صفحة 1
الكتاب: إيضاح التوحيد بنور التوحيد
المؤلف: سعيد الغيثي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] كتاب
إيضاح التوحيد بنور التوحيد
(وهو شرح لنور التوحيد لمصنِّفه العلاَّمة علي بن محمَّد بن علي المنذري)
تأليف الفقيه العالِم قاضي المسلمين
سعيد بن ناصر الغيثي
تحقيق وإعداد
محمَّد بن موسى باباعمي مصطفى بن محمَّد شريفي
جمادى الثانية 1417 هـ / أكتوبر 1996 م
N
هذا الكتاب المسمَّى: إيضاح التوحيد بنور التوحيد، ألَّفه الفقيه العالِم قاضي المسلمين: سعيد بن ناصر الغيثي أبقاه الله، وهو شرح للمختصر الموسوم بنور التوحيد لمصنِّفه الشيخ العلاَّمة علي بن محمَّد بن علي المنذري رحمه الله تعالى، وجزاهم الله عن الإسلام خيراً . ومسكنُ هؤلاء المذكورين عاصمة زنجبار المحروسة المحمية حرسها الله تعالى آمين.
b
الحمد لله حمداً لا انقطاع له ولا حصر، والشكر له يعجز عن وصفه أهل الحضَر والوبَر؛ وصلاته وسلامه على أشرف مخلوقاته وأبر، وعلى كافة الآل والأصحاب السادة الغُرر.
أمَّا بعد، فهذا شرح لا يخلو من فائدة، وإن كان لا مِمَّن هو أهل لذلك، إذ قد تكون رميةً من غير رامٍ، ورجائي في ذلك الأجر من الله الوهَّاب، وهو أنِّي لمَّا رأيت الإفادة الجليلة في الرسالة المسمَّاة بـ«نور التوحيد»، لشيخنا العلاَّمة عليِّ بن محمَّد بن عليٍّ المنذريِّ، المتوفَّى نهارا في يوم الخميس من جمادى الآخر عام 1343هـ (1) ، رحمه الله تعالى وغفر له، الموارَى في اليوم المذكور نهاراً في الموضع المعروف باسم «ملندى»، في زاوية المسجد الذي بناه الصالح الوحيد السيد حمود بن أحمد البوسعيدي، بموضع غير نازح بقبر والده الشيخ محمَّد بن علي بن محمَّد بن علي رحمه الله.
__________
(1) - ... الموافق لـ: 1924م. (1/1)
صفحة 2
ولم أر من تعرَّض لها بشرح يوضِّح معانيها كما ينبغي، وقد طالما سوَّلت لي نفسي لهذا الشأن، فيقعدني عنه عدم اتِّصافي بما هنالك، ومع هذا كلِّه تعترض عليَّ جملة الموانع، وأنوِّه عليها كما سأذكره نقلاً من عبارة ذكرها الشيخ المنياوي (1) ، فإنَّ حاله كحالي على ظاهر عبارته، وسأُدخل في عبارته شيئاً هو عن عبارته خارجٌ، بل إنَّما هو منِّي بنفسي ومن غيري، قال: «والمأمول مِمَّن تحلَّى بحُليِّ الإنصاف، وتخلَّى عن رذيلة البغيِ والاعتساف، أنَّه إن وَجَد للسداد وجهاً فليسلكه، ولا يصرف عنه وجهاً؛ وإن عثر على شيء زلَّت فيه القدم، أو طغى به القلم، فليستحضر أنَّه لم يسلم من الخطإ إِلاَّ رسول الله الآمر بالحلم والتقوى، وأنَّ دعوى غيره السلامة منه هي غايته القصوى».
ومن ذا الذي ترضى سجاياه ... كلُّها ... كفى المرء نبلا أن تعدَّ ... معايبه (2)
ولينبِّه عليه بعبارة خالية من التشنيع، متجافية من اللوم والتقريع؛ وليعلم أنَّه ليس خاليًا من العيوب والزلاَّت، وأنَّ المرء كلَّه عيوب وعورات.
متى يلتمس للناس عيبًا يجد ... لهم ... عيوبًا، ولكن الذي فيه ... أكثر
غيره:
ما سلم الظبي من ... حسنه ... كلاّ، ولا البدر الذي يوصف
فالظبي فيه خنس ... بيِّن ... والبدر فيه كلف ... يعرف
وإنَّني فيما يصدر منِّي ذو عذر مقبول عند ذوي البصائر، وهو أنِّي ضعيف عديم الخلاَّت والعشائر، فلا يفارقني تجرُّع كؤوس الشدائد، ولا تعطيل الهموم والأحزان عن تحصيل المقاصد، وذلك من الأقارب والأباعد، كما قد حصل لي ذلك في قريب الوقت.
__________
(1) - ... هو محمَّد علي (ت: 1335هـ/1917م): أديب مصري، له كتاب: تحفة الرائي للامية الطغرائي. في شرح لامية العجم. ... وانظر الزركلي: الأعلام، ج7/ص195
(2) - البيت لبشَّار بن البرد، ويقول في البيت الذي يليه:
... ... ... ومَا سمِّي الإنسانُ إِلاَّ لنسيه ... ولا القلبُ إِلاَّ أنَّه يتقلَّبُ
... ... ... ... ... وانظر: دندشي: معجم الأبيات الشهيرة، ص32. (1/2)
صفحة 3
جور الزمان مُديم قبض ... ناصيتي ... والقلبُ للحزن ... بيت لا يفارقه
إن رُمت ... جَلب سرورٍ فيه قال:لقد ... حازَ المكانَ، ... ونالَ الملكَ سابقُه
اتَّخذني الدهرُ غرضاً يرميه بسهام الهموم والأحزان، وليتني مع هذا كنتُ سالماً من إيذاء شيخ الضَّلال الناهض عليَّ بخيله ورَجله، ولم يألُ عدوُّ الله جهداً في إصدار الكذب الخالص عليَّ، بمستطاع ما عنده من خرافات اللسان، وإنِّي أتضرَّع إلى من بيده الغلبَة والقوَّة والسلطان، وأشكو إليه من ظُلمِ هذا الظالم، وما ربّك بغافل عمَّا (1) هو فيه من البهتان، وسيري عدله في اليوم الذي تشهد عليه يداه ورجلاه (2) ، بل وكلُّ من يسمعه ويراه، ومن كان هذا حاله فهو في جميع أوقاته بسواد السواد.
وليتني كنتُ مع ... هولِ الزمانِ، وما ... فيه أُقاسي قويَّ الجسم والبصر
أو كان لي في زماني بعض ... ميسرة ... بها يخفُّ شديد الحزن والضرر
ومن يكن حاله ما قد ذكرتُ ... فقد ... أتى بما جزؤه يكفي ذوي ... النظر
وإنِّي أسأل الله ذا الفضل والإنعام أن لا يرفع نظره عنِّي وعن أخي، وأن يقيل عثراتي، ويتجاوز عن خطيئاتي، وينعم عليَّ بحصول المآرب، وعليه وعلى سائر إخواني الصالحين، إنَّه مفيض الخيرات، واسع العطيَّات.
قال المصنِّف رحمه الله: «{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}».
__________
(1) - ... إشارة إلى الآية الكريمة: {ولكلٍّ درجات مِمَّا عملوا ومَا ربّك بغافل عمَّا يعمل الظالمون} (سورة الأنعام: 132).
(2) - ... إشارة إلى قوله تعالى: {يومَ تشهدُ عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون}(سورة النور: 24). (1/3)
صفحة 4
أقول: أبتدئ بالبسملة تبرُّكًا بها، واقتداء بكتاب الله العزيز، بالرسم لا بالنزول، إذ ورد أنَّ أوَّل ما نزل من القرآن العظيم: {اقرأ باسم ربِّك} (1) . اعلم أنَّه قد جرت عادة المؤلِّفين في تصانيفهم أن يتكلَّموا قبل الشروع في المقصود على البسملة بكلام مناسب لغرضهم (2) ، وها أنا بعون الله أتكلَّم بمقتضى المقصود، فأقول:
__________
(1) - ... سورة العلق: 1.
(2) - ... وانظر مثلا: الرازي: التفسير الكبير، ج1/ص5-6. والقطب اطفيش: تيسير التفسير، ج1/ص9-10. (1/4)
صفحة 5
إنَّ الباء الداخلة في {بِسْمِ اللهِ} عملها الجرُّ، فهي مجرورة بها، ومتعلِّقة بمحذوف مقدَّم عند النحويِّين، ومؤخَّرٍ عند البيانيِّين، لفائدة القصر والاهتمام، وهي للاستعانة، ومعنى الاستعانة هنا كون ما بعد الباء معينا للفاعل في إنشاء الفعل وآلة له فيه كالقلم للكاتب؛ وقيل: إنَّها هنا للمصاحبة على سبيل التبرُّك، فيكون تمام المقصود مصاحبًا للابتداء بالبسملة، ورجِّح هذا الوجه بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء» (1) .
قال سيِّدي السالميُّ (2)
__________
(1) - ... رواه الترمذي، في الدعوات 3310، قال: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ قَال سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ وَكَانَ أَبَانُ قَدْ أَصَابَهُ طَرَفُ فَالِجٍ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَبَانُ مَا تَنْظُرُ أَمَا إِنَّ الْحَدِيثَ كَمَا حَدَّثْتُكَ وَلَكِنِّي لَمْ أَقُلْهُ يَوْمَئِذٍ لِيُمْضِيَ اللَّهُ عَلَيَّ قَدَرَهُ» قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. ... ورواه بألفاظ مختلفة: أبو داود، في الأدب 4425، وابن ماجه، في الدعاء 3859، وأحمد، في مسند العشرة 418..
(2) - ... هو الشيخ عبد الله بن حميد السالمي، المشهور بـ: نور الدين (1286-1332هـ/1969-1914م): عالم فقيه محدِّث، هو قطب علماء المشرق في زمانه، له عدَّة مؤلَّفات منها: مشارق أنوار العقول، ومعارج الآمال...
... د.محمد ناصر: الإباضيَّة تاريخا وفكراً، فصل: الإمام عبد الله بن حميد السالمي. (1/5)
صفحة 6
- رضي الله عنه - : «وإنَّما صدِّرت الباء في كتَاب الله تعالى إشارة إلى أنَّ جميع الأشياء كائنة به تعالى، فكأنَّه قيل: بي كان ما كان، وبي يكون ما يكون؛ فانحصر تحت هذه الإشارة جميع صفات الله تعالى الكماليَّة من واجب وجائز ومستحيل، فتضمَّن جميع العقائد».
قيل: وإِنَّمَا أُنقطت نقطة واحدة من أسفل إشارة بالواحد إلى وحدانيَّته تعالى، وبكونها هنالك إشارة إلى التواضع له، وانكسار النفس بالتذلُّل في طلب معرفته تعالى؛ فكأنَّه قيل: من شاء معرفتي بي فليكن في تذلُّله لي بمنزلة النقطة من الباء. (1/6)
صفحة 7
والاسم مشتقٌّ من السموِّ أي العلوُّ، لأنَّه يسمو بمسمَّاه؛ هذا مذهب البصريِّين، وذهب الكوفيُّون إلى أنَّه مشتقٌّ من وسم بمعنى علَّم. قال القرطبيُّ (1) : «إنَّ من قال: الاسم من السموِّ يقول: لم يزل الله تعالى موصوفًا قبل وجود الخلق، وبعد وجودهم وعند فنائهم، وبعد البعث لا تأثير لهم في أسمائه وصفاته؛ ومن قال: من السمة يقول: كان الله تعالى في الأزل بلا اسم ولا صفة». قال القطب (2) : «والأوَّل قول أهل السنَّة، والثاني للمعتزلة»، قال: «وإن قلتَ: فما المذهب؟ قلتُ: إنَّ المذهب أنَّ أسماءه هو، وصفاته هو، بمعنى أنَّها ليست شيئًا زائدًا على الذات حالاًّ فيها، وإنَّما الحادث النطق بألفاظ دالَّة على ذلك بعد خلق الخلق».
__________
(1) - ... وللتوسُّع في تفسير البسملة ينظر- القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، من ص91 إلى ص107.
(2) - ... أينما ذكر لفظ: «القطب» فهو: الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش (1237-1332هـ/1818-1914م): المشهور عند إباضيَّة المشرق والمغرب على السواء بالقطب. عالم بلغ درجة الاجتهاد في عصره، وترك ما يزيد على المائة مصنّف، أشهرها: تيسير التفسير، وهميان الزاد، وشرح النيل،. ... وانظر ترجمته في: وينتن: آراء الشيخ اطفيَّش العقدية، كلّه؛ وجهلان عدون: الفكر السياسي عند الإباضيَّة من خلال آراء الشيخ اطفيش، كله؛ ويحي بوتردين: منهج التفسير عند الشيخ اطفيَّش. وجمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، الملحق الأوَّل. (1/7)
صفحة 8
قال سيِّدي نور الدين: «ولئن تأمَّلت ما ذهب إليه الفريقان من السنِّيَّة والمعتزلة في هذا الموضع عرفت أنَّ قصارى أمرهم ومطمح نظرهم إِنَّمَا هو تعلُّق بالقشر عن اللبِّ، وبالدالِّ عن المدلول، ونحن نقول: إن أريد بالاسم اللفظَ والتسمية فهو حادث لأنَّه "كان الله ولا شيء معه"، وإن أريد به مدلوله فهو عين المسمَّى لا غيره، لكنَّا لا نطلقه هكذا حقيقة إِلاَّ على المسمَّى، وإطلاقه عندنا على اللفظ والتسمية مجاز إِلاَّ في الألقاب كزين العابدين، وكهف الظلم، فإنَّه فيها حقيقة في اللفظ مجاز في المسمَّى؛ ولا يسمَّى الباري باسم لقب حتَّى يرِد علينا ذلك».
وإضافة اسم إلى الله للبيان أو للحقيقة أو للاستغراق، كما في الهيميان، وصرَّح في حاشية الشذور أنَّ الإضافة تأتي لما تأتي عليه «الـ» من المعاني.
و«الرحمن الرحيم»: هما صفتا ذاتٍ إن أريد بهما مزيد الرحمة، وصفتا فعل إن أريد بهما المحسن إلى خلقه، فهما من ذوات الوجهين من الصفات باعتبارين وعلى كلا الوجهين، فمحال أن يراد بهما في حقِّه تعالى حقيقتهما اللُّغويَّة التي هي بمعنى الرقَّة والعطف. والخوض في إيضاح مجازهما لغة، وهل هو مجاز مرسل أو استعارة؟، وهل هو استعارة تمثيليَّة أو تصريحيَّة، مفردة أو مكنيَّة أو تخييليَّة؟ لا حاجة إليه، وقد صرَّح البدر التلاتي (1) بأنَّ فيه إساءة أدب في حقِّه تعالى».
__________
(1) - ... هو الشيخ عمرو بن رمضان الجربي، أبو حفص (ت: 1187هـ/1773م): فقيه عالم، وإمام من أيمة المذهب الإباضي في المغرب، له عدَّة تآليف منها: اللآلي الميمونات في عقود الديانات، العقد النضيد على نكتة التوحيد... وانظر- ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة (مخ) ص111-113؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضيَّة (النسخة التجريبية)، ج4/ص556/ترجمة رقم 765. (1/8)
صفحة 9
قلت: وبما صرَّح به البدر صرَّح به الصاوي (1) في حاشيته لرسالة الدردير (2) ، إذ قال ما نصُّه: «وذكر حفيد السعدِ أنَّ في الكلام استعارة تمثيليَّة، بأن يقال: شبَّه حال المولى مع خلقه في الإنعام بجلائل النعم ودقائقها بحال مع رعيَّته، واستعيرت الهيئة الدالَّة على المشبَّه به للمشبِّه، وأورد عليه أنَّ الاستعارة التمثيليَّة لا تكون إِلاَّ في المركَّبات، وإطلاق الحال على الله لم يرد به إذن، وأنَّ الرحمن لم يستعمل في غيره تعالى، وأمَّا قول الشاعر:
......................... ... ...... ... وأنت غيث الورى لا زلت ... رحمانا
في حقِّ مسيلمة الكذَّاب إمَّا شاذٌّ، أو لأنَّه منكر، والخاصّ بالله المعرَّف، أو من تعنُّتهم في كفرهم، وبأنَّ المشبَّه به أقوى، وهو إساءة أدب، وأجيب بأنَّه اقتصر على الجزء الأهمِّ من المركَّبات، إذ هو مركَّب بحسب الأصل، فإنَّ الأصل: ملِك رحمن رحيم.
وإطلاق الحال جائز لضرورة التعليم، والحقُّ ثبوت مَجازات لا حقائق لها، وكون المشبَّه به أقوى اغلبيّ (3) ؛ وبعد هذا كلِّه فالأحسن والأسلم الاقتصار على كونه مرسلاً» اهـ.
__________
(1) - ... هو أحمد بن محمَّد الخلوتي الشهير بالصاوي (1175-1241هـ/1761-1825م): فقيه مالكي، أصله من المغرب، توفي بالمدينة. وقد اشتهر تفسير: حاشية الصاوي على تفسير الجلالين. ... ... وانظر- الزركلي: الأعلام، ج1/ص233.
(2) - ... هو الشيخ أحمد بن محمَّد بن أحمد العدوي، أبو البركات (و: 1127هـ-1201/1715-1786م): عالم وفقيه، له كتاب: أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك. ... ... ... ... وانظر- الزركلي: الأعلام، ج1/ص232
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أقوى وأغلب». (1/9)
صفحة 10
قال الدمنهوري (1) : ما نصُّه: «ابتداء بالبسملة اقتداء بكتاب الله العزيز، وعملا بخبر: «كلُّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فهو أبتر» وفي رواية: «كلُّ كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» (2) ولا تعذر في العمل بالحديثين لحمل الابتداء فيهما على الأعمِّ من الحقيقيِّ والإضافيِّ، ولحمله في الأوَّل على الأوَّل، ولحمله في الثاني على الثاني، كما في القرآن المبين...» إلى أن قال: «وفي وصف الأمر لما بعده فائدتان:
__________
(1) - ... هو أحمد بن عبد المنعم بن يوسف الدمنهوري (1101-1192 هـ/1690-1778م): شيخ الجامع الأزهر، وهو من المكثرين في التصنيف في الفقه وغيره. من مؤلفاته: نهاية التعريف بأقسام الحديث الضعيف، الفيض العميم في معنى القرآن العظيم. ... ... ... ... وانظر- الزركلي: الأعلام، ج1/ص158
(2) - ... لم نجد الحديث بهذا اللفظ، ولا بغيره مِمَّا ذكر في البدء ببسم الله، وإنَّما الوارد هو البدء بالحمدلة، فقد روى ابن ماجه، في النكاح 1884 قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالُوا حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ قُرَّةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ أَقْطَعُ».
... وفي مسند الإمام أحمد، في باقي مسند المكثرين 8355 : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ مُبَارَكٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - «كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ قَالَ أَقْطَع». (1/10)
صفحة 11
الأولى: تعظيم اسم الله حيث لا يبدأ فيه إِلاَّ في الأمور التي لها شأن وخطر.
الثانية: التيسير على الناس في محقرات الأمور».
وأورد أنَّ كلاًّ من البسملة والحمدلة من أفراد موضوع قضيَّة الحديث، فيحتاج كلٌّ منهما حينئذ إلى سبق مثله ويتسلَّل. وأجيب بأنَّ كلاًّ منهما كما يحصل البركة لغيره ويمنع نقصه، كذلك يجب أن يحصل مثل ذلك لنفسه كالشاة من الأربعين تزكَّى نفسُها وغيرها.
والباء في البسملة متعلِّقة بمقدَّر، وكونُه فعلا ومن مادَّة التأليف هنا ومتأخِّرًا أولى؛ أمَّا الأوَّل فلأصالة الفعل في العمل؛ وأمَّا الثاني فلأنَّه أمسُّ بالمقام، إذ لا يشعر تقدير خلافه بما جعلت البسملة مبدأ له؛ وأمَّا الثالث فلأنَّ تقديمَ المعمول هنا أدخلُ في التعظيم، ودالٌّ على الاختصاص، كما في {إيَّاك نعبد}...» إلى أن قال: «والله علَمٌ على الذات الواجب الوجود. ووصفُ الذات بما بعدها بيان للمسمَّى لا لاعتباره، وإلاَّ لكان المسمَّى مجموع الذات والصفة، وليس كذلك بل هي وحدها؛ وقيل: مع الصفة».
واعترض على جعل "الله" عَلماً، بأنَّ وضع العلم بإزاء ذاته تعالى فرع تعقُّله ولا تعقّل، فلا وضع، وأجيب بتعقُّله تعالى بصفاته، والمنفيُّ تعقُّله بكنه حقيقته، وهو غير لازم في وضع العلم، على أنَّ الواضع مطلقًا أو واضع هذا الاسم ــ وهو الله ــ علَّمه لغيره بوحي أو إلهام. قلت: وإن سلِّم عدم تعقُّل ذاته تعالى، فأيُّ وجه يجوز رؤيته تعالى.
و{الرحمن الرحيم}: اسمان بُنيا للمبالغة مشتقَّان من «رحم» أي مصدر ذلك. (1/11)
صفحة 12
والرحمة (1) : رقَّة في القلب وانعطاف تقتضي التفضُّل والإحسان، وأسماؤه المماثلة لهذا مأخوذة باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي هي انفعالات، لاستحالة الكيفيات النفسانيَّة عليه تعالى؛ فالرحمة هنا مجاز مرسل عن الإحسان، أو إرادته استعمالا لاسم السبب في المسبَّب.
والأوَّل أبلغ معنىً من الثاني لزيادة بنائه، كما في قطَّع وقطَع، ولا نقض بـ«حَذِرٌ» و«حاذِرٌ» لعدم التلاقي في الاشتقاق.
وقدّم "الله" على تاليَيْه لأنَّه اسم ذات، وهو مقدَّم على الصفة، فقدَّم ما يدلُّ عليها، وهذا التقديم تعقُّليٌّ، وإلاَّ فذات الله وصفاته ليس فيها تقديم وتأخير بحسب الواقع. وقدَّم الرحمن على تاليه لأنَّه صار علَما بالغلبة التقديريَّة من حيث إنَّه لا يوصف به غيره. وأمَّا قوله:
......................... ... ...... ... وأنت غيث الورى لا زلت ... رحمانا
فخطأ نشأ من التعنُّت في الكفر. واعترض بأنَّ الصناعة تقتضي الترقِّي للأبلغ من غيره كما في «عالِم نحرير»، وأجيب بأنَّه جعل الثاني كالتَّتْمِمَة في الأوَّل باعتبار جلالة النعم فيه دون الثاني.
فائدة نذكر فيها فضائل البسملة
قال في خزينة الأسرار: «أخرج الدارقطنيُّ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كان جبريل إذا جاءني بالوحي أوَّل ما يلقي عليَّ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}».
__________
(1) - ... «الرحمة في اللغة رقَّة القلب وانعطاف يقتضي التفضُّل والإحسان، وهي من الكيقبات التابعة للمزاج، وقيل: الرحمة من صفات الذات، وهي إرادة إيصال الخير ودفع الشرِّ» الجرجاني: كتاب التعريفات، ص115. الحفيني: المعجم الفلسفي، ص116. (1/12)
صفحة 13
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقيُّ، وأبو ذرٍّ الهرويُّ، والخطيب البغداديُّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ عثمان بن عفَّان سأل النبيء - صلى الله عليه وسلم - (1) عن: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، فقال: «هو اسم من أسماء الله تعالى، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إِلاَّ كما بينَ سواد العين وبياضها من القرب» (2) .
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي شيبة عن الشعبيِّ قال: «اسم الله الأعظم: يا الله».
وأخرج البخاريُّ عن جابر (3) قال: «اسم الله الأعظم هو الله، ألاَ ترى أنَّه في جميع القرآن يبدأ به قبل كلِّ اسم؟» (4) .
وقال عليه الصلاة والسلام: «لمَّا نزلت {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، فرح أهل السموات من الملائكة، واهتزَّ العرش لنزولها، ونزل معها ألف ملك، وزادت الملائكة إيمانا، وخرَّت الجانّ على وجوههم، وتحرَّكت الأفلاك، وذلَّت لعظمتها الأملاك».
__________
(1) - ... كُتب بخطٍّ رقيق فوق التصلية المذكورة في المتن: «عليه الصلاة والسلام».
(2) - ... وردت أحاديث عديدة في فضل اسم الله الأعظم، وفي تحديد مكانه من القرآن العظيم، وانظر مثلا: الترمذي، الدعوات 3400؛ وأبو داود، الصلاة 1278؛ وابن ماجه، في الدعاء 3845، 3846؛ والإمام أحمد، في باقي مسند المكثرين 11760، ومسند القبائل 26329؛ والدارمي، في فضائل القرآن 3255، 3259.
(3) - ... هو الصحابي الجليل جابر بن عبد الله.
(4) - ... لم نجده في صحيحه، ولعلَّه في إحدى كتبه الأخرى. (1/13)
صفحة 14
وأخرج أبو نُعيم وابن السلمى عن عائشة - رضي الله عنه - عنها أنَّها قالت: «لمَّا نزلت بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سبَّحت الجبال حتَّى سمع أهل مكَّة ومن بها، فقالوا: سحر محمَّدٌ الجبالَ، فبعث الله دخانًا حتَّى أظلَّ على أهل مكَّة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من قرأ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} موقنًا سبَّحت معه الجبال، إِلاَّ أنَّه لا يسمع منها». وفي رواية: «وكان يسبِّح الجبال والأحجار، ولكن لا يسمع تسبيحها».
وأخرج ابن السنيِّ والديلميُّ عن عليٍّ مرفوعًا: «إذا وقعت في ورطة فقل: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم، فإنَّ الله تعالى يصرف بها ما شاء من أنواع البلايا».
وروي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من قال: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم، صرف الله عنه سبعين بابًا من أنواع البلايا والهمِّ والغمِّ واللمم» (1) . كذا في الدرِّ المنثور، إلى أن قال:
وأخرج الديلميُّ عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - عنهما مرفوعًا عن النبيء - عليه السلام - : «إنَّ المعلِّم إذا قال للصبيِّ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، فقال: كتب للمعلِّم والصبيِّ ولأبويه براءة من النار».
__________
(1) - ... أورد القطب اطفيَّش في جامع الشمل حديثا رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة، عن علي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا وقعتَ في ورطة فقل: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم، فإنَّ الله تعالى يصرف بها ما شاء من أنواع البلايا». وانظر الحديث في فيض القدير 1/454.
... ... ... جامع الشمل؛ تخريج وتعليق: محمَّد عبد القادر أحمد عطا. ج1/ص251. (1/14)
صفحة 15
وأخرج وكيع والثعلبيُّ عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عنه قال: «من أرادَ أن ينجيه الله تعالى من الزبانية التسعة عشر، فليقرأ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم}، ليجعلَ الله له بكلِّ حرفٍ منها جُنَّة من كلِّ أحد».
وأخرج الديلمي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من قرأ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، كتب له بكلِّ حرف أربعة آلاف حسنة، ومحي عنه أربعة آلاف سيِّئة، ورفع له أربعة آلاف درجة». كذا في الدرّ المنثور.
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال النبيء عليه الصلاة والسلام: «لو كانت الأشجار أقلامًا، والبحار مدادًا، واجتمعت الجنُّ والإنس والملائكة كتَّابًا، وكتبوا معنى {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ألفَيْ ألف سنة، لَما قدروا على كتابة عُشر عُشَيره». كذا في رسالة البسملة.
وروي عن النبيء - عليه السلام - : «إذا قال العبد {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قال أهل الجنَّة: لبِّيك وسعديك، اللهمَّ إنَّ عبدك فلانًا قال: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، اللهمَّ أخرجه من النار وأدخله في جنَّتك».
وعن النبيء قال: «إنَّ قومًا يأتون يوم القيامة وهم يقولون: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وتثقل حسناتهم على سيِّئاتهم، فيقول الأمم الأخرى: ما أرجح حسناتهم! إِنَّمَا ذلك لأنَّ ابتداء كلامهم {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}؛ هي أسماء الله العظام، لو وضعت في كفَّة الميزان ووضعت السماوات والأرض وما فيهنَّ وما بينهنَّ في كفَّة الميزان لرجحت عليها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}».
وقد جعل الله تعالى لهذه الأمَّة أمنًا من كلِّ بلاء، وحرزًا من كلِّ شيطان رجيم، ودواء من كلِّ داء، ومن الخسف والحرق والمسخ والغرق ببَرَكة {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}». كذا في خواصِّ القرآن. (1/15)
صفحة 16
وروي عن النبيء - عليه السلام - أنَّه قال: «إنَّ في الجنَّة جبلاً يقال له جبل الرحمة، وعليه قصر يقال له قصر الإسلام، وفي القصر بيت يقال له: بيت الجلال، وللقصر اثنا عشر ألف مصراع، من أسكفة الباب إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام (1) ، لا تفتح تلك الأبواب إِلاَّ لقائل: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}». اهـ ببعض حذف.
قال المصنِّف: «الحمد لله ربِّ العالمين».
أقول: قال في الطلعة: «الحمد لغة (2) : الثناء باللسان على الجميل الاختياريِّ على جهة التبجيل، سواء تعلَّق بالفضائل أم بالفواضل.
__________
(1) - ... المشهور أنَّ بين مصراعي الجنَّة مسيرة أربعين عاما، وقد رويت أحاديث عديدة في ذلك، منها ما روى الإمام أحمد قال: حَدَّثَنَا حَسَنٌ قَالَ حَمَّادٌ فِيمَا سَمِعْتُهُ قَالَ وَسَمِعْتُ الْجُرَيْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ حَكِيمِ ابْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامًا وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَإِنَّهُ لَكَظِيظ«، حديث 19172 (ترقيم العالمية)، باقي مسند المكثرين. وقد أورده القطب اطفيَّش في جامع الشمل، كتاب الجنَّة والنار وأهلها، ج2/حديث 2430/ص107، وقال: «رواه أحمد عن معاوية بن حيدة، وهو ضعيف».
(2) - ... للتوسّع في المعنى اللغوي للحمد، انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج1/ص712-ش714. (1/16)
صفحة 17
والشكر لغة (1) : فعل ينبئ عن تعظيم المنعم [من حيث إنَّه منعم] (2) على الشاكر، سواء كان ذكرًا باللسان أم اعتقادًا ومحبَّة بالجَنان، أم عملا وخدمة بالأركان، فمورد الحمد هو اللسان وحده، ومتعلَّقه النعمة وغيرها، ومورد الشكر اللسان وغيره، ومتعلّقه النعمة وحدها، فالحمد أعمُّ متعلّقًا وأخصُّ موردًا، والشكر بالعكس.
والحمد عرفًا (3) : فعل ينبئ عن تعظيم المنعِم من حيث إنَّه منعِم على الحامد أو غيره.
والشكر عرفًا (4) : صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من السمع وغيره إلى ما خلق لأجله، فهو أخصُّ مطلقًا من الثلاثة قبله لاختصاص متعلّقه بالله تعالى، ولاعتبار شمول الآلات فيه. والشكر اللغويُّ مساوٍ للحمد العرفيِّ، وبين الحمدين عموم من وجه». انتهى غاية البيان.
و«الـ» في «الحمد» إمَّا للعهد وإمَّا للجنس وإمَّا للاستغراق، فالوجوه الثلاثة كلُّها محتملة هاهنا، وكونها للاستغراق أوجَه من الاحتمالين الأوَّلين، لأنَّ المراد الثناء على الله تعالى على كلِّ فرد من آثار الصفات.
وإذا جُعلت للعهد فالمراد بها حمد الله تعالى نفسه، أو الحمد الذي أمر به تعالى خلقه أن يحمدوه به، وكونها للجنس ظاهر لأنَّ المراد منه أنَّ جملةَ الحمدلة لله تعالى».
__________
(1) - ... وللتوسّع في المعنى اللغوي للشكر، انظر: المصدر السابق، ج3/ص344-346.
(2) - ... الإضافة من متن طلعة الشمس، ج1/ص3.
(3) - ... «الحمد هو الثناء على الله تعالى بجميل صفاته»، قلعه جي وقنيبي: معجم لغة الفقهاء، ص186.
(4) - ... «الشكر: مقابلة النعمة بكفائها، بالقلب أو باللسان أو بالعمل»، نفس المصدر والصفحة. (1/17)
صفحة 18
وقوله: «لله» قال في الطلعة: «واللام في «لله» إمَّا للملك، وإمَّا للاختصاص، وإمَّا للاستحقاق؛ احتمالات [ثلاث] (1) ، وجعلها للاختصاص هاهنا أظهر، ويليه في الظهور الاستحقاق، وأضعفها الملكيَّة، لأنَّ الغرض من هذا السياق إِنَّمَا هو الثناء عليه تعالى بما هو مختصٌّ به أو بما هو مستحقٌّ له من المحامد، لا الإخبار بأنَّه مالك لبعض أفراد العالم. فإن قيل: يحتمل من جعلِ «الـ» للملك حصولُ الثناء عليه تعالى بأنَّه مالك للحمد، والملكيَّة أشدُّ اختصاصًا من الاختصاصيَّة والاستحقاقيَّة، فيكون جعلها للملك أولى من جعلها للاختصاص أو الاستحقاق، قلنا: لا نسلِّم من كون الملكيَّة أشدَّ اختصاصًا من الآخرين، يثبت أولويَّة حمل اللام على الملك هاهنا، فإنَّ الاختصاص والاستحقاق أظهر في مقام المدح من الملكيَّة، لأنَّ الاختصاصيَّة والاستحقاقيَّة إِنَّمَا يكونان لشيء في ذات المختصِّ، والمستحقّ. والملكيَّة إِنَّمَا تنصرف إلى الأفعال» اهـ.
وقوله: «ربِّ العالمين». أقول: إنَّ لفظ «ربّ» له معان كثيرة نظمها بعضهم بقوله:
قريب، محيط، مالك، ... ومدبِّر ... مربٍّ، كثير الخير، والمولى للنعم
وخالقنا المعبود، جابرُ ... كسرنا ... ومصلحنا، والصالح، الثابت القدم
وجامعنا، والسيِّد، احفظ ... فهذه ... معانٍ أتت للربِّ، فادعُ لمن ... نظم
و«العالمين» جمع عالَم، بفتح اللام، وهي أنواع المخلوقات، لأنَّها دالَّة على وحدانيَّته تعالى.
وفي كلِّ شيء له ... آية ... تدلُّ على أنَّه واحد
ولله في كلِّ ... تحريكة ... وتسكينة أبدًا ... شاهد
وهو هاهنا معناه المالك، وقيل: إنَّ «العالمين» هم للعقلاء من الثقلين والملائكة، وبذلك قال ابن مالك: «هو اسم جمع لأنَّه لو كان جمعًا لكان المفردُ أعمَّ من الجمع، لأنَّ العالم يعمُّ كلَّ مخلوق، والجمع خاصٌّ بالعقلاء».
لطيفة
__________
(1) - ... الإضافة من المتن. (1/18)
صفحة 19
قال وهب بن منبِّه (1) : «لله عزَّ وجلَّ ثمانية عشر ألف عالَم، الدنيا عالم منها، وما العمران في الخراب إِلاَّ كخردلة في كفِّ أحدكم»، وقد روي هذا مرفوعا إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - .
قال الشيخ عمر الفاروقي: «كنت أنا ويعقوب بن كراب ذات يوم جالسين بين يدي سيِّدي أحمد الرفاعي فجرى حديث الأمم، فقلت: أي ذكر سيِّدي بعض المفسِّرين أنَّ الأمم كلَّها ثمانون مائة ألف تأكل وتشرب، وترث وتنكح، لا يكون الرجل رجلا حتَّى يعرفهم، ويعرف كلامهم وصفاتهم وأسماءهم وأرزاقهم وآجالهم». وسئل يومًا عن شيء من قدرة الله تعالى ومخلوقاته، فقال: «إنَّ لله في السماء بحرًا من رمل يجري كجريان الرياح العاصفة منذ خلَق الله الأرض إلى يوم القيامة، لا يدرى من أين إلى أين، يخلق الله بعدد كلِّ ذرَّة منه دنيا مثل دنياكم هذه، فما ساعة تمضي من ليل أو نهار إِلاَّ ولله تعالى فيها قيامة تقوم على قوم، وميزان يُنصب وصراط يمدُّ، وقوم يدخلون الجنَّة، وقوم يدخلون النار، وهي غير الجنَّة التي أعدَّت لنا». حكى هذا الشيخ عبد الباري، والله أعلم.
قال سهل: «الأنفاس معدودة، فكلُّ نفَس يخرج من غير ذكرِ الله فهو ميِّت، وكلُّ نفس يخرج بذكر الله فهو حيٌّ» والله أعلم، وبه التوفيق.
فائدة نذكر فيها فضائل التحميد
قال القطب - رضي الله عنه - : «وجاء حديث متَّصل عنه - صلى الله عليه وسلم - : «أفضل الذكر لا إله إِلاَّ الله، وأفضل الدعاء الحمد لله» (2) .
__________
(1) - ... هو وهب بن منبه الصنعاني الأبناوي، أو عبد الله (ت: 110هـ): يمني من صنعاء، وهو من الطبقة الوسطى من التابعين. ... وانظر- العالمية: موسوعة الحديث، مادَّة «وهب».
(2) - ... أورده القطب في جامع الشمل، كتاب التوحيد والإيمان 11 وقال: «رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبَّان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، عن جابر بن عبد الله». ج1/ص16.
... ... وانظر برنامج العالمية: الترمذي، الدعوات 3305؛ وابن ماجة، الأدب 3790.
... ولفظ الترمذي: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ قَال سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ قَال سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ هَذَا الْحَدِيثَ.
... وقال الحاكم في المستدرك: «صحيح»، وأقرَّه الذهبي. (1/19)
صفحة 20
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - متَّصلا: «التسبيح نصف الميزان ــ أي نصف الأعمال ــ والحمد لله تملأه، ولا إله إِلاَّ الله ليس لها دون [الله] حجاب حتَّى تخلص إليه» (1) . ولا أذكر من الأحاديث إِلاَّ ما رفع إليه - صلى الله عليه وسلم - بسند عن فلان عن فلان، أو أخبرني فلان أخبرني فلان، أو نحو ذلك.
__________
(1) - ... رواه الترمذي في صحيحه، الدعوات 3441، قال: حَدَّثَنَا هَنَّادٌ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ جُرَيٍّ النَّهْدِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ عَدَّهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي يَدِي أَوْ فِي يَدِهِ: «التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ وَالطُّهُورُ نِصْفُ الْإِيمَانِ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ.
... ورواه الإمام أحمد، في باقي مسند المكثرين 21995، 22078 بلفظ قريب منه.
... وقال القطب في جامع الشمل: «رواه الترمذي، عن رجل من بني سليم، وذلك تسوية بين التسبيح والتكبير، بأنَّ كلاًّ يأخذ نصف الميزان، لأنَّ الذكر ينحصر بالتسبيح والحمد، ويحتمل أنَّ المراد أنَّ التحميد وحده يملأ الميزان، وأنَّه أفضل من التسبيح، لأنَّ الحمد المطلق يستحقُّ أن يبرأ عن النقائص، منعوتا بنعوت الجلال، فشمل الأمرين. ذكره السيوطي عن الطيبي». ج1/ص252/ح827. (1/20)
صفحة 21
قال - صلى الله عليه وسلم - : «من قال: لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير، عشر مرَّات كان كمن أَعتق أربعة أنفس مِن ولدِ إسماعيل - عليه السلام - ، وما قالها عبدٌ قطُّ مخلصًا بها روحُه، مصدِّقا بها قلبُه، ناطقًا بها لسانُه إِلاَّ فتق الله له في السماء فتقًا، حتَّى ينظر إلى قائلها من الأرض، وحقّ لعبد نظر اللهُ إليه - أي وجَّه الله مقدور رحمته كالثناء عليه إلى الملائكة - أن يعطيه سؤله». وفي رواية: «من قالها لم يسبقها منه عمل، ولم تبق معها سيِّئة».
قال الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من قال: لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير، في يوم مائة مرَّة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيِّئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتَّى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مِمَّا جاء به إِلاَّ إن عمل أكثر من ذلك» (1) .
قال الربيع: عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من قال على إثر صلاته: سبحان الله وبحمده، مائة مرَّة حطَّت عنه خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر» (2) .
__________
(1) - ... الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب: ورد بلفظه، مع اختلاف في «... إِلاَّ من عمل أكثر...» عوض «... إِلاَّ إن عمل أكثر...». ص137، ح506.
(2) - ... الجامع الصحيح، كتاب الأذكار باب [21] في الدعاء، ص137، ح506. (1/21)
صفحة 22
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (1) .
قال أبو ذرٍّ: قلت: يا رسول الله، أخبرني بأحبِّ الكلام إلى الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أحبُّ الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده» (2) .
__________
(1) - ... رواه البخاري، في الدعوات 5927، بلفظ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ».
... ورواه البخاري، في الأيمان والنذور 6188؛ مسلم، الذكر والدعاء 4860؛ والترمذي، في الدعوات 3389؛ وابن ماجة، في الأدب 3796؛ وأحمد، في باقي مسند المكثرين 6860.
(2) - ... رواه مسلم، في الذكر والدعاء 4911 بلفظ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجِسْرِيِّ مِنْ عَنَزَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى؟ اللَّهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ».
... ورواه مسلم، في الآداب 3985؛ وأحمد، في مسند البصريين 19248، 19373، 20459.
... وقال محقِّق جامع الشمل: «أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في المنصف، وابن حبَّان في صحيحه، والطبراني في الكبير، وابن شاهين في الترغيب في الذكر، كلّهم عن سمرة بن جندب، وفي بعض رواياته زيادة: «... لا تسمين غلامك يسارا، ولا رباحا، ولا نجيحا، ولا أفلح، فإنَّك تقول: أثم هو؟ فلا يكون، فيقول: لا». (1/22)
صفحة 23
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من قال: سبحان الله وبحمده كتب الله له مائتي ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة. ومن قال لا إله إِلاَّ الله كان له بها عهد عند الله يوم القيامة. فقال له رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟ قال: إنَّ الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله، فتقوم نعمة من نعم الله عزَّ وجلَّ فتكاد تستنفذ ذلك إِلاَّ أن يتطاول الله برحمته». (1/23)
صفحة 24
قال - صلى الله عليه وسلم - : «من قال: لا إله إِلاَّ الله دخل الجنَّة - أو وجبت له الجنَّة - ومن قال: سبحان الله وبحمده مائة مرَّة، كتب الله له مائة حسنة وعشرين ألف حسنة. قالوا: يا رسول الله، إذن لا يهلك منَّا أحد! قال: بلى إنَّ أحدكم ليجيء بالحسنات لو وضعت على جبل لأثقلها، ثمَّ تجيء النعم فتذهب بتلك، ثمَّ يتطاول الربُّ بعد ذلك برحمته» (1) .
__________
(1) - ... لم نجد هذا الحديث ولا الذي قبله باللفظ، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل من قال لا إله إِلاَّ الله، ومن قال سبحان الله وبحمده، منها ما روى الترمذي، في الدعوات 3390 قال: «حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا مَعْنٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «قَالَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَ لَهُ عِدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
... وانظر: البخاري، الدعوات 5926؛ مسلم، الذكر والدعاء، 4857؛ والترمذي، 3388؛ وابن ماجة، الأدب 3806؛ وأحمد، باقي مسند المكثرين 7667، 10266؛ ومالك، النداء 438...
... وقد أحصيت في الكتب التسعة أكثر من ستين حديثا جاء فيها لفظ: «...من قال لا إله إِلاَّ الله...». (1/24)
صفحة 25
قال - صلى الله عليه وسلم - : «من قال: سبحان الله وبحمده، غرست له نخلة في الجنَّة، وهي أحبُّ إلى الله من جبل ذهب ينفقه الرجل في سبيل الله. ومن قالها حطَّ الله ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر».
وكان نوح يقول لابنه: «يا بنيَّ، أوصيك بسبحان الله وبحمده، فإنَّها صلاة الخلق، وبها يرزق الخلق، وإن من شيء إِلاَّ يسبِّح بحمده».
قال - صلى الله عليه وسلم - : «من قال: سبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم وبحمده، أستغفرُ الله وأتوب إليه، كتب له كما قالها، ثمَّ علِّقت بالعرش لا يمحوها ذنب عمل صاحبها، حتَّى يلقى الله يوم القيامة وهي مختومة كما قالها».
قال - صلى الله عليه وسلم - : «لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إِلاَّ الله والله أكبر، أحبُّ إليَّ مِمَّا طلعت عليه الشمس» (1) .
__________
(1) - ... رواه مسلم، في الذكر والدعاء 4861 بلفظ : «حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لَأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ».
... ورواه الترمذي، في الدعوات 3521 بفلظ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لَأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (1/25)
صفحة 26
قال أبو هريرة: مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أغرس غراسًا، فقال: «يا أبا هريرة، ما الذي تغرس؟» قلت: «غراسًا»، قال: «ألا أدلُّك على خير من هذا؟ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله الله، والله أكبر، يغرس لك بكلِّ واحدة شجرة في الجنَّة» (1) .
__________
(1) - ... رواه الدارمي، في الأدب 3797 بلفظ: «حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِهِ وَهُوَ يَغْرِسُ غَرْسًا، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا الَّذِي تَغْرِسُ؟ قُلْتُ: غِرَاسًا لِي، قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى غِرَاسٍ خَيْرٍ لَكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ يُغْرَسْ لَكَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ». (1/26)
صفحة 27
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لقيت إبراهيم - عليه السلام - ليلة أُسري بي فقال: يا محمَّد أقرئ أمَّتك منِّي السلام، وأخبرهم أنَّ الجنَّة طيِّبة التربة عذبة الماء، وأنَّها قيعان، وأنَّ غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إِلاَّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم؛ أكثروا من غراسها» (1) . اهـ.
قال المصنِّف: «والصلاة والسلام على سيِّدنا محمَّد النبيء وعلى آله وصحبه أجمعين».
أقول: إنَّ جملة الصلاة إلى آخرها يحتمل أن تكون خبريَّة لفظًا، إنشائيَّة معنى، ويحتمل أن تكون خبريَّة لفظًا ومعنى. ومعنى الصلاة هنا: نعمة مقرونة بالتعظيم؛ وقيل: مطلق الرحمة، والأوَّل أنسب بالمقام. والصلاة إذا نسبت إليه تعالى فمعناها الرحمة، وإلى الملائكة فاستغفار، وإلى غيرهم فدعاء.
__________
(1) - ... رواه الترمذي، في الدعوات 3384، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَقَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ». وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (1/27)
صفحة 28
قال الإمام الكدمي (1) - رضي الله عنه - في المعتبر: «إنَّ الصلاة من الله رحمة، ومن الخلق كلِّهم دعاء، إِلاَّ أنَّ الاستغفار من الملائكة دعاء أيضًا» (2) . ومثله صرَّح به الباجوري في حواشي الجوهرة. وقد نظم نور الدين السالميُّ رضوان الله عليه ونفعنا به تعريفهما فقال:
صلاة الله رحمته، ... وأمَّا ... صلاة الخلق معناها ... الدعاء
والسلام من الله: تحيَّة له وهو أن يسمعه تلك التحيَّة على لسان من شاء تجليله من خلقه، كما كان يسمعه كلامه على لسان جبريل - عليه السلام - ، والمراد بالسلام هاهنا تحيَّة عُليا بلغت الدرجة القصوى.
وجمع المصنِّف بالصلاة والسلام فرارًا من الكراهيَّة التي صرَّح بها المتأخِّرون في إفراد أحدهما عن الآخر، حتَّى إنَّ القطب - رضي الله عنه - استظهر التحريم في إفراد أحدهما كما صرَّح به في الجامع الصغير. وقيل: لا كراهيَّة في إفراد أحدهما عن الآخر.
وقال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : «والذي يظهر لي أن لا تحريم ولا كراهيَّة، وعطف التسليم على الصلاة في الآية لا يقتضي وجوب اقترانهما، ولا كراهيَّة إفراد أحدهما عن الآخر، وإنَّما يقتضي ثبوت الأمر بكلا النوعين، فالصلاة مأمور بها والتسليم مأمور به، وعطف الأمر على الأمر لا يستلزم اقتران فعلهما في الامتثال، فالمصلِّي بلا تسليم ممتثل للأمر بالصلاة، والمسلِّم بلا صلاة ممتثل بالأمر بالتسليم، والتراخي بين الامتثالين جائز، فظهر ما قرَّرناه والله أعلم».
__________
(1) - ... هو العلاّمة المحقِّق أبو سعيد محمَّد بن سعيد الكدمي الناعبي (ق4هـ/10م): عالم مجتهد، وإمام مصلح. من مؤلفاته: المعتبر، والاستقامة، وجامع أبي سعيد في الفتوى...
(2) - ... وللتوسُّع في الصلاة على النبيء - صلى الله عليه وسلم - راجع: باب الصلاة على النبيء - صلى الله عليه وسلم - والولاية والبراءة بالطاعة دون القول باللسان، ص119. المعتبر، ج1/ص120-121، (1/28)
صفحة 29
وفي كتاب شيخنا سيف بن ناصر (1) رحمه الله تعالى قال: «فصلاته تعالى على حزبه بأن يرحمهم الله فيتقبَّل منهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيِّئاتهم، وكلُّ ذلك زيادةُ إنعام عليهم، والسلام تحيَّة منه لهم، لأنَّه تحيَّة أهل الجنَّة، قال الله تعالى: {وتحيَّتهم فيها سلام} (2) ، {والملائكة يدخلون عليهم من كلِّ باب سلام عليكم بما صبرتم} (3) . وهو زيادة في تأمينهم، وإشعار بعلوِّ قدرهم.
وقول المصنِّف: «على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين».
فالإضافة في سيِّدنا تشريفيَّة للمضاف إليه، قال الشاعر:
وممَّا زادني شرفا ... وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريَّا
دخولي تحت قولك: ... {يا عبادي} ... وإن صيَّرتَ أحمد لي ... بنيَّا (4)
__________
(1) - ... يقول المؤلِّف في آخر هذا الكتاب: «ولقد أخذت غالب هذا الشرح من...» فعدَّد المصادر التي نقل منها كتابه، ومنها: «“الإرشاد شرح مهمَّات الاعتقاد” لشيخنا العلاَّمة سيف بن ناصر بن سليمان الخروصي، المتوفَّى في ليلة الأحد من شهر رجب عام 1341هـ رحمه الله تعالى». فحيثما ذكر عبارة: من كتاب الشيخ سيف بن نصر، فيعني به الإرشاد.
(2) - ... سورة يونس: 10.
(3) - ... سورة الرعد: 24. وتمامها: {فنعمَ عقبى الدَّار}.
(4) - ... حول معنى العبودية وفضلها في القرآن الكريم انظر: بيوض إبراهيم: في رحاب القرآن: تفسير سورة الكهف، ج2/ص17-19. (1/29)
صفحة 30
والسيِّد مأخوذ من السؤدد (1) ، وهو من فاق قومه بفضيلة، وسيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - جمع الله فيه الفضائل كلَّها، فهو - صلى الله عليه وسلم - سيِّد السادات. قال - صلى الله عليه وسلم - : «أنا سيِّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» (2) .
وقوله: «محمد النبيء وعلى آله وصحبه أجمعين».
فمحمَّد عَلَم له - صلى الله عليه وسلم - ، قيل: مأخوذ من الحمْدِ سمَّاه به جدُّه عبد المطَّلب لسابع يوم من ولادته، فقيل له: لمَ سمَّيته بمحمَّد ولم يكن من أسماء آبائك؟ فقال: رجاء أن يُحمد أمره، فحقَّق الله ذلك من رجائه؛ وقيل: إِنَّمَا سمَّته أمُّه بذلك بأمر مَن حضرنها حين ولادته من نساء الجنَّة، وهذا الاسم هو الذي اشتهر به في الأرض، وفي السماء اشتهر باسم أحمد، قال تعالى: {ومبشِّرًا برسول يأتي من بعديَ اسمه أحمد} (3) . قال تعالى: {محمَّد رسول الله} (4) .
فهو - صلى الله عليه وسلم - أحد الأربعة الذين لهم اسمان، والثاني إدريس ويسمَّى أخنوخ، والثالث يعقوب ويسمَّى إسرائيل، ومعناه صفيُّ الله؛ والرابع عيسى ويسمَّى المسيح عليه وعليهم الصلاة والسلام».
__________
(1) - ... انظر- ابن منظور: لسان العرب، ج3/ص233-236، مادَّة سود
(2) - ... رواه أحمد، باقي مسند المكثرين 10564، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ ».
(3) - ... سورة آل عمران: 144.
(4) - ... سورة الفتح: 29. (1/30)
صفحة 31
ولسيِّدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا أسماء كثيرة، فقيل: إنَّ جملة أسمائه ثمان مائة وأربعة وعشرون اسمًا، ذكر ذلك الشيخ أبو مسلم (1) في المولد؛ وذكر القطب رحمه الله أنَّها ألف اسم وجمعها وشرحها في كتاب سمَّاه: «الغاسول في أسماء الرسول» (2) .
«وهو محمَّد بن عبد الله بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيِّ بن كلاب بن مرَّة بن كعب بن لؤيِّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كِنانة بن خُزيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضر بن نَزار بن مَعد بن عدنان.
__________
(1) - ... هو الشيخ ناصر بن سالم بن عديِّم بن صالح البهلاني الرواحي العماني المكنَّى: أبو مسلم. والمولد النبويُّ الشريف سمَّاها: النشأة المحمَّدية. وانظر فصل المدائح النبوية، في: محمَّد ناصر: أبو مسلم الرواحي حسَّان عمان، ص72-91.
(2) - ... لمعرفة آراء الشيخ اطفيَّش في النبوَّات عموما وفي نبوَّة محمَّد - عليه السلام - ، انظر: وينتن: الآراء العقدية للشيخ اطفيَّش (رسالة ماجستير)، مرقونة، ص153-196، الفصل الخامس: النبوَّة.
... والصواب أنَّ عنوان الكتاب هو: الغسول في أسماء الرسول. وليس الغاسول. (1/31)
صفحة 32
بُعث - صلى الله عليه وسلم - من بني هاشم وأُوحي إليه وهو ولد أربعين سنة، وعاش ثلاثًا وستِّين سنة على المشهور، فمدَّة الوحي ثلاث وعشرون سنة، ثلاث عشرة منها بمكَّة والباقي في المدينة. وشريعته ناسخة لما قبلها من الشرائع، إِلاَّ ما لا يصحُّ نسخه كالتوحيد ومكارم الأخلاق؛ ولا ناسخ لشريعته أبدا؛ وما قيل: إنَّه سينزل (1) سيِّدنا عيسى - عليه السلام - بعده، فهو ولا شكَّ أنَّه سيحكم بشريعة نبيِّنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - .
واختلفوا في وجوب معرفة اسم أبيه - صلى الله عليه وسلم - واسم جدِّه، ومعرفة نسبه أنَّه قرشيٌّ عربيٌّ، والصحيح أنَّه إذا قال: محمَّد رسول الله، يُحكم له بالتوحيد لأنَّه هو الظاهر من دعوته - صلى الله عليه وسلم - للخلق. وأمَّا معرفة أبيه وجدِّه ونسبه فيجب على الإنسان في خاصَّة نفسه.
__________
(1) - ... قوله: «وما قيل: إنَّه سينزل سيِّدنا عيسى - عليه السلام - أقول قد بيَّن الإمام القطب رضي الله عنه تاريخ نزوله أنَّه في عام ألف وثلاثمائة وخمس وستِّين، ذكر ذلك في تفسير القرآن له رحمه الله عند الآية: {وإنَّه لَعلمٌ للساعة فلا تمترُنَّ بها}(سورة الزخرف: 61). طالع الآية المذكورة، والأمر لله. اهـ. الشارح. (1/32)
صفحة 33
والصحيح الذي لا مِريَة فيه أنَّه - صلى الله عليه وسلم - يَنتفِع بالدعاء له والصلاة عليه لقوله تعالى: {وقل ربِّ زدني علمًا} (1) ، ولحديث مسلم أنَّه كان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «اجعل الحياة زيادة لي في كلِّ خير» (2) . فلا عبرة بقول من قال: إنَّه لا ينتفع بذلك لأنَّه قد بلغ حدَّ الكمال، وملاحظة الانتفاع له تأذن بنقصان كماله، ونحن نقول: إنَّ كمال غيره تعالى قابل للزيادة، وطلب الزيادة لذلك الكمال لا يفيد نقصانه، وإنَّما يفيد طلب انضمام كمال إلى كمال، فلم يزل كماله - صلى الله عليه وسلم - يترقَّى إلى غاية لا يعلمها إِلاَّ الله.
قال الباجوري في حاشيته على متن السلم: «والصحيح أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كغيره ينتفع بالصلاة عليه، لكن لا ينبغي لنا التصريح بذلك إِلاَّ في مقام التعليم، كما أشار إلى ذلك بعضهم بقوله:
وصحَّحوا بأنَّه ... يَنتفع ... بذي الصلاة شأنه مرتفع
لكنَّه لا ينبغي ... التصريح ... لنا بذا القول وذا ... صحيح
__________
(1) - ... سورة طه: 114.
(2) - ... رواه الترمذي، الذكر والدعاء 4897، قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ الْقُطَعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ». (1/33)
صفحة 34
فلا يليق بالمصلِّي أن يلاحظ ذلك، كيف وهو - صلى الله عليه وسلم - الواسطة العظمى في إيصال الخير له. وقيل: إنَّه - صلى الله عليه وسلم - لا يَنتفع بها لأنَّها قد فرغت عليه الكمالات كلُّها قبل مفارقته الدنيا، وردَّ بأنَّه ما من كمال إِلاَّ وعند الله أعلى منه، فهو - صلى الله عليه وسلم - يترقَّى في الكمالات كلَّ لحظة، كما يشير بذلك قوله تعالى: {وللآخرة خير لك من الأولى} (1) على ما قاله بعض أهل التحقيق من أنَّ المعنى: «وللحظة المتأخِّرة خير لك من اللحظة المتقدِّمة»، إلى أن قال: «والأحاديث في فضل الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - جمَّة لا تنضبط، وخصائصها لا تنحصر، فمن ذلك قضاء الحاجات، وكشف الكرب المعضلات، ونزول الرحمات».
ومن ذلك أيضًا ما جرِّب من تأثيرها في تنوير القلوب حتَّى قيل: «إنَّها تكفي عن الشيخ في الطريق، وتقوم مقامه» كما حكاه السيِّد أحمد زرُّوق، والشيخ السنوسي في شرح صغرى الصغرى، وأشار له الشيخ أبو العبَّاس أحمد بن موسى اليمني، لكن قال الشيخ الملويُّ المراد أنَّها تكفي عنه، وتقوم مقامه في مجرَّد التنوير، أمَّا الوصول لدرجة الولاية فلا بدَّ فيه من شيخ كما هو معلوم عند أهله، واختصَّت من بين الأذكار بأنَّها تذهب حرارة الطباع بخلاف غيرها فإنَّه يثيرها». اهـ.
قلت: إنَّ الله سبحانه وتعالى قد جعل نبيَّه محمَّدًا e رحمة لنا، هاديًا مهديا، نورًا منيرًا، فالإيمان ونحوه علِمناه بواسطته الشريفة، وجعل اللهُ تعالىشكر المنعِم واجباً على المنعَم عليه، ومع ذلك فقد قال لنبيِّه عليه الصلاة والسلام فيما أنزله عليه: {وقل رَّبِّ زدني علمًا} (2) ، فأيُّ مانع يمنع المصلِّي على رسوله e وهو فيها ملاحظ معنى طلب انتفاعه صلوات الله عليه وسلامه بصلاته، مع أنَّه عليه الصلاة والسلام سأل ربَّه سبحانه وتعالى أن يجعل له بـ«الحياة زيادة في كلِّ خير». رواه مسلم.
غريبة
__________
(1) - ... سورة الضحى: 4.
(2) - ... سورة طه: 114. (1/34)
صفحة 35
فمن أغرب وأبدع (1) ما رأيناه دعوى من ادَّعى في أنَّ علم النبيء عليه الصلاة والسلام محيط بكلِّ شيء إحاطة كإحاطة علم الله! قال الباجوري: «وقد ألَّف العلاَّمة اليوسيُّ مؤلَّفًا في الردِّ على من زعم ذلك وكفَّره، واستدلَّ على ذلك بأدلَّة نقليَّة وعقليَّة».
قال: «ولكن استظهر الشيخ الملويُّ عدم تكفيره، لأنَّ اللازم على مذهبه التي من جملتها حدوث علمه تعالى لأنَّه لأحد المثلين ما وجب للآخر لا يقال بها، لأنَّ لازم المذهب ليس بمذهب إذا كان لازما بعيدًا».
قال: «والتحقيق الذي نعتقده أنَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يفارق الدنيا حتَّى أفاض الله عليه علم الأشياء كلِّها لا علم الله تعالى، فلينتبه».
قال في تفسيره لقول الشيخ الأخضريِّ من بحر المعاني بما نصُّه: «وفي إثبات المصنِّف (2) بـ"مِن" التبعيضيَّة في قوله من بحر المعاني إشارة إلى أنَّه لا يحتوي جميع المعاني إِلاَّ الله تعالى كما ذكره في شرحه».
قلت: والشاهد قوله تعالى: {وقل ربِّ زدني علماً}، {وهو بكلِّ شيء عليم} (3) ، فهذه الصفة هي خاصَّة لله تعالى، ولم ينازعه فيها إِلاَّ المعاند الكفور، اللهمَّ السلامة.
__________
(1) - ... من البدعة: «والبدعة الحدث وهو ما ابتدع من الدين بعد الإكمال». وانظر: ابن منظور: لسان العرب، ج1/ص174.
(2) - ... المصنِّف هنا ليس هو المصنّف في كامل الكتاب أي المنذري صاحب نور التوحيد، فلينتبه.
(3) - ... سورة البقرة: 29. (1/35)
صفحة 36
وقوله: «النبيِّ» بالجرِّ صفة لمحمَّدٍ، وهو بلا همزة، من النبوَّة وهي الرفعة لرِفْعَة قدره - عليه السلام - على سائر المخلوقات. والنبيُّ هو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، وإن أُمر به فهو رسول أيضًا، وعليه فالنبيُّ يدخل فيه هو والرسول، ويختصُّ به وحده إن لم يؤمر بالتبليغ (1) .
وجملة الأنبياء على ما في الروايات: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا أوَّلهم أبو البشر آدم - عليه السلام - ، وآخرهم سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ؛ وقيل: إنَّهم مائتا ألف وأربعة وعشرون ألفًا، والقول الأوَّل هو الأصحُّ. وعدد الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، قال الباجوري: «وقيل: وأربعة عشر، وقيل: وخمسة عشر؛ والأسلم الإمساك عن ذلك لقوله تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - : {مِنهم مَن قصصنا عليكَ ومِنهم من لم نقصص عليك} (2) ».
وسيدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وقع الإجماع على أفضليَّته من العلماء ولم يخالف فيه أحد إِلاَّ الزمخشريَّ فإنَّه خرق الإجماع، وجعل جبريل - عليه السلام - أفضل منه (3) ،
__________
(1) - ... يقول القطب اطفيَّش في شرح نونية المديح: «المشهور أنَّ النبيّ إنسان أنزل عليه شريعة بيان كيفيَّة تعبّده لله تعالى... فإن أمر بتبليغها إلى الغير سمِّي رسولا، هذا هو الصحيح» شرح النونية، (مخطوط) مكتبة القطب (1-ث:3).
(2) - ... سورة غافر: 78.
(3) - ... قال الزمخشري: «{وما صاحبكم} يعني محمَّدا - صلى الله عليه وسلم - ، {بمجنون} كما تبهته الكفرة، وناهيك بهذا دليلا على جلالة مكان جبريل - عليه السلام - وفضله على الملائكة، ومباينة منزلته أفضل الإنس محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، إذا وازنتَ بين الذكرين حين قرن بينهما، وقايست بين قوله: {إنه لقول رسول كريم، ذي قوَّة عند ذي العرش مكين، مطاع ثَمَّ أمين}، وبين قوله: {وما صاحبكم بمجنون}».
... ... ... ... ... انظر: الكشاف، ج4/ص569-570. (1/36)
صفحة 37
ولا تشبُّث بما استدلَّ به في ذلك من قوله تعالى في صفات جبريل: {إنَّه لقولُ رسول كريم} (1) ، حيث أخذ بالترقِّي في صفاته، واقتصر في وصفه - صلى الله عليه وسلم - على نفي الجِنَّة عنه حيث قال: {ومَا صاحبكم بمجنون} (2) ، لأنَّه في مقام الردِّ على المشركين في زعمهم ذلك لا تبيينًا لأوصافه، ولا يقتضي ظاهر الحال إِلاَّ ذلك.
قال سيِّدي نور الدين رحمه الله في المشارق: «واختلف في سبب أفضليَّته عليهم، هل هو لما اختصَّ به من المزايا التي لم توجد في غيره، أو لتفضيل الله له وهو الصحيح، لأنَّ للسيِّد أن يفضِّل من شاء من عبيده، وإن كان في المفضول خصال لا توجد في الفاضل، ولا اعتراض عليه في شيء من ذلك، {لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون} (3) . واختلف العلماء بعد ذلك الإجماع في أنَّه: هل الأفضل الملائكة أو الأنبياء والمؤمنون من بني آدم من غير نبيِّنا؟ قولان، الصحيح الثاني منهما، قاله القطب في مختصر الوضع.
وقوله: «وعلى آله وصحبه أجمعين» آل الرجل عشيرته، وأصله «أهل» بدليل تصغيره على «أُهَيْل»؛ والمراد بهم هنا: المؤمنون من أمَّته - صلى الله عليه وسلم - ؛ قال الشاعر:
آل النبيِّ همُو أتباع ... ملَّته ... من الأعاجم والسودان والعرب
لو لم تكن آله إِلاَّ ... قرابته ... صلَّى المصلِّي على الغاوي ... أبي لهب
__________
(1) - ... سورة الحاقة: 40.
(2) - ... سورة التكوير: 22.
(3) - ... سورة الأنبياء: 23. (1/37)
صفحة 38
قال الخضريُّ: «الأولى تفسيرهم بمطلق الأتباع، أي أمَّة الإجابة عمومًا، لا بأقاربه فقط، لئلاَّ يلزمه إهمال الصحب، ولا بالانقياد لأنَّه مقام دعاء يطلب فيه التعميم، ففيه تورية حيث لم يرد المعنى القريب لآله - صلى الله عليه وسلم - ، وهم أهل بيته وأقاربه بل أراد البعيد، وهو مطلق الأتباع بقرينة مقام الدعاء، فإنَّ للآل في القاموس نحو اثني عشر معنى منها ما ذكر...» إلى أن قال: «والذي اختاره العلاَّمة الصبان في مقام الدعاء بما يناسب المدعو به لا بالأتباع مطلقًا، ففي نحو "اللهمَّ صلِّ وسلِّم على سيِّدنا محمَّد وعلى آله الذين أذهبتَ عنهم الرجس، وطهَّرتهم تطهيراً، يُحمل على أهل بيته" ونحو: "اللهمَّ صلِّ وسلِّم على سيِّدنا محمَّد وآله هداة الأمَّة ومصابيح الظلمة" يحمل على أهل بيته؛ ونحو: "اللهمَّ صلِّ وسلِّم على سيِّدنا محمَّد وآله الذين ملأت قلوبهم بأنوارك، وكشفت لهم حجب أسرارك" يُحمل على الأتقياء؛ ونحو: "اللهم صلِّ وسلِّم على محمَّد وآله" فقط، أو "وسكَّان جنَّتك" يحمل على الأتباع». اهـ.
وبقي ما إذا كانت العبارة محتملة للتعميم والتخصيص كعبارة المصنِّف، ونحو: "اللهمَّ صلِّ وسلِّم على سيِّدنا محمَّد وعلى آله الفائزين بالعمل الصالح". والظاهر أنَّ الأَوْلى حملُها على العموم، والله أعلم.
قلت: فحمل قوله: "وسكَّان جنَّتك"، وقوله: "وعلى آله الفائزين" بالعمل الصالح على العموم، أي على الطائع والعاصي من الموحِّدين يأباه قوله تعالى: {تلك الجنَّة التي نورث من عبادنا من كان تقيًّا} (1) ، لأنَّ العاصي بالله تعالى لم يشمله اسم التقيِّ، كما هو ظاهرٌ جليٌّ. اهـ.
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : «قال الباجوري: واعلم أنّ الآل له معان باعتبار المقامات، وربما جعلت أقوالاً وليس بحسن، ففي مقام الدعاء كما هنا كلٌّ مؤمنٌ ولو عاصيا، لأنَّ المعاصي أشدُّ احتياجًا للدعاء من غيره.
__________
(1) - ... سورة مريم: 63. (1/38)
صفحة 39
أقول: إنَّ دخول العاصي تحت هذه الصفة في هذا المقام لا يقوم على المذهب الحقِّ، فإنَّ الله تعالى أوجب علينا الدعاء عليه لا الدعاء له، وتعليله بأشدِّيَّة احتياجه إلى الدعاء ليس بشيء، لأنَّه في مقابلة النصِّ؛ قال تعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادَّ الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} (1) الآية، ولا ينشأ الدعاء بالخير الأخرويِّ إِلاَّ عن محض مودَّة دينيَّة، وهي المشار إليها في الآية، ولا شكَّ أنَّ العاصي محادٌّ لله ولرسوله، حيث ارتكب ما حجر عليه، ولا يردُّ علينا خصوصيَّة السبب، فإنَّه لا عبرة بخصوصه مع عموم اللفظ».
قال: «وفي مقام المدح كلُّ مؤمن تقيّ آخذًا مِمَّا ورد: آل محمَّد كلُّ تقيٍّ وإن كان ضعيفًا، أقول إنَّ هذا المقام هو الذي ينبغي أن يعمَّم بمقام االدعاء والمدح فيسقط الأوَّل كما لا يخفى». اهـ.
يعجبني أن يكون الحديث صحيحا لمطابقته آية القرآن العظيم: {وتلك الجنَّة التي نورث من عبادنا من كان تقيًّا}. انظر ما حكاه الرازي عن القاضي من تفسيره للآية (2) .
وقوله: «وصحبه» فهو عطف على «آله»، وهو جمع صاحب، كـ«رَكْب» و«راكب». والصاحب هو من اجتمع به - صلى الله عليه وسلم - في حياته مؤمنًا به بعد نبوَّته حال حياته اجتماعًا متعارفًا. وأمَّا قولهم: «ومات على ذلك» فبيان لثمرة الصحبة إذ تحقُّقها لا يتوقَّف على ذلك.
وقوله: «أجمعين» هو تأكيد للصحب.
فائدة في الصلاة على النبيء - صلى الله عليه وسلم - :
__________
(1) - ... سورة المجادلة: 22.
(2) - ... الرازي: التفسير الكبير؛ ج21/ص236-237. (1/39)
صفحة 40
ولنذكر أوَّلاً حُكمها، وذلك قد قيل: إنَّها تجب في الجملة من غير حصر، وأقلُّ ما يحصل به الإجزاء مرَّة؛ وقيل: يجب الإكثار بها من غير تقييد بعدد، وقيل: يجب كلَّ ما ذكر لحديث جبريل: «مَن ذكرتَ عنده يا محمَّد فلم يصلِّ عليك أبعده الله» (1) .
__________
(1) - ... ذكر القطب اطفيَّش في جامع الشمل (ج1/ص91/ح228) حديثا عزاه إلى ابن السني، برواية جابر، قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليّ فقد شقي»، وقال محقِّق الجامع: «أورده السيوطي في الصغير، وعزاه لابن السني ورمز إليه بعلامة الحسن، وقال المناوي: جزم النووي في الأذكار بضعف سنده- وانظر: الجامع الصغير 8678، وفيض القدير 6/129» اهـ. (1/40)
صفحة 41
وحديث: «رغم أنف من ذكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ» (1) . وحديث: «شقيَ عبدٌ ذكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ» (2) .
__________
(1) - ... رواه الترمذي، الدعوات 3468، قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ حَدَّثَنَا رِبْعِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ»، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَظُنُّهُ قَالَ أَوْ أَحَدُهُمَا وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسٍ، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَرِبْعِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ أَخُو إِسْمَعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ثِقَةٌ وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَيُرْوَى عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً فِي الْمَجْلِسِ أَجْزَأَ عَنْهُ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.
... ورواه أحمد، باقي مسند المكثرين 7139، بلفظه.
(2) - ... في معناه روى الترمذي حديثا في الدعوات 3469، ورواه أحمد بلفظه في مسند أهل البيت 1645، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو سَعِيدٍ قَالَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - : «قَالَ الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ - صلى الله عليه وسلم - ».
... ولم نجده بلفظ: «شقي عبد» في برنامج العالمية المفهرِس للكتب التسعة. (1/41)
صفحة 42
وقيل: تجب في كلِّ مجلس مرَّة، ولو تكرَّر ذكره مرارًا في كلِّ دعاء. وقيل: مستحبَّة والأمر فيها للندب. وقيل: تجب في العمر مرَّة في الصلاة وغيرها ككلمة التوحيد. وقال أبو جعفر الباقر: «تجب في الصلاة من غير تعيين المحلِّ»، وقال الشعبيُّ: «تجب في التشهُّد». وقال الشافعيُّ: «بين قول التشهُّد وسلام التحلُّل»، ونسب ذلك لابن مسعود وجابر بن عبد الله وعمر بن الخطَّاب وابنه عبد الله؛ ونسبه بعض للشعبيِّ وأبي جعفر الباقر ومقاتل؛ والمشهور عند أحمد البطلان للصلاة بدونها عمدًا أو سهوًا؛ وقيل: «هي ندب فيها». وذكر هذه الأقوال كلَّها القطب في هميانه ولم يتعقَّبها بشيء، وكأنَّه يرى الأقوال كلَّها سائغة في الرأي، لأنَّ المقام مقام اجتهاد، ولا دليل على القطع بواحد منها، وظاهر قوله تعالى: {يآ أيُّها الذين آمنوا صَلُّوا عليه وسلِّموا تسليمًا} (1) يدلُّ على وجوب الصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - في الجملة من غير تعيين لوقت دون وقت، ولا لموضع دون آخر، فالصلاة والسلام في الجملة واجبان، والتوقُّف عمَّا فوق ذلك أولى وأحقُّ، إِلاَّ من رجَّح معه بشيء من الأدلَّة، وقويت معه الأمارات الدالَّة على وجوبها في وقت مخصوص أو مكان معيَّن، فإنَّه يجب عليه الأخذُ بذلك الدليل الراجح عنده والله أعلم.
قال القطب رحمه الله: «ويستحبُّ الصلاة على النبيء - صلى الله عليه وسلم - عند العطاس فيما قال بعض».
وفي هذا المقام أمران:
أحدهما: في صفة الصلاة عليه صلوات الله وسلامه عليه:
__________
(1) - ... سورة الأحزاب: 56. (1/42)
صفحة 43
قال القطب: «من قال: اللهمَّ ارحم محمَّدًا فقد صلَّى عليه، ومن قال: آت محمَّدًا الوسيلة فقد صلَّى عليه؛ وإذا قلت: اللهمَّ صلِّ عليه فقد دعوت الله أن يرحمه، ودعاؤك بذلك صلاة». وقال في صفة السلام عليه - صلى الله عليه وسلم - : «هو أن تقول: السلام عليك يا رسول الله، أو يا أيُّها النبيء، والسلام على رسوله، أو نحو ذلك». قال: «وأمَّا قولك: اللهمَّ سلَّم عليه، فهو صلاة لأنَّه دعاء له بالخير، لكن لا يجزي عن الصلاة؛ وقيل: هو ونحوه سلام ولو أفاد دعاءً». قال: «وأمَّا الصلوات الواردة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فإخبار عن نوع فائق من أنواع الصلوات لا حصرٌ» فمن حلف أن يصلِّي عليه أفضل الصلاة، قال: ذلك برَّ، وقيل: يبرُّ إن زاد: «كلَّما ذكره الذاكرون، وغفل عنه الغافلون»، أو «سهى» بدل «غفَل»؛ وقيل: يبرُّ إن قال: «اللهمَّ صلِّ على محمَّد كما هو أهله ويستحقُّه»؛ وقيل: يبرُّ إن أخذ من كلِّ رواية صحيحة ذكرًا فيجمعهنَّ،.
وجعل الكمال بن الهمام الحنفيُّ كلَّ ما صحَّ من الكيفيات الواردة في الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - موجودًا في كيفيَّة واحدة وهي: «اللهمَّ صلِّ أبدًا أفضل صلوات الله على سيِّدنا محمَّد عبدك ونبيئك ورسولك محمَّد وآله وسلِّم تسليمًا، وزده شرفًا وتكريمًا، وأنزله المنزل المقرَّب عندك يوم القيامة، اهـ. ذكره ابن حجر الهيثميُّ في الفتاوي الحديثيَّة».
الأمر الثاني: في فضل الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - :
روي أنَّه قيل: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: {إنَّ الله وملائكته يصلُّون على النبيِّ} (1) ، فقال - عليه السلام - : «هذا من العلم المكنون، ولولا أنتم سألتموني عنه ما أخبرتكم، إنَّ الله وكل لي ملكين فلا أذكر عند عبد مؤمن فيصلِّي عليَّ، إِلاَّ قال ذلك الملكان: غفرَ الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين: آمين».
__________
(1) - ... سورة الأحزاب: 56. (1/43)
صفحة 44
وعن أنس بن مالك عن أبي طلحة عنه - صلى الله عليه وسلم - : «من صلَّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه عشرُا» (1) .
وعن عبد الله بن مسعود: «إنَّ ملكًا موكل بالعبد، فإذا قال العبد: صلَّى الله على محمَّد، قال الملك وأنت فصلَّى الله عليك».
__________
(1) - ... رواه غير واحد من أصحاب السنن بطرق وألفاظ مختلفة، ولفظ الترمذي، المناقب 3547: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِيُّ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ أَخْبَرَنَا كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ وَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ مُحَمَّدٌ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ هَذَا قُرَشِيٌّ مِصْرِيٌّ مَدَنِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ شَامِيٌّ.
... وانظر: النسائي، الأذان 671؛ أبو داود، الصلاة 439؛ أحمد، مسند المكيين 15126؛ الدارمي، الرقاق 2653... وغيرها.
... وروي كذلك بلفظ: «من صلَّى عليَّ واحدة...» عوض «...صلاة...». وانظر جامع الشمل؛ ج2/ص236/ح2967. (1/44)
صفحة 45
وعن ابن مسعود أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أولى الناس بي يوم القيامة أكثركم عليَّ صلاة» (1) .
وعن أنس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من صلَّى عليَّ مرَّة صلَّى الله عليه عشرًا، وحطَّ عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات».
وروي: «إنَّ من صلَّى عليَّ واحدة صلَّى الله عليه عشرًا، ومن صلَّى عليَّ عشراً صلَّى الله عليه مائة، ومن صلَّى مائة صلَّى الله عليه ألفًا».
قال في الخزينة: «أخرج الإمام أحمد والحاكم والبيهقيُّ عن عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - أنَّه قال: يا رسول الله: أفلا أجعل ثلث دعائي في الصلاة عليك؟ قال: «فإن زدت فهو أفضل»، قال أجعل الثلثين، قال: «فإن زدت فهو أفضل»، قال: بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله، أجعل دعائي كلَّه الصلاة عليك، قال: «إذن يكفيك الله أمرك في دنياك وآخرتك». كذا في بحر الأنوار.
__________
(1) - ... رواه الترمذي، الصلاة 446 بلفظ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ ابْنُ عَثْمَةَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَيْسَانَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «قَالَ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرُوِي عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا وَكَتَبَ لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ». (1/45)
صفحة 46
وأخرج ابن الملقن عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «من صلَّى عليَّ صلَّت عليه الملائكة، ومن صلَّت عليه الملائكة صلَّى الله عليه، ومن صلَّى الله عليه لم يبق شيء في السماوات السبع والأرضين السبع والأشجار والنبات والطيور والسباع والأنعام إِلاَّ صلَّى عليه» (1) . كذا في الحقائق.
وأخرج ابن مندة عن جابر - رضي الله عنه - أنَّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من صلَّى عليَّ كلَّ يوم مائة مرَّة ــ وفي رواية: من صلَّى عليَّ في اليوم مائة مرَّة ــ قضى الله له مائة حاجة، سبعين منها في الآخرة، وثلاثين في الدنيا». اهـ.
فائدة جليلة في خواصِّ الصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي أسرارها من تفريج الكروب وأشباه ذلك
قال في الخزينة: «وروي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «من أكثر الصلاة عليَّ أغناه الله غناء لا فقر بعده».
وروي عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «من صلَّى عليَّ كلَّ خمسمائة مرَّة، لم يفتقر أبداً».
وروي عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «أكثروا من الصلاة عليَّ فإنَّها تحلُّ العقد، وتفرِّج الكرب». كذا في النزهة.
__________
(1) - ... روى ابن ماجة، إقامة الصلاة والسنَّة 897: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بِشْرٍ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا صَلَّى عَلَيَّ، فَلْيُقِلَّ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ».. (1/46)
صفحة 47
وعن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «من عسرت عليه حاجة ــ وفي رواية حاجته ــ فليكثر بالصلاة»، وفي رواية: «فأكثر بالصلاة عليَّ فإنَّها تكشف الهموم والغموم، وتكثر الأرزاق، وتقضي الحوائج».
وقال الإمام السيوطيُّ: «إنَّ هذه الأحاديث صحيحة، وإنَّ كثرت الصلاة على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تكثر الأرزاق والبركات، وتقضى الحوائج، وتكشف الهموم والغموم والكروب كلّها، بالمشاهدة والتجربة بين السلف والخلف، وإنَّ التوسُّل بالصلاة والسلام على سيِّد الأنام في الأمور كلِّها واقع بين الإنس والجنِّ والملائكة، كما دلَّت عليه الآيات والأحاديث المذكورة. وكما ورد في الحديث بإسناده عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «رأيت ليلة المعراج ملكًا ساقطا على وجهه منزوع الأجنحة متغيِّر الصورة، فقلت: يا جبريل، من هذا الملك وما شأنه؟ قال جبريل: هذا الملك كان من المقرَّبين بعثه الله إلى هلاك قوم فاستبطأ شفقة عليهم، فغضب الله عليه من أربعة آلاف سنة كما ترى، قلت: ما له من توبة؟ فأوحى الله تعالى إليَّ أنَّ توبته أن يصلِّي عليك عشر مرَّات، فصلَّى الملك عليه عشر مرَّات، فعاد الملك إلى مقامه الأوَّل وله سبعون ألف وجه، في كلِّ وجه سبعون ألف فم، في كلِّ فم سبعون ألف لسان، وفي كلِّ لسان يسبِّح الله تعالى بسبعين ألف تسبيح، فخلق الله تعالى من كلِّ تسبيحة ملكًا يستغفر الله لمن يصلِّي عليَّ». كذا في بحر الأنوار. (1/47)
صفحة 48
وروي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «جاءني جبريل بنظرة (1) وبشاشة، فقلت: يا جبريل، ما رأيتك مثل ما رأيت الآن، فقال: يا رسول الله، ألا أخبرك عجائب؟ فقلت: نعم، قال: لمَّا بلغت إلى جبل قاف سمعت أنينًا وبكاء وتضرُّعًا في ورائه، فذهبت إليه، ورأيت ملكًا إذ هو ملك مقرَّب كسر جناحاه، فوجهه مطين بدموع عينيه، وجرى مجراه الدم، فعرفني وعرفته فإنَّه ملك مقرَّب في السماء على سريره، وحوله سبعون ألف ملك صفا يخدمون ذلك الملك، وكان كلّ نفس يتنفَّسه يخلق الله تعالى ملكًا، فقلت: ما جرمك؟ قال: لمَّا جاء - عليه السلام - ليلة المعراج فاستقبل وقام له أهل السماء إكرامًا فأنا مشغول بما وكِّلت به، فإكرامي إليه لم يكن تمامًا ــ وفي رواية: وأنا على سريري ــ فمرَّ بي محمَّد - صلى الله عليه وسلم - فما قمت، فعاقبني الله تعالى بهذه العقوبة وجعلني في هذا المكان كما ترى، فتضرَّعت إلى الله تعالى وشفَّعته ــ وفي رواية: فأردت أن أشفِّعه، فقال ربُّ العالمين: لا أقبل شفاعتك حتَّى تصلِّي على حبيبي محمَّد - صلى الله عليه وسلم - عشر مرَّات، فصلَّى الملك عليه عشر مرَّات، فعفى الله عنه وأنبت جناحه ببركة الصلاة عليك وأعطاه المنزل الأوَّل»
«وكذلك إذا ابتلي المؤمن بالمصائب والأمراض والغموم والكروب، أو بطلب المناصب والجاه، أو ابتلي بالفقر والذلَّة وغيرها، أو بعزل عن منصب وهو يريد أن يناله، أو بنزول الآفات السماويَّة وظهر البلايا الأرضيَّة، وهو يريد رفعها ودفعها فليكثر الصلاة والسلام على سيِّد الأنام في الليالي والأيَّام، فإنَّه ببركته ينال مرامه والمقام». كذا ذكره الإمام الدينوري في المجالسة ومذكور في حياة القلوب والمرآة وردت (2) الواعظين.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بنضرة».
(2) - ... كذا في الأصل. (1/48)
صفحة 49
واعلم أنَّ الصلاة متنوِّعة إلى أربعة آلاف، وفي رواية إلى اثني عشر ألفًا، كلّ منها مختار جماعة أهل الشرق والغرب بحسب ما وجدوه رابطة المناسبة بينهم وبينه عليه الصلاة والسلام، فهموا فيه الخواصَّ والمنافع ووجدوا فيه أسرارًا بعضها مشهور بالتجربة والمشاهدة في تفريج الكروب، وتحصيل المرغوب كالصلاة المنجية وهي هذه: «اللهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّد صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتطهِّرنا بها من جميع السيِّئات، وترفعنا بها أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة وبعد الممات». اهـ.
والأفضل أن يقول: «اللهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّد وعلى آل سيِّدنا محمَّد صلاة تنجينا...» إلى آخرها لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا صلَّيتم عليَّ فعمُّوا»، فتأثيرها مع ذكر الآل أتمُّ وأعمُّ، كذا أوصاني وأجازني بعض المشايخ، وأيضا ذكره الشيخ الأكبر بذكر الآل، وقال: «إنَّه كنز من كنوز العرش، فإنَّ من دعى به ألف مرَّة في جوف الليل لأيِّ حاجة كانت، من الحاجات الدنيويَّة والأخرويَّة، قضى الله تعالى حاجته فإنَّه أسرع للإجابة من البرق الخاطف، وإكسير عظيم، وترياق جسيم، فلا بدَّ من إخفائه وستره عن غير أهله». كذا في سرِّ الأنوار. وكذا ذكره الشيخ البرنيُّ والإمام الجزولي في خواصِّ الصلاة المنجية وبيَّنوا أسرارها فنتركها كي لا تقع في أيدي الجاهلين، وتكفيك هذه الإشارة. (1/49)
صفحة 50
ومن الصلوات (1)
__________
(1) - ... وردت أحاديث كثيرة في ضل الصلاة على النبيء محمَّد - صلى الله عليه وسلم - منها ما ورد في فضل الصلاة عليه حين سماع الأذان مثل الحديث الوارد في صحيح مسلم، كتاب الصلاة (رقم 577)، قال: « حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ وَغَيْرِهِمَا عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».
... ومنها ما ورد في توقّف استجابة الدعاء على الصلاة على النبيء، فقد روى الترمذي حديثا في كتاب الصلاة (رقم 448) جاء فيه: «حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْمٍ الْمَصَاحِفِيُّ الْبَلْخِيُّ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ عَنْ أَبِي قُرَّةَ الْأَسَدِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ« إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
... ومجمل القول أنَّ ما جاء من الأحاديث في فضل الصلاة على النبيء - صلى الله عليه وسلم - مستفيض، والحقُّ أنَّه يغني عمَّا ذكره بعض المتصوِّفة أو الزهاد. أمَّا في صفة الصلاة على النبيء - صلى الله عليه وسلم - فليس أحسن مِمَّا ورد في الآيات والأحاديث المتواترة، وليس بعد كلام الله وكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من معقِّب، ومن الأحاديث نذكر:
... في صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، رقم 3118، قال: « حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
... وفي موطأ الإمام مالك حديث في كتاب النداء للصلاة، رقم357، جاء فيه: «حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ قُولُوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»
... وتواترت الأحاديث في هذه الصيغة والكيفية، ولذلك فهي أحسن من أيِّ صلاة مهما سمِّيت نارية، أو تفريجية، أو قرطبية...فتأليف الله خير من تأليف البشر، وتأليف الرسول خير من تأليف غيره. (1/50)
صفحة 51
المجرَّبات: الصلاة التفريجيَّة القرطبيَّة، ويقال لها عند المغاربة: الصلاة النارية، لأنَّهم إذا أرادوا تحصيل المطلوب، أو دفع المرهوب يجتمعون في مجلس واحد، ويقرأون هذه الصلاة النارية بهذا العدد: أربعة آلاف وأربعمائة وأربعون مرَّة، فينال مطلوبه سريعًا، ويقال بها عند أهل الأسرار: مفتاح الكنز المحيط لنيل مراد العبيد وهي هذه: «اللهمَّ صلِّ صلاة كاملة وسلِّم سلامًا تامًّا على سيِّدنا محمَّد تنحلُّ به العقد، وتنفرج به الكُرَب، وتقضى به الحوائج، وتنال به الرغائب وحسن الخواتم، ويستسقى الغمام بوجهه الكريم، وعلى آله وصحبه في كلِّ لمحة ونفَس بعدد كلِّ معلوم لك». اهـ.
قال القرطبيُّ: «من داوم على هذه الصلاة كلَّ يوم إحدى وأربعين مرَّة أو مائة أو زيادة، فرَّج الله همَّه وغمَّه، وكشف كربه وضرَّه، ويسَّر أمره، ونوَّر سرَّه، وحسَّن حاله، ووسَّع رزقه، وفتح عليه أبواب الخيرات والحسنات بالزيادة، ونفَّذ كلمته في الراسيات، وآمنه من حوادث الدهر، وشرِّ نكبات الجوع والفقر، وألقى له محبَّته في القلوب، ولا يسأل الله شيئًا إِلاَّ أعطاه، فلا تحصل هذه الفوائد إِلاَّ بشروط المداومة عليها». كذا في سرِّ الأسرار.
واعلم أنَّ في هذه الصلاة التوسُّل بذاته المحمَّديَّة إلى الله تعالى كما في قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا اتَّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} (1) الآية بإرجاع الضمائر في سبعة مواضع فيها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبذكر اسم محمَّد بلغ ثمان مرَّات، وأمَّا سائر الصلوات فليست كذلك، وإنَّ هذه الصلوات كنز من كنوز الله، وذكرها مفتاح خزائن الله، يفتح لمن داوم عليها من عباد الله، ويوصله بها إلى ما شاء الله». اهـ من الخزينة منقولاً.
قال المصنِّف: «وبعد، فقد سألني بعض طلبة العلم أن أؤلِّف مختصرًا يكون لهم دليلا لمعرفة التوحيد، ومبيِّنًا لمعتقدنا أهل الاستقامة في الدين».
__________
(1) - ... سورة المائدة: 35. (1/51)
صفحة 52
أقول: الواو التي في: «وبعدُ» عوض عن أمَّا، التي هي عوض عن مهما؛ والأصل: مهما يكن من شيء بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله فهو كذا. وهنا إخباره في قوله: «فقد سألني» فالفاء هي رابطة لجواب الشرط المحذوف؛ قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : «وبعدُ كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب الكلام إلى أسلوب آخر، ليحصل بذلك التخلُّص من الاقتضاب، الذي هو الانتقال من أسلوب إلى أسلوب بلا مناسبة بينهما، وأصلها: أمَّا بعد، بدليل لزوم الفاء في خبرها لتضمُّن. أمَّا معنى الشرط، وإنَّما لزمت الفاء بعدها ولم تلزم في بقيَّة أدوات الشرط لأنَّها لمَّا وضعت بالنيابة تقوَّت بذلك، والأصل: مهما يكن من شيء، فمهما مبتدأ، والاسميَّة لازمة له، ويكن شرط، والفاء لازمة له وهي تامَّة، وفاعلها شيء يجعل من زائدة في الإثبات على قوله، أو ضمير مستتر عائد على مهما، والمجرور بيان للجنس؛ واعترض الأوَّل بخلوِّ الخبر عن الربط، وأجيب بأنَّه مقدَّر، أي شيء معه؛ واعترض الثاني بأن يكون البيان أخصَّ من المبيَّن وهو هنا مساو له، وأجيب بأنَّ محلَّ وجوب الخصوص في البيان إذا لم يرد به التعميم وإلاَّ جاز فيه المساواة كما هنا، ثمَّ إنَّ الواو في «وبعدُ» محتمل أن تكون نائبة عن أمَّا، وبها ألغز بعضهم في قوله:
وما واو لها شرط ... يليه ... جواب قرنه بالفاء حتما
هي الواو التي قرنت ... ببعدُ ... وأمَّا أصلها والأصل ... مهما (1/52)
صفحة 53
ويحتمل أن تكون عاطفة لقصَّة على قصَّة، والعامل في الظرف محذوف، أي وأقول: والفاء زائدة على هذا، ويستحبُّ الإتيان بأمَّا في الخطب والمكاتبات، اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي بها في خطبه ومراسلاته، قيل: وهي فصل الخطاب (1) الذي أوتيه داود، وقال المحقِّقون: «فصل الخطاب الذي أوتيه هو الفصل بين الحقِّ والباطل»، وقد اختلفوا في أوَّل من نطق بها على أقوال ذكرها بعضهم في قوله:
جرى الخلف أمَّا بعد من كان ... بادئًا ... بها خمس أقوال، وداود أقرب
وكانت له فصل الخطاب ... وبعده ... فقسٌّ فحسبان فكعب ... ويعرب
ولمَّا كانت «وبعد» في معنى: «وأمَّا بعد» جعلها كثير من العلماء نائبة عنها، وقائمة مقامها حتَّى إنَّ بعضهم أعطاها حكم «أمَّا بعد» في سنية النطق بها، أعطاه للفرع حكم الأصل، والله أعلم». اهـ.
قول المصنِّف: «فقد سألني بعض طلبة العلم...» إلخ، فالفاء في «فَقَدْ» هي رابطة جواب الشرط المحذوف، والمعنى: فقد طلب منِّي بعض الإخوان، وهم بعض طلبة العلم من الأصحاب، «أن أؤلِّف لهم» أي طلب منِّي ذلك البعض تأليفًا له ولغيره من الإخوان في الدين القويم كتابًا مختصرًا يكون شاملا لمعانٍ كثيرة، بعبارة وجيزة، يكون لهم ذلك المختصر دليلا مرشدًا لمعرفة الفنِّ المسمَّى بعلم التوحيد.
__________
(1) - ... ذكر القطب اطفيَّش في الجامع الصغير أنَّ أوَّل من نطق بها داود قال: «وهي فصل الخطاب الذي أوتيه، وقيل: فسّ بن ساعدة، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: سحبان بن وائل، وقيل: يعرب بن قحطان» غير أنَّه لم يرجِّح. ج1/ص142 (1/53)
صفحة 54
وهو معرفة الله ورسوله، وهو الجملة وتفسيرها الاعتقاديُّ والعمليُّ؛ وهذا الفنُّ هو أجلُّ الفنون وأشرفها لشرف الموضوع به، وهو معرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله، ومعرفة تفسير ذلك، إذ لا دين لمن لم يعرف ربَّه، وناهيك أنَّ هذا الفنَّ اسمه: «فنُّ التوحيد لمعرفة علم التوحيد» أي الفنُّ المعروف، والمعنى المصدريُّ، وهذا أولى، لأنَّ المقصود معرفة تفريد الله تعالى وتنزيهه عمَّا لا يليق به، بل المقصود هنا معرفة الجملة وتفسيرها الاعتقاديِّ والعمليِّ.
وهذا الفنُّ هو أجلُّ الفنون قدرًا، وأسناها ذخرًا؛ ولا عبادة أشرف من التوحيد، ويليه الصلاة، كما في حديث أبي سعيد: «إنَّ الله تعالى لم يفرض شيئًا أفضل من التوحيد والصلاة». ولو كان شيء أفضل منه لافترضه على ملائكته، منهم راكع ومنهم ساجد. وما أحسن قول الشاعر:
أيُّها المقتفي لتطلب ... علمًا ... كلُّ علمٍ عبدٌ لعلم الكلام
تطلب الفقه كي تصحِّح ... حكمًا ... ثمَّ أغفلت منزِّل ... الأحكام (1/54)
صفحة 55
قال الباجوري (1) في حاشية الجوهرة: «والتوحيد لغةً: العلم بأنَّ الشيء واحد، وشرعًا: بمعنى الفنِّ المدوَّن كما سيأتي، وهو علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينيَّة مكتسبة من أدلَّتها اليقينيَّة، والمراد به هنا الشرعيَّ - لا بمعنى الفنِّ المدوَّن فيما سيأتي - وهو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتًا وصفاتٍ وأفعالا، فليس هناك ذات تشبه ذاته تعالى، ولا تقبل ذاته الانقسام، لا عقلا ولا وهمًا، ولا فرضًا مطابقًا للواقع. ولا تشبه صفاته الصفات، ولا تعدُّد فيها من جنس واحد بأن يكون له تعالى قدرتان، ولا يدخل أفعاله الاشتراك، إذ لا فعل لغيره سبحانه خلفا، وإن نسب إلى غيره كسباً، وقيل: هو إثبات ذات غير مشبَّه للذوات، ولا معطّلة عن الصفات، خلافا للمعتزلة المعطِّلين للذات عن الصفات الوجودية». اهـ
__________
(1) - ... هو إبراهيم بن محمَّد بن أحمد الباجوري (1198-1277هـ/1784-1860م): من فقهاء الشافعية، تولىَّ مشيخة الأزهر، وله حواش كثيرة منها: حاشية على مختصر السنوسي، وحاشية على أمِّ البراهين والعقائد للسنوسي. وانظر: الزركلي: الأعلام، ج2/ص66. (1/55)
صفحة 56
قلت: يعني بقوله: «خلافا للمعتزلة...» إلخ، أي المعتزلة كأصحابنا يعتقدون في صفات الله تعالى الذاتية أنَّها عين ذاته تعالى، أي أنَّ مدلول صفات الله الذاتية هي نفس ذاته تعالى، فليست بمعانٍ لها حقيقة في الخارج قائمة بذات الله تعالى، بل إنَّ المراد بها نفي أضدادها، فالله عزَّ وجلَّ عليم بذاته، لا بعلم هو غيره، أي ذاته عزَّ وجلَّ منكشفة لها المعلومات انكشافاً تامًّا، غير محتاجة في ذلك الانكشاف إلى واسطة بينها وبين المعلوم، كما زعم الغير، وأنَّه تعالى سميع بذاته لا بسمع مركَّب فيه أو زائد عليه، أي ذاته تعالى منكشفة لها المسموعات انكشافا تامًّا، غير محتاجة في ذلك الانكشاف إلى واسطة بينها وبين والمسموعات، كما زعم الغير، وهكذا في جميع صفات الله سبحانه وتعالى الذاتية.
ولمَّا كان اعتقاد القوم في الصفات الذاتية أنَّها معانٍ حقيقية، زائدة عن الذات العلية، قائمة بها قياساً للغائب على الشاهد، جعلوا مَن قال بخلاف قولهم هذا، كالمعتزلة، والأصحاب رحمهم الله تعالى، أنَّهم معطِّلون صفات الله تعالى الذاتية، فقالوا: إنَّه يلزم على هذا التقدير -أي تقدير الأصحاب والمعتزلة، أنَّها ليست بزائدة على الذات- نفي الصفات الذاتية.
قلنا: لا يلزمنا ذلك لأنَّا إِنَّمَا ننفي الزيادة على الذات، لا نفس الصفات.
قالوا: الزائد الذي نفيتموه هو نفس الصفات، إذ لا يصحُّ أن تكون الصفات عين الذات، فلو كان ذلك كذلك لمَا كان لاتصاف الذات بالصفات معنى، لأنَّه من اتصاف الشيء بذاته، فيكون قولنا: الله قادر، بمعنى قولنا: ذاته ذاته، ولا شك أنَّ كلّ عاقل ينكر تساويهما. (1/56)
صفحة 57
قلنا: الصفات عين الذات لمَا قدَّمناه، ولا يلزم من ذلك ما ذكرتموه من اتصاف الشيء بنفسه، لأَنَّ هذه الصفات لها معان اعتبارية، وللذات كمالات ذاتية، لا يدلُّ عليها لفظ الذات، ولكلِّ واحد من تلك الكمال[ات] معنى اعتباري، يعبَّر عنه بالصفة، فالصفات عبارة عن المعاني الاعتبارية الدالَّة على الكمالات الذاتية؛ فبهذا الاعتبار لم يكن قولنا: الله قدير، بمنزلة قولنا: ذاته ذاته، لما في قولنا قدير من التعبير عن المعنى الاعتباري المفيد للكمال الذاتي.
حاصل ما في المقام أنَّ ذاته تعالى متَّصفة بالكمالات الذاتية، قائمة مقام ذات وصفة، أي غنية بنفسها عن غيرها. والله أعلم.
ولنا في أنَّ صفاته تعالى الذاتية عين ذاته، أنَّه لو كانت صفاته الذاتية غير ذاته تعالى للزم عليه:
إمَّا أن تكون مقارنة لذاته تعالى في الوجود، فيلزم عليه تعدُّد القدماء، وهو باطل قطعا.
وإمَّا أن تكون سابقة على ذاته تعالى في الوجود، فيلزم عليه حدوث الذات العلية، وهو باطل أيضًا.
وإمَّا أن تكون موجودة بعد الذات العلية، فيلزم عليه أن يكون الله عزَّ وجلَّ قبل حدوثها غير متَّصف بهذه الكمالات، فيكون غير قادر وغير عالم إلى آخرها، وهو باطل قطعا.
قلت: وعليه يلزم أن يقعوا فيما فرُّوا عنه، وهو تعطيل الذات عن الصفة، إلى أن كانت واتصفت، وهذا عين المحال، وسيأتي سرد مبسوط عليهم في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقوله: «مبينا لمعتقدنا»، أي موضِّحا كاشفا لمعتقدنا، فالإضافة هنا للتخصيص، والمعتقَد - بفتح القاف - بمعنى الاعتقاد، وهو الحكم الجازم المطابق للواقع، فخرج بذلك الظنُّ، وهو رجحان المعنى المدرك، فهو لا يجزي في الاعتقاد. (1/57)
صفحة 58
وقوله: «أهل الاستقامة»: فأهل منصوب على التخصيص كقوله - صلى الله عليه وسلم - : «نحن معشر الأنبياء لا نورث» (1) .
والاستقامة ضدَّ الاعوجاج، والمراد به الفرقة المحقَّة المسمَّاة بالإباضيَّة أيضًا. وهاهنا أمور نذكرها بعون الله المعين مناسبة للمقام:
الأمر الأوَّل
في سبب تسمية أهل هذه الدعوة بالاسم الإباضيِّ
__________
(1) - ... روى الربيع بن حبيب في مسنده: عن أبي عبيدة عن جابر عن عائشة رضي الله عنها قالت: حين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد نساؤه أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنَّ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت لهنَّ: أليس قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة».
... ورواه الإمام أحمد في مسنده بلفظ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْتُ بَعْدَ مَئُونَةِ عَامِلِي وَنَفَقَةِ نِسَائِي صَدَقَةٌ». الحديث قم9593. (1/58)
صفحة 59
فالظاهر أنَّ التسمية بذلك حدثت بعد خروج الأزارقة والصفريَّة، كما يعرف ذلك بالوقوف على سبب الافتراق، والاسم الشامل لهم قبل الافتراق: المحكِّمة، سمُّوا بذلك لقولهم: «لا حكم إِلاَّ لله». وصار هذا القول شعارًا لهم فعرفوا به، حتَّى كان الواحد منهم يحكم بالمغرب فيتولاَّه مَن بالمشرق لعلمهم أنَّه لا يقول هذه المقالة إِلاَّ أهل طريقتهم المرضيَّة، ثمَّ لمَّا كثر بذل نفوسهم في رضى ربِّهم، وكانوا يخرجون للجهاد طوائف سمُّوا: «خوارج» وهي جمع «خارجة»، وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله، أخذا من قوله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدُّوا له عُدَّة} (1) ؛ فهذا أصل تسميتهم بالخوارج، وهي تسمية محمودة وسبب مشكور، ولهذا كان يفتخر به الإمام إبراهيم بن قيس رحمه الله تعالى في أشعاره (2) ، ولمَّا فارقنا الأزارقة والصفريَّة أخذوا عنَّا اسم الخوارج فتركناه لهم، وعرفوا به، فانقلب المدح ذمًّا، واختصصنا باسم: «أهل الاستقامة» وهو الشهير في عبارات الإمام أبي سعيد - رضي الله عنه - .
الأمر الثاني
فيمن سمَّى أهل الدعوة بالإباضيَّة
أقول: إنَّه يؤخذ من صريح عبارة سيِّدي نور الدين السالميِّ - رضي الله عنه - : «إنَّ هذه التسمية أوَّل من سمَّانا بها هم مخالفونا في المذهب، كما دلَّ عليه ظاهر هذه الأبيات عنه رضي الله تعالى عنه، في رسالته: «كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة» قال:
إنَّ المخالفين قد ... سمَّونا ... بذاك غير أنَّنا رضينا
وأصله أنَّ فتى ... إباض ... كان محاميًا لنا وماض
مدافعًا أعداءنا ... بالحجَّة ... وحاميًا إخواننا بالشوكة
قد كان في المنعة من ... عشيرته ... ولا يطاق بأسه لسطوته
فأظهر الحقَّ على رغم ... العدى ... والكلُّ من أعدائه قد شهدا
__________
(1) - ... سورة التوبة: 46.
(2) - ... هو الإمام إبراهيم بن قيس الحضرمي (ق5هـ/11م): عالم وإمام ومجتهد، من المتقدِّمين والمحقِّقين، له كتاب الحجج والدلائل، وقد جمعت أشعاره في ديوان السيف البتار. (1/59)
صفحة 60
قد كان في أيَّام عبد ... الملك ... مع شدَّة الأمن وضيق المسلك
ناقشه وبيَّن ... الصوابا ... ولم يكن لبأسه قد هابا
وكان لا يدعوه إِلاَّ ... باسمه ... تعزُّزًا بحقِّه وعلمه
فصار معروفًا لدى ... الجميع ... لما حوى من شرف رفيع
ونسبوا من كان في ... طريقته ... إليه لاشتهار حسن سيرته
ونحن الأوَّلون لم يشرع ... لنا ... نجل إباض مذهبًا يحملنا
من ذاك لا تلقى له في ... المذهب ... مسألة نرسمها في الكتب
فنحن في الأصل وفي ... الفروع ... على طريق السلف ... الرفيع
قال المصنِّف رحمه الله تعالى في كتابه الذي ألَّفه ردًّا على الزندجالي ما نصُّه: «قال العلاَّمة الربَّاني: ابن أبي نبهان (1)
__________
(1) - ... لعلَّه: أبو سالم نبهان بن أبي المعالي كهلان بن نبهان بن عمر بن نبهان النبهاني (العقد السادس من القرن 7هـ)، وهو فقيه عالم، من مجتهدي زمانه.
... ... ... ... وانظر في ترجمة: البطاشي: إتحاف الأعيان، ج1/ص385-403 (1/60)
صفحة 61
رحمه الله - بعد أن ذكر الأحداث الواقعة بين الصحابة - من أنَّه بعد ذلك ظهر رجل من التابعين عالم يسمَّى عبد الله بن إباض، ونظر إلى الأحداث الواقعة بين الصحابة وصوَّب الخوارج، وشرح أمور الجميع، وبيَّن المحقَّة من فرق فتنة عثمان وفتنة عائشة وفتنة عليٍّ ومعاوية والخوارج، وأهل عمان في ذلك الوقت في معزل عن هؤلاء الفتن يعبدون الله تعالى بما أخذوه من العلم من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في زمانه (1) ، وعن الصحابة من بعده في زمن أبي بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطَّاب، لا يعرفون الخوارج ولا عبد الله بن إباض ولا غيرهم، ولم يأخذوا من عبد الله بن إباض مسألة واحدة، فلمَّا بلغتهم هذه الأخبار وأخبار عبد الله بن إباض، أعرضوا (2) أحكام تلك الأحداث الواقعة على ما معهم من العلم السابق لهم، فوجدوا الحقَّ الموافق لما معهم من الحقِّ ما قاله عبد الله بن إباض، فنسبوه إليه بتصويبهم له لا لأخذ الشريعة عنه».
__________
(1) - ... أوَّل من أدخل الإسلام في عمان هو الصحابي الجليل مازن بن غضوبة السعدي، وقد التقى بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فدعا له ولأهل عمان بالهداية والبركة، وبسعة الرزق. ... وانظر- البطاشي: إتحاف الأعيان، ج1/ص7.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عرضوا». (1/61)
صفحة 62
وفي كتاب الإرشاد لشيخنا العلاَّمة سيف بن ناصر رحمه الله تعالى ما نصُّه: «وعبد الله بن إباض المنسوب إليه المذهب من التابعين لكنَّه أظهر الدعوة وأرسل الرسائل إلى البلدان، لأنَّه كان عزيزًا في قومه، ولم يستكِن بل قام لله»، قال: «هو واسطة العقد، بل هو العلَم الذي يهتدى بمناره، والحائز لقصبات السبق في مضماره، وإنَّما نسب إليه المذهب لأنَّ المحكِّمة كانت كلمتهم واحدة، لا يختلفون إِلاَّ في شاذٍّ من الفروع كما قال المبرِّد في كامله، ثمَّ افترقوا، وأوَّل من فرَّق كلمتهم وأحدث عليهم نافع بن الأزرق، وذلك أنَّ المحكِّمة خرجوا للذبِّ عن حرم الله، إذ أباح مسلم المسرف ــ من طرف يزيد ــ المدينةَ، وفعل في أهلها المنكرات الهائلة، وأنَّهُم يعينون بن الزبير حين أظهر لهم أنَّه على رأيهم، ثمَّ مات يزيد بن معاوية وضعفت شوكة ابن زيَّاد بالبصرة، وكان في حبسه قدر أربعمائة منهم، فكلِّم فيهم فأطلقهم فخرجوا عليه وأوهنوه، فانتقل إلى الأزد، فهاجت الحرب بين الأزد وربيعة وتميم، فاعتزلت المحكِّمة الحرب، إِلاَّ من أخذته العصبيَّة على قومه؛ فأظهر المحكِّمة بالبصرة كلمتهم، وطردوا منها عمَّال الجبابرة وهم على رأي واحد يتولَّون أهل النهروان، وأهل النخيلة ومرداسًا وأصحابه، ونافعُ بن الأزرق يومئذ بالأهواز، فأحدث نافع أحداثا، منها أنَّه الاستعراض للعامَّة، ومنها أنَّه رأى الدار دار كفر، فأباح السبايا والغنيمة، إِلاَّ من أظهر إيمانه، وأنَّه لا تحلُّ ذبائحهم ولا موارثتهم ولا مناكحتهم؛ وإن جاءنا منهم أحد فعلينا [أن] نمتحنه، وهم مثل كفَّار العرب، لا يقبل منهم إِلاَّ الإسلام أو السيف، ومنها أنَّ القعد[ة] عند الحرب بمنزلتهم، أي كفَّار؛ والتقيَّة لا تحلُّ لأحد في قول ولا فعل. (1/62)
صفحة 63
فنفر منه جلُّ المحكِّمة، فوقعت بينه وبينهم مناظرات ومراجعات ومكاتبات يطول ذكرها، فلمَّا ورد كتابه إلى محكِّمة البصرة، وفيهم عبد الله بن إباض رحمه الله، وأبو يهس الهيضم [كذا] بن جابر الضبعي، فجرت بينهما محاورات، فكان من كلام ابن يهس (1) أن قال: «إنَّ نافعًا غلا فكفَّر، وأنت قصَّرت فكفَرت، وتزعم أنَّ من خالف ليس بمشرك، وإنَّما هم كفَّار النعم، لتمسُّكهم بالكتاب وإقرارهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وزعمت أنَّ مناكحتهم وموارثتهم والإقامة معهم حلال مطلقًا، وأنا أقول: إنَّ أعداءنا كأعداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحلُّ لنا الإقامة فيهم كما فعل المسلمون في إقامتهم بمكَّة، وأحكام المشركين تجري فيهم، وأزعم أنَّ موارثتهم ومناكحتَهم تجوز، لأنَّهم منافقون يظهرون الإسلام، وأنَّ حكمهم عند الله حكم المشركين، فصارت المحكِّمة حينئذ ثلاث فرق، لهم ثلاثة أقاويل: قول نافع في البراءة والاستعراض واستحلال الأمانة وقتل الأطفال، وقول أبي يهس (2) ، وقول عبد الله بن إباض.
قال المبرِّد في كامله: «وقول عبد الله بن إباض [و]هو أقرب إلى السنَّة من أقاويل الضلال، والصفريَّة والنجديَّة، تقول في ذلك الوقت (3) بقول عبد الله بن إباض». اهـ
قال سيِّدي نور الدين السالمي - رضي الله عنه - نفعنا الله به: «وبه تعرف أنَّ تسمية الأصحاب بالإباضيِّ ليس فيها شيء من العيب». اهـ.
الأمر الثالث
في اعتقاد 1لقوم لهذا المذهب
__________
(1) - ... هو أبو بيهس هيضم، عاصر (النصف الأوَّل من ق2هـ) وإليه تنسب الفرقة البهيسية، وهي من فرق الخوارج، وانظر: المبرد: الكامل، ج3/ص153-164.
(2) - ... كذا والصواب: أبو بيهس، كما ذكرنا.
(3) - ... عبارة المبرِّد: «...في ذلك الوقت يقولون بقول ابن إباض...». ج3/ص162-163 (1/63)
صفحة 64
اعلم أنَّك إذا تتبَّعت على ما يقوله القوم في كتبهم وألسنتهم للمذهب الإباضيِّ ستجدهم ما بين مصوِّب ومضلِّل، وهاهنا نحن نذكر ما ييسِّر الله لنا من مقالهم فنحصره في مقامين:
المقام الأوَّل: في مقالهم الطاعن فينا، قلت: وممَّن له جراءة الإقدام في مثل هذا المقام رجل من الأمَّة البلوشيَّة المعروف باسم محمَّد بن عبد الرحيم الزرجالي المنتمي إلى مذهب الإمام أبي حنيفة، فهذا الرجل لم يأل جهداً في الطعن على المذهب الإباضيِّ وأهله، ومنهم الذين صرَّح على ثقته وقبول رواياته علماؤه العظام، كالإمام البخاري والقسطلاني، ولقد خرج هذا الإنسان من شدَّة بغضه عن مقتضى دينه، ونسي بشدَّة حماقته ما أسَّسه علماء مذهبه من الحكم للجنَّة (1) لكلِّ من قال: «لا إله إِلاَّ الله»... إلخ، فإنَّه قد صرَّح في مصنَّفاته المؤلَّفة في الطعن على المصنِّف ومذهبه، فقال: «إنَّ الإباضيَّة لا يشمُّون للجنَّة رائحة»، وصرَّح فيها باللعنة على بعض العلماء من الإباضيَّة كالشيخ ابن النظر، وعلَّل بقوله: «لأنَّه لعن الإمام عليًّا، مع أنَّ اللعنة عنده لا تصحُّ إِلاَّ من علم كفره».اهـ.
أقول: إنَّ لعنته المذكورة راجعة إليه، لأنَّه من صرَّح له بتلك اللعنة فهو لم نقف عليه بتصريح لعنة على الإمام علي، بل إنَّ الموقوف عليه هو تصريح معاوية بلعن الإمام عليٍّ. اهـ.
ومنه ما ذكره ابن بطوطة في رحلته: "تحفة النظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، وهو رجل سنِّيٌّ من أهل المغرب، وقد قدم على عُمان وذلك في أيَّام بني نبهان، فذكر عنهم غير الجميل، وليته دخلها أيَّام الأيمَّة العادلين، حتَّى يرى غير ما رأى وينظر السيرة النيِّرة، والحقَّ الواضح، ومكارم الأخلاق، ومعالي الصفات، ومقامات الكمال، وعواطف الإحسان والإفضال.
ما كلُّ ما يتمنَّى المرء ... يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي ... السفن
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بالجنة». (1/64)
صفحة 65
فمن مقاله في تلك الرحلة قوله: «وأكثرهم خوارج»، أي أنَّ أهل عمان أكثرهم خوارج، ويعني به الإباضيَّة، قال: «ولكنَّهم لا يقدرون على إظهار مذهبهم، لأنَّهم تحت طاعة السلطان قطب الدين تمتن ملك هرموز»، قال: «وهو من أهل السنَّة».
قال سيِّدي نو الدين: «ولم نعلم أنَّه أتى على الإباضيَّة في عمان وقت لا يقدرون على إظهار مذهبهم فيها». قال: «وهم إباضيَّة المذهب، ويصلُّون الجمعة ظهرًا أربعًا، فإذا فرغوا منها قرأ الإمام آيات من القرآن، ونثر كلامًا شبه الخطبة، يرضى فيه عن أبي بكر وعمر، ويسكت عن عثمان وعليٍّ».
قلت: وإنَّما كانوا يصلُّون الجمعة ظهرًا لأنَّه لا إمام لهم يومئذ، ومن شروط صحَّة الجمعة عندهم وجود المصر والإمام (1) ، فإذا اختلَّ أحد الشرطين فقد اختلفوا في صحَّة الجمعة، وهي بدل من الظهر، فالظهر واجبة بيقين، والبدل مختلف فيه إِلاَّ مع كمال الشروط، فلهذا اختاروا المجمع عليه على المختلف فيه، لأنَّه خروج من العهدة بيقين، والجمعة عندهم قائمة بصُحار، وهي قصبة عمان، ولا تتكرَّر الجمعة عندهم في المصر الواحد، ولعلَّ ما ذكره من فعل الإمام بعد الصلاة تذكير وتخويف وموعظة، وهو شأن المرشدين في المجامع والمحافل، وليس هو بخطبة الجمعة؛ وسكوتهم عن عثمان وعليٍّ دليل على نزاهتهم ونظافة مذهبهم، فإنَّهم لا يعدُّون الشتم دينًا كما هو شأن الشيعة، قلت: فهذا أهون بكثير مِمَّا ينسبه غيره إلى الإباضيَّة في عليِّ بن أبي طالب، لأنَّه لم يذكر عنهم إِلاَّ السكوت عن عثمان وعليٍّ، وأمَّا غيره فيرفعون عنهم فيهما بما هو أشدُّ وأشدُّ، كما سنقف عليه إن شاء الله.
__________
(1) - ... وانظر شروط الجمعة في: ابن بركة: الجامع ؛ وفي السالمي: العقد الثمين. ففيهما بسط في الموضوع. (1/65)
صفحة 66
قال: «وهم إذا رأوا ذكر عليٍّ كنَّوا عليه بالرجل، فقالوا: عن الرجل، أو: قال الرجل»، قلت: هذا الاصطلاح الذي ذكره عنهم ما سمعناه عن أحد من عامَّتهم ولا خاصَّتهم، بل يذكرون عليًّا باسمه الصريح كذكرهم غيره من الصحابة، فلعلَّه سمع من يقولون ذلك على جهة الإبهام أو التعظيم، فإنَّهم يقولون ذلك في مقام الإبهام والتعظيم.
قال: «ويرضون عن الشقيِّ اللعين ابن ملجم، ويقولون فيه: العبد الصالح قامع الفتنة»، قلت: أمَّا رضاهم عن ابن ملجم فالله أعلم به، وهو قاتل عليٍّ، ومن صحَّ معه خبره واستحقَّ الولاية فهو حقيق بالرضا، ومن لم يبلغه خبره، ولا شهر عنه بما يستحقُّ به الولاية، فمذهبهم الوقوف عن المجهول. وأمَّا تسميتهم له «قامع الفتنة» فلم نسمعها إِلاَّ من كلام ابن بطوطة هذا. اهـ.
قلت: وأصحابنا يروون عنه الأحاديث (1) في مؤلَّفاتهم ويعملون بمقتضاها، ويسمُّونه باسم الإمام عليٍّ، ويشهدون له بالفضائل والفواضل.
تحقيق جيِّد في خلاصة الواقع من
الإمام عليِّ بن أبي طالب
__________
(1) - ... ففي الجامع الصحيح للربيع بن حبيب - وهو معتمد الإباضيَّة في الحديث - روايات عديدة عن علي بن أبي طالب، منها: حديث 103 (باب 17) كتاب الطهارة ، حديث 412 (باب 6) كتاب الحج. (1/66)
صفحة 67
أقول: وقد بيَّن علماؤنا رحمهم الله، وأخصُّ من بينهم سيِّدي نور الدين نفعنا الله به حقيقة القول في الإمام عليِّ بن أبي طالب، وهاك نصُّه، قال: «وأمَّا مسألة عليٍّ وأهل النهروان، فإنَّ الحكم فيها واضح، وذلك أنَّ عليًّا قلَّد أمر الإمامة الحكمين على عهود ومواثيق يحكمان فيها كيف شاءا، إن شاءا عليًّا، أو معاوية، أو غيرهما، فأمر ذلك إليهما، فعاتبه المسلمون على ذلك، وبيَّنوا له أخطاءه في القضيَّة فلم يعتبهم، وناظروه فغلبوه، وأرسل إليهم ابن عبَّاس، فخصموه أي غلبوه في الخصومة، وأظهر لهم التوبة، ودخلوا معه الكوفة، ثمَّ كتب معاوية إلى أمراء العراق، أنَّه لا يضرُّكم أيُّ رجل ملك من قريش، وإنِّي أعطيكم وأعطيكم، فنهضوا عليه نهضة رجل حتَّى أزلُّوه عن بصيرته، وأضلُّوه عن طريقته، وخطب على المنبر بين مجامع الناس أنَّ التحكيم صواب، وهدَّد من يخالفه في ذلك بالقتل. فخرج عنه المسلمون بعد الإيَّاس منه، وقدَّموا عليهم إمامًا عبد الله بن وهب الراسبيَّ (1) ، وخرجوا إلى النهروان.
__________
(1) هو عبد الله بن وهب بن راسب بن يرعان بن مالك الأزدي العماني (ت: 9 صفر 38هـ/658م): صحابي جليل أدرك الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وشارك مع الإمام علي في حروبه قبل التحكيم، وبعد التحكيم انتخبته المحكِّمة إماماً لهم. وقد عرف بالعلم والرأي، بالزهد والعبادة. ... وانظر- المبرِّد: الكامل، ج2/ص119. الدرجيني: طبقات، ج2/ص201-202 (1/67)
صفحة 68
ولمَّا اتَّفق الحكمان على خلع عليٍّ واختلفا في معاوية، وتبرَّأ بعضهما من بعض، تبرَّأ منهما عليٌّ وكتب بذلك إلى المسلمين، وطلب منهم الرجوع إليه، فكتبوا له بأنَّهم قدَّموا عليهم إمامًا، فإن شاء أن يكون معه فله ما لهم، وعليه ما عليهم، فأنف من ذلك تمسُّكًا بإمامته التي طوَّقها الحكمين، واتَّفقا على نزعها منه، وسار إليها بالجموع التي أعدَّها لقتال أهل الشام، فكانت وقعة النهروان، والقضيَّة في ذلك مشهورة عند الموافقين والمخالفين، لكنَّ المخالفين يكثرون الاعتذار لعليٍّ مع اعترافهم بالواقع، فإمامة عبد الله بن وهب إِنَّمَا كانت بعد خلع عليٍّ نفسه من الإمامة وتطويقها الحكمين، وبعد الإيَّاس من رجوعه، ظنًّا منه أنَّ الحكمين لا يختاران غيره، ولم يدر أنَّ هناك عمروًا صاحب المكائد العظمى:
جراحات بدر في حشاه تفور
فلو كان التحكيم جائزًا لما جاز أن يحكِّم عَمرًا وهو يقاتل المسلمين ويستحلُّ دماءهم، فكيف لا يستحلُّ مخادعتهم! على أنَّه قد باع دينه بمصر، وهي يومئذ في يد عليٍّ، وقال لمعاوية: «والله لا أعطيك شيئاً من ديني حتَّى تعطيني شيئاً من دنياك» فجعل له مصرمأكلة. (1/68)
صفحة 69
وأهل النهروان هم المحقُّون ومن قاتلهم هم المبطلون، فمن أدرك علم ذلك وجب عليه ولايتهم بلا خلاف بين المسلمين، وكذلك أيضاً تلزم البراءة مِمَّن قاتلهم ومن لم يبلغ علمه إلى ذلك، فيكفيه أن يتولىَّ المطيعين في الجملة، ويبرأ من المبطلين في الجملة: {تلك أمَّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسْألون عمَّا كانوا يعملون} (1) ، وليس من ديننا السَّبُّ، ولا من مذهبنا الطَّعن، وقد نشأنا بين الخاصَّة والعامَّة فما رأينا من يطعن فيمن مضى أو يسبُّ أو يلعن، فالناس في سلامة من ذلك إِلاَّ من انتهى إليه علم القضية بطريق الشهرة فإنَّه كان يعتقد ولاية أهل النهروان والبراءة مِمَّن قاتلهم أداء للواجب من دين الله تعالى من غير سبٍّ ولا فحشٍ ولا تقبيحٍ، إِلاَّ ما وقع لابن النظر في لاميته (2) ، وكان قصده ــ عفا الله عنه ــ إظهار الحقِّ فحمله الغضب في الله على تأثير اللَّعن، والشَّتم في منظومته وكان اللائق في المذهب تبيين الحقِّ من الباطل فقط.
فإنَّه وإن أراد به الدعاء أو الحكم بمقتضى الظاهر، فعبارته قد خرجت عن مراده وأوهمت الحكم بالغيب، والله أعلم وبيده التوفيق والهداية».
__________
(1) - ... سورة البقرة: 134
(2) - ... والراجح أنَّ اللامية منسوبة إليه، وليست من تأليفه. (1/69)
صفحة 70
قلت: ففي هذا البحث معنى فائق يدريه من له النظر الطويل بتوفيق من الله وعونه، وبكثرة ما لغيرنا من الغباوة في فهم القضية، لقد عكسوا ونسبوا القول إلى المذهب من أنَّه يزعم في أنَّ عليًّا وغيره من الصحابة مثل عثمان بن عفَّان، أنَّنا نقطع الحكم في أنَّهم من أهل النار، حاشا وكلاَّ من ذلك، وسأسمعك سؤالا أصدره فيما أظنُّ أنَّه من واحد من ذوي الأربعة الفرق، وظاهره أنَّ بما ظنَّه في ذلك السؤال هو المعتقد منَّا، والمسؤول عن ذلك هو سيِّدي نور الدّين رحمه الله، ومِن المعلوم أنَّ الرجل هو ليس مِمَّن يقعع خلفه بالشنآن (1) ، فأجاب رحمه الله تعالى جواباً قد صدر (2) مِمَّن هو هو لا كغيره - رضي الله عنه - ، والسائل لم يذكر فيه نصَّ اسمه،_ بل أبهم اسمه، ونصُّ السؤال منه هكذا: «سؤال لعلمائنا أهل الاستقامة... الخ، سؤال لعلمائنا أهل الاستقامة ونخصُّ جلالة سيِّدنا العالم العلاَّمة عبد الله بن حميد السالمي دام مجده:
يا أيُّها العلماء في ... الأمصار ... والسادة العظماء بالأقطار
ما قولكم أهل الرشاد ... ورأيكم ... فيما بليت به من الأقدار
حلف امرؤ بطلاق زوجته ... على ... الحَّجاج قطعًا أنَّه في النار
ماذا عليه، وهل تَبِين ... بحرمة ... في قوله في القطع بالإصرار
إن قلتم: بانت فما ... معناكموا ... ببراءة الكفَّار والفجَّار
وهو الذي سفك الدماء وقد ... نفى ... أهل الهدى من سادة الأبرار
روت الرواة ببغيه ... وفساده ... بصحيح قول ثابت الأخيار
لو لم يكن في فتكه لكفى ... إذا ... بسعيد نجل جبير ذي الأنوار
في المؤمنين الله أنزل ... وحيه ... بوعيد قاتله دخول النار
هذا دليل واضح من ... ربِّنا ... أم ذاك حكم خصَّ بالكفار
إن قلتموا هذا المقال ... مخصَّص ... بالشرك قلنا: كيف معنى الباري
__________
(1) - ... كذا في الأصل: والصواب: «يقعقع خلفه بالشنان» (مثل عربي). ويضرب لمن يحدث ضجيجا ولا يُرى منه عملا، ونضيره: أسمع جعجعة ولا أرى طحينا.
(2) - ... اللفظ غير واضح ويمكن أن يقرأ: «يصدر». (1/70)
صفحة 71
ولقد برئتم من عليٍّ ذي ... القفا ... ر، وسبطه آل النبيِّ الأطهار
فرميتم بالضلال ... وقلتموا ... هم أهل تحريف بلا إنكار
ورضيتم عن ابن ملجم ... الذي ... سفك الدماء بسيفه البتَّار
وعدلتموه عن ابن عفَّان ... الذي ... جمع الكتاب مصحِّح الآثار
ولعنتموا آل ابن مروان ... الذي ... منهم أبو حفص حليف الجار
هذا سؤالي لم أزل في ... حيرة ... متعسِّفا من كثرة الأفكار
قسما بربِّي لم أكن ... متعرِّضًا ... لكن بليت بفتنة الأشرار
خاضوا وضلُّوا يخبطون ... بقولهم ... عملوا بسنَّة أحمد المختار
إنَّا على غير الصواب ... وإنَّهم ... هم حجَّة في سائر الأمصار
أفتوا فتى قد أوقعته ... ظنونه ... بمقال أهل الزيغ في الأقطار
ثمَّ الصلاة على النبيِّ ... وآله ... أهل الهدى مع صحبه الأبرار
ما حنَّ رعد أو تألَّق ... بارق ... ليلاً، وغنَّى الطير ... بالأشجار
فأجاب سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - هذا السائل بجواب منثور لا كسؤاله، ولعلَّه رأى أنَّ هذا الصنيع هو الموافق لحال هذا السائل بما نصُّه:
« (1/71)
صفحة 72
الجواب: من حلف أنَّ الحجَّاج في النار فقد حلف على غيب، ومن علَّق طلاق امرأته وقع الطلاق وألغي التعليق، لأنَّ الشرط في هذا في حكم الملغى، لتعذُّر الوقوف عليه في هذه الدنيا، فكأنَّه قد جزم بطلاقها، وله أن يراجعها، فلا تبين بحرمة بل بطلاق واحد؛ وقولنا بعدم القطع بالغيب، الوعيد القاطع في عذاب من قتل مؤمنًا؛ وكذلك لا ينافي الوعيد في عذاب مطلَق الفسقة ولا المشركين، لأنَّ الوعيد الوارد في ذلك إِنَّمَا ورد على عموم الصفة، فليس لنا أن نقطع به في شخص بعينه إِلاَّ بقيد نعتقده، وهو قولنا: إن كان لم يتب، لأنَّ باب التوبة مفتوح، وقد جاءت بقبول التوبة الأدلَّة القاطعة فعدم قطعنا بشخص واحد أنَّه في النار مأخوذ من مجموع أدلَّة الوعيد وأدلَّة التوبة، وإن كان في الظاهر لم يتب، فيمكن في علم الله أنَّه تاب من حيث لا نعلم نحن، فنبرأ منه من حيث إنَّه قد اقترف المعاصي ولم نعلم أنَّه تاب منها؛ ولا نقطع بكونه في النار من غير شرط لاحتمال أن يكون قد تاب عند الله، فالحكم بالبراءة إِنَّمَا يكون عن تعاطي علم الغيب الذي استأثر الله به، {فلا يُظهر على غيبه أحدًا إِلاَّ من ارتضى من رسول} (1) ،
__________
(1) - ... سورة الجن: 26.. (1/72)
صفحة 73
فقد علمنا في البراءة منه بحكم الله الذي أوجبه الله علينا في البراءة من المصرِّين المحادِّين في حكم الظاهر، ولم نتعاطَ فيه الغيب، إذ ليس ذلك إلينا، وإنَّما هو إلى عالم السرِّ والنجوى، فأهل الأحداث المضلَّة في عصر الصحابة ومن بعدهم ومن قبلهم إِنَّمَا نبرأ منهم بسبب ما أحدثوا من المعاصي التي أوجب ربُّنا تعالى مفارقتهم عليها، والبراءة منهم بسببها؛ ولا نقطع أنَّهم في النار، إِلاَّ إذا كانوا قد ماتوا على ما علمناه منهم في حكم الظاهر فنحن نبرأ منهم بموجب حكم الله، ونتأدَّب عن القطع في الغيب بموجب حكم الله، والبراءة حكم من أحكام الله، ولا تنافي دخول الجنَّة لمن تاب، فإنَّ الحدَّ قد يقام على الشخص وهو في علم الله من أهل الجنَّة، فمن قطع يده بحكم الله لا يكون مخالفًا ولا مضيِّعًا، بل قائم فيه حكم الله، ومؤدٍّ فيه فرضه الذي أوجيه الله عليه؛ ونحن لم نر عليًّا ولا سبطه الحسن بشيء، وإنَّما ذكرناهم بأحداثهم التي رموا فيها أنفسهم، واشتهر ذلك بين الموافق والمخالف، والخاصِّ والعام، وإنَّما خالف المخالفون في أحكام تلك الأحداث، مع إقرارهم أنَّها أحداث فعذروهم مع أحداثهم للفضل المتقدِّم، ونحن لا ننكر ذلك الفضل، لكن نقول: إنَّ لكلِّ نازلة حكمًا فلا نضيِّع حكم الله الحاضر لأجل فضل متقدِّم؛ وابن ملجم إِنَّمَا قتل نفسًا واحدة وعليٌّ قد قتل أربعة آلاف نفس مؤمنة في موقف واحد، إِلاَّ قليلا مِمَّن نجا منهم، وهؤلاء المقتولون كلٌّ يُعترف بفضلهم، وكلٌّ يقول: إنَّهم طلبوا الحقَّ، لكنَّ خصمنا يزعم زعمًا باطلا أنَّهم طلبوا الحقَّ فأخطئوه، والصواب أنَّهم طلبوا الحقَّ فأصابوه؛ وعثمان قد اجتمعت الصحابة على خلعه وعزله ومحاصرته في بيته حتَّى قتل، والمسلمون له قالون، وعليه ساخطون؛ وإنَّما سَترت أحداثه دولة أقاربه من بني أميَّة، صارت الدولة لهم فأظهروا فضائله، وكتموا أحداثه؛ ألا تسألهم: أين دفن عثمان؟ إِنَّمَا دفن (1/73)
صفحة 74
في أرض اليهوديِّ، يقال له: حنش كوكب، لم يرضوا أن يدفنوه في مقابر المسلمين، فلمَّا صارت الدولة لمعاوية أمر الناس أن يدفنوا موتاهم بينه وبين مقبرة المسلمين، حتَّى اتَّصلت القبور بقبر عثمان، ليلبس على الناس أنَّه دفن في مقبرة المسلمين، وهذا أمر مشهور، ولا يحتاج إلى أن يسأل عنه.
وأمَّا أبو حفص عمر بن عبد العزيز، وعبد الملك بن عمر فليسا داخلين في حكم بني مروان، وقد استثناهما ابن النظر في لاميته، وأثنى عليهما غيره، فأمَّا عبد الملك بن عمر لم يختلف المسلمون في ولايته، لأنَّه وافقهم ومات عند الوفد من المسلمين الوافدين على أبيه، وتولَّوا جهازه بعد موته بإذن أبيه، وأمَّا أبوه عمر فإنَّ الوفد قد وقفوا عنه، لأنَّهم لم يوسِّعوا له في التقيَّة، ولم يوافقهم في رأيهم هذا وقد وافقهم في جميع دينهم، فقالوا له: المسلمون يشتمون على المنابر، فأظهر عذرهم، فخشي المعاجلة فقالوا: نخرج عنك على أن لا نتولاَّك. فبلغت أبا عبيدة فقال: «ليت القوم قبلوا منه»، وذلك لأنَّه وافق قولا في التقيَّة، ووقوف الوفد عنه لا ينافي ولاية غيرهم، فتولاَّه بعض المسلمين، ونحن نتولاَّه.
وأمَّا ادِّعاء القوم أنَّهم أهل سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكذِب وافتراءٌ، وإنَّما هم أهل سنَّة معاوية، سنَّ لهم شتم عليٍّ ولعنه على المنابر فصار ذلك سنَّة فيهم، فأضيفوا إليه؛ ولمَّا جاءت دولة بني العبَّاس كتموا سنَّتهم التي عرفوا بها، فطال الزمان فلم يعرف تلك السنَّة إِلاَّ الخواصُّ، فظنَّت عامَّتهم أنَّ السنَّة التي أضيفوا إليها هي سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكان الاسم قبيحًا واختفى سببه فظنُّوه مدحًا. (1/74)
صفحة 75
وغدًا الملتقى بين يدي الله تعالى، فإيَّاك أن تصغي إلى هواهم، وإيَّاك أن تشكَّ في دينك فتهلك؛ وقد مضى أشياخ المسلمين وهم على بصيرة من دينهم قد عرفوا الحقَّ وعملوا به، وهم حجَّة الله في أرضه يتلون كتاب الله ويعملون به، ويتَّبعون سنَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وآثار السلف؛ فمن سلك سبيلهم هدي، ومن اتَّبع غير سبيلهم هلك، {ومن يَّتَّبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولَّى ونصله جهنَّم وساءت مصيرًا} (1) ، نسأل الله لنا ولكم العافية، والعلمُ عند الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من عبد الله بن حميد السالمي». اهـ.
قلت: فليرحم الله هذا المحقِّق، ولينفعنا الله ببركاته فإنَّه لمن يلقي السمع وهو شهيد، هو كشَّافٌ مبين له فيما خفي على التحقيقات عليه، ونور لمَاع فيما انبهم من المشكلات عنه؛ نوَّر الله ضريحه، ووفَّقنا في اتِّباع ما أمر به ونهىعنه. آمين.
ثمَّ فليعلم الناظر أنَّ هذا القول هو لا تنافي فيه، وفيما نقلناه عنه - رضي الله عنه - عند كلامنا الذي نصُّه: «فهذا المعنى الذي ذكره عمَّار - رضي الله عنه - هاهنا هو عين ما ذكره الأصحاب في الإمام عليٍّ وعثمان. كما أنَّه لا يلزم من صنيع الصحابة في عائشة - رضي الله عنه - ، لمَّا خرجت على الإمام عليٍّ فقاتلوها وقصدوا قتلها أن يكونوا حكموا عليها بالنار... إلخ».
__________
(1) - ... سورة النساء: 115. (1/75)
صفحة 76
أقول: فلقد وجب علينا بانسحاب ما تقدَّم ذكره إلى هذا الموضع، وحقَّ بإتمامنا إيَّاه أن نأتي تلميحًا في شيء من العبارة لتدلَّ القارئ على شيء من المهمَّات المفيدة، وإليك ذلك نقلا من رسالة ألَّفها العلاَّمة الفهَّامة الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني النفوسي (1) رحمه الله تعالى، ونصُّها:
«
__________
(1) - ... هو الشيخ عبد الله بن يحي الباروني النفوسي (ت: 1332هـ/1914م): عالم ورائد، له الأثر الحميد في إنشاء المدارس وتخريج فحول طلبة العلم، ومن تآليفه: سلَّم العامَّة والمبتدئين، قصائد شعرية في النصح وطلب العلم. وانظر: حفَّار: السلاسل الذهبية في الشمائل الطفيشية (مخ) ق12؛ أبو اليقظان: سليمان الباروني، ج1/ص34. (1/76)
صفحة 77
أمَّا بعد فاعلم أيَّدنا الله وإيَّاك بتوفيقه وأرشدنا إلى معرفة الصواب من دينه وطريقه، أنَّ المسلمين كانوا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - على رأيٍ واحد واعتقاد واحد لاخلاف بينهم في معتقدهم، لوجوده - صلى الله عليه وسلم - بينهم، يقلِّدونه في جميع نوازلهم، ولمشاهدتهم الوحي ونزول القرآن في بيان ما أشكل عليهم، ولمَّا مات - صلى الله عليه وسلم - بقي المسلمون على ذلك، ولم يقع بينهم خلاف إِلاَّ في بعض أمور اجتهاديَّة لا تعلُّق لها بالمسائل الاعتقاديَّة، ولا توجب كفراً ولا إيماناً، ولازيغاً ولا طغياناً، ثمَّ صار الخلاف يتدرَّج شيئاً فشيئاً إلى آخر أيَّام الصحابة رضوان الله عليهم، ومع ذلك لم تزل عقائدهم وديانتهم واحدة لا خلاف بينهم فيها، إلى أن ظهر رجل يقال له معبد الجهيني (1) ، وآخر يقال له غيلان الدمشقي (2) ،
__________
(1) - ... هو معبد بن عبد الله بن عويم الجهني البصري (ت: 80هـ/699م): أوَّل من قال بالقدر في البصرة، وقد قتله الحجَّاج لقوله بالقدر. وانظر: الزركلي: الأعلام، ج8/ص177
(2) - ... هو غيلان من مسلم الدمشقي (ت بعد: 105هـ/723م): ثاني من تكلَّم بالقدر، وهو أديب بليغ، تنسب إليه الفرقة الغيلانية. قتل صلبا على باب كيسان بدمشق.. ... وانظر: الزركلي: الأعلام، ج5/ص320 (1/77)
صفحة 78
وآخر يقال له يونس الأسواري، وخالفوا المسلمين في القدر ونسبوا أفعالهم إلى قدرتهم، نفوا عنها قدرة الله تعالى فزاغوا بذلك وضلُّوا عن مسلك الحقِّ، ولم يزل الخلاف يتدرَّج ويتشعَّب، وكثرت الآراء والأقوال، وعظمت الفتن والأهوال، حتَّى تفرَّق أهل الإسلام وأصحاب المقالات إلى ثلاث وسبعين فرقة، كما أخبر بذلك رسول هذه الأمَّة - عليه السلام - حيث قال أو كما قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلُّها هالكة ما خلا واحدة ناجية، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين كلُّها هالكة ما خلا واحدة ناجية، وستفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة كلُّها هالكة ما خلا واحدة ناجية، وكلُّهم يدَّعي تلك الفرقة، ويقول إنَّ الحقَّ بيده دون غيره، وصار كلُّ حزب بما لديهم فرحون» (1) .
__________
(1) - ... حديث «ستفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهنَّ إلى النار ما خلا واحدة منهنَّ ناجية»، رواه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح، بسند أبي عبيد عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس، باب 6 في الأمَّة أمَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، حديث 41.
... وقد خرَّجه الإمام السالمي، وضبط معانيه ووجوه تأويله في شرحه للجامع الصحيح، ج1/ص67-70. وللوارجلاني كلام طويل في الفرقة الناجية في مدخل كتابه: الدليل والبرهان.
... وقد رواه غير واحد من أصحاب السنن، بألفاظ مختلفة، منهم: أبو داود في السنَّة، حديث 3981؛ وابن ماجة في الفتن 3983... وغيرهما. (1/78)
صفحة 79
وقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الفرقة الناجية فقال: «هم الذين يعملون بكتاب الله تعالى وسنَّتي» (1) ، فإدا فهمت هذا وانتقش في صحيفة ذهنك فاعلم أنَّ أصحابنا وأيمَّتنا - رضي الله عنهم - هم المتمسِّكون بكتاب الله وسنَّة الرسول، المقتفون آثار الصحابة العُدول، قد قادهم الإرشاد والتوفيق، فأخذوا على يمين الطريق، وأسَّسوا قواعد مذهبهم على الصدق والتحقيق؛ فبراهينهم عليه نيِّرة واضحة، ودلائلهم على إثبات صحَّته مقبولة راجحة، موافقة للكتاب والسنَّة، وما عليه السلف الصالح من هذه الأمَّة؛ ولم يزالوا بحمد الله تعالى على النهج القويم والصراط المستقيم، يتوارثون دين الله خلفًا بعد خلف، وطبقة بعد طبقة، وجيلا بعد جيل، من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هلمَّ جرًّا، كما قال - عليه السلام - : «يحمل هذا العلم من كلِّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (2) .
فالغالون هم الصفرية والأزارقة ومن شايعهم، فإنَّهم غلَوْا في دين الله وتعدَّوا حدوده، وحكموا بأنَّ المعاصي كلَّها شرك، ومرتكبَ الكبيرة كافرٌ كفرَ شرك، يحلُّ دمه وماله وسبي ذرِّيَّته، وكفَّروا بعض الصحابة الراشدين - رضي الله عنهم - ... إلى غير ذلك من قبائحهم.
__________
(1) - ... وفي معناه جاء حديث الجامع الصحيح، عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عنِّي فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عنِّي» حديث 40، باب 6 ما جاء في الأمَّة أمَّة - صلى الله عليه وسلم - .
(2) - ... لم نجد الحديث هذا الحديث في الجامع الصحيح ولا في الكتب التسعة. (1/79)
صفحة 80
وأمَّا المبطلون فهم المشبِّهة والمجسِّمة ومن وافقهم، فقد شبَّهوا الله تعالى بخلقه، ووصفوه بكونه جسمًا فأبطلوه بذلك جلَّ وعلا، وكذلك المرجئة فإنَّهم قالوا: إنَّ المعاصي لا تضرُّ مع الإقرار بالتوحيد، فأبطلوا بذلك فائدة الحلال والحرام، والأمر والنهي، والوعد والوعيد.
وأمَّا الجاهلون فهم المتأوِّلون لكتاب الله وسنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - على غير تأويلها.
وأصحابنا - رضي الله عنهم - قد سلموا من هذه الزلاَّت، ونزَّهوا دين الله عن هذه الهفوات، فصدق عليهم الحديث المنقول، وثبت بذلك أنَّهم القادة العدول، المصدَّقون في كلِّ فعل وقول، مِمَّا جاء عن الله والرسول، فلذلك صدَّقنا أخبارهم، واقتفينا آثارهم، وعلمنا أنَّهم هم الحاملون لهذا الدين، المشيِّدون له على أساس الصحَّة واليقين، أماتنا الله على منهاجهم موفَّقين لا مبدِّلين ولا مغيِّرين، بجاه خاتم النبيِّين صلَّى الله عليه وعليهم أجمعين.
وإذ قد ذكرنا أصل الاختلاف الواقع من المسلمين، فلنرجع إلى ما قصدناه من تسمية أيمَّتنا ومشايخنا المهتدين، الذين أخذنا عنهم هذ الدين، وصاروا وسيلة لنا إلى ربِّ العالمين. نقول وبالله التوفيق: (1/80)
صفحة 81
اعلم وفَّقنا الله وإيَّاك لمرضاته أنَّ سلفنا وقدوتنا وعمدتنا، وإمام مذهبنا، ووسيلتنا إلى ربِّنا بعد رسوله الصادق الأمين، وأصحابه الأيمَّة الراشدين صلَّى الله عليه وعليهم أجمعين، هو الإمام الماهر، والبحر الزاخر، عمدة كلِّ مريد: أبو الشعثاء جابر بن زيد - رضي الله عنه - (1) ، البصريُّ العمانيُّ، من التابعين؛ أخذ العلم عن ابن عبَّاس ابن عمِّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وغيره من الصحابة، كما قال: رحمه الله تعالى: «اجتمعت بسبعين رجلا من الصحابة فحويت ما عندهم من العلم إِلاَّ البحر الزاخر»، يعني ابن عبَّاس، وسمَّاه بحراً لغزارة علمه وكثرته، فلذلك لم يحط بما عنده من علم؛ قال في كتاب السير عند التعريف به: «وكان جابر أعلم الناس وأعبد الناس، ولذلك قال ابن عبَّاس: جابر بن زيد أعلم الناس، وقال أيضًا: عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد، ولو قصدوا نحوه لوسعهم علمه».
وذكر أبو طالب مكِّي في كتاب، قوت القلوب: «إنَّ ابن عبَّاس قال: اسألوا جابر بن زيد، فلو سأله مَن بالمشرق وبالمغرب لوسعهم علمه».
وقال إيَّاس بن معاوية - رضي الله عنه - : «رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد»؛ مع أنَّ البصرة يومئذ مملوءة بالفقهاء.
وعن الحصين بن حيَّان قال: «سمعت ابن عبَّاس في المسجد الحرام يقول: جابر بن زيد أعلم الناس بالطلاق». وعنه أيضًا: «لمَّا مات جابر بن زيد: بلغ موته أنس بن مالك خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: مات أعلم من على ظهر الأرض»، أو قال: «مات خير أهل الأرض». وله كرامات وفضائل تطلب من المطوَّلات.
__________
(1) - ... وانظر ترجمته كاملة في: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضيَّة، ج1/ص (النسخة التجريبية)، مادَّة جابر. وفيه إحالة إلى العشرات من مصادر ترجمته. (1/81)
صفحة 82
وكان رحمه الله في القرن الأوَّل مع كثير مِمَّن كانوا على طريقته من فحول العلماء ورجال الدين، كالإمام عبد الله بن إباض، وأبي بلال مرداس بن حدير، وأخيه عروة وغيرهم، مِمَّن لهم ذكر وفضائل في التواريخ الكبيرة - رضي الله عنهم - .
ولادته: كانت ولادته رحمه الله في خلافة سيِّدنا عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - لسنتين بقيتا منها، وذلك أنَّ سيِّدنا عمر مات في ثلاث وعشرين من الهجرة، فتكون ولادة جابر في إحدى وعشرين منها.
وفاته: ومات رحمه الله سنة ستٍّ وتسعين من الهجرة، بعد أن أخذ عنه العلم ناس كثيرون، واستضاء بنوره رجال موفَّقون، من جملتهم ذلك الإمام المحقِّق الزاهد، معدن الحكم والمعارف: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميميُّ البصريُّ (1) ، وغيرهم مِمَّن يكثر تعدادهم، ثمَّ صار أبو عبيدة قائدًا في الدين، وإمامًا للمسلمين، يرجعون إليه في المهمَّات، ويقصدونه في إيضاح المشكلات، تشدُّ إليه المطايا من كلِّ فجٍّ عميق، لطلب العلوم واستفادة التحقيق، كان معاصرًا للإمام أبي حنيفة ومالك، قبل اشتهار مذهبهما في الممالك. أخذ عنه جماعة فاقوا، وفي مضمار العلوم تسابقوا، منهم حملة العلم إلى وسط جزيرة العرب وعمان والمغرب، المجدِّدون فيها لهذا المذهب حتَّى عرف واشتهر، وقوي أهله فظهر، فناصبوا من حادَّهم، وحاربوا من ضادَّهم، وساعدهم بعون الله سابق المقدور، حتَّى رقَوا من حضيض الخفاء إلى ذروة الظهور. وها أنا ذا أذكر لك سبب ظهور هذا المذهب، وانتشاره في أرض المغرب.
ظهور المذهب بالمغرب
__________
(1) - ... وانظر: مبارك الراشدي: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه (45-145هـ)، أطروحة دكتوراه. (1/82)
صفحة 83
وذلك أنَّ خمسة أنفار متفرِّقي البلاد والديار، وهم أبو الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري من اليمن، وعبد الرحمن بن رستم الفارسي، وإسماعيل بن درار من غدامس (1) ، وأبو داود القبلي من نفزاوة، وعاصم السدراتي. وهؤلاء الخمسة دعاهم داعي الفلاح والفتوح، فأجابوه إلى طلب العلم الممدوح، وسار كلُّ واحد منهم إلى ما هو إليه مشتاق، وفارق الأهل والأوطان والرفاق، وقطعوا الفيافي إلى أرض العراق، وقصدوا أبا عبيدة مسلمًا بن أبي كريمة بمدينة البصرة، التي كان قدومهم إليها سببا للتأييد والنصرة، فجمعهم عنده سابق القضاء والقدر، ومكثوا يتعلَّمون العلوم حينًا من الدهر.
فلمَّا قضوا منها وطرهم وبغيتهم، وأخذوا مِمَّا راموه غرضهم وأمنيتهم؛ وأرادوا التوجُّه إلى بلادهم وأوطانهم، والانضمام إلى طارفهم وتلادهم، استشاروا أبا عبيدة - رضي الله عنه - في عقد إمامة الظهور لواحد منهم ليحكم بينهم بالسنَّة والكتاب، وما عليه السلف الصالح من الأصحاب، وذلك إذا بلغوا أوطانهم، وآنسوا قوَّة في أنفسهم، وأنعم لهم بذلك وأجاب، وقال: «إن كان ولا بدَّ فعليكم بهذا ــ وأشار إلى أبي الخطَّاب ــ فإن أبى فاقتلوه إن توفَّرت الأسباب».
وروي أنَّهم حين عزموا على التوجُّه للسفر، خرج أبو عبيدة لتشييعهم ووداعهم طلبًا للأجر، ونفيًا للأَنفة والكبر. ولمَّا وضع رِجلا واحدة في الركاب اندفع إسماعيل بن درار يسأله عن مشكلات المسائل ويطلب الجواب؛ فما لوى رِجله الثانية إلى الركاب الآخر حتَّى سأله عن ثلاثمائة مسألة من الأحكام، فقال له الشيخ معجبًا باستحضاره: «أردتَ أن تكون يا ابن درار قاضيًا للإسلام؟»، فقال له: «وما الذي تراه إن ابتلاني الله بذلك أيُّها الإمام؟».
وصولهم إلى طرابلس
__________
(1) - ... في الهامش: «قوله: من غدامس، مدينة مشهورة إلى الآن في جنوب طرابلس، وأهلها الآن مالكيَّة، وفيها دفن هذا الإمام رحمه الله وضريحه مشهور هناك يزار». (1/83)
صفحة 84
ولمَّا بلغوا طرابلس، وكانت إذ ذاك عامرة بإخوانهم، وفيهم العلماء وأرباب الحيثيات والتجَّار وأهل الفضل والدين، مكثوا مدَّة حتَّى جمعوا أمرهم، وتشاوروا مع من كان فيها من أهل الرأي من إخوانهم، والتمسوا الفرصة في عقد الإمامة، على وجه يكون عاقبته الظفر والسلامة، فتواعدوا للاجتماع خارج البلاد، بموضع غربيٍّ من المدينة، يقال له صيَّاد (1) ، وأظهروا أنَّهم مجتمعون في شأن أرض وقع فيها خصام ليقسموها على وجه يوافق المرام، فلمَّا خرجوا إلى الموضع المشار إليه، أعلنوا بالأمر الذي عزموا عليه، وعرضوا الإمامة أوَّلاً على عبد الرحمن فامتنع من قبولها في ذلك الأوان، ثمَّ عطفوا بها إلى أبي الخطَّاب عبد الأعلى، وقال (2) له: «ابسط يدك لنبايعك على أن تحكم بيننا بالسنَّة والكتاب، وما عليه رجال الدين أولوا الألباب»، فقال لهم: «يا قوم، ما لهذا الأمر خرجنا، ولا لأجله اجتمعنا»، وكان غير عالم بمرادهم، إِلاَّ ما أظهروه من شأن قسمة أرضهم، فقالوا: «لا سبيل إلى الامتناع، ابسط يدك لنبايعك على أن يطاع الله ورسوله وتطاع».
__________
(1) - ... وانظر: الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، ج1/ص22-23.
(2) - ... لعلَّ الصواب: «وقالوا له». (1/84)
صفحة 85
فلمَّا رأى أنَّهم مجدُّون في توليته، وعلم أنَّه لا سبيل إلى تركه، أجابهم فيما طلبوه، وساعفهم فيما رغبوه. وقبل عند ذلك بيعتهم بعد شروط اشترطها عليهم، ولمَّا تمَّ أمرهم وانتهى، دخلوا المدينة على حين غفلة من أهلها، وأخرجوا عاملها بالأمان والسراح، وتولَّى أبو الخطَّاب مكانه واستراح، وحكم طرابلس ونواحيها، وتوجَّه إلى القيروان وما يليها، واستعمل عبد الرحمن بن رستم عاملا عليها، ومكث في الخلافة ما شاء الله أن يليها، ثمَّ قُتل شهيدًا رحمه الله في بلدة في شرق طرابلس، تسمَّى "تَوَرْغَا" (1) في أربعة عشر ألفًا من أصحابه. وكانت وِلايته في القرن الثاني //// عام أربعين ومائة، وكان له بطرابلس مسجد ومنبر جمعة»
وله فضائل وأخبار يطول ذكرها، ومن أرادها فعليه بكتاب السير للشيخ أبي العبَّاس أحمد بن سعيد الشمَّاخي رحمه الله.
إمامة أبي حاتم - رضي الله عنه - (2)
__________
(1) - ... وفي طبقات الدرجيني: “تاوَرغا"، وانظر ج1/ص34.
(2) - ... وانظر: اليعقوبي: تاريخ، ج2/ص322؛ الرقيق القيرواني: تاريخ إفريقية، ص197؛ أبو زكرياء: السيرة، (ط. تونس)، ج1/ص73، 78-84؛ ابن عذاري: البيان المغرب، ج1/ص88-94؛ الشماخي: السير (تحقيق محمَّد حسين)، ص36-42؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضيَّة (النسخة التجريبية)، ج5/ص728-729، ترجمة 1096. (1/85)
صفحة 86
ثمَّ عقد المسلمون الإمامة بعده للوليِّ الصالح أبي حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي، وذلك في رجب عام 154، (أربعة وخمسين ومائة)، فتولَّى أعمال طرابلس وقابس وقيروان وما يليها، وكانت له حروب ومقاتلات كثيرة ــ يطول شرحها ـ أنهاها المؤرِّخون إلى ما فوق ثلاثمائة وخمسين مقاتلة، منها وقعة "مَغْمَدَاس" (1) ، في شرق طرابلس على مسافة ثمانية أيَّام منها، لاقى فيه أبو حاتم عسكر المسودَّة، فهزمهم وقتل منهم ستَّة عشر ألفًا، وهذه الوقعة يعدُّونها ثأرًا لوقعة أبي الخطَّاب التي مات فيها.
ولذلك ذكروا أنَّ رجلا من الجند ناقش رجلا من أصحابنا، وقال له مفتخرًا عليه: «ما تفسير تَوَرْغا؟» يشير إلى قتلهم الإمام أبا الخطَّاب ومن معه، فأجابه صاحبنا بأنَّ تفسيرها: «مَغْمَدَاس، فيها أربعة أكداس، في كلِّ كدس أربعة آلاف [راس]» يشير إلى الوقعة المذكورة، فسكت الجنديُّ وبهت، وكان صاحبنا حاذقًا بديها إذ بادر بهذا الجواب القاطع المسكت للخصم.
ومكث أبو حاتم في الخلافة ما شاء الله، ثمَّ قتل شهيدًا رحمة الله عليه، ودفن هو ومن معه من الشهداء في موضع يقال له: جَنْب (2) ، قرب جبل "كَكْلَة"، وقبره هناك مشهور يزار إلى يومنا هذا. وشهد له العرب المجاورون له النور على قبره مرارًا، وما ارتفع إِلاَّ بعد أن دفن في حريمه أعرابيٌّ مات بالقرب منه.
__________
(1) - ... وانظر - الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، ج1/ص38؛ الشماخي: سير المشايخ، ص39.
(2) - ... لعلَّ الصواب: «جنبي». انظر: أبو زكرياء، السيرة وأخبار الأئمَّة (تحقيق عبد الرحمن أيوب). الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، ج1/ص39. (1/86)
صفحة 87
وذكر المؤرِّخون أنَّه اجتمع لأبي حاتم من الجموع ما لم يجتمع لأحد من أهل مذهبه قبله، إذ بلغ عسكره ثلاثمائة ألف وثلاثين أو خمسين ألفًا، ولمَّا مات رحمه الله انتقلت الإمامة إلى أرض المغرب، بمدينة تاهرت التي بناها عبد الرحمن بن رستم الفارسيُّ ومن معه حين خرجوا من القيروان بعد موت أبي الخطَّاب. وقد رأيت في بعض كتب غيرنا أنَّ عبد الرحمن بناها قبل مدينة قاس (1) بخمسين سنة.
إمامة عبد الرحمن - رضي الله عنه - (2)
ثمَّ عقد المسلمون الإمامة لعبد الرحمن بن رستم بالمدينة المذكورة عام 160 (ستِّين ومائة) من الهجرة، فاستقامت له الأمور، ولم يخالف أحد من المسلمين، ورضي عنه أهل المذهب كلُّهم، من كان بالمشرق والمغرب، ومكث في الخلافة ما شاء الله، ومات رحمة الله عليه.
إمامة عبد الوهَّاب - رضي الله عنه - (3)
ثمَّ عقد المسلمون الإمامة لابنه عبد الوهَّاب - رضي الله عنه - ، وهو الذي ينسب إليه المذهب، فيقال: وهبيٌّ، وقيل: النسبة إلى الإمام عبد الله بن وهب، وهو أقرب؛ وأمَّا قولنا: إباضيٌّ فنسبة إلى الإمام عبد الله بن إباض التميميِّ، وكان من أكابر المجتهدين في المذهب، معاصرًا للإمام جابر - رضي الله عنه - ما.
__________
(1) - ... لعلَّ الصواب: فاس، بالفاء لا القاف.
(2) - ... انظر: ابن الصغير: أخبار الأئمة، ص18، 20، 25، 39؛ أبو زكرياء: السيرة، ج1/ص58-60؛ الدرجيني: طبقات المشايخ، ج2/ص290؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضيَّة (النسخة التجريبية)، ج4/ص480، ترجمة 608.
(3) - ... انظر: ابن الصغير: أخبار الأيمة، ص36، 48، 55، 63، 73، 98؛ الرقيق القيرواني: تاريخ إفريقية، 173؛ أبو زكرياء: السيرة، ج1/ص89، 128؛ الوسياني: سير (مخ)، ج1/ص16، 50، 62، 136، ج2/ص157؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضيَّة (النسخة التجريبية)، ج4/ص517، ترجمة 676. (1/87)
صفحة 88
وكانت وِلاية الإمام عبد الوهَّاب في عشرة الستِّين من المائة الثانية، وانتشر حكمه بتيهرت ونواحيها إلى جبل نفوسة، ثمَّ بعد مدَّة قدم إلى الجبل المذكور وأقام به سبع سنين؛ وفي أثناء ذلك وقعت مخالفة بين هوارة من أهل المذهب، وبين عامل طرابلس من قبل بني الأغلب، فخرج إليهم الجند من طرابلس إلى وادي الرمل، وهو غير بعيد عن طرابلس، واقتتلوا هناك فانهزم الجند، واتَّبعته هوارة (1) إلى المدينة، فخرج منها هاربًا إلى إبراهيم بن الأغلب بإفريقيَّة، ولمَّا بلغه وجَّه إلى طرابلس ابنه عبد الله في ثلاثة عشر ألف فارس فقاتل هوارة.
محاصرة الإمام عبد الوهَّاب لطرابلس:
ولمَّا بلغ الخبر إلى الإمام واستغاثوا به، وهو بالجبل سارٍ بعسكره، حتَّى بلغ طرابلس، وفيها عبد الله المذكور، وحاصرها حصارًا شديدًا، وسدَّ عبد الله باب زناتة (2) ، وصار يقاتل من باب هوارة، وأقام الإمام عليها زمانًا محاصرًا لها، وهناك مات الشيخ مهدي النفوسي (3) ، وكان عالمًا كبيرًا متكلِّمًا لا يغلبه أحد من علماء الفرق والمذاهب في المناظرة وتقرير الدليل.
خرج هذا الشيخ من العسكر وتباعد، فأبصروه من المدينة منفردًا، فسبحوا له في البحر ومسكوه، وقطعوا رأسه ووضعوه على سور المدينة، فإذا قالوا له: «انهزم أصحابك» انقبض وجهه وعبس، وإذا قالوا له: «انهزم أهل المدينة» انبسط وجهه وتبسَّم. كذا في السير.
__________
(1) - ... وانظر- الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، ج1/ص23، 34، 39، 104.
(2) - ... في الأصل: زناته. بالهاء. وهو خطأ.
(3) - ... هو الشيخ مهدي النفوسي الويغوي (ت: 196هـ)، من كبار علماء جبل نفوسة. وانظر ترجمته في: أبو زكرياء: السيرة (ط.تونس)، 105-106، 110-111، 113-114، 116؛ الوسياني: سير (مخ)، ج1/ص20؛ الدرجيني: طبقات المشايخ، ج1/ص60، ج2/ص313-314؛ الشماخي: سير، ص79-81؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضيَّة (النسخة التجريبية) ج5/ص561، ترجمة 1176. (1/88)
صفحة 89
وكانت محاصرة الإمام لها سنة ستٍّ وتسعين ومائة من الهجرة. ولمَّا طال الحصار على أهل المدينة وضاق بهم الحال، ولم يجد الإمام حيلة يدخل بها المدينة اصطلحوا على أن تكون المدينة والبحر لعاملها، وما كان خارج المدينة إلى أرض "سرت" (1) كلِّها للإمام عبد الوهَّاب. وأرسل قطفان بن سلمة الزواغي إلى قابس (2) ، فاستولى عليها وعلى ما كان خارجًا عنها من جبال مطماطة وزنزفة، ودمَّر وجزيرة جربة، واستعمل على حوزة طرابلس وزيره السمح بن أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح (3) الإمام المتقدِّم ذكره.
رجوع الإمام من الجبل إلى تيهرت:
ثمَّ ارتحل - رضي الله عنه - متوجِّهًا إلى تيهرت، فكانت أيامه بعد ذلك في سكون واعتدال، ودانت له الأمور واستقامت له الأحوال، وبسط العدل في البلاد وأمات الجور والفساد، وأرسل عمَّاله في جميع رعيَّته في جهات تيهرت وقسطاليَّة (4) وطرابلس إلى نهاية سرت، وهي آخر حوزة طرابلس، ومكث في الخلافة ما شاء الله.
__________
(1) - ... سرت: «مدينة كبيرة على سف البحر، عليها سور من طوب، وبها جامع وحمَّام وأسواق» الحموي: معجم البلدان، ج3/ص206.
(2) - ... قابس: «مدينة بين طرابلس وسفاقس ثمَّ المهدية على ساحل البحر، فيها نخل وبساتين» الحموي: معجم البلدان، ج4/ص289.
(3) - ... هو السمح بن عبد الأعلى بن أبي الخطَّاب بن السمح المعافري (ت بعد: 204هـ/819م). وانظر ترجمته في: أبو زكرياء: السيرة، ج1/ص119-120؛ الوسياني: سير (مخ)، ج2/ص161؛ الشماخي: السير، ص70، 73، 74، 91، 92، 97
(4) - ... في طبقات الدرجيني وردت قسطالية، وانظر- ج1/ص97-99؛ ج2/383، 406؛ ووردت قسطيلية، وانظر- ج1/ص35، 110، 119، 125، 145، 184؛ ج2/ص340، 395، 403، 410... وغيرها. وقد ذكرت في المقدِّمة بالصاد: قصطالية، ج1/ب، ك، ولعلَّه سهو. (1/89)
صفحة 90
إمامة أفلح - رضي الله عنه - (1)
ولمَّا مات تولىَّ الإمامة ابنه أفلح، فبسط العدل في الرعيَّة، وسار فيهم سيرة مرضيَّة، واستقامت له الأمور، ومكث في الخلافة ستِّين سنة.
ولمَّا مات تولىَّ ابنه أبو بكر فلم يستقم له الأمر.
إمامة محمَّد بن أفلح - رضي الله عنه - (2)
فبايعوا أخاه محمَّد بن أفلح، فبلغ في الفضل والعدل مبلغًا عظيمًا، وكانوا يشبِّهون ولايته بولاية جدِّه عبد الرحمن، لأنَّه لم يكن في توليته خلاف، وكانت نفوسة تجعل داره كالمسجد يسهرون حوله، ولا يتكلَّمون بكلام الدنيا، بل طائفة تقرأ القرآن وطائفة تصلِّي، وطائفة تتحدَّث في فنون العلم؛ وكان حسَن السيرة أورع مَن في زمانه، بلغ في العلم منزلة لا تضاهى، وله مؤلَّفات كثيرة في الردِّ على أصحاب الفرق والمذاهب الأخرى، وألَّف في الاستطاعة وحدها أربعين كتابًا وعمره نحو مائة سنة، ومكث في الخلافة أربعين سنة، ومات عام واحد وثمانين ومائتين من الهجرة.
إمامة أبي حاتم يوسف - رضي الله عنه - (3)
__________
(1) - ... وانظر ترجمته في: ابن الصغير: أخبار الأيمة، ص15، 21، 47، 55...؛ أبو زكرياء: السيرة، ج1/ص100، 112، 137...؛ الوسياني: سير (مخ) ج1/ص50-51؛ وجمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج2/ص119. ترجمة: 147 وفيه إحالة إلى العشرات من المصادر.
(2) - ... وانظر ترجمته في: ابن الصغير: أخبار الإيمة الرستميين، ص54، 56، 59، 61، 63، 65، 91؛ أبو زكرياء: السيرة، ص143-144؛ الرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، ج1/ص83-84، ج2/ص319-320؛ الشماخي: السير، ج1/ص183-190. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج5/ص604، ترجمة: 870.
(3) - ... وانظر ترجمته في: أبو زكرياء: السيرة، ص1/142، 145 162؛ الرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، ج1/ص84-94، ج2/ص319، 352؛ الشماخي: السير، ج1/ص223-224. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج5/ص746، ترجمة: 1121. (1/90)
صفحة 91
ولمَّا مات تولىَّ ابنه يوسف، فدانت له الأمور، ولم ينقم عليه أحد من رعيَّته في شيء، ومكث في الخلافة أربعة عشر عامًا، وبه انتهت إمامة الفرس بتيهرت، وكانت مدَّتهم في الخلافة من الإمام عبد الرحمن إلى الإمام يوسف المذكور مائة وخمسين سنة وزيادة.
وقد بلغت هذه الأيمَّة بتيهرت من العلم والأدب والفضل والعدل المقام السامي. قال البعض منهم: «معاذ الله أن تكون عندنا أمَة لا تعرف القمرَ في أيِّ منزلة هو في كلِّ ليلة».
وذكر أنَّ الإمام عبد الوهَّاب وردت عليه خزانة من الكتب من المشرق، فشمَّر لمطالعتها، ولمَّا فرغ منها قال: «الحمد لله الذي أغناني عن الاستفادة، إذ كلُّ الذي فيها عندي، إِلاَّ ثلاث مسائل، ولو سئلت عنها لأجبت فيها قياسًا كما هي في الكتب».
وروي أنَّ ابنه أفلح قعد عليه سبع حِلق يتعلَّمون عنه فنون العلم قبل أن يبلغ الحلم؛ وقعد ذات يوم مع أخته يتذاكران في أوَّل ما يذبح في السوق في غد يومهما، فنظر أفلح فقال: «أوَّل ما يذبح: بقرة صفراء في بطنها عجل أغرُّ»، فنظرت أخته فقالت: «الأمر كذلك، إِلاَّ أنَّ البياض ليس في جبهته، وإنَّما هو بياض في رأس ذنبه، وانقلب إلى جبهته»، فكان الأمر كما قالت.
وذكر عنه أنَّه لم يُعدُّ خطبة قطُّ، بل كلَّما جاءت جمعة أتى لها بخطبة جديدة، وكذلك الأعياد.
وبالجملة فقد بلغوا في سائر العلوم مقامًا لا يوصف، ولهم بعلم الحساب والتنجيم علم عظيم. ولقد صدق عليهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لو تعلَّق الدين بالثريَّا لنالته رجال من الفرس» (1) .
__________
(1) - ... روي الحديث بألفاظ مختلفة منها، ما روى الإمام أحمد في باقي مسند المكثرين، رقم 9677، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «قَالَ لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ نَاسٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ».
... ومنها روايات ليس فيها لفظ: "فارس" وإنَّما ذكر أبناء سلمان الفارسي، ومنها رواية جاء فيها: ... حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدِّيْلِيُّ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أُنْزِلَتْ سُورَةُ الْجُمُعَةِ فَتَلَاهَا فَلَمَّا بَلَغَ {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِنَا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ، قَالَ: وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فِينَا قَالَ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبُو الْغَيْثِ اسْمُهُ سَالِمٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ مَدَنِيٌّ. (1/91)
صفحة 92
ووري أنَّه لمَّا نزل قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبُّهم ويحبُّونه أذلَّة على المؤمنين أعزَّة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} (1) أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سلمان الفارسي، وكان جالسًا بين يديه، وقال: «لعلَّهم يكونون من رهط هذا»، يعني من قومه.
