صفحة 1
الكتاب: محاضرات ودروس في أصول الدين لطلاَّب التخصص الشرعي
إعداد: مصطفى بن محمد شريفي
السنة الدراسية: 1432 - 1433هـ / 2011 - 2012م
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوعة المسلمة لطلبة التخصص الشرعي في معهد الحياة وكلية المنار]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
محاضرات ودروس في
أصول الدين
لطلاَّب التخصص الشرعي
إعداد:
مصطفى بن محمد شريفي
السنة الدراسية: 1432 – 1433هـ / 2011 – 2012م (/)
صفحة 2
بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أحمدك رَبِّي حمد معترف بنعمائك، وأصلِّي وأسلِّم عَلَى خاتم رسلك وأنبيائك، صفوة خلقك وأوليائك، محَمَّد النبيِّ الأمين، وَعَلَى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فَهَذِهِ سلسلة دروس ومحاضرات في علم أصول الدين لطلبة معهد الحياة بالقرارة، نرجو من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أن يعيننا عَلَى إتمامها، والإفادة والاستفادة منها، إِنَّهُ سميع مجيب.
ومن عادة العلماء قبل أن يشرعوا في تحليل مسائل أيِّ علم أن يبدؤوا بالتعريف به، من خلال: تحليل الألفاظ لغة واصطلاحا، وبيان التعريف الجامع المانع للعلم الذي يتناولونه، وسوف لا نخرج عن هَذَا المنحى، فنبدأ أَوَّلاً بالتعريف بعلم أصول الدين.
**********************************
المحور الأول
مقدمات حول علم أصول الدين وعلم الكلام
تمهيد
يذهب العلماء في تقسيم العلوم إِلىَ ثلاث مجموعات: العلوم الرياضية، العلوم الطبيعية، العلوم الإِنسَانِيَّة. وبينما تتناول المجموعة الأولى: الكم والمقدار، فتتناول المجموعة الثانية الظواهر الطبيعية مثل الظواهر الفلكية، وَالمُتَعَلِّقَة بالحرارة والذرة، ووظائف الأعضاء ...
أَمَّا المجموعة الأخيرة فهي التي تهتم بدراسة الإِنسَان، من حيث هو عقل وشعور وسلوك واجتماع، وأبرز علوم هَذِهِ المجموعة هي التاريخ واللغة وعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة وعلم الأديان (1). ويدخل ضمن هَذَا الأخير: العلمُ بالأحكام الشَّرعِيَّة.
و «الأحكام الشَّرعِيَّة منها ما يَتَعلَّقُ بِكَيْفِيَّة العمل، وتسمى فرعية وعملية، ومنها ما يَتَعلَّقُ بالاعتقاد، وتسمى أَصلِيَّة واعتقاديَّة، والعلم الْمُتَعَلِّق بالأولى يُسَمَّى علم الشرائع والأحكام، لأَنَّهَا لا تستفاد إِلاَّ من جهة الشرع، ولا يسبق الفهم عند إطلاق الأحكام إِلاَّ إِلَيْهَا، وبالثانية: علم التوحيد لأَنَّ ذَلِكَ أشهر مباحثه وأشرف مقاصده» (2)، ويطلق عَلَيْهِ علم أصول الدين، وغيرهما من الأسماء، وَهُوَ ما نتناوله في المبحث الآتي.
**********************************
أولا - أسماء علم أصول الدين وتحليلها
لعلم أصول الدين أسماء مُتَعَدِّدَة، جمعها التهانَّوي في} كشَّاف اصطلاحات الفنون} (3) إذ يقول: «علم الكلام، وَيُسَمَّى
__________
(1) محَمَّد قاسم الزيني: محاضرات في مناهج الاستدلال، بمعهد أصول الدين، الجزائر، 1993 - 1994م، ص1.
(2) الثميني، ضياء الدين عبد العزيز بن الحاج إبراهيم (ت: 1223هـ): معالم الدين، (مخ)، نسخ الشيخ بكير بن محَمَّد الشيخ بالحاج (باشعادل)، ص5. وانظر: الدكتور عبد الرحمن بدوي (معاصر): مذاهب الإسلاميِّين، الجزء الأَوَّل: المعتزلة والأشاعرة، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثانية، يناير، 1979، ص28، وأحال إِلىَ العقائد النسفيَّة.
(3) كشَّاف اصطلاحات الفنون للشيخ الملوي محَمَّد أعلى بن علي التهانوي، طبع بالأوفست، بيروت، ص22 - ص23. (1/1)
صفحة 3
بأصول الدين أَيضًا، وَسَمَّاهُ أبو حنيفة ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالىَ ـ بالفقه الأكبر، وَفي} مجمع السلوك}: وَيُسَمَّى بعلم النظر والاستدلال أَيضًا، وَيُسَمَّى أَيضًا بعلم التوحيد والصفات» (1).
وسنحاول أن نتعرَّض هنا بِشَيْءٍ من التفصيل إِلىَ تعريفات هَذِهِ الأسماء المختلفة، من حيث اللغة والاصطلاح، وفق الخطة الآتية:
1 - العلم ... 6 - علم التوحيد
2 - الأصول ... أ- التوحيد لغة
أ- الأصول لغة ... ب- التوحيد اصطلاحا
ب- الأصول اصطلاحا ... ج- وجه التسمية
3 - الدين ... 7 - علم النظر والاستدلال
أ- الدين لغة ... أ- النظر والاستدلال لغة
أ- الدين اصطلاحا ... ب- النظر والاستدلال اصطلاحا
ج- وجه التسمية ... ج- وجه التسمية
4 - الفقه الأكبر ... 8 - علم الكلام
أ- الفقه لغة ... الكلام لغة
ب- الفقه اصطلاحا ... علم الكلام اصطلاحا
5 - علم العقيدة ... أ- العقيدة لغة ... ب- العقيدة اصطلاحا
فلنشرع الآن بعون الله في تحليل ألفاظ مختلف التسميات لهذا العلم.
1 - العلم:
للعلماء في تعريف العلم اتجاهات مُتَعَدِّدَة، فمنهم من يطلقه عَلَى مُجَرَّد التصديق، ومنهم من يشترط فيه اليقين، ومن هنا جاءت التعاريف المختلفة.
أورد الجرجانيُّ بَعْضًا منها قائلا: «العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق. وقال الحكماء: وَهُوَ حصول صورة الشَّيْء في العقل، وَالأَوَّل أخصُّ من الثاني. وَقِيلَ: هو إدراك الشَّيْء عَلَى ما هو به. وَقِيلَ: زوال الخفاء من المعلوم، والجهل نقيضه، وَقِيلَ: هو مستغنٍ عن التعريف، وَقِيلَ: العلم صفة راسخة يدرك بها الكُلِّيَّات والجزئيات، وَقِيلَ: العلم وصول النفس إِلىَ معنى الشَّيْء ... » (2).
وعرَّفه السالمي بقوله: «هو صفة يتجلَّى بها المعلوم عَلَى ما هو عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إدراك الشَّيْء عَلَى حقيقته. وَقِيلَ ـ وهو المختار عند البدر الشَّمَّاخِي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالىَ ـ: إدراك الشَّيْء بحيث لا يحتمل النقيض. فالإدراك جنس يشملُ:
· العلمَ
· والاعتقادَ، وَهُوَ وصول النفس إِلىَ معنى يحتمل النقيض لو ذُكر، وَهُوَ حقٌّ إن طابق الواقعَ، وباطل إن لم يطابق
· والظنَّ، وَهُوَ رجحان المعنى المدرَك عَلَى نقيضه
· والوهمَ، وَهُوَ رجحان نقيض الْمَعْنَى المدرَك عليه
· والشكَّ، وَهُوَ تردُّد النفس بين الْمَعْنَى المدرك ونقيضه من غير رجحان لواحد منهما، وَهُوَ معنى قولهم:} والشكُّ تساويهما} ... » (3).
__________
(1) عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميِّين، ج1/ ص7.
(2) الجرجاني، علي بن محَمَّد الشريف الحسني (ت: 816هـ): التعريفات، مكتبة لبنان، بيروت، 1985، ص160 - 161.
(3) السالمي، نور الدين أبو محَمَّد عبد الله بن حُميِّد (ت: 1332هـ): مشارق أنوار العقول، علَّق عَلَيْهِ وصحَّحه الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مطابع العقيدة، سلطنة عُمان، 1398هـ/1978م، ص37. (1/2)
صفحة 4
ويحسن أن نعرف رأي الإِبَاضِيَّة في تحديد مفهوم العلم، وهل يطلق عَلَى الاعتقاد الجازم المطابق، أم يطلق حَتَّى عَلَى الظنِّ؟ يجيب الشيخ السالميُّ عن هَذَا بقوله: «هَذَا وإن تأمَّلتَ ما عَلَيْهِ الأصحاب من الاصطلاح رأيتهم يطلقون العلم على العلم اليقينيِّ الذي لا إشكال معه، وَعَلَى الاعتقاد إذا كان حَقًّا، وَعَلَى الظنِّ أَيضًا إذا كان صدقا، كما يُعرف بالوقوف عَلَى مصنَّفاتهم، وَكَذَلِكَ أَيضًا في هَذِهِ المنظومة، ألا ترى أَنَّهُم يقولون: يجب عَلَيْهِ علم كذا، فإذا أخبره واحد قالوا بالاجتزاء وألزموه تأديته عَلَى ذَلِكَ الوجه ولو كان مثلا ذَلِكَ المخبِر غير عالم ولا ثقة عَلَى رأي لبعضهم ... » (1).
2 - الأصول:
أ- الأصول لغة:
· «الأصل: أسفل كُلِّ شَيْء، وجمعه: أصول، لا يكسَّر عَلَى غير ذَلِكَ ...
· ويقال: استأصَلَتِ هَذِهِ الشجرة أي ثبت أصلها.
· واستأصل الله بني فلان: إذا لم يدَعْ لهم أصلا، واستأصله: أي قلعه من أصله ...
· ورجل أصيل: له أصل ...
· والأصيل: العشيُّ، والجمع: أُصُل وأُصْلان، مثل بعير وبُعْران، وآصال وأصائل ...
· والأصل: الحسب ...
· والأَصَلَة: حيَّة قصيرة كالرئة حمراء ... وَقِيلَ: الأصَلَة: الحية العظيمة» (2).
ويضيف السالمي في تعريف الأصل لغة: «والأصول: جمع أصل، وَهُوَ لغة: ما يبتنَى عَلَيْهِ غيره، سواء كان حسِّيًّا أو معنويًّا، وَقِيلَ: هو حقيقة في الحسِّيِّ ثُمَّ نقل إِلىَ المعنويِّ» (3).
ب- الأصول اصطلاحا:
والأصول في الاصطلاح: جمع أصل، وهو: «قَضِيَّة كُلِّيَّة يُتعرَّف منها أحكام جزئيَّات موضوعها، وَهُوَ والقاعدة والضابط والقانون ألفاظ مترادفة» (4).
3 - الدين:
أ- الدين لغة:
يطلق الدين في اللغة عَلَى عِدَّة معان منها:
· «الجزاء والمكافأة، و {يَوْمُ الدِّينِ}: يوم الجزاء، ومنه قَوله تَعَالىَ: {اَئِنَّا لَمَدِينُونَ} [الصافات: 53] أي: مجزيُّون محاسبون.
· الحساب: «ومنه قَوله تَعَالىَ: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}».
· الطاعة: «وقد دِنْتُه ودِنتُ له: أي أطعته».
· العادة والشأن: «تقول العرب: ما زال ذَلِكَ ديني ودَيْدَني».
· الذلَّة والخضوع والاستعباد: «وفي الحديث:} الكيِّس من دان نفسه وعمل لِمَا بعد الموت ... } والدين لله من هَذَا إِنَّمَا هو طاعته والتعبُّد له».
·
__________
(1) السالمي: مشارق، ص 38.
(2) ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص68 - 69، مَادَّة «أصل».
(3) السالمي: مشارق، ص11.
(4) السالمي: المصدر نفسه. والجرجاني اكتفى بالتعريف اللغوي للأصل، ولم يورد معناه في اصطلاح علم الكلام أو الفلسفة، حيث يقول: «الأصل وَهُوَ ما يبتنَى عَلَيْهِ غيره». التعريفات، ص28. (1/3)
صفحة 5
القضاء: «وفي التنزيل العزيز: {مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف: 76]».
· الحال: «قال النضر بن شميل: سألت أعرابيًّا عن شَيْء فقال:} لو لقيتني عَلَى دين غير هَذِهِ لأخبرتُك».
· «والدين السلطان، والدين الورع، والدين: القهر، والدين: المعصية» (1).
ب- الدين اصطلاحا:
جاء في تعريف الجرجاني للدين بِأَنَّهُ «وضع إلهيٌّ يدعو أصحاب العقول [إِلىَ] قبول ما عند الرسول» (2).
ويورد السالميُّ (ت: 1332هـ) لمعنى الدين اصطلاحا تعريفين:
· «أحدهما مختصر: وَهُوَ ما شرعه الله تَعَالىَ عَلَى لسان نبيِّه من الأحكام، وَسمِّيَ دينا لأَنَّا ندين له وننقاد ...
· وثانيهما مطوَّل: وَهُوَ وضع إلهيٌّ سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود إِلىَ ما هو خير لهم بالذات» (3). ثُمَّ يأخذ الشيخ في بيان هَذَا التعريف بمختلف تقييداته قائلا:
- «فقولهم:} وضعٌ}: أي موضوع ...
- وقولهم:} إلهيٌّ}: أي منسوب للإله وَهُوَ الله تَعَالىَ، وخرج به الوضع البشريُّ ظاهرا، وَإِلاَّ فالواضع لجميع الأشياء هو الله في الحقيقة ...
- وقولهم:} سائق}: أي باعث وحامل، لأَنَّ الْمُكَلَّف إذا سمع ما يترتَّب عَلَى فعل الواجب من الثواب، أو عَلَى فعل الْمُحَرَّم من العقاب انساق إِلىَ فعل الأَوَّل وترك الثاني، وخرج به الوضع الإلهي غير السائق ... الذي لا اطِّلاَع لنا عَلَيْهِ كالذي تحت الأرضين، فَإِنَّ ما لا نعرفه لا يسوقنا إِلىَ شَيْء.
- وقولهم:} لذوي العقول السليمة}: أي لأصحاب العقول السليمة من الكفر ... وخرج ما يسوقهم وغيرهم من الحيوانات كالأوضاع الطبيعيَّة التي يهتدي بها الحيوانات، وهي الإلهامات التِي تسوق الحيوانات لفعل منافعها، كنسج العنكبوت، واتِّخاذ النحل بيوتا، واجتناب مضارِّها، كنفور الشاة من الذئب وغير ذَلِكَ.
- وقولهم:} باختيارهم}: خرج به الأوضاع السائقة لهم لا باختيارهم، أو باختيارهم المذموم، فالأُولى كالآلام السائقة للأنين رغما كالوجدانيَّات كالجوع والعطش فَإِنَّهُمَا يسوقان إِلىَ الأكل والشرب قهرا، والثانية كحبِّ الدنيا فَإِنَّهُ وضعٌ إلهيٌّ يبعث ذوي العقول إِلىَ ترك الزكاة باختيارهم المذموم ... ».
- وقولهم:} إلى ما هو خير لهم بالذات}: فهو السعادة الأبديَّة، والقرب من رَبِّ البريَّة (4).
الفرق بين الدين والشريعة والملَّة والمذهب:
يقول الشيخ السالميُّ في تفريقه بين المصطلحات الثلاثة الأولى: «وَيُسَمَّى [أي الدين] أَيضًا ملَّة من حيث إِنَّ الرسول يمليه عَلَى الملك، وَهُوَ يمليه علينا، وَيُسَمَّى شريعة من حيث إِنَّ الله شرعه لنا، أي بيَّنه لنا» (5) وَهَذَا يشبه إِلىَ حدٍّ بعيد ما أورده الجرجانيُّ (ت: 816هـ) من قبلُ إذ يقول: «الدين والملَّة متَّحدان بالذات، ومختلفان بالاعتبار، فَإِنَّ الشريعة من حيث إِنَّهَا تجمع تُسَمَّى ملَّة، ومن حيث إِنَّهَا يرجع إِلَيْهَا يُسَمَّى مذهبا»، ولا يخفى ما في هَذَا التفريق من الغموض، إِلاَّ أَنَّهُ يورد تحديدا أكثر وضوحا وَهُوَ قوله: «وقيل الفرق بين الدين والملَّة والمذهب أَنَّ الدين منسوب إِلىَ الله تَعَالىَ، والملَّة منسوب إِلىَ الرسول، والمذهب إِلىَ المجتهد» (6).
__________
(1) ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محَمَّد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري (ت: 711هـ): لسان العرب، ج1/ ص1044، مَادَّة «دين». وقد أورد فيه تأويل الخطَّابي للدين في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث المروق: «يمرقون من الدين ... » بِأَنَّهُ طاعة الإمام، وَهُوَ غير ما يُفَسِّرُه به كُتَّاب المقالات.
(2) الجرجاني: التعريفات، ص111.
(3) السالمي: مشارق، ص27.
(4) السالمي: مشارق، ص27 - 28.
(5) السالمي: مشارق، ص27.
(6) الجرجاني: التعريفات، ص111. (1/4)
صفحة 6
ج- وجه التسمية:
«وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا العلم أصول الدين لأَنَّ الدين كلَّه مبنيٌّ عَلَيْهِ صحَّة وفسادا، فلا دين لمن لا اعتقاد له» (1).
4 - الفقه الأكبر:
أ- الفقه لغة:
«الفقه: العلم بِالشَّيْءِ والفهم له» (2)، ولا تخرج التصاريف المختلفة لكلمة} الفقه} عن معنى العلم والفهم، كما يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كلام ابن منظور.
ب- الفقه اصطلاحا:
إذا علمنا أَنَّ الفقه إذا أطلق فَإِنَّهُ ينصرف إِلىَ أَنَّهُ:} العلم بالأحكام الشَّرعِيَّة العَمَلِيَّة [المستنبط] من أدلَّتها التفصيليَّة» (3) فَإِنَّ الفقه الأكبر مصطلح أطلقه الإمام أبو حنيفة (ت: 150هـ) عَلَى علم أصول الدين، وبه سَمَّى كِتَابه الذي ألَّفه في هَذَا الفنِّ (4)، إِلاَّ أَنَّ هَذَا الاسم لم يلق تداولا كبيرا بين العلماء مثل الأسماء الأخرى.
5 - علم العقيدة:
أ- العقيدة لغة:
لمادَّة} عقد} في اللغة معان كثيرة، نورد أهمَّها باختصار من لسان العرب:
· «العقد: نقيض الحلِّ، عَقَدَه يَعْقِده عَقْدا وتَعْقَادا، وعقَّده ... وقد انعقد وتعقَّد ...
· والعقدة: قلادة، والعِقد: الخيط ينظم فِيهِ الخَرَز، وجمعه: عُقُود، وقد اعتقد الدُّرَّ والخرز وغيرَه: إذا اتَّخَذَ منه عقدا ...
· وعَقَد العهد واليمين يعْقِدهما عقدا وعقَّدهما: أكَّدهما ... والمعاقدة: المعاهدة ...
· وعقد البناء بالجصِّ (5) يعقده عقدا: ألزقه. والعَقد: ما عقدت من البناء ...
· وعَقَد العسل والرُّبُّ ... غلُظ ...
· وعُقدة اللسان: ما غلظ منه.
· وَفي لسانه عُقدة: أي التواء ...
· وعقَّد كلامه: أعوصه وعمَّاه ...
· وعقد قلبه عَلَى الشَّيْء: لزمه» (6).
والمعنى اللغويُّ الأقرب إلى الاصطلاح هو: العَقد: نقيض الحلِّ، ولزوم القلب على الشيء.
__________
(1) السالمي، نور الدين أبو محَمَّد عبد الله بن حميِّد السالمي: بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد، طُبع بهامش الجزء الأَوَّل من كِتَاب شرح طلعة الشمس عَلَى الألفية، مطبعة الموسوعات، مصر، ص12.
(2) ابن منظور: لسان العرب، ج2/ ص1119، مَادَّة «فقه».
(3) الجرجاني: التعريفات، ص175.
(4) حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ج2/ ص1287.
(5) «الجِصَّ والجَصُّ، معروف: الذي يُطلى به، وَهُوَ معرَّب، قال ابن دريد: هو الجِصُّ ولم يقل: الجَصُّ، وليس الجَصُّ بعربيٍّ، وَهُوَ من كلام العجم». ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص463، مَادَّة «جصص».
(6) ابن منظور: لسان العرب، ج2/ ص835 - 836، مَادَّة «عقد». (1/5)
صفحة 7
ب- العقيدة اصطلاحا:
عرَّف الجرجانيُّ العقائد ـ هكذا بالجمع ـ بِأَنَّهَا: «ما يُقصد فيه نفس الاعتقاد دون العمل» (1)، وهَذَا التعريف المختصر كما يبدو لم يهتمَّ فيه بشرح اللفظة في معناها الاصطلاحي، بالإضافة إلى ما في تعريفه من الدَّور، وهو تعريف اللفظ بنفس اللفظ.
وَأَمَّا قلعه جي وقنيبي فقد عرَّفا العقيدة ( Dogma - Dogme): بِأَنَّهَا «ما عُقد عَلَيْهِ القلب واطمأنَّ إِلَيْهِ» (2). أو هي: «ما لا يقبل الشكَّ في نظر معتقده» (3). وتستعمل لفظة} العقيدة} مرادفة للإيمان؛ فأركانها هي أركان الإيمان الستَّة: الإيمان بِاللهِ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه (4). إلا أن العقيدة أخصُّ من الإيمان؛ ذلك أن الإيمان في القرآن والسنة قد يرد بمعنى يشمل التصديق والعمل (كالصلاة، وإماطة الأذى عن الطريق)، بينما العقيدة لا تبحث في أحكام الفقه أو الأخلاق (5).
وذكر الكبيسي أنَّ مصطلح العقيدة لم يرد في القرآن الكريم، ولم يعثر عليه في كتب السنَّة، فهو مصطلح حادث، شأنه شأن (الفقه) و (أصول الفقه) و (التفسير) و (الحديث) و (علم الجرح والتعديل)، وغيرها من المصطلحات التي استحدثت تلبية لتطوُّر الدراسات الإسلاميَّة وكثرة تبويبها وتفريعها (6).
6 - علم التوحيد:
أ- التوحيد لغة:
أطال ابن منظور في مَادَّة} وحد}، وكان كلامه يدور حول العدد واحد ومختلف تصاريفه، وأوجه إعرابها، مِمَّا يطول المقام بذكرها. ومعناها يدور حول: التفرُّد، وانعدام المثل، ويقول: «يقال: وحَّده، وأحَّده كما يقال: ثنَّاه وثلَّثه» (7). ونقل عن الأزهريِّ قوله: «وَأَمَّا اسم الله عَزَّ وَجَلَّ} أحد} فَإِنَّهُ لا يوصف شَيْء بالأحديَّة غيره، لا يقال: رجل أحد ولا درهم أحد، كما يقال: رجلٌ وَحَدٌ أي فردٌ، لأَنَّ} أحدًا} صفة من صفات الله عَزَّ وَجَلَّ التي استخلصها لنفسه ولا يشركه فيها شَيْء ... » (8).
والجرجاني يعرِّف «التوحيد في اللغة: الحكم بِأَنَّ الشَّيْء واحدٌ، والعلم بِأَنَّهُ واحد» (9)، و «وحَّد الشَّيْءَ: جعله واحدا، ووحَّد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ: أقرَّ وآمن بِأَنَّهُ واحد» (10).
ب- التوحيد اصطلاحا:
«وَفي اصطلاح أهل الحقيقة: تجريد الذات الإِلهِيَّة عن كُلِّ ما يُتصوَّر في الأفهام، ويُتخيَّل في الأوهام والأذهان. التوحيد ثلاثة أشياء: معرفة الله تَعَالىَ بالربوبيَّة، والإقرار بالوحدانيَّة، ونفي الأنداد عنه جملة» (11). وينبغي التفريق بين التوحيد ( Monothéisme) وبين وحدة الوجود ( Panthéisme) (12) .
__________
(1) الجرجاني: التعريفات، ص158.
(2) ا. د. محمَّد رواس قلعة جي، د. حامد صادق قنيبي: معجم لغة الفقهاء، عربي ـ إنجليزي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ/ 1985م، ص318، مَادَّة: «عقد».
(3) الصحاح في اللغة والعلوم، ص137، مَادَّة: «عقد».
(4) قلعة جي وقنيبي: المرجع نفسه.
(5) ينظر: الكبيسي: العقيدة الإسلامية الميسرة، ص15 - 16.
(6) ينظر: المرجع نفسه، ص13.
(7) ابن منظور: لسان العرب، ج3/ ص887 - 889، مَادَّة «وحد».
(8) المصدر نفسه. وفيه تفاصيل أخرى لغوية ونحوية كثيرة مفيدة لطالب العلم.
(9) الجرجاني: التعريفات، ص73.
(10) جميل صليبا: المعجم الفلسفي، ج2/ ص360.
(11) الجرجاني: التعريفات، ص73.
(12) راجع الفرق بينهما في: المعجم الفلسفي لجميل صليبا، ج2/ ص360. (1/6)
صفحة 8
ج- وجه التسمية:
وَسمِّيَ علم أصول الدين بعلم التوحيد لأَنَّ توحيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أهمُّ مسائل هَذَا العلم، فَكُلُّ رسول يبدأ في دعوة قومه بتقرير التوحيد: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59، 65، 73، 85؛ المؤمنون: 50، 61]. وإذا كانت الغاية من هَذَا الدين هو ما فيه خير للعباد بالذات ـ كما يقول الشيخ السالمي في تعريف الدين ـ فَإِنَّ الله تَعَالىَ يقول: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
7 - علم النظر والاستدلال:
أ- النظر والاستدلال لغة
النظر في اللغة معروف، وسيأتي تفصيله بحول الله عند التعرض لمسألة نفي رؤية الله تَعَالىَ، وتفسير النظر في قَوله تَعَالىَ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة:22 - 23).
الاستدلال: لمادَّة} د. ل. ل} في اللغة عِدَّة معان، منها ما يأتي:
· يقال: دلَّه عَلَى الشَّيْء يَدُلُّه دلاًّ ودَلالة: سدَّده إِلَيْهِ، والدليل: ما يُستدلُّ به، والدليل: الدالُّ.
· وأدلَّ وتدلَّل إدلالاً أحدٌ عَلَى حميمه: انبسط، واجترأ دون خوف.
· «الدَّلاَّل: الذي يجمع بين البيِّعين، والاسم: الدَّلالة والدِّلالة» (1).
ب- النظر والاستدلال اصطلاحا:
النظر: يعرِّف الجرجانيُّ [العلمَ] النظريَّ بأَنَّهُ: «هو الذي يتوقَّف حصوله عَلَى نظر وكسب، كتصوُّر النفس والعقل، وكالتصديق بِأَنَّ العالَم حادث» (2).
الاستدلال: جاء في معجم المجمع في معنى الاستدلال ما يلي: «هو فعل الذهن الذي يلمح} علاقةً ومبدأً ونتيجةً} بين قَضِيَّة وأخرى أو بين عِدَّة قضايا، وينتهي إِلىَ الحكم بالصدق أو بالكذب أو الحكم بالضرورة أو بالاحتمال».
وَفي تعريف آخر هو: «العَمَلِيَّة العَقلِيَّة التي ينتقل فيها الفكر الإنسانيُّ من قَضِيَّة أو قضايا معلومة، أي نعرف حكمها، إِلىَ قَضِيَّة أخرى مجهولة، أي يُراد معرفة الحكم فيها (3).
وجاء في برنامج دائرة المعارف الفرنسية لعام 1997م ما يلي:
« Le raisonnement: enchaînement ou articulation des idées constitutif de la pensée discursive» (4) .
ويمكن ترجمة هَذَا التعريف كما يلي: «هو تتابع أو تَمَفْصُل الأفكار المكوِّنة للتفكير المنطقي». وتضيف الدائرة نَصًّا أكثر تفصيلا وَهُوَ:
« Le raisonnement est une association logique d'idées qui conduit à une conclusion. Il établit des rapports entre différents éléments ... Les fonctions d'un raisonnement peuvent être les suivantes : test d'une hypothèse, application de connaissances générales à un cas particulier, contrôle de la cohérence d'une proposition ou d'une thèse avec un ensemble de thèses ... ».
ويمكن ترجمة هَذَا النص كما يأتي: «الاستدلال هو تجميع منطقيٌّ للأفكار يُؤَدِّي إِلىَ نتيجة، ويقيم علاقات بين مختلف
__________
(1) ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص1005 - 1006، مَادَّة «دلل».
(2) الجرجاني: التعريفات، ص261.
(3) الزيني: محاضرات في مناهج الاستدلال، ص3. وانظر تعريف الاستدلال عند الجرجاني، وَأَنَّهُ: «تقرير الدَّلِيل لإثبات المدلول»، وَهُوَ كما نرى مختصر لا يفي بالغرض، التعريفات، ص17.
(4) Encyclopédie Microsoft Encarta 97. 1993 - 1996 , Microsoft Corporation. Terme de la recherche: «Raisonnement». (1/7)
صفحة 9
العناصر ... ووظائف الاستدلال يمكن أن تكون كما يلي: اختبار فرَضيَّة، تطبيق معارف عَامَّة عَلَى حالة خَاصَّة، مراقبة مدى التوافق بين قَضِيَّة أو أطروحة وبين مجموعة من الأطروحات». واللفظة تستعمل في المنطق الكلاسيكي، والرياضيات والفلسفة وعلم النفس ... (1).
ونلاحظ أَنَّ التعريفات كلَّها متقاربة.
ج- وجه التسمية:
سُمِّيَ بعلم النظر تمييزا له عن العلم العملي المسمَّى بالفقه، وليس هذا الكلام على إطلاقه؛ لأَنَّ في أصول الدين ما يَتَعلَّقُ به أو تترتَّب عَلَيْهِ أحكام عَمَلِيَّة، وَبِخَاصَّةٍ في الإنسانيَّات، كالقضاء والقدر، والولاية والبراءة، والأسماء والأحكام، والكبائر والصغائر ...
وَسُمِّيَ بالاستدلال لأَنَّ غالب مباحثه تشتمل عَلَى الاستدلال العقلي أو النقلي عَلَى إثبات الحجج أو نفي الشبه، كما سيأتي في تعريف علم الكلام.
8 - علم الكلام:
أ- الكلام لغة:
«الكلام لغة: هو اللفظ المركَّب الدالُّ عَلَى معنًى بالوضع والاصطلاح لا بالطبع» (2). هَذَا ونورد هنا ما قاله ابن منظور في التفريق بين الكلام في اللغة وبين القول: «وَقِيلَ: الكلام ما كان مكتفيا بنفسه وَهُوَ الجملة، والقول: ما لم يكن مكتفيا بنفسه وَهُوَ الجزء من الجملة ... ومِن أدلِّ الدَّلِيل عَلَى الفرق بين الكلام والقول إجماع الناس عَلَى أن يقولوا:} القرآن كلام الله} ولا يقولوا:} القرآن قول الله} وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا موضع ضيِّق متحجِّر لا يمكن تحريفه ولا يسوغ تبديل شَيْء من حروفه، فعُبِّر بِذَلِكَ عنه بالكلام الذي لا يكون إِلاَّ أصواتا تَامَّة مفيدة» (3).
ولمادَّة} كلم} معنى آخر كَذَلِكَ وَهُوَ الجَرح، فيقال: «كَلَمَه يَكْلِمُه كَلْمًا، وكَلَّمه كَلْمًا: جَرَحَه ... وَفي الحديث:} إِنَّا نقوم عَلَى المرضى ونداوي الكلمى} جمع كليم، وَهُوَ الجريح» (4).
وَأَمَّا في الاصطلاح فنظرا للاختلاف الكبير في تعريف هَذَا العلم، فَإِنَّنَا سنفرد له مبحثا خَاصًّا بإيراد أهمِّ التعاريف ومناقشتها، للخروج بتصوُّر أقرب إِلىَ تحديد أدقَّ لهذا العلم.
ب- علم الكلام اصطلاحا:
علم الكلام مرادف لعلم أصول الدين عند أغلب العلماء (القدامى بصفة خاصة)، فإذا بحثنا مثلا في كِتَاب} كشف الظنون} لحاجي خليفة عن مَادَّة أصول الدين فَإِنَّنَا لا نجد تعريفه ضمن مَادَّة} أصل} أو} أصول} وَإِنَّمَا يكتفي بالإحالة إِلىَ مَادَّة} كلام} (5)، وكذا في} دائرة المعارف الإِسلاَمِيَّة}.
وَأَمَّا تعريفه فقد ورد بصيغ مُتَعَدِّدَة، وَذَلِكَ لتعدُّد وجهات النظر حول موضوع هَذَا العلم وأهمِّ قضاياه، «وعكست اختلافا في الآراء وإن لم يكن جوهريًّا غالبا» (6).
__________
(1) Encyclopédie Encarta 97.
(2) الفاخوري: تاريخ الفلسفة العَرَبِيَّة، ص124. وقوله: «بالوضع والاصطلاح لا بالطبع» مسألة أطال فيها النقاشَ علماءُ اللغة فليراجعه الطلبة من مظانِّه.
(3) ابن منظور: لسان العرب، ج2/ ص290، مَادَّة «كلم».
(4) المصدر نفسه، ج2/ ص 291.
(5) حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ج1/ ص110.
(6) د. الدسوقي، محَمَّد: منهج البحث في العلوم الإِسلاَمِيَّة، الطبعة الأولى، 1404هـ/ 1984م، دار الأوزاعي، د. م.، ص334. ويحيل الدسوقي في الهامش إِلىَ: «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإِسلاَمِيَّة، ص253 - 265، فقد أورد الشيخ مصطفى عبد الرازق في هَذِهِ الصفحات من كِتَابه كثيرا من التعريفات وحلَّلها وعقَّب عَلَيْهَا. وانظر كَذَلِكَ: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام [للدكتور محَمَّد أبو ريَّان]، ص131». (1/8)
صفحة 10
وسنحاول أن نورد بَعض أهمِّ التعاريف مع مناقشتها حسب ما يسمح به المقام، وغرضنا في هَذَا هو تدريب الطالب عَلَى التحليل والمقارنة والمناقشة والترجيح، وتمييز التعريف الجامع المانع من غيره.
تعريف ابن خلدون:
قال العلامة ابن خلدون (ت: 808هـ) فيِ مُقَدِّمَته: «هو علم يتضمَّن الحجاج عن العقائد الإيمانيَّة بالأدلَّة العَقلِيَّة، والردَّ عَلَى المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنَّة» (1)، والملاحظ في هَذَا التعريف عِدَّة أمور:
1 - يوحي تعريفه بِأَنَّ علم الكلام يهدف أساسا إِلىَ مُجَرَّد الدفاع عن العقائد، بينما الواقع أَنَّهُ يتضمَّن إثبات العقائد والدفاع عنها في آن واحد.
2 - قصر الاستدلال في علم الكلام عَلَى الأَدِلَّة العَقلِيَّة لا يطابق ما هو موجود في الكتب المؤلَّفة في الموضوع، ففيها استدلالات نَقْلِيَّة من الآيات القُرْآنيَّة والأحاديث النَّبَوِيَّة وشواهد اللغة العَرَبِيَّة جنبا إِلىَ جنب مع الاستدلال العقلي. فتعريف ابن خلدون من هَذِهِ الناحية مانع لِمَا يجب أن يدخل في التعريف.
3 - والملاحظة الثالثة وهي أهمُّها: أَنَّهُ حصر علم الكلام في ما وافق رأي السلفِ وأهلِ السنَّة، وهَذَا يعني أَنَّ ما ألَّفه علماء الإِبَاضِيَّة والشيعة والمعتزلة وغيرها من المذاهب الكلاميَّة الإِسلاَمِيَّة لا يعتبر من علم الكلام في شَيْء، وهذا جسَّد تسخير العلم «من أجل خدمة أهداف مذهبية ضيقة ... ولا يعبر هذا الحصرُ عن الدور الفعلي الذي نهض به الكلام عبر التاريخ، بقدر ما يعبِّر عن لحظة تراجعه وانغلاقه» (2). وما كان ينبغي للباحث المسلم أن يقصي أيِّ فكر إسلامي مهما بدا أنه مخالف لآرائه أو متطرف؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحقُّ بها.
تعريف الجرجاني:
عرَّفه الشريف الجرجاني (ت: 816هـ) بقوله: «الكلام علم يبحث فيه عن ذات الله تَعَالىَ وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدإ والمعاد عَلَى قانون الإسلام، والقيد الأخير لإخراج العلم الإلهي للفلاسفة» (3)، ويبدو أَنَّ هَذَا التعريف غير مانع، فيدخل ضمن قوله: إِنَّهُ يبحث فيه عن} أحوال الممكنات} كلُّ ما هو ممكن الوجود من علوم الطبيعة والبيولوجيا والفيزياء والكيمياء ... ثُمَّ يضيف تعريفا آخر وَهُوَ: «الكلام علم باحث عن أمور يعلم منها المعاد وما يَتَعلَّقُ به من الجَنَّة والنار والصراط والميزان والثواب والعقاب» (4). وَهَذَا التعريف غير جامع، لأَنَّهُ خصَّ علم الكلام بالمعاد فقط، بينما المعاد جزء من علم الكلام. ويضيف تعريفا ثالثا وَهُوَ: «وقيل: الكلام هو العلم بالقواعد الشَّرعِيَّة الاعتقادية المكتسبة من الأَدِلَّة» (5). ويبدو أَنَّ هَذَا التعريف أكثر جمعا، إِلاَّ أَنَّهُ اشتمل عَلَى جانب الإثبات للعقائد دون الجانب الدفاعي.
__________
(1) ابن خلدون: مُقَدِّمَة، ص 458.
(2) بوهلال: إسلام المتكلمين، 19، بتصرف. وليس هذا التوجه جديدا لدى المدرسة السنية، فقد صرح الغزالي من قبل بقوله: «وأما الكلام فمقصوده حماية المعتقدات التي نقها أهل السنة من السلف الصالح لا غير». الغزالي: إحياء علوم الدين، 4/ 378. (نقلا عن بوهلال).
(3) الجرجاني: التعريفات، ص194.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه. وله تعريف آخر، وَهُوَ غامض وفضفاض كَذَلِكَ، وَهُوَ «علم باحث عن الأعراض الذَّاتِيَّة للموجود من حيث هو عَلَى قاعدة الإسلام». المصدر نفسه، ص 162 - 163، مَادَّة: «علم». (1/9)
صفحة 11
تعريف الإيجي والثميني (1):
عرَّفه عضد الدين الإيجي (ت: 756هـ) في} مواقفه} بِأَنَّهُ: «علم يقتدر معه عَلَى إثبات العقائد الدِّينِيَّة بإيراد الحجج ودفع الشُّبه» (2)، وأورد الشيخ عبد العزيز الثميني (ت: 1223هـ) نفس التعريف في كِتَابه} معالم الدين} (3)، وَفي تحليلهما لألفاظ التعريف يَتَبَيَّنُ لنا جليًّا وجه الاختلاف بينهما وبين ابن خلدون، إذ يقول الإيجي: «وَالمُرَاد بـ} العقائد} ما يُقصد به نفس الاعتقاد دون العمل. وبـ} الدِّينِيَّة}: المنسوبة إِلىَ دين محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم فَإِنَّ الخصم وإن خطَّأناه لا نخرجه من علماء الكلام» (4).
هكذا نلاحظ أَنَّ التعريف الأخير هَذَا يعتبر أدقَّ من التي أوردناها سابقا، لأَنَّهُ جامع مانع. وبما أَنَّنَا ارتضيناه فلننتقل إِلىَ تحليله، لبيان مدى دقَّته.
تحليل تعريف الإيجي والثميني لعلم الكلام (5):
· علم: فالمراد بالعلم معناه الأعمُّ، فيشمل التصديق، ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها.
· يقتدر: وَفي اختيار لفظة} يقتدر} عَلَى لفظة:} يثبت} إشارة إِلىَ أَنَّ الإثبات بالفعل غير لازم.
· معه: وَفي اختيار لفظة} معه} عَلَى لفظة:} به} ـ مع شيوع استعمالها ـ تنبيه عَلَى انتفاء السَّبَبِيَّة الحَقِيقِيَّة من الباء، إذ المراد الترتُّب العادي.
· إثبات: إشارة إِلىَ أَنَّ ثمرة علم الكلام الإثبات، لا مُجَرَّد التحصيل والاكتساب.
· العقائد: ما يقصد به نفس الاعتقاد دون العمل، كقولنا: الله تَعَالىَ عالم قادر سميع بصير ... لا ما يقصد به العمل، كقولنا: الوتر واجب، فَإِنَّهُ يُدرس في فنِّ الفقه.
· الدِّينِيَّة: المنسوبة إِلىَ دين محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، سواء أكانت صوابا أم خطأً، فلا يخرج المخطئ في عقيدته من نطاق الانتساب إِلىَ الدين الإسلاميِّ، كما لا تخرج حججه من نطاق علم الكلام. وَهَذَا ما أشار إِلَيْهِ الإيجي والثميني ـ كما سبق ـ بقولهما: «فَإِنَّ الخصم وإن خطَّأناه لا نخرجه من علماء الكلام».
· الحجج والشبه: ليس الْمُرَاد أَنَّهَا كَذَلِكَ في نفس الأمر، بل بحسب من تصدَّى للإثبات بناء عَلَى تناول المخطئ.
نتيجة هذا التحليل:
بناء على تحليل هذا التعريف الذي ارتضيناه، فإن علم الكلام وسيلة لإثبات الاعتقاد الصحيح (6) والدفاع عنه. وعليه فإننا نفضل أن نستعمل مصطلح العقيدة للقضايا المتفق عليها بين جميع الموحدين. وعلم الكلام للمسائل التي وقع الاختلاف فيها بينهم، والمجادلات الحاصلة بشأنها.
__________
(1) لاحَظ الباحث محمد بوهلال أن المتكلمين لم يُعرَّفوا علم الكلام إلا في زمن متأخر، نظرا للاضطرابات التي اكتنفته. وأول من عرَّفه منهم هو الإيجي (756هـ). وأما أول من وضع له تعريفا كصناعة فهو الفارابي، وليس متكلما بل فيلسوف، بقوله: «ملكة يُقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل». إحصاء العلوم، ص41. نقلا عن: بوهلال: إسلام المتكلمين، ص14.
(2) الإيجي، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد (ت: 756هـ): المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت، د. ت.، ص7.
(3) الثميني: معالم الدين، ص5. وَهَذَا التعريف أَيضًا يرتضيه الدكتور عبد الرحمن بدوي، ويورده في كِتَابه: مذاهب الإسلاميِّين، بلفظ: «إثبات العقائد الدِّينِيَّة عَلَى الغير». مذاهب الإسلاميِّين، ج1/ ص7. وإضافة القيد الأخير: «على الغير» تحكُّم، لأَنَّهُ يمكن إثبات العقائد للنفس لا للغير، وَذَلِكَ حين تَعْرِض للمرء شُبه تلقيها النفس في الذهن، فيحاول إيجاد الردِّ عنها، وإثبات العقيدة الصحيحة لنفسه.
(4) الإيجي: المواقف، ص7. الثميني: معالم الدين، ص 6.
(5) عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميِّين، ج1/ ص7 - 9، بتصرُّف.
(6) هذا بطبيعة الحال يشمل القضايا الإيمانية الإجمالية التي هي موضع الاتفاق بين جميع الفرق الإسلامية، ويشمل كذلك ما تختلف فيه؛ لأن الكل يحتكر الحق لنفسه. (1/10)
صفحة 12
ج- وجه التسمية بعلم الكلام (1):
يورد العلماء مبرِّرات عِدَّة لتسمية علم أصول الدين بعلم الكلام، منها:
1 - سُمِّيَ كلاما بإزاء علم المنطق عند الفلاسفة، فهو يعتمد الجدل، كما تعتمد الفلسفة المنطق.
2 - لأَنَّ أبوابه عُنونت ب «الكلام في كذا ... ».
3 - لأَنَّ مسألة الكلام (خلق القرآن) أشهر القضايا التي سبَّبت فتنة كبيرة بين المسلمين.
4 - لأَنَّهُ يورث قدرة عَلَى الكلام في الاعتقاديات، والاحتجاج عَلَى الخصم.
5 - لأَنَّهُ أكثر العلوم خلافا ونزاعا، فيشتدُّ افتقاره إِلىَ الكلام مع المخالفين والردِّ عَلَيْهِم.
6 - لأَنَّهُ لابتنائه عُمُومًا عَلَى الأَدِلَّة القطعيَّة كان أَشَدَّ العلوم تأثيرا في القلب وتغلغلا فيه، فسمِّي بالكلام المشتقِّ من الكَلْم، وَهُوَ الجَرح.
7 - لأَنَّ المتكلِّمين كانوا يَتَكَلَّمُون حيث ينبغي الصمت اقتداء بالصحابة والتابعين الذين سكتوا عن المسائل الاعتقاديَّة لا يخوضون فيها.
8 - لأَنَّ المتكلِّمين عُمُومًا يناقشون أمورا لا يَتَعلَّقُ بها عمل، بخلاف الفقهاء الباحثين في الأحكام العَمَلِيَّة (2).
**********************************
ثانيا - موضوعات العقيدة وعلم الكلام وأهميتهما (3):
أ- موضوعات العقيدة وعلم الكلام:
يمكننا القول: إن موضوعات العقيدة هي نفسها أركان الإيمان الستَّة وما يتعلَّق بها، والتي لخصها حديث جبريل عَلَيهِ السَّلاَمُ: «قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فَأَلْزَقَ رُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ... » (4).
أما الكتب الكلاميَّة فتحتوي عَلَى سِتَّة مقاصد:
1 - الأمور العَامَّة، وهي تشمل كُلَّ أقسام الوجود: من الواجب والممكن والجوهر والعرض، وَالعِلَّة والمعلول ... وهي مبادئ تكون لجميع العلوم والفنون. 2 - الموجودات الممكنة وتقسيمها إِلىَ جواهر وأعراض، وتقسيم الحواسِّ إِلىَ ظاهرة وباطنة.
3 - إثبات الصانع وعلاقته بالعالم. 4 - النبوَّة وما يتبعها من المعجزة والعصمة. 5 - المعاد وأحواله.
__________
(1) انظر: الإيجي: المواقف، ص8 - 9. الثميني: معالم الدين، ص 8 - 10. الدسوقي: منهج البحث، 332 - 333. بدوي: مذاهب الإسلاميِّين، ص 28 - 32. ويحيل إِلىَ شرح العقائد النسفيَّة، ص5 - 7.
(2) هذان المبرِّران الأخيران نسبهما بدوي إِلىَ مصطفى عبد الرازق: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإِسلاَمِيَّة، الطبعة الثالثة، 1966، القاهرة، ص155. ويرجِّح الدكتور عبد الرحمن بدوي المبرِّر الثالث ويقول: «أَمَّا سائر الاعتبارات التي ذُكرت فهي مماحكات لَفْظِيَّة ولا معنى لها». بدوي: المرجع نفسه.
(3) لم نشأ الغوص في اختلاف العلماء في تحديد موضوع علم الكلام، فمن أراد التوسُّع فلينظر: الإيحي: المواقف، ص7 - 8. الثميني معالم الدين، ص 6 - 7. بدوي: مذاهب الإسلاميِّين، ص9 - 10.
(4) وَبَقِيَّة الحديث: « ... قَالَ: فَمَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ. قَالَ: فَمَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ. قَالَ: فَمَا أَمَارَتُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ أَصْحَابَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلاَثٍ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ مَعَالِمَ دِينِكُمْ». مُتَّفَق عَلَيْهِ، واللفظ للترمذي، كِتَاب الإيمان عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، باب وصف جبريل للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم الإيمان والإسلام، رقم 2610. (1/11)
صفحة 13
6 - الإمامة وشروطها (1).
ولبعض العلماء المعاصرين تقسيمٌ لهذا العلم وفق محاور كبرى: نَظَرِيَّة المعرفة (العلم ومصادره، والجهل، والسؤال ... )، الإلهيَّات، النبوَّات، الغيبيات (أو السمعيَّات)، الإنسانيَّات. ومنهم من يضيف «الكونيَّات».
ب - فوائد دراسة العقيدة وعلم الكلام ومرتبتهما:
* فوائد دراسة العقيدة وعلم الكلام:
لَخَّص الإيجي فوائد علم الكلام في الأمور التالية:
· «الأَوَّل: الترقِّي من حضيض التقليد إِلىَ ذروة الإيقان ...
· الثاني: إرشاد المسترشدين بإيضاح الحُجَّة، وإلزام المعاندين بإقامة الحُجَّة.
· الثالث: حفظ قواعد الدين عن أَن تزلزلها شبه المبطلين.
· الرابع: أن يبنى عَلَيْهِ [أي علم الكلام] العلوم الشَّرعِيَّة فَإِنَّهُ أساسها، وَإِلَيْهِ يؤول أخذها واقتباسها.
· الخامس: صِحَّة النية والاعتقاد، إِذ بها يرجى قبول العمل، وغاية ذَلِكَ كُلِّه الفوز بسعادة الدارين» (2)؛ فَإِنَّ الله لا يقبل أيَّ عمل بدون اعتقاد صحيح، {وَمَنْ يَّبْتَغِ غَيْرَ الاِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85)، ومهما فعل صاحب المعتقد الخاطئ من خير فلن ينفعه (3).
ونضيف أن من فوائد دراسة العقيدة أيضا:
· الإجابة عن التساؤلات المحيِّرة لبني البشر في كل العصور، وهي: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ وبالتالي: اكتساب التصور الصحيح للكون والحياة والإنسان، والوجهة الصحيحة لتحمُّل الأمانة في هذه الحياة.
· معرفة الإنسان قدر نفسه، فلا يتطاول بعقله، ولا يطغى بقوته، ويتواضع حين يستشعر عبوديته لله وافتقاره إليه.
· تقويم سلوك الإنسان، في علاقته بِاللهِ، وبالناس، وبالكون (حيوان، نبات، بيئة ... ).
* مرتبة العقيدة وعلم الكلام:
من خلال بيان فائدة علم الكلام تَبَيَّنَ لنا شَيْء من مرتبته وأهمِّيَّته، إِلاَّ أَنَّ الإيجي يضيف ويلخِّص مرتبة هَذَا العلم في قوله: «قد علمتَ أَنَّ موضوعه أعمُّ الأمور وأعلاها، وغايته أشرف الغايات وأجداها، ودلائله يقينيَّة يحكم بها صريح العقل، وقد تأيَّدت بالنقل، وهي غاية في الوثاقة (4)، وَهَذِهِ هي جهات شرف العلم لا تعدوها، فهو إذن أشرف العلوم» (5).
__________
(1) محَمَّد جواد مغنية: معالم الفلسفة الإِسلاَمِيَّة، نظرات في التصوُّف والكرامات، دار ومكتبة الهلال، بيروت، الطبعة الثالثة، كانون الثاني، 1982م، ص25. بتصرف. وانظر: الدسوقي: منهج البحث في العلوم الإِسلاَمِيَّة، ص334. ابن خلدون: مُقَدِّمَة، ص463.
(2) الإيحي: المواقف، ص8. الثميني معالم الدين، ص 7.
(3) مثلا: الأم تيريزا، البابا يوحنا بولس الثاني ... المنظمات الإِنسَانِيَّة غير المسلمة، كمنظَّمة الإغاثة الدولية، الصليب الأحمر، أطباء بلا حدود، منظمات حقوق الإنسان، منظمات المحافظة عَلَى البيئة، كُلُّهَا أعمالها خيرية، وَلَكِنَّ الله تَعَالىَ يقول في أمثالها: {مَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمُ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيَاحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ} (إبراهيم: 18)، {وَالذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابِم بِقِيعَةٍ يَحْسِبُهُ الظَّمْئَانُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ اِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} (النور: 39 ـ 40)، {وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا} (الفرقان: 23).
(4) ينقل الثميني نفس النصِّ، إِلاَّ أَنَّهُ يضيف في هَذَا الموضع مقارنة بين الوثاقة في علم الكلام والفلسفة، والتي سمَّاها بالعلم الإلهي، ويقول: «بخلاف [العلم] الإلهي، فَإِنَّ مخالفة النقل لدلائلها شهادة عَلَيْهَا بِأَنَّ أحكام عقول أصحابها مأخوذة من أوهامهم لا من صرائحها، فلا وثوق بها أصلا». الثميني معالم الدين، ص 8.
(5) الإيحي: المواقف، ص8. (1/12)
صفحة 14
* علم الكلام بين المدح والذمِّ:
اشتهر عن عامة أهل الحديث ذمُّ علم الكلام والاشتغال به، وتبعهم في ذلك السلفية حديثا. ونسبت إلى علماء السلف تشنيعات فظيعة في حق الرأي والعقل (1)، فعطَّلُوا آليته، لا بشكل مقصود، ولكن لمواجهة المنطق الأرسطي والميتافيزيقا اليونانية حين بدأت ترجمتها. كما كان التوجه اللاعقلي ردَّة فعل للتوجه العقلي الاعتزالي (2). هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد رأينا أن بعض العلماء (كالإيجي والثميني) يحبذ علم الكلام، بل يعدُّه أشرف العلوم.
وأرجع الدكتور البوطي سبب هذا التباين في الآراء إلى عدم تحرير محل النزاع، فقد يكون مذموما في ظرف، محمودا في ظرف آخر. فمن تنطَّع بعلم الكلام وكان ذلك ديدنه في كل مقام، فهذا مذموم؛ لأنه يشيع التشويش في أذهان الناس. وأما إذا تم استخدامه في مجادلة ذوي الأفكار الباطلة وردِّ شُبههم فهو يرقى إلى أن يكون من فروض الكفاية. قال أبو حامد الغزالي: «إن فيه منفعة ومضرة، فهو باعتبار منفعته في وقت الانتفاع حلال أو مندوب إليه أو واجب كما يقتضيه الحال، وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام. وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر؛ إذ لا يضعه إلا في موضعه، وذلك في وقت الحاجة. وعلى قدر الحاجة ... » ثم قال: «وإن الشافعي وكافة السلف إنما منعوا عن الخوض فيه والتجرد له لما فيه من الضرر الذي نبَّهنا إليه» (3). وعلَّق البوطي بقوله: «أقول: وإن علم الكلام اليوم، في حدود الحاجة الماسة إلى التصدي لأسباب الزيغ وموجباته الحديثة، مما يلبس أردية المنطق والعلم في الظاهر، من أشرف ما يجب على المسلمين الاشتغال به والانصراف إليه، وهو ضمن حدود الحاجة إليه داخل في صميم المنهج القرآني للتبصير بحقائق الإسلام وعقائده» (4).
ج- أهمية التوحيد في التصوير القرآني:
قال تعالى في شأن كلمة التوحيد: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ اَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ تُوتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينِم بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الاَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الاَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ} (إبراهيم: 24 ـ 27).
جاء في الحديث أنَّ الشجرة الطيبة هي النخلة (5)، وهي مَثَلٌ للمؤمن، في صلاح أعماله، وعموم نفعه.
أصلها ثابت: إشارة إلى يقينه الراسخ، وعقيدته الثابتة. قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} (الحجرات: 15).
وفرعها في السماء: إشارة إلى علوِّ مكانة عمله وقبوله، وعلوِّ قدره عند الله، وإلى عزة المؤمن وشموخه. {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (فاطر: 10)، {وَأَنتُمُ الاَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّومِنينَ} (آل عمران: 139).
__________
(1) منهم الأئمة: مالك، الشافعي، وأحمد. ينظر: الهروي عبد الله بن محَمَّد الأنصاري (481هـ): ذمُّ الكلام وأهله.
(2) ينظر: عبد الجواد ياسين: السلطة في الإسلام، 79 - 81. ويرى المؤلف أن قمع التعقل برز بشكل كبير ورسمي منذ الانقلاب السني، وهي الفترة التي تولى فيها المتوكل زمام الحكم، وأصدر فيها أوامره بالكف عن الجدل والنظر والمباحثة، وبملاحقة المعتزلة، وقمعهم كأشخاص وكأفكار، وأمر بالتسليم والتقليد، ودعا شيوخ أهل السنة والجماعة إلى نشر الحديث، ومنذ ذلك الحين إلى اليوم صار النظر العقلي جريمة على المستوى السياسي الرسمي والفقهي الجنائي. واعتبرت تلك الخطوة من مكارم المتوكل التي تغفر له كل طغيانه ومفاسده!. وكانت هذه الخطوة انتقاما مما قام به المعتزلة في فترة حكمهم (من 198 إلى 232هـ). ومنذ ذلك الحين تم ترسيم قمع التعقل!.
(3) الغزالي: إحياء علوم الدين، 10/ 99.
(4) البوطي محَمَّد سعيد رَمَضَان: المذاهب التوحيديَّة والفلسفات المعاصرة، دار الفكر، دمشق، ط2، 1430هـ/2009م، ص44.
(5) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنا عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال أخبروني بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا ... تؤتي أكلها كل حين. قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تُكلِّم؟ قال: لم أركم تُكلِّمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إليَّ من كذا وكذا. البخاري: كتاب تفسير القرآن باب قوله: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ اَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ}، رقم4421، ج4/ص1735. (1/13)
صفحة 15
الأُكْلُ: العمل الصالح (قولا وفعلا)، ونيل الثواب.
اجتثت من فوق الأرض: اقتلعت من جذورها، وهي مَثلٌ لكلمة الكفر وصاحبها، لا خير فيه، ولا نفع، ولا يرتفع له عمل ولا شأن. ولا يستقر على حال، فهو دوما مضطرب شقيٌّ، دنيا وأخرى.
**********************************
ثالثا - خصائص العقيدة الإسلامية
خصائص العقيدة الإسلامية هي الأمور التي تمتاز بها عن غيرها من العقائد.
وأُولى هذه الخصائص هي: الربَّانية؛ وتتفرَّع عنها الخصائص الأخرى وهي: الموافَقة للعقل وللفطرة، الشموليَّة، الوضوح، التوازن.
1 - الرَّبَّانيَّة:
أ- التعريف:
الربَّانيُّ هو المنسوب إلى الربِّ جلَّ جلاله، قال تعالى: { ... كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} (آل عمران: 79)، أي متَّبعين لأوامره في عقيدتكم وتشريعاتكم وسلوككم.
وكون العقيدة ربَّانيَّة من جهتين: المصدر والغاية:
- أما مصدر العقيدة الإسلاميَّة فمن عند الله تعالى. وهي العقيدة السماويَّة الوحيدة الباقية على أصلها الربَّانيِّ لم تحرَّف، لأن الله عزَّ وجلَّ تكفل بحفظ أصلها الأوَّل، إذ قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9)، وقال تعالى عن أصلها الثاني وهو الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3 ـ 4).
- أما غايتها، فهي تحقيق عبودية الإنسان المطلقة لله عزَّ وجلَّ، ونيل مرضاته، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56).
ب- أهمية هذه الخاصِّيَّة:
1 - أنها تحمل الكمال، لأن الله تعالى متصف بالكمال المطلق.
2 - أنه لا يمكن أن يعتريها شيء من الباطل مطلقا، كما قال الله تعالى عن كتابه العزيز: {لاَّ يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصِّلت: 42).
3 - أنها تحقق عمارة الكون لأنها صدرت من الخالق، وهو أعلم بما يصلح لمخلوقاته؛ قال تعالى: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك: 14). بخلاف غيرها من العقائد البشريَّة فإنها قاصرة بحسب الأفهام والمدارك المحدودة لأولئك البشر وبحسب أهوائهم.
ج- نتيجة هذه الخاصِّيَّة:
1 - أن يسلِّم المؤمن بما ورد في النصوص، ولا يقحم العقل في مناقشة ما لا يمكن له التوصُّل إلى تصوُّره، بغير دليل شرعيٍّ أو حسِّيٍّ.
2 - أن يكون الشرع هو الحَكَم في كل حياته وسلوكه، قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65).
3 - أن يتحرَّر الإنسان من عبوديته لعدوِّه الشيطان، ولأخيه الإنسان، ولشهوته وماله، فلا عبودية إلا لله وحده. (1/14)
صفحة 16
2 - موافقة العقل والفطرة:
العقيدة الإسلاميَّة موافقة لعقل الإنسان وفطرته، ويتجلَّى ذلك فيما يأتي:
أ- في أساسها وهو التوحيد، وهذا موافق للعقل والفطرة؛ فكل ما يخالف التوحيد يصطدم معهما، فمثلا: اعتقاد وجود إلهين يتناقض مع ما نراه من نظام وتناسق بديع في الكون. أو اعتقاد التثليث (الأب وروح والقدس والابن المسيح عيسى) عند النصارى، يعني 3=1، وهذا أمر لا يتقبَّله العقل!.
ب- في محاربة الخرافات والأباطيل التي قد يأخذها المرء بالتقليد الأعمى للسابقين أو الضالِّين، وإثبات الحقائق الإيمانيَّة بالبراهين والحجج العقلية والنقليَّة القاطعة.
3 - الشموليَّة:
العقيدة الإسلامية شاملة لكل ما يتعلَّق بهذا الكون. فالإيمان بالأركان الستَّة يتناول:
أ- ما يتعلق بالخالق وما يتعلق بالمخلوق.
ب- ما يدركه الإنسان بالحواسِّ كالأنبياء والرسل ... وهو عالم الشهادة، وما لا يدركه الإنسان بالحواسِّ، كالملائكة واليوم الآخر، وهو عالم الغيب.
ج- مبدأ الإنسان، ومعاشه، ومصيره.
فالعقيدة الإسلاميَّة تعطينا التصوُّر الصحيح عن كلِّ هذه الأمور.
4 - الواقعيَّة:
العقيدة عند الوثنيِّين مادِّيَّة سخيفة لا يقبلها العقل، ولا يؤيِّدها الواقع.
أمَّا العقيدة في الإسلام فهي تلائم الواقع. مثال ذلك:
أ- الله تعالى متَّصف بكلِّ صفات الكمال، كالقدرة، والعلم، والحكمة، والإرادة ... وله الأسماء الحسنى، ونحن نرى ونلمس آثار هذه الأسماء والصفات في واقعنا المعيش.
ب- الله تعالى يرشدنا في كثير من الآيات إلى التأمُّل في الكون المحسوس، للوصول إلى توحيد الله وتركيز الإيمان في القلب. والشاعر يقول:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
5 - الوضوح:
العقيدة الإسلاميَّة واضحة المعالم، سهلة التصوُّر، لا خفاء فيها ولا غموض. بخلاف العقيدة في الفلسفة اليونانية: طلاسم وتجريدات لا يفهمها إلاَّ المختصُّون، بل يتخيَّلونها بالتخمين البعيد عن الواقع المحسوس.
وهي واضحة من حيث مبادئها، وأوَّلها توحيد الله تعالى، وتنزيهه عن النقائص والأشباه والشركاء. بخلاف ما عند بعض المجتمعات من عقائد باطلة غامضة، كالتثنية والتثليث (1)، والنرفانا (2) وتناسخ الأرواح (3).
وهي واضحة من حيث التكليف ومسؤولية كلِّ إنسان عن عمله. قال تعالى: {كُلُّ نَفْسِم بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (المدَّثِّر: 38). بخلاف ما عند النصارى، في اعتقادهم أنَّ كلَّ إنسان يتحمَّل وزر خطيئة آدم، وأنَّ المسيح قد صُلب وخلَّص البشريَّة من خطيئتها الأولى.
__________
(1) التثنية: اعتقاد وجود إلهين: إله الخير وإله الشر، الظلمة والنور. والتثليث هو ما عند النصارى.
(2) النرفانا: من عقائد الهندوس، وهو الوصول بطريق التعبد بتعذيب النفس إلى الصفاء الروحي.
(3) تناسخ الأرواح: من عقائد الهندوس أيضًا، وهو أنه إذا مات الشخص الطيب حلَّت روحه في شخص آخر طيب، وأما السيئ فقد تحلُّ روحه في حيوان ... (1/15)
صفحة 17
6 - التوازن:
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143)، ومظاهر التوازن في العقيدة الإسلامية كثيرة، منها:
- التوازن بين الإيمان بعالم الغيب وعالم الشهادة. خلافا لما عند الماديين قديما وحديثا، المنكرين لما وراء المادة (الميتافيزيقا).
- التوازن في مصادر المعرفة: بين العقل والنقل، أي بين الوحي وبين النظر العقلي.
- التوازن بين الإيمان بمشيئة الله المطلقة وبين ثبات السنن الكونية، أي بين التوكُّل على الله، وبين اتخاذ الأسباب.
- التوازن بين سموِّ الروح وسلامة الجسد. أي بين تزكية النفس، كما قال تعالى: {قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} (الشمس: 9)، وبين أداء الحقوق الواجبة، كما في الحديث: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» (1).
- التوازن بين العمل للآخرة والعمل للدنيا، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (القصص: 77).
**********************************
رابعا - نشأة علم الكلام وتطوُّره (2):
أ- عهد الصحابة:
كان الصحابة رضوان الله عَلَيْهِم موجِّهين اهتمامهم إِلىَ الأحكام العَمَلِيَّة، وَإِلىَ معرفة أصول دينهم، فلم يَرِد عنهم أَنَّهُم كانوا يسألون النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم عن المسائل الفرعيَّة لعلم الكلام، كصفات الله هل هي عين ذاته أم غيره، أو عن خلق القُرْآن ... إذ لم يظهر بعدُ في عصرهم ما يبرِّر النقاش حول مثل هَذِهِ القضايا. وَهَذَا لا ينفي ورود بَعض التساؤلات البسيطة كالتي تَتَعَلَّقُ بالقضاء والقدر (3)، والتي قد تخطر ببال أيِّ واحد، ولو لم يكن له تأثُّر بظرف أو ثقافة ما.
وَلَكِنَّ هَذَا العصر لم يدم طويلا، فما إن مات الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم حَتَّى طرأت ظروف وعوامل دَاخِلِيَّة وَخَارِجِيَّة، كانت سببا في نشأة علم الكلام، نلخِّصها في ما يلي:
ب- العوامل الدَّاخِلِيَّة لنشأة علم الكلام:
1 - الآيات المتشابهات (4): في القُرْآن الكريم {ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (آل عمران: 7)، فكان
__________
(1) هذا من كلام سلمان االفارسي لأبي الدرداء، وقد أقرَّه النبيُّ *. رواه البخاري في كتاب الأدب، باب صنع الطعام والتكلف للضيف، رقم 5788.
وفي حديث آخر: كان عبد الله بن عمرو بن العاص يبالغ في عبادته، فبلغ خبرُه الرَّسُولَ *، فقال له: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ قَالَ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ»، (رواه البخاري في كِتَاب الجمعة، باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، حديث 1102).
وقوله: «هَجَمَتْ عَيْنُكَ»: أي غارت ودخلت في موضعها. «وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ»: تعبت وكلَّت.
(2) انظر: أحمد أمين: ضحى الإِسلاَم، المكتبة الْعَصْرِيَّة، صيدا، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1427هـ/2006م، 3/ 7 - 20. مغنية: معالم الفلسفة الإِسلاَمِيَّة، ص 21 - 25. الدسوقي: منهج البحث، 334 - 342.
(3) انظر مثلا في هَذَا موضوع ما أورده الوارجلاني ضمن مسند الربيع بن حبيب، ج3، ما جاء في الحجَّة على القدريَّة، حديث رقم: 796، ص207. قال جابر: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَمَّنْ قَالَ: إِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَيَكُفَّ عَمَّا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ فِعْلَهُ. فَقَالَ: سَأَلَ سُرَاقَةُ بْنُ جشعمَ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم فَقَالَ: مَا الْعَمَلُ فِي أَمْرٍ مُبْتَدَإٍ مُسْتَأْنَفٍ، أَمْ فِي شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «بَلْ فِي شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ»، ثُمَّ قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذَنْ يَارَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». وينظر: البخاري: كِتَاب تفسير القرآن/ سورة الضحى، الأحاديث 4661 - 4666، 4/ 1890 - 1891. مسلم: كتاب القدر: باب كَيفِيَّة خلق الآدمي، رقم 2648، 4/ 2040، بلفظ مقارب.
(4) انظر: ابن خلدون: الْمُقَدِّمَة، 463 - 464. وما ذكرناه عن الآيات المتشابهات يصلح للأحاديث النبوية أيضا؛ غير أن كثيرا منها ليست موضع اتفاق على صحتها بين الفرق الإسلامية، وإنما ركزنا على القرآن الكريم لأن الكلَّ مُجمِع على الإيمان به، والإيقان بصحة نصوصه جملة وتفصيلا، ويُفترض أن لا يختلفوا بشأنه. (1/16)
صفحة 18
الاختلاف بين المسلمين في فهم بَعض تلك الآيات المتشابهات، كالألفاظ الموهمة تشبيه الله تعالى بخلقه (إما بالجوارح، أو الحلول في مكان، أو المشابهة في بعض الأفعال ... )، والتي تبدو لبادي الرأي أنها مناقضة لقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11). وكالآيات المتعلقة بفعل الله وفعل الإِنسَان، ومشيئة الله ومشيئة الإِنسَان ... فحاول بعض العلماء التوفيق بينها بالتأويل، بينما سكت آخرون (1).
2 - آيات جدال غير المسلمين: يحثُّ الله تعالى في كتابه على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، فقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125). واستخدم القرآن مختلف أساليب الاستدلالات الفطرية والعقلية، وهو حافل بالردود على المشركين، والدهريين، ومنكري البعث، واليهود، ومؤلِّهي عيسى عليه السلام، والمنافقين ... وقد استثمر علماء المسلمين تلك الأساليب وصاغوا أقيسة واستدلالات على نحوها للرد على كل فكر منحرف يصادم الدين عبر سائر العصور (2).
3 - الخلافات السِّيَاسِيَّة: بعد موت الرسول ثارت مسألة الخلافة، وهي من المسائل التي تناولها الْمُتَكَلِّمون بالنقاش، كما كان لمقتل عثمان رَضِيَ اللهُ عَنهُ وقَضِيَّة التحكيم أثر في ظهور الصراعات الفِكرِيَّة حول مسائل سِيَاسِيَّة وكلاميَّة، منها: من هو أحقُّ بالخلافة؟ وما موقف الرعيَّة من الحاكم؟ ما حكم مرتكب الكبيرة؟ هل الإِنسَان مسيَّر أم مخيَّر؟ ... وكانت كلُّ فرقة من فرق المسلمين تحاول إثبات معتقدها بالآيات القُرْآنيَّة، والأحاديث النَّبَوِيَّة، والحجج العَقلِيَّة.
ج- العوامل الخَارِجِيَّة لنشأة علم الكلام:
1 - الفتوحات الإِسلاَمِيَّة: كان للفتوحات الإِسلاَمِيَّة دور في نشأة علم الكلام، إذ دخل في الإسلام أقوام لهم ثقافات وفلسفات مختلفة، وكان عَلَى المسلمين أن يثبتوا صِحَّة الدين الإِسلاَمِيِّ بإيراد الحجج ودفع الشبه التي يثيرها المسلمون الجدد، عن حسن نية أَو سوئها.
2 - الترجمة: كان للترجمة من الثقافات القديمة ـ اليونانيَّة منها بِخَاصَّةٍ ـ الأثر البالغ في نشأة علم الكلام، وقد ابتدأت مع الفتوحات الإِسلاَمِيَّة للبلدان غير العَرَبِيَّة، من النصف الثاني من القرن الأَوَّل، «وازداد هَذَا بمرور الأَيَّام، وبلغ الذروة في عصري الرشيد (ت: 193هـ) والمأمون (ت: 218هـ)» (3). وبدا تأثُّر علماء الكلام واضحا في بَعض نظريَّاتهم وَبَعض مصطلحاتهم بالفلسفة اليونانيَّة.
3 - القوى المضادَّة: تمثَّل هَذَا في محاولة مَن تظاهر بالدخول في الإسلام النَّيْلَ منه، والكيد له، ونخره من الداخل، بنشر الشبه والأفكار الوثنية الفارسية واليهودية والمسيحية، ومقاومة هَذَا الدين بالعلم بعد أن عجزوا عن مقاومته بِالقُوَّةِ والعدَّة. وقد ظهر هَذَا بِخَاصَّةٍ في عهد الدولة العَبَّاسِيَّة؛ وأصبح من الضروريِّ أن يتصدَّى العلماء المسلمون لِهَذِهِ التيَّارات، ويدافعوا عن عقائد الإسلام، فكان للمعتزلة دور كبير في هَذَا المجال.
__________
(1) ينظر: أحمد أمين: ضحى الإسلام، 3/ 15 - 17. اعتمد المعتزلة والإباضية والأشاعرة والماتريدية منهج التأويل. بينما اكتفى عامة أهل الحديث والسلفية بالسكوت والتفويض، غالبا.
(2) ينظر: أحمد أمين: ضحى الإسلام، 3/ 7 - 8. البوطي: المذاهب التوحيدية، ص36 - 37.
(3) الدسوقي: منهج البحث، ص338. (1/17)
صفحة 19
د- تَطَوُّر علم الكلام (1):
· عصر النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم والخليفتين: رأينا أَنَّ الصحابة ـ سواء في عهد النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم أو الخليفتين الراشدين ـ لم يكونوا يتناقشون في المسائل الكلامية، وَإِنَّمَا كانوا بسليقتهم العَرَبِيَّة يفهمون ما جاء في القُرْآن الكريم من تنزيه مطلق لله تَعَالىَ. وقد ورد أنَّ بعض الصحابة طرحوا بعض الأسئلة، منها ما يستوضح العلاقة بين مشيئة الله وأفعاله، ومشيئة البشر وأفعالهم (2)، ولكنَّها كانت بسيطة وفطريَّة، ولم يكن لها الطابع الفلسفيُّ والجدليُّ الذي عُرف به علم الكلام فيما بعدُ. وفي عهد الخليفتين «لم يكن للناس من الفراغ ما يخلون فيه مع عقولهم، ليبتلوها بالبحث في مباني عقائدهم» (3).
· عصر الفتنة الكبرى: في عهد الخليفتين الثالث والرابع وظهور الفتن بدأت تنتشر بَعض الأفكار، مثل ما كان من غلوِّ عبد الله بن سبإ في حقِّ علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه. وبعد التحكيم اشتَدَّ الخلاف بين المسلمين، وأسفرت عن عِدَّة قضايا سِيَاسِيَّة وعقديَّة، منها ما يَتَعلَّقُ بالإمامة، ومنها ما يَتَعلَّقُ بحكم فاعل الكبيرة، وكان عَلَى كُلِّ فريق أن يثبت رأيه ويفنِّد الرأي المخالف؛ فكانت بِذَلِكَ البذور الأولى لعلم الكلام في الإسلام.
