صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - العقيدة
------------------------------------------
العنوان: أصول الدينونة الصافية
المؤلف: الشيخ/ أبو حفص عمروس بن فتح النفوسي
تحقيق: حاج أحمد بن حَمُّو كرُّوم
مراجعة: مصطفى بن محمد شريفي - محمد بن موسى باباعمي
تقديم: أحمد بن سعود السيابي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1420ه/ 1999م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 99/134
الكلمات الدالة: سيرة عمروس النفوسي، أحكام الإسلام، أركان الإسلام، الحقوق في الإسلام، المعاملات في الإسلام
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=358&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/119
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع. أصول الدينونة الصافية
تأليف الشيخ
أبي حفص عمروس بن فتح النفوسي
تحقيق
حاج أحمد بن حَمُّو كرُّوم
مراجعة
مصطفى بن محَمَّد شريفي
محَمَّد بن موسى باباعمي
الطبعة الأولى
1420 ه/ 1999 م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
كتاب أصول الدينونة الصافية
تأليف الشيخ
أبي حفص عمروس بن فتح النفوسي
(ت:283 هـ/896 م)
تحقيق
حاج أحمد بن حَمُّو كرُّوم
مراجعة
مصطفى بن محَمَّد شريفي محَمَّد بن موسى باباعمي
الطبعة الأولى: 1420 هـ / 1999 م (1/2)
صفحة 3
تقديم
ان كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه
كلمة عظيمة من امام عظيم في امام عظيم.
هذه العبارة لهي شهادة علمية رفيعة المستوى، واجازة من الاجازات العلمية العالية منحها واحد من أقطاب العلم وعظماء الاسلام ذلكم هو الامام المحكم محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي العماني الله الى واحد من عباقرة العلم وعلماء الاسلام هو ابو حفص عمروس بن فتح المساكني النفوسي
ان علامية عمروس ودقة فهمه وقوة استنباطه لمسائل العلم وقضاياه جعلت من الامام الكبير محمد بن محبوب ان يظهر اعجابه بهذا النابغة المغربي الذي سبقته شهرته العلمية الى المشرق العربي ولا سيما عمان عندما تم اللقاء بينهما في مكة المكرمة حرسها الله تعالى، حتى اخذ الحديث بالامامين الكبيرين شجونا وشئونا كل مأخذ وتوغل بهما وتوغلا فيه الى مكنون العلم الذي يضن به على غير أهله
ان هذه الحادثة اللقائية المكيه ترشدنا الى ما لعمروس من منزلة عظمى في العلم ودرجة عليا في الفهم.
لذلك نجد امام المنقول والمعقول ابا يعقوب الوارجلاني اه يورده في كتابه الدليل والبرهان من بين الائمة العشرة الذين نقل عنهم مسائل عقدية تعتبر قواعد في علم العقيدة
فلا غرو ان تاتي «الدينونة الصافية صافية من غير كدر نقية من اية شائبة عذبة المورد سائغة للشاربين.
على ان الدينونة معناها الدين وهو دين الاسلام الحنيف، مشتقة من دان يدين وهي كلمة ليست لها صيغة تصريفية عند العرب، وانما مما عدوه من النوادر وقليل النظائر ومنه قولهم طار طيرورة، وسار سيرورة، وحاد (1/3)
صفحة 4
حيدودة، وكان كينونة، ودام ديمومة وهاع هيعوعة، وساد سيدودة، وقال قيلولة».
ان هذا العمل الجليل هو واحد من نتاج فكر عمروس ووحي عبقريته الفذة ضمنه دقيق مسائل العبادات وواضح قضايا الاحكام. ولقد جاء عمل الاستاذ الفاضل / حاج أحمد بن حمو كروم في تحقيق الكتاب جهداً واضحاً ملموساً، فهو قد بذل فيه جهداً مشكوراً حيث استطاع أن يجمع مخطوطات خمسا للكتاب وهو أمر يعتبر من أساسيات عمل التحقيق.
وان وزارة التراث القومي والثقافة وعلى رأسها سمو السيد / فيصل بن علي بن فيصل آل سعيد وزير التراث القومي والثقافة حينما تهم بنشر هذا الكتاب فانها تضيف الى المكتبة الاسلامية كنزا قيما من كنوز العلم، والمعرفة وتملأ بذلك حيزا من مساحة الفكر الإسلامي العظيم عقيدة وشريعة
وما ذلك الا إستلهاما من توجيهات القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ليكون حاضر هذه الأمة
موصولا بماضيها تراثا، وليكون اللاحق سائرا على درب السابق تاريخاً، وليكون السلوك مستمداً من الكتاب والسنة والاجماع والقياس ومأثور أهل العلم اعتقادا وعملا
والله نسأله التوفيق الى كل خير والسداد في القول والعمل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
أحمد بن سعود السيابي
1418/ 6/10 هـ
1997/ 10/12 م. (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
مقدمة
{الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله} وبعد:
ففي إطار الهواية التي اخترتها مناط مستقبلي ألا وهي: جمع مخطوطات الأصحاب، وتحقيقها بعد تنظيمها عثرت على هذا المخطوط النفيس في مكتبة البكري بالعطف أثناء قيامي بوضع بطاقات فنّية لمخطوطات المكتبة في رمضان 1410 هـ/1990 م.
وما زالت نفسي تميل للقيام بتحقيقه وإخراجه للنّور حتّى طلب منّي أحد الأساتذة أن أفيده بمخطوطٍ كلاميٍّ يقوم هو بتحقيقه فسارعت إلى الإجابة لطلبه حتّى لا تنفلت الفرصة بأن قدّمت له المخطوط الذي بين يديك ... وعندما تصفّحه وجده دون مستوى الشّرط الذي طلبه فأرجعه لي.
هنالك عقدت العزم على نفسي في بداية سنة:1411 هـ/1991 م لأن أقوم بالعمليّة معتمدا على نفسي وعلى إمكانياتي الكليلة في الميدان، راجيا من المولى عزّ وجلّ العون والتّوفيق، وأهمّ ما حفّزني إليه هو وجود نسخة ثانية في مكتبة المدرسة الجابرية ببني يزقن، إضافة إلى وجود تسهيلات لاقتناء النسختين من قيمي المكتبتين حفظهم الله ورحم المحبِّسين ـ وكذا المكتبة الخاصة لشيخنا الحاج محمّد بن باحمد الحاج سعيد العطفاوي ــ (1/5)
صفحة 6
رحمه الله ــ وأبنائه المعتنين بها تقبّل الله منهم.
استغاثة ملحّة
وهنا لا أنسى أن أغتنم الفرصة لأوجّه استغاثة إلى:
1) - أصحاب مكتبات الآباء والأجداد: أن يتّقوا الله في خزن المخطوطات التي في حوزتهم وألاّ يستحوذوا عليها في «عمدٍ ممدَّده» ... وليعملوا صالحا للحضارة والأجيال ـ على الأقل ـ بعدمِ إهمالها والاِستخفاف بحقّها ... وأن يمدّوا يد المساعدة للرّاغبين على الاِطّلاع عليها لأنَّها ليست ملكهم وحدهم بل هي ملك للأجيال حتى لا تضيع الأمانة من أيدينا ...
2) -أصحاب الشّهادات والألقاب العليا في مختلف فنون العلم الحديث: أن لا يتوانوا في تجديد أمر هذا التّرات الحيّ الضّخم، وأن يمدّوا له أيديهم وأفكارهم وقلوبهم؛ لئلاّ تستفزّه الأيدي الماديّة والأفكار المغرضة ... واعلموا أنّ الحجّة قائمة عليكم بما أوتيتم من «بسطة في العلم والجسم» والتاريخ لا يرحمكم ولا يعذركم في الكسل بما وفّر الله لنا من الوسائل المتطوّرة في الحياة.
3) -أصحاب رؤوس الأموال: أن لا يردّوا طلاّب المساعدة الماديّة في هذا الميدان ... فالمال مال الله ... وما نحن إلاّ موظّفون مكلّفون ومحاسبون بل ومسؤولون عنه: من أين؟ وإلى أين؟ ...
وقبل أن أختم هذه الكلمات يجدر بي أن أعرض عليك أخي القارئ (1/6)
صفحة 7
الخطّة التي سلكتها أثناء القيام بعمليّة التّحقيق الموضوعيِّ لفصول الكتاب، ونصوص ترجمة المؤلّف.
عرض خطّة البحث والتّحقيق
1) - نقلت هذه المخطوطات من مخطوطة (د) و قارنتها بمخطوطة (أ) و (ب) و (جـ) و (هـ).
2) - غالب الأخطاء اللغوية الموجودة في نسخة (ب) لم أثبتها في الهامش نظرا لكثرتها وبساطتها، ويبدو أنّ ناسخ المخطوطة (ب) لم يكن عالما باللغة رحمه الله وتقبّل منه.
3) - أشرت في الهوامش إلى ما كان من غموض كلمة بين النسخ فأبيّن الأنسب ليستقيم المعنى.
4) - شرحت بعض الكلمات الجديدة والمصطلحات العلميّة ليفهمها القارئ.
5) - خرّجت الأحاديث والآيات وأتممت ما يجدر إتماه، قدر المستطاع.
6) - اعتمدت النسخة (د) أُمًّا للمخطوطات الأخرى نظرًا لقدمها، وجودة خطِّها، وضبطها وقلَّة الأخطاء فيها، ولكونها تامَّة. اللهمَّ إلاَّ بعض الأخطاء الواضحة التي لا بدَّ من تصحيحها داخل المتن، اعتمادًا على النسخ الأخرى ــ خاصَّة (هـ) ــ مع الإشارة إلى ذلك في الهامش، وهي قليلة. (1/7)
صفحة 8
7) -إنّني أطلت في التّرجمة رغبة منّي في كشف الضّباب الكثيف عن هذه الشّخصية النّموذجيّة التي لا يعرفها كثير من النّاس.
8) - وضعت الفهارس المختلفة للكتاب ليسهل على الباحث مبتغاه.
9) - بيّنت القيمة العلميّة للمخطوط وعرفت به وأثبت نسبته للمؤلّف حتى لا يكون مختلقا عليه للشّهرة، أو لقيطا تبنّاه بغير حقّ ...
10) - كما أنَّني حاولت إرجاع بعض الآراء في متن المخطوط إلى أصحابها اعتمادا على بعض أمَّهات كتب الفقه، ومن أبرزِها: «مدوّنه أبي غانم الخرساني» رحمه الله، التي هي مصدر من المصادر الهامّة لهذا الكتاب.
11) - لقد سمحت لنفسي بوضع عناوين الأبواب والفصول والفقرات ليجد القارئ راحته أثناء الاِستفادة منه ... فأيّ عنوان وجدته بين معقوفتين فهو منيّ.
12) - لقد حاولت الاِبتعاد ما أمكن عن وضع تعليقات على الأفكار لئلا يتخم الكتاب فيخرج عن إطار التّحقيق إلى الشّرح إلاّ ما كان لا بدّ منه.
فما كان من حسن فبفضل الله وما كان من نقص فمن نفسي ... وعلى الله قصد السّبيل وهو أعلم بما تخفي الصّدور ...
والسلام عليكم ورحمة الله (1/8)
صفحة 9
القسم الأوَّل
حول حياة المؤلّف (1/9)
صفحة 10
[صفحة بيضاء] (1/10)
صفحة 11
ترجمة حياة المؤلِّف: الشيخ أبي حفص عمروس بن فتح المساكني النفوسي
مولده
ولد الشّيخ عمروس بن فتح في قافلة نفوسة المتوجّهة إلى البقاع المقدّسة في أواخر العقد السّادس من القرن الثّاني الهجري. (1)
عائلته
أبوه: لم تسجّل لنا المصادر عن أبيه أيَّة معلومة تذكر ...
أمُّه: توفيّت وتركته في المهد صبيّا، ورجعت بسببه من طريق الحجّ وعندما حضرتها الوفاة أوصت بالحجّ وغيره، لمَّا سئلت عمّن استخلفت في إنفاذ هذه الوصيّة ... فأشارت إلى الذي في المهد، وهو ابنها الرّضيع "عمروس" (2)
أخته: هي العالمة المشهورة بمواقف وأمجاد كثيرة منها ثلاثة للتّمثيل:
1) - اشتراكها في نسخ مدونة أبي غانم الخرساني إذ كانت هي التي تملي على أخيها عمروس. (3)
__________
(1) - مجموعة ستّة كتب ... الكتاب الرّابع، اللمعة المرضية من أشعّة الإباضية لعبد الله بن حميد السّالمي، ص 70 ... غير أنَّ الشماخي في كتاب السير لم يذكر عمروس بن فتح منهم ص 228؛ وكذا ج 1 من مخطوط سير المشايخ لأبي الربيع الوسياني ص 6 ... وبالتالي يبدو وأنَّ السالمي استنتجه استنتاجا من السياق وهو الصحيح.
(2) - الدرجيني أبو العبَّاس: طبقات المشايخ بالمغرب، ط 1، تحقيق ابراهيم طلاي، مطبعة البعث ـ قسنطينة ـ الجزائر ـ ج 2، ص 324.
(3) - انظر النقطة الرابعة من "فتاويه واجتهاداته" من مقدِّمة هذا الكتاب. (1/11)
صفحة 12
2) - اشتراكها في وقعة "مانو" بجبل نفوسة مع النسوة، أين استشهد أخوها، فلمّا خشيت على نفسها وعليهنَّ الفتنة من الظلمة أمرت كلَّ واحدة منهنّ أن تستخلفها الأخرى في تزويجها بمن يريدها بسوء (1) ...
3) - سئل الشّيخ سدرات بن ابراهيم المساكني النفوسي عن امرأة ولدت ولدا فبقي آخر في بطنها هل تأكل في رمضان نهارا؟ قال: نعم، فقال بعض الأشياخ نعس الشّيخ، فقالت أخت عمروس: «إن نعس لم ينعس علمه وكلامه، وجدناها تأكل إذا انشقّت المبولة (2) فكيف بهذه ... » (3)
أخوه: من خلال ما حفظته لنا كتب السير يبدو أنَّه لم يفقد حظّه من العلم ودرجته حيث اختبر أخاه عمروسا بسؤال عندما انتهى فترة التعلّم لائما فقال له: «لو رأيت أجرافا في فدادينك؟» فقال له مجيبا: «لو رأيت أجرافا يتلموا دينك ... » (4)
قبيلته
هي نفوسة البربريّة التي نسب الجبل الغربي لطرابلس إليها بلبيا؛ هذه القبيلة قال عنها الشمّاخي: «بلغت في العلم والتقى والعدل والورع مبلغا عظيما، يكاد أن يكون حاكيه كاذبا ... بالشرق والمغرب، ولذا قال الإمام
__________
(1) - أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر: سير الأئمّة وأخبارهم، ت إسماعيل العربي، مطبعة أحمد زبانة، الجزائر، نشر المكتبة الوطنية الجزائرية، الجزائر، ص 104. الشمّاخي: سير ص 229.
(2) - المبولة: هي الماء الذي يسبق خروج الولد، انظر هذا الحكم في كتاب: شرح النيل، للقطب اطفيّش، ج 1، ص 313.
(3) - الشماخي: السير، ص 267.
(4) - الشماخي: السير، ص 229. «يتلموا دينك» هكذا وجدت الكلمة. ولعلّ الصحيح ما قال الباروني: «لو رأيت أجرافا تثلم دينك لهان عليك أمري». الأزهار الرياضيّة: ص 254. (1/12)
صفحة 13
عبد الوهّاب - رضي الله عنه -: «إنَّما قام هذا الدين بسيوف نفوسة وأموال مزاته .... » (1)
مكان ولادته ونشأته
مكان ولادته:
"قطرس" وهي القرية الجاثمة على ضفّة وادي تالة العميق من أرض الرحيبات بجبل نفوسة في لبيا. (2)
نشأته:
في هذه الأجواء الطاهرة المفعمة بالعلم والورع تربّى الفتى عمروس وترعرع فوجد فيها خير عزاء وعوَضٍ عن أمّه التّي لم يحظ بحنانها المدّة الكافيّة لأبناء سنّه ...
حياته العلميّة
لقد درس أوّلا في مسقط رأسه "قطرس" مبادئ العلوم الدينيّة واللغويّة ...
ثمّ انتقل إلى المغرب (3) ليتعلّم هناك مدّة عشرين عاما ..
__________
(1) - الشماخي: السير، ص 267.
... هذا الجبل الذي كان ملاذ كثير من القبائل: " لواته - مزاته - هوارة " ويؤمّه الأصحاب عند فتور النفس في العبادة فيقولون: «نصعد الجبل لنصقل قلوبنا» يعني بالعلم والذكر ومجالسة الصالحين. أبو زكرياء الجناوني: الوضع، مقدّمة المحقِّق، ص 11.
... هذه القبيلة التّي يصفها المؤرّخون بأنَّها في ذلك الزمان أكثر الناس حجّا فكانوا يحجّون بنسائهم وذراريهم، حتّى إنّهم ولد لهم في ركب واحد ثلاث مائة مولود ذكر. الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 325. الشماخي: السير، ص 228. الوسياني: سير (مخ)، ج 1، ص 6.
(2) - علي يحيى معمّر: الإباضيّة في موكب التاريخ، ج 2، الإباضيّة في ليبيا، القسم الأوّل، ص 137.
(3) - الشمّاخي: السير، ص 229. هذه الكلمة: "المغرب" لم تتعرّض لها المصادر المعتمدة بشيء من التوضيح، فأصبحت محتملة إلاّ أنّ الاستعمال السائد آنذاك عند الإباضيّة لهذه الكلمة هو "تيهرت" عاصمة الدولة الرستميّة إذ كانت كعبة الطلاب والعلماء والمتكلّمين حينا من الدهر حتّى غدت تعرف بـ"بغداد المغرب" كما أنَّها جاءت في غرب جبل نفوسة. (1/13)
صفحة 14
هذا ما كتبته المصادر عن تعلّمه بصفة إجماليّة دون التعرض لأيّ تفصيل يشير إلى مشائخه ورفقائه في الدراسة أو العلوم التي درسها أكثر من الأخرى ...
هل كان الشيخ مدرّسا؟: إنّ الإجابة عن هذا السؤال ذات شقّين أساسين ظنيين هما:
*المصادر القديمة: إذا نظرنا إلى الكتب القديمة فلا نجد إشارة واضحة تذكر عنه أنَّه كان مدرّسا لحلقة من التلاميذ إلاّ ما نستشفُّه من ظلال بعض النصوص حيث ذكر الشيخ سليمان الباروني في تعليقاته:
1) - على رسالة والده الشيخ عبد الله الباروني: "سلّم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمَّة الدين": « ... وهي قطرس، وفيها مسجد الشيخ عمروس وأظنّه ابن فتح المساكني النّفوسي ... » (1)
وهل هذا المسجد المنسوب إليه بناه في حياته لهذا الغرض؟ أم سمّي باسمه تكريما؟ لا ندري ...
2) - ذكر الوسيانيُّ أنّ جماعة اجتمعوا في موضع يسمّى: "تنين أزدرشل" في طلب العلم وفيهم أبو نصر من تمصمص، وهو المفتي والمجيب، وفيها نفاث بن نصر، وكان يلقي مشكلات المسائل عليهم، وربّما عسر جوابها عن أبي نصر ومن معه، ثمّ أتى عمروس ومهدي فسكت نفاث فقال أبو نصر: «الآن جاء السلوقان اللذان يحرزان الحيّ وأمّا جروة أبي نصر فتنبح على (2) أكل الذئب الغنم فهرب الذئب "يعني
__________
(1) - المصدر المذكور: ص 54.
(2) - الشماخي: السير، ص 328. (1/14)
صفحة 15
بالجروة نفسه ويعني بالذئب نفاث ويعني بالغنم نفوسة، والسلاليق (1) هما مهدي وعمروس (2) والسؤال هو: هل كان دائما يحضر هذا المجلس أم جاءه عرضا؟ لا ندري ...
3) - يقول الحسن بن محمّد الوزّان القابسي من علماء القرن 10 هـ: «عمروس: مدشر يقع على بعد نحو ستّة أميال من طرابلس داخل الأراضي ويوجد فيه عدد كبير من النخيل وبساتين مليئة بمختلف الأشجار المثمرة». (3)
هل كان في هذه المدينة مدرّسا؟ لماذا نسبت إليه؟ لا ندري ...
4) - لقد تصفّحت الكتب التي أوردت نسب المذهب الإباضي (4) فلم أجده مذكورا في أيّ سلسلة من سلاسلها الذهبيّة، نظرا لأنّ هذه السلاسل عادة ما تحوي المتصدّرين لحلقات العلم الذين يتلقّى عنهم التلاميذ أمانة الدين فيبلِّغونه لمن بعدهم من التلاميذ والدعاة ...
*المراجع الحديثة: أمّا إذا تصفّحنا الكتب الحديثة فإنّنا نجدها تذكره مدرّسا بدون إسناد لمصدر الفكرة ... فمنهم المحقّق الشيخ عبد الرحمن بكلّي يقول: «وقّف حياته على العلم تحصيلا وتأليفا وتدريسا ... ». (5)
__________
(1) - السلاليق جمع السلوقي: الكلب الكبير المدرّب على الحراسة.
(2) -الوسياني: سير المشايخ (مخ)، ج 1، ص 23. الدرجيني: طبقات المشايخ، ج 2، ص 314.
(3) -وصف إفريقيا، ج 2، ص 110، ترجمة محمّد حاجّي ومحمّد الأخضر.
(4) - الباروني محمَّد بن زكرياء بن موسى: نسبة الدين، ملحق بسير الشمَّاخي. الباروني أبو الربيع: رسالة سلم العامة والمبتدئين إلى معرفة الدين. القطب اطفيَّش: الرسالة الشافية ...
(5) - الجيطالي إسماعيل بن موسى: قواعد الاسلام، تحقيق عبد الرحمن بن عمر بكلِّي، هامش المحقِّق، ج 1، ص 12. (1/15)
صفحة 16
وعلى هذا فإنّني أرجّح أنّ الشيخ لم يكن مدرّسا لحلقة علم وإنّما كان من المتمكّنين في العلم المشتغلين بالمناظرة في مجالس المخالفين ودحض شبههم، والدليل هو عدم إسناد سلسلة المذهب الإباضي إليه، وهيبة نفاث منه إذا حضر مجلسا للمناظرة ...
إذن فهو إمام من أئمّة الإسلام الذين ذاع صيتهم بأقوال انفردوا بها، وساهموا في حفظ المذهب من التلاشي بتآليفهم القيّمة، وغيرتهم النيّرة ...
اشتغاله بالقضاء
لقد اشتغل الشيخ في وظيفة القضاء مدّة قصيرة، حيث عيّنه أبو منصور الياس ــ والي جبل نفوسة ــ على قضاء الجبل، في عهد الإمام اليقظان بن أبي اليقظان رحمهم الله، ثمّ استقال من المنصب بسبب مضايقة بل مخالفته آراء بعض علماء عصره إذ أنَّه كان مرنا في أحكامه وفتاويه، وهم يرفضون هذه المرونة خشية الفتك بعرى الدين بالنزوع إلى الرخص، والسبب المباشر لهذه الإستقالة هو قضاؤه بين عبد ومولاه وعندما اشتكى إليه العبد كان الشيخ أبو مهاصر يسمع ــ وهوشديد الأمر والنهي في دين الله ــ فغضب من جوابه وقال له: «اِعطه حقّه من مولاه، وإلاّ نزعك الله من ذلك المكان وردّ فيه غيرك». ولقد أبى الرجوع عن استقالته رغم الإلحاح عليه (1) وربّما لأنّ المعارضة على أحكامه قد تكرّرت عليه كثيرا من هذا الشيخ وغيره ...
__________
(1) - الشمّاخي: السير، ص 229؛ الباروني، الأزهار الرياضيّة، ص 254. (1/16)
صفحة 17
نماذج من أقضياته
لقد رغبت في عرض هذه النماذج رغم أنَّها إطالة للترجمة وذلك لأنَّها لا تخلو من إبراز الجوانب اللاّمعة في شخصية الشيخ وتعيننا على تفهُّم الأفكار التي بثَّها في كتابه ...
1) - اختصم إليه ذات مرّة رجلان فاستمسك أحدهما بالآخر، فقال للمدّعى عليه: «ردّ الجواب» فسكت، فأعاد عليه فسكت ... فقام إليه فركضه برجله، فقال له جلساؤه عجلت يا عمروس ...
فجمع أصابعه بيده فقال: «كم هؤلاء؟» فقالوا: «خمسة»، فقال لهم: «ما عجلت له إلاَّ كما لم تعجلوا أنتم إذ لم تعدوها واحدا واحدا» ... فقال لألياس: «إن لم تأذن لي بثلاث، فخذ خاتمك عنّي: قتل مانع الحقّ، والدالِّ على عورات المسلمين، والطاعن في دين المسلمين». (1)
2) - وذكر أنَّ قافلة وقع عليها قطَّاع الطرق فانتهبوها، ثمَّ إنَّ أصحاب القافلة والقطَّاع اصطحبوا جميعا إلى جبل نفوسة في زمان ولاية أبي منصور إلياس وقضاء عمروس، فتشاجروا فيما بينهم، وكلٌّ يدَّعي القافلة، وانتهوا إلى الوالي فحار في أمرهم؛ وقال: أحكّم بينهم عمروس ... ثمَّ إنَّ عمروسا عزل أصحاب القافلة على حدة، وانفرد بكلِّ واحد منهم يسأله عما رفع وما علامة حمله ومتاعه، فكتب ذلك كلّه، ثمَّ انفرد بالقطّاع فسألهم كما سأل الأولين، فكتب ما قالوا، ثمَّ
__________
(1) - الوسياني، سير المشايخ (مخ)، ج 2، ص 2؛ الدرجيني: طبقات المشايخ ج 2، ص 321. الشماخي: السير، ص 226. (1/17)
صفحة 18
أخرج ما في الأحمال فوجده كما قال الأوّلون أصحاب القافلة فحكم بها لهم ... ووجد قول القطّاع مختلفا بعضه ينقض بعضا؛ فقال القاضي عمروس لإلياس: «هؤلاء أصحاب القافلة وأولئك أضيافك أضفهم». يعني يحبسهم ويؤدِّبهم. (1)
جهاده واستشهاده
إضافة إلى كلّ ما كنت أذكره لك من جهاد الشيخ بلسانه وقلمه فإنّه لم يهمل نصيبه من الجهاد بالسيف حيث شهد وقعة "مانو" بين نفوسة والأغالبة، وكان في آخر المعركة يحمي الناس ويذود عنهم ولم يقدروا عليه، «وكان على فرس سابق، فلمّا أعجزهم وأتعبهم عمدوا إلى الحبال فنصبوها له واضطرّوه إليها فعثر به الفرس فأخذوه أسيرا ومضوا به إلى الفاسق إبراهيم بن الأغلب، فسألوه أن يستعفيه ليعفيه، فقال لهم: كلمة لا تسمعوها منّي، ولكن أسألك في سراويلي هذه لا تكشفوني منه، فأخذوه يقطعونه بالحديد من أنامله، فلمّا وصلوا إلى عضده استشهد رحمه الله». (2)
فقال ابن عذاري المرّاكشي: «وفي سنة 284 هـ كانت وقعت نفوسة لأبي العبّاس بن إبراهيم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم ثلاثة مائة، فلمّا
__________
(1) - الوسياني، سير المشائخ (مخ)، ج 1، ص 3؛ الشماخي: السير ص 226؛ علي يحي معمَّر: الإباضية في ليبيا، القسم 1، ص 141 - 142.
(2) - أبو زكرياء: سير الأئمّة، ص 104؛ الشمّاخي: السير، ص 229؛ الدرجيني: طبقات المشايخ، ج 1، ص 89؛ سليمان الباروني: الأزهار الرياضيّة، ص 282؛ علي يحيى معمّر: الإباضيّة في ليبيا، القسم 1، ص 142. (1/18)
صفحة 19
وصل بهم إلى والده إبراهيم بن أحمد دعا بهم ... فقرب إليه شيخ منهم، فقال له إبراهيم: «أتعرف علي بن أبي طالب؟» فقال له: «لعنك الله يا إبراهيم على ظلمك وقتلك». فذبحه إبراهيم وشقّ عن قلبه وأخرجه بيده وأمر أن يفعل ببقيّة الأسارى كذلك ... حتّى أتى على آخرهم ونظمت قلوبهم في حبال، ونصبت على باب تونس». (1) وهي في عهد المعتضد بالله الخليفة العبَّاسي ببغداد (ت: 289 هـ) لا في عهد المتوكِّل (ت:247 هـ) كما يشير الوارجلانيُّ والدرجينيُّ.
وفاته
وهناك اختلاف طفيف بين المراجع في تحديد سنة الواقعة التي تعنينا في ضبط السنة التي توفِّي فيها الشيخ عمروس بن فتح رحمه الله .. فالمصادر الإباضيَّة كلُّها متَّفقة على سنة 283 هـ (2) نقلاً عن ابن الرقيق القيرواني صاحب تاريخ إفريقيَّة، إلاَّ الشيخ البكري فقد أشار إلى أنَّ هذه الوقعة كانت في سنة 282 هـ. (3)
أمَّا المصادر غير الإباضيَّة فهي تشير إلى السنة التي وقعت فيها الكرَّة من ابن الأغلب على نفوسة، وهي سنة 284 هـ (4) أي بعد عام من وقعة مانو ..
وبناء على هذا التاريخ يتبيَّن لنا أنَّ الشيخ قد عمِّر طويلاً (5) حيث بلغ أرذل العمر لتجاوز القرن ببضع سنين .. وأهمُّ دليل نستند إليه في هذا هو نسخه لمدوَّنة أبي غام الخراساني في عهد الإمام
__________
(1) - ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ط 2، تحقيق ج. س. كولان وأ. ليفي بروفنسال، دار الثقافة، بيروت، ج 1، ص 130.
(2) - الشمَّاخي: السير، ص 268؛ الباروني: الأزهار، ص 280؛ الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق عمرو خليفة النامي، ج 1، ص 49.
(3) - الجيطالي: قواعد الإسلام، هامش المحقِّق، ج 1، ص 12.
(4) - ابن عذاري المراكشي: البيان المغرب، ج 1، ص 130.
(5) - الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 320. ويقول الشمَّاخي نقلاً عن الدرجيني: «حاز قصب السبق، وإن كان في السنِّ متأخِّرًا». السير، ص 225. (1/19)
صفحة 20
عبد الوهَّاب الذي توفِّي سنة 190 هـ، وبالتالي لا يمكن أن يكسب هذه الثقة، ولا يستطيع أن يصل إلى هذا المستوى من التفكير إلاَّ بعد أن تجاوز سنَّ البلوغ (18 سنة على الأقل) (1). وبذلك يمكن أن نقدِّر ميلاده في أواخر العقد السادس من القرن الثاني للهجرة.
أسرته
لم تتعرَّض المصادر التي بين أيدينا لشيء من أسرة الشيخ (زوجه وأولاده) إلاَّ بصورة يسيرة عامَّة، وذلك عندما كتب وصيَّة حياته قبيل الخروج إلى معركة مانو .. (2)
حالته المادِّية
يبدو أنَّ الشيخ في الجانب المادِّي كان دون الأغنياء الكبار، وأفضل من الفقراء الضعاف، إذ أنَّه كان يملك ما يلي:
1 - أدوات الكتابة والتأليف (نسخه لمدوَّنة أبي غانم، وتأليف كتابه في الأصول).
2 - السفر إلى الحجِّ الذي يتطلَّب الزاد ووسيلة النقل.
3 - الخروج إلى البادية ابتغاء فضل من الله ونعمة مع أبي مهاصر.
4 - له عبد نصرانيٌّ (3) .. وبغلة يستقي عليها. (4)
5 - وسائل الجهاد (فرس سابق وسيف قاطع).
__________
(1) - الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 323. يقول: «وعمروس حينئذ حدث» أي صغير السنِّ.
(2) - الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 323؛ الشمَّاخي: السير، ص 228.
(3) - الشمَّاخي: السير، ص 230.
(4) - الشمَّاخي: السير، ص 229. (1/20)
صفحة 21
مؤلّفاته
لقد نسب المؤرّخون للشّيخ عددا من المؤلّفات منها الموجود، ومنها المفقود، منها المكتوب، ومنها الذي بقي في الخاطر أمنية غير محقّقة ..
1) - كتاب "العمروس" الذي أجاب به الشّيخ عبد الخالق الفزّاني (1)
2) - كتاب بقي في الخاطر مشروعا هو في قول الدّرجيني: «بلغنا أنَّه همّ أن يعلّق تأليفا في الفقه لم يسبق في طريقته، عزم أن يفرّق في العلم على ثلاثة أوجه: التنزيل والسنّة والرأي، وما يتعلّق بكلّ واحد منها من المسائل فيرتّب كلّ باب من أبوابه ويبنيه على القواعد الثلاثة .. فلم يقدِّر الله بذلك بل قضى له بإعجال الحمام». (2)
3 - كتابان في الأصول والفقه. (3)
4 - كتاب عمروس بن فتح. (4)
5 - كتاب أعلام الملَّة.
6 - كتاب الحكم والمعارف.
7 - كتاب الدينونة (5) الصافية. (6)
8 - كتاب في الردِّ على النكَّاث وأحمد بن الحسين. (7)
__________
(1) - الشمَّاخي: السير، ص 229؛ الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق د. عمرو خليفة النّامي، ص 49. ولعلّ انفراد الشماخي بذكره هو الذي جعل الدكتور النامي ينفي وجود هذا الكتاب تماما في مؤلَّفات الشيخ. (دليل المؤلفين الليبيين ص 300).
(2) - أبو زكرياء الوارجلاني: سير، ص 96؛ الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 321؛ الشمّاخي: السير، ص 225.
(3) - أبو زكرياء: سير، ص 99. هكذا ذكرهما بدون أيِّ توضيح.
(4) - البرادي: الجواهر المنتقاة، ص 219، هكذا بدون أيِّ توضيح.
(5) - هذه الكتب الثلاثة ذكرها الشيخ عبد الرحمن بكلِّي في هامش ص 12 من كتاب قواعد الإسلام للجيطالي.
(6) - دليل المؤلِّفين العرب الليبيِّين، ص 300.
(7) - المصدر السابق. (1/21)
صفحة 22
تلاحظ أخي القارئ أنَّني جمعتها بدون تعليق، ولو كانت بدون عنوان أو كان عنوانها مكرّرا، وذلك خشية أن يكون أحدها موجودا، فأجني عليه بالغفلة والسكوت، ولا مانع أن أشير إلى أنَّ المحقّق في التراث الإباضي الدكتور عمرو خليفة النامي جزم في مقدمته على كتاب "الرد على جميع المخالفين" ص (ي) المحقّقة المرقونة، بأنه لم يبق لنا من تراث الشيخ عمروس إلاّ رسالتان: إحداهما بعنوان "الدينونة الصافية" وأخرى بعنوان "الرد على الناكثة وأحمد بن الحسين". وأما الشيخ فرحات الجعبيري في كتاب البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية ص 109، فيجزم بوجود الأولى منهما فقط، وأشار إلى مكان وجودها في المكتبة البارونية بجربة تونس.
فتاويه واجتهاداته
لقد اشتهر الشيخ بفتاوي مبثوثة في بطون كتب المذهب الإباضيِّ في الأصول والفروع، ولذلك احتلَّ مكانة مرموقة في تاريخ أعلام المذهب؛ ولعلَّ انفراده ببعض هذه الفتاوي عن معظم علمائنا، يجعلني أتجرَّأ على العلماء فأصفه بأنَّه بلغ "درجة الاجتهاد في الدين" .. وعندما أعرض لك بعضًا منها فاحكم بما شئت بعد اطِّلاعك الموضوعيِّ على ما يتضمَّنه الكتاب الذي أرجو أن أكون موفَّقًا في تحقيقه إن شاء الله:
1 - جلس الشيخ ذات مرَّة مع داود بن ياجرين وماطوس بن هارون - رضي الله عنهم -، يتحدَّثون حتَّى قالوا لعمروس: «أهل شروس لا يكذبون»، فكان عمروس بعد ذلك يجيز شهادتهم، فتذاكر الشيخان ما يفعل عمروس، فقالا له: «ما لك تحكم بكلِّ أهل شروس؟» فقال لهما: «إنَّما أحكم (1/22)
صفحة 23
بكما لا بهم، لأنَّكما زكَّيتماهم بقولكما: أهل شروس لا يكذبون»، فقالا له: «ما ذلك مرادنا»، فترك جواز شهادتهم بعد ذلك إلى أهل العدالة والرضى. (1)
2 - سأله رجل بمحضر أبي مهاصر عمَّن أخذ من مال ابن طيلون، خرج فتاب ولم يعلم له صاحبًا، قال: «تسأل عن مولاه، فإن أعياك أمره فتصدَّق به» .. فغضب أبو مهاصر فقال: «لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا» .. قال عمروس: «إن أردت أن تقعد فاقعد، فإنَّ من شأن المسلمين أن لا يؤيِّسوا أحدًا من رحمة الله». (2)
3 - حدَّث جماعة من المشايخ أنَّ أبا مهاصر خرج سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع هو وعمروس بن فتح رحمهما الله، فلبثا أيَّامًا على غير ماء في بريَّة من الأرض، لا يجدون ما يتوضَّؤون به، إنَّما كانوا إذا حضرت الصلاة تيمَّموا وصلُّوا، وتكدَّر خاطر أبي مهاصر لذلك، حتَّى قال ذامًّا لهذه الحال: «قلوب تربو عليها الشحوم مِمَّا سمنت، ووجوه تعلوها الغبرة، قلَّت سلامة الدين مع أهل الوبر، إنَّما الدين في المدر، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لاتِّباع شهواتنا، وإنِّي لأخاف أن أكون مِمَّن عاب الله عزَّ وجلَّ، فقال فيهم: {أضاعوا الصلاةَ واتَّبعوا الشهواتِ، فسَوْف يَلقَوْن غيًّا}» (3) فردَّ عليه عمروس
__________
(1) - الوسياني: سير (مخ)، ج 1، ص 3. ولكنَّ الدرجيني استبعد أن يقع مثل هذا العبث بأحكام الله من الشيخ، فقال: «وعمروس أجلُّ من أن يتجاوز إلى هذا القدر، أو ينسب إليه هذا التهاون» فأوَّله بأنَّه توبيخ مؤدَّب مع الشيخين لأنَّهما أعلى منه مرتبة حتَّى يعدِّلا فتواهما، إلى أن قال: «وهذه إحدى فضائله، لا ينسب إليه غير هذا». الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 322.
(2) - الشمَّاخي: السير، ص 227. قال الشيخ علي يحيى معمَّر: «لقد كان أبو مهاصر شديدًا وهو يرى أن يلزم صاحب الخرج أن يبحث عن صاحبه أو ورثته مهما كلَّفه الأمر، ولن يبرِّئه من التباعة غير ذلك، أمَّا عمروس فقد كان أعمق فهمًا لأسرار الشريعة .. وقد أصبح قول عمروس هو القول المعمول به في الأحوال المشابهة». الإباضية في ليبيا، القسم الأوَّل، ص 140.
(3) - سورة مريم: 59. (1/23)
صفحة 24
بأن قال له: «ليس في ذلك ما تخافه، فقد أباح الله التيمُّم عند الضرورة، فأبان ذلك في كتابه، وعلى لسان نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، وذلك في ابتغاء الفضل، وقطع الفيافي ــ المجاهل من الأرض ــ وقال: {وابتغوا من فضلِ الله} (1) وقال: {عابري سبيلٍ} (2) وقال: {فلم تجدوا مآءً} (3)» فلم يقنع ذلك جميعًا أبا مهاصر بل ارتحل راجعًا إلى منزله. (4)
4 - من أهمِّ الحسنات التي سجَّلها له التاريخ، هو استنساخه لمدوَّنة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني، هذا العالم الذي مرَّ بالشيخ عمروس بجبل نفوسة، فأودع عنده مدوَّنته التي رواها عن حملة العلم ــ تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ــ في الفروع، وهو قاصد وجهة بغداد المغرب ــ تيهرت ــ لزيارة الإمام عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن .. فأفتى عمروس لنفسه باستنساخ الوديعة رغم أنَّه لم يستأذن صاحبها (5) فأملته عليه أخته حتَّى أتمَّاها، وردَّها في مكانها، وعندما رجع أبو غانم إليها اكتشف ذلك، بعلامة وقعت على الأصل وهي نقطة حبر لم ينتبه إليها الشيخ عمروس، أو تعمَّدها. فقال له: «أسرقت هذه؟» قال: «نعم، سمَّاني سارق العلم» إخبارًا لا أمرًا. (6)
__________
(1) - سورة الجمعة: 10.
(2) - سورة النساء: 43.
(3) - سورة النساء: 43.
(4) - الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 306.
(5) - يشير الوسياني إلى أنَّه استأذنه فأبى.