وذكر في كتب الحديث أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ لله كنز ليس من ذهب ولا من فضَّة، ولكنَّه من ظهور أبناء فارس» (2) .
وذكر ابن دأب أنَّ عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - مشى ذات مرَّة مع المغيرة بن شعبة، وكان المغيرة أعور، فقال له عمر: «هل أبصرت عينك هذه شيئًا يا مغيرة؟» فقال له: «نعم يا أمير المؤمنين»، فقال عمر: «ثمَّ أعورت»، فقال: «نعم»، فقال عمر: «ليعورنَّ الإسلام كما عورت، ثمَّ ليعمينَّ حتَّى لا يبصر من له ولا من عليه، فإذا أتى عليه مائة سنة وستُّون سنة ردَّ الله عليه سمعه وبصره بوفد ملوك، طيِّبة أرواحهم، صالحة أعمالهم»، فقال له المغيرة: «من أيِّ ماء يا أمير المؤمنين، أمن ماء الحجاز، أم من ماء العراق، أم من ماء الشام؟»، فتولىَّ عنه عمر وتركه.
__________
(1) - ... سورة المائدة: 54.
(2) - ... رواه مسلم في فضائل الصحابة، رقم 4618، وفيه: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ عَبْدٌ أَخْبَرَنَا و قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ جَعْفَرٍ الْجَزَرِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ أَوْ قَالَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ». (1/92)
صفحة 93
ونحن نرجو إن شاء الله تعالى أن يكون هذا الأمر وما قبله في حقِّ أيمَّتنا الفرس، لأنَّ ولايتهم كانت على رأس ستِّين ومائة كما ذكرنا سابقًا.
وأخبارهم وفضائلهم كثيرة شهيرة مسطورة في الكتب، ليس هذا محلّ ذكرها، ومن أراد الوقوف عليها فعليه بكتب السير (1) ، فإنَّه يظفر بمراده، ويرى ما يسرُّه إن شاء الله.
__________
(1) - ... منها مثلا: طبقات الدرجيني، وسير الأَيمَّة لأبي زكرياء، والسير للشماخي... (1/93)
صفحة 94
وفي دولتهم وأيَّامهم كثر العلماء والعبَّاد والزهَّاد، وانتشر المذهب بأرض المغرب، حتَّى كان مسير ثلاثة أشهر على ما وجدته في بعض التواريخ. وفي أيَّام الإمام يوسف الذي [كان] آخرهم إمامة، صارت وقعة "مانو" التي فلَّ فيها حدُّ سيوف نفوسة وضعفوا، وذلك أنَّ نفوسة في دولة هذه الأيمَّة بلغت في التقى والعدل والعلم حدًّا غريبا لم يبلغه غيرهم في أرض المغرب، حتَّى كاد يكون حاكيه كاذبًا أو مبالغًا، وامتلاء هذا الجبل في أيَّامهم كالرمَّانة، حتَّى عدُّوا في عصر واحد اثني عشر شيخًا مستجابي الدعاء، وهم: أبو مرداس مهاصر التبرستي (1) ، وأبو المنيب محمَّد بن يانس الدركلي (2) ، وأبو عامر التصراري (3) ،
__________
(1) - ... هو أبو مرداس مهاصر التبرستي (منتصف قال 3هـ/9م): من علماء جبل نفوسة وأبطالها، شارح العبَّاس بن أيُّوب في محاربة الفرقة الخلفية. وانظر- أبو زكرياء: سير الأَيمَّة، 88-89،100.الباروني:الأزهار الرياضية، ص175، 277. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج5/ص659.
(2) - ... هو أبو المنيف (أو المنيف) محمَّد بن يانس الدركلي النفوسي (الطبقة 5: 200-250هـ): أحد أعلام جبل نفوسة، كان عالما بمعاني القرآن الكريم، وهو مِمَّن جازت عليه سلسلة نسب الدين، وكان تاجراً، شارك في مواجهة الواصلية. وانظر- أبو زكرياء: سير الأَيمَّة، ج1/ص106، علي يحي معمر: الإباضيَّة في موكب التاريخ، ح2/ق2/ص17، 25، 73. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج5/ص649.
(3) - ... هو أبو عامر التصراري (200-250هـ): أحد شيوخ جبل نفوسة المشهورين، مستجاب الدعاء. ... وانظر- البغطوري: سيرة نفوسة (مخ) ص60. الباروني محمَّد بن موسى: مشاهد الجبل (مخ) ص1، 2. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج4/ص470، ترجمة 591.. (1/94)
صفحة 95
وأبو الحسن الأبدلاني (1) ، وماطوس بن ماطوس الشروسي (2) ، وأبو مهاصر موسى بن جعفر من أهل إفطمان (3) ، وهؤلاء من الناحية الغربية من جبل نفوسة، ويقال لهم أهل "إِمِتجْ". وأمَّا ناحية جادو ففيها: أبو زكرياء التوكي (4) ، وأبو عبيدة عبد الحميد الجناوني (5) ، وأبو زيد المصغورتي (6) ،
__________
(1) - ... هو أبو الحسن الأبدلاني (ق3هـ/9م): عالم وفقيه، من علماء نفوسة، له دراية بعلم التفسير والكلام، وناظر الواصلية في عهد الإمام عبد الوهاب. ... الدرجيني: طبقات، ج1/ص57، 60. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج2/ص244، ترجمة 304.
(2) - ... هو أبو معرووف ماطوس بن ماطوس (وورد ابن هارون) الشروسي (ت: 283هـ/896م): عالم عامل ومجتهد من نفوسة، له كتاب يسمَّى: كتاب ماطوس، فيه مسائل وأحكام النساء. ... وانظر- الشماخي: السير، ج1/ص226-227. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج5/ص595، ترجمة 852.
(3) - ... هو أبو مهاصر موسى بن جعفر الأفطماني (200-250هـ): شيخ النسك والتبتُّل، وهو العالم الزاهد المكرَّم باستجابة الدعاء. ... ... الشماخي: السير (تحقيق محمَّد حسن)، ص113-118.
(4) - ... هو أبو زكرياء التوكيتي (وليس التوكي كما في الأصل) (200-250هـ): من علماء نفوسة المشهورين، وله في كتب السير مناقب. ... وانظر- الوسياني: سير (مخ) ج2/ص159. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج2/ص316، ترجمة 394.
(5) - ... هو أبو عبيدة عبد الحميد بن محمس الجناوني (بعد: 211هـ): من علماء نفوسة، تولىَّ منصب العامل على ولاية طرابلس في عهد الإمام عبد الوهَّاب. وانظر- الوسياني: سير (مخ) ج1/ص140؛ ج2/ص158، 221. البغطوري: سير نفوسة (مخ) ص34، 55... جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج4/ص476، ترجمة 602.
(6) - ... هو أبو زيد المصغوري (وليس المصغورتي) (ق2هـ/8م): من كبار شيوخ نفوسة، كان مستجاب الدعاء، وأسس مدرسة لنشر العلم بها..وانظر- الشماخي: السير، ج1/ص205. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج2/ص334، ترجمة 413. (1/95)
صفحة 96
وأبو يحيى تسكينت التارديني (1) ، وأبو الشعثاء السنتوتي (2) ، وأبو يحيى الأصغوي (3) ، رضوان الله عليهم أجمعين.
وبلغنا أنَّ نفوسة كانوا في كثرة زائدة وجموع طافحة يعدُّون خيلهم بتسعة وتسعين ألف فارس، وأمَّا الرجال فممَّا لم يحصر عدده. وكانوا أكثر الناس حجًّا بالنساء والبنين، ذكر المؤرَّخون أنَّه ولد في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر غير الإناث، وشاعت أخبارهم في كلِّ مكان حتَّى هابهم من بالمشرق والمغرب.
وكذلك مزَّاتة بأرض المغرب من أهل المذهب كانوا في جموع كثيرة، وقوَّة عظيمة أموالا ورجالاً، وكانوا يعدُّون جيشهم باثني عشر ألف فارس، ولهم من الرجال ما ملاء البطاح، ولذلك قال الإمام عبد الوهَّاب - رضي الله عنه - : «ما قام هذا الدين إِلاَّ بسيوف نفوسة وأموال مزاتة».
وقعة مانو
__________
(1) - ... هو أبو الشعثاء السنتوتي (200-250هـ): عالم وعامل وورع من جبل نفوسة، اشتهر باستجابة الدعاء. ... الشماخي: السير، (تحقيق) ص176-177.
(2) - ... هو أبو الشعثاء بن البغطورية الشروسي السنتوني (وليس السنتوتي) (ق2): من أعلام نفوسة، كان حاكما على أهل ويغو، وقد امتاز بتعليم البنت والعناية بها في زمنه،. وانظر- الشماخي: السير، ج1/ص209-210؛ ج2/ص8. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج2/ص445، ترجمة 543.
(3) - ... هو أبو يحي الأصغوي (وقيل الأصغري) النفوسي (200-250هـ): اشتهر بالعلم والزهد، وكان مستجاب الدعاء. الشماخي: السير (تحقيق محمَّد حسين) ص82. (1/96)
صفحة 97
ثمَّ تحرَّك إبراهيم بن أحمد من بني الأغلب في آخر القرن الثالث يريد طرابلس الغرب، فعارضته نفوسة ومن معهم في جموع كثيرة بموضع يقال له: مانو (1) ، وهو قصر من قصور الأولين على ساحل البحر، ومنعوه من الجواز إلى ما يريده، فاقتتلوا قتالا شديدًا لم يروا مثله في ذلك الزمان، حتَّى صارت الرجال تنهدم بين الصفَّين كالحيطان، وترامى بعضهم في البحر وماتوا فيه، حتَّى غلبت حمرة الدم على الماء؛ وذكروا أنَّه مات في تلك الوقعة اثنا عشر ألفًا من نفوسة ومن معهم، ومات فيهم من العلماء أربعمائة عالم، وأخذوا من ناحية "تيجي" ثمانين عالمًا، ثمَّ قتلوهم صبرًا، فكانت فلَّة وثلمة في الإسلام توجب الأسف العظيم.
وبلغنا أنَّ الصفَّين لمَّا افترقا ودخل الليل جاء رجل من عسكر ابن الأغلب ليأخذ أخًا له قد مات في المعركة فدخل بين القتلى، ورفع أخاه على دابَّته، فنظر فرأى حيوانا على صورة كلب الصيد المعروف عندنا (بالسلوقي) يدور في القتلى وهو يقول: «كبِّروا يا أهل الجنَّة» فكبَّر قتلى نفوسة ومن معهم، ثمَّ قال: «انبحوا يا كلاب النار» فنبح قتلى بني الأغلب، ونبح أخوه بين يديه على الدابَّة، فرمى به الأرض فذهب. ذكر الحكاية الشمَّاخي وغيره.
ثمَّ ابتلى الله إبراهيم بن أحمد بأن تغيَّر عقله، وفسد طبعه ومزاجه، وساءت حالته، وشرع في قتل أصحابه وأولاده وبناته وكتَّابه وحجَّابه وقوَّاده، وأسرف في ذلك، وفعل أفعالا قبيحة لا تصدر إِلاَّ من المجانين ــ والعياذ بالله ــ ليس هذا محلُّ ذكرها.
__________
(1) - ... وقعت سنة 283هـ. وانظر- الدرجيني: طبقات، ج1/ص87-89، 126؛ ج2/ص324 (1/97)
صفحة 98
وبعد ذلك مات الإمام يوسف بن محمَّد، غدر به بنو اليقظان بتيهرت فقتلوه، وانقرضت الإمامة العظمى من أهل هذا المذهب، وانقطعت الحوزات، وانفرد كلُّ أهل حوزة بأنفسهم يقدِّمون عليهم حاكمًا منهم يسندون إليه أمورهم، ويؤدُّون له حقوقهم ليضعها في مواضعها الشرعيَّة، ودام الحال على ذلك حينًا من الدهر، والمذهب منتشر في البلاد المغربيَّة وأقطارها حتَّى وصل بلاد السودان.
سبب دخول الإسلام لسودان الغرب
(غانة وما حولها) (1)
ذكر المؤرِّخون أنَّ دخول الإسلام مدينة غانة وما يليها من بلاد السودان كان على يد الرحَّالة العالم التاجر الشيخ علي بن يخلف النفوسي التيمجاري (2) ، وذلك أنَّه سافر إلى دواخل غانة تاجرًا سنة 575، فأقام بها، وصار له مكان وقبول عند سلطانها، وكان السلطان عظيمًا في ملكه، تحته اثنا عشر معدنًا يستخرج منها التبر ووقع القحط ببلادهم، فاشتكت الرعيَّة للسلطان، وذلك بمدينة مالي، فقرَّبوا لأصنامهم الذبائح، واستغاثوا بها فلم يغنهم ذلك شيئًا، وكان الشيخ على جناح السفر إلى وطنه، فقال له السلطان: قد دعونا آلهتنا فلم تنفعنا بشيء، فادع لنا إلهك الذي تعبده أنت لعلَّه يفيدنا، فقال له: لا يجوز لي ذلك لأنَّكم تنكرون ألوهيَّته وتعبدون غيره.
__________
(1) - ... .وانظر: محمَّد ناصر (الدكتور): دور الإباضيَّة في نشر الإسلام بجنوب غرب إيفريقا.
(2) - ... هو أبو الحسن علي بن يخلف بن يخلف الدرجيني (ق6هـ/12م): من أعلام درجين ببلاد الجريد، ومن كبار التجار إلى بلاد السودان، وله في كتب السير روايات عديدة حول إسلام أهالي مالي على يده. ... الدرجيني: طبقات، ج2/ص513، 516، 517. بحاز: الدولة الرستمية، ص28-29. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج4/ص530، ترجمة رقم 705. (1/98)
صفحة 99
فَلان جانب السلطان، واستفهم عن الدين الإسلاميِّ، فأنار له الشيخ الطريق، وفهَّمه بمبادئ الإسلام، فاستحسنه، وقنع بما قرَّره الشيخ له من مزايا الإسلام، فاعتنقه في الحال، وخرج هو والشيخ إلى كدية خارج المدينة، وصار الشيخ يدعو وهو يؤمِّن عليه، والشيخ يصلِّي وهو يتبعه، وكان ذلك ليلا.
فما أصبح الصبح حتَّى هطلت الأمطار بقوَّة لا تدرك، وحال السيل بينهما وبين المدينة، وما دخلا إِلاَّ في سفينة مع النيل، ودام المطر على ذلك الحال سبعة أيَّام بلياليها، فازداد السلطان إذ رأى ذلك رسوخًا في الإيمان، ودعا أهل بيته وأتباعه ووزراءه إلى الإسلام فأجابوه، ثمَّ دعا أهل المدينة ومن كان قريبًا منها فأجابوه أيضًا، وامتنع من كان بعيدًا، وقالوا: للسلطان: «ما لك علينا إِلاَّ الطاعة، وأمَّا الدين فكلٌّ يعبد ما شاء»، فاشترط السلطان على من لم يقبل الإسلام أن لا يدخل المدينة، وإن دخلها يقتل، فقبلوا منه ذلك، وشرع الشيخ في تعليمهم قواعد الدين وفرائضه والقرآن، إلى أن ورد عليه من والده جواب تحريضا على القدوم وعدم الإذن في البقاء هنالك بعد وصول الجواب إليه، وإذ لم يجد بدًّا من إجابة والده ارتحل بعد أن عاتبه السلطان على تركه إيَّاهم بعد اهتدائهم، ولمَّا أعلمه بوجوب طاعة الوالدين وما لهما من الحقوق في الدين الإسلاميِّ أذن له في السفر. (1/99)
صفحة 100
وبعد زمن طويل رجعوا إلى مذهب المالكيَّة، وقد أخبرني بعض من يحترف بالتجارة إلى السودان من عرب فزَّان، أنَّ في السودان قومًا يخالف مذهبهم مذهب المالكيَّة، ثمَّ بعد مدَّة اجتمعت في بعض أسفاري بمغربيٍّ ساح في الأرض شرقًا وغربًا، وصار يحدِّثني بما رآه من البلاد وأسأله عمَّا أجهله منها، إلى أن بلغ به الحديث إلى ذكر السودان فقال: «إنَّ به قومًا مذهبهم كمذهب بني ميزاب، وإنَّهُم لا يرفعون أيديهم في الصلاة عند تكبيرة الإحرام»، فرأيت من كلامه ما يؤيِّد كلام الفزَّاني، ولعلَّهم بقيَّة مِمَّن ذكرنا، والله أعلم بالحقائق.
وإنَّما ذكرت لك هذه الحكاية لتعلم أنَّ مذهبنا كان في الأزمنة السابقة منتشرًا بصورة تكيِّفها أهل البصائر بتوفيق الله حتَّى بلغ إلى الحدِّ المذكور.
وذكر أيضًا في كتاب السير أنَّ بلدة يقال لها: "تجديت (1) " قبالة وادي أريغ، بناحية المغرب، قد اجتمع فيها من أهل الأدب والفضل والعبادة والسيادة ما لم يجتمع في غيرها من بلاد أهل المذهب في ذلك الزمان، حتَّى عدُّوا في الحلقة من الطلبة ثمانين توأما، ومائتي طالب يحفظون مائتي كتاب، وغيرهم من الطلبة ما يعدُّ بكثرة، وفيها مائة عالم لا يردُّ أحدهم مسألة إلى الآخر إِلاَّ من جهة الأدب، ويحضر الصلاة ثلاثمائة فارس. ولكثرة الناس طالما نفرت الدوابُّ من مرابضها إذا كبَّروا تكبيرة الإحرام.
__________
(1) - ... هي تاجديت أو تجديت (أي الجديدة بالبربرية). وانظر لمزيد من المعلومات حولها: الدرجيني: طبقات، ج1/ص141، 169؛ ج2/383، 456، 458. (1/100)
صفحة 101
وكان العلماء في ذلك الوقت يطوفون ويتعلَّمون في القرى والبوادي، يذكرون ويعلِّمون العامَّة أمور دينهم، ويحيُون السيرة في كلِّ ناحية إلى أن دخلت العرب أرض المغرب في القرن الخامس على ما وجدته في بعض التواريخ، وكثر الهرج والنهب والغارات وعمَّ الفساد، وعاد الأمر في الإدبار حتَّى انقطعت تلك السير والآثار، وصار الأمر إلى ما نحن فيه الآن، {سنَّة الله التي قد خلت من قبلُ، ولن تجدَ لسنَّة الله تبديلا} (1) . «بدأ هذا الدين غريبًا، وسيعود غريبًا» (2) . {وتلك الأيَّام نداولها بين الناس} (3) .
إذا تمَّ شيء بدا ... نقصه ... ترقَّب زوالاً إذا قيل: ... تم
__________
(1) - ... سورة الأحزاب: 62.
(2) - ... روى الترمذي في كتاب الإيمان، حديث رقم 2553 ما نصُّه: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»
... وَفِي الْبَاب عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنِ الْأَعْمَشِ وَأَبُو الْأَحْوَصِ اسْمُهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ الْجُشَمِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصٌ.
(3) - ... سورة آل عمران: 140. (1/101)
صفحة 102
ولكن لله الحمد على إفضاله حتَّى كان وجود مذهبنا في نضارة الإسلام وبهجته وانتشاره في كلِّ ذلك الزمان، مع ما تجشَّمه من الصعوبات ومكائد أهل الفساد، لا كوجود المذاهب الأخرى الناشئة في نحول الإسلام وذبوله، وانتشارها في عجُز الزمان وذيله، قال - عليه السلام - : «خير القرون قرني، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم» (1) ، أو كما قال؛ فلا يوحشنَّك أيُّها الأخ غربة مذهبك في هذا الزمان، فإنَّ في اشتهاره في تلك الأزمنة التي مدحها سيِّد ولد آدم - عليه السلام - ما يكفي دليلا على صحَّته، ولا يضرُّه قلَّة أتباعه في هذا الأوان، فإنَّ الله تعالى مدح القليل في كتابه العزيز، فقال: {قل لا يستوي الخبيث والطيِّب، ولو أعجبك كثرة الخبيث} (2) ، وقال: {إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} (3) ، وقال: {وقليل من عبادي الشَّكور} (4) . إلى غير ذلك من الآيات.
__________
(1) - ... روي من عدَّة طرق، منها رواية البخاري بلفظ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ قَالَ حَدَّثَنِي زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ قَالَ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». قَالَ عِمْرَانُ: فَمَا أَدْرِي قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا «ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ». ... ... كتاب الرقاق، 5948.
(2) - ... سورة المائدة: 100.
(3) - ... سورة ص: 24.
(4) - ... سورة سبأ: 13. (1/102)
صفحة 103
وقال - عليه السلام - : «سيأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر» (1) ، وقال: «طوبى للغرباء» فقيل له: «يا رسول الله، ومن الغرباء؟» فقال: «ناس قليلون صالحون في ناس كثيرين، من يبغضهم أكثر مِمَّن يحبُّهم» (2) ،
__________
(1) - ... روى الترمذي في صحيحه، كتاب الفتن، حديث رقم 2186 ما نصُّه: «حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ ابْنُ بِنْتِ السُّدِّيِّ الْكُوفِيِّ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَعُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ قَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ».
(2) - ... روى الإمام أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، رقم 6362 ما نصُّه: «حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ عَوْفٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: «طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» فَقِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ».. (1/103)
صفحة 104
وفي رواية أخرى: «هم الذين يصلحون أنفسهم عند فساد الناس» (1) ، أو كما قال.
جعلنا الله وإيَّاك مِمَّن أصلح فساده عند الفساد، ووطَّنها على عبادة الله تعالى بالإخلاص والسداد إنَّه رؤوف كريم جواد.
هذا، وقد أتينا بذكر خلفائنا وأيمَّتنا من أهل المغرب المشيِّدين لهذا المذهب، وتركنا ذكر الحكَّام الذين كانوا بعدهم، وذلك لكثرتهم وعدم ضبطنا لجميعهم، ولئلاَّ يطول الكلام بهم.
قلنا قد نجز الكلام فيما قد نقلنا عن العلاَّمة الباروني، ونعرض عن ذكر باقيه اكتفاء ولله الحمد ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - الشرف الأتمُّ.
ونأتي هاهنا قصيدة تتضمَّن مدح المذهب، وهي من مدح الأديب الشيخ صالح بن عليِّ الخلاسي، قال ولا فضَّ فوه:
أنشأت نظمًا زاهرًا قد ... طابا ... في المذهب الوهبيِّ حيث أصابا
الحقُّ أصبح شارقًا في ... طيِّه ... لا تعتريه حوادث فيعابا
فلينتعش من قد تلاه ... فإنَّه ... قد صار في الحقِّ المبين شهابا
أوضحتُ أصل الدين فيه ... نهاية ... فغدا يعبِّر للجهول صوابا
ناهيك بالموضوع أضحى ... ناشرًا ... في العالمين الفرض واستحبابا
__________
(1) - ... وروى الترمذي في صحيحه حديثا قريبا من هذا، في كتاب الإيمان، رقم 2554 ما نصُّه: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مِلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الْأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي» قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ». (1/104)
صفحة 105
من رام أسباب السلامة ... يقتبس ... من نوره كي يستطيب مآبا
جادت سما الوهبيِّ نشرًا ... للهدى ... فاستعذب الوارد منه شرابا
منظومة بائيَّة يزهو ... بها ... دين الهدى أطنبتها إطنابا
توليك معنى في الأصول ... ويقتضي ... في الاعتقاد السلب والإيجابا
تهب المعارف في البرايا ... إنَّها ... كالروض باكَره الربيع فطابا
فاستمسكوا بزمامها ... يا حبَّذا ... من لاذ بالدين الحنيف وآبا
اسلك سبيل بني الإباض ... فإنَّهم ... صاروا دعائم للهدى ورقابا
هو مذهب أثنى عليه ... المصطفى ... مِمَّن تمسَّك بالتقى وأنابا
فلقد أشار حديثه ... بنجاتهم ... أكرم بأعلام غدوا أنجابا
فقد اقتدوا بعد النبيِّ ... محمَّد ... بخليفتين هما له قد نابا
أعني أبا بكر إمامًا ... بعده ... عمر الذي قد حارب المحرابا
سارا على نهج الحبيب ... كلاهما ... في دينه المرضيِّ حيث أصابا
فالدين أضحى بعدهم في ... غربة ... طوبى لمن قد عضَّ فيه المنابا
وترادفت فتن الزمان ... وحيَّرت ... أفكار أهل الفضل والألبابا
قد حذَّر المختارُ عنها ... صحبَه ... والتابعين الغرّ والأحبابا
لله حزب الاستقامة لم ... تزل ... تقفوا سبيل المجتبى إيجابا
فالراسبيُّ سليل وهب ... إنَّه ... لهو الزعيم قد اهتدى وأصابا
قد سار للنهر المبارك ... قائمًا ... بالعدل إذ قد رافق الأصحابا
فرُّوا من التحكيم لمَّا أن ... رأوا ... بطلان هذا الرأي إذ قد رابا
عضُّوا وصيَّ حبيبهم ... وتخيَّروا ... نهج الرشاد وصيَّروه جنابا
أعليٌّ، إنَّك لَلإمام ... المرتضى ... نعم الخليفة لم تزل مهابا
أرَضيت بالتحكيم ياصهر ... النبي ... ما لي أراك مع الهدى مرتابا
ولديك بحر العلم يلطم ... موجُه ... يحويه منك الصدر بابا بابا
والحقُّ في كفَّيك يشرق ... بدره ... إذ لن ترى أبدا عليه سحابا
أم قد رأيت جوازه، كلاَّ ... فقد ... ألقى عليك أولوا الهداة عتابا
تُرضي معاوية ... وعمروًا إِنَّمَا ... قد صيَّراه مكيدة جلابا
لمحاسن الدنيا التي هي ... فتنة ... من دأبها تذر الديار خرابا
وتزيَّنت لأولي الضلال ... وإنَّها ... جعلت على تلك الوجوه نقابا
كي لا ترى الحقَّ المنير ... وإنَّما ... قد فاز من طلب الصلاح وتابا (1/105)
صفحة 106
فجرى بما كتب الإله ... لسابق ... في غيبه إذ قد قضاه كتابا
فمضى عليٌّ نحوهم ... بكتائب ... فأباح قتلهم وجذَّ رقابا
وهم الألى قد بايعوه على ... الهدى ... حتَّى استقام له الزمان وهابا
نصروه في جلِّ المواطن ... بالظبى ... إذ فرَّقوا الأعدا بها أحزابا
أيضًا، وفي صفِّين طرًّا، ... ثمَّ في ... جمل، وقد كانوا له أحبابا
فجزاهم بالقتل، يا بئس ... الذي ... فعل الرئيس فهل تراه أصابا
أزهقت أرواح الهداة ... وإنَّهم ... أصحاب خير الخلق لن ترتابا
صيَّرت هاتيك الدماء أخا ... العلا ... هدرًا كأنَّك قد قتلت ضبابا
ورميت هاتيك الوجوه ... بأسهم ... وزعمت أنَّك قد فعلت صوابا
كلاَّ ولكن فاستعد بما ... جنت ... كفَّاك في يوم الحساب جوابا
أسفي على ابن زهير حرقوص ... الذي ... منح البشارة في الحياة فطابا
شربوا بكأس النهروان على ... ظما ... يرجون ريًّا بعدها ورحابا
وتبوَّءوا بعد الشهادة ... منزلا ... وتزوَّجوا من حورها أترابا
هنئتَ عمَّار بن ياسر ... إِنَّمَا ... نال الشهادة فاستطاب مآبا
فلقد أصيب برمية ... شامية ... في يوم صفِّين قضى فأنابا
ماذا فعلت أبا الحسين ... وإنَّما ... أنت المجلَّى لم تزل غلاَّبا
هي فتنة دهمى عليك ... وبالها ... حتَّى توافى محشرًا وحسابا
أهلا وسهلا بالإباض ... وإنَّهم ... أهل الهدى أصلا وفرعًا طابا
قسمًا بأنَّ الحقَّ فيهم ... راسخ ... فانجاب عنه قوى الضلال وغابا
لا فوز إِلاَّ للموفي ... عندنا ... قد قدَّم التقوى له ومتابا
إنَّ القبول مقيَّد ... بحصوله ... فالزم حماه، وكن له أوَّابا
فله الشفاعة في القيمة لم ... يكن ... للأشقيا إِلاَّ العذاب عقابا
أمَّا المصرُّ على الذنوب ... فإنَّه ... ليبوء بالخسران إذ قد خابا
إن مات بالإصرار فهو ... مخلَّد ... في النار يغدو ماكثا أحقابا
فيكون مخزيًّا هناك ... مذمَّمًا ... إن فاسقا أو مشركًا كذَّابا
سيَّان في حال الخلود ... عليهما ... حكم الإله وقد قضاه كتابا
من مات من أهل الكبائر ... أحبطت ... أعماله وغدت لديه سرابا
كفَّرت مرتكب الكبيرة ... مطلقًا ... مثل الزنى إِلاَّ إذا ما تابا (1/106)
صفحة 107
والشاربين الخمر مع آكل ... الربا ... والقتل عمدًا فافهم الأسبابا
هو كفر إنعام الإله ولم ... يكن ... للشرك (1) فافرز بينها إيجابا
حلق اللحى إحدى ... الكبائرعندنا ... فلقد نهى عنها النبيُّ وعابا
والحالقين تراهم مثل ... النسا ... والبانيان على سوى استصحابا
ونهى النبيُّ عن الحرير ... وعسجد ... طوبى لمن ترك الحرام جبابا
يا شارب التمباك أبشر ... بالردى ... أذهبت نور الوجه عنك ذهابا
دنَّست فاهك بالدخان ... وبعده ... قد صار قلبك رائنا نحَّابا
أعماله مردودة ... ودعاؤه ... لا يستجاب، ودينه قد غابا
حثَّ الحبيب على السواك ... فيا له ... شرفًا عظيما فالزم الآدابا
قدَّس مليك العرش عن ... إدراكه ... جعل الإله على العيون حجابا
إذ قد نفى عن ذاته جزما ... بلا ... سدَّت عن المرئيِّ لا ذا البابا
واللام في الأبصار ... لاستغراقها ... تستغرق الأبصار والألبابا
إنَّ العيون الناظرات ... لربِّها ... معناه تنتظر الفلاح ثوابا
وغدت وجوه الأشقياء ... مسودَّة ... ظنَّت بأنَّ لها هناك عقابا
والظنُّ (2) معناه اليقين ... حقيقة ... يائسين منقلبا لها وإيَّابا
لقد ارتقى سبع الطباق ... نبيُّنا ... في ليلة المعراج منها آبا
فرأى من الآيات دون ... إلهه ... ورأى العجائب لم يكن هيَّابا
فاستفتح الإسرا (3) تجد ... تعريفه ... والنجم فهي توضِّح الأسبابا
هذا هو التحقيق في ... معراجه ... فغدا يخبِّر ما رأى إعجابا
وسؤال موسى ربَّه في ... قوله ... أرني ليردع قومه فأجابا
أوما سمعت بـ:لن تراني ... مطلقًا ... وانظر إلى الجبل الذي قد هابا
فاندكَّ أسفله وأعلاه ... على ... أثر التجلِّي حيث صار ترابا
إذ مات بعد أولئك السبعون ... من ... حدث الصواعق ثمَّ موسى تابا
سبحانه قد جلَّ عن ... أوصافنا ... فهو العليُّ فنزِّهوا الوهَّابا
وكلامه قد عزَّ فهو ... كتابه ... فاعمل به واسترشد الأحزابا
وصفاته ذاتيه معنى ... كما ... قد أنبأ التنزيل لن نرتابا
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «كالشرك».
(2) - ... في الأصل: «والظنَّ». بالفتح.
(3) - ... في الأصل: «الأسرى»، وهو جمع أسير، والمقصود: سورة الإسراء. (1/107)
صفحة 108
الله ربٌّ واحد في ... ذاته ... لم نتَّخذ ولدا ولا أربابا
والذات معناه الوجود مع ... البقا ... فله الكمال فلا تكن ... مرتابا
تمَّت المنظومة المباركة
إلى هنا قد نجز الاستطراد، ونرجع إلى ما كنَّا عليه مِمَّا نحن فيه أوَّلاً من كلام ابن بطوطة، وللقوم إشاعات باطلة علينا في الإمام عليٍّ، وسنقف على بعضها قريبا إن شاء الله. ولكلام ابن بطوطة هذا هياجة نار في القلوب، حتَّى خرج ما خرج من بعض الملحدين، وهو محمَّد بن عقيل العلويُّ، أحد الغلاة من الشيعة.
قال العلاَّمة أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش (1) ــ متَّعنا الله به ــ ما نصُّه:
«
__________
(1) - ... هو الإمام أبو إسحاق إبراهيمبن الحاج امحمَّد بن الحاج إبراهيم بن يوسف اطفيَّش (1305-1385هـ/1886-1966م): عالم ومحقِّق ومجتهد، له عدَّة مؤلفات وتحقيقات علميَّة قيمة، منها: تحقيقه لشرح النيل للقطب اطفيش، وتحقيق تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان، والدعاية إلى سبيل المؤمنين، ورسالة الفرق بين الإباضية. وانظر ترجمته في: أبو راس الكاملي: في سبيل الخلود، كله. الدكتور محمَّد ناصر: الشيخ إبراهيم اطفيَّش في جهاده الإسلامي، كله. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج1/ص42، ترجمة53.
... والمقتبس هنا هو من رسالته: النقد الجليل والعتب الجميل، وقد نقلها المؤلِّف تقريباً بكاملها لأهميتها. (1/108)
صفحة 109
طالعت لبعض غلاة الشيعة الأستاذ محمَّد بن عقيل العلويِّ بسنغفورة (1) (2) كتابا في الجرح والتعديل، كانت لغته بالغة نهاية التعسُّف، بعيدة عن الإنصاف، لم تكتب ببصيرة، بل ولا بقلم عالم ذي ورع، ونهية بصير بقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إنَّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا} (3) ؛ ولقد اندفع بما أوتيه من قوَّة وجراءة في الطعن، فلم يسلم منه خيار الصحابة، ولا أكابر التابعين، ولا رجال ثقات، تلقَّت عنهم الأمَّة هذا الدين المتين، وبهم تعرَّفت ذلك (4) السبيل المستبين، {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} (5) ، إنَّهلا نلومه في اعتقاده والذبِّ عن مذهبه، ولكنَّنا ننكر عليه غلوَّه وتنطُّعه وثلبه، {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غيرَ الحقِّ، ولا تتَّبعوا أهواء قوم قد ضلُّوا من قبل وأضلُّوا كثيرًا وضلُّوا عن سواء السبيل} (6) ؛ ولئن طعن في أهل الاستقامة (7) من الأمَّة المحمَّديَّة (الإباضيَّة المحقَّة)، فإنَّ الشمس لا تنالها أيدي المتطاولين، ولقد صبروا لنكبات الدهر، وتحمَّلوا من غوائله في سبيل الحقِّ ما لم يخفه التاريخ وإن جهله أو تجاهله المبطلون، طالما نشروا العدل بحضرموت، ونثر فيها أيمَّة الحقِّ لؤلؤة الحكمة، وبثُّوا فيها روح الإسلام الطاهر المطهَّرة».
__________
(1) - ... سنغافوره Singapora: جزيرة في جنوب شرقي آسيا، يفصلها مضيق جوهور عن مَلقا، 535 كلم مربع، 2800000 نسمة. من دول الكومنويلث، استقلَّت سنة 1965م، عاصمتها سنغافورة. ... ... المنجد في اللغة والأعلام، ص310.
(2) - ... في متن النقد الجليل: + «وبيننا وبينه صداقة، كنَّا اجتمعنا به في القاهرة، إبَّان حضورنا إليها سنة 1341هـ، وتهادينا التحيَّة، وكنَّا نعتقد فيه الاعتدال والبعد عن الغلوِّ»
(3) - ... سورة الإسراء: 36.
(4) - ... في النقد الجليل: «هذا» عوض «ذلك».
(5) - ... سورة الأنعام: 90.
(6) - ... سورة المائدة: 77.
(7) - ... في النقد الجليل: «أهل الحقّ والاستقامة». (1/109)
صفحة 110
قلت: ونشروا الدين أيضًا في غير حضرموت كعمان والمغرب وغيرهما، كما هو مصرَّح به في السير، ولعلَّ الشيخ أبا إسحاق ذكر حضرموت هاهنا لأنَّها بلاد محمَّد بن عقيل، لكي يعلم أنَّ الإباضيَّة نشروا الحقَّ قبل أن يوجد هو فيها، في تلك البلاد الذي هو ينتسب إليه. وظهر أنَّ محمَّد بن عقيل استدلَّ على الطعن في الإباضيَّة بكلام ابن بطوطة المتقدِّم ذكره، كما نصَّ عليه الشيخ أبو إسحاق - رضي الله عنه - في رسالته التي ألَّفها ردًّا على ابن عقيل، ونصُّ عبارته فيها رحمه الله: «كفى للمرء خروجًا عن عهدة التكليف أن يتبرَّأ من مستوجب البراءة، ويتولىَّ مستوجب الولاية، وليس عليه بعد ذلك من مطلب، استدللت على الطعن في الإباضيَّة بكلام ابن بطوطة مع أنَّه خطأ هائل، حمله عليه تعصُّبه كما حملك، وأملاه عليه هواه كما أملاه عليك، وظننت أنَّك أصبت هدفًا، وصادفت محزًّا، الواجب على من كان مسلما أن لا يبادر بالحكم على الأمَّة بعمل أفرادها منها، فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أكذب الناس من يهجو قبيلة بأسرها» (1) ، أو كما قال.
__________
(1) - ... روى ابن ماجه قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْبَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو ابْنِ مُرَّةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِرْيَةً لَرَجُلٌ هَاجَى رَجُلًا فَهَجَا الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا وَرَجُلٌ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ وَزَنَّى أُمَّهُ». الحديث رقم 3751. (1/110)
صفحة 111
إنَّ ابن بطوطة صادف توليِّ بني نبهان الحكم وهم ليسوا أهلا تغلُّبًا فأفسدوا، واجترحوا السيِّئات، واقترفوا المنهيات، فكيف تؤخذ الأمَّة بجريرتهم، وقد تولىَّ عمان أئمَّة عدول صالحون لا يخافون في الله لومة لائم، يقيمون الحدود؛ وطالما امتدَّت أشعَّة عدلهم إلى أرض أجدادك، وأذاقوهم طعم السعادة والحرِّية، ونعيم الاطمئنان والرفاهيَّة». اهـ.
قلت: فابن بطوطة ليس مِمَّن يُعتمد على جميع ما يقوله، لأنَّه ظهر من كلامه في رحلته ما هو كذب صريح، قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - ناقلا عنه ما نصُّه: «قال ــ أي ابن بطوطة ــ ونساؤهم يكثرون الفساد، ولا غيرة عندهم ولا إنكار على ذلك، وسنذكر حكاية أثر هذا مِمَّا يشهد بذلك». (1/111)
صفحة 112
قلت: أمَّا هذا [فـ]ـكذب صريح، وكنت قبل هذا أوجِّه كلامه على أحسن وجوهه، وألتمس له العذر، وأطبِّق قوله على وجه الصدق ما أمكنني حتَّى سمعت منه هذا الكذب. وإذا لم تكن الغيرة عند أهل عمان فعند من توجد؟! وإذا لم تكن العفَّة في نسائهم فعند من تكون؟!، وأمَّا الحكاية التي أشار إليها، ــ وإن كانت حقًّا ــ فهي نادرة وقعت من امرأة فاجرة، بتسليط سلطان الجور لها، ولا يحكم بالفرد على الجملة، ولا يقاس العفيف بغير العفيف. ثمَّ ذكر أنَّ صاحبة الفساد تتعلَّق بجوار السلطان الجائر، فلا يقدر أهلها على منعها عن فسادها، وإن قتلوها قُتلوا بها، فكيف مع هذا ينسب إليهم عدم الغيرة، قلت: في هذا دليل على أنَّ ابن بطوطة يتكلَّم من غير دراية ولا احتياط لدينه، وإلاَّ فهو أصرح دليل من أنَّه لا يقال: إنَّ أهل عمان لا غيرة لهم في نسائهم، ففي أيِّ حجَّة قال هو بذلك، وبنفسه قال: إنَّ الفاجرة تتعلَّق بجوار السلطان، فلا يقدر أهلها على منعها، بل قد يقال لابن بطوطة: إنَّه لو فرضنا أن لو كان لأهلها القوَّة القاهرة على القيام بالسلطان الجائر لما جاز لهم القيام عليه لما صحَّ في مذهب ابن بطوطة من المنع بالخروج على السلطان الجائر إِلاَّ إن أمره بالكفر الخالص؛ وتأمين الفاجرة بالفجور ليس بكفر صريح عندهم، وعلى هذا ليس له نسبة عدم الغيرة إليهم، بل ينبغي منه لهم الثناء بصبرهم للسلطان في ترك القيام عليه.
وأقول أيضًا: ليس محمَّد بن عقيل تبع إيصاء الإمام عليِّ بن أبي طالب في الخوارج المصرَّح به في نهج البلاغة، الذي هو كلامه، وهو قوله: «لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحقَّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه»، فمن الأولى بمثله اتِّباع هذا الإيصاء، وترك ابن بطوطة وما قاله في الإباضيَّة، وقد أطنب ابن أبي الحديد في شرحه لهذا الإيصاء في مدح الإباضيَّة، وهذا نصُّ مقاله فيه:
« (1/112)
صفحة 113
ومن رؤساء الخوارج وكبارهم: عبد الله بن يحيى الكنديُّ، الملقَّب "طالب الحقِّ" (1) ، وصاحبه المختار بن عوف الأزدي (2) صاحب وقعة قُدَيد (3) ، قال: ونحن نذكر ما ذكره أبو الفرج الأصفهاني في قصَّتهما في كتاب الأغاني مختصرًا محذوفًا عنه ما لا حاجة لنا في هذا الموضع إليه، قال أبو الفرج:
«
__________
(1) - ... انظر: ابن سلاَّم: بدء الإسلام، ص112؛ الوسياني: سير (مخ)، ج1/ص86؛ اليعقوبي: تاريخ، ج3/ص77-78؛ ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج5/ص388-392؛ ابن كثير: البداية والنهاية، ج10/ص36؛ جمعية التراث جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج4/ص514/رقم667.
(2) - ... انظر: ابن قتيبة: المعارف، ج1/ص108، 224، 589؛ المسعودي: مروج الذهب، ج3/ص257؛ ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، 380، 422، 428؛ أبو زكرياء: السيرة (ط.ج)، ج1/ص132؛ البرادي: الجواهر المنتقاة، ص170.
(3) - ... «قُديد: اسم موضع قرب مكَّة». الحموي: معجم البلدان، ج4/ص313. (1/113)
صفحة 114
كان عبد الله بن يحيى من حضرموت، وكان مجتهدًا عابدًا، وكان يقول: قبل أن أخرج لقيني رجل فأطال النظر إليَّ وقال: من أنت؟ قلت: من كندة، فقال: من أيِّهم؟، فقلت: من بني شطان، فقال: والله لتملكنَّ ولتبلغنَّ وادي القرى، وذلك بعد أن تذهب إحدى عينيك؛ وقد ذهبت وأنا أتخوَّف ما قال وأستخير الله. فرأى باليمن جورًا ظاهرًا، وعسفًا شديدًا، وسيرة في الناس قبيحة، فقال لأصحابه: إنَّه لا يحلُّ لنا المقام على ما نرى ولا الصبر عليه؛ فكتب إلى جماعة من الإباضيَّة في البصرة وغيرها (1) يشاورهم في الخروج، فكتبوا إليه: «إن استطعت أن لا تقيم يومًا واحدًا فافعل، فإنَّ المبادرة إلى العمل الصالح أفضل، ولست تدري متى يأتي أجلك، ولله بقيَّة خير من عباده يبعثهم إذا شاء بنصر دينه، ويختصُّ بالشهادة منهم من يشاء». وشخص إليه أبو حمزة المختار بن عوف الأزدي، وبلج بن عقبة المسعودي (2) في رجال من الإباضيَّة، فقدموا إليه من حضرموت فحرَّضوه على الخروج، وأتوه بكتاب أصحابه يوصونه: إذا خرجتم فلا تغلوا ولا تغدروا، واقتفوا بسلفكم الصالحين، وسيروا بسيرتهم، وقد علمتم أنَّ الذي أخرجهم على السلطان العيب لأعمالهم.
__________
(1) - ... في الحاشية: «قوله في البصرة وغيرها، هذا دليل في أنَّ المذهب هو كان أهله موجودين في مواضع متعدِّدة في الزمن الأوَّل». اهـ. من الشارح.
(2) - ... هو بلج بن عقبة الهيصم الأسدي (حي في: جمادى الأولى 130هـ/748م)، وانظر ترجمته في: المسعودي: مروج الذهب، ج3/ص257؛ الأصفهاني: الأغاني، ج23/112، 115، 118، 123-126؛ الشماخي: السير (ط. حجرية)، ص91؛ جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج2/ص190/رقم243. (1/114)
صفحة 115
فدعا عبد الله أصحابه فبايعوه وقصدوا دار الإمارة، وعلى حضرموت يومئذ إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، فأخذه وحبسه يومًا ثمَّ أطلقه، فأتى صنعاء؛ وأقام عبد الله بحضرموت، وكثر جمعه، فسمَّوه طالب الحقِّ، فكتب إلى من كان من أصحابه بصنعاء: «إنِّي قادم عليكم»، ثمَّ استخلف على حضرموت عبد الله بن سعيد الحضرميَّ، وتوجَّه إلى صنعاء، وذلك في سنة تسعة وعشرين ومائة، والعامل على صنعاء يومئذ القاسم بن عمرو أخو يوسف بن عمرو الثقفي، فجرت بينه وبين عبد الله بن يحيى حروب ومناوشات كانت الدولة فيها والنصر لعبد الله بن يحيى، فدخل صنعاء وجمع ما فيها من الخزائن والأموال فأحرزها، فلمَّا استولى على بلاد اليمن خطب فحمد الله وأثنى عليه وصلَّى على رسوله، وذكَّر وحذَّر ثمَّ قال: «إنَّا ندعوكم أيُّها الناس إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه، وإجابة من دعا إليها، الإسلام ديننا، ومحمَّد نبيُّنا، والكعبة قبلتنا، والقرآن إمامنا، رضينا بالحلال حلالا لا نبتغي به بدلا، ولا نشتري به ثمنا، وحرَّمنا الحرام ونبذنا[هُ] وراء ظهورنا، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله، وإلى الله المشتكى، وعليه المعوَّل؛ من زنى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شكَّ في أنَّه كافر فهو كافر، ندعوكم إلى فرائض بيِّنات، وآيات محكمات، وآثار نقتدي بها؛ ونشهد أنَّ الله صادق فيما وعد، وعدل فيما حكم، وندعو إلى توحيد الربِّ، واليقين بالوعد والوعيد، وأداء الفرائض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله، والعداوة لأعداء الله. (1/115)
صفحة 116
أيُّها الناس، إنَّ من رحمة الله أن جعل في كلِّ فترة بقايا من أهل العلم، يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون على الألم في جنب الله، ويقتلون على الحقّ في سالف الأيَّام شهداء، فما نسيهم ربُّهم، {وما كان ربُّك نسيًّا} (1) . أوصيكم بتقوى الله، وحسن القيام على ما وكِّلتم بالقيام عليه، وقابلوا الله حسنًا في أمره وزجره. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم».
__________
(1) - ... سورة مريم: 64. (1/116)
صفحة 117
قال: «وأقام عبد الله بن يحيى بصنعاء شهرًا يحسن السيرة في الناس، ويلين جانبه لهم، ويكفُّ الأذى عنهم، وكثر جمعه، وأتته الشراة من كلِّ جانب، فلمَّا كان في وقت الحجِّ وجَّه أبا حمزة المختار بن عوف، وبلج بن عقبة، وأبرهة بن الصباح إلى مكَّة (1) ،
__________
(1) - ... هو أبرهة بن الصباح الحميري (130هـ/747م): قائد بطل في جيش طالب الحقّ، بعثه أبو حمزة إلى مكَّة مع بلج بن عقبة. ... وانظر- الشماخي: السير (ط.ح) ص91. السيابي: الحقيقة والمجاز، ص145-158.. (1/117)
صفحة 118
والأمير عليهم أبو حمزة في ألف، وأمره أن يقيم بمكَّة إذا صدر الناس، ويوجِّه بلخاً إلى الشام، فأقبل المختار إلى مكَّة يوم التروية، وعليها وعلى المدينة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك في خلافة مروان بن محمَّد بن مروان، وأمَّ عبد الواحد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فكره عبد الواحد قتالهم، وفزع الناس منهم حين رأوهم وقد طلعوا عليهم بغرفة، ومعهم أعلام سود في رؤوس الرماح، وقالوا لهم: ما لكم وما حالكم؟ فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبرؤ منهم، فراسلهم عبد الواحد في أن لا يعطِّلوا على الناس حجَّهم؛ وقال أبو حمزة: نحن بحجِّنا أضَنُّ، وعليه أشحُّ، فصالحهم على أنَّهم جميعًا آمنون بعضهم من بعض حتَّى ينفر الناس النفر الأخير، وأصبحوا من الغد وقفوا بحيال عبد الواحد بعرفة، ودفع عبد الواحد بالناس، فلمَّا كانوا بمنًى قيل لعبد الواحد: قد أخطأت فيهم، ولو حملت عليهم الحاجَّ ما كانوا إِلاَّ أكلة رأس، وبعث عبد الواحد إلى أبي حمزة عبدَ الله بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، ومحمَّد بن عبد الله بن عمر بن عثمان، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر، وعبيد الله بن محمَّد بن حفص العمري، وربيعة بن عبد الرحمن، ورجالا أمثالهم، فلمَّا قربوا من أبي حمزة أخذتهم مسالحه، فدخلو على أبي حمزة فوجدوه جالسًا، وعليه إزار قطريٌّ قد ربطه بحورة في قفاه، فلمَّا دنوا تقدَّم إليه عبد الله بن الحسن العلوي، ومحمَّد بن عبد الله العثماني، فنسبهما، فلمَّا انتسبا له عبس في وجوههما وأظهر الكراهيَّة لهما، ثمَّ تقدَّم إليه بعدهما البكريُّ والعمريُّ فنسبهما فانتسبا له، فهشَّ إليهما وتبسَّم في وجوههما، وقال: والله ما خرجنا إِلاَّ لنسير سير أبويكما فقال له عبد الله بن حسن: والله ما جئناك لنفاخر بين آبائنا، ولكنَّ الأمير بعثنا إليك برسالة، وهذا ربيعة يخبركها، فلمَّا أخبره قال له: إنَّ الأمير يخاف نقض العهد، قال: معاذ الله أن (1/118)
صفحة 119
ننقض العهد أو نحيس (1) به، ووالله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه، ولكن إلى أن تنقضي الهدنة بيننا وبينكم، فخرجوا من عنده، فأبلغوا عبد الواحد، فلمَّا كان النفر الأخير نفر عبد الواحد، وخلَّى مكَّة لأبي حمزة، فدخل بغير قتال، فقال بعض الشعراء يهجوا عبد الواحد:
زار الحجيج عصابةٌ ... قد خالفوا ... دين الإله ففرَّ عبد الواحد
ترك الإمارة والمواسم ... هاربًا ... ومضى يخبط كالبعير الشارد
فلو أنَّ والده تخيَّر ... أمَّه ... لصفت خلائقه بعرق ... الوالد
///
ثمَّ مضى عبد الواحد حتَّى دخل المدينة ودعا بالديوان فضرب على الناس البعث وزادهم عشرة عشيرة، واستعمل على الجيش عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفَّان فخرجوا فلقيتهم جزر منحورة فتشاءم الناس بها، فلمَّا كانوا بالعَقِيق (2) ، علَّق لواء عبد العزيز بسمرة فانكسر الرمح فتشاءموا بذلك أيضًا، ثمَّ ساروا حتَّى نزلوا قديدًا فنزل بها قوم معتزلون ليسوا بأصحاب حرب، أكثرهم تجَّار أغمار، قد خرجوا في المصبغات والثياب الناعمة واللهو لا يظنُّون أنَّ للخوارج شوكة، ولا يشكُّون في أنَّهم في أيديهم، وقال رجل منهم من قريش: «لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هؤلاء، ولكنَّهم داهنوا في دين الله، والله لنظفرنَّ ولنسيرنَّ إلى أهل الطائف فلنسبينَّهم». ثمَّ قال: «من يشتري منِّي من سبي أهل الطائف؟»؛ قال أبو الفرج: فكان هذا الرجل أوَّل المنهزمين، فلمَّا وصل المدينة ودخل داره أراد أن يقول لجاريته: «اغلقي الباب»، قال لها: «غاق ناق» دهشًا، فلقَّبه أهل المدينة بعد ذلك "غاق ناق"، فلم تفهم الجارية قوله حتَّى أومأ إليها بيده فأغلقت الباب».
__________
(1) - ... أي نخلط به.
(2) - ... هي واحة بناحية المدينة فيها عيون ونخل. وانظر- الحموي: معجم البلدان، ج4/ص138 (1/119)
صفحة 120
قال: «وكان عبد العزيز يعرض الجيش بذي الحليفة، فمرَّ به أميَّة بن عتبة بن سعيد بن العاص، فرحَّب به فضحك إليه، ثمَّ مرَّ به عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فلم يكلِّمه ولم يلتفت إليه، فقال عمران بن عبد الله بن مطيع ــ وكان ابن خالته، أمُّهما ابنتا عبد الله بن خالد بن أسيد ــ : سبحان الله مرَّ بك شيخ من شيوخ قريش فلم تنظر إليه ولم تكلِّمه، ومرَّ بك غلام من بني أميَّة فضحكت إليه ولاطفته! أما والله، لو التقى الجمعان لعلمت أيَّهما أصبر، قال: فكان أميَّة بن عتبة أوَّل من انهزم وركب فرسه ومضى، وقال لغلامه: يا مجيب، أما والله، لئن أغررت نفسي هذه الأكلب من بني الشراة أنِّي لعاجز، وأمَّا عمارة بن بن حمزة بن مصعب بن الزبير، فقاتل يومئذ حتَّى قتل، وكان يحمل ويتمثَّل:
وإنِّي إذ أظنُّ الأمير ... بإذنه ... على الإذن من نفسي إذا شئت ... قادر
والشعر للأغرِّ بن بن حمَّاد اليشكري.
قال: فلمَّا بلغ أبا حمزة إقبال أهل المدينة إليه استخلف على مكَّة أبرهة بن الصباح، وشخص إليهم، وعلى مقدِّمته بلخ [كذا] بن عقبة (1) ، فلمَّا كان في الليلة التي وافاهم في صبيحتهم وأهل المدينة نزول بقديد قال لأصحابه: إنَّكم ملاقوا القوم غدًا، وأميرهم فيما بلغني ابن عثمان أوَّل من خالف سنَّة الخلفاء، وبدَّل سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله، وقد وضح الصبح لذي عينين، فأكثروا ذكر الله وتلاوة القرآن، ووطِّنوا أنفسكم على الموت، وصبّحهم غداة الخميس لتسع خلون من صفر سنة ثلاثين ومائة».
__________
(1) - ... الصواب: «بلج» وانظر ترجمته في صفحة 123. وهكذا يرد في الأغاني وفي شرح نهج البلاغة، ولم يرد قط باسم بلخ، فهو تصحيف من المؤلف. وقد صححناه في جميع المتن دون إحالة. (1/120)
صفحة 121
قال أبو الفرج: «وقال عبد العزيز لغلامه في تلك الليلة: أبعنا علفًا، قال: هو غال، فقال: ويحك، البواكي علينا غدًا أغلى، وأرسل أبو حمزة إليهم بلج بن عقبة ليدعوهم فأتاهم في ثلاثين راكبًا، فذكَّرهم الله، وسألهم أن يكفُّوا عنهم، وقال لهم: خلُّوا سبيلنا إلى الشام لنسير إلى من ظلمكم وجار في الحكم عليكم، ولا تجعلوا حرنا بكم [كذا]، فإنَّا لا نريد قتالكم، فشتمهم أهل المدينة وقالوا: يا أعداء الله، أنحن نخلِّيكم ونترككم تفسدون في الأرض، فقال الخوارج: يا أعداء الله، أنحن نفسد في الأرض! إِنَّمَا خرجنا لنكفَّ الفساد ونقاتل من قاتلنا منكم، واستأثر بالفيء، فانظروا لأنفسكم، واخلعوا من لم يجعل الله له طاعة، فإنَّه «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (1) ،
__________
(1) - ... رواه أحمد في مسنده، قال: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». مسند العشرة، رقم 1041. وانظر: الترمذي: كتاب الجهاد، بَاب مَا جَاءَ لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم 3694، ومسند البصريين، 19732، و19735.. (1/121)
صفحة 122
فادخلوا في السلم، وعاونوا أهل الحقِّ، فناداه عبد العزيز: ما تقول في عثمان؟ قال: قد برئ منه المسلمون، وأنا متَّبع آثارهم ومقتدٍ بهم، فقال: ارجع إلى أصحابك، فليس بيننا وبينكم إِلاَّ السيف، فرجع إلى أبي حمزة فأخبره، فقال: كفُّوا عنهم ولا تقاتلوهم حتَّى يبدأوكم بالقتال، فوافقوهم ولم يقاتلوهم، فرمى رجل من أهل المدينة بسهم في عسكر أبي حمزة، فجرح منهم رجلا، فقال أبو حمزة: شأنكم الآن فقد حلَّ قتالهم، فحملوا عليهم، فثبت بعضهم لبعض، وراية قريش مع إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، ثمَّ انكشف أهل المدينة فلم يتبعوهم، وكان على عامَّتهم صخر بن الجهم بن حذيفة العدويُّ، فكبَّر وكبَّر الناس معه، فقاتلوهم قليلا ثمَّ انهزموا ولم يبعدوا حتَّى كبَّر ثانية، فثبت معه الناس وقاتلوا، ثمَّ انهزموا هزيمة لم يبق بعدها منهم باقية، فقال عليُّ بن الحصين (1) لأبي حمزة: اتَّبع آثار القوم، أو دعني أتَّبعهم فأقتل المدبر، وأذفف (2)
__________
(1) - ... هو أبو الحرّ علي بن الحصين العنبري (130هـ): من أوائل أيمة أهل الدعوة، كان له مجلس علم بمكَّة، ساهم بجهاده مع الشراة في مواجهة الحكم الأموي، وساند الإمام طالب الحقّ عبد الله بن يحي. ... ... وانظر- الدرجيني: طبقات، ج1/ص5-7؛ ج2/ص210. ابن مداد: السيرة، ص18-19. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج4/ص528، ترجمة 700
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أدفف» بدال مهملة، من دفف دفافاً: أجهز عليه..الرازي: مختار الصحاح، ص207 (1/122)
صفحة 123
على الجريح، فإنَّ هؤلاء شرٌّ علينا من أهل الشام، ولو قد جاءك أهل الشام غدًا أرأيت من هؤلاء ما تكره؟ قال: لا أفعل ولا أخالف سيرة أسلافنا، وأخذ جماعة منهم أسراً، وأراد إطلاقهم فمنعه عليُّ ابن الحصين، وقال: إنَّ لكلِّ زمان سيرة، وهؤلاء لم يؤسروا وهم هراب، وإنَّما أسروا وهم يقاتلون، ولو قتلوا في ذلك الوقت لم يحرم قتلهم، فهكذا الآن قتلهم حلال ودعا بهم، فكان إذا رأى رجلا من قريش قتله، وإذا رأى رجلا من الأنصار أطلقهم».
قال أبو الفرج: «وذلك لأنَّ قريشا كانوا أكثر الجيش، وبهم كانت الشوكة، وأتى محمَّد بن عبد العزيز بن عمرو بن عثمان فنسبه فقال: أنا رجل من الأنصار، فسأل الأنصار فأقرَّت بذلك فأطلقه، فلمَّا ولىَّ قال: والله إنِّي لأعلم أنَّه قرشيٌّ، ولكن أطلقته لشهادتهم».
قال: «وقد بلغت قتلى قديد ألفين ومائتين وثلاثين رجلا، منهم من قريش أربعمائة وخمسون رجلا، ومن الأنصار ثمانون رجلا، ومن الموالي وسائر الناس ألف وسبعمائة رجل».
قال: «وكان في قتلى قريش من بني أسد بن عبد العزَّى بن قصيٍّ أربعون رجلا».
قال: «وقاتل يومئذ أميَّة بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، خرج مقنَّعًا فلم يكلِّم أحدًا، وقاتل حتَّى دخل بلج المدينة بغير حرب، فدخلوا في طاعته وكفَّ عنهم، ورجع إلى مكَّة، وكان على شرطته أبو بكر بن عبد الله بن عمرو، من آل سراقة، فكان أهل المدينة يقولون: لعن الله السراقيَّ، ولعن الله بلجًا العراقيَّ، وقالت: ناحئة أهل المدينة:
مالي الزمان ... وماليه ... أفنت قديد رجاليه
فلا بكين ... سريرة ... ولا بكين علانيه
ولا بكين على ... قديده ... سوء ما أولانيه
ولا عرين إذا ... خلوت ... مع الكلاب ... العاويه (1/123)
صفحة 124
قال أبو الفرج: «ولمَّا سار عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشام، وخلف المدينة لبلج، أقبل أبو حمزة من مكَّة حتَّى دخل، فرقى المنبر، فحمد الله وقال: «يا أهل المدينة، سألتكم عن ولائكم عن هؤلاء، فأسأتم لعمري والله القول فيهم، وسألتكم: هل يقتلون بالظنِّ؟ فقلتم: نعم، وسألتكم: هل يستحلُّون المال الحرام والفرج الحرام؟ فقلتم: نعم، فقلنا لكم: تعالوا، نحن وأنتم فانشدوا الله وحده أن تنتحوا عنَّا وعنهم ليختار المسلمون لأنفسهم، فقلتم: لا نفعل، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم نلقاهم، فإن يظهروا يأت من يقيم لها كتاب الله وسنَّة نبيِّه، ويعدل في أحكام، ويحملكم على سنَّة نبيِّكم، فأبيتم وقاتلتمونا فقاتلناكم وقتلناكم فأبعدكم الله وأسحقكم يا أهل المدينة، مررت بكم في زمن الأحول هشام بن عبد الملك، وقد أصابتكم عاهة في ثماركم فركبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم، فكتب بوضعه عن قوم من ذوي اليسار منكم، فردَّ الغنيَّ غنيًّا، والفقير فقيرًا، وقلتم: جزاه الله خيرا ولا جزاكم». (1/124)
صفحة 125
قال أبو الفرج: «فأمَّا خطبتا أبي حمزة المشهورتان اللتان خطب بهما في المدينة فإنَّ أحدهما قوله: «تعلمون يا أهل المدينة أنَّا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرًا ولا بطرًا ولا عبثًا ولا لهوًا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نِيلَ منَّا، ولكن لمَّا رأينا مصابيح الحقِّ قد أطفئت، ومعالم العدل قد عطِّلت، وعنِّف القائم بالحقِّ، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعيًا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله، {ومن لم يُجِب داعيَ الله فليس بمعجِزٍ في الأرض} (1) أقبلنا من قبائل شتَّى، النفر منَّا على البعير الواحد، وعليه زادهم يتعاورون لحافًا واحدًا، قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله وأيَّدنا بنصره، وأصبحنا والله المحمود من أهل فضله ونعمته، ثمَّ لقينا رجالكم بقديد، فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فدعونا إلى طاعة الشيطان وحكم مروان، فشتَّان لَعمر الله ما بين الغيِّ والرشد، ثمَّ أقبلوا يزفُّون ويهرعون، وقد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، وصدَق عليهم إبليس ظنّه؛ وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب بكلِّ مهنَّد ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت رحاهم بضرب يرتاب منه المبطلون، وأيم الله يا أهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان فيسحتكم الله بعذاب من عنده وبأيدينا، ويشف صدور قوم مؤمنين.
يا أهل المدينة، الناس منَّا ونحن منهم، إِلاَّ مشركًا عبَّاد (2) وثن، أو كافرًا من أهل الكتاب، أو إماما جائرًا.
يا أهل المدينة، من يزعم أنَّ الله تعالى كلَّف نفسًا فوق طاقتها، وسألها عمَّا لم يؤتها فهو لنا حرب.
يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القويِّ والضعيف، فجاء تاسع ليس له منها سهم فأخذها جميعها لنفسه مكابرًا محرابًا لربِّه، ما تقولون فيه، وفيمن عاونه على فعله؟.
__________
(1) - ... سورة الأحقاف: 32.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عابد وثن». (1/125)
صفحة 126
يا أهل المدينة، بلغني أنَّكم تنتقصون أصحابي، قلتم: «هم شباب وأحداث وأعراب جفاة»، ويحكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله إِلاَّ شبابًا أحداثًا، نَعَم، والله إنَّ أصحابي لشباب متكاهلون في شبابهم، غضيضة عن الشرِّ أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا أنفسًا تموت غدًا بأنفس لا تموت أبدا، قد خلطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، محنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلَّما مرُّوا بآية خوفٍ شهقوا خوفًا من النار، وكلَّما مرُّوا بآية رجاء شهقوا شوقًا إلى الجنَّة؛ وإذا نظروا إلى السيوف وقد انتصبت، وإلى الرماح وقد أشرعت، وإلى السهام وقد فوِّقت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفُّوا وعيدها عند وعيد الله، وانغمسوا فيها، فطوبى لهم وحسن مآب.
وكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها من خشية، وكم من يد وقد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها راكعًا وساجدًا في طاعة الله. أقول قولي هذا وأستغففر الله يغفر لنا. وما توفيقي إِلاَّ بالله، عليه توكَّلت وإليه أنيب» (1) .
وأمَّا الخطبة الثانية فقوله:
«
__________
(1) - ... وانظر إحسان عبَّاس: أدب الخوارج. (1/126)
صفحة 127
يا أهل المدينة ما لي رأيت رسم الدين فيكم عافيًا، وآثاره دارسة، لا تقبلون عِضته، ولا تفقهون من أهله حجَّة، قد بليت فيكم جدَّته، وانطمست عنكم سنَّته، ترون معروفه منكرًا، والمنكر من غيره معروفًا، إذا انكشفت لكم العبر، وأوضحت لكم النذر عميت عنها أبصاركم، وصمَّت عنها آذانكم، ساهين في غمرة، لاهين في غفلة، تبسط قلوبكم للباطل إذا نشر، وتنقبض عن الحقِّ إذا ذكر، مستوحشة من العلم، مستأنسة بالجهل، كلَّما وردت عليها موعظة زادتها عن الحقِّ نفورًا، تحملون قلوبًا في صدوركم كالحجارة، أو أشدُّ قسوة من الحجارة (1) ، فهي تلين بكتاب الله الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدِّعًا من خشية الله (2) .
يا أهل المدينة، لا تغني عنكم صحَّة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم، قد جعل الله لكلِّ شيء سببًا غالبًا له، ينقاد إليه، مطيع أمره، فجعل القلوب غالبة على الأبدان، فإذا مالت القلوب ميلا كانت الأبدان لها تبعًا، وإنَّ القلوب لا تلين لأهلها إِلاَّ بصحَّتها، ولا يصحِّحها إِلاَّ المعرفة بالله، وقوَّة النية، ونفاذ البصيرة؛ ولو استشعرت تقوى الله قلوبكم، لاستعملت في طاعة الله أبدانكم.
__________
(1) - ... إشارة إلى الآية الكريمة: {ثمَّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدُّ قسوة...}(سورة البقرة: 74).
(2) - ... إشارة إلى الآية الكريمة: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدِّعاً من خشية الله...} (سورة الحشر: 21). (1/127)
صفحة 128
يا أهل المدينة، داركم دار الهجرة، ومثوى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله لمَّا نأت به داره، وضاق به قراره، وآذاه الأعداء وتجهَّمت له، فنقله الله إليكم، بل إلى قوم لم يكونوا لعمري أمثالكم، متوازرين مع الحقِّ على الباطل، مختارين الآجل على العاجل، يصبرون للضرَّاء رجاء ثوابها، فنصروا الله وجاهدوا في سبيله، وآزروا رسوله صلَّى الله عليه وعلى آله، واتَّبعوا النور الذي أنزل معه، وآثروا الله على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فقال الله تعالى لهم ولأمثالهم ولمن اهتدى بهديهم: {ومن يوقَ شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون} (1) ، وأنتم أبناؤهم ومن بقي من خلفهم، تتركون أن تقتدوا بهم، وتأخذوا بسنَّتهم، عُمي القلوب، صمُّ الأذان، اتَّبعتم الهوى، فأرداكم عن الهدى، وأسهاكم عن مواعظ القرآن، لا يزجركم فتنزجرون، ولا يعظكم فتتَّعظون، ولا يوقظكم فتستيقظون؛ لبئس الخلَف أنتم من قوم مضوا قبلكم، ما سرتم سيرتهم، ولا حفظتم وصيَّتهم، ولا احتذيتم مثالهم؛ لو انشقَّت عنهم قبورهم، فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم.
ألا ترون إلى خلافة الله وإمامة المسلمين، كيف أضيعت حتَّى تداولها بنو مروان، أهل بيت اللعنة، وطرداء رسول الله، وقوم الطلقاء؛ ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار ولا التابعين بإحسان، فأكلوا مال الله أكلاً، ولعبوا بدين الله لعبًا، واتَّخذوا عباد الله عبيدًا، يورث الأكبر منهم ذلك الأصغر؛ فيالها أمَّة ما أضعفها وأضيعها، ومضوا على ذلك من سيِّء أعمالهم واستخفافهم بكتاب الله، قد نبذوه وراء ظهورهم، فالعنوهم لعنهم الله لعنًا كما يستحقُّونه.
ولقد ولي منهم عمر بن عبد العزيز فاجتهد ولم يكد، وعجز عن الذي أظهر، حتَّى مضى لسبيله». قال: «ولم يذكره بخير ولا شرٍّ». اهـ.
__________
(1) - ... سورة الحشر: 9. (1/128)
صفحة 129
ثمَّ قال: «وليَ بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك، غلام سفيه ضعيف، غير مأمون على شيء من أمور المسلمين، لم يبلغ أشدَّه، ولم يؤنس رشده، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم} (1) ، وأمر أمَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وآله، وأحكامُها وفروجها ودماؤها أعظم عند الله من مال اليتيم وإن كان عند الله عظيمًا؛ غلام مأبون (2) في فرجه وبطنه، يأكل الحرام، ويشرب الخمر، ويلبس بُردين قد حيكا من غير حلِّهما، وصرفت أثمانها في غير وجهها، بعد أن ضربت فيها الآثار، وخلقت فيها الأبشار، استحلَّ ما لم يحلَّه الله لعبد صالح ولا لنبيٍّ مرسل، فجلس حبابة عن يمينه، وسلامة عن يساره، يغنِّيانه بمزامير الشيطان؛ ويشرب الخمر الصراح المحرَّمة نصًّا بعينها، حتَّى إذا أخذت منه مأخذها، وخالطت روحه ولحمه ودمه، وغلبت سورتها على عقله مزَّق برديه، ثمَّ التفت إليهما فقال: أتأذنان لي بأن أطير؟ نعَمْ فطِرْ إلى النار، طر إلى لعنة الله، طر إلى حيث لا يردُّك الله».
ثمَّ ذكر بني أميَّة وأعمالهم فقال: «أصابوا إمرة ضائعة، وقومًا طغامًا جهَّالاً، لا يقومون لله بحقٍّ، ولا يفرِّقون الضلالة والهدى، ويرون أنَّ بني أميَّة أرباب لهم، فملكوا الأرض وتسلَّطوا فيه تسلُّط ربوبيَّة، بطشهم بطش الجبابرة، يحكمون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويأخذون بالظنِّ، ويعطِّلون الحدود بالشفاعات، ويؤمنون الخونة، ويعصون ذوي الأمانة، ويتناولون الصدقة من غير فرضها، ويضعونها غير موضعها، فتلك الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله، فالعنوهم لعنهم الله».
__________
(1) - ... سورة النساء: 6.
(2) - ... من أُبن يؤبن، أي يُذكر بقبيح، وفي مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «لا تُؤبن فيه الحرم». الرازي: مختار الصحاح، ص3. (1/129)
صفحة 130
قال: «ثمَّ ذكر شيعة آل أبي طالب فقال: أمَّا إخواننا الشيعة، وليسوا بإخواننا في الدين، لكنِّي سمعت الله يقول: {يا أيُّها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا} (1) ، فإنَّها فرقة تظاهرت بكتاب الله، وآثرت الفرقة على الله، لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن، ولا عقل بالغ في الفقه، ولا تفتيش عن حقيقة الثواب، قد قلَّدوا أمرهم أهواءهم، وجعلوا دينهم العصبيَّة لحزب لزموه، وأطاعوه في جميع ما يقوله غيًّا كان أو رشدًا، ضلالة كان أو هدى، ينتظرون الدول في رجعة الموتى، ويؤمنون بالبعث قبل الساعة، ويدَّعون علم الغيب لمخلوقين، لا يعلم واحدهم ما في بيته، بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه، ويحويه جسمه؛ ينتقمون المعاصي على أهلها ويعملون بها، ولا يعلمون المخرج منها، جفاة في دينهم، قليلة عقولهم، وقد قلَّدوا أهل بيت من العرب دينهم، وزعموا أنَّ موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة، وتنجيهم من عقاب الأعمال السيِّئة؛ قاتلهم الله أنَّى يؤفكون، فأيُّ الفرق يا أهل المدينة تتَّبعون، أم بأيِّ مذاهبهم تقتدون.
__________
(1) - ... سورة الحجرات: 13. (1/130)
صفحة 131
ولقد بلغني مقالكم في أصحابي، وما عبتموه من حداثة أسنانهم، ويحكم! وهل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله إِلاَّ أحداثا؟، نعم، إنَّهم لشباب يتكهَّلون في شبابهم، غضيضة عن الشرِّ أعينهم، ثقيلة في الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة، قد نظر الله إليهم في جوف الليل، محنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلَّما مرَّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنَّة بكى شوقًا، وكلَّما مرَّ بآية فيها ذكر النار شهق خوفًا، كأنَّ زفير جهنَّم بين أذنيه، قد أكلت الأرض جباههم وركبهم، ووصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم، مصفرَّة ألوانهم، ناحلة أبدانهم من طول القيام، وكثرة الصيام، موفون بعهد الله، منجزون لوعد الله، قد سيَّروا أنفسهم في طاعة الله، حتَّى إذا التقت الكتيبتان، وأبرقت سيوفها، وفوِّقت سهامها، وأشرعت رماحها لقوا شبا الأسنَّة (1) ، وزجاج السهام، وظبي السيوف بنحورهم ووجوههم وصدورهم، فمضى الشابُّ منهم قدُما، حتَّى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، واختضبت محاسن وجوههم بالدماء، وعفِّر جبينه بالتراب والثرى، وانحطَّت عليه الطير من السماء، ومزَّقته سباع الأرض، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف اللليل من خوف الله، وكم من وجه رقيق، وجبين عتيق قد فلق بعمُد الحديد، ثمَّ بكى فقال: هاي هاي على فراق الإخوان، رحمة الله تعالى على تلك الأبدان، اللهمَّ أدخل أرواحها الجنان».
__________
(1) - ... شباة، أو الشبا: شبا كلّ شيء حدُّه.وطرفه ... الرازي: مختار الصحاح، ص328 (1/131)
صفحة 132
قال أبو الفرج: «وسار أبو حمزة وخلف بالمدينة المفضل الأزدي في جماعة من أصحابه، وبعث مروان بن محمَّد عبد الملك بن عطيَّة السعدي في أربعة آلاف من أهل الشام، فيهم فرسان عسكره، ووجوههم لحرب أبي حمزة وعبد الله بن يحيى طالب الحقِّ، وأمر ابن عطيَّة بالجدِّ بالمسير، وأعطى كلَّ رجل من الجيش مائة دينار وفرسًا عربيَّة، ونعلة لثقله، فخرج ابن عطيَّة حتَّى إذا كان بالمعلى، وكان رجل من أهل وادي القرى يقال له العلاء بن أفلح، مولى بن القيس، يقول: لقيني في ذلك اليوم وأنا غلام رجل من أصحاب ابن عطيَّة فقال لي: ما اسمك يا غلام؟ فقلت: العلاء، قال: ابن من؟ قلت: ابن أفلح، قال: أعرَبيٌّ أم مولى؟ فقلت: مولى، قال: مولى من؟ فقلت: مولى ابن الغيث، قال: فأين نحن؟ قلت: بالمعلى، قال: فأين نحن غدًا؟ قلت: بغالب؛ قال: فما كلَّمني حتَّى أردفني خلفه ومضى حتَّى أدخلني على ابن عطيَّة، قال له: أيُّها الأمير، سَلِ الغلامَ ما اسمه، فسأل وأنا أردُّ عليه القول بذلك، ووهب لي دراهم». (1/132)
صفحة 133
قال أبو الفرج: «وقدَّم أبو حمزة أمامه بلج بن عقبة في ستِّمائة رجل ليقاتل عبد الملك بن عطيَّة فلقيه بوادي القرى، لأيَّام خلت من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة، فتواقفوا، ودعاهم بلج إلى الكتاب والسنَّة، وذكر بني أميَّة وظلمهم، فشتمه أهل الشام، وقالوا: يا أعداء الله، أنتم أحقُّ بهذا مِمَّن ذكرتم فحمل بلج وأصحابه عليهم، وانكشفت طائفة من أهل الشام وثبت ابن عطيَّة في عصبة صبروا معه فناداهم: يا أهل الحفاظ ناضلوا على دينكم وأميركم واصبروا وقاتلوا قتالا شديدا، فقتل بلج وأكثر أصحابه، وانحازت قطعة من أصحابه نحو المائة إلى جبل اعتصموا به فقاتلهم ابن عطيَّة ثلاثة أيَّام، فقتل منهم سبعين رجلا ونجا منهم ثلاثون فرجعوا إلى أبي حمزة وهو بالمدينة، وقد اغتموا وجزعوا من ذلك الخبر، وقالوا: فررنا من الزحف؛ فقال لهم أبو حمزة: لا تجزعوا، فأنا لكم فئة، وإليَّ تحيَّزتم.
وخرج أبو حمزة إلى مكَّة فدعى عمر بن عبد الرحمان بن زيد بن الخطاب أهل المدينة إلى قتال المفضل خليفة أبي حمزة على المدينة، فلم يجد إليه أحد، لأنَّ القتل قد كان أسرع من الناس، وخرج وجوه أهل البدعة فاجتمع إلى عمر البربر والزنوج وأهل السوق، فقاتل بهم الشراة، فقتل المفضل وعامَّة أصحابه، وهرب الباقون، فلم يبق منهم أحد، فقال في ذلك سهيل مولى زينب بنت الحكم بن العاص:
ليت ... مروان رآنا ... يوم الإثنين عشيَّة
إذ غسلنا العار ... عنَّا ... وانتضينا الشرَّ ... فيه
قال فلمَّا قدم ابن عطيَّة أتاه عمر بن عبد الرحمان، فقال له: أصلحك الله إنِّي جمعت قضِّى وقضيضي فقاتلت هؤلاء الشراة، فلقَّبه أهل المدينة: "قضِّى وقضيضي". (1/133)
صفحة 134
قال أبو الفرج: «وأقام ابن عطيَّة بالمدينة شهرا وأبو حمزة مقيم بمكَّة، ثمَّ توجَّه، فقال علي بن الحصين العبدي لأبي حمزة: إنِّي كنت أشرت إليك يوم قديد وقبله أن تقتل الأسرى فلم تفعل حتَّى قتلوا المفضل وأصحابنا المقيمين معه بالمدينة، وأنا أشير عليك الآن أن تضع السيف في أهل مكَّة فإنَّهم كفرة فجرة، ولو قدم ابن عطيَّة لكانوا أشدَّ عليك من أهل المدينة. فقال: لا أرى ذلك لأنَّهم قد دخلوا في الطاعة وأقرُّوا بالحكم ووجب عليهم حقُّ الولاية، فقال: إنَّهم سيغدرون، فقال: {ومن نكث فإنَّما ينكث على نفسه} (1) ، وقدم ابن عطيَّة مكَّة فصير أصحابه فرقتين، ولقي الخوارج من وجهين، فكان هو بإزاء أبي حمزة في أسفل مكَّة، وجعل طائفة أخرى بالأبطح أزاء أبرهة ابن الصباح، فقتل أبرهة كمن له ابن رهبان، وهو على خيل دمشق، فقتله عند بئر ميمون. والتقى ابن عطيَّة بأبي حمزة فخرج أهل مكَّة بأجمعهم مع ابن عطيَّة:
أنا الجديعا وبنت الأعلم ... ... من سال عن اسمي فاسمي مريم
بعت سواري بعضب مخدم
وقتلت الخوارج قتلا ذريعا وأسر منهم أربعمائة فقال لهم ابن عطيَّة: ويلكم ما دعاكم إلى الخروج مع هذا؟ فقالوا: ضمن لنا الكنَّة - يريدون الجنَّة - فقتلتهم كلّهم، وصلب أبا حمزة وأبرهة بن الصباح على شعب الخيف، ودخل على ابن الحصين دارا من دور قريش، فأحدق أهل الشام بها فأحرقوها، فرمى بنفسه عليهم وقتلهم، فأسر وقتل وصلب مع أبي حمزة، فما يزالوا مصلوبين حتَّى أفضى الأمر إلى بني هاشم فنزلو في خلافة أبي العبَّاس».
__________
(1) - ... سورة الفتح: 10. (1/134)
صفحة 135
قال أبو الفرج: «وذكر ابن الماجشون أنَّ ابن عطيَّة لمَّا التقى بأبي حمزة، قال أبو حمزة لأصحابه: لا تقاتلوهم حتَّى نختبروهم، فصاحوا فقالوا: يا أهل الشام ما تقولون في القرآن؟ فقال ابن عطيَّة: نضعه في جوف الجوالق، قالوا: فما تقولون في اليتيم؟ قالوا: نأكل ماله، ونفجر بأمِّه. في أشياء بلغني أنَّهم سألوا عنها، فلمَّا سمعوا كلامهم قاتلوهم حتَّى أسلُّوا، فصاحت الشراة: ويحك يا ابن عطيَّة إنَّ الله جلَّ وعلا قد جعل اللَّيل سكنا، فاسكن فنسكن، فأبى وقاتلهم حتَّى أفناهم».
قال: «ولمَّا خرج أبو حمزة من المدينة خطب فقال: يا أهل المدينة إنَّا خارجون لحرب مروان فإن نظهر عليه نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنَّة نبيئكم، وإن يكن ما تمنَّيتم لنا {فسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون} (1) »
قال: «وقد كان تبعه على رأيه قوم من أهل المدينة وبايعوه منهم بشكست النحوي (2) . فلمَّا جاء قتله وثبَ الناس على أصحابه فقتلوهم. وكان مِمَّن قتلوه بشكست النحوي، طلبوه فرقى في درجة داره فلحقوه فأنزلوه وقتلوه، وهو يصيح يا عباد الله فيما تقتلوني فقيل فيه:
لقد كان بشكست عبد العزيز ... من أهل القراءة والمسجد
فبعد البشكست عبد العزيز ... وأمَّا القرآن فلا تبعد
قال أبو الفرج: «وحدَّثني بعض أصحابنا أنَّه رأى رجلا واقفا على سطح يرمي الحجارة قوم أبي حمزة بمكة، فقيل: كيف تدري لمن ترمي مع اختلاط الناس؟ فقال: والله ما أبالى من رميت، إِنَّمَا يقع حجري في شام أو شار، والله ما أبالي أيُّهما قتلت»
__________
(1) - ... سورة الشعراء: 227.
(2) - ... هو عبد العزيز بشكست النحوي القارئ (130هـ/748م): عالم إيراني المولد، من أنصار أبي حمزة الشاري، وهو نحوي من القرَّاء. ... وانظر- الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج2/ص2012. (1/135)
صفحة 136
قال أبو الفرج: «وخرج ابن عطيَّة إلى الطائف وأتى قتل أبي حمزة إلى عبد الله يحي طالب الحقِّ وهو بصنعاء، فأقبل في أصحابه يريد حرب ابن عطيَّة إليه، والتقوا فقتل بين الفريقين جمع كثير، وترجَّل عبد الله بن يحي في ألف رجل فقاتلوا حتَّى قتلوا كلُّهم، وقتل عبد الله بن يحي، وبعث ابن عطيَّة رأسه إلى مراون بن محمَّد، وقال أبو صخر الهذلي يذكر في ذلك:
قتلنا عبيدا والذي يكتني الكنى ... أبا حمزة القاري المصلِّي اليماينا
وأبرهة الكندي خاضت رمحنا ... وبلجا منحناه السيوف المواضيا
وما تركت أسيفنا منذ جرِّدت ... حيارى على الأرض عاصيا
قلت لعلَّه قد علم أبو صخر بعد لقاء ربِّه بالذي أحقُّ باسم الجبار أهو أبو حمزة القارى أم صاحبه مروان بن الحكم. اهـ.
قال أبو الفرج: «وأقام ابن عطيَّة بحضرموت بعد ظفره بالخوارج، حتَّى أتاه كتاب مروان يأمره بالتعجيل إلى مكَّة فيحجَّ بالناس، فشخَّص إلى مكَّة متعجِّلا ومخفَّفا في تسعة عشر فارسا، وندم مروان على ما كتبه وقال: قتلت ابن عطيَّة، وسوف يخرج متعجِّلا مخففا من اليمن ليلحق الحجَّ فيقتله الخوارج، فكان كما قال.
صادفه في طريقه في جماعة متلفِّقة، فمن كان منهم إباضيًّا قال: ما ننتظر أن ندرك ثأر إخواننا، ومن لم يكن منهم إباضيًّا ظنَّ أنَّه إباضيٌّ منهزم من ابن عطيَّة، فصمد له سعيد وحمانة ابناء الأخنس الكنديَّان في جماعة من قومهما وكانوا على رأي الخوارج، فعطف ابن عطيَّة على سعيد فضربه بالسيف، وطعنه حمانة فصرعه، فنزل إليه سعيد، فقعد على صدره فقال له ابن عطيَّة: هل لك في أن تكون أكرم العرب أسيرا، فقال سعيد: يا عدوَّ الله، أتظنُّ الله يهملك أو تطمع في الحياة وقد قتلت طالب الحقِّ وأبا حمزة وبلجا وأبرهة. فذبحه وقُتل أصحابه أجمعون. (1/136)
صفحة 137
فهذا يسير مِمَّا هو معلوم من حال هذه الطائفة في خشونتها في الدين، وتلزُّمها بناموسه، وإن كانت في أصل العقيدة على ضلال، وهكذا قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - وآله عنهم: «تستحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم، وصيام أحدكم في جنب صيامهم» اهـ.
قلت: لا أصاب ابن ابي الحديد ها هنا، فما هو الضلال الذي ينسبه في أصل عقيدتهم، وليس الحديث الذي ذكره هو في حقِّ هذه الطائفة قطعا، فنبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - هو المبلغ عن ربِّه تعالى قوله: {بلى من أوفى بعهده واتَّقى فإنَّ الله يحب المتَّقين} (1) ، فالأصحاب لم ينحرفوا عن الجادَّة الواضحة التي كان عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وآله وخلفاؤه وهذا غير مخفي.
قال القطب - رضي الله عنه - : «وإن كان هذا الهجو على اعتقاد أصحابنا وهم الإباضيَّة الوهبيَّة وتخطئهم على ديانتهم واعتقاداتهم، فذلك حرام لأنَّ ديانة الإباضيَّة الوهبيَّة هي الصواب قولا واعتقادا لأنَّه ليس فيها ما يؤدِّي إلى الإلحاد ولا زيغ فيها» اهـ.
قال ابن أبي الحديد: «ولا ريب أنَّ الخوارج إِنَّمَا برئ من أهل الدين، وألحق منهم لأنَّهم فارقوا عليًّا وبرؤوا منه، وما عدا ذلك من عقائدهم نحو القول بتخليد الفاسق في النار، والقول بالخروج على أمراء الجور وغير ذلك من أقاويلهم. فإنَّ أصحابنا يقولون بها ويذهبون إليها، فلم يبق ما يقتضي البراءة منهم، إِلاَّ براءتهم من عليٍّ.
__________
(1) - ... سورة آل عمران: 76. (1/137)
صفحة 138
وقد كان معاوية يلعنه على رؤوس الأشهاد، وعلى المنابر في الجُمع والأعياد في المدينة ومكَّة، وفي سائر مدن الإسلام، فقد شارك الخوارج في الأمر المكروه منهم، وامتازوا عليه بإظهار الدين والتلزُّم بقوانين الشريعة والاجتهاد في العبادة وإنكار المنكرات، وكانوا أحقَّ بأن ينصروا عليه من أن ينصر عليهم، فوضح بذلك قول أمير المومنين: لا تقاتلوا الخوارج بعدي يعنى في ملك معاوية» (1) اهـ.
نقلا من شرح ابن أبي حديد لنهج البلاغة، وسيأتي إن شاء الله الرحمن الرحيم ما به كفاية في مسألة البراءة التي يذكرها غيرنا فينا من الإمام علي ابن أبي طالب.
ثمَّ اعلم أنَّ هذا قدَّمنا ذكره هنا هو عن ابن أبي الحديد، وهو معتزلي المذهب، وأقول سنذكر بعده في هذا المقام الذكر الشنيع الذي يذكره غيره على أهل المذهب، فمنه أنَّهم إذا ذكروهم يذكرونهم باسم الخوارج، وقد صحَّ أنَّ هذه التسميَّة تسمُّوا بها في سالف الزمان قبل وقوع الافتراق بينهم وبين نافع ابن الأزرق، وأمَّا بعد الافتراق الواقع بينهم فالتسميَّة اختصُّوا بها هم واختصصنا بتسميَّة أهل الاستقامة، وانقلب المدح الذي كان في تسميَّة الخوارج ذمًّا؛ واعلم أنَّ اسم الخوارج كان في الزمان الأوَّل مدحا لأنَّه جمع خارجة: وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله عزَّ وجلَّ {ولو ارادوا الخروج لأعدُّوا له عدَّة} (2) ، ثمَّ صار ذمًّا لكثرة تأويل المخالفين أحاديث الذمّ فيمن اتَّصف بذلك آخر الزمان، ثمَّ زاد اسقباحه حين استبدَّ به الأزارقة والصفريَّة، فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبِّحت لغيرها، فمن ثمَّ ترى أصحابنا لا يتَسمَّون إِلاَّ بأهل الاستقامة لاستقامتهم في الديانة.
__________
(1) - ... إلى هنا انتهى من نقل نصِّ ابن أبي الحديد مع بعض التعليقات اليسيرة، في شرح البلاغة، ج4/ص161-176.
(2) - ... سورة التوبة: 46. (1/138)
صفحة 139
وعكس هذا الاسم تسميَّة أهل السنَّة، فإنَّه كان في الزمن الأوَّل قبيحا لكون المراد بالسنَّة السنَّة التي سنَّها معاوية في سبِّ عليٍّ وشتمه على المنابر، فصار ذلك سنة ينشِّأ عليها الصغير، ويموت عليها الكبير، حتَّى غيَّرها عمر بن عبد العزيز في خلافته، فأهل ذلك الحال هم أهل السنَّة في ذلك الزمان، ثمَّ اندرس هذا السبب واختفى وظنُّوا أنَّ السنَّة سنة النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، فتمدَّحوا بذلك وجمعوا بين المتضادَّين في الولاية، وهم يعلمون أنَّ الحقّ مع فريق منهم وخالفوا سنَّتهم الأولى حين صارت الدولة لبني العبَّاس من بني هاشم» اهـ. سيِّدي نور الدين.
ومنه أنَّهم ينسبون إلى المذهب أمورا مع أنَّه برئ منها، وذلك كقولهم: إنَّ الإباضيَّة من الخوارج الذين كفَّروا سيِّدنا عليا وأكثر الصحابة، ونصُّ عبارة القاموس هكذا: «والإباضيُّ ــ بالكسر عبد الله بن إباض نسب إليه الإباضيَّة ــ من الخوارج».
و في المواقف للإمام العلاَّمة أنَّ الإباضيَّة من الخوارج الذين كفَّروا سيِّدنا عليًّا كرَّم الله وجهه، وأكثر الصحابة زعموا أنَّ مرتكب الكبيرة موحِّد غير مؤمن، وافترقوا على أربع فرق:
الأولى: الحفصيَّة يعتقدون أنَّ معرفة الله متوسِّطة بين الإيمان والشرك، فمن عرف الله وكفر بما سواه من رسول أو جنَّة أو نار أو بارتكاب كبيرة فهو كافر لا مشرك.
الثانيَّة: الزيديَّة يعتقدون أنَّه ببعث نبيء من العجم بكتاب يكتب في السماء، وينزل عليه جملة واحدة ويترك شريعة محمَّد إلى ملَّة الصائبة المذكورة في القرآن.
الثالثة: الحارثيَّة أصحاب الحارث الإباضي، خالفوا الإباضيَّة في بعض عقائدهم.
الرابعة: يعتقدون أنَّ العبد إذا أتى بما أمر به وإن لم يرد به الله تعالى كان ذلك طاعة؛ فالطاعة عندهم لا تتوقَّف على أن يقصد بها وجه الله. (1/139)
صفحة 140
وهذا محصل ما في المواقف؛ فأنت ترى أنَّ عقائدهم زائغة ولا يجوز اتباعهم، ولا السكون على مذاهبهم الفاسدة العاطلة بل يجب اتباع إمامٍ من أيمَّة الهدى» اهـ.
نقلت هذه العبارة من الرسالة المسماة (الظهور المحتوم) عن الشيخ قاسم بن سعيد الشمَّاخي (1) رحمه الله.
وقال الشيخ على أثر هذا المنقول ما نصُّه: «أمَّا عصابتنا نحن معاشر الإباضيَّة المنسوبين لعبد الله بن إباض فإنَّ الله تعالى قد قسم علينا من خشيته ما نملك بها أنفسنا عند الرغبة والشهوة والغضب، فلا نباشر شيئًا من أمر الدين والدينا من غير علم ولا تبيُّن ولا بحث، متحفِّظين بالصدق في القول والوفاء بالوعد، ولا نخون من ائتمننا، ولا نفجر في مخاصمتنا، ولا نحقر ذمَّة، ولا نبغض المسلمين، وعصابتنا وإن كانت ضعيفة وقليلة العدو (2) ، ولكن أنفسنا عزيزة، ورماحنا طوال على أهل الزيغ والضلال، وأعمارنا قصار في سبيل الله بعلم وبصيرة، استطاب الخبر عنَّا عند غيركم، وحسنت الأحدوثة عنَّا عند ملائكة ربِّنا وربِّكم، عثار القول يا حضرة العلاَّمة طموم من العلماء، أنكاء عقبة من عثار منطلق الجهلاء، فنعوذ بالله من سوابق الشقاء».
__________
(1) - ... هو قاسم بن سعيد بن قاسم بن قاسم بن سليمان بن محمَّد الشمَّاخي العامري المغربي اليفرني (ت: 1334هـ/1916م): عالم من علماء الإباضيَّة نزل مصر وكانت له فيها آثار حميدة؛ ومن مؤلفاته: الحكمة في شرح رأس الحكمة، والظهور المحتوم في الردِّ على العلامة الأزهري طموم، والقول المتين في الردِّ على المخالفين، وقد نقل من هذين المصدرين فقرات طويلة في هذا الكتاب. ... وانظر- أمانة الإعلام: دليل المؤلفين الليبيين، ص316. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج5/ص584، ترجمة 832.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «العدد». (1/140)
صفحة 141
قلت قد ذكر المصنف رحمه الله تعالى في كتابه الذي ألَّفه ردًّا على الزندجالي ما ملخَّصه: «إنَّ هؤلاء الناس قد يضعون لبعضهم على بعض أحاديث دالَّة على إخراجهم من الحقِّ، وتخصيص أنفسهم بالحقِّ، لينفروا العوام عنهم وعن أتباعهم وليجلبوهم، وكانوا يرون الوضع في هذا من باب الإعانة على الدين - وقد مرَّ بيان تجويزهم لذلك سابقا -»
قال: «ومن ذلك ما رواه ميمون بن أحمد المروزي لمَّا قيل له: ألا ترى أنَّ الشافعي وإلى ما نبغ له بخرسان، فقال: حدَّثنا أحمد بن عبيد حدَّثنا عبد الله بن معاذ الأزدي عن أنس قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم - : «يكون في أمَّتي رجل يقال له محمَّد بن إدريس، أضرُّ على أمتَّي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة، هو سراج أمَّتى» كذا في الدرر المضيئة». اهـ.
أقول: فإذا كان مثل هذه العبارات يضعونها فيمن يعتقدون أنَّهم وإياهم من ماء واحد، فلا غرابة في أن يضعوها على من هو بعيد عنهم. اهـ.
قال الشيخ الشماخي رحمه الله تعالى: «ولأجل أن ندفع عنَّا التهمة الأولى من التهمتين اللتين وصمنا بهما صاحب المواقف، وشنع علينا بهما حضرة العلاَّمة طموم الأزهري، وأوسع الطعن علينا وعليه دين الله حتَّى أخرجنا من دين الإسلام، فنقول وحسبنا الله ونعم الوكيل، فإنَّه نعم المولى ونعم النصير: عرف أهل البصائر من المسلمين و المؤرِّخين من أهل مذاهبكم وغير أهل مذاهبكم أنَّ الإمام علي قاتل بالإباضيَّة كلّ من خرج عليه، وأراد نقض إمامته، كما عرفوا جميعا أنَّ خروجهم عن أمر الحكمين لم يكن إِلاَّ لطلب مضيِّهم على الحقِّ الذي كانوا به محقِّين، وقد حكم الإمام عليٌّ بنفسه بأن ترك هذا الأمر الذي هم محقُّون فيه بالإجماع كفر بقوله: لا أرى إِلاَّ القتال أوالكفر». (1/141)
صفحة 142
إلى أن قال: «فقام صاحب المواقف وأين موقفه الآن في مواقف عدل الآخرة، والعلاَّمة طموم، ومن شايعهما ووافقهما بعد الذي جرى فقالوا جميعا: إنَّ الأمر الذي جرى بين الفريقين أهل النهروان أعداء التحكيم، وما فعله معاوية ومن شايعه، على نزع البيعة من الإمام علي إِنَّمَا ذلك منهم اجتهاد، المخطئ له أجر والمصيب له أجران، والذين خرجوا عن صفقتهما من أهل النهروان علماء القرآن والسنَّة، وقالوا: لا حكم إِلاَّ لله، هم الذين وقعوا في الضلال وصاروا أعداء صاحب المواقف، والعلاَّمة طموم ومن شايعهما، فجعلوا النبيء - صلى الله عليه وسلم - بهذا القول أنزل رتبة من مجتهدي أيمَّتهم، وأخذوا بغير ما صحَّ عندهم عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - من أنَّه - عليه السلام - قد حكم بأنَّ إحدى الطائفتين باغيَّة، وحكم عليها بالنار وبقوله: «يا عمَّار ستقتلك الفئة الباغيَّة»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النار»، وقوله - عليه السلام - : «عليكم بهدي عمَّار وبهدي ابن أم عبد» (1) ، والحكم الظاهر عند أهل البصائر معشر أهل الحقِّ أنَّ المسألة دينيَّة، وأنَّ المحقَّ مأجور والمخطئ مأزور بل هالك بدليل قوله تعالى: {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتَّى تفيء إلى أمر الله} (2) ».
«
__________
(1) - ... لم نقف على تخريج هذه الأحاديث فيما لدينا من المصادر.
(2) - ... سورة الحجرات: 9. (1/142)
صفحة 143
ولِمَ يا شيخ المواقف ويا حضرة العلاَّمة طموم، لمَّا استقرَّ الأمر لمعاوية شرع في حمل الناس والخطباء في جميع الآفاق على سبِّ عليٍّ ولعنه في كلِّ جمعة، وجعل لعنه سنَّة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير، وقد سكتُّم عن ذلك ولم تذكروه عن أربابه كما ذكره المسعوديُّ المؤرِّخ الذي هو منكم، بل حصرتم العداوة في الإباضيَّة أصحاب عليٍّ، وأنصاره وأوليائه الذين أيَّدوا بيعته بسيوفهم ودمائهم، ولم يرضوا بلعنه على المنابر بل طلبوا إلى عمر بن عبد العزيز في عهد دولته أن ينكر على السنِّيين سنَّتهم في لعن عليٍّ، فلبَّى دعوتهم وأنكر على السنِّيين لعنه، ونهى عن ذلك نهيا صارما، فكفُّوا والفضل في ذلك للإباضيَّة» اهـ.
قلت: فكون معاوية كان هو الذي سنَّ لعن عليٍّ هو الشائع المشهور في كتب الحكايات والأخبار، كما أسلفنا نقلا من ابن أبي الحديد.
قال المصنِّف رحمه الله في الصراط المستقيم: «قال المسعودي وهو من المؤرِّخين عندكم: إنَّ أصحاب معاوية ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن عليٍّ سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير.
وقال الحاكم: وإنَّما غلب عليهم اسم السنِّية لأنَّ معاوية لمَّا أمر بلعن عليِّ بن أبي طالب زعم أنَّه سنَّة، فاستحقَّ هذا الاسم كلّ ِمن يرى إمامة معاوية حتَّى قتل عليٌّ، واستقرَّ الأمر لمعاوية، وانقاد إليه الجميع زادوا اسم الجماعة على السنَّة فتسموا بها» اهـ. (1/143)
صفحة 144
وإنَّما تركوا ذلك الآن لأنَّ عمر بن عبد العزيز كان رجلا مائلا إلى مذهب المصوِّبين لإمامة عليٍّ، المانعين من نكثها، وأحسب أنِّي وجدت في بعض الكتب أنَّه دعى من كان في زمانه من الإباضيَّة إليه فعاهدهم على أنَّ يغيِّر كلّ يوم منكرا من مناكر هؤلاء السنيَّة، لأنَّه لم يكن أحد في تلك الأزمنة ينكر عليهم مناكرهم إِلاَّ الإباضيَّة؛ فحينئذ أنكر عليهم شيئاً بعد شيء، حتَّى أنكر عليهم لعنهم لعليٍّ، فكفُّوا عنه خوفا منهم له، لعلمهم بخلافه لمذهبهم ذلك، ولقوَّة سلطانه عليهم، فبقوا إلى الآن في أحكامهم عنه مائلين، وإن ادَّعوا السكوت عنه فلا يقدرون عليه ثبوتا، بل يتَّبعونه بما يؤذن أنَّهم لخلافه معتقدون، وكأنَّ سكوتهم كان نوعا من التقيَّة، ويشهرون عليه ما هم كانوا عليه من سبِّه على وجه الدعوى على غيرهم لأن لا يكون منسيَّا.
ألا أدلُّكم على ... أصلهم ... أصلهم هم ... الذين خصموا
وحاربوا ... في البغي مع معاوية ... وشتموا أهل الهدى ... علانيَّة
سنَّ لهم إمامهم لعن عليٍّ ... في كلِّ جمعة ... وكل محفل
فكان فيهم سنَّة موروثه ... فهذه السنَّة وهي ... محدثة
قد نسبوا أنفسهم إليها ... فهم أهيل سنَّة ... عليها
وحين قام عمر الصدِّيق ... بان له بعلمه ... الطريق
نهى عن الشتم وأبدل الخطب ... بآية من القرآن ... تكتتب
تأمر بالعدل وبالإحسان ... وتنهى عن فحش ... وعن عدوان
فتركوا سبَّ عليٍّ جهرا ... لكنهم قد جعلوه ... سرًّا
وقد أبى بعضهم وبقيا ... يلعنه جهرا إلى أنَّ ... فنيا
هم أهل حران ولمَّا ملكوا ... ملوك هاشم ... لذاك تركوا
خوفا من السطوة والسنان ... وطمعا في دولة ... السلطان
وانحرفوا فسبُّوا النهروانا ... لأنَّهم لم يملكوا ... المكانا
لو ملكوه أظهروا التحبُّبا ... والكل تلقاه لهم ... قد صوِّبا
كمثل قد صوَّبوا عليًّا ... من بعد سهم ... له مليَّا
فهذه أصولهم ... والمنكر ... منهم لها هلمَّ نحوى ... اذكر
أذكر ما مضى له ... من سلفه ... وأظهرنَّه له من ... صحفه
فكتبهم بذاك ... تنطقنا ... فكيف يا جهول ... تنكرنا
انتهى. (1/144)
صفحة 145
قلت وهل من مزيد فوق هذا في أنَّ لعن الإمام وشتمه ليسا من أهل المذهب وإنَّما هما مذهب غيرنا، وإنَّما نحن بريئون من ذلك أصلا وقد أشاعوا علينا هذا الأمر وجعلوه مذهبا لنا واعتقادا، وصار بذلك يخرج أهل المذهب منه إلى مذهبهم، مع أنَّ الأمر ليس لهم فيه من الدليل، فهذه كتب الاعتقاد لم نجد فيها عند ذكر العقائد وجوب لعن الإمام عليٍّ وشتمه، وقد قال القطب - رضي الله عنه - : «إنَّ من مذهبنا اعتقادا أنَّ الشتم ليس من العبادة»:
وديننا ... لم يتوقَّفنا ... بشتم من ضلَّ فنشتمنا
وفي صنوف ... طاعة الرحمن ... شغل عن الفضول ... باللِّسان (1/145)
صفحة 146
قال القطب - رضي الله عنه - ونفعنا الله به ما نصُّه: «والله أعلم بما يصيبني إذا تذكَّرت قوله - صلى الله عليه وسلم - للملائكة: «أصيحابي أصيحابي»، إذا جروا بعضا من الصحابة، وقولهم: ما تدري ما أحدثوا بعدك، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «فسحقا فسحقا»، والله ما ندري ما المراد من الحديث» (1) .
__________
(1) - ... رواه البخاري، في تفسير القرآن، قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَالَ {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ثُمَّ قَالَ أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} فَيُقَالُ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ». رقم 4259. ورواه مسلم: كتاب الفضائل، رقم 4259؛ ابن ماجه، كتاب المناسك، 3048؛ أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، رقم 4104؛ مسند البصريِّين، 19602. ... (1/146)
صفحة 147
قال المصنَّف رحمه الله في الصراط: «ويدعون عندهم بأنَّ ديننا سبَّ فلان الصحابي، فينفِّرونهم بذلك عنَّا، لأنَّهم لم يكن لهم عهد بهذا الأمر، فإذا أخبروا بأنَّه من دينكم استعظموه مستنكرين له، واستوحشوا عن الدين فمالوا إليهم، والعجب كيف صدَّقوهم في ذلك ولم يتفكَّروا في أنَّه لو كان هذا الأمر من الدين أو العبادة عندهم كيف تركونا على الجهل به، ولا علَّمونا إيَّاه كما علَّمونا الصلاة والصيام ونحوهما من الدين، وهم حريصون على هدانا بل لا زلنا من صغرنا إلى هذا الحدِّ من شيوخنا وآبائنا الإباضيِّين، ولا سمعنا عندهم لهذا الأمر ذكرا فضلا أن يوجبوه علينا، فلو لم يذكره لنا هؤلاء السنيَّة لما كنَّا له سامعين» اهـ.
وممَّا يدلُّ لشدَّة بغضهم فينا هو ما يذكرونه من أنَّ الإباضيَّة هم المنسوبون إلى عبد الله بن إباض، قالوا: «مخالفونا من أهل القبلة كفَّار ومرتكب الكبيرة موحِّد غير مؤمن، بناء على أنَّ الأعمال داخلة في الإيمان، وكفَّروا عليًّا وأكثر الصحابة» اهـ. (1/147)
صفحة 148
والجواب أنَّه يقال لهم: «ماذا تقولونه أنتم في مخالفيكم، هل هم عندكم مؤمنون أم لا، فإن قلتم: إنَّهم مؤمنون، فجوابنا أنَّ ذلك القول منَّا لا يقدح شيئًا علينا، لأنَّه لم يخرجنا عن الإيمان، فنحن معكم حيثما كنتم، فبماذا الطعن فينا، وإن قلتم: إنَّكم تخرجونهم من الإيمان، فنقول: إنَّه هو عين ما قلناه، وقد رجعتم إلى ما فررتم عنه، ولعمري إن لازم مذهبكم عدم إخراجنا من الإيمان لمَا صحَّ من عقيدتكم أنَّ «كلَّ من قال لا إله إِلاَّ الله دخل الجنَّة وإن زنى وإن وسرق» (1) .
__________
(1) - ... رواه البخاري بلفظ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُالْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى ابْنِ يَعْمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ. فَقَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» قُلْتُ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟» قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»، قُلْتُ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟!»، قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»، قُلْتُ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟!»، قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ»، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: «وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ». قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ، إِذَا تَابَ وَنَدِمَ وَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غُفِرَ لَهُ». كتاب اللباس: 5379.
... ورواه مسلم في كتاب الإيمان، رقم 138؛ وأحمد في مسند الأنصار، رقم 20493. وغيرهما بألفاظ متقاربة. (1/148)
صفحة 149
وبهذا الجواب ينحلُّ كلُّ ما نسبتموه إلينا من الأمور الزائغة عن الحقِّ، ثمَّ إنِّي أنشد بالله تعالى وبالمسلمين في قولهم إنَّ الإباضيَّة يكفِّرون الإمام عليا وأكثر الصحابة، هل أنتم تعرفون عدَّ الصحابة، ورأيتم أهل المذهب يكفِّرون أكثرهم، مع أنَّهم قد جاء عن العلماء الاختلاف في عددهم، فمنهم من قال: إنهم كعدد الأنبياء، ومنهم من قال: لا يحصي أحد عددهم إِلاَّ الله وحده، وحتَّى قيل: إنَّ الأنبياء الذين لقيهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج والملائكة الذين رآهم كلُّهم يعدُّون من الصحابة، وذلك لمَا جاء في الصحابي أنَّه: «من اجتمع به - صلى الله عليه وسلم - في حياته مؤمنا به في حال اليقظة»، وقد لزم من قولهم هذا أن يكون الأصحاب يكفِّرون أولئك الأنبياء والملائكة، وهل هذا من الإنصاف بشيء، وما هو كتاب من كتب الإباضيَّة وقفوا فيه ذكر هذا التكفير، {ولا تقف ما ليس لك به علم} (1) ، {ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} (2) .
ثمَّ اعلم أنَّ الأصحاب في الفتنة الواقعة بين الصحابة لهم فيها قولان:
__________
(1) - ... سورة الإسراء: 36.
(2) - ... سورة النور:15. (1/149)
صفحة 150
فالقول الأوَّل: أنَّ من بانت منه كبيرة في شأن الفتن الواقعة فهو حكموا عليه بعدم الولاية، قال العلامة أبو إسحاق أطفيش رحمه الله تعالى في النقد الجليل: «نعم الأصحاب يتحرُّون تطبيق حكمي الولاية والبراءة، لا تشهِّيًا وهما ينطبقان على كلِّ فرد مهما عظمت منزلته، ما لم يكن من المعصومين، ولا معصوم إِلاَّ النبيء والرسول، أمَّا الصحابة فلهم مزيَّة عظيمة وهي مزيَّة الصحبة، والذبِّ عن أفضل الخلق، وإراقة دمائهم في سبيل إعلاء كلمة الله، فيختار الكفّ عن تلك الحوادث المشؤومة التي لا يطالعها العاقل الراسخ إِلاَّ وتنفَّس الصعداء، ولكن نفَّد حكم الله ابتلاء للمؤمنين {ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحي من حيي عن بيِّنة} (1) ، {ولنبولنَّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} (2) ، {ليبلوكم أيُّكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور} (3) ، وأيضا لا غبار على من صرَّح بخطإ المخطئ منهم بدون الشتم والثلب بعد التثبُّت من ذلك والتبيين، وإن أمسك لعموم الأحاديث الواردة فيهم وترك الأمر إلى الله فهو محسن (4) » اهـ كلامه.
__________
(1) - ... سورة الأنفال: 42.
(2) - ... سورة محمَّد: 31.
(3) - ... سورة الملك: 2.
(4) - ... نقول والله أعلم: هذا هو الرأي الراجح في موضوع الصحابة (ض)، وقد حقَّق ذلك الشيخ بيوض رحمه الله في رسالته حول الرضا عن الصحابة. (1/150)
صفحة 151
والقول الثاني: الكفُّ عن الخوض في فتن الصحابة، وهذا القول هو عن الإمام أبي عبيدة رحمه الله كما ذكره الرقيشي الأزكوي في مصباح الظلام، عند الكلام على وفد الأصحاب إلى عمر بن عبد العزيز، وأبو مهدي عيسى المليكي في رسالته (1) ، والبدر الثلاثي في نزهته رحمه الله، على أنَّ البحث عمَّا سلف غير اللاَّزم، كالبحث عن الأحداث وأصحابها والفتن وأهلها، ولنور الدين السالمي:
نحن الأولى نسكت عمَّا قد مضى ... ولا نعدُّ الشتم ... دينا يرتضى
نقول تلك أمَّة وقد خلت ... وكل ... فرقة لها ما كسبت
وكان من قولهم فيما ... مضى ... ليس علينا فيه ... أمر فرضا
فما مضى قبلك لو ... بساعه ... فدعه فليس البحث عنه طاعة
__________
(1) - ... هو أبو مهدي عيسى بن إسماعيل بن موسى المليكي (ت: 971هـ/1564م): علم من أعلام الإباضيَّة في وادي ميزاب، وهو مِمَّن جازت عليه سلسلة نسب الدين، وله آثار علميَّة بارزة، ورسائل في الفتوى ومجموع من الردود. ... وانظر- أبو اليقظان: ملحق السير (مخ) ج1/ص10. الجعبيري: البعد الحضاري، ج1/ص165-167. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج4/ص561، ترجمة 777. (1/151)
صفحة 152
وله - رضي الله عنه - كلام نفيس خلاصته*: «أطال أيمَّتنا في تفاصيل الولاية والبراءة لكثرة الأحداث والقضايا، وتقلُّب الأحوال وفرض المكلف من ذلك المحبَّة لأهل طاعة الله والبغض لأهل معصيته إجمالا وتفصيلا في المشاهدين، ولا يلزم البحث عمَّا سلف {تلك أمَّة قد خلت لهاما كسبت ولكم زما كسبتم ولا تسألون عمَّا كانوا يعملون} (1) ، فإذا انتهى إليه العلم بالشهرة الصادقة بطاعة معيَّن سلف وجبت محبَّته، أو بمعصيَّته وجب بغضه، وإلاَّ فالجملة كافيَّة ولا يلزم التكرار بل يكفي فيه الاستحضار في القلب، لأنَّ الولاية والبراءة أمر مركوز في ذهن المؤمن، يدور مع الإيمان ويقوى بقوَّته، ويضعف بضعفه، وحبّ الطاعة للمؤمن ضروري، وكذا حبُّ المطيع، والعكس في العاصي، وما فوق ذلك من البحث في الأحوال وأحكامها، والأحداث وأيامها فلا يلزم أحدا أبدا» (2) اهـ. نقلا من تعليق أبي إسحاق أطفيَّش للذهب الخالص للقطب - رضي الله عنه - ما.
قلت فلينظر العاقل إلى هذه القاعدة التي حرَّرها سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - ليتبيَّن له الحقُّ الذي لا غبار عليه في أمر الولاية والبراءة، وليعلم أنَّ ما نسبه القوم إلينا في الإمام عليٍّ والصحابة هو غير ما نحن فيه.
__________
(1) - ... سورة البقرة: 134.
(2) - ... أي مؤلِّف الذهب الخالص: الإمام القطب امحمد بن يوسف اطفيش، والمحقِّق الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش. (1/152)
صفحة 153
قال الشيخ العلاَّمة محمَّد بن الحاج ابن القاسم المصعبي (1) في جوابه عن ما قدح به المخالف في حقِّنا. قال رحمه الله تعالى ما نصُّه: «واعتقدنا في الصحابة - رضي الله عنه - م أنَّهم عدول، وأنَّهُم أولياء لله وحزبه {ألاَ إنَّ حزب الله هم المفلحون} (2) ، فهذا اعتقادنا وعليه اعتمدنا، فالله ربُّنا ومحمَّد نبيُّنا، والقرآن إمامنا والكعبة قبلتنا، والصحابة قدوتنا، وقد مدحهم الله في كتابه في غير موضع قال الله تعالى: {والسابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان} (3) ، وقال الله تعالى: {لكن الرسول والذين ءامنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} (4) ، وقال تعالى: {يوم لا يخزي الله النبيء والذين ءامنوا معه} (5) ، وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشدَّاء على الكفَّار رحماء بينهم} (6) ، إلى آخر السورة؛ وقال تعالى: {إنَّ الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنَّهم بيان مرصوص} (7) ، وقال تعالى: {وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض} (8) .
__________
(1) - ... هو أبو عبد الله محمَّد بن يوسف بن محمَّد المصعبي المليكي الجربي (ت: 1207هـ/1793م): عالم محقِّق، ومجتهد في الفقه والأصول، وله تآليف عديدة منها: شرح قصيدة تحريض الطلبة لأبي نصر، حاشية على الإجارات المنسوب ليحي الجناوني. وغيرها ... وانظر- ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة (مخ) ص8-9. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج5/ص653، ترجمة 958.
(2) - ... سورة المجادلة: 22.
(3) - ... سورة التوبة: 100
(4) - ... سورة التوبة: 88.
(5) - ... سورة التحريم: 8.
(6) - ... سورة الفتح: 29.
(7) - ... سورة الصف: 4.
(8) - ... سورة النور: 55. (1/153)
صفحة 154
وفي غيرها من الآي التي تدلُّ على مدحهم وتعظيمهم وتشريفهم، هذا كلُّه في عموم الصحابة، وكذلك وردت آيات كثيرة في مدح خصوصهم كقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله ويوم الآخر يوادون من حادَّ الله ورسوله} (1) إلى الآخر السورة، وقوله: {والذين ينفقون أموالهم باللَّيل والنهار سرًّا وعلانية} (2) ، وقال الله تعالى: {فإنَّ الله هو مولاه وجبريلُ وصالح المومنين} (3) ، وقال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبِّه مسكينا ويتيما وأسيرا} (4) ، وقال تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلِّفوا} (5) ، وقال: {سيتجنَّبها الأتقى الذي يوتي ماله يتزكَّى} (6) إلى آخر السورة. وقال تعالى: {والذين يرمون المحصنات الغافلات المومنات} (7) ، وقال تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} (8) ، وقال تعالى: {لا أسألكم عليه أجرا إِلاَّ المودَّة في القربى} (9) وغيرها مِمَّا يطول تعداده، فمن أراد معرفتها فلينظر ما قاله المفسِّرون.
__________
(1) - ... سورة المجادلة: 22.
(2) - ... سورة البقرة: 246.
(3) - ... سورة التحريم: 4.
(4) - ... سورة الإنسان: 8.
(5) - ... سورة التوبة: 118.
(6) - ... سورة الليل: 17.
(7) - ... سورة النور: 23.
(8) - ... سورة الأحزاب: 33.
(9) - ... سورة الشورى: 23 (1/154)
صفحة 155
وكذلك وردت في مدحهم أحاديث كثيرة كقوله - صلى الله عليه وسلم - : «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي» (1) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «خير القرون قرني ثمَّ الذي يلونه» الحديث (2) ،
__________
(1) - ... رويت أحاديث كثيرة في الاقتداء بالخلفاء الراشدين وبالصحابة الكرام، ونورد مثالا واحداً رواه ابن ماجه في المقدِّمة، رقم 42، ونصه: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي الْمُطَاعِ قَالَ سَمِعْتُ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ، فَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
(2) - ... تقدَّم تخريجه في ص110.. (1/155)
صفحة 156
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا تسبُّوا أصحابي فلو أنَّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ درجتهم» (1) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «أصحابي لا تتَّخذوهم عرضا بعدي فمن أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن أذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد أذى الله فيوشك أن يأخذه» (2) ،
__________
(1) - ... رواه البخاري بلفظ: «حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَعَبْدُاللَّهِ ابْنُ دَاوُدَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَمُحَاضِرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ». كتاب المناقب، رقم 3397.
(2) - ... رواه الترمذي في كتاب المناقب، رقم 3797 بلفظ: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ أَبِي رَائِطَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ».. (1/156)
صفحة 157
في أحاديث كثيرة في عمومهم وخصوصهم - رضي الله عنه - م، نسأل الله أن يثبِّتنا على طريقتهم، واتِّباع سيرتهم، وأمَّا ما وقع بينهم من الحرب فالله طهَّر منها ألسنتنا، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا ذكر أصحابي فكفُّوا»، اهـ.
من جواب الشيخ محمَّد الحاج ابن قاسم المصعبي، قال القطب - رضي الله عنه - : «وأمَّا أمور الصحابة فلسنا نذكر منها شيئًا إِلاَّ ما تقرَّر عند الأشاعرة وغيرهم، فانظر ما في شرح مسلم والنويري وابن الأثير، ولو كان ذلك ببعض الاختلاف» اهـ.
أقول كنت قاعدا عند شيخنا سيف بن ناصر رحمه الله تعالى فقال: «إنَّ الكلام الذي نجده في كتب أهل السنَّة على الصحابة لا كنَّا علمناه لولا ذكرهم فيها عنهم».
قلت: وأمَّا حديث المارقة الذي ذكره ابن أبي الحديد فقد قال الشيخ أبو إسحاق اطفيَّش متَّعنا الله بحياته في النقد الجليل ما نصُّه: «أمَّا حديث المارقة، فقد رواه أصحابنا في المسند الصحيح من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخذري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله يقول: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتهم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن ولا يتجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» الحديث (1) ، وذكر في باب علماء السوء، وهو إشارة إلى أنَّهم علماء السوء، وإن اختلطوا بالعبادة.
__________
(1) - ... رواه الربيع في الجامع الصحيح، باب [5] في طلب العلم لغير الله عزَّ وجلَّ وعلماء السوء، حديث رقم 36. وانظر بيانه في حاشية العلامة السالمي على الجامع. (1/157)
صفحة 158
وذكر في البخاري سبب هذا الحديث أنَّ أبا سعيد الخذري قال بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة (1)
__________
(1) - ... ولفظ عند البخاري في كتاب المناقب، رقم 3341: «حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ» فَقَالَ: «وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ»، فَقَالَ عُمَرُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ» فَقَالَ: «دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ وَهُوَ قِدْحُهُ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ».
... وروي بطرق وألفاظ أخرى، عند البخاري وغيره. (1/158)
صفحة 159
وهو رجل من بني تميم فقال : «يا رسول الله أعدل فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل فقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله إيذن لي فأضرب عنقه، فقال: دعه فإنَّ له أصحابا يحقر صلاة أحدكم مع صلاتهم» ثمَّ ساق الحديث مع زيادة في آخره، واختلف في بعض الألفاظ وذكر في آخره أن: «آيتَّهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي إمرأة ومثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس». قال أبو سعيد: «فأشهد أنِّي سمعت هذا الحديث من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأشهد أنَّ علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتَّى نظرت إليه على نعت النبيء - صلى الله عليه وسلم - الذي نعته»، وهذه الزيادة لم يروها جابر بن زيد وهو قد سمع الحديث من أبي سعيد أيضًا.
أتراه يأخذ عن أبي سعيد ويسمع منه ذلك، ثمَّ يتولَّى من كان هذا وصفه، كلاَّ بل هو أورع من ذلك، وقد أدرك عصر الصحابة وسمع من كثير منهم، وإنِّي لأنزِّه البخاري عن الكذب، لكنَّه يأخذ عن أهل الأهواء كالشيعة والمرجئة ثقة بهم، وأنَّ لهم أهواء لا يؤمنون معها على نقل يخالف ما هم فيه » اهـ.
نور الدين السالمي رحمه الله قال: «تأسَّفت أمُّ المومنين عائشة - رضي الله عنه - ا عليهم، حين سمعت بقتلهم، وسمع أبو العقيصة الإمام أبا الحسن يقول يوم قتالهم: «والله إن كنتم لأصحاب الدار يوم الدار، وأصحاب الجمل يوم الجمل، وأصحاب صفَّين يوم صفَّين، وأصحاب القرآن إذ تلي».
«وتطبيق الحديث على هؤلاء خطأ كبير، فإنَّ الحديث ينطبق بحسب ظاهره على قوم أظهروا الإسلام، أو لا يرى إلى قوله: «يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم»، أو على قوم لم يكن لهم رسوخ في الدين، فيكون المعنى: لا يتَّعظون بالقرآن ولا تستقرُّ أحكامه في قلوبهم على ما ظهر لي، وقوله: «يمرقون من الدين»، نصٌّ في أنَّهم مشركون ولا يوجد عاقل يحكم على أهل النهروان بالشرك، ولو نقموا عليهم خروجهم عن الإمام علي». (1/159)
صفحة 160
إلى أن قال: «إنَّ تطبيق الحديث وما على بابه على الأصحاب ظلم، وخطأ في التأويل، وهو عندنا في علماء السوء كما تقدَّم، وفي كلِّ من خالف عمله كتاب الله وسنة نبيئه - صلى الله عليه وسلم - وآله، ويمكن أن يحمل الحديث على غلاة الخوراج من الأزارقة والصفريَّة القائلين بشرك أهل الكبائر، فإنَّهم يجتهدون في التحرُّز والعبادة لئلاَّ يقعوا في الشرك، ويؤيِّده ما روي عن رسول الله e يقول وهو يشير بيده إلى العراق: «يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمقرون من الإسلام مروق السهم من الرمية»، وحمله على كلِّ من خالف الحقّ في عبادته أظهر كما يدلُّ ظاهر قوله: «يخرج فيكم قوم» إلخ فإن لفظة «في» تدلُّ على أنَّ الخروج بمعنى الوجود بعد العدم والمعنى: «يوجد فيكم قوم هذا وصفهم»» انتهى نور الدين..
قال الشيخ أبو إسحاق: «وعندي أنَّ أحاديث المروق تنطبق تمام الانطياق على الذين يبالغون في تعظيم البشر غير الأنبياء والرسل، إلى درجة مساواتهم بهم قبل غيرهم، بله المؤلِّهين، فإنَّهم مشركون بالإجماع، وكذا على الذين اتَّخذوا الدين آلة لاقتناص النفوس، وابتزاز أموال الناس، فإنَّه يتواتر عنهم من اجتهاد النفس في العبادة خدعة وتغريرا، والاسترسال في الأذكار بكيفية يحقر الإنسان عبادته من عبادتهم، وإذا ما خلا لهم الجو نوَّموا النفوس الضعيفة، وارتكبوا من الفحشاء ما يعجز عن وصفه أي واصف، ويقصر عن تصويره أكبر شاعر، وقد شاهدنا بعضا من هؤلاء وليست تلك الأحاديث بخاصَّة لقوم دون غيرهم، لذا قال أهل الحقِّ: إنَّها
///
واردة في حقِّ من يخالف بعمله كتاب الله وسنَّة سيِّد الخلق؛ وتأويلها في حقِّ أهل النهروان أو الأصحاب تأويل باطل يتردَّى بصاحبه في قعر الجحيم، إن لم يتب، وقانا الله سوء الخاتمة.
بربِّك إذا كان المستقيمون اعتقادا وقولا وعملا مارقين، فمن هو المسلم يا ترى؟ (1/160)
صفحة 161
هي العماية والخذلان يذران النفوس في ظلمات وضلال، يخال لها أنَّها في مهيع الرشاد والكمال» انتهى كلام العلامة أبي إسحاق نفعنا الله به.
ولعمري إنَّه لكلام في ذروة الحقِّ بمكان فجزاه الله عن العلم خير جزاء آمين.
قال القطب - رضي الله عنه - : «وترى المخالفين يروون أحاديث لم تصحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد يصحُّ الحديث ويزيدون فيه، وقد يصحُّ الحديث ويؤولونه فينا وليس فينا» اهـ.
قلت لا أصاب القوم في جعلهم الحديث واردا فينا، لأنَّ الحديث فيه المروق أي الخروج من الدين، والقوم تأبى عقيدتهم من إخراجنا من الدين، لما أنَّ عندهم من يقول لا إله إِلاَّ الله هو مؤمن من جملة أهل الجنَّة، وإن فعل المحرَّمات وترك الواجبات، لأنَّ الأعمال ليست بداخلة في الإيمان عندهم، فلزم بهذه العقيدة كون الأصحاب من جملة المومنين، لأنَّهم يقولون لا إله إِلاَّ الله، فأين خروجهم من الإيمان؟ وأي وجه يصحِّح تأوليهم للحديث أنَّه فينا؟ وما هذا إِلاَّ إثارة البغض الذي فيهم لأهل المذهب، وإن نظرت إلى هذه العداوة وهذا البغض فلا ترى لها باعثا أصلا؛ قال القطب - رضي الله عنه - : «وبالغوا حتَّى زعموا أنَّ شهادة الإباضيَّة غير جائزة، وأنَّه لا يجوز أن يوكَّلوا أو يُستخلفوا» اهـ. (1/161)
صفحة 162
قلت: فإن كانت العداوة ثائرة بما رموه علينا من تكفرينا الإمام عليًّا وأكثر الصحابة كما نسب ذلك إلينا السيِّد شريف في التعريفات، فجوابنا أنَّه على فرض صحَّة ذلك منَّا ففيمَ تركتم معاوية وهو قد صحَّ أنَّه سنَّ لعن عليٍّ ووالديه وغيرهم على المنابر في كلِّ جمعة، وكلِّ محفل، فليس هذا عين التكفير منه، لأنَّ اللَّعنة لا تجوز إِلاَّ للكافر، ومع ذلك كلِّه أنَّكم عذرتموه فيه بل جعلتموه مجتهدا مأجورا بذلك، ولا نقص عليه؛ فهذا من العدل والإنصاف في أمَّةٍ كتابكم وكتابهم واحد، ونبيُّكم ونبيُّهم واحد، وشهادتكم وشهادتهم واحدة، وهل الإمام يرضى منكم في جعلكم خصيمه الذي سنَّ عليه اللَّعنة وليًّا لكم مرضيا، فمن المعلوم بالضرورة في عدوّ حبيبك أنَّه لا يرضيه اصطفاؤك له وتنزيله في الصواب مثله، ثمَّ إنَّكم لماذا لم تطردوا الاصطفاء للإباضية، والعلَّة واحدة، بل هي لست بواحدة لأنَّهم يلعنوا عليا كما لعنه معاوية، ولم يخرجوا عليه كما خرج عليه هو، ولا حكموا له بالتصويب في الخروج عليه، ولله درُّ أحد الشيعة لمَّا وقف على محاورة بين الإباضيِّ والسنِّي تلخيصها: أنَّ السنيَّ عاب على الإباضيَّة بما أنَّهم يبرأون من عليٍّ والسنيَّة يتولَّونه، فالإباضي قال له: بما أنَّكم تقولون معاوية وهو عدوُّ عليٍّ تلُزكم ولاية النهروانيين بالأولى، لأنَّ معاوية عداوته فيه أشدُّ، فاحتار السنِّي واستصوب الشيعيُّ جواب الإباضي، ونظم في ذلك قصيدة مطلعها:
أخا القوم هل أنت لي منصف ... ... إذا ماسألتك بالله ... أمرا
ومنها:
وكل موال عدوُّ امرئ ... عدوا لذاك جهارا وسرًّا
وإن قلت لا بل سواء لديَّ ... قرينان حكما وأصلا ونجرا
أحبُّ عليًّا وأهوى ابن هند ... ولم أك أسعف مِمَّن تبرا
يقال إليكم فلمَّا لا ... معا ... توالى الشراة ولا مستمرا
فإن قلت مارقة ... قد بغت ... فإن ابن هند به كان ... أحرى
ومنها:
وإنَّ ابن هند أتى بالجيوش ... وسلَّ وأشرع بيضا ... وسمرا (1/162)
صفحة 163
وحارب حيدر من ... بغيه ... وجاهد يخفى إلى الدين ... بدرا
ومنها :
ولكن رأيك رأي ... الطليق ... ببغض عليٍّ لقتلاه ... بدرا
ومنها:
فشال المصاحف فوق ... الرماح ... حذار المنيَّة غدرا ومكرا
وسنَّ لشيعته ... سبَّه ... لدى كلِّ فرض فسبُّوه دهرا
وقلتم بحقِّ ... بما سنَّه ... على خير من ساد فخرا وذكرا
وخطَّأتم عصبة ... النهروان ... على أنَّ كلاًّ من الطهر ... يبرأ
ومنها:
ولكن هويتم فعال ... ابن هند ... فسحقا لمَّا قد هويتم وخسرا
وصغتم له ... من أباطيلكم ... مناقب ... كي يفضل الناس فخرا
ومنها:
وقستم ضلالا ... بخير الأنام ... وصبي النبيء ابن هند ... وعمرا
انتهى ما أردناه من قصيدة الشيعي، وقال الشيخ جمعه بن خصيف رحمه الله تعالى في المعنى شعرا طويلا منه:
علام تخطئ أهل ... الشِّرا ... محكمة الله صبرا ... وشكرا
ومنه:
وعذر ابن هند ... وكان عليٌّ ... عليَّ أشدَّ اعتداء ... وأجرا
ومنه:
ومذ حاز فضل ... الشهادة نخل ... سميَّة ... عند علي ومرا
تبيَّنت الناس أنَّ ... قتال ... ابن هند لدنياه ليس لأخرى
لمَا شاع في ابن سميَّة ... من ... مقالة خير البريَّة جهرا
أعمَّار تقتلك ... الفئة التي ... قد بغت ولدى الخصم ... قرا
ومنه:
وقال له ابن عاص له ... أتقا ... تِل الهدى بعد عمار كفرا
لعمرك إنِّي لأفسد ... أمر ... ك أو تعطيني ... مصرك أجرا
أأعطيك ... ديني ولم تعطني ... به ثمنا لا فأعطاه ... مصرا
ومنه:
فمالك عاديت أهل ... الشراة ... خصوصا وأوليتهم منك جهرا
وطلبت تمزُّق ... أعراضهم ... وتفرى أديمتهم مستمرا
وترميهم أنَّهم ... مارقون ... من الدين بهتا وهم منه أبرا
أإن غضبوا للإله ... وقاموا ... بأمر الإله احتسابا وصبرا
وحلوا من الدين ... سرَّته ... على الاستقامة بطنا وظهرا
وباعوا نفوسا نفائس ... في ... رضى الله شكرا والأنفس تشرى
ولم تختلبهم ... ببهرجها ... حلاوة الدنيا بيضا وصفرا
وقد خلبت غيرهم ... فشرُوا ... بزهرتها دينهم ساء مشرا
إلهى أدين ... بتصويبهم ... وممن يخطئهم ... لك أبرا (1/163)
صفحة 164
قال المصنِّف رحمه الله تعالى في كتابه الذي ألَّفه ردا على الزندجالي: «وقولك لا يخفى أنَّ مجيئهم أهل السنة فكذبٌ، وإلاَّ فمن قاتل عليا وأولاده ونصب المنابر للعنهم، ومن والى فاعل ذلك وأحبَّه وذبَّ عنه، وهل يكون مولى أحد على فعل إِلاَّ كفاعل له؟ وهل تنفعك دعواك التوبة منه وأسلافك الذين ماتوا عليه تصوبهم وتتولاَّهم على ذلك، وقولك في قوله تعالى: {أولئك هم خير البريَّة} (1) بأنَّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال لعليٍّ: «هم أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غضبانا مقحمين»، قال: «ومن عدوِّي»، قال: «من لعنك».
فيا عجبا من غباوتك، كيف تدَّعي صحَّة هذا الكلام الذي نصُّه صريح في تضليل معاوية، وإثبات الوعيد عليه يوم القيامة، لأنَّه هو الذي تبرَّأ منه على حقِّه الثابت بالإجماع معنا ومعكم، وتبرَّأ من موالاته ونصره على حقِّه ذلك، وعاداه عليه حتَّى نادى في الناس بالخروج عليه، وقاتله عليه حتَّى إمامته، ونصب المنابر في جميع المساجد ولعنه عليها، واستمرَّ على لعنه كذلك حتَّى جعله سنَّة يقتل عليها من أبى منها، وكذلك كان عليٌّ وأصحابه يسمُّونه عدوا له، كما في ابن الأثير وغيره؛ فكيف بعد تحقُّق حاله هذه عندك تتولاه وتنطق بعذره، بل بأجره فيما أتاه من ذلك، بعد أن صحَّ ما قد أخبر الله ورسوله من استحقاقه الوعيد عليه يوم الدين، فما أقبح هذا التناقض، وكيف تأتينا بما يفسد عليك جميع دينك، بل لم يكن أمره في كلِّ حجَّة يحتج بها علينا إِلاَّ هكذا، لأنَّه لا يوجد شيء عن الله تعالى أو عن رسوله أو عن المسلمين إِلاَّ وهو حجَّة لنا عليهم، إذ لم يجعل الله تعالى أن يكون الحقُّ حجَّة لإقامة الباطل {ولن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا} (2) .
وهاهنا تنبيهات
__________
(1) - ... سورة البيِّنة: 7.
(2) - ... سورة النساء:141. (1/164)
صفحة 165
الأوَّل: في تصويبهم معاوية مع ثبوت الأحاديث الواردة في بغيه على الإمام عليِّ، فمنه ما نقله شيخنا المرحوم سيف بن ناصر عن ابن حجر ما نصُّه: قال ابن حجر عن عمَّار - رضي الله عنه - ، وبسند رجاله ثقات: «إنَّ عمارا حلف أنَّ قوم معاوية لو قاتلوا قوم عليٍّ حتَّى بلغوا بهم سعفات هجر لمَا شكُّوا أنَّ إمامهم على الحقِّ وضدَّه على الباطل».
قلت: فما قول ابن حجر لعمَّار بن ياسر في قوله هذا، هو صدق أم لا؟.
وقال أيضًا الحديث الرابع الحديث الصحيح إنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال لعمار بن ياسر: «تقتلك الفئة الباغيَّة» فقاتل عسكر معاوية حتَّى قتل، فهذا إخبار من الصدوق الصادق قال - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ معاوية باغ على عليٍّ، وإنَّ عليًّا هو الخليفة الحقّ»، وجوابه أنَّ غاية ما يدلُّ عليه هذا الحديث أنَّ معاوية وأصحابه بغاة، وقد مرَّ أنَّ ذلك لا نقض فيه وأنَّهُم مع ذلك مأجورون غير مأزورين بنصِّ قوله عليه الصلاة السلام: «إنَّ المجتهد إذا اجتهد إذا أخطأ فله أجر» (1) ومن استوفى مبسوطا أنَّ معاوية مجتهد أي مجتهد، وقد أوَّل هذا الحديث بما لا يقع بطلانه الذي لا يفسق ولا يؤثم» اهـ.
وظهرت من بعد ذا ... أناس ... عمَّهم في الدين الالتباس
فجعلوا الجميع في ... الولايه ... فاخطأوا بذلك الهداية
ولم يكن لهم عليه ... سلف ... من صحب أحمد الذين اختلفوا
وذاك أنَّ ... المتقاتلينا ... مع القتال يتلاعنونا
وجعلهم جميعهم ... في منزلَه ... خلاف الحكم ما الإله أنزله
لأنَّما ولاية ... المحقِّ ... غير البراءة لأهل الفسق
والكلُّ فرض وعلينا ... نجعل ... أصناف هذا الخلق حيث نزلوا
وقولهم إنَّ الجميع ... اجتهدوا ... فأخطأ البعض وبعض أرشدوا
وكلُّ من في دينه قد ... اجتهد ... يعذر إن أخطأ إذا لم يعتمد
ليس بشيء والحديث ... وردا ... في حاكم أخطأ حين اجتهدا
وذاك في الفروع لا ... سواها ... فمخطئ الدين صلَى لظاها
__________
(1) - ... كذا والصواب: «إذا اجتهد فاصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». (1/165)
صفحة 166
إِلاَّ إذا تاب من ... قريب ... وقام للمحقِّ بالتصويب
ومخطئ الدين يسمَّى ... مستحلّ ... في دينه وهم بذلكم مضل
لو كان كلّ مستحلٍّ ... يعذر ... نجا أولوا الضلال مِمَّن غيَّروا
إذ كلّ فرقة ... تصوِّبنا ... لنفسها فكيف تهلكنا
والخبر الصحيح في ... افتراق ... أمَّته مخالف الإطلاق
لأنَّه قد جعل ... السلامه ... لفرقة كانوا أولي استقامه
وبالهلاك للبواقي ... حكما ... كذلك الإجماع أيضًا فاعلما
فإنَّ كلّ فرقة ... تفسق ... خلافها من الذين افترقوا
فحصل الإجماع أنَّ ... الناجيَّة ... واحدة وما سواها خاطئه
فهو موافق لمعنى ... الخبر ... وذاك مصداق لخير البشر
والعقل لا يقبل ما ... قالوه ... قد حرَّم الله ويفعلوه
لو كان باستحلال ما قد ... حرما ... يثيب، فالشرع إذا تهدَّما
يحرِّم الشيء ... ويوجرنا ... عليه، كلاًّ بل يعذبُنا
والاعتقاد لحلاله ... فلا ... يزيده الأضلّ إِلاَّ ضللا
لأنَّه خالف ... باستحلاله ... كمثل ما خالف في أفعاله
فهو يزيد في الضلال ... فاعلما ... على الذي يفعله محرما
ومن طريق آخر ... تقرّبا ... للربِّ بالذي به قد غضبا
ومتقرب إلى اللَّه ... بما ... يغضبه يزداد إِلاَّ نقما
وهم بهذا الوجه ... يعذرونه ... لحسن قصد منه يزعمونه
وقد عرفت بطل هذا ... الزعم ... وأنَّه من ... ساقطات الوهم
انتهى، سيِّدي نور الدين. (1/166)
صفحة 167
قال شيخنا سيف - رضي الله عنه - على إثركلام ابن حجر: «فإذا كان معاوية باغيا وأنَّه لا يفسق ولا يؤثم ببغيه، فما بال أهل النهروان - رضي الله عنه - م يضلِّلونهم ويفسقونه، والعلَّة واحدة، هل هذا من الإنصاف؟ فأمَّا أن يكونوا جميعا بغاة مأجورين على بغيهم، وأنَّه لا يفسق أحد من هؤلاء ولا من هؤلاء، وأمَّا أنَّ ينزلوهم جميعا في هوَّة الضلال؛ ولا ملجأ لهم من ذلك إِلاَّ التعصُّب وعدم الإنصاف، وإذ قد سمعت كلام هذا البحر من أيمَّة الشافعيَّة، فاعلم أنَّه يجوز للمجتهد أن يخاصم الحجَّة، ويعارضها باجتهاده عنده، وما الفرق بين معارضة النبيء إذا جاء عن الله بأمر وبين من اقتفى سيرته واتَّبع شريعته من أيمة العدل والحجج القائمة في بلاده وعلى عباده، والأيمَّة العادلة نواب الأنبياء، وهل هذا إِلاَّ مذهب بلعام أخزاه الله؟ حيث أداه اجتهاده إلى مخالفة نبيء الله موسى - عليه السلام - ، حين دعىعلى قومه.
ثمَّ مع ذلك لم يطردوا العلة في الجميع، بل ذهبوا في معاوية وإخوانه إلى أنَّهم معذورون، وذهبوا في غيرهم إلى التشنيع، وقد أثنى عليٌّ على الجميع، بل زاد على ما يذكرونه من الثناء على أهل النهروان، فإنَّه قال فيهم: «إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم» وهذا الكلام نقله عنه الزرقاني شارح الموطَّأ اهـ.
قلت: فمثلي أنا أولى له السكوت في هذا المقام، وإلاَّ فلي فيه كلام واسع، تعجُّبا من الشيخ ابن حجر لشدَّة علمه، فصدر منه هذا المقال، ومع ذلك فأنا أقدم لحضرته سؤالا وهو: هل يكون من المعقول فيمن خرج على إمام الحق خروجا مبطلا إمامته، والحق أنَّها صحيحة ثابتة الأركان فيمن اعتزل عنه في ناحية بعيدة، يعبد الله ربَّه فيها، أن يكون الخارج عليه غير ملام، بل ينسب إليه الصواب بذلك، ويثبت له الأجر به، ويكون اللَّوم الشديد على الخارج عنه، ويحكم عليه بالخروج من الدين؟ (1/167)
صفحة 168
فالعلاَّمة ابن حجر بنفسه نقل الحديث من أنَّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ معاوية باغ على علي وإنَّ عليا هو الخليفة الحقُّ»، ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - ما هو صريح كصريح هذا الحديث في أهل النهروان، ومع ذلك فقد جعل الجنَّة لمن قد صرَّح فيه بالبغي، والنار لمن لم يرد فيه مثل ذلك، وإنَّما أوَّل أعدائهم فيهم أحاديث، وجعلوا الصفات المذكورة هي صفاتهم من غير حجَّة وبرهان، بل إنَّ بعض تلك الأحاديث هي حجَّة عليهم لا لهم، كحديث المروق لأنَّه خالف ما في اعتقادهم من جعل من قال لا إله إِلاَّ الله هو مؤمن ولو أتى ما أتاه من المناكر غير الشرك؛ فبالله هل يقولون إنَّ الخروج عن الإمام مع كون الخارج لم ينف وجود الله تعالى ولم يثبت مع الله إلها آخر أنَّه يكون بخروجه خارجا من الدين الذي هو الإسلام، وداخلا في ديانة الكفرة؟
فلا إله إِلاَّ الله هل من منصف فيحكم بيننا وبين أولئك الإخوان، وما هذا التعصُّب الخطر اهـ. (1/168)
صفحة 169
قال المصنِّف رحمه الله تعالى في رده على الزندجالي مخاطبا له بما نصه: «وقولك إنَّ مشايخك دوَّنوا لكم أن تولوا الصحابة، وتبرؤوا من الخوارج كحرقوص (1) ، فهم أوَّل شاهد منكم على أنَّكم كغيركم من الشيعة، وغيرهم في شأن الصحابة، فمن لم يوافقه هواكم مِمَّا كان بعد الفتنة، بل كلّ من اقتتل منهم كما مرَّ تبرَّأتم منه وكفَّرتموهم ولم تلتفتوا إلى حرمة ما هم عليه من الإيمان والإسلام والنطق بالشهادتين وطول صحبتهم لرسول الله وقتالهم معه في سبيل الله، وإلى ما بشَّرهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؛ بل أنكرتموهم ووضعتم عليهم ضدَّه، لأنَّ هؤلاء الذين دوَّن لك علماؤك براءتهم من خيار ما بقي من الصحابة - رضي الله عنه - م، كما مرَّ بيانه، وسيأتي إن شاء الله تعالى؛ فإن أوجبت براءتهم لخروجهم عن علي حين كانت إمامته، فغيرهم خرجوا على عليٍّ حين كانت إمامته حقًّا، وقاتلوه ونصبوا المنابر فلعنوه عليها، فانظر أيُّها المنصف أي الخروجين أقبح وأظلم وأكبر؟ فلم منعتم الأشدَّ من إجراء حكم الأخفَّ عليه؟ وما ثبت بالأخفِّ كان ثبوته بالأشدِّ أولى، كثبوت حرمة ضرب الوالدين بثبوت حرمة أفٍّ لهما في الآية (2) ،
__________
(1) - ... هو حرقوص بن زهير السعدي: صحابي جليل، فتح الأهواز. ... وانظر- الدرجيني: طبقات، ج2/ص202-204.
(2) - ... يشير إلى آية سورة الإسراء (23) :{فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما}.. (1/169)
صفحة 170
لو كنتم منصفين وعن الهوى مائلين، ولا ينكر أحد من علمائهم صحابية حرقوص بل أقرُّوا بصحَّتها وشهدوا بفضله فيها، وكفاك من ذلك ما قاله ابن الأثير الذي هو الحجَّة عندك في أسد الغابة ما نصه: «هذا حرقوص بن زهير - رضي الله عنه - من الصحابة، ذكره الطبري وقال: إنَّ الهرمزان الفارسي كفر، ومنع ما قبله، واستعان بالأكراد، وكثر جمعه، فكتب عتبة بن غزوان (1) إلى عمر - رضي الله عنه - بذلك؛ فكتب إليه عمر يأمره بقصده، وأمدَّ المسلمين بحرقوص بن زهير - رضي الله عنه - ، وكانت له صحبة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأمره بالقتال، فاقتتل المسلمون والهرمزان، فانهزم الهرمزان، وفتح حرقوص سوق الأهواز، ونزل بها، وله أثر كبير في قتال الهرمزان. وبقي حرقوص - رضي الله عنه - إلى أيام علي، وشهد معه صفَّين» اهـ.
مع ما روته عائشة - رضي الله عنه - ا من شهادة النبيء - صلى الله عليه وسلم - له بالجنَّة ثلاثاً، فشتمُك له بعد ذلك هو من شتم الصحابة؛ الذي أبيتموه بألسنتكم قائلين: إنَّ من ثبت له الصحابيَّة حرم شتمه، ووجب عذره في كلِّ أفعاله في تلك الفتنة؛ لثبوت عدالتهمّ. اهـ.
التنبيه الثاني:
في المنقول عنهم من الكلام في بعض الصحابة، وفي معاوية، وهو عكس مقالهم المتقدِّم فيهم أوَّلاً، وكذلك في بعضهم بعضا.
وأمَّا نحن فمذهبنا بحمد لله خال من ذلك؛ فمن ذلك قول الشيخ قاسم الشماخي، في ردِّه على العلاَّمة طموم، قال رحمه الله: «أين أنت يا صاحب المواقف، ويا حضرة العلاَّمة طموم، من طعن أصحابكم أهل مذهبكم على الصحابة؛ وها أنا أحاربكم بسلاحكم».
__________
(1) - ... هو عتبة بن غزوان (40ق هـ-18هـ/584-638م): صحابي جليل من الكبار، شهد بدراً والقادسية، وروى أحاديث عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - . وكان واليا في خلافة أمير المؤمنين عمر على البصرة، وهو الذي بناها. ... ...
... ... ... ابن سعد: الطبقات، ج3/ص69. الزركلي: الأعلام، ج4/ص360. (1/170)
صفحة 171
قال في العقد الفريد: «إنَّ الحسن البصري كان ينكر على عليٍّ بن أبي طالب الحكومة. ويقول: ولم تحكم والحق معك، ألا تمضي قدما لا أبالك».
وقال بإسناد ابن الجوزي في تاريخ النوبري: «أربع خصال كنَّ في معاوية، لو لم تكن فيه إِلاَّ واحدة لكانت موبقة: وهي أخذ الخلافة بالسيف من غير مشاورة، وفي الناس بقايا من الصحابة، وذوي الفضيلة؛ واستخلافه ابنه يزيد، وكان سكِّيرا خميرا، يلبس الحرير، ويضرب بالطانبير (1) ؛
__________
(1) - ... مفرده طُنبور:فارسي معرب. ... وانظر- الرازي: مختار الصحاح، ص398.. (1/171)
صفحة 172
وادعاءه زيَّادا، وقد قال - عليه السلام - : «الولد للفراش وللعاهر الحَجَر» (1) ؛ وقتله حجر بن عدي وأصحابه؛ فيا ويلاه له من حجروأصحابه!» اهـ.
وأمَّا سبب قتله حجر؛ فلكونه أبى أن يطعن عليًّا، وحجر كان أحد أشراف بني كندة، وقتل في السنة الحادية والخمسين من الهجرة.
__________
(1) - ... روي بعدة طرق وألفاظ، منها رواية البخاري كتاب البيوع، رقم 1912، ولفظه: «حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ» قَالَتْ: «فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ ابْنُ أَخِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ» فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: «أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ» فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ سَعْدٌ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ» فَقَالَ: «عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ»، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - :«الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - : «احْتَجِبِي مِنْهُ»، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ». (1/172)
صفحة 173
قلت: وسبب ادعائه زيادا فيما ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أنَّ عليا كان ولَّى زيادا فارس حين أخرج منها سهل بن حنيف، فضرب زيَّاد ببعضهم بعضا؛ حتَّى غلب عليها، وما زال ينتقل في كورها؛ حتَّى صلح أمر فارس، ثمَّ ولاَّه علي اصطخر (1) ، وكان معاوية يتهدَّده، ثمَّ أخذ بسر بن أرطأه عبيد الله، وسلمان ولديه، وكتب إليه يقسم ليقتلنَّهما إن لم يرجع، ويدخل في طاعة معاوية، ويرده على عمله. فقدم زيَّاد على معاوية، وكان المغيرة بن شعبة قال لزياد قبل قدومه على معاوية: «ارم الغرض الأقصى، ودع عنك الفضول؛ فإنّ هذا الأمر لا يمدُّ إليه أحد يدا إِلاَّ الحسن بن علي، وقد بايع لمعاوية، فخذها لنفسك قبل التوطين»، قال زيَّاد: «فأشر علي»، قال: «أرى أن تنقل أصلك إلى أصله، وتصل حبلك بحبله، وتعير الناس منك أذنا صماء»، فقال زياد: «يابن عتبة، أغرس عودا في غير منبته، ولا مدرة فتحييه، ولا عرق فيسقيه؟».
__________
(1) - ... إصطَخر: مدينة من أقدم مدن فارس وأشهرها، أنشأها اصطخر بن طهمورث ملك الفرس. ... ... وانظر: الحموي: معجم البلدان، ج1/ص211. (1/173)
صفحة 174
ثمَّ أنَّ زيادا عزم على قبول الدعوى، وأخذ برأي ابن شعبة؛ فأرسلت إليه جويرية بنت أبي سفيان عن أمر أخيها، فأتاها، فأذنت له وكشفت عن شعرها بين يديه، وقالت: «أنت أخي، أخبرني بذلك أبو مريم»، ثمَّ أخرجه معاوية إلى المسجد وجمع الناس فقام أبو مريم السلولي فقال: «أشهد أنَّ أبا سفيان قدم علينا بالطائف، وأنا خمّار في الجاهليَّة»، فقال: «أبغني بغيا»، فأتيته، وقلت: «لم أجد إِلاَّ جاريَّة الحارث بن كلدة: سميَّة»، فقال: «إيتني بها على ذرقها وقذرها»، فقال له زيَّاد: «مهلا يا أيا مريم، إِنَّمَا بعثت شاهدا، ولم تبعث شاتما»، فقال أبو مريم: «لو كنتم أغنيتموني لكان أحبَّ إليَّ، وإنَّما شهدت بما عاينت ورأيت، والله لقد أخذ بكم درعها، وأغلقت الباب عليهما، وقعدت دهشان، فلم ألبث أن خرج عليَّ يمسح جبينه» فقلت: «مه يا أبا سفيان»، فقال: «ما أصبت مثلها يا أبا مريم؛ لولا استرخاء من ثدييها، وذَفَر (1) من فيها» فقام زيَّاد، فقال: «أيُّها الناس هذا الشاهد وقد ذكر ما سمعتم، ولست أدري حقَّ ذلك من باطله، وإنَّما كان عبيدا أبا مبرورا، وليًّا مشكورا، والشهود أعلم بما قالوا».
فقام أبو يونس بن عبيد أخو صفية بنت عبيد بن أسد بن علاج الثقفي، وكانت صفيَّة مولاة سميَّة. فقال: «يا معاوية قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ الولد للفراش، وللعاهر الحَجر»، وقضيت أنت أنَّ الولد للعاهر، وأنَّ الحجر للفراش؛ مخالفة لكتاب الله، وانصرافا عن سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بشهادة أبي مريم على زناء أبي سفيان»، فقال معاوية: «والله يا يونس لتنتهينَّ، أو لأطيرنَّ بك طيرة بطيئا وقوعها»، فقال أبو يونس: «هل إِلاَّ إلى الله ثمَّ أقع؟» قال: «نعم»؛ واستغفر الله، فقال عبد الرحمان بن أم الحكم في ذلك، ويقال إنَّه ليزيد ابن مقرع الحميري:
__________
(1) - ... الذفر(بفتحتين):كل ريح ذكية من طيب أونتن. الرازي: مختار الصحاح، ص222. (1/174)
صفحة 175
ألا بلغ معاوية بن ... حرب ... مغلغلة عن الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك ... عفّ؟ ... وترضى أنَّ يقال أبوك زاني؟
فاشهد أنَّ رحمك من ... زيَّاد ... كرحم الفيل ... من ولد الأتاني
انتهى.
وقيل: لشريك القاضي: كان معاوية حليما، فقال: «ليس بحليم، من سفَّه الحقَّ، وقتل عليا» رواه ابن عساكر.
وذكر الزندوستي في روضته أنَّ أبا حنيفة كان لا يقبل قول ثلاثة من الصحابة، منهم أنس بن مالك خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إذ قال: «إنَّ قول الصحابة حجَّة عند إمامنا أبي حنيفة إِلاَّ ثلاثة: أنس بن مالك، وابن جندب، وأبا هريرة» ووافقه في أبي هريرة جماعة من الكوفيين وشعبة؛ ففي تاريخ البدري قال يزيد بن هارون: «سمعت شعبة يقول: أبو هريرة يدلِّس» رواه ابن عساكر.
وفيه أيضًا: أنَّ الشافعي أسرَّ إلى الربيع بأنَّ أربعة من الصحابة لا تقبل لهم الشهادة: «معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد».
ومثله في تاريخ ابن الشحنة، وكذلك أبو الحسن الأشعري؛ حكم بتضليل معاوية وعمرو بن العاص، كما هو ظاهر كلامه في عقيدته حسب ما نقله المقريزي في خططه، حيث قال: وأقول في معاوية وعمرو بن العاص إنَّهما بغيَا على عليٍّ الإمام الحقّ ابن أبي طالب؛ فقاتلهم مقاتلة البغي» انتهى.
التنبيه الثالث:
قال الشيخ الشماخي، قال الشيخ محمَّد بن عبد العظيم المكي الحنفي في رسالته المسمَّاة بـ: القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد، ما نصُّه: «اعلم أنَّه لم يكلِّف الله أحدا من عباده أنْ يكون حنفيًّا، أو مالكيًّا، أو شافعيًّا، أو حنبليًّا؛ بل أوجب عليهم الإيمان بما بعث به محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، والعمل بشريعته...إلخ». (1/175)
صفحة 176
وقال فيها أيضًا نقلا عن الجلال السيوطي في كتاب الردِّ على من أخلد إلى الأرض، وجهل أنَّ الاجتهاد في كلِّ عصر فرض بعد كلام طويل: «فليعلم أنَّ من أخذ بأقوال الشافعي، أو أحمد، أو أبي حنيفة، أو مالك، ولم يردّ قول من اتَّبع منهم، ومن غيرهم، إلى قول غيره، ولم يعتمد على ما جاء في القرآن والسنَّة غير صارف ذلك إلى قول إنسان بعينه، أنَّه قد خالف إجماع الأمَّة كلّها أوَّلها عن آخرها بيقين، ولا شكَّ فيه، وأنَّه لا يجد لنفسه سلفا، ولا إنسانا ناصرا له في جميع الأعصار المحمديَّة الثلاثة، وقد اتَّبع سبيلا غير سبيل المؤمنين، نعوذ بالله من هذه المنزلة».
وأيضا لأنَّ هؤلاء الفقهاء كلَّهم قد نهوا عن تقليدهم، فخالفهم من قلَّدهم، وأيضًا فالذي جعل رجلا من هؤلاء الفقهاء أو من غيرهم أولى بالتقليد من عمر بن الخطاب، أو علي بن أبي طالب، أو ابن مسعود، أو ابن عمر، أو ابن عبَّاس، أو عائشة أمّ المومنين - رضي الله عنه - م أجمعين؛ فقد ركب شططا.
وقال عزُّ (1) بن عبد السلام في قواعده الكبرى: «ومن العجب كلَّ العجب أنَّ الفقهاء المقلِّدين يقف أحدهم على ضعف ما أخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه دفعا، وهو مع ذلك يقلِّده فيه، ويترك من شهد له الكتاب والسنَّة والأقيسة بصحَّة مذهبه، جحودا منه على تقليد إمامه؛ بل يتحيَّل لدفع ظواهر الكتاب والسنَّة، ويتأوَّلهما التأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلِّده»، إلى أن قال: «وكان الناس لا يزالون يسألون من اتَّفق لهم من العلماء من غير تقييد بمذهب، ولا إنكار على أحد من المسلمين في ذلك، إلى أن ظهرت هذه المذاهب، ومتعصِّبوها من المقلِّدين ، وهذا زيغ عن الحقِّ وبعد عن الصواب، لا يرضى به أحد من أهل الصواب، وأولي الألباب».
__________
(1) - ... كذا في الأصل والصواب: «العزّ». (1/176)
صفحة 177
وفي كتاب التلخيص: «وهل أباح مالك، والشافعي، وأبو حنيفة لأحد تقليده، حاشاهم من هذا، بل إنَّهم قد نهوا عن ذلك، ومنعوا ، ولم يفسحوا فيه لأحد، فما قول المتعصِّبين المقلِّدين الذين أحلُّوا الشروط الوئام، والاعتصام بعد هذا الكلام؟ لعمرك لم يجدوا للردِّ عليه سبيلا ».
مهمَّة
لقد ذكَّرني ما أمضيت النقل في سابق الذكر عمَّا حكيناه عن الزندجالي من قوله: «إنَّ الإباضيَّة لا يشمُّون رائحة الجنَّة»، ومن لعنة من صرَّح باللَّعنة منه . فقد وقفت عن حكاية شبيهة بما كان من الزندجالي عن المسمَّى بالعقبي، ولعلَّه مِمَّن ينتسب إلى آل النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، والسبب أنَّ رجلا من أهل مصعب، وهو إباضي المذهب، طالب العقبي بديْن حقير، فغضب العقبي، وسبَّ الإباضيَّة، وذلك المطالب به هو شيء أقلّ من عشرين صولديًّا (1) ، وهو أحقر صرف عند المغاربة، وألح عليه، وقد وجد ما يقضي، فغضب لذلك وذكر الإباضيَّة مع أجناس قوم ليسوا منهم، فدار أمره بين الشتم للإباضية، وبين مدح القوم، وتأويل الآيات إليهم، فلكل من ذلك فصل أثبته بإذن الله عزَّ وجلَّ، وتوفيقه، وخاتمة في جهله بالعلوم الإسلاميَّة.
__________
(1) - ... كذا والصواب: «صُورْدِيا»، و«صوردي» كلمة بربرية تعني أحد أجزاء السنتيم. (1/177)
صفحة 178
قال بعضهم رحمه الله تعالى (1) : «فإن لم تعرف الإباضيَّة يا عقبى، فهل عرفت المرحوم طيِّب الذكر، كثير المزايا، جمَّ الهمم في مصلحة المسلمين، السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيُّوب بن شاذي رأس الدولة الأيوبيَّة، وصاحب الفتوحات الشهيرة، والمزايا الجمَّة الكثيرة؟ فمن مزاياه التي لحقت أهل الدعوة من طلبة العلم بطيلون؛ أن جعل المسجد الكبير، المنسوب إلى أبي العبَّاس أحمد بن طولون (2) ، وهو من الجوامع العتيقة الأنيقة الصنعة، الواسعة البنيان، جعله السلطان المشار إليه مأوى للغرباء من طلبة العلم من الإباضيَّة، يسكنونه، ويحلِّقون فيه، وأجرى عليهم الأرزاق في كلِّ شهر، ومن أصحِّ ما شاع عن فضائل هذا السلطان النزيه الموفَّق أن جعل أحكام طلبة العلم الإباضيَّة إليهم، لِما علمه من سلامة بصيرتهم، وصحَّة عقيدتهم، واحترامهم للتكاليف الشرعيَّة، وحزمهم، وتوقُّفهم في المشكلات، والشبهات، وطهارة دينهم من الضلالات، ولم يجعل يدا لأحد من عمَّال المملكة عليهم إذ ذاك، وأذن لهم أن يتَّخذوا من أنفسهم حاكما يمتثلون أمره، ويتحاكمون في طوارئ أمورهم عنده، واستصحبوا الدعة والعافيَّة، وتفرَّغوا لطلب العلم والعبادة، ووجدوا من فضل السلطان أفضل معين على الخير الذي هم بسبيله، وما هو مذكور في رحلة ابن جبير الكناني الأندلسي من فضائل الأعمال، قد يستمطرالرحمات على الأيوبي المذكور، فطوبى له ثمَّ طوبى؛ ولذلك قد أثمر الله هذا المسعى، فبقيت لآثاره ليومنا هذا بطيلون.
__________
(1) - ... هو القطب الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيش، في رسالة الردّ على العقبي.
(2) - ... هو أبو العبَّاس أحمد بن طولون (220-270هـ/835-884م): أمير الديار المصرية والشامية، تركي مستعرب، وقد بنى المسجد المنسوب إليه في القاهرة.
... ... وانظر- ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج1/ص55. الزركلي: الأعلام، ج1/ص137. (1/178)
صفحة 179
فالطلبة الإباضيَّة هم الذين يسكنون طولون بوكالة جاموس (1) الموقوفة عليهم خاصَّة دون غيرهم من أهل المذاهب، حين دالت الأيَّام وتبدَّلت الأشكال، وخلف الخلف سيرة السلف من الملوك والأمراء. فرحمة الله على االسلطان يوسف بن أيُّوب.
وإن لم تعرف الإباضيَّة؛ فقد عرفهم الإمام القائد أمير المؤمنين الخاقان العثماني باستامبول، التي لم تسمح لطائف التوفيق في زمانه للقوامين بأمور المسلمين، أن يفهموا أسرار حقيقة الطريقة المثلى إِلاَّ هو؛ فإنَّه اطلع علَّة عقائد الإباضيَّة بعين القلب لا بعين الوجه؛ فهو الذي وفَّقه الله تعالى إلى حلِّ عرى هذه الطريقة في الأفهام، فوصل إلى حدود ما فيها من صدق المبدأ، والعلم الصحيح، وهذا الإمام العثماني هو الذي صحَّح للحاشيَّة مغارس يمينه قضايا عقولهم، وألفتهم إلى تلك المتناقضات في مذاهب القوم، فعرف، وعرفوا أن الوحشة لا تزول من بين أمَّة محمَّد إِلاَّ بإزالة تلك الاختلافات، وهو الذي علم ما اجتمعت عليه الصحابة، والتابعون رضوان الله عليهم، وتابع التابعين، والمشايخ بعدهم في كلِّ زمان؛ على أنَّ كلَّ من أبصر الحقَّ ضاق عليه جهله؛ لأنَّه لا يصحُّ لأحد أن يرجع من العلم إلى الجهل، ومن اليقين إلى الشكِّ.
وإن لم تعرف الإباضيَّة، فقد عرفهم الهمام نزيه الأخلاق، طيِّب الأرومة، الفاضل، السيِّد فيصل بن تركى سلطان مسقط وعمان، وهو منهم وإليهم، وهو الذي تفضَّلت همَّته العاليَّة لطبع هذه الرسالة المباركة على نفقته الخاصَّة؛ تشهيرا للحق، وابتغاء ما عند الله من الثواب والأجر.
__________
(1) - ... كذا في الأصل والصواب: «وكالة الجاموس» بجمهورية مصر العربية (1/179)
صفحة 180
وإن لم تعرف الإباضيَّة فقد عرفهم المحشِّي على هذه الرسالة، الشيخ العالم حسنة الزمان، صاحب المؤلَّفات الجمَّة، عالم الإباضيَّة، بشرقي جزيرة العرب: عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، وحسبك منه أرجوزته الوضَّاءة: في الردِّ على المخالفين مثلك، فقد جاءت مدعِّمة لرسالتة الشيخ الإمام، وهي التي تراها في ذيل الرسالة إن شاء الله تعالى.
الدين يا عقبى إِنَّمَا هو الذي يقف بصاحبه على مواقف السلامة، قال الله تعالى: {كنتم خير أمَّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} (1) . فلا يتسلَّل أمر الخيريَّة إِلاَّ فيمن اعتصم، وأخلص، وعرف الحقَّ وبادر إليه، فهو الجدير بهذه الخيريَّة، وأمَّا أنت يا عقبي، فقد تركت الدين، ولم تقف عند هذا الحدِّ، بل طعنت عليه، والطاعن على الدين عدوُّ الدين، فأنت إذا عدوُّ الدين، عدوُّ نفسك، ومن كانت هذه أخلاقه؛ فلا ترجى له مودَّة عند حلفائه وأشياعه وأوليائه.
أنف العلماء المقلِّدون للفرق من قبول الحقِّ، مِمَّن شهد لهم الكتاب والسنَّة بأنَّهم أهل الحقِّ الذي لا مرية، ولا شائبة فيه، وقطعوا عذر (2)
__________
(1) - ... سورة آل عمران: 110.
(2) - ... في الهامش بقلم رقيق هذا النص: «ومن غيره، ومن كرامات الإباضيَّة الوهبية رؤيا الشيخ الرضي عيسى صالح الحارثي العماني: رأى كأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبا بكر، وعمر بن الخطاب، يضمهما مجلس واحد، وفي يد النبيء بطاقة ناولها للصدِّيق، فقرأها فناولها للفاروق فقرأها، فناولها للشيخ عيسى، قال فإذا فيها: {الحمد لله الذي أحلَّنا دار المُقامة من فضله لا يمسُّنا فيها نصب ولا يمسُّنا فيها لُغُوب}، قال: وانتهت، وأنا أقرأ تلك الآية من تلك البطاقة.
... ومن كرامات الإباضيَّة: ما وقع للشيخ عامر رحمه الحجري العماني ، وكان قد حجَّ خمسين مرَّة، أو نيِّفا. مات رحمه الله في سفينة خارجا من عمان إلى زنجبار، فمات في البحر، فألقي فيه، وبعد ثمانية أيَّام وصل في ساحل زنجبار على هيئته التي ألقي عليها، فعرف؛ وصلَّى عليه المسلمون ودفنوه في مقابرهم» اهـ. (1/180)
صفحة 181
من خالفهم في باطلهم ومتناقضاتهم، وأصرُّوا على أنَّهم لا يبالون إِلاَّ بحظِّ الدنيا، فآثروا باطلهم على الحقِّ، وأصرُّوا على جمودهم.
بلغ من تهوُّر العقبي الجزائري، أن وصل بتهوِّره الشائن إلى أقصى حدود الغباوة التي يبرأ منها مدَّعي العقل، فإنَّه شنَّ على دين الله القويم غارة شعواء يريد أن يطفئ بها نور الله المشرق على رؤوس أهل دينه، رجال العصابة الإباضيَّة الوهبية {ويأبى الله إِلاَّ أن يتمُّ نوره} (1) في كلِّ زمان وأوان، ولو كره الملحدون، الكافرون، المكابرون، الفاسقون».
أمَّا جنود هذه الغارة فلم تتأيَّد بالنصر مطلقًا أمام سيوف الحقِّ، وإنَّما أثارت سواكن النفوس، فاستَسْخَطَت عليه القلوب، ولو لم يكن إِلاَّ سخط الشيخ الإمام عليه لكفى في تعقيب غضب الله عليه، لأنَّ الله تعالى يغضب لغضب أوليائه، كما يغضب لدينه، فـ"تحتوش العقبي" ظلل عذاب السماء، ولا ناصر له من بأس الله إن جاءه.
نعوذ بالله من عقوق أولياء الله؛ من صحَّ له نصيب من الفضائل يا عقبي، وظهر في الإنسانيَّة بمظاهر العقل الذي هو مرآة الإنسان، أذاع الله تعالى عنه تلك المظاهر الفاضلة بين خلقه، وحسب أستاذنا الأعظم شيخنا اطفيَّش من الله تعالى ذلك الفضل، والعكس بالعكس، والمعكوس يا عقبي إِنَّمَا هو الذي إذا أراد أن يعرب فيعجم، وإذا أراد أنَّ يفصح فيفضح، وإذا نطق لم يسمع منه بيان، وإذا نمَّق لم يساعده بنان، وكفاك يا عقبي موبِّخا على الإلحاد، علمك بأنَّك ملحد، ولو أنَّنا أدركنا فرصة القرب من إمامنا الأستاذ حين كان يرتسم لك هذا الردَّ؛ لما تركناه يتجشَّم تحريره، ولقلنا: لا نعاتب الجهَّال يا أستاذ؛ لأنَّا لا نطمع في عُمي البصيرة أن يبصروا، ولا يعيب الحقَّ إِلاَّ من عاداه وانسلخ منه.