· عصر الأمويِّين: حاول الأمويُّون أن يركِّزوا فكرة الجبر في أذهان الناس، وَأَنَّ الإِنسَان مضطرٌّ في أفعاله وليست له أيُّ إرادة، وَهَذَا من أجل إثبات سلطتهم، وَأَنَّ الناس لا قُوَّة لهم لردِّ الظلم، أو تغيير الحكم. فظهرت بِذَلِكَ مسألة الجبر والاختيار، وما دار حولها من نقاش لا يزال مستمرًّا إِلىَ اليوم.
· عصر العَبَّاسيِّين وما بعده: بتقرُّب الفُرس من الحكم العَبَّاسيِّ أخذوا في نشر أفكارهم «فظهر الإلحاد، وتطلَّعت رؤوس الزندقة، حَتَّى صدر أمر المنصور بوضع كتب لكشف شبهاتهم وإبطال مزاعمهم» (4). وَبِذَلِكَ بدأ عصر التدوين لهذا الفنِّ، وتوالت الْمُؤَلَّفَات لِكُلِّ فرقة من الفرق الكلاميَّة (5)، خَاصَّةً في مواجهة الكائدين للإسلام، والوقوف ضِدَّ ما ينشر من الترجمات لكتب الأمم السابقة وفلسفاتها. فأخذت تَتَّضِحُ أبواب علم الكلام وفصوله ومختلف مباحثه، وتتطوَّر عَبْرَ الزمن في المنهج والمضمون، شأنه شأن أيِّ علم من العلوم الدِّينِيَّة أو الكونيَّة.
11 - الفرق بين علم الكلام والفلسفة الإِسلاَمِيَّة:
من الملاحظ أَنَّ هناك تداخلا كبيرا بين الفلسفة الإِسلاَمِيَّة وبين علم الكلام، فنجد الكثير من المسائل تُتناول بالبحث في كلا الفنَّين، لذا يحسن بنا أن نُبَيِّنَ الفرق بينهما. يقول محَمَّد جواد مغنية بعد أن بيَّن المسائل التي يتناولها علم الكلام:
«وَهَذِهِ المسائل تعالجها الفلسفة بصورة مفصَّلة ومطوَّلة، وَلَكِنَّ الفلاسفة يختلفون عن المتكلِّمين في الطريقة والمنهج. فالمتكلِّم ـ كما قيل ـ يبدأ أَوَّل ما يبدأ بالإيمان بمبادئ الدين وتعاليمه، ثُمَّ يَسْتَدِلُّ عَلَى صحَّتها بالعقل، ويدفع كُلَّ شبه تحوم حولها
__________
(1) انظر: محَمَّد عبده: رسالة التوحيد، ديوان المطبوعات الجامعيَّة، الجزائر، 1988، طبعة مصوَّرة عن مطبوعات الشعب، القاهرة، ص11 - 21.
قسم بوهلال أطوار علم الكلام إلى ما يأتي:
1 - طور البدايات، أو الكلام السياسي: من الاختلاف على عثمان (ت: 35هـ) إلى منتصف القرن الثاني.
2 - طور الكلام العلمي: من منتصف القرن الثاني إلى منتصف القرن الخامس.
3 - طور الكلام المختلط بالفلسفة: من منتصف القرن الخامس إلى عصر عبد الرحمن بن خلدون (ت: 808هـ).
4 - طور الشروح والمختصرات: من ابن خلدون إلى نشر محمد عبده (ت: 1323هـ) رسالة التوحيد سنة 1315هـ.
5 - طور الكلام الجديد: من نشر محمد إقبال (ت: 1357هـ) كتابه تجديد الفكر الديني في الإسلام، سنة 1349هـ/1930م إلى اليوم.
ينظر: محمد بوهلال: إسلام المتكلمين، ص28 - 33.
(2) مثل سؤال سُرَاقَة بْن جشعمَ عن القدر السابق ذكره.
(3) المرجع نفسه، ص11.
(4) المرجع نفسه، ص16.
(5) من المفيد دراسة إسهام الإِبَاضِيَّة في علم الكلام في القرون الهجرية الأولى. وقد كتب فيها باحثان رسالتين أكاديميتين، أولاهما ماجستير للأستاذ: مصطفى بن محمد ابن ادريسو، بعنوان: الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري، نشر: جمعية التراث، 1424هـ/2003م، وثانيهما دكتوراه للأستاذ: مسلم بن سالم الوهيبي، بعنوان: الفكر العقدي عند الإباضية حتى نهاية القرن الثاني الهجري، نشر: مكتبة الضامري، 1427هـ/2006م. (1/18)
صفحة 20
بالبراهين العَقلِيَّة [وَالنَّقْلِيَّة]، تماما كالمحامي الذي يتبنَّى صِحَّة قَضِيَّة، ويتولىَّ الدفاع عنها (1). أَمَّا الفيلسوف فَأَوَّلُ ما يبدأ بالإيمان بحقائق الفلسفة، فإذا كان مسلما حاول التوفيق بينها وبين الحقائق الدِّينِيَّة. فالمتكلِّم يوجَّه العقل إِلىَ مساندة الدين، والفيلسوف يوجِّه الدين إِلىَ عدم منافاته للفلسفة ... ومهما يكن فَإِنَّ الوحي لا يخرج عن نطاق العقل عند كُلٍّ من الطرفين، فَإِنَّ محاولة التوفيق بينهما اعتراف واضح بِأَنَّ الدين يجب أن لا يخالف العقل في شَيْء» (2).
_____________________________________
المراجع:
- الإيجي: المواقف.
- عبد العزيز الثميني (ت: 1223هـ): معالم الدين، ص5 وما بعدها.
- السالمي نور الدين: مشارق أنوار العقول، 26 - 32.
- السالمي، نور الدين أبو محَمَّد عبد الله بن حميد السالمي: بهجة الأنوار شرح أنوار العقول في التوحيد، ص12.
- د. محمَّد رواس قلعة جي، د. حامد صادق قنيبي: معجم لغة الفقهاء، ص318، مَادَّة: «عقد».
- البوطي: كبرى اليقينيَّات الكونيَّة، ص64 - 74.
__________
(1) قال بوهلال: «وتؤكد تعريفاتهم [لعلم الكلام] أن الحقيقة ليست شيئا مجهولا يبحث المتكلم عنه، ويتوصل إليه بواسطة الاستدلال، وإنما هي معطى جاهز عنده يجتهد بعديا في تبريره وإثبات صحته. فعندهم أن المتكلم يتسلم عقائده جاهزة من خطاب الشارع، ولا يساهم في تصورها وبنائها. وهذا يخالف معطيات التاريخ ... فمجمل [كذا] العقائد والأفكار الكلامية هي من صنع المتكلمين أنفسهم، حتى وإن نجحوا في إثبات شرعية بعضها نصيا». وهذا الكلام يوحي بشيئين: أحدهما: أن علماء الكلام يؤمنون وهم معصوبو العينين أو فاقدو الوعي، وتاركون لعقولهم جانبا، كما تدعو إليه العديد من الكنائس، والواقع أن إعمال العقل من المبادئ الأساسية للدين الإسلامي. ثانيهما: قوله: «مجمل العقائد والأفكار الكلامية هي من صنع المتكلمين»، والحقيقة أن كل قضايا العقيدة مطروحة في الكتاب والسنة، وأما علم الكلام فكثير من قضاياه موجودة فيهما أيضا.
(2) مغنية: معالم الفلسفة الإِسلاَمِيَّة، ص 25 - 26. وقد أشار إلى هذه التفرقة ابن خلدون في المقدمة، ص389. وأحمد أمين في ضحى الإسلام، 3/ 18. (1/19)
صفحة 21
المحور الثاني
مفاهيم أساسية وقواعد منهجية (1)
• مفاهيم أساسية
أولا: الإسلام
1 - تعريف الإسلام:
الإسلام لغة: هو الخضوع والطاعة والإذعان والانقياد والاستسلام، عموما.
الإسلام اصطلاحا: هو الخضوع وو .... لله تعالى وحده، اعتقادا وقولا وعملا. أو هو الوفاء بجميع الواجبات الدينية، اعتقادية كانت أم قوليَّة أم عمليَّة. وهو بهذا المعنى مرادف للإيمان.
وقد يُتجوَّز في إطلاق لفظة المسلم على الموحِّد عموما، سواء أكان موفِّيا أم غير موفٍّ.
2 - أهمية الإسلام:
الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده، ولا يقبل منهم دينا غيره، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الاِسْلاَمُ} (آل عمران: 19)، وقال: {وَمَنْ يَّبْتَغِ غَيْرَ الاِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85).
وقد تكررت لفظة الإسلام على لسان الأنبياء قبل سيدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، منها قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَوْصَى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (البقرة: 131 ـ 132).
والإسلام هو النظام الشامل لكلِّ جوانب الحياة: الدينيَّة والأخلاقيَّة والعلميَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة ... قال تعالى: {قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 162 ـ 163).
والإسلام هو السبيل الوحيد للسعادة والفوز في الدارين.
3 - أركان الإسلام وقواعده:
لقد حدَّد حديث جبريل عليه السلام أركان الإسلام في خمسة، وقد سبق ذكره.
وقد اجتهد علماء الإباضيَّة، فوضعوا للإسلام أركانا أربعة، وهي: الاستسلام لأمر الله، والرضا بقضاء الله، والتوكل على الله، والتفويض إلى الله. ووضعوا له قواعد أربعة، وهي: العلم والعمل والنية والورع (2).
__________
(1) ملاحظة: هذا المحور نقلته من المستوى الثانوي، بشيء من التصرف، ويجدر بالطالب في مستوى التخصص الشرعي أن يتوسع من خلال المصادر والمراجع المحال عليها، ومن غيرها.
(2) هذه تسمية عمرو بن جميع في عقيدة التوحيد وتبعه شُرَّاحها. وهنالك من يستبدل بلفظة «الإسلام» لفظة: «الدين»، فيقول: قواعد الدين وأركان الدين. كالشيخ إسماعيل الجيطالي في قواعد الإسلام، 1/ 287 - 341. والقطب اطفيش في الذهب الخالص، ص72 - 75، 78 - 80. (1/20)
صفحة 22
ثانيا: الإيمان
1 - تعريف الإيمان:
الإيمان لغة: هو التصديق.
الإيمان اصطلاحا: له نفس المعنى الاصطلاحي للإسلام.
2 - شروط الإيمان:
يشترط في صحة الإيمان أن يستكمل كلَّ الشروط الثلاثة: التصديق والقول والعمل.
1 - فالتصديق بالجنان (أي القلب): هُوَ الإيمان بِالله ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبما جاء به.
2 - والقول باللسان: وَهُوَ الإقرار بالجمل الثلاث: شهادة أن لا إله إِلاَّ الله وَأَنَّ محَمَّدًا رسول الله وَأَنَّ ما جاء به حقٌّ من عند الله. وَهُوَ شرط لإجراء أحكام المسلمين عَلَى الناطق بها.
3 - والعمل بالأركان: وَهُوَ الإتيان بالفرائض واجتناب المنهيَّات. وَهُوَ شرط لنيل الثواب والنجاة من العقاب.
قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً- فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (1).
وقد اتَّفَقَ الإِبَاضِيَّةُ والمعتزلة والسلفية (2) عَلَى اشتراط العمل في ثبوت الإيمان، واستدلُّوا بما يأتي:
1. إِنَّ القرآن يذكر إتيان الفرائض واجتناب المنهيات من جملة صفات المؤمنين، كَقَولِهِ تَعَالىَ بأسلوب الحصر: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ ءَاياتُهُ زَادَتْهُمُ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا} (الأنفال: 2 - 4)، وَقَوله: {قَدَ اَفْلَحَ الْمُومِنُونَ الذِينَ هُمْ فيِ صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ... } الآيات (المؤمنون: 1 - 11). وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «الإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَن الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِن الإيمَانِ» (3).
2. توجد عِدَّة أحاديث تنفي الإيمان عَمَّن يرتكب إحدى الكبائر، منها قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يزني الزاني حين يزني وَهُوَ مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وَهُوَ مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وَهُوَ مؤمن» (4)، وقوله: «لا إيمان لمن لا صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صوم إلاَّ بالكفِّ عن محارم الله» (5).
3. يقرن الله تَعَالىَ دوما الإيمان بالعمل الصالح، في عِدَّة آيات، منها قَوله: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمُ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 277).
4. إِنَّ القول وحده بدون عمل لا يكفي، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} (فصلت: 30).
وخالف الإِبَاضِيَّةَ بعضُ الفرق الإِسلاَمِيَّة التي اعتبرت الإيمان مُجَرَّد معرفة بالله وإقرار باللسان، وَأَمَّا العمل ـ في نظرها ـ فهو شرط لكمال الإيمان (6)، وليس شطرا منه، بحيث لو ارتكب الموحِّد الكبائر ـ غير الشرك ـ لَمَا سُلبت منه صفة الإيمان. ومن
__________
(1) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان، 1/ 63، رقم35.
(2) وَهُوَ قول الأشعري أَيضًا، قال في الإبانة: «وندين أَنَّ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص»، الإبانة، ط1981، ص24. (نقلا عن الجعبيري، البعد، ص491).
(3) رواه النسائي في كِتَاب الإيمان وشرائعه، باب ذكر شعب الإيمان، رقم 5004. وروى جزءا منه مسلم في كِتَاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، حديث 35.
(4) رواه الربيع بن حبيب بزيادة: «ومن تاب تاب الله عليه»، ج4/ حديث983. ورواية ابن ماجه بزيادة: «ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إِلَيْهِ أبصارهم حين ينتهبها وَهُوَ مؤمن». ابن ماجه: السنن، كِتَاب الفتن، حديث 3936، ج2/ ص1298.
(5) رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الطهارة، باب [15] في آداب الوضوء وفرضه، حديث رقم 91.
(6) قال البيجوري (شرح الجوهرة، ص45): «وهذا شرط كمال عَلَى المختار عند أهل السنة، فمن أتى بالعمل فقد حصل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن لَكِنَّهُ فوت عَلَى نفسه الكمال». . (نقلا عن الجعبيري، البعد، ص493 - 494). (1/21)
صفحة 23
الأَدِلَّة التي استدلوا بها حديث أبي ذر: «ما من عبد قال لا إله إِلاَّ الله ثُمَّ مات عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دخل الجَنَّة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي ذر» (1).
ويجيب الإِبَاضِيَّة عن الاستدلال بهَذَا الحديث بما يأتي:
1. إِنَّ الأَدِلَّة التي تعتبر العمل من أركان الإيمان تنقض الاستدلال بحديث أبي ذر.
2. من المحتمل أَنَّ حديث أبي ذر كان في ابتداء الإِسلاَم حين كانت الدعوة إِلىَ مُجَرَّد الإقرار بالتوحيد قبل أن تفرض الفرائض.
3. قال تَعَالىَ: {قُل لِّلذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَّنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} (الأنفال: 38)، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «الإِسلاَم يجبُّ ما كان قبله» (2)، وَعَلَيْهِ فيحمل حديث أبي ذر عَلَى أَنَّ السؤال كان عن الزنا والسرقة قبل الدخول في الإِسلاَم (3).
3 - زيادة الإيمان ونقصانه وضعفه:
- الإيمان يزيد بفعل الطاعات، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ ءَاياتُهُ زَادَتْهُمُ إِيمَانًا} (الأنفال: 2).
- الإيمان لا ينقص بترك العمل الواجب بل ينهدم بارتكاب الكبائر، بدليل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... ». (4).
- الإيمان قد يضعف بسبب فتور الاجتهاد في الطاعات.
4 - طرق الإيمان:
لإثبات الإيمان وترسيخه في القلب طرق ثلاثة: الفطرة، والعقل، والوحي.
أ- الفطرة:
الفطرة هي وعي في أعماق الإنسان، يدفعه إلى البحث عن الإله، وعن طقوس عبادته.
قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (الروم: 30).
إنَّ التديُّن أمر فطريٌّ في الإنسان، فقد نجد مجتمعات دون فنون ولا فلسفات ... ولكن لا نجد مجتمعا دون معابد وطقوس.
وتتجلَّى الفطرة عند الشدائد، فإنَّ المضطرَّ حينئذ (مهما كان كفره) لا يلتجئ إلا إلى الله وحده، كما قال تعالى: {هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمُ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنَ اَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّآ أَنجَاهُمُ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ... } (يونس: 22 ـ 23).
__________
(1) رواه البخاري في كِتَاب اللباس، باب الثياب البيض. (نقلا عن أطروحة وينتن، ص278)
(2) الألباني: صحيح الجامع الصغير، ج1/ص537، رقم 2777. (نقلا عن عقيدة العَزَّابَة، تحقيق: بازين، ص32).
(3) بيوض إبراهيم: في رحاب القرآن، ج6/ص ...
(4) رواه الربيع بن حبيب بزيادة: «ومن تاب تاب الله عليه». الجامع الصحيح، 4/ 276، رقم983. ورواه البخاري وابن ماجه بزيادة: «ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن». البخاري: كِتَاب المظالم والغصب، 2/ 875، رقم2343. ابن ماجه: السنن، كِتَاب الفتن، حديث 3936، ج2/ ص1298. (1/22)
صفحة 24
ب- العقل:
يستطيع العقل أن يدرك عظمة الله من خلال آثاره؛ لذلك فقد دعا القرآن الكريم والرسول الأمين صلَّى الله عليه وسلَّم إلى التأمُّل في الآفاق وفي الأنفس، وَفِي أَنفُسِكُمُ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} (الذاريات: 21)، {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة: 164). والاكتشافات العلمية الحديثة تزيدنا إيمانا ويقينا.
ولكنَّ العقل محدود القُوَى؛ لذا يستحيل أن يدرك كُنْهَ الله (أي حقيقته)؛ وقد روي عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ ... » (1).
جـ- الوحي:
بما أنَّ عقلنا محدود، فإنَّ الوحي يخبرنا بما لا نتوصَّل إليه بالعقل لوحده، كالغيبيَّات (اليوم الآخر، الملائكة ... )، وكصفات الله وأسمائه، وشعائر عبادته (2)، ومقياس الخير والشرِّ، وجواب الأسئلة المحيِّرة للإنسان ... فالوحي بالنسبة للعقل كالنور للعين.
5 - عوارض الإيمان:
رغم أنَّ التديُّن فطريٌّ، ورغم أنَّ العقل يستطيع أن يتوصَّل إلى الإيمان بوجود خالق عظيم مدبِّر لهذا الكون، إلا أن الإنسان قد تعترضه أمور تنحرف به عن الصواب، منها: الشيطان، هوى النفس، حبُّ الدنيا، الكِبْر، طول الأمد وعدم التذكير والغفلة، هجران القرآن، قرناء السوء، الانسياق الجماعي ...
العارض ... الدليل ... طريقة مقاومته
الكِبْر ... {وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ اسْجُدُواْ ِلآَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلآَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (البقرة: 34)، فالكبر كان أوَّل ما عُصي الله به. ... تذكُّر أصل الإنسان: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} (المرسلات: 20). وتذكُّر ضآلته أمام عظمة الله الخالق: {أَفَمَنْ يَّخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَّكَّرُونَ} (النحل: 17) (3) ... {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (النمل: 14).
الشيطان ... {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلآَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (المجادلة: 19). ... {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأعراف: 200).
(4)
__________
(1) الربيع، ج3، بَاب [5] السُّنَّةِ فِي التَّعْظِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فِيمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى ? وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، رقم 823.
(2) لو تُرك أمر العبادة للعقل البشري وحده لضلَّ، ولَعمل أمورا يَظُنُّها تقربا إِلىَ الله بينما هي كفر صراح، أو معصية، مثال ذَلِكَ: عبادة الأصنام التي اعتقد فيها عبَّادها أَنَّهَا تقربهم إِلىَ الله، بدعوى أَنَّهَا طاهرة من كُلِّ معصية، أو أَنَّهَا ترمز إِلىَ عباد صالحين يستشفعون بهم إِلىَ الله. وكالطواف عراة بدعوى التقرب إِلىَ الله عَلَى الهيئة التي خُلقوا بها دون الثياب التي عصوا الله فيها، إِلىَ غير ذَلِكَ مِمَّا تزينه النفس والشيطان من مبررات للمعاصي ...
(3) على المؤمن أن يتذكر أنَّ الكبرياء خاصٌّ بالله تعالى، {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الاَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الجاثية: 36 ـ 37).
(4) {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا التِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمُ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلاِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} (الإسراء: 53). (1/23)
صفحة 25
الجهل (1) ... {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (الروم: 6 ـ 7). ... التسلُّح بالعلم النافع، وأعظم علم هو العلم بالله، {فَاعْلَمَ اَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} (محمَّد: 19).
الغفلة ... {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالاِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمُ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمُ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَئِكَ كَالاَنْعَامِ بَلْ هُمُ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179). ... {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاَصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} (الأعراف: 205).
ثالثا - الكفر:
أ- المَعْنَى اللغوي:
الكَفر (بفتح الكاف) في اللغة هو السَّتر. والليل يُسَمَّى كافرا لأَنَّهُ يستر الأشياء بظلمته، والحارث (الفلاح) كافرا لأَنَّهُ يستر البذر في الأَرض، قَالَ تَعَالىَ: { ... كَمَثَلِ غَيْثٍ اَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} (الحديد: 20). ويرد أَيضًا بمعنى الجحود، قال تَعَالىَ: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوهُ} (آل عمران: 115)، وقال عَلَى لسان فرعون لموسى - عليه السلام -: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (الشعراء: 19).
ب- المعنى الشرعي:
هو كُلُّ اعتقاد أو قول أو فعل أوجب الله عَلَيْهِ العقاب.
جـ- أقسام الكفر:
ينقسم الكفر إِلىَ قسمين: 1 - كفر شرك (وسيأتي بيانه في العنصر الموالي). 2 - كفر نعمة (أو كفر نفاق).
1 - كفر النعمة عند الإِبَاضِيَّة:
المرتكب للكبائر العَمَلِيَّة (بغير استحلال) لا يُسَمَّى مشركا، خلافا للخوارج (الأزارقة والصفرية)، ولا يُسَمَّى مؤمنا، وَإِنَّمَا يُسَمَّى كافرا كفر نعمة، أو فاسقا، أو منافقا نفاقا عمليا، أو فاجرا، أو عاصيا، أو ضالا، أو ظالما. ووافق الإِبَاضِيَّة عَلَى هَذَا الرأي المعتزلةُ والشيعة، وكثير من علماء الأشاعرة، وأهل الحديث الذين يسمونه كفرا دون كفر.
__________
(1) آيات حول جهل الإنسان:
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (تكررت 11 مرة: الأعراف: 187؛ يوسف: 21، 40، 68؛ النحل: 38؛ الروم: 6، 30؛ سبأ: 28، 36؛ غافر: 57؛ الجاثية: 26). {بَلَ اَكْثَرُهُمْ} أو {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (تكررت 15 مرة).
{أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِي وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلَ اَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ} (الأنبياء: 24).
{بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الاَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} (النمل: 66)
{وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (الروم: 7)
{وَقَالَ الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالاِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (الروم: 56).
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (الدخان: 38 ـ 39).
{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الاَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعَ اَهْوَآءَ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} (الجاثية: 18).
{ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (تكررت 4 مرات: التوبة: 41؛ العنكبوت: 16؛ الصف: 11؛ الجمعة: 9). (1/24)
صفحة 26
2 - أَدِلَّة الإِبَاضِيَّة:
1. قوله تَعَالىَ: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} (المائدة: 44)، { ... فَأُوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (المائدة: 45)، { ... فَأُوْلئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} (المائدة: 47).
2. قَوله: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 97).
3. قوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان: 3)، أي إِنَّ الإيمان والكفر لا يرتفعان معا، وإذا خرج الإِنسَان عن الإيمان دخل في الكفر لا محالة، وبالعكس.
4. قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ إِلاَّ تَرْكُهُ لِلصَّلاَةِ» (1).
5. قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (2).
رابعا - النفاق:
أ- النفاق لغة: مشتق من النافقاء، وهي إحدى جحرتي اليربوع يظهر إحداهما ويكتم الأخرى، حَتَّى ينفلت منها عند الخطر.
ب- النفاق شرعا: هو اختلاف سريرة المرء وعلانيته. واختلاف قوله وعمله، ويكون في صورتين:
الأولى: بإضمار الشرك وإظهار التوحيد، كالمنافقين في عهد الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم بالمدينة، وَعَلَى رأسهم عبد الله بن أُبي بن سلول، قَالَ تَعَالىَ: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} (المنافقون: 1).
الثانية: الإقرار بالتوحيد وارتكاب الكبائر، وَيُسَمَّى بالنفاق العملي، ونفاق الخُلف، ونفاق الخيانة.
والدليل عَلَى تسمية الموحد المرتكب للكبائر منافقا: ورود عِدَّة آيات وأحاديث تصف مرتكبي الكبائر بالنفاق، منها:
1. قَوله تَعَالىَ: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنَ ــ اتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّآ ءَاتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُم مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} (التوبة: 75 - 77).
2. قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (3)، وقوله أَيضًا: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (4).
خامسا - الشرك:
أ- تعريفه:
الشرك في اللغة هو التسوية بين شيئين في الذات أو الصفات.
وكفر الشرك في الاصطلاح: هو الإخلال بِأَيِّ ركن من أركان الاعتقاد.
ب- أقسامه:
الشرك قسمان: شرك جحود وشرك مساواة.
__________
(1) رواه الإمام الربيع في صحيحه، كتاب الصلاة ووجوبها، باب [48] جامع الصلاة، حديث رقم: 303. ومسلم في كِتَاب الإيمان ...
(2) رواه الإمام الربيع بن حبيب في صحيحه، ج3/ باب [1] الحجّة على من قال إِنَّ أهل الكبائر ليسوا بكافرين، رقم 756. وغيره ...
(3) رواه البخاري في كِتَاب الإيمان باب علامة المنافق، حديث 33.
(4) رواه البخاري، كِتَاب الإيمان، باب علامة المنافق، حديث رقم 34. ومسلم في كِتَاب الإيمان، باب بيان خصال النفاق، رحديث رقم 58. وأبو داود في كِتَاب السنة، باب الدَّلِيل عَلَى زيادة الإيمان ونقصانه، حديث رقم 4688. وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة، رقم 6840. (1/25)
صفحة 27
1 - شرك الجحود: ويكون مثلا بجحود الله أو إحدى صفاته الذَّاتِيَّة، أو بإنكار البعث أو أحد الملائكة أَو الكتب أَو الرسل، أو بتحليل أو تحريم شَيْء منصوص عَلَيْهِ بِنَصٍّ قطعيٍّ (ثبوتا ودلالة) بغير تأويل ... أو بإنكار شَيْء من القرآن، والذي قال عنه الله تَعَالىَ: {وَمَنْ يَّكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} (البقرة: 121).
2 - شرك المساواة: هو أن يساوي أحدٌ اللهَ بخلقه، قال تَعَالىَ عن أصحاب الجحيم: {قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ اِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء: 91 - 98). وشرك المساواة يكون:
· بوصف الله بإحدى صفات الخلق، أَو العكس (وصف المخلوق بإحدى صفات الله).
· بعبادة غير الله، كعبادة الأصنام عند مشركي العرب، وعبدة المسيح، قَالَ تَعَالىَ: {لَّقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحَ ابْنُ مَرْيَمَ} (المائدة: 17).
· باعتقاد النفع والضر لغير الله، أو تقديس غيره، أو التقرب بالذبح لغيره، إِلىَ غير ذَلِكَ من صور الشرك الكثيرة ... قَالَ تَعَالىَ: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف: 110).
رسم تخطيطي يُبَيِّنُ ويلخص رأي الإِبَاضِيَّة في الكبائر
الكبائر في نظر الإِبَاضِيَّة
اعتقادية ... عَمَلِيَّة
في أصول الاعتقاد ... في فروع الاعتقاد ... باستحلال ... بغير استحلال
(1)
شرك (نفاق عقدي ... كفر نعمة (نفاق عملي (فسوق ...
شرك جحود ... شرك مساواة
سادسا: جملة التوحيد وتفسيرها
1 - جملة التوحيد:
أ- تعريفها:
هي: «شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وأنَّ ما جاء به حقٌّ من عند الله». ومعناها: أُقِرُّ وأعتقد جازما بلا شكِّ ولا ريب أن لا معبود بحقٍّ إلا الله ... إلخ.
وتسمَّى أيضًا: كلمة الإخلاص، وكلمة الشهادة، وسمَّاها القرآن الكريم: كلمة التقوى، والكلمة الطيِّبة، والقول الثابت، والطيِّب من القول ...
وسمَّاها الإباضيَّة بالجملة لأنَّها العبارة التي يُتلفَّظ بها عند الدخول في الإسلام، ولشمولها كلِّيَّات الإيمان.
__________
(1) هذا على رأي قدماء الإباضيَّة وبعض المعاصرين. أمَّا الباحثون والعلماء الإصلاحيُّون اليوم فيرون أنَّ الاختلاف في فروع الاعتقاد (أي في القضايا المختلف فيها بين المذاهب الإسلاميَّة، كالرؤية وخلق القرآن) لا يستلزم التكفير، ولو مجرد كفر نعمة؛ لأن أدلة التكفير غير قوية. والله أعلم. (1/26)
صفحة 28
وأهل الجملة هم كلُّ من نطق بالشهادتين، موفِّيا كان أم غير موفٍّ، أي الموحِّدون.
ب- وجوبها:
هي أوَّل ما يجب على المكلَّف معرفته. ومن جاء بالجملة كاملة، وجاء بالعمل، كمُل توحيده، ومن أنكرها، أو أنكر أيَّ جزء منها فقد أشرك. ودليل وجوبها قوله تعالى: {فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الذِي أَنزَلْنَا} (التغابن: 8).
ويجزئ في التوحيد النطق بالجزءين الأوَّلين من الجملة؛ لأنَّ الإيمان بالرسول صلَّى الله عليه وسلَّم يقتضي التصديق بما جاء به.
جـ- فضلها:
قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلآَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران: 18). وقدَّم كلمة التوحيد على الاستغفار إذ قال: {فَاعْلَمَ اَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} (محمَّد: 19).
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» (1).
د- أحكامها:
كلُّ من نطق بها فهو معصوم الدم والمال والعِرض، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا» (2). ويصلَّى خلفه، ويصلَّى عليه إذا مات، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «الصَّلاَةُ جَائِزَةٌ خَلْفَ كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ، وَصَلُّوا عَلَى كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ» (3).
2 - تفسير الجملة:
المراد بتفسير الجملة تفصيل أجزائها، وهو منقسم إلى قسمين:
أ- التفسير الاعتقادي:
هو ما تُعبِّدنا باعتقاده من تفاصيل الإيمان؛ كصفات الله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، والخوف والرجاء، والولاية والبراءة والوقوف.
ب- التفسير العملي:
هو الوفاء بكلِّ ما تستلزمه عقيدة التوحيد من الأعمال الصالحة، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي.
__________
(1) رواه الترمذي وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ هَذَا الْحَدِيثَ». كتاب الدعوات، باب ما جاء أنَّ دعوة المسلم مستجابة، رقم 3383.
(2) رواه الربيع، في كِتَاب الْجِهَادِ بَاب [17] جَامِع الْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، رقم 464. والبخاري في كتاب الإيمان، باب {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم}، رقم 25.
(3) أورده الوارجلاني في زياداته عَلَى مسند الربيع، بَابُ [3] الْحُجَّة عَلَى مَنْ لاَ يَرَى الصَّلاَةَ عَلَى مَوْتَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَلاَ يَرَى الصَّلاَةَ خَلْفَ كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ، رقم 776، ص297. ولم أقف عَلَى درجة الحديث، سواء عند الإِبَاضِيَّة أم غيرهم. (1/27)
صفحة 29
سابعا: ما يسع جهله وما لا يسع (1):
أ- ما لا يسع جهلُه:
ما لا يسع جهله هو العلم الواجب في دين الله تعالى، ولا يُعذر جاهلُه من الاعتقادات كجملة التوحيد وتفسيرها.
والإيمان بوجود الله تعالى مما لا يسع جهله طرفة عين.
ب- ما يسع جهلُه:
أي ما يُعذر المكلَّف في الجهل به. وهو ثلاثة أنواع:
1 - ما يسع جهله ما لم تقم الحجَّة، وذلك كمعرفة نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة، ومن أنكره أو شكَّ فيه بعد قيام الحجَّة فقد أشرك.
2 - ما يسع جهله إلى حين مجيء وقته، وذلك كالفرائض الموقوتة، من صلاة وزكاة وصيام وحج، فيعذر المكلَّف في جهلها ما لم يَحِنْ وقتها.
3 - ما يسع جهله أبدًا، وذلك كالعلوم التي هي فروض كفائية، (مثل: علم المواريث، وأحكام القصاص)، وكالجهل بالمعاصي (مثل الربا).
ويشرط في ما يسع جهله ما يأتي:
- أن لا ينكر شيئًا منها إذا قامت عليه الحجَّة. - أن لا يتقوَّل فيها الكذب، فيحلِّل الحرام، أو يحرِّم الحلال.
- أن لا يقترف معصية منها.
وإن فعل شيئًا من ذلك فهو غير معذور.
_____________________________________
المراجع:
- الجيطالي: قواعد الإِسلاَم، تحقيق بشير الحاج موسى، 1/ 98 - 111.
- الجعبيري: البعد الحضاري، 2/ 488 - 520
- أوبكة: الوجيز في أصول الدين، للسنة الثانية ثانوي، 13 - 21.
- وينتن: آراء الشيخ اطفيَّش العقدية، 273 - 343.
**********************************
• قواعد منهجيَّة في التعامل مع قضايا العقيدة
اقتصرنا في هذه العجالة على بعض القواعد المنهجية، فمنها ما هو متفق عليه بين جميع الفرق الإسلامية، ومنها ما هو مختلف فيه (كخبر الآحاد، والقياس، والتأويل)، وبناء عليها وقعت الاختلافات في الآراء والتصورات. وقد أجاد الدكتور هاني ساعي في سعيه لجمع الشمل بين المسلمين بوضع قواعد عامة، يفترض أن يذعن لها الجميع، ويستحسن لطالب العلم الشرعي الاطلاع عليها (2).
__________
(1) ينظر: الجيطالي: قواعد الإسلام: معرفة ما لا يسع جهله طرفة عين: 1/ 295؛ ما لا يسع جهله إلى الورود: 296؛ ما يسع جهله أبدا: 298.
(2) ينظر: هاني ساعي، محمد نعيم محمد: القانون في عقائد الفرق والمذاهب الإسلامية، منهاج وحدة ومنهاج عمل، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، مصر، 1428هـ/2007م (550ص). (1/28)
صفحة 30
القاعدة الأولى: «العقيدة لا تبنى إلا على اليقين»:
قضايا العقيدة قطعيَّة يقينية لا شكَّ فيها، فقد قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36). والظنُّ مرفوض في مجال العقيدة قال تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمُ إِلاَّ ظَنًّا اِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (يونس: 36). وينبغي أن لا يكون الإيمان عن مجرد التقليد والاتِّباع.
لذلك فإنه يجب: أن تكون الأدلة المعتمدة، والمنهج المتبع يقينيَّين قطعيَّين.
أما الأدلة فمنها النقليَّة، ومنها العقليَّة.
فالنقلية تشمل القرآن والسنَّة.
فأما نصوص القرآن الكريم فهي قطعيَّة لا شكَّ أنها من عند الله. وأما نصوص السنَّة فمنها القطعيُّ المتواتر، ومنها الآحاديُّ، وهو لا يفيد اليقين، يجب العمل به في الفقه، وقد يستأنس به في العقيدة، ولكن لا يُعتمد عليه وحده.
والمنهج يجب أن يكون قطعيًّا، أي سليما من المغالطات، ومن سوء الفهم.
ونوضح ذلك في الشكل الآتي (في الصفحة الموالية).
القاعدة الثانية: «خبر الآحاد يوجب العمل ولا يوجب العلم»:
الحديث الآحاديُّ قسم من أقسام الحديث الصحيح. وهو ما اتصل سنده إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، غير أنه لم يستوف شروط المتواتر. ويُدرج بعض العلماء الحديثَ المشهور ضمن الخبر الآحادي أيضًا.
خبر الواحد يفيد الظنَّ، فيؤخذ به في الفقه، ولكنه لا يوجب اليقين؛ فلا يؤخذ به لإثبات العقيدة؛ نظرا لما يأتي:
1 - إنَّ احتمال الخطأ والوهم قائم وإن كان مرجوحا؛ فالسنَّة النبوية لم تدوَّن إلا بعد زهاء قرن من وفاة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم.
2 - إنَّ الأخذ بالآحادي في الاعتقاد يُلزم القطع بالنقيضين عند تعارض الأخبار، وهو مستحيل. كتعارض الأحاديث التي تثبت رؤية الله يوم القيامة، فمنها ما يوحي بأنها في المحشر للمؤمنين والمنافقين، ومنها ما يفيد أنها في الجنة للمؤمنين فقط.
3 - إنَّ كثيرا من الأحاديث الآحادية تناقض صريح القرآن ـ وهو متواتر ـ كأحاديث إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، أو أحاديث الخروج من النار.
ورغم أنَّ الحديث الآحاديَّ ظنيُّ الثبوت، فإنَّ الإباضيَّة يقبلونه في الاعتقاد للاستئناس فقط، لا للإثبات، ما لم يعارض دليلا أقوى منه.
القاعدة الثالثة: «عدم التصور أو التخيل لا يعني بالضرورة عدم الوجود»:
إنَّ العقل البشريَّ لم يصل إلى إدراك حقيقة كثير من الأشياء التي يعايشها ويؤمن بها، ومنها الروح التي يحيى بها، ومع ذلك لا يستطيع إنكار وجودها. فكذلك لا يمكن له إنكار وجود الله تعالى لمجرَّد أنه لم يتمكَّن من إدراك حقيقته، وهكذا يمكن القول في جميع القضايا الغيبية. (1/29)
صفحة 31
رسم بياني يوضح منهج التعامل مع الأدلة في الشرع عمومًا، وفي العقيدة خصوصًا
القاعدة الرابعة: «الأسلوب البشري عاجز عن التعبير الدقيق عن قضايا الغيب»:
إنَّ التعبيرات البشريَّة محدودة بالزمان والمكان، وبإدراك الحواس، لذلك فإنَّ كثيرا من الألفاظ لا تصلح للتعبير الدقيق عن قضايا الغيب، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بدقائق المسائل الإلهيَّة (1).
القاعدة الخامسة: لا يصح القياس (2) - غالبا - في مسائل العقيدة:
اعتمد قدماء الأشاعرة (لإثبات زيادة الصفات على الذات، بصفة خاصة) على قياس الغائب على الشاهد (3) لاعتبار
__________
(1) قال الشيخ البوطي: «ولا ريب أنَّ ساحة التعبير تدِقُّ أمام الإنسان عندما يريد أن يتحدَّث عن الله وصفاته وأفعاله، ويخوض في دقائق المسائل الإلهيَّة؛ إذ إنَّ كثيرا من الألفاظ لا تصلح للتعبير بها في هذا المقام، بسبب أنها مصوغة للدلالة على حدود وأبعاد وتحيُّزات هي في جملتها عوارض للمخلوقين». البوطي: كبرى اليقينيَّات الكونية، ص8.
(2) للتفصيل في مسائل القياس في الفلسفة وعلم الكلام ينظر: ابن سينا: كتاب المنطق (وضح فيه الفروق بين القياس البرهاني والجدلي والخطابي والسوفسطائي والشعري وقياس الخلف). وينظر أيضا: تجريد المنطق لنصير الدين الطوسي، (عرف بعض أنواع الأقيسة تعريفا مختصرا، منها: قياس الدور، قياس العكس، قياس الخلف، قياس الضمير، قياس المقاومة، قياس المعارضة).
(3) ويسمى أيضا: قياس التمثيل، أو رد الشاهد على الغائب. ينظر: الغزالي: معيار العلم (وقد أبطل صحة الاستدلال به). (1/30)
صفحة 32
العلة والحد والشرط لا تختلف غائبا وشاهدا (1). وقصدهم بالغائب هو الله سبحانه وتعالى لأنه غائب عن إدراكنا، والمقصود بالشاهد هذه المخلوقات التي نشاهدها.
وهو قياس فاسد عند الإباضية لسببين:
أحدهما: أن القياس ظنيٌّ، ولا يؤخذ بالظنيات لإثبات القضايا الأساسية للعقيدة. قال الثميني: «لأن قياس الغائب على الشاهد، بل القياس مطلقا لا بد فيه من إثبات علة مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، وهذا الإثبات بطريق اليقين مشكل جدا، لجواز كون خصوصية الفرع، وهو المقيس، مانعة من وجوده فيه، وعلى التقديرين [وهما إثبات العلة باليقين، وجواز خصوصية الفرع المانعة] لا تثبت بينهما علة مشتركة، فلا يصح القياس» (2).
ثانيهما: مهما كانت درجة الاستدلال فإن قياس الخالق بالمخلوق لا يصح مطلقا؛ لأن الله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (سورة الشورى: 11).
القاعدة السادسة: التأويل ضرورة لغوية وعقدية:
التأويل (3) لغة: مِن آل يؤول: إذا رجع. واصطلاحا: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى الباطن بدليل (4)، أو هو: «صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه لقرينة اقتضت ذَلِكَ الصرف» (5).
وقد استخدم العرب المجاز كثيرا في كلامهم وأشعارهم، ولم يخرج القرآن الكريم ولا السنة النبوية عن أساليبهم المعهودة. وعليه فإن في القرآن والسنة ألفاظا لا يمكن حملها على ظاهرها، لا سيما ما يتعلق منها بما يوهم تشبيه الله تعالى بمخلوقاته. لذلك لا مناص من تأويلها (صرفها عن ظاهرها)، عدة مبررات، لأن عدم التأويل:
- يستلزم التشبيه، وَالله تَعَالىَ يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى: 11).
- يُؤَدِّي إِلىَ التناقض بين آيات القرآن، وهو محال، فالله يقول: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (النساء: 82).
- يوقع في أمور لا يقبلها العقل، كما إذا فَسَّرنَا العين في قَوله تَعَالىَ: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ} (طه: 39) بالعين المبصرة، أي: أَنَّ موسى صُنع فوقها، وهو محال أَيضًا!.
القاعدة السابعة: «لازم المذهب ليس بمذهب» (6):
هَذِهِ قاعدة جليلة لو أن كُلَّ العلماء من مختلف الفرق الإِسلاَمِيَّة أخذوا بها، فَإِنَّ كثيرا من البغضاء وكثيرا من أحكام التكفير والتضليل تخفُّ؛ لأن أغلب الانتقادات عَلَى المخالف إِنَّمَا هي إلزامات رُتِّبت عليها أسماء وأحكام زادت الأُمَّة تشتيتا وتمزيقا ...
__________
(1) اعتمدوا على قياس الغائب على الشاهد رغم اعترافهم بأن مقتضى الصفات غائبا يختلف عن مقتضاها شاهدا كما هو الحال بالنسبة للقدرة والإرادة مثلا.
(2) ينظر: الثميني: المعالم، (مخ) ص: 114. نقلا عن عمر آل حكيم: الإمام عبد العزيز الثميني وكتابه معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين، ص275 - 276. السالمي: مشارق، 176. الجعبيري: البعد الحضاري، 1/ص .... أحمد الخليلي: صفات الله. جمعية التراث: معجم المصطلحات، 2/ 893 - 894.
(3) للتفصيل في مباحث الحقيقة والمجاز والتأويل والتصريح والكناية، ينظر: السالمي: طلعة الشمس، 1/ 169 - 183، 193 - 218، 252 - 254.
(4) السالمي: بهجة، ص105.
(5) ينظر: السالمي: طلعة، 1/ 169.
(6) السالمي: معارج، 1/ 190. (1/31)
صفحة 33
_____________________________________
المراجع:
أحمد مصلح وآخرون: هذه مبادئنا، (التأويل، ص113 - 130).
الخليلي أحمد: الحق الدامغ، (خبر الآحاد، ص62 - 66).
- الخليلي: جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل (الجزء الخاص بتفسير قوله تعالى: {هُوَ الذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (آل عمران: 7)).
القنوبي سعيد بن مبروك: السيف الحادُّ في الردِّ على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد.
هاني ساعي، محمد نعيم: القانون في عقائد الفرق والمذاهب الإسلامية، منهاج وحدة ومنهاج عمل.
المحرمي زكريا: قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث.
المحرمي زكريا: البلسم الشافي، (الحديث الآحادي، 14 - 27)؛ (تعارض العقل والنقل، 28 - 37). (1/32)
صفحة 34
المحور الثالث
نظرية المعرفة (العلم وما يتعلَّق به ... )
- أقسام العلم:
العلم ينقسم إِلىَ صنفين: قديم ومحدث. فالقديم مختصٌّ بالله تَعَالىَ. والمحدث هو ما عدا علم الله تَعَالىَ.
ويقسِّم الشيخ السالمي العلم المحدث إِلىَ قسمين قائلا:
ومُحْدَثُ العلم ضروريٌّ بلا تأمُّلٍ ونَظَرِي تُؤُمِّلاَ
فالعلم الحادث (ومنه علمنا نَحْنُ البشر) ينقسم ـ بالنسبة إِلىَ حصوله ـ إِلىَ قسمين:
1 - علم ضروريٍّ: وَهُوَ الحاصل بلا تأمُّل «أي تفكُّرٍ واكتساب. وَهُوَ أنواع، أقواها: علم الإِنسَان نفسه وما هو عَلَيْهِ من حالاته. ثُمَّ الفرق بين الموجود والمعدوم، وَأَنَّ الشَّيْء يستحيل وجوده في مكانين في وقت واحد؛ وموجود ومعدوم في وقت؛ وقائم وقاعد في حال. ثُمَّ وقع [كذا] عند تواتر الأخبار كالعلم بالبلدان النائية، والملوك الماضية. ثُمَّ العلم بحاجة البناء إِلىَ بانٍ، وَالكِتَابة إِلىَ كاتب» (1). ويشمل هذا القسمُ من العلمِ الأمورَ التاليةَ:
- الأَوَّليات، وهي ما يدركها العقل من أَوَّل مَرَّة، كقولنا: الكلُّ أعظم من الجزء.
- الحدسيات، وهي ما كان سبب إدراكها حدسا وتخمينا.
- والتجريبيات، وهي ما يتوقف إدراكها عَلَى تجربة (2).
2 - علم نظريٍّ: وَيُسَمَّى كَذَلِكَ بالعلم الكسبي (3)، و «هو الذي يحتاج في تحصيله إِلىَ تأمُّل واكتساب»، أو: «هو الذي يُعلم بالاستدلال» (4).
شكل تقريبي يوضح درجات المعرفة (أو الإدراك):
العلم = 100 % •
الظن (75 % •
الشك (50 % •
الوهم (25 % •
الجهل (00 % •
ونظرا لوجود بَعض الاختلاف بين العلماء في تقسيم العلم (5)، وَفي الإشكال الحاصل بتداخل بَعض أجزاء القسمين في
__________
(1) السالمي: بهجة، 14 - 15.
(2) السالمي: مشارق، 39 - 40.
(3) الإيجي: المواقف، ص. الثميني: معالم، ص 14.
(4) السالمي: مشارق، 40.
(5) انظر مثلا ما أورده الشيخ السالمي في بهجة الأنوار عن الإمام الخليلي الذي قسَّمه إِلىَ وهبي ونظري ومكتسبي. ص15. وقولَه عن البديهيات: «هَذَا وَبَعضٌ جعل البديهي مرادفا للضروري، وَبَعض خصَّصه بالأوليَّات». المشارق، ص40. وانظر كَذَلِكَ: الإيجي: المواقف، ص وما بعدها. الثميني: معالم، ص 14 وما بعدها. (1/33)
صفحة 35
الآخر (1)، فَإِنَّنَا ارتضينا تقسيما آخر، لا من حيث اعتبار حصوله ـ كما أراد الشيخ السالمي ومن قبله الإيجي والثميني ـ وَإِنَّمَا باعتبار ثبوته: أهو يقيني أم غير يقيني. ووجدنا أَنَّ الدكتور محَمَّد قاسم الزيني في محاضراته التي كان يلقيها بالمعهد الوطني العالي لأصول الدين بالجزائر ما يجنِّبنا الوقوع في بَعض تلك الإشكالات. فنورد هنا ملخصا لمحاضرته في الموضوع تتميما للفائدة.
مصادر المعرفة عند مفكري الإسلام (2)
تمهيد:
تتنوع مصادر المعرفة لدى الإِنسَان إلى حِسِّيَّة وَعَقْلِيَّة وذوقيَّة. وتتنوَّع أساليب اقتناعه إِمَّا خطابيَّة أو جدليَّة أو برهانيَّة.
وهي تختلف من حيث القُوَّة والضعف، والصدق والكذب، والظنِّ واليقين، والاحتمال والثبوت. وبالتالي فهي ـ أي المصادر والأساليب ـ يقينيَّة أو غير يقينيَّة.
وقد اعتمد الفكر البشري عَلَى هَذِهِ المصادر بشقَّيْها، كلٌّ حسب بيئته، وتكوينه. والعقل السليم ميزان تريص للتمييز بين الحقِّ والباطل.
وينادي أنصار العقل بالثقة في المعارف التي تأتينا منه، لأَنَّهَا واضحة وقد تَمَّت البرهنة عَلَيْهَا، في مقابل المعرفة التي تأتينا من التجربة فقط، أو التي يدَّعيها أنصار التصوُّف أَنَّهَا معرفة ذوقية وجدانية ذَاتِيَّة قد لا يعتدُّ بها في مجال البحث العلمي.
والمفكرون المسلمون قد قسَّموا المعرفة اليقينية إِلىَ: الأوليات العَقلِيَّة، والمحسوسات، والمجرَّبات، والمتواترات، والقضايا التي عُرفت لا بنفسها بل بوسط، والحدسيات.
أَمَّا المعرفة غير اليقينية فهي: المقبولات، والمظنونات، والمشهورات والمسلَّمات، والمخيَّلات، والوهميَّات.
أَوَّلاً: مصادر المعرفة اليقينيَّة:
1 - الأوليات العَقلِيَّة:
هي القضايا التي تحدث في الإِنسَان من جهة قوته العَقلِيَّة المجردة، أو هي المقدمات الضرورية التي لا يمكن أن ينفكَّ عنها الإنسان، ويصدِّق بها العقل الصريح بذاته، وليس لسبب من الأسباب الخَارِجِيَّة عنه مِن تعلُّمٍ أو اكتساب، ويصدِّق بها بِمُجَرَّدِ تَصَوُّره لأجزائها المفردة، ولا يخلو في أيِّ وقت عن ذَلِكَ التصديق (3).
وقد أشار أرسطو إِلىَ هَذِهِ الأَوَّليَّات، وَتُسَمَّى عنده: علوما متعارفة (4). من أمثلتها: مبدأ الذَّاتِيَّة، أي أَنَّ الشَّيْء هو ذاته وليس أيَّ شَيْء آخر. ومبدأ عدم التناقض، أي أَنَّ إثبات القَضِيَّة ونفيها في آن واحد يستحيل. وَكَذَلِكَ الأَوَّليات الرياضية، كقولنا: إِنَّ الكلَّ أكبر من الجزء، وَأَنَّ المساويان لثالث متساويان، أو البديهيات المنطقية، كقولنا: إِنَّ الإثبات والنفي لا يصدقان معا ولا يرتفعان معًا.
والبديهيات ليست فطرية يولد الإِنسَان مزوَّدا بها، وَلَكِنَّهَا حقائق يحصِّلها الإِنسَان بواسطة الحسِّ أو الخيال، أو تقع في نفسه دون شعور منه في كثير من الأحيان، فيسلِّم ويصدِّق بها، حَتَّى يعتقد أَنَّهُ كان عالما بها عَلَى الدوام. وهي بمثابة الحجر الأساس للعلم (5).
والأوليات العَقلِيَّة لا تحتاج إِلىَ الإثبات بدليل، أو يبرهن عَلَيْهَا، وهي معلومة بيقين ساطع.
__________
(1) مثلا التجريبيات يمكن اعتبارها من العلم النظري، أي المكتسب، لأَنَّهُ لا يحصل إلاَّ بالاكتساب بتكرار التجربة. انظر: السالمي: مشارق، 40.
(2) ملخص مع تصرف من إحدى محاضرات مناهج الاستدلال للدكتور محَمَّد قاسم عبد الرحيم الزيني، في المعهد الوطني العالي لأصول الدين، الجزائر.
(3) ابن سينا: النجاة، ص 64 - 66. الغزالي: معيار العلم، ص138. ثورة العقل، ص49. البصائر، ص283. الفصل، ج1/ص12.
(4) مراد وهبة: المعجم الفلسفي، ص63.
(5) باقر الصدر: فلسفتنا، ص71 - 74. (1/34)
صفحة 36
2 - المحسوسات:
هي مجموعة المعارف التي يحصِّلها الإِنسَان بواسطة حواسه الخمسة، وَلِكُلِّ حَاسَّة من هَذِهِ الحواس مدرَكات محدَّدة (1)، وَالإِنسَان لا يمكنه أن يتصوَّر إلاَّ ما أدركه بحسِّه عَلَى حدِّ تعبير الرازي (2).
ونحن نصدِّق بها لأَنَّهَا وردت إلينا عن طريق الحواس، كقولنا: إِنَّ الثلج بارد، والجسم صلب، والنار حارقة، والزهرة حمراء، والبلبل صوته جميل. فالمحسوسات أو المشاهدات قضايا يصدِّق بها العقل بواسطة الحسِّ، إلاَّ أَنَّ الحسَّ يعطينا قضايا جُزئِيَّة منفصلة، أَمَّا العقل فهو الذي يدرك العِلَّة المشتركة بين هَذِهِ الجزئيَّات، فيصدر حكما عامًّا، ويعمِّم القَضِيَّة عَلَى باقي القضايا التي تشترك معها في عِلَّة واحدة، فإذا قلنا: إِنَّ الثلج بارد، فَهَذَا إدراك جزئيٌّ يتِمُّ بواسطة الحواسِّ، أَمَّا أن نصدر حكما مفاده أَنَّ كُلَّ ما هو ثلج بارد فيرجع للإدراك العقلي الذي يدرك العِلَّة الأَسَاسِيَّة أو المشتركة بين كُلِّ ما هو ثلج وبين البرودة.
ولا شَكَّ أَنَّ الحسَّ يعطينا حقائق يقينيَّة، وهو وسيلة صائبة، ولولا أَنَّ العقل يميِّز بين الحقِّ والباطل من الإحساسات لم يتميَّز الصواب من الخطإ (3).
ورغم أَنَّ معظم الفلاسفة مُتَّفقون عَلَى يقينيَّة الحِسِّيَّات وَأَنَّهَا من المبادئ التي تقوم بها الحُجَّة عَلَى الخصم، نجد أَنَّ السفسطائيِّين قدحوا في الحِسِّيَّات، وشكَّكوا في المعرفة التي تأتينا عن طريقها، فقالوا بنسبيَّة المعرفة الحِسِّيَّة وَإِنَّهَا غير يقينيَّة، وقد تصدَّى لهم سقراط أرسطو لتفنيد حججهم، ودحض وجهة نظرهم من خلال تحديد الألفاظ وتعريف المعاني، والاعتماد عَلَى العقل والحسِّ معا.
فقولهم: إِنَّ الأضداد يمكن أن تَتَّفِقَ لِشَيْءٍ واحد، فيكون حارًّا وباردا، ومرًّا وحلوا، وموجودا وغير موجود. رَدَّ عَلَيْهِم هَذَا القول بِأَنَّ هَذَا ممكن ولكن ليس من جهة واحدة، أي من جهة القُوَّة وليس من جهة الفعل، فنقول عن البرتقالة: إِنَّهَا مُرَّة بالفعل حلوة بِالقُوَّةِ، وَإِنَّ الماء ساخن بالفعل بارد بِالقُوَّةِ، وَكَذَلِكَ ليس في زمان واحد، ولا في مكان واحد.
وقولهم: إِنَّ الإحساس الإنساني متغير من حالة إِلىَ أخرى، ومن شخص إِلىَ آخر، فقد يبدو الشَّيْء للشخص نفسه حلو المذاق أو مرَّ المذاق، فردَّ أرسطو: بِأَنَّ المقادير والألوان والأشياء نحكم عَلَيْهَا بالحسِّ السليم لا المريض، وعن قرب وليس عن بعد، وفي اليقظة وليس في المنام (4).
وَكَذَلِكَ شَكَّك الغزالي (ت: 505هـ) في صدق المعرفة الحِسِّيَّة، وثبت له أَنَّ المحسوسات مليئة بالمغالطات والأخطاء المنافية لليقين، وضرب أمثلة عَلَى ذَلِكَ لا تخرج عَمَّا قاله اليونانيُّون الشُّكَّاك. فأنكر الارتباط بين الريِّ والشراب، والشبع والأكل، والاحتراق والنار، ونفيه العلاقة بين السبب والمسبَّب، وَأَنَّ الارتباط بينهما ليس ضروريًّا (5).
3 - المجرَّبات:
المجرَّبات: مجموعة المعارف والخبرات التِي يحصلها الإنسان بواسطة الحسِّ بالتعاون مع العقل، مع الاعتماد عَلَى تكرار هَذِهِ المعارف في الواقع المرئي، أو هي أمور وقع التصديق بها من الحسِّ بمعاونة قياس خفيٍّ (6). مثل قولنا: إِنَّ الخمر مسكر، وَإِنَّ الضرب مؤلم للحيوان، والطبُّ مفيد للإنسان، وَإِنَّ النار محرقة، والماء مروٍّ.
وبالتكرار المستمر، والحصول دوما عَلَى نتائج متشابهة نستطيع إدراك العلاقة بين العِلَّة والمعلول، في حالة الثبوت أو الانتفاء، أي في حالة الحضور أو الغياب.
__________
(1) ينظر: السالمي: مشارق، ص40، عند عرضه لطرق اكتساب العلم، وهي ثلاثة: العقل المحض - الوجدان - الحسُّ.
(2) المحصول، ص5.
(3) النجاة، ص 261. الفصل، ج1/ص11.
(4) الطويل: أسس الفلسفة، ص 237.
(5) تهافت الفلاسفة، ص65. العراقي: ثورة العقل، ص50.
(6) الغزالي: معيار العلم، ص 139. (1/35)
صفحة 37
4 - المتواترات:
المتواترات هي قضايا وصلت إلينا بطريق التواتر من قِبل أناس لا نشكُّ في صدقهم، فيتيقَّن بها العقل لعدم صِحَّة المواطأة أو الاِتِّفَاق عَلَى الكذب لسبب من الأسباب. مثل: تصديقنا بوجود مَكَّة والمدينة وإن لم نسافر إِلَيْهما، أو علمنا بوجود الرسول والرسالة وإن لم ندركه ونَعِشْ في عصره أو لم نره، وهكذا ...
فالتواتر موجب للعلم الضروري، ولا يتوقف التواتر على عدد مُعَيَّن، وَإِنَّمَا العبرة ببلوغ اليقين، وإن كان بَعض العلماء اشترط بلوغ عدد المخبرين حدًّا يفيد القطع في كُلِّ طبقة من طبقات المخبرين (1).
5 - القضايا التي عُرفت لا بنفسها بل بوسط:
هي القضايا التي يتيقَّن بها العقل لا بنفسها بل بواسطة لا تغيب عنه، كقولنا: إِنَّ الله موجود، فَهَذِهِ القَضِيَّة عُرفت بسبب واسطة حاضرة في الذهن، وَهُوَ هَذِهِ الموجودات الدَّالَّة عَلَى قُوَّة فاعلة، وقد ثبت أساسا في الذهن أَنَّ لِكُلِّ مفعولٍ فاعلٌ. وكقولنا: الأربعة زوج، بسبب حضور الوسط في الذهن، وَهُوَ الانقسام بمتساويَيْن. وَإِنَّ هَذِهِ الحديقة المثمرة لها صاحب يرعاها ...
فَهَذِهِ كلُّها قضايا لا تعرف بنفسها بل بأوساطها التي يدركها العقل الإِنسَاني سلفا، وتكون حاضرة دوما عنده دون أن يَتَبَيَّنها (2).
6 - الحدسيات:
الحدْس في اللغة هو الظنُّ والتخمين، وَفي الفلسفة هو اليقين، وَهُوَ رؤية مباشرة لموضوع حاضر أمام الذهن [ ... ]
وعند الجرجاني: هو سرعة الانتقال من معلوم إِلىَ مجهول (3). وعند ديكارت: تَصَوُّر ناشئ ينشأ عن نور العقل وحده، تصورا هو من السهولة والتميز بحيث لا يبقى أيُّ شكٍّ، كإدراك الإِنسَان أَنَّهُ موجود، وَأَنَّهُ يُفَكِّرُ، وَأَنَّ المثلث محدَّد بثلاثة أضلاع، وَأَنَّ الكرة ليس لها إلاَّ سطح واحد.
والفرق بين الحدس عند ديكارت وعند الغزالي أَنَّهُ عند الغزالي يستلزم الاعتكاف والزهد في العبادة، فينبجس النور الذي يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، فيرى ما لا يراه الناس (4)، وَهُوَ يتِمُّ بلا ترتيب من دَلِيل، أو نظم كلام.
أَمَّا عند ديكارت فهو رؤية عَقْلِيَّة مباشرة يدرك بها الذهن بَعض الحقائق، توقن بها النفس يقينا لا سبيل إِلىَ دفعه، وليست رؤية قلبيَّة، لأَنَّهُ يحتاج إِلىَ ترتيب دَلِيل ونظم كلام، فهو نظرةٌ عَقْلِيَّة بلغت من الوضوح والتميز أن زال معها كُلُّ شَكٍّ
ولَعَلَّ بَعض الاكتشافات العِلمِيَّة تُعَبِّرُ عن هَذِهِ الرؤية العَقلِيَّة المباشرة، فأرخميدس (ت: 212 ق. م) يدرك العلاقة بين جسمه الغائر في الحوض وكَمِّيَّة الماء المزاح، فيكتشف قانون الطفو. ونيوتن (ت: 1727م) يدرك العلاقة بين سقوط التفاحة وبين القُوَّة الأرضية التي جذبت التفاحة إِلىَ أسفل.
*******
وتجدر الإشارة إِلىَ أَنَّ مصادر المعرفة اليقينية اعتمد عَلَيْهَا المُتَكَلِّمون والصوفية والفلاسفة، عَلَى تفاوت فيما بينهم. وإن كان بَعض المُتَكَلِّمين في معظم بحوثهم اعتمدوا عَلَى المصادر غير اليقينيَّة، وَهُوَ ما سنراه في الآتي:
__________
(1) النجاة، ص 61. التعريفات، ص175. البصائر النصيرية، ص285.
(2) مقاصد الفلاسفة، ص 49. معيار العلم، ص 142.
(3) التعريفات، ص 86.
(4) وَهُوَ ما يسمِّيه الإمام الخليلي بالعلم الوهبي، وعرَّفه بِأَنَّهُ: علم يلقيه الله تَعَالىَ في قلب عبده، وَأَنَّهُ فيض نوراني، ومدد رحماني. السالمي: بهجة الأنوار، 15. (1/36)
صفحة 38
ثانيا: مصادر المعرفة غير اليقينية
1 - المقبولات:
هي القضايا التي وقع التصديق بها عَلَى مَرِّ العصور، وآمنت بها البَشَرِيَّة إيمانا شديدا، وسلَّمت بها تسليما مطلقا، لأَنَّهَا نقلت إِلَيْهَا مِمَّن يوثق بصدقه، لتميُّزه برجاحة الرأي، وصائب الفكر، إذ أتت إلينا من أناس نجلُّهم، ونعظِّمهم، أفاضل الناس، وأكابر العلماء، ومشايخ السلف، ومع حسن الظنِّ بهم، فَإِنَّ المرء يتمسَّك بها ويتعصَّب لها (1)، دون أن يتحقَّق من صدقها، ومدى مطابقتها للواقع، أو عدم مطابقتها للعقل أو العلم (2).
ومن أمثلة هَذِهِ المقبولات: قول أرسطو: إِنَّ الجسم الثقيل أسرع في السقوط من الجسم الخفيف، أو أَنَّ الأَرض هي مركز الكون، وهي مستوية ... وكثير من هَذِهِ الأقوال التي تقبَّلتها البَشَرِيَّة زمانا طويلا، كبَّلت خطواتها نحو الرقيِّ والتقدم، حَتَّى ثبت بطلانها بالعلم الحديث.
وَهَذِهِ المقبولات يتمسَّك بها الإِنسَان تمسُّكا شديدا لأَنَّهَا أتت من أقوال الآباء والأجداد والأساتذة، ويدافعون عنها، ويموتون في سبيل حمايتها، وَلَعَلَّ هَذَا يبرز مدى تمسُّك عرب الجَاهِلِيَّة بمعتقداتهم (3)، لأَنَّهَا نقلت إِلَيْهِم مِمَّن يوثق به.
«وغنيٌّ عن الإشارة إِلىَ أَنَّنَا في العصر الحاضر بحاجة إِلىَ مراجعة الكثير من المقبولات التي نتلقَّاها من الآخرين، وتحتاج مِنَّا إِلىَ مراجعة، وإعمال الذهن فيها، وتشغيل العقل حَتَّى نتحرَّر تماما من هَذِهِ المقبولات التي تدخل أحيانا في دائرة الخرافات».
2 - المظنونات:
الظنُّ: معرفة أقلُّ درجة من اليقين.
والمظنونات آراء يقع التصديق بها لا عَلَى الثبات، بل يخطر إمكان نقيضها بالبال، وَلَكِنَّ الذهن يكون إِلَيْهَا أميل، فإن لم يخطر إمكان نقيضها بالبال، وكان إذا عرض نقيضه عَلَى الذهن لم يقبله فليس بمظنون صرف، بل هو معتقد. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الفارق بين الظنِّ والمعتقد، أَنَّ الأَوَّل له نقيضه في العقل، فيقرِّر الإِنسَان صحَّته أو عدم صحَّته، وَأَمَّا الثاني فلا يجد العقل مسوِّغا لنقضه فيقبله (4).
ويقول الجرجاني: «المظنونات هي القضايا التي يحكم فيها حكما راجحا مع تجويز نقيضه (5)،
«والقياس المركب من المقبولات والمظنونات يُسَمَّى خطابة» (6) لأَنَّهُ يخاطب العاطفة، ويهزُّ الوجدان، ويستدرُّ الدموع، ولا يعتمد عَلَى البرهان الذي أساسه الاستدلال المنطقي. فالحُجَّة الخطابية تقنع، وَلَكِن قد لا تكون حقيقة،
وَكَذَلِكَ يقال عن «السؤال أَنَّهُ سؤال خطابي، أي لا يراد منه جواب معلوم عند توجيه السؤال، كقول الخطيب للسامعين في معرض الزجر والاستثارة: هل أنتم وطنيُّون؟ هل أنتم سامعون؟ ... إِلىَ أمثال هَذِهِ الأسئلة التي يسألها المُتَكَلِّم ليؤثر بها عَلَى مستمعيه، لا لأَنَّهُ ينتظر الجواب عَلَيْهَا» (7).
__________
(1) مقاصد الفلاسفة، ص51.
(2) النجاة، ص61 - 62. الإشارات، ج1/ ص405. الغزالي: معيار العلم، ص146.
(3) وأقرب مثال إلينا في وادي ميزاب هو تلك الأفكار والعادات والطقوس التي كانت سائدة قبل الحركة الإصلاحية ـ التي ابتدأت بالشيخ أبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي، وانتهت إِلىَ الشيخ بيوض رَحِمَهُم اللهُ ـ والتي (أي العادات ... ) كان الناس يعتبرونها من الدين، ويتمسَّكون بها، ويدافعون عنها أَشَدَّ الدفاع.
(4) النجاة، ص64. معيار العلم، ص146.
(5) التعريفات، ص 234.
(6) التعريفات، ص 234.
(7) العقاد: التفكير فريضة إِسلاَمِيَّة، ص 28. (1/37)
صفحة 39
وَهَذَا الأسلوب الخطابي نلمسه لمس اليد في أقوال الكثير من المُتَكَلِّمين، وعند مُؤَرِّخي الفرق الإِسلاَمِيَّة، من أمثال البغدادي (ت: 429هـ) في كِتَابه:} الفَرْق بين الفِرَق} والإسفراييني (ت: 471هـ) في} التبصير في الدين}، وابن حزم (ت: 456هـ) في} الفصل في الملل والأهواء والنحل}. وَكَذَلِكَ في هجوم كثير من الفقهاء وأصحاب الحديث عَلَى الفلسفة والفلاسفة، وفتوى ابن الصلاح الشهرزوري (ت: 634هـ) نموذج صارخ لهذا الأسلوب الخطابي.
وهَذَا الأسلوب كثير في حياتنا اليومية حيث يستخدمه الكثير من الدعاة والوعَّاظ والخطباء لترغيب الناس أو ترهيبهم، دون أن ينفذوا إِلىَ أعماقهم بواسطة المنهج العقلي، ومن ثَمَّ يزول تأثير الأسلوب الخطابي بزوال سببه، لأَنَّهُ أسلوب عاطفيٌّ، وقتيُّ التأثير، ويعتمد عَلَى استثارة الانفعالات في النفوس، ويتفق في الغالب مع مفاهيم العوامِّ، وأنصاف المتعلمين.
وينبغي أن نحدِّد الفرق بين المقبولات والمظنونات، فالأولى نقبلها دون الشكِّ فيها أو التفكير في نقيضها، بسبب الثقة في مصدرها، أَمَّا الثانية فرغم قبولها في العقل إلاَّ أَنَّ هناك ميلا واضحا لتجويز نقيضها، وكلاهما يكوِّنان القياس الخطابيَّ. وهاك مثالا عَلَى المظنونات: «عمرو يتحدَّث مع العدوِّ، كُلُّ من يَتَحَدَّثُ مع العدوِّ فهو خائن، عمرو خائن».
3 - المسلَّمات:
المسلَّمات عادة ما تكون نقطة البداية في البحث أو في البرهان، وهي قضايا يسلِّم بها المجادل لكي يبني عَلَيْهَا الكلام، وَهَذِهِ المسلَّمات قد لا يستطاع البرهنة عَلَيْهَا، ومع ذَلِكَ يسلَّم بها.
وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَات لا ينظر فيها إِلاَّ إلى تسليم المخاطَب، وقد تكون يقينيَّة أو غير يقينيَّة، كالمقبولات أو المشهورات (1).
مثال ذَلِكَ التسليم في علم أصول الفقه بقبول خبر الواحد في الفروع الفِقْهِيَّة.
وأغلب قضايا علم الكلام من هَذَا القبيل، أي هي قضايا مسلَّم بها من البداية، فعادة ما يبدأ المُتَكَلِّم من قَضِيَّة يسلِّم بها تسليما دون أن يبرهن عَلَيْهَا، ثُمَّ يبني عَلَيْهَا مجموعة نتائج تلزم عن هَذَا التسليم (2).
4 - المشهورات:
هي مُقَدِّمَات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها إِمَّا شهادة جميع الناس، مثل أَنَّ العدل جميل، وَأَنَّ الظلم قبيح، وَإِمَّا شهادة الأكثر، وَإِمَّا شهادة العلماء أو الأفاضل منهم، فيما لا يخالف فِيهِ الجمهور (3).
فهي ترجع إِلىَ اتِّفَاق أغلب الناس عَلَيْهَا، وتستند إِلىَ العادات والشرائع والآداب، وسبب قبولها وشهرتها اشتمالها عَلَى مصلحة عَامَّة للمجتمع، كقولنا: العدل حسن والظلم قبيح. وَإِمَّا إِلىَ ما في طباعهم من الرقَّة والمودَّة، كقولنا: مراعاة الضعفاء محمودة، والعطف عَلَى الفقير واجب. وَإِمَّا إِلىَ ما فيهم من الحميَّة، كقولنا: كشف العورة مذموم. وَإِمَّا إِلىَ انفعالاتهم من عاداتهم، كقبح ذبح الحيوانات عند أهل الهند، وعدم قبحه عند غيرهم. وَإِمَّا إِلىَ الشرائع والآداب المستمدَّة من الأحكام الشَّرعِيَّة وغيرها، مثل حسن الركوع والسجود والتقرب بذبح البهائم.
الفرق بين الأوليَّات العَقلِيَّة والمشهورات:
الأَوَّليَّات ... المشهورات
· لا تغيب عن عقل الإنسان (حقائق فطرية). ... - نتقبلها من الغير.
- دائما صادقة ... · قد تكون صادقة، أو كاذبة (4).
__________
(1) البصائر النصيرية، ص289.
(2) نلاحظ أَنَّ العديد من العلوم المعاصرة تنبني عَلَى التسليم، فقانون الجاذبية مثلا أمر مسلَّم به، ويؤمن به كلُّ عالم في الفيزياء، مع أَنَّهُ لا يمكن أن يبرهن عَلَيْهَا عقليا، إذ لا توجد علاقة بين الأرض التي لا حياة فيها وبين كُلِّ كتلة فوقها، فَهَذَا بالنسبة لعلم الفيزياء الذي يعتبر من أدقِّ العلوم، فما بالك بالعلوم الإِنسَانِيَّة؟.
(3) النجاة، ص 98.
(4) العراقي: ثورة العقل، ص 62. معيار العلم، ص 142 - 145. (1/38)
صفحة 40
الفرق بين المقبولات والمشهورات:
المقبولات ... المشهورات
- مصدرها: من أكابر العلماء، ومشايخ السلف وأفاضل الناس. ... · [مصدرها]: جميع الناس أو العلماء
· موضوعها: تَتَعَلَّقُ بالمعتقدات أو الظواهر الكونية، أو الطبيعة (كروية الأَرض، الترغيب والترهيب). ... -[موضوعها]: تَتَعَلَّقُ بآداب المجتمع وعاداته وتقاليده، والعرف السائد (الظلم قبيح، العدل حسن، اختيار الجار قبل الدار).
- يقبلها الناس بدون البرهان عَلَيْهَا، نظرا لثقتهم في مصدرها. ... · يقبلها الناس بسبب أثرها الطَّيِّب داخل المجتمع ومنافعها المُتَعَدِّدَة.
