَّهُ لا يجوز لي كتمان علم ظهر لي ــ لاجتماع شروط النظر ــ ما فُهت بذلك مِمَّا يخالف غيري» (5). ويُظهِر بُعده عن الخلاف المذموم قائلا: «ولست بذلك قاصدا لمخالفة أصحابنا رحمهم الله ولكن ذكرت ما أَدَّى إليه اجتهادي» (6).
ويظهر لنا من خلال هذه الأقوال مدى اهتمام الشيخ بتوحيد الصفِّ؛ وإدراكه لمساوئ الخلاف؛ ومدى اعتزازه برأيه؛ ولو خالف ظاهره المذهب. وحتّى نفهم رأيه أكثر؛ ونعرف مدى قربه من المذهب الإباضيّ وبعده عنه يتعيّن علينا أن نبحث المكانة التي يوليها الشيخ للقول والعمل ضمن تعريفه للإيمان.
فقد أخرجهما من مفهوم الإيمان الأصليّ؛ وجعلهما جزأين متمّميْن للإيمان
__________
(1) - داعي العمل: ظ: 116.
(2) - فتح الله: 1/ ظ: 156.
(3) أبو سعيد محَمَّد بن سعيد الكدمي: عالم عماني عاش في القرن الرابع الهجري، له كتاب: “المعتبر” في التوحيد والفقه. انظر: أبو سعيد الكدمي: المعتبر: مقدمة الناشر.
(4) المصدر نفسه: 1/ 122، 123؛ السالمي: مشارق: 1/ 285.
(5) - الهميان: 1 ق 7/ 128.
(6) -المصدر نفسه: 1/ 197؛ انظر: السالمي: مشارق: 1/ 285. (1/299)
صفحة 300
الكامل؛ وأيّد رأيه هذا بأنّ القول والعمل لو كانا هما الإيمان لكان تاركهما مشركا (1)؛ وما داما متمّمين للإيمان؛ فَإِنَّ التصديق وحده لا يكفي ولا يتحقّق إِلاَّ بالقول والعمل؛ وقال في هذا: «إيمان القلب بالوفاء بالقول والعمل؛ وهو حقيقة الإيمان الكامل [ ... ] والإسلام الناقص مجرّد الإقرار وهو الذي في الآية» (2).
فالإيمان بمعنى التصديق لا خلاف فيه ــ حسب رأيه ــ لكن الخلاف في إجزاء ذلك أو عدمه؛ وقال: «يختلف: هل يقبل منه ذلك ويثاب عليه أو لا؟ إِلاَّ إنْ أقرَّ؟ وهل الإقرار شرط أو شطر في الشرع؛ أولا شرط ولا شطر؟ وهل هو حقيقة عرفيّة شرعيّة في الاعتقاد فقط؟ أو فيه مع الإقرار؟ أو فيهما مع العمل؟ أو هو موضوع بالاشتراك والله أعلم» (3). وأقرّ جمهور الإِبَاضِيَّة الإقرار القوليّ بإعتباره شطرا ولأنّ الاعتقاد القلبيّ لا يكفي مكان القول (4)؛ وكان رأي الشيخ اطْفِيَّشْ في ذلك أَنَّ الإقرار هو إخبار باللسان عمّا في القلب، لذلك لا يشترط باعتباره شطرا في الإيمان ولكن من أجل إجراء الأحكام به. وأوّل هذه الأحكام هو تسمية الناطق بالشهادة المقرّ بالإيمان مؤمنا (5). واستدلّ على كونه شرطا لإجراء الأحكام فقط بقوله e: «أمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يقولوا لا إله إِلاَّ الله فمن قال لا إله إِلاَّ الله فقد عصم منّي نفسه وماله إِلاَّ بحقّه وحسابه على الله» (6).
__________
(1) - شرح عقيدة التوحيد: 35؛ - الهميان: 1/ 196.
(2) -المصدر نفسه: ط 1: 13/ 535؛ والآية هنا: قوله تعالى: {قَالَتِ الاَعْرَابُ ءَامَنَّا} [الحجرات: 14] Erreur ! Signet non défini ..
(3) - الهميان: 1/ 207.
(4) - شرح لامية ابن النظر: 2/ 588؛ - التيسير: 2/ 115.
(5) - فتح الله: 1/ ظ: 156؛ - الذهب: 36.
(6) - الهميان: 1/ 197؛ انظر: البخاري: الجهاد: باب دعاء النبيء e إلى الإسلام والنبوة رقم 2786؛ المعجم المفهرس: 1/ 99. (1/300)
صفحة 301
والعمل أيضا فرع عن الإيمان؛ ولا يكون هو الإيمان؛ فهو يعطف على الإيمان لمغايرة أحدهما للآخر (1). لكنّ الإيمان وحده دون العمل لا ينفع صاحبه؛ وكونه ليس هو الإيمان لا يعني الاستغناء عنه أو جواز تركه: «قلت لا بأس بالقول بأنّ الإيمان بالقلب؛ لأنّا نقول: لا ينتفع به بلا عمل» (2).
و يظهر الفرق بين الإيمان والعمل؛ وعدم الاستغناء عن أحدهما في أَنَّ الإيمان وحده مع العمل بخلافه لا ينفي وصف الإيمان عن صاحبه؛ ولكن هذا الوصف أيضا لا ينجيه من الجزاء جزاء الكفار والمشركين رغم أَنَّهُ عالم بثبوت النبوّة والوحدانيّة (3)؛ وسيتّضح هذا الحكم عند الحديث عن منزلتي النفاق والكفر.
و بعد بيان مكانة القول والعمل من الإيمان جمع الشيخ اطْفِيَّشْ بين هذه الأجزاء ليجعل منها درجات في سلّم الوفاء للدين والإخلاص لله تعالى مبيّنا موقع كلّ جزء من ذلك في قوله: «وقد حقّقت لك أَنَّ الإيمان في القلب؛ والإقرار إِنَّمَا هو تحقيق وتقرير؛ فالاعتقاد إيمان؛ والإقرار معه إيمان قويّ وإخبار؛ والعمل معهما إيمان أقوى؛ وليس يضرّنا ذلك مع أنّا نعتقد أَنَّهُ لا ينتفع بالاعتقاد أو مع الإقرار بلا عمل» (4).
و هكذا يمكن القول إِنَّ موقف الشيخ اطْفِيَّشْ في الموضوع هو كما يلي: الإيمان يعني التصديق بالقلب في الشرع؛ أَمَّا الإقرار باللسان والعمل بالجوارح فهما مِمَّا يتمّ به الإيمان ويكمل، وهما شرطان: فالإقرار باللسان شرط لأَنْ تجرى الأحكام على المقرّ في الدنيا؛ وَأَمَّا العمل فهو شرط للنجاة من العذاب؛ ومظنّة لاستحقاق الثواب؛ والإيمان القلبيّ لا يكفي خاليا من الشرطين.
__________
(1) - الهميان: 1/ 362.
(2) - شرح لامية ابن النظر: 2/ 588.
(3) - الهميان: 1/ 201.
(4) - حاشية القناطر: 2/ظ: 158. (1/301)
صفحة 302
و عندما نقارن بين موقف الشيخ اطْفِيَّشْ ومواقف غيره؛ نجده لم يكن بعيدا عن المذهبين الإباضيّ والسلفيّ؛ فقوله: الإيمان تصديق بالقلب؛ لم يكن يعني ترك القول والعمل؛ بل أكّد على ضرورة الأخذ بهما كما جاء في المذهبين؛ فهو قول ينتهي إلى المفهوم الذي جاء به الإِبَاضِيَّة والسلفيّة ولوخالفهما في اللفظ؛ كما أَنَّهُ لم يكن قريبا من الأشاعرة والماتوريديّة إِلاَّ في اللفظ، واختلف معهما في دلالة اللفظ وحقيقة المفهوم؛ أَمَّا الموقفان الباقيان وهما قول من يعرّف الإيمان بالمعرفة؛ ومن يعرّفه بالإقرار فقد كان مغايرا لهما تماما.
و نرى في هذا القول تحرّرا من الشيخ اطْفِيَّشْ وخروجا من الإطار المذهبيّ إلى رحابة الإسلام؛ ومحاولة إعطاء الإيمان مغزاه وروحه الحقيقيّة؛ فقد لاحظ أَنَّ من تشبّث بالتعاريف السابقة: إِمَّا أن يلجأ إلى الإرجاء أو إلى التشدّد؛ فلم يكن ينفع القول: إِنَّ الإيمان تصديق فقط؛ لَمَّا فيه من التساهل؛ ولا نفع القول: الإيمان قول وعمل؛ لَمَّا فيه من التركيز على بعض الشعائر دون البحث عن المعنى الروحيّ والحضاريّ للإسلام؛ فبقيت هذه التعاريف أحيانا شعارات تُردّد؛ ويتخاصم على إثباتها وإبطالها.
ولا شكّ أَنَّ الشيخ بموقفه هذا أراد أن يشير إلى عمق الإيمان القلبيّ؛ وَأَنَّهُ إذا خلا القلب من الإيمان الحقيقي فلن ينفع العمل على كثرته؛ وإذا لم يؤثّر الإيمان القلبيّ على الجوارح في حركاتها وسكناتها فهو إيمان على غير حقيقة وصدق؛ وقد استطاع بهذا أن يقطع الجفوة بين المسلمين في منح وصف الإيمان على حسب الأهواء؛ وحافظ بهذا على شموليّة الإسلام لنواحي الاهتمام البشريّ؛ وسعادة البشر لا تتحقّق إِلاَّ بالإيمان الصحيح المستوفي شروطه؛ هذه الشموليّة التي قال عنها المفكر محَمَّد إقبال: «فالدين ليس أمرا جزئيّا؛ ليس فكرا مجرّدا فحسب؛ ولا شعورا مجرّدا؛ ولا عملا مجرّدا؛ بل هو تعبير عن الإنسان كلّه» (1).
__________
(1) محَمَّد إقبال: تجديد التفكير الديني 07. (1/302)
صفحة 303
فليس المهمّ إثقال التعريف بالقيود ولكن في وضع التصوّر الصحيح العميق لمفهوم الإيمان؛ لذا نرى أَنَّ قول الشيخ في الإيمان ليس تراجعا عن قول سلف المسلمين؛ وَلَكِنَّهُ رجوع إلى إحياء روح الإيمان في القلوب التي كانت شبه فارغة؛ متشبّثة ببعض تقاليد وطقوس تراها هي العمل المطلوب من المؤمن؛ أو مكتفية ببعض الفرائض التي تراها هي كلّ الإيمان؛ فبقي المسلمون لذلك حيارى أمام تقدّم أعدائهم ينقضّون على ممتلكاتهم ينقصونها من أطرافها كلّ يوم؛ ولا يملكون دفعهم؛ فكان لاَ بُدَّ من إحياء هذه القلوب وإشباعها بالنور الإيمانيّ لتتحرك في الوجهة السليمة؛ ولا نشكّ أَنَّ للأوضاع التي عاشها الشيخ اطْفِيَّشْ أثرا في صياغته هذا الرأي؛ وهذا سواء في بيئته الخاصّة أم بيئته العامّة.
ونتساءل: لماذا لم يثر هذا القول من الشيخ مناقشة وجدلا خاصّة بين الإِبَاضِيَّة؛ أو على الأقل في محيطه بوادي مزاب؟ وقد كانوا يتعقَّبون آراءه بالنقد والرفض الشديد أحيانا، وفي مسائل أقلّ شأنا من هذه؛ ولم نقف على قول معارض له؛ وفي نظرنا أَنَّ سبب هذا يعود إلى طريقة عرض الشيخ لرأيه؛ وَأَنَّهُ هو نفسه قد هوّن من هذا الخلاف؛ لأَنَّهُ ينتهي في الأخير إلى الاتِّفَاق مع الرأي المشهور في المذهب.
هذه هي المواقف المُتَعَلِّقة بتعريف الإيمان على اختلافها؛ وقد رأى البعض أَنَّ الخلاف بينها إِنَّمَا هو مجرّد خلاف لفظيّ (1)؛ وهذا مجرّد تهوين من شأن الخلاف؛ مع أَنَّهُ في حقيقته ليس لفظيّا فحسب؛ لَمَّا لهذا التعريف من الأثر البالغ على السلوك الفرديّ والاجتماعيّ؛ فسلوك المجتمع الإسلاميّ والفرد المسلم في الصدر الأَوَّل غيره بعد ذلك؛ وَإِنَّمَا ضعف المسلمون بقدر ضعف إيمانهم الحقيقيّ؛ وبعدهم عن التصوّر السليم
__________
(1) الرازي: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلّمين: المطبعة الحسينية مصر 1323 هـ: 175؛ التعاريتي المسلك المحمود: 10. (1/303)
صفحة 304
للإيمان؛ وابتعادهم عن حقيقته العمليّة إلى اعتباره مجرّد شعور خال من الأثر العمليّ؛ وهذا يدلّ على أَنَّ سلوك من يعتقد الإيمان مرتبطا بالقول والعمل يكون مخالفا تماما لسلوك من لا يعتقد ذلك ويرى نجاته في مجرّد نطقه بالشهادة، أو اعتقادها في قلبه دون أن يدفعه هذا إلى تجسيده في الواقع؛ وما استطاع المسلمون أن يعودوا إلى نهضتهم الأخيرة بعد الانحطاط إِلاَّ بمراجعة هذا الأصل واعتبار العقيدة تصديقا وعملا (1).
هذا عن مفهوم الإيمان؛ وقد ارتبط به لفظ آخر كثر تداوله وهو لفظ الإسلام؛ فما العلاقة بين الاثنين؟
جـ - الإيمان والإسلام
ورد اللفظان في القرآن الكريم أحيانا مجتمعين وأحيانا منفردين؛ وهذا ما دعا العلماء إلى البحث عن العلاقة بينهما اتِّفَاقا واختلافا.
فالإيمان لغة يدلّ على التصديق؛ وَأَمَّا الإسلام فيدلّ على الانقياد؛ يقال: أسلم بمعنى انقاد؛ ومنه أسلم أمره لله تعالى بمعنى خضع وانقاد إليه (2).
أَمَّا في استعمالهما الاصطلاحيّ فأحيانا يشار إلى اختلافهما؛ وأحيانا إلى اتِّفَاقهما؛ ويرى الشيخ اطْفِيَّشْ أنّهما يستعملان معا لمعان متعدِّدة؛ وتجري بينهما علاقات الترادف والاختلاف والتداخل والتباين (3).
فهما مترادفان يدلاّن على معنى واحد هو الدين والشرع والأحكام والملّة؛ يقول الشيخ موضّحا ذلك: «واعلم أَنَّ الدين والإسلام بمعنى واحد؛ وهو ما أمر الله به
__________
(1) انظر: حسن البنا: حديث الثلاثاء: مكتبة رحاب الجزائر 1990 م: 498؛ أعوشت بكير: قطب الأيمة: 17.
(2) الفيروز آبادي: القاموس: 4/ 130.
(3) - الهميان: 1/ 205؛ - الذهب: 07. (1/304)
صفحة 305
عباده أن يطيعوه به؛ أو نفس الطاعة» (1). كما يطلق الإيمان والإسلام على الأحكام الشرعيّة أيضا؛ ومن الأَدِلَّة على هذا الترادف (2):
قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمُ, ءَامَنتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس: 84] Erreur ! Signet non défini. وقوله أيضا: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فيِهَا مِنَ الْمُومِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35. 36] Erreur ! Signet non défini .. فقد جاء اللفظان «الإيمان والإسلام» في الآيتين مترادفين قصد بهما اتّباع الدين والطاعة (3).
و يكونان متداخلين فيستعمل أحدهما بمفهوم الآخر؛ ويشرح الشيخ ذلك بقوله: «ويستعمل الإسلام بمعنى التصديق؛ والإيمان بمعنى الانقياد للأحكام؛ فالأوّل من استعمال اللفظ في معنى سبب مدلوله الحقيقيّ؛ والثاني من استعمال اللفظ في معنى مسبّب مدلوله» (4). وذلك لأَنَّ الانقياد هو مدلول الإسلام وسببه التصديق؛ فبدون التصديق لا يحصل الانقياد؛ ويصبح الانقياد مسبِّبا للتصديق؛ فكان اللفظان «الإيمان والإسلام» متداخلين باعتبار مفهوميهما والعلاقة بينهما.
وهما أيضا مختلفان من حيث الدلالة والمفهوم؛ ولو كانا متّفقين في الماصدق؛ ويشرح الشيخ ذلك بقوله: «فمن حيث أَنَّ ذلك (5) معتقدٌ ومقطوعٌ عذر من خالفه أو مجازٌ عليه؛ أو يلزم ويُعتاد يسمّى دينا؛ ومن حيث أَنَّهُ مستسلم إليه ويذعن إليه يسمّى
__________
(1) - جامع الوضع والحاشية: 28.
(2) - شامل الأصل والفرع: 1/ 23؛ - الهميان: ط 1: 14/ 740؛ ط 2: 1/ 206.
(3) -المصدر نفسه: ط 1: 13/ 535؛ انظر: الماتوريدي: كتاب التوحيد: 394؛ عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 707.
(4) - شامل الأصل والفرع: 1/ 23؛ انظر: - الهميان: 1/ 205، 206.
(5) أي ذلك الماصدق: الطاعة وأوامر الشرع وسائر الأحكام. (1/305)
صفحة 306
إسلاما؛ ومن حيث التصديق به يسمّى إيمانا» (1). فهما لذلك متباينان؛ وقد ركّز شيخ الإسلام ابن تيميّة على إظهار هذا التباين مستدلاّ بما ورد في حديث جبريل u حيث سأل عن الإسلام فكان الجواب أَنَّهُ الشعائر والأعمال الظاهرة؛ وَلَمَّا سأل عن الإيمان أجاب e بالأصول الإيمانية الخمسة: الإيمان بالله وملائكته ورسله وبالكتب واليوم الآخر؛ ثُمَّ قيّد ابن تيميّة هذا التباين بين اللفظين بما إذا وردا معا في نص واحد (2).
فنلاحظ أَنَّ اللفظين يترادفان ويختلفان؛ فلا يحدّد ذلك إِلاَّ السياق الذي وردا فيه؛ والقرائن التي تدلّ على المعنى المراد منهما معا أو من أحدهما؛ ولا معنى لقصر الإيمان على الوفاء والموفّي بالعمل والاعتقاد معا، والإسلام على ما دون ذلك؛ وسيظهر أثر هذا عند الحكم على صاحب الكبيرة وتسمياته.
2 - ما يجب في الإيمان
ونقصد بهذا الحدّ الأدنى الذي يعتقده الإنسان حَتَّى يصبح مؤمنا ويسمّى كذلك؛ ويَتَعَلَّق ذلك بالتصديق القلبي والإقرار اللسانيّ والعمل بالجوارح.
أَمَّا التصديق: فهو الإيمان بالله تعالى وجودا ووحدانيّة؛ وألوهيّة وربوبيّة والإيمان بالنبوّة؛ على أن يكون هذا الإيمان يقينيّا لا شكّ فيه؛ وهذا لا خلاف في وجوبه وطلبه من كلّ مكلّف.
وَأَمَّا الإقرار باللسان فيَتَعَلَّق بالنطق بشهادة الإيمان؛ وهي دلالة على وجود التوحيد عند الناطق بها؛ ويجب أن تتضمّن ذكر رسالة سَيِّدنَا محَمَّد e باسمه كما
__________
(1) - جامع الوضع والحاشية: 28، انظر: الذهب: 07
(2) ابن تيميّة: كتاب الإيمان: 28، 185؛ انظر تخريج الحديث في الفصل السابق المبحث الأَوَّل: هامش 29. (1/306)
صفحة 307
يرى ذلك الشيخ اطْفِيَّشْ؛ ولا تصحّ عنده بدونه (1)؛ والشهادة بثلاث جمل: الشهادة بوحدانيّة الله تعالى؛ والشهادة برسالة سيدنا محَمَّد e؛ والشهادة بأنّ ما جاء به حقّ؛ وقد وقع الخلاف في أقلّ الواجب من هذه الجمل؛ وهل يمكن الاستغناء عن بعضها؟
فالشيخ اطْفِيَّشْ يقول: «(ت) التحقيق تمام توحيد من قال لا إله إِلاَّ الله محَمَّد رسول الله؛ ولو لم يقل وما جاء به حقّ» (2)؛ لأَنَّ الشهادة بالألوهيّة والنبوّة تتضمّن التصديق بما جاء من طريقهما؛ فتصديق الرسول يقتضي الإيمان والتصديق بما جاء به (3)؛ لكن هذا لم يكن متّفقا عليه لدى الإِبَاضِيَّة فقد أوجب البعض ــ ومنهم أبو حفص عمرو بن جميع ــ الإقرار بالأقاويل العشرة (4) وقال إِنَّ الشهادة بجملها الثلاثة إِنَّمَا تكفي بين العباد؛ وَأَمَّا بين المكلّف وبين الله تعالى فلا يجزئه إِلاَّ أن يقرّ بِكُلِّ الأقاويل العشرة؛ وقال الوارجلاني عن ذلك وَعَمَّن يوجبون الإقرار بهذه الأقاويل: «ولو تتبّعناهم لاتَّسع المجال، وكثر المقال وضاع العيال؛ ولم يدخل الجَنَّة إِلاَّ المحال؛ سبحان ذي الجلال» (5). وقد اكتفى الوارجلاني والشيخ اطْفِيَّشْ وغيرهما (6) بوجوب نطق الشهادة بأجزائها الثلاثة على الأكثر؛ وَأَمَّا غيرها فلا يجب حَتَّى تقوم الحجّة السماعيّة به؛ واستدل الشيخ اطْفِيَّشْ لرأيه قائلا: «وحجّته أَنَّهُ e يكتب إلى الناس: لا إله إِلاَّ الله وأنّ محَمَّدًا رسول الله؛ ولا يكتب إليهم عشرة أقاويل ونحوها؛ وهو الذي أقول به
__________
(1) - الغسول: 11.
(2) - الذهب: 36؛ (ت): قلت.
(3) السالمي: مشارق: 1/ 273، انظرهامش الصفحة بتعليق الشيخ أحمد الخليلي.
(4) الأقاويل العشرة هي: الإيمان بالجنّة، والنار، والقضاء والقدر، والموت، والحساب، والبعث، والعقاب، والملائكة، والأنبياء، والكتب؛ انظر: عمرو بن جميع: عقيدة التوحيد: 26، 27، 28.
(5) الورجلاني: الدليل: 2/ 14.
(6) الجيطالي: قواعد الإسلام: 1/ 14. (1/307)
صفحة 308
حَتَّى اطلعت أَنَّهُ مذهب الإمام عبد الرحمن وعمروس وأبي خزر» (1)؛ وأكّد رأيه هذا في قوله: «والحمد لله على التوفيق إلى التوحيد الكامل غير المخلّط بتخاليط المتصوّفة المتشدّقة؛ وأفضل الخلق بعد الأنبياء أبو بكر الصديق t وتوحيده خال عمّا يشوّش لا إله إِلاَّ الله محَمَّد رسول الله وما جاء به حقّ من عند الله؛ ولا حول ولا قُوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم» (2).
والاكتفاء بهذه الجمل تصرّف منطقيٌّ؛ لأَنَّ زيادة أيّ شَيْء عليها يصبح تكرارا؛ وتوسّعا فقد شملت كلّ أجزاء الإيمان؛ وقد تكون الزيادة للتأكيد؛ ولكنّ فتح مجالها دون تقييد يصيّر منها مدخلا لِكُلِّ فرقة لتقحم في الإيمان خصوصيّاتها العقديّة؛ كما وقع في متون العقائد المذهبيّة التي أُقحمت فيها مسائل فقهيّة؛ بينما يكفي الفهم الحقيقيّ لمعنى الشهادة الذي يسع أن يسيّر الإنسان ويقوده إلى سعادة الدنيا والآخرة بِكُلِّ شموليتهما؛ لكن لَمَّا عجز المسلمون عن تلقين هذا الفهم وهذا العمق استعاضوا به الألفاظ والجمل الطوال.
هذا عن الإقرار؛ أَمَّا عن العمل وما يكفي منه في الإيمان؛ فَإِنَّ الموقف من ذلك
__________
(1) - جامع الوضع والحاشية: 02.
· ... عبد الرحمان: هو ابن رستم تلميذ أبي عبيدة وأحد حملة العلم إلى المغرب تولىّ ولاية القيروان لأبي الخطاب، ثمّ أسس الدولة الرستمية بتيهرت؛ توفى سنة 170 هـ انظر: ابراهيم بحاز: الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الفكرية والاجتماعية والاقتصادية: المطبعة العربية غرداية: 92 - 95.
· ... أبو خزر: يغلا بن زلتاف من علماء الإِبَاضِيَّة في القرن الرابع الهجري، قاد حملة ضد الفاطميين سنة 358 هـ؛ وانتقل مع المعز إلى مصر، توفي سنة 380 هـ/990 م؛ انظر الدرجيني: الطبقات: 1/ 126، 143؛ 2/ 40 أبو خزر: الرد على جميع المخالفين: تحقيق د. عمر النامي: بحث مرقون: 22، 23.
· ... عمروس بن فتح: عالم إباضيّ من النصف الثاني للقرن الرابع الهجري بجبل نفوسة، كان قاضيا من مؤلفاته: أصول الدينونية الصافية: وهي رسالة مخطوطة. انظر: الدرجيني: الطبقات: 2/ 320 - 325.
(2) - حاشية القناطر: 2/ظ: 128. (1/308)
صفحة 309
يختلف حسب الاختلاف في مفهوم الإيمان: فمن قال إِنَّ الإيمان هو القول والعمل جعل كلّ الأعمال والطاعات داخلة في الإيمان؛ فمن استكمل الطاعات استكمل الإيمان وسمّي مؤمنا؛ ومن أخلَّ بذلك لم يسمَّ مؤمنا؛ ونسب أبو عمَّار عبد الكافي هذا القول إلى الإِبَاضِيَّة والأزارقة والزيديّة والمعتزلة والحشويّة (1)؛ وذهب السَّلَفِيَّة إلى أَنَّ الإيمان المطلق يستحقّه صاحبه عند جمعه كلَّ الطاعات؛ وإذا أخلَّ بالعمل لم تسلب منه صفة الإيمان (2)؛ وهذا ما اختلفوا فيه مع من يقول: الإيمان قول وعمل: فالمذهب الأَوَّل يخرج من ترك العمل عن الإيمان؛ بينما يبقيه السَّلَفِيَّة على هذا الوصف ولو مع تقصيره.
أَمَّا عند الشيخ اطْفِيَّشْ فقد اعتبر العمل مكمِّلا للإيمان ولا يدخل الإيمانُ صاحبَه الجَنَّة إِلاَّ بعمل صالح؛ ولكن لا ينفي عن المقصِّر صفة الإيمان ولو ظاهريًّا؛ وهو في هذا قريب من السَّلَفِيَّة.
و نلاحظ أَنَّ كيفية الإيمان وما يطلب فيه تطبيقا تظهر في الإقرار أكثر؛ لأَنَّ مجال العمل واسع غير محدود؛ ولا يمكن تحديد العمل الواجب على المؤمن في كمٍّ معيَّن سوى أن يقال فيه هو القيام بالطاعات وترك المعاصي؛ لذلك لا يكون الإنسان في إيمانه على حال واحدة فهو في أحوال متغيّرة. وهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل يعني ذلك أَنَّ الإيمان يزيد وينقص؟ أو هو حال واحدة؛ لا تزيد ولا تنقص؟
3 - زيادة الإيمان ونقصانه
يرى البغداديُّ (3) أَنَّ الأقوال في زيادة الإيمان ونقصانه تتعدّد حسب التعريف
__________
(1) أبو عمار: الموجز: 2/ 91، 92.
(2) محَمَّد خليل هراس: شرح الواسطية: 148.
(3) البغدادي أبو منصور عبد القاهربن محَمَّد (-429 هـ/1037 م) من أَئِمَّة أصول الدين الأشاعرة، من أهمِّ مُؤَلَّفَاته: “كتاب أصول الدين”. انظر الزركلي: الأعلام: 4/ 84. (1/309)
صفحة 310
الاصطلاحيِّ للإيمان؛ وقال عن ذلك: «كلُّ من قال: إِنَّ الطاعات كلَّها من الإيمان أثبت فيه الزيادة والنقصان؛ وكلّ من زعم: أَنَّ الإيمان هو الإقرار الفرد منع الزيادة والنقصان فيه؛ وَأَمَّا من قال: إِنَّهُ التصديق بالقلب فقد منعوا من النقصان فيه واختلفوا في زيادته» (1). وهذه المسألة تناقش باعتبار اختلاف أحوال المؤمن لا باعتبار المؤمن في ذاته بالمقارنة إلى غيره من المؤمنين؛ لأَنَّهُم يتفاضلون في إيمانهم وهم على درجات؛ فليس المؤمن الموفّي كمرتكب المعاصي (2).
وقد ذهب الشيخ اطْفِيَّشْ إلى تقرير القول في مذهبه الإباضيِّ الذي يرى أَنَّ الإيمان يزيد وينقص (3) في ذاته. وأشار إلى أَنَّهُ كان على هذا الرأي في أوّل الأمر؛ ثُمَّ غيّر موقفه لَمَّا ظهر له أَنَّ ذلك غير كاف في الموضوع، وفصّل القول فيه كالتالي:
فالإيمان باعتباره تصديقا لا يزيد ولا ينقص في ذاته لأَنَّهُ ثابت؛ والقول بالزيادة فيه تحصيل حاصل؛ وهو مثل العلم بالشَّيْء لا يمكن أن يزداد هذا العلم بذات الشَّيْء؛ كما أَنَّ الإيمان قوّة في القلب مثل العقل التام لا يزداد ولا ينقص ولكن يوجد أو يعدم (4)؛ هذا عن الجانب الأَوَّل من الإيمان وهو التصديق.
وَأَمَّا الجانب الثاني في الإيمان وهو العمل باعتباره متمِّما للإيمان ومكمِّلا له فَإِنَّهُ يزيد وينقص؛ كُلَّمَا زادت الأعمال زاد الإيمان؛ وكُلَّمَا نقصت نقص (5).
__________
(1) البغدادي: أصول الدين: 252؛ انظر الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد: دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت 1403 هـ/1983 م: 141، 142؛ البيجوري تحفة المريد: 28؛ - التيسير 12/ 285، 286؛ -الهميان: 7 ق 1/ 128.
(2) ابن تيميّة: الرسائل الكبرى: 1/ 38 - 41؛ - التيسير: 12/ 285.
(3) أبو عَمَّار: الموجز - 2/ 97، 98؛ - حاشية القناطر: 2/ظ: 142؛ - الهميان: 1/ 207.
(4) - الهميان: 7 ق 2/ 298؛ - التيسير: 12/ 285.
(5) - حاشية القناطر: 2/ظ: 142. (1/310)
صفحة 311
وَأَمَّا الجانب الثالث الذي يصدق عليه الزيادة والنقصان فهو سبب الإيمان فَإِنَّهُ ينشأ عن التأمّل والنظر والأدلَّة؛ فَإِنَّهُ يزداد بزيادة الدليل وكثرته؛ وقوة البرهان؛ فيزداد الإيمان ويقوى بما أومن به حَتَّى يصبح كَأَنَّهُ مشاهد؛ ويضعف فيصبح كمن صدّق بشَيْء غائب عنه (1).
وَأَمَّا الجانب الرابع فهوخصال الإيمان وأجزاؤه التي هي موضوعه؛ فكُلَّمَا زادت ازداد الإيمان (2).
وقد وضَّح الشيخ هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا الذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمُ, إِيمَانًا} [التوبة: 124] Erreur ! Signet non défini. فقال: إِنَّ الزيادة هنا بالمعاني السابقة كالتالي:
يزداد بزيادة خصلة جديدة ينزل بها الوحي فيؤمنون بها؛ فيزداد إيمانهم بسبب إيمانهم بهذه الخصلة.
ينزل الوحي بدليل جديد غير ما عرفوه من قبل فيزداد إيمانهم لزيادة دليله.
بنزول الوحي يقوى البرهان؛ ويتّضح فيرفع الشكوك فيزداد الإيمان بزيادة وضوح الدليل وقوّة البرهان كما أَنَّهُ بتكرار الوحي يزداد الإيمان قوة ورسوخا (3).
وقد أغفل الشيخ في هذا التوضيح الإشارة إلى كيفيّة ثبوت الإيمان باعتباره تصديقا؛ وذكر أوجه الزيادة وأسبابها فقط؛ ويمكن تلخيص رأيه كما يلي: إِنَّ الإيمان تصديق لا يزيد ولا ينقص في ذاته؛ ولكن يزداد وينقص باعتبارات أخر هي: زيادة الأعمال ونقصانها؛ وقوّة الأَدِلَّة والبراهين؛ وزيادة العلم بخصال الإيمان.
__________
(1) - الهميان: 7 ق 1/ 127؛ - شامل الأصل والفرع: 1/ 23، - التيسير: 12/ 285.
(2) - الهميان: 1/ 207.
(3) -المصدر السابق: 7 ق 2/ 297، 298. (1/311)
صفحة 312
هذا هو موقف الشيخ اطْفِيَّشْ في الموضوع؛ حيث ركّز على كون الإيمان لا يزيد في أصله لكن يزيد وينقص لاعتبارات خارجة عن حقيقته؛ ونلاحظ أَنَّهُ أراد أن يثبت عدم زيادة التصديق ونقصانه بتشبيهه بالعلم تارة والعقل التامّ تارة أخرى؛ وهذا التشبيه غيركاف؛ لأَنَّ العلم في حقيقته لا يُحدّ على الأقلّ في مستوى البشر؛ وهو المجال الذي تحدّث فيه الشيخ؛ إذ يمكن معرفة الشَّيْء على حال ثُمَّ زيادة هذه المعرفة في حال أخرى؛ فهذا التشبيه يثبت الزيادة أكثرممّا ينفيها؛ كذلك تشبيه التصديق بالعقل التامّ، فمتى يمكن وصف العقل بالتامّ؟ وهو دائم التطور.
وهذا الرأي من الشيخ اطْفِيَّشْ في زيادة الإيمان ونقصانه؛ لم يكن مخالفا تماما للإِبَاضِيَّة الذين قالوا بزيادة الإيمان ونقصانه في ذات الإيمان؛ لأَنَّ مقصود الإِبَاضِيَّة بذات الإيمان هو المفهوم الذي اتخذوه من أَنَّهُ التصديق والقول والعمل؛ وما أثبت فيه الشيخ الزيادة والنقصان هو القول والعمل؛ فكان يلتقي معهم في بعض ما ذهبوا إليه؛ إِلاَّ أَنَّهُ لم يقدّم لنا فصلا دقيقا بين عدم زيادة الإيمان في ذاته؛ وبين زيادته ونقصانه بزيادة ونقصان عوامل خارجة عن حقيقته التصديق؛ لأنّنا عندما نعتبر الأعمال تزداد وتنقص والأَدِلَّة والبراهين والخصال؛ فَإِنَّ كلّ ذلك لا معنى له لولا أَنَّهُ يؤثّر على ذات الإيمان وهو التصديق؛ وهو شعور يتأثّر وينفعل تبعا لزيادة هذه العناصر ونقصانها؛ وحتّى الألفاظ التي استعملها الشيخ دلّت على عدم التمييز بين أطراف هذه الزيادة؛ ومثال ذلك هذان القولان: قوله «وَأَمَّا زيادة الإيمان في نفسه فلا يتصوّر» (1)؛ وقوله: «فَإِنَّ التصديق القلبيّ يزيد وينقص بكثرة النظر والأدلَّة» (2)؛ فالقولان يدلاّن على أَنَّ الخلاف بين الشيخ اطْفِيَّشْ وبين الإِبَاضِيَّة إِنَّمَا كان لفظيّا؛ يتّفقان في المعنى العام؛ ولكن ركّز كلّ طرف على جانب من الموضوع؛ وقد أشار الشيخ بنفسه إلى هذا قائلا: «فلعلّ الخلاف
__________
(1) -المصدر السابق: 7 ق 2/ 298.
(2) -المصدر السابق: 7 ق 1/ 127؛ ينظر: - شامل الأصل والفرع: 1/ 23؛ - التيسير: 12/ 285. (1/312)
صفحة 313
المشهور في زيادته لفظيّ؛ ثُمَّ رأيته قولا لبعضهم: “إِنَّ الخلاف لفظيٌّ” لأَنَّ الدالّ على عدم تفاوت الإيمان محمول على أصله الذي هو التصديق؛ والدالّ على تفاوته محمول على ما به كماله وهو الأعمال وما يقوى به من علامات» (1)؛ ويظهر أَنَّ قول الإِبَاضِيَّة بزيادة الإيمان ونقصانه لزيادة العمل والأَدِلَّة والخصال أوضح وأكثر منطقيّة من حيث الصيغة وهما في الحقيقة يؤدّيان إلى معنى واحد.
واستدلّ الشيخ اطْفِيَّشْ على زيادة الإيمان ونقصانه بما يلي:
ما روي عن ابن عمر قال: يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص؟ فقال e: «نعم يزيد حَتَّى يدخل صاحبه الجَنَّة وينقص حَتَّى يدخل صاحبه النار» (2).
وقوله e لوفد ثقيف: «الإيمان مكمّل في القلوب زيادته ونقصه كفر» (3)؛ قال عنه لا يَصِحُّ لضعف سنده «ولو صَحَّ لكان المعنى الزيادة فيه من غيره بما ليس شرعا؛ والنقص منه باختلاله كفر» (4).
عن الإمام عليٍّ t: قال: «ولو انكشف الغطاء لم أزدد إِلاَّ يقينا» (5).
قال البخاريُّ: «لقيت أكثر من ألف عالم في الأمصار يقولون الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص» (6).
__________
(1) -الهميان: 7 ق 2/ 298، ينظر: البيجوري: تحفة المريد: 31، وذكرالرأي نفسه ونسبه إلى الرازي وإمام الحرمين.
(2) - تيسير: 12/ 285، ولم نقف على من رواه في المصادر التي اطَّلعنا عليها.
(3) وجدنا الحديث بلفظ: «مثبت في القلوب كالجبال الرواسي» وهو موضوع، ينظر: الألباني: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيِّء على الأُمَّة، المكتب الإسلامي، ط 4 بيروت، 1398 هـ: 1/ 478.
(4) - التيسير 4/ 301.
(5) -المصدر نفسه: 4/ 301.
(6) -المصدر نفسه؛ -حاشية الموجز 2/و: 24؛ ولم نقف على هذا النصِّ في البخاريِّ؛ إِلاَّ أَنَّهُ أورد روايات في الموضوع؛ انظر البخاري: الإيمان: باب من قال إن الإيمان قول وعمل؛ وباب الإيمان وقول النبيء e: بني الإسلام على خمس؛ وباب زيادة الإيمان ونقصانه. (1/313)
صفحة 314
فهذا رأي الشيخ اطْفِيَّشْ في زيادة الإيمان ونقصانه ولم يختلف في شيء مهمٍّ مع من يقول بالزيادة والنقصان بزيادة العمل ونقصانه.
4 - الاِستِثنَاء في الإيمان
الاِستِثنَاء في الإيمان يقصد به زيادة القائل: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، عندما يسأل هل هو مؤمن؟ وقد استُحدث ذلك من جرَّاء الجدل مع المرجئة؛ الذين أثاروا مسألة الإحراج بهذا السؤال؛ فالإجابة تحرج المجيب بالإثبات إذا كان يرى الإيمان تصديقا وقولا وعملا؛ لأَنَّهُ رجوع إلى القول إِنَّهُ تصديق فقط؛ والجواب بالنفي شكّ في الإيمان؛ فكان المخرج زيادة عبارة إن شاء الله (1)؛ ومع هذا فقد أثار الموضوع بعض الاختلاف في شأن جواز هذا الاِستِثنَاء ومنعه.
فقد منعه الماتوريدي؛ ورآه شكّا في الإيمان؛ وظنّا فيه؛ والإيمان لا يبنى على الظنّ ولا يجوز فيه الشكّ؛ وقد حذّر الله تعالى من الشكّ وكذلك الرسول e؛ واعتبر الماتوريديُّ الشكّ والارتياب من علامات النفاق ولهذا منع الاِستِثنَاء (2) وَاستَدَلَّ على هذا القول بما يلي:
قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15] Erreur ! Signet non défini ..
ما روي عن رسول الله e أَنَّهُ: «سئل عن أفضل الأعمال فقال: إيمان لا
__________
(1) ابن تيميّة: كتاب الإيمان: 320، ينظر تعليق المحقّق.
(2) الماتوريدي: كتاب التوحيد: 388، 389، 391. (1/314)
صفحة 315
شَكَّ فيه وجهاد لا غلول فيه وحجٌّ مبرور» (1).
وكان موقف السَّلَفِيَّة وسطا كما قدّمه ابن تيميّة وابن أبي العزّ (2)؛ إذ أجازوه في حال ومنعوه في أخرى (3):
فهو جائز إذا كان المقصود من الاِستِثنَاء الجهل بالعاقبة والغيب؛ لأَنَّ المؤمن لا يعلم كيف تختم حياته بالإيمان أو غيره؛ أو المراد به التواضع وعدم تزكية النفس؛ فلا يدّعي كمال الإيمان في نفسه والوفاء بِكُلِّ الطاعات وترك المعاصي.
و يمنع عندما يراد به الشكّ في كونه مؤمنا بمعنى مصدّقا؛ لأَنَّهُ لا يجوز الشكّ في أصل الإيمان.
وأَمَّا الإِبَاضِيَّة فلم يهتمُّوا بالأمر كثيرا؛ وَإِنَّمَا ورد لديهم عرضا؛ كما يشير إلى هذا الأستاذ الجعبيري (4)؛ وعبّروا عنه بلفظ تعليق الإيمان بالمشيئة إذا سئل المؤمن: أمؤمن أنت كيف يجيب؟ ومنعوا الجواب بالإثبات القاطع إذا كان المقصود الإيمان الحقيقيّ الكامل بل يوكل علمه إلى الله تعالى؛ أي هنا يجوز الاِستِثنَاء، ولا يستثني إذا كان المقصود بالسؤال أصل الإيمان والتصديق فيكون الجواب بالإثبات (5). وهوقول
__________
(1) رواه البخاري بلفظ مختلف؛ وفي النسائي بلفظ «وحجة مبرورة»؛ انظر: البخاري: إيمان: باب من قال الإيمان هو العمل رقم 26؛ النسائي: السنن: شرح السيوطي وحاشية السدي تحقيق مكتب تحقيق التراث الإسلامي دار المعرفة بيروت 1411 هـ: كتاب الزكاة باب جهد المقل رقم 2525؛ المعجم المفهرس: 1/ 420.
(2) ابن أبي العز: علي بن علي بن محَمَّد (731 - 792 هـ/1331 - 1390 م) انظر الزركلي: الأعلام: 4/ 313.
(3) ابن تيميّة: كتاب الإيمان: 321، 334، 335؛ الرسائل الكبرى: 1/ 30، ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 398.
(4) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 501، 502.
(5) خميس بن سعيد الرستاقي: منهج الطالبين: مطبعة عيسى البابي الحلبي مصر 1979 هـ: 1/ 575. (1/315)
صفحة 316
السَّلَفِيَّة نفسه؛ وقول الشيخ اطْفِيَّشْ أيضا؛ حيث أجاز تعليق الإيمان بالمشيئة إذا كان المراد بذلك الخوف من الوفاء الكامل في الإيمان والشكّ في الخاتمة والجهل بها؛ وزاد إذا كان تبركا بالنطق بجملة: «إن شاء الله تعالى»؛ ومنعه إذا كان الاِستِثنَاء أساسا للشكّ في الحال وفي ذات الإيمان لأَنَّهُ كفر كما مَرَّ عن الماتوريديِّ (1).
و نلاحظ أَنَّ التفصيل الذي ذكره الشيخ اطْفِيَّشْ هو نفسه تفصيل الإِبَاضِيَّة والسلفيّة؛ وَلَكِنَّهُ أنسب وأكثر منطقيَّة مع تعريفه للإيمان بِأَنَّهُ تصديق وما بعد التصديق فهو متمّم ومكمّل؛ بينما اعتبر الآخرون الإيمان هو كلّ التصديق والقول والعمل فكان الأنسب أن يجيزوا الاِستِثنَاء مطلقا.
هذا هو القول في الاِستِثنَاء خاصّة عند الإِبَاضِيَّة والشيخ اطْفِيَّشْ؛ ونوافق الأستاذ الجعبيري أَنَّهُم لم يتطرَّقوا إلى الموضوع مثل غيرهم؛ بل أحيانا يتركونه في جانب اهتمام غيرهم به. ولكن نودُّ الإشارة إلى طريقة أخرى تَدُلُّ على اهتمام الإِبَاضِيَّة بالموضوع ولكن بمنهج مغاير؛ ونقصد بهذا اهتمامهم بالخوف والرجاء في الإيمان وجعلوه أصلا في عقيدة الإيمان؛ ولا يكاد يخلو كتاب من مُؤَلَّفَاتهم من الحديث في الموضوع؛ وهذا ما يجعلنا نتساءل: ألا يكون الخوف والرجاء نوعا من الاِستِثنَاء؟
أ - مسألة الخوف والرجاء ومسألة الاِستِثنَاء
نعرِّف أَوَّلاً الخوف والرجاء كما يذكره الإِبَاضِيَّة جزءا أو ركنا مهمّا في الإيمان؛ ونقتصر في ذلك على ما جاء عند الشيخ اطْفِيَّشْ فقد وضَّحه ولم يذكر شيئا جديدا على من سبقه من العلماء (2).
__________
(1) - التيسير: 4/ 334؛ - الهميان: 1/ 205؛ - شامل الأصل والفرع: 1/ 26.
(2) اسماعيل الجيطالي: قواعد الإسلام: 1/ 43، 44؛ أبو ستة: حاشية الوضع: مطبعة البارونية مصر 1305 هـ: 110؛ أبو حفص عمرو بن جميع: مقدمة التوحيد وشروحها: 57. (1/316)
صفحة 317
أَوَّلاً - تعريف الخوف والرجاء
الخوف: كما عرَّفه الشيخ في قوله: «الخوف: هنا الإشفاق من عذاب الله U، وضدّه الأمن [ ... ] والخوف زاجر عن المعصية للعقاب عليها» (1). فهو ناشئ من وجود الجزاء بالعذاب فيرهبه المؤمن ويخاف أن يكون من أهله؛ كما يكون للندم على الإثم والإخلال بالطاعة؛ ومن عدم القبول مهما بلغ العمل؛ وبلغت درجة العامل؛ لذلك يستوي فيه الملك والنبيُّ وغيرهما من المكلّفين (2)؛ وإذا لم يكن الخوف في القلب حلّ الأمن فيه.
أَمَّا الرجاء فهو «الطمع وضدّه اليأس [ ... ] والرجاء داع إلى الطاعة للثواب عليها» (3)؛ فالرجاء يكون للأمل في الحصول على الثواب؛ وكون المؤمن ضمن الذين رَضِيَ اللهُ عَنهُم؛ وهو كذلك الأمل في قبول العمل والموت على ذلك (4).
فالخوف والرجاء حالان شعوريّتان خاصّتان بالقلب فقط بين الإنسان وبين الله تعالى؛ تجعلانه لا يأمن مكر الله تعالى ولا يقنط من رحمته؛ وهو أصل مأخوذ مِمَّا يَدُلُّ على وجوب توفّر هذه المعاني في إيمان المؤمن ومن ذلك (5):
- قوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99] Erreur ! Signet non défini. وهذا يعني وجوب الخوف والنهي عن الأمن.
- قوله تعالى: {إِنَّهُ, لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87] وهذا أمر بالرجاء.
__________
(1) - شرح النيل: 16/ 586.
(2) - الذهب: 30، 31.
(3) - شرح النيل: 16/ 586.
(4) -المصدر نفسه؛ - الذهب: 30، 31؛ -جامع الوضع والحاشية: 64.
(5) - التيسير: 11/ 244. (1/317)
صفحة 318
- قوله تعالى: {أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ - انَآءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ الاَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 09] Erreur ! Signet non défini ..
ثانيا - الاتِّصاف بالخوف والرجاء
يَتَّصِفُ المؤمن بالخوف والرجاء على حالين إحداهما واجبة والثانية مستحبّة أو جائزة.
ففي الأولى يجب أن يتحلىَّ قلب المؤمن بالاثنين معا باعتدال؛ ولا يجوز له أن يخلو من أحدهما؛ أو يغلب الخوف الرجاءَ أو العكس؛ فلا يميل إلى الرجاء أكثر من ميله إلى الخوف وذلك في كامل حياته. والسبب في وجوب هذا التساوي الحال النفسية التي ينتجها الشعور لدى الإنسان؛ فبالتساوي يحصل له الاعتدال؛ لأَنَّ الإفراط في الرجاء أو في الخوف يوقعان صاحبهما فيما نهي عنه شرعا: غلبة الخوف تنتج اليأس من الرحمة وهو من صفات الكفر؛ وتؤدّي إلى الوسوسة والاضطراب؛ وَأَمَّا غلبة الرجاء فتنسي صاحبها العذاب والجزاء؛ وتؤمّنه وتمنّيه بالعفو دائما؛ فيميل إِلىَ الاستهتار وسرعة الانسلاخ من دينه (1)؛ لذا وجب على المؤمن أن يحافظ على حال من العدل بين الطرفين.
وَأَمَّا في الثانية فيمكن أن يغلب على الإنسان حال الرجاء في ثواب الله تعالى على حال الخوف من العقاب دون أن يتخلىَّ عن هذا الخوف؛ ويجوز له ذلك حال الاحتضار والوفاة؛ حَتَّى يكون محسنا الظنّ بربّه برجائه الثواب أكثر من خوفه العقاب حَتَّى لا ينقلب إلى سوء الظنِّ بالله تعالى مع أَنَّهُ مؤمن به. ويقول الشيخ اطْفِيَّشْ عن ذلك: «ورُخّص أن يهلك بغلبة أحدهما على الآخر ما لم يَعْرَ منه؛ ورَخّص بعضهم لمحتضر مطلقا أن يميل للرجاء» (2). وَاستَدَلَّ على جواز هذا التغليب بالحديث القدسيِّ: «أنا عند ظنِّ عبدي بي فليظنَّ بي ما شاء، وإذا أحب عبدي لقائي أحببت
__________
(1) - جامع الوضع والحاشية: 64؛ -شامل الأصل والفرع: 1/ 79؛ -الذهب: 31.
(2) - شامل الأصل والفرع: 1/ 79. (1/318)
صفحة 319
لقاءه» (1)؛ وأحيانا يرى أَنَّ غلبة الرجاء في حال الاحتضار ليست فقط جائزة بل مطلوبة كما في قوله «و ينبغي الميل إلى الرجاء عند الموت» (2).
وللخوف والرجاء أثر بليغ في ضبط السلوك الإنسانيِّ لدى المؤمن؛ فيبقيه على المنهج القرآنيِّ الإيمانيِّ؛ ويجعله مستمرَّ الشعور بالإيمان والعمل بمقتضاه؛ ويقوّي لديه الميل إلى الاحتياط لدينه والأمل والعمل.
وإن أكّد الإِبَاضِيَّة على هذا وجعلوه من أجزاء العقيدة خصوصا؛ فليس معنى ذلك أَنَّ غيرهم لم يتكلّموا فيه؛ لكن الإِبَاضِيَّة اهتمُّوا أَهَمِّيَّة بالغة بِهِ، وَسَعوا إلى الجانب العمليِّ فيه أكثر؛ بينما يرد هذا المعنى من الخوف والرجاء عند غيرهم ضمن الترغيب والترهيب والتصوُّف؛ وقد خصّص له الغزاليُّ كتابا كاملا في الإحياء.
ب - العلاقة بين الخوف والرجاء والاِستِثنَاء
وبالمقارنة نرى أَنَّ المسألتين متقاربتان كثيرا؛ فمن حيث الدافع المسوّغ للاستثناء والخوف والرجاء نجده شيئا واحدا؛ فقد جاز الاِستِثنَاء ــ عند من يجيزه ــ بسبب عدم اليقين في الخاتمة؛ والثبات على الإيمان؛ وتحصيل الإيمان الكامل المطلق الذي يجعل المؤمن أهلا لدخول الجَنَّة؛ كذلك يَتَعَلَّق الخوف والرجاء بالأسباب ذاتها؛ فالخائف يخاف من عدم قبول العمل والإيمان؛ ويجهل مقامه الحقيقيّ لدى الله تعالى؛ كما يجهل ما يختم له به؛ ويرجو أن يكون على وفق ما طلب منه من الوفاء والعمل. وكلاهما ــ الخوف والرجاء والاِستِثنَاء ــ يَدُلُّ على شعور داخليٍّ من المسلم تجاه إيمانه فهما يلتقيان في الدلالة على هذا الشعور.
__________
(1) - جامع الوضع والحاشية: 64؛ لم نقف على هذا النص، وما وجدناه في البخاري يختلف عَمَّا ذكره الشيخ؛ انظر: البخاري: التوحيد: باب قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} Erreur ! Signet non défini. رقم 6970؛ وباب قول الله: {يُرِيدُونَ أَن يُّبَدِّلُوا كَلاَمَ اللهِ} Erreur ! Signet non défini. رقم 7065.
(2) - الذهب: 31. (1/319)
صفحة 320
و يختلف الخوف والرجاء والاِستِثنَاء في أَنَّ الاِستِثنَاء يصدر عن عقيدة الخوف والرجاء ثُمَّ يصبح قولا يُقرّ بِهِ المؤمن عندما يسأل عن إيمانه؛ فيكون الاِستِثنَاء القوليُّ تعبيرا عن الخوف والرجاء الذي هو استثناء شعوريٌّ؛ ويختلفان أيضا في أَنَّ الخوف والرجاء مطلوبان من المؤمن دوما على الاستمرار؛ بينما يأتي الاِستِثنَاء في حالات خاصّة معيّنة استجابة للسؤال عن الإيمان.
فالمسألتان تدلاّن على شَيْء واحد في حقيقتهما؛ ولا فرق بينهما سوى في الأسماء والألفاظ بدليل أَنَّ أثرهما على السلوك واحد؛ لأنّهما يمنعان من تزكية النفس والاستكانة إلى الأمن؛ ويدفعان إلى العمل دوما على تقوية الإيمان وتجسيده واقعا.
فالإِبَاضِيَّة وإن لم يبحثوا هذه المسألة باسم الاِستِثنَاء فقد أفاضوا في دراستها تحت عنوان آخر؛ وَلَكِنَّهُم انطلقوا في ذلك من نصوص بينما انطلق غيرهم في دراسة الاِستِثنَاء استجابة لجدل واقع وردّ فعل لِمَا أثاره المرجئة.
5 - أحكام منزلة الإيمان
يترتّب عن الإيمان والاعتقاد في الله تعالى وجوب طاعته؛ والامتثال لأمره؛ والانتهاء عن نواهيه؛ وهذه هي الواجبات التي يكلّف بها المؤمن ونزلت بها الشريعة وفصّلتها كتب الفقه في العبادات والمعاملات؛ ومن جانب آخر فَإِنَّ دخول الإنسان في الإيمان يفرض له حقوقا على إخوانه الذين تربطهم به رابطة أخوّة العقيدة؛ وهذا ما عُني العلماء ببيانه ضمن أحكام منزلة الإيمان؛ كما سنرى رأي الشيخ اطْفِيَّشْ فيه كما يلي:
أ - اسم صاحب منزلة الإيمان
اختلف في الاسم الذي ينادى به صاحب هذه المنزلة؛ هل يسمّى مؤمنا بمجرد الإقرار بالشهادة؛ أو حَتَّى يوفّي بالعمل؟ وهل الوفاء يتمّ بعمل واحد أو حَتَّى يداوم على (1/320)
صفحة 321
العمل ويستمر عليه؟ هكذا تناقش الإِبَاضِيَّة المسألة بينهم واختلفوا حسب تعريفهم للإيمان؛ وَلَمَّا كان الجمهور منهم يرى أَنَّ الإيمان تصديق وقول وعمل؛ فقد قصروا وصف الإيمان على من أتى بالعمل إلى جانب القول والتصديق وَاسْتَمَرَّ على ذلك؛ ــ كما يقول أبو عمّار ــ وَاستَدَلَّ من اللغة على إثبات هذا الرأي بِأَنَّ لفظ: المؤمن اسم فاعل؛ وهو لا يقع ولا يَدُلُّ إِلاَّ على الاستمرار والمداومة؛ مثل: الباني والخائط والصائغ لا يسمَّون بهذه الأسماء لمجرّد القيام بهذه الأعمال في المرّة الأولى؛ بل إذا غلب عليهم ذلك؛ ثُمَّ يضيف أَنَّ الذي صدّق وأقرّ وضيّع العمل يطلق عليه: “الذي آمن” كما يسمّيه القرآن؛ وينادي به {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا} Erreur ! Signet non défini. (1) .
ومرجع هذا الرأي عند جمهور الإِبَاضِيَّة هوتعريفهم للإيمان؛ وما دام الشيخ لم يوافقهم في صيغة التعريف؛ ققد خالفهم أيضا في شرط تسمية صاحب هذه المنزلة؛ فهو يرى أَنَّ الإيمان يقابله الكفر والشرك؛ فَكُلُّ من ليس مشركا ولا كافرا جاز في حقّه أن يسمَّى مؤمنا؛ وأقلّ ما يطلب منه لذلك أن يقرّ بالشهادة إقرارا قوليّا (2). وقال عن الشروط التي وضعها الإِبَاضِيَّة لتسمية المؤمن إِنَّهَا تصلح شروطا للحكم على صاحبها بدخوله الجَنَّة؛ ولا يدخلها حَتَّى يوفّيَ بها؛ أَمَّا ما قاله أبو عَمَّار فغير مجمع عليه لدى الإِبَاضِيَّة؛ فهم يطلقون أيضا اسم المؤمن على من أقرّ بالتوحيد ولو لم يوفّ بالعمل والطاعات؛ وَاستَدَلَّ على إطلاق اسم المؤمن دون انتظار الوفاء من صاحبه بقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّومِنَةٍ} [النساء: 92] Erreur ! Signet non défini.، فَإِنَّ الإِبَاضِيَّة لم يشترطوا لهذا الحكم مؤمنا موفّيا بالطاعات والأعمال؛ وإن قال بعضهم بهذا الشرط لَكِنَّهُ شاذٌّ في المذهب (3).
__________
(1) أبو عمار: الموجز: 2/ 102؛ الشماخي: متن الديانات: 49.
(2) -الذهب: 11؛ - ترتيب المدوَّنة الكبرى لأبي غانم: داراليقظة العَرَبِيَّة للتأليف، سورية 1394 هـ/1971 م: 1/ 128.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 245؛ - الهميان: 7 ق 2/ 128. (1/321)
صفحة 322
لقد كانت حجَّة الشيخ أقوى في تسمية من نطق بالشهادة مؤمنا؛ وكان منطقيّا مع تعريفه للإيمان بالتصديق؛ بينما ذهب جمهور الإِبَاضِيَّة إلى اشتراط ما يجعل الإنسان أهلا لدخول الجَنَّة؛ وهذا حكم ليس بيد الإنسان؛ وليست تسميته مؤمنا تعني بالضرورة أَنَّهُ موفّ ويجازى بالجنَّة؛ كما أَنَّ ما اشترطوه يجعل الحكم على الناس بالإيمان صعبا إذ يجب انتظار خاتمتهم حَتَّى يَتَبَيَّن إن كانوا مداومين على الوفاء أو مقصّرين؛ وهو ما لم يكلّف الله تعالى به عباده؛ والشواهد على ما ذهب إليه الشيخ اطْفِيَّشْ كثيرة؛ نأخذ مثلا لذلك في دية المؤمن المقتول خطأ؛ فقد قال الله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُومِنًا خَطَأً} [النساء: 92] Erreur ! Signet non défini. فهل يعني هذا أَنَّ من قتل غير موفّ بالعمل لا يجري في حقّه هذا الحكم؟ لذا يظهر أَنَّ رأى الشيخ في الموضوع أرجح؛ فيطلق اسم المؤمن على كُلِّ من نطق بالشهادة.
ب - عصمة دم المؤمن وحرمة ماله وعرضه
بمجرّد نطق الإنسان وإقراره بالشهادة تنطبق عليه هذه الأحكام؛ فيحرم قتله؛ وأخذ ماله وإضراره في عرضه؛ أوبدنه إِلاَّ بِحَقٍّ شرعيٍّ؛ ويستوي في هذا جميع الذين نطقوا بالشهادة؛ ولا فرق بين أحكامهم؛ وهو ما يجب على المؤمن اعتقاده والامتثال له (1)؛ ولا يشترط لثبوت هذه الأحكام شَيْء غير الإقرار بالشهادة (2)؛ وهذه بعض أقوال الشيخ تُبَيِّنُ ذلك:
«والذي أذهب إليه: أنْ يعتقد تحريم ظلمهم في أبدانهم؛ بالضرب؛ والكيّ ونحوهما من مضارّ البدن؛ ولو كان مِمَّا لا يؤدّي إلى الموت؛ والزنى بهم؛ وحبسهم
__________
(1) الشماخي: متن الديانات: 49.
(2) - شرح عقيدة التوحيد: 73. (1/322)
صفحة 323
عن التصرّف وتعطيل بعض قوّة حاسّة من حواسّهم» (1). ثُمَّ قارن بين الإِبَاضِيَّة والمالكيَّة في اتِّفَاقهم على تحريم قتل المؤمن بقوله: «ومذهبنا ومذهب مالك متّحدان في أَنَّهُ من آمن عند السيف يترك ولا يقتل إذا كان قتله للإشراك؛ وكذلك إن آمن عند إرادة القتل فقتل يقبل الله إيمانه لأَنَّهُ لم يعاين ملك الموت» (2)؛ وبيّن حكم من أخلّ بأحد هذه الحقوق قائلا: «ومن أحلّ مال الموحد أو سلبَه أو سبيه أشرك إِلاَّ إن تأوّل؛ كالصفريّة المحلّين لذلك منه إذا فعل ذنبا أوكبيرة؛ لقوله تعالى: {وَإِنَ اَطَعْتُمُوهُمُ, إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} Erreur ! Signet non défini. (3) ؛ وأجيبُ بِأَنَّ المراد: أطعتموهم في استحلالها؛ ومن أراق دمه حكم عليه بالعصيان» (4). وقد أكّد الشيخ كغيره من الإِبَاضِيَّة على هذه الحقوق؛ مِمَّا يَدُلُّ على اهتمامه بالرابطة الإِسلاَمِيَّة؛ وأنَّ الاختلاف مهما بلغ لا يصل إلى الظلم؛ ولا يكون ذريعة إليه فنفس المؤمن عزيزة عند الله تعالى وعند المؤمنين. ولا تَتَعَلَّق حقوق المؤمن بهذا الذي ذكر فقط؛ بل هناك حقوق أخرى.
جـ - باقي الأحكام المُتَعَلِّقة بالمؤمن
قد أجمل الشيخ اطْفِيَّشْ بعض الحقوق المُتَعَلِّقة بالمؤمن نذكرها فيما يلي (5):
- ولاية المؤمن وحبّه في الدين. واتّخاذ المؤمنين إخوة؛ والنصح لهم والاستغفار لهم.
- إثبات شهادة المؤمن وعدالته والتزكية له.
__________
(1) - حاشية القناطر: 2/ظ: 05.
(2) - تفسير ألغاز: 06.
(3) نصُّ الآية: {وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ, لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىآ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنَ اَطَعْتُمُوهُمُ, ... } [سورة الأنعام: 121] Erreur ! Signet non défini ..
(4) - الذهب: 28.
(5) - شرح عقيدة التوحيد: 287 - 291؛ - شرح أصول تبغورين: 274. (1/323)
صفحة 324
- دعوة المؤمنين إلى الوحدة حينما يختلفون.
- أخذ الزكاة من أغنياء المؤمنين وصرفها على فقرائهم.
- قتال الباغي المؤمن والبراءة منه.
- عدم قتل الجريح والفارّ من البغاة وإن لم يكن لهم مأوى؛ وجواز ذلك عند توفّر المأوى لهم.
- في حال اقتتال المسلمين بينهم يردّ السلاح إلى صاحبه إذا تركه في الميدان؛ إن عرف؛ أو إلى ورثته أوإلى الفقراء إن لم تبق لهم قوّة؛ ويجوز إمساكه إلى حين إن خيف منهم؛ وهذا الرأي ــ وإن أخذ على حرفيّته منذ سلف الإِبَاضِيَّة الأوائل ــ يَدُلُّ على درجة كبيرة من التنزُّه من مال الغير ولو كان سلاحا يقاتل به ــ إذا كان صاحبه مسلما ــ وقد رَدَّ الشيخ اطْفِيَّشْ في هذه المسألة على من نسب إلى الإِبَاضِيَّة خلاف ذلك وقال: «ونسب (1) إلينا القول بحلال سلاح الأعداء عند الحرب، ودوابّهم، إذا وجدناها في الحرب؛ ولا نقول بذلك؛ بل قال بعضنا حلال للفقراء الذين شهدوا القتال وهو قول ضعيف لا يعمل به؛ والصحيح أن تردَّ إليهم؛ نعم، إن لم يعرف أصحابها ولا وارثهم حلّت للفقراء مطلقا؛ وَلَعَلَّ ما ذكره قول لبعض الفرق من الإِبَاضِيَّة غير الفرقة المصيبة» (2).
فهذه حقوق تُكفل للمسلم؛ فيما يخصّ التعامل معه في الدنيا؛ وَأَمَّا أحكام الآخرة؛ ففيها تفصيل يأتي في مبحث الوعد والوعيد. ونلاحظ أَنَّ اهتمام الشيخ اطْفِيَّشْ بهذا الموضوع كان تبعا لمن سبقه من الإِبَاضِيَّة؛ وإن اختلف معهم في تسمية المؤمن؛ لكن سايرهم في الباقي؛ وكان مصدر هذا الاهتمام تحرّي الأَدِلَّة الشرعيّة؛ والسعي إلى تحقيقها؛ كما لا ننكر فضل التجربة التي عاشها الإِبَاضِيَّة في تاريخهم الطويل التي مكَّنتهم
__________
(1) المقصود به عضد الدين الإيجي.
(2) - شرح لامية ابن النظر: 2/ 553؛ - الذهب: 65. (1/324)
صفحة 325
من التطبيق الفعليِّ لهذه الأحكام؛ خَاصَّةً في النزاعات والمعارك التي خاضوها؛ والأحوال التي عاشوها منذ أَيَّام الأمويّين ومَنْ بعدهم مشرقا ومغربا؛ وهذا جعلهم يصرّون على تحديد هذه الأحكام وإدراجها ضمن العقيدة (1).
هذا ما تعلّق بمنزلة الإيمان؛ ورأينا مواقف الشيخ اطْفِيَّشْ فيها تتميّز بدقّة استعمال اللفظ؛ مِمَّا أدّى به إلى مخالفة جمهور الإِبَاضِيَّة؛ فكان يرى أَنَّ الإيمان هو التصديق بالقلب؛ تصديقا يدفع إلى الإقرار والعمل اللذين هما الأجزاء المكمّلة للإيمان. ولا يقبل عند الله تعالى إِلاَّ بالوفاء بهما؛ وكان يقصد بهذا الرأي الرجوع بالإيمان إلى أصله الحقيقيِّ؛ ويكفي في الإيمان التصديق والنطق بالشهادة بأجزائها دون المطالبة بغيرها من التفاصيل إِلاَّ إذا قامت الحُجَّة؛ والإيمان يزيد وينقص لكن ليس لزيادة أصله التصديق ولكن لزيادة العمل والأَدِلَّة والخصال المُتَعَلِّقة به؛ وكان مخالفا للإِبَاضِيَّة في ذلك ظاهرا؛ لكن في المعنى ينتهي إلى كونه خلافا لفظيًّا؛ كما كان يقول بجواز الاِستِثنَاء في الإيمان باعتبار الجهل بالخاتمة؛ ومنعه إذا كان شكّا في حقيقة الإيمان؛ وثبت أَنَّ موضوع الخوف والرجاء عنده وعند الإِبَاضِيَّة هو شكل آخر من الاِستِثنَاء؛ وقد بيّن درجات الخوف والرجاء ومجالهما ووجوب العدل بينهما؛ وجواز غلبة الرجاء عند الاحتضار؛ كما يترتّب عن منزلة الإيمان أحكام في حقّ المؤمن؛ أوّلها تسمية كُلِّ من نطق بالشهادة وأقرّ بها مؤمنا دون طلب وفائه بالعمل واستمراره عليه خلافا للمشهور عند الإِبَاضِيَّة؛ ثُمَّ اتَّفَق معهم في باقي الأحكام التي تَتَعَلَّق بالتعامل بين المؤمنين مِمَّا يحفظ أبدانهم ودماءهم وأعراضهم وأموالهم؛ وكلُّ استحلال لذلك يصبح شركا؛ وكلُّ مخالفة له تعتبر معصية من الكبائر. وهذه الأحكام تجري وتصلح في حقِّ من كان مؤمنا أَمَّا غيره ففي حقِّه أحكام أخرى ستتَّضح من خلال ما يأتي من مبحثي المنزلة بين الإيمان والكفر؛ ثُمَّ منزلة الكفر.
__________
(1) على يحي معمر: الإِبَاضِيَّة دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم: المطبعة العربية غرداية 1982 م: 51، 52. P. Cuperly : Introduction, 61. (1/325)
صفحة 326
المبحث الثاني
المنزلة بين الإيمان والكفر
1 - تعريف المنزلة بين الإيمان والكفر
وتَتَعَلَّق هذه المنزلة، أساسا بالكلام عن صاحب الكبيرة، وما هي المنزلة التي ينزَّل فيها، وماذا يثبت له من الأحكام؟
قد سبقت في بداية الفصل الإشارة إلى تقسيم الإِبَاضِيَّة الناسَ إلى ثلاثة أصناف: مؤمن وكافر، وما بينهما يعبّرون له باسم المنزلة بين المنزلتين أي: بين الإيمان والكفر كما يسمّونها منزلة النفاق، وجعلها تيبغورين الأصل الخامس من أصول الدين، واتَّبعه في ذلك الشيخ اطْفِيَّشْ وقال: «وإِنَّمَا علينا أن نثبت ثلاث منازل: النفاق والشرك والإيمان» (1).
و ينبغي أن نشير إلى أَنَّ إثبات هذه المنازل الثلاث إِنَّمَا المقصود به واقع الناس في الدنيا وموقفهم من الإيمان والكفر، فهم على هذه المنازل، وأُثبتت لأجراء الأحكام فقط، وليست هذه المنزلة بين المنزلتين مساوية لِمَا عند المعتزلة؛ لأَنَّ ما أثبته المعتزلة قُصد به الجزاء في الآخرة، أَمَّا عند الإِبَاضِيَّة فالجزاء نوعان لا ثالث لهما: فهو إِمَّا مؤمن إلى الجَنَّة أو كافر إلى النار، فَكُلُّ ما ليس بإيمان فهو كفر، فهما منزلتان متناقضتان لا ترتفعان معا، ولذلك يقولون: لا منزلة بين الإيمان والكفر؛ لأَنَّ الكفر يشمل كفر الشرك وكفر النفاق (2)؛ ويقول الشَّمَّاخِي في متن الديانات: «ندين بأن لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر» (3)، إذن فالمنزلة المثبتة بين
__________
(1) - شرح أصول تيبغورين: 203؛ انظر: - المصدر نفسه: 194؛ - شرح لامية ابن النضر: 1/ 561.
(2) -شرح أصول تيبغورين: 219؛ 220.
(3) الشَّمَّاخِي: متن الديانات: 49. (1/326)
صفحة 327
الإيمان والكفر هي منزلة صاحب الكبيرة، وَأَمَّا التي نفيت فهي المنزلة بين منزلة الجَنَّة ومنزلة النار باعتبار الجزاء، وما يهمّنا في هذا المبحث هو أمر صاحب الكبيرة الذي اختلف فيه كثيرا خَاصَّةً من حيث تسميته، وما يصدق عليه من الأوصاف والأحكام المُتَعَلِّقة به؛ وأقلُّ ما اتُّفَق عليه في شأنه هو وصفه بفاعل الكبيرة، وهذا وصف للواقع، وله أسماء متعدِّدة تختلف من مدرسة إلى أخرى، وأشهر هذه الأسماء: المؤمن والعاصي والفاسق والكافر كفر نعمة والمنافق والمشرك. ولا يختصّ كلّ اسم بمذهب، بل أحيانا نجد أكثر من اسمين لدى مذهب واحد يسمِّي به صاحب الكبيرة. ويهمّنا أن نعلم موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من هذه الأسماء، ومذهبه في تسمية صاحب الكبيرة، ولا شَكَّ أَنَّ للتسمية علاقة بالحكم على المسمَّى لأَنَّهَا تنشأ عن تصوُّر وضعه وحاله.