__________
(1) - ... سورة التوبة: 32. (1/181)
صفحة 182
اتسع مجال الوحشة ياقوم بين أمَّة أحمد، وبعضها من الجمود الذي توارثه المقلِّدون لمذاهب الفرق، التي خالفت الحقَّ، وتأصَّلت الأحقادُ والدغل بينها البين، فلم تتوحَّد كلمتُهم، ولم تتيسَّر عصمتهم، والخلاف الناشئ من زمان التفرقة إِنَّمَا كان من شمول فقههم المتعدِّد للمتناقضات؛ التي لا يقبلها العقل السليم، ويتأفَّف منها شرع ربِّنا العظيم، وهذا هو الداء الأساسيُّ العضال لهذه الوحشة العقيمة، فما بال القوم لم يستعينوا بالله القدير الذي لم يكن له في العفو نظير، ويتفرَّغوا لتصحيح قضايا العقول بالمنقول والمعقول، اللَّذين في أيدي أهل الفرقة الناجيَّة، وهي أقرب الطرق الموصلة لسعادة الدارين وإصلاح البال وطمأنينة القلب؛ قال الله تعالى: {وما كان الله ليضلَّ قوما بعد إذ هداهم حتَّى يبيِّن لهم ما يتَّقون} (1) .
والحاصل أنَّ كلامنا هذا من الفضول الأدبي المقبول، على أنَّ ما جاء به الأستاذ الإمام علم العلماء، وكهف الفقهاء، شيخنا: محمَّد بن يوسف اطفيَّش في هذه الرسالة تكفينا مؤونة الوثبة القلَمية، فإنَّ القلم طوع بنانه - رضي الله عنه - ، وبارك لنا في حياته، وما تضمَّنته أرجوزة الشيخ عالم شرقي الجزيرة (2) من الآيات البيِّنات؛ لهو الزاد، والبغية أكرم الله أوقاتهما، وأذلَّ الأعداء ببراهينهما، آمين يا ربَّ العالمين.
__________
(1) - ... سورة التوبة: 115.
(2) - ... يشير إلى الشيخ نور الدين السالمي. (1/182)
صفحة 183
قال جامع هذا الكتاب: وآمين ثمَّ آمين، وعلى عدوّ الله الزدجالي كهذا الدعاء، فإنَّه شكيل هذا العقبي، فعليه بما على العقبي سواء بسواء. وإنَّا لنقف في هذا الميدان، ونذر جري العنان، ونأتي بعده مقالا لا بأس فيه، وهو قول مقبول لمن له السمع والبصر، ونصه كما تراه مهمة بهيَّة ونكتة لنوع القبول، قابلية أوردها سيِّدي نور الدين، نفعني الله الرحمن به، وبعلومه جوابا لمَّا سئل بما هذا نصُّه: «المرجو من حضرتكم أيُّها الأستاذ الذي سنعتمد على أقواله، وأقوال أمثاله مِمَّن تمسَّك بالمذهب المحترم؛ إمعان النظر في المقالة المحرَّرة تحت عنوان: الجامعة الإسلاميَّة في جريدة الأسد الإسلامي الآتية إليكم مع هذا، ثمَّ بعد إطلاق الفكر بحثا وراء عين الحقيقة، نطلب إبداء ما اقتضاه نظركم السامي من الجواب عن الأسئلة الآتية، بإيجاز غير مخلٍّ بالمراد خدمة للجامعة والدين، ولحضرتكم الثواب والشكر، ويكون الإمضاء هكذا: حرَّره فلان الفلاني، البالغ من العمر كذا سنة في البلدة الفلانيَّة، بشهر كذا ، سنة 1324هـ (1)
هل توافقون على أنَّ من أقوى أسباب اختلاف المسلمين؛ تعدد المذاهب، وتباينها على فرض عدم الموافقة؟ فهل يمكن توحيدها بالجمع بين أقوالها المتباينة، وإلغاء التعدُّد في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الاتِّحاد من كلِّ شيء على فرض عدم إمكان التوحيد؟
فما الأمر القوي المانع منه في نظركم؟
وهل لأزالته من وجه على فرض إمكان التوحيد؟
فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة؟
وأي بلد يليق فيه إبراز هذا الأمر؟
وفي كم سنة ينتج ؟ وكم يلزم له من مال تقريبا؟ وكيف يكون ترتيب العمل فيه؟
وعلى كلِّ حال فما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعًا وسياسة، مصلح أم مفسد؟
ما الدليل القاطع على منع الصور التي لا ظلَّ لها مِمَّا يرسم على الورق، مثلا: من صور الملوك والجيوش لمقصد حسن» انتهى.
__________
(1) - ... الموافق لسنة 1906م. (1/183)
صفحة 184
الجواب: قد نظرنا في الجامعة الإسلاميَّة، فإذا فيها كشف الغطاء عن حقيقة الواقع، فلله ذلك الفكر المبدي لتلك الحقائق. نعم نوافق أنَّ منشأ التشتُّت اختلافُ المذاهب وتشعُّب الآراء، وهو السبب الأعظم في افتراق الأمَّة على حسب ما اقتضاه نظرك الواسع، في بيان الجامعة الإسلاميَّة، وللتفرُّق أسباب أخر منها: التحاسد، والتباغض، والتكالب على الحظوظ العاجلة، ومنها: طلب الرئاسة، والاستبداد بالأمر، وهذا هو السبب الذي نشأ عنه افتراق الصحابة في أوَّل الأمر، في أيَّام علي، ومعاوية، ثمَّ نشأ عنه الاختلاف في المذاهب، وجمع الأمَّة على الفطرة الإسلاميَّة بعد تشعُّب الخلاف ممكن عقلا، مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمرا كان: {لو انفقت ما في الاَرض جميعا ما ألَّفت بين قلوبهم ولكنَّ الله ألَّف بينهم إنَّه عزيز حكيم} (1) ، والساعي في الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبيَّة، ويحضَّهم على التسمِّي بالإسلام فإنَّ الدين عند الله الإسلام، فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة؛ ذهبت عنهم العصبيَّة المذهبيَّة، ولو بعد حين، فيبقى المرء يلتمس الحقَّ لنفسه ويكون الحقُّ أوَّلاً عند آحاد من الرجال، ثمَّ يفشوا شيئًا فشيئا، حتَّى يرجع إلى الفطرة وهي دعاية الإسلام، التي بعث بها محمَّد عليه الصلاة والسلام وتضمحلُّ البدع شيئًا فشيئا، فيصير الناس إخوانا، {ومن ضلَّ فإنَّما يضلُّ عليها} (2) ،
__________
(1) - ... سورة الأنفال: 63.
(2) - ... سورة الإسراء: 15. في الأصل: «...يضلّ لنفسه» وهو خطأ، وإنَّما الصواب: {من اهتدى فإنَّما يهتدي لنفسه، ومن ضلّ فإنَّما يضلّ عليها}.. (1/184)
صفحة 185
ولو أجاب الملوك والأمراء إلى ذلك لأسرع في الناس قبوله، وكفيتم مؤونة المغرم، وإن تعذَّر هذا من الملوك، فالأمر عليه عسير، والعزم ثقيل، وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي، ومتردد الملائكة، ومقصد الخاص والعام، حرَم الله الآمن، لأنَّه مرجع الكلِّ ، وليس لنا مذهب إِلاَّ الإسلام، فمن ثمَّ تجدنا نقبل الحقَّ مِمَّن جاء به، وإن كان بغيضا، ونردُّ الباطل على من جاء به وإن كان حبيبا، ونعرف الرجال بالحقِّ، فالكبير عندنا من وافقه، والصغير من خالفه، ولم يشرع لنا ابن إباض مذهبا، وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز، حين ذهب كلُّ فريق إلى طريق، وأمَّا الدين فهو عندنا لم يتغيَّر، والحمد لله. (1/185)
صفحة 186
أمَّا التصوير لذي الروح، فإنَّه حرام، كان للمصوِّر ظلَّ أو لم يكن، لحديث النمرقة عند الربيع، ومالك (1) ، والنجار، ومسلم (2) ، وفيه: «إنَّ أصحاب هذه الصور يعذَّبون يوم القيامة يقال لهم: احيوا ما خلقتم» (3) ، وكانت الصورة في النمرقة، ومن المعلوم أنَّه لا ظلَّ لها، وفي حديث ابن مسعود عند أحمد ومسلم: «إنَّ أشدَّ الناس عذابا يوم القيامة المصوِّرون»، وهو عام يتناول ما كان له ظلٌّ، وما لم يكن، ولا خلاف في منع ذلك، وإنَّما الخلاف في استعماله إذا كان رقما في ثوب، أو استعمل لامتهان دون تصويره، ومحلُّ المنع صورة ذي الروح فقط. والله أعلم.
__________
(1) - ... ورواه مالك في الجامع، رقم 1525.
(2) - ... رواه مسلم في كتاب اللباس، رقم 3941.
(3) - ... ورواية البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - مَاذَا أَذْنَبْتُ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟» قُلْتُ: «اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَقَالَ إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ». كتاب البيوع، رقم 1963. (1/186)
صفحة 187
من عبد الله بن حميد السالمي، البالغ من العمر ثلاثا وأربعين سنة تقريبا، الساكن القابل من شرقي عمان سنة 1324».
قلت: «فهذا العلاَّمة نوَّر الله ضريحه، ونفعني به، ووالدي، وأولادي، والمسلمين وبعلومه، أنَّه على النصِّ في عمره، فقد نظرنا في موته، فصحَّ أنَّه في اليوم الخامس من شهر ربيع الأوَّل عام 1332، فيما أتحرَّاه، وذلك في عصر الإمام المضفَّر الزاهد سالم بن راشد الخروصي رحمه الله، ونفعنا، به فظهر أنَّ عمره إلى موته تسع وأربعون عاما تقريبا، والحمد لله ربِّ العالمين (1) .
وأنَّه - رضي الله عنه - توفي في بلاد تنوف من عمان، وعظم بموته المصاب والأمر لله تعالى.
التنبيه الرابع:
__________
(1) - ... في الهامش بخطٍّ مغاير تعليق مفيد حول وفاة العلامة السالمي، ونصُّه: «وسبب وفاته: أنَّه ركب من نزوى قاصدا البلد الحمراء، فلمَّا كان بالقرية، وهي: بلد قريب من الحمراء، سقط عن ناقته، وذلك أنَّ ركنة أمباء [كذا] كانت على الطريق، فوقع، فحُمل منها إلى تنوف، وبقي مريضا حروة خمسة عشر يوما، ثمَّ توفَّاه الله (ض)».
... وفي زمانه نصب الإمام التقى سالم بن راشد الخروصي، وكان هذا الشيخ هو أجلُّ من عقد على هذا الإمام، وفي يوم خامس القعدة سنة 1338 قتل الإمام ببلد الحضرا، من ناحيَّة عندام على يد سلطان الوهيبي؛ فنصب من بعده الإمام الخليلي في يوم الجمعة ثالث عشر من القعدة سنة 1338 اهـ. (1/187)
صفحة 188
تشنيع غيرنا بعضهم على بعض، وبحمد الله تعالى أنَّ أهل مذهبنا لم يصدر مثل ذلك عنهم في بعضهم بعضا. قال الإمام الشافعي نقلا عن الصلاح الصفدي: «ما رأيت كأهل مصر اتَّخذوا الجهل علما؛ لأنَّهم سألوا مالكا مسائل قال لهم ما أعلمُها، فهم لا يقبلونها مِمَّن يعلمها لأنَّ مالكا قال لا أعلمها». وقال القاضي عياض أحد أيمَّة المالكيَّة بتكفير الغزالي، وهو من أيمَّة الشافعيَّة في كتاب الشفاء. وكذا شنع بعضهم على فخر الرازي، أحد أيمَّة الشافعيَّة العظام، ذكره الشيخ غليش (1) في شرح الكبرى؛ وقال بعض الحنفيَّة بعدم جواز الصلاة خلف شافعي، ذكره صاحب الفتاوي الخانيَّة، ونحوه في الجامع الصغير لقاضي خان، ومنه ما في المبسوط: من أنَّ الصلاة خلف الشافعي غير جائزة؛ إذا كان متعصِّبا في مذهبه. كما أنَّ بعض الشافعيَّة على ما نقله الشيخ على القارئ في بعض رسائله قال: «لا يصحُّ اقتداء الشافعي بالحنفي؛ ولو حافظ على جميع الواجبات»؛ وفي المدارك شدَّد القاضي عياض النكير على أبي حنيفة، وقدح في مذهبه، ومذهب الشافعيَّة، وأحمد، وأطنب في ذلك غاية الإطناب. وقال ابن حبيب، وهو أحد أيمَّة المالكيَّة في شرح غريب كتاب الجامع من حديث مالك، وقد سئل عن الداء العضال فقال: «هو أبو حنيفة، وأصحابه، وذلك أنَّه ضلَّل الناس بوجهين: الإرجاء، ونقض السنن بالرأي فهو عندنا أشأم مولود في الإسلام، ضلَّ به خلق كثير، وهم متمادون في الضلال بما شرع لهم إلى يوم القيامة»، وقال في شرح «لا يقتل مؤمن بكافر» (2) : «وقد كان من رأي الزائغ عن الحقِّ أبي حنفيَّة وأصحابه قتل المسلم بالكافر المعاهد»، ثمَّ قال: «قال عبد الملك: ضلُّوا في رواية الحديث ، وضلُّوا في تأويله، التماسا لنقض السنَّة وفراق هذه الأمَّة».
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «عليش».
(2) - ... قول فقهي في قصاص المؤمن بالكافر. (1/188)
صفحة 189
وقال الغزالي: «كلُّ فرقة تكفِّر مخالفها، فتنسبها إلى تكذيب الرسول - عليه السلام - ، فالحنبلي يكفِّر الأشعري زاعما أنَّه كذَّب الرسول - عليه السلام - في إثبات الفرق لله تعالى في الاستواء على العرش، والأشعري يكفِّره زاعما أنَّه مشبه كذب الرسول - عليه السلام - ، في أنَّه ليس كمثله شيء».
قال الشيخ قاسم الشماخي رحمه الله تعالى: «وهذا قليل من كثير بما لم يذكر أقلَّ قليله في كتبنا، ولم يتفوَّه به أحد من علمائنا، وتركنا القوم يتناطحون، ويتشابطون، ويتشاحنون، ويتنازعون بينهم البين». إلى أن قال: «فالذي يرحمه الله تعالى؛ يوفِّقه في ارتياد طريق دينه القويم، والاهتداء إلى الفرقة الناجيَّة، التي بانت عن جميع الفرق بعلامات، وأدلَّة واضحة قويمة لا ينكرها إِلاَّ المرمود أو مريض القلب، والحمد لله على الهدى» انتهى كلامه.
قلت: وممن وفَّقهم الله تعالى إلى اتِّباع الصراط المسقيم الذي نحن عليه في الزمان القديم خلف بن زيَّاد البحراني (1) . قال الشيخ الشمَّاخي: «لمَّا تبحَّر في العلم وجد الناس مختلفين في أقوالهم في الدين وأرائهم فيه، قال: إنَّ لله دينا تعبّد به عباده لا يعذر جاهله ولا الشاكَّ فيه، فخرج طالبا لعلم ما هم عليه الإباضيَّة من الدين، وكلَّما لقي عالما، أو منسوبا للعلم سأله عن اعتقاده، ومذهبه ما هو، فإذا أخبره، قال له: «الحقَّ غير هذا»، حتَّى لقي أبا عبيدة مسلما، وهو إباضي، فسأله عن مسائل شتَّى من العقائد، وغيرها فكلَّما سأله، فأجابه قال: «هذا هو الحقُّ ودين الله يدان»، انتهى.
__________
(1) - ... هو خلف بن زيَّاد البحراني (أوائل ق2هـ/8م): عالم وعالم من أوائل الإباضية، أصله من البحرين، لازم أبا عبيدة، وأخذ عنه العلم. ...
... ... وانظر- ابن مداد: سيرة، ص9-10. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج3/ص273، ترجمة 343. (1/189)
صفحة 190
قال سيِّدي نور الدين السالمي t في رسالته اللَّمعة المرضية: «وقد رجع إلى مذهبنا في الزمان القديم خلف بن زيَّاد البحراني، وأبو النظر الخرساني، وهما من أكابر العلماء المبصرين، ونقل الاعتراف بحقيَّة المذهب عن جماعة كثيرين، ومنهم الإمام مالك بن أنس إمام المالكيَّة، فإنَّه قال لمَّا سمع خطبة أبي حمزة الشاري t على منبر رسول الله e في المدينة المنوَّرة، وكانت الخطبة على محضر جمع من العلماء، وسكتوا كلُّهم، فقال الإمام: «خطبنا أبو حمزة الشاري [خطبة] حيَّرت المبصر، وردَّت المرتاب»، وتلك الخطبة تناقلتها الكتب والأسفار أقام فيها حجَّة وأوضح المحجَّة»، انتهى.
قال سيِّدي نور الدين: «ومعنى قوله حيَّرت المبصر: أي جعلت العالم المبصر في مذهبه محتارا، أي من كان مرتابا في دينه ردَّته عنه إلى مذهب أبي حمزة»، انتهى. (1/190)
صفحة 191
وقال أيضًا - رضي الله عنه - : «وذكر أنَّ جعفر بن السماك العبدي (1) ، وحباب بن كلب (2) ، وسالم الهلالي (3) في جماعة من الخيار الأصحاب وفدوا على عمر بن عبد العزيز، فدخلوا عليه، فكلَّموه، فوافقهم ابنه عبد الملك، وتولَّوا أمره بإذن أبيه، وتوقَّف عمر في أمر عثمان، ثمَّ وافقهم، وطلبوا منه أن يظهر عذر المسلمين، وبراءتهم مِمَّا رُموا به من الشتم، وكانوا يُشتمون على المنابر، وقال: «إن فعلت ذلك عوجلت، ولكن علي لكم أن أميت كلَّ يوم بدعة، وأحي كلّ يوم سنة».
فقالوا: «إنَّ الإمام العدل لا تسعه التقيَّة». فلم يجبهم.
فقالوا: «نخرج عنك، أي لا نتولاَّك؟».
فبلغ الخبر أبا عبيدة، وكان بالبصرة، فقال : «ليت القوم قبلوا منه».
__________
(1) - ... هو جعفر بن السماك العبدي (101هـ/719م): تابعي عالم، أخذ العلم عن جمع الصحابة وعن الإمام جابر، وهو شيخ الإمام أبي عبيدة. ... وانظر- الدرجيني: طبقات، ج2/ص232. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج3/ص224، ترجمة 280.
(2) - ... هو أبو عبد الله الحتات بن كاتب (وورد باسم: الحباب بن كليب) (101هـ/719م): عراقي من بني تميم، اشتهر بالفقه والتحقيق، وهو من أوائل من سعى في نشر مبادئ أهل الدعوة والاستقامة. ... وانظر- الشماخي: السير (ط.ح) ص98، 123. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج3/ص241، ترجمة 300.
(3) - ... هو سالم بن ذكوان الهلالي (101هـ/719م): تابعي من الأخيار، وهو من القرَّاء المشهود لهم بالعلم. ... وانظر- ابن الجوزي: طبقات القرَّاء . جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج3/ص339، ترجمة419. (1/191)
صفحة 192
وأقول: ليت القوم قبلوا منه، وأنت تعلم أنَّ الخلاف بينهم إِنَّمَا هو في السياسة لا غير، فهم رحمهم الله تعالى كانوا أهل شدَّة وحرص على حياة الدين، وهو رحمه الله تعالى كان أطول نظرا في السياسة، فترك الوفد السياسة إغلاظا عليه لا يمنع ولاية غيرهم له فهو إباضي حقًّا، وكذلك ابنه عبد الملك.
وقد وافق الأصحاب أيضًا عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان بالمدينة، وذلك في أيَّام المنصور، فظنَّ الأصحاب أنَّه إِنَّمَا يريد بذلك ملكا، فأعرضوا عنه، وكثير من الناس مِمَّن لهم القدر والجاه من أهل الدنيا يوافقوننا، فلا نعدُّ ذكرهم شيئًا خلاف ما عليه قومنا من الحال، والحمد لله»، انتهى.
وقد رجع إلى المذهب أيضًا الشيخ العلاَّمة السيِّد مصطفى بن إسماعيل الفارضي. قال سيِّدي نور الدين: «وهو أوسع أترابه علما، وفاقهم كياسة، وها هو قد نصب نفسه داعيا إلى الله تعالى بلسانَيْ الحال والمقال، وألَّف رسالة سمَّاها الهديَّة الإسلاميَّة، وبثَّ فيها الخطب على صورة الجرائد لينتفع بها الخاصَّة والعامَّة، وذكر في بعض رسائله السبب الذي أدخله في المذهب بما نصَّه: وتالله ما كدت أقول بمقالة أهل هذا الحقِّ بعد أن كنت منكم ومثلكم، حتَّى أخبرت في عالم الروحانيات أنَّ المذهب هو أضبط المذاهب بهذا النصِّ بلا نقصان منه، ولا زيادة فيه»، انتهى.
المقام الثاني: نذكر فيه ما صرَّح به المنصفون من أهل السنَّة بحقِّة المذهب: (1/192)
صفحة 193
قال القطب - رضي الله عنه - ما نصُّه: «وقد أقرَّ لي علماء الحرم أنَّ دين الإباضيَّة الوهبيَّة خال عن البدعة، فمن خلا عن البدعة فكيف لا تصحُّ أمانته وعدالته؛ إِلاَّ إن فعل ما يجرحه من المعاصي، ومن فعل المجرح فسواء كان منَّا، أو منكم، فهو مجرح، فإنَّ أحكام أهل لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة، إِلاَّ الولاية والبراءة، فإنَّ «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله ، ومنع لله، فقد استكمل خصائل الإيمان» (1) ، ولا تعبتر الكثرة، وإنَّما المعتبر ما عليه رسول االله - صلى الله عليه وسلم - .
قال الشعراني عن محمَّد بن أسلم الطوسي إنَّه كان يقول: «عليكم باتِّباع السواد الأعظم، قالوا له: من السواد الأعظم؟ قال هو الرجل العالم، أو الرجلان المتمسِّكان بسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطريقته، وليس المراد به مطلق المسلمين، فمن كان مع هذين الرجلين أو الرجل وتبعه فهو الجماعة ومن خالفه فقد خالف الجماعة»، اهـ كلامه.
__________
(1) - ... رواه أبو داود في السنَّة، رقم 4061: «حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ». (1/193)
صفحة 194
قال: «وقد ذكر الشيخ عبد الرحمان الثعالبي أنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - لمَّا مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، خطب الناس خطبة أكثرها الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال فيها: «أشهد أنَّ لا لإله إِلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدا عبده، ورسوله، وخاتم أنبيائه، وأشهد أنَّ الكتاب كما أنزل، وأنَّ الدين كما شرع وأنَّ الحديث كما حدَّث، وأنَّ القول كما قال، وأنَّ الله هو الحقُّ المبين»، فمن كان اعتقاده وعمله على هذا الذي ذكر الصدِّيق - رضي الله عنه - ، فهو على الحقِّ في أوَّل الزمان، وفي آخره» انتهى.
قال القطب - رضي الله عنه - في خطابه للعقبي بما نصُّه: «وإن لم تعرف الإباضيَّة، فقد عرفهم رجلان، وحسبي الله الشافعيان، الحاضر أحدهما في إقرائي في المسجد الحرام تأليف السنوسي في التوحيد بحواشيه، وشرحه لجماعة في أبَّهة عظيمة من أهل عمان وميزاب وأهل الجبل جبل نفوسة من أعمال طرابلس الغرب».
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : «قوله: الرجلان المسمَّى أحدهما دحلان، وهو: عالم بمكَّة، وقد توفي وهو شارح الأجروميَّة»، انتهى.
رجع، قال القطب: «وإن لم تعرف الإباضيَّة، فقد عرفهم الشيخ عليش المالكي إذ رأى عقيدتنا في التوحيد، فاستحسنها، فقال إنها من الأوائل نفعنا الله بهم».
قال أيضًا: «وإن لم تعرف الإباضيَّة، فقد عرفهم الجنُّ، والله الذي حرَّم الكذب، وأوجب الصدق. لقد قال لي ابن الأبيض، وابن الأحمر، وشمهروش، وابن الأخضر، ما نصُّه: السلام عليك أيُّها الشيخ، ورحمة الله وبركاته، اعلم أنَّا ندعو لك بالنصر على الأعداء، وإطالة عمرك ويجعل أربعمائة بركة، وتلك البركات كالصومعة العاليَّة عليهنَّ، والسلام على الدين وأبكه أبقاه الله على خير»، انتهى.
كلام كثير والحمد لله ربِّ العالمين، اهـ. (1/194)
صفحة 195
قال سيِّدي نور الدين السالمي ما نصُّه: «وكنت قد اجتمعت في مكَّة برجال من علماء قومنا، وكان رجل منهم يقال له الزبير بن علي الأصغر من أهل "عظيم أبا" من أرض الهند قد سبقني إلى مكَّة، ولمَّا سمع بوصولي أتى إليَّ في بيت الرباط، وسألني عن أصول المذهب وفروعه، فشرحت له ذلك شرحا وافيا كافيا، وطلب منِّي بعض كتب المذهب، فدفعت إله مشارق الأنوار، وكان لم يحضر غيره والكلام في ذكر جميع ما سأل عنه يطول به الكتاب، ثمَّ بقي يتردَّد عليَّ مرارا، ويناظرني في الخلاف الواقع بيننا وبينهم، وكان رجلا أديبا، حسن الجدال، ذا ذكاء وفطنة، لا يكابر الحجَّة إذ رآها ، وكان هو السبب بالاجتماع بعلماء الآفاق في ذلك العام، وقد منَّ الله عليَّ بإظهار الحجَّة على جميعهم، واعترف بعضهم بالحقِّ الذي في أيدينا، فمنهم من قال إنَّ الإباضيَّة أقرب الفرق إلى الحقِّ. وقائل ذلك عبد الرزاق البغدادي، ومنهم من قال إنَّ الأصلح والأسلم ما أنتم عليه. وقائل ذلك الزبير، وكان يكنَّى أبا عبد الله، فقلت له حاشاك أبا عبد الله أن تترك الأصلح والأسلم، فسكت ولم يجب، ولم يكن بعد هذه المقالة بيني وبينهم مناظرة»، انتهى.
قلت: قد حكى لي بعض الإخوان عمَّن بلغه عنه أنَّ أحدا من أصحابنا أهل عمان التقى هو ورجل من أهل البلاد، الذي هو مقام الشيخ الزبير المذكور، وأنَّه من عظم ما كان يسمع هذا العماني من شيخنا السالمي - رضي الله عنه - من إطناب الثناء على الشيخ الزبير والدعاء له بالهداية، فالعمانيّ سأل ذلك الرجل عن ذلك الشيخ فأجابه أنَّ عالمكم أخرج عالمنا من مذهبنا، وكأنَّ بي أنَّه أخبره بوفاته، والله العليم بحقيقة ذلك. (1/195)
صفحة 196
ولمَّا توجَّه السلطان المجيد برغش بن سعيد سلطان زنجبار إلى مكَّة المشرَّفة لأداء فرض الحجِّ، وصاحب شريف مكَّة حين إقامته فيها عرض له أن يتَّخذ له وللإباضيَّة مقاما كمقام الإمام الشافعي، فقال: لا أقبل ذلك، لأنَّ اتخاذ المقامات في المسجد الحرام بدعة، ولا مقام إِلاَّ مقام إبراهيم، ولو قبلت لعدَّه أصحابي كبيرة، ولو اتَّخذه لم يقف فيه أحد، ولا ازدادت المقامات فيه لأصحاب المذاهب».
قد ذكر هذه الحكاية الإمام القطب، وذكر أيضًا: أنَّ الشيخ عليش المالكي رأى عقيدتنا في التوحيد ، فاستحسنها، فقال إنَّها من الأوائل نفعنا الله بهم».
قال القطب - رضي الله عنه - : «وإن لم تعرف الإباضيَّة، فهم الذين قال فيهم ابن حزم: وهو من علماء الأندلس: أسوء الخوارج حالا الغلاة المذكورون، وأقربهم إلى قول أهل الحقِّ الإباضيَّة، وقد بقيت منهم بقيَّة بالمغرب. ذكره بن حجر في (فتح الباري)، في شرح باب قتال الخوارج في صحيفة مائتين واثنين وخمسين، وذكر ابن حجر في تلك الصحيفة ردًّا على الغزالي، ومن اقتدى به الغزالي: أنَّه ليس كلُّ خارجي ضالاًّ، بأنَّ منهم قسما محقًّا، خرجوا غضبا للدين من أجل جور الأيمَّة، وترك العمل بالسنة النبويَّة، فهؤلاء أهل الحقِّ.
فنحن الإباضيَّة من أهل القسم، ونحن الطائفة الذين ذكرهم في المغرب، وأنَّهُم أقرب إلى قول الحقِّ: أهل نفوسة، وجربة، والقرارة، وبريان، وميزاب، ونحوهم، ومن كان على مذهبهم من أهل وارجلان ونحوها، فقد ثبت أنَّا نحن ذلك القوم الذين ارتضاهم ابن حزم الأندلسي، وابن حجر المكِّي، فنقول نحن، وأمثالنا الذين قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ في المغرب طائفة على الحقِّ لا يضرُّهم من ناوأهم»، ولا فرق بيننا وبين أهل عمان فإنَّ اعتقادنا واحد»،انتهى. (1/196)
صفحة 197
قلت: قد ذكر شيخنا المرحوم سيف بن ناصر في: الإرشاد شرح مهمَّات الإعتقاد ما نصُّه: «قال بعض أيمَّتنا، يعني به الإمام أبا يعقوب صاحب العدل والإنصاف، نفعنا الله به: جرى لي كلام مع الفقيه يحي بن أبي بكر بن حسن بن الشيخ يوسف بسلجماسة، فقال الفقيه: «أوَّل من سنَّ الخروج على السلاطين أبو بلال مرداس، فقلت له: إنَّ له في ذلك إسوة حسنة، فقال: أو حسنة؟، فقلت: أو سيِّئة؟، فقال: ومن هو؟ فقلت: طلحة والزبير اجتهدا فأخطآ، فقلت: ولعلَّ أبا بلال اجهتد وأصاب، فقال: أوَ أصاب؟، فقلت: ولعلَّه اجتهد وأخطأ، فقال: يغفر الله للجميع»، انتهى.
قلت: فارجع البصر كرَّتين، إلى قول الفقيه المذكور هنا وهو أنَّ طلحة والزبير اجتهدا إلى آخره، وإلى ما ذكره الشيخ ابن حجر في باب قتل الخوارج، فقد قال ما نصُّه: «وأصل بدعتهم يعني الخوارج فيما حكاه الرافعي في الشرح الكبير أنَّهم خرجوا على عليٍّ - رضي الله عنه - حيث اعتقدوا أنَّه يعرف قتلة عثمان - رضي الله عنه - ، ويقدر عليهم، ولا يقتصُّ منهم لرضاه بقتله، أو مواطأة إيَّاهم»، انتهى.
فإنَّك تجدهما معتقدين كون طلحة والزبير من الخارجين على الإمام الحقِّ، وأنَّ ذلك الخروج هو بدعة كما هو صريح قول الرافعي، وإشارة قول الإمام وهو يغفر الله للجميع» اهـ.
قال ابن حجر على أثر قول الرافعي ما نصُّه: «وهو خلاف ما أطبق عليه أهل الأخبار»، انتهى.
يعني ابن حجر بالذي أطبق عليه أهل الأخبار أنَّ طلحة والزبير ليس خروجهما على الإمام بالبدعة، وإنَّما البدعة هو خروج أهل النهروان عنه، ولكن ليُنظر الفرق بين الخروج والخروج». (1/197)
صفحة 198
أقول: ولعمر الله ربِّي وربّ كلِّ مخلوق، إنِّي كنت ذات ليلة بمنزل العلاَّمة السيِّد أحمد بن سميط العلوي، ولا كان ثالثنا غير الله، فجرى بيني وبينه حديث، حتَّى اتَّصل بأن قال لي: إنَّ الشيخ محمَّد بن يوسف قد يذكر في شرحه للنيل شيخ الإسلام، وهو مؤلِّف الكتاب الفلاني شكّ منِّي في اسمه، وأظنُّ أنَّه سمَّاه بـ:(كتاب الروضة)، وأنَّ ذلك الشيخ هو: أبو زكرياء الأنصاري، وقال لي: إنَّ الناس يذمون مذهب الإباضيَّة، مع أنَّ هذا المذهب هو فرقة من الفرق الأربعة، ويعني بها: فرق الأيمَّة الأربعة»، انتهى.
فهذا، وأمثاله هو ما يقول به فينا بعض العلماء من أهل السنَّة، وهو الحقُّ اللاَّزم لقاعدة مذهبهم، وقد وقفتَ على ما قاله ابن أبي الحديد عند نقلنا لكلامه فيما سبق من هذا الكتاب، فأضف إليه ما هاهنا تجد الحقّ ساطعا واضحا والحمد لله»، انتهى. (1/198)
صفحة 199
أقول وبالله ربِّي: إنَّه في البرهة التي كان الشيخ الفقيه عامر بن خميس المالكي رحمه الله في جزيرة زنجبار، كان في يوم منها وأنا بمعيَّته بمنزل شيخنا سيف بن ناصر الخروصي رحمه الله تعالى، وحظر هناك الشيخ أبو الحارث محمَّد بن علي الباروني، وهو مِمَّن أخذ العلم عن شيخنا سيف، وله فيه ثناء جميل وشهادة لنيل العلم سمعته يذكره بهذا غير مرَّة، ولعلم الشيخ المالكي في أبي الحارث أنَّه من تلامذة شيخنا، أخذ يكرِّر لشيخنا في أبي الحارث أن يبيِّن له بما عنده من حقِّية المذهب، وشيخنا في ذلك يقول له: إنَّه لا يهتدي إلى ما يقوله فيه لما به من شدَّة تصويب عند أهل المذاهب الأربعة. قال: ولكنِّي سأوجِّه إليه سؤالا وهو ما قوله في المذهب الإباضي؟ هل أهله في الجنَّة عنده؟ فأجابه ــ أعني الشيخ أبا الحارث ــ صريحا بنَعَم إنَّهم من أهل الجنَّة، فقيل له (1) : بماذا خرجت عنهم؟ وأي عيب أخرجك عنهم؟ فقال: إنَّ عندهم في كلِّ ما ليس في مذهبهم لا يدخل الجنَّة؛ إذ يلزم من هذا الاعتقاد صيرورة الجنَّة موحشة عن السكان؛ لأنَّ المذهب الإباضي قليل أهله، فقال له شيخنا المالكي: إنَّ الجنَّة لها أهل خلقهم الله لها لا ينقصون، ولا يزدادون، وإنَّما على العبد اتِّباع ما أوجبه الله عليه، وإن لم يتبعه فيها أحد وليس له تركه لأنَّه لم يوافق فيه.
///
__________
(1) - ... في الهامش بخطٍّ مغاير: «قوله: لماذا خرجت عنهم؟ يعني به السؤال عن السبب الذي أخرجه عن المذهب الإباضيِّ، الذي هو مذهب سلفه، ما خلا والده، أي فأوَّله كان إباضيا ثمَّ اعتزل عنهم، وفي النظر إلى حقيقة اعتقادهم الذي يدينون به، يظهر أنَّه لا يلزمهم الخروج عن المذهب، بل عن أيِّ مذهب يقول بـ: لا إله إِلاَّ الله. تأمَّل، انتهى من الشارح». (1/199)
صفحة 200
فلم يكن بينهم بعد ذلك زيادة خطاب، فلقد بقي في حافظتي هذا الخطاب إلى يومي هذا ولا أدري أبقي ذلك في حافظة العلاَّمة أبي الحارث أم لا؟ وأبو الحارث هذا هو: أوسع معاصريه علما، وأرفعهم ذكرا، وجوابه المذكور في كون أهل المذهب أنَّهم من أهل الجنَّة هو كما رأيته آنفا، والحمد لله ربِّ العالمين.
فائدة (1/200)
صفحة 201
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - في اللَّمعة المرضية: «وقد كان هذا المذهب المبارك في الزمان الأوَّل منتشرا في جميع الآفاق والنواحي، وأكثر أهله بمكة، والبصرة، وعمان، واليمن، والمغرب، وخرسان، وكان أهل حضرموت كلُّهم على رأي أهل عمان، وكان بعض أهله بالموصل ومن علماء المذهب، فيها محمَّد بن عبَّاد (1) ، وقد انتشر في المغرب انتشارا تاما، حتَّى كانت الدولة في زمن الأيمَّة الرستميين تحكم على مسيرة ثلاثة أشهر، لا ترى فيها إِلاَّ زاهدا، أو عابدا، أو قائما بأمر الله، وقد بلغ جيش الإمام أفلح إلى ثلاثمائة ألف، وأهل الخيل منهم ثمانون ألفا أو خمسة وثمانون ألفا؛ واجتمع في زمان الإمام يوسف بن محمَّد بن أفلح مائة ألف فارس، وأحد عشر ألف فارس، وهؤلاء من الطائفتين من طوائف المغرب فقط، وهم: نفوسة، ومزاتة ، وكثرت العلماء فيها حتَّى إنَّه قتل منهم في وقعة واحدة، وهي وقعة نانوا (2) ، أربعة مائة عالم، وفي وقعة أخرى ثمانون عالماً إِلاَّ واحداً، ووقعة نانوا كانت في سنة مائتين وثمانين؛ ومذهب الشافعي لم ينتشركلّ الانتشار إِلاَّ بعد ذلك، وكان أهل المغرب يحجُّون بالذراري والنساء حتَّى إنَّه ولد لهم في طريق الحجِّ سنة واحدة ثلاثمائة مولود، منهم: عمروس بن فتح (3) ؛
__________
(1) - ... هو محمَّد بن عباد المدني (ق2هـ/8م): عالم متكلِّم، له كتاب ضخم في المسائل الكلاميَّة، يعرف بـ: كتاب ابن عبَّاد. وانظر- الجيطالي: قواعد الإسلام، ج1/ص51. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج5/ص631، ترجمة 911.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «مانو». وقد وقعت سنة 283هـ على الأصوب، كما تقدَّم.
(3) - ... هو أبو حفص عمروس بن فتح المساكني (ت: 283هـ): عالم في الأصول والفروع، تولىَّ القضاء في ولاية أبي منصور إلياس، أواخر أيَّام الدولة الرستمية. له كتاب يعرف بالعمروسي أو الدينونة الصافية. وانظر- أبو زكرياء: سير الأَيمَّة (ط.ح) ص150..الدرجيني: طبقات، ج1/ص84، 89. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج4/ص557، ترجمة 766. (1/201)
صفحة 202
وكان عمروس هذا في زمن محمَّد بن محبوب (1) ، وأمَّا انتشاره بعمان؛ فأمر لا يخفى وسير الأيِّمة فيها مشهورة، وأخبارهم معلومة، وقد كانت من المسلمين بقيَّته في منصورة من بلاد السِّنْد، وكان للإمام راشد بن سعيد رحمه الله إليهم سيرة، وأخبارهم شاهرة، ومن علمائهم بمكَّة: أبو الحرِّ علي بن الحصين العنبري، وأبو عبيدة عبد الله بن القاسم (2) في عدَّة مشايخ، ومن أفاضلهم بمكَّة: الفضل بن جندب؛ وأمَّا البصرة فقد كانت لنا مدينة العلم حتَّى ضربوا لذلك مثلا فقالوا: «باض العلم بالمدينة، وفرَّخ بالبصرة، وطار إلى عمان».
ومن أيمَّة العلماء ومشاهيرهم أبو الشعثاء جابر بن زيدن، وهو أوَّل من ألَّف في الإسلام فيما يظهر من الحال؛ لأنَّ تواريخ المؤلفين كلّهم بعده، وفي كشف الغمَّة أنَّ ديوانه كان حمل خمسة أجمال، وقد احتوى عليه أمير بغداد، فلم يخرجه إلى أهله حسدا لهذا، والله أعلم بما كان عليه من الحال.
وجابر هذا أخذ العلم عن سبعين بدريا وعن ابن عبَّاس، وعائشة أمِّ المؤمنين، وقال: «لقيت سبعين بدريا فحويت ما بين أن أظهرهم حتَّى لقيت البحر، وكدت أن أغرق»، ــ يعني ابن عبَّاس ــ؛ وكان لابن عبَّاس فيه ثناء جميل وشهادة بالعلم الواسع، ولولا خوف الإطالة لذكرت بعض ذلك.
__________
(1) - ... هو محمَّد بن محبوب بن الرحيل المخزومي (النصف الثاني ق3هـ): عالم مجتهد من أوائل الأَيمَّة بعمان، تولىَّ القضاء في صحار، واشتهر بالفتوى وله آراء فقهية سديدة نقلتها المصادر. ... وانظر- البطاشي: إتحاف الأعيان، 191.
(2) - ... عبد الله بن القاسم البسيوي العماني - أبو عبيدة الصغير - (حوالي 170هـ): عالم وفقيه، وهو مِمَّن روى عنه أبو غانم الخرساني مدونته. وانظر- الراشدي: أبو عبيدة وفقهه، ص256. (1/202)
صفحة 203
وقد أخذ عن جابر هذا ضمام بن السائب (1) ، وأبو عبيدة مسلم بن أ ي كريمة، وحيان الأعرج، وأبو نوح صالح الدهَّان؛ وقد تفجَّرت ينابيع العلم، والحكمة من هؤلاء التلامذة، وكان أوسعهم علما: أبو عبيدة، وضمام، وقد انتشرت العلوم في مشارق الأرض ومغاربها عن أبي عبيدة، وعنه أخذ حملة العلم إلى عمان، وإلى المغرب، وخرسان، وحضرموت. ولولا إيثار الاختصار في هذه الرسالة؛ لذكرت طرفا من أخبارهم، ولمعة من سيرتهم الزهراء.
وتلامذة أبي عبيدة لا يحصون عددا (2) ، ومن أجلِّهم قدرا: الربيع بن حبيب البصري، وإليه انتهت رئاسة العلم بعد موت أبي عبيدة، ثمَّ إلى أيُّوب وائل بن أيُّوب الحضرمي، ثمَّ إلى محبوب بن الرحيل، ثمَّ انتقل العلم إلى عمان بواسطة حملته الأربعة: منير بن النير، وبشير بن المنذر، وموسى بن أبي جابر، ومحمَّد بن المعلَّى؛ وإلى خرسان بوسطة أبي يزيد الخرساني، وهاشم بن عبد الله الخرساني أيضا، ومن علماء خرسان: نصر ابن سليمان، ومحمود بن نصر، وأبو المنصور، وأبو غانم، وغيرهم.
وحمل العلم عن أبي عبيدة إلى المغرب أبو الخطاب المعافري، وعبد الرحمان بن رستم، وعاصم السدراتي، وإسماعيل بن درار، وغيرهم، ثمَّ كثرت علماء المذهب بعمان، والمغرب، وحضرموت، فلا يحصون عددا - رضي الله عنه - م أجمعين وكان فيهم الأيمَّة الراشدون المرشدون، البائعون أنفسهم في رضى ربِّهم، الراغبون في الآخرة، الهاربون عن الدنيا.
__________
(1) - ... هو ضمام بن السائب الندبي الأزدي: من أهل العلم والتحقيق، صاحب جابرا وأخذ عنه العلم، وعرف برواية جابر. وقد طبعت روايات في الحديث باسم: روايات ضمام بن السائب. ... ... وانظر- الدرجيني: طبقات، ج2/ص246-247. الراشدي: أبو عبيدة وفقهه، ص599.
(2) - ... للوسع في ترجمة تلامذة الإمام أبي عبيدة مسلم انظر- الراشدي: أبو عبيدة وفقهه، ص221-268. (1/203)
صفحة 204
ومن أيمَّتهم بالعراق: عبد الله بن وهب الراسبي إمام أهل النهروان، ثمَّ المرداس بن حدير الشهير بأبي بلال - رضي الله عنه - ، وكان له سيرة وأخبار، وكرامات تذهل العقول.
وكان من أيمَّتهم بحضرموت: طالب الحقِّ عبد الله بن يحي، وسليمان بن عبد العزيز، وأحمد بن سليمان.
وكان من أيمَّتهم بالمغرب: أبو الخطاب المعافري، وأبو الحاتم الأوَّل، وعبد الرحمان بن رستم، وابنه عبد الوهَّاب، وابنه أفلح، وابنه محمَّد، وابنه يوسف، وهو أبو الحاتم الثاني.
ومن أيمَّتهم بعمان: الجلندى بن مسعود، والوارث بن كعب، وغسان بن عبد الله، وعبد الملك بن حميد، والمهنا بن جيفر، والصلت بن مالك، والخليل بن شاذان، وراشد بن سعيد، وراشد بن الوليد، وسعيد بن عبد الله ، وناصر بن المرشد.
وغيرهم من أيمَّة العدل لا يحتمل ذكرهم الموضع لإيثار الاختصار، وقد كانوا جميعا كأمثال أبي بكر وعمر، عدلا وفضلا، لولا سابقة الصحبة؛ جزى الله الجميع عن الإسلام خير جزاء. (1/204)
صفحة 205
ولمَّا أراد الله تعالى أن ينفد أمره فيمن شاء من الناس بسابقة القضاء طوى هذا المذهب في أكثر البلاد بموت أهله، وانقراض علمائه في تلك النواحي، فطال على الجهَّال الأمد، وأتاهم من أضلَّهم عن الحقّ وأزلهم عن الصدق وقيَّض على كلِّ ناحية شيطانا، بل شياطين عديدة، فتركوا ما كان عليه أسلافهم من واضح الحقّ وصريح الصدق إلى ما وسوس به الشيطان إلى أوليائه شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، فذهب هذا الدين من مكَّة والبصرة، وخرسان، واليمن، وحضرموت، وبقي في عمان، والمغرب، وزنجبار، ومصر، ثمَّ انتقصت أطرافها أيضًا إِلاَّ في النواحي اليسيرة فظهر بذلك صدق الحديث: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ» (1) ، فالحمد لله على هذه الغربة، والشكر له على هذه القلَّة، فإنَّ المؤمنين قليل في أوَّل الزمان وآخره قال تعالى: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} (2) ، وقال: {إِلاَّ الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} (3) ، وقال: {وقليل من عبادي الشكور} (4) ، وناهيك عن أحوال الأنبياء مع قومهم، فانظر إلى حال نوح - عليه السلام - وإلى قومه، وقد أرسل إلى أهل الأرض كافة، فقال تعالى: {وما ءامن معه إِلاَّ قليل} (5) . وإلى حال إبراهيم - عليه السلام - ، فإنَّه بُعث وحيدا فريدا فآمن له لوط وقال: {إني مهاجر إلى ربِّي} (6) . وإلى حال لوط - عليه السلام - حين أرسل إلى أهل القرى فإنَّ الله تعالى يقول: {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} (7) ، والمراد بيت لوط - عليه السلام - . وإلى حال موسى - عليه السلام - ، فإنَّه خرج ببني إسرائيل؛ وعند ذاك قال فرعون {إنَّ هؤلاء لشردمة قليلون} (8) ،
__________
(1) - ... تقدَّم تخريجه.
(2) - سورة الأعراف: 102.
(3) - سورة ص: 24.
(4) - سورة سبأ: 13
(5) - سورة هود: 40
(6) - سورة سورة العنكبوت: 26.
(7) - ... سورة الذاريات: 36.
(8) - سورة الشعراء: 54.. (1/205)
صفحة 206
وقد خاف في أوَّل أمره من فرعون كما قال: {ففرت منكم لمَّا خفتكم} (1) . وكذلك أحوال غالب الأنبياء كزكرياء، ويحي، وغيرهم. وانظر إلى حال سيِّدهم محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وإلى سيرته من أوَّله إلى آخره، وإلى عدد أصحابه، والمشركون يومئذ لا يحصون عددا، وإن أظهر الإسلام في حال ليكون حجَّة على الناس، فإنَّه يختفي في أحوال كثيرة، وأزمان طويلة، وناهيك بأزمنة الفترة بين الحقّ، وأنَّ الحقّ لم يظهر ظهورا تاما بعد نبيِّنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ سنين يسيرة ثمَّ تولَّى الأمرَ الظلمةُ من أهل الجور، وتركوا الهدى، وعملوا بالهوى، والحق معروف والسيرة محفوظة، والطريق بيِّنٌ، والصراط مستقيم ولكن {من يضلل الله فلا هادي له} (2) ، فلمَّا أن تفرَّقت الأهواء، وتشعَّبت، وعطّلت الأحكام، واتخذ كتاب الله دغلا، ومالُ دولا، وعباد الله خوَلا، غضب المسلمون وأظهروا الحقّ في أمكنتهم على ما أشرت فيما تقدَّم ذكره، ولمَّا انطمست أعلام المذهب من غالب البلاد كما أسلفنا ذكره، اختفى على الأغبياء الجهلة ما نحن عليه من الحقّ الواضح، واشتغلوا بالسبِّ والطعن، ولا يضرُّ المسلمين شيئًا من ذلك؛ فقد قيل لنبيِّهم عليه الصلاة والسلام: إنَّه ساحر أو مجنون، وإنَّه كاهن، وإنَّه شاعر، فلم يضرَّه من ذلك شيء بل زاده رفعة عند ربِّه صلوات الله عليه وسلامه ولنا فيه أسوة»، انتهى.
أقول: ومن جملة معتقدي مذهبنا من العلماء النحارير: هو العلامة أبو الطيِّب محي الدين بن شيخ القحطاني.
__________
(1) - سورة الشعراء: 21
(2) - ... سورة الأعراف: 186. (1/206)
صفحة 207
قال المصنِّف في كتابه الذي ألَّفه ردا على الزندجالي: «إنَّه العالم العلاَّمة من فضلاء أهل السنَّة»، وإنَّ والد المصنِّف وهو الشيخ محمَّد بن علي المنذري كتب سؤالا، ووجَّهه إلى العلاَّمة المذكور في شأن الخلاف الذي بين الإباضيَّة وبين أهل السنَّة فأبطأ بالجواب طويلا، وكان السؤال نظما أجابه بقوله: «اعلم أيُّها الشيخ المحبُّ الفهيم، الولد محمَّد بن علي المنذري، أنَّ تأخيرنا عن جواب مَسائلك ليس بعجز منَّا عن جوابها، ولا تهوين ورغبة عنك...» إلى أنَّ قال: «واعلم أيُّها الولد أنَّ اعتقادنا في الدين أنَّ أيمَّة المسلمين على هدى من ربِّهم في كلِّ حين وأوان، وكلّ من يصل إلى هذا الاعتقاد من طريق الكشف والبيان وجب عليه اعتقاد ذلك من طريق التسليم والإيمان، وكما لا يجوز الطعن فيما استنبطه الأيمَّة المهتدون بطريق الاجتهاد والاستحسان، وفي الحديث: «اختلاف أمتي رحمة»، وكان الاختلاف على من قبلنا عذابا، وفي الحديث أيضًا: «إنَّ شريعتي جاءت على ثلاثمائة وستين طريقة ما سلك أحد طريقة منها إِلاَّ نجا». وفي الحديث: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وأننا إذا اقتدينا بأي إمام اهتدينا؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - خيرنا بالأخذ بقول من شئنا منهم من غير تعيين، وما ذلك إِلاَّ لكونهم على هدى من ربهم، ولو كان المصيب من المهتدين واحدا والباقي مخطئا لكانت الهداية لا تحصل لمن قلد الباقين.
وقد دخل هارون الرشيد على الإمام مالك فقال له: «دعني يا أبا عبد الله أفرق هذه الكتب التي ألَّفتها وأنشرها في بلاد الإسلام، وأحمل عليها الأمَّة» فقال له: «يا أمير المومنين، إنَّ اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمَّة، فكلٌّ يتبع ما صحَّ دليله عنده، وكلٌّ على هدى، وكلٌّ يريد اللهَ» (1/207)
صفحة 208
وكان الإمام مالك يقول: «كثيرا ما شاورني هارون الرشيد أن يعلق كتابي الموطَّأ على الكعبة ويحمل الناس على ما فيه، فقلت: لا تفعل لأنَّ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اختلفوا في الفروع وتفرَّقوا في البلاد وكلٌّ مصيب، فقال: زادك الله تعالى توفيقا»، ولما حجَّ المنصور قال الإمام مالك: «إنِّي عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ ثمَّ أبعثها إلى كلِّ مصر من أمصار المسلمين، وآمرهم أنَّ يعملوا ما (1) فيها، ولا يتعدون إلى غيرها». فقال الإمام مالك: «لا تفعل يا أمير المومنين، فإنَّ الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات وأخذ كلٌّ بما سبق إليهم، ودانوا الله تعالى به، فدع الناس وما اختاروا لأنفسهم في كلِّ بلد». انتهى.
قلت: وأين الزندجالي من هذا البحر الشهير الذي يذعن له بالعلم كلِّ من عرفه. انتهى.
قال ذلك العلامة أيضًا في آخر جوابه المذكور آنفا: «اعلم أيُّها الولد أنَّ المؤمن الكامل مؤمن ظاهرا وباطنا، أنَّ الله تعالى لو لم يعلم أزلا أنَّ الأصلح عنده تعالى لعباده المؤمنين انقسامهم إلى نحو هذه المذاهب؛ لما أوجدها لهم وأقرَّهم عليها، بل كان يحملهم على أمر واحد لا يجوز لهم العدول عنه إلى غيره، كما حرَّم الاختلاف في أصل الدين بنحو قوله: {شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحا وما أوحينا إليك وما وصَّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرَّقوا فيه} (2) ، فافهم ذلك، واحذر أن يشتبه عليك الحال فتجعل الاختلاف في الفروع كالاختلاف في الأصول، فتزلَّ بك القدم، فإنَّ السنَّة التي هي قاضية عندنا على ما نفهمه من الكتاب مصرَّحة بأنَّ اختلاف هذه الأمَّة رحمة وكان فيمن قبلنا عذابا». انتهى.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بما».
(2) - ... سورة الشورى: 13. (1/208)
صفحة 209
قال المصنِّف رحمه الله: «فانظر إلى قول العلاَّمة الفقيه النحرير من أهل السنَّة وما رواه عن سلفه فإنَّه يصرِّح بأنَّهم امتنعوا من إلزام الناس ما عندهم ومن إيجاب تقليدهم عليهم، ومن إبطال ما عند غيرهم من الأمَّة، بل أثبتوا، والكل أن يتَّبع ما صحَّ دليله عندهم وأنَّ كلا على هدى من ربهم» انتهى.
وقال المصنِّف أيضًا في الكتاب المذكور ويشبه ذلك ما قاله الإمام أبو الفضائل أحمد بن محمَّد الرازي الحنفي بعد ذكره فرق الإسلام ما هو نصه هذا: «وما من فرقة إِلاَّ ولها حجَّة من الكتاب، وما من طائفة إِلاَّ وفيها علماء نحارير فضلاء» إلى أن قال: «وليس قصدنا بيان معقولات المتكلِّمين من المتأخِّرين والمتقدِّمين ولكن القصد أن نذكر في هذا الكتاب جميع حجج القرآن بطريق الاستيعاب’، ثمَّ نذكر حجج الحديث لكلِّ قوم من القديم، لكيلا يعجل طاعن بطعنه ولا يغلو قادح بقدحه في طائفة» انتهى.
ثمَّ قال المصنِّف رحمه الله: «وممَّا يشهد لهذا الشيخ بصدقه في أنَّ ما عندنا وما عندكم يُحمل على الصواب عندكم، كما بيَّنَّا ذلك من كلامه ما ذكره إمامنا محمَّد بن يوسف اطفيَّش المغربي من إقرار مشائخ مكَّة: دحلان، وحسبي الله (1) وغيرهما عند حلوله حفظه الله بمكة المشرَّفة بأنَّه لا بدعة في ديانة الإباضيَّة، وقول الشيخ عليش بمصر لمَّا رأى عقيدتنا في التوحيد وقال: إنَّها حقٌّ وإنَّها عن الأوائل، وحكم الإمام الكبير في موسم الحجِّ، وهو من غيرنا بأنَّ دين الله هو ما دان به أبو عبيدة إمامنا، وذلك عند عرضه ديانته في جملة من عرض ديانتهم على ذلك الإمام الكبير» انتهى.
__________
(1) - ... كذا في الأصل. (1/209)
صفحة 210
ثم قال رحمه الله مخاطبا لذلك الزندجالي ما نصه: «فكان وقوفكم عن تضليلنا وعن الأذيات التي توصلها إلينا هو اللائق لكم، والموافق لما عندكم، ويشهد لهؤلاء كلّهم بصدقهم ما صحَّ عندكم، واجتمعتم عليه في عقائدكم «من قال لا لإله إِلاَّ الله دخل الجنَّة» (1) ، وإن ركب المحرَّمات كلَّها، وترك الفرائض بأسرها، ولا يكون من ركب أو ترك بقصد إصابة الحقّ من الكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة فأخطأ كمن فعل ذلك بقصد معصيَّة الله تعالى، فإن دخل الجنَّة هذا السارق، الزاني، الشارب، القاتل، التارك للفرائض انتهاكا كان دخول ذلك الخائف لله تعالى القاصد طاعته تعالى فيما تأوله فأخطأ من أهل المذاهب أولى» انتهى.
قال العلامة السيِّد مصطفى بن إسماعيل المصري رحمه الله الداخل في المذهب من اعتراف الأجانب له بما نصه: «لقد شهد بهذا الحقّ جميع الفلاسفة الفرنساويين الباحثين في الأديان، الذين وقفوا بكياسة أبحاثهم وسلامة قياسهم على أنَّ نقاوة الدين الإسلامي لا تنحصر إِلاَّ في اتِّباع مذهب ابن إباض، ومن البديهي أنَّ شهادة العدوِّ هي أقوى الشهادات وأعدلها» انتهى.
__________
(1) - ... تقدَّم نخريجه في ص156. (1/210)
صفحة 211
أقول: لقد وقفت في بعض التعاليق على حكاية مضمونها: إنَّ غلاما مغربيا إباضيا كان مجدًّا في تحصيل العلوم، قصد إلى بلدة الأندلس لقصد التعليم، فنزل في جامعها وهو مملوء بالمتعلمين، وبين العلماء الذين هم في ذلك المسجد واحد ممتاز برجوع العلماء إليه، فالغلام قصد ذلك العالم وكان يتعلَّم منه، والعالم آنس منه الجدَّ فقربه وأحبَّه غاية، وكان أولئك المتعلمون على مذهب الإمام مالك بن أنس وهم لا يكفتون (1) أياديهم في الصلاة، وبذلك لم يطَّلعوا على حقيقة مذهب الغلام، وكان كثيرا ما يسمعهم إذا ذكروا المذاهب يذكرون المذهب الخامس، فصدر من الغلام ذات يوم سؤال لحضرة العالم عن أصحِّ مذاهب الإسلام، فسكت عن الجواب ذلك العلامة إلى أن جنَّ اللَّيل، وخرج المتعلمون من المسجد، وكان الباقي فيه إذ ذاك هو والغلام، ثمَّ إنَّه أمر الغلام بالتجسس هل بقي في المسجد أو في خارجه أحدٌ، فتجسس الغلام، ولم ير أحدا فأمره بتغليق الأبواب والدرايش ففعل الغلام، وعند ذلك قرَّبه إليه وقال له: لقد سألتني والآن أجيبك، بأنَّ أفضل المذاهب الإسلاميَّة هي الفرقة الخامسة، ويعني بها فرقة الإباضيَّة، وأنَّ بوجود هذه الفرقة في الدنيا تدوم فيها الخيرات ويزاح عنها الهلاك، فقال له الغلام: ولماذا أنت لم تكن في هذه الفرقة؟ فقال له: إنِّي لا أستطيع على زيادة توضيح فوق الذي وضَّحته لك.
قال صاحب التعليق إنَّه إن أوضح له زيادة على ذلك وهو أنَّه على هذا المذهب فيخشى انتشارها في الناس وينحطُّ قدره عندهم، قال: ثمَّ إنَّ ذلك الغلام بعد سمعه هذا الجواب أجمع على ترحاله، ومفارقه شيخه، وافتقده الشيخ فأخبر بخروجه إلى وطنه، فعندئذ صاح الشيخ ثلاث صيحات بقوله: ولدي، وخرَّ إلى الأرض ميِّتًا» انتهى.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يكتفون». (1/211)
صفحة 212
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - في تفسير حديث أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن مسعود الأنصاري قال أشار النبيء - صلى الله عليه وسلم - بيده نحو اليمن فقال: «ألا إنَّ الإيمان ها هنا...إلخ» (1) ،
__________
(1) - ... وتمام الحديث: «وإنَّ الفتنة وغلظ القلوب في الفدَّادين عند أصول أدناب الإبل حيثُ يطلُع قرناَ الشيطان ربيعة ومضر». الجامع الصحيح، باب [9] في الإيمان والإسلام والشرائع، ص22، حديث 58.
... ورواه أحمد بلفظ: «حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ فَقَالَ: «الْإِيمَانُ هَاهُنَا الْإِيمَانُ هَاهُنَا وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ» في باقي مسند المكثرين، 21311. ورواه في مسند الشاميين، 16449. (1/212)
صفحة 213
قال - رضي الله عنه - قوله: «نحو اليمن وهي الجهة المخصوصة، سمِّيت بذلك لأنَّها على يمين الكعبة، وقد ظهر فيها أيمَّة المسلمين أهل الاستقامة في الدين من تصاغر عنده لأهل الفضل فضائلهم، وقد شهر في البلاد عدلهم وفضلهم منهم: طالب الحقِّ عبد الله بن يحي الكندي وأصحابه رضوان الله عليهم، وقد ملكوا اليمن والحجاز معًا فأظهروا العدل وطمسوا الجور...»إلى أن قال: «ثمَّ ظهر من بعدهم أيمَّة سلكوا مسلكهم منهم سليمان بن عبد العزيز، وأحمد بن سليمان، وإبراهيم بن قيس بن سليمان وغيرهم رضوان الله عليهم». قال: «فآلى هؤلاء وأمثالهم»، أشار هذا الحديث بالثناء، وقد تقدَّم في باب الأمَّة الإشارة إلى أيمَّتنا بالمغرب وسيأتي في روايات أبي سفيان عن الربيع حديث عائشة - رضي الله عنه - أنَّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «يكثر ورَّاد حوضي من أهل عمان» (1)
والمذهب إِنَّمَا انتشر في هذه النواحي الثلاث، وفيها كانت قوته ونحن نعرف الحقَّ فيه بموافقة الكتاب والسنَّة، ولكن نزداد بهذه الإشارات إيمانا على إيماننا واطمأنانة (2) في قلوبنا، وذلك مثل من اجتنب المعاصي وعمل بالطاعات، ثم قال له النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنت على الحقّ، أمَا يزيده اطمأنانة وسرورا.
__________
(1) - ... وانظر الجامع الصحيح، ج4، ص258، حديث 899.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «طمأنينة». (1/213)
صفحة 214
ولمَّا ساء اعتقاد القوم في أهل الاستقامة مع جزمهم بصحَّة الحديث تكلَّفوا في تأويله أقاويل، أحدها أنَّه أراد مكَّة فإنَّه يقال: إن مكَّة من تهامة، وتهامة من أرض اليمن، والثاني أنَّ المراد مكَّة والمدينة، فإنَّه يروى في الحديث أنَّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال هذا الكلام وهو في تبوك ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد مكَّة والمدينة؛ والثالث وهو قول أكثرهم أنَّ المراد بذلك الأنصار، لأنَّهم يمانون (1) في الأصل وردَّ عليهم أبو عمرو بن الصلاح بما حاصله أنَّهم لو جمعوا طرق الحديث بألفاظه كما جمعها مسلم وغيره، وتأمَّلوها، لصاروا إلى غير ما ذكروا، ولمَا تركوا الظاهر، ولقضوا بأنَّ المراد اليمن، وأهل اليمن على هذا المفهوم من إطلاق ذلك، إذ من ألفاظه: «أتاكم أهل اليمن والأنصار» من جملة المخاطبين بذلك فهم إذن غيرهم إلخ ما ذكر والحق ما قدمت لك». انتهى.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يمانيون». (1/214)
صفحة 215
وقال أيضًا رحمه الله في الباب السادس من الأمَّة من شرح الجامع الصحيح ما نصُّه، ولمَّا نزل قوله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبُّهم ويحبُّونه} (1) ، قال - صلى الله عليه وسلم - : «مِن رهطك يا سليمان» وقال: «لو تعلَّق الدين بالثريا لنالته رجال من أبناء فارس» أو كما قال، كذا ذكره أصحابنا رحمهم الله وأصل الحديث في الصحيحن وغيرهما، وقد رواه البخاري من طريقين عن أبي هريرة قال: «كنَّا جلوسا عند النبيء - صلى الله عليه وسلم - وأنزلت عليه سورة الجمعة: {وآخرين منهم لمَّا يلحقوا بهم} (2) ، قال: قلت: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتَّى سأل ثلاثا وفينا سلمان الفارسي وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على سلمان ثمَّ قال: «لو كان الإيمان عند الثريَّا لنالته رجال أو رجل من هؤلاء» وفي الرواية الثانية: «لنالته رجال من هؤلاء» والشكُّ في الرواية الأولى من سليمان بن بلال المذكور في السند، قال ابن حجر: «وقد أطنب أبو نعيم في أوَّل تاريخ أصبهان في تخريج طرق هذا الحديث أعني حديث «لو كان الدين عند الثريا ووقع في بعض طرقه» عند أحمد بلفظ «لوكان العلم عند الثريا» وفي بعض طرقه عند أبي نعيم عن أبي هريرة أنَّ ذلك كان عند نزول قوله تعالى: {وإن تتولَّوا يستبدل قوما غيركم} (3) ، ويحتمل أن يكون ذلك صدر عند نزول كلٍّ من الآيتين، وقد أخرج مسلم الحديثَ مجردا عن السبب من رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رفعه: «لو كان الدين عند الثريا لذهب رجال من أبناء فارس حتَّى يتناولوه» (4)
__________
(1) - سورة المائدة: 54.
(2) - سورة الجمعة: 3.
(3) - سورة محمَّد: 38.
(4) - ... تقدَّم تخريجه،ص 100.. (1/215)
صفحة 216
وأخرجه أبو نعيم من طريق سليمان التيمي: حدَّثني شيخ من أهل الشام عن أبي هريرة نحوه، وزاد في آخره: «برقَّة قلوبهم»، وأخرجه أيضاً من وجه آخر عن التيمي عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي بالزيادة من طريق أخرى من هذا الوجه، وزاد فيه «يتَّبعون سنَّتي ويكثرون الصلاة عليَّ»، ثمَّ ظهر هذا الوصف في بني رستم بن بهرام بن سام بن كسرى الملك الفارسي، وبنو رستم هم أيمَّة المسلمين في أرض المغرب، ظهرت لهم في أيَّام بني العبَّاس قوَّة ظاهرة، ودولة وافرة، وصولة باهرة، وسيرة زاهرة، وأخبارهم شاهرة، رضوان الله عليهم». انتهى. (1/216)
صفحة 217
وقال أيضًا نفعنا الله به في الكتاب المذكور ما نصُّه: «ومن مسند أحمد أيضًا عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: «كنَّا عند النبيء - صلى الله عليه وسلم - جلوسا: فقال إنِّي لا أدري ما قدرُ بقائي فيكم فاقتدوا بالذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر - رضي الله عنه - ما، وتمسَّكوا بعهد عمَّار، وما حدثكم به ابن مسعود فصدَّقوه»، وفي رواية: «فتمسَّكوا بعهد ابن أم عبد واهتدوا بهدي عمار» (1) ؛ فنصَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر عمره على من يقتدى به من بعده وعلى من يهتدى بهديه، وعلى من يسمع قوله، فالأصحاب رحمهم الله تعالى اقتدوا بأبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمَّار، وسمعوا قول ابن مسعود، فهم على وصيَّة نبيِّهم عليه الصلاة والسلام فهذا دليل على أنَّ الصواب ما عليه الأصحاب.
__________
(1) - ... رواه أحمد في باقي مسند الأنصار بلفظ: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا سَالِمٌ الْمُرَادِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ورِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ أَدْرِي مَا قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي يُشِيرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا وَاهْدُوا هَدْيَ عَمَّارٍ وَعَهْدَ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا». حديث رقم 22296. وروي بألفاظ أخرى عند أحمد. (1/217)
صفحة 218
وقد روت القوم أحاديث تقتضي سعادة عثمان ومن بعده من أهل الأحداث المخصوصين، ولإن صحَّت تلك الأحاديث فلا يضرُّنا، ورحمة الله واسعة، والأصحاب رحمهم الله تعالى قد حكموا به في ذلك بحكم الله تعالى، ولا تناقض بين سعادتهم وحكم الله فيهم في هذه الدنيا، فكم من محدود على الزنى والخمر وهو في علم الله يموت تائبا ظهرت للناس توبتة أو استترت، ويؤيِّد ذلك ما في البخاري في فضل عائشة، عن الحكم: «سمعت أبا وائل قال: لمَّا بعث عليٌّ عمارا والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم خطب عمار، فقال: إنِّي لا أعلم أنَّها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليتبعوه أو إياها، وذلك يوم الجمل» اهـ.
قلت فهذا المعنى الذي ذكره عمار - رضي الله عنه - ها هنا، هو عين ما ذكره الأصحاب في الإمام علي وعثمان، كما أنَّه لا يلزم من صنيع الصحابة في عائشة - رضي الله عنه - ا لمَّا خرجت على الأمام فقاتلوها وقصدوا قتلها أن يكونوا حكموا عليها بالنار، فهكذا لا يلزم من قول القائلين من الأصحاب في الأمام أنَّه لا أصاب (1) في التحكيم في أن يكونوا حكموا عليه بالنار، وليس الأصحاب يردُّون الأحاديث الواردة في حقِّه، وأنَّه من أهل السعادة في الآخرة، كلاَّ بل مذهبهم مشهور في قولهم: «لا نردُّ أهل الحديث في أحاديثهم، أهل الحديث أولى بما رووا» أو كما قالوا، انتهى.
قال القطب - رضي الله عنه - في تيسير التفسير ما نصُّه: «وليس من الشتم القول بأنَّ الحقَّ مع فلان الصحابي، أو فلان الصحابي، يستحق أن لا يقول كذا أو لا يفتعل كذا» قال: «وليس من الخروج عنهم أن يقال الحقّ مع فلان من الصحابة أو غيرهم، لا مع فلان، وإن فعل كذا غير صواب، وإن فعل كذا كبيرة يستحقُّ فاعله العقاب» قال: «وليس من ذلك أن يقال: الصحابي ظلم في كذا وما يحقُّ له أن يفعل كذا». انتهى.
وقد رمى عمَّار فيمن قد رمى عائشة يوم القتال ... التحما
__________
(1) - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لم يصب». (1/218)
صفحة 219
وهم لها بالفوز يشهدونا وهم بحكم الله ... يحكمونا
قال المصنِّف رحمه الله مخاطبا للزندجالي بما نصُّه: «ألا ترى إلى قول شيخك في الصواعق، حيث قال: ومن ثمَّ ينبغي أنَّ الفاسق من أهل البيت لبدعة أو غيرها إِنَّمَا تبغض أفعاله لا ذاته لأنَّها بُضعة منه - صلى الله عليه وسلم - » انتهى.
فإنَّه لمَّا أنزلهم منزلة السعداء الذين وجبت لهم الجنَّة حقيقة لكونهم بضعة منه - صلى الله عليه وسلم - ، وكان يجوز مع ذلك منهم صدور بدعة أو غيرها من الفسق، أثبت البغض لنفس ذلك الصادر منهم ولا شكَّ أنَّ البغض للبدعة هو أن تكرهها وتنكرها بقلبك وفعلك، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا ظهرت البدعة فعلى العالِم أن يظهر علمه» (1)
__________
(1) - رواه الربيع في الجامع الصحيح، ج4، ص268، حديث رقم 943، ونصه: «إذا ظهرت البدع في أمَّتي فعلى العالِم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل».. (1/219)
صفحة 220
الحديث، ولأنَّ البدعة وغيرها من الفسق، هي البغي، والمناكر التي فرض الله ورسوله على القادر إنكارها، والقتال عليها، إذ لا شكَّ في أنَّ من البدع والفسق ما هو يدعو صاحبه إلى الخروج على المسلمين والقتال لهم يجب، فيجب إنكارها عليهم بقتال حتَّى يفيئوا إلى أمر الله، مع عدم البغض لذواتهم، ولزوم الشهادة لهم بالجنَّة كذلك، ومن لم يعلم بسعادته وأجرى جميع الأحكام الظاهريَّة عليه على ما أوجبها عليه في الظاهر فعله من تكفير وبراءة وبغض في الله وقود وغيرها كان محقًّا، ولا لهذا الذي علم بسعادته يخطئه إذ لم يفعل في ذلك إِلاَّ الواجب عليه، ولولا ذلك كذلك لمَا جاز لأحد إجراء الأحكام الظاهرية من البغض في الله والتكفير والقتل وغيرها في أحد، لأنَّه لا ينفكُّ عند الله من كونه إمَّا سعيدا أو شقيا حتَّى يعلم بشقاوته وذلك باطل، مع أنَّ مؤاخذة السعيد بما أوجبه فعله مِمَّا سوى التكفير والبغض والبراءة من علم بسعادته غير ممنوعة لثبوت تعبُّده، وكفاك فعل عمَّار بعائشة، ومن كان معه من المهاجرين والأنصار مع شهادتهم لهم بالجنَّة، وقد أتى ابن حجر في حديث التباغض بما يصحِّح هذا حيث قال: «ويثاب فاعله لتعظيم حقّ الله تعالى، وإن كانا أو أحدهما عند الله من أهل السلامة، كمن يؤدِّيه اجتهاده إلى اعتقاد ينافي الآخر فيبغضه على ذلك وهو معذور عند الله» انتهى.
أقول وقع منِّي سؤال لحضرة إمام المسلمين محمَّد بن عبد الله الخليلي أيَّده الله تعالى في هذا المعنى ونصُّه: وردت أحاديث كثيرة في فضائل علي بن أبي طالب، وإنَّ بعضها يدلُّ صريحا بأنَّه من أهل السعادة، هل من وجه تنزل على ظاهرها، ويقال: أنَّه لم يمت إِلاَّ تائبا؟». انتهى. (1/220)
صفحة 221
فأجاب - رضي الله عنه - وأيده بما نصُّه: «من كانت ولايته ولاية الحقيقة، يحكم عليه بإنَّه من أهل الجنَّة، وإن فعل إثما، يقال أنَّه لم يمت إِلاَّ تائبا، وولاية الحقيقة ثبتت بالكتاب والسنَّة» إلى أن قال: «فمن كان وليا في الحقيقة فهو داخل في ولاية الجملة».
ونحن نقول: «إنَّ الحديث لا نردُّه بنفس تهمة الكذب عنه - صلى الله عليه وسلم - ولا نتسارع في ردِّها، وأهل الحديث أولى بما رووا، والعهدة على الراوي، فما كان من الحديث ظاهره يخالف محكم الكتاب نردُّه بالتأويل إلى محكم الكتاب كما نردُّ متشابه الكتاب إلى محكمه، هذا إذا كان في صفات الله عزَّ وجلَّ، وإن كان في الأحكام نظرنا المتأخِّر إن كان من السنن وحكمنا للآخر بنسخ المتقدِّم إن لم يمكن الجمع بين الأحاديث، وإلاَّ جمعنا بينهما. نعَم ما رأيناه أنَّه يخالف الكتاب وهو في صفات الله ولا يقبل التأويل نردُّه لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «سيكذب علي فما وافق الكتاب فمنِّي، وما لم يوافقه فليس منِّي» فإن رأيت من أصحابنا ما يستعجل في ردِّ الأحاديث، فلا تصوِّبه، ونحارير العلماء لا يقولون بذلك، والحقُّ مقبول مِمَّن جاء به». انتهى المراد منه.
وبذلك يظهر القسطاس المستقيم في ما قاله الأصحاب والحمد لله على عونه، وعلى كلِّ حال، وإنَّما أطلت الكلام في هذه المسألة ليظهر وجه ما نحن فيه من عدم الزيغ الذي ينسبه إلينا الغير، وكم شيء يشهد لصحَّة عقيدتنا وما ذكرناه به كفاية لمن منَّ الله عليه بالهداية، ورزقه الدراية ولم تجذبه أمراس التعصُّب والهوى إلى التدهده في مهاوي الردى، فلا ينقاد إلى الحقّ ولا يصغي إليه كما قال المصنَّف رحمه الله تعالى في الصراط المستقيم، واستوحشوا عن سماعه فضلا عن قبوله، فمتى يهتدون إلى صوابه، ولله درُّ الشيخ البطَّاشي رحمه الله تعالى يقول:
ما إن يصيب الحقّ غير ... موفق ... ولو انتهى في علمه ... والمعرفه
فائدتان (1/221)
صفحة 222
نذكر في الأولى منهما شيئًا من كرامات أهل المذهب وهي بكثرتها لا تنحصر، وإنَّما نذكر شيئًا منها قال القطب - رضي الله عنه - : «وإن لم تعرف الإباضيَّة؛ فهم الذين ذكر ابن خلدون وابن الصغير المالكيان أنَّ منهم الإمام عبد الله بن رستم وأنَّه سار سيرة جميلة، ومن كلام ابن خلدون: إنَّا للإباضية كارهون مبغضون، إِلاَّ أنَّي أقول الحقّ فيهم أنَّ الإمام عبد الرحمان عدل يسير بالحقّ ولا يجور، ولا يخالف الحقّ. ومدحه جدًّا وقال: إنَّى أتحرَّى لا أزيد ولا أنقص، والنقص والزيادة في الخير ليسا في شيم ذوي المروءة، ولا من أخلاق ذوي الديانة، وإن كنَّا للقوم مبغضين ولسيَرهم كارهين». انتهى.
قلت: فما الذي وجده في سيرهم حتَّى كرههم فيها، الله المستعان وعليه التكلان.
قال: «وإن لم تعرف الإباضيَّة فمنهم أهل نفوسة الذين أرسلوا إلى الإمام أفلح - وقيل: عبد الوهَّاب والده - أربعة رجال أحدهم يقوم مقام أربعمائة رجل شجاع في الحرب، وهو أيُّوب أبو العبَّاس (1) ،
__________
(1) - ... هو أيُّوب بن العبَّاس (204هـ/819م): من مشايخ نفوسة، شجاع عالم، تولىَّ إمامة نفوسة في عهد الإمام عبد الوهَّاب، فأحسن السياسة، وقضى على الفتن.
... وانظر- أبو زكرياء: سير الأَيمَّة (ط.ح): ص105-106. الدرجيني: طبقات، ج1/ص62، 70. (1/222)
صفحة 223
وهذا هو الثابت؛ وآخر يقوم مقام أربعمائة رجل في علم الكلام وهو مهدى؛ وآخر يقوم مقام أربعمائة في التفسير، وهو محمَّد بن يانس؛ ورابع يقوم مقام أربعمائة في علم الفروع وهو أبو الحسن الأبدلاني؛ وقام كلُّ واحد مقامه إن أُحتيج إليه، ولمَّا رجعوا تمنَّى واحد في ليلة من الليلي في خباء ضربوه لشدَّة الحرِّ لبنا صافيا باردا، وآخر شربة من ماء “إيندل” عين قريب “شروس”، وثالث شربة عسل من أفراخ النخل، وسمعهم الرابع مهدي من خلف الخباء فدخل عليهم وأخذ عليهم العهد على السرِّ، فجاء إلى سقاء الماء فصبَّ منه ماء “إيندل” لطالبه، ولبنا لطالبه، وعسلا لمريدة رحمهم الله الرحمان الرحيم وإيانا، فلعلهم أو بعضهم نسوا العهد، فأفشوا السرَّ أوأباح لهم بعد ذلك إفشاءه أو أفشاه هو، وكل من ذلك لحكمة». انتهى.
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - ما نصُّه: «ومن غريب ما وقع في زماننا هذا أنَّ رجلا سنيا تعرَّض للشيخ خلفان بن فهيم في أرض الباطنة من جهة الظاهرة، فجاد له في المذهب وتكلَّم السنِّي بما لا يليق، فقال الشيخ: الله يغلُّ لسانك، وبالحال غلَّ لسانه، وبقي كذلك مغلول اللِّسان صحيح البدن، وكان السنِّي يسكن في العراق من الظاهرة، فرجع إلى بلده مغلول اللسان، فالله المستعان، وللشيخ المذكور كرامات أخر، وهو حي موجود». (1/223)
صفحة 224
وللشيخ ناصر بن أبي نبهان، ووالده أبي نبهان الكرامات العظيمة، وكذلك لعلماء مداد كرامات عظيمة، وللشيخ محمَّد بن علي بن عبد الباقي كرامات منها أنَّه سقى أهل عرفات بمائه الذي دار له يوم عرفة من العنتق - وهو نهر بنزوى - انقطع الماء عن أهله، وسقط على عرفات فأهل نزوى لا يدرون أين ذهب الماء، وأهل عرفات لا يدرون من أين جاء)، ومن ذلك ما حكاه سيِّدي نور الدين في تحفة الأعيان بقوله: «وحدَّثني ثقة أنَّ أربعين رجلا من خيار أهل الباطنة من أهل البطحاء ذكروا الشراء ورغبوا فيها، وتعاقدوا عليه، وأخذوا لأنفسهم أكنافا وخرجوا ليأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكرن وقصدوا إلى إخوانهم من أهل القرط فحين اجتمعوا على ذلك وأخذوا في الخروج إذا هم بطير أبيض يسير أعلى رؤوسهم يتبع هم حيث ساروا فعلم بهم هلال بن محمَّد بن الإمام صاحب السويق، فخرج إليهم بعسكره ليقطع بينهم وبين إخوانهم، فلمَّا رآهم على تلك الهيئة هابهم هو ومن معهم وكان بطلا شجاعا، فقال لقومه أمهلوني حتَّى أسبرهم فهوى إليهم بفرسه فاستداروا صفًّا واحدا كالحلقة المفرغة ليحمي بعضهم ظهر بعض، فلمَّا وصلت الخيل قربهم برك الذي حاذاها منهم على ركبتيه يريد أنَّ يعقر الفرس فحرفها عنه هلال وأتى من الجانب الثاني، ففعل ما حاذاه كذلك من الجانب الثالث، ففعلوا كذلك ثمَّ رجع إلى قومه ومضى بهم إلى حصنه ومضت الشارة والطير على رؤوسهم لم يفارقهم إلى آخر قصَّتم هذه. (1/224)
صفحة 225
ومنها أيضًا ما ذكره - رضي الله عنه - في الكتاب المذكور بما نصُّه: «وكان للسلطان سعيد من آل بوسعيد عامل يقال له سيف بن محمَّد البوسعيدي، وكان عنده بمنزلة جليلة إلى أن قال: ثمَّ رزقه الله تعالى حسن التوفيق، فآب إلى الله، وتاب توبة نصوحا، وباع أمواله، وتخلَّص مِمَّا جناه تخلُّصا تاما أدَّى الواجب وزاد عليه الاحتياط، وانقطع إلى الله في الفيافي وزيارة العلماء والأفاضل، واشتهر باسم الزاهد، فظهرت له الكرامات وانفتحت له أبواب الخيرات، وشهد له بالفضل كلُّ ناطق يعرفه، ووجبت له الولاية على الخاص والعام - رضي الله عنه - وأرضاه، وأخباره كثيرة تحتاج إلى بسط طويل، وأذكر لك بعضها لغرابتها وهي قطرة من بحر:
يقال إنَّه كان يتعبد في جبل من جبال سمائل فبينما هو كذلك إذا هو برجل غريب لا يعرفه قدم إليه فأخذ في العبادة حوله حتَّى استحقر الشيخ نفسه واستقلَّ عمله، وقال في نفسه هكذا الرجال، فأقام ثلاثة أيَّام على ذلك الحال ثمَّ أقبل الغريب عليه بعد الثلاث، وقال له: يا هذا على أي مذهب أنت؟ فقال الشيخ: على مذهب أهل الاستقامة، فقال الغريب: لو عبدت الله على مذهب أهل السنَّة لكان خيرا لك؛ ثمَّ تناول هذا الغريب ورقا من شجرة حين كانت قربهما، وهي شجرة التفلى، فأكل منها، وقال الشيخ: لو عبدت الله على مذهب أهل السنَّة لصار لك المرُّ حلوا كما ترى، فوقع في نفس الشيخ أنَّه الشيطان، فقال: أي عدوّ الله، تريد أنَّ تضلني، فتضاءل الغريب بين يديه ثمَّ لم يره، فظهر له أنَّه الشيطان فعصمه الله منه».
إلى أن قال: نفعنا الله به و - رضي الله عنه - ما نصُّه: «وأخباره كثيرة، وفضائله شهيرة، وقد أدركت بعض من أدركه من الثقات، فأخبروني عنه بالعجب، والله يؤتي فضله من يشاء». انتهى والحمد لله وأسأل الله أن ينفعني به وبأمثاله في كلِّ الخير بمحمَّد - صلى الله عليه وسلم - وآله آمين!. (1/225)
صفحة 226
ومن ذلك أيضًا ما ذكره القطب في ردِّه للعقبي بما نصه: «وإن لم تعرف الإباضيَّة؛ فهم الذين قال فيهم بعض الشيوخ: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعدا في مجلس عظيم وأهل المجلس يسألونه - صلى الله عليه وسلم - ، وفي مقدِّمة المجلس أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد المجدلي (1) ، وأبو يوسف الأرجاني (2) ومقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشرف عليهم في هيئة حسنة، وتحته ثلاث درجات، فجزت وسط المجلس وهمَّتي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمسكني أهل المجلس ولم أشتغل بهم، فجزت حتَّى وصلت الدرجة الأولى والثانية، فأمسكوني فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الدين فقال: «أنتم خير أهل الأديان».
«وروي أنَّ رجلا من أهل "بهراسان" أورد غنمه "بتباكلت" موضع على جربة، فأدلى دلوه فتعلق به رجل وسيم أبيض نقي الثياب، فانصرف بعد أن طلع من البئر، فتبعه الغنم فنادى البهراساني: اُردد عليَّ غنمي يا رجل، فأشار إليها فرجعت، فسأله لمَّا تفرَّس فيه الخير والصلاح: ما خير المذاهب؟ قال: الإباضيَّة الوهبيَّة ثمَّ تعمَّم وتلحَّى، فقال: هذا لباس المسلمين، ثمَّ تعمَّم ولم يتلحَّ، فقال: هذا لباس الشياطين، ثمَّ تعمَّم وترك وسط رأسه ولم يتلحَّ فقال: هذا لباس الزنادقة، ذهب ولم ير أثرا فظنوه الخضر - عليه السلام - ».
__________
(1) - هو أبو محمَّد عبد الله المجدولي (ق5هـ/11م): عالم وفقيه عارف من تيمجار بنفوسة، وله مراسلات فقهية وفتاوى عديدة. ... ... وانظر- الشماخي: السير، ص180.
(2) - هو أبو يوسف الأرجاني (ق5هـ/11م): عارف وزاهد من أرجان بنفوسة. ... ... وانظر- الشماخي: السير، ص269. (1/226)
صفحة 227
قال: «وإن لم تعرف الإباضيَّة الوهبية؛ فهم الذين منهم أبو زيد عبد الرحمان بن المعلى رحمه الله الذي جمع تلاميذه وإخوانه، وقال لمَّا حانت وفاته: أوصيكم بتقوى الله وملازمة ما أنتم عليه، وأن لا تبدِّلوا ولا تغيروا فإنَّكم والله على الحقّ، وإنَّ أهل هذه الطريق لمفلحون، واسمعوا ما أحدِّثكم: إنِّي رأيت البارحة كأنَّ القيامة قامت، فانتشر الناس من قبورهم، فانتشرت من قبري فرأيت جمعا كثيرا بيض الثياب حسنهم ظاهر وجمالهم باهر، وأحوالهم صالحة قد انتشروا من مقبرة "تجديت" قلت: من هؤلاء؟ قالوا: العزَّابة (1) أي الإباضيَّة الوهبية، فوهب الله لي جناحين فطرت بهما حتَّى اتَّصلت بهم فكنت أحدهم وبشِّرت بالخير، ثمَّ نظرت إلى ناحية أخرى فرأيت ناسا كأنَّهم الجدوع المحرقة، فقلت: من هؤلاء؟ قالوا الأعراب وبنو "تنكسيت"، ورأيت في الجمع الأوَّل رجالا أعرفهم بأعينهم من جبات "سيستن"، فقلت: بما فارقتم أهل الشقاوة؟ قالوا: بملازمة أهل الدعوة يعني الإباضيَّة الوهبية؛ لأنَّهم المعروفون بالعزَّابة وأهل الدعوة، وعلامة صدق ما قلت لكم أنَّكم إذا غسلتموني وكفنتموني يوافق طراز اليمن عاتقي الأيمن، فتريدون تحويله فتحوِّلونه ثلاثا، وكل ذلك يأتي على عاتقي الأيمن فتتركونه ثمَّ إذا حملتموني تتبعكم عشر حمامات بيض، فإذا صففتم للصلاة صفَّت الحمامات خلفكم، فإذا هممتم أنَّ تقدِّموا إماما تقبل جماعة من وادي أريغ زائرين فيقدم واحد منهم وهو ولي من أولياء الله، فكان ذلك كله والذي قدِّم هو أبو عبد الله محمَّد بن الخير، ولعلَّ الجباة من الذين لا يتقلَّدون التباعات».
__________
(1) - وانظر التعريف الكامل للعزابة في: الجعبيري: نظام العزَّابة. د/محمد ناصر: حلقة العزَّابة. (1/227)
صفحة 228
وقال حملة العلم يوما لأبي عبيدة: «يا شيخنا نريد منك أنَّ تعلِّمنا بعض الكرامة تطمئنُّ بها قلوبنا على هذا المذهب، فتوضَّأ الشيخ وصلَّى ركعتين واجتهد في الدعاء؛ حتَّى انفتح سقف الغار الذي كان يعلِّمهم فيه استخفاء من الجبابرة وانفتحت السماء الأولى، ثمَّ الثانية، ثمَّ الثالثة، ثمَّ الرابعة، ثمَّ الخامسة، ثمَّ السادسة، ثمَّ السابعة فبان لهم العرش بقدرة الله تعالى». انتهى.
قال سيِّدي نور الدين: «هذا والله الكرامة التي تخلِّد لصاحبها جميل الذكر على صفحة الأيام، وتدل على أنَّه من الله تعالى في شأن عظيم وفضائل أبي عبيدة لا يتَّسع المقام لذكرها». انتهى.
قلت: ومما يدلُّ على فضل الإباضيَّة: ما أخبر به بعض أهل العصر عن انقطاع الأمطار في زنجبار، حتَّى غارت الأنهار في كثير منها، ولعلَّ ذلك كان في عام السادس عشر وثلاثمائة وألف، في خلافة الملك حمود بن محمَّد فإنَّه أمر الناس بالخروج للاستغاثة، وخرج جماعة من غيرهم وصلوا في موضع متقارب بينهم فصلوا ودعوا واستغاثوا، فذلك المخبر أخبر في اليوم التالي ليوم خروجهم أنَّه رأى في منامه من يقول: انظروا فإنَّهم خرجوا مع غيرهم، فلو خرجت الإباضيَّة بأنفسهم ودعوا الله لكانت الإجابة حاصلة لهم، وقد تشاور أهل زنجبار لمَّا رأوا عدم استمرار المطر بعد ذلك الخروج، فخرجت جماعة من أهل المذهب عقب ذلك الخروج وصلوا ودعوا الله تعالى، فوقع لهم الغيث بقدرة الله حالا، وشاهده من كان موجودا يومئذ، ولم يكن مثل ذلك في اليوم الذي خرج فيه غيرهم من بعد، وهذا الذي نقلته ها هنا هو أقلّ القليل من الكثير ولله الحمد، وهو المعطي لمن يشاء وهو ذو الفضل العظيم. انتهى.
الفائدة الثانية
فيمن أخذ عنهم الأصحاب هذا المذهب القويم (1/228)
صفحة 229
ذكر سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - ما نصُّه: «ذكرُ من أخذ عنه أهل عمان دينهم الصحيح من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنقل الثقات الفضلاء من العمانيين وغيرهم» انتهى.
قلت: يعني بقوله أهل عمان أي الأصحاب الإباضيَّة، وإنَّما خصَّ أهل عمان لأنَّ العبارة في سيرة أهل عمان فبذلك خصَّ ذكرهم. انتهى.
قال - رضي الله عنه - : «أخذوا ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وعبد الرحمان بن عوف، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود وأبي در، وسلمان، وصهيب، وبلال، وأبي بن كعب، وزيد بن صوحان المقتول شهيدا يوم الجمل ، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، ومحمَّد بن عبد الله ابني بذيل، وحرقوص بن زهير السعدي، وزيد بن حصن الطائي، هؤلاء الذين ذكرهم أبو المؤثر في سيرته ولأصحابنا في آثارهم أخذ كثير عن غيرهم، لكن قال أبو المؤثِّر بعد هذا كلاما مجملا معنا، أنَّهم أخذوا أيضًا عمَّن لم يسمِّ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِمَّن أنكر المنكر أهله». انتهى.
قال المصنِّف: «فأجبتهم إلى ذلك امتثالا أمر المولى في قوله تعالى: {وتعاونوا على البرّ والتقوى}» (1) . انتهى.
الفاء في قوله: «فأجبتم» عاطفة على قوله: «سألني»، والإشارة في قوله إلى ذلك عائدة على قوله: «أن أؤلّف لهم...» إلى آخره، امتثالا يصحُّ أن يكون منصوبا على الحال، وأن يكون مفعولا من أجله، كقولك: «قمت إجلالا لزيد»، وبه يعلم أنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى إِنَّمَا حمله إلى إجابة السائل، الطالب للعلم في تأليف هذه الرسالة المفيدة هو امتثال أمر الله سبحانه وتعالى المصرح به في قوله: {وتعاونوا على البرّ والتقوى}، فالآية الشريفة داعية إلى ذلك، إذ لا معاونة أعظم من تعليم ما يلزم العبد علمه وبه أنزل الله الكتب وأرسل الرسل.
__________
(1) - سورة المائدة: 2. (1/229)
صفحة 230
وقد ورد لفضائل العلم جملة من الآيات وكثير من الأحاديثن فمن الآيات قوله الله تعالى: {شهد الله أنَّه لا إله إِلاَّ هو والملائكة وأولوا العلم} (1) ، {فلولا نفر من كلِّ فرقة منهم طائفة ليتفقَّهوا في الدين} (2) ، {إنَّما يخشى الله من عباده العلماءُ} (3) ، {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير} (4) .
__________
(1) - سورة آل عمران: 18.
(2) - سورة التوبة: 122.
(3) - سورة فاطر: 28.
(4) - سورة القصص: 80 (1/230)
صفحة 231
ومن الأحاديث قوله - صلى الله عليه وسلم - : «الدال على الخير كفاعله» (1) ، «من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» (2) .
وكثير من الأحاديث أطال في ذكرها سيِّدي نور الدين السالمي - رضي الله عنه - في بهجة الأنوار وقال في ذلك:
وفضله ليس له ... إحصاء ... جاءت به من ربِّنا ... الأنباء
فالضمير في «وفضله للعلم».
مقدِّمة
__________
(1) - رواه الترمذي عدَّة روايات منها: «حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ يَسْتَحْمِلُهُ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَتَحَمَّلُهُ فَدَلَّهُ عَلَى آخَرَ فَحَمَلَهُ فَأَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: «إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ وَبُرَيْدَةَ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - » كتاب العلم، 2594.
(2) - رواه مسلم في كتاب العلم 4831، بلفظ: «حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»، وروي بألفاظ مختلفة. (1/231)
صفحة 232
نذكر فيها شروط قيام الحجَّة في لزوم الواجبات فعلا أو تركا، قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - في المعارج: «اعلم أنَّ الله تعالى قد كلَّف العقلاء بتكاليف، وجعل بمنِّه وفضله للتكاليف شروطا وهي: البلوغ، والعقل، وقيام الحجَّة، فالحاصل له هذه الشروط هو المكلف، والتكليف لغة تحمل ما يشقُّ على النفس. قال زهير بن أبي سلمى:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين عاما لا أبالك ... يسأم
في الشرع: الإلزام والإيجاب للفرائض على البالغ العاقل بعد قيام الحجَّة عليه بها فيدخل تحت الفرائض ما أوجب اعتقاده وفعله، وما أوجب اجتنابه وتركه، فإنَّ ترك المحجورات فريضة كعمل الواجبات، فتكليف الله لعباد، وهو إلزامه البالغ العاقل منهم فعل ما وجب عليه فعله من فرائض الله تعالى، وترك ما وجب عليه تركه من محارم الله تعالى، واعتقاد ما وجب عليه اعتقاده من معرفة الله ومعرفة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ووعده ووعيده إلى غير ذلك من الأحكام الاعتقاديَّة بعد قيام الحجَّة بها، فإنَّه سبحانه وتعالى لم يكلِّف العباد إِلاَّ بحجَّة وبيان، قال سبحانه وتعالى: {وما كنَّا معذِّبين حتَّى نبعث رسولا} (1) ، فما قامت به الحجَّة من الأحكام الاعتقادية أوالعمليَّة أو التركيه وجب على المكلَّف، وما لم تقم عليه به الحجَّة، فهو معذور بجهله حتَّى تقوم الحجَّة، فالحجَّة شرط للتكليف، كما أنَّ البلوغ والعقل شرط له أيضًا، فشروط التكليف ثلاثة: البلوغ، والعقل، وقيام الحجَّة؛ فلا تكليف إِلاَّ مع الجملة؛ وإذا سقط شيء منها عن شخص بعينه ارتفع التكليف عنه.
__________
(1) - سورة الأسراء: 15. (1/232)
صفحة 233
اعلم أنَّ تكليفه عزَّ وجلَّ إيانا بعد قيام الحجَّة فضلا منه تعالى، تفضَّل به علينا، ولو شاء أن يكلِّفنا بغير حجَّة ولا برهان كان ذلك عدلا منه، كما كان التكليف بعد قيام الحجَّة فضلا منه، خلافا للمعتزلة في قولهم بوجوب الصلاحيَّة والأصلحيَّة على الله تعالى، ومرادهم بالصلاحيَّة ما قابل الفساد، كالإيمان في مقابلة الكفر فيقولون: إذا كان هناك أمران أحدهما صلاح والآخر فساد وجب على الله أن يفعل الصلاح منهما دون الفساد، ومرادهم بوجوب الأصلحيَّة وجوب الأصلح والمراد به: ما قابل الصلاح، ككونه في أعلى الجنان في مقابلة كونه في أسفلها، فيقولون: إذا كان هناك أمران أحدهما صلاح، والآخر أصلح منه وجب على الله أن يفعل الأصلح منهما دون الصلاح، واحتجُّوا على إثبات ذلك بظواهر الآيات الدالَّة على الوجوب كما في قوله تعالى: {وما من دابة في الارض إِلاَّ على الله رزقها} (1) ، {وكان حقًّا علينا نصرُ المومنين} (2) ، إلى غير ذلك، قلنا: ليس المراد من ظاهر الآيات الوجوب الذي ذكرتموه، وإنَّما المراد به ثبوت ذلك في حكمته تعالى كثبوت الواجب، بيان ذلك أنَّه سبحانه وتعالى قد ضمَّن الخلق رزقهم وضمانته سبحانه وتعالى لا تصحُّ أن تختلف لصدق وعده، واستحالة الاختلاف عليه، فكان ذلك واجبا في حقِّه تعالى، أي ثابتا في حكمته لا يجوز اختلافه، وليس الوجوب في جميع ذلك المعنى إلزام الله لعباده تلك الحقوق، تعالى الله عمَّا يقول المبطلون علوًّا كبيرا، هذا هو المراد من تلك الآيات، وأمَّا بطلان مذهبهم من أصله، فظاهر ولنا على إبطاله وجهان أحدهما: أنَّه لو كان مراعاة الصلاح والأصلح واجبا على الله تعالى لما كلّف الكافر الإيمان، وقد علم سبحانه وتعالى أنَّه لا يؤمن فمن صلاحه أنَّه لا يكلِّفه، لأنَّ تكليفه إِنَّمَا يؤول إلى تركه الإيمان، وتركه الإيمان يوجب تعذيبه بالنار، والعياذ بالله تعالى.
__________
(1) - سورة هود: 6.
(2) - سورة الروم: 47. (1/233)
صفحة 234
الوجه الثاني: دلائل الكتاب العزيز وذلك كما في قوله تعالى: {وليزيدَنَّ كثيرا منهم ما أُنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} (1) ، وقوله تعالى: {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} (2) ، وبيان ذلك أنَّه تعالى علم أنَّهم يزدادون عند إنزال الكتاب كفرا وضلالا، فلو كانت أفعاله معلَّلة برعاية المصالح للعباد، لامتنع عليه إنزال تلك الآيات، فلمَّا أنزلها علمنا أنَّه تعالى لم يجب عليه أن يراعي مصالح العباد، فإن قالوا: علم الله تعالى من أحوالهم إنَّه سواء أنزلها أو لم ينزلها فإنَّهم يأتون تلك الزيادة من الكفر، فلهذا حسن منه تعالى إنزالها، قلنا فعلى هذا التقدير لم يكن ذلك إِلاَّ ازديادا لأجل إنزال تلك الآيات وهذا يقتضي أن تكون إضافة ازدياد الكفر إلى إنزال تلك تلك الآيات باطلا، وذلك تكذيب لنصِّ القرآن، قيل: وهذه المسألة هي السبب في مفارقة الأشعري لشيخه الجبائي، يوما عند مباحثته في وجوب رعاية الصلاح والأصلح للعباد على الله تعالى: ما تقول في ثلاثة إخوة مات أحدهم قبل البلوغ والآخر بعده كافرا، والآخر بعده مؤمنا؟، فقال الجبائي: أمَّا الصغير ففي الجنَّة، وأمَّا الكبير ففي النار، وأمَّا الكبير المؤمن ففي الدرجات العلى، فقال له الأشعري: ما بال الصغير قصر به عن درجة الكبير المؤمن؟ فقال الجبائي: لأنَّه لم يعمل قدر عمله، فقال الأشعري: فإن احتجَّ وقال: ياربِّ كان الأصلح في حقِّي أن تبقيني حتَّى أصل بالعمل الدرجة العليا، فقال الجبائي: إذن يقول له مولانا عزَّ وجلَّ قد علمت أن لو أبقيتك إلى سنِّ التكليف لكفرت، فتخلد في النار، فالأصلح في حقِّك أن تموت صغيراً كما فعلت بك لسلامتك من النار التي هي أعظم غنيمة، فكيف وقد زدت لك على ذلك مِمَّا لا يكيّف من نعيم الجنَّة، فقال له الأشعري: فإذا يقوم الذي مات كافرا بل كلّ كافر من دركات لظى، فيقول: يا ربِّ فرضائي منك بأدنى مرتبة هذا الصبي،
__________
(1) - سورة المائدة: 64.
(2) - سورة التوبة: 125. (1/234)
صفحة 235
فما بالنا لم تمتنا صغارا قبل التكليف، وقد علمت منَّا الكفر بعده، كما فعلت بهذا الصبي؟ فبهت الجبائي، ولم يقدر أن يجيب بكلمة، فقال الأشعري عند ذلك: «وقف حمار الشيخ في العقبة»، وترك مذهب الجبائي، واشتغل هو ومن معه بإبطاله وإثبات ما ذهب إليه بعد.
واعلم أنَّ القول بالوجوب على الله باطل لأنَّ من لوازم الوجوب استحقاق الذمِّ عند الترك وإن كان استحقاق الذمِّ في حقه تعالى باطل لأنَّه لو أمكن أن يكون مستحقا للذمِّ لبطلت صفة الألوهيِّة، ولا يكون إلها من يمكن استحقاق ذمِّه». انتهى.
قلت: وأين هؤلاء القوم من قوله سبحانه وتعالى: {لا يُسأل عمَّا يفعل} (1) ، وهل بعده من سبيل للقول بمثل مقالهم: {أفلا يتدبَّرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (2) ، انتهى.
ثمَّ إنَّ قيام الحجَّة في الواجبات منها تقوم بالعقل، ومنها تقوم بالسمع، فالذي تقوم الحجَّة به من جهة العقل هو وجوب وجود الله ومعرفة كمالاته سبحانه وتعالى إلى غير ذلك مِمَّا يأتي بيانه، ومن جهة السمع في غيرها كالألفاظ المسموعة والعبادات المشروعة، والمحرمات الممنوعات ولسيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - في هذا المعنى قوله:
تكليفه العباد إلزام ... العمل ... والاعتقاد بالغا وقد عقل
بعد قيام حجَّة التكليف ... له ... بالسمع أو بالعقل فيما عقله
هما طريقان لحكم ... الشارع ... للعقل إدراك ثبوت الصانع
وهكذا الإدرك ... للصفات ... من جانب السلب أو الإثبات
كالعلم والقدرة إثباتا ... وما ... عنه انتفى كالجهل والعجز اعلما
وما عدا هذا إلى السمع ... انتسب ... مثل العبادات وما قد يجتنب
قال - رضي الله عنه - : «فأما الحجَّة العقلية فهي ما تكون بخاطر البال أو بالإلهام في القلوب، أو بانشراح صدر إلى ذلك الشيء وهي حجَّة على المكلَّف في الأمور العقليَّة، كوجود الله تعالى ومعرفة كمالاته سبحانه وتعالى إلى غير ذلك مِمَّا سيأتي بيانه».
تنبيهات
__________
(1) - سورة الأنبياء: 23.
(2) - سورة محمَّد: 24. (1/235)
صفحة 236
الأوَّل في كيفيَّة قيام الحجَّة بالعقل.
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : «فإذا خطر على البالغ العاقل أنَّ له إلها، فذلك الخاطر هو حجَّة الله عليه سواء سمع بأنَّ له إلها، أو لم يسمع، وكذلك إذا انشرح صدره لمعرفة الشيء من كمالات الله تعالى، وكذلك إذا ألهم شيئا من ذلك، فإنَّ هذه الأشياء كلَّها حجج عقليَّة تقوم لله على عباده من جهة عقولهم فيما يدرك العقل علمه قال تعالى: {لا يكلِّف اللهُ نفسا إِلاَّ وُسعها} (1) ، ومن وسعها إدراك ما أدركه العقل، والأدلَّة على وحدانيَّة الله تعالى شاهرة ظاهرة منها ما يكون من جهة العقل، ومنها ما يكون من جهة السمع، ومنها ما يرى بالأبصار، ومنها ما يشمُّ بآلة الشمِّ، ومنها ما يطعم بالفم، إلى غير ذلك مِمَّا لا يحصى عددا كما دلَّ عليه القرآن العظيم، في غير موضع كما في قوله تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت} (2) ، وأمثاله من الآيات، ولله درُّ القائل:
فيا عجبا كيف يعصى الإله ... ... أم كيف يحجده الجاحد
وفي كلِّ شيء له ... آية ... تدلُّ على أنَّه واحد
ولله في كلِّ ... تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد
فهذه الأشياء المحدثة المشاهدة بالبصر واللَّمس والسمع وغيرها، دالَّة على أنَّ لها فاعلا موجدا أوجدها ومحدثا أحدث، إذ لا يمكن أن توجد نفسها ومحال أن يوجد بعضها بعضا، فوجب بالعقل أنَّ ذلك الموجد هو غيرها». انتهى.
التنبيه الثاني: في أنَّ المحال عندنا تكليف الله عباده بما لا يطيقونه.
__________
(1) - سورة البقرة: 286.
(2) - سورة الغاشية: 17. (1/236)
صفحة 237
وهذه المسألة معروفة بين أهل الكلام بتكليف ما لا يطاق وذلك : كتكليف الإنسان الطيران، وتكليف المقعد القيام، وتكليف الأعمى بالإبصار، وتكليف الأصمّ أن يسمع، وتكليف المريض الصحَّة. فهذه وأشباهها أمور غير ممكنة في حقّ هؤلاء، فالتكليف بها لا يصحُّ عندنا وعند المعتزلة، لأنَّ الطيران ليس من قدرة الإنسان، ولا الصحَّة من قدرة المريض إلى غير ذلك، والله سبحانه وتعالى حكيم تتعالى أفعاله عن العبث. وذهب الأشعريَّة إلى جواز التكليف بذلك بل إلى وقوعه، وقال القاضي: «إنَّه جائز غير واقع والحجَّة لنا عليهم، أنَّه لا يصحُّ التكليف من الحكيم إِلاَّ لحكمة وهو سبحانه وتعالى حكيم والتكليف بما لا يطاق لا حكمة فيه بل هو عبث، وليس العبث من صفات الألوهيَّة، فمن كان عابثا فليس بإله فيلزم بتكليف ما لا يطاق انتفاء الألوهيَّة، وهو سبحانه وتعالى الإله الحكيم، والحجَّة لنا من الكتاب قوله تعالى: {لا يكلِّف اللهُ نفسا إِلاَّ وسعها} (1) ، و{لا يكلِّف اللهُ نفسا إِلاَّ ما آتاها} (2) ، والوسع دون الطاقة، وقال تعالى: {ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا} (3) ، وقال: {ما جعل عليكم في الدين من حرج} (4) ، أي من ضيق، وقال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (5) ، وقال تعالى: {يريد الله أن يخفِّف عنكم وخُلق الإنسان ضعيفا} (6) ، وأيضا فلو جاز أن يكلف الله ما لا يطاق لجاز أن يكلِّف الأعمى النظر، والمقعد المشي، ولجاز أن يكلِّف الإنسان الطيران، وأشباه ذلك، ولو جاز ذلك لجاز أن يكلّف الأشجار والنبات والجماد، إذ لا فرق بين الأمرين ومن بلغ هذا الحدَّ عدَّ من المجانين.
احتجَّت الأشاعرة على صحَّة قولهم بتجويز ذلك، بأمور:
__________
(1) - سورة البقرة: 286.
(2) - سورة الطلاق: 7.
(3) - سورة آل عمران: 97.
(4) - سورة الحج: 78.
(5) - سورة البقرة: 185.
(6) - سورة النساء: 28. (1/237)
صفحة 238
أحدها: قوله تعالى: {ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به} (1) ، قالوا: فرغبة المؤمنين إلى الله في أن لا يكلِّفهم ما لا طاقة لهم به، دليل على جواز تكليفه ذلك، ولولا جواز ذلك لم يكن للرغبة في ذلك معنى ولا فائدة، وأجيب بأنَّه لا دليل في الآية على جواز ذلك، بل ذلك نظير قوله تعالى: {ربِّ احكم بالحقِّ} (2) ، ولا خلاف أنَّه لا يحكم [إِلاَّ] (3) بالحقِّ، وكقوله تعالى: {وآتنا ما وعدتنا على رُسُلك ولا تُخزِنا يومَ القيامة إنَّك لا تُخلِف الميعاد} (4) ، فقد سألوه أن يعطيهم ما وعدهم مع اعترافهم أنَّه لا يخلف الميعاد، فهذا الباب وما يجرى مجراه تعبَّدنا الله به، فالدعاء به عبادة يجري مجرى سائر العبادات، والله أعلم.
__________
(1) - سورة البقرة: 286.
(2) - سورة الأنبياء: 112.
(3) - من إضافتنا ليستقيم المعنى.
(4) - سورة آل عمران: 194. (1/238)
صفحة 239
ثانيها: قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} (1) ، قالوا فأخبر الله تعالى أن لا نستطيع العدل بينهنَّ بلا خلاف فهو يوجب تكليف ما لا يطاق. وأجيب بأنَّا لم نكلّف من ذلك مالا نطيقه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فلا تميلوا كلّ الميل فتذروا كالمعلَّقة} (2) ، فالاستطاعة المنفيَّة عنَّا غير مكلفين بها، وإنَّما أمرنا بما نستطيع من ذلك، وهو قوله: {فلا تميلوا كلَّ الميل}، فالمنفي غير المأمور به بل العدل المأمور به عين الاستطاعة، وهذه الآية كما أنَّها دليل عندهم على جواز التكليف بما لا يطاق فهي حجَّة معهم على وقوعه، كما ترى. والجواب ما تقدَّم، واحتجُّوا أيضًا بقوله تعالى للملائكة: {أنبؤُني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} (3) ، قالوا: فقد كلَّفهم بالإخبار عمَّا كانوا غير مستطيعين، وذلك يوجب تكليف ما لا يطاق؛ وأجيب بأنَّ الأمر ها هنا ليس للوجوب وإنَّما هو للإعجاز، نظير قوله تعالى: {قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا ما يكبر في صدوركم} (4) ، {قل فاتوا بسورة من مثله} (5) ، {قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات} (6) ، {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} (7) ، سلَّمنا أنَّ الأمر للوجوب فقد علق سبحانه وتعالى بقوله: {إن كنتم صادقين}، فالأمر إِنَّمَا هو متعلِّق بكونهم إن كانوا صادقين في ذلك وإذا لم يقع الشرط لم يقع المشروط، ألا ترى أنَّه إذا قال: قم إن كنت قادرا على القيام، فإنَّما يلزم ذلك بعد قدرته على ذلك، وذلك يسقط التعلّق به رأسا؛ واحتجُّوا أيضًا بقوله تعالى: {سواء عليكم أأنذرتم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} (8) ،
__________
(1) - سورة النساء: 129.
(2) - سورة النساء: 129.
(3) - سورة البقرة: 31.
(4) - سورة الإسراء: 50.
(5) - سورة يونس: 38.
(6) - سورة هود: 13.
(7) - سورة البقرة: 111.
(8) - سورة البقرة: 6.. (1/239)
صفحة 240
قالوا فنفى الإيمان عنهم في كلا الحالين، وبيَّن أنَّهم لا يقدرون عليه مع تكليفه إيَّاهم الإيمان، وأجيب بأنَّ نفي الفعل لا يدلُّ على نفي القدرة، ولو دلَّ على ذلك لدلَّ كلُّ ما أخبر الله تعالى أنَّه لا يفعله على نفي قدرته عليه نحو قوله: {إنَّ الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (1) ، وقوله: {إن تستغفر لهم سبعين مرَّة فلن يغفر الله لهم} (2) ، وقوله: {إنَّ الله لا يظلم الناس شيئًا} (3) ، وقوله أيضًا: {وما كان ربُّك ليهلك القرى بظلم} (4) ، ونحو هذا كثير، فلمَّا لم يدلَّ ذلك على نفي قدرته على ما أخبر أنَّه لا يفعله، صحَّ أنَّ نفي الفعل لا يوجب نفي القدرة، وتوضيح ذلك أنَّه جعل من المكلفين قدرة صالحة للامتثال وإخباره بعدم امتثال بعضهم غير مسقط لتلك القدرة، بل تلك القدرة حاصلة لهم لكن علم الله سبحانه وتعالى أنَّهم لا يستعملون قدرتهم فيما أمروا به فأخبر عن حالهم الذي سيكون منهم والله اعلم.
قال سيِّدي نور الدين السالمي - رضي الله عنه - : «واعلَم أنَّ احتجاج الأشاعرة على جواز التكليف بما لا يطاق بل على وقوعه راجع إلى إخبار الله تعالى بعدم وقوع الإيمان مِمَّن أخبر عنه بذلك، وإلى علم الله تعالى بعدم وقوع ذلك منهم مع تكليفه إيَّاهم بالإيمان وذلك أنَّهم احتجُّوا بقوله تعالى: {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} (5) ، وقوله تعالى: {لقد حقّ القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} (6) ، وقوله تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدا} إلى {سأرهقه صعودا} (7) ،وقوله تعالى: {تبَّت يدا أبي لهب} (8) ، وما أشبه ذلك على تكليف ما لا يطاق.
__________
(1) - سورة النساء: 48.
(2) - سورة التوبة: 80.
(3) - سورة يونس: 44.
(4) - سورة هود: 117.
(5) - سورة يس: 10.
(6) - سورة يس: 7.
(7) - سورة المدثر: 11-17.
(8) - سورة المسد: 1. (1/240)
صفحة 241
قال الفخر (1) : «وتقريره أنَّه تعالى أخبر عن شخص معين أنَّه لا يؤمن قطُّ، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذبا والكذب عند الخصم قبيح، والفعل قبيح يستلزم إمَّا الجهل وإمَّا الحاجة وهما محالان على الله تعالى، والمفضي إلى المحال محال، فصدور الإيمان منه محال، فالتكليف به تكليف بالمحال وقد يذكر هذا في صورة العلم، وأنَّه تعالى لمَّا علم منه أنَّه لا يؤمن فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله تعالى جهلا، وذلك محال، ومستلزم المحال محال، فالأمر واقع بالمحال» قال: «ويذكر هذا على وجه ثالث وهو أنَّ وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بعدم الإيمان، لأنَّه إِنَّمَا يكون عالما لو كان مطابقا للمعلوم، والعلم بعدم الإيمان إِنَّمَا يكون مطابقا لو حصل عدم الإيمان، فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجودا ومعدوما معًا وهو محال، فالأمر بالإيمان مع وجود علم الله تعالى بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضدَّين، بل أمر بالجمع بين المعدوم والموجود، وكلُّ ذلك محال» قال: «ويذكر هذا على وجه رابع وهو أنَّه تعالى كلَّف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنَّهم لا يؤمنون بالإيمان البتَّة، والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في كلِّ ما أخبر عنه، وممَّا أخبر عنهم أنَّهم لا يؤمنون قطعا وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات». قال: «ونذكر على هذا وجها خامسا وهو أنَّه تعالى عاب الكفَّار على أنَّهم حاولوا فعل الشيء على خلاف ما أخبر به عنه في قوله: {يريدون أن يبدِّلوا كلام الله، قل لن تتبعونا، كذلكم قال الله من قبل} (2) ،
__________
(1) - يقصد به الإمام الفخر الرازي.
(2) -سورة الفتح: 15.. (1/241)
صفحة 242
فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله تعالى عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله وذلك منهيٌّ عنه، ثمَّ هاهنا أخبر الله تعالى عنهم بأنَّهم لا يؤمنون البتَّة، فمحاولة الإيمان منهم تكون قصدا إلى تبديل كلام الله، وذلك منهيٌّ عنه، وترك محاولة الإيمان يكون أيضًا مخالفة لأمر الله تعالى، فيكون الذي حاصلا على الترك والفعل، قال: فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع، قال: وهذا هو الكلام الهادم لأصول الاعتزال». انتهى.
قلت: فهذا من البعد بمكان، وعن الصواب بمعزل، وبيانه أنَّ الله سبحانه وتعالى قد أخبر عن نفسه أنَّه لا يعذِّب عباده إن شكروه وآمنوا به، فلو كان الله تعالى ذمَّ مريد الإيمان بنفس إرادته للزم منه تناقض قوله: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} (1) ، وهذا ظاهر البطلان. اهـ.
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : «والجواب الهادم لهذا كله أن تعلم أنَّ المستحيل نوعان: نوع مستحيل لذاته كتكليف الأعمى البصر، وكتكليف الأصم السمع، وكتكليف المقعد المشي، فإنَّ الأعمى لا قدرة له على المشي (2) ، فإحداث الأعمى للبصر محال لذاته، وكذلك البواقي فإنَّها وإن كانت ممكنة في قدرة الله تعالى فهي في قدرة هؤلاء محال لذاتها، وهذا هو محلُّ النزاع.
__________
(1) - سورة النساء: 147.
(2) - كذا، ولم نفهم الصواب. (1/242)
صفحة 243
والنوع الثاني من المستحيل مستحيل لغيره: كإيمان من علِم الله أنَّه لا يؤمن، وكذلك من أخبر عنه ربنا بأنَّه لا يؤمن، فإيمان ذلك المخبر عنه، والذي علم الله أنَّه لا يؤمن ممكن في نفسه، لكنَّه محال لعلم الله عدمه، وإخباره بعدم وقوعه، فهو مستحيل لغيره، والتكليف بهذا النوع جائز واقع إجماعا، لأنَّ علم الله تعالى وإخباره عن الشيء لا ينافي إمكان ذلك الشيء في نفسه في التكليف به من حيث إمكان ذواته ولا جبر، وأيضا فإنَّ العلم يتعلَّق بالمعلوم على ما هو عليه فإن (1) ممكنا علمه ممكنا، وإن كان واجبا علمه واجبا، ولا شكَّ أنَّ الإيمان والكفر بالنظر إلى ذاته ممكن الوجود، فلو صار واجب الوجود بسبب العلم كان العلم مؤثرا خفي المعلوم، ولو كان كذلك للزم انتفاء قدرة الله تعالى لأنَّ الذي علم وقوعه يكون واجب الوقوع، والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع، والممتنع لا قدرة عليه، فوجب ألاَّ يكون العبد قادرا على شيء أصلا، فكانت حركاته وسكناته جارية مجرى حركات الجمادات والحركات الاضطراريَّة للحيوانات، وإنَّما نعلم فساد ذلك ضرورة، فإنَّه لو رمى إنسانا بحصاة حتَّى شبحه، فإنَّا نذُّم الرامي ولا نذُّم الحصاة، ونذكر بالبديهية الفرق بينما (2) إذا سقطت الحصاة عليه، وبين ما إذا رمى بها إنسانا بالاختيار؛ وأيضا فلو كان العلم بالعدم مانعا للوجود لكان أمر الله تعالى للكافر بالإيمان أمرا بإعدام عمله، وكما أنَّه لا يليق به أن يأمر عباده بأن يعدموه فكذلك لا يليق به أن يأمرهم بأن يعدموا عمله، لأنَّ إعدام ذات الله وصفاته غير ممكن ولا معقول، والأمر به سفه وعبث، فدلَّ على أنَّ العلم بالعدم لا يكون مانعا من الوجود.
__________
(1) - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «+ كان».
(2) - كذا في الأصل، والصواب: «بين ما». (1/243)
صفحة 244
وروي عن ابن عمر أنَّ رجلا قام إليه فقال: «يا أبا عبد الرحمان، إنَّ أقواما يزنون ويسرقون ويشربون الخمر، ويقتلون النفس التي حرَّم الله إِلاَّ بالحقِّ، ويقولون كان ذلك في علم الله، فلم نجد منه بدا» فغضب، فقال: «سبحان الله العظيم قد كان في علمه أنَّهم يفعلونه، فلمْ يحملهم علم الله على فعلها، حدَّثني أبي عمر بن الخطاب أنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم والأرض التي أقلَّتكم، فكما لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض فكذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله تعالى، وكما لا تحملكم السماء والأرض على الذنوب فكذلك لا يحملكم علم الله عليها»، فهذا الحديث صريح في أنَّ علم الله تعالى لا يحمل الناس على فعل ما علم منهم، وإنَّما هو انكشاف للذات العليَّة في جميع الأشياء، فلا ينافي إمكان الممكنات واستحالة المستحيلات، وبهذا الجواب تنحل جميع شبه الأشاعرة فلا يبقى لها قرار». انتهى. من معارج الأمال على مدارج الكمال.
التنبيه الثالث: في أوَّل الواجبات على المكلَّف.
وقد اختلف العلماء في ذلك فمنهم من ذهب إلى أنَّ الأوَّل من الواجبات هو المعرفة، وقيل: هو النظر الموصل إليها، وقيل: هو أوَّل جزء من النظر، وقيل: هو القصد إلى النظر .انتهى.
قلت: والقول بأنَّ أوَّل الواجبات المعرفة هو الذي ذهب إليه سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - على ظاهر عبارته في المشارق ونصُّها فيه: «اعلم أنَّه أوَّل ما يجب على المكلَّف أن يعلم أنَّ له صانعا صنعه، وأنَّه هو الإله، وأنَّه ليس كمثله شيء، وأنَّ له رسولا يسمَّى محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي، وفي لزوم معرفة جده ونسبه قولان، وأنَّه صادق فيما أخبر به عن الله تعالى، فإذا عرف هذا وصدَّق به كان مؤمنا عند الله وعند العباد حتَّى يضيَّع فريضة لزمته». (1/244)
صفحة 245
اعلم أنَّ المصنِّف رحمه الله كسيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - في الاقتصار على التلفظ بالشهادة بثلاث كلمات، والاعتقاد لها لا غير: لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به حقٌّ، وهذه هي طريقة الإمام عبد الرحمان بن رستم وهو الأشهر عند أكثر الفرق، وقد عبَّر سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - كالمصنف عمَّا عداها من الأشياء التي ذكرها غيره وجعلها من الجملة بتفسير الجملة. انتهى.
قال المصنِّف رحمه الله: «فقلت يجب على كلِّ بالغ عاقل شهادة أن لا إله إِلاَّ الله وأنَّ محمَّدا عبده ورسولهن وأنَّ ما جاء به محمَّد - صلى الله عليه وسلم - حقّ من عند الله». انتهى. (1/245)
صفحة 246
قلت: تقدم بعون الله تعالى أوَّلاً نقل شيء من فضائل كلمة الإخلاص، ثمَّ تتعقَّبه بمعنى العبارة قال الغشني في المجالس السنِّية: «اعلم أنَّ الله سبحانه أمر عباده أن يعتقدوها، ويقولوها، فقال سبحانه: {فاعلم أنَّه لا إله إِلاَّ الله} (1) ، وذمَّ مشركي العرب بقوله: {إنَّهم كانوا إذا قيل: لهم لا إله إِلاَّ الله يستكبرون} (2) »، قال: «وجاء في الآثار أنَّ العبد إذا قال لا إله إِلاَّ الله أعطاه الله من الثواب بعدد كلِّ كافر وكافرة، قيل: والسبب أنَّه لمَّا قال هذه الكلمة فكأنَّه قد ردَّ على كلِّ كافر وكافرة، فلا جرم يستحق الثواب بعددهم؛ وسئل بعض العلماء عن معنى قوله تعالى: {وبئر معطَّلة وقصر مَشيد} (3) ، فقال البئر المعطَّلة: قلب الكافر معطل من قول لا إله إِلاَّ الله، والقصر المشيد: قلب المؤمن معمور بشهادة أن لا إله إِلاَّ الله. وقيل في قوله تعالى: {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} (4) ،
__________
(1) - سورة محمَّد: 19.
(2) - سورة الصافات: 35.
(3) - سورة الحج: 45.
(4) - سورة الأحزاب: 70.. (1/246)
صفحة 247
يعني قولوا لا إله إِلاَّ الله وروي أنَّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي في الطرق ويقول: «قولوا لا إله إِلاَّ الله تفلحوا» (1) ، وقال سفيان بن عيينة: «ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من أن عرَّفهم لا إله إِلاَّ الله، وإنَّ لا إله إِلاَّ الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا». وذكر مجاهد في تفسير قوله تعالى: {وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} (2) ،
__________
(1) - رواه أحمد بألفاظ مختلفة منها: «حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ حَدَّثَنِي أَبُو سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ دَاوُدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زُهَيْرٍ الْمُسَيِّبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ الدِّيلِيِّ وَكَانَ جَاهِلِيًّا أَسْلَمَ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَصَرَ عَيْنِي بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا» وَيَدْخُلُ فِي فِجَاجِهَا وَالنَّاسُ مُتَقَصِّفُونَ عَلَيْهِ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَقُولُ شَيْئًا وَهُوَ لَا يَسْكُتُ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا»، إِلَّا أَنَّ وَرَاءَهُ رَجُلًا أَحْوَلَ وَضِيءَ الْوَجْهِ ذَا غَدِيرَتَيْنِ يَقُولُ إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا قَالُوا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَذْكُرُ النُّبُوَّةَ؛ قُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي يُكَذِّبُهُ قَالُوا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ؛ قُلْتُ: إِنَّكَ كُنْتَ يَوْمَئِذٍ صَغِيرًا قَالَ لَا وَاللَّهِ إِنِّي يَوْمَئِذٍ لَأَعْقِلُ». مسند المكثرين، حديث 15448.
(2) - سورة لقمان: 80.. (1/247)
صفحة 248
أنَّه لا إله إِلاَّ الله وأنَّ كلَّ كلمة يصعد الملَك بها إِلاَّ قول لا إله إِلاَّ الله فإنَّها تصعد بنفسها دليله قوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب}، أي قول لا إله إِلاَّ الله، {والعمل الصالح يرفعه} (1) أي الملك يرفعه إلى الله تعالى حكاه الرازي، وحكى أيضًا أنَّه إذا كان آخر الزمان فليس لشيء من الطاعات فضل كفضل لا إله إِلاَّ الله، لأنَّ صلاتهم وصيامهم يشوبهما الرياء والسمعة، وصدقاتهم يشوبها الحرام ولا إخلاص في شيء منها، أمَّا كلمة لا إله إِلاَّ الله فهي ذكر الله والمؤمن لا يذكرها إِلاَّ عن صميم قلبه».
وفي الخبر يقول الله تعالى: «لا إله إِلاَّ الله حصني فمن دخل حصني آمن من عذابي» وفي الحديث: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إِلاَّ الله دخل الجنَّة» (2) ، وفيه أيضًا: «ليس على أهل لا إله إِلاَّ الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم وكأنِّي بأهل لا إله إِلاَّ الله ينفضون التراب على رؤوسهم، ويقولون: {الحمد لله الذي أذهب عنَّا الحزن} (3) ». انتهى.
__________
(1) - سورة فاطر: 10.
(2) - روى أبو داود في كتاب الجنائز، حديث رقم 2709: «حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي عَرِيبٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، ورواه غير واحد بلفظ: «وجبت له الجنَّة». وانظر- القطب اطفيش: جامع الشمل، ج1/ص30، حديث رقم 41.
(3) - سورة فاطر: 34. (1/248)
صفحة 249
ومن وفاء الضمانة عن القطب: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من شهد أن لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله دخل الجنَّة على عمل من العمل»، ويروى: «من شهد أن لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنَّة والنار حقّ، أدخله الله الجنَّة على ما كان من العمل»، وليس ذكر عيسى شرطا في التوحيد إِنَّمَا أراد التحرُّز عمَّن يقول محمَّد رسول الله إلى غير أهل الكتاب، وأنَّ عيسى إله أو ابنه، ومثل ذلك الحديث ما روى عن أبي ذرَّان أنَّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «أتاني جبريل - عليه السلام - فبشَّرني أنَّه من مات من أمَّتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة، قلت وإن زنى وإن سرق، قال : وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟، قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟، قال: وإن زنى وإن سرق؟، قال في الرابعة: وإن رغم أنف أبي ذر».انتهى.
وسيأتي إن شاء الله توضيح المراد من هذه الأحاديث في الاعتقاد السماعي.
قلت: وتفسير العبارة فقول المصنَّف: «على كلِّ بالغ...»إلخ، أي كل إنسان بالغ للحلم بأي وجه من الوجوه المذكورة في الفقه، وقد أخرج به غير البالغ لأنَّه لا يجب عليه شيء وإن كان يؤمر بفعل بعض الأشياء، ويضرب بتركها، فكلُّ ذلك من باب مراعاة الأصلحيَّة له فقط.
وقوله: «عاقل» (بالجر) صفة لبالغ، وهو الذكر والأنثى أخرج به غير العاقل مطلقا، وقوله : «شهادة»، أي برفع الفاعل، قوله: «يجب» والشهادة معناها الاعتقاد من صميم القلب، ولا يلزم النطق بها إِلاَّ من كان في دين الكفر لأنَّه أنكر بقلبه ولسانه، فتجب المناقضة من القلب واللسان، وكذلك من كان في دار يحكم على أهلها بالشرك، فإذا طلب منه النطق بها فيجب عليه ذلك، لئلاَّ يبيح على نفسه حكم أهل الشرك من نحو القتل والسبي، وأمثالهما. (1/249)
صفحة 250
قلت: إنَّ الذي أدَّى إليه نظري في نفس الإيمان أنَّه هو تصديق قلبي لظاهر قوله تعالى: {ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبكم} (1) ، {ولم تؤمن قلوبهم} (2) ، {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} (3) ، فترى سبحانه وتعالى أضاف الإيمان إلى القلب في الآية الأولى، ونفاه في الثانية لمن لم يؤمن قلبه، ولا اعتبره في القائل باللِّسان مع خلوِّه في القلب، وأيضًا إن آمن مؤمن فاخترمته المنيَّة قبل النطق به من غير تراخ، فما يقال فيه سوى أنَّه مؤمن عند الله، ولا يقال: إنَّه يلزم على هذا عدم دخول المصدق قلبه في النار؛ إن لم يفعل الواجبات غير الإيمان، وعدم الخلود فيها وهذا عين مذهب الغير، لأني أقول إنَّه إن لم يعلم الواجبات ويترك المحرمات فهو قد ضيَّع مفروض الله عليه وبتضييعه إيَّاه يكون هالكا، وبه يلزم دخول النار، والتخليد فيها للأدلة القاطعة على ذلك، وإن قيل: إنَّه يلزم على هذا إباحة البراءة على نفسه وعدم جواز الصلاة بعد موته، وغير ذلك من حقوق الإسلام. قلت: إنَّ اللاَّزم على العبد تأدية الذي عليه لا مطالبته في الذي له. انتهى.
وقوله: «أنَّ لا إله إِلاَّ الله» أي لا معبود بحق إِلاَّ الله، فالنفي كلّ عام لكلّ معبود بحقّ إِلاَّ الله، وهذا على أنَّ الاستثناء متَّصل، وأمَّا على أنَّ الاستثناء منفصل فالمنفي كلّ معبود بباطل غير المستثنى منه على حدَّ قول الشاعر:
وبلدة ليس بها ... أنيس ... إِلاَّ اليعافير وإلاَّ ... العيس
فاليعافير والعيس ليسا من جنس الأنيس.
__________
(1) - سورة الحجرات: 14.
(2) - سورة المائدة: 41.
(3) - سورة الحجرات: 14. (1/250)
صفحة 251
قال القطب - رضي الله عنه - : «تجب معرفة الله سبحانه والإقرار به أنَّه لا إله إِلاَّ هو، فلا إله عام مخصوص، فلم يدخل فيه الله والاستثناء متَّصل يكفي شمول العام بحسب الوضع للمستثنى في كونه متَّصلا فلو عني دخوله أشرك بعنايته، وأسلم بقول إِلاَّ الله، وليس كذلك، وكذا كلّ استثناء متَّصل يراد المستثنى منه من أوَّل الأمر أنَّه لم يدخل المستثنى، فالمستثنى منه عام أريد به الخصوص، وإلاَّ كان كاذبا ثمَّ كان صادقا وليس كذلك، وكفى في اتصال الاستثناء شمول المستثنى منه للمستثنى وضعا. قال بعضهم: فإن قلت: هل هل (1) المنفي في لا إله إِلاَّ الله المعبود بحقّ أو المعبود بالباطل، قلت: وقع ذلك نزاع، والحقُّ أنَّ النفي إِنَّمَا يتسلط على الآلهة المعبودة بحق لا الآلهة المعبودة بباطل، لأنَّ المعبود بباطل له وجود في الخارج، ووجود في ذهن المؤمن بوصف كونه باطلا، ووجود في ذهن الكافر بوصف كونه حقًّا، فهو لوجوده في الخارج لا يصحُّ نفيه لأنَّ الذوات لا تنفى، وكذا من حيث كونه معبودا بباطل أمر حقّ لا يصحُّ نفيه وإلاَّ كان كذبا، وإنَّما ينفى من حيث وجوده في ذهن الكافر بوصف كونه معبودا بحق، فالمعبودات الباطلة لم تنف إِلاَّ من حيث كونها معبودة بحقِّ، فلم ينف في لا إله إِلاَّ الله إِلاَّ المعبود بحقٍّ غير الله». انتهى ملوي (2) ، لأنَّ المعبود بحق أمر كلِّي لم يوجد منه إِلاَّ الله تعالى، فيكون الاستثناء متَّصلا. انتهى.
__________
(1) - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «- هل».
(2) - كذا في الأصل، ولم نفهم المعنى. (1/251)
صفحة 252
وقوله: «أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله» فهو: ابن عبد الله بن عبد المطَّلب الهاشمي القرشي، عبده ورسوله، أي كذلك يجب عليه أن يعتقد بأنَّ سيِّدنا محمَّدا هو عبد الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سمَّاه الله تعالى باسم العبد في كتابه، قال عزَّ وجلَّ: {وأنَّه لمَّا قام عبد الله يدعوه} (1) ، وقال سبحانه وتعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} (2) ، وسماه بالرسول في قوله: {محمَّد رسول الله} (3) ، وله أسماء كثيرة: وتقدَّم ذلك، واختلف في وجوب معرفة أبيه وجدِّه ونسبه - صلى الله عليه وسلم - .
وقوله: «وأنَّ ما جاء به محمَّد - صلى الله عليه وسلم - حقٌّ»، أي كذلك يجب على البالغ المجتمع فيه ما قدَّمنا تفصيله من القيود الاعتقادُ بِأَنَّ كلَّ ما أخبر به النبيء - صلى الله عليه وسلم - من أمور المعادن والمعاش كالأمر بوجوب الفرائض، والنهي عن فعل المحارم، وكوجود الملائكة ودار الجزاء وغير ذلك مِمَّا جاء به نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - عن ربِّه، فجميع ذلك حقّ، أي ثابت لا شكَّ فيه، قال شيخنا سيف بن ناصر رحمه الله تعالى: «فإن قلت: من أين لك أن تقول: وأنَّ ما جاء به حقّ من عند الله من الجملة، والنبيء صلوات الله عليه وسلامه يدعو الناس إلى قول: لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله، ولم يرد عنه ولا عن الخلفاء الراشدين أنَّ قوله: وأنَّ ما جاء به حقّ من عند الله؟
__________
(1) -سورة الجنّ: 19.
(2) - سورة الإسراء: 1.
(3) - سورة الفتح: 29. (1/252)
صفحة 253
قلت: قد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه قال: «لا يؤمن عبد حتَّى يؤمن بأربع: شهادة أن لا إله إِلاَّ الله وأني رسول الله، وأنِّي بعثت بالحقِّ» (1) الحديث، وأيضا فإنَّ أصحابنا قد أجمعوا على وجوب الإقرار بذلك قال القطب: وإنَّما يخرج من الشرك بالإقرار والاعتقاد أن لا إله إِلاَّ الله وأنَّ محمَّد رسول الله وأنَّ ما جاء به حقٌّ، وفي الدليل (2) أنَّ بعض اليهود زعم أنَّ محمَّدًا رسول الله إلى الأميين دون غيرهم فأمر المسلمون بالإقرار وأنَّ ما جاء به حقّ، خروجا من ضلالتهم، واستدلَّ بالحديث أيضًا وقوله تعالى: {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحقّ} (3) . انتهى.
فائدة
__________
(1) - رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، حديث 492، قال: «حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِالْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا: «إِنَّا مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ رَبِيعَةَ وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا» فَقَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ثُمَّ» فَسَّرَهَا لَهُمْ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُقَيَّرِ وَالنَّقِيرِ».
(2) - لعلَّه الدليل والبرهان للشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت: 570هـ).
(3) - سورة المائدة: 84. (1/253)
صفحة 254
- أفادنا الله لمعرفة الحقائق -: قال سيِّدي نور الدين رحمه الله: «إنَّه لمَّا كانت الجملة وتفسيرها مشتملين على ألفاظ ومعان ثبت قيام حجَّة المعاني بهما من العقل وتوقَّف قيام الحجَّة في ألفاظهما على النقل، فمن خطر بباله أنَّ له صانعا وأنَّ لصانعه رسولا يبلغ الخلق عنه، وأن ليس كصنعه شيء، وأنَّ لمن أطاع صانعه ثوابا، ولمن عصاه عقابا، وجب عليه أن يعتقد معنى ذلك، ولا يجوز عليه أن ينكر شيئًا منه ولا يلزمه معرفة شيء من أسماء هذه الأشياء حتَّى تقوم عليه الحجَّة، من طريق النقل أنَّ اسم صانعه الله أو الرحمان أو نحو ذلك، وأنَّ اسم رسوله محمَّد وأحمد، وأنَّ اسم ثوابه الجنَّة، واسم عقابه النار، فإذا قامت عليه الحجَّة من طريق النقل بشيء من هذه الأسماء وجب عليه معرفتها وضاق عليه جهلها، واعلم أنَّ قيام الحجَّة من العقل بأنَّ لله رسولا إِنَّمَا هو مبنيٌّ على مذهب بعض الأصحاب، وذهب غيرهم إلى أنَّ الحجَّة بذلك إِنَّمَا هي في طريق النقل وهو الصحيح والله أعلم.
قلت: ولصحة ذلك جملة أدلَّة منها، أنَّ إرسال الرسل صلوات الله عليهم وسلامه من الصفات الجائزة في حقّ الله تعالى ولا يقطع بها إِلاَّ بعد إخبار الله تعالى عنها إذ الخبر لا يعلم إِلاَّ بالإخبار، ومنها أنَّ الإرسال وعدمه ليس في وجودهما، وضدَّه محذور نقص في صفة الله سبحانه بل ذلك وعدمه مستوي الطرفين، فمن أين للعقل التصوّر له بطريق القطع بهما ولا كذلك وجود الله تعالى وصفاته الإيجابية والسلبيَّة، لأنَّ في انتفاء الإيجابيَّة ووجود السلبيَّة محذورا ظاهرا، وبهذا يعلم صحَّة القول الآخر، وبذلك أيضا يعلم بأنَّ العقل لا مجال له في إثبات الواجبات الفعليَّة خلافاً لمن قال بذلك من الأصحاب رحمهم الله.
تنبيه
هل يلزم في الشهادة أن تكون بلفظ «أشهد» دون غيره؟. (1/254)
صفحة 255
قال في شرح الجوهرة : «ولا بدَّ من لفظ «أشهد» وتكريره ولا يشترط أن يأتى بحرف العطف، على ما قاله الزيادي، ورجع إليه الرملي آخرا، فلا يكفي إبدال لفظ أشهد بغيره، وإن كان مرادنا لمَا فيه من معنى التعبُّد، ولا بدَّ من ترتيب الشهادتين وموالاتهما، ولا بدَّ من الاعتراف برسالته - صلى الله عليه وسلم - إلى غير العرب أيضًا إذا كان يعتقد اختصاص رسالته بالعرب كالعيسويه، وإذا كان كافرا باعتقاد قِدَم العالم مثلا فلا بدَّ من رجوعه عنه، ولو أتى بالشهادتين بالعجميَّة صحَّ إسلامه، وإن أحسن العربيَّة»، إلى أن قال: «وخالف الأبي شيخه ابن عرفه، فقال لا يتعين ذلك بل يكفي كلّ ما يدلُّ على الإيمان، فلو قال: الله واحد ومحمَّد رسول كفى». انتهى.
قال المصنِّف: «وهذه الجملة هي التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو إليها ويكون المصدق بها مؤمنا وليا، ما لم يجب عليه شيء من تفسيرها اعتقادا أو قولا أو عملا فيضيِّعه، أو يحرم عليه فيركبه». انتهى.
الإشارة في هذه الجملة عائدة على ما تقدَّم ذكره وهو قوله: «شهادة لا إله إِلاَّ الله...إلخ».
قلت: وهذا على المذهب المختار عند المصنِّف كسيِّدي نور الدين، وإلاَّ فنفس الجملة فيها بين العلماء اختلافات كثيرة فمنهم من يزيد فيها زيادات وفي الزيادات كذلك بينهم اختلافات. قال في البهجة: «الجملة هي كما ذكرها ابن وصاف (1) حيث قال في الجملة التي لا يسع جهلها ولا يسع تركها، وهي التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتدعو الأيمَّة إليها بعده أن يقول أشهد أن لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، وأنَّ ما جاء به حقّ من عند ربِّه ، والإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والبعث والحساب والعقاب والجنَّة والنار، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور، فهذا ما لا يسع جهله».
__________
(1) - في كتاب الدعائم. (1/255)
صفحة 256
قال البرادي: «الخلاف في هذا بين الأمَّة كثير وبين الإباضيَّة أشدُّ، والمشهور عند أكثر أصحابنا هذا، ومنهم من يزيد الإيمان بالقدر خيره وشرِّه، وأنَّه من الله تعالى، ويزيد بعضهم تحريم دماء المسلمين ويوجب الإيمان في العقيدة». انتهى.
قلت: يأخذ من قول الشيخ ابن الوصَّاف المتقدِّم آنفا: أنَّ النطق بالشهادة أن يقول أشهد أن لا له إِلاَّ الله إلى قوله وأنَّ الله يبعث من في القبور، هو واجب كوجوب تصديق معناها وتفسيرها.
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : «اعلم أنَّ العلماء اختفلوا في أدنى ما يكون به المرء خارجا عن الشرك، فذهب الجمهور منَّا ومن غيرنا إلى أنَّه لايخرج المرء من الشرك إلى الإيمان بعد قيام الحجَّة في لزوم الجملة إِلاَّ بالتصديق بالجنان والإقرار باللِّسان».
قال القطب: «قال النووي: أنَّ أهل السنَّة من المحدثين والفقهاء المتكلمين اتفقوا على أنَّ من آمن بقلبه ولم ينطق بلسانه مع قدرته كان مخلدا في النار، قال: ولكن يرده ما ثبت أنَّ لكلِّ واحد من مالك وأحمد الشافعي وأبي حنيفة قولا بأنَّه مؤمن عاص بترك التلفُّظ، واستدلَّ على جعل الإقرار ركنا يكمل به الإيمان عند الله وعند الخلق بما روي أنَّ الإيمان: تصديق بالجنان وإقرار باللِّسان وبقوله - صلى الله عليه وسلم - : «أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إِلاَّ الله» (1) ،
__________
(1) - روى الربيع بن حبيب في جامعه، عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أمرتُ أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إِلاَّ الله، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إِلاَّ بحقها»، وفي رواية أخرى: «ودماءُكم وأموالكم عليكم حرام»، باب [17] جامع الغزو في سبيل الله، ص126، حديث رقم 464.
... ورواه البخاري بلفظ: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»، كتاب الإيمان، حديث رقم 24. (1/256)
صفحة 257
ولم يقل حتَّى يصدقوا، وأجيب عن الأوَّل بأنَّه كلام لبعض السلف لا رواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى تسليم أنَّه رواية، فلا دليل فيه على أنَّ ترك الإقرار شرك بل غاية ما فيه أنَّ الإقرار من الإيمان وهو مسلم، وعلى تسليم أنَّه من الإيمان فتركه لا يوجب شركا، كيف وفي آخر الرواية ما نصُّه: «وعمل بالأركان»، ولم يقل أحد بأنَّ ترك العمل شرك إِلاَّ الضُلاَّلُ من الخوارج: كالأزارقة والصفرية، وهم بذلك القيل ضالُّون مخالفون للكتاب والسنَّة مفارقون لجميع الأمَّة». انتهى.
قلت: الأنسب في رواية «وتصديق بالجنان» أنَّه رواية لا كلام لبعض السلف أنَّ علي بن موسى دخل نيسابور، فتعلَّق العلماء بلجام بغلته وقالوا: بحق آبائك الطاهرين حدَّثنا حديثا سمعته عن آبائك، قال: حدَّثني أبي موسى قال حدَّثني أبي جعفر قال حدَّثني أبي الباقر قال حدَّثني أبي زين العابدين قال حدَّثني أبي الحسين قال حدَّثني أبي علي بن أبي طالب قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللِّسان، وعمل بالأركان» (1) . انتهى.
__________
(1) - روى ابن ماجه حديثا بلفظ: «64 حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ صَالِحٍ أَبُو الصَّلْتِ الْهَرَوِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ» قَالَ أَبُو الصَّلْتِ: لَوْ قُرِئَ هَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى مَجْنُونٍ لَبَرَأَ» المقدمة، حديث 64. (1/257)
صفحة 258
قال: «وأجيب على الاستدلال الثاني بأنَّه قد يقال بأنَّ النطق هو شرط لإجراء أحكام الإسلام بدليل أنَّه رتَّب عليه حقن الدماء والأموال إِلاَّ بحقّ دون النجاة في الآخرة، بل وكل أمرهم إلى الله فإن خالف اعتقادُهم نطقَهم أو عملَهم أو طابق فهو العالم بذلك المجازي عليه». انتهى قطب الأيمَّة.
وذهب القليل منَّا والأشاعرة وغيرهم إلى أنَّ الإيمان بالقلب مجز دون النطق باللِّسان.
قال القطب - رضي الله عنه - : « ويدلُّ عليه إضافة الإيمان إلى القلب مثل: {وقلبه مطمئن بالإيمان} (1) ، ولم يؤمن قلبه (2) ، {ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبكم} (3) ، وعطف العمل الصالح عليه في مواضع لا تحصى، ونطق اللِّسان من العمل الصالح، وقرنه بالمعاصي كالاقتتال، والقتل والظلم في نحو: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} (4) »، إلى أن قال: «ويدلُّ له أنَّه إذا رأينا من أحد إمارة المؤمنين حكمنا بإيمانه، وأنزلنا عنه حكم الشرك، وكذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فعلم أنَّ الإيمان في القلب وأنَّه بأي علامة كشف عنه حكمنا به»، إلى أن قال: «ولست في ذلك قاصدا لمخالفة أصحابنا رحمهم الله تعالى ولكن ذكرت ما أدَّى إليه اجتهادي». انتهى.
__________
(1) - سورة النحل: 106.
(2) - لعلَّه سهو من المؤلِّف، ذلك لأنَّه لا توجد آية بهذا اللفظ.
(3) - سورة الحجرات: 14.
(4) - سورة الحجرات: 9. (1/258)
صفحة 259
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - ونفعنا به أقول: «وليس هذا الإمام بأوَّل قائل بهذا المذهب من أصحابنا، فقد حكى الإمام رضوان الله عليه في معتبره (1) الخلاف المذكور واختار أنَّ الواجب في الإيمان هو الاعتقاد ما لم يطالب بالنطق، فإذا طلب به كان عليه أن يقرَّ بما اعتقده من دين الله تعالى، وإلاَّ حكم عليه بالشرك المبيح لدمه وماله. وثمرة الخلاف هل يكون من آمن بقلبه ولم يتلفَّظ بلسانه مؤمنا عند الله أم لا؟، قولان، ثمَّ اختلف القائلون بالاجتزاء بالاعتقاد دون النطق هل يكون عاصيا بترك النطق أم لا، قولان: أصحهما العصيان، وإلى هذا الخلاف في المسألة أشار إليه سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - بقوله:
والخلف في إيمانها بالقلب ... هل ... يجزيه دون نطقه إذا نزل
تكليفه بها فبعض ... ذهبا ... للاجتزا والبعض منهم قد أبى
وأمَّا الإيمان بتفيسرها، أي تفيسر الجملة الإسلاميَّة الذي سيأتي ذكره فلا خلاف بين المسلمين، فلا نعلم أنَّه يجتزى في القلب كما هو صريح عبارة الشيخ ابن الوصَّاف.
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : «واتَّفقوا على أنَّ الإيمان بتفسيرها لا يلزم إِلاَّ بالقلب، فإن نطق به كان تطوُّعا منه وإلى ذلك أراد بقوله - رضي الله عنه - :
وما عدا الإيمان ... فاللَّزم في ... تفسيرها بالقلب في ... التكلُّف»
__________
(1) - يقصد بالإمام الشيخ العلامة أبي سعيد محمَّد بن سعيد الكدمي، تقدَّم تعريفه في ص32. (1/259)
صفحة 260
قلت: فإذا كان تفسير الجملة يجتزي في إيمانه بالقلب اتِّفاقًا والمعلوم أنَّ من جملة تفسيرها كون الله سبحانه وتعالى متَّصفا بالصفات الذاتيَّة الكمالية: كالعلم والقدرة وما شاكلهما، فيظهر بذلك أنَّ النطق بالألفاظ الدالَّة على تلك المعاني ليس بواجب، بل إِنَّمَا هو من الجائز للمكلف، فإن نطق بها كان متطوعا لا غير، وأنَّه يجوز النطق بها بأيِّ لغة كانت، لأنَّ اللَّفظ هو دال للمعنى، والمعنى هو ما يفهم من اللَّفظ، لأنَّه هو الذي ينطبع في الذهن حال سماعه، وفهم المراد منه لا مدلوله، لأنَّ المدلول هو ما وضع له اللَّفظ فهو غير نفس اللَّفظ، فإذا قلنا مثلا: إنَّ صفات الله هي هو، فالمراد به مدلول الصفات لا الألفاظ ولا معانيها وإذا اتَّضح لك هذا المعنى فاعلم أنَّ عبارة سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - في الجوهر وهي:
لم يزل الله قديرا ... عالما ... ونحو هذا جائز كن ... فاهما
عبارة صحيحة ولا يطرق عليها ما ذكره الشيخ أبو مسلم في نثار الجوهر وذلك أنَّه عفى الله عنه قال في نثاره عند قول الجوهر باب في ألفاظ الصفات بما نصُّه ــ قلت ــ موضوع الباب ذكر ألفاظ يجب أن يوصف الله بها». انتهى.
قلت: «فالأولى أنَّه لو قال موضوع الباب ذكر الألفاظ يجوز أن يوصف الله بمعانيها لمَا تقدَّم أنَّ الصفات يكفي الاعتقاد بها في القلب، ولا يلزم النطق بها فبذلك يكون النطق بالألفاظ الدالَّة بها لا يتَّصف بالوجوب وهذا ظاهر واضح». انتهى.
قال عفى الله عنه: «يوصف الله تعالى بأنَّه لم يزل قديرا عالما ونحو هذا من صفات الذات جائز». انتهى. (1/260)
صفحة 261
قلت: «إنَّ الظاهر من مراد سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - بهذا البيت هو تبيين الفرق بين الصفات الذاتيَّة وبين الصفات الفعليَّة، على معنى ما فرق به بينهما الأصحاب رحمهم الله تعالى، وهو أن يقول القائل في صفات الذات لم يزل الله قادرا عالما حيًّا مريدا سميعا بصيرا، ولا يقول: لم يزل الله خالقا للخلق مرسلا للرسل منزلا للكتب، وبذلك يجب أن يكون نثار البيت على هذه الكيفيَّة: يجوز أن يقال في الصفات الواجبة لم يزل الله قديرا عالما، ونحو ذلك من الألفاظ الدالَّة عليها». انتهى.
وقد عدلت عن تفسير الشيخ أبي مسلم إلى ما ذكرته لمَا في تفسير الشيخ من الإيهام في أنَّ مراد سيِّدي صاحب الجوهر كون الصفات الواجبة هي توصف بالجواز في حقِّه سبحانه وتعالى، وقد ظهر بما حقَّقته هنا أنَّ ذلك بعيد عن مراده رحمه الله تعالى فليحرِّر المقام من له الدراية، فإنِّي قلته حسب ما ظهر لي وداينٌ بالرجوع إلى الحقّ. انتهى.
رجعنا إلى عبارة الشيخ أبي مسلم في المقام قال: «قلت: يعلم بالضرروة أنَّ صفات الله سبحانه منها واجبة ومنها جائزة، ومنها ممتنعة، فالواجبة: صفات الذات: كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر والإرادة والوجود والقدم والبقاء وعدم المثل في الذات والصفات والأفعال، فهذه الصفات وأمثالها لا توصف بالجواز، ولا يقال إنَّه يجوز أن يوصف بها سبحانه ولا يقتصر بها عن درجة الوجوب إلى الجواز والواجب له تعالى غير الجائز في حقِّه فهما متغايران». انتهى.
قلت: إنَّ ذلك كلُّه مسلَّم، وإنَّه لا دليل في عبارة البيت أنَّ المراد بها عكس ذلك. انتهى. (1/261)
صفحة 262
قال: «فالواجب في حقِّه تعالى هو ما يترتَّب على ثبوته له كمال، وعلى عدمه نقص ومحال: كالحياة والعلم إلى آخرها، والجائز في حقِّه تعالى هو كلُّ ما لا يترتَّب عليه ولا على عدمه نقص في حقه تعالى: كالخلق والإفناء والإعادة والرَّزق - بفتح الراء - ؛ والمستحيل في حقِّه تعالى: هو كلّ نقص، وضدّ صفات كماله النفسيَّة والسلبيَّة والمعنويَّة، ونص عبارة الجوهر هي كما ترى:
لم يزل الله قديرا ... عالما ... ونحو هذا جائز كن ... فاهما
ظاهر في أنَّ العلم والقدرة المتصف بهما سبحانه فيما لم يزل صفتان جائزتان، فيترتَّب على جوازهما عدم النقص في الواجب الوجود بوجود الصفتين وأمثالهما، أو عدمهما، وحاشا الله عن ذلك وجل وتقدس سبحانه عن ذلك». انتهى.
قلت وحاشا على شيخنا ونوَّر ديننا أن يكون مراده المعنى الذي عناه أبو مسلم عفى الله عنه، فإنَّ هذا ليس من ظاهر البيت ولا مأخوذا من فحواه أصلا بل هو معنى سبق إليه ذهن الشيخ أبي مسلم فابتدر إليه وجدَّ السير إلى هذا الردِّ الذي يخجل السامع لظنِّه أنَّ الأمر كما فهمه فالله المستعان، وهو المنفرد بالعزِّ والكمال. وممَّا يرشدنا إلى أنَّ نور الدين رحمه الله لم يقصد بالبيت في أنَّ الصفات الواجبة توصف بالجواز صريح عبارته - رضي الله عنه - بعد البيت حالا وهو قوله:
وذلك لا يجوز في ... الأفعال ... لأنَّها حادثة ... الأحوال
انتهى.
حاصل الأمر أنَّ الشيخ أبا مسلم عفى الله عنه حمل الألفاظ الدالَّة على الصفات الواجبة وجعلها بمنزلة تلك الصفات، فكما أنَّها لا توصف فهكذا ألفاظها الدالَّة عليها، والحقُّ أنَّ الأمر ليس كذلك لأنَّ الألفاظ دالَّة على الصفات فهي وغيرها لا توصف بالوجوب، لأنَّها مربوبة وربُّها الله تعالى ربُّ كلِّ شيء، فهل يوصف المربوب بالوجوب. (1/262)
صفحة 263
سلَّمنا أنَّ مدلولاتها هي الصفات الواجبة للذات العليَّة وهي لا توصف بالجواز، ولا يلزم بل ولا يصحُّ أن تكون الألفاظ الدالَّة عليها توصف بالوجوب، ألا ترى أنَّ العلماء اتَّفقوا في القرآن المتلوِّ أنَّ حروفه الملحوظة بالأعين الملفوظة بالألسن كلّها حادثة؟! فهل ترى ألفاظ الصفات الواجبة أشدُّ من ألفاظ القرآن؟! كلاَّ فإنَّ الأمر ليس كذلك. انتهى.
مهمَّة صالحة
قال الشيخ أبو مسلم رحمه الله في نثار الجوهر: «واعلم أنَّ الوحدانيَّة وسائر صفاته تعالى الذاتيَّة قديمة، والإيمان مخلوق قطعا لأنَّه قول واعتقاد، أو اعتقاد أو كلاهما وعمل، وإنَّما القديم بعض متعلِّقاته وهو الصفات الذاتيَّة وهو مراد من قال غير مخلوق، فالخلاف لفظيٌّ نسب الأوَّل لجمع من الحنيفة، وأبي حنيفة، والثاني لآخرين منهم وأحمد وجماعة من المحدثين، وأبي الحسن الأشعري، والله أعلم؛ ومنع أبو حنيفة وأصحابه: أنا مؤمن إن شاء الله، وإنَّما يقال: أنَا مؤمن حقًّا وأجازه آخرون».
قال السبكي هو وأكثر السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الشافعيَّة: «إنَّه لا يقال أنا مؤمن مقتصرا عليه بل يضمُّ إليه إن شاء الله». وعن الأوزاعي وغيره التخيير وهو حسن صحيح، إذ من أطلقه نظر أنَّه جازم في الحال، ومن قال إن شاء الله. قال إمَّا للتبرُّك أو للجهل بالخاتمة، فإنَّ من شكَّ في إيمانه كافر». انتهى.
وأمَّا قيام الحجَّة بالجملة، فمن خاطر البال في وجود الله تعالى وصفاته الذاتية الواجبة والمستحيلة، ومن السمع في غيرهما كالألفاظ المسموعة والعبادات المشروعة، والمحرمات الممنوعة، وإلى هذا قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - في المدارج:
تكليفه العباد إلزام ... العمل ... والاعتقاد بالغا وقد عقل
بعد قيام حجَّة ... التكليف له ... بالسمع أو بالعقل فيما عقله
هما طريقان ... لحكم الشارع ... للعقل إدراك ثبوت الصانع
وهكذا الإدراك ... للصفات ... من جانب السلب أو الإثبات (1/263)
صفحة 264
كالعلم والقدرة إثباتا ... وما ... عنه انتفى كالجهل والعجز اعلما
وما عدا هذا إلى السمع ... انستب ... مثل العبادات وما قد يجتنب
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : «فأمَّا الحجَّة العقليَّة فهي ما تكون بخاطر البال أو بإلهام في القلوب، أو بانشراح صدر إلى ذلك الشيء، وهي حجَّة على المكلَّف، في الأمور العقليَّة كوجود الله تعالى ومعرفة كمالاته سبحانه وتعالى إلى غير ذلك مِمَّا سيأتي بيانه، فإذا خطر على البالغ العاقل أنَّ له إلها فذلك الخاطر هو حجَّة الله عليه بأنَّ له إلها أو لم يسمع، وكذلك إذا انشرح صدره بمعرفة شيء من كمالات الله تعالى، وكذلك إذا ألهم شيئًا من ذلك، فإنَّ هذه الأشياء كلَّها حجج عقليَّة تقوم لله على عباده من جهة عقولهم، فيما يدرك العقل علمه، قال الله تعالى: {لا يكلِّف الله نفسا إِلاَّ وسعها} ومن وسعها: إدراك ما أدركه العقل، وأمَّا الحجَّة السمعية فهي: ما تكون من قبل السمع، وفي حكم السمع النظر إلى الكتب والإشارة إلى المعاني بطريق يفهم، فإنَّ المراد من السمع وصول العلم إلى العقل من طريق لا يدركه إِلاَّ بالواسطة، وقد حصلت الواسطة، فلا فرق بين السمع والبصر وغيرهما في تأديَّة ذلك، إلى أن قال: والحجَّة السمعية إِنَّمَا تكون في الأشياء المسموعة كأسماء الله تعالى ومعرفة العبادات وتفاصيلها، ومعرفة أحكام ذلك والأمر والنهي إلى غير ذلك من الأحكام التي جاء بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى. (1/264)
صفحة 265
وقول المصنف: «وهذه هي التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو إليها...إلخ»، أي إلى حدِّ القول المعتمد عنده كسيِّدي نور الدين؛ ومعنى «يدعو إليها» أي المكلَّفين مواجهة ورسالة، ويكون المصدق بها مؤمنا وليا بمجرَّد ذلك ما لم ينقض إيمانه بالإنكار أو بالشكِّ، أو يجب عليه شيء من تفسيرها فيضيِّعه اعتقادا، وبذلك يكون هادما لإيمانه، فيجب عليه تجديده مرَّة أخرى، وإلاَّ فهو في حكم الخارجين عن الإيمان ضالٌّ هالك، ولا يسع للعالم به جهل ضلاله، ولا الشكَّ غبه، إلى غير ذلك من الأمور المشابهة لذلك قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - في كشف الحقيقة:
فمن أتى بالجملتين ... قلنا: ... إخواننا وفي الحقوق قمنا
إِلاَّ إذا ما نقضوا ... المقالا ... واعتقدوا في دينهم ضلالا
وقال أيضًا - رضي الله عنه - في الأنوار:
ومُنكر الجملة بعد ما ... نظر ... برهانها كفر جحود قد كفر
ولم يسع جهل ضلاله ... ولا ... تشك فيه والذي له تلا
كذاك جهل من يشكُّ ... فيه ... على قياس شائع تلفيه
قال - رضي الله عنه - : «وإنَّما يكون كافرا كفر حجود إذا كان منكرا للجملة أو للشيء منها خاصَّة»، قال: «واختلف في الحدث في تفسير الجملة فذهب قوم إلى أنَّه لا يسعه جهله كالجملة، وهو الشائع بين أهل المشرق منَّا، وذهب آخرون أنَّه يسعه جهله، والشكُّ فيه فائدة عمَّن أراد أنَّ يأتي بالجملة فقال: لا إله فتشاغل عن تمامها، ولم يقل: إِلاَّ الله، ولا له في ذلك عذر يمنعه، إِلاَّ إن كان مثلا حدَّثه إنسان فآثر محادثته ولم يرجع ليتمَّها في ذلك قولان:
أحدهما أنَّه يكفر بذلك؛ لأنَّه نفى الإله في ظاهر لفظه.
والقول الثاني: أنَّه لا يكفر؛ لأنَّه لم يقصد الكفر. وعلى القولين فلا يعامل معاملة المشركين في تحريم الزوجة ونجاسة الجسد لأنَّه لم يشرك قصدا وإنَّما أشرك خطأ» هكذا عن سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - . انتهى. (1/265)
صفحة 266
ومن نطق بكلمة الشهادة وحذف الهاء من أشهد، فقال: أشد فإنَّه لا يجزيه ذلك إذا كان باختيار منه، وإن كان لسانه أعجميًّا، أو فيه لكنة لا يستطيع إِلاَّ بذلك فمعذور؛ ومن قال عند إسلامه: محمَّد رسول الله (بفتح الميم أو بضمها، وبالخاء المعجمة)، ويعني بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنَّه يجزيه ذلك مطلقًا.
والثاني: لا يجزيه مطلقًا.
والثالث: يجزيه إذا كانت تلك لغته، وهذا القول هو مختار شارح النونيَّة، وهو الصحيح عند سيِّدي نور الدين رحمهما الله تعالى، ومعنى ذلك أنَّه إذا كان أحد من العرب لغتهم فتح الميم في محمَّدًا، وكانت لغتهم النطق بالخاء المعجمة مكان الحاء وعرف منهم ذلك، أجزا منهم الإسلام بلغتهم، وأمَّا إذا كان لغتهم غير ذلك فلا يجتزي منهم إِلاَّ باللُّغة الصحيحة أو بلغتهم المعروفين بها. والله أعلم. انتهى.
وقال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - أيضًا: «وإن وجب على العبد فعل الواجب أو ترك المحرَّم وضيَّعها، فكذلك لا يسع جهله وليس تصديق المجرَّد من فعل الواجب، وترك المحرَّم بنافع له، لأنَّ من أتى بالقول وضيَّع العمل فهو كافر منافق ضالٌّ فاسق عاص، ليس بمؤمن ولا بمسلم ولا بمشرك، وأحكامه أحكام الملَّة الإسلاميَّة من التوارث والمناكحة وتكافئ الدماء والسلام، وغير ذلك، وهذا هو مذهب الأصحاب والزيديَّة والشيعة». (1/266)
صفحة 267
قال أبو ستَّة قال صاحب الإيضاح رحمه الله: «وندين بأنَّ أحكام الموحدين بينهم واحدة إِلاَّ الولاية والتسميَّة بالإيمان فلا يستحقُّها إِلاَّ المؤمن الموفي بدين الله تعالى، فأمَّا اتحاد الأحكام بيننا فيما عدا الولاية والتسمية بالإيمان، فمأخوذ من أحوال السيرة النبويَّة على صاحبها أزكى صلاة والتحيَّة، فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - قد أجرى الأحكام فيمن قال: لا إله إِلاَّ الله على سواء، ولم يخرج من أحكام الإسلام فاسقا ولا منافقا مع كثرة المنافقين في زمانه، واقتراف الكبائر موجود في بعض أهل زمانه، فلذا نزلت الحدود كحدِّ السارق والزاني واللِّعان، وغيرذلك، وقد صرَّحوا بأنَّ هذه الأحكام بوقائع مخصوصة في زمانه وكان ذلك هو السبب في نزولها ثمَّ صارت شريعة ثابتة وأحكاما مستقرَّة، ولم ينقل أحد أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرج أحدا من المنافقين، أو من أهل الكبائر عن أحكام المسلمين من التوراث، وغيره، وأمَّا أحكامهم في الآخرة فمأخوذة من الكتاب العزيز، والسنَّة النبويَّة، فمن ذلك قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمِّدا فجزاؤه جهنَّم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابا عظيما} (1) ،
__________
(1) - سورة النساء: 93.. (1/267)
صفحة 268
في أمثالها من الآيات؛ ويدلُّ عليه من السنَّة أحاديث كحديث: «من قتل نفسه» (1) وغيره، بأنَّ فيها التصريح بالتخليد. وأمَّا التسمية بكافر فلقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هو الكافرون} (2) ، ولقوله تعالى: {وهل نجازي إِلاَّ الكفور} (3) ، ولقوله تعالى: {إنَّه لا ييأس من رَوْح الله إِلاَّ القوم الكافرون} (4) ، والفاسق آيس من روح الله: أي ثوابه.
__________
(1) - ومن هذه الأحاديث ما روى البخاري في كتاب الجنائز، حديث 1275 قال: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: «فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ اللَّهُ: «بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»
(2) - سورة المائدة: 44.
(3) - سورة سبأ: 17.
(4) - سورة يوسف: 87. (1/268)
صفحة 269
ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر» (1) ، في أمثاله من الأحاديث. انتهى.
قلت: لا تستغرب في تسمية تارك الفرائض بالكافر لأنَّها هي المطابقة له لظواهر الآيات والأحاديث التي أسلفنا ذكرها، وقد وافقنا على ذلك المحقِّقون من أهل السنَّة، ففي نثار الجوهر عن الشيخ أبي مسلم رحمه الله تعالى قال: «قال: علي بن محمَّد البغدادي الخازن: المختار عند أهل السنَّة أنَّ من لم يجمع إلى تصديقه العمل بموجب الإيمان من الصلاة والزكاة والحجِّ ونحو ذلك من أركان الدين لا يسمَّى مؤمنا لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (2) ،
__________
(1) - روى أحمد في مسند القبائل، حديث 26098 حديثا، جاء فيه: «حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا تَتْرُكِ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِه»
(2) - رواه الربيع في جامعه، ج4، ص276، حديث رقم 983.
... ولفظ البخاري في كتاب المطالموالغصب، رقم 2295: «حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» وَعَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَهُ إِلَّا النُّهْبَةَ». (1/269)
صفحة 270
فنفى عنه اسم الإيمان أو كمال الإيمان. انتهى.
قلت: أي وزنى إنَّه لحق وما يقول العائب علينا بتسميتنا صاحب الكبيرة بالكافر، والعجب أنَّ لهذه المسألة اعتراضات كثيرة حتَّى ورد سؤال ذو بشعة إلى سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - لعلَّه من بعض الأصحاب، ونصُّه: «قال وسئل عن الحجَّة إلى القول بتكفير أهل الكبائر ومن خالف هذا المذهب من سائر الملل، مع أنَّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «فرق ما بين العبد والكفر تركه الصلاة» (1) ، فإن قلتم منزلة النفاق بين منزلة الإيمان والشرك قلنا إنَّ هذا القول مردود عليه عند من يقول بعدم المنزلة وأن لا منزلة بين الإيمان والشرك، إذ الناس مؤمن ومشرك فقط، وقد قال صاحب كتاب التعريفات في تعريف الإيمان: «هو في اللُّغة التصديق بالقلب، وفي الشرع
////
الاعتقاد بالقلب والإقرار باللَّسان، قيل: من شهد وعمل ولم يعتقد فهو منافق، ومن شهد ولم يعمل واعتقد فهو فاسق، ومن أخلَّ بالشهادة فهو كافر». انتهى لفظه وهو صريح.
__________
(1) - روى ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنَّة فيها، حديث 1070 قال: «حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَال: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالشِّرْكِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ فَإِذَا تَرَكَهَا فَقَدْ أَشْرَكَ»
... وفي سنن النسائي، كتاب الصلاة، رقم 460: «أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ» (1/270)
صفحة 271
على أنَّ المؤمن لا يسمَّى كافرا وإن احتججتم بالأحاديث الواردة كحديث: «لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (1) وأمثاله فذلك محمول على انحطاط درجة الإيمان ويسمَّى حينئذ عاصيا وفاسقا. وقول أصحابنا كافر كفر نعمة فيه ما فيه، وبالجلمة فهذه التسمية بشعة وهي أكبر مِمَّا عيب بها على أصحابنا تفضل بين ذلك، فأجاب t بما يشفي العليل ويوضِّح أقوم الدليل، فقال لا فضَّ فوه ولا حرمنا نفعه: «دعنى من كلام صاحب التعريفات فإنَّه أشعري المذهب، والأشعرية يخصُّون اسم الكافر بالمشرك ويجعلونه مقابلا للمؤمن، فما عدا الكافر عندهم مؤمن، وحملوا على ذلك أحاديث الوعد للمؤمنين فجعلوها شاملة لأهل العصيان فوقعوا في الإرجاء حيث أجازوا تأخير العذاب عمَّن مات مصرًّا على فسقه، وهو مذهب باطل عاطل، فالحقُّ ما عليه الأصحاب أنَّ اسم الكافر شامل للمشرك والفاسق من المسلمين، فالمشرك كافر كفر شرك، والفاسق من أهل التوحيد كافر كفر نعمة، وقد جاء الكتاب والسنَّة بإطلاق الكفر على أهل الكبائر من أهل التوحيد من ذلك قوله تعالى: {ومن كفر فإنَّ الله غني عن العالمين} (2) ،
__________
(1) - ... رواه البخاري بلفظ: «حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَال:َ قَالَ النَّبِيُّ e « لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ولَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَعَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ e مِثْلَهُ إِلَّا النُّهْبَةَ». البخاري: الجامع الصحيح، حديث 2295،
(2) - ... سورة آل عمران:97.. (1/271)
صفحة 272
فإنَّه أطلق اسم الكفر في هذه الآية على تارك الحج وقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (1) ، فإنَّه أطلق اسم الكفر في هذه الآية على تارك الحكم بما أنزل الله، وأمَّا السنَّة فمنها حديث ابن عبَّاس عن النبيء e قال: «لا إيمان لمن لا صلاة له» (2) (رواه الربيع متصلا بسنده العالي)، ومن انتفى عنه الإيمان دخل في الكفر ومنها قوله e: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» (3) ، (رواه الجماعة إِلاَّ البخاري ومسلم وأحمد)، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله e: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (4) ،
__________
(1) - ... سورة المائدة: 44.