· من الممكن أن تُؤَدِّي إِلىَ جمود المجتمع وتخلُّفه، لاسيما إذا كانت خاطئة، فتقف ضِدَّ حركة المجتمع وتطوُّره. ... - تُؤَدِّي إِلىَ وحدة المجتمع وتماسكه، وتدفع الأفراد إِلىَ التعاون ونشر المحبَّة وترقى بالأخلاق الإِنسَانِيَّة بين أفراد المجتمع.
5 - المخيَّلات:
هي قضايا يقصد بها مخاطبة العاطفة وهزُّ الوجدان، والتأثير النفسي في المخاطب، سواء أعتقدَ في صدقها أم لم يعتقد؛ والغرض منها: استحضار الموضوعات في الذهن، وإثارة الخيال، والسرور أو الحزن، والترغيب أو الترهيب، والإقدام أو الإحجام.
فهي القضايا التي لا تُسمع لصدقها، بل لانفعالٍ وتأثُّرٍ بسبب التخييل، «فتنقبض النفس عن شَيْء، وتميل إِلىَ آخر» (1).
والقياس الْمُؤَلَّف من هَذِهِ القضايا يُسَمَّى القياس الشِّعري، وَهَذَا التأثير يرجع إِلىَ طبيعة الشِّعر الذي يعتمد عَلَى الوزن والسجع، والصوت اللطيف. مثاله تشبيه النابغة الذبياني ممدوحه بالشمس وغيره من الناس كواكب، وتشبيه الخنساء أخاها صخرا بعلم على رأسه نار.
والغرض من كُلِّ هَذَا ليس تقرير حقيقة، وَإِنَّمَا إثارة العاطفة والوجدان.
6 - الوهميَّات:
الوهم: هو إدراك حِسِّيٌّ كاذب، وآراء أوجب الاعتقادَ فيها قُوَّةُ الوهم (2)، سببه ما ينضاف إِلىَ الإدراك من عوامل دَاخِلِيَّة، مثل رؤية العطشان السراب ماء، أو رؤية الخائف الرعديد للأشجار أَنَّهَا أعداء تتربَّص به.
والقياس المركَّب من الوهميَّات يُسَمَّى سفسطة (3). والغرض منه إفحام الخصم وتغليطه بالحقِّ أو الباطل، كما نرى في كثير من قضايا الشُّكَّاك (4) وَبَعض مغالطات (5) السفسطائيَّة التي كانوا يظهرون فيها مهاراتهم الجدلية في التغلُّب عَلَى الخصم.
[مثال ذَلِكَ مغالطة القائلين بقدم القرآن:
القرآن كلام الله - الكلام من صفات الله - صفات الله قديمة غير مخلوقة - إذن القرآن قديم غير مخلوق].
__________
(1) المعتبر في الحكمة، ج1/ ص207. نقلا عن ثورة العقل، ص 66.
(2) الجرجاني: التعريفات، ص 276.
(3) الجرجاني: التعريفات، ص 276. والسفسطة معناه الأصلي التميُّز بالمهارات والحذق، ثُمَّ تَطَوَّرَ بعد ذَلِكَ وأصبح يَدُلُّ عَلَى القول المموِّه، أو القياس الخدَّاع الذي يقصد منه التلبيس عَلَى الناس والتغرير بهم. المعجم الفلسفي، ص220.
(4) اتِّجَاه في الفلسفة نشأ بسبب تدهور الفكر الهلنستي، والانصراف عن النظر إِلىَ العمل. ومن أبرز الممثلين له: أناسديموس. راجع حججه في: الفلسفة عند اليونان، ص374.
(5) مغالطة: حجَّة تبدأ بمقدمتين صادقتين، وتؤدي إِلىَ نتيجة مرفوضة رغم مطابقتها لقواعد الاستدلال الصورية. مثال: كلُّ حيوان له قرنان، الإنسان حيوان، الإنسان له قرنان. (1/39)
صفحة 41
الاستدلال بين الْمُتَكَلِّمِينَ والفلاسفة:
قلنا: إِنَّ المقبولات والمظنونات تؤلف القياس الخطابي (لدى الخطباء والوعاظ)، وَأَمَّا المسلَّمات والمشهورات فتؤلف القياس الجدلي؛ وَعَلَيْهِ «فَإِنَّ الجدل يعدُّ أدنى درجة من طريق البرهان» (1).
والمُتَكَلِّمون غالبا ما يستندون إلى المسلَّمات والمشهورات، فهم إذن يستخدمون القياس الجدلي، ولا ينكر استخدامهم للبرهان، (المكوَّن من قضايا يقينيَّة)، أي يعتمدون عَلَى الحجج المنطقية والاستدلالات العَقلِيَّة، وَهَذَا نجده في التراث المعتزلي عَلَى وجه الخصوص.
وَرُبَّمَا عذر المتكلمين لاستخدامهم الجدل بشكل واضح أَنَّ مهمَّتهم الدفاع عن العقائد والرد عَلَى المخالفين، وإفحام كُلِّ متنكِّب عن الحقِّ إلى الباطل.
أَمَّا الفلاسفة وطريقتهم البرهان فهم يبحثون عن الحقيقة المجردة لذاتها، دون أن يبدأ بقضايا يسلِّم بها بداية. ومع هَذَا نقول: إِنَّ المُتَكَلِّمين استخدموا القياسات جميعا: الخطابيَّة والجدلية والبرهانية، وإن كان الغالب عَلَيْهِم هو الأقيسة الجدلية.
- انتهى المقصود نقله من محاضرة الدكتور محمد الزيني (مختصرا) -
__________
(1) ثورة العقل، ص 62. (1/40)
صفحة 42
المحور الرابع
الإلهيات
أَوَّلاً: وجود الله تَعَالىَ
تمهيد:
أَوَّل واجب عَلَى المُكَلَّف معرفة الله تَعَالىَ والإيمان به، قال الشيخ إسماعيل الجيطالي: «اعلم أَنَّ الله سُبحَانَهُ قَدَّمَ معرفته عَلَى العبد في الدنيا عَلَى سائر المفروضات، كما قَدَّمَ السؤال عنها في الآخرة قبل سائر السؤالات، قَالَ الله سُبحَانَهُ: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} (الحديد: 7)» (1).
ومعرفة وجود الله أُولى خطوات الإيمان، فالمنكر لوجود الله لا يُتصوَّر أن يؤمن بسائر الأركان كصفات الله تَعَالىَ، وملائكته وأنبيائه ورسله وكتبه ... لِذَلِكَ لجأ علماء الكلام إِلىَ الاستدلال العقلي، لأَنَّ الاستدلال النقلي قد لا ينفع مع منكر الأُلُوهِيَّة أساسا.
والعقيدة لا تبنى إلاَّ عَلَى اليقين، وأعلى حقائقها ــ وجود الله تَعَالىَ ــ يجب أن تستند إِلىَ براهين قطعية لا يتطرق إِلَيْهَا الشكُّ بحال. لذا فَلاَ تخرج أدلتنا عن أحد مصادر المعرفة اليقينية التي رأيناها سابقا.
وتجدر الإشارة إِلىَ أَنَّ الحقائق الضرورية (أي البديهية) «لا تحتاج إِلىَ برهان، وَإِلاَّ لظلَّ الباحث يطلب البرهان تلو البرهان في سلسلة لا تنقضي، فلا يزول الجهل، ولا يحلُّ محلَّه العلم» (2). فالاستدلال عَلَى وجود الله يقوم أساسا عَلَى عِدَّة حقائق ضرورية نذكر منها:
1 - برهان بطلان الرجحان بدون مرجِّح.
2 - برهان بطلان التسلسل.
3 - برهان بطلان الدور.
4 - دَلِيل الغائية.
5 - دَلِيل الحدوث.
__________
(1) الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (ت: 750هـ): قواعد الإِسلاَم، تحقيق وتعليق: بشير بن موسى الحاج موسى، المطبعة العَرَبِيَّة، غرداية، 1418هـ/1998م، 1/ 26.
ومعرفة الله، أو النظر للاستدلال عَلَى وجود الله، مِمَّا لم يختلف أحد من المذاهب الإِسلاَمِيَّة في كونه أَوَّل الواجبات. فمن الأشاعرة ينظر مثلا: الجويني إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك (ت: 478هـ): الشامل في أصول الدين، حقَّقه وَقَدَّمَ له علي سامي النشار وآخران، دار المعارف، مصر، 1969م، ص 120 - 121. ومن المعتزلة ينظر: القاضي عبد الجَبَّار: شرح الأصول الخمسة، موفم للنشر، الرغاية، الجزائر، 1990م، ج1/ص1.
(2) البوطي محَمَّد سعيد رَمَضَان: كبرى اليقينيات الكونية، وجود الخالق ووظيفة المخلوق، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، دار الفكر، دمشق، سورية، ط8، 1413هـ/1993م، ص78 - 79. (1/41)
صفحة 43
الأَدِلَّة (1)
1 - دَلِيل بطلان الرجحان بدون مرجِّح (2):
«ومعنى الرجحان بدون مرجِّح أن يكون الشَّيْء جاريا عَلَى نسق مُعَيَّن، ثُمَّ يتغير عن نسقه ويتحول عنه بدون وجود أي مغير أو محوِّل إطلاقا، فَهَذَا من الأمور الواضحة البطلان، وجميع العقلاء يعلمون أَنَّ الأصل بقاء ما كان عَلَى ما كان عَلَيْهِ، وَلاَ بُدَّ لتحويله عن حاله السابقة من محوِّل ومؤثر يفرض عَلَيْهِ هَذَا الوضع الجديد وينسخ حاله القديمة ... » (3).
وجميع الأمور لا تعدو أن يَتَّصِف وجودها بأحد الأوصاف الثلاثة: الوجوب، الاستحالة، الإمكان.
- فالواجب: ما يستحيل في العقل عدمه.
- والمستحيل: ما يستحيل في العقل وجوده.
- والممكن: ما لا يحيل العقل وجوده ولا عدمه، أي يستوي فيه إمكان الوجود وإمكان العدم.
«وَهَذَا الكون الذي نراه في جملته إِنَّمَا هو من نوع الممكن، أي إِنَّ العقل يجزم بِأَنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ أيُّ محال عَلَى فرض انعدامه، ويرى أَنَّ من الممكن أن توجد أسباب تعدمه من أصله دون أن يستلزم ذَلِكَ محالا لا يقبله العقل ... » (4) فما دام هَذَا الكون مِمَّا استوى فيه إمكان الطرفين (الوجود والعدم) فَلاَ بُدَّ من مُؤَثِّر خارجي يرجح جانب الوجود عَلَى جانب العدم. «فإن قلت: إِنَّنِي أفرض أَنَّهُ وجد بذاته دون أيِّ قُوَّة مؤثرة فيه من الخارج استلزم فرضك هَذَا القول برجحان الشَّيْء بدون مرجِّح له، وَهُوَ باطل كما علمت، فبطلت الفرضية التي استلزمتها أَيضًا» (5).
2 - برهان بطلان التسلسل (6):
وإذا اعترف المتشكك بحدوث العالم، وَلَكِنَّهُ أنكر أن يكون مسبوقا بعدم انتقلنا إِلىَ الدَّلِيل الثاني وَهُوَ بطلان التسلسل:
فَإِنَّ القول بِأَنَّ هَذَا العالَم مستمر بحكم التوالد الذاتي الذي لا أَوَّل له يستلزم القول بالتسلسل، وَهُوَ باطل. «ومعنى التسلسل فرض أَنَّ المخلوقات كلَّها متوالدة عن بَعضها إِلىَ ما لا نهاية، بحيث يكون كُلُّ واحد معلولا لِمَا قبله وعِلَّة لِمَا بعده، دون أن تنبع هَذِهِ السلسلة أخيرا من عِلَّة واجبة الوجود ... فَهَذَا الفرض باطل يحكم العقل باستحالته بالضرورة، إذ إِنَّ سلسلة المخلوقات الممكنة مهما طالت وطالت فَإِنَّ استمرار طولها لا يخرجها عن كونها ممكنة، والممكنات لاَ بُدَّ لرجحان أحد طرفي الإمكان فيها من مرجِّح كما قلنا ... » (7).
3 - بطلان الدور:
وإن قال المتشكك: نَعم، العالَم حادث وله عِلَّة أثرت في إيجاده، وَلَكِنَّ هَذِهِ العِلَّة لا تتمثل في أكثر من التفاعل الذاتي
__________
(1) ينظر بَعض الأَدِلَّة في: الإيجي عضد الدين (ت: 756هـ): المواقف، ص 266 - 267.
(2) وَيُسَمَّى كَذَلِكَ بدليل الإمكان، ينظر: مصطفى بن الناصر وينتن: آراء الشيخ امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش العقدية، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1417هـ/1996م، ص106. وأحال إِلىَ: اطفيَّش: شرح الدعائم: 1/ 107. وينظر: جمال الدين بوقلي حسن: الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد، المُؤَسَّسَة الوطنيَّة للكتاب، الجزائر، 1985، 183 - 185. رزق الحجر: ابن الوزير اليمني ومنهجه الكلامي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1988م، ص192 - 195.
(3) البوطي: كبرى اليقينيات، 79.
(4) البوطي: كبرى اليقينيات، 80.
(5) المرجع نفسه. وضرب للتوضيح مثالا بالميزان الذي استوت فيه الكفتان ثُمَّ فجأة تطيش إحداها وترجح الأخرى دون أي سبب، فَهَذَا أمر لا يقبله العقل.
(6) وَسَمَّاهُ الأستاذ مصطفى وينتن: بطلان الدور، ومن المعلوم أَنَّ الدور غير التسلسل كما سنرى. ينظر: وينتن: آراء، 105. وأحال إِلىَ: اطفيَّش: جامع الوضع والحاشية، 17.
(7) البوطي: كبرى اليقينيات، 81. (1/42)
صفحة 44
المتدرج، فالعالم كان ذا أجزاء بسيطة ثُمَّ تعقدت عبر ملايين السنين حَتَّى صار الكون عَلَى ما هو عَلَيْهِ الآن.
وَلَكِنَّ هَذِهِ الفرضية تستلزم الدور، وَهُوَ ظاهر البطلان بِاتِّفَاقِ العقلاء.
وَمَعْنَى الدور توقُّف الشَّيْء عَلَى نفسه (بشكل مباشر أم غير مباشر).
«إِنَّ قولك: التفاعل الذاتي يعني أَنَّهُ هو العِلَّة المؤثرة في إيجاد ذاته، أي أَنَّهُ حينما كان في ظلمات العدم المطلق، كان وجوده متوقفا عَلَى أن يولد خارجا من جوف عدمه هَذَا؛ فإذا وُلد وظهر في ساحة الوجود تهيَّأ بِذَلِكَ لأَنَّ يصبح عِلَّة لوجوده، وَهَذَا ما قد حصل، فقد ولدت هَذِهِ الذَّرَّة الصغيرة من جوف العدم، فأصبحت بِذَلِكَ عِلَّة لإيجاد نفسها!!. وَهَذَا هو الدور في أوضح أشكاله» (1).
4 - دَلِيل العِلَّة الغائية:
معنى العِلَّة الغائية أَنَّ كُلَّ جزء من أجزاء هَذَا الكون ــ صغيرا كان أم كبيرا ــ يسير في تناسق محكم، ونظام مطَّرد، لأجل غاية وهدف محدَّد، بحيث لو اختلت حركة أيٍّ من هَذِهِ الأجزاء، وتخلَّى عن دوره لفسد النظام كلُّه، فمن النظام الفلكي، إِلىَ الإِنسَان ذاته وما فيه من أجهزة دقيقة عجيبة، فلا وجود لِشَيْءٍ في جسم الإِنسَان إلاَّ وله دور محدَّد يُؤَدِّيه وغاية دقيقة يهدف إِلَيْهَا. «فَإِنَّ ظهور العِلَّة الغائية في هَذَا الجهاز الأعظم، الذي هو الكون، بهذا المظهر العجيب دَلِيل قطعي أَيضًا عَلَى أَنَّ من ورائه مدبرا له يدفعه في طريق غاياته هَذِهِ، وهي غايات لا يمكن أن تلتقي أجهزة البشر كُلُّها (متعاونة) عَلَى استهداف مثلها» (2).
فجميع الكائنات في هَذَا العالم مسخَّرة للإنسان، وليست له أيُّ يد في جعلها كَذَلِكَ لولا تسخير الله إِيَّاهَا، بل إِنَّهَا قد وجد قبل أن يُخلق الإِنسَان عَلَى وجه الأَرض (3)، وَهَذَا باعتراف كُلُّ العلماء المَادِّيِّين أنفسهم.
أفلا يَدُلُّ هَذَا السير الغائي، وَهَذَا التسخير عَلَى أَنَّ هناك موجدا جعلها كَذَلِكَ؟.
5 - دَلِيل الحدوث (4):
وملخص هَذَا الدَّلِيل يتمثل فيما يلي:
- العالَم مكوَّن من جواهر وأعراض (5).
- الجواهر لا تنفكُّ عن الأعراض.
- الأعراض متغيرة بدليل الحس والمشاهدة (6).
(إذن فالأعراض حادثة.
(إذن فالجواهر حادثة (7).
__________
(1) البوطي: كبرى اليقينيات، 88. وينظر: وينتن: آراء، 106. وأحال إِلىَ: اطفيَّش: الهميان، 6ق1/ 11 - 15؛ اطفيَّش: شرح الدعائم: 1/ 60 - 61.
(2) البوطي: كبرى اليقينيات، 89. وينظر حول هَذَا الدَّلِيل أَيضًا: الشعراوي محَمَّد متولي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة عَلَى وجود الله، شركة الشهاب، الجزائر، 1990م، ص15 - 25.
(3) ينظر: الشعراوي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة، 7 - 8.
(4) ينظر: وينتن: آراء، 105. وأحال إِلىَ: اطفيَّش: حاشية القناطر، 2/ و10.
وَيَسْتَدِلُّ علماء الكلام عَلَى الحدوث بما يُسَمَّى بالجوهر الفرد وَهُوَ الجزء الذي لا يتجزَّأ، ولهم فيها أبحاث طويلة وغامضة في كثير من الأحيان. ينظر مثلا: الجويني: الشامل، 142 وما بعدها. رزق الحجر: ابن الوزير، 192 ...
(5) الأشياء لا تخلو أن تكون في إحدى الحالين: إِمَّا جوهر وَإِمَّا عَرَض، والجوهر: هو ما يقوم بذاته كجسم الإنسَان والماء والحجر والشجر ... والعرض: هو ما لا يقوم بذاته وَإِنَّمَا بغيره، كالحرارة والبرودة والرطوبة وَالصِّحَّة والمرض والحركة والسكون ...
(6) فالنور يكون بعد الظلام، وبالعكس، والحرارة تكون بعد البرودة وبالعكس وهكذا ...
(7) كثير من المصادر والمراجع تحدثت عن هَذَا الدَّلِيل، من المراجع عَلَى سبيل المثال: د. محَمَّد توفيق صدقي: الدين في نظر العقل الصحيح، مطبعة المنار 4 - 6. (1/43)
صفحة 45
(كُلُّ حادث لاَ بُدَّ له من محدِث.
(إذن العالم محتاج إِلىَ محدِث وَهُوَ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ.
فمن البدَهي أَنَّ كُلَّ صنعة تَدُلُّ عَلَى وجود صانع، وكلَّ بناء يَدُلُّ عَلَى وجود بانٍ، وكلَّ كتابة تَدُلُّ عَلَى وجود كاتب (1) ...
ويلخِّص أبو زكرياء الجناوني هَذَا الدَّلِيل في قوله: «فإذا ثبت وَاستَقَرَّ في فهمك وعقلك أَنَّ هَذِهِ الأشياء المذكورة محدثة مصنوعة مخلوقة بدليل الحدث والحاجة والعجز علمت أَنَّ لها محدِثا أحدثها وخالقا خلقها، لأَنَّ الصنعة دَالَّة عَلَى صانعها ومحدثها (2)، قال الله تَعَالىَ: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ} [سورة إبراهيم: 10].
وقيل لأعرابيٍّ: ما الدَّلِيل عَلَى أَنَّ لهذا العالم صانعا؟ فقال: إِنَّ البعرة تَدُلُّ عَلَى البعير، وأثر القدم يَدُلُّ عَلَى المثير، فهيكل علويٌّ بِهَذِهِ اللطافة، ومركز سفليٌّ بهذه الكثافة أَمَا يَدُلاَّن عَلَى الصانع الخبير؟!.
قال الحكيم:
أيا عجبا كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
وَفي كُلِّ شَيْء له آيَة تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ واحد
ولله في كُلِّ تحريكة وتسكينة أبدا شاهد
وَهَذِهِ الحُجَّة من واجبات العقل التي لا خلاف بين أهل العقول فيها» (3).
الشبهات
وإذا تقرر أَنَّ الله تَعَالىَ هو الخالق فَإِنَّ هناك شبهات قد تعترض طريق المستدل عَلَى وجود الله يثيرها بَعض المتنطعين، أو قد تخطر ببال أَحَد مِنَّا {وَكَانَ الاِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (الكهف: 54)؛ لذا كان لزاما علينا أن نتعرض لبعض تلك الشبهات، ونضعها في محكِّ العلم والعقل لننظر مدى صحتها أو خطئها.
1 - الصدفة:
ألا يمكن أن يكون هَذَا الكون قد وجد بالصدفة؟ بحيث إِنَّ ذَرَّات هَذَا العالم اجتمعت فتكونت الجزئيات، ثُمَّ الأجسام، ثُمَّ تَطَوَّرَت حَتَّى صارت عَلَى ما هي عَلَيْهِ الآن؟ ...
- والجواب الأَوَّل عن هَذِهِ الشبهة عَلَى فرض صِحَّة نَظَرِيَّة التَّطَوُّر تلك: من أوجد تلك الذرات؟ من الذي حرَّكها وجمع بينها لتكوِّن الأجسام المختلفة؟ مَن غيرُ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ؟ (4).
- والجواب الثاني: إِنَّ القول بالمصادفة مصادَمة صريحة للعقل. ولنورد مثالا للتوضيح:
إِنَّكَ إذا جمعت حروفا مطبعية ونثرتها، مَرَّة تلو مَرَّة، وكرَّرت ذَلِكَ ملايين المَرَّات، فهل ستتشكَّل لنا ــ بالصدفة ــ قصيدة كاملة بمعانيها وأوزانها وبلاغتها مثل إلياذة هوميروس أو مفدي زكرياء؟ ... فإن حصل وأن تشكَّل بيت واحد، فبإعادة النشر سوف لن يتكرر ذَلِكَ البيت الأَوَّل، وَرُبَّمَا تشكل بيت آخر، وَلَكِن أن تَتَكَوَّنَ القصيدة بكاملها فَهَذَا عين المحال. وإذا حفظنا البيت الأَوَّل المتكوِّن لننتظر تكوُّن البيت الثاني نكون قد ألغينا مبدأ الصدفة أساسا والذي انطلقنا منه في البداية.
__________
(1) ينظر: الجعبيري فرحات بن علي: البعد الحضاري للعقيدة عند الإِبَاضِيَّة، نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1991م، 1/ 193 - 194.
(2) ينظر: وينتن: آراء، 105. وأحال إِلىَ: اطفيَّش: شرح الدعائم، 1/ 107. اطفيَّش: شرح ألغاز، 25.
(3) الجناوني أبو زكرياء يحيى بن الخير: الوضع مختصر في الأصول والفقه، نشره وعلَّق عَلَيْهِ: أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش، مطبعة الفجالة الجديدة، ط1، د. ت، ص 4 - 5. وحول دَلِيل الحدوث ينظر كَذَلِكَ: بوقلي: الإمام ابن يوسف السنوسي، ص176 - 183.
(4) ينظر: الشعراوي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة، 9. (1/44)
صفحة 46
وإذا كان هَذَا مستحيلا بالنسبة للقصيدة الصغيرة، فكيف بنظام الكون العظيم الدقيق؟ وما بالك بما ركَّب الله تَعَالىَ في الإِنسَان والحيوان والنبات من أجزاء ذات نظام عجيب، ووظائف محدَّدة، أيكون كُلُّ هَذَا بمحض الصدفة؟ إِنَّ هَذَا لعمري لهو الهذيان بعينه! (1).
ونزيد توضيحا فنقول: «لقد قام العالم الرياضي السويسري تشارلز يوجين جاي بحساب العوامل المؤثرة في تركيب البروتينات، فوجد أَنَّ الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوِّن جُزَيئًا بروتينيا واحدا إلاَّ بنسبة 1 إِلىَ 10 أس 1600، وَهُوَ رقم لا يمكن النطق به ... وينبغي أن تكون كَمِّيَّة المَادَّة التي تلزم لحدوث التفاعل بالمصادفة بحيث ينتج جزيء واحد أكثر مِمَّا يتسع له هَذَا الكون بملايين المَرَّات، ويتطلَّب تكوين هَذَا الجزيء عَلَى سطح الأَرض وحدها عن طريق المصادفة بلايين لا تحصى من السنوات، قدَّرها العالم السويسري بِأَنَّهَا عشرة مضروبة في نفسها 243 مَرَّة من السنين، هَذَا لكي يَتَكَوَّنَ جزيء بروتيني واحد ــ ميت ــ باعتباره جزءا من الخلية ــ الحيَّة ــ فيما بعدُ، وَعَلَى بساطتها ينبغي أن تقوم بجميع وظائف الحياة من تغذية وتنفس وطرح وحرارة مُعَيَّنَة ونمو وتكاثر ... » (2).
والصدفة كلام غير علمي، فلو سأل الأستاذ الطالب: لماذا التقى الجسمان المتحركان (أ) و (ب) في نقطة (ج) وأجاب أحد الطلبة بِأَنَّهُ كان صدفة لضحك منه الجميع!! (3).
والصدفة لا تنشئ أبدا «نظاما دقيقا كنظام الكون لا يختل رغم مرور ملايين السنين» (4).
2 - مَن خَلَق الله؟
إِنَّ هَذَا السؤال من منطق العبث وَهُوَ منتقض من أساسه لأمرين:
- أحدهما: أَنَّ في هَذَا السؤال تناقضا، ففي شطره الأَوَّل إقرار بِأَنَّ الله هو الخالق، وفي شطره الثاني نفي لأَن يكون الله هو الخالق ونسبة الخالقية إِلىَ غيره، فَهَذَا عين التناقض (5)، وقد رأينا أَنَّ من الأسئلة الساقطة السؤال المتناقض، ولا يطرحه إنسَان عاقل!.
- ثانيهما: إِنَّهُ من السهل أن يجاب عن السؤال: «إِنَّ هناك ذاتا أعلى قد خلقت الله، أي أَنَّ هناك إلها سابقا عَلَى الله قد خلقه، وَلَكِن من خلق ذَلِكَ الله السابق، لاَ بُدَّ أن يقال إِنَّ هناك إلها أسبق منه قد خلقه، وهكذا تتوالى عمليات خلق الآلهة واحدا إثر الآخر إِلىَ ما لا نهاية، وَهَذَا ثاني ما يَتَّضِحُ من منطق العبث في ذَلِكَ السؤال، وَلاَ بُدَّ أن ينتهي الأمر عند ذات عليا غير مسبوقة وغير مخلوقة» (6).
ولمزيد التوضيح نورد كلام محَمَّد جواد مغنية في هَذَا المجال: «لو قلنا إِنَّ كُلَّ كائن لاَ بُدَّ أن يستمدَّ وجوده من غيره للزم أن لا يوجد شَيْء أبدا، لأَنَّ معنى قولنا: لا يوجد من يعطي إلاَّ بعد أن يأخذ معناه أَنَّهُ لا أحد يعطي أبدا، مثلا لو افترضنا أَنَّ النقد لا يمكن أن تأخذه من شخص إلاَّ إذا أخذه هو من شخص آخر، بحيث يستحيل أن يوجد فرد أو هيئة [تصنع ذَلِكَ النقد] للزم أن لا يوجد شَيْء يُسَمَّى نقدا» (7) وَلَكِنَّ الواقع يشهد بِأَنَّ هَذَا الكون موجود فعلا، فلا يخلو من أحد أمرين: إِمَّا أن يوجِد نفسَه بنفسه، وَهُوَ مستحيل لأَنَّهُ يستلزم الدور كما رأينا، وَإِمَّا أن يوجِده مَن هو موجود بذاته لا يستمدُّ وجوده من غيره وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ.
__________
(1) ينظر: البوطي: كبرى اليقينيات، 94. وأحال إِلىَ مصطفى صبري: موقف العقل والعلم والعالم من رَبِّ العالمين، 2/ 348. ويقول البوطي (ص85) عن هَذَا الكِتَاب: «وإذا أردت مزيدا من التفاصيل والبسط في أبحاث العقيدة وبراهينها المختلفة فعليك بهذا الكِتَاب الذي لم يؤلَّف مثله في هَذَا العصر».
(2) أبو المجد أحمد: بل الله بحث في إثبات وجود الله، ص13 - 15.
(3) المرجع نفسه، ص18.
(4) الشعراوي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة، 9.
(5) أبو المجد أَحمَد: بل الله، 26.
(6) المرجع نفسه.
(7) محَمَّد جواد مغنية: الإسلام والعقل، دار ومكتبة الهلال، دار الجواد، بيروت، لبنان، 1991م، 24 - 25. (1/45)
صفحة 47
3 - مَن رَأَى اللهَ؟
قد يقول الشاكُّ: إِنَّ الله غيب لا تدركه الحواس، وأنا لا أؤمن إلاَّ ما شاهدته أو أحسسته ...
الجواب: هل كُلُّ ما لم تدركه حواسنا نحكم بِأَنَّهُ غير موجود؟ إِنَّ أكثر الناس تشبثا بالأدلة المَادِّيَّة يعترف بوجود الروح في الجسد، وَلَكِن لا أحد يستطيع إدراك كنهها، وَإِنَّمَا يَستَدِلُّ عَلَى وجودها بآثارها في الجسد، من حياة وحركة وإحساس ... أفلا «يَدُلُّ هذا الكون كلُّه بما فيه من إعجاز الخلق عَلَى وجود الله يقينا، ألا تنظر إِلىَ جسدك والروح فيه ثُمَّ تنظر إِلىَ الكون لتستخدم نفس القانون» (1) فتستدل بآثار الله فيه عَلَى وجود الله؟.
ثُمَّ إِنَّ العلم اليوم يؤمن بكثير من الأمور وَلَكِنَّهُ يعجز عن إدراك كنهها، ويعجز عن تفسيرها، فكثير من قضايا الفيزياء مثلا يكتفي العلم الحديث بِمُجَرَّدِ الوصف ويعجز عن التفسير، مثال ذَلِكَ: الضوء وسرعته، والكهرباء وسريانها وسرعتها، وحركات الإلكترونات، والطاقة ... ولو حكم أحد بعدم وجودها لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ لا يدرك تفسيرها أو ماهيتها لسُخر منه!. أفلا نستعمل نفس المنهج في الإيمان بِاللهِ تَعَالىَ؟ (2).
القُرْآن والاستدلال عَلَى وجود الله (3)
قبل أن نبدأ في استعراض منهج القُرْآن الكريم في الاستدلال عَلَى وجود الله، نشير إِلىَ أَنَّ الأَدِلَّة العَقلِيَّة التي استعملها علماء الكلام للاستدلال عَلَى وجود الله ترتبط ارتباطا وثيقا بالقرآن الكريم، فما من دَلِيل إلاَّ ونجد في القُرْآن إشارة إِلَيْهِ من قريب أو بعيد.
هَذَا، ولنتعرض الآن باختصار إِلىَ بَعض خصائص المنهج القُرْآني في تناوله قَضِيَّة وجود الله:
1 - الإيمان بوجود الله فطري في الإِنسَان (4):
كثيرا ما ينبهنا القُرْآن إِلىَ أَنَّ الإيمان بِاللهِ تَعَالىَ فطري في الإِنسَان، مصداقا لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمُ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (الأعراف: 172)، وَقَوله أَيضًا: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (الروم: 30).
ومن الأَدِلَّة عَلَى أَنَّ الإيمان فطريٌّ: الإنابة إِلىَ الله وإخلاص العبادة له في الأوقات الحرجة، كما قَالَ تَعَالىَ:
- {هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمُ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنَ اَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (يونس: 22).
- {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلآَّ إِيَّاهُ} (الإسراء: 67).
وَهَذَا أمر يشهد به الوجدان ويقرره التاريخ، «أَمَّا ما يشهد به الوجدان فواضح من حال كُلِّ إِنسَان أيًّا كان مؤمنا أم كافرا في لجوئه إِلىَ قُوَّة عليا يستنقذ بها إذا نزل به مكروه أو بلاء لا يستطيع مقاومته أو دفعه. ولا يَصِحُّ التهوين بما يقع للإنسان من مشاعر في هَذِهِ اللحظات الحرجة بدعوى أَنَّهَا حالات عجز للإنسان وضعفه، لأَنَّ ما يقع فيه الإِنسَان من حرج وضيق هو
__________
(1) الشعراوي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة، 32 - 35.
(2) هناك عِدَّة شبه أخرى قد تعترض المؤمن، وقد أجاب عنها العلماء بأجوبة قاطعة، ينظر مثلا: محَمَّد جواد مغنية: الإسلام والعقل، 26 - 35. الشعراوي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة، 9 وما بعدها.
(3) ينظر: محَمَّد قطب: كِتَاب منهج علم التوحيد لطلاب المعاهد الإِسلاَمِيَّة، مكتبة رحاب، الجزائر، ط9، 1410هـ/1990م، ج1/ ص18 إِلىَ آخر الكِتَاب.
(4) ينظر: المرجع السابق، 1/ 17. (1/46)
صفحة 48
الذي يمزق الحجب المصطنعة التي قد تدفعه إِلىَ الاستعلاء والتكبر ... فالإيمان عند الخوف ليس سببه تجلي برهان، وَإِنَّمَا سببه أَنَّ الطبع القاسي كان كالمعارض للبرهان، فَلَمَّا لاَنَ بقي البرهان بلا معارض. وَأَمَّا شهادة التاريخ عَلَى أَنَّ الفطرة طريق أَسَاسِيَّة لوجوب الإقرار فيتَّضح فيما سجَّله من الإيمان بِقُوَّةٍ عليا يُمَثِّلُ نزوعا إنسانيا عامًّا تجلى لدى الإِنسَانِيَّة في سائر العصور والأحوال» (1).
2 - الدعوة إِلىَ النظر واستعمال العقل لمعرفة الله:
كما نبه القُرْآن إِلىَ الآيات المنبثة في الكون، الدَّالَّة عَلَى وجود الله وَعَلَى عظمته وقدرته، ودعانا إِلىَ تدبرها والتأمُّل فيها، ليؤمن المنكر، وليتيقَّن المؤمن، فقال:
- {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (غافر: 57).
- {فَلْيَنظُرِ الاِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِ} (الطارق: 5 - 7).
- {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الاِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الاَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} (الغاشية: 17 - 20).
3 - الإرشاد إِلىَ قصص الأنبياء ومعجزاتهم:
ينبِّهنا القُرْآن إِلىَ أَنَّ كُلَّ رسول قد أتى إِلىَ قومه بمعجزة تؤيد صدقه. والمعجزة الكبرى لرسولنا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم هي القُرْآن الكريم، وأوجه الإعجاز فيه تُكتشف يوما بعد يوم، ولن يزال كَذَلِكَ إِلىَ يوم القيامة، قَالَ تَعَالىَ: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (النساء: 82) وقال أَيضًا: {سَنُرِيهِمُ ءَايَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53). والكلام حول إعجاز القُرْآن ودلالته عَلَى أَنَّهُ من عند الله يطول لا يتسع المقام للتفصيل فيه. إذن فالقرآن الكريم من أكبر الأَدِلَّة عَلَى وجود الله.
- - - - - - - -
4 - الخلاصة
وَلَعَلَّ آيَة واحدة من القُرْآن الكريم تجمع كُلَّ أَدِلَّة المتكلمين (المتعلقة بالخلق والحدوث وَالعِلَّة الغائية وبطلان الدور والتسلسل والرجحان من غير مرجح ... ) في كلمات معدودة، وَلَكِنَّهَا ذات دلالات عميقة لمن تأملها، ألا وهي قَوله تَعَالىَ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ اَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ بَل لاَ يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ} (الطور: 35 - 37).
_____________________________________
المراجع:
- مصطفى صبري: موقف العقل والعلم والعالم من رَبِّ العالمين.
- وحيد الدين خان: الإسلام يتحدَّى.
- وحيد الدين خان: الدين في مواجهة العلم.
- محَمَّد متولي الشعرواي: الأَدِلَّة المَادِّيَّة عَلَى وجود الله.
- محَمَّد سعيد رَمَضَان البوطي: كبرى اليقينيات الكونية.
- محَمَّد حسن آل ياسين: الله بين الفطرة والدليل.
- محَمَّد قطب: كِتَاب منهج علم التوحيد لطلاب المعاهد الإِسلاَمِيَّة.
- إِلىَ جانب الدراسات المتخصصة في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم وهي كثيرة.
__________
(1) الحجر: ابن الوزير، 208. (1/47)
صفحة 49
ثانيا: صفات الله تَعَالىَ:
تمهيد:
قَالَ تَعَالىَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى: 11).
وقال أَيضًا: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ} (سورة الإخلاص)
إِنَّ كُلَّ ما سنتناوله في مبحث صفات الله تَعَالىَ مرجعها إِلىَ هَذِهِ الآيات الكريمة.
وخلاصة ما يجب عَلَى المُكَلَّف معرفته في حقِّ الله تَعَالىَ: أن يعلم «في كلمة جامعة مجملة أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ مُتَّصِف بِكُلِّ صفات الكمال، ومنزه عن جميع صفات النقصان، إذ إِنَّ الأُلُوهِيَّة تستلزم اتِّصَافه بالكمال المطلق» (1).
الوَحْدَانِيَّة وَأَدِلَّتها:
معنى الوَحْدَانِيَّة:
الوَحْدَانِيَّة «معناها سلب تصوُّر الكَمِّيَّة [أي التعدُّد] في ذاته وصفاته سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ، سواء الكَمِّيَّة المُتَّصِلة والكَمِّيَّة المنفصلة» (2).
- فنفي الكمية المتصلة في ذاته تعني أَنَّهُ ليس مركبا من أجزاء كتركب الإنسان من أجزاء وأعضاء ...
- ونفي الكمية المتصلة في صفاته تعني أَنَّهُ لا يقال إِنَّ له علمان أو قدرتان ... إلخ
- ونفي الكمية المنفصلة في ذاته تعني أَنَّهُ لا شَيْء من مخلوقاته يشبه ذاته عَزَّ وَجَلَّ.
- ونفي الكمية المنفصلة في صفاته تعني أَنَّهُ لا شَيْء من مخلوقاته يشبهه في صفة من صفاته.
دَلِيل وَحْدَانِيَّة الله تَعَالىَ:
دَلِيل التمانع: وَهُوَ الذي ذكره الله تَعَالىَ في قَوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ اِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا، فَسُبْحَانَ اللهِ ربِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} (الأنبياء: 22).
وَهَذَا الدَّلِيل يفترض أنَّه لو تعددَّت الآلهة لما كان العالم بهذا النظام، «ولأمكن أَن يقوم بينهم تمانع في الإرادة والخلق، وَذَلِكَ بِأَن يريد واحد منهم إيجاد شَيْء، ويريد الآخر إعدامه، وحينئذ إِمَّا أن يحصل الأمران فيجتمع النقيضان، وَهُوَ محال، أو يحصل أحدهما فيظهر عجز الآخر، وَهُوَ مناف للألوهية، أو يتصادما فلا يوجد هَذَا ولا ذاك فيظهر عجزهما معا» (3).
وقد يُتساءل: لنفرض وجود إلهين اثنين، ألا يمكن أن يصطلحا في تسيير هَذَا الكون فلا يقع الفساد؟.
وللجواب عن هَذَا نقول: إِنَّهُ لا يخرج حالهما عن إحدى فرضيتين:
1 - إِمَّا أن يستقلَّ كلُّ واحد منهما بمُلكه فيتصرَّف فيه كما يشاء. وَلَكِن هَذَا يستلزم أن يكون كلُّ واحد منهما عاجزا عن التَّصَرُّف في ملك الآخر، والعاجز ليس بإله. فتسقط الفرضية.
2 - وَإِمَّا يَتَّفِقا عَلَى كَيفِيَّة تسيير الخلق فلا يقع الفساد. وَلَكِنَّ هَذِهِ الفرضية تقتضي أن لا يفعل أحد منهما شَيْئًا بإرادته وحده، ولا يكون شَيْءٌ إِلاَّ بتوافق الإرادتين، وهذا يستلزم أن لا تكون لهما إرادة مطلقة، والإله يجب أن يكون ذا إرادة مطلقة، فعَّالا لِمَا يريد، ومن لم يكن كَذَلِكَ فليس بإله.
__________
(1) البوطي: كبرى اليقينيات، 108. وينظر: السالمي: بهجة، 74.
(2) البوطي: كبرى اليقينيات، 111.
(3) المرجع نفسه. وينظر: وينتن: آراء الشيخ اطفيَّش، 107. (1/48)
صفحة 50
فثبت أَنَّ للوجود إلها واحدا هو المسيِّر له، وإليه يرجع الأمر كلُّه.
وإلى هذا يشير الله تعالى بقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَّلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنِ اِلَهٍ اِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهِم بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (سورة المؤمنون: 91).
ما يَتَرَ تَّبُ عن الوَحْدَانِيَّة:
1 - نفي المشابهة للمخلوقات في الذات:
يقول الشيخ السالمي:
«لو أَنَّهُ مشابَه في ذاته جاز عَلَيْهِ وصف مخلوقاته
إذ كلُّ شِبهين بوجهٍ لزما في الكلِّ ما لِذَلِكَ الوجه انتمى
وصورة البرهان: أَنَّهُ لو كان تَعَالىَ مشابَها في ذاته لجاز عَلَيْهِ ما يجوز عَلَى مشابهه من الصفات ... فلو كان له مشابه لكان ذَلِكَ المشابه هو أحد مخلوقاته، فيستلزم أن يكون عَزَّ وَجَلَّ يَصِحُّ أن يَتَّصِف بصفات مخلوقاته، وصفات مخلوقاته مستحيلة في حقِّه، فالمشابه مستحيل أَيضًا، ووجه ذَلِكَ أَنَّ المتشابهين إِذَا تشابها في صفة وجب أن يَتَّصِف كلُّ واحد منهما بموجب تلك الصفة» (1) ومعنى الاِتِّصَاف بموجب الصفة أَنَّ الله تَعَالىَ لو وُصف بالتجسيم لوجب أن يَتَّصِفَ «بالصفات الجسمانية من طول وعمق وعرض وقصر ونحو ذَلِكَ، ومتى ما جاز عَلَيْهِ هَذِهِ الصفات وجب أن يكون محاطا به محتاجا لغيره من المكان ونحوه، لأَنَّ الأجسام مفتقرة إِلىَ المحلِّ» (2).
2 - نفي العجز عن الله تَعَالىَ:
يقول الشيخ السالمي:
«لو أَنَّهُ في أمره معان لزمه في ذاته النقصان
وصورة البرهان أَنَّهُ لو كان تَعَالىَ معانا في أمره لكان ناقصا في ذاته، لَكِنَّهُ كامل في ذاته، فهو غير معان في أمره، ووجه ذَلِكَ أَنَّهُ لا يحتاج إِلىَ المعونة إِلاَّ من كان عاجزا عن إتمام الأمر، ومن كان عاجزا عن إتمام أمره فليس بكامل في ذاته، لأَنَّ من الكمال الذاتيِّ وجود القدرة الذَّاتِيَّة المنافية للعجز» (3).
3 - نفي الحلول في الزمان:
والبرهان عَلَى ذَلِكَ «أَنَّ من كان في زمان أو مكان للزم أن يكون سبقه زمان وتأخر عنه زمان، ومن كان مسبوقا فليس بقديم، بل حادث عاجز، ويلزم أن يكون لِذَلِكَ الزمان السابق خالق هو غيره لاستحالة أن يخلق المُتَأَخِّر المُتَقَدِّمَ» (4).
4 - نفي الحلول في المكان:
يستلزم وصف الله تَعَالىَ بالمكان أمرين:
- «أن يكون المكان سابقا عَلَى الحالِّ فيه، فيكون الحالُّ مسبوقا بالوجود، فهو حادث فيحتاج ذَلِكَ المكان إِلىَ موجدٍ هو غيره.
- وأيضا فالمكان مستلزم للجهات الست، والحالُّ فيه يستلزم ذَلِكَ أَيضًا، ومن كان له شَيْء من الجهات الستِّ فهو محدود محاط به، والمحدود عاجز» (5).
__________
(1) السالمي: بهجة، 81.
(2) السالمي: مشارق، 163.
(3) السالمي: بهجة، 82.
(4) السالمي: مشارق، 167.
(5) المرجع نفسه. (1/49)
صفحة 51
5 - الخلاصة:
قال الشيخ السالمي:
«في الذات والصفات والأفعال مخالف لنا بِكُلِّ حال
فهو واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله، بمعنى أَنَّهُ لا يشبهه أحد في شَيْء من ذَلِكَ كُلِّه. وزاد بَعضهم: واحد في عبادته، بمعنى أَنَّهُ لا يَصِحُّ أن يشرَك غيرُه معه في العبادة، فالمعبود بِحَقٍّ واحد ... وزاد بَعضهم: وواحد في أسمائه، بمعنى أَنَّهُ لا يُسَمَّى أحد باسمه تَعَالىَ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]» (1).
أقسام صفات الله تَعَالىَ:
للعلماء عِدَّة تقسيمات لصفات الله تَعَالىَ، ومنها:
- تقسيمها إِلىَ نوعين: صفات ذَاتِيَّة وصفات فِعلِيَّة.
- تقسيمها إِلىَ ثلاثة أنواع: صفات ذَاتِيَّة فقط وصفات فِعلِيَّة فقط وصفات ذَاتِيَّة باعتبار وفعلية باعتبار آخر.
- تقسيمها إِلىَ ثلاثة أنواع: صفات واجبة، وصفات جائزة، وصفات مستحيلة (2).
- تقسيمها إِلىَ أربعة أقسام: صفة نفسية، صفات سلبية، صفات المعاني، صفات مَعْنَوِيَّة (3).
وسنحاول بحول الله أن نتناول بَعض هَذِهِ التقسيمات بالتفصيل، وَبَعضها بإيجاز حسب ما يقتضيه المقام.
التقسيم الأَوَّل:
وَهُوَ تقسيمها إِلىَ صفات ذَاتِيَّة وصفات فِعلِيَّة. وَهَذَا التقسيم هو الأكثر شهرة في كتب علم التوحيد عند الإِبَاضِيَّة المغاربة بالخصوص.
يقول الشيخ السالمي:
«وأيُّ وصف جاز وصفه بما عانده بوصف فعل احكمَا
وما عدا ذاك بوصف الذات يعرف وَهوَ كالعليم آتِ» (4)
الصفات الفِعلِيَّة:
هي الصفات التي يمكن أن يَتَّصِفَ الله تَعَالىَ بها وبضدِّها «عند اختلاف المحل، كَأَن يوسع في رزق زيد ويضيِّق في رزق عمرو، وأن يرزق العلمَ عمرًا ويخلق الجهل لزيد ...
وصفات الفعل يمكن أن تنتفي عن الله في الأزل (5)، فتقول: كان ولم يرض ولم يسخط، ولم يحِبَّ ولم يبغض، ولم يخلق ولم يرزق» (6).
__________
(1) السالمي: مشارق، 169.
(2) ينظر: السالمي: مشارق، 173 - 174. وينتن: آراء، 120.
(3) البوطي: كبرى اليقينيات، 108 - 131.
(4) السالمي: مشارق، 173.
(5) يشرح الشيخ السالمي معنى الأَزَلِيَّة والأبدية بقوله: «اعلم أَنَّهُ تَعَالىَ منفرد بالأزلية، وَالمُرَاد بها هاهنا عدم الغاية فيما مضى، أو استمرار الوجود بحيث لا زمان ولا مكان.
والأبد: استمرار الوجود وعدم الغاية فيما يستقبل.
والأزليُّ ما لا يكون مسبوقا بالعدم». السالمي: مشارق، 162.
(6) المرجع نفسه. (1/50)
صفحة 52
الصفات الذَّاتِيَّة:
هِيَ الصفات التي يجب أن يَتَّصِفَ الله تَعَالىَ بها ويستحيل أن يَتَّصِفَ بضدِّها، ولو اختلف المحلُّ، كالوجود والعلم والقدرة والإرادة، فلا يقال: عَلِمَ الله كذا وجهل كذا، ولا قدِر عَلَى كذا وعجز عن كذا ...
«وصفات الذات لا تنتفي عنه في الأزل، فلا تقول: كان الله ولم يعلم ولم يَقدِر ولم يُرِد، وهكذا ... » (1).
التقسيم الثاني:
وَهُوَ تقسيمها إِلىَ ثلاثة أنواع (2):
1 - صفات ذَاتِيَّة:
«وهي كلُّ صفة دَلَّت عَلَى نفي ضدِّها عنه تَعَالىَ، واتَّصَفَ بها بالفعل في الأزل، كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة».
2 - صفات فِعلِيَّة:
«كُلُّ صفة دَلَّت عَلَى نفي ضدِّها عنه تَعَالىَ، ولم يَتَّصِف بها بالفعل في الأزل كالخلق والإحياء والإماتة والحبِّ والبغض، والقبض والبسط والولاية والبراءة».
3 - صفات ذَاتِيَّة باعتبار وفعلية باعتبار آخر:
«كُلُّ صفة تحتمل معنيين متغايرين، كحكيم، فَإِنَّهُ بمعنى نفي العبث عنه تَعَالىَ صفةُ ذاتٍ، وبمعنى واضع الأشياء في موضعها اللائقة بها صفةُ فعلٍ، وصادق فَإِنَّهُ بمعنى نفي الكذب عنه تَعَالىَ صفة ذات، وبمعنى مُخبِر بالصدق صفة فعل ... ».
التقسيم الثالث:
وَهُوَ تقسيمها إِلىَ ثلاثة أنواع:
1 - صفات واجبة:
فَأَمَّا الصفات الواجبة في حقه تَعَالىَ فهي صفات الكمال: كالوجود والقدرة والبقاء والحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر.
2 - صفات مستحيلة:
«وَأَمَّا الصفات المستحيلة عَلَيْهِ تَعَالىَ فأضداد ما ذكرناه، كالحدوث والعدم والفناء والموت والجهل والعجز والإكراه والصمم والعمَى، ومشابهة الأجسام مطلقا».
3 - صفات جائزة:
«وَأَمَّا الصفات الجائزة له تَعَالىَ فهي صفاته الفِعلِيَّة، لجواز أن يفعلها فيوصف بها، وأن لا يفعلها فلا يوصف بها».
التقسيم الرابع:
وَهُوَ ما اعتمده البوطي ــ من الأشاعرة ــ إذ يقسِّم صفات الله تَعَالىَ إِلىَ أربعة أقسام (3):
__________
(1) المرجع نفسه.
(2) ينظر: السالمي: مشارق، 174.
(3) لمزيد من التفاصيل عن الصفات المذكورة في هَذَا التقسيم، وعن أَدِلَّتها التفصيلية انظر: البوطي: كبرى اليقينيات، 108 - 131. (1/51)
صفحة 53
صفة نفسية:
توجد صفة واحدة نفسية هي الوجود.
صفات سلبية:
«وهي كُلُّ صفةٍ مدلولُها عدمُ أمرٍ لا يليق بِاللهِ سُبحَانَهُ، وَهَذِهِ الصفات كثيرة ... إِلاَّ أَنَّ هناك خمس صفات هي أُمَّهَات الصفات السلبية». وهي: - الوَحْدَانِيَّة - القِدم - القيام بالذات (أي إِنَّهُ تَعَالىَ غير مفتقر إِلىَ موجِد يوجده ولا إِلىَ محل يقوم به) - المخالفة للحوادث.
صفات المعاني:
وهي صفات الكمال الكثيرة والتي تجتمع في سبع صفات رئيسية: العلم - الإرادة - القدرة - السمع - البصر - الكلام - الحياة (1).
صفات مَعْنَوِيَّة:
هي الأحكام المترتبة عَلَى ثبوت صفات المعاني، وهي كون الله تَعَالىَ عليما، مريدا، قديرا، سميعا، بصيرا، متكلما، حَيًّا.
توقيف الأسماء والصفات:
يقول الشيخ السالمي:
«فلم يَجُزْ وَصْفُكَهُ بغير ما بَيَّنَه مِنْ وَصْفِ نفسِه اعْلَمَا
اعلم أَنَّ أصحابنا كغيرهم اختلفوا في أَنَّهُ هل يجوز أن يوصف تَعَالىَ بالصفات المفهمة لمعاني الصفات التي صَرَّحَ بها الشارع أم لا يجوز وصفه إِلاَّ بما صَرَّحَ به في كِتَابه، أو عَلَى لسان أنبيائه. فاختارت الأَشعَرِيَّة كبعض أصحابنا أَنَّ أسماءه تَعَالىَ توقيفية، وكذا صفاته، فلا تُثبِتْ لله اسما ولا صفة إِلاَّ إذا ورد بِذَلِكَ توقيف من الشارع ... والحاصل أَنَّ علماء الإِسلاَمِ اتَّفَقُوا عَلَى جواز إطلاق الأسماء والصفات عَلَى الباري عَزَّ وَجَلَّ إذا ورد بها الإذن من الشارع، وَعَلَى امتناعه إذا ورد المنع منه، واختلفوا حيث لا إذن ولا منع، والمختار منع ذَلِكَ» (2).
الألفاظ التي يُتوهَّم منها تشبيه الله تعالى بخلقه:
يسمِّيها السلفية «الصفات الخبرية»، أو «الصفات السمعية» (3)، وهي الصفات التي وردت إلينا عن طريق السمع (أو الأخبار) في الكِتَاب أو السنة، مِمَّا ظاهره يوهم تشبيه الله تَعَالىَ بمخلوقاته، كإثبات الوجه واليدين واليمين والقبضة والعين والأصبعين ... لله تَعَالىَ. فما معنى إثبات هَذِهِ الألفاظ في حقه عَزَّ وَجَلَّ؟.
يقول الشيخ السالمي (4):
«فوجهه أي ذاته في قوله وعينه أي حفظه لفعله
واليد منه قدرةٌ أو قل: نِعم وقبضةٌ والاستوَا مُلكًا يُسَمْ
وجَدُّه كَوَجْهِهِ أو قُلْ: عِظَم ومكرُه عقوبة لمن ظَلم
تعلَّقت المشبِّهة في تقرير تشبيههم بآيات من القُرْآن العظيم، وَذَلِكَ أَنَّهُم أثبتوا له تَعَالىَ وجها وعينا ويدا، إِلىَ غير ذَلِكَ من صفات خلقه تَعَالىَ عن ذَلِكَ».
__________
(1) خصَّص القاضي عبد الجَبَّار (من المعتزلة) فصولا مستقلة للاستدلال عَلَى كون الله تَعَالىَ: قديرا - عليما - حَيًّا - سميعا بصيرا - قديما. ينظر: القاضي عبد الجَبَّار: شرح الأصول الخمسة، 1/ 93 - 119.
(2) السالمي: مشارق، 171 - 172.
(3) بناء على مذهبهم في رفض التأويل، بدعوى التسليم بما جاء به الخبر، دون تأويل أو تحريف أو تعطيل أو تشبيه أو تكييف.
(4) ينظر: السالمي: بهجة، 93 - 96. (1/52)
صفحة 54
الوجه (1):
«وَاستَدَلُّوا في إثبات الوجه بِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالاِكْرَامِ} [سورة الرحمن: 27]، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88].
قلنا: يأتي الوجه في اللغة عَلَى معانٍ، منها الجارحة المحدودة، وتفسير الوجه في حقِّه تَعَالىَ بها محال للزومه التشبيه المصرَّح بنفيه قَوله تَعَالىَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] مع ما تَقَدَّمَ من البرهان العقليِّ، فوجب تفسير الوجه بغير الجارحة في حقِّه تَعَالىَ، فقلنا: معنى الوجه في الآيات إِنَّمَا هو بمعنى الذات، فقوله تَعَالىَ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} أي ذات رَبِّك، وقوله تَعَالىَ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ} أي ذاته، وكذا في نظائرهما من الآيات».
العين (2):
«وتعلَّقوا في إثبات العين له تَعَالىَ بِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ} [طه: 39]، {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 13 - 14].
قلنا: معنى العين في الآيتين: الحفظ، فقوله تَعَالىَ: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ} أي عَلَى حفظي، و {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} أي بحفظنا. ولا يَصِحُّ أن تكون العين هنا بمعنى الجارحة الباصرة لِمَا تَقَدَّمَ من البرهان العقليِّ والنقليِّ، وَلأَنَّ الآيات لا يمكن حمل معناها عَلَى العين التي هي بمعنى الباصرة، فَإِنَّهُ لا يشكُّ عاقل في أَنَّهُ ليس المُرَاد أَنَّ موسى عَلَيهِ السَّلاَمُ مصنوع عَلَى العين الباصرة أي فوقها، ولا أَنَّ السفينة تجري بالأعين الباصرة أَيضًا، فَلاَ بُدَّ لهؤلاء المشبِّهة من تأويل الآيتين قطعا .... ».
اليد (3):
«وَمَعْنَى اليدِ في قَوله تَعَالىَ: {يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] القدرة، أي قدرة الله فوق قدرتهم ... وقد تأتي اليد بمعنى النعمة، كما في قَوله تَعَالىَ: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] أي نعمتاه الظاهرة والباطنة، والعرب تطلق اليد عَلَى القدرة وَعَلَى النعمة كما لا يخفى عَلَى من تتبَّع لغة العرب».
القبضة والاستواء (4) واليمين:
قال تَعَالىَ: {وَالاَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 67] وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] «فالقبضة في تلك الآيَة والاستواء في هَذِهِ الآيَة وَفيِ نظائرها بمعنى الملك، وكذا اليمين في قَوله تَعَالىَ: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] ... وَمَعْنَى قَوله تَعَالىَ: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} أي بقدرته، وَمَعْنَى قَوله تَعَالىَ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أي استولى».
ومن الألفاظ التي قد يُتوهَّم منها التشبيه:
- الجد في قَوله تَعَالىَ: {وَإِنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا} (الجن: 3).
- المكر في مثل قَوله تَعَالىَ: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (آل عمران: 54).
- المجيء كما في قَوله تَعَالىَ: {وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (الفجر: 22).
__________
(1) وردت لفظة الوجه في حق الله تَعَالىَ في: البقرة: 115، 272. الأنعام: 52. الرعد: 22. الكهف: 28. القصص: 88. الروم: 38، 39. سورة الرحمن: 27. الإِنسَان: 9. الليل: 19.
(2) ومن الآيات التي وردت فيها لفظة العين: هود: 37. المومنون: 27. الطور: 48.
(3) وردت لفظة اليد في عِدَّة آيات منها: المائدة: 64. يس: 71. سورة ص: 75.
(4) ورد استواء الله عَلَى العرش في عِدَّة آيات وهي: الأعراف: 54. يونس: 3. الرعد: 2. طه: 5. الفرقان: 59. السجدة: 4. الحديد: 4. (1/53)
صفحة 55
- الأصابع في قول الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» (1).
وكذا النزول والإتيان والجَنب، وغيرها ... فلاَ بُدَّ من تأويل كُلِّ هَذِهِ الآيات والأحاديث حسب ما يقتضيه كمال الله تَعَالىَ، وبما يوافق الكلام العربي الفصيح.
علاقة صفات الله تَعَالىَ بذاته (2):
يرى الإِبَاضِيَّة والمعتزلة ــ على خلاف الأشاعرة ــ أَنَّ صفات الله تَعَالىَ الذَّاتِيَّة هي عين ذاته، وليست هي غير ذاته أَو زائدة عَلَى الذات قائمة بها.
فَاللهُ تَعَالىَ عليم بذاته لا بعلم هو غيره، أي ذاته عَزَّ وَجَلَّ منكشفة لها المعلومات انكشافا تَامًّا، غير محتاجة في ذَلِكَ الانكشاف إِلىَ واسطة بينها وبين المعلوم، وَأَنَّهُ تَعَالىَ سميع بذاته لا بسمع مركَّب فيه أو زائد عَلَيْهِ، أي ذاته تَعَالىَ منكشفة لها المسموعات انكشافا تَامًّا غير محتاجة في ذَلِكَ الانكشاف إِلىَ واسطة بينها وبين المسموعات ... وهكذا يمكن القول في سائر الصفات الذَّاتِيَّة من البصر والقدرة والإرادة والحياة ...
أما الأشاعرة فقد استدلوا على مغايرة الصفات للذات بقياس الغائب على الشاهد، فقالوا إن العلية والحد والشرطية لا تختلف في الشاهد والغائب، فـ «علة تسمية العالم عالما في الشاهد وجود صفة العلم فيه، وهذا العالم هو من قامت به صفة العلم وشرط تسمية الشيء بالمشتق أن يكون فيه أصل ذلك المشتق، فشرط تسمية العالم عالما أن تكون فيه صفة العلم، وشرط تسمية القدير قديرا أن تكون فيه صفة القدرة وهكذا ... » (3). وقد بيَّنَّا فيما سبق أن القياس لا يؤخذ به في الاعتقاديات؛ لأنه في عمومه ظنيٌّ، وبالأخص قياس الغائب (الله تعالى) على الشاهد (المخلوقات)؛ للاختلاف المطلق بين الخالق والمخلوق. ويكفي الأشاعرة شاهدا عليهم من أنفسهم «ما أجاب به العضد في المواقف والسيد في شرحه حيث قالا ما حاصله: وهذا ضعيف كيف وهذا القائس قائل ومعترف باختلاف مقتضى الصفات في الشاهد والغائب فإن القدرة في الشاهد لا يتصور فيها الإيجاد بخلافها في الغائب والإرادة فيه لا تختص بخلاف إرادة الغائب وكذا الحال في باقي الصفات فإذا ما وجد في أحدهما لم يوجد في الأخرى فلا يصح القياس أصلا» (4).
وَيَسْتَدِلُّ الإِبَاضِيَّة على عينية الصفات بما يأتي:
1 - لو كانت صفات ذاته تَعَالىَ غير ذاته للزم عَلَيْهِ إِمَّا أن تكون حالَّة في ذاته العليَّة وَهُوَ باطل، لأَنَّ ذاته العليَّة لا يَصِحُّ أن تكون محلاًّ للأشياء، وَإِمَّا أن تكون بَعْضًا من الذات العليَّة وَهُوَ باطل أَيضًا، لأَنَّ ذاته العليَّة غير متبعِّضة، والتبعُّض عَلَيْهَا محال.
2 - لو كانت الصفات شَيْئًا زائدا عَلَى الذات لا حالاًّ فيها ولا بَعْضًا منها للزم عَلَيْهِ افتقار الذات إِلىَ ذَلِكَ الزائد، والذات العليَّة كاملة بنفسها عير مفتقرة إِلىَ غيرها، ومن كان مفتقرا إِلىَ غيره فليس بإله.
3 - لو كانت صفات ذاته غير ذاته للزم عَلَيْهِ إِمَّا أن تكون مقارنة لذاته في الوجود، فيلزم عَلَيْهِ تعدُّد القدماء وَهُوَ باطل قطعا. وَإِمَّا أن تكون سابقة عَلَى ذاته في الوجود فيلزم عَلَيْهِ حدوث الذات العليَّة وَهُوَ باطل أَيضًا، وَإِمَّا أن تكون موجودة بعد الذات العليَّة فيلزم أن يكون الله عَزَّ وَجَلَّ قبل حدوثها غير مُتَّصِف بِهَذِهِ الكمالات، فيكون غير قادر وغير عالم إِلىَ آخرها، وَهُوَ باطل قطعا.
__________
(1) تمام الحديث: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ». رواه مسلم، كتاب القدر، باب تصرف الله تعالى في القلوب كيف يشاء، رقم 2654، 4/ 1045.
(2) ينظر: السالمي: بهجة الأنوار، 86 - 89.
(3) من كتاب صفات الله للشيخ أحمد بن حمد الخليلي.
(4) الجعبيري: البعد الحضاري، 1/ص .... وينظر: السالمي: مشارق، 176. جمعية التراث: معجم المصطلحات، 2/ 893 - 894. (1/54)
صفحة 56
واعتُرض عَلَى رأي الإِبَاضِيَّة بِبَعْض الشبه منها:
- الشبهة الأولى: يلزم عَلَى هَذَا التقدير نفي الصفات الذَّاتِيَّة ــ كما يتهم به الأشاعرةُ وغيرُهم الإِبَاضِيَّة والمعتزلةَ ــ فالجواب أَنَّنَا نثبت الصفات، وننفي زيادتها عَلَى الذات ولا ننفي نفس الصفات.
- الشبهة الثانية: يلزم من ذَلِكَ اتِّصَاف الشَّيْء بذاته، فقولنا: الله قدير بمنزلة قولنا: ذاته ذاته. والجواب أَنَّ هَذِهِ الصفات لها معان اعتباريَّة، وللذات كمالات ذَاتِيَّة لا يَدُلُّ عَلَيْهَا نفس لفظ الذات، وَلِكُلِّ واحد من تلك الكمالات معنى اعتباريٌّ يُعَبَّرُ عنه بالصفة، فالصفات عبارة عن المعاني الاعتباريَّة الدَّالَّة عَلَى الكمالات الذَّاتِيَّة.
وفي الأخير نقول: إِنَّ كلاًّ من المذاهب الإِسلاَمِيَّة التي وقع بينها الخلاف في المسألة، سواء الإِبَاضِيَّة أم المعتزلة أم الأشاعرة يهدفون إِلىَ تنزيه الباري سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ عن صفات النقص، والكل يثبت لله تَعَالىَ ما يليق بجلاله وعظمته من صفات الكمال المطلق، فالخلاف إذن ــ كما يقول الشيخ علي يحيى معمر (1) ــ في هَذِهِ المسألة خلاف لفظيٌّ فحسب.
ويمكن أن نعلِّق عَلَى هَذِهِ القَضِيَّة ــ التي سال فيها الحبر كثيرا في كتب المتكلمين، وطال فيها الجدل بينهم ــ بِعِدَّةِ أمور:
1. الأمور الغيبيَّة ــ كما هو معلوم ــ لا يجوز أن يُترك للعقل مجالٌ للخوض فيها، خَاصَّةً ما يَتَعلَّقُ بذات الله سُبحَانَهُ وَتَعَالىَ. فمسألة علاقة الصفات بالذات مِن الأمور الغيبيَّة التي لم ينزل بشأنها آيَة، ولا تناولها أيُّ حديث، فالاستدلالات المطروحة من هَذَا الطرف أو ذاك كلُّها لا تستند إِلاَّ إِلىَ محض العقل، فهي عارية عن نصوص وَأَدِلَّة الكِتَاب وَالسُّنَّة.
2. إِنَّ الإِبَاضِيَّة والمعتزلة ينتقدون عَلَى الأشاعرة استعمال دَلِيل} قياس الغائب عَلَى الشاهد} في الاستدلال عَلَى زيادة الصفات عَلَى الذات، بينما هم أنفسهم ــ أي الإِبَاضِيَّة والمعتزلة ــ قد وقعوا فيما انتقدوه عَلَى غيرهم، فَإِنَّ جعل الصفات والذات شَيْئًا واحدا فرارا من تعدد القدماء وتجزيء الذات الإِلهِيَّة، ومجرد التفكير بِهَذِهِ الطريقة يحمل في ثناياه قياس الغائب عَلَى الشاهد. وبعبارة أخرى: إِنَّ التفكير بالمنطق والتَّصَوُّر البشري المادي في حق الله ــ سواء من هَذَا الطرف أو ذاك ــ تفكير خاطئ، نظرا لمخالفة الله التَّامَّة لخلقه ــ كما رأينا ــ؛ فعقلنا في هَذِهِ القَضِيَّة قد تجاوز حدوده التي ينبغي أن لا يتعدَّاها، فصار يُفَكِّرُ فيما لا سبيل إِلىَ إدراكه، ونسي القاعدة التي تقول:
3. ... العجز عن إدراكه إدراك والخوض في ذات الله إشراك
4. كما أَنَّ هَذَا التفكير يخالف ما أمر به الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد قال جابر بن زيد: حدَّثنا رجل من أئمّة أهل الكوفة يكنَّى أبا أميَّة أنّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم خرج على قوم وهم يتذاكرون فلمّا رأوا النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم سكتوا فقال: «ما كنتم تقولون؟» قالوا: كُنَّا نتذاكر في الشمس وفي مجراها، قال: «كذلك فافعلوا تفكَّروا في الخلق ولا تتفكّروا في الخالق». وزاد فيه الحسن «إنّ الله لا تناله الفكرة» (2).
5. إِنَّ الخلاف في المسألة لا تجنى منه ثمرة عَمَلِيَّة في سلوك الإِنسَان، وسواء أَعتَقَد هَذَا الرأي أو ذاك (3) فَإِنَّ ذَلِكَ لا يزيده أو يُنقِص منه خشية الله تَعَالىَ وطاعته، فَهَذِهِ المسألة مما فرضته ضرورة الواقع الذي عاشه المسلمون في عصور غابرة، بسبب مجادلة أصحاب الفلسفات والمعتقدات غير الإسلاميَّة، وَأَمَّا ظروفنا اليوم فهي تختلف عن ظروفهم، ولا مبرر لنا في الخوض فيها، ونحن أحوج ما نكون إِلىَ اعتبار الأولويَّات في طرح القضايا، فنولي العناية بما يثيره أعداء الإِسلاَمِ من شبه وافتراءات، والردِّ عَلَيْهَا بطرق حكيمة و} استراتيجية} مدروسة.
6. إِنَّ إثارة مسألة خلافية ــ إضافة إِلىَ عدم تأثيرها في السلوك ـ تُؤَدِّي إِلىَ تمزيق شمل المسلمين في وقت هم أحوج ما
7.
__________
(1) علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، ص.
(2) رواه الإمام الربيع في مسنده، ج3/ باب [7] النهي عن الفكرة في الله عَزَّ وَجَلَّ، حديث رقم، 827. وينظر في نفس المعنى الأحاديث رقم: 823، 828، 829.
(3) هَذَا مع اعترافنا أَنَّهُ ــ إذا جُوِّز الخوض في المسألة ــ مِمَّا لا شَكَّ فيه أَنَّ رأي الإِبَاضِيَّة والمعتزلة في هَذِهِ المسألة أصوب وأقرب إِلىَ تنزيه الباري جَلَّ وَعَلاَ. (1/55)
صفحة 57
يكونون فيه إِلىَ رأب الصدع، والعمل عَلَى توحيد الشمل، لمواجهة القوى المتداعية عَلَى الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.
وقد يقول طالب: إذا كان الأمر كَذَلِكَ فما الجدوى ــ إذَن ــ من دراسة مثل هَذِهِ القضايا؟
فالجواب: أَنَّ عَلَى طالب العلوم الشَّرعِيَّة معرفة ذَلِكَ لعدة أهداف:
1. تنمية الجانب المعرفي لديه، بالاطلاع عَلَى معتقد مختلف المذاهب الإِسلاَمِيَّة.
2. اكتساب القدرة عَلَى الجدل، وَهَذَا يفيده بإفراغ} القوالب} الجدلية من محتواها (المسائل الخلافية الجزئية) واستعمال تلك} القوالب} لمواجهة أي فكر هدَّام غريب عن الإِسلاَم.
3. أَنَّ هَذِهِ القَضِيَّة أمر واقع لا مناص منه، فقد تناولها غالب الكتب الكلامية، وسيطَّلع عَلَيْهَا الطالب ــ لا محالة ــ خلالَ بحوثه، فيجب عَلَيْهِ أن يكون ذا دراية بها ومصطلحاتها واستدلالاتها مسبقا، ليتمكَّن من الحكم عَلَى هَذَا الرأي أو ذاك، والحكمُ عَلَى الشَّيْء فرع عن تصوره.
4. التمكُّن من الردِّ عَلَى من يثيرها من العوام الذين يقرأون بَعض الأسطر من تلك الكتب الكلامية.
5. العمل عَلَى توحيد الصف الإِسلاَمِي، بإبراز القواسم المشتركة، ولا يتِمُّ هَذَا إِلاَّ بالمعرفة، وبالتمييز بين الأصول والفروع، وبين الكلِّيَّات والجزئيَّات، وبين المبادئ العامة والاجتهادات الخاصة، وبين الملزِم وغير الملزِم ...
وَالله تَعَالىَ أعلم
_____________________________________
المراجع:
الجيطالي إسماعيل: قناطر الخيرات، (وجود الله وصفاته الكمالية، منها في الحلول في الزمان والمكان، ونفي الرؤية، ومعنى الاستواء، وصفات الذات، وعلاقة الصفات بالذات، وأفعاله تعالى، 1/ 287 - 311).
الثميني عبد العزيز: النور (شرح نونية أبي نصر)، (وجود الله، وتنزهه عن الزمان والمكان وعن رؤيته وعن كل صفات النقص، ص65 - 88)؛ (تأويل ما يوهم التشبيه، ص73 - 78، 86 - 88)؛ (نفي الرؤية، ص78 - 81)؛ (الاستواء، ص88 - 92)؛ (الأسئلة الممنوعة في حق الله تعالى، ص96 - 103)؛ (صفات الله تعالى وأسماؤه وعلاقتها بالذات، ص104 - 123).
السالمي نور الدين: مشارق أنوار العقول، (الباب الثاني من الركن الثاني في التوحيد، ص149)؛ (الفصل الأَوَّل في نفي الأضداد والأنداد والأشباه عن الله تَعَالىَ، ص149)؛ (الفصل الثاني في البراهين العقلية على نفي الأشباه والشركاء عن المولى جل وعلا، ص163)؛ (الفصل الثالث في الصفات، ص169)؛ (فصل في الألفاظ الممتنع بها السؤال عن المولى جَلَّ وَعَلاَ، ص64)؛ (الفصل الرابع في نفي الرؤية، ص186)؛ (الخاتمة في تفسير ألفاظ تعلَّقت بها المشبهة من كِتَاب الله عَزَّ وَجَلَّ، ص207).
الجعبيري: البعد الحضاري، (وجود الله تعالى، ص191 - 201)؛ (ذات الله تعالى، ص202 - 211)؛ (أسماء الله تعالى، ص211 - 227)؛ (صفات الله تعالى، ص227 - 248)؛ (ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الله تعالى، ص250 - 263)؛ (الإباضية والمتشابه [الألفاظ الموهمة للتجسيم]، ص271 - 292)؛ (استحالة الرؤية، ص298 - 338).