2 - تسمية صاحب الكبيرة مؤمنا
ينسب الى المرجئة خاصّة تسمية صاحب الكبيرة مؤمنا، إذ لا تضرّ عندهم المعصية مع الإيمان، كما قال به الأشاعرة أيضا (1)، ورفض الشيخ اطْفِيَّشْ هذا الاسم إذا كان باعتبار تسوية صاحب الكبيرة في الدرجة نفسها مع المؤمن الموفّي، وجعلِهما يتلقّيان الجزاء والثواب نفسه، ورضي بهذه التسمية مقيّدة من اعتبار الثواب، فيسمَّى مؤمنا لكن يلقى جزاء فعل الكبيرة (2)؛ والمسوّغ لهذه التسمية عند الشيخ اطْفِيَّشْ هو ما عند صاحب الكبيرة من التصديق، والإقرار بالتوحيد، لأَنَّهُ ولو فعل الكبيرة لم يتخلَّ عن أصل إلايمان والإقرار، لذلك فلا يخرج من الإيمان وتسميته لمجرّد فعله الكبيرة، وهذا الرأي من الشيخ تابع لموقفه من تعريف الإيمان اصطلاحا بالتصديق، ولذلك قال: «وقد يطلق عليه مؤمن ومسلم بمعنى التوحيد» (3)؛
__________
(1) - شرح عقيدة التوحيد: 388؛ - جامع الوضع والحاشية: 49.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - شرح عقيدة التوحيد: 388. (1/327)
صفحة 328
كما يطلق عليه أحيانا اسم المؤمن من قبيل المجاز والتوسّع في المصطلح (1)، والشيخ في هذا الرأي يخالف المشهور عند الإِبَاضِيَّة الذين منعوا اسم المؤمن عن صاحب الكبيرة؛ وقال مدافعا عن رأيه: «فالحقّ عندي جواز تسمية المنافق (2) مؤمنا، بمعنى موحّدا، فالعرب تسميّ باسم الفاعل مَنْ فعل الفعل ولو مرّة؛ فمن خاط ولو مرّة يقال له خايط ولا يقال: خيّاط إِلاَّ إن اعتاد؛ إِلاَّ إن كان لأصحابنا دليل نقليٌّ فمسلّم» (3)، وهو يشير إلى ما سبق عن أبي عمّار من أَنَّ التسمية باسم الفاعل لا تكون إِلاَّ بالاعتياد والاستمرار و «المؤمن» لا يسمّى به في رأي أبي عمّار إِلاَّ من اعتاد العمل وَاسْتَمَرَّ على الوفاء، وقد كانت حجّة الشيخ اطْفِيَّشْ أقوى، لتفرقته بين صيغة اسم الفاعل التي لا تَدُلُّ على الدوام والاستمرار لذاتها، وبين صيغة المبالغة التي تقتضي ذلك، كما أَنَّهُ لو تعلّق الأمر في التسمية بالمؤمن بالوفاء كما ذهب إليه الإِبَاضِيَّة لكان من العسير إطلاق هذه التسمية على أحد للجهل بخفايا القلوب، ولأنّ صاحب الكبيرة قد لا يعتادها أو يعتاد كبيرة واحدة مع وفائه بالطاعات الأخرى، فكان الراجح تسميته مؤمنا كما ذهب إليه الشيخ اطْفِيَّشْ، ومع هذا فَإِنَّ الخلاف بين الشيخ وبين الإِبَاضِيَّة ليس ذا أهمّية لأَنَّهُ لفظيّ لاتِّفَاقه معهم في شأن المصير كما سيأتي.
3 - تسمية صاحب الكبيرة عاصيا وفاسقا
إِنَّ تسمية صاحب الكبيرة عاصيا وفاسقا متداولة بين مذاهب متعدّدة: فقد قال به الحشويّة والسلفيّة لأَنَّهُم يرون المعصية تشمل الفسوق والكفر وتعمّهما (4). ونسبه أبوزكريّاء الجنّاوني إلى الإِبَاضِيَّة بأصنافها، وإلى الزَّيدِيَّة والشيعة (5)؛ وهو من أقوال
__________
(1) - تفسير ألغاز: 04.
(2) يعني به صاحب الكبيرة.
(3) - الهميان: ط 1؛: 10/ 349.
(4) ابن تيمية: كتاب الإيمان: 72؛ - الذهب: 27؛ - جامع الوضع والحاشية: 72.
(5) أبو زكرياء: كتاب الوضع: 15؛ 16؛ - جامع الوضع والحاشية؛ 33؛ - تفسير ألغاز: 40. (1/328)
صفحة 329
المعتزلة أيضا (1). وسبب الاتِّفَاق على هذه التسمية كونها قريبة من تفسير المعنى الأصليّ من فعل الكبيرة؛ فهي معصية، ووصف صاحبها بالعصيان والفسوق وارتكاب الكبيرة كلّها على درجة واحدة، فهي وصف لفعل هو إتيان الكبيرة.
4 - تسمية صاحب الكبير كافرا كفر نعمة
وهو اسم اشتهرت تسمية صاحب الكبيرة به عند الإِبَاضِيَّة، فالكافر كفر نعمة هو الفاسق وهو العاصي، ويسمّيه الإِبَاضِيَّة أحيانا كافرا كفرا دون الكفر، أو دون الكفر الصريح والشرك (2)، وقال به الشيخ اطْفِيَّشْ وبيّن سبب تسمية صاحب الكبيرة به، وهو: أَنَّهُ خالف ما صدّق به من الإيمان لَمَّا أتى الكبيرة واتّبع هواه، ولم يعبد الله تعالى كما هو مطلوب منه، فكفر بنعمته، وبما منّ به عليه (3)؛ وَلَمَّا لم يشكر هذه النعم كان كافرا، وكما يكون عدم الشكر بالإشراك يكون بفعل الكبائر من المسلم (4).
- أَدِلَّة تسمية صاحب الكبيرة كافرا كفر نعمة
بيّن الشيخ اطْفِيَّشْ بأَدِلَّة من القرآن الكريم ومن السنّة النبويّة جواز تسمية صاحب الكبيرة كافرا كفر نعمة، وهذه أهمّ استدلالاته:
أَمَّا من القرآن الكريم فقد ذكر آيتين هما:
- قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا ليِ وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة:
__________
(1) عبد الجبار: تنزيه القرآن: 68؛ - التيسير: 12/ 384.
(2) - الهميان: 1/ 195؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 512.
(3) - تقريرات على حاشية الديانات: وظ؛: 11.
(4) - شامل الأصل والفرع: 1/ 24. (1/329)
صفحة 330
152] Erreur ! Signet non défini .. وقال في الاستدلال به: «والآية نصٌّ في أَنَّ فاعل الكبيرة يسمَّى كافرا، ولو كانت دون الشرك لأَنَّ المراد هنا هو ما دون الشرك من الكبائر، أو الشرك وما دونه لا الشرك وحده» (1). واعتمد الشيخ هنا على المقابلة بين الشكر والكفر الواردة في الآية، فما ليس شكرا فهو كفر سواء كان كفر شرك أو غيره.
- قوله تعالى: {أَفَتُومِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] Erreur ! Signet non défini. وقال عنها إِنَّهَا تحتمل معنى كفر الجارحة وهو الفسق، فيسمّى صاحبه كافرا (2)؛ لأَنَّ الآية جمعت بين الإيمان بجزء من الكتاب وبين إنكار الباقي، وسمّت الإنكاركفرا ولو مع وجود الإيمان، وهو شبيه بموقف صاحب الكبيرة: مؤمن مصدّق بالدين؛ وَلَكِنَّهُ ترك ما أُمر به وفعل ما نُهي عنه، وقد اسْتَدَلَّ بالآية على سبيل الاحتمال ولم يجزم بذلك لأَنَّهَا لم تأت صراحة في شأن المؤمنين بل كانت في بني إسرائيل وتصرّفهم مع الأنبياء عَلَيهِم السَّلاَمُ، بينما نجد أبا عَمَّار عبد الكافي يَسْتَدِلُّ بها مباشرة ويجعلها عامَّة (3).
هذا ما وجدنا عند الشيخ اطْفِيَّشْ من الاستدلال بالقرآن الكريم في الموضوع، وهو نزر يسير بالنسبة إلى ما ذكره غيره من السابقين، خَاصَّةً أبو يعقوب الوارجلاني وأبو عَمَّار عبد الكافي، والسالميُّ وهومعاصر له، فَإِنَّهُم ذكروا عِدَّة أَدِلَّة من القرآن الكريم (4)، وجدنا للشيخ اطْفِيَّشْ تجاه هذه الأَدِلَّة موقفين: إِمَّا أَنَّهُ لا يراها دليلا فلم يشر إلى دلالتها على الموضوع، وَإِمَّا أَنَّهُ يراها أَدِلَّة خاصّة في المشركين لا يمكن تعميمها على غيرهم، مع أَنَّ في بعض هذه النصوص دلالة قويّة على الموضوع، ومن هذه الآيات التي تركها ما يلي:
__________
(1) - الهميان: 2/ 404؛ انظر: التيسير: 1/ 214.
(2) -الهميان: 1/ 118.
(3) أبو عمار: الموجز: 2/ 102.
(4) الوارجلاني: الدليل: 2/ 30؛ أبو عمار: الموجز: 2/ 102؛ السالميّ مشارق: 2/ 308؛ 309. (1/330)
صفحة 331
- قوله تعالى: {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدَ اَخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192] Erreur ! Signet non défini. مع قوله تعالى: {إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ والسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ} [النحل: 27] Erreur ! Signet non défini. استدلّ بهما الشيخ السالميّ على أَنَّ الفاسق من الكافرين لأَنَّهُ يخزيه الله تعالى فكان منهم (1) بينما قال الشيخ اطْفِيَّشْ إِنَّ الأُولَى تدلّ على مجرّد عدم الشفاعة لأهل النار، وَأَمَّا الثانية فَإِنَّهَا تتحدّث عن المشركين ولا تنطبق على الفاسقين (2)؛ بينما كان استدلال الشيخ السالميّ منطقيّا خاصّة من الآية الأولى ما دامت تعمُّ أهل النار ولا تستثن أحدا منهم ويبدو أَنَّ الشيخ قد غلّب جانب أخذ النصوص على ظاهرها وآثره على تأويلها والاستدلال غير المباشر منها.
أَمَّا من السنّة النبويّة فقد ذكر الشيخ اطْفِيَّشْ أَدِلَّة متعدّدة خلافا لِمَا كان عليه شأنه في الاستدلال بالقرآن الكريم؛ ومن الأحاديث التي استدلّ بها ما يلي (3):
قوله e: «ليس بين العبد والكفر إِلاَّ تركه الصلاة» أو: «من ترك الصلاة متعمِّدا فقد كفر» (4).
وقوله أيضا: «لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (5).
حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (6).
__________
(1) السالميّ: مشارق: 2/ 310.
(2) - الهميان: 4/ 399؛ - التيسير: ط 1: 1/ 658؛ 659؛ انظر: أبو عمار: الموجز: 2/ 98، 100، 102؛ - الهميان: 2/ 404؛ 5/ 231؛ 232؛ - التيسير: 1/ 214.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 221؛ 222؛ - ترتيب الترتيب: طبع قديم الجزائر: 1326 هـ: 84؛ 85؛ - شامل الأصل والفرع: 1/ 25؛ تفسير ألغاز: 04.
(4) رواه مسلم بلفظ «إن بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة»؛ انظر مسلم: الإيمان: باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة رقم 82؛ المعجم المفهرس: 4/ 351؛ 6/ 37؛ 431.
(5) البخاري: العلم: باب الإنصات للعلماء رقم 121؛ المعجم المفهرس: 6/ 44.
(6) البخاري: المظالم باب النهبى بغير إذن صاحبه رقم 2343؛ انظر الهيثمي: مجمع الزوائد: 1/ 101. (1/331)
صفحة 332
فقد جاءت هذه الأحاديث في مجملها على نهج واحد، تدلّ على أَنَّ ترك الطاعة أو فعل المعصية يؤدّي إلى الكفر، وأنّ صاحبها كافر، وسمّت هذه الأحاديث المعاصي بذاتها لذلك أُخذت على ظاهرها، ولم يكن الاستدلال بها يحتاج إلى استنباط أو تأويل، وكانت قويّة الدلالة في الموضوع من أجل ذلك.
كما استدلّ الشيخ اطْفِيَّشْ من غير القرآن والسنّة على الموضوع، ومن هذه الاستدلالات ما يلي:
فاللغة تدلّ على أَنَّ كفر النعمة ينطبق على الفاسق، ويمكن وصفه بذلك؛ وقد اهتمّ الشيخ بهذا الاستدلال، منطلقا من أَنَّ الفاسق صاحب الكبيرة عصى ربّه ولم يشكر نعمته، فقد كفرها، لذلك يصدق عليه اسم الكافر كفر النعمة، وكذلك العرف لدى الناس أَنَّهُم يستعملون كفر النعمة لمن جحد نعمة أخيه ولم يشكرها (1)، وهو ما ذكره أهل اللغة أيضا، وينسبون كفر النعمة لمن جحد أنعم الله تعالى وسترها (2) وقد استشهد الشيخ اطْفِيَّشْ بقول عنترة في معلقته:
نُبِّئْتُ عَمْرًا غَيْرَ شَاِكرٍ نِعْمَتِي وَالكُفْرُ مُخْبِثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ (3)
كما أشار إلى استعمال المبرّد (4) لهذا المعنى في كتابه «الكامل»؛ وما وجدناه هو رواية عن ابن عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا في شأن كفر المعروف،
__________
(1) - شامل الأصل والفرع: 1/ 25.
(2) الفيروز آبادي: القاموس: 2/ 128.
(3) ابراهيم الزين: شرح ديوان عنترة: دار النجاح ودار الفكر؛ بيروت. دت: 212؛ انظر الوارجلاني: الدليل: 2/ 29؛ - شرح أصول تيبغورين: 221.
(4) المبرَّد: أبو العَبَّاس محَمَّد بن يزيد الأزدي: (210 - 286 هـ/826 - 899 م) إمام لغوي أديب له من الكتب: “الكامل” و“المذكَّر والمؤنَّث” و“المقتضب” ... انظر الزركلي: الأعلام: 7/ 144. (1/332)
صفحة 333
وعدم شكر ما فعله الغير من الخير (1).
ثُمَّ إِنَّ التناقض الموجود بين مصطلح الإيمان ومصطلح الكفر يقتضي إدخال صاحب الكبيرة في أحدهما، لأَنَّ الإيمان تصديق والكفر إنكار، ولا وجود لحال ثالثة ليست بتصديق ولا إنكار؛ وصاحب الكبيرة لا يكون مؤمنا لعصيانه، فبقي أن يكون كافرا، وهذا الدليل يصلح مع تعريف الإِبَاضِيَّة الإيمان بمجموع التصديق والقول والعمل؛ لذلك استدلّ به أبو عمار على هذا النهج (2)، بينما يبدو أَنَّ استدلال الشيخ اطْفِيَّشْ به يوقعه في تناقض لأَنَّهُ يعرّف الإيمان بالتصديق، وصاحب الكبيرة معه تصديقه ولو فعل المعصية، والشيخ نفسه سمّاه مؤمنا، ثُمَّ ذهب هنا الى مجاراة الإِبَاضِيَّة ومسايرتهم في الدليل فسمّى صاحب الكبيرة كافرا؛ إِلاَّ أَنَّ هذا التناقض قد يرتفع إذا أخذنا بالاعتبار أَنَّ الشيخ يرى أَنَّ التصديق لا يكفي وحده إِلاَّ بالقول والعمل، وصاحب الكبيرة قد ضيّع العمل؛ لكن يبقى الإشكال قائما في أَنَّهُ مع ذلك لم يضيّع التصديق؛ فهذا الاستدلال في نظرنا لا ينسجم مع ما ذهب إليه الشيخ اطْفِيَّشْ في تعريف الإيمان ولا يصلح لذلك.
كما استدلّ بكون جهنّم هي دار الكافرين، وكلّ من دخلها كان كافرا وصاحب الكبيرة يدخلها فهو إذا من الكافرين، ويصلح فيه تسميّته كافرا كفر نعمة باعتباره من أهل النار (3)؛ ويحتاج هذا إلى دليل على أَنَّ كلّ من في النار سُمِّيَ كافرا، وهذا شبيه باستدلال الشيخ السالميّ سابقا (4) بِقَولِهِ تَعَالىَ: {إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ
__________
(1) المبرد: الكامل: مؤسسة المعارف؛ بيروت 1985 م: 1/ 80؛ 104؛ -حكم الدخان والسعوط: طبع حجري الجزائر 1326 هـ: 07.
(2) أبو عمار: الموجز: 2/ 102؛ 103؛ - شرح أصول تيبغورين: 232.
(3) الوارجلاني: الدليل: 2/ 31؛ - شرح أصول تيبغورين: 221.
(4) انظر هامش: 20 و 21 من هذا المبحث، ص 319. (1/333)
صفحة 334
عَلَى الْكَافِرِينَ} [النحل: 28] Erreur ! Signet non défini. وهي الآية التي تفيد المعنى الذي يذكره الشيخ اطْفِيَّشْ هنا، وَلَكِنَّهُ قال عنها إِنَّهَا لا تنطبق على صاحب الكبيرة وهي خاصّة بالمشركين، فهي تصلح أيضا دليلا لِمَا ذهب إليه الشيخ السالميّ لا إلى ما ذهب الشيخ اطْفِيَّشْ في تفسيرها؛ وموقفه في هذا الاستدلال شبيه بالذي سبقه.
فهذه الأَدِلَّة من القرآن والسنّة ومن غيرهما لا يصلح منها لموقف الشيخ اطْفِيَّشْ إِلاَّ القليل، وهي الأحاديث والاستدلال اللغويّ؛ بينما غيرها لم يكن دليلا مباشرا، أو جاء مناقضا لمذهبه في تعريف الإيمان.
وقد أيّد الشيخ رأيه بما روي عن الصحابة والتابعين وأقوال بعض العلماء؛ فقد روي أَنَّهُ قول لابن عبّاس وابن مسعود والحسن البصريّ ومجاهد والبخاريّ وسعيد بن جبير، وغيرهم (1) كما قال به السَّلَفِيَّة أيضا (2)؛ ورفضه أكثر الأشاعرة والمرجئة (3)؛ واعترضوا عليه بجملة من الاعتراضات أورَدَها الشيخ اطْفِيَّشْ وأجاب عنها؛ نورد أمثلة لذلك فيما يلي:
يرى الرافضون لهذه التسميّة أَنَّ الأَدِلَّة التي ذكرت لهذا الاسم تعني وصف صاحب المعصية بالكفر إذا فعلها مستحلاّ لها، لا إذا كان معتقدا حرمتها وكونها عصيانا، وردّ الشيخ اطْفِيَّشْ ذلك بِأَنَّهُ توجيه للأَدِلَّة وتأويل لها لا يصحّ، لأَنَّ الأولى أخذ النصوص على ظاهرها (4)، وهذا ما أضفى على هذه التسميّة الشرعيةَ والقوّة وَأَنَّهَا لم تكن مبتدعة، وهو ما جعل الإِبَاضِيَّة يلتقون فيها مع السَّلَفِيَّة مع أَنَّ
__________
(1) ابن حجر: فتح الباري: دار إحياء التراث ط 2 بيروت 1402 هـ: 1/ 69؛ 70؛ - وفاء الضمانة: 5/ 257؛ - شرح عقيدة التوحيد: 388؛ التعاريتي: المسلك المحمود: 63.
(2) ابن تيمية: كتاب الإيمان: 72؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 355.
(3) - شامل الأصل والفرع: 5/ 24؛ 25.
(4) - وفاء الضمانة: 5/ 257. (1/334)
صفحة 335
أحدهما لا يقبل التأويل (وهم السَّلَفِيَّة)، والآخر يستعمل الظاهر والتأويل إذا اقتضى الأمر، ولم يروا التأويل هنا واجبا.
وقد رفض المعتزلة هذه التسمية لأَنَّ صاحب الكبيرة ليس كافرا مطلقا ولا مؤمنا مطلقا، فلا يُسَمَّى بأيّ منهما، وردّ الشيخ ذلك بتقسيم الناس إلى شاكر وكفور، ولابدَّ من إدراج صاحب الكبيرة في أحد الصنفين، ولا يمكن أن يكون شاكرا فبقي أَنَّهُ كافر (1).
هذا هو المصطلح الذي يضاف إلى ما سبقه من تسميات صاحب الكبيرة، ولاحظنا اشتهاره لدى الإِبَاضِيَّة، ووجوده عند غيرهم، وقد كان الشيخ اطْفِيَّشْ متّبعا لمذهبه في ذلك، ولم يعترض عليه، لكنّنا وجدناه قليل الاستدلال من القرآن الكريم إلى جانب استدلاله من السنّة، وكان في بعض استدلالاته مضطربا ومتناقضا بين تعريفه للإيمان وبين الوصول إلى تسمية صاحب الكبيرة كافرا، ونستنتج من هذا أَنَّهُ لولا ورود النصوص خاصّة من الأحاديث وكانت ظاهرة وصريحة لَمَّا ذهب الشيخ إلى قبول التسمية في نظرنا وحسب منهجه، وَلَكِنَّهُ بقي محافظا على أخذ النصّ على ظاهره؛ كما أَنَّ التسمية ذاتها بالكافر كفر نعمة، تعتبر تعديلا من الإِبَاضِيَّة وَمِمَّن ذهب مذهبهم، لأَنَّ النصوص الواردة في الأَدِلَّة كانت تذكر الكفر لصاحب الكبيرة مطلقا غير مقيّد بكفر النعمة ولا بالكفر دون الكفر أو دون الشرك؛ فكان تقييد كفر صاحب الكبيرة بذلك مستنتجا من المقارنة بينه وبين الشرك والكفر الصريح، وخروجا من الالتقاء مع من يرى أَنَّ صاحب الكبيرة مشرك كما سيأتي.
5 - تسمية صاحب الكبيرة منافقا
وهذا وصف آخر ورد في اسم صاحب الكبيرة، فسماه البعض منافقا لاعتبار بعض المعاني المتّفقة بين النفاق وفعل الكبيرة، وإعمالا لبعض النصوص التي تدلّ على
__________
(1) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 713؛ - حاشية الموجز: 2/و: 16. (1/335)
صفحة 336
ذلك، لكن النفاق كمصطلح مختلَف فيه وفي معناه الحقيقيّ عندما ينسب إلى فاعل الكبيرة، وعندما ينسب إلى غيره؛ وهذا ما يدفعنا إلى البحث في معنى النفاق، وفي نسبته إلى صاحب الكبيرة خصوصا.
ا - تعريف النفاق
يعرّف الشيخ اطْفِيَّشْ النفاق لغة كما يلي: هو «الخروج من غير المدخل، وإخفاء غير ما أظهر» (1).
وفي الاصطلاح يوصف بالنفاق من أخفى اعتقادا وأظهر آخر، والاسم منه منافق، فهو كما يقول الشيخ اطْفِيَّشْ: «اسم إسلاميّ شرعيّ ورد في الإسلام والشرع لمن اتّصف بمخالفة العمل القولَ، وباختلاف السريرة والعلانية، واختلاف المدخل والمخرج» (2). والنفاق بهذا المعنى عامّ ينطبق على كلّ مخالفة بين الاعتقاد والفعل؛ فهل يدلّ على إضمار الشرك وإظهار الإيمان فقط؟ أو يدلّ أيضا على فعل الكبيرة من المؤمن؟
ب - دلالة النفاق على إضمار الشرك
المشهور والمعروف أَنَّ النفاق يدلّ على إخفاء الشرك وإظهار الإيمان، أكثر مِمَّا يدلّ على فعل الكبيرة من المؤمن، إِلاَّ أَنَّ الإِبَاضِيَّة قصروا هذا المصطلح على فاعل الكبيرة دون غيره، وأدخلوا المنافق بالشرك ضمن المشركين وهذا ما خالفهم فيه الشيخ اطْفِيَّشْ؛ وذكر هذا القول غير واحد من الإِبَاضِيَّة وأشاروا إلى اشتهاره عندهم، وذكره الشيخ اطْفِيَّشْ في قوله: «والمشهور عندنا أَنَّ النفاق غير شرك ولو في زمانه e بل فسق وكفر نعمة» (3)؛ لذلك وجدنا من درسوا هذا الموضوع عند الإِبَاضِيَّة يذكرون
__________
(1) - شامل الأصل والفرع: 1/ 25؛ انظر: الفيروز آبادي: القاموس: 3/ 286.
(2) - شرح أصول تيبغورين: 204؛ انظر: - شامل الأصل والفرع: 1/ 25؛ 26؛ - الهميان: 4/ 340.
(3) - شرح لامية ابن النظر: 2/ 554؛ انظر: الوارجلاني؛ الدليل: 2/ 38؛ البعد الحضاري: 2/ 515 نقلا عن: يوسف المعصبي: حاشية كتاب الديانات: 17. (1/336)
صفحة 337
أَنَّهُم يقصرون النفاق على فعل الكبيرة، ولا يجعلونه مصطلحا لإضمار الشرك، دون أن يذكر هؤلاء الاختلاف الموجود في ذلك (1)، فقد صحّح هذا الوارجلاني والشيخ اطْفِيَّشْ (2)؛ وبيّنا أَنَّهُ ليس مجمعا عليه، بل يوجد من الإِبَاضِيَّة من جعل النفاق دالاّ على الأمرين: على إضمار الشرك وإظهار التوحيد، وعلى فعل الكبيرة، من هؤلاء أبو اسحاق الحضرميّ من علماء القرن الخامس الهجريّ (3)؛ ولهذا اهتمّ الشيخ اطْفِيَّشْ بتصحيح هذا الرأي وإرجاع المسألة إلى أصلها. فقد أثبت دلالة النفاق على الأمرين وقال: «وليس النفاق مختصّا في عصره (4) بمن فعل كبائر غير الشرك كما قال جمهور أصحابنا، وشدّدوا على من قال بخلافه؛ ولا بمن أسرّ شركا كما زعم المخالفون بل يوجد الفريقان» (5)؛ فالنفاق إذا نوعان عنده: نوع هو من يضمر الشرك ويظهر الإسلام، ونوع من يضمر الإيمان ويقترف الكبائر، والأخير هو الذي اقتصر عليه الإِبَاضِيَّة ولم يعتبروا مضمر الشرك منافقا بل مشركا مباشرة، وقد عارضهم الشيخ اطْفِيَّشْ مستدلاّ بأنّ القرآن سمّى ذلك نفاقا فيجب إبقاء هذا الاسم الذي ذكره الله تعالى في كتابه؛ لكن لم يمنع من تسمية صاحب الكبيرة منافقا أيضا (6)؛ ثُمَّ انتهى الشيخ
__________
(1) انظر مثالا لذلك: جهلان عدون: الفكر السياسي عند الإباضيّة: 63؛ الجعبيري: البعد الحضاري 2/ 513 - 516.
(2) الورجلاني: الدليل: 2/ 38؛ - شرح لامية ابن النظر: 2/ 554.
(3) أبو اسحاق الحضرمي: مختصر الخصال: نشر وزارة التراث القومي عمان 1404 هـ/1984 م: 28؛ والمؤلف هو أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي أحد علماء الإباضيّة (نحو: 475 هـ /1082 م) كان عاملا على حضرموت للخليل بن شادان؛ له من الكتب: مختصر الخصال؛ وديوان السيف النقاد (شعر)؛ انظر الزركلي: الأعلام: 1/ 58.
(4) أي عصر الرسول e.
(5) - الهميان: 7 ق 2/ 208؛ انظر: - شرح أصول تيبغورين: 214.
(6) - تقريرات على حاشية الديانات: ظ: 16؛ - الهميان: ط 1: 14/ 627؛ ط 2: 4/ 237؛ 340؛ 5/ 82؛ 7 ق 2/ 243؛ - الذهب الخالص: 26؛ 27. (1/337)
صفحة 338
اطْفِيَّشْ إلى الجزم بأنّ النفاق المذكور في القرآن كلّه إِنَّمَا هو على معنى إخفاء الشرك وإظهار التوحيد، وأنّ القرآن كان يتحدَّث على المنافقين في عهد الرسول e وهذا هو شأنهم، ولم يسمّ القرآن مرتكب الكبيرة منافقا (1).
وقد استدل الإِبَاضِيَّة على إثبات كون النفاق على عهد الرسول e هو على فعل الكبائر بأنّ الرسول e أراد أن يصلّي على عبد الله بن أبيّ، فمنعه الله تعالى وقد علم أَنَّهُ منافق، ولو كان منافقا نفاق شرك لَمَا همّ بالصلاة عليه؛ وأجاب الشيخ اطْفِيَّشْ على هذا قائلا: «لم يعلم أَنَّ نفاقه شرك حَتَّى نزل {إِنَّهُم كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} Erreur ! Signet non défini. (2) على أَنَّ الكفر شرك كما تبادر؛ لأَنَّ الكافر بالجارحة لا يقال فيه كفر بالله بل كفر فقط. فنفاقه شرك بقوله: لو كان رسولا لعلم كذا أو فعل كذا ... » (3)؛ وليس هذا ضرورياّ، بل المتبادر أَنَّ الرسول e يعلم كونهم يضمرون الشرك، لأَنَّ هذا هو المعنى الأَوَّل لمصطلح النفاق، والمنافقون لم يكونوا يتركون الطاعات في الظاهر حَتَّى يكونوا منافقين بالجارحة، بل كانوا يفعلون أفعال المسلمين ويضمرون شركهم، فيكون سبب همّ الرسول e بالصلاة هو أَنَّهُ لم يوح إليه بعد بالامتناع عن الصلاة على المنافق، وهو الذي لا يفعل شيئا إِلاَّ عن وحي.
وهكذا يكون الشيخ اطْفِيَّشْ قد أرجع المسألة إلى أصلها السلفيّ في الاحتفاظ بمصطلح النفاق دالاّ على الشرك كما كان عليه الإِبَاضِيَّة في السابق؛ لكن تبقى دلالة هذا المصطلح على صاحب الكبيرة محل خلاف.
__________
(1) -المصدر نفسه: 66؛ - شامل الأصل والفرع: 1/ 26؛ - فتح الله: 3/ظ: 144؛ -شرح أصول تيبغورين: 196؛ 203.
(2) سورة التوبة: 84.
(3) - الذهب الخالص: 27. (1/338)
صفحة 339
جـ - دلالة النفاق على فعل الكبائر
وهذا النوع من النفاق هو ما يثبته الإِبَاضِيَّة كما سبق ويصفون لذلك صاحب الكبيرة بالمنافق، ويجعلونه مرادفا لكفر النعمة وغيره من أسماء صاحب الكبيرة التي يقولون بها، كما يخصّصون هذا النفاق أحيانا بقولهم: منافق بالجارحة، وهو ما استعمله الشيخ اطْفِيَّشْ أيضا، ووافق فيه الإِبَاضِيَّة؛ وعلّل هذه التسمية بأنّ فاعل الكبيرة منافق نفاق فسق؛ عالم بأنّ العقاب مترتّب عن فعله، ومع ذلك اقترفه، كَأَنَّهُ لا يعتقد هذا العقاب مع أَنَّهُ معتقد إيّاه، فهي مخالفة بين الاعتقاد والعمل؛ ومخالفة بين إيمانه وبين أفعاله (1)، يقول الشيخ: «دخل بها (2) وخرج بالكبيرة فذلك اختلاف المدخول والمخروج» (3). فقد دخل في الإيمان بإقراره ثُمَّ خرج منه بعصيانه، وهذا يبيّن الاتصال الوثيق بين المعنى اللغويّ الحرفيّ وبين إطلاق لفظ النفاق اصطلاحا على صاحب الكبيرة، كما يظهر الاهتمام البالغ بالوفاء للتصديق والإيمان، فإذا حصل الإيمان في القلب لزم أن يظهر الأثر على الجوارح، وإذا خالف فعل الجوارح هذا التصديق كان ذلك نفاقا؛ واستدلّ الشيخ على تسمية صاحب الكبيرة منافقا بما يلي:
من القرآن الكريم:
- قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فيِ الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنَ اَضَلَّ اللهُ وَمَن يُّضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمُ, أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فيِ سَبِيلِ اللهِ، فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ
__________
(1) - شرح عقيدة التوحيد: 391.
(2) أي دخل في الإيمان بإقراره بالشهادة.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 204؛ 205. (1/339)
صفحة 340
وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا} [النساء: 88 - 89] Erreur ! Signet non défini. وقال الشيخ في شأن الآيتين: إنّهما دليل لمن يرى أَنَّ النفاق يكون بفعل الكبائر، لأَنَّ الله تعالى سَمَّى هؤلاء منافقين لتركهم الهجرة وذلك فعل وليس باعتقاد (1)؛ ثُمَّ أشار في موطن آخر إلى أَنَّ الآيتين تدلاّن على أَنَّ ترك الواجب نفاق، وأنّهما حجَّة على من نفى وجود النفاق بالكبيرة (2).
- قوله تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فيِ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 64] Erreur ! Signet non défini. وقال عن ذلك: «ولولم يعرفوا التوحيد ما حذروه» (3).
هذا ما استدلّ به الشيخ من القرآن الكريم، ونلاحظ أَنَّ الدليلين معا لم يكونا يدلاّن مباشرة على الموضوع، فظاهر النصّين يَتَعَلَّق بالمنافقين نفاق شرك وهو واضح، فلا يكون الاستدلال بهما هنا إِلاَّ إقحاما لهما في الموضوع، إذ لا يدلاّن على من أضمر الإيمان وفعل الكبيرة، كما أَنَّ الشيخ باستدلاله هنا يخالف رأيه ويتناقض مع قوله إِنَّ النفاق المذكور في القرآن إِنَّمَا هو نفاق شرك، فرجع هنا ليجعله يدلّ على نفاق الجارحة وفعل الكبائر. وكان الأصل ألاّ يستدلّ أبدا من القرآن الكريم، وقد تكون صيغة الاستدلال تخُرج من التناقض لأنّنا لاحظنا وَأَنَّهُ لم ينسب الاستدلال إلى نفسه بل كانت النصوص عبارة عن تقرير لأَدِلَّة من يقول بالنفاق من فعل الكبيرة؛ ولكن لم يعقب، ولم يذكر ما يدلّ على أَنَّهُ لا يرى هذا الاستدلال ولا يقول به، بل اكتفى بسرد هذه الأدلّة، مِمَّا يدفع إلى وقوعه في التناقض.
أَمَّا استدلاله من السنّة النبويّة فقد ذكر فيه عدّة أحاديث منها (4):
__________
(1) - تقريرات على حاشية الديانات: ظ: 15.
(2) - حاشية السؤالات: ظ: 133.
(3) - الذهب الخالص: 27.
(4) - الذهب الخالص: 27؛ - شرح أصول تيبغورين: 213؛ 214؛ 217؛ - ترتيب الترتيب: 91؛ 92؛ - التيسير: 2/ 101؛ 102؛ 5/ 92؛ 93؛ -جامع الشمل: 1/ 271؛ 272. (1/340)
صفحة 341
«النفاق أن تقرّ بالإسلام ولا تعمل به» (1).
«ما أخاف عليكم بعدي مؤمنا ولا كافرا: أَمَّا المؤمن فيحسبه إيمانه، وَأَمَّا الكافر فقد أذلّه الله بكفره، ولكن أخاف عليكم منافقا عالم اللسان جاهل القلب يتكلّم بها تعرفون ويفعل ما تنكرون» (2).
«لا تقوم الساعة حَتَّى يسود كلّ أُمَّة منافقوها» (3)، وأئمّة الجور موحِّدون، وليسوا مشركين.
«إِنَّ المختلعات والمنتزعات هنّ المنافقات» (4).
«ثلاث من النفاق البذاء والفحش والشح» (5). حديث آيات المنافق، وقد ورد بألفاظ مختلفة متعدّدة، وما جاء منه في الجامع الصحيح للربيع: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وحجّ واعتمر وقال إنّي مسلم: إذا حدث كذب وإذا وعد خلف وإذا أوتمن خان» (6).
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح: 266 رقم 931؛ وهو قول لحذيفة بهذا اللفظ: «النفاق أن تتكلَّم ... » أخرجه السيوطي مع اختلاف اللفظ عن ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم؛ انظر: السيوطي: الدر المنثور: 4/ 232.
(2) الربيع: الجامع الصحيح: 266 رقم 935؛ أخرجه الهيثمّي بلفظ مخالف؛ وقال: فيه الحارث الأعور وهو ضعيف جدا وذكر نصا آخر فيه: «إن أخوف ما أخاف عليهم بعدي كل منافق عليم اللسان». وقال: رجاله رجال الصحيح؛ انظر: الهيثمّي: مجمع الزوائد: 1/ 187.
(3) الربيع: الجامع الصحيح: 265 رقم 926؛ ضعفه الألباني بلفظ «كل قبيلة»؛ انظر الألباني: سلسلة الأحاديث الضعيفة: 4/ 276.
(4) النسائي: الطلاق: باب ما جاء في الخلع؛ بلفظ «المنتزعات والمختلعات هُنَّ المنافقات» رقم 3461؛ قال المحقق إنه مِمَّا انفرد به النسائي؛ وصححه الألباني: انظر: الألباني: صحيح الجامع الصغير: 2/ 161؛ المعجم المفهرس: 2/ 63.
(5) الدارمي؛ المعجم المفهرس: 1/ 159؛ ولم نقف على مصدر يُبَيِّنُ درجته من الصحة.
(6) الربيع: الجامع الصحيح: 267 رقم 938؛ انظر البخاري: الإيمان: باب علامات المنافق رقم 33؛ المعجم المفهرس: 1/ 296؛ 6/ 526. (1/341)
صفحة 342
«أربع من كنَّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النفاق حَتَّى يدعها، إذا أوتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (1).
واهتمّ الشيخ اطْفِيَّشْ في الاستدلال من السنّة على الأحاديث التي تصف المنافق بفعل المعاصي وتبيّن أخلاقه الذميمة. كما استشهد أيضا بمن قال إِنَّ النفاق يكون بفعل الكبائر وَسَمَّى فاعلها منافقا؛ فقد روي عن حذيفة t أَنَّ رجلا سأله: النفاق اليوم أكثر أم إذ كان على عهد رسول الله e؟ قال حذيفة: «سبحان الله هو اليوم أكثر هو اليوم أشدّ» (2)، وأكثر المنافقين بعد عهده e لم يكونوا مشركين ولكن كانوا فسّاقا (3).
وروي أَنَّ الصحابة y كانوا يخافون النفاق على أنفسهم، ومنهم عمر بن الخطاب t الذي كان يسأل حذيفة عن ذلك، ولم يكن الصحابة يشكّون في أَنَّهُم غير مشركين، بل كانوا يخافون النفاق بمعنى فعل الكبائر (4)، ويؤيّد هذا رواية البخاريّ: «قال ابن أبي مُليكة (5) أدركت ثلاثين من أصحاب النبيء e كلُّهم يخاف النفاق على نفسه» (6).
__________
(1) البخاري: الإيمان: باب علامات النفاق رقم 34؛ المعجم المفهرس: 6/ 524.
(2) الربيع: الجامع الصحيح: 266 رقم 932؛ وروى البخاري هذا الأثر بروايتين: «إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبيء e كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون» و «إِنَّمَا كان النفاق على عهد النبيء e فأما اليوم فَإِنَّمَا هو الكفر بعد الإيمان»؛ انظر البخاري: الفتن: باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه رقم 6696 و 6697؛ المعجم المفهرس: 6/ 523.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 216؛ الذهب الخالص: 27.
(4) - الهميان: 7 ق 2/ 243.
(5) ابن أبي مُليْكة: عبد الله بن عبيد الله التيمي (117 هـ/735 م) كان قاضيا لابن الزبير على الطائف؛ وهو من رجال الحديث؛ انظر: الزركلي: الأعلام: 4/ 102.
(6) ابن حجر: فتح الباري: 2/ 91؛ وقد ورد في البخاري في كتاب الإيمان باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. (1/342)
صفحة 343
ومن العلماء الذين ذكروا ذلك وسمّوا فاعل الكبيرة منافقا: الغزاليّ والقسطلانيّ (1) الذي سمّاه نفاق العمل مقابل نفاق الكفر (2)، وهو تقسيم الشيخ اطْفِيَّشْ نفسه؛ كما أَنَّهُ ورد من أسماء صاحب الكبيرة عند ابن تيميّة، واستدلّ بما استدلّ به الإِبَاضِيَّة أيضا مع بعض الاختلاف (3).
وَلَمَّا كان الشيخ اطْفِيَّشْ قد صحّح القول السائد عند الإِبَاضِيَّة في الموضوع فَإِنَّهُ أيضا صحّح الحكم على المنافق بالجارحة صاحب الكبيرة، وقال: لا يستوي هو والمنافق المضمرللشرك، وأنّ المقصود بقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الاَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] Erreur ! Signet non défini. هم المنافقون شركا لا بالجارحة لأَنَّهُ أهون من نفاق الشرك، وكان المشهور غير هذا كما كان المشهورأنّ النفاق لا يكون إِلاَّ بفعل الكبائر (4).
هذا ما يلخّص تسمية فاعل الكبيرة بالمنافق، وقد جرّنا هذا إلى تفصيل القول في عموم النفاق حَتَّى نتمكّن من معرفة موقع رأي الشيخ اطْفِيَّشْ في الموضوع، ولنتمكّن أَيضًا من إزالة بعض اللبس الذي حام حول رأي المذهب الإباضيِّ، وتبيّن بذلك تصحيح الشيخ اطْفِيَّشْ لمفاهيم المسألة، ورجوعه بها إلى أصولها، وفرّق بين النفاق
__________
(1) القسطلاني: أحمد بن محَمَّد بن أبي بكر: (851 - 923 هـ/1448 - 1517 م) من أئمة الحديث؛ له كتاب «إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري»؛ انظر الزركلي: الأعلام: 1/ 223.
(2) الغزالي: إحياء علوم الدين: 1/ 164؛ القسطلاني أحمد بن محَمَّد: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: دار الكتاب العربي: بيروت 1983 م: 1/ 118.
(3) ابن تيمية: كتاب الإيمان: 115.
(4) - شرح عقيدة التوحيد: 342؛ - جامع الوضع والحاشية: 07. 08؛ - حاشية الموجز 2/و:43؛ - وفاء الضمانة: 6/ 180. (1/343)
صفحة 344
بنوعيه: النفاق بالشرك، والنفاق عصيانا بالكبيرة؛ ولا يمكن أن نعتبر هذا جديدا عند الإِبَاضِيَّة بقدرما هو تجديد لرأي سابق كان موجودا، وموافقة وتأييد منه لتسمية فاعل الكبيرة منافقا بالجارحة.
6 - تسمية صاحب الكبيرة مشركا
وهذه التسمية لم يقل بها الشيخ اطْفِيَّشْ، كما لم يقل بها أحد من الإِبَاضِيَّة، ولكن نذكرها ليكتمل لدينا تصوّر الموضوع، ونرى موقف الشيخ اطْفِيَّشْ في ذلك. فقد نَسب هذا القول بتشريك صاحب الكبيرة إلى الخوارج عموما، وخَصّ به أحيانا الصفريّة (1). وردّ عليهم باعتبار أَنَّ الكبائر ليست كلّها شركا، ولا يحكم على أصحابها بكفر الشرك دائما. وما استدلوّا به على إثبات شرك صاحب الكبيرة هو عين ما استدل به الإِبَاضِيَّة لإثبات كفر النعمة له، ولكنّ الإِبَاضِيَّة قيّدوا الكفر الوارد في الأَدِلَّة بكفر النعمة والكفر دون الشرك، وَأَمَّا هؤلاء فقد تركوه في مطلق الكفر والشرك، فكان الشيخ اطْفِيَّشْ يردّ على هذا الاستدلال بأنّ النصوص كانت خَاصَّة، ولا تتحدّث عن صاحب الكبيرة فتبقى في المشركين صراحة (2)؛ وهو الموقف نفسه الذي اتَّخَذَه في الاستدلال ببعض الآيات على كفر صاحب الكبيرة كفر نعمة.
كما ردّ هذا الرأي مستدلاًّ بحديث جاء فيه: «ثلاثة من أصل الإيمان: الكفّ عمّن قال لا إله إِلاَّ الله لا تكفره بذنب ولا تخرجه من الإسلام بعمل ... » (3).
__________
(1) - شرح العقيدة: 388؛ - وفاء الضمانة: 5/ 200؛ 257؛ - شرح أصول تيبغورين: 203؛ - الرد على الصفرية والأزارقة: وهي رسالة في الموضوع؛ ضمن مجموع خمسة كتب طبعة قديمة مصر: 1314 هـ.
(2) - شرح العقيدة: 387 - 391.
(3) أبو داود: كتاب الجهاد: باب في الغزو مع إئمة الجور؛ - وفاء الضمانة: 5/ 200؛ قال عنه الألباني: «إسناده ضعيف فيه مجهول؛ وإن كان معناه صحيحا»؛ انظر المعجم المفهرس: 1/ 66؛ محَمَّد بن عبد الله الخطيب التبريزي: مشكاة المصابيح: تحقيق محمد ناصر الدين الألباني نشر المكتب الإسلامي دت: 1/ 25 هامش: 01. (1/344)
صفحة 345
وواضح ما في هذه التسمية من الغلوّ، وإبعاد صاحب الكبيرة من الإيمان، وتجريده من التوحيد والإقرار بالشهادة، ولا يعقل أن يكون فعل الكبيرة مخُرجا من الملّة إخراجا كليّا؛ إضافة إلى أَنَّهُ رأي لا يعضده دليل.
7 - أحكام المنزلة بين الإيمان والكفر
أوّل هذه الأحكام هو ما يَتَعَلَّق بتسميته باسم معيّن ونفي آخر عنه؛ وما وجدنا عند الشيخ اطْفِيَّشْ هو إجازته تسمية صاحب الكبيرة مؤمنا بمعنى موحّد وتسميته عاصيا وفاسقا لفعله الكبيرة وعصيانه النهي الوارد فيها، كما أجاز تسميته كافرا كفر نعمة، ومنافقا بالجارحة، ولم يمنع الشيخ من التسميات سوى اسم الشرك.
أَمَّا الأحكام الأخرى المُتَعَلِّقة بصاحب هذه المنزلة فَإِنَّهَا أحكام صاحب منزلة الإيمان مع بعض الاستثناء، فقد اتَّفَق معه في كثير من الأحكام لاجتماعهما في التصديق والإقرار بالشهادة، والأحكام المقصودة هنا أحكام التعامل في الدنيا، وقد استحقّها المؤمن بمجرّد نطقه الشهادة، وكذا صاحب الكبيرة باعتباره ناطقا بالشهادة.؛ لذا اشترك معه في حرمة ماله ودمه عرضه، فلا يقتل ولا يسبى ولا يغنم ماله، إِلاَّ بحقّ شرعيّ؛ وتقام عليه الحدود عند ما تثبت عليه الشهادة بما يوجبها، وتحلّ ذبيحته، ومناكحته، ودفنه مع سائر المسلمين.
واستثني من هذه الأحكام: أَنَّهُ يتبرّأ منه، ولا يتولّى وتبطل عدالته ولا تقبل شهادته (1).
__________
(1) - جامع الوضع والحاشية: 33؛ - شرح أصول تيبغورين: 274. (1/345)
صفحة 346
فهو كغيره من المسلمين في المعاملات الظاهرة، سوى ما ذكر من الأحكام الأخيرة التي وجبت في حقّه بسبب ارتكابه الكبيرة.
هذه هي مواقف الشيخ اطْفِيَّشْ من صاحب الكبيرة الذي يعتبر في منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة ا لكفر، وقد أجاز الشيخ عليه جميع الأسماء التي عرفت عند المذاهب ما خلا اسم الشرك كما هو عند الخوارج فقد نفاه عنه؛ واختلف الشيخ مع الإِبَاضِيَّة الذين لم يجيزوا تسميته بالمؤمن وأثبتها هو؛ وصحّح إطلاق النفاق على فعل الكبيرة وعلى الشرك؛ وموقف الشيخ اطْفِيَّشْ وإن بدا فيه اختلاف مع مذهبه الإباضيّ، فَإِنَّهُ لا يعدو أن يكون تجديدا منه لمعان كانت موجودة من قبل ثُمَّ تغيرت أو سُكت عنها. (1/346)
صفحة 347
المبحث الثالث
منزلة الكفر وأحكامها
1 - تعريف الكفر
لقد مَرَّ القول في تعريف الكفر لغة، وَأَنَّهُ يَدُلُّ على الستر والإخفاء، وهذا ضمن الحديث عن تسمية صاحب الكبيرة كافرا كفر نعمة.
أَمَّا في الاصطلاح: فالشيخ اطْفِيَّشْ يراه منزلة مقابلة لمنزلة الإيمان فما ليس بإيمان فهو كفر، وهذا باعتبار الإيمان تصديقا يقابله الكفر وهو الإنكار، فليس بينهما درجة وهذا ما تقصده المصادر الإِبَاضِيَّة من رفض المنزلة بين الإيمان والكفر، وقال الشَّمَّاخِي في المسألة: «وندين بأن لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر» (1)؛ واستدلُّوا لذلك بما يلي (2):
قوله تعالى: {هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّومِنٌ} [التغابن: 02] Erreur ! Signet non défini ..
وقوله تعالى: {إنَِّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 03] Erreur ! Signet non défini ..
قوله تعالى: {لِيَبْلُوَنِيَ ءَآشْكُرُ أَمَ اَكْفُرُ} [النمل: 40] Erreur ! Signet non défini ..
قوله e: «سباب المؤمن فسق وقتله كفر» (3).
__________
(1) الشَّمَّاخِي: متن الديانات: 49.
(2) أبو إسحاق الحضرمي: مختصر الخصال: 24؛ الجنَّاوني: الوضع: 25؛ -شرح أصول تيبغورين: 220، 221.
(3) رواه البخاري بلفظ «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» انظر البخاري: الإيمان: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، رقم 48؛ المعجم المفهرس: 2/ 288. (1/347)
صفحة 348
2 - أنواع الكفر
الكفر معنى عامّ لِكُلِّ ما خالف الإيمان ــ كما تقدَّم ــ لذا تعدّدت الأقسام التي اشتمل عليها الكفر كمنزلة من منازل الأسماء والأحكام، وقد قسَّمه الشيخ اطفِيَّش ــ كما هو عند الإِبَاضِيَّة ــ إلى نوعين: كفر نفاق وكفر شرك، وكلُّ نوع ينقسم إلى قسمين هكذا:
فكفر النفاق فيه: نفاق الخيانة، ونفاق التحليل.
وكفر الشرك فيه: شرك الجحود، وشكر المساواة (1).
وكثرة هذه المصطلحات في الموضوع تثير الغموض والوهم، مع أَنَّهَا في نهاية الأمر لا تعدو أن تكون مسمّيات متعدّدة لمسمىّ واحد: فكفر النفاق هو النفاق نفسه، اعتُبر جزءا من الكفر العامّ، وهو قسمان: نفاق خيانة أو نفاق جارحة أو نفاق العمل، وما تبع ذلك من أسماء صاحب الكبيرة، ثُمَّ نفاق التحليل وهو النفاق الصريح نفسه أو الأصليّ أو نفاق الشرك.
وَأَمَّا كفر الشرك: فهو الشرك ذاته أضيف إلى منزلة الكفر، وهو أيضا نوعان: الجحود والمساوة، والتمييز بينهما ناتج عن المعنى الذي كان به الإشراك، فإذا نشأ عن إنكار وجود الله تعالى فهو جحود، وإذا نشأ عن مساواة الله تعالى بمخلوقاته فهو شرك تسوية.
إِنَّ المصادر الإِبَاضِيَّة تكتفي أحيانا بذكر مصطلح الكفر عامّا، فيبقى مبهما لا يدرك المقصود منه، وقد أشار الشيخ اطْفِيَّشْ إلى ذلك، لَكِنَّهُ لم يرجّح شيئا فيه، وقال:
__________
(1) أبو حفص عمر بن جميع: عقيدة التوحيد: دم، دت: 95. (1/348)
صفحة 349
«وعندي إذا أطلق أصحابنا الكفر ولم يتبيّن أَنَّهُ شرك أو نفاق حمل على الكفر المطلق الذي ما ندري أهو عند الله إشراك أو نفاق؟» (1). وسبب هذا الإطلاق هو اعتبار الإِبَاضِيَّة أَنَّ كل أنواع الكفر مخلّدة في النار، فلم يروا داعيا إلى التفصيل إذا كان الغرض هو الإشارة إلى المصير في الآخرة، حيث يستوي الكفّار جميعا فيها، أَمَّا إذا تعلّق الأمر بالأحكام الدنيويّة بين العباد؛ فإنّهم يذكرون هذه التفاصيل التي تختلف بحسبها الأحكام؛ خاصّة بين قسمي الكفر الرئيسين: النفاق والشرك.
وقد سبق الكلام عن النفاق وتعريفه بقي أن نعرف الشرك وأحكامه.
ا - تعريف الشرك
الشرك لغة: هو المساواة بين اثنين فأكثر، مساواة في الذات أو في الصفات (2).
وَأَمَّا اصطلاحا: فهو على معنيين، الأَوَّل: وصف الله تعالى بغير صفاته، والثاني: إنكار أصل من أصول العقيدة، وهذه بعض تعاريف الشيخ اطْفِيَّشْ، إذ يقول: «المراد وصف الخالق بصفة المخلوق أو فعله؛ والمخلوق بصفة الخالق أو فعله» (3). وقال أيضا: «وشرعا جحود الله أوكتاب من كتبه أو نبيٍّ من أنبيائه أوصفة من صفاته، أو بعض كتاب، وتسوية غيره به في شيء أوشكّ في نحو الجَنَّة والنار، أو نبيّ أو ملك أو كتاب بعد علمه» (4).
ب - أقسام الشرك
حسب ما جاء في التعريف فَإِنَّ الشرك نوعان:
الأَوَّل: وهو شرك المساواة: بين الله وأحد من خلقه؛ فللّه تعالى الكمال المطلق،
__________
(1) - شرح العقيدة: 72.
(2) - شامل الأصل والفرع: 1/ 25؛ -جامع الوضع والحاشية: 51.
(3) - المصدر نفسه؛ انظر: الجيطالي: قواعد الإسلام: 1/ 34.
(4) - شامل الأصل والفرع: 1/ 25؛ انظر: -جامع الوضع والحاشية: 07، 08؛ - الذهب 23. (1/349)
صفحة 350
وكُلَّمَا خالف هذا الكمال فهو تسوية بين الله وخلقه وهو شرك، وهو إِمَّا بعدم تقدير الله حقّ قدره فيوصف بأحد صفات خلقه، أو بتعظيم المخلوق ورفعه إلى درجة الأُلُوهِيَّة وصفاتها وخصائصها؛ وهو شرك لِمَا فيه من مساواة بين الطرفين، والواجب منع أيّ تساوٍ في ذلك حَتَّى يعتقد في الله تعالى صفات الكمال على الحقيقة (1)، ولا يمكن حصر المجالات التي تقع فيها المساواة.
والثاني: وهو كفر الجحود أو شرك الجحود: وهو الإنكار وعدم التصديق بأصل من الأصول العقديّة، مثل: الإيمان بالله تعالى، أو وجود خلق مِمَّا خلق كالملائكة والأنبياء والجنّة والنار (2).
ونلاحظ أَنَّ شرك الجحود يعود إلى النوع الأَوَّل؛ لأَنَّ المنكر يُفترض فيه أَنَّهُ سوّى نفسه مع الله تعالى في التشريع والخلق، فهو ينكر ما شاء ويثبت ما شاء، فهو بذلك يدخل في شرك التسوية.
هذا هو التقسيم الشائع والمعروف خاصّة لدى الإِبَاضِيَّة، ولا خلاف في تعريف الشرك بين المسلمين لأَنَّهُ يكون في مقابلة التوحيد، والمطلوب من الإنسان توحيد ربّه على الحقيقة توحيدا مطلقا؛ ويختلف نوع الإشراك بحسب الاعتقاد إنكارا وجحودا أو تسوية. ويقسم الشيخ اطْفِيَّشْ الشرك أيضا باعتبار أحكام المشرك إلى قسمين:
الأَوَّل وهو الشرك الذي تجري على صاحبه كلُّ أحكام المشركين وهو الشرك الصريح؛ والثاني وهو الشرك الخفيّ ولا تلزم عنه أحكام المشركين، لأَنَّهُ يكون من المسلمين المقرّين بالتوحيد، ثُمَّ يقعون في الإخلال ببعض عقائد التوحيد، وهو في حقيقته النوع الأَوَّل من الكفر وهو كفر النفاق؛ ولكن سميّ شركا لَمَّا كان في ظاهره يَدُلُّ
__________
(1) - شرح العقيدة: 343.
(2) -المصدر نفسه. (1/350)
صفحة 351
على إنكار شَيْء من العقيدة (1)، لكنّ صاحبه لم يقصد ذلك؛ وقال الشيخ اطْفِيَّشْ عن هذا النوع: «والشرك الذي لا تَحِلُّ به الدماء ولا السبي ولا السلب ولا يحكم عليه بحكم الشرك هو الإخلال ببعض خصال التوحيد، كالأقاويل العشرة (2) وولاية الجملة وبراءتها (3) ومعرفة الملل الستِّ (4) وأحكامها ومعرفة آدم، ومعرفة أَنَّ كلَّ جملة غير الأخرى وتحريم الدماء والأموال بالتوحيد ونحو ذلك، والجزع وعدم الصبر وعدم الثقة بموعود الله، والثقة بغير الله، والرئاء وهو الشرك الأصغر على (ص) أو هو نفاق، والشرك هو الترك لغيرالله (ق)» (5).
وفي هذا النوع الثاني يظهر أَنَّ مصطلح الشرك قد وُسّع كثيرا؛ لأَنَّ بعض ما ذكره الشيخ هنا ليس سوى معاص وكبائر تصدر من الإنسان تقصيرا لا قصدا، وبعضها مختلف في وجوب معرفته كالملل الستّ ومعرفة آدم؛ فكيف يصبح جهلها مع ذلك شركا؟ كما أَنَّ في هذا القول تناقضا: إذْ كيف تعتبر هذه المعاصي شركا ولا تلزم عنه أحكام المشرك؟ والمعروف أَنَّ الأحكام تتبع الأسماء؛ والشيخ نفسه يثبت الاختلاف حولها: هل هي نفاق أو شرك؟ ومنشأ مثل هذا القول هو تضارب الاعتبارات في المصطلح، فقد عمّم الشرك هنا ليشمل الكفر ويساويه، مع أَنَّ الكفر أعمّ من الشرك، كما أَنَّ الشيخ اطْفِيَّشْ انساق وراء من سبقه في الموضوع وقلّد في ذلك الشيخ الجيطالي خاصّة (6).
__________
(1) - الهميان: 1/ 230، 231.
(2) انظر: ما سبق عنوان: “ما يجب فيِ الإيمان” فيِ المبحث الأَوَّل من هَذَا الفصل. هامش 82، ص 295.
(3) ولاية الجملة يقصدبها ولاية جملة المسلمين واعتقاد محبتهم دون تفصيل، وبراءة الجملة: أي التبرؤ من جملة الكُفَّار دون تفصيل أيضا، وهما قسمان من أقسام الولاية والبراءة.
(4) انظر: الملل الست في العنوان الآتي: “أحكام الكفر وملله” فيِ هَذَا المبحث.
(5) - الذهب: 25؛ (ص) = الصحيح، (ق) = قولان.
(6) الجيطالي: قواعد الإسلام: 38. (1/351)
صفحة 352
3 - أحكام الكفر وملله
سبقت الإشارة إلى بعض هذه الأحكام في شأن تسمية صاحب الكبيرة كافرا كفر نعمة، أو منافقا، وتلك نصف أحكام الكفر، بقي النصف الآخر وهي أحكام الشرك.
والشرك يصدق على كُلِّ ما خالف الإسلام من ديانات وضعيّة، أو سماويّة بقيت بعد الإسلام لأَنَّهَا حرّفت عن أصلها ولو اتُّبعت على الحقيقة لآمن أصحابها بالرسالة الأخيرة، وَلَكِنَّهُم جحدوها وهم يعرفونها، فليست الديانة في نفسها شركا ولكنَّ التحريف والاعتقاد المحرّف الذي بقي منها هو الشرك.
وقد حصر القرآن الكريم الملل في ستٍّ، وقُسِم الناس على حسبها؛ كلّها كفر إِلاَّ الإسلام. وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالِذينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17] Erreur ! Signet non défini.؛ وهذه الملل الخمس غير الإسلام (1) هي:
1 - اليهود: وهم أهل كتاب هو «التوراة».
2 - النصارى: وهم أيضا أهل كتاب وهو «الإنجيل»
3 - الصابئون: مِن صبا بمعنى مال أو صبأ بمعنى خرج، الذين اتَّخَذوا دينا بين أديان سماويّة.
4 - المجوس: الذين يعبدون أجراما سماويّة أو نارا.
5 - الذين أشركوا: ويشمل ذلك الوثنيِّين ومن لا دين له من الملحدين.
__________
(1) أبوحفص عمرو بن جميع: عقيدة التوحيد وشروحها: 78 - 85. (1/352)
صفحة 353
وهذه الملل وإن كانت تختلف أسماؤها لَكِنَّهَا تشترك في بعض الأحكام التالية:
أَوَّلاً - الدعوة إلى الإسلام وإلى شريعة الله تعالى: وهو أوّل الأحكام الواجبة في حقّ كُلِّ هذه الملل، وتسبق الدعوة اتّخاذ أيّ موقف أو حكم، وَيَدُلُّنا هذا على مدى اعتناء الإسلام بسعادة البشر: فجعلها حقّا يجب أن يصل إلى كُلِّ الناس، وقال الشيخ اطْفِيَّشْ مقرّرا ذلك: «فالدعوة لا بُدَّ منها إلى يوم القيامة» (1).
ثانيا - القتال: وهو مشروع ضدّ المشركين إذا لم يستجيبوا للحقّ، وصدّوا عن السبيل، كما شرع ضدّ الملل الأخرى إذا لم يقبل أصحابها الدعوة، ولم يذعنوا للجزية؛ لكن لا يقتل من أهل الكتاب من لا يقاتل مثل النساء والصبيان والرهبان.
ثالثا - جواز سبي المشركين، وغنم مالهم في القتال؛ وتحريم ذبائحهم ومناكحتهم وموارثتهم والمدافنة معهم.
رابعا - إذا استجاب أهل الكتاب والمجوس ــ والصابئة في حكم أهل الكتاب ــ إلى الجزية حرمت دماؤهم وأموالهم وسبيهم إِلاَّ بحقّ؛ وحلّ التزوح منهم وأكل ذبائحهم، إِلاَّ المجوس فَإِنَّ ذبائحهم حرام، والتزوج منهم حرام ولو كانوا يؤدّون الجزية (2).
فهذه أحكام فقهيّة أكثر منها أصول عقديّة لَكِنَّهَا تثبت خُلُق التعامل، وتبيّن للمسلم المواقف التي يجب أن يدين بها ويتّخذها في الحياة، وكيف ينظّم تعامله مع غيره في الدنيا.
وهناك خلاف في حكم معرفة هذه الملل وأحكامها: فالشماخيّ أبو العَبَّاس أحمد
__________
(1) - الهميان: 6 ق 1/ 41.
(2) -ترتب المدونة: 2/ 55، 56؛ - الذهب: 66، 67، 69، 70؛ - شرح العقيدة: 293 - 316؛ -شرح أصول تيبغورين: 274؛ - حاشية القناطر: 2/ظ: 05. (1/353)
صفحة 354
ابن سعيد والتلاتيُّ أبو سليمان داود (1)، وأبو الربيع سليمان بن يخلف (2) والثمينيُّ كانوا مِمَّن يقول بوجوب معرفة الملل، وحكم بعضهم بشرك من جهلها (3)؛ وقال آخرون بعدم وجوب معرفة الملل الستّ وأحكامها، خاصّة الوارجلاني والإمام عبد الرحمن بن رستم وأبو خزر وابن زرقون (4) وجعلوا ذَلِكَ مِمَّا يسع جهله (5)؛ فالوارجلاني مثلا يقول لو كان ذلك واجبا لكانت معرفة إبليس أولى لعظم ضرره؛ ووصف العلم بالملل بِأَنَّهُ: «أبعد من هذه المسائل (6) كلِّها وأخمل» (7).
أَمَّا الشيخ اطْفِيَّشْ فقد اتَّخَذَ موقفا وسطا بين القولين، فلم يغال في إيجاب معرفة الملل وأحكامها، كما لم يهوّن من شأنها، وقال إِنَّ أحكام الملل مِمَّا يسع جهله، لكن ينبغي الاستعداد لردّ ما يثيره أصحاب الملل من شبهات وأباطيل، وحكم على رأي من يرى وجوب معرفتها أَنَّهُ مرجوح ضعيف، وأحكام الملل فقهيّة فكيف تصبح من أصول العقيدة؟ وقد قارن ــ مثلما قارن الوارجلاني ــ بين هذه الملل وبين معرفة إبليس وقال: «ولو صَحَّ أَنَّ معرفة الملل الخمس واجبة كما صَحَّ وجوب معرفة ملّة الإيمان لكان
__________
(1) التلاتي أبو سليمان داود بن إبراهيم: من علماء جربة بتونس، ترأّس حلقة العزابة فيها؛ توفي سنة 967 هـ/1560 م، انظر الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 133 - 138.
(2) أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي: من علماء الإباضيّة بالمغرب في النصف الثاني من القرن السادس الهجري، انظر: الدرجيني: الطبقات: 2/ 429 - 437.
(3) أبوحفص عمرو بن جميع: عقيدة التوحيد وشروحها: 78؛ الوارجلاني: الدليل: 2/ 25؛ الثمّيني: معالم الدين: 2/ 129؛ - شرح عقيدة التوجيد: 281.
(4) أبو الربيع سليمان بن زرقون: من علماء القرن الرابع بنفوسة -ليبيا- انظر: الشماخي: السير: 276.
(5) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل: 2/ 25؛ - الدهب: 63؛ - جامع الوضع والحاشية: 34.
(6) يعني مسائل مالايسع جهله من الدين.
(7) الوارجلاني: الدليل: 2/ 25؛ وقد ذهب إلى هذا أيضا أبوإسحاق إبراهيم اطفيش مستندا إلى رأي الوارجلاني، انظر: أبوحفص عمرو بن جميع: عقيدة التوحيد: هامش رقم 1: 78، 79. (1/354)
صفحة 355
معرفة إبليس أولى بالوجوب؛ ويجاب بِأَنَّ إبليس والعياذ بالله U منه غير ظاهر وهؤلاء الخمس ظاهرون لهم دعاوٍ تسمع وهي باطلة فيجب الاستعداد لها» (1).
فرأي الشيخ اطْفِيَّشْ في المسألة كان مهمّا لتوسّطه بين آراء من سبقوه مع الإشارة إلى أثر هذه الملل على المسلمين، فرجع بالمسألة إلى الأصل وَأَنَّهَا غير واجبة المعرفة لعدم الدليل على وجوبها، لكن دون أن يصل ذلك إلى إهمال العلم بهذه الملل والتهوين من خطرها وأثرها على المسلمين؛ ولا نشكّ في أَنَّ الشيخ قد تأثّر في اتّخاذ هذا الرأي بالواقع الذي عاشه، حيث بدأت تظهر آثار الغزو الفكريّ وجهود الغرب في إضعاف عقيدة المسلمين، فقال الشيخ إِنَّ لأهل هذه الملل دعاوٍ ينشرونها تقتضي من المسلمين الاستعداد لردّها، ولذا كان رأيه في المسألة أقوم وأنسب ممن قال بعدم وجوب العلم بالملل الستّ، وممن قال إِنَّ الجهل بها يصل إلى درجة الشرك.
هذه جملة آراء الشيخ اطْفِيَّشْ في الموقف الذي يتخذه الإنسان في حياته تجاه الدين والشريعة، فالناس في ذلك ثلاثة: إِمَّا مؤمن وَإِمَّا منافق وَإِمَّا كافر.
وإنّ أهمّ ما تميزت به آراء الشيخ في مسائل هذا الفصل هو استقلال فكره عن القيود المذهبيّة، فهو وإن لم يأت بجديد في المذهب الإباضيّ، استطاع أن يجدّد فيه بإرجاعه إلى أصوله السَّلَفِيَّة عند الإِبَاضِيَّة الأوائل دون الوقوع في خلافات مذهبيّة.
__________
(1) -شرح عقيدة التوحيد: 281، 282؛ انظر: -شرح النيل: 14/ 533، -الذهب: 63؛ -جامع الوضع والحاشية: 34؛ -شرح الدعائم: 1/ 146، 147. (1/355)
صفحة 356
(صفحةبيضاء) (1/356)
صفحة 357
الفصل السابع
القضاء والقدر وأفعال الإنسان (1/357)
صفحة 358
(صفحةبيضاء) (1/358)
صفحة 359
المبحث الأَوَّل
تعريف القضاء والقدر
1 - القضاء والقدر لغة واصطلاحا:
شاع استعمال اللفظين: قضاء وقدر، هكذا متلازمين، ولم يكن الأمر كذلك في البداية، بل كان أحدهما يغني عن الآخر، وأكثر ما استعمل في الحديث لفظ “القدر” كما أَنَّهُ لم يرد في القرآن لفظ القضاء بل ما اشتقّ منه مثل الفعل قضى (1). ولم نجد عند الشيخ اطْفِيَّشْ تعريفا لغويا للَّفظين لذا بحثنا عن ذلك عند غيره:
فالفعل “ قَضَى ” يَدُلُّ على معان متعدِّدة مثل: ألزم، وأمر، وأوجب، وخلق وحكم، وفرغ من شيء، وأراد، وعهد، وهي متقاربة تجتمع على معنى الفصل والحسم في الأمر (2).
أَمَّا القدر: فله أيضا معان متعدّدة منها: الخلق، والتصوير، والقضاء، والتضييق (3).
وَأَمَّا في الاصطلاح فالقضاء في تعريف الشيخ اطْفِيَّشْ هو: علم الله تعالى بمخلوقاته علما كاملا بما يصدر منهم منذ الأزل، وكتابة ذلك والحكم به عليهم؛ أي:
__________
(1) عبد الكريم الخطيب: مشيئة الله و مشيئة العباد: سلسلة من قضايا القرآن رقم 02 دار الفكر العربي دت: 117؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 406، 407.
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: دار إحياء التراث العربي ط 2 بيروت 1965 م: 2/ 88، 10/ 237؛ عبد الكريم الخطيب مشيئة الله: 117.
(3) الفيروزآبادي: القاموس: 2/ 114، أبو البقاء الحسني: الكليات: ط بولاق، مصر: 1281 هـ: 282. (1/359)
صفحة 360
أَنَّهُ أمر مُتَعَلِّق بالمخلوق سابق له، علمه الله وحكم به في الأزل (1).
والقدر اصطلاحا: هو إيجاد المخلوقات كما هي في القضاء الأزليّ وتحقيقه في الحياة الدنيا (2).
هكذا عرّف الشيخ اطْفِيَّشْ المصطلحين، ولا يعني هذا أَنَّهُ قد فصل تماما بينهما، بل قد عرّف القدر مرّة بما يجعله مع القضاء بمعنى واحد، وقال إِنَّ القدر هو العلم الإجمالي والتفصيليّ بلا أوّل ولا آخر لِمَا كان من الأجسام والأعراض وما سيكون وما هو كائن، والله المكوّن له وخالقه في وقته بحركاته وسكناته (3). فعرّف هنا القدر تماما كما عرّف القضاء بإضافة معنى الخلق في الدنيا؛ مِمَّا يَدُلُّ على أَنَّ هناك علاقة وترابطًا بين المصطلحين؛ خاصّة وَأنَّهُمَا مستحدثان.