(2) - ... رواه الربيع في جامعه عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس، باب [48] جامع الصلاة، ص78، حديث 302.
(3) - ... تقدَّم تخريجه في ص281.
(4) - ... روي بعدة طرق، منها رواية البخاري، كتاب الإيمان، حديث 46 بنصِّ: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ الْمُرْجِئَةِ فَقَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُاللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».. (1/272)
صفحة 273
ومنها ما رواه أيضًا البخاري (1) ومسلم (2) وأحمد (3)
__________
(1) - ... رواية البخاري في كتاب المناقب، حديث 3246، بلفظ: «حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُالْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ e يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ وَمَنِ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
(2) - ... رواية مسلم في كتاب الإيمان، حديث 93 بلفظ: «حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ».
(3) - ... ورواية أحمد في مسند الأنصار، حديث رقم 20492 بسند: «حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ يَعْنِي الْمُعَلِّمَ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ...».
... ورواه ابن ماجه في كتاب الأحكام، حديث 2310. (1/273)
صفحة 274
عن أبي ذرٍّ: أنَّه سمع رسول الله e يقول: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلم إِلاَّ كفر ومن ادَّعى ما ليس له فليس منَّا وليتبوَّأ مقعده من النار»، وروى الربيع بسنده عن ابن مسعود يرفعه: «المدَّعي ما ليس له والمنكر لمَا عليه كافران» (1) ، وروى مسلم وأحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله e: «اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب والنياحة على الميِّت» (2) ، ومنها ما ثبت في الصحيح عنه e: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (3) ،
__________
(1) - ... روى الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن مسعود قال: قال النبيء e: «لزوم الفقير حرام، والمدَّعي ما ليس له والمنكر لِما عليه كافران»، كتاب الأحكام [35]، ص157، حديث 591
(2) - ... روى مسلم في كتاب الإيمان، حديث 100 الحديث بلفظ: «حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ح و حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ».
... ورواية أحمد بسند في باقي مسند المكثرين رقم 10030، بسند: «حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ»
(3) - ... رواه الربيع في جامعه، الجزء الثالث، ص200، حديث 756.
... وروي هذا الحديث في الكتب التسعة بتسع وخمسين طريقا (59)، منها رواية الترمذي في سننه قال: «حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» قَالَ أَبُو عِيسَى وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَجَرِيرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَكُرْزِ بْنِ عَلْقَمَةَ وَوَاثِلَةَ وَالصُّنَابِحِيِّ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» كتاب الفتن، حديث 2119. (1/274)
صفحة 275
وحديث: «أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتَّى يرجع إليهِم» (1) ، وحديث: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأمَّا من قال مطرنا بنَوْءِ كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب» (2) ،
__________
(1) - ... رواه مسلم في كتاب الإيمان، حديث 101، قال: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ» قَالَ مَنْصُورٌ: قَدْ وَاللَّهِ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ e وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَهُنَا بِالْبَصْرَةِ».
(2) - ... رواه الربيع في جامعه، باب [10] في ذكر الشرك والكفر، ص22، حديث 62.
... ورواه مسلم في كتاب الإيمان، حديث 104 قال: «حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ e صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: «اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ» قَالَ: «قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (1/275)
صفحة 276
وهو عند الربيع أيضًا، وحديث: «من قال لأخيه: ياكافر فقد باء بها» (1) ، ومعناه أيضًا عند الربيع (2) فكلُّ هذه الأحاديث في الصحيح.
فقد ورد من هذا الجنس أشياء كثيرة لا يمكِّن الخصم دفعها ولا حملها على غير كفر النعمة، وإذا ثبت إطلاق اسم الكفر على فاعل الكبيرة من الكتاب والسنَّة ظهر لك صواب ما عليه الأصحاب من جعل الكفر شاملا للشرك وفعل الكبيرة، فهو مقابل عندهم للإيمان، فلا منزلة بين الإيمان والكفر، فمن خرج عن الإيمان دخل في الكفر وبالعكس؛ ويجب إثبات المنزلة بين الشرك والإيمان وهي منزلة النفاق المعروفة عند المعتزلة وعامة الناس بالفسق، إذ ليس كلُّ فاسق مشركا، ولا كلُّ كافر مشركا وكلُّ مشرك كافر، فافهم الفرق واتبع الحقَّ والله أعلم».
وقول المصنِّف: «أويحرم عليه فيركبه»، فالمراد به أنَّ العبد لا عذر له في ارتكاب المحجور عليه، وذلك سواء علم بحجره أو جهل، مستحلاًّ أو محرما، فلا عذر له بجهل ولا بفتوى مخطئ، لأنَّ المفتي إذا أخطأ وجه الصواب فليس بحجَّة.
__________
(1) - ... رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، رقم 5639، قال: «حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا»
(2) - ... رواية الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس عن النبيء e قال: «من قال لأخيه يا كافر، فقال أنت الكافر، فقد باء بالكفر أحدُهما، والبادي أظلم». قال الربيع: استحقَّ اسم الكافر دون صاحبه، لقوله له يا كافر. (1/276)
صفحة 277
وفي الأثر المجتمع عليه: «يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولَّوا راكبه أو يبرأوا من العلماء إذا برؤا من راكبه، وهذا قد ارتكب ذلك الأمر المحجور ركابه فضاق عليه ولم يسعه جهلٌ بحكم ظاهره، وإِلاَّ فالجهل أشرف بضاعة إن كان به عذر لمن أطاعه، فهو أولى بالكرامة لأنَّه مطيَّة السلامة ويأبى الله ذلك». انتهى.
تنبيه
إنَّ من جملة الواجب على العبد تأدية المفروض العمليِّ عليه من الأعمال، ولم يرد فيها من الأثر ما ورد من فعل المحرَّم، والفرق في ذلك ظاهر، وذلك أنَّ المفروض العمليَّ لا يتأتَّى تأديته إِلاَّ بتعبير معبِّر في كيفيَّته وفي نفسه، فإذا لم يجد المكلَّف معبِّرا يعبِّر له إيَّاه ولم يتأتَّى له من قبل بصيرته بإلهام ونحوه، فهو معذور إذا اعتقد في جملته السؤال عن جميع ما يلزمه من دين الله، ولا كذلك فعلُ محجور لأنَّ الإقدام إلى الفعل أشدُّ من ترك شيء لم يعلمه، وكان معتقدا على السؤال عن كلِّ ما يلزمه السؤال عنه، ولا خطر بباله السؤال عن الواجب العمليِّ فهو به معذور.
قال سيِّدي نور الدين t ــ وفي هذا قد سئل الإمام الخليلي رحمه الله ــ:
نسائل شمس العصر أعني ... سعيدنا ... سلالة خلفان الخليليّ الممجدا
عن الراكب المحجور جهلا ولم ... يزل ... مقيما عليه مدَّة الدهر سرمدا
يجالس أعلام الأنام ولم ... يسل ... وموطنه دار به العلم والهدى
يدارس للآثار طول ... زمانه ... ولكنَّه لمَّا يراه مسوَّدًا
ولم يسمع التحريم فيه ولم ... يكن ... خطورا له بالبال كي يتعبَّدا
ويحسبه فعلا حلالا ... وإنَّه ... تقيٌّ كريم خائف مَوقع الرَّدا
أيسلَم عند الله إن مات ... هكذا ... ويُدخله الفردوسَ فيها مخلَّدا
فقل ما أراك الله فيها ... مصرّحا ... صفات قيام الحجَّة لكلِّ مرشدا
فلا زلتَ محبورا وحبرا ... موفقا ... لكشف مهمَّات خليفة أحمدا
فأجاب رضوان الله عليه:
إليك بحمد الله نظما ... مؤيدا ... بحكم كتاب الله ... من شرع أحمدا
عليه شرع صلاة الله ثمَّ ... سلامه ... ... وأهليه والأصحاب أفضل من هدى (1/277)
صفحة 278
فمن ركب المحجور جهلا بحجره ... ... من ... الحكم من مشروع ربِّ تعمدا
وضيَّع مفروض السؤال ... وإنَّه ... على قدرة منه فقد ... ضلَّ واعتدى
وما عذره بالجهل شيئًا ... يفيده ... من الحقّ إِلاَّ أَن يبشَّر ... بالردى
كزانٍ ولم يدر الزناء ... محرَّما ... وواطئ أدبار النساء ... تعمُّدا
فذلك بالإجماع لا شكَّ ... هالك ... إذا لم يسل من قبل فعل به ... ابتدا
وهذا عليه حجَّة اللَّه ... ربِّنا ... أقيمت وما في الجهل عذر له ... بَدا
ولو سقط التكليف عن كلِّ جاهل ... لكان اقتناء الجهل للنفع ... أعودا
ولا تبغ ... في ذاك اختلافا فإنَّه ... ضلال وكن أهل الجدال ... مفندا
وإن تاب من قبل الذهاب ... فربُّنا ... حليم غفور ذنب من تاب ... واهتدا
ودعنى من ذكر الذي ليس واجدا ... له أحدا مِمَّن يعبرِّ ... للهدى
فهذا له حكم يخصُّ ... عمومها ... ولكن أراه لم يكن له ... مقصدا
فجئت بحمد الله بالحقِّ ... واضحا ... سلام على هادي البريَّة ... أحمدا
وقال في موضع آخر من فتاويه: «وأمَّا النوع الثاني وهو ركوب المحجور في دين الله تعالى من أصول ما لا تقوم به حجج العقول فقيل في هذا على الإطلاق بهلاك فاعله من المتعبِّدين لأنَّه يفعل مالايجوز له في دينه، وقد نقض الدين». (1/278)
صفحة 279
وفي الأثر المجتمع عليه: «يسع الناسَ جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه...إلخ»، وهذا قد ركبه فضاق عليه ولم يسعه جهل بحكم ظاهره، وإلاَّ فالجهل أشرف بضاعة إن كان به عذر لمن أطاعه فهو أولى بالكرامة لأنَّه مطيَّة السلامة، ويأبى الله ذلك، وفي قول آخر: «فعسى إن لم تقم عليه الحجَّة بحرامه أن لا يبلغ به إلى هلاكه وآثامه، إن دان لله تعالى بالتوبة منه بعينه إن كان في الدين حراماً وبالسؤال عنه بعينه أيضًا، إن هدي إلى ذلك في أحد الوجهين أو فيهما تامًّا، وإلاَّ ففي الجملة ولا بدَّ أن يدين في جملته التي تعبَّده بها أن يطيعه في كل شيء من أمره، ويسأل مع القدرة عمَّا يجب عليه السؤال من دينه، ويتوب عليه من كلِّ معصيَّة علِمها أو جهلها في حينه مع الدينونة له بما يجب عليه في ذلك إن لزمه شيء هنالك، أو هدي إليه حال وجوبه بالتعيين أو في الجملة من أصل ما به يدين، فإذا دان لله تعالى بما يجب من هذا في الجملة إِلاَّ أنَّه لعدم قيام الحجَّة عليه بحرمة ما ركبه لم يهد إلى حكمه فأتاه غير عمد منه للمعصية، وإنما وقع منه لقصور علمه، وكذلك إن أخذ به بفتيا من دلَّه على غير عدله لا مقلِّدا فيه على حال ولا مدَّعيا على الله فيه بمحال، لكونه فيه على غير استحلال ولا مهملا عليه اعتقاده فيه على الخصوص أو في الجملة، إِلاَّ لعذر قد سبق في مثله من مقال، فيكون الفتيا في هذا المقام لباطلها حكم لا شيء فكأنها لم تكن في الأحكام شيئًا، فكان ذلك من خطأ المفتي على ما يُعذر به أم يلام، فقابل ذلك على حجره، وإن لم يكن هذا من عذره إِلاَّ أنَّه ما لم تقم الحجَّة عليه به وهو غير مقصِّر في الواجب من عقيدته». (1/279)
صفحة 280
ففي قول الشيخ أبي نبهان رحمة الله عليه، في غير موضع من أجوبته ما دلَّ أنَّه يحسن ظنَّه في الله يرجو أن لا يهلك من أجله، بشرط ما ذكرناه من التزام طريقة النجاة في عقيدته، وقد صرَّح في هذا وفي غيره من جوابه لوجود الاختلاف في هذا وبابه، وقوله صحيح.
وآثارالشيخ أبي سعيد رحمه الله تعالى تشهد له بصوابه وكفى بهما قدوة لمن أراد الله به الهداية، وبآثارهما نورا يهدي كما له هو أهل، وبحمده نتوسَّل إليه أن ينقذنا من الجهل، وبمحمِّد وآله عليهم أفضل الصلاة والسلام، هذا كلامه وبه تعلم أنَّ ما في كلامه المنظوم محمول على من أتى الحرام بعد قيام الحجَّة عليه به، لأنَّه هو موضع الهلاك بإجماع، كما يرشده إليه قوله: «ودعنى من ذكر الذي ليس واجدا» إلخ، والذي في كلامه المنثور محمول على من أتى الحرام والحال أنَّ الحجَّة لم تقم عليه في ذلك الشيء بعينه، لكنَّها قامت عليه في الجملة، وذلك كما لو علم أنَّ في دين الله حلالاً وحراماً، فارتكب شيئًا لا يعلم حكم الله فيه، فإذا هو حرام في دين الله، فإنَّ هذا هو موضع النزاع والله أعلم.
أو نقول إنَّ كلامه المنظوم محمول على من ضيَّع فرض السؤال، وضيَّع اعتقاده بالإهمال، وما في كلامه المنثور محمول على ما إذا لم يضيع مفروض السؤال ولم يهمل الاعتقاد في الاجتناب ما عدا الحلال، ثمَّ ظهر لي أنَّ هذا الوجه هو أولى أن يحمل عليه كلام هذا المحقِّق والله أعلم. انتهى.
قال المصنِّف: «وتفسيرها قسمان: ما يسع جهله وهو مالم تقم على العبد حجَّة وجوبه عليه».
أقول: إنَّ الواوا ها هنا استئنافية، والضمير راجع إلى الجملة، أي: وتفسير الجملة المذكورة في قوله: ما لم يجب عليه شيء من تفسيرها ينقسم إلى قسمين أحدهما ما يسع جهله. (1/280)
صفحة 281
والجهل لغة نقيض العلم، وفي الاصطلاح قسمان: بسيط وهو عدم العلم بالشيء أصلا، عمَّا من شأنه العلم، بحيث لم يتصوَّر ولم يخطر بباله؛ ومركَّب وهو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع.
قال الباجوري: «وإنَّما سمَّى مركبا لاستلزامه جهلين: جهلمه بالشيء وجهله بأنَّه جاهل» وفي ذلك قيل:
جهلت وما تدري بأنَّك جاهل ... ... ومن لي بأن تدري بأنك لا تدري
وقوله: «مالم تقم على العبد حجَّة وجوبه»، أي: لمَّا تقدَّم من أنَّ قيام الحجَّة من شروط التكليف فلا يكون العبد مكلَّفا في شيء مَّا إِلاَّ بعد قيام الحجَّة عليه به، والحجَّة هي ما يقع بها حقيقة الشيء المنظور به.
قال المصنِّف: «وما لا يسع جهله وهو ما قامت عليه حجَّة وجوبه عليه، وهو قسمان: عقليٌّ وهو ما يدرك بالعقل، وشرعيٌّ وهو ما يدرك بسماع الشرع».
أقول يعني بقوله: «وما لا يسع جهله» أي: لقطع عذره بقيام الحجَّة عليه، وقوله: «وهو ما قامت عليه حجَّة وجوبه عليه» بيان قوله: «وما لا يسع جهله». وقوله: «وهو قسمان (بكسر القاف)» تثنية قسم بكسر القاف وسكون السين أيضًا، فأحدهما عقلي أي منسوب إلى العقل، والعقل نور في بدن الآدمي يضيء به طريق يبتدئ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس، فيبدو به المطلوب للقلب فيدرك القلب بتوفيق الله، وهو كالشمس في الملكوت الظاهر، وقيل غير ذلك.
واختلفوا في محلِّه، فذهب أبو حنيفة وجماعة من الأطبَّاء إلى أنَّ محلَّه الدماغ، وذهب الشافعي وأكثر المتكلِّمين إلى أنَّ محلَّه القلب، وهو ظاهر مذهب ابي سعيد t، وهو الصحيح لظاهر قوله تعالى: {فإنَّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} (1) .
__________
(1) - ... سورة الحج: 46. (1/281)
صفحة 282
وحكم العقل عند المعتزلة أنَّه معرَّف موجب لوجوب الإيمان وحسنه وقبح الكفره، وبه قال بعض أصحابنا عند عدم الشرع، فإنَّهم جعلوه حاكما في مواضع من العقليات، فأوجبوا على المكلَّف الذي لم يسمع بشرع فعل ما حسن في العقل فعله، وترك ما قبح في العقل فعله، لكن هذا البعض من أصحابنا لا يجعلون العقل حاكما على الشرع، بل يجعلونه حاكما عند عدم الشرع، لئلاَّ يكون سُدًى؛ والمعتزلة يحكِّمون العقل مطلقا.
والحجة العقلية هي ما تكون بخاطر البال أو بإلهام في القلوب، أو بانشراح صدر إلى ذلك الشيء، وهي حجَّة على المكلَّف في الأمور العقليَّة، فإذا خطر على البالغ العاقل أنَّ له إلها، فذلك الخاطر هو حجَّة الله عليه، سواء سمع أنَّ له إلها أو لم يسمع، وكذلك إذا انشرح صدره لمعرفة شيء من كمالات الله تعالى، وكذلك إذا أُلهم شيء من ذلك فإنَّ هذه الأشياء كلَّها حجج عقليَّة تقوم لله على عباده من جهة عقولهم فيما يدرك العقل فيه علمه، قال تعالى: {لا يكلِّف الله نفسا إِلاَّ وُسعها} (1) ، ومِن وسعها إدراك ما أدركه العقل وقد تقدَّم هذا غير مرَّة.
تنبيه
اعلم أنَّ الأدلَّة على وحدانيَّة الله تعالى شاهرة ظاهرة، منها ما يكون من جهة العقل ومنها ما يكون من جهة السمع، ومنها ما يرى بالأبصار ومنها ما يُشمُّ بآلة الشمِّ، ومنها ما يُطعم بالفم إلى غير ذلك مِمَّا لا يحصى عددا، كما دلَّ عليه القرآن في غير موضع، كما في قوله تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت} (2) ، وأمثاله من الآيات، ولله درُّ القائل:
فيا عجبا كيف يعصى ... الإله ... أم كيف يحجده الجاحد
وفي كل شيء له ... آية ... تدلُّ على أنَّه واحد
ولله في كلِّ ... تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد
__________
(1) - ... سورة البقرة: 286.
(2) - ... سورة الغاشية: 17. (1/282)
صفحة 283
فهذه الأشياء المحدثة المشاهدة بالبصر واللَّمس والسمع وغيرها دالَّة على أنَّ لها فاعلا موجِدا أوجدها ومحدثا أحداثها، إذ لا يمكن أن توجِد نفسها، ومحال أن يوجد بعضُها بعضًا، فوجب بالعقل أنَّ ذلك الموجد هو غيرها.
وقول المصنِّف: «وهو ما يدرك بالعقل»، فما اسم موصول ومعناها الذي، ويدرك مبني لنائب الفاعل وهو عائد إلى الموصول، وبالعقل متعلِّق بيدرك، والعقل هو ملاك التكليف، وقد تقدَّم الكلام فيه.
وقول المصنِّف: «وهو ما يدرك بسماع الشرع»، أي وثانيهما شرعيٌّ نسبة للشرع، وهو الذي يدرك بسماع الشرع، فالجارُّ متعلِّق بيدرك، والمعنى أنَّه لا يدرك علم وجوبه إلابسماع من الشارع، فإنَّ العقل لامجال له بإدراك ذلك، فلا تقوم الحجَّة في هذا بخاطر البال، خلافا للمعتزلة إذ أوجبوا التكليف بخاطر البال، وزعموا أنَّ الشرع لا يرِد بما يخالف العقل، بل لا يرِد إِلاَّ مؤكِّدا أو مبينا لمَا خطر بالعقل من تحسين أوتقبيح. قلنا: لا حسن إِلاَّ ما حسَّنه الشرع، ولا قبيح إِلاَّ ما قبَّحه الشرع، وإنَّ العقل مناط التكليف، هو طريق لمعرفة المسموع. (1/283)
صفحة 284
والمراد بالمعقول هو كوجود الله تعالى الواجب الوجود، وككونه يجب له الصفات الكماليَّة كالعلم والقدرة والإرادة، والسمع والبصر والحياة، وباستحالة كونه متَّصفا بأضداد هذه الصفات، فهذا مِمَّا يدركه العقل السليم؛ والدليل على أنَّ العقل هو طريق لمعرفة الله تعالى قوله عزَّ من قائل: {إنَّ في خلق السموات والأرض واختلاف اللَّيل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناسَ وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثَّ فيها من كل دابَّة وتصريف الرياح والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} (1) . وقوله تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت وإلى السماء كيف رُفعت وإلى الجبال كيف نُصبت وإلى الأَرض كيف سُطحت} (2) ، في كثير من الآيات على هذا المعنى، فهذه السماء المرفوعة، وهذه الأرض الموضوعة، وهذه الجبال المنصوبة، وهذه الرياح الذارية، وهذه الفلك الجارية، وهذه النجوم السائرة، وهذه الأحوال الباهرة، دالَّة بطريق القطع على أنَّ لها موجِدا أوجدها وخالقا خلقها، ومحدِثا أحدثها، إذ لو لم تكن موجودة لما شوهدت، ومحال وجودها من غير موجد، وحدوثها من غير محدث، إذ الفعل لا يكون إِلاَّ من فاعل. انتهى.
أقول: فإذا علمت الذي تلوناه عليك من أنَّ العقل هو طريق لمعرفة الخالق ليس إِلاَّ، فاعلم بأنَّ الموجب للواجبات كلِّها هو الشرع لا غير، خلافا للمعتزلة الزاعمين أنَّ الموجب هو العقل، وإنَّما الشرع ورد مبيِّنا لمَّا خفي على العقل، أو مؤكدا له، وإلى ذلك أشار إليه سيِّدي نور الدين t بقوله:
فحاكم الشرع قضى بما ... جرى ... للعقل يا ذا فاتركن عند ... المرا
__________
(1) - ... سورة البقرة: 164.
(2) - ... سورة الغاشية: 17-19. (1/284)
صفحة 285
فهذا البيت أراد به الردَّ على المعتزلة الزاعمين أنَّ العقل هو الموجب للتكاليف الواجبة على العباد لله تعالى، فردَّ عليهم الشيخ رحمه الله بهذا البيت، ومعناه أنَّ الشرع هو الذي حكم بتكليف المكلَّف من الحقّ وبإلزام الأمور العقليَّة مع إدراك العقل لها، ومعرفته إياها، وإلزام الأمور السمعيَّة مع قيام حجَّة السمع بها، فجعل الشرع العبادات نوعين:
أحدهما: تقوم حجَّته من العقل، وهو الأمور المعقولة الواجبة في حقِّه تعالى، والثابتة له، والمستحيلة في حقِّه.
وثانيهما: تقوم حجَّته بالسمع، وهو ما عدا ذلك من الأسماء والأحكام، فالشرع هو القاضي بجميع ذلك لا العقل؛ لأنَّ العقل هو آلة لفهم الخطاب وشرط لصحَّة التكليف وليس بحاكم.
فدع عنك أيُّها المعتزليُّ المماراة في هذا الباب فإنَّ ما ذكرناه هو فصل الخطاب. انتهى.
تنبيه
ذهب الإمام الكدمي t في أنَّ الحجَّة تقوم بالإلهام، وظاهر قوله أنَّه أراد بذلك الإطلاق أي في الأمر والنهي، والمحرمات والمحلَّلات، وأسماء الرسل، وكأنَّه يعدُّ ذلك علما، وكأنَّه لا يعذر الراجع عنه، لأنَّ الراجع عنه راجع عن علم، لكن بشرط أن ينكشف له ذلك من قبل نفسه انكشافا تامًّا، حتَّى يكون علمه فيه كعلم غيره من المعالمين به؛ وأنت خبير أنَّ هذا المعنى متعذِّر لأنَّ طريقه السمع، فلا يكون إِلاَّ بنقل أو وحي، وقد انسدَّ باب الوحي ولم يبق إِلاَّ النقل فإليه المرجع في هذا كلِّه. وإنَّما ذكره أبو سعيد على طريق التصوير أن لو وقع ذلك ولا أراه يقع أصلا والله أعلم.انتهى. (1/285)
صفحة 286
اعلم أنَّ المعتزلة ذهبت خلافا للأمَّة إلى أنَّ العقل هو الحاكم في الأشياء كلِّها، وأنَّ الشرع إمَّا مؤكِّد لحكم العقل، وإمَّا مبيِّن لمَا خفي على العقل بيانه، وجعلوا الشرع كالطبيب الذي يصف طبائع العقاقير، فإنَّ طبائع العقاقير موجودة فيها، ولو لم يبيِّنها الطبيب، لكنَّها تخفى على أكثر الناس، فكذلك الشرع في بيان ما خفي على العقل حكمه، قالوا: فما يدرك جهة حسنه أو قبحه بالعقل من الأفعال التي ليست اضطراريَّة ينقسم إلى الأقسام الخمسة، لأنَّه إن اشتمل تركه على مفسدة فواجب، أو فعله فحرام، وإلاَّ فإن اشتمل فعله على مصلحة فمندوب، أو تركه فمكروه، وإلاَّ فإن لم يشتمل من طرفيه على مفسدة ولا مصلحة فمباح، قالوا: وما لا يدرك جهته بالعقل لا في حسنه ولا قبحه فلا يحكم فيه قبل الشرع بحكم خاص تفصيليِّ في فعل، إذا لم يعرف فيه جهة تفصيله. وهذا كله باطل، لأنَّا لو نظرنا قبل مجيء الشرع في شكره تعالى على إنعامه علينا لكان العقل يقتضي عندهم أنَّ شكره تعالى واجب من غير أن (1) يتوقَّف في ذلك على مجيء الشرع، لأنَّ معرفته تعالى ومعرفة كونه منعِما يدركهما العقل بدون الشرع، وكذا يدرك بدونه حسن شكر المنعم وقبح كفرانه، فيدرك إذاً وجوب الكفر وتحريم الكفران بدون الشرع، فيقال لهم: هذا الشكر لو وجب قبل الشرع لكان له فائدة، فلا تخلو إمَّا أن تكون عائدة إلى الربِّ المشكور وهو غني سبحانه وتعالى فالقول بعودها إليه باطل، وإمَّا أن تكون عائدة إلىالعبد الشاكر، وعودها إليه عاجلا أو آجلا، والكلُّ باطل، أمَّا عودها إليه عاجلا فغير ثابت لأنَّه عبث، وأمَّا عودها إليه آجلا فأمر لا يدرك بالعقل، وإنَّما أدرك من جهة الشرع خاصَّة، فبطل ما زعموه من ثبوت الحكم الشرعي بالعقل، واتَّضح أنَّ الحاكم بذلك هو الشرع، وأنَّ العقل حجَّة فيما جعله الشرع حجَّة فيه، لا زيادة والله أعلم.
__________
(1) - ... في الأصل: «+أن». (1/286)
صفحة 287
فإن قلت: إنَّ من أصحابكم من جعل العقل حاكما في الواجب الاعتقادي والفعليِّ والتَّركيِّ وذلك عين مذهب المعتزلة، فما الفرق في ذلك بينكم وبينهم؟
قلنا: إنَّ الفرق بين ذلك البعض منَّا والمعتزلة ظاهر، كما ستقف عليه ها هنا إن شاء الله تعالى، قال سيِّدي نور الدين t: «ذهب جماعة من أصحابنا منهم بشير (1) ،
__________
(1) - ... هو أبو المنذر بشير بن المنذر النزوي العقري (178هـ): عالم علامة، أخذ العلم عن الربيع بن حبيب، وهو أحد حملة العلم الأربعة إلى البصرة، و«إذا أطلق اسم الشيخ، أو الشيخ الأكبر في أثر أصحابنا المشارقة رحمهم الله فالمراد به الشيخ بشير».
... ... ... ... ... وانظر- البطاشي: إتحاف الأعيان، ص166-167. (1/287)
صفحة 288
وأبو سعيد، وابن بركة (1) وصاحب الضياء (2) وأبو يعقوب الوارجلاني (3)
__________
(1) - ... هو أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن بركة السليمي البهلوي (ق4هـ/10م): عالم أصولي، اشتهر بنشر العلم وبالتأليف، ومن أشهر مؤلَّفاته: كتاب الجامع، شرح جامع ابن جعفر، كتاب التقييد، كتاب الموازنة... ... ... وانظر- البطاشي: إتحاف الأعيان، ص226
(2) - ... وهو للعلامة أبي إبراهيم سلمة بن مسلم الصحاري العوتبي (ق5هـ/11) الفقيه النسابة، وكتابه الضياء في أربعة وعشرين مجلَّدًا، جمع فيه أصول الشرع وفروعه. ... وانظر- البطاشي: إتحاف الأعيان، ص273.
(3) - ... هو يوسف بن إبراهيم بن مناد السدراتي الوارجلاني (500-570هـ/1105-1175م): عالم أصول ومفسر وفقيه، له آثار جليلة في التراث الإباضي عامَّة والإسلامي بخاصة، ومن مؤلفاته: تفسير القرآن، الدليل والبرهان في علم الكلام، العدل والإنصاف في أصول الفقه... ... وانظر- باجو مصطفى: أبو يعقوب الوارجلاني وفكره الأصولي (رسالة ماجستير). جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج5/ص736، ترجمة 1108.. (1/288)
صفحة 289
إلى القول بتحكيم العقل عند عدم الشرع، لكن لا على الوجه الذي ذهبت إليه المعتزلة، فإنَّ المعتزلة قالوا بتحكيم العقل على الشرع، فلا يصحُّ عندهم أن يرِد الشرع بخلاف مقتضى العقل، فاذا ورد ما يخالف عقولهم جزموا بردِّه، قال الفخر: حكى الخطيب في تاريخ بغداد عن عمرو بن عبيد أنَّه قال: «لمَّا سمع حديث الصحيحين عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله e وهو الصادق المصدوق: «إنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمِّه أربعين يوما نطفة ثمَّ يكون علقة مثل ذلك، ثمَّ يكون مضغة مثل ذلك، ثمَّ يرسل الله إليه ملكا فينفخ فيه الروح، فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أم سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنَّة حتَّى ما يكون بينه وبينها إِلاَّ ذراع، فيسبق إليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنَّ أحدكم ليعمل عمل أهل النار حتَّى ما يكون بينه وبينها إِلاَّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنَّة فيدخلها» (1) ،
__________
(1) - ... البخاري، كتاب بدء الخلق، حديث رقم 2969، بلفظ: «حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ عَبْدُاللَّهِ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ e وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (1/289)
صفحة 290
قال عمرو بن عبيد: «لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذَّبته، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أجبته، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته، ولو سمعت رسول اللهe يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله عزَّ وجلَّ يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا».
فهذا عمرو بن عبيد من أكابر المعتزلة، ومن أهل فضلها وهذا قوله في ردِّ هذا الحديث لم يوافق حكم عقله، فزعم في ما حكي عنه أنَّه لو سمع رسول الله e يقول ذلك لردَّه، أو سمعه من الله تعالى لخاصمه. ولقد صدق فيهم قوله: «القدريَّة خصماء الله في القدر» (1) .
__________
(1) - ... رويت بضعة أحاديث في الكتب التسعة عن القدرية منها رواية الترمذي: «حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ حَبِيبٍ وَعَلِيُّ بْنُ نِزَارٍ عَنْ نِزَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ» قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نِزَارٍ عَنْ نِزَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ e نَحْوَهُ» كتاب القدر، حديث 2075. (1/290)
صفحة 291
وأمَّا ما ذهب إليه هذه الجماعة من أصحابنا فهو أنَّ العقل حاكم عند عدم الشرع فيلزم من لم يسمع شيئًا من الشرائع أن يفعل ما يستحسن فعله، وأن يترك ما يستقبحه العقل واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} (1) ، وبقوله تعالى: {لا يكلِّف الله نفسا إِلاَّ ما آتاها} (2) ، فثبت من الآية الأولى وجوب تكليف الإنسان مطلقًا حيث انتفى الإهمال عنه، وثبت مِن الآية الثانية وجوب ما يحسن في العقل وترك ما يقبح فيه، لأنَّ ذلك مِمَّا أوتي أهل العقول فهم يثبتون حكم العقل حيث لا شرع، وأمَّا عند ورود الشرع فيوجبون الرجوع إلى أحكام الشرع فلا حسن عندهم إِلاَّ ما حسَّنه الشرع ولا قبيح إِلاَّ ما قبَّحه الشرع فلا يوجبون على الله تعالى شيئًا مِمَّا توجبه المعتزلة، ولا يردُّون حكما صحَّ نقله عندهم، فبين ما ذهب إليه البعض منَّا وبين ما ذهبت إليه المعتزلة البون البعيد، فلا يشكل عليك ذلك؛ واعلم أنَّ مذهب المعتزلة في القول بتحكيم العقل مبنيٌّ على أنَّ الحسن والقبح عقليان، وعندنا وعند الأشعريَّة لا حسن إِلاَّ ما قال لنا الشرع افعلوه، ولا قبيح إِلاَّ ما قال لنا الشرع اتركوه. وقالت المعتزلة أيضًا بناء على قولهم بتحكيم العقل إلى وجوب الصلاحيَّة والأصلحية على الله تعالى.
قال المصنِّف: «والعقلي ثلاثة أقسام: واجب: وهو ما يتصوَّر في العقل عدمه، ومستحيل: وهو ما لا يتصوَّر في العقل وجوده، وجائز: وهو ما جاز في العقل وجوده وعدمه».
__________
(1) - ... سورة القيامة: 36.
(2) - ... سورة الطلاق: 7. (1/291)
صفحة 292
أقول: إنَّ قوله: «والعقلي» هو صفة المحذوف أي: والواجب العقلي الذي يجب على المكلَّف اعتقاده بالقلب والدينونة له، والمعنى أنَّ الحكم العقليَّ ينحصر في ثلاثة أقسام: الوجوب والاستحالة والجواز، لأنَّ الوجوب هو عدم قبول الانتفاء، والاستحالة عدم قبول القبوت، والجواز قبولهما، لكن على سبيل التناوب بمعنى قبول الثبوت تارة، وقبول الانتفاء تارة أخرى لا على سبيل الاجتماع، إذ لا يمكن قبولهما معًا، وقد استغنى المصنِّف بتعريف الواجب وأخويه عن تعريف الوجوب وأخويه؛ لأنَّ الواجب مشتقٌّ من الوجوب وهكذا، ومعرفة المشتقِّ تستلزم معرفة المشتقِّ منه لأنَّه جزؤه، إذ الواجب أمرٌ موصوف بالوجوب، وقدّم ذكر الواجب لشرفه وأعقبه بالاستحالة لأنَّها ضدّه، والضدُّ أقرب الأشياء خطورا بالبال عند ذكر ضدِّه، وآخر بالجواز لأنَّه لم يبق مرتبة إِلاَّ التأخير، وأيضا فهو شبيه المركَّب، وما قبله شبيه بالبسط، والمركَّب متأخر عن البسيط، واعلم أنَّ الوجوب بذلك المعنى هو المراد في علم التوحيد متى أطلق إِلاَّ في نحو قولهم: «يجب على مكلَّف أن يعرف...» إلخ، فهو فيه بالمعنى المشهور وهو كون الشيء بحيث يثاب على فعله ويعاقب على تركه، ففرق بين أن يقال: يجب لله كذا، وأن يقال: يجب على المكلَّف كذا؛ فاحرص على هذا الفرق، ولا تكن مِمَّن اشتبه عليه الأمر. انتهى. من حاشية السنوسيَّة ببعض التصرُّف. (1/292)
صفحة 293
وقول المصنِّف: «ما لا يُتصوَّر في العقل عدمه» (بضمِّ الياء)، مبنيُّ على لما يسمَّ فاعله، بمعنى لا يدرك، أو بفتحها مبني للفاعل بمعنى لا يمكن، وقوله: «في العقل» يحتمل أنَّ «ألـ» فيه للعهد، والمعهود الفرد الكامل ويحتمل أنَّها للإستغراق، وعليه فهو شامل لكلِّ عقل، لكن بقطع النظر عن العلائق المانعة من ذلك كالشُّبه التي تقوم لعقل الفِرَق الضالَّة، وقد وقع لهم في حدَّ العقل تعاريف كثيرة أحسنها أنَّه روحانيٌّ به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية، ثمَّ إنَّ قوله: «ما لا يتصوَّر في العقل عدمه» إذ العقل قد يتصوَّر المحال. وأجيب بأنَّ المراد بالتصوُّر هنا التصديق بمعنى الإذعان والقبول، ودخل في التعريف كلّ من الواجب الضروري والواجب النظري، والأوَّل هو ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال كالتحيُّز للجرم بمعنى أخذه قدرا من الفراغ الموهوم، والثاني هو ما يحتاج إلى ذلك كقدرة الله تعالى وكذا سائر ما ذكر في هذا الفنِّ.
قال المصنِّف: «فمِن الواجب له تعالى الوجود».
أقول: قد أخذ المصنِّف في تبيين كلِّ قسم من هذه الأقسام الثلاثة، وقوله: فمن الواجب له تعالى؛ فمِن (بكسر الميم) معناها التبعيض، أي فبعض الواجب له تعالى الوجود وهو نقيض العدم، وإنما قدَّم الوجود على غيره لأنَّه كالأصل لما عداه، إذ لا يصحُّ الحكم بالقدم وما بعده إِلاَّ بعد ثبوته، والوجود عين الموجود لأنَّه وجوده تعالى نفس تحقُّقه، وثبوته في نفس الأمر، ومن الدليل على وجوده تعالى هو أنَّه لو لم يكن موجودا لكان معدوما واللاَّزم باطل فكذا الملزوم. (1/293)
صفحة 294
وفي كتاب شيخنا سيف بن ناصر رحمه الله: «فمن الواجب وجوده الذي هو عين ذاته...إلى أن قال: والدليل على وجوب وجوده حدوث العالم، والعالم أجرام وأعراض، والأجرام ملازمة للأعراض، والأعراض متغيِّرة بالمشاهدة، وملازم المتغير متغير، والمتغير حادث فإذن لا بدَّ لها من محدث واجب لذاته تستند إليه المحدثات دفعا للدور والتسلسل، أمَّا الدور فهو توقُّف الشيء على شيء متوقِّف عليه بمرتبة أو بمراتب، والدور محال لأنَّه يلزم عليه تقدُّم كلّ من المحدثين على الآخر وتأخيره عنه، وذلك جمع بين متنافيين، ويلزم تقدّم كلّ من المحدثين على الآخر وتأخيره وتوقف الشيء على نفسه، وأمَّا التسلسل فهو ترتيب أمور غير متناهية؛ وهو محال لأنَّه يؤدِّي إفراغ ما لا نهاية له». انتهى.
ومحدثها هو الله تعالى: {أوَ لَيس الذي خلق السموات الآرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاَّق العليم} (1) .
قال المصنِّف: «والقدم والبقاء والحياة والإرادة والقدرة والعلم والسمع والبصر والغنى والوحدانيَّة ومخالفة الحوادث».
__________
(1) - ... سورة يس: 81. (1/294)
صفحة 295
أقول: إن هذه الواوات كلِّها للعطف والقدم (بكسر القاف): هو عدم السبق بالعدم، وإن شئت قل: هو في حقِّه تعالى عدم أولية الوجود، وإن شئت قل: عدم افتتاح الوجود وهذا كله في حقّ الله جلَّ وعلا وفي حقّ غيره كما في قولهم: هذا بناء قديم؛ أي طويل المدَّة وضبط بسنة فإذا قال: كلُّ من كان قديما من عبيدي فهو حرٌّ، عتق من له سنة. وهو في اصطلاح المتكلِّمين حقيقة في الأوَّل مجاز في الثاني. وفي اصطلاح اللُّغويين بالعكس، والصحيح أنَّه يجوز إطلاق القديم عليه تعالى لثبوت ذلك بالإجماع، ووروده في بعض الروايات بدل الأوَّل والتحقيق أنَّ القديم والأزليَّ بمعنى واحد وهو ما لا أوَّل له وجوديا كان أو عدميا، والدليل على أنَّه تعالى قديم لو لم يكن كذلك لكان حادثا والحادث لا بدَّ له من محدث (بكسر الدال) وذلك المحدث لا بدَّ إمَّا أنَّ يكون أثرا له فيدور أوَّلاً فيتسلسل وكلاهما محال، واستحالة اللاَّزم توجب استحالة الملزوم فثبت القدم.
وقوله والبقاء هو عبارة عن عدم إلحاق العدم للوجود، وإن شئت قل في حقه تعالى: عدم آخرته الوجود، وإن شئت قلت: عدم اختتام الوجود والدليل على اتصافه تعالي بالبقاء أنَّه لو لم يكن كذلك لكانت ذاته تعالى قابلة للوجود والعدم وقد مرَّ دليل استحالة عدمه تعالى وثبوت قدمه وكل ما ثبت قدمه استحال عدمه. (1/295)
صفحة 296
وقول المصنِّف: «الحياة وهو نقيض الموت» أي فمن الواجب له تعالى الحياة. قال في شرح السنوسيَّة: «هي صفة وجوديَّة تصحح لمن قامت به الإدراك أي أن يتَّصف بصفات الإدراك التي هي العلم والسمع والبصر، ومثل صفات الإدراك غيرها من سائر الصفات كالقدرة والإرادة، وهذا التعريف يحتمل أن يكون للحياة القديمة فقط وهو المناسب للمقام...» إلى أن قال: «واعلم أنَّ الحياة الحادثة غير الروح فليست هي هي، إذ قد توجد بدونها، فقد خلق الله الحياة في كثير من الجمادات معجزة أو كرامة بدون روح كالشجر الذي سلَّم على المصطفى عليه الصلاة والسلام، والحصى الذي سبَّح في كفه e». انتهى.
والدليل على وجوب حياته تعالى وجوب اتصافه بصفات الكمال من القدرة والعلم.
وقوله: «والإرادة»، قال شيخنا سيف بن ناصر رحمه الله: «وفي أبي البقاء في حدها أي الإرادة معنى ينافي الكراهة والإضطرار» إلى أن قال: «وقيل: إنَّها معنى يوجب اختصاص المفعول بوجه دون وجه، لأنَّه لولا الإرادة لمَا كان وقت وجوده أولى من وقت آخر». انتهى.
وفي شرح هذه الرسالة للشيخ الكندي رحمه الله قال: «لأنَّه لو لم يكن مريدا لكان مكرها، فاللاَّزم باطل فكذا الملزوم، ومن هنا تعلم فساد ما عليه المعتزلة لأنَّه تعالى لم يرد وقوع المعصية فيفضي بهم إلى أنَّه تعالى يعصى باستكراه».
قال الشيخ عبد العزيز في المعالم: «ونحن نعلم أنَّ الشيء قد لا يكون مرادا ويؤمر به، وقد يكون مرادا وينهى عنه، لحكم ومصالح يحيط بها علم الله تعالى، ولأنَّه لا يسأل عمَّا يفعل» انتهى.
اعلم أنَّ القول في اعتقاد كون الله سبحانه وتعالى لم يخلق أفعالنا وإنَّما هي خلق لنا، أي أنَّ الله لم يوجد أفعالنا وإنَّما هي موجودة لنا اعتقادا دينيا، وهو مِمَّا يفسق به قائله. (1/296)
صفحة 297
قال سيِّدي نور الدين t: «وأوَّل من قرَّر هذا المذهب الفاسد واصل بن عطاء، وقد تلمذ (1) للحسن البصري ومكث في مجالسته عشرين سنة، وهو المقرِّر لقواعد القول بقدرة العبد وخلقه الفعل، وقال إنَّ البارئ عادل حكيم لا يجوز أن يضاف إليه شين ولا ظلم، ولا يجوز عليه أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به، ولا يجوز عليه أن يخلق للعباد شيئًا فيجازيهم عليه، والعبد هو الفاعل للخير والشرِّ والطاعة والمعصية، والله سبحانه وتعالى مجازيه بفعله»، وقال: «ليس من الحكمة أن يكون الله سبحانه وتعالى يخلق الكفر للكافرين به وهو مبغض للكفر مُعادٍ للكافرين، فيكون ذلك كمن أعان على شتم نفسه».انتهى.
قال أيضًا سيِّدي نور الدين رحمه الله : «وهذا مبني على جعل العقل حاكما على الشرِّ، ولا يجوز عندهم أن يرِد الشرع بخلافه» إلى أن قال: «وجوابه أنَّ المعاصيَ قد صدرت من فاعلها، فإذا كان الله لم يُرد صدورها فيكون مغلوبا حيث كان من العاصي شيء لم يرد الله وقوعه، فيكون مُكرها مقهورا مغلوبا، ومن كان كذلك فليس بإله»، وقد وقع هذا الجواب من أبي عبيدة t لواصل بن عطاء، روي أنَّ واصلا كان يتمنى لقاء أبي عبيدة وكانا أعميين، فقال قائد واصل: هذا أبو عبيدة، فقال واصل لأبي عبيدة: أأنت الذي تقول إنَّ الله يعذِّب على القدر؟ فقال: لا، ولكني أقول: إنَّ الله يعذب على المقدور، أأنت الذي تزعم أنَّ الله يعصى باستكراه، فانقطع واصل ثمَّ قيل له: سألتَه فتخلَّص، وسألك فوقفت. فقال:بنيت له بنيانا منذ ثلاثين سنة فهدمه وهو واقف؛ والفرق بين القدر والمقدور في كلام أبي عبيدة أنَّ القدر فعل الله والمقدور كسب العباد.
قال سيِّدي نور الدين رحمه الله:
ومن يقل إلهنا لم ... يخلق ... أفعالنا بعدا له من أحمق
لقوله لكلِّ شيء ... خالق ... سبحانه الربُّ المليك الرازق
أيضًا وللشيخ أبي مسلم
ما خلقت أفعالها ... المعتزله ... ولا قضت من القضايا خردله
__________
(1) - ... كذا في الأصل. (1/297)
صفحة 298
وروي عن عمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء أنَّه قال: «ماألزمني أحد مثلما ألزمني مجوسي كان معنا في سفينة، إن قلت له لِم لَم تسلم؟، فقال: إنَّ الله تعالى لم يرِد إسلامي، فلو أراده لأسلمت. فقلت: إنَّ الله سبحانه أراد إسلامك ولكنَّ الشياطين لا يدَعونك، فقال لي المجوسي: فأنا أكون إذا مع الشريك الأغلب».
وفي شرح السنوسية قال: «ولا فرق بين الخير والشرِّكما شمله كلام المصنِّف، خلافا للمعتزلة حيث ذهبوا إلى أنَّه تعالى لا يريد الشرور والقبائح، واجتجوا بأنَّ إرادة الشرِّ شرٌّ وإرادة القبيح قبيحة، وبأنَّ النهي عمَّا يراد والأمر بما لا يراد سفه، وبأنَّ العقاب على ما أريد ظلم، والله منزَّه عن ذلك كلِّه، وردَّ بِأَنَّ ذلك إِنَّمَا يعدُّ شرًّا أو قبيحا أو سفها أو ظلما بالنسبة إلى الحادث لا إليه تعالى، لأنَّه لا يسأل عمَّا يفعل، وحكمة أمره ونهيه ظهور الامتحان: هل يطيع العبد أو لاَ، ولا يردُّ على مذهب أهل السنَّة، قوله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} (1) ، لأن الإرادة غير الرضى، والتمسُّك بالآية على ترادفها وهو باطل». انتهى.
قلت: وكذلك لا يردُّ على أصحابنا الإباضيَّة بهذه الآية، ومثلها من الآيات التي احتجَّ بها المعتزلة في هذه المسألة. انتهى.
قال في السنوسية أيضًا: «وبالجملة فيلزم على مذهب المعتزلة أنَّ أكثر ما يقع في الوجود على غير مراده تعالى، وقد حكى أنَّ بعض أيمّة أهل السنَّة حضر مع بعض المعتزلة للمناظرة، فلمَّا جلس المعتزليَّ قال: سبحان من تنزَّه عن الفحشاء، فقال السني سبحان من لا يقع في ملكه إِلاَّ ما يشاء. فقال المعتزلي: أيشاء ربُّنا أن يعصى؟ فقال السنيُّ: أيعصى ربُّنا قهرا؟ فقال المعتزلي: أرأيت إن منعني الهدى وقضى عليَّ بالردى، أحسن إليَّ أم أساء؟ فقال: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فيختصّ برحمته من يشاء؟، فانقطع المعتزلي عن المناظرة». انتهى.
__________
(1) - ... سورة الزمر: 7. (1/298)
صفحة 299
قلت: إن كان المعتزلي غلبته حجَّة المجوسي عابد الشمس، فكيف لا تغلبه حجَّة المسلم عابدًالله عزَّ وجلَّ؟.
وقوله: «والقدرة»، قال شيخنا سيف بن ناصر رحمه الله تعالى: «ويجب أن يكون قادرا معناه موجد بالاختيار؛ أي يصحُّ منه الفعل والترك وفي أبي البقاء والقادر: هو الذي يصحُّ منه أن يفعل تارة وأن لا يفعل أخرى، وأمَّا الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل فهو المختار، ولا يلزمه أن يكون قادرا» إلى أن قال: قال صاحب الملل والنحل: المؤثِّر إمَّا أن يؤثِّر مع جواز أن لا يؤثِّر لا مع جواز أن لا يؤثِّر (1) ، وهو الموجب فدلَّ أنَّ كلّ مؤثر إمَّا قادر أو إمَّا موجب، فعند هذا قالوا: القادر هو الذي يصحُّ أن يؤثِّر تارة وأن لا يؤثر أخرى بحسب الدواعي المختلفة... إلى أن قال: والمحال لا يدخل تحت القدرة، فلا يجوز أن يوصف الله تعالى بالقدرة على الظلم»، قال: «والمراد من قدرة الباري نفي العجز عنه». انتهى.
وفي الكشَّاف: «فإن قلت كيف قيل: {إنَّ الله على كلِّ شيء قدير} (2) وفي الأشياء ما لا تعلُّقَ به للقادر كالمستحيل، وفعل قادر أخِّر؟ قلت: مشروط في حدِّ القادر أن لا يكون الفعل مستحيلا، فالمستحيل مستثنى في نفسه» إلى أن قال: «وأمَّا الفعل بين قادرين فمختلف فيه». انتهى.
قال السيِّد قوله: «فالمستحيل مستثنى في نفسه عند ذكرالقادر يريد أنَّه عامٌّ مخصوص بقرينة العقل، وكذلك الواجب لذاته مستثنى عند ذكره أيضًا، ومن ثمَّ قيل: أراد بالمستحيل في السؤال والجواب ما يستحيل تعلُّق القدرة به في نفسه، فيتناول الممتنع والواجب معًا» إلى أن قال قوله: «فمختلف فيه» أي هل يمكن أن تتعلَّق قدرتان معًا بمقدور أو لا فإن أمكن كان مقدور غيره مقدورا له أيضًا وداخل في حكم الله، (الآية)». انتهى.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مع جواز أن يؤثِّر».
(2) - ... سورة البقرة:20. (1/299)
صفحة 300
أقول: أشار صاحب الكشاف إلى مذهبه أنَّ الأفعال أفعال المخلوقات الاختيارية لا تدخل تحت قدرة الباري وهو خطأ. قال بعض قوله، وأمَّا المقدور بين قادرين، فإنَّها ورطة يشتاق إليها القدريَّة إذ يعتقدون أنَّما (1) تعلَّقت به قدرة العبد استحال أنَّ يتعلَّق به قدرة الربِّ، لأَنَّ قدرة العبد خالقة فيستغني الفعل بها عن قدرة خالق آخر. انتهى.
من الإرشاد شرح مهمَّات الاعتقاد عن العلاَّمة شيخنا سيف بن ناصر الخروصي رحمه الله تعالى: «واعلم أنَّ القدرة لا تتعلَّق إِلاَّ بالممكن وجوده وعدمه، فلا لها تعلُّقٌ بالواجب ولا بالمستحيل، فلأجل ذلك لا يقال: قادر على ذاته لأنَّ ذاته تعالى واجبة الوجود، ولا بالمستحيل، فلذا لا يجوز أن يقال: الله قادر على اتِّخاذ شريك، واتِّخاذ ولد له تعالى الله عن ذلك».
وقوله: «والعلم»، قال الشيخ الكندي رحمه الله: «والدليل على علمه تعالى أنَّه لو لم يمكن (2) عالما لما كنت أنت في ذاتك متَّصفا بغاية الإتقان».
قال شيخنا السالمي رحمه الله: «وهذا الدليل مثبت له تعالى العلمَ بكلِّ كليٍّ وجزئيٍّ كائنا ما كان ممكن أو واجب، فهو أعمُّ من القدرة من وجه لأنَّها لا تختصُّ إِلاَّ بالممكنات دون الواجبات وإنَّما قلنا: إنَّه عالم بكلِّ شيء لأنَّ الموجب للعلم ذاته والمقتضي للمعلوميَّة ذوات المعلومات ومفهوماتها ونسبة الذوات إلى الكلِّ سواء، فإذا كان عالما ببعضها كان عالما بكلِّها».
فائدة
من كتاب شيخنا العلامة سيف بن ناصر رحمه الله تعالى:
«قد علم أنَّ العلم يتعلَّق بالواجب والممكن الذي وجد أو يوجد، وعلى قول أهل المغرب فلا يتعلَّق بالممكن الذي لا يوجد ولا بالمستحيل.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أنَّ ما».
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «يكن». (1/300)
صفحة 301
قلت وقد صرَّح بذلك الإمام القطب t بما نصُّه: «ولا تعلُّقَ عندنا لعلم الله بما هو محال لذاته كصفات الخلق لله عزَّ وجلَّ وصفاته تعالى للخلق إِلاَّ من حيث إنَّه محال، وعلى قول قومنا وأهل عمان لعلم الله تعلُّقٌ بالجائز لذاته الذي لا يقع من حيث علِم أنَّه لو وقع وقع على كيفيَّة كذا». انتهى.
قال شيخنا العلاَّمة سيف بن ناصر رحمه الله قال في المعالم: «لا يخلو إمَّا أن يريدوا به أنَّه يتعلَّق أي بالمستحيل والممكن الذي لا يوجد على وجه انكشاف حقيقته وماهيته، أو على وجه صحَّة الحكم عليه بأنَّه لا يوجد، أو بأنَّه مستحيل، فإن أرادوا به الأوَّل - أي انكشاف حقيقته وماهيته - فباطل، لأنَّ العلم هو ما يوجب انكشاف الشيء انكشافا تاما بحيث لا يحتمل النقيض بوجه ما كما مرَّ، ولا حقيقة في الخارج لما ذكر تستدعي ذلك الانكشاف، وإن سلِّم اعتبارُ وجودها في الذهن فليس الكلام فيه؛ وإن أرادوا به الثاني - أي على وجه صحَّة الحكم عليه، أي بأنَّه لا يوجد، أو بأنَّه مستحيل، فمسلَّم وغير بعيد في هذا المقام لأنَّه أمر اعتباري لا ينكره أحد» انتهى بزيادة. (1/301)
صفحة 302
قلت: لا يخطر في بالك أنَّ المغاربة رحمهم الله أرادوا بقولهم أنَّ علم الله سبحانه لا يتعلَّق بالمعدوم أنَّه لايتعلَّق به مطلقًا، فحاشاهم منه لأنَّ ذلك شرك ففيما منَّ الله به عليَّ من ترتيب فتاوى سيِّدي نور الدين t وهو ترتيب لم يتمُّ بعد، وقد سمَّيته الكشف والتبيين في ترتيب أجوبة الإمام نور الدين ما نصُّه: «وسئل عمَّن قال: إنَّ علم الله لا يتعلَّق بالمعدوم مطلقًا، هل يكون بذلك مشركا أم لا؟»، الجواب: «يلزمه ذلك لأنَّ معنى قولهم: يتعلَّق عمله تعالى بكذا؛ أي يعلم كذا وكذا، وقوله: لا يتعلَّق علمه تعالى بكذا؛ أي لا يكون ذلك الشيء معلوما له تعالى»، فالقائِل بِأَنَّ علمه تعالى لا يتعلَّق بالمعدوم مطلقًا يلزمه القول بِأَنَّ الله لا يعلم المعدوم مطلقًا، لأنَّهما عبارتان عن معنى واحد، وكذا يلزمه أيضًا الشرك على هذه المقالة، فإنَّه قد وصف الربَّ تعالى بالجهل، ومن وصفه بذلك فهو مشرك، ولأنَّه قد خالف النص القرآني مكابرة هكذا ومن خالف النصَّ القطعي بلا تأويل فهو مشرك وذلك النص مثل قوله تعالى: {علم أن سيكونُ منكم مرضى} (1) ، {علم الله أنَّكم ستذكرونهنَّ} (2) ونحو هاتين الآيتين، فإنَّه تعالى علم ما سيكون بعد، ولا شكَّ أنَّما (3)
__________
(1) - ... سورة المزمل: 20.
(2) - ... سورة البقرة: 235.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أنَّ ما».. (1/302)
صفحة 303
سيكون معدوما في حال الأخبار ولا ينفعه ما تخيله في ذهنه من الخيالات الباطلة، حتَّى يعدَّ بذلك متأوِّلاً، أمَّا ما ذهب إليه أصحابنا من أهل المغرب فهو شيء غير ما هنالك، وذلك أنَّهم قالوا: إنَّ علمه تعالى يتعلَّق بالموجود وبالمعدوم الممكن وجوده، وينفون تعلُّقه بالمستحيل وجوده، لأنَّ المستحيل وجودُه عندهم لا شيء أصلاً، فلا يصحُّ أنْ يكون معلوما، لأنَّ العلم لا يتعلَّق بلا شيء، ومع قد يستدلُّون بأدلَّة تُطلَب من مواضعها، ولا ينافي مذهبهم قوله تعالى: {ولو ردُّوا لعادوا} (1) ، لأنَّ عودتهم بعد ردِّهم من المعدوم الممكن وجوده، وهم يقولون بتعلُّق علمه تعالى بمثل هذا، والصحيح عندي ما ذهب إليه الأصحاب من أهل المشرق، من أنَّ علمه تعالى متعلِّق بكلِّ ممكن ومستحيل، وللاستدلال مقام يطول والله أعلم.
وفي ذلك الترتيب (2) ما نصّه: «وسئل t: هل يعلم الله المعدوم من حيث هو معدوم، أم يعلم عدم المعدوم ليس إِلاَّ، فإنِّي قد رأيت في كتاب لبعض الشيعة أنَّه لا خلاف ولا إشكال في أنَّ النفي بما هو نفي غير قابل لأن يتعلَّق به العلم، فكذلك المعدوم، لأنَّه بمعناه، وإنَّما ذهب من ذهب إلى جواز تعلق العلم بالمعدوم لزعمه أنَّ له نوعا من الوجود الذهني كالوجود الذهني مثلا، وهذا القائل مذهبه أنَّ علم الله لا يتعلَّق بالمعدوم؟
__________
(1) - ... سورة الأنعام: 28.
(2) - ... إشارة إلى الكشف والتبيين. (1/303)
صفحة 304
الجواب: أنَّه تعالى عالم بعدم المعدوم، وعالم بماهية المعدوم من حيث هو معدوم، وعالم بماهية المعدوم من حيث إمكان وجودها، وعالم بماهية المعدوم من بعد وجوده كيف يكون، وعالم بماهية المعدوم المستحيل وجوده أن لو كان كيف كان يكون، فعلمه تعالى محيط بجميع ذلك، فقد أحاط بكلِّ شيء علما، وما رأيته في كتاب بعض الشيعة من دعوى الخلاف في أنَّ النفي بما هو نفي غير قابل لأن يتعلَّق به العلم، فدعوى غير مسموعة؛ نعم إن أراد العلم الحادث فلا يصحُّ أن يكون النفي المحض متعلِّقا له أمَّا عمله تعالى فسواء في جانبه النفي والوجود، لأنَّه ليس بشيء زائد على الذات كما تقرَّر، وقد ثبت أنَّ الذات العليَّة قد انكشفت لها الأشياء انكشافا تامًّا، فسواء في حقّ انكشافها لها الوجود والعدم، والثبوت والنفي، وأمَّا قوله: إِنَّمَا ذهب من ذهب إلى جواز تعلُّق العلم بالمعدةم لزعمه أنَّ له نوعا من الوجود الذهني مثلا».انتهى
«فجوابه: إنَّ أصحابنا قد ذهبوا إلى تعلُّق علمه تعالى بالمعدوم لا على تقدير ذلك النوع الوجوديِّ الذي ذكره، فلا تتمّ له دعوى عدم الخلاف هذه، مع أنَّ الوجود الذهني لا يكون شرطا بتعلق العلم القديم، وإنَّما هو شرط لتعلُّق العلم الحادث فقط، فتفطَّن له فإنَّه مخلِط والله أعلم».
وفي ذلك الترتيب ما نصُّه: «وسئل نفعنا الله به ما نصُّه: قلتم إنَّ علم الله تعالى متعلِّق بالموجودات والمعدومات التي ستوجد والمستحيلات، وقلتم: إنَّه تعالى متكلِّم بذاته وعالم بذاته، ومنعتم تعلُّق الأمر والنهي بالمعدوم؛ فما وجه ذلك؟ (1/304)
صفحة 305
الجواب: إن تعلَّق علمه تعالى بالمعدومات الممكنة والمستحيلة، لا يستلزم تعلُّق أمره ونهيه بالمعدوم، لأنَّ معنى تعلَّق عمله بالأشياء مطلقًا انكشافُ الأشياء لذاته العليَّة انكشافا تامًّا، ومعنى تعلق الأمر والنهي بالأشياء هو كون ذلك الشيء مأمورا ومنهيًّا، ولا يكون المعدوم مأمورا ولا منهيًّا؛ فلا يصحُّ تعلُّق الأمر والنهي به، لأنَّ المعدوم لا يصحّ خطابه، لأنَّ خطابه عبث والربُّ تعالى متَّصف بالحكمة، فلا يجوز اتِّصافه بالعبث تعالى الله عن ذلك. نعم يصحُّ خطابه بواسطة من يبلغه عند وجوده، وليس هو مِمَّا نحن بصدده؛ وقولنا: إنَّه تعالى متكلِّم بذاته لا يستلزم أن يكون آمِراً بذاته، وناهياً بذاته، لأنَّ معنى متكلِّم بذاته أي ذاته متكلِّمة، أي متِّصفة بنفي الخرس عنه تعالى فلا يكون هذا الكلام بهذا الاعتبار متنوِّعا إلى الأمر والنهي وغيرهما، وإنَّما المتنوِّع إلى ذلك هو الكلام الفعليُّ، فإنَّه يكون مرَّة صفة ذات كما تقدَّم، وأخرى صفة فعل وهو خلقه للكلام المتلوِّ المسموع والله أعلم».انتهى
وفي الترتيب المذكور ما نصُّه: «وسئل رحمه الله: ما قولك أيضًا في معلومات الله، أمتناهية هي؟ أم غير متناهية؟ فإن قلت متناهية تناهى علمه تعالى؛ وإن قلت: غير متناهية، لزم إحاطة عمله بجميعها؛ وكلا اللازمين باطل؟ (1/305)
صفحة 306
الجواب: إنَّ معلومات الله منها ما هو متناه وهو ما عدا ذاته تعالى، ومنها ما هو غير متناه، وهو ذاته تعالى؛ لأنَّه جملة معلوماته. وما ذكرته من لزوم تناهي علمه تعالى بتناهي معلوماته فهو غير مسلَّم، لأنَّ ذلك اللزوم إِنَّمَا يتوجه عليه أنْ لو كان عالمًا بغير ذاته، والمذهب أنَّه عالم بذاته لا بعلم يتعلَّق بالمعلوم بتناهيه، وقد قرَّر بيان فساده في فنِّه، ولزوم إحاطة علمه بجميع معلوماته غير باطل، بل هو الواجب في حقِّه تعالى، لأنَّه أحاط بكلِّ شيء علما، لا يقال على هذا يلزم أنْ تكون ذات الله محاطاً به، والمحاط به متناه ضرورة، لأنَّا نقول: إنَّ الإحاطة التي يلزم عليها التناهي هي الحقيقة كإحاطة الحائط بالدار، وأمَّا إحاطة العلم بالمعلوم فلا يلزم عليها تناه لأنَّها مجازي استعاري شبّه فيه العلم بالشيء الحائط على ما احتوى عليه بجامع أنَّ كلاًّ منهما لا يشذّ عنه شيء مِمَّا أحاط به، فالعلم لا يعزب عنه شيء من معلوماته، كما أنَّ الحائط لا يخرج عنه شيء مِمَّا احتوى عليه، وفائدة التجوُّز التنبيهُ على أنَّ علم الله لا يعزب عنه شيء، وفائدته أيضًا تقرير ذلك المعنى في عقول الناس، حيث شبَّه بما شاهدته الحواس والله أعلم».انتهى
قال شيخنا سيف بن ناصر رحمه الله: «والذي عليه الإمام الخليلي وغيره على أنَّ علمه تعالى يتعلَّق بالممكن والواجب والمستحيل واستدلَّ عليه بالآيات منها قوله تعالى: {لئنْ أُخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولُّنَّ الأدبار ثمَّ لايُنصرون} (1) ومنها قوله تعالى: {ولو ردّوا لعادوا لما نُهُوا عنه} (2) ومن قال يتعلَّق العلم بالجميع لا يقول إنَّه تعالى يعلم حقيقة إنسان من ذهب مثلاً، بل يعلمه سبحانه وتعالى أنَّه مستحيل، فهو نفس الحكم عليه».
__________
(1) - ... سورة الحشر: 12.
(2) - ... سورة الأنعام: 28. (1/306)
صفحة 307
وقال في شرح النونيَّة: «ويقال: الله عالم ويعلم وقد علم وعليم وعلاَّم» إلى أن قال: «ويعلم أنَّه ليس لنفسه شريك». انتهى
ألا ترى أنَّه أثبت العلم بعدم الشريك وهو المطلوب.انتهى من كتاب شيخنا t.
أقول: فسؤال صدر من البليد الجامع بهذا المقال نصُّه: «سيِّدنا إمام المسلمين محمَّد بن عبد الله الخليلي، عن القول بتعلق علمه تعالى بالمستحيل، فما كَيفِيَّة هذا التَّعَلُّق، إذ من المستحيل وجود ربٍّ غير ربِّنا عزَّ وجلَّ، فهو مستحيل عقلاً ونقلاً، وقد صرَّحوا باستحالة وجوده رؤية الباري سبحانه وتعالى عقلاً ونقلاً، وما ذلك إِلاَّ لكون شروط الرؤية مفقودة فيها؟»
فقال t الجواب: «لا يتعلَّق علمه تعالى بالمستحيل إذ من المستحيل وجود الشريك مع الله، والقائل بأنَّه يتعلَّق لعلَّه يرى وجهاً ونحن لا نراه». انتهى
ومن جواب للشيخ العلاَّمة أبي إسحاق اطفيَّش متعنا الله به لسؤال هذا البليد الجامع لهذا المقال وهو: «هل يتعلَّق علم الله سبحانه وتعالى بالمستحيل وما كيفيَّة هذا التعلق؟». (1/307)
صفحة 308
قال: الجواب: «إنَّ علمه سبحانه وتعالى يتعلَّق بالواجب والممكن، ولا يعلق بالمستحيل عقلا إِلاَّ من حيث الحكم باستحالته، إذ المستحيل عقلا عدمٌ محضٌ لا يطرأ عليه وجود البتَّة، ولا يمكن للعقل أن يتصوَّر له ماهية لأنَّه من الأمور الفرضية والاعتبارية، وما كان فرضًا واعتباراً لا وجود له في الذهن ولا في الخارج، لكن لما كان لا بدَّ من الكلام على حكم المستحيل ولا بدَّ من الحكاية عنه اخترع له العقل ما يكون الكلام عليه، ولهذا قال أبو هاشم المعتزلي: لعلمٌ بالمستحيل علم لا معلوم له. وقال بعضهم: المستحيل لا يعلم من حيث ذاته وماهيته. أي لأنَّه لا ذات له ولا ماهية أي حقيقة، فالمستحيل لا يوجد قطعا وليس بموجود، مثال ذلك أنَّ اجتماع النقيضين ككون الشيء موجودا معدوما في آن واحد مستحيل عقلاً، فمتعلِّق العلم هو عدم حصول ذلك، إذ هو عدمٌ محضٌ لا يمكن للعقل أنَّ يتصوَّر له ذاتا ولا ماهية، فالعقل يجزم بعدم تحقُّق ذاته، أي لا يمكن أن تكون ذاته ثابتة لا ذهنا ولا خارجا، فممَّا تقدَّم لك تعلم أنَّ إطلاق المعلوم مستحيل ضرب من ضروب المجاز».انتهى
أقول: وفي حفظي عن القطب t أنَّه يمنع من إطلاق القول في أنَّ الله تعالى يعلم المستحيل أو لا يعلمه، قال:«لأنَّ هذه العبارة توهم أنَّه غير عالم»، قال t في الذهب الخالص: «وأمَّا ما لم يكن ولا يكون فلا يقال علمه الله، ولا لمْ يعلمه، ويجوز أنْ يقال: ولو كان موجودًا أو سيوجد لعلمه الله».أهـ
أقول: وهذا سؤال وجهته إلى العلامة الشيخ عيسى بن صالح بن علي أبقاه الله ونفعني به نصُّه: وعن القول في أهل الفترة (1)
__________
(1) - ... الفترة: ما بين كلِّ نبيئين، وفي الحديث: فترة ما بين عيسى ومحمَّد عليهم السلام.
... ... ... ... ... ... ابن منظور: لسان العرب، ج4/ص1046. (1/308)
صفحة 309
أنَّهم غير معذَّبين، أهو مِمَّا انفرد به القوم عنَّا، أو هو مِمَّا يسوغ فيه الخلاف، لأنَّ قد لاح لي في كلام للقطب رفيعة ما يشعر بالقول فيه، وذلك في تفسيره لقوله تعالى: {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} (1) .انتهى والصلاة السلام على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه.
قال الجواب: «لا قائل من أهل المذهب أنَّ أهل الفترة معذورون، فإنَّ حجَّة الله قد قامت على المكلَّفين بما نصبه لهم من الأدلَّة الدالَّة على وحدانيته، قال القطب في تفسير قوله: {وما كنَّا معذِّبين حتَّى نبعث رسولا} (2) وقد بعث الله الرسل فلا يعذر أهل الفترة في التوحيد ولا فيما دونه، ولو لم يجدوا مخبرا؛ هذا مذهبنا، والواضح أنَّهم لا يعذرون في الشرك لأنَّهم عقلاء، والموجودات دلائل الله يعرفونه بها، وغفلوا النظر فعوقبوا على الإغفال، وبعثة الرسل منبِّهة، وجاء الحديث بأنَّ أهل الفترة في النار وقال e لقومه وغيرهم: «آباؤكم في النار»، ولم يقيّد بعدم السماع، وزعمت الأشعرية أن لا تكليف قبل البعثة ولزمهم إباحة الإشراك. انتهى
قلت: وما قاله رحمه الله نظير ما قاله سيِّدي نورالدين t ونصه: «هل لأهل الخلاف دليل على دعواهم إعذار أهل الفترة؟ أم هو من جملة تقولهم على الله بما لم يعلموا؟ وهل كلّهم مطبقون على ذلك أم بعض منهم دون بعض ؟فضلا منك بالجواب.
__________
(1) - ... سورة يس: 6.
(2) - ... سورة الإسراء: 15. (1/309)
صفحة 310
قال رحمه الله تعالى الجواب: أهل الخلاف فِرق كثيرة والمخالف في المسألة الأشاعرة فقط، ولعلَّهم أيضًا لم يتَّفقوا كلّهم على ذلك بل أكثرهم عليه ولا دليل لهم على ذلك، إِلاَّ أنَّهم تمسَّكوا بقوله تعالى: {وما كنَّا معذِّبين حتَّى نبعث رسولا} مع قوله عزَّ وجلَّ من قائل: {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون}. قالوا: والغافل غير مكلَّف، وقد جاءت أخبار يعترفون بصحَّتها مصرِّحة بتعذيب أشخاصٍ ماتوا في زمن الفترة، فقصَروها على أولئك الأشخاص، وعذروا من بعدهم فيقال لهم: إن كان العذر واقعا لغيرهم لأجل الفترة، فالمنصوص على تعذيبهم ماتوا فيها، والحكمة الإلهيَّة تقتضي عدم الفرق مع اتِّحاد المعنى، أمَّا قوله تعالى: {وما كنَّا معذِّبين حتَّى نبعث رسولا} فمسوق في معرض هلاك الدنيا، أي: لا يهلك الله قوما بالخسف أو الصيحة أو الإغراق أو نحو ذلك من آثار الغضب، إِلاَّ بعد أن يبعث الله إليهم رسولاً يخوِّفهم عقوبة ذلك، كما أرسل نوحا إلى قومه، وكذلك هود وصالح ولوط وشعيب u، وإن قلنا: إنَّ الآية عامَّة في عذاب الدنيا والآخرة فإنَّ الله سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل مبشِّرين ومنذرين، وقامت على الناس بهم الحجَّة، ودعوتهم واحدة في تحريم الشرك ووجوب الإيمان، والعقول شاهدة بذلك، فالعذاب إِنَّمَا كان بعد بعث الرسل. (1/310)
صفحة 311
وأمَّا قوله تعالى: {ما أنذِر آباؤكم} فمعناه أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يرسَل إلى العرب خاصَّة أنفسهم نذيرا قبل محمَّد e، والمراد بالعرب آباء المنذَرين من قريش ونحوهم، فإنَّهم لم يأتهم رسول يخصُّهم، وإن كانت دعوة الرسل عامَّة، والحجَّة بذلك قائمة، وقوله: {فهم غافلون} ذمٌّ على حدّ قوله عزَّ وجلَّ: {فهم في غفلة معرضون} (1) ، وليس المراد بالغفلة ما يظنُّه قومنا من الذهول المقتضي لعدم قيام الحجَّة، ولو كان المراد ذلك ما ذمَّهم به، فكيف وقد عقِبه بقوله: {لقد حقَّ القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} (2) ، وكيف تكون الغفلة والرسول يدعوهم إلى الإسلام، ويتلو بينهم القرآن، ويظهر لهم المعجزات. والله أعلم.انتهى
وقول المصنِّف: «والسمع»، أي: من صفاته الثابتة له عقلا كونه سميعاً، قال الشيخ الكندي رحمه الله: «والدليل على ذلك أنَّه تعالى لو لم يكن سميعاً لكان أصمّ، ولو كان كذلك لكان ناقصا، واللازم باطل فكذا الملزوم».
وفي المشارق قال: «والدليل على أنَّه تعالى سميع هو أنَّه لو لم يكن تعالى سميعا مع اتصافه بالحياة لوجب أن يكون أصم»، واللازم باطل فكذا الملزوم.
وقول المصنِّف: «والبصر»، أي صفاته تعالى كونه بصيرا، والدليل على أنَّه تعالى بصير هو: أنَّه لو لم يكن تعالى بصيرا مع اتِّصافه بالحياة وجب أن يكون أعمى، واللازم باطل.
وفي المشارق ما نصُّه: «اعلم أنَّ صفتي السمع والبصر راجعتان إلى العلم، لأنَّ السمع في حقِّه تعالى هو: العلم بالمسموعات، والبصر في حقِّه عزَّ وجلَّ هو: العلم بالمبصرات، فهما علم خاصّ، والعلم بالأشياء كلّها علم عام، وعلى هذا فسَّر قوله تعالى: {إنني معكما أسمع وأرى} (3) ، أي أعلم ما تقولون وما تفعلون». انتهى
__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 1.
(2) - ... سورة يس: 7.
(3) - ... سورة طه: 46. (1/311)
صفحة 312
وقول المصنِّف: «والغني» والدليل على ذلك، أنَّه تعالى لو لم يكن كذلك لكان محتاجا إلى الغير، ومن كان كذلك فليس بإله، واللازم باطل فكذا الملزوم.
وقول المصنِّف: «والوحدانية»، قال الشيخ الكندي رحمه الله تعالى: «والدليل على وحدانيته أنَّه لو لم يكن واحداً لكان مشارَكا، ولو كان كذلك لفسد خلق السموات والأرض، وقوله تعالى: {لو كان فيهما آية إِلاَّ الله لفسدتا} (1) ، واللازم باطل فكذا الملزوم»،
ولو تعدَّد الإله ... لظهر ... فساد هذا العالَمِ الذي بَهَر
وفي المشارق قال: «وتشهد له بالوحدانية (بفتح الواو) نسبة إلى الوحدة، فياؤها للنسب، والألف والنون للمبالغة، كما في الرقباني نسبة للرقبة، وشعراني نسبة للشعر» إلى أن قال: «ومبحث الوحدانية أشرف مباحث هذا الفنِّ، ولذلك سمِّي باسم مشتق منها، فقيل: علم التوحيد، ولعظم العناية به كثر التنبيه والثناء عليه في الآي القرآنية فقال تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إِلاَّ هو الرحمن الرحيم} (2) إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أنَّ الوحدانية شاملة لوحدانية الذات والصفات والأفعال».
وقول المصنِّف: «ومخالفة الحوادث»، أقول والمخالفة مصدر ميمي أي ليس له تعالى مشابه في ذاته ولا صفاته ولا في أفعاله، لوجوب مخالفته تعالى للممكنات ذاتا وصفةً وأفعالاً، وبنفي الشبيه عنه تعالى تنتفي عنه المعلولية والعلَّة كالوالدية والولدية، لأنَّه لو كان تعالى مولودًا لكان منفصلا من غيره، وذلك الغير هو علَّة له وسابق عليه في القدم، ولو كان والدًا للزم أن يكون الولد منفصلاً منه وهو علَّة له، فبطل دعوى النصارى أنَّ عيسى ابن الله، ودعوى اليهود أنَّ عزير ابن الله، ولا شبهة في كون عيسى لا أب له، فإنَّ آدم u خلقه الله من غير أم ولا أب، فهو أعجب خلقا من عيسى. انتهى الإمام السالمي
__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 22.
(2) - ... سورة البقرة: 163. (1/312)
صفحة 313
قال المصنِّف: «فهو موجود قديم حي مريد قدير عليم سميع بصير واحد غني، مخالف للحوادث».
أقول: إنَّك إذا فهمت ما تقدَّم ذكره في قوله فمن الواجب له تعالى الوجوب وقدم البقاء...إلى قوله: إلى مخالفة الحوادث»، فاعلم أنَّه تعالى موجود لوجوب وجوده الذاتي، غير معلوم، وفي كتاب العلامة الشيخ سيف بن ناصر t قال: «معنى وجوده لذاته لا لشيء يقتضي كونه موجودا بل وجوده ثابت لذاته، قال بعض: واجب الوجود لذاته هو الواجب بالذات لخلاف الواجب بالغير، وهو ما يكون مقتضياًّ لوجوده من حيث الذات، بل باعتبار آخر وبعبارة أخرى واجب الوجود لذاته، وهو الذي لا يتصوَّره العقل إِلاَّ موجودًا». انتهى
وقول المصنِّف: «قديم»، أي غير حادث، ومن كتاب شيخنا العلامة سيف بن ناصر تقدَّم معنى الوجوب أن يكون قديما، وفسّر بمعنى لا أوَّل لوجوده إلى أن قال: «وفي أب البقاء: والقدم في حقّ الباري بمعنى الأزلية التي هي كون وجوده غير مستفتح، لا بمعنى تطاول الزمن، فإنَّ ذلك وصف للمحدثات كالعرجون القديم، وليس القدم بمعنى زائدا على الذات، فيلزمك أن تقول ذلك المعنى أيضًا قديم بقدم زائد عليه، فيتسلسل إلى غير نهاية» إلى أن قال: «قالوا الدليل على قدمه تعالى أنَّه لو لم يكن قديما لكان حادثا، وحدوثه مفتقر إلى محدث، فيدور أو يتسلسل والكلُّ محال، وقدمه صفة سلبية بل وباقي صفاته غالبا كذلك» إلى أن قال: «قال الإمام الخليلي رضوان الله عليه: اعلم أنَّ صفاته الكمالية أخصّ بهذا الباب، إذ لا يحسن أن يقال بغيره في الجواب، فوصفه بالأزلية والقدم والأولية لا يقتضي إِلاَّ نفي الحدوث عنه، والحياة والبقاء عبارة عن عدم موته وفنائه وتغييره وزواله، والآخر عبارة عن عدم تناهيه، ونفي الفناء عنه، والأحدية والواحدية عبارة عن سلب الكثرة، وتنزيهه عن الثاني والثالث، ويجوز فيهما أن يكون المراد منهما نفي الحدوث، لأنَّ الواحد ما لا شيء قبله والأحد كذلك». انتهى (1/313)
صفحة 314
وقال رحمه الله تعالى: «قال الباجوري: الصفات السلبية جزئيتها لا تنحصر خلافا لبعضهم، وإنَّما قلنا غالبا إنَّ بعض الصفات مع سلبها ضدَّها لا بدَّ من تعلُّقها بأمر آخر كالقدرة، فإنَّها مع سلبها العجز لا بدَّ من تعلقها بالمقدور فلينظر في ذلك». انتهى
وقول المصنِّف: «باق»، أي لا يجوز عليه الفناء؛ وفي المعالم: «يجب أن يكون ربنا باقيا بمعنى أنَّه لا يلحق وجوده عدم قال: والبقاء له تعالى هو سلب العدم اللاحق لوجوده، قال: والدليل على وجوب البقاء له أنَّه لو قدَّر لحوق العدم له تعالى عن ذلك لكانت ذاته العليَّة تقبل الوجود والعدم، لفرض اتصافه بهما، ولا تتصف ذاته بصفة حتَّى تقبلها، لكن قبوله تعالى للعدم محال، إذ لو قبله لكان هو والوجود بالنسبة إلى ذاته سيان، إذ القبول للذات نفسي لا يختلف ولا يتخلَّف، فيلزم افتقار وجوده إلى موجد يرجِّحه على العدم الجائز، فيكون حادثا، كيف وقد ثبت بالبرهان القطعيِّ وجوب قدمه، فبان ذلك بهذا البرهان أنَّ وجوب القدم يستلزم وجوب البقاء أبدا».
قال في المعالم أيضا: «تجويز العدم اللاحق يوجب ثبوت العدم السابق، يعني أنَّ القديم واجب البقاء وعكسه بالموافق غير الواجب البقاء ليس بقديم». انتهى
وقول المصنِّف: «حيٌّ» أي أنَّ الله تعالى هو حيٌّ لا يجوز عليه الموت، وفي المعالم: «يجب أن يكون ربُّنا عزَّ وجلَّ حيًّا، وإلاَّ لم يكن متَّصفا بتلك الكمالات السابقة من القدرة والإرادة والعلم، وبيان الملازمة أنَّ تلك الصفات مشروطة عقلا، بكون المتَّصف بها حيًّا، فلو قدر عدمه لوجب عدمها وجوب انتفاء المشروط لانتفاء شرطه...» إلى أنَّ قال: «والحياة صفة توجب لمن اتصف بها أن يكون فاعلا».
وفي شرح النونيَّة: «والدليل على حياته تصرُّفه في خلقه بالإيجاد والإعدام والإكراه والإيلام والإفناء والإعادة، ونحو ذلك مِمَّا يستحيل وجوده من الأموات». (1/314)
صفحة 315
وقول المصنِّف: «مريد»، أقول فعبارة شيخنا سيف بن ناصر: «وأن يكون مريدا، ومعناه: ترجيح أحد طرفي الممكن أي تخصيص الحوادث بأحد الطرفين الجائزين، وفي أبي البقاء في حدِّها أي الإرادة معنى ينافي الكراهة والاضطرار» إلى أن قال: «واختلف في معنى إرداته تعالى، والحق أنَّه ترجيح أحد طرفي المقدور على الآخر، وتخصيصه بوجه دون وجه، قال: ثمَّ إنَّ إرادة الله تعالى ليست صفة زائدة على ذاته كإرادتنا، بل هي عين حكمته التي تخصص وقوع الفعل على وجه دون وجه، وحكمته عين علمه المقتضي لنظام العالَم على الوجه الأصلح والترتيب الأكمل». انتهى
وقول المصنِّف: «قدير» فوزنه فعيل، بمعنى فاعل أي قادر غير عاجز.
قال في المعالم: «لو لم يكن الصانع للعالم قادرا لمَا أوجده، وبيان الملازمة أنَّه لو لم يكن قادرا لكان عاجزا، والعاجز لا يتأتَّى منه فعل ولا وترك» قال: «وقد ومرَّ أنَّ الموجد بالاختيار هو الذي يصحُّ منه الفعل بدلا عن الترك، وبالعكس أي يصحُّ منه أن يفعل الشيء، وأن لا يفعله». انتهى
وقول المصنِّف: «عليم» أي غير جاهل قال الله تعالى: {وهو بكلِّ شيء عليم} (1) ، وفي الكشاف عن هذه الآية: «فمن ثمَّ خلقهنَّ خلقا مستويا محكما من غير تفاوت، مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم».
__________
(1) - ... سورة البقرة: 29. (1/315)
صفحة 316
قال أبو البقاء: «فلا يخفى على الله ما يصحُّ أن يعلم كليًّا كان أو جزئيًّا، لأنَّ نسبة المقتضى لعلمه إلى الكلي واحدة، فمهما حدثت المخلوقات، لم يحدث له تعالى علم آخر بها، بل حصلت مكشوفا له بالعلم الأزليِّ، فالعلم بأن سيكون الشيء هو نفس العلم بكونه في وقت الكون من غير تجدُّد ولا كثرة، وإنَّما المتجدِّد هو نفس التعلُّق والمعلَّق به، وذلك مِمَّا لا يوجب تجدد المتعلق بعد سبق العلم بوقوعه في وقت الوقوع»... إلى أن قال: «فالصانع الذي لا يشغله شأن عن شأن واللَّطيف الخبير الذي لا يفوته كمال، لا بدَّ وأن يعلم ذاته ولازم ذاته ولازم لازمه جمعا وفرادى، إجمالا وتفصيلا إلى ما لا يتناهى، وبديهة العقل تقضي بأنَّ إبداع هذه المبدعات، وإبداع هذه الحكم والخواص يمتنع إِلاَّ من العالم بالممتنعات والممكنات والموجودات قبل وجودها علما جزئيا بأنَّه سيكون وقت كذا ليقصد ما يشاء، وفي وقت شاءه فيه، وبعد وجودها أيضًا ليجعلها مطابقا لما يشاء». انتهى
ولهذا قال الإمام السالمي t:
ولم يزل وليس شيء ... معه ... وعالم من قبل أن يصنعه
بكونه ... ولونه وشكله ... وما إليه صائر بفعله
وقول المصنِّف: «سميع» أي ليس بأصمَّ، قال في القناطر: «إنَّه تعالى سميع لا تخفى عليه الأصوات...» إلى أن قال: «فالسميع كناية عن درك الأصوات».
قال المحقق الخليلي رضوان الله عليه بعد كلام له: «فإذا وصفنا مثلا بالعلم قلنا: إنَّ ذاته المقدَّسة كافية في انكشاف حقائق الأشياء لها انكشافا تامًّا، فهي حقيقة صفته بالعلم، فإذا خصَّ ذلك الانكشاف المذكور بالمسموعات والمرئيات قيل: إنَّ ذاته الكريمة كافية في تجلِّي كلِّ مسموع أو منظور لها تجليًّا حقيقيًّا على ما هو عليه، فهو حقيقة وصفه تعالى بالسمع والبصر». انتهى (1/316)
صفحة 317
وقل المصنِّف: «بصير» أي ليس بأعمى، والدليل على أنَّه تعالى بصير هو أنَّه لو لم يكن تعالى بصيرا مع اتصافه بالحياة وجب أن يكون أعمى، واللاَّزم باطل فكذا الملزوم.
وقول المصنِّف: «واحد» أي غير متعدِّد، فهو لا شريك له قطعا. وفي كتاب شيخنا سيف بن ناصر رحمه الله ما نصُّه: «وأن يكون واحدا، ومعناه: سلب الكثرة لأنَّه ذات قائم بنفسه، واجب وجوده ليس بصفة من الصفات، ولا تجري عليه التغيُّرات، ولا يفتقر إلى الأمكنة والجهات، إلى غير ذلك، واعلم أنَّ للتوحيد ثلاث مراتب: مرتبة توحيد ذات الذات، وهو: مقام الاستهلاك والفناء في الله تعالى، فلا موجود إِلاَّ الله، ومرتبة توحيد الصفات، وهو أن يرى كلّ قدرة متفرِّقة في قدرته الشاملة، وكلَّ علم مضمحلاًّ في علمه الكامل، بل يرى كلّ كمال لغة من عكوس أنوار كماله؛ ومرتبة تويحد الأفعال وهو أن يتحقَّق ويعلم بعلم اليقين أو بعين اليقين أو بحقِّ اليقين أن لا مؤثر في الوجود إِلاَّ الله...» إلى أن قال: «والواحد يدخل في الأحد بلا عكس، فإذا قلت فلان لا يقاومه أحد جاز أن يقال لكنَّه يقاومه اثنان، وأمَّا إذا قلت لا يقاومه أحد، فلا يجوز أن يقال: ما ذكر» قال: «ومعنى أحدية الله تعالى أنَّه أحديُّ الذات، أي لا تركيب فيه أصلا، ومعنى وحدانية الله أنَّه يمتنع أن يشاركه شيء في ماهيته وصفات كماله، وأنَّه منفرد بالإيجاد والتدبير العامِّ بلا واسطة ولا معالجة ولا مؤثِّر سواه في أثر ما عموما». انتهى
وقول المصنِّف: «غني» أي غير محتاج لأحد: {وما خلقت الجنَّ والإنس إِلاَّ ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين} (1) ، {يا أيُّها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} (2) .
__________
(1) - ... سورة الذاريات: 56-58.
(2) - ... سورة فاطر: 15. (1/317)
صفحة 318
وقول المصنِّف: «مخالف للحوادث»، أقول وفي المشارق: «اعلم أنَّه لمَّا ذكر تنزيهه تعالى عن مشابهة الأشياء له واستلزم ذلك نفي المشابهة مطلقًا، صرَّح هنا بما دلَّ عليه هنالك التزاما، وكأنَّه قال: إذا عرفت هذا حصل لك أنَّ الله تعالى مخالف لخلقه ذاتا وصفاتا وأفعالا، فهو واحد في ذاته وواحد في صفاته وواحد في أفعاله، بمعنى أنَّه لا يشبهه أحد في شيء من ذلك كله، وزاد بعضهم واحد في عبادته بمعنى أنَّه لا يصحُّ أن يشرك غيره معه في العبادة، فالمعبود بحقّ واجب، ولنا في غاية المراد:
وأنَّه ليس جسما لا ولا ... عرضا ... لكنَّه واحد في ذاته كملا
وواحد خفي الصفات ... والعبادة ... والأفعال طرا فلا تبغي فيه بدلا
وزاد بعضهم وواحد في أسمائه، بمعنى أنَّه لا يسمَّى أحد باسمه تعالى: {هل تعلم له سميَّا} (1) ، ومعنى الذات في حقه تعالى الموجود المتَّصف بصفات الكمال، قال المناوي: الذات العليَّة هي الحقيقة العظمى، والعين القيُّومية المستلزمة لكلِّ سبوحيَّة قدوسيَّة في كلِّ جلال وجمال استلزاما لا يقبل الانفكاك البتَّه». انتهى
قال t:
في الذات والصفات ... والأفعال ... مخالف لنا بكلِّ حال
فلم وصفكه بغير ... ما ... بينه من وصف نفسه اعلما
تنبيه
__________
(1) - ... سورة مريم: 65. (1/318)
صفحة 319
اعلم أنَّه قد وقع الاختلاف بين المذاهب في صفات الله الذاتية، فمذهب الأصحاب رحمهم الله تعالى والمعتزلة والشيعة هو ما أذكره ها هنا وهو أنَّ أصحابنا قالوا: إنَّ صفات الله الذاتية أمور اعتبارية يعتبر بها نفي أضدادها، وليس معان حقيقيَّة قائمة بذاته تعالى، خلافا للأشاعرة، وقد اتَّفقوا في ستِّ صفات أنَّها صفات ذاتية، واختلفوا في واحدة، فالتي اتَّفقوا في أنَّها ذاتية هي العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة، والتي اختلفوا فيها هي الكلام فقد فيه قيل: إنَّه يكون صفة ذات، ومعناه نفي الخرس عنه تعالى ويكون صفة فعل، ومعناه خلق الكلام الموحى إلى الرسل للإنذار والإعذار، وقيل: لا يكون الكلام صفة ذات وإنما هو صفة فعل فقط، وعلى هذا جمهور المغاربة رحمهم الله، وعلى القول الأوَّل أكثر المشارقة وبعض المغاربة، وهو الأصحُّ لثبوت الوصف له تعالى بمتكلم إجماعًا وعلى هذا يدلُّ على أنَّه متكلِّم بذاته أي ليس بأخرس سبحانه وتعالى، فالكتب المنزَّلة من التوراة والإنجيل والقرآن وغيرها إنَّما هي من قبيل الكلام الفعليِّ لا من الكلام الذاتيِّ، وكذلك تكليم الله تعالى لموسىu إِنَّمَا هو بكلام خلقه، لأَنَّ ذاته تعالى منزه عن الأصوات والأعراض فلا يشكل عليك على ما أشكل على بعضهم في الباب فإنَّه واضح الصواب. (1/319)
صفحة 320
قال سيِّدي نور الدين t في المعارج: «اعلم أنَّ صفات الله الذاتية أمور اعتبارية يعتبر بها نفي أضدادها كما تقدَّم، وليست معان حقيقيَّة قائمة بذاته تعالى، خلافا للأشاعرة فإنَّه سبحانه وتعالى عالم بذاته لا بعلم هو غيره، وقادر بذاته لا بقدرة هي غيره، ومريد بذاته لا بإرادة هي غيره، وسميع بذاته لا بسمع هو غيره، وبصير بذاته لا ببصر هو غيره، فذاته العليَّة كافية في الاتِّصاف بهذه الكمالات غير محتاجة إلى شيء آخر، وإلاَّ لزم النقص وهو محال في حقِّه تعالى، فذاته تعالى قائمة مقام ذات وصفة، بخلاف ذواتنا، وهي كاملة كمالا مطلقًا، ووافقتنا على ذلك المعتزلة وخالفتنا فيه الأشاعرة، فزعموا أنَّ الله تعالى عالم بعلم، وقادر بقدرة، ومريد بالإرادة، وسميع بسمع، وبصير ببصر، إلى غير ذلك وهو باطل، والحجَّة لنا على بطلانه أمور: أحدها: أنَّ تلك الصفات الزائدة في زعم القوم إمَّا أن تكون قديمة أو حادثة، والأوَّل باطل لأنَّ القدم صفة ثابتة لله تعالى على الاختصاص، فلو كانت الصفات قديمة لكانت الذات مساوية للصفات في القدم، ويكون كلّ واحد منهما مخالفا للآخر بخصوصية ماهيته المعيَّنة، وما به المشاركة غير ما به المخالفة، فيكون كلّ واحد من تلك الأشياء القديمة مركَّبا من جزئين، ثمَّ نقول: ويجب أن يكون كلّ واحد من ذينك الجزئين قديما، لأنَّ جزء ماهية القديم يجب أن يكون قديما، وحينئذ يكون ذلك الجزآن يتشاركان في القدم ويختلفان بالخصوصيَّة، فيلزم كلّ واحد منهما مركبا من جزئين، وذلك محال لأنَّه يلزم أن يكون حقيقة الذات وحقيقة كلّ واحدة من تلك الصفات مركَّبة من أجزاء غير متناهية وذلك محال، ويمنيع أن تكون تلك الصفات حادثة لأنَّها لو كانت حادثة لكان الإله الموصوف بأوصاف الإلهيَّة موجودا قبل حدوث هذه الصفات، فحينئذ تكون هذه الأشياء مستغنى عنها في ثبوت الإلهيَّة، فوجب نفيها، فثبت أنَّ تلك الصفات إمَّا أن تكون حادثة أو قديمة، (1/320)
صفحة 321
وثبت فسادهما، فثبت امتناع وجود الصفة الزائدة على الذات، ووجب أن يعلم أنَّ الذات كاملة غير محتاجة إلى غيرها والله أعلم.
وثانيها: أنَّ تلك المعاني الزائدة إمَّا أن تكون بحيث تتمُّ الإلهيَّة بدونها أو لا تتمُّ، فإن كان الأوَّل كان وجودها فضلا زائدا فوجب نفيها، وإن كان الثاني لزم أن يكون الإله مفتقرا في تحصيل صفة الإلهيَّة إلى شيء آخر، والمحتاج لا يكون إلها.
وثالثها: ذاته تعالى إمَّا أن تكون كاملة في جميع الصفات المعتبرة في المدائح والكمالات، وإمَّا أن لا تكون، فإن كان الأوَّل فلا حاجة إلى هذه المعاني زائدة، وإن كان الثاني كانت تلك الذات ناقصة في ذاتها مستكملة بغيرها، ومن كان كذلك فليس بإله.
رابعها: لو كان الإله كما زعمتم مجموع الذات والصفات، للزم أن يكون هذا الإله متجزِّئا متبعضا منقسما وذلك باطل.
وخامسها: أنَّ الله سبحانه وتعالى قد كفَّر النصارى بقولهم ثالث ثلاثة، قيل: ولم يرد أنَّ الذوات ثلاثة، وإنَّما قالوا بذات واحدة وصفتين، فوجب أن يكون إثبات الزائد مع الله تعالى كفرا». انتهى
ومن تفسير الشيخ الكندي رحمه الله لهذه الرسالة ما نصُّه: «واعلم أنَّ صفاته تعالى الذاتيَّة هي عين ذاته، أي كماله الذاتي كاف في اتِّصافه تعالى بتلك الكمالات، فهي ــ أي صفاته تعالى ــ أمور اعتباريَّة يراد بها نفي أضدادها، وقد وافقنا على هذه المعتزلةُ والشيعة خلافا للأشاعرة في زعمهم أنَّ صفاته تعالى أمور خارجيَّة غير ذاته، قائمة بالذات الإلهيَّة...» إلى أن قال: «فهو تعالى حيٌّ بذاته لا بصفة زائدة على ذاته تسمَّى حياة، ومريد بذاته لا بصفة زائدة على ذاته تعالى يترجَّح بها أحد طرفي الممكن تسمَّى إرادة، أي ذاته تعالى كافية في ترجيح أحد طرفي الممكن وجودًا وعدمًا...» إلى أن قال: «وهكذا بقيَّة الصفات خلافا للأشاعرة في زعمهم أنَّه قدير بقدرة هي غير سميع بسمع هو غير ذاته، عليم بعلم هو غير ذاته . انتهى. (1/321)
صفحة 322
قال سيِّدي نور الدين رضي الله تعالى عنه في المشارق: «واستدلُّوا على ذلك بوجوه ثلاثة ــ يعني به الأشاعرة ـ في قولهم: إنَّ صفات الذات معان حقيقيَّة خارجة عن الذات العليَّة:
- الأوَّل: ما عليه القدماء منهم، هو قياس الغائب على الشاهد، وذلك أنَّهم قالوا: إنَّ العلِّيَّة والحدَّ والشرطيَّة لا تتخلَّف في الشاهد والغائب، بل هي فيهما سواء، ولا شكَّ أنَّ تسمية العالِم عالما إنَّما هي قيام صفة العلم به، وحدُّ العالم هو من قام به العلم، والشرط تسمية الشيء بالمشتقِّ، هو أن يكون فيه أصل ذلك المشتقِّ، فشرط تسمية العالم عالمًا هو قيام العلم به، فالعلم شرط لصحَّة التسمية بالعالم وعلَّة للتسمية.
والجواب عن هذا الوجه هو ما أجاب به العضد في المواقف، والسيِّد في شرحه حيث قال ما حاصله: وهذا ضعيف، كيف وهذا القائس قائل ومعترف باختلاف مقتضى الصفات في الشاهد والغائب، فإنَّ القدرة في الشاهد لا يتصوَّر فيها الإيجاد بخلافها في الغائب والإرادة فيه لا تخصَّص، بخلاف إرادة الغائب، وكذا الحال في باقي الصفات، فإذا ما وجد في إحداهما لم يوجد في الآخر فلا يصحُّ القياس أصلاً.
- الوجه الثاني: لو كان مفهوم كونه عالماً حيًّا قادرا نفس ذاته لم يفد حملها على ذاته، وكان قولنا على طريقة الإخبار: الله الواجب أو العالم، أو القادر أو الحيُّ إلى سائر الصفات بمثابة حمل الشيء على نفسه، واللازم باطل، لأنَّ حمل هذه الصفات يفيد فائدة صحيحة بخلاف قولنا: ذاته ذاته. وإذا بطل كونها نفساً، ولا مجال للجزئيَّة قطعًا تعيَّنت الزيادة على الذات. (1/322)
صفحة 323
والجواب عن هذا الوجه أيضًا هو ما قاله العضد والسيِّد مِمَّا نصُّه: وفيه نظر، فإنَّه لا يفيد إِلاَّ زيادة هذا المفهوم، أعني مفهوم العالم والقادر ونظائرهما على مفهوم الذات، ولا نزاع في ذلك، وأمَّا زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فلا يفيده هذا الدليل، نعمْ لو تُصوِّرا ــ أي مفهوم الوصف والذات ــ معًا بحقيقتهما وأمكن حمل أحدهما أي الوصف على الذات، دون حمل الآخر، أي الذات عليها، حصل المطلوب وهو زيادة الوصف على الذات. ولكن أنَّى ذلك التصوُّر الواصل إلى كنه حقيقتها!.
- الوجه الثالث: لو كان العلم نفس الذات، والقدرة نفس الذات لكان العلم نفس القدرة، فكان المفهوم من العلم والقدرة واحدًا، وأنَّه ضروريُّ البطلان، قال العضد والسيِّد أيضًا: وهذا الوجه من النمط الأوَّل، أي الوجه السابق عليه، والإيراد هو الإيراد، يعني أنَّه يدلُّ على تغاير مفهومي العلم والقدرة، وتغايرهما للذات لا على تغاير حقيقتهما ومغايرتهما لها.
قال السيِّد: «فإن قلت: كيف يتصوَّر كون صفة الشيء عين حقيقته مع أنَّ كلَّ واحد من الموصوف والصفة يشهد بمغايرته لصاحبه، وهل هذا إِلاَّ كلام مخيّل لا يمكن أن يصدَّق به، كما في سائر القضايا المخيَّلة التي يمتنع التصديق بها، فلا حاجة بنا إلى الاستدلال على بطلانه».
قلت: ليس معنى ما ذكروه أنَّ هناك ذاتًا وله صفة وهما متَّحدان حقيقة كما تخيَّلتَه، بل معناه أنَّ ذاته تعالى يترتَّب عليه ما يترتَّب على ذات وصفة معًا، مثلا ذاتك ليست كافية في انكشاف الأشياء عليك، بل تحتاج في ذلك إلى صفة العلم التي تقوم لك، بخلاف ذاته تعالى فإنَّه لا يحتاج في انكشاف الأشياء وظهورها عليه إلى صفة تقوم به، بل المفهومات كلُّها منكشفة عليه لأجل ذاته. انتهى.
ولهذا قال سيِّدي نو الدين:
صفاته لذاته هي ... ذاته ... لا غيرها دلَّت بذا آياته
إذ لم تكن فيه لئلاَّ ... يلزم ... حلوله، وليس منه نعلم (1/323)
صفحة 324
ولا عليه فيكون ... أفقرا ... لغيره، وذاك دأب الفقرا
فهو عليم لا بعلم ... جلبا ... وهو سميع لا بسمع ركِّبا
وهو بصير لا بعين ... نظرت ... وهو قدير لا بقدرة عرت
وهكذا في سائر ... الصفات ... لأنَّها في الأصل عين ... الذات
قال t في المشارق:
تنبيهان
- الأوَّل: ذهب أصحابنا رحمهم الله تعالى إلى أنَّ أسماءه تعالى عين ذاته، أي مدلول أسمائه هي عين ذاته، أي ليس هنالك أمر ثان غير الذات العليَّة. قال البدر: قال أبو ستَّة رحمه الله تعالى: اِعلم أنَّ الاسم غير التسمية لأنَّها تخصيص الاسم ووضعه لشيء، ولا شكَّ أنَّه ــ أي تخصيص الاسم ــ لشيء مغاير له ــ أي للاسم ــ كما تشهد به البديهة، وأيضا التسمية فعل الواضع، وأنَّه منقض فيما مضى من الزمان وليس الاسم كذلك، وقد اشتهر الخلاف في أنَّ الاسم هل نفس المسمَّى أو غيره، ولا يشكُّ عاقل في أنَّه ليس النزاع في لفظ فرس، هل هو نفس الحيوان المخصوص أو غيره، فإنَّ هذا مِمَّا لا يشتبه على أحد، بل النزاع في مدلول الاسم أهو الذات من حيث هي هي، أم هو الذات باعتبار أمر صادق عليه عارض له ينبني عليه، قال الأحدي: اتَّفق العلماء على المغايرة بين التسمية والمسمَّى؛ وذهب أكثر أصحابنا إلى أنَّ التسمية هي نفس الأقوال الدالَّة على المسمَّى، وأنَّ الاسم هو نفس المدلول. ثمَّ اختلف هؤلاء، فذهب ابن فورك وغيره إلى أنَّ كلَّ اسم هو نفس المسمَّى بعينه، فقولك: «الله» قول دالٌّ على اسم، فهو المسمَّى، وكذلك قولك: «عالم» أو «خالق» فإنَّه يدلُّ على الذات الموصوف بكونه عالما خالقًا. وقال بعضهم: من الأسماء ما هو عين كالوجود والذات، ومنها ما هو غير كالخالق والرازق، فإنَّ المسمَّى ذاته، والاسم هو نفس الخلق، وخلقه غير ذاته، ومنها ما هو ليس عينًا ولا غيرا، كالعالم فإنَّ المسمَّى ذاته والاسم علمه الذي ليس عين ذاته ولا غيرها. وذهبت المعتزلة إلى أنَّ الاسم هو التسمية، ووافقهم على ذلك بعض المتأخِّرين من أصحابنا. (1/324)
صفحة 325
وذهب الأستاذ أبو نصر ابن أيُّوب إلى أنَّ لفظ الاسم مشترك بين التسمية والمسمَّى، فيطلق على كلٍّ منهما، ويفهم المقصود بحسب القرائن...» لخ. انتهى المقصود منه.
وما ذهب إليه ابن فورك هو مقتضى إطلاق أصحابنا رحمهم الله.
قال الشيخ أحمد بن سعيد رحمه الله وغيره: «والخلاف لفظيٌّ، وقيل: معنويٌّ، وذلك أنَّك إذا سمَّيت شيئًا باسمه، فالنظر في ثلاثة أشياء: ذلك الاسم، ومعناه قبل التسمية، ومعناه بعد التسمية، وهو الذات التي أطلق عليها اللفظ؛ والذات واللفظ متغايران قطعًا، والنحاة إِنَّمَا يطلقون الاسم على اللفظ لأنَّهم إِنَّمَا يتكلَّمون على الألفاظ، وهو غير المسمَّى قطعًا عند الفريقين؛ والذات هو المسمَّى عند الفريقين وليس هو اللفظ قطعًا، والخلاف في الأمر الثاني وهو معنى اللفظ قبل التسمية، فعلى قواعد المتكلِّمين يطلقون الاسم عليه، ويختلفون في أنَّه الثالث أم لا، فالخلاف عندهم في الاسم المعنويِّ هل هو المسمَّى أم لا، لا في الاسم اللفظيِّ». انتهى.
- التنبيه الثاني: الفرق بين الاسم والصفة هو أنَّ الاسم ما دلَّ على الذات من غير اعتبار معنى يوصف به الذات، والصفة ما دلَّت على الذات مع اعتبار معنى يوصف به الذات، وعليه فلا اسم إِلاَّ لفظ الجلالة وهو التحقيق، إِلاَّ ما ذهب إليه البعض من أنَّ الاسم هو الصفة المعرَّفة بـ«الـ»، فإن عرت عنها فهي الصفة، وعليه فالعليم بالتعريف اسم وبدونه صفة، ولا استدلال له بقوله تعالى: {له الأسماء الحسنى} (1) ، فإنَّ الأسماء في الآية بمعنى الصفات تجوُّزا، لأنَّها المفيدة للحسن فوصفت به، وأمَّا الأسماء فلا تدلُّ على حسنٍ ولا قبحٍ، إِلاَّ إذا كانت ألقابا، ولا يسمَّى البارئ باسم لقب». انتهى والحمد لله.
__________
(1) - ... سورة طه: 8. (1/325)
صفحة 326
قال المصنِّف: «ومن المستحيل عنه تعالى أضداد هذه الصفات، وهي العدم والحدوث والفناء والموت والإكراه والعجز والجهل والعمى والصمم والتعدُّد والاحتياج ومماثلة الحوادث».
أقول: إنَّ قول المصنِّف: «ومن المستحيل عنه تعالى أضداد هذه الصفات» أي الممتنع عقلا ثبوت أضداد هذه الصفات التي تقدَّم ذكرها في حقّ الله تعالى، والمشار إليها هي من قوله: «الوجود والقدم...» إلخ؛ إذ لا شكَّ أنَّ ضدَّ الوجود هو العدم، وضدَّ القدم هو الحدوث، وضدَّ البقاء الفناء، وضدَّ الحياة الموت، وضدَّ الإرادة الإكراه، وضدَّ القدرة العجز، وضدَّ العلم الجهل، وضدَّ البصر العمى، وضدَّ السمع الصمم، وضدَّ الوحدانية التعدُّد، وضدَّ الغنى الاحتياج، وضدَّ المخالفة المماثلة.
قال في المشارق: «وضدُّ الشيء هو الصفة التي تعاقبه في محلِّه ولا تجتمع معه، ونقيض الشيء كذلك، لكنَّ الفرق بين الضدَّين والنقيضين أنَّ الضدَّين لا يجتمعان، وقد يجتمعان وقد يرتفعان كالسواد والبياض، فإنَّهما قد يرتفعان عن المتلوِّن فيتَّصف بالحمرة والخضرة ونحوهما، وأمَّا النقيضان فلا يجتمعان ولا يرتفعان بمعنى أنَّه لا ينعدمان معًا ولا يوجدان معًا، بل إذا وجد أحدهما امتنع الآخر كالوجود والعدم، والحدوث والقدم». انتهى.
ومن تفسير الشيخ الكندي رحمه الله تعالى ما نصُّه: «واعلم أنَّ من شكَّ في شيء من هذا: هل يجوز عليه تعالى أم لا؟ أو وصفه بشيء من ذلك فقد أشرك لمناقضة ذلك للكمال اللائق به تعالى، فمن وصف الله بشيء من صفات مخلوقاته، أو وصف خلقه بشيء من صفاته الواجبة له تعالى فقد سوَّاه بغيره، فالله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، لا يشبهه شيء، ولا يشبه شيئًا». انتهى.
ثمَّ إن المصنِّف بعد ما ذكر الصفات الواجبة والمستحيلة عقلا، شرع في ذكر الصفات الجائزة، فقال:
« (1/326)
صفحة 327
والجائز في حقِّه تعالى جميع أفعاله تعالى، كإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإيجاد المعدوم، وإعدام الموجود وإعادته بعد الإعدام وغيرها مِمَّا لا يترتَّب على وجوده ولا عدمه نقص في حقِّه تعالى». انتهى.
أقول: إنَّ قول المصنِّف: «والجائز في حقِّه تعالى» أي الجائز العقليُّ، وهو المعبَّر عنه بالإمكان العامِّ المغاير للواجب والمستحيل، وقد غاير المصنِّف بين قوله في الواجب، وهو قوله: «فمن الواجب له تعالى الوجود...» إلخ، وبين قوله هنا: «وهو الجائز في حقِّه تعالى...» إلخ لأَنَّ الجائز في حقِّه تعالى منحصر فيما ذكره، بخلاف الواجب والمستحيل في حقِّه تعالى، فإنَّ كلاًّ منهما غيرُ منحصر فيما ذكره كما عُلم مِمَّا تقدَّم، وهذه الصفات المذكورة هنا هي المعبَّر عنها في الكتب بالصفات الفعليَّة، وهي الصفات الجائزة في حقِّ الله سبحانه.
وقول المصنِّف: «كإرسال الرسل» هو جمع رسول ككتاب وكتب، فالكاف الداخلة فيه تمثيليَّة، وإرسال مصدر أرسلَ، وهكذا البواقي فجميعها مصادرُ أفعالِها. (1/327)
صفحة 328
وفي كتاب شيخنا سيف بن ناصر رحمه الله تعالى قال: «ومن الجائز إرسال الرسل وإنزال الكتب، أي ونحكم حكمًا جازمًا مطابقًا أنَّ من الجائز، أي من الذي يستوي في العقل وجوده وعدمه: إرسال الرسل، أي إلى الخلق مبشِّرين ومنذرين، والإرسال لغة التوجيه إلى الغير...» إلى أن قال: «وأوَّلهم آدم u، خلافا لمن قال من القوم: إنَّ أوَّل الرسل نوحu، فإنَّ آدم رسول إلى بنيه كما في حديث أبي ذرٍّ...» إلى أن قال: «والصحيح أنَّه لا يكون النبيء عبدًا ولا امرأة ولا بدويًّا لقوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إِلاَّ رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} (1) ، وإنَّ كلَّ رسول نبيء ولا عكس، والصحيح أنَّ الرسل كلَّهم آدميُّون، وأنَّ قوله تعالى: {يا معشر الجنِّ والإنس ألم يأتكم رسل منكم...} (2) الآية إِنَّمَا غلَّب الإنس على الجنِّ، فجرى الكلام على طريق التغليب، وأنَّ الرسل u أرسلوا من الجنِّ إلى قومهم {فلمَّا حضروه قالوا : أنصتوا، فلمَّا قضي ولَّوا إلى قومهم منذِرين} (3) .
قال في شرح السنُّوسيَّة: «ومن الجائز في حقِّه تعالى بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، خلافًا للمعتزلة في قولهم بأنَّها واجبة عليه، بناء على أصلهم الفاسد ومعتقدهم الكاسد، من أنَّه يجب عليه تعالى فعل الصلاح والأصلح، وقد وجَّهوا ذلك بأنَّ آراء الناس تختلف وتتفاوت، فيقع التنازع والتظالم، فالصلاح أن يقيم لهم سفيرًا مؤيَّدًا بالمعجزات فينقاد له الكلُّ؛ وخلافًا للبراهمة، وهم طائفة كفَّار من الهند أصحاب برهام كما في شرح المقاصد، يتبعون ما حسَّنه العقل دون الشرع، فيستقبحون ذبح الحيوان لما فيه من التعذيب، ويستقبحون الصلاة لما فيها من وضع الوجه ــ الذي هو أشرف الأعضاء ــ على الأرض ورفع العجيزة، ويبيحون الزنى ووطء المحارم، ويقولون باستحالة بعثة الرسل». كذا نقل السنُّوسيُّ عنهم.
__________
(1) - ... سورة يوسف: 109.
(2) - ... سورة الأنعام: 130.
(3) - ... سورة الأحقاف: 29. (1/328)
صفحة 329
وصريح كلام السعد أنَّهم يقولون: «إنَّها جائزة، لكن لا حاجة إليها فلا تثبت». وعبارته في شرح المقاصد: «المنكرون للنبوَّة منهم من قال باستحالتها، ولا اعتداد به ومنهم من قال بعدم الاحتياج إليها كالبراهمة» اهـ.
ــ تنبيه: «أقول إنَّه يترتَّب على القول في بعثة الرسل أنَّها من الجائز العقليِّ عدم وجوب معرفة أنَّ لله رسولا بخاطر البال، فإنَّه متى ما جوَّز العقل وجودَ بعث الرسل وعدمه كان معه كلا الطرفين سواء، فلا يكون طريق معرفة البعث إِلاَّ بالسماع»، هكذا عن سيِّدي نور الدينt. وهو ظاهر الصواب والحكمة في إرسال الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، نصب الأدلَّة لنا الكائنة سببا لهدايتنا إلى سلوك رضوان ربِّنا عزَّ وجلَّ، إذ لا يغني عنهم في ذلك العقل كما زعمه بعض الملحدة، لأنَّ الرسول كالطبيب الحاذق الذي يعرف الداء والدواء وطبائع الأدويَّة، فيخبر الناس أنَّ هذا لكذا وهذا لكذا وذا لكذا، وإن أمكن أنَّ الناس يدركون طبائع تلك الأدويَّة وأسرارها بمحض التجربة فلربَّما وقعوا في مدَّة تجربتهم لها في الدواء القاتل لهم فظهرت حكمة وجود الطبيب لهم، وإلى هذا أشار إليه الإمام السالمي رحمه الله تعالى بقوله:
ثمَّ من الجائز بعث ... الرسل ... يهدوننا إلى الصراط الأعدل
مقرونة دعواهم ... تفضُّلا ... بمعجزات تبطل التقوُّلا
فقوله t مقرونة دعواهم حال من فاعل يهدوننا، أي يهدوننا إلى الصراط المستقيم حال كونهم مقرونة دعواهم بأنَّهم أنبياء وأنَّهُم رسل من الله إلى خلقه، وأنَّهُم مبلّغون عن الله ما أمرهم بتبليغه لمعجزات خارقة للعادة مبطلة لمعارضة المعاند لهم، شاهدة على تصديق مدَّعاهم، نازلة منزلة صدق عبدي في ما بلغه عنِّي، وقرن دعواهم بتلك المعجزات إِنَّمَا هو عن محض تفضُّل منه تعالى، لا عن وجوب ولا عن إيجاب. انتهى. (1/329)
صفحة 330
وقول المصنِّف: «وإنزال الكتب» فالواو عاطفة على إرسال الرسل، و"إنزال" مضاف إلى الكتب من إضافة المصدر لمعموله، وتلك الكتب هي مائة كتب وأربعة كتب، فخمسون منها أنزلت على نبيء الله شيتu وثلاثون على نبيِّ الله إدريس u، وعشرة على نبيِّ الله إبراهيم u، وعشرة على نبيِّ الله موسى u قبل التوراة، ثمَّ التوراة على موسى أيضًا، والإنجيل على عيسى u، والزبور داود u، والفرقان على سيِّدنا محمَّد رسول الله e وعليهم وسلم أجمعين.
وفي المشارق: «ويجب الإيمان بالذي أنزله الرحمن من الكتب السماويَّة إلى أنبيائه عموما، وبالقرآن خصوصا، وهي مائة كتاب وأربعة كتب كما في حديث أبي ذرِّ t » إلى أن قال: «والفرقان على نبيِّنا محمَّد e وهو ناسخ لكتابتها وتلاوتها وبعض أحكامها، وهو أفضلها، ويليه التوراة فالإنجيل فالزبور، وهو كلام عربيٌّ، والتوراة عبرانيٌّ، والإنجيل روميٌّ، والزبور سريانيٌّ كذا قيل: ونزلت صحف إبراهيم لثلاث مضين من رمضان، وقيل: في أوَّل ليلة منه، والزبور لثماني عشر مضين منه، وكلها نزلت إلى أنبيائها دفعة واحدة، والقرآن في الرابعة والعشرين منه في ليلة قدر أنزل دفعة واحدة من اللَّوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، واللَّوح المحفوظ هو درَّة بيضاء طولها مسيرة خمسمائة عام وعرضها كذلك وقيل: جبهة ملك ثمَّ نزل بعد ذلك منجَّما على حسب المصالح ثمَّ تمَّ إنزاله بعشر سنين بمكة وعشر بطيبة». (1/330)
صفحة 331
قال القطب رحمه الله تعالى: «وكلُّ الكتب عن جبريل عن ميكائيل عن إسرافيل عن اللَّوح المحفوظ، أو عنه أو عن الملائكة بالنسخ من اللَّوح أو عن جبريل عن اللَّوح أقوال...» إلى أن قال: «اِعلم أنَّه لا خلاف بين الأمَّة في أنَّ كلامه تعالى المكتوب في المصاحف المتلوّ بالألسن المحفوظ في الصدور مخلوق، لأنَّه مركَّب من حروف، وكلُّ حرف منها مشروط وجوده بانقضاء ما قبله، فيكون له ابتداء وانتهاء، وما كان له ابتداء وانتهاء فهو حادث والمركَّب من الحادث حادث بالضرورة؛ ولأنَّه ممكن وجوده وعدمه، وكلُّ ما كان كذلك فهو حادث بالضرورة أيضًا؛ ولأنَّه شيء غير الله عزَّ وجلَّ، فلو قيل بقدمه بطلت الوحدانيَّة في القدم لأنَّه يلزم أن يكون حينئذ قديمان وهو باطل...» إلى أن قال: «ولأنَّه ذكر فيه: {إنَّا أرسلنا} ونحوها من صيغ الماضي، فلو كان قديمًا لزم أن يكون الإرسال قبل وجود ذلك القديم، ولا وجود قبله، فيلزمه الكذب؛ ولأنَّه تعالى قال فيه: {إنَّا جعلناه قرآنًا عربيًّا} (1) والمجعول مخلوق، ولأنَّه لو كان قديمًا لزم أن يكون المتكلِّم به يحث لا مخاطب سفيهًا، والله تعالى يتعالى عن ذلك...» إلى أن قال: «واعلم أنَّ أصحابنا اختلفوا في إثبات الكلام الذاتيِّ، فمن أثبته جعله عبارة عن نفي الخرس عنه تعالى، وهم الجمهور، ونفاه البعض كالإمامين ابن النظر وأبي ساكن وغيرهما، واكتفوا في نفي الخرس عنه تعالى بصفة القدرة.
__________
(1) - ... سورة الزخرف: 3. (1/331)
صفحة 332
فإذا عرفت هذا، وقد تقدَّم لك أنَّ صفات الذات عين الذات فاعلم أنَّ الكلام الذاتي ليس هو شيئًا غير الذات العليَّة، وإنَّما هو عبارة عن اتِّصافها بصفة كماليَّة ليست هي غيرها، بمعنى أنَّ الذات العليَّة كاملة، وعبِّر عن ذلك الكمال بألفاظ دالَّة على أنواع الكمال، فليس هنالك غير الله المتَّصف بالكمال الذاتي، حتَّى يوصف ذلك الغير بأنَّه قديم، نعم على مذهب الأشاعرة الزاعمين بأنَّ صفات الذات غير الذات، فيلزمهم تعدُّد القدماء كما مرَّ، قالوا: المحذور من تعدُّد القدماء قِدم ذاتين، لا ذات وصفات، قلنا: الكلُّ محذور، لأنَّكم إن جعلتم أنَّ صفاته معانيًا حقيقيَّة هي غيره لزم افتقاره إليها، لأنَّكم تزعمون أنَّه بها يعلم، وبها يقدّر إلى آخرها... والمفتقر إلى الغير ليس بإله كما مرَّ؛ فإذا عرفت هذا فاعلم أنَّه لا وجه لقول من قال من أهل المذهب: إنَّ القرآن قديم، إِلاَّ أن يريدوا أنَّ الله ليس بأخرس، فيعبِّرون بهذه العبارة القاصرة عن ذلك المعنى المطلوب، فتنتفي عنهم البراءة بهذا الاحتمال حسن ظنٍّ بالمسلمين». انتهى.
قلت: فإن قال قائل: إنَّ هذه العبارة تدلُّ على وجوب البراءة مِمَّن يقول بقدم القرآن، وأنَّ الموجود في مذهبكم هو أنَّ البعض منكم قد صرَّح بأنَّ القرآن قديم، وهو ابن النظر في قصيدته النونيَّة وغيره من علماء عمان، فيلزم على هذا أن يُبرأ منهم، قلنا: الجواب في ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ القصيدة النونيَّة هي لم تثبت أنَّها عن ابن النظر، كما صرَّح بذلك سيِّدي نور الدين رحمه الله تعالى في المشارق (1) ، حتَّى إنَّ الشيخ العلاَّمة سعيد بن أحمد الراشدي رحمه الله تعالى قابل تلك القصيدة بقصيدة أخرى سمَّاها «فيض المنَّان»، في الردِّ على من قال بخلق القرآن أوَّلها:
////
__________
(1) - ... قصيدة النونيَّة ابن النظر ليست له، كما أفاد السالمي في المشارق، وبهذا يفسَّر ما جاء فيها من شدّة في الردِّ على المخالفين... (1/332)
صفحة 333
أنكرت جهلا فطرة ... القرآن ... وجعلت كالمولى قديمًا ... ثاني
وأتى فيها فصل الخطاب بما لا مزيد عليه، وشرحها سيِّدي نورالدين شرحًا وافيًا، أتى فيه بما لا غبار عليه من واضح الحقِّ المطابق لنور الكتاب، وسنَّة النبيِّ الأوَّاب عليه الصلاة والسلام، وهذا نصُّ بعض ما ذكره - رضي الله عنه - في شرحه لتلك القصيدة، قال: «أمَّا بعد، فإنَّ الله تعالى قد منَّ علينا بعقول نفهم بها معاني خطابه، ونفقه بها أحكام كتابه، وقد قال عزَّ شأنه وجلَّ سلطانه: {ليس كمثله شيء} (1) و{خالقُ كلِّ شيء} (2) ، وقد أطبقت الأمَّة قبل ظهور المخالف على أنَّ المراد من الآيتين ظاهرهما، ثمَّ نقضت المشبِّهة أوَّلهما، والمعتزلة أخراهما، ونقضت الحنابلة في ادِّعائهم قدم القرآن وعدم خلقه كلتيهما، فأمَّا نقضهم للآية الأولى فلأنَّ القدم مختصٌّ به المولى وبجعلهم قديمًا سواه وصفوا غير الإله بصفة يختصُّ بها الإله؛ وأمَّا نقضهم للآية الأخرى فلإخراجهم عن الخلق بعض المخلوقات كما ترى، حتَّى غلا بعضهم في المين (3) وزعم أنَّ الجلد والغلافة قديمان، وأمَّا غير الحنابلة فقد اتَّفقوا على خلق ما بين الدفَّتين، لكن الأشاعرة جعلته ترجمانًا عن معنى قائم بالذات زعموا أنَّه حقيقة القرآن، وأنَّ ما بين الدفَّتين عبارات عنه، فلزمهم إنكار إنزال القرآن، ودعوى قديم ثان هو أحد المعاني.
__________
(1) - ... سورة الشورى: 11.
(2) - ... سورة الزمر:62.
(3) - المين: بمعنى الكذب، يقال:أكثر الظنون مُيون. انظر:الرازي ،مختار الصحاح:641. (1/333)
صفحة 334
ولمَّا كان مذهب الأصحاب رحمهم الله أنَّ صفات الذات هي عين الذات لا غيرها، وأنَّ جميع ما عدا الخالق فهو مخلوق، علمنا يقينًا مخالفتهم لما عليه الحنابلة من دعوى قدم القرآن، ولما عليه الأشاعرة من أنَّه عبارات عن معنى ثان، وأنَّه ليس هو حقيقة القرآن، وأنَّه ليس مع الله قديم ثان لا من الذوات ولا من المعاني؛ وبهذا صرَّح المغاربة رحمهم الله تعالى وبعض المشارقة - رضي الله عنه - م، وقد قسَّموا الكلام الإلهيَّ إلى كلام ذاتيٍّ وفعليٍّ، فالذاتيُّ هو عبارة عن نفي الخرس عنه تعالى، والفعليُّ هو الكتب السماويَّة كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن، لكنَّ بعض العوامِّ مِمَّن يحجر عليهم الكلام في هذا المقام قد اختلط عليهم الكلام فقرَّروا البراهين على قدم الكلام الذاتيِّ، وأدخلوا في حكمه ـ جهلاً ـ الكلام الفعليَّ، وشنَّعوا على القول بخلاف ما إليه ذهبوا، ونظمت في ذلك نونيَّة نسبت إلى ابن النظر حاشاه من ذلك، فإنَّ مذهبه رحمه الله معلوم، حيث نفى الكلام الذاتيَّ رأسًا بقوله:
وأمَّا كلام الله فهو ... كتابه ... كذلك قال الله للطاهر الشيم ...
وحيث صرَّح بأنَّ الجعل المسند إلى الله عزَّ وجلَّ خلقٌ، بقوله:
قال: فالجعل هو ... الخلق أم ... الجعل شيء غيره فيما ذكر
قلت: جعْل الله خلقٌ ... كلُّه ... ومن الناس مقال مشتهر (1/334)
صفحة 335
وقد أشار أبو القاسم البراديُّ (1) عند شرحه هذه الأبيات إلى إنكار [نسبة] تلك النونيَّة إلى هذا الإمام، حيث قال ما نصُّه: «قال المؤلِّف: فيا سبحان الله من هذا الرجل العظيم مع حذقه وفضله كيف نقض هذه القاعدة التي وضعها هاهنا، وجعلها هنا أسًّا وأصلا يعتمد عليه، واحتجَّ بها على القدريِّ، وناظره بها، وتأوَّل بها قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} (2) ، وقال: قلت: جعل الله خلق كلّه، ثمَّ خالف إلى غيرها في القصيدة النونيَّة! أيكون مثله يطرأ عليه هذا التناقض؟ ولعلَّ القصيدة النونيَّة كتبت عليه ودسَّت في كتابه، والله أعلم».
__________
(1) - ... هو أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم البرادي الدمري (810هـ/1407م): عالم ومؤرِّخ وفقيه، ترك عدَّة مؤلَّفات منها: الجواهر المنتقاة فيما أخلَّ بِهِ كتاب الطبقات، والبحث الصادق، ورسالة الحقائق. ... وانظر- سالم بن يعقوب: دروس في تراجم علماء جربة (مخ)، ص12. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج5/ص579، ترجمة 818.
(2) - ... سورة المائدة: 103. (1/335)
صفحة 336
هذا كلامه هنا، ولم أقف على شرحه لتلك النونيَّة لتعذُّر وجوده، لكن أخبرني شيخنا - رحمه الله وقف عليه - بأنَّ هذا الشارح قد أنكر نسبة هذه النونيَّة إلى هذا الإمام من طريق آخر هو اختلاف لهجة نظمها عن لهجة نظمه، وقال فيه: «إنَّه شعر فصيحٍ لا شعر عالمٍ»، وساق هنالك مراثي يستدلُّ بها على الفرق بين شعر العالم وشعر الفصيح، إلى أن قال: «وروي أنَّ الأشياخ اجتمعوا يومًا بدما (1) فتذاكروا في القرآن، فقال محمَّد بن محبوب: أنا أقول: إنَّ القرآن مخلوق، فغضب محمَّد بن هاشم، وقال: أنا أخرُجُ من عمان ولا أقيم بها، فظنَّ محمَّد بن محبوب أنَّه يعرض به فقال: بل أنا أولى بالخروج من عمان لأنِّي فيها غريب، فخرج محمَّد بن هاشم من البيت وهو يقول: ليت أنِّي متُّ قبل اليوم، ثمَّ تفرَّقوا ثمَّ اجتمعوا بعد ذلك، فرجع محمَّد بن محبوب عن قوله، واجتمع قولهم أنَّ الله خالق كلِّ شيء، وما سوى الله مخلوق، وأنَّ القرآن كلام الله ووحيه، وتنزيله على محمَّد - صلى الله عليه وسلم - .
وأنت خبير بأنَّ هذا لم يكن رجوعا من ابن محبوب عن القول بخلق القرآن، بل هو عين ما قال به أوَّلاً، وإنَّما التسليم من محمَّد بن هاشم لقول محمَّد بن محبوب حين سلَّم أنَّ الله خالق كلِّ شيء، ولا شكَّ أنَّ القرآن شيء، وحين سلَّم أنَّ ما سوى الله مخلوق، ولا شكَّ أنَّ القرآن سوى الله، أي غيره، وحين سلَّم أنَّه وحي وتنزيل، ولا شكَّ أنَّ الموصوف بهاتين الصفتين حادث قطعًا، لِمَا يلزم المتَّصف بهما أو بشيء منهما من الانتقال من جهة إلى جهة أخرى، والمنتقل حادث قطعًا». انتهى المراد منه.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلّه اسم مكان. (1/336)
صفحة 337
وقال أيضًا - رضي الله عنه - : «وقد عظمت المحنة في هذه المسألة من بعض المعتزلة، وهو أحمد بن أبي داود، في زمن بعض ملوك بني العبَّاس، فجبر الناس على القول بخلق القرآن وسفك الدماء، حتَّى جيء بشيخ من الشام، فأذن له الملك بمناظرة أبي داود، فقال له الشيخ: يا أحمد، أسألك عن مقالتك هذه [أ]هي مقالة واجبة في باب الدين داخلة فيه، فلا يكمل الدين لأحد حتَّى يقول بمقالتك هذه؟ قال: نعم، قال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بعثه الله رسولا لعباده، هل ستر عليهم شيئًا مِمَّا أمر الله به في أمر دينه؟ فقال: لا، قال الشيخ: فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأمَّة إلى مقالتك هذه، فسكت ابن أبي داود، فقال الشيخ: تكلَّم!، ثمَّ قال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن الله عزَّ وجلَّ حين أنزل القرآن على رسوله فقال: {اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} (1) هل كان الله الصادق في إتمام دينه أو أنت الصادق في نقصانه حتَّى يقول بمقالتك هذه، فسكت ابن أبي داود، فقال الشيخ: أجب يا أحمد، فلم يجب، ثمَّ قال الشيخ: أخبرني عن مقالتك هذه علمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم جهلها؟ فقال ابن أبي داود: علمها، قال الشيخ: فدعا الناس إليها؟ فسكت ابن أبي داود، ثمَّ قال الشيخ: أفيسع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه علمها كما زعمت ولم يطالب أمَّته بها؟ قال: نعم، قال الشيخ: ويسع لأبي بكر وعمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - ما ومن بعدهما من الخلائق؟، قال ابن أبي داود: نعم، فأعرض الشيخ عن ابن أبي داود... إلى آخر القصَّة.
__________
(1) - ... سورة المائدة: 3. (1/337)
صفحة 338
فسكوت ابن أبي داود هنا إِنَّمَا هو إفحام من حيث جبر الناس على القول بخلق القرآن، لأنَّ ذلك لا يحلُّ، نعم إذا ظرت بدعة القول بعدم خلقه والقول بقدمه، فيكون منكَرًا يلزم القادر تغييره، ويكون الجواب حينئذ عن سؤالات ذلك الشيخ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علم هذه المقالة ولم يدعُ الناس إليها لعدم القول بخلافها في عصره، وكلامنا في عصر من بعده - صلى الله عليه وسلم - من الخلفاء، ولم يستر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأمَّة شيئًا لا يسعهم جهله بل بيَّن لهم ذلك أوضح البيان بنصِّ القرآن، فقال عزَّ وجلَّ: {خالق كلِّ شيء} (1) ؛ فإذا أقرَّت الأمَّة أنَّ الله خالق كلِّ شيء لم يلزم الداعي إلى الدين تفصيل الأشياء المخلوقة شيئًا شيئًا حتَّى يقول لهم: اعتقدوا أنَّ القرآن مخلوق، وأنَّ الأرض مخلوقة وأنَّ السماء مخلوقة، وهكذا إلى ما لا نهاية له في طوق البشر. فإذا ظهر أنَّ الدين كامل وأنَّ القائلين بقدم غير الله عزَّ وجلَّ، وبنفي الخلق عن بعض مخلوقاته خارجون عن كمال الدين لنقضهم الإجمال الذي كان في عصره - صلى الله عليه وسلم - ، فلو كان القرآن خارجًا عن الأشياء المخلوقة بحكم لبيَّن لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الخصوصيَّة التي فيه، ولَما تركهم في إشكال من أمرهم، لأنَّ العلَّة التي أوجبت خلق الأشياء هي موجودة في القرآن، فتركهم بلا مخصِّص لهذا العموم مع إرادة التخصيص له مِمَّا لا يجوز في حكمة الله تعالى». انتهى.
__________
(1) - ... سورة الأنعام: 102. (1/338)
صفحة 339
والوجه الثاني هو ما تقدَّم من جوابات سيِّدي نور الدين رحمه الله تعالى من أنَّ مذهب الأصحاب في الصفات الذاتية أنَّها هي هو، وأنَّ المراد بها نفي أضدادها ليس إِلاَّ، فبذلك يلزم أن يكون مراد القائلين من الأصحاب في أنَّ القرآن قديم هو مرادهم فيه كون الله تعالى ليس بأخرس، فعبَّروا عن هذا المعنى بذلك اللفظ، وسمُّوا كلامه تعالى قرآنا، وهذا اصطلاح منهم فيه، ولا مشاحنة فيه.
قال سيِّدي نور الدين: «ولم يقم دليل على تسمية الكلام الذاتيِّ بالقرآن، ولكن لهم أن يصطلحوا بذلك».
قلت: وبهذا ينحلُّ الإشكال ويظهر الصواب الذي ليس فيه جدال والحمد لله على كلِّ حال. انتهى.
وقال - رضي الله عنه - :
والكلُّ مخلوق بإمكان ... العدم ... ولانفراده تعالى ... بالقدم
وقال أيضًا في الجوهر في مسألة خلق القرآن:
والحقُّ ما قالت به ... الأعلام ... بأنَّه لربِّنا كلام
ووحيه وأنَّه ... تنزيله ... سبحانه صحَّ لنا دليله
لكن أقول الأحرف ... الملحوظة ... في الكتب من ألسننا ملفوظة
بأنَّها مخلوقة ... للباري ... قلت كذا المعنى فلا تماري
لأنَّها مظروفة ... للأحرف ... وكلُّ مظروف حدوث فاعرف
وذلك غير علمه ... تعالى ... وإن يكن يعلمه كمالا
فالعلم والمعلوم ليس ... واحدا ... كالضرب والمضروب قد تباعدا
إلى أن قال:
ومنكر لخلقه ... يختلف ... فقيل: فاسق، وقيل: نقف
ما لم يخط للذي قد ... قالا ... بضدِّ ما قال، فعي (1) المقالا
ونسب الأوَّل ... للمغاربة ... والثاني للعمانيِّين قاطبة
وبعضهم يبرأ مِمَّن ... اعتقد ... حدوثه، والحقُّ فيه أن يرد
لأنَّه قد جاء في ... الكتاب ... حدوثه بظاهر الخطاب
قلت: قد رام اعتراضًا على سيِّدي نور الدين رحمه الله بعض الجهلة الذين لا يدرون قدر منزلتهم في العلم وهو من الوهَّابيَّة في مسألتين:
أحدهما: مسألة خلق القرآن.
__________
(1) - ... كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «فعِ». فعل أمر من وَعَى يعي. (1/339)
صفحة 340
والثانية: في نجاسة القمل، فكتب له عنهما مسألتين يفطنهما الناظر أنَّهما لا سؤالا مسترشد ونصُّ سؤال خلق القرآن (1) هكذا: «وقفت على عبارة في المشارق، وعظمت عليَّ أكبر ما يكون، وأشكلت غاية الإشكال؛ فالمراد تبيينها وتوضيحها وهي هذه: قال المصنِّف: اِعلم أنَّ الكلام تارة يضاف لله على معى نفي الخرس، فيكون صفة ذات، وتارة يضاف إليه على معنى أنَّه فعل له فيكون صفة فعل، فمعنى كونه متكلِّما على الأوَّل، أي ليس بأخرس، وعلى الثاني خالق الكلام، والدليل على أنَّه متكلِّم: إجماع الأنبياء عليهم السلام، فإنَّه تواتر عنهم أنَّهم كانوا يثبتون له الكلام، ويقولون: إنَّه تعالى أمر بكذا، ونهى عن كذا، أو أخبر بكذا، وكلُّ ذلك من أقسام الكلام، فثبت المدَّعى. قال السائل: فإذا تقرَّر هذا عن الأنبياء فكيف يسعنا الخروج عن طريقتهم؟. ونقول: لا نسلِّم إليهم ذلك مع قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (2) ، وأعاد العامل مرَّتين في طاعتهما، ولم يعده في طاعة أولي الأمر، فتبيَّن بهذا أنَّ طاعتهما وجبت استقلالا، وطاعة أولي الأمر معطوفة عليهما. تفضَّلْ أزل عنَّا ما أشكل، لتتمَّ الفائدة، وتعود العائدة؟». انتهى.
وصورة سؤاله في نجاسة القملة نصُّها: «وسأله أيضًا عن نجاسة القمَّلة، وطلب الدليل على ذلك». انتهى.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة.
(2) - ... سورة النساء: 59. (1/340)
صفحة 341
فأجابه سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - بجواب طابق سؤاله، وأفضحه (1) غاية الإفضاح، فقال عن المسألة الأولى، هي خلق القرآن بما نصُّه: «لم أعلم إلى الآن أنَّكم خرجتم عن إجماع الأنبياء، كنت أظنُّكم غير ذلك، وإن كنت تعرض بنا فراجع نفسك، فإنَّك قصرت عن فهم العبارة، فنحن نثبت ما أثبته الله لنفسه في كتبه وعلى لسان أنبيائه، فهو متكلِّم عندنا إجماعا بلا خلاف؛ والدليل على إثبات ذلك ما ذكره في المشارق من إجماع الأنبياء في إثبات الكلام... إلخ، والعجب منك كيف خفي عليك ذلك مع وضوحه، وتجعل العبارة علينا وهي لنا:
عليَّ صبُّ المعاني في ... قوالبها ... وما عليَّ لكم أن تفهم ... البقر
والعلم عند الله». انتهى.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فضحه». (1/341)
صفحة 342
وأجابه عن المسألة الثانية، وهي في نجاسة القمَّلة ما نصُّه: «حكمها عندنا حكم الإنسان، لأنَّها تولَّدت منه، فدمها وذرقها نجس، وظاهر جسدها طاهر، غير أنَّها من عادتها تذرق إذا مسَّت حالا، فبعض أصحابنا أمر بالغسل من مسَّها لأجل هذه العادة، والبعض رخَّص ما لم ير الذرق بعينه؛ فإذا رآه بعينه وجب عليه تطهيره اتِّفاقًا، وكذلك دمها. والدين مبنيٌّ على النظافة، {إنَّ الله يحبُّ التوَّابين ويحبُّ المتطهِّرين} (1) ، {فيه رجال يحبُّون أن يتطهَّروا، والله يحبُّ المطَّهِّرين} (2) . ما لك والقمَّلة، ولو لم يكن بها إِلاَّ الاستقذار طبعًا لكفى بها نفرة، والتنزُّه مطلوب شرعًا. ومن الاحتياط في النظافة تقلم الأظفار، لأنَّها تجمع النجس، وغسل البراجم (3)
__________
(1) - ... سورة البقرة: 222.
(2) - ... سورة التوبة: 108.
(3) - ... البراجم جمع بُرجمة: وهي مفاصل الأصابع التي بين الأشاجع والرواحب، وهي رؤوس السلاميات من ظهر الكفِّ، إذا قبض القابض كفَّه نشزت وارتفعت..وانظر- الرازي: مختار الصحاح، ص46 (1/342)
صفحة 343
لأنَّها تجمع الوسخ، وحلق العانة تجمع الجنابة والوسخ، ومن ذلك نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن البول في الماء الدائم (1) ، ونهيه - صلى الله عليه وسلم - الجنب أن يغتسل في الماء الدائم (2) ، ومن ذلك أمره - صلى الله عليه وسلم - بغسل الإناء سبعًا من ولوغ الكلب (3) ،
__________
(1) - ... رويت أحاديث عدَّة في النهي عن البول في الماء الدائم، منها ما رواه مسلم في كتاب الطهارة، حديث رقم 426، قال: «حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ وَأَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى جَمِيعًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ هَارُونُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا»
(2) - ... الإمام أحمد في باقي مسند المكثرين، رقم 9224، حديثا جاء فيه: «حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ يَبُلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلاَ يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ »
(3) - ... روى الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :«إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه سبع مرَّات وليغسله سبع مرَّات أولاهنَّ وأخراهنَّ بالتراب» باب [23] جامع النجاسات، ص42، حديث رقم 153. وانظر الحديثين رقم 154، و155 كذلك.. (1/343)
صفحة 344
ومثل هذا كثير ضاق عن ذكره البياض، وكفى به دليلا على طلب النزاهة والاحتياط، وفي الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (1) ولئن نجا في الآخرة من تلوَّث بقاذورات القمَّل، كان المتنزِّه عنها أقرب للنجاة وأبعد من الهلاك.
قال المنجِّم والطبيب ... كلاهما ... لا يحشر الأموات، قلت: إليكما
إن صحَّ قولكما فَلستُ ... بخاسر ... أو صحَّ قولي فالخسار ... عليكما
الحمد لله على إصابة الحقِّ، والأخذ بالأحوط، والاتِّصاف بالنظافة. والعلم عند الله». انتهى.
__________
(1) - ... في سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، حديث رقم2442، قال: «حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ» وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ قَالَ وَأَبُو الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيُّ اسْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ شَيْبَانَ، قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ بُرَيْدٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ» (1/344)
صفحة 345
قلت: ولزيادة لفائدة نأتي هاهنا زيادة فوق ما قدَّمنا ذكرها، وهي من عبارة ذكرها العلاَّمة البرادي رحمه الله في كتابه الجواهر، قال رحمه الله ما نصُّه: «اجتمعت الأمَّة على أنَّ القرآن كلام الله، ولا يخلو هذا الكلام من أن يكون شيئًا أو ليس بشيء؛ فإن كان ليس بشيء فاي [كذا] اختلف فيه المختلفون إذا وليس بشيء يختلف فيه المختلفون وينازع فيه. ولو صحَّ أنَّه ليس بشيء لبطل أن تكون رسل الله جاء ت بشيء، وأنَّ الله عزوجلَّ أنزل على أنبيائه شيئًا، ولبطل أن يكون ثَمَّ توراة أو إنجيل أو فرقانٌ. فإذا ثبت أنَّ كلام الله شيء لم يخل من إحدى ثلاثة أوجه: لا يخلو إمَّا أن يكون هو الله، أو أن يكون بعض الله كالجزء من الكلِّ، أو أن يكون غير الله؛ ليس ثمَّ وجه رابع يذهب إليه ذاهب، أو يقوله قائل، إِلاَّ من ركب اللجاج، وحاد عن طريق الحقِّ والإنصاف، لأنَّه ليس لهم مذهب أكثر من أن يقولوا: هو الله، فإن قالوا: هو الله، ضاهوا بذلك اليعقوبيَّة من النصارى الزاعمة أنَّ عيسى هو الله؛ كما زعم أهل هذه المقالة أنَّ الكلام هو الله، فيلزمهم بزعمهم أنَّ الكلام هو المعبود، فيكون هو السميع البصير القادر الخالق الباعث الوارث، إله الدنيا والآخرة. فلمَّا بطل أن يكون الكلام هو المرغوب إليه، وأنَّه المعبود وأنَّه الذي... (1)
__________
(1) - ... كذا في الأصل، العبارة غير تامَّة، ويبدو أنَّ فيها سقطًا.. (1/345)
صفحة 346
لم يبق إِلاَّ أن يكون الكلام هو بعض الله، فيلحق بالله التجزِّي والتبعيض، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ لأنَّه عزَّ وجلَّ لا يجري عليه التجزي والتبعيض، لأنَّ من وصفه بالتجزي والتبعيض لا يخلو من أن يكون له مجزِّئًا جزَّأه، ومبعِّضًا بعَّضه، وتوجد فيه أيضًا آثار الصنعة، التي هي أداء الحاجة والعجز والحدث، تعالى ربُّنا وتقدَّس من أن يوصف بهذه الصفات، أو تدركه حاسَّة من الحواسّ، لأنَّ الكلام عندنا وعندهم مسموع بالآذان، فلمَّا بطل ذا وذاك لم يبق إِلاَّ الوجوه الثلاثة أنَّه كلام الله، وأنَّه غير الله، ثمَّ لا يخلو الكلام من إحدى (1) وجهين بعد ثبوته (2) كونه شيئًا، إمَّا أن يكون شيئًا قديما أو شيئًا محدثًا، فإن كان شيئًا قديما، فكيف كان مع الله قديمًا وهو غيره فمن أولى بالربوبيَّة من القديمين إذن، أو من أحقُّ بالألوهيَّة منهما؛ ثمَّ لا يخلو هذا القديم أن يجري عليه الفناء أو الذهاب أو لا، فإن قالوا: لا يجوز نقضوا وواجهوا بردِّ القرآن، وإن قالوا: يجوز عليه فكيف يكون قديما لا أوَّل له وله آخر، ومن لا أوَّل له لا آخر له، ومن لا آخر له فله أوَّل (3) . فلمَّا بطل أن يكون مع الله قديم غيره صحَّ أنَّ الكلام محدث فإن كان محدثًا فلا بدَّ له من محدث أحدثه ضرورة، وتولَّى تدبيره، قد دلَّ على ذلك قوله عزَّ وجلَّ : {ما يأتيهم من ذكر من ربِّهم محدث} (4) ، وقال: {ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث} (5)
__________
(1) - ... كذا في الأصل والصواب: «من أحدِ».
(2) - ... كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «ثبوت».
(3) - ... كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «ومن لا آخر له لا أوَّل له».
(4) - ... سورة الأنبياء: 2.
(5) - ... سورة الشعراء: 5.. (1/346)
صفحة 347
فوضعه عزَّ وجلَّ بالحدث فدلَّ أنَّ المحدث غير القديم، وأنَّ القديم هو المعبود، وأنَّ المحدث هو المخلوق المحتاج إلى من أحدثه وألَّفه ووجدت فيه آثار الصفة، ومن آثار الصفة الحاجة والتغاير، وقد وجدنا ذلك في القرآن، ومن شأنه حاجة بعضه إلى بعض، فالسين منه غير الباء، والباء غير الميم، وكلُّ حرف منه غير الآخر، والباء محتاجة إلى السين، والسين محتاجة إلى الميم، فإذا تألَّفت صار منها «بسم»، وهذا مشاهد بالأعيان (1) ، مدرك بالحواسِّ، فلا يحتاج فيه إلى التنازع ولا اختلاف؛ فصحَّ بما ذكرنا من اختلافها وحاجتها أنَّ لها مخالفًا خالف بينها، ومحوِّجًا أحوجها. وقد وجدنا أيضًا نصَّ الحروف موجودًا في كلام الناس ولغتهم فكيف هي هنالك قديمة أو حادثة، فإن كانت قديمة فالقرآن قديم في كلام الناس ولغاتهم فيكون حينئذ الكلام قبل المتكلَّم به، والخطاب قبل المخاطب به والمخاطب، وهذا هو الحال المحال. وإن كانت هذه الحروف محدثة في كلام الناس قديمة في القرآن فكيف تجتمع في الشيء الواحد صفتان: صفة قديمة وصفة محدثة، فتكون الباء الموجودة في القرآن غير مخلوقة، والباء الموجودة في غيره مخلوقة، وكذلك سائر الحروف تكون إذن في القرآن غير مخلوقة، وفي غير القرآن مخلوقة؛ فيكون الحرف الواحد الذي طبعه الله مخالفًا لغيره مميَّزًا من سواه على نحو ما سلف من كلامنا، وهذا هو التناقض والحيرة، نعوذ بالله من الحيرة، إِلاَّ أنَّ هذه الحروف إذا ألِّفت بضرب من التأليف كانت كلامًا، وإذا ألِّفت بضرب آخر كانت شعرًا، وإذا ألِّفت بضرب آخر كانت قرآنا فدبَّرها الحكيم الذي وضع الأشياء مواضعها على تغايرها، فكيف يزعم زاعم أنَّها مخلوقة في موضع غير مخلوقة في موضع آخر، فما مقالة من ذهب إلى هذا إِلاَّ أنَّه خروج من المعقول فنعوذ بالله من الخذلان، ونسأله العصمة والتأييد بمنِّه وإحسانه.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «العيان». (1/347)
صفحة 348
واجتمعت الأمَّة على أنَّ القرآن مجعول، لقوله عزَّ وجلَّ: {إنَّا جعلناه قرآنا عربيًّا} (1) في مواضع كثيرة من القرآن، واختلفوا في الجعل ما هو، وسيأتي بيانه وإيضاحه في موضعه إن شاء الله بعد أن نذكر ما اجتمعوا عليه ونجعله أصلا لما اختلفوا فيه.
واجتمعت الأمَّة على أنَّ كلَّ فاعل قبل فعله، وأنَّ الجاعل قبل كلِّ مجعول، وأنَّ الصانع قبل كلِّ الصنعة، وأنَّ الجاعل غير المجعول؛ فلمَّا ثبت بينهما التغاير والقبلُ صحَّ أنَّهما شيئان، وأنَّ الأوَّل المتقدِّم هو الجاعل القديم، والثاني المجعول هو الحدث الكائن بعد إذ لم يكن، وأنَّ المحدث فعل ومفعول ليس يمتنع من هذا أحد من الأمم المختلفة، وإن اختلفت أديانها ومللها فإنَّها لم تختلف في هذا المعنى مِمَّا تقوم به العبارة، وعليه جرت مخاطباتهم، واستقرَّت عليه لغاتهم، واعتمدوا عليه في جميع كلامهم.
واجتمعت الأمَّة أيضًا ألاَّ يوجد كلام وثَمَّ متكلِّم، وأنَّ المتكلِّم قبل الكلام، ولو لم يكن المتكلِّم قبل الكلام أوَّلاً بأن يكون متكلِّما من الكلام، فيكون الكلام إذن هو المتكلِّم، والمتكلِّم هو الكلام، والكلام متكلِّمًا مخاطبا، والكليم متكلِّمًا مخاطبًا؛ فلمَّا لم يجز أن يكون الكلام هو المتكلِّم، والمتكلِّم هو الكلام ثبت أنَّ هذا غير هذا. وفي وجوب التغاير إثبات العدد، وفي وجوب التقادم إثبات أنَّ أحدهما قبل الآخر، وفي إثبات أحدهما قبل الآخر إيجاب القدم للأوَّل والحدث للآخر، وفي وجوب الحدوث للثاني إثبات أنَّه كان بعد إذ لم يكن، وفي هذا إيجاب الخلق، وإثبات وحدانيَّة الصانع.
__________
(1) - ... سورة الزخرف: 3. (1/348)
صفحة 349
واجتمعت الأمَّة على أنَّ الله عزَّ وجلَّ أنزل على نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - كتابا أبان له فيه كلَّ شيء، فقال: {إنَّا جعلناه قرآنا عربيًّا لعلَّكم تعقلون} وقال تعالى: {ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا} (1) ، وقال: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} (2) ، وقال: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها} (3) 0وقال: {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرًا} (4) وقال: {أمن جعل الارض قرارًا وجعل خلالها أنهارًا} (5) ...الآية. وقال: {وجعل لكم من الجبال أكناناً} (6) ، وقال: {جعل لكم من أنفسكم أزواجًا} (7) ، وقال: {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} (8) وقال: {وجعل الشمس سراجًا} (9) ، وقال: {وجعلنا الليل والنهار آيتين} (10) . فمعنى جعلنا في هذه المواضع التي ذكرنا خلقنا، وكذلك عند المعارض غير ما ذكرناه في القرآن فإنَّه زعم أن الجعل فيه غير الخلق، ولو جاز له وساغ ذلك لجاز لمعارض أن يعارضه ويقول: وكذلك قوله: في غير القرآن من الجعل الذي اتفقنا وإياكم عليه بمعنى الخلق هو بمعنى آخر غير الخلق، وإلاَّ فما الفرق بين الجعلين فيكون الله عزَّ وجلَّ خاطب العرب بما لا يعقلونه من كلامهم ولا يعرفونه من لغتهم وبما يجوز لهم فيه الشكّ والطعن والارتياب، فيكون جعل في موضع خلق وأحدث ودبَّر وفي موضع لمعنى آخر لا نفهمه ولا ندريه وهذا لا يوصف الحكم به. فلمَّا اتفقنا نحن وهم على أنَّ الجعل في قوله: {ثمَّ جعلنا الشمسَ عليه دليلاً} (11) وفي قوله: {إنا جعلنا ما على الارض زينة لها} (12)
__________
(1) - ... سورة الشورى: 52.
(2) - ... سورة الأنعام: 1.
(3) - ... سورة الأعراف: 189.
(4) - ... سورة يونس: 67.
(5) - ... سورة النمل: 61.
(6) - ... سورة النحل: 81.
(7) - ... سورة الشورى: 11.
(8) - ... سورة الزخرف: 12.
(9) - ... سورة نوح: 16.
(10) - ... سورة الإسراء: 12.
(11) - ... سورة الفرقان: 45.
(12) - ... سورة الكهف: 7.. (1/349)
صفحة 350
وفي قوله: {وجعل الظلمات والنور} (1) بمعنى الخلق صار الجعل كله إذا كان من الله عزَّ وجلَّ بمعنى الخلق فيدخل في ذلك القرآن وغيره وإلاَّ بطلت المناظرة ولم يصحّ شاهد فإن عارضوا لقول عزَّ وجلَّ: {ما جعل الله من بحيرة} (2) ...الآية فيقال: نعم، لم يخلق الله البحيرة، بحيرة كما زعمتم، ولا السائبة سائبة كما زعمتم، وإنَّما نفى عن نفسه ما لم يفعله كما زعم المشركون فذمَّهم بابتداعهم، ومعناه ما خلقنا كما وصفتم، وإنَّما خلقنا على غير ما وصفتم، فوقع النفي هنا على نفس الوصف لا على نفس الخلق، وكذلك قوله: {إنِّي جاعلك للناس إماماً} (3) أي خالق فيك الصفة التي لم تكن فيك، والمعنى الذي لم يوجد ولم أكن فعلته بك قبل ذلك، فمعنى جعل أينما وجد خلق ودبَّر وأحدث وأنشأ وفعل وصنع، وكلُّ ذلك بمعنى واحد، وإنَّما اختلف ألفاظه، نسأل الله الواحد القهَّار أن يوفِّقنا لمعالم دينه.
__________
(1) - ... سورة الأنعام: 1.
(2) - ... سورة المائدة: 103.
(3) - ... سورة البقرة: 124. (1/350)
صفحة 351
وقوله عزَّ وجلَّ: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدِّث} (1) ، والمحدث في كلام العرب ما لم يكن ثمَّ كان فإن عارض معارض فقال: «إنَّ المحدث ما كان في الدنيا وما يقرأ وهو مخلوق»، وهو حكاية لكلام الله عزَّ وجلَّ الكائن فيه القائم بذاته الذي ليس بمخلوق، فلو كان كما قال من أنَّ هذه حكاية والحكاية مخلوقة والمحكي ليس بمخلوق، فلا تخلو الحكاية من أن تكون مخالفة للمحكي أي (2) موافقة له، فإن كانت موافقة له فكيف يكون شيئان متفّرقان واحد مخلوق والآخر غير مخلوق، وقد اجتمعت الأمَّة على أنَّ ما جاز في الشيء جاز في نظيره، وإلاَّ بطل ما اجتمعت عليه الأمَّة إذًا، وإن قال إنَّ الحكاية غير المحكيّ وهي خلاف له وهذا أغرب وأبعد ما يكون من الصواب، وذلك خروج من لسان الأمَّة وجميع الأمم، لأنَّ الحكاية لا تكون حكاية للشيء إِلاَّ وهي في مثل المحكيّ معبرة عنه بما هو به، ولو أمكن خلاف ما نقول من أنَّ الحكاية غير المحكيِّ لوجب على كلّ الأخبار الكاذبة أن تكون صادقة، وعلى كلِّ الأخبار الصادقة أن تكون كاذبة، ويكون الشعر أيضًا حكاية القرآن، والقرآن حكاية الشعر، والمدح حكاية الذمِّ، والذمُّ حكاية المدح، ولا ينبغي أن ننكر خبرا ونكذِّب مخبرًا، ونردَّ حكاية، أو ننكر مقالة، وإذا أمكن هذا وجاز فمن أين كان الصدق صدقا والكذب كذبًا، ولعمري لئن كانت الحكاية في خلاف المحكيِّ لينبغي أن يكون الصدق هو الكذب، والكذب هو الصدق؛ فلمَّا بطل هذا وفسد صحَّ أنَّ الحكاية لا تكون خلاف المحكيِّ.
__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 2.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أو». (1/351)
صفحة 352
وأيضا، أخبرونا حيث كانت الحكاية غير المحكيِّ فما القرآن إِلاَّ الحكاية أم المحكي، فإن كان القرآن الذي أنزله الله على قلب محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، ونزل به الروح الأمين إليه، وهو هذه الحكاية وهو مخالف، فإنَّا لم يقع كلامنا معهم إِلاَّ على القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو الذي قال فيه: {فإذا قرأناه فاتَّبع قرآنه، ثمَّ إنَّ علينا بيانه} (1) . وإن كان القرآن هو المحكيُّ وهو القائم بذاته عزَّ وجلَّ فهو لم ينزل بعدُ، ضاهوا بذلك قول ابن صوريا حيث قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : {ما أنزل الله على بشر من شيء} (2) ، فأنكروا نز[و]ل القرآن كأهل الشرك، وهذا أعجب من العجب، وقد وقع الاجتماع منَّا ومنهم أنَّ ما في الدنيا، وما نقرأ من القرآن هو مثال مِمَّا قرأه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي قراءته، وقرأناه على الموافقة له ولو كان خلافه كما قال من أنَّ الحكاية غير المحكي لكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد أتى بخلاف ما أتى به جبريل - عليه السلام - ، وكذلك جبريل فيما أتى به ميكائيل، وكذلك ميكائيل عن إسرافيل، فيكون كلُّ واحد منهم قد أتى بخلاف ما أتى به غيره.
وإذا قلت: الحكاية غير المحكي، فما تقول فيما نقله محمَّد عن جبريل هذا هو هذا، أم هذا غير هذا؟ فلا بدَّ من هذا هو هذا، وهذا مثل هذا، فكيف يجوز في الشيء ما لا يجوز في مثله، أم لا يجوز في الشيء ما جاز في مثله؛ وأيُّ تناقض أعظم وأفحش من هذا؟! نعوذ بالله من العمى والخذلان، ونسأله العون والتوفيق.
__________
(1) - ... سورة القيامة: 18.
(2) - ... سورة الأنعام: 91. (1/352)
صفحة 353
وقد اجتمعت الأمَّة أيضًا وجميع الأمم أنَّ الكلام لا يكون كلامًا حتَّى يكون صوتًا مقطَّعًا، والتقطيع فيه قائم، وما كان على غير هذا فليس بكلام، واجتمعوا أيضًا أنَّه لا تدرك كلُّ حاسَّة إِلاَّ ما أعدَّت له، فحاسَّة السمع لا تدرك إِلاَّ صوتًا ولو زيد فيها أضعاف ما فيها، وكذلك حاسَّة البصر ولو زيد فيها أضعاف ما فيها لم تدرك إِلاَّ لونًا، وكذلك حاسَّة الذوق لا تدرك إِلاَّ طعمًا، ولو زيد فيها أضعاف، فلمَّا صحَّ هذا ولم يكن بدُّ من الإقرار به، لأنَّ درك ذلك بالحواسِّ لا يرتاب فيه، فصحَّ أنَّ موسى - عليه السلام - لم يدرك بحاسة السمع إِلاَّ صوتا مقطَّعًا بتقطيع القائم فيه يميِّزه السامع، وما كان خلاف هذا فليس بكلام؛ وإذا بطل أن يكون كلامًا بطل أن يكون الله كلَّمه، لأنَّه لا يصحُّ أن يقال: «كلَّم»، إِلاَّ وثَمَّ كلام ومتكلِّم ومكلَّم، وكذلك «ضَرَب» لا بدَّ له من ضارب ومضروب؛ و«شتم» من شاتم ومشتوم، و«عبدَ» من عابد ومعبود، وهذا هو المعقول عند جميع الأمم. فلمَّا ثبت أنَّه لا يكون متكلِّم إِلاَّ وثمَّ كلام ومكلَّم، وثبت أنَّ الله كلَّم موسى بإجماع من الأمَّة صحَّ أنَّ ثمَّ كلام هو غير الله وغير موسى، والكلام لا يكون إِلاَّ صوتًا مقطَّعًا والتقطيع قائم فيه؛ وما كان على غير هذه الصفة فليس بكلام، فلمَّا ثبت أنَّ موسى - صلى الله عليه وسلم - سمع كلاما من الله تعالى لم يجز أن يكون سامعا إِلاَّ لشيء مخلوق، ولا يجوز أن يكون سمع الخالق، إِنَّمَا سمع كلام الخالق، لأنَّ الخلق جلَّ وعزَّ ليس بمسموع بالآذان لأنَّه ليس بصوت ولا بكلام، ولا يجوز عليه أن يقال: الله كلام ولا صوت مقطَّع؛ ولمَّا فسد هذا صحَّ أنَّ الكلام الذي سمع موسى هو الصوت المقطَّع المفهوم عند سامعه. (1/353)
صفحة 354
وممَّا يدلُّ على أنَّ الكلام من الله حدث وأنَّه غيره أنَّه جائز أن يقال : متى كلَّم الله موسى؟ ولِمَ كلَّم موسى؟ فيقال: ليفضِّله بكلامه، ويحتجَّ به على خلقه؛ ولا يجوز أن يقال: ولا يجوز أن يقال: لم قدَّر الله على موسى؟، كما جاز أن يقال: لِم كلَّم الله موسى؟ ولا يجوز أن يقال: متى علَّم الله موسى؟، ولا متى قدَّر الله على موسى؟، وجائز أن يقال: لِم كلَّمه؟ ومتى كلَّمه؟؛ ولا يجوز أن يقال: لم يزل يكلِّمه، كما يجوز أن يقال: لم يزل يعلِّمه، ويقدِّر عليه؛ وكما يجوز أن يقال: لِم رضي الله على نبيِّه؟ فيقال: لأنَّه أطاعه، ويقال: لم غضب الله على أعدائه؟، فيقال: لأنَّهم عصوه. فدخل الكلام في باب الفعل، وممَّا يؤكِّد ذلك أنَّ الكلام تدبيره وفعله، وليس هو صفته في ذاته، لأنَّك تقول: ما أحسن كلام الله وأحكمه!؛ وكذلك كلُّ ما جرى عليه الخلق، تقول: ما أحسن خلق الله وأتقنه وأحكمه!، ولا تقول: ما أحسن بقاء الله! وما أحسن قِدمه! وأتقن قدرته! وأوثق علمه! ولا ما أحسن قوَّته! ولا يجوز أن يقال: يحصى علمه وقدرته وبقاؤه. وجائز أن تقول: الله أحصى كلامه، ولا يخقى عليه عدد كلامه، وجائز أن تقول: ما أكبر كلام الله! وأكبر آيات الله وبرهانه في كلامه!؛ ولم يجز أن تقول ما أكبر قِدم الله!، ولا ما أكبر قدرته! ونحو هذا. وجائز أن تقول قدر الله على أن كلَّم موسى، وليس بجائز أن يقال: قدر الله على أن علَّم موسى. وفي ذلك بيان على أنَّ القرآن في قدرة الله، وأنَّه دبَّره وصنعه وأحدثه، وقد دلَّ على ذلك قوله عزَّ وجلَّ: {ذلك أمر الله أنزله إليكم} (1) ، {وكان أمر الله مفعولاً} (2) ، {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا} (3)
__________
(1) - ... سورة الطلاق: 5.
(2) - ... سورة النساء: 47.
(3) - ... سورة الشورى: 52.. (1/354)
صفحة 355
فسمَّاه نورًا، وسمَّاه روحًا، وسمَّاه أمرًا، وسمَّاه كلامًا، فدلَّ بذلك كلِّه على أنَّه خَلْق مِن خلقِه، وتدبير من تدبيره. وقال سبحانه: {وكان أمر الله قدَرًا مقدورًا} (1) ، وقال في عيسى - عليه السلام - : {رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} (2) ، فسمَّاه الله روحًا، وسمَّى جبريل - عليه السلام - روحًا حيث يقول: {نزل به الروح الأمين على قلبك} (3) ، والروح الأمين جبريل - عليه السلام - ؛ وسمَّاه كلامه، وسمَّاه أمرًا، وقال جلَّ ثناؤه: {أتى أمر الله} يريد القيامة {فلاتستعجلوه} (4) ، فلو جاز أن يكون أمرًا مخلوقًا وأمرًا غير مخلوق، وكلمة مخلوقة وكلمة غير مخلوقة، وروحاً مخلوقاً وروحاً غير مخلوق، وقد أضاف ذلك جميعا إلى نفسه، وقال في القرآن: {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا} (5) وقال في القيامة: {أتى أمر الله}، وقال في عيسى - عليه السلام - : {وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه}، فكيف تكون كلمة الله روح الله، وأمر الله مخلوقًا، ويكون في غير هذا الموضع كلام الله وأمر الله وروح الله غير مخلوق، وقد أضاف ذلك إلى نفسه، فأيُّ اختلاف وتناقض وتكاذب أعجب من هذا!. ولو جاز هذا لجاز لقائل أن يقول: سماوات الله منها مخلوقة وغير مخلوقة، وأرض الله منها مخلوقة وغير مخلوقة، فلمَّا بطل هذا وفسد صحَّ أنَّ ما قال الله فيه روحًا وأمرًا وكلمة وكلامًا مخلوق، وأنَّ القضاء على واحد منها كالقضاء على جميعها، الدليل على مثل هذا كثير تركناها مخافة التطويل.
__________
(1) - ... سورة الأحزاب: 38.
(2) - ... سورة النساء: 171.
(3) - ... سورة الشعراء: 193.
(4) - ... سورة النحل: 1.
(5) - ... سورة الشورى: 52. (1/355)
صفحة 356
وقال عزَّ وجلَّ لنبيِّه - عليه السلام - : {ولئن شئنا لنذهبنَّ بالذي أوحينا إليك} (1) ، فوصف نفسه بالقدرة عليه إذا شاء ذهب به، والمقدور غير القادر، والقادر غير المقدور، ولو كان المقدور هو القادر لم يستدلَّ به على القادر إذًا وهو بمثل ما به المقدور عليه، فلا يخلو القرآن من أن يكون مقدوراً عليه أو قادراً، فإن كان قادراً فهو المرغوب إليه والمعبود، فلمَّا فسدَ هذا صحَّ أنَّ الله عزَّ وجلَّ هو القادر المعبود وَأَنَّ القرآن هو المقدور عليه، وذلك أنَّ القرآن لا يخلو من أحد أمرين: إمَّا أن يكون معمولا به، أو معمولا له، فإن كان معمولا له فهو المعبود المتقرَّب إليه بالطاعة الذي يثيب ويعاقِب، فلمَّا بطل هذا أن يكون مِن نعتِ القرآن وصفته، وأنَّه من صفة القادر الخالق صحَّ أنَّ القرآن معمول به متقرَّب به إلى خالقه الذي أحدثه ودبَّره، وترجَّى به الرأفة من عنده. ومنه أيضًا قوله تعالى: {ألمص، كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى} (2) ، فجعله نذارة وحجَّة لنبيِّه - عليه السلام - ، وقال: {ألمر، كتاب أحكمت آياته ثمَّ فُصِّلت من لدنْ حكيم خبير} (3) ، فلا يعدو القرآن من أن يكون محكِمًا أو محكَمًا، والمحكَم مخلوق، وصحَّ أنَّ له محكِمًا أحكمه، وتولىَّ تدبيره؛ قال: {ثمَّ فصِّلت من لدن حكيم خبير} فلا يعدو أن يكون القرآن مفصِّلا أو مفصَّلا؛ وكذلك قال عزَّ وجلَّ: {ولقد جئناهم بكتاب فصَّلناه على علم} (4) فلو كان القرآن مفصِّلا لكان هو الفاعل، فلمَّا بطل هذا لقوله عزَّ وجلَّ: {ولقد جئناهم بكتاب فصًّلناه على علم} فأخبر عزَّ وجلَّ أنَّه هو الذي أتى به، وهو الذي فصَّله وأحكمه وجعله رحمة.
__________
(1) - ... سورة الإسراء: 86.
(2) - ... سورة الأعراف: 2.
(3) - ... سورة فصلت:2.