وينتن مصطفى: آراء الشيخ اطفيَّش العقديَّة، (التوحيد، ص 101)؛ (أَدِلَّة وجود الله تعالى ووحدانيَّته، ص102 - 107)؛ (الأسماء الحسنى، ص 112 - 118)؛ (الإيمان بالصفات، ص 119 - 126)؛ (علاقة الصفات بالذات، ص 126 - 130)؛ (ما يجب في الإيمان بالصفات، ص 155)؛ (معاني الألفاظ الموهمة للتشبيه، ص 130 - 132)؛ (استحالة الرؤية، ص 132 - 154).
سعد رستم: الذات الإِلهِيَّة والمجازات القُرآنِيَّة والنَّبَوِيَّة وإزالة شبهة التشبيه والتجسيم من أساسها (بحث في أنواع التعبير المجازي في العَرَبِيَّة والحديث والقرآن، ثُمَّ تفسير الأحاديث الشريفة والآيات الكريمة التي تسيء الحشوية المجسمة فهمها)، دار الأوائل، دمشق، 2002م. (272ص). (1/56)
صفحة 58
ثالثا: رؤية الله تَعَالىَ (1)
قبل أن نبدأ في عرض أَدِلَّة المثبتين والنافين لرؤية الباري عَزَّ وَجَلَّ يحسن بنا أن نحدِّد مصطلح الرؤية في اللغة، لأَنَّ في بَعض الاستدلالات جانبًا يَتَعلَّقُ بالاستعمال اللغوي للفظة الرؤية.
الرؤية (2) لغة:
«جاء في القاموس وشرحه للزبيدي ما نصُّه: «الرؤية بالضم: إدراك المرئيِّ. وَذَلِكَ أَضْرُبٌ بحسب قوى النفس:
- الأَوَّل: النظر بالعين التي هي الحاسة وما يجري مجراها، ومن الأخير قَوله تَعَالىَ: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} (التوبة: 105)، فَإِنَّهُ مِمَّا أجري مجرى الرؤية بالحاسة فَإِنَّ الحاسة لا تَصِحُّ عَلَى الله ...
- والثاني: بالوهم والتخيل، نحو: أرى أَنَّ زيدا منطلق.
- والثالث: بالتفكير، نحو: {إِنِّيَ أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ} (الأنفال: 48).
- والرابع: بالقلب، أي بالعقل، وَعَلَى ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً اُخْرَى} (النجم: 13)» (3).
الاختلاف في إمكانية رؤية الله تَعَالىَ (4)
هناك عِدَّة أقوال فيِ إمكانية رؤية الله تَعَالىَ «فذهبت الطوائف المنتسبة إِلىَ السنة من السلفية والأَشْعَريَّة والماتريديَّة والظاهرية وغيرهم إِلىَ أَنَّهَا ممكنة في الدنيا والآخرة، غير أَنَّ جمهورهم يثبت وقوعها في الآخرة لا في الدنيا».
- فالقائلون بوقوعها في الدنيا اختلفوا إلى عِدَّة أقوال:
1 - أَنَّهَا جائزة وَلَكِنَّهَا خَاصَّة بِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وَهُوَ قول الأشعري وغالب أتباعه (5).
2 - أَنَّهَا جائزة الوقوع له صلَّى الله عليه وسلَّم ولغيره، «ولم يقل بوقوعها لغيره صلَّى الله عليه وسلَّم في الدنيا إِلاَّ غلاة الصوفية، وظاهر كلام الألوسي (6) يَدُلُّ عَلَى جنوحه إِلَيْهِ، وقد غالى حَتَّى أجاز له الكَيفِيَّة تَعَالىَ الله عن ذَلِكَ».
- وأما وقوعها في الآخرة: فلأهل السنة في المسألة ثلاثة أقوال، كما قال ابن القيِّم:
- «أحدها: أن لا يراه إِلاَّ المؤمنون.
- والثاني: يراه جميع أهل الموقف، مؤمنهم وكافرهم، ثُمَّ يحتجب عن الكُفَّار فلا يرونه بعد ذَلِكَ.
- والثالث: يراه المنافقون دون الكُفَّار.
__________
(1) يبدو أَنَّهُ لا يوجد من الإِبَاضِيَّة من فصل في هَذِهِ المسألة، واستقصى أَدِلَّة المثبتين والنافين وناقشها بِكُلِّ روح عِلمِيَّة أكثر من فضيلة الشيخ العلامة: أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله، في كِتَابه: الحق الدامغ. لذا فَإِنَّ ما سنتناوله في المسألة لا يعدو أن يكون مقتطفات ومختصرات من الكِتَاب المذكور. ويمكن أن نعتبره مصدرا ــ لا مُجَرَّد مرجع ــ في القَضِيَّة.
(2) ينبغي التمييز بين الرؤية والرؤيا، فالأخيرة تعني الحُلُم، كما في قَوله تَعَالىَ: {يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ اَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَاوِيلِ الاَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} (يوسف: 43 - 44).
(3) أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عُمان، هـ/ م، ص25. وأحال على الزبيدي: تاج العروس، ج1/ 139، ط. دار مكتبة الحياة. لسان العرب، ج19/ص2، ط. بولاق.
ويبدو أنَّ تفسير الزبيدي لآية النجم إما مبنيٌّ على القول بأن المعراج كان قلبيًّا (أي بالروح لا بالجسد)، وفيه رأى جبريلَ بقلبه، أو بناء على قول من زعم أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم قد رأى ربه ليلة المعراج بقلبه، وهو محض افتراء، كما صرَّحت به عائشة في الحديث الصحيح.
(4) الخليلي: الحق الدامغ، 27 - 32.
(5) نقله عنهم الحافظ ابن حجر (فتح الباري، 8/ 608). وبه قال النووي.
(6) ونقل الشيخُ الخليلي كلامَ الآلوسي من روح المعاني، 9/ 52 - 53. وفيه التصريح بِأَنَّهُ رآه ثلاث مَرَّات!. وَبِأَنَّ سَيِّدنَا موسى عَلَيهِ السَّلاَمُ رآه بعد الصعق!. (1/57)
صفحة 59
والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وهي لأصحابه» (1).
- وذهب الإباضيَّة إلى استحالتها دنيا وأخرى «وَهُوَ قول المعتزلة والجهمية والزيدية والإمامية من الشيعة، وبه قال جماعة من المتكلمين المتحررين من أسر التقليد، كالإمام الجصَّاص في} أحكام القُرْآن}، وجنح إِلَيْهِ الإمام الغزالي في بَعض كتبه، بل صَرَّحَ به في بَعضها ... » وكثير من علماء السلف (2).
أَدِلَّة المثبتين لرؤية الله تَعَالىَ ومناقشتها
تنقسم أَدِلَّتهم إِلىَ قسمين: دَلِيل جوازها عقلا، وَأَدِلَّة وقوعها فعلا.
الدَّلِيل العقلي عَلَى جواز رؤية الله تَعَالىَ (3):
قال المثبتون للرؤية: إِنَّ كُلَّ موجود يَصِحُّ أن يُرى، وَالله موجود إذن تجوز رؤيته.
والجواب بأمرين:
1 - إِنَّ قياس الله عَلَى خلقه لا يَصِحُّ، لأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلىَ ما اتَّفَقَت كُلُّ الشرائع عَلَى استحالته في حق الله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الشورى: 11).
2 - إِنَّ هناك موجودات عديدة غير مرئية «كالروح والعقل والوجدان والإدراك، ومنها الأصوات والروائح والأثير والكهرباء».
الأَدِلَّة النَّقْلِيَّة عَلَى جواز الرؤية:
بَعض الأَدِلَّة من القرآن وَبَعضها من السنة.
1 - أَدِلَّة جواز الرؤية من القُرْآن الكريم:
الدَّلِيل الأَوَّل (4): سؤال موسى عَلَيهِ السَّلاَمُ الرؤيةَ بِقَولِهِ: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرِ اِلَيْكَ} (الأعراف: 143):
فسؤاله إِمَّا عن جهل موسى باستحالتها، وَهُوَ باطل لأَنَّ الأنبياء أعرف الناس بربِّهم. وَإِمَّا عن علمٍ باستحالتها، ومع ذَلِكَ طلبها، وطلبُ المستحيل سَفَه ينزَّه عنه الأنبياء. فلم يبق إِلاَّ أَنَّهَا جائزة، وَلِذَلِكَ طلبها.
والجواب: أَنَّ سَيِّدنَا موسى عَلَيهِ السَّلاَمُ كان عارفا باستحالتها، «ولم يُرِد بسؤالها نيل المستحيل، وَإِنَّمَا أراد ردع قومه الذين لجُّوا في طلبها، وعلَّقوا عَلَيْهَا إيمانهم برسالته، فلعلهم عندما يُقرعون بالردِّ الحاسم باستحالتها يرعوون عن غيِّهم». فموسى لم يسألها لنفسه، وَإِنَّمَا سأل الرؤية لقومه، بدليل عِدَّة آيات تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم هم الذين ألحُّوا في طلبها. والقول بِأَنَّ موسى سأل الرؤية لنفسه حطٌّ من قيمته إِلىَ مستوى الأنذال من بني إسرائيل الذين قالوا: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} (النساء: 153).
الدَّلِيل الثاني (5): «قَوله سُبحَانَهُ: {وَلَكِنُ انظُرِ اِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} (الأعراف: 143):
ووجه الاستدلال بالآية أَنَّهُ تَعَالىَ علَّق الرؤية عَلَى استقرار الجبل، وَهُوَ في ذاته ممكن، والمعلَّق عَلَى الممكن ممكن مثله».
والجواب: أَنَّ استقرار الجبل أمر ممكن في نظرنا القاصر نحن البشر، وَلَكِن لَمَّا اندكَّ الجبل انكشف قضاء الله، وتَبَيَّنَ أَنَّهُ
__________
(1) ابن القيم الجوزية: حادي الأرواح، ط4، ص 224.
(2) أورد الشيخ طائفة منهم، ينظر: الحق الدامغ، ص 32.
(3) المصدر نفسه، ص33.
(4) المصدر نفسه، ص34 وما بعدها.
(5) المصدر نفسه، ص39. (1/58)
صفحة 60
كان في علم الله أَنَّ الجبل لا يستقر، ومن المستحيل أن يحصل في الواقع خلاف ما قضاه الله وخلاف ما في علمه (1).
وقوله تَعَالىَ: {فَسَوْفَ تَرَانِي} ليس وعدا بالرؤية، لأَنَّهُ سبق قوله: {لَن تَرَانِي} الذي «أزال طماعية السائل الرؤية».
2 - دَلِيل جواز الرؤية من السنَّة النبويَّة (2):
«وَأَمَّا من السنة فما روي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عَلَيْهِم من إثبات رؤيته صلَّى الله عليه وسلَّم لربه ليلة الإسراء والمعراج. ووجه استدلالهم بِذَلِكَ عَلَى إمكان الرؤية أَنَّهَا لو لم تكن ممكنة لَمَا قال بوقوعها أحد من الصحابة، وهم أوفر عقلا، وأغزر علما وأنور بصيرة مِمَّن جاء بعدهم. ووجه اعتبار هَذَا الدَّلِيل من السنة أَنَّهُم رضي الله عنهم لا يقولون شَيْئًا من نحو هَذَا اعتباطا، وَلَكِن استنادا إِلىَ ما علموه من رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.
وجوابه: أَنَّ ما روي من إثبات رؤيته صلَّى الله عليه وسلَّم لربِّه لا يخلو إِمَّا أن يكون من كذب الرواة عنهم، وَإِمَّا أن يكون من سوء فهمهم لِمَا رووه».
وكيف يمكن أن يقول بِذَلِكَ أحد منهم، وعائشة تقول: «من زعم أَنَّ محَمَّدًا رأى ربَّه فقد أعظم عَلَى الله الفرية» (3)، حَتَّى إِنَّهَا قالت لمسروق لَمَّا سألها: هل رأى مُحَمَّد ربَّه؟ فقالت: «لقد قفَّ شعري مِمَّا قلتَ»!.
الأَدِلَّة النَّقلِيَّة عَلَى وقوع الرؤية في الآخرة:
أ- من القرآن الكريم:
الدَّلِيل الأَوَّل (4): «قَوله تَعَالىَ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة: 22 - 23)، وَهُوَ أقوى ما استندوا إِلَيْهِ في هَذَا الباب.
واعتُرضوا بِأَنَّ النظر أعمُّ من الرؤية، فَإِنَّهُ يكون بمعنى محاولتها ولو لم تتحقق، لجواز أن يقول قائل: نظرت إِلىَ كذا فلم أره» (5).
«وقد شاع النظر بمعنى الانتظار، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلآَّ أَنْ يَّاتِيَهُمُ اللهُ فيِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآَئِكَةُ} (البقرة: 210)، وقوله: {مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} (يس: 49)، وقوله: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} (الحديد: 13)، وَعَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ حمل النظر في هَذِهِ الآيَة لوجوه»:
- حمل النظر في الآيَة عَلَى الرؤية يتعارض مع أَدِلَّة نفيها.
- الانسجام المعهود في آيات القُرْآن الكريم، فَإِنَّ المقابلة تكون تَامَّة بين قَوله تَعَالىَ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} أي مبتهجة مشرقة، وقوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذِم بَاسِرَةٌ}، وبين قوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}: أي منتظرة ثواب ربها وقوله: {تَظُنُّ أَنْ يُّفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}: أي منتظرة أن ينزل بها ما يقصم فقار ظهرها. ولولا تفسير النظر بالانتظار لانفكَّ رباط هَذِهِ الآيَة البليغة.
- هَذَا التفسير ينسجم مع ما في أواخر سورة عبس: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} (الآيات: 38 - 41).
- تقديم المعمول عَلَى عامله يؤذن بقصره عَلَيْهِ، فتقديم {إِلَى رَبِّهَا} عَلَى {نَاظِرَةٌ} يؤذن أَنَّهَا لا تنتظر إِلاَّ إِلَيْهِ، فلو فُسِّر النظر بالرؤية لاقتضى أَنَّهُم لا يرون شَيْئًا غير الله تَعَالىَ، وَهَذَا مخالف للمعقول والمنقول.
__________
(1) ينقل الشيخ الخليلي هنا كلام الشيخ الطاهر ابن عاشور في الموضوع بما يوافق رأي الإِبَاضِيَّة في تفسير الآيَة. التحرير والتنوير، 9/ 92 - 93.
(2) الخليلي: الحق الدامغ، 39 - 42.
(3) رواه الربيع في مسنده والشيخان في صحيحيهما.
(4) الخليلي: الحق الدامغ، 42 - 48.
(5) أحال الشيخ الخليلي إِلىَ الزبيدي: تاج العروس، 3/ 573. (1/59)
صفحة 61
اعتراض عَلَى تفسير النظر بالرؤية:
وَمِمَّا اعتُرض عَلَى تفسير النظر بالانتظار «أَنَّ تعدية النظر بإلى تمنع من حمله عَلَى الانتظار، خُصُوصًا إذا أسند إِلىَ الوجوه».
والجواب: أَنَّهُ ثبت مجيء النظر بمعنى الانتظار في النقول الصحيحة معدًّى بإلى، فمن ذَلِكَ قول الشاعر:
وَإِنِّي إليك لِمَا وعدتَ لَنَاظِرٌ نَظَرَ الفقيرِ إِلىَ الغنيِّ الموسرِ
وَأَمَّا إسناد النظر إِلىَ الوجوه فقد ثبت أَيضًا أَنَّهُ يأتي بمعنى الانتظار، ومن ذَلِكَ قول حسان بن ثابت:
وجوه يوم بدر ناظرات إِلىَ الرحمن يأتي بالفلاح
ويضاف إِلىَ ذَلِكَ ورود تفسير النظر في الآيَة بالانتظار عن كثير من الصحابة والتابعين، كالإمام عليٍّ وابن عَبَّاس وغيرهما (1).
«ومن أقطع الأَدِلَّة وأبين الشواهد عَلَى مجيء النظر معدًّى بإلى وَهُوَ ليس بمعنى الرؤية قَوله تَعَالىَ: {إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً اُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُم فيِ الاَخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 77)، فَإِنَّهُ لو حُمل النظر في الآيَة عَلَى الرؤية لأدَّى إِلىَ أَنَّ الله سُبحَانَهُ لا يَرى هَؤُلاَءِ يوم القيامة، وَهَذَا عين المحال، واعتقاده رأس الضلال، فَإِنَّهُ كفر بِاللهِ تَعَالىَ. ولا وجه لحمل النظر هنا إِلاَّ عَلَى الرحمة والإحسان. ومن هنا يَتَبَيَّنُ أَنَّ نظر القويِّ إِلىَ الضعيف هو عطفه ورحمته، وَأَنَّ نظر الضعيف إِلىَ القويِّ هو انتظار ذَلِكَ منه».
هَذَا وقد اعترف بَعض العلماء من مثبتي الرؤية أَنَّ دلالة الآيَة عَلَى إثبات الرؤية دلالة ظَنِّيَّة، منهم رشيد رضا والطاهر ابن عاشور (2).
الدَّلِيل الثاني (3): «قَوله تَعَالىَ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (يونس: 26)، فقد فَسَّروا الحسنى بالجنَّة، والزيادة بالرؤية، مستدلين بحديث صهيب عند الشيخين مرفوعا: «إذا دخل أهل الجَنَّةِ الجَنَّةَ نادى منادٍ: إِنَّ لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، قالوا: ألم تبيض وجوهنا وتنجنا من النار وتدخلنا الجَنَّة؟ قال فيكشف الحجاب، قال: فوالله ما أعطاهم الله شَيْئًا أحبَّ إِلَيْهِم من النظر إِلَيْهِ».
وأنتم ترون أَنَّ لفظة الزيادة مبهمة غير دَالَّة عَلَى الرؤية وضعا ولا استعمالا، من قريب ولا من بعيد. أَمَّا الحديث الذي عوَّلوا عَلَيْهِ في تفسيرها فدلالته عَلَى ما قالوه ضعيفة جِدًّا» لعدة أمور:
أَمَّا أَوَّلاً: «فلأنَّ النظر لا يلزم أن يكون بمعنى الرؤية كما سبق بيانه في آيَة القيامة، وكشف الحجاب يجوز أن يكون كناية عن مزيد الإكرام ورفع الدرجات، وفتح أبواب العطاء غير المحدود ... » وَهَذَا التأويل يدفع التعارض بين الآيات والأحاديث.
وَأَمَّا ثانيا: فهَذَا الحديث يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرؤية تقع في الجَنَّة وَهُوَ يتعارض مع ما استندوا إِلَيْهِ في آيَة القيامة التي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرؤية تكون في الموقف.
ثالثا: إضافة إِلىَ كون الحديث ظني الدلالة ــ والدليل إذا اعتراه الاحتمال سقط به الاستدلال ــ فكيف وَهُوَ: ظني الثبوت لأَنَّهُ آحادي، ويعارض ما هو أقوى منه متنا ودلالة.
«والقضية قَضِيَّة عقيدة فلا يستدلُّ فيها إِلاَّ بما كان قَطْعِيًّا متنا ودلالة».
رابعا: روي عن السلف (كابن عَبَّاس وعلي بن أبي طالب والحسن وغيرهم ... ) تفسير الزيادة في الآيَة بغير الرؤية، فقد فَسَّروها بغرفة من لؤلؤة، وَبِأَنَّهُ يفتح لهم باب لا يأتيهم منه شَيْء إِلاَّ وَهُوَ أفضل مِمَّا جَنَّتهم، وَبِأَنَّهُ مضاعفة الحسنات ... (4).
__________
(1) أحال الخليلي إِلىَ: فتح الباري، 13/ 425.
(2) محَمَّد رشيد رضا: تفسير المنار، 9/ 131. ابن عاشور: التحرير، 29/ 353.
(3) الخليلي: الحق الدامغ، 49 - 51.
(4) ينظر: تفسير ابن جرير، 11/ 75 - 76. الربيع بن حبيب: المسند، 3/ 232. (1/60)
صفحة 62
الدَّلِيل الثالث (1): قَوله تَعَالىَ: {لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} (ق: 35)، قالوا: المزيد هو الرؤية. وبسقوط استدلالهم بالزيادة يبطل الاستدلال بالمزيد.
الدَّلِيل الرابع (2): قَوله تَعَالىَ: {كَلآَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} (المطففين: 15)، قالوا: إِنَّ مفهوم الآيَة أَنَّ المؤمنين يرونه بما أَنَّ الكُفَّار يُحجبون عنه.
والجواب: أَنَّ هَذَا «استدلال ساقط من عِدَّة أوجه:
أَوَّلها: أَنَّ الحجاب في الآيَة كناية عن الحرمان من رحمته والإبعاد عن دار كرامته، كما أَنَّ التقرب منه سُبحَانَهُ لا يكون حسِّيًّا، وَإِنَّمَا يفسَّر بامتثال ما أمر به من الطاعات، واجتناب ما نهى عنه من المعاصي، وَكَذَلِكَ تقرُّب الله من العبد لا يعني إِلاَّ إحاطته برعايته الرحمانية ...
ثانيها: أَنَّهُ استدلال بمفهوم المخالفة، وَهُوَ حجَّة ظَنِّيَّة اختلف العلماء في الأخذ بها في الأمور العَمَلِيَّة الفرعية، فكيف بالقضايا الاعتقادية الأَصلِيَّة، مع أَنَّ الاعتقاد ثمرة اليقين.
ثالثها: أَنَّهُ لو جاز الاستناد إِلىَ هَذَا المفهوم ... لكان أحرى أن يُستند إِلىَ مفهوم يفيده التقييد بـ {يَوْمَئِذٍ} في إثبات رؤية الكُفَّار له تَعَالىَ قبل ذَلِكَ اليوم» وَهُوَ ما لم يقل به أحد.
الدَّلِيل الخامس (3): «قَوله تَعَالىَ: {عَلَى الاَرَآئِكِ يَنظُرُونَ} (المطففين: 23، 35)، وَهُوَ استدلال بما لا دَلِيل فيه، فَإِنَّ غاية ما في الآيَة وصفهم بالنظر من غير ذكر للمنظور إِلَيْهِ، ومن المعلوم قطعا أَنَّهُم يتمتعون بالنظر إِلىَ أصناف النعم وأنواع الغرائب التي تبهج نفوسهم ... ».
الدَّلِيل السادس (4): «الآيات المصرِّحة بلقاء الله، وَذَلِكَ أَنَّهُم فَسَّروا اللقاء بالرؤية. وَهُوَ خطأ، فَإِنَّ اللقاء أعمُّ منها، فقد يكون [اللقاء] فيما لا يُرى، كما في قَوله تَعَالىَ: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} (آل عمران: 143)، ولا يُختلف في جواز قول الأعمى: لقيت فلانا» رغم أَنَّهُ لم يره. ولقاء الله يفسَّر بالانتقال إِلىَ الدار الآخرة، فيقال فيمن مات: لقي الله، ويستعمل للمسلم والكافر عَلَى السواء، كما في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لقي اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غضبان».
الدَّلِيل السابع (5): «قَوله تَعَالىَ: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} (الإِنسَان: 20)، استَدَلَّ به الفخر الرازي في تفسيره لسورة الأنعام، مدَّعيا أَنَّ إحدى قراءاتها:} مَلِكًا}».
والجواب: أَنَّ هَذِهِ القراءة لم تثبت «فقد راجعت كتب القراءات وكتب التفسير المعنية بنقل القراءات فلم أجد لها ذكرا ... وعندما ذَكَرَها ... لم يعزُها إِلىَ أحد. ولو سلَّمنا أَنَّهَا قراءة واردة فهي من القراءات الشاذة التي قال جمهرة من المُحَقِّقِينَ بِأَنَّهَا لا تكون حجَّة في المسائل الفِقهِيَّة الفرعية فكيف تكون حجَّة في الاعتقاد؟!».
ب- من السنَّة النَّبَوِيَّة (6):
«وَأَمَّا من السنة فقد أكثروا من الأحاديث التي حشروها للاستدلال بها. وأشهر وأقوى ما اعتمدوا عَلَيْهِ حديث:} سترون ربَّكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر}، وقد رووه ... بألفاظ مُتَعَدِّدَة، وكثيرا ما يقتصرون في كتب العقيدة عَلَى هَذَا القدر من نصه». ومن ألفاظ الحديث ما رواه الشيخان ... واللفظ للبخاري: «عن أبي هريرة أَنَّ الناس قالوا: يا رَسُول اللهِ، هل
__________
(1) الخليلي: الحق الدامغ، 51.
(2) المصدر نفسه، 51 - 54.
(3) المصدر نفسه، 54.
(4) المصدر نفسه، 54 - 55.
(5) المصدر نفسه، 55.
(6) المصدر نفسه، 55 - 59. (1/61)
صفحة 63
نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: هل تضارُّون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رَسُول اللهِ، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها حجاب؟ قالوا: لا يا رَسُول اللهِ، قال: فإنكم ترونه كَذَلِكَ، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شَيْئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمسَ الشمسَ، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هَذِهِ الأُمَّة فيها شافعوها، أو قال: منافقوها ــ شك إبراهيم ــ فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هَذَا مكاننا حَتَّى يأتينا ربُّنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول لهم: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ... » (1) وفي رواية مسلم جزم بقوله: «فيها منافقوها» وزيادة: «فيأتيهم الله تَبَارَكَ وَتَعَالىَ في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بِاللهِ منك هَذَا مكاننا حَتَّى يأتينا ربُّنا ... » الحديث.
والجواب: أَنَّ الأخذ بظواهر هَذِهِ النصوص يفضي إِلىَ ما يَرُدُّه العقل، ويكذِّبه البرهان، كما هو واضح فيما يلي:
1 - «أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تغيُّر ذاته تَعَالىَ من صورة إِلىَ غيرها، وَالتَّغَيُّر سمة من سمات الحدوث، فيلزم عَلَيْهِ حدوثه تَعَالىَ».
2 - يقتضي إنكارهم للصورة الأولى أَنَّهُم رأوه من قبلُ في الدنيا، لأَنَّ ذَلِكَ أَوَّل موقف من مواقف يوم القيامة، وَهَذَا ما لا يقول به مثبتو الرؤية أنفسهم.
3 - «كون رؤيته تَعَالىَ شاملة للبرِّ والفاجر والمؤمن والمنافق ... مخالف لِمَا نص عَلَيْهِ أكثرهم من كونها ثوابا خَاصًّا بأهل الإيمان».
4 - معارضته لحديث صهيب الذي استَدَلُّوا به كَذَلِكَ عَلَى الرؤية، فَإِنَّهُ قاض عَلَى أَنَّ الرؤية بعد دخول الجَنَّة.
5 - «أَنَّ غالب معتقدي الرؤية يقولون: إِنَّهَا تحصل بلا كيف، وتشبيهها برؤية القمر ... ينافي هَذَا القول».
6 - أَمَّا القول بِأَنَّ المنافقين يرون الله تَعَالىَ في الموقف فهو قول عجيب، «وليت شعري إذا كانت الرؤية أعظم ثواب أعدَّه الله للمؤمنين ثُمَّ يشاركهم فيها الكافرون والمنافقون، ماذا بعدئذ؟! وكيف لا يشاركونهم في نعيم الجَنَّة؟ مع أَنَّ الجَنَّة لا تساوي شَيْئًا بجانب هَذَا الثواب العظيم في زعم هَؤُلاَءِ القائلين، حَتَّى إِنَّهُم نسبوا إِلىَ أحد الأَئِمَّة أَنَّهُ لو لم يوقن أَنَّهُ سيرى ربَّه يوم القيامة لَمَا عَبَدَه! (2).
وَهُوَ يفيد أَنَّ قائله يرى أَنَّ الله سُبحَانَهُ لا يستَحقُّ من خلقه عبادةً ــ لولا رؤيته التي يرجونها ــ لا لعظمته ولا لنعمته ولا لثوابه ولا لعقابه، ولعمري ما أخطر هَذَا القول ونسبته إِلىَ عالم من علماء المسلمين، فما أشبهه بقول بني إسرائيل: {لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً} (البقرة: 55).
هَذَا وقد صَرَّحَ بَعض الحنابلة بِأَنَّ إثبات رؤية الكُفَّار لله يوم القيامة قول باطل مخالف لإجماع الأُمَّة، فقد حكى ابن تيمية عن القاضي أبي يعلى من الحنابلة» القول بهذا الإجماع الذي لا يسوغ العدول عنه. ثُمَّ أورد رَدَّ القاضي أبي يعلى بِأَنَّهُ لو ساغ مشاركة الكُفَّار والمنافقين للمؤمنين في رؤية ربِّهم ثُمَّ يُحرمون منها ليزداد تحسرهم فما المانع من دخولهم الجَنَّة والالتذاذ بمأكلها ومشربها ليكثر تلهفهم وحسرتهم؟! (3).
7 - تأويل حديث الرؤية (4): «وإذا حُملت الرؤية في الحديث عَلَى المعرفة انحل الإشكال وانجلى اللبس ... وزال التعارض». وتفسير الرؤية بالعلم يقرب مِمَّا أقرَّ به جماعة من مثبتي الرؤية كابن حجر (5)، وأبي حامد الغزالي.
وورود الرؤية بمعنى العلم كثير في لغة العرب وفي القُرْآن، ومن شواهده قَوله تَعَالىَ: {اَلَمْ تَرَ إِلىَ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} (الفرقان: 45)، {أَلَمْ يَرَواْ كَمَ اَهْلَكْنَاَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن قَرْنٍ} (الأنعام: 6)، {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} (آل عمران: 143)، مع أَنَّ الموت لا يُرى. والمسلم يزداد علما بِاللهِ تَعَالىَ كُلَّمَا ازداد عبادة وإخلاصا، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «الإحسان أن تعبد الله كَأَنَّكَ تراه».
__________
(1) البخاري: كِتَاب التوحيد.
(2) حادي الأرواح، 265.
(3) ابن تيمية: الفتاوي، 6/ 500 - 501.
(4) الخليلي: الحق الدامغ، 59 - 62.
(5) فتح الباري، 13/ 426. (1/62)
صفحة 64
هَذَا وَأَمَّا الأحاديث الصريحة في تشبيه الخالق بالخلق بما لا يحتمل التأويل فهي مردودة أصلا لأَنَّهَا يستحيل أن تصدر «من رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم الذي لا ينطق عن الهوى، وَذَلِكَ كحديث:} إذا كان يوم الجمعة نزل عَلَى كرسيه، ثُمَّ حفَّ الكرسيُّ بمنابر من نور، فيجيء النبيئون حَتَّى يجلسوا عَلَيْهَا ... } إلخ فَإِنَّهُ مصادم للعقل والنقل، بل هو مصادم لِمَا يقوله معتقدو الرؤية أنفسهم من أَنَّهُ يُرى بدون إحاطة».
8 - الأحاديث آحادية (1): «ومهما يكن فَإِنَّ هَذِهِ الأحاديث آحادية، والآحادي لا تنهض به حجَّة في الأمور الاعتقادية، لأَنَّ الاعتقاد ثمرة اليقين، واليقين لا يقوم إِلاَّ عَلَى الأَدِلَّة القطعية المتواترة نقلا، النصية دلالة بحيث لا تحتمل تأويلا آخر، والحديث الآحادي لا يتجاوز ثبوتُ متنِه الظنَّ، فلذلك قال المُحَقِّقُونَ إِنَّهُ يوجب العلم ولا يفيد العلم، وإذا كانت هَذِهِ درجة الآحادي في الحجية فكيف إذا عورض بالنصوص القطعية من القُرْآن؟».
وقد قال كثير من علماء ــ غير الإِبَاضِيَّة أنفسهم ــ بِأَنَّ الآحادي ظني، ومنهم الإمامان: ابن السبكي في جمع الجوامع والمحلِّي في شرحه (2). والبخاري نفسه ــ وَهُوَ من علماء الحديث المعروفين بانتقادهم الشديد عَلَى من ينكر إفادة الآحادي للعلم ــ «يقيِّد ذَلِكَ بالفروع حيث يقول:} باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام} (3)».
أَدِلَّة النافين لرؤية الله تَعَالىَ ومناقشتها
الأَدِلَّة العَقلِيَّة عَلَى نفي الرؤية (4):
لتَتِمَّ الرؤية لا بُدَّ من توفر عِدَّة شروط منها:
1 - سلامة الحاسة ... 2 - أن يكون المرئي جائز الرؤية لا كالروح مثلا
3 - مقابلة المرئي للباصرة ... 4 - أن لا يكون دقيقا جِدًّا كالميكروبات
5 - أن لا يكون في منتهى اللطافة كالنسيم ... 6 - أن لا يكون قريبا جِدًّا كالأجفان
7 - أن لا يكون بعيدا جِدًّا ... 8 - أن لا يوجد حجاب حائل
9 - أن يكون مضيئا بنفسه أو مضاءً بغيره
[وفي ذَلِكَ يقول الشيخ السالمي:
ورؤية الباري من المحال دنيا وأخرًى احكمْ بِكُلِّ حال
لأَنَّ مِن لازِمها التميُّزا والكيف والتبعيض والتحيُّزا
في جهة تقابل الذي نظر فَهَذِهِ وما أتى به السور ...
فالرؤية تستلزم أن يكون المرئيُّ متميِّزا، وذا كيف، وذا أبعاض أي أجزاء، وفي حيِّزٍ وجهة من الجهات (5)]. وَهَذِهِ الأمور كلُّها مِمَّا تتصف به المخلوقات، فلا تجوز في حق الله تَعَالىَ لعدم مشابهته لخلقه.
واعتُرض بِأَنَّ هَذِهِ الشروط في الشاهد وقد تختلف في الغائب، فأجيب بِأَنَّ الرؤية المعهودة هي هَذِهِ. ثُمَّ ما بالُهم انتقدوا استعمال قياس الغائب عَلَى الشاهد في الرؤية وقد اعتمدوه في مسألة الصفات؟.
__________
(1) الخليلي: الحق الدامغ، 62 - 66.
(2) شرح جمع الجوامع، 3/ 215. وكذا في تنقيح ابن الحاجب وشرحه: التوضيح عَلَى التنقيح، ص 431 - 432 هامش حاشية التلويح للسعد التفتازاني، ط1310هـ. والغزالي في المستصفى، 1/ 145. وابن عبد الشكور في فواتح الرحموت بشرح مسلَّم الثبوت، 2/ 121، طبع بذيل المستصفى. والإمام محَمَّد عبده في فتوى نقلها القاسمي في تفسيره محاسن التأويل، 13/ 4920. والسيد محَمَّد رشيد رضا: النار، 1/ 138، ط4.
(3) فتح الباري، 13/ 231.
(4) الخليلي: الحق الدامغ: 67 - 68.
(5) السالمي: بهجة الأنوار، 90 - 91. (1/63)
صفحة 65
الأَدِلَّة النَّقلِيَّة عَلَى نفي الرؤية:
أ- من القُرْآن الكريم:
الدَّلِيل الأَوَّل (1):
قَوله تَعَالىَ: {لاَّ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ} (الأنعام: 103)، ووجه الاستدلال بالآية:
· أَنَّهُ تَعَالىَ نفى إدراك الأبصار له.
· عدم إدراك الأبصار له صفة ذَاتِيَّة لله تَعَالىَ، وصفاته لا تتبدل.
· أَنَّ هَذَا النفي مدح له تَعَالىَ كما مدح نفسه بقوله: {لاَ تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} (البقرة: 255)، فلو تبدَّلت هَذِهِ الصفة لانقلب إِلىَ ضدِّه وَهُوَ الذمُّ.
· أَنَّ هَذَا إخبار من الله، وأخباره تَعَالىَ لا تتبدل {وَمَنَ اَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} (النساء: 87) {وَمَنَ اَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} (النساء: 122).
واعترضوا بِعِدَّةِ أمور منها:
أَوَّلاً: أَنَّ الآيَة تنفي الإدراك ولم تنف الرؤية، والإدراك بمعنى الإحاطة، والإحاطة به تَعَالىَ مستحيلة، كما قَالَ: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} (طه: 110).
وأجيب بِأَنَّ الإدراك في اللغة بمعنى اللحوق، ولا يعني الإحاطة إطلاقا، فقول المرء: أدركت زمان فلان، أو أدركت الجدار بيدي لا يعني أَنَّهُ أحاط بِكُلِّ زمانه، ولا أَنَّهُ أحاط بِكُلِّ الجدار بيده.
ثانيا: الآيَة لم تنف إدراك كُلِّ فرد من الأبصار لله تَعَالىَ، وَإِنَّمَا نفت أن تدركه جميع الأبصار، ونحن نقول إِنَّمَا تراه بَعض الأبصار لا كلُّها، ففي الآيَة سلب للعموم وليس فيها عموم السلب.
وأجيب بِأَنَّهُ لو جاز في ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَة لجاز في أمثالها، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: 190)، وقوله: {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (آل عمران: 57)، فنقول بِأَنَّهُ يحِبُّ بَعض المعتدين وَبَعض الظالمين، ولا فرق بين النفيين. و} الـ} في} الأبصار} سواء أكانت للاستغراق أو الجنس فهي دَالَّة عَلَى العموم.
ثالثا: أَنَّ الآيَة لا تَعُمُّ كُلَّ الأزمان لأَنَّهَا ليست مقيَّدة بدوام.
والجواب أَنَّ هَذَا الاعتراض مرفوض لغة وشرعا وعرفا، «وَمِمَّا لا خلاف فيه أَنَّ للنهي حكم النفي»، فلو ساغ أَنَّ كُلَّ نهي لاَ بُدَّ أن يقيَّد بالدوام فلا يبقى أيُّ شَيْء محظور بعد ورود النهي.
وأجيب أَيضًا بِأَنَّ صفات الله لا تتقيد بزمان ولا مكان، فلا فرق في نفي الرؤية عنه تَعَالىَ بين الدُّنْيَا وَالآخِرَة، كما لا فرق في نفي الشريك {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا} (الجن: 3)، وفي نفي الظلم: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف: 49).
رابعا: أَنَّ عمومها مخصَّص بأدلة إثبات الرؤية.
والجواب: أن لا وجود للمخصص، والآية سيقت مساق المدح وَهَذَا ينفي التخصيص. وإن قيل: لا وجود للمدح في نفي الرؤية لأَنَّ هناك أشياء لا ترى فلم يكن ذَلِكَ مدحا لها، يجاب بِأَنَّ عدم رؤية الله ليست كعدم رؤية غيره، فنفي الرؤية عن الله تَعَالىَ إِنَّمَا هو للكبرياء، وَأَمَّا غيره فلإخفائه إِيَّاهَا عَنَّا.
__________
(1) الخليلي: الحق الدامغ: 68 - 85. (1/64)
صفحة 66
الدَّلِيل الثاني (1):
قَوله تَعَالىَ لموسى: {لَن تَرَانِي} «فَإِنَّهُ نفي مطلق غير مقيَّد بزمان، ولا تبديل لكلمات الله، فلو حصلت الرؤية في أي وقت من أزمان الدُّنْيَا أو الآخِرَة لكان ذَلِكَ منافيا لصدق هَذَا الخبر». ويؤيد ذَلِكَ مبادرة موسى بعد الصعق بقوله: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُومِنِينَ} أي بِأَنَّكَ لا تُرى، كما أخرجه ابن جرير عن ابن عَبَّاس. و} لن} في الآيَة تفيد التأكيد والتأبيد.
واعتَرضوا بأمور منها:
أَوَّلاً: أَنَّ قَوله تَعَالىَ: {لَن تَرانِي} لا يفيد العموم، بخلاف ما إذا قال: لا أُرى، أو لست بمرئيٍّ.
والجواب: - أَنَّ صيغة الجواب كانت مطابِقة لصيغة السؤال: {أَرِنِيَ أَنظُرِ اِلَيْكَ}.
- أَنَّ الرؤية إذا نُفيت عن موسى وَهُوَ من يكون في قدره ومزاياه واصطفاء الله إِيَّاهُ، فهي منفية عن غيره من باب أولى.
ثانيا: أَنَّ لفظة} لن} لا تفيد التأبيد كما في قَوله تَعَالىَ في حق اليهود: {وَلن يَّتَمَنَّوْهُ أَبدًا} (البقرة: 95)، بينما يقول في أصحاب النار عُمُومًا: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} (الزخرف: 77)، فقد نفى عنهم تمني الموت بلن، ثُمَّ نجدهم يتمنون الموت في النار، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ} لن} خَاصَّة للنفي في الدنيا.
والجواب: أَنَّ التأبيد يختلف باختلاف الأحوال وتفاوت مقامات الخطاب، فَإِنَّ النفي في حق اليهود خاص بالدنيا، والنفي في حق الله غير خاص بزمان ولا مكان، لأَنَّهُ لا تجري عَلَيْهِ الأحوال والأزمان، وصفاته لا تتبدل دنيا وأخرى.
الدَّلِيل الثالث (2):
«ما جاء في آيات الكِتَاب من الإنكار البالغ والتقريع الشديد للذين سألوا الرؤية من اليهود والمشركين، مع تحذير المسلمين من أن يقعوا فيما وقعوا فيه، ومن ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ:
· {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَالِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} (النساء: 153).
· وَقَوله تَعَالىَ: {وَقَالَ الذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلآَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فيِ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْاْ عُتُوًّا كَبِيرًا} (الفرقان: 21).
· وقوله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ، وَمَن يَّتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالاِيمَانِ فَقَدْ ضَّلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ} (البقرة: 108)».
ووجه الاستدلال بالآيات أَنَّ اليهود حين سألوا الرؤية، وأتوا شَيْئًا كبيرا، حَتَّى إِنَّهُم عوقبوا بالصاعقة «مع أَنَّهُم لم يعاقبوا بمثلها عَلَى جميع ما كانوا يأتونه من الفظائع، حَتَّى عبادتهم العجل».
ب- من السنَّة النبويَّة:
الدَّلِيل الأَوَّل:
«ما رواه الإمامان: البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّهُ قال:} جنتان من فِضَّة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إِلىَ رَبِّهم إِلاَّ رداء الكبرياء عَلَى وجهه في جَنَّة عدن}. ووجه الاستدلال به صراحته في عدم رؤيتهم لله لحيلولة رداء الكبرياء بينهم وبين ذَلِكَ. والكبرياء صفة ذَاتِيَّة لله عَزَّ وَجَلَّ لا يمكن أن يتخلى عنها، كما لا يتخلى عن القدرة أو العلم أو الإرادة ... إذ لو تخلى عنها في أي لحظة لانقلب عنها إِلىَ
__________
(1) المصدر نفسه، 85 - 88.
(2) المصدر نفسه، 89 - 90. (1/65)
صفحة 67
ضدها وَهُوَ الصَّغار المنافي لربوبيَّته تَعَالىَ». وتشبيه الكبرياء بالرداء أسلوب بليغ في اختصاصه تَعَالىَ بِهَذِهِ الصفة كاختصاص أحدنا بردائه وإزاره، كما قال في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري».
الدَّلِيل الثاني:
«ما أخرجه مسلم عن أبي ذر رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ عَلَيهِ أفضل الصلاة والسَّلاَم قال عندما سئل عن رؤيته لربه: «نور، أَنَّى أراه!» ووجه الاستدلال به أَنَّ النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم استبعد فيه حصول الرؤية بقوله:} أَنَّى أراه} فَإِنَّ أَنَّى بمعنى كيف، وَهُوَ شاهد عَلَى استحالة رؤيته تَعَالىَ».
خاتمة في نتيجة البحث (1)
« ... وقبل أن أغادر هَذَا الموضوع أودُّ أن أضع بين يديك أمرين اثنين لَعَلَّهُما يحظيان بتفكيرك وتأمُّلك:
· أَوَّلهما: أَنَّكَ تجد في كِتَاب الله ما وعد به المؤمنين في الدار الآخرة من النعيم مذكورا بأصرح العبارات، ومكرَّرا في مواضع شَتَّى لأجل التشويق إِلَيْهِ، بينما لا تجد للرؤية ذكرا ... فهل من المعقول ــ أن لو كانت الرؤية ثابتة وهي أجلُّ من كُلِّ نعيم في الجَنَّة ــ أن يكتفى بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الإشارة الطفيفة [بلفظ الزيادة] بينما تذكر المآكل والمشارب والمساكن والمناكح، والحدائق والأنهار، وسائر المباهج والملذات الفينة بعد الفينة بعبارات واضحة لا تحتمل التأويل؟».
· ثانيهما: أَنَّ سَيِّدنَا إبراهيم عَلَيهِ السَّلاَمُ استَدَلَّ عَلَى بطلان أُلُوهِيَّة النجوم بتحولها «من حال إِلىَ حال، تظهر تارة وتختفي أخرى. ومن المعلوم أَنَّهَا لم تكن باختفائها تنعدم أصلا، وَإِنَّمَا يواريها الأفق عن الأبصار، أليس هَذَا شاهدا بِأَنَّ من يظهر للأبصار ثُمَّ يختفي عنها لا يمكن أن يكون حقيقا بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّة، لأَنَّ الحقيق بها لا تجري عَلَيْهِ الأحوال، فلا ينتقل من حال إِلىَ حال؟ فكيف لنا أن نثبت لله هَذِهِ الصفة التي أنكرها إبراهيم عَلَيهِ السَّلاَمُ في النيرات المؤلَّهة محتجًّا بها عَلَى قومه، فنزعم أَنَّهُ ينكشف لأهل الجَنَّة فيرونه، ثُمَّ يحتجب عنهم إِلىَ أن يحين ميقات رؤيته مَرَّة أخرى؟».
~~~~~~
وأخيرا وبعد هَذَا الاختصار لمسألة رؤية الله تَعَالىَ من كِتَاب الحق الدامغ، نرجو أن نكون قد وفَّينا للموضوع حقه، دون أن نهضم حقَّ المُؤَلِّف في اختصار مخل، أو سوء فهم لعبارة، وَالله من وراء القصد وَهُوَ يهدي السبيل. اللَّهُمَّ فقهنا في الدين، وألهمنا رشدنا، وزدنا علما.
{وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
__________
(1) المصدر نفسه، 95 - 96. (1/66)
صفحة 68
المحور الخامس
النبوات
المبحث الأَوَّل:
الوحي وما يتعلَّق به
تمهيد:
هل يُتَصَوَّرُ أَنَّ الله تَعَالىَ الحكيم في فعله، والمنزَّه عن العبث أن يخلق الإِنسَان ويميِّزه بصفات خَاصَّة، ومن أعلى هَذِهِ المميزات: العقل، ثُمَّ يتركه يسرح ويمرح كسائر الحيوانات إِلىَ أن يموت مثلها؟ وهل يتَصَوَّرُ أن يطغى الإِنسَان ويتجبر عَلَى أخيه، فلا يعرف من الدنيا إِلاَّ النعيم والرفاهية، بينما يعيشها الآخر مظلوما مقهورا، لا يرى في الدنيا غير البؤس والشقاء، هل تنتهي قصَّتهما في مشهد واحد بالتساوي في الموت دون أن تكون لِهَذِهِ القِصَّة تتمَّة تُبَيِّنُ وتفسِّر حوادث القِصَّة المبهمة، ليأخذ كلٌّ نصيبه من العدل غير منقوص. إِنَّ قِصَّةً أو مسرحية ذات فصل واحد مبهمة لا يؤلفها طفل عاقل بهذا الشكل؛ «أفيقيم الله الحكيم الخبير قِصَّة كونه العظيم هَذَا عَلَى مثل هَذَا العبث العجيب الذي يتنزَّه عنه الأطفال؟!». وَإِنَّهُ من العجب أن يصل عاقل إِلىَ اليقين بوجود إله خالق عظيم وراء هَذَا الكون، ثُمَّ يطوي فكره عن مزيد البحث!.
على العاقل أن يفكر في هذا التميز الذي حباه الله به من بين سائر الكائنات، وسخَّرها كلَّها له. إن هذا التسخير يقتضي تحمُّل مسؤوليته تجاهها. ولا يمكن للبشر أن يعرفوا كيفية تحمُّل هذه المسؤولية وفق ما يحبه الخالق إلا بتوجيه منه؛ لذلك بعث الله إليهم أنبياء ورسلا، وأنزل عليهم وحيا وكتبا لإرشاد الناس إلى كيفية أداء وظيفتهم في هذه الحياة (1).
أولا - الحاجة إِلى الوحي:
أ- ضرورة الوحي لمعرفة كَيفِيَّة تحمل المسؤولية (2):
إِنَّ الإِنسَان خُلق متميِّزًا بصفات عالية ترفعه عن مستوى الحيوانات، وخُلق هَذَا الكون كلُّه مسخَّرا للإنسان، ألا يمكن أن تكون لِهَذِهِ الميزة مسؤولية تجاه هَذَا الخالق الذي ميَّزه عن رفاقه من المخلوقات بسرِّ الفكر والعقل؟ نبَّه الله تَعَالىَ العقول إِلىَ هَذِهِ الحقيقة حيث قال: {أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمُ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَالىَ اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} (المؤمنون: 115 - 116).
فإذا أدركت هَذِهِ الحقيقة «فلا بُدَّ من أن تجدَّ البحث عَمَّا يكون مرتَّبا عليك من وظيفة ومسؤولية تجاه خالقك العظيم». وَحَتَّى لا تبقى حائرا في معرفة وظيفتك هَذِهِ، فقد أرسل الله عَزَّ وَجَلَّ رسلا إِلىَ صفوة مختارة من البشر يبلِّغونهم أوامر رَبِّهِم ونواهيه، وينبِّهونهم إِلىَ وجود حياة أخرى يجازى فيها الناس عَلَى ما فعلوه من خير أو شرٍّ.
ب- حاجة العباد إِلىَ النبي أكبر من حاجتهم إِلىَ الطبيب:
«النبوة أداة للعلم بالدنيا وتسييرها، ومعرفة سبيل سعادة الإِنسَان الحَقِيقِيَّة، وَهَذِهِ المقاصد يقصر العقل عن بلوغها، فالنبوة ضرورية ليصل الإِنسَان إِلىَ ما يصبو إِلَيْهِ ... » والنبيء كالطبيب، إذ كلاهما يعالج أمراضا ويصف أدوية، وبما أَنَّ الناس بحاجة إِلىَ
__________
(1) البوطي: كبرى اليقينيات، ص 179 - 182.
(2) البوطي: كبرى اليقينيات، ص 181 - 182. (1/67)
صفحة 69
الطبيب ـ مع أَنَّ علمه تجريبي كسبيٌّ ممكن التحصيل ـ فهم إِلىَ النبي أحوج، لأَنَّ علمه وحيٌ من الله يستحيل عَلَى غيره اكتسابه بالتعلُّم أَو التجريب (1).
ج- معرفة طريقة العبادة لا تكون إِلاَّ من المعبود نفسه:
وتظهر الحاجة أكثر في العبادة، فعند انعدام الوحي تَتَّخِذُ العبادة لدى البشر أشكالا مختلفة، ومذاهب شَتَّى، لأَنَّ العقل لا يصل ولن يصل إِلىَ معرفة طريقة العبادة المطلوبة منه إِلاَّ من المعبود نفسه، وهو الله عَزَّ وَجَلَّ. ولا تقتصر الحاجة إِلىَ الوحي عَلَى جانب العلاقة بين العبد وربه، بل تشمل كُلَّ مناحي الحياة، لأَنَّ مفهوم العبادة يشملها كُلَّهَا؛ لِذَلِكَ نجد القوانين البَشَرِيَّة خاضعة للتبديل والتجديد في كُلِّ حين، لأَنَّهَا تفتقد إِلىَ العدالة والاستقرار، ما لم تستمدَّ استقرارها من الشريعة السَّمَاوِيَّة (2).
ثانيا - تعريف الوحي لغة واصطلاحا:
أ- تعريف الوحي:
1 - الوحي لغة:
أورد علماء اللغة عدَّة معان وتصريفات للوحي، ونقتصر عَلَى ما ذكره الرازي بقوله: «الوَحْيُ: الكتاب وجمعه: وُحِيٌّ، مثل: حَلْيٌ وحُلِيٌّ، وهو أيضا: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفيُّ، وَكُلُّ ما ألقيته إلى غيرك. يقال: وحى إليه الكلام يَحِيهِ وَحْيًا، وأَوْحَى أيضا، وهو أن يكلِّمه بكلام يخفيه ... والوَحِيُّ على [وزن] فعيل: السريع، يقال: موتٌ وَحِيٌّ» (3). قال الشيخ محَمَّد رشيد رضا: «فالقول الجامع في معنى الوحي اللغوي: أنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه» (4).
وقد وردت في القرآن استعمالات كثيرة لكلمة الوحي بمعناها اللغوي، دون أن يقصد بها الوحي المعروف للأنبياء، منها:
- إلهام الخواطر وهو الذي يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة كالوحي إلى أمِّ موسى، قَالَ تَعَالىَ: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنَ اَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيَ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (القصص: 7).
- الإلهام الغريزي، قَالَ تَعَالىَ: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ... } (النحل: 68).
- وسوسة الشيطان، وَذَلِكَ في قَوله تَعَالىَ: {وَكَذَالِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الاِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمُ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} (الأنعام: 112).
- الإشارة والإيماء، قَالَ تَعَالىَ عن زكرياء - عليه السلام -: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمُ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} (مريم: 11).
2 - الوحي اصطلاحا:
عرَّفه الوارجلانيُّ بِأَنَّهُ: «مخالطة الملائكة لبعض البشر خُصُوصًا وسرًّا عن الناس» (5). والملاحظ في هَذَا التعريف أمران: إضافة قيد السرية عن الناس، مع العلم أَنَّ جبريل يتمثل أحيانا في صورة إنسان، كما في حديث سؤال جبريل لِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عن
__________
(1) السالمي: مشارق أنوار العقول، ص216. وينتن: آراء الشيخ امحَمَّد بن يوسف اطفيَّش العقديَّة، ص 208.
(2) وينتن: آراء، ص 209.
(3) محمد بن أبي بكر الرازي (721هـ): مختار الصحاح، ص297. وانظر: ابن منظور: لسان العرب، 15/ 379 - 382، مَادَّة «وحي». (برنامج مكتبة العقائد والملل، قرص مدمج). الفيروز آبادي: القاموس المحيط، مطبعة دار السعادة، د. ت، 4/ 399.
(4) محَمَّد رشيد رضا: الوحي المحمَّدي: 44. وانظر: محَمَّد عبده: رسالة التوحيد، ص88.
(5) الوارجلاني: الدَّلِيل والبرهان، 2/ 206. نقلا عن: وينتن: آراء، ص217. (1/68)
صفحة 70
الإيمان والإسلام والإحسان (1)، فالسرية ليست قيدا مطلقا (2). الأمر الثاني: أَنَّ المخالطة لا تعني بالضرورة الإعلام والإخبار، كما تحمله كلمة الوحي.
وعرَّفه الجيطالي بقوله: «والوحي: علم الأنبياء والرسل» (3). وهو تعريف غير مانع، لأَنَّ علم الأنبياء ليس كلُّه وحيًا، وَإِنَّمَا فيه ما هو بالتعلُّم من البشر وبالتدريب والتجريب، كتعلُّم الصنائع والحرف وسائر أمور الدنيا. وَكَذَلِكَ لم يُوَضِّح العلاقة المتميزة بين الله تَعَالىَ وأنبيائه.
وعرَّفه القطب اطفيَّش بِأَنَّهُ «الإرسال، فيقال: أوحى الله إلى عبد، بمعنى أرسل إليه ملكا يكلّمه، ويكلّفه بالنبوّة؛ ويعني أيضا الإلقاء في القلب ... وهذا التعريف يَعُمُّ كثيرين مِمَّن يلهمون أمورا في قلوبهم، وليس خاصًّا بالأنبياء، فهو أقرب إلى التعريف اللغويِّ منه إلى تعريف اصطلاحيٍّ» (4).
وعرَّفه الشيخ محَمَّد عبده «بِأَنَّهُ: عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بِأَنَّهُ من قبل الله بوساطة أَو بغير وساطة» (5)، ويلاحظ عَلَى التعريف استعمال لفظة} الشخص} فهي شاملة للنبيِّ وغيره، ويمكن أن تشتبه أَيضًا بالكشف والإلهام في أحوال الصوفية (6).
بناء عَلَى التعاريف المذكورة والملاحظات التي أوردناها عَلَيْهَا، نخلص إِلىَ هَذَا التعريف الاصطلاحي المقترح وهو: «الوحي معرفة خصَّ الله بها أنبياءه». فيدخل في المعرفة كُلُّ ما يلقيه الله تَعَالى إِلىَ أنبيائه، بشتى الطرق والوسائط الآتي ذكرها بحول الله، سواء ما كان من الوحي خفيًّا أو جليًّا، وسواء أكان بواسطة الملائكة، أم بالنفث في الروع، أم بالرؤيا، أم التكليم ... ولفظة} خصَّ} تمنع من دخول المعاني اللغويَّة للوحي كالإلهام الغريزي، والوسوسة ... إلخ والتي تكون لغير الأنبياء والرسل. ولفظة} الأنبياء} تشمل الرسل كَذَلِكَ، لأَنَّ كُلَّ رسول نبي، عَلَى المشهور.
الاستنتاج: نستنتج من تعريف الوحي أمرين:
- الأَوَّل: لا يدخل في معنى الوحيِ الإلهامُ والشعورُ الباطنيُّ وما يُسَمَّى بالفراسة والحدس، وإن كانت الكلمة مستعملة في اصطلاح بعض الناس.
- الثاني: لا يكون الوحي في ابتدائه إِلاَّ في اليقظة التَّامَّة، فليس للرؤى والأحلام أيُّ علاقة بإثبات النبوَّة. وإذا ثبتت النبوَّة كانت رؤى الأنبياء وحيا، «ما لم يأت وحي في اليقظة يعارضه أَو يَرُدُّه» (7).
ثالثا - الوحي وبعث الرسل بين الوجوب والجواز والاستحالة عقلاً:
انقسمت البَشَرِيَّة في شأن قبول الوحي والنبوءة عقلا وواقعا إِلىَ عِدَّة أصناف، والذي عَلَيْهِ الإِبَاضِيَّة وجمهور المسلمين أَنَّهَا جائزة عقلا. قال الشيخ السالمي (8):
__________
(1) البخاري: كِتَاب تفسير القرآن، باب قَوله تَعَالىَ: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34]، حديث رقم 4499.
(2) ونفس النقد يمكن توجيهه لقول الشيخ رشيد رضا: «ووحي الله تعالى إلى أنبيائه قد روعي فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة، وهما الخفاء والسرعة». اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يقال: إِنَّ الخفاء المقصود هو خفاء الصورة الحَقِيقِيَّة للملك، فَهَذَا أمر مُتَّفَق عَلَيْهِ. انظر: محَمَّد رشيد رضا: الوحي المحمَّدي: 44. وينتن: آراء، ص 216.
(3) الجيطالي: قواعد، 1/ 80.
(4) وينتن: آراء، ص217.
(5) محَمَّد عبده: رسالة التوحيد، ص88.
(6) رغم محاولة الشيخ محَمَّد عبده تبيين الفرق بين الوحي والإلهام ـ بأَنَّ الثاني هو «وجدان تستيقنه النفس وتنساق إِلىَ ما يطلب عَلَى غير شعور منها من أين أتى، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور» ـ فَإِنَّهُ لا يزال هناك التباس بين الإلهام لشخص عادي، وبين الإلهام للنبيِّ، وهو ما يُسَمَّى بالنفث في الروع. انظر: محَمَّد عبده: رسالة، ص89.
(7) البوطي: كبرى اليقينيات، ص 184 - 185.
(8) السالمي: مشارق، ص 215؛ بهجة الأنوار، ص96 - 97. (1/69)
صفحة 71
«ثُمَّ من الجائز بعث الرسل يهدوننا إِلىَ الصراط الأعدل»
المقصود بالجواز هنا: الجواز العقلي، وهو ما يُعَبَّرُ عنه بالإمكان الخاصِّ المنافي للوجوب والاستحالة (1)، فبعث الرسل من الصفات الجائزة في حقِّه تَعَالىَ، أي له أن يفعل ذَلِكَ، وله أن لا يفعله، ويصحُّ اتِّصَافه به وعدم اتِّصَافه به. وليس من الواجب عَلَيْهِ تَعَالىَ خلافا للمعتزلة والفلاسفة، ولا من المستحيل عَلَيْهِ، خلافا للبراهمة (2) والسُّمَنِيَّة (3) ونحوهم.
مواقف البشر تجاه الوحي والرسالات
الجواز، والإيمان بجميع الرسالات • جمهور المسلمين ... الوجوب عقلا والإيمان بجميع الرسالات ... الجواز عقلا والإيمان بِبَعْض الرسالات والكفر بِبَعْضها • اليهود والنصارى وَبَعض البراهمة ... الجواز عقلا ومنع وقوعها ... الاستحالة عقلا وواقعا • أغلب البراهمة والسمنية
• المعتزلة
أ- القائلون بوجوب بعث الرسل:
القائلون بوجوب بعثة الرسل عَلَى الله تَعَالىَ هم المعتزلة وبعض الفلاسفة. فَأَمَّا المعتزلة فيقولون: إِنَّ صلاحية أمر المعاش والمعاد متوقفة عَلَى وجود الرسل، فلا يتِمُّ نظامها إِلاَّ بهم، وهو مبنيٌّ عَلَى مذهبهم الفاسد القائل بوجوب رعاية الأصلحية عَلَى الله تَعَالىَ، ووجوب مراعاة الأصلحية مبنيٌّ عَلَى قولهم بتحكيم العقل وردِّ الشرع إليه. وقد رَدَّ أغلب العلماء عَلَى المعتزلة تقديمهم للعقل عَلَى الشرع، ووجوب مراعاة الأصلحية عَلَى الله بِعِدَّةِ أدلة، ليس المقام لتفصيلها (4).
«وَأَمَّا الفلاسفة فقد أوجبوا ذَلِكَ عَلَى الله تَعَالىَ بطريق العِلَّة أو الطبيعة. وبطلان مذهبهم ظاهر، لأَنَّ الله تَعَالىَ هو الصانع المختار لا العِلَّة ولا الطبيعة» (5).
ب- القائلون باستحالة بعث الرسل:
وَأَمَّا القائلون باستحالة النبوة وأنكروها فقد برَّروا موقفهم بِعِدَّةِ أمور:
1 - إِنَّ بعث الرسل إِلىَ من ينكرهم يعتبر عبثا يتنزَّه الله عنه (6). وجوابهم من وجهين: الأَوَّل: لا شَكَّ أَنَّ إيمان البعض ينفي العبث. الثاني: إِنَّ الله تَعَالىَ أراد أن يقيم بهم الحجَّة عَلَى الكُفَّار يوم القيامة، إذ يقول: {يَآأَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (المائدة: 19)، وبهذا يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّ بعثة الرسل من تمام حكمة الله، كما قَالَ في آية أخرى: { ... رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (النساء: 165).
__________
(1) يضيف السالميُّ قائلا: «تنبيه: يَتَرَتَّبُ عَلَى قولنا بِأَنَّ بعث الرسل من الجائز العقلي عدم وجوب معرفة أَنَّ لله رسولا بخاطر البال، فَإِنَّهُ متى ما جوَّز العقل وجودَ بَعْثِ الرسول وعَدَمَه كان معه كلا الطرفين سواءً، فلا يكون طريق معرفة البعث [بعث الرسل] إِلاَّ السماع». مشارق، ص216.
(2) البراهمة نسبة إِلىَ ملكهم برهمي أو براهم، وهم من الهندوس، وقد شاع عنهم إنكار النبوات، ولهم طقوس خرافية، كإحراق أنفسهم وهم أحياء ابتغاء رضوان الله، وإنكار ذبح الحيوان لأَنَّهُ تعذيب له، حسب زعمهم ... انظر: ابن حزم (456هـ): الفصل في الملل، 1/ 63. الشهرستاني (548هـ): الملل والنحل، 2/ 250 - 252. أبو الفرج عبد الرحمن بن علي (597هـ): تلبيس إبليس، 1/ 82 - 83، 86 ... (برنامج العقائد والملل).
(3) هكذا ضبطه صاحب مختار الصحاح، نسبة إِلىَ قرية سومنات بالهند، وهم من الفلاسفة المنكرين للإيمان بِشَيْءٍ غير محسوس، ويقولون بالتناسخ. انظر: الماتريدي (333هـ): التوحيد: 1/ 152. البغدادي (429هـ): الفرق بين الفرق: 1/ 253، 346. الرازي (721هـ): مختار الصحاح، 1/ 132. الإيجي (756هـ): المواقف: 1/ 130. المناوي (1031هـ): التعاريف، 1/ 415. (البرنامج نفسه).
(4) انظر عَلَى سبيل المثال: السالمي: طلعة الشمس، 2/ 235 - 240. معارج، 1/ 160 وما بعدها.
(5) السالمي: مشارق، ص 215. وانظر: بهجة، ص 96 - 97.
(6) انظر: ابن حزم: الفصل في الملل، 1/ 63. (برنامج العقائد والملل). وينتن: آراء، 211 - 212. وأحال عَلَى: القطب: فتح الله، 90و-90ظ. حاشية القناطر، 2/ 60و. وللقطب ردَّان آخران غير ما ذكرناه، فراجعهما. (1/70)
صفحة 72
2 - من المحتمل أن يكون ذَلِكَ الخبر الذي جاء إِلىَ هَذَا البشر إِنَّمَا هو من إلقاء الجنِّ. أجاب القطب اطفيَّش، والشيخ السالمي عن هَذَا بقولهما: إِنَّ الله يخلق في البشر الموحى إِلَيْهِ علمًا يدرك به أَنَّ ذَلِكَ الخبر من عند الله، لا من الجنِّ والشياطين (1). ويبدو أَنَّ هَذَا الردَّ من الشيخين غير كاف وغير مقنع، إذ كيف يقتنع من ينكر الوحي أصلا بِأَنَّ الله خلق هَذَا الإدراك في الشخص الموحى إِلَيْهِ؟ فالإدراك لا يتعدَّى الشخص الموحى إليه إلى غيره مِمَّن ينكر الوحي.
وَلَعَلَّ الجواب الأنسب هو أمران:
- أحدهما: إِنَّ وجود المعجزات التي تصاحب النبي أو الرسول، ـ وأعظمها معجزة القرآن المنزل عَلَى سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، بما حواه من مختلف مظاهر الإعجاز العلمي (2) والغيبي والتشريعي والبلاغي ـ من أكبر الأَدِلَّة عَلَى أَنَّ مصدره من الله لا من البشر.
- ثانيهما: إِنَّ الاحتمال ـ احتمال أن يكون ما أتى به النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم من الجنِّ لا من عند الله ـ ليس دليلا عَلَى نفي أَنَّهُ من عند الله، إذ إِنَّ من القضايا المنطقية المعروفة أَنَّ نفي الشَّيْء الثابت أحوج إِلىَ الدليل من الإثبات.
3 - إِنَّ بعثة الرسل مستحيلة لاستحالة خرق العادة عقلا. وأجيبوا بِأَنَّ خرق العادة ليس بِأَشَدَّ من بدء خلق السَّمَاوَات وَالأَرْض (3). ويضاف إِلىَ ذَلِكَ أَنَّ الله تَعَالىَ هو واضع نظام وقوانين الكون، فهو القادر عَلَى خرق هَذَا النظام.
4 - «إن جاءت الرسل بما يدرك عقلا لم يكن في إرسالهم فائدة، وكان في قضايا العقل مندوحة عن غيرها، وإن جاءت الرسل بما لا يدرك عقلا فلا يقبل ما يخالف العقل». وأجيبوا بِأَنَّ «الشرع يرشد إلى ما لا يستدرك بمحض العقول، ولا يَرِد بما يقضي العقل بخلافه، وإذا لم يكن في إرسال الرسل استحالة أو خروج عن الحقيقة فيجب الحكم بجوازه» (4).
ج- القائلون بجواز بعث الرسل المنكرون لوقوعه:
أَمَّا الذين قالوا بإمكانية النبوءة عقلا، ولم يستبعدوا وقوع اتِّصَال بين عالم الغيب وعالم البشر عن طريق الوحي، لَكِنَّهُمْ لم يعترفوا بوجود نبيء مرسل موحى إليه، فقد أجابهم السالمي بوجود المعجزات الدَّالَّة عَلَى وقوعها حيث لا معارض (5).
وقد أورد القطب اطفيَّش حجَّتهم المتمثِّلة في قولهم: إِنَّهُ لا يصدر من الوحي إِلاَّ ما هو خير وفيه سعادة للناس، لكن يوجد في التشريعات السَّمَاوِيَّة ما ينفر منه العقل، مثل تشريع ذبح الحيوان، والتكليف بتحمُّل بعض المشاقِّ كمنع الأكل والشرب في الصوم، وتحريم بعض الشهوات، وَرَدَّ عَلَيْهِم بِأَنَّ «مصدر هذا الرفض يرجع إلى عدم إدراك العقل للحكمة من هذه الشرائع، وهو قصور منه، ولو علم الحكمة من إباحة أكل لحم الحيوان، وتحريم المحرَّمات كلّها لاستساغ كُلَّ ذلك وقبِلَه» (6).
رابعا: طرق الوحي:
وردت في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف أغلب طرق الوحي، قَالَ تَعَالىَ: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ اِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ وَكَذَالِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنَ اَمْرِنَا ... } (الشورى: 51 - 52). وقد فسِّر قَوله تَعَالىَ: {إِلاَّ وَحْيًا} بالنفث في الروع، أي الإلهام، وبالرؤيا في المنام، وقوله: {اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً} فسِّر بجبريل - عليه السلام - (7).
__________
(1) السالمي: مشارق، ص 215. وينتن: آراء، 209 - 210.
(2) يرى المفكر وحيد الدين خان أَنَّ علم الكلام الجديد يتمثَّل في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، (في الآفاق وفي الأنفس، والذي يشمل العلوم الطبيعية، والكونية، وَالاِجتِمَاعِيَّة، والنفسية والتاريخية وعلم الآثار)، وهو علم الكلام الذي يجب عَلَى المسلمين التركيز عَلَيْهِ وتدوينه، لأَنَّهُ يستند إِلىَ القوانين الكونية الثابتة، وليس منبنيًا عَلَى الأساليب القياسية الجدليَّة التي تختلف من عصر إِلىَ آخر. انظر: وحيد الدين خان: الإِسلاَم والعصر الحديث، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثالثة، 1406هـ/1986م، ص76 - 83.
(3) السالمي: مشارق، ص 216.
(4) عبد الملك بن عبد الملك بن يوسف (438هـ): لمع الأدلة في قواعد أهل السنَّة والجماعة، 1/ 123. (برنامج العقائد والملل) وللقطب اطفيَّش ردٌّ عَلَى نحو ما ذكر. انظر: وينتن: المرجع السابق، ص212 - 213. وأحال عَلَى الهميان، 1/ 490.
(5) السالمي: مشارق، ص 216.
(6) وينتن: آراء، ص214. أحال عَلَى فتح الله، 2/ 91و.
(7) انظر: تفسير القرطبي، ج16، ص53، تفسير قَوله تَعَالىَ: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا ... } (1/71)
صفحة 73
وفي مسند الربيع: سَأَلَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ». قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا (1).
ويمكن تلخيص كَيفِيَّة نزول الوحي في الطرائق الآتية:
1. تكليم الله للرسول بلا واسطة، كسيِّدنا موسى - عليه السلام -، قَالَ تَعَالىَ: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} (النساء: 164).
2. ظهور الملك عَلَى صورته، كما وقع للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في بدء الوحي، وَهُوَ بغار حراء، قال صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث بدء الوحي: « ... بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ... » (2)، أو عند الإسراء والمعراج، قَالَ تَعَالىَ: {وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالاُفُقِ الْمُبِينِ} (التكوير: 23)، وقال: {وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً اُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى} (النجم: 13 - 14).
3. تمثُّل الملك في صورة بشر يكلِّم النبيء، ويسمع مَن معه، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ». أو كما في حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإِسلاَمِ والإحسان والساعة (3)، وقد نصَّ النسائيُّ عَلَى أَنَّ جبريل - عليه السلام - جاء في صورة دِحْيَةَ الكلْبِي (4).
4. مجيء الملك دون صورته، ودون أن يدرك مَن حولَه شيئا، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ».
5. الوحي في المنام، كما قال تَعَالىَ عَلَى لسان إبراهيم - عليه السلام -: {قَالَ يَابُنَيِّ إِنِّيَ أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّيَ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَآ أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ} (الصافات: 102)، وقد سَمَّى إسماعيل الرؤيا أمرًا من الله. وفي الأثر: «رؤيا الأنبياء وحي» (5).
6. الكِتَابة عَلَى شَيْء، كالألواح لموسى - عليه السلام -: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (الأعراف: 145).
7. الإلهام: وهو ما يلقيه الله تعالى في قلب النبيء، في اليقظة أو في المنام، فيعلم أَنَّهُ وحيٌ، وقد سَمَّاهُ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم نفثًا في الروع، إذ قال - عليه السلام -: «إِنَّ روح القدس نفث في روعي: لن تموت نفس حَتَّى تستكمل رزقها، فاتَّقوا الله وأجملوا في الطلب» (6).
8.
__________
(1) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: [2] بَابٌ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ، رقم 02، ص 05. البخاري: كِتَاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، رقم02.
(2) تَقَدَّمَ تخريجه.
(3) نصُّ الحديث عند الربيع: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ أَتَاهُ آتٍ حَسَنُ الْوَجْهِ، طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، فَقَالَ: أَدْنُو مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَدَنَا فَقَالَ لَهُ: مَا الإِيمَانُ؟ فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ»، فَقَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: وَمَا الإِسْلاَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِقَامُ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالاِغْتِسَالُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَحَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً»، قَالَ: صَدَقْتَ، ثُمَّ تَغَيَّبَ فَإِذَا هُوَ جِبْرِيلُ - عليه السلام -. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، ج3، [2] بَابُ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: الإِيمَانُ قَوْلٌ بِلاَ عَمَلٍ، رقم 769، ص201.
ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، بدون زيادة الغسل من الجنابة. وبزيادتها عند أبي داود، كِتَاب السنة، باب في القدر، رقم 4695. وَكُلُّهم رووه بزيادة سؤاله - عليه السلام - عن الساعة وأماراتها، إِلاَّ الربيع.
(4) كِتَاب الإيمان وشرائعه، باب صفة الإيمان والإِسلاَمِ، حديث 4991.
(5) استشهد به الشيخ اطفيَّش حديثا (انظر: وينتن: آراء، ص219) وهو في البخاري قول لعبيد بن عمير في كتاب الوضوء، باب التخفيف في الوضوء رقم138. وأورده الترمذي قولا لابن عبَّاس، كِتَاب المناقب عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، باب في مناقب عمر بن الخطَّاب، رقم 3689.