2 - العلاقة بين القضاء والقدر
حسب التعريف السابق نجد أَنَّ الأصل في المصطلحين الاختلاف، فالقضاء يختصّ بالأزل والقدر يختصّ بالدنيا، وقد حدّد الشيخ اطْفِيَّشْ نفسه هذا التقابل بين القضاء والقدر؛ وهذا يعني أَنَّ القدر هو تحقيق للقضاء (4)؛ كما أَنَّ بينهما علاقة: «عموم وخصوص، لاجتماعهما في الخلق» (5)، ثُمَّ انفرد القضاء بِأَنَّهُ ما كتب في اللوح منذ الأزل، وانفرد القدر بِأَنَّهُ حاصل بعد القضاء.
__________
(1) - حاشية القناطر: 2/و: 05، ظ: 128؛ - شرح الدعائم: 1/ 25؛ - شرح العقيدة: 80.
(2) - شرح العقيدة: 80؛ - حاشية القناطر: 2/ و: 05، ظ: 128؛ الذهب الخالص: 22.
(3) - شرح الدعائم: 1/ 158.
(4) - تقريرات على حاشية الديانات: ظ: 7.
(5) - جامع الوضع و الحاشية: 44. (1/360)
صفحة 361
وهذا التفصيل في علاقة القضاء بالقدر مهمّ، وقد أهمله من سبق الشيخ اطْفِيَّشْ من علماء الإِبَاضِيَّة، وأرجع الأستاذ الجعبيري ذلك إلى ضعف الدلالة اللغوية في التعبير عن أمر غيبيّ (1)؛ وليس هذا هو السبب الوحيد بل هناك أيضا غياب الاستعمال الشرعيّ الاصطلاحيّ منذ مبدإ القضية، إذ أقحمت فيها لفظة القضاء لتقرن مع القدر، وكان يقتصر على لفظة «القدر» وحدها، لهذا تتداخل الدلالات اللغويّة بينهما، فأصبحا اصطلاحين لمعنى كان يكفي فيه أحدهما دون الآخر، وإن كان هذا لا ضرر فيه فهو اختلاف ألفاظ، لكن لدقّة الاستعمال أثَّر على فهم المسألة وتنزيلها منزلتها الحقيقيّة من العقيدة، وقد شغلت جزءا كبيرا من الفكر العقديّ الإسلاميّ مِمَّا يَدُلُّ على أهمّيتها وصلتها بالتوحيد، كما سنبيّنه فيما يأتي.
__________
(1) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 423. (1/361)
صفحة 362
المبحث الثاني
الإيمان بالقضاء والقدر
1 - صلة القضاء والقدر بالتوحيد
يسند علماء الإسلام أمر القضاء والقدر إلى الله تعالى، فهو وثيق الصلة بالتوحيد، بل هو من مسائله الأصليّة، لا يتمّ التوحيد إِلاَّ بالإيمان بالقضاء والقدر كما يقول أبو عَمَّار عبد الكافي (1)، وكما بيَّن الشيخ اطْفِيَّشْ في التعريف أَنَّ القضاء والقدر يَتَعَلَّقان بما في اللوح المحفوظ، وما فيه لا يتغيّر لأَنَّهُ من علم الله تعالى ولا تبدو له البدوات، وعلمه صفة ذات (2)، فهما عند الشخ اطْفِيَّشْ صفتان لله تعالى.
وللقضاء اعتباران في الصفات: إذا قصد به علم الله تعالى بالأشياء في الأزل قبل خلقها فهو صفة ذات، لأَنَّ العلم صفة ذات، وإذا قصد به ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ، فهو صفة فعل باعتبار الكتابة التي صدرت منه إلى اللوح المحفوظ.
وَأَمَّا القدر فهو صفة فعل فقط؛ لأَنَّهُ تحقيق للقضاء فهو خلق، وتصرُّف في المخلوقات (3).
وقد لخَّص الشيخ اطْفِيَّشْ هذه الصلة بين التوحيد والقضاء والقدر في قوله: «القدر هو إيجاد الله الأجسام والأعراض، والقضاء هو الحكم بها في الأزل فهو صفة
__________
(1) أبو عَمَّار: الموجز: 2/ 28؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 423.
(2) - مجموع الرسائل: (أ ز 6): 5، 21.
(3) - شرح الدعائم: 1/ 25؛ حاشية القناطر: 2/ و: 5، ظ: 128؛ الذهب الخالص: 22. (1/362)
صفحة 363
ذات، أو إثباتها في اللوح المحفوظ فهو صفة فعل» (1)؛ وقد اسْتَدَلَّ الأستاذ الجعبيري بهذا النص، وقال إِنَّ موقف الشيخ اطْفِيَّشْ كان جامعا بين موقف الأشاعرة وموقف الماتوريديّة (2)، بينما الواقع أَنَّهُ لم يكن جمعا بين الموقفين:
ففي شأن القضاء: نجد الأشاعرة يجعلونه هو الإرادة الإلهيّة في كون الأشياء على ما ستخلق به: أي العلم السابق بهيئة المخلوقات، وهو علم لله تعالى وصفة ذات قديم، وهذا أحد اعتبارات الشيخ اطْفِيَّشْ في الموضوع، أَمَّا الماتوريديّة فَإِنَّهُمْ يرون أَنَّ القضاء هو إيجاد الأشياء فهو صفة فعل لله تعالى حادث وليس في الأزل (3)؛ وهذا ما لم يقله الشيخ اطْفِيَّشْ في شأن القضاء بل يرى أَنَّهُ فعل باعتبار كتابته في اللوح المحفوظ، ولا يمكن أن يجمع بذلك بين موقف الأشاعرة والماتوريديّة، وما دام القضاء باعتباره صفة فعل أو صفة ذات عند الشيخ اطْفِيَّشْ يتِمُّ دائما في الأزل ولا يَتَعَلَّق بالمخلوق حين خلقه؛ أي ليس إيجادا للمخلوق، فرأي الشيخ هنا أقرب إلى الأشاعرة؛ ولم يجمع بين الموقفين إِلاَّ لفظيّا؛ أَمَّا في شأن القدر؛ فقد كان رأي الشيخ اطْفِيَّشْ مماثلا لِمَا ذهب إليه الأشاعرة حيث اعتبروه هو الإيجاد في الخارج وهو صفة فعل فقط؛ بينما يقول الماتوريديّة إِنَّ القدر: هو التقدير والتحديد الأزليّين فهو صفة ذات فقط.
و يبقى هذا الاختلاف مُجَرَّد اعتبارات تؤدّي كلّها إلى نسبة القضاء والقدر إلى الله تعالى وبذلك يكون وثيق الصلة بالتوحيد، وجزءا منه يجب الإيمان به، وله أثره الكبير على الأفعال والتصرفات.
__________
(1) - المصدر نفسه.
(2) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 422، 423.
(3) الماتوريدي: كتاب التوحيد: 306؛ البيجوري: تحفة المريد: 66، 67، وقد قارن البيجوري بين الماتوريديّة والأشاعرة في الموضوع، وانظر أيضا: الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 422 (هامش الصفحة). (1/363)
صفحة 364
2 - الإيمان بالقضاء والقدر
القضاء والقدر جزء من أصول العقيدة الإِسلاَمِيَّة، والإيمان به واجب كالإيمان بغيره من الأصول؛ وأَدِلَّة وجوبه كثيرة منها ما يلي (1):
- قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ اِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الاَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ اِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59] Erreur ! Signet non défini ..
- الحديث القدسيُّ: «يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت فشأ لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت فأرد لنفسك ما تريد ... » (2).
- حديث: «إنَّك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حَتَّى تؤمن بالقدر خيره وشرِّه» (3).
- حديث جبريل: «أن تؤمن بالله وملائكته [ ... ] وبالقدر خيره وشره أَنَّهُ من الله [ ... ] قال تعلم أَنَّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك» (4).
لهذه الأَدِلَّة وغيرها اعتبر الشيخ اطْفِيَّشْ الإيمان بالقضاء والقدر من الأصول التي لا يجوز مخالفتها أوالتساهل فيها، لأَنَّهُ يؤدّي إلى وصف الله تعالى بما لا يجوز في حقّه،
__________
(1) - شرح الدعائم: 1/ 160، 163.
(2) أخرج محمد المدني الحديث بلفظ: « ... أنت الذي تشاء لنفسك ماتريد» عن أبي نعيم عن ابن عمرو؛ انظر: محمد المدني: الإتحافات السنية: 33 رقم 184.
(3) الربيع: الجامع الصحيح: 25، رقم 72؛ انظر: أبو داود: السنن: كتاب السنة باب في القدر.
(4) انظر الفصل الرابع، المبحث الأَوَّل، هامش 25، ص 165. (1/364)
صفحة 365
وإلى التقصير في التوحيد (1)؛ فالإيمان بالقضاء والقدر أصل إيمانيّ يجب الاهتمام به والاعتقاد الصحيح فيه (2).
ومع هذه الأهميّة فقد وردت بعض النصوص ناهية عن الخوض في الموضوع، والقول فيه، فكيف يمكن الجمع بين وجوب الاعتقاد في القضاء والقدر، وبين النهي عن الخوض فيه؟ وهذا ما حاول الشيخ اطْفِيَّشْ الخروج منه بتقييد النهي الوارد في هذه النصوص ومنها ما يلي (3):
حديث: «إذا ذكر القدر فاسكتوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا» (4).
قول ابن عباس: «القدر سرّ الله فلا تكلّفوه» (5).
فقد قسم الشيخ الناس في المسألة إلى فريقين: منهم من تكلّم في القدر بما هو حقّ وصواب وهؤلاء هم المحقّون، ومنهم من أمسك امتثالا للنهي الوارد؛ والصواب في رأيه هو مناقشة مسألة القضاء والقدر، وأنّ النهي عن ذلك كان مقيّدا، وَأَنَّهُ نهي عن الخوض فيها بلا علم وعن جهل (6). وهذا تبرير من الشيخ للخوض الواقع في المسألة، لأَنَّ النهي عن الكلام بغير علم لا يخصّ مسألة القضاء والقدر بل هو نهي عامّ لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] Erreur ! Signet non défini.؛ كما فسّر السرّ الذي
__________
(1) - مجموعة الرسائل: (أ. ز 6): 5.
(2) الجيطالي: قواعد الإسلام: 1/ 29 - 31؛ الشَّمَّاخِي: متن الديانات: 48.
(3) - شرح الدعائم: 1/ 161؛ -شرح أصول تيبغورين: 85، 112.
(4) أخرجه السيوطي عن الطبراني، وقال الألباني: صحيح: انظر: الألباني: صحيح الجامع الصغير: 1/ 209.
(5) أخرجه السيوطي عن الطبرني، وذكر الشيخ اطفيش نصا مثله وقال هو حديث قدسي لكن لم نقف على من يرويه؛ انظر: السيوطي: الدر المنثور: 5/ 623؛ - شرح الدعائم: 1/ 161.
(6) - شرح أصول تيبغورين: 85، 112. (1/365)
صفحة 366
وصف به القدر في قوله: «وزعم بعض أَنَّهُ سرّ ليس لمن عرفه أن يفشيه؛ وليس كذلك، فَإِنَّهُ يُفشىَ بالحقّ لمن يفهمه، وإفشاؤه كذلك توحيد، ودعاء إلى التوحيد، ( ... ) ثُمَّ ظهر لي والله أعلم أَنَّ المراد بالسرّ ما يجاب به عن أن يقال: قضى، وحاسب» (1).
أراد الشيخ بهذا القول أن يبيّن أَنَّ الدعوة إلى التوحيد تشمل إفشاء أمر القضاء والقدر، فهو ليس سرّا يخفى عن الناس: إِلاَّ أَنَّهُ لم يثبت في وصفه بالسرّية، فمرّة نسبه إلى البعض وقال إِنَّهُ زعم، ثُمَّ عاد وأثبه سرّا، واحتمل له معاني، كما أَنَّهُ متناقض مع دليله الذي ساقه في وصف القضاء والقدر بالسرّ حيث قال إِنَّهُ حديث قدسيّ؛ وهذا في رأينا راجع إلى عدم تمكّن الشيخ من نقد رواية هذا القول؛ فإذا لم تثبت حديثا فلا معنى لاحتمال المعاني ومحاولة إبعاد السرّية عنه.
والواضح الذي تنبغي الإشارة إليه هو أَنَّ مسألة القضاء والقدر قد بتَّ فيها الوحي وبيّنها الرسول e بما يوافق مدارك الناس، لكنَّ المسلمين خاضوا فيما وراء ذلك وأخذوا بأطراف الأقوال المتباينة فتناقضت الآراء بينهم وإن حاول البعض التوسّط وظهر ذلك خاصَّة في أفعال الإنسان وعلاقتها بالقضاء والقدر، كما سيتَّضح في المبحث القادم.
••••
__________
(1) -المصدر نفسه: 85. (1/366)
صفحة 367
المبحث الثالث
فعل الإنسان بين القضاء والقدر
لَمَّا كان الاهتمام الغالب في القضاء والقدر متوجِّها إلى تحديد مسؤوليَّة الإنسان عن عمله، فقد نتج عن هذا بحث مسألة فعل الإنسان من حيث تعلُّقه بإرادة الله تعالى ثُمَّ أثره في الفعل الذي يقوم به ومصدره، كما سيتَّضح من خلال فقرات هذ المبحث.
1 - فعل الإنسان وإرادة الله تعالى
ما يفعل الإنسان ويأتيه من تصرُّفات كلِّه معلوم لله تعالى قبل أن يخلقه؛ وهذا ما يجب على المُكَلَّف اعتقاده ضمن الإيمان بالقضاء والقدر، وقد أثارت نسبة الفعل الإنسانيّ إلى علم الله تعالى نقاشا فيما يَخُصُّ إرادة الله تعالى: فهل يعني علمه بفعل الإنسان أَنَّهُ أراده؟ وإذا أراد الله تعالى فعل المخلوق فهل هذا يعني أَنَّهُ شاءه؟ ويظهر أثر هذا خاصة في بحث نسبة المعصيّة إلى الإنسان أو إلى الإرادة الإلهيّة. وللخروج من هذا الإشكال اتَّخَذَ العلماء مواقف مختلفة، منها موقف الشيخ اطْفِيَّشْ الذي يرى أَنَّ الفعل للعبد لَكِنَّهُ لا يقع إِلاَّ بإرادة الله، ولا يعني هذا أَنَّهُ أراد المعصية ولا أَنَّهُ رضي بها؛ ووضّح الشيخ هذا الرأي حسب الخطوات التالية:
أَوَّلاً- إثبات الإرادة: فَإِنَّهُ يستحيل أن يقع ما لم يرده الله تعالى مهما كان نوعه وقيمته، فالإيمان والكفر كلّ ذلك لم يقع بغير إرادة الله تعالى بل وقع في ملكه وبإرادته، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَآ أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107] Erreur ! Signet non défini. أي: (1/367)
صفحة 368
لم يرد ألاّ يشركوا (1).
ثانيا- الفرق بين الإرادة والأمر: فهناك فرق بين أن يريد الله تعالى شيئا، وبين أن يأمر به ليكون امتثاله طاعة، فليس كلّ ما أراده أمر به، لذا لم يكن الكافر والعاصي مطيعين لأَنَّ الطاعة هي امتثال الأمر لا تحصيل الإرادة، فالكفر مراد وقوعه لكن لم يؤمر بتحصيله (2).
ثالثا- الفرق بين الإرادة والرضى: فإرادته تعالى غير رضاه؛ وهذا قريب من التفرقة بين الإرادة والأمر، لأَنَّ الأمر بشيء يصلح فيه معنى الرضى، فالمطيع مرضيّ عنه عند ربّه لتحصيله الأمر، لكنّ إرادة الله تعالى لفعل الإنسان ليست هي عين الرضا بما يفعله، لذا كان قوله تعالى: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ} [الزمر: 07] Erreur ! Signet non défini. لا يعني أَنَّهُ لم يرد كفر الكافر أو أَنَّهُ وقع بغير إرادته، ولكن معناه أَنَّهُ لم يأمر به. أي قضى بوجوده من الكافر، فإرادة الشَّيْء بمعنى الرضا به إِنَّمَا يحصل في عالم البشر كما يشير إلى هذا الشيخ اطْفِيَّشْ (3).
فموقف الشيخ في تبيين معنى إرادة الله تعالى لِمَا يقع في خلقه مبنيّ على الفصل بين معنى إرادة الله تعالى ومعنى الإرادة كما هو معهود بين البشر؛ فَإِنَّهُمْ إذا أرادوا شيئا رضوا به أو أمروا به، وإذا وقع ما لم يحِبُّوه، أو لم يقع ما رغبوا فيه فذلك لعجزهم. وهذه الأوصاف كلّها منتفية عن الله تعالى، فإرادته تعني القضاء بوجود الشَّيْء وهي أزلية؛ وتعني أَنَّهُ لا يستكره على شيء (4). والشيخ في هذا قد اتَّبع رأ ي من سبقه من الإِبَاضِيَّة، وقد فسره أبو عمّار عبد الكافي الذي يرى أَنَّ الله تعالى أراد المعصية أن تكون مذمومة مخالفة للإيمان، وعلّل هذا بقوله: «لإزالة سوء الظنون عن أوهام السامعين عند ورود الجواب على أوهامهم غير
__________
(1) -التيسير: 3/ 415.
(2) -الهميان: 390، 391.
(3) -المصدر السابق.
(4) -شرح الدعائم: 1/ 207. (1/368)
صفحة 369
مفسّر ولا موصول بصِلاته التي يبِين الجواب بها ويصحّ» (1)؛ كما شرح السالميّ العلاقة بين الإرادة وفعل المعاصي فقال ذلك من قبيل قول السيّد لمملوكه أمام غيره: «افعل كذا» وهو يعلم عصيانه ليظهر ذلك ويشهد عليه الغير (2)؛ وهو تشبيه بعيد عن حقيقة القضيّة لأَنَّ علم الله بعبده، وملكه إِيَّاهُ أوسع وأشمل من مجرّد موقف سَيِّد مع مملوكه؛ فإذا أراد الله وقوع فعل العبد فَإِنَّ ذلك لن يتخلّف ثُمَّ إِنَّ الله تعالى لا يأمر العبد بالمعصية ولكن قضى أن تقع منه، وينهاه عن فعل مع أَنَّهُ قضى بعصيانه.
ونلاحظ أَنَّ هذا الفصل بين الإرادة الإلهيّة وغيرها من الصفات هو مجرّد محاولة للخروج من إشكال نسبة فعل المعصية من العبد إلى إرادته تعالى، وهي محاولة لا تقدّم تفسيرا حقيقياّ لأمر غيبيّ يعجز فيه العقل عن إدراك العلاقة بين أن يريد الله تعالى شيئا ولا يأمر به ولا يرضاه إذا وقع، خاصّة إذا نظرنا إلى رأي الإِبَاضِيَّة في الصفات كما يؤيّده الشيخ اطْفِيَّشْ ويقول إِنَّهَا ذاتيّة وهي شيء واحد ولا تتغيّر إِلاَّ باعتبار مفاهيمها؛ لكن لا ننكر أهمّية هذه الآراء لقربها من التنزيه وسلامتها من نسبة المعصية إلى الله تعالى قضاء وأمرا، أو نفيِ علمه بها.
هذا جانب عن الإرادة الإلهيّة في فعل الإنسان؛ بقي أن نعلم نسبة استطاعته هو في فعله، متى تحصل؟
2 - الاستطاعة في فعل الإنسان
البحث في الاستطاعة مع الفعل الإنساني يقتصر على إثبات الزمن الذي تقع فيه هذه الاستطاعة: قبل القيام بالفعل أو أثناءه أو بعده.
__________
(1) أبو عمار: الموجز: 2/ 39؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 2/؛ 468.
(2) السالمي: مشارق: 2/ 193. (1/369)
صفحة 370
فالأستاذ الجعبيري في بحثه عن رأي الإِبَاضِيَّة في الموضوع انتهى إلى أَنَّهُم لم يوافقوا الجبريّة في قولهم إِنَّ الاستطاعة هي المستطيع بمعنى هي الآلات والجوارح، كما لم يوافقوا المعتزلة في أَنَّهَا تكون قبل الفعل؛ بل أثبتوها مع الفعل لا قبله ولا بعده، ولم يجيزوا لذلك حصول التكليف بما لا يطاق لِمَا فيه من منافاة الحكمة الإلهيّة، ووافقوا الأشاعرة والماتوريديّة غير أَنَّهُم خالفوا الأشاعرة الذين أثبتوا التكليف بما لا يطاق باعتبار أَنَّ قدرة الله تعالى لا حدّ لها (1)؛ وقد وافق الشيخ اطْفِيَّشْ الإِبَاضِيَّة لكن مع بعض الاختلاف نبيّنه فيما يلي:
فهو يعرّف الاستطاعة بِأَنَّهَا: «القدرة المتلبّسة بالفعل يخلقها الله تعالى عند الأسباب، وكلّ جزء من فعل ــ طاعة أو معصية ــ يحتاج إلى استطاعة» (2)، فهذا التعريف يتضمّن الموقف في الموضوع، ويجعل الاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده؛ تبدأ عند ابتداء الفعل وتنتهي بانتهائه، وتوجد عند الأسباب، والله تعالى هو الخالق لها: فالسكون من القادر على الحركة فعل مقترن باستطاعته السكون حال سكونه لا قبله ولا بعده؛ واستطاعة كلّ شيء غير استطاعة الآخر؛ كما لا تجتمع استطاعتان في فعل، ولا فعلان في استطاعة واحدة؛ ولذلك لا يحصل التكليف بما لا يطاق لأَنَّهُ لا يجتمع فعلان متضادّان في استطاعة واحدة: فالكافر مأمور بالإيمان ولا يعني هذا أَنَّهُ مكلّف بما لا يطيقه لأَنَّهُ لم يؤمر بتحصيل الإيمان مجتمعا مع الكفر، ولكن أُمر حال كفره أن ينتقل من الكفر إلى الإيمان، أي: أن يتخلىَّ عن الكفر ويدخل في الإيمان (3). ويردّ الشيخ بهذا ما نسبه العضد إلى الإِبَاضِيَّة وقال: «وذكرالعضد عَنَّا أنَّهَا قبل الفعل،
__________
(1) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 471 - 474؛ انظر: الأشعريّ: اللمع: 56؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 488.
(2) - شرح أصول تيبغورين: 363.
(3) - شرح الدعائم: 1/ 206. (1/370)
صفحة 371
وليس كذلك: ولعلّ هذا مذهب لبعض فرق الإِبَاضِيَّة غيرالفرقة المصيبة» (1).
ومع هذا نجده يثبت الاستطاعة قبل الفعل مثل المعتزلة ولا يمنع من القول بذلك، وقال: «ولا مانع من كون الاستطاعة قبل الفعل [ ... ] وأيّ مانع أن نقول قبل الفعل وتجامع الفعل، والمعتزلة تقول قبل الفعل وتجامعه» (2). والاستطاعة بهذا لا تعني إِلاَّ سلامة الأعضاء والقدرة التي يشعر بها الفاعل قبل مباشرته الفعل، ولذلك تمََكّن من الإقدام إليه، وبهذه القدرة أيضا تعلّق التكليف، لأَنَّ غير المستطيع لا يكلّف، ومثّل الشيخ لهذا بالحجِّ؛ فَإِنَّهُ لا يكلّف به إِلاَّ المستطيع، فهو قبل الحجِّ يستطيع الوصول إليه، وأثناء السفر مستطيع، وفي أثناء المناسك مستطيع أيضا؛ والاستطاعة قبل الفعل يثبتها القيام بالفعل إذا كانت حاصلة، أو عدم القيام إذا لم تكن (3).
وقد وجّه الشيخ اطْفِيَّشْ أَدِلَّة الإِبَاضِيَّة على أَنَّ الاستطاعة مع الفعل، وقال إِنَّهَا لا تَدُلُّ على حصر الاستطاعة في وقت القيام بالفعل، بل تَدُلُّ على تقدّم الخذلان، ومن ذلك قوله تعالى: {فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} [الإسراء: 48] Erreur ! Signet non défini.، وقوله تعالى: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} [هود: 20] Erreur ! Signet non défini.، أي: سبق الخذلان لهؤلاء الكفّار، فلا يهتدون ولا يسمعون، وهذا ليس وصفا لهم بعدم الاستطاعة؛ فالاستطاعة قبل الفعل وأثناءه، فإذا صاحبتها الهداية والتوفيق تمّ الفعل، وإذا صاحبها الخذلان لم يقع (4).
فهو بهذا الرأي يخالف مشهور المذهب الإباضيّ؛ لأَنَّهُ أثبت الاستطاعة قبل الفعل وأثناءه ومعه، كما أَنَّهُ قد جمع بين قول المعتزلة وقول الإِبَاضِيَّة والأشاعرة، ولا يرى أَنَّ قوله جديد في مذهبه وَلَكِنَّهُ إرجاع للمسألة إلى قول سلف الإِبَاضِيَّة، واستشهد
__________
(1) - شرح لامية ابن النظر: 2/ 553؛ انظر الإيجي: المواقف: 425.
(2) - شرح الدعائم: 1/ 206.
(3) - المصدر نفسه.
(4) - المصدر نفسه: 1/ 206، 207. (1/371)
صفحة 372
لذلك بما رواه الإِبَاضِيَّة أنفسهم عن الإمام أبي عبيدة (1): فقال: «وقد قال أبو عبيدة: الاستطاعة قبل الفعل إذ قال: “لا أقول من يستطيع أن يأتي بحزمة من حطب من حلّ إلى حرم لا يستطيع أن يصلّي ركعتين، ولا أقول إِنَّهُ يستطيع إِلاَّ بعون الله وتوفيقه” (2)؛ يعني أَنَّهَا قبل الفعل ومعه» (3). فقول أبي عبيدة دلّ عند الشيخ اطْفِيَّشْ على سبق الاستطاعة للفعل، وحكم بالقدرة على الفعل قبل القيام به؛ لكن يتدخلّ أمر ثان فيثبت الوقوع أو عدمه وهو الخذلان أو التوفيق. ولم تكن هذه الرواية عن أبي عبيدة مجهولة لدى الإِبَاضِيَّة، وَلَكِنَّهُم كانوا يسوقونها أثناء الحديث عن الهداية والخذلان أو التوفيق دون ربطها بالاستطاعة قبل الفعل كما فعل الشيخ اطْفِيَّشْ هنا (4)، وقد جاء رأي الشيخ آخذا بالاعتبار الشعور الذي ينتاب الإنسان قبل القيام بفعله، وهو الذي يجعله مستعدّا لِمَا سيقوم به، بينما ركّز من قال بالاستطاعة مع الفعل على ملازمة الاستطاعة الفعل في زمن القيام به فقط.
ونجد هذا الجمع أيضا عند من سبق الشيخ؛ كما هو عند ابن أبي العز الذي قال إِنَّ الاستطاعة تكون قبل الفعل، ولذلك يجب الفعل ويصحُّ القيام به، وعلى هذه الاستطاعة يَتَعَلَّق الأمر والنهي (5)، وكذلك ذهب الرازيّ إلى مثل هذا الرأي بتصويب
__________
(1) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة: الإمام الثالث للمذهب الإباضيّ تولّى نشر المذهب ودرّسه وبعث حملة العلم إلى المغرب والمشرق أَيَّام الأمويين وعاش اضطهادهم وسجنَه الحجاج؛ له آراء وفتاوٍ تناقلها تلاميذه، وروى الحديث عن جابر بن زيد، صنفه الدرجيني ضمن الطبقة الثالثة (النصف الأول من القرن الثاني)؛ انظر الدرجيني: الطبقات: 2/ 238 - 246؛ الشَّمَّاخِي: السير: 83 - 86.
(2) - الدرجيني: الطبقات: 2/ 241.
(3) - شرح الدعائم: 1/ 206، 207.
(4) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 76 نقلا عن يوسف المصعبي: حاشية على أصول تيبغورين: 78.
(5) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 488. (1/372)
صفحة 373
القولين، كالتالي: «فنقول: قول من يقول الاستطاعة قبل الفعل صحيح من حيث إِنَّ ذلك المزاج المعتدل سابق، وقول من يقول الاستطاعة مع الفعل صحيح من حيث إِنَّ عند حصول مجموع القدرة والداعي الذي هو المؤثّر التام يجب حصول الفعل معه» (1). فقد جمع العلماء الثلاثة بين القولين في الاستطاعة، ولم يبقوا على آراء مذاهبهم التي تقول بالاستطاعة مع الفعل، وهذا الجمع أقوى لأَنَّهُ ينظر إلى الفعل قبل القيام به وأثناءه، كما أَنَّهُ ليس فيه محذور مؤثّر على الاعتقاد، وهذا ما جعل الشيخ يبقى على هذا الرأي، خاصّة لَمَّا وجده رأيا لأبي عبيدة؛ وقال في حكم مخالفته لمشهور مذهبه: «مع أَنَّ القول بِأَنَّهَا قبل الفعل لا يرجع إليه شَيْء من الأصول؛ ولا معنى له سوى سلامة البنية وَالقُوَّة» (2).
3 - خلق الأفعال
جرّت إلى الكلام في خلق الأفعال تساؤلات لم تكن في الحقيقة جديدة على المسلمين، فقد سئل الرسول e سؤالا يوحي بالبحث في الموضوع كما في الحديث التالي: «قال جابر: سئل ابن عباس عَمَّن قال: “إِنَّهُ يستطيع أن يعمل بما أمر الله به ويكفّ عمّا نهاه عنه من غير أن يخلق الله فعله”؛ فقال: سأل سراقة بن جشعم (3) رسول الله e فقال: «ما العمل يارسول الله: في أمر مبتدإ مستأنف أم في أمر قد فرغ منه؟» فقال: «بل في شَيْء قد فرغ منه»، ثُمَّ قال: «ففيم العمل إذا يارسول الله؟» فقال: «اعملوا فكلّ ميسَّر لَمَّا خلق
__________
(1) الرازي: معالم أصول الدين: 83.
(2) - شرح لامية ابن النظر: 2/ 553.
(3) سرا قة بن مالك بن جشعم المدلجي الصحابي (توفي سنة 24 هـ/645 م) انظر الزركلي: الأعلام: 3/ 80. (1/373)
صفحة 374
له» (1). ومثل هذا الحديث أحاديث أخرى في الموضوع، لكن التساؤلات لم تكن موغلة في الجدل، ولا كانت أجوبة الرسول e تترك شكّا بعدها، وكان المنهج تسليميّا تفويضيّا، ويعود طرح الأسئلة نفسها فيحدث الاختلاف ويظهر تباين المواقف بين جبر واختيار: الجبر بإخضاع الإنسان إلى إرادة مسبقة جعلته لا يحيد عنها وبالتالي لا حريّة له ولا اختيار؛ والاختيار والقول بخلق الإنسان لأفعاله؛ ثُمَّ تأتي أطراف للتوفيق بين القولين خاصّة عند الإِبَاضِيَّة والأشاعرة والماتوريديّة وأخيرا التسليم والتفويض رجوعا إلى الأصل، وهو ما كان مع المدرسة السَّلَفِيَّة.
ولا شَكَّ أَنَّ لوجود الشيخ اطْفِيَّشْ متأخّرا ــ في القرن الرابع عشر ــ معنى حيث جاء بعد ظهور كُلِّ هذه الآراء، واستقرّت المواقف وأعيدت الكتابة فيها، مِمَّا يمكّنه من دراستها واتِّخاذ موقف تجاه كُلِّ رأي، ثُمَّ يتّخذ لنفسه رأيا جديدا أو يساير أحد الآراء السابقة.
أ - موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من الجبر
أراد الجبريّة إثبات اضطرار العبد في أفعاله، ونفي اختياره، معتمدين في ذلك على ما جاء من نصوص القرآن خاصّة تلك التي توحي بعدم قوّة المخلوق على تغيير شَيْء، وإثبات الخلق كلّه لله تعالى، فكان موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من هذا الرأي مركّزا على نفي هذا الجبر وإثبات الاختيار للعبد، وَاستَدَلَّ بما يثبت هذا الاختيار؛ ومن ذلك ما يلي:
- قوله تعالى حكاية عن إبليس: {وَمَا كَانَ ليِ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ اِلآَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ ليِ فَلاَ تَلُوُمونِي وَلُوُموا أَنفُسَكُمْ} [ابراهيم: 22] Erreur ! Signet non défini.؛ فهذا إبليس لم ينسب الضلال إلى الله تعالى: بل نسبه إلى من فعله، ولو كان الفعل من الله تعالى بالإجبار لقال: فلا تلوموني ولا تلوموا أنفسكم بل الله أجبركم على الكفر، وَلَكِنَّهُ نسب
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح: 207 رقم 792؛ ورواه: مسلم: القدر: باب كيفية الخلق الآدمي رقم 2648؛ المعجم المفهرس: 4/ 375. (1/374)
صفحة 375
الضلال إلى من قام به (1)؛ ولوكان باطلا لبيّنه الله تعالى ولأنكره على إبليس.
- قوله تعالى: {ذَالِكَ ِبمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182] Erreur ! Signet non défini.، وهي آية صريحة في نسبة الفعل إلى الإنسان دون غيره.
- قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءَم بِمَا كَسَبَا} [المائدة: 38] Erreur ! Signet non défini.، وهي مثل السابقة اعتبرت الفعل من كسب الإنسان.
- قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] Erreur ! Signet non défini ..
فهذه الآيات تنسب الفعل صراحة إلى العبد، واعتبرته مِمَّا قدمت يداه: ولم يظلمه الله تعالى بِشَيْءٍ؛ فهذا يَدُلُّ على اختياره وعلى مقدرته على الفعل وعدم جبره عليه (2).
ثُمَّ ساق الشيخ أخبارا تَدُلُّ على الاختيار وتذمُّ من يقول بالجبر مثل:
- «سيكون من هذه الأمّة قوم يعملون بالمعاصي ثُمَّ يقولون هي من الله قضاء وقدرا وإذا لقيتموهم فأعلموهم أَنِّي بريء منهم».
- «لا تطفأ نار رجل أشرك بالله وعاقّ والديه وساع بأخيه إلى جائر وقاتل نفس محرّمة وحامل ذنبه على الله».
- «خصلتان لا تنفع معهما صلاة ولا صوم: الشرك واعتقاد الجبر».
والملاحظ على هذه الأخبار التي ذكرها الشيخ وَاستَدَلَّ بها على أَنَّهَا أحاديث هي الأَدِلَّة نفسها التي ذكرها من سبقوه (3)، فنقلها عنهم ولم نقف على من رواها
__________
(1) - الهميان: 9 ق 1/ 40.
(2) - جامع الوضع والحاشية: 42.
(3) - المصدر نفسه؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 439. (1/375)
صفحة 376
أحاديث ولم نجد لها سندا ضعيفا ولا صحيحا في مصادر الحديث التي اطَّلعنا عليها كما أَنَّ الشيخ نقلها دون بحث وتمحيص، مِمَّا يجعل الاستدلال بها ضعيفا.
وبعد أن ذكر الشيخ الأَدِلَّة على نفي الجبر نقد أَدِلَّة الجبريَّة في الإثبات وقال إِنَّ ما استدلوّا به آيات متشابهات غير محكمة فهي تؤوّل إلى ما لا يؤدّي إلى الجبر، من ذلك الآيات الدالّة على الطبع على القلوب، والختم عليها، ووضع الأكنَّة والأقفال، مثل قوله تعالى: {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} [البقرة: 07] Erreur ! Signet non défini. فهي لا تَدُلُّ على جبر الإنسان واضطراره، بل تَدُلُّ على عدم الهداية وعلى خذلان صاحبها، ومثلها في ذلك باقي الآيات؛ ويشير الشيخ إلى أَنَّ هذا هو قول الإِبَاضِيَّة والأشاعرة (1). وهو في حقيقته لا يفيد في تأويل أَدِلَّة الجبريّة لأَنَّ مآله هو المنع، وهو محلّ الإشكال، فإذا لم يهد الله العبد وخذله فهو ممنوع من العمل، ووجود المنع يعني الإبعاد عن الإيمان، خاصة وقد قال إِنَّ الله تعالى يخلقه في القلب، فهذا عين الجبر؛ والشيخ نفسه يعرّف المنع ويفسره بهذا المعنى في قوله: «وذلك أنَّا شبهنا على مذهبنا معشر الإِبَاضِيَّة إحداث الله (تع) (2) الأمر المعنويّ في قلوب الكفار المانع من وصول الحقِّ إليها بهيئة ختم الشخص على إناء، مانع ذلك الختم الوصول إلى ما في الإناء بجامع هيئة وهي عدم التمكّن من الوصول إِلى وراء كُلٍّ منهما» (3). وهذا إثبات لوجود المنع منسوبا إلى الله تعالى، وَأَمَّا تسميته بالخذلان وعدم الهداية، فهو تخفيف من كلمة الجبر، لأَنَّ كلَّ ذلك من الله سابق على الإنسان، وهذا لا يحلُّ عقدة الإجبار كما يذكرها الجبريّة. وموقف الشيخ هنا شبيه بتأويله لاستشهاد الجبريّة بآية: {وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَآ أَشْرَكُوا} [الأنعام: 107] Erreur ! Signet non défini.، فمعناها أَنَّهُ لو شاء لوفّقهم إلى عدم الشرك، أي لم يلزمهم ولم يجبرهم
__________
(1) - حاشية القناطر: 2/ و: 49.
(2) اختصار: «تعالى».
(3) - شرح شرح الاستعارات: و: 163. (1/376)
صفحة 377
عليه (1)؛ ولكن هل شاء الله أن يشركوا؟ وهذا يرجعنا إلى مسألة الإرادة الإلهيّة لفعل الإنسان بمعنى أَنَّهُ قضى به لكن لم يرض به ولم يأمربه، وفي كُلِّ حال فقد أراده وهذا عودة إلى إثبات الجبر مَرَّة أخرى.
هذا الجانب النقليُّ لموقف الشيخ تجاه الجبريّة، أَمَّا ردّه على رأيهم من العقل فقد اعتمد فيه على أمرين:
الأَوَّل- هو ثبوت الأمر والنهي: فالأوامر والنواهي، والجزاء بالعقاب والثواب، كلّها تَدُلُّ على وجود الاختيار وإثباته، لأَنَّ الجبر لا يثبت مع الأمر والنهي؛ فلو كان الإنسان مجبرا لَمَا توجّه إليه الأمر والنهي، ويصبح ذلك من قبيل العبث، فلا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب إِلاَّ من يمكنه الفعل والترك (2).
الثاني- صفة العدل تمنع من الجبر: فالله تعالى عادل، والجبر مناف للعدل لِمَا فيه من ظلم المجبَر، والله تعالى يقول: {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} [يونس: 44] Erreur ! Signet non défini.، فلزم من هذا أَنَّ من يثبت الجبر ينسب الظلم إلى الله تعالى عن ذلك (3).
ولقد دعا الجبريّةَ إلى الجبر مبالغتُهم في نفي الخلق عن الإنسان وَأَنَّهُ لم يخلق الفعل إِلاَّ الله تعالى، ذلك لأَنَّهُم فهموا الاختيار بمعنى الخلق، فجرّهم ذلك إلى نفي كُلِّ اختيار حَتَّى وصلوا إلى القول بالجبر، هكذا فسّر الشيخ مذهب الجبريّة وأظهر الدافع إليه (4)، وتبعا لذلك أراد أن يثبت هو للإنسان اختيارا لكن ليس خلقا.
وكما ردّ الشيخ اطْفِيَّشْ الجبر في فعل الإنسان فقد ردّ أيضا قولا لبعض الإِبَاضِيَّة
__________
(1) - التيسير: 3/ 415، 424.
(2) - جامع الوضع والحاشية: 43؛ شرح الدعائم: 1/ 165؛ شرح أصول تيبغورين: 159.
(3) - جامع الوضع والحاشية: 42.
(4) - شرح الدعائم: 1/ 165. (1/377)
صفحة 378
قريبا من الجبر معنى ولفظا، وهو “نظريّة الجَبْل” التي قال بها إِبَاضِيَّة جبل نفوسة بالمغرب، وقد شرحها الشيخ إسماعيل الجيطالي في “شرح النونية” بقوله: «ومعنى كونهم مجبولين على أفعالهم؛ أَنَّهُم مخلوقون على أن يفعلوا ما علم الله أَنَّهُم يفعلونه قبل أن يخلقهم، لا أَنَّهُم مجبورون عليه ولا دخل لهم فيه ولو بالاكتساب، كما تقول الجبريّة» (1). ومن أدلَّتهم:
- قوله تعالى: {وَاتَّقُوا الذِي خَلَقَكُمْ وَالجِبِلَّةَ الاَوَّلِينَ} [الشعراء: 184] Erreur ! Signet non défini ..
- {فِطْرَةَ اللهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] Erreur ! Signet non défini ..
- {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] Erreur ! Signet non défini ..
- حديث: «جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها» (2).
وبالنظر إلى هذا القول نجده صورة من الجبر استعمل فيها “الجبل”، وقد ذكرت مادته في القرآن ولم يذكر الجبر، وهو صرف لكلمة الخلق الواردة عند الجبريّة إلى معنى علم الله تعالى بما يفعله الخلق قبل أن يخلقهم ويفعلوه؛ مع نسبة من الميل إلى الكسب، ولا يخفى ما في هذا القول من الجبر، ولذلك اعتبره الشيخ ميلا إلى الجبر، وردّه ضمن ردّه على الجبريّة، وضمن تأويل آيات الطبع والختم (3)؛ وحاول الشيخ اطْفِيَّشْ ألاّ يردّ هذا المذهب كلّية فاحتمل له الموافقة معه في معنى أَنَّ الإنسان لا يخرج عمّا علم الله في الأزل وكتبه له مع أَنَّهُ يشعر في كُلِّ ذلك بالاختيار عُمُومًا فيِ أفعاله (4).
__________
(1) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 451؛ نقلا عن الجيطالي: شرح النونية: و: 135؛.
(2) أخرجه السيوطي: وقال ضعيف عن ابن عدي في «الكامل» وأبي نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان؛ الجامع الصغير: 1/ 143.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 159.
(4) - المصدر نفسه. (1/378)
صفحة 379
ونلاحظ أَنَّ العلاقة بين علم الله تعالى وقضائه بأفعال العباد، وبين شعورهم بالاختيار، هي التي أشكلت في الموضوع، فلم يمكن التوصّل إلى فك غموضها، مِمَّا دَلَّ على عظمة الله تعالى واستئثاره بهذا الغيب، فكان كلٌّ يحاول النظر إلى أحد هذه الأطراف دون الوصول إلى الشرح الحقيقيِّ، وما رضيه الشيخ اطْفِيَّشْ من نظريّة “الجبل” يشبهه ما ذهب إليه الدكتور عمر الأشقر حين رضي بمعنى من معاني الجبر وقال: «وَأَمَّا إطلاق الجبر مرادا به أَنَّ الله جعل العباد مريدين لِمَا يشاء منهم مختارين له من غير إكراه، فهذا صحيح وقال بعض السلف في معنى الجبار: هو الذي جبر العباد على ما أراد» (1)؛ فهذا الرضى بمعنى من الجبل أو الرضى بمعنى من الجبر يدلاّن على أَنَّ من يرفض الجبر لا ينكره مطلقا بل يرضى بنسبة منه في الفعل الإنسانيّ.
فالجبر والجبل في رأي الشيخ اطْفِيَّشْ ينتهيان إلى سلب الاختيار من الإنسان، مع أَنَّهُ في الحقيقة يشعر به، وهو ما كان سببا في ردّه عليهما جميعا بآيات نسبة الفعل إلى العبد، وبالحديث، إِلاَّ أَنَّ ما اسْتَدَلَّ به من الحديث كان ضعيفا؛ وَأَمَّا في الاستدلال العقليّ فقد استند إلى وجود الأمر والنهي وصفة العدل المناقضة للظلم اللازم عن الجبر؛ ونرى أَنَّ الشيخ لم يحسم القول في الموضوع، لأَنَّهُ هو نفسه يرضى بنوع من الجبر غير الصريح في التسليم بعلم الله تعالى بما سيفعله العبد، لأَنَّهُ يتحرّك في ملك ربِّه وبإرادته، وهذا ما لا يمكن للمسلم أن يتجاهله، وكلّ ما في الأمر أَنَّ الشيخ ركّز على رفض اضطرار العبد وسلبه الإرادة التي تؤدّي إلى سلب التكليف والمسؤوليّة، وهذا جانب واحد من المسألة، وليس بجديد لأَنَّهُ هو الدافع الذي أدّى بغيره إلى هذا الرفض دون منع الجبر مطلقا.
__________
(1) د. عمر سليمان الأشقر: القضاء والقدر: سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة، رقم 06، مطبعة: أمزيان: الجزائر: 1990 م: 79. (1/379)
صفحة 380
ب - موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من الاختيار
اشتهر المعتزلة بالقول بالاختيار المناقض لقول الجبريّة، فهم ينفون عن الله تعالى خلق أفعال العباد، وهذا انطلاقا من نظريّة الحسن والقبح العقليّين، فلا ينسب إلى الله تعالى الشرّ الذي يفعله الإنسان، والقضاء لا يعني عند المعتزلة الخلق دائما، كما قال القاضي عبد الجبار: «فصار القضاء بمعنى الخلق لا يَصِحُّ في أفعال العباد؛ وبمعنى الإلزام لا يَصِحُّ إِلاَّ في العبادات الواجبة، وبمعنى الإخبار يَصِحُّ في الكلّ؛ فيجب أن يقيّد القول فيه على ما قد بيّنا» (1).
وكما ناقش الشيخ اطْفِيَّشْ مذهب الجبر ورفضه، كذلك فعل مع الاختيار الذي رفضه لِمَا فيه من نسبة الخلق إلى الإنسان، وردّ على هذا المذهب بنسبة الخلق على الحقيقة إلى الله تعالى مستدلاّ بآيات منها (2):
- {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101] Erreur ! Signet non défini ..
- {هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذِينَ مِن دُونِهِ} [لقمان: 11] Erreur ! Signet non défini ..
- {هَلْ مِن خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ} [فاطر: 03] Erreur ! Signet non défini ..
- {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] Erreur ! Signet non défini ..
- {أَلاَ يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] Erreur ! Signet non défini ..
هذا عن الاستدلال بالقرآن، ولم نجد الشيخ يورد حديثا عن نفي الخلق وَلَكِنَّهُ اعتمد على الاحتجاج العقليّ الذي أهمّه ما يلي:
__________
(1) عبد الجبار: فضل الاعتزال: 170، 179.
(2) - شرح النيل: 17/ 612، 613؛ -الذهب: 22؛ جامع الوضع والحاشية: 43؛ حاشية الموجز: 2/ظ: 15؛ -داعي العمل: و: 244. (1/380)
صفحة 381
1 - إبطال القول بالتولّدات: ذلك أَنَّ بعض المعتزلة ينسبون الحركة المتولّدة عن فعل العبد إلى العبد، وليست مخلوقة لله تعالى، وهذا خطأ لأَنَّ الحركة الناتجة من العبد فعل له وهي خلق لله تعالى مثل حركة الماء بإلقاء حجر فيه، فهي فعل للملقي مخلوق لله تعالى (1).
2 - نسبة علم الخالق بما خلق: المفروض أن يكون الخالق عالما بما خلقه بِكُلِّ تفاصيله، ويعرف أحواله، وما ينتج عنه من تصرّفات، وَأَمَّا الإنسان فَإِنَّهُ يندم على ما فعل لجهله بعاقبة أفعاله، ويقصد إلى فعل فلا يَتِمُّ ذلك الفعل، أو يوقعه على خلاف ما قصده، فلو كان خالقا لأفعاله حقيقة لكان يفعل ما يرضيه فقط ولا يندم عليه، ولا يعجز عمّا قصد إلى فعله، وما دام على هذه الحال فلا يمكن أن يوصف بالخالق: «وكيف يخلق الشَّيْء من لا يعرف أحواله وكمّية أجزائه» (2).
3 - إذا كان الإنسان خالقا لفعله لزم أن يكون ربّا له وإلها، وهذا تعدّد للآلهة (3).
4 - القول بخلق الإنسان فعله يلزم عنه وصف الله بالعجز تعالى عن ذلك وبالنقص، وَأَنَّهُ يقع في ملكه ما لا يرضاه ولا يريده (4).
5 - فعل العبد ممكن، وكلّ ممكن مقدور لله تعالى فهو مخلوق (5).
بعد هذا الاستدلال أوّل الشيخ ما استشهد به المعتزلة من الآيات التي تَدُلُّ
__________
(1) - داعي العمل: و: 232؛ -شرح العقيدة: 70، 71.
(2) - شرح الدعائم: 1/ 147؛ انظر: - فتح الله: 1/ظ: 119؛ - حاشية الموجز: 2/ و: 15، -شرح النيل: 17/ 612؛ - الذهب: 22؛ -داعي العمل: و: 244.
(3) جامع الوضع والحاشية: 44.
(4) - حاشية الموجز: 2/ظ: 15.
(5) - فتح الله: 1/ظ: 119. (1/381)
صفحة 382
حسب ظاهرها على نسبة الخلق إلى العباد، ومن ذلك ما يلي:
قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] Erreur ! Signet non défini.، يرى أَنَّهُ لا يَدُلُّ على كثرة الخالقين كما هي على ظاهرها، بل الخلق هنا بمعنى التقدير أي: أحسن المقدّرين أو على التصوير، كما هو في قول عيسى u: {إِنِّيَ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [آل عمران: 48] Erreur ! Signet non défini. (1) .
قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] Erreur ! Signet non défini.، ويقول الشيخ عن الآية: «وَاستَدَلَّ المعتزلة بالآية على أَنَّ العبد مستقلّ بالإيمان عن الله؛ لأَنَّهُ قال: بيَّنَّا لهم فاختاروا بأنفسهم العمى، وهو خطأ فاحش؛ والأشياء كلّها مستأنفة من الله، ولا استقلال لشَيْء ما بِشَيْءٍ، ولا دلالة لهم في الآية، فَإِنَّ قدرة الله هي المؤثّرة بلا إجبار، وللعبد قدرة مقارنة لقدرته تعالى، مخلوقة له أيضا بلا إجبار؛ ألا ترى أَنَّكَ حين إرادة المعصية قادر على تركها؛ والمحبّة ضرورية وَإِنَّمَا الاختيار لمقدّماتها، وكذا البغض ضروريّ والاختيار لمقدّماته؛ ومعنى تكليفنا لمحبّة الله ورسوله e إلزام مقدّماتها» (2)؛ فهذا الردّ على الاستدلال بالآية لم ينف الاختيار مطلقا، فالأفعال مخلوقة من الله تعالى من غير إجبار، وأراد الشيخ أن ينفي مجرّد القول بخلق الإنسان أفعاله، وهو في الردّ مثبت للجبر أكثر من إثباته الاختيار، ويؤيّد هذا ردّه على الاستدلال بالآية: {وَلَوْ شَآءَ َربُّكَ لآَمَنَ مَن فيِ الاَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99] Erreur ! Signet non défini.، فمعناها عند الشيخ: «ولو شاء أن يؤمن من اختار الإيمان ويكفر من اختار الكفر، وهذا الاختيار خلق من الله أيضا بلا طبع ولا إجبار، فبطل قول القدريّة: إِنَّ المراد مشيئة الإلجاء ــ وهم المعتزلة ــ إذ زعموا أَنَّ أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله وأنَّهم القادرون
__________
(1) - التيسير: ط 1: 4/ 333.
(2) - المصدر نفسه: ط 2: 11/ 412، 413. (1/382)
صفحة 383
عليها» (1)؛ وهنا جعل الشيخ الاختيار أيضا خلقا من الله تعالى فهو نوع من الجبر، ثُمَّ عدّله بقوله: “بلا طبع ولا إجبار”؛ لكن كيف يخلق الله شيئا منسوبا إلى العبد ويفعله، ثُمَّ يكون له فيه اختيار؟ هذا ما لا نجد له جوابا عند الشيخ اطْفِيَّشْ، وما أراده من مناقشة المعتزلة نفي القول بخلق الإنسان أفعاله دون أن يكون مجبرا فله اختيار أفعاله مع أَنَّهَا مخلوقة؛ وأثبت بذلك الخلق، وَلَمَّا كان يناقش الجبريّة كان يريد إثبات الاختيار ونسبة الفعل إلى العبد فاستعمل الأَدِلَّة التي اسْتَدَلَّ بها من يقول بالاختيار، ولكن دون أن يجعل الإنسان مستقلاّ بفعله، وهذا الميل إلى القولين معا هو الذي جعله يقبل القول بالكسب؛ لأَنَّهُ أكثر انسجاما مع هذا الموقف.
جـ - موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من نظريّة الكسب
الموقفان السابقان من الشيخ اطْفِيَّشْ كان أساسهما ومنطلقهما القول بالكسب والإيمان به، وقبل أن نعرض لموقف الشيخ من مسألة الكسب، نشير إلى أَنَّ الإِبَاضِيَّة قد أخذوا بهذه النظريّة لِمَا رأوا فيها من التوسّط بين قولي الجبريّة والمعتزلة، ويرى الأستاذ الجعبيري أَنَّ نظريّة الكسب كانت موجودة مفهوما قبل أن توجد مصطلحا، فقد أخذ الإِبَاضِيَّة بمفهومها قبل الأشاعرة لأَنَّهُم لم يرضوا بقول الجبريّة ولا بقول المعتزلة في الاختيار، وهذا كله كان قبل ظهور الأشاعرة (2)، كما يشير الدكتور عبد المجيد ابن حمده إلى أَنَّهُ لا يوجد ما يَدُلُّ على أخذ الإِبَاضِيَّة بالكسب الأشعريّ، لأَنَّ التعبير بالكسب سابق وموجود في القرآن الكريم (3)؛ فالإِبَاضِيَّة لم يكونوا متأثرين بالأشاعرة في ذلك؛ ونرى أَنَّ القول بأخذ الإِبَاضِيَّة بالكسب وسبقهم في ذلك كان معتمدا على
__________
(1) -المصدر نفسه: 5/ 338.
(2) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 448.
(3) د. عبد المجيد بن حمده: المدارس الكلامية: 154، 155. (1/383)
صفحة 384
اعتبار أَنَّ الكسب قول وسط بين الجبر والاختيار، وليس ذلك ضروريّا، وَإِلاَّ كان أيضا الكسب هو موقف الرسول e والصحابة والتابعين، مع أَنَّ الواضح أَنَّ السلف قد أخذوا بالتفويض والتسليم لله تعالى، وهذا ما كان عليه مؤسّسو المذهب الإباضيّ ــ جابر بن زيد وأبو عبيدة والربيع ... ــ الذين لم يعرف عنهم سوى رفض الجبر والاختيار مبقين على المنهج الذي تركه الرسول e وسار عليه الصحابة، ولكن لَمَّا ظهر الكسب الأشعريّ في وقت لاحق ارتضاه جمهور الإِبَاضِيَّة باعتباره مخرجا من القول بالجبر والقول بالاختيار، وتبلور هذا الرأي في الأخذ بالكسب ابتداء من القرن السادس الهجريّ مع الشيخ أبي عماّر في كتابه “الموجز” (1)؛ وفي نظرنا أَنَّ إِبَاضِيَّة جَبَل نفوسة لم يقولوا بـ“الجَبْل” إِلاَّ لَمَّا رأوا أَنَّ نظريّة الكسب تخرجهم عن الموقف السلفيّ الذي كان عليه الإِبَاضِيَّة، لذا رفضوا هذه النظريّة ــ الكسب ــ.
وقد عبّر الشيخ اطْفِيَّشْ بِكُلِّ وضوح عن رأي الإِبَاضِيَّة المتأخرين (ابتداء من القرن السادس) في نظريّة الكسب، وأخذهم بها ودافع عنها أيضا كما سيتَّضح فيما يلي:
فهويرى أَنَّ القول بالكسب هو الصواب، والمخرج من المأزق الذي أوصل إليه الجبر والاختيار، ويقول في هذا: «والملجئ لنا وللأشعريّة إلى التوسّط بين مذهبي الجبر والاعتزال لزوم المحذور على كُلٍّ منهما» (2).
ثُمَّ بيّن أَنَّ الإنسان لا يخلق شيئا لَكِنَّهُ مكتسب لفعله بما أُودع فيه من قوّة على الترك وعلى الفعل سواء، وغير مجبر؛ لذا كان مسؤولا عمّا اكتسبه من الأفعال؛ وقد اسْتَدَلَّ الشيخ اطْفِيَّشْ على إثبات الكسب بالجمع بين أَدِلَّة إثبات الخلق لله تعالى التي ردّ
__________
(1) ( ... P. CUPERLY: Introduction à l'étude de l'Ibadisme: 320;. فرحات الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 448؛ انظر: أبوعمار: الموجز: 2/ 25، 26.
(2) - شرح النيل: 17/ 728، 729؛ انظر: - شرح أصول تيبغورين: 158، 159. (1/384)
صفحة 385
بها على المعتزلة، وبين أَدِلَّة إسناد الفعل إلى العبد التي ردّ بها على الجبريّة، إضافة إلى اعتبارين آخرين هما:
الأَوَّل- أَنَّ الإنسان يشعر بالاختيار في فعله ضرورة: ويقول في ذلك: «فما يجده أحد من نفسه: أَنَّهُ إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهو المختار وبه تعلّق التكليف» (1)؛ فالضلال والهداية إِنَّمَا يكونان بالاختيار ثُمَّ الله تعالى يخذل من اختار الضلال، ويوفّق من اختار الهداية (2).
الثاني- أَنَّ الاختيار في ذاته خلق من الله تعالى دون إجبار منه (3)، فقد ورد عن أبي بكر t قوله: «أقول برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان» (4)، كما روى أبو بكر أيضا أَنَّ الرسول e كان يقسم بين نسائه ويعدل ويقول: «هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (5)، واستدلَّ الشيخ أيضا بحديث: «لَمَّا خلق الله آدم u أخرج من ظهره ذرّيته كالذرّ؛ فأخذ مواثيقهم وأمرهم بالسجود، فأبت طائفة وأجابت أخرى، فمن أجاب فهم المؤمنون وهو السعداء، ومن أبى يومئذ فهم الكافرون» (6).
__________
(1) - المصدر السابق: 160، 161.
(2) - التيسير: 7/ 80؛ الحُجَّة في بيان المحجة: 20.
(3) - التيسير: 7/ 80.
(4) - ترتيب الترتيب: 97؛ انظر الربيع: الجامع الصحيح: 209 رقم 807؛ وفي النسائي منسوب لغير أبي بكر؛ النسائي: كتاب النكاح باب إباحة التزويج بغير صداق أرقام: 3354 إلى 3358؛ المعجم المفهرس: 2/ 46.
(5) - ترتيب الترتيب: 97، انظر: الربيع: الجامع الصحيح: 209 رقم 808؛ النسائي: كتاب عشرة النساء: باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض رقم 3953؛ وخرجه الحافط العراقي في هامش الإحياء عن أصحاب السنن وابن حبان؛ الغزالي: إحياء علوم الدين: 2/ 107.
(6) -ترتيب الترتيب: 97، 98؛ انظر: الربيع: الجامع الصحيح: 208 رقم 802؛ ولهذا النص شواهد أخرى، انظر: عمر سليمان الأشقر: القضاء والقدر: 40؛ والمعجم المفهرس: 2/ 174. (1/385)
صفحة 386
فالكسب هو جمع بين الخلق والاختيار؛ الأَوَّل لله تعالى والثاني للإنسان لكن ليس بمفهوم المعتزلة الذي يَدُلُّ على استقلال الإنسان بفعله، ولهذا وجدنا الشيخ اطْفِيَّشْ يستعمل مصطلح الاختيار قاصدا به معنى الكسب كما جاء به الأشعريّ ويقول الشيخ: «قلت الحقّ أَنَّ العبد مختار وهو مذهبنا جمهور معشر الإِبَاضِيَّة، وأنّ الاختيار: إِمَّا معنى حقيقيّ أصليّ هو المختصّ بالله؛ وَإِمَّا معنى عرفيّ ظاهريّ وهو صدور الشَّيْء بالإرادة وهذا للعبد وهو المتبادر عند الإطلاق» (1)؛ وقال كذلك: «والحقّ إثبات الكسب الذي نفاه المجبرة، ونفي الخلق الذي أثبته المعتزلة وقدريّتهم» (2)؛ وكما بيّنا فالكسب ــ عند الشيخ ــ هو الحلّ الوسط، لأَنَّهُ ينظر إلى الفعل الإنسانيّ من جهتين، بينما اقتصر الجبريّة على الخلق الإلهيّ، والمعتزلة على الاختيارالإنسانيّ، ويقول الشيخ: «الحقُّ إضافة الفعل إلى الفاعل من حيث إِنَّهُ كسب له، وإضافته إلى الله سبحانه من حيث إِنَّهُ خلق له» (3).
وهذا الجمع يعني ورود قوّتين على فعل واحد، ولذا سعى القائلون بذلك إلى تحديد أثر هاتين القوّتين في الفعل الواحد حَتَّى لا يعتبر صادرا من فاعلين، وقد ركّز الشيخ اطْفِيَّشْ في هذا على بيان أثر كُلِّ قوّة في الفعل؛ فقدرة الله تعالى في فعل العبد تجعل الفعل مقدورا لله تعالى مخلوقا، وهي الأصل والسبب في وجوده؛ أَمَّا قدرة الإنسان فَإِنَّهَا ثانوية لأَنَّ الله تعالى هو الذي أقدره، ولا تؤثّر قدرته إِلاَّ بإذن الله تعالى ولا يستقلّ العبد بالتأثير في فعله (4)؛ ويرى قوله هذا مخالفا للأشعريّ الذي قال إِنَّ للعبد
__________
(1) - شرح لامية الأفعال: 1/ 50.
(2) - شرح الدعائم: 1/ 187.
(3) - جامع الوضع والحاشية: 44، انظر: -شرح النيل: 17/ 613؛ -الهميان: 9 ق 1/ 40.
(4) - شرح شرح الاستعارات: و: 80؛ -التيسير: 7/ 80. (1/386)
صفحة 387
قدرة مقارنة للفعل غير مؤثّرة (1)، وَأَمَّا أتباع الأشعريّ فقد خالفوا إمامهم ــ حسب الشيخ اطْفِيَّشْ ــ وقالوا بمثل ما ذهب هو إليه (2)، والواقع هو تطوّر نظريّة الكسب الأشعريّ التي انتهت إلى الإمام الجويني (3) الذي نفي وجود قدرة للعبد غير مؤثّرة، وأثبت تأثيرها لَكِنَّهَا تستند إلى سبب آخر هو سبب الأسباب (4).
ونلاحظ أَنَّهُ لا يوجد بين قول الشيخ اطْفِيَّشْ وقول الأشعريّ إِلاَّ خلاف لفظيّ، لأنَّهما أسندا التأثير الحقيقيّ إلى الله تعالى والشيخ نفسه يعترف بهذا الخلاف اللفظيّ ويقول: «ومشهور الأَشْعَرِيَّة أَنَّ له قدرة غير مؤثّرة أي لا تؤثّر بذاتها فالخلاف لفظيّ، أو لم يسمّوا ما للعبد تأثيرا» (5) ثُمَّ ذهب الشيخ اطْفِيَّشْ أبعد من هذا عندما اعتبر قدرة العبد ذاتها مخلوقة لله تعالى وأكّد على ذلك رافضا أيّ تأثير للعبد على فعله إلى درجة الحكم بشرك من اعتقد تأثير قدرة العبد مستقلّة، لأَنَّ القول باستقلالها نفي لخلق الله تعالى لها ولفعل العبد؛ وهذا باطل عند القائلين بالكسب، وقال: «فمن اعتقد أَنَّ شيئا منها مؤثّر بالذات فهو مشرك، ومن اعتقد أَنَّ شيئا منها يؤثّر بقوّة أودعها الله فيه فاسق وليس مشركا» (6)، وفي هذا الرأي تناقض: إذ كيف يحكم بفسوق من قال إِنَّ القوّة المؤثرة كانت من الله تعالى؟ مع أَنَّ هذا لا يخالف الجبر في شيء ولا يناقض ما ذهب إليه من نسبة التأثير إلى الله تعالى.
__________
(1) الأشعريّ: الإبانة: 54.
(2) - التيسير: 3/ 423.
(3) الجويني: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف أبو المعالي: (419 - 478 هـ/1028 - 1085 م) انظر: الزركلي: الأعلام: 4/ 160.
(4) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: تعليق المحقق رقم 1: 364.
(5) - التيسير: 4/ 328.
(6) - حاشية القناطر: 2/ و: 53. (1/387)
صفحة 388
وما دامت قدرة العبد مخلوقة لله تعالى فهي مثل سائر أفعاله يكتسبها فقط؛ لذا استدلّ الشيخ على كونها غير مؤثّرة بأَدِلَّة خلق الأفعال نفسها (1)؛ وهذا ما يؤكّد عدم فعاليّة هذه القدرة تماما في هذا الرأي لأَنَّهَا دخلت في جملة أفعال العبد وهي مخلوقة لله تعالى.
ونلاحظ بعدما رأينا موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من نظريّة الكسب الأشعريّ أَنَّ الشيخ أبقاها كما كانت على غموضها ابتداء من الأشعريّ ثُمَّ من جاء بعده وانتهاء إلى الشيخ اطْفِيَّشْ، وسبب هذا الغموض هو محاولة الجمع بين أكثر من أصل جمعا يبدو أحيانا غير ممكن؛ لأَنَّهُ يفرض اعتبار خلق الله تعالى لِكُلِّ شَيْء، ومن ذلك فعل العبد، بل قدرة العبد على فعله، مع عدم سلبه الاختيار فهو غير مجبر، لأَنَّ الجبر ظلم تعالى الله عنه؛ وهذا ما جعل الشيخ يعبرّ عن قدرة العبد تعبيرا يجعلها صادرة عن جبر خالص كما هو منتهى الكسب الأشعريّ؛ من ذلك قوله: «أفعال العبد مكتوبة (2) للعبد بلا تأثير له، والتأثير له تعالى» (3)، «ولا تأثير لقدرتهم سوى أَنَّهُم محلّ التأثّر» (4).
وننتهي إلى القول: إِنَّ نظريّة الكسب عند الشيخ اطْفِيَّشْ تقارب إلى حدّ كبير نظريَّة الكسب الأشعريّ، مع ميل إلى الجبر بسبب تغليب الشيخ اطْفِيَّشْ لجانب الخلق، رغم أَنَّهُ انتقد في ذلك الجبريّة، ورغم تأكيده على الاختيار فَإِنَّهُ لم يكن إِلاَّ هروبا من الجبر لأَنَّهُ كان في حقيقة الأمر ينفي اجتماع مؤثّرين في فعل واحد، وإلاّ أصبح العبد خالقا لفعله كما هو عند المعتزلة حسب رأيه، وقال: «ولوكان للعبد تأثير لاجتمع مؤثّران على مقدور واحد، وهذا لا يجوز» (5).
__________
(1) - شرح أصول تيبغورين: 473.
(2) - لعله يقصد: مكتسبة.
(3) - المصدر نفسه.
(4) -المصدر نفسه: 472.
(5) -المصدر نفسه: 473. (1/388)
صفحة 389
والشيخ لم يكن إِلاَّ موضّحا لرأي الإِبَاضِيَّة بعد أن أخذوا بالكسب ولم يضف شيئا، وكان يتكلّم باسم المذهب، ويعبّر عن ذلك بمثل هذه المصطلحات: المذهب، ومذهبنا، وعندنا معشر الإِبَاضِيَّة، مقتفيا في ذلك آثار من سبقه (1)، فهو خير شاهد على تطابق القول الإباضيّ والأشعريّ في الكسب، وإن استعمل الإِبَاضِيَّة في تراثهم مصطلح “الاختيار” في الغالب فَإِنَّ هذا لا يعني قربهم من المعتزلة، لأَنَّهُم كانوا يقصدون به الكسب (2).
وينبغي أن نشير إلى أَنَّ لعامل الجوار بين الإِبَاضِيَّة والأشاعرة ــ خاصّة في المغرب ــ أثرا في تطابق وجهات النظر بينهم، والميل إلى تقريب التصور العقديّ للمسألة، وظهر هذا جلياّ في تراث الشيخ اطْفِيَّشْ الذي كان يقرن الأشاعرة بالإِبَاضِيَّة في هذه المسألة، ودفعه ميله إلى الوصول للتطابق بين المذهبين أن يحتمل عدم صِحَّة رواية قول الأشعريّ بالقوة غير المؤثّرة من العبد في فعله حَتَّى يستنتج اتِّفَاق المذهبين في القَضِيَّة (3).
د - مناقشة القول في أفعال العباد
بعدما رأينا كيف انتهي الشيخ اطْفِيَّشْ إلى القول بالكسب، فإنّنا نتساءل: ما مدى وضوح هذا الرأي؟ وهل كان الشيخ راضيا به؟ وهل اتَّخَذَ موقفا آخر؟
جلّ الدارسين ينتهون إلى الشعور بالغموض في الآراء والأقوال التي نتجت عن مناقشة قضيّة أفعال العباد ومصدرها؛ وقد عبّر عنها الأستاذ الجعبيري تعبيرا طريفا، وقال: «وَكَأَنَّهَا قد مسّها شَيْء من سرّ القدر» (4)؛ وليس جهد الشيخ اطْفِيَّشْ بعيدا عن هذه الحال. ويمكن إرجاع السبب في هذا الغموض إلى محاولة الجمع بين الأصل السلفيّ
__________
(1) انظر: الشماخي: متن الديانات: 47؛ الثميني: معالم الدين: 1/ 26، 178، 265.
(2) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 463.
(3) - التيسير: 3/ 423.
(4) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 423. (1/389)
صفحة 390
للقضية وبين النظريّات المذهبيّة، والاصطلاحات التي تعاقبت بعد ذلك؛ ومن الأسباب أيضا اتِّفَاق الجميع على نسبة الخلق إلى الله تعالى في كلّ شَيْء؛ فالبعض أبقى مصطلح “الخلق” بذاته، بينما خفّفه البعض الآخر إلى القول بعلم الله تعالى وَأَنَّهُ يستحيل أن يقع ما لم يكن يعلمه؛ فحتَّى القاضي عبد الجبار يثبت هذا العلم بالمخلوقات وبالمصير وبالاختيارات أيضا (1)، وهذه نسبة من الجبر قويّة عجزت كلّ الآراء والنظريّات عن إلغائها أو مجرّد التهوين منها ولو باستعمال ألفاظ مختلفة، لأَنَّهَا هي الأصل، فأدّى هذا إلى استعمال الدليل الواحد: أحيانا لإثبات الجبر وأخرى لإثبات الاختيار، أو استعمال الأَدِلَّة بين مذهبين للحصول على مذهب ثالث كما أشار إلى هذا الشيخ السالميّ (2)، حيث استعملت أَدِلَّة الجبريّة لنفي اختيار المعتزلة، وأَدِلَّة المعتزلة لنفي جبر الجبريّة في سبيل الحصول على توفيق يؤدّي إلى القول بالكسب، وحتّى السَّلَفِيَّة الذين رفضوا القول الأشعريّ (3) لم يسلموا من الغموض أيضا، فقال ابن تيمية عن الإنسان: «وَأَنَّهُ مختار، ولا يسمّونه مجبورا، إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختارا لِمَا يفعله، فهو مختار، مريد، والله خالقه وخالق اختياره؛ وهذا ليس له نظير» (4). كذلك قال ابن أبي العز: «فالحاصل أَنَّ فعل العبد فعل له حقيقة؛ ولكن مخلوق لله تعالى
__________
(1) عبد الجبار: تنزيه القرآن: 09.
(2) السالميّ: مشارق: 2/ 188؛ وقد أشار جولد تسيهر إِلىَ هذا قاصدا به إظهار عجز الإسلام عن تفسير القضية مع أنّ الواضح هو عجز الإنسان لاتناقض القرآن كما قال، انظر: جولد تسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام: ترجمة محمد يوسف موسى وآخرون نشر دار الرائد العربي بيروت دت: 69، 79، 80.
(3) يقول ابن تيمية: «ثم أثبتوا كسبا لاحقيقة له: فإنّه لايعقل من حيث تعلق القدرة بالمقدور فرق بين الكسب والفعل، ولهذا صار الناس يسخرون بمن قال هذا ويقولون: ثلاثة أشياء لاحقيقة لها: طفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعريّ» انظر: الرسائل الكبرى: 1/ 365.