(6) - ويقول عنه الدرجيني: «وكان الكتاب في اثني عشر جزءًا. وفي إثر هذا كان ما كان من إتلاف ديوان تاهرت غصبًا وحرقًا، ولولا تمسُّك عمروس بهذا الكتاب لم يبق لأهل المذهب بجهات المغرب ديوان يعتمد عليه؛ وذلك بحسن نية عمروس وبركته ويمنه». انظر: الوسياني: سير (مخ) ج 1، ص 4. الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 323. الشمَّاخي: السير، ص 228. الباروني: الأزهار، ص 253. علي يحيى معمَّر: الإباضية في موكب، الإباضية في ليبيا، القسم الأوَّل، ص 138. وهذه المصادر كلُّها تعلِّق على فعل عمروس وتحمده. (1/24)
صفحة 25
وكأنَّه بهذا يشير إلى جواز استعمال وديعة من هذا النوع بمثل هذه الطريقة، إذا كانت في صالح المسلمين.
5 - لمَّا حضرت الوفاةُ أمَّ عمروس أوصت بوصايا وأشهدت عليها ... فقيل إلى من تفوّضين تنفيد هذه الوصايا؟ قالت إلى ذلك الذي في مهدي فأشارت إلى عمروس الرضيع ... فلمّا بلغ أشدّه شرع في تنفيد الوصايا في وجوهها، إلاّ وصيّتها بالحجّ فقد توقّف عنها. لماذا؟ لأنَّه لا يعرف منزلة أمّه من الولاية والبراءة ... وجعل يسأل في جهات من نفوسة عن أحوالها، فلم يجد من يعرف حالها وتولاّها غير امرأة واحدة، فتولاّها لذلك وحجّ عنها ...
ويريد من هذا العمل أن يرشدنا إلى أمرين هامّين في مجال العقيدة:
أ- أنّ الحجّة في ولاية الدين يمكن أن تقوم بشهادة النساء والعبيد إذا كانوا ممّن يقبل قوله وتقوم به الحجّة.
ب- أنّ الذي يحجُّ عن غير متولّى فإنَّه غير مرضي الفعل ولا مشكور الحال .. (1)
جـ- والثالثة تتمثّل: في جواز استخلاف الوارث على تنفيد الوصيّة ولو كان في المهد صبيّا.
__________
(1) - الوسياني: سير (مخ)، ج 1، ص 6. الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 325. (1/25)
صفحة 26
6 - كانت لأبي محمّد ملي الإيدرفي بقرة تحلبها امرأة كلّ صباح دون أيّ جهد، وذات مرّة ركضت فدفقت قدح الحليب على غير عادتها فلمّا شكت الزوجة لبعلها قال: ما هذا إلاّ لنازلة سوء شنيعة نزلت بالجبل فأخذ عكّازه وخرج مبادرا، فأتى مجمع أهل الجبل، فوجدهم مختلفين على رجل ينكل ويجلد، فسألهم عن شأنه فقالوا له: جاء فيه كتاب الوالي ... فقال: أبسواد في بياض تهرق الدماء يا نفوسة؟ أو قال: يا معشر المسلمين؟ فقالوا لعمروس: جاوبه ... فقال: إذا قيل الحقّ بطل الجواب ... قال: فسألوا عن الرجل فغدا هو غير المكتوب فيه ... فقال لهم عمروس: إذًا قصّوا ضربه ... فأعطوا ديّته فأعطى فيهم عمروس سهمه ... (1)
7 - لمَّا سمع عمروس بموت الشيخ أبي مهاصر موسى بن جعفر - رضي الله عنه - ــ أكبر المعارضين لفتاويه ــ سارع ليبلغ جنازته، فوصلهم وهم يجعلون التراب على قبره، فوضع عليه يده فقال: «الآن يا أخي أمنت لك». يعني من همزات عدوّ الله إبليس ومكائده ...
وفي الحديث: «إن إبليس يأتي المؤمن عند خروج روحه ويكيده، ويقول له: سلمت منِّي آمن منك الآن ياعدوّ الله» يعني ذلك الشّيخ عمروس - رضي الله عنهم - أجمعين لا يعني غير ذلك (2) قال الشمّاخي: قال الجهَّال: استراح منه وتأولوه لأموره الدنيويّة .. أعني جهال إفطمان بلد أبي مهاصر .. (3)
8) - قبيل خروجه للجهاد الذي حظي فيه بالشّهادة كتب وصيّته ومكَّنها ورثته فقال لهم: «إعملوا بما فيها وأنا خصيمكم غدا بين يدي الله» (4)
__________
(1) - الوسياني: سير (مخ)، ص 14. الدرجيني، طبقات، ص 334.
(2) - الوسياني: المصدر السّابق، ص 22.
(3) - الشمّاخي: السير، ص 228.
(4) - الوسياني: المصدر السّابق، ص 4؛ الدرجيني: طبقات، ص 323؛ الشّماخي: المصدر السّابق، ص 228. (1/26)
صفحة 27
مكانته العلمية
يقول أبو زكرياء يحي بن أبي بكر: «وكان عمروس عالما كبيرا ... ». (1)
وقال: «وكان حافظا فاطنا حاضر الحجة». (2)
2) - وقد وصفه الشّيخ الدّرجينيُّ قائلا: «بحر العلوم الزّاخر، المبرز أوّل، السّابق وهو الآخر، الضّابط الحافظ المحتاط المحافظ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم، ولم يلهه التبحّر في العلم عمّا تعيّن عليه من مصادفة تلك الهموم .. لازم الدّرس والاِجتهاد ثمّ رابط على الجهاد .. (3) ولم تزل الأمثال مضروبة به بعلومه وآدابه، وحيال ذوي الآمال متعلّقة بأهدابه إذ كان علم الدّين يقتدى به». (4)
3) - وروى أبو الرّبيع سليمان بن عبد السّلام الوسياني عن أشياخه أنّ عمروسا عالم غاية زمانه. (5)
4) - قال الشّيخ علي يحي معمّر: «كان عمروس من أكبر أئمة العلم والدّين وله أقوال إنفرد بها وحسب من أجلها إماما». (6)
__________
(1) - سير الأيمة وأخبارهم، ص 99.
(2) - نفس المصدر السّابق.
(3) -الدرجيني: طبقات، ص 320.
(4) - المصدر السّابق، ص 321.
(5) - الوسياني: سير (مخ)، ج 1، ص 2. علي يحيى معمّر: الإباضية في موكب التّاريخ، ج 2، الإباضية في ليبيا، القسم 1، ص 139.
(6) - الوسياني: سير (مخ)، ج 1، ص 2. علي يحيى معمَّر: الإباضية في موكب التّاريخ، ج 2. الإباضية في ليبيا، القسم 1، ص 139. (1/27)
صفحة 28
وذكر الشيخ سليمان الباروني أنَّه استشهد من نفوسة في وقعة مانو أربعمائة عالم فيهم من المشاهير والعلماء الكرام ابو ميمون وعمروس وماطوس (1)
6) - وذكره الأستاذ بحّاز ابراهيم من بين مشاهير علماء تيهرت فقال: «ويشغل عمروس بن فتح النّفوسي مكانا بارزا في طبقات الإباضية إذ كان عالما غاية زمانه .. (2) وقد صنّفه الدّرجيني في كتابه طبقات المشايخ بالمغرب في الطّبقة السّادسة (250 - 300 هـ) (3)
7) - ذكره الشيخ أحمد بن سعيد الشّماخي في سيره عند تسمية شيوخ نفوسة ثالثهم (أبو حفص عمروس بن فتح من أمو ساكن). (4)
8) - سافر إلى الحجّ مع جماعة من أصحابه فدخلوا إلى مجلس علم يتصدّره الشّيخ محمد بن محبوب بن الرّحيل العماني، فأدنى مجلسهم دون أن يتعرّف على أعضاء الوفد .. وأثناء تجاذب الفتوى بين الحاضرين ألقى عمروس سؤالا .. فقال ابن محبوب: إن كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السّؤال منه فقالوا له هو السّائل: فرفع ابن محبوب مجلسه وزاد في دنوه فجعل عمروس يسأله في مسائل الدّماء وأكثر، فقال ابن محبوب: هذا من مكنون العلم فلا يعلن به في قوم جهال؛ فقال عمروس لأصحابه: اِحفظوا السّؤال أحفظ لكم الجواب، فلمّا قدموا نفوسة، قال عمروس: هلمّوا ما تكلّفتكم، قالوا: لم يبق معنا إلاّ قولك إحفظوا السّؤال أحفظ لكم الجواب لنرد بها على إخواننا. ثمّ إنّ عمروسا أعادها مسألة مسألة. (5)
__________
(1) - الباروني: الأزهار الرّياضية في أيمّة وملوك الإباضية، ج 2، ص 282.
(2) - ابراهيم بحّاز: الدّولة الرّستمية، ص 326.
(3) - الدرجيني: ج 2، ص 326.
(4) - الشماخي: السير، ص 590.
(5) - الوسياني: سير (مخ)، ج 1، ص 6؛ الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 324؛ الشماخي: السير، ص 227. (1/28)
صفحة 29
9) - قال الشّيخ عبد الرحمن بكلي: «الإمام عمروس بن فتح المساكني النّفوسي إمام من أيمة الدّين وكهف من كهوف العلم في القرن الثّالث الهجري». (1)
10) -أرسل له أحد الأشياخ من علماء فزّان رسالة يطلب منه أن يؤلّف له كتابا في الأصول، فكتب إليه الكتاب المعروف بـ «العمروسي» وكتب إليه رسالة فلمّا رآه الفزّاني ــ وهو الذي ألّف الكتابين المعروفين بأصول الكلام ــ قال: النّفوسي أعلم مني .. (2)
مميزاته وعصره
أ - مميِّزاته:
فمن خلال ما استعرضنا في الأبواب السّابقة تتجلّى لك مميّزات الشّيخ فيما يلي:
1) - الورع والتّقوى: وكان له الحافز على العدل في القضاء، كما أنَّه لم يسمح لنفسه بالحجّ عن أمّه حتى يجد من زكّاها له في الولاية.
2) - الذكاء والاِجتهاد: يمكن أن تتجسّد ذلك من خلال بعض النّمادج التي وضّحتها لك في باب القضاء والفتاوي.
3) - حبّ العلم: والدّليل هو: المدّة التي قضاها في التّعلم، ثمّ تخصّصه في الفتوى، وكذا استنساخه للمدونة.
4) - تقدير العلماء: يظهر ذلك جليّا في قصّته مع داود بن ياجرين وماطوس بن هارون في إجازته شهادة أهل شروس كلّهم.
__________
(1) - الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 1، ص 12، تحقيق الشيخ عبد الرحمن بكلي.
(2) - الشماخي: السير، ص 229. (1/29)
صفحة 30
5) - إحقاق الحقّ: إنّ اقتحامه لأكثر القضايا ولو لم ترق الوالي أو الخصم يكفي دليلا لذلك.
6) - حبّ الجهاد: ولا أدلّ على ذلك من عدم تمكّن العدوِّ منه إلاّ بعد أن نصب له فخّا لإسقاطه.
7) - الشّجاعة والإقدام: فهو لا يخاف ممن يعارضه في فتوى ولو كانت نقيض رأي الحاكم ولا أدلّ على هذه الشّجاعة من عدم الخضوع لابن الأغلب في طلب العفو منه.
ب - عصره:
لقد وجد الشيخ عمروس في ظروف سياسيّة مضطربة لم تعرف الاستقرار إلاّ في فترات متقطّعة قصيرة ..
1 - ففي المغرب: نجد ثورة ابن فندين - ثورة ابن السمح - ثورة نفات بن نصر - فتنة ابن عرفة - غارات الأغالبة على الدولة الرستميّة وولاية نفوسة والقيروان - وقعة مانو - فتنة زواغة مع والي نفوسة - فتنة ابن طولون، وعلى النقيض من هذا نجده قد عايش الاِزدهار العلمي الذي يعدّ فيه الشيخ واحدا من نماذجه ويكفي أن نعرف أنَّ وقعة مانو فقط حصدت أربعمائة عالم من نفوسة وحدها، ولا ندري كم حصدت الثورات الأخرى، وليتجسَّد لنا هذا الازدهار الفائق في تيهرت.
كما أنَّه عايش أيضا الازدهار الاِقتصادي الذي امتاز به عصر الدولة الرستميّة وضواحيها .. هذا الازدهار الذي مدّ جذوره إلى السودان وغانة ومالي وتشاد وسجلماسة، وشارك في نشر الاسلام في هذه الربوع التي لم يصل إليها الفتح الإسلامي إلاّ من خلال القوافل التجاريّة الآتية من شمال إفريقيّة. (1)
__________
(1) - لمزيد من المعلومات راجع: كتاب الدولة الرستميّة، للأستاذ بحاز إبراهيم. (1/30)
صفحة 31
2 - أمّا في عمان بالمشرق: فإنّنا نجده في عُمان قد عاصر إمامة غسان ابن عبد الله اليحمدي (ت 207 هـ) ــ وعبد الملك بن حميد (ت 226 هـ) ــ والمهنا بن جيفر (ت 277 هـ) ــ والصلت بن الملك الخروصي (ت 273 هـ) ــ وراشد بن النظر اليحمدي (ت 277 هـ) ــ وعزّان بن تميم الخروصي (ت 280 هـ)، ولقد كان الرخاء والاستقرار يسود عهود الأئمّة الأربعة الأولى بصفة عامّة لولا تقطّعه بفترات من الكوارث الطبيعيّة والبشريّة، أمّا في عهود الإمام الخامس فقد عمّت فيه الفوضى والتعصّب للقبيلة (عدناني، يماني) وبلغ أشدّه في عهد الأخير منهم فانتشرت الفتن الداخليّة بين القبائل وتوالت حتّى استنجد المضريون لخلع الإمام بعامل المعتضد العبّاسي محمّد بن بور في عمان فاستغل الخليفة الفرصة لاحتلال عمان فأمدّ الوالي بخمسة وعشرين ألف مقاتل فاسفرت المعركة عن قتل الإمام وعدد كبير من العمانيين منهم أربعمائة عالم إلى أن بويع لمحمّد بن الحسين الخروصي سنة 282 هـ، وثمانية آخرين إلى سنة 320 هـ. ومع ذلك لم تخل من علماء أجلاّء لهم باع طويل في التأليف والمناظرة مثل: موسى بن عليّ بن الحصين العنبري وبشير بن المنذر -أحد حملة العلم- ومحمّد بن محبوب بن الرحيل -الذي التقى به الشيخ عمروس في مكّة - وأبو المؤثر الصلت بن خميس وغيرهم كثير ... (1)
3 - أمّا في بغداد: فقد تعاقب على الخلافة الإسلاميّة هارون الرشيد (ت:193 هـ) ــ والأمين (ت:198 هـ) ــ والمأمون (ت:218 هـ) ــ المعتصم (ت:227 هـ) ــ والواثق (ت:232 هـ) ــ المتوكل على الله (ت:
__________
(1) - لمزيد من المعلومات راجع: كتاب عمان تاريخ يتكلَّم، لمحمَّد بن عبد الله السالمي وناجي عساف. والعقود الفضِّيَّة في أصول الإباضيَّة، للحارثي، ص 256. (1/31)
صفحة 32
247 هـ) ــ المنتصر (ت:284 هـ) ــ المستعين بالله (ت:252 هـ) ــ المعتزّ (ت:255 هـ) ــ المهتدي (ت:256 هـ) ــ المعتمد (ت:279 هـ) ــ المعتضد (ت:289 هـ).
وهذه القائمة الطويلة دليل على عدم الاستقرار السياسي في عاصمة الدولة العبَّاسيَّة، وهذا لا ينفي وجود ازدهار مرموق في الجانب العلميِّ والاقتصاديِّ.
4 - أمَّا في الأندلس: فقد شهد أواخر أيَّام عبد الرحمن الداخل (ت:172 هـ)، ثمَّ ولاية هشام الأوَّل (ت:181 هـ)، ثمَّ ولاية الحكم الربضي (ت:206 هـ)، ثمَّ ولاية عبد الرحمن الثاني (ت:238 هـ)، ثمَّ ولاية الأمير محمَّد الأوَّل (ت:273 هـ)، ثمَّ ولاية المنذر (ت:275 هـ)، ثمَّ ولاية عبد الله بن محمَّد (ت:300 هـ). وبذلك يكون قد عاصر أيَّام تكوُّن الدولة الأندلسيَّة وأيَّام شبابها التي لم تخل ازدواجيَّةً بين السلم والحرب مع الداخل والخارج، وبين الازدهار الاقتصادي والعلمي والتطوُّر الاجتماعي، فمثلاً عاصر عالم الطيران والكيمياء والفيلسوف الشاعر يحي الغزَّال، والأديب الكبير أحمد بن عبد ربّه. كما شهد عصره توسُّع مسجد قرطبة والتطوُّر العمراني بالأندلس.
غير أنَّ الشيخ فيما يبدو لم يكن له أيُّ اتِّصال بهذه الحركات الحضاريَّة في أطراف الدولة الإسلاميَّة، إلاَّ ما كان عرضًا في آخر حياته من حروب نفوسة مع الأغالبة، أو سفرًا قاصدًا أثناء لقائه مع ابن محبوب في مكَّة.
ولعلَّ السبب يكمن في اكتفائه بالحركة العلميَّة بالمغرب الإسلاميِّ، وكذا ارتقائه منصب الصدارة العلميَّة في هذه الحركة حينًا من الدهر. (1/32)
صفحة 33
شخصيات لامعة عاصرها الشيخ
أثناء جمع معلومات الترجمة عثرت على كثير من الشخصيات الإباضيَّة أو غير الإباضيَّة، ذات المكانة العلميَّة أو السياسية التقى بها الشيخ أو عاصرها، وهي مؤثِّرة في الأحداث بصورة أو بأخرى، خاصَّة في مواطن الإباضيَّة بالمغرب. ولعلَّك ــ أخي القارئ ــ قد التقيت مع أكثرها في الفقرات السابقة للترجمة، فرأيت من الأفضل أن أحصرها لك في هذه القائمة ليسهل عليك ضبط تأثيراتها المباشرة أو البعيدة في تكوين حياة الشيخ وترقيتها.
الشخصية ... علاقتها بحياة الشيخ ... مصادر ترجمتها
أبو الحسن الأبدِلاني ... الفقيه الشهير ومنجد تيهرت ... الشمَّاخي: السير، ص 172
أبو بكر بن أفلح ... إمام بتيهرت قُتل ابن عرفة في عهده ... الباروني: الأزهار، ص 222
أبو ذر أبان بن وسيم النفوسي ... والٍ على جبل نفوسة وعالم ... الباروني: الأزهار، ص 219
أبو عبيدة بن الأعرج ... فقيه من تيهرت ... الباروني: الأزهار، ص 243
أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني ... والٍ على جبل نفوسة ... الباروني: الأزهار، ص 143، 152
أبو مهاصر موسى ... عالم صحب الشيخ ... الشمَّاخي: السير، ص 198
أبو ميمون ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشمَّاخي: السير، ص 232، 269
أبو نصر التمصمصي ... عالم التقى به الشيخ ... الشمَّاخي: السير، ص 202
أحمد بن الحسين ... عالم التقى به الشيخ ... الشمَّاخي: السير، ص 328
أفلح بن العبَّاس النفوسي ... والٍ على جبل نفوسة وعالم ... الباروني: الأزهار، ص 245
أفلح بن عبد الوهَّاب ... إمام بتيهرت وعالم ... أبو زكرياء: سير، ص 85
أيُّوب بن العبَّاس ... والٍ على جبل نفوسة وفارسها ... الباروني: الأزهار، ص 152
إبراهيم بن أحمد الأغلبي ... قائد جيوش وقعة مانو ... أبو زكرياء: سير، ص 107 (1/33)
صفحة 34
إلياس النفوسي، أبو منصور ... والٍ على جبل نفوسة وعالم ... الباروني: الأزهار، ص 251
الطيِّب بن خلف بن السمح ... زعيم معارضة لوالي نفوسة ... الباروني: الأزهار، ص 277
بشر بن عانم، أبو غانم ... عالم من خراسان التقى بالشيخ ... ابن خلفون: أجوبة، ص 11
جنا التنزغتي ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشمَّاخي: السير، ص 203، 269
خلف بن السمح بن عبد الأعلى ... زعيم معارضة لإمامة أفلح ... الباروني: الأزهار، ص 168
داود بن ياجرين ... عالم من نفوسة ... الشمَّاخي: السير، ص 273
سدرات البغطوري، أبو القاسم ... عالم شارك في وقعة مانو ... الشمَّاخي: السير، ص 235
سدرات بن إبراهيم المساكني ... فقيه مفتٍ في نفوسة ... الشمَّاخي: السير، ص 230
سعيد بن أبي يونس القنطراري ... عالم شارك في وقعة مانو ... الشمَّاخي: السير، ص 214
سليمان الفرَّاء ... عالم التقى به الشيخ ... الشمَّاخي: السير، ص 262
شيبة ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشمَّاخي: السير، ص 269
عبد الله بن الخير، أبو محمَّد ... عالم وإمام مسجد ... الشمَّاخي: السير، ص 236
عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن ابن رستم ... إمام بتيهرت ومدرِّس بجبل نفوسة ... أبو زكرياء: سير، ص 56
ماطوس بن ماطوس ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشمَّاخي: السير، ص 265
ماطوس بن هارون ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشمَّاخي: السير، ص 265
محكَّم الهواري ... قاضٍ بجبل نفوسة ... الباروني: الأزهار، ص 210
محمَّد بن أفلح، أبو اليقظان ... إمام بتيهرت ومدرِّس ومجادل ... الباروني: الأزهار، ص 236
محمد بن طلس، أبو العبَّاس ... والي المأمون على مصر ومحارب نفوسة ... تاريخ العرب، ج 6، ص 39
محمَّد بن عبد الله، أبو عبد الله ... قاضٍ بتيهرت ... الباروني: الأزهار، ص 247
محمَّد بن عرفة ... صهر أبي بكر بن أفلح ومساعده ... الباروني: الأزهار، ص 223
محمَّد بن محبوب العماني ... عالم التقى به الشيخ في مكَّة ... ابن خلفون: أجوبة، ص 112
محمَّد بن يانس ... المفسِّر الشهير ومنجد تيهرت ... الشمَّاخي: السير، ص 165 (1/34)
صفحة 35
معبد ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشمَّاخي: السير، ص 242، 269
ملي الإيدرفي، أبو محمَّد ... عالم حاكم بجادو ... الدرجيني: طبقات، ص 333. الشمَّاخي: السير، ص 284
مهاصر السدراتي، أبو مرداس ... شيخ زاهد وقور التقى بالشيخ ... الشمَّاخي: السير، ص 174
مهدي النفوسي الويغوي ... المتكلِّم الشهير ومنجد تيهرت ... الشمَّاخي: السير، ص 170
ميال بن يوسف ... عالم وشهيد وقعة مانو ... الشمَّاخي: السير، ص 269
نفَّاث بن نصر النفوسي ... زعيم فرقة النفَّاثيَّة ومجادل ... الباروني: الأزهار، ص 195
هود بن محكَّم الهواري ... المفسِّر المشهور ... هود بن محكَّم: تفسير، مقدِّمة المحقِّق.
يزيد بن فندين ... زعيم معارضة ورئيس فرقة ... الباروني: الأزهار، ص 102
يوسف النفوسي، أبو بكر ... عالم بعد وقعة مانو ... الباروني: الأزهار، ص 282
يوسف بن محمَّد، أبو حاتم ... إمام بتيهرت وعالم ... الباروني: الأزهار، ص 265
ملاحظة:
ولا شكَّ أنَّني لم أستقص جميع هؤلاء الأعلام، وإنَّما على الأقلِّ جمعت لك أغلبهم، وقد اكتفيت بذكر مصدر واحد أو اثنين نظرًا لأنَّ أغلبها يأخذ بعضها من بعض.
هل هناك عمروس غيره في هذا الميدان؟
إنَّ المتصفِّح لكتب تاريخ الإباضيَّة يجد "عمروسيْن" غيره في المغرب، وثالثهما من الأندلس، ولكي نسلَّ شيخنا من بينهم كما تسلُّ الشعرة من العجين، يجدر بنا التعريف بهم للتمييز بينهم.
1 - أبو حفص عمروس بن عبد الله الزواغي: (1/35)
صفحة 36
ذكره الدرجيني في الطبقة التاسعة (400 - 450 هـ). (1) وقال عنه الشمَّاخي: «كان شيخًا مذكورًا في أهل الخير والصلاح». (2) وله حِكم وفتاوى مبثوثة في كتب اللقط والمعلَّقات.
2 - أبو حفص عمروس اليفرني:
قال الشمَّاخي: «وقيل إنّ أهل أمرساون ذبحوا بقرة ولم تتحرّك فسألوا الشّيخ عمروس اليفرني وكان بتميجار .. فقال: اجعلوا قطعة من لحمها في الماء فإن نزل فكلوه وإن طفا ولم ينزل فلا تأكلوها» (3).
وحسب التّراجم التي بعده وقبله يبدو أنّه من علماء الخمسين الثّانية من القرن السّابع الهجري وأوائل القرن الثّامن الهجري.
3) - عمروس الأندلسي:
كان واليا على طليطة أيّام الحكم بن هشام الأوّل على قرطبة (180 - 206 هجري) وعمروس هذا من أصل إسباني وهو مدبّر فتنة طليطلة ــ يوم الحفرة ــ إذ أقام مذبحة ضدّ الثورة التي ثارت على حكم البيت الأموي في الأندلس .. فخمدت الأوضاع مؤقّتا لكن سرعان ما تحوّلت إلى عصيان مدني عصف بالاِستقلال الداخلي أكثر من ربع قرن (4).
وعليه فإنّه من الواجب عليك ــ أخي القارئ ــ أن لا تحسب الشّحم
__________
(1) - الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 403.
(2) - الشمَّاخي: السير، ص 495.
(3) - الشماخي: السير، ص 552.
(4) - د. حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص 278. (1/36)
صفحة 37
فيمن لحمه ورم .. وطبعا لابدّ أن تميّز بين صاحب المخطوط وهؤلاء الثّلاثة وغيرهم ممّن لا أعرفهم بالسيّاق والسّباق والقرائن، {أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}. (1)
المراجع المعتمدة في الترجمة
1 - أبو العبَّاس أحمد بن سعيد الشّماخي: كتاب السّير، ط حجرية، القاهرة، 1301 هـ / 1884 م.
2 - أبو العبّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني: كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، ت. إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة، الجزائر، 1975 م.
3 - أبو زكريّاء يحي بن أبي بكر الورجلاني: كتاب سير الأيمة وأخبارهم، ت. إسماعيل العربي، مطبعة أحمد زبانة، الجزائر، 1399 هـ / 1979 م.
4 - أبو يعقوب يوسف بن إبرهيم الورجلاني: الدّليل والبرهان، ط حجرية، البارونيّة، مصر، 1306 هـ / 1889 م.
5 - أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي: قواعد الاسلام، ت. عبد الرحمن بن عمر بكلّي، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1397 هـ / 1977 م.
6 - أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي: قناطر الخيرات، ت. عمرو خليفة النامي، القسم الأوّل، الطبعة الأولى، مطبعة الاستقلال
__________
(1) - سورة الحجرات: 06. (1/37)
صفحة 38
الكبرى، القاهرة، 1385 هـ / 1965 م.
7 - عبد الله بن يحيى الباروني: رسالة سلّم العامّة والمبتدئين إلى معرفة أئمّة الدين، ت. سليمان باشا الباروني، مطبعة النجاح، مصر، 1324 هـ / 1906 م.
8 - علي يحي معمّر: الإباضية في موكب التاريخ، ج 2، الإباضية في ليبيا، القسم 1، مكتبة وهبة مصر، 1384 هـ / 1964 م.
9 - أبو محمد عبد الله بن حميد السّالمي: اللمعة المرضية في أشعّة الإباضية، ضمن مجموعة ستّة كتب، غرداية، الجزائر.
10 - سالم بن محمّد الحارثي: العقود الفضّية في أصول الإباضيّة، دار اليقظة العربيّة، سوريا، لبنان، 1394 هـ / 1974 م.
11 - سليمان بن عبد الله الباروني: الأزهار الرياضيّة في أئمّة وملوك الإباضيّة، مطبعة الأزهار البارونيّة.
12 - أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي: الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخلّ به كتاب الطبقات، ط. حجريّة، القاهرة، 1302 هـ / 1885 م.
13 - أبو زكرياء يحيى بن أبي الخير الجناوني: كتاب الوضع، ت. أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش، ط 1، مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة، مصر.
14 - أبو الرّبيع سليمان بن عبد السّلام الوسياني: سير مشايخ المغرب، ج 1، مخطوط بدار التلاميذ بالعطف، غرداية، الجزائر. (1/38)
صفحة 39
15 - إبراهيم بن بكير بحّاز: الدّولة الرّستمية، مطبعة لافوميك، الجزائر.
16 - محمّد بن عبد الله السّالمي وناجي عسّاف: عمان تاريخ يتكلّم، المطبعة العمومية، دمشق، 1383 هـ / 1969 م.
17 - ابن عذاري المراكشي: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ج 1، ت. ج. س. كولان و إ. ليفي بروفنسال، ط 2، دار الثقافة، بيروت، 1980 م.
18 - د. حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، مؤسّسة المعارف للطباعة والنّشر، بيروت، ط 1، 1397 هـ / 1977 م.
19 - دار الكتب طرابلس، دليل المؤلّفين العرب الليبيين، مطابع الثورة بنغازي، ليبيا، 1397 هـ / 1977 م.
20 - الحسن بن محمد الوزّان الفاسي: وصف إفريقيا، ترجمة محمّد حجّي محمد الأخضر، ط 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1403 هـ / 1983 م.
21 - د. محمد أسعد طلس: تاريخ العرب، ج 6، ط 3، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، 1403 هـ/1983 م. (1/39)
صفحة 40
[صفحة بيضاء] (1/40)
صفحة 41
القسم الثاني
حول التعريف بالمخطوط وإثباته (1/41)
صفحة 42
[صفحة بيضاء] (1/42)
صفحة 43
إثبات نسبة المخطوطة إلى المؤلّف
هذا المخطوط النّفيس أثبت نسبته إليه القدماء والمحدثون من المؤرّخين والمحقّقين الإباضية وغيرهم، نذكر منهم:
1) - أبو زكرياء يحي بن أبي بكر الورجلاني (ت: 471 هـ) في كتاب سير الأيمة وأخبارهم قال: «وكان عمروس عالما كبيرا له كتابان في الأصول والفقه .. » (1).
2) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت: 570 هـ) في الجزء الثاني من كتاب الدليل والبرهان قال: «وأمَّا قول عمروس فيما يسع الناس جهله فيما ضيَّقه المشايخ على الناس وسَّعه هو، قال عمروس: «والذي يسع جهله من الإيمان حتَّى يحلَّ تفسيره، فما كان من تفسير جملة التوحيد، مثل إنفاذ الحدود على الله عزَّ وجلَّ». (2) فهذه العبارة مأخوذة من هذا الكتاب نفسه، فراجعها في ص [11] من المخطوط الأمِّ.
وكذلك ذكر عبارة أخرى من هذا الكتاب نفسه: «إنَّما يقيم الحجَّة في دين الله العالم الغاية الذي لا يوجد على قوله مزيد ... ». (3) فراجعها في المتن.
3) - أبو القاسم بن إبراهيم البرّادي (ق 9 هـ / 15 م) ذكره في الرسالة التي ألّفها في تقييد كتب الإباضية (المشارقة وأهل جبل نفوسة والمغاربة) ..
__________
(1) - أبو زكرياء: كتاب سير الأيمة وأخبارهم، ص 99.
(2) - الوارجلاني: كتاب الدليل والبرهان، ج 2، ط. البارونية، مصر، 1306 هـ، ص 14.
(3) - المصدر نفسه: ص 77. (1/43)
صفحة 44
حيث استهلّ به ــ تآليف جبل نفوسة ــ فقال: «وأما تواليف أصحابنا أهل الجبل فمنها كتاب الشّيخ أبي حفص عمروس بن فتح من أهل القرن الثالث ... » (1)
4) - أبو العبّاس أحمد بن عبد الواحد الشّماخي (ت: 928 هـ) في كتاب السير قال: «وبعث إليه بعض الأشياخ المتكلّمين من أهل فزّان أن يؤلِّف له كتابا في الأصول فكتب إليه الكتاب المعروف بالعمروسي ... » (2).
5) القطب امحمَّد بن يوسف اطفيَّش (ت: 1332 هـ) استشهد ببعض نصوص هذا الكتاب في موسوعته شرح النيل وشفاء العليل؛ وحتَّى صاحب المتن عبد العزيز الثميني رحمهم الله جميعًا (3).
6) الدكتور عمرو خليفة النامي (؟) ذكره برقم 12، ضمن قائمة المخطواطات التي ضبطها عام 1970 م، حيث رآها في زيارته إلى مناطق الإباضية في شمال إفريقيا عام 1968 م (4).
7) -عبد الرحمن بن عمر بكلي (البكري ــ محبِّس مكتبة البكري التي أخذت منها مخطوطة (ب) ــ ت: 1986 م)، تقبّل الله منه وأجزل
__________
(1) - انظر كتاب الموجز لأبي عمّار عبد الكافي الإباضي الذي حقّقه د. عمّار طالبي بعنوان "آراء الخوارج الكلامية"، ج 2، مطابع الشروق، بيروت، نشر الشّركة الوطنية للنّشر والتوزيع، الجزائر 1978 م، ص 287، وانظر الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخلَّ به كتاب الطّبقات لأبي القاسم بن ابراهيم البرادي، الطبعة البارونيّة، مصر 1301 هـ، ص 219، وانظر اللمعة المرضية من أشعّة الإباضية لعبد الله بن حميد السالمي ضمن مجموعة ستّة كتب، ص 85.
(2) - الشماخي: السير، ص 229.
(3) - انظر مثلاً: ج 4، ص 9. وقارنها بصفحة [19] من مخطوط هذا الكتاب. ج 14، ص 612، وقارنها بصفحة [25] من مخطوط هذا الكتاب.
(4) - Journal of Islamic studies: Adescription of new Ibadi manuscripts from North Africa , by A. K. Ennami , p. 80. (1/44)
صفحة 45
مثوبته، قال في تحقيقه لكتاب "قواعد الإسلام" للشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي: « ... فترك لنا كتبا قيّمة ... وكتاب الدّينونة ... » (1).
بطاقة تعريف تقنية عن النسخ المعتمدة
وصف المخطوطة (أ)
مكانها: هي عبارة عن ورقة مزدوجة انفصلت عن مجموع المخطوطة، وجدتها في مجموعة من مخطوطات شيخنا الناسخ: الحاج سعيد الحاج محمَّد بن باحمد العطفاوي، رحمه الله رحمة واسعة (ت: 1411 هـ/1990 م) في مكتبته بالعطف.
بدايتها: « ... مملوكًا وذلك لقوله تعالى: {لكي لا يكون دولة بين الاغنيآء منكم} ... ».
نهايتها: « ... فلمَّا كان هذا هكذا ثبت أنَّ الإقامة إنَّما هي الوقت ... تمَّ الكتاب والحمد لله ربِّ العالمين، على كاتبه لنفسه».
عدد الأوراق: 4 صفحات تامَّة لكنَّها ممزَّقة من فوق.
مقاسها: 17,7 سم×24 سم.
__________
(1) - ج 1، ط 1، المطبعة العربية، غرداية،1976 م، ص 12. (1/45)
صفحة 46
عدد الأسطر: 26 سطرا في كلِّ صفحة.
خطُّها: مغربي مفهوم واسع، لولا انفساخ عام طرأ على صفحاتها بعوامل الزمن، ويتخلَّله اللون الأحمر في عناوينها.
ناسخها: باحمد بن الحاج قاسم بن دادي حنِّي بن باحمد بن عيسى بن الحاج سعيد العطفاوي.
تاريخ النسخ: يوم 11 رمضان المعظَّم 1296 هـ.
وصف المخطوطة (ب)
مكانها: يقع نص المخطوطة (ب) الذي نقلت منه هذا الأصل ضمن مجلَّد تحفظه لنا مكتبة البكري ــ العطف ــ ولاية غرداية (الجزائر) برقم [م 31/ع 1]. وبعدها كتاب فيه فوائد أخذت من شرح الشيخ عمرو بن رمضان الجربي التلاتي.
بدايتها: «بسم الله الرحمن الرحيم. صلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا. كتاب فيه أصول الدينونة الصافية، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح - رضي الله عنه - وقدَّس روحه.
الحمد لله أرانا الحقَّ ببرهانه، وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة ... فهذه محنة الفصل بين التوحيد وجميع ملل الشرك الخمسة ... ». (1/46)
صفحة 47
نهايتها: « ... ووجوه تربيته تعالى لخلقه لا يحيط بها إلاَّ هو ... فلمَّا كان هذا هكذا أثبت أنَّ الإقامة إنَّما هي الوقت ... تمَّ الكتاب والحمد لله ربِّ العالمين ... ».
عدد الأوراق: 24 ورقة أي 47 صفحة.
مقاسها: 21,5 سم × 16 سم.
عدد الأسطر: 24 أو 25 سطرا في كلِّ صفحة.
خطُّها: مغربي مفهوم، ويتخلَّله اللون الأحمر للعناوين والفقرات.
ناسخها: لم يذكر في نهايته وإنَّما أخذته من المخطوط الذي قبله، لتشابه الخط، وهو حاجُّ بن محمَّد بن بكلِّي.
تاريخ النسخ: لم يذكر في نهايته وإنَّما أخذته من المخطوط الذي قبله، لتشابه الخط. وهو يوم الخميس 1 ربيع الثاني 1275 هـ.
قيمتها: تتمثَّل في أنَّها تامَّة وفي وضوح خطِّها رغم كثرة أخطائها النحويَّة والنسخيَّة.
وصف المخطوطة (ج)
مكانها: يقع نص المخطوطة (ج) التي قابلتها على هذا الأصل وصحَّحته عليها في بدايته، مصوَّرة صورة طبق الأصل، تحفظها لنا مكتبة المدرسة الجابريَّة ببني يزقن ــ ولاية غرداية ــ (الجزائر). بعدها: مخطوطة رسالة الحقائق للشيخ أبي القاسم بن إبراهيم البرادي ... وغيرها من متناثر الفوائد. (1/47)
صفحة 48
بدايتها: «بسم الله الرحمن الرحيم. صلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا. كتاب فيه أصول الدينونة الصافية، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح - رضي الله عنه - وقدَّس روحه.
الحمد لله أنار الحقَّ ببرهانه، وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة ... ».
نهايتها: « ... فلمَّا كان هذا هكذا ثبت أنَّ الإقامة إنَّما هي للوقت ... تمَّ الكتاب والحمد لله ربِّ العالمين ... ».
عدد الأوراق: 28 صفحة مرقَّمة وقد صوِّرت من وجه واحد.
مقاسها: 18 سم × 27 سم.
عدد الأسطر: 28 سطرا في كلِّ صفحة.
خطُّها: مغربي رقيق ومتعِب إلاَّ أنَّه مفهوم.
ناسخها: مجهول.
تاريخ النسخ: مجهول.
قيمتها: تتمثَّل في أنَّ الناسخ له دراية بالنحو، وأمين في النسخ وتامَّة. (1/48)
صفحة 49
عرض المخطوطة (د)
مكانها: توجد ضمن مجلد به مجموع مخطوطات قيمة في مكتبة الحاج بابكر ابن مسعود الغرداوي وهي عند حفيده الأستاذ بابكر بن الحاج يوسف.
بدايتها: «بسم الله الرحمن الرحيم وبه تستعين [كذا]، وصلَّى الله على سيِّدنا ومولانا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
كتاب فيه أصول الدينونة الصافيَّة، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح - رضي الله عنه - وقدَّس روحه.
الحمد لله الذي أنار الحقَّ ببرهانه ... »
نهايتها: «فلمَّا كان هذا هكذا ثبت أنَّ الإقامة إنَّما هي للوقت. تمَّ الكتاب والحمد لله في شعبان 6 سنة 1124».
عدد الأوراق: 19 ورقة.
عدد الأسطر: 25 سطرًا.
مقاسها: 22 سم × 16 سم.
ناسخها: حسب المخطوط الذي قبله والذي بعده هو السيد يحي بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الواحد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد الفناص اليفرني.
تاريخ النسخ: 6 شعبان 1124 هـ. (1/49)
صفحة 50
خطُّها: مغربيٌّ واضح.
مدادها: أسود وأحمر.
ملاحظة: في وجه كلِّ ورقة منها مكتوب: «وقف على المصعبيِّين».
قيمتها: أنَّها تامَّة، وخطُّها واضح، وتاريخ نسخها أقدم ما في أيدينا من النسخ، وأهمُّ ما تمتاز به الدقَّة في الضبط وقلَّة الأخطاء. لذلك اعتمدناها أمًّا لباقي النسخ.
وصف المخطوطة (هـ)
مكانها: توجد ضمن مجلد به مجموع مخطوطات قيمة بمكتبة الحاج بابكر ابن مسعود الغرداوي وهي عند حفيده الأستاذ بابكر بن الحاج يوسف.