(6) قال العجلوني: «رواه في مسند الفردوس عن جابر ... ورواه أبو نعيم والطبراني عن أبي أمامة، والبزَّار عن حذيفة، وأخرجه أيضا ابن أبي الدنيا وصحَّحه الحاكم عن ابن مسعود كذا في فتح الباري». العجلوني: كشف الخفاء، 1/ 268. (المكتبة الألفية، قرص مدمج) (1/72)
صفحة 74
الوحي الذي يصدرعن النبيء بالتأمُّل في الأحكام والاجتهاد فيصبح وحيًا باعتبار أنَّ الله تعالى يقرُّه على ذلك (1). قَالَ تَعَالىَ: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3 - 4).
خامسا: أَدِلَّة ثبوت الوحي (2):
1 - التمييز الواضح بين القرآن والحديث: فقد كان يأمر بتسجيل كُلِّ ما ينزل عَلَيْهِ من القرآن فورا، لأَنَّهُ كلام الله نزل بحروفه وألفاظه، أَمَّا الحديث فكانت معانيه من الله وألفاظه من عنده - عليه السلام -، ولم يأمر بتدوينه حذر أن يختلط كلام الله بكلامه هو.
2 - كان صلَّى الله عليه وسلَّم يُسأل عن بعض الأمور فلا يجيب عنها انتظارا للوحي، حَتَّى إذا نزل عَلَيْهِ دعا السائل ليتلو عَلَيْهِ ما نزل. وَرُبَّمَا تصرف باجتهاده عَلَى نحو مُعَيَّن، فينزل الوحي بعتابه ولومه أو بتقريره.
3 - كان الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم أميا، ومن غير الممكن أن يعلم إنسان بواسطة التفكير والتأمل حقائق تَارِيخِيَّة، كقصة يوسف، وأم موسى، وقصة فرعون. قَالَ تَعَالىَ: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (العنكبوت: 48).
4 - إِنَّ صدق الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم وأمانته وكرم أخلاقه أربعين سنة ينفي أن يكون منطويا عَلَى أحطِّ مظاهر التدجيل والكذب والتمثيل؛ فلو ثبتت عَلَيْهِ كذبة واحدة أو معصية لاشتهرت لشدَّة عداوة أعدائه وكثرتهم (3).
وإذا ثبت إعجازُ القرآن الكريم، وتحدِّيه للمنكرين مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صدق نبوة سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فنبوَّة من أخبر عنهم ثابتة أَيضًا (4).
سادسا: شبهات للتشكيك في صِحَّة وقوع الوحي (5):
اهتم أعداء الإِسلاَم بالتلبيس عَلَى حقيقة الوحي، للخلط بينه وبين الإلهام وحديث النفس، بل وَحَتَّى الصرع أَيضًا؛ لأَنَّهُم عَلَى يقين أَنَّ الشكَّ في الوحي يُؤَدِّي بالمؤمنين برسالة محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم إِلىَ الشكِّ والكفر بِكُلِّ ما يتفرَّع عن الوحي من عقائد وأحكام، ما دام الوحي ليس سوى حالات نفسية تعتري الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم. فمن قائل: إِنَّ الرسول اهتدى بعد تفكير عميق إِلىَ طريقة يراها كفيلة بالقضاء عَلَى الوثنية. ومن قائل بِأَنَّهُ - عليه السلام - تعلم القرآن وأخذ مبادئ الإِسلاَم عن بحيرا الراهب، وآخر يقول: إِنَّ محَمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم كان عصبيًّا مصابا بداء الصرع (6). والجواب عَلَى أولئك المشكِّكين أن نقول: لا مفرَّ لكم من أحد سبيلين: إِمَّا أن لا تعتمدوا تلك النصوص التي وردت فيها كلمة الوحي أصلا (وهي الكِتَاب وَالسُّنَّة)، وبالتالي لا تدخل هَذِهِ الكلمة في المناقشة ولا في عالم أفكاركم، فلا يمكنكم الحديث عن شَيْء اسمه الوحي في حياة الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم، وَإِمَّا أن تعتمدوا هَذِهِ الكلمة وتستعملوها، وحينئذ لا يسعكم إنكار تلك النصوص التي وردت فيها، فَلاَ بُدَّ لكم من إلقاء السمع لِمَا تثبته تلك النصوص من الحقائق والوقائع. أَمَّا أن تأخذوا الكلمة ـ كلمة الوحي ـ وتبتسروها مجردة عن نصوصها التي تفسرها وتبين ملابساتها، فَهَذَا غير معقول، وغير مقبول علميا.
ونورد هنا اثنتين من تلك الشبه، ونرى هل تصمدان أمام النقد العلمي أم لا؟
__________
(1) ذكر الصنفين الأخيرين القطب اطفيَّش، ينظر: الهميان: 2/ 239. شرح الدعائم: 1/ 17. التيسير: 3/ 304 - 305؛ 11/ 513. الذهب الخالص: 20. نقلا عن وينتن، ص218.
(2) انظر: البوطي: كبرى اليقينيات، ص 193 - 195.
(3) انظر: القطب اطفيَّش: فتح الله، 2/ 89ظ، وَاتَّفَقَ الشيخ اطفيَّش في هَذَا الاستدلال مع أبي منصور الماتريدي (كتاب التوحيد، ص176 - 177)، وأبي عَمَّار عبد الكافي (الموجز، 1/ 302، 312). نقلا عن وينتن: آراء، ص208.
(4) وينتن: آراء الشيخ اطفيَّش العقديَّة، ص 207. أحال عَلَى فتح الله، 2/ 89ظ.
(5) انظر: البوطي: كبرى اليقينيات، ص 186 - 195.
(6) أحال عَلَى: حاضر العالم الإِسلاَمِي، لـ، 1/ 28 - 29. (1/73)
صفحة 75
الشبهة الأولى: ألا يمكن أن يكون ما جاء به محمَّد - صلى الله عليه وسلم - من عنده؟
وجوابه باختصار: إِنَّ ملابسات وقوعه حسب المصادر الحديثية (1) والتاريخية تنفي ذَلِكَ. ونزيد القَضِيَّة توضيحا فنقول:
إذا ثبت أَن لا مناص من الرجوع إِلىَ المصادر الحديثية والتاريخية التي أتت بتفاصيل الوحي وبدئه، فَإِنَّ عِدَّة تساؤلات تطرح نفسها، منها: لماذا رأى النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم في غار حراء جبريل بعيني رأسه، بينما كان من الممكن أن ينبِّئه من وراء حجاب؟ لماذا تملَّكه الخوف والرعب، وقد كان من المفترض أَنَّ محبة الله لرسوله أن ينزل عَلَيْهِ السكينة والطمأنينية؟ «لماذا خشي عَلَى نفسه أن يكون هَذَا الذي ساوره طائفا من الجنِّ، ولم يستيقن من أَوَّل الأمر أَنَّهُ ملك من عند الله؟ لماذا انفصل الوحي عنه بعد ذَلِكَ لِمُدَّة طويلة، وجزع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم بسبب ذَلِكَ جزعا عظيما، حَتَّى إِنَّهُ كان يحاول ـ كما يروي الإمام البخاري ـ أن يتردى من شواهق الجبال؟. إِنَّ الجواب عن هَذِهِ الأسئلة يجعل المفكر الحرَّ يجد فيها الحقيقة الناصعة، ويسلم من شَرَك أخيلة المشكِّكين، ويتلخَّص الجواب فيما يأتي:
1 - إِنَّ رؤية الملك بعينيه ليتبين أَنَّ الوحي ليس «أمرا ذاتيا داخليا مردُّه إِلىَ حديث النفس المجرد، وَإِنَّمَا هي استقبال لحقيقة خَارِجِيَّة لا علاقة لها بالنفس ... وضمُّ الملك إِيَّاهُ ثُمَّ إرساله ثلاث مَرَّات قائلا في كُلِّ مَرَّة: اقرأ، يعدُّ تأكيدا لهذا التلقي الخارجي، ومبالغة في نفي ما قد يُتَصَوَّرُ من أَنَّ الأمر لا يعدو كونه خيالا داخليا فقط».
2 - إِنَّ الخوف الذي تملَّكه يُوَضِّحُ أَنَّهُ لم يكن متشوقا للرسالة، وَأَنَّهَا لم تكن متوقَّعة، وَأَنَّهَا «طرأت طروءا مثيرا عَلَى حياته». وهو ما ينفي الشبهة القائلة: إِنَّ الوحي كان نتيجة تأمل وتفكير أَدَّى بالتدريج إِلىَ الكشف والإشراق الروحي، لأَنَّ ذَلِكَ لا يستدعي المفاجأة والخوف واصفرار اللون. وهي من الانفعالات النفسية القسرية التي لا سبيل إِلىَ اصطناعها. ولا يستدعي أن يكون قد مَسَّه طائف من الجنِّ حَتَّى طمأنته خديجة أَنَّ الشيطان لا يَمَسُّه بأذى لِمَا فيه من الخصال الحميدة. والحكمة من كُلِّ ذَلِكَ أن يُبَيِّن الله تَعَالىَ أَنَّ شَيْئًا من أركان العقيدة أو الشريعة لم يكن يدور بخلد الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم سلفا عَلَى الإطلاق.
3 - إِنَّ انطلاق خديجة بِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إِلىَ ورقة بن نوفل ـ وهو الخبير بالتوراة والإنجيل ـ إزالة لِكُلِّ التباس حول ما وقع للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وتأكيد عَلَى أَنَّ الذي فوجئ به إِنَّمَا هو الوحي الذي نزل عَلَى الأنبياء قبله.
4 - إِنَّ انقطاع الوحي لِمُدَّة سِتَّة أشهر أو أكثر ـ والضيق النفسي الشديد الذي أصيب به النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم حَتَّى خشي أن يكون الله قد قلاه لسوء قد صدر منه ـ يبدِّد الشكوك في كون الوحي أمرا داخليا نابعا من التأمل والتفكير.
__________
(1) لمزيد بيان نورد نصُّ رواية البخاري (كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي، حديث رقم4، ج1/ص4)،، وهي كالآتي:
«حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ ـ وَهُوَ التَّعَبُّدُ ـ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ اقْرَأْ، قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ}، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلاَّ، وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟! قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ. وَفَتَرَ الْوَحْيُ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ». (1/74)
صفحة 76
الشبهة الثانية: لماذا يرى النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم - الملَك وحده ولا يراه أصحابه؟
الجواب: «ليس من شرط وجود الموجودات أن تُرى بالأبصار، إذ إِنَّ وسيلة الإبصار فينا محدَّدة بحدٍّ مُعَيَّن، وَإِلاَّ لاقتضى ذَلِكَ أن يكون الشَّيْء معدوما إذا ابتعد عن البصر بعدا يمنع من رؤيته، عَلَى أَنَّ من اليسير عَلَى الله جَلَّ جَلاَلُهُ ـ وهو الخالق لِهَذِهِ العيون المبصرة ـ أن يزيد في قُوَّة ما شاء منها، فترى ما لا تراه العيون الأخرى. يقول مالك بن نبي في هَذَا الصدد:} إِنَّ عمى الألوان مثلا يقدم لنا حالة نموذجية، وهناك أَيضًا مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر وفوق الضوء البنفسجي لا تراها أعيننا، ولا شَيْء يثبت عمليا أَنَّهَا كَذَلِكَ بالنسبة لجميع العيون، فقد توجد عيون يمكن أن تكون أقل أو أكثر حساسية} (1)».
الشبهة الثالثة: إذا كان الوحي لتوحيد وإسعاد البَشَرِيَّة فلماذا بقيت متفرقة شقية؟
أجاب الشيخ محَمَّد عبده بمثال محسوس قائلا: إِنَّ منزلة النبوات من المجتمع كمنزلة البصر من الجسد، «أليس من وظيفة الباصرة التمييز بين الحسن والقبيح من المناظر، وبين الطريق السهلة السلوك والمعابر الوعرة؟ ومع ذَلِكَ فقد يسيء البصير استعمال بصره فيتردَّى في هاوية يهلك فيها، وعيناه سليمتان تلمعان في وجهه، يقع ذَلِكَ لطيش أو إهمال أَو غفلة أَو لجاج وعناد. وقد يقوم من العقل والحسِّ ألف دَلِيل عَلَى مَضَرَّة شَيْء، ويعلم ذَلِكَ الباغي في رأيه من أهل الشرِّ، ثُمَّ يخالف تلك الدلائل الظاهرة، ويقتحم المكروه لقضاء شهوة اللجاج أو نحوها. وَلَكِنَّ وقوع هَذِهِ الأمثال لا ينقص من قدر الحس أَو العقل فيما خُلق لأجله. كَذَلِكَ الرسل عليهم السلام أعلام هداية نصبها الله عَلَى سبيل النجاة، فمن الناس من اهتدى بها فانتهى إِلىَ غايات السعادة، ومنهم من غلط في فهمها فانكب في مهاوي الشقاء ... » (2).
*************************
المبحث الثاني:
الأنبياء والرسل
- وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل:
مِمَّا يجب عَلَى العبد اعتقاده «أَنَّ لله جملة الأنبياء والرسل، أرسلهم إِلىَ عباده، وجعلهم الأمناء عَلَى خلقه، والحكَّام في بلاده، وأنزل عَلَيْهِم كتبه وآياته وكلماته، وجعل أولهم آدم أبا البشر رسولا إِلىَ أولاده، وآخرهم نبيئنا محَمَّدًا - عليه السلام -، ختم به أنبياءه ورسله، وأنزل عَلَيْهِ القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، نزل به الروح الأمين عَلَى قلب محَمَّد - عليه السلام -، ليكون من المنذرين بلسان عربيٍّ مبين، وَأَنَّهُ كلام الله ووحيه وتنزيله، وَأَنَّ الأنبياء والرسل كلهم آدميون» (3).
- تعريف النبوة والرسالة لغة واصطلاحا:
أ- تعريف النبوة والرسالة لغة:
1 - النبوَّة والنبوءة لغة:
تستعمل العرب لفظة} النبيِّ} و} النبيء}، بالهمز وبلا همز، كالبريَّة والبريئة (4). «قال الزجَّاج: القراءة المجتمع عليها في النبيين والأنبياء طرح الهمز، وقد همز جماعة من أهل المدينة جميع ما في القرآن من هذا ... قال: والأجود ترك الهمز، لأَنَّ الاستعمال
__________
(1) الظاهرة القُرآنِيَّة، ص127. نقلا عن البوطي.
(2) رسالة التوحيد، ص102 - 103.
(3) الجيطالي: قواعد الإِسلاَم، 1/ 82 - 83.
(4) انظر: الرازي: مختار الصحاح، ص 268، مَادَّة «ن. ب. أ» ومَادَّة «ن. ب. و». (1/75)
صفحة 77
يوجب أنَّ ما كان مهموزا من} فعيل} فجمعه} فُعَلاء} مثل ظريف وظُرَفاء، فإذا كان من ذوات الياء فجمعه} أفعلاء} نحو غني وأغنياء، ونبي وأنبياء، بغير همز، فإذا همزت قلت: نبيء ونُبَآء ... وقد جاء} أفعلاء} في الصحيح وهو قليل، قالوا: خميس وأخمساء، ونصيب وأنصباء» (1).
ويلخص الشيخ السالمي الاشتقاق اللغويَّ بقوله: «والنبيُّ} فعيل}، [مشتقٌّ] من النبأ بالهمز وعدمِه، بمعنى: مخبِر، بكسر الباء وبفتحها، فَعَلَى الأَوَّل معناه: مخبِر لنا بأحكام الله تَعَالىَ إذا كان رسولاً، وبنبوءته ليُحتَرَمَ إذا كان نبيًّا فقط. وَعَلَى الثاني [أي مُخْبَر] فمعناه أَنَّ جبريل أخبره عن الله بما جاء به عنه.
أو [النبيُّ مشتقٌّ] من النبوَّة، وهي الرفعة، وَعَلَيْهِ فيكون النبيُّ بمعنى الرافع لشأن أمَّته، إذ ما من مرفوع إِلاَّ وبابُ رِفْعَتِهِ النَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ. أَو بمعنى مرفوع الرتبة، لأَنَّ الله رفع شأنه عن غيره. وَعَلَى جميع التوجيهات فـ} فعيل} يصلح أن يكون بمعنى} فاعل} وبمعنى} مفعول} كما رأيتَ» (2).
2 - الرسالة والرسول لغة (3):
لِمَادَّةِ «ر. س. ل» في اللغة معان كثيرة، نكتفي بذكر أهمِّها، وهي:
القطيع والجماعة: الرَّسَل القطيع من كل شيء، والجمع أَرْسَال، وجاؤوا رَسْلَةً رَسْلَةً: أي جماعةً جماعةً، وفي الحديث: إِنَّ الناس دخلوا عليه صلَّى الله عليه وسلَّم بعد موته أَرْسَالاً يصلُّون عليه، أي أفواجا وفرقا متقطِّعة بعضهم يتلو بعضا.
التتابع: قال أبو بكر بن الأنباري في قول المؤذِّن:} أشهد أنَّ محَمَّدًا رسول الله} أَعْلَمُ وَأُبَيِّنُ أنَّ محَمَّدًا متابِعٌ للإخبار عن الله عَزَّ وَجَلَّ. والرسول معناه في اللغة الذي يتابع أَخبار الذي بعثه، أخذًا من قولهم: جاءت الإبل رَسَلا، أي متتابعة.
التوجيه والبعث: وقد أرسل إليه: وجَّه وبعث، والاسم: الرِّسالة والرَّسالة والرسول والرسيل. وَيَرِدُ الرسول بمعنى الْمُرْسَل وبمعنى الرسالة، «وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ، [فيقال: هو أو هي أو هم رسولك] كَمَا يَجُوزُ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ فَيُجْمَعُ عَلَى رُسُلٍ. كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128]، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {فَاتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولآَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 16]» (4)، أي: رسالة رَبِّ العالمين، ولم يقل رُسُلُ، لأَنَّ فَعُولاً وفَعِيلاً يستوي فيهما المذكَّر والمؤنَّث، والواحد والجمع، مثل: عدوٍّ وصديق، كقولهم: كثر الدينار والدرهم، لا يريدون به الدينار بعينه والدرهم بعينه، إِنَّمَا يريدون كثرة الدنانير والدراهم. والجمع أَرْسُلٌ ورُسُلٌ ورُسلٌ ورُسَلاَءُ. وتراسل القوم: أرسل بعضهم إلى بعض.
التؤدة والتمهُّل والتوقُّر والتثبُّت والرفق واللين: الرِّسْلُ والرِّسْلَةُ: الرفق والتُّؤَدَةُ، وقد رَسِلَ رَسْلاً ورَسَالَةً. والتَّرَسُّلُ والتَّرْسِيلُ في القراءة: التحقيق بلا عجلة، وفي الحديث: «كان في كلامه ترسيل»، أي ترتيل، يقال ترسَّل الرجل في كلامه وفي مشيه وفي أموره: إذا لم يَعْجَلْ. وسَيْرٌ رَسْلٌ: سَهْلٌ، وناقة رَسْلَةٌ: سَهْلَةُ السير. وهم في رَسْلَة من العيش: أي لين. ويقال: رجل فيه رَسْلَةٌ أي كسل.
الاستئناس: ويطلق الاسترسال عَلَى الاستئناس والانبساط والطمأنينة إلى الإنسان والثقة به فيما يحدِّثه، يقال: غبن المسترسل إليك ربًا.
الإطلاق والإهمال والإطالة: أرسل الشيءَ: أطلقه وأهمله، تقول: كان لي طائر فأرسلته أي خلَّيته وأطلقته. ويقال: استرسل الشَّعرُ: أي صار سَبْطًا، وشعر رَسْلٌ ومسترسَل: طويل، وأرسل شعر رأسه أو لحيته: تركه يطول. والإرسال في قوله عَزَّ وَجَلَّ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ علَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمُ أَزًّا} (مريم: 83) فيه وجهان، أحدهما: أنَّا خلَّينا الشياطين وإيَّاهم
__________
(1) ابن منظور: لسان العرب، 15/ 303. (برنامج العقائد والملل)
(2) السالمي: مشارق، ص 19 - 20. وانظر: بهجة الأنوار، ص9.
(3) ابن منظور: لسان العرب، 15/ 281 - 285، مَادَّة «رسل». (برنامج العقائد والملل).
(4) وزارة الأوقاف: الموسوعة الفِقْهِيَّة، 22/ 209 - 210. (برنامج جامع الفقه الإِسلاَمِي - قرص مدمج) (1/76)
صفحة 78
فلم نعصمهم، والوجه الثاني: أَنَّهُم أُرْسِلوا عليهم وقُيِّضُوا لهم بكفرهم، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَّعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا} (الزخرف: 36)، ومعنى الإرسال هنا التسليط. والفرق بين إرسال الله عَزَّ وَجَلَّ أنبياءه وإرساله الشياطين على أعدائه أنَّ إرساله الأنبياء إِنَّمَا هو وحيه إليهم، وإرساله الشياطين على الكافرين تخليته وإيَّاهم.
الانقطاع في السند: وفي مصطلح الحديث:} حديث مرسل} إذا كان غير مُتَّصِل الإسناد، وجمعه: مراسيل.
والأمر الجامع بين المعنى الاصطلاحي، وَالْمَعْنَى اللغوي للفظة الرسول والرسالة: البعث والتوجيه والتتابع، قَالَ تَعَالىَ: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} (المؤمنون: 44)، أي واحدا بعد واحد. وقد يكون في المعنى الاصطلاحي معنى الاستئناس، لأَنَّ الرسل من جنس البشر ومن قوم المرسل إِلَيْهِم غالبا، قَالَ تَعَالىَ: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ ... } (التوبة: 128).
ب- تعريف النبوة والرسالة اصطلاحا والفرق بينهما:
1 - النبوة والرسالة اصطلاحا:
إذا أطلق لفظ الرسول في الشرع فَإِنَّمَا يراد به غالبا رسل الله (1)، وقد يطلق «وَيُرَادُ بِرُسُلِ اللهِ تَارَةً الْمَلاَئِكَةُ، مِثْلُ قوله تعالى: {قَالُوا يَا لُوطُ إنَّا رُسُلُ رَبِّك لَنْ يَّصِلُوا إلَيْك} [هود: 81]، وَقَوْلُهُ: {بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80] وَقَوْلُهُ: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ} [هود: 77]. وَتَارَةً يُرَادُ بِهِمْ الأَنْبِيَاءُ مِثْلَ قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144]» (2).
قال الشيخ البوطي: «النبَّوة مأخوذة من النبأ بمعنى الخبر، ومعناها وصول خبر من الله بطريق الوحي إِلىَ من اختاره من عباده ... فالكلمة إذن تفسير للعلاقة التي بين النبي والخالق جَلَّ جَلاَلُهُ، وهي علاقة الوحي والإنباء. والرسالة تعني تكليف الله أحد عباده بإبلاغ الآخرين بشرع أو حكم مُعَيَّن، فالكلمة إذن تفسير للعلاقة التي بين النبي وسائر الناس، وهي علاقة البعث والإرسال ... ومن هنا كان النبوة أشرف من الرسالة» (3). ويضيف الشيخ قائلا: «فَإِنَّنَا نعرِّف كلاًّ من النبيِّ والرسول بِأَنَّهُ:} إنسان أوحى الله إِلَيْهِ بواسطة جبريل أن يبلِّغ عَامَّة الناس أو فئة منهم أمرا من قبل الله جَلَّ جَلاَلُهُ، فإن أوحى الله بأمر ولم يأمره بتبليغه فهو نبي فقط}» (4). والملاحظ أَنَّهُ قيَّد الوحي بِأَن يكون بواسطة جبريل، ومن المعلوم أَنَّ الوحي قد يكون بغيره، كما قَالَ تَعَالىَ: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ اِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} (الشورى: 51)، وكما ورد في الحديث الطرق المختلفة للوحي، وسيأتي بحول الله تفصيل الكلام في ذَلِكَ.
وعرَّف الشيخ محَمَّد عبده النبيَّ قائلا: هو «إنسان فُطِر عَلَى الحقِّ علما وعملا، أي بحيث لا يعلم إِلاَّ حَقًّا، ولا يعمل إِلاَّ حَقًّا عَلَى مقتضى الحكمة، وَذَلِكَ يكون بالفطرة، أي لا يحتاج فيه إِلىَ الفكر والنظر، وَلَكِن [إلى] التعليم الإلهي. فَإِنْ فُطِرَ أَيضًا عَلَى دعوة بني نوعه إِلىَ ما جُبِلَ عَلَيْهِ فهو رسول أَيضًا» (5). ويلاحِظ الشيخُ البوطي عَلَى هَذَا التعريف استعمالَه لكلمة الفطرة بدل الوحي، وهو معارض لِمَا اتَّفَقَت عَلَيْهِ الأُمَّة، من اتِّخَاذ الوحي قيدا أساسيًّا في تعريف النبي؛ ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيْهِ ردًّا لاذعا، بما يوحي باتِّهام الشيخ محَمَّد عبده بالإلحادِ، والعداوةِ للعقيدة الإِسلاَمِيَّة!!. وَلَكِن لَعَلَّ الأفضل هو التماس العذر أَوَّلاً للشيخ عبده، خَاصَّةً وَأَنَّهُ استعمل عبارة} التعليم الإلهي}، ففيها إشارة إِلىَ الوحي، وَرُبَّمَا قد استعمل هَذَا التعريف في ظرف مُعَيَّن، لأَنَّا نجده في مقام التأليف الدقيق دافع عن الوحي وأطال في الاستدلال عَلَى إمكانيته عقلا، وَعَلَى وقوعه فعلاً (6). ولاَ بُدَّ إذن من معرفة ملابسات كلام الشيخ عبده، ومعرفة الْمُتَقَدِّم والمتأخر، حَتَّى نستطيع الخروج بحكم علميٍّ منصف.
__________
(1) قد يراد به في الكتب الفِقْهِيَّة: «الشَّخْصُ الْمُرْسَلُ مِنْ إنْسَانٍ إلَى آخَرَ بِمَالٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ». انظر: وزارة الأوقاف: الموسوعة الفِقْهِيَّة، 22/ 209 - 210. (برنامج جامع الفقه).
(2) وزارة الأوقاف: الموسوعة الفِقْهِيَّة، 22/ 209 - 210. (برنامج جامع الفقه).
(3) البوطي: كبرى اليقينيات، ص 183.
(4) البوطي: كبرى اليقينيات، ص 184.
(5) أحال عَلَى موقف العقل والعلم من رَبِّ العالمين: مصطفى صبري، 4/ 40.
(6) انظر: محَمَّد عبده: رسالة التوحيد، ص88 - 95. (1/77)
صفحة 79
ويبدو أَنَّ التعريف الذي يمكن اعتماده، هو تعريف الجمهور للنبي، والذي نقله (1) المحشِّي والسالمي حين عرَّفاه بِأَنَّهُ: إنسان حرٌّ ذَكَرٌ سليم من منفِّر طبعا، أوحى الله إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر فرسول أَيضًا وإن لم يكن له كِتَابٌ ولا نسخٌ لشرع من قبله عَلَى الأشهر، فالرسول أخصُّ مطلقا من النبيء (2). فخرج بالإنسان سائر الحيوانات والملائكة والجنُّ، وخرج بقولهم:} حرٌّ} الرقيق، ولا يردُّ بنبوَّة لقمان فَإِنَّهُ قيل: ليس بنبيٍّ، بل تلميذ للأنبياء، وخرج بقولهم:} سليم من منفِّر طبعا} من كان به عِلَّة منفِّرة، كالعمى والبرص ... ولا يردُّ ببلاء أَيُّوب وعمى يعقوب فَإِنَّهُ طارئ بعد النبوة، والكلام فيما قارنها (3).
2 - الفرق بين النبي والرسول:
«وها هنا بحث اجتهاديٌّ غير داخل في الحقائق القطعيَّة المتَّفق عَلَيْهَا، ولذا وقع فيه الخلاف بين العلماء، وهو: هل النبيُّ والرسول كلمتان» مترادفتان، أم مختلفتان في المدلول؟.
ذهب طائفة من العلماء إِلىَ أَنَّهُما مترادفتان، فَكُلُّ نبيٍّ رسول وَكُلُّ رسول نبيٌّ، غير أَنَّهُ بالنظر إِلىَ العلاقة بينه وبين الله يُسَمَّى نبيًّا، وَيُسَمَّى بالنظر إِلىَ العلاقة بينه وبين الناس رسولاً.
وذهب آخرون إِلىَ أَنَّ الرسل أعمُّ، لأَنَّ الرسل تكون من الملائكة أَيضًا.
وذهب كثيرون ـ ومنهم الجيطالي (4) وأبو سِتَّة والسالمي في التعريف الذي أوردناه سابقا ـ إِلىَ أَنَّ بينهما عُمُومًا وخصوصا مطلقا، إذ النبيُّ من أوحي إِلَيْهِ سواء أمر بالتبليغ أم لم يؤمر، وَأَمَّا الرسول فهو من أوحي إِلَيْهِ بشرع وكلِّف بتبليغه للناس. وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ رسول نبيٌّ، وليس كُلُّ نبيٍّ رسول (5). وَاستَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ:
- بقوله تَعَالىَ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ اِلآَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فيِ أُمْنِيَّتِهِ ... } (الحج: 52)، فذكْرُهُما في نصٍّ واحد إشارةٌ إِلىَ تغايرهما (6).
- وبحديث أبي ذرٍّ، «قال: قلت: يارسول الله، كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربع وعشرون ألف، قال: قلت: يارسول الله، كم الرسل من ذَلِكَ؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر ... » (7). فَهَذَا الحديث يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرسل بعضٌ من الأنبياء.
الدليل على نبوة محمَّد وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
دَلِيل المعاصرين للنَّبِيء محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم هو المشاهدة والعيان للآيات البَيِّنَات. وَأَمَّا الدَّلِيل لمن أتى بعده صلَّى الله عليه وسلَّم فيتمثل في تواتر الأخبار عن وجود النبيء، إذ تناقلت أخبارَه جماعة عن جماعة يستحيل تواطؤهم عَلَى الكذب، وَهَذَا التواتر يقهر النفس عَلَى التيقُّن بِصِحَّةِ الخبر، كما تتيقَّن بوجود مدينة تُسَمَّى مَكَّة، أو بلد يُسَمَّى الصين.
«وَأَمَّا بَقِيَّة الرسل مِمَّن يجب علينا الإيمان بهم فيكفي في إثبات نبوتهم إثبات رسالة نبينا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد أخبرنا برسالتهم وهو الصادق فيما بلَّغ» (8).
__________
(1) نقله من الهيثمي أحمد بن حجر: المنح الْمَكِّيَّة في شرح الهمزية، ص8، شرح البيت الأَوَّل. (انظر: الجيطالي: قواعد، 1/ 84، هامش المحقق).
(2) انظر: حاشية أبي سِتَّة (أبي عبد الله محمَّد بن عمر بن أبي سِتَّة الشهير بالمحشِّي) عَلَى قواعد الإِسلاَم للجيطالي، 1/ 84. السالمي: مشارق، ص20، بتصرف؛ السالمي: بهجة، ص9، 100. وزارة الأوقاف: الموسوعة الفِقْهِيَّة، 22/ 209 - 210. (برنامج جامع الفقه).
وانظر أَيضًا: الثميني: معالم الدين: 2/ 50. القطب: شرح عقيدة التوحيد، ص54؛ الغسول، ص79، 81؛ الهميان، ط1، 10/ 222. ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 167. نقلا عن: وينتن: آراء، ص225 - 226.
(3) السالمي: المرجع نفسه.
(4) قال الشيخ الجيطالي: «والأنبياء أعمُّ من الرسل، لأَنَّ من الأنبياء أنبياء مرسلين، وأنبياء غير مرسلين». قواعد الإِسلاَم، 1/ 78.
(5) انظر: السالمي: مشارق، ص20. البوطي: كبرى اليقينيات، ص 183 - 184. وأحال عَلَى حاشية المرجاني عَلَى شرح الدواني عَلَى العقائد العضدية، 1/ 12.
(6) انظر: وينتن: آراء، ص226. وفيه مناقشة القاضي عبد الجَبَّار والزمخشري من المعتزلة للتفريق بين الرسول والنبي.
(7) انظر تخريج المحقق للحديث ومختلف رواياته وطرقه. الجيطالي، 1/ 80، هامش1.
(8) محَمَّد عبده: رسالة التوحيد، ص93 - 95. (1/78)
صفحة 80
هذا فضلا عمَّا في القرآن الكريم من أوجه متعدِّدة للإعجاز، تدلُّ دلالة قاطعة على صدوره من قِبل الله عزَّ وجلَّ، أنزله على بشر صادق أمين، وتبليغه بدقة وأمانة.
- النبوة والرسالة بين الاضطرار والاكتساب:
ناقش بعض علماء الإِبَاضِيَّة هَذِهِ القَضِيَّة، فقال الشيخ الجيطالي: «واختلفوا في النبوءة والرسالة، فقيل: هما اضطرار، وَقِيلَ: هما اكتساب، وَقِيلَ: النبوءة اضطرار، والرسالة اكتساب» (1). قال المحشِّي معلقا عَلَى هَذَا الكلام: «في السؤالات: واختلف الناس في النبوءة والرسالة، فقيل: هما اضطرار، وهما قد حلَّتا في الأنبياء والرسل كحلول الاستطاعة في المستطيع، والزمانة في الزَّمِن. وَقِيلَ: النبوءة اضطرار والرسالة اكتساب، وَقِيلَ: النبوءة والرسالة اكتساب ... [وبعد أن يذكر أصحاب تلك الأقوال يأتي بقول أبي يحيى زكرياء بن أبي بكر] قال: إِنَّ الرسالة تتصرَّف في اللغة عَلَى وجهين: عَلَى معنى الإرسال من الله عَزَّ وَجَلَّ، والثاني عَلَى معنى التبليغ من الرسل، فمن قال: إِنَّ الرسالة اضطرار ذهب بالرسالة إِلىَ الإرسال من الله عَزَّ وَجَلَّ للرسل، ومن قال: الرسالة اكتساب ذهب بمعنى الرسالة إِلىَ التبليغ من الرسل، ثُمَّ قال الشيخ أبو عَمَّار [عبد الكافي]: هَذَا أحسن ما سمعناه في هَذَا الوجه» (2).
وفي النهاية يبدو أَنَّ مناقشة هَذِهِ القَضِيَّة لا ثمرة من ورائها.
- الرسالة بين العموم والخصوص:
لا شكَّ مطلقا في عموم رسالة سيدنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم للثقلين (الإنس والجنِّ)، ممن عاصره أو جاء بعده؛ لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (سورة الأنبياء: 107)، وقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (سورة سبأ: 28)، وقال: {قُلْ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (سورة الأعراف: 158)، وقال: {وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ} (سورة الأحزاب: 40).
وأما غير محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ففي عموم رسالتهم قولان:
القول الأَوَّل: من العلماء (3) من يرى أَنَّ هناك عِدَّة رسل أرسلوا إِلىَ عَامَّة الإِنس وَالجِنِّ، وهم آدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وعيسى ومحمَّد عَلَيْهِم السلام، واستدلوا بِقَولِهِ تَعَالىَ في شأن نوح - عليه السلام -: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} (نوح: 26)، وعلَّق المحشي عَلَى دعوى عموم رسالة سَيِّدنَا إبراهيم قائلا: «انظر كيف يتخرَّج كون إبراهيم - عليه السلام - من أهل الكافة مع بعثة لوط - عليه السلام - في زمانه؟» (4).
القول الثاني: ذهب قوم إِلىَ أَنَّ عموم الرسالة خاصٌّ بسيدنا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وتمسَّكوا بظاهر قوله - عليه السلام -: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ ... » (5).
__________
(1) الجيطالي: قواعد، 1/ 80.
(2) حاشية أبي سِتَّة عَلَى القواعد، المصدر نفسه.
(3) انظر: الجيطالي: قواعد، 1/ 82 - 83.
(4) المصدر نفسه، 1/ 83.
(5) بَقِيَّة الحديث هو قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ». مسلم: كِتَاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم 521. ولفظ النسائي أصرح في أَنَّهُ أرسل إِلىَ الكافة، إذ جاء فيه: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً». النسائي: كِتَاب الغسل والتيمم، باب التيمم بالصعيد، حديث 432. ورواه غيرهما بألفاظ مختلفة. (1/79)
صفحة 81
- النبوءة والرسالة في الجن والنساء والعبيد والبدو (1):
أ) النبوءة في الجن:
القول الأَوَّل: [ويبدو أَنَّهُ لغير الإِبَاضِيَّة] إِنَّ لِكُلِّ جنس من الإِنس وَالجِنِّ أنبياء ورسل، وتعلَّقوا بظاهر قَوله تَعَالىَ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاِنسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} (الأنعام: 130)، وأجيبوا بِأَنَّ «الرسل من الإنس خَاصَّةً، لَكِن لَمَّا جُمعوا مع الجن في الخطاب صَحَّ ذَلِكَ، ونظيره: {يُخْرَجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} (الرحمن: 23)، والمرجان يخرج من الملح دون العذب» (2).
القول الثاني: قال الجيطالي: مِمَّا يجب عَلَى العبد اعتقاده أَنَّ الأنبياء والرسل كلَّهم آدميون (3)، وهو قول ابن عباس، ومجاهد (4).
القول الثالث: الرسل من الجنِّ رسل الرسل إِلَيْهِم، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} (الأحقاف: 30)» (5).
ب) النبوءة في النساء:
ذهب قوم إِلىَ إِنَّ الله نبَّأ مريم وسارة وأمَّ موسى عَلَيْهِنَّ السلام وهنَّ نساء (6)، بدليل قَوله تَعَالىَ: {فَأرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} (مريم: 17)، وقوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنَ اَرْضِعِيهِ} (القصص: 7)، وَلَكِنَّ الجمهور يرى أَنَّ النبوءة لا تكون في النساء، لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحِى إِلَيْهِم} (يوسف: 109)، إِلاَّ أَنَّ الورجلاني رفض الاستدلال بهذه الآية، وقال: إِنَّهَا تَدُلُّ على حصر الرسالة في الرجال، ولا تَدُلُّ على حصر النبوَّة فيهم، وفرق بين النبوَّة والرسالة (7)، لذلك بقي الخلاف خاصًّا في جواز نبوَّة النساء، بينما أجمع العلماء على انتفاء الرسالة فِيهِنَّ (8)؛ وبقي الموضوع محلَّ خلاف لعدم وجود أَدِلَّة قطعيَّة ترجِّح أحد القولين (9).
ج) النبوءة في العبيد:
الجمهور عَلَى أَنَّ النبوءة لا تكون في العبيد، وقال قوم بنبوءة لقمان وهو عبدٌ، ويرى السالمي أَنَّ لقمان لم يكن نبيا عَلَى الصحيح، كما سبقت الإشارة في تعريفه للنبي (10).
د) النبوءة في البدو:
الجمهور عَلَى أَنَّ النبوءة لا تكون في البدو لقوله تَعَالىَ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحِى إِلَيْهِم مِّنَ اَهْلِ الْقُرَى} (يوسف: 109)، وقال آخرون: إِنَّ الله نبأ يعقوب وبنيه عَلَيهِم وَالسَّلاَمُ وهم بداة، مستدلين بِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَجَآءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ} (يوسف: 100)، وعلَّق المحشي بِأَنَّ المقصود بالبدو في الآية أَنَّ يعقوب كان من أهل الماشية، وَلَعَلَّ ما منعه الجمهور ينصرف إِلىَ البدو الرحَّل (أهل العمود) (11).
__________
(1) انظر: الجيطالي: قواعد، 1/ 84 - 85.
(2) البيضاوي: أنوار التنزيل، تفسير الآية 130 من سورة الأنعام. نقلا عن محقق القواعد، 1/ 83.
(3) المصدر السابق، 1/ 82.
(4) السيوطي: الدر المنثور: 3/ 359؛ ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 177. نقلا عن وينتن، ص229.
(5) البيضاوي: المصدر السابق. نقلا عن محقق القواعد، 1/ 83.
(6) انظر: الجيطالي: المصدر السابق، 1/ 85.
(7) الوارجلاني: الدليل: 3/ 210 - 211. نقلا عن وينتن، 231.
(8) - التيسير: 2/ 66. نقلا عن المرجع نفسه.
(9) السالمي: مشارق: 1/ 87. ط. عميرة. نقلا عن المرجع نفسه.
(10) انظر: السالمي: مشارق، ص20.
(11) حاشية أبي سِتَّة عَلَى القواعد، المصدر السابق، 1/ 85. (1/80)
صفحة 82
- عدد الأنبياء والرسل:
لم يَرِد في القرآن الكريم تحديد عدد الأنبياء والرسل، وَإِنَّمَا ورد في حديث أبي ذر - رضي الله عنه - أَنَّ عدد الأنبياء 124 ألف نبيء، وعدد الرسل 313، أَو 314، أو 315، عَلَى اختلاف في الروايات، منها قوله: «قال: قلت: يارسول الله، كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربع وعشرون ألف، قال: قلت: يارسول الله، كم الرسل من ذَلِكَ؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر ... » (1).
وعلاوة عَلَى أَنَّ المحدِّثين ضعَّفوا هَذِهِ الرواية (2)، فَإِنَّ الملاحظ أنَّ مصدري العقيدة الإِسلاَمِيَّة ـ القرآن والسنّة ـ لم يعنيا بحصر الأعداد ولا بحشد قوائم أسماء الأنبياء والرسل، لأنَّ المقصد من ذكر الأنبياء وأخبارهم الاتّعاظ والاقتداء بهم (3). وَلَكِنَّ بعض العلماء حاولوا حشد أسماء الرسل، ليوصلوها إِلىَ العدد المذكور في حديث أبي ذر (4)، وَرُبَّمَا اعتمدوا عَلَى ما ورد في التوراة أو الإنجيل دون تمحيص. «والصحيح [كما قال القطب اطفيَّش] الإمساك عن حصرهم في عدد، لِئَلاَّ يُؤَدِّي [الاعتقاد بعدد مُعَيَّن] إلى نفي النبوَّة عن بعضهم أو إثباتها لمن سواهم» (5)، وهو رأي طائفة من العلماء (6). ورواية أبي ذر لا تلزم في الاعتقاد شَيْئًا، إذ العقيدة ثمرة اليقين، واليقين لا يتأتَّى بالأحاديث الآحادية، فضلا عن الأحاديث التي قدح فيها العلماء.
- صفات الرسل الواجبة والجائزة والمستحيلة:
لقد تَقَدَّمَ تعريف النبي والرسول والفرق بينهما، بقي أن نتعرض إِلىَ صفاتهم، وما يجب وما يجوز وما يستحيل في حقِّهم. قال الشيخ السالمي:
وواجب عليك أن تعرف ما يجوز للرسل وما قد لزما
وما استحال عنهم. فاللازم في حقِّهم نعتًا هي المكارم
كالصدق والتبليغ والأمانة والعقل والضبط وكالفطانة
والمستحيل ضدُّها كالكذب وكالجنون وارتكاب الريب
وما عدا ذَلِكَ فهو ممكن في حقِّهم إِلاَّ الذي يستهجن
ووجوب معرفة صفات الرسل بالعقل وبالشرع، فَأَمَّا الوجوب العقلي فينبني عَلَى الأَدِلَّة العَقلِيَّة عَلَى العصمة الآتي ذكرها، وَأَمَّا الشرعي فهو ما قضى بِهِ الشرع في حقِّهم (7).
الصفات الواجبة في حقِّ الرسل:
تجب في حق الرسل الصفات الآتية: العقل والصدق والأمانة والضبط والتبليغ والفطانة والسلامة من منفِّر بدنيٍّ:
1 - العقل: فالنبيُّ لا يكون مجنونا ولا معتوها، وقد أنكر الله تَعَالىَ مرارا عَلَى الذين يصفون الرسول بالجنون، ومن ذَلِكَ قَوله: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} (التكوير: 22)، {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (المؤمنون: 70) ... كما لا تكون النبوءة في الحيوانات، وَأَمَّا نسبة الوحي إِلىَ النحل فهو بمعنى الإلهام كما مَرَّ.
__________
(1) انظر تخريج المحقق للحديث ومختلف رواياته وطرقه. الجيطالي، 1/ 80، هامش1.
(2) قال الهيثمي: «رواه أحمد والطبراني في الكبير ... ومداره على علي بن يزيد وهو ضعيف». مجمع الزوائد، 1/ 159.
(3) وينتن: 227. بتصرف.
(4) انظر: اطفيَّش: شرح عقيدة التوحيد: 319 - 320؛ التيسير: 6/ 304 - 306. نقلا عن وينتن، 227.
(5) اطفيَّش: شرح عقيدة التوحيد، ص319؛ وانظر المصدر نفسه: ص54. نقلا عن وينتن، ص228.
(6) ابن أبي العز: شرح الطحاوية، ص349. طاهر الجزائري: الجواهر الكلامية في إيضاح العقيدة الإسلامية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1990م، ص64. أبو الأعلى المودودي: مبادئ الإسلام: ص86 - 87. نقلا عن وينتن، ص228.
(7) انظر: السالمي: مشارق، ص219. (1/81)
صفحة 83
2 - الصدق هو: مطابقة الخبر لِمَا في نفس الأمر، سواء أطابق اعتقاد المخبِر أم خالفه (1)؛ فإذا قال الأشعريُّ مثلا: إِنَّ الله لا يُري يوم القيامة كان صادقا، وإن كان قوله هَذَا مخالفا لاعتقاده. وصدق الرسل ضروريٌّ ليحصل الوثوق بما يخبرون به عن الله من أحكام الشريعة ومن وعده ووعيده ...
والدليل عَلَى وجوب صدق الرسل: هو معجزاتهم، إذ المعجزة تصديق من الله للرسول، إذ هي بمثابة قوله تَعَالىَ: «صدق عبدي في كُلِّ ما يبلِّغ عَنِّي»، وتصديق الكاذب كَذِبٌ، وهو مستحيل في حقِّ الله تَعَالىَ (2).
3 - الأمانة: «هي حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبُّس بمنهيٍّ عنه، ولو نَهْيَ كراهة، أَو خلاف الأولى؛ فهم محفوظون ظاهرا من الزنى وشرب الخمر والكذب وغير ذَلِكَ من منهيَّات الظاهر، ومحفوظون باطنا من الحسد والكِبر والرياء، وغير ذَلِكَ من منهيَّات الباطن. ولا يقع منهم مكروه ولا خلاف الأولى عَلَى وجه كونه مكروها أو خلاف الأولى، وإذا وقع صورة ذَلِكَ فهو للتشريع» (3).
وَدَلِيل وجوب الأمانة أَنَّهُم لو خانوا وفعلوا شَيْئًا من ذَلِكَ لكنَّا مأمورين به، لأَنَّا مأمورون باتِّباعهم في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، وَالله تَعَالىَ لا يأمر بمحرَّم ولا مكروه ولا خلاف الأولى (4).
4 - الضبط: «هو حفظ الشَّيْء بجزم، وهو في الاصطلاح: سماع الكلام كما يحقُّ سماعه، ثُمَّ فهم معناه الذي أريد به، ثُمَّ حفظه ببذل مجهوده، والثبات عَلَيْهِ بمذاكراته إِلىَ حين أدائه إِلىَ غيره» (5)، فالواجب في حقِّ الرسل أن يكونوا حافظين لِمَا أُلقي إِلَيْهِم من الوحي من غير نسيان أو تهاون، والتهاون بما أمر الله بتبليغه كبيرة، وهم معصومون، كما سيأتي في أَدِلَّة العصمة (6).
5 - التبليغ: «هو إيصال ما أمروا بإيصاله، ولو أَدَّى ذَلِكَ إِلىَ هلاكهم، خلافا للشيعة القائلين بجواز ترك التبليغ، وإظهار الكفر من الأنبياء للتقيَّة إذا خافوا الهلاك. قلنا: لو جاز في حقِّهم ذَلِكَ للزم إبطال الدعوة أصلا؛ لكثرة المخالفين لهم في مبدأ أمرهم، والقاصدين لهم بالسوء، حَتَّى إِنَّ منهم من ألقي في النار، ومنهم من نُشر بالمنشار» (7).
والدليل عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاَتِهِ} (المائدة: 67) (8).
ولو جاز في حقِّهم كتمان شَيْء مِمَّا أمروا بتبليغه «لكنَّا مأمورين بكتمان العلم، لأَنَّ الله تَعَالىَ أمرنا بالاقتداء بهم، واللازم باطل، لأَنَّ كاتم العلم ملعون» (9)، ولو جاز عَلَيْهِم كتمان شَيْء لكتم الرَّسُول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم الآيات التي فيها تأنيبه، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} (الأحزاب: 37) (10).
6 - الفطانة: «هي التفطُّن والتيقُّظ لإلزام الخصوم، وإبطال دعاويهم الباطلة». والدليل عَلَى فطانتهم ما ورد في القرآن حكاية عن جدال الرسل مع أقوامهم، كَقَولِهِ تَعَالىَ عن إبراهيم - عليه السلام -: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} (الأنعام: 83)، وقولِهِ عَلَى لسان قوم نوح: {قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} (هود: 32)، وأَمْرِ الله تَعَالىَ للرسول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125)، ومن لم يكن فطنا لا تمكنه إقامة الحجَّة (11).
__________
(1) انظر: السنوسي: العقيدة الصغرى، ص3. صغرى الصغرى، ص8 - 9. نقلا عن جمال الدين بوقلي حسن: الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد، الْمُؤَسَّسَة الوطنيَّة لِلكِتَابِ، 1985، ص308 - 309.
(2) السالمي: مشارق، 220.
(3) السالمي: مشارق، 221.
(4) انظر: السالمي: مشارق، 221.
(5) السالمي: مشارق، 222.
(6) انظر: السالمي: مشارق، 222 - 223.
(7) السالمي: مشارق، 220.
(8) انظر: وزارة الأوقاف: الموسوعة الفِقْهِيَّة، 22/ 209 - 210. (برنامج جامع الفقه).
(9) السالمي: مشارق، 220 - 221.
(10) السالمي: مشارق، 221.
(11) انظر: السالمي: مشارق، 221. (1/82)
صفحة 84
7 - السلامة من منفِّر بدنيٍّ: أضاف القطب اطفيَّش هَذِهِ الصفة، وقيَّدها بما قبل البعثة (1)؛ لأَنَّ «المنفِّر الخَلقيَّ يشغل الناس عن اتِّبَاع الرسول وعن تصديقه، ويدفعهم إلى السخرية منه والاشتغال بالبحث عن عيوبه»، وَأَمَّا بعد البعثة فيمكن أن يصاب بضرر في جسده، كما هو الحال مع يعقوب - عليه السلام - الذي فقد بصره بعد نبوَّته، وبعد تبليغه الدعوة للناس، أو كأيوب - عليه السلام -، الذي قَالَ الله تَعَالىَ فيه: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (الأنبياء: 83) (2).
الصفات المستحيلة في حقِّ الرسل:
الصفات المستحيلة في حقِّ الرسل هي أضداد صفاتهم الواجبة، كالكذب والجنون، والعته، وارتكاب المعاصي، وَأَدِلَّتها هي نفس أَدِلَّة الصفات الواجبة. ولو وجدت إحدى الصفات غير الجائزة المذكورة للزم نفرة الناس عنهم، ولاَنْحطُّوا عن رتبة الاصطفاء التي حباهم الله بها، ولكنَّا مأمورين باتِّباعهم في تلك الصفات، وهو باطل قطعا (3).
الصفات الجائزة في حقِّ الرسل:
ما عدا الواجب والمستحيل في حقِّ الرسل فَإِنَّهُ جائز، وَذَلِكَ «كالأكل والشرب والنوم والجماع ومخالطة الناس والمشي في الأسواق، ونحو ذَلِكَ من الخصال الجِبِلِّية التي خلقوا محتاجين إِلَيْهَا، لا يستطيعون منع أنفسهم عنها، والتي خيِّروا في فعلها وتركها ... ».
ويستثنى من ذَلِكَ ما يُستقبح فعله للأنبياء، كالبول قياما، فقد رَوَى فيه غيرُ الإِبَاضِيَّة حديثا، قال السالمي: «وهو باطل، لقوله تَعَالىَ: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وَإِنَّ البائل قائما ليس عَلَى خلق حسن، فضلا من أن يكون عَلَى خلق عظيم» (4).
- عصمة الأنبياء والرسل:
تتفرَّع مسألة عصمة الأنبياء عن الصفات الواجبة في حقِّهم، وقد كانت مثار جدل في الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، نظرا لورود بعض النصوص المشيرة إِلىَ صدور بعض الذنوب منهم، لِذَلِكَ فقد آثرنا إيرادها كقضيَّة مستقلة عن سائر صفات الأنبياء.
تعريف عصمة الأنبياء:
عرِّفت عصمة الأنبياء - عند الإِبَاضِيَّة والأشاعرة - بِأَنَّهَا: «أن لا يخلق الله فيهم ذنبا» (5)، وهي «عند الحكماء: ملكةٌ تمنع عن الفجور، وتحصل بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي والاعتراض على ما يصدر عنهم من الصغائر وترك الأولى، فإنَّ الصفات النفسانية تكون أحوالا ثمَّ تصير ملكات بالتدريج» (6). وزعم قوم أَنَّهَا خاصية ذَاتِيَّة تمنعهم عن فعل الذنوب، ورُدَّ عَلَيْهِم بالإجماع على أَنَّ الأنبياء مكلفون بترك الذنوب ومثابون عَلَيْهِ، ولو كان الأمر كذلك لما استحقوا المدح والثواب (7).
__________
(1) انظر: اطفيَّش: الهميان، 8ق 1/ 268. الذهب الخالص، 19. نقلا عن وينتن، ص229.
(2) انظر: وينتن: آراء، 229.
(3) انظر: السالمي: مشارق، 224.
(4) السالمي: مشارق، ص227.
(5) الإيجي: المواقف، 3/ 448. وهو التعريف الذي اعتمده القطب أَيضًا، انظر: اطفيَّش: حاشية القناطر: 2/ 77و. نقلا عن وينتن، ص231.
(6) الإيجي: المصدر نفسه.
(7) ينظر: الإيجي: المواقف، 3/ 449. (1/83)
صفحة 85
أَدِلَّة عصمة الأنبياء (1):
أَدلَّة عصمة الأنبياء كثيرة، نلخِّصها بالقول: لو أذنبوا لترتَّبت عِدَّة أمور باطلة إجماعا، منها:
1. حِرمة اتباعهم، وَلَكِنَّ اتباعهم أمر واجب بالإجماع، لقوله تعالى: {وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر: 7)، {قُلِ اِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} (آل عمران: 31)، وقوله: {فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيءِ الاُمِّيِّ الذِي يُومِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الأعراف: 158)، وقوله: {وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} (الجن: 23).
2. ردُّ شهادتهم، إذ لا شهادة لفاسق بالإجماع، لقوله تعالى: {إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات: 6)، لأن من لا تقبل شهادته في القليل من متاع الدنيا كيف تسمع شهادته في الدين القيم إلى يوم القيامة؟.
3. وجوب زجرهم، لعموم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإيذاؤهم حرام إجماعا، لقوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَالذِينَ يُوذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ} (التوبة: 61).
4. دخولهم تحت قَوله تَعَالىَ: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} (الصف: 2 - 3)، و {أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (البقرة: 44). وكل ذلك باطل إجماعا.
5. كونهم -على تقدير صدور الذنب عنهم- أسوأ حالا من عصاة الأُمَّة، إذ يضاعف لهم العذاب لعلوِّ رتبتهم، كما قيل لنساء النبيء: {مَنْ يَّاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} (الأحزاب: 30).
6. عدم نيل عهده تعالى لقوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِيَ الظَّالِمِينَ} (البقرة: 124)، وأيُّ عهد أعظم من النبوة؟.
7. استلزام أن لا يكونوا أفضل الناس لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم} (الحجرات: 13)، وقد وقع الإجماع عَلَى تفضيلهم عَلَى من سواهم، ولقوله تَعَالىَ: {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الاَخْيَارِ} (ص: 47).
حكم صدور الذنوب من الأنبياء:
إذا علمنا أَنَّ الذنوب قسمان: صغائر وكبائر، وَأَنَّهَا قد تكون قبل النبوة وقد تكون بعدها، وقد تصدر سهوا أو عمدا، فَإِنَّهُ تتحصل عندنا ثماني صور يصعب تتبُّعها عند فرق المسلمين وأئمتهم.
الذنوب
صغائر ... كبائر
قبل البعثة بعد البعثة ... قبل البعثة بعد البعثة
سهوا عمدا سهوا عمدا سهوا عمدا سهوا عمدا
وَلَكِن نحاول تلخيص القول في هَذَا الجدول:
__________
(1) ينظر: الإيجي: المواقف، 3/ 416 - 418. ونقلها السالمي باختصار في المشارق، ص225. (1/84)
صفحة 86
الذنوب
صغائر ... كبائر
قبل البعثة ... بعد البعثة ... قبل البعثة ... بعد البعثة
سهوا ... عمدا ... سهوا ... عمدا ... سهوا ... عمدا ... سهوا ... عمدا
· المشهور عند الإِبَاضِيَّة والرافضة المنع ... - المشهور عند الإِبَاضِيَّة والرافضة المنع ... · منعه جمهور الإِبَاضِيَّة ... - منعه جمهور الإِبَاضِيَّة ... · منعه الإِبَاضِيَّة والمعتزلة والشيعة الإمامية ... - منعه الإِبَاضِيَّة. ولا شكَّ أن والمعتزلة والإمامية يمنعونها أيضا من باب أولى ... · منعه جمهور المسلمين الإِبَاضِيَّة والأشاعرة والشيعة الإمامية والمعتزلة ... - أجمعت الأُمَّة عَلَى استحالة الكبائر، سواء أكانت عَقَدِيَّة أم عَمَلِيَّة بلا خلاف (1)
· أجازه الأشاعرة، والسالمي ... - أجازه الأشاعرة، والسالمي (2) ... - اتُّفق عَلَى منع الصغائر الخسيسة ... · أجازه الأشاعرة والسالمي (3)
وقد استَدَلَّ من قال بإمكانية صدور الذنوب من الأنبياء والرسل بعد البعثة بجملة من الأَدِلَّة، تتبَّعها الإمامان الفخر الرازي وعضد الدين الإيجي وأطالا في الردِّ عَلَيْهِم. وخلاصة قولهما:
إِنَّ من ذهب إلى جواز صدور الكبائر عن الأنبياء بعد البعثة سهوا، وجوازِ الصغائر عمدا أيضا، احتَجَّ بقصص الأنبياء التي توهم صدور الذنب عنهم في زمان النبوة، منها:
1. عصيان آدم بالأكل من الشجرة، وقوله تَعَالىَ في حقِّه - عليه السلام -: {وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} (طه: 121)، {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الأعراف: 23) ...
2. قتل موسى - عليه السلام - للقبطي، واستغفاره بقوله: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} (القصص: 16).
3. قوله تَعَالىَ عن يونس - عليه السلام - مخاطبا رسوله محَمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم: {وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} (القلم: 48)، واستغفار يونس بقوله: {لآَّ إِلَهَ إِلآَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء: 87).
4. قِصَّة الغرانيق المختلقة عَلَى سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم (4).
5. تأنيب الله تَعَالىَ للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم في عِدَّة آيات، منها قَوله تَعَالىَ: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} (التوبة: 43)، وقوله: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} (الأحزاب: 37)، وقوله: {يَآ أَيُّهَا النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} (التحريم: 1)، وقوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَآءَهُ الاَعْمَى} (عبس: 1 - 2) ...
6.
__________
(1) نسب الإيجي والسالمي إِلىَ الشيعة إجازة إظهار الشرك أو تعمد الكذب تقيَّةً، - وَالله أعلم بِصِحَّةِ ذَلِكَ، لأَنَّنَا لم نعتمد عَلَى مصادرهم - وردَّا عَلَيْهِم بِأَنَّ هَذَا يستحيل في حقِّ الرسل؛ لأنَّ ذلك يفضي إلى إخفاء الدعوة، وترك تبليغ الرسالة، إذ أَوْلى الأوقات بالتقية وقت الضعف وكثرة المخالفين، وهو منقوض بدعوة إبراهيم وموسى عليهما السلام في زمن نمرود وفرعون مع شدة خوف الهلاك. انظر: الإيجي: 3/ 415. السالمي: مشارق، 224.
(2) السالمي: مشارق، 224 - 225. في الحقيقة: لم يفصل السالمي هل يمكن صدورها عمدا أم سهوا، غاية ما قاله: «فلا دَلِيل سمعي يرفع ذَلِكَ عنهم».
(3) أجازه السالمي، إِلاَّ أَنَّهُ لم يقطع بوقوعه، وقال: «لأَنَّ الجواز أخصُّ من الوقوع ... ولو صَحَّ دَلِيل عَلَى منعه لمنعناه، لأَنَّ المنع هو اللائق بمنصبهم الكريم». كما أَنَّ السالمي لم يفصل هل جواز ذَلِكَ سهوا أم عمدا. السالمي: مشارق، 225.
(4) خلاصتها أَنَّ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم أضاف بعد قَوله تَعَالىَ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الاُخْرَى} (النجم: 19 - 20)، «تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى»، وأَنَّ إبليس أجرى ذَلِكَ عَلَى لسانه، فنزل قَوله تَعَالىَ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ اِلآَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فيِ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ ءَايَاتِهِ} (الحج: 52). وقد رَدَّ العلماء عَلَى هَذِهِ الفرية. (1/85)
صفحة 87
التصريح بنسبة الذنب إِلىَ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح: 2)، وقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} (غافر: 55) ...
أجاب الإيجي عن هَذِهِ الاستدلالات قائلا: «والجواب إجمالا: إنَّ ما كان منها منقولا بالآحاد وجب ردُّها، لأن نسبة الخطأ إلى الرواة أهون من نسبة المعاصي إلى الأنبياء. وما ثبت منها تواترا فما دام له محمل آخر حملناه عليه، ونصرفه عن ظاهره لدلائل العصمة، وما لم نجد له محيصا حملناه على أنه كان قبل البعثة، أو من قبيل ترك الأولى، أو صغائر صدرت عنهم سهوا، ولا ينفيه تسميته ذنبا ولا الاستغفار منه ولا الاعتراف بكونه ظلما منهم، إذ لعل ذلك لعِظَمِهِ عندهم، [فَإِنَّ حسنات الأبرار سَيِّئَات المقرَّبين] أو قصدوا به هضما لأنفسهم. ومن جوز الصغائر عمدا فله زيادة فسحة» (1).
- التفاضل بين الأنبياء:
قَالَ تَعَالىَ: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (البقرة: 253)، وقال: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلَى بَعْضٍ} (الإسراء: 55).
أ- أفضلية سَيِّدنَا محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -:
اتَّفَقَت الأُمَّة عَلَى أفضليَّة سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى سائر الأنبياء والرسل، للأدلَّة الآتية (2):
- قَوله تَعَالىَ: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} (الشرح: 4)، واستنتج القطب منه أَنَّ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم «يذكر مع الله في الأذان والإقامة والدخول في الإسلام، وليس ذلك لسائر الأنبياء».
- «قَرْنُه به في طاعته، والبيعة والعزَّة والإجابة والإرضاء». وقال: {مَن يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللهَ} (النساء: 80)، {إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعوُنَ اللهَ} (الفتح: 10)، {وَِللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ} (المنافقون: 08)؛ {اِسْتَجِيبُوا ِللهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} (الأنفال: 24)، {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُّرْضُوهُ إِن كَانُوا مُومِنِينَ} (سورة التوبة: 62).
- قَوله تَعَالىَ بعد أن سرد اختصاص بعض الأنبياء بِبَعْض الصفات: {أُوْلَئِكَ الذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اَقْتَدِهْ} (الأنعام: 90)، ولا شَكَّ أَنَّ الجامع بين كُلِّ صفاتهم أفضلُ مِمَّن اتَّصَفَ بِبَعْضها.
- قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر .... » (3).
- ما روي أَنَّ رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وموسى نجيًّا، واتخذني حبيبًا، ثم قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيِّي» (4).
- لأَنَّهُ بعث إِلىَ كَافَّة المكلَّفين، إنسا وجنًّا.
- لأَنَّهُ لو وجد نبي بعد بعثته صلَّى الله عليه وسلَّم لَمَا وسعه إِلاَّ اتِّبَاعه، كما ثبت في الحديث (5).
__________
(1) الإيجي: المواقف، 3/ 418.
(2) انظر: السالمي: مشارق، 228. القطب اطفيَّش: الهميان: 3/ 443. نقلا عن وينتن، 244.
(3) رواه الترمذي، وقال: «هذا حديث حسن صحيح}. 5/ 308.
(4) رواه الديلمي في مسند الفردوس، رقم 1716، ج1/ 422. والبيهقي في شعب الإيمان، رقم 1494، 2/ 185. وفي سنده مسلمة بن علي، قال عنه البيهقي: «ضعيف عند أهل الحديث».
(5) أورد البيهقي في شعبه قوله - عليه السلام -: «لو كان موسى حَيًّا ما وسعه إِلاَّ اتِّبَاعي»، البيهقي: شعب، 1/ 200. وفي رواية: «لو كان موسى وعيسى حَيَّين ما وسعهما إِلاَّ اتِّبَاعي»، ابن كثير: تفسير، 3/ 101. (1/86)
صفحة 88
وَلَكِنَّ الملاحظ أَنَّ بعض العلماء بالغوا في تفضيله صلَّى الله عليه وسلَّم، حَتَّى انساقوا وراء بعض الآثار الموضوعة، تشير إِلىَ أَنَّ الرسول محَمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم خُلق قبل آدم، بل قبل سائر الخلق، وَأَنَّ الكون لم يُخلق إِلاَّ لأجله، ومن نوره وأنفاسه خلقت سائر المخلوقات ... وهي أوصاف غريبة يسوقها أحيانا أصحاب المدائح، وكأنما تفضيله لا يكون إِلاَّ بِهَذِهِ الصفات مع ظهور بطلانها (1).
بقي أن نشير إِلىَ نصوص أخرى يفيد ظاهرها منع تفضيله صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى الأنبياء الآخرين، منها:
1 - قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: « ... لا تخيروني على موسى ... » (2).
2 - قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: « ... ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى» (3).
وقد حاول العلماء التوفيق بين النصوص التي تثبت أفضلية سيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وبين هذين الحديثين وما شابههما، فقالوا:
- يحتمل أَنَّهما وردا قبل أن يعلم - عليه السلام - أَنَّهُ أفضل منهم.
- أنَّ النهي ينصرف إِلىَ قصد الانتقاص من مكانة المفضول، كما ورد في قِصَّة الحديث الأَوَّل، والذي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جاء في سياق خصام بين مسلم ويهوديٍّ، وكان التفضيل ناشئا عن عصبية وحمية (4).
ب - ترتيب التفاضل بين سائر الأنبياء غير النَّبِيء محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -:
اختلفت الأُمَّة في تحديد تفضيل سائر الأنبياء بعضهم عَلَى بعض، وقد اعتمد الشيخ السالمي هَذَا الترتيب فقال:
أفضلهم نبيُّنا ثُمَّ الخليل ثُمَّ الكليم بعده عيسى الجليل
وبعدهم نوح فباقي الرسل فالأنبياء ذوو المقام الأكمل
وَاستُدِلَّ عَلَى أفضلية إبراهيم - عليه السلام - بعد نبينا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم بِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَمَنْ يَّرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اِصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فيِ الاَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (البقرة: 130)، وبقوله مخاطبا الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} (النحل: 123).
وَعَلَى أفضلية موسى - عليه السلام - باصطفائه بالتكليم، قَالَ تَعَالىَ لموسى: {قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} (الأعراف: 144)، وقوله: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِيَ} (طه: 41).
وَعَلَى أفضلية عيسى - عليه السلام -، بِقَولِهِ تَعَالىَ: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَآ إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} (النساء: 171).
ثُمَّ نوح - عليه السلام -، لأَنَّهُ ذُكر من أولي العزم من الرسل والذين جمعهم الناظم حسب الترتيب الزمني في قوله:
أولو العزم نوح والخليل كلاهما وموسى وعيسى والنبي محَمَّد
وعلَّق الشيخ السالمي بقوله: «وأنت إذا تأملت هَذِهِ الأَدِلَّة رأيتها ظَنِّيَّة، والاعتقاد علم لا يُبنى عَلَى الظنِّ، فلا يجب اعتقاد هَذِهِ المفاضلة كَذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لم يعتن أصحابنا المشارقة بذكر هَذِهِ المفاضلة في كتبهم لأَنَّهَا موقوفة عَلَى السماع من الشارع، ولم يَرِد فيها تصريحُ خبرٍ. ولو قدَّرنا فيها وجود ذَلِكَ لقلنا: خبر آحاد لا يثبت به الاعتقاد، ولو تواتر لاشتُهر» (5). وقد
__________
(1) عمر سليمان الأشقر: الرسل والرسالات، 184 - 185، 218. نقلا عن وينتن: آراء، ص243.
(2) رواه البخاري في حديث طويل، وبقيَّته: « ... لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش جانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله» البخاري: كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهودي، رقم 2280 ج2/ص849.
(3) رواه البخاري، باب قول الله تعالى: {وَإِنَّ يونس لمن المرسلين}، حديث 3233، ج3/ص1254.
(4) ينظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 169 - 170. اطفيَّش: شرح لامية الأفعال: 1/ 106؛ شرح النيل: 16/ 61؛ وفاء الضمانة: 6/ 186. نقلا عن وينتن، ص246. السالمي: مشارق: 228.
(5) السالمي: مشارق، ص229. (1/87)
صفحة 89
قال السالمي أَيضًا في بداية حديثه عن تفاضل الأنبياء: «وهو مقصور عَلَى السماع، أي ليس لأحد أن يدخل هَذَا الباب باجتهاد منه، لأَنَّا لسنا أهلا للحكم في ذَلِكَ» (1). وَهَذَا الكلام يعتبر قاعدة جليلة، ينبغي أن تُعتمد في كثير من قضايا العقيدة، والتي كانت ولا تزال مثار جدل بين المسلمين.
عَلَى أَنَّ العلماء حين ذكروا هَذِهِ التفرقة بين أولي العزم وغيرهم، اعتمدوا عَلَى قَوله تَعَالىَ: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الأحقاف: 35)، واعتبروا أَنَّ لفظ} مِن} في الآية للتبعيض؛ بينما يرى الزمخشري: إِنَّ} مِنْ} في الآية للبيان، وَعَلَيْهِ فالعزم صفة للرسل كُلِّهم، ويبدو أَنَّ هَذَا الرأي أرجح، لِمَا في الرأي الأَوَّل من التفرقة بين الرسل، أي إِنَّ بعضا منهم من أولي العزم، وآخرون ليسوا كَذَلِكَ، مع أَنَّ أمر التفضيل يرجع إِلىَ الله وحده (2)، إذ نلاحظ أَنَّهُ ينسب التفضيل إِلَيْهِ، وينسب عدم التفريق بينهم إِلىَ المؤمنين، وَهَذَا الرأي هو ما انتهى إِلَيْهِ الشيخ اطفيَّش حين قال: «فنعلم أنَّهم متفاوتون في الفضل، ولا نصرِّح بتفضيل فلان على فلان؛ لأَنَّ الله جَلَّ وَعَلاَ أثبت التفضيل بينهم إجمالا» (3). هَذَا فضلا عَمَّا مَرَّ من قوله - عليه السلام -: « ... لا تخيروني على موسى ... »، وقوله: « ... ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متَّى» (4).
******************************
المبحث الثالث
المعجزات
مِمَّا يجب عَلَى المسلم اعتقاده أَنَّ الله تَعَالىَ قد أيَّد أنبياءه ورسله بمعجزات تُبَيِّنُ صدق دعوتهم، وَأَنَّهم موحى إليهم ومؤيَّدون من عند الله، قال رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما من الأنبياء نبيٌّ إِلاَّ أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وَإِنَّمَا كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (5).
تعريف المعجزة لغة:
لفظ المعجزة مأخوذة من العجز، وهو مقابل القدرة (6).
تعريف المعجزة اصطلاحا:
هي أمر أوجده الله عَزَّ وَجَلَّ خارقا للعادة، عَلَى يد مدَّعي النبوة، موافقة لدعواه، عَلَى سبيل التحدِّي، مع عدم المعارضة (7).
تحليلُ التعريف الاصطلاحي للمعجزة وشروطُها:
من خلال تحليل التعريف الاصطلاحي للمعجزة تَتَبَيَّنُ لنا شروطها، والتي تميزها عن غيرها من الكرامة والاستدراج والإهانة:
__________
(1) السالمي: مشارق، ص227.
(2) ينظر: الزمخشري: الكشَّاف، 5/ 259. القاضي عبد الجَبَّار: تنزيه القرآن، 324. نقلا عن وينتن: آراء، ص247.
(3) القطب اطفيَّش: الهميان: 3/ 43. نقلا عن وينتن: آراء، ص248.
(4) تَقَدَّمَ تخريجهما.
(5) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزول الوحي وَأَوَّلُ ما نزل، رقم 4696، ج4/ص1905.
(6) السالمي: مشارق، 217. وانظر: الجويني: الإرشاد، ص178. نقلا عن بوقلي، ص315. إِلاَّ أَنَّ الجويني يرى أَنَّ الله هو الذي سلب من المتحدَّيْنَ القدرة عَلَى المعارضة، وهو ما يُسَمَّى بالصرفة، أي أَنَّ الله صرفهم عن التحدي؛ ولكن من العلماء من ناقشه في ذَلِكَ وردَّ عَلَيْهِ.
(7) انظر: السالمي: مشارق، ص217. بوقلي، ص310، 313. وينظر تعريف آخر للشيخ اطفيَّش وتحليله: وينتن: آراء، ص250 - 252. (1/88)
صفحة 90
- لفظة «أمر» أشمل من لفظة} فعل} التي استعملها بعض الْمُتَكَلِّمِينَ (1)، لأَنَّ الأمر أعمُّ من أن يكون فعلا، فقد يكون فعلا (2) كتلقُّف عصا موسى لِمَا ألقاه السحرة، أو تركا، كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم - عليه السلام -، أو قولا كمعجزة القرآن البلاغية وَالغَيْبِيَّة (3) ...