(4) ابن تيمية: الرسائل الكبرى: 1/ 278. (1/390)
صفحة 391
ومفعول لله تعالى ليس هو نفسه فعل الله ففرق بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق» (1). وقد أشار إلى هذا الغموض أيضا الشيخ عبد الكريم الخطيب عند مقارنته بين الكسب الأشعريّ، والخلق الاعتزاليّ، واعتبر أَنَّهُ لا فرق بينهما عنده سوى أَنَّ الكسب كان معتمد من لا يريد أن يعطي حريّة كاملة للإنسان ولا أن يمنعه من كُلِّ تصرّف ينسب إليه (2).
كما نشأ الغموض أيضا من التحوّل الذي عرفته المسألة، فقد كان الإيمان بالقضاء والقدر أساسا عقديّا يفسّر على ضوئه كلّ الوجود، وبه يحصل المؤمن على الطمأنينة والسعادة، ويدفعه ذلك إلى العمل وترك التواكل والكسل، ثُمَّ أصبحت هذه العقيدة ــ عقيدة القضاء والقدر ــ عنوانا لفرع منها وجزء هو الفعل الإنسانيّ ومن خلقه: الله أو الإنسان؟ وغابت بهذا بقيّة المعاني والأهداف، فانصرفت الأذهان للبحث في الجبر والاختيار، وعجز العقل عن إدراك حريّة الإنسان وسط القدرة الشاملة لله تعالى وعلمه الواسع لأَنَّهُ أراد أَنَّ يفكر بوسائل عالم الشهادة في موضوع الغيب الإلهيّ.
ويبدو أَنَّ المخرج عند جمهور العلماء هو الرجوع إلى الأصل الأَوَّل، أي: ما كان عليه الصحابة ومن تبعهم وسلف الإِبَاضِيَّة الذين آثروا التسليم بأصول يبنون عليها القول في الموضوع وهي: الإيمان بقدرة الله تعالى وعلمه وإرادته، واليقين في عدله، وعدم ظلمه، مع عدم إنكار شعور الإنسان بمقدرته على الترك والفعل، ومن هؤلاء العلماء في القديم والحديث أمثال: ابن حجر (3) والنووي (4) والإمام أحمد (5)
__________
(1) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 502.
(2) عبد الكريم الخطيب: مشيئة الله: 39 - 41.
(3) ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني من أئمَّة الحديث وحفَّاظه تعدَّدت مؤلَّفاته، (773 - 852 هـ/1372 - 1449 م). انظر الزركلي: الأعلام: 1/ 178.
(4) النووي يحيى بن شرف، (631 - 676 هـ/1233 - 1277 م) عالم بالفقه والحديث، انظرالزركلي: الأعلام: 8/ 149.
(5) ابن حجر: فتح الباري: 11/ 404؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 276؛ النووي: شرح مسلم 16/ 196؛ عمر سليمان الأشقر: القضاء والقدر: 47، 48، نقلا عن الإمام أحمد: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 157. (1/391)
صفحة 392
والشيخ عبد الحليم محمود الذي لخّص الأمر فقال: «هذا الموقف هو موقف الاستسلام لله، وإذا أردنا الدقّة قلنا، إِنَّهُ ليس موقف الجبر، وليس موقف الاختيار وليس موقف الكسب، إِنَّهُ موقف الاستسلام لله» (1).
وإذا عدنا إلى الشيخ اطْفِيَّشْ فَإِنَّنَا نجده قد انتهى بدوره إلى مثل هذا الموقف بعد طول عناء وبحث، وننقل فيما يلي بعض النصوص والآراء التي كتبها مبديا فيها هذا الرأي.
1 - «ومعصية العاصي خلقها الله، ويقال عوقب لنيته واختياره؛ فيشكل الأمر لأَنَّ نيته واختياره خلقهما الله أيضا، وكذا في الطاعة؛ فلم يبق إِلاَّ أن نلتجئ إلى قوله U: {لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} Erreur ! Signet non défini. (2) وإلى أَنَّهُ حكم عدل لا يجور ولا يظلم» (3).
2 - كلُّ شيء يؤول إلى الله تعالى وهو في الأخير: {لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} Erreur ! Signet non défini. (4) .
3 - «وإن قلت: الطبع من الله، ولو كان لسوء اختيارهم وأفعالهم وقصدهم الإعراض عن الحق، لكن ذلك الاختيار وأفعالهم وقصدهم كلّها خلقها الله، فهذا
__________
(1) عبد الحليم محمود: التفكير الفلسفي في الإسلام: المجموعة الكاملة دار الكتاب اللبناني بيروت 1974 م: 130.
(2) سورة الأنبياء: 23.
(3) - شرح العقيدة: 1/ 24.
(4) - شرح الدعائم: 1/ 167. (1/392)
صفحة 393
إجبار! قلت: {لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} Erreur ! Signet non défini.» (1) .
4 - «قوله: {لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} Erreur ! Signet non défini. ننتهي إلى هذه الآية ونسلّم الأمر، وذلك أنَّا نعتقد أنَّا غير مجبرين ولا مطبوعين على أفعالنا وتروكنا؛ لكن أفعالنا وتروكنا مخلوقة لله، وقصدنا إلى الفعل والترك وإرادتنا لهما وإتياننا لهما مخلوقات لله، فما بقي إِلاَّ أن نقول: نحن مجبورون إذ لم يبق لنا ما نستقلّ به مع أنَّا نعتقد جزما أنَّا غير مجبرين وغير مطبوعين بدليل المدح والذمّ والأمر والنهي والثواب والعقاب وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وأنّ الله لا يظلم الناس؛ فما بقي إِلاَّ أن نسلّم أَنَّ الله لا يسئل عمّا يفعل ولولم ندرك» (2).
فقد انتهى الشيخ اطْفِيَّشْ مثلما انتهى علماء غيره إلى هذا القول مِمَّا يَدُلُّ على عدم رضاه كلّية بالأقوال المختلفة رغم أَنَّهُ دافع عن الكسب كما ذهب إليه الإِبَاضِيَّة؛ ولا نعتقد أَنَّ هذه النهاية هي جنوح منه إلى الحلّ الأسهل لأَنَّهَا جاءت من الشيخ بعد استقصاء لمختلف الأقوال المتناقضة في القضية، وبعد نظر فيما ينتج عن كُلِّ قول، كما تَدُلُّ هذه النهاية عند الشيخ وعند غيره على قدرة الوقوف على حقيقة المسألة والرجوع بها إلى الأصل، فكانت نهاية البحث والأقوال التسليم، والاستسلام لأمر الله تعالى اعترافا بالعجز عن إدراك حقيقة الأمر، فَكُلُّ شَيْء يَدُلُّ على اختيار الإنسان، وكل شَيْء يَدُلُّ على خلق الله تعالى له ولفعله وَأَنَّهُ هو المهمين على كُلِّ شَيْء؛ وإليه يرجع الأمر، والمصير إليه.
__________
(1) - داعي العمل: و: 194.
(2) - حاشية القناطر: 2/و، ظ: 04. (1/393)
صفحة 394
(صفحة بيضاء) (1/394)
صفحة 395
الفصل الثامن
الوعد والوعيد (1/395)
صفحة 396
(صفحةبيضاء) (1/396)
صفحة 397
المبحث الأَوَّل
الوعد والوعيد وإنفاذه
1 - تعريف الوعد والوعيد
لم يهتمّ الشيخ اطْفِيَّشْ بالمعنى اللغويّ والاصطلاحيّ للفظيِ الوعد والوعيد، وربما اكتفى في ذلك بشهرة المصطلحين، ولم يذكر سوى أَنَّ الوعد والوعيد معا هما أخبار تتضمَّن الخير والشرَّ، فيستعملان للخير أو للشرِّ، وبالقرينة يتَّضح المقصود منهما، هذا كلُّ ما ذكره الشيخ اطْفِيَّشْ عن الوعد والوعيد وتعريفهما (1)؛ وتوسَّع غيره في ذلك، مثل السالميِّ الذي أشار إلى أَنَّ الوعد مأخوذ من الفعل “وَعَدَ”، والوعيد من “أَوْعَدَ” مزيدا بالهمز، ويستعملان للخير والشرِّ معا، فإذا أطلق الوعد فالمختار استعماله في الخير، وإذا أطلق الوعيد فالمختار استعماله في الشرِّ (2).
وهذان المصطلحان يستعملان للإخبار بما يجزى به المكلَّف بعد الحساب، إن عمل خيرا جوزي خيرا، وإن عمل شرًّا جوزي شرًّا، حسب ما جاء في النصوص النقليَّة التي تبشِّر الصالحين بما ينتظرهم من السعادة، وتنذر الكفَّار ما ينتظرهم من الشقاء. وقد شغل موضوع الوعد والوعيد جانبا مهمًّا من الفكر العقديِّ تبعا للاهتمام بالمصير الذي ينتظر الإنسان؛ ونحاول معرفة رأي الشيخ اطْفِيَّشْ في هذا ابتداء من إثبات تحقُّق الوعد والوعيد أو عدم تحقُّقه.
__________
(1) - الهميان: ط 1: 11/ 54؛ - شرح أصول تيبغورين: 179.
(2) السالميّ: مشارق: 2/ 85؛ انظر: الفيروز آبادي: القاموس: 1/ 346. (1/397)
صفحة 398
2 - إنفاذ الوعد والوعيد وخلفه
لقد كانت أَوَّل قضايا الوعد والوعيد قضيَّة إثباته ووقوعه كما جاءت به الأخبار، أو احتمال الخلف فيه، وترك ما ورد منه في حقِّ بعض المكلَّفين؛ واتَّجه النقاش في الموضوع خاصَّة إلى الوعيد بالعقاب دون الوعد بالخير، ويكاد يكون الكلام عن إنفاذ الوعد منعدما، ولا يرد إِلاَّ أثناء المقارنة بين وقوعه ووقوع الوعيد، فقد كان الاتِّفَاق على إنفاذ الوعد مثل الاتِّفَاق على دوام الجَنَّة وعدم انقطاع نعيمها.
واشتهر القول بإنفاذ الوعيد وعدم جواز الخلف فيه عند المعتزلة وجعلوه من أصولهم، كما كان من الأصول عند الإِبَاضِيَّة منذ النشأة، ولم يُعرف عندهم خلاف في الموضوع؛ بل كان مقطوعا عندهم بثبوته، وهو رأي الشيخ اطْفِيَّشْ القائل إِنَّ الله تعالى صادق في الوعد وفي الوعيد، وهما لا يتخلَّفان (1)؛ وَاستَدَلَّ على ذلك، وناقش أَدِلَّة من يثبت خلافه.
ا - أَدِلَّة إنفاذ الوعد والوعيد
انتهج الشيخ اطْفِيَّشْ لإثبات عدم الخلف في الوعد والوعيد سبيل الاستدلال بالقرآن والسنَّة والعقل، فمن القرآن اسْتَدَلَّ بجملة من الآيات في الموضوع، منها:
- {مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 20] Erreur ! Signet non défini. فهو حكم عامٌّ على كُلِّ قول من الله تعالى ولا دليل على تخصيصه وتقييده (2).
- {قُلَ اَتَّخَذتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُّخْلِفَ اللهُ
__________
(1) - جامع الوضع والحاشية: 48؛ - الذهب: 08؛ - شرح لامية ابن النضر: 2/ 561.
(2) - شرح أصول تيبغورين: 176؛ - جامع الوضع والحاشية: 48. (1/398)
صفحة 399
عَهْدَهُ} [البقرة:80] Erreur ! Signet non défini. وقال عن هذه الآية: «والآية دلَّت على أَنَّ الخلف في خبره محال تعالى، حيث رتَّب عدم الخلف على أخذ الميثاق منه سبحانه، وكلُّ كلام له يكون ميثاقا إذا كان إخبارا بما يكون لا بما كان إذ لا ضعف في كلامه مطلقا» (1).
- ما جاء في الدعاء على لسان الراسخين في العلم: {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 09] Erreur ! Signet non défini. قال عنها: «طلبوا أن يكونوا مِمَّن له الوعد بالخير جزَاء على عمله، فهو كائن لا محالة، فَإِنَّ الأُلُوهِيَّة تنافي خلف الوعد والوعيد، والآية دليل لنا وللمعتزلة [ ... ] ومقتضى الظاهر: إِنَّكَ لا تخلف الميعاد، ولكن استعمل صيغة الغيبة بطريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ليذكر الألوهيَّة المنافية للخلف ولتعظيم المرغوب فيه» (2).
- {إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [الرعد: 31] Erreur ! Signet non défini. وهي مثل الآية السابقة، خبر عامٌّ غير مخصَّص، ووصفٌ لله تعالى لا ينتقض (3).
أَمَّا عن استدلال الشيخ اطْفِيَّشْ من الحديث، فَإِنَّهُ لم يورد حديثا بعينه إِلاَّ إشارته إلى حديث: «هلك المصرُّ» أو «هلك المصرُّون» (4)، ولم نجد من يروي نصًّا بهذا اللفظ، وكان يستدلُّ أحيانا استدلالا عامًّا بقوله إِنَّ الدليل في هذا أحاديث «هلاك المصرِّ» (5)، وَمِمَّا وجدناه في ذلك حديث: «هلك المتنطِّعون» (6).
ونلاحظ أَنَّهُ وإن لم يركِّز في الاستدلال على عدم الخلف، وأنَّ الوعد والوعيد
__________
(1) - الهميان: 2/ 138؛ انظر: - المصدر نفسه: ط 1: 11/ 54.
(2) - الهميان: 4/ 24، 25.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 176؛ - الهميان: ط 1: 13/ 54؛ - جامع الوضع والحاشية: 48.
(4) - فتح الله: 2/ و، ط: 158.
(5) - المعجم المفهرس: 7/ 98، انظر ما بعدها مَادَّة هلك وما فيها من ترتيب الهلاك على فعل المعاصي.
(6) مسلم: العلم: باب هلك المتنطِّعون رقم 2670؛ انظر: المعجم المفهرس: 6/ 473. (1/399)
صفحة 400
لا يتغيَّران فَإِنَّهُ قد ركَّز أكثر في موضوع الخلود مباشرة، خاصَّة في الأَدِلَّة على خلود صاحب الكبيرة، فهي أَدِلَّة على عدم خلف الوعد والوعيد، لذا يتداخل الموضوعان أحيانا ليثبت خلود الفاسق مع عدم خلف الوعد والوعيد والعكس.
أَمَّا في الاستدلال العقليِّ فقد اهتمَّ الشيخ اطْفِيَّشْ ببيان أَنَّ صدق الوعد والوعيد صفة مدح لله تعالى وصف بها نفسه، والصفات لا تتبدَّل ولا تتغيَّر لِمَا يلزم عن التغيُّر من إثبات العجز والنقص؛ فكان مقتضى ذلك ألاَّ يقع الخلف في الوعد والوعيد كما هو في سائر أخبار الله تعالى (1).
ب - الردُّ على القول بالخلف في الوعيد
رَدَّ الشيخ اطْفِيَّشْ على من يثبت الخلف في الوعيد مستدلاًّ بآيتين وحديث، ثُمَّ بالعقل كما يلي:
فالآية الأولى: قوله تعالى: {فَمَن يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَّرَهُ, وَمَن يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَّرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8] Erreur ! Signet non défini. فصاحب الكبيرة معه خيره فهو يراه، لذلك لم يكن الوعيد في حقِّه كاملا كما يرى مثبتو الخلف، وقال الشيخ اطْفِيَّشْ إِنَّهَا لا تكون دليلا لأَنَّهَا تحتمل أن يستحضر العمل لصاحبه فيخلَّد في النار، أويخلَّد في الجَنَّة؛ أو أَنَّ معناها: أَنَّ المؤمن يلقى جزاء ما عمل من شرٍّ بالمصايب والهموم في الدنيا ثُمَّ يجازى في الآخرة بالحسنات، وكذا يرى الشقيُّ جزاء حسناته في الدنيا؛ من نِعَمٍ وصحَّة بدن وما يشتهيه ثُمَّ يلقى جزاء سيِّئاته بالخلود في النار؛ ويضيف الشيخ أَنَّ الآية ولو كانت على ظاهرها فَإِنَّهَا لا تؤدِّي إلى ما أراده مثبتو الخلف؛ لأَنَّهَا تَدُلُّ على أَنَّ من عمل صالحا يرى كذلك مقدار ما عمله من الصالح ولا يزيد عليه، مثلما أرادوا ألاَّ يزيد المسيء على مقدار ما عمل من السَّيِّئَات؛ فلم قصروها فقط على انتهاء الوعيد
__________
(1) - شرح أصول تيبغورين: 176؛ - الهميان: ط 1: 13/ 54؛ - جامع الوضع والحاشية: 48. (1/400)
صفحة 401
وخلفه، ولم يجعلوها تتعدَّى إلى الوعد أيضا؟ (1).
والآية الثانية: قوله تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنَ اَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف: 30] Erreur ! Signet non défini. فالموحِّد لا يخلَّد في النار لأَنَّهُ يبقى غير مجازى على عمله الصالح بخلوده؛ وأجاب الشيخ عن هذا: إِنَّهُ أبطل عمله وإيمانه بالإصرار، ولقي جزاء حسناته في الدنيا فلم تَضِع، وشرط دخول الجَنَّة التوحيد ودوام الطاعة؛ والإصرار مبطل لذلك (2).
وَأَمَّا الحديث الذي ردَّ الاستدلال به فهو: «من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له، ومن وعده على عمل عقابا فهو بالخيار» (3). وقال إِنَّهُ موضوع، دون أن يبيِّن سبب هذا الحكم وسنده (4).
هذا عن ردّ الشيخ على الاستدلال بالنقل، وهو قليل بالمقارنة إلى ردّه على الاستدلال العقليّ الذي عمد فيه خاصة إلى تبيين أثر اعتقاد الخلف في الوعيد على التوحيد وعلى السلوك، وهل يكون الخلف مدحا حقيقة؟
ويرى أَنَّ ذكر الله تعالى للوعيد في القرآن الكريم إخبار منه بما سيلقاه العاصي فإذا كان هذا الإخبار لا يتحقّق، فَإِنَّ باقي الأخبار الأخرى يجري عليها إمكان عدم التحقُّق، وأنّ الله تعالى ذكرها ولم يقصد وقوعها، ومعنى ذلك أَنَّ ما أخبر به في الماضي يمكن ألاّ يكون قد وقع، وكذلك ما سيأتي، وهذا عين الكذب، تعالى الله عنه، لأَنَّ خلف الوعيد معناه: أوعد ما لم يوعد، والله تعالى منزَّه عن الكذب (5). وحاول الأشاعرة إلغاء هذه الحجّة
__________
(1) - شرح أصول تيبغورين: 176.
(2) - المصدر السابق: 176، 177.
(3) أخرجه السيوطي من رواية أبي نعيم عن أنس؛ انظر: السيوطي: الدر المنثور: 2/ 558.
(4) - جامع الوضع والحاشية: 48.
(5) أبو عَمَّار: الموجز: 2/ 107؛ - شرح أصول تيبغورين: 176، 179. (1/401)
صفحة 402
بالقول: إِنَّ غاية ما دلّت عليه الأخبار في الوعيد هو ذكر العقاب، لا وجوب العقاب في ذاته (1). وردّ الشيخ اطْفِيَّشْ بِأَنَّ القول بعدم عقاب صاحب الكبيرة أو خلف الوعيد في حقّه إيجاب ما لا يجب على الله تعالى، ولا واجب عليه (2).
ومن أثر الخلف على التوحيد أَنَّهُ يَدُلُّ على البداء، وأنّ الله تعالى عن ذلك ظهر له ما كان خافيا من العبد، ولم يكن يعلمه، مع أَنَّهُ يستحيل أن يكتب على العبد مصيرا ثُمَّ يغيّره، وَإِنَّمَا يجوز هذا في حقّ المخلوق لنقص علمه، وجهله بعاقبة ما يفعل حين يُصدر وعيدا، وهو مستحيل في حقّ الله تعالى (3).
وقد اعتبر المثبتون للخلف في الوعيد أَنَّهُ مدح لله تعالى: فإذا أوعد على عمل عقابا وتركه فهو مدح له وكرم منه، وتفضّل وعفو، ثُمَّ هو حقّ الله تعالى إن شاء أنجزه وإن شاء تركه، وتركه حسن؛ فالكريم من الناس من إذا أوعد أحدا شرّا فتركه كان ذلك مدحا له؛ مثل قول الشاعر:
وإِنِّي وإِنْ أَوْعَدتُهُ أَوْ وَعَدتُهُ لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمنْجِزٌ وَعْدِي (4)
ويرى الشيخ أَنَّ هذا المعنى من المدح بترك الوعيد مأخوذ من عالم الشهادة، ولا يصلح في عالم الغيب، وخلف الوعيد لا يَدُلُّ دائما على المدح لِمَا فيه من الكذب، ولا يصدق مدحا في عالم الشهادة إِلاَّ إذا كان صاحبه جاهلا بالمستقبل، وبعاقبة الأمور
__________
(1) الإيجي: المواقف: 376؛ - شرح العقيدة: 65.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - التيسير: 2/ 13، 14؛ - شرح أصول تيبغورين: 179؛ - جامع الوضع والحاشية: 48؛ -الهميان ط 1: 13/ 54.
(4) الباقلاني: التمهيد: 351؛ انظر: أبو عمار: الموجز: 2/ 106؛ - جامع الوضع والحاشية: 48. والبيت لعامر بن الطفيل، انظر: ديوان عامر بن الطفيل، دار صادر ودار بيروت، بيروت، د. ت: 58. (1/402)
صفحة 403
فَلَمَّا رأى غير ما كان يعتقد من المتوعَّد ترك وعيده؛ كما يَدُلُّ أيضا على العجز عن إنجاز الوعيد وعلى الضعف: وتارك الوعيد لا يتركه إِلاَّ لمنفعة ومصلحة، وهذه الأوصاف ليست من قبيل المدح في عالم الشهادة؛ فكيف يوصف بها الله تعالى؟ (1). ويؤيّد ما ردّ به الشيخ اطْفِيَّشْ هنا ما جاء عند أبي عمّار قائلا إِنَّ نسبة خلف الوعيد إلى الله تعالى تؤدّي إلى التشبيه والمقارنة بين الله تعالى ومخلوقاته مع عدم وجود وجه الشبه (2)؛ كما استدلّ أبو زكرياء بما يَدُلُّ على أَنَّ إنجاز الوعيد في ذاته مدح ودلالة على القوّة خلافا لتركه وخلفه، ومن ذلك في قول الشاعر:
قَوْمٌ إِذَا وَعَدُو أَوْ أَوْعَدُوا غَمَرُوا صِدْقَ الرِّوَايَةِ مَا قَالُوا بِمَا فَعَلُوا (3)
وترك الوعيد له أثر أيضا على قوّة الأمر والنهي وعلى الالتزام بهما، لأَنَّ الأمر والنهي يقرنان عادة بالجزاء، فإذا كان الوعيد المقرون بالنهي وعدم الامتثال وعيدا غير حقيقيّ أو يحتمل تركه وخلفه فَإِنَّ ذلك يؤثّر على العبد ويضعف امتثاله فتضعف فائدة الأمر والنهي؛ وقد أورد الشيخ اطْفِيَّشْ اعتراضا على هذا وأجاب عنه بقوله: «وإن قالوا: الأوامر والنواهي حقائق والوعيد زجر مجردّ لا تحقيق؛ لقوله تعالى: {ذَالِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ} Erreur ! Signet non défini. (4) ؛ قيل لهم: لا يختصّ التخويف بما لا يراد إنجازه، بل يكون أيضا فيما يراد إنجازه، فأيّ دليل لكم على تخصيصه بما لا يراد؟ مع أَنَّ الأَدِلَّة محقّقة بالإنجاز، وأنّ الأصل الإنجاز، وأنّ عدم الإنجاز كذب في حقّ الله [ ... ] وأيضا إذا كان لمجردّ التخويف [ ... ] فلم لا يكون التخويف أيضا في شأن المشركين؟» (5).
__________
(1) - المصدر نفسه؛ - شرح أصول تيبغورين: 179.
(2) أبو عَمَّار: الموجز: 2/ 106، 107.
(3) أبو زكرياء: الوضع: 24.
(4) سورة الزمر: 16.
(5) - شرح أصول تيبغورين: 182؛ انظر: جامع الوضع والحاشية: 48. (1/403)
صفحة 404
ويشير الشيخ اطْفِيَّشْ إلى أَنَّ الوعيد وضع لتربية الإنسان وزجره عن فعل المعاصي، فإذا زال هذا الزاجر لم يكن في نفس الإنسان دافع إلى طاعة، وهو ميَّال إلى ترك الواجب والركون إلى السهل من الأعمال، وترك ما ليس فيه جزاء بالثواب، وفعل ما ليس فيه تبعات بالعقاب، فلا يهتمّ بذلك (1). ويختلف هذا الأثر في السلوك حسب اعتقاد الخلف ونوعه؛ لأَنَّ المرجئة قالوا بعدم القطع بالعقاب ولو كان العصيان عن إصرار؛ فهذا إغراء على فعل الذنوب وهو أشدّ أثرا في النفس والسلوك، بينما يبقى قول الأشاعرة أقلّ درجة من ذلك لوجود احتمال الدخول إلى النار والعقاب عندهم، ولظنّ الوفاء بالوعيد وفي هذا زجر عن المعاصي (2)؛ ولكن ينتهي الكلُّ إلى تهوين العصيان. وقال الشيخ اطْفِيَّشْ بعد سرد هذه الآراء: «قلت مقتضى عظمة حقّ الله، وفرض تعظيمه طاقةَ المكلّف يوجب أن لا يقتصر في التخويف على ما فيه احتمال مع أَنَّ النفس نجترئ باحتمال أن تدخل النار ولو أصرّت، وربّما ازدادت فسادا حَتَّى تلتزم احتمال الدخول ثُمَّ الخروج، فلا تترك معصية تشتهيها وتمكّنت منها إِلاَّ تعاطتها، فالواجب أن يحمل الوعيد على الجزم به للفاسق، ويتقوّى ذلك بأحاديث هلاك المصر وبآيات اشتراط التوبة للغفران، وما أطلق منه حمل المقيّد بها» (3).
لقد أثبت الشيخ اطْفِيَّشْ إنفاذ الوعد والوعيد ونفي الخلف فيهما بالاستدلال بالقرآن وهو أقوى استدلالاته لأَنَّهُ كان بأَدِلَّة صريحة، ولم يحتج فيها إلى التأويل، أَمَّا الحديث فكان استدلاله به ضئيلا لأَنَّهُ لم يكن صريحا في الموضوع بالذات، ولكن اعتمد على ما يَدُلُّ على هلاك صاحب المعصية، وَأَمَّا في الاستدلال العقليّ فأشار إلى اعتبار الإنفاذ والصدق في الوعد والوعيد مدحا لله تعالى فهو لا يتخلّف؛ وهذا في مقابلة من يرى أَنَّ الخلف مدح، وهو ما
__________
(1) - شرح العقيدة: 65، 66.
(2) الإيجي: المواقف: 376.
(3) - فتح الله: 2/ و، ظ: 158. (1/404)
صفحة 405
ردّه مع جملة أَدِلَّة أخرى استعملها من يرى جواز الخلف، وقد ركّز الشيخ في ردّه على ما ينتجه القول بالخلف من وصف الله تعالى بصفات النقص وهي كثيرة، وإضعاف أثر الأمر والنهي والإغراء على الذنوب والمعاصي وكانت ردودا قويّة في هذا الجانب؛ وسيكتمل الموضوع أكثر عند الحديث عن مصير صاحب الكبيرة بالخلود أو عدم خلوده في النار، وحتّى في إنفاذ الوعد والوعيد رأينا أَنَّ أساس الآراء هو الحكم على صاحب الكبيرة فمن قال بإنفاذه عنى بذلك خاصّة صاحب الكبيرة وخلوده في النار، ومن قال بجواز الخلف قصد خصوصا عدم خلوده.
ويبقى السؤال عن حكم إنفاذ الوعد والوعيد: هل هو واجب على الله تعالى؟
3 - إنفاذ الوعد والوعيد بين الوجوب والحكمة
اتَّفَق الإِبَاضِيَّة مع المعتزلة في صدق إنفاذ الوعد والوعيد، لِمَا سبق من الأَدِلَّة والاعتبارات، وَلَكِنَّهُم لم يتّفقوا في تعليل ذلك: فقد اشتهر عن المعتزلة القول بوجوب صدق الوعد والوعيد، لأَنَّ الوعد للثواب على المأمور به، والعقاب ذمٌّ على فعل المنهيِّ، فيجب أن يتمّ الثواب والعقاب حقيقة، ولا يكونان ثوابا وعقابا مجرّدين دون حصولهما على الحقيقة (1)؛ بينما لم ير الإِبَاضِيَّة إيجاب ذلك على الله تعالى؛ وَلَكِنَّهُم يعلّلون إنفاذ الوعد والوعيد بأنّ الله تعالى قد قضى بذلك أَوَّلاً، فليسا واجبين عليه؛ والحكمة الإلهيّة تقتضي إثابة المطيع وعقاب العاصي وَإِلاَّ لم تنضبط الأوامر والنواهي، وقد رأينا مثل هذا التعليل بالحكمة الإلهيّة في تعليل أفعال الله تعالى فلا يتّصف بالأغراض، ولكن أفعاله لا تصدر بغير حكمة، فهو منزّه عن الأغراض، كما
__________
(1) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 619. (1/405)
صفحة 406
أَنَّهُ منزّه عن أن يفعل شيئا عبثا (1)، ويهلك من يشاء ولكن لا يدخل الجَنَّة العاصي، ولا يدخل النار المطيع لأَنَّ ذلك ليس من الحكمة، وعبّر الشيخ اطْفِيَّشْ عن هذا الموقف بقوله: «والمذهب أَنَّهُ لا واجب على الله؛ إِلاَّ أَنَّ الحكمة أن لا يدخل المطيع النار والعاصي الجَنَّة، وقالت الأَشْعَرِيَّة: لوأدخلهم النار أو الجَنَّة لكان عدلا» (2). وقد جاء موقف الشيخ اطْفِيَّشْ الذي وافق فيه الإِبَاضِيَّة وسطا بين من يرى وجوب إنفاذ الوعد والوعيد وبين من لا يرى هذا الوجوب أصلا؛ وهذا الموقف الوسط أرجح لأَنَّهُ لا يصادم شيئا من أصول العقيدة، ولأنَّه ينزّه الله تعالى عن النقص، سواء بعدم الإيجاب المطلق أو بصرف الحكمة عن أفعاله تعالى؛ وممّن ذهب إلى هذا التوسّط في العصر الحديث الشيخ محَمَّد عبده وقال: «فوجوب الحكمة في أفعاله تابع لوجوب الكمال في علمه وإرادته، وهو مِمَّا لا نزاع فيه بين جميع المتخالفين، وهكذا يقال في وجوب تحققّ ما أوعد ووعد به، فَإِنَّهُ تابع لكمال علمه وإرادته وصدقه، وهو أصدق القائلين» (3).
وقبل أن ننتقل إلى مراحل إنفاذ الوعد والوعيد ومقاماته فإنَّ هناك ما يمكن أن ينجي الإنسان من الوعيد بعد فعل الذنوب وهو التوبة إلى الله تعالى فمتى تكون سببا في ذلك؟
4 - التوبة وأثرها في الوعد والوعيد
شرع الله تعالى لعباده الأحكام، ورتّب على الطاعة جزاء بالثواب، وعلى العصيان جزاء بالعقاب، وفي الحال الأخيرة لم يمنع الإنسانَ من المراجعة رحمة به، ومكّنه من الاستغفار وطلب العفو، وشرع لذلك التوبة؛ فما هي؟ وما شروطها؟ وكيف
__________
(1) أبو يعقوب الورجلاني: الدليل: 1/ 56، 58، 59؛ - شرح العقيدة: 65؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 566.
(2) - الجنّة في وصفه الجنّة: 278؛ انظر: - التيسير: 10/ 64.
(3) محمد عبده: رسالة التوحيد: 49. (1/406)
صفحة 407
تؤثّر على إنفاذ الوعد والوعيد؟
ا - تعريف التوبة وحكمها
لم نقف فيما اطَّلعنا عليه من تراث الشيخ اطْفِيَّشْ على تعريف لغويّ للتوبة واعتمدنا لذلك ما جاء في "القاموس"، وقد عرّفها بِأَنَّهَا مشتقة من " تاب" وتعني الرجوع عن المعصية من العبد، ويقال «تاب الله عليه: وفقه للتوبة، أو رجع به من التشديد إلى التخفيف أو رجع عليه بفضله وقبوله» (1). والتوبة تكون بمعنيين: التوبة من العبد: بمعنى رجوعه إلى ربّه بعد ارتكاب الذنب، والتوبة من الله تعالى: بمعنى قبوله، وغفرانه للعبد.
وقد عرّفها الشيخ اطْفِيَّشْ اصطلاحا بذكر ما تقع به وتتحققّ، أي أَنَّهَا الندم وترك الذنب وأداء ما يجب من الكفارة بين المذنب وخالقه، أو بينه وبين العباد (2).
أَمَّا عن حكمها فالشيخ يرى أَنَّهَا واجبة على من اقترف ذنبا سواء صغيرا أو كبيرا، وتجب على الفور، لأَنَّ المعصية من المهلكات، ومعرفة ذلك من الإيمان، فيجب تحققّ هذا الإيمان على الفور. وهذا الوجوب لا يقتصر على من يترك الذنب فقط ويستطيع ذلك، بل تجب التوبة من الذنب حَتَّى مع عدم القدرة على تركه، لأَنَّهَا حقُّ الله تعالى (3). وحتىّ تتحقّق التوبة ويرجى قبولها هناك شروط لاَ بُدَّ من استيفائها.
ب - شروط التوبة
لا تتحقّق التوبة باللفظ المجرّد، ولا تقبل دون شروط على التائب أن يأتي بها،
__________
(1) الفيروزآبادي: القاموس: 1/ 41.
(2) - شرح النيل: 17/ 336.
(3) - المصدر نفسه: 17/ 337، 367؛ - شامل الأصول والفرع: 1/ 72. (1/407)
صفحة 408
وحدّدها الشيخ كما يلي:
أَوَّلاً - الندم على الذنب: وهي الحال الشعورية للمذنب وهو أوّل درجات التوبة، وشرطها الأساسيّ، بل هو الدافع إليها، لأَنَّ المذنب إذا لم يشعر بالندم، فإن الشيطان يزيّن له عمله، ويبعده عن التوبة؛ لذلك وجب عليه الاجتهاد في تحصيل هذا الشعور (1).
ثانيا - العزم على ترك الذنب: ويتحققّ بقدر ندمه على المعصية، فيعزم على تركها، ولا يعني هذا أَنَّهُ لا يأتيها مرّة أخرى مطلقا، ولكن لا تكون له نية العودة إليها (2).
ثالثا - الاستغفار وطلب العفو: وهو الجانب اللفظيّ في التوبة، حين يرجع المذنب إلى ربّه محسنا الظنّ به، مع توفّر الشروط الأخرى، آملا في عفوه، متردّدا بين خوف ورجاء (3).
رابعا - إصلاح ما أفسده الذنب: وهذه خطوة مهمّة في مراحل التوبة، ولكلّ ذنب درجة من الفساد الذي يبتدئ بابتعاد الإنسان عن ربّه، وينتهي بظلم الغير من البشر؛ فالمذنب ذنبا بينه وبين ربّه، ولا أثر فيه لظلم الناس يترتّب عليه الإتيان بالشروط السابقة وزيادة أداء ما يمكن أن يفرضه ارتكاب هذا الذنب عليه من كفارة هي التِّباعة التي بين المخلوق والخالق، وبها يتوب المخلوق.
وَأَمَّا المذنب بما يؤثّر على غيره من الظلم فعليه إصلاح الفساد، وتعويض الضرر الذي أضرّ به الآخرين حسب ما يقتضيه الشرع، ويعطينا الشيخ اطْفِيَّشْ صورا من هذا الإصلاح حسب نوع الذنب كالتالي:
فالعاصي بأخذ ما لا يحل له يكفّر عن معصيته بردّ ما أخذه من الحرام؛ والمعطي
__________
(1) - شامل الأصل والفرع: 1/ 73، 74؛ -تفسير ألغاز: 09؛ -شرح النيل: 17/ 336.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - شامل الأصل والفرع: 1/ 73، 74؛ انظر: عبد الجبار: تنزيه القرآن: 81. (1/408)
صفحة 409
شيئا معصية يتصدّق بمثل ما أعطاه، أو بالشَّيْء الذي أعطاه، والكاذب على غيره، يكذّب نفسه ويظهر ذلك، ويصلح كذبه أمام من علم بكذبه ويظهر الندم والتوبة.
وهذا يعني أَنَّ إصلاح كُلِّ ذنب على حسب اقترافه، وبدرجة ظهوره وخفائه، فالمذنب بينه وبين ربّه فقط دون علم أحد، يكفيه أن يتوب في الخفاء؛ لأَنَّ إظهار الذنب هتك لستر الله تعالى عليه؛ وَأَمَّا المذنب ذنبا يعلمه الناس وأظهره؛ فيتعيّن عليه أن يُعلم الناس بتوبته كما أظهر معصيته، وهذا من جملة إصلاحه ما أفسد، باعتباره جرحا لشعور المؤمنين واعتداء على حدود الله تعالى (1). وهذا المنهج هو ما أخذ به نظام العزَّابة في طريقة البراءة من المجاهر بمعصيته، فيُتبرأ منه جهرا ليظهر توبته جهرا، وليعود إلى الولاية ويعلم بتوبته من علم بمعصيته.
خامسا - شرط الوقت القريب: يرى الشيخ أَنَّ التوبة مقبولة دوما إِلاَّ في حالين هما حين الموت وعند ظهور علامات الساعة، ويرجع الاعتبار في الحالين إلى معاينة الإنسان لخروجه من الدار الدنيا إلى الآخرة، ووقت عدم قبول التوبة هو وقت اضطرار، فإذا تاب فيه المذنب فلأنّه أيقن بما كان يكذّب به، فلا يسعه إِلاَّ الإذعان والتوبة، فهو مُلجأ إليها، كما يقول القاضي عبد الجبار (2).
و مِمَّا استشهد به الشيخ اطْفِيَّشْ ما يلي:
- قوله تعالى: {حَتَّىآ إِذَا جَآءَ احَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ لَعَلِّيَ أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَّرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ اِلىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَإِذاَ نُفِخَ فيِ الصُّورِ فَلآَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ َولاَ
__________
(1) - شرح النيل: 17/ 336، -شامل الأصل والفرع: 1/ 73، 74؛ انظر عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 747.
(2) عبد الجبار: تنزيه القرآن: 81. (1/409)
صفحة 410
يَتَسَآءَلوُنَ} [المؤمنون: 100 - 101] Erreur ! Signet non défini ..
- قوله تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمُ, إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التِي قَدْ خَلَتْ فيِ عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ} [غافر: 85] Erreur ! Signet non défini ..
- قوله e: «إِنَّ الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (1) أي وصول روحه إلى الرمق الأخير، وإحداث صوت بذلك عند الاحتضار، وذكر الشيخ حديثا آخر فيه: «من تاب وقد بلغت روحه حلقه تاب الله عليه» (2)، وقال إِنَّهُ لا تعارض بين النصَّين لأَنَّ الغرغرة أخطر من بلوغ الروح الحلق (3)؛ فالتوبة تقبل مع القدرة على الترك والفعل، ولا معنى لها في حال الخروج من الدنيا إلى الآخرة (4).
والكلام عن التوبة يستدعي مِنَّا معرفة الذنوب التي يتاب منها في أنواعها وأقسامها وهو ما نبحثه فيما يلي.
جـ - الذنوب وأنواعها
ليست الذنوب على درجة واحدة، فهي تختلف فيما بينها، ولها أسماء خاصّة وأقسام أيضا، فمن أسمائها التي ذكرها الشيخ اطْفِيَّشْ:
1 - السيّئة: وتطلق على عموم الكبائر، ولا تقتصر على الشرك فقط، واستدلّ الشيخ اطْفِيَّشْ على عموم مصطلح "السيّئة" لِكُلِّ الكبائر بقوله تعالى: {بَلَى
__________
(1) ابن ماجة: الزهد: باب ذكر التوبة رقم 4253؛ وقال الألباني عنه: حديث حسن؛ انظر: الألباني: صحيح الجامع الصغير: 2/ 151؛ المعجم المفهرس: 1/ 284،.
(2) لم نقف على هذا النص فيما أطلعنا عليه من مصادر الحديث، صحيحا ولا ضعيفا.
(3) عبد الجبار: تنزيه القرآن: 81؛ - الهميان: 6 ق 1/ 336؛ - التيسير: 2/ 285، 286؛ - تفسير ألغاز: 2، 7، 9؛ -شرح الدعائم: 1/ 66.
(4) - التيسير: 2/ 286. (1/410)
صفحة 411
مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] Erreur ! Signet non défini.، فالآية تَدُلُّ على أَنَّ السيّئة ُتدخل صاحبها النار، وليس ذلك مقصورا على المشرك، بل صاحب الكبيرة أيضا يدخل النار باتِّفَاق جمهور المسلمين (1)، فالسيّئة لا تقتصر على الشرك لأَنَّهَا لو كانت تَدُلُّ على الشرك لكانت كافية في الحكم بخلود صاحبها وَلَكِنَّهَا جُمعت مع الخطايا فدلّ ذلك على أَنَّ المقصود صاحب الكبيرة وليس المشرك وحده.
2 - الخطيئة: وهي الصغيرة عند الشيخ اطْفِيَّشْ، وقد اعتبرها كذلك لأَنَّهَا جُمعت مع السيّئة في الآية السابق ذكرها: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ} Erreur ! Signet non défini.، ولأنَّها ذكرت مع الإثم في قوله تعالى: {وَمَن يَّكْسِبْ خَطِيئَةً اَوِ اِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [النساء: 112] Erreur ! Signet non défini. (2) .
3 - الإثم: وهو كبيرة، والفرق بين الإثم والخطيئة هو أَنَّ الإثم يطلق على الذنب المتعمّد، وأنّ الخطيئة تطلق على ما لا تعمّد فيه؛ هذا على أحد التفاسير عند الشيخ اطْفِيَّشْ ويقول أيضا يمكن اعتبارهما شيئا واحد، فسمّي الذنب باعتبار العقاب إثما، وباعتبار مخالفة الحقّ خطيئة (3).
4 - الفاحشة: ذكرت مع اللّمم في قوله تعالى: {الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الاِثْمِ وَالفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} [النجم: 32] Erreur ! Signet non défini.؛ والفاحشة هي ما اشتّد قبحه، وهي الكبائر المستقبحة، ولا يعني هذا عند الشيخ أَنَّ هناك كبائر غير مستقبحة بل كلّها فواحش مستقبحة، ويقول: «فمفهوم الفحش: القبح؛ ومفهوم الكبيرة، استعظام
__________
(1) - الهميان: 2/ 140؛ ط 1: 12/ 114؛ - التيسير: ط 1: 4/ 599، 600.
(2) - الهميان: 5/ 159.
(3) - المصدر نفسه. (1/411)
صفحة 412
الذنب؛ وكل فاحشة كبيرة؛ وكل كبيرة فاحشة» (1).
5 - اللّمم: وهو الذنب الصغير، وقارنها الشيخ بلِمَة الشعر وقال: «وأصله ما قلّ من الشَّيْء كما يقال لمة الشعر لأَنَّهَا دون الوفرة» (2).
هذه أسماء الذنوب على اختلافها، وهي وإن تعدّدت تنقسم إلى نوعين ذنوب صغائر وذنوب كبائر، فليست كل الذنوب كبائر؛ والشيخ اطْفِيَّشْ يرفض هذا الإطلاق في قوله: «وليس المشهور أَنَّ كل ذنب كبيرة كما قيل؛ بل يذكرون أَنَّ كذا كبيرة، وأنّ كذا صغيرة، فتعرف أَنَّهُم أرادوا معصية كبيرة، أوأرادوا معصية لا ندري ما هي عند الله أصغيرة أم كبيرة» (3)؛ وفيما يلي نبيِّن الفرق بين النوعين.
1 - الذنوب الصغائر
وهي المعاصي التي تكون دون الكبائر في الاعتبار والوزر (4)، ولها أسماء أخرى مثل: «معصية، ومنكر صغير، وظلم صغير، وخطأ» (5)؛ ولا يسمّى فاعلها عاصيا؛ لأَنَّهُ يَدُلُّ على الرسوخ، والصغيرة لا ينطبق عليها هذا الوصف بل يوصف بالفعل أَنَّهُ عصى فقط: «ويقال عصى، بصيغة الفعل لا بصيغة الوصف لاقتضائه الرسوخ، وإن أطلق عاص أو منكر لم يبرأ منه» (6).
__________
(1) - التيسير: ط 1: 5/ 587، 588.
(2) - المصدر نفسه: 5/ 588؛ هذا ما قاله الشيخ في معنى كلمة "اللمم"؛ لكن أصلها من الإلمام أي مقاربة المعصية الصغيرة؛ وَأَمَّا اللِّمة جمع لِمم ولمام فهي الشعر الوفير المجاوز شحمة الأذن؛ انظر: ابن منظور: اللسان: 12/ 549.
(3) - شرح العقيدة: 386.
(4) - المصدر نفسه.
(5) - ترتيب لقط الشيخ عمر بن رمضان التلاتي: (خ) مكتبة الاستقامة بني يسجن: 02.
(6) - المصدر نفسه. (1/412)
صفحة 413
2 - الذنوب الكبائر
يرى الشيخ اطْفِيَّشْ أَنَّ الكبيرة هي ما ورد في شأنه الوعيد، سواء كانت معه كفّارة أو حَدٌّ أو لم يكن ذلك، وقد خالف في ذلك مشهور الإِبَاضِيَّة الذين جمعوا بين هذه الأوصاف وقالوا: إِنَّ الكبيرة هوما فيه وعيد على فعلها ولزم عنها حدّ أو كفّارة، وقال هو: الكبيرة «ما جاء فيه الوعيد سواء جاء فيه الحدّ أو لا» (1). وقد ذهب الشيخ إلى هذا لأَنَّ الحدود والكفّارات غير مشرّعة في كلّ الكبائر، فلم يترتّب عن كلّ كبيرة حدّ، ولا عن كلّ كبيرة كفّارة؛ وقد استُحدثت كفّارات على بعض الذنوب قياسا بالذنوب التي فيها كفّارة استحسانا وصدقة؛ ورجع الشيخ اطْفِيَّشْ في تعريف الكبائر إلى الأصل، وحقّق ذلك في قوله: «الكبيرة ما أوعد عليه في الآخرة سواء أوعد عليه في الدنيا أم لا، إذ ليس كل كبيرة ينكّل عليها ويعاقب عليها في الدنيا ولو في زمان الإمام، ولا أَنَّ الكفّارة على الكبيرة التي لا عقاب عليها في الدنيا بمنزلة العقاب فيها لأَنَّهُ لم يعهد أَنَّ كلّ كبيرة تلزم عليها كفّارة، ولا على التي لا عقاب عليها، وَإِنَّمَا أحدث ذلك المسلمون بأن جعلوا على كلّ كبيرة كفّارة مغلظة أو مرسلة، أوصدقة، استحسانا وقياسا على ما وردت فيه، ولو اقتصر على التوبة اجزأته كما يقول قومنا وبعضنا بِأَنَّهُ لا كفّارة إِلاَّ إن وردت، فلا يصحّ تعريفها بِأَنَّهَا ما أوجب عليه النكال في الدنيا والعذاب في الآخرة؛ وإن سلمنا لزوم الكفّارة وتنزيلها منزلة النكال وعرّفنا الكبيرة بهذا التعريف؛ لزم استعمال مجاز غير متبادر في التعريف، هذا تحقيق المقام عندي» (2).
فالكبيرة ــ عند الشيخ اطْفِيَّشْ ــ تعرف إذن بنزول الوعيد في شأنها، دون قيد
__________
(1) - شرح العقيدة: 386.
(2) - الذهب: 322. (1/413)
صفحة 414
آخر، إِلاَّ أَنَّ هذا يفترض معه أن تكون الكبائر معروفة ومحدودة، مهما تغيّرت أفعال الناس ومهما طال الزمن؛ لكن الشيخ لم يقف عند هذا الحدّ بل أشار إلى أَنَّ الكبائر غير محصورة، والتي لم يرد بها نصّ تعرف بقياسها إلى ما ورد به النصّ، وقال: «ويقاس على ما جاء فيه الوعيد ما لم يجئ فيه لجامع» (1)؛ وقد وضع الشيخ قائمة مطوّلة للذنوب والمعاصي التي اعتبرها من الكبائر منها ما نصّ القرآن على الوعيد فيها ومنها ما لم ينص (2). ثُمَّ قال في موضع آخر: «وليست الكبائر محصورة في القرآن، ولا في السنّة ولا في الإجماع بل تعرف بالذوق الصحيح، وكم كبيرة لا توجب الحدّ، ولم يذكر فيها لعن ولا وعيد، وكيف يحصر ما لا مطمع في ضبطه؛ قال ابن عباس لمن قال: (سبع): هنّ إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع» (3). فلو كانت الكبائر معلومة لأمكن القول: إِنَّ ما وراءها كلّه من الصغائر، وهذا الموقف من الجهل بالكبائر هو المشهور لدى الإِبَاضِيَّة، لذلك يأتي تعبيرهم عنها أحيانا مطلقا فلا يحدّدون المعصية إن كانت كبيرة أوصغيرة، ويكتفون بتسميتها معصية؛ وقال الشيخ عن هذا «ولا يعلم شَيْء منها البتّة عند جمهورنا فيقال معصية لا ندري كبيرة هي أم صغيرة» (4)؛ ويؤكّد أَنَّهُ: «إذا أطلقت المعصية ولا دليل على أَنَّهَا كبيرة حملت على العموم بمعنى لا ندري أهي عند الله صغيرة أم كبيرة، وظاهر كلامهم أَنَّهَا صغيرة، مع أَنَّ المذهب المشهور أَنَّهَا لا تظهر» (5).
وهكذا يُبقي الشيخ اطْفِيَّشْ على قول الإِبَاضِيَّة من عدم الحصر، والسبب في
__________
(1) - شرح العقيدة: 386.
(2) - الذهب الخالص: 322 - 325.
(3) - التيسير: ط 1: 5/ 588، 589.
(4) - شرح الدعائم: 1/ 256.
(5) - شرح العقيدة: 72. (1/414)
صفحة 415
ذلك يعود لحدوث أفعال، وعادات بشريّة جديدة مع مرور الزمن، فكان الأحوط والأصلح ألاّ تحدّد بأسمائها؛ لَكِنَّهُ لم يشر إلى الحكمة من هذا الجهل وعدم الحصر. وإذا كانت الكبائر غير محصورة فهذا يعني أَنَّ الصغائر أيضا غير محصورة، لأَنَّ ما لم يكن كبيرة فهو صغيرة والعكس.
وفي موضوع تحديد نوع الذنوب تعرَّض إِلىَ مسألة ثبات الذنب على وصف واحد أو تغيّره؛ فهل يمكن أن تتحوّل الصغائر مثلا إلىكبائر؟ وهذا ما ناقشه الشيخ اطْفِيَّشْ وذكر أَنَّ الإِبَاضِيَّة يقولون إِنَّ الصغيرة تصبح كبيرة بالتقادم والبقاء من غير توبة؛ ولم يرفض هذا الرأي، وَلَكِنَّهُ ضبطه ليكون واضحا، وقال: «والصغيرة لا تنتقل عن كونها صغيرة، ونفس الإصرار هو الذي يكون كبيرة» (1)، ثُمَّ شرح قول الإِبَاضِيَّة وعقّب عليه قائلا: «وَأَمَّا من مات بالكبائر فلا صغيرة عنده إِلاَّ وقد رجعت كبيرة يعاقب بها، كما هو مذهبنا معشر الإِبَاضِيَّة، ولكن الحقّ عندي؛ أَنَّ الصغيرة لا ترجع كبيرة على الحقيقة بل الإصرار عليها يكون كبيرة» (2).
فهل يعني هذا أَنَّ الصغائر يمكن أن تغفر من غير توبة متى لم تجتمع معها كبائر؟ وهل هناك ما يتاب منه وما لا يتاب منه؟
د - التوبة ومغفرة الذنوب
يرى الشيخ اطْفِيَّشْ أَنَّ الصغائر من الذنوب يمكن أن تغفر من غير توبة بشرط عدم الإصرار عليها، وعدم مصاحبة الكبائر لها إلى الموت (3)، وهذا الرأي يوهم في أوّل الأمر أَنَّ الشيخ قد تساهل، وهوّن من شأن الصغائر، وبالتالي يكون رأيه سببا في
__________
(1) - شامل الأصل والفرع: 1/ 70.
(2) - شرح لامية الأفعال: 2/ 249.
(3) -المصدر نفسه: 2/ 249. (1/415)
صفحة 416
الإغراء بالصغائر، إِلاَّ أَنَّ هذا يزول عند التمعّن في الشرط الذي ذكره، وهو يعني بذلك أَنَّ الصغيرة التي تغتفر هي التي لم يصر عليها فاعلها، بمعنى لم يقصد عدم التوبة منها، ولم يمت وهو عالم بها ولم يتب منها (1)؛ وهذا الرأي من الشيخ موافق ليسر الدين ورحمة الله تعالى بعباده، فالصغائر مِمَّا لا يمكن ادّعاء عدم اقترافها أبدا، وتصدر من العبد وقد لا يقصد عدم التوبة لكن لم يهتد إليها، فإذا كان غير مصرّ، وغير مرتكب للكبائر أو تاب من كبائره كان الله غفورا رحيما به (2).
وعندما نستثني من الذنوب المعاصي الصغائر التي تغتفر بغير توبة في حال عدم الإصرار وعدم الكبائر، تبقى ذنوب أخرى تجب التوبة منها، فلا تغتفر إِلاَّ بالتوبة مستوفاة شروطها كما سبق، وهي الصغائر التي أصرّ عليها المذنب والكبائر التي اقترفها، ويقول عنها الشيخ اطْفِيَّشْ إِنَّهُ لا يكفي فيها مجرّد الترك والإقلاع عنها، كما لا تكفي الأعمال الصالحة بعد الكبائر ولا تغني عن التوبة منها (3)، وَاستَدَلَّ لهذا بآية وحديثين يدلاّن على أَنَّ فعل الحسنات وحده لا يكفِّر الذنوب:
- قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] Erreur ! Signet non défini.؛ لكنَّ الاستدلال بهذه الآية يناقض رأيه في تعريف السيّئة بِأَنَّهَا كبيرة وهي هنا في الآية بمعنى الصغيرة.
- قوله e: «الصلوات الخمس [ ... ] مكفّرات ما بينهنّ إذا اجتنب الكبائر» (4).
__________
(1) انظر: مايأتي تحت عنوان: الإصرار وأثره عَلَى العمل.
(2) وقد أشار الأستاذ الجعبيري إلى أنَّ الذنوب التي تغفر من غير توبة هي الخطأ والنسيان والإكراه فما كان ناتجا من ذلك يغفر من غير توبة، لكن هذه في الظاهر أحوال يسقط فيها التكليف فلا يسمى ما يفعل فيها ذنبا فضلا عن أن يحتاج إلى استغفار، انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 598.
(3) - شرح النيل: 17/ 398، 399؛ -إطالة الأجور وإزالة الفجور: ط حجري 1314 هـ: 239.
(4) - مسلم: الطهارة: باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ... مكفرات لما بينهن رقم 233؛ انظر: المعجم المفهرس: 1/ 381. (1/416)
صفحة 417
- قوله e: «ما من مسلم يحضر صلاة مكتوبة يحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إِلاَّ كانت كفارة لِمَا قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة» (1).
فهذه أَدِلَّة على أَنَّ الصغائر تكفّر، ويتاب على صاحبها بفعله الحسنات، وإتيانه العمل الصالح، ويستثنى من هذا الكبائر، فَإِنَّهُ يحتاج في تكفيرها وغفرانها إلى التوبة، كما نلاحظ في هذا أَنَّ الصغائر ــ في العادة ــ لا يكون فيها ضرر بالغير أو بالنفس كبير، بينما ينتج عن الكبائر ظلم النفس والغير أحيانا، وفي التوبة لاَ بُدَّ من إصلاح الفساد الذي أحدثه الذنب، ولا يكون هذا من غير أداء الكفّارة إذا لزمت، أو التعويض عن الضرر للغير إذا لزم.
وبعد أن تحدّثنا عمّا يغتفر من الذنوب، يبقى أن نتساءل: هل هناك ما لا يغتفر منها؟ إِنَّ الإجابة عن هذا السؤال تدفعنا إلى الحديث عن توبة المشرك وتوبة القاتل عمدا.
أَوَّلاً - توبة المشرك: يقول الله U: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَّشَآءُ} [النساء: 48] Erreur ! Signet non défini.، يرى الشيخ اطْفِيَّشْ أَنَّ المشرك لا يوفّقه الله تعالى إلى التوبة أصلا، وبهذا يبقى الإشراك ذنبا لا يغفر ولكن ليس على معنى أَنَّ المشرك يتقدّم بتوبة ثُمَّ تردّ توبته، بل على معنى أَنَّهُ لا يوفّق إلى هذه التوبة (2)، فرأيه هنا في ظاهره مخالف لمن يقول إِنَّ المشرك لا يغفر شركه، وَلَكِنَّهُ مجرّد خلاف لفظيّ لأَنَّ مؤدّى رأي الشيخ اطْفِيَّشْ هو أَنَّ الشرك لا يغفر أيضا؛ وهذا لا
__________
(1) أحمد: المسند: 5/ 260؛ وذكره السيوطي في "الدر المنثور" وقال صحيح، وذكر له شواهد كثيرة؛ انظر: السيوطي: الدر المنثور: 4/ 486 - 490؛ المعجم المفهرس: 2/ 524.
(2) - الذخر الأسنى: 79. (1/417)
صفحة 418
يوافق ما يعلم من رحمة الله تعالى الواسعة، وقوله لِكُلِّ العباد: {قُلْ يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىآ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 50] Erreur ! Signet non défini.، لذا نجد رأي الشيخ محَمَّد الغزاليّ مهمّا في المسألة، فلم ينف أن يغفر للمشرك ذنبه؛ بل إذا تاب ورجع إلى الإسلام غفرله ذنبه ولو مات قبل أن يصلح عمله وما أفسده وقد وجّه بهذه الآية حديث البطاقة (1)، وقال: «وعندي أَنَّ هذا الحديث ــ إن استقام سنده ــ إِنَّمَا يصحّ في شخص مشرك قضى حياته في الفساد، ثُمَّ آمن قبل أن يحين أجله بقليل فلم يستطع بعد إسلامه أن يبقى مدة يصلح فيها ما مضى» (2).
ثانيا - توبة القاتل عمدا: يقول الله تعالى: {وَمَن يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] Erreur ! Signet non défini.؛ قال الشيخ اطْفِيَّشْ عن الآية إِنَّ التحقيق في المسألة هو قبول توبة القاتل عمدا عندما يتوجّه بها إلى الله تعالى، ولكن يتعسّر أن يوفّق إلى التوبة النصوح، وبهذا فسّر ما روي عن ابن عَبَّاس وابن مسعود من قولهما بعدم قبول التوبة من القاتل عمدا (3)؛ وقد قال القاضي عبد الجبار عن الآية إِنَّهَا تفيد ترتيب العقاب وعدم المغفرة لمن لم يتب وقدم على ربّه
__________
(1) ونصّ الحديث في «الترمذي»: «إنّ الله سيخلّص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلاّ كلّ سجلّ مثل مدّ البصر، ثمّ يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربّ؛ فيقول تعالى: بلى، إنّ لك عندنا حسنة فإنّه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، فيقول: يا ربّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلاّت؟ فقال: فإنّك لا تظلم، فتوضع السجلاّت في كفّة والبطاقة في كفّة، فطاشت السجلاّت وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء». انظر تخريجه في الفصل الرابع المبحث الأَوَّل هامش: 76، ص 177.
(2) محمد الغزالي: عقيدة المسلم: 131.
(3) - الهميان: 5/ 104، 105. (1/418)
صفحة 419
غير تائب واستدلّ لذلك بقوله تعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحيِمًا} [الفرقان: 70] Erreur ! Signet non défini .. وقد ذكر الله تعالى قبل هذه الآية من السَّيِّئَات قتل النفس بغير حقّ (1). ونلاحظ هنا تشابه موقفي الشيخ اطْفِيَّشْ من المشرك ومن القاتل العمد، فكلاهما تعسر هدايته إلى التوبة أو لا يوفّق إليها، ويمكن القول هنا إِنَّ الشيخ لم يجب عن الإشكال إجابة شافية لأَنَّهُ صرفها إلى الهداية في كلا الموقفين، بينما السؤال والإشكال هو: هل تقبل توبتهما إذا أقدما إليها وطلبا الغفران؟ وربّما كان الأصلح والأصوب أن تقيّد التوبة في كُلِّ الأحوال ومع كُلِّ الذنوب بالشروط؛ فمتى توفَّرت شروطها التي فرضها الله تعالى فَإِنَّهُ غفور رحيم، وبذلك يكون للتوبة أثر في عدم تحقيق الوعيد في شأن المذنب إذا سارع إليها موفّرا شروطها. أَمَّا إذا لم يتب فقد أصرَّ.
هـ - الإصرار وأثره علىلعمل
الإصرار هو البقاء على الذنب، ولا يخصّ ذلك الكبائر، بل يَعُمُّ أيضا الصغائر؛ فإذا بقي عليها المسلم دون توبة فهو مصرّ، وينشأ الإصرار عن غفلة أو اتِّباعا للهوى والشهوات، ولم يفرّق الشيخ اطْفِيَّشْ في حكم المصرّين بين من قصد الإصرار ومن لم يقصد ولكن كان لتسويف، فالنهاية واحدة وهي ورود المذنب على رّبه وهو مرتكب لكبيرة؛ لذلك عرّفه بمجرّد البقاء على الذنب، ولم ينظر إلى الدافع إليه (2)، بينما فرّق غيره من الإِبَاضِيَّة بين نوعين من البقاء على الذنب: الإصرار مع العزم على عدم التوبة، والتمادي لكن مع نية التوبة قبل فوات وقتها، وهذا الذي ترجى نجاته بالتوفيق إلى التوبة (3).
__________
(1) عبد الجبار: تنزيه القرآن: 81، 256.
(2) - شرح النيل: 17/ 391؛ -شامل الأصل والفرع: 1/ 70.
(3) الوارجلاني: الدليل: 3/ 85؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 575 نقلا عن التلاتي: شرح النونية: و: 116؛ الثميني: النور في شرح النونية: المطبعة العَرَبِيَّة غرداية دت: 297. (1/419)
صفحة 420
والإصرار يؤدّي إلى الموت بغير توبة، فيكون حكم صاحبه الهلاك، وعدم القبول ويتأثّر بذلك سائر عمله، وهو ما يسمّى بالإحباط.
ويعرّف الشيخ اطْفِيَّشْ الإحباط لغة بِأَنَّهُ: الإبطال والإفساد، مأخوذ من حبْط الدَّابَّة إذا فسدت بإكثار الأكل، أوأكل نبات الحباط (1).
وَأَمَّا في الإصطلاح: فالإحباط يعني إبطال العمل، وعدم ترتيب الثواب عليه، أو هو فساد عمل من مات مصرّا على ذنوبه (2).
و يكون بسبب الإصرار على الكبيرة أو الصغيرة؛ ولذا يشير الشيخ اطْفِيَّشْ إلى أَنَّ التوحيد وحده لا يكفي صاحب الكبيرة إذا أصرَّ عليها إلى الممات (3)؛ وَاستَدَلَّ بجملة من النصوص منها:
- قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محَمَّد: 33] Erreur ! Signet non défini ..
- قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 02] Erreur ! Signet non défini.
- قوله e: «الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك» (4).
__________
(1) -التيسير: 1/ 329.
(2) - المصدر نفسه؛ -الهميان: 4/ 186.
(3) - التيسير: 1/ 329؛ 3/ 509، 510؛ 12/ 268؛ -الهميان: ط 1: 13/ 72؛ ط 2: 4/ 186؛ 6 ق 1/ 336؛ -شامل الأصل والفرع: 1/ 68، -شرح العقيدة: 79.
(4) الربيع: الجامع الصحيح: 24، رقم 66؛ وجاءت أحاديث في هذا المعنى بلفظ مختلف، انظر: الشيباني: تمييز الطَّيِّب من الخبيث: 98. (1/420)
صفحة 421
فهذه الأَدِلَّة تثبت إحباط عمل المصرّ أو صاحب الكبيرة إذا مات بدون توبة، أَمَّا إذا تاب قبل موته فَإِنَّ أعماله لا تبطل، ويُثاب على توبته، وعلى ما سبق من الأعمال الأخرى، وهذا مشهور المذهب الإباضيّ في المغرب كما يقول الشيخ اطْفِيَّشْ: «والمشهور عندنا في المغرب أَنَّهُ إن مات مصرّا بطل عمله كلّه، وإن مات تائبا ردّ الله عمله ولو ما عمل في الإصرار وأثابه مكان كُلِّ ذنب حسنة، من حيث أَنَّهُ تاب عليه» (1).
فالتوبة إذن مانع من إنفاذ الوعيد إذا اجتهد فيها المذنب، وإذا لم يتب توجّه إليه الوعيد على مراحل أوّلها عذاب القبر.
__________
(1) - شامل الأصل والفرع: 1/ 68. (1/421)
صفحة 422
المبحث الثاني
عذاب القبر
يعتبر القبر وما فيه أوَّل مراحل الحياة الآخرة، وقد أثار ذلك بحثا ونقاشا عمّا يوجد في القبر، وعن فترة بقاء الإنسان فيه وأحواله، وأهمّ ما في هذا البحث إثبات حياة صاحب القبر أو عدمها، وتنعّمه أو شقائه فيه.
1 - إثبات الحياة في القبر
يثبت الشيخ اطْفِيَّشْ وجود الحياة في القبر تبعا لثبات عذابه، ويشير إلى أَنَّهُ موضع اتِّفَاق كما يقول: «واعلم أَنَّ سؤال الملكين وعذاب القبر ثابثان واقعان، اتَّفَق على ذلك سلف الأمّة قبل ظهور الخلاف؛ وإذا ثبت التعذيب ثبت الإحياء» (1). وليس في القبر عذاب فقط، ولكن غلب لفظ العذاب على غيره من أمور القبر.
وقد اسْتَدَلَّ الشيخ اطْفِيَّشْ بأَدِلَّة نقليّة متعدّدة لإثبات الحياة البرزخيّة، ولم يذكر كغيره أَدِلَّة عقليّة لأَنَّ المجال من اختصاص السمع ولا يمكن للعقل أن يثبت حياة في القبور ما لم يرد دليل نقليّ، ومن هذه الأَدِلَّة ما يلي:
أَوَّلاً - الأَدِلَّة من القرآن الكريم
- قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمُ, أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} [نوح: 25] Erreur ! Signet non défini. فقد
__________
(1) - حاشية القناطر: 2/ظ: 90؛ انظر: -شامل الأصل والفرع: 1/ 285؛ -الهميان: 7 ق 2/ 244؛ الوارجلاني: الدليل: 3/ 242؛ الإيجي: المواقف 382. (1/422)
صفحة 423
عذّب الله تعالى قوم نوح u في مصارعهم قبل يوم القيامة، ومعنى إدخالهم النار في الدنيا إحضارهم وإحاطتهم بها (1).
- قوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] Erreur ! Signet non défini. يقول الشيخ: «الإماتة قبل القبر والإحياء في القبر، والإماتة فيه بعد منكر ونكير والإحياء للحشر» (2) وساق اعتراضا على هذا الاستدلال باعتبار أَنَّ العدد لا يفيد حصرا حقيقيّا، ومن ذلك أَنَّ الحياة لم تقع مرّتين فقد كانت ثلاث مرّات إذا أضيف إليها الحياة في الدنيا، وأجاب على ذلك بأنّ الكلام في الآية على الحياة التي وقع عليها الإنكار فأثبتتها الآية، وَأَمَّا الحياة الدنيا فهي واقعة غير منكرة (3)، ويؤيّد الاستدلال بهذه الآية كونها ابتدأت بالإماتة ولا تكون إِلاَّ موتة الدنيا، ثُمَّ أخرى في القبر، والإماتة في القبر تتضمّن معنى الحياة فيه لأَنَّهَا لا تكون بغير سبق الحياة.
- قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا َويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ} [غافر: 46] Erreur ! Signet non défini.، اعتبر مثبتو عذاب القبر هذه الآية دليلا (4)، وقال الشيخ اطْفِيَّشْ إِنَّهَا دليل غير مباشر لأَنَّهَا تتحدّث عن الأرواح، ولكن ثبتت حياة البدن بأَدِلَّة غيرها (5)، فهي دليل بالتأويل القريب المتبادر، ذلك أَنَّهَا ذكرت العذاب يوم القيامة، ولا خلاف فيه، وذكرت عذابا قبله ولا يكون إِلاَّ في القبر لأَنَّهَا في حقّ الموتى وليست في حقّ الأحياء (6)، ومع أَنَّهَا تَتَعَلَّق بفرعون
__________
(1) - داعي العمل: و: 301؛ -التيسير: ط 1: 6/ 363؛ انظر: الرازي: معالم أصول الدين: 119.
(2) - حاشية القناطر: 2/ظ: 90.
(3) - شامل الأصل والفرع: 1/ 286.
(4) الرازي: معالم أصول الدين: 119؛ الإيجي: المواقف: 382؛ السالمي: مشارق: 2/ 106.
(5) - التيسير: 11/ 359؛ -شامل الأصل والفرع: 1/ 285.
(6) - حاشية القناطر: 2/ظ: 90. (1/423)
صفحة 424
وآله، لَكِنَّهَا تَدُلُّ على وجود العذاب ووقوعه (1).
ثانيا - الأَدِلَّة من الحديث الشريف
- حديث وضع الجريدتين على قبرين، وقد استدلّ به كثيرا في الموضوع (2)، ونصُّه: «مرَّ رسول الله e بحائط من حيطان المدينة ــ أو مكّة ــ سمع صوت إنسانين يعذَّبان في قبريهما، فقال النبيء e: يعذَّبان وما يعذَّبان في كبير، ثُمَّ قال: بلى؛ كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة، ثُمَّ دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كلِّ قبر منها كسرة، فقيل له: يارسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: لعلّه أن يخفّف عنهما ما لم ييبسا، أو إلى أن ييبسا» (3)؛ والحديث يَدُلُّ على أَنَّهُمَا كانا يعذَّبان حين وضع الجريدة (4).
- حديث «عامّة عذاب القبر من البول» أو «أكثر عذاب القبر من البول» (5).
- حديث: «يسلّط على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنّينا تنهشه، حَتَّى تقوم الساعة ولو أَنَّ تنّينا منها ينفخ على الأرض ما أنبتت» (6).
__________
(1) - شامل الأصل والفرع: 1/ 285.
(2) - حي على الفلاح: (خ) مكتبة القطب (ا و 10): 06؛ -الجنة في وصف الجنة: 311؛ إطالة الأجور: 166؛ كشف الكرب: 1/ 111؛ انظر: عبد الجبَّار: شرح الأصول الخمسة: 731.
(3) البخاري: الوضوء: باب من الكبائر ألاّ يستتر من بوله رقم 213؛ انظر المعجم المفهرس: 1/ 337.
(4) - حاشية القناطر: 2/ و: 91.
(5) رواه ابن ماجة: الطهارة: باب التشديد في البول رقم 348؛ وصححه الألباني؛ انظر: - حاشية القناطر: 2/ و: 91؛ الألباني: صحيح الجامع الصغير: 4/ 24؛ المعجم المفهرس: 1/ 234.
(6) رواه أحمد بلفظ غير هذا: المسند: 3/ 38؛، وضعف الألباني سنده في: انظر التبريزي: مشكاة المصابيح: 1/ 49 هامش 01؛ - حاشية القناطر: 2/ظ: 91؛ الهميان: ط 1: 13/ 132؛ المعجم المفهرس: 1/ 281. (1/424)
صفحة 425
- حديث: «عذاب القبر حقّ؛ فمن لم يؤمن به عذّب به» (1).