بدايتها: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا.
كتاب فيه أصول الدينونة الصافيَّة، تأليف الإمام الفقيه عمروس بن فتح - رضي الله عنه - وقدَّس روحه.
الحمد لله الذي أنار الحقَّ ببرهانه ... »
نهايتها: «فلمَّا كان هذا هكذا أتبث [كذا] أنَّ الإقامة إنَّما هي للوقت.
ثمَّ [كذا] الكتاب».
عدد الأوراق: 28 ورقة. (1/50)
صفحة 51
عدد الأسطر: بين 23 و 24 سطرًا.
مقاسها: 21 سم × 16 سم.
ناسخها: مجهول
تاريخ النسخ: مجهول ويحتمل أنَّها نسخت في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر بعد السابقة.
خطُّها: مغربيٌّ واضح.
مدادها: بنِّي وأحمر.
ملاحظة:
... * تنقصها ورقة واحدة بين صفحة 40 و 41.
... * بداية المخطوطة لا بأس به من حيث نقص الأخطاء، ولكنَّها في الوسط والآخر مليئة بالأخطاء الإملائيَّة والنحويَّة وغيرها ...
... * بعدها نصف صفحة بها فوائد في الأذكار.
قيمتها: أنَّها تامَّة إلاَّ خرم ورقة واحدة، وخطُّها واضح، وتاريخ نسخها يبدو أنَّه قديم نسبيًّا.
ملاحظة عامَّة عن النسخ المعتمدة:
نلاحظ أنَّ النسختين (ب) و (جـ) كثيرًا ما تتَّفقان على مواضع الخطإ، أو السقط ... مِمَّا يجعلنا نرجِّح أنَّهما من أصل واحد، أو أنَّ إحداهما أمًّا للأخرى. (1/51)
صفحة 52
ونفس الملاحظة يمكن أن تقال عن النسختين: (د) و (هـ). فهما من أمٍّ واحدة. ورغم قِدم (د) أكثر من (هـ) فإنَّه يستبعد أن تكون أمَّا لها، لأنَّ في الثانية بعض الإضافات غير موجودة في الأولى.
إثبات عنوان الكتاب
لقد ورد عنوان الكتاب في النسخ المعتمدة على لفظين: في (ب) و (د) كتب: "أصول الدينونية الصافية" بالياء بعد النون الثانية ... وفي نسخة (هـ) ضبط بلفظ "أصول الدينونة الصافية" بدون ياء بعد النون الثانية، وهو الأصوب لما يلي:
1 - أنَّ هذه النسخ كلّها تتَّفق في العبارة التي ختم بها باب العقيدة قائلا: «وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية» (1).
2 - من الجانب اللغوي في المعاجم لا نجد المصدر في كلمة "دان" إلاَّ بلفظ "ديانة ودينونة" لا "دينونية" على صيغة النسبة، ولا مجال للنسبة في هذا المكان ويرد في تعابير الفقهاء قولهم: «فعل هذا دينونة» (2). أو: «قاله دينونة» أي اعتقادا صحيحًا.
3 - لقد ورد هذا العنوان بلفظ "الدينونة" عند بعض المحقِّقين المتأخِّرين مثل الشيخ عبد الرحمن بكلِّي والشيخ فرحات الجعبيري والدكتور عمرو النامي ... بينما المتأخرون منهم لم يورده أحد بهذا الاسم إلاّ النسّاخ.
__________
(1) - انظر ص [13] من المخطوط.
(2) - انظر قوله: «ومن قتل بالدينونة» ص [27] من المخطوط. (1/52)
صفحة 53
فأميل إلى أنَّ النسّاخ هم الذين وضعوا هذا العنوان له وقد اقتبسوه من وسط الكتاب ... والله أعلم بالصواب.
عرض المخطوطة
تنقسم المخطوطة إلى ثلاثة أبواب رئيسيَّة هي:
1 - قسم العقيدة.
2 - قسم العبادات.
3 - قسم المعاملات.
وفي كلِّ قسم تظهر عناوين مهمَّة جامعة لمعلومات ذات محور واحد، تمتاز:
... 1 - بضبط الحُكم مباشرة ولو بدون دليل شرعيٍّ في بعض الأحيان، اعتمادًا على الدليل العقلي الموضوعي.
... 2 - كما أنَّ أسلوب الجدال والردِّ على مناقض رأي المذهب الإباضي؛ ومقارعة الحجَّة بالحجَّة كان سيِّد الموقف في أغلب الأبواب. ولكنَّه كان أكثر وضوحًا في باب العقيدة لأنَّه الميدان الخصيب لذلك النوع من الأساليب.
... 3 - ومِمَّا يلاحظ أيضًا في نصوص هذا الكتاب هو تسليط الضوء على بعض القضايا التي كانت محلَّ خلاف أو اعتناء في أوساط الإباضيَّة خاصَّة سكَّان جبل نفوسة؛ بحيث إذا عرضناها على واقع هذه المنطقة اتَّضح لنا وجه الموافقة، فمثلاً: نجد مسألة الزكاة وبالضبط قسم الأنعام (1/53)
صفحة 54
منها وقع فيها الإطناب والتوضيح بصورة ملفتة للانتباه، والسبب واضح في أنَّ المنطقة كانت منطقة رعي ورعاة وزهَّاد.
والمثال الآخر: يتَّضح لنا جليًّا في عرض فريضة الحجِّ عرضًا واسعًا أكثر من جميع الفرائض الأخرى، وخاصَّة مسألة «منهيات الإحرام وكفَّاراته»، لعلَّ السبب يرجع أيضًا إلى واقع نفوسة التي وصف أهلها «بأنَّهم أكثر الناس حجًّا وأزكاهم نهجًا، حتَّى إنَّهم كانوا يحجُّون بالنساء والذرِّيَّة». (1)
4 - كما نلاحظ أنَّ هذه الأحكام قد اعتنت بجانب كبير من المعاملات الماليَّة ــ سلبًا وإيجابًا ــ مثل الغنائم والمواريث التي تنتج عن كثير من الحروب التي خاضتها نفوسة في جبل نفوسة وفي تيهرت ــ بالجزائر ــ إذ أنَّ أكثر إمدادات الحروب إلى الحكم الرستميِّ كانت من شُراة نفوسة الشجعان.
كما أنَّ تفصيل الكلام في قضيَّة قطَّاع الطرق والقصاص يبيِّن لنا الأجواء التي كانت تعيشها منطقة المغرب بصفة عامَّة من كثرة الغارات، والاعتداءات على الأموال والأنفس والثمرات، سواء بين القبائل في الداخل أو مع الجيران في الخارج كالأغالبة ...
5 - والملاحظة الأخيرة التي لا شكَّ أنَّك أخي القارئ قد اكتشفتها أثناء تصفُّحك لفهرس الكتاب هي غياب الترتيب التسلسلي لمسائل بعض الفصول والأبواب. مثل وجود «مسألة سنن الختان والأذان» في آخر
__________
(1) - الوسياني: سير (مخ)، ج 1، ص 6؛ الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 325؛ الشمَّاخي: السير، ص 228. (1/54)
صفحة 55
الكتاب رغم أنَّهما من مسائل الطهارة والصلاة. وسوف لا تكترث لمثل هذه الملاحظة إذا عرفت أنَّها ميزة أغلب الكتابات الإباضيَّة في ذلك العصر، سواء في التاريخ أو الشريعة (1).
القيمة العلميَّة للمخطوطة
يمكن لي أن أحصر القيمة العلميَّة لهذا الكتاب في أربع نقاط أساسيَّة هي:
1 - تساهم في كشف جوانب هامَّة عن التأليف عند الإباضيَّة في عهد الدولة الرستميَّة، هذه الدولة التي أبيدت معالمها من الجذور بعد أن أحرق الفاطميُّون مكتبتها «المعصومة» العظيمة، لولا وجود كتب محفوظة هنا وهناك، يتوارثها الأبناء عن الآباء في جوٍّ من السرِّيَّة والحيطة المتناهيين، إلى أن وصلتنا، مثل هذا الكتاب.
2 - أنَّها توضِّح لنا جوانب عن شخصية أحد الأعلام المغمورين في التاريخ الإسلاميِّ للقرن الثالث الهجري؛ هذه الشخصيَّة التي ظلَّت مضرب المثل عبر القرون ــ للجدِّ والنشاط واغتنام الفرص ــ فبارك الله في عمر الشيخ عمروس لإخلاص نيته في خدمة الإسلام ونفع عيال الله.
3 - لها فضلها في الحفاظ على نصوص من مدوَّنة أبي غانم الخراساني، بل تلخيص بعضها تلخيصًا يتناسب مع طريقة التأليف في المغرب الإسلاميِّ، إذ أنَّها تعرض الإسلام على قوم عجم ليس لهم باع
__________
(1) - لاحظ كتاب: بدء الإسلام وشرائع الدين، لابن سلاَّم الإباضي، تح. ق. شفارتز والشيخ سالم بن يعقوب. والكتاب في التاريخ أصلاً، وإنَّما سوف تجد فيه العقيدة والشريعة. (1/55)
صفحة 56
عريض في اللغة العربيَّة، فيبسط لهم الكلام ويمدِّده. (1)
4 - إذا استعرضنا نصوص الكتاب إلى المنهجيَّة العلميَّة في التأليف وجدناها لا تفقد حظَّها من ذلك، إذ أنَّها: تعتمد على الدليل الشرعي والعقليِّ في أحكامها، وتستعمل السند ــ ولو كان عامًّا ــ في إثبات الترجيحات والاجتهادات الخاصَّة لكلِّ مدرسة، واختيار العبارات الواضحة، حتَّى يتمكَّن العامِّيُّ من فهمها.
أمَّا النقطة التي نفتقرها في المصادر التي تحدَّثت عن الشيخ وآثاره، فهو إظهار سبب تأليف هذا الكتاب بصورة مباشرة. ولعلَّ السبب مذكور داخل الكتاب ولكنَّه غير كافٍ: «وأردت أن أقصد بكتابي إلى بعض أمور تكون فيه الحاجة مِمَّا كلَّف الله به العباد». (2)
ولعلَّه يرجع إلى عدم معرفة هذا الكتاب بعنوانه هذا منذ القديم، والله أعلم بالحقيقة.
------------------------------
[ملاحظة: صفحات صور المخطوطات لم تنشر]
الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة شيخنا الحاج محمَّد بن باحمد رحمه الله (أ)
الصفحة الأولى من نسخة مكتبة البكري (ب)
الصفحة الأخيرة من نسخة (ب)
الصفحة الأولى من نسخة مكتبة المدرسة الجابريَّة (ج)
الصفحة الأخيرة من نسخة (ج)
الصفحة الأولى من نسخة (د)
الصفحة الأخيرة من نسخة (د)
__________
(1) - قارن: أوقات الصلاة، صلاة الجماعة، زكاة الإبل، زكاة الفطر، الأذان ... بما في مدوَّنة أبي غانم الخراساني.
(2) - انظر ص [10] من المخطوط. (1/56)
صفحة 57
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين (1).
وصلَّى الله على سيِّدنا ومولانا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
[القسم الثالث]:
كتاب فيه أصول الدينونة الصافية
تأليف
الإمام الفقيه
عمروس بن فتح رضي الله عنه وقدَّس روحه
__________
(1) - في (د) «وبه تستعين». وهو تصحيف. (1/57)
صفحة 58
[مقدِّمة الباب الأوَّل
مسائل في العقيدة]
[مقدِّمة]
الحمد لله الذي أنار (1) الحقّ ببرهانه وأوضح منهاجه بالحجج المنيرة التي قطع الله بها عذر المبطلين، وشهد بها على أعدائه بما أراد عزّ وجلّ، لئلاَّ يكون للعاصين (2) في معصيته عذر، ولا يهلك من هلك إلاّ بعد إعذار وإنذار، بعث رسله تترى، وأنزل كتبه تُتلى {لئلاَّ يكون للناسِ على اللهِ حجَّة بعد الرسلِ وكان اللهُ عزيزا حكيمًا} (3)
{ليهلِك مَن هلكَ عن بيِّنةٍ ويحيَى مَن حيِيَ عن بيِّنةٍ، وإنَّ اللهَ لسميعٌ عليمٌ} (4)
وإنَّ الناس لم يختلفوا في شيءٍٍ قط إلاَّ وقد بيَّنه الله في كتابه: {ولكن (5) يُّضِلُّ من يشاءُ ويهدي من يشاء} (6) {فمن يُّردِ اللهُ أن يَّهديَه يشرحْ صدرهُ للاِسلامِ} (7) {فهوَ على نورٍ مِّن رَّبِّه} (8) {ومن يُّردَ اَن يُّضلَّه
__________
(1) - في (ب): «أرانا».
(2) - في (د): «للعاصين».
(3) - سورة النساء: 165.
(4) - سورة الأنفال: 42.
(5) - في (د) (هـ): «ولكنَّ الله يضلُّ ... » وهو خطأ إذ لا توجد آية هكذا.
(6) - سورة النحل: 93.
(7) - سورة الأنعام: 125.
(8) - سورة الزمر: 22. (1/58)
صفحة 59
يجعلْ صدرهُ ضيِّقًا حرِجًا كأنَّما يصَّعَّدُ في السمآءِ} (1) فلا يصل إليه الخير، فهو على شبهةٍ من أمره.
شرع الله دينه وبيَّنه وأخذ على جميع مَن علَّمه إياه (2) الميثاق {لَتُبَيِّنُنَّهُ للناسِ ولا تكتُمونه} (3)
وقد عيَّر الله تعالى قومًا لم يفعلوا ذلك، فقال عزَّ وجلَّ: {فنَبذُوهُ ورآءَ ظُهورهم واشتروا به ثمنًا قليلاً} (4)
وقوله: {إنَّ الذين يكتمون مآ أنزَلنا من البيِّنات ... } إلى قوله: {ويلعنهم اللاَّعنون} (5)
[مسائل في العقيدة]
[المعاملة بين الموحَّدين]:
فأوَّل ما نحن ذاكروه: الإقرار لله بالوحدانية وأنَّه لا يشبهه شيءٌ من خلقه، وليس له شريك، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به أنَّه الحقُّ من اللهِ، فمن أقرَّ بهذا فقد خرج من الشرك، فهذه محنة (6) الفصل بين التوحيد وجميع ملل الشرك الخمسة؛ (7) وإلى هذه (8) كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم يدعو المشركين، فمن استجاب له كان مسلما؛ ثمَّ ابتلاهم الله بعد
__________
(1) - سورة الأنعام: 125.
(2) - في (هـ) سقط: «إياه».
(3) - سورة آل عمران: 187.
(4) - سورة آل عمران: 187.
(5) - سورة البقرة: 159. وفي (هـ): « .. ما أنزل الله من البيِّنة .. » وهو خطأ.
(6) - المحنة: الصفاء والنقاء.
(7) - إشارة إلى: المشركين، اليهود، النصارى، المجوس، والصابون.
(8) - في (هـ): «هذا». (1/59)
صفحة 60
ذلك بالفرائض، ومحَّصهم بها، فقال عزَّ وجلَّ: {ألَمِ أحَسِب الناسُ أنْ يُّتركوا أنْ يَّقولوا ءامَنَّا وهمْ لا يُفتنُون ... } (1) بغير الابتلاء، (2) إلى قوله: {فلَيَعلَمنَّ (3) اللهُ الذينَ صدقوا} في عمل ما أقرُّوا به، وهم المؤمنون، {ولَيَعلَمنَّ الكاذِبين} (4) أهلَ الخيانة والتضييع لعمل ما أقرُّوا به. فسمَّاهم الله منافقين، اسمًا لم يسمِّ به أحدا من ملل الشرك، فيهم كانت الحدود، فهم مع المؤمنين، جرت بينهم الحقوق من المناكحة والموارثة، وأكل الذبائح، والمدافنة [02] مع المسلمين، وقبول الشهادة، والقيام على جنائزهم، والحجِّ معهم، والقِصاص، وتسويتهم في القود (5) والدية، فهم بإقرارهم مع المسلمين في الأحكام. لا يبطل منهم بنفاقهم إلاَّ ما أبطله القرآن، من تحريم وَلايتهم، وتسميتهم بالإيمان وقد نفاه الله عنهم، وتسميتهم بالكفر والنفاق، (6) وتحريم التسمية لهم بالشرك، ما لم ينكروا ما أقرُّوا به (7) مِن التوحيد، وإن كان الكفر يجمعهم.
فكان الناس على ثلاث (8) منازل، كما قال الله تبارك وتعالى: {إنَّا عرضنا الاَمانة على السمواتِ والاَرضِ والجبالِ فأبيْنَ أن يَّحمِلنَها وأشفقنَ منها
__________
(1) - سورة العنكبوت: 1 - 3.
(2) - في (د): «الابتلى».
(3) - في (هـ): «وليعلمنَّ». وهو خطأ.
(4) - سورة العنكبوت: 1 - 3.
(5) - في (ب) و (جـ): «القعود» والصواب ما أثبتناه من (د) و (هـ).
(6) - قوله: «وتسميتُهم بالكفر والنفاق ... » معطوف على قوله: لا يبطل، ولا يدخل في الاستثناء، أي يجوز تسميتهم بالكفر ــ كفر نعمة ــ وبالنفاق.
(7) - في نسخة (ب): «ما قرُّوا». وهو تحريف.
(8) - في (هـ): «ثلاثة». (1/60)
صفحة 61
وحملهَا الاِنسانُ إِنَّه كانَ ظَلومًا}: لنفسه {جَهولاً}: لأمر ربِّه ... ثمَّ قال: {لِيُعذِّبَ اللهُ المنافقين والمنافقاتِ والمشركين والمشركاتِ}: فهذه منزلتان في الكفر، {ويتوبَ اللهُ على المومنينَ والمومناتِ}: أهل الوفاء بالقول والعمل {وكان الله غفورا رَّحيما} (1)
[المنزلة بين المنزلتين]:
فهذه ثلاث (2) منازل في الخلق معروفة بأسمائها، مختلفة في أحكامها ومنازلها، ومن عدل الله أن يجمعهم من حيث اجتمعوا، ويفرِّقهم من حيث افترقوا.
*والمشرك: المنكر للقول والعمل.
*والمنافق: المقرّ بالقول المضيّع للعمل.
*والمؤمن: الموفي (3) بما أقرّ به من القول والعمل.
ولا يسمّى أهل النفاق بالشرك، وإن كان يجمعهم اسم الكفر؛ كما لا يسمَّى أهل الشرك بالنفاق، وإن كانت النار تجمعهم واسم الكفر ... فهم كما قال الله: {مُذَبذَبين بين ذلك لآ إلى هؤلآء ولآ إلى هؤلآء} (4) لا هم مع المؤمنين في الاسم والثواب، ولا هم مع المشركين في الحكم والسيرة، قال الله: {ما همْ مِّنكم ولا منهم} (5).
__________
(1) - سورة الأحزاب: 73.
(2) - في (هـ): «ثلاثة».
(3) - في (د): «الموفِ» وهو خطأ إذ لا موجب لحذف الياء.
(4) - سورة النّساء: 143.
(5) - سورة المجادلة: 14. (1/61)
صفحة 62
وندعوهم إلى ترك ما به ضلّوا وكفروا، فمن أبى قبول ما دعوناه إليه وردّ دعوتنا، وسفَّه مقالتنا، وبايَن مناصبتنا (1) استحلَلْنا قتالَه، ولا نجاوز سفك دمائهم إلى غنيمة أموالهم وسبي (2) ذراريهم، محرّم ذلك علينا، لإقرارهم بتوحيد ربّهم، ولا يحرم منهم شيء ممّا كان أحلّ لنا منهم، إلاّ الولاية وتسميتهم بالاِسم الذي زال عنهم من اسم الإيمان؛ وإنّما كان السبي والغنيمة في أهل الشرك، وقد حكم الله بذلك أحكاما، وسار فيها نبيّ الله بسيرة معروفة، اتّبعها المؤمنون (3) حين ابتلوا، فكنّا أتْباعًا غير مبتدعين ...
[معاملتنا لأهل الكتاب]
وننزِّل أهل الكتاب حيث أنزلهم الله: أن يقاتلوا حتَّى يقرّوا بالجزية عن ذلّ وصغار، ونستحلُّ منهم إذا أقرّوا بالجزية نكاح الحرائر منهم (4) ـ وهم أهل الملل الثلاث: اليهود والصّابون والنّصارى ـ، وقد قال الله في كتابه: {قاتلوا الذين لا يومنون بالله ولا باليوم الآخر .. } إلى قوله: {عن يَّدٍ وهم صاغِرون} (5) يعني: عن ذلٍّ وهم صاغرون (6).
وقال: {أُحِلَّ لكم الطيِّبات}: [03] يعني الحلالَ كلَّه، {وطعام الذين أوتوا الكتاب}: يعني ذبائحهم، ثمّ قال: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب}:
__________
(1) -المناصبة: المقاومة والعداوة.
(2) - في (د) و (هـ): «وسبا» وهو جائز، فهو من سبى يسبي سباءً، وإنَّما حذفت الهمزة على عادة غالب النسَّاخ المغاربة على الخصوص. وصحَّحناها هنا وفيما سيأتي تماشيًا مع ما يجري في الألسن. ولم نشر إلى ذلك في الهامش لكثرة ورودها.
(3) - في (هـ): «المسلمون».
(4) - في (هـ): «من نسائهم».
(5) - سورة التوبة: 29.
(6) - في (ب) سقط: «يعني عن ذلٍّ وهم صاغرون». (1/62)
صفحة 63
يعني الحرائر منهم، {إذآ ءاتيتموهنَّ أجورهنَّ}: أن تتزوّجوهنّ بمهورهنّ، فتبيَّن (1) بقوله: {مُحصِنين غيرَ مسافِحين}: يعني ناكحين غير زانين، معلنين؛ {ولا متّخذي أخدانٍ} (2) يعني أن يتَّخذ أحدكم خليلة يزني بها في السرّ، فحرّم الله ذلك ـ سرّه وعلانيته ـ كما قال في سورة الأنعام: {قل تعالَوَا اَتلُ ما حَرَّم ربُّكمْ عليكمُ, ... } إلى قوله: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} (3). وفي الأعراف: {قلِ اِنَّما حرَّم ربِّيَ الفواحشَ ما ظَهَرَ منها وما بطَنَ} (4).
وإذا حاربوا وأبَوا الجزية، تركنا تحليل ذلك منهم، لأنَّهم يُسْبَون في ذلك الحال، فلا يحلّ لمسلم أن يتزوّج امرأة يحلّ سبيها لغيره، ولا نستحلُّ نكاح إماء أهل الكتاب لأنّ الله لم يذكر في التّحليل إلاّ الحرائر.
ويُوطَأْنَ (5) بمِلك اليمين، لأنّ الله أحلّ للرجل ما ملكت أيمانهم، مالم يكونوا بمنزلة التي يحرّمهنَّ المسلمون، من ذلك: الرواضع، والمشركات، وما دخلت بمن يحرِّمها، أو دخل بها من يحرِّمها، أو ذوات البعولة، وما يشبه ذلك من الحواجز.
وليس على الرّجل وقت (6) عدد في التسرّي. ولا يتزوّج الحرّ الأمة إلاّ مضطرًّا، ولا يتزوّج إلاّ واحدة؛ وإن وجد المضطرُّ الصبر عن تزويج الأمة فهو خير له، كما قال الله (7): {وأن تصبروا خيرٌ لَّكم} (8).
__________
(1) - كذا في النسخ. والأنسب: «تبيَّن».
(2) - سورة المائدة: 5.
(3) - سورة الأنعام: 151.
(4) - سورة الأعراف: 33.
(5) - في (هـ): «يطين».
(6) - كذا في النّسخ ولعلّ الصّحيح: «وقف عدد». أو معناه انتظار أيام العدّة.
(7) - في (هـ): سقط: «الله».
(8) - سورة النساء: 25. (1/63)
صفحة 64
[معاملتنا مع المجوس]
وحكمنا في المجوس ما حكم الله فيهم، وسار به نبي الله عليه السلام: أن يقاتلوا، حتى يقرّوا بالجزية، فإذا أقرّوا أخذت منهم {عن يد وهم صاغرون} (1)، ثمّ تركوا على ما هم دائنون به لأن الله يقول: {لآ إكراه في الدِّينِ قد تبيَّن الرشْدُ من الغيِّ} (2). وقد يقال: أكره على الدِّين، ولا تكره فيه، ولا تؤكل (3) ذبائحهم ولا تنكح حرائرهم ـ سلما كان أو حربا ـ ...
[معاملتنا مع المشركين]
وحكمنا في عبدة الأوثان ما حكم الله فيهم وسار نبيُّ الله عليه السلام: القتل (4) حتى يدخلوا في الإسلام، لا يقبل منهم إلاّ الدخول في الإسلام، لا تقبل منهم جزية، لأنَّهم ليس لهم دين (5) يقرّون عليه .. والمجوس يدَّعون أثرة من العلم وأنَّهم ـ زعموا ـ أهل دين آدم، ولذلك (6) أخذت منهم الجزية ..
وأمّا عبدة الأوثان فلا يدَّعون (7) دينا .. وفيهم أنزل الله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةُ}: يعني شِركا، {ويكون الدِّين لله} (8). فهذه ملل الشرك فقد ذكرناها، وبيّنا السيرة في كلّ ملّة .. وفيهم كان السبيُ والغنائم ..
__________
(1) - سورة التوبة: 29.
(2) - سورة البقرة: 256
(3) - في (هـ): «وتؤكل».
(4) - لعلّ الصحيح: «القتال».
(5) - كذا في النسخ، والأنسب: «لأنّهم ليسوا على دين».
(6) - في النسختين: (ب) و (جـ): «وذلك». والأنسب: ما أثبت من (د) و (هـ).
(7) - في النسختين (ب) و (ج): «فلا يدعوا». وهو خطأ.
(8) - سورة البقرة: 193. (1/64)
صفحة 65
[معاملتنا للمنافقين]
وأمّا المنافقون فهم في ملَّة الإيمان، ويجري عليهم ملّتهم التي ادَّعوا وأقرُّوا بها، وليسوا (1) بملَّة كمِلَّة اليهود والنّصارى، ولكنّه إدغال (2) في الدين، إمّا شهوةً في محرَّم، أو تحريفٌ في التأويل، وإنَّما أصابوا النّفاق بمعاص دون [04] الشرك في هوى (3) مضلٍّ، أو تأويل شبهة في غير حقٍّ، وأهله مقِرُّون بالتّنزيل، ولا يجحدونه ولا ينكرونه، ويجري عليهم حكم ما أقرُّوا، ولا تستحلُّ منهم إلاّ الدّماء، والبراءة منهم، لأنّ الله تبارك وتعالى لم يحلَّ منهم غير ذلك فقال: {ملعونين أينما ثُقِفوا أخذوا وقتِّلوا تقتيلا} (4) وبيّن أنَّه إنِّما يحلُّ منهم ذلك إذا باينوا (5) لقول الله تعالى: {لئن لَّم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض} (6) فأمّا إذا انتهوا (7) عن إظهار نفاقهم تُركوا، قال الله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتَّى تفيء إلى أمر الله} (8).
فلا نجاوز تحليل دمائهم إلى غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم، ونسمّيهم بالكفر كفر النفاق كما (9) قالت المرجئة (10) إنَّ كلَّ موحِّدٍ مسلمٌ مؤمنٌ، وإن لم يذر لله حرمة إلاَّ انتهكها، أو معصية إلاَّ ارتكبها، خلافًا لما قال الله، وتركًا لما حكَم جرأةً على الله، ونقضًا لقول الله بمكابرة .. وقد شرع
__________
(1) - في (هـ): «وليسموا». وهو خطأ.
(2) - إدغال: من دغل يدغل: أي دخل دخول المريب .. وله معنى الخيانة والخلط.
(3) - في النسخ (ب) و (جـ) و (د): «هواء». والأنسب ما أثبت من (هـ).
(4) - سورة الأحزاب: 61.
(5) - في النّسختين (ب) و (جـ) «بيانو». والصّحيح ما أثبت من (د) و (هـ).
(6) - سورة الأحزاب: 60.
(7) - في (ب) و (جـ) «انتلموا».
(8) - سورة الحجرات: 09
(9) - كذا في النسخ، والأنسب: «لا كما قالت». وفي (هـ): «وقالت».
(10) - هو اتِّجاه لبعض الفرق الإسلاميَّة (اليونسيَّة، الغسَّانية ... ) (1/65)
صفحة 66
الله دينًا نقيًّا صافيًا خالصًا، ليس فيه ندٌّ (1) ولا قذر (2) ولا ظلم ولا منكر، ولا يدان فيه بمعصية الربِّ، ولا يتولَّى فيه عدوٌّ، (3) وليس يساعدهم على مقالتهم إلاَّ سفيه أو فاجر، يرتعي في رياض الهوى ويتجرَّأ (4) في الشهوات (5)، جرأة العصاة على معصية الله، وإسخاط ربِّهم.
[لمن تمنح الشفاعة؟]
وأباح الفسَّاق الحرام، وقالوا: دونكم التوحيد تنالوا به الدرجة العلى في الجنَّة بشفاعة (6) محمَّد عليه السلام، لو لم يتركوا لله معصية جهلاً كالسائمة (7) من البهائم لا يعرفون البراءة ولا الولاية، يزعمون أنَّهم على دين، وليسوا على شيء حتَّى يقيموه (8) ولا يعرفون من الدين إلاَّ اسمه، ويزعمون أنَّهم على الكتاب وليسوا يعرفون من الكتاب إلاَّ صفته، ولا يقودهم الكتاب فيما يحلُّ ولا فيما يحرم، ولا يحكمون بأحكامه، ولا يسمُّون بأسمائه، ويزعمون أنَّهم من أهل السنَّة، وهم مِمَّن أمات السنَّة (9)، وينكرون البدعة وهم أهلها، ويحتجُّون بالكثرة والظهور والغلبة، وأنَّ بيت
__________
(1) - ندٌّ: نفور. ويمكن أن نقرأ في (د): «قدٌّ». وفي (هـ): «قدًا». ولعلَّ صوابها: «قذًى».
(2) - في النسخ (ب) و (جـ) و (هـ): «قَدر» أي ضيق.
(3) - في (هـ): «غدر» أو «عذر».
(4) - في النسخ: «يَتَجرَّ». والأنسب ما أثبت.
(5) - في (د): «في شهوات» والأنسب ما أثبت من باقي النسخ.
(6) - الشفاعة لغة: الوسيلة والطلب، وعرفًا: سؤال الخير من الغير للغير، وشرعًا طلب تعجيل دخول الجنَّة أو زيادة درجة فيها من الربِّ عزَّ وجلَّ لعباده المؤمنين، فتكون للأنبياء وغيرهم، ويختصُّ فيها نبيُّنا عليه السلام بفضل الزيادة، ثمَّ يأتي مَن بعده. وهي عند الإباضية لا تجوز إلاَّ للتقاة. انظر: السالمي: مشارق أنوار العقول، ص 289.
(7) - السائمة: الراعية في غير إسطبلها.
(8) - في (ب) و (جـ): «يقمون». وهو خطأ.
(9) - وهم الذين يرون أنَّ الإسلام قولٌ بلا عمل. (1/66)
صفحة 67
الله الحرام في حكمهم؛ وليس هذا من الحجَّة في شيء، فكم من وليِّ الله في أيدي أعدائه أسيرًا ذليلاً مقهورًا، وقد ألقيَ إبراهيم صلوات الله عليه في النار، وهو على حجَّة الله، ولو كان مع الغلبة لكان الذين ألقوه في النار محقِّين، ولكان الذين قاتلوا أنبياء الله في سالف الدهر محقِّين، ولكان أبو جهل بن هشام ومن معه من مشركي قريش محقِّين حين أخرجوا نبيَّ الله والمؤمنين من مكَّة، ولكان (1) نبيُّ الله وأصحابه مبطلين حين مُنِعوا من بيت الله الحرام أن يقربوه .. قال الله عزَّ وجلَّ: {همُ الذين كَفروا وصَدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ، والهديَ معكوفًا اَن يَّبلُغَ مَحِلَّه} (2). وتركوا حجَّة الله النيِّرة، وأخذوا يخوضون في الأباطل. ألجأهم ثقل كتاب الله واستوحشوا [05] منه، ونفروا عن الحقِّ واستأنسوا بالروايات الكاذبة، وقالوا: «إنَّ قومًا يخرجون من النار»، بعد توكيد الله في غير موضع: أنَّ من دخلها خالدًا، وما هم منها بخارجين، (3) وإنَّهم مَاكثون، {ولهم عذابٌ مُّقيمٌ} (4). حرَّفوا مقالة الله وافتروا على الله، وتقوَّلوا الكذب. فلو أنَّ الذي قالوا حقًّا كنَّا مِمَّن سعد به، ولا يضرُّنا خلافهم، ولكِنَّا نعلم ــ والحمد لله ــ أنَّهم كَذَبة.
__________
(1) - في النسختين: (ب) و (جـ): «ولو كان».
(2) - سورة الفتح: 25.
(3) - في (هـ): «بمخرجين».
(4) - سورة المائدة: 37. (1/67)
صفحة 68
وأنَّهم يستحلُّون شتم الإباضيَّة (1)، وحتَّى أنَّهم يقولون: شتمهم قربة إلى الله، سفَهًا بغير علم؛ فبهذا نَقَض أوَّلُ كلامهم، أنَّ جميع أمَّة محمَّد عليه السلام مسلمون حرام البراءة منهم، فدينهم متضادد، ينقض بعضه بعضًا، وآخر كلامهم ينقض أوَّله؛ وفساد مذهبهم أكثر من أن نأتي عليه بكتاب ولا خبر. وإنَّ أولى الناس بالحقِّ من أقامه، ولم يستنكر مذاهبه، ولم يختلف قوله؛ إنَّ أولى الناس بالله من اتَّبع أمره واستدلَّ بحكمه، واستدلَّ بأمره، وسمَّى الناسَ بما سمَّاهم الله به في كتابه، وحكم فيهم بما حكم الله، ولم يتَّبع حكمُه هوى، ولا يميل به غضبٌ، ولا يأخذ المال إلاَّ من حيث أذن الله له: ميراث من كتاب الله، أو شراء، أو بيع عن تراض، أو هبة عن طيبة نفسِ أهلِ الهبات، أو غنيمة من أموال المشركين غير المعاهدين .. في طريق الهدى، مع أهل الهدى، يدعوهم إلى الهدى، مع أهل العدل؛ لا يغلُّ (2) من المغنم، ولا يستخفي حتَّى تقسم الغنيمة على جميع أهل العسكر، ويدفع الخمس إلى الإمام، ويقسِّمه فيمن قسَّمه الله. وإنَّما يصحُّ الخروج بإمام الهدى أو بإذنه، ولا يحلُّ أن يصفي (3) أحد لنفسه من الغنيمة شيئًا، إلاَّ إن نفله به الإمام، ما خلا طعامًا يأكله لبطنه، أو علفًا يعلف به دابَّته، وما سوى ذلك فهو مقسوم، حتَّى السهم يخرجه الرجل من جسده.
__________
(1) - الإباضيَّة: فرقة من الفرق الإسلاميَّة المعتدلة أسَّسها الإمام جابر بن زيد الأزدي العُماني ــ رحمه الله ــ في البصرة، ولكنَّها نسبت إلى ناطقها الرسمي الإمام عبد الله بن إباض ــ رحمه الله ــ في القرن الأوَّل الهجري، وهي نقيض الخوارج في مبادئها إلاَّ في قضيَّة رفض التحكيم في معركة صِفِّين، ولا يزال أتباعها منتشرين في عمان وشمال إفريقيا. انظر: علي يحيى معمَّر: الإباضيَّة بين الفرق الإسلاميَّة، كلُّ الكتاب. وعوض محمَّد خليفات: الأصول التاريخيَّة للفرقة الإباضيَّة. بكير بن سعيد أعوشت: دراسات إسلاميَّة في الأصول الإباضيَّة.
(2) - يغلُّ: من الغلِّ، السرقة أو الخيانة في الغنائم.
(3) - كذا في النسخ، والأنسب: يصطفي. (1/68)
صفحة 69
[الردُّ على شبهات الصفريَّة]
وقالت الصفريَّة (1): بتشريك أهل الكبائر من أهل التوحيد، واستحلُّوا سبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم جرأة على الله، دينًا لم يشرِّعه الله ولم يُسنَّ (2) بسيرته نبي الله عليه السلام؛ وتأوَّلوا على ذلك تأويل شبهة خالفت الحقَّ وخرجت من العدل، فدخل عليهم من الضلال ما لا نهاية له.
وتناقَضَ قولهم فأجازوا مناكحة أهل القبلة، وأكل ذبائحهم، وأجازوا شهادتهم، والقيام بين أظهرهم، واستحلُّوا نكاح ذوات البعولة من غير موت أزواجهنَّ ولا طلاق، وانتحلوا (3) الهجرة، وزعموا أنَّها كهجرة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، فهذا مِمَّا لا يحصى من فريتهم وخدعتهم، فأخذوا (4) [06] ما أحبُّوا وتركوا ما كرهوا.
فإن كان أهل القبلة بمنزلة مشركي العرب، فقد ضلَّت الصفرية بأكل ذبائحهم وموارثتهم ومناكحتهم.
وإن كانوا بمنزلة المجوس، فذلك في المناكحة والذبائح وقبول الشهادة وترك ضرب الجزية عليهم. وإن كانوا بمنزلة أهل الكتاب فليضربوا عليهم الجزية إذا أسلموا، وليحرِّموا نساءهم على رجال قومهم، وليحرِّموا منهم الموارثة، وإن كانوا من أهل التوحيد فقد ضلُّوا باستحلال سبي ذراريهم
__________
(1) - الصفريَّة: فرقة من فرق الخوارج تنتسب إلى زيَّاد بن الأصفر، يرون أنَّ مرتكب الكبائر مشرك، وأنَّ التقيَّة تجوز في القول لا في العمل. انظر: مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، ص 104.
(2) - كذا في النسخ، ولعلَّ الأنسب: «يَسِرْ».
(3) - انتحلوا: نسبوا أنفسهم إلى هجرة زعموها، والرسول صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «لا هجرة بعد الفتح». رواه البخاري عن مجاشع بن مسعود وصحّحه السيوطي.
(4) - في (هـ): إضافة: «وما أحبُّوا وتركوا». (1/69)
صفحة 70
وغنيمة أموالهم .. يشبِّهون قومهم في بعض سيرتهم بالمسلمين، وفي بعض يشبِّهونهم باليهود والنصارى، وفي بعضها يشبِّهونهم بأهل اللات والعزَّى، يستحلُّون غنيمة أموالهم، ثمَّ يقاسمونهم الميراث بكتاب الله!!
وعن النبيء عليه السلام أنَّه قال: «كلُّ ما يورث حرام غنيمته، وكلُّ ما لا يغنم (1) حرام ميراثه» (2) لأنَّه لا يجتمع في مال سيرتان: سبي وغنيمة بكتاب الله. واستحلُّوا نكاح نساء قومهم بكتاب الله، ثمَّ استحلُّوا سبيهم (3) مع ذلك، ولا يجتمع حكمان في امرأة: نكاح بحلال، وسبي بحلال.
وضلالتهم أكثر من أن أصف جميعها، وقد ذكرت بعضها.
وقالت فرقة أخرى: لا ندري أيَّ منزلة نضيف إليها المُحْدِثين من أهل القبلة، وذلك أسلم لنا وأحرز من الإثم، وذلك أرضى لله، أن (4) لا نقع في شيء من الخطإ، لأنَّ الناس اختلفوا فيهم، فقال بعضهم: مؤمنون مسلمون، ثابتة لهم الولاية والإيمان، إيمانهم كإيمان المرسلين (5) والملائكة وجميع المؤمنين، ليس أحد من أنبياء الله ورسله وملائكته أفضل منهم إيمانًا .. إيمان من لا يترك لله معصية إلاَّ ارتكبها! كإيمان جبريل وإسرافيل (6) والملائكة والرسل؟! لا يضرُّ ــ زعموا ــ مع التوحيد كبير ولا صغير؟! (7) التائب من الذنوب والراجع عنها كالمصرُّ عليها والمتمادي فيها؟! ..
__________
(1) - في نسختي (ب) و (جـ): «ما يغنم» وهو الأ ظهر.
(2) - قال القطب: «رواه تبغورين، ولم ينسبه، وهو حجَّة». شرح النيل، ج 15، ص 340.
(3) - كذا في النسخ، والصحيح: «سبيهنَّ».
(4) - في (هـ): سقط: «أن».
(5) - في (ج): «كإيمان المسلمين والمرسلين».
(6) - في (هـ): «وميكائل».
(7) - الكبير والصغير: يعني به كبيرة ولا صغيرة من الذنوب. (1/70)
صفحة 71
وأشنع من هذا مِمَّا وصفته المرجئة، وما دخلوا فيه من تشبيههم ربَّهم وتحديدهم له، وما وصفوه به من الزوال والانتقال، وما ردُّوا من تنفيذ وعيد الله، وهم أشبه بقول اليهود: {وقالوا: لن تَمسَّنا النَّارُ إلآَّ أيَّامًا مَّعدودةً} (1).