- «خارقا للعادة»: خرج بِذَلِكَ ما كان معتادا، كما إذا قال: آية صِدقي طلوع الشمس من حيث تطلع (4)، ويتضح من هَذَا القيد أَنَّهَا «إِنَّمَا تخالف العادة والمألوف، ولا تخالف العقل والإمكان» (5)، فالمعجزة ليست مستحيلة عقلا، لأَنَّ استمرار الظواهر الطبيعيَّة عَلَى نسقها المعتاد ليس مِمَّا يفرضه العقل فرضا ـ أي لا يَصِحُّ عقلا نقضه ـ وإِنَّمَا تكوَّن بفعل الأسباب التي خلقها الله، والتعجُّب من المعجزة إِنَّمَا هو بسبب غرابتها عن المألوف (6).
- «عَلَى يد مدَّعي النبوَّة»: خرج من هَذَا التقييد ما إذا اتَّخَذَ «كاذبٌ معجزةَ أحدِ الأنبياء حجَّةً لنفسه» (7)، وخرجت الكرامة التي تظهر عَلَى بعض الصالحين تخليصا لهم. وخرج كَذَلِكَ الاستدراج، وهو ما يظهر عَلَى يد فاسق، وخرجت به الإهانة، «وهي ما يظهر عَلَى يده تكذيبا له، كما وقع لمسيلمة الكذاب، فَإِنَّهُ تفل في عين أعور لتبرأ، فعميت الصحيحة» (8).
- «موافقة لدعواه»: كما إذا قال: آية صدقي: انفلاق البحر، فانفلق الجبل ... أو قال: آية صدقي نطق هَذَا الجماد، فنطق أَنَّهُ مفتر كذَّاب (9). ويستحيل أن تظهر المعجزة عَلَى يد الكاذب ووفق دعواه، «لأَنَّهَا لو ظهرت لدلَّت عَلَى صدقه، وتصديق الكاذب مستحيل في مقتضيات العقول» (10).
- «عَلَى سبيل التحدِّي»: تمييزًا للمعجزة عن الكرامات للأولياء، وعن الإرهاصات التي تَتَقَدَّمُ بعثة الأنبياء، كإظلال الغمام للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم قبل البعثة، فهي أمور ليست للتحدِّي.
- «مع عدم المعارضة»: تمييزا لها عن السحر؛ لأَنَّهُ خفَّة في اليد ولا حقيقة له في الواقع، وكذا الشعوذة، إذ يمكن معارضتهما (11).
والقرآن الكريم يستعمل ألفاظا أخرى للمعجزة، وهي: البَيِّنَة والآية والبرهان (12)، فقد سَمَّى الله تَعَالىَ معجزات موسى - عليه السلام - آياتٍ في قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِئَايَاتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} (الأعراف: 103)، وَسَمَّاها بَيِّنَات إذ قال: {قَالُواْ لَن نُّوثِرِكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالذِي فَطَرَنَا} (طه: 72)، وَسَمَّاها برهانا في قوله: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمِ اِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهَبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} (القصص: 32) (13).
__________
(1) انظر: الجويني: الإرشاد، ص179. نقلا عن بوقلي، ص315.
(2) مثَّل السالمي للفعل بنبع الماء من أصابع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، إِلاَّ أَنَّ الشيخ بيوض يرى أَنَّ ما كان من هَذَا القبيل فهو كرامات للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وَأَمَّا معجزته فهي القرآن الكريم، لا غير، لأَنَّهُ لم يتحدَّ بها الكفرة، وَإِنَّمَا تحداهم بالقرآن. ينظر: في رحاب القرآن، 9/ 222 - 223.
(3) ينظر: السالمي: مشارق، ص217.
(4) انظر: السالمي: مشارق، ص217.
(5) البوطي: كبرى اليقينيات، ص214.
(6) البوطي: كبرى اليقينيات، ص214.
(7) السنوسي: شرح العقيدة الوسطى، ص235. نقلا عن بوقلي، ص315.
(8) السالمي: مشارق، ص217.
(9) ينظر: السالمي: مشارق، ص217.
(10) الجويني: الإرشاد، 189 - 190. نقلا عن بوقلي، ص311.
(11) السنوسي: شرح العقيدة الوسطى، ص235. نقلا عن بوقلي، ص315. السالمي: مشارق، ص218.
(12) ينظر: القطب اطفيَّش: الهميان، 6ق 2/ 190 - 191؛ شرح نونية المديح، 101و-ظ. نقلا عن وينتن، ص251.
(13) وقال تَعَالىَ في شأن معجزات عيسى - عليه السلام -: {قَالَ عِيسَى اَبْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَينَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِّنكَ} (المائدة: 114)، وقال: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً} (المؤمنون: 50)، وقال: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمُ إِنِّيَ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَآئِرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الاَكْمَهَ وَالاَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَاكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فيِ بُيُوتِكُمُ إِنَّ فيِ ذَلِكَ ءَلاَيَةً لَّكُمُ إِن كُنتُم مُّومِنِينَ} (آل عمران: 49). وقال في شأن ناقة صالح: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمُ ءَايَةً} (الأعراف: 73). (1/89)
صفحة 91
الفرق بين الكرامة والمعجزة:
المعجزة ... الكرامة
مقرونة بالتحدي ... ليست للتحدي
سُبقت بدعوى النبوة ... لم تُسبق بدعوى النبوة
تظهر عَلَى يد مدَّعي النبوَّة ... قد تظهر عَلَى يد غير مدَّعي النبوَّة، وقد تفع بمحضر صاحب الكرامة لا عَلَى يديه
تكون ظاهرة وعلنيَّة ... غالبا ما تكون خفيَّةً وَخَاصَّةً بمن ظهرت عَلَى يديه
أَهَمِّيَّة المعجزات وطبيعتها:
إِنَّ المعجزة هي بمثابة قول الله تَعَالىَ للناس: «صدق عبدي في كُلِّ ما يبلِّغ عَنِّي» (1). ويعطي العلماء مثالا حسِّيًّا لدلالة تصديق المعجزة لمن جاءت عَلَى يده، وهو كأن يدخل رجل عَلَى جماعة في مجلس ملِك، فيأخذ الكلمة ويقول: إني رسول الملك إليكم، وعندما يناقَش في الأمر ويطالب بِالحُجَّةِ والدليل يقول: الدَّلِيل هو أن يخالف الملك الذي أرسلني إليكم عادته، فيقوم الملك ويقعد عِدَّة مَرَّات مثلا، مخالفا بِذَلِكَ عادته، فتتحقَّق حجَّة المرسول بهذا التَّصَرُّف غير العادي وغير المألوف من الملك، فتفهم الجماعة أَنَّ الملك صدَّق الرجلَ في دعواه (2).
ولأجل أن يقيم الله تَعَالىَ الحجَّة عَلَى الناس، فَإِنَّهُ لم يرسل رسولا إِلاَّ وأيده بمعجزة تَدُلُّ عَلَى صدقه (3)، قَالَ تَعَالىَ: {وَلَقَدَ اَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً اِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ} (الروم: 47)، {لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد: 25).
قد تكون المعجزات من جنس ما برع فيه قوم الرسول الذين بعث فيهم، حَتَّى تكون أَشَدَّ تأثيرا في الناس، وأبلغ في الإقناع. فكانت معجزة عيسى - عليه السلام - أعلى من الطبِّ الذي بلغ درجة عالية في قومه، وقد تحدى موسى - عليه السلام - بعصاه السحر المنتشر في قومه بمصر، وجاء القرآن عَلَى يد سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم في ذروة البلاغة التي كان يتبارى فيها العرب شعرا ونثرا في شبه الجزيرة العَرَبِيَّة.
وقد تكون المعجزة أحيانا لِمُجَرَّدِ إثبات البرهان عَلَى النبوة ابتداء، كبرودة النار لإبراهيم - عليه السلام -، ومعجزة الإسراء والمعراج لسيدنا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم (4).
المعجزة في ميزان العلم (5):
إذا كان يقصد بالعلم معناه الخاص، والذي يُعنَى بالبحث المتخصص في الظواهر الطبيعيَّة، فَإِنَّ علماء هَذَا الاتجاه لا يمكنهم التدخل في الحديث عن المعجزات، لأَنَّهَا خارجة عن نطاق بحثهم، فهم لا يَهْتَمُّون بغير الظواهر الخَارِجِيَّة الْمَادِّيَّة المحسوسة، والتي تخضع للمنهج التجريبي. لذا فلا تصوُّر لهم للمسألة، والحكم عَلَى الشَّيْء فرع عن تصوُّره.
__________
(1) السنوسي: عقيدة أهل التوحيد، ص185. نقلا عن بوقلي، ص311. السالمي: مشارق، ص217.
(2) الجويني: الإرشاد، ص45، 188 - 189. الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص89. نقلا عن بوقلي: ص314.
(3) رَدَّ الشيخ اطفيَّش عَلَى الإيجي الذي نسب إِلىَ الإِبَاضِيَّة القول بإمكانية بعث رسل بلا معجزات. ينظر: الإيجي: المواقف، 425. القطب اطفيَّش: شرح لامية ابن النضر، 2/ 554؛ الهميان، 6ق 2/ 171. وينتن: آراء، ص254.
(4) ينظر: وينتن: آراء، ص255 - 256.
(5) ينظر: البوطي: كبرى اليقينيات، 228 وما بعدها، بتصرف. (1/90)
صفحة 92
وَأَمَّا إذا كان يقصد بالعلم مفهومه العامُّ، وهو إدراك الشَّيْء عَلَى ما هو عَلَيْهِ بالدليل، وتساءلنا عن رأيه في المعجزة، فَإِنَّهُ يجيب: لقد سألتني قبل الآن عن رأيي في وجود الله، وقد بَيَّنت لك بالدليل اليقيني، والبرهان القطعيِّ أَنَّ الله وحده واجب الوجود، وما سواه كلُّه من قبيل الممكن، وبيَّنتُ لك أَنَّ الله هو الخالق للأسباب ومسبَّباتها، وهو الرابط بينها، فلا يمكن أن أناقض نفسي وأقول لك: إِنَّ هَذَا النظام من قبيل الواجب الذي يستحيل خرقه! واطِّراد نظام السَّبَبِيَّة لا يرفعها لتكون واجبة الاستمرار، مستحيلة الانفكاك. فليست المعجزة أكثر من خرقٍ للعادة، وخرق العادة ليس من قبيل الواجب ولا من قبيل المستحيل، فهي إذن من الأمور الممكنة.
يقول العالم الإنجليزي} ويليم جونز}: ليس خلق العالم بأعجب من خرق نظامه، فَإِنَّهُ من السهل عَلَى خالقه أن يحذف منه شَيْئًا أو يضيف إِلَيْهِ شَيْئًا.
إِنَّ الإلف والاعتياد يجعلنا نعتبر المألوفَ غيرَ معجزةٍ، وخرقَهُ معجزةً، بينما الواقع أَنَّ المظاهر المعتادة في هَذَا الكون كُلُّهَا معجزات: الكواكب ونظام سيرها، وقانون الجاذبية، والجسم البشري وما حواه من عجائب وأسرار، كُلُّ ذَلِكَ من قبيل الآيات المعجزات.
المعجزة في ميزان القرآن الكريم:
إِنَّ القرآن الكريم يَنُصُّ عَلَى بعض المعجزات التي حدثت لسيِّدنا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، منها: معجزة الإسراء والمعراج، قَالَ تَعَالىَ: {سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاَقْصَى} (الإسراء: 1)، ومنها معجزة انشقاق القمر، قَالَ تَعَالىَ: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَّرَوَا ـ ايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} (القمر: 1 ـ 2).
فمثل هَذِهِ المعجزات الثابتة بِنَصِّ القرآن، وبنصِّ الأحاديث المنقولة بالتواتر، يعتبر إنكارها شركا، لأَنَّهُ إنكار لِمَا ثبت بالبراهين اليقينية. وَأَمَّا ما ثبت بطريق الآحاد، فلا يعدُّ إنكارها مخرِجًا من الملة.
وَلَكِن قد يُتساءل: إِنَّ في القرآن ما يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم ليس من شأنه أن يأتي بالآيات، قَالَ تَعَالىَ: {وَقَالُوا لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلِ اِنَّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} (العنكبوت: 50)، وقال: {وَقَالُوا لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الاَرْضِ يَنبُوعًا ... }، إِلىَ قوله: { ... قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} (الإسراء: 90 ـ 93).
الجواب من وجهين:
1 - «إِنَّ هَذِهِ الآيات نزلت قمعا لسخرية المشركين بِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، لا عَلَى سؤال صادق بدر منهم، كما ترى من نسق الآيات وأسلوبها ... ولو علم الله منهم صدق الطلب وحسن النية وَأَنَّهُم مقبلون في ذَلِكَ عَلَى محاولة التأكد من صدق النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، لحقَّق لهم ما يقنعهم في ذَلِكَ، وَلَكِنَّ أمرهم مطابق في ذَلِكَ لِمَا وصفه الله تَعَالىَ في آية أخرى إذ قال: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَآءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتَ اَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ} (الحجر: 14 ـ 15)» (1).
2 - إِنَّ حكمة الله تَعَالىَ ورحمته بِهَذِهِ الأُمَّة اقتضت أن لا يعذبها بعذاب الاستئصال، فلو أَنَّهُ استجاب لطلبهم، وأنزل ما طلبوه من الآيات، ثُمَّ كفروا بها لأنزل عَلَيْهِم عذابا من السماء، كما فعل بعاد وثمود، قَالَ تَعَالىَ: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ اِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَالِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِالاَيَاتِ إِلآَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الاَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالاَيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} (الإسراء: 58 ـ59) (2).
__________
(1) البوطي: كبرى اليقينيات، 234 - 235.
(2) قال الشيخ اطفيَّش في تفسير قَوله تَعَالىَ: {مَآ ءامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُومِنُونَ} (الأنبياء: 6): «ما آمن أهل قرية قبلهم مقترِحَةٍ آيةً أهلكناها بالاستئصال، بل أهلكنا به من اقترحوها ولم يؤمنوا، فلا تقترحوها، وإن اقترحتموها لم أجبكم إليها؛ لأنَّه سبقت كلمتي أن لا أعذِّب أمَّة محمَّد به ... ». تيسير التفسير، تحقيق: الشيخ إبراهيم طلاي، 9/ 257. (1/91)
صفحة 93
أنواع المعجزات:
المعجزات نوعان: حِسِّيَّة وَمَعْنَوِيَّة.
فمن المعجزات الحِسِّيَّة: انقلاب عصا موسى - عليه السلام - حيَّة تسعى، {فَاَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} (طه: 20)، وتلقُّفها لِمَا يأفك السحرة: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنَ اَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَافِكُونَ} (الأعراف: 117)، وانفلاق البحر لموسى وقومه: {فَأَوْحَيْنَآ إِلىَ مُوسَى أَنِ اِضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} (الشعراء: 63)، وتحوُّل النار إِلىَ برد وسلام لإبراهيم - عليه السلام -: {قُلْنَا: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} (الأنبياء: 69). ومنها نبع الماء من بين أصابع الرسول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وكثرة الطعام عَلَى يديه في بعض الغزوات، وتكلُّم الشاة المسمومة له عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ (1) ... والمعجزات الحِسِّيَّة تكون أَشَدَّ تأثيرا في من شاهدها، بخلاف من لم يشاهدها. وهناك من لا يعتبر ما ذكرناه من الخوارق الحِسِّيَّة للرسول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم معجزات، لأَنَّها لا تَتَوَفَّرُ عَلَى أحد شروطها، وهي التحدِّي، لأَنَّ كثيرا منها وقع بين أظهر المسلمين، وهم مؤمنون متيقِّنون بنبوَّته - عليه السلام -، لِذَلِكَ يسمُّونها كرامات (2).
ومن المعجزات المَعنَوِيَّة، بل أعظمها عَلَى الإطلاق: معجزة القرآن الكريم، وبيان ذَلِكَ فيما يأتي:
معجزة الرسول محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -:
· سأل العرب الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم أن يأتيهم بمعجزة تَدُلُّ عَلَى صدقه مثل الأنبياء السابقين، فأخبرهم بِأَنَّ القرآن أعظم معجزة له: {وَقَالُوا لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلِ اِنَّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ اَوَلَمْ يَكْفِهِمُ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُومِنُونَ} (العنكبوت: 50 - 51).
· لَكِنَّ الكافرين اسْتَمَرُّوا عَلَى جحودهم وإنكارهم وإعراضهم، فـ {قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَآ إِنْ هَذَآ إِلآَّ أَسَاطِيرُ الاَوَّلِينَ} (الأنفال: 31).
· أجابهم الله تَعَالىَ بقوله: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُومِنُونَ فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} (الطور: 33 - 34). ثُمَّ أتى بالتحدِّي القاطع لِكُلِّ الجِنِّ وَالإِنس أَن يأتوا بمثله: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَّاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الإسراء: 88)،
· وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فقال: {اَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لآَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلَ اَنتُم مُّسْلِمُونَ} (هود: 13 - 14).
· ثُمَّ تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة فقال: {وَإِن كُنتُمْ فيِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ التِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 23 - 24).
__________
(1) ينظر: وينتن: آراء، ص258 - 260. وننبه هنا إِلىَ ما وقع فيه بعض العلماء، إذ ينسبون كمًّا كبيرا من المعجزات إِلىَ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم، دون تحقيق في صحَّتها، بينما بعض منها موضوع أو ضعيف.
(2) يقول الشيخ بيوض في تفسير قَوله تَعَالىَ: {اَوَلَمْ يَكْفِهِمُ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُومِنُونَ} (العنكبوت: 50 - 51): «وَهَذِهِ الآيَة من أقطع الأَدِلَّة وأظهرها عَلَى أَنَّهُ ليست هناك معجزة جاء بها النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى وجه الإعجاز والتحدِّي، مثبتا بها صدقه وصدق رسالته إِلاَّ القرآن الكريم وحده، فهو دعوته وَهُوَ آيته ... أَمَّا ما وقع للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم وجرى عَلَى يده من كرامات أو خوارق عادات فهي حَقًّا كثيرة، تقع إكراما له في مناسبات، وَتُسَمَّى معجزة تجوُّزا عَلَى اصطلاح المؤَرِّخِينَ وكتَّاب السيرة ... ». الشيخ بيوض: في رحاب القرآن، 9/ 222 - 223.
ويميل الشيخ البوطي إِلىَ نقيض هَذَا الرأي. ينظر: كبرى اليقينيات، ص222. (1/92)
صفحة 94
وَإِنَّ هَذِهِ المعجزة المَعنَوِيَّة للرسول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ضمان لاستمراريَّة دعوته، وحجَّته عَلَى الناس كَافَّة إِلىَ أن تقوم الساعة، وقد ظلَّت ـ وستظلُّ ـ آيات التحدِّي تقرع آذان الأدباء والبلغاء، مع ما عُرف به المنكرون في كُلِّ مكان من محاولة إفساد صفة الإعجاز في القرآن.
وأوجه إعجاز القرآن الكريم كثيرة، منها ما هو خاصٌّ بالعرب، ومنها ما هو عامٌّ لِكُلِّ البشر.
فَأَمَّا التحدِّي الخاصُّ بالعرب فهو النظم البديع للقرآن، فلم يكن من النثر المعهود في أساليبه، ولا من الشعر المعروف بأوزانه وألوانه، يستوي في الاستفادة منه جميع فئات المجتمع، من عوامَّ ومثقَّفين ومتخصِّصين ... هَذِهِ هي بلاغة القرآن التي عجز العرب عن معارضته، مع ما عُرفوا به من البلاغة والمباراة فيها، بالمساجلة والمقارضة، وعقد أسواق أدبية لهذا الغرض ... ومع أَنَّ هَذَا التحدِّي خاصٌّ بالعرب، فَإِنَّهُ أَيضًا تحدٍّ وإعجاز لغيرهم، لأَنَّ العرب في هَذَا حجَّة عَلَى من سواهم، فإذا علم الأعاجم بعجز العرب عن أن يؤلفوا كِتَابا مثل القرآن، بل عن أن يأتوا بسورة من مثله تيقَّنوا أَنَّ القرآن الكريم من كلام الله لا من كلام البشر (1).
و «أَمَّا الجانب الذي يَعُمُّ الناس كُلَّهم فيتمثل في إخباره عن المغيبات التي لم تكن قد وقعت بعد، ثُمَّ وقعت كما أخبر، وعن الأمم الماضية وقصصها؛ كما يَتَمَثَّلُ في تشريعه الشامل الدقيق الصالح لِكُلِّ زمان ومكان، مع ما عُرف من كونه عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أُمِّيًّا لم يقرأ كِتَابا ولا خطَّه بيمينه، فضلا عن أَنَّهُ لم يدرس قانونا ولا تشريعا، ولا عُني بِشَيْءٍ من أمر النظم الاِجتِمَاعِيَّة المعروفة إذ ذاك عند الفرس أَو اليونان؛ وفيما ينطوي عَلَيْهِ من القواعد والبحوث العِلمِيَّة التي لا يزال الباحثون اليوم في طور اكتشافها» (2).
******************************
المبحث الرابع
الكتب والصحف المنزَّلة
أَوَّلاً: وجوب الإيمان بالكتب:
إِنَّ الإيمان بجميع الكتب التي أنزلها الله عَلَى رسله أمر واجب، ويجب تخصيص القرآن منها، قَالَ تَعَالىَ: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَنْ يَّكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا} (النساء: 136)، وإنكار بَعض منها، أو التكذيب بحرف منها بعد ثبوته يعتبر كفرا، قال تَعَالىَ لبني إسرائيل: {أَفَتُومِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟ فَمَا جَزَآءُ مَنْ يَّفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمُ إِلاَّ خِزْيٌ فيِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} (البقرة: 85).
ثانيا: تعريف الكتب والصحف:
لغة: الكِتَاب: مصدر كَتَبَ كَتْبًا وَكِتَابة. وأصل الكَتْب: ضمُّ أديم إِلىَ أديم بالخياطة، واستعمل عرفا في ضمِّ الحروف بَعضها إِلىَ بَعض. والمقصود بِالكِتَابِ: اسم المفعول، أي المكتوب، وَهُوَ ما خُطَّت فيه الحروف والكلمات. والصحيفة: هي الورقة المكتوبة، وجمعها صحف وصحائف. والصحيفة وَالكِتَاب مترادفان.
اصطلاحا: الكتب والصحف هي ما أوحى به الله إِلىَ رسله لتبليغه للناس، وعندما يُجمع ويدوَّن يُسَمَّى كِتَابا.
ثالثا: عدد الكتب والصحف:
لم يَرِد في القرآن الكريم عدد الكتب والصحف، وَإِنَّمَا وردت فيه أسماء بَعض الكتب مضافة إِلىَ رسل أنزلت عَلَيْهِم.
__________
(1) ينظر: البوطي: كبرى اليقينيات، ص219 - 220.
(2) البوطي: كبرى اليقينيات، ص216. (1/93)
صفحة 95
وجاء في الخبر عن أبي ذر أَنَّ عدد الصحف والكتب هو أربعة ومائة كِتَاب: خمسون عَلَى شيث، وثلاثون عَلَى إدريس، وعشرة عَلَى إبراهيم، وعشرة عَلَى موسى قبل التوراة، والتوراة لموسى، والإنجيل لعيسى، والزبور لداود، والقرآن لسيدنا محَمَّد صلَّى الله عليهم وسلَّم أجمعين.
قَالَ تَعَالىَ عن بَعض الصحف: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى} (النجم: 36 ـ 37) (1).
وقال عن التوراة: {إِنَّآ أنزَلْنَا التَّوراةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} (المائدة: 44)، وقد سماها ألواحا في قَوله تَعَالىَ: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الاَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (الأعراف: 145)، وقد تكون الصحف والتوراة والألواح شَيْئًا واحدا (2).
وقال عن الإنجيل: {وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَارِهِم بِعِيسَى اَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوراةِ وَءَاتَيْنَاهُ الاِنجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ} (المائدة: 46).
وقال عن الزبور: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلَى بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} (الإسراء: 55).
رابعا: خصائص الكتب والصحف:
لقد خاض بعض العلماء في مسائل مُتَعَلِّقَة بالموضوع، كمناقشة تفاضل الكتب كتفاضل الأنبياء المنزلة عَلَيْهِم، والخوض في الاشتقاقات اللغوية لأسمائها، وردُّوا كثيرا منها إِلىَ اللسان العَرَبِيِّ، ولو بتكلُّف، وكذلك تحدَّثوا عن زمن نزولها، وَلَكِن كُلُّ هَذَا لا طائل من ورائه، ولا نصَّ صريحا أو صحيحا فيه (3).
أَمَّا الخصائص الثابتة بِنَصِّ القرآن الكريم للكتب فَإِنَّنَا نذكر منها ما يأتي:
1 - كُلُّ الصحف والكتب تَتَّفِقُ في العقيدة ومكارم الأخلاق، مثل: إفراد الله تَعَالىَ بالعبادة، قَالَ تَعَالىَ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ اِلاَّ يُوحَى إِلَيْه أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25). ولكنها تختلف في بَعض الشرائع والأحكام، قَالَ تَعَالىَ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (المائدة: 48) (4).
2 - كُلُّ الكتب عهد الله بحفظها إِلىَ الناس فخانوا الأمانة، وبدلوا وغيروا، وأخفوا منها ما أرادوا، خدمةً لأغراضهم وأهوائهم، فأحلوا ما حرم الله (5)، قال تَعَالىَ عن اليهود: {مِنَ الذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} (النساء: 46)، وأضافوا إِلىَ التوراة قصصا عن الأنبياء في غاية من السوء والفحش، ونسبوا إِلىَ الله ما هو شرك صريح: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَالِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهُونَ قَوْلَ الذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُوفَكُونَ} (التوبة: 30)، وكتموا من التوراة والإنجيل ما شاءوا، ومن ذَلِكَ التبشير بالرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، قال تَعَالىَ: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَآءِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِن بَعْدِيَ اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} (الصف: 6). وَأَمَّا القرآن الكريم فقد تكفل الله بحفظه، قَالَ تَعَالىَ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9).
3 - لم تكن تلك الكتب معجزة بلفظها، ما عدا القرآن، ليبقى المعجزة الخالدة للرَّسُول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، قَالَ تَعَالىَ: {قُلَ اَرَآيْتُمُ إِن كَانَ
4 -
__________
(1) وقال أَيضًا: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الاُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} (الأعلى: 18 ــ 19).
(2) ينظر: وينتن: آراء، ص264 - 265.
(3) ينظر: وينتن: آراء، ص265 - 266.
(4) قال تَعَالىَ قبلها: {وَلْيَحْكُمَ اَهْلُ الاِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبَعَ اَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَّقِ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (المائدة: 47 ــ 48).
(5) فقد استحلوا خيانة الأمانة: {وَمِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مَنِ اِن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُّوَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنِ اِن تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُوَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ: لَيْسَ عَلَيْنَا فيِ الاُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونُ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران: 75)، كما استحلوا الربا وقد نهاهم الله عنه: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا} (النساء: 161). (1/94)
صفحة 96
مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنَ اَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقِم بَعِيدٍ سَنُرِيهِمُ ءَايَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53).
5 - تختلف الكتب في لغاتها حسب الأقوام الذين نزلت فيهم، قال تَعَالىَ: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ اِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم: 4).
خامسا: القرآن الكريم:
أ- تعريف القرآن:
هو الكلام المنزل عَلَى سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، المعجز، المتعبد بتلاوته، المدون في المصاحف، المنقول إلينا بالتواتر. يرشد الأمم إِلىَ صلاحها وفلاحها في الدُّنْيَا وَالآخِرَة.
ب- خلق القرآن (1):
كُلُّ الكتب المنزلة مخلوقة، ولا يَصِحُّ القول بِأَنَّهَا قديمة. وَمِمَّا احتَجَّ به القائلون بِأَنَّ القرآن قديم قولهم: القرآن كلام الله، بدليل قَوله تَعَالىَ: {وَإِنَ اَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} (التوبة: 6)، والكلام صفة من صفات الله، فهو إذن أزليٌّ قديم. وجوابهم من عِدَّة أوجه:
1 - يجب التفريق بين صفة الكلام لله، وبين الكلام المنزل عَلَى رسله؛ ولم يقم دَلِيل عَلَى تسمية صفة الكلام لله قرآنا، وَإِنَّ نسبه الكلام إِلىَ الله ليست سوى كنسبة المخلوقات إليه، كما نقول: بيت الله، أو ناقة الله ...
2 - أَنَّ الله تَعَالىَ هو الخالق، وَأَنَّ جميع ما عداه مخلوق، قَالَ تَعَالىَ: {ذَالِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (الأنعام: 102).
3 - أَنَّهُ تَعَالىَ منفرد بالقدم، فلو كان القرآن قديما للزم بطلان انفراده تَعَالىَ بالقدم.
4 - القرآن مكون من حروف وكلمات، ومدون في الصحف والأوراق والألواح، ومحفوظ في الصدور، وما كان عَلَى هَذِهِ الصفات فهو مخلوق ولا شَكَّ.
سادسا: نسخ الشرائع (2):
معنى النسخ:
يطلق النسخ لغة عَلَى الإزالة، كما تقول: نسخت الشمس الظلَّ، أي أزالته. ويطلق كَذَلِكَ عَلَى النقل، كما تقول: نسختُ الكتاب، أي نقلته.
والنسخ اصطلاحا هو: رفع حكم شرعي بشرع مُتَأَخِّر. فخرج بهذا التعريف ما كان من قبيل بيان المجمل، أو تخصيص العام، أو تقييد المطلق.
فالنسخ هو بيان لانتهاء مُدَّة الحكم الأَوَّل عند الله تَعَالىَ.
ما يجب عَلَى المسلم اعتقاده:
إِنَّ شريعة الرّسول محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ناسخة لشرائع الأنبياء من قبله، أي مبدِّلة لأحكامها بأحكام أُخَر، إِمَّا مخالفة لها، وَإِمَّا موافقة، إِلاَّ ما لا يَصِحُّ نسخه من ذَلِكَ، كخصال التوحيد، لأَنَّ صفاته تَعَالىَ لا يجوز عَلَيْها التغيُّر، فلا تَنزِلُ ملَّةٌ بإمكانية رؤية الله،
__________
(1) ينظر التفصيل في كِتَاب: الحق الدامغ لفضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، ص ....
(2) ينظر: أبو عَمَّار عبد الكافي: الموجز، 333 - 345. السالمي: بهجة، ص100 - 101؛ مشارق، ص231 - 234. (1/95)
صفحة 97
وأخرى باستحالتها، كما لا يمكن أن يُتعبَّد قومٌ بالخلود في النار وآخرون بالخروج منها؛ وكمكارم الأخلاق فَإِنَّهُ لا يَصِحُّ أن يأمر الله بخلاف المكارم، والرسول صلَّى الله عليه وسلَّم بعث ليتمِّم مكارم الأخلاق لا لينسخها.
والدليل عَلَى أَنَّ شرع نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم ناسخٌ قوله - عليه السلام -: «لا نبيَّ بعدي» (1)، وكما دَلَّ عَلَيْهِ قَوله تَعَالىَ: {وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ} (الأحزاب: 40)، فَإِنَّ الخاتِم لا يكون معقوبا، فثبت امتناع نسخ شرعه، لاستحالة نبيٍّ بعده.
ويجب عَلَى المسلم أن يعتقد أَنَّ الشريعة التي جاء بها محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ناسخةٌ للشرائع السابقة، وأنَّها لا تُنسخ من بعده إِلىَ يوم القيامة، ولا يَصِحُّ جهل علم ذَلِكَ بعد قيام الحُجَّة به.
وإذا ورد في الشرائع الأخرى حكمٌ لم يكن فيه من شريعتنا شَيْء، لا نسخٌ ولا تقريرٌ، هل يَصِحُّ الأخذ به؟ ذهب البعض إِلىَ المنع. والذي عَلَيْهِ الإِبَاضِيَّة أَنَّهُ شرعٌ لنا ما لم ينسخ.
_____________________________________
المراجع:
- أبو عمَّار عبد الكافي: الموجز، (القول في إثبات الرسالة للرسل، 1/ 297)؛ (الدلالة على آيات نبينا محمَّد * ومعجزاته، 1/ 312)؛ (القول في نسخ الشرائع والردُّ على اليهود في ذلك، 1/ 333).
- عمرو بن جميع، والشماخي والتلاتي: مقدمة التوحيد وشروحها، (الأنبياء والرسل، ص26، 87 - 92، 100، 102 - 104).
- الجيطالي إسماعيل: قواعد الإسلام، (في معرفة الرسول *، 1/ 45 - 48) (في الإيمان بالأنبياء والرسل، 1/ 77 - 85).
- السالمي نور الدين: مشارق أنوار العقول، (في جواز بعث الرسل والحكمة من بعثهم، ص215)؛ (فيما يجب وما يستحيل عليهم وما يجوز في حقهم، ص219)؛ (في تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض، ص227)؛ (في نسخ شرائع الرسل بشرائع نبينا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ص231).
- البوطي: كبرى اليقينيات.
- محَمَّد قطب: منهج علم التوحيد، (الإيمان بالرسل، 3/ 6 - 96)؛ (الرسالة المحمَّديَّة، 3/ 97 - 148)؛ (المعجزة، 3/ 149 - 170).
وينتن مصطفى: آراء الشيخ اطفيَّش العقديَّة، ص207 - 274.
__________
(1) البخاري: الجامع الصحيح، كِتَاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث رقم 3268، ج3/ 1273. ورواه مسلم والترمذي. (1/96)
صفحة 98
المحور السادس (1)
الغيبيَّات (أو السمعيَّات)
أوَّلاً - مدخل: التعريف والمنهج
تمهيد:
يُطلق مصطلح} الغيبيَّات}، مشتقًّا من الغيب، على ما خفي عن إدراك الإنسان بالحس والمشاهدة. ويطلق عليه أيضا مصطلح} السمعيَّات} لأنها تتضمَّن أمورا يستحيل عَلَى العقل معرفتها بغير الدليل السمعي (النقلي).
ولأهميتها الكبرى ذكرها الله أولى صفات المتقين، في السورة الأولى بعد الفاتحة، فقال: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ اَلذِينَ يُومِنُونَ بِالْغَيْبِ}.
أولا - التعريف:
أ- الغيب لغة:
غاب يغيب غَيْبًا وغَيْبَة وغيبوبة وغُيُوبَةً: خَفِي، وَكُلُّ ما خفي عن الإِنسَان فهو بالنسبة إِلَيْهِ غيب (2).
ب- الغيب اصطلاحا:
هو ما لا يدركه الحسُّ، ولا يمكن معرفته بالعقل، وَإِنَّمَا بالسمع (أي بالنقل) والخبر اليقيني (3).
نتيجة التعريف:
بناء عَلَى هَذَا التعريف فَإِنَّ السمعيَّات (الغيبيات) في اصطلاحنا لا يدخل فيها معرفة الله وأنبيائه، لأَنَّهَا معروفة عن طريق العقل والحس، فوجود الله ضرورة عَقلِيَّة، ووجود الأنبياء وصدقهم مِمَّا شهدت به الحواس، وصدَّق به العقل للأدلَّة المصاحبة لهم.
إِلاَّ أَنَّ هنالك أمورا لم نشاهدها بعدُ، كالملائكة وأشراط الساعة وقيامها، والحشر وَالجَنَّة والنار، وَهَذِهِ الأمور لولا ورود الخبر اليقيني عن وجودها لَمَا أمكن للعقل تخيُّلها، وَلَكِن إذا ورد الخبر عنها فلا يصعب عَلَى العقل تحسُّسها وتخيُّلها.
__________
(1) المحوران السادس والسابع المتعلقان بالغيبيات والإنسانيات. فيهما ما لا يزال عبارة عن أفكار تحتاج إلى مراجعة وتنسيق وإثراء ... عجلت بطبعه تعميما للفائدة.
والمقصود بالغيبيات ما وراء الحس والمشاهدة، ومنه: الملائكة، اليوم الآخر، الجن.
والمقصود بالإنسانيات: ما يتعلق بالإنسان وعلاقاته الاجتماعية والسياسية، ومنه: القضاءُ والقدرُ (في جانبهما المتعلق بفعل الإنسان، من حيث التخيير أو الجبر)، والأسماءُ والأحكامُ، وما يترتب عليها من ولاية أو براءة أو وقوف، والإمامةُ.
وهي دروس ومحاضرات لم تكتمل، نسأل الله تعالى أن يمدَّ في الأجل، ويبارك في الصحة والزمن، لإكمالها في القريب العاجل، إنه سميع مجيب.
وأعتذر للقراء الكرام والطلبة الأعزاء عن عدم وجود تفاصيل قسم الإنسانيات؛ نظرا لأني لم أدرِّسها بعد في مستوى التخصص الشرعي. ونرجو من الله تعالى أن يعينني على بحث أهم جزء منها في أطروحة الدكتوراه، وهو: (الأسماء والأحكام، تأصيلا وتطبيقا).
(2) ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص654 - 656. الرازي: مختار الصحاح، 1/ 203. مَادَّة «غيب».
(3) البوطي: كبرى اليقينيات، ص301. وينتن: آراء، ص159. (1/97)
صفحة 99
ج- أقسام الغيب:
ينقسم الغيب بحسب جهل الإِنسَان ومعرفته إِلىَ:
1. غيب حقيقي: وهو ما لا يعلمه إِلاَّ الله، ولا يمكن للإنسان الاطِّلاَع عَلَيْهِ.
2. غيب إضافي (نسبي): يختلف فيه الخلق، فبعضهم أعلم من بعض، حسب استعداداتهم الفطرية، وعملهم الكسبي.
ثانيا - المنهج (1):
إذا كانت الغيبيات أمورا لا يمكن للعقل التوصل إِلَيْهَا بمفرده، فما هو المنهج العلمي، الذي يقبله العلم والعقل للوصول إِلىَ اعتقادٍ في هَذِهِ المغيبات؟.
يجيب البوطي بأمثلة واقعيَّة وهي:
1. إذا قال لك الطبيب: لا تشرب من هَذِهِ الكأس فَإِنَّهَا مليئة بالجراثيم التي تسبب لك الأمراض.
2. إذا بلغك خبر رسمي عن علماء الفلك بِأَنَّ القمر سيخسف في زمن محدد.
3. إذا علمت من مُؤَسَّسَة الكهرباء أَنَّهُ سيتم قطع التيار الكهربائي في ساعة مُعَيَّنَة.
4. إذا وضعت الدولة قانونا صارما نافذا للعقوبات لبعض الجرائم.
فَإِنَّكَ ولا شَكَّ ستصدِّق كُلَّ هَؤُلاَءِ للأسباب الآتية:
1. ليقينك أَنَّ الطبيب حاذق يعتمد عَلَى حقيقة طِبِّيَّة عِلمِيَّة ثابتة، وإن كنت لا تعرف في الطب شَيْئًا.
2. ليقينك أَنَّ علماء الفلك إذا دقَّقوا النظر والحسابات عرفوا سنن الكون ونظامه.
3. ليقينك أَنَّ الْمُؤَسَّسَة منوط بها تموين البلد بالكهرباء، ولصحة الخبر الرسمي عنها.
4. ليقينك أَنَّ سلطان الدولة نافذ، يطبق القوانين بصرامة ونزاهة عَلَى المجرمين، فلا تنتظر الدَّلِيل، أو تنتظر تنفيذ الحكم حَتَّى تتيقَّن.
فَهَذِهِ أمور باعتبار جاهلها أمورٌ غيبية (غيبا نسبيا)، وَلَكِنَّ العقل صدَّق بها لصدق المخبر بها ويقينه.
فَكَذَلِكَ إذا آمن المرء بوجود الله وسلطانه عَلَى البشر، وبعلمه بما كان وما هو كائن وما سيكون، وآمن بصدقه في وعده ووعيده، وآمن بوجود أناس صادقين يبلِّغون عنه (وهم الأنبياء) فلا شَكَّ أَنَّ ما أخبروا عنه حقيقةٌ، ووعدٌ آتٍ لا محالة.
ولا شَكَّ أَنَّ مخاطبة من لا يؤمن بوجود الله ولا بالرسل ولا بالقرآن، ومحاولة إقناعه بِهَذِهِ الغيبيات عبث لا يجدي. كما أَنَّ من ينكر شَيْئًا من هَذِهِ الغيبيات دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَمَّا يتيقَّن بما سبق الاستدلال عَلَيْهِ في الإلهيَّات والنبوَّات.
******************************
__________
(1) البوطي: كبرى اليقينيات، ص302 - 305. (1/98)
صفحة 100
ثانيًا - الإيمان بالملائكة
أَهَمِّيَّة دراسة موضوع الملائكة (1):
1. أَنَّهُ ركن من أركان الإيمان، فهو مِمَّا لا يسع جهله؛ لِقَولِهِ تَعَالىَ: {لَيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيئِينَ ... } (البقرة: 117)، ولقوله: {ـ اَمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُومِنُونَ كُلٌّ ـ اَمَنَ بِاللهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ... } (البقرة: 285)، ولقوله: {يَآ أَيهَا الذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَنْ يكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَقَد ضَّلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا} (النساء: 136).
2. أطالت النصوص في ذكرهم (القرآن وَالسُّنَّة).
3. نفي الخرافات عنهم، كألوهيتها عند النصارى، أو كونها أنثى لدى بعض الوثنيين، أو كونها من الأفلاك لدى بعض الفلاسفة ...
4. معرفة علاقتهم بالبشر.
5. ازدياد معرفة الله وعظمته.
التعريف:
لغة: الملائكة جمع} مَلَك}، وأصله:} مَألك}، و} أَلَكَ} بمعنى: أرسل.
اصطلاحا: الملائكة خلق من عباد الله من غير جنس البشر ولا الجن، لا يوصفون بالذكورة ولا الأنوثة (2)، ولا يماثلون بَقِيَّة المخلوقات، فهم عباد أطهار مكرمون، اصطفاهم الله لخالص عبادته. وهم منزَّهون عن اللهو واللغو والعبث.
صفاتهم الخَلقيَّة (3):
مَادَّة الخلق:
لم يُخلقوا من نار كالجنِّ، ولا من الطين كالإنس، وَإِنَّمَا خلقوا من نور، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مِمَّا وصف لكم» (4).
وأيُّ نور؟ الله أعلم. وما ورد عن عكرمة أَنَّهُ «من نور العِزَّة»، وعن عبد الله بن عمرو أَنَّهُ من نور الذراعين والصدر!! كُلُّ هَذَا لا يَصِحُّ.
__________
(1) استفدت في هَذِهِ المطبوعة أساسا من دراسة عمر سليمان الأشقر: عالم الملائكة الأبرار، ضمن سلسلة العقيدة في ضوء الكِتَاب وَالسُّنَّة.
(2) قَالَ تَعَالىَ: {وَجَعَلُوا الْمَلآَئِكَةَ الذِينَ هُمْ عند الرَّحْمَنِ إِنَاثًا اَ. شْهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} (الزخرف: 19)، {إِنَّ الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِالاَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلآَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الاُنثَى وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ اِنْ يَّتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (النجم: 27 ـ 28).
(3) يَرُدُّ الأشقر عَلَى أحد الكتَّاب مِمَّن يقيس عالم الملائكة بعالم البشر، إذ قال كيف يأتي جبريل في ثوان ليجيب عن سؤال من النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم؟ والضوء يحتاج إلى ملايين السنين الضوئية ليقطع المسافات الفضائية؟! قال الأشقر: «وما درى هَذَا المسكين أَنَّ مثله كمثل بعوضة تحاول أن تقيس سرعة الطائرة بمقياسها الخاص، لو تَفَكَّرَ في الأمر لعلم أَنَّ عالم الملائكة له مقاييس تختلف عن مقاييسنا نَحْنُ البشر». الأشقر: المصدر نفسه، 13 - 14.
(4) رواه مسلم وأحمد عن عائشة. وَهُوَ حديث صحيح، انظر: 3238 صحيح الجامع. (1/99)
صفحة 101
متى خلقوا؟
الله أعلم، وَلَكِنَّ المؤكَّد أَنَّهُم خلقوا قبل آدم، لقوله تَعَالىَ: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ} (سورة ص: 71).
عِظم خلقهم:
ملائكة العذاب: وصفوا بالشدة والغلظة كما قَالَ تَعَالىَ: {عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} (التحريم: 6).
جبريل - عليه السلام -، وصف بِالقُوَّةِ في قَوله تَعَالىَ: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} (التكوير: 20). وفي قول الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم: «رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ» (1). وفي رواية لأحمد ـ بسند حسن ـ: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [بن مسعود] قَالَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ، كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الأُفُقَ يَسْقُطُ مِنْ جَنَاحِهِ مِنَ التَّهَاوِيلِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ» (2).
حملة العرش: روى أبو داود وصحَّحه الألباني أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» (3).
جَمالهم:
قَالَ تَعَالىَ: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} (النجم: 5 ـ 6)، قال ابن عبَّاس: {ذُو مِرَّةٍ}: ذو منظر حسن. وَقِيلَ: {ذُو مِرَّةٍ}: ذو قُوَّة.
وقد تقرَّر لدى أذهان الناس أَنَّ الملك ذو صورة حسنة، بخلاف الشياطين ذوي الصورة القبيحة، كما قال النسوة في حقِّ يوسف - عليه السلام -: {حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا اِنْ هَذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} (يوسف: 31).
تفاوتهم:
- منهم من له جناحان، أو ثلاثة أو أربعة، قَالَ تَعَالىَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ جَاعِلِ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً اُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ اِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (فاطر: 1).
- وقال تَعَالىَ: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} (الصافَّات: 164 ـ 166). وقال عن جبريل - عليه السلام -: {عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} (التكوير: 20).
__________
(1) تمام الحديث: عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ، ثَلاَثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، قَالَ وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِينِي وَلاَ تَعْجَلِينِي، أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ}، {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى}؟ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ». فَقَالَتْ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}؟. أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}؟. قَالَتْ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}. قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} ... [وفي رواية زيادة] قَالَتْ: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم كَاتِمًا شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} ... [وفي رواية أَنَّ عائشة قالت لمسروق:] «سُبْحَانَ اللَّهِ! لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي لِمَا قُلْتَ!». وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ ...
مسلم: كِتَاب الإيمان، باب معنى قَول الله عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى}، رقم 177.
(2) أحمد: المسند، مسند المكثرين من الصحابة، رقم 3740.
(3) أبو داود: كِتَاب السُّنَّة، باب في الجهميَّة، رقم 4727. (1/100)
صفحة 102
- وفي صحيح البخاري: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: «مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ» أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، قَالَ: «وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ» (1).
لا ذكور ولا إناث:
رَدَّ القرآن الكريم بشدَّة عَلَى مشركي العرب الذين اعتبروا الملائكة بنات الله، إذ قال: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ أَوَمَنْ يَّنشَأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ وَجَعَلُوا الْمَلآَئِكَةَ الذِينَ هُمْ عِندَ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا اَ. شْهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} (الزخرف: 16 ـ 19).
لا يأكلون ولا يشربون:
- {هَلَ اَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَاكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ} (الآية: 24 ـ 28).
- {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفِ اِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} (هود: 69 ـ 70).
لا يكلُّون ولا يملُّون:
- {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} (الأنبياء: 19 ـ 20).
- {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} (فصِّلت: 38).
منازلهم:
- وصفهم الله تَعَالىَ بِأَنَّهُم عنده: {وَمَنْ عِندَهُ} (الأنبياء: 20)، {فَالذِينَ عِندَ رَبِّكَ} (فصِّلت: 38).
- وينزلون إلى الأرض لتنفيذ أوامر الله تَعَالىَ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} (مريم: 64).
- يكثر نزولهم في مناسبات خَاصَّة كليلة القدر: {تَنَزَّلُ الْمَلآَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} (القدر: 4).
عددهم:
- خلق كثير لا يعلم عددهم إِلاَّ الله: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} (المدَّثِّر: 31).
- في حديث المعراج المُتَّفَق عَلَيْهِ: «فَرُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ» (2).
- في صحيح مسلم: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» (3).
- وإذا علمنا أَنَّ كُلَّ إنسان قد أوكل به ملكان علمنا عِظم عددهم، قَالَ تَعَالىَ: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} (سورة قَ: 17).
__________
(1) البخاري: كِتَاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرا، رقم 3771.
(2) البخاري: كِتَاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم 3035.
(3) مسلم: كِتَاب الجَنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب في شِدَّة حرِّ نار جَهَنَّم وبُعد قعرها، رقم: 2842.
وهل يعني أَنَّ عدد الممسكين بزمامها: 4900000000 كما يرى الأشقر؟. يبدو أَنَّ القصد هو التكثير فقد يكون أكثر وقد يكون أقل، والأصل قَوله تَعَالىَ: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}!. (1/101)
صفحة 103
أسماؤهم:
وردت أسماء قليلة منهم في القرآن الكريم:
- جبريل وميكائل: قَالَ تَعَالىَ: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلآَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَآئِلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} (البقرة: 98).
- روح القدس: {وَءَاتَيْنَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} (البقرة: 87)، {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} (النحل: 102). أو الروح الأمين: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} (الشعراء: 192 ـ 194). أو الروح: {فَأرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} (مريم: 17).
- مالك: وهو خازن النار: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} (الزخرف: 77).
- هاروت وماروت: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} (البقرة: 102). والله قد بعثهما فتنة للناس، وقد نُسجت حولهما في كتب التفسير أساطير لم يثبت منها شَيْء في الكِتَاب وَالسُّنَّة.
وَمِمَّا ورد في السُّنَّة:
- إسرافيل: عن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ ... » (1).
- منكر ونكير: روى الترمذيُّ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ» ـ أَوْ قَالَ: أَحَدُكُمْ ـ «أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ فَيَقُولاَنِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ... » (2).
- رضوان: قال ابن كثير: «وخازن الجَنَّة ملك يقال له: رضوان، جاء به مصرَّحا في بعض الأحاديث» (3).
والرقيب والعتيد الواردان في القرآن الكريم ليسا اسمين لملكين ـ كما ذهب إلى ذَلِكَ بعض العلماء ـ وَإِنَّمَا هما وصفان للملكين الشاهدين الحاضريْن.
صفاتهم الخُلقيَّة (4):
- كرام بررة: قَالَ تَعَالىَ: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامِم بَرَرَةٍ} (عبس: 15 ـ 16). وَهَذَا الخلق مِمَّا يجب عَلَى طالب القرآن أن يتحلَّى بهما، وقد قال الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ. وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» (5).
- الاستحياء: قَالَتْ عَائِشَةُ للنَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ؟ فَقَالَ: «أَلاَ أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلاَئِكَةُ؟!» (6).
__________
(1) بَقِيَّة الحديث: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اِهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». مسلم: كِتَاب صلاة المسافرين وقصرها، الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم 770.
(2) الترمذي: كِتَاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، رقم 1071. وقال: «حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ».
(3) البداية، 1/ 53. نقلا عن الأشقر، المصدر السابق، ص17.
(4) الأشقر: المصدر نفسه، 19 - 20.
(5) مُتَّفَق عَلَيْهِ. البخاري: كِتَاب التفسير، باب {عَبَسَ وَتَوَلَّى}، رقم 4653. مسلم: كِتَاب صلاة المسافرين، باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع فيه، رقم 798. واللفظ له.
(6) رواه أحمد ومسلم واللفظ له، وتمامه: «أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ [وفي رواية أحمد: وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ لاَبِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ] فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وَسَوَّى ثِيَابَهُ ... ». مسلم: كِتَاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمان، رقم 2401. (1/102)
صفحة 104
قدراتهم:
أعطى الله لهم القدرة عَلَى التمثُّل في صورة البشر، قَالَ تَعَالىَ: {فَأرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} (مريم: 17). كما جاؤوا إبراهيم عَلَى صورة بشر، ولم يعرفهم حَتَّى كشفوا له عن حقيقة أمرهم. ثُمَّ جاؤوا لوطا عَلَى صورة شباب حسان الوجوه فخشي عَلَيْهِم، كما قَالَ تَعَالىَ: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} (هود: 77).
وكان جبريل - عليه السلام - أحيانا يأتي الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم في صورة دحية بن خليفة الكلبي الأنصاري (1).، فقد روى أحمد بسند حسن أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَعْرَفَةِ فَرَسٍ وَهُوَ يُكَلِّمُ رَجُلاً، قُلْتُ: رَأَيْتُكَ وَاضِعًا يَدَيْكَ عَلَى مَعْرَفَةِ فَرَسِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَأَنْتَ تُكَلِّمُهُ، قَالَ: «وَرَأَيْتِيهِ»؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ جِبْرِيلُ - عليه السلام -، وَهُوَ يُقْرِئُكِ السَّلاَمَ قَالَتْ وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْ صَاحِبٍ وَدَخِيلٍ، فَنِعْمَ الصَّاحِبُ وَنِعْمَ الدَّخِيلُ» (2).
وأحيانا في صورة أعرابيٍّ، ففي حديث جبريل وسؤاله عن الإيمان والإسلام والإحسان: عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَمِ ... (3).
وفي رواية أَنَّ رجلا قتل مائة نفس وأراد التوبة واختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فتشكَّل الحَكَم بينهما في صورة آدمي (4).
..............................................................................
............................................................ [تفاصيل أخرى]
2 - هم عباد معصومون، وفي منتهى الطاعة والعبادة والإذعان، قَالَ تَعَالىَ: {لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ} (التحريم: 6)، وقال: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} (فصلت: 38).
وظائفهم:
كلَّف الله تَعَالىَ الملائكة بِعِدَّةِ وظائف منها:
1. التسبح لله وتعظيمه والسجود له، قَالَ تَعَالىَ: {وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} (النحل: 49)، وقال: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلآَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} (الرعد: 13) (5).
1 -
__________
(1) انظر: ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، ط1، مطبعة السعادة، مصر، 1328هـ، ج1، ص433.
(2) أحمد: باقي مسند الأنصار، رقم 24607. ومعرفة الفرس: غرَّته. وقَالَ سُفْيَانُ: الدَّخِيلُ الضَّيْفُ.
(3) مسلم: كِتَاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقم 8. ورواه البخاري والترمذي والنسائي ...
(4) رواية مسلم كالآتي: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لاَ، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟! انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ، وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ. مسلم: كِتَاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، رقم 2766.
(5) وقال أَيضًا: {وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} (النحل: 49)، {وَتَرَى الْمَلآَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} (الزمر: 75). (1/103)
صفحة 105
الدعاء والاستغفار للمؤمنين، ولعن الكافرين، قَالَ تَعَالىَ: {هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلآَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُومِنِينَ رَحِيمًا} (الأحزاب: 43)، وقال: {وَالْمَلآَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الاَرْضِ} (الشورى: 5)، وقال في شأن الكافرين: {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمُ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (آل عمران: 87) (1).
2 - نقل الوحي إِلىَ الرسل: قَالَ تَعَالىَ: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} (الحج: 75). والقائم بِهَذِهِ الوظيفة هو جبريل - عليه السلام -؛ قال تَعَالىَ: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} (الشعراء: 193 ـ 194).
3 - الاتِّصَال بِبَعْض العباد الصالحين، لتبشيرهم وتطمينهم في وقت الحاجة، قَالَ تَعَالىَ عن زكرياء - عليه السلام -: {فَنَادَتْهُ الْمَلآَئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّي فيِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} (آل عمران: 39)، وقال: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} (آل عمران: 45) (2)، وعن تطمين الصالحين قال: {إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} (فصلت: 30).
4 - نصرة المؤمنين المجاهدين وتثبيتهم في الحرب: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمُ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآَئِكَةِ مُرْدَفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} (الأنفال: 9 ـ 10) (3).
5 - تسجيل أعمال المُكَلَّفِينَ من الإِنس وَالجِنِّ: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} (الانفطار: 10 ـ 12)، وقال: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ اِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق: 17 ـ 18).
6 - حفظ الإنسان، قَالَ تَعَالىَ: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} (الأنعام: 61).
7 - قبض الأرواح عند حلول الأجل: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} (السجدة: 11)، وقال: {حَتَّى إِذَا جَآءَ اَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُم لاَ يُفَرِّطُونَ} (الأنعام: 61)، وقال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذِينَ كَفَرُوا الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} (الأنفال: 50) (4).
8 - تكريم أهل الجَنَّة، والتنكيل بأهل النار: قال تَعَالىَ: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنَ ـ ابَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلآَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ} (الرعد: 23 ـ 24) (5). وعن التنكيل بأهل النار قال: {عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ} (التحريم: 6). وقال: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلآَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمُ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} (المدثر: 31) (6).
9 -
__________
(1) وقال صلَّى الله عليه وسلَّم عن الدعاء للمؤمنين: «الملائكة تُصَلِّي عَلَى أحدكم ما دام في مصلاه الذي صَلَّى فيه ما لم يحدث أو يقم: اللَّهُمَّ اغفر له اللَّهُمَّ ارحمه». رواه أبو داود والنسائي وأحمد، عن أبي هريرة، وَهُوَ حديث صحيح. انظر: صحيح الجامع، رقم 6727. وقال عن الدعاء عَلَى العصاة: «من أشار إِلىَ أخيه بحديدة، فَإِنَّ الملائكة تلعنه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه». رواه مسلم والترمذي، حديث صحيح، انظر: صحيح الجامع، رقم 6034.
(2) وقال في شأنها أَيضًا: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلآَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 42).
(3) وقال أَيضًا: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُومِنينَ أَلَن يَّكْفِيَكُمُ أَن يُّمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِّنَ الْمَلآَئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَاتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالاَفِ مِّنَ الْمَلآَئِكَةِ مُسَوَّمِينَ} (آل عمران: 124 ـ 125). وقال: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الذِينَ ءَامَنُوا} (الأنفال: 12).
(4) وقال أَيضًا: {إِنَّ الذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الاَرْضِ} (النساء: 96)، {وَلَو تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمُ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُم تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُم عَنَ ـ ايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)} (الأنعام: 93). وقال: {إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ} (النحل: 27 ـ 28). {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} (سورة محمَّد: 27).
(5) وقال أَيضًا: {الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل: 32)، وقال: {لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاَكْبَرُ، وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} (الأنبياء: 103).
(6) وَسَمَّى الله هَذَا الصنف من الملائكة بالخزنة، قَالَ تَعَالىَ عن أهل النار: {وَسِيقَ الذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتَ اَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمُ ءَايَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} (الزمر: 71)، وعن أهل الجَنَّة قال: {وَسِيقَ الذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمُ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتَ اَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (الزمر: 73). ويستقل خزنة النار باسم} الزبانية}، قَالَ تَعَالىَ: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} (العلق: 17 ـ 18). (1/104)
صفحة 106
إرسالهم بعذاب الاستئصال لبعض الأمم الكافرة، كما في شأن قوم لوط - عليه السلام -: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمُ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ} (الذاريات: 31 ـ 33) (1).
10 - حضور مجالس الذكر، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كِتَاب الله ويتدارسونه بينهم إِلاَّ نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (2).
الآثار التَّربَوِيَّة للإيمان بالملائكة:
1 - استشعار عظمة الله، باعتباره ملِكا له جنود السَّمَاوَات وَالأَرْض، واستشعار مدى ضعف الإنسَان وضآلته.
2 - الاقتداء بالملائكة في عبادتهم وانقيادهم المطلق لله.
3 - تقويم سلوكنا ومراقبة الله في كُلِّ تصرفاتنا إذا تيقنا بوجود ملكين يسجلان كُلَّ أعمالنا الحسنة وَالسَّيِّئَة.
4 - عدم التمادي في المعاصي وزخارف الدنيا ولهوها إذا تذكرنا أَنَّ ملك الموت ينتظرنا.
5 - غرس العزة والقُوَّة في قلب المؤمن إذا علم أَنَّ الملائكة تنصر المؤمنين الصادقين عَلَى الكافرين.
_____________________________________
المراجع:
- الجيطالي إسماعيل: قواعد الإسلام، 1/ 70 - 76.
- أحمد الكندي، وعاشور كسكاس: العقيدة (1).
- وينتن مصطفى: آراء الشيخ اطفيَّش العقدية، ص188 - 200.
- البوطي محمد سعيد: كبرى اليقينيات الكونية.
- محَمَّد قطب: منهج علم التوحيد لطلاَّب المعاهد الإسلامية، ج2، وطُبع بعنوان: ركائز الإيمان.
__________
(1) وقال أَيضًا: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلآَّ أَن تَاتِيَهُمُ الْمَلآَئِكَةُ أَو يَاتِيَ رَبُّكَ أوْ يَاتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا اِيمانُهَا لَم تَكُنَ ـ امَنت مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} (الأنعام: 158).
(2) رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وابن حبَّان، عن أبي هريرة. حديث صحيح، انظر: صحيح الجامع، رقم 5509، 5608، 5748، 6577. (1/105)
صفحة 107
ثالثا - الإيمان باليوم الآخر
تمهيد:
لقد مَرَّ سابقا أَنَّهُ من غير المعقول أَن تبدأ قِصَّة الكون وحياة الإِنسَان كمسرحيَّة ذات فصل واحد، تبدأ من غلاف الولادة، وتنتهي بغلاف الموت، فَهَذَا من قبيل العبث الذي هو أجلى المحالات في حقِّ الله، قَالَ تَعَالىَ: {أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمُ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَالىَ اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} (المؤمنون: 115 ـ 116)؛ فَلاَ بُدَّ من يوم يحاسب فيه الإِنسَان، وينال كُلٌّ جزاءه، إن خيرا وخير وإن شَرًّا فشرٌّ.
والإيمان باليوم الآخر من} الغيبيَّات}، أو} السمعيَّات} التي يعدُّ الإيمان الصحيح بها من أعظم ما يقوِّم سلوك الإنسان (إن لم يكن أعظمها على الإطلاق)؛ لذلك يركز عليه الله تعالى، ورسوله الكريم تركيزا شديدا، ومتكررا. كيف لا والقضية متعلقة بالمصير المحتوم، والذي لا مفر لأحد منه، إما خلود أبدي في جنات النعيم، أو خلود أبدي في عذاب الجحيم، والعياذ بالله.
**************************
المبحث الأول
الموت وما يَتَعلَّقُ به
- {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}:
الموت هو مفارقة الروح (1) للجسد (2)، وهو بوابة الانتقال من الدار الفانية إِلىَ الدار الباقية. وهو أمر لا يمكن أن ينكره عاقل. وَإِنَّمَا عَلَى المسلم أن يعتقد: أَنَّ كُلَّ شَيْء فانٍ، وَأَنَّ كُلَّ حيٍّ لا شَكَّ سيموت، قَالَ تَعَالىَ: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (آل عمران: 185) (3)، وَأَنَّهُ لا مفرَّ منه مهما أوتي المرء من قُوَّة: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} (النساء: 78)، وقال تَعَالىَ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ} (القصص: 88)، وقال: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالاِكْرَامِ} (الرحمن: 26 - 27)، «والفناء شامل للموت ومطلق العدم بعد الوجود ... فجميع الأشياء فانية حَتَّى عجم الذنب ... وما ورد في الحديث:} كُلُّ ابن آدم يفنى إِلاَّ عجم الذنب فمنه يركَّب} (4) قال القطب رَحِمَهُ اللهُ تَعَالىَ: الاستثناء منقطع، أي: لَكِنَّ عجم الذنب منه يركَّب بعد إعادته، وقال في معنى الحديث: إِنَّهُ سُبحَانَهُ يعيد الأعيان الفانية ويركِّبها عَلَيْهِ لحكمة، لا لتعذُّر الإعادة إِلاَّ بِذَلِكَ» (5).
__________
(1) من العجيب أَنَّ بعض العلماء خاضوا في ماهية الروح، وتناقشوا فيها بالمنظور المادي المحسوس، فوقعوا في إشكالات كثيرة كان من الممكن تفاديها لو أَنَّهُم اكتفوا بتفويض الأمر فيها إِلىَ الله تَعَالىَ، كما قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (الإسراء: 85). والأمور التي يمكن بحثها: إِمَّا محسوسة فيمكن فيها استخدام المنهج التجريبي، وَإِمَّا غير محسوسة لا يمكن الخوض فيها بغير دَلِيل نقلي صحيح وصريح؛ والروح ليست من هَذَا ولا ذاك. لِذَلِكَ قال الشيخ السالمي:
«والقول بالإمساك في الروح أحقّ ... وما سوى التخمين للذي نطق.
أي الكف عن الخوض في الروح وعن تعاطي بيان ماهيتها أحقُّ ... وإذا عرفت أَنَّهُ لا دَلِيل للخائضين سوى التخمين ظهر لك أَنَّ الوقوف عن الخوض فيها واجب، وهو مذهب الجنيد. لِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36)». السالمي: مشارق، ص263 - 265.
(2) انظر تعريفات أخرى للموت: الثميني: النور (شرح نونية أبي نصر)، ص365. السالمي: مشارق، ص262.
(3) وهناك آيتان أخريان في نفس المعنى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الأنبياء: 35)، {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (العنكبوت: 57).
(4) رواه الإمام الربيع بن حبيب بلفظ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الأَرْضُ إِلاَّ عَجْبَ (عَجْمَ) الذَّنَبِ، فَإِنَّهُ مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ». باب الآداب، حديث رقم 722. ورواه أَيضًا البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه بألفاظ متقاربة.
(5) السالمي: مشارق، ص261. وانظر: اطفيَّش: الذهب الخالص، ص12؛ وفاء الضمانة، 1/ 52. نقلا عن وينتن، ص168. (1/106)
صفحة 108
واعتقاد الفناء التامِّ للدنيا، أمر واجب شرعا، واعتقاد عدم الفناء يعتبر تسويةً للخلق مع الله في بقائه، فالخلق كان عدما محضا، ثُمَّ يصير عدمًا عند النفخة الأولى، ليبعث من جديد عند النفخة الثانية (1)، قَالَ تَعَالىَ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الاَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} (الزمر: 68).
ومن المخلوقات ما يفنى إِلىَ الانقلاب، وهم الأحياء العقلاء، ومنها ما يفنى إِلىَ الانقلاب ثُمَّ التلاشي، وهي الحيوانات، بدليل قَوله تَعَالىَ: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلآَّ أُمَمٌ اَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ثُمَّ إِلىَ رَبِّهِم يُحْشَرُونَ} (الأنعام: 38)، ومنها ما يفنى إِلىَ التلاشي، وهي الجمادات والنباتات (2).
- ملك الموت (3):
إِنَّ أمر الحياة والموت بيد الله وقضائه وقدره، وَلَكِنَّهُ قد وكَّل ملكا بقبض الأرواح، قال تَعَالىَ: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} (السجدة: 11)، وقد جعل الله لهذا الملك رُسُلا (خدما أو جنودا وأعوانا) لنفس الْمَهَمَّة، قَالَ تَعَالىَ: {حَتَّى إِذَا جَآءَ اَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُم لاَ يُفَرِّطُونَ} (الأنعام: 61). والمشهور أَنَّ اسم ملك الموت: عزرائيل، ومعناه: عبد الجَبَّار (4).
- موت المؤمن وموت الكافر (5):
أشار القرآن إِلىَ أَنَّ ملك الموت رفيق بالمؤمن، بحيث يهوِّن عَلَيْهِ سكرات الموت، قَالَ تَعَالىَ: {الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل: 32)، وَأَمَّا أرواح الكُفَّار فَإِنَّهَا تنتزع نزعا، وتضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وتراهم يعانون من سكرة إِلىَ سكرة، وهم في أَشَدِّ حسرة عَلَى ما فرَّطوا في جنب الله، قَالَ تَعَالىَ: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذِينَ كَفَرُوا الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} (الأنفال: 50)، {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلآَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ} (سورة محَمَّد: 28). ويعلق البوطي بِأَنَّ هَذَا الفرق «ليس قانونا دائما» (6).
- الموت والأجل:
مِمَّا يجب الإيمان به أَنَّ الموت لا يكون إِلاَّ في الأجل الذي حدَّده الله في الأزل، ولا يملك أيُّ مخلوق تقديم الأجل أو تأخيره، قال تَعَالىَ: {وَلَنْ يُّؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا اِذَا جَآءَ اَجَلُهَا} (المنافقون: 11)، وقال: {فَإِذَا جَآءَ اَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} (النحل: 61).
وَلَكِن مع وضوح القضية فَإِنَّ علماء الكلام خاضوا في مسألة المقتول، هل مات في أجله، أم في غير أجله؟ ذهب الإِبَاضِيَّة وجمهور الأَشْعَريَّة إِلىَ أَنَّهُ مَيِّت بأجله، «وذهبت المعتزلة إِلىَ أَنَّ المقتول مَيِّت في غير أجله، وقبل انقضاء عمره، وَأَنَّهُ لو لم يقتل لعاش إِلىَ الوقت الذي حدِّد له، وَهُوَ مذهب فاسد» (7).
وَمِمَّا ناقشوه أَيضًا: مسألة زيادة عمر الإِنسَان بِبَعْض أعمال البر، كصلة الرحم، وَلَكِن الواقع لا إشكال في مثل هَذِهِ القضية إذا تيقَّنَّا أَنَّ الله تَعَالىَ قد قدَّر كُلَّ شَيْء، وَأَنَّ أجل المرء لا يمكن أن يَتَقَدَّمَ أو يتأخَّر، كما ثبت في النَّصِّ القطعي الآنف الذكر، فيستحيل أن يَتَغَيَّر ما في علم الله، لأَنَّهُ لا تبدو له البدوات.
__________
(1) وينتن: آراء، ص167 - 169.
(2) انظر: الجيطالي: قواعد، 1/ 54 - 56. السالمي: مشارق، ص261.
(3) البوطي: ص307 - 308. الجعبيري وكسكاس: العقيدة (2)، ص123 - 124. بتصرف.
(4) ينظر: الثميني: النور، ص365. البوطي: ص308.
(5) الثميني: النور، ص365 - 366. الجعبيري وكسكاس: العقيدة (2)، ص124. بتصرف.
(6) البوطي: ص308.
(7) السالمي: بهجة، 112 - 113. وانظر التفصيل والرد عَلَى المعتزلة في مشارق، ص266 - 267. (1/107)
صفحة 109
المبحث الثاني
الساعة وما يَتَعلَّقُ بها
معنى الساعة وقيامها:
لقيام الساعة معنيان:
1 - أجل انتهاء وجود المخلوقات بإذن الله تعالى.
2 - نفخة بعث الناس من قبورهم بعد نفخة الموت.
«ويمكن تسمية كلّ ذلك بالقيامة كما يشير إليه الشيخ اطفيش، فاللفظان: الساعة والقيامة مشتركان في الاستعمال لِمَا يَدُلُّ على الفناء بالنفخة الأولى، وعلى القيام من القبور بالنفخة الثانية (1)؛ إِلاَّ أَنَّ المشهور هو تخصيص لفظ} القيامة} على القيام من القبور بعد النفخة الثانية (2)؛ ويُؤَيِّدُ هذا أَنَّ القرآن الكريم استعمل لفظة} الساعة} في الدلالة على فزع الموت ونفخته، و} القيامة} لما بعد البعث من القبور؛ مثل قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَآءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ: يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} (الأنعام: 31)؛ وقوله أيضا: {فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ} (البقرة: 113)» (3).
وقت الساعة:
إِنَّ موعد قيام الساعة لا يعرفه أحد إِلاَّ الله، وقد أخفاه عن كُلِّ الناس ـ كائنا ما كان، بما فيهم الأنبياء والرسل ـ والساعة لا تأتي إِلاَّ بغتة، وقد أكَّد القرآن عَلَى هَذَا وكرَّره في عِدَّة آيات، منها قَوله تَعَالىَ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلِ اِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ لاَ تَاتِيكُمُ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلِ اِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (الأعراف: 187). وفي حديث سؤال جبريل - عليه السلام - عن الإيمان والإسلام والإحسان أَنَّهُ سأل أَيضًا: متى الساعة؟ فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (4). وقال عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: « ... ولتقومنَّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومنَّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن فلا يطعمه، ولتقومنَّ الساعة وَهُوَ يليط حوضه فلا يسقى فِيهِ، ولتقومنَّ الساعة وقد رفع أكلته إِلىَ فيه فلا يطعمها» (5).
علامات (أشراط) الساعة (6):
بالرغم من أَنَّ موعد الساعة مجهول، وَأَنَّهَا لا تأتي إِلاَّ فجأة إِلاَّ أَنَّهَا تكون مسبوقة بعلامات هي الأشراط كما يسميها الله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ اَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمُ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} (محَمَّد: 19).
أشراط الساعة لغة:
الأشراط في اللغة: العلامات، جمع شَرَط، وأشراط كُلِّ شَيْء: ابتداء أَوَّله، ومنه: أَشْرَطَ إبلَهُ إذا عزلها وأعلم أَنَّهَا للبيع؛ وأشرط نفسه: أعلمها وأَعَدَّها، ومنه الشُّرَط والشُّرْطة، لأَنَّ لهم علامات مميِّزة (7).
__________
(1) - الذهب: 13.
(2) - التيسير: 6/ 418.
(3) وينتن: آراء، 161، بتصرف.
ملاحظة: لا مدخل لما يصنِّعه البشر من أسلحة فتاكة مدمِّرة في قيام الساعة، وإن استعمله البعض تفسيرا لكيفية قيام الساعة، ويظنون أَنَّ ذَلِكَ تسهيل لإيمان الملحدين والشاكين، وَلَكِن أين ما تفعله تلك القنابل المدمرة ـ مهما بلغت ـ حَتَّى تُؤَثِّرَ عَلَى الملائكة وأرواح الموتى؟!. انظر: البوطي، ص339.
(4) البخاري: كِتَاب الإيمان، باب سؤال جبريل النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، رقم 50، ج1/ص27 - 28.
(5) البخاري: كِتَاب الرقاق، باب طلوع الشمس من مغربها، حديث 6141، ج5/ ص2386.
(6) ينظر: البوطي: كبرى اليقينيات، ص318 - 337. وينتن: آراء، 162 - 167.
(7) الفيروزآبادي: القاموس: 2/ 868. الرازي: مختار الصحاح، 1/ 141. ابن منظور: لسان العرب، ج7/ ص329 - 330. (1/108)
صفحة 110
أشراط الساعة اصطلاحا:
وأشراط الساعة هي العلامات التي تنذر بقرب وقوعها، لكن لا تَدُلُّ على تحديد وقتها، «ولا يُعلم كم تدوم هذه العلامات؟ وما الوقت الذي يكون بين ظهورها وقيام الساعة (1)؟ ويكون باضطراب كونيٍّ وهول وفزع، كما يصف القرآن الكريم مشاهد الساعة، في مثل قوله تعالى: {إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ َوِإذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} (الانفطار: 1 - 5)» (2).