هذه بعض الأَدِلَّة التي ذكرها الشيخ اطْفِيَّشْ لإثبات وجود حياة في القبر وأغلبها يثبت عذابه، ولذلك فهي دليل على وجود هذا العذاب أيضا؛ وكان استدلال الشيخ بالحديث أوسع منه بالقرآن، كما أَنَّ الأحاديث واضحة مباشرة في الموضوع بينما نجد أدلّته من القرآن عبارة عن استنتاجات أحيانا قوّية وأخرى ضعيفة، وَلَعَلَّ هذا ما دفع بالبعض إلى إنكار هذا العذاب، وقد رَدَّ عليهم الشيخ اطْفِيَّشْ كما سنبيّنه.
2 - الردُّ على منكري نعيم القبر وعذابه
نسب الشيخ اطْفِيَّشْ إنكار الحياة في القبر بنعيمها وعذابها إلى النكَّار (2) من الإِبَاضِيَّة وإلى بعض المعتزلة، وإلى الكراميّة ولم يكونوا ينكرون كلّ هذه الحياة، بل فيهم من يرى أَنَّ المَيِّت لا يحسّ بأثر العذاب كما قال الكراميّة (3)، وكانت أهمّ حججهم في هذا الإنكار عقليّة؛ ومن ذلك ما يلي:
1 - قولهم: لو كان العذاب حقيقة لظهرت آثاره على أجساد الموتى عندما ينبشون من قبورهم؛ وردّ الشيخ بِأَنَّهُ ليس من الضروريّ أن تظهر الآثار، وليس خفاؤها
__________
(1) - جامع الشمل: 2/ 66؛ وصححه الألباني دون زيادة: «فمن لم يؤمن به .... الخ» انظر: الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة: 3/ 365.
(2) النكار: أتباع يزيد بن فندين الذي أنكر إمامة عبد الوهاب من عبد الرحمن بن رستم (حوالي: 171 هـ) وتبعه بعض الإباضيّة من المشرق والمغرب، وسموا بهذا نكَّارا. انظر: الدرجيني الطبقات: 1/ 51.
(3) - شامل الأصل والفرع: 1/ 285 - 286؛ انظر: الإيجي: المواقف: 382؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 639: وقد فصَّل القاضي عبد الجبار فيمن ينكرون عذاب القبر من المعتزلة: انظر: شرح الأصول الخمسة: 730؛ فضل الاعتزال: 201. (1/425)
صفحة 426
دليلا على عدم العذاب، والله قادر على كُلِّ شيء (1).
2 - عدم مشاهدة اضطراب الميت، وعدم سماع تألُّمه؛ وردّ الشيخ بِأَنَّ العقل لا يمنع هذا، فيحدث العذاب بعد ردّ الحياة إلى المَيِّت ويتألّم، ولكنَّ مداركنا وحواسّنا قاصرة عن الوصول إلى ذلك؛ وكذلك تنعّم الموتى لا نراه، وهذا ليس غريبا لقدرة الله تعالى ولوجود ظواهر لا نستطيع رؤيتها ولا ننكر وجودها (2).
3 - قولهم: كيف يعذّب المَيِّت الذي تلف جسده وأكلته السباع وتفتّت في الأرض أو البحر؟ وهذه أقوى حجج المنكرين؛ وردّ المثبتون بأنّ حالة الجسد لا تؤثّر على الحياة البرزخيّة؛ سواء دفن المَيِّت أو بقي فوق الأرض أو أحرق أو ألقي إلى البحر ... الخ، تبقى حياته موجودة في كُلِّ هذه الأحوال، وتعذيبه وسؤاله أيضا، فالمقبور أيضا لا يضمن بقاء جسده سالما (3).
4 - قولهم: كيف يعذّب المَيِّت وهو بدون روح؟ وهذه الحجّة مثل سابقتها، وقد رَدَّها الشيخ بقوله إن الله تعالى قادر على كُلِّ شيء ولا يعجزه أن يردّ الروح إلى الجسد (4).
فهذه أهمّ الحجج والردود، وهي كما رأينا كلّها عَقْلِيَّة، كما أَنَّ الردود في ذاتها لم تكن مقنعة، ولا مفسّرة تفسيرا شافيا للحياة في القبر وسبب ذلك هو تدخُّل العقل في مجال بعيد عنه تماما، فحياة القبر لا يمكن معرفتها إِلاَّ بدليل نقليٍّ كما فعل المثبتون، أو بالعيش فيها وتجربتها، ولا يمكن ذلك إِلاَّ بموت الإنسان فيبقى الموضوع مسلّما فيه لوجود الدليل النقليّ فقط؛ ولذا نرى أَنَّ القاضي عبد الجبّار والشيخ السالميّ كانا في ردّيهما على المنكرين أكثر دقّة
__________
(1) -شامل الأصل والفرع: 1/ 285.
(2) الثميني: معالم الدين: 2/ 172 - 173؛ -شامل الأصل والفرع: 1/ 285.
(3) ابن أبي العز: شرح الطحاوية:451؛ السالمي: مشارق، 2/ 105؛ - مجموعة الرسائل (أز 6): 33.
(4) -شامل الأصل والفرع: 1/ 285. (1/426)
صفحة 427
وشمولية حيث أشارا إلى عدم الجدوى من إقحام العقل في هذا المجال، وقال الشيخ السالميّ: «ولا سبيل إلى العدول عن مقتضاها (1) إلى محض القول بالرأي؛ وليت شعري أيّ مدخل للرأي فيما غاب عَنَّا علمه ولم تصل إليه قلوبنا» (2)؛ فالنقل هو الوحيد الذي يدلّنا على وجود حياة في القبر، وما دامت الأخبار ثبتت بذلك، فقد ثبتت هذه الحياة، وهذه الآثار النقليّة هي نفسها التي تبيّن لنا كيفيّتها.
3 - كيفية الحياة في القبر
خاض البعض في شأن الحياة داخل القبرمثلما خاضوا في الحياة الآخرة: أهي بالأجساد أم بالأرواح فقط؟ ويرى الشيخ اطْفِيَّشْ أَنَّ الحياة في القبر حقيقيّة كاملة بالجسد والروح معا: ويقول: «وإنّ ثبوت إحياء المَيِّت في قبره وعذابه فيه هو الصحيح، وبه قال جابر بن زيد لأحاديث الرسول e» (3) ؛ ومن هذه الأحاديث قوله e: «إِنَّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه وَإِنَّهُ ليسمع قرع نعالهم» (4)؛ كما أَنَّ الشيخ يرى أيضا أَنَّهُ إذا فارقت الروح الجسد، فإن كان معذّبا فَإِنَّ الروح تعذّب وحدها في النار (5)؛ ويقول: «وأرواحهم تعذّب في النار، وتارة تجمع إلى أجسادهم في القبر
__________
(1) أي مقتضى الأحاديث.
(2) السالمي: شرح الجامع الصحيح: ط 1، الأزهار البارونية مصر 1326 هـ: 2/ 385؛ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 732؛ الوارجلاني: الدليل: 3/ 242؛ الإيجي: المواقف 382.
(3) -إزالة الاعتراض: 08؛ انظر: -الهميان ط 1: 13/ 132.
(4) البخاري: الجنائز: باب ما جاء في عذاب القبر رقم 1308؛ انظر: المعجم المفهرس: 6/ 490.
(5) -كشف الكرب: 1/ 111؛ - الجنة: 311؛ -شامل الأصل والفرع: 1/ 285؛ -شرح أصول تيبغورين: 588. (1/427)
صفحة 428
ويعذّبون فيه، جاء بذلك الأثر» (1). ولكن لم يذكر هذا الأثر؛ وأشار أيضا إلى عدم دوام الروح مع الجسد في القبر، وقال ابن أبي العزِّ هو اتِّفَاق أهل السنَّة (2).
وقد أشار الشيخ اطْفِيَّشْ إلى نوع آخر من الحياة في القبر ونسبه إلى مجهول؛ فيه أَنَّ المَيِّت في قبره كالنائم في نومه، وقال: «وقيل يعذّب الميت في قبره كهيئة تألّم النائم في نومه بالرؤيا» (3)؛ وَلَكِنَّهُ لم يأخذ بهذا القول ولم يجزم بصحته واكتفى بعرضه فقط.
وفي هذا الحديث عن كيفية الحياة في القبر نتوقّف عند ثلاثة قضايا تتّصل بالموضوع هي، ضمّة القبر، وسؤال الملكين، ومن يناله العذاب؟
ا - ضمَّة القبر
يستفاد وجود ضمّة القبر من حديث وفاة سعد بن معاذ (4) t وفيه: «ضغطه القبر ضغطة اختلف فيها أعضاؤه» (5)؛ ويعني ذلك أَنَّ القبر يضيق على صاحبه، فيتألّم له؛ ويصيب هذا كلّ ميّت دون استثناء، وحتّى الصبيّ كما يقول الشيخ اطْفِيَّشْ مستدلاّ بما روي أَنَّ القبرضغط أحد أبناء الرسول e (6) ، ويستوي في ذلك المؤمن وغيره.
__________
(1) - م. ن.
(2) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 450، 451.
(3) -شامل الأصل والفرع: 1/ 286: وقد قال الشيخ متولي الشعراوي مثل هذا الرأي بأن المَيِّت إِنَّمَا يعرض عليه مصيره كالنائم يرى حلما؛ انظر: متولي الشعراوي: سلسلة أنت تسأل والإسلام يجيب: الكتاب الثامن (08) تقديم: عبد القادر عطا. مطبعة البعث قسنطينة 1988 م: 25 - 27.
(4) سعد بن معاذبن النعمان بن امرئ القيس الأوسي الأنصاري صحابي جليل شهد بدرا وتوفي في السنة الخامسة من الهجرة؛ انظرالزركلي: الأعلام: 3/ 88.
(5) أحمد: المسند: 6/ 55؛ وصححه الألباني بلفظ مختلف، انظر: المعجم المفهرس: 6/ 363؛ الألباني: الأحاديث الصحيحة: 4/ 268.
(6) -مجموعة الرسائل: (أ. ز 6): 34؛ ولم نقف على مصدر لهذا الخبر. (1/428)
صفحة 429
والحكمة من وراء ذلك أَنَّ الكافر يلقى جزءًا من عذابه، وَأَمَّا المؤمن فلمجرّد إيلامه وتمحيص إيمانه وتقواه، فهي ضمّة عامّة إِمَّا أن يستمر بعدها العذاب أو يخلفها نعيم (1)، وقبل ذلك يمتحن الميّت بسؤال الملكين.
ب - سؤال الملكين
والملكان هما منكر ونكير، وسؤالهما للميّت مِمَّا وقع عليه إجماع السلف لورود أحاديث فيه، مثل:
- قوله e: «إِنَّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه إِنَّهُ ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمَّدٍ e؛ فَأَمَّا المؤمن، فيقول: أشهد أَنَّهُ عبد الله ورسوله، فيقول له: انظرإلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجَنَّة، فيراهما جميعا» (2).
- قوله e: «كيف بك إذا جاءك فتّان قبرك منكر ونكير» (3).
فالملكان يسمَّيان منكرا ونكيرا، وَتَدُلُّ أو صافهما على شدّة مجيئهما، والترهيب منهما، فيسألان المَيِّت عن دينه، ويمتحنانه فيه ويفتنانه بذلك وينتهرانه انتهارا شديدا (4).
وقد توسّع الشيخ اطْفِيَّشْ في الحديث عن الملكين وهل هما فردان فقط أو يمكن
__________
(1) -الهميان ط 1: 13/ 132؛ -شرح أصول تيبغورين: 537، 588؛ -كشف الكرب. 110؛ -الذهب: 55.
(2) انظر الهامش 24 من هذا المبحث.
(3) أخرجه السيوطي بروايات أخرى عن البيهقي وأبي داود والحاكم؛ انظر: السيوطي: الدر المنثور: 5/ 35 - 37؛ المعجم المفهرس 5/ 64.
(4) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 450؛ ابن تيمية: الرسائل الكبرى: 1/ 225؛ -الهميان: ط 1: 13/ 132؛ - شامل الأصل والفرع: 1/ 285. (1/429)
صفحة 430
أن يكون الإسمان «منكر ونكير» دالّين على جنسين من الملائكة، ويتولّى كلُّ اثنين منهم مَيِّتًا بالسؤال، وقد مال الشيخ إلى هذا التقسيم واعتبره هو المعنى الواضح في الموضوع (1)؛ مع أَنَّهُ غير مستعبد أن يكونا ملكين اثنين فقط؛ فالنصوص لا تَدُلُّ على أجناس من الملائكة، ولا مجال لتأويلها، ولإخضاع الموضوع إلى العقل، وليس بمعجز لله تعالى أن يقدر الملكين على سؤال كُلِّ مَيِّت؛ وَإِلاَّ قيل مثل ذلك في ملك الموت أيضا؛ فلهذا أشار القاضي عبد الجبّار وابن أبي العزِّ إلى وجوب الاقتصار على السمع في الموضوع (2)، وهو الأرجح والأسلم لطبيعة المسألة.
جـ - من يناله عذاب القبر
يرى الشيخ اطْفِيَّشْ أَنَّ هذا العذاب خاصٌّ بالكفّار والمشركين والمنافقين، مستمرّا في البعض ومنقطعا في حقّ الآخرين؛ أَمَّا المؤمنون فلا ينالهم هذا العذاب الذي هو جزء من المصير إلى النار (3).
ونلاحظ في المسألة أَنَّ من يرى عدم خلود الفاسق في النار يجعل عذاب القبر في حقّه تمحيصا له ليدخل الجَنَّة بعد البعث (4)، أَمَّا من يرى خلوده في النار فَإِنَّهُ لا يرى أَنَّ عذاب القبر ممحّصا للدخول إلى الجَنَّة؛ ولذلك قال الشيخ اطْفِيَّشْ إِنَّهُ لا يمنع منه «إِلاَّ الأنبياء في القبور والصدّيقون والمخلصون والمرابطون والأطفال والشهداء» (5)؛ ولذا كان عذاب القبر جزءًا من تنفيذ الوعيد، ونعيمه جزءًا من تنفيذ الوعد.
__________
(1) - حاشية القناطر: 2/ظ: 91؛ - شامل الأصل والفرع: 1/ 287؛ -الهميان ط 1: 13/ 35 - 38.
(2) عبد الجبار: شرح الأصول: 732؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 450.
(3) -الهميان ط 1: 13/ 132؛ -شامل الأصل والفرع: 1/ 285؛ -شرح أصول تيبغورين: 588.
(4) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 453.
(5) - حاشية القناطر: 1/ظ: 134. (1/430)
صفحة 431
4 - الإيمان بعذاب القبر
إِنَّ بحث موضوع عذاب القبر يفرض هذا التساؤل: هل الإيمان به من الأصول العقديّة؟
قال الإِبَاضِيَّة بوجوب الإيمان بعذاب القبر، وقد نقل الشيخ اطْفِيَّشْ هذا الحكم وقال: «المذهب وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه» (1)؛ وَأَمَّا رأيه الخاص وموقفه في المسألة فهو غير هذا، ونجده في هذا الجواب على من سأله إن كان عذاب القبر من الأصول، فقال: «الجواب أَنَّ ذلك ليس من الأصول» (2)؛ ثُمَّ شرح قوله بِأَنَّ اهتمام الإِبَاضِيَّة بإيجاب الإيمان بعذاب القبر، والتبرؤ من منكره لا يرفع القضيّة إلى درجة الأصول، وقال في جواب آخر: «الجواب أَنَّ ذلك ليس من الأصول؛ إِلاَّ أَنَّهُ كلّ شَيْء يتبرأ أصحابنا من فاعله مع أَنَّهُ ليس من الأصول فيتوهّم المبتدئون أَنَّ كلَّ ما يبرأ به يكون من الأصول، وليس كذلك» (3)؛ فلا تصل المسألة إلى درجة الأصول، باعتبار عدم ورود النصّ الموجب لذلك، خاصّة من القرآن الكريم؛ ولعدم تأثير إنكارها في التصديق والتوحيد، وقد يغني عن الإيمان بها الإيمان باليوم الآخر، ولكن لا يعني هذا جواز إنكارها بعد قيام الحجّة، والشيخ اطْفِيَّشْ ليس الوحيد عند الإِبَاضِيَّة الذي قال بهذا الرأي فقد سبقه إليه الوارجلانيُّ وقال: «ومسألة عذاب القبر ليست من مسائل الديانات، فمن جهلها سلم، ومن علمها غنم ومن تورّط فيها ندم» (4)؛ ثُمَّ تبعه بعد
__________
(1) - م س: 2/ و: 91.
(2) - جواب إلى محمد بن عبد الله: 141.
(3) - كشف الكرب: 1/ 12.
(4) الوارجلاني: الدليل: 3/ 245، 245. (1/431)
صفحة 432
ذلك الشيخ جميل بن خميس العمانيّ (1)، والشيخ السالميّ أيضا (2).
فهذه مسألة عذاب القبر، وكيف ناقشها الشيخ اطْفِيَّشْ، وقد انتهى فيها إلى عدم اعتبار الإيمان بها أصلا عقديّا، وكان منهجه في الاستدلال منهجا نقليّا، والعقل فيه محدود، كما أَنَّ الشيخ يعتبرالحياة في القبر نوعا من الاستعداد للحياة الآخرة (3)، ونؤيّد رأيه هذا بما نلاحظه من التشابه بين الحياتين، فالحياة في القبر بما فيها أهوال وسؤال وعذاب ونعيم كَأَنَّهَا الحياة الآخرة لكن في مظهر مصغّر.
وبعد القبر يظهر مقام ثان للجزاء والوعد والوعيد متمثلا في الشفاعة، فكيف تكون؟ ولمن تكون؟ هذا ما نحاول الجواب عنه في المبحث التالي.
```
__________
(1) جميل بن خميس: قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة: نشر وزارة التراث عمان 1403 هـ/1983 م: 6/ 653.
ولم نجد ترجمة للمؤلف سوى ما في مُقَدِّمَة كتابه وَأَنَّهُ قريب من عهد الشيخ اطفيَّش، واشتهر بكتابه هذا في 93 مجلَّدا.
(2) السالمى: مشارق: 2/ 108، 109.
(3) - شامل الأصل والفرع: 1/ 286. (1/432)
صفحة 433
المبحث الثالث
الشفاعة
1 - تعريف الشفاعة
الشفع في اللغة: خلاف الوتر، وهو الازدواج، ويأتي بمعنى الإعانة، وبمعنى الزيادة مثل قوله تعالى: {مَن يَّشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً} [النساء: 85]، أي: يزيد عملا إلى عمل (1)، وقد عرّفها الشيخ اطْفِيَّشْ حسب المعهود بين الناس وقال: «والشفاعة سؤال فعل الخير للغير، وترك الضرر عنه على سبيل التضرّع» (2).
وَأَمَّا في الاصطلاح: فقد عرّفها الشيخ بما ينتج عنها، فالشفاعة عنده هي ما يكون سببا في راحة المؤمنين من أهوال الحشر أو بدء الحساب، ودخول الجَنَّة، وزيادة الدرجات ... إلخ وقال عنها: «والشفاعة تكون بدخول الجَنَّة بلا حساب، وبزيادة الدرجات، وبتخفيف الحساب، وإدخال الأطفال الذين آباؤهم منافقون أومشركون الجَنَّة [ ... ] وبإدخال أهل الأعراف الجَنَّة، ونحو ذلك مِمَّا ليس فيه ردّ الشقيّ سعيدا» (3). ونلاحظ هنا توسّع الشيخ اطْفِيَّشْ في مفهوم الشفاعة ومواطنها، فقد أشار إلى مواطنها، وجعلها تكاد تشمل كلّ ما ينال من الخير في الآخرة قبل الدخول إلى
__________
(1) الفيروز آبادي: القاموس: 3/ 45، 46.
(2) - شرح أصول تيبغورين: 537؛ انظر: حاشية القناطر: 2/ و: 97؛ السالمي: مشارق: 2/ 131.
(3) - وفاء الضمانة: 6/ 113؛ انظر: شرح أصول تيبغورين: 182، 183. (1/433)
صفحة 434
الجَنَّة، فلا يحصل الإنسان على مكرمة أوفضل إِلاَّ مسبوقا بالشفاعة.
كما نلاحظ أَنَّ الإِبَاضِيَّة والمعتزلة يجعلون الشفاعة تزيد السعيد سعادة، ولا تحوّل الشقيّ إلىسعيد أبدا (1)، بينما هي عند غيرهم خاصّة الأشاعرة تكون لأكثر من هذا حَتَّى يستفيد منها من يدخل النار ليخرج منها (2)؛ وهذا هو مجال الاختلاف، وهو ما نحاول بحثه بعد أن نتحدث عن الشفعاء وأنواع الشفاعة.
2 - الشفعاء وأنواع الشفاعة
يقسم الشيخ اطْفِيَّشْ الشفاعة إلى نوعين: الشفاعة العظمى، والشفاعة الخاصّة. فالشفاعة العظمى يختصُّ بها سَيِّدنَا محَمَّد e وتكون لبدء الحساب، والشفاعة الخاصّة بالأفراد ويشترك فيها مع الرسول غيره «من الملائكة والأنبياء والعلماء والشهداء» (3)؛ ونظم ذلك في بيت من ثلاثة أبيات من الرجز:
وَعِنْدَنَا يَشْفَعُ غَيْرُ المُصْطَفَى كَالأَنبِيَاءِ وَالشُّهَدَا وَمَنْ وَفَى (4)
ونلاحظ أَنَّ البحث في الشفاعة قد اقتصر في الغالب على شفاعتي سَيِّدنَا محَمَّد e العامّة والخاصّة، رغم وجود الشفعاء الآخرين، خاصّة الأنبياء منهم، فلا نجد توضيحا وتفصيلا عن مدى شفاعتهم، وهل تكون لِكُلِّ مؤمن؟ أو تنحصر في المؤمنين بهم من أممهم فقط؟ كما أَنَّهُ قد أُغفل أهمّ شافع للإنسان وهو عمله الذي يقدّمه ثُمَّ يزكّى بشفاعة غيره من الشافعين أو يرفض، والله تعالى يقول: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ
__________
(1) عبد الجبار: فضل الاعتزال: 205، 206.
(2) الأشعري: الإبانة: 65.
(3) - شرح نونية المديح: و: 400.
(4) - ترتيب لقط التلاتي: 29. (1/434)
صفحة 435
وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنَ اَتَى اللهَ بِقْلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 - 89]. وقد سار الشيخ اطْفِيَّشْ في تقسيم أنواع الشفاعة على المنهج المتعارف عليه بين الإِبَاضِيَّة وغيرهم، واشترك معهم أيضا فيما ذكروه وما أغفلوه (1).
وجزَّأ الشيخ الشفاعة أيضا إلى أنواع متعدّدة، جمع فيها بين أقوال الإِبَاضِيَّة وغيرهم، وهي (2):
1 - الشفاعة لبدء الحساب وهي العامّة.
2 - الشفاعة لإدخال الناس الجَنَّة بغير حساب.
3 - الشفاعة لرفع الدرجات في الجَنَّة، وهي المشهورة لدى الإِبَاضِيَّة.
4 - الشفاعة لإدخال قوم الجَنَّة بعد حساب يسير، وقد ماتوا تائبين.
5 - الشفاعة لإخراج الموحّد من النار، وهو ما لم يقل به أحد من الإِبَاضِيَّة.
6 - الشفاعة لإخراج أبي طالب من النار، وينسبها أيضا إلى غير الإِبَاضِيَّة.
7 - الشفاعة لأهل المدينة، ونسبها كذلك لغير الإِبَاضِيَّة.
8 - الشفاعة لإدخال أهل الأعراف الجَنَّة.
وهذه الأقسام نجدها أيضا عند السَّلَفِيَّة، لكن مع بعض الاختلاف فيما نسبه الشيخ اطْفِيَّشْ لغير الإِبَاضِيَّة، فابن أبي العزِّ لم يذكر الشفاعة لإخراج أبي طالب من النار، ولكن لتخفيف العذاب عنه، ولم يذكر الشفاعة لأهل المدينة (3).
__________
(1) ابن تيمية: الرسائل الكبرى: 1/ 404؛ -حاشية القناطر: 2/ و: 97؛ -شرح أصول تيبغورين 553؛ السالمي: مشارق: 2/ 131.
(2) - الهميان: 9 ق 2/ 309، 310.
(3) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 254 - 258. (1/435)
صفحة 436
وهو تقسيم لا يعدو أن يكون تفصيلا لمن ينال الشفاعة، لأَنَّ المفروض في التقسيم ألاّ ينال أشخاصا بعينهم وأسمائهم كما هو هنا؛ ويعود التقسيم دائما إلى شفاعة عامّة وشفاعة خاصّة، وهو الذي غلب على حديث الشيخ اطْفِيَّشْ وغيره من العلماء، كما نبيّن الآن.
ا - الشفاعة العامّة
وتسمى أيضا بالشفاعة العظمى (1)؛ ويتّفق المسلمون على إسنادها إلى سيّدنا محَمَّد e وهي خاصّة به دون غيره، كما هو في حديث الشفاعة المشهور، وقد روي في كثير من الكتب، وهذا نصُّه كما ذكره الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح: «وذكر لنا في حديث الشفاعة أَنَّ أهل الإيمان يحبسون في الموقف بعد ما بشِّروا عند الموت، وبعد ما أجِّلوا عند المحنة في القبور، أَنَّ الله ربّهم قد غفر لهم، وأخذهم كتبهم بأيمانهم وابيضّت وجوههم وثقلت موازينهم، وأراد الله أن يدخلهم الجَنَّة بالشفاعة، والشفاعة مخزونة لا يصل إليها نبيء ولا ملك حَتَّى يفتحها رسول الله e قال: والأنبياء ومن اتَّبعهم محبوسون والأوّلون والآخرون، قال: فبينما هم كذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربّنا فيريحنا من هذا المقام؟ فيقول بعضهم لبعض: عليكم بآدم، فيأتونه؛ فيقولون: أنت الذي خلقه الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، فلو استشفعت لنا إلى ربّك فيريحنا من هذا المقام؟ فيقول: إنّي أكلت من الشجرة التي نهاني الله عنها، وإني أستحيي من لقاء ربّي، ولكن عليكم بنوح فَإِنَّهُ أوّل نبيء أرسله الله؛ فيأتون نوحا، فيقولون: لو استشفعت لنا إلى ربِّك؟ فيقول: إِنِّي سألت ربّي ما ليس لي به علم وأنا أستحيي من لقاء ربّي؛ لكن عليكم بإبراهيم خليل الرحمن؛ فيأتونه فيقولون له لو استشفعت لنا إلى ربّك؟ فيقول: إنّي أستحيي من لقاء ربّي، ولكن عليكم بموسى
__________
(1) ابن تيمية: الرسائل الكبرى: 1/ 403. (1/436)
صفحة 437
كليم الله، فيأتونه، فيقولون له: لو استشفعت لنا إلى ربّك؟ فيقول: إنّي قتلت نفسا فأستحيي من لقاء ربّي، ولكن عليكم بعيسى فَإِنَّهُ روح الله وكلمته، فيأتونه فيقولون له: لو استشفعت لنا إلى ربّك؟ فيقول: إِنِّي عبدت من دون الله، فأنا أستحيي من لقاء ربّي، ولكن عليكم بمحمّد e عبد قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، قال النبيء e فيأتونني فأمشي بين سماطين من المؤمنين فأقرع باب الجَنَّة فإذا فتح لي، ثُمَّ يقال لي: يا محمّد اشفع نشفّعك؛ فيقول: ياربّ ما بقي إِلاَّ من حبسه القرآن» (1).
ونلاحظ أَنَّ نصّ الحديث يَدُلُّ على أَنَّ المؤمنين يطلبون الشفاعة لدخول الجَنَّة، وليس لبدء الحساب، وَأَنَّهُم يعرفون مصيرهم إلى الجَنَّة، لكن النصّ ينتهي بعبارة «ما بقي إِلاَّ من حبسه القرآن» ولعلّ هذا ما جعل الإِبَاضِيَّة لا يعتبرون الشفاعة إِلاَّ واحدة وهي التي تكون لدخول الجَنَّة وزيادة الدرجات وهو ما ذهب إليه السالمي (2)؛ ولكنّ الشيخ اطْفِيَّشْ اعتبرها كما هي عند سائر المسلمين لبدء الحساب ولدخول الجَنَّة وزيادة الدرجات فيها، فمعنى الشفاعة العظمى عنده: هو تخليص الناس من أهوال الموقف وابتداء الحساب، ويشير إلى أَنَّ هذا ليس فيه رحمة للكافر لأَنَّ مصيره أعظم من ذلك الهول، ولكن لَمَّا طال الانتظار بالناس طلبوا التعجيل بالحساب، وتكون على يد سيّدنا محَمَّد e (3) ؛ وقد خصّه الله تعالى بذلك دون غيره من الأنبياء لفضله عليهم، واختصّ السؤال بمن ذكروا في الحديث لأَنَّهُم أشهر الرسل، ولهم شرائع عُمل بها زمنا طويلا (4).
__________
(1) الربيع: الجامع الصحيح: 279؛ انظر البخاري: التفسير: باب قول الله: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا} رقم 4206؛ المعجم المفهرس: 3/ 149.
(2) السالمي: مشارق: 2/ 131؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 660.
(3) -جامع الوضع والحاشية: 25؛ -الهميان: 1/ 83؛ -إزالة الاعتراض: 05.
(4) -شرح أصول تيبغورين: 550. (1/437)
صفحة 438
ب - الشفاعة الخاصّة
وهي التي لا تخصُّ النبيء e بل يشاركه فيها غيره، وتكون في حقّ المكلّفين المستحقّين لها كلّ على حدة، وتدخلهم الجَنَّة، أو ترفع درجاتهم فيها، وهي عند الإِبَاضِيَّة وعند الشيخ اطْفِيَّشْ تكون لمن مات تائبا مطيعا غير مصرّ على معصية، ويقول عن هذا:
وَعِنْدَنَا شَفَاعَةُ المُشَفَّعِ مَخْصُوصَةٌ بِالمُتَّقِينَ الرُّكَّعِ (1)
واستدلّ الشيخ عَلَى ذَلِكَ بأَدِلَّة منها:
- قوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَى} [الأنبياء: 28] والمرتضى هو المؤمن دون غيره.
- قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنَ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} [طه: 109].
- قوله تعالى: {يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلىً عَن مَّوْلىً شَيْئًا وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الدخان: 41، 42].
- قوله e: «يا فاطمة بنت محَمَّد ويا صفيّة عمّة محَمَّد اشتريا أنفسكما من الله فَإِنِّي لا أغني عنكما من الله شيئا» (2).
هذا ما استدلّ به الشيخ في قصر الشفاعة على المؤمن دون غيره، وهو في هذا متّبع لقول الإِبَاضِيَّة، وقد اعترض على هذا الرأي من قال: إِنَّ الشفاعة لصاحب الكبيرة،
__________
(1) -ترتيب لقط التلاتي: 29.
(2) الربيع: الجامع الصحيح: 281 رقم 1005؛ البخاري: المناقب: باب من انتسب إلى آبائه في الجاهلية والإسلام رقم 3336 مع اختلاف اللفظ؛ انظر: المعجم المفهرس: 5/ 15. (1/438)
صفحة 439
وأنّ المؤمن لا يحتاج إليها، فقد وعده الله الجَنَّة ــ وهو لا يخلف وعده ــ ولا يشفع فيه النبيء ليدخل الجَنَّة، أو ليسرع في ذلك، لأَنَّ تأخير دخوله ظلم والله لا يظلم، كما لا تكون الشفاعة لزيادة التفضيل والدرجات لأَنَّ المؤمن وعد ذلك بدون توسّط الشفاعة؛ وعقلا إِنَّمَا يشفع في مستحقّ العقاب لا مستحقّ الثواب (1).
وقد أجاب الشيخ اطْفِيَّشْ على مثل هذه الاعتراضات بِأَنَّ الزيادة في الإحسان قد تطلب بالشفاعة، ولا تقتصر على المحروم فقط، وأنّ التائب في حاجة إلى الانتفاع بالتفضّل عليه، وفضل الله واسع ومنه الشفاعة، كما أَنَّ المؤمن لا يمكنه أن يجزم بدخوله الجَنَّة، وهو لا يخلو من تقصير مهما كانت درجته في التقوى، يَدُلُّ على هذا قوله e: «ما من أحد يدخل الجَنَّة إِلاَّ بعمل صالح وبرحمة الله وشفاعتي» (2). فاستحقاق المؤمن للشفاعة لم يكن مرفوضا مطلقا (3)، ولكن الجدل واقع في شأن استحقاق صاحب الكبيرة للشفاعة.
3 - الشفاعة وصاحب الكبيرة
لقد كان الشيخ اطْفِيَّشْ يثبت الشفاعة للمؤمن، وينفيها عن صاحب الكبيرة ويرى أَنَّهُ إذا لم يتب منها قبل الموت، وحشر على ذلك فهو مصرّ ومصيره الخلود في
__________
(1) الأشعري: الإبانة: 65، 66؛ -شرح أصول تيبغورين: 557، 558؛ -حاشية القناطر: 2/ و: 96.
(2) الربيع: الجامع الصحيح: 279 رقم 1001؛ وروى البخاري ومسلم نصّا مثله لكن دون لفظة "شفاعتي" فيه: «لن يُدخل أحدا منكم عمله الجنّة [ ... ] قال: ولا أنا إلا يتغمدني الله بفضل ورحمة»؛ انظر البخاري: المرضى: باب نهي تمني المريض الموت رقم 5349؛ ابن الأثير: جامع الأصول: 1/ 213.
(3) عبد الجبار: شرح الأصول: 691؛ فضل الاعتزال: 208؛ ابن تيمية، الرسائل الكبرى: 1/ 403؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 257. (1/439)
صفحة 440
النار، ولا يشفع فيه الرسول e ولا غيره وقد اسْتَدَلَّ في ذلك بدلائل نقليّة وعقليّة هذه أهمّها:
- قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُوخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 48] فهذه آية في شأن المشركين، إِلاَّ أَنَّهَا تصف يوما من شأنه أَنَّهُ لا شفاعة فيه بدفع العذاب عن مستحقّه (1).
- قوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فيِ شَيْءٍ} [الأنعام: 159] وقال في الاستشهاد بها: «فالآية نصّ أو كالنصّ في أن لا شفاعة لأهل الكبائر، أي: أنت بريء منهم على كُلِّ وجه، وقد علمت في رواية عمر وأبي هريرة أَنَّ الآية في أهل البدع من هذه الأمّة، وكذا قالت أمّ سلمة رَضِيَ اللهُ عَنهَا زوج النبيء e وكذا إذا كانت فيهم وفيمن لا شفاعة لهم بالإجماع وهم المشركون أهل الكتاب أو غيرهم؛ وإن قيل: فيمن لا شفاعة له إجماعا؛ فاللفظ عام، والعبرة بعمومه، والعلّة التفرّق فليدر معها الحكم» (2).
- قوله تعالى: {لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اِتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 87] والعهد في الآية هو الوفاء بدين الله تعالى الذي أمر باتباعه (3).
- قوله تعالى: {وَأَمَّا الذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَّخْرُجُوا مِنْهَآ اُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذاَبَ النَّارِ الذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة: 20] فهذه آية تَدُلُّ على دوام الفاسقين في النار، مِمَّا يؤدّي إلى
__________
(1) - التيسير: 1/ 71؛ -حاشية القناطر: 2/ و: 96.
(2) - الهميان: 6 ق 1/ 339.
(3) - شرح المخمسة: و: 40؛ -حاشية القناطر: 2/ و، ظ: 96. (1/440)
صفحة 441
عدم خروجهم منها ولذا لا شفاعة لهم (1).
- وقوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُّطَاعُ} [غافر: 18] فإذا شفع في الظالمين فلا أعظم من هذه النصرة التي تخلص الظالم من النار، وصاحب الكبيرة من الظالمين، فلو شفع فيه الرسول e لكان نصيرا وشفيعا للظالمين (2).
- وقوله: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] وهي أيضا في المجرمين الذين في النار، فلا ينفعهم أن يشفع فيهم (3).
وقد اسْتَدَلَّ بهذه الآيات القاضي عبد الجبار أَيضًا، وَلَكِنَّهُ كان أكثر توسّعا في الاستدلال بآيات أخر تركها الشيخ اطْفِيَّشْ على عمومها في المشركين حسب السياق الذي وردت فيه، أو رأى أَنَّهَا ليست دالّة مباشرة على الموضوع (4).
وَأَمَّا من الحديث فقد اسْتَدَلَّ بما يلي:
- ما رواه جابربن زيد من قوله e: «ليست شفاعتي لأهل الكبائر» (5)؛ أو «لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمّتي»؛ وردّ على من قال بضعف هذا الحديث أو وضعه أَنَّهُ من رواية جابر وهو ثقة وكذلك من رواه عنه أبو عبيدة والربيع، وهو بعد ذلك له أَدِلَّة من القرآ ن والسنّة (6).
__________
(1) - شرح نونية المديح: ظ: 399؛ -شرح أصول تيبغورين: 578.
(2) - شرح نونية المديح: ظ: 399؛ - شرح أصول تيبغورين: 577؛ - الهميان: 9 ق 2/ 313.
(3) - شرح نونية المديح: ظ: 399.
(4) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة 689؛ تنزيه القرآن: 305، 365، 369.
(5) الربيع: الجامع الصحيح: 279 رقم 1004.
(6) - حاشية القناطر: 2/ظ: 96؛ - الهميان: 2/ 24؛ - شرح أصول تيبغورين: 561، 562، 573؛ السالمي: مشارق: 2/ 133. (1/441)
صفحة 442
- قوله e لبنته فاطمة وعمّته صفيّة: «لا أغني عنكما من الله شيئا» (1)، والصحابة أقرب إلى الرسول e وخاصّة إذا كانوا من أهله ومع هذا يقول لهم: «لا أملك لكم من الله شيئا «فكيف يكون الأمر مع غيرهم، خاصّة إذا كان هؤلاء الغير من الفاسقين أصحاب كبائر» (2).
- «لا ينال شفاعتي زان ولا سارق ولا مدمن على خمر ولا قاتل النفس التي حرم الله U» (3) .
- «لا تنال شفاعتي سلطانا غشوما للناس ورجلا لا يراقب الله في اليتيم»؛ و «لا تنال شفاعتي الغالي في الدين والجافي عنه «أي: الزائد فيه والناقص منه (4).
- «صنفان من أمّتي لا تنالهما شفاعتي القدريّة والمرجئة» (5).
__________
(1) ينظر ما سبق هامش: 17 من هذا المبحث.
(2) -أجوبة لأهل عمان: (خ): مكتبة الاستقامة؛ (ج: 27): 15؛ -حاشية القناطر: 2/ و: 96؛ - شرح المخمسة: ظ: 39؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 265.
(3) -شرح أصول تيبغورين: 561؛ -أجوبة لأهل عمان: 15؛ ولم نقف على نص الحديث في المصادر التي اطلعنا عليها.
(4) الربيع: الجامع الصحيح: 279 رقم 1002 و 1003؛ ولم نجد لفظي الحديثين في غير الجامع الصحيح، ولكن وجدنا عند الهيثمي في الموضوع نصّا هو: «صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي سلطان ظلوم غشوم وكل غال مارق» عن الطبراني في الكبير والأوسط ورجال الكبير ثقات -ونص: «ورجلان من أمتي لا تنالهما شفاعتي سلطان ظلوم غشوم وَآخر غال في الدين مارق منه»، ونص: «صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي سلطان ظلوم غشوم وغال في الدين يشهد عليهم ويتبرأ منهم» رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما منيع قال ابن عدي: «له أفراد أرجوا أنّه لا بأس به وبقية رجال الأوّل ثقات» ينظر: الهيثمي: مجمع الزوائد: 5/ 635، 636؛ -حاشية القناطر: 2/ و: 96؛ -الهميان: 2/ 24؛ 9 ق 2/ 313، 314.
(5) الربيع: الجامع الصحيح، 209 رقم 806، قال عنه الألباني: موضوع: ينظر: الأحاديث الضعيفة: 2/ 115. (1/442)
صفحة 443
- «ما منكم من أحد يدخل الجَنَّة إِلاَّ بعمل صالح وبرحمة الله وبشفاعتي» (1).
- «إنّي فرطكم على الحوض، من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا؛ ليردنّ عليّ أقوام اعرفهم ويعرفونني، ثُمَّ يحال بيني وبينهم [ ... ] فأقول: إِنَّهُم منيّ، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن غيّر بعدي» (2)؛ ولو كانت الشفاعة لأحد بسبب عصيانه لكانت لأتباعه كما سمّاهم في الحديث، فهم أولى بها من غيرهم (3).
بعد الاستدلال بالنقل ذكر الشيخ اطْفِيَّشْ حجّة من العقل تتلخّص في أَنَّ صاحب الكبيرة عندما ينال الشفاعة قد عفي عنه من غير توبة، وهذا رجوع عن تحريم هذه الكبيرة، كما أَنَّ الشفاعة تَدُلُّ على موالاة المشفوع فيه، فلا يتصوّر انقلاب المصرّ على المعصية من كونه عدوًّا لله تعالى فيصبح وليّا مرتضى؟ (4).
ولم يركّز الشيخ بعد هذا على شيء من الحجج العقليّة واكتفى بالأَدِلَّة النقليّة، بينما نجد القاضي عبد الجبار والشيخ السالمي ذكرا أَنَّ الشفاعة إذا كانت لصاحب الكبيرة، فهذا يؤدّي إلى جواز التقرب بها حَتَّى يكون صاحبها، ويصبح مشفّعا فيه، لمقام الشفاعة الذي يرفعه إلى أن يدافع عنه الرسول e وسائر الشفعاء، وكذلك يصبح قول الداعي: (اللهم اجعلني من أهل الشفاعة) يعني الدعاء بالكون من الفاسقين وأتباعهم (5).
__________
(1) ينظر هامش 19 من هذا المبحث -الهميان: 2/ 23.
(2) البخاري: الرقاق: باب في الحوض رقم 6212؛ المعجم المفهرس: 2/ 437.
(3) - أجوبة لأهل عمان: 15.
(4) -شرح أصول تيبغورين: 561.
(5) عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة: 692؛ فضل الاعتزال: 208؛ السالمي: مشارق: 2/ 133. (1/443)
صفحة 444
والشفاعة بِكُلِّ هذه المعاني تنتج عن القول إِنَّهَا في أهل الكبائر، وأنّهم في حاجة إليها دون غيرهم، وبهذا يظهر ما في هذا القول من المحذور والمحظور؛ وهو ما سعي الشيخ اطْفِيَّشْ لإظهاره من خلال ردّه على من يرى أَنَّ الشفاعة تكون في أهل الكبائر كما سنبيّنه.
والمشهور أَنَّ القائلين بالشفاعة لصاحب الكبيرة هم الأشاعرة والماتوريديّة والسلفيّة، معتمدين في ذلك على بعض الأَدِلَّة خاصّة الأحاديث النبويّة، التي قال عنها الباقلاني: «والأخبار في الشفاعة أكثر من أن يؤتى عليها، وهي كلّها متواترة متوافية على خروج الموحّدين من النار بشفاعة الرسول e وإن اختلفت ألفاظها» (1)؛ وفيما يلي نرى بعض هذه الأَدِلَّة وكيف كان موقف الشيخ اطْفِيَّشْ منها:
- قوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ِارْتَضَى} [الأنبياء: 28] بمعنى أَنَّهُم لا يشفعون إِلاَّ لمن رضي الله أن يشفع فيه؛ أو لا يشفعون إِلاَّ لمن رضي الله عمله الصالح ولو كان معه ذنب يستوجب العقاب لأَنَّهُ مع ذلك له إيمانه وبره (2)؛ وقد ردّ الشيخ اطْفِيَّشْ الاستدلال بهذه الآية ورأى أَنَّهَا تبقى على ظاهرها، والمقصود مَنْ رضي الله أن يُشفع فيه لعمله الصالح، والله لا يرضى عن صاحب الكبيرة فلا شفاعة له، وبذلك فالآية حسب ظاهرها لا تكون دليلا على الشفاعة لأهل الكبائر (3).
- حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (4)؛ وهو أهمّ أَدِلَّة المثبتين
__________
(1) الباقلاني: التمهيد: 367؛ انظر: الأشعري: الإبانة: 65، 66.
(2) م س؛ الباقلاني: التمهيد: 371.
(3) -شرح أصول تيبغورين: 557، 558؛ -شرح النونية: و: 400؛ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 689؛ فضل الاعتزال: 207.
(4) أبو داود: السنة: باب في الشفاعة؛ وصحّحه الألباني، انظر: المعجم المفهرس: 3/ 151؛ الألباني: الأحاديث الضعيفة: 1/ 247. (1/444)
صفحة 445
للشفاعة في حقّ صاحب الكبيرة، وقال عنه الشيخ اطْفِيَّشْ إِنَّهُ حديث آحاد، ومعارض لأَدِلَّة قطعيّة، وهي الأَدِلَّة القرآنية، ولو لم يكن معارضا لها فَإِنَّهُ لا يوجب العلم، كما قال إِنَّهُ يحتمل أن يكون موضوعا دون أن يعلل ذلك (1)؛ وَأَمَّا غير الشيخ من النافين للشفاعة في صاحب الكبيرة فقد اكتفوا بكونه آحادا وَأَنَّهُ لم يرد في الصحيحين (2). وبعد هذا نجد الشيخ اطْفِيَّشْ يحتمل أن يكون هذا الحديث صحيحا، ومع ذلك فَإِنَّهُ لا يفهم على ظاهره بل يؤوّل حَتَّى يوافق الأَدِلَّة الأخرى، ومن التأويلات التي يمكن تفسيره بها ما يلي:
يراد بهذا الحديث إثبات الشفاعة لأهل الكبائر إذا تابوا منها، فهو نص مقيّد، وإن لم يذكر القيد فيه فَإِنَّهُ يَدُلُّ عليه عموم النصوص في نفي الشفاعة عن غير التائب (3).
أو يقصد بالكبائر في الحديث غير ما يعرفه الناس الآن من كبائر الذنوب الموبقة، فقد اختلف مفهوم الكبيرة من عهده e إلى الذين جاءوا بعده، وَيَدُلُّ على هذا ما رواه البخاري عن أنس بن مالك t قال: «إنّكم لتعلمون أعمالا هي أدقّ في أعينكم من الشعر ما كنّا نعدّها على عهد رسول الله e إِلاَّ من الكبائر» (4).
- قال أبو هريرة قلت: يا رسول الله ماذا وَرَدَ عليك في الشفاعة؟ قال: «شفاعتي لمن قال: لا إله إِلاَّ الله مخلصا من قلبه» (5)، وقال الشيخ: إِنَّ المراد من ذلك أَنَّ الشفاعة
__________
(1) -شرح أصول تيبغورين: 573.
(2) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، 690، فضل الاعتزال: 208؛ السالمي، مشارق: 2/ 133.
(3) -شرح أصول تيبغورين: 573، 574؛ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 690.
(4) والخبر رواه البخاري: الرقاق: باب ما يتقى من محقرات الذنوب، مع اختلاف اللفظ؛ انظر - إزالة الاعتراض: 5؛ -شرح المخمسة: ظ: 39؛ -الهميان: 2/ 24؛ -حاشية القناطر: 2/ظ: 96؛ المعجم المفهرس: 3/ 137.
(5) أخرجه الحاكم وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد» انظر: أبو عبد الله محمّد الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين: مكتبة ومطابع النصر الحديثة: الرياض د ت: 1/ 70. (1/445)
صفحة 446
تحقّ لمن صدّق لسانه قلبه في الشهادة، وكان مخلصا في العمل والتقوى؛ وصاحب الكبيرة لا يكون كذلك (1).
لقد كان الشيخ في أغلب هذه الردود يؤوّل أَدِلَّة من يرون الشفاعة لصاحب الكبيرة، وعلّل ذلك قائلا: «والتأويل ولو بعيدا يعدّ قريبا إذا ثبت الأصل المؤوّل إليه بأَدِلَّة قويّة، وهو نفي الشفاعة لأهل الذنوب الكبيرة بأدلّته القويّة» (2). فهو يراعي تناسق الأَدِلَّة وانسجامها فيما بينها لذلك كان يحتمل التأويلات المختلفة إذا كانت الأَدِلَّة صحيحة، أو يُحتمل صحتها.
وهكذا يَتَّضِحُ لنا أَنَّ مذهب الشيخ في الموضوع هو مسايرة من يقول بحصر الشفاعة الخاصّة في المؤمن الموفّي دون غيره، ويعني ذلك أَنَّ صاحب الكبيرة لا يحظى بها. وقد اسْتَدَلَّ لرأيه بالقرآن والسنّة، وكان الاستدلال بالآيات التي تعمّ منع الشفاعة، ونلاحظ أَنَّهُ التزم في غالب استدلاله على نفي الشفاعة بظاهر النصوص، فقلّتْ نسبة التأويل مقارنة بالتأويلات التي ذكرها من يثبتونها لصاحب الكبيرة؛ لأَنَّ أَدِلَّة النفي كانت صريحة، ومباشرة بخلاف الأخرى فقد احتيج فيها إلى التأويل، وفي الاحتجاج العقليّ كان التركيز على إثبات عدم أهليّة فاعل الكبيرة للرضى، والعفو ولا أن يصل إلى درجة من المكانة تجعله وليّا لله تعالى يرضى أن يشفع فيه؛ لأَنَّ هذا يفقد الشفاعة مكانتها، ويضيّع معنى الأمر والنهي، كما نلاحظ تسرّع الشيخ في الحكم على الأحاديث بالوضع حين الردّ على الرأي المخالف له حَتَّى قال: «فأحاديث الشفاعة لهم فموضوعة» (3)، هكذا دون أن يستدلّ على هذا الحكم بدليل، لكن لا ننكر أَنَّهُ قد
__________
(1) - شرح نونية المديح: و: 400؛ - وفاء الضمانة: 6/ 110.
(2) - حاشية القناطر: 2/ظ: 97.
(3) - شرح أصول تيبغورين: 183. (1/446)
صفحة 447
بقي على منهجه من احتمال صحّة هذه الأحاديث وعدم ردّها مطلقا، ودعا إلى تأويلها بما يفيد منع الشفاعة عن صاحب الكبيرة، وقد لخّص موقفه في الموضوع عامّة بهذه الأبيات من الرجز:
«وَعِنْدَنَا شَفَاعَةُ المُشَفَّعِ مَخْصُوصَةٌ بِالُمتَّقِينَ الرُّكَّعِ
وَلاَ تَكُونُ لِلْعُصَاةِ اللُّكَّعِ وَلاَ ِلأََهْلِ الشِّرْكِ عَنْدَ الخُشَّعِ
وَعِنْدَنَا يَشْفَعُ غَيْرُ المُصْطَفَى كَالأَنبِيَاءِ وَالشُّهَدَا وَمَنْ وَفَى» (1)
ولا يخفى ما لاعتقاد الشفاعة بهذا المعنى من الأثر في السلوك الفرديّ، وهو مذهب يتناسق تماما مع اعتبار الإيمان الذي ينفع صاحبه في الموقف إِنَّمَا هو ما كان تصديقا حقيقيّا قوليّا وعمليّا، وما دون ذلك فلن يكفي، ومنع الشفاعة لصاحب الكبيرة تحقيق لهذا، فهو فصل تامّ بين العامل والمضيّع، وقطع للأمل في التواكل، والرجاء في الفوز بالنعيم بمجرّد الشفاعة دون العمل، بل لاَ بُدَّ للإنسان أن يجتهد قدر المستطاع، ثُمَّ الله يتفضّل عليه بالرحمة على حسب إخلاصه في مقاصده ونياته، وهو أيضا دفع لتزكية النفس إذ مهما اجتهد الإنسان في الواجب لا يستطيع أن يجزم بالنجاة وَبِأَنَّهُ قد أدّى حقّ الله تعالى كما هو أهل له، فما بال من يأتي بالمعصية الكبيرة ويرجو بعد ذلك العفو؟
ولا يعني هذا الوصول إلى القول الفصل في الموضوع لأَنَّ ذلك يبقى بيد الله تعالى، فهوأعلم بمن يستحقّ فضله، ومن يكون مصيره النار، وما هذه الأقوال إِلاَّ اجتهاد أدّى إليه تفكير العلماء في غياب النصّ القطعيّ المتّفق عليه، وخاصّة من الحديث، وهذا ما جعل الشيخ اطْفِيَّشْ لا يعتبر الشفاعة من الأصول التي تجب البراءة من المخالف فيها؛ فقد قال: «ولا يتبرأ من مخالف بمجرّد قوله بثبوت الشفاعة
__________
(1) - ترتيب لقط التلاتي: 29. (1/447)
صفحة 448
للعصاة أو لبعضهم، أوبجوازها دون الوقوع مع الإصرار» (1)؛ وهذا معتمد على جزء مهمّ من الاعتقاد بالغيب، فالله يفعل ما يشاء ولا يجب عليه شيء.
والشفاعة هي المقام ما قبل الأخير من الوعد والوعيد، وهي تمهيد للمصير النهائيّ الذي هو إِمَّا خلود في النعيم، أو خلود في الجحيم.
ll;;
__________
(1) - مجموع الرسائل: (أ، ز 6): 153. (1/448)
صفحة 449
المبحث الرابع
الخلود في الجَنَّة النار
مكَّن الله تعالى الإنسان من اختيار مصيره، وأعطاه فرصا متعدّدة للعمل، والتوبة حين يخطئ، ولم يقض عليه بالحكم لمجرّد العصيان، وتداركه برحمته وبالشفاعة لجبر ما يقصر فيه عن غير قصد، وأعلمه أَنَّ الحياة الحقيقيّة هي حياة الآخرة، وعليه أن يعمل لها؛ يقول تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنَّ الدَّارَ الاَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] .. وعليه أن يجتهد مثل غيره للظّفر بهذا النعيم: {وَفيِ ذَالِكَ فَلْيَتَناَفَسِ المُتَنَافِسُونَ} [المطففون: 26]، وعليه أن يبتعد عن أن يكون من الخاسرين: { ... وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُومِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلىَّا وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيًرا} [النساء: 155]
فالنجاح في دخول الجَنَّة والخسران في دخول النار، ولا وجود لموقف ثالث، لقوله تعالى: {يَوْمَ يَاتِي لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ اِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] وقوله e: «ما منكم من أحد إِلاَّ وقد كتب مقعده من النار» (1)؛ لمثل هذه الأَدِلَّة اتَّبَعَ الشيخ اطْفِيَّشْ مذهب من يرون أن ليس في الآخرة سوى مصيرين جنّة أو نار، وقال: «وظاهر الأحاديث والآية (2) يَدُلُّ أَنَّهُ ليس هناك إِلاَّ شقيّ وسعيد وهو كذلك» (3).
__________
(1) البخاري: التفسير: باب قوله: {فَأَمَّا مَنَ اَعْطَى وَاتَّقَى} Erreur ! Signet non défini. رقم 4661؛ انظر المعجم المفهرس: 442.
(2) يقصد بها آية سورة هود 105.
(3) - الهميان: 8 ق 1/ 281. (1/449)
صفحة 450
فالآخرة دار خلود لا شيء بعدها، واتَّفَق المؤمنون خصوصا على خلود المؤمن وخلود الكافر في النار، واختلفوا في شأن الفاسق: أيدخل النار خالدا فيها أو لمجرّد مدّة ثُمَّ يخرج منها ليخلد في الجَنَّة؟ وهذا أهمّ ما بحث في موضوع الخلود؛ وقبل أن نتطرق إلى هذا نرى دلالة الخلود على المكث الطويل أو على الدوام.
1 - دلالة الخلود على الدوام
يرى الشيخ اطْفِيَّشْ أَنَّ الخلود يَدُلُّ على الدوام، ولا يَدُلُّ على مجرّد المكث الطويل الذي ينتهي، فعنده أَنَّ من دخل الجَنَّة أو النار لن يخرج، وذلك مصيره الأبديّ مهما كان سببه، والشيخ في هذا موافق لِمَا عند الإِبَاضِيَّة والمعتزلة (1) وَاستَدَلَّ على ذلك بقوله تعالى: {وَالذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِئَايَاتِنَآ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] Erreur ! Signet non défini.، وبقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء: 34] Erreur ! Signet non défini.، ويرى أَنَّ الخلد لو كان دالاًّ عَلَى المكث الطويل لانتقض ما في الآية مع ما عرف من بقاء نوح u طويلا ورغم ذلك لم يسمّ بقاؤه خلدا، كما أشار إلى بقاء الخضر وإلياس من الأنبياء على قيد الحياة ولم يسمّ هؤلاء خالدين عند من يومن بهذا البقاء (2)؛ وما ذلك إِلاَّ لأَنَّ نوحا u لم يدم في الحياة، وإلياس والخضر رغم بقائهما سيموتان مع قيام الساعة.
وقد ورد استعمال لفظة “الخلود” لبعض المعاني التي هي ظاهرة الفناء والنهاية وفسّر الشيخ هذا الاستعمال على أَنَّهُ استعمال مجازيّ لعدم الانقطاع، أو أَنَّ كلّ شيء وخلوده، مثلما يقول المحبّس: “حبس مخلّد” أو “وقف مخلّد”؛ ثُمَّ قال الشيخ: «فخلود ما
__________
(1) - التيسير: 1/ 113.
(2) - فتح الله: 2/ و: 158. (1/450)
صفحة 451
يموت دوامه إلى موته، وخلود الحبس دوامه ما دام الدنيا، أو ما دام موجودا» (1)، وأيّد رأيه ببعض الشواهد الشعريّة التي ورد فيها لفظ الخلود؛ مثل قول الشاعر:
فَوَقَفْتُ أَسْأَلُهَا وَكَيْفَ سُؤَالُنَا صُمًّا خَوَالِدُ مَا يَبِينُ كَلاَمُهَا (2)
وقول الآخر:
لَنْ تَزَالُوا كَذَلِكُمْ ثُمَّ لاَ زِلْـ ـــتُ لَكُمْ خَالِدًا خُلُودَ الِجبَالِ (3)
وقول زهير:
أَلاَ لاَ أَرَى عَلَى الحَوَادِثِ بَاقِيًا وَلاَ خَالِدًا إِلاَّ الجِبَالَ الرَّوَاسِيَا
وَإِلاَّ السَّمَاءَ وَالنُّجُومَ وَرَبُّنَا وَأَيَّامُهُ مَعْدُودَةٌ وَاللَّيَالِيَا (4)
ففي البيتين الأوّلين استُعمل الخلود على الدوام تجوّزا لمشاهدة البقاء المستمرّ، مع أَنَّهُ طول بقاء فقط في الواقع؛ وأيَّد ذلك قول زهير الذي أظهر معنى الخلود حسب اعتقاده ببقاء هذه الأجرام السماويّة والجبال حَتَّى قرنها في بقائها ببقاء الله تعالى مِمَّا يَدُلُّ على أَنَّ المعنى الأصليّ للخلود هو الدوام، وليس مجرّد المكث الطويل المنتهي (5)؛ كما يؤيّد صحّة ما ذهب إليه الشيخ اطْفِيَّشْ بالإضافة إلى ما استشهد به ما نجد في اللغة من أَنَّ أصل الخلود هو الدوام بدون انقطاع ولذلك سميّت الآخرة دار خلود لأَنَّهُ لا دار
__________
(1) - م. ن: 2/ ظ: 158، و: 159.
(2) البيت من معلقة لبييد بن ربيعة العامري، انظر: الزوزني عبد الله الحسين: شرح المعلقات السبع: مكتبة المعارف ط 5 بيروت 1405 هـ/1989 م:221.
(3) والبيت للأعشى، انظر: أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي: كتاب جمهرة أشعار العرب: المطبعة الأميرية مصر 1308 هـ: 62.
(4) زهير ابن أبي سلمي: ديوان زهير: دار صادر بيروت دت:107؛ برواية: إِلاَّ السماء والبلاد.
(5) رسالة فيِ الخلود للشيخ العلاَّمة سليمان بن محَمَّد البطَّاشي مدرجة فيِ “تمهيد قواعد الإيمان”: 2/ 19 - 20، ط 1، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، د. ت. وانظر: الخليلي: الحق الدامغ: 186. (1/451)
صفحة 452
بعدها ولا حياة بعدها (1). فيتلخَّص لدينا أَنَّ الخلود يعني الدوام، وإذا أضيف إلى ما لا يدوم فبقاؤه إلى انتهاء ما يضاف إليه دوام بالنسبة إليه، كما يلخِّص ذلك الشيخ اطْفِيَّشْ قائلا: «فالخلود للدوام حقيقة في كُلِّ شيء بحسبه وهو انتهاؤه إن كان ينتهي إلى ما لا يمكن وجوده وإذا لم يكن كذلك فمجاز» (2).
وقد نسب الشيخ الخليلي (3) إلى الشيخ اطْفِيَّشْ القول بالخلود بمعنى البقاء والمكث الطويل فقط دون الدوام (4)، وهذا في الهميان حيث قال: إِنَّهُ المكث الطويل على الحقيقة، وَإِنَّهُ لا يكون على الدوام، ولكن يستفاد معنى الدوام في الخلود لأهل النار بقرائن وأَدِلَّة وليس من مطلق كلمة “الخلود”، وقال لولا ورود قوله تعالى للعصاة: {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} [الجنّ: 23] Erreur ! Signet non défini. لَمَا كان هناك دليل على خلودهم في النار (5)؛ ولا شكّ أَنَّهُ ذهب إلى هذا في بداية عهده بالتأليف ثُمَّ غيّره في مُؤَلَّفَاته المتأخّرة، ولا سيما في تفسيره «التيسير». وما دامت الآخرة دار خلود وفيها مصيران؛ فهناك خلود في الجَنَّة وخلود في النار، وسنرى من يستحقّ كلّ نوع منهما.
2 - الخلود في الجَنَّة
بشّر الله تعالى عباده المتّقين بالجنّة ونعيمها وما فيها، وكذلك فعل الرسول
__________
(1) ابن منظور: لسان العرب: 4/ 164؛ الفيروز آبادي: القاموس: 1/ 291، 292؛ انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 1/ 241.
(2) - فتح الله: 2/ظ: 158، و: 159.
(3) الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: معاصر مفتي سلطنة عمان، له مؤلفات منها: الحق الدامغ، تفسير جواهرالقرآن.
(4) الخليلي: الحق الدامغ: 185.
(5) - الهميان: 1/ 378. (1/452)
صفحة 453
ولذا كان الإيمان بهذا الثواب واجبا كما يقول الشيخ اطْفِيَّشْ: «يجب الإيمان بثواب الله لأوليائه وهو الجَنَّة ومعرفتها باسمها وَأَنَّهَا ثواب أوليائه في الآخرة لا انقطاع لها» (1). ودخول الجَنَّة مشروط بالعمل الصالح والوفاء بالدين (2)؛ كما يقول تعالى: {وَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 82] Erreur ! Signet non défini ..
ويقول الشيخ اطْفِيَّشْ إِنَّ دخول الجَنَّة لا يكون إِلاَّ برحمة من الله تعالى يعفو بها عن عباده حسب مقامات متعدّدة: «منهم من تذهب عنه سيئاته كلّها بالعبادة والمصائب أو بالعبادة وهو تائب منها فما له في الآخرة إِلاَّ الحسنات؛ ومنهم من تاب وقبل الله توبته ولكن لم يأت عليه من المصائب ما تقابل مرارتها حلاوة معاصيه ولم يجهد نفسه ويضيّق عليها بالعبادة، فيشدّد عليه في خروج الروح، أو في القبر، أو في الموقف أو في الحساب، أو في متعدّد من ذلك، أو في كلّ ذلك حَتَّى يوافي الله ولا ذنب له؛ ومنهم من عفى الله عنه» (3). ونرى أَنَّ مذهب الشيخ اطْفِيَّشْ إذا كان معقولا فهو في معناه العام أَنَّ أحدا لا يستحق الجَنَّة بعمله إِلاَّ برحمة من الله تعالى، وهذا ما يعني أَنَّ المؤمن مهما بلغ من الطاعة لن يبلغ مقدار شكر كلّ النعم، ولكن ما قاله الشيخ بعد ذلك يوحي بِأَنَّ المؤمن يمرّ لا محالة بتشديد ومصائب وتضييق، سواء في الحياة الدنيا أو البرزخيّة أو الآخرة حَتَّى يكون خاليا من كلّ ذنب، وهذا ما يحتاج إلى دليل، وإلاّ كان من يدخلون الجَنَّة كلّهم على درجة واحدة لا تمييزهم بينهم ما داموا قد طُهّروا من كلّ ذنب قبل الدخول إليها واستحقاقها كما أَنَّ ما اشترطه من المصائب للمؤمن حَتَّى تكافئ ما ذاقه من حلاوة المعصية يناقض قوله في التوبة وَأَنَّهَا تكون سببا في
__________
(1) - الذهب: 15.
(2) - الهميان: 2/ 144.
(3) - م. س: 9 ق 1/ 386. (1/453)
صفحة 454
العفو عن المذنب وسببا في قلب سيئاته حسنات؛ فيبقى في نظرنا أَنَّ المؤمن باعتباره موفّيا بالدين، وقام بما استطاع من التكاليف دون تفريط فَإِنَّ الله تعالى يرحمه بإدخاله الجَنَّة دار النعيم.
ومصير المؤمن متّفق عليه لا خلاف فيه، وَإِنَّمَا الخلاف في شأن أصحاب الأعراف ومصير الأطفال.
أ - أصحاب الأعراف
ذكر أصحاب الأعراف في القرآن مرّتين، وسمّيت بهم السورة، قال تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الاَعْرَافِ رِجَالٌ يَّعْرِفُونَ كُلاًّم بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوَا اَصْحَابَ الجَنَّة أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذَا صُرِفَتَ اَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ اصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَادَىآ أَصْحَابُ الاَعْرَافِ رِجَالاً يَّعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَآ أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُون} [الأعراف: 46 - 48] Erreur ! Signet non défini ..
ويذكر الشيخ اطْفِيَّشْ رأي جمهور الإِبَاضِيَّة في أَنَّ أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم مع سَيِّئَاتهم، فهم باقون لذلك بين الجَنَّة والنار على الأعراف (1)، وقد رفض هذا الرأي على أساس أَنَّ أهل الأعراف من أهل الجَنَّة لاعتبارين:
الأَوَّل - أَنَّ الاستواء بين السَّيِّئَات والحسنات غير واقع في اليوم الآخر، فلا يوجد من يكون على هذا الوصف؛ لأَنَّ التائب من سَيِّئَاته تمحى عنه كلّها، ولو كانت أكثر من الحسنات؛ ومن أصرّ على السَّيِّئَات فقط حبط عمله، وبطلت حسناته ولو كانت أكثر من السَّيِّئَات (2)، والشيخ في هذا الاعتبار يوافق ما ذهب إليه القاضي عبد
__________
(1) - التيسير: 4/ 15؛ فرحات الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 592.
(2) - التيسير: 4/ 71. (1/454)
صفحة 455
الجبّار من المعتزلة، ويوسف المصعبي من الإِبَاضِيَّة (1).
الثاني - أَنَّهُ لا دليل على وجود منزلة ليست بجنّة ولا نار، فالناس فريقان؛ إِمَّا شقيّ وَإِمَّا سعيد، وأصحاب الأعراف لا يشذّون عن هذا التقسيم (2)، وهذا هو القول الذي يأخذ به الإِبَاضِيَّة في رفض المنزلة بين المنزلتين، وقال الشيخ عن ذلك: «وَأَمَّا ما قيل إِنَّ أصحاب الأعراف لا يدخلون الجَنَّة أبدا ولا النار فقول باطل» (3).
فهم في نظره سعداء مصيرهم إلى الجَنَّة، ويبقى الإشكال في سبب بقائهم على الأعراف إذا كان هذا الموقف قبل دخولهم الجَنَّة، فقد قال الشيخ عنهم إِنَّهُم على الأعراف وهم آخر من يحاسب لا لأَنَّ فيهم من يدخل النار وَإِنَّمَا لأمور كانت بينهم في الدنيا؛ ثُمَّ يستشهد على كونهم من أهل الجَنَّة بقول مجاهد إِنَّهُم «رجال صالحون فقهاء علماء» (4). ويؤيّد ما ذهب إليه الشيخ اطْفِيَّشْ في كونهم من السعداء الحال التي ذكروا عليها في القرآن الكريم فهم يسلّمون على أهل الجَنَّة، ويستعيذون من النار وأهلها، ولكن مع هذا تبقى حقيقتهم مجهولة.
ب - مصير الأطفال
المعروف أَنَّ الأطفال يدخلون ضمن من لا يكلَّف، ويرفع عنه القلم، لحديث: «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حَتَّى يستيقظ، وعن الصبيّ حَتَّى يحتلم، وعن المجنون حَتَّى يعقل» (5).
__________
(1) عبد الجبار: سرح الأصول الخمسة: 623، 624؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 592، نقلا عن يوسف المصعبي: حاشية على الجلالين: و:231.
(2) - الهيمان: 8 ق 1/ 282.
(3) - التيسير: 4/ 65، 71؛ انظر: الهميان: 8 ق 1/ 282.
(4) - وفاء الضمانة: 6/ 135.
(5) رواه البخاري موقوفا على الإمام عليٍّ t وقال ابن حجر هو في حكم المرفوع؛ انظر البخاري: الطلاق: “باب في الإغلاق والكره والسكران والمجنون”؛ الحدود: “باب لا يرجم المجنون والمجنونة”؛ ابن حجر: فتح الباري: 12/ 120 - 121، ط بولاق مصر 1: المعجم المفهرس: 2/ 280. (1/455)
صفحة 456
ويعرّف الشيخ اطْفِيَّشْ الذرّية بما يوافق ذلك قائلا: «المراد بالذرّية من لم يبلغ؛ ومن لم يبلغ مؤمن على كلّ حال؛ “كلّ مولود يولد على الفطرة” (1) ولا سيما أولاد المؤمنين» (2)؛ ومع هذا التعريف الذي يعرّف به الأطفال والذرّية ومع نسبتهم في الأصل إلى الإيمان فَإِنَّ الخلاف واقع في شأنهم، خاصّة أطفال الكُفَّار: مشركين أو منافقين، أَمَّا أطفال المؤمنين فمتّفق على أَنَّهُم تبع لآبائهم في الجَنَّة، ويقول الشيخ اطْفِيَّشْ إِنَّ المذهب إلحاق الأطفال بأحد والديه في الإسلام، وهم في الجَنَّة لتقرَّ بِهم أعين آبائهم، ولحديث «إِنَّ الله يرفع ذرّية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه لتقرَّ بِها عينه» (3).
أَمَّا أطفال غير المؤمن فمختلف في شأنهم، ويقول ابن تيمية إِنَّ أكثر أهل العلم وأهل السنّة من المحدِّثين والمتكلِّمين على القول إِنَّهُم يكلّفون يوم القيامة، بأن تشعل لهم نار فيؤمرون بدخولها؛ فمن أطاع أُدخل الجَنَّة ومن عصى أدخل النار واختاره الأشعريُّ (4).
وقد رفض الشيخ هذا الرأي لأَنَّهُ مستند إلى رواية غير صحيحة ذكرها البغويّ، إضافة إلى كونه متناقضا مع ما يعرف عن الآخرة وَأَنَّهَا دار جزاء وليست دار تكليف، وكيف يكون الأطفال في النار بعد ذلك وهم لا ذنب لهم؟ (5) كما ساق الشيخ الحديث التالي: أَنَّ «خديجة سألت عن ولديها ماتا في الجاهلية، فقال: في النار؛ فرأى الكراهيّة في وجهها، فقال: لو رأيت مكانهما لأبغضتهما، قالت: يارسول الله: فولدي منك؟ قال: في
__________
(1) انظر تخريجه في الفصل الثاني: المبحث الثاني هامش: 26، ص 89.
(2) - الهميان: ط 1: 14/ 7، 8.
(3) أخرجه الحاكم قولا لابن عباس؛ انظر: الحاكم: المستدرك: 2/ 468؛ - الهميان: ط 1: 14/ 7،8.
(4) ابن تيمية: الرسائل الكبرى: 1/ 226.
(5) - التيسير: ط 1: 5/ 557، 558. (1/456)
صفحة 457
الجَنَّة، إِنَّ المشركين وأولادهم في النار والمؤمنين وأولادهم في الجَنَّة، وقرأ الآية» (1)، وقال الشيخ عن هذا الحديث معلّقا: «والله أعلم بصحّة هذا الحديث» (2).