وقالت طائفة أخرى وهم الصفريَّة: إنَّ المُحْدثين من أهل القبلة كأهل حرب نبيء الله، فمن شكَّ في شركهم فهو مشرك، يحلُّ منهم ــ زعموا ــ ما يحلُّ من المشركين من الاسم والحكم والسبي.
وقالت طائفة: ضالُّون منافقون ليسوا بمشركين؛ فهذه مقالة أهل العدل (2).
[نقض شبهات المعتزلة]
وقالت المعتزلة (3): ما أشركوا ولا كفروا ولا نافقوا، ولكنَّهم ضلُّوا ضلالاً لا يبرِّئهم من الإيمان، وليسوا [07] بمؤمنين، ولكنَّهم ضلُّوا وفسقوا، حرام ولايتهم وتحلُّ البراءة منهم؛ ثمَّ أدخلوا في ولايتهم الشكَّاك الذين قالوا: لا ندري أيَّ الاسم (4) أصابوا، ولا حيث نزلوا وتولَّوا المرجئة الذين أثبتوا الإيمان والولاية لمن نفَتْه عنه المعتزلة بدين، فَهْمٌ أحمق! كلُّ فرقة إنَّما تعتقد أصلاً واحدًا وتبني عليه، وهم يعتقدون ثلاثة أديان، يستحلُّون في دين ما يحرِّمون في غيره، لأنَّهم يحرِّمون ولاية المحْدثين.
__________
(1) - سورة البقرة: 80.
(2) - أهل العدل يقصد بهم الإباضيَّة.
(3) - المعتزلة، أو أهل العدل والتوحيد: فرقة إسلاميَّة تعتمد على التأويل والعقل في استنباط الأحكام من أدلَّتها الشرعيَّة، ومؤسِّسها هو واصل بن عطاء (ت: 131 هـ) ومن أعلامها: النظَّام والجاحظ والزمخشري والقاضي عبد الجبَّار ... انظر: الشكعة: إسلام بلا مذاهب، ص 249.
(4) - في (هـ): سقط: «الاسم». (1/71)
صفحة 72
والمرجئة تستحلُّها بدين، فجائز لهم أن يدخلوا في دين من يرونه مسلمًا، ويتركون دينهم بعد إذ علموا .. جائز لهم بعد العلم الرجوع إلى دين الشكَّاك، ويرجعون بعد المعرفة شكَّاكًا حَيَارى.
وقالوا: أنصفوا لنا من أنفسكم، واعدلوا الحكم بيننا وبينكم، وقد وجدناكم تتولَّوْن (1) من نزل من ضعفائكم بتلك المنزلة. ولو أنَّ (2) علماءكم يبرءون من رجل بما استبان لهم لم يلزم الغيب (3) من لم يعرف من براءته ما عرف العلماء.
ولو أنَّ رجلاً من الضعفاء (4) تولَّى رجلاً بولاية العلماء ثمَّ أحدث أمرًا خلعته به العلماء، ولا يفرز ذلك الضعيف علم العلماء، فثبت على ولايته فتولَّيتموه!.
وكذلك عذرنا نحن المرجئة والشكَّاك لضعفهم، وإنَّما تولَّوه (5) على ما كان من إيمانه، وقالوا: إنَّما تولَّيناه على الإسلام، فكذلك عذرناهما بجهلهما كما عذرتم ضعيفكم بجهله.
قلنا إنَّكم قستم أمرين غير مشتبهين ولا متناظرين، وذلك إنَّما تولَّينا ضعفاءنا لردِّهم إلى علمائهم فيما لم تقم به عليهم الحجَّة؛ لأنَّ ضعيفنا يقول: أقفُ حتَّى ألقى العالم أو العلماء فأسألهم، فما حملوني عليه
__________
(1) - في النسختين: (ب) و (جـ) و (هـ): «تتلون»، وهو تحريف.
(2) - في النسختين: (ب) و (جـ): «ولون»، وهو تحريف.
(3) - كذا في النسخ، ولعل الصواب: «الغائب».
(4) - الضعفاء: يقصد بهم هنا غير العلماء أي المقلِّدون.
(5) - في النسختين: (ب) و (جـ): «تولَّده»، وهو تحريف. (1/72)
صفحة 73
احتملت، وقولي قولهم، وديني في الذي جهلت دينهم؛ فمتى ما قال هذه المقالة ونزل هذه المنزلة كان قد وافق علم العلماء.
وأمَّا الذين يقولون: لا عِلمَ أفضل من علمنا، ولا لله دينًا يعبد به أفضل مِمَّا كنَّا عليه، فهذا قد نصب الحرام دينًا؛ كما (1) نصبتم ما أنتم عليه دينًا.
[الدليل على كفر النعمة]
وقالوا لنا: من أين علمتم كفر ضلال الإيمان؟ قلنا: من قِبل كتاب الله. قالوا: فأوجدونا ذلك. قلنا: من قِبل أنَّ الله أضاف الكافرين إلى النار. قالوا: فأوجدونا ذلك .. أين ذكر الله الزاني كافرًا؟ قلنا: من حيث وقع عليه الوعيد، فحيثما وجدنا الوعيد علمنا أنَّ أصحابه كفَّارٌ. كما أنَّا حيثما وجدنا الله وصف قومًا بالكفر علمنا أنَّهم مضافون إلى النار؛ لِقول الله: {النارُ وعَدَها اللهُ الذين كَفروا} (2). وقال: {واتَّقوا النارَ التي أعدَّت للكافرين} (3)؛ وقال: {إنَّا هَدَيْناه السبيلَ إمَّا شاكِرًا ... } الآية (4)؛ وقال: {خلَقكم فمنكم كافر ومنكمْ مُّومن} (5). وقال [08] سليمان عليه السلام: {ليبلوَنيَ ءاشكرُ أمَ اَكفُرُ} (6). مع اجتماع الناس في اللغة المطلقة الجائزة: أن لا تسأل أبدا عالما أو جاهلا إلاّ أخبرك عمّن ليس بمومن أنَّه
__________
(1) - في النسختين: (ب) و (جـ): «كم». وهو تحريف.
(2) - سورة الحج: 72.
(3) - سورة آل عمران: 131.
(4) - سورة الإنسان: 3. وتمامها: {إنَّا هَدَيْناه السبيلَ إمَّا شاكِرًا وإمَّا كَفورًا}.
(5) -سورة التغابن: 2.
(6) - سورة النمل:40. (1/73)
صفحة 74
كافر. ولو أنّك سألتهم: من أين يزعمون أنّ الزّاني عدوّ الله؟ لأنَّهم ينفذون فيه الوعيد، ويسمّونه فاسقا ضالاّ عدوًّا لله؛ قالوا لك: من قبل أنَّه خرج من ولاية الله، فلمّا خرج من ولاية الله استحقّ عداوة الله، وليس بين عداوة الله وولايته منزلة، مع أنّكم تقرّون لنا أنَّه عدوُّ الله؛ قلنا لهم: فعرفنا أنَّه عدوّ الله من قبل قوله: {إنّ اللهَ عدوٌّ لِّلكافرين} (1) وكلّ عدوٍّ لله كافر؛ وإن كنتم من قبلنا عرفتم عداوته فاعرفوا كفره، فإنّا إنّما قلنا إنّه عدوٌّ للهِ لأنَّه كافر، والله عدوٌّ للكافرين.
وأمّا قولهم كيف يكون كافرا وليس فيه جميع الكفر، وكان من قولهم: إنّ الناس لايكونون (2) كافرين حتّى يستكملوا جميع الكفر، قلنا لهم لا يكون إذن ضالا حتّى يستكمل جميع الضلال، وكيف يكون الناس بشيء من الضلال ضالّين، وبشيء من الفسق فاسقين، ولا يكونون بشيء من الكفر كافرين؟!.
وجاء عن النبيء عليه السلام أنَّه قال في خطبة يوم حجّة الإسلام ــ ويقال حجّة الوداع ــ: «لا ألفينّكم رجعتم بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (3) وقوله حين سأله رجل عن قول الله تعالى: {ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا} (4) فقال رجل: أفي كلّ عام يا رسول الله؟ فقال رسول الله عليه السلام: «لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما
__________
(1) - سورة البقرة: 98.
(2) - في النسخ: «لا يكونوا». والصواب: «لا يكونون». إذ لا موجب لحذف النون.
(3) - روي الحديث عن عدد من الصحابة: جرير- ابن عمر - أبي بكر - ابن عبّاس، في مسند أحمد والنسائي وأبي داود والبخاري مع اختلاف في اللفظ أحيانا وصحّحه السيوطي. ورواه الإمام الربيع بن حبيب بلفظ: «لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض». حديث رقم 756.
(4) -سورة آل عمران: 97. (1/74)
صفحة 75
قدرتم عليها، إذن لكفرتم» (1) وقوله عليه السلام: «ليس بين العبد والكفر إلاَّ تركه الصلاة» (2) وقد اجتمعت الأمَّة (3) على هذه الأحاديث عن رسول الله عليه السلام، (4) يؤثره عنه عامّة العلماء من الموافقين والمخالفين.
وكلّ عدوّ لله كافر، وكلُّ ضالٍّ كافر، وكلُّ فاسق كافر، واللهُ إذا اشتدّ في شتم قوم نسبهم من بعد الكفر إلى الضلال، قال: {إنّ الذين كفروا بعد إِيمَانِهمْ ثُمَّ ازدادوا كُفرًا لن تُقبَلَ توبتُهمْ وأولئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ} (5). وقال: {وقَوْمَ نوحٍ مِّن قبلُ إنَّهمْ كانوا قومًا فاسِقينَ} (6).
والكفر اسم عامٌّ لجميع الضلالة وليس بخاصٍّ. والشرك اسم خاصٌّ لبعض الضلال وليس بعامٍّ، وكذلك اسم النفاق اسم خاصٌّ وليس بعامٍّ، والضلال والفسق أسماء عامَّة. والخروج من الإيمان الدخول في الكفر، والدخول في الإيمان الخروج من الكفر، وليس بينهما منزلة، لأنَّ الكفر ضدُّ الإيمان، والإيمان تفسير.
وإنَّما كان الإيمان إيمانًا لوجوب الثواب، وإنَّما كان الكفر كفرًا لوجوب العقاب، ليس كما يقول من يقول: إنَّما كان الكفر كفرًا لأنَّه معصيةٌ، وكان الإيمان إيمانًا لأنَّه طاعة، أو قول [9] من يقول: إنَّما كان الإيمان إيمانًا للأمر
__________
(1) - رواه ابن ماجة والإمام الربيع عن أنس بن مالك برقم 394.
(2) - رواه الإمام الربيع عن ابن عبّاس رقم 303، وابن ماجة عن أنس بلفظ: « ... العبد والشرك»
(3) - اجتمعت: يعني أجمعت.
(4) - في (هـ): «صلَّى الله عليه وسلَّم».
(5) - سورة آل عمران: 90.
(6) - سورة الذاريات: 46. (1/75)
صفحة 76
به، والكفر كفرًا للنهي عنه، وليس كذلك. يقول أهل النظر: لأنَّه لو كان الكفر كفرًا لأنَّه معصيَّة للزمَ أن يكون كلُّ معصيَّة كفرًا. ولو كان إنَّما كان الإيمان إيمانًا للطاعة أو للأمر للزم أن يكون كلُّ ما ليس فيه أمر لا يكون إيمانًا، فتخرج كلُّ نافلة يتقرَّب بها إلى الله من حدِّ الإيمان. ولو أنَّ الكفر إنَّما كان كفرًا للنهي عنه للزمَ الكفرُ بكلِّ أمر كان فيه نهي، وهذا لا يقوله عالم.
[لا منزلة بين المنزلتين]
وأمَّا الشكَّاك فالذين قالوا: لا ندري أيُّ الأسماء أصابوا، ولا أيُّهم بلغوا، يؤول (1) بهم ذلك إلى أن يجهلوا منزلتهم ولا يعرفون أنَّهم على هدى ولا على ضلال، لأنَّهم لو عرفوا أنَّهم على هدًى لعرفوا أنّ من خالفهم علىضلال، لأنّهم يقرُّون أنَّه ليس بين الهدى والضلال منزلة ينزل بها أحد، ثمّ إنَّهم جمعوا الجبابرة والمحْدِثين من المتأولين وكلَّ صاحب شهوة يَسِمونهم بالإيمان أحيانا ثمّ يلعنونهم أحيانا بِلا (2) علمٍ بموقع اللعنة، ويستغفرون لهم ويتولَّونهم بلا علم بموقع الاستغفار، ويستحلُّون من أوليائهم ومن مخالفهم (3) أحيانا ما يحرِّمون أحيانا: يستحلون دماءَهم وأموالهم؛ ثمّ قالوا: لا نقاتل من قال: «لا إله إلاَّ الله»، ثمَّ يقاتلونهم أحيانًا، ويأخذون أموالهم، وليس لهم دين موصوف ولا لدين الله عندهم معرفة. وضلالتهم أعجب وأكثر من أن يستطاع صفتها؛ وكلُّ من وصفت
__________
(1) - عبارة: «لا ندري أيُّ الأسماء أصابوا، ولا أيَّهم بلغوا، يؤول» سقطت من (ب) و (جـ). وفي (هـ) بدل «يؤول» نجد: «يدلُّ».
(2) - في (ب) و (جـ): «بل علم». وهو تحريف.
(3) - كذا في النسخ، لعلَّ الأصوب: مخالفيهم. (1/76)
صفحة 77
لك من المحْدِثين يدينون بما يقولون ويدعون الناس إليه، ويزعمون أنّ الله نهاهم عن غيره من الأديان، فهم مستحلون للحرام ومحرّمون للحلال.
وقد اختلفت المرجئة فيما بينهم، والصفريَّة أيضا فيما بينهم، والمعتزلة؛ حتّى إنَّ منهم من يوسع جهل القيامة والبعث والحساب، لأنَّهم جعلوا الإيمان كلَّه توحيدًا.
وقد اتفقت المرجئة والصفريَّة بدءا أنّ الإيمان كلَّه توحيد، واختلفوا بعد ذلك في صفته، فقالت الصفريَّة: من ترك العمل أشرك. وقال المرجئة: لا يشرك ولا ينافق، وجعلوا التوحيد بعضه يسع جهله، وبعضه لا يسع جهله؛ فلو جعلوا ما يسع جهله من الإيمان غير التوحيد لدخلوا في قول المسلمين.
[نقض شبهات السبئيّة]
وامّا السبابة (1) فإنَّ كلَّ رجل قلَّد أمره رجلا من بني هاشم، فما أحلَّ أحلوه، وما حرّم حرّموه، وإن غير الكتاب والسنة، والصلاة حول (2) القبلة، مع أنّهم ثلاثة أصناف أو أربعة يسندون أمرهم إلى رجل واحد، فمنهم من يزعم أنَّه إله، ومنهم من يزعم أنَّه نبيء، ومنهم من يزعم أنَّه (3) إمام مطاع لا يأمر بشيء إلاَّ كفر من عصاه.
فالذين يقولون: إنَّه إله بريئون من الفريقين، والذين يقولون إنَّه نبيء
__________
(1) - كذا في (د)، وفي (ج): «السيابة»، وسقطت من (هـ). والصحيح هو السبئيّة: فرقة من فرق الشيعة الضالة المتطرِّفة التي تنسب إلى عبد الله بن سبأ. وقد بلغ الضلال بهذه الفرقة أن ألَّهت الإمام عليًّا وأبناءه واعتقدت رجعة محمّد (ص) وعدم وفاة عليّ كرّم الله وجهه. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، ص 114.
(2) - في (هـ): «حوَّلوا». ولعلّ الصواب: «والصلاة وحول القبلة»
(3) - في (هـ): سقط: «أنَّه». (1/77)
صفحة 78
رسول بريئون من الفرقتين، والذين [10] يقولون إنّه إمام بريئون من الفرقتين، وهو حيٌّ قائم (1) يعرف براءة بعضهم من بعض، واستحلَّ بعضهم دم بعض، ثمَّ لا يصلح بينهم؛ وقد دخل عليهم ما يدخل على الخوارج (2) والمرجئة والمعتزلة من الضلال إلاّ صنف منهم الزيديّة (3) وصنف منهم الحسنية (4)، قالوا بالعدل وجامعوا (5) المسلمين في جميع كلامهم وأحكامهم وأسماء المحدِثين، ثمّ أدخلوا على أنفسهم الضَّلالة، فلا نعلم أحدًا من محدِثي (6) أهل القبلة أحدث حدثا هو أشدُّ وأقبح منهم، ولا هم (7) فيه أشدُّ مكابرة لأهل العدل والحقِّ، وذلك أنّهم زعموا أنَّه يحلُّ لهم أن يحرِّموا الدِّماء التي (8) أحلَّ الله في كتابه بلا قربة ولا رجعة
__________
(1) - في (هـ): «خير قائص». ولا معنى له.
(2) - الخوارج: هم مجموعة المسلمين المعارضين لفكرة " التحكيم " التي رضي بها الإمام عليّ كرّم الله وجهه وأنصاره في معركة صفّين، هذه المجموعة التي تفرّعت إلى فرق عديدة منها: الصفريّة والأزارقة والنجديّة، وأمّا الإباضيّة الذين ألحقوا بهم ظلما فلا تجمعهم بهؤلاء الخوارج إلاّ فكرة المعارضة " للتحكيم " والدليل هو إعلان الإباضيّة البراءة من هؤلاء الخوارج ومعارضتهم في تطرّفهم منذ الإمام الذي تنسب إليه الفرقة "عبد الله بن إباض" الذي أعلن معارضته للخروج معهم باستعمال القوّة ضدّ الملوك الجورة فسمّوا " قعدة ". وقد وضح ذلك في رسالته التي خاطب بها الخليفة عبد الملك بن مروان قائلا: «وإنما نبرأ من ابن الأزرق وأتباعه من الناس، لقد كانوا على الإسلام فيما ظهر لنا حين خرجوا، ولكنهم ارتدُّوا عنه وكفروا بعد إسلامهم فنبرأ إلى الله منهم» مختصر تاريخ الإباضية، الباروني ص 25.
(3) - الزيديّة: فرقة من فرق الشيعة المعتدلة تنسب إلى زيد بن عليّ بن زين العابدين بن الحسن بن عليّ كرّم الله وجهه (ت-122) وكان أوّل من أعلن المقاومة بالسلاح ضدّ بني أميّة في عهد هشام بن عبد الملك وهم يوجدون اليوم في اليمن ويعتقدون جواز الإمامة في غير آل البيت بشروط، ومبدؤهم تميل إلى الاعتزال كثيرا. مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذهب، ص 150.
(4) -الحسنية: أو (التوابين) هي فرقة من فرق الشيعة نشأت في البصرة بعد مقتل الحسين بن علي في واقعة كربلاء المشهورة سنة 61 هـ. وعلى رأسهم الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي وكان شعارهم أخذ الثّأر على مقتل (الحسين) إذ انَّهم يحسّون بمسؤليتهم في مقتله. انظر: مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، ص 158
(5) - كذا في النسخ، يعني: وافقوا
(6) - في (هـ): سقط: «محدثي».
(7) - في (هـ): سقط: «هم».
(8) - في النّسخ: «الذي» والأنسب ما أثبت. (1/78)
صفحة 79
ولا توبة، وأنَّ الكافرين الذين أحلَّ الله دماءهم من المحْدِثين من أهل القبلة لهم أن يحكموا في كتاب الله، فإن حكموا بأنَّ دماءهم حرام حرمت، وإن حكموا بأنَّها حلال أستحلَّت، وإن ردُّوا (1) حكم الله بلا توبة كانت ممَّن أحلَّ الله دماءهم، وذلك أنَّهم جوّزوا تحكيم الحكَميْن يوم صِفِّين: حرّموا دماء من قاتل عليًّا من أهل الشّام مع معاوية، وهم بغاة ولم يفيئوا إلى أمر الله، وحكمهم في الكتاب والسُّنة، والله يقول: {فقاتِلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}. (2)
وقد بقي من أقاويل المخالفين كثير لم نذكره، وبقي ممَّا ذكرت حِجَاجًا عظيمة لم نذكرها، لِما يطول من ذكرها، وقد ذكرت بعض ذلك وهي أكثر من أن نأتي عليها بكتاب.
[ما لا يسع الناس جهله طرفة عين]
وذكرت قول أهل الحقِّ، وأردت أن أقصد بكتابي إلى بعض أمور تكون فيها الحاجة ممَّا (3) كلّف الله به العباد وذلك أنَّ أوَّل ما يلزمهم الإقرار بالله ربًّا وبمحمَّد نبيئا، وبما جاء به حقٌّ، وهذا ما لا يسع جهله طرفة عين.
__________
(1) - في (ب) و (جـ): «أرادوا»، وهو تحريف.
(2) - سورة الحجرات: 09.
(3) - في (هـ): «ما». (1/79)
صفحة 80
[ما يسع الناس جهله إلى قيام الحجَّة]
وأمَّا الذي يسعهم جهله حتى يأتيهم وقت فعله وما يرضى الله عليهم (1) من الصلاة قبل وقتها، والزَّكاة قبل وجوبها، وصيام شهر رمضان قبل مجيئه ومحضره في أهله، والحجِّ والعمرة، والبرِّ بالوالدين، وصلة الرحم، وحقِّ الجوار، وما ملكت اليمين، وشأن القبلة والولاية لأهل طاعة الله، والعداوة لمن وقع عليه اسم الكفر، وغضِّ البصر، وحفظ الفروج، وصدق الحديث، وحقِّ ابن السَّبيل، والاِغتسال من الجنابة، والاستئذان في البيوت، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، والإخلاص في النيَّة، والعمل والقول، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وذكر اسم الله على الذبيحة، وما أشبه (2) ذلك ممَّا أمر الله به، (3) وحقِّ الإيمان، والجهاد في سبيل الله، والتوبة من الذنوب، فهذه ونحوها ممَّا أمر الله بفعله يسع النَّاس جهله ما لم يأت وقت فعله، [11] فإذا جاء وقت فعله لزمهم العلم والعمل به.
وقال من خالف الحقَّ: إنَّما عليهم العمل وليس عليهم العلم، وهذا أوهن الأقاويل وأضعفها، (4) لأنَّه لو وسعه الجهل مع العمل لوسعه (5) أن يرى أنَّ تارك (6) ذلك مسلِم على تركه، ويسعه أن يرى أنَّ تارك جميع ما أمر الله به مسلم. ووسعه جهل إسلام من يعمل بجميع ما فرض الله
__________
(1) - كذا في النسخ والأنسب للعبارة: «فهو ما يرضي الله».
(2) - في (د): «وما أشباه». وهو خطأ.
(3) - في (هـ): سقط: «به».
(4) - في (هـ): «وأضعفه».
(5) - في (هـ): «لوسه». وهو تحريف.
(6) - كذا في (د) و (جـ) وهو أنسب، وفي (ب): «ناكر». (1/80)
صفحة 81
عليه، ووسعه أن يرى أنَّه كافر غير مسلم، فإن ضيَّقوا عليه ذلك فقد ألزموه (1) العلم مع الفعل في وقت الفعل.
وامَّا الذي يسعه جهله من الإيمان حتَّى يَحُلَّ له تفسيره، فما كان من تفسير التوحيد مثل إنفاذ (2) الحدود عن الله والأقطار، وإثبات القدرة له (3) والعلم وجميع الصنع الحدث أن يضاف إليه أنَّه صانعه ومحدِثه، وتصديق كلِّ ما جاء عنه من خبر عمَّا هو كائن أو يكون. وإضافة كلِّ شيء إليه، ما رأوا أو ما لم يروا سَمِيَّه (4)، وليس معه مكوِّن، وأنَّه بائنٌ من صفات المخلوقين {ليس كمثله شيء} (5) فهذا ذكروا جلَّ تفسيره. (6)
[مالا يسع جهله من التوحيد]
ولا يسع جهله من ذلك ما أخبر الله من ذكر الجنَّة والنار، والبعث والحساب، والملائكة والكتب والرسل، فهذا وأشباهه من تفسير التوحيد، ولا يُدْعى في الجملة إلى هذا التفسير، وهو داخل في جملة التوحيد. والمنكر لتفسير التوحيد منكر لجملة التوحيد؛ كما أنَّ الإيمان بجملته إيمان بتفسيره، وكذلك الكفر بتفسيره كفر بجملته؛ لأنَّ المنكر لشيء من هذا أن يضيفه إلى الله منكر لتوحيد الله، لأنَّه منكر لصفته، والله يوصف بذلك: مثيب وباعث ومعاقب ومرسل ومنزل. ومن أنكر شيئًا من صفات الله أنكر الله، ومن أنكر الله فهو مشرك.
__________
(1) - في (هـ): «لزموه».
(2) - في (د): «إنفاء». وفي (هـ): «إنفاد». بدال مهملة. وهو خطأ.
(3) - في (ب) و (جـ): سقط «له».
(4) - كذا في النُّسخ ومعناه: مثله.
(5) - سورة الشورى: 11.
(6) - كذا في النسخ وهي عبارة غير واضحة، وفي النُّسختين (ب) و (جـ): «تفسُّره». ولعلَّ صوابها: «فهذا ذكر جلِّ تفسيره». (1/81)
صفحة 82
وقال بعض أهل الخطإ والجهل: لا نشرِّك من أنكر شيئًا سوى الله ما أقرَّ أنَّ الله واحد، وهذا هو الخطأ .. وكتاب الله يكذِّب قائل هذا في (1) غير موضع، منها ما ذكر الله من محاورة (2) الأخوين في سورة الكهف حيث قال أحدهما: {ومآ أظنُّ الساعة قآئمةً ولَئنْ رُّدِدْتُ إلى ربِّيَ ... } فأقرَّ أنَّه ربُّه، وإنَّما شكَّ في البعث؛ وقال له المؤمن: {أكَفَرتَ بالذي خلقَكَ مِن تُرابٍ؟ ... } فجعل شكَّه في البعث كفرًا (3) بالذي خلقه، ولم يجحد أنَّه ربُّه؛ ثمَّ قال المؤمن له: {لَكِنَّا هُوَ اللهُ ربِّي ... }، أصله: «لكنْ أنا هو اللهُ ربِّي» (4) وأدغم النون الثانية، وزاح الألف فوقع التشديد في النون لأنَّه التقى النونان، ثمَّ قال: (5) {ولآَ أُشرِكُ بِربِّيَ أَحَدًا} فدلَّ بهذا أنَّه إنَّما هرب من الشرك، لأنَّ صاحبه واقعه واستحقَّه. ثمَّ (6) قصَّتهما محاورة بينهما إلى قوله: {فأصبحَ يقَلِّبُ كفَّيْهِ} ندامةً {على مآ أنفَقَ فيها} حيث صارت {صعيدًا زَلَقًا} وهو تراب يابس يزلق {وهي خاوِيةٌ على عُروشِها، ويقولُ: ياليْتَني [12] لَمُ اُشْرِكْ بِربِّيَ أَحدًا} (7). وأقرَّ أنَّ شكَّه (8) في البعث شرك بربِّه.
فمن أنكر شيئًا مِمَّا تفرَّد الله به بصنعته (9) أشرك بالله؛ ومن أنكر شيئًا مِمَّا أضافه الله إلى بعض خلقه فأنفى الله من صنعه نافق، لأنَّه متأوِّل مخطئ.
__________
(1) - في (هـ): «من». وهو تحريف.
(2) - في النسخ: «محاور»، والأنسب ما أثبت من (هـ).
(3) - في (هـ): «كفرٌ». وهو خطأ.
(4) - في (هـ): سقط: «أصله: لكن أنا هو الله ربِّي».
(5) - في (هـ): سقط: «قال».
(6) - كذا في النسخ، والأنسب: «وأتمَّ».
(7) - سورة الكهف: 36 - 38.
(8) - في النسختين: (ب) و (جـ): «أنَّ شركه» وهو تحريف.
(9) - في (هـ): «بصنعه». (1/82)
صفحة 83
[ما يسع جهله أبدًا ما لم يكذِّب]
وأمَّا الذي يسع جهله أبدًا مالم يتقوَّلوا على الله ــ في حال جهلهم ــ فيه الكذب، فيحلُّون حرامًا أو يحرِّمون حلالاً، أو يواقعوا فعل ما يضلُّهم، أو يَلقَوا الحجَّة فتخبرهم بها، فلا يؤمنون بها، ولا يصدِّقونها، فما حرَّم الله عليهم من الميتة والدم ولحم الخنزير والزنى والربا وقتل النفس التي حرَّم الله وأكل الأموال الحرام والسرقة، وكلِّ ما حُرِّم عليهم، والفساد في الأرض والأمر بالمنكر والظلم والبغي ودخول البيوت بغير إذن والنظر إلى ما حرَّم الله، وإتيان النساء في الحيض (1) وكلِّ ما حرَّم الله ونهى عنه، إنَّما عليهم الكفُّ عنه، (2) وليس عليهم معرفته ولا معرفة أنَّ الله حرَّمه فهو يسعهم جهل ذلك أبدًا ما لم يتقوَّلوا على الله في حال جهلهم فيها الكذبَ، فيحلُّوا حرامًا أو يحرِّموا حلالاً، أو يواقعوا فعل ما يضلُّهم؛ أو يلقوا الحجَّة، فتخبرهم عن الله أنَّه كذلك، بمبلغ الحجَّة التي ليس فيها تفاضل، لا يزيد فيها زائد، ولا ينقص منها ناقص، إذا كان المبلِّغ من أهل دين الله؛ لأنَّه إنَّما يكون حجَّة في دين الله أهل دين الله، إذا بلغ أقصى الحجَّة، ولم يترك منها مزيدًا؛ مثل ما لو أنَّ جميع المسلمين حضروا لم يجدوا عن (3) قوله مزيدًا، فهو حجَّة الله في دين الله. وقد قال بعض سلفنا رحمهم الله: إنَّما تكون التي يقطع بها العالم (4) الغاية بنهاية العلم الذي لا يجهل شيئًا من الحجَّة.
__________
(1) - في (هـ): «المحيض».
(2) - في (هـ): سقط: «إنَّما عليهم الكفُّ عنه».
(3) - في (هـ): «على».
(4) - في (هـ): سقط: «العالم». (1/83)
صفحة 84
وقد تركت قولين يقال بهما في الحجَّة، لأنَّ من أدركنا من خيار أصحابنا مِمَّا (1) كنَّا نأخذ عنهم قالوا بتضعيف ذلك القولين ولم يمِيتوهما، وإن كان بعض الناس يحتجُّون بهما، وأنَّ كلَّ ما حرَّم الله حرامًا، وما نهى عنه فهو الحرام الذي حرَّمه الكتاب والسنَّة، فاضاف فاعلَه إلى النار فهو كبيرة يكفر أهله بمقارفته حين قارفوه حتَّى يتوبوا، وكذلك نظيره، وإن لم يذكره الكتاب والسنَّة. وما سمَّى الله أهله بشيء من أسماء الضلال فهو كبيرة، وما أمر الله عليه بالنكال في الدنيا فهو كبيرة، وما لم يَعِد عليه النار ولم يفسِّق أهله، ولم يأمر بنكالهم فأهله (2).
وإن أصابوا معصية يخاف عليهم فيها في حكم المسلمين، وكانوا لله عاصين يخاف عليهم فيها عقوبة الله في الدنيا والآخرة، وعليهم التوبة من ذلك والخوف؛ فإن تمادوا ولم يتوبوا ضلُّوا وكفروا، وأنَّ ذلك (3) لهم حلال فهو أشدُّ لكفرهم من التمادي.
[13] وقد وصفت في هذا أصول السيرة والدينونة الصافية، نسأل الله التوفيق لمراشد الأمور.
__________
(1) - كذا في النسخ، ولعلَّ الأنسب: «مِمَّن».
(2) - كذا في جميع النسخ.
(3) - كذا في النسختين، ولعلَّ الصحيح والأنسب: «وإن كان ذلك». (1/84)
صفحة 85
[الباب الثاني
مسائل في العبادات] (1/85)
صفحة 86
[صفحة بيضاء] (1/86)
صفحة 87
[الفصل الأوَّل
مسائل الصلاة]
وقد أردت (1) تفسير بعض الفرائض.
ومِمَّا فرض الله الصلاة والزكاة في كتابه.
[أوقات الصلاة]
وإنَّ مواقيت الصلاة مسمَّيات في كتاب الله: [فـ] (2) ـقوله في سورة الروم: {فسُبحانَ اللهِ حينَ تُمسونَ}: يعني المغرب والعشاء، {وحين تُصْبِحونَ}: يعني صلاة الغداة، (3) {وعشِيًّا}: يعني صلاة العصر، {وحين تُظْهِرونَ} (4): يعني صلاة الأولى.
وقال بعضهم: {حينَ تُمسون}: صلاة المغرب وحدها، (5) وذكر صلاة العتمة في سورة النور: {ومِنْ بعدِ صلاةِ العِشاء} (6) يعني صلاة (7) العتمة، وقدَّم (8) معها صلاة الصبح، وقال: {مِنْ قَبْلِ صلاةِ الفجرِ} (9).
__________
(1) - في (هـ): «أرد». وهو تحريف.
(2) - أضفنا الفاء ليستقيم النحو.
(3) - في (هـ): «الغدوة».
(4) - سورة الروم: 17 - 18.
(5) - في (هـ): «واحدها».
(6) - سورة النور: 58.
(7) - في (هـ): سقط: «صلاة».
(8) - في (هـ): «وقد». وهو خطأ.
(9) - سورة النور: 58. (1/87)
صفحة 88
وقال في سورة بني إسرائيل: {أقِمِ الصلاَةَ لِدُلوكِ الشَّمسِ}: يعني زوالها، {إلى غَسَقِ اللَّيْلِ}: يعني ظلمته. وإنَّما ذكر ثَمَّ أربع صلوات: الأولى والعصر والمغرب والعشاء ــ وهي العتمة ــ ثمَّ قال: {وقُرءَانَ الفجرِ} يعني صلاة الصبح، {إنَّ قرءانَ الفجرِ كانَ مشْهودًا} (1) يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار (2).
وقال في سورة طه: {فسبِّحْ بِحمدِ ربِّك}: يقول: فصلِّ بأمر ربِّك، {قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ}: يعني صلاة الصبح، {وقبلَ غُروبِها}: يعني العصرَ والأولى، {ومِنَ -انآءِ اللَّيلِ}: يعني ساعات (3) الليل، {فَسَبِّحْهُ}: يعني فصلِّ له المغرب والعشاء، {وأطرافَ النَّهارِ}: (4) يعني صلاة الصبح والعصر، كرَّر عليها.
وقال في سورة هود: {وأقِمِ الصلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ}: الصبح والعصر، (5) {وزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ}: المغرب والعشاء، وهي العتمة، {إنَّ الحسَناتِ يُذْهِبْنَ السيِّئاتِ} (6): يعني الصلوات الخمس، وهي الخمسةيكفِّرن (7) ما دون الكبائر لمن اجتنب الكبائر. ويقال في: {طَرَفَيِ النهارِ}: الأولى والصبح والعصر: الطرف الأوَّل: الصبح، والطرف الثاني: الأولى والعصر، لأنَّهما كانتا في الطرف، وقد زال وسط النهار فما ليس بوسط، فهو طرف.
__________
(1) - سورة الإسراء: 78.
(2) - في (ب) و (جـ): «ملائكة الليل والنهار».
(3) - في (هـ): «صلاة».
(4) - سورة طه: 130.
(5) - في (هـ): سقط: «كرَّر عليها. وقال في سورة هود: {وأقِمِ الصلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ}: الصبح والعصر».
(6) - سورة هود: 114.
(7) - في (هـ): «المسلة، يكفِّرون». وهو خطأ واضح. (1/88)
صفحة 89
وقال في سورة ق: {فسبِّح بِحمدِ ربِّكَ قبلَ طلوعِ الشمسِ}: وهي الصبح، {وقَبلَ الغُروبِ}: وهي العصر؛ ويقال: الأولى والعصر، لأنَّهما مقرونتان في الوقت (1). {ومن الليلِ فسبِّحهُ}، يقول: فصل له المغرب والعشاء ... {وإدبار السجود} (2)، وهي الركعتان بعد صلاة المغرب (3) وقال في سورة الطور: {فسبِّح بحمد ربِّك حين تقومُ}: يعني إلى الصلاة، {ومن الليلِ فسبِّحه}: يعني فصلِّ له، {وإِدبارَ النجوم}: (4) يعني الركعتين قبل صلاة الصبح (5) بعدما أبهر (6) الفجر ... وذكر صلاة الضحى (7) نافلة قال: {إنَّا سخَّرنا الجبالَ معه يسبِّحن بالعشيِّ والاشراق}. (8) ثمَّ ذكر في سورة البقرة: {حافِظوا على الصَّلواتِ}: يعني في الجماعة {والصَّلاة الوسطى} (9) يعني صلاة الصبح في قول أصحابنا. وقال متفقِّهوا قومنا: «إنَّ (10) الصلاة
__________
(1) - قال الشيخ عامر الشمَّاخي: «وقال بعض أصحابنا: الظهر والعصر مشتركتان في الوقت، وكذا في المغرب والعشاء، والدليل على هذا حديث ابن عبَّاس رضي الله عنه: «صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعًا من غير خوف ولا سحاب ولا مطر» رواه مسلم. ورواه الربيع بن حبيب في مسنده، بنحو لفظه. انظر حديث رقم 251.
... انظر: عامر الشمَّاخي: الإيضاح، ج 1، ص 382. أبو غانم الخراساني: المدوَّنة، ترتيب القطب اطفيَّش، ج 1، ص 34.
(2) - سورة ق: 40.
(3) - هود بن محكم الهواري: تفسير كتاب الله العزيز، تحقيق بلحاج بن سعيد شريفي، ج 4، ص 208.
(4) - سورة الطور: 49.
(5) - هود بن محكَّم الهواري: تفسير كتاب الله العزيز، ج 4، ص 233.
(6) - بهر، يبهر، أبهره: صار في حر وسط النهار. وفي (هـ): «أيفجر». ولا معنى له.
(7) - في (ب): «ضحار»، والصحيح ما أثبت من (د) و (ج) و (هـ).
(8) - سورة ص: 18.
(9) - سورة البقرة: 138.
(10) - كذا في (د)، ولعلَّ الصواب: «إنَّها». (1/89)
صفحة 90
التي غفل عنها سليمان [14] بن داوود عليه السلام، {حتَّى توارَتْ بالحجابِ}. (1) وقال: {الذي يراكَ حينَ تقومُ} يعني النبيء عليه السلام وحدَك في الصلاة، {وتقلُّبَكَ في الساجدينَ} (2) يقول: ويرى صلاتك مع المصلِّين.
[صلاة الجماعة]
ويقال: إنَّ صلاة أحدكم في الجماعة يزيد على صلاةٍ وحده (3) أربعة وعشرين ضعفا (4) وإنَّما يتقبَّل الله من المتَّقين ..
[حكم تأخير الصلاة]
ومن ترك صلاة النهار حتَّى يدخل عليه الليل، أو ترك صلاة الليل حتَّى يدخل عليه النَّهار من غير عذر ولا نسيان (5) ضلَّ وكفر.
[عدد الركعات في الفرائض و السنن]
وسنَّ الصلاة الأولى في الحضر أربع وهي في السَّفر ركعتان، وإنَّما
__________
(1) - سورة ص: 32. وانظر هود بن محكم: تفسير كتاب الله العزيز، ج 4، ص 16.
(2) - سورة الشعراء: 218 - 219.
(3) - في (هـ): «واحده».
(4) - روى البخاري عن أبي هريرة بلفظ «خمس وعشرين» وفي رواية عن عمر متَّفقٌ عليها قال «بسبع وعشرين درجة». ورواه الإمام الربيع بن حبيب عن أنس بن مالك بلفظ: «الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة». وعن أبي هريرة بلفظ: «صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة». انظر مسند الربيع، حديثي رقم: 215 و 216.
(5) - المعذرون هم: الحائض والمسافر والصبي والمشرك والمغمى عليه والناسي والنائم والمجنون، القطب اطفيش: شرح النيل، ج 2، ص 22. الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 1، ص 240. (1/90)
صفحة 91
سمِّيت الأولى لأنَّها أوَّل صلاة فرضت. والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعتمة أربع ركعات، والصبح ركعتان. وكلُّها في السفر ركعتان ركعتان، ما خلا المغرب فإنَّه ثلاث ركعات في الحضر والسَّفر، وهذا العدد من السنة.
والوتر ركعة، وهي سنة، ويستحبُّ أن يوتر بسبع ركعات (1). ومن الناس من يقول: الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهم بتسليم (2) والمعمول به عندنا ركعة.
وسنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (3) سننَ الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها وتشهُّدها.