(4) - ... سورة الأعراف: 52. (1/356)
صفحة 357
فلمَّا صحَّ أنَّ القرآن مفصَّل جرى عليه التدبير لمن فصَّله وأحكمه وأتقنه، ومنه قوله أيضًا: {ما ننسخْ من آية أو نُنسِها نأتِ بخير منها أو مثلها} (1) فأخبر أنَّ له مثلا وأشباهًا، والله عزَّ وجلَّ لا مثل له ولا ندَّ، وكلَّما جرى عليه المثل فهو نظير وشبه، وأنَّه غير الواحد الذي لا يوصف بالمثل ولا بالنظير، ومنه قول الله عزَّ وجلَّ: {قل لئن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا} (2) ، وقال: {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} (3) ألا ترى أنَّه أخبر عن عجز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن وإن تظاهروا عليه، أفترونه أعجزهم بشيء غير موصوف بالقدرة عليه. فلمَّا فسد هذا صحَّ أنَّ القرآن مقدور عليه، وأنَّه في ملكه وقدرته، وأنَّ سلطانه جار عليه، ومنه قوله: {ألمر، كتاب أنزلناه إليك} (4) فأخبر عزَّ وجلَّ أنَّه منزِّل، وأنَّ القرآن منزَّل، وقال: {ألمر، تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربِّك الحقُّ} (5) ، وقال: {حمِ، والكتاب المبين، إنَّا أنزلناه في ليلة مباركة} (6) ، وقال: {إنَّا أنزلناه في ليلة القدر} (7) ، وقال: {وأنزلنا إليك الذكر لتُبَيِّن للناسِ ما نُزِّل إليهم، ولعلَّهم يتفكَّرون} (8) ثمَّ قال: {نزَّل عليك الكتاب بالحقِّ مصدِّقًا لما بين يديه، وأنزل التوراة والإنجيل من قبلُ هدى للناس، وأنزل الفرقان} (9) أفلا ترون أنَّ الله عزَّ وجلَّ أخبر أنَّ التوراة والإنجيل قبل الفرقان، وأنَّه أنزل الفرقان بعد التوراة والإنجيل، وما جرى عليه القبلُ والبعدُ فهو مخلوق؛ لأنَّ ما كان له القبل والبعد فهو محدوث.
__________
(1) - ... سورة البقرة: 106.
(2) - ... سورة هود: 13.
(3) - ... سورة هود: 13. وردت الآية خطأ: «فليأتوا بعشر...».
(4) - ... سورة إبراهيم: 1.
(5) - ... سورة الرعد: 1.
(6) - ... سورة الدخان: 1-2.
(7) - ... سورة القدر: 1.
(8) - ... سورة النحل: 44.
(9) - ... سورة آل عمران: 4. (1/357)
صفحة 358
وقال أيضًا: {إنَّا نحن نزَّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون} (1) ، فلا يعدو هذا الذكر ــ وهو القرآن عندنا وعندهم ــ أن يكون حافظًا أو محفوظًا، فلمَّا بطل أن يكون حافظا صحَّ أنَّه محفوظ، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ وصف نفسه بالحفظ، وأنَّه دبَّره وحفظه ومنعه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأخبر أنَّ له خلفًا وتجاهًا، وهذه الصفة موجودة في الخلق، فكيف يوصف بصفة الخلق من ليس بمخلوق، فلمَّا بطل هذا وصحَّ أنَّ كلَّ ما جرى عليه صفة الخلق فهو خَلْقٌ، كما لا يجوز أن يوصف بصفة الخالق إِلاَّ الخالق، فلمَّا وصف الله القرآن أنَّه منزَّل صحَّ أنَّ له من أنزله، وهو غيره، وهو القادر عليه، لأنَّه عزَّ وجلَّ قال: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} (2) ، وقال: {ونزَّلنا من السماء ماءً مباركًا} (3) ، {وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجَّاجًا} (4) ، وقال: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} (5) ، أفترون أنَّ المخاطبين بهذا كانوا يشكُّون أنَّ معنى أنزل في هذا معنى خلق، أوَ لا ترون أنَّ الله عزَّ وجلَّ وصف القرآن بصفة لا يجوز أن يوصف بها الخالق، لأنَّه في القرآن أمر ونهي، وإنَّ الأمر منه غير النهي، والنهي منه غير الأمر، والأمر منه غير الآمر، والناهي منه غير النهي، وإنَّه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وإنَّ المحكم غير المتشابه، والمتشابه غير المحكم، والناسخ غير المنسوخ، والموصول غير المقطوع، أفلا ترون أنَّه قد جرى عليه التغاير، وما جرى عليه التغاير جرى عليه العدد وما جرى عليه العدد فهو غير الواحد القديم الذي لا يجري عليه التجزِّي والعدد فله من جزاه ودبَّره وأنشأه وأحدثه بعد أن لم يكن، وهذه الصفات عن الله منفيَّة، وهي في القرآن موجودة، ومنه قوله تعالى: {نحن نقصُّ عليك أحسن القصص} (6)
__________
(1) - ... سورة الحج: 9.
(2) - ... سورة الزمر: 6.
(3) - ... سورة ق: 9.
(4) - ... سورة النبأ: 14.
(5) - ... سورة الحديد: 45.
(6) - ... سورة يوسف: 3.. (1/358)
صفحة 359
وسمَّاه قصصا وسمَّاه حديثا، ألا ترون أنَّ هذه الصفات لا تجوز على الله.
والقرآن له أوَّل وله آخر، ونصف وثلث وربع، وهذه الصفات يتعالى الله عنها، ويقال: البقرة غير آل عمران، والنساء غير المائدة، وكذلك سائر القرآن، ويقال: إنَّ هذه السورة غير هذه، وكذلك فيما سلف من كلامنا أنَّ التغاير في القرآن موجود، وأنَّه محتمل للتجزِّي والتبعيض، وأنَّ من شأنه حاجة بعض إلى بعض، وهذا يدلُّ أنَّ له خالقًا خلقه، ومصرِّفًا صرَّفه.
وقد ذكرنا لكم من الشواهد ما لا يمتنع من قبوله، ونحن ذاكرون لكم ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:
«يحمل هذا العلم من كلِّ خلف عدوله»، ثمَّ أخبر بعدوله وقال: «ينفون عنه تأويل الجاهلين، وتحريف الضالِّين، وانتحال المبطلين».
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «كلُّ قوم في زينة من أمرهم، ومفلحون عند أنفسهم، يزرون على من سواهم».
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «تعلَّموا البقرة وآل عمران، فإنَّ تعلُّمهما بركة، ولا تستطيعهما البطلة، و«تعلَّموا الزهرواين، فإنَّهما يأتيان يوم القيامة كأنَّهما غمامتان ــ أو غيايتان يظلاَّن صاحبهما» (1) .
__________
(1) - ... رواه أحمد في باقي مسند المكثرين، حديث 21897، قال: «حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «تَعَلَّمُوا الْبَقَرَةَ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ تَعَلَّمُوا الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا هُمَا الزَّهْرَاوَانِ يَجِيئَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُجَادِلاَنِ عَنْ صَاحِبِهِمَا». ... (1/359)
صفحة 360
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «يأتي القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب لونه فيقول للتالين: أتعرفني؟ فيقول: لا، فيقول له القرآن: أنا القرآن الذي أحييت به ليلك، فيكون قائده إلى الجنَّة» (1) .
__________
(1) - ... روى الإمام أحمد في باقي مسند الأنصار، حديث رقم 21872، قال: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلاَ يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» قَالَ: ثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ يُظِلاَنِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ؛ وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ. فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ..فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لاَ يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا، فَيَقُولاَنِ: بِمَ كُسِينَا هَذِهِ؟ فَيُقَالُ بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا» (1/360)
صفحة 361
وروي أنَّه قال لأبيِّ بن كعب: «أيُّ آية في كتاب الله أعظم؟ فقال: الله ورسوله أعلم، ثمَّ ردَّد عليه فقال: أيٌّ في القرآن أعظم، فقال: الله ورسوله أعلم، ثمَّ قال: أيُّ آية في كتاب الله أعظم؟ فقال أبيُّ: آية الكرسيِّ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ليهنك العلم أبا المنذر، إنَّ لها لسانا وشفتين تقدِّس الله تعالى تحت العرش» (1) ، أفترونها تقدِّس غير خالقها؟.
__________
(1) - ... رواه الإمام أحمد في مسند الأنصار، حديث رقم20318، قال: «حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أُبَيٍّ و حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَأَلَهُ: أَيُّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ» فَرَدَّدَهَا مِرَارًا ثُمَّ قَالَ أُبَيٌّ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ، قَالَ: «لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ لَهَا لِسَانًا وَشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ الْمَلِكَ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ» وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ أُبَيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ» (1/361)
صفحة 362
وروي عن عليِّ بن أبي طالب أنَّه قعد ذات يوم في ملإ من المهاجرين والأنصار في خلافة عمر، وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتذاكرون فضائل القرآن فقال بعضهم: أفضل القرآن خاتمة سورة براءة: {لقد جاءكم رسول...} الآية، وقال بعضهم: آخر سورة بني إسرائيل: {قل ادعو الله...} الآية، وقال قوم: أفضل القرآن يس، وقال بعضهم: أفضل القرآن السجدة، وعليٌّ فيهم ساكت، فقال له عمر رحمه الله: ما لك يا أبا الحسن ساكت؟ فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «خير البشر آدم، وخير العرب أنا ولا فخر، وخير الفرس سلمان، وخير الروم صهيب، وخير الحبشة بلال، وخير الجبال الطور، وخير البقاع مكَّة، وخير الشجر السدرة، وأعظم القرآن البقرة، وأعظم البقرة آية الكرسيِّ» (1) .
__________
(1) - ... لم نجد الحديث باللفظ، وفي الترمذي، كتاب فضائل القرآن، حديث رقم2803: «حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَفِيهَا آيَةٌ هِيَ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ هِيَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ» قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ وَضَعَّفَهُ». (1/362)
صفحة 363
أوَ لاَ ترون أنَّه وصف القرآن بتفضيل بعضه على بعض، وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير منكرين لحديثه، والأحاديث كثيرة في مثل هذا، رواه علماء هذه الأمَّة ...................................... (1) ما خلق الله شمسا ولا قمرًا، ولا جنَّة ولا نارًا أعظم من آية الكرسيِّ، والذي يعارضهم من الحجج والنقض أكبر من أن يؤتى على آخرها، وفي الذي أوضحنا ولخَّصنا من واضح البرهان ما فيه كفاية وإرشاد لمن أراد الله إرشاده وتسديده وتوفيقه إذا لم يقلِّد قادة جهلة، ورؤسا بطلة، الذين زيَّنوا الباطل فاستحسنه من لا بصيرة له، وهوَّلوا وطوَّلوا للضَّعَفة إفكهم فاستحسنوه، ونهوهم عن البحث فانقادوا لهم، ولو كان ما قالوا حقًّا ما قال الله عزَّ وجلَّ لنبيِّه - عليه السلام - : {وجادلهم بالتي هي أحسن} (2) ، ألا ترون أنَّ أنبياء الله احتجَّت على من أرسلت إليه، وأمرهم الله بالاحتجاج عليهم، إذ يقول لمحمَّد - صلى الله عليه وسلم - : {واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه...} إلى قوله: {...وكذلك يفعلون} (3) ، فحرَّم هؤلاء الجهلة البحث والطلب فانقادوا لهم واتَّبعوهم لئلاَّ يتبيَّن الحقُّ فيتَّبعوه، ويرفضوا مقالتهم، فإذا سألوا عن الحقِّ في هذا قالوا: الكلام فيه بدعة، ولم يتكلَّم فيه السلف، والخوض فيه بدعة؛ ثمَّ نصبوا مقالة وذكروا حججا لم يكن فيها قرآن يشهد لهم، ولم يأثروا فيها حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصدِّق مقالتهم، والله مُدحِض حجَّتهم بنور الحقِّ وبرهان الهدى، وقد قال سبحانه: {بل نقذف بالحقِّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مِمَّا تصفون} (4) .
__________
(1) - ... بياض في الأصل قدر ستِّ كلمات.
(2) - ... سورة النحل: 125.
(3) - ... سورة الشعرء: 69-74.
(4) - ... سورة الأنبياء: 18. (1/363)
صفحة 364
وقد أتينا بما فيه الكفاية - إن شاء الله - من النقض على من أنكر خلق القرآن بكتاب الله الناطق بالحقِّ، والسنَّة المأثورة (1) ، والإجماع المؤكِّد، وحجج العقل التي لا يمتنع منها أحد، في جميع الجهات وبالله العصمة والتوفيق، فعليكم معاشر المسلمين باتِّباع الماضين من أيمَّتكم الصالحين من أهل دعوتكم رحمة الله عليهم، فاسلكوا منهاجهم، فقد كفَّروا من زعم أنَّ القرآن غير مخلوق، وشهدوا بالضلال ليس منهم في ذلك تنازع ولا اختلاف؛ فإن سلكتم غير طريقهم، أو قلتم غير مقالتهم كان عندكم من مضى من سلفكم ضالاًّ إذ قلتم بقول من يزعم أنَّ القرآن ليس بمخلوق، فأنتم إذن أوَّلاً بضلال إذ ضلَّلتم سلفكم، أعاذنا الله وإيَّاكم من ذلك، وإن ألزمتم طريقهم وقلتم بقولهم، ودنتم بما دانوا به كان ذلك حظَّكم، واستوجبتم ثواب ربِّكم، ولم يزلكم عن دينكم من لا خلاق له، ولا ورع يحجزه عن الافتراء عن الله، فاستوِجبوا من الله وأْمُروا بطاعته، وادعوا إليها، فإذا عرفتم البدعة والتحريف والسنَّة والتكليف، وأنَّ علم القرآن لا يعرفه إِلاَّ من ذاق طعمه، فأبصر به عماه، وسمع به صمَّه، واستدرك به ما فاته، ونال به الرضا من الله.
__________
(1) - ... في الأصل: «المأسورة»، وصحِّح في الحاشية بخطٍّ مغاير، وهو الصواب. (1/364)
صفحة 365
واعلموا أنَّ تلاوة القرآن وسيلة إلى الله، والتفكُّر فيه قربة إلى الله عزَّ وجلَّ، وفي الحديث: «تالي القرآن له بكلِّ حرف عشر حسنات، أما إنِّي لا أقول: ألم حرف واحد، ولكن الألف حرف، واللام حرف، والميم حرف، فذلك ثلاثون حسنة» (1) ، ومن قرأ القرآن يريد به الله، ويعلم أنَّه من عند الله، أثابه الله أعظم الزلفة عنده، ومن شكَّ فيه لا يدري أمخلوق هو أم غير مخلوق لم يتقرَّب بتلاوته إلى الله فعليكم بتقوى الله، واطلبوا علم ما أشكل عليكم مِمَّا مضى عليه أسلافكم عند أهله من بقايا من قام بما مضى عليه أوائلكم من تمسُّك بقول أيمَّتكم، ودَعوا ما أحدث المضلُّون من أهل زمانكم، فإنَّه حرام عليكم اتِّباعهم والاستماع إليهم، والأخذ عنهم، ولا تختلفوا،
__________
(1) - ... رواه الترمذي في كتاب فضائل القرآن، حديث رقم 2835: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى قَال سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ قَال سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لاَ أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ»، وَيُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرَوَاهُ أَبُو الْأَحْوَصِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ بَعْضُهُمْ وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، سَمِعْت قُتَيْبَةَ يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ يُكْنَّى أَبَا حَمْزَةَ» (1/365)
صفحة 366
واعقلوا إذا سمعتم الهدى عقل عناية ودراية، ولا تعقلوا عقل رواية، فإنَّ الرواة كثير، واستعينوا بالله وتوكَّلوا عليه، وأنيبوا إليه واعتصموا بحبله، ولا حول لنا ولكم ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم. جمع الله أمركم، وصرف عنَّا وعنكم عوارض البلاء، وجمعنا وإيَّاكم في دار البقاء، ووفَّقنا وإيَّاكم معاشر المسلمين لما يرضاه من القول النافع، والعمل الصالح، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته». انتهى.
وقول المصنِّف: «وإيجاد المعدوم»، فهو عطف على قوله: «كإرسال...» إلخ، وإيجاد مصدر أضيف لمفعوله، وهو جعل الشيء موجودًا بعد أن كان معدومًا، وذلك كحياة الأرواح بعد أن كانت غير موجودة أصلا، والحياة عرَض من الأعراض، كما أنَّ الموت عرض من الأعراض مثله.
وفي الكشَّاف: «الحياة ما يصحُّ بوجوده الإحساس، وقيل: ما يوجب كون الشيء حيًّا، وهو الذي يصحُّ أن يعلم ويقدَّر...» إلى أن قال: «ومعنى خلقِ الموتِ والحياة إيجاد ذلك المصحَّح وإعدامه». انتهى.
وقوله: «وإعدام الموجود» كذلك مصدر أضيف إلى مفعوله، أي كإماتة الأحياء. قال في شرح النونيَّة: «إنَّ العلماء اختلفوا في الموت فقال بعضهم: إنَّه عدم الحياة، وقال الأشعريُّ: إنَّه كيفيَّة وجوديَّة تضادُّ الحياة، توجد في الجسم بعد نزع الروح منه، فلا يعرى الجسم الحيوانيُّ عنهما، ولا يجتمعان فيه، وليس بعدم محض، وفاء (1) صرف، وإنَّما هو انقطاع تعلُّق الروح بالبدن، ومفارقته له، وحيلولة بينهما، وتبدُّل حال بحال، وانتقال من دار إلى دار». انتهى من كتاب شيخنا سيف بن ناصر رحمه الله تعالى.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير مفهومة. (1/366)
صفحة 367
وقوله: «وإعادته كذلك» مصدر مضاف إلى معموله، والضمير الذي فيه عائد إلى الشيء المعدوم والمفهوم من قوله: «بعد الإعدام». وقوله: «بعد الإعدام» أي بعد إعدامه، فإفادة التعريف التي فيه بدل عن الضمير الراجع إلى الشيء على قول من أجازه، على حدِّ قوله تعالى: {وعلَّم آدم الأسماء كلَّها} (1) . وفي كتاب شيخنا سيف بن ناصر رحمه الله تعالى: «وممَّا جاء به سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ويجب ــ أي على كلِّ مكلَّف اعتقاده، أي بعد قيام الحجَّة كما تقدَّم البعث، أي إحياء الموتى بعد الموت، ونشرهم من قبورهم لأنَّه أمر ممكن أخبر به الصادق، قال تعالى: {ويقول الإنسان أإذا ما متُّ لسوف أُخرج حيًّا، أوَلاَ يذكر الإنسان أنَّا خلقناه من قبل ولم يك شيئًا، فوربِّك لنحشرنَّهم والشياطين ثمَّ لنحضرنَّهم حول جهنَّم جثيًّا} (2) .
والمبعوث، أي الذي يحيى وينشر هي الأجساد الفانية بعينها، وإلاَّ لكان الثواب والعقاب على غير المطيع والعاصي في الدنيا، وهذا غير ممكن»، إلى أن قال: «وهلاك الأشياء عدم محض خلقت من غير شيء، وتعدم إلى غير شيء، وتعاد من غير شيء».
وفي المعالم لصاحب النيل الشيخ عبد العزيز رحمه الله تعالى: «إنَّ الله سبحانه يحيي الأبدان بعد موتها. والدليل عليه أنَّ الإعادة إمَّا أن تكون للجواهر بعد إعدامها، أو جمعها بعد تفريقها، وكلاهما ممكن، وكلُّ ممكن أخبر الصادق بوقوعه فهو حقٌّ، فالإعادة حقٌّ». اهـ.
قال الإمام السالميُّ رحمه الله في هذا المعنى:
والموت حقٌّ يجب ... الإيمان ... به، كذاك البعث ... والحسبان
فالموت أن تفارق الروحُ ... الجسد ... والبعث ردُّها إليه ... للأبد
قال المصنِّف رحمه الله: «وغيرهما مِمَّا لا يترتَّب على وجوده ولا على عدمه نقص في حقِّه تعالى».
__________
(1) - ... سورة البقرة: 31.
(2) - ... سورة مريم: 66-68. (1/367)
صفحة 368
أقول: إنَّ الضمير الذي في قوله: «وغيرهما» راجع إلى ما تقدَّم ذكره من الصفات الجائزة، وذلك الغير، هو غير تلك الصفات، أو غير تلك الأفعال أو الأشياء من الأمور الجائز الوقوع، كائنا ما كان. «مِمَّا لا يترتَّب على وجوده ولا على عدمه نقص في حقِّه سبحانه وتعالى»،
قال المصنِّف: «فإنَّها من الجائز وقوعه منه تعالى، وعدم وقوعه منه تعالى في العقل قبل السماع بوقوعها، وأمَّا بعد السماع فهي من الواجب وصفه تعالى به لاستحالة خلاف ما أخبر به الله تعالى». انتهى.
أقول: تنصُّ عبارة الكندي رحمه الله في شرحه في هذه الرسالة، قال: «فإنَّها ــ فالضمير عائد إلى الأفعال المذكورة ــ في الأمر الجائز عليه سبحانه وتعالى وقوعها منه تبارك وتعالى لجواز أن يفعلها فيوصف بها، وعدم وقوعه منه سبحانه وتعالى لجواز أن لا يفعلها، فلا يوصف بها، وقوله في العقل متعلِّق بالجائز من قوله: فإنَّها من الجائز أي فالعقل السليم يجوِّز ترجيح أحد الإمكانين قبل السماع، أي قبل أن تقوم عليه الحجَّة من طريق السمع بوقوعها... (1) متعلِّق بالسماع فإذا قامت عليه الحجَّة بالسماع لزمه وصفه تعالى به، كما قال: «وأمَّا بعد السماع» أي بعد إدراكه ذلك من طريق السمع؛ «فهي» أي هذه الصفات الجائزة في حقِّه تعالى؛ «من الوصف الواجب»، أي اللازم وصفه تبارك وتعالى به متعلِّق بوصف، والضمير عائد إلى ما يجب وصفه به تعالى لاستحالة، فاللام تعليليَّة أي لامتناع خلاف ما أخبر به متعلِّق بأخبر، فخلاف ما أخبر به الله سبحانه وتعالى عن نفسه أو رسول من رسله أنَّه تعالى فعل كذا محال، لأنَّ الكذب مستحيل على الله وعلى رسله، فكلُّ ما أخبر به الله أو رسول من رسله فلا يجوز الشكُّ فيه». انتهى.
__________
(1) - ... يبدو أنَّ في العبارة سقطا تقديره: «ووجوب وصفه تعالى بها متعلِّق...» إلخ. (1/368)
صفحة 369
اعلم أيُّها الناظر أنَّ صفاته تعالى قسمان: ذاتيَّة وفعليَّة، والفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال هو أنَّ صفات الفعل تجامع ضدَّها في الوجود عند اختلاف المحلِّ (1) ، كأن يوسِّع في رزق زيد ويضيِّق في رزق عمرو، وأن يرزق العلم عمرو (2) ، ويخلق الجهل لزيد، وأن يخلق كذا دون كذا، وأن يعطي فلانا كذا ويمنع فلانا كذا، ويحبَّ فلانا ويبغض فلانا، ويرضى عن فلان ويسخط عن فلان، ويوالي فلانا ويعادي فلانا، ويرحم فلانا ويعذِّب فلانا، وهكذا...
وصفات الذات كالعلم والقدرة والإرادة، لا تجامع ضدَّها في الوجود ولو اختلف المحلُّ، فلا يقال: علم الله كذا وجهل كذا، ولاَ قَدِر على كذا وعجز عن كذا، ولا أراد كذا وأكرِه على كذا، وهكذا...
__________
(1) - ... التقييد باختلاف المحلِّ لا يكفي، إذ ينبغي إضافة قيد آخر في التعريف ليكون أدقَّ، وهو «اختلاف الزمن»، فإنَّه قد يتَّفق المحلُّ ولكن يختلف الزمن، فيكون زيد غنيًّا أو عالما في وقت، ويكون فقيرًا أو جاهلا في وقت آخر.
(2) - ... كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «عمروًا» أو «لعمرو». (1/369)
صفحة 370
وإنَّ صفات الفعل تنفى عن الله في الأزل، فتقول: كان ولم يرض ولم يسخط، ولم يحب ولم يبغض، ولم يخلق ولم يرزق، ولم يرحم ولم يعذِّب، وهكذا... وصفات الذات لا تنفى عنه في الأزل، فلا تقول: كان الله ولم يعلم ولم يقدر ولم يرد، وهكذا... قال البدر التلاتي: «هذا ما يؤخذ من كلام المشارقة، وهو يدلُّ على أنَّ صفات الأفعال حادثة، والذي عليه المغاربة أنَّ صفات الله كلَّها قديمة أزليَّة، لأنَّه يقال: الله تعالى خالق في الأزل على معنى: سيخلق، ورازق في الأزل على معنى سيرزق، وهكذا كما مرَّ. وإنَّ الفرق بين صفة الذات وصفة الفعل عندهم أن يقال في صفة الذات لم يزل الله عالما بما كان قبل أن يكون، ولم يزل الله قادرًا على إيجاد ما سيوجد قبل أن يوجد، وهكذا...». قال: «وحاصله أنَّ صفة الذات هي التي اتَّصف بها تعالى بالفعل في الأزل، وصفة الفعل هي التي لم يتَّصف بها بالفعل فيه، وإنَّما اتَّصف بها فيما لا يزال، وهو راجع إلى القول بحدوثها، كما يدلُّ تفسيرها المذكور، وكما تقول المشارقة عفى الله عنهم أجمعين».
قال: «وإنَّ بعض المشارقة قسَّم الصفة إلى ثلاثة أقسام: صفة ذاتيَّة فقط، وصفة فعليَّة فقط، وذاتيَّة باعتبار وفعليَّة باعتبار آخر:
فالأولى: هي كلُّ صفة دلَّت على نفي ضدِّها عنه تعالى، واتَّصف بها بالفعل في الأزل، كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة.
والثانية: كلُّ صفة دلَّت على نفي ضدِّها عنه تعالى، ولم يتَّصف بها بالفعل في الأزل، كالخلق والإحياء والإماتة، والحبِّ والبغض، والقبض والبسط، والولاية والبراءة. (1/370)
صفحة 371
والثالثة: كلُّ صفة تحتمل معنيين متغايرين، كحكيم فإنَّه بمعنى نفي العبث عنه تعالى صفة ذات، وبمعنى واضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها صفة فعل؛ وصادق فإنَّه بمعنى نفي الكذب عنه تعالى صفة ذات، وبمعنى مخبر بالصدق صفة فعل؛ وسميع، فإنَّه بمعنى نفي الصمم عنه تعالى صفة ذات، وبمعنى قابل الدعاء صفة فعل؛ ولطيف فإنَّه بمعنى عالم صفة ذات وبمعنى رحيم صفة فعل وهكذا» انتهى عبد العزيز رحمه الله تعالى:
وأي وصف جاز وصفه ... بما ... عانده فوصف فعل ... أحكما
ثمَّ إن المصنِّف رحمه الله تعالى بعد ذكره صفات الذات وصفات الفعل أخذ يتكلَّم على البراهين الدالَّة على وجوب اتصافه تعالى بالصفات الذاتيَّة، وتكلَّم على براهينها على الترتيب السابق فقال:
«والأدلَّة التي يدرك بها العقل وجوب هذه الصفات له تعالى واستحالة ضدها عنه هي أنَّه لو لم يكن موجودا لمَا وجد العالم، لأنَّه حادث وكل حادث لا بدَّ له من محدث، والدليل على حدوث العالم هو أنَّ العالم أجرام وأعراض لا غير، والأعراض حادثة بدليل تغيرها ووجودها بعد عدم، وانعدامها بعد وجود، والأجرام لا تخلو من الأعراض ومالا يخلو من الحادث حادث» انتهى.
أقول: إنَّ قوله: «والأدلَّة»، أي البراهين العقليَّة، والبرهان مأخوذ من البره، وهو القطع. يقال: برهت العود: قطعته؛ لأنَّه يقطع الخصم عن المحاجة، وقيل من البره: وهو البياض، ويقال امرأة برهاء: أي بيضاء لأنَّه يبيِّض القلب، ويصفِّيه من الجهل، وهو والدليل مترادفان، وقيل: هو أخصُّ من الدليل؛ لأنَّه يختصُّ بالمركب من مقدِّمتين يقينيَّتين كما قال صاحب السلم:
أجلها البرهان ما ألّف ... من ... مقدِّمات باليقين تقترن
بخلاف الدليل فإنَّه يكون مركبا وغير مركب وقطعيا وظنِّيا وهذا هو الصحيح» انتهى. من حاشيَّة السنوسيَّة. (1/371)
صفحة 372
قال في متن السنوسيَّة: «أمَّا برهان وجوده تعالى فحدوث العالم، لأنَّه لو لم يكن له محدث بل أحدث بنفسه لزم أن يكون أحد الأمرين المتساويين متساويا لصاحبه راجحا عليه بلا سبب وهو محال، ودليل حدوث العالم ملازمته للأعراض الحادثة من حركة وسكون وغيرهما وملازمةُ الحادث حادث، ودليل الحدوث الأعراض مشاهدة تغيُّرها من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى عدم».
وقول المصنَّف: «والأدلَّة التي يدرك بها العقل وجوب هذه الصفات له تعالى واستحالة ضدِّها عنه، هي أنَّه لو لم يكن موجودا لمَا وجد العالم لأنَّه حادث، وكلُّ حادث لا بدَّ له من محدث»
أقول عبارة الشيخ الكندي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الرسالة ما نصُّها: «التي يدرك بها العقل صفة للأدلَّة وجوب بالنصب مفعول ليدرك، هذه الصفات التي تقدَّم ذكرها الواجبة له تبارك وتعالى، ويدرك بها العقل استحالة أي امتناع ضدّها المتنزه سبحانه باستحالتها عنه هي، أي الأدلَّة التي أراد المصنَّف ذكرها، وهو أنَّه أي الله تعالى، "لو لم" حرفان يفيد اجتماعهما إثبات التالي لإثبات المقدَّم، يكن الله موجودا بالنصب خبر ليكن لمَا وجد العالم، فاللاَّم في لمَا (بالفتح) جواب لو العالم (بفتح اللاَّم) اسم يعمُّ جميع المخلوقات ، فوجود العالم دليل على وجود الله تعالى، لأنَّه أي عالم حادث مسبوق بعدم، وكل شيء حادث لا بدَّ من محدث أحدثه (بكسر الدال) اسم فاعل من أحدث المتعدي بالهمز، فوجود المحدث (بالفتح) دليل على وجود المحدث (بالكسر)؛ لأنَّ الصفة تدلُّ على الصانع ضرورة فالعلم حادث» انتهى. (1/372)
صفحة 373
اعلم أنَّ الدليل في وجود الله تعالى مركوز في ذهن كلِّ عاقل وإن كان أعرابيا لعموم دلائله، قيل لأعرابي: ما الدليل على أنَّ لهذا العالم صانعا؟ فقال: إنَّ البعرة تدلُّ على البعير، وأثر القدم تدلُّ على المثير (1) ، فهيكل علويٌّ بهذه اللطافة، ومركز سفليٌّ بهذه الكثافة، أمَا ما يدلاَّن على الصانع الخبير؟!
قال أبو ستَّة رحمه الله: «يعني أنَّ وجود هذه الأشياء ليس منها بل من غيرها وإلاَّ لزم المحال: وهو اجتماع أمرين متنافيين، وهما: الاستواء، والرجحان بلا مرجِّح، بيانه أنَّ وجود كلِّ فرد من أفراد العالم مساوٍ لمَا عداه، وزمان وجوده مساوٍ لغيره من الأزمنة، ومكانه الذي اختصَّ به مساو لغيره من الأمكنة، وصفاته التي اختصَّت به مساوية لغيرها من الصفات فهذه أنوع كلِّ واحد منها فيه أمران متساويان، فلو وجد أحدهما بنفسه بلا محدث لترجَّح على مقابله مع أنَّه مساو له، إذ قبول كلِّ جرم لهما على حدِّ سواء، وقد لزم أن لو وجد شيء من العالم بنفسه بلا موجد لزم اجتماع الاستواء والرجحان المتنافيين، وذلك محال، فثبت أنَّ غيرهما وهو الحقّ جلَّ وعلا، وهو الذي خصَّ كلَّ فرد من أفراد العالم بما اختصَّ به، فلولاه ما وجد شيئٌ من العالم للمحال المذكور، فسبحان من أفصح بوجوب وجوده افتقار الكائنات كلِّها.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المسير». (1/373)
صفحة 374
قال الفخر: «يروى أنَّ بعض الزناقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق، فقال جعفر: هل ركبت البحر؟، قال: نعم، قال هل رأيت أهواله؟ قال: بلى، هاجت يوما رياح هائلة، فكسرت السفن، وغرقت الملاحين، فتعلَّقت أنا ببعض ألواحها، ثمَّ ذهب عنِّي ذلك اللَّوح، فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج، حتَّى دفعت إلى الساحل، فقال: جعفر قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح، ثمَّ على اللَّوح حتَّى ينجيك، فلمَّا ذهبت هذه الأشياء عنك هل أسلمت نفسك للهلاك؟ أم كنت ترجو السلامة بعد؟، قال: بل رجوت السلامة، قال: مِمَّن كنت ترجوها، فسكت الرجل، فقال جعفر: إنَّ الصانع هو الذي كنت ترجوه في ذلك الوقت، وهو الذي أنجاك من الغرق، فأسلم الرجل على يده». قال: «وجاء في ديانات العرب أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال لعمران بن حصين: «كم لك من إله؟ قال: عشرة، قال: فمن لغمِّك وكَربك، ودفع الأمر العظيم إذا نزل بك من جملتهم؟، قال: الله، قال - عليه السلام - : مالك من إله إِلاَّ الله»، قال: «وكان أبو حنيفة سيفا على الدهرية، وكانوا ينتهزون الفرصة ليقتلوه، فبينما هو يوما في مسجده قاعداً، إذ هجم عليه جماعة بسيوف مسلولة وهمُّوا بقتله، فقال لهم: أجيبوني عن مسألة ثمَّ افعلوا ما شئتم، فقالوا له: هات، فقال: ما تقولون في رجل يقول لكم إنِّي رأيت سفينة مشحونة بالأحمال، مملوءة من الأثقال، قد احتوشها (1)
__________
(1) - ... احتوش القومُ الصيدَ إذا أنفرهم بعضهم على بعض، واحتوش القومُ على فلان جعلوه وسطهم. ... ... وانظر- الرازي: مختار الصحاح، ص162.. (1/374)
صفحة 375
في لجَّة البحر أمواج متلاطمة، ورياح مختلفة، وهي من بينها تجري مستوية، ليس بها ملاح يجريها، ولا متعهِّد يدفعها، هل يجوز ذلك في العقل؟، قالوا: لا، هذا شيء لا يقبله العقل، فقال أبو حنيفة: يا سبحان الله إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر، مستوية من غير متعهِّد، ولا مجر، فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها، وتغيُّر أعمالها، وسعة أطرافها، وتباين أكنافها، من غير صانع؟، فبكوا جميعاً، وقالوا: صدقت، وأغمدوا سيوفهم، وتابوا» انتهى المراد منه.
وقول المصنِّف: «والدليل على حدوث العالم؛ هو أنَّ العالم أجرام وأعراض لا غير، والأعراض حادثة بدليل تغيُّرها ووجودها بعد عدم، وانعدامها بعد وجود، والأجرام لا تخلو من الأعراض، وما لا يخلو من الحادث فهو حادث».
عبارة السنوسية: «ودليل حدوث العالم ملازمته للأعراض الحادثة من حركة وسكون وغيرهما ، وملازم الحادث حادث، ودليل حدوث الأعراض مشاهدة تغيرها من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى عدم» انتهى.
قال في شرح السنوسية: «وإنَّما خصَّ الحركة والسكون بالتصريح، لأنَّ ملازمة الأجرام لهما ضرورية لكلِّ عاقل، لكن في جعلها من الأعراض نظرٌ لأنَّ الأعراض جمع عرض، وهو خاصٌّ بالأمر الوجودي، كالسواد والبياض، ولا كذلك هما، لأنَّ الحركة هي انتقال الجرم من حيِّز إلى حيِّز آخر، والسكون ضدّه، وملازم الحادث حادث، أي لأنَّ ملازم الشيء لا يصحُّ أن يسبقه، إذ لو سبقه لانتفت الملازمة، وهو خلاف الغرض، ودليل حدوث الأعراض مشاهدة تغيرها، تقريره هكذا: الأعراض شوهد تغيرها من وجود إلى عدم وعكسه، وكلّ ما كان كذلك فهو حادث، ونتيجة الأعراض حادثة، فإن قيل: التغيُّر أمر اعتباري لا تتعلَّق به المشاهدة لأنَّها لا تتعلَّق إِلاَّ بالأمر الوجوديِّ، أجيب بأنَّ في العبارة تساهلا، والمراد أنَّ الأعراض شوهدت متغيرة من وجود إلى عدم وعكسه. (1/375)
صفحة 376
فقول المصنِّف: «مشاهدة تغيرها..إلخ». أي مشاهدتها متغيرة، لكن هذا لا يظهر إلاَّ في الوجوديّ منها كالسواد والبياض، دون نحو الحركة والسكون، لأنَّ ذلك لا يشاهدُ، وإنَّما يشاهد الجرم حال كونه متحركًا أو ساكناً ونحو ذلك، لكن لمَّا ضاقت عليهم العبارة تساهلوا في ذلك كما يؤخذ من كلام بعض من كتب علي السكتاني.» انتهى مع حذف.
وفي تفسير الشيخ الكندي رحمه الله: «والدليل على حدوث العالم، أي إيجاده بعد العدم هو أي الدليل المستدلّ به على حدوثه، أنَّ العالم بالفتح أجرام، جمع: جِرم بكسر الجيم أي أجساد وأعراض معطوف على أجرام، جمع: عِرض عام لكلِّ عرض سواء كان عاما أو خاصا، لازماً أو مفارقًا.
قال الجرجاني: «العرَض الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع أي محلٍّ يقوم به كاللوِّن المحتاج في وجوده إلى جسم يحلُّه ويقوم هو به، والأعراض على نوعين: قارّ الذات، وهو الذي تجتمع أجزاؤه في الوجود كالبياض والسواد، وغير قارِّ الذات وهو الذي لا تجتمع أجزاؤه في الوجود كالحركة والسكون». انتهى
فالعالم المنحصر في هذين النوعين انحصار كليٌّ في جزئياته ولذا قال المصنف: «لا غير» ذلك، والأعراض كلّها حادثة، ويستدلّ على معرفة حدوثها بدليل تغيرها، فالباء سببيَّة، أي فتغيرها سبب لمعرفة حدوثها لأنَّ ما ثبت قدمه استحال حدوث عدمه، فالله تعالى عدمه محال لما علمت من الأدلَّة على ثبوت قدمه ووجودها، أي الأعراض بعد عدم دليل على حدوثها، لأنَّ القديم هو ما لم يسبق بعدم ولا ثمَّ شيء لم يسبق بعدم إِلاَّ مولانا جلَّ وعلا، وانعدامها بعد وجودها دليل أيضًا على حدوثها، وقد علمت أنَّ ما ثبت قدمه استحال عدمه، فافهم؛ فالأعراض حادثة بدليل التغيُّر، والأجرام لا تخلو من قيام الأعراض بها.
و«ما» نكرة الموصوفة بمعنى شيء أي وأيُّ شيءٍ لا يخلو من الحادث، فالجملة صفة لـ"ما"، فهو حادث لاستحالة قيام الحادث بالقديم. (1/376)
صفحة 377
قال المصنف: «وأنَّه لو لم يكن قديما بأنْ كان لوجوده أوَّل لكان حادثاً، وكلُّ حادث يحتاج إلى محدثٍ فيلزم التسلسل والدور وهما محالان.»
أقول: قال الشيخ الكندي ــ رحمه الله تعالى ــ: «والدليل على قدمه ــ جلَّ وعلا ــ هو أنَّه تبارك وتعالى لو لم يكن قديماً فالقدم هنا سلب سبق العدم، فلذا قال: بأنْ كان لوجوده تبارك وتعالى أوَّل أي بداية، لسبق العدم عليه لكان حادثاً، فاللام جواب للو، وكل شيء يحتاج فهو يحتاج احتياجًا ضروريًّا، إلى محدث يحدِثه بكسر الدال المهملة لاستحالة أن يحدث الشيء نفسَه، فيلزم التسلسل إن كان المحدث الأوَّل ليس بأثر المحدث، وذلك المحدث أيضًا الأوَّل يحتاج محدث إن كان محدِثه ــ بالكسر ــ غير أثر له وهكذا، وكلّ واحد من المحدثات يتوقَّف على ما توقف عليه غيره إلى ما لا نهاية في الأزل، أو الدور إن كان محدثه بالكسر أثرًا له، فكلُّ واحد من المحدَثات بالفتح والمحِدث بالكسر متوقِّف على الآخر، وهما أي التسلسل والدور محالان، تثنية مُحال ــ بضمِّ الميم ــ وهو ما امتنع وجوده». انتهى
وفي شرح السنوسية قال قوله: «لو لم يكن قديما لكان حادثاً، ووجه التلازم بين المقدَّم والتالي أنَّ كلّ موجود منحصر في القديم والحادث، فمتى لم يكن قديما كان حادثا.» انتهى
قال: «وإنَّه لو لم يجب كونه باقيًا لجاز أن يكون له انقضاء، فيكون معدومًا، وذلك من صفات الحوادث، وقد استحال حدوثه لمَا تقدَّم»اهـ (1/377)
صفحة 378
أقول: عبارة السنوسية في هذا المقام هكذا: «وأمَّا برهان وجوب البقاء له تعالى فإنَّه لو أمكن أن يلحقه العدم لانتفى عنه القدم، لكون وجوده حينئذ جائزًا لا واجبًا، والجائز لا يكون وجوده إِلاَّ حادثاً، وفي شرحه ما نصّه:« وأمَّا برهان وجوب البقاء له تعالى فلأنَّه...» إلخ. هذا البرهان لا يتم إِلاَّ بقياسين، ونظمهما هكذا لو لم يجب له البقاء لأمكن أن يلحقه العدم، لكن إمكان لحوق العدم له محال لأنَّه لو أمكن أن يلحقه العدم لانتفى عنه القدم، لكن انتفاء القدم عنه محال».
قال الشيخ الكندي رحمه الله: «والدليل على وجوب بقائه تعالى أنَّه تبارك وتعالى لو لم يجب كونه جلَّ وعلا باقياً بالنصب خبر لِكان، فالبقاء هنا عدم انقضاء الوجود، فوجوده تعالى لا يلحقه العدم كما لا يسبق قدمه العدم، لأنَّ ما ثبت قدمه استحال عدمه، واللام في قوله لجاز جواب للو، أن يكون له تعالى انقضاء أي فوات وزوال، فيكون الله تعالى معدوماً الفاء عاطفيَّة في قوله فيكون بالنصب على قوله أنْ يكون... إلخ، وذلك الإشارة إلى الانقضاء والانعدام، من جملة صفات الحوادث حادث كفوارس جمع: فارس، والحال قد استحال أي امتنع حدوثه بالرفع فاعل استحال كما تقدَّم». انتهى
قال المصنف: «وأنَّه لو كان ميِّتًا لمَا كان منه إيجادٌ للخلق».
أقول عبارة الشيخ الكندي ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسيره لهذا الموضع قال: «والدليل على عدم موته ـ سبحانه وتعالى ـ أنَّه لو كان ـ عزَّ وجلَّ ـ ميتًا بالنصب خبر. لكان لما كان منه تعالى إيجاد الخلق فإيجاد بالرفع فاعل لكان لأنَّها تامَّة، وإيجاد مصدر: أَوجد بفتح همزة التعدية مضاف إلى معموله، فإيجاد الخلق منه تعالى وإماتتهم، ودوران الأفلاك وجري الكواكب واختلاف الليل والنهار، واختلاف ألسنتكم وألوانكم دليل على حياته، فهذا البرهان دالٌّ على حياته تبارك وتعالى». (1/378)
صفحة 379
وعبارة شيخنا ــ رحمه الله تعالى ــ نصها: «وأن يكون حيًّا لأنَّ الحياة شرط لصحَّة العلم والقدرة والإرادة وغيرها، والمتَّصف بالحياة يكون فاعلا.» انتهى
وفي المعالم: «يجب أن يكون ربنا ــ عزَّ وجلَّ ــ حيًّا وإلاَّ لم يكن متصفا بتلك الكمالات السابقة من القدرة والإرادة والعلم، وبيان الملازمة أنَّ تلك الصفات مشروطة عقلاً، يكون المتَّصف بها حيًّا، فلو قدّر عدمه لوجب عدمها لوجوب انتفاء المشروط لانتفاء شرطه» إلى أن قال: «والحياة صفة توجب لمن اتَّصف بها أن يكون فاعلاً» قال: «وإنَّما قلنا إنَّ تلك الصفات بل وغيرها مشروطة بالحياة لأنَّها ليست تحتها إِلاَّ الوجود.» انتهى
قال المصنف: «ولو كان جاهلا لمَا علم إيجادهم.»انتهى
أقول: عبارة الشيخ الكندي ــ رحمه الله ــ في تفسيره لهذا الموضع: «والدليل على علمه سبحانه وتعالى أنَّه لو لم يكن عالما لكان جاهلاً، لمَّا علم إيجادهم، فالضمير عائد إلى الخلق، وإيجاد مصدر أوجد، فإيجاده الخلقَ أي إخراجه لهم من العدم إلى الوجود، واختلاف صورهم على كثرة عددهم، وإتقان صنعهم ودقائق محاسنهم دليل على علمه الذاتي سبحانه وتعالى: {إنَّ الله بكلِّ شيء عليم}».
قال في السنوسية: «وأمَّا برهان وجوب اتِّصافه تعالى بالقدرة والإرادة والعلم والحياة، فلأنَّه لو انتفى شيء منها لمَا وجد شيء من الحوادث». انتهى (1/379)
صفحة 380
قال في حاشية السنوسية قوله: «وأمَّا برهان وجوب اتِّصافه تعالى بالقدرة...إلخ إِنَّمَا جمعها في دليل واحد، لاتِّحاد اللازم على نفيها، وهو عدم وجود شيء من العالم؛ ووجه اللزوم في القدرة أنَّه إذا انتفت ثبت ضدّها وهو العجز وحينئذ لا يوجد شيء من العالم؛ ووجه اللزوم في الإرادة أنَّه إذا انتفت ثبت ضدُّها وهو الكراهة بمعنى عدم الإرادة، وإذا انتفت القدرة ثبت ضدُّها بهذا المعنى انتفت القدرة لأنَّها فرع عن الإرادة في التعقّل، وإذا انتفت القدرة ثبت ضدّها وهو العجز، وحينئذ لا يوجد شيء من العالم؛ ووجه اللزوم في العلم أنَّه إذا انتفى ثبت ضدّه وهو الجهل وإذا ثبت ضدّه انتفت الإرادة لأنَّه لا يتعقّل إرادة من غير علم، وإذا انتفت الإرادة ثبت ضدّها إلى آخر ما تقدَّم». انتهى
المراد منه قال المصنِّف: «ولو كان عاجزًا لمَا قدر على إيجادهم».
قال الشيخ الكندي ــ رحمه الله ــ في تفسيره: «والدليل على قدرته تعالى أنَّه لو لم يكن قادرًا لكان عاجزًا، ولو كان عاجزاً لمَا قدر على إيجادهم أي إيجاد الخلق، لأنَّ العاجز لا يقدر على شيء، فإيجاد الخلق دليل على قدرته العامَّة لكلِّ شيء: {إنَّ الله على كلِّ قدير}.»انتهى
قال المصنِّف: «ولو كان غير مريد لمَا أوجدهم، أو لكان مكرها على إيجادهم عاجزًا.» انتهى
قال الشيخ الكندي ــ رحمه الله ــ: «والدليل على إرادته تبارك وتعالى أنَّه لو لم يكن تعالى مريدًا لكان غير مريدٍ لما أوجدهم، أي لما أوجد الخلق، فإيجاد الخلق دليل على إرادته، كما أنَّه دليل على علمه وقدرته أو يقال أيضًا: إنَّه تعالى لو كان غير مريد لكان مكرهًا على إيجاد الخلق، ولو كان مكرهًا على إيجادهم لكان عاجزًا ذليلاً، ومن كان كذلك فليس بإله». (1/380)
صفحة 381
قال الشيخ عبد العزيز - رضي الله عنه - في المعَالِم: «ولو لم يكن الباري مريدًا لما اختصَّ العالم بوجود ولا مقدار ولا صفة ولا زمان، بدلاً عن تعاريضها الجائزة، فيلزم إمَّا قدم العالم واستمرار عدمه، وبيان ذلك أنَّا نقول: الله تعالى خصَّص الحوادث بأحد الطرفين الجائزين، وكلّ من كان كذلك كان مريدًا، فالله تعالى مريدٌ، أمَّا الصغرى فواضحة إذ لا يخفى أنَّه لمَّا كان وجود الممكنات وعدمها بالنسبة إليها سواء لا يجب أحدهما ولا يستحيل بل هما جائزان بالسواء، ثمَّ إنَّه تعالى هو الذي خصَّصه بأحد الطرفين الجائزين عليه وهو الوجود، ولم يبقه على الطرف الآخر الجائز عليه أيضًا وهو العدم، وكذا أوجده على مقدار مخصوص في ذاته فخصَّه أيضًا بذلك المقدار بدلا من الآخر الجائز، وهو أن يكون أكبر من ذلك وأصغر منه، وكذا خصَّصه بالوجود في ساعة كذا من يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا، بدلا عن المتقدِّم على ذلك أو المتأخِّر عنه، وكذا ما يتعلّق بسائر الأعراض خصَّ بنوع من ذلك بدلاً عن تركه إلى مقابله، وأمَّا بيان الكبرى فلأنَّ ترجيح وقوع أحد الطرفين المستويين بغير مرجِّح محال، ويستحيل أن يكون المرجَّح نفس ذلك الممكن، لأنَّه يلزم عليه أن يكون مساوياً لذاته راجحًا كما مرَّ، وأيضا فلأنَّه إن ترجَّح له الوجود عن ذاته كان واجب الوجود لذاته، فيلزم قدمه، وإن ترجَّح له العدم من ذاته وجب استمرار عدمه فلا يوجد أبدًا، لأنَّ المرجّح الذاتي يمتنع عدمه وكلا القسمين باطل، فتعيَّن أنَّ المرجّح خارج عنهم من جهة فاعله، والسبر يقتضي أن لا مرجِّح لاختصاص الممكن بأحد الجائزين عليه أو الجائزات بدلاً عن مقابله إِلاَّ بالارادة وهي اختيار الفاعل وفعل ذلك جائز». انتهى
قال المصنِّف: «ولو كان أعمى أو أصم لكان ناقصا وذلك مستحيل.» انتهى (1/381)
صفحة 382
عبارة الشيخ الكندي ــ رحمه الله ــ: «والدليل على أنَّه تعالى بصير سميع أنَّه لو لم يكن بصيرًا سميعًا لكان أعمى أصمّ، ولو كان أعمى أو أصم لكان ناقصًا، فليس بإله، وذلك الإشارة إلى العمى والصمم أي أنَّه مستحيل عليه تعالى عقلاً». انتهى
وفي السنوسية: «وأمَّا برهان وجوب السمع له تعالى والبصر والكلام فالكتاب والسنَّة والإجماع».
قال في شرح السنوسية قوله: «وأمَّا برهان وجوب السمع له تعالى...إلخ"، علم من كلام المصنِّف أنَّ العهدة في إثبات هذه الصفات هو الدليل النقليُّ دون الدليل العقليِّ لضعفه، إذ لا يلزم من كون الشيء نقصًا في الشاهد أن يكون نقصا في الغائب، فلذلك لم يسقه المصنِّف إِلاَّ على وجه التقوية فقط.
قوله: "فالكتاب والسنَّة والإجماع" أي مع ملاحظة قواعد اللغة، فاندفع الاعتراض بأنَّ ذلك يدلُّ على أنَّه سميع بصير متكلِّم، وهذا لا يفحم الخصم وهو المعتزلة، لأنَّه لا ينكر ذلك، فإنَّه يسلَّم أنَّه تعالى سميع بصير متكلِّم كما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة والإجماع، لكن لا بسمع وبصر زائدين على الذات، ولا بكلام قائم بها؛ وبيان الاندفاع أنَّ معنى سميع وبصير ومتكلِّم، ذات ثبت لها السمع والبصر والكلام، لأنَّ من لم يقم به وصف لا يشتقّ له منه اسم، فلا يقال: قائم، إِلاَّ لمن اتّصف بالقيام، ولا قاعد إِلاَّ لمن اتَّصف بالقعود وهكذا. فإن قال الخصم: ما ذكرته هو مقتضى اللغة، ولا محالة إِلاَّ أنَّ الدليل العقلي منع من قيام تلك الأوصاف بالذات لِما يلزم عليه من تعدد القدماء؟ ردَّ بأنَّ تعدُّد القدماء إِنَّمَا يمنع في الذوات لا في الذات مع الصفات». انتهى
قلت: إنَّ هذا مبنيٌّ على قاعدة الأشعريَّة في أنَّ صفاتِ الله الذاتية هي معان حقيقيَّة قائمة بذاته زائدة عليها، فهو عندهم عالم بعلم، وقادر بقدرة، ومريد بإرادة وهكذا. (1/382)
صفحة 383
وقد أجاب أصحابنا رحمهم الله تعالى بما حاصله: «أنَّ صفات الله سبحانه وتعالى الذاتية هي عين ذاته، أي مدلول صفاته الذاتية هي ذاته العليَّة ليس غيره عزَّ وجلَّ، لأنَّه لو كانت غيره تعالى للزم إمَّا أن تكون موجودة قبله وهو باطل، لاستلزامه أن يكون الله حادثا تعالى عن ذلك، وإمَّا أن يكون موجودًا بعده وهو باطل أيضًا لاستلزامه أن تكون الذات قبل وجود تلك الصفة غير متَّصفة بالكمالات، فيلزم اتِّصافها بالنقص، وإمَّا أن تكون مقارِنة له في الوجود وهو باطل أيضًا، لاستلزامه تعدّد القدماء، والقول بتعدُّد القدماء كفر، وبه كفرت النصارى؛ وأيضا فعلى تسليم أن تكون صفاته الذاتية غير ذاته يلزم أن يكون الربّ تعالى محتاجا إلى ذلك الغيب ناقصًا بدونه تعالى عن ذلك». انتهى مشارق الأنوار.
وهذا المعنى أشار إليه نورالدين - رضي الله عنه - بقوله:
وما عليه فيكون ... أفقرا ... لغيره وذلك دأب ... الفقَرا
قال المصنّف: «وإنَّه لو كان مماثلاً للحوادث لكان حادثًا، وقد عرفت استحالته».
أقول: عبارة الشيخ الكندي في تفسيره لهذا الموضع نصُّها: «والدليل على أنَّه تعالى مخالف للحوادث أنَّه تعالى لو كان مماثلاً (بالنصب) خبر لكان، الحوادث متعلِّق بمماثل لكان جلَّ وعلا، حادثا لاحتاج إلى محدِث ــ بالكسر ــ، وذلك المحدث إمَّا أن يكون أثرا له فيدور أو لا فيتسلسل، وقد عرفت مِمَّا تقدَّم استحالتهما، أي امتناع وعدم إمكان المحدِث المستدلِّ عليه لقوله: "لكان حادثا" لامتناع وجود المحدث، وبه نستدل على عدم مماثلته سبحانه للحوادث، أو مماثلة شيء من الحوادث له، {ليس كمثله شيء} ، وامتناع اللازم يوجب امتناع الملزوم، فامتناع الحدوث موجب لامتناع المماثلة فافهم.» انتهى (1/383)
صفحة 384
قال المصنِّف: «ولو احتاج إلى شيء يقوم به أو يوجده أو يعمل به لكان صفة للشيء أو موجدًا له أو مستعينًا به، ولا يصحّ كونه صفة إذ قد اتَّصف بالصفات، والصفة لا تتصف بها، ولا كونه موجدًا إذا قد استحال حدوثه، ولا كونه مستعينًا لغيره لأنَّه يستلزم عجزه وهو مستحيل». انتهى
أقول ففي تفسير الشيخ الكندي ــ رحمه الله تعالى ــ قال: «والدليل على غناه تعالى وعدم احتياجه أنَّه لو لم يكن غنيَّا لاحتاج إلى غيره، ولو احتاج إلى شيء ما من الأشياء يقوم به أي فيه، كقيام الصفة بالموصوف، وقيام العرض بالجرم، أو احتاج إلى شيء يوجده بعد عدم، وقد عرفت استحالة ذلك، واحتاج إلى شيء مَّا من الأشياء يعمل به: الباء للاستعانة كما صرَّح به المصنّف لقوله الآتي: «أو مستعينا به لكان سبحانه وتعالى» فاللام جواب للو (1) من قوله:«ولو احتاج...إلخ» صفة للشيء الذي هو قائم به؛ أو موجَدًا بفتح الجيم اسم مفعول من أوجد المتعدي بالهمزة، له أو بالشيء الذي أوجده: ففي كلامه استخدام لأنَّ الشيء القائم به غير الشيء الموجب له، وكذا في قوله:«أو مستعينا» اسم فاعل من استعان أي طالب للاستعانة به، أي بذلك الشيء الذي استعان به، أي طلب منه الإعانة، وليست هذه صفة القادر المختار تعالى الله عن ذلك، وفي كلام المصنّف لفٌّ ونشر مرتَّب إذ قال: ولو احتاج إلى شيء يقوم به أو يوجده أو يعمل به. وقوله لكان صفة هو لقوله أو يوجده، وقوله أو مستعينا به هو لقوله أو يعمل به، فافهم. ولا يصحُّ، أي: لا يمكن. وكونه مصدر لكان الناقصة مضاف إلى اسمه على حدّ قول الشاعر:
وكونك إيَّاه عليك يسير
صفة بالنصب خبر له إذ قد تعليل لقوله: ولا يصحُّ...إلخ.
__________
(1) - ... بيان للو (وجد في الهامش). (1/384)
صفحة 385
اتصف سبحانه بالصفات الكمالية الذاتية، والحال انَّ الصفة لا تتصف بها، فالضمير عائد إلى الصفات من قوله "إذ قد اتَّصف بالصفات" لأنَّ قيام الصفة محال كاستحالة قيام عرض بعرض، ولا يصحُّ كونه سبحانه موجَدا بفتح الجيم اسم المفعول، لأنَّه لو كان كذلك لاحتاج إلى موجِد (بالكسر) وهذا باطل، إذ قد استحال، أي امتنع حدوثه لمَا علمت من استحالة ذلك؛ ولا يصحّ كونه تعالى مستعينًا بغيره من المخلوقات لأنَّه، أي: طلب الاستعانة بالغير يستلزم استلزامًا ضروريًّا؛ وعجزَه (بالنصب) مفعول يستلزم وفاعله ضمير يعود إلى طلب الاستعانة المفهوم من قوله: «ولا كونه مستعينًا...إلخ». والضمير في قوله:«عجزه» عائد إلى المستعين، والعجز هنا قصور القدرة عن نفوذ الإرادة وبلوغ المطلوب، وهو - أي العجز - في حقّه مستحيل، أي: ممتنع لا يصحّ وجوده لِما علمت من الدليل على واسع قدرته تعالى». انتهى
قال المصنّف: «ولو كان غير واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لكان متعدّدًا ومشابهاً في الذات أو الصفة أو الفعل إذا لما كان للعالم وجود {قل لو كان فيهما آلهةٌ إِلاَّ الله لفسدتا} إذ لو اتَّفقوا على إيجاده للزم اجتماع متعدد على أثر واحد وهو محال، هذا إن نفذ مرادهم وهو غير ممكن، ولو اختلفوا فنفذ مراد أحدهم لكان الآخرون عاجزين، ولكونهم مثله في الألوهية لكان عاجزًا أيضًا مثلهم، فاستحال وجوده جميعًا أو لم ينفذ مرادهم جميعا لكانوا جميعا عاجزين فاستحال وجوده منهم كذلك، فوجب أنَّه واحد لا شريك له». انتهى (1/385)
صفحة 386
أقول: قال في تفسيره الشيخ الكندي ــ رحمه الله ــ: «والدليل على أنَّه تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله أنَّه لو كان سبحانه غير واحد (بالنصب) خبر لِكان، واحد (بالجرِّ) مضاف إلى غير في ذاته وصفاته وأفعاله لكان له مشارك ومشابه في الذات والصفات والأفعال، ولو كان كذلك لكان سبحانه متعدّدا على حسب المشاركة؛ ومشابَها (بفتح الباء) اسم مفعول، لأنَّ من اتصف بصفة اتصف بها غيره، كان مشابها له في تلك الصفة ضرورة ومتصفًا بجميع لوازم تلك الصفة من جسمية وغيرها، في الذات فذاته تعالى ليست كذواتنا ولو كان ذاته تعالى كذواتنا لجاز عليه جميع ما يجوز علينا». انتهى
قال سيِّدي نورالدين:
لو أنَّه مشابه في ... ذاته ... جاز عليه وصف مخلوقاته
إذ كلّ شبيهين بوجه ... لزم ... في الكلِّ ما لذلك الوجه انتما
قال في المشارق: «وبيانه أنَّه متى ما كان الشبيه متصفا بصفة وشابهه فيها غيره، اتَّصف ذلك الغير بما يلازم تلك الصفة؛ مثال ذلك قول المجسِّمة: "إنَّه تعالى جسم لا كالأجسام". وجوابه أنَّه إذا كان جسمًا يجب أن يتَّصف بالصفات الجسمانية من طول وعمق وعرض وقصر ونحو ذلك، ومتى ما جاز عليه هذه الصفات وجب أن يكون محاطًا به محتاجا لغيره من المكان ونحوه، لأنَّ الأجسام مفتقرة إلى المحل». انتهى (1/386)
صفحة 387
أو بمعنى الواو ومشابهًا في الصفة فـ"أَلْ" فيه للجنس، أي في شيء من صفاته، فصفاته تعالى ليست كصفاتنا، لأنَّ صفاته تعالى عين ذاته، وصفاتنا هي غير ذواتنا؛ ألم ترَ أنَّ صفاتنا قد تزول أو يزول بعضنا وذواتنا باقية على حالها، أو بمعنى الواو أي مشابهًا في الفعل فـ"أَلْ" فيه للجنس أي في أفعاله، فأفعاله تعالى ليست كأفعالنا، فأفعاله تعالى لا عن محاولة ولا احتيال ولا مزاولة ولا استعانة بالغير، بخلاف أفعالنا فإنَّها لا بدَّ لها من ذلك، وإنَّما تنفعل الأشياء له تعالى على وِفق إرادته، فإذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، وما ثمَّ قول لكنَّه كناية عن سرعة الانفعال، فالله تعالى مخالف لنا في الذات والأفعال والصفات، ولو كان له تعالى مشارك في شيء إذاً لما كان للعالَم وجود (بفتح اللام) اسم عامٌّ لكلِّ مخلوق، ووجود العالَم وإتقانه وعدم فساده دليل على وحدانيته تعالى في جميع أموره لقوله تعالى:{ لو كان فيهما آلهة إِلاَّ الله لفسدتا} (1) لكنهما لم تفسدا، إذا فليس فيهما آلهة غير الله، وهذا برهان قاطع في نفي مشاركة له تعالى في شيء (2) من أموره فافهم، وإلى هذا اشار إليه سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - بقوله:
ولو تعدَّد الإله ... لظهر ... فساد هذا العالَم الذي ... بهر
__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 22. وفي الأصل: قل: لو كان...، وهو خطأ.
(2) - ... بيان في شيء. (في الهامش). (1/387)
صفحة 388
إذ لو كان له تعالى مشارك واحد أو أكثر فلا بدَّ إمَّا أن يتَّفقوا على إيجاد العالَم أو لا، فلو اتَّفقوا على إيجاده للزم اجتماع متعدّد وهم الشركاء على أثر واحد وهو إيجاد ذلك الشيء، وهذا دليل على العجز وعدم القدرة، فإذ لو كان قادرًا لما احتاج إلى مشارك أو القهر والغلبة، فإذ لو كان قويًّا عزيزاً لما شاركه في ملكه غيره. وهو، أي اجتماع المتعدّد على أثر واحد محال لا يصحّ ثبوته أبدًا، هذا إن نفذ مرادهم كلّهم جميعًا، وهو الواو للحال أي والحال هو أي إيفاذ مرادهم كلّهم جميعًا غير ممكن، لأنَّه لا بدَّ من تخالف إرادة فيريد هذا غير ما يريد هذا، وتسبق إرادة هذا إرادة هذا، وتكون إرادة هذا أقوى من إرادة هذا، والمسبوق مقهور مغلوب لا يقال إنَّه يصحّ التواطؤ على ذلك منهم، لأنَّا نقول إنَّ التواطؤ على ذلك يدلّ على ذلّ كلِّ واحد منهم وعجزه عن نفوذ إرادته باستقلال، ومن كان كذلك فليس بإلهٍ، وأيضًا يلزم أن تكون تلك الإرادة واحدة لا إرادتين ولا إرادات. (1/388)
صفحة 389
ومحال أن تقوم صفة موصوفين ولو اختلفوا، أي الشركاء، المفهوم من قوله لكان متعدّداً، أي لو اختلف الشركاء المتعددون في نفوذ إرادتهم، فنفذ مُراد بضمّ الميم اسم مفعول فاعل نفذ، أي ما يريده واحدهم؛ بأيِّ مضاف إليه أحد الشركاء عاجزين ذليلين خبر لكان، وإذ لو كانوا قادرين لنفذت إرادتهم كما نفذت إرادة شريكهم، ولو كان عجزهم عن نفوذ إرادتهم لكونهم مثله في الألوهية، هذا تعليل لقوله: لو كانوا عاجزين، أي ولو كان عجزهم من أجل كونهم مثله في الألوهية لكان هو عاجزًا أيضًا مثلهم، لأنَّه يجوز عليه ما يجوز عليهم، إذ لا فرق بين المثلين فيما تماثلا فيه؛ فاستحال أي امتنع؛ وجوده أي وجود العالم؛ منهم أي الشركاء جميعًا؛ أو لم ينفذ مرادهم أي الشركاء جميعًا، لكانوا كلّهم جميعًا عاجزين ذليلين؛ فإذ لو كانوا قادرين عزيزين لنفذت إراتهم أو كان أحدهم كذلك لكان مَن عداه منهم عاجزًا ذليلاً مقهورًا مغلوبًا؛ فاستحال أي امتنع؛ وجوده أي وجود العالم منهم من الشركاء كذلك لعدم نفوذ إرادتهم فالإشارة إلى قوله: "فاستحال وجوده منهم جميعا" فهذا الذي قرَّرناه من عدم إمكان المماثلة في الوصف والفعل ومن استحالة نفوذ الإرادة من الشركاء جميعا أو من كلّ واحد منهم أو من بعضهم دون بعض؛ وجب أي ثبت ولزم أنَّه سبحانه وتعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله؛ لا شريك له فعيل بمعنى فاعل أي لا شريك له، والمراد بالمشارك هنا مطلق التصرُّف بلا اعتراض. انتهى
قال المصنِّف: «ولزم من استحالة جميع ذلك استحالة جواز وصفِه بشيء من صفات الخلق كلون وقيام وقعود ونزول ونوم ويقظة وسهو وغفلة ونحوها». انتهى
قال في تفسير الشيخ الكندي ــ رحمه الله تعالى ــ: «ولزم معطوف على قوله: «فاستحال» من استحالة أي عدم إمكان وقوع جميع ذلك، فالإشارة إلى عدم المشاركة في الذات والصفات والأفعال لاستحالة ذلك كما علمت، واستحالة (بالرفع) فاعل لزم جواز (بالجرّ) مضاف إلى استحالة». (1/389)
صفحة 390
قال شيخنا السالمي متَّعنا الله بحياته: «المراد بالجواز هنا هو الجواز العقليُّ، لكن بالمعنى الشامل للجائز والواجب العقليين وهو المسمَّى بالإمكان العام عند المناطقة» انتهى.
وصفِه (بالجرّ) مضاف إلى جواز، والضمير فيه عائد إلى الله سبحانه؛ بشيء متعلِّق بوصفه من صفات الخلق اللازمة لهم والجائزة عليهم مطلقًا؛ وعبَّر بالخلق دون غيره لأنَّه ما من شيء سواه إِلاَّ هو خلق، فسقط قول الأشاعرة بإثبات الواسطة، إذ قالوا في الصفات ليست هي هو ولا هي غيره، فأثبتوا الواسطة بهذه العبارة، قلنا لهم: أمَّا مدلول صفاته فهو سبحانه وتعالى أي ذاته تعالى كافية في الاتصاف بالكمال الذاتيِّ من غير احتياج إلى صفة زائدة عليها، وأمَّا الألفاظ الدالَّة عليها كلفظ سميع وعليم وخبير فهي مخلوقة له لأنَّها حروف وأصوات فافهم؛ كلون ما من الألوان من بياض وسواد ونحوهما، فالكاف للتمثيل؛ وقيام أي انتصاب قامة مقابل لقوله وقعود؛ وقوله وصعود مقابل لقوله ونزول؛ وتحين بمكان ومرور الزمان والبلاد وكسِنة ونوم ويقظة وسهو ونسيان وغفلة وغلط وعبث وتعب وجنون وعته ونحوها، ولزم أيضًا استحالة جواز وصفه تعالى بشيء من الجوارح» انتهى
قال المصنِّف: « وبشيء من الجوارح كوجه وعين وأنف وفم وأذن ويد ورجل ونحوها» انتهى
قال المصنِّف: «وبحلول في مكان وجهات وزمان وبقرب وبعد في المسافة». انتهى
أقول وفي تفسير الشيخ الكندي ــ رحمه الله تعالى ــ: «ولزم أيضًا استحالة وصفه سبحانه بحلول في مكان من الأمكنة وجهة من الجهات الستِّ: فوق وتحت ويمين وشمال ووراء وقدام؛ وزمان من الأزمنة ووقت من الأوقات كليل أو نهار ونحو ذلك؛ وبمسافة كقرب وبعد وتوسط في المسافة». انتهى
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : في هذا المعنى:
سبحانه ليس له ... مكان ... يحويه جلَّ، لا ولا زمان
بخلقه لكلِّ شيء ... نشهد ... وإنَّه في ملكه منفرد
ليس له فوق ولا تحت ... ولا ... قبل ولا بعد فكلُّ خطلا (1/390)
صفحة 391
كذا يمين وشمال ... والذي ... إليه تعزي إليه حادث بذا احتذا
قال - رضي الله عنه - عنه في شرح هذه الأبيات: «قوله سبحانه هذا مشروع في تنزيهه تعالى من صفات الأجسام وهي الصفات المستحيلة عليه تعالى، اعلم أنّ من صفات الأجسام اللازمة لها المكانُ، وهو على الله تعالى مستحيل لأنَّه لو كان في مكان للزم أن يكون المكان أقوى منه، لأنَّه حامل له، واللازم باطل فكذا الملزوم؛ ومن صفاتها الزمان الذي توجد فيه وهو على الله تعالى محال، لأنَّه لو كان موجودًا في زمان للزم حدوثه، واللازم باطل والملزوم مثله؛ ومن صفاتها مشابهة غيرها لها وهي في حقّ الله تعالى محال، لأنَّه لو شابهه غيره في شيء أو شابه غيره للزمه ما يلزم المشابه من الاحتياج إلى المكان والزمان ومن الأعراض الطارئة عليه، واللازم باطل والملزوم مثله، بيان بطلان اللازم أنَّه لو كان تعالى محتاجًا إلى غيره أو تحلُّه الأعراض لكان عاجزًا واللازم باطل والملزوم مثله بيان بطلان اللازم هنا وهو العجز أنَّه لو كان تعالى عاجزًا لَما كان إلها، فاللازم باطل والملزوم مثله؛ ومن صفاتها الحدوث وهو على الله تعالى محال لأنَّه لو كان محدثا لكان غير قديم، واللازم باطل والملزوم مثله، بيان بطلانه أنَّه لو كان تعالى غير قديم لاحتاج إلى محدِث، فيكون مخلوقا تعالى الله عن ذلك؛ ومن صفاتها لزوم الجهات الستِّ وهو على الله تعالى محال، لأنَّه لو لازمته الجهات لكان محاطًا به متبعِّضًا منقسمًا، بيانه أنَّ ما يلي جهة العلوّ منه غير ما يلي جهة السفل؛ وهكذا إلى أن قال قوله: ليس له مكان يحويه (بفتح الياء) أي يضمُّه، وفيه إشارة إلى البرهان تصريحه هكذا: لو كان لله تعالى مكان للزم أن يكون حاويًا له، ولو كانت الأمكنة تحويه لكان متناهياً بتناهي الحاوي، ومقسماً الأجزاء، ومَن شأنه كذلك فهو ليس بإله.
/// (1/391)
صفحة 392
قال قوله: بخلقه، أي بإيجاده متعلِّق بنشهد، قدِّم عليه لمزية الاهتمام، وفيه إشارة إلى البرهان القاضي بنفي المكان والزمان عنه تعالى، توضيحه هكذا: الله خالق لكلِّ شيء والمكان والزمان من مخلوقاته، فلو كان يحويه المكان ويأتي عليه الزمان لاحتاج قبل خلقها إلى مكان وزمان، فلا بدَّ إمَّا أن يكونا قد وُجدا قبله فيلزم حدوثُه مع تبعُّضه وتناهيه، فيكون الخالق غيره، أو يكونا قد وجدا بعده فيكون محتاجاً إلى حادث قد خلقه بنفسه، ومن كان كذلك فليس بإله، وأمَّا أن يكونا قد يمين معه فيلزم تعدُّد القدماء وهو باطل.
إلى أن قال: قوله ليس له فوق... إلخ. فيه تنزيهه تعالى عن الجهات وخالفت في ذلك المشبِّهة، قال في المواقف: وخصَّصوه بجهة الفوق، ثمَّ اختلفوا فذهب محمَّد بن كرام إلى أنَّ كونه في الجهة ككون الأجسام فيها، وهو مماسٌّ للصفحة العليا من العرش، ويجوز عليه الحركة والانتقال وتبدُّل الجهات، وعليه اليهود حتَّى قالوا: العرش يئطُّ من تحته أطيط الرحل الجديد، وإنَّه يفضل على العرش من كلِّ جهة أربع أصابع، وزاد بعض المشبِّهة كمضر وكهمس وأحمد الهجمي أنَّ المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة، ومنهم من قال محاذٍ للعرش غير مماس له فقيل: بمسافة متناهية وقيل غير متناهية ومنهم من قال: ليس ككون الأجسام في الجهة.» انتهى
قال المصنّف: «وإحاطة مخلوق به وتبعيضه له ورؤيته له». انتهى
قال في تفسير الشيخ الكندي - رحمه الله تعالى-: «وبإحاطة مخلوق به» وتبعيضه له وتجزيه وانقسامه عرضا وطولاً وعمقًا، ولزم أيضًا من استحالة جميع ذلك استحالة رؤيته، فالضمير عائد إلى الخلق من قوله لشيء من صفات الخلق، له أي الله سبحانه وتعالى».انتهى
ونذكر هاهنا فائدتين:
الأولى: في شروط الرؤية
قال سيِّدي نورالدين رحمه الله تعالى ما نصَّه: إعلم أنَّ للرؤية تسع شرائط:
الأوَّل: سلامة الحاسة.
والثاني: كون الشيء جائز الرؤية مع حضوره للحاسة. (1/392)
صفحة 393
والثالث: مقابلته للباصرة في جهة من الجهات أو كونه من حكم المقابلة كما في المرئي بالمرآة.
والرابع: عدم غاية الصغر فإن الصغير جلالاً يدركه البصر قطيعًا.
والخامس: عدم غاية اللطافة بأنَّ يكون كثيفًا أي ذا لون في الجملة وإن كان ضعيفًا.
والسادس: عدم غاية في البعد وهو مختلف بحسب قوَّة الباصرة وضعفها.
والسابع: عدم غاية القرب فإنَّ المبصر إذا التصق بسطح البصر بطل إدراكه بالكلية.
والثامن: عدم الحجاب الحائل، وهو الجسم الملون المتوسط بينهما.
التاسع: أن يكون مضيئا بذاته أو بغيره.انتهى
من العضد والسيِّد: وإذا عرفت هذه الشرائط ظهر لك والحمد لله استحالتها على الله تعالى لأنَّها لا تعقل إِلاَّ في جسم، والله تعالى ليس بجسم ولا عرض.
وقال في موضع آخر من المشارق في نفي الرؤية عنه تعالى مانصُّه: «وهي اتصال شعاع الباصرة بالمرئي، وانطباع صورة المرئي في الحدقة، هذه هي حقيقة الرؤية التي كانت العرب تعرفها من عربيتهم، ولا يطلقونها على العلم ونحوه إِلاَّ تجوز النكتة مع قرينة، وقال تعالى: { وما أرسلنا من رسول إِلاَّ بلسان قومه} (1) . فعلى تقدير صحَّة حديث الرؤية يجب أن يكون الله مرئيًّا بالباصرة على حدّ ما ذكرنا كما صرَّح به اللقاني في الجوهرة ومنه أن يدرك بالأبصار وكما صرَّح به الشيباني في قوله:
ومن قال في الدنيا يراه ... بعينه ... فذلك زنديق طغى ... وتمرَّدا
ولكن يراه في الجنان ... عباده ... كما جاء في الأخبار نرويه ... مسندا
__________
(1) - ... سورة إبراهيم:4. (1/393)
صفحة 394
وعلى هذا جمهور الأشاعرة، فتأويل الفخر والغزالي الرؤية بالعلم عدول بها عن حقيقتها بلا دليل؛ فالحقُّ أن يقال: إنَّ ذلك الحديث موضوع كما سيأتي، ثمَّ إنَّا لا نقنع من الفخر والغزالي بما قالاه في تأويل الرؤية بالعلم لأَنَّ حقيقة ذاته تعالى لا تعلم، وإنَّما تعلم صفاته فقط، وذلك أنَّه لا بدَّ للشيء المعلوم من أن يتصوَّر في ذهن العالم، وحقيقة ذاته تعالى لا تتصور؛ فإن قيل: إنَّ بعض الأصحاب قد فسَّر الرؤية في الحديث بالعلم وقد قنع البدر الشماخي من الفخر والغزالي بما قالاه، حيث قال: «والخلاف حينئذ لفظي»، قلنا: أراد ذلك البعض بالعلم بالله زيادة العلم بصفاته حيث انكشف لهم من أمور الآخرة ما يعدهم بها، وكما قيل: ليس الخبر كالمعاينة، وعلى هذا المعنى حمل إليه البدر كلام الفخر والغزالي حسن ظنٍّ بهم، لكن إشارتهم دالَّة على إرادة العلم بحقيقة ذاته تعالى لا بصفاته فقط». انتهى.
قلت: وعندي أنَّ الأولى حمل كلام الفخر والغزالي هنا بما حمله به البدر رحمه الله تعالى، وحمل بمثل ذلك أيضًا المصنِّف رحمة الله عليه في الصراط المستقيم، لأنَّه لو كان مرادهما أعني الفخر والغزالي العلم بحقيقة ذاته تعالى لمَا قالا إنَّ المراد بالرؤية معرفتة تعالى، بل لفسَّر الرويَّة بما فسَّره لهما أصحابهما، إذا الفرق بين تفسيرهما ذلك وتفسيرهم ظاهر بيانه أنَّ العلم بحقيقة الذات هو كالنظر إلى الذات، فلمَّا حملا معنى الرؤية على العلم دلَّ أنَّ مرادهما هو ازدياد العلم بصفاته سبحانه وتعالى لا غير ذلك. انتهى.
قال الشيخ الكندي رحمه الله تعالى: «وقد منعها - أي الرؤية - من أيمَّتكم الفخر والغزالي والسيِّد وغيرهم، إِلاَّ أنَّ الفخر والغزالي قالا: إنَّ الرؤية هنا بمعنى العلم». انتهى. (1/394)
صفحة 395
قلت: قد تقدَّم معنى قولهما هذا قريبا، وظهر أيضًا أنَّ السيِّد منع الرؤية بعبارة أصرح من عبارة الشيخين الفخر والغزالي، فما قول أهل السنَّة في أولئك الأيمَّة العظام، قال المصنف في الصراط المستقيم:«ولمَّا نبذ الغزالي التقليد وراء ظهره، أبصر الحقَّ ومال إليه ثمَّ ذمَّ التقليد، وضلَّل موجبيه من أصحابه الشافعيَّة، فنفى رؤيتة تعالى قوله: فنفى رؤيتة تعالى أقول: إنَّ الفهَّامة النجيب الشيخ عبد الله صالح الفارسي الشافعي قد دَلَّ من كلامه أنَّه موافق لنفي رؤية الله. فتأمَّل اهـ الشارح. وجعل رؤيته تعالى هي هذه المعرفة به تعالى، وأنَّها في الآخرة تزداد. انتهى.
الفائدة الثانية: في الدليل القاطع على استحالة رؤية الباري سبحانه وتعالى مطلقا
وفيها ثلاث مقامات:
المقام الأوَّل: في استحالتها عقلا.
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : «اعلم أنَّا لو لم نذكر دليلا قطّ على نفي الرؤية واستحالتها لاتكفينا بمقام المنع؛ لأنَّ الأصل عدمها وعلى مثبِتها الدليل، وقد عرفت سقوط ما تعلَّق به، فبقي النفي على أصله، لكن لا بدَّ من أن نسمعك بعض كما نستدلُّ به على نفيها واستحالتها، إذ لا بأس بضمِّ دليل إلى دليل» إلى أن قال: «وإذا عرفت هذه الشرائط ظهر لك والحمد لله استحالتها على الله تعالى، لأنَّها لا تعقل إِلاَّ في جسم، والله تعالى ليس بجسم ولا عرض». انتهى.
قلت: يعني بتلك الشرائط أي التي ذكرها بقوله: اعلم أنَّ للرؤية تسع شرائط إلى آخره، وقد سبق ذكرها في الفائدة الأولى من هاتين الفائدتين، راجع إليها إن شئت. (1/395)
صفحة 396
قال المصنِّف في الصراط المستقيم عند الكلام في استحالة الرؤية: «فمن هذه الأشياء قوله برؤية الله تعالى وحجَّته أنَّه تعالى موجود، وكل موجود يصحُّ أن يُرى، فالتزموا قبوله منه للزوم تقليده عليهم، وتعموا بعده عمَّا فيه من الانتقاض، لأنَّ الروح موجودة ولا مطمع لرؤيتها، وعماَّ فيه من النقض لما قد مضى عليه السلف والكتاب والسنَّة من أنَّه تعالى لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، ونفى الجسمية عنه والعرضية والحلول في الأماكن والجهات والحدود والإحاطة به والتبعيض له ونحوها، لأنَّها من لوازم الرؤية، فإثبات الرؤية إثبات لها ولو أزاحوا عن أعينهم حجب التقليد لابصروا طرق امتناعها، لأنَّهم سمعوا بأنَّه سئل ابن مسعود وعائشة وعليّ ابن أبي طالب في زمن الصحابة على وقوعها للنبيء - صلى الله عليه وسلم - فنفوها دنيا وأخرى، وكذا الحسن وقتادة محتجِّين بقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} (1) ، وهم الأعرف بمعاني القرآن، واحتجَّ له أيضًا من بعدهم من التابعين». انتهى.
قال سيِّدي نور الدين رحمه الله تعالى ما نصُّه: «قالوا هذه الشرائط إِنَّمَا هي في رؤية الشاهد ولا يحمل عليها رؤية الغائب، قلنا: لم تعقل العرب من الرؤية إِلاَّ ما ذكرنا، ولم يخاطبهم الله إِلاَّ بما يعقلون، وأيضا فقد قستم الغائب على الشاهد في الصفات الذاتيَّة، حيث قلتم: إنَّه عالم بعلم، وقادر بقدرة إلى آخرها، فما بالكم تركتم أصلكم ها هنا؟»
قلت: ها أنا نطالبكم بالجواب، وإليك مقال شارح السنوسيَّة في شرحها، قال: «إنَّ معنى سميع وبصير ومتكلِّم ذات ثبت لها السمع والبصر والكلام، لأنَّ من لم يقم به وصف لا يشتقُّ له منه اسم، فلا يقال: قائم إِلاَّ لمن اتصف بالقيام، ولا قاعد إِلاَّ لمن اتَّصف بالقعود وهكذا». انتهى.
__________
(1) - ... سورة الأنعام:103 (1/396)
صفحة 397
قلت: ولا يقال مرئي إِلاَّ لمن اجتمعت فيه الشروط المذكورة آنفا، وقد ظهر عيانا أنَّ القوم سقطوا فيما فرُّوا عنه ولا مناص، والحمد لله الذي أرانا الحقَّ فكنَّا فيه، وبهذا سلم بعضهم في هذه القضية كالسيِّد في شرح المواقف إذ قال: «إنَّ الاحتجاج العقلي لا ينهض حجَّة في مسألة الرؤية» رفع ذلك عنه شيخنا سيف بن ناصر رحمه الله تعالى.
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : «فإن قيل: دعوى استحالتها عقلا لا تتم لاختلاف كثير من العقلاء في وقوعها، وما اختلف في وقوعه العقلاء دلَّ على جواز وقوعه. قلنا : لا نسلِّم ذلك فإنَّ العرب الجاهليَّة أهل عقول، وقد ادَّعوا تعدُّد الآلهة، أيكون ادِّعاؤهم دليلا على جواز تعدُّدها».
قلت: فجعل الجاهليَّة أهل عقول يخالفه قوله تعالى: {لو كنَّا نسمع أو نعقل}. (1) الآية، ودعواهم بتعدُّد الآلهة أصرح دليل في جنونهم، ثمَّ إنَّ الظاهر من الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - لمَّا سئل: بـ«هل رأيت ربك؟» فأجاب بقوله: «أنور هو فأراه؟» (2) ، يدلُّ على أنَّ المرئي لا يكون إِلاَّ ذا لون وتمييز، ثمَّ إنَّ على تسليم وقوع الاختلاف في جواز الرؤية، فيلزم أن تكون الرؤية من المسائل الخلافيَّة، وبذلك تكون المسألة ليست بقطعيَّة، والظاهر من العبارة التي يعبر بها مثبتوها أنَّها من المسائل الدينيَّة التي لا يسع الخلاف فيها.
__________
(1) - ... سورة الملك:10
(2) - ... في صحيح مسلم كتاب الإيمان، حديث رقم 261 «حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟» قَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» (1/397)
صفحة 398
وإليك نص مقال الورقات وشرحها قال: «ولا يجوز أن يقال: كلّ مجتهد في الأصول الكلاميَّة أي العقائد مصيب، لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى في قولهم بالتثليت، والمجوس في قولهم في قولهم بالأصلين للعالم النور والظلمة، والكفارَ في نفيهم التوحيد وبعثة الرسل والمعاد في الآخرة، والملحدين في نفيهم صفاته تعالى كالكلام، وخلقه أفعال العباد، وكونه مرئيا في الآخرة وغير ذلك». انتهى
قلت: أليس هذا دليلا في جعل مسألة الرؤية مِمَّا لا يجوز القول في نفيها (1) ، وأنَّ القول في الصفات الذاتية أنَّها ليست بمعان حقيقيَّة هو نفي للصفات عن الله عزَّ وجلَّ.
قلنا: إنَّ قولنا هذا ليس فيه ما ذكرتموه أصلاً وكفى ما ردَّ به عليهم السيِّد والعضد وهما منهم ولله ردّ القائل.
أعادينا بمفخرنا ... شهود ... وخير القوم من شهدت ... عداها
المقام الثاني: في حجَّة القائلين بجواز الرؤية.
وهكذا عبارة قصيدة الشيخ علي بن خميس تدلُّ على ما قلناه وهذا نصها:
لعصابة وهموا فقالوا ... إنهم ... أهل استقامة منهج ما أشرفه
وتمدحوا جهلاً وظنوا ... أنهم ... للحق أهل قد أصابوا في الصفه
وتشبثوا بأدلَّة ... مظنونة ... شبه كنسج العنكبوت مزخرفة
نسبوا إلى أهل البصائر ... والهدى ... والعلم كلَّ ضلالة متحرفة
ظلما وعدوانا ووثبة ... مبطل ... طوعا لميل هوى وذلك متلفه
وإذا طلبت دليل قول ... منهم ... قالوا جميعا كلنا لن نعرفه
لكن أئمتنا الأولى درجوا ... بذا ... أفتوا أو أنَّ مقالهم لن نصرفه
هذا وقد منعوا من التقليد ... يا ... عجبا لقوم قد أتوا بالسفسفة
يكفيك من أهل المعارف ... أنَّهم ... حجج لهم آي الكتاب المنصفة
منها وجوه ناظرات ... ربّها ... يوم الحساب لفوز عبد أسلفه
لا تدرك الأبصار أكبر ... حجَّة ... لمقالهم معنى لها ما ألطفه
يدريه من خَبر العلومَ ... وراضَها ... كابن الخطيب إمام أهل المعرفة
حبرًا تجده عصى الكليم ... وخصمه ... سحر المدائن للزخارف متلفه
وهذا لأحمد آية قد ... أشرقت ... ولموسى تلك فابطلن سبل السفه
__________
(1) - ... في الحاشية: (الصحيح في ثبوتها تأمل). (1/398)
صفحة 399
الله أكبر يا لفخر الدين ... قد ... خضعت لديك رقابها المستنكفة
وقهرت أهل الزيغ عن ... أهوائها ... فغدت ضلالتهم ترى مستكشفة
الحمد لله الذي أغناني ... عن ... فخر المخالف في بيان أسلفه
أوليس لي سلف فأذكر ... مجدهم ... لم لا وهم عدد الرمال المشرقة
صيد جحاجحة جبال ... كمل ... أقمار تمَّ في سماء المعرفة
تنبيه
فأقول: إنَّه لم يكن كان في بالي خطور في إبداء شيء من المقال، على مثل الشيخ علي القائل لهذه القصيدة لوفور علمه المشاهد له، ومن الأسف على مثيله فيما يعني به بققوله الحمد الله الذي أغناني إلى تمام قصيدته، أو أنت تعلم ما معناه ببه ألا فهو المحقق الخليلي عليه رحمة الله ورضوانه، وذلك أنَّه رحمه الله قد قال في قصيدته البلكفية قولاً في مدح الشيخ جار الله الزمخشري المتضمِّن في أنَّه قد أتى في تفسيره لقوله تعالى:{لا تدركه الأبصار} (1) إظهارًا مفيدًا لنفي رؤيته تعالى، ثمَّ إنَّه رحمه الله تعالى أطنب بالثناء عليه وما ذلك إِلاَّ لإظهاره المعنى لتلك الآية، فالحق يقال ولا يكتم نظرًا لذاته لا لذات االمتكلِّم بنفسه، قال - صلى الله عليه وسلم - «اقبلوا الحقّ مِمَّن جاء به صغيرًا كان أو كبيرًا، وإن كان بغيضًا بعيدا، وردَّوا الباطل على من جاء صغيرًا كان أو كبيرًا، وإن كان قريبا حبيبًا».انتهى صحَّ.
فالمحقِّق الخليلي لا يتولىَّ الشيخ الزمخشري ولا ادَّعى له بالجنَّة، فلماذا كان عليه العيب؟ كلا، ثمَّ إنَّ القائل لهذه القصيدة بنفسه قد فعل كصنيع المحقِّق الخليلي في قصيدته الموجودة في قاموس الشريعة في المجلّد الأوَّل وإليك هي:
بشراك فانهض فداعي المجد قد ... صدعا ... وكوكب السعد في الآفاق قد طلعا
وهذه دولة الإحسان قد ... بسقت ... أغصانها بالعلى والعدل قد سطعا
بالقائم الحازم اليقظان مَن ... كرمت ... أخلاقه وأجاب الفضل حين دعا
لبرغش بن سعيد الشهم قد ... ظهرت ... سياسة السادة الماضين حين دعا
مسدَّد الرأي في تدبير ... نازلة ... بما ينوء على السادات مضطلعا
__________
(1) - ... سورة الأنعام:103 (1/399)
صفحة 400
ما كان يومًا لخطبٍ جلَّ ... مكترثا ... ولا تراه لبذل الجود ممتنعا
من راحتيه له بحران: بحر ... ندًى ... للمعتفين، وبحر يقذف الفرعا
ما زال يسعى لنشرالعلم ... مجتهدًا ... فأحرز الحمد في الغايات حين سعى
أتَى بمطبعة تزهو ... بمالكها ... على مطابع أستان ومصر معاً
لمَّا أديرت على القاموس ... فانتظمت ... سطوره كمثال الدرّ إذ رصعا
وافا اليراع على بشر ... يؤرّخه ... قاموس مذهبنا يدعو لمن طبعا (1)
فليسرح النظر وليقس ذو القياس في هذا المديح المؤتى به في هذه القصيدة، وكل ذلك في الإباضيَّة المهاجرين عند الناظم وشيعته، فلا راعى ولا دارى فيما أتاه ولا فيما ذكره على البحر الزاخر والبدر الباهر، ذلك المحقق السيِّد الخليلي ومن العجب، أنَّ مسألة الرؤيا هي ليست بمجمع عليها على ظاهر عبارة السيِّد السند والعضد وهما من أكابر العلماء منهم، فلماذا تكلف الشيخ البرواني الماهر وأتى بما في هذه القصيدة من التكاليف المضحكة {سبحانك هذا بهتان عظيم} (2) .
__________
(1) - ... في الهامش: «سنة 1297هـ» أي سنة طبع قاموس الشريعة.
(2) - ... سورة النور:16 (1/400)
صفحة 401
قلت: إنِّي أذكر شيئًا من ترجمة قائل هذه القصيدة وهو الشيخ علي بن خميس بن سالم بن راشد بن عامر بن راشد بن سالم بن سعيد بن عامر بن خلف بن سنان بن عبد الله، والدته ابنة عمّ والده فهي ريّا ابنة علي بن عامر بن راشد يلتقيان براشد، وهي امرأة مشهورة موصوفة بصفات جميلة، فهي ووالد الشيخ علي بن خميس بل وكل آبائه على مذهب الإباضي فلم ندر بمَ تحمَّل هذا الشيخ في التباعد عنهم، مع أنَّهم على قاعدة القول في أنَّ من قال: لا إله إِلاَّ الله، دخل الجنَّة، لا توجب الخروج عن مذهب يعتقد حقية لا إله إِلاَّ الله، كما صرَّح يدلُّ عليه الشيخ محيىالدين الشهير، وكان قد تفنَّن في العلوم وشهد له بها الشيخ صالح بن علي الحارثي، لأنَّه كان رحمه الله يقول إنَّ من شاء أن يعارض حججه فليكن كعلي بن خميس أو نحو هذا من قوله فيه رحمه الله، وذلك أنَّ الشيخ علي بن خميس قصد إلى عمان وقصده إظهار مذاهب الأئمَّة الأربعة، وكان العالم فيها إذ ذاك هو الشيخ صالح بن علي، فلمَّا بلغه قصده قال: «لا يسع السكوت عن الاحتجاج عليه»، فكان من أمرهما ما هو الشهير من تسليم الحجَّة، وقد أخبرني الثقة عن الشيخ علي بن خميس أنَّه كان يأتمُّ في الصلوات المفروضة خلف أئمَّة الإباضيَّة، قال: إنَّ وفاته كان في العشر الأوَّل من شهر شوال، وإنَّه بثالث منه عام أربع وثلاثمائة وألف (1) ، وأنَّه صلَّى الظهر وإياه في مسجد الشيخ محمَّد بن سليمان المنذري في يوم الفطر جماعة وذلك قبل موته بيومين. انتهى
قلت: وقد قابل الشيخ أبو مسلم هذه القصيدة بقصيدة أخرى سمَّاها: طمس الأبصار عن إدراك ذات الجبار، وها نحن نوردها على طولها، فنقول:
المقام الثالث: في ردَّ الأصحاب حجَّة القول بجواز الرؤية.
نزه إلهك أن يرى كي ... تعرفه ... أتراك تعرفه وتثبت ذي الصفه
واعرف مقامك دون ما ... حاولته ... إنَّ التي حاولتها لك متلِفه
أتعبت نفسك في ظنون ... قلّب ... والحقّ أنَّ ظنون وهمك مخلفه
__________
(1) - ... سنة 1304 هـ. (1/401)
صفحة 402
عجبا توحده وتجعله ... لأعـ ... راض الطبيعة عرضه مستهدفه
وفررت من تحديده ... ونصبته ... غرضا لعينك من وراء البلكفه
وأحلت كيف وما أين ... وشبهها ... وعبدت ذاتا بالحجاب مكنفه
هذا التناقض في اعتقادك ... شاهد ... يقضي عليك بأنَّ دينك عجرفه
إن كنت تعقل ما تراه ... فهذه ... ماهية محدودة متوقفه
أولست تعقله فأنت ... مخلط ... درك ولا درك فأين المعرفه
إن قلت معلومًا أحطت ... بذاته ... وجعلت عجزك قدرة متصرفه
أو قلت مجهولا فأنت ... مغطل ... أعبدت مجهولاً وعطلت الصفه
أثبتت إدراك العوارض ... ذاته ... إن كنت درك العين لن تستنكفه
يستلزم الإدراك ويلك ... مركا ... متحيزًا ذا صورة متكيفه
تنفي التحيز والحلول وتثبت ... المستـ ... ـلزم المنفي ما هذا السفه
إن قلت أمر خارج عن ... فهمنا ... وأتيتنا بقضية متكلفه
فإليك لو جردتها ... عقليَّة ... لرأيت نفسك للهوى مستشرفه
إن كنت تدركه بغير ... وسيطة ... فالفعل ليس لفاعل لن نعرفه
أو لا فأي وسيطة تسطو ... بها ... فترى عيانا ذاته متكشفه
وحديثكم يقضي برؤيتكم ... له ... بالعين لا حس سواها عرفه
ردفاً لقول الله ناظرة ... وما ... في حجتيك على ادعائك معرفه
هب أنَّني سلمت فهمك ... منهما ... أين استقرت منهما تلك الصفه
هل أثبتا إِلاَّ لعينك ... رؤية ... حملا على بهتان أهل السفسفه
تركوا المجاز على هواهم ها ... هنا ... وتقلَّدوه في أمور متلفه
أترى مجازاً في الجوارح ... سالمًا ... إن كنت في هذا المقام معنفه
تأبى حقيقة الاستواء ... لذاته ... إِلاَّ هنا للزومها متألفه
أوجبت رؤيته فأوجب ... سمعه ... وعليهما فله الذي لك من صفه
إن قلت قد سمع الكليم ... كلامه ... أترى حقيقة ذاك صوتا عن شفه
كلا لقد خلق الإله ... لأذنه ... صوتا فعرفه به ما عرفه
أتراه يخلق صورة هي ... نفسه ... أو غيره تجلي عليك مكشفه
فيكون مخلوقًا له هو ... بنفسه ... أم غيره هو ذاته أم ما الصفه
هذا هو التحديد والتعديد ... والتجسـ ... ــيم والتقسيم يا متعسفه
إن قست رؤيته على ... تكليمه ... لزم الحدوث لمدرك المتشوفه
فإذا نصبت سؤال موسى ... حجة ... ونبذت أحكام العقول مزيفه
قل لي أموسى كان يجهل ... منعها ... من قبل صاعقة النكير المرجفه (1/402)
صفحة 403
فتسومه النقصان في ... توحيده ... وتكون الحمل في الحجى والمعرفه
أم كان يعلم سفها ... فأرادها ... عدوا فتنسب للرسالة عجرفه
وعلى الثلاثة فالنقيضة ... عنده ... بسؤالها أو لا فليسك منصفه
بل كا ن يعلم منعها دنيا ... وأخرى ... والسؤال جرى لأجل ذوي السفه
كفروا به أو ينظروه ... جهرة ... فنهاهم فعتوا عتوا خوفه
فأراد من حرص على ... ايمانهم ... إقناعهم بالزجر عن تلك الصفه
أتراه يسألها الكليم ... لنفسه ... وبتلك أخبار اليهود معنفه
أو لم يصرح أنَّهم سفهاء ... مفتونون ... عند التوب مِمَّا أسفله
ومتابه خوفا لمكر الله ... لا ... عن فرطة من عنده مستنكفه
أعميت عن تأكيد لن منفي ... لا ... ونحلت لا الإثبات عكس المعرفه
هب أنَّ برهان العقول ... كفرته ... فالنص تستر بالعمىما كشفه
أيقول ربك لن تراني ... فارتدع ... وتقول سوف أراك خلف البلكفه
هذا لعمر لله كفر ... ظاهر ... فاذهب أمامك موعد لن تخلفه
أبآية الأنعام ويلك ... بشبهة ... أم آية الأعراف ويك محرفه
هل فيهما بعض التشابه ... موهما ... إيجاب سلبهما لمن لن يألفه
كلا ولكن ضلَّ سعي ... معاشر ... قلدتهم اتخذوا هو اهم مزلفه
ألمحت من نور التجلي ... لمحة ... فحسبتها هي ذاته متكشفه
الطور أتحفه التجلي عن ... حقيقته ... وموسى مصعق ما أتحفه
أجهلت أنَّ تجليات جلا ... له ... ظهرت لسائله المحال مخوفه
طلبوا التي نافت خصائص ... ذاته ... فاستخطفتم غضبة مستخطفه
أنكرت دك الطور منه ... بآية ... زجرًا لعاتية اليهود المسرفه
فهب التجلي ما تقول فأين ... في ... أثناء آيته مقام البلكفه
طمست بصائركم أشعة ذا ... التجـ ... ـلي فَانْزلَفتُم في المهاوي المتلفه
وإذا أنغت تجليا ... بصفاته ... وأظن أنَّك لا ترى أن تأنفه
فجلاله وجماله وكما ... له ... شاهدته عن ذاته أم بالصفه
أعلمت ربك قادرًا إِلاَّ بمظهر ... الاقتـ ... ـدار لذاته المتصرفه
أتراه جاء مع الملائك ... نفسه ... يوم القيامة والصفوف مصففه
هل جاء إلاّ أمره وعظيم ... قدرتـ ... ـه وأجناس الخليقة موقفه
أتراه يأتي والملائك ... عنده ... بالذات في ظلل الغمام مكنفه
هل ذاك إِلاَّ أخذه واليم ... بطسـ ... ـته بجاحدة له مستنكفه (1/403)
صفحة 404
وإذا فرغت إلى الحجاب ... هتكته ... إن لم تكيف أو فجد تكيفه
أظننت محجوبين عن ... جناته ... وشهود رحمة ذاته المتعطفه
بالبعد قد حجبوا وبالغضب ... العظيم ... وبالعذاب خلاف من قد أزلفه
منع الحجاب عيونهم عن ... ذاته ... أخطأت أو فاعبد حجابا كنفه
هل زاد أم نقص الحجاب أم ... استوى ... وتراه من أي الجهات تكيفه
مزق حجابك يا مجسم ... ربه ... وحجاب جهلك إنَّه ما أكثفه
واعرج إلى تقديس ذات الحقّ ... بالنـ ... ـور الذي أوحي وحسبك معرفه
قدس نعوت الله عن ... مخلوقه ... وانبذ نعوت السنَّة المتحرفه
وإذا نزعت إلى الهدى عن ... غيره ... فالاستقامة ترعة المتصوفه
لله نحلتنا ونعم ... سياقها ... أصلاً وفرعًا لا تخالف مصحفه
هي عين ما نزل الأمين به ... على ... الهادي البشير وما عداها زخرفه
لا تعبد المحسوس ذاتا كل ... محسـ ... ـوس حدوث ذاته متألفه
بل نعبد الرب الذي ... عرفاننا ... إيَّاه عرفان بأن لن نعرفه
من عجزنا عن دركه هو ... دركه ... الإدراك ما هباتنا المستأنفه
تجريدنا لصفاته ... ولذاته ... تجريده هو نفسه لن نصرفه
توحيدنا إيَّاه توحيد ... القـ ... ـرآن وقولنا في الذات تنزيه الصفه
ونجعله عن رؤية بالعين ... أو ... بالعقل في دنيا وأخرى مشرفه
والدين نأبى أن نقلده ... رجا ... لا غير معصومين عمَّا حرفه
ونقلد الرأي المطابق ... أصله ... لمحقق استنباطه عن معرفه
أفلتَّ سانحة الهدى وأربع ... على ... ضلع العمى وابغ الضلالة مزلفه
أضللت صديقيَّة ... عمريَّة ... وهبية تهب الهداية منصفه
بدريَّة أحدية ما ... حكمت ... عمرًا على قرآنها ليحرفه
شربت بماء النهر كأس ... بنيتها ... كأسا بأمزجة اليقين مقرقفه
قلت: إلى ها هنا انقضى الكلام على المقامات كلها.
قال المصنّف: «لأنَّ من لوازم الرؤية اللون والحلول في مكان وزمان وجهات، والبعد والقرب الغير المفرطين، والإحاطة بالمرئي أو التبعيض له، وتلك صفات الخلق لا الخالق المستحيل مماثلته كيف، مع قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} (1) » انتهى.
__________
(1) - ... سورة الشورى:4 (1/404)
صفحة 405
أقول: عبارة الشيخ الكندي رحمه الله في هذا الموضع: «ولأنَّ من لوازم الرؤية أشياء ملازمة لها لزوماً ضروريَّا منها اللون، فلا بدَّ للمرئي من مكان يرى به، والوقوع في زمان من الأزمنة ووقت من الأوقات، فلا بدَّ أن تكون الرؤية واقعة على المرئي في زمان من الأزمنة بليل أو نهار مثلا، ولا بدَّ من أن يكون المرئي وقعت عليه الرؤية في جهة من الجهات الستّ من فوق وتحت ويمين وشمال ووراء وقدام، وهذه هي عين المشابهة للمخلوقات؛ وقد عرفت استحالة ذلك عنه تعالى» إلى أن قال: «ومن لوازمها أيضًا الإحاطة بالمرئي أو التبعيض ف«أو» على بابها و«أل» فيه عوض عن الضمير العائد إلى المرئي بناء على جواز ذلك، والمراد بالإحاطة أن يكون بلغ من القدر بحيث يدركه شعاع البصر جملة واحدة، والتبعيض أن يكون لكبره أو لتفرقه لا يدركه البصر إِلاَّ شيئًا فشيئا، له أي للرائي متعلِّق بتبعيض، بحيث لا يدركه دفعة واحدة لكبره أو تفرُّقه، وهذا كله مستحيل على الله تعالى». انتهى (1/405)
صفحة 406
قلت: إنَّه في أيَّام قراءتي في مسجد سيِّدي المرحوم راشد بن سليم الغيثي برَّد الله مضجعه دخل عليَّ سيِّدي أستاذي العلامة العابد عبد الله (1) بن عامر الغرري - رضي الله عنه - ومتَّعنا بحياته ونفعنا ببركاته وبعلومه، دخل في المسجد رجل من السنِّية فكتب له سؤالا على معرض الاعتراض، وهو في تفسير الادراك المعنيِّ به في قوله سبحانه وتعالى: {لا تدركه الأبصار} (2) ، ففطن الأستاذ عن مراده فردَّ السؤال إليه بقوله: فما تقول أنت فيه؟ فقال: إنَّه هو الإحاطة بجميع الجهات، فأجابه أستاذيي بـ: إذًا يلزم أن يكون عريضًا حتَّى لا يحاط بجميعه. فبهت السائل المعترض وبقي حيرانا لا يعير جواباً ومن صارع الحقّ صُرع. انتهى
قال: لأنَّ تلك الصفات التي ذكرناها صفات الخلق لا صفات الخالق جلَّ وعلا المستحيل (بالجر) نعت سيء للخالق، وهو فعيل بمعني فاعل ومماثلته (بالرفع) فاعله أي لا صفات الخالق للخلق، فتبارك الله وتعالي، وكيف يصحُّ ذلك ويجوز ثبوته مع قوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، فهذه الآية جامعة لدقائق التوحيد والمخالفة المطلَقة بين الخالق والمخلوق، فهي دليل لنفي الرؤية عنه تعالى، اذ لوكان مرئيا لكان مماثلا لغيره ومماثلة غيره في الإدراك، وجعل المخالفون هذه الآية دليلا لهم لثبوت الرؤية قالوا: «إن رؤيته تعالى مخالفة لرؤية غيره لأنَّه ليس كمثله شيء»، وهذا الاستدلال كما ترى أهون من بيت العنكبوت، بل هي دليل عليهم كما قررناه فافهم، فالله سبحانه لو كان مدرَكاً بالأبصار لكان مثله كلّ مدرِك، وقد نفى الله ذلك عن نفسه فافهم، انتهى.
__________
(1) - ... في الهامش: (قوله عبد الله بن عامر بن مهيل أي المتوفَّى في يوم 16 من شهر شوال عام 1348 رحمه الله تعالى وهو أستاذي الوحيد وقدوتي العميد جزاه الله كلّ خير في الدارين.انتهى الشارح)
(2) - ... سورة الأنعام:103 (1/406)
صفحة 407
ثمَّ اعلم أن في القرآن محكماً، ومتشابهاً، ويجب علينا الإيمان بجميع ذلك أنَّه كله من عند الله سبحانه وتعالى وأنَّه حقّ، سواء ظهر لنا معناه أو خفي، ونعتقد أنَّ ما خفي معناه خفي لحكمة سواء عرفناها أو لم نعرفها، لأنَّا لا نحيط علما بحكم الله عزَّ وجلَّ، وليس لنا أن نعترض عليه في شيء من أفعاله.
واعلم أيضًا أنَّ اللفظ إمَّا أن لا يحتمل معنى غير معنى واحد كاعلم أنَّه لا إله إِلاَّ الله، وأمَّا أن يحتمل معنيين لكن أحد معنييه أظهر من الآخر، بالنسبة لإلى المعنى الظاهري يسمَّى ظاهراً و هو قسم من المحكم، وبالنسبة إلى المعنى الآخر يسمَّى مأوَّلاً وهو قسم من المتشابه، إن لم يدلُّ عليه دليل، وأمَّا أن يكون المعنيان بالسواء أي لا يرجح أحدهما على الآخر إِلاَّ بمرجِّح من خارج، فهو المجمل وهو قسم من المتشابه. (1/407)
صفحة 408
والمحكم له حكمان لأنَّه قسمان لكلِّ قسم منهما حكم يخصه: فحكم النص هو القطع بمراد المتكلِّم بمعنى أنا إذا سمعنا قوله تعالى: {فاعلم أنَّه لا إله إِلاَّ الله} (1) ، وقوله: {وأحلَّ الله البيع وحرَّم الربا} (2) ، حكمنا أنَّ المراد ما فهمناه وقطعنا بكفر من خالفنا في ذلك، خلافاً للفخر في زعمه أنَّ الأدلية اللفظية لا تكون بنفسها قطعية لتوقُّفها على نقل اللغة والنحو والصرف، ونقلها ظني، والمتوقف على الظني أولى أن يكون ظنيا؛ وحكم القسم الثاني من المحكم هو الظن بأنَّ مراد المتكلِّم منه ظاهر معناه فيجب العمل به حتَّى يدلُّ دليل على خلافه، فإذا دلَّ الدليل على أنَّ المراد من هذا اللفظ غير ظاهر تُرك الظاهر وأخذ بذلك الدليل، والأخذ به يسمَّى تأويلاً للفظ، وهذا معنى قولهم: ولا يعدل عن الظاهر إِلاَّ بدليل، وذهبت الباطنية إلى أنَّ الأخذ بخلاف الظاهر هوالراجح، سواء كان مع دليل أولى، وهي مقالة باطلة قائلها فاسق لأنَّها تفضي إلى تعطيل غالب الأحكام الشرعيَّة، ولهم فيها أباطيل افتضحوا بها بين الملأ ذكر بعضها صاحب العدل فراجع العدل إن شئت.
__________
(1) - سورة محمد:19
(2) - ... سورة البقرة:275 (1/408)
صفحة 409
وأمَّا التأويل الذي يؤول به المتروك ظاهره فهو في ثلاثة أقسام إلى قريب يترجح على الظاهر بأدنى مرجح، وبعيد لا يترجح إِلاَّ بمرجح قوي، ومعتذر لا يقبل كتأويل الحنفيَّة قوله - صلى الله عليه وسلم - لرجل أسلم على عشر نسوة: «أمسك أربعا وفارق سائرهن» (1) ، قالوا: يحمل على تجديد النكاح، قلنا: ينفي ذلك قوله -وفارق سائرهن- فإنَّ الفراق لا يكون إِلاَّ على عن ثبوت عقد، وكذلك قوله -أمسك أربعا- فإن الإمساك لا يدلُّ إِلاَّ على شيء ثابت، فلو أراد تجديد النكاح لأمره به صريحا، لأن تجديده متوقف على شروط كإذن الولي ورضاء المرأة وحضرة الشهود.
وكذلك حملهم قوله - صلى الله عليه وسلم - : «أمسك أيتهما شئت» (2) ، للذي أسلم على الأختين على تجديد النكاح أيضًا، وجوابهم ما مرَّ.
__________
(1) - ... في موطأ الإمام مالك، كتاب الطلاق، حديث رقم1071: «حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ حِينَ أَسْلَمَ الثَّقَفِيُّ: «أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ»
(2) - ... عند الترمذي في كتاب النكاح، حديث رقم 1048: «حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» (1/409)
صفحة 410
وكذلك حملهم قوله - صلى الله عليه وسلم - : «في أربعين شاة شاة» (1) على قيمة الشاة، ووجه تعذّره أنَّ فيه إبطال العين الذي هو جزء المال، وهو الشاة، فتبطل الحكمة المطلوبة من المال، وهو النمو.
__________
(1) - في أحاديث الزكاة، من كتب السنَة تفصيل في زكاة النعم ونصابها، ومنها حديث رواه أبو داود في كتاب الزكاة، رقم 1342، قال: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ وَعَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ زُهَيْرٌ أَحْسَبُهُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه قَالَ: «...فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهَا شَيْءٌ...». (1/410)
صفحة 411
وكذلك حملهم: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل على الصبية والأمة» (1) ،
__________
(1) - ... في سنن الترمذي، كتاب النكاح، حديث رقم 1784: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»، حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ جَعْفَرٍ يَعْنِي ابْنَ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِمَعْنَاهُ قَالَ أَبُو دَاوُد جَعْفَرٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الزُّهْرِيِّ كَتَبَ إِلَيْهِ».. (1/411)
صفحة 412
ووجه تعذره أنَّ المرأة لا تطلق على الصبية إِلاَّ مجازاً، وأي من صيغ العموم فهي شاملة لكلِّ إمرأة، وفيه أنَّ العموم يخصص والمجاز يصار إليه مع القرينة، والدليل المخصص قوله - صلى الله عليه وسلم - : «الثيب أحق بنفسها من وليها» (1) ،
__________
(1) - ... في صحيح مسلم، كتاب النكاح، رقم 2546: «حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا»، وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا وَرُبَّمَا قَالَ وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا».. (1/412)
صفحة 413
فيجاب أنَّ معنى الحديث أنَّها أحق بنفسها في رضاها فلا يحل لوليها أن جبرها، وممَّا يعضد عموم الأوَّل قوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا نكاح إِلاَّ بولي» (1) ، فعمّ ولم يخصّ قال سيِّدي نورالدين: «هذا حاصل ما ذكروه من أمثلة التأويل المتعذر، وأقول: إنَّ هذه الأمثلة جميعا ليست من التأويل المتعذر الذي لا يقبل، وإنَّما هي من التأويل البعيد الذي لا يترجَّح إِلاَّ بمرجِّح قوي، ولا مرجح لهذه التأويلات، فبطل الأخذ بها، أمَّا أمثلة التأويل المتعذِّر فكتأويل بعض الصوفيَّة البقرة بالنفس في قوله تعالى: {إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} (2) ، وكتأويل بعض الشيعة فيها بعائشة - رضي الله عنه - ا، وكتأويل بعض أولئك الشيعة أيضًا قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} (3) ،
__________
(1) - ... في سنن الترمذي، كتاب النكاح، رقم1020: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَخْبَرَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ و حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ ح و حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ ح و حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَنَسٍ»
(2) - ... سورة البقرة:67.
(3) - ... سورة المائدة: 6.. (1/413)
صفحة 414
قالوا: الغائط أبو بكر، وكتأويلهم قوله تعالى: {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر} (1) ، قالوا: الشيطان عمر والإنسان أبو بكر، وكتأويلهم قوله تعالى: {مرج البحرين يلتقيان}، قالوا: هما علي وفاطمة، {بينهما برزخ لا يبغيان} (2) ، قالوا: البرزخ هو حاجز التقوى فلا يبغي علي على فاطمة، ولا فاطمة على علي، {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (3) ، هما الحسن والحسين ونحو ذلك من التأويلات المتعذر حمل الكتاب والسنَّة على مثلها، وأكثر ما ورد مثل هذا عن أهل الباطن من الشيعة، كما هو معتمد في مذهبهم الفاسد.
وأمَّا المتشابه فهو المخفي معناه وذلك الاختفاء إمَّا لإجمال في اللفظ كلفظة القرء، أو لإفهامه، تشبيه الربِّ تعالى بخلقه كالاستواء في إسناده إلى الرحمان، فهو قسمان، وهذا التعريف شامل في غالب الأقوال التي في المتشابه، وذلك أنَّ بعضا ذهب إلى أنَّ المتشابه هو ما كان له معنيان فصاعداً. قلنا: إن كان أحد معانيه أظهر من الباقية فبالنسبة إلى ذلك فالمعنى محكم، وبالنسبة إلى غيره متشابه، فيدخل تحت المختفي معناه، وإن كانت معانيه متساوية في الظهور والخفاء فهو مجمل وبإجماله اختفى المعنى المراد منه فيدخل تحت المختفي معناه، وذهب بعض إلى أنَّ المتشابه ما لا يعرف كميته كـ: {عليها تسعة عشر} (4) {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} (5) ، قلنا هو من القبيل المختفي معناه.
__________
(1) - ... سورة الحشر:16
(2) - ... سورة الرحمان:19-20.
(3) - ... سورة الرحمان:22.
(4) - ... سورة المدثر:30.
(5) - ... سورة الحاقة:17 (1/414)
صفحة 415
وبعض ذهب إلى أنَّ المتشابه هو ما لا يعلم تأويله إِلاَّ الله، قلنا: راجع إلى الخفي معناه أيضًا وبعض ذهب إلى أنَّ المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل السور كـ: {ألَم} و:{طس} وهو راجع إلى المختفي معناه أيضًا، وإنَّما سمِّي المجمل متشابها معانيه التي احتملها حتَّى لا يترجَّح بعضها على بعض، وقد اتَّضح بهذا التعريف من أنَّ الظاهر داخل تحت المحكم والمجمل داخل تحت المشتبه، فالأقوال المذكورة في هذا الموضع أصلها واحد وهو خفاء معناها على العباد، سواء خفي خفاء ضعيفا كالذي يدرك بالقرينة الضعيفة ويكون التأويل فيه قريبا، أو خفى خفاءً قويًّا كالذي يحتاج في تأويله الدليل القويَّ أو خفاء لا يدرك معناه كالذي يتعذَّر تأويله إِلاَّ بتوقيف، وذلك هو الذي استأثر الله بعلمه كمقادير الثواب ونحوها. وأمَّا المجمل فحكمه الوقوف حتَّى يعرف المراد منه ببيان، ولو كان ذلك البيان خفيا مثلاً.
ثمَّ اعلم أنَّ القول بأنَّ الأقوال المذكورة من أنَّ الحكم يدخل في المنصوص عليه والظاهر، وأنَّ المتشابه يدخل فيه المجمل هو قول تخرَّد به سيِّدي نورالدين رضي الله عنه فقط.انتهى من المشارق مع بعض التصرُّف.
والدليل في أنَّ في القرآن محكما ومتشابها قوله تعالى: {فيه آيات محكمات هنَّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات فأمَّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} (1) .انتهى
__________
(1) - ... سورة آل عمران:7. (1/415)
صفحة 416
قال المصنِّف: «فوجب عقلاً أو شرعا ردّ المتشابهات من الآيات إلى هذه الآية المحكَمة كقوله تعالى: {وجاء ربّك} (1) وقوله: {إلى ربها ناظرة} (2) بمعنى إلى ثواب ربها أو إلى إذن ربها في دخول الجنَّة منتظرة، وقوله: {ويحذركم الله نفسه} (3) بمعنى: يحذر عقوبته، وقوله: {نزل به الروح الأمين} (4) ، بمعنى: نزل به جبريل، وقوله: {ولتصنع على عين} (5) ، بمعنى: على علمي وحفظي، وقوله: {كلّ شيء هالك إِلاَّ وجهه} (6) ، بمعنى: إِلاَّ هو، وقوله: {فثم وجه الله} (7) ، بمعنى: فثمَّ الله، وقوله: {ويبقى وجه ربك} (8) ، بمعنى: ويبقى ربك لا غيره، وقوله: {بل يداه مبسوطتان} (9) ، بمعنى: نعمتاه الدنيويَّة والأخروية، أو نعمته وقدرته دائمتان، وقوله: {مطويات بيمينه} بمعنى ذاهبات بقدرته، وقوله: {والأرض جميعا قبضته} (10) ، بمعنى: قدرته، وقوله: {يقبض ويبسط} (11) ، بمعنى: يقتر ويوسع، وقوله: {على ما فرطَّت في جنب الله} (12) ، بمعنى: في أمره وطاعته، وقوله: {يوم يكشف عن ساق} (13) ، بمعنى:شدَّة الهول، وهو يوم القيامة، فكشف الساق فيه كناية عن شدَّة هوله، وقوله: {نور السموات والأرض} (14) ، بمعنى: هادي من فيهما، وقوله: {فلما تجلَّى ربه للجبل} (15) ، بمعنى: تجلَّى للجبل آية ربِّه، وقوله: {على العرش استوى} (16) ، بمعنى: استولى بالملك والقهر والتدبير، وقد استولى على العالَم كلّه فخصَّ العرش بالذكر تشريفا له، ولكونه محيطًا بجميعه لا غير ذلك لوجوب غناه، وقوله: {وكلَّم الله موسىا تكليما} (17) ،
__________
(1) - ... سورة الفجر:22.
(2) - ... سورة القيامة:23.
(3) - ... سورة آل عمران:28.
(4) - ... سورةالشعراء:193.
(5) - ... سورة طه:39.
(6) - ... سورة القصص:88.
(7) - ... سورة البقرة:105.
(8) - ... سورالرحمان:27.
(9) - ... سورة المائدة:64.
(10) - ... سورة الزمر:67.
(11) - ... سورة البقرة:245.
(12) - ... سورة الزمر:56.
(13) - ... سورة القلم:42.
(14) - ... سورة النور:35.
(15) - ... سورة الأعراف:143 .
(16) - ... سورة طه:5.
(17) - ... سورة النساء:164.. (1/416)
صفحة 417
بمعنى: أسمعه صوتا خلقه أفهمه به الكلام». انتهى
أقول: إنَّ انتصاب عقلاً وشرعاً هو بنزع الخافض أي وجب في العقل وفي الشرع، ردّ المتشابه من الآي والأحاديث إلى محكمها، وقد اختلف العلماء في المحكم والمتشابه فقال بعضهم: المحكم هو ما تبين المراد منه، وقيل: المتشابه المنسوخ، والمحكم الناسخ، وقيل: المتشابه ما لم تعلم كميته، كقوله تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} (1) ، فإنَّهم اختلفوا في هذا، هل هم ثمانية أملاك أو ثمانية صفوف أو ثمَانِيَة آلاف؟
__________
(1) - ... سورة الحاقة:17 . (1/417)
صفحة 418
ومن أقسام المتشابه أيضًا ما أوهم تشبيه المولى جلَّ وعلا بخلقه كآيات الاستواء وآية الجنب وآية اليد وآية الوجه والأعين ونحوها، فلمَّا كان في الكتاب العزيز ما ظاهره تشبيه المولى عزَّ وجلَّ بخلقه وجب على المكلَّف ردَّ ما ظاهره كذلك سواء، كان من الآيات القرآنية أو الأحاديث النبويَّة كحديث: «قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن» (1) وحديث: «حتى يضع الجبار فيها قدمه» (2) ونحو ذلك إلى الآية المحكمة وهي قوله تعالى:{ليس كمثله شيء}، وقال تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنَّ أم الكتاب وأخر متشابهات} (3) ،
__________
(1) - ... تقدَّم تخريجه.
(2) - ... عند الإمام أحمد في باقي مسند المكثرين، حديث رقم7817: «وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّة:ُ فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ سَفَلَتُهُمْ وَغِرَّتُهُمْ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْجَنَّةِ: «إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَةٌ أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَالَ لِلنَّارِ إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ أَيْ حَسْبِي فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا».
(3) - ... سورة آل عمران:7.. (1/418)
صفحة 419
فهذه الآية دالَّة على أنَّ في الكتاب العزيز آيات منها محكمات وآيات منها متشابهات قال سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - : «فلا يرد علينا أنَّه تعالى وصف جميع القرآن بأنَّه محكم، بقوله: {كتاب أحكمت آياته} (1) ، وبقوله {تلك آيات الكتاب الحكيم} (2) ووصف جميعه بأنَّه متشابه بقوله: {كتابا متشابها مثاني} (3) ، لأنَّا نقول: إنَّ وصف جميعه بالإحكام راجع إلى النظم والتركيب، تقول العرب: هذا بناء محكم، أي متقن قوي، وكذلك وصف جميعه بالمتشابه راجع إلى النظم والتركيب، أيضًا فإنَّه متشابه من تلك الحيثية، فليس بعضه بأحكم من بعض في التركيب، فلا يقع فيه تفاوت في البلاغة ككلام المخلوقين، فإنَّه وإن بلغ في البلاغة أقصاها فلا بدَّ من تفاوته فيها: {أفلا يتدبَّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً} (4) وأمَّا وصف بعضه بالمتشابه فراجع إلى النظم بالنظر إلى مذلوله فلا تناظر قال الفخر: «واعلم أنَّ العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوها:
الوجه الأوَّل أنَّه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحقّ أصعب وأشقَّ وزيادة المشقَّة توجب مزيد الثواب، قال الله تعالى: {أم حسبتم أنَّ تدخلوا الجنَّة ولمَّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (5) .
__________
(1) - ... سورة هود:1.
(2) - ... سورة لقمان:2.
(3) - ... سورة الزمر:23.
(4) - ... سورة النساء:82.
(5) - ... سورة آل عمران:142. (1/419)
صفحة 420
الوجه الثاني: لو كان القرآن محكماً بالكلية لما كان مطابقًا إِلاَّ لمذهب واحد، وكان تصريحه مبطلاً لكلِّ ما سوى ذلك المذهب، وذلك مِمَّا ينفر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه، فالانتفاع به إِنَّمَا حصل لما كان مشتملاً على المحكم وعلى المتشابه، فحينئذٍ يطمع صاحب كلِّ مذهب أن يجد فيه ما يقوِّي مذهبه ويأثر مقالته فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ويجتهد في التأمُّل فيه كلّ صاحب مذهب، فإذا بلغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، فبهذه الطريق يتخلَّص المبطل عن باطله، ويصل إلى الحق.
الوجه الثالث: إنَّ القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلَّص عن ظلمة التقليد، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة، أمَّا لو كان كله محكما لم يفتقر إلى التمسُّك بالدلائل العقلية، فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد.
الوجه الرابع: لمَّا كان القرآن مشتملا على المحكم والمتشضابه افتقر إلى تعلّم طرق التأويلات، وترجح بعضها على بعض، وافتقر تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثير. (1/420)
صفحة 421
الوجه الخامس: هو السبب الأقوى في هذا الباب أنَّ القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية، وطبائع العوام تنبوا في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أوَّل الأمر إثبات موجود وليس بجسم ولا بتمحيز ولا مشار إليه، ظنَّ أنَّ هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أنَّ يخاطبوا بألفاظ دالَّة على بعض ما يناسب ما يتوهموا به ويتخيَّلونه، ويكون ذلك مخلوطا بما يدلُّ على الحقّ الصريح. فالقسم الأوَّل وهو الذي يخاطبون به في أوَّل الأمر يكون من المتشابهات، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر وهو المحكمات».انتهى
عبارة الشيخ الكندي رحمه الله نصها: «كقوله تبارك وتعالى فالكاف فيه للتمثيل أي مثل قوله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} (1) ، فهنا حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه فهو بمعنى: وجاء أمر ربك، لأنَّ المجيء المعقول مستحيل على الله تعالى، لأنَّه من خواص المخلوق، والله لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئًا، وكقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (2) فهي بمعنى: إلى ثواب ربها منتظرة، أو بمعنى إلى إذن ربها في دخول الجنَّة منتظرة، فهي أيضًا على حذف مضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقد مرَّ من البحث في هذا المقام ما به كفاية فلا حاجة في الإعادة. وكقوله تعالى: {ويحذركم} أي يخوفكم {الله نفسه} فهي بمعنى يحذِّركم الله عقوبته وبطشه؛ وكقوله تعالى: {نزَل به} أي القرآن {الروح الأمين}، فهي بمعنى: نزل به جبريل - عليه السلام - »
__________
(1) - ... سورة الفجر:22.
(2) - ... سورة القيامة:22-23. (1/421)
صفحة 422
قلت: ليست هذه الآية من المتشابه لأنَّه لا خفاء في معناها، ولا يوهم تشبيه الربّ بخلقه، لأنَّ الروح الأمين هو جبريل - عليه السلام - ، والذي نزل به القرآن العظيم ولو مثَّل بقوله تعالى: {ثمَّ رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى} (1) لكان أولى، لأنَّ بعض الملحدة يزعم أنَّه رأى ربه تعالى الله عن ذلك (2) .
«وكقوله تعالى لموسى - عليه السلام - : {ولتصنع على عيني} (3) مجاز مرسل، علاقته ذكر السبب وإرادة المسبب فهي بمعنى: ولتصنع على علمي وحفظي، وكذا القول في قوله تعالى: {تجري بأعيننا} (4) أي بعلمنا وحفظنا، ولا لا يصحُّ حمل هاتين الآيتين على ظاهرهما لوجهين:
الأوَّل: تشبيه الرب جلَّ وعلا بخلقه، والله ليس كمثله شيء.
والثاني: ظاهر الأوَّل أصنع موسى - عليه السلام - فوق العين الباصرة لأنَّ «على»: تفيد الاستعلاء وهذا لا يقبله العقل.
__________
(1) - سورة النجم:14. ...
(2) - هذه الفقرة للمؤلِّف، وهي معترضة لكلام الكندي، فتنبَّه. ...
(3) - ... سورة طه:39.
(4) - ... سورة القمر:14. (1/422)
صفحة 423
وفي الثانية: تفيد أيضًا جرى السفينة فوق الأعين وهذا أيضًا لا يقبله العقل، فظهر بطلان ذلك والحمد لله وكقوله تعالى: {كل شيء هالك إِلاَّ وجهه} (1) ، فهي بمعنى كلّ شيء هالك إِلاَّ هو، أي ذاته، وكذا القول في قوله تعالى: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك} (2) ...الآية. أي ذاته، فالوجه هنا بمعنى الذات لأنَّ كثيرًا ما يعبر بالوجه عن الذات كما تقول العرب: «كرم الله وجه فلان»، وخصَّ الوجه بالذكر لأنَّه أكرم شيء في المخلوقات لاشتماله على جميع الحواس، وكذا القول في قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} (3) ، إشارة للمكان البعيد، بمعنى هنالك وجه الله، فهي بمعنى: فثم وجه الله، وكذا القول في قوله تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام} (4) ، فهي بمعنى: ويبقى ربك وحده لا غيره وكقوله تعالى: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل} حرف إضراب {يداه} مبتدأ {مبسوطتان} خبره؛ فهي بمعنى: نعمتاه الدنيويَّة نسبة إلى الدنيا وهي دار العمل، وكذا قوله: والأخروية نسبة للآخرة وهي دار الجزاء، أوالظاهرة والباطنة، أو نعمته وقدرته دائمتان أبدًا، ولا يصحُّ حملها على القدرة غير متعدِّدة، وأمَّا في قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} (5) فهي بمعنى القدرة، وكذا قوله تعالى:{لما خلقت بيديَّ} (6) ، {وممَّا عملت أيدينا أنعاماً} (7) ، وكذا قوله تعالى: {والسماوات مطويَّات بيمينه} (8) ، فهي بمعنى ذاهبات بقدرته، ولا يصحُّ حمل الآيات على الجارحة المعلومة، خلافا للمجسِّمة والمشبّهة في زعمهم الفاسد أنَّ لله جوارح كجوارحهم تعالى الله عن ذلك وكقوله تعالى: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} (9) ،
__________
(1) - ... سورة القصص:88.
(2) - ... سورة الرحمان:27.
(3) - ... سورة البقرة:105.
(4) - ... سورة الرحمان:27.
(5) - ... سورة الفتح:10.
(6) - ... سورة ص:75.
(7) - ... سورة يس:71.
(8) - ... سورة الزمر:67.
(9) - ... سورة الزمر:67.. (1/423)
صفحة 424
فهي بمعنى قدرته وملكه: {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} (1) ، وكقوله تعالى: {يقبض ويبسط}، فهي بمعنى يقتر ويوسع:
كم عاقل عاقل أعيت ... مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام ... حائرة ... وصير العالم النحرير ... زنديقا
وكقوله تعالى: {يا حسرتى على ما فرَّطت في جنب الله} (2) ، فهي بمعنى الأمر فمعناها على ما فرطت في أمره وطاعته، فالجنب كثيرا ما يستعمل بمعنى الأمر والنهي والطاعة، قال الشاعر:
إمَّا تتقين الله في جنب ... عاشق ... له كبد حر أو عين ... ترقرق
__________
(1) - ... سورة غافر:16.
(2) - ... سورة الزمر:56. (1/424)
صفحة 425
أي في أمر عاشق فلا يصح حمله في حقّ الله بمعنى الجنب الحقيقي، وكالساق في قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق} (1) ، عن شدَّة الهول تقول العرب: «إذا اشتدت الحرب كشفت الهيجاء عن ساقها»، وكما يقال عن اشتداد الأمر: «كشفت المخدرات عن سوقهن»، والسوق جمع ساق كما قال المصنِّف بمعنى يوم شدَّة الهول أي شدَّة الفزع، فالهول الفزع يقال: هاله الأمر أي أفزعه قال في المختار وبابه: قال وهو يوم القيامة، وهي النفخة الثانية لبعث الخلق للحساب، والجزاء، فيجازي كلٌّ بما فعل، فكشف الساق فيه أي في قوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق}، كناية عن شدَّة هوله أي خوف ذلك اليوم العظيم، يوم كشف الغطاء وهتك الأستار، {فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} (2) ، {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أنَّ الله لا يعلم كثيرا مِمَّا تعملون} (3) ، اللهمَّ سترا سترا، وكقوله تعالى: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح...} الآية، بمعنى هادي من فيهما من خلقه من الثقلين والملائكة وغيرهم، أي مبصرهم أو بمعنى منوِّرهما أي خالق نورهما، وكقوله تعالى: {فلما تجلَّى ربه}، ربُّ موسى - عليه السلام - {للجبل}، الذي علق الرب سبحانه رؤيته لموسى - عليه السلام - باستقراره في قوله: {ولكن انظر إلى الجبل، فان استقرَّ مكانه فسوف تراني، فلمَّا تجلَّى ربُّه للجبل...} الآية، فهي بمعنى تجلَّى للجبل آية ربه وعظمته {جعله دكاًّ} (4) وقد مرَّ الكلام على ذلك؛ وكقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} أي استولى فالاستواء هنا بمعنى الاستيلاء لا بمعنى الاستقرار، يقال: استوى على كذا أي استولى عليه، فهو استوى على العرش بالملك والقهر والتبدير، فالاستواء كثيرًا ما يستعمل بمعنى الاستيلاء. قال الشاعر:
قد استوى بشر على ... العراق ... من غير سيف ودم ... مهراق
__________
(1) - ... سورة القلم:42.
(2) - ... سورة ق:22.
(3) - ... سورة فصلت:22.
(4) - ... سورة الأعراف:143. (1/425)
صفحة 426
أي استولى عليها بالملك والقهر.
قال شيخنا نورالدين في غاية المراد:
وإنَّما الاستواء ملك ... ومقدرة ... له على كلَّها استولىوقد ... عقلا
كما يقال استوى سلطانهم ... فعلا ... على البلاد وحاز السهل ... والجبلا
فلا يصحُّ أن يكون الاستواء هنا بمعنى الاستقرار والاستواء المعهود، لأنَّ الله تعالى لا يحويه مكان ولا زمان، وقد سأل سائل علي بن أبي طالب قال:«اين الله تعالى»، قال له عليّ: «أين، سؤال عن مكان وكان الله ولا مكان».
وزعمت المشبِّهة لعنهم الله أنَّ الله سبحانه وتعالى مستو على العرش العظيم كاستواء الملك على سريره، حتَّى أنَّهم قالوا: «إنَّه فضل من كلِّ جانب منه، قدر إصبعين، وإنه يئط منه أطيط الرحل الجديد»، فانظر كيف هذا التجرى على الله سبحانه، ليت شعري ما الذي حملهم على هذا حتَّى وصفوه بهذه الصفات الشنيعة {قاتلهم الله أني يؤفكون} (1) {إن عندكم من سلطان بهذا} (2) انتهى.
قلت وهذا المعنى هو الذي عناه ابن النظر بقوله:
تأوبني داء دخيل فلم ... أنم ... وبتُّ سميرا للهموم وللهمم
وما بي عشق للذين ... تحمَّلوا ... ولا جزع من بينهم لا ولا سقم
ولكن لما فاهوا به ... وتكلَّموا ... من الإفك والبهتان في الواحد الحكم
كقولهم لله جلَّ ... ثناؤه ... يد مثل أيديهم تعالى ومبتسم
وأنَّ له وجها يحد ... وصورة ... وعينا وأذنا ليس في سمعها صمم
بتحريفهم آي الكتاب ... وجهلهم ... بتأويله أضحوا كمختبط ... الظلم
انتهى.
__________
(1) - ... سورة التوبة:30.
(2) - ... سورة يونس:68. (1/426)
صفحة 427
وقول المصنِّف: «وقد استولى سبحانه وتعالى على العالم»، (بالفتح) أي الخلق كلِّه تأكيد للعال،م وأكَّده بِكُلّ لأنَّ تحته أنواع المخلوقات كائن ما كان، فخصَّ سبحانه العرش بالذكر من بين سائر المخلوقات كلّها؛ تشريفا له، أي للعرش فالضمير المجرور عائد إلى العرش متعلِّق بقوله تشريفا، هو أعظم المخلوقات وأجلُّها، والمستولي على الأعظم مستولى على الأدنى من باب أولى، فالسماوات والأرض وما فيها مع الكرسي كحلقة في فلاة، والكرسي وما حواه مع العرش العظيم كحلقة في فلاة، {فسبحان الذي بيده ملكوت كلِّ شيء} (1) ، وبكونه سبحانه وتعالى محيطا عِلما بجميعه، بجميع العرش العظيم، واللام في قوله: «لكونه...إلخ»، تعليل أيضًا لوجه تخصيصه، بالذكر دون غيره لا غير ذلك من التأويلات، فالإشارة إلى ما ذكره من الاستلاء والتخصيص بالذكر، لا كما زعمت المشبِّهة أنَّ الاستواء هنا استقرار، وقد مرَّ ما هم عليه من الإلحاد، لوجوب أي للزوم غناه عن الاحتياج إلى مكان ليستقرَّ فيه تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا، ولو كان كما زعموا لكان العرش سابقا عليه للزوم سبق المحل على الحالِّ ضرورة، وللزوم أيضًا أن يكون هناك خالق غيره خلق العرش، فيلزم التسلسل إن كان ذلك الخالق غير أثر له، أو الدور إن كان أثرا له، وكلاهما باطل.
__________
(1) - ... سورة يس:83. (1/427)
صفحة 428
وكقوله تعالى:{وكلَّم الله موسى تكليماً}، فتكليما بصدر مؤكد لعامله نصب مفعولا مطلقًا، والتكليم هنا بمعنى الإسماع، فهو بمعنى أسمعه الله سبحانه وتعالى موسى - عليه السلام - صوتا خلقه في الهواء أو في الشجرة التي أسمعه منها، قيل: شجرة عوسج، وقيل: غير ذلك؛ أفهمه أي أفهم الله موسى - عليه السلام - به، أي بذلك الصوت الذي خلقه لهـ الكلام مفعول ثان، لا فهم لتعديه بالهمزة إلى مفعولين لا بمعنى أنَّه كلَّمه مشافهة، كما يكلِّم بعضنا، فهذا على الله سبحانه محالٌ، فمعنى كونه سبحانه وتعالى متكلِّما صفة أريد بها نفي الخرس عنه سبحانه وتعالى، لأنَّه لو كان تكلُّمه تعالى كتكلُّمنا لكان مُفْتَقِراً إلى افتقارنا إليه من آلة التكلُّم، من لسان وشفتين ونحوهما، والله تعالى غني عن كلِّ شيء، وقد أراد ابن النظر هذا المعنى بقوله:
وتكليمه موسى فذلك ... وحيه
وقد ذكر بعض هذه المعاني وغيرها، سيِّدي نورالدين السالمي رحمه الله بقوله:
فوجهه أي ذاته في ... قوله ... وعينه أي حفظه لفعله
واليد منه قدرة أو قل ... نعم ... وقبضة والاستوا ملكا يسم
وجده كوجهه أو قل ... عظم ... ومكره عقوبة لمن ظلم
تنبيه:
قال سيِّدي نور الدين السالمي - رضي الله عنه - ما نصُّه: «استدلَّ بعض المشبِّهة على أنَّ لله عيناً ووجهاً ويداً... إلى آخرها، حقيقة بأنَّ الصحابة لمَّا سمعوا هذه الألفاظ وأمثالها في كتاب الله عزَّ وجلَّ لم يسألوا عن معناها وأنَّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، لم يخبرهم بشيء من ذلك، فلو أريد غير معناها الظاهر لبين لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنَّه جاء بتبيين الأحكام، لا بالتشكيل على الأنام . (1/428)
صفحة 429
قلنا: ليس في السكوت عن مثل هذا تشكيلٌ لأَنَّ العرب كانوا يستعملون اللفظة فيما وضعت له، فإن أرادوا استعمالها في غير ما وضعت له نصبوا لمرادهم منها قرينة، وكان ذلك عندهم في غاية الظهور وأتم الوضوح، فلا يسألون عنه لأَنَّ البحث عنه مع ظهوره عبث، وكذلك إخبار المخبر بالوضوح إِنَّمَا يعدُّ من العبث فلا إشكال» انتهى.
قلت: وهل أطرق مسامع هؤلاء القوم قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (1) وهل يتلى بالألسُن يتلوه كلّ قارئ للكتاب العزيز، وما يقولون في هذه الآية، وهل عندهم أنَّ في القرآن آيات محكمات وآيات متشابهات ،و هل ذمَّ الله تعالى من تبع المتشابه ولم يرجعه إلى المحكم، {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} (2) .انتهى.
واعلم أن المجسِّمة هم على صنفين منهم من يقول: «إنَّه تعالى جسم لا كالأجسام»، ومنهم من يقول: «إنَّه كالأجسام»، والقائلون بهذا المعنى الأخير محكوم عليهم بالشرك حتَّى يحدِّدوا التحديد الذي حدّد أصحابهم، لأنَّهم يتعلَّقون بآيات وأحاديث ويتأوَّلونها على خلاف ما هي عليه، وحكم بتشريك القائلين بالتحديد، لأنَّ هذا التحديد لم يتأوَّل فيه كتاب ولا سنَّة فهو مصادمة للنصِّ، حيث قال: {ليس كمثله شيء}.
__________
(1) - ... سورة الشورى:11.
(2) - ... سورة النساء:78. (1/429)
صفحة 430
وأمَّا الآيات والأحاديث التي تعلَّق بها أولئك المتأوِّلون، فمنها الوجه المذكور في قوله تعالى: {ويبقى وجه ربِّك}، {كلِّ شيء هالك إِلاَّ وجهه}، ومنها العين المضافة إليه تعالى كما في قوله: {تجري بأعيننا}، {ولتصنع على عيني}، ومنها اليد الواردة في قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} ، {لما خلقت بيديَّ}، {مِمَّا عملت أيدينا أنعاما}، ومنها القبضة الواردة في قوله تعالى: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} ومنها الاستواء من قوله: {الرحمن على العرش استوى}، ومنها الجد من قوله حكاية عن مؤمني الجنِّ، {وإنَّه تعالى جدُّ ربِّنا} (1) ، ومنها المكر من قوله تعالى: {ومكروا مكراً ومكرنا مكراً} (2) ، {فلا يأمن مكر الله إِلاَّ القوم الخاسرون} (3) .انتهى
ومعاني هذه الآيات كلّها خلاف ما ذكروها هم، فراجع الكتب المطوَّلة للأصحاب تجد فيها الحقّ الذي لا غبار عليه أصلاً.
__________
(1) - ... سورة الجن:3.
(2) - ... سورة النمل:50.
(3) - ... سورة الأعراف:99 (1/430)
صفحة 431
وأمَّا الأحاديث فمنها القَدم من رواية عنه - صلى الله عليه وسلم - في حديث مطول: «فيضع الجبار قدمه في النار فتقول: قط قط» (1) أي حسبي؛ وفي رواية أخرى: «حتَّى يضع ربُّ العزَّة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط بعزَّتك وكرمك» ، وفي أخرى: «{يقول لجهنم: هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد؟} (2) حتَّى يضع الربّ قدمه عليها فتقول: قط قط»، فعلى تقدير صحَّة هذه الروايات فهي على حذف مضاف تقديره حتَّى يضع معاند الجبار أو معاند الربّ فيها قدمه، وهو من علم الله من معانديه، ولا يلزمنا تعيينه، ويدلّ على هذا التأويل ما ورد في بعض الروايات: «وأمَّا النار فلا تمتلئ حتَّى يضع الله رجله فيها»؛ وإنَّما تأوّلناها بحذف المضاف ولم نفسِّر القَدم بالقدرة كما فسَّرنا اليد بها، لأنَّ العرب لا تطلق القدم والرجل على القدرة، ولا يعرف ذلك من مجازاتهم ولا يتجوزون في الألفاظ إِلاَّ بعلاقة، ولا علاقة في إطلاق القَدم والرجل على القدرة، وقد تأوَّل الشيخ أبو نبهان - رضي الله عنه - القِدَم بما حاصله أنَّه (بكسر القاف، وفتح الدال المهملة) وتأول ذلك بالأمم السالفة من أهل الشقاوة، لكن هذا التأويل يتعذَّر في رواية الرِّجل ومنها الأصابع لما في الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّ «قلب المؤمن بيد إصبعين من أصابع الرحمن» (3) ومعناه أنَّ قلب المؤمن تحت قدرة الرحمن، يقلِّبه كيف شاء، وإطلاق الأصابع على القدرة مجاز مرسل علاقته السببيَّة، لا يقال إنَّه يلزم أن يكون قلب غير المؤمن ليس في قدرة الله تعالى، لأنَّا نقول: لا يلزم ذلك لأَنَّ ذكرَ قلب المؤمن خاصَّة مع القدرة شاملة الكلِّ لتشريف المؤمن على غيره، كما يقال: بيت الله لتشريف البيت على غيره من البيوت.
__________
(1) - ... تقدَّم تحريجه.
(2) - ... سورة ق:30.
(3) - ... تقدَّم تخريجه. (1/431)
صفحة 432
قال المصنِّف: «وقربه من الخلق بمعنى علمه بهم وسماعه لدعواهم ورحمته لهم وحفظه لهم وكونه في كلِّ مكان وزمان يعني أنَّه يحفظهما ولا يغيب عن علمه شيء منهما، ولا مِمَّا فيهما، فكيف يغيب عنه ولا يكون إِلاَّ بإيجاده، وحفظه وكونه مع جميع الأشياء بمعنى علمه بهما وقوله: «أن الله يستحي أن يعذب من أطاعه، بمعنى يتعالى».انتهى
أقول: إنَّ قربه من الخلق هو الذي ذكره عزَّ وجلَّ بقوله: {ونحن أقرب إليه منكم} (1) ، {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} (2) ، فمعناه علمه بهم، وقد تعلَم أنَّ علمه سبحانه وتعالى هو انكشافه للأمور انكشافاً تامًّا، وليس معنى قربه قرب المسافة، فإنَّ ذلك محال في حقّ ربِّنا عزَّ وجلَّ، وقد يفسَّر قرب الله تعالى بمعنى تقريبه أي توفيقه للعبد لطاعته إطلاقاً للمسبب على السبب، لأنَّ القرب الذي هو الدنوّ مسبب للتقرُّب وسبب للتقريب، وفي الحديث «لا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه فإذا أحببته كنت له: سمعاً وبصرًا» وفي حديث «وفؤادا»، وفي حديث: «ولساناً ويدًا فمني يسمع وبي يبصر وبي يبطش»، وفي الحديث أيضًا: «من تقرَّب شبرًا تقرَّبت منه ذراعا، ومن أتاني يمشي أتيته أهرول» (3) ،
__________
(1) - ... سورة الواقعة:85.
(2) - ... سورة ق:16.
(3) - ... حديث قدسي رواه الإمام أحمد في باقي مسند المكثرين، حديث رقم 8983، قال:
... «حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَمَنْ جَاءَنِي يَمْشِي جِئْتُهُ مُهَرْوِلاً». (1/432)
صفحة 433
وهذه الأحاديث كما رأيت مشكلة لإيهامها قربا في المسافة وحركة ونحو ذلك، والكلُّ عليه تعالى محال، فلابد من كشف الحجاب عن معانيها العجاب، حتَّى يثبت اليقين ويرتفع الارتياب.
قال في حل الرموز ما نصُّه: «وأما المعنى في قربه منك وقربك منه أن تتقرب منه بالخدمة، وهو يتقرَّب إليك بالرحمة، وأنت تتقرَّب بالطاعة وهو يتقرَّب بتوفيق الاستقامة» إلى أن قال: «فالعبد له في قربه ثلاث مراتب:
القرب الأوَّل: قرب الأبدان وهو العمل بالاركان.
والثاني: قرب القلب بالتصديق والإيمان.
الثالث: قرب الروح بالتحقيق» انتهى.
أقول: ومعنى قوله قرب الروح، أي وهو المعنيُّ بقوله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}، فهو قرب الحفظ والكلاءة والنصر والإجابة وذلك للأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، قال جعفر بن محمَّد: «الدنوُّ من الله تعالى لا حدَّ له ومن العباد محدود، فيكون معنى دنوّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - من ربِّه سبحانه وتعالى وقربه منه ظهورُ عظيم منزلته لديه، وإشراقُ أنوار معرفته عليه، وإطلاعه من غيبه وأسرار ملكوته على ما لم يُطلع عليه سواه، والدنوّ من الله سبحانه له إظهار ذلك منه وعظيم برّه وفضله العظيم لديه، فيكون قوله تعالى: {قاب قوسين أو أدنى} (1) على هذا عبارة عن لطف المحلِّ وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من نبيّنا - عليه السلام - ، ومن الله إجابة الرغبة وإبانة المنزلة، ويتأوَّل في ذلك ما يتأوَّل في قوله - صلى الله عليه وسلم - عن ربِّه عزَّ وجلَّ من تقرَّب منه شبرا تقرَّبت منه ذراعاً...الحديث». هذا كلام القاضي. انتهى نقلاً من المشارق مع حذف شيء منه.
__________
(1) - ... سورة النجم:9. (1/433)
صفحة 434
وبالجملة فقرب الله تعالى من الخلق بمعنى تقريبه، وهو توفيقه له وانكشاف مسموعاتهم إليه سبحانه وتعالى، قال تعالى: {فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان} (1) ولطفه لهم وحفظه للخلق، ومعنى كونه في كلِّ مكان وفي كلِّ زمان تفسيرهما أنَّهما لا يعزبان عن علمه ولا يفوته تعالى شيء منهما قال تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إِلاَّ هو رابعهم... }الآية (2) وقال: {لا يعزُب عنه مثقال ذرَّة في السماوات ولا في الأرض} (3) ، فأنَّي يغيب عنه شيء وهو لا يكون إِلاَّ بإيجاده، فمن أوجد شيئًا ما من الأشياء وحفظه فلا يفوته شيء مِمَّا أوجده: {وسع كرسيّه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العليّ العظيم} (4) .
ومعنى كونه مع جميع الأشياء، فالمعيَّة في هذا الموضع معناها إحاطة الله بجميع الأشياء، فالأشياء جميعها منكشفة له تعالى انكشافا تامًّا، وليس المعنى حضور الذات مع جميع الأشياء وبجميع الأمكنة، لأنَّه يلزم منه التجزي أو التعدّد، فقوله سبحانه وتعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} (5) أي عالم بكم وبما تُبدون وما تكتمون {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} (6) .
ومعنى الاستحياء في قوله - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ الله يستحي أن يعذب من أطاعه»، فهو لا بمعنى الانكسار للقلب فمعناه في حقّ الله سبحانه وتعالى يتعالى، قال الله تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} (7) قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {إنَّ الله لا يستحي أن يضرب مثلاً...} (8) الآية، «أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحي ضرب المثل لحقارتها». انتهى
__________
(1) - ... سورة البقرة:186.
(2) - ... سورة المجادلة:7.
(3) - ... سورة سبأ:3.
(4) - ... سورة البقرة:
(5) - ... سورة الحديد:4.
(6) - ... سورة غافر:19.
(7) - ... سورة النساء:147.
(8) - ... سورة البقرة:26. (1/434)
صفحة 435
قال المصنِّف: «واستحالة كون صفاته الذاتية غيره معاني قائمة بذاته زائدة عليها، لأنَّه يستلزم تعدُّد القديم وكونه محلاًّ للأشياء ومحتاجاً إليها، وذلك من صفات الحادث المحتاج، قد استحال حدوثه واحتياجه». انتهى
أقول عبارة الشيخ الكندي رحمه الله تعالى: «ومن الواجب استحالة (وبالرفع) معطوف على قوله في صدر الكتاب، فمن الواجب له تعالى القدم والبقاء... (1/435)
صفحة 436
إلخ، أي ومن الواجب له تعالى استحالة، أي امتناع كون صفاته الذاتية نسبة للذات، غيره (بالنصب) خبر لكون معاني بيان غيره أو بدل منه بدل بعض من كلِّ، لأنَّ الغير أعمّ من المعاني، قائمة (بالنصب) نعت لمعاني ذاته متعلِّق بقائمة، زائدة (بالنصب) أيضًا نعت ثاني عليها متعلِّق بزائدة، أي يستحيل عليه تعالى أن تكون صفاته الذاتية كالسمع والبصر والقدرة والإرادة والعلم والإحاطة ونحوها معاني هي غير ذاته قائمة بها كقيام أوصافنا بها، لأنَّه تعليل للاستحالة يستلزم - أي هذا التغاير -، تعدُّداً (بالنصب) مفعول ليستلزم، فالتغاير يستلزم تعدُّد القديم؛ إن قلتم يا أشعريون إنَّها قديمة معه وافتقاره إلى غيره كافتقارنا إلى صفاتنا الضروريَّة والكسبيَّة، أو تعطيلها إلى الصفات، إن قلتم إنَّها حادثة، فإن قلتم بهذا فإنِّي أقدِّم لكم سؤالاً، فمن خلق هذه الصفات التي اتصف بها المولى جلَّ وعلا؟ لأنَّه من المحال من كان غير قادر ولا عالم ولا مريد أن يخلق شيئًا، فلا بدَّ لكم من أن تقولوا غيره، فإن قلتم ذلك فأقول هل هذا الغير كان قادرًا مريدًا عليما بذاته أم بصفات زائدة حادثة أو قديمة؟ فيلزمكم ما لزمكم سابقاً، فيتسلسل وهو محال، وتعدد القدماء محال فلا قديم مع الله، وأيضا يلزمكم كونه تعالى محلاًّ (بفتح الميم والحاء المهملة وتشديد اللام) أي ظرفًا للأشياء، لأنَّ الصفات التي هي غيره على زعمكم حالة فهو محل لها، ويستلزم أيضًا أن يكون قبل حلول هذه الصفات لا صفة له أصلاً لاستلزام سبق المحلّ على الحال فيه ضرورة ومحتاجًا إليها كاحتياجنا إلى صفاتنا، فما أشبه هذا الخالق بالمخلوق. {إن عندكم من سلطان بهذا}، وذلك الزعم الذي زعمتموه من أنَّ صفاته تعالى الذاتية هي غيره معاني قائمة بالذات من صفات الحادث المحتاج إلى غيره فهو على زعمكم عالم بعلم هو غيره كعلمنا، وقادر بقدرة هي غيره كقدرتنا، ومريد بإرادة هي غيره كإرادتنا وهكذا. (1/436)
صفحة 437
والله تبارك وتعالى قد استحال حدوثه فاستحال أن تكون صفاته الذاتية غيره، واستحال احتياجه إليها أيضًا، لأنَّ الفقير المحتاج لا يصلح أن يكون إلها ولو كان الله سبحانه محتاجا إلى غيره لمَا كان إلها، والذي حملهم على هذا قياس الغائب بالشاهد في العلَّة والحدِّ والشرط، فقالوا: «هذه الأشياء لا تختلف في الشاهد والغائب»، ومرادهم بالغائب الربّ جلَّ وعلا، فعلَّة العلم في الشاهد هي العلم فكذا في الغائب، وحدّ العالم في الشاهد هو من قام به العلم فكذا حده في الغائب، وشرط صدق العلم على الحاضر ثبوته به، فكذا في الغائب، وهكذا بقيَّة الصفات.
قال صاحب المعالم رحمه الله: «وهذا فاسد، لأنَّ قياس الغائب على الشاهد بل القياس مطلقًا لا بدَّ فيه من إثبات علَّة مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، وهذا الإثبات بطريق اليقين مشكل جدًّا، لجواز أنَّ كون خصوصيَّة الأصل الذي هو المقيس عليه شرطا لوجود الحكم فيه أو كان خصوصيَّة الفرع وهو المقيس مانعة من وجوده فيه، وعلى التقديرين لا تثبت بينهما علَّة مشتركة فلا يصحُّ القياس». انتهى
وقال قبل هذا: «وما ذهب إليه الأشاعرة من كثرة الاعتبارات وجعل تلك المعاني قائمة بالذات المقدَّسة دعوى لم يقم عليها برهان، وإنَّما انعكاس أشعَّة أبصارهم من ذواتهم إلى الذات العليَّة، فأثبتوا لها ما لذواتهم من حلول المعاني بها، وقولهم إنَّها قائمة بها لإحالة لا يغني من الحقّ شيئًا، فإنَّ القائمة حالة، والحالة قائمة والتفرقة تحكم». انتهى (1/437)
صفحة 438
قال المصنِّف: «ووجوب كونها هو إذ ليس المراد بها ألفاظها بل الذات التي دلَّت عليها، فهو عالم بذاته، وبصير بذاته، سميع بذاته، مريد بذاته، قادر بذاته، حيّ بذاته، لا شيء غيرها زائد عليها قائم بها، وأنَّها أمور اعتباريَّة لا وجود لها في ذاتها ولا في ذاته تعالى، يقصد بوصفه بها نفي أضدادها عنه تعالى، يقصد بوصفه بالحياة نفي الموت عنه، وبالعلم نفي الجهل عنه، وبالقدرة نفي العجز عنه، وبالإرادة نفي الإكراه عنه، وبالسمع نفي الصمم عنه، وبالبصر نفي العمى عنه، ووجوب كون ما سواه مخلوقا له تعالى، وجميع أفعاله منه، والقرآن منها لا علمه به، فإنَّه قديم». انتهى
عبارة الشيخ الكندي رحمة الله تعالى: «ووجوب معطوف على ما عطف عليه، استحالة أو على استحالة، كونها أي صفاته تعالى هو لا غيره قائمة به زائدة عليه، إذ ليس المراد بها أي الصفات ألفاظها الدالَّة عليها كلفظ عليم، ولفظ قدير، ولفظ خبير، وهكذا. بل المراد بذلك الذات التي دلَّت عليها أي مدلولاتها، كالعلم والقدرة والإرادة ونحوها، التي هي ذاته تعالى، ونعني بقولنا: هي عين ذاته، أنَّ ذاته تعالى يترتَّب عليها ما يترتَّب على ذات وصفة، وليس مرادنا أنَّ هناك ذاتا وصفة وهما متِّحدان حقيقة كما توهَّم الخصم».
قال صاحب المعالم رحمه الله: «فالذات والصفات شيء واحد، والحقيقة وإن تغايرا بحسب المفهوم». انتهى (1/438)
صفحة 439
فهو تعالى عالم بذاته لا بعلم زائد على ذاته كما يقول الخصم، فذاته تعالى كافية في انكشاف جميع المعلومات لها انكشافاً تامًّا، بصير بذاته لا بصفة زائد عليه تسمَّى بصرا، بل ذاته تعالى كافية في انكشاف جميع المبصرات لها انكشافًا تامًّا، من غير احتياج إلى الغير خلافا للخصم؛ سميع بذاته لا بصفة زائدة على ذاته تعالى تسمَّى سمعا، أي ذاته تعالى كافية في انكشاف جميع المسموعات لها انكشافا تامًّا من غير احتياج إلى الغير خلافا للخصم؛ مريد بذاته لا بصفة زائدة قائمة بها تسمَّى إرادة بل ذاته تعالى كافية في تخصيص جميع المرادات من غير احتياج إلى صفة زائدة على ذاته تسمَّى إرادة كما يقول الخصم؛ قادر بذاته لا بصفة زائدة على ذاته تسمَّى قدرة بل ذاته تعالى كافية في التأثير في المقدورات تأثيرًا تاما من غير احتياج إلى قدرة زائدة على ذاته تعالى كما تقوَّل لخصم؛ حي بذاته لا بصفة زائدة على ذاته قائمة بها تسمَّى حياة أي ذاته تعالى كافية في استلزامها العلم من غير احتياج إلى حياة زائدة على ذاته كما يقول الخصم؛ لا بشيء غيرها أي غير الذات؛ زائد عليها أي على الذات؛ قائم بها كقيام صفاتنا بنا تعالى الله عن ذلك، وإنَّها أي صفاته تعالى الذاتية أمور اعتباريَّة أريد بها نفي أضدادها عنه تعالى.
قال صاحب المعالم رحمه الله: «ولا نعني بالصفات إِلاَّ سلب اتصافه بأضدادها، لا أمرًا زائدًا عليه، وعلى نفس التعلقات والإضافات فاعتبار إضافة انكشاف حقائق الأشياء إلى ذاته تعالى وتعلُّقها بها تسمَّى تلك الإضافة وذلك التعلق الخاص علما بذلك الاعتبار، وباعتبار تأثير الذات العلية بالقصد والاختيار بإيجاد الأشياء من العدم وجعلها متَّصفة بالوجود تسمَّى قدرة، وباعتبار تخصيصها بالإيجاد بدل العدم المساوي لوجودها تسمَّى إرادة. وكذا الباقي». انتهى (1/439)
صفحة 440
هذا معنى قول المصنِّف: أمور اعتباريَّة لا وجود لها، أي لتلك الصفات، في ذاتها أي الصفات، أي ليست صفاته تعالى أمورا قائمة بذاتها لا وجود لها في ذاته سبحانه وتعالى، أي ليست صفاته تعالى أموراً قائمة بذاته كقيام صفاتنا بنا، بيانه أنَّ صفاته ليست هي عين ذواتنا، فعلمه تعالى مثلا بالشيء انكشافه له من غير واسطة، علم زائد على الذات العليَّة، وعلمنا غير ذواتنا، فصفاته تعالى أمور يقصد بوصفه بها نفي أضدادها عنه، جمع ضدّ أي الأمور المضادَّة لها، وهي الأمور المستحيلة عليه، فيقصد بالبناء للمفعول بوصفه تعالى متعلِّق يقصد بالحياة متعلِّق بوصف نفي (بالرفع) نائب فاعل بيقصد أي نفي ضدها وهو الموت عنه، فتعلق بنفي أي حياته تعالى سلب الموت لا أمر زائد على ذاته قائم به يقتضي الحس والحركة يتسمى حياة، ويقصد بالعلم معطوف على ما قبله نفي ضدّه هو الجهل عنه تعالى فالجار متعلِّق بنفي أيضًا، وكذا فيما يأتي، ويقصد بالقدرة في حقه تعالى نفي ضدها وهو العجز عنه، ويقصد بالإرادة في حقه تعالى نفي ضدَّها وهو الإكراه عنه، ويقصد بالسمع في حقه تعالى نفي ضدَّه وهو الصمم عنه، ويقصد بالبصر في حقه تعالى نفي ضدّه وهو العمى عنه، فصفاته الذاتية تعالى أمور اعتبارية أريد بها نفي أضدادها عنه تعالى، فبطل ما ألزمنا إيَّاه الخصم من لزوم أن يكون العلم هو القدرة والإرادة والسمع والبصر وهكذا، فمفهوماتها متغايرة، فمفهوم العلم غير مفهوم القدرة، ومفهوم القدرة غير مفهوم الإرادة وهكذا، وهذا الاعتبار كاف في التغاير بين الصفات فافهم. انتهى
تنبيه (1/440)
صفحة 441
اعلم أنَّ علمه تبارك وتعالى من جميع معلوماته علم واحد لا يتعدَّد بتعدّد المعلومات أي فنسبة المعلومات له نسبة واحدة، بيانه: أنَّ علمه تعالى يزيد بزيد وعمرو وبكر، وبما يكون اليوم وما يكون في غد وهكذا، علم واحد لانكشاف جميعها له انكشافا واحدا، ووجوب (بالرفع) معطوف على ما عطف عليه الأوَّل، أو على وجوب قبله أي ومن الواجب له تعالى وجوب معرفة كون ما سواه مخولقا، فما نكرة موصوفة اسم لمصدر، والضمير في سواه عائد إلى الله أي كون ما سوى الله، ويحتمل أن تكون «ما»: موصولة وحذف صدر الصلة، لطولها أي الذي هو سواه، ومخلوقا (بالنصب) خبر لكون، وله متعلِّق بمخلوقا أي لله تبارك وتعالى، فالله سبحانه وتعالى خالق كلِّ شيء، {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} (1) ، فالله تعالى هو الخالق لجميع الأشياء وما سواه مخلوق، وجميع أفعاله فالضمير فيه عائد إلى ما من قوله "كون ما سواه" أي فجميع ما سوى الله تعالى فهو خلق الله، وأفعاله سواه فهي خلق له فثبت أنَّ صفاته الفعليَّة لأنَّها جائزة الوجود لا واجبة ونعني بقولنا: جائزة الوجود، أنَّه يصحُّ أنْ يفعلها فيوصف بها، وأن لا يفعلها فلا يوصف بها، كإرسال الرسل وإنزال الكتب وإماتة الأحياء وإحياء الأموات ونحو ذلك، وما جاز وجوده وعدمه فهو حادث لا محالة، لأَنَّ ما ثبت استحال عدمه وهذا مذهب أيمَّة المشرق من أصحابنا عفا الله عنهم ورحمهم، وذهب أيمَّة المغرب من أصحابنا - رضي الله عنه - م إلى أنَّ صفاته الفعليَّة قديمة، قالوا: «لم يزل خالقا على معنى سيخلق، ولم يزل رازقا على معنى سيرزق، وهكذا» وبهذا الاعتبار أيضًا مع التحقيق يرجع إلى القول بالحدوث كما بينه الشيخ عبد العزيز رحمه الله في شرح النونيَّة راجعه إن شئت، والقرآن منها فالضمير عائد إلى الأفعال أي والقرآن من أفعاله فهو مخلوق.انتهى
فائدة
__________
(1) - ... سورة فاطر:3. (1/441)
صفحة 442
قال سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - في تشخيص الكتب المنزَّلة ما نصُّه:
«وبالذي أنزله الرحمن
وهو كلام دلَّ بالنظم ... الأتمِّ ... على معان فيه إرشاد الأمم
والكل مخلوق لإمكان ... العدم ... ولانفراده تعالى بالقدم
قال رحمه الله وأغاثنا به في تفسير الأبيات: «واعلم أنَّ هذا وما بعده تشخيص للكلام المنزَّل، لا تعريف له، لأنَّ الكتب من الشخصيات، والشخص لا يعرَّف أي لا يمكن تعريفه كزيد مثلاً، فإنَّك متى قلت إنَّه رجلا طويل عريض كان تشخيصا له لا تعريفا، فلا يكمل تميزه إِلاَّ بالإشارة إليه، وكذا الكتب لا يكمل تميزها إِلاَّ بالإشارة إليها وتلا وتها من أوَّلها إلى آخرها، ولدى كان هذا الكلام جامعا غير مانع، فإنَّه شامل لكلِّ كلام بليغ فيه معان يهتدى بها إلى طريق النجاة» إلى أن قال: «وخالفت الحنابلة في هذا كلِّه وقالوا إنَّ كلامه تعالى حروف وأصوات قائمات بذاته عزَّ وجلَّ قديمة معه، وبالغوا في ذلك حتَّى قال بعضهم: «إنَّ الجلد واللفافة قديمان»، انتهى
قلت: فلينظر إلى قولهم هذا أهو محمول على ظاهره لأنَّ تصوّر معناه الظاهر تنكره أذهان الأطفال فضلا عن غيرهم، أيقول ذو عقل بقدم ما كوِّن من نطفة، {إن عندكم من سلطان بهذا}، {سبحانك هذا بهتان عظيم}، فلا شكَّ أنَّ القول به شرك.انتهى
قال سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - : «وهؤلاء المشركون وقد حكى السيِّد عنهم في حواشي الكشاف أنَّهم أجازوا تعدد القدماء وهذا من ذلك الباب».انتهى
وقول المصنِّف: «لا علم به فإنَّه قديم». (1/442)
صفحة 443
أقول إنَّ الضمير في قوله: ««وعلمه»، عائد إلى الله، وفي «به» إلى القرآن متعلِّق بعلمه، أي لا علم الله بالقرآن، فإنَّه أي علمه بالقرآن، قديم أي فعله تعالى بما تضمنته تلك الحروف المرسومة المتلوَّة قديم، أي حقيقة معانيه منكشفة له تعالى انكشافا تامًّا كسائر المعلومات له تعالى، فافهم الفرق بين القرآن نفسه والعلم به، فإنَّه مهمٌّ جدَّا».انتهى الشيخ الكندي رحمه الله تعالى.
قال المصنف: «والشرعي قسمان: اعتقادي وعلمي، فالاعتقادي قسمان: ما أدرك وجوده وثبوته وعدمه واستحالته بالشرع من الجائز في العقل».انتهى
أقول: إنَّ الواو في«والشرعي»: عاطفة على قوله: «والعقلي»: المتقدِّم في صدر الرسالة، والياء على النسبة إلى الشرع، والشرع هو ما أنزله الله تعالى من الأحكام على سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، ويسمَّى أيضًا دينا وملَّة، فاختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات، وشرع النبيء - صلى الله عليه وسلم - ناسخ للشرائع التي تقدَّمته إِلاَّ ما لا يصحّ نسخه كالتوحيد ومكارم الأخلاق. (1/443)
صفحة 444
وقوله: «قِسمان»، بكسر القاف تثنية قسمٍ وقوله: «اعتقادي»، نسبة إلى الاعتقاد وهو ما عقد القلب عليه كعقد الثوب ما صرَّ فيه، وقوله: «عملي»، كذلك نسبة إلى العمل وهو الفعل والترك على قول فيه وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، وقوله: «والاعتقادي قسمان...»إلخ، أي أنَّ القسم الأوَّل من القسمين الشرعيين هو ينقسم إلى قسمين أيضًا أحدهما: ما أدرك وجوده وثبوته أو أدرك عدمه واستحالته، أي امتناع ما قابل بقوله: «ثبوته بالشرع»، أي بسبب الشرع فـ-الباء- في «بالشرع»: سببيَّة ويجوز أن تكون بمعنى في، وقوله من الجائز في العقل ما وجّه ذكر هذا القيد هنا لأنَّ ظاهره إن لم يكن من الجائز في العقل فهو لا يكون اعتقاديًّا سمعيًّا، وعليه فيكون اعتقاد جواز ذبح الحيوانات وأكلها غير داخل في وجوب اعتقاد حلّه، لأنَّ العقل لا مجال له فيما عندي في تجويز تذكيته وأكله وإنَّما هو شيء أجازه الشرع فقط، فالاعتقاد بحلِّه واجب والعقل لا يجوِّز ذلك فليحرر المقام.