ثبوت أشراط الساعة بالنقل:
وردت في القرآن وَالسُّنَّة نصوص كثيرة في هذه الأشراط، وتختلف درجة صحَّتها بين قطعيِّ الثبوت قطعيِّ الدلالة، وقطعيِّ الثبوت ظنِّيِّ الدلالة، وظنِّيِّ الثبوت قطعيِّ الدلالة، وظنِّيِّ الثبوت ظنِّيِّ الدلالة. ومن تلك العلامات ما لا ينفع معها إيمان كافر، أو توبة عاصٍ، قَالَ تَعَالىَ: {يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا اِيمانُهَا لَم تَكُنَ امَنت مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} (الأنعام: 158)، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» (3).
وقد ورد ذكر جملة من العلامات في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم من طريق حذيفة بن أسيد: «لن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة، وخروج يأجوج ومأجوج، والدجال، وعيسي بن مريم، والدخان، وثلاث خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك تخرج نار من اليمن من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر» (4).
ذكر بعض أشراط الساعة:
في هَذَا المقام نكتفي بذكر بعض العلامات الأكثر شهرة:
1 - نبوَّة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم: فهو آخر الأنبياء لا نبيء بعده ولا شريعة إلى أن تقوم الساعة (5)، وقد أشار القرآن الكريم إلى كونه خاتم النبيئين، في قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ ... } (الأحزاب: 40)؛ وفي الحديث: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (6)؛ أي: السبّابة والوسطى؛ وكان مجيئه آية للساعة وعلامة عليها، باعتبار أَنَّ الإِنسَانِيَّة أدركت آخر عهودها على الأرض ... وذلك لما امتازت به [شريعة الإِسلاَم] من الشموليَّة والكمال والإحاطة بِكُلِّ ما يهمُّ الإنسان ويسعده في الدنيا والآخرة، فهي بذلك دليل على قرب الساعة بالمقارنة إلى ما سبق من وجود الإنسان والعالم» (7).
2 - خروج الدابَّة: ويَدُلُّ على كون ذلك من العلامات قوله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمُ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الاَرْضِ تُكَلِّمُهُم ... } (النمل: 84) كما ذكرها الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ضمن الآيات العشر للساعة، ويرى الشيخ اطفيش أَنَّهَا دَابَّة حَقِيقِيَّة كما وردت في النصِّ، وليست رمزا لشيء معنويٍّ، وهي تَسِمُ الناس، وتُبَيِّنُ السعيد منهم والشقيَّ (8)، وقد ذكر لها الشيخ اطفيش أوصافا غريبة عجيبة (9)، وبما أَنَّ الموضوع يَتَعلَّقُ بالاعتقاد، فالأولى والأسلم عدم الخوض في أمور من الغيب بلا دليل، وَإِنَّمَا نؤمن بخروجها، ونكل علم نوعها وشكلها إِلىَ الله عَزَّ وَجَلَّ.
__________
(1) انظر: القطب: الذهب: 13.
(2) وينتن: آراء، ص167.
(3) البخاري، حديث رقم 4359. 6/ 2605. وفي مسلم: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عَلَيْهِ»، 4/ 2076. وروى مثلهما أبو داود وأحمد والدارمي والحاكم والبيهقي وابن حبَّان والطبراني ...
(4) رواه مسلم، كِتَاب الفتن، رقم 2901، ج4/ص2225، والترمذي، ج4/ص477، وابن ماجه، ج2/ص1347. وغيرهم.
(5) اطفيَّش: الهميان: ط1: 13/ 295.
(6) البخاري: التفسير/ تفسير سورة والنازعات، رقم 4652.
(7) وينتن، ص163.
(8) اطفيَّش: حاشية السؤالات: 118ظ؛ الهميان: ط1: 12/ 108؛ ط2: 6 ق1/ 234؛ شرح العقيدة: 169 - 170. نقلا عن وينتن، ص164.
(9) - التيسير: 6/ 381. (1/109)
صفحة 111
3 - ظهور المسيح الدجال: ولقِّب بالدجَّال لشدَّة تدجيله وكذبه، وقدرته عَلَى تغطية الحقِّ بالباطل، وفتن الناس في دينهم. وهو مِمَّا ثبت بالأحاديث، وقد أنكره الخوارج والجهميَّة وبعض المعتزلة (1)؛ من ذلك قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: « ... ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ» (2)؛ وقد كثر الحديث في وصفه جسديّا، ووصف أعماله. ولولا أَنَّ نصوص الأحاديث أثبتت وجوده لَمَا كان للعقل أيُّ سبيل إِلىَ معرفته ولا تصوُّر وجوده. ويجب الاكتفاء بما ورد في النصوص الصريحة الصحيحة.
4 - ظهور يأجوج ومأجوج: قَالَ تَعَالىَ: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَاجُوجُ وَماجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ اَبْصَارُ الذِينَ كَفَرُواْ يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} (الأنبياء: 96 - 97)، وقال: { ... إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الاَرْضِ ... } (الكهف: 94)، وقد سبق ذكر الحديث الذي وردت فيه العلامات العشر لقيام الساعة.
وغاية ما تفيده الآيات والأحاديث الواردة في الموضوع إثبات ظهور هَؤُلاَءِ القوم، «أَمَّا علم ما وراء ذَلِكَ من التفصيلات الْمُتَعَلِّقَة بصفاتهم، وكيفيَّاتهم، وتفصيل أخبارهم، فلا مطمع ـ في باب العقيدة ـ في الوصول إِلىَ شَيْء من ذَلِكَ، بل إِنَّ معظم ما ورد من تفاصيل أخبارهم وصفاتهم وأشكال جسومهم إِنَّمَا تناقله الناس عن طريق أحاديث واهية، أو منكرة أو باطلة ... ومن هنا تعلم أَنَّ ما قد يقوله بعضهم استنتاجا واجتهادا من أَنَّ ياجوج وماجوج هم التتر والمغول الذين جاؤوا وانتهوا كلام لا معتمد له ولا داعي إِلَيْهِ» (3). وَالله أعلم.
5 - نزول المسيح - عليه السلام -: نصَّ القرآن الكريم عَلَى أَنَّ الله تَعَالىَ رفع عيسى بن مريم - عليه السلام - إِلَيْهِ، ولم يقتله اليهود كما يزعمون، قَالَ تَعَالىَ: { ... وَقَوْلِهِمُ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ اِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} (النساء: 157 - 158)، وذكرت النصوص النَّبَوِيَّة أَنَّهُ سينزل قبل قيام الساعة (4)، ويدعو إلى التوحيد ويؤمن به الناس بما في ذلك اليهود والنصارى، وقد استَدَلَّ العلماء (5) عَلَى ذَلِكَ بما يأتي:
أ- قوله تعالى: {وإِن مِّنَ اَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُومِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} (النساء: 159)، أي لا يبقى أحد من أهل الكِتَاب بعد نزول المسيح إِلاَّ ويؤمن به قبل موته.
ب- قوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً اِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ} (الزخرف: 57)، إِلىَ أن يقول: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} (الزخرف: 61)، وأدلُّ عَلَى ذَلِكَ قراءة: «وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِّلسَّاعَةِ»: أي إشارة ورمز لها.
وَصَرَّحَ البوطي بأَنَّ نزوله - عليه السلام - ثبت بطريق التواتر (6).
6 - ومن العلامات ما جاء في الحديث: «أن تلد الأمة ربَّتها» (7)؛ وقد اختلف العلماء في المقصود من هذا الحديث (8). وقد
__________
(1) وقد رَدَّ عَلَيْهِم القطب اطفيَّش، انظر: التيسير: 11/ 367؛ -الهميان: ط1: 12/ 108، 110؛ ط2: 6ق 1/ 234. نقلا عن وينتن، ص164.
(2) رواه الربيع: الجامع الصحيح: [8] بَابٌ فِي الرُّؤْيَا، حديث رقم 54. ورواه البخاري، رقم 6598. وأورده الشيباني وقال: «متَّفق عليه»، مع اختلاف في اللفظ، وصحَّحه الألباني أيضا. انظر: الشيباني: تمييز الطَّيِّب من الخبيث فيما يدور عَلَى ألسنة الناس من الحديث، دار الكتب العِلمِيَّة، بيروت، 1401هـ/1981م، 89. الألباني: صحيح الجامع الصغير وزيادته، المكتب الإسلامي، بيروت، 1388هـ/1969م، 2/ 372.
(3) البوطي: كبرى اليقينيات، ص334 - 335.
(4) نشير إِلىَ أَنَّ موت عيسى - عليه السلام - أو بقاءَه حيًّا ما زال محلَّ جدل، للاختلاف حول تفسير قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (آل عمران: 54).
(5) وقد روي ذَلِكَ عن الصحابة والتابعين مثل ابن عبَّاس والحسن وسعيد بن جبير. انظر: الطبري: جامع البيان: 25/ 49. الفيروزآبادي: تنوير المقباس: 84. اطفيَّش: الهميان: 5/ 250. حاشية السؤالات (مخ): 17ظ.
(6) كما رَدَّ عَلَى الذين يقولون: إِنَّهُ ثابت بطريق الآحاد فأوَّلوا رفعه - عليه السلام - برفع درجته، وَهَؤُلاَءِ من تلاميذ الشيخ محَمَّد عبده، مثل الشيخ محمود شلتوت. انظر: البوطي: كبرى اليقينيات، ص327 - 331.
(7) رواه البخاري: الإيمان باب سؤال جبريل النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة رقم 4499.
(8) انظر: القطب: الذهب الخالص: 13. نقلا عن وينتن، 165. (1/110)
صفحة 112
قدَّم الشيخ اطفيش تأويلا أنسب لتطوُّر الأحوال وتغيُّرها، وهو أَنَّ هذا الحديث رمْزٌ للحال التي سيكون عليها الناس قبل قيام الساعة، حيث تتغيَّر القيم الخلقيَّة، ويطغى الباطل على الحقِّ، وقال الشيخ في ذلك: «ومحصَّله أَنَّ الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير المربَّى مربِّيا، والعالِم متعلِّما، والسافل عاليا» (1). ومن جملة تلك التغيُّرات، ترؤُّس الحفاة العراة، والتطاول في البنيان، وكثرة الغيبة، وأكل الربا، وشرب الخمر، وتعظيم أرباب الأموال، وقلّة الكرام، وكثرة اللئام، والتباهي في المساجد واتّخاذها طرقا، وسوء الجوار (2)؛ ويشهد لهذا بعض الأحاديث الواردة في وصف حال الناس قبل قيام الساعة (3).
7 - وَمِمَّا ذكره بعض العلماء (4) مع علامات الساعة: المهدي المنتظر، وهذا مخالف لما عند الإباضيَّة الذين لا يذكرون المهدي المنتظر من علامات الساعة، وَلَعَلَّ أولئك قد تأثَّروا بالموحِّدين وقد جاءت معهم فكرة المهدي المنتظر، «ومهما يكن من أمر فَإِنَّهَا فكرة ظاهرة البطلان، وقد رفضها العلماء قديما وحديثا، وعقد ابن خلدون فصلا في بحثها وردِّها (5)، وأرجعها البعض إلى أصول غير إِسْلاَمِيَّة (6)، ويكفي في ردِّها عدم توفُّر الدليل الصحيح بشأنها؛ لأَنَّ موضوع علامات الساعة غيب لا مجال للعقل فيه ولا للابتداع، فلا يثبت شيء منه إِلاَّ بالنقل والسماع» (7).
النفخ في الصور:
الصور هو البوق. ينصُّ القرآن عَلَى أَنَّ هنالك نفختين: نفخة الصعق أو الفزع، ونفخة البعث (الإحياء)، قَالَ تَعَالىَ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الاَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} (الزمر: 68)، وقال: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الاَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ} (النمل: 87)، وقال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الاَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} (يس: 51).
وقد اختلف في من شاء الله أن لا يصعق بالنفخة الأولى، فقيل: بعض الملائكة كإسرافيل وجبريل وملك الموت، «وقد وردت أحاديث وأخبار بِذَلِكَ، وَالله أعلم بمراده. وأين هَذَا الصور؟ وكيف شكله وهيئته؟ وما الذي يحدثه النفخ فيه حَتَّى يترك هَذَا الأثر الغريب؟ علم ذَلِكَ كُلِّه عند الله عَزَّ وَجَلَّ، ولو كشف لنا عن حقيقة شَيْء من ذَلِكَ لعلمنا، وَلَكِن لا مجال للعقل أن يستيقن أيَّ شَيْء عنه» (8).
**************************
المبحث الثالث
البرزخ وما يَتَعلَّقُ به
التعريف:
البرزخ في اللغة هو: الحاجز بين شَيْئين، ومنه قَوله تَعَالىَ: {وَهُوَ الذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ اُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا} (سورة الفرقان: 53)، وقوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} (سورة الرحمن: 19 - 20) (9).
__________
(1) القطب: شرح أصول تبغورين: 91، 92. نقلا عن وينتن، 165.
(2) القطب: التيسير: 12/ 244، 245. نقلا عن وينتن، 165.
(3) مثل: «إنَّ من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل، ويفشو الزنى ويشرب الخمر ويذهب الرجال وتبقى النساء حَتَّى يكون لخمسين امرأة قيِّم واحد»، انظر: مسلم: كِتَاب العلم، رقم 2671. نقلا عن وينتن، 165.
(4) الوارجلاني: الدليل: 2/ 27. القطب: شرح لامية ابن النضر: 2/ 521. نقلا عن وينتن، 166 - 167.
(5) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون: 1/ 555 - 586. نقلا عن وينتن، 166.
(6) محمد إقبال: تجديد التفكير الديني، ص167. د: محمد عمارة: الإسلام وفلسفة الحكم، ط2 المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1979م، ص643. عبد الكريم الخطيب: المهدي المنتظر ومن ينتظرونه، دار الثقافة العربية للطباعة، مصر، 1980م، ص16، 20، 40. نقلا عن وينتن، 167.
(7) وينتن: آراء، 166 - 167، بتصرف.
(8) البوطي: كبرى اليقينيات، ص339.
(9) انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج3/ ص8. الفيروزآبادي: القاموس، 1/ 318، مَادَّة «برزخ». (1/111)
صفحة 113
وتُسَمَّى الفترة التي بين الموت ونفخة البعث بالبرزخ، لأَنَّهَا حاجز بين الدنيا والآخرة (1). قَالَ تَعَالىَ: {حَتَّى إِذَا جَآءَ احَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّيَ أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلآَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَّرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ اِلىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (المؤمنون: 99 - 100).
وقد اخُتلف في مدَّتها، أهي أربعون يوما، أو أربعون شهرا، أو أربعون سنة، أو أربعون ألف سنة (2)، وَذَلِكَ للحديث المرويِّ من طريق أبي هريرة عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «بين النفختين أربعون قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما قال أبيت قال أربعون سنة قال أبيت قال أربعون شهرا قال أبيت ... » (3).
كما اختلف أَيضًا في «كونها من الدنيا أو من الآخرة ... يرى الشيخ اطفيش أَنَّهَا من الدنيا لتعاقب الليل والنهار عليها (4)، لكن هذا التعليل غير صالح لانعدامهما (الليل والنهار) بالفناء الشامل ... لذا يبدو أَنَّ الأصلح اعتبار الدنيا منتهية بقيام الساعة وما بعدها قبل البعث ليس من الآخرة ولا من الدنيا؛ أو هو من الآخرة باعتبار أَنَّ الدنيا وما فيها قد انقطع بالفناء الشامل» (5).
الحياة البرزخية بين النافين والمثبتين:
«إِنَّ المتتبع للقرآن الكريم لا يجد إشارات واضحة لتصوير أحوال أهل القبور، وَإِنَّمَا تأوَّل الْمُفَسِّرُونَ بعض الآيات، ورأوا فيها دَلِيلا عَلَى ثبوت تنعُّم أصحاب القبور وتعذُّبهم. أَمَّا في الحديث فقد جاءت نصوص عديدة في الصحاح وغيرها تقرُّ ما ينتظر الناس في قبورهم من سعادة أو شقاء. ويكاد يجمع المسلمون عَلَى هَذَا التَّصَوُّر، باستثناء بعض المعتزلة والنكَّار» (6).
النافون للحياة البرزخية:
أدلتهم من العقل:
استَدَلَّ هَؤُلاَءِ النافون لعذاب القبر من العقل ـ أو بالأحرى من الحسِّ ـ بِأَنَّا لا نرى آثار العقوبة في أصحاب القبور، ولا المصلوبين بعد موتهم، من اضطراب أو أنين أو آثار ضرب، ثُمَّ إِنَّ الإشكال يُتَصَوَّرُ فيمن تفترسه السباع أو تُتلفه النيران.
وأجيبوا بِعِدَّةِ إجابات، منها أَنَّهُ من المحتمل أَنَّ الله يخلق فيهم حياة لا ندركها نحن (7). وأفضل ردٍّ مختصر وقويٍّ في هَذَا الشأن أَنَّ أحكام تلك الدار ليست كهذه، و «أَنَّ عالم الغيب لا يقاس بمقياس العقل، ولا يقاس بعالم الشهادة» (8)، وَإِذَا ثبتت الأمور الغَيْبِيَّة بالأحاديث الصحيحة فـ «لا سبيل إِلىَ العدول عن مقتضاها إِلىَ محض القول بالرأي، وليت شعري أيُّ مدخل للرأي في ما غاب عَنَّا علمه ولم تصل إِلَيْهِ عقولنا، بل الواجب في هَذَا ونحوه التسليم لأخبار الشارع فيه، وقبول ما جاء فيها من لسانه، فمن بلغه التواتر في ذَلِكَ وجب عَلَيْهِ القطع بوقوعه عَلَى حسب الأخبار ... » (9).
__________
(1) انظر: الوارجلاني: الدليل: 3/ 221 - 222. القطب: الذهب: 14. نقلا عن وينتن، 162.
(2) الجيطالي: قواعد الإِسلاَم، 1/ 58 - 59.
(3) رواه البخاري في كِتَاب التفسير/ سورة الزمر، باب قوله: {وَالاَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الآية: 67]، 4/ 1812، رقم 4536، ورقم 4651، ومسلم، في كِتَاب الفتن وأشراط الساعة، باب ما بين النفختين، رقم 2955.
(4) القطب: الذهب، 13 - 14؛ شامل الأصل والفرع: 1/ 87. نقلا عن وينتن، 162. وقد سبقه إِلىَ هَذَا الرأي المحشِّي. انظر: حاشية القواعد، 1/ 58.
(5) وينتن: آراء، ص162.
(6) الجعبيري: البعد الحضاري، 2/ 639. وأحال عَلَى: الأشعري: الإبانة، 181، 184. الإيجي: المواقف، 2/ 451. القاضي عبد الجَبَّار: الأصول الخمسة، 720. السعدي: قاموس الشريعة، 6/ 216.
(7) السالمي: مشارق، ص274. وانظر: الجعبيري: البعد، ص642.
(8) الجعبيري: 2/ 640.
(9) السالمي: شرح الجامع الصحيح، 2/ 358. نقلا عن الجعبيري، 2/ 641. (1/112)
صفحة 114
أدلتهم من النقل:
· قَوله تَعَالىَ: {قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} (يس: 52)، فلو كانوا في القبر معذَّبين لَمَا سمَّوه مرقدا. «وأجيب بِأَنَّهُم سمَّوه مرقدا نظرا إِلىَ ما شاهدوه من هول الموقف، حَتَّى صار القبر بالنسبة إِلَيْهِ كالمرقد» (1).
· قَوله تَعَالىَ: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} (الروم: 55)، فلو كانوا معذَّبين لاستطالوا المدَّة. «وأجيب عنه إِنَّمَا سمُّوا تلك المدَّة ساعة بالنسبة إِلىَ ما كُشف لهم من التأبيد الذي لا انقطاع له، فمدَّة البرزخ بالإضافة إِلىَ ما بعدها من الأبد أقلُّ من ساعة» (2).
المثبتون للحياة البرزخية:
إِنَّ أهمَّ مسألة حول الحياة البرزخيَّة تَتَعَلَّقُ بعذاب القبر، وقد وقع فيها الخلاف حَتَّى بين علماء الإِبَاضِيَّة أنفسهم.
والمثبتون استَدَلُّوا من القرآن بما يأتي (3):
· قَوله تَعَالىَ: {قَالُوا رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} (غافر: 11)، فالإحياءة الأولى في القبر للسؤال، والثانية هِيَ البعث للحساب والثواب والعقاب (4). إِلاَّ أَنَّ النافين اعتبروا الإماتة الأولى هي حال الإِنسَان قبل وجوده، والثانية هي الموت المعروف، والإحياءة الأولى في الدنيا والثانية هي البعث (5).
· قَوله تَعَالىَ: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (غافر: 46) (6)، فالآية تَدُلُّ عَلَى ثبوت العذاب غدوًّا وعشيًّا قبل قيام الساعة (البعث). إِلاَّ أَنَّ ابن أبي نبهان ـ وهو مِمَّن ينكر عذاب القبر ـ تكلَّف في «تأويل هَذِهِ الآية حَتَّى خرج بها عن أسلوب النظم الشريف، فقال: فيها تقديم وتأخير، والأصل: ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أَشَدَّ العذاب النار يعرضون عَلَيْهَا غدوًّا وعشيًّا (7).
· قَوله تَعَالىَ: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمُ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} (نوح: 25)، فسِّرت النار بنار البرزخ، إذ الفاء للترتيب من غير مهلة.
واستَدَلُّوا من السنَّة بما يأتي:
· «أَنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ:} اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ}» (8).
· عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الأَحْيَاءِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ (وَلَكِنْ) نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مَا قَالَ حِينَ مَرَّ بِيَهُودِيَّةٍ مَاتَتْ وَأَهْلُهَا يَبْكُونَ عَلَيْهَا فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ (يَبْكُونَ) عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا». قَالَ جَابِرٌ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلاَ يُعَذَّبُ أَحَدٌ بِبِكَاءِ أَهْلِهِ، وَإِنَّمَا يُعَذَّبُ بِعَمَلِهِ السُّوءَ (9).
·
__________
(1) السالمي: مشارق، 272. وانظر: الجعبيري، 2/ 646.
(2) السالمي: مشارق، 272 - 273. وانظر: الجعبيري، 2/ 646.
(3) يلاحظ الشيخ الجعبيري بِأَنَّ علماء الكلام الإِبَاضِيِّين ـ كالمحشي والسالمي ـ يذكرون أَنَّ هناك آيات أشارت إِلىَ حياة البرزخ، وَلَكِن لا يذكرون ولو آية واحدة، حَتَّى جاء الشيخ اطفيَّش فذكرها. انظر: الجعبيري، 2/ 643 - 646.
(4) انظر: الرازي: التفسير، 27/ 40 - 41. القرطبي: 15/ 297 - 298. القطب اطفيَّش: التيسير، ط1، 5/ 107. السالمي: مشارق، 272. نقلا عن الجعبيري، 2/ 644.
(5) انظر: القاضي عبد الجَبَّار: الأصول الخمسة، ص731. نقلا عن الجعبيري، 2/ 645.
(6) انظر: الأشعري: الإبانة، ص182. الرازي: التفسير، 27/ 73. القرطبي: 15/ 318 - 319. القطب اطفيَّش: التيسير، ط1، 5/ 1273. نقلا عن الجعبيري، 2/ 644.
(7) السالمي: مشارق، 272. وانظر: السعدي: قاموس الشريعة، 6/ 202. نقلا عن الجعبيري، 2/ 645.
(8) رواه الربيع بن حبيب، في كِتَابُ الأَذْكَارِ، بَاب [21] فِي الدُّعَاءِ، رقم 490.
(9) رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الجنائز بَاب [20] فِي الْقُبُورِ، رقم 483. (1/113)
صفحة 115
قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ (إِلَيْهِ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (1).
· عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي الْقَبْرِ فَقَالَ: «يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ بِكَبِيرَةٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَقَدْ كَانَ لاَ يَسْتَبْرِئُ (يَسْتَتِرُ) مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَقَدْ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ بِالنَّمِيمَةِ». قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَكَانَ جَابِرٌ مِمَّنْ يُثْبِتُ عَذَابَ الْقَبْرِ (2).
· عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم سَمِعَ صَوْتًا حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ: «هَذِهِ أَصْوَاتُ الْيَهُودِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ» (3).
· وقد اشتُهر أَنَّ القبر روضة من رياض الجَنَّة أو حفرة من حفر النار (4).
وخلاصة القول في الموضوع أَنَّ علماء الإِبَاضِيَّة لا يشدِّدون في أمر الحياة البرزخيَّة، لأَنَّهَا ليست من الأصول، وَالأَدِلَّة فيها ظَنِّيَّة لا تفيد العلم اليقيني. يقول الوارجلاني: «ومسألة عذاب القبر ليست من مسائل الديانات، فمن جهلها سلم، ومن علمها غنم، ومن تورَّط فيها ندم» (5).
سؤال منكر ونكير:
ورد في أحاديث آحادية أن الْمَيِّت إذا وضع في قبره أتاه ملكان: منكَر ونكير، فيسألانه. وفي الصحيحين، وللفظ للبخاري: «عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ!. ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ» (6).
قال الشيخ الغيثي: «وهما الملَكان اللذان يأتيان العبد في قبره ويسألانه، وهذا السؤال هو المعروف بفتنة القبر، سمِّيا بذلك لأنَّ الميِّت ينكرهما إذ لم ير صورة مثل صورتهما، فـ «النكير» فعيل بمعنى مفعول، و «المنكر» مفعل مِن «أنكر» وكلاهما ضدَّ المعروف، وذكر بعض الفقهاء من غيرنا أنَّ اسم اللذين يسألان المذنب منكر ونكير، واسم اللذين يسألان المطيع مبشِّر وبشير، قيل: إنما صوِّرا كذلك ليخاف الكافر ويتحيَّر في الجواب، وَأَمَّا المؤمن فيثبِّته الله بالقول الثابت فلا يخاف، لأنَّ من خاف الله في الدنيا وآمن به وبرسوله وكتبه لم يخف في القبر» (7).
__________
(1) رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الجنائز بَاب [20] فِي الْقُبُورِ، رقم 484.
(2) رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الجنائز بَاب [20] فِي الْقُبُورِ، رقم 487.
(3) رواه الربيع بن حبيب في كِتَاب الجنائز بَاب [20] فِي الْقُبُورِ، رقم 488.
وفي مسند الربيع أحاديث كثيرة، إِلاَّ أَنَّهَا مِمَّا استدركه الوارجلاني عَلَى المسند، في ج3، باب [4] فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، وَالشُّهَدَاءِ، كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ لِلْقَبْرِ مَلَكَيْنِ يُقَالُ لَهُمَا: مُنْكَرٌ وَنكِيرٌ، يَأْتِيَانِ كُلَّ إِنْسَانٍ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، يَمْتَحِنَانِهِ، ثُمَّ يُحَاكِمَانِهِ». رقم812. وقد روى أحمد والبزار حديث سؤال الملكين، وقال الهيثمي: «ورجاله رجال الصحيح».
وكقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَوْ نَجَا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَحَدٌ لَنَجَا مِنْهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَلَقَدْ ضَغَطَهُ الْقَبْرُ ضَغْطَةً اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَضْلاَعُهُ». رقم 813.
(4) اشتهر هَذَا الخبر عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال فيه الترمذي: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه»، 4/ 639، رقم 2460. وَلَكِنَّ العجلوني قال: «رواه الترمذي والطبراني عن أبي سعيد ورواه الطبراني أيضا عن أبي هريرة وكلاهما به مرفوعا بسند ضعيف»، كشف الخفاء، 2/ 118، رقم 1853.
(5) أبو يعقوب، الدليل، ج3، ص322.
(6) البخاري: كتاب الجنائز، باب الْمَيِّت يسمع خلع النعال، حديث رقم 1273، 1/ 448. مسلم: كتاب الجَنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الْمَيِّت من الجَنَّة أو النار، حديث رقم 2870، 4/ 2200.
(7) الغيثي سعيد بن ناصر: إيضاح التوحيد بنور التوحيد، 1/ 492 (الشاملة). (1/114)
صفحة 116
المبحث الرابع
البعث والحشر وأحوالهما
أولا - البعث (1):
البعث لغة: مِن بَعَثَ فلانًا من نومه بعْثًا: أيقظه وأهَّبه.
البعث شرعا: ردُّ الروح إِلىَ الجسد.
أَهَمِّيَّة وخطورة البعث (اليوم الآخر):
إِنَّ اليوم الآخر أخطر وأعظم الأخبار الغَيْبِيَّة التي أخبر الله عنها عَلَى الإطلاق.
فهو أخطرها «من حيث شِدَّة الغرابة والبعد عن مألوف الإِنسَان وتصوراته، ومن حيث ما ينتظر الإِنسَان فيه من العذاب المذهل الذي لا يكاد يتَصَوَّرُه الخيال، أَو النعيم الخالد الذي ينطوي عَلَى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر عَلَى قلب بشر.
وهو أخطرها وأعظمها من حيث إِنَّهُ اليوم الذي يقف فيه هَذَا الإِنسَان ذليلا مهينا بين يدي خالقه، يكلمه ويحاسبه، ويسأله عن النقير والقطمير، وعن كُلِّ صغير وكبير ...
وهو أخطرها وأعظمها؛ لأَنَّ عَلَيْهِ مدار وجود هَذَا الإِنسَان كُلِّهِ ... » (2).
اهتمام القرآن بالبعث:
«فمن أجل خطورة هَذَا الحدث العظيم من هَذِهِ النواحي كُلِّهَا يظلُّ القرآن يخبر الإِنسَان عنه، وينذره إِيَّاهُ في تأكيد متوال لا ينقطع، ولا تكاد تمرُّ صحيفة في هَذَا الكِتَاب العظيم إِلاَّ وتجد فيها حديثا عن يوم القيامة، وتنبيها للإنسان إِلَيْهِ.
ولن تجد خبرا حَفَلَ له كِتَاب الله تَعَالىَ في تأكيدٍ شديدٍ له، بشتَّى الأساليب العَرَبِيَّة المختلفة، وبتفنُّن عظيم في النظم والأسلوب، كخبر يوم القيامة، تنبيها إِلىَ عظمه، وتحذيرا من خطره، وما ستلاقيه البَشَرِيَّة يومئذ» (3). وَإِنَّنَا نجد القرآن الكريم يذكر اليوم الآخر بأسلوب التأكيد الشديد (4)، فيقول:
· {اللَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنَ اَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} (النساء: 87).
· {وَيَقُولُ الاِنسَانُ أ. ذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا؟ اَوَلاَ يَذْكُرُ الاِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا؟ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا} (مريم: 66 ـ 68).
· {زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَن لَّنْ يُّبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (التغابن: 7).
· {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} (التكاثر: 3 ـ 8).
__________
(1) السالمي: مشارق، 262. الجعبيري وعاشور: العقيدة (2)، ص129.
(2) البوطي: 340.
(3) البوطي: 340، بتصرف.
(4) وأكد كَذَلِكَ في آيات أخرى منها قَوله تَعَالىَ: {تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ} (النحل: 56). {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل: 93). {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (العنكبوت: 13) ... (1/115)
صفحة 117
أَدِلَّة ثبوت البعث:
1 - أَدِلَّة البعث من العقل:
1 - الإيمان بِاللهِ ورسله يوجب الإيمان باليوم الآخر: إِنَّ الإِنسَان المؤمن (الذي آمن عن يقين بوجود الله، وصدَّق عن علم راسخ بصدق الرسل وكتبهم) لا يجد صعوبة في التصديق بالبعث وما بعده من أهوال، فقد ورد إِلَيْهِ خبره عن طريق متواتر قطعيٍّ لا يقبل التشكيك.
2 - إذا صدَّق المرء بِأَنَّهُ قد خُلق من عدم، فإنَّ إعادة الخلق مَرَّة ثانية يكون أسهل - عقلا - من الخلق الأَوَّل من العدم، وهو ما ركَّز عَلَيْهِ القرآن الكريم في محاجَّة المنكرين:
2 - أَدِلَّة البعث من القرآن الكريم:
يمكن أن نلخِّص أَدِلَّة القرآن عَلَى البعث في النقاط الآتية:
·} سهولة} الإفناء والإعادة في حقِّ الله، مع عِظَمها بالنسبة لقدرة البشر، إذ يقول: {يَومَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ، كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَآ، إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنبياء: 104).
· إِنَّ الإعادة في نظر البشر أهون وأسهل من البدء، وهي في حقِّ الله سواء، قَالَ تَعَالىَ: {وَهُوَ الذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الاَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الروم: 27). {أَوَلَمْ يَرَ الاِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُّحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الاَخْضَرِ نَارًا (1) فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَّخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (يس: 77 ـ 82).
· مراحل خلق الإنسان، وإحياء الأَرض بعد موتها دلِيل عَلَى البعث، فيقول تَعَالىَ في أسلوب علميٍّ عقليٍّ هادئ: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فيِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ... }، وبعد أن يذكر مراحل الخلق المختلفة، يَسْتَدِلُّ بإحياء الأَرض الميتة فيقول: {وَتَرَى الاَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجِم بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن فيِ الْقُبُورِ} (الحج: 5 ـ 7).
· إِنَّ الله لم يعي بالخلق الأَوَّل، فكيف يصعب عَلَيْهِ الخلق الثاني، قَالَ تَعَالىَ: {أَوَلَمْ يَرَوَا اَنَّ اللَّهَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُّحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الأحقاف: 33)، وقال: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الاَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} (ق: 15).
كَيفِيَّة البعث (2):
إِنَّ العلم التجريبيَّ الذي يَهْتَمُّ بالمحسوسات لا يستطيع أن يحكم في هَذِهِ القَضِيَّة برأي، لأَنَّ البعث لَمَّا يقع بعدُ حَتَّى يخضعه للفحوص المجهرية أو المخبرية. ولا ننسى أن نذكِّر أَيضًا بِأَنَّ البعث من القضايا الغَيْبِيَّة التي يصعب التيقُّن فيها بِشَيْءٍ لم يَرِد فيه دَلِيل نقليٌّ قاطع.
وَلَكِنَّ علماء الكلام حاولوا الإجابة عن تساؤلين طُرحا في الموضوع:
__________
(1) في هَذِهِ الآية يُبَيِّنُ لنا كيف يخلق الله تَعَالىَ الشَّيْء من نقيضة، فقد ولَّد من الشجر الأخضر نارا، مع أَنَّ الاخضرار دَلِيل عَلَى وجود الماء، وهو نقيض النار. فَكَذَلِكَ يستطيع أن يخلق من التراب والرميم الذي لا حياة فيه كائنا حَيًّا.
(2) البوطي، ص345 - 347. (1/116)
صفحة 118
التساؤل الأَوَّل: هل الحشر يكون للأجساد مع الأرواح، أم للأرواح فقط؟
عُرف عن الفلاسفة أَنَّهُم يستبعدون حشر الأجساد لأَنَّهَا قد فنيت، وَإِنَّمَا الحشر هو للأرواح فقط لأَنَّهَا خالدة، والحقُّ أَنَّ البعث إِنَّمَا هو للروح وللأجساد معًا، ولن تحشر إِلاَّ الأجسام التي عاشت وعملت، والدليل عَلَى ذَلِكَ ما يأتي (1):
· قَوله تَعَالىَ: {حَتَّى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (فصلت: 20)، «فقد نسب الله تَعَالىَ هَذِهِ الجوارح إِلىَ أصحابها مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حضورها بنفسها».
· ومنه قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غُرْلاً {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}» (2). ومن المفروض أنَّ مَن آمن بالله وقدرته المطلقة لا يستعظم في حقِّه إيجاد الأشياء مرَّة أخرى كما بدأها أوَّل مرَّة.
ولا يخفى ما في هَذَا القول من أثر تربويٍّ في سلوك الإِنسَان، فَإِنَّ «الحكمة من حشر الأجساد مع الأرواح هي الجمع بين السعادتين في الآخرة (الروحية والجسدية) فسعادة الروح في معرفة الله ومحبَّته، وسعادة الجسد في إدراك المحسوسات، ولا يمكن للإنسان الجمع حقيقة ودوما بين السعادتين؛ لأَنَّهُ إذا اهتمَّ بإحداهما فاتته الثانية، فاجتماع الروح والجسد في الآخرة سبب للجمع بين السعادتين (3)؛ وَكَذَلِكَ العذاب والعقاب ـ اللذان لهما الأثر البليغ في ترك المعاصي والمنكرات ـ فَإِنَّهُ يَنْدُر أن يشعر الإنسان بالعذاب روحا وجسدا في الدنيا؛ فقد يتعذَّب بجسده وهو في أتمِّ سعادته الروحيَّة؛ كما يمكن أن يعيش أَشَدَّ أنواع العذاب النفسيِّ المعنويِّ، مع أَنَّه في نعيم حسيٍّ يحسد عَلَيْهِ، فلا يدرك الشقاء على الحقيقة إلا إذا جمع بينهما، وهذا ما يكون في الآخرة، وهنا تظهر الحكمة من حشر الأجساد والأرواح معا، كما يظهر أثر ذلك على سلوك من آمن به حقيقة» (4).
التساؤل الثاني: هل يكون البعث خلقا جديدا بعد انعدام كُلِّ الوجود أصلا؟ أم أَنَّهُ تجميع للأجزاء المتفرِّقة في مجاهل الأَرض، أو بطون السباع، أَو أعماق البحار؟
اختار الإِبَاضِيَّة «أَنَّ فناء الأجسام هو إعدامها بِالكُلِّيَّةِ لا تفريق أجزائها فقط» (5). ويمكن أن نستدلَّ لهذا الرأي بِقَولِهِ تَعَالىَ: {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} (الأنبياء: 104)، فكما كان الخلق الأَوَّل من العدم، يكون الخلق الثاني كَذَلِكَ.
ويرى البوطي أَنَّنَا لا نستطيع أن نُجزم بِشَيْءٍ في الموضوع، نظرا لعدم ورود خبر يقينيٍّ فيه عن الله عَزَّ وَجَلَّ. وَلَكِنَّ الذي نجزم به أَنَّ كُلَّ ما سوى الله تَعَالىَ قابل للفناء (بمعنييه: الانعدام أو التَّفَرُّق والتمزُّق)، لأَنَّهُ استمدَّ وجوده من خارج، وليس نابعا من ذاته وحقيقته.
وَأَنَّ الجمهور ـ حسب قول البوطي ـ ذهب إِلىَ أَنَّ البعث تجميع للشتات، لا إيجاد من العدم المطلق، بدليل بما يأتي:
· أَنَّ الفناء والهلاك في قَوله تَعَالىَ: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} (سورة الرحمن: 26 - 27)، وقوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ} (القصص: 88)، يَدُلاَّن في أصل استعمالهما اللغويِّ عَلَى عدم الصلاحية، وَعَلَى التفرُّق والفساد، ولا يشترط الانعدام الكلِّي.
· أَنَّ القرآن يَرُدُّ عَلَى الذين استعظموا البعث بعد موتهم بقوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الاَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} (ق: 4)، أي أَنَّ الله تَعَالىَ يعلم مصير أجسامهم التي ذابت في مجاهيل الأَرض، «ويضبط كُلَّ ذَرَّة لصاحبها، فما العجب من تجميعها مَرَّة أخرى، كما تجمع برادة حديد امتزجت بين حفنة من التراب بواسطة قطعة من المغناطيس الجاذب؟!» (6).
· قَوله تَعَالىَ: {أَيَحْسِبُ الاِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ} (القيامة: 3 - 4).
· ويمكن أن نضيف: لو لم تبعث عين الأجسام الفانية، لكانت الأجسام والجوارح التي ستحاسَبُ وتُثابُ وتُعاقَب غيرَ التي عملت الخير أَو الشرَّ.
__________
(1) القطب: الهميان، ط1، 13/ 173؛ 6ق، 1/ 182؛ التيسير، 11/ 68. نقلا عن وينتن، ص174.
(2) البخاري: كِتَاب الرقاق، باب كيف الحشر، رقم 6161.
(3) القطب: حاشية القناطر: 2/ 82 و-ظ. نقلا عن وينتن، ص175.
(4) وينتن: آراء، ص175، بتصرُّف.
(5) السالمي: مشارق، 262.
(6) البوطي، ص346. (1/117)
صفحة 119
وقد أطال علماء الكلام في بحث مسألة إعادة نفس أجزاء الْمَيِّت الأَصلِيَّة، ويرى البوطي أَنَّهُ تعاد إِلَيْهِ عين الأجزاء الأَصلِيَّة التي استقبل بها الحياة، «أَمَّا ما زِيدَ بعد ذَلِكَ فلا يشترط أن يعاد بذاته»، إِلاَّ أَنَّهُ يستدرك فيقول: «وعلم ذَلِكَ في الحقيقة عند الله عَزَّ وَجَلَّ ... » (1).
ونضيف هنا القول: إذا كان للعلماء القدامى كُلُّ العذر في بحث القَضِيَّة ومحاولة معرفة أيِّ الأجزاء تُبعث ـ قصْدَ الردِّ عَلَى الفلاسفة والمنكرين ـ فَإِنَّ بحثها اليوم لا يضيف لنا يقينًا بوجود البعث، بقدر ما يعقِّد القَضِيَّة، ولو علم الله في ذَلِكَ فائدة لنا لبيَّنه في كِتَابه أو عَلَى لسان نبيِّه بطريق يقينيٍّ.
ثانيا - الحشر وأحواله وأهواله:
يوم الحشر طويل، وأحوال الناس فيه مختلفة ................
قال الله تعالى في شأن أهل الشقاوة: {وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} (سورة الإسراء: 97). وقال: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ونَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} (سورة طه: 102)، وقال: {وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلكَ الْيَوْمَ تُنسَى} (سورة طه: 124 - 126). {الذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمُ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً} (سورة الفرقان: 34).
وقال مقارنا بين الفريقين: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} (سورة مريم: 85 - 86).
وروى مسلم عن الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا. قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ» (2).
وروى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ مُتَعَلِّقٌ قَلْبُهُ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا وَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ» (3).
ثالثا- حوض النبي محمَّد - صلى الله عليه وسلم -
ثبت بالنقل الآحادي أَنَّ للنَّبِيء مُحَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم حوضا لا يَرِدُه من أُمَّته إِلاَّ الموفون بدينهم. والأحاديث فيه كثيرة منها قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْم لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَمِلَ بِهِ حَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا، ويُرْزَقُ الوُرُودَ عَلَى الْحَوْضِ» (4).
**************************
__________
(1) البوطي، ص347.
(2) مسلم: كتاب الجَنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفة يوم القيامة، حديث رقم 2864، 4/ 2196.
(3) رواه الربيع، واللفظ له، والشيخان وغيرهم. الربيع: بَاب [7] فِي الْوِلاَيَةِ وَالإِمَارَةِ، حديث رقم: 48، ص39. البخاري: كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، حديث رقم: 629، 1/ 234. مسلم: كتاب، باب فضل إخفاء الصدقة، حديث رقم 1031، 2/ 715.
(4) رواه الربيع في بَاب [4] فِي الْعِلْمِ وَطَلَبِهِ وَفَضْلِهِ، رقم 21. (1/118)
صفحة 120
المبحث الخامس
الحساب والميزان والصراط
اقتضت حكمة الله وعدله أن لا يعذِّب المسيء عذابا أبديًّا، ولا يثيب المطيع ثوابا أبديًّا حَتَّى يطلعهما عَلَى أعمالهما، إن خيرا فخير، أو شَرًّا فشرٌّ، وَهَذَا ما يطلق عَلَيْهِ اصطلاحا: الحساب.
أولا - الحساب:
الحساب في اللغة: مِن حسبه حسبا وحسبانا وحسابا وحسبة وحسابة: بمعنى عده والمعدود محسوب (1).
وفي الاصطلاح: هو «تعريف الله عبادَه مقادير الجزاء عَلَى أعمالهم، وتذكيره إِيَّاهُم ما قد نسوه» (2)، وإطلاعهم عَلَى ما قَدَّمُوه من أعمال صالحة أو سَيِّئَة، وتبيين العمل المقبول منها والمردود (3).
وَالأَدِلَّة عَلَيْهِ كثيرة من القرآن وَالسُّنَّة، وقد مَرَّ بعض منها، ونضيف هنا:
· قَوله تَعَالىَ: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، وَإِن كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (الأنبياء: 47).
· {اِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} (الإسراء: 36).
· {إِنَّ الذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (ص: 26).
وفي الحديث: «يسأل العبد يوم القيامة عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن ماذا عمل فيما علم» (4).
الحكمة من الحساب:
من حِكَم الله في الحساب:
1 - ظهور فضائل المُتَّقِينَ ومناقبهم، فيزداد شكره لله، وافتضاح العصاة ومثالبهم عَلَى رؤوس الأشهاد، فتزداد حسرته (5).
2 - بيان عدل الله المطلق، وَأَنَّهُ كما قال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا وَيُوتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء: 40)، وقطع للعذر، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: « ... ولا أحد أحبَّ إليه العذر من الله ... ولا أحد أحبَّ إليه المدحة من الله» (6).
مَنِ المحاسِب؟
يشير القرآن الكريم إِلىَ أَنَّ المحاسِب هو الله، ـ وقد سبق ذكر آيات في الموضوع ـ وَلَكِن مِنَ العلماء مَن حَمَل تلك الآيات عَلَى أَنَّ الذي يقوم بالحساب «هو خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله تَعَالىَ، خَلَقَه لِذَلِكَ، وجعل له قدرة محاسبة الخلق كُلِّهم ... ويحتمل أن يخلق الله صوتا يسمعونه يكلِّمهم به» (7).
__________
(1) انظر: الفيروزآبادي: القاموس: 1/ 54.
(2) الجيطالي: قناطر، القسم الأَوَّل، ص320. أبو سِتَّة: حاشية القواعد، 1/ 62، تح: الحاج موسى. وانظر: القطب: الذهب: 14.
(3) انظر: السالمي: مشارق: 275 - 276.
(4) رواه نحوه الترمذي، في كِتَاب أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شان الحساب والقصاص، رقم 2531، 2532، وقال: «هَذَا حديث حسن صحيح»، والطبراني في الكبير، عن معاذ، 20/ 60، رقم 111. انظر: الجيطالي، ص65.
(5) انظر: البوطي: 347. السالمي: مشارق، 276.
(6) صحيح البخاري، مج3، ج9، كتاب التوحيد، ص151.
(7) السالمي: مشارق، ص276. (1/119)
صفحة 121
وَلَكِن مالنا نلجأ إِلىَ تأويل حساب الله بخلق ملَك مُكَلَّف بِذَلِكَ؟ وهل يُستعظم في حقِّ الله محاسبته للخلق أجمعين بِكَيْفِيَّة لم ندركها بعد في هَذِهِ الدنيا؟ يقول الجيطالي: «وليس حساب الله العباد كحساب الخلق، يتعالى ربُّنا عن ذَلِكَ علوًّا كبيرا، وَلَكِن حسابه فصل وتمييز، لا يشغله حساب أحدٌ عن أحد، كما لا يشغله رَزْق أحد عن أحد، وقيل لعليِّ بن أبي طالب: كيف يحاسب الله العباد عَلَى كثرتهم؟ قال: كما يرزقهم عَلَى كثرتهم» (1).
مَن يحاسَب ومن لا يحاسَب؟
اشتُهرت في أذهان الناس مقولة ذكرها الجيطالي، وهي «إِنَّ الناس يومئذ ثلاثة أصناف: صنفان لا يُسألان عن العمل، وهم الأنبياء والمشركون، فالأنبياء إِلىَ الجَنَّة بغير حساب، والمشركون إِلىَ النار بغير حساب ... وصنف ثالث يسأل عن الأعمال وهم المؤمنون [والفاسقون] ... » (2)، وَاستَدَلَّ بِقَولِهِ تَعَالىَ:
1. {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} (القصص: 78).
2. {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} (سورة الرحمن: 39).
وَلَكِن في المقابل نجد أغلب آيات القرآن يَدُلُّ ظاهرها عَلَى أَنَّ المرسلين والمشركين مسؤولون، منها:
1. قَوله تَعَالىَ في شأن المرسلين: {فَلَنَسْأَلَنَّ الذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} (الأعراف: 6).
2. قوله في شأن المشركين: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الحجر: 92 - 93).
3. خطاب المشركين بقوله: {زَعَمَ الذِينَ كَفَرُوا أَن لَّنْ يُّبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} (التغابن: 7).
إِلىَ غير ذَلِكَ من الآيات.
وقد جمع العلماء بين هَذِهِ الآيات (3)، ومنهم الشيخ بيوض بقوله: «فهو من جهة ينفي السؤال، ومن جهة أخرى يثبته، فكيف الجمع بينهما يا ترى؟ أَمَّا السؤال المنفيُّ فهو سؤال الاستعلام، أي إِنَّ الله تَعَالىَ لا يسأل الكفرة عن أعمالهم ليعلم ما كان يجهله، تَعَالىَ الله عن ذَلِكَ علوًّا كبيرا، فهو علاَّم الغيوب، وَإِنَّمَا يسألهم سؤال توبيخ وتقريع ليفنِّد حجَّتهم، ويقطع عذرهم (4)، كما في قَوله: {أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} (الآية: 62)، وقوله: {مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} (الآية: 65)، وفرق كبير بين السؤال المنفيِّ والسؤال المثبَت. وَأَمَّا هنا في شأن قارون لَمَّا كان الكلام في سياق العذاب الدنيويِّ بدا لي أَنَّ هَذَا السؤال إِنَّمَا يراد به سؤال الدنيا، أي يعذِّبهم وينتقم منهم من غير أن يسأل عن ذنوبهم، لأَنَّهُ يعلمها: {يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الاَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر: 19)» (5).
حساب المطيع والعاصي، وصحائفهما:
تثبت النصوص وجود الاختلاف في الحساب بين الناس:
1 - منهم من لا يستغرق حسابه أكثر من فواق ناقة، أي حلبها، كما قال النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم، ومنهم من يشتدُّ عَلَيْهِم الحساب ويطول.
2 - يَنُصُّ القرآن عَلَى أَنَّ المطيع يحاسب حسابا يسيرا، وَأَنَّهُ يؤتى بصحائف أعماله بيمينه، وَأَنَّ العاصي يحاسب حسابا عسيرا، ويؤتى بصحائفه بشماله، قَالَ تَعَالىَ: {فَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ اِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ... } إِلىَ أن يقول: {وَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمُ اوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمَ اَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ... } (الحاقة: 19 - 37)، أو يؤتى بكتابه من وراء ظهره، قَالَ تَعَالىَ: {فَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ
__________
(1) الجيطالي: قواعد، 1/ 61 - 62.
(2) الجيطالي، 1/ 63 - 64.
(3) انظر: أبو سِتَّة: حاشية عَلَى القواعد، 1/ 62 - 63. ونقل فيه أَيضًا تأويل الزمخشري لنفي السؤال بِأَنَّ يوم الحساب يوم طويل، وفيه مواطن يسألون في بعضها ولا يسألون في أخرى.
(4) وَإِلىَ مثل هَذَا التفسير مال السوفي في السؤالات. انظر: السوفي: السؤالات، 37 - 38، نقلا عن الجيطالي: القواعد وحاشية أبي سِتَّة، 1/ 63. (هامش المحقق).
(5) في رحاب القرآن، تفسير سورة القصص، 8/ 508 - 509. (1/120)
صفحة 122
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنُ اوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيُصَلَّى سَعِيرًا} (الانشقاق: 7 - 12).
وَهَذَا الكِتَاب الذي يؤتاه العبد يوم القيامة يجد فيه كُلَّ ما اجترحه من كُلِّ أعماله الحسنة أو السَّيِّئَة، قَالَ تَعَالىَ: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً اِلآَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف: 49)، وقال: {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الجاثية: 29).
هَذَا ما ثبت بِالنَّصِّ القطعيِّ، يبقى كَيفِيَّة هَذِهِ الصحائف، ونوعها، وَكَيفِيَّة الكِتَابة المسجَّلة عَلَيْهَا ... فَاللهُ أعلم بِكُلِّ ذَلِكَ.
معنى الحساب:
هل هو التبيين فقط؟ ................................ تفاصيل
................................................. تفاصيل
هول يوم الحساب وطوله:
قال الله تعالى: {فَإِذَا جَآءَتِ الصَّآخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنَ اَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ} (عبس: 33 - 37).
وقال: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} (سورة المزمل: 17).
وقال: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا، يُبَصَّرُونَهُمْ ... } (سورة المعارج: 4 - 10).
............................................................ تفاصيل
............................................................ تفاصيل
ثانيا - الميزان (1):
ورد ذكر الميزان في عِدَّة آيات قرآنيَّة، منها قَوله تَعَالىَ: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فيِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} (المؤمنون: 102 ـ 103)، وقوله: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} (القارعة: 6 ـ 9).
فكيف يكون هذا الميزان؟ هل هو ميزان حقيقيٌّ كالذي يعرفه البشر في الدنيا؟ وإذا كان ماديّا فهل يعني ذلك أَنَّ الأعمال الموزونة تنقلب إلى أجسام مَادِّيَّة أيضا؟ وقبل التعرُّض إلى الجواب، نبحث في تعريف الميزان.
أ- تعريف الميزان (2):
- لغة:
لفظة الميزان في اللغة: من مَادَّة وزن على وزن «مفعال»، أصلها «مِوْزَان» قلبت واوها ياء لوقوعها ساكنة بعد كسر. وجائز أن تقول للميزان الواحد بأوزانه: «موازين» قال الله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} [الأنبياء: 47]، يريد: نضع الميزان القسط ...
__________
(1) وينتن: آراء الشيخ اطفيَّش العقدية، ص176 - 179: (بتصرف).
(2) ابن منظور: لسان العرب، 13/ 446 - 448. الفيروز آبادي: القاموس: 4/ 275. القطب: شرح أصول تبغورين: 536. (1/121)
صفحة 123
والميزان عند العرب إِمَّا حسِّيٌّ، وهو آلة الوزن المعروفة لدى الناس.
وَإِمَّا معنويٌّ، وهو: العدل، والقَدْرُ والشأن، والمقدار، ومنه: وازنه أي: عادله، وقابله وحاذاه.
وفي الحديث: «سبحان الله عَدَدَ خَلْقِه وزِنَةَ عَرْشِهِ» أَي بوَزْنِ عَرْشِه في عِظَمِ قَدْرِهِ، من وَزَنَ يَزِنُ وَزْناً وزِنَةً كوَعَدَ عِدَةً، وأَصل الكلمة الواو، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة من أَولها.
وفلان أَوْزَنُ بني فلانٍ أَي أَوْجَهُهُمْ. ورجل وَزِينُ الرأْي: أَصيله، وفي الصحاح: رَزينُه. وَوَزَنَ الشيءُ: رَجَحَ.
- اصطلاحا:
اختلف الناس في معنى الميزان يوم القيامة، فذهب البعض ـ ومنهم السلفيَّة ـ إلى أَنَّهُ جسم مَادِّيٌّ، وهو الميزان المعروف لدى الناس له كفَّتان حسِّيَّتان مشاهدتان (1).
وذهب آخرون إلى أَنَّ الميزان العدل، وهو مرويٌّ عن الضحَّاك.
وقال بعضهم: الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق.
أَدِلَّة أَنَّ الميزان حسي:
استَدَلَّ الفريق الأَوَّل بما جاء في حديث البطاقة (2).
«قال ابن سِيدَهْ: وهذا كله في باب اللغة والاحتجاج سائغ، إِلاَّ أنَّ الأَوْلى أن يتبع ما جاء بالأسانيد الصحاح فإن جاء في الخبر أنه ميزان له كفتان من حيث ينقل أهل الثقة فينبغي أن يقبل ذلك» (3).
أَدِلَّة أَنَّ الميزان معنويٌّ:
واستَدَلَّ الفريق الثاني بما يأتي:
- أَنَّ قوله تعالى: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105]، تقول العرب: ما لفلان عندي وزن أي قَدْرٌ، لخسته.
ـ ومنهم الشيخ اطفيش ـ أَنَّ المقصد من الميزان العدل، وأَنَّه أداة لبيان حسنات المُكَلَّف وسيِّئاته، وإظهار الحكم له أو عليه، فهو الوسيلة المستعملة في الحساب (4)، وما دام الميزان هو أداة ووسيلة، فهو شيء معنوي، ولا يقصد به حقيقة مَادِّيَّة. وَإِنَّمَا استُعمِل لفظ «الميزان» لأَنَّ الناس ألفوا أَنَّ الميزان هو أكثر دقَّة وتحديدا وتمييزا. واستدلُّوا بما يلي:
- أَنَّ الأعمال أعراض لا تنقلب أجساما، فلا يمكن وزنها بميزان مَادِّيٍّ وحقيقيٍّ؛ لأَنَّ الميزان المادِّيَّ يحتاج إليه العاجز ويستعين به على التقدير، والله تعالى منزَّه عن ذلك (5).
وعلَّق الأستاذ وينتن عَلَى هَذَا الرأي بِأَنَّهُ «ممكن، ويوافق تنزيه الله تعالى عن العجز، ولكن ما يؤخذ على هذا الرأي أَنَّه
__________
(1) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 472.
(2) وقد جاء فيه: «فتوضع السجلاّت في كفّة والبطاقة في كفّة، فطاشت السجلاّت وثقلت البطاقة» رواه ابن ماجه في: كتاب الزهد باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة رقم4300؛ وقال الألباني: صحيح، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي وحسنه الترمذي؛ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية: 472؛ المعجم المفهرس: 1/ 189؛ وانظر نصَّ الحديث في الفصل الثامن من البحث المبحث الأَوَّل هامش70، ص 406.
(3) ابن منظور: لسان العرب، 13/ 447.
(4) -المصدر السابق؛ - الجنة: 208.
(5) عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: تحقيق فؤاد سيد ط2 الدار التونسية للنشر تونس والمؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1406هـ /1986م: 204؛ الثميني، معالم الدين، 2/ 191؛ -الهميان: ط1: 10/ 401، 406؛ ط2: 6ق2/ 13، 14؛ - شرح أصول تيبغورين: 582؛ -إزالة الاعتراض: 04. (1/122)
صفحة 124
جاء في مجال الغيب، وذلك يحتاج إلى دليل نقليٍّ، فغير بعيد أن يكون الميزان المذكور في القرآن والسنَّة مجرَّد كناية عن التمييز والدقَّة في الحساب، لكنَّ الشيخ لم يُؤَيِّد ذلك بدليل نقليٍّ ... فالميزان لا يَدُلُّ على أَنَّ الله تعالى يحتاج إليه أو يستعمله، بقدر ما يَدُلُّ على أَنَّه وضع للناس ليتبيّنوا مقدار أعمالهم، فغير بعيد أن يكون ماديّا لهذا السبب.
وتبعا لذلك فقد أوَّل الشيخ اطفيش النصوص التي تذكر الميزان إلى معنى العدل في الحساب، وعدم الظلم فيه (1): وأَمَّا الحديث الذي يذكر أَنَّ للميزان عمودا وكفَّتين فإنَّه يحتمل أن يكون موضوعا أو يؤوَّل أيضا (2)، ولم يبيِّن سبب هذا الوضع. وقد علَّل الشيخ أخذه بهذه التأويلات والأحكام بأَنَّ حمل الميزان على المعنى المجازيِّ أولى «في فهم العقل وأفصح وأسلم من ردِّ العَرَضِ جسما ولو كان الله على كُلِّ شيء قديرا» (3)؛ والحقُّ أَنَّ إبقاء الميزان على المعنى المادِّيِّ أقرب إلى الفهم والعقل وهو الأسلم، فقد بالغ هنا في تقديم العقل على النقل، مع أَنَّ الأخذ بالنقل في الموضوع لا يقدح في التوحيد حسب منهجه في الأخذ بالنقل.
وكما رأى أَنَّ الميزان أمر معنويٌّ؛ فقد ذهب أيضا إلى اعتبار الأعمال الموزونة أعراضا ولا تنقلب إلى أجسام مَادِّيَّة لتوزن؛ لأَنَّه لا دليل على هذا التحوُّل، والنصوص التي تصف الأعمال على أَنَّهَا أجسام مَادِّيَّة ليست على حقيقتها إِنَّمَا هي للتمثيل (4)، وَلَكِنَّ الشيخ لم يقف عند هذا الرأي بل أجاز أن تجسَّم الأعمال لِمَا يَدُلُّ عليه ظاهر النصوص؛ لأَنَّ الله تعالى قادر على كُلِّ شيء (5)؛ وَلَكِنَّ هذا الرأي يناقض ما ذهب إليه في شأن الميزان، وأَنَّه لا يكون مادِّيًّا. إضافة إلى التضارب بين أقواله في المسألة تضاربا يصعب تفسيره، حيث يرى أَنَّ الميزان ليس إِلاَّ معنويًّا، والأعمال يمكن أن تكون مجسَّمة؛ والأصل أَنَّهَا تبقى أعراضا كما هي؛ وقد يكون سبب ذلك محاولة الشيخ التوفيق بين ما ذهب إليه عقلا موافقا للإباضية والمعتزلة، وبين كثرة النصوص التي يَدُلُّ ظاهرها على أَنَّ الميزان جسم مادِّيٌّ، والأعمال تعرض عليه أجساما؛ لَكِنَّهُ لم يُول المسألة كُلَّ العناية التي تجعله يثبت على قول واحد، ويرى أيضا أَنَّهَا ليست من الأصول التي يقطع فيها عذر المخالف، ولا تُؤَدِّي المخالفة فيها إلى الكفر والشرك، ووافقه على ذلك السالميُّ (6) وهو الرأي الأسلم في مسألة غَيْبِيَّة مثل هذه» (7).
ثالثا: الصراط:
يرى أغلب الإِبَاضِيَّة أَنَّ الصراط إِنَّمَا هو تمثيل لطريق الحقِّ، قَالَ تَعَالىَ: {اَفَمَنْ يَّمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَّمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الملك: 22). ومنهم من يرى أَنَّهُ يَصِحُّ فيه المعنيان حسب السياق، وهو الأرجح، نظرا لوجود نصوص في السنة (وإن كانت آحادية) تثبت وجوده في الآخرة فوق جَهَنَّم. ولأنه فيما يبدو لا يتنافى مع أحد الأصول القطعية.
............................................................ تفاصيل
............................................................ تفاصيل
رابعا: الورود على النار:
يطلق الورود في اللغة على الإشراف وعلى الدخول؛ لذلك وقع الاختلاف في تأويل قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمُ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} (سورة مريم: 71). وينصرف في حق المؤمنين إلى المعنى الأول، وفي حق العصاة (أهل النار) إلى
__________
(1) - حاشية القناطر: 2/ و. ظ: 92.
(2) - التيسير: 4/ 13.
(3) -المصدر نفسه: 4/ 14؛ - الهميان: ط1: 6/ 288.
(4) - التيسير: 3/ 277؛ - الهميان: 2/ 445، 446؛ - إزالة الاعتراض: 04.
(5) - التيسير: 1/ 155.
(6) - شرح أصول تيبغورين: 583؛ - الهميان: 6ق2/ 14؛ السالمي: مشارق: 2/ 127.
(7) وينتن: آراء، ص178 - 179. (1/123)
صفحة 125
المعنى الثاني.
............................................................ تفاصيل
............................................................ تفاصيل
قال الشيخ نور الدين السالمي في بهجة الأنوار:
«وهكذا من قال كلٌّ يدخل فيها سعيد وشقيٌّ مبطل
زعمت المرجئة أَنَّ كُلَّ أحد يدخل النار <130> سعيدا كان أو شقيًّا، وقالوا ينجي منها السعيد ويترك فيها الشقيُّ، وتعلَّقوا في ذَلِكَ بِقَولِهِ تَعَالىَ: {وَإِن مِّنكُمُ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا} [سورة مريم: 71 - 72]، ولا تعلُّق لهم في هَذِهِ الآيَة لأَنَّ الخطاب فيها للمتقدِّم ذكرهم، ورد عَلَى سبيل الامتثال من الغيبة إِلىَ الحضور، وَذَلِكَ أَنَّهُ قدَّم ذكر المنكرين للبعث فقال: {وَيَقُولُ الاِنسَانُ أ. ذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا اَوَلاَ يَذْكُرُ الاِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا؟ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ اَيُّهُمُ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذِينَ هُمُ أَوْلَى بِهَا صُلِيًّا} [سورة مريم: 66 - 69]، فَهَذِهِ الآيات كلُّها خطاب لمنكري البعث؛ وَكَذَلِكَ آيَة الورود، فهي كما بيَّنَّاه من أَنَّهَا خطاب لهم ورد عَلَى سبيل الالتفات، ومثل هَذَا كثير في القُرْآن، منها قَوله تَعَالىَ في خطابه لبني إسرائيل: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [سورة الأعراف: 160].
ومن وجه آخر أَنَّ الورود يتصرَّف فيرد بمعنى الدخول تارة، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [سورة الأنبياء: 98]، وبمعنى المشارفة للِشَيْءِ [تارةً] أخرى، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} [سورة القصص: 23] [ ... ] <131> فبطل حمل الآيَة عَلَى الوجه الأَوَّل أن لو وافقناهم أَنَّ الخطاب في الآيَة للمؤمنين والكافرين جميعا من حيث إِنَّهُ يلزمهم القول بدخول الأنبياء النار مع المؤمنين، فيكون كِتَاب الله ناطقا بتكذيبهم في قَوله تَعَالىَ: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [سورة الأنبياء: 101 - 102]، وقوله تَعَالىَ: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [سورة مريم: 85 - 86]، وقوله تَعَالىَ: {يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيءَ وَالذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ} [سورة التحريم: 8]، وذكر في آيَة أخرى قوله: {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدَ اَخْزَيْتَهُ} [سورة آل عمران: 192]، فيلزمهم عَلَى مقالتهم هَذِهِ تناقض هاتين الآيتين، وكلاهما خبر لا يأتي النسخ عَلَى أحدهما، ولكنَّا لا نسلِّم أَنَّ الخطاب في الآيَة للمؤمنين والكافرين، بل لا نقول إِلاَّ أَنَّهُ متوجِّه للكافرين، فالورود عندنا هو الدخول نفسه عَلَى هَذَا التأويل.
فإن قيل: أَمَا في قَوله تَعَالىَ: {ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا} [سورة مريم: 72] دَلِيل عَلَى ما تعلَّقت به المرجئة.
فالجواب أَنَّ قوله: {نُنَجِّي} ليس فيه دَلِيل عَلَى دخولهم النار لأَنَّ التنجية تكون من الشَّيْء المخوف المترقَّب وقوعه، كقولك: نجَّيت زيدا من القتل، فَإِنَّ زيدا لم يقتل بعدُ، وَإِنَّمَا قارب ذَلِكَ الأمر الذي يترقَّب وقوعه.
وللمثبتين للورود لجميع الأُمَّة أقاويل نضرب صفحا عن ذكرها مخافة التطويل. وبالجملة <132> فحكمهم حكم من قبلهم من أَنَّهُم كُفَّار نعمة (1) لا شرك ما لم يظهر منهم ردٌّ لتنزيل فيحكم عَلَيْهِم بالشرك، هَذَا كلُّه إذا قالوا إِنَّ الداخلين في النار هم المؤمنون والفاسقون جميعا».
**************************
__________
(1) هذا الحكم من قِبل أغلب الإباضية، ولا سيما القدامى منهم، يحتاج إلى إعادة نظر بالدراسة والبحث العلمي الموضوعي، وهو ما نرجو أن يوفقنا الله تعالى إلى إتمامه. (1/124)
صفحة 126
المبحث السادس
الجَنَّة والنار والخلود والشفاعة
ملاحظة هامة:
ما سنورده في الآتي خاص بطلاَّب المستوى الثانوي، أوردناه هنا من باب: «ما لا يدرك كله لا يترك كله». ويستحسن من طلاب التخصص الشرعي أن يلخصوا:
1 - موضوع الشفاعة من كتاب جواهر التفسير، أنوار من بيان التنزيل، لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي. الجزء الثالث، تفسير قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُوخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} (سورة البقرة: 48).
2 - موضوع الخلود من كتاب الحق الدامغ، لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: المبحث الثالث: في خلود أهل الكبائر في النار، ص183 - 227.
أوَّلا - الشفاعة (1)
الشفاعة لغة: هي الوسيلة والطلب.
وعرفا هي: طلب الخير من الغير للغير.
وشرعا هي: طلب التعجيل بدخول الجَنَّة أو زيادة درجة فيها من الله عَزَّ وَجَلَّ للمؤمنين.
وتكون للأنبياء وغيرهم من الملائكة والشهداء والأولياء، ويختصُّ نبيُّنا - عليه السلام - منها بخصلة هي تقدُّمه إِلَيْهَا قبل كُلِّ شافع. وهي المقام المحمود الذي في قَوله تَعَالىَ: {عَسَى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} (الإسراء: 79)، أي: مقاما يحمدك فيه الأَوَّلُونَ والآخرون.
ومذهب الإِبَاضِيَّة في الشفاعة أَنَّهَا مقصورة عَلَى الأتقياء من الْمُكَلَّفِينَ، وهم من جانَب الْمُحَرَّمَات وأدى الواجبات، فلا شفاعة لغيره من الأشقياء والعصاة من الموحِّدين إن ماتوا عَلَى غير توبة، ولا المشركين، للأدلة القطعية الثابتة، منها:
1 - قَوله تَعَالىَ: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَى} (الأنبياء: 28)، وقوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} (غافر: 18)، ولفظة الظالمين عَامَّة.
2 - أَدِلَّة الخلود الثابتة، فإذا ثبت تخليدهم انتفت الشفاعة ضرورةً.
وقد تمسك المخالفون برواية نصُّها: «شفاعتي لأهل الكبائر من أُمَّتِي»، ويجاب عنها بأمور:
1 - أَنَّهُ آحاديٌّ ظنِّيٌّ فلا يعارض القطعي (مِمَّا سبق ذكره).
2 - أَنَّهُ عارضتها روايات صريحة في نفي الشفاعة عن بعض مرتكبي الكبائر، منها قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لاَ تَنَالُ شَفَاعَتِي سُلْطَانًا غَشُومًا لِلنَّاسِ، وَرَجُلاً لاَ يُرَاقِبُ اللَّهَ فِي الْيَتِيمِ» (2). فَهَذِهِ بتلك، عَلَى أَنَّ هَذِهِ قد عضدها الكِتَاب الكريم، وتلك قد خالفته، فوجب:
- إِمَّا القول بوضع تلك الرواية، إذ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر لتقرَّب إِلَيْهِ المتقرِّبون بالكبائر.
- وَإِمَّا أَنَّهَا معلَّقة بشرط دَلَّ عَلَيْهِ الكِتَاب، وهو إذا ماتوا تائبين منها. والفائدة من تخصيصهم بالذكر في سياق الشفاعة دفع إياسهم من رحمة الله عَزَّ وَجَلَّ، وتسهيل الطريق لهم إِلىَ التوبة، عملا بِقَولِهِ تَعَالىَ: {قُلْ يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ
__________
(1) مسألتا الشفاعة والخلود نُقلتا عن تلخيص الشيخ باشعادل لكِتَاب بهجة الأنوار (بتصرف).
(2) رواه الربيع في الأَخْبَار الْمَقَاطِيع عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ، رقم 1002. (1/125)
صفحة 127
لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُون ... } إلخ الآيات (الزمر: 53 - 55).
ثانيًا - الخلود
افترقت الأُمَّة في أهل الجَنَّة والنار عَلَى أربع فرق:
- الأولى: وهي الجهمية، زعمت أَنَّ الجَنَّة والنار فانيتان بعد دخول أهلها فيهما (مشركين وعصاة). ولا داعي لمناقشة هَذَا الرأي لمخالفته صريحَ القرآن وَالسُّنَّة بخلودهما، ولعدم وجود هَذِهِ الفرقة.
- الثانية: زعمت أَنَّ الخلود في الجَنَّة فقط دون النار، وتشبثوا برواية جاء فيها: «ليأتينَّ عَلَى جَهَنَّم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد ... ».
والجواب عَلَى الرواية أَنَّهَا - فضلا عَمَّا في متنها وسندها من نكارة - آحادية لا تقوى عَلَى معارضة القطعي من القرآن وَالسُّنَّة، منها قَوله تَعَالىَ: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلَ اَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُّخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: 80 - 81).
- الثالثة: وهم أغلب المسمَّون بأهل السنة، ذهبوا إِلىَ أَنَّ أهل الجَنَّة والمشركين من أهل النار مخلَّدون فيهما، وزعموا أَنَّ أهل الكبائر غير المشركين يخرجون من النار إِلىَ الجَنَّة، وأَنَّ من مات عَلَى كبيرة لا يخلو من أحد أمور ثلاثة: إِمَّا أن يغفر الله له بعفوه، أو يشفع فيه الرَّسُول y ، أو يعذَّب مقدار عمله ثُمَّ يخرج فيدخل الجَنَّة. وزعم بعضهم أَنَّهُ يكتب عَلَى جباههم: «هَؤُلاَءِ جَهَنَّميُّون فيعيِّرهم أهل الجَنَّة عَلَى ذَلِكَ، فيسألون الله زواله، فيمحوه الله عنهم، ويبدلهم مكانه نورا يتلألأ فيودُّ أهل الجَنَّة أن لو عملوا كعملهم».
قال الشيخ السالمي: «وَهَذَا ... عين المحال بِأَن جعلوا العاصي أشرف من الطائع، وجمعوا بين الأضداد، وكتاب الله ناطق بخلاف ما زعموا، قَالَ تَعَالىَ: {أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ} (السجدة: 18)، وقال تَعَالىَ: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (القلم: 35 - 36)، وقال تَعَالىَ: {أَمْ حَسِبَ الذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءٌ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} (الجاثية: 21).
- الرابعة: وهم الإِبَاضِيَّة والمعتزلة فقد اعتمدوا عَلَى صريح القرآن وصحيح السنة، وقالوا: إِنَّ من مات عَلَى عصيان رَبِّهِ، مصرًّا عَلَى ذنبه، فهو مخلد في النار أبدا، لا فرق في ذَلِكَ بين أحد من أهل الشرك الجاحدين لله، أو الفسَّاق مرتكبي الكبائر من أهل التوحيد، وَإِنَّمَا الفرق في دركاتهم، إذ كلٌّ معذَّب بقدر عمله، ومن أَدِلَّتهم قَوله تَعَالىَ: {وَمَنْ يَّعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} (الجن: 23) (1).