[القراءة في الصلاة]
أوَّل ما نفتتح (4) بالتَّكبير ويقرأ في القيام بفاتحة الكتاب وحدها (5) سرًّا في الأولى والعصر، وفي الثالثة من المغرب، والرَّكعتين الأخيرتين (6) من العشاء. ويقرأ في الرَّكعتين الأولتين (7) من المغرب سورة من القصار
__________
(1) - قال الشماخي: «وقد روي أنَّه كان عليه السلام يوتر بسبع وثلاث» رواه أحمد والنسائي ولذلك استحبَّ علماؤنا رحمهم الله الوتر على سبع. الشمَّاخي: الإيضاح، ج 1، ص 691.
(2) - قال الشمَّاخي: «دليلهم ما روي أنَّه قال عليه السلام: صلاة المغرب وتر النهار، فأوتروا صلاة الليل ــ متَّفق عليه ــ وقالوا: لمَّا كانت المغرب وتر النهار، واختلف الناس في وتر الليل، كان أحسن الأشياء أن يشبَّه به. وقد روي أيضًا أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يوتر بثلاثة لا يسلِّم إلاَّ في أخراهنَّ ــ رواه النسائي وأحمد» ــ الشماخي: الإيضاح، ج 1، ص 692.
(3) - في (هـ): سقط: «صلَّى الله عليه وسلَّم».
(4) - في (هـ): «تُفتَتح». وهو أنسب.
(5) - في (هـ): «واحدها».
(6) - في (هـ): «الأخرتين». وهو خطأ.
(7) - كذا في النسخ. (1/91)
صفحة 92
مع فاتحة الكتاب. وفي الأولتين (1) من العشاء بسورة مع فاتحة الكتاب، ويستحبُّ من ذلك ما يبلغ عشر آيات، وكذلك في الصبح.
[إستقبال القبلة]
وتوجيه الكعبة (2) في الصلاة فرض من التنزيل.
قولُه تعالى: (3) {فولِّ وجهَك شطرَ المسجدِ الحرام}: (4) يعني في الصلاة.
[الفصل الثاني في الطهارات]
[فريضة الوضوء]
والوضوء من التنزيل، [لـ]ـقوله (5) تعالى: {إذا قمتمُ, إلى الصلاة}: يعني إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة، {فاغسِلوا وُجُوهَكمْ وَأيْدِيَكُمُ, إِلَى المَرَافِقِ، وَامسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وأرجُلَكُمُ, إلى الكعبيْنِ} (6) فهذه الفريضة.
وسنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المضمضة والاِستنشاق، وهما واجبتان لا يسع تركهما، ولا تجوز الصلاة إلاَّ بهما.
وسنَّ مسح الأدنين مع الرأس مقدَّمهما ومؤخَّرهما. وقال بعضهم مقدَّم الأذنين من الوجه ومؤخَّرهما من الرأس. والمعمول به عندنا أنَّهما من الرأس.
__________
(1) - كذا في النسخ.
(2) - كذا في جميع النسخ، ولعلَّ الصواب: «والتوجُّه للكعبة» بلام الجرِّ.
(3) - في (هـ): سقط: «تعالى».
(4) - سورة البقرة: 144. وفي (هـ): «فولُّوا وجوهكم شطر المسجد الحرام». وهو تحريف، لا توجد آية هكذا.
(5) - في النسخ بدون لام الجرِّ، والصحيح إثباتها.
(6) - سورة المائدة: 06. (1/92)
صفحة 93
[سنَّة الإستنجاء]
وسنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الاِستنجاء من كلَّ نجاسة، (1) لايجوز الوضوء إلاَّ بعد الاِستنجاء.
وفرض الله في كتابه الطهارة من الجنابة. (2)
[رخصة التيمُّم]
ومن كان على سفر ولم يجد الماء تيمَّم (3) صعيدا طيِّبا. يعني تعمَّد ترابا نظيفا. والتيمُّم: التعمُّد؛ والصَّعيد: التراب، والطَّيِّب: النَّظيف.
وبعض الناس يرى التيمُّم هو المسح بنفسه، وليس هو من المسح ولكنَّه التَّعمُّد إلى التراب. ألا ترى أنَّه قال [15] {فامسحوا} والمسح غير التيمُّم، يقول فتعمَّدوا ترابا نظيفا، {فامسحوا بوجوهكم وأيديكمْ مِّنه} (4) وما يدلُّ أنَّ التَّيمُّم هو التَّعمُّد لا المسح قول الله: {ولا تيمَّموا الخبيثَ منه تنفقون} (5). يقول ولا تتعمَّدوا الخبيث من أموالكم منه تنفقون.
والتيمُّم أن تعمد ترابا نظيفا، وتضرب بيديك مرَّة، ثمَّ تنفضهما وتمسح بهما وجهك، وتضرب مرَّة أخرى وتمسح بهما كفَّيك، تبدأ باليمنى،
__________
(1) - الاستنجاء: النجو وهو الحدث بنفسه ويتضمَّن أيضا معنى الاستجمار لأنه وجه من الاستنجاء: ومعناه إزالة النَّجاسات ولابدَّ من الجمع بين الماء والأحجار لتخفيف العين عن الموضع ثمَّ الماء للإنقاء وإزالة الأثر، والدَّليل هو عمل أهل قباء وثناء الله عليهم في ذلك. الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 1، ص 162. القطب: شامل الأصل والفرع، ج 1،ص 186.
(2) - قال تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطَّهَّروا} سورة المائدة:06.
(3) - في (هـ): «يتيمَّم».
(4) - سورة المائدة: 06.
(5) - سورة البقرة: آية 267. (1/93)
صفحة 94
وكذلك في الوضوء. فإذا وجدت الماء اغتسل من جنابتك، ولا تعِد ما مضى من الصلاة.
[حكم نسيان الصلاة]
من نسي صلاة حتى يذهب وقتها (1) فليصلِّها حين يذكرها، إلاَّ حين تطلع الشَّمس أو حين تغرب، إذا طلع منها شيء أو غاب منها شيء. وكذلك من صلاَّها بغير وضوء أو ثوب لا يصلَّى به.
[كيفية الاِغتسال]
ومن أراد أن يغتسل فليبدأ بنفي كلِّ ما أصاب جسده من النَّجاسة، فإذا فرغ من غسل النَّجاسة صبَّ الماء على يده اليسرى بيده اليمنى ثمَّ يتوضَّأ وضوء الصلاة حتَّى عند رجليه، ثمَّ يسكب الماء على رأسه وسائر جسده، وليبالغ في تنقية جسده ولا يقصِّر في شيء. جاء في الحديث: «أنَّ كلَّ موضع لم ينعم غسله من الجنابة فإنَّه يبعث عليه يوم القيامة حيَّات تلدغه في تلك الأماكن» (2)
وليس في الغسل وقت دون الإنقاء وحسن الغسل. وليروِّ (3) الشعر وليبالغ في غسله، فإنَّه جاء في الحديث «تحت كلِّ شعرة جنابة» (4).
__________
(1) - كذا في النسخ. والأنسب: «حتَّى ذهب وقتها». وفي (هـ): «حتَّى تذهب واقتها».
(2) - ذكره في المدوَّنة بلفظ: « ... ولم يعم .. »، الخرساني: المدوّنة، ج 1، ص 15.
(3) - في (د): «وليروِّي». والصواب حذف حرف العلَّة لأنَّه مجزوم.
(4) - رواه الرَّبيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيء T قال: «تحتَ كلِّ شعرةٍ جنابةٌ فبُلُّوا الشعر وانقوا البشرة». انظر مسند الربيع، حديث رقم: 139. وأبو داود الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ: «إنَّ تحت كل ... » وضعَّفه السيوطي. (1/94)
صفحة 95
وجاء في الحديث أيضا أنّ: َ «كلَّ شعرة لم ينعم غسلها تشعل يوم القيامة نارا». (1) وليبالغ في الغسل وليغسل إبطيه ومسربته (2) وسرَّته وبطنه، وليمدَّ بطنه إذا أراد غسلها. وليغسل رفغيه (3) ومأبطيه. (4)
فإذا غسل كلَّ شيء تنحَّى (5) ولبس ثيابه وغسل رجليه وصلَّى إن لم ينتقض وضوءه بحدث، (6) أو قطر، أو مسِّ المذاكر (7) أو قيء، أو رعاف.
فإن حدث منه شيء يفسد وضوءه استأنف الوضوء. وإن صبَّ الماء على رأسه وجسده قبل أن يتوضَّأ حين فرغ من الاستنجاء أجزاه.
ومن ترك الغُسل من الجنابة من غير عذر وهو يجد الماء حتى يذهب (8) وقت الصلاة ضلَّ (9) في قول المسلمين.
[الفصل الثالث
فريضة الزكاة]
فريضة الزكاة من التنزيل، مقرونة (10) بالصلاة، ثمَّ فسَّرت السنَّة كيف
__________
(1) - ذكره في المدوَّنة بلفظ: « ... ولم يعم .. ». الخرساني: المدوّنة، ج 1، ص 15.
(2) - مسربته: الشعر وسط الصدر إلى البطن، مجرى الدمع، مجرى الغائط، ومخرجه.
(3) - في النسختين (ب) و (جـ): «رفيقه» والصّحيح ما أثبت من (د) و (هـ). ومعناه: أصول الفخذين.
(4) - في (هـ): «مايطيه». ومعناه أصول اليدين.
(5) - تنحَّى: إنتقل إلى ناحية أخرى.
(6) - في (هـ): «بحدثًا». وهو خطأ.
(7) - في (هـ): «الذاكر».
(8) - في (هـ): «تذهب». وهو خطأ.
(9) - في النسختين (ب) و (جـ): «أضلَّ». وفي نسخة (د) و (هـ) ما أثبت، وهو الصواب.
(10) - في (هـ): «في وقته». (1/95)
صفحة 96
كان قسمها (1)، ومن كم تجب؟ ومن أيِّ نوع تجب؟ وعلى كم؟ والحول ... كلُّ ذلك من السنَّة. وبيَّن الله تعالى في التنزيل أهلها الذين فيهم تقسَّم.
[في ماذا تجب الزكاة]
إنَّما تجب الزكاة في الذهب والورِق (2)، والحبوب من البُرِّ والشعير والذُّرَة والسلت والتمر والزبيب، والغنم والإبل والبقر (3).
[زكاة الذهب والفضَّة]
وزكاة الذهب والورِق: يُضمُّ بعضها إلى بعض، أن يعطي من مائتي درهم خمسةَ [16] دراهم، فما زاد ففي كلِّ أربعين درهمًا درهمٌ، فما لم يتمَّ الأربعين فليس فيه شيء؛ وما لم يبلغ من الدراهم (4) والفضَّة. والذهب مع الفضَّة مائتي درهم (5) فليس فيه زكاة؛ وإن بلغت مائتين وبقيت عند صاحبها حولاً ففيها زكاة خمسة دراهم.
ومن كان عليه دين حطَّ من حساب ماله بقدر ما عليه من الدين. والشريكان في الذهب والفضَّة، فلا يجب على أحد زكاة بحصَّة غيره.
__________
(1) - في النسختين (ب) و (جـ): «تقسيمها» وفي نسختي (د) و (هـ): «قسمها». ولعلَّ الأصحَّ: «كيف تكون قسمتها».
(2) - الورِق: الفضَّة.
(3) - لم يذكر الماعز لأنَّ حكمه مثل حكم الغنم تماماً.
(4) - الدراهم جمع، مفرده: درهم، وهي قطعة من الفضَّة مسكوكة للمعاملة بين الناس، أو هي مرادف النقود عموما ...
(5) - في (هـ): «دراهم». (1/96)
صفحة 97
وتجب الزكاة فيما سوى الذهب والفضَّة باسم الشركاء (1) وما سوى الذهب والفضَّة لا تحطُّ الديون منه في الزكاة.
فإذا لم تكن الفضَّة مع الذهب فزكاته من عشرين مثقالا نصف مثقال (2) ليس فيما دون شيء.
وما زاد على عشرين مثقالاً ففي كلِّ أربعة مثاقيل عُشُر مثقال؛ وما لم يتمَّ فيه أربعة مثاقيل من الكسور ثلاثة ودون ثلاثة، وفوق ذلك ما لم يتمَّ مثاقيل (3) فليس فيه شيء.
وليس في اللؤلؤ والجوهر زكاة، إلاَّ من تطوَّع بخير، ما لم يكن للتجارة، وما كان للتجارة ففيه الزكاة: زكاة رأس ماله حتَّى يباع.
زكاة الحبوب
في القمح والشعير والذرَة العُشُر فيما سقت السماءُ والعيون (4) إذا بلغ ثلاث مائة صاع بصاع النبيء عليه السَّلام، لا يضمُّ نوع من ذلك إلى نوع إلاَّ ما بلغ في نوعه؛ (5) غير أنَّ البُرَّ والشَّعير اختلف فيه الفقهاء؛ وقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه أنَّه يضمُّ البرَّ إلى الشعير والشّعير إلى
__________
(1) - المقصود هنا: يستتمَّ الشريك بسهم الشريك.
(2) - المثقال = 5 غرامات ذهبًا.
(3) - كذا في النسخ والأنسب: «المثاقيل».
(4) - لم يذكر السلت معها رغم أنَّه وارد في السُّنة. كما أنَّه عطف العبارة الأخيرة وأراد في النّسختين، والأنسب هو لعطف السلت إذ لا تتمُّ الستَّة إلاَّ بها.
(5) - أي من القمح الجيِّد والرَّديء مثلا وهكذا. (1/97)
صفحة 98
البرِّ، وهو آخر كلام أبي عبيدة (1) رضي الله عنه؛ (2) وكان أوَّل قوله: لا زكاة في البرِّ ولا في الشعير إلاَّ ما بلغ ثلاث مائة صاع، ولا يضمُّ بعضه إلى بعض؛ ثمَّ رجع عن ذلك وقاسه بالذهب والفضَّة، فقال: يُضمُّ الذهب إلى الفضَّة، ويُضمُّ البرُّ إلى الشعير. (3)
وما لم يبلغ ثلاث مائة صاع فلا زكاة فيه إلاَّ من تطوّع بخير. والتمر والزبيب مثل ذلك. وما يسقى بالدوالي (4) والنواضح (5) والرشاء (6) والسواني (7) ففيه نصف العشر من كلِّ عشرين واحد.
صدقة الإبل
فليس فيما (8) دون الخمسة شيء، فإذا بلغت خمسة، ففيها شاة حتى تبلغ تسعة؛ فإذا زادت واحدة وبلغت عشرة، ففيها شاتان حتى تبلغ أربعة عشر؛ فإذا زادت واحدة وبلغت خمسة عشر، ففيها ثلاث أشياه، حتى تبلغ تسعة عشر؛ فإذا زادت واحدة وبلغت عشرين، ففيها أربعة أشياه،
__________
(1) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة عالم من الأعلام المؤسِّسين للمذهب الإباضي أخذ العلم عن التابعي الكبير جابر بن زيد الأزدي، وتصدَّر المذهب الإباضي في المشرق الإسلامي ومغربه. ولم يترك كتبا كثيرة، إلاَّ رسالة في الزكاة، وكتاب مسائل أبي عبيدة. توفي حوالي سنة 150 هـ.
... انظر: علي يحي معمَّر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ص 155. سالم بن حمد الحارثي: العقود الفضية في أصول الإباضية، ص 139. الشماخي: السير، ص 83.
(2) - في (هـ): سقط: «عنه».
(3) - الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 2، ص 22، 23، 24.
(4) - الدوالي: جمع دالية: الدلو الصغير وهو آنية متتابعة لها عارضة تجعلها تنصَّب في الحوض.
(5) - النواضح: جمع ناضحة: بعير السقي.
(6) - الرشاء: ج أرشية، حبل الدلو.
(7) - السواني: جمع سانية: الدواب، وهي آنية تمتلئ وتصعد في دائرة بالدابة.
(8) - في (هـ): «ما». (1/98)
صفحة 99
فإذا بلغت خمسا وعشرين، ففيها بنت (1) مخاض. فإذا لم توجد ابنة مخاض، فابن لبون ذكر، حتَّى تبلغ خمسا وثلاثين؛ فإذا زادت واحدة، ففيها ابنة لبون، حتَّى تبلغ خمسة وأربعين؛ فإذا زادت واحدة ففيها حُقَّة طروقة الفحل، (2) حتَّى تبلغ ستِّين؛ فإذا زادت واحدة، ففيها جذعة حتَّى [17] تبلغ خمسة وسبعين؛ فإذا زادت واحدة، ففيها ابنتا لبون حتَّى تبلغ تسعين؛ فإذا زادت واحدة، ففيها حقَّتان، حتى تبلغ عشرين ومائة؛ فإذا زادت واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون حتَّى تبلغ ثلاثين ومائة، ففيها حقَّة وابنتا لبون؛ فإذا بلغت أربعين ومائة، ففيها حقَّتان وابنة لبون؛ فإذا بلغت خمسين ومائة، ففيها ثلاث حقائق (3) فإذا بلغت ستِّين ومائة، ففيها أربعة بنات لبون، حتَّى تبلغ سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقَّة؛ فإذا بلغت ثمانين ومائة، ففيها حقَّتان وابنتا لبون؛ فإذا بلغت تسعين ومائة، ففيها ثلاث حقائق وابنة لبون؛ فإذا بلغت مائتين، ففيها أربع حقائق، أو خمس بنات لبون، لأنَّه إذا كثر الإبل أخذ من كلِّ أربعين ابنة لبون ومن كلِّ (4) خمسين حقَّة.
وليس فيما لم يكمل العشرة بعد أن تزيد الإبل على العشرين ومائة شيء؛ فإذا بلغت عشرة ومائتين ففيها أربع بنات لبون وحقَّة؛ فإذا بلغت عشرين ومائتين ففيها حقَّتان وثلاث بنات لبون؛ فإذا بلغت ثلاثين ومائتين ففيها ثلاث حقائق وابنتا لبون؛ فإذا بلغت أربعين ومائتين ففيها أربع حقائق
__________
(1) - في (هـ): «ابنة».
(2) - طروقة الفحل: وهي الداخلة في السنة الرَّابعة.
(3) -في النسخ جُمعت الحقَّة إلى حقائق، وهو خطأ والصَّحيح إلى: حقق أو حقاق. وأثبتنا ما في المخطوط مراعاة للأمانة العلميَّة.
(4) - في (هـ): «ولكلِّ». (1/99)
صفحة 100
وابنة لبون؛ فإذا بلغت خمسين ومائتين ففيها خمس حقائق؛ فإذا بلغت ستِّين ومائتين ففيها أربع بنات لبون وحقّتان؛ فإذا بلغت سبعين ومائتين ففيها ثلاث حقائق وثلاث بنات لبون؛ فإذا بلغت ثمانين (1) ومائتين ففيها أربع حقائق وابنتا لبون؛ فإذا بلغت تسعين ومائتين ففيها خمس حقائق وابنة لبون؛ فإذا بلغت ثلاث مائة ففيها ستُّ حقائق. فإذا كثرت الإبل فعلى هذا الحساب: ففي كلِّ أربعين ابنت لبون، وفي كلِّ خمسين حقَّة.
صدقة البقر
وصدقة البقرة مثل صدقة الإبل، على عددها يؤخذ ما يؤخذ من الإبل من الغنم ما لم تبلغ خمسة وعشرين؛ فإذا بلغت خمسة وعشرين فحوليَّة نظيرة بنت مخاض.
ويؤخذ من البقر ما يؤخذ من الإبل غير أنَّ أسنان الإبل كثيرة وأسنان البقر قصيرة عاجلة. ولكن يعدُّ لها (2) من السنين ما يعدُّ للإبل، فيؤخذ مكان ابنة لبون في الإبل نظيرتها في السنين، ويؤخذ مكان حقَّة نظيرتها؛ وكذلك مكان كلِّ سنٍّ من الإبل نظيرتها من البقر في السنين، وإن اختلفت أسنانها.
فإن لم يجد المصدِّق في الإبل سنَّ (3) فريضة الصدقة ووجد فوقها
__________
(1) - في (هـ): تكرار «ثمانين».
(2) - في (هـ): «يدلُّها». وهو خطأ.
(3) - أمَّا أعمار إبل الصدقة فهي كما يلي:
* بنت مخاض: وهي الداخلة في السنة الثانية.
* بنت لبون: وهي الدّخلة في السنة الثالثة.
*حقَّة: وهي الداخلة في السنة الرابعة.
*جذعة: وهي الداخلة في السنة الخامسة. (1/100)
صفحة 101
أخذها وردَّ فضل ما بينهما بقيمة عدل (1) ذهب أو فضَّة، والصدقة من الحول (2) القمر (3).
صدقة الغنم
لا يأخذ مِمَّا دون الأربعين شيئًا حتَّى تتمَّ أربعين، فإذا بلغت [18] أربعين وبقيت عند صاحبها سنةً ففيها شاة، حتَّى تبلغ عشرين ومائة، فإذا زادت واحدةٌ ففيها شاتان حتَّى تبلغ مائتين؛ فإذا زادت واحدةٌ ففيها ثلاث شياه، (4) حتَّى تبلغ تسعًا وتسعين وثلاثَ مائة، فإذا زادت واحدٌة وكمل أربعُ مائة ففيها أربع شياه؛ (5) ثمَّ يستقيم بعد ذلك حسابها: لكلِّ مائة تامَّةٍ شاةٌ، وليس فيما لم يكمل المائة من التسع والتسعين بعدَ إذْ جازت الغنم ثلاثَ مائة شيءٌ.
ويأخذ المصدِّق من أوسط الغنم.
ويعدُّ من الغنم من أولادها مع أمَّهاتها ما حمله الراعي واستغنى عن أمَّه. قال بعضهم: ما جاز الوادي؛ وقال بعضهم: وإن حمله الراعي؛ (6) ولكن من نأخذ عنه مِمَّن أدركنا لا يرى الشاة إلاَّ شاةً استغنت عن غيرها (7).
__________
(1) - في (هـ): «على»، وهو خطأ.
(2) - في (هـ): إضافة: «سنين».
(3) - كذا في النسخ ولعلَّ الصواب تنكير كلمة حول. أي من الأشهر القمريَّة لا الشمسيَّة.
(4) - في (هـ): «أشياه».
(5) - في (هـ): «أشياه».
(6) - في (هـ): «الرعي». وهو خطأ.
(7) - زكاة الماعز هو نفس زكاة الغنم ولكن يمنع أخذ التيس والذكر من الغنم. الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 2،ص 14. (1/101)
صفحة 102
[حكم تأخير الزكاة]
ومن أخَّر (1) زكاة ماله شهرا في شهر ألاَّ يُكفّر، ولا يضلَّ في الحكم، ما لم يدخل حول (2) في حول، وقال من نأخذ عنه: وإن دخل حول (3) في حول لا يحكم عليه بالكفر ما لم يمت ولم يؤدِّها (4) ولم يوص، إلاَّ أن يكون مانعا فإنَّه يضلُّ في حين ذلك. وقد روي عن النبيء عليه السلام أنَّه قال في خطبته: «ألا إنَّه لا صلاة لمانع الزكاة، لا صلاة لمانع الزكاة، والمتعدِّي فيها كمانعها». (5)
زكاة الفطر [حكمها]
وزكاة الفطر يؤدِّيها (6) من كان له ما يقوِّته سنة، وهي سُنَّة، (7) الأخذُ بها فضيلةٌ، وتركها ليس بخطيئة.
والسنَّة سنَّتان:
* سنَّة في غير فريضةٍ، الأخذُ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة.
* وسنَّة في فريضةٍ، الأخذُ بها هدى (8) وتركها ضلالة.
[من ومِمَّاذا ومتى تؤدَّى]
أن يعطي فطرته (9) من أطيب ماله على جميع عياله، والحرِّ والعبدِ،
__________
(1) - في النُّسخ: «وخَّر». وصحَّحناها على ما اعتيد عليه من الاستعمال.
(2) - في (هـ): «حولاً».
(3) - في (هـ): «حولاً». وهو خطأ.
(4) - في (هـ): «يدها». وهو خطأ.
(5) - رواه الربيع عن ابن عبّاس برقم 342، ورواه الطبراني عن ابن مسعود موقوفاً مع زيادة. قال الربيع: المتعدِّي فيها هو الذي يدفعها لغير أهلها.
(6) - في (د) و (هـ): «يدِّيها». وفي (ب) و (جـ): يؤدِّها. والصواب ما أثبت.
(7) - في (هـ): تكرار: «وهي سنَّة».
(8) - في (هـ): «هذا». وهو تصحيف.
(9) - في (هـ): «فرطته». وهو تصحيف. (1/102)
صفحة 103
على كلِّ رأس يومَ الفطر، صاعا بصاع (1) النبيء عليه السلام، من قمح، أو من تمر، أو شعير، أو ذُرَةٍ، أو زبيب، أو لحم، أو لبن حليب ما لم يخالطه ماء، أو ممَّا يأكل منه، ويكون قوتَ عامَّة عياله، أو يَخلِط من الأنواع.
وليؤدِّها (2) بعد ما صلَّى الصُّبح (3) قبل أن يصلِّي صلاة العيد يوم الفطر أفضلها، أو قبل نصف النَّهار.
__________
(1) - في (هـ): تكرار: «بصاع».
(2) - في (د) و (هـ): «وليدِّها».
(3) - في (ب) و (جـ): «بعد صلاة الصبح». (1/103)
صفحة 104
[الفصل الرابع
فريضة الصيام]
وصيام شهر رمضان فريضة من كتاب الله عزَّ وجلَّ على كلِّ بالغ صحيح العقل إذا شهد الشهر في أهله.
{ومن كان مريضا}: في أهله، {أو على سفر فعدَّة منَ اَيَّام اُخَر}: (1) وفيها إضمار، وإضمارها: فمن كان مريضا أو على سفر فأكل في مرضه أو سفرِه فعدّة من أيَّام أخر؛ ليس على كلِّ من مرض أو سافر يكون عليه الإعادة إذا لم يأكل.
والمسافر إن شاء أكل وإن شاء صام، فليس عليه الإفطار (2) بواجب، ولكن إن صام فمأجور (3) وإن أكل فمعذور.
والصيَّام من الليل إلى الليل، فإذا انفجر الفجر حلَّت الصَّلاة ووجب الصَّوم، وحرم الأكل والشَّراب.
سئل (4) ابن عبَّاس رضي الله عنه: متى يحرم على الصَّائم (5) الطَّعام؟ [19] قال رجل: ما لم تشكَّ حتى تشكَّ. قال: فقال ابن عبَّاس: كلْ ما شككت حتى لا تشكَّ.
__________
(1) - سورة البقرة: 185.
(2) - في (هـ): «الإفطار عليه».
(3) - في (هـ): «فمأجوز». وهو تصحيف.
(4) - في (هـ): «سل». وهو تحريف.
(5) - في (هـ): «الصيام». وهو تحريف. (1/104)
صفحة 105
[هل الاغتسال من الجنابة شرط في صحَّة الصيام؟]
واختلف الناس في الاِغتسال من الجنابة؛ فقال بعض: إنَّما جاء الاغتسال لعلَّة الصلاة، ولم ينزل لعلَّة الصوم، فمن أصبح ولم يغتسل لا يُبطل ذلك صومَه، لأنَّ الله أجاز لنا الأكل والشراب والمباشرة ــ وهي الجماع ــ حتَّى يتبيَّن لنا الصبح. قلنا لهم: أمَّا الأكل والشراب ليس (1) فيه تباعة تلحقهما، والجماع له تباعة تلحقه؛ وإنَّما أراد أن لا نصبح إلاَّ ونحن على الحالة التي يجوز لنا بها الصوم، كقوله تعالى: {إذا قُمتُمُ, إلى الصلاةِ فاغسِلوا وُجوهَكمْ ... } إلى آخر الآية (2)؛ وإنَّما أراد أن لا نقوم إلى الصلاة إلاَّ ونحن على الحالة التي تجوز لنا بها الصلاة، ليس على أنَّا لا نتوضَّأ إلاَّ إذا قمنا إلى الصلاة. قلنا لهم: أرأيتم (3) فقيهين (4) اختلفا لرجلين، (5) فقال أحدهما: إذا اغتسلت ليلاً أجزاك، وإذا أخَّرت إلى الصبح لا يضرُّك، وقال آخر: إنِ اغتسلت ليلاً أجزاك، وإن توانيت إلى الصبح أبطلت صومك، وليس لك صوم، أليس الوثاقة أن يحتاط لنفسه، ويأخذ بالذي اجتمعا عليه أنَّه مجزٍ!.
__________
(1) - كذا والأصحُّ: «فليس». بإضافة الفاء، مثل قوله تعالى: {أمَّا السفينة فكانت لمساكين ... } وقوله: {وأمَّا الغلام فكان أبواه مومِنين ... } ...
(2) - سورة المائدة: 6. وتمام الآية: {وأيديَكمُ, إلى المرافِقِ، وامسحُوا برُؤُسِكمْ وأرجُلَكُمُ, إلى الكعبَيْنِ، وإن كنتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّروا}.
(3) - في (هـ): «رأيتم». وهو خطأ.
(4) - في (د): «فقيهن». وهو تحريف.
(5) - في (هـ): «اختلف الرجل». ولا معنى له. (1/105)
صفحة 106
وقول من نأخذ عنه من أصحابنا: من توانى بغسله حتَّى أصبح فلا صوم له يومَه، (1) ويستأنف (2) ما مضى من شهره. وقد كان يستحبُّ إذا لعطك الصبح (3) وقرب الفجر أن تشرب ولا تأكل، لسرعة انقطاع تباعة الشراب، والوطء أثقل تباعة.
[الفصل الخامس]
فرض الحجِّ
فرض الله الحجَّ في كتابه، وتفسير بعض ذلك من السنَّة.
قال الله تعالى: {وللهِ على الناسِ حجُّ البيتِ منِ استطاعَ إليهِ سبيلاً} (4).
[ما معنى الاستطاعة في الحجِّ؟]
واستطاعة السبيل: الزاد والراحلة. ليس الناس إلى ملك الزاد والراحلة بأحوج إليهم من أمان الطريق؛ فإن وجدوا الزاد والراحلة ملكوا ذلك، ووجدوا أمان الطريق، مع كشف الآفات التي تحلُّ بالجسم يكون منها الموانع؛ فإذا اجتمع (5) لهم ذلك وجب عليهم الحجُّ.
وأمَّا الحجُّ فلا يستطيعونه إلاَّ بفعله، وفي أيَّامه ومشاهده. واستطاعة السبيل غير استطاعة الحجِّ. واستطاعة السبيل إنَّما هي المال وكشف الموانع، وأمَّا الحجُّ إنَّما هو فعل الحاجِّ حركةً وسكونًا (6) من الفاعل في أيَّامه ومشاهده.
__________
(1) - في (هـ): سقط: «يومه».
(2) - يستأنف معناه: يعيد لأنه يعتبر مضيعا، والتضييع حكمه عند أصحابنا إعادة ما مضى من صومه. القطب اطفيش: شرح النيل، ج 3، ص 342)
(3) - كذا في النسخ، ومعناه: مِن لعط يلعط: كواه في عرض عنقه، أي ظهر بياض الصبح فجأة.
(4) - سورة آل عمران: 97.
(5) - في (هـ): «اجتمعا». وهو خطأ.
(6) - في (هـ): «وسكون». وهو خطأ. (1/106)
صفحة 107
[فريضة الحجِّ والعمرة]
ثمَّ قال عزَّ وجلَّ: {وأتِمُّوا الحجَّ والعمرة للهِ} وقولنا ــ والله المستعان ــ: أمَّا الحجُّ والعمرة [فـ]ـفريضتان، وبهذا (1) نأخذ وعليه نعتمد؛ وأمَّا بعض الناس [فـ]ـيرون قول ابن مسعود: الحجُّ فريضة والعمرة نافلة (2)؛ وكان يقرأ فيما روي عنه: {وأتِمُّوا الحجَّ، والعمرةُ للهِ} (3) بنصب {الحجَّ} ورفع {العمرةُ}، يقول: «وأتمُّوا الحجَّ للهِ» وقع عليه الفعل فانتصب، و «العمرةُ» مبتدأ مستأنف فارتفع، يقول: والعمرةُ لله تطوُّعٌ.
والعامَّة من العلماء: على أنَّ الحجَّ والعمرة فريضتان.
[الإحرام: سننه ونواهيه]
ووقَّت رسول الله صلًّى الله عليه وسلَّم (4) مواقيت الحجِّ (5) التي يحرم منها الناس، لا يجاوزها أحد، إذا أراد الحجَّ والعمرة إلاَّ وهو محرم، وقِّت (6) لكلِّ ناحية منهم علم.
وسنَّ في الإحرام الطهر في الأجساد، والنقاء في الثياب. ونهى الله في التنزيل عن الرفث للمحرم، وهو غشيان النساء، فمن فعل بطل إحرامه
__________
(1) - في (هـ): «وبها».
(2) - محمَّد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عبد الله بن مسعود، ص 472. هود بن محكَّم الهواري: تفسير كتاب الله العزيز، ج 1، ص 184.
(3) - سورة البقرة: 196.
(4) - في (هـ): سقط: «صلَّى الله عليه وسلَّم».
(5) - في (هـ): «الإحرام».
(6) - في (هـ): سقط: «وقت». (1/107)
صفحة 108
بحجٍّ أو بعمرة، [20] أو بهما جميعًا، وعليه البدل من عامه؛ وإن لم يستطع من عامه فمن قابلٍ وعليه هديٌ كفَّارةً، مع البدل.
ونهى عن الفسوق، وهي المعاصي.
ونهى عن الجدال، وهو المراء؛ فمن فعل ومارى بالباطل حتَّى يَغضَب (1) أو يُغضِب صاحبه فعليه كفَّارةٌ. فمن جادل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا كفَّارة عليه.
[حكم صيد الحرم وجزاؤه]
ونهى عن قتل الصيد صيد البَرِّ في الحرم؛ وجاءت الرخصة في السنَّة أن تقتل من قاتلك من السباع. والجراد من الصيد. وجاء عن النبيء عليه السلام: «مكَّة حرام لحرام الله، لا يحلُّ صيدها، ولا يختلى (2) خلاؤها، ولا يعضد شجرها، ولا تحلَّ لقطتها (3)». وهذا في الحرم الذي يقال له الجمع، وهو الأمن الذي لا يزول تحريمه. ومن لجأ إليه وعليه الحدُّ فإنَّه (4) لا يبايع ولا يجالس، ولا يُطعم ولا يُؤوى حتَّى يخرج من الحرم، فيقام عليه حدُّ ما اجترم.
__________
(1) - في (هـ): «يَغضَبا ويُغضِب».
(2) - اختلى خلاءه: سطا على منزله.
(3) - رواه الشيخان عن أبي هريرة. ورواه الربيع عن أنس بن مالك بلفظ: «مكَّة حرام حرَّمها الله، لا تحلُّ لقطتها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفَّر صيدها، ولا يختلى خلاها» فقال عمُّه العبَّاس: «إلاَّ الإذخر يا رسول الله»، فقال: «إلاَّ الإذخِر» قال الربيع: لا يعضد: أي لا يقطع، والخلا: الكلأ، والإذخر: نبت يصنع منه الحُصُر، وتسقف منه البيوت. انظر: الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، ج 2، ص 105 - 106، كتاب الحج، باب [2] في المواقيت والحرم، حديث رقم 398.
(4) - في (هـ): «وعليه المدافنة». وهو تحريف. (1/108)
صفحة 109
ومن أحدث حدثًا في الحرم فإنَّه يقام عليه حدُّ ما أصاب، ومن قتل صيد برٍّ في الإحرام فعليه الجزاء، وهو قول الله تعالى (1) في كتابه: {لا تقتُلُوا الصيدَ وأنتمْ حُرُمٌ}: يعني صيد البرِّ، {ومن قَتَلَهُ منكُمْ مُّتَعمِّدًا فجزآء مثلِ ما قَتَل مِن النَّعمِ} (2).
ومن أحرم من بلده أو موضع من المواضع قبل الحدِّ الذي وقَّت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (3) لزمه إحرامه، فليتَّق كلَّ ما نُهيَ عنه المحرم.
والأفاكر (4) والضفادع وطير الماء من صيد البرِّ، ولا بأس بقتل النحل للمحرم.
وجزاء قاتل الصيد بحكومة ذوَيْ عدل اثنان يحكمان، فما حكما به عليه لزمه؛ فإن كان الجزاء دمًا فإنَّه لا يكون إلاَّ بمكَّة، لأنَّ الله يقول: {هَدْيًا بالِغَ الكَعبةِ} (5). وإن كان صيامًا أو كفَّارة طعام فحيث ما أطعم أو صام أجزاه، وهو مخيَّر بين الهدي والإطعام والكفَّارة. ولا يأكل شيئًا لا من جزاء ولا من فدية ولا من كفَّارة، ولا بأس أن يأكل الرجل من كفَّارة غيره، إذا كان فقيرًا ما لم يكن رفيقه. (6) وقال بعضهم يأكل من جزاء
__________
(1) - في (هـ): سقط: «تعالى».
(2) - سورة المائدة: 95.
(3) - في (هـ): «عليه السلام».
(4) - لم أجد معنى هذه الكلمة في القواميس اللغوية والعلمية، ولعل الأنسب للسياق هو: الفُقمة، وهو الحوت البحري البحري المعروف.
(5) - المائدة: 95.
(6) - قال رسول الله (ص): «لاتأكل منه شيئا ولا أحد من رفقتك». رواه أحمد ومسلم وابن ماجه عن ابن عبّاس. عامر الشمّاخي: الإيضاح، ج 1، ص 336. (1/109)
صفحة 110
غيره وكفّارته ما لم تلزمه نفقته، (1) ولا يَحكم في ذلك واحدٌ، ولا يَحكم هو لنفسه وإن كان يعلم ذلك.
والسنّة المجتمع عليها: لا يغطّ الرجل رأسه. وإن نسي وغطّى، أجهر بالتلبية ونزع (2) وإن مرَّ عليه يوم أو ليلة كفَّر بدم.
ولا يلبس الرجل المحرم الأطواق (3) ولا سراويلات ولا خفّين إلا مضطرًّا، وليقلب ساقيها (4) إلى الكعبين. (5)
ولا يتقلّد سيفا ولا يحتزم الخائف؛ ورخّص له في سيفه يمسكه معه، قال بعضهم: يتقلّد الخائف، وقال بعضهم: يمسكه ولايتقلّده.
ولا يلبس الرجل (6) المحرم الخاتم، ولا يحتزم، ولا يزر (7) عليه ثوبا. ولا يتطيَّب ولا يمسّ طيبا، ولا يشمُّه؛ (8) فإن فعل فدم يهريقه، (9) ولا يكتحل بالأثمد (10)، ويكتحل بالأنزروت (11) والمستكا (12)، والأنزروت (149 مكرَّر) حبُّ السودان، ولا يدهن بلبان (13)
__________
(1) - في (هـ): «وكفَّاراته ما لم تلزمه نفقة».
(2) - في النسختين (ب) و (جـ): «ونرع» بالراء، والصحيح ما أثبت من (د) و (هـ).
(3) - الأطواق جمع طوق: ما يلبس حول العنق وغيره.
(4) - في النسخ: «ساقيهما». والصواب ما أثبت من (هـ).
(5) - في (هـ): «الكعبتين».
(6) - في (هـ): سقط: «الرجل».
(7) - في (ب) و (جـ): «يزور»، وفي (د) و (هـ): «يزر»، والصواب: «يأتزر» أو «يتأزَّر». أي يلبس لباسا فيه أزرار.
(8) - في (هـ): «يسمه». وهو تصحيف.
(9) - كذا في النسخ، ولعلَّ الأصوب: «يريقه» أو «يهرقه».
(10) -في (هـ): «الإتمد»، بتاء مثنَّاة. وهو تصحيف. والإثمد: حجر يكتحل به.
(11) - 149 مكرَّر - في (هـ): «الأنزورة».
(12) - (ب) و (جـ): «المشكا». وفي (د) و (هـ): «المستكا».
(13) - في (هـ): «ببان». وهو خطأ. (1/110)
صفحة 111
ولا دهن، ولا بأس أن يدهن (1) بما يتأدّم منه ولا ينتف شعرا ولا يقلِّم ظفرا، فإن آذاه ظفره وهو مكسور [21] نزعه؛ ولا بأس أن ينزع المحرم الضرس إذا آذاه.
ولا بأس أن يحتجم وينصع بغيره، (2) ويذبح المحرم ويتزوّج ولا يباشر، ويلبس من الثياب أيّما (3) شاء وأيّ لون شاء ما لم يكن صبغها زعفران أو عصفر، (4) وما كان من طيب فإنَّه لا يلبسه؛ فإن غسل ولم ينتقص منه ولم يكن فيه ريح الطيب فلا بأس أن يلبسه.
ويلبس المحرم ما شاء من الثياب وإن لم يكن أحرم فيها، إلاّ ما نهينا عنه (5)،وإن شاء المحرم باع ثيابه التي أحرم فيها ولبس غيرها.
[إحرام المرأة]
والمرأة في الإحرام مثل الرجل في كلّ شيء ممّا يحرم عليهما، (6) إلاّ أنَّ المرأة تلبس في الإحرام ما كانت تلبس قبل الإحرام، إلاّ ما كان فيه طيب، إلاّ البرقع (7) وتغطية الوجه، ولا تلبس حريرا ولا خزًّا (8)، ولا
__________
(1) - في (هـ): سقط: «أن يدهن».