قال المصنِّف: «فالأول جملة الملائكة والمسملون منهم وجملة الأنبياء والرسل والمسمون منهم وجملة الجنِّ وجملة الإ نس والمسمون منهم، وجملة الكتب والمسميات منها، والموت والبعث والحساب والعقاب والثواب والجنَّة والنار».انتهى. (1/444)
صفحة 445
الألف واللام في قوله: «فالأوَّل للعهد والمعهود» هو قوله: «ما أدرك وجوده» وفي كتاب شيخنا سيف بن ناصر الخروصي رحمه الله تعالى: «وممَّا جاء به ويجب اعتقاده وجود الملائكة، وأنَّهُم غير الجنِّ والإنس كالحفظة وهم {عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} (1) ، إلى أن قال: «ويجب» أي على المكلَّف اعتقاده بعد قيام الحجَّة عليه، وجود الملائكة جمع «ملائك» (بهمزة بعد اللام) حذفت أي الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال، ولذلك تراها في ملائكةٍ مقلوب مآلك بتقديم الهمزة على اللام، واشتقاقه من الألوكة أي الرسالة، وقيل: زيدت الهمزة في الجمع على غير قياس، وعن بعضهم الملائكة جمع ملائك والتاء لتأنيث الجمع وهو مقلوب مائك من الألوكة وهي الرسالة لأنَّهم الواسطة بين الله وبين الناس، إلى أن قال: «واختلف في حقيقتهم بعد الاتفاق على أنَّهم ذوات موجودة قائمة بأنفسها، والصحيح أنَّها أجساد لطيفة قادرة على التشكُّل، وقال الحكماء إنَّها جواهر مجرَّدة مخالفة للنفوس الناطقة إلى أن قال: أمَّا وجوب الإيمان بهم فمن قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربِّه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله...}الآية (2) ، {ومن يكفر بالله وملائكته...}الآية (3) .
__________
(1) - ... سورة الأنبياء:26
(2) - ... سورة البقرة:285.
(3) - ... سورة النساء:136. (1/445)
صفحة 446
إلى أن قال: «وذلك الجنس الذين هم الملائكة كالحفظة واختلف فيهم فهل هما اثنان أو أربعة، اثنان بالليل، واثنان بالنهار»، وغير ذلك حتَّى روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ المسلم عليه من الحفظة مائة وتسعون يدفعون عنه ما لم يقدَّر له؛ {عباد مكرمون} أي مرضيون محمود فعالهم عند ربِّهم، مقرَّبون، {لا يسبقونه بالقول} لا يقولون شيئًا حتَّى يقول لهم هو كما هو ديدن العبد عند سيِّده، {وهم بأمره يعملون} أي لا يعملون قطّ ما لم يأمرهم به، وفيه دليل على أنَّهم مأمورون منهيون مطيعون باختيارهم وعلومهم إلهامية، ويسوغ لهم الاجتهاد واجتهادهم كله صواب، كذا قال صاحب العدل رحمه الله تعالى.
{يسبِّحون الليل والنهار لا يفترون} (1) ، واتفق أيمتنا أنَّهم معصومون، {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} (2) ، وما يحكى عن هاروت وماروت فمن خرافات اليهود والقصَّاص الجهلة قال تعالى: {لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون...}الآية (3) ، {فالذين عند ربك يسبِّحون له بالليل والنهار...}الآية (4) ، وإبليس لعنه الله كان من الجنِّ واستثني منهم في قصَّة آدم لكونه واحدا بين ظهرانيهم فغلبوا عليه ولكونه كان مثلهم في العبادة»، إلى أن قال: «وإنَّ الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يبولون ولايتغوطون ولا يوصفون بلحم ولا بدم ومن وصفهم بشيء من ذلك فقد أخطأ في صفتهم، والخطأ فيها شرك، ومراده بالشرك هنا الشرك الجزئي الذي هو خطأ في العقائد، ولا يترتَّب عليه ما يترتب على الشرك الحقيقي».انتهى.
__________
(1) - ... سورة الأنبياء:20.
(2) - ... سورة التحريم:6.
(3) - ... سورة الأنبياء:19.
(4) - ... سورة فصلت:38. (1/446)
صفحة 447
وفي المشارق: «ولا يجوز وصفهم بأنَّهم إناث، ومن وصفهم بذلك فهو مشرك لقوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا} (1) ، ولا يجوز وصفهم أيضًا بأنَّهم رجال، قال الباجوري: «ومن وصفهم بذلك فقد نافق»؛ وجوز ذلك بعض أصحابنا وتأوَّلوا عليه قوله تعالى: {وعلى الأعراف رجال} (2) ، على القول بأنَّهم ملائكة، ولا دليل على نفاق من قال بذلك، اللهمَّ إِلاَّ أن يريد القائل بأنَّهم رجال وصفهم بالصفات اللازمة للرجال من وجود الذكورية ولوازمها، والمجوِّز ذلك من أصحابنا لم يرد إِلاَّ إطلاق اسم الرجال عليهم لا مدلول الاسم فافهم ولا يجوز الشك في: هل هم إناث أو هل هم صبيان أو مجانين؟ قال عبد العزيز رحمه الله تعالى: «ومن شكَّ في ذلك فهو مشرك، قال ومن شك في أنَّه هل فيهم الإناث والصبيان والمجانين فهو موحِّد وهذا إذا لم تقم عليه الحجَّة القاطعة، بأنَّهم ليسوا كذلك» انتهى.
__________
(1) - ... سورة الزخرف: 19.
(2) - ... سورة الأعراف:46. (1/447)
صفحة 448
قال القطب - رضي الله عنه - : «ويوصفون بالأجنحة والرأس والفم واللسان والأذن وشحمته والعين والعاتق والعنق واليد والرجل والركبة والساق ونحو ذلك، لا بالفرج، وأما حديث نضح جبريل فرجه بعد الوضوء «يريني كيف أفعل» فإنَّما هو تمثيل بالصبِّ إلى ما تحت السرة أو إلى ما فوق الركبة تعليما له فيما روى قومنا من النضيح؛ وبالخوف والرجاء والحج والصلاة والذكر والاستغفار والصوم بالتزام أمر شاق على الجسد منقض له في الجملة، ولو كانوا لا يلحقهم تعب مثل القيام على رِجل واحدة، وتتابع التسبيح تتابعا شديدا، فإنهم مخلوقون، والمخلوق من حيث هو مخلوق هو لا بدَّ أن تكون أحواله بعضها أشدُّ من بعض على الذات ومضعف لها ومنقص، ولو كان لا يتألم لها كالجبل تناله الشدَّة بكسر ولا يتألم لها، مثل ما روي أنَّ ملكا انكسرت له ريشة لتعجيل الله له في عمل، وجاء أنَّ الملك يشقّ عليه تأخير ركعتي المغرب بمعنى أنَّه يكره ذلك ولا يعدُّ في ذلك التأخير بالأذكار المأمور بها عقب فرض المغرب، مثل قولك: أستجير بالله من النار سبعا، ومثل الاستغفار سبعين مرَّة، ومثل قراءة آية الكرسي وآمن الرسول وشهد الله، ويمكن أن يكون صومهم هو التسبيح بقلوبهم وتركهم التسبيح باللسان، فيكون أشدَّ في الجملة، وذلك أنَّه جاء الأثر أنَّ التسبيح لهم كالغذاء هذا تحرير المقام» قال: «وزعم بعضهم أنَّهم يأكلون من شجرة الخلد فصومهم ترك الأكل منها، وهم أنوار والنور جسم أو أجسام متنورة، وتجب ولايتهم وتخصيص جبريل بها، وبمعرفته بهذا الاسم بإحدى لغاته من هذه المادَّة كاسم الله ومحمَّد والقرآن والجنَّة والنار وآدم وولايتهم حبهم على الطاعة، وطلب الرحمة لهم، وهي: رضى الله، لا بالاستغفار، لأنَّه لا ذنب لهم مطيعون باختيارهم، طبعوا طبع من لا يعصي، وطبعوا طبع من يطيع، وكفر نفاقا من قال: «طبعوا على الطاعة وتركِ المعصية»، ومن وصفها روت، وما روت بمعصية، مع بقائهما على وصف (1/448)
صفحة 449
الملائكة، وأمَّا إخراجهما إلى طبع الإنسان فلا نفاق على واصفهما بالمعصية، وأشرك من وصف بهما غيرهما من الملائكة» إلى أن قال: «وبنو آدم المسلمون أفضل منهم لأنَّهم خدم لهم، ولأنَّ المؤمنين يحصلون العبادة مع وجود الموانع كالشياطين والنفس كما قال أبو خزر (1) ،
__________
(1) - ... هو أبوخزر يغلا بن زلتاف الوسياني (ت: 380هـ/990م): من كبار علماء الإباضية، قاد ثورة ضدَّ جور العبيديين؛ وهو مِمَّن جازت عليه سلسلة نسب الدين، من مؤلفاته: الردّ على جميع المخالِفين، حقَّقه الدكتور عمرو خليفة النامي.
... ... وانظر- أبو خزر: الردّ على جميع المخالفين (مرقون)، تقديم الدكتور النامي. أبو زكرياء: سير الأيمة، ج1/ص176-194. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية (النسخة التجريبية)، ج5/ص733، ترجمة 1101. (1/449)
صفحة 450
وأبو يعقوب يوسف وهو صحيح بل قيل:«المسلم الواحد أفضل منهم جميعا»، وهو أصح بورود الحديث به وقيل: «الملائكة أفضل» لقوله:{لا يعصون الله ما أمرهم}، ويبحث أنَّ توبة المؤمن من المعصية أفضل من عدم معصيتهم من حيث وجود الموانع ولقوله: {ما هذا بشرا إنْ هذا إِلاَّ ملك كريم} (1) ، ويبحث فيه بأنَّه كلام محكيٌّ عن نسوة غير متفقِّهة، وبأنَّه في البهاء والجمال ولقوله: {عباد مكرمون}، ويبحث فيه بأنَّ فيه إثبات الإكرام لهم لا تفضيلهم في الإكرام، وفي المواهب إنَّ تفضيل الملائكة مذهب المكتزلة والفلاسفة وبعض الأشعرية والباقلاني، وقيل: «رسل البشر أفضل من رسل الملائكة ورسلهم أفضل من عامَّة البشر وعامتهم أفضل من عامَّة الملائكة»، وزعم السعد أنَّ رسل الملائكة مجمع على تفضيلهم على عامَّة البشر بالضرورة، وليس كذلك بل فيه خلاف وقيل: خواص بني آدم أفضل من خواص الملائكة، وخواصهم أفضل من سائر المؤمنين، حتَّى قال، وفي المواهب: «خواص الملائكة جبريل ومكائيل وعزرائيل وحملة العرش والمقربون والروحانيون والكروبيون»، والصحيح أنَّ الخلاف في غير نبيئنا - صلى الله عليه وسلم - فإنَّهم أفضل المخلوقات، وقال جار الله: «جبريل أفضل منه»، وهو خطأ، وليس كذلك جهلاً بمذهبه كما قيل: لأنَّ مذهبه: تفضيل الملائكة على المؤمنين مطلقًا فيما قال بعضهم».انتهى المراد منه.
قال في المشارق: «واختلف في مبدإ خلقهم فقيل: «خلقوا دفعة واحدة ويموتون كذلك بعد فناء الخلق»، وقيل: «خلقوا متفاوتين»، وهو الصحيح للأحاديث الدالة على ذلك، والأولى: التوقف في فنائهم هل هو دفعة أم لا؟» انتهى
وقول المصنِّف: «والمسمون منهم»، أي من الملائكة وذلك كجبريل ومكائيل وإسرافيل وعزرائيل ومالك، فهؤلاء قد ذكرهم الله سبحانه وتعالى في كتابه بأسمائهم.
__________
(1) - ... سورة يوسف:31. (1/450)
صفحة 451
وقوله: «جملة الأنبياء والرسل والمسمون منهم» فالنبيء هو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بالتبليغ، وهو معطوف على جملة قبل، والمعنى إِنَّمَا أدرك وجوده وثبوته جملة الأنبياء والرسل معطوف على الأنبياء عليهم السلام، إلى خاتمهم سيِّدنا محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تقدَّم أنَّ جملتهم مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا وقيل: «مائتا ألف وأربعة وعشرين ألفا»، والقول الأوَّل هو الأشهر،والله أعلم.
والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وقيل: «وأربعة عشر»، وقيل: «وخمسة عشر»، والأوَّل: أشهر وقد تقدَّم ذلك، والله أعلم، فالنبيء أعمّ من الرسول لأنَّ كلَّ من أوحي إليه بشرع فهو نبيء فإن أمر بتبليغه فهو الرسول، وعليه فكلُّ رسول نبيء ولا كلُّ نبيء رسول.
عبارة القطب - رضي الله عنه - : «يجب الإيمان بالأنبياء والرسل والعلم بأنَّهم كلّهم آدميون، والنبيء أوحي إليه أمر بالتبليغ أم لم يؤمر، والرسول أمر به، فبينهما عموم وخصوص مطلقًا وقيل: «كل نبيء رسول وبالعكس» لقوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيء} (1) ، فأطلق الإرسال على النبيء تنزيلاً بتغاير الصفات منزلة لتغير الذات، كأنَّه قيل: من اتَّصف بالرسالة والنبوَّة، ولا يتصوَّر نبيء بلا أمر للناس ونهي لهم، وأجيب بأنَّ الأصل ولا نبأنا نبيًّا على حدّ علفتها تبنا وماء، وبأنَّ إرسال الجعل وإعلام الناس بالنبوَّة والرسالة وقيل: «لا رسول إِلاَّ من كان له كتاب ناسخ» وهو ضعيف لقلَّة الكتب وكثرة الرسل بنصِّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، ومن شأن النبيء الإرشاد للخير والأمر والنهي، ولا يكون إِلاَّ سالما من منفر نسبي أو بدني، وأمَّا بلاء أيُّوب وعمى يعقوب فبعد التبليغ والإعجاز.
__________
(1) - ... سورة الحج:52. (1/451)
صفحة 452
ولا يكون عند الجمهور امرأة خلافا لمن قال بنبوة حوَّاء وسارة وهاجر وآسية وأم موسى ومريم؛ ولا عبدا أو أمَة خلافا لمن قال بنبوَّة هاجر ولقمان، والصحيح أنَّه وذو القرنين، وصاحب أخدود من الأخاديد الثلاثة حفر أحدهنَّ من أجل انتشار الإيمان بعيسى بسببه الإحراق من آمن به، أولياء لا أنبياء، واختلف في الخضر وقد ذكر الشيخ لقمانَ وترحَّم عليه بالرضى، هو من شعار الأولياء، فإنَّ شعار الأنبياء الصلاة والسلام ولا عموديًّا راحلاً خلافاً لمن قال ذلك في يعقوب وبنيه لقوله عزَّ وجلَّ: {وجاء بكم من البدو} (1) .
قلت: يبحث بأنَّهم حضريُّون كانوا في البدو، وقد جاؤوا وكانوا بداة أهل ماشية لكن ليسوا عموديين راحلين، وقيل: البدو اسم مدينة وهو باطل كما قال أبو يعقوب يوسف، وأولاد إسرائيل من صلبه أنبياء، والصحيح أنَّهم أولياء تابوا من ذنبهم لا أنبياء لأنَّ الأنبياء لا يعصون، وهم عصوا إِلاَّ يوسف فنبيء مرسل لم يعص، وأول نبيء من ذرية هؤلاء الأولاد موسى كما ظهر لي توجيه كلام الشيخ، وآخرهم عيسى، وكان بعده نبي إسرائيلي غير مشهور، ونبيان من العرب غير مشهورين خالد بن سنان العبسي وحنظلة بن صفوان، والثلاثة على دين عيسى قبل سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، ونبينا وشعيب وصالح وهود من العرب، وآدم وشيت وخانوخ وهو إدريس أوَّل من كتب، ونوح سريانيّون.
والنبوَّة والرسالة اضطراريتان نظرًا إلى الإيحاء والإرسال والكون عند الله نبيًّا، والرسالة اكتسابية اعتبارًا لجانب التبليغ، لأنَّ الرسالة قد تطلق عليهما وكلتاهما اكتسابيَّة اعتبارًا لجانب التبليغ في الرسالة، وجانب القبول والتأثر في جانب النبوَّة، أو لجانب تهذيب النفس فيهما، حتَّى كان أهلاً وهو الصحيح.
__________
(1) - ... سورة يوسف:100. (1/452)
صفحة 453
أقول ونبينا مرسل إلى من قبله ومن معه ومن بعده، وآدم ونوح وإبراهيم وموسى وهارون وداوود وسليمان وعيسى مرسلون إلى من معهم في عصرهم ومن بعدهم، وهم أهل كافة ولا إشكال بلوط في جنب إبراهيم فإنَّ إبراهيم مرسل إلى لوط أيضًا، ومن أرسل إليه لوط وغيرهم وأرسل غير هؤلاء إلى مخصوصين يجوز لمن بلغتهم دعوتهم من غير المخصوصين أن يجيبهم، وأن يجيب غيرهم من الأنبياء في عصر واحد إن اختلفت شريعتهما، هذا مراد الشيخ رحمه الله، والله أعلم، وذلك لقوله يسوغ، فإنَّ من لم يكن على دين نبيء متقدِّم أو كان عليه وبلغته دعوة متأخر يجب عليه اتِّباع المتأخر، ولا يسوغ له الاتِّباع سوغا فقط، إِلاَّ أن يتكلف بحمل السوغ على الوجوب كما قد يفعل ذلك بلفظ ينبغي.
وروى عن عيسى u أنَّه قال: «إِنَّمَا بعثت إلى الغنم الرابضة بني إسرائيل دون غيرهم»، ولا يسوغ الإقامة على الشرك». انتهى ببعض التصرُّف.
والمسمون: جمع مسمًّى اسم مفعول أي من سمَّى الله منهم في كتابه العزيز، وهم الخمسة والعشرون الذين هم ذكرهم الله في القرآن وهم: محمَّد وآدم ونوح وإدريس وهود وصالح واليسع وذو الكفل وإلياس ويونس وأيوب وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوط وداوود وسليمان وشعيب وموسى وهارون وزكرياء ويحيى وعيسى صَلَّى اللهُ عَلَيهِم وَسَلَّمَ أجمعين، وزقنا الله جوارهم في الجنَّة، بحقِّ محمَّد - صلى الله عليه وسلم - آمين، ونجانا الله به في دار الدنيا والآخرة؛ وجملة الجنِّ وجملة الإنس والمسمون منهم. (1/453)
صفحة 454
وفي كتاب شيخنا سيف بن ناصر قال: «والملائكة غير الجن الذين من ولد الجان الذي قال فيه تعالى: {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} (1) ، مأخوذ من الاجتنان أي الاستتار، وحدُّ الجن بأنَّه حيوان هوائي، يتشكل بأشكال مختلفة، وأنَّها تقدر أن تلج أجواف الحيوانات وتنفذ في منافذها لضيقة نفوذ الهواء المستنشق، وأنكر وجودهم بعض الأطبَّاء وبعض اليهود ولا يعبأ بهم لوجود ذكرهم في الكتب السماويَّة، وأنَّهُم يأكلون بدليل سؤالهم الزاد ليلة الجنِّ، ومن ثمَّ نهينا عن الاستجمار بالرمّة والروث (2) ،
__________
(1) - ... سورة الحجر:27.
(2) - ... في سنن الترمذي، كتاب الطهارة، حديث رقم 18، قال: «حَدَّثَنَا هَنَّادٌ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ»، وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَلْمَانَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ قَالَ أَبُو عِيسَى وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرُهُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلَةَ الْجِنِّ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ»، وَكَأَنَّ رِوَايَةَ إِسْمَعِيلَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا».. (1/454)
صفحة 455
وليس عليهم أن يظهروا أنفسهم للناس، وليس عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بيننا وبينهم، ولا من تبليغ الشهادات وتنفيذ الحكومات، وأمَّا أحكامهم بينهم فأحكامنا بيننا كذا قال صاحب العدل رحمه الله تعالى.
وقوله: «وجملة الإنس والمسمون منهم» والإنس هم البشر واشتقاق تسميتهم بذلك قال: «من الإيناس» الذي هو ضدّ الوحشة وقيل: «من النوس» أي التحرك بحركتهم، وقيل: من النسيان وهو المروي عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - ما، الواحد منهم إنسان، وهل هو عبارة عن الروح والبدن أو عن الروح فقط لأنَّه هو المأمور المنهيّ قولان. انتهى
والضمير الذي في قوله والمسمون منهم راجع إلى قوله جملة الجن وجملة الإنس لكن ليس في القرآن من ذكر من الجن باسمه، وأمَّا الإنس فقد ذكر كثيرٌ منهم، وقد مرَّ الكلام في المذكور منهم.انتهى
قاله المصنِّف: «وجملة الكتب والمسميات منها والموت والبعث والحساب والعقاب والثواب والجنَّة والنار» انتهى
فجملة الكتب عطف على ما مرّ، وهو مائة كتاب وأربعة كتب، خمسون منها على شيث - عليه السلام - ، وثلاثون على إدريس - عليه السلام - ، وعشرة على إبراهيم - عليه السلام - وهي صحفة، وعشرة على موسى - عليه السلام - وهي صحفه قبل التوراة ثمَّ التوراة عليه أيضًا، والإنجيل على عيسى - عليه السلام - ، والزبور على داود - عليه السلام - ، والقرآن على نبينا خاتم الأنبياء سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - . انتهى (1/455)
صفحة 456
قال القطب - رضي الله عنه - : «يجب الإيمان بكتب الله عموما وبالقرآن خصوصا، وهي مائة وأربعة: خمسون على شيث، وثلاثون على إدريس، وعشرة على إبراهيم مواعظ وأمثال، وعشرة على موسى عبر، ثمَّ التوراة عليه، والزبور على داود وهو مواعظ، والإنجيل على عيسى، والفرقان على سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وهو ناسخ لتلاوتها وكتابتها وبعض أحكامها، ولم يبدَّل هو والزبور، وبدِّل غالب التوراة والإنجيل، وأفظلها الفرقان فالتوراة فالإنجيل فالزبور. ونزّلت صحف إبراهيم لثلاث مضين من رمضان أو في أوَّل ليلة - قلت: والتوراة لستّ، والإنجيل لثلاث عشرة أو لاثنتي عشرة، والزبور لثمان عشرة إلى أنبيائها دفعة - والفرقان في الرابعة والعشرين ليلة قدر إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ، درَّة بيضاء عرضها كطولها مسيرة خمسمائة أو جبهة ملك».
///
ونزل بعد ذلك في ذلك الشهر وما بعده بحسب المصالح، وتمَّ في عشرٍ بمكَّة وعشرٍ بطيبة؛ أو في ثلاثة عشر بها وعشر بطيبة؛ والكتابة في اللوح بالقلم بأمر الله لا بناسخ أو ما فيه من الكتب عن ملَك الإلهام. قلت: ووجه كون الملائكة سفَرة بين الله وخَلقه كتبة أنَّهم يكتبون من اللوح المحفوظ الوحيَ أو يجمعونه؛ أو أنَّهم رسل. وسَافِرٌ بمعنى: رسول، يُجمع على سَفَرة كما على سفراء. وكل آية معجزة للفصحاء والعلماء، أو كلُّ ثلاث أو مجموعُه وهو باطل، أقوال.
والإعجاز بالايجاز والبلاغة والبيان والفصاحة، وبعدم كلام قارئه، وملل مستمعه، وخرق العادة في نظمه، وبالإخبار بالغيب، وبأخبار من مضى، وبجمعه علومًا لم يجمعها غيره من حلال وحرام ومواعظ وأمثال، وبصرف الهمَّة عن معارضته وعارضه قليل فافتضحوا. (1/456)
صفحة 457
والمعجزة الأمر الناقض للعادة الظاهر على يد المتنبِّئ زمان التكليف مقرونا بالتحدي من دعوى الرسالة على جهة الابتداء متضمِّنًا للتصديق والتحدِّي دعوى الرسالة فمن التعريف للبيان، أو طلب العارضة لشاهد الدعوة». انتهى مع حذف واختصار.
والمسمَّيات منها كالتوراة والإنجيل والزبور والصحف التي لإبراهيم وموسى عليهما السلام والقرآن العظيم، قال سبحانه وتعالى: {الذِي يَجِدُونَه مكتُوبًا عندَهُم في التوراةِ والاِنجِيل} (1) وقال: {وآتينا داوُودَ زَبُورًا} (2) وقال: {إنَّ هذا لفي الصحُف الأُولى صحف إبراهيم وموسى} (3) ، وقال: {قرآناً عربيًّا} (4) ، فهذه الكتب قد ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز.
«والموتُ» هو بالرفع عطف على ما مرَّ، وهو انقطاع شُعَاع الروح من باطِن الجسم وظاهره، وقيل: إنَّه عرَضٌ تضمحِلُّ به الحياة. انتهى.
ونذكر هاهنا أمرين:
أحدهما: في حقيقة الموت.
وهي مفارقة الروح للجسد، واختلفوا في كيفيَّة قبض الروح، فقال بعض العلماء: إنَّ مالك الموت للروح بمنزلة حجر المغناطيس في جذبه للحديد، وإنَّه إذا ظهر الملك للروح طارت إليه. وقال قوم: يخرج الله تعالى الروح فيتلقَّاها الملك. قال الشيخ إسماعيل: والصحيح أنَّ الله تعالى سبحانه هو الذي يحيي ويميت، وهو أعلم بكيفيَّة ذلك. وحاصل كلامه التوقُّف عن الجزم بأحد القولين، ويدلُّ عليه ظاهر قوله تعالى: {الله يتوفَّى الأنفسَ حينَ موتِها والتي لم تَمُت في منامها فيمسِكُ التي قَضى عليها الموتَ ويرسلُ الأخرى إلى أجلٍ مسمًّى} (5) . انتهى.
ثانيهما:في الفرق بين النوم والموت.
__________
(1) - ... سورة الأعراف: 157.
(2) - ... سورة النساء: 163.
(3) - ... سورة الأعلى: 18-19.
(4) - ... سورة يوسف: 2. وغيرها.
(5) - ... سورة الزمر: 42. (1/457)
صفحة 458
قلت: فالآية وهي التي ذكرناها أيضًا تدلُّ على أنَّ النوم والموت أخوان، فإنَّه تعالى سمَّى كلَّ واحد منهما توفِّيا، وفرَّق بينهما بإرسال نفس النائم وإمساك التي قضى عليها الموت.
إنَّ النفس الإنسانيَّة عبارة عن جوهر مشرق روحانيٍّ، إذا تعلَّق بالبدن حصل ضوؤه في جميع الأعضاء وهو الحياة، ففي وقت الموت ينقطع تعلُّقه من ظاهر هذا البدن وعن باطنه وذلك هو الموت؛ وَأَمَّا في وقت النوم فإنَّه ينقطع ضوؤه عن ظاهر البدن من بعض الوجوه، ولا ينقطع عن باطنه. فظهر أنَّ الموت والنوم من جنس واحد، إلاَّ أنَّ الموت انقطاع تامٌّ كامل، والنوم انقطاع ناقص من بعض الوجوه؛ وكشف ذلك أنَّ القادر تعالى دبَّر تعلُّق جوهر النفس بالبدن على ثلاثة وجوه:
- أحدها: أن يقع ضوء النفس على جميع أجزاء البدن ظاهرة وباطنة وذلك هو اليقظة.
- وثانيها: أن يرتفع ضوء النفس عن ظاهر البدن من بعض الوجوه دون باطنه، وذلك هو النوم. (1/458)
صفحة 459
- وثالثها: أن يرتفع ضوء النفس عن البدن بالكلِّيَّة، وذلك هو الموت. فإن قيل قوله تعالى: {الله يتوفّى الأنفس حين موتِها} (1) ، وقوله: {الذي خَلَق الموتَ والحياةَ} (2) ، وقوله: {ربِّيَ الذي يُحيِي ويُميتُ} (3) ، وقوله: {كيف تكفُرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم} (4) ، يدلّ على أنَّ المتوفِّي هو الله تعالى، وهو منافٍ لقوله: {قل يَتوفَّاكم ملَكُ الموتِ} (5) ، ولقوله: {تَوفَّته رسلنا} (6) ، فالجواب أنَّ المتوفِّي في الحقيقة هو الله تعالى، إِلاَّ أنَّه تعالى جعل في عالم الأسباب كلَّ نوع من أنواع الأعمال لملك من الملائكة، فجعل قبض الأرواح إلى ملك الموت وهو رئيس، وتحته أتباع وخدم، فأضيف التوفِّي في بعض الآيات إلى الله تعالى، لأَنَّهُ الفاعل على الحقيقة؛ وأضيف في آية أخرى إلى ملك الموت، لأَنَّهُ الرئيس في هذا العمل؛ وأضيف في آية أخرى إلى الرسل وهم سائر الملائكة، لأنَّهم أتباعٌ لملك الموت والله أعلم. انتهى.
تنبيهَات
الأوّل: في سكرات الموت
__________
(1) - ... سورة الزمر: 42.
(2) - ... سورة الملك: 2.
(3) - ... سورة البقرة: 258.
(4) - ... سورة البقرة: 28.
(5) - ... سورة السجدة: 11.
(6) - ... سورة الأنعام: 61. (1/459)
صفحة 460
اِعلم أنَّا إن شاء الله الموفّق نأتيها هنا عبارة ننقلها من كتاب الجواهر للشيخ البرَّادي رضي الله عنه قال: «إنَّ الموت لازم لجميع الأحياء، ولجميع من له روح يتنفّس، ولا بدَّ من ملاقاته، والحازم اللبيب يستعدّ له قبل موافاته؛ قال الله عزَّ وجلَّ: {كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ} (1) ، وقال تعالى: {قل يتوفَّاكم ملك الموت الذي وُكِّل بكم} (2) ، وقال سبحانه: {حتَّى إذا جاء أحدَكم الموتُ توفَّته رسلُنا وهم لا يفرِّطون} (3) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ما من بيت في الدنيا من شَعر ولا مدَر إِلاَّ وملك الموت يقف على بابه في كلِّ يوم وليلة خمس مرَّات يعرف عدد أهله ويتصفَّح وجوههم، فإذا وجد الإنسان قد نفد أكله، وانقضى أجله الفاعلية (4) غمَّ الموت، فغشيته كُرُبَاتُه، وغمَرَته غَلَواتُه، فمن أهل بيته الناشرة شعرها، والصاكَّة خدَّها، والصارخة بويلها؛ فيقول ملك الموت عليه السلام: ويلكم مِمَّ الفزع؟ وفيم الجزع؟ والله ما أذهبت لواحد منكم رزقًا، ولا قرَّبت له أجلاً، ولا أتيته حتَّى أمرت، ولا قبضت روحه حتَّى استأمرت، وإنَّ لي فيكم لعودة ثُمَّ عودة حتَّى لا أبقي منكم أحدًا، قال النبي - عليه السلام - : “والذي نفس محمَّد بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميِّتهم ولبكوا عن أنفسهم» حتَّى حُمل الميِّت على نعشه رفرف روحه فوق النعش وهو ينادي: يا أهلي ويا أولادي، لا تلعبنَّ بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال من حلِّه ومن غير حلِّه ثُمَّ ذهبت عنه وتركتُه لغيري، فالهناءة له والتباعة عليَّ، فاحذروا مثل ما حلَّ بي». قال - صلى الله عليه وسلم - : «أكثروا ذكر هادم اللذَّات، فإنَّكم إن ذكرتموه في ضيق وسعة عليكم، فرضيتم وأُجرتم، وإن ذكرتموه في غنىً بغَّضه إليكم فجدتم به، فأثِبتم.
__________
(1) - ... سورة آل عمران: 185.
(2) - ... سورة السجدة: 11.
(3) - ... سورة الأنعام: 61.
(4) - ... كذا في الأصل ولا معنى له، ولعلَّ الصواب: «ألقى عليه». (1/460)
صفحة 461
إنَّ المنايا قاطعات الآمال والليالي مُدْنِيات الآجال». وقال - صلى الله عليه وسلم - : «الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت».
وأعظم ما وعظ به المرء نفسه، وداوى به قلبه، ذكر الموت؛ وقد عظَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثواب ذكر الموت، قالت عائشة رضي الله عنها: «هل يحشر أحد مع الشهداء؟ قال: نعم، من يذكر الموت بين اليوم والليلة عشرين مرَّة». وكيف لا يعظم ذكرها وهو قاطع الآمال، وخاتم الأعمال، وهادم اللذات، وقاطع الشهوات. وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ما من ميِّت يموت إلاَّ وله خوار يسمعه كلُّ شيء إِلاَّ الإنسان فإنَّه لا يسمعه ولو سمعه لصعق». قال الله تعالى: {ولو ترى إذِ الظالمون في غَمَرات الموتِ}، وهذا إخبار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحال الظالمين عند الموت، أي ولو ترى يا محمَّد كيف يغمُرهم بغمراته، ويغشاهم بسكراته، وملائكة ربِّ العالمين باسطوا أيديهم إليهم بالعذاب المهين، يقولون لهم على جهة الوعيد و التهديد: {أخرِجوا أنفسكم}، أي خلّصوا أنفسكم من العذاب المهين، {اليوم تجزون عذاب الهون} (1) ، وذلك أنَّ الملائكة يقبضون روح الكافر، ويَعِدُونه النارَ، ويشدِّدون عليه. {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوَّل مرَّة}، أي ولقد خرجتم من الدنيا فقراء عراة لا مال معكم، {وتركتم ما خوَّلناكم وراءَ ظهورِكم} (2) ، أي وجدتموه فيها وتركتموه فيها، ولم يصحبكم منها شيء. وقال - صلى الله عليه وسلم - : «تركت فيكم واعظين ناطق وصامت، فالناطق القرآن، والصامت الموت».
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لو تعلم البهائم ما علمتم من الموت ما أكلتم منها سمينا».
__________
(1) - ... سورة الأنعام:93.
(2) - ... سورة الأنعام: 94. (1/461)
صفحة 462
وقُربُك من الله ومنزلتك عنده على قدر حبِّك الموت وذكرك له، فإذا سكن ذكر الموت قلبك واستولى عليه أنتج لك ذلك رفض الشهوات البهيميَّة. قال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا أحبَّ عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره عبدي لقائي كرهت لقاءه». انظر كيف ذمَّ الله أقوامًا كرهوا الموت، وقال: {ذلك بأنَّهم استحبُّوا الحياة الدنيا على الآخرة} (1) ؛ وقال سبحانه ذمًّا لليهود: {ولتجدنَّهم أحرص الناس على حياةٍ، ومن الذين أشركوا يودُّ أحدُهم لو يعمَّر ألف سنة} (2) . وأحسبك لا تفهم من الموت إِلاَّ امتداد الجسم وانقطاع الحركة، وهمود الأعضاء، وانقطاع النفس والغسل والكفن والدَّفن، وبكاء الأهل وتحرُّقهم، إلى غير ذلك من الأمور المشاهدة بالحسِّ، فهيهات ما أبعدك من التحصيل، وأحوجك إلى التفصيل، اِعلم أنَّ الموت الذي عظَّم الشارع ذكره واستعظم المحقِّقون العارفون شأنه وأمره على ثلاثة معان:
المعنى الأوَّل وهو أيسرها وأخفُّها: ما يكابده الميِّت عند خروج روحه من الآلام والأهوال العظام، والشدَّة ومرارة المذاق وتقلقل الروح في الصدور وخروجه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} (3) ، وبقوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقومَ وأنتم حينئذ تنظرون} (4) . وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقول حين حضرته الوفاة: «يا جبرائيل، اشفع لي إلى ربِّي ويهوِّن عليَّ» ويمدَّ يده ويقول: «إنّ للموتَ لسكرات». وقيل: «الموت أشدُّ من وقوع مائة ضربة بالسيف الكليل». وقيل: «كمن أدخل في جوف الإنسان شوك الهراس ثُمَّ أدير فيه حتَّى علقت كلُّ شوكة بعرق من عروقه ثُمَّ جبذ جبذًا قويًّا».
__________
(1) - ... سورة النحل: 107.
(2) - ... سورة البقرة: 96.
(3) - ... سورة الأنعام:93.
(4) - ... سورة الواقعة: 83. (1/462)
صفحة 463
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص حين حضرته الوفاة: «يا أبت كثيرا ما أسمعك تقول إنِّي لأعجب من رجل ينزل به الموت ومعه عقله كيف لا يصفه؟ فقال: يا بنيَّ، إنَّ الموت أعظم من أن يوصف، وسأصف لك منه شيئًا، والله لو كان الجبال رُضُّوا على كتفي، ولكان روحي يخرج من سمِّ إبرة، ولكان في جوفي الهرَّاس، ولكأنَّ السماء انطبقت على الأرض وأنا بينهما» ثُمَّ قال: «اللهمَّ إنَّك أمرتني فتركت، ونهيتني فركبتُ، ولا يسعني إلاَّ مغفرتك»، ثُمَّ قال لولده: «إذا أنا متُّ فلا تبكينَّ عليَّ باكية، ولا يُغَالى في أكفاني، وشدُّوا عليَّ الأزار فإنِّي مخاصَم، ولا تستر بدني بطوب ولا خشب ولا حجارة، فإذا أوريتني فاجلس على قبري قليلاً أستأنس بك، وأكثر من زيارة قبري واستغفار (1) لي».
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «واستغفارك لي». (1/463)
صفحة 464
المعنى الثاني: وهو أعظم من الأوَّل، وهوما أنت جار عليه من سابقتك، وصائر إليه من خاتمتك، والخاتمة تابعة للسابقة، وعِلم الله السابق نافذ فيك، وأنت ميسَّر لما خُلقتَ له، ومع الموت يأتيك الحقُّ اليقين. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ربَّ مسرور مغبون لا يشعرُ، الويل لمن له الويل وهو لا يشعر، يأكل ويشرب ويضحك وهو في الكتاب من وقود النَّار». وفي حديث عبد الله بن عمر قال: «خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومعه كتابان وهو قابض على كفَّيه، فقال:« أتدرون ما هذا الكتابان؟» قلنا: لا يا رسول الله، فقال:« أمَّا الذي في يميني: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من ربِّ العالمين بأسماء أهل الجنَّة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعددهم قبل أن يستقرُّوا في الأرحام إذ هم في الطينة مجندلون، فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم إجمالا من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة؛ والكتاب الذي في يساري: هذا كتابٌ من ربِّ العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعددهم قبل أن يستقرُّوا نطفا في الأرحام إذ هم في الطينة مجندلون، فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم إجمالاً من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة». فقال عبد الله بن عمرو: ففيم العمل إذن يارسول الله؟، فقال:« اِعملوا فكلٌّ ميسّر لما خلق له، سدِّدوا وقاربوا فإنَّ صاحب الجنَّة يختم له بعمل أهل الجنَّة، وإن عمل أيَّ عمل، وصاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ عمل». (1/464)
صفحة 465
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا وقعت النطفة في الأرحام، أوحى الله إلى ملك الأرحام يقول له: اكتب سعيدًا أو شقيًّا بعمله، واكتب أجله وأثره وعمله». ويقال: إنَّه يأخذ من التراب الذي قدَّر فيه دفنه وتربته فيخلط مع تلك النطفة. وفي حديث عليٍّ قال: كنَّا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببقيع الفرقد في جنازة فقعد وقعدنا، فنكس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل ينكث في الأرض فقال: «ما منكم من أحد ولا نفس منفوسة إِلاَّ وقد كتب مكانها في الجنَّة أو في النار فكتبت سعيدة أو شقيَّة» فقيل: يا رسول الله، أفنتَّكل على كتابنا إذن، وندع العمل، من كان من أهل السعادة فسيصير إليها، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إليها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أمَّا أهل السعادة فييسَّرون لعمل أهل السعادة، وَأَمَّا أهل الشقاوة فييسَّرون لعمل أهل الشقاوة»، ثُمَّ تلى هذه الآية: {فأما من أعطى واتَّقى وصدَّق بالحسنى فسنيَسِّره لليسرى، وَأَمَّا من بخل واستغنى وكذَّب بالحسنى فسنيسِّره للعسرى} (1) ». وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لمَّا خلق الله آدم - عليه السلام - وأخرج ذرِّيته من صلبه كالذرِّ، فأخذ مواثقهم وأمرهم بالسجود فأبت طائفة وأجابت طائفة، فمن أجاب يومئذ فهم المؤمنون وهم السعداء، ومن أبى فهم الكافرون».
فهذه الأحاديث كلُّها في ذكر السابقة، ولهذا روي عن بعض الصالحين أنَّه قال: «الناس يبكون عن النهاية وأنا أبكي البداءة»، فمعنى النهاية الخاتمة، ومعنى البداءة السابقة، والسابقة قاضية على الخاتمة، فما يؤمِّنك أن تكون مِمَّن سبق له في علم الله الشقاء، فيختم له بعمل أهل النار ويسلب الإيمان عند الموت، ولا يظهر لك ذلك إِلاَّ مع الموت. قال الله عزَّ وجلَّ: {إنَّ الذين قالوا ربُّنا اللهُ ثُمَّ استقاموا تتنزَّل عليهم الملائكة...} (2) الآية.
__________
(1) - ... سورة الليل:10.
(2) - ... سورة فصلت:30. (1/465)
صفحة 466
وقالوا: البشرى في ثلاثة مواضع بالخير والشرِّ: عند الموت، وفي القبر، وعند النشر. فإن قال قائل: فما فائدة العمل إذ السابقة سبقت، والخاتمة بالضرورة تبعت، فاعلم أنَّ هنا ثلاث مقدِّمات يجب تحصيلها بفوائدها ومعانيها، هنالك تتَّضح لك فائدة العمل مع السابقة:
أوَّلها: الربوبيَّة ومعانيها.
والثانية: العبوديَّة وفوائدها. (1/466)
صفحة 467
والثالثة: العلَّة وموجبها. فالربُّ معناه: المالك الآمر الناهي. والعبد معناه: المسوس المأمور المنهيُّ. وفائدة الربوبيَّة التصرُّف في المربوب بالأمر والنهي، والثواب والعقاب؛ وفائدة العبوديَّة الامتثال والطاعة والمعصية والترك، فالعلَّة الموجبة بسعادتك أو لشقاوتك العلم القديم الذي لا يتأتَّى في العلوم خلافه، وموجب العلَّة هو العمل، فالعلم باطن عندك، والعمل ظاهر لك، وتعبَّدك لله تعالى بالظاهر الميسَّر لك، وخوَّفك بالباطن المغيَّب عنك، فانظر هل يقدر المأمور المقهور أن يقول: علم الآمر أنِّي لا أمتثل أمره، فلا فائدة في أمري ولا نهيي، ألا ترى أنَّ في هذا تعطيل الربوبيَّة ومعانيها، والعبوديَّة وفوائدها؛ والأمر والنهي من فوائد الربوبيَّة؛ وبقي علم الله السعيد سعيدًا بطاعته وامتثالِه أمره أو بشيء آخر، وكذلك الشقيُّ علمه شقيًّا بمعصيَّته وتركِه أو بشيء آخر، أو علم السعيد سعيدًا، أو الشقيَّ شقيًّا بلا طاعة ولا معصيَّة، ومحال ذلك، وقد سبق العلم [بالطاعة] كما سبق العلم بالمطيع؛ وسبق العلم بالمعصية كما سبق العلم بالعاصي. وإن طلبت بهذا الشأن نظيرًا من العلم فأطلبه في باب الرزق المقسوم، مع الأمر بالكسب، وأمر الأجل المضروب في العمر، والأمر بالتطبُّب. واعلم أنَّ جميع طاعاتك وأعمالك موقوفة على خاتمة عملك وانقطاع أجلك، قال الله عزَّ وجلَّ: {وجاءت سكرةُ الموتِ بالحقِّ ذلك ما كنت منه تحيد} (1) ، أي: بخاتمة الأعمال. وقال - صلى الله عليه وسلم - : «صاحب الجنَّة يختم له بعمل أهل الجنَّة وإن عمل أيَّ عمل، وصاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ عملٍ».
__________
(1) - ... سورة ق:19. (1/467)
صفحة 468
ولا يختم عملك إِلاَّ مع خروج روحك، فإن ختم لك بعمل صالح فما يضرُّك ما أسلفت من المعاصي، وإن ختم لك بسوء العمل والكرَّة الخاسرة، وسُلِبت الإيمانَ عند الموت فما ينفعك ما قدَّمت من العمل الصالح، فتذكَّر هذا وتدبَّره، واعلم أنَّه أشبه شيء هو... (1) يقول الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «يتفكَّرون في الموت عشرين مرَّةً في اليوم والليلة».
ومن هذا إشفاق عباد الله المخلصين، وأخوف ما خافوا منه سلب الإيمان عند الموت، يلقى العبد ربَّه خائبًا خاسرًا، ذلك هو الخسران المبين.
وروي عن أبي هريرة أنَّه بكى عند الموت فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «ما أنا باك على دنياكم هذه، ولكن إِنَّمَا أنا أبكي لبعد سفري، وقلَّة زادي، وأنا أمسيت في صعود مهبطه على جنَّة أو نار، ولا أدري إلى أيَّتها يؤخذ بي».
وروي عن بعضهم أنَّه بكى عند الموت فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «سمعت الله يقول: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} (2) ، {وبدا لهم سيِّئات ما عملوا} (3) ، وهذا وقت يبدو لي فيه عملي، فلست أدري ما يبدو لي منه».
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة سقطًا.
(2) - ... سورة الزمر:47.
(3) - ... سورة الجاثية:33. (1/468)
صفحة 469
وروي عن جابر بن زيد لمَّا حضرته الوفاة دخل عليه ثابت البناني فقال له: أيُّ شيء تشتهي يا أبا الشعثاء؟ قال: ملاقاة الحسن البصري، والحسن إذ ذاك مستخف من الحجَّاج فجاءه ثابت فأخبره، فقال الحسن: كيف بالوصول إليه؟ فقال ثابت: اركب بغلتي واردفك من وراء سرجي وأغمرك بطيلساني، وأرجو ألا يعرض لنا، ففعلا حتَّى دخلا عليه، فقال له الحسن: يا أبا الشعثاء، قل: لا إله إِلاَّ الله، ثُمَّ سكت جابر، فقال له الحسن: يا أبا الشعثاء، قل لا إله إِلاَّ الله، ثُمَّ سكت جابر، فقالها الحسن مرارًا، فقال جابر: يا أبا سعيد أنا من أهلها في الدنيا طالما قلناها إن قبلت، ولكن نعوذ بالله من غدوٍّ ورواح إلى النار، يا أبا سعيد [أخبرني] عن آية خروج نفس المؤمن، فقال الحسن: بردٌ يجده على قلبه، ونفسٌ طامعة، فقال جابر: اللهمَّ إنِّي أجد ذلك على قلبي، ونفسي طامعة في ثوابك لكرمك، اللهمَّ فحقِّق رجاءها، وأمِّن محذورها. وما أفاض بعدها بكلام.
المعنى الثالث: من معاني الموت: وهو ما أنت صائر إليه من بعد خروج روحك وصعود الملائكة بروحك إلى السماء، ثُمَّ رجوعه بعد ذلك إلى جسدك، وهول المطاعم، وضعضعة القبر، وسؤال الملكين وعذاب القبر، قال الله عزَّ وجلَّ: {حتَّى إذا جاء أحدَكم الموتُ توفَّته رسلُنا وهم لا يفرِّطون} (1) ، فقال: إنَّ لملك الموت أعوانًا والملائكة يقبضون الأرواح بأمره، قيل هو القابض وحده ولكنَّ الملائكة يأخذون الأرواح من بيده بعد القبض ملائكة الرحمة إن كان من أهل الرحمة، وملائكة العذاب إن كان من أهل العذاب، وقيل جعلت الأرض لملك الموت - عليه السلام - كالطشت (2) ، يتناول منها حيث شاء؛ وقيل: الأرض تزوى لملك الموت، أي تضمُّ له.
__________
(1) - ... سورة الأنعام:61.
(2) - ... كذا في الأصل، لعلَّ الصواب: «كالطست». (1/469)
صفحة 470
وروى عبد الله بن عازب أنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا كان العبد في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل عليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كالشمس فيُفْقِدُون منه شدَّة البصر، فيجيء ملك الموت معهم حتَّى يقعد عند رأسه فيقول: أيَّتها النفس المطمئنَّة اخرجي إلى مغفرة الله ورضوانه، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فإذا وقعت في يده لم يدعها عنده طرفةَ عين حتَّى يأخذوها ويجعلوها في كفن من الجنَّة وخيوط من الجنَّة، فيصعدون بها إلى السماء وريحها أطيب من ريح المسك، فتتلقَّاها ملائكة آخرون من دون السماء فيقولون: ريح طيِّبة جاءت من قبل الأرض فمن هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان، كان يعمل كيت وكيت، فيذكرون محاسن عمله، فيقولون من جاء به وبكم؟ فيقبضون منهم روحه ويصعدون بها من الباب الذي يصعد منه عمله، فيشرق نوره في السماء، ثُمَّ كذلك في الثانية والثالثة إلى السابعة حتَّى ينتهي إلى العرش، وله برهان كبرهان الشمس فيعطيه الله عزَّ وجلّ حاجته، فيقول الله عزَّ وجلّ: ردُّوا روح عبدي إلى الأرض، فإنِّي قضيت أن اخرجه منها وأردَّه إليها وأخرجه منها. وإذا كان الكافر في انقطاع من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة أتاه ملك الموت - عليه السلام - فينزع روحه من جسده كما ينزع الصوف المبلول من السفور، فتأخذها ملائكة العذاب من يديه بها فيستفتحون لها أبواب السماء فلا تفتح لهم، فتتلقَّاهم ملائكة من دون السماء فيقولون: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض فمن هذا؟ فيقولون فلان، كان يفعل كيت وكيت، ويذكرون مساوئ عمله، فيقولون: لا مرحبًا به ردُّوه» ثُمَّ تلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : {لا تفتَّح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنَّة حتَّى يلج الجمل في سمِّ الخياط} (1) ،
__________
(1) - ... سورة الاعراف:40.. (1/470)
صفحة 471
فيؤمر به أن يكتب كتابه في سجِّين، فيؤمر بروحه فتطرح طرحًا، قال: ثُمَّ تلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : {ومن يشركْ باللهِ فكأنَّما خرَّ من السماء فتخطُّفُه الطير أو تهوِي به الريح في مكان سحيق» (1) .
وقيل: إذا قبض روح الكافر طردته ملائكة الأرض، حتَّى ينتهي إلى السماء فتطرده ملائكة السماء، حتَّى ينتهي إلى الأرض السابعة السفلى إلى أسفل السافلين، ويقال: إنَّ أرواح الكافرين في برهوت بئر، أو واد تحت الأرض، أو تحت الأرضين السبع».
وروي أنَّ إبراهيم - عليه السلام - أتاه ملك الموت فبشَّره بالخلَّة، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا ملك الموت أرني الصورة التي تقبض بها أرواح الكافرين، فقال له: يا إبراهيم، إنَّك لا تطيق ذلك ولا تقدر عليه، فقال له إبراهيم - عليه السلام - : ولا بدَّ، فأعرض عليه ملك الموت، فإذا هو برجل أسود ينال رأسه السماء، ويخرج من فيه لهاب النار ليس من شعرة في جسده إلاَّ فيها صوت يخرج منها لهاب النار ومن فيه لهاب النار، فغشي على إبراهيم - عليه السلام - فأفاق وقد تحوَّل ملك الموت - عليه السلام - في الصورة الأولى، فقال له إبراهيم: يا ملك الموت، لو لم يلق الكافر من البلاء إلاَّ صورتك هذه لكفاه، ثُمَّ قال: فأرني الصورة التي تقبض فيها نفوس المؤمنين، فأعرض، فإذا هو برجل شابٍّ، أحسن الناس وجهًا، وأطيبهم ريحا، في ثياب بيض، فقال له إبراهيم: يا ملك الموت، لو لم يكن للمؤمن عند ربِّه من الكرامة إِلاَّ صورتك هذه لكفاه.
وقال الحسن: «إذا احتضر المؤمن نزل لحضور جنازته خمسمائة ملك يقبضون روحه ويعرجون به». وقال ابن عبَّاس: «إذا احتضر المؤمن شهدته الملائكة وسلَّموا عليه وبشَّروه بالجنَّة، وشهدوا غسله وكفنه ودفنه، ومشوا مع جنازته مع الناس وصلَّوا عليه».
__________
(1) - ... سورة الحج:31. (1/471)
صفحة 472
وقال بعضهم: «إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن، فيقول: السلام عليك يا وليَّ الله، السلام يقرؤك السلام ويبشِّرك بالجنَّة».
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنَّه قال: «إذا كان ابن آدم يعالج سكرات مدَّ اليمين، وعرق الجبين، وحضرت ملائكة ربِّ العالمين، فيبعث الله إليه ملكا فيقف عند رأسه فيناديه بثلاث كلمات: «ابنَ آدم يا مغرور، أين إخوانك وجيرانك؟ ما أوحشك اليوم!، قال ابن عبَّاس: فإذا حملوه على نعشه ناداه بثلاثة أخرى: ابن آدم يا مغرور، اليوم سافرت سفرا ما رأيت مثله أبدًا، ابن آدم يا مغرور، اليوم تزور مزارًا ما زرت مثله، ابن آدم يا مغرور، اليوم تدخل مدخلا ما دخلت مثله؛ فإذا وضعوه على شفير قبره ناداه بثلاثة أخرى: ابن آدم يا مغرور، كنت على ظهرها ماشيا فأنت الآن في بطنها ساكنًا، ابن آدم يا مغرور، كنت على ظهرها ضاحكا فأنت الآن في بطنها باكيًا، ابن آدم يا مغرور، كنت على ظهرها فرحًا فأنت الآن في بطنها حزينًا؛ قال ابن عباس: فإذا ردُّوا عليه التراب ناداه بثلاث أخرى: ابنَ آدم يا مغرور، دفنوك وانصرفوا عنك، فوالله لو سكنوا معك ما نفعوك، ابن آدم يا مغرور، جمعت مالا وعددا، وورثه بعدك من لا يحمدك، فحسابه عليك وحسناته في ميزان غيرك، ابن آدم يا مغرور، كنت على ظهرها تأكل الألوان فصرت في بطنها تأكلك الديدان، ابن آدم يا مغرور، كنت على ظهرها سكران فأنت الآن في بطنها حيران؛ ثُمَّ ينادي: يا أهل الدنيا خذوا زادكم فإنَّكم لا شكَّ عنها راحلون. (1/472)
صفحة 473
وروي عن عمر رضي الله عنه أنَّه قال لعبد الله يوم طعن: ادع لي طبيبا، فدعاه فقال: لا أراه أن يمسي، فقال عمر: الله أكبر، وأيقن بالموت فجعل من حوله يثنون عليه، فقال لهم: المغرور والله من غررتموه، والله لو كان لي ما طلعت عليه الشمس وغربت لافتديت به من هول المطلع ووحشة القبر؛ وكان رأسه في حجر عبد الله ولده، فقال له: ضع خدِّي في الأرض فجعل يمسح خدَّه بالأرض ويقول: الويل لعمر ولأمِّ عمر إن لم يغفر الله له».
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «القبر أوَّل منزلٍ من منازل الآخرة، والذي نفسي بيده ما القبر إلاَّ روضة من رياض الجنَّة، أو حفرة من حفر النار». وقال - صلى الله عليه وسلم - : «المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويوسّع له قبره أربعين ذراعًا، ويضيء وجهه حتَّى يكون كالقمر ليلة البدر».
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «يدخل على الرجل الصالح عملُه في قبره ويبعث معه إذا بُعث في أحسن صورة ما رآى أحد قطُّ أصبح وجها ولا أطيب ريحا منه، فيجلس إلى جنبه فلا يرى الميِّت هولا ولا مكروها إلاَّ قال له: مالك عليك من هذا؟، فيقول الرجل: الحمد لله الذي خصَّني بمجالستك، فيقول: من أنت؟، فيقول: أفلاَ تعرفني؟، فيقول: لا والله، فيقول: صحبتك في الدنيا ولا تعرفني!، أنا عملك الصالح، ثُمَّ يقول: تراني حسن الوجه طيِّب الرائحة، فيقول: نعم، فيقول: كان والله عملك أطيب وأحسن منِّي؛ فلا يفارقه حتَّى يدخل الجنَّة». (1/473)
صفحة 474
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «يدخل على الشقيِّ عمله في قبره، ويبعث معه إذا بعث يوم القيامة في أقبح صورة ما رأى أحد أقبح منه وجهًا، ولا أنتن ريحًا منه، فيجلس إلى جنبه، ثُمَّ يعظم عليه كلُّ هول يراه فيقول له الشقي: مالي ولك؟ لم خُصِصتُ بمجالستك؟ فيقول له: أوَلاَ تعرفني؟ وقد صحبتك في الدنيا! فيقول: والله ما عرفتك، ولا أحبُّ معرفتك، فيقول: أنا عملك، تراني قبيحًا منتنًا، فيقول: نعم، والله عملك أقبح وأنتن رائحة منِّي؛ فلا يفارقه حتَّى يدخله النار».
وفيما روي عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: «ويل لأهل القبور من أهل معصية الله، تتخلَّل قبورهم حيَّات وعقارب كالبغال، ويوكَّل بالشقيِّ حيتان عند رأسه وحيتان عند رجله يقرضنه حتَّى يلتقين عند وسطه فيعاد لهما، ويَعُدْنَ له طولَ البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، وإنَّ القبر ليظلم ويقول: أنا بيت الوَحدة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود، أنا بيت الظلمة».
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا دفن ابنته جلس على القبر فتربَّد وجهه، يعني علَته غبرة كغبرة الرماد، ثُمَّ سَرَا، فسُئل عن ذلك فقال: «ذكرت ابنتي وضعفها وعذاب القبر وشدَّته، فدعوت الله أن يخفِّف عنها، وأَيم الله لقد ضُمَّت ضمَّة و ضغضغت ضغضغة ثُمَّ خفِّف عنها».
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد بن معاذ، وقد ضغطه القبر ضغطة كادت أضلاعه أن تختلف». هذا سعد بن معاذ على جلالة قدره وفضله، وقد قال فيه - صلى الله عليه وسلم - : «لقد حكمتَ بحكم الله من فوق سبع أرقعة في بني قريضة». (1/474)
صفحة 475
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تعوَّذوا من عذاب القبر» (1) وكان - صلى الله عليه وسلم - يعلّم أصحابه هذا الدعاء كما يعلِّمهم السورة من القرآن: «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب جهنّم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجَّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات».
قوله تعالى: {يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} (2) ، معناه: يحقّق إيمانهم بشهادة أن لا إله إِلاَّ الله {في الحياة الدنيا وفي الآخرة} يعني القبر.
__________
(1) - ... روى الإمام أحمد في سننه، في باقي مسند المكثرين، حديث رقم 13636، قال: «حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا نَخْلًا لِبَنِي النَّجَّارِ فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رِجَالٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ تَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».
(2) - ... سورة إبراهيم:27. (1/475)
صفحة 476
قيل: إذا دخل المؤمن قبره أدخل الله عليه ملكًا يقال له: رومان، ويقول له: إنَّه يأتيك الآن ملكان يسألانك: مَن ربُّك؟ ومن نبيُّك؟ وما دينك؟ فأجبهما بما كنت عليه في الدنيا، ثُمَّ يخرج فيدخلان عليه وهما منكر ونكير، أسودان أزرقان فظَّان غليظان، أعينهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، مع كلِّ واحد منهما مرزبة حديد، وقيل: مطراق، قيل: لو اجتمع أهل الدنيا عليهما ما طاقوهما، فيقعدان ويقولان: من أنت؟ من ربُّك؟ ومن نبيُّك؟ وما دينك؟؛ فإذا كان مؤمنًا، يقول: الله ربّي، والإسلام ديني، ومحمَّد نبيِّي، فيقولان له: على هذا عشت، وعليه متَّ، وعليه تبعث إن شاء الله، فيقولان له: انظر عن شمالك فيفتح له باب في قبره إلى النار، فيقولان له: هذا منزلك لو عصيت الله، فَأَمَّا إذا أطعته فانظر عن يمينك، فيفتح له باب إلى الجنَّة فيدخل عليه برد منزله، وطيب رائحته، فيريد أن ينهض فيقال له: لم يبلغ أوان ذلك، نم سعيدًا، نم نومة العروس، فما شيء أحبُّ إليه من قيام الساعة، حتَّى يصير إلى أهل ومال وجنَّة ونعيمٍ؛ وَأَمَّا إذا كان كافرًا، فإذا أقعداه وقالا له: من ربُّك؟ فقال: آهٍ آهٍ، لا أدري! فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل المبعوث فيكم يعني محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - فيقول: كنت أقول كما يقول الناس فيه، فيقولان له: لا دريتَ ولا اهتديتَ، فيضربونه بالمطارق ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها كلُّ شيء إِلاَّ الثقلين، فما سمعه شيء إِلاَّ لعنه، فذلك قوله: {ويلعنهمُ اللاَّعنون} (1) ؛ ثمَّ يقال له: على هذا عشتَ، وعليه تبعث، انظر عن يمينك، فيفتح له باب الى الجنَّة فيقال له: هذا منزلك لو أطعت الله، فأمَّا إذا عصيته فانظر عن يسارك، فيفتح له باب إلى منزله من النار فيجد عمله وأذاه.
__________
(1) - ... سورة البقرة:159. (1/476)
صفحة 477
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيِّ إن كان من أهل الجنَّة ففي الجنَّة، وإن كان من أهل النار ففي النار» (1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - يومًا لأصحابه: «هل تدرون فيما نزلت {فإنَّ له معيشة ضنكًا}؟ (2) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:« عقاب الكافر في قبره، يسلَّط عليه تسعة وتسعون تنِّينًا، هل تدرون ما التنِّين؟ تسعة وتسعون حيَّة لكلّ حيَّة تسعة رؤوس ينهشونه ويلحسونه وينفخون في جسده إلى يوم يبعثون».
__________
(1) - ... في الجامع الصحيح للربيع ابن حبيب، باب [20] في القبور، حديث رقم 484، ص131.
... في صحيح البخاري، كتاب الجنائز، حديث رقم 1290: «حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
(2) - ... سورة طه:124. (1/477)
صفحة 478
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «كيف بك يا عمر إذا دخلت قبرك ودخل عليك فتَّانَا القبرِ منكر ونكير»، فقال عمر: ما منكر ونكير يا رسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : «ملكان أسودان أزرقان فظَّان غليظان ينحتان الأرض بأنيابهما ويطِئان في شعورهما» (1)
__________
(1) - ... في سنن الترمذي، كتاب الجنائز، حديث رقم 991: «حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ إِسْحَقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالْآخَرُ النَّكِيرُ فَيَقُولَانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولَانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ نَمْ فَيَقُولُ أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ فَيَقُولَانِ نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ الْتَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلَاعُهُ فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ»، وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَنَسٍ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ كُلُّهُمْ رَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ» (1/478)
صفحة 479
فقال: كيف أنا يومئذ يارسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم - : «كهيئتك اليوم» فقال: إذن أكفيكَهما يارسول الله.
وقيل: أوَّل مَا يسيل من جسد الميِّت عيناه وأوَّل ما ينتشر شعره. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال لكعب الأحبار: إنِّي سائلك عن ست آيات من كتاب الله فلا تخبرني إِلاَّ بما تجد في كتاب الله المنزَّل، ما سجين، ما عِلِّيُّون، ما سدرة المنتهى؟ ما جنَّة المأوى؟ ما أصحاب الرسِّ؟ ما بال طالوت رغب عنه أصحابه؟، ما بال إدريس قال الله عزَّ وجلَّ: {ورفعناه مكانًا عليًّا} (1) ؟ فقال كعب: والله الذي نفسي بيده لا أخبرك إِلاَّ بما وجدت في كتاب الله المنزَّل، أمَّا سِجِّين فإنَّه شجرة تحت الأرضين السبع سوداء مظلمة، مكتوب فيها اسم كلِّ شيطان، فإذا قبض نفس الكافر ويخرج به إلى السماء غلقت عنه أبواب السماء ورمي بها فتهوى إلى سجِّين فذلك سجِّين، وَأَمَّا عِلِّيُّون فإذا قبضت نفس المسلم عُرِج بها إلى السماء وفتحت لها أبواب السماء حتَّى تنتهي إلى العرش، فيخرج كفٌّ من العرش فتَكتب له منزلَه وكرامته فذلك علِّيُّون، وَأَمَّا سدرة المنتهى فإنَّها سدرة عن يمين العرش، انتهى علم العلماء، فلا يعلم العلماء ما وراء تلك السدرة، وأمَّا جنَّة المأوى: تأوي إليها أرواح المؤمنين؛ وأمَّا أصحاب الرسِّ: فإنَّهم قوم كانوا يعبدون الله في مُلْك مَلِك جبَّار، لا يعبد الله فيه غيرهم فخُيِّروا بأن يكفروا أو يقتلهم فاختاروا القتل على الكفر فقتلهم ثُمَّ رماهم في قليب، فلذلك سمُّوا أصحاب الرسِّ، وَأَمَّا طالوت فإنَّه كان من غير السبط الذي فيه الملك، فلذلك رغب عنه أصحابه؛ وَأَمَّا إدريس فإنَّه يصعد له من العمل كلّ يوم مثل عمل أهل الأرض، فاستأذن فيه ملك من الملائكة أنْ يؤاخيه فأذن له فيه الله عزَّ وجلَّ فلذلك قال فيه سبحانه: {ورفعناه مكانًا عليًّا}.
__________
(1) - ... سورة مريم:57. (1/479)
صفحة 480
اِعلم أنَّه لمَّا كملنا كتابة ما أردناه من كتاب العلاَّمة البرَّادي، فلنرجع إلى ما كنَّا عليه بما نصُّه: «وهي تكون على الأولياء والأعداء والأنبياء فمن دونهم، إِلاَّ من أراد الله أنْ يخفّف عنهم وذلك كالشهيد المقتول في سبيل الله، فإنَّ في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - : «لا يجد الشهيد من ألم الموت إِلاَّ كعضَّة قمَّلة» وفي رواية: «كقرصة نملة». وهي كرامة له على بذل مُهجَتِه في رضى ربِّه تعالى.
وعن عائشة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يده المباركة فيها ويمسح بها وجهه ويقول لا إله إِلاَّ الله إنَّ للموت سكرات ثُمَّ نصب - صلى الله عليه وسلم - يده وجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتَّى قبض - صلى الله عليه وسلم - ومالت يده، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: ما أغبط أحدا يهون موته بعد الذي رأيته من شدَّة موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وعن جابر عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «تحدَّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فإنَّه كانت منهم أعاجيب» ثُمَّ أنشأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدِّثنا قال: «خرجت طائفة منهم فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا: لو صلَّينا ركعتين وسألنا الله عزَّ وجلَّ أنْ يخرج لنا بعض الأموات فيخبرنا عن الموت، قال: ففعلوا فبينما هم كذلك إذ طلع رأس الرجل من القبر أسود اللون حاسرًا، بين عينيه أثر السجود، فقال: يا هؤلاء ما أردتم؟ لقد متُّ من مائة سنة، ما سكنت عنِّي حرارة الموت إِلاَّ الآن، فادعوا الله أن يردَّني كما كنت». (1/480)
صفحة 481
ولما حضرت عمرو بن العاص الوفاة قال له ابنه: يا أبتاه، إنَّك كنت تقول: يا ليتني كنت ألقى رجلاً لبيبًا عند نزول الموت حتَّى يصف لي ما يجد، وأنت يا أبتي ذلك الرجل، فصف لي الموت، فقال: «واللهِ يا بُنيَّ كأنَّ جسمي في جنب نار، وكأنِّي أتنفَّس من خرم إبرة، وكأنَّ روحي غصن شرك يجذب من قدمي إلى دماغي» والله أعلم.
التنبيه الثاني
في تذكُّر الموت (1/481)
صفحة 482
وهو مأمور به لأنَّ في ذكره إزعاجًا إلى الآخرة وانبعاثًا إلى العمل الصالح ورغبة عن الدنيا وتشوُّقًا إلى الآخرة. قال أبو هريرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أكثروا من ذكر هاذم اللذَّات» (1) . وروي أنَّ رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله أيُّ المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خلقًا» قال: أيُّ المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس» (2) . والله أعلم.
التنبيه الثالث
في فوائد تذكُّر الموت
وذلك أنَّ ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج وطلب الخروج من هذه الدار الفانية، والتوجُّه في كلِّ لحظة إلى الدار الباقية.
__________
(1) - ... الترمذي، في كتاب الزهد، حديث رقم2229: «حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعْنِي الْمَوْتَ، قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ»
(2) - ... سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، حديث رقم 4249: «حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ فَرْوَةَ ابْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ» (1/482)
صفحة 483
قالوا: ولا ينفكُّ الانسان في هذه الدار عن حالتين: ضيق وسعة، نعمة ونقمة، فيحتاج إلى ذكر الموت ليخفِّف عنه ما هو فيه من صعوبة الشدَّة وغفلة النعمة. وقالوا: ليس للموت نفس معلوم، ولا مرض معلوم، ولا زمن معلوم؛ ولهذا استعدَّ له الأكياس، وساروا على أهبة.
وروي أنَّ رجلاً كان ينادي طول الليل على سور المدينة: الرحيل الرحيل!، فلمَّا توفي فَقَدَ أمير المدينة صوته، فسأل عنه، فقالوا: قد مات، فأنشد يقول:
ما زال يلهج بالرحيل ... وذكره ... حتَّى أناخ ببابه ... الجمال
فأصابه مستيقظًا ... متشمِّرًا ... ذا أهبة لم تلهه ... الآمال
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يجمع الفقهاء ويتذكَّرون الموت والمرور على الصراط ويبكي أحدهم حتَّى كان بين يديه جنازة. والله أعلم.
التنبيه الرابع
في حسن الظنِّ بالله تعالى
وهو [أنْ] يظنَّ أنَّه تعالى يرحمه ويتجاوز عنه، ويغفر له جميع ذنوبه، وأنَّ ذلك على الله يسير، وذلك علامة للخير، وضدُّه علامة للشرِّ؛ ويدلُّ على الأوَّل حديث ابن ماجة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على شابٍّ وهو في الموت فقال: «كيف تجدك»، فقال: أرجو الله يارسول الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لا يجتمعان في قلب مؤمن في مثل هذا الموطن إِلاَّ أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مِمَّا يخاف». (1/483)
صفحة 484
ولمَّا مرض أبو الشعثاء جابر بن زيد رضي الله عنه عاده الحسن البصري فوجده في النزع فقال له: يا أبا الشعثاء قل: لا إله إِلاَّ الله، فسكت، ثُمَّ أعاد عليه الكلام مرارًا، فقال له جابر: أنا من أهلها، ولكن أعوذ بالله من غدوٍّ ورواح إلى النار، ثُمَّ قال له: يا أبا سعيد أخبرني عن آية خروج نفس المؤمن، فقال له الحسن: إنَّ آية خروج نفس المؤمن برد يجده على قلبه، ونفس طامعة؛ فقال له جابر: «اللهمَّ إنِّي أجد بردًا على قلبي، ونفسي طامعةً في ثوابك لكرمك، اللهمَّ حقّق رجائي، وآمن محذورها»، وما أفاض بعدها بكلام؛ فقال الحسن: ما أفقهه ولو عند الموت.
ولمَّا حضرت أبا خليل رحمه الله الوفاة اجتمعت إليه الأشياخ والعبَّاد وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: كيف لا نبكي ومصيبة الإسلام فيك، وفي فقدك أعظمُ كلِّ رزيَّة، وأشنع كلّ مصيبة، قال لهم: كيف حالي عندكم؟، قالوا: خير حال، عبدت ربَّك العمر الطويل تعلَّمت وعلَّمت العلم والسير والخلق الكريم، قال: أتشهدون لي بذلك عند الله؟ قالوا: نعم، فقال: أكتبوها هنا، فكتبوها، فقال: إذا متُّ فاجعلوها بيني وبين كفني، ففعلوا كما أمرهم، فلمَّا دفنوه وسدُّوا قبره ودمسوه، فوقفوا يخطُّون عليه الخطَّة الحريم، فإذا كتابهم الذي فيه شهادتهم موضوع على القبر، فقرأوه فإذا فيه: «كما هو عندكم كذلك هو عندنا». وذكر البدر الشمَّاخي رحمه الله أنَّ هذه القصَّة صارت في الكتب والسير والسنَّة المحدثين كالتواتر. والله أعلم.
التنبيه الخامس
في عذاب القبر أعاذنا الله منه
قال سيدي نور الدين رضي الله عنه: «والمراد به عذاب القبر مطلقًا، دفِن أو لم يدفن، وإنَّما عبَّرنا بالقبر جريًا على الأغلب المعتاد من أحوال الموتى، فإنَّ الغالب المعتاد دفنهم». انتهى. قلت: والكلام في ذلك نختصره على ثلاث مقامات:
المقام الأوَّل: في إثباته وحجَّة من أثبته.
المقام الثاني: في إنكاره وحجَّة من أنكره. (1/484)
صفحة 485
المقام الثالث: في التوقُّف عنه وحجَّة من توقَّف عنه.
اِعلم أنَّ العلماء اختلفوا في ثبوت عذاب القبر، فذهب أكثر الأئمَّة وأكثر أصحابنا، منهم جابر بن زيد وموسى بن أبي جابر (1) ومحمَّد بن محبوب وإيَّاد بن مثوبة (2) وأبو محمَّد وغيرهم إلى إثباته، وقد أورد أحاديثه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر، قال في المعالم إنَّها: متواترة معنى، وإليه أشار سيِّدي نور الدين رضي الله عنه بقوله:
ثُمَّ عذاب القبر مِمَّا جاء ... به ... تواتر الأخبار معني فانتبه
واعتقدنَّ صدقه ولا ... تحل ... تعذيب ميِّتٍ لوجوه ... تحتمل
__________
(1) - ... هو موسى بن أبي جابر الأزكوي(ت:181هـ) من الأربعة الذين حملوا العلم عن الربيع بن حبيب من البصرة،وأخذ الإمامة بعد انقطاعها بمقتل الإمام الجلندى. أنظر:البطاشي،إتحاف الأعيان:168.
(2) - ... هو أبو صالح إياد (ورد:زياد ) بن مثوبة (ق3) من فقهاء نزوى من المبايعين الصلت بن مالك بالإمامة. أنظر: البطاشي ،إتحاف الأعيان:424. (1/485)
صفحة 486
قال رضي الله عنه في بعض شرح البيتين ما نصُّه: «فإنْ قيل: فما وجه كلام الناظم في قوله: «واعتقدن صدقه» قلنا إنَّه مبنيٌّ على غير الوجوب، أو على إرادة من بلغه ذلك التواتر الموجب للصدق فلا إشكال، وقوله: «ولا تحل» ــ بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة ــ أي ولا تقُل بإحالة تعذيب، ردًّا على من قال إنَّ تعذيب الميِّت خارج عن المعقول، قالوا: إن لو قدِّر إمكانه في القبر بإعادة الروح فيه فلا يمكن ذلك في كلّ ميِّت، فإنَّا نشاهد من قُتل فصلب بعد القتل مدَّة طويلة حتَّى تفنى أجزاؤه فلا نرى أنَّها حدثت حياة يُدرَى بها العذاب، وكذلك من أكلته السباع أو أحرق بالنار، وأذري في الرياح فإنَّا نعلم ضرورة أنَّ أجزاءه تفرَّقت، وحياته مع تفرُّق أجزائه تعذَّرت؛ وأجيب عن الأوَّل بأنَّه يحتمل أن يخلق فيه حياة لا ندركها نحن؛ وعن الثاني أنَّه مبنيٌّ على أن يشترط في الحياة وجود البنية بتمامها ونحن لا نقول به، لإمكان أن يخلق لكلِّ جزء انفرد حياة يحسُّ بها ألم العذاب». انتهى. (1/486)
صفحة 487
قال في المعالم: إنَّها متواترة معنىً، أي أنَّ الأحاديث في ثبوت عذاب القبر وردت متواترة معنى؛ قلت: فالمتواتر في اصطلاح العلماء هو خبر جماعة عن جماعة لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة، مسندين الخبر إلى الحسِّ، فإن رووا الخبر بلفظه سمِّي تواترًا لفظيًّا، وإن روى كلٌّ منهم بلفظ يخالف لفظ الآخر، واتَّفقوا في المعنى سمِّي التواتر معنويًّا، باشتراك جميع الرواة في ذلك المعنى بنفسه، وإن اختلفت عباراتهم، ويجب اعتقاد صدق الخبر المتواتر، لأنَّ التواتر مِمَّا يقطع بصدقه. لكن وجوب تصديق على ما ذكر من التواتر إِنَّمَا هو متوقِّف على من بلغه ذلك، أمَّا في زماننا فقد تعذَّر إدراك التواتر من غيره وصارت الأخبار كلُّها بمنزلة الآحاد لانقطاع الرواة، إِلاَّ ما اجتمعت عليه الأمة أنَّ هذا متواتر، وأنَّه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فحينئذ يجب تصديق الإجماع والقطع بصدق الخبر؛ ولذا قال صاحب المرآة: «المعتبر في تصحيح الأخبار وفي كونها تواترا أو آحادًا هو ما عليه السلف في الثلاثة القرون، فما تواتر هناك فهو متواتر، وما لا فلا، لكن كونه متواترًا في تلك القرون لا يوجب القطع به على من هو في زماننا، لأنَّه كلام متعبَّد بعلمه، ثمَّ إنَّ رواية أنَّه متواتر في تلك القرون لا تكون غالبا إِلاَّ آحادية، فينقلب المتواتر آحاديًّا، فيكون مظنون الصدق، والعقائد لا تنبني على ظنٍّ، فلذا صحَّ الخلاف في عذاب القبر». انتهى.
قلت: والقول بثبوت ما نحن فيه هو قول الإمام عليِّ بن أبي طالب وابن عبَّاس وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وعائشة. (1/487)
صفحة 488
قال ابن أبي الحديد المعتزليُّ الشيعيُّ وأصحابنا كلُّهم يذهبون إليه وإن شنع عليه أعداؤهم من الأشعريَّة وغيرهم بححده، قال: وذكر قاضي القضاة أنَّه لا يعرف معتزليًّا نفى عذاب القبر، لا من متقدِّميهم ولا من متأخِّريهم، قال وإنَّما نفاه ضرار بن عمر فلمخاطته لأصحابنا وأخذه عن شيوخنا نسب قوله إليهم.
قال سيِّدي نور الدين: «قلت لكن في كلامهم أبو طاهر المعتزلي صاحب ركن الدين ما يدلُّ على إنكاره حيث قال: ولا يثبت القول بوجوب عذاب القبر، لأَنَّهُ ليس في ذلك إجماع ولا نصٌّ ظاهر، قال: والذي روي في ذلك فأخبار آحاد لا توجب العلم». انتهى.
وحجَّة من أثبت عذاب القبر آيات وأحاديث روتها الثقات عن الثقات وعضَّدتها عند غيرنا أحاديث، والجميع جاء على حدِّ التواتر المعنويِّ فلا سبيل إلى دفعه بمجرَّد الظنِّ وخالص الوهم وَأَمَّا الآيات فمنها قوله تعالى: {إِذِ الظَّالِمُونَ ِفي غَمَرَاتِ المَوتِ والمَلا ئِكَةُ بَاِسطوا أَيدِيهِم} قال: هذا عند الموت، والبسط الضرب، {يضربون وجوههم وأدبارهم} (1) ، وفيه أنَّه استدلال في غير محلِّ النزاع، وذلك أنَّ النزاع في العذاب بعد الموت فكيف يستدلُّ عليه بالعذاب حال الموت؟ والجواب أنَّ الاستدلال بقوله تعالى: {اليوم تجزون عذاب الهون} (2) فإنَّه إخبار لهم بعاقبة أمرهم إذ المراد باليوم ما بعد خروج الروح. والله أعلم.
ومنها قوله تعالى: {سَنُعَذِّبُهُم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} (3) ، فالعذاب الأوَّل في الدنيا بالفضيحة. وقال الحسن: بأخذ صدقات أموالهم وهم كارهون لإخراجها. وَأَمَّا العذاب الثاني ففي القبر بما شاء الله. وَأَمَّا الثالث ففي الآخرة بعذاب النار والعياذ بالله.
__________
(1) - ... سورة الأنفال:50.
(2) - ... سورة الأنعام:94.
(3) - ... سورة التوبة:101. (1/488)
صفحة 489
ومنها قوله تعالى: {فإنَّ له معيشة ضنكا}، قال أبو سعيد الخدريُّ وعبد الله بن مسعود: هو عذاب القبر. قال الإمام عليُّ بن أبي طالب: «كان الناس في شكٍّ من عذاب القبر حتَّى نزلت هذه السورة: {ألهاكم التكاثر حتَّى زرتم المقابر كلاَّ سوف تعلمون ثُمَّ كلاَّ سوف تعلمون} (1) فـ«تعلمون» الأوَّل إشارة إلى عذاب القبر، و«تعلمون» الثاني إشارة إلى عذاب الآخرة.
وقد يقال: إنَّ هذه الآيات كلَّها ليست نصًا في المطلوب لاحتمال أن يكون معناها غير ما ذكروه وهو الظاهر أيضًا، فحملها على عذاب القبر محتاج إلى دليل، والجواب أنَّ الاستدلال بالآية مع ما انضمَّ إليها من التفسير فإنَّها وإن لم تكن نصًّا في المطلوب فالتفسير عن الصحابة مصرِّح بأنَّ معناها ذلك.
وفيه أنَّه تفسير لم ينقل عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - فلا ينهض حجَّة، والجواب أنَّهم أعلم بمعاني القرآن، وأعرف بأحوال السنَّة، وقد شاهدوا ولم نشاهد، وكانوا يتجنَّبون تفسير الآيات بالرأي، وناهيك أنَّ الإمام عليًا يقول: «حتَّى نزلت هذه السورة» فمقتضى كلامه أَنَّهَا نازلة في ذلك، فانتفى عنهم الشكُّ. وفيه أنَّ غايته الاحتجاج بقول الصحابيِّ وقد اختلفوا في جعله حجَّة، فكيف يقطع به عذر من خالفه؟ والجواب أنَّا لا نقطع العذر بهذا لثبوت الخلاف في أصله، وإنَّما نتكلَّم في الراجح من الأقوال، مع أنَّا لا تخطِّئ في دينه من قال قولا لم يصادم فيه نصًّا متواترا ولا إجماعًا قاطعًا، فإن قيل: قد ذكرتم إنَّ الأحاديث في المسألة بلغت مبلغ التواتر، ومن شأن التواتر قطع عذر من خالفه قلنا: إنَّ التواتر فيها إِنَّمَا ثبت بالاستدلال، حيث أنَّه أخذ من تعدُّد الطرق وكثرة الأخبار، ولا كذلك المقطوع به غير أنَّا نرجِّح الظنَّ بصدقه ترجيحا قويًّا. والله أعلم.
__________
(1) - ... سورة التكاثر:1-4. (1/489)
صفحة 490
فهذا ما أوردناه في المقام من الاحتجاج للمسألة بالآيات القرآنيَّة، وقد حذفت كثيرًا من الآيات الدالَّة على حقيقة هذا القول اكتفاء بالمذكور.
وأمَّا احتجاج أصحاب هذا القول بالأحاديث النبويَّة فكثيرة جدًّا، منها ما روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدريِّ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيِّ، إن كان من أهل الجنَّة فمن أهل الجنَّة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك يبعثك الله يوم القيامة».
ومنها ما روى أبو عبيدة أيضًا عن جابر بن زيد قال: بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه مرَّ برجلين يعذَّبان في القبر فقال:« يعذَّبان وما يعذَّبان بكبيرة، أمَّا أحدهما فقد كان لا يستبرئ من البول، وَأَمَّا الآخر فقد كان يمشي بين الناس بالنميمة»- (1) .
__________
(1) - ... في الجامع الصحيح، باب [20] في القبور، حديث رقم 487، ص132. (1/490)
صفحة 491
قلت: وقد صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه مرَّ على إنسانين يعذَّبان في قبريهما، أحدهما للنميمة و الآخر بعدم الاستبراء من البول، فجعل على قبر كلِّ واحد منهما منهما كسرة من جريدة كسرها كسرتين رجاء للتخفيف عنهما ما لم تيبسا. قلت: وها هنا بحث، وهو أنَّ عدم الاستبراء من البول والمشي بالنميمة لا شكَّ أنَّهما معصيتان كبيرتان، وصاحب الكبائر إن مات غير تائب منها في البراءة، فما وجه طلب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - التخفيف عنهما بجعله على الجريدتين على قبريهما؟ وهل يؤخذ من ذلك جواز الدعاء للمتبرَّإ منه البراءة بالظاهر بزوال عذاب القبر منه؟ الجواب: نعم، إنَّه يؤخذ منه جواز ما بحثت فيه، وكذلك يؤخذ منه أنَّ الدعاء على الميِّت بالعذاب في القبر لا يكفي في البراءة، ووجه ذلك ظاهر وهو أنَّ القبر إِنَّمَا هو من توابع الدنيا لا من توابع الآخرة، فالمتبرَّأ منه يدعي له بالعافية وما أشبهها ما دام في الدنيا والمتولىَّ منه يجوز أن يفعل فيه أشياء موجعة ما دام في الدنيا إن كانت لمصلحته. انتهى.
قال الربيع عن أبي أيُّوب الأنصاريِّ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع صوتا حين غربت الشمس، قال:« هذه لعلَّه أصوات اليهود يعذَّبون في قبورهم».
وفي رواية لغير الربيع قال: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين غربت الشمس ومعي كوز من ماء فانطلق لحاجته حتَّى جاء فوضَّأته، فقال: «أتسمع ما أسمع؟» قلت: «الله ورسوله أعلم» قال: «اسمع أصوات اليهود يعذبون في قبورهم». (1/491)
صفحة 492
ومنها ما أخرج البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أقعِد المؤمن في قبره أتي [كذا] ثُمَّ شهد أن لا إله إِلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، فذلك قوله تعالى: {يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} (1) . زاد في رواية أَنَّهَا نزلت في عذاب القبر. انتهى ما أردنا نقله في هذا المعنى، والأحاديث فيه كثيرة، وبما نقلته كفاية لمن منَّ الله عليه باتِّباع الجادَّة الواضحة، وسنتبع هذا بذكر أمور يناسب ذكرها فيه إن شاء الله تعالى:
الأمر الأوَّل
في منكر ونكير
وهما الملَكان اللذان يأتيان العبد في قبره ويسألانه، وهذا السؤال هو المعروف بفتنة القبر، سمِّيا بذلك لأنَّ الميِّت ينكرهما إذ لم ير صورة مثل صورتهما، فـ«النكير» فعيل بمعنى مفعول، و«المنكر» مفعِل مِن «أنكر» وكلاهما ضدَّ المعروف، وذكر بعض الفقهاء من غيرنا أنَّ اسم اللذين يسألان المذنب منكر ونكير، واسم اللذين يسألان المطيع مبشِّر وبشير، قيل: إنما صوِّرا كذلك ليخاف الكافر ويتحيَّر في الجواب، وَأَمَّا المؤمن فيثبِّته الله بالقول الثابت فلا يخاف، لأنَّ من خاف الله في الدنيا وآمن به وبرسوله وكتبه لم يخف في القبر.
ويروى أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لعُمَر رضي الله عنه: «يا عمر ما حالك إذا متَّ ودرست في قبرك، وأتاك منكر ونكير يحاسبانك؟» قال عمر: «يا رسول الله وعقلي معي؟»، قال: «نعم»، قال: «لا عليَّ منهم لأنَّ قلبي قويُّ الإيمان بالله وبك يا رسول الله صلَّى الله عليك وسلَّم».
واختلفت الناس فيهم فكلُّ من أنكر عذاب القبر أنكر وجودهما، لأنهما نوع منه، وكلُّ من أثبته أثبتهما، وحجَّة المنكرين لوجودهما هي أنَّه لا امتحان بعد الموت وأنَّه لو جاز الامتحان في ذلك الوقت لم يستحل أنَّه يجيب كافر بالايمان أو مؤمن بالكفر، وقد اجتمعت الأمَّة على فساده.
__________
(1) - ... سورة إبراهيم:27. (1/492)
صفحة 493
والجواب ليست هذه الفتنة بمنزلة التكليف في الدنيا، وإنَّما هي بمنزلة الحساب في الآخرة، وهيهات لا يجيب المؤمن بكفر ولا كافر بإيمان لأَنَّهُ بمنزلة الإخبار عن حالته التي كان عليها في الدنيا لقول الملكين: «كذلك كنت في الدنيا»، وأنَّ الكافر يندهش فلا يدري بما يجيب عقوبة لكفره، وأنَّ المؤمن يثبِّته الله بالقول الثابت جزاء بما كانوا يعملون.
والحجَّة لنا على إثباتهما أحاديث كثيرة منها حديث أنس بن مالك: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ العبد إذا وُضع في قبره وتولَّى عنه أصحابه، وإنَّه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعِدانه فيقولان: ما كنت تقول بالرجل ــ أي محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ــ فَأَمَّا المؤمن فيقول: أشهد أنَّه عبد الله ورسوله فيقول له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله مقعدًا من الجنَّة فيراهما جميعًا، قال: وَأَمَّا المنافق والكافر فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقوله الناس، فيُقَال: لا دريت ولا تليت، فيضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين». أخرجه البخاري في صحيحه، وزاد فيه بعد جواب المؤمن «قال قتادة: وذكر لنا أنَّه يفسح في قبره». قال القسطلاني: وزاد ابن حبَّان: «سبعين ذراعًا في سبعين ذراعًا».
وجاء في صفتهما من حديث أبي هريرة: أنَّهما أسودان أزرقان أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرَّعد؛ وزاد عبد الرزاق من مرسَل عمر وابن دينار: «يحفران بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منًى لم يقلُّوها». والله أعلم. انتهى.
الأمر الثاني
فيمن يقع عليه سؤال القبر، وفي: هل الأمم السابقة تسأل في قبورها؟ (1/493)
صفحة 494
اِعلم أنَّ الأمَّة اختلفت فيمن يقع عليه السؤال في القبر، فقال عبيد بن عمير: إِنَّمَا يفتن رجلان مؤمن ومنافق، وَأَمَّا الكافر فلا يسأل عن محمَّد ولا يعرفه، والصحيح أنَّه يسأل، لما ورد في ذلك من الأحاديث المرفوعة الصحيحة الكثيرة الطرق، ويدلّ عليه قوله تعالى: {يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت...} إلى آخر الآية . وهل الطفل الذي لا يميِّز داخل في السؤال؟ جزم القرطبيُّ أنَّه يسأل، وهو منقول عن الحنفيَّة؛ وَأَمَّا عن الأمم السابقة فقد قيل: إنَّ السؤال مختصٌّ بهذه الأمَّة ،وبه جزم الحكيم الترمذيُّ، قيل: وهو ظاهر الأحاديث، وجنح أبو القيِّم (1) إلى التعميم، وحجَّته أنَّه ليس في الأحاديث ما ينفى ذلك، وإنَّما أخبر النبيء - صلى الله عليه وسلم - أمَّته بكيفيَّة امتحانهم في القبور، قال: والذي يظهر أنَّ كلَّ نبيٍّ مع أمَّته كذلك، فيعذَّب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم وإقامة الحجَّة عليهم، كما يعذَّبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجَّة عليهم، ثُمَّ اختلفوا هل السؤال باللسان العربيِّ أم بالسريانيِّ؟ فقيل: إنَّه باللسان العربيِّ بظاهر قوله: «ما كنتَ تقول في هذا الرجل...» إلى آخر الحديث؛ وقيل: بالسريانيَّة، وقيل ــ وهو الصحيح ــ يحتمل أن يكون خطاب كلِّ واحد بلسانه، ويستأنس له بإرسال الرسل بلسان قومهم.
فائدة
في الذين لا يفتنون في القبور
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ابن القيِّم». (1/494)
صفحة 495
فمنهم شهيد المعركة، كما في حديث مسلم وغيره، قيل: ومثله الصابر في الطاعون الذي لم يخرج من البلد الذي يقع فيه قاصدًا بإقامته ثواب الله، راجيًا صدق موعوده، عارفًا أنَّه إن وقع له فهو بتقدير الله، وإن صرف عنه فبتقديره تعالى غير متضجِّر به، ولو وقع معتمدًا على ربِّه في الحالتين، لحديث عائشة مرفوعًا: «فليس من رجل يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنَّه لا يصيبه إِلاَّ ما كتب الله له، إِلاَّ كان له مثل أجر الشهيد». وجه الدليل أنَّ الصابر في الطاعون المتَّصف بالصفات المذكورة نظير المرابط في سبيل الله، وقد صحَّ أنَّ المرابط لا يفتن؛ ومن مات بالطاعون فهو أولى، وفيه أنَّ الخصوصيَّات لا تثبت بالقياس. والله أعلم.
الأمر الثالث
في عذاب القبر: هل هو مختصٌّ به الشقيُّ دون المطيع؟
ظاهر قول القطب رضي الله عنه أنَّ المؤمن كثيرًا ما يصيبه عقاب في قبره وإيلام تمحيصًا له، كما وردت في ذلك أخبار، قال: «وإنَّما الممنوع منه العذاب العظيم المستمرُّ للأشقياء في قبورهم إذا ردَّت إليهم أرواحهم» قال: «وضغطة القبر لا تختصُّ بالشقيِّ، فقد نالت سعد بن معاذ، حتَّى قيل: إنَّها تنال الصبيَّ أيضًا»، قال: «واعلم أنَّ الضغطة مرَّة واحد لكلِّ أحد، ثُمَّ تزول بخلاف سائر عذاب القبر» قال: «وتضمُّ الأرض المنافق انتقامًا، والمؤمن حبًّا أو تكفيرًا أو رفعًا للدرجات». (1/495)
صفحة 496
قال حذيفة كنَّا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة فجلس على رأس القبر ثُمَّ جعل ينظر فيه، ثُمَّ قال: «تضغط المؤمن في هذا ضغطة تردّ منها حمائله». قال: وحديث ضغط سعد روي عن عائشة وابن عبَّاس وجابر بن عبد الله وابن عمر، ولفظ جابر بن عبد الله: «لمَّا دفن سعد بن معاذ سبَّح النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وسبَّح الناس معه طويلاً، ثُمَّ كبَّر وكبَّر الناس، ثُمَّ قال: يا رسول الله، سبَّحت، قال:« لقد تضايقت على هذا الرجل الصالح قبره، ثمَّ فرج عنه». قال: وعن الحسن عنه - صلى الله عليه وسلم - : «ضمَّ سعد ضمَّة حتَّى صار مثل الشعرة فدعوت اللهَ عزَّ وجلَّ ففرَّج عنه». انتهى.
قلت: إنَّه يؤخذ من هذا الأثر الذي هو عن القطب رضي الله عنه بأنَّ ضغطة القبر عامَّة على كلِّ ميِّت ووجهه إن ثبت كونه على المؤمن كسعد بن معاذ رضي الله عنه الذي اهتزَّ عرش الله تعالى بموته، فثبوته على غيره أولى. (1/496)
صفحة 497
قال سيِّدي نور الدين رضي الله عنه: «وأثبت البلخي والجبَّائي وابنه عذاب القبر للكفَّار والفسَّاق دون المؤمنين»، قال: «وهو قول أصحابنا وصحَّحه الشيخ تبغورين (1) »، قلت: إذًا فما وجه قول القطب رضي الله عنه في إثباته على سعد بن معاذ، وسعد معلوم حاله رضي الله عنه، مع أنَّه رحمه الله نقل عن أنس عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما عوفي أحد عن ضغط القبر إِلاَّ فاطمة بنت أسد»، قيل: ولا القاسم ابنك، قال: «ولا إبراهيم ــ وكان أصغر من القاسم قال ــ ولا تضغط الأنبياء». فالجواب أنَّ القطب رحمه الله تعالى بنى على قوله هذا جعله القبر أنَّه من توابع الدنيا، ويستأنس له بفعل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا مرَّ على إنسانين يعذَّبان في قبرهما للنميمة وعدم الاستبراء من البول، فالنبي عليه السلام جعل على كلِّ قبر منهما كسرة من جريدة رجاء للتخفيف عنهما ما لم تيبسا، حتَّى إنَّه رحمه الله تعالى أخذ من ذلك جواز الدعاء للمتبرَّإ منه غير المنصوص عليه لزوال عذاب القبر، وأنَّ الدعاء بعذابه لا يكفي في البراءة.
قال: سيدي نور الدين على إثر قول القطب: «وفيه أنَّ طلب التخفيف بجعل الجريدتين ليس كطلبه بالدعاء، فإنَّه لا قائل إن جعل ذلك على القبر ولاية بخلاف الدعاء، فلا يدلُّ على المطلوب، وأيضا فالصلاة على الميِّت أشدُّ من جعل الجريدة على قبره، وليست ولاية إجماعًا». انتهى.
__________
(1) - وهو تبغورين بن عيسى الملشوطي، عاش خلال القرن السادس الهجري / 12م، وله رسالة في أصول الدين، وإليه ينسب كتاب الجهالات. (1/497)
صفحة 498
قلت: والقطب لم يدَّع أنَّ جعل الجريدتين على القبرين ولاية، بل إنَّه قال بجواز الطلب للمتبرَّإ منه أن يرفع عنه عذاب القبر لتسبُّب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - للميّتين في تخفيف العذاب عنهما، ولأنَّه لم ير هذا الفرق بين جعل الجريدتين وبين الدعاء، وهذا ظاهر الحق. قال سيِّدي نور الدين رحمه الله: «ثُمَّ إنَّ ما ذكره من أحاديث الضغطة على الصبيِّ ناقض لما قرَّره أوَّلاً من أَنَّهَا تكون للمؤمن تمحيصًا للذنوب، إذ لا ذنب للصبيِّ، وَأَمَّا حمله ذلك على المراهق، فيناقضه حديث أنس في أنَّه لم يعاف منها القاسم ولا إبراهيم، وكان إبراهيم قد مات وهو ابن ثمانية عشر شهرًا فينبغي أن يطلب الجمع بين الأحاديث إن صحَّت، والوجه الجامع بينها أن تجعل الضغطة نوعين: إمَّا تمحيصًا وإمَّا حبًّا، فالأول أن يكون لمن قارف ذنبًا صغيرًا ومات ولم يفعل ما يكفر به؛ والثاني لمن مات موفيًا بجميع الأوامر ومات صبيًّا ولم يقارف ذنبًا، فبهذا يتهيَّأ لك الجمع بين الأحاديث ولا علم لي بصحَّتها، فأَكِل أمرها إلى الله واعتقد صدق ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - جملة وتفصيلاً. والله أعلم.
الأمر الرابع
في أي وقت يعذَّب الميّت في القبر
أمَّا السؤال فإنَّه يكون من حين يوضع الميِّت في قبره ويتولَّى عنه أصحابه، لحديث أنس:« أنَّ العبد إذا وضع في قبره وتولَّى عنه أصحابه وإنَّه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان...» إلخ. وإنَّ جابر بن زيد كان مِمَّن يقول بظاهر هذا الحديث، وكذلك غيره من العلماء.
حكاية رويت عن يزيد بن طريف
قال: مات أخي فلمَّا أُلحد وانصرف الناس عنه وضعت رأسي على قبره فسمعت صوتًا ضعيفًا أعرف أنَّه صوت أخي وهو يقول: الله، فقال: له الآخر: ما دينك؟ قال: الإسلام. (1/498)
صفحة 499
وعن العلاء بن عبد الكريم قال: مات رجل وكان له أخ ضعيف البصر، قال أخوه: فدفنَّاه، فلمَّا انصرف الناس عنه وضعت رأسي على القبر فإذا أنا بصوت من داخل القبر يقول: من ربُّك؟ وما دينك؟ ومن نبيُّكَ؟ فسمعت صوت أخي وهو يقول: الله، قال الآخر: فما دينك؟ قال: الإسلام، إلى غير ذلك.
ويقال: اعتاد بعضهم أنَّه كلَّما انتبه ذَكَر اللهَ واستاك وتوضَّأ وصلَّى، فلمَّا مات رئِيَ فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: لمَّا جاءني الملكان وعادت إليَّ روحي حسبت أنِّي انتبهت من الليل فذكرت الله على العادة، وأردت أن أقوم أتوضَّأ، فقالا لي: إلى أين تريد [أن] تذهب؟ فقلت: للوضوء والصلاة، فقالا: نم نومة العروس فلا خوف عليك ولا بأس. انتهى.
قال عمرو بن العاص لابنه وهو في سياق الموت: إذا أنا متُّ فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنُّوا عليَّ التراب شنًّا، ثُمَّ أقيموا حول قبري قدر ما ينحر الجزور ويقسم لحمها حتَّى أستأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع رسل ربِّي.
وَأَمَّا العذاب فظاهر كلام الجمهور ــ بل صريحه ــ أنَّ أوَّل العذاب مشاهدة الملكين، ثُمَّ يستمرُّ ذلك على بعض الناس وينقطع عن بعض، فإنَّ أحوال العصاة في هذا مختلف على اختلاف معاصيهم كثرة وقلَّة، وكبرًا وصغرًا؛ ويدلُّ على ذلك قول علي بن أبي طالب: «كان الناس في شكّ من عذاب القبر حتَّى نزلت هذه السورة: {ألهاكم التكاثر حتَّى زرتم المقابر...} إلخ». فإنَّ هذا يدلُّ على أنَّ أوَّل ذلك زيارة المقابر وهو ظاهر الأحاديث المتقدِّمة والله أعلم. انتهى.
الأمر الخامس
هل عذاب القبر هو للجسد خاصَّة أم للروح؟ (1/499)
صفحة 500
قال: سيدي نور الدين نفعنا الله به: «وقد اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: إنَّ عذاب القبر على الروح دون البدن، فهؤلاء يقولون: إنَّ المؤمنين تجد أرواحهم لذَّة النعيم وهم في قبورهم قبل دخولهم الجنَّة، وأرواح الكافرين في سجِّين؛ وقيل: إنَّ سجِّينًا واد من أودية النار، وقال من قال: الوادي الذي في حضرموت يسمَّى بربوت، وهو واد موحش مظلم كما شاء الله خلقه...» إلى أن قال: «ومنهم من قال: العذاب على البدن دون الروح، وقد اختلف هؤلاء في صفة ذلك، فقال بعضهم: تملأ عظامهم أقراعًا وأهوالاً كما يرى النائم في منامه...» إلى أن قال: «وأجاز القطب تعذيب الروح منفردةً مع الجسد؛ ومنهم من قال: العذاب على الروح والبدن معًا، وهو الذي تقتضيه ظاهر الأحاديث المتقدِّمة، وصرَّح به في حديث البراء بن عازب فإنَّه قد قال: «فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه...» إلى آخر الأحاديث.
وبالجملة فإنَّه لا مانع في العقل من ردِّ الحياة ــ كما مرَّ ــ إلى بعض أجزائه أو كلِّها، ويجعل له من العقل والفهم ما يفهم به ويجيب ويدركه الملكان منه، وإن لم نسمع نحن كلامهم، وكذا يجوز أن يسمع كلام من يسلِّم عليه.
قال في المعالم: «وقد ورد السمع به، فوجب اعتقاد ظاهره ولا حاجة إلى تكليف تأويله، والله تعالى على كلِّ شيء قدير»، قال: «فإن قالوا نحن نرى من ندفنه على حاله ونعلم بالضرورة كونه ميِّتًا، قلنا هذا يؤذن من قائله بعدم طمأنينته إلى الإيمان، وهو بمثابة استبعاد الكفرة حشر العظام البالية. ومن يسلم اختصاص الرؤية سول [كذا] برؤية الملك دون القوم، وتعاقُب الملائكة فينا، وقوله تعالى في إبليس لعنه الله وجنوده: {إنَّه يراكم هو وقبيله} (1) لا يشكُّ في التصديق بذلك كيف والنائم يدرك أحوالا من السرور والغموم والألم في نفسه، ونحن لا نشاهد ذلك منه.
__________
(1) - ... سورة الأعراف:27. (1/500)
صفحة 501
والبرزخ أوَّل منزل من منازل الآخرة، وفيها تفسير العادات وخرقها فيصحُّ أن يكون الميِّت حال مشاهد تناله، والقبر حال نظرنا إليه على غير الحالة التي نشاهدها، ولم نشعر بشيء مِمَّا هنالك، الأمر بيد الله تعالى [يُظهِر] ما يشاء و يحجب ما يشاء. من تأمل في عجائب ملكه وملكوته وغرائب قدرته وجبروته، لم يستبعد أمثال فضلا من استحالة هذا». [انتهى] كلامُه وهو في غاية من الحسن والله أعلم.
الأمر السادس
هل الأطفال يحيون في قبورهم؟ وما الدليل عليه؟
قال سيِّدي نور الدين رضي الله عنه ما نصُّه: «ليس في إحياء الأطفال في قبورهم خبر مقطوع به وظاهر الخبر على التعميم، إلاَّ أنَّه لا بدَّ في ذلك من تكميل فهمهم ليعرفوا بذلك سعادتهم وشقاوتهم على رأيٍ».
وقال سعيد بن المسيّب: صلَّيت وراء أبي هريرة على صبيٍّ لم يعمل خطيئة قطُّ فسمعته يقول: اللهمَّ أعذه من عذاب االقبر؛ قال القاضي: يحتمل أن يكون أبو هريرة اعتقد شيئًا سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنَّ عذاب القبر أمر عامٌّ للصغير والكبير. وقال ابن عبد البرِّ: «لو عذَّب الله عباده أجمعين كان غير ظالم لهم، لأَنَّهُ {لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون} (1) . قلت إنَّ هذا مسلَّم، ولكنَّ الله تعالى نفاه عن نفسه بقوله عزَّ من قائل: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم...} (2) الآية. انتهى.
وقال بعضهم: ليس المراد بعذاب القبر هنا العقوبة ولا السؤال بل مجرَّد الألم بالغمِّ والحسرة والوحشة والضغطة، وذلك يعمُّ الأطفال وغيرهم.
__________
(1) - ... سورة الأنبياء:23.
(2) - ... سورة النساء:147. (2/1)
صفحة 502
قال سيِّدي نور الدين رضي الله عنه: «وأنت خبير أنَّه لا داعي لهذه التأويلات إلاَّ دعاء أبي هريرة أن يعاذ من عذاب القبر، وليس في هذا دليل على ثبوت العذاب للأطفال لاحتمال أن يكون قد ظنَّ أبو هريرة أنَّ العذاب عامٌّ، ويمكن أن يحمل على الدعاء بالشيء المحتوم، فإنَّ الدعاء عبادة على حدِّ قوله تعالى حكاية على المؤمنين: {ربَّنا لا تؤاخدنا إن نسينا أو أخطأنا ربَّنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين مِن قبلنا، ربَّنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به} (1) ، فإنَّ هذه الأشياء قد عفى الله تعالى عن بعضها كالمؤاخذة على الخطإ والنسيان، وبعضها قد وضعها الله تعالى عن هذه الأمَّة، وهو تحميل الإصر، ومنها ما اتَّصف الله تعالى بتركها، لأنَّها على خلاف الحكمة، وهو التكليف بالمحال، وهذا المعنى يخرج تعوذه - صلى الله عليه وسلم - من عذاب القبر ومن عذاب النار». انتهى، والله أعلم.
الأمر السابع
عن صفة عذاب القبر أعاذنا الله منه
__________
(1) - ... سورة البقرة: 286. (2/2)
صفحة 503
عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولمَّا يلحد، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلسنا حوله، كأنَّ على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه، فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرَّتين أو ثلاثا، ثُمَّ قال: «إنَّ العبد المؤمن إذا كان انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأنَّ وجوههم الشمس مع كفن من أكفان الجنَّة وحنوط من حنوط الجنَّة، حتَّى يجلسوا منه مدَّ البصر، ثُمَّ يجيء ملك الموت عليه السلام حتَّى يجلس عند رأسه، فيقول: أيَّتها النفس الطيِّبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدَعوها في يده طرفة عينٍ حتَّى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض؛ قال: فيصعدون بها فلا يمرُّون ــ يعني بها ــ على ملإٍ من الملائكة إِلاَّ قالوا: ما هذا الروح الطيِّب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمُّونه بها في الدنيا حتَّى ينتهوا بها إلى سماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم فشيَّعه من كلِّ سماء مقرَّوبها إلى السماء التي تليها، حتَّى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله عزَّ وجلَّ: اكتبوا كتاب عبدي في علِّيِّين وأعيدوه إلى الأرض فإنِّي منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: ربِّي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الاسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرآن كتاب الله فآمنت به وصدّقت. (2/3)
صفحة 504
فينادي مناد من السماء: إن صدق عبدي فأفرشوه من الجنَّة، وألبسوه من الجنَّة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه روحها وطيبها فيفسح له في قبره مدَّ بصره.
قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب طيِّب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرُّك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: ربِّ أقم الساعة حتَّى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإنَّ العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح فيجلسون منه مدَّ البصر، ثُمَّ يجيء ملك الموت حتَّى يجلس عند رأسه، فيقول: أيَّتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله؛ (2/4)
صفحة 505
قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها، وإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتَّى يجعلونها في تلك المسوح، وتخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرُّون بها على ملإ من الملائكة إِلاَّ قالوا ما هذه الريح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمَّى بها في الدنيا، حتَّى ينتهى به إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له، ثُمَّ قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنَّة حتَّى يَلِج الجمل في سَمِّ الخياط} (1) ، فيقول الله عزَّ وجلَّ: اكتبوا كتابه في سجِّين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا، ثُمَّ قرأ: {ومن يشرك بالله فكأنَّما خرَّ من السماء فتخطَّفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق} (2) ، فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيك؟ فيقول له: هاه هاه؛ فينادي مناد من السماء: إن كذب فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا من النار فيأتيه من حرِّها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتَّى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشرِّ، فيقول له: أنا عملك الخبيث، ربِّ لا تقم الساعة. رواه في المشكاة عن أحمد.
قال السيوطي: «ورواه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، وابن أبي شيبة في مصنَّفه، والبيهقي في كتاب عذاب القبر، والطيالسي وعبد في مسندهما، ومناد بن السري، والزهد وابن جرير وابن أبي حاتم وغيره من طرق صحيحة والله أعلم». انتهى.
الأمر الثامن
في حكايات جاءت في عذاب القبر والعياذ بالله منه
__________
(1) - ... سورة الأعراف: 40.
(2) - ... سورة الحج:31. (2/5)
صفحة 506
قال سيِّدي نور الدين رضي الله عنه: «روى الربيع عن أبي أيُّوب الأنصاريِّ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع صوتًا حين غربت الشمس فقال: «هذه لعلَّه [كذا] أصوات اليهود يعذَّبون في قبورهم». قال: ابن حجر، يحتمل أن يكون سمع صوت ملائكة العذاب، أو صوت المعذَّبين، أو صوت وقع العذاب. وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب عن أبي أيُّوب قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد وجبت الشمس فسمع صوتا فقال: «يهود تعذَّب في قبورها» إلى أن قال: «وفي مختصر تذكرة القرطبيِّ أنَّ الحافظ الوائليَّ روى عن ابن عمر قال: «بينما نحن نسير بجبايات بدر إذ خرج رجل من الأرض في عنقه سلسلة يمسك بطرفيها أسود، فقال: يا عبد الله، أسقني، فقال: ابن عمر: لا أدري أَعَرَفَ اسمي أو كما يقول الإنسان لأخيه: يا عبد الله، فقال له: الأسود لا تسقه فإنَّه كافر، ثُمَّ اجتدبه فدخل الأرض، قال ابن عمر: فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فقال: أو قد رأيته؟ ذلك عدوَّ الله أبو جهل بن هشام، وهو عذابه إلى يوم القيامة.
وعن عبد الله بن يزيد: قال غرَّني القمر فمررت في المقابر، فإذا أنا برجل قد خرج من القبر يجرُّ سلسلة، فإذا رجل أخذ بالسلسلة فجذبه حتَّى ردَّه إلى قبره، قال: فسمعته يضربه وهو يقول: ألم أكن أصلِّي؟ ألم أكن أغتسل من الجنابة؟ ألم أكن أصوم؟ قال: بلى، ولكنَّك إذا خلوت بالمعاصي لم تراقب الله تعالى.
وقال إبراهيم التميمي: كنت كثير التردُّد إلى المقابر أذكر الموت والبلاء، فبينما أنا ذات ليلة بها إذ غلبتني عيناي فنمت فرأيت قبرًا قد انشقَّ وسمعت قائلاً يقول: خذوا هذه السلسلة فاسلكوها في فيه وأخرِجوها من دبُرِه، وإذا الميِّت يقول: يا ربِّي، ألم أكن أقرأ القرآن؟ ألم أحجَّ بيتك الحرام؟ وجعل يعدّد أفعال البرِّ شيئًا بعد شيء، وإذا قائل يقول: كنت تفعل ذلك ظاهرًا، فإذا خلوت بارزتني بالمعاصي ولم تراقبني. (2/6)
صفحة 507
وعن عبد الله بن المديني: قال: كان لنا صديق، فقال: خرجت إلى ضيعتي فأدركتني صلاة المغرب، فأتيت إلى جنب مقبرة فصلَّيت المغرب قريبًا منها، فبينما أنا جالس إذ سمعت من جانب القبور أنينًا، فدنوت إلى القبر الذي سمعت منه الأنين وهو يقول: آه قد كنت أصوم، وقد كنت أصلِّي، فأصابني قشعريرة، فدعوت من حضرني، فسمع مثلما سمعت ومضيت إلى ضيعتي ورجعت في اليوم الثاني وصلَّيت في الموضع الأوَّل، وصبرت حتَّى غابت الشمس صلَّيت المغرب، ثُمَّ استمعت إلى ذلك القبر فإذا هو يئنُّ ويقول: آه قد كنت أصلِّي، قد كنت أصوم، فرجعت إلى منزلي ومرضت بالحمَّى شهرين.
قال في الزواجر: وأقول: قد وقع لي نظير ذلك أنِّي كنت وأنا صغير أتعاهد قبر والدي للقراءة عليه، فخرجت يومًا بعد صلاة الصبح بغَلَس في رمضان، بل أظنُّ أنَّ ذلك كان في العشر الأواخر، بل في ليلة القدر، فلمَّا جلست على قبره وقرأت شيئًا من القرآن، ولم يكن في المقبرة أحد غيري، فإذا أنا أسمع التأوُّه العظيم، والأنين الفظيع، بآه آه آه... وهكذا بصوت أزعجني من قبر مبنيِّ بالنورة والجصِّ، له بياض عظيم، فقطعت القراءة واستمعت، فسمعت صوت ذلك العذاب من داخله، وذلك الرجل المعذَّب يتأوَّه تأوُّهًا عظيمًا، بحيث يفلق سماعه القلب، ويقرعه فاستمعت إليه زمنًا، فلمَّا وقع الإسفار خفي حسُّه عنِّي فمرَّ بي إنسان فقلت: قبر من هذا؟ فقال: قبر فلان ــ لرجل أدركته وأنا صغير ــ وكان على غاية من ملازمة المسجد والصلوات في أوقاتها، والصمت عن الكلام... (2/7)
صفحة 508
وهذا كلُّه شاهدته وعرفته منه فكبر عليَّ الأمر جدًّا لما أعلمه من أحوال الخير التي كان ذلك الرجل ملتبسًا بها في الظاهر، فسألت واستقصيت الذين يطَّلعون على حقيقة أحواله فأخبروني أنَّه كان يأكل الربى، فإنَّه كان تاجرًا ثُمَّ كبر وبقي معه شيء من الحطام فلم ترض نفسه الظالمة الخبيثة أن يأكل من جنبه حتَّى يأتيه الموت، بل سوَّل له الشيطان محبَّة المعاملة بالربى، حتَّى لا ينقص ماله، فأوقعه في ذلك العذاب حتَّى في رمضان، حتَّى في ليلة القدر، ولمَّا قلت ذلك لبعض أهل بلده قال لي: أعجب منه عبد الباسط رسول القاضي فلان، وهذا الرجل أعرفه أيضًا، كان رسولاً للقضاة أوَّل أمره، ثُمَّ صار ذا ثروة، فقلت: وما شأنه؟ قال: لمَّا حفرنا قبره لننزل عليه ميِّتًا آخر رأينا في رقبته سلسلة عظيمة، ورأينا في تلك السلسلة كلبًا أسودًا عظيمًا مربوطًا معه في تلك السلسلة، وهو واقف على رأسه يريد نهشه بأنيابه وأظفاره، فخفناه خوفًا عظيمًا، وبادرنا بردِّ التراب في القبر.
قالوا: ورأينا [كذا] فلانا عن رجل آخر لمَّا حفرنا قبره لم يبق إلاَّ جمجمة رأسه، فإذا فيها مسامير عظيمة القدر، عريضة الرؤوس، مدقوقة فيها كأنَّها باب عظيم، فتعجَّبنا ورددنا عليها التراب، قالوا: وحفرنا عن فلان، فخرجت لنا حيَّة عظيمة من قبره، ورأيناها مطوِّقة به، فأردنا دفعها عنه فتنفَّست علينا حتَّى كدنا كلُّنا نهلك عن آخرنا.
فنعوذ بالله من عذاب القبر الناشئ من غضب الله ومعصيته.
فائدتان
[الفائدة الأولى]
نذكر في إحديهما بعون الله تعالى أنَّ كلَّ ميِّت مات فهو لم يسبق أجله سواء كان موته بقتل أو بغيره، وأنَّه قد استوفى جميع رزقه الذي قدَّره الله تعالى له، وسواء كان أصل ذلك الرزق من حلال أو حرام أو غيرها، وأعني بغيرهما هو الشبهة.
قال سيدي نورالدين رضي الله عنه:
ولم يمت قبل انقضاء العمر ... أحد ... وقبل رزقه الذي له يحد (2/8)
صفحة 509
كان حلالاً أو حراماً ... حُجِرا ... أو شبهة واللهُ كلاًّ ... قَدَّرا
قال رضي الله عنه في شرح البيتين ما نصُّه: «أي كلُّ من مات وفارقت روحه جسده بأيِّ سبب كان أو بلا سبب فهو ميِّت بأجله، {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (1) ، {وما تسبق من أمَّة أجلَها وما يستأخرون} (2) {لكلِّ أجل كتاب} (3) . هذا مذهبنا ومذهب الأشعريَّة، قال في الجوهرة:
وميِّت بأجله من ... يقتل ... وغير هذا باطل لا ... يقبل
وزعم الكعبيُّ ــ وهو أحد شيوخ المعتزلة ــ أنَّ للمقتول أجلين: أحدهما أجل القتل، والآخر أجل الموت، وأنَّه لو لم يقتل لبقي إلى الأجل الآخر الذي هو الموت؛ وزعم بعضهم أنَّ القاتل قطع على المقتول أجله، وأنَّه لو أخِّر لبقي إلى أجله الذي يموت فيه، والفرق بين القولين أنَّ الأوَّل أثبت للمقتول أجلين، والثاني لم يثبت له إِلاَّ أجلاً واحدًا وقد قطعه عليه القاتل فمات في غير أجله، واحتجَّ الجميع بحجَّتين:
- إحداهما: أنَّ القاتل لو لم يكن له تأثير في موت المقتول لما استحقَّ العقاب إذا كان المقتول مظلومًا، ولما لزمه الديَّة إلى أوليائه.
- والثانية: بما ورد من الأحاديث أنَّ بعض الطاعات تزيد في العمر.
__________
(1) - ... سورة الاعراف: 34.
(2) - ... سورة الحجر: 5.
(3) - ... سورة الرعد:38. (2/9)
صفحة 510
? فأمَّا الأولى فأجاب عنها ابن أبي نبهان حيث قال: «وَأَمَّا ما اعتقده المعتزليُّون من أنَّه لو لم ينقص ذلك من عمره لم يكن مستحقًّا بفعله العقاب، لأنَّ كلَّ من قتل نفسًا ظلمًا متعمِّدًا فجزاؤه جهنَّم حكمًا من الله تعالى، فقد يمكن أن يوافق قتل هذا وفاء أجله على زعمهم فلا يكون عليه عقاب، وذلك من علم الغيب، وحكم الله تعالى على العموم، ولا يصحُّ في صفة الله تعالى أن يكون الأمر على غير ما أخبر من علم الغيب ولا من علم الذي عرفه عباده، ويتفاوت القتل في المقتول، وقد يمكن أنَّه لا يبقى من عمره إِلاَّ ساعة أو يوم أو شهر أو عام أو دهر طويل، أو يكون موافقًا للعمر، فتختلف أحكام الجزاء في قتل النفس ظلمًا، وفعل المعصية في ذلك سواء بالقصد فصحَّ بطلان هذا القول من المعتزلة». انتهى.
قال سيِّدي نور الدين: «أيضًا أقول وكذلك يلزمهم تقدير الديَّة التي وجبت على القاتل حسب ما بقي من عمر المقتول، وهذا باطل ضرورة، وإنَّما استحقَّ القاتل العقاب لأَنَّهُ مرتكب لما حرَّم الله ارتكابه، ووجبت عليه الديَّة زجرًا له عن مثل ذلك الفعل كما زعموا». (2/10)
صفحة 511
? وَأَمَّا الثانية: فأجاب عنها الإمام عبد العزيز في شرح النونيَّة حيث قال: «وحديث: أنَّ بعض الطاعات تزيد في العمر ، لا يعارض القواطع، لأَنَّهُ خبر واحد، وأنَّ الزيادة فيه بحسب الخير والبركة أو بالنسبة إلى ما تثبته الملائكة في صحفها، لأَنَّهُ قد يثبت فيها الشيء مطلقًا، وهو في علم الله تعالى مقيَّد، ثُمَّ يؤول إلى موجب علمه تعالى، كما يشير إليه قوله: {يمحو اللهُ ما يشاء ويثبت، وعنده أمُّ الكتاب} (1) أي اللوح المحفوظ المكتوب فيه جميع الكائنات، كأن يكون الموجود في صحفها أنَّ عُمُر زيد خمسون سنة مثلاً، وهو مقيَّد في علم الله تعالى بأنَّ يفعل طاعة كذا، وأنَّه إنَّ فعلها كان عمره ستِّين سنة مثلاً، وسبق في عمله تعالى أنَّه يفعلها فإنَّه يفعلها ويعيش ستِّين سنة فالمعتبر في العمر هو ما تعلَّق العلم الأزليُّ بالوصول إليه». انتهى كلامه.
قلت: وقولي في صفة الرزق: «سواء كان أصل ذلك الرزق من حلال أو حرام أو غيرهما»، فالرِّزق بكسر الراء بمعنى المرزوق وهو ما ساقه الله إلى عبده لينتفع به سواء كان بملكه أو بدون ملكه كإن كان ملكا للغير، فظلمه إيَّاه وانتفع به، سواء مِمَّا يؤكل أو يلبس أو يتَّقى به عن الحرِّ والبرد أو نحو ذلك، كان المنتفع به عاقلاً أو غير عاقل؛ هذا مذهبنا ومذهب جمهور الأشاعرة؛ ويدلُّ عليه ما في الخبر مرفوعًا عن ابن مسعود: «إنَّ روح القدس نفث في روعي: لن تموت نفس حتَّى يستكمل رزقها، فاتَّقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنَّ أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإنَّ الله تعالى لا يُنال ما عنده إِلاَّ بطاعته». ويدلُّ أيضاً قوله تعالى: {وكأيِّن من دابَّة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإيَّاكم} (2) ، وغيرها من الآيات.
__________
(1) - ... سورة الرعد:38.
(2) - ... سورة العنكبوت:60. (2/11)
صفحة 512
وقولي: «أصل ذلك الرزق من حلال» أي كان الرزق من حلال وهو ما ورد في جوازِ تناوُلِه النصُّ أو إجماعٌ أو قياس جليٌّ، سواء كان في علم الله تعالى أنَّه حلال كذلك أو لا، فإنَّه إنَّما تعبِّدنا بالظواهر لا بما غاب عنَّا عمله.
وقولي: «أو حرام» فالحرام هو ما منع تناوَلَه نصٌّ أو إجماع أو قياس جليٌّ، كتحريم الخمر والدخان الملحق به في القياس لإسكاره، أو يقال: إنَّه حرام بنصِّ السنَّة لدخوله تحت قوله - صلى الله عليه وسلم - : «وكلُّ مسكر حرام».
فلا عبرة بمن حلَّله زعما أنَّه ليس بمسكر وإنَّما هو مرقد فقط، قائلا إنَّ الإسكار هو تغيّر العقل مع الطرب، وهذا تغيُّره مع انقباض، فليس هو بإسكار، قلنا: لا نسلِّم أنَّ الإسكار هو تغيُّر العقل مع الطرب فقط، بل نقول: إنَّ الإسكار هو تغيُّر العقل مطلقًا من غير قيد بطرب وانقباض، لكن لا على وجه الآفة، ليخرج نحو الجنون والعنت، فإنَّهما ليسا بسكر. وأيضًا فالحكمة التي لأجلها حرِّم الإسكار إِنَّمَا هي حفظ العقل عن التغيُّر لا حفظه عن الطرب فقط، فاندفع الإشكال والحمد لله. وقد ذكر القطب رحمه الله تعالى أمورًا كثيرة في مضرَّة الدخان، طالع جواباته المسمَّاة بـ«كشف الكرب في ترتيب أجوبة القطب»، رتَّبه أخونا أبو الوليد سعود بن حميد أحد تلامذة سيِّدي نورالدين السالمي رضي الله عنهم.
وقولي: «أو غيرهما» فالمراد به الشبهة وهي أن يتجاذب الشيءَ أصلان أصل يحلِّله وأصل يحرِّمه ولا مرجِّح لواحد منها، فالجواب فيه التوقُّف. وتقسيم الرزق إلى حلال وحرام وشبهة هو مذهب الجمهور مستدلِّين بأحاديث رووها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وذهب بعضٌ إلى أنَّ الأشياء إمَّا حلال وإمَّا حرام لا غير. (2/12)
صفحة 513
قال الشمَّاخي رحمه الله تعالى: «وهو قول الربيع، وظاهر قول جابر، وهذا الذي قدَّمناه هو مذهبنا والأشاعرة، وَأَمَّا المعتزلة فإنَّهم ذهبوا إلى أنَّ الله تعالى لا يرزق الحرام، بناء على قاعدتهم من الرزق هو ما ملك، وعلى قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين؛ والجواب: أنَّه يلزم هؤلاء القائلين أن يكون من عاش طول عمره يأكل الحرام غير مرزوق، وهو مصادم لقوله تعالى: {وما من دابَّة في الأرض إِلاَّ على الله رزقها} (1) ، ولا قبح في أنَّه تعالى يرزق الحرام، لأنَّ الأشياء كلَّها ملك له، فالحلال والحرام بالنسبة إليه سواء».
قال ابن أبي نبهان: «إنَّ هذه المسألة مِمَّا يسع جهلها، أي ليست من مسائل الدين التي يجب اعتقادها. وقولهم ــ أعني المعتزلة ــ إنَّ الرزق هو ما يملك لا ما ينتفع به مطلقًا هو باطل لوجهين:
- أحدهما: أنَّه يلزم عليه أن يسمَّى ما ملكه الله تعالى رزقًا له.
- وثانيهما: أنَّه يستلزم أن تكون الدوابُّ وما لا ملك له غير مرزوق، وكلاهما باطل.
أمَّا الأوَّل فلاستلزامه أن يكون الربُّ سبحانه مرزوقًا. وَأَمَّا الثاني فلمصادمته قوله تعالى: {وكأيِّن من دابَّة لا تحمل رزقها}، وقوله: {وما من دابَّة في الأرض إِلاَّ على الله رزقها}. انتهى. والله أعلم.
الفائدة الثانية: نذكر فيها القول عن الروح.
قال سيِّدي نور الدين رحمه الله تعالى:
والقول بالإمساك في الروح ... أحق ... وما سوى التخمين للذي ... نطق
أي الكفُّ عن الخوض في الروح، وعن تعاطي بيان ماهيتها أحقُّ، أي أثبت، مِن حقّ الشيءُ، إذا ثبت، أو بمعنى أقرب إلى الحقِّ.
اِعلم أنَّ العلماء اختلفوا في بيان الروح وتعيين ماهيتها، فمنهم من ذهب مذهب الوقوف عنها قائلاً: إنَّ الله تعالى لم يخبر نبيَّه عن ماهيتها فالوقوف بنا أحقُّ قال بعضهم:
والروح ما أخبر عنها ... المجتبى ... فنمسك المقال عنها ... أدبا
__________
(1) - ... سورة هود:6. (2/13)
صفحة 514
وقال الجنيد: «الروح شيء استأثر الله بعلمه فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه، فلا يجوز لعباده البحث عنه بأكثر من أَنَّهَا موجودة، وخاض آخرون في بيانها، متأوِّلين للأمر بالكفِّ عن بيانها في قوله تعالى: {قل الروح من أمر ربِّي} (1) قائلين: إنَّه عليه الصلاة والسلام أمر أن يقول هكذا ليوافق ما في التوراة، فتكون الموافقة آية لنبوَّته، وذلك أنَّ اليهود أمروا قرشيًّا أن يسألوا عليه الصلاة والسلام عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، وقالوا لهم: إن أجاب عنها كلِّها أو وقف عنها فليس بنبيٍّ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبيٌّ، فأجاب عن الأولتين، وأبهم أمر الروح لأَنَّهُ مبهم في التوراة.
قيل: والصحيح أنَّه لم يمت - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ واطلعه الله على ما أبهم عليه من أمر الروح وغيرها، أي مِمَّا يمكن إطلاعه عليه لا على جميع معلوماته تعالى، لأنَّ علم البشر بجميعها محال، ولا ينافي هذا قوله تعالى: {ولا أعلم الغيبَ} (2) قيل لاحتمال أن يكون قال ذلك القول قبل إطلاعه على الغيب، والظاهر لا منافاة مطلقا، أي وإن قالها حال الإطلاع لعموم الغيب وحصول العلم الحادث.
واختلف هؤلاء الخائضون في بيانها على مذاهب، قال سيِّدي نورالدين رحمه الله: «ولا دليل على شيء من هذا كلِّه...» إلى أن قال: «ولا دليل قطعيٌّ على شيء من هذه الأقوال أيضًا، فالواجب التوقُّف...»، حتَّى قال: «وإذا عرفت أنَّه لا دليل للخائضين في الروح سوى التخمين ظهر لك أنَّ الوقوف عن الخوض فيها واجب كما هو مذهب الجنيد، لقوله تعالى: {ولا تقفُ ما ليس لك به علم} (3) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «وأمر أشكل عليك فقِفْ عنه». أو مكروه كما هو مذهب القائل:
والروح ما أخبر عنه ... المجتبى ... فنمسك المقال عنها ... أدبًا
الأمر التاسع
أنَّ البهائم تسمع عذاب القبر
__________
(1) - ... سورة الإسراء:85.
(2) - ... سورة الأنعام:50.
(3) - ... سورة الإسراء: 36. (2/14)
صفحة 515
يروى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بينما هو في حائط لبني النجَّار على بغلته قال الراوي: ونحن معه إذ جادت به فكادت تلقيه وإذا قبور، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «من يعرف أصحاب هذه القبور؟»، فقال رجل: أنا، فقال: «متى مات هؤلاء»، فقالوا: ماتوا في الإشراك، فقال - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ هذه الأمَّة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع». وكان بعضهم يقول لا يسمع عذاب الموتى إلاَّ من اتَّصف بكتمان الأسرار كالبهائم، فإنَّها ليست من عالم التعبير عمَّا ترى، أمَّا من يخبر الناس بما رأى فلا يسمع شيئًا من ذلك، فما كتم الله ذلك عن الإنس والجن إِلاَّ لحكمة إلهيَّة، كما أشار إليه الحديث في ذلك لغلبة الخوف عند سماع عذاب القبر، ومن يطيق سماعه في القبر من أمثالنا في هذه الدار مع ضعفنا! وقد مات خلق كثير من سماع الرعد القاصف والزلازل الهائلة، وهي دون صيحة الملَك على الميِّت.
وفي الحديث: «لو سمع أحدكم ضربة الملك للميِّت بمقامع من حديد لمات». نسأل الله العافية دنيا وأخرى. والله أعلم، انتهي.
الأمر العاشر
في بشرى المؤمن في القبر
كان كعب الأحبار يقول: «إذا وضع العبد الصالح في قبره احتوشته الأعمال الصالحة، فتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه، فتقول الصلاة: إليكم عنه، فقد أَنصَبَ جسمَه، فيأتونه من قبل رأسه فيقول الصيام: لا سبيل لكم عليه، فقد كان يطول ظمؤه وعطشه في دار الدنيا لله عزَّ وجلَّ، فيأتونه من قبل جسمه، فيقول الحجُّ والجهاد: إليكم عنه فقد أنصب جسمَه، واتعب بدنه، وحجَّ وجاهد لله عزَّ وجلَّ، لا سبيل لكم عليه، فيأتونه من قبل يديه، فتقول الصدقة: كفُّوا عن صاحبي، فكم من صدقة خرجت من هاتين اليدين حتَّى وقعت في يد الله عزَّ وجلَّ ابتغاء وجهه، لا سبيل لكم عليه؛ قال: فيقول الملك له: نم هنيئا طبت حيًّا وميِّتًا». (2/15)
صفحة 516
قال القرطبيُّ: «هذا لمن أخلص لله تعالى في أعماله، وصَدَق الله في قوله وفعله، وأحسن نيته له تعالى وعلانيَّته وسرَّه، لأنَّ مثل هذا هو الذي تكون أعماله حجَّة له، وَأَمَّا أمثالنا من المذنبين الخاطئين فقد يفعل جميع هذه الأمور رياء وسمعة، فلا تدفع عنه شيئًا من العذاب، نسأل الله العافية. وفي الحديث أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أوحي إليّ أنَّكم تفتنون في القبور فيؤتى أحدكم في قبره فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟، فَأَمَّا المؤمن فيقول: هو محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، جاءنا بالبيِّنات و الهدى فأجبنا وأطعنا ثلاث مرَّات، فيقال له: قد علمنا أنَّك تؤمن به فنم صالحًا، والمنافق ــ أو قال: المرتاب ــ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته». والله أعلم، انتهى.
الأمر الحادي عشر
في أمور تنجي من عذاب القبر
منها الرباط في سبيل الله تعالى، لما في الحديث أنَّ رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات أجري عليه عمله وآمن من الفتنات. ومنها: قراءة سورة الملك كلَّ ليلة. قال في مختصر تذكرة القرطبيِّ: «صحَّ ذلك في عدَّة أحاديث». ومنها: من مات ببطنه، لما في الحديث« أنَّ من قتله بطنه لم يعذَّب في القبر». ومنها: موت يوم الجمعة أو ليلتها، لحديث: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إِلاَّ وقاه الله فتنة القبر». ومنها: الموت في معركة الكفَّار لحديث: «كلُّ مؤمن يفتن في قبره إِلاَّ الشهيد». يعني المقتول في سبيل الله. وفي حديث آخر: «للشهيد عند الله ستُّ خصال»، فذكر منها: «ويجار من عذاب القبر». قال في مختصر القرطبيَّة: «وأُلحِق بالشهيد في الأجر والثواب: المطعونُ والمبطونُ والغريق وصاحب الهدم وذات الجنب والطلق والحريق، ومن قتل دون ماله أو دون دمه أو دون حريمه». والله أعلم.
الأمر الثاني عشر
« (2/16)
صفحة 517
إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» كذا في حديث أبي هريرة، وفيه التحريض للولد على الدعاء لأصله. وورد في أحاديث أخَر زيادة على الثلاثة، وتتبَّعها السيوطي فبلغت إحدى عشر، ونظمها في قوله قال:
إذا مات ابن آدم ليس ... يجري ... عليه من فعال غير عشر
في علوم بثَّها ودعاء ... بخل ... وغرس النخل والصدقات تجري
وراثة مصحف، ورباط ... ثغر ... وحفر البئر أو إجراء نهري
وبيت للغريب بناه ... يأوي ... إليه أو بناء محلِّ ذكر
وتعليم لقرآن ... كريم ... فخذها من أحاديث ... بحصر
والله أعلم. انتهى.
الأمر الثالث عشر
فيمن تأكله الأرض ومن لا تأكله
ثبتت الأدلَّة القاطعة بفنَاء جميع الخلق وتلاشيهم، فالموتى من جملة المخلوقات فإنَّهم يفنون وتأكلهم الأرض وتتفرَّق أجزاؤهم، إِلاَّ الأنبياء والشهداء، فَأَمَّا الأنبياء فلقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». وَأَمَّا الشهداء فلقوله تعالى: {ولا تحسبنَّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياءٌ عند ربِّهم يُرزقون} (1) .
وجاء أنَّ عمر بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريَيْن دفنا في قبر واحد يوم أُحد، فحسر السيل عن قبرهما، فحفروا عليهما لينقلا إلى مكان آخر فوُجدا لم يتغيَّرا، كأنَّهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح، فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فكانوا يرفعون يده فترجع إلى ما كانت، وذلك بعد ستٍّ وأربعين سنة من وقعة أُحد.
وروي مرفوعا: «المؤذِّن المحتسب كالمتشحِّط في دمه، وإن مات لم يُدَوَّد»، وظاهر هذا أنَّ المؤذِّن المحتسب لا تأكله الأرض أيضًا.
__________
(1) - ... سورة آل عمران:169. (2/17)
صفحة 518
قال القرطبي: «ولا فرق في عدم البلى للشهيد بين شهدائنا وشهداء الأمم السابقة الذين جاهدوا مع أنبيائهم وماتوا في القتال، بدليل قصَّة أصحاب الأخدود، أنَّ الغلام الذي قتله الملك ودفن وإصبعه على صدغه، أخرج من قبره في زمن عمر بن الخطَّاب، فوجدوا أصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل، وكان أصحاب الأخدود بنجران في أيَّام فترة بين عيسى ومحمَّد - صلى الله عليه وسلم - .
وروى نقلة الأخبار أنَّ معاوية لمَّا أجرى العين التي استنبطها في بالمدينة في وسط المقبرة، وأمر الناس بتحويل موتاهم وذلك في أيَّام خلافته، وبعد أُحُد بنحو من خمسين سنة، فوُجِدُوا على حالِهِم حتَّى أنَّ الناس رأوا المسحاة أصابت قدم حمزة بن عبد المطلب فسال الدم منها، وأنَّ جابر بن عبد الله أخرج أباه عبد الله كأنَّه دفن بالأمس. وروي أنَّ جدار قبر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا انهدم أيَّام خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان وولاية عمر بن عبد العزيز بدت لهم قدم فخافوا أن تكون قدم النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فخرج الناس، حتَّى روى لهم سعيد بن المسيّب أنَّ جثَّة الأنبياء لا تقيم في الأرض أكثر من أربعين يوما ثُمَّ ترفع، وجاء سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعرف الناس أنَّه قدم جدِّه عمر بن الخطاب. (2/18)
صفحة 519
ويعارض هذا ما في الحديث الصحيح أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أكثروا عليَّ من الصلاة في يوم الجمعة فإنَّ صلاتكم معروضة عليَّ» فقالوا: يا رسول الله، كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت أي بَلَيت؟ فقال: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». وذلك أنَّ هذا الحديث يدلُّ على بقائه - صلى الله عليه وسلم - في الأرض، وحديث سعيد بن المسيِّب يدلُّ على أنَّ جثَّة الأنبياء لم تكن في الأرض إِلاَّ أربعين يومًا، وأجيب بأنَّ ذلك في حقِّ غير سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، أو يحمل على رجوعهم بعد الرفع، ويبحث في الاحتمال الأوَّل أنَّ سعيد بن المسيَّب ساق الحديث شاهدًا في حقِّ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - ، فلا تثبت له خصوصيَّة من بين الأنبياء، والجواب أنَّ سياق سعيد لا ينفي الخصوصيَّة لأَنَّهُ إِنَّمَا استدلَّ به مع ظنِّه بقاء العموم حيث لم يحضره المخصِّص وقد صحَّ مع غيره المخصِّص، والله أعلم.
الأمر الرابع عشر
في تعذيب الميِّت ببُكاء أهله عليه
عن نافع بن عبد الله: أنَّ حفصة بكَت على عمر فقال: مهلا يابنيَّة ألم تعلمي أنَّ رسول الله قال: «إنَّ الميِّت يعذَّب ببُكاء أهله؟». (2/19)
صفحة 520
وعن ابن عمر أيضًا عن عمر عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الميِّت يعذَّب في قبره بما ينحُّ عليه». فهذا من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وقد اختلف الناس في ذلك، فأنكره قوم وتأوَّله آخرون، فمن أنكره: ابن عباس وعائشة، فقال ابن عباس لمَّا روي له هذا الخبر: ذهل ابن عمر، إِنَّمَا مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبر يهوديٍّ فقال: «إنَّ أهله ليبكون عليه وإنَّه ليعذَّب». وقالت عائشة: ذهل أبو عبد الرحمن كما ذهل في خبر قليب بدر، إِنَّمَا قال عليه السلام: «إنَّهم ليبكون عليه، وإنَّه ليعذَّب بجرمه». قالوا: وموضع غلطه في خبر القليب أنَّه روي أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقف على قليب بدر، فقال: هل وجدتم ما وعد ربُّكم حقًّا؟ قال: إنَّهم يسمعون ما أقول لهم، فأنكرت عائشة ذلك، قالت: إِنَّمَا قال: إنَّهم يعلمون أنَّ الذي أقوله لهم هو الحقُّ، واستشهدت بقوله تعالى: {إنَّك لا تسمع الموتى} (1) .
وفي مسند الربيع: قالت عائشة رضي الله عنها: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنَّه لم يكذِب ولكنَّه نسي وأخطأ، ولعلَّه إِنَّمَا سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال حين مرَّ بيهوديَّة ماتت وأهلها يبكون، فقال: «إنهم ليبكون عليها وإنَّما لتعذَّب في قبرها» قال جابر: قالت عائشة: ولا يعذَّب أحد ببكاء أهله وإنَّما يعذَّب بعمله السوء.
وفي صحيح البخاري: لمَّا أصيب عمر، دخل صهيب يبكي يقول: وا أخاه وا صاحباه! فقال عمر رضي الله عنه: أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنَّ الميِّت ليعذَّب ببعض بكاء أهله عليه» (2) ،
__________
(1) - ... سورة النمل:80.
(2) - ... وانظر نصَّ الحديث في الجامع الصحيح، باب [20] في القبور، حديث رقم 483
... في صحيح البخاري، كتاب الجنائز، حديث رقم1206: «حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُبَيْدِاللَّهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا أَوْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا: قَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ قَالَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ فَقَالَ عُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا عِنْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ {هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى}. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا شَيْئًا» (2/20)
صفحة 521
قال ابن عبَّاس رضي الله عنه: فلمَّا مات عمر ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت: يرحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه»، وقالت: حسبكم القرآن: {ولا تزرُ وازرة وزر أخرى} (1) ، قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند ذلك: والله هو أضحك وأبكى». قال ابن مليكة: والله ما قال ابن عمر شيئًا. قال القسطلاني: لكن قال الزبير بن المنير: سكوته لا يدلُّ على الإذعان، فلعلَّه كره المجادلة. وقال القرطبيُّ: ليس سكوته لشكٍّ طرأ له بعدما صرَّح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلاً للتأويل ولم يتعيَّن له محلٌّ يحمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المجاراة، ولم تتعيَّن الحاجة حينئذ. وقال الخطَّابي: الرواية إذا ثبتت لم يكن في دفعها سبيل بالظنِّ، وقد رواه عمر وابنه، وليس فيما حكت عائشة ما يرفع روايتها لجواز أن يكون الخبران صحيحين معًا ولا منافاة بينهما، ثُمَّ جمع بينهما بالتأويل الآتي عن الجمهور.
وأمَّا المتأوِّلون فقد اختلفوا في تأويلها على مذاهب:
- أحدها: قول الجمهور، وهو أنَّ المعذَّب بذلك من أوصى بأن يُبكى عليه ويناح بعد موته، فنفِّذت وصيَّته، لأَنَّهُ كان بسببه وهو منسوب إليه، قالوا: فَأَمَّا من بكي عليه أهله وناحوا من غيره وصيَّة فلا يعذَّب لقوله تعالى: {ولا تزِرُ وازرةٌ وِزرَ أخرى}. قالوا: وكان من عادة العرب الوصيَّة بذلك، ومنه قول طرفة بن العبد قال:
إذا متُّ فانعيني بما أنا ... أهله ... وشقِّي على الجيب يا ابنة ... معبد
__________
(1) - ... سورة فاطر:18. (2/21)
صفحة 522
قالوا: فخرج الحديث مطلقًا حملاً على ما كان معتادًا لهم، واستشكل بأنَّ ذنب الميِّت الأمر بذلك، لا يختلف عذابه بامتثالهم وعدمه، وأجيب بأنَّ الذنب على السبب يعظم بوجود المسبَّب، وشاهده حديث: «من سنَّ سنَّةً سيِّئة...». قلت: فنهيُ عمر بن الخطَّاب لصهيب المتقدِّم ذكره يأبى هذا التأويل، لصريح قوله رضي الله عنه: أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ الميِّت لعذَّب ببكاء بعض أهله عليه». فتدبَّر، انتهى.
- وثانيها: أنَّه محمول على من أوصى بالبكاء والنوح، أو لم يوص بتركهما، فمن أوصى بهما أو أهمل الوصيَّة بتركهما يعذَّب بهما لتفريطه بإهمال الوصيَّة بتركهما؛ فأمَّا من أوصى بتركهما فلا يعذَّب بهما، إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط منه. وحاصل هذا القول إيجاب الوصيَّة بتركهما، ومن أهملهما عذِّب بهما، وذلك إذا كان النوح من سننه. قال البخاري: «ومعناه إذا كان الميِّت قد عوَّد أهله أن يبكوا على من يفقدونه في حياته وينوح عليه بما لا يجوز وأقرَّهم على ذلك فهو داخل في الوعيد وإن لم يوص، فإن أوصى فهو أشدُّ»؛ قلت: وهكذا كذلك يأباه نهي عمر لصهيب رضي الله عنهما، لأنَّ من المعلوم أنَّ عمر لم يعوِّد أهله أن يبكوا على من يفقدونه وحاشاه من ذلك، انتهى. (2/22)
صفحة 523
- وثالثها: أنَّ معنى الحديث أنَّهم كانوا ينوحون على الميِّت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذَّب بها، كما كانوا يقولون: يا مرمِّل النسوان، ومؤتِّم الولدان، ومخرِّب العمران، ومفرِّق الأخدان ونحو ذلك مِمَّا يرونه شجاعة وفخرًا، وهو حرام شرعًا. قلت: إنَّ هذا االتأويل أحسن من التأويلين المتقدّمين. فإن قيل: إنَّ صهيبًا لم يقل في بكائه مثل هذه الألفاظ، بل إِنَّمَا قال: واعمراه، واصحباه، فمَا وجهُ جعلِ هذا حسنًا؟ قلنا: إنَّه يمكن بأنَّ عمر لمَّا سمع منه اللفظين خشي أن ينجرَّ الأمر إلى أن يقول بتعديد ما هو قبيح في الشرع، فابتدره بالمنع قبل الانتهاء إلى المحذور، انتهى.
- رابعها: أنَّ المعنى أنَّه يعذَّب بسماعه بكاء أهله ويرقُّ لهم، واستدلُّوا عليه بحديث فيه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - زجر امرأة عن البكاء على أبيها وقال: «إنَّ أحدكم إذا بكى استعبر صويحبه، فيا عباد الله لا تعذّبوا إخوانكم».
- وخامسها: إنَّ المراد بالتعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله، كما في حديث أبي موسى: «الميِّت يعذَّب ببكاء الحيِّ، إذا قالت النائحة: وا عضداه! وا ناصراه! وا كاسياه! جيذ [كذا] الميِّت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها؟»، قلت: وهذا التأويل يؤيِّد القول بأنَّ القبر من توابع الدنيا، لأَنَّهُ لو كان من الآخرة لما وبَّخته الملائكة، لأنَّ هناك يقال لهم: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} (1) {لا يحزنهم الفزع الأكبر} (2) . انتهى.
- وسادسها: قول عائشة رضي الله عنها: إنَّ معنى أنَّ الكافر أو غيره من أصحاب الذنوب يعذَّب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم. وأجمعوا كلُّهم على اختلاف مذاهبهم على أنَّ المراد بالبكاء هنا بصوت ونياحه لا مجرَّد دمع العين. والله أعلم.
///
المقام الثاني
في إنكار عذاب القبر
__________
(1) - ... سورة الزمر:73.
(2) - ... سورة الأنبياء:103. (2/23)
صفحة 524
والمنكرون له هم بعض أصحابنا، كابن أبي نبهان وغيره والروافض، وضرار بن عمر، وبشر المريسي (1) وجماعة من المعتزلة، وحجَّتهم فيه أنَّ الميِّت جماد لا حياة له ولا إدراك، فتعذيبه محال، والجواب أنَّ كون الميِّت جمادًا لا يمنع قدرة الله تعالى في إيصال العقاب إليه بطريقة غير منكورة، لأنَّ الله على شيء قدير، وهو الفعَّال لما يريد. وقد دلَّت الآيات والأحاديث على ثبوت عذاب القبر، حتَّى قال في المعالم: «إِنَّهَا متواترة معنىً».
__________
(1) - ... هو بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي بالولاء (218هـ/833م): فقيه ومتكلِّم وفيلسوف معتزلي، رمي بالزندقة. وانظر- الزركلي: الأعلام، ج2/ص27-28. (2/24)
صفحة 525
قال سيِّدي نورالدين رضي الله عنه: «فمن الآيات قوله تعالى: {النار يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدَّ العذاب} (1) . ولقد تكلَّف ابن أبي نبهان وهو مِمَّن ينكر عذاب القبر في تأويل هذه الآية حتَّى خرج بها عن أسلوب النظم الشريف، فقال: «فيها تقديم وتأخير، والأصل: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدَّ العذاب النار يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا}. قلت: لا يتأتَّى تفسير هذه الآية وعرض النار عليهم غدوًّا وعشيًّا، إِلاَّ أن يعنى به في القبر، ولا يجوز أن يراد به في الآخرة لقوله: {ويوم تقوم الساعة}، وهذا غير عرض عليهم، أجاب أبو طاهر بأنَّ هذا تفسير لقوله تعالى: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} (2) ، وأنَّه يريد بذلك يوم القيامة، وأنَّ في الآية تقديمًا وتأخيرًا، والمعنى: يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدَّ العذاب، وحاق بهم سوء العذاب: النار يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا؛ وأنَّ قوله تعالى: {غدوًّا وعشيًّا} من مجاز اللغة، والمراد به الاستمرار، على حدِّ قوله تعالى: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًّا} أنَّ كلَّ واحد من المجاز والتقديم والتأخير واقع في القرآن، وهو من طريق اللغة المشهورة؛ قلنا: هذا تكلُّف بغير ضرورة، وخروج عن الظاهر بغير دليل، وعدول عن الأصل بلا مقتض، وتأويل للكتاب على غير وجهه. سلَّمنا وقوع ذلك لكنَّا نمنع وقوعه بغير مقتض؛ أمَّا المجاز فلا يكون إِلاَّ بقرينة؛ وَأَمَّا التقديم والتأخير فلا يكون إِلاَّ بمقتض؛ وَأَمَّا الآيات التي وقع نظير ذلك فإنَّها مخالفة لهذه الآية، لوجود المقتضى، وظهور الدليل؛ ولا يصحُّ أن يحمل عليها غيرها مِمَّا لم يكن مثلها في الدلالة، لأنَّ ذلك تخصيص للعموم بغير مخصِّص، وعدول به عن ظاهره بغير دليل. وَأَمَّا قوله تعالى: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيَّا}.
__________
(1) - ... سورة غافر: 46.
(2) - ... سورة غافر: 45. (2/25)
صفحة 526
فالاستمرار فيها ظاهر، وليست آيات العذاب مثلها، فإنَّ فيها قوله: {يعرضون عليها}. وهو يقتضي التجدُّد والحدوث مرَّة بعد أخرى، ولا كذلك آية الثواب، ثُمَّ إنَّ القادر الحكيم قد أنزل الآية على طريقة يفهم منها بظاهرها المعنى المراد منها، وتأويلها على خلاف ذلك صرف لها عن هذا المفهوم إلى معنى لم يفهم إِلاَّ من لفظ المتأوِّل فلو أراد الله من الآية ما ذكره لأنزلها على حال يدلُّ على ذلك المعنى. ثُمَّ إنَّك لو ذهبت تتأوَّل آيات القرآن بمثل هذا التأويل لوَجَدتُه مُمكِنا في كلِّ آية، لأنَّ طريقه التعكيس، فتنقلب بذلك جميع معاني القرآن، ويأبى الله ورسوله والمسلمون ذلك.
ومن حجَّة المنكرين لعذاب القبر قوله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إِلاَّ الموتة الأولى} (1) ، قالوا: وتعذيب الميِّت إمَّا أنَّ يكون في حال موته وهو محال، وإمَّا أن يكون بعد ردِّ الروح إليه، فيلزم أن يذوقوا الموت غير الموتة الأولى، وهو مخالف للآية؛ والجواب: أنَّ هذه الآية في أهل الجنَّة خاصَّة، ألا ترى إلى قوله: {لا يذوقون فيها الموت}، ولم يذكر حالهم قبل دخول الجنَّة، فلا دليل على نفي الإماتة الثانية في القبر إن ثبتت الحياة سلَّمنا، فغاية ما في الآية نفي ذلك عن المؤمنين المستوجبين للجنَّة، فأين الدليل على نفيه عن غيرهم؟.
__________
(1) - ... سورة الدخان: 56. (2/26)
صفحة 527
قال ابن المنير: «وأشكلُ ما في القضيَّة أنَّه إذا ثبتت حياتهم لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة ليجتمع الخلق كلُّهم في الموت عند قوله تعالى: {لمن الملك اليوم}؟ (1) . ويلزم تعدُّد الموت، وقد قال تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إِلاَّ الموتة الأولى} (2) ، قال: والجواب الواضح عندي أنَّ معنى قوله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت} أي ألم الموت، فيكون الموت الذي يعقب الحياة الأخروية بعد الأوَّل لا يذاق ألمه البتَّة ويجوز ذلك في حكم التقدير بلا إشكال، وما وضعت العرب اسم الموت إلاَّ للمؤلم على ما فهموه، لا باعتباره كونه ضدَّ الحياة، فعلى هذا يَخْلُقُ الله لتلك الحياة الثانية ضدًّا بعد مهلة، لا يسمَّى ذلك الضدُّ موتًا وإن كان للحياة ضدًّا، جمعا بين الأدلَّة العقليَّة والنقليَّة واللغويَّة»، هذا كلامه؛ ويدلُّ عليه قول الملكين في بعض الأحاديث أنَّهما يقولان للسعيد: «نم نومة العروس»، وللشقيِّ: «نم نومة السليم». ومع ذلك ففيه تكلُّف لا يخفى. والجواب الواضح ما قدَّمت لك. قال: قوله تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} (3) ، وقوله إخبارا عن الكفَّار: {قالوا يا ويلنا مَن بَعَثَنا من مرقدنا} (4) يدلُّ أنَّهم كانوا غير معذَّبين في القبر، إذ لو عذِّبوا فيه لما جعلوا تلك المدَّة ساعة، ولما سمَّوا القبر مرقدًا، لأنَّ المعذَّب يستطيل المدَّة، ويشتدُّ عليه الموضع. والجواب من وجهين:
- أحدهما: ما يروى عن ابن عبَّاس أنَّه يُرفع عنهم العذاب بين النفختين، فيكون هذا الوصف لتلك المدَّة التي لا عذاب فيها.
- وثانيهما: يحتمل أنَّهم لمَّا شاهدوا هذه الأحوال المستقبلة والعذاب السرمديَّ استقصروا ما مضى من المدَّة ورأوه مرقدا بالنسبة إلى هذا الأمر العظيم، لأنَّهم يتمنَّون أن لا تقوم الساعة. انتهى. والله أعلم.
__________
(1) - ... سورة غافر: 16.
(2) - ... سورة الدخان: 56.
(3) - ... سورة الروم: 55.
(4) - ... سورة يس: 52. (2/27)
صفحة 528
قلت: أحببت أن أُسمِعك أيُّها القارئ جوابا لشيخنا قسور (1) بن حمُّود عن سؤال وجَّهته إليه لمعنى قوله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إِلاَّ الموتة الأولى} (2) ، وقد ثبت أنَّ في القبر عذابا فما هذا العذاب؟ أهو على الميِّت من غير ردِّ الروح إليه؟ أم كيف؟ فقال ــ أبقاه الله تعالى ــ ما نصُّه:
«الجواب عن معنى الآية قال القطب رحمه الله في التيسير: «الذوق في كلِّ (3) شيء أوَّله ولو كان يكمل بعدُ، والاستثناء منقطع، أي لكنَّ الموتة قد ذاقوها في الدنيا، وما مضى في الدنيا من الذوق محال أن يذوقوه نفسه في الآخرة، والاستثناء متَّصل من باب التعليق بالمحال، كأنَّه قيل: إن أمكن ذوق الموتة الماضية ذاقوها، كقولك: لا أسقيك إلاَّ جمرا، والجمر لا يسقى، ولم تُرِد الانقطاع، أو هذا النفي موجود». وزاد: «إنَّهم لا يذوقون فيها موتا غير الذي ذاقوه في الدنيا. والاسم في هذا الوجه وعبارة بعض أنَّ "إلاَّ" بمعنى "لكن" أي: لكن الموتة الأولى قد ذاقوها، وهذا غير معروف. وقيل: الاستثناء من موت الجنَّة، لأنَّ السعداء حين يموتون يصيرون إلى ريحان الجنَّة وروحها، ويرون منازلهم فيها فكأنَّ موتهم في الدنيا وقع في الجنَّة. قيل: يا رسول الله: أينام أهل الجنَّة؟ قال: «لا، النوم أخو الموت، وأهل الجنَّة لا يموتون ولا ينامون»، انتهى.
__________
(1) - ... في الحاشية كتب بخطِّ الناسخ: «قوله: لشيخنا قسور... إلخ، أقول فالرجل هو المعروف بالانقلاب عمَّا كان أوَّلاً إلى ما فيه من الاعوجاج، حتَّى صار مقبول الفتوى، وغير مأخوذ القول، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى. انتهى الشارح».
(2) - ... سورة الدخان: 56.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أكلِ». (2/28)
صفحة 529
أقول: اِعلم أنَّ نفي الموت غير الموتة الأولى وقع في الجنَّة عن أهلها، فلا يفهم منه نفي الحياة عن أهل الكبائر المصرِّين عليها حتَّى ماتوا عليها، ففي الآية إخبار عن السعداء فقط وعن أحوالهم؛ ويبحث فيه إذ قلنا: إنَّه لا بدَّ من أن تردَّ أرواح السعداء إليهم في قبورهم للسؤال والاختبار، وأنَّهُم يشاهدون مقاعدهم من الجنَّة ومنازلهم من النار إن لو ماتوا على المعصية، فالأشقياء كذلك فهم مشتركون في إعادة الأرواح إلى أجسامها وإن اختلفت أحوالهم؛ قلنا: إنَّ تلك الحياة التي في البرزخ أخروية كحياة الشهداء، فلا نصل إلى حقيقتها إلاَّ بتوقيف من الشارع - صلى الله عليه وسلم - ، وعلينا الإيمان بذلك والقطع به؛ ويحتمل أن تكون تلك الحياة ليست بحياة كاملة كحياتنا هذه، وإنَّما هي حياة يدرك بها السعيد النعيم، والشقيُّ العذاب، ويضرب لنا مثل (1) بحياة النائم لأنَّه منقطع عن الحسِّ غائب عن الدنيا بأسرها، فقد يرى في نومه أشياء مفرحة كمثل دخوله في بستان ودار ومباشرته الأزواج وما تقرُّ به عينه فيكون في نومه ذلك فرحا مسرورا، وقد يرى ضدَّه كأنَّه يلقى في نار ويضرب بالسياط، وأنَّه مقهور ولا قدرة له على الدفع، فيكون في نومه ذلك معذَّبًا، فإذا انتبه من نومه زالت عنه تلك الأشياء، ولا شكَّ أنَّ هؤلاء أحياء، وليست حياتهم بكاملة، وأنَّهُم أموات من جهة؛ ويدلُّ له قوله تعالى: {وهو الذي توفَّاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثُمَّ يبعثكم فيه ليقضى أجلٌ مسمًّى...} إلى آخر الآية (2) ؛ وقوله: {الله يتوفَّى الأنفسَ حين موتِها والتي لم تَمُتْ في منامِها فيمسِك التي قضَى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمًّى} (3) ،
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «مثلاً».
(2) - ... سورة الأنعام: 60.
(3) - ... سورة الزمر: 42.. (2/29)
صفحة 530
وهي التي لم تمت، فقد أخبرنا أنَّه يتوفَّاها في منامها، وأنَّها لم تمت، ويدلُّ لهذا المثل في صدق التشابه وحقيقته بين حياة النائم أنَّها ليست بحياة كاملة وأهل القبور في قبورهم قولُه تعالى حكاية عن أهل الكهف: {وتحسبهم أيقاظا وهو رُقودٌ} إلى آخر الآية (1) ؛ ثُمَّ قال: {وكذلك بَعثناهم ليتساءلوا بينهم، قال قائل منهم: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يومٍ} (2) ، وهم قد لبثوا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، كما أخبرنا الله في الآية، فانظر هداك الله في الآية الأولى حيث أخبرنا الله أنَّهم رقود، ولم يخبرنا بأنَّهم أموات، ولم يعلموا مقدار ما لبثوا في رقدتهم تلك حتَّى إنَّهم {قالوا لبثنا يومًا أو بعض يومٍ}. وفي حال الأموات بعد البعث حيث أخبرنا الله عنه: {قالوا كم لبِثتُم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعضَ يومٍ فاسأل العادِّين} (3) . هذا قول بعضهم، وبعضهم قالوا في آية أخرى: {يوم نحشر المجرمين يومئذٍ زُرقًا يَتخافتون بينهم إن لبِثتم إِلاَّ عشرًا، نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثَلُهم طريقةً: إن لبِثتم إِلاَّ يومًا} (4) . وقول بعضهم فيما حكى الله عنهم: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة...} الآية (5) .
__________
(1) - ... سورة الكهف: 18...
(2) - ... سورة الكهف: 19...
(3) - ... سورة المؤمنون: 112-113.
(4) - ... سورة طه: 103-104. في الأصل: «...إن لبِثتم إِلاَّ عشرًا، قال: أمثلُهم طريقةً إن لبِثتم إِلاَّ يومًا». وهو خطأ.
(5) - ... سورة الروم: 55. (2/30)
صفحة 531
ففي هذه الآيات ما يدلُّ على صدق تلك المشابهة بين حياة النائم ووفاته وحياة أهل القبور بعد أن كانوا أمواتًا. وكذلك روي عنه - صلى الله عليه وسلم - : «حين يقومون من قبورهم يقول: متى كنت في أهلي أمس اليوم أمس اليوم». فإذا عرفت هذا فلا إشكال في إعادة الأرواح إلى أجسامها مدَّة البرزخ وهذا ضرب مثَلٍ تقريبًا للأفهام قد فهمنا جوابه من كتاب الله، وإلاَّ فكما أخبرناك آنفًا أنَّه لا يعلم حقيقة تلك الحياة إِلاَّ الله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إِلاَّ بما شاء} (1) . وعلينا الإيمان، فلينظر في ذلك.
قال السائل، أراك أثبتتَ لهم حياة بعد الموت، فليلزم على ذلك ن يموتوا مرَّة ثُمَّ يبعثوا للجزاء، فيكون موتتان وحياتان، وقد بقي غير الموتة الأولى، فما وجه ذلك؟
الجواب ــ والله الهادي إلى الصواب ــ: قد ثبت أنَّ الله يتوفَّاهم كلَّ ليلة ــ أعني الأحياء ــ ثُمَّ يبعثهم في كلِّ نهار، ولم تعتبر تلك الوفاة أنَّها متعدِّدة بتعدُّد الليالي، وأنَّ البعث بالنهار متعدِّد بتعدُّده، لأنَّ حياة النائم ليست حياة كاملة، ولأنَّ وفاته ليست وفاة كاملة، ولذلك لم تعتبر؛ وإنَّما نفي الموت في الآية المتقدِّمة عن أهل الجنَّة هو نفى الموت الكامل المزهق للحياة الكاملة بإخراج الروح أصلاً فلا يشكل عليك ذلك. فإن قيل: إنَّ النوم فيها كذلك منفيٌّ وهو ليس بموتة كاملة فلا يتمُّ هذا المعنى، قلنا: إنَّ نفيه ورد بدليل آخر من الشَّارِعِ - صلى الله عليه وسلم - ، وقد تقدَّم ذكره آنفا، فلا يرد عليه ما أوردت، وإنَّما العلم عند الله.
__________
(1) - ... سورة البقرة: 255. (2/31)
صفحة 532
قال السائل باحثًا: لا نسلِّم أنَّ الإحياء والإماتة الدنيويَّين لا يقال إِنَّهما متعدِّدان بتعدّد الأيَّام والليالي، بل نقول: أنَّهما متعدّدان بتعدّدهما، وذلك أنَّ حياتك الأمسيَّة غير حياتك فيما قبلها وهكذا... وممَّا يؤيد أن لا حياة بعد الممات إِلاَّ حياة البعثة قوله تعالى: {ربَّنا أمتَّنا اثنتين وأحييتَنا اثنتين} (1) .
الجواب عن البحث ــ والله الهادي إلى الصواب ــ: قد مضى الجواب أنَّ الله لم يعتبر ذلك متعدِّدًا في آية أهل الجنَّة، وقد مضى الجواب في ذلك فراجعه، وإن أردت عدم التسليم على اصطلاح ذلك المعنى الذي أخبرنا عنه الكتاب أنَّ الموت وفاة، فهذا لا ينازعك فيه منازع أبدًا؛ وأيضا ففي الآية التي أوردتها حجَّة أنَّه لا حياة بعد الممات إِلاَّ حياة البعث، فذلك باعتبار الحياة الكاملة لقطع الأدلَّة بذلك؛ وكذلك نحن نجعلها حجَّة أنَّه لا مماة في الدنيا إِلاَّ الموتة الكاملة، فهي حجَّة لك وعليك. وإنَّما العلم عند الله.
المقام الثالث
التوقُّف في إثباته ونفيه
__________
(1) - ... سورة غافر: 11. (2/32)
صفحة 533
وهو مذهب بعض أصحابنا، منهم أبو الحسن (1) وأبو نبهان، وصالح بن سعيد، وغيرهم من المتأخِّرين رحمهم الله، والحجَّة لهم في ذلك تعارض الأدلَّة عندهم ــ أعني الأدلَّة التي استدلَّ بها المثبتون والأدلَّة التي استدلَّ بها المنكرون ــ بسبب تقادم الزمان، بحيث صار المتواتر في حكم الآحاد بانقطاع الرواة وتفرُّق الاجتماع. والجواب: أنَّ حكم المتواتر لا ينتقل عن أصله، كيف وقد قالوا: إنَّ المعتبر في التواتر ما توا (2) في القرون الثلاثة، وهي قرن الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم، ثُمَّ إنَّه ما من فرقة من الفرق الإسلاميَّة إِلاَّ ونقلت عذاب القبر، فهو مستفيض في جميع الأمَّة، وإن أنكره منهم فإنَّ إنكارهم إِنَّمَا جاء من استبعاد الإحساس للميِّت بناءً على حكم الوهم في العادة، والحقُّ أنَّ أمر الآخرة يخالف العادات، ولا يمكن القضاء فيها بالأحكام المعتادة في الدنيا، وناهيك أنَّ جابر بن زيد رضي الله عنه هو حبر الأمَّة ومقبول الرواية بلا خلاف من أهل المذاهب، وهو قد أثبت عذاب القبر وروى فيه، فلا ينبغي التوقُّف دون ما أثبته رضي الله عنه.
التنبيه السادس
في عقوبة تارك الصلاة
__________
(1) - ... هو أبو الحسن علي بن محمَّد بن علي بن محمَّد بن الحسن البسيوي: عالم فقيه مجتهد، له تصانيف عدَّة، تعتبر من مهمَّات المصادر منها: جامع أبي الحسن، وكتاب المختصر. وانظر- البسيوي: جامع أبي الحسن، مقدِّمة المحقِّق. البطاشي: إتحاف الأعيان، ج1/ص229
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ما تواتر». (2/33)
صفحة 534
قال الله تعالى: {إنَّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} (1) . وقال الله عزَّ وجلَّ: {فخلف من بعدهم خَلْفٌ أضاعوا الصلاةَ واتَّبَعوا الشهواتِ فسوف يَلقَوْنَ غَيًّا} (2) . وقال الله تعالى: {فويل للمصلِّين الذين هم عن صلاتهم ساهون} (3) . وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «"ويل" واد في جهنَّم تستغيث جهنَّم من حرِّه، وهو مسكن من يؤخِّر الصلاة عن وقتها» (4) .
__________
(1) - ... سورة النساء: 103.
(2) - ... سورة مريم: 59.
(3) - ... سورة الماعون: 4-5.
(4) - ... هو حديث مرفوع إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، حديث رقم 3088، قال: «حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الْوَيْلُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ» قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ» (2/34)
صفحة 535
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ما بين المسلم والمشرك إِلاَّ ترك الصلاة فإذا تركها ــ قال أبو الليث: أي جحدها ــ كان كافرًا» (1) ، قلت: فالأصحُّ أنَّ ترك الصلاة مطلقًا هو كفر، لأَنَّهُ معصية كبيرة، والكفر يطلق على الكبائر مطلقًا؛ قال تعالى: {فاتَّقوا (2) النار التي وقودها الناس والحجارة أعدَّت للكافرين} (3) . فذو الكبائر الغير التائب مِمَّن يدخلون النار، فهو مِمَّن أُعدَّت له النار، وهي معدَّة للكفَّار. وروي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «من تهاون بالصلاة عاقبه الله تعالى بخمس عشرة عقوبة، ستَّة منها في الدنيا، وثلاثة عند الموت، وثلاثة في القبر، وثلاثة عند خروجه من القبر، فَأَمَّا الستَّة التي تصيبه في الدنيا فالأولى: ينزع الله البركة من عمره؛ والثانية: يمسح الله سيما الصالحين من وجهه؛ والثالثة: كلُّ عمل لا يؤجره الله سبحانه عليه؛ والرابعة: لا يرفع الله عزَّ وجلَّ دعاء إلى السماء؛ والخامسة: تمقته الخلائق في دار الدنيا؛ والسادسة: ليس له حظٌّ في دعاء الصالحين. وَأَمَّا الثلاثة التي تصيبه عند الموت: فالأولى: أنَّه يموت ذليلاً ؛ والتانية: أنَّه يموت جائعًا؛ والثالثة: أنَّه يموت عطشانًا ولو سقي مياه بحار الدنيا ما روى من عطشه.
__________
(1) - ... تقدَّم تخريجه.
(2) - ... في الأصل: «واتَّقوا». وهو خطأ.
(3) - ... سورة البقرة: 24. (2/35)
صفحة 536
وَأَمَّا الثلاثة التي تصيبه في قبره: فالأولى: يضيِّق الله عليه قبره ويعصره حتَّى تختلف أضلاعه؛ والثانية: توقد عليه في قبره نار يتقلَّب في جمرها ليلاً ونهارًا؛ والثالثة: يسلِّط عليه ثعبانًا يسمَّى الشجاع الأقرع عيناه من نار وأظفاره من حديد، طول كلِّ ظفر مسيرة يوم، فيقول له: أنا الشجاع الأقرع، وصوته مثل الرعد القاصف، ويقول له: أمرني ربّي أن أضربك على تضييع صلاة الصبح من الصبح إلى الظهر، وأضربك على تضييع صلاة الظهر من الظهر إلى العصر، وأضربك على تضييع صلاة العصر من العصر إلى المغرب، وأضربك على تضييع صلاة المغرب من المغرب إلى العشاء، وأضربك على تضييع صلاة العشاء من العشاء إلى الصبح، كلَّما ضربه ضربة يغوص في الأرض سبعين ذراعًا، فيدخل أظفاره تحت الأرض ويخرجه، فلا يبرح تحت الضرب إلى يوم القيامة. فنعوذ بالله من عذاب القبر. وَأَمَّا الثلاثة التي تصيبه يوم القيامة: فالأولى: يسلِّط الله عليه من يسحبه إلى نار جهنَّم حتَّى حرِّ وجهه؛ والثانية: ينظر الله إليه بعين الغضب وقت الحساب فيقع لحم وجهه؛ والثالثة: يحاسبه الله عزَّ وجلَّ حسابًا شديدًا ما عليه من مزيد سرمدا طويلا، ويأمر الله عزَّ وجلَّ به إلى النار وبئس القرار». (2/36)
صفحة 537
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «الصلاة ميزانك ومنتهى كيلك، فإذا وفَّيت نُجِّيت، وإذا نقَّصت عذِّبت». وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «إذا ترك الرجل فريضة واحدة متعمِّدًا كتب اسمه على باب النار، فلان لا بدَّ له من دخوله النار». وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «عشرة من أمَّتي يسخط الله عليهم يوم القيامة ويأمر الله بهم إلى النار وجوههم عظام بلا لحم» فقيل يا رسول الله: من هم؟ فقال: «شيخ زانٍ، وإمام ضالٌّ، ومدمن خمرٍ، وعاقٌّ لوالديه، والماشي بالنميمة، وشاهد الزور، ومانع الزكاة، وآكل الربى، والظالم، وتارك الصلاة، إِلاَّ أنَّ تارك الصلاة يضاعف له العذاب، يحشر يوم القيامة وقد غلَّت يداه إلى عنقه، والملائكة يضربون وجهه ودبره وجنبه، وتقول له الجنَّة: لست منِّي ولا أنا منك، وتقول له النار: أنا منك وأنت منِّي ومن أهلي، أدن منِّي فوالله لأعذبنَّك عذابًا شديدًا، فعند ذلك تفتح له نار جهنَّم فيدخل في بابها كالسهم المسرع، فيهوى علىأمِّ رأسه فيها إلى فرعون وهامان وقارون في الدرك الأسفل من النار». وقال - صلى الله عليه وسلم - : «لا تحلُّ الزكاة لتارك الصلاة ولا تساكنوه ولا تحاسبوه فإنَّ اللعنة تنزل عليه من السماء».