فالشيخ يرى أَنَّ الأطفال كلّهم سعداء يوم القيامة بدخولهم الجَنَّة، لأَنَّ أطفال المؤمنين تبع لآبائهم والآخرون لا ذنب لهم يستوجبون به النار، ولكن نتبع آثار الشيخ فنجده لا يقف في هذا بل يضيف أَنَّ أطفال المشركين يكونون خدما لأهل الجَنَّة، مستدلاّ بحديث: «سألت ربّي في اللاهين فأعطانيهم خدما لأهل الجَنَّة» (3)، وَأَنَّ الرسول e توقّف فيهم قبل أن يعلم مصيرهم وقال: «الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين» (4). ويلخص الشيخ موقفه قائلا: «والذي أقول به أَنَّهُم في الجَنَّة، والله يمنّ بالرحمة ولا يظلمهم بذنوب آبائهم، وليست الآخرة دار تكليف، فلم يصحّ حديث اختبارهم باقتحام نار توقد لهم فينجو من اقتحمها؛ وَيَدُلُّ على عدم صحّته قوله e: “ إِنَّهُم في الجَنَّة خدم لأهلها” وَإِنَّمَا وقف e فيهم قبل أن يسأل الله تعالى فيهم، فيجيبه بِأَنَّهُم من أهل الجَنَّة، وقد جاء عنه e وعلى آله: “سألت ربي اللاهين فأعطانيهم خدما لأهل الجَنَّة” يعني: أطفال الأشقياء، لأَنَّ أطفال السعداء مع آبائهم ودرجتهم تقرّ أعينهم بهم، فاللاهون في الحديث: أطفال المشركين والمنافقين» (5).
__________
(1) قوله تعالى: {وَالذِينَ ءَامَنوُا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ اَلْحَقْناَ بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ} [الطور: 21] Erreur ! Signet non défini ..
(2) - الهميان: ط 1: 14/ 8؛ قال الهيثمي: رواه عبد الله بن أحمد وفيه محمد بن عثمان ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح، انظر: الهيثمي: مجمع الزوائد: 7/ 217، التبريزي: مشكاة المصابيح تعليق الألباني؛ هامش 4: 1/ 41، 42.
(3) لم نجد من يرويه بهذا اللفظ؛ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوي: المكتب التعليمي السعودي ط 2 المغرب الرباط 1401/ 1981: 4/ 279.
(4) البخاري: الجنائز: باب ما قيل في أولاد المشركين رقم 1317؛ انظر: المعجم المفهرس: 2/ 71.
(5) - جواب أهل زوارة: 23؛ -كشف الكرب: 1/ 104. (1/457)
صفحة 458
ولكنّ الشيخ لم يفسّر معنى التمييز بين هؤلاء الأطفال، وسبب هذه التفرقة بين متنعّمين وخدم للمتنعّمين، مع أَنَّهُم جميعا غير مكلّفين؛ وربما كان سبب الغموض في هذا الرأي هو محاولة الجمع بين ما جاء في آية سورة الطور، والأحاديث الشريفة؛ مع أَنَّ الآية لا تعني أَنَّ أطفال غير المؤمنين لا يتنعّمون، بل تقصد أَنَّ المؤمنين ينعمون بوجود أبنائهم إلى جنبهم بينما الأشقياء لا يحظون بهذا لأَنَّهُم في الجحيم وأولادهم لا يكونون إلى جنبهم، بل هي دليل على مفارقة أطفال الكفّار لآبائهم.
ومن جهة أخرى نجد الروايات غير متّفقة في إثبات لفظ “خدم لأهل الجَنَّة”؛ فقد ذكر السيوطيّ الحديث دون هذه الزيادة، وجاءت الأحاديث أحيانا مطلقة تشمل في السعادة كل الأطفال، بلفظ “ذرّية البشر” (1)؛ وقد صحَّح الألباني عبارة “أطفال المشركين خدم لأهل الجَنَّة”، بينما قال ابن تيمية عن رواية: “سألت ربّي في اللاهين فأعطاينهم خدما لأهل الجَنَّة”: إِنَّهَا لا أصل لها (2).
وبعد كُلِّ هذا نلاحظ أَنَّ القول بدخول أطفال المشركين الجَنَّة لخدمة أهلها يناقض كثيرا من القواعد المتَّفق عليها في العقيدة، من ذلك أَنَّ المحاسب والمعاقب إِنَّمَا هو المُكَلَّف والأطفال غير مُكَلَّفين سواء كانوا أولاد مؤمنين أوغيرهم، كما أَنَّ الآخرة لا تكون دار تكليف والشيخ نفسه قال ذلك ورفض اختبار أطفال المشركين لأَنَّ الآخرة لا تكليف فيها، ثُمَّ عاد هو نفسه وجعلهم مُكَلَّفين على الدوام؛ وما يلفت الانتباه ويثير الغرابة أكثر في هذا جعل أطفال المشركين يتحمّلون ذنب آبائهم، لأَنَّ هذا التمييز لم ينشأ إِلاَّ بسبب أَنَّ أطفال المؤمنين آباؤهم استجابوا للدعوة وعملوا، وأطفال المشركين آباؤهم جحدوا الحقَّ، وهذا مخالف تماما لصريح القرآن في آيات متعدّدة تحمّل كلّ إنسان ذنبه ونتيجة عمله، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
__________
(1) السيوطي: الجامع الصغير: 2/ 29؛ انظر الألباني: صحيح الصغير: 3/ 198.
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 279؛ الألباني: صحيح الجامع الصغير: 3/ 341. (1/458)
صفحة 459
أُخْرَى} [فاطر: 18].، فلن يتحمّل أحد تبعة ما يعمله غيره ولا ذنبه، فهذه الاعتبارات تجعل هذا القول متناقضا مع أصول العقيدة، إضافة إلى أَنَّ أَدِلَّة الحديث فيه لم تسلم من النقد والتضعيف مِمَّا يؤيِّد كون سعادة الأطفال مطلقة دون قيد أو تمييز.
3 - الخلود في النار
الإيمان بالنار واجب مثلما وجب الإيمان بالجنّة، فهي دار جزاء للذين لم يتّبعوا سبيل الحقّ والهدى، واتَّبَعوا الشيطان فاستهواهم وأزلهم. وجمهور المسلمين متّفقون أَنَّ الكفّار والمشركين يدخلون النار، وَأَنَّهُم خالدون فيها وَلَكِنَّهُم اختلفوا حول صاحب الكبيرة: هل يخلد في النار؟ أم يدخلها ثُمَّ يخرج منها؟
وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة نعرض لمسألة الورود على النار التي أشار إليها القرآن الكريم؛ فما معنى الورود على النار؟ وكيف يكون؟
ا - الورود على النار
جاء الورود على النار في قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمُ, إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا} [مريم: 71، 72]
يرى الشيخ اطْفِيَّشْ أَنَّ الإِبَاضِيَّة يفسّرون الورود بمعنى الحضور حول جهنّم، ومشاهدتها، دون الدخول إليها، وَاستَدَلَّ على صحة ذلك بقوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَىآ أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء: 101] فلا يمكن أن يدخلها المؤمنون بل يبعدون عنها؛ كما استشهد بتفسير ابن مسعود لآية سورة مريم حيث قال: «يرد الناس جميعا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار ثُمَّ يمرّون على (1/459)
صفحة 460
الصراط بأعمالهم» (1). وقال الشيخ عن هذا: «فنقول تفسير ابن مسعود الورود بالحضور حول جهنّم هو مذهبنا» (2).
كما ردّ الاستدلال بحديث قول جَهَنَّم للمؤمنين: «جوزوا أَيُّهَا المؤمنون فقد أطفأت أنواركم لهيبي» (3). وقال إِنَّ القائلين بالدخول لا يتّفقون على كيفيّته، فأحيانا يعتبرونه هو المرور على الصراط الممتدّ على جهنّم، وهذا ليس دخولا (4).
ومع تأكيد الشيخ على أَنَّ الأصل في معنى الورود هو مشاهدة النار وعدم الدخول، فَإِنَّهُ لا يرى حرجا من أن يكون المراد به الدخول عملا بالحديث؛ ولكن لم يورد نصّ هذا الحديث (5)، وقال عن ذلك: «ولكن أقول لا بأس بإجازة أن يقال يدخلها الكلّ، ويخرج منها المؤمنون، وهو المتبادر من قوله: {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا} (6) فيكون معنى: {نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَوْا}.؛ ننجيهم من ألمها والبقاء فيها لا يتألمَّون، ولا يبقون، بل يعبرونها كما جاء في الحديث» (7).
فالمسألة لا تكون ذات أثر كبير في القول بالورود أو عدمه، ولا تؤثر خاصّة في الآراء العقديّة، ولوأنّ اللغة تؤيّد من يقول بعدم الدخول، كما يرى ذلك الأستاذ الجعبيري (8)، فَإِنَّ ظاهر الآية يَدُلُّ على الدخول ما دامت اللغة لا تمنعه أيضا؛ وهذا ما
__________
(1) - الجنّة في وصف الجنّة: 108.
(2) - م. ن.
(3) أخرجه الهيثمي عن الطبراني بلفظ مختلف وقال عنه: «فيه سليم بن منصور بن عمار وهو ضعيف»، انظر: الهيثمي، مجمع الزوائد: 10/ 360.
(4) - ترتيب المدونة:1/ 240.
(5) انظر أحمد: المسند: 1/ 433؛ المعجم المفهرس: 7/ 192.
(6) سورة مريم: 71 - 72.
(7) - شرح الدعائم: 1/ 70.
(8) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 708، انظر: ابن منظور: اللسان: 3/ 456، 457. (1/460)
صفحة 461
لاحظه الشيخ اطْفِيَّشْ وانتهى إلى تأييد معنى المشاهدة مع عدم إنكار إمكان الدخول الحقيقيّ جمعا بين الرأيين.
وبعد هذا يأتي الحديث عن مناقشة مصير صاحب الكبيرة من خلال بيان موقف الشيخ اطْفِيَّشْ في المسألة وردّه على غيره.
ب - خلود صاحب الكبيرة في النار
لقد اتَّبَعَ الشيخ في المسألة المذهب الإباضيّ ووافقه في خلود الفاسق في النار وَأَنَّهُ لا يخرج منها بسبب الكبيرة التي اقترفها، واستدلّ على ذلك بأَدِلَّة من القرآن والحديث والعقل.
أَوَّلاً - الأَدِلَّة من القرآن الكريم
كان استدلال الشيخ من القرآن الكريم على خلود الفاسق في النار أوسع من الاستدلال بغيره من المصادر، ولذا نقسم هذه الأَدِلَّة حسب المعاني العامّة التي تَدُلُّ عليها.
أ - تمييز القرآن بين المؤمن والفاسق: وردت آيات تجعل الفرق واضحا بين من مات مؤمنا عاملا للصالحات وبين غيره، وهذه التفرقة تؤدّي إلى التمييز كذلك في الجزاء، ومن هذه الآيات ما يلي (1):
- {أَمْ حَسِبَ الذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءٌ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]
- {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 03] والفاسق لا يكون شاكرا ولا يمكن وصفه بذلك، فهو كافر خالد في النار.
__________
(1) - شرح الدعائم: 1/ 77؛ -الهميان: 1/ 497؛ -داعي العمل: ظ:16؛ و: 269؛ ظ: 243؛ -جامع الوضع والحاشية: 33؛ -التيسير: 5/ 243. (1/461)
صفحة 462
- {أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35، 36] فالفاسق مجرم ولا يستوي إجرامه مع إيمان المؤمن في المصير والجزاء.
- {أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] ثُمَّ بعد هذه الآية ذكر مصير الفاسق: {وَأَمَّا الذِين فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} [السجدة: 20] ..
- {أَمْ نَجْعَلُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فيِ الاَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجَّارِ} [ص: 28].
- {لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّة أَصْحَابُ الجَنَّة هُمُ الفَآئِزُونَ} [الحشر: 20]، فلو دخل الفاسق الجَنَّة لاستوى مع أهلها، وهو من أهل النار لأَنَّهُ يدخلها، ولا يلتقي فيه الوصفان كما أَنَّ القرآن لم يذكر صنفا من الناس هم أهل النار وأهل الجَنَّة أو أهل الجَنَّة والنار.
- {لِلذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِم بِمِثْلِهَا َوتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِّنَ اللهِ ِمنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا اُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26 - 27] .. فالآيتان تفصلان بين أصحاب النار وأصحاب الجَنَّة، فلو خرج الفاسق من النار لتناقض مع ظاهرهما، إذ لوكان من أهل الجَنَّة لم يدخل النار، وإذا كان من أهل النار فهو خالد فيها.
فهذه الآيات وكثير غيرها تقيم التفرقة بين من هم في النار ومن هم في الجَنَّة، وتجعلهم فريقين متباينين، ولا يمكن أن يتساويا، وقد استعملت أغلب الأوصاف والأسماء التي وصف بها فاعل الكبيرة مثل: الفاسق واجتراح السَّيِّئَات، والإجرام، والفساد، فكانت شاملة يدخل فيها صاحب الكبيرة. (1/462)
صفحة 463
ب - ردّ القرآن الكريم عَلَى من يقول بعدم الخلود في النار: وَاستَدَلَّ الشيخ بآيات في ذلك منها قوله تعالى: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلَ اَتَّخَذْتُّمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُّخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ, أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 80 - 82] Erreur ! Signet non défini ..
فالآيات في مجملها دليل على خلود الفاسق لَمَّا فيها من التقريع والتوبيخ لمن قالوا بعدم الخلود في النار؛ وما ذكر فيها من طلب العهد هو على سبيل التكذيب لهم؛ ومنع لهذا الاعتقاد؛ وَأَنَّهُ لا دليل لهم عليه، ثُمَّ بيّنت الآيات أسباب دخول الجَنَّة والنار والخلود فيهما، فالسيئة والخطيئة المحيطة بالمسيئ تخلّد صاحبها في النار، ومن أجل ذلك اختلف في دلالة السَّيِّئَة على الشرك وعدمه، وجعلها الشيخ اطْفِيَّشْ عَامَّة، ولا دليل على تخصيصها، فقد ذكرت هنا في مقابل العمل الصالح، مِمَّا يجعل الكبيرة مخلّدة في النار، وكذلك من ينفي خلود الفاسق يجعل الكبيرة تدخل النار لكن قصر الخلود هنا على المكث الطويل دون دليل؛ وما يهمّ في هذه الآيات هو تقسيمها الناس إلى فريقين، فيلزم أن يكون الفاسق في أحدهما، ولا يكون في الذين عملوا الصالحات لِمَا له من سيّئة فهو في النار خالد (1).
جـ- الوعيد بالخلود في النار لفاعل الكبيرة: فقد وردت آيات تسمّي بعض الكبائر، أوتذكر العصيان وتتوّعد صاحبه بالخلود الدائم أحيانا، أومطلقا دون وصف الأبديّة فحمل على الدوام للدلائل السابقة في معنى الخلود، ومن هذه الآيات:
__________
(1) - التيسير: 1/ 112؛ - الهميان: 2/ 144؛ انظر: السالمي: مشارق: 2/ 138، 139؛ -الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 725. (1/463)
صفحة 464
- {وَمَن يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، وقد ذكر قبل هذه الآية القتل الخطأ، وبيّن حكمه ولم يرتّب عليه كلّ هذا الوعيد، ثُمَّ ثنّى بالقتل عمدا، وهي عامّة في كُلِّ من قتل مؤمنا، ولا تخصُّ أحدا دون آخر ما دام وصف الإيمان فيه قائما ووصف العمد في القاتل موجودا (1).
- {وَمَن يَّعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} [الجن: 23]. لَمَّا كان رأي الشيخ اطْفِيَّشْ في البداية على أَنَّ الخلود هو المكث الطويل، فقد كان يعتبر هذه الآية هي الدليل الوحيد من القرآن على عدم خروج الفاسق من النار لوجود تقييد فيها بكلمة “أبدا”؛ ثُمَّ اعتبرها نصّا محكما في الموضوع إليه يردّ غيره، وَتَدُلُّ كغيرها على الخلود؛ والعصيان هنا يشمل الشرك والفسوق باعتبار عمومها ولو نزلت في الكفّار (2).
- {وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا ــ اخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهِ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَّفْعَلْ ذَالِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُّضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ َويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا اِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 68 - 70]. وصف الله تَعَالىَ فيِ هَذِهِ الآيات ما يتركه المؤمن من المعاصي والفواحش؛ كالشرك وقتل النفس التي حرّم الله والزنا؛ ثُمَّ رتّب على فعل هذه المعاصي والكبائر عذابا عظيما: الإثم وتضعيف العذاب والخلود في النار مع الإهانة، ثُمَّ يأتي استثناء من
__________
(1) - الهميان: 8 ق 1/ 286؛ -فتح الله: 2/ظ: 158؛ - شرح أصول تيبغورين: 183؛ - أجوبة لأهل عمان: 13.
(2) - الهميان: 1/ 378؛ -داعي العمل: و: 316؛ -فتح الله: 2/ظ: 158؛ -شرح أصول تيبغورين: 183. (1/464)
صفحة 465
يكفّر عن ذنوبه بالتوبة والعمل الصالح، فدلّت بذلك على أَنَّ من فعل هذه السيّئات أو بعضها ولم يتب فهو مخلّد في النار، فهي تخصّ صاحب الكبيرة، ولا تكون في المشركين؛ وهي واضحة في خلود الفاسق، وليس فيها شرط أن يفعل كلّ هذه المعاصي حَتَّى يحقّ عليه الخلود، كما يردّ بهذا النافون لخلود الفاسق؛ بل تكفي واحدة منها ليكون صاحبها خالدا في النار، ومنها الشرك فهو وحده كاف في الحكم بالخلود، ومع هذا ذكر مع غيره مِمَّا يَدُلُّ على عدم اشتراط الجمع بين هذه المعاصي؛ فهو يغني عن الباقي لو كان المقصود الجمع بين كلّ هذه المعاصي؛ لأَنَّ المشرك يكفيه شركه في الخلود، وإلاّ كان ذلك تكرارا؛ كما أَنَّ الزاني والقاتل غير مشركين فيحقّ عليهما الخلود بالزنى والقتل لَمَّا لم يحقّ عليهما بالشرك (1).
- {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ نُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 14]، وهي دليل على خلود العاصي الفاسق المتعدّي لحدود الله؛ ولا دليل على تخصيصها بالمنكر الكافر، وقد جاءت بعد بيان الواجب من الفرائض ثُمَّ وصفت الفرائض بالحدود ورتّبت على تعدّيها الخلود، وهذا يخصّ الفاسق ولا يخصّ المنكر الكافر (2).
- {وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} [الانفطار: 14 - 16] فلو خرجوا منها لكانوا غائبين عنها، ويصبح هذا تكذيبا للآية، ولا دليل على تخصيصها في حقّ كاملي الفجور دون غيرهم؛ لأَنَّهَا قسمت الناس إلى أصحاب نعيم وأصحاب جحيم (3).
__________
(1) - م. ن؛- أجوبة لأهل عمان: 13؛ - الهميان، ط 1: 11/ 384.
(2) - الهميان: 4/ 464؛ 8 ق 1/ 286.
(3) - فتح الله: 2/ و: 159؛ -شرح الدعائم: 1/ 67؛ انظر: عبد الجبار: تنزيه القرآن: 365. (1/465)
صفحة 466
- {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدَ اَخْزَيْتَهُ, وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنَ اَنْصَارٍ} [آل عمران: 192].، فلا يخرج من النار من دخلها، سواء بشفاعة أو بغيرها لأَنَّ هذا مخالف للإخزاء ونصرة له والظالم لا ناصرله (1)، والظلم هنا عام لا يخصّ الشرك، ويرى الشيخ أَنَّ الظلم الذي قصد به الشرك هو الذي جاء في قوله تعالى: {الذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ اُولَئِكَ لَهُمُ الاَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].، وفسّرها الرسول e بقوله: «ألا تسمع إلى قول لقمان لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].» (2).
- {كَذَالِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167] فهذا نفي للخروج من النار أصلا بسبب عمل من دخل فيها (3).
و يستوقفنا في الموضوع دليل استعمله المثبتون لخلود الفاسق، ولم يأخذ به الشيخ، وهو وعيد آكل الرباء في قوله تعالى: {الذِينِ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَالِكَ بِأَنَّهُم قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ, إِلىَ اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] ورأى الشيخ أَنَّ هذه الآية لا تَدُلُّ على خلود صاحب الكبيرة، ولكن تَدُلُّ على خلود مستحلّ الربا، وهو كفر والمستحلّ كافر، وقال في تفسيرها إِنَّ دليل خلود الفاسق يؤخذ من غيرها (4)، وخالف في هذا مثبتي الخلود
__________
(1) - التيسير: 3/ 363، 364.
(2) البخاري: التفسير: باب {لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} Erreur ! Signet non défini. رقم 4498؛ انظر: المعجم المفهرس: 4/ 83.
(3) - التيسير: 3/ 363، 364.
(4) - م. س: 1/ 450. (1/466)
صفحة 467
الذين أدرجوا هذه الآية ضمن أدلّتهم، وأنكروا على من اعتبرها خاصّة بالمستحلّ دون مجرّد المقترف المعتقد للحرمة، واعتبروا ذلك تهوينا من تحريم الربا، ومنهم الشيخ محَمَّد عبده والشيخ رشيد رضا والشيخ الخليلي إذ شدّدوا على اعتبارها في الاستحلال، وأرادوا إثباتها للمقترف الفاسق (1).
ونجد الشيخ اطْفِيَّشْ ومن قبله الرازي يبقيان الآية على وضوحها، في أَنَّهَا تخصّ المستحلّ كما هو ظاهر لفظها (2)، فهما صريحان مع أسلوب النصّ من ربط أجزاء الكلام ببعضه؛ فقوله تعالى: {فَمَنْ عَادَ مرتبط بقوله: {قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} Erreur ! Signet non défini. أي: من عاد إلى أخذ الربا على الاستحلال مثل البيع، أو عاد إلى اعتقاد حليّة الربا؛ بينما أراد غيرهما أن يكون بمعنى من عاد إلى أكل الربا بعد تحريمه.
وليس في الموضوع كبير خلاف لأَنَّ مجرّد البقاء على أكل الربا كبيرة، والموت عليه إصرار على الكبيرة بدون التوبة، وهذا يكفي في خلود صاحبه في النار كما يراه الشيخ اطْفِيَّشْ والمثبتون لخلود الفاسق؛ كما أَنَّ إتمام الآية يَدُلُّ على ذلك حين يتوجّه الكلام إلى المؤمنين بعد الحديث عن المستحلّين للربا؛ فيقول U: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّومِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279] Erreur ! Signet non défini.، فمن يفلح في حرب ربّه ورسوله، أو يموت وهو على هذه الحال؟ لذا فقد كان الشيخ على مذهبه ولكن لم يكن مقلّدا فقط، بل كان يعمل الفكر في اختيار الدليل.
هذه هي أَدِلَّة الشيخ اطْفِيَّشْ من القرآن الكريم؛ وقد عارضها مثبتو خروج الفاسق من النار بجملة من الاعتراضات أوردها الشيخ وردّ عليها بما يلي:
__________
(1) رشيد رضا: تفسير المنار: ط 2 دار المعرفة بيروت دت: 3/ 98، 99؛ الخليلي: الحق الدامغ: 208.
(2) الرازي: التفسير الكبير: 7/ 94. (1/467)
صفحة 468
من ذلك قول المثبتين إِنَّ هذه النصوص تَدُلُّ على الخلود؛ لكن في حقّ من اقترف هذه المعاصي معتقدا استحلالها، فلا يحقّ ما فيها من الوعيد على من يقترفها وهو معتقد حرمتها، وردّ الشيخ على هذا الاعتراض بِأَنَّ الاستحلال يَدُلُّ على الشرك، والمسلمون متّفقون على أَنَّهُ مخلِّد في النار، فلا معنى لتخصيص الوعيد بالمشرك، لأَنَّهُ غير وارد وتحصيل حاصل، ولا دليل عليه، فمثلا الوعيد على المتعدّي لحدود المواريث عامّ غير خاصّ في المستحلّ، لأَنَّ الفاسق غير راضٍ بقسمة الله U فهو متعدّ، وهذا هو المشهور لدى الصحابة y من إطلاق: راض وغير راض على الموحّد، مثلما روي عن ابن عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قال: «من لم يرض بقسمة الله ويتعدّ ما قال، يدخله نارا خالدا فيها» (1).
كما اعترض النافون لخلود الفاسق في النار بِأَنَّ الآيات المُتَعَلِّقة بالوعيد على فعل الكبائر خاصّة بالمشركين ولم تكن عامّة تشمل الفاسقين، لأَنَّ صيغها كانت عامّة، فيخرج منها الفاسق بتقييد هذا العموم بأَدِلَّة خروجه من النار.
والشيخ اطْفِيَّشْ يرى أَنَّ هذا العموم شامل لحكم المشرك وصاحب الكبيرة الموحّد معا، ولا دليل على تخصيصه، واستثنائه ما دام الوصف ينطبق عليهما، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سبب الآيات، ومتى ثبت الوصف ثبت معه الحكم (2).
وردّ الاستدلال بقوله تعالى: {وَالذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِئَايَاتِنَآ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة: 10] وقال فيه: «لا يقال في الآية دليل على اختصاص الخلود بالمشركين من حيث الحصر بتعريف الطرفين ودلالة الصحبة على الملازمة؛ لأنَّا نقول الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة عرفا وغيره، وتطلق الصحبة على غير الملازمة
__________
(1) - الهميان: 4/ 464.
(2) - التيسير: 1/ 235؛ -شرح أصول تيبغورين: 183؛ - داعي العمل: و: 316. (1/468)
صفحة 469
كما تطلق على الملازمة» (1).
وَيَدُلُّ على عموم الوعيد للفاسق وغيره وروده عامًّا مع عموم الوعد مقابلا له؛ فلا يكون الفاسق إِلاَّ مع أهل الوعد بالجنّة أو أهل الوعيد بالنار، ولا موقف وسط بين ذلك، وهذا ما يثبته عموم القرآن (2).
ومن الأَدِلَّة ما سبق في شأن تقسيم المواريث، فلا دليل على تخصيص الوعيد فيها على المشرك، خاصّة وَأَنَّ السياق جاء في تشريع جملة من الأحكام تتوجّه إلى المؤمن لا إلى المشرك، ولو انصرفت إلى المشرك بالعموم فلا دليل على إخراج الفاسق من ذلك (3).
وهذا التخصيص في حقّ المشرك يؤدّي أحيانا إلى استعمال اللفظ الواحد على المجاز والحقيقة معا، مثل الوعيد الوارد في آية سورة الفرقان السابق ذكرها، فعلى القول بالتخصيص نجد الآية ذاتها تعني الخلود الدائم في حقّ المشرك والخلود بمجرّد طول المكث في حقّ المسلم المقترف لتلك المعاصي؛ وقال الشيخ اطْفِيَّشْ في هذا: «وحمل الخلود في الآية الأخيرة على المكث الطويل في حقّ الموحّد، الدائم في حقّ المشرك جمع بين الحقيقة والمجاز خلاف الأصل؛ لا يصار إليه إِلاَّ بدليل مسلّم» (4).
هذا ردّ الشيخ اطْفِيَّشْ على الاعتراضات التي وجّهت إلى ما استُدِلّ به من القرآن الكريم، وقد زاد الشيخ أبو عمار تأكيدا على عدم تخصيص هذه الأَدِلَّة بالمشرك بالإشارة إلى ما يلزم عن هذا من النتائج؛ ذلك أَنَّهُ لو كانت هذه الآيات في حقّ المشركين، وَأَنَّهَا تتوعّدهم لعدم امتثالهم، فمعنى ذلك
__________
(1) -الهميان: ط 1: 14/ 145.
(2) - م ن: 2/ 144.
(3) - م ن: ط 1: 14/ 429؛ ط 2: 4/ 464.
(4) - شرح أصول تيبغورين:183؛ انظر: - الهميان: ط 1: 11/ 384. (1/469)
صفحة 470
أَنَّهُ قد أمروا ونهوا، وَلَمَّا لم يمتثلوا حقّ عليهم الوعيد، فيكون كلّ وعيد بهذا المعنى، حَتَّى يمكن القول إِنَّ المشركين قد نهوا أن يولّوا أدبارهم للمؤمنين، وأمروا أن ينفروا لغزر المؤمنين لأَنَّ الوعيد توجّه لمن لم يفعل ذلك، في قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ, إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ اَوْ مُتَحَيِّزًا اِلىَا فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِيسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 16] وقوله U: {اِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا اَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 39]
(1) فحسب من يذهبون إلى تخصيص الوعيد بالمشركين تكون الآيتان أيضا خاصّتين بالمشركين، خاصّة آية سورة الأنفال التي تنصّ على أَنَّ من تولىّ يوم الزحف مأواه النار، مع أَنَّ الواقع غير ذلك، والآية صريحة في الخطاب إلى المؤمنين، وَأَنَّ من فعل ذلك لقي الوعيد باعتبار اقتراف هذه الكبائر. وهكذا يقال عن باقي آيات الوعيد.
ثانيا- الأَدِلَّة من السنَّة
وبعد هذه الأَدِلَّة من القرآن الكريم ذكر الشيخ اطْفِيَّشْ أَدِلَّة من السنة نوردها فيما يلي؛ وقد كانت في مجملها على نسق الآيات التي رتّبت وعيدا على فاعل الكبيرة مع تسمية هذه الكبيرة، والتوّعد على ذلك بالخلود، والأحاديث هي:
- «من اقتطع من مال امرئ مسلم شيئا بيمين كاذبة، فقد أوجب الله له النار وحرمت عليه الجَنَّة، فقال رجل: وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك» (2).
__________
(1) -أبو عمار: الموجز: 2/ 112،113.
(2) رواه مسلم مع اختلاف اللفظ؛ انظر مسلم: الإيمان: باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار رقم 137؛ - جامع الوضع و الحاشية: 375؛ المعجم المفهرس:1/ 57. (1/470)
صفحة 471
- «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ بها بطنه في نار جهنّم خالدا مخلّدا أبدا، ومن قتل نفسه بسمٍّ فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا» (1).
- «عن ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عن النبيء e قال: إذا دخل أهل الجَنَّة الجَنَّة، وأهل النار النار، قام مؤذن بينهم: يا أهل النارلا موت؛ ويا أهل الجَنَّة لا موت خلود [ ... ] قال البخاري [ ... ] عن أبي هريرة قال النبيء e: “ يقال لأهل الجَنَّة: يا أهل الجَنَّة خلود لا موت” (2)؛ وفسّر الشيخ اطْفِيَّشْ ذلك بقوله: «أي أنّكم أو شأنكم خلود، أو أنتم ذوو خلود، أو أنتم خلود» (3).
هذا ما ذكره الشيخ في الأَدِلَّة من السنّة، وهي مع دلالتها على الموضوع قليلة إذا قُورِنت بما ذكره غيره خاصّة القاضي عبد الجبّار والسالمي، فقد زادا أحاديث أخرى تؤدّي المعنى نفسه (4).
هذا عن الاستدلال بالنقل من الكتاب والسنّة، وبقي بعده من أَدِلَّة الشيخ اطْفِيَّشْ ما تعلّق منها بالاستدلال العقليِّ.
ثالثا- الأَدِلَّة من العقل
لقد كانت أَدِلَّة الشيخ اطْفِيَّشْ لإثبات خلود الفاسق من النقل أكثر من أدلته
__________
(1) البخاري: الطب: باب شرب السم والدواء به وبما يخاف منه والخبيث رقم 5442؛ انظر- وفاء الضمانة: 2/ 346؛ المعجم المفهرس: 1/ 323.
(2) البخاري: الرقاق: باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب رقم 6179؛ مسلم: صفة الجَنَّة وصفة نعيمها وأهلها: باب النار يدخلها الجبارون وَالجَنَّة يدخلها الضعفاء رقم 2850؛ المعجم المفهرس:2/ 59.
(3) - الجنّة في وصف الجنّة:251.
(4) عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: 673؛ فضل الاعتزال: 210؛ السالمي: مشارق: 2/ 142. (1/471)
صفحة 472
العَقلِيَّة، ولم يستعمل العقل هنا إِلاَّ تأكيدا للنقل وتوجيها لبعض أدلَّته، لأَنَّ المسألة لا تحتمل تدخُّل العقل فيها بتوسُّع، وقد اتَّبَعَ الشيخ أَدِلَّة من سبقه من الإِبَاضِيَّة والمعتزلة، كما يلي:
- «الفاسق يستحقُّ العقاب بفسقه، واستحقاق العقاب مضرَّة خالصة لا يشوبها نفع، كما أَنَّ الثواب منفعة خالصة عن الشوائب، والانقطاع شائبة، والجمع بينهما محال؛ فإذا ثبت له استحقاق الثواب، فعذابه مخلَّد» (1).
- الإيمان لا يجتمع مع الكفر، فهما متناقضان، كذلك الجزاء على الإيمان لا يمكن أن يجتمع مع الجزاء على العصيان والكفر في شخص واحد، فهو إِمَّا معاقب على العصيان، أو مثاب على الطاعة، ولا وجود لمعاقب مثاب (2)؛ وهذه الحُجَّة مستندة إلى ما سبق من أَدِلَّة التمييز بين النوعين من الجزاء، وبين الناس في الحياة الآخرة.
- الوعد والوعيد لا يتخلَّفان وَإِلاَّ لزم القول بالبداء تعالى الله عن ذلك ولو خرج الفاسق من النار لبطل معنى الوعيد وحكمته، ويبطل حكم الله تعالى في الفاسق (3).
- الفاسق معاقب وهو من المغضوب عليهم، وهو عدوٌّ لله تعالى ولا يمكن أن يصبح مثابا ووليًّا له، ولا تجتمع الولاية والعداوة في شخص، فالله تعالى إذا غضب علىأحد لم يرحمه، وإذا رحمه لم يغضب عليه (4).
فبهذه الاستدلالات المختلفة نقلا وعقلا أثبت الشيخ اطْفِيَّشْ خلود الفاسق خلودا دائما في العذاب، وأيَّد ما ذهب إليه الإِبَاضِيَّة والمعتزلة في الموضوع، كما ناقش مع ذلك
__________
(1) - فتح الله: 2/ و:158.
(2) - التيسير: 3/ 364.
(3) - الهميان: 8 ق 1/ 287.
(4) - م. ن. (1/472)
صفحة 473
أَدِلَّة من يرون خروج الفاسق من النار، وردَّ عليهم ردودا نورد بعضا منها فيما يلي.
جـ - موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من القول بعدم خلود الفاسق
نقسم ردود الشيخ على من قال بعدم خلود الفاسق في النار حسب مصدرها كما رأينا أدلّته في الإثبات.
أَوَّلاً - النصوص القرآنيّة
1 - اسْتَدَلَّ الباقلاَّنيُّ بالظواهر القرآنيّة التي تَدُلُّ على أَنَّ أصحاب النار فيهم أوصاف لا تكون في الفاسق: وهي أوصاف المبالغة في الضلال والكفر، مثل قوله تعالى: {فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الاَشْقَى الذِي كَذَّبَ وَتَوَلىَّا} [الليل: 14 - 16]. وقوله U: {إِنَّهُ كَانَ لاَ يُومِنُ بِاللهِ العَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ} [الحاقة: 33 - 34].، وقوله أيضا: {إِنَّهُم كَانُوا قَبْلَ ذَالِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الحِنثِ العَظِيمِ} [الواقعة: 45 - 46]. (1).
ولا يرى الشيخ اطْفِيَّشْ أَنَّ هذه النصوص خاصّة بالكفار المبالغين في هذه الأوصاف، ولكن الآيات ذكرت المبالغة لتشمل ما دون ذلك من الأوصاف، ويقابلها أوصاف أصحاب الجَنَّة التي ذكرت على المبالغة في هذه السور ذاتها لم يكن المراد بها أَنَّ من دون وصف الأتقى لا يدخل الجَنَّة، بل تشمل أيضا غير المبالغ في التقوى؛ فمثل هذه الآيات، وإن لم تتحدّث عن الفاسق مباشرة، فَإِنَّهَا لم تكن وحدها في وصف أصحاب النار؛ لأَنَّ هناك آيات أخرى تخصّ الفاسقين (2).
2 - تحديد البقاء في النار بالأحقاب: وذلك في قوله تعالى: {لاَبِثِينَ فِيهَآ
__________
(1) الباقلاني: التمهيد: 358،359.
(2) - التيسير: ط 1: 6/ 50، 330،331،612،613. (1/473)
صفحة 474
أَحْقَابًا} [النبأ: 23] يرى النافون لخلود الفاسق أَنَّهَا دليل في الموضوع؛ لأَنَّهَا تحدّد المدّة بأحقاب فإذا انتهت انتهى معها البقاء في النار، ويرى الشيخ اطْفِيَّشْ أَنَّ الأحقاب غير معدودة، وهي على الدوام، كما يمكن أن يراد بها فترات تتناول كلّ فترة نوعا من العذاب؛ فهو عذاب متنوّع لِكُلِّ نوع حقبة من الزمن، على غير تحديد ولا نهاية (1)؛ ويؤيّد ما ذهب إليه الشيخ اطْفِيَّشْ أَنَّ هذه الآية جاءت في شأن الكفار المنكرين للحساب وليس في الفاسقين ــ كما يقول القاضي عبد الجبار ــ ومع هذا لم يقل أحد إِنَّ الكافر غير مخلّد لتحديد العذاب بالأحقاب؛ فدلّ هذا على أَنَّ الآية ليست دليلا على عدم خلود الفاسق، كما أَنَّ الأحقاب لا تَدُلُّ على تحديد بالضرورة (2).
3 - تحديد البقاء في النار بدوام السماوات والأرض: وفي قوله تعالى: {فَأَمَّا الذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لَمَّا يُرِيدُ} [هود: 107] والآية تَدُلُّ عند من ينفي الخلود على أَنَّ الخلود ينتهي بانتهاء السماوات والأرض. ولكنّ الشيخ يرى أَنَّ السماوات والأرض المذكورات هنا سماوات الآخرة وأرضها، وما في الآخرة دائم لا ينتهي، وَيَدُلُّ على ذلك تبدّل هذه الأجرام في الآخرة، فليست هي المعهودة في الأرض كما قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الاَرْضُ غَيْرَ الاَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [ابراهيم: 48] وقال أيضا في الجَنَّة أرض لَكِنَّهَا دائمة، {وَأَوْرَثَنَا الاَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّة حَيْثُ نَشَآءُ} [الزمر: 74].
ويحتمل أن يراد في الآية التبعيد، بتعليق الشَّيْء على ما لا يقع، أو يبعد وقوعه، مثل قول القائل: (لا أكلّمك ما دامت السماء والأرض، وحاضت البنت
__________
(1) - شرح الدعائم:1/ 67،68.
(2) عبد الجبار: تنزيه القرآن:361. (1/474)
صفحة 475
وأطت الإبل): ومنه قول الشاعر:
إِذَا مَا شَابَ الغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِي وَصَارَ القَارُ كَاللَّبَنِ الحَليِبِ
وقد استُعمل هذا الأسلوب في القرآن وذلك في قوله U: {وَلاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّة حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فيِ سَمِّ الْخِيَاطِ} [هود: 108] Erreur ! Signet non défini. فإذا كان عذاب أهل النار ينقطع فكذلك نعيم أهل الجَنَّة، وهو غير واقع، مع أَنَّ الآيتين متساويتان في التعبير، فلا معنى للتخصيص في الموضوع دون دليل (1).
4 - الاستثناء بالمشيئة: فالآية السابق ذكرها ورد الاستثناء فيها بعد ذكر الخلود {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} Erreur ! Signet non défini. بمعنى ما شاء من الوقت، فإذا انتهى انقلبوا إلى نعيم؛ كما يستدلّ بها من ينفي الخلود، وكما ورد مثل هذا الاستثناء في قوله U: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ} [الأنعام: 128] Erreur ! Signet non défini ..
يقول الشيخ اطْفِيَّشْ في شأن الآيتين إِنَّهُما تحتملان معانيَ غير ما ذكر من نفى الخلود عن الفاسق؛ فيمكن أن يكون المراد أَنَّهُم يعذّبون دائما إِلاَّ ما ينقص من ذلك في مدّة البرزخ والمحشر والحساب ثُمَّ يردّون إلى العذاب. أو المراد استثناء عامّ لا يقصد به الإنقاص من مدّة العذاب، وَيَدُلُّ على ذلك أَنَّهُ ورد أيضا في شأن السعداء بعد الحديث عن الأشقياء، ولم يكن يعني ذلك أَنَّ سعادة أهل الجَنَّة منقطعة، فكذلك لا يعني أَنَّ عذاب أهل النار منقطع؛ وقد يراد به أَنَّهُم يعذّبون ما شاء الله من عذاب ثُمَّ ينقلون إلى غيره.
__________
(1) - التيسير: 6/ 42، 43؛ - الهميان:8 ق 1/ 282،283؛ انظر: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة:674،675؛ تنزيه القرآن: 165، 166. (1/475)
صفحة 476
وبعد هذه التأويلات ينتهي الشيخ إلى نتيجة هي أَنَّ الاستثناء من الله تعالى ليس كالاستثناء من غيره دائما، فقد يستثني بالمشيئة على معنى التحققّ وعدم التخلّف، وَيَدُلُّ على هذا استثناءات أخرى لم تكن على المعنى المتعارف عليه، مثل قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ} [الأعلى: 6 - 7] Erreur ! Signet non défini. وقوله أيضا: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللهُ} [الفتح: 27] Erreur ! Signet non défini. فكانت هنا على تحقيق عدم النسيان، وتحقّق الدخول إلى المسجد الحرام (1).
ثانيا- الأحاديث النَّبَوِيَّة
أَمَّا الأحاديث الشريفة التي اسْتَدَلَّ بها من يثبتون الخروج من النار فهي نفسها الأحاديث التي اسْتَدَلُّوا بها لإثبات الشفاعة للفاسق ومنها:
1 - «فيخرجون قد امتحشوا وعادوا فحما» (2).
2 - «حتّى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة، فيخرجون ضبائر ضبائر، فيلقون على أنهار الجَنَّة، فيقال: ياأهل الجَنَّة، أهريقوا عليهم من الماء، فينبتون كما تنبت الحبة من حميل السيل» (3).
3 - « ... ثُمَّ يقول من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من إيمان فأخرجوه» (4).
4 - «آخر من يخرج من النار رجل يقول في النار: يا حنّان يا منّان» (5).
__________
(1) - الهميان: 8 ق 1/ 284 - 286؛ -التيسير: 3/ 364؛ -شرح الدعائم:1/ 68،75.
(2) رواه البخاري بلفظ «عادوا حمما»؛ انظر البخاري: الرقاق: باب صفة الجنة والنار رقم 6192؛ المعجم المفهرس:5/ 82؛ سليمان الأشقر: اليوم الآخر الجنّة والنار: قصر البليدة 1411 هـ/1991 م: 129.
(3) في البخاري مثله؛ انظر البخاري: الإيمان: باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال رقم 22؛ المعجم المفهرس: 3/ 477؛ الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة: 4/ 67.
(4) انظرالبخاري: الرقاق: باب صفة الجنة والنار رقم 6192؛ المعجم المفهرس: 2/ 20، 4/ 128.
(5) أخرجه في الإتحافات السنية عن أحمد وابن خزيمة والبيهقي عن أنس بلفظ آخر، والهيثمي عن البزار وقال: «إسناده حسن»؛ انظر: المعجم المفهرس: 2/ 174. (1/476)
صفحة 477
5 - حديث إخراج الله تعالى البطاقة للموحّد الفاسق فيثقل بها ميزانه وفيها كلمة الشهادة (1).
ولم يتتبّع الشيخ اطْفِيَّشْ كلّ هذه الأحاديث التي استشهد بها من أثبت خروج الفاسق من النار، بل كان يعلّق عليها عموما بمثل قوله: إِنَّهَا أحاديث ضعيفة في سندها أو متنها، ويشكّ في صحّتها، وَلَكِنَّهُ لم يكن يناقش مثل هذه الأحكام، أو يستدلّ بما يثبت ضعفها، خاصّة منها ما روي في الصحاح أو في أحدها (2). و يقول إِنَّهَا أحاديث آحاد، والآحاد لا يثبت بها العلم، ولا تعارض ما هو أقوى منها سندا، ولا ما كان قطعيّا من الأدلّة، ويقصد مخالفتها الآيات القرآنية (3). وأحيانا يحتمل لها تأويلات على اعتبار أَنَّهُ يمكن أن تكون أحاديث صحيحة، ومن ذلك قوله إِنَّهَا نصوص تصدق على الفترة التي لم تنزل فيها الفرائض، وَلَمَّا نزلت ووجبت كان لازما الوفاء بها والامتثال للأمر والنهي (4)؛ وهذا ما وافقه فيه الشيخ محَمَّد الغزالي (5) لكن في مجرّد اعتبار الأحاديث كانت قبل نزول الفرائض وليس في الحكم بخلود الفاسق.
واعتمد الشيخ اطْفِيَّشْ في ردوده على ما تتركه من الأثر في السلوك لو أُخذت على ظاهرها، أي التسوية بين العاصي والمتّقي في المصير؛ والقرآن الكريم صريح وواضح في نفي التسوية بين مصيريهما؛ وقال الشيخ إِنَّ أَدِلَّة من يثبتون خروج الفاسق تجعله وليّا لله تعالى لأَنَّهُ يدخل الجَنَّة، وعدوّا لأَنَّهُ عصى وهذا تناقض (6)؛ كما قال
__________
(1) انظر: الفصل الرابع (الغيب) المبحث الأَوَّل هامش: 76، ص 177.
(2) -أجوبة لأهل عمان:14؛ - إزالة الاعتراض:04.
(3) - فتح الله:2/ظ:158، انظر أيضا: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة:672.
(4) -التيسير:1/ 113.
(5) محَمَّد الغزالي: عقيدة المسلم: 136؛ انظر الفصل السادس مبحث منزلة الإيمان هامش:23 - 25.
(6) - شرح أصول تيبغورين:183؛ -الهميان:8 ق 1/ 287. (1/477)
صفحة 478
الشيخ محَمَّد الغزالي في حديث البطاقة: «هذا حديث مثير الدلالة، وهو لو أخذ على ظاهره يضع عن النّاس شتّى التكاليف الإلهيّة، ويبطل قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ويُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} Erreur ! Signet non défini.» (1) .
فهذه الردود استندت إلى الأثر الواقع من اعتقاد الخروج من النّار، وواضح أَنَّ ذلك يؤدّي إلى التساهل، وذهب الوارجلانيُّ إلى أبعد من هذا عندما اعتبر القول بالخروج من النّار مخالفا للحكمة الإلهيّة في الأمر والنهي، ويشبه أن يكون إغراء على فعل المعاصي، كما أَنَّهُ مخالف لمقتضى الوعد الوعيد (2).
هكذا ناقش الشيخ اطْفِيَّشْ آراء من ينفون الخلود في النّار عن الفاسق، وأدلّتهم؛ وفي الأخير أشار إلى ما يتبادر إلى العقل من المقارنة بين خلود الفسق وخلود المشرك، مع أَنَّ سبب خلوديهما ليس واحدا، فكيف تسبّب الكبيرة عذابا خالدا مثل الإشراك؟ وأجاب بِأَنَّ الاعتماد على ثبوت الدليل؛ وقد ثبت أَنَّ الفاسق يخلد في النّار، فالعقل غير مؤهّل ومحدود لا يمكنه تفسير الخلوديْن؛ والله تعالى لا يسأل عَمَّا يفعل، وهذا قوله: «فإذا قيل: كيف تبطل جرعة خمر عبادة ستِّين سنة؟ قلنا: فكيف يجوّز عقلك العقاب بمدّة طويلة في نار وعذاب لا يشبههما نار وعذاب على جرعة؟ فَإِنَّ عقلك لا يقبل إِلاَّ أن يكون عقابها مثل كيّة واحدة بنار الدنيا، أو جوعة عظيمة، أو عطشة عظيمة كيومين، فإذًا لا يدخل العقل في ذلك؛ والله أعلم» (3).
و قد حاول القاضي عبد الجبّار تعليل ذلك بالنظر إلى عظم النعم، والمنعِم بها؛ فَإِنَّ هذا يبيح اعتبار المعصية عظيمة، فيحسن العقاب الدّائم في حقّ من لم يشكر
__________
(1) سورة يونس: 81 - 82؛ محَمَّد الغزالي: عقيدة المسلم:130،131.
(2) الوارجلاني: الدليل:2/ 36.
(3) - الهميان: 4/ 53. (1/478)
صفحة 479
وعصى (1)؛ ولكنّ رأي الشيخ اطْفِيَّشْ ــ مع وجاهة رأي القاضي ــ أرجح لأَنَّهُ لو انسقنا وراء العقل في هذا الموضوع لانتهينا إلى ما انتهى إليه البعض من أَنَّ العذاب كلّه غير منطقيّ الاستمرار، فيقتضي توقفه عقلا إذا انتهى العقاب على مقدار العصيان وتفنى النّار ويخلص الناس جميعا إلى الجَنَّة (2)؛ ولكن لاَ بُدَّ للعقل من حدود يضبطها الدليل فلا يفرّط في ذلك كما قال الشيخ اطْفِيَّشْ، وفي هذا دليل على التزام الشيخ بالنقل في المسألة، وكان اعتماده عليه أوسع منه في الاستدلال بالعقل؛ ومن جهة أخرى نلاحظ أَنَّ رأيه ورأي من يقول بالخلود الدائم للفاسق كان أقوى وأرجح نظرا إلى طريقة الاستدلال التي اتّبع فيها الشيخ اطْفِيَّشْ النصوص القرآنيّة، ولم يحتج فيها إلى تأويل، ثُمَّ أيّده بأحاديث صريحة وواضحة، وأخيرا باستدلال عقليّ يوافق ما جاء في النصوص ويوضّحها، بينما وجدنا غالب أَدِلَّة النافين لخلود الفاسقين كانت عن طريق التأويل واحتمال المعاني للآيات، وكان سندهم في ذلك الحديث، لذلك توجّه الشيخ اطْفِيَّشْ إلى تأويلها.
وما يمكن نقد ردود الشيخ به هو عدم تمحيصه هذه الأحاديث لإثبات صحّتها أو عدمها، مِمَّا أدّاه للجوء إلى الاحتمالات دون تحقيق، وإلى التسرّع في الحكم بالضعف، إِلاَّ أَنَّ هذا لا يقدح في وجاهة الآراء التي قالها في الموضوع؛ لأَنَّهُ كان يرجع دائما إلى نصوص القرآن المحكمة.
د - خلود الفاسق في الناروالأصول العقديّة
لقد كان اهتمام الشيخ اطْفِيَّشْ بمسألة خلود الفاسق في النار كبيرا، وكتب فيها
__________
(1) عبد الجبار: فضل الاعتزال: 209،210.
(2) ابن القيم: مختصر الصواعق المرسلة: اختصار محمد بن الموصلي مكتبة الرياض الحديثة الرياض دت:1/ 357 إلى آخر الجزء. (1/479)
صفحة 480
كثيرا، وهذا يدفعنا إلى السؤال: هل الإيمان بخلود صاحب الكبيرة في النار أصل عقديّ تجب معرفته والإيمان به؟
فالإِبَاضِيَّة جعلوه أساسا عقديّا، وأوجبوا معرفته والإيمان به (1)؛ ودافع الشيخ اطْفِيَّشْ عن هذا وَاستَدَلَّ على صحّته كما رأينا، لَكِنَّهُ لم يحكم مثل حكم الإِبَاضِيَّة على من خالفه، بل قال: «وعندي أَنَّ الخلود وعدمه ليسا من الأصول التي يكون بها التكفير، وَأَمَّا خلود المشرك فمنها» (2)؛ وقد أيّده في هذا سعيد بن تعاريت، وقال إِنَّ المسألة ليست من الإلهيّات بمعنى أَنَّهَا لا تصل إلى درجة أهمّية التوحيد، ثُمَّ أورد قول الشيخ اطْفِيَّشْ السابق (3). وقد تردّد رأي الشيخ اطْفِيَّشْ هذا بمثل هذه العبارة في أجوبته إلى العمانيّين خاصّة، وكان يقرنه بمسائل أخرى مثل الشفاعة وعذاب القبر والصراط (4). ولم تكن من الأصول في نظره لأَنَّ الخلاف فيها لا يؤثّر في التوحيد؛ وَإِنَّمَا اعتبرها البعض أصولا لَمَّا كانت أدلّتها قويّة، وَلَمَّا كان البعض يتبرّأ من المخالف فيها؛ والحقّ غير ذلك، فلا تبنى الولاية والبراءة على مجرّد المخالفة في مثل هذه المسائل.
ورأي للشيخ اطْفِيَّشْ هنا جريء أمام المكانة التي أولاها الإِبَاضِيَّة للمسألة، وخاصّة في عصره، وكان يُنتظر أن يثير قوله ردّ فعل قويّ منهم، فقد اختلفوا معه اختلافا شديدا في مسائل أقلّ شأنا من هذه بكثير؛ لكن لم يحدث شيء من هذا في شأن
__________
(1) الشماخي: متن الديانات:48؛ وقد اهتم بهذه المسألة غير الإباضيّة سواء من قالوا بخلود الفاسق أو بعدمه كلهم جعلوها من أصول العقيدة، انظر: الرازي: التفسير الكبير:3/ 144، محمد رشيد رضا: تفسير المنار:1/ 364؛ محمد علي ناصر: أصول الدين الإسلامي: 50؛ السالمي: مشارق: هامش رقم 1: 2/ 138؛ الجعبيري: البعد الحضاري:2/ 714،715.
(2) - إزالة الاعتراض: 04.
(3) سعيد بن تعاريت: الملك المحمود: 130، 131؛ انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 714.
(4) -جواب محمد بن عبد الله: ظ: 2؛ -كشف الكرب: 1/ 12؛ -جواب أهل زوارة:20، -مجموعة الرسائل: (أ. ز:6):07. (1/480)
صفحة 481
الخلود؛ والسبب في ذلك ــ في نظرنا ــ راجع إلى طريقة تقديمه لهذا الرأي، فَإِنَّهُ لم يسجّله في شيء من كتبه ومؤلفاته وَإِنَّمَا كانت مجرّد أجوبة يبعث بها إلى عمان، وزوارة بليبيا، فلم تحدث أثرا في الجزائر، وَإِنَّمَا تأثر بذلك بعض العمانيّين، واتّخذوا هذا القول دليلا للتّهوين من شأن المسألة، أو التهويل بما قاله، فكان على الشيخ أن يوضح الرأي، ويزيل ما ظنوه من سوء الفهم فيما قال، حيث قال في رسالة إلى الشيخ صالح بن عيسى الحارثي (1) في آخر رجب سنة 1317 هـ/ 1899 م: «وَأَمَّا كون الخلود من الفروع فوجهه أَنَّهُ ليس تركه قدحا في صفة الله، ولا مؤدّيا إلى القدح فيها أو فيه، وهي هو (2)، وليس إبطالا لحكمه [ ... ] وقد ندمت على إظهار أَنَّ عدم الخلود من الفروع لَمَّا سمعت أَنَّ جماعة اغترَّت بذلك، ووَدِدْتُ أنّي كتمته. وقولوا لهم ــ رحمكم الله ــ إِنِّي قائل بالخلود وحاكم على نافيه بالعصيان، وَإِنَّهُ ليس القول بِأَنَّهُ من الفروع قولا بنفيه. [ ... ] وليس القول بفرعيّته نفيا لآيات الخلود وأحاديثه، ولكن قيّدوها فصارت مقيّدة في زعمهم فخرجت عن الأصول» (3).
ولم يقدّم الشيخ مثل هذا التوضيح للمسائل الأخرى التي أخرجها من الأصول، وهذا القول منه إثبات لفرعيّة المسألة، وهو أيضا تثبيت لمعنى الأصل، وهو ما يكون إنكاره قدحا في حقّ الله تعالى وإبطالا لأحكامه، وهو ما يكون معلوما ضرورة أَمَّا مسألة الخلود بالنسبة إلى الفاسق، فقد وجدنا فيها اختلافا.
وعندما ننظر إلى رأي الشيخ في المسألة نجده يرمي من ورائه إلى إخراج الخلاف
__________
(1) صالح بن عيسى الحارثي العماني: من المعاصرين للشيخ اطفيش، وله عِدَّة مراسلات معه، يسميه الشيخ اطفيش: بالشيخ الصالح صالح الحارثي، لم نقف على مصدر يؤرخ له أو يذكر ميلاده أو وفاته أو أعماله.
(2) أي صفاته هي ذاته؛ انظر الفصل الثالث التوحيد المبحث الثاني في الصفات.
(3) -مجموعة الرسائل: (أ. ز:6): 22. (1/481)
صفحة 482
فيها عن مقاييس الولاية والبراءة، فأنزلها عن الأصول حَتَّى لا يكون الخلاف فيها داعيا إلى البراءة من صاحبه، وهذا ما ظهر في المراسلات التي ذكرناها، ومن ذلك قوله: «ولا يتبرّأ من مخالف بمجرّد قوله بثبوت الشفاعة للعصاة أو لبعضهم أوبجوازها دون الوقوع مع الإصرار وبالخروج من النار» (1).
فقد انصبّ اهتمام الشيخ في هذا الرأي على مسألة الولاية والبراءة، فرفض أن يتبرّأ المسلم من أخيه لمجرّد خلافه معه في المسألة مع أَنَّ لِكُلِّ فريق دليله، لكن نلاحظ فيه مبالغة حين إنزالها من الأصول، وفيه تناقض مع ما عرّف به الأصل وهو ما يقدح الخلاف فيه في التوحيد والصفات، وهو الذي يستشهد على ثبوت الخلود بكونه وعيدا والله لا يخلف وعيده ومنزّه عن البدوات، فإذا كانت المسألة تَتَعَلَّق بهذا الجانب من الصفات فهي إذن من صميم الأصول، وهو الواقع خاصّة بالنظر إلى أهمّية المسألة ودورها في السلوك.
وبالمقارنة بين المسائل التي رفعها الشيخ اطْفِيَّشْ إلى الأصول نجد أَنَّهَا غير متناسبة في الأهمّية والدرجة؛ فقد قال مثلا عن مسألة خلق القرآن إِنَّهَا من الأصول، ولم يعذرمن خالف فيها (2)، وهي مسألة لم يثبت أي نصّ في إيجاب الإيمان بها؛ بينما جعل مسألة الخلود ونسبته إلى الفاسق على أهمّيتها وما نزل في شأنها من النصوص فرعا عقديّا؛ وهذا ما يدفعنا إلى القول ليته عكس بين المسألتين.
و يظهر من هذا الرأي غرض الشيخ في تقليص الفارق بين المسلمين وحصر أسباب الخلاف، وإطلاق الأحكام القاسية، لكن وددنا لو فعل ذلك بوضوح دون أن ينزل بمرتبة الخلود إلى الفروع العقديّة.
__________
(1) - م س: 154.
(2) - شرح الدعائم:1/ 224؛ -شرح العقيدة:403. (1/482)
صفحة 483
وإذا استثنينا هذا الموقف من المسألة نجد أَنَّ آراء الشيخ في الوعد والوعيد ترجمة حقيقيّة للمذهب الإباضيّ، باستثناء بعض الاختلافات التي لم تكن ذات أهمّية، كتعريف الكبيرة، وأن ليس لِكُلِّ كبيرة كفّارة، واعتبار عذاب القبر والشفاعة للفاسق والخلود في حقّه مسائل ليست من الأصول التي يقطع فيها عذر مخالفها.
وفي هذه المسائل تظهر رغبة الشيخ في التدقيق العلميّ بالرجوع إلى المصادر الأصليّة، كما ُتظهر آراؤه مدى تحرّره من تقليد آراء المذاهب والعلماء، ومدى اهتمامه بالاستدلال بالنصوص الشرعيّة وخاصّة القرآن الكريم.
- - - - (1/483)
صفحة 484
[صفحة بيضاء] (1/484)
صفحة 485
الخاتمة
لقد شغلت العقيدة جزءا كبيرا من تراث الشيخ اطْفِيَّشْ، فألّف فيها كتبا مستقلّة، كما جمع بينها وبين علوم أخرى.
وكان منهجه في البحث يقوم على أخذ النصّ المحكم من القرآن الكريم على ظاهره، ثُمَّ تأويل النصّ المتشابه من القرآن أو الحديث بما يوافق المحكم، وتوسّط في استعمال العقل بين المبالغين في الاحتكام إليه وبين الرافضين له، فلم يكن دائما مؤوّلا ولا ظاهريّا، بل كان يراعي في كلّ مسألة طبيعتها ونوع أدلّتها.
وقد وافق الإِبَاضِيَّة في أغلب القضايا العقديّة، وخالف المشهور عندهم في بعض القضايا منها:
- تعليله أفعال الله تعالى بالحكمة.
- تفضيله المؤمن على الملَك.
- قوله بعدم وجوب عصمة النبيء من الصغائر قبل البعثة وبعدها.
- قوله: حقيقة الإيمان هي التصديق دون القول والعمل.
- اعتباره الإيمان يزيد بزيادة العمل والدلائل ولا يزيد في ذاته.
- إجازته تسمية من أقرّ بالشهادة مؤمنا، ولوكان صاحب كبيرة.
- قوله: النفاق يَدُلُّ على إضمار الشرك وعلى فعل الكبائر.
- قوله بعدم تحوّل الصغيرة إلى كبيرة، ولكنّ الإصرار على الصغيرة هو الكبيرة. (1/485)
صفحة 486
- إخراجه الإيمان بعذاب القبر، وبمنع الشفاعة عن الفاسق، وبخلود صاحب الكبيرة في النار من الأصول العقديّة إلى فروعها.
وقد اتّسمت آراؤه العقديّة بجملة من الميزات نذكر منها:
أَوَّلاً - استمراره في البحث وتطوّر آرائه تبعا لذلك، فهو لا يستقرّ على رأي واحد، بل يغيّره متى توصّل إلى ما هو أحسن منه.
ثانيا - ضبطه لبعض المصطلحات ضبطا دقيقا مثل: مفهوم الإيمان، والقضاء والقدر والعلاقة بينهما.
ثالثا - دقّته في اختيار الأدلّة، فلم يكن الاستدلال عنده مجرّد تكرار لأَدِلَّة من سبقه، كما فعل في الاستشهاد على تسمية فاعل الكبيرة كافرا، وفي منع الشفاعة في حقّه، وفي اعتبار آية تحريم الربا خاصّة بمن استحلّه دون من اقترفه وهو يعتقد حرمته.
رابعا - إرجاعه مسائل العقيدة وقضاياها إلى أصولها السَّلَفِيَّة الأولى، كما كانت على عهد الرسول e، أوعند المؤسّسين الأوائل للمذهب الإباضيّ في عهد التابعين، وظهر هذا في مناقشته لمصدر الأسماء الحسنى، وما يجزئ المكلّف في الإيمان بأصول العقيدة وفروعها؛ فكانت آراؤه لأجل هذا مظهرة ليُسْرِ الدين وسماحته، كما كانت دالّة على تطوّر الفكر العقديّ عند الإِبَاضِيَّة.
خامسا - واقعيّته ومراعاته للأحوال الزمانيّة والمكانيّة في اتّخاذ الرأي، ومن ذلك رأيه في المقصد من الإيمان بالأسماء الحسنى، والإيمان بالملائكة، والحكمة من معرفة ملل الكفر، وتخليصه أصول الإيمان من تعقيدات علم الكلام.
سادسا - محاولته التوفيق بين الآراء المختلفة، كما فعل في موقفه من القول برؤية الله تعالى رؤية قلبيّة غير بصريّة، وقوله بالاستطاعة قبل الفعل، وفي اكتساب (1/486)
صفحة 487
النبوّة، وهذه الميزة جعلته يبتعد عن التعصّب المذهبيّ، وهو وإن لم يتمّ له ذلك ولم يتخلّص منه تماما، فقد قدّم خدمة جليلة للخروج من الحدود المذهبيّة الضيّقة.
سابعا - احترامه لرأي غيره، والأمانة في نقله، والاستشهاد له، والبحث عن المقصد الحقيقيّ للقائل، واحتمال أوجه الصحّة له، والمعاني التي تقرِّبه إلى رأيه، فلم يكن الشيخ في الغالب أسير تفكير مسبق.
ثامنا - ابتعاده عن الاختلاف المذموم، إذ كان يرشد غيره إلى تركه، وإذا خالف غيره في رأي أشار إلى أَنَّهُ لولا الاجتهاد المؤدّي إليه لم يكن ليتّخذه ولولا الحقّ ما أظهره.
إلى جانب هذه الميزات فقد تضمّنت آراء الشيخ اطْفِيَّشْ نقاط ضعف وسلبيات أهمّها:
1 - التسرّع في الحكم على الحديث بالضعف أو الوضع، دون استدلال ثُمَّ احتماله صحّة هذه الأحاديث ومحاولة تأويلها، مِمَّا أوقعه في التناقض أحيانا وفي عدم الدّقة أحيانا أخرى.
2 - عدم التزامه بالمنهج الذي رسمه في التعامل مع بعض النصوص، مِمَّا أدّى به إلى الاستشهاد بالحديث الضعيف، وبالتالي الوقوع في الإسرائيليّات، وظهر هذا خاصّة في بحثه مسائل الغيب وما يَتَعَلَّق به وفي أسماء الرسل وأوصافهم وأخبارهم.
3 - خوضه متّبعا السيوطي في الغيب المُتَعَلِّق بقيام الساعة، ومحاولته تحديد وقتها.
4 - بقاؤه على المنهج القديم في إثبات النبوة واكتفاؤه في ذلك بإثبات نبوّة سيّدنا محَمَّد e.
5 - تركه التعريف اللغويّ لبعض مصطلحات العقيدة أو عدم استيفائه بحثها (1/487)
صفحة 488
رغم اهتمامه الكبير باللغة وهي: التوحيد، والصفة، والبعث، والحساب، والرسول، والمعجزة، والصحف والكتب، والقضاء والقدر، والتوبة والمعصية، والوعد والوعيد.
6 - مبالغته في رفع قضيتي رؤية الله تعالى وخلق القرآن إلى درجة الأصول العقديّة، في مقابل إخراجه الإيمان بخلود الفاسق في النار من الأصول إلى الفروع، وتناقضه مع تعريف الأصل العقديّ بِأَنَّهُ ما لا يؤثّر الخلاف فيه في التوحيد، رغم أَنَّهُ يرى أَنَّ خلف الوعيد مناقض للصفات؛ فخلود الفاسق بهذا ألزم بالأصول من اعتقاد الرؤية أو خلق القرآن.
وختاما نرجو أن تفتح هذه الدراسة المجال للباحثين للاهتمام بتراثنا الإسلاميّ تحقيقا ودراسة للمواصلة على درب أسلافنا الصالحين.
والحمد لله ربِّ العالمين (1/488)
صفحة 489
ملحق
قائمة مؤلَّفات
الشيخ محَمَّد بن يوسف اطْفِيَّشْ (1/489)
صفحة 490
[صفحة بيضاء] (1/490)
صفحة 491
قائمة مؤلَّفات
الشيخ محَمَّد بن يوسف اطْفِيَّشْ
تعدّدت مؤلّفات الشيخ محَمَّد بن يوسف اطْفِيَّشْ وتعدّدت معها طرق تصنيفها في البحوث التي تناولت فكره بالدراسة؛ وقد اتّبع أغلب الباحثين طريقة قائمة مكتبة القطب المرتّبة على حسب الموضوع وهي مع أهمّية ترتيبها لا تعطي تصوّرا واضحا عن الكتب نظرا لتداخل المواضيع في الكتاب الواحد، ولتعدّد العناوين في مجموعات الكتب المخطوطة.
وهناك طريقة ثانية أشار إليها أبو إسحاق، لكن لم نر القائمة التي وضعها على منهجها وهو ذكر الكتب مرتبة ألفبائيا على حسب العنوان مع تعريف كلّ كتاب، (1) وقال إِنَّهُ استعملها في مؤلفه: “الأقوال السَّنِية في حياة قطب الأَئِمَّة”، ولم نقف على أثر لهذا الكتاب.
وَأَمَّا الطريقة الثالثة فهي: ذكر المؤلّفات حسب منهج المؤلّف فيها، فتقسم إلى مؤلّفات ذاتيّة وشروح وحواشي ... الخ؛ وقد ذكرها البعض دون أن يستعملوها (2)، واستعملها الأستاذ فرحات الجعبيري في حصر مؤلَّفات المرحلة التي درسها (3)؛ وهي في نظرنا مفيدة خاصّة لمعرفة جهود المؤلّف، وفي التفرقة بين الكتاب والمراسلة، لأَنَّ انعدام هذا التمييز من أهمّ أسباب التي جعلت الأقوال تتضارب حول عدد
__________
(1) - الذهب الخالص: المقدمة: ز؛ أبواسحاق: الدعاية إلى سبيل المؤمنين: 109.
(2) أبو اليقظان: ملحق السير: 157؛ محمد علي دبوز: النهضة: 1/ 314، 315؛ P. Cuperly: Aperçus, 08.
(3) فرحات الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 28 (1/491)
صفحة 492
مؤلّفات الشيخ اطْفِيَّشْ. ونحن نقدّم قائمةً بآثار الشيخ اطْفِيَّشْ متّبعين نهج الطريقة الثالثة الأخيرة حسب منهج المؤلّف في الكتاب، (1) كالتالي:
أَوَّلاً- المؤلفات الذاتيّة (2)
1 - أجور الشهور على مرور الدهور. (ط)
2 - أساس الطاعات والنيات لجميع العبادات. (ط)
3 - إطالة الأجور وإزالة الفجور. (ط)
4 - الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان. (ط)
5 - إيضاح المنطق في بلاد المشرق. (خ)
6 - بيان البيان. (خ)
7 - تحفة أهل بريان. (ط)
8 - تحفة الحِبِّ في أصل الطب. (ط)
9 - تخليص العاني من ربقة جهل المثاني. (خ)
10 - تلقين التالي لآيات المتعالي: شرح جامع حرف ورش (خ). (3).
11 - التوأم. (ط)
__________
(1) نقسم القائمة على حسب منهجها إلى مجموعات، وفي المجموعة الواحدة نذكر المؤلّفات مرتّبة ترتيبا ألفبائيّا؛ واعتمدنا في وضع القائمة على ماهو موجود على رفوف المكتبات التي زرناها، وقوائم الدراسات السابقة وعلى ما ذكره الشيخ اطفيش في كتبه.
(2) وهي المؤلفات التي جاءت من إبداع المؤلف الذاتي لم يعتمد فيها شرح متن أو اختصار كتاب.
(3) الأصل - منظومة جامع حرف ورش - والشرح كلاهما للمؤلف. (1/492)
صفحة 493
12 - جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل e. (ط)
13 - الحجّة في بيان المحجّة في التوحيد بلا تقليد. (ط)
14 - الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. (ط)
15 - ربيع البديع. (خ)
16 - رد الشرود إلى الحوض المورود. (خ)
17 - الرسالة الشافية في بعض تواريخ أهل وادي ميزاب. (ط)
18 - الرسم في تعليم الخط. (ط)
19 - السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة. (ط)
20 - شامل الأصل والفرع. (ط)
21 - العمارة: أو مختصر في عمارة الأرض. (خ) (1).
22 - الغسول من أسماء الرسول e. (ط)
23 - الكافي في التصريف. (خ) (2).
24 - وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث. (ط)
ثانيا - المختصرات
25 - جامع الوضع والحاشية (ط): كتاب “الوضع” لأبي زكرياء يحيى بن الخير
__________
(1) - مختصر في عمارة الأرض: (خ) مكتبة القطب (أ. و: 3): الورقة الاولى والورقة الأخيرة.
(2) عثرنا على الكتاب أثناء بحثنا في مكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي وهي نسخة تامة، ونسخة أخرى جزء منها في مكتبة القطب والجزء الآخر في مكتبة الإصلاح بغرداية؛ ولم تكن هذه النسخ جميعا مدرجة ضمن قوائم هذه المكتبات ولا مرقمّة فيها فقد اكتشفناها جميعا لأوّل مرّة. انظر: الكافي في التصريف: في المكتبات المذكورة. (1/493)
صفحة 494
الجناوني؛ والحاشية لأبي عبد الله محَمَّد بن عمرو بن أبي سِتَّة.