(2) - أي يحتجم لنفسه ويحتجم لغيره. وفي (هـ): «بغيرٍ».
(3) - كذا في النسخ، ولعلَّ الصواب: «أيَّها».
(4) - العصفر: السنبل لأنَّه ذو رائحة.
(5) - في (هـ): «نهيا». وهو خطأ.
... والثياب المنهيُّ عنها يجمعها حديث ابن عمر، أنّ رجلا سأل النبيء (ص) عمّا يلبس المحرم من الثياب، فقال: «لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانيس، ولا الأخفاف إلاّ أحد لا يجد نعلين فليس خفّين وليقطعهما أسفل الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسّه الزعفران ولا الورس». رواه الربيع عن أبي سعيد الخدري برقم 406 وبلفظ المفرد. الجيطالي: قواعد الاسلام، ج 1، ص 139.
(6) - في (هـ): «عليها». والأصوب ما أثبت من النسخ الأخرى.
(7) - ما تستر به وجهها وتبقي عينها.
(8) - في (هـ): «خرًا»، وهو تصحيف. والخزّ نوع من الحرير. (1/111)
صفحة 112
تتزيّن ولا تكتحل، ولا تنظر في مرآة إلاّ من علّة، وتنزع عنها حليّها إلاّ ما خافت أن ينكسر بنزعه تركته إيّاه. (1)
[المحرم والحشرات]
ولا يقتل المحرم قمَّلة (2) ولا يلقه من ثوبه ولا يطرحه عنه (3)، ويطرح البرغوث (4) والقرادة (5) والحمنان (6) والحلمان (7) وكلّ ما ليس منه، ولا يُقتل من ذلك شيء.
وليدهن بعيره ويطليه (8) بالقطران (9) ويحكُّه ويقرده (10).
[فدية المحرم المريض]
ونهى الله المحرم عن (11) الحلق حتّى يبلغ الهدي محلّه، فإن كان به أذى من رأسه فحلق، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، وفيها إضمار: {فَمَن كَان مِنكُمْ مَّريضًا اَوْ بهِ أذًى مِّنْ رَّأسِه} فحلق، {فَفِديَةٌ مِّن صيَامٍ اَو
__________
(1) - كذا في النسخ: إيّاه كلمة زائدة.
(2) - في (هـ): «قمَّله».
(3) - انظر جواز هذا في حديث ابن عبّاس. عامر الشمّاخي: الإيضاح، ج 2، ص 267.
(4) - برغوت: نوع من الحشرات.
(5) - القرادة جمع قردان: حشرة دمويَّة تتعلّق بظهر البعير، مثل القمَّل للأنسان.
(6) - حمنان جمع حمنة: صغار القردان.
(7) - الحلمان جمع حلمة: صغير القردان.
(8) - في (د): «وليطليه»، كذا بإثبات حرف العلَّة، والصواب حذفه. أو الصواب ما أثبت من (هـ).
(9) - القطران: سيّال دهنيّ يؤخذ من شجرة الأبهل والأرز وغيرها.
(10) -يقرده: يلتقط منه القردان.
(11) - في (هـ): «على». وهو خطأ. (1/112)
صفحة 113
صَدقةٍ اَو نُسُكٍ}. (1) وليس كلُّ من مرض أو به أذى من رأسه تلزمه الفدية، وإنّما تلزمه الفدية إذا حلَق، وهذا اختصار من كلام العرب وهو معروف، وقد ذكرته شعراء العرب، وله نظير في كتاب الله مثل قوله لموسى: {أنِ اِضْرِبْ بِّعصاك البحرَ فانْفلقَ} ولم يقل: فضرب، (2) ولكن لمَّا قال: {أنِ اِضْرِبْ بِّعصاك البحرَ} على أنَّه قد ضربه فاكتفى وقصَّر (3) واختصر، وهذا من أغرب (4) الكلام وأخصره. وهو مخيَّر في الفدية بين الصيام والصدقة والنسك، وهو شاة يذبحها.
ومن (5) نتف شعرة أو شعرتين تصدَّق على مسكينين (6) ببُرِّ أو تمر؛ ومن نتف ثلاث شعرات ولم يكفِّر حتَّى تلاحقت فَدمٌ (7) يهرقه. ومن نتف أكثر من ثلاث شعرات ثمَّ لم يكفِّر حتَّى نتف شعرات أخر فكفَّارة واحدة تجزيه دمًا واحدًا ما لم يفصل بينهما بكفَّارة؛ وقال بعضهم: ذلك إذا (8) جمعه اليوم أو الليلة، وما فرَّقه الأيَّام فكلُّ يومٍ كفَّارة، والأوَّل أحبُّ إلينا.
__________
(1) - سورة البقرة: 196. وفي (هـ) سقط عبارة: «وفيها إضمار: {فَمَن كَان مِنكُمْ مَّريضًا اَوْ بهِ أذًى مِّنْ رَّأسِه} فحلق {فَفِديَةٌ مِّن صيَامٍ اَو صَدقةٍ اَو نُسُكٍ}»، وقد وقع للناسخ فيها انتقال النظر لتكرار عبارة كاملة.
(2) - في (هـ): «فضربه».
(3) - «وقصَّر» إضافة من (هـ).
(4) - في النسخ: «من أغراب». وأمَّا في (هـ): «من إعراب». ويبدو أنَّ الصواب ما أثبتناه.
(5) - في (هـ): سقط: «مَن».
(6) - في (هـ): «على مسكين ببُرٍّ أو ثمرٍ، ومن نتف ثلاث شُعيرات ... ». وقد تكرَّر فيها استبدال كلمة «شعرات» بـ «شعيرات». ولم نشر إلى ذلك لكثرتها.
(7) - في النسخ: «بدمٌ»، والصواب ما أثبتناه من (هـ).
(8) - في (هـ): «إذْ». (1/113)
صفحة 114
[مستحبَّات الإحرام والتلبية]
ومن أراد أن يحرم فليغتسل في بدء إحرامه، وليلبس ثوبين جديدين أو غسيلين، أو إزارًا أو رداء، ثمَّ يصلِّي صلاة مكتوبة إن كان حين الصلاة. ويستحبُّ الإحرام دبر صلاة مكتوبة؛ وإن [22] لم يوافق (1) حين صلاة مكتوبة صلَّى ركعتين ثمَّ قال: «اللهمَّ إنِّي أريد كذا» لِما أراد أن يحرمه، ويسمِّي (2) حجَّة أو عمرة أو بهما جميعًا. والمسلمون يسحبُّون أن يبدأ بالعمرة قبل الحجِّ، وأيًّا ما فعل من ذلك فهو يجزي. غير أنَّ أحسن الأمور وأفضلها أن يقدِّم العمرة. والتلبية فيهما والإحرام سواء، فإن كان أراد العمرة فليقل: «اللهمَّ إنِّي أريد العمرة، فيسِّرها لي، وتقبَّلها منِّي» ثمَّ يركع ركعتين ــ إن لم يكن حين مكتوبةٍ ــ ويلبِّي، والتلبية أن يقول: «لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»؛ فإذا لبَّى قال: «لبَّيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك يا الله»، فلا يضرُّك بعد ذلك أن تلبِّي ولا تسمِّي (3).
[مناسك العمرة]
وأكثرْ من التلبية كلَّما علوتَ شرفًا أو هبطت (4) واديًا أو لقيت راكبًا، وبالأسحار، ولا يشغلنَّك (5) شيء من الحديث عن التلبية.
__________
(1) - في (هـ): «يوفق». وهو تحريف.
(2) - في (هـ): «ويسمِّيَنَّ».
(3) - تسمِّي: أي تبيِّن عمَّاذا تلبِّي عن عمرة أو حجٍّ، عن نفسك أو عن غيرك.
(4) - في (هـ): «علوت وأهبطتَ».
(5) - في (هـ): «يشغلك». (1/114)
صفحة 115
ولا تقطع حتَّى تأتي الحجر الأسود ــ هذا للمعتمر ــ ثمَّ يطوف بالبيت سبعة أشواط، ثمَّ يركع خلف المقام أو حيث يتيسَّر (1) له من المسجد، وخلف المقام أفضل؛ ثمَّ يعود فيستقبل الحجر الأسود، ثمَّ يدعو بما فتح الله له، (2) ثمَّ يخرج إلى الصفا من الباب الذي يخرج منه، ثمَّ يأتي الصفا فيصعد عليه، فيستقبل البيت ثمَّ يكبِّر الله ويحمده ويهلِّله، ويدعو بما فتح الله له بعد الصلاة علىلنبيء صلّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ يهبط من الصفا إلى المروة، ثمَّ يصنع بها مثل (3) ما صنع على الصفا، يطوف كذلك بينهما سبع تطويفات، (4) يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، ويسعى في بطن المسيل من العلَم الأخضر إلى العلَم الأخضر، ثمَّ يقصُّ من رأسه ويأخذ من شاربه ولحيته وأظفاره، فإذا فعل ذلك حلَّ (5) له الحلال كلُّه من الثياب والطيب والصيد ولحمه، إلاَّ ما حرِّم من صيد الحرم؛ وحلَّ (6) له النساء.
[مناسك الحجِّ]
فإذا كان يوم التروية، أتى المسجد فطاف بالبيت أسبوعًا (7) ثمَّ يركع خلف المقام، فإن (8) لبَّى وأحرم (9) بالحجِّ من المسجد الحرام، وإن شاء
__________
(1) - في (هـ): «تيسَّرَ».
(2) - في (هـ): سقط: «له».
(3) - في (ب): سقط: «مثل».
(4) - في (هـ): إضافة: «ثمَّ».
(5) - في (هـ): «أُحِلَّ».
(6) - في (هـ): «وانحلَّ».
(7) - كذا في (د) و (هـ)، ولعلَّ الصواب: «سبعًا».
(8) - كذا في النسخ ولعلّ الصواب: فإن شاء لبّى ...
(9) - في (هـ): «وانحرم». وهو تحريف. (1/115)
صفحة 116
خرج إلى البطحاء فأحرم منها بالحجِّ، والمسلمون يستحبُّون الإحرام بالحجِّ من البطحاء من المسجد الذي يقال له مسجد الجنِّ، فحيثما أحرم من حرم البطحاء أجزاه أو أحرم من الحرم؛ فإنَّما يكون ذلك بالرواح (1) يوم التروية.
ولا يستحبُّ التعجيل قبل الزوال (2) إلاَّ لمريض أو ضعيف (3)؛ ثمَّ يخرج إلى منىً ويبيت بها ليلة عرفة حتَّى يصبح، ثمَّ يرتحل إلى عرفات بعد ما أصبح وينزل بها، فإذا كان عند زوال الشمس اغتسل إن تيسَّر له، وإلاَّ فالوضوء يجزيه، وليصبَّ الماء على نفسه، وليرفق بجسده ألاَّ يدلكه إلاَّ دلكًا رفيقًا (4).
[أنواع الغسل في الحجٍّ]
وإنَّما يؤكَّد (5) في الغسل في المواطن التي (6) يذكر فيها الغسل في بدء الإحرامين:
الإحرام من الحدِّ (7) الأوَّل حين يحرم بالعمرة، ويوم التروية (8)
__________
(1) - الرواح: العشيُّ.
(2) - في (هـ): «زوال الشمس، إلاَّ للمريض أو ضعيف».
(3) - أو ضرورة تقتضي التخفيف على المسلم، فتوافق مقاصد الشريعة في رفع الحرج.
(4) - لئلاَّ ينزع شعرًا أو جلدًا فتلزمه فدية.
(5) - يؤكَّد: بمعنى أنَّه سنَّة مؤكَّدة يجب فيها دم إن أهملت، وقيل: يجزيه الوضوء. انظر: عامر الشمَّاخي: الإيضاح، ج 2 ص 247.
(6) - في جميع النسخ: «الذي»، والصحيح ما أثبتناه.
(7) - الحدُّ: الميقات.
(8) - التروية: اليوم الثامن من ذي الحجَّة. (1/116)
صفحة 117
حين يحرم بالحجِّ؛ وأمَّا الغسل الذي يدخل به الحرم، (1) [23] والغسل الذي يدخل به (2) المسجد الحرام، وغسل عرفات، وغسل المزدلفة، وغسل الزيارة، وغسل الوداع، والوضوء في كلِّ ذلك يجزي، والغسل أفضل، فإذا زالت الشمس جمع بين (3) الصلاتين: الأولى والعصر مع الإمام أو وحده، ثمَّ وقف (4) إلى أن تغيب الشمس، ولا يفيض قبل غروب الشمس من عرفات، وقبل أن يفيض الإمام (5)، فإذا أفاض الإمام والناس فاض معهم، فإذا أتى المزدلفة صلَّى بها المغرب والعشاء جميعًا ثمَّ يبيت بها، فإذا أصبح وأسفر الصبح أفاض إلى منًى، وليكثر ذكر الله تلك الليلة، كما (6) قال: {فإذا أفَضتُّمْ مِّنْ عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرامِ} (7): وهو المزدلفة، وهو جمع يجمع بها بين الصلوات؛ فإذا أصبح وفاض الإمام والناس أفاض معهم حتَّى يأتي مِنًى؛ فإذا أتى جمرة العقبة أمسك عن التلبية بالحجِّ، ولا يمسك عن التلبية بالحجِّ حتَّى يأتي جمرة العقبة حين أراد أن يرمي، وليرمها من بطن الوادي بسبع حصيَّات، ويكبِّر مع كلِّ حصاة، ولا يرميها من فوق العقبة، ولا يرميها إلاَّ بحصى الحرم؛ ومن رمى بحصى غير (8) الحرم فعليه الإعادة؛ وإن فاتته فعليه دم لكلِّ جمرة كلَّ يوم؛ وإن وقع شيء من الحصى الذي يرمي به على إنسان أو دابَّة أو محمل أبدله.
__________
(1) - في (هـ): «يدخل في الحرام». وهو خطأ.
(2) - في (هـ): إضافة: «في».
(3) - في (هـ): سقط: «بين».
(4) - في (هـ): «يقف».
(5) - الإمام: يعني به إمام الظهور، أي الخليفة أو أمير المؤمنين.
(6) - في (هـ): سقط: «ثمَّ».
(7) - سورة البقرة: 198.
(8) - في (هـ): «بغير حصا الحرم». (1/117)
صفحة 118
فإذا رمى جمرة العقبة ذبح إن كان متمتِّعًا أو قارنًا؛ وإن كان مفردًا بالحجِّ وليس معه هديٌ حين حلَق يرمي. فإذا ذبح (1) المتمتِّع أو القارن حلق رأسه، فإذا حلق (2) حلَّ له كلُّ شيء إلاَّ النساء والصيد حتَّى يزور البيت، فإذا زار البيت حلَّ له جميع الحلال (3) كلُّه.
[مواقيت الحجِّ]
ولا يحرم بالحجِّ في غير أشهر الحجِّ، وأشهر الحجِّ المعلومات التي ذكر الله: شوال وذو القعدة وعشرة (4) من ذي الحجَّة، وإنَّما ذكر العشرة لأنَّ (5) الإحرام يكون في بعض العشرة، لأنَّ يوم عرفة يوم التاسع، فلا يكون الإحرام بالحجِّ إلاَّ قبل الوقت لمن ضاق به. وأمَّا المتمتِّع عليه قدر ما يبلغه من ميقاته، فإنَّه لا يجاوز الميقات من لم يحرم بعمرة إلاَّ وهو محرم بالحجِّ.
[منهيات الإحرام]
فإذا أحرم المحرم من الميقات أو قبل الميقات بالحجِّ أو بالعمرة أو بهما جميعًا فليتَّق كلَّ ما نهي عنه، ولا يأكل صيد برٍّ ــ وإن صاده غيره ــ وهو قول ابن عبَّاس، وبه أخذ أصحابنا، وعليه اعتمدوا؛ يقول: الآية
__________
(1) - في (هـ): «أذبح». وهو خطأ.
(2) - في (هـ): «أحلق». وهو خطأ.
(3) - في النسختين: (ب) و (جـ): «الحليل».
(4) - في (هـ): «وعشرين».
(5) - في (هـ): «لأجْل». (1/118)
صفحة 119
مبهمة (1): {وحُرِّمَ علَيكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمتُمْ حُرُمًا} (2) يقول: مبهمة (3) في الأكل والقتل، وأنَّ غيره يفسِّر الآية على القتل لا على الأكل مثل الآية الأخرى: {ولا تقتُلُوا الصيدَ وأنتُمْ حُرُمٌ، ومَنْ قَتَلَهُ مِنكُمْ مُّتعَمِّدًا فَجَزآءُ مِثلِ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ... } (4) ومن أكله فعليه الجزاء في قولنا: كفَّارة مثل ما أكل. ومن قتله خطأ يحكم عليه بالجزاء، وكما يحكم [24] فيه بالعمد في قولنا الذي نأخذ به، وإنَّما افترقوا في الإثم لا في الجزاء (5)، وكذلك من قتل صيدا بعد صيد يحكم عليه في قولنا بالجزاء، ولا نأخذ بقول من يقول: لا يحكم عليه بالإعادة بالجزاء ويترك ونقمةَ الله، لأنَّ الله يقول: {ومَن عادَ فَينْتَقِمُ اللهُ منه} (6)؛ وعلماؤنا وأيمَّتنا أنَّهم يحكمون بالجزاء، فإذا أحللت حلَّ لك الحلال كلُّه.
__________
(1) - يقول هنا، يعني ابن عبَّاس في الرأي المعتمد.
(2) - سورة المائدة: 96.
(3) - في (هـ): «مبهم». وهو خطأ.
(4) - سورة المائدة: 95.
(5) - يعني الذي قتل خطأ لا إثم عليه رغم أنَّه مكلَّف بالجزاء، والذي تعمَّد أثم وكلِّف بالجزاء، فرغم أنَّ الآية تخصِّص الجزاء بالمتعمِّد فإنَّ العلماء أوجبوه كذلك على المخطئ، عملا بقاعدة: «الخطأ لا يزيل الضمان». انظر: عامر الشمَّاخي: الإيضاح، ج 2، ص 373 وما بعدها. هود بن محكَّم الهواري: تفسير كتاب الله العزيز، ج 1، ص 497.
(6) - سورة المائدة: 95. (1/119)
صفحة 120
[أحكام الإحرام]
والمحرم بالعمرة يحلُّ إذا طاف بالبيت وركع وسعى بين الصفا والمروة، وقصَّر. والمحرم بالحجِّ لا يحلُّ حتَّى يرجع من عرفات، ويقف بالمشعر ويرمي جمرة العقبة يوم النحر، ويذبح ويحلق إن كان متمتِّعًا بالعمرة إلى الحجِّ أو قارنًا بحجٍّ وعمرة. وأمَّا المفرد بالحجِّ الذي لا يسوق الهدي فلا هدي عليه، ولكن يرمي ويحلق، فإذا حلق حلَّ له كلُّ شيء إلاَّ النساء والصيد. والمتمتِّع والقارن يحلاَّن إذا حلَقا بعد الذبح، يحلاَّن من كلِّ (1) شيء إلاَّ النساء والصيد، حتَّى يزورا (2) البيت. وكذلك المفرد إذا زار وطاف أسبوعًا (3) ركع وطاف بالصفا والمروة حلَّ من النساء والصيد، وحلَّ المهلُّ (4) بالحجِّ.
والبيت الحرام لا يحلُّ أبدًا وما حوله من الحرم صيده ونباته إلاَّ الإذخر (5) فإنَّه رخِّص فيه للبيوت والقبور والخضروات (6) التي يزرعها الناس في الحرم لا بأس بها من بقل أو شجر، لأنَّ مكَّة حرام لحرام الله يوم خلق السموات والأرض. ذكروا عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «مكَّة حرام لحرام الله، لم تحلَّ لأحد قبلي، ولا تحلُّ لأحد بعدي، وإنَّما حلَّت لي ساعة من النهار» (7) يعني يوم فتح مكَّة.
__________
(1) - في (جـ) سقط: «كلِّ».
(2) - في (د) و (هـ): «يزوران». وهو خطأ، والصواب حذف النون، لأنَّه منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد حتَّى.
(3) - كذا في (د) و (هـ)، والصواب: «سبعًا». وفي (هـ): «زارا وطافا أسبوعًا، وركعا وطافا بالصفا والمروة حلاَّ». بصيغة المثنَّى.
(4) - في (هـ): «المهمل». وهو تحريف واضح.
(5) - الإذخر جمع إذخرة: حشيش طيِّب الرائحة يسقف به البيوت فوق الخشب.
(6) - في (هـ): «الحضورات». وهو تصحيف.
(7) - رواه الشيخان عن أبي شريح العدوي. والربيع رواه في خطبة عام الفتح برقم 419. (1/120)
صفحة 121
[مبطلات الحجِّ]
ومن لم يلبِّ فلا حجَّ له ولا عمرة، ومن لم يقف بعرفات فلا حجَّ له، (1) ومن لم يطف بالبيت فلا حجَّ له ولا عمرة.
[مخالفات الحاجِّ و كفَّاراتها]
ومن ترك من المشاهد سوى ما ذكرنا يكفِّر له، وذلك من لم يقف بالمزدلفة يهرق دمًا.
ومن لم يرم الجمار يكفِّر ــ إن فاته رمي يوم النحر، الجمرةَ الكبرى ــ بشاة يهرق دمها ويتصدَّق.
ومن فاته الرمي في اليومين الأوسطين فليتصدَّق، وليبدل الرمي في اليوم الثالث.
ومن فاته آخر الرمي فشاة لكلِّ جمرة. أعظم الرمي أوَّله وآخره.
ومن فاته الرمي كلُّه فعليه لكلِّ جمرة كلَّ يوم شاة، فذلك تسعة أشياه، والشاة العاشرة لجمرة العقبة يوم النحر.
ومن فاته حضور ليلة من ليالي منًى فعليه دم.
ومن تعجَّل فنفر (2) في اليوم الثاني فلا شيء عليه في رمي اليوم الثالث إذا نفر قبل الليل، فإذا أدركه الليل، في حدِّ منًى فلا ينفر (3)
__________
(1) - في (هـ): سقط عبارة: «ومن لم يلبِّ فلا حجَّ له ولا عمرة، ومن لم يقف بعرفات فلا حجَّ له». وقد وقع للناسخ فيها انتقال النظر لتكرار: «ومن لم ... ».
(2) - نفر: رحل إلى بلده مع جماعة من الناس.
(3) - في (هـ): «يفرُّ». وهو تحريف. (1/121)
صفحة 122
إلاَّ في اليوم الثالث بعد ما يرمي الجمار الثلاثة بعد زوال الشمس، فإن لم يفعل فعليه لكلِّ جمرة شاة. ولا يَرمِي (1) الجمار ليلاً إلاَّ أن يكون خائفًا على نفسه.
ولا يرمي قبل زوال الشمس في أوَّل النهار إلاَّ من فاته أمس قضاه أوَّل النهار إن شاء، [25] وإن شاء أخَّره إلى زوال الشمس.
ومن نقص من سبعة من الحصى أعاد تلك الواحدة؛ وإن فاتته الإعادة فدم. ومن رمى حصاتين (2) معًا فهي رمية يعدُّها حصاةً واحدة، ويرم (3) بعدها ستَّة؛ وإن فاته أهرق دمًا. ومن زاد في الرمي فلا يضرُّه ولا يفسد عليه.
ومن رجع إلى بلده ولم يطف طواف الزيارة أبطل؛ وعليه الطواف، يعود من بلده فيقضيه ويكفِّر.
ومن رجع إلى بلده لم يطف طواف الوداع فعليه دم. (4)
ومن ترك ركعتي الطواف حتَّى يخرج من المسجد فليركعهما (5) ما دام في الحرم؛ فإن خرج من الحرم فليركعهما (233 مكرَّر) حيث كان.
وإن أتى منزله فليهد شاة، لتأخيره ركعتي الطواف.
__________
(1) - في (د) و (هـ): «ترمي». وهو خطأ، والصواب ما أثبت.
(2) - في جميع النسخ: «حصاة»، وفي (هـ): «خطاه»، وهو تصحيف، والأنسب ما أثبت.
(3) - في (هـ): «ويرمي».
(4) - في (هـ): سقط: «دمٌ».
(5) - 233 مكرَّر - في (هـ): «فليركعها». (1/122)
صفحة 123
[الباب الثالث:
مسائل في المعاملات] (1/123)
صفحة 124
[صفحة بيضاء] (1/124)
صفحة 125
[باب في]
تفسير المظالم والمحاربة
من أسلم ثمَّ أشرك فإنَّه يقتل لقول الله تعالى: {ومَن يَّرتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِه فَيَمُتْ وهو كافِرٌ} (1).
تفسير المحاربة
قال الله تعالى: {إنَّما جزآءُ الذين يُحارِبون اللهَ ورسولَهُ ويَسْعَوْنَ في الاَرضِ فسادًا اَنْ يُّقَتَّلوا أو يصلَّبوا أو تقَطَّع أيدِيهمْ وأرجُلُهُمْ مِّنْ خِلاَفٍ اَو يُنْفَوْا مِنَ الاَرضِ} (2) وذلك من حارب وقطع الطريق، فأصاب في محاربته الأموال والأنفس، أنَّه يقتل إذا قدر عليه، ومن أصاب الأموال ولم يقتل قطعت يده ورجله (3) {مِنْ خلاَفٍ}: يده اليمنى ورجله اليسرى.
ومن قطع الطريق من أهل الشرك ثمَّ قدر عليه، وقد أصاب الأموال والأنفس فإنَّه يصلَّب. ولا يصلب أحد من أهل الإقرار (4).
وإن جاء تائبًا قبل أن يقدر عليه هدر (5) عنه ما أصاب في محاربته.
ولا يهدر عن أحد من أهل الإقرار ما أصابه في محاربته؛ (6) فإن طلبه الإمام فامتنع فهو باغ، لا يقارب ولا يترك حتَّى يسلِّم لحكم الله، ويقاتل
__________
(1) - سورة البقرة: 217.
(2) - سورة المائدة: 33.
(3) - في النسختين: (ب) و (جـ): «ورجلاه».
(4) - الإقرار: التوحيد. انظر: القطب اطفيَّش: تيسير التفسير، ج 2، ص 74.
(5) - هدر: أبطل.
(6) - في (هـ): سقط: «ولا يهدر عن أحد من أهل الإقرار ما أصابه في محاربته». وقد وقع للناسخ فيه انتقال النظر لتكرار: «في محاربته». (1/125)
صفحة 126
على امتناعه؛ فما أصاب في امتناعه من الأنفس وما دونها من الجراحات يهدر عنه ولا يؤخذ به، لأنَّه لا قصاص بينه وبين المسلمين، لا يقيدوه من أنفسهم فيما أصابهم منه، وكذلك لا يعطوه لأنَّه إذا نزل قومٌ منزلة لا نعطيهم القصاص من أنفسنا فيما أصبنا (1) منهم.
كذلك لا نأخذ (2) منهم بما أصابوا. ولا يستقيم أن نستحلَّ قومًا فنأخذ منهم القصاص، ولا نعطيهم مثل ذلك من أنفسنا.
وأمَّا النفي الذي ذكره الله فهو أن يطلبهم الإمام والمسلمون بإقامة ما حكم الله بينهم وعليهم ــ من القتل والقطع والصلب ــ فيهربون فلا يُؤمَنون في شيء من بلاد (3) المسلمين؛ وليس ذلك على معنى ما يقول من يقول: إنَّ الإمام [26] فيهم مخيَّر إن شاء قتلهم، وإن شاء صلبهم، وإن شاء قطَّعهم، وإن شاء نفاهم.
ولا يحلُّ ما يقول من يزعم أنَّ النفي هو الحبس، ولكنَّه كما فسَّره العلماء: النفي أن يطلبوا بما حكمه (4) الله فيهم فيهربون، فلا يؤمنون في شيء من بلدان المسلمين (5).
[أحكام القطع في الإسلام]
__________
(1) - في النسخ: «أصابنا»، والصحيح ما أثبت من (ج).
(2) - في (هـ): «تؤخذ منهم فما أصابوا».
(3) - في (هـ): «بلدان».
(4) - في (هـ): «حكم».
(5) - انظر هذا المعنى في: هود بن محكَّم الهواري: تفسير كتاب الله العزيز، ج 1، ص 467. القطب اطفيَّش: تيسير التفسير، ج 2، ص 75. (1/126)
صفحة 127
قال الله تعالى في القطع: {والسارقُ والسارقةُ فاقطَعوا أيدِيَهُما جزآءً بِما كَسبَا نكالاً مِّن اللهِ واللهُ عزيزٌ حَكيمٌ} (1).
القطع حكم جرى على الأحرار والعبيد والذكور والإناث والموحِّد والمشرك إذا أخرج المال من الحرز (2).
يقطع إذا كان الذي أخرج من المال يساوي قيمة أربعة دراهم فصاعدًا، وقال بعضهم: خمسة دراهم. وقالوا: «لا تقطع الخمس إلاَّ في الخمس»، (3) وقال بعضهم: عشرة دراهم (4)؛ وقولنا الذي نأخذ به ونعتمد عليه: القطع في أربعة دراهم (5). وقالوا لنا: (6) فمن أين جاز لكم في قولكم القطع في أربعة دراهم وأنتم قد جمعتمونا (7) على الأكثر، فما حجَّتكم وما شاهدكم على الأقل؟ وأنتم مدَّعون؟! قلنا: فأيُّ دليل وأيُّ حجَّة أقوى من كتاب الله؟! فإنَّ الله يقول: {والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديَهما جزآءً بِما كسَبَا نكالاً مِّن اللهِ والله عزيزٌ حكيمٌ} (8)، فجاءت الآية مجيءَ عمومٍ فلم يخرج (9) ولا يخرج من جملتها وحكمها، إلاَّ ما أجمع العلماء
__________
(1) - سورة المائدة: 38.
(2) - الحرز: هو الموضع الحصين، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا قطع في التمر حتَّى يؤويه الحرز». رواه ابن بركة العماني في جامعه ج 2، ص 473.
(3) - هذا رأي المعتزلة. انظر: ابن بركة: الجامع، ج 2، ص 478.
(4) - وهو رأي أبي حنيفة. انظر: ابن بركة: الجامع، ج 2، ص 478.
(5) - استنادًا إلى أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قطع في مُجنٍ قيمته ربع دينار. وروي عنه صلَّى الله عليه وسلَّم عن طريق عائشة أنَّها قالت: «القطع في ربع دينار فصاعدًا». رواه أبو داود والنسائي ومالك والربيع. انظر: ابن بركة: الجامع، ج 2، ص 473.
(6) - في (هـ): «وقولنا». وهو خطأ.
(7) - في (د) و (هـ): «جامعتمونا»، والصواب ما ورد في غيرها: «جمعتمونا»: اتَّفقتم معنا.
(8) - سورة المائدة: 38.
(9) - في (هـ): سقط: «فلم يخرج». وقد كرِّر للتأكيد. (1/127)
صفحة 128
عليه أنَّه خرج منها، وإلاَّ فالحكم حكم العامِّ.
والوجه الثاني: إنَّما جاءت السنَّة في قطع يد السارق سرق مجنًا، (1) فاختلفوا في قيمة المجن فإن كنت إنَّما تنظر إلى موضع الدعوات فالذي يدِّعي الأكثر ــ من المختلفة ــ هو المدَّعي.
وإنَّما يقطع يده اليمنى، وهذا من سنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. والسنَّة أن يقطع من أخرج من الحرز؛ ولا يقطع إلاَّ بإقرار أو بشاهدين (2) عدلين.
واختلفوا في إقرار العبد، قال بعضهم: لا يجوز إقرار العبد على نفسه وهو مال؛ وقال بعضهم: يجوز إقراره في إتلاف نفسه في القطع والقتل، ولا يجوز إقراره في مالٍ.
[أنواع السرقة وأحكامها]
ولا يقطع المختلس ولا الخائن ولكن يعاقب (3).
والمختلس الذي يسرق من المرعى أو من الجبال، أو من البراري، ما لم يخرج من المراح (4) والخزائن (5) والدوار (6) والمرابض (7).
__________
(1) - المجن: الترس. انظر: أبو غانم: المدوَّنة الكبرى، ج 2، ص 287.
(2) - في (هـ): «وبشاهدين».
(3) - في (هـ): «يعاقبوا»، والصحيح ما أثبت. وفي (د): تكرار: «الخائن».
(4) - كذا في (د) و (هـ). وفي النسختين (ب) و (جـ): «المراج»، ولعلَّ الصحيح المروج: وهي أرض واسعة فيها نبت كثير ترعى فيه الدواب.
(5) - كذا في النسختين (د) و (هـ)، وفي (ب) و (جـ): «الخزائل»، ولعلَّ الصحيح الخمائل حسب السياق وهي غابة ذات أشجار كثيرة وكثيفة.
(6) - الدوار: المنازل.
(7) - في (د): «المرابظ»، وفي (هـ): «المرابط»، ولعلَّ الصواب: المرابض: وهو مأوى الغنم. (1/128)
صفحة 129
والخائن الذي يدخل بإذن، فيخون الأمتعة فيسرقها، أو سرق من أصحابه وهو معهم.
ومن سرق دابَّة لها راع يقطع يده؛ فإن كابروه (1) فإنَّه يقطع يده ورجله من خلاف؛ وإن سرق الدابَّة مع راعيها فإنَّه لا يقطع، وقد خرج إلى حال الاختلاس أقرب وأشبه، لأنَّه لم يكابر فيكون محاربًا، ولم ينزل الحرز فيخرج منه المال فيكون سارقًا.
ومن سرق صغيرًا (2) فإنَّه يقطع، ومن سرق كبيرًا فإنَّه لا يقطع (3).
باب [27] في القصاص
قال الله تعالى: {وكتبْنا علَيْهِمْ فيهآ أنَّ النفْسَ بالنفْسِ والعينَ بالعينِ، والاَنفَ بالاَنفِ والاُذْنَ بالاُذْنِ والسِّنَّ بالسِنِّ والجروحَ قِصاصٌ، فمن تصَدَّقَ به فهو كفَّارَةٌ له، ومن لَّمْ يَحكُمْ بِمَآ أَنْزَل اللهُ فأولئكَ همُ الفاسقون} (4) و { ... الظالمون} (5) و { ... الكافرون}. (6) تفسير ذلك أنَّ نفس المؤمن تقتل بنفس المؤمن الحرِّ، إذا كان القتل عمدًا.
ولا يقتل الحرُّ بالعبد، ولا المسلم بالمشرك، ولكن الدية إذا كان معاهدًا. ولا يقتل العبد المسلم بالمشرك، ولا الحرُّ بالمشرك، ولكن الدية.
__________
(1) - كابروه: غالبوه مغالبة، أي أثبتوا الحجَّة عليه.
(2) - في (هـ): «سغيرا» وهو تحريف.
(3) - هنا يشير إلى سرقة إنسان. والكبير يسير بمطاوعة.
(4) - سورة المائدة: 45.
(5) - سورة المائدة: 47.
(6) - سورة المائدة: 44. (1/129)
صفحة 130
ولا يقتل الرجل بامرأة حتَّى يؤدُّوا (1) نصف الدية في قول بعضهم؛ وقال بعضهم: يقتل. وذكروا أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قتل ثلاثة في امرأة، وقال: «لو اشترك في قتلها أهل صنعاء لقتلتهم» (2). ولا يقتل عبد بعبد أفضل منه حتَّى يؤدُّوا فضل القيمة. والمرأة نصف الرجل (3).
[الديات: أنواعها وأحكامها]
ودية الرجل مائة من الإبل؛ هذا من قضاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (4). ودية العبد ثمنه، وجراحاته على قدر ثمنه. وكلُّ ما هو نصف في الحرِّ فهو في العبد نصف ثمنه (5) فذلك إلى أقل قليل وأكثر كثير. واصطلح المسلمون أنَّ دية الخطإ على العاقلة بقدر قربهم، الرجال دون النساء، لكلِّ رجل منهم أربعة دراهم؛ فإن فَضُل، قسِّم على الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم؛ فإن لم تتمَّ أعيدت أيضًا كذلك، فإن لم تتمَّ أعيدت أيضًا كذلك.
ولا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا، وأمَّا ما جنى
__________
(1) - في (د): «يدُّوا». وهو خطأ.
(2) - نفس الكلام رواه مالك عن سعيد بن المسيب على رجل لا على امرأة بلفظ: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا» المطأ: كتاب العقول، باب ما جاء في الغيلة والسحر، رقم 13.
(3) - قال أبو غانم الخراساني: «هو قول أبي عبيدة ... وعلي بن أبي طالب». المدوَّنة الكبرى، ج 2، ص 302.
(4) - رواه أبو داود عن جدِّ عمرو بن شعيب. سنن أبي داود: حديث رقم 4541. والربيع عن ابن عباس برقم 661.
(5) - أي بعبارة أخرى: كلُّ ما يمكن تنصيفه في الحرِّ ــ مثل العينين ــ فهو في العبد كلُّ نصف بنصف ثمنه في العبد. (1/130)
صفحة 131
المملوك (1)؛ ولا تعقل ما دون الثلث، وقال بعضهم: تعقل العاقلة ما فوق الموضِّحة (2)، ولا تعقل ما دونها.
وتعقل دية الخطإ في ثلاثة أعوام: الثلثين في عامين، والثلث في عام.
وقد أمر الله الطالب أن يطلب بالمعروف، وأمر المطلوب أن يؤدِّي إلى صاحبه بإحسان، وقال في ذلك: {فَمَنْ عُفِيَ لهُ, منَ اَخِيهِ شيْءٌ فاتِّباعٌ بالمعروفِ وأدَآءٌ اِليهِ بإحسَانٍ ذلكَ تخفيفٌ مِّنْ رَّبِّكمْ وَرحمَةٌ} حيث جعل لهم أخذ الدية، قال: {فمنِ اِعتدَى بعدَ ذلكَ فلهُ عذابٌ اَليمٌ} (3): يعني من قتل بعد أخذ الدية يقتل، ولا يعفى عنه ولا تؤخذ منه الدية؛ ولا عفو للقاتل بعد أخذ الدية. وإن عفى عنه وليُّ المقتول فالسلطان يقتله. ومن قتل بالدينونة (4) فهو إلى السلطان يقتله، فلا يجوز فيه عفو الأولياء.
وكذلك من قطع الطريق بالمسلمين فأمره إلى السلطان ليس إلى الأولياء.
واختلف العلماء في قتل الغيلة، فقال بعضهم: هو إلى السلطان وليس إلى أولياء المقتول، ولا يعفى عنه، ولا عفو له. وقال بعضهم: هو إلى الوليِّ.
[تفسير الغيلة]
وتفسير الغيلة: أن يغتال بالرجل فيدعى إلى طعام [28] أو إلى جماعة
__________
(1) - كذا في (د)، وفي النسختين (ب) و (جـ): «ولا اعترافًا ما جنى المملوك»، ولعلَّ الأنسب: «ولا ما جنى المملوك». انظر: القطب اطفيَّش: شرح النيل، ج 15، ص 138.
(2) - الموضِّحة: شجَّة كشفت العظم ولم تكسره.
(3) - سورة البقرة: 178.
(4) - يقصد به المرتدَّ. (1/131)
صفحة 132
أو إلى خير حتَّى يؤتى به إلى مكان مطمئنٍّ استمكنوه، وهو مغترٌّ لا يعلم ما يراد به، فهذا وجه الغيلة.
[تفسير الفتك]
وأمَّا الفتك: فهو أن يأتيَ بيتَه (1) في مكانه غافلاً لا يرى أنَّه يراد به بأس، فيقتله مفاجأة فذلك الفتك، فهو الذي يقال فيه: «قيَّد الإسلام الفتك، لا يفتك مؤمن». (2) ولا فتك في الإسلام.
[تفسير الغدر]
وأمَّا الغدر: فهو أن يعطيه الأمان ثمّ يقتله وهو أشرُّ هذه الوجوه ..
[تفسير العقص]
وأمَّا العقص: فهو أن يضرب بحديد ثمَّ يموت مكانه.
[تفسير شبه العمد]
وأمَّا شبه العمد من الخطأ: فهو أن يضرب بما لا يقتل مثله، ثمَّ يموت مكانه، ففيه وقع الخلاف، قال بعضهم ديَّة ولا قود (3).
وقال بعضهم يقاد منه لأنَّه تعمَّد ضربه وإن لم يتعمّد قتله، ولا تعقله العاقلة.
__________
(1) - في (ج): «يؤتى بيته».
(2) - حديث رواه أبو داود بلفظ: «إنَّ الإيمان قيد الفتك، قيد الفتك، لا يفتك مؤمن». كتاب الجهاد، حديث رقم 157. انظر: ونسنك: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ج 5، ص 57. رواه الربيع عن جابر بن زيد مرسلا بلفظ: «الإيمان قيد ... » برقم 997.