والأحاديث في ذلك كثيرة تركت نقل جميعها، وبما ذكرته كفاية لمن منَّ الله عليه بالهداية، ورجا لنفسه السلامة. اللهمَّ اجعلني مِمَّن طلب لنفسه السلامة وسعى إليها. آمين. انتهى.
فائدة
في فضل تأدية الصلاة
قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «الصلاة ميزانك ومنتهى كيلك، فإذا وفّيت نجِّيت وإذا نقصت عذِّبت». (2/37)
صفحة 538
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من صلَّى الصبح في جماعةٍ أربعين يومًا لم تفته ركعة واحدة كتب الله له براءة من النار وبراءة من النفاق» (1) .
__________
(1) - ... رواه الترمذي في كتاب الصلاة، حديث رقم 224، قال: «حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاق»،ِ قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَّا مَا رَوَى سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ طُعْمَةَ ابْنِ عَمْرٍو عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَوْلَهُ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ هَنَّادٌ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ خَالِدِ ابْنِ طَهْمَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَرَوَى إِسْمَعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْوَ هَذَا وَهَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ وَعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ لَمْ يُدْرِكْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ يُكْنَى أَبَا الْكَشُوثَى وَيُقَالُ أَبُو عُمَيْرَةَ» (2/38)
صفحة 539
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من صلَّى الصبح في جماعة، ثُمَّ جلس يذكر الله حتَّى تطلع الشمس، بنى الله له قصرا في جنَّة الفردوس الأعلى» (1) ، وقيل: «سبعين قصرًا لكلِّ قصرٍ سبعون بابًا من ذهب وفضَّة».
__________
(1) - ... لم نجد الحديث بلفظه وإنَّما وجدنا في فضل من صلَّى الفجر ثمَّ جلسا حديثا رواه الترمذي في كتاب الجمعة، رقم 535، قال: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو ظِلَالٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ» قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ» قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ قَالَ وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَعِيلَ عَنْ أَبِي ظِلَالٍ فَقَالَ هُوَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَاسْمُهُ هِلَالٌ» (2/39)
صفحة 540
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّمَا مثل الصلاة كنهر جارٍ على باب أحدكم يغتسل منه كلَّ يوم خمس مرَّات، وهل يبقى عليه درن؟، قالوا: لا، قال: فكذلك الصلاة تغسل الذنوب» (1) .
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «من واضب على الصلوات الخمس بوضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها، ويعترف أَنَّهَا حقُّ الله سبحانه وتعالى حرَّم الله عزَّ وجلَّ جسده على النار».
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من حافظ على الصلاة كانت له تجارة يوم القيامة ونورًا وبرهانًا، ومن لم يحافظ على الصلاة لم تكن له تجارة يوم القيامة ولا نورًا ولا برهانًا ولا أمانًا».
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «لا يمسح أحدكم وجهه من التراب إذا سجد في الصلاة، فإنَّ الملائكة تصلِّي عليه ما دام أثر السجود في وجهه وجبهته».
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت روح النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صدره وهو يقول: «أوصيكم بالصلاة وما ملكت أيمانكم» فما برح يوصي بها حتَّى انقطع كلامه - صلى الله عليه وسلم - .
__________
(1) - ... روى البخاري في مواقيت الصلاة، حديث رقم 497، قال: «حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي ابْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا». (2/40)
صفحة 541
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «رأيت رجلاً من أمَّتي جاءه الموت، وكان بارًّا بوالديه فردَّ عنه برُّ والديه سكرات الموت؛ ورأيت رجلاً من أمَّتي قد سلِّط عليه عذاب القبر فجاءه الوضوء فأنقذه؛ ورأيت رجلاً من أمَّتي احتوشته الزبانية فجاءته الملائكة بذكر الله سبحانه وتعالى الذي كان يذكره ويسبِّح به في الدنيا فخلَّصته منهم؛ ورأيت رجلا من أمَّتي احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فخلَّصته؛ ورأيت رجلا من أمَّتي يلهث عطشًا كلَّما جاء إلى حوض لم يصله من الزحام فجاءه صيامه فسقاه؛ ورأيت رجلاً من أمَّتي قائمًا والنبيُّون جلوس حلقًا حلقًا كلَّما جاء إلى حلقة طردوه فجاءه اغتساله من الجنابة لأجل الصلاة فأجلسه إلى جانبي؛ ورأيت رجلاً من أمَّتي وقدَّامه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة فجاءه حجُّه وعمرته فاستخرجه من الظلمة وأدخله في النور؛ ورأيت رجلاً من أمَّتي يكلِّم الناس المؤمنين ولا يكلِّمونه فجاءته صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين كلِّموه فإنَّه كان واصلاً، فكلَّموه وصافحوه وسلَّموا عليه؛ ورأيت رجلاً رجلا من أمَّتي يتَّقي النار وحرَّها وشرُورها بيده عن وجهه فجاءته صدقته فصارت سترًا على وجهه، وظلاًّ على رأسه، وحجابا من النار». (1) انتهى. والله أعلم.
التنبيه السابع
في عقوبة مانع الزكاة
قال الله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} (2) . وقال الله عزَّ وجلَّ: {الذين يقيمون الصلاة وممَّا رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقًّا لهم درجاتٌ عند ربِّهم ومغفرةٌ ورزق كريمٌ} (3) .
__________
(1) - ... وانظر للتوسّع- موسوعة الإمام نور الدين السالمي: معارج الآمال على مدارج الكمال، أجزاء الصلاة من 8 إلى 13، ففيها بيان شاف. وموسوعة القطب اطفيَّش: شرح النيل وشفاء العليل، المجلَّد الثاني كله.
(2) - ... سورة البقرة: 43. وغيرها
(3) - ... سورة الأنفال: 3-4. (2/41)
صفحة 542
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ المسلم إذا ملك نصابًا وهو عشرون مثقالاً من الذهب لزمه أن يزكِّيه بنصف مثقال، ومن ملك من الفضَّة مائتي درهم يلزمه زكاتها حيث تبقى سنة في يده، فإذا دار عليها الحول وجبت عليه الزكاة، فإن لم يزكِّها صارت كلُّها مسامير من نار».
وقال الله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضَّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشِّرهم بعذاب أليم، يومَ يُحمَى عليها في نارِ جهنَّم فتُكوَى بها جِباهُهم وجنوبُهم وظهورُهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنِزون} (1) .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من ملك نصابًا ولم يزكِّه جاءه يوم القيامة في صفة ثعبان عيناه تتَّقد نارًا، وأسنانه من حديد، فيجري خلف مانع الزكاة فيقول له: اعطني يمينك البخيلة حتَّى أقطعها، فيهرب مانع الزكاة فيقول له: أين المهرب؟ فيلحقه ويقطع يمينه بأسنانه، ثُمَّ يبلعها، ثُمَّ تعود كما كانت، ثُمَّ يقطع اليسرى وكلَّما قطع بأسنانه صاح صيحة من الوجع فيرتعد منه أهل الموقف، ثُمَّ لا يبرح يأكل يده ويقطعها وهي تعود، حتَّى يقف بين يدي ربّه مقطوع اليدين، فيحاسبه حسابًا شديدًا، ثُمَّ يأمر به إلى النار، فيقول: من أنت؟ فيقول أنا مالُكَ الذي بخلت بزكاتي صرتُ عدوَّك اليوم، فأنا أعذِّبك إلى الأبد إلى أن يعفو الله عنك ويسامحك الفقراء، فيكبَّه على رأسه في النار».
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «والذي بعثني بيده ما من أحد ملك غنمًا أو بقرًا أو إبلاً لم يزكها إِلاَّ جاءت يوم القيامة أقوى ما كانت في دار الدنيا، لها قرون من نار فتنطحه بقرونها وتدوسه بأظفارها حتَّى تشقَّ بدنه وتقصف ظهره وهو يستغيث فلا يغاث، ثُمَّ تصير سباعًا وذئابًا تعاقبه في النار».
__________
(1) - ... سورة التوبة: 34-35. (2/42)
صفحة 543
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «مكتوب على باب الجنَّة: أنتِ حرام على البخيل ومانع الزكاة والديُّوث» قيل: يارسول الله، وما الديُّوث؟ قال: «الذي يعلم القبيح على أهله ويسكت». انتهى. والله أعلم.
فائدة
في فضل تأدية الزكاة
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من أدَّى زكاة ماله تامًّا وافيًّا بطيب نفسٍ سمِّي في سماء الدنيا كريمًا، وفي الثانية: جوادًا، وفي الثالثة: مطيعًا، وفي الرابعة: سخيًّا، وفي الخامسة: مقبولاً، وفي السادسة محفوظًا، وفي السابعة: مغفورًا له ذنوبه، وعلى العرش حبيب الله، فمن لم يؤدِّ زكاة ماله يسمَّى في سماء الدنيا: بخيلاً، وفي الثانية: شحيحًا، وفي الثالثة: ممسكًا، وفي الرابعة: مغبونًا، وفي الخامسة: عاصيًا، وفي السادسة: ممنوعًا منزوع البركة، ولا حظَّ له في مال ولا في برٍّ، وفي السابعة: مطرودًا، وصلاته مردودة لا تقبل بل يضرب بها وجهه».
وقال بعض السادة: كنت في شبابي جاهلاً أمنع الزكاة فكانت لي غنم ما كنت أخرج زكاتها فجاء إليَّ ذات يوم فقير فشكا لي من الحاجة والضرورة فأعطيته منها كبشًا، فنمت الليلة فرأيت في المنام كأنَّ الغنم جميعها قد أقبلت تهمُّ عليَّ وتنطحني وأنا أبكي ولا أقدر على الهرب ولا أحد مغيثًا، فجاء ذلك الكبش الذي تصدَّقت به على الفقير فبقي يردُّهم عنِّي كلَّما جاء كبش منهم يريد أن ينطحني يقوم ذلك الكبش وينطحه ويردُّه عنِّي فغلبوه لكثرتهم وهو بمفرده، وكادوا أن يهلكوني، فانتبهت وقد انقطع قلبي من الفزع، فقلت: والله لأجعلنَّ أتباعك كثيرة، فتصدَّقت بثلثي غنمي، وتبت من منع الزكاة، ولقد رأيت عجبًا من الذي تصدَّقت به ومن عداوة الباقي معي. (2/43)
صفحة 544
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من أدَّى زكاة ماله تامًّا وافيًا بطيب نفسٍ سمِّي في سماء الدنيا: كريمًا، وفي الثانية: جوادًا، وفي الثالثة: مطيعًا، وفي الرابعة: سخيًّا، وفي الخامسة: مقبولاً، وفي السادسة محفوظًا، وفي السابعة: مغفورًا له ذنوبه، وعلى العرش: حبيب الله؛ فمن لم يؤدِّ زكاة ماله سمِّي في سماء الدنيا: بخيلاً، وفي الثانية: شحيحًا، وفي الثالثة: ممسكًا، وفي الرابعة: مفتونًا، وفي الخامسة: عاصيًا، وفي السادسة: ممنوعًا منزوع البركة لا حظَّ له في مال ولا في برٍّ، وفي السابعة: مطرودًا، وصلاته مردودة لا تقبل بل يضرب بها وجهه».
حكاية
روي أنَّ شابًّا حسن الوجه دخل على داود عليه السلام ليلة عرسه، وملك الموت جالس عند سيِّدنا داود ليسلّم عليه، فقال: أتعرف هذا يا داود؟ فقال: نعم، إنَّه شابٌّ مؤمن يحبُّني وما يحبُّ أنَّ يدخل بيته إِلاَّ إن جاء ينظرني ويسلِّم عليَّ، فقال ملك الموت: يا داود، قد بقي من عمره ستَّة أيَّام، فاغتمَّ داود لذلك فبقي الشابُّ سبعة أشهرٍ بعد ذلك اليوم ولم يمت، فجاء ملك الموت إلى داود عليه السلام فقال لملك الموت: أنت قلت ما بقي من عمر الشابِّ إِلاَّ ستَّة أيَّام! قال: نعم، ولكنَّه لمَّا انقضت ستَّة الأيَّام مدَّدت يدي لأقبض روحه قال الله سبحانه وتعالى: يا ملك الموت، خلِّ عبدي فلانًا فإنَّه خرج فوجد فقيرًا مضطرًّا فأعطاه زكاته ففرح بها فدعا له بطول العمر، وأن يجعل رفيق داود عليه السلام في الجنَّة فرضيت عنه وإنِّي قد كتبت له تلك الستَّة أيَّام ستِّين سنة وزدتها عشر سنين، فلا تقبض روحه إلى انقضاء المدَّة، وقد كتبته رفيق داود في الجنَّة. فسبحان الكريم الوهَّاب، والله أعلم.
التنبيه الثامن
في عقوبة الزنى (2/44)
صفحة 545
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «احذروا الزنى فإنَّ فيه ستَّ خصال ثلاثة: في الدنيا وثلاثة في الآخرة، فَأَمَّا الثلاثة التي في الدنيا فإنَّه يذهب البهاء من وجهه، ويورث الفقر، وينقص العمر؛ وأمَّا التي في الآخرة، فإنَّه يوجب سخط الله وسوء الحساب والخلود في النار».
ويقول الله تبارك وتعالى: {لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سخِطَ اللهُ عليهم وفي العذاب هم خالدون} (1) . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ الزناة يأتون يوم القيامة تشعل وجوههم ناراً، يعرفون بين الخلائق بنتن فروجهم، يسحبون على وجوههم إلى النار، فإذا دخلوها يلبسهم مالك درعًا من النار لو وضع درع الزاني على جبل شامخ عال ساعة لصار رمادًا. ثُمَّ يقول مالك: يا معشر الزبانيَّة اكوُوا عيون الزناة بمسامير من نار كما نظرت إلى الحرام، وغلُّوا أيديهم بأغلال من نار كما امتدَّت إلى الحرام، وقيِّدوا أرجلهم بقيود من نار كما مشت إلى الحرام، فتقول الزبانيَّة: نعم نعم، فتغلُّ الزبانيَّة أيديهم بالأغلال وأرجلهم بالقيود، وأعينهم تكوى بالمسامير، فهم ينادون: يا معشر الزبانية ارحمونا وخففوا عنَّا العذاب ساعة! فتقول لهم الزبانيَة: كيف نرحمكم وربُّ العالمين غضبان عليكم».
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من ملأ عينه من الحرام ملأ الله عينه من جمر جهنَّم، ومن زنى بامرأة حرام أقامه الله من قبره عطشان باكيًا حزينًا مسودًّا وجهه مظلمًا، في عنقه سلسلة من نار، وسرابيل على جسده من قطران، ولا يكلِّمه الله ولا يزكِّيه وله عذاب أليم».
__________
(1) - ... سورة المائدة: 80. (2/45)
صفحة 546
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من زنى بامرأة متزوِّجة كان عليها وعليه في القبر عذاب نصف هذه الأمَّة، فإذا كان يوم القيامة يحكم الله عزَّ وجلَّ زوجها في حسناته، ويحمِّله ذنوبه ويسوقه إلى النار، إذا كان ذلك بغير علمه، فإن علم زوجها أنَّ أحدًا زنى بزوجته وسكت حرَّم الله عليه الجنَّة، لأنَّ الله كتب على باب الجنَّة: أنت حرام على الديُّوث الذي يدري القبيح على أهله ويسكت، لا يدخل الجنَّة أبدًا، وإنَّ السَّمَاوَات السبع تعلن الزاني والديُّوث».
قلت: فلينظر إلى معنى هذا الحديث، فإنَّه مصرِّح بتخليد الديُّوث وهو لعلَّه ليس بمشرك، أَوَليس هذا صريحًا لصحَّة قول أصحابنا في أنَّ من دخل النار لا يدخل الجنَّة. وإنِّي نقلته من تأليف اللَّيث السمرقندي، قال ــ وبعض الكتب ــ: «إنَّ أصحاب الفروج الزانية يحشرون يوم القيامة وفروجهم توقد نارًا، ويحشرون وأيديهم مغلولة إلى أعناقهم تسحبهم الزبانية وتنادي عليهم: يا معشَر الناس، هؤلاء الزناة قد جاؤوكم مغلولَة أيديهم إلى أعناقهم، توقدُ فروجهم نارًا، فيتفرَّجون عليهم، فتفيح النار من فروجمهم روائح منتنة، فتقول الزبانية: هذه روائح فروج الزناة الذين زنوا ولم يتوبوا، فألعنوهم لعنهم الله، فلا يبقى عند ذلك بارٌّ ولا فاجر إِلاَّ قال: اللهمَّ ألعن الزناة».
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ليلة أسريَ بي إلى السماء رأيت رجالاً ونساءً محبوسين مع العقارب والحيَّات، والعقارب تلدغهم، والحيَّات تنهشهم، فموضع كلِّ قبلة جرت بينهما تدقُّهم العقارب بمنقاراتها، وفي كلّ منقارة من منقاراتها رواية سمٍّ تفزع من لحم من تقرضه يسيل من فروجهم الصديد يصيح أهل النار من نتنه وهم معلَّقون بشعورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هم الزانون والزانيات». نعوذ بالله من فعل أهل النار، ومن غضب الجبَّار. (2/46)
صفحة 547
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من صافح امرأة حرامًا ــ أي أجنبيَّة ــ جاء يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه بسلسلة من نار، فإن زنى بها نطق فخذه بين يدي ربِّه يقول: فعلت كذا على كذا في موضع كذا في شهر كذا وكذا، فيقع لحم وجهه ويبقى وجهه عظامًا بلا عظم [كذا] فيقول: الله عزَّ وجلَّ: ارجع بإذني، فيرجع بإذنه، ويبقى وجه الزاني أسود أشدَّ سواداً من القطران، فيكابر الزاني فيقول: ما عصيتك قطُّ يا ربِّ، فيقول الله سبحانه وتعالى للِّسان: أخرس!، فيخرس اللسان، فعند ذلك تنطق الجوارح، فتقول اليد: إلهي، إنِّي للحرام تناولت، وتقول العين: وأنا للحرام نظرت، وتقول الرجل: وأنا للحرام مشيت، ويقول الفرج: وأنا للحرام فعلت، ويقول الحافظ: وأنا سمعت، ويقول (1) وأنا كتبت، وتقول الأرض: وأنا نظرت؛ فيقول الله عزَّ وجلَّ: وأنا وعزَّتي وجلالي اطَّلعت وسترت، يا ملائكتي خذوه، وفي عذابي ألقوه، ومن سخطي أذيقوه، فقد اشتدَّ غضبي على من قلَّ حياؤه». فاستيقظ يا صاحب الزلل والعيوب، من يستغفر عنك بعد الموت ومن يتوب؟.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ الله عزَّ وجلَّ يحبُّ من عبده أن يراه متضرِّعًا بين يديه، راغبًا بالدعاء إليه، إن سأله أعطاه، وإن دعاه لبَّاه، ألاَ وإنَّ الله سبحانه وتعالى [يقول]: أنا حبيب التوَّابين، وأنا ملجأ المنقطعين، وأنا غيَّاث المستغيثين، من هو (2) الذي يسألني فخيَّبته؟، ومن ذا الذي تاب إليَّ وما قبلته؟ ومن ذا الذي قصدني فما أعطيته؟، أنا الكريم ومنِّي الكرم، وأنا الجواد ومنِّي الجود، أعطي من سألني ومن لم يسألني، ما عن بابي مهرب للخاطئين؛ ثُمَّ قرأ: {ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفِرْ لنا وترحمْنا لنكوننَّ من الخاسرين} (3) ». انتهى. والله أعلم.
التنبيه التاسع
__________
(1) - ... في الحاشية بخطٍّ مجهول: «لعلَّه الكاتب».
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «من ذا الذي».
(3) - ... سورة الأعراف: 23. (2/47)
صفحة 548
في عقوبة اللواط
قال الله تعالى: {أتأتون الذُّكران من العالَمين وتَذَرون ما خلق لكم ربُّكم من أَزوَاجكم بل أَنتم قومٌ عادون} (1) . وقال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عمل قوم لوطٍ فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (2) .
__________
(1) - ... سورة الشعراء: 165-166.
(2) - ... رواه الترمذي في كتاب الحدود، حديث رقم1376، قال: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السَّوَّاقُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»، قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ أَبُو عِيسَى: وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَقَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو فَقَالَ: «مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ»، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْقَتْلَ وَذَكَرَ فِيهِ «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً» وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ وَلَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ غَيْرَ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حَدِّ اللُّوطِيِّ فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِ الرَّجْمَ أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِنْ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقَ و قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرُهُمْ قَالُوا حَدُّ اللُّوطِيِّ حَدُّ الزَّانِي وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ». (2/48)
صفحة 549
قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما حدُّ اللواط أن يرمى صاحبه من سطح شاهق عال ثُمَّ يرمى بالحجارة حتَّى يموت، إنَّ الله تعالى قد رجم قوم لوط بالحجارة من السماء، ولو اغتسل الذي يفعل اللواطة بمياه الأرض جميعًا لم يزل نجسًا حتَّى يتوب، لأنَّ الشيطان إذا رأى الذكر على الذكر هرب خشية العذاب، وإذا ركب الذكر على الذكر اهتزَّ العرش، وتكاد السَّمَاوَات أن تقع على الأرض فتمسك الملائكة بأطرف (1) السَّمَاوَات، ويقرأون: {قل هو الله أحدٌ} حتَّى يسكن غضب الجبَّار.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «سبعة يلعنهم الله سبحانه تعالى يوم القيامة ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ويقال لهم: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل والمفعول به في عمل قوم لوط، وناكح الأمِّ وبنتها، والزاني بامرأة جاره، وناكح المرأة في دبرها، وناكح يده، إِلاَّ أن يتوب، ومؤذي جاره».
قال سليمان بن داود عليه السلام لإبليس لعنه الله: أخبرني أيُّ الأعمال أحبُّ إليك، قال إبليس: ليس لي شيء أحبُّ إليَّ من اللواط، ولا أبغض إلى الله عزَّ وجلَّ من إتيان الرجلِ الرجلَ، والمرأةِ المرأةَ، وليس لي شيء أحبُّ إليَّ من ذلك، قال سليمان لإبليس: ويلك ولمَ ذلك؟ قال: لأَنَّهُ ليس أحد يعتاده ولا يكاد يصبر عنه ساعة، لأنّ الله سبحانه وتعالى يغضب عليهم غضبا شديدا، ومن اشتد غضب الله يحجبه عن التوبة.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بأطراف». (2/49)
صفحة 550
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «اللعب بالنرد من عمل قوم لوط، والمسابقة بالحمير، والمحارشة بين الكلاب، والمناطحة بين الكباش، والمناقرة بين الديوك، ودخول الحمَّام بلا مئزر، ونقض المكبال، وبخس الميزان، كلُّ هذه أفعال قوم لوط، ويل لمن فعلها». وذنبهم الأكبر اكتفاء النساء بالنساء، والرجال بالرجال، فلمَّا كشفوا إزار الحياء عن رؤوسهم وبارزوا الله عزَّ وجلَّ بالمعاصي نكَّسهم الله عزَّ وجلَّ على رؤوسهم، وقلب مدائنهم، أي جعل أعلاها أسفلها، ورجمهم بالحجارة من السماء.
وقال جعفر بن محمَّد رضي الله عنه: إنَّه جاءه امرأتان قارئتان للقرآن فقالتا له: هل في كتاب الله عزَّ وجلَّ غشيان المرأة للمرأة؟ قال: نعم، كانوا على عهد تُبَّع فأهلك الله سبحانه وتعالى قوم تبَّع بسبب ذلك، فأخبر الله عزَّ وجلَّ نبيَّه محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - أنَّه صنع لهنَّ جلباباً من نار، ودرعًا من نار، ونطاقًا من نار، وتاجًا من نار، وخفَّين من نار.
وفي خبر آخر أنَّ المرأة إذا ركبت المرأة يأمر الله سبحانه وتعالى ملكًا أن يصنع لهنَّ جلباباً من نار، ودرعًا من نار، وخفًّا من نار، ومن فوق ذلك كلّه حقّ [كذا] من نار مليء عقارب؛ وإتيان المرأة في دبرها أعظم اللواط لا يفعله إِلاَّ كافر. قلت فهذا دليل واضح من أنَّ العاصي يسمَّى كافرًا سواء كان موحِّدًا أو مشركًا. (2/50)
صفحة 551
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «لعن الله المخنَّثين من الرجال، والمترجِّلات من النساء» (1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «من مات وهو يعمل عمل قوم لوط لم يلبث في قبره أكثر من ساعة ويبعث الله عزَّ وجلَّ ملكًا هيئته كهيئة الخطاف فيخطفه برجله ويطرحه في بلاد قوم لوط، فيقذف معهم في النار، ويكتب على جبهته: آيس من رحمة الله تعالى».
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «يؤتى يوم القيامة بأطفال ليس لهم رؤوس، فيقول الله سبحانه وتعالى لهم ــ وهو أعلم بهم ــ: من ظلمكم؟ فيقولون: ظلمنا آباءنا لأنَّهم كانوا يأتون الذكران من العالمين فألقونا في الأدبار، فيقول الله سبحانه: سوقوهم إلى النار واكتبوا على جباههم: آيسين من رحمتي». فاجتبت رحمك الله الإيَّاس من الرحمة، وتب إلى الله سبحانه وتعالى من الخطايا والعصيان قبل أن تنطق الجوارح فيخرس اللسان، ويناديكم بأسمائكم الملك الديَّان، الذي لا يشغله شأن عن شأن، فتضرَّع أيُّها العبد العاصي إليه وتب من الذنوب بين يديه، فإنَّه كريم حليم غفور رحيم. والله أعلم.
حكاية
__________
(1) - ... في صحيح البخاري: «حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَعَنَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَقَالَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ» قَالَ فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فُلَانًا وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا» كتاب اللباس، 5436. (2/51)
صفحة 552
روي عن عيسى عليه السلام أنَّه دخل على نار توقَّدت على رجل في البريَّة فأخذ عيسى ماء ليطفئها عنه فانقلبت النار غلامًا، وانقلب الرجل نارًا، فبكى عيسى عليه السلام، وقال: يا ربِّ، ردَّهما إلى حالهما الأوَّل حتَّى أرى ما ذنبهما، فانكشفت تلك النار عنهما فإذا هما رجل وغلام، فقال الرجل: يا عيسى أنا قد كنت في دار الدنيا مبتلىً بحبِّ هذا الغلام فحملتني الشهوة إلى أن فعلت به ليلة الجمعة، ثُمَّ فعلت به يومًا آخر، فدخل علينا رجل فقال لنا: ويلكم اتَّقوا الله، فقلت له: أنا لا أخاف ولا أتَّقي، فلمَّا متُّ ومات الغلام صيَّرنا الله عزَّ وجلَّ نارًا فيحرقني مرَّة، ومرة أصير نارًا فأحرقه، فهذا عذابنا إلى يوم القيامة. نعوذ بالله من النار ومن غضب الجبار، والله أعلم. انتهى.
التنبيه العاشر
في عقوبة شارب الخمر
روي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لعن الله الخمرة وبائعَها وشاربها ومشتريَها» (1) .
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «يجيء شارب الخمر يوم القيامة مسودًّا وجهه، مزرقَّة عيناه، مندلعًا لسانه على صدره، يسيل بُصاقه مثل الدم، يعرفه الناس يوم القيامة، فلا تسلِّموا عليه، ولا تعودوه إذا مرض، ولا تصلُّوا عليه إذا مات، فإنَّه عند الله سبحانه وتعالى كعابد الوثن».
__________
(1) - ... في سنن أبي داود: « حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ مَوْلَاهُمْ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ» كتاب الأشربة، حديث رقم 3189 (2/52)
صفحة 553
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «كلُّ مسكر حرام، وكلُّ خمر حرام، فمن شرب الخمر في الدنيا حرَّم الله عليه خمر الآخرة في الجنَّة» (1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ثلاثة لا يجدون ريح الجنَّة وإنَّ ريحها يشمُّ من مسيرة خمسمائة عام مدمنُ خمر، وعاقٌّ لوالديه، والزاني إن لم يتب» (2) .
قلت: فهذه الأحاديث أدلَّة صريحة في أنَّ صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة منها فهو مخلَّد في النار معذَّب فيها. اللهمَّ السلامة السلامة.
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «يخرج شارب الخمر من قبره أنتن من الجيفة والكوز معلَّق في عنقه، والقدح في يده، ويملأ به جلده حيَّات وعقارب، ويلبس نعلين من نار يغلي منهما دماغه، ويكون قبره حفرة من حفر النار قريبًا من فرعون وهامان».
__________
(1) - ... في صحيح مسلم: «حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ» كتاب الأشربة، حديث رقم 3733.
(2) - ... في سنن الإمام أحمد، كتاب باقي مسند المكثرين من الصحابة: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَحَجَّاجٌ قَالَ حَدَّثَنِي شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ قَالَ غُنْدَرٌ نُبَيْطِ بْنِ سُمَيْطٍ قَالَ حَجَّاجٌ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ عَنْ جَابَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ وَلَا عَاقٌّ وَالِدَيْهِ وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ» رقم 6587. (2/53)
صفحة 554
وروي عن عائشة رضي الله عنها عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «من أطعم شارب الخمر لقمة سلَّط الله على جسده حيَّات وعقارب، ومن قضى حاجة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن أقرضه فقد أعانه على قتل مسلم، ومن جالسه حشره الله أعمى لا حجَّة له، ومن شرب الخمر فلا تزوِّجوه، وإن مرض فلا تعودوه أبدًا، فوالذي نفسي بيده إنَّه ما شرب الخمر إِلاَّ من كفر في التوراة والانجيل والزبور والفرقان بجميع ما أنزله الله سبحانه وتعالى على جميع الأنبياء، ومن استحلَّ الخمر فإنَّه بريء منِّي وأنا بريء منه، وإن الله سبحانه وتعالى أقسم بعزَّته وجلاله أنَّ من شرب الخمر في الدنيا عطَّشه الله يوم القيامة عطشًا شديدًا، ويحرق فؤاده، ويخرج منه لسانه على صدره؛ ومن تركه لأجلي سقيته يوم القيامة من خمر الجنَّة يوم القدس تحت عرشه». (2/54)
صفحة 555
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - «إنَّ العبد إذا شرب شربة من الخمر أسودَّ قلبه، وإذا شرب ثانية تبرَّأ منه ملك الموت، وإذا شرب ثالثة تبرَّأ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا شرب رابعة تبرَّأ منه الحفظة، وإذا شرب خامسة تبرَّأ منه جبريل عليه السلام، وإذا شرب سادسة تبرَّأ منه إسرافيل عليه السلام، وإذا شرب سابعة تبرَّأ منه ميكائيل عليه السلام، وإذا شرب ثامنة تبرَّأت منه السَّمَاوَات، وإذا شرب تاسعة تبرَّأت منه سكَّان السَّمَاوَات وإذا شرب عاشرة غلقت دونه أبواب الجنان، وإذا شرب حادية عشر فتحت له أبواب النيران، وإذا شرب ثانية عشر تبرَّأت منه حملة العرش وإذا شرب ثالثة عشر تبرَّأ منه الكرسي، وإذا شرب رابعة عشر تبرَّأ منه العرش، وإذا شرب خامسة عشر تبرَّأ منه الجبَّار جلَّ وعلا، ومن تبرَّأ منه الأنبياء والملائكة أجمعون وتبرَّأ منه ربّ العالمين فقد هلك في جهنَّم مع المذنبين، وإنَّ الله تعالى يسقيه في جهنَّم قدحًا من نار تسقط عيناه ويتهرَّى [كذا] لحمه من وهج ذلك القدح، فإذا شرب يقطع أمعاؤه ويخرجها من دبره؛ ويل لشارب الخمر مِمَّا يلقى من عذاب الله سبحانه وتعالى».
وعن أسماء بنت زينب قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من وقع الخمر في بطنه لم يقبل الله سبحانه وتعالى منه حسنة، فإن مكث أربعين يومًا ولم يتب ومات قبل الأربعين مات كافرًا، وإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقًّا على الله أن يسقيه طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «صديد أهل النار والدم والقيح». (2/55)
صفحة 556
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا مات شارب الخمر فادفنوه ثُمَّ انشبوا قبره، فإن لم تجدوا وجهه مصروفًا عن القبلة فاقتلوني، فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا شرب الخمر أربع مرَّات سخط الله سبحانه وتعالى (1) ، وكتب اسمه في سجِّين، ولا يقبل الله منه صومه ولا صلاته إِلاَّ أن يتوب، فإن تاب وإلاَّ فمأواه النار وبئس المصير».
قلت: إنَّ ظاهر الحديث يدلُّ بأنَّ الحسنات تحبطها الكبائر إن مات صاحبها بغير توبة منها، ومصداقه قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيِّ...} إلى تمام الآية (2) . والظاهر أنَّ هذه المسألة دينيَّة، وسيأتي أنَّه هو اختيار سيِّدي السالمي رحمه الله تعالى.
وعنه - صلى الله عليه وسلم - : «يساق أهل الزنى وشارب الخمر إلى النار يوم القيامة، فإذا دنوا منها فتحت لهم أبوابها واستقبلتهم الزبانيَة بمقامع من حديد، ويضربونهم في باب النار بعدد أيَّام الدنيا، ثمَّ يدفعونهم إلى منازلهم في النار فلا يبقى عضو حتَّى تلدغه عقرب وتنهشه حيَّة على رأسه أربعين سنة لا يبلغ الدرجة [كذا]، ثُمَّ يرفعه اللهب إلى رأس الطبقة فتضربه الزبانيَة فيهوى إلى قعر النار، {كلَّما نضجت جلودُهم بدَّلناهم جُلودًا ليذوقوا العذابَ} (3) ، ثُمَّ يعطشون عطشًا شديدًا فينادون واعطشاه! اسقونا شربة من الماء، فتقدِّم لهم الملائكة الموكَّلون بعذابهم أقداحًا من جهنَّم تغلي وتفور، فإذا تناول شارب الخمر القدح سقط لحم وجهه، فإذا وصل الحميم في بطنه قطَّع أمعاءه وخرجت من دبره، ثُمَّ تعود كما كانت، ثُمَّ يضرب، فهذه عقوبة شارب الخمر».
__________
(1) - ... لعلَّ الصواب إضافة «عليه».
(2) - ... سورة الحجرات: 2.
(3) - ... سورة النساء: 56. (2/56)
صفحة 557
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «يأتي شارب الخمر يوم القيامة والكوز معلَّق في عنقه والطنبور في كفِّه حتَّى يصلب على خشبة من نار فينادي مناد: هذا فلان بن فلان، فيخرج من فمه نتنه ويلعنونه، ثُمَّ تلقيه الزبانيَة من الصلب ويطرحونه في النار، فيبقى فيها ألف سنة فينادي واعطشاه! ثُمَّ يرسل الله تعالى عرقاً منتنًا فينادي: ربِّ ارفع عنِّي هذا العرق، فلا يرفع عنه حتَّى تجيء نار تحرقه فيصير رمادًا، ثُمَّ يعيده الله سبحانه وتعالى فيخلقه خلقًا جديدًا من نار فيقوم مغلولة يداه مقيَّدة رجلاه، يسحب فيها بالسلاسل على وجهه يستغيث من العطش فيسقى من الحميم؛ ويستغيث من الجوع فيطعم من الزقُّوم فيغلى في بطنه، فعند مالك نعال من نار فيلبسه منها نعلين يغلي منهما دماغه حتَّى يخرج المخ من أرنبته وأضراسه من حرٍّ يخرج منه لهيب النار من فمه وتتساقط أحشاؤه من قدَّامه، ثُمَّ يجعل في تابوت من جمر ألف سنة، طويل عذابه، ضيِّق مدخله، سائل صديده، متغيِّر لونه، يقول: يا ربَّاه، قد أكلت النار لحمي، فويل إذا شكى فلا يرحم، وإذا نادى لا يجاب، ثُمَّ يستغيث من العطش فيسقيه مالك شربة الحميم، فيتناولها فتتساقط أصابعه، فإذا نظرها وقعت عيناه وخدوده، ثُمَّ يخرج من التابوت بعد ألف عام فيجعل في سجن حيَّات وعقارب أمثل من البختية [كذا] آخذون بقدميه، ثُمَّ يوضع على رأسه خرقة من نار، ويجعل في مفاصله الحديد، وفي يده الأغلال، وفي (2/57)
صفحة 558
عنقه السلاسل، ثُمَّ يخرج من السجن بعد ألف سنة فتأخذه الزبانية إلى واد الويل، والويل واد من أودية جهنَّم أشدّها حرًّا، وأبعدها قعرًا، وأكثرها حيَّات وعقارب، ويبقى في واد الويل ألف سنة ثُمَّ ينادي: يا محمَّد يا محمَّد، فيسمع - صلى الله عليه وسلم - نداءه فيقول: يا ربِّ صوت رجل من أمَّتي في جهنَّم، فيقول الله سبحانه وتعالى: هذا رجل من أمَّتك يشرب الخمر في الدنيا ومات غير تائب، فيقول النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : يا ربِّ قد خرج من شفاعتي، إِلاَّ أن تعفو عنه». فتب أيُّها العبد من الذنوب إليه، واعتذر من الخطايا لديه.
وقال عليه الصلاة والسلام: «يخرج شارب الخمر من قبره متورِّمة سيقانه، ولسانه مدلع على صدره، وفي بطنه نار تأكل أمعاءه، فيصيح بصوت جهوريٍّ تفزع منه الخلائق، والعقارب تلدغ بين جلده ولحمه، ويبلس نعلين من نار يغلي منهما دماغه، ويكون في النار قريبا من فرعون وهامان. فمن أطعم شارب الخمر لقمة سلَّط الله على جسده حيَّة وعقربا. ومن قضى له حاجة فقد أعانه على هدم الإسلام، ومن أقرضه شيئًا فقد أعانه على قتل مسلم، ومن جالسه حشره الله تعالى أعمى بلا حجَّة؛ ومن شرب الخمر فلا تزوِّجوه، وإن مرض فلا تعودوه؛ والذي بعثني بالحقِّ ما شرب الخمر أحد إِلاَّ كان ملعونا في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان؛ ومن شرب الخمر فقد كفر بجميع ما أنزل الله سبحانه على أنبيائه، ولا يستحلُّ الخمر إلاَّ كافر ،وأنا بريء منه، وإنَّ شارب الخمر يموت عطشان فينادي: واعطشاه!، ألف سنة.
والذي بعثني بالحقِّ نبيًّا، إنَّ شارب الخمر يجيء يوم القيامة فيقول الله سبحانه وتعالى للملائكة: خذوه، فيبرز له سبعين ألف ملك يسحبونه على وجهه. وأزيدكم من كان في قلبه مائة آية من كتاب الله تعالى وصبَّ عليها الخمر يجيء يوم القيامة كلُّ حرف من القرآن يخاصمه بين يدي الله عزَّ وجلَّ، ومن خاصمه القرآن فقد هلك».
حكاية (2/58)
صفحة 559
روي عن عمر بن عبد العزيز أنَّه قال: «كنت ذات ليلة ذاهبا إلى المسجد وإذا بنسوة يتباكون على الطريق فقلت لهنَّ: ما قضيَّتكنَّ؟ قلن: مريض عندنا ندعوه ونكرِّر عليه الشهادة فلم يقلها، فقال: اكتسب أجرة وألقِّنهُ الشهادة، فلقَّنتُه لا إله إلاَّ الله محمَّد رسول الله، فلم يقلها فكرَّرتها عليه، ففتح عينيه فقال: كفرت بلا إله إلاَّ الله، وتبرَّأت من الإسلام، وخرجت روحه، فخرجت من عنده وأعلمت النساء بحاله وناديت: يا قوم لا تصلُّوا عليه ولا تدفنوه في مقابر المسلمين لأَنَّهُ مات كافرًا فاسألوا أهله ما كان يفعل، فقالوا: ما نعلم له ذنبًا غير أنَّه كان يشرب الخمر». فالخمر سلب إيمانه عند الموت، فتب أيُّها العبد الضعيف، قبل مقاطعة الربِّ اللطيف، فيا ويل من عصاه، وكانت النار مأواه، فبادر إلى التوبة ما دام في الجسم روح، وعَلَم الوصال يلوح، والباب للتائبين مفتوح.
وروي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذا تاب العبد عرجت الملائكة إلى السماء فيقولون: يا ربَّنا عبدك فلان قد استيقظ من سنة الغفلة واللعب ووقف بين يديك ذليلا، فيقول الله: يا ملائكتَيْ السَّمَاوَات والأرضين... (1) لقدوم أنفاس حضرته، وافتحوا أبواب التوبة لقبول توبته، وإنَّ نفس التائب عندي إذا تاب أعزُّ من الأرضين والسماوات، فمن لازم التوبة وقام في الخدمة بدَّلت ذنوبه حسنات». والله تعالى أعلم. انتهى.
التنبيه الحادي عشر
في عقوبة عاق والديه
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «فلو علم الله عزَّ وجلَّ في الكلام شيئًا أَقَلَّ مِنْ أُفٍّ ما قال الله عزَّ وجلَّ: {إمَّا يبلغنَّ عندك الكِبر أحدهما أو كلاهما فلا تَقُل لهما أفٍّ ولا تنهَرهما، وقل لهما قولا كريمًا} (2) ».
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة سقط كلمة.
(2) - ... سورة الاسراء: 23. (2/59)
صفحة 560
قلت: فللقطب رضي الله عنه نظر في صحَّة هذا الحديث، قال في تيسير التفسير عند الآية: «ولا يصحُّ ما قيل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لو علم الله شيئًا أدنى من الأفِّ لنهى عنه، لأَنَّهُ علم وأعلمنا أنَّه وجد أدنى من الأفِّ ولم يذكرها، وهي لا تجوز، مثل أن يقول لهما على وجه الضجر هذا، ولكن مثَّل لنا بالأفِّ. الإحسان إلى الوالدين واجب قبل كبرهما، وفيه تحريم التأفيف كذلك، وكذا نهرهما، والقول الكريم، ونحو ذلك... ولكن ذكر الكبر لكونه محلَّ تهاون الولد بهما والضجر. و«أفٍّ» اسم للفعل المضارع التكلُّمي، وهو أضجر وأتضجَّر، أي أصابني الملل منكما لشدَّة مؤنتكما عليَّ ، أو خدمتكما، أو رائحتكما المنتنة. وقيل أفٍّ خسرانًا أو قبحًا أو نتنًا، فيكون اسم فعل ماض للخطاب، أي خسرتما أو قبحتما أو نتنتما، أو أشبهتما وسخَ الظفر، أو ما يسقط من السقف. وقيل: اسم صوت من أصوات الفم يصوّت به الإنسان عند الضجر لا اسم فعل ولا ضمير فيه، إِنَّمَا هو بالطبع ولا وضع فيه». انتهي.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لو كان في الكلام شيء أقلَّ من أفٍّ ما قال الله: {فلا تقل لهما أفٍّ}». فقد بالغ الله سبحانه وتعالى في الوصيَّة بالوالدين، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «عاقُّ والديه لو صلَّى وصام حتَّى بقي مثل الوتر، ومات ووالداه غضبانان إليه لقي الله عزَّ وجلَّ وهو غضبان عليه».
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ليس بين عاقِّ والديه وبين إبليس في النار إلاَّ درجة واحدة».
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ليلة أسري بي إلى السماء رأيت أقواما معلَّقين في جذوع من نار، فقلت لأمين الوحي: يا أخي يا جبريل، من هؤلاء؟ فقال: العاقون لوالديهم».
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من سبَّ والديه نزل على رأسه في جهنَّم بعدد كلِّ قطرة نزلت من السماء إلى الأرض». نعوذ بالله من النار ومن غضب الجبار ومن كلِّ عمل يدخل النار. (2/60)
صفحة 561
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أوصيكم بالصلاة وبرِّ الوالدين، فإنَّه يزيد في العمر، والذي نفسي بيده إنَّ العبد يكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيحسن إلى والده فيجعلها الله عزَّ وجلَّ ثلاثين سنةً، ويسيء إلى والده فيجعلها الله عزَّ وجلَّ ثلاث سنين أو ثلاثة أيَّامٍ. والإحسان إلى الأهل والأقارب يزيد في العمر، والجفاء عليهم ينقص في العمر والرزق، ويغضب الربَّ سبحانه وتعالى، وإن لم يُعَاقِبِ اللهُ سُبْحَانَهُ قَاطِعَ الرَّحِمِ في الدنيا يؤخِّر الله عذابه بعد الموت، فتسجن روحه في بئر برهوت على فم جهنَّم إلى يوم القيامة».
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من عقَّ والديه فقد عصى الله ورسوله، والعاقُّ لوالديه إذا دفن في قبره عصره القبر حتَّى تختلف أضلاعه، وأشد الناس عذابا يوم القيامة في جهنَّم ثلاثة: العاقُّ لوالديه، والزاني، والمشرك بالله».
حكاية
قال بعض الصالحين: دخلت في الليل بين القبور فرأيت قبرا يخرج منه دخان فنظرت إليه فانشقَّ فخرج منه زبانيٌّ أسود في يده عمود من حديد يضرب به حمارا في رأسه وذلك الحمار ينهق، ثُمَّ خرج الحمار بسلسة من نار فأدخله الزبانيُّ في القبر، ودخل خلفه وانطبق قبره، فتعجَّبت، وبقيت متفكِّرا، فلقيت امرأة، فسألتها عن ذلك، فقالت: هذا كان يزني ويشرب الخمر، وكانت أمُّه مخاصمة له، فيقول لها: انهقي كما ينهق الحمار، فلمَّا مات مسخه الله حمارًا في قبره، وفي كلِّ ليلة يخرجه الزبانيُّ من قبره ويضربه ويقول له: اِنهق يا حمار، ثُمَّ يجرُّه بسلسلة ويردُّه في القبر ثُمَّ ينطبق عليه. نعوذ بالله من النار، ومن غضب الجبار، ومن عمل أهل النار. فالمؤمن يحمِّل نفسه المشقَّات والأمور الصعاب، فزعا من القطيعة والبعد والعذاب، انتهى، والله أعلم. (2/61)
صفحة 562
وقوله «والبعث»: فهو إعادة الأجساد الفانية بعينها للجزاء، يوم تُجزَى كلُّ نفسٍ بما عملت وهم لا يُظلَمون، قال تعالى حكاية عن منكري البعث: {ائنَّا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل إنَّ الأوَّلين والآخرين لَمَجموعون إلى ميقاتِ يومٍ معلومٍ} (1) وقال تعالى: {قلْ بَلَى وربِّي لتُبعثُنَّ...} الآية (2) . وقال تعالى: {ثمَّ أماته فأقبرهُ ثُمَّ إذا شاءَ أنشره} (3) . ونحو ذلك من الآيات والأحاديث النبويَّة. انتهى.
__________
(1) - ... سورة الواقعة: 47-50.
(2) - ... سورة التغابن: 7.
(3) - ... سورة عبس: 21-22. (2/62)
صفحة 563
وقوله: «والحساب»: عطف أيضًا على ما مرَّ، وهو تبيين الله للعباد أعمالهم إن خيرا فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ؛ فحساب الله لخلقه يوم القيامة إِنَّمَا هو تمييز الأعمال الحسنة من الأعمال القبيحة، فيرى الفاعل أعماله الخيريَّة وأعماله الشريَّة، وليس الحساب يومئذ كحساب بعضنا لبعض لاستلزامه التشبيه الذي يحيله العقل، ويبطله النقل؛ هذا ما عليه الأصحاب رحمهم الله تعالى. والذي أقوله: إنَّه لا بأس أن يكون الحساب يوم القيامة هو الحساب المتعارف فيما بيننا، ويكون المحاسب يومئذ هو خلقًا من خلقه تعالى جعله لذلك، فلا يلزم على هذا المعنى ما ذكر من التشبيه، والقول به عندي أولى، لأنَّ ظواهر الآيات والروايات دالَّة عليه، فلو قيل لغيره لزم صرف كثير من الآيات والروايات على خلاف ظاهرها مع إمكان الأخذ بالظاهر؛ فمن تلك الآيات قوله تعالى: {يومَ تأتي كلُّ نفسٍ تُجادِل عن نفسِها} (1) . ففي هذه المجادلة النصُّ الصريح على ما قدَّمت ذكره من بيان الحساب، ومنها قوله تعالى: {إذا ما (2) جاؤوهَا شَهِدَ عليهم سمعُهم وأبصارُهم وجلودُهم بما كانوا يعملون، وقالوا لِجلودِهم: لِمَ شَهِدتم عَلينا...} الآية (3) ، ففي هذه الآية ما يدلُّ على أن هنالك مخاطبة وتكلُّما وشهودا؛ وكذا قوله تعالى: {اليوم نَختِم على أفواهِهم وتُكلِّمُنا أيدِيهِم وتَشهدُ أرجُلُهم} (4) . وكذا قوله تعالى: {وجاءت كلُّ نفسٍ معها سائقٌ وشهيدٌ} (5) .
__________
(1) - ... سورة النحل: 111.
(2) - ... في الأصل سقط: «ما».
(3) - ... سورة فصِّلت: 20.
(4) - ... سورة يس: 65. وفي الأصل: «يوم نختم». وهو خطأ.
(5) - ... سورة ق: 21. (2/63)
صفحة 564
والروايات الدالُّ ظاهرها على ما قلته ما أخرجه الترمذي وصحَّحَه: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتَّى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن عمله ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه» (1) .
وقد خصَّ بالحساب صنفان من الناس:
أحدهما: المقصر التائب من ذنبه.
وثانيهما: الفاسق العاصي. والجكمة في حساب المؤمن المقصِّر هي أن يعلم نعمة الله بغفران ذنوبه وستر عيوبه؛ والحكمة في حساب الفاسق هي ازدياد حسراته وتضعيف تنكيله بالتأسُّف على إضاعة عمله، فإنَّه متى رأى العمل الموجب للغفران محبوطا بعمل صدر منه ازداد بذلك حسرة وندامة؛ ومن الحكمة في هذا أيضًا إظهار إنصاف الله تعالى لخلقه، فإنَّه {لا يظلم الناس شيئًا ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون} (2) ، وما عدا هذين الصنفين فهم إمَّا في الجنَّة بلا حساب وهم الموفُّون، وإمَّا في النار بلا حساب وهم المشركون؛ انتهى... (3) سيدي نورالدين رضي الله عنه وإليه أشار بقوله:
__________
(1) - ... في سنن الترمذي: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ»، قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ هُوَ بَصْرِيٌّ وَهُوَ مَوْلَى أَبِي بَرْزَةَ وَأَبُو بَرْزَةَ اسْمُهُ نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ» كتاب صفة الرقائق، حديث رقم 2341.
(2) - ... سورة يونس: 44.
(3) - ... يبدو أنَّ في العبارة سقطًا. (2/64)
صفحة 565
أمَّا الحساب فهو تمييز ... العمل ... خيرًا وشرًا ليراه من ... فعل
خصَّ به مقصِّر ... ليعلما ... أو فاسق ليكثر ... التندُّما
وقوله: «والعقاب» أي النكال لأهل العصيان لعصيانهم، وهو النار، أعاذنا الله منها. انتهى.
ولنذكر هنا شيئًا من نكال النيران أعاذنا الله منها:
يا أيُّها الغافل عن نفسه المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا فمشرفة على الانقضاء والزوال، دع التفكير فيما أنت مرتحل عنه، واصرف إلى موردك فإنَّك أخبرت أنَّ النار مورد للجميع إذ قيل: {وإن منكم إلاَّ واردُها كان على ربِّك حتمًا مقضيًّا ثُمَّ ننجِّي الذين اتَّقوا ونَذَرُ الظالمين فيها جُثِيًّا} (1) فأنت من الورود على يقين، ومن النجاة في شكٍّ، فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد، فعساك تستعدُّ للنجاة منه، وتأمَّل في حال الخلائق وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا، فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة أنبائها وتشفيع شفعائها إذ حاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب، وأظلَّت عليهم نار ذات لهب، وسمعوا لها زفيرا وجرجرة تفصح عن شدَّة الغيظ والغضب، فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب، وجثت الأمم على الركب، حتَّى أشفق البراء من سوء المنقلب، وخرج المنادي من الزبانية قائلا: أين فلان أين فلان المسوِّف نفسه في الدنيا بطول الأمل، المضيِّع عمره في سوء العمل، فيبادرونه بمقامع من حديد، ويستقبلونه بعظائم التهديد، ويسوقونه إلى العذاب الشديد، وينكسونه في قعر الجحيم، ويقولون له: {ذُقْ إنَّك أنت العزيزُ الكريمُ} (2)
__________
(1) - ... سورة مريم: 71-72.
(2) - ... سورة الدخان: 49.. (2/65)
صفحة 566
فأسلكوا دار ضيِّقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك، يخلد فيها الأسير، ويوقد فيها السعير، شرابهم فيها الحميم ومستقرُّهم الجحيم، الزبانية تقمعهم والهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك، وما لهم فيها فكاك، قد شدَّت أقدامهم إلى النواصي، واسودَّت وجوههم من ظلمة المعاصي، ينادون من أكنافها، ويصيحون من نواحيها وأطرافها: يا مالك قد حقَّ علينا الوعيد، يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد نضجت منَّا الجلود، يا مالك أخرجنا منها فإنَّا لا نعود! فتقول الزبانية: هيهات لات حين أمان، ولا خروج لكم من دار الهوان، فاخسأوا فيها ولا تكلِّمون، ولو أُخرِجتُم منها لَكُنتُم إلىَ ما نُهِيتم عَنه تَعُودُون؛ فعند ذلك يقنطون، وعلى ما فرَّطوا في جنب الله يتأسَّفون، ولا ينجيهم الندم ولايغنيهم الأسف، بل يبكون على وجوههم مغلولين، النار من فوقهم والنار من تحتهم، والنار عن أيمانهم، والنار عن شمالهم، فهم غرقى في النار، طعامهم نار، وشرابهم نار، ولبسهم نار، ومهادهم نار، فيهم بين مقطعات النيران، وسرابيل القطران، وضرب المقامع، وثقل السلاسل، فهم يتجلجلون في مضايقها، ويتحطَّمون في دركاتها، ويضطربون بين غواشيها، تغلي بهم النار كغلي القدور، ويهتفون بالويل والعويل، ومهما دعوا بالثبور صبَّ {من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد} (1) تهشَّم بها جباههم، فينفجر الصديد من أفواههم، وتنقطع من العطش أكبادهم، وتسيل على الخدود أحداقهم، وتسقط من الوجنات لحومها، ويتمعَّط من الأطراف شعورها، بل جلودها {كلَّما نَضِجت جلودُهم بدَّلناهم جُلودًا غيرَها} (2)
__________
(1) - ... سورة الحج: 19-21.
(2) - ... سورة النساء: 56.. (2/66)
صفحة 567
قد عريت من اللحم عظامهم، فبقيت الأرواح منوطة بالعروق وعلايق العصب، وهي تنشر في لفح تلك النيران، وهم مع ذلك يتمنَّون الموت فلا يموتون، فكيف بك لو نظرت إليهم وقد سوِّدت وجوههم أشدَّ سواد من الحميم، وأعميت أبصارهم، وأبكمت ألسنتهم، وقصمت ظهورهم، وكسرت عظامهم وجُذعت آذانهم، ومزِّقت جلودهم، وغلَّت أيديهم إلى أعناقهم، وجمع بين نواصيهم وأقدامهم، وهم يمشون على النار بوجوههم ويطأون حسك الحديد بأحداقهم، فلهيب النار سار في بواطن أجزائهم، وحيَّات الهاوية وعقاربها متشبِّثة بظواهر أعظائهم، هذا بعض جملة أحوالهم.
قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «إن في جَهَنَّم سبعين ألف واد، في كلِّ واد سبعون ألف شعب، في كلِّ شعب سبعون ألف ثعبان وسبعون ألف عقرب، لا يشتهي الكافر والمنافق حتَّى يواقع ذلك كلَّه».
وقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «تعوَّذوا بالله من جبِّ الحزن أو واد الحزن، قيل: يا رسول الله وما وادي الحزن أو جبُّ الحزن؟؛ قال: واد في جَهَنَّم تتعوَّذُ منه جَهَنَّم كلَّ يومٍ سبعين مرَّة أعدَّه الله تعالى للقرَّاء المرائين».
فهذه سعة جَهَنَّم وأشعاب أوديتها، وهي بحسب عدد أودية الدنيا وشهواتها، وعدد أبوابها بعدد الأعضاء السبعة التي بها يعصي العبد، بعضها فوق بعض: الأعلى جَهَنَّم ثُمَّ سقر ثُمَّ لظى ثمَّ الحطمة ثُمَّ السعير ثُمَّ الجحيم ثمَّ الهاوية.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إنَّ أدنى أهل النار عذابًا يوم القيامة يتنعل بنعلين من النار يغلي دماغه من حرارةِ نعلَيهِ»، انتهى من الإحياء (1) .
__________
(1) - ... يبدو أنَّ كلَّ الأحاديث الواردة في المائة صفحة الماضية مقتبسة من إحياء علوم الدين، ومعلوم ما في صحَّة أحاديث الإحياء من مقال، ولذلك تعمَّدنا تخريج نماذج من الأحاديث، وإلاَّ لطال الكتاب إطالة مفرطة، ومن أراد التحقّق فعليه بالكتب التي خرَّجت إحياء علوم الدين. (2/67)
صفحة 568
وقوله: «والجنَّة والنار» هو عطف تفسير لأنَّ العقاب هو النار، والثواب هو الجنَّة، والمراد بالعقاب مجرَّد النكال للعاصي، والثواب مجرَّد الإنعام للطابع، نعوذ بالله من النكال؛ فالنار ــ نعوذ بالله منها ــ محلُّ النكال، والجنَّة محلُّ الإنعام، انتهى.
وسنذكر هنا إن شاء الله مِمَّا ورد في أصناف نعيم الجنَّة: (2/68)
صفحة 569
اعلم أنَّ تلك التي عرفت همومها وغمومها تقابلها دار أخرى فتأمَّل نعيمها وسرورها، فإنَّ من بَعُدَ من أحدهما استقرَّ لا محالة في الأخرى، فاستأثر الخوف من قلبك بطول التفكُّر في أهوال الجحيم، واستشعر الرجاء بطول الفكر في النعيم المقيم الموعود لأهل الجنان، وسق نفسك بسوط الخوف، وقدها بزمام الرجاء إلى الصراط المستقيم، فبذلك تنال الملك العظيم، وتسلم من العقاب الأليم، فتفكَّر في أهل الجنَّة، وفي وجوههم نضرةَ النعيم، يُسقون من رحيقٍ مختومٍ، جالسين على منابر الياقوت الأحمر، في خيام من اللؤلؤ الرطب الأبيض، فيها بُسُط من العبقريِّ الأخضر متَّكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر والعسل، محفوفة بالغلمان والولدان، مزيَّنة بالحور العين من الخيرات الحسان، كأنَّهم الياقوت والمرجان، لم يطمثهنَّ إنس قبلهم ولا جانٌّ، يمشين في درجات الجنان، إذا اختالت إحداهنَّ في مشيها حمل أعطافها سبعون ألفا من الولدان، عليها من طرائف الحرير ما تتحيَّر فيه الأبصار، مكلَّلات بالتيجان المرصَّعة باللؤلؤ والمرجان، شكلات غنجات عطرات آمنات من الهرم والبؤس، مقصورات في الخيام، في قصور من الياقوت بنيت وسط روضات الجنان، قاصرات الطرف عين، ثُمَّ يطاف عليهم وعليهنَّ بأكواب وأباريق وكأس من معين، بيضاء لذَّة للشاربين، يطوف عليهم خدَّام وولدان كأمثال اللؤلؤ المكنون، {جزاء بما كانوا يعملون} (1) ، في مقام آمنين في جنَّات وعيون، {في جنَّات ونهر في مقعَدِ صدقٍ عند مليك مُقتدِرٍ} (2) ،
__________
(1) - ... سورة السجدة: 17.
(2) - ... سورة القمر: 55.. (2/69)
صفحة 570
ينظرون فيها إلى وجه الملك الكريم، وقد أشرقت في وجوههم نظرة [كذا] النعيم، لا يرهقهم قتر ولا ذلَّة بل عباد مكرمون بأنواع التحف عند ربِّهم يتعاهدون، فهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، لا يخافون فيها ولا يحزنون، وهم من ريب المنون آمنون، فهم فيها يتنعَّمون ويأكلون من أطعمتها ويشربون من أنهارها لبناً وخمرًا وعسلاً في أنهار؛ أراضيها من فضَّة وحصباؤها مرجان، وعلى أرض ترابها مسك أذفر[كذا]، ونباتها زعفران، ويمطرون من سحاب فيها ماء من النسرين، على كثبان الكافور، ويؤتون بأكواب، وأيُّ أكواب! بأكواب من فضَّة مرصَّعة بالدرِّ والياقوت والمرجان، كوز فيه من الرحيق المختوم، ممزوج به السلسبيل العذب، كوب يشرق نوره من صفاء جوهره، يبدو الشراب من ورائه برقَّته وحمرته، لم يصنعه آدمي فيقصِّر في تسوية صنعته وتحسين صناعته، في كفٍّ خادم يحكى ضياء وجهه الشمس في إشراقها، ولكن من أين للشمس مثل حلاوة صورته وحسن أصداغه، وملاحة أحداقه؛ فيا عجبا لمن يؤمن بدارٍ هذه صفتها، ويوقن بأنَّه لا يموت أهلها، ولا تحلُّ الفجائع بمن نزل بفنائها، ولا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها كيف يأنس بدار قد آذن الله في خرابها، ويتهنَّأ بعيش دونها، والله لو لم يكن فيها إِلاَّ سلامة الأبدان مع الأمن من الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان لكان جديرًا بأن يهجر الدنيا بسببها، وأن لا يؤثر عليها ما التصرُّم والتنغُّص من ضرورته، كيف وأهلها ملوك آمنون، وفي أنواع السرور ممتَّعون، لهم فيها كلُّ ما يشتهون، وهم في كلِّ يوم بفناء العرش يحضرون، وإلى وجه الله الكريم ينظرون، وينالون بالنظر من الله ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ولا يلتفون، وهم على الدوام بين أصناف هذه النعم يتردَّدون، وهم من زوالها آمنون. (2/70)
صفحة 571
قال أبو هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ينادي مناد: يا أهل الجنَّة إنَّ لكم أن تصحُّوا فلا تسقموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإنَّ لكم أنَّ تشبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تتنعَّموا فلا تيأسوا أبدًا».
فذلك قوله عزَّ وجلَّ: {ونُودُوا أنْ تِلكُمُ الجنَّةُ أورِثتُموها بما كنتم تَعملون} (1) ، ومهما أردت أن تعرف صفة الجنَّة فاقرأ القرآن، فليس وراء بيان الله تعالى بيان، واقرأ من قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربِّه جنَّتان} (2) . واقرأ سورة الواقعة وغيرها من السور.
لكم دار علِّيِّين فيها ... مواهب ... عقائل في الفردوس جمٌّ ... غفيرها
لكم ما اشتهت فيه النفوس ... وكلُّ ما ... تلذُّ به عين يقرُّ ... قريترها
هنيئًا لكم يا صفوة الله ... مقعد ... يحف به من رحمة الله ... سورها
قال المصنِّف: «والثاني فناء الجنَّة والنار، وخروج أهلهما منهما، وكون االشفاعة لأهل الكبائر، وكون عقابه في الآخرة يشبهه عقاب في الدنيا، وثوابه في الآخرة يشبهه ثواب في الدنيا». انتهى.
أي: والقسم الثاني: وهو ما أدرك عدمه واستحالته بالشرع من الجائز في العقل زوال الجنَّة وهي دار الآخرة التي أعدَّها الله عقابًا لأهل عصيانه عدلاً منه وإنصافًا، {لا ظلم اليوم} (3) ففناؤهما محال قطعًا، بدليل آيات الخلود فيهما. والخلود هو المكث الطويل الذي لا غاية له، وإن استعمل فيما له غاية مبالغةً فمجاز لا يُصار له إِلاَّ بقرينة. انتهى.
قال في القناطر: «والواجب على المكلَّف أن يعتقد أنَّ لله سبحانه ثوابًا لا يشبهه ثواب، وعقابًا لا يشبهه عقاب، وهما الجنَّة والنار، وهما دائمتان مع سكَّانهما من الأبرار والفجَّار لا يموتون، ولا هم عنها بمخرجين». انتهى.
__________
(1) - ... سورة الأعراف: 43.
(2) - ... سورة الرحمن: 46.
(3) - ... سورة غافر: 17. (2/71)
صفحة 572
وقد اختلف العلماء في الجنَّة والنار هل هما موجودتان الآن أم ستوجدان بعد الفناء؟ فذهب جمهورنا والأشاعرة وبعض المعتزلة إلى الأوَّل، وغيرهم إلى الثاني، والقول الأصحُّ من القولين هو الأوَّل وحجَّته قصَّة آدم وحوَّاء عليهما السلام وإسكانهما الجنَّة وإخراجهما منها بالزلَّة، وهذا لا يمكن، الجواب عنه لنصِّ محكم الكتاب به ولتواتره ضرورة حتَّى عند من جحد النبوَّة، والقول بأنَّ الجنَّة التي كانا فيها غير الجنَّة الموعود بها في الآخرة تحكُّم من قائله إذ لا دليل عليه، والأخبار الصحيحة سالكة هذا المسلك، فإنَّ كثيرًا منها ما يدلُّ على وجودهما الآن، وممَّا استدلُّوا به أيضًا قوله تعالى: {أعدَّت للمتَّقين} (1) ، {أُعدَّت للكافرين} (2) بصيغة الماضي، لكن يبحث فيه بأنَّه لا دلالة فيه على المطلوب، فقد قال تعالى: {ونفخ في الصور} (3) {وسيِّرت الجبالُ} (4) ، ونحو ذلك.
__________
(1) - ... سورة آل عمران: 133.
(2) - ... سورة البقرة: 24.
(3) - ... سورة الكهف: 99.
(4) - ... سورة النبأ: 20. (2/72)
صفحة 573
واستدلَّ القائلون بعدم ووجودهما الآن ــ وهم جمهور المعتزلة وبعض من أصحابنا كالشيخ أبي المؤثر وأبي سهل وابن أبي نبهان ــ بقوله تعالى في حقِّ الجنَّة: {أُكلُها دائم} (1) بمعنى مأكولها دائم، أي لا ينقطع، مع قوله تعالى: {كلُّ شيءٍ هالكٌ إِلاَّ وجهَهُ} (2) {ويبقَى وجهُ ربِّك ذو الجلالِ والإكرامِ} (3) ، قالوا: فلو كانت الجنَّة مخلوقةً الآن لزم فناؤها وهلاكها فلا تكون دائمة، والنار مثلها إذ لا قائل بالفرق، وقد أجيبوا بأجوبة: المختار منها أن يكون (4) ذاتيهما قابلتين للفناء كاف في كونهما فانيتين، فإنَّ ما أمكن فيه الفناء لذاته فانٍ على الحقيقة، ورفع الفناء عنه فعلاً لعارض عَرَض عليه من خارج لا يدفع ذلك الإمكانَ الذاتيَّ. انتهى من المشارق ببعض التصريف. وإلى ذلك قال سيِّدي نورالدين السالمي رحمه الله تعالى:
والخلف هل قد خُلقا وهو ... الأصح ... أم يخلقان بعدما الفناء ... اتَّضح
وقد اختلف القائلون بوجود الجنَّة والنار في تعيين محلِّهما، فقال جمهورهم: إنَّ الجنَّة فوق السماء السابعة عند سدرة المنتهى، وإنَّ النار تحت الأرض السفلى، وذهب آخرون إلى الوقف عن تبيين محلِّها وهو الأميل عند سيِّدي نورالدين رضي الله عنه وإليه الإشارة بقوله:
وعدم تعييننا ذاك ... المحل ... أولى بنا إذ لا دليل ثُمَّ ... دل
وعدم التعيين ليس ... يقدح ... فِي قولنا إنَّ الوجود ... أرجح
__________
(1) - ... سورة الرعد: 35.
(2) - ... سورة القصص: 88.
(3) - ... سورة الرحمن: 27.
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أنَّ كَوْنَ ذاتيهما». (2/73)
صفحة 574
أي أنَّ عدم تعيينا لمحلِّ الجنَّة والنار لا يقدح في ترجيحنا بوجود الجنَّة والنار الآن، لأنَّ ذلك الترجيح بحسب ما ظهر لنا ترجيح حجِّتيه فيه، وعداه لاظهر (1) لنا وجه حجيَّته، فعلينا اتِّباع ما ظهر لنا وجه صوابه، ولا يلزمنا التكليف في الذي لم يظهر لنا وجه صوابه، {سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم} (2) ، وقوله: وخروج أهلهما منهما، أي خروج أهل الجنَّة والنار محال قطعًا، وممتنع شرعًا، وذلك بدليل آيات الخلود فيهما سواء كان الداخل في النار موحدًا عاصبًا، أو مشركًا جاحدًا، فمن مات غير تائب فهو مخلَّد في النار قال سبحانه وتعالى: {ومن يعص الله ورسولَه فإنَّ له نار خالدين فيها أبدًا} (3) . وقوله: {ومن يقتل مؤمنًا متعمِّدًا فجزاؤه جهنَّم...} الآية (4) . وقال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله إِلاَّ بالحقِّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا يضاعفْ له العذاب يوم القيامة ويخلُدْ فيه مهانًا إِلاَّ من تاب} (5) . وأمثالها من الآيات القاطعة في تخليد الداخل في النار والعياذ بالله منه، واعترض في الآية الأولى بأنَّ المراد من عصى الله ورسوله في التوحيد وأجيب بأنَّ اللفظ عام ولا مخصَّص، وفي الآية الثانية بأنَّ المراد فيها: من قتل مؤمنًا على إيمانه، ولا يقتل مؤمنا على إيمانه إِلاَّ مشرك.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «لم يظهر لنا...».
(2) - ... سورة البقرة: 32.
(3) - ... سورة الجن: 23.
(4) - ... سورة النساء: 93.
(5) - ... سورة الفرقان: 68 - 70. (2/74)
صفحة 575
ويجاب أنَّ سياق هذه الآية ينفي هذا التعليل، لأَنَّهُ ذكر أوَّلاً حكم قاتل المؤمن خطأ، ثُمَّ ذكر حكم قاتله عمدًا، والمحكوم عليه في كلا الموضعين واحد، واعترض في الآية الثالثة بوجهين: أحدهما أنَّه قال: {ومن يفعل ذلك}، ولم يقل: ومن يفعل شيئًا من ذلك، فظاهرها من فعل الشرك والقتل والزنى يخلَّد، ويجاب بأنَّه قد اجتمعت الأمة وأنتم معهم بأن الشرك بالله تعالى موجب للتخليد في النار، واعتراضهم هذا يبطل ذلك الإجماع؛ لأَنَّهُ يستلزم أنَّ المشرك لا يخلَّد إِلاَّ إذا قتل النفس الحرام وزنى، وإذا ثبت أن المشرك مخلَّد ولو لم يقتل ويزني، فما فائدة ذكر القتل والزنى في الآية إِلاَّ ليُبْنىعليها حكم التخليد، كما أنَّ الشرك لو انفرد صاحبه مخلِّد، كذلك القتل المحرَّم والزنى لو انفرد كلُّ واحد منهما خلَّد فاعله في النار، إِلاَّ إن تاب. وثانيهما: لا دليل لكم في الآية على التخليد الأبديِّ، فلم لا يجوز أن يطلق التخليد على طول المكث من غير تأبيد؟ ويجاب بأنَّ هذا خلاف الظاهر بغير دليل، وأيضًا فهذا التخليد المذكور شامل للمشرك أيضًا، فيلزم أنْ يكون تخليده أيضًا غير أبديٍّ لا يقال إنَّ اللَّفظة الواحدة تستعمل، ويراد بها معنياها الحقيقيَّان إن كانت مشتركًا، أو الحقيقيُّ والمجازيُّ إن كانت غير مشترك، أو المجازيَّان فتحمل الخلود هنا على الخلود الأبديِّ في حقِّ المشرك، وعلى طول المكث في حقِّ القاتل والزاني، لأنَّا نقول: لا نسلِّم جواز استعمال الكلمة في معنييها المذكورين مع إرادتهما معًا في حال واحد، ولو سلَّمنا ذلك لقلنا: إنَّ ذلك الجواز ليس بلغويٍّ، والربُّ تعالى خاطبنا بلغتنا؛ ولو سلمنا أنَّه لغويٌّ لقلنا: إنَّ استعمالها في معنييها مجاز محتاج إلى قرينة ولا قرينة، فإن قيل: إنَّ القرينة قوله تعالى في حقِّ المشركين: {ومن يعص الله ورسوله فإنَّ له نار جهنَّم خالدين فيها أبدًا} (1) ،
__________
(1) - ... سورة الجن: 23.. (2/75)
صفحة 576
قلنا: إنَّ هذه الآية عامَّة للعاصي مطلقًا فلا تخصُّ المشرك دون الفاسق، وقد اجتمعت الأمَّة ــ قبل ظهور المخالف وبعده ــ إلى الأخذ بهذه النصوص القرآنيَّة مع ما يعضدها من الأحاديث النبويَّة التي بلغت في تعدُّد طرقها مبلغ التواتر، وإن لم يتواتر لفظها فالقدر الذي تواطأت عليه متواتر وقد تلقَّته الأمَّة كلُّها بالقبول كحديث: «من قتل نفسه بحديدة...» وكحديث: «لا يجد ريح الجنَّة...» ونحوها... لكنَّ تأوَّلوهما بمن فعل ذلك استحلالاً لفعله فيكون باستحلاله ما حرَّم الله مشركًا.
قال سيِّدي نورالدين السالمي رضي الله عنه: «وهذا التأويل صارف لتلك الأحاديث عن نصوصها وزائد فيها ما لم يكن». انتهى. (2/76)
صفحة 577
قلت: وللقائلين بخروج الفسَّاق من أمَّة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - من النار احتجاجات قرآنيَّة وأحاديث نبويَّة، فمن الآيات قوله تعالى: {إنَّ الله لا يغفرُ أن يُشرَكَ به ويغفِرُ ما دونَ ذلك لمن يشاءُ} (1) ، مع قوله تعالى: {قل يا عباديَ الذين أسرَفوا على أنفسهم لا تقنَطوا من رحمةِ اللهِ إنَّ اللهَ يغفرُ الذنوبَ جميعًا} (2) . قالوا: ففي هذه الآية الأولى دليل على أنَّ جميع الذنوب مغفورة، ثُمَّ أخرج من جميعها الشرك بقوله: {لا يغفر أن يُشرَك به} فبقي ما عدا الشرك من الكبائر في المشيئة لقوله: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، قلنا: لو كان في الآية الأولى غفران الذنوب كلِّها فأخرج الشرك كما قلتم لوجب أن تقولوا: إنَّ ماعدا الشرك مغفور له أيضًا، فصاحب الكبيرة مغفور له قطعًا، فينقض القول به صريح قوله تعالى: {وإني لغفَّار لمن تاب} (3) . ولا يفهم قوله لمن شاء فإنَّه قد علَّق بالمشيئة أشياء قطعتم بثبوتها، فقد قال تعالى: {ويعذّب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم} (4) . وأنتم تخصُّون اسم المنافق بمن أخفى الشرك وأظهر الإسلام، وجزتم بتعديلهم وتخليدهم في النار.
قال القطب في التيسير عند تفسيره الآية الكريمة ما نصُّه: «والتوبة شرط كما شرطت في مواضع من القرآن، والمطلق يُحمل على المقيَّد، ولولم يحمل على المقيَّد رجعت هذه الآية إلى كلِّ ما شُرط فيه التوبة، فيبطل اشتراط التوبة، فيتناقض الكلام والقرآن ككلام واحد». انتهى
ولهم أيضًا حجج بآيات أخر وأجيبوا عنها بأجوبة، فليراجع من أراد الوقوف عليها في المشارق لسيِّدي نورالدين السالمي رحمه الله. انتهى
__________
(1) - ... سورة النساء: 48 ، 116.
(2) - ... سورة الزمر: 53.
(3) - ... سورة طه: 82.
(4) - ... سورة الأحزاب 24. (2/77)
صفحة 578
وللقائلين أيضًا بدخول الجنَّة، كلُّ من قَالَ لاَ إِله إلاَّ الله أحاديث كثيرة، يدلُّ ظاهرها على صحَّة القول به، وقد أسلفت ذكر بعضها عند الكلام على الشهادة في كتابنا هذا، فليراجع اليها من هناك، وقد أجاب الأصحاب عنها بما نصَّه في وفاء الضمانة عن الإمام القطب: «قال الترمذي: وقد روى الزهري أنَّه سئل عن قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - : «من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنة» (1) ، فقال: إِنَّمَا هذا في أوَّل الاسلام قبل نزول الفرائض والأمر والنهي، قال وهب بن منبِّه: «هذا على شرط التوبة» قال: قال البخاري: قيل له: أليس لا إله إلاَّ الله مفتاح الجنَّة؟ قال: بلى؛ ولكن ليس مفتاح إلاَّ وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلاَّ لم يفتح لك، وعلى هذا يخرج حديث أبي ذرٍّ».انتهى
قلت: ويعني بحديث أبي ذرٍّ، الحديث الذي فيه: «وإن زنى وإن سرق» وأنَّه رغم أنف أبي ذرٍّ انتهى.
قال: وربَّما حمل قوله - صلى الله عليه وسلم - على ما كان من عمل على معنى مع عمل الفرائض، وهذا التأويل ولو خالف ظاهرا لحديث أبي ذرٍّ لكنَّه هو الأنسب لوعيد القرأن والحديث. انتهى
قلت: ويعني بقوله: على ما كان من عمل يعني به الحديث الذي أوَّله: «من شهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم والروح منه، والجنَّة والنار حقٌّ أدخله الله على ما كان من العمل» انتهى.
__________
(1) - ... تقدَّم تخريجه. (2/78)
صفحة 579
قال: وكان كعب الأحبار رضي الله عنه يقول في قوله - صلى الله عليه وسلم - : «من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنَّة»، كان ذلك قبل أن تُنزَّل الفرائض، فلمَّا أنزلت لم تنفع لا إله إلاَّ الله بأدائها، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «الأيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان»، وهذا كما قال الربيع بن حبيب بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لعن الله المرجئة على لسان سبعين نبيًّا قبلي، قيل: وما المرجئة يا رسول الله؟ قال: الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل»، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلاَّ الله محمَّد رسول الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان»، وفيه ؛روايات أخرى ذكرتهن في إزالة الإعتراض عن محقي آل إباض وعددتها فيه. انتهى.
[قال] قطب الأئمَّة رحمه الله تعالى: «اعلم أنَّ الناس اختلفوا في خلود المعذَّبين في النار على خمسة مذاهب:
أحدها: وهو قول الأشعريَّة أنَّ أهل الشرك مخلَّدون في النار، وأهل الكبائر ما عدا الشرك إمَّا أن يُعفى عنهم فلا يدخلونها وإمَّا أن يعذَّبوا بقدر أعمالهم ثُمَّ يخرجون منها. انتهى.
قلت: يروى عن الإمام مالك بن أنس أنَّه قال: من مات على كبيرة فلا يخلو من أحد ثلاثة أمور: إمَّا أن يغفر الله له بعفوه، أو يشفعه فيه الرسول، أو يعذِّبه مقدار عمله ثُمَّ يخرج فيدخل الجنَّة. وفي قول الإمام الشافعيِّ أنَّه يكتب على جباههم: هؤلاء جهنَّميُّون فيعيِّرهم أهل الجنَّة على ذلك، فيسألون الله زواله عنهم، فيمحوه الله عنهم، ويبدِّل لهم مكانه نورا يتلألأ، فيودُّ أهل الجنَّة أن لو عملوا كعملهم. انتهى. (2/79)
صفحة 580
قلت: إنَّه يلزم من ذلك أشرفيَّة العاصي من الطائع وهذا يضادُّه قوله تعالى: {أفمن كان مؤمنًا كمن فاسقًا؟! لا يستوون} (1) {أم حَسِبَ الذين اجتَرَحوا السيِّئات أن نجعَلَهم كالذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ سواءٌ مَّحياهُم ومَمَاتُهم} (2) انتهى.
المذهب الثاني: أنَّ أهل النار مشركهم وفاسقهم غير مخلَّدين فيها، ونسب هذا إلى طائفة خرجت من الإسلام.
المذهب الثالث: أنَّ أهل الكبائر غير معذَّبين قطعا، إِنَّمَا العقاب لأهل الشرك خاصَّة، ونسب هذا إلى مقاتل وبعض المفسِّرين.
المذهب الرابع: أنَّ الجنَّة والنار فانيتان بعد دخول أهل كلِّ واحد فيهما، ونسب هذا القول إلى جهم بن صفوان.
المذهب الخامس: هو مذهب أهل الاستقامة والمعتزلة أنَّ أهل الكبائر من معاصي الله ــ كانوا مشركين أو فاسقين ــ مخلَّدون في النار دائما، وأهل الطاعة مخلَّدون في الجنَّة دائما، لكن أهل الاستقامة يقولون: إنَّ التعذيب بعدل الله والثواب بفضله، والمعتزلة يقولون بوجوب ذلك عليه تعالى، بناء على أصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح العقليَّين». انتهى.
وقول المصنِّف: «وكون الشفاعة لأهل الكبائر، وكون عقابه في الآخرة يشبهه عقاب في الدنيا؛ وثوابه في الآخرة يشبهه ثواب في الدنيا».انتهى. أي أنَّ مِمَّا أدرك عدمه واستحالته بالشرع: كون الشفاعة لأهل الكبائر، أي المصرِّين عليها.
__________
(1) - ... سورة السجدة: 18.
(2) - ... سورة الجاثية: 21. في الأصل سقط: «وعملوا الصالحات». (2/80)
صفحة 581
والشفاعة لغة: الطلب والوسيلة؛ وعرفا: طلب الخير من الغير للغير؛ وشرعا: طلب تعجيل دخول الجنَّة أو زيادة درجة فيها من الله تعالى، ولا تكون لأهل الكبائر المصرِّين عليها حتَّى ماتوا بلا توبة لقوله تعالى: {ولا يَشفَعون إلاَّ لمن ارتضَى} (1) . وقوله: {لا يَنَال عَهدِيَ الظالمين} (2) فـ«الـ» فيه للاستغراق فهو عامٌّ لكلّ ظالم سواء كان ظالما لنفسه أو لغيره، فهذا نصٌّ في عدم نيل الشفاعة لمن مات مصرًّا على ذنب؛ ولحديث عنه عليه السلام: «لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمَّتي» (3) . وإن قلت: إنَّه كما روي هذا الحديث فقد روي غيره معارض له وهو: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمَّتي» (4) ، قلنا: هذا الحديث لا يعارض ذاك لتقويته بدليل عقليٍّ وهو أنَّه لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر لما جاز للعبد سؤال الشفاعة من الله تعالى، لأَنَّهُ يلزم أن يكون من أهل الكبائر ليكون له الشفاعة، وهذا محال قطعًا؛ ولهذا قال سيِّدنا الخليليُّ رضي الله عنه: «حديث: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمَّتي"، موضوع لأَنَّهُ لو كان كذلك لتقرَّب إليه المتقرّبون بالكبائر وسؤال المعصية من الله والتقرُّب إليه بها شركٌ»، انتهى.
__________
(1) - ... سورة الأنبياء: 28.
(2) - ... سورة البقرة: 124.
(3) - ... رواه الإمام الربيع بن حبيب في جامعه، وانظر الأحاديث 1001، 1002، 1003، ج4، ص279. وانظر شرحها عند السالمي في حاشيته.
(4) - ... في سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع: «حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي الْبَاب عَنْ جَابِرٍ» حديث رقم 2359. (2/81)
صفحة 582
قال سيِّدي نورالدين: «الشفاعة حقٌّ، والإيمان بها عند قيام الحجَّة واجب، ووقوعها في المحشر قبل دخوال أحد الفريقين مسكنه، وهي مخزونة حتَّى يأتيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكون أوَّل من تجعل له، ثُمَّ للأنبياء من بعده، وهي المقام المحمود الذي وعده الله تعالى به على معنى ما ورد، وثبوتها للمؤمن لا لغيره» إلى أن قال: «وفي الأثر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قعد على المنبر ثُمَّ قال: «الصلاة جامعة رحمكم الله» ثُمَّ قال: «يا عبَّاس عمَّ رسول الله، ويا فاطمة بنت محمَّد، ويا آل محمَّد جميعًا، إنِّي والذي نفسي بيده عند ربِّي لمطاع مكين، فلا تغرَّنَّ امرءً نفسه، يقول: أنا عمُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو تقول: بنت محمَّد، أو من آل محمَّد، اشتروا أنفسكم من الله، فإنَّكم إن لم تفعلوا هلكتم مع من عرفتم هلاكه، إنِّي على الحوض يوم القيامة فارط ــ أي متقدِّم ــ فيرد عليَّ الناس من أصحابي، ثمَّ يأتيني رجل قد عرفته من أصحابي ليحتفلن [كذا] نقرة رأسه، ثُمَّ لآخذنَّ بحجزته [كذا] فأقول: أرسلوه إنَّه من أصحابي، فليؤخذ بيدي فكاكًا أرسل أرسل فإنَّه والله ما مشى من بعدك قدمًا ولكنَّه مشى القهقرى ليدخل جهنَّم فلا أستطيع شيئًا، الحذر الحذر يا آل محمَّد!».
وذكر جابر بن زيد رضي الله عنه أنَّه لمَّا نزلت: {وأنذِرْ عشيرتَك الأقرَبين} (1) جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفخذ أفخاذ قريش فخذا فخذا حتَّى أتى على بني عبد المطَّلب فقال: «يا بني عبد المطَّلب إنَّ الله أمرني أن أنذركم ألا وأنِّي لا أغني عنكم من الله شيئًا ألا وإنَّ أوليائي منكم المتَّقون، ألا لأعرِفَنَّ ما جاء الناس غدا بالدين وجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم، يا فاطمة بنت محمَّد ويا صفيَّة عمَّة محمَّد، اشتريا أنفسكم [كذا] من الله فإنِّي لا أغني عنكما من الله شيئًا».
__________
(1) - ... سورة الشعراء: 214. (2/82)
صفحة 583
فإن قيل: المؤمنون مستوجبون للجنَّة بأعمالهم فلا معنى للشفاعة لهم، فالجواب أنَّ الشفاعة لهم هي طلب تنقُّلهم من المحشر ودخولهم الجنَّة سرعةً، ويمكن أن تكون هي طلب زيادة فضل لهم وثواب يعطونه، ونعيم في الجنَّة، ورفع درجة فوق ما يستوجبون بأعمالهم. اللهمَّ اجعلنا من أهل شفاعة نبيِّك - صلى الله عليه وسلم - انتهى.
وفي كتاب شيخنا سيف بن ناصر ما نصُّه: «وممَّا جاء به الشفاعة للمقصِّرين في حقِّ الجار والأزواج والأرحام وغيرهم»؛ إلى أن قال: «وفي الدليل: روى ضمَّام بن السائب عنه إذا فصل الله تعالى بين الخلائق في المحشر ذهب أهل الجنَّة إلى الجنَّة وأهل النار إلى النار قال الله عزَّ وجلَّ لمحمَّد - صلى الله عليه وسلم - : اِذهب اشفع، فيأتي عليه السلام إلى المحشر فيختار منهم جماعة إلى الجنَّة، فيقول الله عزَّ وجلَّ: اِرجع، فيرجع، فيأتي بحماعة منهم الجنَّة، فيقول الله عزَّ وجلَّ: ارجع، فيقول عليه السلام: يا ربِّ لم يبق أحد إلاَّ من حبسه الكتاب، فيعزل الله منهم طائفة إلى الجنَّة مع ما فيه»؛ إلى أن قال: «ولا مطمع فيها لصنفين: مصرٍّ على معصية الله، عازم أنَّ يلقى الله عزَّ وجلَّ بها يوم القيامة، ومبتدع في دين الله منعكس منتكس». انتهى. (2/83)
صفحة 584
والشفاعة تكون للأنبياء وغيرهم حتَّى إنَّه ورد في الحديث بأنَّ الرجل المؤمن يشفع في أهل بيته، والشهيد يشفع في سبعين من أقاربه (1) لكن سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - هو أوَّل من يُفتح له بابها. انتهى. وفي كتاب شيخنا أيضًا رحمه الله.
ونختم هذا البحث بشعر الإمام الخليليِّ رضي الله عنه، نترك السؤال ونأتي الجواب (2) قال:
ألاَ بلِّغن رواة ... القصيد ... مقال سراة نحارير صيد
لقد خالفوا الباطل إذ ... وافقوا ... على الحق آيَ الكتاب المجيد
فما لظَلوم شفيع ... يطاع ... نفت كونها لغوي مريد
ولا يشفعون لمن ... لا ارتضى ... بها ثبتت لوليٍّ سعيد
ولا تثبتن لأهل الاثم ... جزماً ... شفاعته من كبير شديد
ولكنَّه شافع ... للورى ... بيوم القيامة يوم الوعيد
إذا اشتدَّ كرب بطول ... الوقوف ... وغصَّت بذاك نفوس العبيد
فيأتون آدم ... يستشفعون ... به وخليل العزيز المجيد
وموسى وعيسى فلا ... يشفعون ... لتفريج شدَّة كرب شديد
فيأتون أحمد ... يستشفعون ... لخوف بهم من إله شديد
فيأتي ويشفع فيهم ... فيعطى ... لواء الحمد في يده والسعود
فهذا ومحتمل ... غيره ... لأهل التقى في جنان الخلود
كرفع محلٍّ ... وتقريبه ... وتعظيم منزلة للسعيد
وَأَمَّا مقالهم ... أنَّها ... لأهل الكبائر غير الجحود
فهذا خلاف لمن جاء ... عن ... ربِّ السَّمَاوَات ربٍّ ودود
__________
(1) - ... في سنن أبي داود، كتاب الجهاد: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ رَبَاحٍ الذِّمَارِيُّ حَدَّثَنِي عَمِّي نِمْرَانُ بْنُ عُتْبَةَ الذِّمَارِيُّ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ وَنَحْنُ أَيْتَامٌ فَقَالَتْ: أَبْشِرُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» قَالَ أَبُو دَاوُد صَوَابُهُ رَبَاحُ بْنُ الْوَلِيدِ» حديث رقم 2160.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «بالجواب». (2/84)
صفحة 585
فخذ ما أتاك ودع ... غيره ... وربَّك فاشكر تَفُزْ بالمزيد
وقول المصنِّف: «وكون عقابه في الآخرة يشبهه عقاب في الدنيا، وثوابه في الآخرة يشبهه ثواب في الدنيا». انتهى.
أَي: وممَّا أدرك عدمه واستحالته بالشرع «كون عقابه» تعالى، هو معطوف على ما مرَّ، وقوله: «في الآخرة» متعلّق بـ«كون». «يشبهه»: أي
///
يشبهه عقابَه الأخرويَّ عقاب «في الدار الدنيا» علَم للدار المعروفة وهي الليل والنهار وما حوياه، وقيل السماء والأرض وما فيهما، فعقابه الأخرويُّ ليس مثله عقاب، «وكون ثوابه» تعالى الذي أعدَّه الله لعباده المؤمنين، «في الدار الآخرة» علَم للدار المعروفة، أي المتأخِّرة «يشبهه ثواب في الدار الدنيا» أي الدانية، أي الحاضرة، فثوابه تعالى وهو الجنَّة لا يشبهه ثواب أبدًا. انتهى.
قال المصنِّف: «فوجب التصديق بوجوديَّة الأوَّل وعدميَّة الثاني، واعتقادهما بعد السماع بهما من أحد من رسل الله وأنبيائه وكتبه، واستحالة خلاف إخباره تعالى» انتهى. (2/85)
صفحة 586
أي: فبالتحقيق الذي حقَّقته، وبنصب الأدلَّة من كتاب الله وسنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ثبت على المكلَّف الذي قامت عليه الحجَّة بهذه الأشياء من طريقها المتقدِّم ذكره، وهو السماع الجزم بالقلب بوجوديَّة القسم الأوَّل من قسمي الاعتقاديِّ المذكور في قوله: «فالأوَّل جملة من الملائكة...» إلى قوله: «وثوابه في الآخرة يشبهه ثواب في الدنيا» انتهى. وقوله: «وعدميَّة الثاني» أي من القسمين اللذين مرَّ الكلام فيهما وهو الذي بيَّنه في قوله: «والثاني فناء الجنَّة...» إلى آخره. وقوله: «واعتقادهما بعد السماع...» إلى آخره، أي: ووجب اعتقاد وجوديَّة الأوَّل وعدميَّة الثاني، أو القسمين اللذين مرَّ الكلام عليهما بعد قيام الحجَّة على المكلَّف بهما من طريق السماع، وهو بفتح السين، ويجوز كسرها. من أحد من الرسل أو من الأنبياء فهو عطف العامِّ على الخاصِّ لأنَّ النبيَّ أعمُّ من الرسول أو رأى [كذا] في كتاب من كتبه تعالى، وقد تقدَّم بأنَّ جملتها مائة كتاب وأربعة كتب، وسواء في ذلك أن يكون الكتاب قرأه بنفسه ففهم ذلك المعنى منه، أو قرأ عليه غيره أو سمع قارئًا يقرأه وفهم هو ذلك أو فسَّر له مفسِّرٌ بالعبارة التي يفهمها فهو يلزمه اعتقاده لامتناع خلاف إخبار الله سبحانه وتعالى، لأنَّ ذلك كلَّه من عنده تعالى، قال الله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إِلاَّ وحي يوحَى} (1) ، {اتَّبعوا ما أُنزل إليكم من ربّكم} (2) {...أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير} (3) {إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} (4) . انتهى.
قال المصنِّف: «والعمليُّ قسمان: ما وجب فعله أو اجتنابه بالشرع». انتهى.
__________
(1) - ... سورة النجم: 3-4.
(2) - ... سورة الأعراف: 3.
(3) - ... سورة المائدة: 19.
(4) - ... سورة الإسراء: 9. (2/86)
صفحة 587
أي: والقسم الثاني من قسمي الشرع اللذين ذكرهما بقوله: «والشرعي قسمان...» إلى آخر العمليّ: هو ما يجب فعله وتركه، لأنَّ التروك يسمَّى عملاً من حيث التكليف بتركه فبذلك يسمَّى بالعمل، قال تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} (1) . والمكلَّف إن فعل الواجب عليه وترك المنهيَّ عنه يثبت له القول بالجزاء من الله سبحانه وتعالى. و«قسمان»: هو بكسر القاف تثنية قِسم ــ بكسرها أيضًا ــ وهو بعض الشيء، وقوله: «ما وجب فعله» فـ«ما» اسم موصول معناه: الذي، وما بعده صلة الموصول، وقوله: «أو اجتنابه»: فاجتنابه مرفوع بالفاعليَّة لفعل محذوف وهو صلة موصول محذوف، وتقديره: أو ما وجبَ على المكلَّف اجتنابه على حدِّ قول الحريري:
فالاسم ما يدخله «من» ... و«إلى» ... أوكان مجرورًا بِـ«حتَّى» ... وَ«على»
فقوله: «أو كان»، هي صلة موصول محذوف وتقديره أو ما كان، وقوله: «بالشرع»، أي بسماع الشرع فهو مضاف إليه لمضاف محذوف مجرور بالباء الداخلة في بالشرع، وهذا القسم هو الثاني من قسمي الشرع. انتهى.
قال المصنف: «فالأول الفرائض، والثاني المحارم» .انتهى
أي فالقسم الأوَّل وهو الواجب فعله، فعل الفرائض، وهي ما ثبتت بدليل قطعي كان أو ظنيٍّ، وقد فرَّق بعض العلماء في المسمَّى بالفريضة والمسمَّى بالواجب، فسميَّ ما ثبت بالقطعيِّ فرضًا كالصلوات الخمس وأشباهها، وما ثبت بدليل ظنيٍّ واجبًا كالوتر، وإلى ذلك ذهب الإمام الخليلي - رضي الله عنه - .
قال سيدي نورالدين - رضي الله عنه - : «والخلاف لفظيٌّ».انتهى. وهل الأمر الذي أمر به النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يعمُّ الأمَّة إن لم يدلَّ دليل على الخصوص فالصحيح يعمُّ، وهو ما ذكره الله لنا في كتابه العزيز أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا على سبيل الحكاية والإخبار، ولم ينسخ بغيره، أهو يعمُّنا أم لا؟ اختار سيدي نورالدين - رضي الله عنه - الأوَّل بقوله:
__________
(1) - ... سورة البقرة: 286. (2/87)
صفحة 588
وشرع من مضى إذا لم ... يبدَّل ... شرع لنا على المقال الأعدل
إن قصَّه الله أو ... المختار ... شرعا ولم يكن به ... انكار
وقوله: «والثاني: المحارم» أي: من قسمي العمليِّ وهو الواجب على المكلَّف اجتنابه: الأمور المحرَّمة فعلها كالزنى وشرب الخمر وأكل الربى وما أشبه ذلك من المحرَّمات لله عزَّ وجلَّ، سواء حرَّمها في كتاب من من كتبه أو في لسان رسول من رسله صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين. انتهى.
مهمَّة
نبيِّن فيها إنَّ شاء الله وأعان، صحَّة القول في أنَّ الموجب للوجوب الذي يترتَّب عليه الثواب والعقاب هو الشرع ليس إلاَّ، وينسحب القول حتَّى نذكر أقوال المذاهب في أهل الفترة، فأقول:
قال سيِّدي نورالدين في تفسير قوله:
والكلُّ من ذين له ... تعبُّد ... في الشرع معروفًا كما ... سنورد
قال - رضي الله عنه - ما نصُّه: «قوله: "في الشرع معروفا": الجارُّ متعلِّق بـ«معروفا» المنصوب على الحال من "تعبَّدَ" بناء على جواز مجيء الحال من المبتدإ لأنَّ "تعبُّدُ" مبتدأ ثان وخبره الجارُّ والمجرور قبله وهو العامل في الحال، وإنَّما قلنا: إنَّ "في الشرع" متعلِّق بـ"معروفًا" ولم نقل بـ"تعبد" بناء على مذهب من رأى تحكيم العقل في بعض التعبُّدات من أصحابنا كما ستعرفه قريبًا إن شاء الله، ثمَّ ظهر لي خلاف ذلك كما ستعرفه أيضًا.
اعلم أنَّ الأئمَّة قد اختلفوا في الموجب الذي يترتَّب عليه الثواب والعقاب، فذهبت المعتزلة إلى أنَّ العقل هو الموجب لذلك، والشرع إمَّا مبيِّن لما خفي على العقل إدراكه وإمَّا مؤكِّد لما ظهر للعقل علمه، فتراهم يجعلون العقل قاضيًا على الشرع، أي لا يردُ الشرع بما يخالف العقل عندهم فتَرتَّب على ذلك وجوب مراعاة الصلاحيَّة والأصلحيَّة على الله تعالى، وهو مذهب باطل، قائله منافق لا مشرك، لأَنَّهُ لا ينكر الشرع أصلاً، بل قال مبيِّن ومؤكِّدٌ، ولو أنكره لأشرك. (2/88)
صفحة 589
وذهب الجمهور منَّا إلى أنَّ العقل لا حكم له في شيء من الوجوب الشرعيِّ، والمراد بالوجوب الشرعيِّ هو ما يترتَّب عليه الثواب والعقاب، فلا وجوب عندنا قبل الشرع في شيء من الأصوليَّات والفروعيَّات، لا فرق في ذلك بين التوحيد وغيره، فإنَّ العقل وإن أدرك بالضرورة أنَّ له صانعًا لا يوجب عليه أنَّ لذلك الصانع شيئًا من العبادات، فلا وجوب قبل الشرع، لقوله تعالى: {وما كنَّا معذَّبين حتَّى نبعث رسولاً} (1) ولقوله تعالى: {لئلاَّ يكون للناس على الله حجَّة بعد الرسل} (2) ». إلى أن قال: «فنقول في الاستدلال على ثبوته هكذا: إذا ثبت أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يعذِّب العذاب الدنيويَّ إِلاَّ بعد بعث رسول فمن الأولى أن لا يعذِّب العذاب الأخرويَّ إِلاَّ بعده ووجه الأولويَّة ظاهر وإن قيل: إنَّ عمومها مخصوص بقوله تعالى: {لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} (3) وجه التخصيص أنَّ هذه الآية صريح في عدم الإنذار لأهل الفترة، فيلزمكم إمَّا عذر أهل الفترة على شركهم، وإمَّا التخصيص بها لتلك االآيات، قلنا: لا نسلِّم كلا اللزومين، لأنَّهم أشركوا بالله عزَّ وجلَّ بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب على بني آدم عمومًا، وحكمت الرسل والكتب أنَّ من أشرك مع الله عزَّ وجلَّ غيره هالك؛ ومعنى قوله: {ما أنذر آباؤهم} أي لم يرسل إليهم منهم من يبشِّرهم ويحذرهم كما هو كذلك بفضل الله في سائر الأمم، وإليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن الخليل وولده عليهما السلام: {ربَّنا وابعث فيهم رسولاً منهم...} الآية (4)
__________
(1) - ... سورة الإسراء: 15.
(2) - ... سورة النساء: 65.
(3) - ... سورة يس: 6.
(4) - ... سورة البقرة: 129.. (2/89)
صفحة 590
»، إلى أن قال: «وذهبت الأشعريَّة إلى ما ذهب إليه جمهورنا، إِلاَّ أنَّهم عذروا أهل الفترة وكأنَّهم لم يفهموا معنى حجِّيَّة الرسل أن يُرسَل إلى كلِّ أمَّة رسولٌ يخصُّها وإلاَّ عذروا وليس كذلك، لأنَّا نقول: إنَّه لو كان كذلك للزم عليه جواز الشرك لكلِّ أمَّة بعد نبيِّها وهو باطل.
بيان الملازمة أنَّ أهل الفترة من ولد آدم وقد أرسل آدم إلى جميع ولده، وكذلك أيضًا كانوا من ولد نوح، وقد أرسل - عليه السلام - إلى كافَّة أهل الأرض بدليل الإغراق، فظهر من هنا أنَّ آدم ونوحًا عليهما السلام كانا رسولين لأهل الفترة، كما هما رسولان إلى غيرهم» إلى أن قال: «وأيضا فعيسى - عليه السلام - رسول إلى الكافَّة، وهو آخر الرسل التي قبل نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، وأهل الفترة مِمَّن أرسل إليهم عيسى - عليه السلام - ، وفيهم من يقرأ الإنجيل كورقة بن نوفل، {أو لم تأتهم بيِّنة ما في الصحف الأولى} (1) وبالجملة فإنَّ حكم الوجوب في معرفة الله تعالى لا يتوقَّف على وصول الرسول إلى المرسل إليه، بل يكفي إذا شرع، لأَنَّهُ مِمَّا لا يصحُّ نسخه، ومطمح نظرنا فيه أنَّ العقل لا سبيل له على شرع شيء من الشرعيَّات، بل الناصب للأحكام الشرعيَّة هو الشارع لا غير، وقد جعل العبادات نوعين نوع تدرك معرفته بنفس العقل كمعرفة وجود الصانع، ونوع لا تدرك معرفته إِلاَّ بالسماع كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والحجِّ، فحكم علينا الشرع بتأدية كلِّ واحد من النوعين متى ما أدرك معرفته، فما كانت معرفته بالعقل وجب عند صحَّته، وما كان معرفته بالسماع وجب عند حصوله هذا». انتهى.
وذهبت طائفة منَّا إلى جعل العقل حاكمًا في وجوب معرفة الله تعالى وهما الإمامان أبو يعقوب وقطب الأئمَّة في الهميان، ووافقهم على ذلك جماعة من الماتريديَّة إِلاَّ أنَّ الإمامين لم يوجبا تلك المعرفة قبل بلوغ الحلم، وبعض تلك الجماعة أوجبها على من قوي عقله ولم يبلغ.
__________
(1) - ... سورة طه: 133. (2/90)
صفحة 591
والفريق الثاني ذهبوا إلى أنَّ العقل حاكم في المفهومات، فيشمل معرفة الله والعدل والإنصاف وتحريم الظلم، وهما الإمامان أبو سعيد وابن بركة، ووافقهم على ذلك جماعة من الماتريديَّة.
بيان مذهبهما أنَّ الإمام أبا سعيد - رضي الله عنه - أوجب على من قامت عليه حجَّة وجوب فرض الصلاة ولم يجد من يعبِّر له كيفيتها أن يؤدِّيها على ما حسن في عقله؛ وأنَّ الإمام ابن بركة أوجب على صاحب الجزيرة الذي لم يبلغه شرعٌ أن يترك ما قبح في العقل فعله كذبح الحيوانات مثلاً فإنَّها حيوان مثله، والفرق بين قول هؤلاء الجماعة وأولئك المعتزلة أنَّ المعتزلة يحكِّمون العقل ويجعلونه قاضيًا على الشرع، بمعنى أنَّهم يقولون: إنَّه لا يرد الشرع بما يخالف العقل أصلاً، فهو ــ أي الشرع ــ إمَّا مؤكدٌ أو مبيِّن كما مرَّ من قولهم، انتهى.
قلت: وأين جواز عقليٍّ للعقل في تحسين ذبح الحيوانات أو حلِّها للأكل، بل لو لم يحلَّه الشرع لنا لما كان ذلك حسنًا عقليًّا، وإنَّما الشرع أحلَّه لنا، ولا لنا إِلاَّ القبول، والشكر لله سبحانه وتعالى، فبذلك هو حسن شرعيٌّ فقط، ولله المنَّة، سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. انتهى.
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - : «وهؤلاء الجماعة يجعلون العقل حاكما عند عدم ورود الشرع» انتهى.
قلت: وذلك لقوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن يُّترَكَ سُدًى} (1) {وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاَّ ليعبدونِ} (2) .
__________
(1) - ... سورة القيامة: 36.
(2) - ... سورة الذاريات: 56. (2/91)
صفحة 592
وقال - رضي الله عنه - : «ويجوز أن يرد الشرع بخلافه، فإن ورد بما يخالف العقل أوجبوا المصير إلى الشرع، هذا ولقد كنت أوان نظمي لهذه القصيدة لا أرى في هذا رأي ذينك الإمامين، فاقتفوت أثرهما ثُمَّ بعد ما استفرغت الوسع في استحصال هذه الحادثة لم أر إلاَّ ما قدَّمت ذكره وهو موافقة الجمهور، فوجب عليَّ إيضاحه، وسيأتي لهذا المقام تتمَّة إن شاء الله تعالى عند بيان معنى قول الناظم:
لكن عليه أن تؤدِّيه ... كما ... رأيت من أدائه ... متمِّما»
انتهى.
قلت: إنَّ الذي بيَّنه - رضي الله عنه - هنالك هو قوله: أنا أوضح إن شاء الله تعالى مذهب الإمامين الموجبين ما حسن في العقل فعله عند عدم المعبِّر.
أمَّا الامام أبو سعيد رضوان الله عليه فقد أوجب على ما قامت عليه حجَّة فرض العمل المؤقَّت ولم يجد من يعبِّر له كيفيَّة الأداء أن يؤدِّيه كما حسن في عقله، وَأَمَّا الإمام ابن بركة فقد أوجب على صاحب الجزيرة الذي لم يبلغه حلال ولا حرام أن يترك ما قبح في عقله فعله كذبح الحيوانات فإنَّها حيوان مثله، والعقل يقبِّح ذبح مثله لو لم يرد الشرع بتحسينه؛ فأمَّا مذهب الإمام أبي سعيد فيترتَّب عليه وجوب النوم على من حسن في عقله أنَّ ذلك هو كيفيَّة أداء الفرض الذي لزمه، وكذلك أيضًا يترتَّب عليه وجوب فعل المحرَّم على من حسن في عقله أنَّ فعل ذلك هو كيفيَّة الأداء، فيلزم عليهما إيجاب المباح كالنوم وإيجاب فعل المحرَّم على من حسن في عقله ذلك ولم يبلغه أنَّ في دين الله حراما وحلالا. (2/92)
صفحة 593
وَأَمَّا مذهب الإمام ابن بركة فلا يخلو من أحد أمرين لأَنَّهُ إمَّا أن يريد بالعقل المقبِّح هو العقل الصحيح السليم فيهلك من قبَّح في عقله خلاف ما قبح في العقل الصحيح السليم إذا ارتكب ما يقبح في العقل السليم تركه فيلزمه التهليك بغير شرع، وإمَّا أن يريد بالعقل المقبِّح عقل كلِّ شخص بالنسبة إليه فيجب على هذا خلا ف ما يجب على الآخر لتفاوت العقول، فتتعدَّد الواحبات بحسب تعدُّد الأشخاص العقلاء، وهذا اللزوم موجود أيضًا في مذهب الإمام. إلى أن قال: «فإن قيل: فحينئذ يلزم الإمامين تنجية من خالف الشرع وتهليك من وافقه، قلنا: نعم وكأنَّهما أرادا أنَّ ذلك هو حكم الله على ذلك المكلَّف في حاله ذلك.
فإن قيل: فما الفرق حينئذ بين مذهبهما وبين ما ذهبت إليه االمعتزلة، فإنَّ الكلَّ قائل بتحكيم العقل؟ قلنا: إنَّ الإمامين قالا بتحكيمه عند عدم الشرع، والمعتزلة قالوا بتحكيمه ورد الشرع أو لم يرد، وقد قدَّمنا لك في صدر الكتاب أنَّ مذهبهم أنَّ العقل هو الحاكم والشرع إمَّا مؤكِّد وإمَّا مبيِّن، فعندهم لا يرد الشرع بما يخالف العقل بخلاف ما عليه الإمامان» قال: «والذي يخرج على مذهب الجمهور أن ليس عليه أن يفعل كما حسن في عقله، لكن عليه الطلب والسؤال في الوقت، فإذا خرج الوقت ارتفع اللزوم حتَّى يدخل مرَّة أخرى وهلمَّ جرَّى، ولا فعل عليه إِلاَّ بتعبير معبِّريها». انتهى بتقديم وتأخير وحذف.
قال المصنِّف: «والشرع ما جاء به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وغيره من الأنبياء عليهم السلام، غير أنَّ ما جاؤوا به منسوخ بشرعه - صلى الله عليه وسلم - ». انتهى. (2/93)
صفحة 594
أي: وتعريف الشرع هو الذي جاء به النبيُّ محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وغيره من الأنبياء والرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، والذي جاء من عند الله تعالى بوحي أو إلهام؛ قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسولُ فخُذُوه وما نَهاكم عنه فانتَهُوا...} الآية (1) ، {وما ينطِقُ عن الهوَى إن هو إلاَّ وحيٌ يوحَى} (2) سواء كان الوحي أتاه في اليقظة أو في النوم، إلاَّ أنَّ الذي جاء به الأنبياء والرسل قبل نبيِّنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - فهو مبطَل بشرع نبيِّنا صلوات الله عليه وسلامه، وكذلك كلُّ رسول مَن أُرسل فشرعه ناسخ لشرع من قبله من الأنبياء إلاَّ ما لا يصحُّ نسخه كالتوحيد ومكارم الأخلاق، فالنبيُّ - عليه السلام - بعث متمِّما لها، قال - عليه السلام - : «جئت متمِّما لمكارم الأخلاق» (3) . قال تعالى: {وإنَّك لعَلَى خُلُقٍ عظيمٍ} (4) . قال سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - :
قد نسخت شرائع ... الجميع ... سوى الهدى بشرعنا البديع
وما له ــ أي شرعنا ــ ... مغيِّر ... فهو على الدوام لا ... يغيَّر
__________
(1) - ... سورة الحشر: 7.
(2) - ... سورة النجم: 3-4.
(3) - ... الإمام أحمد، باقي مسند المكثرين، حديث رقم 8595 : «حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ».
... وفي موطَّأ الإمام مالك، كتاب ، الجامع، حديث رقم، بلفظ: «حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ»
(4) - ... سورة القلم: 4. (2/94)
صفحة 595
قال الشيخ الكندي رحمه الله تعالى: «وقد ذكرت لك فيما سلف أنَّ صفات الله الفعليَّة غير واجبة بل جائزة، ويصحُّ نفيها عنه في الأزل كأن يقال: كان الله ولم يَخلق ولم يرزق ولم يُمِت ولم يُحيِ وهكذا... وقد مرَّ ما عليه أئمَّة المغرب رحمهم الله، ولا يصحُّ ذلك في الصفات الذاتيَّة، فلا يصحُّ أن يقال: كان ولم يعلم ولم يقدر وهكذا... ولذا قلنا: إنَّهَا حادثة وأنَّ ما ثبت قدمه استحال عدمه». انتهى.
قال المصنِّف: «والدليل على جواز أفعاله تعالى وجودا وعدما في العقل إخباره بها أنَّ ما أمكن في العقل وجوده وعدمه، يستحيل في العقل القطع بوجوده أو عدمه بلا موصل إليه من غير العقل». انتهى.
أي أنَّ الدليل في إمكان استواء أفعاله سبحانه وتعالى في الوجود والعدم، فانتصاب «وجودا وعدما» بنزع الخافض والجارِّ والمجرور في قوله: «في العقل» متعلِّقان بـ«جواز» وقوله: «قبل إخباره» وهو بكسر الهمزة مصدر مضاف إلى عامله، وقوله «بها» فالضمير راجع إلى الافعال، أي بوقوعها أو استحالتها، فقد حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: «أنَّ ما أمكن في العقل» فَ«أَنَّ» بفتح الهمزة وما بعدها بتأويل المصدر خبر عن قوله: «والدليل».
وقوله: «يستحيل» أي يمتع في العقل الجزم بوجوده أو القطع بعدمه فترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجِّح لا يصحُّ، وهذا هو معنى قوله: «موصل إليه» أي بلا دليل موصلٍ إليه، أي الجزم بوجود الوجود والعدم إذ العقل لا يدرك ذلك بلا دليل، كما سبق التحقيق فيه فليراجع إليه من هناك، انتهى. (2/95)
صفحة 596
قال المصنِّف: «ووجب من وجوب المعرفة بحقِّيَّة ما جاء به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مع كونه بشرًا، وجوب صدقه وأمانته، واستحالة الكذب والخيانة عنه، بفعل ما نهى عنه، أو ترك ما أمر به من تبليغ الرسالة وغيره، وجواز ما سوى ذلك في حقِّه من الأعراض البشريَّة، كالأكل والنكاح والنوم والمرض والموت وغيرها، مِمَّا لا يترتَّب عليه نقص في منزلته، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام»، انتهى.
أقول: إنَّ الواو من قوله: «ووجب» عاطفة على قوله: «فوجب عقلا...» إلخ. و«حقِّيَّة» ــ بتشديد القاف والياء المثنَّاة ــ نسبة إلى الحقِّ، وهو متعلِّق بمعرفة، و«ما» في قوله: «ما جاء» بمعنى الذي جاء، والمعية في قوله: «مع كونه» معنوية وقوله: «بشرًا» نصب لأَنَّهُ خبر لـ«كونه» لأَنَّهُ مصدر كان، قال الشاعر:
ببذل وحلم ساد في قومه ... الفتى ... وكونك إيَّاه عليك ... يسير
وقوله: «وجوب صدقه» أي برفع الوجوب لأنَّه فاعل «وجبَ»؛ والضمير في قوله: «صدقه» عائد إليه - صلى الله عليه وسلم - ؛ وكذلك في قوله: «وأمانته»، وقوله: «واستحالة الكذب» أي امتناع وعدم إمكان الكذب عليه - صلى الله عليه وسلم - مطلقا، وقوله: والخيانة عنه، أي استحالة ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم - لأنَّ الكاذب والخائن لا يصلح أن يكون رسولا بل ولا يكون مؤمنا تقيًّا، قال الله سبحانه وتعالى: {إنَّما يتقبَّل الله من المتَّقين} (1) . ولا شكَّ أنَّ الكاذب والخائن ليسا من المتَّقين، فما هو الاتِّقاء منهما؟ انتهى. قلت: وإلى هذا المعنى لاحظ القاضي في قوله تعالى: {تلك الجنَّة التي نورِثُ مِن عبادِنا مَن كان تَقيًّا} (2) ، فقال: «إنَّ الآية دليل في أنَّ صاحب الكبيرة ــ وإن كان موحِّدا ــ لا يدخل الجنَّة لأَنَّهُ ليس بمتَّق رفع ذلك عنه الفخر الرازي في تفسيره الكبير عند الآية، وهو الحقُّ وما سواه على خلافه». انتهى.
__________
(1) - ... سورة المائدة: 27.
(2) - ... سورة مريم: 63. (2/96)
صفحة 597
وقوله: «بفعل ما نهى عنه أو ترك ما أمر به»، فالباء فيهما سببيَّة و«ما نهى عنه» بالبناء لما لم يسمِّ فاعله، و«ما» موصولة؛ وكذلك قوله: «ما أمر به»، وحذف نائب الفاعل من الفعلين للعلم به؛ والمعنى: ما أمره الله به من قول وعمل.
وقوله: «من تبليغ الرسالة وغيره» بيان للمأمور به. والتبليغ: مصدر بلَّغ، كالتكليم: مصدر كلَّم، والرسالة مجرور له من إضافة المصدر لمعموله، أي ما أرسل به الناس من أمور معاشهم ومعادهم؛ قال تعالى: {يا أيُّها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربِّك} (1) . ويستحيل عدم التبليغ، لأنَّ كتم الرسالة أعظم من الشرك، كذا قاله الشيخ الكندي رحمه الله تعالى، والله أعلم بالصواب.
قال رحمه الله أيضًا: «اعلم أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستحيل عليهم الكذب والغشُّ والخيانة والجور والنفاق والظلم والسحر والكهانة والعتة والسفه والجنون ونحو ذلك من ضدَّ صفات الكمال» انتهى.
قلت: ويجب في حقِّهم عليهم الصلاة والسلام الاتِّصاف بأضداد هذه الصفات وإلى هذا أشار سيِّدي نورالدين سقى الله ثراه بقوله:
وواجب عليك أن تعرف ... ما ... يجوز للرسل وما قد لزما
وما استحال عنهم ... فاللازم ... في حقِّهم نعتا هي المكارم
كالصدق والتبليغ ... والأمانه ... والعقل والضبط وكالفطانه
والمستحيل ضدُّها ... كالكذب ... وكالجنون وارتكاب ... الريب
__________
(1) - ... سورة المائدة: 67. (2/97)
صفحة 598
وقال - رضي الله عنه - : «اِعلم أنَّ الأمَّة اتَّفقوا على عصمة الأنبياء من ارتكاب الشرك عمدا، وأجازت الشيعة ارتكابه لهم إذا خافوا الهلاك بعدم ارتكابه، وقد تقدَّم بطلان قولهم، وأنَّه يؤدِّي إلى إخفاء الدعوة التي بعث لأجلها الرسول. وأجمعوا أيضًا على استحالة الكذب عليهم فيما بعثوا به عمدا أو سهوا، وقد تقدَّم دليله. واختلفوا في جواز الكذب عليهم سهوا في غير ما بعثوا بتبليغه. وكذلك اختلفوا في جواز ارتكاب الصغيرة الغير الخسيسة، وَأَمَّا الخسيسة كسرقة لقمة ونحوها فمستحيلة عليهم اتِّفاقًا؛ وكذلك كبائر غير الشرك.
وذهبت الحشويَّة إلى جوازها عليهم، ومنع الجبَّائيُّ في حقِّهم الصغيرة والكبيرة الخسيسة على سبيل التعمُّد، هذا كلُّه بعد النبوَّة، وَأَمَّا قبلها فذهب الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة إلى جوازها، أي الكبيرة عليهم ومنعها بعض المعتزلة لأنَّها مِمَّا ينفِّر عن الاتِّباع بعد النبوَّة ومنع بعضهم كلَّ ما ينفِّر ككون الأمِّ عاهرة ونحو ذلك. ومنعت الرافضة الصغيرة والكبيرة قبل النبوَّة وبعدها.
والمذهب أنَّهم معصومون بعد النبوَّة من الكبائر مطلقًا، ومن خسيس الصغائر أيضًا لما تقدَّم من الأدلَّة على وجوب ما يجب عليهم، وعلى استحالة ما يستحيل عليهم؛ وَأَمَّا قبل النبوَّة فلا دليل سمعيّ يرفع ذلك عنهم، والعقل يجوِّزه عليهم». الى أن قال: «واعلم أنَّ تجويزنا عليهم الكبائر قبل النبوَّة لا يستلزم وقوعها منهم لأنَّ الجواز أخصُّ من الوقوع، وقد قلنا به لاستصحاب الحال مع عدم المانع لو صحَّ دليله على منعه لمنعناه، لأنَّ المنع هو اللائق بمنصبهم الكريم». انتهى
قلنا: إذا كان المنع هواللائق بمنصبهم الكريم فما بالنا لا نمنعه بذلك، وما أحسنه من دليل! لأنَّنا إذا قصرناه لهم في حالة النبوَّة فقط فيلزم تجويز انحطاط قدرهم، وهو لا يكون إلاَّ بدليل، فإذا جعلناه ثابتا غير منفكٍّ عنهم فلا شكَّ أنَّنا وضعناه في موضعه (2/98)
صفحة 599
دع ما ادَّعته النصارى في ... نبيِّهم ... واحكم بما شئت مدحًا فيه ... واحتكم
فليحرَّر المقام. انتهى.
ثُمَّ ذكر - رضي الله عنه - أَنَّ من الأدلَّة لعدم جواز صدور الصفات الغير الجائزة في حقِّهم التي هي مستحيلة عنهم بقوله: ومنها قوله: {لا يَنَالُ عَهدِيَ الظالمينَ} (1) . ومنها قوله تعالى: {ولَقد صَدَقَ عليهم إِبليسُ ظَنَّه فاتَّبعوه إلاَّ فريقًا من المؤمنين} (2) . ومنها أنَّه تعالى قسَّم المكلَّفين قسمين، فجعلهم حزبين، وحزب الشيطان هم العصاة وهم الخاسرون {ألاَ إنَّ حزبَ الشيطان هم الخاسِرون} (3) .
وأنت إذا تأمَّلت هذه الأدلَّة كلَّها رأيتها أدلَّة لعدم الوقوع لا لرفع الجواز بالكلِّيَّة، لكن دليلنا على رفع الجواز أن تقول هكذا: لو جاز عليهم ذلك لوقع منهم أو من أحدهم كما وقع من غيرهم لكنَّه لم يقع منهم ولا من أحدهم فدلَّ على أنَّهم معصومون منه؛ ودليل آخر هو قوله تعالى حكاية عن إبليس: {إلاَّ عبادَك منهم المخلَصين} (4) . وقوله: {إنَّ عبادي ليسَ لَكَ عليهم سلطانٌ} (5) ؛ ولا شك أَنَّ الإخلاص لم يفارقهم منذ اصطفاهم الله لوحيه إنَّهم عباده المصطفون، وإذا كانوا كذلك فليس للشيطان عليهم سبيل، فتثبت لهم العصمة، لا يقال إِنَّ هذا الدليل ناف لارتكابهم الصغائر الخفيفة أيضًا لأنَّا نقول إِنَّ صدور مثل ذلك منهم ليس هو من تسليط الشيطان عليهم وإنَّما منشأ ذلك غفلة أو سهو أو تأويل من فاعله، كما في قصَّة آدم - عليه السلام - ، فإن قيل: إِنَّ ما وقع لآدم من كيد الشيطان لأَنَّهُ هو الموسوس والمزيِّن لهم ذلك.
__________
(1) - ... سورة البقرة: 124.
(2) - ... سورة سبأ: 20.
(3) - ... سورة المجادلة: 19.
(4) - ... سورة الحجر: 40.
(5) - ... سورة الحجر: 42. (2/99)
صفحة 600
أجبنا: أنَّه ليس ذلك من تسليط الشيطان عليهم وإنَّما وقع بتأوُّل آدم - عليه السلام - النهي عن شجرة مخصوصة لا عن جنس تلك الشجرة فأكل من شجرة غير المشار إليها لكنَّها من جنسها كذا قيل؛ وفي ظاهر قوله تعالى حكاية عن إبليس: {ما نَهَاكما ربُّكما عن هذه الشجرةِ} (1) ما يردُّه، لكن الجواب عنه أَنَّ آدم - عليه السلام - نسى النهي فأكل بعد النسيان، لقوله تعالى: {ولقد عَهِدنا إلى آدم من قبلُ فنسِيَ} (2) ؛ ولا يردُّ هذا بذكر إبليس لهم النهي لاحتمال أن يكون النسيان بعد ذلك، وهذا الاحتمال موجود أيضًا في تأوُّل آدم النهي عن شجرة بعينها لا عن جنسها، فإنَّه وإن أشار إليها الخبيث فيحتمل أنَّ كون آدم - عليه السلام - لم يلتفت إلى تلك الإشارة، وقيل أكل آدم من الشجرة قبل أن ينبَّأ، وعليه فلا إشكال لأنَّا لا ندَّعي العصمة للأولياء بل للأنبياء، ولا ندَّعيها أيضًا لهم قبل النبوَّة» انتهى.
وقول المصنف: «وجواز ما سوى ذلك في حقِّه - صلى الله عليه وسلم - من الأعراض البشريَّة كالأكل والنكاح والنوم والمرض والموت وغيرها مِمَّا يترتَّب عليه نقص في منزلته، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام»، انتهى.
__________
(1) - ... سورة الأعراف: 20.
(2) - ... سورة سورة طه: 115. (2/100)
صفحة 601
أقول: إنَّ الواو في قوله: «وجواز» عاطفة على قوله: «وجوب صدقه...» إلخ؛ والإشارة في «سوى ذلك» إلى الكذب وغيره من الصفات المستحيلة الواجبة، والضمير في «حقِّه» عائد إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فكما يستحيل في حقِّه ما ذكرناه، ويجب في حقِّه مقابله جاز في حقِّه ما سوى ذلك. وقوله: «من الأعراض» فَ«مِنَ» للبيان، والأعراض بفتح الهمزة جمع عَرَض، وهو المقابل للجسم، أي الأعراض الملائمة للبشر جِبِلَّة وكسبا، كالأكل للطعام، والمشي في الأسواق، والشرب والوطء للمرأة بالتزويج أو بالتسرِّي والموت، سواء حتف الأنف أوالقتل، والرضا والغضب، وغير هذه الأشياء التي ذكرناها مِمَّا لا يترتَّب عليه نقص في منزلته العليا ومنصبه الأرفع - صلى الله عليه وسلم - وهكذا غيره من الأنبياء صلَّى الله عليهم وسلَّم، يستحيل عليهم ما هو نقص في حقِّهم ويجب لهم ما هو ملائم لحقِّهم، ويجوز عليهم ما سوى ذلك كما مرَّ. قلت: وإلى ذلك أشار سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - بقوله:
وما عدا ذلك فهو ... ممكن ... في حقِّهم إِلاَّ الذي ... يستهجن
قال - رضي الله عنه - ونفعنا به في شرحه للبيت: «قوله: "وما عدا ذلك" أي المذكور من واجب ومستحيل فهو ممكن، أي جائز في حقِّهم، أخَّر هذا القسم عن الواجب والمستحيل لأَنَّهُ بمنزلة المركَّب منهما حيث جاز له الطرفان: الفعل والترك، وذلك كالأكل والشرب والنوم والجماع ومخالطة الناس والمشي في الأسواق ونحو ذلك من الخصال الجبلِّيَّة التي خلقوا محتاجين إليها، لا يستطيعون منع أنفسهم عنها، والتي خيِّروا في فعلها وتركها. (2/101)
صفحة 602
قوله: "إِلاَّ الذي يستهجن" أي يستقبح، أي يستثني من جواز ما عدا ما ذكره من الواجب والمستحيل الأشياء التي يستقبح فعلها للأنبياء كالبول قيامًا فإنَّ القوم رووا ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو باطل، لقوله تعالى: {وإنَّك لَعَلَى خُلُقٍ عظيمٍ} (1) ؛ وإنَّ البائل قائمًا ليس على خلق حسن فضلاً من أن يكون على خلق عظيمٍ». انتهى.
قال المصنِّف: «وقد أقام الله الحجَّة على حقيقة ما جاء به بتصديقه له بالمعجزات، لكونها بمنزلة قوله: إنَّ ما جاء به حقٌّ من عندي، فالحقُّ فيما جاء به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يعتقد توحيده تعالى كما مرَّ بيانه، وإخباره كما أخبر، وشرعه كما شرع». انتهى.
أي أنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أقام الحجَّة على عباده وقطع عذرهم بها.
قال الشيخ الكندي رحمه الله تعالى: «شبَّه الحجَّة بشخص قائم ثُمَّ حذف المشبَّه به وأقام المشبَّه مقامه وأثبت من لوازمه القيام، فالمحذوف استعارة بالكناية، والمذكور تخييل». انتهى.
والجارُّ والمجرور في قوله: «على حقِّيَّة» متعلِّق بـ«أقام» والباء في قوله: «بتصديقه» للسببيَّة، أي بسبب تصديق الله عزَّ وجلَّ له - صلى الله عليه وسلم - بالمعجزات، جمع معجزة، وهي ما عجز الخلق عن الإتيان بمثلها.
قال سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - : «واعلم أنَّ المعجزة لغةً مأخوذة من العجز وهو ضدَّ القدرة؛ وعرفا: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدِّي الذي هو دعوى الرسالة أو النبوَّة مع عدم المعارضة»، إلى أن قال: «وقد اعتبر المحقِّقون فيها سبعة قيود: الأوَّل أن تكون قولاً أو فعلاً أو تركًا، فالأول: كالقرآن، والثاني: كنبع الماء من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - ، والثالث: كعدم إحراق النار لسيِّدنا إبراهيم». إلى أن قال: «وقد نظم بعضهم أقسام الأمر الخارق للعادة فقال:
إذا ما رأيت الأمر يخرق ... عادة ... فمعجزة إِن مِن نبيٍّ لنا صدر
__________
(1) - ... سورة القلم: 4. (2/102)
صفحة 603
وإنْ بان منه قبل وصف ... نبوَّةٍ ... فالإرهاصَ سمِّه تَتْبَعِ القومَ في الأثر
وإن جاء يومًا من وليٍّ ... فإنَّه ... الكرامة في التحقيق عند ذوي النظر
وإن كان من بعض العوامِّ ... صدوره ... فكنُّوه حقًّا بالمعونة واشتهر
ومن فاسق إن كان وفق ... مراده ... يسمَّى بالاستدراج فيما قد استقر
وإلاَّ فيدعَى بالإهانة ... عندهم ... وقد تمَّت الأقسام عند الذي ... اختبر
وزاد بعضهم السحر، قيل: إنَّه ليس من الخوارق لأَنَّهُ معتاد عند تعاطي أسبابه». انتهى.
وقد ظهرت علي يده - صلى الله عليه وسلم - جمع من المعجزة كنبع الماء من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - ، وتكليم البعير، وإخبار كتف الشاة إيَّاه بأنَّه مسموم حين همَّ - صلى الله عليه وسلم - بأكله، والإخبار بالمغيبات بواسطة الوحي من الله تعالى وأعظمها القرآن العظيم، الذي أعجز البلغاء عن الإتيان بأقصر سورة منه {قل فأتوا بسورةٍ مِن مِثلِه وادعوا شُهَدَاءَكم مِن دونِ الله إن كنتم صادِقينَ} (1) . وقد عدَّها الشيخ أبو مسلم الرواحي في كتابه الذي سمَّاه بالمعجزات. وعارضه كثير فافتضحوا كمسيلمة الكذَّاب وغيره.
وقوله: «لكونها» الضمير عائد للمعجزات واللام للتعليل، علَّل بها قوله: «وقد أقام الله الحجَّة...» إلخ. أي لكون المعجزات نازلة منه بمنزلة قوله سبحانه وتعالى: صَدَق عبدي في جميع ما بلَّغ عنِّي، وأنَّ الذي جاء به رسولي هو حقٌّ، أي ثابت من عندي، قال تعالى: {وما آتاكم الرسولُ فَخُذُوه...} الآية (2) .
وقوله: «فالحقُّ...» إلخ. أي كلُّ الحقِّ الذي جاء به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من ربِّه تعالى، فالواجب علينا قطعًا الاعتقاد بصميم القلوب توحيد الله سبحانه وتعالى، والتنزيه عمَّا لا يليق به، كنفي الأضداد والأنداد.
«
__________
(1) - ... سورة البقرة: 23.
(2) - ... سورة الحشر: 7. (2/103)
صفحة 604
كما مرَّ» أي: سبق توضيحه. وعلينا الاعتقاد أنَّ أخباره كلَّها صدق كما أخبر بها، ومن شكَّ في شيء مِمَّا ذكرناه، أو ردَّ شيئًا منه فقد أشرك والعياذ بالله.
وقوله: «وشرعه كما شرع» أي وعلينا الاعتقاد في صميم قلوبنا أَنَّ شرعه سبحانه وتعالى هو كما شرعه، لنا قال سبحانه تعالى: {شَرَعَ لكم من الدينِ مَا وصَّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وَصَّينا به إبراهيمَ وموسى وعيسى...} الآية (1) . انتهى.
قال المصنِّف: «من فرضيَّة المفروض، وندبيَّة المندوب، وإباحيَّة المباح، وكراهيَّة المكروه، وحراميَّة الحرام». انتهى.
أقول إنَّ هذا بيان من قوله: «ما شرع» وهو متعلِّق به والياء التي في قوله: وندبيَّة وفرضيَّة وإباحيَّة وكراهيَّة وحراميَّة، للنسبة إلى الفرض والندب والإباحة والكراهة والحرمة، وهذه هي الأحكام التي عليها مدار الأحكام الشرعيَّة.
قال سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - : «اللازم والواجب والفرض أسماء مترادفة عندنا وعند الشافعيَّة، وهو ما طلب فعله طلبًا جازمًا، وبمعناه ما قيل هو ما في فعله الثواب وفي تركه العقاب؛ وذهب البعض منَّا كابن بركة وابن زيَّاد والإمام ابن محبوب وعبد العزيز في شرح الرائيَّة، إلى أَنَّ الفرض غير الواجب، فالفرض عندهم هو ما ثبت بدليل قطعيٍّ كـ{...أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} (2) . والواجب ما ثبت بدليل ظنِّيٍّ كوجوب الوتر مثلاً وهو الراجح عندنا، وقيل: وإليه ذهب الإمام الخليليُّ، وهو مذهب الحنفيَّة؛ ويقابل الفرض عندهم الحرام وهو ما طلب تركه طلبًا جازمًا، وبمعناه ما قيل: هو ما [في] فعله العقاب وفي تركه الثواب، وهو عند من ذهب إلى الترادف شامل لما ثبت تحريمه بالقطعيِّ والظنِّيِّ. وعندنا أنَّه خاصٌّ بما ثبت بالدليل القطعيِّ؛ وما ثبت بالدليل الظنيِّ فيسمُّى مكروها كراهة تحريم؛ والخلاف لفظيٌّ.
__________
(1) - ... سورة الشورى: 13.
(2) - ... سورة البقرة: 43. وغيرها كثير. (2/104)
صفحة 605
والمندوب إليه: هو ما طلب طلبًا غير جازم، وبمعناه ما قيل هو ما في فعله الثواب وليس في تركه العقاب، ويقابله المكروه كراهة تنزيه، وهو ما طلب تركه طلبًا غير جازم، وبمعناه ما قيل: هو ما في تركه الثواب وليس في فعله عقاب.
والمباح هو ما لا ثواب ولا عقاب في فعله ولا في تركه، وإنَّما يثاب على إصلاح النيَّة فيه، ويعاقب على فسادها. فتحصل من الحكم التكليفي سبعة وهي الفرض والواجب والمحرَّم والمكروه كراهة التحريم والمندوب والمكروه كراهة تنزيه والمباح، إِلاَّ عند من يرى الترادف بين الفرض والواجب والمحرَّم والمكروه كراهة التحريم فإنَّها عنده خمسة فقط.
قلت: وهذا هو مذهب شيخنا العلاَّمة سيف بن ناصر رحمه الله على ما يظهر لي من عبارته في جامع أركان الإسلام.
ونُفِي من أنواع الحكم أشياء عبَّر عنها الأصوليون بالحكم الوضعيِّ، وهي الشرط كالوضوء للصلاة، والسبب كالوقت بوجوبها، والمانع كالحيض مانع لوجوب الصلاة مثلا، والصحَّة وهي مرافقة الأمر وقيل سقوط القضاء، هذا في الديانات، وفي المعاملات: ترتيب أثر الشيء عليه واعتباره سببًا لحكم آخر.
والفساد وهو ضدَّ الصحَّة، ويرادفه البطلان عند جمهورنا وعند الشافعيَّة؛ وفرَّق بينهما الحنفيَّة وجعلوا البطلان فيما لم يشرع أصله كالزنى، والفساد فيما شرع أصله وبطل وصفه، كالصلاة والصوم في الأوقات المنهيِّ عنهما فيها كوقت الاحمرار والعيدين. والظاهر أنَّ الصحَّة والفساد والبطلان ثمرات لحكم الوضع لا أحكام، وقد جمعها إِلاَّ الشرطيَّة والسببيَّة والمانعيَّة ابن رسلان في زبده لكنَّه على طريقة الشافعيَّة فقال:
أحكام شرع الله سبع ... تقسم ... الفرض والمندوب والمحرَّم
والرابع المكروه ثُمَّ ما ... أبيح ... والسادس الباطل وأختم بالصحيح
فالفرض ما فعله ... الثواب ... كذا على تاركه العقاب
ومنه مفروض على ... الكفاية ... كردِّ تسليم على الجماعة
والسنَّة المثاب مَن قد ... فعله ... ولم يعاقب امرؤ إنْ أهمله (2/105)
صفحة 606
ومنه مسنون على ... الكفاية ... كالبدء بالسلام من جماعة
أمَّا الحرام فالثواب ... يحصل ... لتارك، وآثم مَن يفعل
وفاعل المكروه لم ... يعذَّب ... بل أن يكفَّ لامتثال يثب
وخصَّ ما يباح ... باستواء ... الفعل والترك على السواء
لكن إذا نوى بأكله ... القوى ... لطاعة الله له ما قد نوى
أمَّا الصحيح في العبادات ... فما ... وافق شرع الله فيما حكما
وفي المعاملات ما ... ترتَّبت ... عليه آثار بعقل ثبتت
والباطل الفاسد للصحيح ... ضدٌّ ... وهو الذي بعد شروطه ... فقد
انتهى.
قلت ولسيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - في المعنى قوله في جوهره:
ويجب الفعل وطورًا ... يستحب ... ويحرُمَنْ تارة فيجتنب
ويُكرهَنْ، فالوجوب ... يأثم ... تاركه إذ تركه محرَّم
وضدُّه الحرام، والذي ... استحبَّ ... يثاب من يفعله حين ندب
وضدُّه المكروه ... والمباح ... وليس على فاعله ... جناح
انتهى.
قال المصنِّف: «وأنَّ له تكليف العقلاء، وإيلام البريء، وأنَّه لا يجب عليه شيء، ولا يضاف إليه الجور، ولا يظلم الناس شيئًا فيؤاخذهم بغير ما اكتسبوه، {إنَّ الله لا يظلمُ الناسَ شيئًا ولكنَّ الناسَ أنفُسَهُم يظلِمُون} (1) باكتسابهم ما يؤاخذون به». انتهى.
الواو في قوله: «وأنَّ له تكليف العقلاء» عاطفة على قوله: «ووجب من وجوب...» إلخ. و«إيلام» بكسر الهمزة مصدر آلم بالمدِّ ومعناه: أمرض الذي لا ألم به، وكذلك إماتة الحيِّ وتعذيب الكافر، ولا يجب عليه لعباده شيء ما، خلافا للمعتزلة في زعمهم الباطل أنَّه يجب عليه تعالى إثابة الطائع وتعذيب العاصي، نبّأ على مذهبهم الفاسد من قولهم بوجوب الصلاح والأصلح عليه تعالى.
قال سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - :
نعبده جلَّ امتثال ... أمره ... سبحانه ونهيه وزجره
فإن يشأ يرحمنا ... بفضله ... وإن يشأ عذَّبنا بعدله
فالملك والعزَّة ... والسلطان ... له، كذا القدرة ... والبرهان
__________
(1) - ... سورة يونس: 44. (2/106)
صفحة 607
ولا ينسب إلى الله الجور، فلا يصحُّ أن يقال إنَّه جار على عباده فهو لا يظلم الناس ولا غيرهم شيئًا فيؤاخذهم بغير الذي اكتسبوه، قال تعالى: {إِنَّ الله لا يظلمُ الناسَ شيئًا ولكنَّ الناسَ أنفسَهم يظلِمونَ} (1) . بسسب اكتسابهم ما يؤاخذون به وقال: {ولا يظلِمُ ربُّك أحدًا} (2) {وما ربُّك بظَلاَّمٍ للعبيدِ} (3) . انتهى.
قال المصنِّف: «وأنَّ أفعال العباد هم اكتسبوها وفعلوها ولم يجبروا عليها، والله خلقهم وما يعملون، وأنَّه لا يكون غير ما يريد الله» انتهى.
أي وجب علينا العلم ــ أي الاعتقاد ــ بأنَّ أفعال الثقلين والملائكة وغيرهم أَنَّهَا لم يجبرهم الله تعالى على إيقاعها، فالله تعالى أعدل من أن يجبر عبدًا على فعل شيء ويعاقبه عليه، {ما يفعلُ اللهُ بعذابِكم إنْ شَكَرتم} (4) فبطل بذلك مذهب المجبرة، وبطلت حجَّتهم التي يحتجُّون بها، وهي أنَّ العبد لا يقدر على شيء، وإنَّما هو كالخيط في الهواء تقلِّبه الرياح كيف شاءت، وكالميّت بين يدي المغسِل لا يقدر على شيء، فهو لا يستطيع امتناعًا، ويردُّ هؤلاء الزاعمين بهذه الأقوال الآياتِ الناهيةَ، مثل قوله تعالى: {ولا تقرَبوا الزِّنَا}، {ولا تقربوا الفواحش} (5) وأمثالهما. ومن أين يتصوَّر في ذهن العاقل ويصحُّ أن ينهى الله عباده عن أمر ويجبرهم على فعله، سبحانه من حكيم حميد.
قال سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - :
وفاسق من قال: إنَّ الله ... جلَّ ... قد جبر الإنسان فيما قد فعل
وأنَّه لم يجعل ... استطاعه ... له لكفر شاءه أو طاعه
لأَنَّهُ لو كان هذا ... بطلا ... أمرٌ ونهيٌ مع وعد ... جعلا
....................................................... (6)
__________
(1) - ... سورة يونس: 44.
(2) - ... سورة الكهف: 49.
(3) - ... سورة فصِّلت: 46.
(4) - ... سورة النساء: 147.
(5) - سورة الإسراء:32.
(6) - ... خرم في المخطوط قدر صفحتين وهما: 484-485. (2/107)
صفحة 608
نفوا الكسب عنهم وأضافوا جميع أفعالهم إلى الله عزَّ وجلَّ على سبيل الجبر منه لهم على فعلها ورفع الاختيار عنهم فيها» إلى أن قال: «وذهب أهل الاستقامة والأشعريَّة إلى التوسُّط بين الحالين، فقالوا: إنَّ أفعالنا خلق لله عزَّ وجلَّ، وهي لنا اكتساب فنثاب ونعاقب على اكتسابنا لا على خلق الله أفعالنا، بدليل قوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} (1) فالآية صريح في إثبات الكسب والاكتساب لها، وهي مبطلة لمذهب الجبريَّة، ولقوله تعالى: {وأنَّه هو أضحك وأبكى} (2) فالآية صريح على أنَّ الله تعالى هو خالق الضحك والبكاء، وهو فعل لهم وهذا مبطل لمذهب المعتزلة»؛ حتَّى قال: «وعن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنَّه سئل عن القدر، فقال: الناس فيه على ثلاث منازل:
- من قال إنَّ في الأمر المشيئة إلى العباد، وأنَّ الأعمال مفوَّضة إليهم ولا قدر فقد ضادَّ الله في أمره.
- ومن أضاف إلى لله شيئًا مِمَّا ينزَّه عنه، فقد افترى عظيمًا على الله عزَّ وجلَّ.
- ورجل قال: إن رحمت بفضل الله فذلك الذي سلم له دينه ودنياه».
حتَّى قال: «ومن اعتقد اعتقادًا جازمًا أنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يخلق أفعال العباد فهو فاسق منافق أحمق بعدًا له، وإنَّما قلنا: اعتقادًا جازمًا ليخرج من اعتقد لقصور عقله أنَّ ريح المروحة ونحوها خلق له من غير أن يخطِّئ من خالفه في ذلك، فإنَّه لا يفسق، لأَنَّهُ من الخطإ المرفوع عنَّا»كذا في الذهب الخالص، وعزاه إلى بعض محقِّقي أصحابنا، انتهى.
أقول: إنَّك إذا نظرت إلى ما ذهبت إليه المعتزلة والمجبرة من مقالهما هذين تجد المعتزلة أنَّهم يفرُّون من نسبة الشين والقبيح إلى الله تعالى فوقعوا فيما هو أعظم وهو تعدُّد الخالقين؛ والمجبرة فرُّوا من القول في نفي الخلق عن الله ونفوا استطاعة قدرة الفعل عن العبد فوقعوا في عظيم وهو نسبة الجور إليه تعالى.
__________
(1) - سورة البقرة: 286.
(2) - سورة النجم: 43. (2/108)
صفحة 609
وقول المصنِّف: «لا يكون غير ما يريد الله» انتهى.
أي من الواجب علينا اعتقاده بقلوبنا: استحالة كون شيء في الوجود وهو لا بإرادة الله تعالى، وأنَّ الله لا يرضى لعباده الكفر. فالإرادة شيء غير الرضى لإمكان أن يأمر الآمر بشيء وهو لا يريده، وذلك مثلا من له عبد لا يمتثل أمره فأراد سيّده أن يطلع الناس على ما عليه العبد من عدم امتثال، لئلاَّ يلومه الناس إن صدرت منه العقوبة عليه، فيأمره بفعل شيء وهو يعلم أن لا يفعله إظهارًا لحاله، وقطعًا لعذره، وهذا لا ينافي الحكمة، انتهى.
قلت: ومن أمثال ذلك سؤال سيِّدنا موسى عليه الصلاة والسلام ربَّه عزَّ وجلَّ: أن يريه ذاته، فموسى - عليه السلام - لم يرد بسؤاله نفس رؤيته تعالى، وإنَّما مراده ظهور استحالتها لقومه، وقد تقدَّم الكلام فيه.
وهذا القول خلافًا للمعتزلة في زعمهم أنَّه لا يريد الله إِلاَّ ما يرضى فلازم ما ذهبوا إليه أنَّ الله يعصى مستكرَها، وأنَّ أكثر ما يكون في الأرض غير مراده، وبذلك يكون مقهورًا مغلوبًا، تعالى الله عن ذلك، وهو معنى قول أبي عبيدة لواصل حين التقيا في الطواف، وهكذا قول المجوسيِّ للمعتزليِّ إذ قال له: مالك لا تسلم؟ وقد تقدّمت قصصهم.
وبهذا تعلم أنَّ الله سبحانه وتعالى أراد كفر أبي لهب وأبي جهل ونحوهما، لكن لم يرضه، قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} (1) فالآية في نفي الرضى ولا ينافي الإرادة وأنَّ شيئًا لا يكون إِلاَّ بإرادة الله تعالى فالرضى غير الإرادة، ولو كان هو إياها للزم الإكراه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، انتهى.
__________
(1) - سورة الزمر: 7. (2/109)
صفحة 610
قال المصنِّف: «وأنَّ القدر خيره وشرُّه من الله»: أي يجب على كلّ مكلَّف أن يعتقد بقلبه ويدين لله به. القضاء: وهو وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ، والقدر: وهو وجودها متفرِّقة في الأعيان بعد حصول شرائطها، خير ذلك وشرّه إنَّه من الله تعالى، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعبادة بن الصامت - رضي الله عنه - : «لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتَّى تؤمن بالقدر خيره وشرِّه أنَّه من الله» قال يارسول الله وكيف لي أن أعلم خير القدر وشرَّه؟ قال: «تعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن متَّ على غير ذلك دخلت النار» (1)
__________
(1) - ... في سنن أبي داود، كتاب السنة، حديث رقم، بلفظ4077: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ خَالِدٍ الْحِمْصِيِّ عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي، قَالَ: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ» قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَ ذَلِكَ» (2/110)
صفحة 611
وقوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشرِّه أنَّه من الله تعالى»، انتهى.
اعلم أنَّه قد يردُ القضاء ومعناه الشيء المقضيُّ وهو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء» (1) . ولا يجوز إغراق النظر في أمر القدر، وفي الحديث الربانيِّ: «القدر سرِّي، ولا ينبغي لأحد أن يطَّلع على سرِّي».
__________
(1) - ... في سنن النسائي، كتاب الاستعاذة، حديث رقم 5397: «أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَجَهْدِ الْبَلَاءِ» (2/111)
صفحة 612
وقال - صلى الله عليه وسلم - : «إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا» (1) . وقال الشيخ ابن النظر رحمه الله:
إنَّ سرَّ الله في الأرض ... القدر ... فدعوا الإغراق فيه ... والنظر
وقال سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - :
وبالقضاء نؤمن أيضًا ... والقدر ... ولم يجز إغراقنا فيه ... النظر
وبالخوض فيه هلكت القدريَّة. وقال - رضي الله عنه - : «والمراد بالقدريَّة: الخائضون في القدر والمتكلّمون فيه بما لا يحلُّ».
قال المصنِّف: «وأنَّ الله يوالي أولياءه، ويعادي أعداءه، وأنَّ ولايته وعداوته لا تتقلَّبان بتقلُّب أحوالهم، وأنَّ علينا أن نوالي المؤمنين جملة، ومن علمنا سعادته عند الله بالحقيقة ومن ظهر لنا إيمانه وموافقته للحقِّ بالظاهر». انتهى.
__________
(1) - ... روى الترمذي، في كتاب القدر، حديث رقم 2059: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ، فَقَالَ: «أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تَتَنَازَعُوا فِيهِ»، قَالَ أَبُو عِيسَى وَفِي الْبَاب عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ وَصَالِحٌ الْمُرِّيُّ لَهُ غَرَائِبُ يَنْفَرِدُ بِهَا لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا» (2/112)
صفحة 613
قال الشيخ الكندي رحمه الله تعالى ما نصُّه: «ويجب علينا أن نعتقد بقلوبنا وندين لله به، أنَّ الله عزَّ وجلَّ يوالي أولياءه جميعا مَن عَلمنا منهم ومن لم نعلم، من الجن والإنس إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: {الله وليُّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (1) ».
قلت: قد يؤخذ من الآية الكريمة أنَّه تعالى يوالي الذين آمنوا في حالة وجود الإيمان منهم. ومفهومها البراءة منهم في حالة وجود الكفر فيهم؛ وعلى هذا يقال: إنَّ الولاية والبراءة صفتان له تعالى فعليَّتان، فليحرَّر المقام.
قال: «وقال تعالى: {لأملأنَّ جهنَّم من الجِنَّة والناس أجمعين} (2) ، وولاية الله لأوليائه توفيقه إيَّاهم لعمل الخير، وإعانته لهم على ما يحب ويرضى، وعداوته لأعدائه خذلانه إيَّاهم من عمل طاعتهم، فيفعلون ما نهاهم عنه لسوء اختيارهم، وذلك كلُّه عدل منه تعالى، {لا يُسأل عمَّا يَفعَلُ وهم يُسأَلون} (3) .
__________
(1) - سورة البقرة: 257.
(2) - سورة هود: 119.
(3) - ... سورة الأنبياء: 23. (2/113)
صفحة 614
ويجب علينا أن ندين لله ونعتقد بقلوبنا إذعانا وانقيادًا أنَّ ولايته بالمعنى المتقدِّم، وعداوته كذلك، لا تختلفان ولا تتقلَّبان، فلا يصحُّ أن يوالي الله فلانًا اليوم ويعاديه غدًا، أو يعاديه اليوم ويواليه غدًا، لأَنَّهُ تعالى عالم بحقائق الأشياء قبل أَن تكون، فالوليُّ في علمه تعالى وليٌّ أبدًا لا يختلف، وإن فعل في حياته ما فعل، لأنَّا نعلم قطعًا أنَّه لا يموت إلاَّ تائبًا، والعدوُّ في علمه تعالى عدوٌّ أبدًا، وإن فعل ما فعل، لأنَّا نعلم قطعًا أنَّه لا يموت إِلاَّ كافرًا، قال - صلى الله عليه وسلم - : «ما من نفس منفوسة إِلاَّ وقد كتب مكانها في الجنَّة أو في النار» (1) .
__________
(1) - ... في صحيح البخاري، كتاب الجنائز، حديث رقم 1274: « حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِي جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلَّا قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} الْآيَة» (2/114)
صفحة 615
وقال - صلى الله عليه وسلم - «السعيد من بطن أمِّه والشقيُّ من بطن أمِّه». وكثير من الأحاديث نصٌّ في هذا، خلافاً لمن زعم أنَّ ولايته تعالى وعداوته تتقلَّبان بتقلُّب أحوالهم، فعلمه تعالى لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، قال الله تعالى: {ما يُبدَّل القولُ لَدَيَّ ومَا أنا بِظَلاَّم للعبيدِ} (1) ». انتهى.
قلت: إنَّ هذا التقدير من هذا الشيخ مشكل جدًّا فيما عندي، وذلك أنَّه ــ عفى الله عنه ــ قد فسَّر ولاية الله بتوفيقه إيَّاهم لعمل الخير وإعانته لهم على ما يحب ويرضى؛ وأنَّ عداوته لأعدائه خذلانه إيَّاهم عن عمل طاعته، فيفعلون ما نهاهم عنه لسوء اختيارهم، ثُمَّ عقَّب ذلك بالقول أنَّ ولايته وعداوته بالمعنى المذكور لا تتقلَّبان، وأنت ترى أنَّ تفسيره السابق ناشئ من أنَّ الولاية والبراءة هما من صفات الفعل، فينبني على هذا التأصيل أن يكون الكافر في عداوة الله أي خذلانه وعدم توفيقه، والمؤمن في توفيق الله وإعانته، فبهذا الاعتبار لا يصحُّ أن يكون وليًّا في حالة العصيان، وعدوًّا في حالة الإيمان، نعم، إنَّ ذلك يصحُّ على تفسير الولاية والبراءة بمعنى العلم، أي أنَّ الله تعالى يعلم بمصير العبد في آخرته، إمَّا إلى النعيم وإمَّا إلى الجحيم، فلذلك يقال: إنَّ ولايته وعداوته لا تتقلَّبان، والمسألة لا بأس فيها، لأنَّ مرجعها إلى اللفظ فقط؛
__________
(1) - سورة ق: 29. (2/115)
صفحة 616
ولكن قد حكى لنا شيخنا العلاَّمة أبو مالك عامر بن خميس، رحمه الله تعالى أنَّه جرى بحث هذه المسألة بين سيِّدي نورالدين وبين تلامذته، منهم سيِّدنا الأمير عيسى بن صالح، رحمهم الله فسيِّدي نور الدين رجَّح القول بجواز الخلاف فيها، أي القول بعدم تقلُّب ولاية الله والقول بتقلُّبها بحسب حالة العبد من طاعة أو معاص، والتلامذة خالفوه وأوجبوا كونها لا يسوغ الخلاف فيها، واحتجُّوا بقوله تعالى: {ملَّة أبيكم إبراهيمَ هو سمَّاكم المسلمين من قَبْلُ} (1) فطالَ الجِدَالُ بيْنَهم حتَّى جعل شيخنا أبو مالك حَكَما في القضيَّة، فكان رأيه موافقًا للتلامذة، وبذلك لا يكون الخلاف فيها لفظيًّا، انتهى.
قلت: لقد وقفت على تحقيق هذه المسألة في الجزء الثاني من فتاوى سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - التي أرتِّبُها، وهاكه نقلا بعينه: «قال: وسئل سيِّدي نور الدين - رضي الله عنه - عن معنى ما يوجد في الأثر في المشرك الذي علم الله أنَّه يموت مؤمنًا هل هو وليٌّ لله يوم خلقه لأَنَّهُ في علم الله من أهل ولايته وسكَّان جنته، وعلم الله لا يتحوَّل؟ ومنهم من قال: هو عدو الله وفي غضبه لأَنَّهُ عمل أعمالاً أمر الله بقتله من أجلها ولعنه، وأحلَّ منه ما حرَّم من المؤمنين، لأنَّ الله لا يتولَّى مَن عَبَد غيره وسجد للشمس من دونه، وادَّعى إلهًا معه، ومنهم من قال: إنَّه وليٌّ لا يوالى وعدوٌّ لا يعادى، قال السائل: فما وجه هذا الخلاف الواقع في المشرك فضلاً منك ببيان معنى كلِّ قول من هذه الأقاويل وبيان الأرجح منها؟
__________
(1) - سورة الحج: 78. (2/116)
صفحة 617
الجواب: أمَّا الخلاف في هذه المسألة فهو ناشئ عن اعتبارين مختلفين يرجع الخلاف لفظيًّا، ووجه ذلك أنَّهم اختلفوا في ولاية الله تعالى لعبده، فمنهم من جعلها صفة ذات وفسَّرها بمعنى العلم بمصير العبد إلى رحمة الله في الآخرة وبنى على هذا الاعتبار القول بأنَّ المشرك الذي علم الله أنَّه يموت مؤمنًا هو في ولاية الله أي علم الله منه أنَّه يصير من أهل ولايته، وكذلك قالوه في عداوة الله وفسَّروها بمعنى العلم بمصير العدوِّ إلى غضب الله، ومنهم من جعل ولاية الله وعداوته من صفات الفعل وفسَّروا الولاية بالتوفيق والإعانة، وفسَّروا العداوة بالخذلان، وبنوا على هذا الاعتبار بأنَّ المشرك المذكور في عداوة الله، أي في خذلانه وعدم توفيقه، ومنهم من لاحظ الاعتبارين فقال: هو وليٌّ لا يوالى وعدوٌّ لا يعادى، ومعنى ذلك أنَّه وليٌّ في علم الله لكن لا يوالى في حاله ذلك، أي لا يعان ولا يوفَّق، وعدوٌّ في حاله ذلك لظهور موجب العداوة منه، لكن لا يعادى دائمًا بل في حاله ذلك فقط؛ أو المراد أنَّه وليٌّ في علم الله، ولا يصحُّ لنا أن نواليه في حكم الظاهر، وعدوٌّ في حكم الله تعالى، ولا يصحُّ لنا أن نعاديه في الحقيقة. وأصحُّ هذه الأقوال كلِّها هو القول بأنَّه عدوٌّ في حال الشرك، وهذا القول هو المرفوع عن أبي عبيدة - رضي الله عنه - ، وعلى صحَّته شواهد منها أن يجعل الولاية والعداوة من صفات الفعل أولى وأظهر، لأنَّ تفسيرها بمعنى العلم خلاف ما عليه ظاهر العربيَّة التي خاطبنا الله تعالى بها وحمل الخطاب على خلاف الظاهر لا يصحُّ إِلاَّ بدليل ولا دليل ها هنا، ومع ما في ذلك من التكلُّف الذي يصير التأويل معه بعيدًا جدًّا. (2/117)
صفحة 618
ومنها قوله تعالى في آل عمران: {كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم...} (1) إلى قوله تعالى: {إِلاَّ الذين تابواْ} (2) نزلت في الحارث بن سويد، ووجه الاستدلال بذلك أنَّه سبحانه وتعالى رتَّب في هذه الآية اللعن على الكفر بعد الإيمان ثُمَّ استثنى من جملتهم الذين تابوا، فلو لم يكن المشرك حال شركه عدوًّا لله لما كان في لعنة الله.
ومنها قوله تعالى: {براءة من الله ورسولِه إلى الذين عاهدتم من المشركين...} إلى آخر الآية (3) ، ووجه الاستدلال بها أنَّه تعالى بريء من المشركين على شركهم، وأمر رسوله بالبراءة منهم وبقتالهم، وكيف يكون وليًّا لله من كان هذا حكم الله فيه. ونحو ذلك من الآيات كثير. والله أعلم وبه التوفيق.
قال الشيخ الكندي رحمه الله: «ويجب علينا أنَّ نعتقد وندين لله على وجه الإذعان أنَّ علينا لله أن نوالي»، أي موالاةً بالنصب اسم لـ«أنَّ» وخبرها الجار والمجرور قبله. «المؤمنين»: جمع مؤمن مفعول لـ«نوالي» و«الـ» للاستغراق، أي يجب علينا موالاة كلِّ المؤمنين. «جملةً» بالنصب حال من المؤمنين.
والولاية المودَّة والمدح والميل بالقلب والجوارح إلى مطيع لطاعته فتثمر الاستغفار له والذبَّ عنه والإعانة له، ويجب علينا أيضًا موالاة من علِمنا من المؤمنين سعادته الأبديَّة، أي فوزه بدخول الجنَّة لوعدِ الله إيَّاه ذلك بوجه من وجوه اليقين ــ الآتي بيانها قريبًا إن شاء الله ــ أنَّ فلاناً وليٌّ عند الله. و«بالحقيقة» متعلّق بـ«نوالي» من قوله: «ويجب علينا...» إلخ.
__________
(1) - سورة آل عمران: 86.
(2) - سورة آل عمران: 89.
(3) - سورة التوبة: 1. (2/118)
صفحة 619
قلت: إنَّه قد جاء عن بعض العلماء أنَّ المتولىَّ بالحقيقة إنْ فَعل الموجب البراءة فهو يبرأ منه، وهذا نصُّ سؤال من الشيخ أبي زيد عبد الله بن محمَّد، متَّعنا الله به لحضرة سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - قال: «وسئل عن قول بعضهم أنَّ وليَّ الحقيقة يبرأ منه في حكم حكم الظاهر إذا فعل ما يوجب البراءة، ما وجه هذا القول عند قائله؟ وهل يلزم عليه التناقض بحيث يصير الولي عدوًّا؟ فأجابه سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - بما نصُّه:
«الجواب: إنَّ الولاية والبراءة عند هذا القائل من الأفعال المترتِّبة على الأفعال الدنيويَّة مع قطع النظر عن العواقب فهو يتولاَّه، لأنَّ الله تعالى ألزمه ولاية المطيع في حكم الظاهر، ويبرأ منه لأنَّ الله ألزمه البراءة من صاحب الكبائر في حكم الظاهر ولم يتعبّده الله تعالى بما سيكون في الآخرة من شأن هذا الوليِّ أو العدوِّ، وكأنَّه جعل الولاية والبراءة بحكم الظاهر من الأحكام الدنيويَّة، أما تقطع يده إذا سرق وإن كان في علم الله أنَّه يكون من أهل الجنَّة، أما يحدُّ إذا زنى، أما يجلد إذا شرب الخمر، أما تقطع يده ورجله من خلاف إذا حارب، أما تضرب عنقه إذا ارتدَّ ولم يتب، أما يحارب إذا أشرك، أرأيت لو قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في مشرك أنَّه سيسلم ويدخل الجنَّة أَلَنا أن نقرَّه على شركه؟ كلاَّ، بل نحكم عليه بأحكام مثله، فكذلك الولاية والبراءة في حكم الظاهر، والله أعلم».
قال السائل: «إنَّ من حقوق الوليِّ بالظاهر أن يطلب له الرحمة الأخرويَّة ودخول الجنَّة، ومن أحكام العدوِّ في الظاهر جواز لعنه والدعاء عليه بالنار والغضب، فهل هذا كلُّه يجوز في حقِّ الوليِّ بالحقيقة إذا فعل الكبيرة، وكذا بالعكس في عكسه»، انتهى. (2/119)
صفحة 620
الجواب: الله أعلم، وأنا لا أحفظ هذا منصوصًا من قولهم، غير أنِّي أقول أنَّه إذا علم أنَّ هذا يدخل الجنَّة، فليس له أن يدعو له بالنار والغضب في الآخرة وإن أحدث الكبيرة، وإن علم أنَّه يدخل النار فليس له أن يدعو له بالجنَّة وإن فعل الطاعة، لأنَّ ذلك محال إذ لا يبدَّل القول لديه تعالى ولا يختلف علمه، وطلب ذلك يقتضي طلب خلاف معلوم الله، وهو باطل قطعًا، فلا يجوز سؤاله؛ فإن قيل هذا المعنى هو معظم أحوال الولاية والعداوة فإذا امتنعا صار ذلك الوليُّ غير وليٍّ والعدو غير عدوٍّ، فما وجه القول بالولاية والبراءة بعد ذلك؟.
قلنا: وجههما إعطاء الحقوق والأحكام الدنيويَّة، فإنَّ لفاعل الطاعة حقوقًا لا بدَّ من أدائها إليه، وعلى فاعل المعصية أحكامًا لا بدَّ من إنفاذها فيه فهو وليٌّ أو عدوٌّ بهذا المعنى، وكأنِّي بصاحب هذا القول يقول: إنَّ أحكام الولاية كلَّها ثابتة لهذا العدوِّ، وإنَّما يمتنع الدعاء بأمور الآخرة للعارض المتقدِّم، فلا ينفي ذلك بقيَّة الأحكام، ولا يخرجه على الأصل. والله أعلم»، انتهى.
قلت: وعلى هذا القول يلزم إن مات ذو الولاية الحقيقيَّة على حالة الشرك بالظاهر أن لا يصلِّي عليه، وغير ذلك من معاملة المؤمنين كالدفن في مقابرهم وتوريث ماله لورثته المسلمين، وكذا في ضدّه المتبرَّأ منه بالحقيقة إذا مات على ظاهر ملّة أهل الإسلام، فيعامل معاملة المسلمين فليحرَّر المقام، انتهى.
ثُمَّ إنِّي وقفت على نفس المسألة في ثبوت اللازم المذكور من فتاوي سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - ، ونصُّه: «وسئل عن الوليِّ بالحقيقة إذا مات في حكم الظاهر مشركًا هل يجوز لمن يتولاَّه بالحقيقة أن يصلِّي عليه بعد موته، أرأيت إذا أخفى ذلك عن غير المطيع من الناس على ولايته الحقيقيَّة، هل يكون الحكم فيه سواء أم لاخفاء؟ [كذا]. (2/120)
صفحة 621
أرخص الجواب: لا يجوز لا في السرِّ ولا في العلانيَّة، لأنَّ الصلاة عليه والدفن له وحكم المواريث تابعة لأحكام الدين، وهي أشياء تترتَّب على أسباب في الحياة، فإذا حصلت الأسباب تتبعها الأحكام، وعلى كلِّ مسلم أن ينزله حيث أنزل نفسه علم بحكمه في الآخرة أو جهل، إذ لا يجوز أن تترك الأحكام الدنيويَّة لأجل الأحكام الأخرويَّة، لأنَّ أحكام الدنيا أحكام تعبُّد وأحكام الآخرة أحكام الجزاء، فإن قيل: إذا قطع في هذا الوليِّ بأنَّه من أهل الجنَّة لوجوب صدق المخبر وجب عليه أن يقطع أنَّه لا يموت إِلاَّ مسلمًا لثبوت القواطع في وعيد الكفار، وإذا وجب عليه القطع بإسلامه حال الموت فما باله لا يعامله معاملة المسلمين؟ قلنا: القطع بإسلامه من أحكام الغيب التي اطلعه الله عليها، ولا يترتَّب على أحكام الغيب شيء من الأحكام الظاهرة، والصلاة عليه وأشباههما تابعة للأسباب الظاهرة.
ومن ها هنا تضلَّل ضلال الصوفية فإنَّهم يفعلون أشياء تخالف الشرع، ويزعمون أنَّهم علموا فيها ما لم يعلمه غيرهم من طريق الكاشفة، ويحتجُّون في ذلك بأفعال الخضر مع موسى - عليه السلام - ، وهم مع ذلك ضالُّون مبطلون جاهلون بطريق الاستدلال، فإنَّ الخضر - عليه السلام - قد خصَّ بشريعة غير شريعة موسى - عليه السلام - ، ولم يثبت لهؤلاء شيء من تلك الخصوصيَّة، بل الواجب على هذه الأمَّة كلِّها اتِّباع طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأخذ بأحكامه، ولا يجوز لهم مخالفة شيء من أحكامه لا في السرِّ ولا في العلانيَّة فمن خالف شيئًا لا تسعه فيه المخالفة فهو ضالٌّ مبطل، وإن خرقت له العادات، ومشت وراءه الجبال، وفلق له البحر، ومشى على الهواء.
ومن تره يمشي على الماء ... والهوا ... ولم يعتبر بالشرع حرمًا ولا حلاّ
فذلك رجال فكذِّبه إن ... روى ... فما هو في أخباره إن روى ... عدلا (2/121)
صفحة 622
هذا إذا قدَّرنا إِنَّمَا ظهر لهم علم وكشف كما يزعمون وليس الأمر كذلك وإنَّما هو خيالات وأوهام وأباطيل يلقيها الشيطان في قلوبهم، فيظنُّون أَنَّهَا الكشف والعلم {ما لهم بذلك من علم إن هم إِلاَّ يخرصون} (1) .
وقول المصنِّف: «وأنَّ علينا أن نوالي المؤمنين جملة».
أي وجب علينا أن نعتقد وندين لله على وجه الإذعان موالاة كلِّ المؤمنين، فأداة التعريف فيه للاستغراق؛ فالولاية المودَّة والمدح والميل بالقلب والجوارح إلى مطيع لطاعته فتثمر الاستغفار له والذبَّ عنه والاعانة له.
وقوله: «ومن علمنا سعادته عند الله بالحقيقة».
أي ويجب علينا أيضًا موالاة من علمنا من المؤمنين سعادته الأبديَّة لوعد الله إيَّاه ذلك لوجه من وجوه اليقين الذي لا إشكال فيه أنَّه عند الله في الجنَّة.
وقوله: «وظهر لنا إيمانه وموافقته للحقِّ بالمظاهر» وكذلك أيضًا يجب علينا موالاة من بان لنا لوجهٍ من الوجوه الآتية إيمانه، والإيمان هو موافقة العبد للحقِّ الذي أوجب الله علينا سبحانه فعله وتركه، لأنَّ من ليس موافقًا لذلك فهو ليس بمؤمن بموجب الحكم الظاهر، انتهى.
قال المصنِّف: «وأن نبرأ من الكافرين جملة ومن علمنا شقاوته عند الله بالحقيقة وممَّن ظهر لنا كفره بالظاهر». انتهى.
أقول أنَّ هذا مقابل لما تقدَّم وهو من أوَّل قوله: «وأنَّ علينا أن نوالي المؤمنين» إلى قوله: «ومن ظهر لنا إيمانه وموافقته للحقِّ بالظاهر». وقول المصنِّف: «ونبرأ من الكافرين جملة ومن علمنا شقاوته عند الله بالحقيقة وممَّن ظهر لنا كفره بالظاهر» انتهى.
أقول إنَّ هذا مقابل لما تقدَّم وهو من أوَّل قوله: «وأنَّ علينا أن نوالي المؤمنين» إلى قوله: «ومن ظهر لنا كفره...» إلخ.
__________
(1) - ... سورة الزخرف: 20. (2/122)
صفحة 623
فالكفر هنا شامل للشرك والنفاق، لأنَّ من كان عمله مخالفًا لأمر الله تعالى فهو لا ينتفع بإ يمانه لقوله تعالى: {والذين لا يَدْعُون مع الله إلها آخرَ ولا يقتُلون النفسَ التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحقِّ...} إلى قوله: {ويَخْلُدْ فيهِ مُهَانًا إِلاَّ من تاب...} الآية (1) ، فالآية الشريفة دالَّة على أنَّ من فعل الكبائر ولم يتب منها هو مخلّد في النار أعاذنا الله منها؛ ومن المعلوم أنَّ الجنَّة هي دار المؤمنين، قال تعالى: {ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقينَ} (2) أي المؤمنين، لأنَّ غيره لا يسمَّى متَّقيًا، قال تعالى: {إِنَّمَا يتقبَّل الله من المتَّقين} (3) ولا يشكُّ عاقل أنَّ صاحب الكبيرة ليس بمتَّقٍ.