26 - الذهب الخالص المنوّه بالعلم القالص (ط): أو جامع القواعد والحاشية: كتاب “قواعد الإسلام” للشيخ اسماعيل الجيطالي، و“الحاشية” لأبي عبد الله بن أبي ستة.
27 - مسائل السير (خ): وهو اختصار للمسائل الفقهيّة من كتاب “سير المشايخ” لأبي العَبَّاس أحمد بن سعيد الشَّمَّاخِي.
ثالثا - الشروح
28 - الانشراح في بيان شواهد التلخيص والمفتاح. (خ)
29 - تسهيل الاجتهاد في تفسير أشعار الاستشهاد (خ): وهو شرح شواهد ثلاثة شروح على الأجرّومية: الأَوَّل لأبي سليمان داود بن ابراهيم التلاتي؛ والثاني لأبي القاسم يحي بن أبي القاسم الداوي (1)، والثالث للشريف محَمَّد بن يعلي الحسيني (2).
30 - تيسير التفسير: تفسير القرآن الكريم (ط).
31 - الجَنَّة في وصف الجَنَّة (ط): شرح القصيدة العبيريّة في أوصاف الجَنَّة، للشيخ أبي عبد الله محَمَّد بن ابراهيم بن سليمان الكندي (ط) (3).
__________
(1) أبو القاسم يحي بن أبي القاسم الداوي نسبة إلى غرداية، وكان له عمل اجتماعي، وقاد معركة لردِّ غارة على مدينة غرداية سنة 1126 هـ: توفي سنة 1129 هـ؛ انظر: أبو اليقظان: ملحق السير: 57، 58.
(2) محمد بن يعلى الحسيني الشريف: انظر الفصل الأول المبحث الثاني هامش: 27، ص 47.
(3) أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن سليمان الكندي: عالم عمانيّ من الموسوعيين، له كتاب "بيان الشرع" توفي سنة 557؛ انظر: سالم ابن حمد الحارثي: العقود الفضية في أصول الإباضية: نشر وزارة التراث: عمان: 1403/ 1983: 277. (1/494)
صفحة 495
32 - داعي العمل ليوم الأمل: تفسير القرآن الكريم (ط) (1).
33 - شرح أصول تيبغورين (ط): وكتاب “أصول الدين” للشيخ تيبغورين بن عيسى الملشوطي.
34 - شرح الدعائم المختصر (ط): وهو ثاني شرح للشيخ اطْفِيَّشْ على ديوان ابن النضر كامل ومختصر.
35 - شرح الدعائم الموسّع (خ): وكتاب “الدعائم” ديوان نظم لابن النضر العماني. وبدأ الشرح الشيخ الحاج يوسف بن حمُّو، حيث وصل إلى قصيدة الرضاع فأتمَّ الشيخ اطْفِيَّشْ شرح باقي الديوان، وهو أوَّل شرح له على هذا الديوان.
36 - شرح رسالة الوضع (خ): وهو شرح للرسالة العضديَّة للإيجي.
37 - شرح شرح أبي سليمان داود التلا تي على الأجرومية (خ).
__________
(1) الموجود من هذا التفسير: نسخة بمكتبة القطب تبدأ من تفسير سورة الرحمن إلى تفسير سورة المزمل، ونسخة بمكتبة الشيخ بابا وموسى حمو (تلميذ الشيخ اطفيش) بغرداية تبدأ من تفسير سورة الجمعة إلى تفسير سورة المزمل؛ ونسخة بعمان لم نقف على مواصفاتها؛ والبعض يرى أن الشيخ ابتدأ هذا التفسير من أواخر السور وانتهى به إلى سورة الرحمن، لكن الدلائل لاتؤيد ذلك، فهو تفسير كامل لكن نسخه مازالت مفقودة، لأَنَّ الموجود منه مقسم إلى أجزاء تدلّ على أنه تابع لما سبق من أوّل التفسير فالموجود هي الأجزاء: 29، 30، وفي بداية تفسير سورة القلم يشير الشيخ إلى سبق الكلام عن أحرف أوائل السور وأول سورة قبل "القلم" هي سورة ق؛ وحديث الشيخ عن هذا التفسير في بداية "التيسير" لا يَدُلُّ على أنه تفسير ناقص فقد ذكره مع "الهميان" ولو كان ناقصا لما أغفل الإشارة إلى ذلك. انظر: - داعي العمل ليوم الأمل: 1 - نسخة: مكتبة القطب: (أ. ب: 2): ظ: 253، 254؛ -2 نسخة: مكتبة باباوموسى حمو: غرداية: (9 - الفن 1): 421 - 723؛ - التيسير: ط 1: 1/ 07؛ أبواليقظان: ملحق السير: 159؛ محمد على دبوز: النهضة: 1/ 315؛ إبراهيم الطلاي: الشيخ اطفيَّش ذو التفاسير المتعدّدة: من أعمال مهرجان القطب: 04؛ عدون جهلان: الفكر السياسي: 112؛ P. Cuperly: Aperçus, 09. (1/495)
صفحة 496
38 - شرح شرح الاستعارات (خ): وهو شرح على شرح عصام الدين ابراهيم بن محَمَّد (1) على متن “الاستعارات”.
39 - شرح شواهد الوضع (خ): وكتاب “الوضع” لأبي زكرياء يحي بن الخير الجناوني.
40 - شرح عقيدة التوحيد (ط): لأبي حفص عمرو بن جميع.
41 - شرح القلصادي (خ): وهو شرح كتاب “كشف الأسرار عن علم حروف الغبار” في الحساب لعلي بن محَمَّد القلصادي (2).
42 - شرح كتاب النيل وشفاء العليل (ط): وهو الكتاب الموجود المتداول، وهو ثاني شرح لهذا الأصل ومختصر (3).
43 - شرح لامية ابن النضر العماني (خ): في الولاية والبراءة.
44 - شرح لامية الأفعال لابن مالك. (ط)
45 - شرح مخمسة أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي (خ) (4).
46 - شرح نونية المديح (خ) (5).
47 - فتح الباب للطلاب: شرح “معالم الدين” (خ): للشيخ عبد العزيز الثميني.
__________
(1) انظرالفصل الأول المبحث الثاني هامش: 28، ص 47.
(2) علي بن محَمَّد بن علي البسطي القلصادي: (815 - 891 هـ/1412 - 1486 م): انظر: الزركلي: الأعلام: 5/ 10.
(3) - شرح النيل: 1/ 05.
(4) أبونصر فتح بن نوح الملوشائي من مدينة "تملوشايت" بنفوسة (ليبيا)، من علماء النصف الأول من القرن السابع، له عدة قصائد في أصول الدين والأخلاق، انظر: فرحات الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 122.
(5) عنوان النونية: القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة "لمجهول، انظر: كتاب مجموع المتون طبع قديم د. م 1294 هـ: 58 - 76. (1/496)
صفحة 497
48 - فتح الله: شرح شرح مختصر العدل والإنصاف (خ).
49 - مختصر ثان في علم الخط (خ): وهو شرح لَمَّا في “جمع الجوامع” للسيوطي مِمَّا يختصّ بالخط.
50 - المسائل التحقيقيّة في بيان التحفة الآجرومية (خ).
51 - مطلع الملك في فن الفلك (خ): واشتهر بعنوان “مسلك الفلك”؛ وهو شرح للرسالة “الفتحية في الأعمال الجيبيّة” أو رسالة “الربع المجيب” (1) لبسط المارديني (2)، وقد شكّ الأستاذ عدون جهلان رحمه الله أن يكون هذا الشرح للشيخ اطْفِيَّشْ (3)، بينما وجدنا ما يثبت نسبة الكتاب إليه: فهو مفهرس ضمن مؤلّفاته في مكتبة القطب في الفهرسة الأولى والحالية (4)؛ وذكره الشيخ اطْفِيَّشْ نفسه في كتابه “شرح النيل” (5)؛ وفي وسط هذا الشرح “مطلع الملك” نجد أَنَّ المؤلّف يحسب عرض بلاد ميزاب وطوله في ربيع سنة 1311 هـ/1893 م (6)؛ وهذه دلائل كافية في الجزم بنسبة هذا الشرح إلى الشيخ محَمَّد بن يوسف اطْفِيَّشْ.
52 - معتمد الصواب: شرح شواهد قواعد الإعراب (خ).
53 - هميان الزاد إلى دار المعاد (ط): تفسير القرآن الكريم (7).
__________
(1) - مطلع الملك في فن الفلك (خ) مكتبة القطب (أ-ض 1): ظ: 01.
(2) محمد بن محمد بن أحمد سبط المارديني: عالم بالفلك والرياضيات: (826 - 912 هـ/1423 - 1506) له عِدَّة مؤلفات. انظر: الزركلي: الأعلام: 7/ 54.
(3) عدون جهلان: الفكر السياسي: 116 - 120.
(4) انظر: الفهرسة الأولى: رقم: 222 - 2.
(5) - شرح النيل: 1/ 53.
(6) - مطلع الملك في فن الفلك: و: 23، و: 29، ظ: 31 و: 39، و: 42.
(7) وهو أول تفاسيره الثلاثة: انتهى من تأليفه وتنقيحه وعمره خمس واربعون سنة وذلك سنة 1283 هـ؛ لذا يستبعد أن يكون قد ألّفه في صغر سنّه كما يرى البعض أنه ألفه وهو في سن الخامسة والعشرين إلاّ أن يكون قد ابتدأه في هذا العمر؛ انظر: - شرح لغز الماء: الجزائر: 1301 هـ: 13. (1/497)
صفحة 498
رابعا - الحواشي
54 - إيضاح الدليل إلى علم الخليل (خ): وهو حاشية على شرح الخزرجية لأبي يحي زكريا الأنصاري (1).
55 - حاشية أبي مسألة (خ): أو حواشي على أبي مسألة: و“أبو مسألة” كتاب فقه لأبي العباس أحمد بن محَمَّد بن بكر (2).
56 - حاشية ثانية على شرح أبي القاسم الداوي على الأجرومية (خ).
57 - حاشية السؤالات (خ): وينسب كتاب “السؤالات” إلى الشيخ أبي عمرو عثمان ابن خليفة السوفي (3).
58 - حاشية على شرح الرائية (خ): الرائية لأبي نصر فتح بن نوح؛ وشرحها للشيخ عمر بن رمضان التلا تي (4).
59 - حاشية على شرح المرادي (5) على الألفية (خ).
__________
(1) أبو يحي زكرياء بن محمد الأنصاري القاضي (823 - 926 هـ/1420 - 1520) انظر: الزركلي: الأعلام: 3/ 46.
(2) أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر، ابن واضع نظام العزابة، له مؤلفات متعددة منها: أصول الأرضين، و"الألواح"؛ توفي سنة 504 هـ، انظر: الدرجيني: الطبقات: 2/ 442 - 446.
(3) أبو عمرو عثمان بن خليفة: عالم إباضي، من وادي سوف (الجزائر) عاش النصف الثاني من القرن الخامس الهجري. انظر: الدرجيني: الطبقات: 2/ 482، 483؛ الشماخي: السير: 440، 441.
(4) عمر بن رمضان التلاتي: عالم من جربة، درس بالأزهر، له كثير من الحواشي والمختصرات، توفي سنة 1187 هـ/1773 م. انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 160، 161.
(5) الحسن بن قاسم بن عبد الله المرادي: مفسر وأديب مصري أقام بالمغرب له عدة مؤلفات؛ انظر: الزركلي: الأعلام: 2/ 211. (1/498)
صفحة 499
60 - حاشية على شرح النونيّة (خ) (1): النونيّة منظومة لأبي نصر فتح بن نوح في العقيدة، والشرح للشيخ عمر بن رمضان التلا تي.
61 - حاشية القناطر (خ): “قناطر الخيرات” كتاب للشيخ إسماعيل الجيطالي.
62 - حاشية الموجز (خ): كتاب “الموجز” للشيخ أبي عمار عبد الكافي.
63 - حي على الفلاح (خ): حاشية على كتاب “الإيضاح” للشيخ عامر الشَّمَّاخِي.
خامسا - التقريرات
التقريرات عنوان سمّى به الشيخ اطْفِيَّشْ اثنين من أعماله التي تشبه الحواشي، وَلَكِنَّهَا مجرّد تقييدات على كتب كان يدرّسها وهي:
64 - تقريرات الشيخ اطْفِيَّشْ على حاشية الديانات (2) للسدويكشي (3) وتتمّتها للمصعبي (خ) (4).
__________
(1) ذكرها المستشرق شاخت وقال إنّها مفقودة ووجدنا نسخة منها في مكتبة عشيرة آت يدر ببني يزقن. انظر: J. Schacht: Bibliothèques et manuscrits abadites - Revue Africainne, 1956; 391. - حاشية على شرح النونية: (خ) مكتبة عشيرة آت يدر بني يزقن رقم (هـ: 120).
(2) متن الديانات للشيخ عامر بن علي الشماخي.
(3) أبو عبدالله محمد بن سعيد السدويكشي: نسبة إلى سدويكش بجربة، ترأس فيها مجلس العزابة، ابتدأ حاشية "الديانات" ولم يتمها. توفي بعد 1068 هـ/1658 م. انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 151، 152.
(4) يوسف بن محمد المصعبي: أصله من مليكة بوادي ميزاب، أقام بجربة مع والده له أعمال في المجالات العلمية والاجتماعية والسياسية، وتوفي سنة 1188 هـ/1774 م. انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 140، 143. (1/499)
صفحة 500
65 - تقريرات على كتاب المعلقات في الفقه لمؤلِّف مجهول (خ).
سادسا - ترتيب الكتب
وهي الكتب التي أعاد الشيخ اطْفِيَّشْ ترتيت مسائلها على حسب أبواب فنّها:
66 - ترتيب تحفة الأديب وتخصيب القلب الجديب (خ): وهو كتاب لعمر بن رمضان التلاتي.
67 - ترتيب الترتيب (ط): وهو إعادة ترتيب لكتاب “المسند” للربيع بن حبيب وقد رتّبه قبل الشيخ اطْفِيَّشْ أبو يعقوب الورجلاني.
68 - ترتيب كتاب اللقط للشيخ عمر بن رمضان التلاتي (خ).
69 - ترتيب كتاب المعلقات (ط): لمؤلف مجهول.
70 - ترتيب المدونة الكبرى (ط): والمدونة الكبرى لأبي غانم الخراساني (1).
71 - ترتيب نوازل نفوسة (خ): وهي مجموعة أجوبة ورسائل لبعض أَئِمَّة الإِبَاضِيَّة.
72 - تفقيه الغامر بترتيب لقط موسى بن عامر (ط) (2).
سابعا - الرسائل والخطب
أدرجنا هنا ما سمّاه الشيخ رسالة أو خطبة، أو الأعمال ذات الموضوع الواحد
__________
(1) أبوغانم بشر بن غانم الخراساني: من علماء أواخر القرن الثاني الهجري، روى مافي المدونة عن شيخه الربيع بن حبيب؛ انظر: الدرجيني: الطبقات: 2/ 323؛ الشماخي: السير: 228.
(2) موسى بن عامر الشماخي: تعلّم على أبيه، وتولىّ التدريس بليبيا في القرن الثامن الهجري، انظر: الشماخي: السير: 561؛ على يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى القسم الثاني: 118. (1/500)
صفحة 501
التي لا تشكل كتابا كاملا، وليست مجرّد مراسلات عادية، وهي:
73 - تاريخ ميزاب (خ): في مبدإ تعمير وادي ميزاب (1).
74 - حكم بلل أهل الكتاب (ط).
75 - حكم الدخان والسعوط (ط).
76 - خطبتا العيدين (خ).
77 - خطبة لأهل نفوسة (خ).
78 - شرح لغز الماء (ط).
79 - مرشاد المستنكح ومرصاد المستسفح (خ) (2).
80 - النِّحلة في غرس النخلة (ط).
ثامنا - الردود
81 - إباحة معاملة الكارطة بلا ربا ولا فارطة (خ).
82 - إزالة الاعتراض عن محقي آل إباض (ط).
83 - البرهان الجليّ في الردّ على الجربي علي (خ) (3)، ويسمّيه أيضا: البرهان الجلي في رؤية الجنّ (4).
__________
(1) - مجموع رسائل: (أ. ز: 6): 116 - 117.
(2) - م. س: 84 - 85.
(3) - البرهان الجلي في الرد على الجربي (خ): مكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي، وهو الأخير ضمن مجموع غير مرقم.
(4) - جامع الوضع والحاشية: 247؛ - الهميان: 6 ق 2/ 52؛ -حاشية القناطر: 1/ظ: 60؛ - التيسير: 4/ 222. (1/501)
صفحة 502
84 - جواب أهل زوارة (ط).
85 - حاشية على جواب ابن خلفان (1) للعبادي (خ).
86 - حاشية على جواب ابن خلفان لعمر بن يوسف (خ) (2): وبعضه مطبوع ضمن كتاب “كشف الكرب”.
87 - حاشية المنصف في نفي تأويل المحرّف (خ).
88 - الردّ على حمى الطاهر (ط): أو إزهاق الباطل بالعلم الهاطل.
89 - الردّ على الصفريّة (ط).
90 - الرد على العقبي (ط).
91 - عدم الرؤية وإدحاض مذهب أهل الفرية (3).
92 - قذى العين على أهل الغين (ط): أو الردّ على الإنكليزي.
93 - القنوان الدانية في مسألة الديوان العانية (ط).
تاسعا - القصائد والمنظومات
` شعره الخاص بحياته وموافقه مع الناس:
94 - البائية: حول أوضاع عصره (خ).
__________
(1) سعيد ابن خلفان عالم عماني عاصر الشيخ اطفيش، وكانت بينهما مراسلات وكان موضوعها غالبا ممّا اختلفت فيه وجهات نظريهما، ولم نقف على ترجمة العبادي الذي ردّ عليه الشيخ سعيد بن خلفان.
(2) عمر بن يوسف أخو الحاج سعيد بن يوسف من علماء يسجن، معاصر للشيخ اطفيش، امتاز على إخوته بالعلم، والشجاعة والكرم، وله علم بالفلك، لم يذكر تاريخ وفاته، انظر: أبو اليقظان: ملحق السير: 218، 219.
(3) - مجموع الرسائل: (أ. ز: 6): 25 - 28. (1/502)
صفحة 503
95 - رائية في الرحلة إلى وارجلان (خ).
96 - عينية في بعض الأحداث أيضا (خ).
97 - القصيدة الحجازية في رحلته الثانية (خ).
98 - قصيدة فيها ذكريات عن بلدته ومقارنتها بمصر (ط).
99 - لامية: يشتكي فيها من بعض ماء أصابه من الناس (خ).
100 - ميمية في بعض الخلافات مع غيره (خ).
101 - نونية فيها ذكريات عن رحلته إلى الحجاز، قد تكون في الرحلة الأولى (ط).
` شعره في مدح الرسول e: ضمن كتب المدائح.
102 - الرائية.
103 - رائية أخرى.
104 - الدالية.
105 - قصيدة رائية في غزوة بدر.
106 - اللامية.
107 - الميمية.
` شعره في مدح شخصيات معاصرة
وأكثر ذلك كان في مدح شخصيات من زنجبار أمراء أوسلاطين وهي مخطوطة:
108 - تعزية علي بن حمود: سلطان زنجبار (من 1316 إلى 1322 هـ).
109 - شكر باي تونس لَمَّا فتح طريق الحج.
110 - مدح أخيه الحاج إبراهيم بن يوسف.
111 - مدح حمود بن محَمَّد. (1/503)
صفحة 504
112 - مدح سعيد بن علي.
113 - مدح السلطان برغش: سلطان زنجبار: وذكرله أعمالا جليلة في خدمة العلم والعلماء، وخاصة من ذلك سعيه في طباعة الكتب (1)، ومنها بعض كتب الشيخ اطْفِيَّشْ المطبوعة بزنجبار مثل تفسيره هميان الزاد.
14 - مدح السلطان فيصل بن حمود من عمان.
115 - مدح سليمان بن ناصر: أمير ونجبار.
116 - مدح علي بن حمود.
` المنظومات:
117 - أرجوزة الأحكام.
118 - جامع حرف ورش.
119 - قصيدة الغريب: نظم المغني لابن هشام.
120 - منظومة في المديح.
121 - منظومة في معجزات الرسول e.
إضافة إلى مقطوعات أو أبيات يدرجها أحيانا في ثنايا كتبه (2).
عاشرا - المراسلات
ونقصد بالمراسلات كلّ ما كتبه الشيخ اطْفِيَّشْ إلى شخص أو هيئة على شكل
__________
(1) عبد الله السالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان: المطبعة السلفية مصر: 1347: 2/ 220.
(2) انظر أمثلة لذلك فيما يلي: - السيرة الجامعة: 44، 240؛ - شرح العقيدة: 68؛ - الهميان: 6 ق 1/ 164؛ - التيسير: 4/ 152؛ 5/ 159؛ 7/ 333، 453، 454؛ 10/ 113، 375. (1/504)
صفحة 505
طلب أوجواب على سؤال أو استفتاء، وتكون المراسلة عادة متعدّدة المسائل، أو ذات موضوع واحد وَلَكِنَّهَا لا تكون رسالة ولا كتابا؛ وبهذا نفرق بين الرسالة وبين المراسلة؛ وكان تراث الشيخ في المراسلات ضخما، أكثره مخطوط، ولم يطبع منه إِلاَّ قليل جدا ومن ذلك ما يلي:
- تفسير ألغاز.
- جواب أهل وارجلان: أو جواب عن السرحان.
- جواب رجل من تكرور: ويسمى أيضا: لغز نكاح المجوس.
- جواب في مسألة النقد.
- جواب مشائخ مكة.
- مجموعة فيها جواب محَمَّد بن عبد الله، وعامر بن مسعود، وابن عليوه، وهي مطبوعة مع رسالة حكم الدخان.
أَمَّا في المخطوط فأهمّ ما وجدناه ستة مجموعات من رسائل الشيخ اطْفِيَّشْ وأجوبته، إضافة إلى بعض المراسلات المستقلة؛ وهذه المضان المذكورة متشابهة كثيرا، وبحذف التكرار الموجود حصلنا على ست ومائة مراسلة (106) مختلفة بعث بها إلى سبعة وثمانين مرسلا إليه بين شخصية أو سلطة أوجماعة، أو مجهول لم يذكره أثناء المراسلة.
حادي عشر - الأعمال المفقودة
عند اطلاعنا على الآثار السابقة وجدنا أَنَّ الشيخ يذكر أثناءها مؤلّفات ينسبها إلى نفسه؛ لكن لم نتمكّن من الحصول على نسخ منها فيما دخلناه من المكتبات أو اطلعنا عليه من قوائم مكتبات أخرى، ولم نقف على مصدر أو مرجع استعملها فترجّح لدينا كونها مفقودة إلى أن يتيسّر السبيل إلى العثور عليها، وهي: (1/505)
صفحة 506
122 - الحاشية الأولى على شرح أبي القاسم الداوي على الأجرومية (1).
123 - حاشية التمرين (2).
124 - حاشية الشذور وشرحه: يذكر أحيانا حاشية الشذور، وأحيانا يقرنها مع الشرح (3).
125 - حاشية على إعراب الألفية (4).
126 - حاشية على التصريح (5).
127 - حاشية على “الفرائض” للشيخ إسماعيل الجيطالي (6).
128 - حاشية على القطر وشرحه (7): يذكر أحيانا حاشية القطر، وأحيانا يقرنها بالشرح، وسماه “الحواشي المحمدية على المقدمة الهاشميّة” (8).
__________
(1) - الحاشية الثانية على شرح أبي القاسم: (خ) مكتبة القطب (أ. م: 3): ظ: 1، ظ: 67؛ - شرح شرح أبي سليمان على الأجرومية: (خ) مكتبة القطب (أ. م: 2): و: 65؛ -شرح شرح الاستعارات: و: 3، و: 14، و: 62، و: 81.
(2) - شرح شرح الاستعارات: و: 03، ظ: 6، ظ: 53، ظ: 107، ظ: 136؛ - شرح لامية الأفعال: 2/ 140، 152؛ 3/ 235؛ - حاشية على شرح المرادي على الألفية: (خ) مكتبة القطب (أ. م: 1): و: 28، و: 30، ظ: 45، ظ: 47.
(3) - الهميان: ط 1: 10/ 314؛ 11/ 390؛ 13/ 03، 64؛ -كشف الكرب: 1/ 12؛ - شرح شرح أبي سليمان على الأجرومية: و: 65.
(4) - شرح لامية الأفعال: 1/ 168، 3/ 59.
(5) - حاشية على شرح الرائية: (خ) مكتبة الاستقامة (جـ: 7): 166.
(6) - كتاب التوأم: مطبعة العرب تونس 1344 هـ: انظر كلام المصحح في آخر الكتاب.
(7) - الهميان: ط 1: 13/ 59، 29؛ 14/ 307؛ - شرح شرح الاستعارات: و: 03، و: 04؛ و: 07؛ - شرح لامية الأفعال: 1/ 110؛ 3/ 53، 95؛ - كشف الكرب: 1/ 12؛ - حاشية على شرح الرائية: 09، 24.
(8) - الهميان: ط 1: 13/ 59. (1/506)
صفحة 507
129 - حكم غنيمة المشرك (1).
130 - شرح الأحكام (2).
131 - شرح إيساغوجي (3).
132 - شرح حديث «ملعون من سأل بالله بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله ثُمَّ لم يعط ما لم يُسأل هجرا» عن الطبراني (4).
133 - شرح سلم الأخضري (5).
134 - شرح على العيني (6): يذكره الشيخ اطْفِيَّشْ على أَنَّهُ كتاب في النحو، ربما كان شرحا على كتاب “المقاصد النحوية” أو مختصره “فرائد القلائد” وكلاهما للعيني.
135 - شرح النيل الأَوَّل (7).
وبقيت أعمال أخر، تبدو حسب عناوينها أَنَّهَا مراسلات، وهي:
- جواب سائر الأنبياء (8).
- رسالة إلى أهل نفوسة في رفع اليدين في الصلاة (9).
__________
(1) - شرح النيل: 11/ 131؛ التيسير: ط 1: 6/ 166؛ - السيرة الجامعة: 221.
(2) - إزالة الاعتراض: 45.
(3) - حاشية شرح الرائية: 163، 168؛ - حاشية على شرح النونية: و: 24.
(4) - الهميان: 1/ 118، 226؛ 3/ 423، 424؛ - جامع الشامل: 1/ 555.
(5) ابراهيم حفار: السلاسل الذهبية: 42.
(6) - حاشية على المرادي على الألفية: ظ: 29.
العيني: محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بدر الدين العيني، مؤرخ، عالم، من كبار المحدثين. (762 - 855 هـ/ 1361 - 1451 م) انظر: الزركلي: الأعلام: 7/ 163.
(7) - شرح النيل: 1/ 05.
(8) - مجموع كتب: المطبعة المديرية تونس 1321 هـ: 24؛ سجل عنوان هذه الرسالة ولم تطبع.
(9) - الرد على الصفرية: 16. (1/507)
صفحة 508
- رسالة إلى الباب العالي في كتابة المصحف (1).
- رسالة إلى بعض أهل تونس في المجاز (2).
- رسالة في تصحيح مذهب ابن عباس في ميراث الأم (3).
- رسالة في رفع اليدين في الدعاء (4).
وقد تكون هذه العناوين أسماء ثانية لبعض الأعمال الموجودة، لكن يحتاج الكشف عن ذلك إلى مزيد بحث وتدقيق.
ثاني عشر- الأعمال المنسوبة
وقد وجدنا أثناء بحثنا عناوين مذكورة في بعض المراجع، لا نرى أَنَّهَا للشيخ اطْفِيَّشْ رغم أن المرجع ينسبها إليه، وهذه العناوين هي:
1 - الإنشاء في المراسلات: وهو مؤلّف لمجهول، يتحدث عن طريقة كتابة الرسالة، وفيه نماذج لأنواع الرسائل مؤرّخة بما بعد وفاة الشيخ اطْفِيَّشْ مثل سنة 1342 هـ/1928 م (5).
2 - حاشية الديانات (6): وربمّا كان المقصود بها: تقريرات على حاشية الديانات.
__________
(1) - تلقين التالي: 142.
(2) - بيان البيان: (خ) مكتبة القطب (أ. س: 1، 2): 85.
(3) - التيسير: 2/ 276.
(4) - شرح العقيدة: 15.
(5) الإنشاء في المراسلات: لمجهول: دم 1342: 4، 5، 6؛ وقد صنّف ضمن مؤلفات الشيخ في مكتبة القطب.
(6) P. Cuperly: Introduction: 233. (1/508)
صفحة 509
3 - الرد على البعيد عن الإنصاف: حول الصلاة على النبيء e، وهي رسالة لأحد تلاميذ الشيخ اطْفِيَّشْ، ويذكره فيها، ويدافع عنه في هذه المسألة، مِمَّا يَدُلُّ على أَنَّهَا ليست من تأليف الشيخ اطْفِيَّشْ (1).
4 - مخالب النصارى الفرنسيين ببلاد الإسلام (2).
هذا كلّ ما تعلّق بمؤلفات الشيخ اطْفِيَّشْ وإحصائها؛ بالموجود منها والمفقود وقد بلغ عددها خمسة وثلاثين ومائة عمل (135) ما عدا المراسلات؛ وعدد الكتب فيها هوسبعة ومائة كتاب (107)، الموجود منها ثلاثة وتسعون كتابا (93) والضائع المفقود منها أربعة عشر كتابا (14)؛ وَأَمَّا القصائد والمنظومات فهي ثمانية وعشرون عملا (28) ما عدا المقطوعات التي لم نحصها. ويمكن أن يكون عدد مؤلفاته أكثر من هذا، ولم نتمكن من معرفته، ولعلّ هذا سيدفع إلى البحث أكثر في تراث الشيخ اطْفِيَّشْ.
%%%
__________
(1) انظر: قائمة مكتبة القطب رقم (ا. و: 11): 60 - 80 - 102.
(2) د. محمد ناصر: الشيخ إبراهيم القرادي: 235. (1/509)
صفحة 510
[صفحة بيضاء] (1/510)
صفحة 511
الفهارس (1/511)
صفحة 512
[صفحة بيضاء] (1/512)
صفحة 513
قائمة المصادر والمراجع
أَوَّلاً - المصادر
الآلوسي شهاب الدين محمود:
1 - تفسير روح المعاني: دار الفكر بيروت: 1398 هـ / 1978 م.
الآمدي علي بن أبي علي:
2 - غاية المرام في علم الكلام: تحقيق حسن محمود عبد اللطيف مطابع الأهرام نشر لجنة إحياء التراث القومي والثقافة مصر 1971 م.
إبراهيم بن أبي بكر حفار:
3 - السلاسل الذهبية في الشمائل الطفيشية: مخطوط مصور في مكتبة الأستاذ الحاج سعيد محَمَّد غرداية (126).
ابن الأثير مجد الدين المبارك بن محَمَّد:
4 - جامع الأصول من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: تحقيق محَمَّد حامد الفقي دار إحياء التراث القومي والثقافة العربي ط 4 بيروت، 1404 هـ/1984 م.
ابن الجوزي:
5 - كتاب الموضوعات: تحقيق محَمَّد عثمان نشر المكتبة السلفية المدينة 1386 هـ/1966 م.
ابن تيمية تقي الدين أحمد بن عبد الحليم:
6 - مجموعة الرسائل الكبرى: ط 2 دار إحياء التراث القومي والثقافة العربي بيروت 1392 هـ/1972 م. (1/513)
صفحة 514
7 - كتاب الإيمان: تقديم حسين يوسف الغزال مطبوعات ميموني للنشر والتوزيع الجزائر د. ت.
8 - مجموع الفتاوى: المكتب التعليمي السعودي بالمغرب ط 2 الرباط 1401 هـ/1981 م.
ابن حجر العسقلاني:
9 - الإصابة في تمييز الصحابة: دار العلوم الحديثة نشر مكتبة المثنى دم د. ت.
10 - فتح الباري لشرح صحيح البخاري: دار إحياء التراث القومي والثقافة ط 2، بيروت 1402 هـ.
ابن حزم علي بن أحمد:
11 - الفصل في الملل والأهواء والنحل: دار المعارف بيروت 1403 هـ/1983 م.
ابن خلدون عبد الرحمن:
12 - تاريخ العلامة ابن خلدون: دار الكتاب اللبناني ط 2 بيروت 1979 م.
ابن قيم الجوزية:
13 - مختصر الصواعق المرسلة: اختصار محَمَّد بن الموصلي مكتبة الرياض الحديثة الرياض د. ت.
14 - إعلام الموقعين عن رب العالمين: مراجعة طه عبد الرؤوف سعيد نشر دار الجيل، بيروت 1973 م.
ابن كثير:
15 - السيرة النبوية: تحقيق مصطفى عبد الواحد دار إحياء التراث القومي والثقافة، بيروت د. ت. (1/514)
صفحة 515
ابن منظور أبو الفضل جمال الدين محَمَّد بن مكرم:
16 - لسان العرب: ط 2 دار صادر بيروت د. ت.
أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش:
17 - الدعاية إلى سبيل المؤمنين: المطبعة السلفية ومكتبتها القاهرة 1342 هـ/1923 م.
أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي:
18 - مختصر الخصال: دار نوبار للطباعة نشر وزارة التراث القومي والثقافة القومي والثقافة، عمان 1404 هـ/1984 م.
أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى:
19 - ملحق سير المشايخ للشماخي: مخطوط في مكتبة د. محَمَّد ناصر.
أبو حفص عمرو بن جميع:
20 - عقيدة التوحيد وشروحها: د م، د. ت.
أبو خزر يغلا بن زلتاف:
21 - الرد على جميع المخالفين: تحقيق د. عمر النامي بحث مرقون.
أبو داود السجستاني:
22 - السنن: مطبعة المجتبائي دلهي د. ت.
أبو زيد محَمَّد بن أبي الخطاب القرشي:
23 - كتاب جمهرة أشعار العرب: المطبعة الأميرية مصر 1308 هـ.
أبو ستة محَمَّد بن عمر:
24 - حاشية الوضع: مطبعة البارونية مصر 1305 هـ. (1/515)
صفحة 516
أبو سعيد محَمَّد بن سعيد الكدمي:
25 - المعتبر: دار جريدة عمان للصحافة والنشر وزارة التراث القومي والثقافة عمان، 1404 هـ/1984 م.
أبو عمار عبد الكافي:
26 - الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف: تحقيق: د. عمار الطالبي الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1398/ 1978 م.
أبو منصور الماتوريدي:
27 - كتاب التوحيد: ط 2 تحقيق د فتح الله خليف المطبعة الكاثوليكية بيروت 1982 م.
أحمد بن النظر:
28 - ديوان الدعائم: المطبعة العمومية دمشق 1966 م.
أحمد بن حنبل:
29 - المسند: المطبعة الميمنية مصر 1313 هـ.
الأشعري أبو الحسن إسماعيل بن إسحاق:
30 - الإبانة عن أصول الديانة: دار العلم للطباعة والنشر جدة د. ت.
31 - كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع: نشر وتصحيح الأب رتشرد يوسف مكارثي اليسوعي المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1953 م.
اطفيَّش امحَمَّد بن يوسف:
32 - أجوبة لأهل عمان: مخطوط في مكتبة الاستقامة (ج: 27).
33 - إزالة الاعتراض: ط 2 المطبعة الشرقية ومكتبتها نشر وزارة التراث القومي (1/516)
صفحة 517
والثقافة، عمان 1982 م.
34 - إزهاق الباطل بالعالم الهاطل: طبع قديم 1317 م.
35 - إطالة الأجور وإزالة الفجور: طبع حجري 1314 هـ.
36 - الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان: طبعة قديمة 1304 هـ.
37 - إيضاح الدليل إلى علم الخليل: مخطوط في مكتبة القطب (ا. م: 4).
38 - إيضاح المنطق في بلاد المشرق: مخطوط في: مكتبة الاستقامة (65).
39 - البرهان الجلي في الرد على الجربي: مخطوط في مكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي، وهو الأخير ضمن مجموع غير مرقم.
40 - بيان البيان: مخطوط في مكتبة القطب (أ. س: 1، 2).
41 - تحفة الحِب في أصل الطب: ط 2 مطبعة عمان نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان 1405 هـ/1985 م
42 - ترتيب الترتيب: طبع قديم الجزائر: 1326 هـ
43 - ترتيب المدونة الكبرى لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني: مخطوط مصور نشر: دار اليقظة العربية للتأليف سورية 1394 هـ/1974 م.
44 - ترتيب لقط الشيخ عمر بن رمضان الثلاثي: مخطوط في مكتبة الاستقامة بني يسجن مع فهرس مفصل وضعه أبو معقل عمر بن داود.
45 - تفسير ألغاز: نشر داود بن إبراهيم ط قديم دم 1306 هـ.
46 - تقريرات على حاشية الديانات للسدويكشي وتتمّتها للمصعبي: مخطوط نسخة منه بمكتبة الباحث.
47 - تلقين التالي لآيات المتعالي: مخطوط في مكتبة الاستقامة بني يسجن (جـ 67).
48 - تيسير التفسير: ط 1 قديمة الجزائر 1326 هـ. وط 2 مطبعة البابي الحلبي مصر (1/517)
صفحة 518
نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان من سنة 1982 إلى 1987 م.
49 - جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم -: تحقيق: محَمَّد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت 1407 هـ/1987 م.
50 - جامع الوضع والحاشية طبعة قديمة 1306 هـ. د م.
51 - الجُنة في وصف الجنة: ط 3 مطبعة أمون مصر نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان 1405 هـ/1985 م.
52 - جواب أهل زوارة: الجزائر: 1325 هـ.
53 - جواب إلى محَمَّد بن عبد الله الخليلي: مخطوط في مكتبة محَمَّد الحاج سعيد، غرداية (141).
54 - جواب مشايخ مكة: ط 2 الجزائر 1301 هـ.
55 - حاشية أبي مسألة: مخطوط في مكتبة القطب (أ. و: 6).
56 - الحاشية الثانية على شرح أبي القاسم: مخطوط في مكتبة القطب (أ. م: 3).
57 - حاشية السؤالات مخطوط في مكتبة القطب (ا و: 7).
58 - حاشية القناطر: مخطوط في مكتبة القطب (ا. و: 5).
59 - حاشية الموجز: مخطوط في مكتبة القطب: (. هـ: 03).
60 - حاشية على جواب ابن خلفان: مخطوط في ضمن مجموع في مكتبة الحاج سعيد محَمَّد، غرداية (38).
61 - حاشية على شرح الرائية: مخطوط في مكتبة الاستقامة (جـ: 7).
62 - حاشية على شرح المرادي على الألفية: مخطوط في مكتبة القطب (أ. م: 1).
63 - حاشية على شرح النونية: مخطوط في مكتبة عشيرة آت يدر بني يزقن (هـ: 120). (1/518)
صفحة 519
64 - الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد: طبع قديم. د. م، د. ت.
65 - حكم الدخان والسعوط: طبع حجري الجزائر 1326 هـ.
66 - حي على الفلاح: مخطوط في مكتبة القطب (ا و 10).
67 - خطبتا العيدين: مخطوط في مكتبة القطب (أ. ز: 03).
68 - داعي العمل ليوم الأمل: مخطوط، نسخة منه في مكتبة القطب: (أ. ب:2)؛ وأخرى في مكتبة بابا وموسى حمو بغرداية (9 الفن 1).
69 - ديوان نظم: ضمن مجموع المطبعة المديرية تونس 1321 هـ.
70 - الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى: طبع قديم دم 1326 هـ.
71 - الذهب الخالص: ط 2 مطبعة البعث قسنطينة 1400 هـ/ 1980 م.
72 - الرد على الإنكليزي الطاعن في الدين: المطبعة المديرية تونس 1321 هـ، ضمن مجموع.
73 - الرد على الصفرية والأزارقة: ضمن مجموع خمسة كتب طبعة حجرية، مصر: 1314 هـ.
74 - الرد على العقبي: المطبعة المديرية تونس 1321 هـ.
75 - رسالة إلى الوالي العام الفرنسيّ بالجزائر: مؤرخة في ربيع الأول 1304 هـ بقسنطينة، محفوظة في أرشيف أكس أون بروفنس فرنسا تحت رقم 14. 22 H.
76 - الرسالة الشافية: ط 2 دم 1326 هـ.
77 - السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة: ط 2 المطابع العالمية نشر وزارة التراث القومي والثقافة عمان 1405 هـ/ 1985 م.
78 - شامل الأصل والفرع: المطبعة السلفية القاهرة 1348 هـ.
79 - شرح أصول تيبغورين: مخطوط في مكتبة القطب (أ. هـ: 4).
80 - شرح الدعائم (شرح بعض منظومات ابن النظر العماني المسماة (1/519)
صفحة 520
الدعائم): طبعة قديمة 1325 هـ.
81 - شرح الدعائم الموسع: مخطوط في مكتبة القطب (ا و 2).
82 - شرح القلصادي: مخطوط في مكتبة الاستقامة (71).
83 - شرح المخمسة: مخطوط في مكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي بني يزقن (دون رقم).
84 - شرح شرح أبي سليمان داود على الأجرومية: مخطوط في مكتبة القطب (أ. م: 2).
85 - شرح شرح الاستعارات لعصام الدين: مخطوط في مكتبة القطب (ا. س:1).
86 - شرح شواهد الوضع: مخطوط في مكتبة القطب (أ. ع: 03).
87 - شرح عقيدة التوحيد: طبعة قديمة 1326 هـ.
88 - شرح كتاب النيل: ط 3 دار الفتح بيروت ومكتبة الإرشاد جدة 1405 هـ/1985 م.
89 - شرح لامية ابن النظر: مخطوط في مكتبة القطب (أ: ث: 1).
90 - شرح لامية الأفعال: مطابع سجل العرب نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان 1407 هـ/1986 م.
91 - شرح لغز الماء: طبعة قديمة الجزائر 1301 هـ.
92 - شرح نونية المديح: مخطوط في مكتبة القطب (اث: 3).
93 - عدم الرؤية وإدحاض مذهب أهل الفرية: مخطوط ضمن مجموع رسائل مكتبة القطب (أ. ز 6).
94 - الغسول من أسماء الرسول: طبع قديم د. م 1319 هـ.
95 - فتح الباب للطلاب: شرح معالم الدين: مخطوط في مكتبة القطب (أ. ز 03). (1/520)
صفحة 521
96 - فتح الله: شرح شرح مختصر العدل والإنصاف: مخطوط في مكتبة القطب (أ. هـ: 1).
97 - قصائد القطب: مخطوط في مكتبة الاستقامة (ف: 1).
98 - القصيدة الحجازية: مخطوط في مكتبة القطب (أ. ز: 07).
99 - قصيدة الغريب (نظم المغني): مخطوط في مكتبة القطب (أ. م: 9).
100 - قصيدة المعجزات: مخطوط في مكتبة الاستقامة (ف: 11).
101 - قصيدة بائية: ضمن مجموع قصائد مخطوط في مكتبة القطب (أ. ز 7).
102 - قصيدة بدر: مخطوط ضمن مجموع: مكتبة الاستقامة (ف 11).
103 - القنوان الدانية في مسألة الديوان العانية: ضمن مجموع خمسة كتب طبعة حجرية، مصر 1314 هـ.
104 - الكافي في التصريف: مخطوط، توجد نسخة كاملة منه في مكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي بني يزقن غير مرقمة؛ ونسخة ثانية في مكتبة الإصلاح بغرداية ناقصة غير مرقمة؛ وتتمّتها في مكتبة القطب غير مرقمة.
105 - كتاب التوأم: مطبعة العرب تونس 1344 هـ.
106 - كشف الكرب: ترتيب أبي الوليد تحقيق محَمَّد علي الصليبي، المطبعة الوطنية نشر: وزارة التراث القومي والثقافة عمان 1405 هـ/1985 م.
107 - مجموع الرسائل: مخطوط في مكتبة القطب (أ. ز 6).
108 - مجموع قصائد وأجوبة مخطوط في مكتبة القطب (أ. ز 7).
109 - مجموعة رسائل بين القطب والإدارة الاستعمارية: مخطوط في مكتبة الاستقامة: (دون رقم).
110 - مختصر في عمارة الأرض: مخطوط في مكتبة القطب (أ. و: 3).
111 - المسائل التحقيقية في بيان التحفة الأجرومية: مخطوط في مكتبة (1/521)
صفحة 522
القطب: (ا. م:5).
112 - مطلع الملك في فن الفلك مخطوط في مكتبة القطب (أ ض 1).
113 - هميان الزاد إلى دار الميعاد: ط 1 المطبعة السلطانية زنجبار 1305 هـ. وط 2 مطابع سجل العرب نشر وزارة التراث القومي عمان ابتداء من سنة 1980 م.
114 - وفاء الضمانة وأداء الأمانة: مطابع سجل العرب نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان: 1982 م.
الباقلاني أبو بكر محَمَّد بن الطيب:
115 - التمهيد: تصحيح الأب رتشرد يوسف مكارثي اليسوعي سلسلة علم الكلام 1 المطبعة الكاثوليكية نشر المكتبة الشرقية بيروت 1975 م.
البخاري:
116 - الصحيح: ضبط وترقيم وشرح وتخريج د مصطفى ديب البغا نشر دار الهدى عين مليلة وموفم للنشر الجزائر 1992 م.
البغدادي أبو منصور عبد القاهر:
117 - كتاب أصول الدين: ط 3 دار الكتب العلمية بيروت 1401 هـ/ 1981 م.
البلخي أبو القاسم:
118 - مقالات الإسلاميين: محقق مع: فضل الاعتزال.
البيجوري إبراهيم:
119 - تحفة المريد على جوهرة التوحيد المطبعة الميمنية مصر 1324 هـ.
البيضاوي ناصر الدين عبد الله:
120 - تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل: نشر مؤسسة شعبان للنشر (1/522)
صفحة 523
والتوزيع المطبعة الميمنية مصر 1330 هـ.
الثميني عبد العزيز:
121 - معالم الدين: مطابع سجل العرب نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان، 1407 هـ/ 1987 م.
122 - النور في شرح النونية: مصور عن الطبعة البارونية 1306 هـ في المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، د. ت.
123 - النيل وشفاء العليل: ط 2 المطبعة العربية الجزائر 1387 هـ/1967 م تصحيح: عبد الرحمن بكلي.
الجشمي الحاكم:
124 - شرح العيون: مع فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة لعبد الجبار.
جميل بن خميس:
125 - قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة: نشر وزارة التراث عمان 1403 هـ/1983 م.
الجناوني أبو زكرياء يحي بن الخير:
126 - كتاب الوضع: تعليق أبي إسحاق إبراهيم اطفيَّش مطبعة الفجالة الجديدة مصر د. ت.
الجوهري إسماعيل بن حماد:
127 - تاج اللغة وصحاح العربية: تحقيق أحمد عبد الغفور عطار دار العلم للملايين ط 3، بيروت، 1404 هـ/1984 م.
الجيطالي إسماعيل بن موسى:
128 - قواعد الإسلام: تصحيح عبد الرحمن بكلي المطبعة العربية غرداية 1976 م. (1/523)
صفحة 524
الحاج صالح لعلي وإبراهيم حفار:
129 - مجموع متون دينية: المطابع العربية لدار الفكر الإسلامي الجزائر 1386 هـ/1966 م، مُقدِّمَة الحاج عمر ابن يوسف عبد الرحمن.
الحاكم النيسابوري أبو عبد الله محَمَّد:
130 - المستدرك على الصحيحين: مكتبة ومطابع النصر الحديثة الرياض د. ت.
خميس بن سعيد الرستاقي:
131 - منهج الطالبين وبلاغ الراغبين: تحقيق سالم بن محَمَّد الحارثي مطبعة عيسى البابي الحلبي مصر نشر وزارة التراث القومي والثقافة عمان 1979 هـ.
الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد:
132 - طبقات المشايخ بالمغرب: تحقيق إبراهيم طلاي مطبعة البعث قسنطينة د. ت.
الرازي فخر الدين محَمَّد بن عمر:
133 - التفسير الكبير: دار إحياء التراث القومي والثقافة العربي: ط 3 بيروت د. ت.
134 - محصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلّمين: المطبعة الحسينية مصر 1323 هـ.
135 - معالم أصول الدين: مراجعة وتقديم طه عبد الرؤوف سعد نشر مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة (د. ت).
الربيع بن حبيب:
136 - الجامع الصحيح: ترتيب أبي يعقوب الوارجلاني مصور عن طبعة المطبعة العمومية بدمشق 1388 هـ في المطبعة العربية غرداية 1985 م. (1/524)
صفحة 525
الزمخشري أبو القاسم محمود:
137 - الكشاف: تحقيق: محَمَّد مرسي عامر دار المصحف القاهرة ط 2: 1397 هـ/1977 م.
زهير ابن أبي سلمي:
138 - ديوان زهير: دار صادر بيروت د. ت.
السالمي عبد الله بن حميد:
139 - تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان: المطبعة السلفية مصر 1347 هـ.
140 - شرح الجامع الصحيح: الأزهار البارونية مصر 1326 هـ.
141 - شرح طلعة الشمس على الألفية: المطبعة الشرية ومكتبتها، نشر وزارة التراث القومي والثقافة عمان 1401 هـ/1981 م.
142 - مشارق أنوار العقول: تحقيق د عبد الرحمان عميرة دار الجيل بيروت 1409 هـ/1989 م.
143 - معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال: تحقيق محَمَّد محمود إسماعيل: مطابع سجل العرب نشر وزارة التراث القومي والثقافة عمان 1403 هـ/1983 م.
سعيد بن علي ابن تعاريت:
144 - المسلك المحمود في معرفة الردود: طبع حجري، دم، 1321 هـ.
السيوطي جلال الدين:
145 - الإتقان في علوم القرآن: عالم الكتب بيروت د. ت.
146 - الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير: دار الكتب العلمية بيروت د. ت.
147 - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة: تحقيق محَمَّد أبو الفضل إبراهيم دار إحياء الكتب العربية مطبعة عيسى البابي الحلبي 1387 هـ/1967 م. (1/525)
صفحة 526
148 - الدر المنثور في التفسير بالمأثور: دار الفكر بيروت 1403 هـ/1983 م.
149 - الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف: وهي رسالة ضمن الحاوي للفتاوي نشر: مكتبة القدس القاهرة 1352 هـ.
الشماخي أبو العباس أحمد بن سعيد:
150 - شرح مقدمة التوحيد: هامش مقدمة التوحيد: د. م. د. ت.
151 - كتاب سير المشايخ: طبعة حجرية د. ت.
الشماخي عامر بن علي:
152 - متن الديانات: ضمن مجموع كتب مختارة مصور عن طبعة الفجالة الجديدة القاهرة، د. م، د. ت.
الشهرستاني أبو الفتح محَمَّد:
153 - الملل والنحل: (على هامش الفصل).
الطبري أبو جعفر محَمَّد بن جرير:
154 - جامع البيان في تفسير القرآن: المطبعة الميمنية مصر د. ت.
عبد الجبار القاضي أبو الحسن:
155 - تنزيه القرآن عن المطاعن: المطبعة الجمالية مصر 1329 هـ.
156 - شرح الأصول الخمسة: تحقيق عبد الكريم عثمان نشر مكتبة وهبة مصر، 1384 هـ/1965.
157 - فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: تحقيق فؤاد سيد ط 2 الدار التونسية للنشر تونس، والمؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1406 هـ /1986 م.
عبد الرؤوف المناوي زين الدين:
158 - التيسير بشرح الجامع الصغير: المطبعة المصرية بولاق 1286 هـ. (1/526)
صفحة 527
عبيد بن الأبرص:
159 - ديوان عبيد: دار بيروت 1399 هـ / 1979 م.
العمانيون:
160 - مجموعة كتب من عمان: مخطوط في مكتبة الحاج سعيد محَمَّد بن أيوب غرداية (27).
الغزالي أبو حامد:
161 - إحياء علوم الدين: دار الثقافة الجزائر 1411 هـ/1991 م.
162 - الاقتصاد في الاعتقاد: دار الكتب العلمية بيروت 1403 هـ/1983 م.
الفيروز آبادي أبو طاهر محَمَّد:
163 - تنوير المقياس من تفسير ابن عباس: المطبعة المصرية 1290 هـ.
164 - القاموس المحيط: مطبعة دار السعادة د. ت.
القرطبي:
165 - الجامع لأحكام القرآن: دار إحياء التراث القومي والثقافة العربي ط 2 بيروت، 1965، 1966 م.
القسطلاني أحمد بن محَمَّد:
166 - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: دار الكتاب العربي: بيروت 1983 م.
المبرد أبو العباس:
167 - الكامل: مؤسسة المعارف، بيروت 1985 م.
محَمَّد المدني:
168 - الإتحافات السنية في الأحاديث القدسية: مطبعة مجلس دائرة المعارف (1/527)
صفحة 528
حيدر آباد الدكن 1323 هـ.
محَمَّد بن أبي العز:
169 - شرح الطحاوية: المكتب الإسلامي بيروت 1399 هـ.
محَمَّد بن عبد الله الخطيب التبريزي:
170 - مشكاة المصابيح: تحقيق محَمَّد ناصر الدين الألباني نشر المكتب الإسلامي د. ت.
محَمَّد بن يعلى:
171 - الدرة النحوية: مخطوط في مكتبة عشيرة آل يدر بني يزقن (م: 03).
مرقس:
172 - إنجيل مرقس: ضمن الكتاب المقدس مطبعة أكسفورد بريطانيا: 1871 م.
مسلم بن الحجاج:
173 - صحيح مسلم: تحقيق محَمَّد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي ط 2، بيروت، 1972 م.
المنذري عبد العظيم بن عبد القوي:
174 - الترغيب والترهيب من الحديث الشريف: ضبط وتعليق مصطفى محَمَّد عمارة، دار إحياء التراث العربي ط 3 بيروت 1388 هـ/1968 م.
ناصر بن سالم الرواحي:
175 - نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر: مخطوط مصور نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان د. ت.
النسائي:
176 - السنن: شرح السيوطي وحاشية السدي تحقيق مكتب تحقيق (1/528)
صفحة 529
التراث الإسلامي دار المعرفة بيروت 1411 هـ.
الهيثمي علي بن أبي بكر:
177 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: دار الكتاب العربي ط 3 بيروت 1402 هـ/1983 م.
الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم:
178 - الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل لتحقيق مذهب الحق بالبرهان والصدق: المطبعة البارونية مصر 1306 هـ.
ثانيا - المراجع
إبراهيم الزين:
179 - شرح ديوان عنترة: دار النجاح ودار الفكر بيروت. د. ت.
أبو الأعلى المودودي:
180 - مبادئ الإسلام: ط 2 الدار السعودية للنشر والتوزيع 1402 هـ/1982 م.
أبو البقاء الحسني:
181 - الكليات: ط بولاق مصر: 1281 هـ.
أحمد فرصوص:
182 - الشيخ أبو اليقظان إبراهيم كما عرفته: مطابع دار البعث قسنطينة، د. ت.
الألباني محَمَّد ناصر الدين:
183 - سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها: الجزء 3 الدار السلفية: الكويت 1399 هـ/1979 م، والجزء 1 و 2: ط 3 المكتب الإسلامي (1/529)
صفحة 530
بيروت، 1403/ 1983.
184 - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمّة: المكتب الإسلامي ط 4 بيروت 1398 هـ.
185 - صحيح الجامع الصغير وزيادته: المكتب الإسلامي: بيروت 1388 هـ/1969 م.
بحاز إبراهيم:
186 - الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الفكرية والاجتماعية والاقتصادية: المطبعة العَرَبِيَّة غرداية.
البستاني بطرس:
187 - دائرة المعارف: دار المعرفة بيروت د. ت.
بكير بن سعيد أوعوشت:
188 - قطب الأئمة. حياته وآثاره الفكرية جهاده: المطبعة العربية غرداية 1989 م.
الجامعة الإسلامية:
189 - فهرس مخطوطات النحو والصرف واللغة والعروض في جامعة محَمَّد بن سعود الإِسلاَمِيَّة: نشر الجامعة 1407 هـ/1987 م.
الجعبيري فرحات:
190 - البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية: ط 2 نشر جمعية التراث القرارة المطبعة العَرَبِيَّة غرداية 1990 م.
191 - نظام العزّابة عند الإباضيّة الوهبية في جربة: نشر المعهد القومي للآثار والفنون، المكتبة التاريخية 1 تونس 1975 م. (1/530)
صفحة 531
جغلول عبد القادر:
192 - الاستعمار والصراعات الثقافية في الجزائر: ترجمة سليم قسطون دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت د. ت.
جمعية البلابل الرستمية:
أعمال مهرجان القطب: مرقونة بمكتبة الحاج سعيد محَمَّد غرداية منها:
193 - إبراهيم بن محَمَّد طلاَّي: الشيخ اطفيَّش ذو التفاسير المتعدّدة.
194 - أحمد بن حمزة الرفاعي وثيقة بإمضائه يروي فيها عن أبيه كيف تمّ قبول تدريس الشيخ اطفيَّش في المسجد النبوي.
195 - سالم بن يعقوب: حظ جربة من تعاليم القطب: محاضرة مرقونة.
196 - عبد الرحمن بن عمر بكلِّي: محاضرة في مهرجان القطب.
197 - محَمَّد بن بابه الشيخ بلحاج: الشيخ اطفيَّش المجتهد المتفتح.
198 - إبراهيم بابزيز: كلمة ألقاها في مهرجان القطب عن رحلة الشيخ اطفيَّش إلى وارجلان.
جهلان عدون:
199 - الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محَمَّد بن يوسف اطفيَّش: نشر جمعية التراث القرارة (د. ت).
جولد تسيهر أجناس:
200 - العقيدة والشريعة في الإسلام: ترجمة محَمَّد يوسف موسى وعبد العزيز عبد الحق، وعلي حسن عبد القادر نشر دار الرائد العربي بيروت د. ت.
الحاج سعيد يوسف:
201 - تاريخ بني مزاب دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية: المطبعة العربية غرداية 1992 م. (1/531)
صفحة 532
حاجي خليفة:
202 - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: وكالة المعارف دم 1362 هـ/1943 م.
الحارثي سالم بن حمد:
203 - العقود الفضية في أصول الإباضية: نشر وزارة التراث القومي والثقافة عمان، 1403/ 1983 م.
حسن البنا:
204 - حديث الثلاثاء: مكتبة رحاب الجزائر 1990 م.
الخليلي أحمد بن حمد:
205 - جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل: مكتبة الاستقامة عمان 1409 هـ/1988 م.
206 - الحق الدامغ: مطبعة النهضة عمان 1409 هـ/ 1989 م.
الخوري سعيد:
207 - أقرب الموارد في فصحى العربية والشوارد: المطبعة اليسوعية بيروت 1889 م.
دبوز محَمَّد علي:
208 - نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة المطبعة التعاونية 1385 هـ/1965 م.
الزركلي:
209 - الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء والعرب والمستعمرين والمستشرقين، دار العلم للملايين ط 7 بيروت 1986 م.
زعيمة الباروني:
210 - سليمان الباروني تعريف موجز: مطابع دار لبنان للطباعة والنشر (1/532)
صفحة 533
بيروت، 1323 هـ/1973 م.
الزوزني عبد الله الحسين:
211 - شرح المعلَّقات السبع: مكتبة المعارف ط 5 بيروت 1405 هـ/1989 م.
سهير رشاد مهنا:
212 - خبر الواحد في السنة وأثره في الفقه الإسلامي: دار الشروق بيروت د. ت.
الشعراوي محَمَّد متولي:
213 - سلسلة أنت تسأل والإسلام يجيب: الكتاب الثامن (08) تقديم: عبد القادر عطا. مطبعة البعث قسنطينة 1988 م.
طاهر الجزائري:
214 - الجواهر الكلامية في إيضاح العقيدة الإِسلاَمِيَّة: ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1990 م.
طلاي إبراهيم:
215 - ميزاب بلد كفاح دراسة تاريخية واجتماعيّة تلقي الأضواء على نشأة هذا البلد وحياة ساكنيه: مطبعة البعث قسنطينة 1970 م.
عبد الحليم محمود:
216 - التفكير الفلسفي في الإسلام: المجموعة الكاملة دار الكتاب اللبناني بيروت 1974 م.
عبد الحميد بن باديس:
217 - العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية: مكتبة الشركة الجزائرية، 1401 هـ/1981 م. (1/533)
صفحة 534
عبد الكريم الخطيب:
218 - مشيئة الله ومشيئة العباد: سلسلة من قضايا القرآن رقم 02 دار الفكر العربي د. ت.
219 - المهدي المنتظر ومن ينتظرونه: دار الثقافة العربية للطباعة مصر 1980 م.
عبد الله بن محَمَّد كنطابلي:
220 - بطاقات تعريف لقطب الأئمة ومؤلفاته: مخطوط نسخة منه بمكتبة الباحث.
عبد المجيد بن حمده:
221 - المدارس الكلامية بإفريقية إلى ظهور الأشعرية: دار العرب تونس 1406 هـ/1986 م.
عثمان باشا:
222 - داي الجزائر: سيرته وحروبه نظام الدولة والحياة العامة في عهده، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1986 م.
العثيمين محَمَّد صالح:
223 - عقيدة أهل السنة والجماعة: نشر دار البيان البليدة 1989 م.
علي يحي معمر:
224 - الإباضيّة بين الفرق الإسلاميّة عند كتاب المقالات في القديم والحديث، ط 2 المطبعة العَرَبِيَّة غرداية 1987 م.
225 - الإباضيّة دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم: المطبعة العربية غرداية 1982 م.
226 - الإباضيّة في موكب التاريخ الحلقة الثالثة (تونس): دار الثقافة بيروت د. ت.
227 - الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الرابعة الإباضية في الجزائر: ط 2 المطبعة العَرَبِيَّة غرداية 1986 م. (1/534)
صفحة 535
عمر سليمان الأشقر:
228 - الرسل والرسالات، سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنّة (04) قصر الكتاب البليدة 1989 م.
229 - القضاء والقدر: سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة رقم 06 مطبعة أمزيان، نشر قصر الكتاب البليدة الجزائر 1410 هـ/1990 م.
مالك بن نبي:
230 - شروط النهضة: سلسلة مشكلات الحضارة: ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق 1406 هـ/1986 م.
مجموعة مؤلفين:
231 - كتاب مجموع المتون، طبع قديم د. م 1294 هـ.
مجهول:
232 - الإنشاء في المراسلات: دم 1342 هـ.
محَمَّد إقبال:
233 - تجديد التفكير الديني في الإسلام: ترجمة عَبَّاس محمود مطبعة لجنة التأليف القاهرة 1955 م.
محَمَّد رشيد رضا:
234 - تفسير المنار: ط 2 دار المعرفة بيروت د. ت.
235 - الوحي المحَمَّدي: المطبوعات الجميلة الجزائر 1988 م.
محَمَّد الصالح الجابري:
236 - النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس 1900 م 1962 م: الدار العَرَبِيَّة للكتاب تونس والشركة الوطنية للنشر (1/535)
صفحة 536
والتوزيع الجزائر 1983 م.
محَمَّد الغزالي:
237 - عقيدة المسلم: دار الشهاب باتنة 1985 م.
محَمَّد بن موسى بباعمي:
238 - فهارس ملحق السير: بحث مرقون 1412 هـ/1992 م جزء منه بمكتبة الباحث الفهرس
محَمَّد خليل هراس:
239 - شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية: مطابع الجامعة الإسلامية المدينة ط 5 د. ت.
محَمَّد عبده:
240 - رسالة التوحيد: ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 1988 م.
محَمَّد علي ناصر:
241 - أصول الدين الإسلامي عرض وتحليل وتحقيق: المكتبة العصرية صيدا بيروت د. ت.
محَمَّد عمارة:
242 - الإسلام وفلسفة الحكم: ط 2 المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1979 م.
محَمَّد مرتضى الزبيدي:
243 - تاج العروس من جواهر القاموس: المطبعة الخيرية مصر 1306 هـ.
محَمَّد ناصر:
244 - الشيخ إبراهيم اطفيَّش وجهاده الإسلامي: المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1991 م. (1/536)
صفحة 537
245 - الشيخ القرادي حياته وآثاره نشر جمعية النهضة المطبعة العربية غرداية 1990 م.
محمود الخالدي:
246 - قواعد نظام الحكم في الإسلام: المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية الجزائر 1991 م.
محمود بن الشريف:
247 - الأديان في القرآن: دار عكاظ للطباعة والنشر ط 3 جدة 1979 م.
محمود شلتوت:
248 - الإسلام عقيدة وشريعة: ط 14 دار الشروق، بيروت 1987 م.
المدني احمد توفيق:
249 - كتاب الجزائر: المطبعة العربية الجزائر 1350 هـ.
نجيب العقيقي:
250 - المستشرقون: دار المعارف ط 4 مصر 1980 م.
النوري حمو عيسى:
251 - نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية من سنة 1505 م إلى 1962 م: دار الكروان باريس 1984 م.
و نسنك وآخرون:
252 - المعجم المفهرس لألفاظ الحديث: دار الدعوة ودار سحنون تونس واسطنبول 1988 م.
يحي بكوش:
253 - شرح النيل دائرة معارف إسلامية: المطبعة العربية غرداية 1984 م. (1/537)
صفحة 538
يحي صالح بوتردين:
254 - الشيخ محَمَّد بن يوسف اطفيَّش ومذهبه في تفسير القرآن الكريم مقارنة إلى تفسير أهل السنة: بحث للماجستير في جامعة عين شمس بالقاهرة مرقون 1410/ 1989.
ثالثا- المراجع باللغة الفرنسية
CUPERLY P. :
255 - Aperçus sur l'histoire de l'ibadisme au M'zab: رسالة ميتريز مرقونة قدمت بالسربون سنة 1971 م
256 - Introduction a l'étude de l’Ibadism et de sa théologie: O.P.U Alger 1984
Louis DAVID:
257 - Les mechaikh du M'Zab مجموعة محاضرات مرقونة د. ت.
MASQUERAY E. :
258 - Chronique d'Abou Zakaria: Imprimerie de l'Association ouvrière, Alger.
ROFFO P. :
259 - Contribution à l'études de la préhistoire du sahara septentrionale civilisations paléolithiques du M'zab: Ancienne Imprimerie, Alger:1934.