(3) - في (د): «قوة»، والصواب ما أثبتناه من غيرها. (1/132)
صفحة 133
[باب الخطأ المحض]
وأمَّا الخطأ المحض الذي تعقله العاقلة: فهو أن يهوي الرَّجل بضربة أو رمية إلى صيد أو دابة أو إنسان فيصيب غيره، أو يسقط منه شيء فيصيب به إنسانا، أو يسقط هو بنفسه، أو يصيح صائح فيقع إنسان من أجل صيحته ..
وما أشبه هذه الوجوه، فهو (1) الخطأ المحض الذي تعقله العاقلة بالبيِّنة.
[باب الخطأ العمد]
وأمَّا الخطأ العمد: فالذي يتعمَّد الضَّربة بغير حديد بما لا يقتل مثله، يقال له «خطأ العمد»، يقال له «عمدٌ» (2) لأنَّه تعمَّد الضربة، ويقال له «خطأ» لأنَّه لم يتعمَّد القتل؛ فالدية فيه في مال الجاني، ولا تعقله العاقلة .. فقال بعضهم يقاد منه.
والمرتت: أن توهنه (3) الجراحات فيموت بعد ذلك. فعلى هذه الوجوه جرت الأحكام.
[العفو وفضله]
__________
(1) - في (هـ): خرم مقداره ورقة كاملة من قوله: «ومن سرق صغيرًا فإنَّه يقطع ... » إلى موضع هذا الهامش.
(2) - في (هـ): سقط: «يقال له عمدٌ».
(3) - في (هـ): «تهنه». وهو خطأ. (1/133)
صفحة 134
وأمَّا العفو: وما ذكر الله منه، فما ذكر في سورة المائدة قوله: {فمن تصدَّق به فهو كفَّارةٌ لَّه} (1) يعني كفَّارة لذنوبه. وقال في {حم عسق}: {وجزآء سيئةٍ سيِّئةٌ مِّثلُها} (2) يقول جزاء جراحة جراحة مثلها، فبدأ بذكر القصاص قبل العفو؛ وكذلك في سورة المائدة بدأ بالقصاص قبل العفو، ثمَّ ختم بالعفو وفضله، ومدح به فاعله، ووعد الأجر عليه، قال: جزاء الجارح أن يساء إليه كما أساء إلى المجروح حين جَرَحه فيساء إليه فيقتصُّ منه، ثمَّ ذكر العفو فقال: {فمنْ عَفا وأصلحَ فأجْرُه على اللهِ إنَّه لا يحبُّ الظالمين}. (3) ثمَّ قال: {ولَمَنِ اِنتصر بعدَ ظُلمِه} يقول: المظلوم (4) ينتصر فيأخذ حقَّه من الظالم، {فأولئكَ ما عليهمْ مِّنْ سبيلٍ} (5) يقول: من عدوان في أخذهم الحقَّ ممَّن ظلمهم، {اِنَّما السبيلُ على الذين يَظلمون الناسَ ويَبْغُونَ في الاَرضِ بغيرِ الحقِّ أولئك لهمْ عذابٌ اَليمٌ} (6) يعني في الآخرة عذاب وجيع، وفي الدنيا القصاص، ثمَّ قال: {ولَمَنْ صَبر وغفر إنَّ ذلك لَمِن عَزمِ الاُمورِ} (7) يعني يقول: من حقِّ الأمور. يقال: إنَّ مناديًا (8) ينادي يوم القيامة: «ألاَ من كان له أجرٌ على الله فليقم إلى أجره فليأخذه». فيقال: «من هذا الذي له على الله أجر؟»
__________
(1) - سورة المائدة:45.
(2) - سورة الشورى: 40.
(3) - سورة الشورى: 40.
(4) - في (هـ): «للمظلوم».
(5) - سورة الشورى: 41.
(6) - سورة الشورى: 42.
(7) - سورة الشورى: 43.
(8) - في النسختين (ب) و (جـ): «منادي». وفي (د) (هـ): «منادٍ». والأنسب ما أثبت. (1/134)
صفحة 135
فيقال: «من عفا وأصلح» ــ والعفو من الأعمال الصالحة ــ فيقومون إلى أجورهم فيأخذونها.
قال الله: {والعافين عن الناس والله يحبُّ المحسنين} (1) وقال بعض أهل العلم: العفو باب جامع لك ولصاحبك إذا ظلمك كان لك أجر ظلمه إيَّاك وكان عليه وزره؛ فإن أخذت حقَّك لم تظلم؛ فإن عفوت عنه كان لك أجر عفوك مع ظلمه إيّاك، وينقلب صاحبك لا له ولا عليه. وقال: «واحدة بواحدة والبادئ أظلم».
ومن قتل على ماله فلا يعفى قاتله، وهو إلى الإمام، ولا يجوز فيه العفو، عفو الولي، ولكن القتل، لأنَّ هذا محارب.
باب المقاسم في المغانم (2) والفيء والصدقات
قال الله عزَّ وجلَّ: {واعلموا أنَّما غَنِمتمْ مِّن شيءٍ فأنَّ للهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذي القربَى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ}. (3) فهذا قسم الله في تنزيله الخمس بين هؤلاء السِّتة، وأربعة أخماس لمن قاتل عليه: للفارس سهمان، وللرَّجل (4) سهم. ومن كان له أفراس لا سهم إلاَّ للذي (5) قاتل عليها. ولا سهم للعبد ولا للذِّمِّيِّ، ولا لمن لم يبلغ، ولكن يرضخ (6)
__________
(1) - سورة آل عمران: 134
(2) - في (د): «المغنائم». وهو خطأ. والصواب ما أثبت من (هـ).
(3) - سورة الأنفال: 41.
(4) - في (هـ): «والرجل». ولعلّ الصواب: وللراجل.
(5) - (ب): «إلاَّ في الذي». وفي (هـ): «إلاَّ الذي». ولعلَّ الأصوب ما أثبت من (د).
(6) - الرضخ: الأعطية القليلة. (1/135)
صفحة 136
لهم. ولا سهم لامرأة وإن قاتلت (1) إلاَّ الرضخ. (2)
وما وجد من الكنوز مدفونا أو في القبور غنيمة إذا لم يكن لقِبْليٍّ.
مسك محمَّد عليه السلام الخمس يخرج منه لمن ذكره الله له الذين (3) سمَّاهم الله غير سهمين من الستَّة ساقطين سهم رسول الله عليه السلام، لأنَّه ليس لأحد أن يرثه، ولا يكون لأحد بعده، وسهم ذي القربى لأنَّه إنَّما كان يومئذ لقرابة رسول الله عليه السِّلام إذا كان حيًّا، فأمَّا اليوم سهمهم ساقط.
فالخمس (4) اليوم يقسَّم على أربعة أسهم: سهم الله، وسهم اليتامى، وسهم للمساكين، (5) وسهم لابن السبيل ..
فأمَّا سهم الله فإنَّما هو في القوَّة والعدَّة، يُقوَّى منه الغزاة. فما كان من صنف لم يحضر من هؤلاء الصنوف رفع ربع الخمس وكتب عليه اسم ذلك الصنف ورفع، فإذا حضروا أخذوا حقَّهم وأربعة أخماس لمن وجده، إلاَّ أن يكون عبداً أو امرأة أو مشركاً أو طفلاً، فهؤلاء لم يكن لهم حقٌّ في الغنيمة، ولكن (6) ينظر لهم الإمام، ويقسِّم سائره قسم الفيء.
والفيء يكون لهؤلاء الصنوف الأربعة، وغيرهِم من جميع الناس ــ غنيا كان أو فقيراً ــ مِن المسلمين ما خلا مملوكاً، وذلك لقول الله تعالى:
__________
(1) - في (هـ): «قاتل». وهو خطأ.
(2) - المسألة فيها خلاف بين العلماء. انظر تفصيلها عند القطب اطفيِّش: كتاب وفاء الضمانة بأداء الأمانة، ج 3، ص 95.
(3) - في (هـ): «ذكره الله الدين».
(4) - في (هـ): «بالخصص». وهو تحريف.
(5) - في (هـ): «المساكين». بدون لام الجرِّ.
(6) - في جميع النسخ: «ولا ينظر لهم الإمام». ولعلَّ الصواب ما أثبتناه من (هـ) حسب السياق. (1/136)
صفحة 137
{كيْ لاَ يكونَ دُولَةً بين الاَغنيآءِ مِنكمْ} (1) يعني لمَّا ذكر من الصنوف ما ذكر، [29] فقال: (2) {مآ أفآءَ اللهُ على رسولِه منَ اَهلِ القرى فللَّهِ وللرَّسولِ ولِذي القُربى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ}، (3) فقال: لهؤلاء فيه حقٌّ يقطعون من الفيء لئلاَّ يذهب (4) به الأغنياءُ كلِّه، ولا يكون لهؤلاء فيه شيءٌ.
ثمَّ قال: {للفقرآءِ المهاجرينَ} يعني لفقراء (5) المهاجرين فيه حقٌّ، {الذينَ أُخرِجوا من دِيَارِهمْ وأموالِهِم} أخرجهم المشركون (6) من مكّة وغيرها، {يبتغون فضلاً مِّنَ اللهِ ورِضواناً ويَنصُرونَ اللهَ ورسولَه أولئكَ هُمُ الصَّادقون} (7).
ثمَّ قال: {والذينَ تبَوَّءُوا الدَّارَ}: يعني الأنصار، {والاِيمانَ مِن قَبلهم}: يعني قبل دخول المهاجرين، وقد كان إيمان المهاجرين قبل إيمانَ الأنصارِ، {يحبُّونَ من هاجر إليهم} من المهاجرين، وواسوهم في الدور والأموال، {ولاَ يَجِدونَ في صُدورِهمْ حاجَةً مِمَّآ أوتُوا ويوثِرون على أنفُسِهِمْ ولَوْ كان بهم خصاصَةٌ}: يعني ضيقا وحاجة، {ومَنْ يُّوقَ شُحَّ نَفسِهِ فأولئكَ هُمُ الْمُفلِحونَ} (8).
ثمَّ قال: {والذين جآءُوا مِنْ بعدِهمْ}: يعني من دخل الإسلام بعد
__________
(1) - سورة الحشر: 7.
(2) - كذا في جميع النسخ ولعلَّ الصواب حذف الفاء: «قال».
(3) - سورة الحشر: 7.
(4) - في (هـ): «يذهبون».
(5) - في (هـ): «الفقراء». وهو خطأ.
(6) - في (هـ): «الممشركون». وهو خطأ.
(7) - سورة الحشر: 8.
(8) - سورة الحشر: 9. (1/137)
صفحة 138
فتح مكَّة، إلاَّ من هاجر قبل الفتح. وبعد الفتح سمُّوا تابعين بإحسان إلى يوم القيامة.
فكلُّ صنف من هؤلاء الذين سمَّى من الصنوف الأربعة وغيرهم مِمَّن ذكر من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان بعد ارتفاع الهجرة ولم يبق أحد إلاَّ وله في الفيء.
ذكروا عن عمر (1) بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه قال: «ما من أحمر (2) ولا أسود لا يملكون رقبته إلاَّ وله في هذا المال» (3) يعني في الفيء.
[لمن تعطى الزَّكاة]
وقال الله تعالى في الصَّدقات:
{إنَّما الصَّدقاتُ للفقرآءِ والمساكينِ}: وهما جميعا أهل الحاجة، الفقراء: المتعفِّفون الذين لا يَسألون وبهم حاجة. والمساكين: الذين يسألون الناس.
{والعامِلينَ عَلَيْهَا}: الذين يُجْبونها ويتولَّون جمعها، ينظر لهم الإمام بقدر شغلهم عن أمورهم.
{والمؤَلَّفةِ قلوبُهم}: وهم قومٌ يتألَّفهم رسول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم (4) ليؤمنوا أو ليعينوا رسول الإسلام، ولهم غنى وجرأة وقوَّة، وليست لهم خشية ولا
__________
(1) - في (هـ): «عومر». وهو تحريف.
(2) - في (هـ): «أخضر»!. وهو تصحيف واضح.
(3) - محمَّد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عمر، ص 684، ذكره بلفظ مشابه.
(4) - في (هـ): سقط: «صلَّى الله عليه وسلَّم». (1/138)
صفحة 139
رغبة في الإسلام، فيتألَّفهم ليقوِّي بهم الإسلام وقد أعطاهم رسول الله عليه السلام، (1) وأعطاهم أبو بكر (2) رحمه الله، ومنعهم عمر (3) بن الخطاب (4) رضي الله عنه، لقد جاؤوا يسألونه حقَّهم فقال: «لا حقَّ لكم ... ذلك إذ كان الإسلام حقيًّا (5) وأمَّا الآن فقد بزل، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (6) فهو اليوم سهم ساقط، ما دام الإسلام قويًّا، وعنهم غنيا، إلاَّ أن ينزل قوم في الإسلام بمنزلة خافوا عليه الضعف فيتألَّفوا [31] من نزل بمنزلة من ذكرنا، ليحرزوا الإسلام من شرِّه، وليجروا إلى الإسلام نفعه.
{وفي الرِّقابِ}: وهم المكاتبون وهم في قولنا الذي أخذنا به واعتمدنا عليه أحرارٌ لهم فرض الصدقة مع أصحابهم الأحرار، لأنَّ (7) الله لم يفرض الصدقات للعبيد. ولو أنَّا دفعنا صدقاتنا إلى عبيدنا لا نجتزي بها ولا يحلُّ لنا ذلك.
__________
(1) - في (هـ): «السالم». وهو تحريف واضح.
(2) - أبو بكر الصِّديق: هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عمرو بن كعب القرشي (573 م ــ 635 م) ولد بمكَّة ونشأ فيها ولقِّب بعالم قريش، هاجر مع الرَّسول صلى الله عليه وسلَّم إلى المدينة المنوَّرة وكان عضده الأيمن في كثير من مهام الدولة الإسلامية، بويع خليفة سنة 632 هـ قاتل المرتدِّين وفتح الشَّام وجزءا من العراق (الإصاب في تمييز الصَّحابة ت 4808 ــ مختصر تاريخ الإباضية، ص 11).
(3) - في (هـ): «عومر». وهو تحريف.
(4) - عمر بن الخطاب: هو أبو حفص العدوي (584 م ــ 644 م) هو الذي بزل الله به الإسلام واعزَّه حتى أنَّ الناس بشجاعته لقَّبوه بالفاروق، بويع خليفة سنة 635 م وفتح في عهد الشَّام والقدس والعراق والمدائن ومصر لقد طوَّر نظام الدولة الإسلامية وهو أوَّل من أرَّخ التاريخ للمسلمين (الإباضية في تمييز الصَّحابة ت 5738، الشماخي: السير، ص 16).
(5) - حقيا: وهو الحق: سِنٌّ من سِني الإبل، وهو الداخل في السنة الخامسة. انظر: الثميني: النيل، ج 3، ص 233.
(6) - الثميني: النيل، ج 3، ص 471. ذكره بلفظ مشابه ولكن الواقعة كما في هذا المرجع وغيره، وقعت في زمان أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه.
(7) - في جميع النسخ: «إنَّ». والأنسب للسياق ما أثبتناه. (1/139)
صفحة 140
وقال من خالفنا: هم عبيد حتَّى يؤدُّوا ما كوتبوا (1) عليه فليس لهذا القول صحَّة مذهب، بل هو فاسد متغيِّرٌ. (2)
{والغارمين}: هم الذين لحقهم الدَّيْن من غير فساد. (3)
{وفي سبيل الله}: يقوَّى بها الغزاة (4).
{وابنِ السبيلِ} المنقطع به عن أهله يعطى من صدقات المسلمين قدر ما يُبلغه، وإن كان غنيا في بلده.
{فريضةً من الله}؛ (5) فإذا لم يحضر من هؤلاء الأصناف إلاَّ صنف واحد أخذ جميعها إلاَّ العمَّال. وليست كقسمة المواريث بالحصص، ولكنَّه إنَّما بيَّن الله تبارك وتعالى من يأخذها، ولمن تحلُّ له، فذكر ثمانية أصناف. لا تبعث هدية، ولا تخبَّأ لغائب.
ولا تجوز قسمتها بعد اجتماعها؛ (6) وقسمتها بالنظر والاجتهاد من أهل الصلاح (7).
وليس فيها وقت ينتهي إليه دون حسن النظر لمن سمِّيت له على قدر الحاجة.
__________
(1) - في (هـ): «كاتبوه».
(2) - قارن هذا الرأي بما في فقه السنَّة، للسيد سابق، ج 1، ص 331.
(3) - يعني: ليست الديون تحملَّها من إسراف وغيره من المعاصي.
(4) - كذا في (د) و (هـ). وأمَّا في (ب) و (جـ): «يقوَّى بها القراءة». ويمكن أن يعني به مجالات العلم والتعلّم وغيره من الوجوه الخيرية التي يراها الإمام جديرة بذلك مثل: الجهاد إذا كانت الغنائم قليلة وكان فقيرا، أو ليستعين بها في الجهاد ولو كان غنيا. وعموما كما قال القطب: «والأَوْلى تفسير بالسعي في طاعة الله تعالى وسبل الخير». انظر القطب اطفيش: تيسير التفسير، ج 2، ص 947. القطب اطفيش: شرح النيل، ج 3، ص 237.
(5) - سورة التوبة: 60.
(6) - كذا في جميع النسخ، والأنسب: «إلاَّ بعد اجتماعها».
(7) - وهم الإمام أو مفتي المسلمين في عهد الكتمان. انظر الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 2، ص 54. (1/140)
صفحة 141
[باب في] قسم المواريث
وبيَّنها القادر الحكيم في أربع آيات من كتابه والخامسة لأولي الأرحام .. فبيَّن جميع علومها على كثرة ما فيها من الفنون، واختلاف الأصناف، وسعة المعالم، وبيَّن جميعها (1) في أخصر ما يكون، وأقصد فبيَّن بها ذكر ما لم يذكر.
[أصحاب الفروض وغيرهم]
فقال عزَّ وجلَّ في الآية الأولى: {يوصيكمُ اللهُ في أولادِكمْ للذَّكرِ مثلُ حظِّ الاُنثيَينِ فإن كنَّ نسآء}: يعني إن كان الولد بنات ليس معهنَّ ذكر، {فلهنَّ ثلثا ما ترك} إلى الأبوين، {وإن كانت} ابنة {واحدةٌ فلها النِّصف ولأبويه}: يعني أبوي الميِّت، {لكلِّ واحد منهما السُّدس ممَّا ترك إن كان له ولد}، (2) وما فضل فهو للأب، والأب عصبة. (3)
وولد الولد بمنزلة الولد إذا لم يكن الولد من البنين إناثا أو ذكورا وَليس لولد البنات ميراث. فإن لم يكن ولد وولد الولد، {وورِثهُ, أبَوَاه}: أمٌّ وأبٌ، فللأمِّ الثلث، وللأب ما بقي وهو الثلثان.
وإن ورث مع الأبوين زوج أو امرأة فللأمِّ ثلث ما بقي. وفي هذا
__________
(1) - في كلِّ النسخ: «جميعا»، والأنسب ما أثبت من (هـ).
(2) - سورة النِّساء: 11.
(3) - كذا في جميع النسخ، والأنسب: «والأب عاصب». يعني إضافةً إلى سهم السُّدس الذي فرض الله، له باقي التَّركة إن لم يكن للميِّت ولد ذَكر فيحجبه. (1/141)
صفحة 142
اختلاف من قِبَل الرأي، وبعض الفقهاء يقولون: (1) إذا كان الأب يأخذ أكثر ممَّا تأخذ الأمُّ فللأمِّ ثلث الجميع (2).
والمأخوذ به عندنا أنَّ لها ثلث ما بقي لأنَّا وجدنا الله إنَّما قسَّم لهما حيث لم يذكر معهما غيرهما (3) على الثلث والثلثين قال: {وورثه أبواه} ولم [32] يذكر غيرهما. ولا يعطى الأمَّ في كلِّ موضع ممَّا يرث الأبوان إلاَّ الثُّلث إذا لم يكن إخوة فإن (4) كان للميِّت إخوة اِقتصرت الأم على السُّدس، إن كان الإخوة إخوة، أو أخوات، أو أخ وأخت، وأخت من أب وأمٍّ، (5) أو من أب أو من أمٍّ، لقوله (6) تعالى: {إن كان لهُ, إخوة فلأمِّه السُّدس} (7) فلا يحجبها الأخ الواحد عن الثُّلث.
[ميراث الأجداد]
والجدُّ بمنزلة الأب في قولنا الذي نأخذ به. (8)
ولا يرث الإخوة مع الأب، ولا ولد ذَكر، ولا جدٌّ، ولا ولد الولد، فإن لم يكن له أب ولا جدٌّ ولا ولد ولا ولد الولد، (9) ورث الإخوة مع الأمِّ.
__________
(1) - في (هـ) جاءت العبارة كما يلي: «وفي هذا اختلاف من قبلُ، أرى بعضَ الفقهاء يقولون ... ».
(2) - انظر هذه القضية القطب اطفيَّش: شرح النيل، ج 15، ص 419، 423.
(3) - محمَّد رواس قلعة جي: موسوعة فقه عمر، ص 63. القطب اطفيَّش: شرح النيل، ج 15، 420.
(4) - في (هـ): جاءت العبارة كما يلي: « ... مِمَّا يرث الأبوين، إلاَّ الثلث إذْ لم يكن إخوة فإذا ... ».
(5) - «وأمٍّ» إضافة من (هـ). وهو الأظهر من السياق.
(6) - في (هـ): «لقول الله تعالى».
(7) - سورة النساء: 11.
(8) - انظر توضيحا وشرحا وافيا في المسألة: ابن بركة العماني: كتاب الجامع، ج 2، ص 591.
(9) - في (هـ): «ولا ولدًا منه الولد، ورث الخوة». (1/142)
صفحة 143
ولا يرث أحد مع الأب والجدِّ إلاَّ الولدُ وولدُ الولدِ ــ مكانَ الولدِ ــ والأمُّ والزَّوجُ والمرأةُ ــ مكانَ الزَّوجِ ــ.
ولا يرث الأبُ ولا الجدُّ مع الولد الذكر إلاَّ السُّدس.
ولا يرث مع الإناث إلاَّ السدس، وإن فضل المال فيكونان عصبة مع الإناث.
والجدُّ لا يرث معه أخٌ ولا أخت في قولنا.
[ميراث الجدَّات]
ولا يرث من الجدَّات مع الأمِّ شيء. (1)
ولا ترث الجدَّات أكثر من السدس.
وترث الجدَّة من الأب وابنها حيٌّ في قولنا الذي نأخذ به.
وبعض العلماء لا يورِّثونها وابنها حيٌّ ولا نأخذ به (2) وترث الجدَّة ــ في قولنا ــ إذا لم تكن الأمُّ، وإن لم تكن الجدَّة من الأمِّ وكانت الجدَّة من الأب ورثت؛ فإذا كانتا جميعا ورثتا السُّدس بالسوِيَّة.
ويرث ثلاث من الجدّات ولا ترث الرَّابعة في قولنا الذي نأخذ به وفيه اختلاف.
وبعض العلماء (3) يورِّثون أربع جدَّات، وذلك إذا لم يكن دونهنَّ جدَّتان أو جدَّة.
__________
(1) - كذا في النسخ، ولعلَّ الصواب: «شيئا».
(2) - راجع تفاصيل هذا الموضوع في: يحيى بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد، ج 2، ص 567.
(3) - هذا القول منسوب إلى الإمام جابر بن زيد رحمه الله. انظر: يحي بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد، ج 2، ص 585. (1/143)
صفحة 144
والثلاثة: جدَّة الأمِّ (أمُّ أمِّها) وجدّتا الأب (أمُّ أمِّه وأمُّ أبيه)؛ والرَّابعة التي فيها اختلاف، ونحن لا نورِّثها: أمُّ أب الأم. ولا يرث أب الأمِّ، في قولنا وفي قول غيرنا إلاَّ أن يكون عصبة.
[ما يتعلَّق بأصل التركة]
أصول ما ذكرنا إلى هذا الموضع في الآية الأولى. وهي في الأبوين، والد. والميراث بعد الدَّينِ، والوصيَّةِ؛ والكفنُ قبل الدَّين. ولا يغلى به (1) إذا كان الديون، وهو من جملة المال، ثمَّ الديون من جملة المال، ثمَّ الوصيَّة من الثُّلث ماكانت، إذا لم تكن حقًّا واجباً لأحد من النَّاس أقريبا كان أو أجنبيًّا (2)
وحقُّ الوصيَّة للأقربين، وإن أوصى أحد للأجنبيِّ فللأقرباء ثلثا ما أوصى به في قولنا (3).
وما أوصى به من الكفَّارات، أو تطوُّعٍ، أو حجٍّ، أو عمرة، أو تفريط في تزكية مال، أو عتق واجب، أو تطوَّعٍ، ما كان لله، وما لم يكن لأحد من الناس حقًّا لازما.
__________
(1) - في (ب) و (جـ): «يغلُّ»، ولعلَّ الصواب ما أثبت من (د) و (هـ)، أي لا يغالى في ثمنه.
(2) - من كانت له ديون كثيرة فإنَّه لا يدين بالكفن لأنَّ الكفن أولى من الديون في إخراجه من جملة المال. «ومن لا مال له فمؤونة تجهيزه على من لزمته نفقته في حياته وإن لم يكن ففي بيت المال وإلاَّ فعلى المسلمين». القطب: شرح النيل، ج 15، 337.
(3) - وهو قول الإمام أبي عبيدة رحمه الله. وكلمة الأجنبي يعني بها من لا يستحقُّ الوصيَّة ولا الميراث. انظر: أبو غانم الخرساني: المدوَّنة الكبرى، ج 2، ص 209، (1/144)
صفحة 145
[آية الميراث بسبب النكاح]
ثمَّ ذكر في الآية الثانية الزوج والزوجة فقال: {ولكم نصفُ ما ترك أزواجكمُ, إنْ لَّم يكنْ لَّهنَّ ولدٌ، فإن كان لهنَّ ولدٌ فلكمُ الرُّبع مِمَّا تركْنَ من بعدِ وصيَّةٍ يوصين بهآ أو دين، ولهنَّ الرُّبع [33] مِمَّا تركتمُ, إن لَّم يكن لَّكم ولدٌ، فإن كان لكمْ وَلدٌ فلهنَّ الثمنُ مِمَّا تركتمْ مِّن بعدِ وصيَّةٍ توصونَ بهآ أو دينٍ} (1) والدَّين قبل الوصيَّة مثل الأولى.
و «لاوصيّة لوارث» (2) والوصيَّة من الثُّلث إن كانت امرأةٌ واحدةٌ من غير ولدٍ أو ولدِ الولدِ.
وامرأتان كذلك، وثلاث وأربع يشتركن في الرُّبع مع غير ولد؛ وكذلك يشتركن في الثَّمن مع الولد أو ولد الولد.
[آية الإخوة]
وقال في الآية (3) الثالثة: {وإن كان رجلٌ يُّورَثُ كلالَةً اَو اِمرأةٌ}: (4) والكلالة الذي ليس له أب ولا جدٌّ ولا ولد الولد. {أوِ اِمرأةٌ}: تورث كلالةً، {وله أخٌ}: للرَّجل الموروث أو المرأة، وله أخ من أمٍّ، أو أخت من أمٍّ، (5) {فلكلِّ واحد منهما السدس}: ولم يفضِّل
__________
(1) - سورة النساء: 11.
(2) - رواه الدار قطني عن جابر بن عبد الله وحسنه السيوطي. ورواه الربيع في مسنده.
(3) - في (هـ): «الآيات».
(4) - في (هـ): سقط: «أو امرأةٌ». ويبدو أنَّه أصوب لأنَّه سيأتي تفسيرها.
(5) - في (د) سقط: «أو أخت من أمِّ». والصواب ما أثبت من (هـ). (1/145)
صفحة 146
الذكر على الأنثى، {فإن كانوا أكثرَ مِنْ ذلك فهُمْ شُركآءُ في الثلُثِ}: لا يزايدون (1) بعد وهم في الثلث (2) شرعا سواء الذُّكور والإناث.
ولا يرث الإخوة من الأمِّ مع ولد، ولا ولد الولد، ولا أبٍ ولا جدٍّ، في قولنا المأخوذ به.
{من بعدِ وصيَّةٍ يُّوصي بهآ أو دينٍ}: مثل الأولى.
قضى رسول الله عليه السلام أنَّ الدَّيْن قبل الوصيَّة (3): الدَّيْن من جميع المال، والوصيَّة من الثلث.
{غيْرَ مُضَارٍّ}: في وصيَّته، فقد حرَّم الله الضرر في الوصيَّة. فقال: {تلك حدود الله}: يعني قسمة المواريث. {ومَنْ يُّطعِ اللهَ ورسُولَه}: فيما تعبَّده ويتَّبع حكم الله، ويقسِّم بقسمة الله، {نُدخلْه جنَّاتٍ تجري من تحتها الاَنهار خالدين فيها، وذلك الفوزُ العظيمُ، ومنْ يَّعصِ اللهَ ورسولَه}: فيما تعبَّده به، ويخالف أمره {ويتعدَّ حدودَه}: في قسمة المواريث، {ندخله نارًا خالدًا فيها، وله عذابٌ مُّهينٌ} (4).
[آية النصف]
ثمَّ قال في الآية الرَّابعة، وهي التي في آخر سورة النِّساء، وهي تسمَّى آية النِّصف: {يستفتونك قل الله يفتيكمْ في الكلالةِ إن امرُؤٌ هَلَكَ ليس له ولدٌ وله, أختٌ} من أب وأم، أو من أب، {فلها نصفُ ما ترك، وهو يرثهآ
__________
(1) - كذا في (د) و (هـ). وفي نسختي (ب) و (جـ): «لا يزيدون».
(2) - «في الثلث» إضافة من (هـ). وهي أصوب ليتَّضح المعنى.
(3) - رواه الدار قطني عن علي. هود بن محكَّم الهواري: تفسير كتاب الله العزيز، ج 1، ص 355.
(4) - سورة النِّساء: 12 - 14. (1/146)
صفحة 147
إن لَّم يكن لَّها ولدٌ، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مِمَّا ترك، فإن كانوا إخوةً رِّجالا ونسآءً فللذَّكر مثلُ حظِّ الأنثيينِ}: ولا يرث الإخوة مع الأب {يبيِّنُ اللهُ لكمُ, أن تضِلُّوا}: لئلاَّ يضلُّوا، {واللهُ بكلِّ شيءٍ عليمٌ}. (1) هذه في الإخوة من الأبوين ومن الأب، (2) إذا لم تكن الإخوة من الأبوين فالإخوة من الأب بمنزلتهم يرثون ما يرثون، ويحجبون ما يحجبون.
وإن كانت أخت من الأبوين وأخت من الأب فللأخت من الأبوين النِّصف وللأخرى (3) السدس تمام الثلثين. وكذلك إن كنّ أخوات من الأب أكثر من واحدة لهنّ السدس مع الأخت من الأبوين، إذا لم يكن مع أخوات من الأب أخ، وإن كان معهنَّ أخ أو إخوة خرجن من الفريضة وصار من الأب مع الأخوات من الأب مع الأخوات من الأب (4) والأمِّ عصبة للذَّكر مثل حظُّ الأنثيين.
فإذا [34] كنَّ أخوات للأبوين أكثر من واحدة حرزن الثلثين، فليس لأخوات الأب شيء، إلاَّ إن كان معهنَّ ذكر. ولا يكون الأخوات عصبة، وقد يكنَّ مع البنات عصبة. ولا ترث بنت الأخ ولا العمَّة ولا بنت العمِّ شيئا إلاَّ لمن لم تكن عصبة.
__________
(1) - النِّساء: 176.
(2) - في (هـ): سقط: «ومن الأب».
(3) - في (هـ): «فللأخت للأبوين السدس، وللآخر السدس ... ».
(4) - في (هـ): سقط: «مع الأخوات من الأب مع الأخوات من الأب». وقع للناسخ انتقال نظر، لتكرار: «من الأب». (1/147)
صفحة 148
[آية العصبة]
وقال في الآية الخامسة: {وأولوا الاَرحام بعضهمُ, أولى ببعضٍ في كتابِ اللهِ} (1) يعني الميراث، فهؤلاء العصبة: الولد وولد الولد وإن سفلوا إذا كانوا ذكورا، أو إناثا وذكورًا أولى من الإخوة.
وإن كنَّ بنات فالأخوات معهنَّ عصبة، إذا لم يكن أبٌ ولا جدٌّ (أبُ الأب). والأخوات مع البنات عصبة. وبنات البنين بمنزلة البنات.
وبنات البنين لهنَّ مع الاِبنة الواحدة السدس تمام الثلثين.
والإخوة من الأبوين أولى من الإخوة من الأب.
والإخوة من الأب أولى من بني الإخوة من الأبوين.
وبنو الإخوة من الأبوين أولى من بني الإخوة من الأب.
وليس لبنات الأخ ميراث إن لم تكن عصبة.
وبنو الإخوة أولى من العمِّ.
والعمُّ أخُو الأب للأبوين أولى من العمِّ أخِي الأب للأب.
والعمُّ أخُو الأب للأب أولى من بني العمِّ من الأبوين.
وبنو العمِّ أخِي الأب للأبوين أولى من بني العمِّ أخي الأب للأب.
وبنو العمِّ أولى من عمِّ الأب أخِي الجدِّ للأبوين.
وعمُّ الأب أخو الجدِّ للأبوين أولى من عمِّ الأب أخي الجدِّ للأب.
والعمُّ أخُو الجدِّ أولى من بني العمِّ أخِي الجدِّ للأبوين.
ولا يرث المملوك حرًّا.
ولا المشرك المسلم.
ولا يرث القاتل قتيله عمدًا كان (2) أو خطأً.
__________
(1) - سورة الأنفال: 75.
(2) - في (هـ): سقط: «كان». (1/148)
صفحة 149
[باب في]
عِدَد النساء
قال الله عزَّ وجلَّ: {والمطلَّقات يتربَّصن بأنفسهنَّ ثلاثة قروء} (1).
وفرض في الآيسات: {واللآئي يئسن من المحيض من نِّسآئكمُ, إن اِرتبتم فعدّتهنَّ ثلاثةُ أشهر} (2) وكذلك فرض في اللواتي لم يحضن، وفرض في أولات الأحمال: {أجلُهنَّ أن يَّضعن حملهنَّ} (3) ما كان من تمام أو سقط إذا تُيُقِّنَ بهؤلاء بعد الدخول بهنَّ.
وفَرَضَ العدَّةَ على النساء، وائتمَنَهنَّ على العدّة، قولهنَّ في العدَّة جائز، ما لم يكنَّ ادَّعين أمراً فاحشا لا يمكن لهنَّ وهنَّ مأمونات. قال الله في التوكيد عليهم فيما فرض إليهم: {ولا يحلُّ لهنَّ أن يَّكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ} (4).
قال: {وبُعولتُهنَّ أحقُّ بردِّهنَّ في ذلك} (5) يعني العدَّة إذا كان إنّما طلّقها واحدا أو اثنين.
__________
(1) - سورة البقرة: 228.
(2) - سورة الطلاق: 4.
(3) - سورة الطلاق:4.
(4) - سورة البقرة: 228.
(5) - سورة البقرة: 228. (1/149)
صفحة 150
[الطلاق الثالث]
وأمّا إذا طلّقها ثلاثا، {فلا تحلُّ له من بعدُ حتَّى تنكح زوجا غيره} (1) قد دخل بها، وهذا كلّه في المدخول بهنّ.
جعل حدّ الطلاق فيهنّ ثلاثا، فلا يحلّ للرجل أن يطلّق امرأته ثلاثا معًا ما لم تكن بينهما رجعة، ولا تحلّ المراجعة بإضرار ليطوِّل عليها العدّة، قال الله تعالى: {ولا [35] تُمسكوهنَّ ضِرارا ... } إلى قوله: { ... ولا تتَّخذوا ءايات اللهِ هزؤا} (2) يعني أن يطلّق ثمّ يرجع، ثمّ يطلّق ثمّ يرجع، (3) لا لحاجة تكون له فيها إلاّ ليطوّل عليها في العدّة.
[طلاق السُّنَّة]
ولا يطلّقها إلاّ على طهر، فمن فعل فقد عصى ربَّه ومضى طلاقه وذلك قول الله: {فطلَّقوهنَّ لعدَّتهنَّ} (4) يعني لطهرهنَّ من غير جماع، قال: {وإن طلَّقتموهنَّ من قبل أن تمسُّوهنَّ فما لكم عليهنَّ من عدَّة تعتدُّونها} (5) هذه لا عدَّة عليها تتزوَّج إن شاءت من يومها ذلك، وليس له عليها رجعة إلاَّ أن تشاء (6) هي بنكاح جديد ومهر جديد. وإن طلَّقها
__________
(1) - سورة البقرة: 230.
(2) - تمام الآية: {ولا تمسكوهنّ ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظَّلم نفسه ولا تتخذوا ... }. سورة البقرة: 231.
(3) - في (هـ): سقط: «ثمَّ يطلِّق ثمَّ يرجع».
(4) - سورة الطلاق: 1.
(5) - سورة الأحزاب: 49.
(6) - في (هـ): «يشاء». وهو خطأ. (1/150)
صفحة 151
ثلاثا فلا يحرم عليه تزويجها، يتزوَّجها إن شاءت، فتكون عنده على تطليقتين، وقد مضت الثالثة. (1)
[الطلاق بالإيلاء]
وذكر المولى (2) عدَّة عنها فقال: {للَّذين يولون من نسآئهم تربُّص أربعة أشهر فإن فآءوا فإنَّ الله غفورٌ رَّحيم} (3) فجعل عدَّة الإيلاء أربعة أشهر.
وكلُّ يمين حلف به وامتنع من الوطء لليمين أربعة أشهر فهو إيلاء، إذا كان إنَّما وقع اليمين على البدن، فأمَّا إذا وقع على الموضع فليس فيه إيلاء؛ وإن تركها أربعة أشهر أو أكثر من أربعة أشهر، لأنَّه لا يستطيع أن يمسَّ في غير ذلك الموضع، فإذا مضت أربعة أشهر للمولي ولم يفِ تزوَّجت (4) إن شاءت من يومها ذلك، في قولنا الذي نأخذ به، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، (5) وقال غيره: تستأنف بعد أربعة أشهر عدَّة المطلَّقة، إذا كانت مِمَّن تحيض فثلاثة قروء، وإن كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر؛ وإن كانت حاملا فحتَّى تضع حملها، وهي أملك بنفسها (6) في قول ابن مسعود. (7)
__________
(1) - أي لا اعتبار للطّلاق الثلاث قبل المسّ فتعتبر تطليقة واحدة لأنَّه لا عدّة فيها. بكوش يحيى: فقه الإمام جابر، ج 2، ص 430.
(2) - كذا في جميع النسخ، وفي (هـ): «الولا». والعبارة مع ذلك غير مستقيمة المبنى. ولعلَّ صوابها: «وذكَرَ عدَّة المولى منها فقال».
(3) - سورة البقرة: 226.
(4) - في (هـ) وردت العبارة هكذا: «فإذا مضت أربعة أشهر للهوي يف [كذا] تزوَّجت تزوَّجت».
(5) - هود بن محكَّم الهواري: تفسير كتاب الله العزيز، ج 1، ص 214. ابن بركة: كتاب الجامع، ج 2، ص 183.
... ... وابن عباس هو: أبو العباس عبد الله (619 - 687 م) صحابي جليل لازم الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وروى عنه الحديث، وكان عالما بالتأويل والتفسير، ينسب إليه تفسير «تنوير المقباس». انظر: الإصابة، ت 4772. وانظر موسوعة فقه عبد الله بن عباس، تأليف محمَّد رواس قلعة جي.
(6) - في (هـ): «بنفسه».
(7) - هود بن محكَّم الهواري: تفسير كتاب الله العزيز، ج 1، ص 214.
... ... وابن مسعود هو: عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي (ت 32 هـ/653 م) صحابي جليل خدم الرسول صلّى الله عليه وسلَّم، وقيل فيه: وعاء مليء علما. هو حليف بني زهرة، وليُّ بيت المال بالكوفة، وروى عن الرسول صلى الله عليه وسلّم الكثير من الأحاديث. انظر الإصابة، ت 4945. الزركلي: الأعلام، ج 4، ص 280. (1/151)
صفحة 152
غيره أنَّه قال: لا يحلُّ لزوجها أن يتزوَّجها (1) في تلك العدَّة ولا لغيره، وقول ابن عباس أعدل عندنا، وبه أخذ أصحابنا.
والمُولَى منها في قول ابن عباس أربعة أشهر مدخول بها أو غير مدخول بها. فمن آلى بالله فليكفَّر يمينه (2) قبل أن يدخل بامرأته أو بعده في أربعة أشهر.
[الظهار]
ومن آلى من امرأته بظهار نفسها يحملها عليه، كظهر ذات محرم منه، فلا يقربها حتى يكفِّر كما قال الله: {فتحريرُ رقبةٍ مِّن قبلِِ أن يَّتمآسَّا، فمن لَّم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أَن يَّتمآسَّا، فمن لَّم يستطع فإطعام ستِّين مسكيناً} (3).