__________
(1) ينظر لمزيد من الأَدِلَّة والمناقشة كِتَاب الحق الدامغ لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي. (1/126)
صفحة 128
المحور السابع
الإنسانيَّات
ملاحظة هامة:
ما سنورده في الآتي خاص بطلاَّب المستوى الثانوي، أوردناه هنا من باب: «ما لا يدرك كله لا يترك كله». ويستحسن من طلاب التخصص الشرعي أن يلخصوا مواضيع الإنسانيات من قائمة المصادر والمراجع الواردة في نهاية كل درس.
المبحث الأوَّل:
الإيمان بالقضاء والقدر
أَوَّلاً - تمهيد:
لقد استنفد المسلمون جهدا كبيرا، ودهرا طويلا، وهم يجادلون في موضوع القضاء والقدر، فأعطوه الصبغة الفلسفية أحيانا، وأقحموا العقل أحيانا في ما لا طائل من ورائه، حَتَّى شغلت الكثير عن القضايا والأهداف الأَسَاسِيَّة للإسلام.
ثانيا - المعاني اللغوية للقضاء والقدر:
للقضاء معان لغوية مُتَعَدِّدَة، منها:
1 - الخلق، كما في قَوله تَعَالىَ: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} (فصلت: 12).
2 - الحُكم: كما في قَوله تَعَالىَ: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (يونس: 93).
3 - الأمر: كما في قَوله تَعَالىَ: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلآَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (الإسراء: 23).
4 - الإخبار والإعلام، كما في قَوله تَعَالىَ: {وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الاَرْضِ مَرَّتَيْنِ ... } (الإسراء: 4).
وللقدر كَذَلِكَ معان مُتَعَدِّدَة منها:
1 - الخلق: كما في قَوله تَعَالىَ: {وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى} (الأعلى: 3).
2 - الحساب والميزان الدقيق: كما في قَوله تَعَالىَ: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ} (المؤمنون: 18)، أي بمقدار محدَّد.
3 - التضييق: كما في قَوله تَعَالىَ: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللَّهُ} (الطلاق: 7).
4 - الوجود: كما في قَوله تَعَالىَ: {إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ} (النمل: 57).
ثالثا - المعنى الاصطلاحي للقضاء والقدر:
القضاء شرعا: هو حكم الله تَعَالىَ عَلَى الأشياء في الأزل، وَكِتَابتها في اللوح المحفوظ.
والقدر: هو إخراجها إِلىَ الوجود في أوقاتها المحدَّدة لها حسب علم الله، ووفق مَا هو مكتوب في اللوح المحفوظ.
ومن العلماء من يعكس تعريفهما، ومنهم من يجعلهما بمعنى واحد.
رابعا - وجوب الإيمان بالقضاء والقدر:
الإيمان بالقضاء والقدر أصل من أصول الدين، وركن من أركان الإيمان، والدَّلِيل عَلَى وجوب الإيمان بهما من العقل والنقل: (1/127)
صفحة 129
أ- من النقل: قال الله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 49). وقال {قُل لَّنْ يُّصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} (التوبة: 51).
وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ وَلَنْ تُؤْمِنَ وَتَبْلُغَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ؟ قَالَ: «تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، فَإِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ». (1). وفي جواب رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لجبريل - عليه السلام - لسؤاله عن الإيمان قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.» (2).
ب- من العقل: يتفرَّع الإيمان بالقضاء والقدر عن الإيمان بعلم الله الشامل، وقدرته الكاملة، وإرادته المطلقة؛ فلا يحصل في الوجود شَيْء إِلاَّ وَالله تَعَالىَ يعلمه ويريده، ويستحيل حصول شَيْء لم يرده الله.
خامسا - اختلاف المسلمين في مسألة القضاء والقدر:
للأمة الإِسلاَمِيَّة إزاء هَذِهِ القَضِيَّة ثلاثة مذاهب:
1 - المعتزلة:
وسُمُّوا أَيضًا بالقدرية، رئيسهم: واصل بن عطاء، قالوا: إِنَّ للعبد الحُرِّيَّة التَّامَّة في اختياره، وهو الفاعل للخير والشرِّ، وقدرته صالحة لخلق فعله وإيجاده.
من أدلتهم العَقلِيَّة:
أ. إِنَّ الله تَعَالىَ عدل لا يظلم ولا يجور، فلا يَصِحُّ أن يخلق الخير والشرَّ للعبد ويجبره عَلَيْهمَا، ثُمَّ يحاسبه عَلَى فعلهما. والتكليف والمحاسبة يقتضيان أن يكون العبد مخيرا لا مسيرا ولا مجبورا.
ب. إِنَّ أفعال العبد لا تخلو من أحد الاحتمالات الثلاثة: إِمَّا أن تنسب إِلىَ الله تَعَالىَ وحده، وَإِمَّا أن تنسب إِلَيْهِ وَإِلىَ العبد معا، وَإِمَّا أن تنسب إِلىَ العبد فقط. فَالأَوَّلُ باطل لأَنَّهُ يستلزم أن يكون الإِنسَان مجبورا عَلَى فعله، وبالتالي يُنسب الظلم إِلىَ الله. والثاني باطل أَيضًا لاستلزامه مشاركة الله في أفعاله، وَهُوَ منزه عن الشريك. فثبت الاحتمال الثالث.
ج. وأجيبوا عن الاستلزامين الأَوَّل والثاني بأَنَّ لفعل العبد جهتين: جهة إيجاد، وهي لله، وجهة اكتساب وهي للعبد، ولا يستلزم مشاركة الله في أفعاله.
من أدلتهم النَّقليَّة:
أ. استدلُّوا لجواز نسبة الخلق إِلىَ الإِنسَان، بقَوله تَعَالىَ: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيرِ} (المائدة: 110)، وأجيبوا بِأَنَّ الخلق في الآيَة مجاز لا حقيقة، فالخلق والإيجاد الحقيقيُّ (من العدم إلى الوجود) خاصٌّ بِاللهِ، قَالَ تَعَالىَ: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ}؟ (فاطر: 3).
ب.
__________
(1) رواه الربيع بن حبيب، باب [12] في القدر والحذر والتطيّر، حديث رقم 72.
(2) نصُّ الحديث كالآتي: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ J ، فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ J فَأَلْزَقَ رُكْبَتَهُ بِرُكْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: فَمَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ. قَالَ: فَمَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَمَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ. قَالَ: فَمَا أَمَارَتُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ أَصْحَابَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ J بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلاَثٍ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ مَعَالِمَ دِينِكُمْ». مُتَّفَق عَلَيْهِ، واللفظ للترمذي، كِتَاب الإيمان عن رَسُول اللهِ J ، باب وصف جبريل للنَّبِيء J الإيمان والإسلام، رقم 2610. (1/128)
صفحة 130
استدلوا بالآيات التي تنسب الحُرِّيَّة والإرادة للإنسان، كَقَولِهِ تَعَالىَ: {فَمَن شَآءَ فَلْيُومِنْ وَّمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرِ} (الكهف: 29)، وقوله: {ذَالِكَ بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (آل عمران: 182، والأنفال: 51)، وقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان: 3) (1)، أي أريناه طريق الصلاح وطريق الفساد، وتركناه حُرًّا يختار أيَّهما شاء.
2 - الجهمية:
ويسمَّوْن بالجبرية، رئيسها: جهم بن صفوان، قالوا: القدر خيره وشرُّه من الله عَلَى جهة الجبر والإكراه، والعبد مجبور ومسيَّر كالجمادات.
من أدلتهم:
استدلوا من القرآن بمثل قَوله تَعَالىَ: {يُضِلُّ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ} (النحل: 93)، وقوله: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} (القصص: 68)، وقوله: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلآَّ أَنْ يَّشَآءَ اللَّهُ} (الإنسان: 30) (2).
ويردُّ عَلَيْهِم من العقل بأَنَّ الإجبار ينافي التكليف والحساب، ويؤدي إِلىَ نسبة الظلم إِلىَ الله. وَأَيْضًا بما يجده الإِنسَان في نفسه من الاختيار بين الفعل والترك. والضلالُ والهدايةُ إِنَّمَا يكونان بالاختيار، ثُمَّ الله يخذل من اختار الضلالة، ويوفِّق من اختار الهداية (3).
ويردُّ عَلَيْهِم من النقل: بكُلِّ الآيات التي استَدَلَّ بها المعتزلة عَلَى أَنَّ الإِنسَان مخيَّر في أفعاله.
3 - الجمهور:
ذهب جمهور الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة من الإِبَاضِيَّة والأشاعرة والماتريدية إِلىَ أَنَّ القدر خيره وشرَّه من الله، وَهُوَ الخالق لهما، وَهُوَ المقدِّر لِكُلِّ ما يحدث في الوجود، ووقفوا موقفا وسطا يجمع بين أَدِلَّة الفريقين (المعتزلة والجهمية) فقالوا: إِنَّ لفعل العبد جهتين:
أ- جهة الخلق والإيجاد، وهي التي يخرج بها فعل العبد من العدم إِلىَ الوجود، وتنسب إِلىَ الله، فهو الخالق لفعل العبد حال اختياره له، ويخلق له القدرة عَلَى فعله.
ب- وجهة اكتساب، وهي نسبة ذَلِكَ الفعل إِلىَ العبد، عند اختياره لفعله؛ فَاللهُ تَعَالىَ موجِدٌ والعبد مكتسِب؛ وإذا ثبت للعبد اختيار واكتساب صَحَّ أن يتلقى بسببهما الثواب أو العقاب.
من أدلتهم:
1 - قَوله تَعَالىَ: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اَكْتَسَبَتْ} (البقرة: 286).
2 -
__________
(1) وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة عَلَى هَذَا النحو، منها قَوله تَعَالىَ: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (الحج: 10)، وقوله: {وَلَوْلآَ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلآَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ} (القصص: 47)، وقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد: 10).
(2) ومنها قَوله تَعَالىَ: {خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} (البقرة: 7)، وقوله: {وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الذِينَ مِن بَعْدِهمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اِخْتَلَفُواْ، فَمِنْهُمْ مَّنَ _امَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَا اَقْتَتَلُواْ، وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} (البقرة: 253)، وقوله: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُومِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} (النساء: 155)، وقوله: {وَلَوْ شَآءَ اللهُ مَآ أَشْرَكُواْ} (الأنعام: 107)، {مَنْ يُّضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} (الأعراف: 186)، وقوله: {مَنْ يَّهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} (الكهف: 17)، وقوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} (النجم: 43 - 44)، وقوله: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلآَّ أَنْ يَّشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير: 29).
(3) قَالَ تَعَالىَ: {قُلِ اِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنَ اَنَابَ} (الرعد: 27) (1/129)
صفحة 131
وقَوله: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسِم بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (غافر: 17).
3 - وقوله: {لِمَن شَآءَ مِنكُمُ أَنْ يَّتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ كُلُّ نَفْسِم بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (المدثر:37 - 38) (1).
سادسا - ما يجب في الإيمان بالقضاء والقدر:
1 - أَنَّ كُلَّ ما يحدث في الكون فبقضاء الله وقدره، وَأَنَّ الله عالم به قبل حدوثه، كالخصب والجدب، وهبوب الرياح والأعاصير، وحدوث الزلازل والمصائب ... قَالَ تَعَالىَ: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحديد: 22)، وقال: { ... ويَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ اِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الاَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ اِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (الأنعام: 59).
2 - إِنَّ الله تَعَالىَ لا يحاسب العبد عَلَى القدَر الحتميِّ الذي لا يستطيع العبدُ التَّصَرُّف فيه، مثل: شكل خِلقته، ومن أيِّ الأبوين هو، ومتى يولد وأين، وحركاته اللاإرادية كالارتعاش والموت ... وَإِنَّمَا يحاسبه عَلَى أفعاله الاختياريَّة، كالطعام والشراب والتعلُّم، والطاعة والمعصية ...
سابعا - بعض الإشكالات وجوابها:
1 - قد يُتساءل: إذا كان الله يريد وقوع المعصية فلماذا يعاقب عَلَيْهَا؟ الجواب: يجب التفريق بين أمر الله وإرادته، فَاللهُ تَعَالىَ لم يأمر بالمعصية ولا يرضى وقوعها، وَلَكِن إذا وقعت فلا نقول: إِنَّهُ لم يُرِد وقوعها، لأَنَّهُ تَعَالىَ لا يقع في ملكه إِلاَّ ما يريد.
2 - إذا كانت أفعالنا لا تخرج عن دائرة علم الله تَعَالىَ الشامل وإرادته المطلقة، فهل يعني هَذَا أَنَّهُ أجبرنا عليها؟ الجواب: كلا، لأَنَّ علمه تَعَالىَ لا يَتَّصِلُ بأعمالنا اتِّصَال إكراه وإجبار، وَلَكِنَّهُ اتِّصَال انكشاف ووضوح.
ثامنا - خلاصة القول:
إِنَّنَا مهما حاولنا التوغل في فهم القدر فلن تزداد القَضِيَّة إِلاَّ غموضا، لذا يجب التسليم بأمور أَسَاسِيَّة:
1 - أَنَّ القدر سرٌّ من أسرار الله، قال تَعَالىَ في حديث قدسي: «القدر سري، ولا ينبغي لأحد أن يطَّلع عَلَى سرِّي» (2)، وقال y: « إذا ذكر القدر فأمسكوا» (3)، فلا يجوز إغراق المناقشة فيه، قال الشيخ السالمي:
2 - وبالقضاء نؤمن أَيضًا والقدر ولم يجز إغراقنا فيه النظر
3 - أن نتيقَّن أَنَّ لله تَعَالىَ العلم الكامل، والقدرة والإرادة المطلقتين في التَّصَرُّف في مخلوقاته، وَأَنَّهُ عدل لا يجور.
4 - أن نفوض الأمر كُلَّهُ إلى الله، وأن نضع في حسباننا القاعدة الرئيسة في الموضوع، وهي قَوله تَعَالىَ: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء: 23).
5 - أن نهتمَّ بالعمل وعدم التواكل، وقد سَأَلَ سُرَاقَةُ بْنُ جشعمَ رَسُولَ اللهِ y فَقَالَ: مَا الْعَمَلُ فِي أَمْرٍ مُبْتَدَإٍ مُسْتَأْنَفٍ، أَمْ فِي شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ y : « بَلْ فِي شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ»، ثُمَّ قَالَ سُرَاقَةُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ إِذَنْ يَارَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (4).
__________
(1) ومنها أَيضًا: قَوله تَعَالىَ: {إِنَّ الذِينَ يَكْسِبُونَ الاِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} (الأنعام: 120). وقَوله تَعَالىَ: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} (الزمر: 48).
(2) قال الأستاذ عمر إسماعيل آل حكيم في دراسته حول معالم الدين (مرقون): «هكذا جاء به الثميني ولم أجده بهذا اللفظ، وجدته: «القدر سرّ الله، من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فأنا بريء منه». انظر: (كنز العمال)، الكتاب الأول: في الإيمان والإسلام، الفصل السادس: في الإيمان والقدر، ج: 1/ 485».
(3) رواه الطبراني بسند صحيح، من حديث ابن مسعود، انظر: فتح الباري، مج11/ص477، كِتَاب القدر. (عن أصول الدين للشيخ أوبكة، ص8، وينتن: آراء، ص353، وقال: صححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 209).
(4) رواه الربيع بن حبيب، ج3/ ما جاء في الحجَّة على القدريَّة، حديث رقم: 796، ص207. ومسلم في كِتَاب القدر، باب كَيفِيَّة خلق الآدمي، رقم 2648. (1/130)
صفحة 132
تاسعا - الآثار التَّربَوِيَّة للإيمان بالقدر:
1 - قُوَّة العزم والتخلص من التردد، فإذا عزم المؤمن بالقدر عَلَى فعل شَيْء هيأ له أسبابه، واستخار واستشار، ومضى متكلا عَلَى الله، وَهُوَ متيقن أَنَّهُ لا يصيبه إِلاَّ ما كتب الله له، وَبِذَلِكَ يتخلص من التردُّد الذي يفسد عَلَى كثير من الناس أمورهم.
2 - الصبر والتجلُّد، وعدم الخوف من الموت، فَإِنَّ التسليم بِأَنَّ نفسا لن تموت حَتَّى تستوفي رزقها وأجلها يُكسب المؤمنَ صبرا وشجاعة وإقداما، قَالَ تَعَالىَ: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ اَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلاً} (آل عمران: 145) (1).
3 - الاطمئنان النفسيُّ وعدم السخط والجزع والكفر ... بسبب مصيبة، أو الفرح والغرور بسبب نعمة، قال y : « عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (2).
4 - التفاؤل وعدم تعليل الأمور حسب الهوى، فَإِنَّ الإيمان بالقدر يمنع من الوقوع في التشاؤم والتطيُّر.
5 - التمييز بين التوكُّل والتواكل، فينهض المؤمن للعمل وَاتِّخَاذ الأسباب، وينبذ الكسل والاعتذار بالأقدار.
_____________________________________
المراجع:
- محمَّد البوطي: الإنسان مسيَّر أم مخيَّر، كلُّه.
- يوسف القرضاوي: الإيمان بالقدر، كلُّه.
- عمر سليمان الأشقر: القضاء والقدر، كلُّه.
- إسماعيل الجيطالي: قواعد الإسلام، 1/ 90 - 98.
- عبد العزيز الثميني: النور، ص144 - 164.
- أحمد الكندي، وعاشور كسكاس: العقيدة (1)، 177 - 186.
- نور الدين السالمي: بهجة الأنوار، ص133 - 147.
- نور الدين السالمي: مشارق أنوار العقول، 310 - 328.
- محمَّد الشعراوي: القضاء والقدر (ومواضيع أخرى)، ص40 - 71.
- محمَّد الغزالي: عقيدة المسلم، ص95 - 119.
- فرحات الجعبيري: البعد الحضاري، 2/ 399 - 485.
- مصطفى وينتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية، ص347 - 381.
__________
(1) وقال أَيضًا: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمُ إِذَا ضَرَبُواْ فيِ الاَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى: لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فيِ قُلُوبِهِمْ، وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (آل عمران: 156)،
(2) مسلم: كِتَاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كُلُّهُ خير، رقم 2999. ج4/ ص2295.
ويقول الله تعالى في هذا الشأن: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلاَ تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ} (الحديد: 22 ـ 23). (1/131)
صفحة 133
المبحث الثاني:
الولاية والبراءة والوقوف
1 - التعريف اللغوي:
أ- الولاية لغة: القرب والنصرة. وتعني أَيضًا القيام بالأمر، مثل: الوليِّ في النكاح، أو وليِّ السفيه ... قَالَ تَعَالىَ: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالعَدْلِ} (البقرة: 282). {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ... } (الإسراء: 33).
ب- البراءة لغة هي البعد، والتخلُّص والتنزُّه، يقال: فلان بريء من هَذَا العمل: أي منزه عنه. وَهَذَا الشَّيْء بريء من العيب: أي سليم منه.
2 - التعريف الاصطلاحي:
أ- الولاية اصطلاحا: هي محبة المطيع بالقلب، والثناء والاستغفار له باللسان، ونصرته وإعانته بالجوارح.
ب- البراءة اصطلاحا: هي بغض العاصي بالقلب، وزجره باللسان، وترك الترحم والاستغفار له، وعدم نصرته في المعصية.
3 - حكم الولاية والبراءة:
الولاية والبراءة واجبتان شرعا بالإجماع. وفي الأثر أَنَّ الرَّسُول y قال: «أوثق عرى الإِسلاَم: الولاية في الله والبغض في الله» (1). وَأَنَّهُ قال: «من أحبَّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (2).
أ- أَدِلَّة وجوب الولاية:
· قَوله تَعَالىَ: {وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (التوبة: 71).
· قوله عَزَّ وَجَلَّ: {فَاعْلَمَ اَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ} (محمد: 19).
ب- أَدِلَّة وجوب البراءة:
· قَوله تَعَالىَ: {لاَ يَتَّخِذِ الْمُومِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ وَمن يَّفْعَلْ ذَالِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فيِ شَيْءٍ ... } (آل عمران: 28).
· قوله: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليَهُودَ وَالنَّصَارى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمُ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ} (المائدة: 51).
· قوله: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمُ أَوْلِيَآءَ اِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الاِيمَانِ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (التوبة: 23 - 24).
· قوله: {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَآءَهُمُ أَوَ اَبْنَآءَهُمُ أَوِ اِخْوَانَهُمُ أَوْ عَشِيرَتَهُمُ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِيمَانَ ... } (المجادلة: 22).
__________
(1) رواه الطبراني في الصغير، وفيه عقيل بن الجعد قال البخاري: منكر الحديث. مجمع الزوائد، 1/ 90. (برنامج ألفية الحديث)
(2) رواه الطبراني في الأوسط وفيه صدقة بن عبد الله السمين ضعفه البخاري وأحمد وغيرهما وقال أبو حاتم محله الصدق. مجمع الزوائد، 1/ 90. (برنامج ألفية الحديث) (1/132)
صفحة 134
4 - أقسام الولاية والبراءة:
تنقسم الولاية والبراءة إِلىَ ثلاثة أقسام:
أ- ولاية وبراءة الحقيقة:
سُمِّيَتا كَذَلِكَ لأنهما تعنيان ولاية الله لأوليائه، وبراءته من أعدائه، واللتان لا تتغيران، وقد مَرَّ بيان ذَلِكَ.
وتنطبقان عَلَى كُلِّ من ورد باسمه أو صفته أو كنيته في نصٍّ قطعيٍّ، أي في القرآن الكريم، أو السنة المتواترة، كابن نوح، وفرعون وأبي لهب، وقوم نوح وقوم لوط من أهل النار. وكالأنبياء والرسل المذكورين في القرآن، ومريم وامرأة فرعون ومؤمن آل فرعون، من أهل الجَنَّة.
ب- ولاية وبراءة الجملة:
هي أن يعتقد المُكَلَّف ولاية جميع المؤمنين من الأَوَّلِينَ والآخرين، ويعتقد البراءة من الكافرين والمشركين كَذَلِكَ. وهما من الفروض المضيقة، العمل بهما توحيد وتركهما جحود وشرك.
وقد مَرَّت أَدِلَّة وجوبهما من القرآن وَالسُّنَّة، وأجمعت المذاهب الإِسلاَمِيَّة عَلَى ذَلِكَ، واختصَّ الإِبَاضِيَّة بولاية وبراءة الأشخاص.
ج- الولاية والبراءة بحكم الظاهر:
وتسميان بولاية وبراءة الأشخاص، وهما اللتان تترتَّبان عَلَى ما نرى من أحوال الأشخاص، ويظهر لنا من أعمالهم.
تجب الولاية لِكُلِّ موفٍّ بدينه بالقول والعمل.
تجب البراءة من كُلِّ مخالف في القول أو العمل.
5 - طرق إثبات الولاية والبراءة بحكم الظاهر:
أ- طرق الولاية:
الطريق الأَوَّل: العيان، أي مشاهدة الطاعة من المطيع.
الطريق الثاني: الشهرة المحقَّة.
الطريق الثالث: شهادة عدلين فما فوق.
الطريق الرابع: وقد اختُلف فيه، وهو رفيعة العالم (1) الواحد بما يوجب الولاية لمعيَّن، فذهب بَعض إِلىَ أَنَّهَا حجَّة له وَعَلَيْهِ، وحملوها عَلَى معنى الشهادة في حقوق الله، كصوم رَمَضَان، وطهارة الثياب من النجاسات، فَإِنَّ العدل الواحد في كُلِّ ذَلِكَ حجَّة.
وذهب آخرون إِلىَ أَنَّ رفيعة العدل الواحد ليست موجبة للولاية حَتَّى يكونا عدلين.
ملاحظة: الإقرار بالطاعة لا يوجب الولاية، ما لم يكن ثَمَّ موجب آخر.
ب- طرق البراءة:
الطريق الأَوَّل: العيان، أي مشاهدة المعصية من العاصي.
__________
(1) يبدو من سياق بهجة الأنوار أَنَّ المقصود بالعالم: العالم بأحكام الولاية والبراءة، لا العالم أي الفقيه المفتي. (1/133)
صفحة 135
الطريق الثاني: الإقرار، وهو أن يقرَّ العاصي بمعصيته، لا لكونه نادما عَلَى تفريطه، سائلا عَمَّا يلزمه في فعله.
الطريق الثالث: شهادة عدلين فما فوق.
الطريق الرابع: الشهرة المحقَّة، لا كشهرة بَعض الشيعة بالبراءة من أبي بكر وعمر رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا.
6 - الوقوف:
الوقوف اصطلاحا: هو الإمساك عَمَّن لا تعرف حاله من صلاح أو فساد، لعدم ثبوت الأَدِلَّة اليقينية، فلا تتولاه ولا تتبرأ منه.
والدليل عَلَى ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36)، وَقَوله: {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات: 6) (1).
7 - الآثار السلبية بسبب ترك الولاية والبراءة:
إِنَّ التخلِّي عن هذين المبدأيْن سبَّب آثارا سلبيَّة في المجتمعات الإِسلاَمِيَّة، حكَّامًا ومحكومين، ومنها ما يأتي:
1 - التخلي عن الأخوَّة والتناصر في الله، قَالَ تَعَالىَ: {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} (الحجرات: 10)، وقال الرَّسُول y : « الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (2).
2 - فنتج عن هَذَا ما نراه من فتنة وفساد كبير، واستدمار وتسلُّط للمشركين، كما قَالَ تَعَالىَ: {وَالذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ اِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الاَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} (الأنفال: 73) (3).
3 - مناصرة الكُفَّار ضِدَّ المسلمين، وطاعتهم في معصية الخالق، وهذا من شيم المنافقين: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا الذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُومِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} (النساء: 138 ـ 139).
4 - التقليد الأعمى للكفرة والفجرة في المظاهر والسلوك الغريبة عن الإِسلاَم، وقد أمر النَّبِيُّ y بمخالفتهم إذ قال: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (4).
5 - محبَّة الفسَّاق والفجَّار ومتابعة أخبارهم وإنتاجهم، عبر مختلف وسائل الإعلام، وتعليق صورهم ... قال رَسُول اللهِ y : « الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (5).
6 - مجالسة الفجَّار وتكثير جموعهم، وَهَذَا من خصال النفاق أَيضًا، قَالَ تَعَالىَ: {وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنِ اِذَا سَمِعْتُمُ ءَايَاتِ
7 -
__________
(1) اشتهرت عَلَى الألسنة هَذِهِ المقولة عَلَى أَنَّهَا لِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، بينما هي للسري: «الأمور ثلاثة أمر بان لك رشده فاتَّبعه، وأمر بان لك غيُّه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فقف عنه وكله إلى الله تعالى، وليكن الله دليلك، واجعل فقرك إليه تستغن به عمَّن سواه» (). أورده البيهقيُّ في الزهد الكبير، رقم 928، ج2/ص341.
كما اشتهر استدلالهم بالأثر: «المؤمن وقَّاف والمنافق وثَّاب»، وَلَكِن لم أعثر عَلَيْهِ في الألفية ولا الكتب التسعة.
(2) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد. واللفظ للبخاري، كِتَاب المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يُسلِمه، رقم 2310.
(3) الآيات والأحاديث في وجوب نصرة المسلمين لبعضهم بَعْضًا كثيرة، منها قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ». البخاري: كِتَاب الإكراه، باب يمين الرجل لصاحبه إِنَّهُ أخوه ... رقم 6552.
(4) وفي بَقِيَّة هَذِهِ الرواية: «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ». البخاري: كِتَاب اللباس، باب تقليم الأظفار، رقم 5553.
(5) مُتَّفَق عَلَيْهِ، رواه البخاري في كِتَاب الأدب، باب علامة حبِّ الله عَزَّ وَجَلَّ، رقم 5816. (1/134)
صفحة 136
اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمُ إِذًا مِّثْلُهُمُ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} (النساء: 140).
8 - انتشار الرذائل والموبقات في المجتمع المسلم.
_____________________________________
المراجع:
- أبو الحواري، محَمَّد بن الحواري: جامع أبي الحواري، (الولاية والبراءة في الجزء الأول).
- الكدمي، أبو سعيد محَمَّد بن سعيد: الاستقامة (ثلاثة أجزاء كلها في الولاية والبراءة والإمامة والعلم).
- الجيطالي إسماعيل: قواعد الإسلام، (الولاية وتقاسيمها، 1/ 129 - 175)؛ (البراءة وتقاسيمها، 1/ 176 - 243)؛ (الوقوف، 1/ 231 - 240)؛ (أحكام مختلفة متعلقة بالولاية والبراءة، 1/ 204 - 207، 217 - 230، 239 - 248).
- خميس الرستاقي: منهج الطالبين، 2/ 7 - 193.
- القطب اطفيَّش: شامل الأصل والفرع، (في الولاية والبراءة والوقوف، ص56 - 67).
- السالمي نور الدين: مشارق أنوار العقول، (الباب الأَوَّل في وجوب الولاية والبراءة وأقسام كُلٍّ منهما، ص337)؛ (الباب الثاني في وجوب الولاية والبراءة بحكم الظاهر، ص346)؛ (فصل في أَحوال الوليِّ بالظاهر، ص355)؛ (الباب الثالث في الوقوف وأقسامه وأحكامه، ص370). (1/135)
صفحة 137
المبحث الثالث:
الأصول التسعة عند الإباضية
تعريف:
هي المسائل الكلاميَّة التي اختلفت فيها فرق المسلمين، وللإباضية فيها رأيهم الخاص، وهي كما يأتي:
1 - التوحيد:
وهو توحيد الله تَعَالىَ في ذاته وصفاته وأفعاله، وتنزيهه عن كُلِّ صفات النقص، وعن صفات الخلق، فيجب تأويل كُلِّ ما يوهم التشبيه مِمَّا ورد في القرآن أو السنة بما يليق بجلال الله تَعَالىَ، كالوجه والعين واليد، والقبضة ... خلافا للمجسِّمة والمشبِّهة. وقد تَقَدَّمَ الكلام في ذَلِكَ.
2 - العدل:
الله تَعَالىَ عدل لا يجور، فلا يجوز القول بِأَنَّ الناس مجبورون عَلَى أفعالهم، كما قالت المجبرة، لأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلىَ نسبة الظلم إِلىَ الله. وقد سبق بيانه أَيضًا.
3 - القَدَر:
الله خالق وما سواه مخلوق، خلافا للمعتزلة الذين زعموا أَنَّ الإِنسَان يخلق أفعاله. وقد مَرَّ هَذَا كَذَلِكَ.
4 - ولاية الله لعباده وبراءته:
ولاية الله لعباده تعني: توفيقه إِيَّاهُم لطاعته، وإعانتهم ونصرتهم. وبراءته هي سخطه وغضبه عَلَيْهِم.
وبما أَنَّ الله تَعَالىَ يعلم ما كان وما سيكون، ويعلم مصير كُلِّ الناس، فَإِنَّهُ يوالي عباده ويعاديهم حسبما يعلم من مآلهم، لا حسب تقلبهم من حال إِلىَ حال، أي أَنَّ الله تَعَالىَ لا تبدو له البدوات والأفكار، فيوالي اليومَ أحدًا ويعاديه غدًا، لأَنَّ هَذَا من الجهل، وَالله تَعَالىَ منزه عنه، وعلمه تَعَالىَ ذاتيٌّ لا يتغير، لأَنَّهُ غير مكتسب ولا متجدِّد.
5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإمامة:
قَالَ تَعَالىَ: {وَلْتَكُن مِّنكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلىَ الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104)، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (1).
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان عَلَى كُلِّ مسلم بالغ حسب استطاعته. ويتحقق الأمر والنهي في أعلى مراتبهما بإقامة الحدود، والجهاد في سبيل الله، وردع الظالم، وإنصاف المظلوم، ورعاية مصالح الناس الدُّنيَوِيَّة وَالأُخرَوِيَّة، ولا يتسنى ذَلِكَ إِلاَّ بإمام عدل، فالإمامة عند الإِبَاضِيَّة واجبة، خلافا للنجدية من الخوارج، الذين يزعمون أَنَّ الإمامة غير واجبة.
وتنعقد الإمامة بالشورى، ومبايعة إمام (حاكم) عادل، تَتَوَفَّرُ فيه شروط الكفاءة والتقوى، ولا اعتبار في اختياره للقرشيَّة، ولا للوراثة.
6 - الوعد والوعيد:
الوعد: هو ما وعد الله به أهل طاعته من الثواب في الآخرة.
الوعيد: هو ما أوعد الله به أهل الكفر والعصيان من العقاب في الآخرة.
الله تَعَالىَ صادق في وعده ووعيده، خلافا للمرجئة القائلين بِأَنَّ الكريم إذا أخلف وعيده كان ذَلِكَ مدحا له، وجوابهم بأمرين:
__________
(1) رواه مسلم في كِتَاب الإيمان، بَاب بَيَانِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ، حديث رقم 49. (1/136)
صفحة 138
الأَوَّل: النص الصريح بِأَنَّ الله لا يُغَيِّرُ حكمه، قَالَ تَعَالىَ: {قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (سورة ق: 28 - 29).
الثاني: إِنَّ قولهم يقتضي أَنَّ الله لا يعاقب أحدا مطلقا، فيبطل الوعيد من أصله، وهو ما لم يقل به أحد.
7 - الأسماء والأحكام:
أ- كُلُّ من أُطلق عَلَيْهِ اسم} الشرك} بموجبٍ شرعيٍّ تنطبق عَلَيْهِ أحكام المشركين، من جواز قتلهم وسبيهم وغنم أموالهم في حالة الحرب، وتحريم ذبائحهم ومناكحتهم وموارثتهم، وأن لا يغسل ميتهم، ولا يكفن، ولا يصلى عَلَيْهِ، ولا يدفن في مقابر المسلمين. وتجب البراءة منهم والاعتقاد بِأَنَّهُم في جَهَنَّم خالدين فيها أبدا.
ب- كُلُّ من نطق بالشهادتين، فهو موحد، سواء أكان موفيا أم غير موفٍّ، موافقا أم مخالفا، تنطبق عَلَيْهِ أحكام المسلمين، من تحريم دمه وماله وعرضه، وتحليل ذبيحته ومناكحته وموارثته، وإذا مات يغسل، ويكفن، ويصلى عَلَيْهِ، ويدفن في مقابر المسلمين، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «الصَّلاَةُ جَائِزَةٌ خَلْفَ كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ، وَصَلُّوا عَلَى كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ» (1).
فإن كان موفيا وجبت علينا ولايته، وقبول شهادته، ونعتقد أَنَّهُ سيكون من أهل الجَنَّة بفضل الله. وإن كان غير موف وجبت علينا البراءة منه، ونعتقد أَنَّهُ إن لم يتب فهو خالد في النار أبدا.
8 - المنزلة بين المنزلتين:
قَالَ تَعَالىَ: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الأحزاب: 73)، تُبَيِّنُ الآية أَنَّ النفاق (كفر النعمة) منزلة بين منزلتي الشرك والإيمان، خلافا للمرجئة الذين قالوا بِأَن لا منزلة بينهما، فَإِمَّا أن يكون المرء مؤمنا وَإِمَّا مشركا، وَأَنَّهُ لا تَضُرُّ مع الإيمان معصية مهما كانت، كما لا تنفع مع الكفر (أي الشرك) طاعة، أي أَنَّ النطق بالشهادتين كافٍ، وليس العمل ركنا من الإيمان. وقد مَرَّ بيان الردِّ عَلَيْهِم.
9 - لا منزلة بين المنزلتين:
أ- قَالَ تَعَالىَ في شأن الإِنسَان: {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان: 3)، فالناس في الدنيا صنفان:
- إِمَّا مؤمن موفٍّ بدين الله.
- وَإِمَّا كافر (بكل ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الكلمة، من الشرك، أو كفر النعمة والنفاق، والفجور، والعصيان ... ).
وَهَذَا خلافا للمعتزلة الذين اعتبروا الفسوق منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، والخلاف بيننا وبينهم لفظي، لأَنَّ الأحكام المترتبة عَلَى كفر النعمة عندنا، وَعَلَى الفسوق عندهم واحدة (2).
ب- وقال تَعَالىَ: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} (الشورى: 7)، فالناس في الآخرة كَذَلِكَ صنفان لا ثالث لهما، فَإِمَّا في الجَنَّة خالدين فيها أبدا، وَإِمَّا في النار خالدين فيها أبدا.
_____________________________________
المراجع:
أبو زكرياء يحيى بن الخير الجناوني: الوضع، 21 - 27.
علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، (فيه المنزلة بين المنزلتين، ولا منزلة ... )، 406 - 419.
بكير بن سعيد أعوشت: دراسات إِسلاَمِيَّة في الأصول الإِبَاضِيَّة.
عمرو خليفة النامي: دراسات عن الإِبَاضِيَّة، (نَقَلَ متن الديانات للشيخ عامر الشَّمَّاخِي)، 197 - 201.
عدُّون جهلان: الفكر السياسي عند الإِبَاضِيَّة، 51 - 67.
أحمد أوبكَّة: الوجيز في أصول الدين.
__________
(1) رواه الربيع بن حبيب، ج3/ باب [3] الحجَّة على من يرى الصلاة على موتى أهل القبلة ولا يرى الصلاة خلف كُلِّ بار وفاجر، حديث رقم: 776. عن ابن عبَّاس.
(2) انظر: علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّة بين الفرق الإِسلاَمِيَّة، ص 317؟. (1/137)
صفحة 139
المبحث الرابع:
الملل الستُّ وأحكامها
الملل جمع ملة، وهي الشريعة، فأهل الملل الستِّ هم الذين ذكرهم اللّه تَعَالىَ في قوله: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَالذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (الحج: 17). ويجب عَلَى المسلم التمييز بين هَذِهِ الملل، ليعرف ما تتميَّز به ملَّة الإِسلاَم، ويدرك أحكام التعامل مع أَتْباعها.
أَوَّلاً - الملة الأولَى {الذِينَ ءَامَنُوا}:
أ- تعريفهم: هم المسلمون أتباع الدين الإِسلاَميِّ الذي بعث به سَيِّدنَا محَمَّد y .
ب - أحكامهم: أحكام جميع الموحِّدين (موفِّين أو غير موفِّين) أَنَّهُم يتوارثون ويتناكحون فيما بينهم، وتحلُّ ذبائحهم، وتحرم دماؤهم وأعراضهم وأموالهم، ويصلَّى خلفه، وتجب في حقِّه جميع أحكام الجنائز، من التغسيل والتكفين والصلاة عليه والدفن في مقابر المسلمين. وتقبل شهادة الموفِّين منهم.
أَمَّا إن ابتدع بعضهم في الدين ما خالف به المسلمين، فَإنَّهُ يجب عَلَى إمام المسلمين أو جماعتهم أن يدعوهم إِلىَ ترك ضلالتهم وبدعتهم، والدخول في الجماعة. وإن بغوا وكَانت بينهم وبين المسلمين حربٌ فلا يحلُّ حينئذ غير دمائهم وتجب البراءة منهم، ولا يحلُّ غنم أموالهم ولا سبي نسائهم ولا أولادهم، ولا الإجهاز عَلَى جريحهم، ولا اتِّبَاع مدبرهم، إن لم يكن لهم مأوى يأوون إِلَيْهِ ويتَّقون به.
ثانيا - الملل الثانية والثالثة والرابعة {وَالذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَى}:
أ- تعريفهم: أصحاب هذه الملل الثلاث هم المسمَّون بأهل الكِتَاب.
أَمَّا اليهود (1) فهم بنو إسرائيل أهل التوراة المنزَّل عَلَى سَيِّدنَا موسى - عليه السلام -.
وَأَمَّا النصارى (2): فهم قوم من مختلف الأجناس، وهم أهل الإنجيل المنزل عَلَى سَيِّدنَا عيسى - عليه السلام -.
وَأَمَّا الصابئون: فهم قوم جمعوا ما طاب لهم من التوراة ومن الإنجيل. أو هم قوم يصبؤون من دين إِلىَ دين، أي يخرجون. أو هم قوم يقرؤون الزبور.
ب- أحكامهم: أحكام هَذِهِ الطوائف الثلاث كُلِّهَا أَنَّهُم مشركون، لأَنَّهُم أنكروا رسالة سَيِّدنَا محَمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنكروا ما في كتبهم من وجوب اتِّبَاعه؛ قَالَ تَعَالىَ: {وَإِذَ اَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيئِينَ لَمَآ ءَاتَيْنَاكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُومِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَآقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمُ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ فَمَن تَوَلىَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (آل عمران: 81 - 82)، ثُمَّ قال: {وَمَنْ يَّبْتَغِ غَيْرَ الاِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فيِ الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85).
وَأَمَّا من حيث معاملتهم، فَإِنَّ عَلَى إمام المسلمين أن يدعوهم إِلىَ الإِسلاَم، فإن أجابوا كانوا مسلمين، وتجري عَلَيْهِم أحكام الذين آمنوا. وإن امتنعوا دعاهم إلى دفع الجزية وهم صاغرون، فإن أجابوا كانوا في ذِمَّة المسلمين (أي في حمايتهم)، وتحرم دماؤهم وأموالهم وسبي نسائهم وأولادهم، ويحلُّ أكل ذبائحهم ونكاح حرائرهم.
وفي حالة الحرب يجوز السبي والغنيمة، ولا يقاتَل من لم يقاتِل، كالرهبان والنساء والصبيان.
__________
(1) سبب تسميتهم: إمَّا من قولهم: {إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ} (الأعراف: 156)، أو نسبة إلى يهوذا بن يعقوب، «فقلبت العرب الذال دالا؛ لأنَّ الأعجميَّة إذا عرِّبت غُيِّرت عن لفظها». القرطبي: التفسير، 1/ 432.
(2) سبب تسميتهم أنهم قالوا:: {قَالَ الْحَوَاِريُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ} (آل عمران: 52). (1/138)
صفحة 140
ثالثا: الملَّة الخامسة {وَالْمَجُوسَ}:
أ- تعريفهم: هم عبدة النار والشمس والقمر والنجوم، ويقولون بالتثنية: إله الخير وإله الشر. وهم الفرس قبل أن يسلموا وبعض الهنود والصينيِّين قديما وحديثا.
ب- أحكامهم: هي كأحكام أهل الكِتَاب غير أَنَّهُ لا تَحلُّ ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، ولو أعطوا الجزية ما داموا عَلَى دينهم، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «سنُّوا بهم سنَّة أهل الكِتَاب، غير آكلي ذبائحهم، ولا ناكحي نسائهم» (1).
رابعا: الملَّة السادسة {وَالذِينَ أَشْرَكُواْ}:
أ - تعريفهم: هم عبدة الأوثان والأصنام. أَو الجاحدون لوجود إله أصلا.
ب- أحكامهم: هي أن يدعوهم إمام المسلمين إلى الدخول في الإِسلاَم، فإن أجابوا كانوا مسلمين لهم ما للمسلمين وَعَلَيْهِم ما عَلَيْهِم، وإن أبوا وعارضوا الإمام والمسلمين في نشر الدعوة الإِسلاَمِيَّة، وكانوا حربا على المسلمين، فإنَّهُ يحاربهم، ولا تقبل منهم الجزية، ويحلُّ حينئذ سفك دمائهم وسبي نسائهم وذراريهم وغنم أموالهم، ولا تَحلُّ ذبائحهم وَلا نكاح نسائهم في كُلِّ الأحوال، قال تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُومِنَّ وَلأَمَةٌ مُّومِنَةٌ خَيرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوَ اَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُومِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّومِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوَ اَعْجَبَكُمُ ((أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ... } (البقرة: 221).
خامسا: أحكام عَامَّة في كُلِّ الملل غير المسلمة:
- وجوب دعوتهم إلى الإسلام فيِ كُلِّ الأحوال.
- تحريم الموارثة والمدافنة والموالاة.
- في حالة السلم وإبرام العهود والمواثيق معهم، يجب على المسلمين مراعاتها، قَالَ تَعَالىَ: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمُ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمُ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة: 8 ـ 9).
_____________________________________
المراجع:
- عمروس بن فتح: أصول الدينونة الصافية، (المعاملة بين الموحدين، ص59 - 60). (معاملة أهل الكتاب، 62 - 63). (المجوس والمشركون، ص64). (معاملة المنافقين، ص65 - 66).
- أبو عمَّار عبد الكافي: الموجز، (القول على المجوس، 1/ 307 - 311)؛ (أهل الكتاب، 1/ 311 - 312)؛ (القول في نسخ الشرائع والردُّ على اليهود في ذلك، 1/ 333 - 345)؛ (القول على النصارى، 1/ 345 - 351)؛ (القول في أنَّ الملل المخالفة لملة الإسلام مشركون، 2/ 173 - 179).
- الجيطالي: قواعد الإِسلاَم، (تح. الحاج موسى)، 1/ 249.
- القطب اطفيَّش: شرح عقيدة التوحيد، (تح. وينتن)، 395 - 434. الذهب الخالص، 62 - 72.
- وينتن: آراء، 340 - 343.
__________
(1) جاء في موطَّأ الإمام مالك أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَقُولُ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ». كِتَاب الزكاة، باب، جزية أهل الكِتَاب والمجوس، رقم 617. قال الزيلعي: «سنُّوا بهم سنَّة أهل [الكتاب] ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم، قلت: غريب بهذا اللفظ، وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن علي أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل منه، ومن لم يسلم ضربت عليه، ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم. انتهى، ذَكَرَه ابن أبي شيبة في النكاح وعبد الرزاق في كتاب أهل الكتاب ولفظه فيه: «ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح فيهم امرأة»، قال ابن القطان في كتابه: هذا مرسل ومع إرساله ففيه قيس بن مسلم وهو ابن الربيع، وقد اختلف فيه وهو ممن ساء حفظه بالقضاء، كشريك وابن أبي ليلى. انتهى. وروى ابن سعد في الطبقات: ... أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فإن أبوا عرض عليهم الجزية وبأن لا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم، وفيه قصة. والواقدي متكلَّم فيه ... ». نصب الراية، 3/ 170. (1/139)
صفحة 141
المبحث الخامس:
الذنوب والتوبة
تعريف الذنوب:
الذنب لغة: هو الإثم والجُرم والمعصية، جمعه ذنوب.
الذنب اصطلاحا: هو مخالفة أوامر الله تَعَالىَ ونواهيه.
تنقسم الذنوب باعتبار متعلَّقها إِلىَ:
1 - ذنوب بين العبد وربِّه، مثل ترك الصلاة أو الصيام أو سائر الفرائض، لا يغفرها الله إِلاَّ بالتوبة النصوح.
2 - ذنوب تَتَعَلَّقُ بحقوق العباد: كترك النفقات الواجبة، وقتل النفس، وغصب الأموال، وهتك الأعراض، والتوبة من هَذِهِ الذنوب أصعب، إذ لا يغفرها الله إِلاَّ بعد أداء الحقوق لأصحابها.
وتنقسم الذنوب باعتبار قبحها إِلىَ كبائر وصغائر.
أَوَّلاً - الكبائر (1):
أ- أنواعها:
الكبائر نوعان:
1 - ما أوجب الله عَلَيْهِ الحدَّ في الدُّنيا والعذاب في الآخِرَة، مثل: السرقة والزنى والقذف ...
2 - ما أوجب الله عَلَيْهِ العقاب في الآخرة من غير حدٍّ في الدنيا، مثل الربا، وعقوق الوالدين ... وكذا كلُّ ذنب ورد فيه لعن صاحبه، أو قُرن بالوعيد في القرآن أَو السنة الصحيحة، كتطفيف الكيل، قَالَ تَعَالىَ: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} (الْمُطَفِّفِينَ: 1)، وكالتهاون بالصلاة: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ ... } (الماعون: 4 - 5)، {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ اَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (مريم: 59).
وأكبر الكبائر: الشرك بِاللهِ، قَالَ تَعَالىَ: {وَمَنْ يُّشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} (النساء: 48)، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ ... فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ» (2).
ب- أحكامها:
يجب عَلَى مرتكب الكبيرة ما يلي:
1 - أن يعتقد أَنَّهُ سيخلَّد في النار، وَأَنَّ الكبيرة تحبط عمله، إِن لم يتب منها، قَالَ تَعَالىَ: {ذَالِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ
2 -
__________
(1) هَذِهِ نماذج من الكبائر ذكرها الله تَعَالىَ في سورة الأنعام: قَالَ تَعَالىَ: {قُل تَعَالَوَاْ اَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمُ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنِ اِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَالِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا اِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ ذَالِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَالِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ} (الأنعام: 151 - 153).
(2) رواه البخاري، كِتَاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إثم من أشرك بِاللهِ وعقوبته في الدُّنيا وَالآخِرَة، رقم 6521.
وقال صلَّى الله عليه وسلَّم أَيضًا: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ»، كِتَاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، رقم 5628. (1/140)
صفحة 142
وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} (سورة محَمَّد: 28)، وقال: {وَلَوَ اَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (الأنعام: 88).
3 - أن يسارع إِلىَ الندم والاستغفار، واستصحاب الندم والتحسُّر كُلَّمَا ذكر تلك الكبيرة.
4 - أن يَرُدَّ التبعات ويحالل من ظلمه، ويصلح ما أفسده، إن كانت الكبيرة تَتَعَلَّقُ بحقوق العباد.
5 - أن يقضي ما ضيَّع من الفرائض، ويؤدي ما يجب عَلَيْه من الكفَّارات أو غيرها.
ما يجب عَلَى غير مرتكب الكبيرة نحوه:
1 - زجره، ونهيه عن فعلته، واستتابته، والبراءة منه إن لم يتب.
2 - تطبيق الأحكام المترتبة عَلَى ذَلِكَ الذنب، كالحدِّ والتعزير. وَهَذَا من اختصاصات الإمام.
ثانيا - الصغائر:
أ- تعريفها:
هي كلُّ ما سوى الكبائر، وهي كُلُّ عمل سيء لم يثبت عَلَى فاعله حدٌّ في الدنيا ولا وعيد في الآخرة. وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى.
ب- أحكامها:
1 - إِنَّ الله يغفرها بما يأتي:
2 - - باجتناب الكبائر، قَالَ تَعَالىَ: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا} (النساء: 31)، وَالمرَاد بالسيئات هنا الصغائر.
3 - - بفعل الطاعات بشرط اجتناب الكبائر، قَالَ تَعَالىَ: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (هود: 114)، وفي الحديث أَنَّ من الجمعة إِلىَ الجمعة، ومن رَمَضَان إِلىَ رَمَضَان كَفَّارَة لِمَا بينهما.
4 - - بالمصائب التي تصيب صاحبها، بشرط اجتناب الكبائر أَيضًا، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» (1).
5 - يُحكَم عَلَى صاحبها ببقائه عَلَى ما كان عَلَيْهِ من ولاية أو وقوف، فلا يُتبرَّأ منه لأجلها، حَتَّى يُعلم منه الإصرار عَلَيْهَا.
6 - الإصرار عَلَى الصغيرة كبيرة، ففي الخبر عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار» (2). والإصرار هو الاستخفاف بها وعدم التحرُّج منها.
_____________________________________
المراجع:
- عمرو بن جميع، والشماخي والتلاتي: مقدمة التوحيد وشروحها، (فرز ما بين كبائر الشرك وكبائر النفاق، ص108 - 110).
- خميس الرستاقي: منهج الطالبين، (الذنوب الصغائر والكبائر والتوبة منها، وفضل التوبة، 2/ 194 - 258)؛ (في ذنوب الأنبياء والملائكة عليهم السلام، وذكر شيء من الذنوب والتوبة، 2/ 341 - 355).
__________
(1) رواه البخاري، كِتَاب المرضى، باب ما جاء في كَفَّارَة المرض، رقم 5317. ومسلم، في كِتَاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، رقم 2572.
(2) قال العجلوني: «رواه أبو الشيخ والديلمي عن ابن عباس رفعه وكذا العسكري عنه في الأمثال بسند ضعيف لا سيما ورواه ابن المنذري في تفسيره عن ابن عباس من قوله، والبيهقي عن ابن عباس موقوفا، وله شاهد عند البغوي، ومن جهة الديلمي عن أنس مرفوعا، ورواه إسحاق بن بشر في المبتدأ عن عائشة لكن حديثه منكر، وأخرجه الطبرانيُّ عن أبي هريرة وزاد في آخره:} فطوبى لمن وجد في كتابه استغفارا كثيرا} لكن في إسناده بشر بن عبيد الفارسي متروك، ورواه الثعلبي وابن شاهين في الترغيب عن أبي هريرة». كشف الخفاء، 2/ 490: رقم 3071. (1/141)
صفحة 143
- القطب اطفيَّش: شرح عقيدة التوحيد، (معرفة أصناف الذنوب والفرق بينها، ص530 - 539).
- السالمي نور الدين: مشارق أنوار العقول، (في أقسام الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر منها، ص374)؛ (في شَيْء من الكبائر وأحكام القاذف، ص385)؛ (في انقسام الكبائر إِلىَ كفر نعيم وجحود، ص395)؛ (في التوبة وأركانها وشروطها، ص415)؛ (في أحوال التائب، ص438)؛ (في توبة المحَرِّم والمستحلِّ، ص443)؛ (في الأمور التي لا تلزم منها توبة: التقية، الخطأ النسيان وحديث النفس، ص450).
- بكير أرشوم: الوقاية والعلاج (كله).
- الجعبيري: البعد الحضاري، (المعصية والصغيرة والكبيرة، 2/ 541 - 554)؛ (التوبة والإحباط، 555 - 598).
- وينتن مصطفى: آراء الشيخ اطفيَّش العقديَّة، (التوبة وأثرها في الوعد والوعيد، ص394)؛ (ا- تعريف التوبة وحكمها، ص395)؛ (ب- شروط التوبة، ص395)؛ (ج- الذنوب وأنواعها، ص398)؛ (د- التوبة ومغفرة الذنوب، ص403)؛ (هـ- الإصرار وأثره على العمل، ص407).
تمت بحمد الله وحسن عونه
نسأله تعالى أن يختم لنا بخواتم الصالحين السعداء (1/142)
صفحة 144
المحتويات
المحور الأول
مقدمات حول علم أصول الدين وعلم الكلام
تمهيد 1
أولا - أسماء علم أصول الدين وتحليلها 1
1 - العلم: 2
2 - الأصول: 3
أ- الأصول لغة: 3
ب- الأصول اصطلاحا: 3
3 - الدين: 3
أ- الدين لغة: 3
ب- الدين اصطلاحا: 4
الفرق بين الدين والشريعة والملَّة والمذهب: 4
ج- وجه التسمية: 5
4 - الفقه الأكبر: 5
أ- الفقه لغة: 5
ب- الفقه اصطلاحا: 5
5 - علم العقيدة: 5
أ- العقيدة لغة: 5
ب- العقيدة اصطلاحا: 6
6 - علم التوحيد: 6
أ- التوحيد لغة: 6
ب- التوحيد اصطلاحا: 6
ج- وجه التسمية: 7
7 - علم النظر والاستدلال: 7
أ- النظر والاستدلال لغة 7
ب- النظر والاستدلال اصطلاحا: 7
ج- وجه التسمية: 8
8 - علم الكلام: 8
أ- الكلام لغة: 8
ب- علم الكلام اصطلاحا: 8
تعريف ابن خلدون: 9
تعريف الجرجاني: 9
تعريف الإيجي والثميني: 10
تحليل تعريف الإيجي والثميني لعلم الكلام: 10
نتيجة هذا التحليل: 10 (1/143)
صفحة 145
ج- وجه التسمية بعلم الكلام: 11
ثانيا - موضوعات العقيدة وعلم الكلام وأهميتهما: 11
أ- موضوعات العقيدة وعلم الكلام: 11
ب - فوائد دراسة العقيدة وعلم الكلام ومرتبتهما: 12
* فوائد دراسة العقيدة وعلم الكلام: 12
* مرتبة العقيدة وعلم الكلام: 12
* علم الكلام بين المدح والذمِّ: 13
ج- أهمية التوحيد في التصوير القرآني: 13
ثالثا - خصائص العقيدة الإسلامية 14
1 - الرَّبَّانيَّة: 14
أ- التعريف: 14
ب- أهمية هذه الخاصِّيَّة: 14
ج- نتيجة هذه الخاصِّيَّة: 14
2 - موافقة العقل والفطرة: 15
3 - الشموليَّة: 15
4 - الواقعيَّة: 15
5 - الوضوح: 15
6 - التوازن: 16
رابعا - نشأة علم الكلام وتطوُّره: 16
أ- عهد الصحابة: 16
ب- العوامل الدَّاخِلِيَّة لنشأة علم الكلام: 16
ج- العوامل الخَارِجِيَّة لنشأة علم الكلام: 17
د- تَطَوُّر علم الكلام: 18
11 - الفرق بين علم الكلام والفلسفة الإِسلاَمِيَّة: 18
المراجع: 19
المحور الثاني
مفاهيم أساسية وقواعد منهجية
• مفاهيم أساسية 20
أولا: الإسلام 20
1 - تعريف الإسلام: 20
2 - أهمية الإسلام: 20
3 - أركان الإسلام وقواعده: 20
ثانيا: الإيمان 21
1 - تعريف الإيمان: 21
2 - شروط الإيمان: 21
3 - زيادة الإيمان ونقصانه وضعفه: 22
4 - طرق الإيمان: 22
أ- الفطرة: 22 (1/144)
صفحة 146
ب- العقل: 23
جـ- الوحي: 23
5 - عوارض الإيمان: 23
ثالثا - الكفر: 24
أ- المَعْنَى اللغوي: 24
ب- المعنى الشرعي: 24
جـ- أقسام الكفر: 24
1 - كفر النعمة عند الإِبَاضِيَّة: 24
2 - أَدِلَّة الإِبَاضِيَّة: 25
رابعا - النفاق: 25
خامسا - الشرك: 25
أ- تعريفه: 25
ب- أقسامه: 25
سادسا: جملة التوحيد وتفسيرها 26
1 - جملة التوحيد: 26
أ- تعريفها: 26
ب- وجوبها: 27
جـ- فضلها: 27
د- أحكامها: 27
2 - تفسير الجملة: 27
أ- التفسير الاعتقادي: 27
ب- التفسير العملي: 27
سابعا: ما يسع جهله وما لا يسع: 28
أ- ما لا يسع جهلُه: 28
ب- ما يسع جهلُه: 28
المراجع: 28
• قواعد منهجيَّة في التعامل مع قضايا العقيدة 28
القاعدة الأولى: «العقيدة لا تبنى إلا على اليقين»: 29
القاعدة الثانية: «خبر الآحاد يوجب العمل ولا يوجب العلم»: 29
القاعدة الثالثة: «عدم التصور أو التخيل لا يعني بالضرورة عدم الوجود»: 29
القاعدة الرابعة: «الأسلوب البشري عاجز عن التعبير الدقيق عن قضايا الغيب»: 30
القاعدة الخامسة: لا يصح القياس - غالبا - في مسائل العقيدة: 30
القاعدة السادسة: التأويل ضرورة لغوية وعقدية: 31
القاعدة السابعة: «لازم المذهب ليس بمذهب»: 31
المراجع: 32
المحور الثالث
نظرية المعرفة (العلم وما يتعلَّق به ... )
- أقسام العلم: 33 (1/145)
صفحة 147
مصادر المعرفة عند مفكري الإسلام 34
تمهيد: 34
أَوَّلاً: مصادر المعرفة اليقينيَّة: 34
1 - الأوليات العَقلِيَّة: 34
2 - المحسوسات: 35
3 - المجرَّبات: 35
4 - المتواترات: 36
5 - القضايا التي عُرفت لا بنفسها بل بوسط: 36
6 - الحدسيات: 36
ثانيا: مصادر المعرفة غير اليقينية 37
1 - المقبولات: 37
2 - المظنونات: 37
3 - المسلَّمات: 38
4 - المشهورات: 38
5 - المخيَّلات: 39
6 - الوهميَّات: 39
الاستدلال بين الْمُتَكَلِّمِينَ والفلاسفة: 40
المحور الرابع
الإلهيات
أَوَّلاً: وجود الله تَعَالىَ 41
تمهيد: 41
الأَدِلَّة 42
1 - دَلِيل بطلان الرجحان بدون مرجِّح: 42
2 - برهان بطلان التسلسل: 42
3 - بطلان الدور: 42
4 - دَلِيل العِلَّة الغائية: 43
5 - دَلِيل الحدوث: 43
الشبهات 44
1 - الصدفة: 44
2 - مَن خَلَق الله؟ 45
3 - مَن رَأَى اللهَ؟ 46
القُرْآن والاستدلال عَلَى وجود الله 46
1 - الإيمان بوجود الله فطري في الإِنسَان: 46
2 - الدعوة إِلىَ النظر واستعمال العقل لمعرفة الله: 47
3 - الإرشاد إِلىَ قصص الأنبياء ومعجزاتهم: 47
4 - الخلاصة 47
المراجع: 47
ثانيا: صفات الله تَعَالىَ: 48
تمهيد: 48 (1/146)
صفحة 148
الوَحْدَانِيَّة وَأَدِلَّتها: 48
معنى الوَحْدَانِيَّة: 48
دَلِيل وَحْدَانِيَّة الله تَعَالىَ: 48
ما يَتَرَ تَّبُ عن الوَحْدَانِيَّة: 49
1 - نفي المشابهة للمخلوقات في الذات: 49
2 - نفي العجز عن الله تَعَالىَ: 49
3 - نفي الحلول في الزمان: 49
4 - نفي الحلول في المكان: 49
5 - الخلاصة: 50
أقسام صفات الله تَعَالىَ: 50
التقسيم الأَوَّل: 50
الصفات الفِعلِيَّة: 50
الصفات الذَّاتِيَّة: 51
التقسيم الثاني: 51
1 - صفات ذَاتِيَّة: 51
2 - صفات فِعلِيَّة: 51
3 - صفات ذَاتِيَّة باعتبار وفعلية باعتبار آخر: 51
التقسيم الثالث: 51
1 - صفات واجبة: 51
2 - صفات مستحيلة: 51
3 - صفات جائزة: 51
التقسيم الرابع: 51
صفة نفسية: 52
صفات سلبية: 52
صفات المعاني: 52
صفات مَعْنَوِيَّة: 52
توقيف الأسماء والصفات: 52
الألفاظ التي يُتوهَّم منها تشبيه الله تعالى بخلقه: 52
الوجه: 53
العين: 53
اليد: 53
القبضة والاستواء واليمين: 53
علاقة صفات الله تَعَالىَ بذاته: 54
المراجع: 56
ثالثا: رؤية الله تَعَالىَ 57
الرؤية لغة: 57
الاختلاف في إمكانية رؤية الله تَعَالىَ 57
أَدِلَّة المثبتين لرؤية الله تَعَالىَ ومناقشتها 58
الدَّلِيل العقلي عَلَى جواز رؤية الله تَعَالىَ: 58
الأَدِلَّة النَّقْلِيَّة عَلَى جواز الرؤية: 58 (1/147)
صفحة 149
1 - أَدِلَّة جواز الرؤية من القُرْآن الكريم: 58
2 - دَلِيل جواز الرؤية من السنَّة النبويَّة: 59
الأَدِلَّة النَّقلِيَّة عَلَى وقوع الرؤية في الآخرة: 59
أ- من القرآن الكريم: 59
ب- من السنَّة النَّبَوِيَّة: 61
أَدِلَّة النافين لرؤية الله تَعَالىَ ومناقشتها 63
الأَدِلَّة العَقلِيَّة عَلَى نفي الرؤية: 63
الأَدِلَّة النَّقلِيَّة عَلَى نفي الرؤية: 64
أ- من القُرْآن الكريم: 64
الدَّلِيل الأَوَّل: 64
الدَّلِيل الثاني: 65
الدَّلِيل الثالث: 65
ب- من السنَّة النبويَّة: 65
الدَّلِيل الأَوَّل: 65
الدَّلِيل الثاني: 66
خاتمة في نتيجة البحث 66
المحور الخامس
النبوات
المبحث الأَوَّل: الوحي وما يتعلَّق به 67
تمهيد: 67
أولا - الحاجة إِلى الوحي: 67
أ- ضرورة الوحي لمعرفة كَيفِيَّة تحمل المسؤولية: 67
ب- حاجة العباد إِلىَ النبي أكبر من حاجتهم إِلىَ الطبيب: 67
ج- معرفة طريقة العبادة لا تكون إِلاَّ من المعبود نفسه: 68
ثانيا - تعريف الوحي لغة واصطلاحا: 68
أ- تعريف الوحي: 68
1 - الوحي لغة: 68
2 - الوحي اصطلاحا: 68
ثالثا - الوحي وبعث الرسل بين الوجوب والجواز والاستحالة عقلاً: 69
أ- القائلون بوجوب بعث الرسل: 70
ب- القائلون باستحالة بعث الرسل: 70
ج- القائلون بجواز بعث الرسل المنكرون لوقوعه: 71
رابعا: طرق الوحي: 71
خامسا: أَدِلَّة ثبوت الوحي: 73
سادسا: شبهات للتشكيك في صِحَّة وقوع الوحي: 73
الشبهة الأولى: ألا يمكن أن يكون ما جاء به محمَّد - صلى الله عليه وسلم - من عنده؟ 74
الشبهة الثانية: لماذا يرى النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم - الملَك وحده ولا يراه أصحابه؟ 75
الشبهة الثالثة: إذا كان الوحي لتوحيد وإسعاد البَشَرِيَّة فلماذا بقيت متفرقة شقية؟ 75 (1/148)
صفحة 150
المبحث الثاني: الأنبياء والرسل 75
- وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل: 75
- تعريف النبوة والرسالة لغة واصطلاحا: 75
أ- تعريف النبوة والرسالة لغة: 75
1 - النبوَّة والنبوءة لغة: 75
2 - الرسالة والرسول لغة: 76
ب- تعريف النبوة والرسالة اصطلاحا والفرق بينهما: 77
1 - النبوة والرسالة اصطلاحا: 77
2 - الفرق بين النبي والرسول: 78
الدليل على نبوة محمَّد وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: 78
- النبوة والرسالة بين الاضطرار والاكتساب: 79
- الرسالة بين العموم والخصوص: 79
- النبوءة والرسالة في الجن والنساء والعبيد والبدو: 80
أ) النبوءة في الجن: 80
ب) النبوءة في النساء: 80
ج) النبوءة في العبيد: 80
د) النبوءة في البدو: 80
- عدد الأنبياء والرسل: 81
- صفات الرسل الواجبة والجائزة والمستحيلة: 81
الصفات الواجبة في حقِّ الرسل: 81
الصفات المستحيلة في حقِّ الرسل: 83
الصفات الجائزة في حقِّ الرسل: 83
- عصمة الأنبياء والرسل: 83
تعريف عصمة الأنبياء: 83
أَدِلَّة عصمة الأنبياء: 84
حكم صدور الذنوب من الأنبياء: 84
- التفاضل بين الأنبياء: 86
أ- أفضلية سَيِّدنَا محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -: 86
ب - ترتيب التفاضل بين سائر الأنبياء غير النَّبِيء محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -: 87
المبحث الثالث المعجزات 88
تعريف المعجزة لغة: 88
تعريف المعجزة اصطلاحا: 88
تحليلُ التعريف الاصطلاحي للمعجزة وشروطُها: 88
الفرق بين الكرامة والمعجزة: 90
أَهَمِّيَّة المعجزات وطبيعتها: 90
المعجزة في ميزان العلم: 90
المعجزة في ميزان القرآن الكريم: 91
أنواع المعجزات: 92
معجزة الرسول محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -: 92 (1/149)
صفحة 151
المبحث الرابع الكتب والصحف المنزَّلة 93
أَوَّلاً: وجوب الإيمان بالكتب: 93
ثانيا: تعريف الكتب والصحف: 93
ثالثا: عدد الكتب والصحف: 93
رابعا: خصائص الكتب والصحف: 94
خامسا: القرآن الكريم: 95
أ- تعريف القرآن: 95
ب- خلق القرآن: 95
سادسا: نسخ الشرائع: 95
معنى النسخ: 95
ما يجب عَلَى المسلم اعتقاده: 95
المراجع: 96
المحور السادس
الغيبيَّات (أو السمعيَّات)
أوَّلاً - مدخل: التعريف والمنهج 97
تمهيد: 97
أولا - التعريف: 97
أ- الغيب لغة: 97
ب- الغيب اصطلاحا: 97
نتيجة التعريف: 97
ج- أقسام الغيب: 98
ثانيا - المنهج: 98
ثانيًا - الإيمان بالملائكة 99
أَهَمِّيَّة دراسة موضوع الملائكة: 99
التعريف: 99
صفاتهم الخَلقيَّة: 99
مَادَّة الخلق: 99
متى خلقوا؟ 100
عِظم خلقهم: 100
جَمالهم: 100
تفاوتهم: 100
لا ذكور ولا إناث: 101
لا يأكلون ولا يشربون: 101
لا يكلُّون ولا يملُّون: 101
منازلهم: 101
عددهم: 101
أسماؤهم: 102
صفاتهم الخُلقيَّة: 102
قدراتهم: 103 (1/150)
صفحة 152
وظائفهم: 103
الآثار التَّربَوِيَّة للإيمان بالملائكة: 105
المراجع: 105
ثالثا - الإيمان باليوم الآخر 106
تمهيد: 106
المبحث الأول الموت وما يَتَعلَّقُ به 106
- {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}: 106
- ملك الموت: 107
- موت المؤمن وموت الكافر: 107
- الموت والأجل: 107
المبحث الثاني الساعة وما يَتَعلَّقُ بها 108
معنى الساعة وقيامها: 108
وقت الساعة: 108
علامات (أشراط) الساعة: 108
أشراط الساعة لغة: 108
أشراط الساعة اصطلاحا: 109
ثبوت أشراط الساعة بالنقل: 109
ذكر بعض أشراط الساعة: 109
النفخ في الصور: 111
المبحث الثالث البرزخ وما يَتَعلَّقُ به 111
التعريف: 111
الحياة البرزخية بين النافين والمثبتين: 112
النافون للحياة البرزخية: 112
أدلتهم من العقل: 112
أدلتهم من النقل: 113
المثبتون للحياة البرزخية: 113
سؤال منكر ونكير: 114
المبحث الرابع البعث والحشر وأحوالهما 115
أولا - البعث: 115
أَهَمِّيَّة وخطورة البعث (اليوم الآخر): 115
اهتمام القرآن بالبعث: 115
أَدِلَّة ثبوت البعث: 116
1 - أَدِلَّة البعث من العقل: 116
2 - أَدِلَّة البعث من القرآن الكريم: 116
كَيفِيَّة البعث: 116
ثانيا - الحشر وأحواله وأهواله: 118
ثالثا- حوض النبي محمَّد - صلى الله عليه وسلم - 118
المبحث الخامس الحساب والميزان والصراط 119
أولا - الحساب: 119 (1/151)
صفحة 153
الحكمة من الحساب: 119
مَنِ المحاسِب؟ 119
مَن يحاسَب ومن لا يحاسَب؟ 120
حساب المطيع والعاصي، وصحائفهما: 120
معنى الحساب: 121
هول يوم الحساب وطوله: 121
ثانيا - الميزان: 121
أ- تعريف الميزان: 121
- لغة: 121
- اصطلاحا: 122
أَدِلَّة أَنَّ الميزان حسي: 122
أَدِلَّة أَنَّ الميزان معنويٌّ: 122
ثالثا: الصراط: 123
رابعا: الورود على النار: 123
المبحث السادس الجَنَّة والنار والخلود والشفاعة 125
ملاحظة هامة: 125
أوَّلا - الشفاعة 125
ثانيًا - الخلود 126
المحور السابع
الإنسانيَّات
ملاحظة هامة: 127
المبحث الأوَّل: الإيمان بالقضاء والقدر 127
أَوَّلاً - تمهيد: 127
ثانيا - المعاني اللغوية للقضاء والقدر: 127
ثالثا - المعنى الاصطلاحي للقضاء والقدر: 127
رابعا - وجوب الإيمان بالقضاء والقدر: 127
خامسا - اختلاف المسلمين في مسألة القضاء والقدر: 128
1 - المعتزلة: 128
من أدلتهم العَقلِيَّة: 128
من أدلتهم النَّقليَّة: 128
2 - الجهمية: 129
من أدلتهم: 129
3 - الجمهور: 129
من أدلتهم: 129
سادسا - ما يجب في الإيمان بالقضاء والقدر: 130
سابعا - بعض الإشكالات وجوابها: 130
ثامنا - خلاصة القول: 130
تاسعا - الآثار التَّربَوِيَّة للإيمان بالقدر: 131
المراجع: 131 (1/152)
صفحة 154
المبحث الثاني: الولاية والبراءة والوقوف 132
1 - التعريف اللغوي: 132
2 - التعريف الاصطلاحي: 132
3 - حكم الولاية والبراءة: 132
أ- أَدِلَّة وجوب الولاية: 132
ب- أَدِلَّة وجوب البراءة: 132
4 - أقسام الولاية والبراءة: 133
أ- ولاية وبراءة الحقيقة: 133
ب- ولاية وبراءة الجملة: 133
ج- الولاية والبراءة بحكم الظاهر: 133
5 - طرق إثبات الولاية والبراءة بحكم الظاهر: 133
أ- طرق الولاية: 133
ب- طرق البراءة: 133
6 - الوقوف: 134
7 - الآثار السلبية بسبب ترك الولاية والبراءة: 134
المراجع: 135
المبحث الثالث: الأصول التسعة عند الإباضية 136
تعريف: 136
1 - التوحيد: 136
2 - العدل: 136
3 - القَدَر: 136
4 - ولاية الله لعباده وبراءته: 136
5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإمامة: 136
6 - الوعد والوعيد: 136
7 - الأسماء والأحكام: 137
8 - المنزلة بين المنزلتين: 137
9 - لا منزلة بين المنزلتين: 137
المراجع: 137
المبحث الرابع: الملل الستُّ وأحكامها 138
أَوَّلاً - الملة الأولَى {الذِينَ ءَامَنُوا}: 138
ثانيا - الملل الثانية والثالثة والرابعة {وَالذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَى}: 138
ثالثا: الملَّة الخامسة {وَالْمَجُوسَ}: 139
رابعا: الملَّة السادسة {وَالذِينَ أَشْرَكُواْ}: 139
خامسا: أحكام عَامَّة في كُلِّ الملل غير المسلمة: 139
المراجع: 139
المبحث الخامس: الذنوب والتوبة 140
تعريف الذنوب: 140
أَوَّلاً - الكبائر: 140
أ- أنواعها: 140 (1/153)
صفحة 155
ب- أحكامها: 140
ثانيا - الصغائر: 141
أ- تعريفها: 141
ب- أحكامها: 141
المراجع: 141
المحتويات 143 (1/154)