Schacht J:
260 - Bibliothéques et Manuscrits Abadites: Revue Africainne année: 1956: 375, 398 (1/538)
صفحة 539
فهرس الآيات القرآنية
سورة الفاتحة
5 - 6 {اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} 179
سورة البقرة
02 {الذِينَ يُومِنُونَ بِالغَيْبِ} 275
07 {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَىآ سَمْعِهِمْ} 364
23 {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ التِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} 184
29 {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُّفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}؟ 193
29 {إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} 193
31 {وَعَلَّمَ ءَادَمَ الاَسْمَآءَ كُلَّهَا} 425
35 {اُسْكُنَ اَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} 185
39 {وَالذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِئَايَاتِنَآ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 438
48 {وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُوخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} 428
54 {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُّومِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} 137 (1/539)
صفحة 540
80 - 82 {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلَ اَتَّخَذْتُّمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُّخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ, أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 386 - 387، 398 - 399، 441، 451
85 {أَفَتُومِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} 318
95 {وَلَن يَّتَمَنَّوْهُ أَبَدًام بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمْ} 139
101 {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانَ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنَ اَحَدٍ حَتَّى يَقُولآَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} 194
104، 153 ... {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا} 309
113 {فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ} 161 - 162
136 {ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} 268
143 {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} 283
152 {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا ليِ وَلاَ تَكْفُرُونِ} 317
167 {كَذَالِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} 454
176 {لَيْسَ الْبِرُّ أن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالْكِتَابِ} 188
253 {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} 242 (1/540)
صفحة 541
275 {الذِينِ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ, إِلىَ اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 454، 455
278 {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّومِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} 455
279 {فَنَظِرَةٌ اِلىَ مَيْسُرَةٍ} 146
284 {ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِليَْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُومِنوُنَ كُلٌّ امَنَ بِاللهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} 188
سورة آل عمران
09 {رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} 387
28 {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ} 307
33 {إِنَّ اللهَ اصْطَفَىآ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} 242، 248
48 {إِنِّيَ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} 370
54 {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} 166
86 {كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} 285
133 {سَارِعُوا إِلىَا مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} 184، 185 (1/541)
صفحة 542
182 {ذَالِكَ ِبمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} 363
190 {إِنَّ فيِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ ِلأُوليِ الاَلْبَابِ} 104
192 {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدَ اَخْزَيْتَهُ, وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنَ اَنْصَارٍ} 319، 454
سورة النساء
14 {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ نُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} 453
31 {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} 404
48 {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَّشَآءُ} 405
80 {مَن يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللهَ} 244
85 {مَن يَّشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً} 421
88 - 89 {فَمَا لَكُمْ فيِ الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنَ اَضَلَّ اللهُ وَمَن يُّضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمُ, أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فيِ سَبِيلِ اللهِ، فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا} 327 - 328
92 {وَمَن قَتَلَ مُومِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّومِنَةٍ} 309، 310
93 {وَمَن يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} 452
93 {وَمَن يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} 406 (1/542)
صفحة 543
145 {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الاَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} 331
112 {وَمَن يَّكْسِبْ خَطِيئَةً اَوِ اِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} 399
115 { ... وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُومِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلىَّا وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيًرا} 437
152 {وَالذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمُ, أُولَئِكَ سَوْفَ نُوتِيهِمُ, أُجُورَهُمْ} 246
153 {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىآ أَكْبَرَ مِن ذَالِكَ فَقَالوُا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} 137
155 {بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} 366
159 {وإِن مِّنَ اَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُومِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} 166
163 {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلىَا نُوحٍ وَالنَّبِيئِينَ مِنم بَعْدِهِ} 217
164 {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} 227 - 228
سورة المائدة
10 {وَالذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِئَايَاتِنَآ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} 456
38 {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءَم بِمَا كَسَبَا} 363
41، 67 {يَآ أَيُّهَا الرَّسُولُ} 244
97 {جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ} 94 (1/543)
صفحة 544
سورة الأنعام
20 {الذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُم} 277
31 {حَتَّىآ إِذَا جَآءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} 161
59 {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ اِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الاَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ اِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} 352
74 {قَولُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فيِ الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} 169
82 {الذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ اُولَئِكَ لَهُمُ الاَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} 454
90 {أُوْلَئِكَ الذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه} 244
101 {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 368
104 {لاَ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} 134، 135،
141 - 142، 146
107 {وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَآ أَشْرَكُوا} 355، 364
121 {وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ, لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىآ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنَ اَطَعْتُمُوهُمُ, ... } 311
124 {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاَتِهِ} 222
128 {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ} 463
159 {إِنَّ الذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فيِ شَيْءٍ} 428 (1/544)
صفحة 545
سورة الأعراف
46 - 48 {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الاَعْرَافِ رِجَالٌ يَّعْرِفُونَ كُلاًّم بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوَا اَصْحَابَ الجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذَا صُرِفَتَ اَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ اصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَادَىآ أَصْحَابُ الاَعْرَافِ رِجَالاً يَّعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَآ أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُون} 442
65 {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ, أَفَلاَ تَتَّقُونَ} 212
99 {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} 305
143 {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرِ اِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنُ اُنظُرِ اِلىَ الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُومِنِينَ} 134، 136 - 137
155 {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنَّا} 137
178 {ثَقُلَتْ فيِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ لاَ تَاتِيكُمُ, ِإلاَّ بَغْتَةً} 162
180 {وللهِ الاَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلْحِدُونَ فيِ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 112
187 {يَسأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلِ اِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} 170
200 {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 232
سورة الأنفال
16 {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ, إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ اَوْ مُتَحَيِّزًا اِلىَا فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِيسَ الْمَصِيرُ} 458
24 {اِسْتَجِيبُوا ِللهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} 244 (1/545)
صفحة 546
60 {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ... } 41
64، 65 {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ} 244
سورة التوبة
39 {اِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا اَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 458
64 {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فيِ قُلُوبِهِمْ} 328
72 {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ} 150
84 {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} 326
118 {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} 115
124 {فَأَمَّا الذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمُ, إِيمَانًا} 299
سورة يونس
26 - 27 {لِلذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِم بِمِثْلِهَا َوتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِّنَ اللهِ ِمنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا اُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 147، 450
44 {إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} 363، 365
81 - 82 {إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ويُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} 466 (1/546)
صفحة 547
84 {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمُ, ءَامَنتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} 293
99 {وَلَوْ شَآءَ َربُّكَ لآَمَنَ مَن فيِ الاَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} 370
سورة هود
20 {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} 359
37 {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} 132
46 {فَلاَ تَسْئَلَنِّي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اِنِّيَ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} 138
105 {يَوْمَ يَاتِي لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ اِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} 437
107 {فَأَمَّا الذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} 462، 463
108 {وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فيِ سَمِّ الْخِيَاطِ} 463
سورة يوسف
17 {وَمَآ أَنتَ بِمُومِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} 280
87 {إِنَّهُ, لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} 305
سورة الرعد
31 {إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} 387 (1/547)
صفحة 548
سورة إبراهيم
04 {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ اِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} 266
11 {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمُ, إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} 221
22 {وَمَا كَانَ ليِ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ اِلآَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ ليِ فَلاَ تَلُوُمونِي وَلُوُموا أَنفُسَكُمْ} 362
48 {يَوْمَ تُبَدَّلُ الاَرْضُ غَيْرَ الاَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} 462
سورة الحِجر
9 {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 86
سورة النحل
02 {يُنَزِّلُ الْمَلآَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنَ اَمْرِهِ عَلىَا مَن يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنَ اَنذِرُوا أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاتَّقُونِ} 212
27 {إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ والسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ} 319، 321 - 322
68 {وَأَوْحَىَا رَبُّكَ إِلىَ النَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا} 217
106 {مَن كَفَرَ بِاللهِ مِنم بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنُ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ, مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمَانِ} 285
سورة الإسراء
01 {سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلىَ الْمَسْجِدِ الاَقْصَا} 256 (1/548)
صفحة 549
36 {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 353
48 {فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} 359
55 {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلَى بَعْضٍ} 242
110 {قُلُ اُدْعُوا اللهَ أوُ اُدْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الاَسْمَآءُ الْحُسْنَى} 112
سورة الكهف
30 {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنَ اَحْسَنَ عَمَلاً} 389
سورة مريم
12 {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} 264
17 {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} 192، 230
71 - 72 {وَإِن مِّنكُمُ, إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا} 447، 448
87 {لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اِتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} 428
سورة طه
38 - 39 {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} 132
109 {يَوْمَئِذٍ لاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنَ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} 426
121 {وعَصَىآ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} 238 (1/549)
صفحة 550
سورة الأنبياء
07 {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً يُّوحَىآ إِلَيْهِمْ} 230
08 {وَلَقَدَ اتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} 89
20 {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرونَ} 196
23 {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} 108، 215، 380، 381، 382
28 {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَى} 426، 432
34 {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ} 438
51 {وَلَقَدَ - اَتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} 102
69 {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَىآ إبْرَاهِيمَ} 256
101 {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَىآ أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} 447
104 {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} 174
107 {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} 243
سورة الحج
17 {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالِذينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} 340
52 {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ اِلآَّ إَذَا تَمَنَّىآ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فيِ أُمْنِيَتِهِ} 226 (1/550)
صفحة 551
سورة المؤمنون
14 {فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} 370
100 - 101 {حَتَّىآ إِذَا جَآءَ احَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ لَعَلِّيَ أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَّرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ اِلىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَإِذاَ نُفِخَ فيِ الصُّورِ فَلآَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ َولاَ يَتَسَآءَلوُنَ} 397 - 398
سورة الفرقان
68 - 70 {وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا اخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهِ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَّفْعَلْ ذَالِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُّضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ َويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا اِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} 452
70 {إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحيِمًا} 407
سورة الشعراء
88 - 89 {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنَ اَتَى اللهَ بِقْلْبٍ سَلِيمٍ} 422 - 423
184 {وَاتَّقُوا الذِي خَلَقَكُمْ وَالجِبِلَّةَ الاَوَّلِينَ} 366
سورة النمل
40 {لِيَبْلُوَنِيَ ءَآشْكُرُ أَمَ اَكْفُرُ} 335
84 {وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمُ, أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الاَرْضِ تُكَلِّمُهُمُ, إِنَّ النَّاسَ كَانُوا بِئَايَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ} 163 (1/551)
صفحة 552
سورة القصص
07 {وَأَوْحَيْنَآ إِلىَآ أُمِّ مُوسَىآ أَنَ اَرْضِعِيهِ} 230
84 {وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَن يُّلْقَىآ إِلَيْكَ الْكِتَابُ} 222، 223
88 {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ} 131، 167 - 168، 185
سورة العنكبوت
64 {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنَّ الدَّارَ الاَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} 437
سورة الروم
30 {فِطْرَةَ اللهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} 366
سورة لقمان
11 {هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذِينَ مِن دُونِهِ} 368
13 {لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} 454
33 {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} 170
سورة السجدة
18 {أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ} 450 (1/552)
صفحة 553
20 {وَأَمَّا الذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوا أَن يَّخْرُجُوا مِنْهَآ اُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذاَبَ النَّارِ الذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} 428، 450
سورة الأحزاب
40 {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} 163
سورة سبأ
28 {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} 241
سورة فاطر
1 {الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ جَاعِلِ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً اُوْليِ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فيِ الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ اِنَّ اللهَ عَلىَا كُلِّ شَيْءٍ قَديِرٌ} 190
03 {هَلْ مِن خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ} 368
18 {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 446 - 447
سورة يس
58 {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَحِيمٍ} 150
77 - 78 {قَالَ مَن يُّحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} 173 (1/553)
صفحة 554
سورة الصافات
102 {قَالَ يَا بُنَيِّ إِنِّيَ أَرَى فيِ الْمَنَام أَنِّيَ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى، قَالَ يآ أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ} 219
139 {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} 245
164 {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} 199
سورة ص
28 {أَمْ نَجْعَلُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فيِ الاَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجَّارِ} 450
سورة الزمر
07 {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ} 356
09 {أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ - انَآءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ الاَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} 306
16 {ذَالِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ} 391
50 {قُلْ يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىآ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} 406
65 {لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} 232
67 {وَالاَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتُم بِيَمِينِهِ} 131
74 {وَأَوْرَثَنَا الاَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} 462 (1/554)
صفحة 555
سورة غافر
11 {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} 411
18 {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُّطَاعُ} 429
34 {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّنَاتِ} 230
46 {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا َويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ} 411
85 {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمُ, إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التِي قَدْ خَلَتْ فيِ عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ} 398
سورة فصلت
12 {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فيِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فيِ كُلِّ سَمَآءٍ اَمْرَهَا} 218
17 {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} 370
19 {حَتَّىآ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 174
سورة الشورى
11 {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 93
51 {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَن يُّكَلِّمَهُ اللهُ إلاَّ وَحْيًا اَوْ مِن وَّرَآءِ حِجَابٍ} 142 (1/555)
صفحة 556
سورة الزخرف
02 {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} 94
61 {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} 166
سورة الدخان
41 - 42 {يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلىً عَن مَّوْلىً شَيْئًا وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} 426
سورة الجاثية
21 {أَمْ حَسِبَ الذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءٌ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} 449
سورة الأحقاف
35 {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} 246، 247
سورة محَمَّد
19 {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ اَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمُ, إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} 162
33 {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} 408 (1/556)
صفحة 557
سورة الفتح
10 {إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} 131
10 {إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعوُنَ اللهَ} 244
15 {يُرِيدُونَ أَن يُّبَدِّلُوا كَلاَمَ اللهِ} 307
27 {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللهُ} 464
سورة الحجرات
02 {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} 408
14 {قَالَتِ الاَعْرَابُ ءَامَنَّا ... وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِيمَانُ فيِ قُلُوبِكُمْ} 281، 285، 288
15 {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} 302
سورة ق
20 {مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ} 386
سورة الذاريات
20 - 21 {وَفيِ الاَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفيِ أَنفُسِكُمُ, أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} 104
35 - 36 {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فيِهَا مِنَ الْمُومِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} 293
56 {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إلاَّ لِيَعْبُدونِ} 124 - 125 (1/557)
صفحة 558
سورة الطور
21 {وَالذِينَ ءَامَنوُا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ اَلْحَقْناَ بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ} 445
سورة النجم
13 - 15 {وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} 184، 210، 219
32 {الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الاِثْمِ وَالفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} 399
36، 37 {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فيِ صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى} 264
سورة القمر
49 {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} 368
سورة الرحمن
24 - 25 {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالاِكْرَامِ} 91
68 {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} 226
سورة الواقعة
45 - 46 {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَالِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الحِنثِ العَظِيمِ} 461 (1/558)
صفحة 559
سورة الحديد
25 {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ} 263
57 {لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} 135
سورة المجادلة
22 {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فيِ قُلُوبِهِمُ الاِيمَانَ} 285
سورة الحشر
20 {لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَآئِزُونَ} 450
سورة الجمعة
07 {وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ, أَبَدًام بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمْ} 139
سورة المنافقون
08 {وَِللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ} 244
سورة التغابن
02 {هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّومِنٌ} 273، 335 (1/559)
صفحة 560
سورة التحريم
06 {لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ} 193
سورة الملك
10 {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فيِ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} 84
14 {أَلاَ يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} 368
سورة القلم
35 - 36 {أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} 450
سورة الحاقة
33 - 34 {إِنَّهُ كَانَ لاَ يُومِنُ بِاللهِ العَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ} 461
سورة نوح
2 - 3 {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ اَنُ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} 212
25 {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمُ, أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} 410
سورة الجن
23 {وَمَن يَّعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} 440، 452 (1/560)
صفحة 561
سورة المدثر
48 {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} 429
سورة القيامة
22 - 23 {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلىَا رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 146
24 - 25 {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذِم بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُّفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} 147
سورة الإنسان
03 {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} 335، 449
سورة النبأ
23 {لاَبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَابًا} 461 - 462
سورة التكوير
23 {وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالاُفُقِ الْمُبِينِ} 210، 219
سورة الانفطار
1 - 5 {إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ َوِإذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} 167
14 - 16 {وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} 453 (1/561)
صفحة 562
سورة المطففين
15 {كَلآَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} 147
26 {وَفيِ ذَالِكَ فَلْيَتَناَفَسِ المُتَنَافِسُونَ} 437
سورة الأعلى
6 - 7 {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ} 233 - 234، 464
سورة الشمس
08 {فَأََلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} 102
سورة الليل
09 {فَأَمَّا مَنَ اَعْطَى وَاتَّقَى} 437
14 - 16 {فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الاَشْقَى الذِي كَذَّبَ وَتَوَلىَّا} 461
سورة الشرح
04 {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} 244
07 {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} 33
سورة الزلزلة
7 - 8 {فَمَن يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَّرَهُ, وَمَن يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَّرَهُ} 388 (1/562)
صفحة 563
فهرس الأحاديث النبويّة
آخر من يخرج من النار رجل يقول في النار: يا حنّان يا منّان ... 464
أحاديث هلاك المصر ... 387، 392
أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدُّه عليَّ ... 218
إذا دخل أهل الجنّة الجنّة و أهل النار النار؛ نادى مناد: يا أهل الجنّة، إنّ لكم عند الله موعدا ... 150
إذا دخل أهل الجنّة الجنّة، وأهل النار النار، قام مؤذِّن بينهم: يا أهل النارلا موت ... 459
إذا ذكر القدر فاسكتوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا ... 353
إذا صار أهل الجنّة إلى الجنّة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتىّ يجعل بين الجنّة والنار ... 186
أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا ... 330
أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك ... 116
أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلاّ الله خالصا مخلصا من قلبه ... 278
أكثر عذاب القبر من البول ... 412
ألا تسمع إلى قول لقمان لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ... 454
أمَّتاه: هل رأى محَمَّد e ربّه؟ أي ليلة الإسراء ... 141
أُمرت أن أقاتل الناس حَتَّى يقولوا لا إله إلاّ الله ... 288
أنّ أعرابيا سأل النبيء e عن الصُّور فقال: قرن يُنفخ فيه ... 169
إنّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه وإنّه ليسمع قرع نعالهم ... 415، 417
إنّ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ... 131
إنّ الله اتخّذ إبراهيم خليلا وموسى نجيّا واتخّدني حبيبا ... 244
إنّ الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ... 398
إنّ الله سيخلّص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ... فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أنَّ محَمَّدًا عبده ورسوله ... 177، 406، 465 (1/563)
صفحة 564
إنّ الله كتب على ابن آدم حظّه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ... 281
إنّ الله يرفع ذرّية المؤمن (البشر) في درجته، وإن كانوا دونه لتقرّ بها عينه ... 444، 446
إنَّ المختلعات والمنتزعات هُنَّ المنافقات ... 329
إنَّ بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة ... 319
أن تؤمن بالله وملائكته [ ... ] وبالقدر خيره وشرِّه ... 352
أن تلد الأَمَة ربَّتها ... 165
إنَّ لله تسعة وتسعين اسما، مائة إِلاَّ واحدا ... 112، 116
إنَّ من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل، ويفشو الزنى ... 165
أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء وإذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه ... 306 - 307
أنا فرطكم على الحوض، من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا ... 431
أنزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من شهر رمضان ... 266
إِنَّكَ لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حَتَّى تؤمن بالقدر خيره وشرِّه ... 352
إِنَّكُم تُحشرون إلى الله حفاة عراة غُرْلا ... 174
إِنَّكُم لتعلمون أعمالا هي أدقّ في أعينكم من الشعر ما كنّا نعدّها على عهد رسول الله e إِلاَّ من الكبائر ... 433
الإيمان بضع وسبعون أو وستون شعبة ... 283
الإيمان مكمّل في القلوب زيادته و نقصه كفر ... 301
الإيمان ها هنا وأشار إلى صدره ... 285
أين الله؟ قالت: في السماء؛ قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله؛ قال: أعتقها ... 286
بعثت أنا والساعة كهاتين ... 163
بني الإسلام عَلَى خمس ... 302
بينما أهل الجنّة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا أبصارهم فإذا الربّ جَلَّ جَلاَلُهُ ... 150
التقوى ههنا ... 285
ثلاث من النفاق: البذاء والفحش والشحُّ ... 329
ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وحجّ واعتمر ... 329
ثلاثة من أصل الإيمان: الكفّ عمّن قال لا إله إلا الله ... 332 (1/564)
صفحة 565
ثُمَّ يقول من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من إيمان فأخرجوه ... 464
جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها ... 366
جعد قطط أعور العين اليمنى كأنّها عنبة طافية ... 164
جنّتان من فضّة حليتهما وءانيتهما وما فيهما وجنّتان من ذهب ... 141
جوزوا أَيُّهَا المؤمنون فقد أطفأت أنواركم لهيبي ... 448
حتّى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة، فيخرجون ضبائر ضبائر ... 464
الحياء من الإيمان ... 283
خصلتان لا تنفع معهما صلاة ولا صوم: الشرك واعتقاد الجبر ... 363
خلقت الملائكة من نور ... 189
دعه فإنًّ الحياء ... ... 283
ذلك جبريل u ولم أره في صورته التي خلق عليها إلاّ مرّتين ... 210
رؤيا الأنبياء وحي ... 219
رجلان من أمتي لا تنالهما شفاعتي: سلطان ظلوم غشوم وَآخر غال في الدين مارق منه ... 430
رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتّى يستيقظ ... 443
روي أَنَّ القبر ضغط أحد أبناء الرسول e ... 416
الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك ... 408
سألت ربّي في اللاهين فأعطانيهم خدما لأهل الجنّة ... 445، 446
سئل عن أفضل الأعمال فقال: إيمان لا شكّ فيه وجهاد لا غلول فيه وحج مبرور ... 302 - 303
سباب المؤمن فسق وقتله كفر ... 335
سيكون من هذه الأمّة قوم يعملون بالمعاصي ثمّ يقولون هي من الله قضاء وقدر ... 363
شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ... 432
شفاعتي لمن قال: لاإله إلا الله مخلصا من قلبه ... 433
الصلوات الخمس [ ... ] مكفّرات ما بينهنّ إذا اجتنب الكبائر ... 404
صنفان من أمّتي لا تنالهما شفاعتي القدريّة والمرجئة ... 430 (1/565)
صفحة 566
صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي سلطان ظلوم غشوم وغال في الدين يشهد عليهم ويتبرأ منهم ... 430
صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي سلطان ظلوم غشوم وكل غال مارق ... 430
ضغطه القبر ضغطة اختلف فيها أعضاؤه ... 416
طلع النبيء e علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة ... 163
عامّة عذاب القبر من البول ... 412
عذاب القبر حقّ؛ فمن لم يؤمن به عذّب به ... 413
فيخرجون قد امتحشوا وعادوا فحما ... 464
كلّ مولود يولد على الفطرة ... 89، 103، 104، 444
كيف بك إذا جاءك فتَّان قبرك منكر ونكير ... 417
لا تخيّروني على موسى ... 245
لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض ... 319
لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم ... 267
لا تطفأ نار رجل أشرك بالله وعاقّ والديه وساع بأخيه إلى جائر وقاتل نفس محرّمة وحامل ذنبه علىلله ... 363
لا تقوم الساعة حتّى يسود كلّ أمة منافقوها ... 329
لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمّتي ... 429
لا تنال شفاعتي الغالي في الدين والجافي عنه ... 430
لا تنال شفاعتي سلطانا غشوما للناس ورجلا لا يراقب الله في اليتيم ... 430
لا يدخل الجنّة أحد من الأنبياء حتّى أدخلها أنا ... 244
لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... 319
لا ينال شفاعتي زان ولا سارق ولا مدمن على خمر ... 430
لَمَّا خلق الله آدم u أخرج من ظهره ذرّيته كالذرّ؛ فأخذ مواثيقهم وأمرهم بالسجود ... 373
لن يُدخل أحدا منكم عمله الجنّة [ ... ] قال: ولا أنا إِلاَّ أن يتغمَّدني الله بفضل ورحمة ... 427 (1/566)
صفحة 567
الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين ... 445
لو رأيت مكانهما لأبغضتهما، قالت: يارسول الله: فولدي منك ... 444 - 445
ليس بين العبد والكفر إلاّ تركه الصلاة ... 319
ليست شفاعتي لأهل الكبائر ... 429
المؤمن أفضل إِليَّ من بعض الملائكة ... 197
المؤمن أكرم على الله من ملائكته ... 197
ما أخاف عليكم بعدي مؤمنا ولا كافرا: أمّا المؤمن فيحسبه إيمانه ... 329
ما العمل يا رسول الله؟ في أمر مبتدإ مستأنف أم في أمر قد فرغ منه؟ ... 361
ما من أحد يدخل الجنّة إلاّ بعمل صالح وبرحمة الله وشفاعتي ... 427
ما من عبد قال لا اله الا الله ثمّ مات على ذلك إلاّدخل الجنّة؛ قلت وإن زنى وإن سرق ... 277
ما من مسلم يحضر صلاة مكتوبة ... إلاّ كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة ... 405
ما منكم من أحد إلاّ وقد كتب مقعده من النار ... 437
ما منكم من أحد إلاّ وقد وكّل به قرينه من الجنّ يلمّ بشرٍّ ... 232
ما منكم من أحد يدخل الجنّة إلاّ بعمل صالح وبرحمة الله وبشفاعتي ... 431
مرّ رسول الله e بحائط من حيطان المدينة ــ أو مكّة ــ سمع صوت إنسانين يعذَّبان في قبورهما (قبريهما) ... 412
ملعون من سأل بالله بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله ثُمَّ لم يعط ما لم يُسأل هجرا ... 495
من أحصاها دخل الجنَّة ... 117
من اقتطع من مال امرء مسلم شيئا بيمين كاذبة، فقد أوجب الله له النار ... 458
من تاب وقد بلغت روحه حلقه تاب الله عليه ... 398
من ترك الصلاة متعمِّدا فقد كفر ... 319
من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ بها بطنه في نار جهنّم ... 459
من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له، ومن وعده على عمل عقابا فهو بالخيار ... 389 (1/567)
صفحة 568
نضح جبريل فرجه بعد الوضوء يريني كيف أفعل ... 191
النفاق أن تقرّ بالإسلام ولا تعمل به ... 329
هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ... 373
هل تضارّون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله؛ قال: فهل تضارّون ... ... 148
هلك المتنطِّعون ... 387
هلك المصرُّ ... 387
هلك المصرُّون ... 387
وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول ... 219
وأنا، لكن أعانني الله عليه فأسلم ... 232
والأنبياء ومن اتَّبَعَهم محبوسون والأوّلون والآخرون ... فيقولون: لواستشفعنا إلى ربّنا ... 424 - 425
والصراط الإسلام ... 182
وعزَّتي وجلالي لأوثرنَّ حبيبي على خليلي ... 244
وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيّها الناس ادخلواالصراط جميعا ... 179
ولا أقول: إنّ أحدا أفضل من يونس بن متّى u ... 245
ويبلى كلُّ شيء من الإنسان إلاّ عجب ذنبه ... 168
يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت فشأ لنفسك ما تشاء ... 352
يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص؟ فقال e: «نعم يزيد حتّى يدخل صاحبه الجنّة و ينقص ... ... 301
يا رسول الله: كم وفى عدّة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ... 227
يا رسول الله، هل نرى ربنّا يوم القيامة؟ ... 148
يا فاطمة بنت محمّد ويا صفيّة عمّة محَمَّد اشتريا أنفسكما من الله ... 426، 430
يسلّط على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنّينا تنهشه ... 412
يقال لأهل الجَنَّة: يا أهل الجَنَّة خلود لا موت ... 459 (1/568)
صفحة 569
فهرس القوافي
إِذَا مَا شَابَ الغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِي ... وَصارَ القَارُ كَاللَّبَنِ الحَليِبِ ... مجهول ... الوافر ... 463
وُجُوهٌ يَوْمَ بَدْرٍ نَاظِرَاتٌ ... إِلَى الرَّحْمَنِ يَأْتِي بِالفَلاَحِ ... حسان ... الوافر ... 146
وإِنِّي وإِنْ أَوْعَدتُهُ أَوْ وَعَدتُهُ ... لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمنْجِزٌ وَعْدِي ... ابن الطفيل ... الطويل ... 390
وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ المُجَدِّدَا ... لِدِينِكَ يَا رَبِّ وَيَا مُظْهِرَ الذُّخْرِ ... اطفيش ... الطويل ... 50
لَوْلاَ ثَلاَثٌ هُنَّ: تَعْلِيمُ جَاهِلٍ ... وخِدْمَةُ رَبيِّ وَالجِهَادُ لِذيِ الكُفْرِ ... اطفيَّش ... الطويل ... 37 ... لمَاَ كُنْتُ أَخْشَى المَوْتَ وَالمَوْتُ لاَزِمٌ ... وَإِلاَّ فَمَا الحَيَاةُ وَالمَرْءُ فيِ قَهْر
وَعِنْدَنَا شَفَاعَةُ المُشَفَّعِ ... مَخْصُوصَةٌ بِالُمتَّقِينَ الرُّكَّعِ ... اطفيَّش ... الرجز ... 426، 435 ... وَلاَ تَكُونُ لِلْعُصَاةِ اللُّكَّعِ ... وَلاَ ِلأََهْلِ الشِّرْكِ عنْدَ الخُشَّع
وَعِنْدَنَا يَشْفَعُ غَيْرُ المُصْطَفَى ... كَالأَنبِيَاءِ وَالشُّهَدَا وَمَنْ وَفَى ... اطفيش ... الرجز ... ، 435
بمِيزَانِ قِسْطٍ لاَ يَخِيسُ شَعِيرَةً ... لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلٍ ... أبو طالب ... الطويل ... 177
لَنْ تَزَالُوا كَذَلِكُمْ ثُمَّ لاَ زِلْـ ... ـــتُ لَكُمْ خَالِدًا خُلُودَ الِجبَالِ ... الأعشى ... الخفيف ... 439
كُلُّ الخَلاَئِقِ يَنْظُرُونَ سِجَالَهُ ... نَظَرَ الحَجِيجِ إِلَى طُلوُعِ الهِلاَلِ ... مجهول ... الكامل ... 147
وَأَوْحَى إِلَيَّ اللهُ أَنْ قَدْ تَأَمَّرُوا ... بِإِبْلِ أَبِي أَوْفَى فَقُمْتُ عَلَى رَحْلِ ... مجهول ... الطويل ... 217
قَوْمٌ إِذَا وَعَدُو أَوْ أَوْعَدُوا غَمَرُوا ... صِدْقَ الرِّوَايَةِ مَا قَالُوا بِمَا فَعَلُوا ... مجهول ... البسيط ... 391
نُبِّئْتُ عَمْرًا غَيْرَ شَاِكرٍ نِعْمَتِي ... وَالكُفْرُ مُخْبِثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ ... عنترة ... الكامل ... 320
فَوَقَفْتُ أَسْأَلُهَا وَكَيْفَ سُؤَالُنَا ... صُمًّا خَوَالِدُ مَا يَبِينُ كَلاَمُهَا ... لبيد ... الكامل ... 439
أَلاَ لاَ أَرَى عَلَى الحَوَادِثِ بَاقِيًا ... وَلاَ خَالِدًا إِلاَّ الجِبَالَ الرَّوَاسِيَا ... زهير ... الطويل ... 439
وَإِلاَّ السَّمَاءَ وَالنُّجُومَ وَرَبُّنَا ... وَأَيَّامُهُ مَعْدُودَةٌ وَاللَّيَالِيَا (1/569)
صفحة 570
فهرس الأعلام
ـ أ ـ
آدم u: 184، 193، 197، 198، 213، 238، 240، 241، 242، 242، 247، 248، 263، 264، 424
الآمدي علي بن أبي علي: 127، 251، 259
إبراهيم u: 140، 148، 213، 219، 240، 241، 242، 244، 247، 256، 264، 265، 266، 424
إبراهيم البيجوري: 114، 151، 227، 247، 250، 284، 298، 301، 351
إبراهيم الزين: 320
إبراهيم القرادي: 21، 40، 497
إبراهيم بابزيز: 29
إبراهيم بحاز: 296
إبراهيم بن يوسف اطفيَّش: 26، 42، 46، 48، 491
إبراهيم بن أبي بكر حفَّار: 24، 25، 26، 27، 45، 46، 54، 55، 56، 57، 62، 495
إبراهيم طلاي: 19، 20، 21، 27، 483
إبليس: 342، 362
ابن أبي العز علي بن علي بن محمَّد: 126، 143، 145، 150، 177، 180، 186، 199، 200، 208، 226، 228، 229، 242، 246، 265، 269، 273، 276، 303، 322، 358، 360، 378، 379، 380، 414، 416، 417، 418، 423، 427، 430
ابن أبي حاتم: 329 (1/570)
صفحة 571
ابن أبي شيبة: 329
ابن أبي مُلَيْكة: 330
ابن الأثير: 116، 180، 258، 427
ابن الجوزي: 150، 259
ابن الراوندي يحي بن إسحاق: 276
ابن المهرم: 197
ابن النضر أحمد: 29، 34، 52، 73، 167، 226، 237، 254، 256، 275، 277، 280، 288، 289، 312، 314، 325، 358، 361، 386، 483، 484
ابن تعاريت سعيد بن علي، التعاريتي: 145، 235، 236، 291، 322، 468
ابن تيمية أحمد: 130، 145، 152، 281، 283، 294، 298، 302، 303، 316، 322، 331، 378، 417، 423، 424، 427، 444، 445، 446
ابن حِبَّان: 116، 373
ابن حجر العسقلاني: 259، 322، 331، 379، 380، 443، 444
ابن حزم: 212
ابن خزيمة: 464
ابن خلدون: 24، 167
ابن خلفان: انظر: سعيد بن خلفان
ابن عبَّاس عبد الله: 46، 142، 159، 166، 229، 320، 322، 353، 402، 406، 444، 496
ابن عدي عبد الله: 171، 366، 430
ابن عساكر علي بن الحسن: 171، 244
ابن عْلِيوة: 493
ابن عمر عبد الله: 93، 301، 428
ابن عمرو: 352 (1/571)
صفحة 572
ابن قيم الجوزية: 93، 467
ابن كثير: 177
ابن ماجة: 150، 177، 398، 412
ابن مالك: 484
ابن مسعود عبد الله: 322، 406، 447، 448
ابن منظور محمَّد بن كرم: 91، 136، 146، 159، 180، 231، 262، 266، 400، 440، 448
ابن هشام: 492
أبو إسحاق إبراهيم اطفيش: 23، 24، 25، 27، 38، 40، 59، 60، 63، 342، 479
أبو اسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي: 325، 335
أبو الأعلى المودودي: 159، 160، 200، 228
أبو البقاء الحسيني: 347
أبو الحسن الأشعري: 81، 114، 130، 135، 136، 143، 145، 146، 147، 148، 151، 154، 275، 280، 358، 374، 375، 378، 422، 427، 432، 444
أبو الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح: 296
أبو الربيع سليمان بن زرقون: 342
أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي: 342
أبو العبَّاس أحمد بن محمَّد بن بكر: 486
أبو القاسم يحي بن أبي القاسم الداوي: 482، 486، 494
أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى حمدي: 24، 25، 26، 27، 35، 38، 44، 45، 46، 53، 51، 56، 57، 60، 61، 63، 74، 479، 482، 483
أبو أوفى: 217
أبو بكر الصدّيق: 296، 373 (1/572)
صفحة 573
أبو بكر محَمَّد بن الطيِّب بن محَمَّد بن جعفر: 113
أبو جعفر النحّاس: 265
أبو خزر يغلا بن زلتاف: 296، 342
أبو داود السجستاني: 258، 332، 352، 417، 432
أبو ذرّ الغفاري: 227، 228، 267، 277
أبو زكرياء يحي بن الخير الجنَّاوني: 71، 123، 316، 335، 391، 481 - 482، 484
أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور: 20
أبو زكرياء يحي بن أبي بكر الوارجلاني: 52
أبو زكرياء يحي بن صالح الأفضلي: 22، 30، 44
أبو زيد محمَّد بن أبي الخطاب القرشي: 439
أبو سعيد الكدمي: 282، 287
أبو سلمة الجهني: 116
أبو سهل الهلالي، بشر بن المعتمر: 184
أبو طالب بن عبد المطّلب: 177، 423
أبو عاصم العبداني: 150
أبو عبد الله محمَّد بن بكر: 19، 20، 55
أبو عبد الله محمَّد بن عمرو بن أبي ستّة: 71، 304، 482
أبو عبيدة مسلم: 46، 296، 360، 361، 372، 429
أبو عزيز: 44
أبو عمار عبد الكافي: 28، 104، 208، 213، 254، 297، 298، 309، 316، 318، 319، 321، 350، 356، 357، 372، 389، 390، 391، 457، 458، 487
أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي: 486
أبو غانم الخراساني: 309، 488
أبو نصر فتح بن نوح: 484، 486، 487
أبو نُعَيْم: 150، 352، 366، 389 (1/573)
صفحة 574
أبو هاشم: 378
أبو هريرة: 148، 197، 244، 428، 433
أبو يحي زكرياء الأنصاري: 486
أحمد بن حمزة الرفاعي: 55
أحمد بن حنبل: 116، 169، 179، 180، 227، 379، 380، 405، 412، 416، 448، 464
أحمد توفيق المدني: 36
أحمد زيني دحلان: 52
أحمد عبد الغفور عطار: 168
أحمد عرابي: 18
الأخضري: 495
إدريس u: 264
الأصبهاني الراغب: 257، 258
الأعشى: 439
الألباني محمَّد ناصر الدين: 150، 164، 169، 177، 191، 258، 266، 301، 329، 333، 353، 398، 412، 413، 416، 430، 432، 445، 446، 464
الألوسي: 33
إلياس u: 438
أمّ موسى u: 230
أمُّ سلمة زوج النبيء e: 428
امحمَّد بن سليمان ابن ادريسو: 58
أمزيان: 367
الأمير عبد القادر بن محي الدين: 18
أنس بن مالك: 389، 433، 464
الإنكليزي: 490
أوعوشت بكير بن سعيد: 17، 28، 76، 292 (1/574)
صفحة 575
الإيجي عبد الرحمن بن أحمد عضد الدين: 183، 184، 232، 237، 239، 253، 254، 312، 358، 359، 390، 392، 410، 411، 413، 415، 483
ـ ب ـ
الباب العالي: 496
الباقلاني أبو بكر: 106، 113، 116، 137، 145، 146، 259، 280، 390، 432، 461
باي تونس: 491
البخاري: 89، 112، 141، 142، 148، 163، 165، 168، 174، 186، 210، 218، 219، 245، 258، 259، 268، 278، 279، 281، 283، 288، 301، 302، 303، 307، 319، 320، 322، 329، 330، 331، 335، 412، 415، 425، 426، 431، 433، 437، 443، 444، 445، 454، 459، 464
براهمى: 212
برغش (السلطان): 492
البزّار: 116، 464
البستاني: 212، 213
بشر بن المعتمر: 184
البطاشي سليمان بن محمَّد: 439
البغدادي، أبو منصور عبد القاهر: 103، 137، 138، 151، 234، 235، 236، 242، 247، 251، 297
البغوي: 444
البلخي أبو القاسم: 184
بهون بن إبراهيم فخار: 35 (1/575)
صفحة 576
البيضاوي: 91
البيهقي: 197، 366، 417، 464
ـ ت ـ
الترمذي: 171، 177، 244
التلاتي أبو سليمان داود: 342، 482، 483، 494
التلاتي عمرو بن رمضان: 400، 407، 422، 426، 435، 486، 487، 488
تيبغورين بن عيسى الملشوطي: 34، 73، 85، 89، 96، 102، 103، 116، 119، 128، 129، 133، 135، 136، 140، 141، 147، 151، 165، 177، 178، 179، 180، 181، 182، 221، 233، 235، 236، 237، 263، 273، 309، 311، 314، 319، 320، 321، 324، 325، 326، 328، 330، 332، 333، 335، 353، 358، 360، 365، 366، 372، 376، 385، 386، 387، 388، 389، 390، 391، 415، 417، 418، 421، 423، 425، 427، 429، 430، 431، 432، 433، 434، 452، 456، 457، 465، 483
ـ ث ـ
الثعالبي عبد العزيز: 60
الثميني عبد العزيز: 22، 30، 44، 45، 46، 48، 58، 90، 103، 106، 127، 138، 178، 181، 183، 200، 220، 221، 226، 232، 234، 235، 236، 251، 254، 269، 275، 282، 342، 377، 407، 414، 484
ـ ج ـ
جابر بن زيد: 19، 46، 360، 372، 415، 429 (1/576)
صفحة 577
جابر بن عبد الله: 150
الجبائي أبو علي: 184
الجربي علي: 489
الجشمي الحاكم: 276
الجعبيري فرحات: 20، 71، 72، 73، 74، 76، 94، 95، 103، 113، 114، 117، 120، 124، 133، 137، 138، 153، 236، 303، 304، 317، 325، 342، 347، 349، 350، 351، 357، 358، 360، 363، 366، 371، 372، 377، 394، 404، 407، 413، 425، 442، 443، 448، 451، 468، 479، 484، 486، 487
جمال الدين الأفغاني: 18
جميل بن خميس: 420
جهم بن صفوان: 276
جولد تسيهر: 378
الجوهري: 168، 262
الجويني، إمام الحرمين: 301، 375
الجيطالي إسماعيل: 71، 101، 187، 190، 195، 200، 217، 220، 263، 269، 295، 304، 337، 339، 353، 366، 482، 487، 494
ـ ح ـ
الحاج سعيد محمَّد بن أيُّوب: انظر: محمَّد بن أيُّوب الحاج سعيد
الحاج سعيد يوسف: انظر: يوسف الحاج سعيد
حاجي خليفة: 47
الحارث الأعور: 329
الحارثي سالم بن حمد: 482 (1/577)
صفحة 578
الحافظ العراقي: 373
الحاكم النيسابوري 116، 177، 179، 417، 433 - 434، 444
الحجّاج بن يوسف: 360
حذيفة بن أسيد: 163
حذيفة بن اليمان: 329، 330
حسّان بن ثابت: 146
الحسن البصري بن يسار: 142، 166، 322
حسن البنا: 292
حسن محمود عبد اللطيف: 127
حمُّو باباوموسى: 483
حمو بن كاسي: 45
حمو عيسى النوري: 21، 27
حمود بن محمَّد: 491
حمى الطاهر: 490
ـ خ ـ
خديجة أمّ المؤمنين: 444
الخضر u: 438
الخطيب التبريزي، محَمَّد بن عبد الله: 333، 412، 445
الخليل بن أحمد: 486
الخليل بن شادان: 325
الخليلي أحمد بن حمد: 94، 146، 147، 149، 235، 295، 439، 440، 455
الخليلي محمَّد بن عبد الله: انظر: محمَّد بن عبد الله، الخليلي
خميس بن سعيد الرستاقي: 303
ـ د ـ
الدارمي: 191، 329 (1/578)
صفحة 579
داود u: 240، 241، 264، 265
داود لعلي: 58
داي الجزائر: 20، 21
دحية الكلبي بن خليفة بن فروة: 192
الدرجيني أبو العبَّاس أحمد بن سعيد: 20، 46، 90، 208، 296، 342، 360، 413، 486، 488
الديلمي: 197، 244
ـ ذ ـ
الذهبي شمس الدين: 150، 177
ـ ر ـ
الرازي مُحَمَّد بن عمر بن الحسن الفخر: 106، 130، 139، 143، 146، 147، 148، 152، 232، 239، 264، 291، 301، 360، 361، 411، 455، 468
الربيع بن حبيب: 46، 79، 133، 138، 142، 151، 152، 164، 210، 218، 219، 281، 329، 330، 352، 362، 372، 373، 408، 424، 425، 426، 427، 429، 430، 488
رحمة الله الهندي: 52
رشيد رضا محمَّد: 160، 216، 217، 224، 253، 260، 261، 455، 468
الرقاشي: 150
الرواحي ناصر بن سالم: 129
روفو: 19
ـ ز ـ
الزبيدي محمَّد مرتضى: 183، 188، 195، 250
الزركلي خير الدين: 18، 36، 52، 60، 113، 117، 141، 142، 152، 160، 166، 170، 171، 192، 208، 230، 237، 239، 258، 276، 278، 298، 303، 320، 325، 330، 331، 361، 375، 379، 380، 416، 484، 485، 486، 487، 495 (1/579)
صفحة 580
زعيمة الباروني: 59
الزمخشري، محمود بن عمر بن أحمد الخوارزمي:113، 138، 226، 247، 263
زناتة: 19
الزهري: 278
زهير بن أبي سلمى: 439
الزوزني عبد الله الحسين: 439
ـ س ـ
سالم بن يعقوب: 29
السالمي عبد الله بن حميد: 86، 90، 101، 103، 120، 133، 134، 140، 143، 149، 153، 168، 169، 176، 179، 181، 183، 185، 190، 199، 202، 231، 234، 235، 236، 242، 245، 246، 248، 249، 250، 254، 282، 285، 287، 295، 318، 319، 321، 322، 357، 378، 385، 411، 414، 415، 420، 421، 423، 425، 429، 431، 433، 451، 459، 468، 492
سبط المارديني: 485
السدويكشي أبو عبد الله محمَّد بن سعيد: 74، 487
السُّدِّي: 303
سراقة بن مالك بن جشعم: 361
سعد بن معاذ: 416 (1/580)
صفحة 581
سعيد الخوري: 250
سعيد بن جبير: 166، 322
سعيد بن خلفان: 34، 490
سعيد بن علي: 492
سعيد بن يوسف وينتن (الحاج): 44، 58، 490
سليم بن منصور: 448
سليم قسطون: 39
سليمان بن عيسى (الحاج): 44 - 45
سليمان u: 194
سليمان باشا الباروني: 38، 59
سليمان بن ناصر: 492
سهير رشاد: 86
السيوطي جلال الدين: 50، 170، 171، 197، 224، 229، 230، 257، 266، 303، 329، 353، 366، 389، 405، 417، 446، 475، 485
ـ ش ـ
شاخت: 63، 487
الشافعي الإمام: 75
الشريف بن يعلى: انظر: محمَّد بن أحمد الحسيني العلوي الشريف
الشَّمَّاخِي أحمد بن سعيد، أبو العَبَّاس: 24، 70، 341 - 342، 360، 482، 486، 488
الشَّمَّاخِي عامر بن علي: 70، 104، 241، 247، 273، 309، 310، 314، 335، 353، 377، 468، 487
الشهرستاني: 212، 213، 221
شيت بن آدم: 213، 264
ـ ص ـ
صالح u: 274 (1/581)
صفحة 582
صالح المرِّي: 258
صالح بن عمر لعلي (الحاج): 40، 181، 481، 489
صالح بن عيسى اطفيش: 43
صالح بن عيسى الحارثي: 469
الصالحي أبو الحسين: 276
الصالحي أبو عبد الرحمن: 276
صفية بنت عبد المطلب: 426، 430
ـ ض ـ
الضحاك بن مزاحم: 229
ـ ط ـ
طاهر الجزائري: 228
الطبراني: 171، 227، 244، 258، 353، 430، 448، 495
الطبري، أبو جعفر محَمَّد بن جرير: 143، 166، 264
طه عبد الرؤف: 93
ـ ع ـ
عائشة أمُّ المؤمنين: 46، 141، 142، 210
عامر بن الطفيل: 390
عامر بن مسعود: 493
العبادي: 490
عبد الجبار القاضي: 117، 127، 134، 178، 180، 184، 191، 193، 215، 224، 225، 226، 229، 232، 234، 235، 236، 238، 247، 276، 293، 317، 323، 368، 375، 378، 393، 396، 397، 398، 406، 407، 412، 413، 414، 415، 418، 422، 427، 429، 431، 432، 433، 442 - 443، 453، 459، 462، 463، 465، 466، 467 (1/582)
صفحة 583
عبد الحليم محمود: 380
عبد الحميد الثاني: 53
عبد الحميد بن باديس: 282، 284
عبد الرحمن بن علي بن محَمَّد الشيباني: 164، 408
عبد الرحمن بكلي: 22، 40، 52، 53، 71
عبد الرحمن بن رستم: 296، 342
عبد الرحمن عميرة: 90
عبد الصبور شاهين: 37
عبد القادر المجاوي: 59
عبد القادر جغلول: 39، 51
عبد الكريم الخطيب: 167، 347، 379
عبد الكريم عثمان: 127
عبد الله بن أبي بن سلول: 326
عبد الله بن أحمد: 445
عبد الله بن إباض: 19
عبد الله بن عيسى اطفيَّش: 43
عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز (الجدُّ الأَوَّل للقطب): 43
عبد الله كنطابلي: 63، 64
عبد المجيد بن حمده: 127، 152، 371
عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم: 413
عبيد بن الأبرص: 217
عبيد بن عمير: 219
عثمان باشا: 21
عدون بن يوسف: 44 (1/583)
صفحة 584
عدون جهلان: 56، 63، 325، 483، 485
العثيمين مُحَمَّد صالح: 263
عصام الدين إبراهيم بن محمَّد بن عرب: 47، 484
العقاد عبَّاس محمود: 121
العقبي: 50، 52، 53، 55، 75، 80، 490
علي بن أبي طالب: 142، 259، 301، 443
علي بن حمود: 491، 492
علي بن يزيد: 227
علي يحي معمر: 20، 39، 71، 241، 313، 488
عليش محمَّد بن أحمد: 52
عمار الطالبي: 104
عمر بن الحاج سعيد (عمر نَتْموسني): 43، 48
عمر بن الخطَّاب: 23، 33، 93
عمر بن سليمان: 44
عمر بن صالح: 45
عمر بن يحيى (الحاج): 35، 60
عمر بن يوسف: 490
عمر بن يوسف عبد الرحمن: 56
عمر سليمان الأشقر: 234، 243، 260، 367، 374، 380، 464
عمران: 230
عمر النامي: 296
عمرو بن جميع أبو حفص: 72، 240، 241، 263، 273، 284، 295، 304، 336، 340، 342، 484
عمروس بن فتح: 296
عنترة بن شدّاد: 320
عيسى ابن مريم u، المسيح: 41، 165، 166، 171، 175، 214، 241، 247، 255، 263، 265، 370، 425 (1/584)
صفحة 585
عيسى بن يوسف اطفيش: 26
العيني محمود بن أحمد: 495
ـ غ ـ
الغزالي، أبو حامد محَمَّد بن محَمَّد: 152، 153، 154، 170، 181، 196، 298، 307، 331، 373
الغزالي محَمَّد (المعاصر) 406، 465، 466
ـ ف ـ
فؤاد سيد: 178
فاطمة الزهراء: 426، 430
فتح الله خليف: 107، 207، 209، 211، 213، 213، 214، 254، 255، 259، 260، 287، 288، 326
فرصوص أحمد: 46، 55، 56، 61، 239
فرعون: 411
الفيروز آبادي: 101، 113، 119، 159، 162، 166، 172، 176، 177، 216، 224، 225، 262، 292، 320، 324، 347، 385، 395، 421، 440
فيصل بن حمود: 492
ـ ق ـ
قتادة بن النعمان 259
القرطبي: 347، 440
القسطلاني أحمد بن محمَّد: 331
القلصادي علي بن محمَّد: 25، 484
ـ ك ـ
الكندي أبو عبد الله محمَّد بن إبراهيم: 482
كوبرلي: 38، 40، 53، 57، 63، 127، 133، 313، 372، 479، 483، 496 (1/585)
صفحة 586
ـ ل ـ
لبيد بن ربيعة: 439
لويس دافيد: 51، 56، 57، 63
ـ م ـ
الماتوريدي أبو منصور: 107، 145، 208، 277، 280، 293، 302، 304، 351
ماروت: 194
ماسكوراي، إميل: 52
مالك بن أنس: 311
مالك بن نبي: 37
مامة ستي بنت الحاج سعيد: 24
المبرد أبو العبَّاس: 320، 321
متولي الشعراوي: 416
متّى (إنجيل): 241
مجاهد بن جبير: 142، 229، 322، 443
محمَّد أبو الفضل إبراهيم: 50
محمَّد إقبال: 121، 167، 277، 281، 290
محمَّد الصالح الجابري: 61
محمَّد الصالح عثيمين: 263
&محمَّد الغزالي: 106، 121، 145، 152، 260، 279
محمَّد المدني: 244، 352
محمَّد بن أحمد الحسيني العلوي الشريف: 47، 482
محمَّد بن أَيُّوب الحاج سعيد: 17، 24، 34، 62
محمَّد بن بابه الشيخ بالحاج: 17، 18
محمَّد بن الموصلي: 467
محمَّد بن سعود: 47 (1/586)
صفحة 587
محمَّد بن سليمان مطهري: 27
محمَّد بن عبد الله الخليلي: 34، 182، 419، 468، 493
محمَّد بن عبد العزيز (الجدُّ الأعلى للقطب،
المعروف بالشيخ بامحمَّد) 43
محمَّد بن عثمان: 445
محمَّد بن عيسى ازبار: 44، 45، 48
محمَّد بن موسى باباعمي: 57
محمَّد بن يعلى: 47
محمَّد حامد الفقّي: 116
محمَّد حقّي بن علي: 52
محمَّد خليل الهراس: 130، 265، 282، 284، 297
محمَّد سليمان حسب الله: 52
محمَّد عبد القادر عطا: 46، 416
محمَّد عبده: 18، 126، 154، 160، 269، 394، 455
محمَّد عثمان: 259
محمَّد علي دَبُّوز: 19، 22، 23، 24، 26، 27، 29 - 30، 32، 35، 38، 39، 42، 43، 44، 45، 46، 48، 51، 54، 55، 56، 57، 58، 59، 62، 479، 483
محمَّد علي ناصر: 234، 235، 236، 247، 280
محمَّد عمارة: 167، 279
محمَّد فؤاد عبد الباقي: 131
محمَّد محمود إسماعيل: 86
محمَّد مرسي عامر: 113
محمَّد ناصر: 21، 24، 40، 60، 497
محمَّد ناصر الجعفري: 247 (1/587)
صفحة 588
محمَّد يوسف موسى: 378
محمَّد بن كرم: 221
محمود الخالدي: 160
محمود بن الشريف: 265
محمود شلتوت: 85، 189
المرادي الحسن بن قاسم: 486، 494، 495
مرقس: 175
مريم (عليها السلام): 230، 447
مسروق بن الأجذع بن مالك: 141
مسلم بن الحجاج: 131، 141، 150، 163، 165، 177، 189، 232، 283، 285، 286، 319، 362، 380، 387، 404، 427، 458، 459
المسيح الدجَّال: 164
مصطفى ديب البغا: 89
مصطفى عبد الواحد: 177
مصطفى محمَّد عمارة: 279
المصعبي يوسف بن محمَّد: 74، 325، 360، 443، 487
المعز لدين الله: 296
مكارثي يوسف: 106، 114
مكارثي يوسف: 106، 114
المناوي عبد الرؤوف: 179، 180
المنذري الحافظ: 279
منيع: 430
المهدي المنتظر: 166، 167
موسى u: 136، 137، 139، 140، 141، 214، 218، 220، 240، 241، 244، 245، 246، 247، 255، 260، 263، 264، 265، 424 (1/588)
صفحة 589
موسى بن عامر: 488
موسى بن يوسف اطفيش: 26
ـ ن ـ
نجيب العقيقي: 52
النخعي إبراهيم: 142
النسائي: 303، 329، 373
النظَّام: 378
نوح u: 138، 140، 212، 240، 242، 247، 248، 265، 274، 411، 424، 438
النووي يحي بن شرف: 379، 380
النيسابوري الحاكم: انظر: الحاكم
ـ هـ ـ
هاروت: 193، 194
هود u: 212، 274
الهيثمي علي بن أبي بكر: 197، 227، 244، 258، 319، 320، 329، 430، 445، 448، 464
ـ و ـ
وينسنك: 89
الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: 28، 90، 103، 106، 121، 123، 133، 138، 153، 162، 167، 217، 231، 278، 283، 295، 318، 320، 321، 324، 325، 342، 394، 407، 410، 415، 419، 466، 488
الوالي العام الفرنسي بالجزائر 29
ورش: 480، 492
وهب بن منبه: 278، 279 (1/589)
صفحة 590
ـ ي ـ
يحيى u: 264
يحيى بكوش: 23، 32
يحيى بن صالح بوتردين: 19، 24، 32، 35، 58، 63، 72، 87، 91، 195
يزيد بن فندين: 413
يعقوب u: 229
يوسف بن حمو (الحاج): 45، 483
يوسف الحاج سعيد: 22، 24، 39
يوسف u: 230، 280، 305
يوشع بن نون: 240، 241
يونس بن متَّى u: 245
- - - (1/590)
صفحة 591
فهرس الأديان والفرق والأقوام والقبائل
ـ أ ـ
آت يدَّر: 24، 487
آل إباض: 489
آل إبراهيم: 242، 248
آل زرقون: 45
آل عمران: 242، 248
الإباضية: في أغلب الصفحات
الأزارقة: 75، 80، 297
الأشاعرة، الأشعريَّة، المذهب الأشعري: 80، 81، 97، 103، 113، 114، 124، 125، 126، 127، 128، 129، 130، 133، 143، 145، 152، 154، 180، 181، 211، 231، 234، 235، 236، 280، 281، 282، 284، 290، 298، 315، 322، 351، 358، 359، 362، 364، 371، 372، 377، 390، 392، 394، 422، 432
الأمويُّون: 19، 360
الأنصار: 283
أهل المدينة: 423
أهل تونس: 496
أهل زنجبار: 48
أهل زوارة: 89، 102، 104، 116، 445، 468، 490
أهل السنة والجماعة: 416، 444
أهل الكتاب: 489
أهل عُمان: 430، 431، 452، 453، 465، 492 (1/591)
صفحة 592
أهل نفوسة: 372، 489، 495
أهل وارجلان: 493
ـ ب ـ
الباطنيَّة: 97
البراهمة: 212، 213
البصريون: 113
بنو إسرائيل: 240، 241، 260
بنو عدي: 23، 24
ـ ت ـ
التناسخية: 212
ـ ث ـ
ثقيف: 301
ـ ج ـ
الجبرية، مذهب الجبر: 358، 362، 364، 365، 366، 368، 371، 372، 373، 374، 376، 378
الجهمية: 164، 276
ـ ح ـ
الحشويَّة: 297، 316
الحفصيون: 23
ـ خ ـ
الخوارج: 164
ـ د ـ
الدولة (الخلافة) العثمانيَّة، العثمانيُّون: 17، 53، 54
ـ ر ـ
الراوندية: 276 (1/592)
صفحة 593
الرستميُّون: 20
الروم: 366
ـ ز ـ
الزيدية: 297، 316
ـ س ـ
السلفيَّة: 81، 126، 130، 133، 145، 152، 154، 177، 180، 265، 282، 285، 290، 297، 303، 304، 316، 322، 323، 362، 378، 423، 432
ـ ش ـ
الشيعة: 80، 316
الشيعة الإمامية: 234، 235، 236،
ـ ص ـ
الصابئة، الصابئون: 212، 340
صابئة حران: 212
الصفرية: 75، 80، 311، 331، 490، 496
الصوفية، المتصوِّفة: 24، 97، 116
ـ ع ـ
العرب: 240
العمانيون: 26، 48، 62، 468، 469
ـ ف ـ
الفاطميون: 296
الفرنسيون: 21، 53، 497
ـ ق ـ
القدرية: 370 (1/593)
صفحة 594
ـ ك ـ
الكرامية: 221، 277، 413
الكوفيون: 113
ـ م ـ
الماتوريدية: 208، 280، 281، 282، 290، 351، 358، 362، 432
المالكية: 311
المجوس: 340، 341، 493
المرجئة: 302، 308، 315، 322، 392
المشارقة: 120
المعتزلة، مذهب الاعتزال: 80، 92، 103، 115، 117، 124، 127، 128، 133، 164، 178، 179، 180، 184، 208، 211، 215، 216، 234، 235، 236، 237، 276، 297، 317، 323، 358، 359، 368، 369، 370، 371، 372، 373، 374، 376، 377، 378، 386، 387، 393، 413، 438، 443، 460
المغاربة: 120
المنديا: 212
الموحِّدون: 167
الميزابيون (أهل ميزاب): 20، 21، 24، 29، 39، 48، 57
ـ ن ـ
النصارى: 212، 274، 340، 497
النُّكَّار: 413
ـ هـ ـ
الهنتاتيون: 23
ـ ي ـ
يأجوج ومأجوج: 163، 166
اليهود: 139، 212، 274، 340 (1/594)
صفحة 595
فهرس الأماكن
ـ أ ـ
ابليدة عمر: 20
إستنبول، إسطنبول: 89
أصبهان: 276
الأغواط: 21
إفريقيا: 90
إفريقية: 127
أكس أون بروفونس: 30
إكس لاشبيل: 17
الأندلس: 38، 90
إيج: 237
ـ ب ـ
باتنة: 106، 260
باريس: 21
بدر: 259، 416، 491
بريان: 19، 22، 28، 39، 53، 54
بريطانيا: 59، 175
البصرة: 20
البليدة: 234، 263، 464
بنورة: 19، 27، 54
بني يزقن (يسجن): 19، 22، 23، 24، 25، 26، 27، 33، 40، 43، 44، 45، 46، 55، 56، 58، 59، 181، 400، 487 (1/595)
صفحة 596
بيروت: 25، 33، 39، 46، 59، 71، 85، 86، 90، 91، 93، 103، 106، 107، 114، 116، 126، 130، 131، 139، 145، 164، 167، 168، 177، 183، 197، 212، 217، 234، 250، 257، 266، 279، 298، 301، 303، 320، 321، 322، 331، 347، 378، 380، 390، 439، 455
ـ ت ـ
تافلالت: 24
تكرور: 493
تلمسان: 59
تملوشايت: 484
تونس: 20، 22، 38، 45، 49، 50، 51، 52، 54، 55، 59، 60، 61، 89، 127، 178، 208، 342، 491، 494، 495
تيهرت: 296
ـ ج ـ
جدَّة: 25، 130، 266
جادو: 59
جربة: 20، 22، 29، 45، 54، 71، 74، 236، 342، 486، 487
الجزائر: 19، 21، 22، 24، 26، 29، 36، 38، 39، 41، 51، 52، 53، 56، 60، 89، 104، 126، 128، 160، 178، 228، 281، 292، 319، 321، 367، 469، 486
الجزيرة العربية: 20، 23، 163 (1/596)
صفحة 597
ـ ح ـ
الحجاز: 28، 29، 58، 90، 491
حرّان: 212
الحرم: 360
حضرموت: 325
حيدر آباد الدكن: 244
ـ خ ـ
خيبر: 259
ـ د ـ
دلهي: 258
دمشق: 37، 73
ـ ر ـ
راوند: 276
الرباط: 445
الرياض: 434، 467
ـ ز ـ
زنجبار: 36، 48، 53، 54، 59، 491، 492
زوارة: 75، 445، 468، 469، 490
ـ س ـ
سدويكش: 74، 487
سورية: 309
ـ ش ـ
شمال إفريقيا: 20
ـ ص ـ
صيدا: 234 (1/597)
صفحة 598
ـ ع ـ
عدن: 166
العطف: 19، 44، 53
عُمان: 25، 26، 36، 44، 46، 48، 53، 54، 62، 86، 87، 90، 94، 108، 129، 235، 282، 325، 439، 440، 452، 453، 465، 469، 482، 483، 492
عين مليلة: 89
عين شمس: 19
ـ غ ـ
غرداية: 17، 19، 20، 21، 22، 23، 24، 25، 26، 27، 28، 34، 35، 39، 45، 48، 60، 71، 133، 296، 407، 481، 482، 483
ـ ف ـ
فاس: 46
فارس: 237
فرنسا: 18، 30
فيَنَّا: 17
ـ ق ـ
القاهرة: 19، 46، 50، 63، 104، 113، 121، 170
القدس: 170
القرارة: 19، 22، 28، 39، 44، 54، 56، 60
قسنطينة: 19، 20، 23، 29، 46، 59، 416
القيروان: 296
ـ ك ـ
الكويت: 258 (1/598)
صفحة 599
ـ ل ـ
ليبيا: 20، 38، 59، 71، 75، 342، 469، 484، 488
ـ م ـ
مجاوة: 59
المدينة المنورة: 29، 48، 51، 55، 130، 259
المسجد النبوي: 55
مسجد بني يزقن 27
مسقط: 54
المشرق: 18، 46، 52، 53، 360، 413
مصر: 26، 31، 38، 43، 44، 46، 48، 49، 50، 51، 52، 59، 60، 87، 90، 91، 114، 117، 123، 127، 143، 167، 183، 291، 296، 303، 304، 332، 347، 415، 439، 444، 491، 492
المغرب الإسلامي: 20، 22، 23، 53، 59، 72، 241، 342، 360، 366، 377، 409، 413
المغرب الأقصى: 46، 48، 59، 445، 486
مكّة: 29، 48، 51، 52، 493
ملشوطة: 73
مليكة: 19، 27، 44، 54، 55، 74، 487
ـ ن ـ
نفوسة (جبل): 59، 71، 241، 296، 342، 366، 372، 484، 488، 489
نيسابور: 276
ـ هـ ـ
الهند: 59 (1/599)
صفحة 600
ـ و ـ
وادي ريغ: 20
وادي سوف: 486
وادي ميزاب، مزاب: 17، 18، 19، 20، 21، 22، 23، 24، 26، 28، 32، 35، 37، 38، 39، 44، 45، 46، 48، 49، 51، 52، 53، 54، 55، 57، 59، 64، 74، 236، 291، 485، 487، 489
وارجلان (ورقلة): 22، 28، 29، 90، 208، 491، 493
ـ ي ـ
اليمن: 163
اليونان: 95
- - - - - - - (1/600)
صفحة 601
المحتويات
تقديم أ
مُقَدِّمَة 7
الاختصارات المستعملة 13
الفصل الأَوَّل
الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش حياته وثقافته وآثاره
المبحث الأَوَّل حياة الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش 17
1 - أوضاع العالم الإسلاميّ ووادي ميزاب 17
2 - نسب الشيخ اطفيَّش ومولده 23
3 - نشأته ووفاته 25
4 - أسفاره ورحلاته 28
5 - جهوده في الإصلاح الاجتماعي 30
- نماذج من إصلاحاته وأثرها 33
6 - مقاومته للاستعمار 35
المبحث الثاني حياته العِلمِيَّة 42
1 - مصادر ثقافته 42
أ - أثر عائلته وبيته فيه 42
ب - مشايخه 44
ج - تكوينه الذاتي 47
2 - مكانته العِلمِيَّة 49 (1/601)
صفحة 602
أ - تطلُّعه إِلىَ التجديد 50
ب - مكانته فيِ مجتمعه 51
جـ - علاقته بعلماء عصره 51
د - علاقته ببعض أنظمة الحكم فيِ عصره 53
3 - عمله في التدريس 54
- تلاميذه 57
4 - آثاره العِلمِيَّة 61
- إحصاء آثاره 63
الفصل الثاني
منهج البحث العقديِّ عند الشيخ اطفيَّش
المبحث الأَوَّل تراث الشيخ اطفيَّش العقديُّ 69
1 - مكانة العقيدة في مؤلَّفاته 69
2 - مؤلفات الشيخ اطفيَّش في العقيدة 70
أَوَّلاً - المؤلَّفات الذاتيَّة 70
ثانيا - المختصرات 71
ثالثا - التفسير والشروح 72
رابعا - الحواشي 74
خامسا - التقريرات 74
سادسا - الردود 75
المبحث الثاني منهج الشيخ اطفيَّش في عرض العقيدة 77
1 - منهج عرض المسائل وخصائصه 77
2 - منهج الاستدلال عند الشيخ اطفيَّش 84
ا - الاستدلال بالقرآن والسنَّة 84
ب - العقل والتأويل 88 (1/602)
صفحة 603
الفصل الثالث
الإيمان بالله تعالى
المبحث الأَوَّل التوحيد 101
1 - تعريف التوحيد 101
أ - التوحيد لغة 101
ب - التوحيد اصطلاحا 101
2 - أَدِلَّة وجود الله تعالى ووحدانيَّته 102
أ - الاستدلال على وجود الله 104
ب - الاستدلال على الوحدانيّة 107
3 - التوحيد وما يجب فيه 107
4 - الأسماء الحسنى 112
ا - تعريف الاسم لغة 112
ب - مصدر معرفة الأسماء الحسنى 113
جـ- الإيمان بالأسماء الحسنى 116
المبحث الثّاني الإيمان بالصفات 119
1 - تعريف الصفة 119
2 - الصفات وأقسامها 119
ا - الصفات الذاتيّة 120
ب- الصفات الفعليّة 124
3 - علاقة الصفات بالذات 126
4 - معاني الصفات الواردة في نصوص متشابهة 130
5 - استحالة الرؤية 132
ا - الاستدلال على نفي الرؤية 134
ب - موقف الشيخ اطفيش من أدلّة إثبات الرؤية 145
6 - ما يجب في الإيمان بالصفات 155 (1/603)
صفحة 604
الفصل الرابع
الإيمان بالغيب
تمهيد 159
1 - الغيب لغة واصطلاحا 159
2 - أقسام الغيب 160
المبحث الأَوَّل الإيمان باليوم الآخر 161
1 - قيام الساعة 161
ا - علامات الساعة 162
ب- الموت والفناء 167
جـ - تحديد وقت الساعة 170
2 - البعث وما يتعلق به 172
ا - إثبات البعث 172
ب - حشر الأجساد 173
جـ - الحساب والميزان 176
د - الصراط: 179
هـ - الجنّة والنار 183
المبحث الثاني الإيمان بالملائكة 188
1 - تعريف الملائكة 188
2 - طبيعة الملائكة وجنسهم 189
3 - صفة أجسامهم 190
4 - عصمتهم عن المعاصي 192
5 - أقسام الملائكة ووظائفهم 195
6 - فضل الملائكة وتفاضلهم 197
5 - ما يجب في الإيمان بالملائكة 200 (1/604)
صفحة 605
الفصل الخامس
النبوَّة
تمهيد 205
المبحث الأول النبوّة والوحي 207
1 - النبوّة والحاجة إليها 207
2 - حكم بعثة الرسل 215
3 - الوحي وأنواعه 216
ا - تعريف الوحي 216
ب - أنواع الوحي 217
4 - النبوّة بين الاكتساب والاصطفاء 220
المبحث الثاني الأنبياء والرسل 224
1 - تعريف النبيء والرسول 224
ا - التعريف اللغو ي 224
ب - التعريف الاصطلاحي 225
2 - عدد الأنبياء والرسل 226
3 - صفات الأنبياء والرسل 228
ا - سلامة النبيء من منفر بدني 229
ب - النبوّة في الإنس دون الجنّ 229
جـ - النبوّة في الرجال دون النساء 230
د - عصمة الأنبياء من الخطأ والمعاصي 231
4 - أصناف الأنبياء والرسل 240
ا - الرسل إلى كافّة الناس 240
ب - الرسل إلى أقوام بخصوصهم 241
5 - التفضيل بين الأنبياء والرسل 242 (1/605)
صفحة 606
أ - الحكمة من التفضيل ومعناه 242
ب - كيفيّة التفضيل 243
المبحث الثالث معجزات الرسل 250
1 - تعريف المعجزة 250
2 - شروط المعجزة 251
3 - الفرق بين المعجزة والكرامة 253
4 - دلالة المعجزة وثبوتها 254
5 - أنواع المعجزات 255
6 - معجزات الرسول محَمَّد e 256
أ - معجزة القرآن الكريم 257
ب - المعجزات الأخر 258
المبحث الرابع الكتب المنزلة 262
1 - تعريف الكتاب والصحيفة 262
2 - عدد الكتب وأسماؤها 263
أَوَّلاً - التفضيل بين الكتب 265
ثانيا - أسماء الكتب عربيّة الأصل 266
ثالثا - تاريخ نزول الكتب: 266
الواجب من الاعتقاد في النبوّة 267
الفصل السادس
الإيمان والكفر
تمهيد 273
المبحث الأَوَّل منزلة الإيمان 275
1 - تعريف الإيمان لغة واصطلاحا 275
- الإيمان والإسلام 292 (1/606)
صفحة 607
2 - ما يجب في الإيمان 294
3 - زيادة الإيمان ونقصانه 297
4 - الاِستِثنَاء في الإيمان 302
أ - مسألة الخوف والرجاء ومسألة الاِستِثنَاء 304
ب - العلاقة بين الخوف والرجاء والاِستِثنَاء 307
5 - أحكام منزلة الإيمان 308
أ - اسم صاحب منزلة الإيمان 308
ب - عصمة دم المؤمن وحرمة ماله وعرضه 310
جـ - باقي الأحكام المُتَعَلِّقة بالمؤمن 311
المبحث الثاني المنزلة بين الإيمان والكفر 314
1 - تعريف المنزلة بين الإيمان والكفر 314
2 - تسمية صاحب الكبيرة مؤمنا 315
3 - تسمية صاحب الكبيرة عاصيا وفاسقا 316
4 - تسمية صاحب الكبير كافرا كفر نعمة 317
- أَدِلَّة تسمية صاحب الكبيرة كافرا كفر نعمة 317
5 - تسمية صاحب الكبيرة منافقا 323
ا - تعريف النفاق 324
ب - دلالة النفاق على إضمار الشرك 324
جـ - دلالة النفاق على فعل الكبائر 327
6 - تسمية صاحب الكبيرة مشركا 332
7 - أحكام المنزلة بين الإيمان والكفر 333
المبحث الثالث منزلة الكفر وأحكامها 335
1 - تعريف الكفر 335
2 - أنواع الكفر 336
ا - تعريف الشرك 337 (1/607)
صفحة 608
ب - أقسام الشرك 337
3 - أحكام الكفر وملله 340
الفصل السابع
القضاء والقدر وأفعال الإنسان
المبحث الأَوَّل تعريف القضاء والقدر 347
1 - القضاء والقدر لغة واصطلاحا: 347
2 - العلاقة بين القضاء والقدر 348
المبحث الثاني الإيمان بالقضاء والقدر 350
1 - صلة القضاء والقدر بالتوحيد 350
2 - الإيمان بالقضاء والقدر 352
المبحث الثالث فعل الإنسان بين القضاء والقدر 355
1 - فعل الإنسان وإرادة الله تعالى 355
2 - الاستطاعة في فعل الإنسان 357
3 - خلق الأفعال 361
أ - موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من الجبر 362
ب - موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من الاختيار 368
جـ - موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من نظريّة الكسب 371
د - مناقشة القول في أفعال العباد 377
الفصل الثامن
الوعد والوعيد
المبحث الأَوَّل الوعد والوعيد وإنفاذه 385
1 - تعريف الوعد والوعيد 385
2 - إنفاذ الوعد والوعيد وخلفه 386 (1/608)
صفحة 609
ا - أَدِلَّة إنفاذ الوعد والوعيد 386
ب - الردُّ على القول بالخلف في الوعيد 388
3 - إنفاذ الوعد والوعيد بين الوجوب والحكمة 393
4 - التوبة وأثرها في الوعد والوعيد 394
ا - تعريف التوبة وحكمها 395
ب - شروط التوبة 395
جـ - الذنوب وأنواعها 398
د - التوبة ومغفرة الذنوب 403
هـ - الإصرار وأثره علىلعمل 407
المبحث الثاني عذاب القبر 410
1 - إثبات الحياة في القبر 410
2 - الردُّ على منكري نعيم القبر وعذابه 413
3 - كيفية الحياة في القبر 415
ا - ضمَّة القبر 416
ب - سؤال الملكين 417
جـ - من يناله عذاب القبر 418
4 - الإيمان بعذاب القبر 419
المبحث الثالث الشفاعة 421
1 - تعريف الشفاعة 421
2 - الشفعاء وأنواع الشفاعة 422
ا - الشفاعة العامّة 424
ب - الشفاعة الخاصّة 426
3 - الشفاعة وصاحب الكبيرة 427
المبحث الرابع الخلود في الجَنَّة النار 437
1 - دلالة الخلود على الدوام 438 (1/609)
صفحة 610
2 - الخلود في الجَنَّة 440
أ - أصحاب الأعراف 442
ب - مصير الأطفال 443
3 - الخلود في النار 447
ا - الورود على النار 447
ب - خلود صاحب الكبيرة في النار 449
جـ - موقف الشيخ اطْفِيَّشْ من القول بعدم خلود الفاسق 461
د - خلود الفاسق في النار والأصول العقديّة 467
الخاتمة 473
ملحق
قائمة مؤلَّفات الشيخ محَمَّد بن يوسف اطْفِيَّشْ
أَوَّلاً- المؤلفات الذاتيّة 480
ثانيا - المختصرات 481
ثالثا - الشروح 482
رابعا - الحواشي 486
خامسا - التقريرات 487
سادسا - ترتيب الكتب 488
سابعا - الرسائل والخطب 488
ثامنا - الردود 489
تاسعا - القصائد والمنظومات 490
عاشرا - المراسلات 492
حادي عشر - الأعمال المفقودة 493
ثاني عشر- الأعمال المنسوبة 496 (1/610)
صفحة 611
الفهارس
قائمة المصادر والمراجع 501
أَوَّلاً - المصادر 501
ثانيا - المراجع 517
ثالثا- المراجع باللغة الفرنسية 526
الفهارس التقنيَّة 527
فهرس الآيات القرآنية 527
فهرس الأحاديث النبويّة ... 551
فهرس القوافي 557
فهرس الأعلام 558
فهرس الأديان والفرق والأقوام والقبائل 579
فهرس الأماكن 583
المحتويات 589 (1/611)
صفحة 612
تَمَّ بحمد الله وحسن عونه تصحيحُ ومراجعة هَذَا الملف (فهرس المحتويات) ومقارنتها بالأصل (الأفلام) ورقنُ آخر حرف من الفهارس، وبالأحرى آخر حرف من رسالة الأستاذ وينتن مع أَوَّل حرف من تكبير أذان صلاة الظهر من يوم الأحد، 9 صفر 1418 هـ / 15 جوان 1997 م. عَلَى يد أفقر الورى إِلىَ الله: مصطفى بن محَمَّد شريفي. والحمد لله أَوَّلاً وآخرا. (1/612)