[عدَّة الوفاة]
وأمَّا عدَّة المتوفَّى عنها زوجها فأربعة أشهر وعشراً، لقول الله عزَّ وجلَّ: (4) {والذين يُتوفَّون منكم ويذَرون أزواجاً يَّتربَّصْن بأنفُسهنَّ أربعة أشهر وعشراً}، (5)
__________
(1) - في (د): «إن تزوَّجها».
(2) - في (د): «يمنه». وهو خطأ.
(3) - سورة المجادلة: 4.
(4) - في (د): سقط: «عزَّ وجلَّ».
(5) - سورة البقرة: 234. (1/152)
صفحة 153
فهي عدَّة كلِّ متوفًّى مدخول بها أو غير مدخول بها، كانت مِمَّن تحيض أو صغيرة لا تحيض، أو كانت حاملا قد وضعت، [36] إلاَّ حاملا جاوزت أربعة أشهر وعشراً فعدَّتها أبعد الأجلين في قولنا الذي نأخذ به، وهو العدل إن شاء الله.
وللمطلَّقات النفقة والسكنى في عدَّتها، وليس للمتوفَّى عنها نفقة ولا سكنى.
[باب في]
نفقة المرضع وحدِّ الرَّضاع
قال الله تعالى: {والوالدات يُرضعن أولادهنَّ حولين كاملين لمنَ اَراد أن يُّتمَّ الرضاعة، وعلى المولود له رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف لا تُكلَّف نفسٌ اِلاَّ وُسعها لا تُضَآرَّ والدة بولدها} (1) يعني أن لا يسترضع الزوج ولدها عند غيرها بالأجرة إذا كانت أمُّه ترضعه بذلك الأجر، وأمّه أحقُّ بما كان مسترضِعًا به عند غيرها.
{ولا مولودٌ لَّه}: يعني ولا يُضارَّ مولوده، يعني الأب الذي ولد له الولد لا يُضارُّ بولده، إذا لم يكن له مال يسترضع به جُبرت أمُّه على رضاعة الولد، وإن دفع المراضع ولم يقبل الصبيُّ ثدي مرضع جُبرت أمُّه على رضاعه، ولا تُترك أن تُلقِيَ (2) الولد فيموت هزلا.
__________
(1) - سورة البقرة: 233.
(2) - في (د) و (هـ): «تَلقَا». والصواب ما أثبتناه. (1/153)
صفحة 154
قال: {وعلى الوارثِ}: يعني وارث الصبي إذا (1) مات أبوه.
{مثلُ ذلك}: يعني ما على الأب من النفقة والإضرار.
{فإنَ اَرادا فِصالاً عن تراضٍٍ مِّنهما}: فيما يوافق، {فلا جُناحَ عليهما}: أن يفصلا الولد المسترضع دون تمام الحولين.
ولا رضاع بعد الحولين في قولنا الذي نأخذ به، وهو ما صدَّقه الكتاب؛ وقال بعضٌ: الرضاع الذي لا ريبة فيه بعد أربع سنين (2).
[باب في مسائل مختلفة]
[سنَّة الختان]
سنن (3) الختان مجمع (4) عليها أنَّها واجبة.
ومن ترك الختان من الرجال فلا صلاة له، (5) ولا تزويج، ولا تؤكل له ذبيحة، ومن ترك الختان من النساء فلا حرج عليها، ولا يلزم النساء من ذلك ما يلزم الرجال، (6) من شاء من النساء اختتن ومن شاء ترك.
__________
(1) - في (هـ): «إن».
(2) - هو قول الإمام أبي عبيدة مسلم. انظر: القطب اطفيش: شرح النيل، ج 7، ص 12.
(3) - في النسختين (ب) و (جـ): «سنين». وهو تحريف.
(4) - في (هـ): «مجتمع».
(5) - في (هـ) سقط: «له».
(6) - في (هـ): «الرجل». (1/154)
صفحة 155
[فصل فيما يفرَّق فيه الذكور عن الإناث والعكس ديانة]
وإنَّما يقال: إنَّ دِين النساء ودِين الرجال واحد، لأنَّه إنَّما يقع على صنف من الناس الطاعة لله فيما تعبَّده، فإذا فعل فهو على دين الله، وليس يفترق الدين لافتراق الفرائض، لأنَّ دين الأنبياء دين واحد، لا يختلف الدين لاختلاف الفرائض، وإنما هو دين جماعةِ (1) الطاعةِ، لأنَّه يكون على الرجال أشياء حطَّها الله على النساء، ويكون على النساء أشياء حطَّها الله على الرجال، ويحلّ (2) للرجال ما يحرم على النساء، ويحلّ للنساء ما يحرم على الرجال؛ وكذلك العبيد. ويجب على بعض الرجال ما حطّ الله عن بعض، وكلٌّ دينهم واحد وقد جمعته الطاعة لله. وذلك أنَّ الله كلَّف الرجالَ الجهادَ وصلاةَ الجمعة مع الأيمَّة ركعتين، وليس ذلك على العبيد والنساء، وحطَّ الجمعة على [37] المسافر؛ وأحلَّ للنساء الحليَّ والحرير وحرَّمه على الرجال، وأحلَّ للرجال ما ملكت أيمانهم، وحرَّمه على النساء، وأحلّ للرجال أربع نسوة وحرَّم ذلك على النساء، وأمر النساء بالجلابيب (3) وضرب الخُمر على الجيوب وحرَّم عليهنَّ إبداء الزينة، ولم يحرِّم ذلك على الرجال.
وما (4) سوى ما ذكرنا مِمَّا تعبَّد الله به بعض خلقه دون بعض من
__________
(1) - في كلِّ النسخ: «جماعته». ولعلَّ الصواب: «جَمَعتْهُ الطاعةُ»، أو ما أثبتناه من (هـ).
(2) - في (هـ): «ويحرم». وهو خطأ.
(3) - في (هـ): «بالأجلابيب». وهو خطأ.
(4) - في (هـ): «وأمَّا». (1/155)
صفحة 156
إنفاذ (1) أحكام أمَر بإنفاذها خاصَّةً من الناس وهم الأيمَّة والقضاة، ومِن أمرِ الحجِّ والعمرة، ألزمه صنوفا وحطَّه عن صنوف ... كلُّ ذلك تجمعه الطاعة، ويكون أمرهم واحداً (2) ودينهم واحداً.
[فصل في] الأذان
ذكر الله الأذان ذكراً (3) ولم يأمر به (4).
أجمع الناس أنَّه من سنَّة رسول الله عليه السلام، واختلفوا فيه، وقولنا الذي نأخذ به: الأذان مثنى مثنى، والإقامة كذلك، وهما من سنَّة رسول الله عليه السلام (5)، وهما في أوقات الصلاة: الأذان في الوقت والإقامة في الوقت.
واختلفوا في ذلك، والذي أخذنا به أنَّ الأذان للوقت كالإقامة، وقد أجمعوا أنَّه لا أذان بعد فوات الوقت، وهذا تقوية أنَّه للوقت لا قبل، كما أنَّه لا بعد، (6) مع أنَّهم أجمعوا أنَّه يؤذَّن في الوقت.
__________
(1) - في (د) و (هـ): «إنفاد» بدال مهملة. في هذا الموضع وفيما سيأتي، وقد صحَّحناه فيما سيأتي دون إشارة إلى ذلك، نظرًا لتكرار هذا الخطإ الشائع في مخطوطات المغاربة وخلطهم بين الدال المعجمة والمهملة.
(2) - في (د): «واحدٌ، ودينهم واحدٌ». وهو خطأ. وفي (هـ): سقط: «ودينهم واحدًا».
(3) - في (د): «ذكرٌ». وهو خطأ. وفي (هـ) سقط: «ذكرًا».
(4) - وذلك في قوله تعالى: {وإذا ناديتمُ, إلى الصلاة اتَّخذوها هزؤًا ولعباً}. سورة المائدة: 58.
(5) - روى الإمام الربيع بسنده الصحيح عن أبي سعيد الخدري: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذّن، والأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى» الجامع الصحيح، باب 27 في الأذان، رقم 175. القطب اطفيش: شرح النيل، ج 2، ص 26.
(6) - في (هـ) في العبارة خطأ وسقط: «لا يعد، مع أجمعوا». (1/156)
صفحة 157
واختلفوا في الإقامة للصلاة (1) الفائتة، قال بعضهم (2): لا إقامة على أحد لصلاة فات وقتها ولكن يتوجّه ويكبِّر، قال بعضهم: ذلك في الصلاة التي صُلِّيت وانقضت، وأمَّا ما فات ولم يصلَّ، فليُقِم لها، والله أعلم.
على أنَّ الحجَّة ــ إن شاء الله ــ أنَّة لا إقامة إلاَّ للوقت، لأنَّه لا أذان إلاَّ للوقت، والإقامة أبداً أن تأتي مقرونة بالأذان الأوَّل.
وأنَّ الرجل الواحد إذا أذَّن وأقام يجزي عن الخلق الكثير، ولا يجزي عنهم توجيه الواحد ولا إحرام (3) الواحد.
فهذا [مِـ]ـمَّا (4) لا يحصى، فاللهَ نسأله التوفيق للصواب، ونعوذ به من تهوين ما قال المسلمون من الحقِّ، فالحقَّ أردنا، وإياه قصدنا.
[فصل في الأمر بإتمام الأعمال]
وليس على الناس (5) ما فات إلاَّ في الفرض، وبها أكَّد (6) الله على نفسه، وسنذكر بعض ذلك إن شاء الله:
الرجل يوجب على نفسه الصيام من الليل حتَّى يصبح صائما، ثمَّ يأتي
__________
(1) - في (هـ): «لصلاة».
(2) - في (ب) و (جـ) سقط: «بعضهم».
(3) - في النسختين (ب) و (جـ): «الإحرام».
(4) - في جميع النسخ: «ما». والأصوب ما أضفناه.
(5) - في (هـ): «على أنا». ولا معنى له.
(6) - في جميع النسخ: «وكَّد». وقد صحَّحناه على ما اعتيد من الاستعمال. (1/157)
صفحة 158
عليه في نهاره ما يبطل صومه، فيلزمه بدله، لأنَّه أوجبه على نفسه.
وكذلك من أحرم بحجٍّ نافلةً أو عمرةٍ نافلةً، فقد أوجب على نفسه القيام بجميعه، والفراغ من المناسك، وحضور المشاهد كلّها، وعليه من الكفَّارة فيما يصيب ما على صاحب الفرض.
وكذلك من أحرم بصلاة نافلة، بثياب طاهرة، وجسد طاهر، ثمَّ دخل عليه ما ينقض صلاته النافلة، كان عليه بدلها لأنَّه أوجبها، وإن كانت نافلة.
... وأمَّا من أحرمها بثوب نجس، أو عليه وضوء [38] فذكر الإعادة عليه، لأنَّه لم يدخل في الصلاة، وهو كمن عقد الصيام من الليل وهو جُنب حتَّى أصبح فلا إعادة عليه، لأنَّه أصبح مفطراً.
... وأمَّا الذين يقولون: إنَّ الإقامة تلزم الصلاة التي لم تصلَّ، وإن فات الوقت، ولا تلزم الإقامة للصلاة التي صلِّيت بعد الوقت إذا انتقضت عليه لعلَّة نجاسة الثياب أو طهارة، (1) فيدخل عليهم في قولهم أنَّهم
__________
(1) - في (هـ): «طاهرة». وهو خطأ. (1/158)
صفحة 159
يوجبون الإقامة للصلاة التي صُلِّيت، لعلَّة أنَّهم يوجبون الإقامة لها على من ذكرها في وقتها ثمَّ يضيِّعها (1) لفوات (2) الوقت، ففي هذا دليل وحجَّة لمن قال: إنَّ الإقامة إنَّما هي للوقت كالأذان، لأنَّ فوات (3) الوقت لا يزيل حقًّا وجب في الوقت، فلمَّا كان هذا هكذا ثبت (4) أنَّ الإقامة إنما هي للوقت.
تمَّ الكتاب والحمد لله (5)
__________
(1) - في (هـ): «يضعها». وهو خطأ.
(2) - في (د): «لفوت». وما أثبتناه فمن (هـ).
(3) - في (هـ): «وفات». وهو تحريف.
(4) - في (هـ): «أتبث». وهو تصحيف.
(5) - في (د): «تمَّ الكتاب والحمد لله، في شعبان 6 سنة 1124».
... وفي (هـ): «ثمَّ الكتاب». (1/159)
صفحة 160
الخاتمة
بعد هذا العمل الذي أخذ مني جهداًً كبيراً، أشكر الله عزَّ وجلَّ على هذه النعمة التي تفضّل بها عليَّ من تحقيق هذا الكتاب وإخراجه للنور على أحسن وجه إن شاء الله.
كما لا يفوتني أن أثني بالخير والدعاء الصالح على كلّ من أمدّ لي يد المساعدة أثناء التحقيق، بل قبلها وبعدها، فاللهمّ تقبّل على الأحياء منهم والأموات أجمعين، فيا ربّ زدنا ولا تنقصنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنت الوهَّاب، واغفر لنا إصرارنا وإسرافنا وما أنت أعلم به منَّا.
واجعل عملنا هذا خالصاً لوجهك الكريم، واجعله فوق ما يظنُّون، إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير.
آمين ...
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1/160)
صفحة 161
مراجع التحقيق
1 - بشر بن غانم الخراساني، أبو غانم:
المدونة الكبرى ترتيب القطب اطفيش، تقديم: سالم بن
:
الحارثي، طبعة مصورة من مخطوط نشر وزارة التراث، عمان، طـ
2، 1984 م.
2 - بكير بن سعيد أعوشت:
$
دراسات إسلامية في أصول الإباضية ط 1، مطبعة البعث،
قسنطينة، الجزائر، 1402 هـ / 1982 م.
- الربيع بن حبيب، أبو عمرو:
الجامع الصحيح، تحقيق: أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، طـ 2، المطبعة
السلفية، القاهرة، 1349 هـ.
سعيد الخوري:
-
أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد مطبعة مرسلي، بيروت،
1889 م.
ه - سليمان الباروني، أبو الربيع
مختصر تاريخ الإباضية، مطبعة الإرادة نشر: مكتبة الاستقامة،
تونس، 1938 م.
- 171
-
{ (1/161)
صفحة 162
V
سليمان بن الأشعث السجستاني، أبو داود:
سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد، دار الفكر،
بيروت.
السيد سابق
A
فقه السنة، طه، دار البيان، الكويت، 1391 هـ/ 1971 م.
- عامر بن علي الشماخي:
كتاب الإيضاح، تحقيق لجنة من العلماء، ط 2، الوطن، بيروت،
1390 هـ / 1970 م.
- عبدالرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي:
الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، دار الفكر، بيروت.
10 - عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتى الوارجلاني، أبو عمار كتاب الموجز، تحقيق عمار طالبي، بعنوان، آراء الخوارج الكلامية، طا، الشروق، نشر: ش. و. ن. ت.،،الجزائر، 1398 هـ / 1978 م.
11 - عبدالله بن حميد السالمي، نور الدين أبو محمد
مشارق أنوار العقول، تصحيح وتعليق أحمد بن حمد الخليلي، ط 2، مطابع العقيدة، عُمان، 1398 هـ / 1978 م.
162 - (1/162)
صفحة 163
12 ـ علي يحيى معمر:
الإباضية بين الفرق الإسلامية، مطابع سجل العرب، طا، القاهرة،
1396 هـ / 1976 م.
-
13
عمرو خليفة النامي:
Journal of Semitic studies chapter أوراق مصورة.
14 - عوض محمد خليفات
الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، مطبعة الجويني، تونس، 1984 م.
15 - لفيف من المستشرقين:
المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، دار الدعوة، استنبول، دار
سحنون، تونس.
16 - لواب بن سلام بن عمر و الإباضي
الإسلام وتاريخه من وجهة نظر إباضية تحقيق: ق. شفارتز، وسالم بن يعقوب، دار اقرأ ط 1، 1405 هـ/ 1985 م.
17 - محمد أسعد طلس:
-
18
تاريخ العرب، طـ 3 دار الأندلس، بيروت، 1403 هـ / 1983 م.
محمد بن بركة العماني، أبو محمد
كتاب الجامع، تحقيق: عيسى بن الباروني، ط 1، 1391 هـ /
1971 م.
-
163
- (1/163)
صفحة 164
19 - محمد بن يوسف اطفيش، قطب الأيمة
تيسير التفسير، طا حجرية، 1325 هـ / 1907 م.
20 - محمد بن يوسف اطفيش، قطب الأيمة
شرح كتاب النيل وشفاء العليل طـ 2، دار الفتح، بيروت، مكتبة
الإرشاد، جدة، 1393 هـ / 1973 م.
21 - محمد رواس قلعة جي:
موسوعة فقه عمر بن الخطاب (ض)، طـ 3 دار النفائس بيرو
1406 هـ / 1986 م.
- محمد فؤاد عبدالباقي:
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم دار الأندلس بيروت
23 - مصطفى الشكعة
إسلام بلا، مذاهب ط، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 1407 هـ /
1987 م.
24 - هود بن محكم الهواري
تفسير كتاب الله العزيز، تحقيق: بلحاج شريفي، طا، دار الغرب
الإسلامي،
، بيروت، 1410 هـ / 1990 م.
—
164
- (1/164)
صفحة 165
مفتاح الرموز المستعملة في التحقيق
1 - كل عنوان بدون معقوفتين هو من وضع المؤلف.
2 - كل عنوان جانبي أو فصلي وضع بين معقوفتين هو من وضع المحقق. 3 - كل رقم صغير بين معقوفتين {} يشير إلى أرقام الصفحات في المخطوط الأم، أي نسخة (د).
4 - كل باب وضعت أرقامه الهامشية متسلسلة منفصلة عن الباب الآخر
ه - في الهوامش:
=
الصفحة.
ج
الجزء.
تح.
=
تحقيق.
6? - الحروف الموجودة في الهامش بين قوسين تشير إلى النسخ المعتمدة في
التحقيق:
(ب)
(جـ)
(د)
(هـ)
=
نسخة مكتبة البكري.
=
=
نسخة مكتبة الجابرية.
نسخة مكتبة الحاج بابكر بن مسعود (1).
= نسخة مكتبة الحاج بابكر بن مسعود (2). (1/165)
صفحة 166
[صفحة فارغة] (1/166)
صفحة 167
الفهارس (1/167)
صفحة 168
[صفحة فارغة] (1/168)
صفحة 169
فهرس الآيات القرآنية
رقمها | الصفحات
الآية
سورة البقرة
وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة
إن الله عدو للكافرين
حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى
فول وجهك شطر المسجد الحرام
إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ... ويلعنهـ
اللاعنون
وفمن عفى له من اخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء اليه باحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب
اليم
ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ايام اخر)
وقاتلوهم.
حتى
لا تكون فتنة ويكون الدين الله) واتموا الحج والعمرة الله) أو (والعمرة)
فمن كان منكم مريضا او به أذى من رأسه ففدية من صيام أو
صدقة أو نك)
فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام
ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر)
للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فآءوا فإن الله
- 179 - (1/169)
صفحة 170
الآية
رقمها | الصفحات
غفور رحيم)
والمطلقات يتربص بأنفسهن ثلاثة قروء)
ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن
أحق بردهن في ذلك)
فلا تحل له بعد حتى تنكح زوجا غيره)
ولا تمسكوهن ضرارا ولا تتخذوا ايات الله هزؤام
وبعولتهن
والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين. فإن آرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر
وعشراً
لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)
ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون)
سورة آل عمران
وإن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم
وأولئك. هم الضالون
والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)
واتقوا النار التي أعدت للكافرين)
والعافين عن الناس والله
يحب
المحسنين
لتبينته للناس ولا تكتمونه
فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلاً)
170 - (1/170)
صفحة 171
الآي
سورة النساء
يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثين فإن كن .. فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد)
وإن كان له إخوة فلامه السدس
ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين، ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين
وإن كان رجل يورث كلالة او امرأة وله أخ. فلكل واحد
كاء ذلك فهم شرك في الثلث
منهما الدس فإن كانوا أكثر من وصية يوصي بها أو دين غير مضار)
من بعد
تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها، وذلك الفوز العظيم، ومن يعض الله
ورسوله ويتعد حدوده ندخله نارا خالدا فيها، وله عذاب مهين
وأن تصبروا خير لكم)
عابري سبيل)
فلم تجدوا ماء)
مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء)
لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا
رقمها | الصفحات
حكيما) (1/171)
صفحة 172
رقمها الصفحات
الآي
يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، فإن كانوا إخوة رجالا ونساء ففللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء
عليم)
سورة المائدة
أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب. والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب. ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي اخدان)
إذا قمتم إلى الصلاة فاغلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، واسمحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين
فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً آن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من
الأرض)
ولهم عذاب مقيم
والارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله
والله عزيز حکيم
فأولئك هم الكافرون)
وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين، والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)
-172 - (1/172)
صفحة 173
رقمها الصفحات
الآية
فمن تصدق به فهو كفارة له)
فأولئك هم ا
الظالمون
وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزؤا ولعبا
ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما
قتل من النعم
ومن عاد فينتقم الله منه)
وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما
سورة الأنعام
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام
ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في
السماء)
قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ... ولا تقربوا الفواحش ما
ظهر منها وما بطن
سورة الأعراف
قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن)
الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) سورة الأنفال
واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن الله خمسة وللرسول ولذي القربي
واليتامى والمساكين وابن السبيل)
-
173 (1/173)
صفحة 174
فمها | الصفحات
الآي
ليهلك
هلك من
عن بيته ويح
عن بينة، وإن الله
لسميع عليم)
وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) سورة التوبة
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخـ عن يد وهم
صاغرون
إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) سورة هود
وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن
السيئات
سورة النحل
ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء)
سورة الإسراء
أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غق الليل وقرءان الفجر إن قرءان
الفجر كان مشهودا
سورة الكهف
وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي. ياليتني لم اشرك
174
-
أحدا
بربي (1/174)
صفحة 175
رقمها الصفحات
الأي
سورة مريم
أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا) سورة طه
وسيح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن اناء الليل
فسبح وأطراف النهار)
سورة الحج
النار وعدها الله الذين كفروا)
سورة النور
ومن بعد صلاة العشاء) ومن قبل صلاة الفجر.
سورة الشعراء
أن اضرب بعصاك البحر فانفلق)
الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين)
ليبلوني اشكر أم اكفر)
سورة النمل
سورة العنكبوت
الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون ...
فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)
سورة الروم
فسبحان الله حين تمسون وحين تضحون.
وحين
تظهرون) (1/175)
صفحة 176
رقمها الصفحات
الآيـ
سورة الأحزاب
وإن طلقتموهن من قبل ان تموهن فما لكم عليهن من عدة
تعتدونها
ولئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض
ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا)
إنا عرضنا الأمانة على السموات والارض والجبال فأبين أن
يحملنها. . . وكان الله غفورا رحيما
سورة ص
إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق)
وحتى توارت بالحجاب
لو فهو على نور من ربه)
ليس كمثله شيء)
سورة الزمر
سورة الشورى
وجزاء سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب
الظالمين)
ولمن انتصر بعد ظلمه فأولى؛ ما عليهم من سبيل انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب اليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)
176 - (1/176)
صفحة 177
الآية
رقمها | الصفحات
سورة الفتح
وهم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام، والهدي معكوفا ان
يبلغ محله
سورة الحجرات
وأن تصيبوا قوما بجالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين
فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) سورة ق
سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل
فسبحه وإدبار السجود)
سورة الذاريات
وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين)
سورة الطور
و فسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) سورة المجادلة
فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فمن لم يجد فصيام شهرين
متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا
وما هم منكم ولا منهم)
سورة الحشر
ما أفاء الله على رسوله من اهل القرى فلله وللرسول ولذي
القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)
-
17 - (1/177)
صفحة 178
الآية
رقمها الصفحات
لوكي
لا يكون دولة بين الاغنياء منكم)
للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون
فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله. ورسوله أولئك
هم
الصادقون
والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا
يجدون في صدورهم حاجمة مما أوتوا ويورثون على أنفسهم ولو
كان
بهم
خصاصة
جاءوا من بعدهم)
ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين
وابتغوا من فضل الله)
سورة الجمعة
سورة التغابن
وخلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)
فطلقوهن لعدتهن)
سورة الطلاق
واللائي يشسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة
أشهر ... أجلهن أن يضعن حملهن
سورة الإنسان
إنا هديناه السبيل إما شاكرا. . .) (1/178)
صفحة 179
الا إنه لا صلاة لمانع الزكاة. .
فهرس الأحاديث
الحديث
إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن.
إن إبليس يأتي المؤمن ..
إن الإسلام قيد الفتك.
إن كل موضع لم ينعم غله.
تحت كل شعرة جنابة.
دية الرجل مائة من الإبل ..
سن رسول الله علم الاستنجاء من كل نجاسة.
سن رسول الله ع المضمضمة والاستنشاق ..
سن رسول الله عالم سنن الصلاة ....
صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم .. الصلاة في جماعة خير من صلاة الفذ ...
صلى رسول الله الام الظهر والعصر ..
قضى رسول الله علم أن الدين قبل الوصية ..
قطع رسول الله م في مجن ..
الصفحات (1/179)
صفحة 180
الحديث
الصفحات
القطع في ربع دينار فصاعدا ...
قيد الإسلام الفتك، لا يفتك مؤمن ...
كان عليه السلام يوتر بيع وثلاث ...
كل شعرة لم ينعم غسلها ...
كل ما يورث حرام غنيمته ...
لا الفينكم رجعتم بعدي كفارا. . .
أحد
لا تأكل منها شيئا ولا أحـ
من رفقتك.
لا قطع في التمر حتى يؤوويه الحرز ...
لا هجرة بعد الفتح.
لا وصية لوارث. ...
لو قلت نعم لوجبت ...
ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة.
مكة حرام حرمها الله.
مكة حرام الحرام الله.
وقت رسول الله علم مواقيت الحج ...
يوتر علم بثلاث ولا يسلم إلا في أخراهن ...
M.
- (1/180)
صفحة 181
تعاريف لغوية واصطلاحية
الغيلة
الفتك
الفقراء
الكلالة
المؤلفه قلوبهم
المؤمن
المختلس
المرتت
المساكين
المشرك
المنافق
الأنزورت
التيمم
الخائن
الخطأ العمد
الخطأ المحض
الرقاب
السنة
شبه العمد
العقص
الغارمون
أوردت في هذا الفهرس ما عرفه المؤلف من كلمات في اللغة والاصطلاح.
الغدر (1/181)
صفحة 182
الصفحة
العـ
فهرس الأعلام
سلم
حرف الألف
آدم عليه السلام
آبان بن وسيم، أبو ذر
إبراهيم عليه السلام إبراهيم النظام
إبراهيم بحار
إبراهيم بن الأغلب
إبراهيم طلاي
أحمد بن إبراهيم بن الأغلب
الحسين أحمد
بن أحمد بن حنبل
أحمد بن سعيد الدرجيني
أحمد بن سعيد الشماخي.
أحمد بن طولون (طيلون)
أحمد بن عبد ربه
أحمد زبانة
أخت عمروس
أخو عمروس (1/182)
صفحة 183
فهرس الأعلام (تابع)
الصفحة
العلم
إسماعيل العربي
إسماعيل بن موسى الجيطالي
أفلح بن العباس
أفلح بن عبدالوهاب
إلياس، أبو منصور
أم عمروس
الأمين
أنس بن مالك أيوب بن العباس
حرف الباء
(الحاج) بابكر بن مسعود الغردواي
باحمد بن حاج قاسم بن دادي حني العطفاوي البخاري
بشر بن غانم، أبو غانم الخراساني
بشير بن المنذر
أبو بكر بن أفلح
أبو بكر الصديق
بكير بن سعيد أعوشت
بلحاج بن سعيد شريفي
183
- (1/183)
صفحة 184
فهرس الأعلام (تابع)
الصفحة
رف التاء
الترمذي
تيغورين بن عيسى جابر بن عبدالله
جابر بن زيد
الجاحظ
جرير بن عبد الله
جدا التنزغتي
رف الحاء
حاج بن محمد بن بكلي
أبو الحسن الأبدلاتي
الحسن بن محمد الوزان القابسي
الحسين بن علي
حسين مؤنس الحكم الربضي
أبو حنيفة
خلف بن السمح
خير
الدين الزركلي
رف الخاء
حرف الراء
راشد بن النضر اليحمدي (1/184)
صفحة 185
الربيع بن حبيب
فهرس الأعلام (تابع)
العلم
ابن رقيق القيرواني
الدارقطني
حرف الدال
أبو داود (المحدث)
داود بن ياجرين
الزمخشري
حرف الذاي
زياد بن الأصفر
الصفحة
زيد بن علي
حرف السين
سالم بن حمد الحارثي
سالم بن يعقوب
سدرات البغطوري
سدرات بن إبراهيم المساكني
سعيد بن أبي يونس
أبو سعيد الخدري
سعيد بن المسيب
ابن سلام الإباضي
سليمان الباروني، أبو الربيع (1/185)
صفحة 186
فهرس الأعلام (تابع)
العلم
الصفحة
سليمان الفراء
سليمان بن داود عليه السلام
سليمان بن صرد الخزاعي
سليمان بن عبدالسلام الوسياني، أبو الربيع ..
سليمان بن عبدالله الباروني
186 -
سيد سابق
ـرف الشـ
ين
أبو شريح العدوي
شفارتز. ق
شيبة
رف الصاد
الصلت بن خميس، أبو المؤثر
الصلت بن مالك الخروصي
الطبراني
الطيب بن خلف
رف الطاء
رف العين
عامر بن علي الشماخي (1/186)
صفحة 187
الع
فهرس الأعلام (تابع)
الصفحة
العباس (عم النبي عليه السلام)
عبدالجبار (القاضي)
عبد الحميد الجناوني، أبو عبيدة
عبد الخالق الفزاني
عبدالرحمن الثاني
عبد الرحمن الداخل
عبدالرحمن بن عمر بكلي (البكري)
عبدالعزيز الثميني
عبدالكافي، أبو عمار
عبدالله بن إباض
عبدالله بن الخير، أبو محمد
عبدالله
بن حميد السالمي
عبدالله بن سبأ
عبدالله بن عباس
عبدالله بن عمر
عبدالله بن محمد
عبدالله بن محمد بن بركة، أبو محمد
عبدالله بن مسعود
عبدالله بن يحي الباروني
عبد الملك بن حميد (1/187)
صفحة 188
فهرس الأعلام (تابع)
الصفحة
العـ
عبدالملك بن مروان
عبدالوهاب بن عبدالرحمن الرستمي (الإمام).
أبو عبيدة الأعرج
ابن عذاري المراكشي
عزان بن تميم الخروصي
علي بن أبي طالب
علي يحي معمر
عمار طالبي عمر بن الخطاب
عمرو بن خليفة النامي
عمرو بن رمضان الحربي
عمرو بن شعيب
عمرو بن هشام أبو جهل
عمروس الأندلسي
عمروس اليفرني
عمروس بن عبدالله الزواغي
عوض محمد خليفات
حرف الغين، والغاء، والقاف
غسان بن عبدالله اليحمدي
فرحات الجعبيري
أبو القاسم بن إبراهيم البرادي
-
188 - (1/188)
صفحة 189
ابن ماجة
فهرس الأعلام (تابع)
العلم
حرف العيم
الصفحة
المأمون
ماطوس بن ماطوس
ماطوس بن هارون
مالك بن أنس
المتوكل
مجاشع بن مسعود
محكم الهواري
محمد الأول (الأمير)
محمد الاخضر
محمد
بن أسعد طلس
محمد بن أفلح، أبو اليقظان
محمد بن الحسين الخروصي
محمد بن باحمد الحاج سعيد العطفاوي (الحاج) 4، 45
محمد بن زكرياء الباروني
محمد بن عبدالله، أبو عبدالله
محمد بن عبدالله السالمي
محمد بن عرفة
محمد بن محبوب
محمد بن بور (1/189)
صفحة 190
فهرس الأعلام (تابع)
الصفحة
الع
محمد بن يانس
محمد بن يوسف اطفيش
محمد
حاجي
محمد رواس قلعة. المستعين بالله
جي
مسلم بن أبي كريمة، أبو عبيدة
مسلم بن الحجاج
مصطفى الشكعة
معاوية
معبد
المعتزلة
المعتصم
المعتضد بالله
المعتمد
ملي الإيدرفي، أبو محمد
المنتصر
المنذر
مهاصر السدراتي، أبو مرداس (1/190)
صفحة 191
المهتدي
فهرس الأعلام (تابع)
العلم
الصفحة
مهدي النفوسي الويغوي
المهنا بن جيفر
موسى بن جعفر، أبو مهاصر
موسى بن علي العنبري
ميال بن يوسف
أبو ميمون
عاف
ناجي النسائي
رف النون
أبو نصر التمصمصي
نفاث بن نصر، أبو الفرج
حرف الهاء
هارون الرشيد
أبو هريرة هشام الأول هشام بن عبدالملك
هود بن محكم الهواري
حرف الواو
الواثق بالله
واصل بن عطاء (1/191)
صفحة 192
فهرس الأعلام (تابع)
الصفدة
العـ
رف الياء
يحيى الغزال
يحيى بكوش
يحيى بن أبي الخير الجناوني، أبو زكريا
يحيى بن أبي بكر الوارجلاني، أبو زكريا. .
يحي بن عبدالرحيم بن محمد اليفرني
يزيد بن فندين
يوسف النفوسي، أبو بكر
يوسف بابكر (الحاج)
يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، أبو يعقوب
يوسف بن خلفون، أبو يعقوب
يوسف بن محمد، أبو حاتم
192 - (1/192)
صفحة 193
فهرس الفرق والقبائل والطوائف والدول
الصفحة
الفرق والقبائل و الطوائف و الدول
آل البيت
الإباضية
- 193 -
الأزارفة
الأغالبة
أهل الكتاب
بنو زهرة
بنو هاشم
الحسنية (التوابون)
الخوارج
الرستمية (الدولة)
رواغة
الزيدية
السبئية
الشراة
الشيعة
الصابئون
الصفرية
الغسانية
الفاطميون
قريش
القعدة (1/193)
صفحة 194
فهرس الفرق والقبائل والطوائف والدول
الفرق والقبائل و الطوائف و الدول
الصفحة
لواتة
المجوس
المرجئه
مزاتة
المعتزلة
النجدية
النصارى
النفاثية
نفوسة
النكات
هوارة
اليهود
اليونية (1/194)
صفحة 195
فهرس الأماكن والبلدان
الصفحة
الأماكن والبلدان
أرض الرحبيات.
إفاطمن.
إفريقية.
إمرساون.
أموساكن.
الأندلس.
بغداد.
بني يزقن.
نشاد.
تيميجار.
تين إزدرشل.
تيهرت.
جادو.
جبل نفوسة.
جربة.
الجزائر.
خراسان.
سجلماسة.
السودان. (1/195)
صفحة 196
شروس.
فهرس الأماكن والبلدان
الأماكن والبلدان
الصفحة
طرابلس.
العطف.
عمان.
عمروس (مدشر).
غانة.
فزان.
قرطبة.
قسنطينة.
قطرس.
القيروان.
الكوفة.
مالي.
مانو.
مصر
المغرب.
مكة.
المكتبة البارونية.
مكتبة البكري.
وادي تالة. (1/196)
صفحة 197
الصفحة
الموضوع
المحتويات
تقديم
مقدمة المحقق
استغاثة ملحة
عرض
خطة البحث والتحقيق
القسم الأول حول حياة المؤلّف
ترجمة حياة المؤلّف الشيخ أبي حفص عمروس بن فتح المساكني النفوسي
مولده عائلته، أبوه، أمه، أخته
أخوه، قبيلته
مكان ولادته ونشأته، اته العلمية
اشتغاله بالقضاء.
نماذج من اقضياته.
جهاده واستشهاده
وفاته
أسرته، حالته المادية
مؤلفاته
فتاويه واجتهاداته
مكانته العلمية
مميزاته وعصره
شخصيات لامعة عاصرها الشيخ (1/197)
صفحة 198
هل
هناك عمروس غيره في هذا الميدان؟
أبو حفص عمرو بن عبدالله الزواغي
أبو حفص عمروس اليفرني، عمروس الأندلسي
المراجع المعتمدة في الترجمة
القسم الثاني حول التعريف بالمخطوط وإثباته
إثبات نسبة المخطوطة إلى المؤلّف
بطاقة تعريف تقنية عن النسخ المعتمدة.
وصف المخطوطة (أ)
وصف المخوطة (ب)
وصف المخطوطة (ج)
وصف المخطوطة (د)
وصف المخطوطة (هـ)
ملاحظة عامة عن النسخ
إثبات عنوان الكتاب
عرض المخطوطة
القيمة العلمية للمخطوطة
المعتمدة
القسم الثالث: كتاب فيه أصول الدينونة الصافية مقدمة الباب الأول مسائل في العقيدة
مقدمة
مسائل في العقيدة
المعاملة بين الموحدين:
المنزلة بين المنزلتين: (1/198)
صفحة 199
معاملتنا لأهل الكتاب
معاملتنا
المجوس
معاملتنا
المشركين
معاملتنا للمنافقين
لمن تمنح الشفاعة؟
الرد على شبهات الصفرية
نقض شبهات المعتزلة
الدليل على كفر النعمة
لا منزلة بين المنزلتين
نقض شبهات السبئية
ما لا يسع الناس جهله طرفة عين
ما يسع الناس جهلة إلى قيام الحجة
ما لا يسع جهله من التوحيد
ما يسع جهله أبدا ما لم يكذب
الباب الثاني مسائل في العبادات
الفصل الأول مسائل في الصلاة
أوقات الصلاة
صلاة الجماعة
حكم تأخير الصلاة
عدد الركعات في الفرائض والسنن
القراءة في
الصلاة
استقبال القبلة
الفصل الثاني في الطهارات (1/199)
صفحة 200
فريضة الوضوء
سنة الاستنجاء
رخصة التيمم
حكم نسيان الصلاة
كيفية الإغتسال
الفصل الثالث فريضة الزكاة
في ماذا تجب الزكاة
زكاة الذهب والفضة
زكاة الحبوب
صدقة الإبل
صدقة البقر
صدقة الغنم
حكم تأخير الزكاة
زكاة الفطر حكمها
من ومماذا ومتى تؤدى
الفصل الرابع فريضة الصوم
هل الاغتسال من الجنابة شرط في صحة الصيام؟
الفصل الخامس فرض الحج
ما معنى الاستطاعة في الحج؟
فريضة الحج والعمرة؟
الإحرام: سننه ونواهيه
حكم صيد الحرم وجزاؤه
إحرام المرأة
المحرم والحشرات (1/200)
صفحة 201
فدية المحرم المريض
مستحبات الإحرام والتلبية
مناسك العمرة
مناسك الحج
أنواع الغسل في الحج
مواقيت الحج
منهيات الإحرام
أحكام الإحرام
مبطلات الحج
مخالفات الحاج وكفاراتها
ب الثالث: مسائل في المعاملات
باب في تفسير المظالم والمحاربة
تفسير المحاربة
أحكام القطع في الإسلام
أنواع السرقة وأحكامها
باب في القصاص
الديات: أنواعها وأحكامها
تفسير الغيلة
تفسير الفتك
تفسير الغدر
تفسير العقص
تفسير شبه العمد
باب الخطأ المحض (1/201)
صفحة 202
باب الخطأ العمد
العفو وفضله
باب المقاسم في المغانم والفيء والصدقات
لمن تعطى الزكاة
باب في قسم المواريث
أصحاب الفروض وغيرهم
ميراث الأجداد
ميراث الجدات
ما يتعلق بأصل التركة
آية الميراث بسبب النكاح
آية الإخوة
آية النصف
آية العصبة
باب في عدد النساء
الطلاق الثالث
طلاق السنة
الطلاق بالإيلاء
الظهار
عدة الوفاة
باب في نفقة المرضع وحد الرضاع
باب في مسائل مختلفة
سنة الختان
فصل فيما يفرق فيه الذكور عن الإناث والعكس ديانة
فصل في الأذان (1/202)
صفحة 203
فصل في الأمر بإتمام الأعمال
الخاتمة
الفهارس
مراجع التحقيق
مفتاح المرموز المستعملة في التحقيق
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث
فهرس التعاريف اللغوية والاصطلاحية
فهرس الأعلام
فهرس الفرق والقبائل والطوائف والدول
فهرس الأماكن والبلدان
المحتويات (1/203)
صفحة 204
إن الآيات القرآنية في هذا الكتاب برواية حفص عن عاصم وأصل التحقيق برواية ورش التي يقراء بها إخواننا المغاربه (1/204)
صفحة 205
حقوق الطبع محفوظة لدى وزارة التراث القومي والثقافة
ص. ب: 668 - الرمز البريدي: 113
مسقط - سلطنة عُمان (1/205)