قلت: وقد ورد عن القاضي في قوله تعالى: {وتلك الجنَّة التي نورث من عبادنا من كان تقيًّا} (4) أنَّ هذه الآية دالَّة في أنَّ صاحب الكبيرة وإن كان موحِّدًا لا يدخل الجنَّة لأَنَّهُ غير متَّق، نقل ذلك عنه الإمام الرازي في التفسير الكبير، فثبت أنَّ المؤمن الذي ينتفع بإيمانه في الآخرة هو الموفِّي بفرائض الله تعالى فعلاً وتركًا، قال تعالى: {إنَّ الذين قالوا ربُّنا الله ثُمَّ استقاموا} (5) . والعلم لله تعالى.
__________
(1) - سورة الفرقان: 68-70.
(2) - سورة النحل: 30.
(3) - سورة المائدة: 27.
(4) - سورة مريم: 63.
(5) - سورة فصلت: 30. (2/123)
صفحة 624
قال الشيخ الكندي رحمه الله: «واعلم أنَّ الولاية والبراءة أصلان من أصول الدين لا بدَّ للمكلَّف منهما ولا يسع جهلهما بعد قيام الحجَّة بهما أو شيء منهما، والدليل على وجوب الولاية قوله تعالى: {يا أيُّها النبيُّ إذا جاءكَ المؤمناتُ} إلى قوله: {فَبَايِعْهُنَّ واستغفرْ لهنَّ اللهَ} (1) . والاستغفار ثمرة الولاية، وكذا قوله: {فاعلم أنَّه لا إله إِلاَّ الله واستغفرْ لذنبِكَ وللمؤمنينَ والمؤمناتِ} (2) أمر الله نبيَّه - عليه السلام - لمعرفة الوحدانيَّة والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، والاستغفار ثمرة الولاية، وكذا قوله تعالى: {وإنِ استَنصَرُوكُم في الدينِ فَعَليكمُ النَّصْرُ} (3) ، والمناصرة في الدين هي عين الولاية، وكذا قوله تعالى: {خذْ من أموالِهم صدقةً تطهِّرهم وتزكِّيهم بها وصلِّ عليهم إِنَّ صلاتَك سَكَنٌ لهم} (4) ، أي أدع لهم والدعاء ثمرة الولاية، ونحو ذلك من الآيات.
ودليل وجوب البراءة قوله تعالى: {لقد كانَ لكم أُسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومِهم إنا بُرَآءُ منكم وممَّا تعبُدون من دونِ الله} (5) ، مع قوله تعالى: {لقد كان لكم فيهم أُسوةٌ حسنةٌ لمن كان يَرجو اللهَ واليومَ الآخرَ ومَن يتَوَلَّ فإن الله هو الغنيُّ الحميدُ} (6) .
جعل الله سبحانه التأسِّي بإبراهيم - عليه السلام - والذين معه لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، فمفهومه أَنَّ من لم يرج الله واليوم الآخر لم يتأسَّ بهم، وهذا ــ ونعوذ بالله ــ وعيدٌ على من ترك التأسِّي فقد بيَّن الله تعالى أنَّه غنيٌّ حميد عمَّن تولىَّ بترك الواجبات كما في قوله تعالى: {ومن كَفَر فإنَّ الله غنيٌّ عن العالَمين} (7) انتهى.
__________
(1) - سورة الممتحنة: 12.
(2) - ... سورة محمَّد: 19.
(3) - سورة الانفال: 72.
(4) - سورة التوبة: 103.
(5) - سورة الممتحنة: 4.
(6) - سورة الممتحنة: 6.
(7) - سورة آل عمران: 97. (2/124)
صفحة 625
وقوله تعالى: {وما كان استغفارُ ابراهيمَ لأبيه إلاَّ عن مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إيَّاه فلمَّا تَبَيَّن له أنَّه عدوٌّ للهِ تبرَّأ منه إنَّ إبراهيمَ لأوَّاه حليمٌ} (1) فمدْحُه له تعالى بالبراءة من أبيه دليل للوجوب.
وقوله تعالى: {لا تجدُ قوماً يؤمنون باللهِ واليومِ الآخرِ يُوادُّون مَن حَادَّ اللهَ ورسولَه...} الآية (2) ، ففي تحريم الولاية دليل لوجود ضدِّها، وضدُّها البراءة، لا يقال: فهناك وجه ثالث وهو الوقوف، لأنَّا نقول: إنَّ الوقوف عمَّن حادَّ الله ورسوله محرَّمٌ أيضًا، فثبت المطلوب فافهم. وكذلك جميع الآيات المترتِّب عليها اللعن، كقوله تعالى: {ألاَ لعنة اللهِ على الظالمين} (3) ونحوها. واللعن ثمرة البراءة. واعلم أنَّ الولاية والبراءة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، قال شيخنا السالمي متَّعنا الله بحياته:
والكلُّ من ذينِ على ... الأقسام ... وثلاثة تأتي على ... تمام
القسم الأوَّل: ولاية الجملة وتقابلها براءة الجملة وهذان لا بدَّ للمكلَّف منهما بعد قيام الحجَّة عليه بذلك من طريقهما، وهما اللذان عبرا عنهما بعض العلماء بولاية العموم وبراءة العموم، وهي المعبَّر عنها أيضًا بعقيدة الإنسان، فلا بدَّ للمكلَّف أن يتولَّى الله جملة أوليائه من علم منهم ومن لم يعلم، من الإنس والجنِّ، من أوَّلهم إلى يوم القيامة؛ وأن يبرأ كذلك من جملة الكافرين. وعليه أن يوالي جملة الملائكة كلِّهم وأنَّهُم لا يعصون الله أبدًا، قال الله تعالى: {لا يَعصُونَ اللهَ ما أمَرَهم} (4) .
__________
(1) - سورة التوبة: 114.
(2) - سورة المجادلة: 22.
(3) - سورة هود: 18. (في الأصل: الكافرين وهو خطأ).
(4) - سورة التحريم: 6. (2/125)
صفحة 626
القسم الثاني: ولاية الحقيقة وهي أن تتولَّى لله كلَّ من سمَّاه في كتاب من كتبه باسمه كمن ذكر من الأنبياء عليهم السلام ومريم بنت عمران ولقمان ونحوهم، أو لكنيته وهو ما صدِّر بأبٍ أو ابن أو أمٍّ كأمِّ موسى وامرأة فرعون؛ أو صفة كالتوَّابين والمتطهِّرين والمؤمنين والصالحين ونحوهم؛ أو أبهم ذلك نحو: {وجاء رجلٌ من أقصى المدينة...} الآية (1) ، {وقال رجلٌ مؤمنٌ من آل فرعونَ} (2) ، وكقوله تعالى: {إذْ أرسلنا إليهمُ اثنينِ فكذَّبوهما فعزَّزنا بثالثٍ...} الآية (3) وكقوله تعالى: {قال رجلان من الذين يخافون أَنعَم الله عليهما...} الآية (4) ؛
أو أخبر بذلك رسول من رسله تعالى عليهم السلام، وأنت تسمع ذلك من الرسول وتنظر إلى شفتيه يتحرَّكان بذلك أنَّ فلانا مثلا من أهل الجنَّة وأبو فلان، أو أخبرك بذلك من لا يمكن تواطؤهم على كذب: إنَّا سمعنا النبيَّ يقول إنَّ فلانًا في الجنَّة، لأنَّ الشهرة توجب اليقين. وتقابلها البراءة بأنواعها مِمَّن ذكر باسمه كفرعون وهامان وإبليس لعنهم الله، وامرأة نوح لعنها الله، وامرأة لوط، وأبي لهب وامرأته حمَّالة الحطب، ومن ذكرهم الله بقوله: {كمَثَلِ الشيطانِ إذ قال للإنسانِ اكفر ... } إلى قوله: {...عاقِبَتَهما أنَّهما في النارِ خالِدَيْنِ فيها} (5) ونحو ذلك.
__________
(1) - سورة القصص: 20.
(2) - سورة غافر: 28.
(3) - سورة يس: 14.
(4) - سورة المائدة: 23.
(5) - سورة الحشر: 16-17. (2/126)
صفحة 627
وهذا القسم من الولاية والبراءة لا يسع جهله بعد قيام الحجَّة به. وعمله تعالى لا يتبدَّل والرسول - صلى الله عليه وسلم - {لا ينطق عن الهوى إن هو إِلاَّ وحي يوحى} (1) ، ويستحيل عليه الكذب شرعًا، إذا علمت ذلك فاعلم أنَّ من ثبتت ولايته بالحقيقة ولو فعل ما فعل فهو على ولايته ولو ارتدَّ ــ والعياذ بالله ــ أو فَعل الكبائر، فوَلايته لا تتحوَّل ولكن تبرَّأ الله من تلك الأفعال التي فعلها، وتنفَّذ فيه الأحكام من قتل بارتداد وقصاص وقيام حدود ونحو ذلك. وعلينا أن نعتقد أنَّه لا يموت إِلاَّ تائبا.
قال أبو سعيد رحمه الله: «ولو مات وأنت على رأسه ولم تظهر لك منه توبة لأنَّ علمه تعالى لا يتبدَّل، وكذا حكم من ثبتت براءته بالحقيقة أيضًا ولو فعل ما فعل من أعمال البرِّ فهو على براءته ولكن تتولَّى منه تلك الأفعال الحميدة».
وولاية الجملة وبراءة الجملة أشمل من ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، لأنَّ كلَّ وليٍّ لك في الحقيقة وليٌّ لك في الجملة، وكلُّ عدوٍّ لك في الحقيقة عدوٌّ لك في الجملة ولا عكس، لأنَّك تتولىَّ من هو عند الله وليٌّ في علمه جملة، وتبرأ مِمَّن هو عند الله عدوٌّ في علمه جملة ولا تتولَّى ولا تبرأ بالحقيقة إِلاَّ من سمَّاه الله أو رسوله فافهم.
__________
(1) - سورة النجم: 3-4. (2/127)
صفحة 628
القسم الثالث: الولاية بحكم الظاهر وتقابلها البراءة كذلك، وهذا القسم يتوصَّل إليه بطريق من ثلاث: مشاهدة أو شهادة عدلين أو عدل ــ على خلاف يأتي ــ أو شهرة حقٍّ (فخرج بذلك شهرة باطل كشهرة الشيعة في البراءة من الشيخين: الصدِّيق والفاروق رحمهما الله ورضي عنهما) لكلِّ من شاهدنا منه الوفاء بدين الله والموافقة لنا في الدين، أو شهر لنا عنه ذلك، أو شهد بذلك عدلان عالمان بأحكام الولاية والبراءة لزمتنا ولايته، وكلُّ من رأينا منه عدم الوفاء بدين الله والمخالفة لنا في الدين أو شهر لنا ذلك عنه بشهرة الحقِّ، أو أخبرنا بذلك عدلان عالمان بحكم الولاية والبراءة، أو أقرَّ بذلك على نفسه، لأنَّ أعدل شاهد على المرء لسانه، لزمتنا البراءة منه.
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : «من علمنا منه خيرًا قلنا فيه خيرًا وظننَّا فيه خيرًا وتولَّيناه، ومن علمنا منه شرًّا قلنا فيه شرًّا وظننَّا فيه شرًّا وتبرَّأنا منه»، انتهى. (2/128)
صفحة 629
وهذه الطرق الثلاث لا خلاف فيها؛ واختلفوا فيها فيما وراء ذلك، فإذا أخبر متولىًّ مِمَّن يبصر الولاية والبراءة أنَّ فلانًا مثلاً وليٌّ قيل: تجب ولايته، أي ولاية من أخبر عن ولايته الوليُّ، وقيل: لا مطلقًا، وقيل: إذا سئل عن ذلك تجب ولايته على من سأله بيَّن أو لم يبيِّن إن كان عالمًا بموجبات الولاية والبراءة، قيل: إذا كان ذكرًا حرًّا عالمًا وقيل: ولو امرأة كذلك ولو أمَة كذلك، قيل: ولو غيرها عالم، لكن بشرط أن يبيِّن أو يرفع ذلك عن عالم بالولاية والبراءة كأن يقول: إنَّ الشيخ فلان يقول: إن فلانًا وليٌّ أو أتولاَّه أو تجب ولايته. وكذا الخلاف إن أخبر بالبراءة العدلُ العالم بذلك بيَّن أو لم يبيِّن، وقيل: إذا بيَّن وجوب البراءة، وقيل: إذا كان عالمًا بالصغائر أو الكبائر عدلاً فلا بيان عليه؛ وهذا الخلاف قبل أن تثبت ولايته وعداوته، وَأَمَّا من ثبتت ولايته فلا يزيلها إِلاَّ عيان موجب للبراءة، أو شهادة عدلين عالمين، أو شهرة حقٍّ، أو إقرار مِمَّن ثبتت ولايته بأنَّه فعل كذا من موجبات البراءة، فإذا فعل ذلك فها هنا قولان: قيل: يستتاب فإن تاب ورجع عن ذلك ثبتت ولايته، وإن أبي برئ منه، وقيل: يبرأ منه ثُمَّ يستتاب فإن تاب ورجع قُبل منه.
ويجب عليك أن تبرأ مِمَّن برئ من وليِّك من غير موجب تعلمه.
قال سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - :
ومتبرّئ من وليٍّ لك ... قل ... بكفره إن لم يتب عمَّا ... فعل (2/129)
صفحة 630
وإن رأيت أنت وغيرك مثلا موجب البراءة من وليٍّ لكما فتاب معك سرًّا ولم تعلم أنَّ ذلك الغير علم توبة هذا المرتدِّ فسمعته يبرأ منه بحضرتك أبقيته على ولايته إن كان وليًّا لك، أو على ما هو عليه إن كان على غير ولاية عندك حتَّى تعلم أنَّه علم توبته كعلمك، فإن علمت منه ذلك فاستمرَّ على البراءة مع علمه بتوبته فهو محدث تجب البراءة منه حتَّى يتوب أو تستتيبه فإن أبى برئت منه، وإن برئ اثنان عدلان من شخص برئ منه قال في المعالم: «وهي قضيَّة جابر بن زيد رحمه الله إذ قال: لعن الله من لعنتما»، انتهى.
ويجب علينا ولاية من تاب من شرك لقوله تعالى: {قل للذين كَفروا إنْ يَنتَهُوا يُغفَر لهم ما قد سَلَفَ} (1) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «الإسلام جبٌّ لما قبله».
ومن برئ من متولًّى برئ منه ولو كان المتبرِّئ وليًّا؛ قال في المعالم: «وهي قضيَّة ضمَّام بن السائب - رضي الله عنه - »، انتهى.
ومن رأى مِمَّن شهر بالولاية موجب البراءة برئ منه سرًّ، ولا يحلُّ له إظهار البراءة منه إِلاَّ عند من علمه أنَّه علم كعلمه ذلك الحدث بعينه، لأَنَّهُ إن أظهر البراءة مِمَّن ثبتت ولايته عند الناس أباح من نفسه البراءة، ولا يحل لأحد أن يبيح لنفسه البراءة. وما روي عن الإمامين موسى بن علي، ومحمَّد بن محبوب، أنَّهما كانا يبرآن من الإمام المهنَّا (2) رحمه الله بالسريرة فيه نظر فتأمَّل، انتهى.
فائدة
اعلم أنَّ الولاية الحقيقيَّة لا تثبت بعد موته - صلى الله عليه وسلم - لأنَّ ذلك أمرًا لا يطَّلع عليه إِلاَّ بالوحي وقد سدَّ له بموت خاتم الأنبياء صلوات الله عليه وسلامه.
__________
(1) - سورة الأنفال: 38.
(2) - ... هو أبو عبد الله محمَّد بن سليمان المهنا العيني (ق:3) من قضاة الإمام غسان بن عبد الله،من أعمال سمائل وبها قبره. أنظر: البطشي، إتحاف الأعيان:ج1/ص440. (2/130)
صفحة 631
وهل كان - صلى الله عليه وسلم - متعبّدًا بظاهر كغيره في ولاية الخلق وبراءتهم؟ فالجواب: نعم، قال الإمام الخليليُّ: «واعلم أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - متعبَّد بالولاية الظاهريَّة والبراءة الظاهريَّة كغيره من المكلَّفين، إِلاَّ ما خصَّ به من علم حقيقة بواسطة الوحي في مخصوص من البشر أو عموم للجميع...» إلخ. وقال في موضع آخر: «وَأَمَّا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فهو بشر وشريعته ظاهرة وحقيقيَّة، وأخبار تابعة شريعته، فهو يقول بالظواهر مرَّة وبالحقائق أخرى، فما دلَّ على الحقيقة حكم به حقيقة كما سبق، وما دلَّ على الظواهر حكم فيه بالأحكام الظاهريَّة ولو صحَّت ولاية شخص بحقيقة من كتاب أو لسان رسول ثُمَّ أحدث ما يجب به كفره وما يجب به عليه حدٌّ كالزنى أو حارب من هو حجَّة من المسلمين في الظاهر، فهو لا بدَّ من أجزاء الأحكام الظاهريَّة فيرجم إن وجب عليه الرجم ويقتل إن حارب الحجَّة مع بقاء ذاته على الولاية الحقيقيَّة، لأنَّ حكم الله لا يتحوَّل فيه، لكنَّ الله حكم على الجميع بالشريعة الظاهريَّة، ونقطع أنَّه لا يموت إِلاَّ تائبًا، فلا يجوز الشكُّ في ولايته قدر ما يرتدُّ إليك طرفك»اهـ.
قلت: فهذا على أنَّ تفسير الولاية الحقيقيَّة بمعنى العلم الأزليِّ، وَأَمَّا على تفسيرها بمعنى التوفيق الربَّانيِّ فلا بأس على القول بالبراءة منه كما مرَّ ذلك مبسوطًا. (2/131)
صفحة 632
قال الإمام الخليليُّ - رضي الله عنه - : «ومعنى الحقيقة في هذه الولاية عرفا كونها لمن كان من أهل الجنَّة في حكم الأوَّل، وَأَمَّا شرح طبقات أهلها على اختلاف مراتبهم فيها ففي ذلك نقول: الولاية الدينيَّة الحقيقيَّة هي عامَّة وخاصَّة، وعين وصفة، وثبوتها من أصلها من كتاب الله ولسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومعمولها من الأعيان من ثبت ذكر سعادته في كتاب الله تعالى أو في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - »، ثُمَّ أخذ يتكلَّم على أقسامها:
«القسم الأول: العامُّ لجميعهم وهم ملائكة وأنبياء ورسل وأولياء.
القسم الثاني: الولاية الحقيقيَّة الخاصَّة وهي نوعان: عين وصفة:
فالنوع الأوَّل: الولاية الحقيقيَّة العينيَّة وهي الخاصَّة العين، يعيّن ذكرها مفردة بالذات في كتاب الله...» إلى أَن قال:
«القسم الثالث: ولاية الحقيقة الخاصَّة الوصفيَّة، وهي واجبة لِكُلِّ فرد عرف بالصفة الممزوجة في كتاب الله تعالى، وحكم هذا ولاية الموصوف من غير تعيين له...» إلى أن قال: «فهذا حكم ما أتى في كتاب الله وَأَمَّا ما كان على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا بيانه:
- المرتبة الأولى: من سمع ذلك على لسان الرسول صلوات الله عليه، فهذا يجب الإيمان به حقيقة كما سمع من الكتاب.
- المرتبة الثانية: ما لم يسمع من لسانه - صلى الله عليه وسلم - لكن تأدَّى ذلك إليه بالشهرة التي توجب العلم بصحَّة الآثار والأخبار.
- المرتبة الثالثة: ما صحَّ من ذلك لشهادة أهل العدل عن لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا لا يوجب ولاية حقيقة، لأنَّ الأخذ بالشهادة الواجب قبولها أمر ظاهريٌّ حكميٌّ بخلاف الشهرة.
- المرتبة الرابعة: ما تأدَّى ذلك مرفوعًا إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فهذا لا يفيد الحكم لمن لم يصحَّ معه»، انتهى مع حذف. (2/132)
صفحة 633
قال المصنِّف: «وأن نوالي سلفنا من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ومن نُسب إليه دينهم أو شهر فضله وعلمه واستقامته وتمسُّكه به وذبُّه عنه كعمَّار بن ياسر وعبد الله بن وهب وعبد الله بن إباض وجابر بن زيد ومحبوب بن الرحيل والإمام عبد الوهاب الفارسيِّ والشيخ أبي سعيد الكدمي، ونحوهم ومن بعدهم من العلماء المتمسِّكين به رحمهم الله»، انتهى.
أي يجب موالاة من سلف من أئمَّتنا من المهاجرين، وهم الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم تبعا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهم الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى بقوله: {للفقراء المهاجرين الذين أُخرِجوا من ديارهم...} الآية (1) . والأنصار: وهم الذين ذكرهم الله بقوله: {والذين آوَوْا وَنَصَروا...} الآية (2) .
والخلف في تفضيل المهاجرين على الأنصار فالبعض فضَّل المهاجرين والبعض فضَّل الأنصار، وعندي أَنَّ ذلك على الجملة لا على الأفراد بإجماع الأمَّة أَنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - أفضل الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وقول المصنِّف: «والتابعين لهم بإحسان»: أي المقتفين أثرهم من أهل العلم والفضل رحمة الله عليهم. وقوله: «من نُسب إليه دينهم»: أي دين التابعين لهم بإحسان، فالضمير في «إليه» راجع إلى المهاجرين والأنصار رعاية للفظ «مَن» الموصولة. وقوله: «أو شهر فضله وعلمه»: أي أو شهر بين الناس فضله وعلمه من جميع المؤمنين المتبوعين والتابعين ومن جاء بعدهم. وقوله: «واستقامته وتمسُّكه به»: فالاستقامة في الدين اعتداله فيه غير محرِّف شيئًا مِمَّا جاء به سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - قولا وفعلا.
والمصنِّف رحمه الله تعالى شبَّه الدين بشيء يتمسَّك به ثُمَّ حذف المشبَّه به وأثبت من لوازمه الاستمساك، فالمحذوف استعارة للكناية والمذكور وهم الاستمساك تخيُّل لها. وقوله: «وذبُّه عنه»: أي وشهر دفعه عن الدين.
__________
(1) - ... سورة الحشر: 8.
(2) - ... سورة الأنفال: 74. (2/133)
صفحة 634
وقوله: «كعمَّار بن ياسر»: أي ابن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن المذجحي ثُمَّ العنسي أبو اليقضان [كذا]، وهو من السابقين الأوَّلين إلى الإسلام، وهو حليف بني مخزوم، وأمُّه سميَّة وهي من أوَّل من استشهد في سبيل الله عزَّ وجلَّ، وهو وأبوه وأمُّه من السابقين.
وكان إسلام عمَّار بعد بضعة وثلاثين، وهو مِمَّن عذِّب في الله، واختلف في هجرته إلىالحبشة، وهاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وأُحدًا والخندق وبيعة الرضوان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «اِقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمَّار وتمسَّكوا بعهد ابن أمِّ عبد (1) ». وعن عليٍّ قال: جاء عمَّار يستأذن على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «اذنوا (2) له، مرحبا بالطّيِّب المطيّب» (3) . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أبشر عمَّار! تقتلك الفئة الباغية».
__________
(1) - ... تقدَّم تخريجه.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «اِئذنوا».
(3) - ... في سنن الترمذي، كتاب المناقب، حديث رقم3733: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ جَاءَ عَمَّارٌ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ» قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (2/134)
صفحة 635
وقد روى نحو هذا عن أمِّ سلمة وعبد الله بن عمر وعمرو بن العاص وحذيفة. وشهد عمَّار قتال مسيلمة، واستعمله عمر على الكوفة وصحب عليًّا وشهد معه الجمل وصفِّين فأبلي فيهما. قال أبو عبد الرحمن السلميّ: «شهدنا صفِّين مع عليٍّ فرأيت عمَّار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا في واد من أودية صفِّين إِلاَّ رأيت أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يتبعونه كأنَّه علم لهم».
وقال أبو البحتريِّ: «قال عمَّار بن ياسر يوم صفِّين: آتوني بشربة، فأوتي بشربة لبن، فقال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن فشربها، ثُمَّ قاتل حتَّى قُتل رضوان الله عليه، وكان عمره يومئذ أربعًا وتسعين، وقيل ثلاث وتسعون، وقيل إحدى وتسعون». وروى عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: «شهد خزيمة بن ثابت الجمل، وهو لا يسل سيفًا، وشهد صفِّين ولم يقاتل، وقال لا أقاتل حتَّى يقتل عمار فأنظر من يقتله فإنِّي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تقتله الفئة الباغية» فلمَّا قتل عمَّار قال خزيمة: ظهرت لي الضلالة، ثُمَّ تقدَّم فقاتل حتَّى قتل، ولمَّا قتل عمَّار قال: ادفنوني في ثيابي فإنِّي مخاصم». وقد اختلف في قاتله فقيل قتله أبو العادية المزني، وقيل الجهني طعنه فسقط، فلمَّا وقع أكبَّ عليه آخر فاحتزَّ رأسه فأقبلا يتخاصمان كلٌّ منهما يقول: أنا قتلته فقال عمرو بن العاص: والله إن يختصمان في النار [كذا]، والله لوددت أنِّي متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة». وقيل: حمل عليه عقبة بن عامر الجهني، وعمرو بن الحارث الخولاني وشريك بن سلمة المرادي، فقتلوه فكان في ربيع الأوَّل أو الآخر من سنة سبع وثلاثين، ودفنه عليٌّ في ثيابه ولم يغسله. وروى أهل الكوفة أنَّه صلَّى عليه»، انتهى.
وَأَمَّا عبد الله بن وهب فهو الراسبيُّ، إمام الدفاع، بايعه أهل النهروان بعد خلع عليٍّ نفسه من الإمامة بتحكيم الحكمين. (2/135)
صفحة 636
وَأَمَّا عبد الله بن إباض فهو إمام المذهب الذابُّ عن نصرةٍ لدين الله تعالى وإحياءً لسنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولذا نسب [إليه] المذهب القويم، لا أنَّه مبتدع له:
فنحن الأولون لم يشرع ... لنا ... نجلُ اباض مذهبًا يحملنا
من ذاك لا تلقى له في ... المذهب ... مسألة نرسمها في ... الكتب
وفي سيرة الشيخ أبي العبَّاس رحمه الله تعالى ما نصُّه: «ومنهم عبد الله بن إباض المرِّى التميميُّ، إمام أهل التحقيق، والعمدة عند شغب أولي التفريق، سلك بأصحابه محجَّة العدل، وفارق سبيل الضلالة والجهل، وكان رحمه الله على ما حفظت مِمَّن خرج إلى مكَّة لمنع حرم الله من مسلم عامل يزيد الملقب بسرف (1) ، وكان كثيرا ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان، وفي حفظي أنَّه يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد، وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم».
قد كان في أيَّام عبد ... الملك ... مع شدَّة الأمر وضيق المسلك
ناقشه وبيَّن ... الصوابا ... ولم يكن لبأسه قد ... هابا
قال في كشف الغمَّة: «عبد الله بن إباض من تميم من رهط الأحنف بن قيس، نشأ في زمان معاوية بن أبي سفيان، وعاش إلى زمان عبد الملك بن مروان، ورفع المذهب عن ابن عبَّاس وأبي الشعثاء جابر بن زيد وعن أهل النخيلة والنهروان ومن بقي من أهل صِفِّين وأهل النخيلة والتابعين لهم بإحسان ... »إلخ.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «بمسرف». (2/136)
صفحة 637
وقوله: «جابر بن زيد»: هو أبو الشعثاء، قال في سيرة الشيخ أبي العبَّاس - رضي الله عنه - ما نصُّه: «ومنهم جابر بن زيد الأزدي رحمه الله، بحر العلم وسراج الدين وأصل المذهب وأسُّه الذي قامت عليه آطامه، صاحب ابن عبَّاس - رضي الله عنه - ، وكان أشهر مَن صحبَه وقرأ عليه». وفي الطبقات: «ذكر أبو طالب مكِّي في كتاب قوت القلوب أَنَّ ابن عبَّاس قال: «اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه»، وفيه قال إيَّاس بن معاوية: «رأيت البصرة وما فيها مفتٍ غير جابر بن زيد»، وعن الحصين عن حيَّان قال: «سمعت ابن عبَّاس في المسجد الحرام يقول: "جابر بن زيد أعلم الناس بالطلاق"». وعن الحصين بن حيَّان قال: «لمَّا مات جابر بن زيد فبلغ موته أنسَ بن مالك فقال: "مات أعلم من على ظهر الأرض" أو قال: "مات خير أهل الأرض". وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - قال: «جابر بن زيد أعلم الناس، وعنه قال: عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد لوقصدوا نحوه لوسعهم علمه».
[ (2/137)
صفحة 638
وقال] أبو سفيان (1) : «كان جابر بن زيد يحجُّ كلَّ سنة فلمَّا كان ذات سنة بعث إليه عامل البصرة أن لا تبرح العام فإنَّ الناس يحتاجون إليك، فقال: لا أفعل، فسجنه، فلمَّا كان غرَّة ذي الحجَّة قال: فأرسله فخرج من السجن فأتى منزله وناقته حوله في الدار كان هيَّأها للخروج فأخذ يشدُّ عليها الرحل ويقول: {ما يفتحِ اللهُ للناسِ من رحمةٍ فلا مُمسِكَ لها} (2) يا آمنة أعندك شيء؟ قالت: نعم، فهيَّأته في جرابين، فقال: من سألك فلا تخبريه بمسيري يومي هذا، فخرج من ليلته وانتهى إلى عرفات والناس بالموقف، فضربت بجرانها الأرض وتجلجلت، فقال الناس: ذكِّها ذكها! قال: حقيق لناقة رأت هلال ذي الحجَّة بالبصرة أن لا يفعل بها هذا، ثُمَّ سلمها الله تعالى، وقد كان سافر بها عليها أربعًا وعشرين مرَّة بين حجٍّ وعمرة».
أبو سفيان: «أصاب الناس على عهد جابر بن زيد ظلمة وريح ورعد ففزعوا إلى المساجد فخرج أبو الشعثاء إلى بعض المساجد فجلس يذكر الله والناس في تضرُّع وضجَّة، فلمَّا انجلت أخذ الناس ينصرفون إلى أسواقهم ومنازلهم، فدعى من كان قريبا منه فقال: ما كنتم تظنُّون هذا الأمر؟ قالوا: خفنا أن تكون القيامة قامت، قال: وإنَّما خفتم طيَّ الدنيا والإفضاء إلى الآخرة، قالوا: نعم، قال: خفتم أمرًا عظيمًا فحقَّ عليكم أن تخافوه، ثُمَّ قال: أين تذهبون الآن، قالوا: إلى منازلنا، قال: لقد خفتم أمرا عظيما ففزعتم إلى الدعاء ولو جاء ما خفتم لم يغنِ عنكم ما كنتم فيه شيئًا فالآن إذ ردَّ الله عليكم دنياكم فأعملوا حين قبول العمل، فَأَمَّا ما كنتم فيه فلو كان الأمر كما خفتموه لم يغنِ عنكم دعاؤكم من الله شيئًا».
__________
(1) - ... هو محبوب بن الرحيل،وقد تقدَّمت تدجمته .
(2) - ... سورة فاطر: 2. (2/138)
صفحة 639
أبو سفيان: «دخل جابر وأبو بلال (1) على عائشة فعاتباها على ما كان منها يوم الجمل، فاستغفرت وتابت، قال: ودخل جابر عليها فأقبل يسألها عن مسائل لم يسألها أحد عنها حتَّى سألها عن جماع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف كان يفعل، وإنَّ جبينها يتصبَّب عرقا وهي تقول: سل يا بنيَّ، ثُمَّ قالت له: مِمَّن أنت؟ قال: من أهل المشرق من عُمان، فذكرت له شيئًا لم أحفظه، إلاَّ أنِّي أظنها قالت: إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذكره أو نحو هذا».
قال: «ورأى رجلا من الحجبة يصلِّي فوق الكعبة فقال: «من المصلي؟ لا قبلة له!»، وكان ابن عبَّاس في ناحية المسجد فسمع قوله أو أخبر به، فقال: إن كان جابر في شيء من البلد فهذا القول منه».
قال: «ودخل ثابت البناني على جابر حين احتضر فقال: هل تشتهي شيئًا؟ قال: إنِّي لأشتهي أن ألقَى الحسن البصريَّ قبل أن أموت، فخرج ثابت فأعلمه بقول جابر ــ وكان مستخفيا من الحجَّاج ــ فركب بغل ثابت على السرج وركب خلفه ثابت بطيلسانه، فلمَّا دخل على أبي الشعثاء وهو مضطجع أنكبَّ الحسن عليه وهو يقول: قل لا إله إلاَّ الله، فرفع جابر عينيه وهو يقول: أعوذ بالله من غدوٍّ ورواح إلى النار، ثُمَّ قال: يا أبا سعيد، {يومَ يأتي بعضُ آياتِ ربِّك لا يَنفعُ نفسًا إيمانُها لم تكن آمَنَت من قبلُ أو كَسَبت في إيمانِها خيرًا} (2) ، فقال الحسن: هذا والله الفقيه العالم، قال: يا أبا سعيد، أخبرني عن حديث ترويه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المؤمن إذا حضرته الوفاة قال: قال - عليه السلام - : «إنَّ المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردا»، فقال جابر: الله أكبر إنِّي أجد بردا على كبدي، ثُمَّ قُبض رحمة الله عليه».
__________
(1) - ... هو مرداس بن حدير، أو بن أديَّة.
(2) - ... سورة الأنعام: 158. (2/139)
صفحة 640
قال أبو سفيان: «كان جابر خاصًّا بيزيد بن أبي مسلم كاتب الحجَّاج، فوفد عليه مرَّة فأدخله على الحجَّاج فقال: أتقرأ؟ فقال: نعم، قال: أتفرض؟ قال: نعم، فعجب به، قال: لا ينبغي أن يؤثر بك أحد، نجعلك قاضيا للمسلمين، قال جابر: أنا أضعف عن ذلك، قال: وما مبلغ ضعفك؟ قال: يقع بين المرأة وخادمها شرٌّ فما أحسن أن أصلح بينهما، قال: إِنَّ هذا لهو الضعف، فهل لك من حاجة؟ قال: نعم، قال: وما هي؟ قال: تعطيني عطايَ وتدفع عنِّي المكروه، قال الحجَّاج: هذا لا يستقيم، أنعطيك من بيت مال المسلمين ولا نستعملك لهم؟ قال: فقال يزيد بن مسلم هاهنا خصلة تخفُّ عن الشيخ وفيها عون للمسلمين: تجعله في أعوان صاحب ديوان البصرة، قال: كذلك، فلمَّا خرجا قال جابر: ما صنعت شيئًا أتراني أكون عونا لصاحب الديوان؟ فقال يزيد: أنا أكتب لصاحب الديوان أن لا يكلِّفك مؤنة ويعطيك عطاك كاملا؛ وكان عطاؤه سبعمائة أو ستَّ مائة، وكان في ديوان المقابلة. قال: وكان يزيد شديد الحبِّ لجابر، فخرج إليه ذات مرَّة إلى واسط في يوم الجمعة، فلمَّا تغدَّيا دعا يزيد جارية له فجاءت بغالية فغلت بها رأس جابر ولحيته، فقال: يا غلام أسرج البرذون لأبي الشعثاء، قال: أعفني من البرذون، فقال: فالبغلة، قال: نعم، فخرج، فقال للغلام: قف لي عند باب المسجد بموضع سمَّاه له، وأخذ على دجلة ونزل وغسل رأسه ولحيته ودلكها دلكًا شديدًا وهو يقول: «اللهمَّ لا تجعل حظِّي منك منزلي عند هؤلاء القوم»، ثُمَّ جاء إلى المسجد فلمَّا حضر خروج جابر تنافست إمرأتا يزيد في زاده فصنعتا له شيئًا كثيرا، وكان معه عمار بن حيَّان (1)
__________
(1) - ... هو عمارة (وليس عمار) بن حيان (ق:1هـ): عالما صادقا،أخذ العلم عن جابر بن زيد وصحبه في أسفاره. أنظر: الدرجيني،الطبقات:ج2/ص212. الشماخي،السير:88.. (2/140)
صفحة 641
فلما ركبا السفينة قال لعمارة: لا تدع أحدا من أهل المركب يفتح زاده، فلمَّا انتهى إلى البصرة قال: بقي جرابان أحملهما إلى الصبيان، فقال: صبَّهما على ظهر السفينة وأطعم ملاَّحيك وادع المساكين وأدفع إليهم ما بقي، قال: خرج ابن لجابر وهو قاعد على باب داره، فقبَّله ومسح رأسه فقال لجلسائه: أتروني أحبُّه؟ قالوا: أجل، قال: صدقتم، والله إنِّي لأحبُّه، وما من نازل ينزل به أحبُّ إليَّ من الموت ينزل به وبإخوته ثُمَّ ينزل بي ثُمَّ بآمنة، قالوا: فأمه أعزُّ عليك من ولدك؟ قال: ما هي بأعزَّ عليَّ منهم لكن لا أحبُّ أن أبقى في الدنيا يومًا واحدًا عازبًا؛ وكان كما تمنَّى».
قال: «لمَّا مات جابر أتى قتادة قبره وهو أعمى إذ ذاك فقال: أدنوني من قبره، فوضع يده على قبره فقال: اليوم مات عالم العرب».
ولد جابر لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وتوفي في سنة ستٍّ وتسعين، وقيل: في سنة ثلاث وتسعين، وكان - رضي الله عنه - أعلم الناس وأورع الناس وأعبد الناس، استضاء بنوره جماعة عظيمة، وأخذ عنه أناس كثيرة؛ ويروي عنه البخاري. وذكر القسطلانيُّ أنَّه معدود في الثقات. وكان جابر بن زيد وأنس بن مالك - رضي الله عنه - ما توفيا في جمعة واحدة.
وكان - رضي الله عنه - يقول: «إنِّي أدركت سبعين رجلا من أهل بدر فحويت ما بين أظهرهم إِلاَّ البحر»، يعني ابن عبَّاس - رضي الله عنه - ما. وقال: «أدركت جماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألتهم: هل يمسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خفيه؟ فقالوا: لا». وقال في صلاة الخوف: «حدَّثني جملة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » وقال في باب العلم: «أدركت ناسًا من الصحابة أكثر فتياهم حديث النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ». (2/141)
صفحة 642
قال سيِّدي نورالدين - رضي الله عنه - : «وإذا تأمَّلت روايات المسند رأيته يروي عن خلق كثير من الصحابة». قال: «وهو من اليحمد من ولد عمرو بن اليحمد رحل في طلب العلم وسكن البصرة فنسب إليها». انتهى من الجامع الصحيح مع تقديم وتأخير.
قلت: ومولده في عمان في بلاد فرق من أعمال نزوى عاصمة عمان، حرسها الله، وفيها قبر ابنته الشعثاء، وقد أخبرني الثقة أنَّ على قبرها يشاهد نور يسطع وبنفسه رآه، وهذا غير منكور على قبور الصالحين من الأصحاب رحمهم الله تعالى.
وقول المصنِّف: «ومحبوب بن الرحيل».
أي ابن سيف بن هبيرة القرشي، قالوا: وسيف بن هبيرة هذا فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومحبوب هذا هو والد الإمام محمَّد بن محبوب، ومحمَّد بن محبوب هو جدّ الإمام سعيد بن عبد الله بن محمَّد بن محبوب، وسعيد هذا قد نصِّب إمامًا في عمان عام العشرين وثلاثمائة، وهو أفضل إمام نصِّب في عُمان، اللهمَّ إِلاَّ الجلندى بن مسعود، فإنَّ سيِّدي نورالدين ــ نفعنا الله به ــ يميل إلى تفضيله عليه رحمة الله عليهم، وأغاثنا الله بهم، انتهى.
///
وقول المصنِّف: «والإمام عبد الوهَّاب الفارسي»
أي ابن عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن سام بن كسرى الملك الفارسي، والي الإمام عبد الرحمن الذي هو والد الإمام عبد الوهَّاب، ينتمي إليه أئمَّة المسلمين في أرض المغرب، ظهرت لهم في أيَّام بني العبَّاس قوَّة ظاهرة، ودولة وافرة، وصولة باهرة، وسيرة زاهرة، وأخبارهم شاهرة، رضوان الله عليهم، ولهم كرامات عظيمة ذكر منها الشيخ ابن خلدون المالكي وغيره من العلماء. (2/142)
صفحة 643
وسنذكر في هذا الموضع شيئًا من أخبار الإمام عبد الوهَّاب t نقلاً من كتاب السير للشيخ أبي العبَّاس الشمَّاخي رحمه الله، قال: «الإمام الباسل ــ يعني به الإمام عبد الوهَّاب ــ الشجاع التقيُّ الليِّن الحليم، أمير المؤمنين عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن دوستار بن سابور بن يابكان بن سابور ذي الأكتافئ الفارسي، بويع بالإمارة بعد أبيه عبد الرحمن بمدينةٍ تيهرت بنحو شهر، وذلك أنَّ عبد الرحمن لمَّا حضره الموت جعلها شورى بين أشياخ المسلمين: مسعود الأندلسي، ويزيد بن فندين، وأبي قدامة اليفرني، وعمران بن مروان الأندلسي، وأبي الموفَّق سعدوس بن عطيدة (1) وشكر بن صالح الكتامي، ومصعب بن سرمان، وعبد الوهَّاب بن عبد الرحمن فتدافعوها، فأجمعوها على أحد اثنين: مسعود، وعبد الوهَّاب، ثُمَّ مال الأكثرون والعامَّة إلى تولية مسعود، فبادروا إلى مبايعته فبلغه الخبر فاختفى، فأرادوا عبد الوهَّاب، وخرج مبادرًا ليكون أوَّل من بايع عبد الوهَّاب، ومال أبو قدامة إلى مبايعة عبد الوهَّاب، لأنَّ أمَّ عبد الوهَّاب يفرنيَّة، وطمع أن يؤثره على من سواه؛ فتكلّم هو وأصحابه حين أرادوا مبايعته أن لا يقطع أمرًا دون مشورة [جماعة] من المسلمين معلومةٍ، فقال مسعود وجماعة المسلمين: لا نعلم شرطًا في الإمامة إِلاَّ أن يحكم بيننا بكتاب الله وسنَّة نبيِّه u، وآثار الصالحين قبله؛ فسكت يزيد وأصحابه عن ذكر الشرط حين ردَّ عليهم المسلمون، فأوَّل من بايعه مسعود وتتابع المسلمون ثمَّ بايعه المسلمون بيعة عامَّة، فحملوه إلى دار الإمارة ولم يتخلَّف عن بيعته أحد، ولم ينقم عليه أحد حكمًا ولا أمرًا، ثُمَّ إنَّ عبد الوهاب لمَّا تمَّت بيعته قدَّم الراغبين عن الأمر، وأخَّر الراغبين فيها.
__________
(1) - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «عطيَّة». وهو: (2/143)
صفحة 644
فوقع في نفس ابن فندين، وسقط في يده جماعة من أهل الرغبة في الولايات فجدَّدوا فيما أمسكوا عنه من الشرط ــ أعني قولهم: لا يقطع أمرًا دون جماعة معلومة من المسلمين ــ التماسًا لشقِّ العصا، وسُلَّمًا للتفريق، فالتمسوا عزل بعض الولاَّة لغير سبب، فشاور جماعة من أهل الصلاح فأبوا ألاَّ يحدث، فأكثروا الحديث والنجوى فسمُّوا نجويَّة، وخادعوا الناس بأقوالهم واضطربوا، فإذا لقوا من لا بصيرة له في الدين قالوا: شرطنا أن لا يقطع أمرًا ولا يقضي دون جماعة معلومة، وإذا خلوا بإخوانهم قالوا: قدَّم علينا من نحن أولى منه بالتقديم وقد ولَّيناه الأمر على أن يقدِّمنا ويرفع درجتنا فأخَّرنا، وإذا لقوا الضعفاء قالوا: لا تجوز إمامة رجل إذا كان في المسلمين من هو أعلم منه، فأفشوا القيل والقال، وارتحَلوا إلى خارج المدينة وإلى الجبال، ليتمكَّنوا من قلوب الضعفاء ومن لا بصيرة له. (2/144)
صفحة 645
ولتتمَّ كلمتهم فاصطلح جماعة المسلمين ومن لا يريد الافتراق وشقّ العصا مع ابن فندين أن يكتبوا إلى إخوانهم وعلمائهم بالمشرق فيعملون بموجب ما يرونه ويجيبونهم به، فاختاروا من يرفع الكتابة، وكتبوا ما وقع به الخلاف، وحمله الأمناء، فلمَّا بلغوا مصر صادفوا بها شعيبًا أبا المعروف وشيعته وقصُّوا عليه الأخبار وما جرى من موت عبد الرحمن واتِّفاق الناس على تقديم عبد الوهَّاب، وذكر يزيد بن فندين الشرط الذي شرطه، وسألوا سائر العلماء بها، واتَّفقت الفتيا على أنَّ الإمامة تامَّة والشرط باطل، وقد كلَّف أهلُ المغرب لحمل ما كتبوا رسولين أمينين عند الجميع، فلمَّا قدما مكَّة مع من معهم ألفوا بها الربيع بن حبيب ووائل بن أيُّوب، ومخلد بن المعرد، وغيرهم من المشايخ ففهموا ما سألوهم عنه واتَّفق رأيهم على أن يكتبوا لهم جواب ما سألوا عنه ولم يألوا جهدًا في النصح، واجتهدوا في النظر لله ولدينه ولأهل دينه، كتبوا الكتاب وألقاه مخلد بن المعرّد إلى عبد الرحمن بن محمَّد بن مسلمة (1) ، فدفعه إليه وأمره بنسخه ليكون حجَّة للمسلمين بعدهم، ومن جملة ما تضمَّنه الكتاب: أنَّ الإمامة تامَّة والشرط باطل، وأنَّ القول قوله، وأنَّه مصيب وله ما صنع، إِلاَّ أشياء عابوها عليه وأمروه أن يرجع عنها، فكان قوله: إنَّه لم يفعل ذلك، فقال: إنَّه كان غلطًا منِّي في كتاب كتبته في أسنان الإبل ولم يكن بقصد».
__________
(1) - لمعرفة الأعلام السابقة الذكر بتفصيل، انظر: الراشدي،أبو عبيدة مسلم وفقهه: في تلاميذ أبي عبيدة، ص221. (2/145)
صفحة 646
قال أبوزكرياء: «بلغنا أنَّ جماعة منهم تواثقوا على غدر الإمامt، فالتسموا الحيلة في الوصول إلى ذلك، فأداروا الرأي بينهم فلم يتَّجه لهم فقام منهم رجل فقال: اجعلوني في تابوت واجعلوا قفله من داخله، فالتسمِوا وصولي إلى بيته، فعمدوا إلى تابوت فجعلوه فيه فأظهروا أنَّهم يتخاصمون على ما فيه، وأنَّ كلَّ واحد لا تطمئنُّ نفسه بتركه عند خصمه، ورغبوا إلى الإمام أن يكون عنده إلى أن يتَّفقوا فأجابهم، فلمَّا حملوه استراب ثقله وكون قفله من داخل؛ واتَّفقوا مع صاحبهم إذا قَتَل الإمام أذَّن لصلاة الصبح فيضعون السلاح في أهل المدينة، وتهيَّأوا لذلك واستبشروا بنيل المطلوب. فلمَّا جاء الليل وقضى الإمام ورده من الصلاة وغيرها من نظر الكتب، وكان من عادته إذا فرغ من الصلاة أخذ كتابًا ينظر فيه ثُمَّ عمد الإمام تلك الليلة إلى زقٍّ منفوخ فألقاه على فراشه وألقى عليه رداءً أبيض وأخفى السراج، وتنحَّى ناحية، لما وقع في نفسه من الريبة، فلمَّا سجى البيت وهدأ، وسكنت حركة الإمام، ظنَّ أنَّه نام، ففتح التابوت وخرج فتأمَّل البيت فظنَّ أنَّ الزقَّ هو الإمام، فضربه بالسيف وظنَّ بالفوز والظفر بالبغية، فأخرج الإمام السراج وسقط في يده فقتله الإمام، وكان شجاعًا بطلاً، فردَّه في تابوته؛ فتسمَّعوا الأذان عند الصبح، فلمَّا لم يسمعوا علموا أنَّ صاحبهم لم يفعل شيئًا، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن الإمام وصاحبهم وهل سمع أذاناً أو شيئًا.
فاجتمعوا إلى الإمام وقالوا: اتَّفقنا ونريد تابوتنا؛ قال: اذهبوا إلى موضعه الذي تركتموه فخذوه، فذهبوا فحملوه إلى مأمنهم، فإذا صاحبهم قتيلاً، فخيَّب الله سعيهم، وأظهر بغيهم، وأخلف ظنَّهم، فخرجوا منها خائفين أن يجازوا بما صنعوا. (2/146)
صفحة 647
ثُمَّ إنَّ شعيبًا أبا المعروف حرَّض ابن فندين على مناجزة الإمام خشية أن يرجع الرسولان من المشرق فتقوم عليهم الحجَّة فينتقض ما أبرموا، وينفتق ما رتقوا، لأنَّهم زيَّنوا للضعفاء أمورًا، وزخرفوا لهم ما يحسبونهم به محقِّين، فصاروا ينتظرون الغرَّة والغفلة، فخرج الإمام يومًا لبعض حوائجه فانتهزوا الفرصة فبادروا المدينة، فَفُطن لهم قبل دخولها فتلقَّاهم الناس، وكان أفلح بن عبد الوهَّاب يمشط رأسه وقد ظفر منه نحو الشطر وبقي الشطر، فأخذ سلاحه وترسه فوقف لهم على باب المدينة وقد كادوا يدخلونها، ونشب إحدى رجليه على العتبة السفلى من باب المدينة فانسلخ رجلاه إلى العرقوب، وجالدهم حتَّى لم يبق في مدرقته ما يصلح أن يكون وقاية، فأخذ أحد مصراعي باب المدينة فاتَّقى به، وابن فندين بين يديه يضرب الناس يمينا وشمالا، وعلى رأسه بيضتان، فضربه فقسمه نصفين فنشب السيف في الصفا من شدة الضربة.
فلمَّا مات انهزمت أصحابه؛ فقدم الإمام فوجد القتلى على باب المدينة فصلَّى عليهم طمعا في اجتماع الكلمة بعد الفرقة. وقيل عدد القتلى تقرب من اثني عشر ألفٍ قتيلاً. والله أعلم.
فأراد جماعة ردَّ الباب عن المصراع الذي نزع أفلح فلم يقدروا، فقالوا له: أردد ما نزعت! فقال: أرددوا عليَّ غيظي أردُّه.
ثُمَّ تحرَّكت على الإمام قبائل البربر ــ وكانوا على مذهب واصل ابن عطاء، أعني معتزلة ــ وذلك أنَّه لمَّا وقع ما وقع بين الإبَاضِية من انشقاق العصا، وكثُرت القتلى انتهزوا الفرصة لكثرة عددهم وقوَّة شوكتهم، فاعتذر الإمام عبد الوهَّاب إليهم عادته في عدم المبادرة إلى البسط وسفك الدماء مرَّة بعد أخرى، فما زادهم ذلك إِلاَّ شغفًا، وكانت فيهم أبطال، وكان زعيمَهم وحاميتَهم ابنُ قائدهم وسيِّدهم. (2/147)
صفحة 648
فبرز إليه عبد الوهَّاب في عساكره، فآل أمرهم إلى القتال، فكانت بينهم وقعات، فلمَّا رأى الإمام شدَّة شوكتهم وكثرة عددهم أرسل إلى جبل نفوسة وإلى عامله بها أن يمدَّه بجيش يتضمَّن شجعانًا وفرسانًا عارفين بأبواب الحرب ومبارزة الأبطال، وعلماء يفتون التفسير، والردَّ على المخالفين، والحلال والحرام؛ وقيل: مائة بطل للمبارزة، ومائة مفسِّر، ومائة متكلِّم عارف يفتون الردَّ، ومائة عالم يفتون الحلال والحرام، لأنَّ الواصليَّة معهم عالم أعيى من هناك في الكلام، وفيهم شابٌّ لا يبارز أحدًا إِلاَّ قتله، ولا يقوم له في القتال شيء.
فلمَّا ورد الخبر إلى نفوسة، اختاروا محمَّد بن يانس، ومهديًّا، وأبا الحسن الأبدِلاني، وأيُّوب بن العبَّاس، فلمَّا وردوا على الإمام استبشر بقدومهم وقد قدَّم لغلمانه أنَّ من أتاه بخبرهم أعتق وخرج حرًّا، فلما رأوهم مقبلين كان غلام منهم أعرج على سور المدينة، فلمَّا رأى الغلمان يتسابقون علم أنَّ ذلك من قدوم نفوسة فأخبر الإمام بقدومهم فخرج حرًّا، فلمَّا بشَّره الغلمان قال لهم: «فاز بها الأعرج»، فأرسلها مثلا.
وكان ينتظر قدوم العسكر الذي فيه كثرة العلماء والأبطال، فلمَّا دخلوا عليه بأربعة استخبرهم عن أحوالهم وكلِّ واحد وما يخصُّه وما ضمن من الخصال التي بعث لهم فيها، فذكر أيُّوب بن العبَّاس أنَّه تكفَّل أمر المبارزة، ومحمَّد بن يأنس تفسير القرآن وأنَّه أخذه عن الثقة، ومهدي للكلام والحجَّة، وأبو الحسن للحلال والحرام؛ ثُمَّ أدخلهم إلى دار الضيافة وأجرى عليهم الأرزاق.
وكان للإمام مع المعتزلة ومناظرات ووقائع، وكان الإمام من العلماء الراسخين. (2/148)
صفحة 649
قلت: قد ذكر العلاَّمة الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني في كتابهالأزهار الرياضيَّة حكاية كانت بين الإمام أفلح بن عبد الوهَّاب الإمام، إن رُمت التمعُّن من أوَّلها فعليك بالكتاب المذكور، نصُّه: «قال رحمه الله تعالى ــ أعني به الإمام أفلح بن الإمام عبد الوهَّاب ــ إلى نفاث بن نصر: «أمَّا بعد، فالحمد لله المنعم علينا، والمحسن إلينا، الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، ولا يهتدي مهتدٍ إِلاَّ بعونه وتوفيقه، فله المنَّة علينا ولا منَّة لنا عليه، وهو المحسن إلينا إذ هدانا لدينه، وجعلنا خلفا من بعد أسلافنا الصالحين، وأئمَّتنا المهتدين، الذين في اتِّباعم نرجو الهدى، وفي مخالفتهم نخشى الهلكة، ولن يهتدي من خالف العدل، ولن ينجو من ابتدع غير الحقِّ، لأنَّ تلك البدعة ضلالة، وكلُّ ضلالة كفر، وكلُّ كفر في النار، وقد كتبتُ إليك غير كتاب أنصح لك فيه وأدعوك إلى رشدك، وفي كلِّ ذلك لا يبلغني من عمَّالنا فيك إِلاَّ ما أكره ولا أرضاه لدين ولا دنيا، حتَّى حرَّرتُ كتابًا منشورًا إلى عمَّالنا أمرتهم فيه بخلع كلِّ من خالف سيرة المسلمين، وابتدع غير طريقتهم، وسار بغير سيرتهم، وبنفيه وهجره وإقصائه؛ فكتبتُ إليك كتابًا، كأنَّك تسخط ذلك، أترى أنِّي أؤازر من ابتدع في ديننا؟ كلاَّ! ما كنتُ بالذي يفعل ذلك، ولا أؤازر من يسعى في خلافنا ما كنَّا على الهدى. (2/149)
صفحة 650
ثُمَّ قلتَ: إنَّا أمرنا في كتابنا بالبراءة منك، فإن كنتَ كما كتب به إلينا عمَّالُنا فأنت محقوق بالبراءة، ومقصى من جماعتنا، لأنَّنا ما كتبنا كتابنا ذلك إِلاَّ على أنَّ كلَّ من ابتدع في ديننا خلاف أسلافنا، وزعم أنَّ عمَّالنا أساقفة، وأنَّهُم لا طاعة لهم في حال كتمانهم، فهو محقوق بالبراءة، ومقصى من جماعة المسلمين، فإن تكن أنت منهم فأنت الذي أبَحت لنا البراءة منك، وأحللت بنفسك ما لا بدَّ لنا أن نفعله بك وبغيرك؛ وإن لم تكن كذلك فأظهر الانتفاء من ذلك، وكذِّب عن نفسك ما قيل عنك لتكون عندنا بالحالة التي تستحقُّها وتستوجبها.
وَأَمَّا قولك: تب مِمَّا كتبتَ به، فهو منك عبث، إذ لم أشاهدك ولم أشاهد موافقتك حتَّى يجب لك عليَّ أصل ولاية، ولم يكن لك عندي تقدمة في الموافقة، وإنَّما رفع إلينا عنك ما رفعه أهل الثقة عندنا، فأَمَرنا عمَّالنا أن يسيروا في كلِّ من ابتدع بسيرة المسلمين، وكتبنا إليهم بذلك، فجعلت تكتب إلينا فيما ليس لك به كتاب، فعلامَ تتجاهل في الأمور؟! فإن كانت غايتك إِنَّمَا هي أن نكتب إليك وتجيب، وتكتب إلينا ونجيب، فهذه غاية قصيرة، والسكوت عنك أهنأ وأولى بنا، ونحن بما مُنينا به أحقُّ من مجاوبة أهل التكلُّف ومن ليس له غاية إِلاَّ أن يقال فيه: كتب فلان، وقال فلان، وفلان يفعل، ويفعل فلان.
وإن كانت غايتك التصحيح فانف عن نفسك ما رقى عليك، وكن من جماعتنا وموافقي أسلافنا، فإذا تبيَّنت منك الموافقة والانتفاء مِمَّا رقى عليك كان ذلك هو الذي نحبُّه منك ومن غيرك، وليس لك عندي غير هذا، وأن يكون حقًّا ما رقي عليك وما قيل فيك من مخالفة أصحابنا، فأنت وما رضيت به لنفسك، وإنِّي غير كاتب إليك كتابًا بعد هذا إِلاَّ إن انتهى إلينا منك ما نحبّه فننزلك من أنفسنا بحيث تحبُّ، والله المستعان ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم».
هروب نفَّاث إلى المشرق (2/150)
صفحة 651
واستنساخه ديوان الإمام جابر بن زيد رحمه الله
من مكتبة الخليفة ببغداد
فلمَّا قرأ نفاث هذا الكتاب، وفهم إشارات الإمام فيه، وأدرك منتهى ما ترمي إليه آخر عبارته منه وهي قوله: «وإنِّي غير كاتب إليك كتابًا بعد هذا» علم أنَّ دور الكتابة واللين قد انتهى وانسدَّ بابه، ولم يبق إِلاَّ دور الشدَّة والعنف الذي فهمه قبل ذلك من قول الإمام إيه[كذا]، فانتهز الفرصة وجمع ما عنده من المال نقدًا تحته وكان غنيًّا ثريًا، وهرب طالبًا للنجاة بنفسه إلى أن تجاوز حدَّ نفوذ الإمام وهو أرض “سِرت”.
وظلَّ سائرًا نحو الشرق حتَّى أتى مدينة بغداد، وهي إذ ذاك مقرّ خلافة بني العبَّاس بالمشرق. وأقام فيها ما شاء الله أن يقيمه، متردِّدا على صديق له بغداديٍّ في السوق، يتأنَّس إليه ويمضي جلَّ أوقات فراغه عنده، إلى أن طرأت على السلطان مسألة علميَّة أشكل الأمر عليه فيها، وعجز علماؤه عن حلِّها، فأمر أن ينادى في الأسواق بأنَّ كلَّ من أجاب عنها بجواب مقنع، له ما يسأله من السلطان، وبينما نفَّاث عند صاحبه إذ سمع ذلك النداء فقال لصاحبه: إنِّي سأذهب إلى السلطان وأسأله بيان مسألته لأجيبه عنها، فقال له: ألزم نفسك فإنَّ الحال ليس بسهل، وكأنِّي بك وقد عجزت عن أداء ما تحمّلت به فأمر بقطع رأسك، وليس هذا بميدان يجول فيه كلُّ أحد، فأصرَّ نفَّاث على كلامه.
ولمَّا مرَّ المنادي أمام الدكَّان قال له صاحبه: إنَّ هذا المغربيَّ ذكر أنَّه يقدر على جواب السلطان. فلم يك إِلاَّ كلمح البصر حتَّى اختطفه الشرطيُّ وذهب به إلى أن مثل بين يدي السلطان، فقرَّبه إليه وأدناه وآنسه، وسأله عن أحواله ونسبه ومسقط رأسه، فأجابه عن كلِّ ذلك بأوجز بيان. (2/151)
صفحة 652
ثُمَّ رأى أن يمهِّد لنفسه عذرًا حتَّى يكون مطمئنًّا آمنًا من الهلاك إن هفا هفوة في كلامه، عالمًا بِأَنَّ آفة الإنسان اللسان، فقال له: اِعلم أنِّي رجل بربريُّ اللغة والطبع، مغربيُّ المشرب، لم اتخلَّق بالآداب الشرقيَّة حتَّى أقوم بما يجب عليَّ من حسن القول أمام مقامك العالي، فأطلب الإذن في التكلُّم بما يخطر ببالي مع العفو عمَّا يصدر منِّي من الخطإ المغاير لسنن الأدب.
وبعد أن تلفَّظ له بالإذن كما طلب سأله عن مسألته فأجابه في الحال بجواب كاف شاف أقنعه كلَّ إقناع، ولإعجاب الخليفة به صار يكرِّر له السؤال عن معضلات المسائل وهو يجيب، وكان المجلس حافلاً بالعلماء والفقهاء والأدباء والأمراء وأولي الوجاهة من أكابر بغداد، إذ كانت للمسألة شهرة عظيمة، ولها من قبل ذلك في الدوائر والمجالس ذكر شائع.
وطفق أولئك العلماء يسألونه سؤالاً بعد سؤال وهو يجيبهم، إلى أن أعياهم الأمر وملُّوا الجلوس، ولحق الخليفة من العجب ما أبهر عقله، وحيَّر فكره؛ فنظر إليه وهو على هيأته المغربيَّة فيما يظهر من قرائن الأحوال، وقال معرِّضًا به: «نعم العسل في ظرف سوء»، ففطن لها نفَّاث، وقال في الحال معرِّضًا بديوان جابر المتقدِّم ذكره، وهو موجود بخزانة مكتبة الخليفة: «نعم الرجل في قبره سوء»، ففطن الخليفة أيضًا لمراده واشتدَّ به الحنق وكاد يأمر بالفتك به لولاَ ما صدر منه من الإذن في التكلُّم والعفو عن الخطإ. (2/152)
صفحة 653
ثُمَّ قال له: اسأل حاجتك لنوافيك بها جزاء لعملك هذا، [فقال]: إنَّ حاجتي صدور أمرك بالإذن لي في نسخ ديوان جابر بن زيد الموجود في مكتبك، فما توانى السلطان في إذنه بذلك، وقام نفَّاث فرحًا بما ناله من الإقبال والفوز، وكان الحاضرون من وزراء السلطان وخواصِّه قد أدركهم من الجزع ما كدَّر راحتهم إذ رأوا السلطان مسايرًا لنفاث في أمر الديوان، فقالوا له بعد خروج نفاث: كيف يصحُّ لك يا أمير المؤمنين أن تأذن في نسخ الديوان وهو معدود من مهمَّات خزانتك وغرائبها، حيث إنَّه لا يوجد في غيرها قطُّ، وهذا مِمَّا لا نرضاه منك! فتنبَّه إذ ذاك وندم وقال: إنِّي قد وعدته ولا يمكن لي الرجوع في كلامي، فانظروا إليَّ وجهًا مناسبًا لا يحطُّ بشرفي وأمنعه به من ذلك، فقال له أحد الوزراء: إذا رجع إليك فأعلمه بأنَّك موفٍ له بالموعد، إِلاَّ أنَّ مدَّة النسخ لا يمكن أن تتجاوز يومًا وليلةً، فإنَّه إذا سمع منك ذلك ترك الطلب، لأنَّ هذا القدر من الزمن لا يغنيه شيئًا، فاستصوب السلطان هذا الرأي، وأرسل في الحال إلى نفاث يُعلمه بذلك، ففطن نفاث لهذه المكيدة، وأدرك أنَّ المسألة دبِّرت على إثر خروجه من عند السلطان، فرضي بالشرط وذهب فاشترى ما يكفيه بالتقريب مدادًا وأقلامًا [و]ورقاً، وصنع أحواضًا مجصَّصة بالجير، مصففَّة على هيئة يتمكَّن بها من الكتابة كلُّ ناسخ، ثُمَّ أمر مناديه فنادى في المدينة بأنَّ كلَّ من يحضر الى المحلِّ الفلانيِّ في يوم كذا ويكتب طول يومه فله دينار، وللذي يملي عليه نصف دينار ــ وغير خفيٍّ ما كان في ذلك العصر العامر بالأدب والعلم من الكتَّاب والقرَّاء ــ فاجتمع له خلق لا يحصى، وشرعوا في الكتابة إلى الليل، وقبل انتهاء وقت هؤلاء نادى المنادي أيضًا بِأَنَّ من يكتب ليلته هذه فله ديناران ولمن يملي عليه دينار، فبقي من الأوَّلين من بقي، وخلف من ذهب غيرُه، واستمروا في الكتابة، وما طلعت الشمس حتَّى تمَّ له نسخ (2/153)
صفحة 654
تسعة أجزاء، وبقي له جزء واحد منعه السلطان من إتمامه لانتهاء الوقت المحدَّد المأذون به، فاستأذن عليه ودخل، فطلب منه أن يتصفَّحه مرَّة واحدة ويردَّه، فسلَّمه له، وبعد أن أتمَّه سردا قال له: قد حفظته وإن أردت أَن أقرأه عليك لتعلم صدقي فعلت، فتعجَّب الخليفة من ذلك وأمره بقراءته، فقرأه إلى آخره بحيث لم يترك منه شيئًا قطُّ. (2/154)
صفحة 655
ثُمَّ إنَّ الخليفة جمع وزراءه وقال لهم: قد أعيانا أمر هذا الرجل، وما قدرنا له على حيلة، وها هو قد أتمَّ الكتاب وأراد السفر، ولا بدَّ لنا من رأي نتوصَّل به إلى سلبه منه، فأشار كلٌّ برأيه، ثُمَّ قال هو: إنِّي سأسأله عند خروجه إلى سفره عن أسئلة، فإن عجز عنها سلبته منه بوسيلةِ أنَّه ليس له بأهل أو قتلته، وإن أجاب فاسألوه أنتم واحدا بعد واحد حتَّى يعجز فنفعل به ما ذكرناه؛ فاتَّفقوا على ذلك وافترقوا، ولمَّا بلغهم أَنَّ نفاثا برز برحله للسفر حضروا ومعهم الخليفة بصورةِ أنَّهم يودِّعونه، وابتدأوه بالأسئلة المتتابعة زمناً طويلاً حتَّى تنبَّه إلى أنَّهم ما فعلوا ذلك إلاَّ لقصد إرجاع الديوان منه، ولمَّا رجعوا ولم يقدروا له على شيء أجمعوا على أن يرسلوا وراءه من ينتزعه منه، فتحذَّر هو وحاد عن الطريق المعروف فلم يدركوا له أثرًا، وتوجَّه إلى مكَّة، ثُمَّ منها إلى طرابلس، ولمَّا بلغها سأل عن الأحوال فوجدها قد تغيَّرت، ووجد دولة الإمام في قوَّة عظيمة ونفوذ كامل، وإذ ذاك علم أنَّه لا مطمع له في شيء مِمَّا كان يقصده من الخروج عن الطاعة واستغفال العامَّة، ورأى أنَّ السكون أسلم وأصلح له، إلاَّ أنَّ الشيطان غرَّه، وضاعف حسده، وسوَّلت له نفسه أَن يُعدم ذلك الديوان حتَّى لا ينتفع به أحد بعده، ولعلَّه خاف أن يطلبه منه الإمام لينسخوا منه نسخة للمكتبة المشهورة بخزانة نفوسة الجامعة إذ ذاك للآلاف المؤلَّفة من الكتب بمدينة «سروس» (1) في جبل نفوسة، أو لمكتبة تيهرت، فحفر له في الأرض ودفنه، وأخلد إلى السكون إلى أن مات.
__________
(1) - كذا في الأصل، والصواب: «شروس». (2/155)
صفحة 656
وقد ذكر هذه الحكاية أبو زكرياء رحمه الله وغيره، ولا غرابة فيما ذكروه من حفظ نفاث، فإنَّ ما يحكى عن الشيخ السيوطي وغيره لا يبعد عن هذا، وإنَّما الغرابة في نسخ الديوان في تلك المدَّة القصيرة مع قولهم: إنَّه كان وقر عشرة أجمال، وانظر على هذا كيف تأتىَّ لجابر رحمه الله تأليفه ونسخه مع اشتغاله بأمور المسلمين، إلاَّ أن يقال: إِنَّ الخطَّ في ذلك الوقت غليظ جدًّا، ولا سبك فيه كما نشاهده في الكتب العتيقة، وإنَّ المكتوب فيه جلد لا كاغد، ولو كتب الآن لكان في أقلَّ من ذلك بكثير.
وقد تعرض صاحب كشف الظنون لذكر هذا الديوان ولم يقل فيه شيئًا والله أعلم. والذي ذكره بعض أصحابنا فيما رأيته: إنَّ نفاثا تاب ورجع عن مسائله التي خالف فيها، وهو كلام قريب، إذ لم يروِ أحد أنَّه ذكر الإمامَ بسوء، أو تكلَّف لإثارة فتنة، أو سعى في فساد بعد رجوعه من المشرق، بل كان الإمام بعد ذلك نافذ الأمر، ظاهر السيطرة في نفوسة وغيرها، والله أعلم بالحقائق. اهـ
قلت: ويدلُّك على قوَّة علمه ما ذكر في السير أنَّه t كان أرسل إلى أصحابه من أهل البصرة ألفين دينارًا ليشتروا بها كتب المذهب، فاشتروا بها قرطاسا ونسخوا له به الكتب فأرسلوها إليه وهي وقر أربعين جملا، فتشمَّر لقراءتها ليلا وبعض أوقات النهار، وكان يتجرَّد عن ثيابه إلاَّ السراويل للهمَّة العالية التي فيه فقراءها كلَّها، وقال: «الحمد لله إذ وجدت جميع ما فيها محفوظا عندي ولم استفد منها إلاَّ مسألتين، ولو سئلت عنهما لأجبت فيهما قياساً كما رُسمتَا في الكتب». (2/156)
صفحة 657
قلت: فهذه كتب الأصحاب توقر الرِّكاب (1) ، فأين من عاب علينا بقلَّة الكتب لمذهبنا عن المتقدِّمين منَّا، حتَّى عدَّ تصانيف الكتب للمتأخِّرين منَّا دليلا على قيام الساعة، وما حمله على هذا القول الشنيع إلاَّ عدم اطِّلاعه على حقيقة ما عندنا من التصانيف عن متقدِّمينا، والجهل آفة، وأعظم بليَّة.قال سيِّدي نورالدين t: «وذلك في المائة الثانية هجرية».
رجعنا إلى القصَّة، قال: فسألهم يوماً، فقال مهدي: «سأكفيك أمر المناظرة إن شاء الله»، وقال محمَّد: «سأكفيك أمر التفسير»، وكان قد أجَّلوا أجلاً وجعلوا الموعد يوماً معلوماً، فقال الإمام مهدي (2) : «وقع بيني وبين المعتزليِّ في مناظرتي له كذا وكذا»، فذكر ما وقع بينهما من الحديث، فكلَّما زاغ المعتزليُّ عن الحقِّ وحادَّ عن الصواب قال مهدي: «هاهنا ذهب عن الإمام... هاهنا لبس بالشبهة»، حتَّى أطلعه ا على مكامنه وما لبس به.
وقيل: غاب مهدي يوما، وهو بتيهرت، فرجع مع اللَّيل بعد أن أكلوا عشاءهم، فقالوا: «أين غبت؟»، فقال: «أفحمت تسعين عالماً من المخالفين»، فتقدَّم إلى عشائه، فصادف عجين غداءهم، فلمَّا أخذ بلغته، قال: «أرى عشاءكم الليلة لم ينضج»، قال له بعضهم: «لعلَّك صادفت العجين»، فكان الأمر كذلك.
قلت: وكان مهدي هذا قد توفي عام ستَّة وتسعين ومائة، وذلك أنَّه خرج من المعسكر الى شاطئ البحر، فسبحوا له حين أبصروه منفردًا، فمسكوه وقطعوا رأسه.
قال أبو زكرياء: «إذا قالوا: انهزم المسلمون ــ يعنون الإمام ومن معه ــ تعبَّس، وإذا قالوا: انهزمت المسودة، انبسط وجهه وتبسَّم».
__________
(1) - هنا إحالة إِلىَ الحاشية فيها: «قوله: “فأين من عاب علينا بقلَّة الكتب” سيأتي إِن شاء الله كلام مهذَّب عن سيِّدي نورالدين رضي الله عنه برمَّته في هذه القضيَّة عند خاتمة الكتاب بعون الله تعالى، اهـ. الشارح».
(2) - كذا في الأصل، والصواب: «المهدي». (2/157)
صفحة 658
وفي كتاب سير نفوسة أنَّهم علَّقوا رأسه على السُّورِ، فإذا قالوا له: «انهزم المسلمون»، انقبض وجهه، وإذا قيل له: «انهزم أهل المدينة»، انفتح حاجبه وتبسَّم وكلُّ قريب[كذا].
رجعنا إلى القصَّة، قال: «حمدت الله في ثلاث: أقضي بقليل من النوم غرضي، وبأيِّ طعام سددت عوجتي (1) ، ولا أخشىمن مخالف يفحمني في حجَّتي».
فلمَّا بلغ الأجل، [و]حضرت المعتزلة اشتكى أيُّوب من تعب فرسه وحفائها وطلب غيره، فأدخل إلى خيل السلطان يختار ما يريد ويشتهي، فكلَّما أعجبه فرس منها أخذ بناصيته فجبذه، فكاد يقع على ركبتيه فلم يجد فيها ما يرضيه، فقال: عليَّ بفرسي، فأحضر فأخذ بناصيته جابذا له بقوَّته، فما أثَّر فيه شيء من ذلك، فجرَّه من الجفا (2) الذي به، فحضر به القتال، وبلغ الخبر المعتزلة بقدوم نفوسة، فلمَّا التقى العسكران تاقت النفوس من الفريقين إلى رؤية أيُّوب لما سمع الناس من شجاعته، وأنَّه المتكفِّل بفارس المعتزلة وحاميتها الذي يفترس الأقران، وأعجز الفرسان.
ثُمَّ إن الإمام دعا المعتزلة إلى ترك ما به ضلُّوا وأبوا إِلاَّ التمادي، وطلبوا المبارزة، فخرج عالمهم وبرز إليه مهدي بين الصفَّين ومعه الإمام في جماعة المسلمين، فقال مهدي لمحمَّد بن يأنس: ناظره، قال: بل ناظره أنت لستَ بأعلم منِّي، ولكن خشيت العرق الذي فيَّ من قبل يأنس، فتناظرا حتَّى غاصا بحيث لا يَفهم ما يقولان من الحاضرين إِلاَّ الإمام، فتمادى بهم البحث حتَّى خفى عن الإمام وغيره؛ فأفحمه مهدي، فكبَّر المسلمون، فافترقا من المناظرة وقد خزي المعتزلة.
__________
(1) - كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «جوعتي».
(2) - كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «الحفاء». (2/158)
صفحة 659
فخرج حاميتهم طالبا للبراز، فخرج إليه أيُّوب جابذا فرسه حتَّى أبصره الفريقان، فتجاهل حين أراد الركوب فأضحك الفريقين، واستبشر المعتزلة وازدرته أعينهم إِلاَّ أباه فقال: «هيهات! جاء قاتل ابني»، قالوا: «وكيف ذلك؟»، قال: «ألا ترون حين أدنى فرسه حين ركبه ولا يفعل الفرس ذلك إِلاَّ تحت الفارس الحاذق». وقيل: «إنَّ في سنان حِربَتِه ثمانية عشر رطلاً» فقذفها في الهواء وهيَّأ لها رمحه فوقعت فيه مستوية فتمكَّنت لا تحتاج إلى تركيب، والناس ينظرون، فبارزه المعتزليُّ؛ قيل: سلكه في رمحه؛ وقيل: ألقاه مجندلاً.
فانهزمت المعتزلة لمَّا أبصرت عمدها وحاميتها قتيلاً. قيل: قتَل أيُّوب منهم كثيرة [كذا] وكذا أفلح، وفات أحدُهما صاحبه بواحد، وقيل: إنَّ أيُّوب قال: «ضربت شيئًا نبا عنه السيف لصلابته» فنظروا فإذا هو عمود قسمه نصفين بضربته. (2/159)
صفحة 660
فدخل المعتزلة تحت طاعة الإمام ووضعت الحرب أوزارها، وأرادوا أن يمكروا بأيُّوب ويقتلوه غيلة أو فتكاً، فأرسلوا إليه ليكرموه، فمنعه المسلمون أو بعضهم، فأبى إِلاَّ المسير، فأخافوه الغدر ولم يلتفت إلى قولهم، فلمَّا بلغ إلى بعض أحياهم (1) أنزلوه في خصٍّ، فقدَّموا إليه العشاء ورحَّبوا به، فأكل على المائدة وما فيها، ومن جملة ذلك شاة، ثُمَّ قُدِّم إليه وطبُ لبنٍ فشربه جميعًا، ثُمَّ أخذ في قراءةٍ بعد أن صلَّى حتَّى أصبح فصلَّى بوضوءه فأمرهم أن يقرِّبوا إليه فرسه فلم يجدوا فرصة لغدره، فتكفَّل لهم بعض قتَّاليهم بقتله، فلمَّا ركب طلبوا إليه أن يعلِّمهم الفروسيَّة فأجابهم، فأخذوا قضبانًا يترامون بها وهو معهم في ذلك إذ حمل عليه المتكفِّل بقتله ولم يشعر حتَّى كاد أن يطعنه، فتغافل له حتَّى ضربه فالتقى (2) الضربة وحمل عليه فقتله، وقتل معه ثمانية، ثُمَّ حمل على الجهة الأخرى وقتل ثمانية، فقال لنساء الحيِّ: «أيكفيكنَّ أم أزيدكنَّ؟» فقلن: «يكفينا». انتهى ما أدنا (3) نقله من سيرة الشيخ أبي العبَّاس t.
وقوله: «والشيخ أبي سعيد االكدمي»
أي العلاَّمة الإمام الشهير محمَّد بن سعيد بن محمَّد بن سعيد الكدمي، إمام هذا المذهب، وقد لقَّبه سيِّدي نور الدين t بإمام المذهب، وهو مراده بقوله: «الإمام» و«إمام المذهب» في المشارق، فإذا أطلق بذلك اللقبَ فيه فمراده به هو هذا الإمام tما.
__________
(1) - كذا في الأصل، والصواب: «أحيائهم ».
(2) - كذا في الأصل، والصواب: «فاتَّقى».
(3) - كذا في الأصل، والصواب: «أردنا». (2/160)
صفحة 661
قال t في المشارق: «وإنَّما لقبه بإمام المذهب لأنَّ الله جعل نجاة المذهب على يديه حينما ظهرت البدع بجعل الدعاوى بدعًا، ونصب الرأي دينًا، وذلك بعد أوان الصلت بن مالك، حين خرج عليه موسى بن موسى، وراشد بن النظر». إلى أن قال: «فقام هذا الإمام مناديًا بالحقِّ داعيًا إليه، مظهرًا الضلال المضلَّ، وكان هذا الشيخ خزَّانًا للإمام سعيد بن عبد الله القرشي، على المحبوسين منذ بلغ الحلم، وكان له يومئذ نخلة وخمرة ــ وهي شجرة العنب ــ قيل: إنَّه يأكل من ثمرة النخلة بلا خبز ولا حلاء، وله ثلاث نسوة موسرات لا يأكل من مالهنَّ شيئًا، وقد أخذنه لأجل علمه، وأحسب أنَّه كان يقسم ثمرة النخلة على السنَة، والخمرة للكسوة فيما قيل، هذا هو الزهد لمن قد عقله.
أبو سعيد نخلة ... وكرمه ... يملك كان شاكرا للنعمه (1)
منها طعامه ومن ... كرمته ... ثيابه لا من غنى زوجته
كانت له الزوجات معها ... المال ... يعفُّ عنه وهو ... الحلال
وقوله: «ونحوهم ومن بعدهم من العلماء المتمسِّكين به رحمهم الله تعالى».
__________
(1) - كذا في الأصل. (2/161)
صفحة 662
أي كالجلندى بن مسعود، وهاشم بن غيلان، وموسى بن علي، ومحمَّد بن محبوب، وحفيده الإمام سعيد بن عبد الله بن محمَّد بن محبوب، وناصر بن مرشد، والإمام سلطان بن سيف، وأبي نبهان جاعد بن خميس، والإمام عزَّان بن قيس بن عزَّان، والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، والشيخ صالح بن علي بن ناصر الحارثي، ونورالدين سيِّدي عبد الله بن حميد السالمي، والإمام سالم بن راشد الخروصي، والإمام الحالي محمَّد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي، والأمير عيسى بن صالح بن علي، والقطب (1)
__________
(1) - في حاشية الكتاب: «قوله: “والقطب” أي العلاَّمة الوحيد المجتهد نادرة عصره المخبر عنه العلاَّمة السالميُّ من أنَّه لم يكن عالم بعد ابن عبَّاس رحمه الله أعلم من القطب فهو محمَّد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى بن إسماعيل بن محمَّد بن عبد العزيز بن مهدي بن عيسى الذي جرى على أيديهما نسب الدين، الحفصي نسبة إِلىَ أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، العدوي نسبة إلى عدي بن كعب بن لؤي القرشي جدّ أمير المؤمنين، ولادته في بلد يسجن من ميزاب أو مضاب عام ألف ومائتين وستَّة وثلاثين هجريَّة، ووفاته كانت في ربيع الآخر عام ألف وثلاثمائة وخمسة وخمسين [كذا، وصحِّحت بقلم مجهول: سنة 32] وهي السنة التي مات فيها سيِّدي نورالدين رضي الله عنه قبله بشهر واحد، وقد عدَّد العلاَّمة أبو إسحاق في كتاب هذا الإمام “الذهب الخالص” قصائد عديدة له وذكر أيضًا في كتابه تيسير التفسير المجلَّد الخامس عند الآية: {وإنَّه لعلم للساعة فلا تمترنَّ بها} ما يدلُّ على أنَّه قد أطلعه على نزول عيسى بن مريم إذ قال: وينزل إن شاء الله تعالى على ما ألهمت وروعت على تمام أربعين عاما إلى قوله: “والعلم لله لا لغيره”. طالع ذلك في سورة الزمر. اهـ. الشارح».. (2/162)
صفحة 663
محمَّد بن يوسف المغربي، وأبي الإسلام الشيخ راشد بن سليم الغيثي، وأشبال له وهم سالم وحمد وسعيد وسليمان وحميد tم ونفعنا بهم، والله أعلم بمن يأتي من بعدهم، فtم أجمعين ونفعنا الله بهم آمين. انتهى.
قال المصنِّف: «وأن تقف عن كلِّ شخص لم يظهر لنا منه إيمان ولا كفر». انتهى.
اعلم أنَّه لمَّا كان يجب علينا أن نتولَّى كلَّ من ظهر لنا منه الإيمان والموافقة في الدين وأنْ نبرأ من كلِّ من علمنا منه ضدَّ ذلك بقي هناك من لم يظهر لنا منه موجب أحدهما، وجب علينا دينا أن نقف عن كلِّ من لم يتبيَّن لنا منه موجب أحدهما لقوله تعالى: {ولا تَقفُ ما ليس لَكَ به عِلمٌ} (1) ، ولقوله e: «أمر بَانَ لك رُشدُه فاتَّبعه، وأمر بانَ لك غيُّه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فقف عنه» وفي رواية: «فكِله إلى الله». وقالe: «المؤمن وقَّاف والمنافق وثَّاب». وقال ابن مسعود t: «لا تعجلوا على الناس بولاية ولا براءة، ربَّ من سرَّكم اليوم أساءكم غدًا، وربَّ من أساءكم اليوم سرَّكم غدًا»، انتهى.
__________
(1) - سورة الإسراء: 36. (2/163)
صفحة 664
وقيل: يتولىَّ كلَّ من لم يعلم منه موجب البراءة استصحابًا لحال أصل الفطرة التي فطر الله الناس عليها، قالe: «كلُّ مولود يولد على الفطرة حتَّى ينطق لسانه، فأبواه يهوِّدانه أوينصِّرانه أو يمجِّسانه» (1) . والصحيح الأوَّل، لأنَّ البلوغ مظنَّة لاختلاف أحوال الناس لكثرة الحوادث وانتشار البدع وكثرة تعمُّق الناس في الفتن، ولغلبة الجهل عليهم، وفيه أنَّ الأصل عدم ذلك، واليقين الفطرة ولا يزيد (2) اليقين إِلاَّ اليقين، وقد يجاب بأن لا تعبُّد على صبيٍّ ولا تكليف، ومناط التكليف والتعبُّد البلوغ والعقل، فمن أين لنا أن نعلم وفاء ذلك الشخص بما تعبَّده الله به إِلاَّ بالمشاهدة أو الشهرة أو العدالة؟! فبهذا يتبيَّن لك بحمد الله صحَّة القول الأوَّل، فدع ما سواه.
__________
(1) - رواه البخاري، في كتاب الجنائز، حديث رقم 1270، بلفظ: «حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، يَدَّعِي أَبَوَاهُ الْإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النَّبِيُّ e: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الْآيَة»
(2) - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «يزيل». كما في القاعدة الفقهيَّة المعروفة. (2/164)
صفحة 665
وأقسام الوقوف خمسة:
- وقوف الدين، وسمَّاه بعضهم وقوف السلامة وفرَّق بينهما في القواعد قال: «وقوف السلامة كأن تقف عن الفتيا مثلا لجهلك بعدلها وتتولَّى من أفتى فيها بالحقِّ». قال شيخنا السالمي: «وعلى هذا فأقسام الوقوف ستَّة»انتهى. وهو الوقوف عمَّن لم تعلم منه موجب ولاية ولا موجب براءة.
- ووقوف رأي: وهو في وليٍّ لك أحدث حدثًا لا تدري أنت ما حكمه، فقد أجاز بعضٌ الوقوف عنه حتَّى تعلم حاله فتردَّه إلى الولاية إن كان حدثه لا يفضي به إلى البراءة.
- ووقوف السؤال: هو وقوف الرأي بعينه، لكن بعضا أوجب على الواقف سؤالا عن حالة المحدث.
- ووقوف الإشكال: وهو في وليَّين تلاعنا مثلا أو تقاتلا ولم يُدرَ المحقُّ منهما من المبطل، فإنَّ بعضا أجاز الوقوف عنهما حتَّى يتبيَّن المبطل منهما من المحقِّ.
- ووقوف الشكِّ: وهو أن يقف عن كلِّ الناس ولا يتولَّى إِلاَّ من وقف كوقوفه.
فالواجب من هذه الأقسام الخمسة الأوَّل فقط، والممنوع الأخير فقط، وما سواهما فيه الخلاف، ووجه المنع فيه أنَّ الناس من تجب ولايته بالحقيقة ومن تجب البراءة منه.
وأيضا يجب على المكلَّف ولاية الجملة وبراءة الجملة والواقف هذا الوقوف تارك لهذا الوجوب فافهم. وقد جمع شيخنا السالمي أقسام الوقوف ومواضعها:
وقوف رأي دين أو ... سؤال ... إشكال أو شكّ على ضلال
فالدين في كلِّ فتى لم ... تعهد ... خيرًا وشرًّا منه كما تقتدي
والرأي في الوليِّ أن ... تسنما ... أمرًا عليك حكمه قد أبهما
وقيل: والسؤال مع ذا ... يلزم ... فهو حليف الرأي مع من ألزموا
وفي وليَّين تلاعنا ... احكم ... وقوف إشكال إذا لم يعلم
بطلان كلٍّ منهما ... والشكُّ ... أن لا توليِّ غير من ... يشكّ
قال المصنِّف: «والولاية الميل بالقلب والجوارح إلى مطيع لأجل طاعته، والبراءة الميل بهما عن عاص لأجل عصيانه». انتهى. (2/165)
صفحة 666
قلت: فهذا من المصنِّف رحمه الله تعريف للولاية والبراءة، وهو غير شامل لولاية الله لأوليائه وعداوته لأعدائه كما ترى، وأنَّه لم يعرِّف الوقوف، وهو لغة: انتصاب القامة، واصطلاحًا: الإمساك عمَّن لم يتبيَّن له حاله. وفي كتاب شيخنا سيف بن ناصر رحمه الله: «قال أبو البقاء: الولاية بالفتح بمعنى النصرة، وبالكسر بمعنى السُّلطان والملك، وبالكسر وهو ولي الله، أي بيَّن الولاية بالفتح وهما لغتان». انتهى.
وشرعًا: هي الحبُّ للمؤمنين لإيمانهم، أي الميل إليهم والاستغفار لهم أي طلب المغفرة أي الستر، بشرط كونهم موافقين في الشريعة، لأنَّ الولاية هي الموافقة. قال في الدليل: «واعلم أنَّ الولاية مرتبطة بثلاثة أوجه:
أوَّلها: الموافقة في الشريعة فإنَّ الله تعالى أمر المؤمنين أن يكونوا على شريعة واحدة ولا يختلفوا عليها، وأمرهم بالتعاون؛ وهذا أصل الولاية.
والثانية: المحبَّة بالقلوب فمن عرى من محبَّتهم، لن ينتهي دون بغضهم.
والثالثة: حقوقهم من المعونة والإسعاف والاستغفار والرحمة، قال تعالى: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} (1) ». انتهى مع حذف.
واعلم أنَّ الولاية تنقسم من حيث هي أربعةَ أقسام:
- القسم الأوَّل: ولاية العبد لربّه، وهي أن يقيم نفسه تحت الأمر والنهي فلا يجاوز في سيره إلى ربِّه طريق الاستقامة حتَّى يحلَّ بتوفيقه إيَّاه دار الإقامة.
__________
(1) - سورة محمَّد: 19. (2/166)
صفحة 667
- والقسم الثاني: هي ولاية الله لعبده، وهي نصرته له حتَّى يحميه عن المعصية ويعينه على الطاعة. واختلف في تحقيقها فقيل: إنَّه التوفيق على الطاعة، كما أنَّ عداوته تعالى الخذلان لعدوِّه وتركه وهواه وشيطانه ودنياه؛ وقيل العلم بما يصير إليه العبد من المنزلة عنده تعالى؛ وقيل: إعداد الثواب له، والثاني أصحُّ. قال القطب (1) : «السعيد في ولاية الله ولو في حال المعصية، والشقيُّ في براءة الله، و[لو]في حال وفائه، خلافًا للنكَّار وابن الحسين (2) ، ولزمهم على ذلك وصفه بالجهل بما لم يقع حتَّى يقع، أو علمه بخلاف مقتضى علمه، وهو عبث وخروج عن الحكمة». انتهى.
- القسم الثالث: ولاية العبد لنفسه، قيل: وهي قسم من ولاية الأشخاص، إِلاَّ أَنَّهَا أخصُّ منه لعلمه بها ظاهرا وباطنا، فيجب عليه ردُّها عن مناهي ربِّه واستغفاره لها وطلب النصرة والإعانة منه زاجرًا لها بسيوط الخوف، ومفزعة الرجاء، حتَّى يصل به في سيرها إلى ما أعدَّ لها من النعيم المقيم ورضوان من الله أكبر، ذلك الفوز العظيم (3) .
- القسم الرابع: ولاية الغير: منقسمة إلى ولاية الجملة وولاية الحقيقة، وهي ولاية المعصومين بنصٍّ، وولاية الأشخاص فردًا فردًا.
__________
(1) - في حاشية الكتاب: «قوله: “قال القطب” أقول: إنَّ هذا القول مبنيٌّ على أنَّ الولاية الربانيَّة معناها علم الله، وقد خالف فيه البعض من العلماء منَّا. انتهى. الشارح».
(2) - هو أبو زيَّاد أحمد بن الحسين الطرابلسي المطلبي (260هـ/873م):مؤسس الفرقة الحسينية المنشقة عن الاباضية، له مقالات الكلام والفقه ألف فيها كتبا،منها: كتاب المختصر في الفقه.
... ... انظر- السوفي: رسالة في فرق الاباضية، ص6. السوفي: السؤالات، (مخ)52.
(3) - اقتباس من الآية 72 من سورة التوبة: {...ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم}. (2/167)
صفحة 668
وَأَمَّا البراءة فهي عكس الولاية بهذا المعنى فهي البغض واللعن والطرد للكافر لكفره. وتكون من الله لعبده حيث جنح إلى ما لا يرضاه ربُّه باختياره فهي الخذلان له وعدم النصرة. ولا يجوز أن تكون البراءة من العبد لفظًا في حقِّ مولاه، وإن كان في مخالفته لنهيه وأمره في معنى المتبرّئ منه.
وَأَمَّا براءة العبد من نفسه في حال المعصية فهي كغيره من الخليفة (1) نصَّ عليه الإمام الخليليُّ t.
والبراءة من الغير وهي ثلاثة أقسام: براءة الجملة، وبراءة المنصوص عليه بالشرِّ، وبراءة الأشخاص، إلى أن قال: «ومن أنكر ولاية المؤمنين جملة وبراءة الكافرين جملة أشرك، وينافق من تركهما أو جهلهما بعد قيام الحجَّة عليه». انتهى ببعض الحذف.
قال المصنِّف رحمه الله تعالى: «وأن نعتقد أنَّ الله أمر بطاعته ونهى عن معصيته، وأنَّ طاعته كلَّها إيمان، وليست معصيته كلّها كبائر بل كبائر وسيِّئات»، انتهى.
__________
(1) - كذا في الأصل والصواب: «الخليقة». (2/168)
صفحة 669
أي: ويجب علينا اعتقاد في أنَّ الله سبحانه وتعالى أمر عباده العقلاء ــ وهم الجنُّ والانس والملائكة ــ بطاعته. والطاعة هي: الانقياد والإذعان وامتثال الأوامر، واجتناب المناهي. فـ«الباء» ــ في قوله: «بطاعته» ــ هي للتعدية، وأنَّه نهاهم عن إتيان ما نهاهم عن فعله؛ قال سبحانه تعالى : {إِنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاء ذِي القربَى وينهَى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغيِ يعِظُكم لعلَّكم تذَّكَّرون} (1) . {إِنَّ الله لا يأمر بالفحشاء} (2) {ولا تقربوا الزنى} (3) {ولا تؤتوا السفهاءَ أموالكم} (4) . {ولا تلقوا بأيديكم إِلىَ التهلكةِ} (5) وغير ذلك من آيات النهي والأمر، ومن أنكر وقال: إنَّ الله لم يأمر بطاعته ولم ينه عن معصيته، فقد أشرك، لأَنَّهُ رادٌّ لشيء من كتاب الله، وهو قوله: {إنَّ الله يأمر بالعدلِ والإحسان...} الآية، والرادُّ للبعض كالرادِّ للكلِّ.
وقوله: «وأنَّ طاعته كلَّها إيمان، وليست معصيته كلُّها كبائر»
يعني أنَّه ويجب علينا الاعتقادُ في أنَّ طاعة الله سبحانه وتعالى كلَّها إيمان، لأَنَّهُ ليس إلاَّ الإيمان أو المعاصي، إذ لم يخرج فعل العبد عن دائرة الطاعة أو ضدِّها ولا اعترض بالمباح وهو ما لا ثواب ولا عقاب في فعله ولا تركه، لأنَّا نقول: إنَّه لا يصدر فعل من العبد إذا كان عاقلاً خليًّا من القصد، فالمعتبَر حينئذ ذلك القصد إن خيرًا فخير وإنْ شرًّا فشرٌّ:
وخصَّ ما يباح ... باستواء ... الفعل والترك على السواء
لكن إذا نوى بأكله ... القوى ... لطاعة الله، له ما قد ... نوى
__________
(1) - سورة النحل: 90.
(2) - سورة الأعراف: 28.
(3) - سورة الإسراء: 32.
(4) - سورة النساء: 05.
(5) - سورة البقرة: 195. في الأصل: «ولا تهلكوا أنفسكم». وهو خطأ إذ لا توجد آية كذلك. ولعلَّه يقصد: {ولا تقتلوا أنفسكم} الآية 29 من سورة النساء. (2/169)
صفحة 670
وتَرَكَ ذكر فاعل المباح على نية التقوِّي بالمعصية تعويلاً على فهمه من قوله: القوى بطاعة الله تعالى في البيت. وَأَمَّا المعاصي فليست كلّها كبائر بل إنَّ منها كبائر ومنها صغائر؛ واختلف العلماء في حدِّ الكبائر على أقوال، وكلُّ صاحب قول ضبط الصغائر بأنَّها ما عدا ذلك. ومعوَّل الأصحاب رحمهم الله تعالى، وهو معتمد الإمام الكدميِّ t في الكبائر «أنَّ الكبير هو ما أُعدَّ لفاعله عذاب في الآخرة، سواء وجب على فاعله حدٌّ في الدنيا أم لا». وهذا الحدُّ كما ترى جامع مانع، فإنَّ من الكبائر ما لا يجب على فاعلها حدٌّ في الدنيا كالغيبة والنميمة وعقوق الوالدين، وإيذاء الجار؛ بل أغلبها كذلك. والصغائر ما عدا ذلك.
قال سيِّدي نورالدين t في المشارق: «وبدأ المصنِّف بذكر حدِّ الكبائر، ثُمَّ ضبط الصغائر بأنَّها عكس الكبائر، والمراد ما عدا الكبير من الذنوب فهو صغير.
وقد ذكر ابن حجر للكبائر حدوداً:
- أحدها: أَنَّهَا ما لحق صاحبَها عليها بخصوصها وعيدٌ بنصٍّ من كتاب أو سنَّة فخرج بالخصوص ما اندرج تحت عموم فلا يكفي ذلك في كونه كبيرة بخصوصه.
- ثانيها: أَنَّهَا كلُّ معصية أوجبت الحدَّ. وردَّ بأنَّهم نصُّوا على كبائر كثيرة ولا حدَّ فيها كأكل الربا ومال اليتيم والعقوق وقطع الرحم والسحر والنميمة وشهادة الزور والسعاية والقيادة والديانة وغيرها...
- ثالثها: أَنَّهَا كلُّ ما نصَّ الكتاب على تحريمه أو وَجبَ في جنسه حدٌّ، أو تركُ فريضة تجب فورًا، والكذب في الشهادة والرواية واليمين. وزاد الهرويُّ وشريح: “وكلُّ قول خالف الإجماع العامَّ”. (2/170)
صفحة 671
- رابعها: كلُّ جريمة تؤذن بِقِلَّة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقَّة الديانة، مبطلة للعدالة؛ وكل جريمة لا تؤذن بذلك بل يبقى حسن الظنِّ ظاهرًا بصاحبها لا تحبط العدالة. قال الأذرعي: «وإذا تأمَّلت بعض ما عدَّ من الصغائر توقَّفت فيما أطلقه» انتهى. واعتذر عنه ابن حجر بما حاصله: وإذا تأمَّلت كلام الإمام الأوَّل ظهر لك أنَّه لم يجعل ذلك حدًّا لكبيرة، خلافًا لمن فهم منه ذلك أنَّه يشمل صغائر الخسَّة وليست بكبائر، وإنَّما ضبط به ما يبطل العدالة من المعاصي الشامل لصغائر الخسَّة. نعم هذا الحدُّ أشمل من التعريفين الأوَّلين لصدقه على سائر مفردات الكبائر، ولكنَّه غير مانع، لما علمت أنَّه يشمل صغائر الخسَّة ونحوها.
- خامسها: أنَّها ما أوجب الحدَّ، أو يوجب إليه الوعيد. والصغيرة: ما قلَّ فيه الإثم.
- سادسها: أَنَّهَا كلُّ محرَّم لعينه منهيٍّ عنه لمعنى في نفسه فإنَّ فعله على وجه يجمع وجهين أو وجوها من التحريم كان فاحشة، فالزنا كبيرة وبحليلةِ الجار فاحشة. والصغيرة: تعاطي ما تنقص رتبته عن رتبة المنصوص عليها، أو تعاطيه على وجه دون المنصوص عليها؛ فإن تعاطاه على وجه يجمع وجهين أو وجوها من التحريم كان كبيرة. فالقبلة واللمس والمفاخذة صغيرة، ومع حليلة الجار كبيرة. كذا نقل عن الحليمي وفيه نظر.
- سابعها: أَنَّهَا كلُّ فعل نصَّ الكتاب على تحريمه، أي بلفظ التحريم، وهو أربعة أشياء: أكل لحم الميتة والخنزير ومال اليتيم ونحوه، والفرار من الزحف. ورُدَّ بمنع الحصر في الأربعة. (2/171)
صفحة 672
- ثامنها: أنَّه لا حدَّ يحصرها يعرفه العباد، واعتمده الواحديُّ من الشافعيَّة. وبعض أصحابنا قالوا: لوأنَّ للكبيرة حدًّا يحصرها يعرفه العباد لاقتحم الناس للصغائر واستباحوها؛ ولكن الله عزَّ وجلَّ أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهيِّ عنه، رجاء أن يجتنب الكبائر. ونظائرُه: إخفاءُ الصلاة الوسطى، وليلة القدر، وساعة الإجابة، ونحو ذلك. انتهى.
وقال الغزالي: «لا مطمع في معرفة الكبائر مع الحصر، إذ لا يُعرف ذلك إِلاَّ بالسمع، ولم يرد». وقال مرَّة أخرى: «كلُّ معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف ووجدان ندم تهاونًا واستجراء عليها فهي كبيرة، أو ما يحمل على فلتات النفس، ولا ينفكُّ عن ندم يمتزج بها، وينغِّص التلذُّذ بها فليس بكبيرة. واعترض العلاء ما قاله هنا بأنَّه: إن كان ضابطًا للكبيرة من حيث هو فهو مشكل جدًّا، إذ يردُّ عليه من ارتكب نحو الزنى نادمًا عليه فقضيَّته أنَّه ينخرم به عدالته، ولا يسمَّى كبيرة حينئذ، وليس كذلك اتِّفَاقًا. وإن كان ضابطًا لما عدا المنصوص عليه، فهو قريب. انتهى بتصرُّف.
ولمَّا كان الحدُّ الخامس من هذه الحدود ــ وهو الذي عوَّل عليه الإمام الكدميُّ t، وجمهور الأصحاب رحمهم الله كما تقدَّم ذلك ــ كان ما عداه من الحدود: مدخولاً عوَّل عليه سيِّدي نورالدين رضي الله تعالى عنه، فقال:
والذئب قسمان كبير ... وجبا ... حدٌّ به والاري منه ... غضبا (2/172)
صفحة 673
وَأَمَّا الصغير من الذنوب، فهو عكس الكبير. والمراد بالعكس هنا مطلق المخالفة، أي ما عدا الكبير من الذنوب، فهو صغير؛ بناء على المذهب المشرقيِّ أنَّ الصغائر موجودة في الخارج وأنَّها معلومة للعلماء، وهو مذهب النكَّار وجمهور قومنا. وذهب الأصحاب من أهل المغرب وبعض أهل المشرق إلى أَنَّهَا موجودة لكنَّها غير معيَّنة؛ إذ ليس في تعيينها حكمة. وفي قول ثالث ــ ونسب إلى ابن عبَّاس tما ــ أنَّ الصغائر لا وجود لها في الخارج، أخذا من قوله: «كلُّ معصية يعصى الله [بها]، فهي كبيرة»، إذ ليس النظر إلى المعصية، وإنَّما النظر إلى من يعصى.
وقد مثَّل القائلون بتعيينها رحمهم الله تعالى أَنَّهَا: الكذب الخفيف، والمراد بالكذب الخفيف هو الذي لم يكن كذبًا على الله أو رسوله، ولا يسفك به دم، ولا يتلف به مال، ومن ذلك: اللطمة إذا لم تؤثِّر، ومن ذلك التعرِّي ليلاً حيث لا يراه أحد، ومن ذلك دخوله الحمَّام في ظلمة بلا ثوب، ومنها غير ذلك؛ وإليه [أشار] سيِّدي نورالدين t بقوله:
وعكسه الصغير مثل ... الكذب ... إن خفَّ والرقص ومثل ... اللعب
وحكم الصغائر من الذنوب: تكفيرها باجتناب الكبائر إن لم يصرَّ عليها فاعلها، ولم يأت بها على سبيل الاستخفاف، لقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائرَ ما تُنهَون عنه نكفِّر عنكم سيِّئاتكم} (1) . وإن أصرَّ عليها فهي تنقلب كبيرًا. قال e: «لا صغيرة مع الإصررا».
قال الشيخ أبو سعيد t: «الإصرار على الصغير كبيرة، والإصرار على الكبير شرك».
قال سيِّدي نورالدين t: «معناه أنَّ الإصرار على الذنوب من شأن المشركين لا المؤمنين، فإنَّ المؤمن إذا وقعت منه معصية بادر إلى التوبة». قال سيِّدي نورالدين t:
ومن أصرَّ لصغيرة ... فكمن ... أتى الكبير في الكتاب ... والسنن
__________
(1) - سورة النساء: 31. (2/173)
صفحة 674
وتكفَّر الصغائر أيضًا بفعل الطاعات، لقوله تعالى: {إنَّ الحسنات يُذهِبن السيِّئات} (1) وتكفَّر أيضًا بالمصائب لقوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} (2) . وفي الحديث عنه u: «حتَّى الشوكة يشاكلها»، فمن أتى صغيرًا على غير تهاون واسترسل لا متهاونا ولا مصرًّا، واجتنب الكبائر غفرت إن شاء الله؛ وإن فعل كبيرًا ومات غير تائب منه حوسب على الكلِّ. أعاذنا الله من مناقشته.
كذلك عدم الاصرار على الصغائر، مكفِّر لها، لظاهر قوله عزَّ وجلَّ: {ولم يصرُّوا على ما فعلوا...} إِلىَ آخر الآية (3) ، وقد يؤخذ فيما عندي من تمام الآية وَهُوَ قوله تعالى: {وهم يعلمون} أنَّ شرط كون حكم الصغائر مصرًّا عليها أن يكون فاعلها يعلم أَنَّهَا صغائر، ومفهومه إن كان لم يعلم ذلك فهو في العفو، ولا يحكم عليه بالإصرار، فلينظر فيما قلته. والعلم لله تعالى. انتهى.
وقول المصنِّف: «بل كبائر وسيِّئات».
أي أنَّ الذنوب منها كبائر. وقد ذكرنا حدَّ الكبائر آنفًا؛ ومنها سيِّئات، وسبق أيضًا القول آنفًا في شيء من ذلك، والله المعين. انتهى.
قال المصنِّف: «وأنَّ الكبائر كلَّها كفر، وليس الكفر كلُّه شركًا، بل شرك ونفاق، وأنَّه لا منزلة بين التوحيد، والشرك». انتهى.
أي يجب علينا الاعتقاد والدينونة لله عزَّ وجلَّ والعلم أنَّ الذنوب الكبائر كلَّها كفر لأَنَّ الكفر ينقسم على قسمين:
الأوَّل - كفر شرك.
__________
(1) - سورة هود: 114.
(2) - سورة الشورى: 30.
(3) - سورة آل عمران: 135. (2/174)
صفحة 675
الثاني - كفر نعمة، فمن جحد الله تعالى، أو شيئًا من صفاته، أو ردَّ شيئًا من كتبه، أو كذَّب رسولاً من رسله، أو جحده بعد قيام الحجَّة عليه بذلك، فهو مشرك شرك جحود، ومن وصف الله تعالى بصفة من صفات مخلوقه، أو وصف المخلوق بشيء من صفات الله الذاتية، فكذلك ويسمَّى شركه: شرك مساواة لتسويته الخالق بالمخلوق، وَأَمَّا غير ذلك ونحوه من الكبائر فهو كفر نعمة، ويسمَّى نفاقًا، وعصيانًا، وفسقًا، وظلمًا، وما أشبه هذا. (2/175)
صفحة 676
قال سيِّدي نورالدين t: «واعلم أَنَّ الأسماء على صنفين: صنف منها: مختصٌّ بأهل الطاعة، الموفين بدين الله، وهو مؤمن ومسلم، ومهتدي ومتَّقي، وطائع، وصالح. وصنف مختصٌّ بأهل الكبائر: وهذا أيضًا نوعان: نوع يطلق على أهل الكبائر كلّهم، وهي: ضالٌّ، وظالم، وفاسق، وفاجر، وعاص، وكافر؛ والفرع الثاني: مختصٌّ، فلا يطلق إِلاَّ على أهل صفة مخصوصة، كالشرك فإنَّه لا يطلق إِلاَّ على صاحب الشرك، وكالمنافق فإنَّه لا يطلق إِلاَّ على صاحب النفاق، وكالسارق فإنَّه لا يطلق إِلاَّ على صاحب السرقة؛ وهكذا... فمرتكب كبير غير الشرك كافر كفر نعمة، لا كافر كفر شرك. والحجَّة في ذلك آيات قرآنيَّة، وأحاديث نبويَّة؛ فمن الآيات قوله تعالى: {ولله على الناس حجُّ البيتِ من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإنَّ اللهَ غنيٌّ عن العالمين} (1) ، والمعنى والله أعلم: ومن كفر بترك الحجِّ بعد وجوبه عليه فإنَّ اللهَ غنيٌّ عن العالمين. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (2) ، فإنَّ كلمة “مَن” عامَّة في كلِّ من لم يحكم بما أنزل، فيدخل فيه الفاسق، والمصدّق؛ وأيضا فقد علَّل كفره بعدم الحكم، فكلُّ من لم يحكم بما أنزل كان كافرًا، والفاسق لم يحكم بما أنزل الله. {وهل نجازي إِلاَّ الكفور} (3) . {إنَّ الخزيَ اليوم والسوء على الكافرين} (4) مع قوله تعالى: {ربَّنا إنَّك من تدخل النار فقد أخزيته} (5) ، وفاعل الكبيرة مِمَّن يدخل النار، قال e: «قاتِل عمَّار، وسالبه في النار».
__________
(1) - سورة آل عمران: 97.
(2) - سورة المائدة: 44.
(3) - سورة سبأ: 17.
(4) - سورة النحل: 27.
(5) - سورة آل عمران: 192. (2/176)
صفحة 677
وَأَمَّا الأحاديث فكقوله e: «من أتى امرأة في دبرها، أو حائضا فقد كفر» (1) ، وقوله e: «ليس بين المرء والكفر إِلاَّ تركه الصلاة» (2) ، وقوله e: «فلا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (3) ، وقوله e: «عشرة من هذه الأمَّة كُفَّار بالله العظيم، وإن ظنُّوا أنَّهم مؤمنون: القاتل بغير حقّ، والساحر، والديُّوث، ومانع الزكاة، ومدمن الخمر، ومن وجد سبيلاً إلى الحجّ فلم يحجَّ، والساعي في الفتن بين المؤمنين، وبائع السلاح من أهل الحرب، وناكح المرأة في دبرها، وناكح البهيمة، وناكح ذات محرم»، رواه ابن حجر في منبِّهاته. وهذا الحديث كما تراه نصٌّ في المطلوب.
__________
(1) - روى ابن ماجه، في كتاب الطهارة وسننها، رقم 631: «حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَكِيمٍ الْأَثْرَمِ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ».
(2) - تقدَّم تخريجه.
(3) - روى البخاري، في كتاب العلم، حديث رقم 118، بلفظ: «حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» فَقَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (2/177)
صفحة 678
وعن النبيء e: «من قال لأخيه: يا كافر، فقال له: أنت الكافر. فقد باء بالكفر أحدهما. والبادئ أظلم». رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس. قال سيِّدي نورالدين t: «فمن قال لأخيه الذي على دينه: يا كافر، فقد رماه بكبيرة يقتضي الخروج عن الاستقامة، إمَّا إلى الشرك، وَإمَّا إلى الفسق. وكلاهما لا يصحُّ أن ينسب لمسلم».
والكفر كفران: أحدهما: كفر شرك. والآخر: كفر نعمة. فإن حملنا الحديث على كفر النعمةكان وجهه ظاهرًا لأنَّ رمي المسلم بالكفر كبيرة. وهي كفر نعمة و«سباب المؤمن فسوق» (1) . ولهذا قال الربيع رحمه الله تعالى: «استحقَّ اسم الكفر لقوله: “يا كافر”». وإن حملناه على معنى الشرك كان مشكلا جدًّا.
ولمَّا كان الكفر في اصطلاح القوم خاصًّا بالشرك أشكل عليهم معنى الحديث فعدَّه بعضهم من المشكلات، من حيث إنَّ ظاهره عندهم غير مراد؛ وذاك لأَنَّ المسلم لا يكفر عندهم بنحو القتل، والزنى، وكذا قوله لأخيه: «كافر» من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام». انتهى.
__________
(1) - روى البخاري، في كتاب الإيمان، حديث رقم 46، بلفظ: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ الْمُرْجِئَةِ فَقَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُاللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ e: «قَالَ سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (2/178)
صفحة 679
أقول: إنَّ من نظر إلى نفس لفظة الكفر لغة فيرى أنَّه تغطية، وبذلك يقال: إنَّ وجه تسمية المُوَحِّد كافرًا أنَّه غطَّى النعمة التي أنعم الله بها عليه من نحو يد ورجل ولسان فاستعملها في غير ما خلقت لأجله، لأنَّ كلَّ عضو من أعضاء العبد مخلوق بأن يستعمل في الذي خلق لأجله، فاستعماله في ضدِّ ذلك تغطية منه فيه، وهو معنى الكفر؛ فبالنظر إلى المُوَحِّد يقال له باستعماله هذا: إنَّه كافر كفر النعمة؛ وبالنظر إلى المشرك يقال له: كافر كفر جحود؛ لأَنَّهُ استعمل النعمة التي هي العقل مثلا أو السمع في إنكار وحدانيَّة الله عزَّ وجلَّ أو تشبيهه بشيء من مخلوقاته ونحو ذلك؛ وذلك هو في غير ما خلق العقل والسمع لأجله، فبهذا الاعتبار كيف صحَّ الخلاف في هذه المسألة والأمر واضح؟ وما الذي حمل الغير إلى اصطلاح تسمية الكفر بالشرك خاصَّة؟ ولو حملوه على كفر النعمة في مثل هذه المواضع كما حملناه عليه لهان الخطب، واتَّضح المعنى، وانتفى التكلُّف؛ وقد احتاجوا إلى إثبات كفر النعمة في مواضع من تفسير الأحاديث فلو جعلوا هذا الموضع منها ما غاروا وأنجدوا، وإلى هذا أشار سيِّدي نورالدين t بقوله:
من لم يكن متَّقيًا ... لله ... فهو أخو كفر بلا اشتباه
لأَنَّهُ ما بينهنَّ ... منزله ... كذاك في القرآن ربِّي أنزله
وكشفه بأن ... تقسمنَّه ... للشرك والنعمة فافهمنَّه
والكفر في أصل اللغات ... التغطية ... والشرك معناه يقال ... التسوية
وذهبت الأشاعرة إلى أنَّ مرتكب الكبيرة لا يسمَّى كافرًا بل هو مؤمن مقصِّر. قلنا: يردُّ على هذا القول الآياتُ التي ذكرناها والأحاديث، وقوله e: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...» (1) الحديث؛ والقول إنَّ ذلك على سبيل التهديد دعوى لا دليل لها.
وقوله: «وليس الكفر كلّه شركًا بل هو شرك ونفاق».
__________
(1) - تقدَّم تخريجه. (2/179)
صفحة 680
أي يجب علينا العلم أن ليس كلُّ الكفر شركا بل هو شرك ونفاق خلافًا للنجديَّة والصفريَّة في زعمهم أنَّ مرتكب الكبيرة مشرك؛ ولأنَّ المعاصي كلّها شرك، وخلافًا للأزارقة في زعمهم أنَّ العاصي مشرك ولو فعل صغيرًا. ومن جملة استدلالهم في ذلك قوله تعالى: {وإن أطعمتموهم إنَّكم لمشركون} (1) . وقد أجاب عنهم المشايخ رحمهم الله تعالى في مطوَّلاتهم، واستباحوا بذلك الزعم دماء أهل القبلة وأموالهم والله المستعان.
والحقُّ أنَّ الكفر منه شرك ومنه كفر نعمة وهو يسمَّى بالنفاق.
وقوله: «وأنَّه لا منزلة بين التوحيد والشرك».
أي ويجب علينا العلم بنفي خصلة بين منزلة التوحيد والشرك، فالناس إمَّا مُوَحِّد أو مشرك، فمن فعل الكبيرة وإن كان يسمَّى كافرًا فهو ليس بمشرك بل هو مُوَحِّد، وحكمه حكم المُوَحِّدين في المعاملة الدنيويَّة: مناكحة وموارثة وغير ذلك من أحكام المسلمين في هذه الدنيا، سوى الولاية والبراءة منه.
«وأن لا منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر».
فمرتكب الكبيرة ليس بمؤمن بل هو كافر كفر نعمة فلا يغيب عليك الفرق بين الإيمان والتوحيد والكفر والشرك فافهم. وخصَّت المعتزلة فاعل الكبيرة باسم الفسق، فهم أثبتوا منزلة بين الإيمان والكفر، فمرتكب الكبيرة لا يسمَّى عندهم كافرًا بل فاسقًا، والخلاف بيننا وبينهم لفظيٌّ.
__________
(1) - سورة الأنعام: 121. (2/180)
صفحة 681
قال سيِّدي نورالدين رحمه الله تعالى: «قال المصنِّف: وأنَّ أحكام المُوَحِّدين بينهم واحدة إِلاَّ الولاية والتسمية بالإيمان، فلا يستحقُّها إِلاَّ الموافق لنا في التديّن بدين من ذكرناهم وفي موالاتهم»، أي أنَّه يجب علينا العلم والاعتقاد أنَّ الموحدين أحكامهم فيما بينهم من نحو طهارة أجسادهم، ومناكحة وموارثة فيما بينهم، وأكل ذبائحهم، وحرمة دمائهم، إِلاَّ ما أباحه الشرع بسبب مَّا، وحجر أموالهم إِلاَّ ما أباحه الشرع بوجه ما أيضًا، ودفن ميِّتهم، والصلاة عليهم، إِلاَّ ما قيل في تارك الصلاة طول عمره انتهاكًا مع الاقرار بوجودها حتَّى مات على ذلك، لأَنَّهُ قد ورد فيه خلاف عن بعض العلماء، فمنهم من منع الصلاة عليه. وورد أيضًا الخلاف بين الفقهاء في مرتكب الكبيرة إن مات وهو غير تائب، فقيل: لا يصلَّى عليه مطلقًا، وقيل: لا تصلَّى (1) عليه المنظور إليه... وغير ذلك من الأحكام، فإنَّها كلّها واحدة فيما بين المطيع والعاصي منهم، إِلاَّ الولاية وهي المحبَّة والنصرة والميل بالقلب والجوارح إلى مطيع لطاعته، وهذا الاستثناء هو مُتَّصِل من الأحكام، لأنَّها بعض منها. وكذلك التسمية بالإيمان لا يستحقُّها إِلاَّ من هو موافق لنا في الديانة بدين من تقدَّم ذكرهم سابقا من أئمَّة الدين وأئمَّة العلم الناشرين له رحمة الله عليهم، والموافق لنا أيضًا في موالاتهم لطاعتهم رحمهم الله أجمعين.
قلت: وهذا على شرط أن يكون متديّنًا بديننا ليخرج من تولاَّنا وهو على غير ديننا كما سبق ذكر من صوَّب المذهب، وترحَّم على الأصحاب، وصرَّح بأنَّ مذهبهم فرقة من فرقهم، فهذا وأمثاله لا يكتفى منهم بذلك ما لم يعتقدوا بما به نعتقده، وإلاَّ فنحن وإيَّاهم ما بين الثريَّا والثرى، كما صرَّح به سيِّدي نورالدين t في المجلَّد السادس من جواباته.
__________
(1) - كذا في الأصل، والصواب: «لا يصلِّي». (2/181)
صفحة 682
قال المصنِّف: «وأنَّ أحكام المشركين ليست كأحكام المُوَحِّدين». انتهى
أقول: قال سيِّدي نورالدين t: «اِعلم أنَّ المشركين أصناف، منهم أهل كتاب ومنهم (1) ليسوا أهل كتاب؛ فأهل الكتاب منهم اليهود، وهم أهل ملَّة موسى u، والنصارى وهم أهل ملَّة عيسى u، والصابئين على خلاف فيهم، هل هم أهل كتاب أم لا؟؛ وقيل: هم قوم اختاروا مطائب [كذا] التوراة ومطائب الإنجيل، وقالوا: قد أصبنا دينا.
وَأَمَّا غير أهل الكتاب فهم المجوس والمشركون الذين يعبدون الأوثان وغيرهم من أصناف المشركين، ولهم أحكام عامَّة بجميعهم، وخاصَّة في بعضهم دون بعض؛ فَأَمَّا أحكامهم العامَّة فمنها الحكم عليهم بِأَنَّ جميعهم نجس لقوله تعالى: {إِنَّمَا المشركون نجس...}الآية (2) ، وهو مذهب ابن عبَّاس. وعن الحسن أنَّ من صافح مشركًا وهو متوضٍّ انتقض وضوؤه، وعليه جمهور أصحابنا؛ وذهب آخرون منَّا ومن غيرنا إلى أنَّ ذواتهم ليست بنجسة، وإنَّما وصفوا بالنجس لمباشرتهم له وقِلَّة تنزُّهم عنه.
ومنها أن يدعوهم الإمام إلى الدخول في الإسلام، فإن كانوا أهل قرى ومدائن دعى كبراءهم، وإن كانوا أهل بادية دعاهم واحدًا واحدًا، وقيل: يدعو المنظور إليه منهم، فإن كانوا لا يعرفون لغته ترجم لهم بأمينين، وقيل: يجزى بأمين واحد. ولا بدَّ من الدعوة إلى الجملة التي كان يدعو إليها الرسول e، لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه بعث سريَّة فقال: «يا علي لا تقاتل القوم حتَّى تدعوهم وتنذرهم وبذلك أمرت». فإن أخذوا بغير دعوة ردُّوا إلى مأمنهم، لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه جيء بأسارى من حيٍّ من أحياء العرب قالوا: «يا رسول الله ما دعانا أحد ولا بلغنا» قال: «ا »، قالوا: «ا »، قال: «خلُّوا سبيلهم حتَّى تصل إليهم الدعوة فإنَّ دعوتي تامَّة لا تنقطع إلى يوم القيامة».
__________
(1) - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ومنهم من ليسوا».
(2) - سورة التوبة: 24. (2/182)
صفحة 683
فإن أبوا عن الدخول في الإسلام قاتلهم الإمام، وحلَّ غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم أينما كانوا ومن أيِّ صنف كانوا إِلاَّ قريشا، فإنَّهم لا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم بحرمة النبيء e، أي لئلاَّ تكون أنسابه e خدماً، والدليل على ذلك أنَّه كان e لم يسب من ذراريهم شيئًا وان قتاله [كذا] لهم؛ فعلينا الاقتداء به. وفي قول آخر: إنَّ جميع العرب لا تسبى ذراريهم بحرمة النبيء e؛ لأَنَّهُ منهم، ولا يخفى أَنَّ هذا الثاني مخالف لفعله e فيهم، فإنَّه سبي بني المصطلق وهم من العرب، وسبى هوازن وهم منهم أيضاً.
وأمَّا أحكامهم الخاصَّة فلليهود والنصارى والصابئين والمجوس حكم يخصُّهم، وهو قبول الجزية منهم إذا انقادوا للجزية وتركوا الحرب. وحكم يخصُّ اليهود والنصارى والصابئين دون المجوس، وهو أنَّه إذا أدَّوا الجزية حلَّت ذبائحهم ونكاح الحرائر من نسائهم.
وللمجوس حكم يخصُّهم مع المشركين من العرب وهو تحريم ذبائحهم ونكاح نسائهم فحكم المجوس في قبول الجزية حكم اليهود والنصارى والصابئين، وفي الذبائح والنكاح حكم مشركي العرب من أهل الأوثان. والدليل على أنَّ المجوس تقبل منهم الجزية ولا تحلُّ ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم ما روي عنه e من طريق عبد الرحمن بن عوف t أنَّه قال: «سنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم». (2/183)
صفحة 684
وَأَمَّا الحكم الخاصُّ بمشركي العرب من أهل الأوثان فهو أنَّه لا يقبل منهم صلح، ولا تقبل منهم جزية، ولا تحلُّ ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم، ولكن يقاتلون ويناصبون الحرب حتَّى يسلموا، والدليل على ذلك أنَّه تعالى خصَّ قبول الجزية بأهل الكتاب فقال تعالى: {حتَّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (1) . وقال في حقِّ المشركين: {وقاتلوهم حتَّى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه } (2) . والدليل على تحريم ذبائحهم ونكاح نسائهم أنَّه تعالى خصَّ أهل الكتاب بجواز ذلك منهم فقال: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم وطعامكم حلٌّ لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} (3) . والدليل على تحريم مناكحة المشركين من العرب قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتَّى يؤمنَّ ولأمَة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم، ولا تُنكحوا المشركين حتَّى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} (4) ، وقوله تعالى: {فلا ترجعونهنَّ إلى الكفَّار لا هنَّ حلٌّ لهم، ولا هم يحلُّون لهنَّ} (5) .
وَأَمَّا تزويج بناته e ببعض المشركين فقبل نزول التحريم.
تنبيهان
__________
(1) - سورة التوبة: 29.
(2) - سورة الأنفال: 39.
(3) - سورة المائدة: 05.
(4) - سورة البقرة: 221.
(5) - سورة الممتحنة: 10. (2/184)
صفحة 685
الأوَّل - إذا أسلمت المرأة قبل زوجها ثُمَّ أسلم بعدها قبل أن تنكح زوجا غيره فإنَّه تردُّ إليه بالنكاح الأوَّل، لقوله e لرجل أسلم على أختين: «أمسك أيَّتهما شئت» (1) . ولا يخفى أَنَّ الإمساك إِنَّمَا هو على النكاح الذي كانوا عليه قبل الإسلام، ولقوله e لمن أسلم على عشر نسوة: «أمسك أربعا وفارق سائرهنَّ» (2) ؛ فلو لم يكن النكاح الأوَّل ثابتا لم يقل e: «وفارق سائرهنَّ»؛ ولأنَّه e ردَّ زينب لابن العاص وقد أسلمت قبله بسنة، وردَّ زوجة عكرمة بن أبي جهل له وقد أسلمت قبله، وكلُّ ذلك لم يكن بتجديد نكاح، فإذا عرفت هذا فاعلم أنَّه من كان مسلما ثُمَّ ارتدَّ والعياذ بالله ثُمَّ أسلم وكانت له زوجة في الإسلام ولم تتزَّوج بعده غيره، فإنَّه يردُّ إليها بذلك النكاح الأوَّل، لأنَّه إذا ثبت البناء على النكاح الواقع في الشرك فثبوت النكاح الواقع في الإسلام أولى، لأَنَّ الإسلام يعلو ولا يعلى. وكذلك إذا ارتدَّت هي ثُمَّ أسلمت وهو باق على إسلامه، انتهى.
وتؤخذ الغنيمة منهم. وهي في اللغة: ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي. وفي الشرع: ما ناله المسلمون من المشركين بالقتال أو بالقهر كائنا ما كان؛ واستثنى بعضهم الأصول، فلا تسمَّى غنيمة، بل تسمَّى فيئا. قال القطب رحمه ا : «وليس كذلك، فإن الفيء ما جاء بلا قتال وقهر كالعشر والجزية وأموال الصلح والمهادنة، ومال من مات منهم في دار الإسلام ولا وارث له، وخراج الأصول، قيل: وخُمس الغنيمة، ونحو ذلك، ولا خمس فيه، قال: وهذا هو الصحيح، وهو قول الثوريِّ وعطاء. وقال قتادة: كلُّ ذلك يسمَّى غنيمة ويسمَّى فيئا؛ والغنيمة والفيء شيء واحد وفيه الخمس. وكذا حكى ابن المنذر عن الشافعي أَنَّ في الفيء الخمس».
__________
(1) - تقدَّم تخريجه.
(2) - تقدَّم تخريجه. (2/185)
صفحة 686
قال القطب رحمه الله: «والأكثرون على أنَّه لا يخمس الفيء وأنَّه يقسم عن المسلمين مطلقا بحسب المصلحة، فيعطى الرجل بالنظر إلى قومه، والرجل بالنظر إلى قتاله، والرجل بالنظر إلى عياله، والرجل بالنظر إلى حاجته».
وكان الفيء في زمن النبيء e فيما ذكروا عن عمر خاصاً أنَّه يتصرَّف فيه كما شاء ينفق منه نفقة سنة على عياله، والباقي في السلاح والكرائم، ويصرف بعده للمقاتلة، لأَنَّ بهم إرهاب العدوِّ كالنبيء e.
وقيل: هو للإمام، وكذلك الأرض وسائر الأصول، وإن شاء الإمام قسمها كسائر الغنيمة، وإن شاء تركها في أيدي غيره بجزء من غلَّتها، أو بخراج يضربه عليها؛ وإن شاء فعل غير ذلك بحسب المصلحة. أمَّا سائر الغنائم من نحو الذهب والفضَّة والإبل والغنم وجميع أنواع الأموال فتجب قسمته على خمسة أقسام: قسم منها وهو الخمس وهو لمن ذكره الله تعالى في قوله عزَّ قائلاً: {واعلموا أنَّمَا غنِمْتُم من شيء فأنَّ لله خُمُسه وللرسول ولِذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} (1) .
قال القطب رحمه الله تعالى: «والمراد بذكر “الله” تعظيمه؛ وافتتاح الجملة به للتبرُّك، وأنَّ من حقِّ الخمس أن يتقرَّب به إليه، كما قال مالك: “وأنَّه هو الحاكم في الخمس بنفسه كيف شاء”، وليس المراد أنَّ له سهمًا من الخمس، فالدنيا والآخرة كلّها له، وإنَّما يقسم الخمس على الخمسة المذكورة بعده، أو سهمه الرسول، فليقسم أيضًا الخُمس المذكور على الخمسة المذكورة؛ وقال مالك والزجَّاج: قسمه على خمسة تمثيل بأهمِّ من يدفع إليه لا حصر، فيجوز إعطاء الغير منه كقوله سبحانه: {قل ما أنفقتم من خير فلِلْوالدين...}إلخ (2) ؛ وقد أجمعوا على جواز إنفاق الخير على غير من ذكر؛ قال: والصحيح الأوَّل، وبه أقول، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك وابن عبَّاس والحسن بن محمَّد وعطاء وقتادة والنخعي؛ وهو ما كان رسول الله e يفعله.
__________
(1) - سورة الأنفال: 41.
(2) - سورة البقرة: 215. (2/186)
صفحة 687
وذكر الطبريُّ عن ابن عبَّاس أنَّ الخمس مقسوم على أربعة، وسهم الرسول لقرابته وليس له ولله شيء؛ وقال أبو العالية: المراد بذكر الله أنَّ له سهمًا، فيقسم الخمس على ستَّة، وسهم الله يصرف للكعبة قال: وسهمه e بعد موته لمصالح المسلمين وما فيه قوَّة الإسلام، عن الشافعي وأحمد». انتهى.
التنبيه الثاني
اعلم أنَّه لا يجوز أخذ أموال من ذكرناهم من هؤلاء الكفَّار إِلاَّ في الحرب، وأمَّا في غير الحرب فلا يجوز كما هو أصل المسألة، فلا يجوز لمن دخل معهم بأمان أن يأخذ شيئًا من أموالهم، ولا لمن دخلوا معه بأمان أن يأخذ شيئًا أيضًا.
وهنا مسألة وهو ما إذا دخل المسلم دار المشرك بأمان، هل يحلُّ له أن يشتري مِمَّا غنم المشركون أو سبوا من بعضهم بعض؟ ففي الأثر أنَّه لا يحلُّ ذلك لأنَّه خيانة لهم. وعن المحقِّق الخليليِّ رحمه الله: جواز ذلك، وعنده أنَّه ليس بخيانة لهم. انتهى ببعض التصرُّف وحذف.
ولا بدَّ للمكلَّف من معرفة الملل الستِّ ومعرفة أحكام كلّ ملَّة منها، وهم الذين جمعهم الله تعالى في قوله: {إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا...} (1) .
فأمَّا بعض أحكام غير المُوَحِّدين فقد مرَّ الكلام عليهم إن شاء الله.
__________
(1) - سورة الحج: 17. (2/187)
صفحة 688
وأمَّا المُوَحِّدون فالمؤمن الموفِّي، تقدَّم الكلام عليه من وجوب ولايته؛ وأمَّا غيره فلا بدَّ إمَّا أن يكون مُحِلاًّ لمَا حرَّم الله بتأويل الخطإ كالأزارقة والنجديَّة والصفريَّة، فحكمهم أن يدعوهم الإمام إلى الدخول في دين أهل الحقِّ، والبراءة من أئمَّة الضلال، والولاية لأئمَّة العدل، وتحريم ما أحلُّوا بتأويل الخطإ، فإن أجابوا كان لهم ما لنا وعليهم ما علينا؛ وإن أبوا طالبهم بالانقياد إلى طاعته، والإذعان إلى حكمه، فإن أجابوا كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم؛ وإن أبوا قاتلهم حتَّى يرجعوا إلى طاعته. وأمَّا المنتهكون فيدعوهم الإمام إلى التوبة فإن أبوا دعاهم إلى طاعته، فإن أجابوا كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وإن أبوا قاتلهم. ولا يدعوهم إلى تحريم ما فعلوه انتهاكًا، لأنَّهم يدينون بذلك، ولا إلى البراءة من أئمَّة الجور، والولاية لائمَّة المسلمين؛ لأنَّ ذلك دينهم ومعتقدهم، فافهم الفرق.
ولا يحلُّ سبي ذراري الفريقين، ولا غنم أموالهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم، وجهز على جريحهم، إِلاَّ إذا كانوا لا يدركونهم لبعد فحكمهم: حكم من لم تكن له ذلك.
ولا بدَّ للمكلَّف من معرفة الشرك ليجتنبه، وإليه أشار سيِّدي نورالدين t، بقوله في غاية المراد:
والشرك لا بدَّ من أن تعرفنه ... لكي ... تكون في مقعد عن غيِّه اعتزلا
وهو المساواة بين الله ... جلَّ ... وبين الخلق أو جحده سبحانه ... وعلا
انتهى.
قال المصنِّف: «وأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على قدر الطاقة». انتهى.
عبارة الشيخ الكندي رحمه الله تعالى: «ويجب علينا أن نعلم، ونعتقد أنَّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجبان، فالضمير عائد إِلىَ الأمر والنهي عن المنكر على قدر الطاقة، أي طاقة المكلَّف في خاصَّة نفسه باليد إن قدر على ذلك، وإن لم يقدر فباللسان، وإن لم يقدر فبالقلب، وهذا الوجه لا عذر فيه لأحد. (2/188)
صفحة 689
وقيل: «اليد للأئمَّة، واللسان للعلماء، والقلب للعامَّة».
والدليل على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: {...والحافظون لحدود الله} (1) ، وذمَّ من ترك ذلك، قال تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} (2) ، وقال تعالى: {إنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلَّكم تذَّكَّرون} (3) . {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر...} الآية (4) ، وكثير من الآيات الدالَّة على ذلك. قلت: ومن جملتها قوله عزَّ من قائل: {يا أيُّها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارًا} (5) .
__________
(1) - سورة التوبة: 112. ولو ذكر المصنِّف الآية مع ما قبلها لكانت أدلَّ عَلَى المقصود، وهي: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر}.
(2) - سورة المائدة: 79.
(3) - سورة النحل: 90.
(4) - سورة التوبة: 71.
(5) - سورة التحريم: 06. (2/189)
صفحة 690
وقال e: «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر...» الحديث (1) ؛ وعنه u: «لتامرنَّ (2)
__________
(1) - في سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، حديث رقم 2984، بلفظ : «حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالَقَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ جَارِيَةَ اللَّخْمِيُّ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَالَ أَيَّةُ آيَةٍ قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ e فَقَالَ: «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ»، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ»
(2) - في الأصل: «لتأمرون». وَهُوَ خطأ.. (2/190)
صفحة 691
بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليسلطنَّ عليكم شراركم ثمَّ يدعو خياركم فلا يستجاب لهم» (1) وغير ذلك من الأحاديث.
وفي الأثر أنَّ أبا بكر الصديق t خطب الناس يومًا فقال: «يا أيُّها الناس لا تؤوِّلوا هذه الآية بغير تأويلها يقول الله: {لا يضرُّكم من ضلَّ إذا اهتديتم...} (2) لا يضرَّكم من ضلَّ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا هديتم إليه». انتهى.
قال المصنِّف رحمه الله: «وأنَّ طاعته أولي الأمر منَّا واجبة».
__________
(1) - روى أحمد، في باقي مسند المكثرين، حديث رقم 22223، قال: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا رَزِينٌ الْجُهَنِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو الرُّقَادِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ مَوْلَايَ وَأَنَا غُلَامٌ فَدُفِعْتُ إِلَى حُذَيْفَةَ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ e فَيَصِيرُ مُنَافِقًا، وَإِنِّي لَأَسْمَعُهَا مِنْ أَحَدِكُمْ فِي الْمَقْعَدِ الْوَاحِدِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَحَاضُّنَّ عَلَى الْخَيْرِ أَوْ لَيُسْحِتَنَّكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا بِعَذَابٍ أَوْ لَيُؤَمِّرَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ»
(2) - سورة المائدة: 105. (2/191)
صفحة 692
أي ويجب علينا الاعتقاد والعلم في أنَّ طاعة أولي الأمر وهم أئمَّة العدل سواء كانوا قريشا أو غيرهم فهي واجبة منَّا لهم، لقوله عزَّ وجلَّ: {يا أيُّها الذين أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (1) ، والدليل على أنَّ الإمامة لا يلزم انحصارها على قريش خاصَّة ما جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر t، قال: إنَّ خليلي e أوصاني أن أسمع وأطيع ولو كان عبدًا حبشيًّا مجدع الأطراف. وفي حديث العرباض بن سارية عن أبي داود والترمذي، وقال: حسن صحيح، أنَّ النبيء e قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة. وإن تأمَّر عليكم عبدٌ» (2) . والأحاديث في هذا كثيرة. انتهى.
__________
(1) - سورة النساء: 59.
(2) - روى مسلم، في كتاب الإمارة، حديث رقم 3420، قال: «حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ»، و حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ح و حَدَّثَنَا إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَا فِي الْحَدِيثِ «عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ»، و حَدَّثَنَاه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، كَمَا قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ «عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ» (2/192)
صفحة 693
قلت: «وهذا هو المذهب، ووافق فيه النظَّام وغيره من الناس، وخالفت الشاعرة، فاشترطوا كون الإمام قرشيًّا، وزعموا أنَّ الأحاديث وهي قوله e: «الناس تبع لقريش» ، وفي أخرى: «الأئمَّة من قريش»، و«لا يزال هذا الأمر ــ يعني الولاية ــ في قريش ما دام فيهم رجلان»، و«لن يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاَّة ما لم تحدثوا». قال سيِّدي نورالدين t: «وهذا إخبار عن الواقع بعدهe، وليس تخصيصا لقريش بالخلافة؛ والدليل على هذا القول هو ما رواه الربيع بن حبيب بلاغًا عن ابن مسعود الأنصاريِّ t قال: قال e لقريش: «لن يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاَّة ما لم تحدثوا، فإذا فعلتم سلَّط الله عليكم أشرار خلقه فيلحوكم كما يلحى هذا القضيب لقضيب كان في يده» (1) .
__________
(1) - روى أحمد، في مسند المكثرين من الصحابة، رقم 4149، قال: «حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ e فِي قَرِيبٍ مِنْ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا قُرَشِيٌّ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ صَفْحَةَ وُجُوهِ رِجَالٍ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ وُجُوهِهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَذَكَرُوا النِّسَاءَ فَتَحَدَّثُوا فِيهِنَّ فَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ حَتَّى أَحْبَبْتُ أَنْ يَسْكُتَ قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ فَإِنَّكُمْ أَهْلُ هَذَا الْأَمْرِ مَا لَمْ تَعْصُوا اللَّهَ فَإِذَا عَصَيْتُمُوهُ بَعَثَ إِلَيْكُمْ مَنْ يَلْحَاكُمْ كَمَا يُلْحَى هَذَا الْقَضِيبُ لِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ ثُمَّ لَحَا قَضِيبَهُ فَإِذَا هُوَ أَبْيَضُ يَصْلِدُ» (2/193)
صفحة 694
وقد جاء في رواية عند قومنا عن أنس: «الأمراء من قريش ما عملوا فيكم بثلاث: ما رحموا إذا استرحموا، وقسطوا إذا قسموا، وعدلوا إذا حكموا». وفي رواية عندهم أيضًا: «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم، ثُمَّ أبيدوا خضراءهم». ذكره في الجامع الصغير عن ثوبان عند أحمد، وعن النعمان ابن بشير عند الطبراني.
قلت: وهذه الأحاديث كما هي حجَّة في عدم تخصيص الإمارة لقريش، فكذلك حجَّة في جواز الخروج على أئمَّة الجور، وهو أمر فعله السلف من الصحابة ومن بعدهم، وهو المذهب كما هو معلوم، وهذه الأحاديث هي مروية في كتب غيرنا ومع ذلك فهم يعدُّونه من جملة عيوبنا كما قدَّمناه عن الفقيه المالكيِّ الذي تحاور هو والإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم المغربي، فسلَّم له الفقيه المالكي لماَّ بان الحقُّ من الإمام والحمد .
وفي الأثر أنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t لمَّا وليَ الخلافة خطب الناس يوما فقال: «يا أيُّها الناس وليتكم ولست خيرا منكم، فأطيعوني ما أطعت الله فيكم، وإن عصيته فلا طاعة لي عليكم».
قال المصنِّف: «وأنَّ الله لا يخلف وعده ولا وعيده».
أقول: الوعد هو في الخير، والوعيد في الشرِّ مع عدم القرينة، وعند وجودها يصار إليها؛ وما أحسن قول القائل:
وإنِّي إن أوعدته أو ... وعدته ... لمنجز أيعادى ومخلف ... موعدي (2/194)
صفحة 695
ويعني بقوله هذا أنَّه يجب علينا الاعتقاد والعلم أَنَّ الله سبحانه وتعالى لا يخلف وعده، أي ما وعد به عباده من خير، كقوله تعالى: {اُدعوني أستجبْ لكم} (1) ، {فمن يعمل مثقال ذرَّة خيرا يره} (2) وأمثالهما من الآيات. ولا يخلف وعيده: أي ما وعد به أعداءه من العذاب، كقوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} (3) {ومن يعمل مثقال ذرَّة شرًّا يره} (4) وأمثالهما من الآيات... قال تعالى: {ما يبدَّل القول لديَّ وما أنا بظلاَّم للعبيد} (5) .
قال المصنِّف: «وأنَّ أهل الجنَّة مخلَّدون فيها»، انتهى.
أي ويجب علينا الاعتقاد والدينونة في أَنَّ من أدخله الله الجنَّة فهو مؤبَّد فيها؛ قال تعالى: {إِنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنَّات الفردوس نُزُلا خالدين فيها لا يبغون عنها حِوَلا} (6) {وَأَمَّا الذين سعدوا ففي الجنَّة خالدين فيها} (7) ... وغيرهما من الآيات.
قال المصنِّف: «وأهل النار مخلَّدون في النار».انتهى.
أقول: إِنَّ مقتضى الظاهر أَن يقول المصنِّف: «وأهل النار مخلَّدون فيها»، فعدل عنه وذكر النار باسمها تخويفا وتهويلا على حدِّ قوله تعالى: {واتَّقوا الله إنَّ الله شديد العقاب} (8) ؛ فكلُّ من دخل في النار والعياذ بالله مخلَّد فيها تخليدا لا انقطاع له، لقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإنَّ له نار جَهَنَّم خالدين فيها أبداً} (9) . وقد سبق البحث في هذا فلا حاجة إلى إعادة ذكر ذلك. اللهمَّ برحمتك يا أرحم الراحمين.
قال المصنِّف رحمه الله تعالى: «وأنَّه ما من أحد يدخل الجنَّة بعمل صالح وبرحمة من الله وشفاعة النبيء e».
__________
(1) - سورة غافر: 60.
(2) - سورة الزلزلة: 07.
(3) - سورة المائدة: 05.
(4) - سورة الزلزلة: 08.
(5) - سورة ق: 05.
(6) - سورة الكهف: 107.
(7) - سورة هود: 108.
(8) - سورة المائدة: 02.
(9) - سورة الجن: 23. (2/195)
صفحة 696
أي يجب علينا العلم والاعتقاد أن لا أحد من الخلق ينال دخول الجنَّة إلاَّ بأشياء ثلاثة: أحدها: أن يعمل عملا صالحا في هذه الدنيا بتوفيق إلهي وإعانة له، وبرأفة الله له تفضُّلا منه ومنَّة، وبطلب النبيء محمَّد e وشفاعته العظمى له وطلب غيره من الأنبياء والرسل مِمَّن يشفِّعه الله في خلقه بتعجيل دخول الجنَّة وزيادة درجة فيها. قلت: وهذا فيما عندي لا على عمومه، لأَنَّهُ قد صحَّ أَنَّ الاطفال هم الذين يموتون صغارا أنَّهم من أهل الجنَّة وهؤلاء لا يصدر منهم العمل الصالح، وإنَّما ذلك بمحض رحمة الله سبحانه وتعالى، فليحرَّر المقام.
قال المصنِّف: «وأنَّ الله لا يغفر الكبائر إلاَّ التوبة (1) وإنَّما يغفر السيِّئات لمن انتهى عن الكبائر». انتهى.
أي ويجب علينا العلم والاعتقاد في أَنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يغفر الذنوب الكبائر إلاَّ بالتوبة النصوح، وهي الترياق الأعظم والعلاج النافع من كلِّ أدواء المعاصي، جعلها الله لطفا منه ووسيلة لنيل ثوابه، فلا يهلك إلاَّ مصرٌّ.
__________
(1) - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «إلاَّ بالتوبة». (2/196)
صفحة 697
والدليل على أَنَّ الله لا يغفر الكبائر إِلاَّ بالتوبة قوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحقِّ} إلى قوله: {إلاَّ من تاب} (1) وقوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً} (2) وقوله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيُّها المؤمنون لعلَّكم تفلحون} (3) فكلُّ من تاب إلى الله توبة نصوحاً يقبل الله توبته بفضله، ويغفر ذنبه بكرمه، لقوله تعالى: {وإنِّي لغفَّار لمن تاب...} (4) ، فانظروا إلى هذا التأكيد بـ“إنَّ” واللاَّم واسمية الجملة، وهو أعلى مراتب التأكيد. وقوله تعالى: {... ثمَّ يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} (5) ؛ وقوله تعالى: {نبِّئ عبادي أنِّي أنا الغفور الرحيم} (6) ، وقوله تعالى: {إنَّ الله يغفر الذنوب جميعاً} (7) ، فالله عزَّ وجلَّ يقبل التوبة من التائب ما لم يحتضر، أو تطلع الشمس من المغرب، لقوله تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيِّئات حتَّى إذا حضر أحدَهم الموتُ قال: إنِّي تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كُفَّار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} (8) .
والله تعالى يغفر الذنوب بفضل منه لا بوجوب ولا إيجاب خلافًا للمعتزلة في قولهم بوجوب ذلك على الله تعالى. وقد ختم المصنِّف رحمه الله تعالى بذكر التوبة تفاؤلاً بختم الأجل بها، وغفران الذنوب، فإنَّ مَن ظفر بالتوبة ختامًا لعمله فقد ظفر.
وللتوبة حقيقة وأقسام وأحكام سنذكر من كلِّ ذلك ما ييسِّره الله المعين لنا. وتنقسم أيضًا إلى واجب وغير واجب، وإلى سرٍّ وجهر؛ وفي بيان أحكامها متى تكون مقبولة، وممَّن تقبل، وممَّن لا تقبل.
__________
(1) - سورة الفرقان: 78.
(2) - سورة التحريم: 08.
(3) - سورة النور: 31.
(4) - سورة طه: 82.
(5) - سورة النساء: 110. في الأصل: «ومن يستغفر..». وَهُوَ خطأ.
(6) - سورة الحجر: 49.
(7) - سورة الزمر: 53.
(8) - سورة النساء: 18. (2/197)
صفحة 698
وسنذكر أوَّلاً أقسامها بالنظر إلى حكم الشارع فيها، وذلك إمَّا واجبة وإمَّا مندوبة. فالفرض الواجب منها هو ما إذا عصى المكلَّف فإنَّه يجب عليه أن يرجع من عصيانه في الفور. فَأَمَّا وجوبها فَمأخوذ من قوله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعًا أيُّها المؤمنون} (1) . وَأَمَّا وجوب الفوريَّة فيها فلِما في تأخيرها من الإصرار المحرَّم قطعا.
وَأَمَّا المندوب منها فهي تكرار توبة من عصى فتاب إذا تذكَّر ذنبه الذي تاب منه، فإنَّه يندب إليه أن يعيد توبته، ولا يجب إعادتها خلافًا لبعضهم، لأنَّ الصحابة ومن كان أسلم بعد كفره، كانوا يتذاكرون ما كان منهم في الجاهليَّة في الكفر ولا يجدّدون له توبة.
وَأَمَّا حقيقتها وهي أركانها أي أركان التوبة الشرعيَّة فهي أربعة كما روي عن ابن عبَّاس t أنَّه قال: «التوبة النصوح: الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والإضمار على أن لا يعود». وبعضهم جعل هذه الأشياء ما عدا الرجوع عن الذنب شروطًا للتوبة لا أركانا لها. والندم هو غمٌّ يصيب الإنسان، ويتمنَّى أنَّ ما وقع منه لم يقع، وإنَّما يعتدُّ به إن كان على ما فاته من رعاية حقِّ الله تعالى ووقوعه في الذنب حياء من الله وأسفا على عدم رعايته، فلو ندم لحظٍّ دنيويٍّ كعار أو ضياع مال أو تعب بدن، أو يكون مقتولاً ولده، لم يعتبر، كما ذكره بضعهم.
وذكر أبو النصر القشيري عن والده الإمام أبي القاسم أنَّ من شرط التوبة أن يذكر ما مضى من الزلَّة ويندم عليه، فلو أسف ذنبًا ونسيَه فتوبته من ذنوبه على الجملة، وعزمه على أن لا يعود على ذنب عَلَى ما تكون توبته مِمَّا نسيه وما دام ناسيًا لا يكون مطالبًا بالتوبة عمَّا نسيه. انتهى المراد منه.
__________
(1) - سورة النور: 31. (2/198)
صفحة 699
وقال القاضي أبو بكر: «إن لم يذكر تفصيل الذنوب فليقل: إن كان ذنب لم أعلمه فإنِّي تائب إلى الله تعالى»، ولعلَّه إِنَّمَا قال هذا فيما إذا علم لنفسه ذنوبًا لكنَّه لم يذكرها؛ فَأَمَّا إذا لم يعلم لنفسه ذنبًا فالندم على ما لم يكن محال، وإن عَلم له ذنبا لكنَّه لم يتعيَّن له في التفكُّر فيمكن أن يندم على ما ارتكب من المخالفة على الجملة، ثُمَّ العزم على أن لا يعود إلى المخالفة أصلاً.
والاستغفار هو طلب الغفران لذنبه سواء كان ذلك الطلب بالقول والقلب، أو بالقلب فقط، لقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} (1) . ولا يشترط فيه التلفُّظ به مطلقًا، لما سيأتي من أنَّ توبة كلِّ ذنب مثله سرًّا وإعلانًا. وقال بعضهم: إن كانت المعصية قوليَّة كالقذف والغيبة اشترط في التوبة الاستغفار لفظا؛ وإن كانت غير قوليَّة لم يشترط، وتجزي فيه التوبة بالسريرة.
والإقلاع بالبدن هو الإقلاع عن الذنب، بتذلُّل وانكسار نفس، وذلك كما إذا كان ملتبسا (2) بالذنب أو مصرًّا عليه فإنَّه يجب عليه ترك ما تلبَّس به حالاً، وإن لم يتركه فلا توبة له، وإنَّما قلنا بانكسار نفس؛ ليخرج نحو ما إذا كان الرجوع بغير ذلك، كالراجع عن معصية خوف تعزير من الإمام وتنكير السلطان، فإنَّ هذا وإن رجع عن الفعل فهو عاصٍ بالقصد؛ لأَنَّهُ مصرٌّ، كالراجع عن شرب الخمر مخافة إذهاب ماله بسببها لا خوفا من عقاب الله، وكالراجع عن الزنا مخافة أن يظفر به أهل المرأة أو بعد ما جبَّت آلته وفي نفسه لو يستطيع لَفعل. ومنها أن يفارق مكان المعصية على ما ذكره الزمخشريُّ.
قال ابن حجر: وهو شاذٌّ، قال: وجعل صاحبُ التنبيه ذلك مستحبًّا. ومنها أن لا يعود للذنب على ما زعمه الباقلاَّني. ومنها غير ذلك.
__________
(1) - سورة آل عمران: 135.
(2) - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «متلبِّسًا». (2/199)
صفحة 700
وأمَّا الإضمار على أن لا يعود، أي أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل إليه وإلى مثله، وهذا إِنَّمَا يتصوَّر اشتراطه فيمن يتمكَّن من مثل الذي قدمه، أمَّا من جبَّ بعد الزنى وقطع لسانه بعد نحو القذف فالشرط في حقِّه عزمه على الترك لو عادت إليه قدرته على الذنب. وبهذا علم أنَّ توبة العاجز على العود صحيحة ولم يخالف فيها إِلاَّ ابن الجبَّائي، قال: لأنَّه مُلجَأ إلى الترك، وردُّوا عليه بما تقرَّر في نحو المجبوب. انتهى.
وأمَّا أحكام التوبة التي هي بالنظر إلى المعاصي، فهل هي [كذا] صدرت منه ظاهرًا كالزنى وشرب الخمر وأكل الربا وشهادة الزور إلى غير ذلك، أو صدرت منه باطنًا كالعجب والكبر والرياء والحسد والعزم على الفسوق ونحو ذلك، فالتوبة من الذنوب الظاهرة يجب أن تكون ظاهرة على اللسان بطلب الغفران من المنَّان، وَأَمَّا التوبة من الذنوب الباطنة يكفي أن تكون باطنة من غير إظهار على اللسان، فإن أظهرها مظهر كان ذلك فضلا له، وقد فعل فوق ما يجب نفلاً. انتهى. والدليل على هذا التفصيل قوله e لمعاذ: «إذا عملت سيِّئة فأحدث معها توبة: السرُّ بالسرِّ والعلانية بالعلانية». (2/200)
صفحة 701
والجهر في المعاصي هو أن يعمل معصية بدنيَّة، والسرُّ فيها هي المعاصي القلبيَّة. والجهر في التوبة هي إجراء الاستغفار على اللسان مع الندم والانكسار في الجنان. والسرُّ منها هو الاقتصار على ما عدا الاستغفار باللسان من الأركان، فإذا عمل المكلَّف معصية من المعاصي البدنيَّة وجبت التوبة عليه جهرًا. ثمَّ اختلفوا في حدّ الجهر، فقال قوم: هو ما سمعته الأذنان فصاعدا، وقال آخرون: هو هو [كذا] ما سمعه من يليك فصاعدا؛ وجعل أرباب هذا القول ما سمعته الأذنان من السرِّ. وثمرة الخلاف تظهر فيها إذا عمل رجل شيئًا من المعاصي البدنيَّة وقد اطَّلع عليه غيره، هل عليه أن يظهر التوبة عند من علم بمعصيته أم لا؟ قولان للفقهاء، صحَّح الإمام رضوان الله عليه أن ليس عليه إظهار ذلك عند من علم بمعصيته، ونوقش في ذلك بأنَّ من اطَّلع على معصيته مستحبٌّ للبراءة منه حتَّى يعلم رجوعه وتوبته، فأجاب بما حاصله أنَّ المتبرِّئ منه إِنَّمَا برئ منه بحقٍّ، فيجوز له أن يقيم على حقِّه في البراءة منه، ولا شيء عليه. قال سيِّدي نورالدين: «أقول: وهذا الجواب لا يدفع تلك المناقشة فإنَّها مبنية على قاعدة مشهورة صرَّح بها هذا الإمام وغيره، هي أنَّه ليس لأحد أن يبيح البراءة من نفسه، ومن أباح من نفسه فهو هالك وإن كان عند الله أنَّه صادق، واستدلَّ عليها الإمام بقوله تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} (1) قائلاً: إنَّه تعالى حكم على القذفة بالكذب؛ إن لم يأتوا بالشهداء، ولو كانوا صادقين في نفس الأمر.
__________
(1) - سورة النور: 13. في الأصل: «فإن لم يأتوا بأربعة شهداء فأولئك...» وهو خطأ. (2/201)
صفحة 702
كذلك من أباح من نفسه البراءة في الظاهر يبرأ منه، وإن كان محقًّا في السريرة، أقول: وفي نفسي من هذا نظر، ووجه ذلك النظر هو أنَّ الولاية هي حقٌّ للوليِّ، واجب له على من علم منه موجبها، وفي الحقيقة هما كلتاهما لله عزَّ وجلَّ، لقوله سبحانه وتعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} (1) وإنَّما يضافان للعبد من حيث امتثاله بالكسب، قال تعالى: {لها ما كسبت} (2) ، وقال تعالى: {ولكم ما كسبتم} (3) .
__________
(1) - سورة النحل: 53.
(2) - سورة البقرة: 286.
(3) - سورة البقرة: 134. (2/202)
صفحة 703
ومن المعلوم أنَّ العاصي يجب عليه الرجوع إلى الله تعالى، قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعًا أيُّها المؤمنون لعلَّكم تُفلِحُون} (1) {واستغفروا ربَّكم ثُمَّ توبوا إليه} (2) {واستغفر الله إنَّ الله كان غفورًا رحيمًا} (3) ... وأمثالها من الآيات؛ وعليه فإذا تاب العبد إلى ربِّه فبه يكون مؤدِّيا لما عليه، وأنَّه لو مات في تلك الحالة فهو من أهل الجنَّة بلا توقُّف على اطِّلاع المتبرِّئ منه أنَّه تاب من معصيته التي وجبت عليه البراءة منه، وهذه الحالة مستصحبة له فلا يرفعها عدم اطِّلاع من يبرأ منه، ولا بأس على المتبرِّإ منه أن يبقى في براءته منه، لأَنَّهُ هو فرض عليه ذلك حكمًا شرعيًّا، لأَنَّهُ قيل: إنَّ على التائب إظهار توبته على من اطَّلع عليه بالكفر لكي يتولاَّه، قلنا: إنَّ الولاية هي حقٌّ لهذا التائب، ولا يلزم من له الحقُّ القيام بطلبه، وإنَّما يلزمه تأدية الحقِّ، ألا ترى أنَّ من له حقٌّ على أحد ولا سلَّمه (4) إِلَيهِ أنَّه لا يقال له: عليك شرعا مطالبة حقِّك مِمَّن عليه لك على الصحيح من القول فيه، فكذلك الولاية لا يلزم إظهار موجبها لكي يتولاَّه من ظهر له ذلك، وَأَمَّا قول الإمام الكدميِّ t أنَّ الله سمَّى القاذف كاذبا ولو كان في الحقيقة صادقًا إن لم يكن معه الشهداء في قذفه، فالجواب عنه أنَّه لا يسمَّى كاذبًا من كان قوله مطابقًا للواقع، وإنَّما سمى الله تعالى القاذف كاذبا من حيث إنَّه أخبر عن خبر، وهو قد نهي عن ذلك إِلاَّ إن كان معه الشهود فسمَّاه كاذبًا مبالغة في مخالفة نهي الله تعالى.
__________
(1) - سورة النور: 31.
(2) - سورة هود: 90.
(3) - سورة النساء: 106. في الأصل: «واستغفروا الله» وَهُوَ خطأ.
(4) - كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «ولم يسلِّمه». (2/203)
صفحة 704
ولهذه المسألة فروع: أنَّ من كانت ولايته حقيقةً وفَعَل موجب البراءة فقد قال بعض العلماء: إنَّه يكون بذلك عدوًّا عند الله، فسمَّاه عدوًّا والحال أنَّه من أهل الجنَّة قطعا (1) وقيل عكس ذلك. ومنها فيمن وجب عليه بموجب حكم الظاهر حدٌّ من الحدود وكان في الحقيقة هو برئ من ذلك فحصل ملاذًا عن قيام الحدِّ عليه أنَّه يكون به غير هالك، وأنَّه يجوز له ذلك، وكأنِّي به أنَّ هذا هو مذهب الإمام القطب t؛ وقيل: عكس ذلك، وبه قال سيِّدي نورالدين نفعني الله به والمسلمين، وإليك نصُّ تحقيقه t:
///
قال: «وسئل t عمَّا إذا شهد على رجل شهود عدول عن الإمام أنَّه قد قتل رجلا عمدًا عدوانًا يقاد به القاتل، أو شهد شهود عدول أنَّه زنى وهو محصن وأخذه الإمام بهذه الحجَّة وكان مع نفسه حقيقة أنَّه لم يقتل ولم يزن، وهرب عن الحكم من حضرة الإمام بغير قتال، والإمام في طلبه إلى أن أتى إلى بلدة لا ينالها حكم الإمام، وقعد هناك متَّقيا لله تعالى يفعل ما أوجب الله عليه فعله، وينتهي عن جميع ما نهاه الله عنه، معتقدًا تصويب الإمام فيما طالبه به، أتراه يهلك إذا مات على ذلكَ؟ أيهلك عند الله أم عند الخلق فقط؟
__________
(1) - هنا إشارة في المتن إِلىَ حاشية الكتاب جاء فيها: «قوله: “وقيل عكس...” أي أنَّ ذلك هو الظاهر لسيِّدي نورالدين كما... [تآكل] ذلك من قبل ...[تآكل]». (2/204)
صفحة 705
قال السائل: وأنت أجبتني بأنَّه يهلك عند الله وعند الخلق، قال: واحتججتَ بحجج وأطلتَ. قال: وأنا في نفسي من ذلك، وأريد أَن يكون هذا الهلاك عند الناس كتوبة المستحلِّ يعلن بها الناس لأجل الناس لا متوقِّفة عند الله إلاَّ بإعلام الناس، وإنَّما هي أحكام بين الخلق، قال: ثُمَّ اطَّلعت على كلام في النيل في الكتاب الآخر، وهو “كتاب الأفعال المنجية من المهلكة” آخر كتب النيل عسى يوجد معكم مشروحاً، طالعه واكتب لي شرحه، وهو هذا من باب ما يجب على المكلَّف أو له ما سمعه المكلَّف أو رآه مِمَّا يكون حجَّة له أو عليه، من ولاية أو براءة أو تنجية أو إصلاح وغيرها من الفروض.
إلى أَن قال: ولا يحلُّ لمن يدفع عن نفسه دفاع ما ألزمه الحكم الظاهر ولا منع نفسه أو ماله ولا يبيح البراءة لنفسه إِن علم بوجوب ذلك عليه أو جهله، أو حضر له من يكون حجَّة على من جهله أو لم يشاهده جاز له دفاع وامتناع كما إذا علم أنَّه أخذ بحكم كما لا يحلُّ، وإن علم أنَّه لم يفعل موجب ذلك، فقيل: لا يجوز له ذلك، وجوِّز إن كان مِمَّن لا يتَّهم بسوء، وإن غير متوليً إن قال: إنِّي لم أفعل ذلك، أو لم يكن عليَّ أو إِنَّمَا فعلته لغير ذلك الوجه، أو قصدته لغيره، أن لا يبرأ منه، ولا يؤخذ بحكم، ولا يشهد عليه أيضًا؛ وقيل: يؤخَّر الحكم عليه حتَّى يتبيَّن فعله ومراده؛
وقيل: يترك أبدا؛ وقيل: يجد ذلك فيما عند الله؛ وقيل: ما يجده عنده يجده في الحكم فيما بين الخلق من الحقوق، وإنَّما يجده من يلي الأمور كالحكَّام والعمَّال؛ وقيل: كلُّ مسلم. انتهى.
قال السائل: «عساك تفهم من هذا ما اختلج في قلبي من أَنَّ الهلاك دنيويٌّ لا أخرويٌّ، وعساك تقيسه على فعل وليِّ الله عند الله في الدنيا وعدو الله، كما قيل في السعيد عند الله: توجد منه الأفعال المخالفة للشريعة، فقيل: ما قيل فيه عساك تأخذه بالقياس من هناك، تفضل بيِّن لي وعجِّل بالجواب». (2/205)
صفحة 706
الجواب: «لا يختلف حكم الظاهر والباطن في شخص واحد، فمن أوجب الشرع عليه أَن ينقاد إلى حكم في الظاهر فعليه أن ينقاد؛ فإن أبى برئ منه وهلك، لأَنَّهُ خالف حكم الله تعالى، وترك حجَّته وهو في ظاهر الأمر محجوج بمخالفة ذلك كما في شهود الزنا، فإنَّ الله تعالى حكم بتكذيب القاذف إن لم يأت بأربعة شهداء، فقال: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} (1) .
فقوله (2) : {عند الله} صريح بِأَنَّ ذلك يكون هلاكا عند الله لا عند الخلق فقط ومع ذلك فيحتمل أن يكون القاذف رأى وسمع. ولا يقاس هذا على الوليِّ في الحقيقة، فإنَّه إِنَّمَا كان وليًّا عند الله باعتبار ما سيؤول إليه حاله من الرجوع إلى الحقِّ وحسن السيرة فهو وليٌّ بهذه الحالة، ولو علم الله منه أنَّه سيموت على أفعاله المنكرة المشاهدة منه لما كان وليًّا في الحقيقة بل يكون عدوًّا في الحقيقة، وهذا الهارب عن الإمام هارب عن حكم الله، فإن علم الله موته على هذا الحال فهو هالك عند الله وعند الخلق، وإن علم أنَّه سيتوب فحكمه عند الله بعد التوبة حكم التائبين، وكذلك حكمه عند الخلق إذا اطَّلعوا على توبته، وَأَمَّا المستحلُّ فإنَّما تجزيه التوبة الإجمالية عند الله ما لم يطالبه المسلمون بتفصيل ذلك فإن طالبوه بتوبة التفصيل وجب عليه أن يجيبهم إلى ذلك، فإن أبى استحقَّ البراءة، وكان حكمه عند الله وعند المسلمين حكم من لم يتب، وما نقلته من النيل من ذكر الخلافة في نحو ذلك رأيناه ولم يحضرنا شرحه، لأنَّ الجواب كان بالظاهر، والشرح بالقابل، ونحن لا ندَّعي الإجماع على هذا، غير أنَّه هو الظاهر من مقتضيات الأدلَّة. والله يهدينا وإيَّاكم والله أعلم. انتهى.
__________
(1) - سورة النور: 13.
(2) - في الحاشية: «قوله: “عند صريح” [كذا]، أقول: قد تقدَّم معناه عَلَى ما عندي فيـ...[تآكل] ـتمعن. [اهـ. الشـ]ـارح». (2/206)
صفحة 707
ومنها فيمن لزمه مولود بالحكم الظاهر وكان يعلم من نفسه أنَّه ليس بمولود له، فتوفِّي ذلك المولود عن أموال، فإنَّ ذلك الملزوم عليه لا يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى ميراث ما خلَّفه، لأنَّه في الحقيقة ليس بمولود له؛ وقيل: عكس ذلك وهو قول الأكثر.
والثاني: رأي سيِّدي نور الدين t على ما صرَّح به في فتاواه وحكاه لي عنه شيخنا أبو مالك عامر بن خميس رحمه الله تعالى، فليحرَّر المقام؛ وإنِّي لست قاصدًا مخالفة علمائنا tم، وإنَّما ذلك ما أدَّى إليه نظري مع أنِّي لست مِمَّن له النظر، والحمد لله على عطاياه وبيده التسديد والغوث. انتهى.
قال سيِّدي نورالدين t:« لكن للإمام أن يقول: إنَّ هذا التائب أباح من نفسه البراءة حين مباشرته المعصية، فتوبته جبٌّ لما قبلها مطلقا، وقد يجاب بِأَنَّ إبقاء من علم أنَّه يبرأ منه بموجب البراءة على البراءة منه مع القدرة على نقله من البراءة منه إباحة للبراءة من نفسه.
أمَّا القائلون بأنَّ الجهر هو ما سمعه من يليك فصاعدًا فقد أوجبوا على من عمل المعصية واطَّلع عليها غيره أن يبلغ توبته من اطَّلع على معصيته؛ ووجهه أنَّه لمَّا كان الجهر هو ما سمعه الغير، وكان بعض الغير مطَّلعا على المعصية، والبعض لم يطَّلع كان لا معنى لإيجاب إظهار التوبة عند من لم يطَّلع على معصيته، فتعيَّن أنَّ الواجب هو إظهارها عند من اطَّلع على معصيته؛ نعم، يستثنى من ذلك إذا كان هذا العاصي مشهور الفسق في جميع النواحي، أو كان قد اطَّلع على معصيته من لا يصل إلى إخباره فإنَّه ليس عليه في الأوَّل إِلاَّ إشهار التوبة كما شهرت معصيته وفسقه لتعذُّر إظهارها على كلِّ فرد مِمَّن اشتهر معه فسقه، وكذلك ليس عليه في الحال الثاني شيء لأَنَّهُ إذا لم يكن من يطَّلع على معصيته بمحلٍّ يصل إليه خبره ولو بالكتابة فقد تعذَّر إخباره، والتكلُّف بما هو متعذِّر الوجود تكليف بما لا يطاق، وهو ممنوع. انتهى. (2/207)
صفحة 708
وَأَمَّا الكبائر الباطنة التي منها العجب والكبر والحسد والرياء فتوبة جميع ذلك هي فقدانها أصلا من القلب وانعدامها حتَّى لا يبقى عليها أثر، ولا تأثير مع الندم على وجودها.
والعُجب بضمِّ العين: هو استظهار النعمة والركون إليها، مع قطع النظر أَنَّهَا من الله عزَّ وجلَّ، أمَّا إذا استعظمها بالنظر إلى صدورها من الله تفضُّلاً عليه، واستندبها لذلك فليس هذا بعجب. {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مِمَّا يجمعون} (1) وسببه صفة كمال في النفس من علم أو جمال أو حسب أو نحو ذلك، وهو كبيرة، لما في الحديث الصحيح: «لو لم تذنبوا لخشيت ما هو أكبر منه: العجب». وعلاجه أن يعلم أنَّ تلك النعمة إِنَّمَا تفضَّل بها عليه مولاه، وأنَّه هو مَحلّها لا موجدها، وليس للمحلِّ شيء من التأثير في الحالِّ، فأنَّى له أن يعجب بشيء ليس هو من فعله. فإن قال إنَّه كان هو السبب لوجودها قيل له: جعلك سببا لها نعمة أخرى تفضَّل بها عليك غيرك، فليس لك من الأمر شيء، فالواجب عليك شكر المنعم بها لا كفرانه.
قال سيِّدي نورالدين t:
فالعُجب أن يستعظمنَّ ... النعما ... وينسينَّ من بها قد ... أنعما
والكِبر ــ بتكسير الكاف وسكون المعجمة ــ هو ردُّ الحقِّ ودفعه واحتقار الناس وازدراؤهم، وهو من أعظم الكبائر، لقوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبَّرون في الأرض بغير الحقِّ} (2) {واستفتحوا وخاب كلُّ جبَّار عنيد} (3) ، {كذلك يطبع الله على كلِّ قلب متكبِّر جبَّار} (4) . {إنَّه لا يحِبُّ المستكبرين} (5) . {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنَّم داخرين} (6) أي صاغرين. والآيات في ذمِّ الكبر كثيرة.
__________
(1) - سورة يونس: 58.
(2) - سورة الأعراف: 146.
(3) - سورة إبراهيم: 15.
(4) - سورة غافر: 35.
(5) - سورة النحل: 23.
(6) - سورة غافر: 60. (2/208)
صفحة 709
وفي الحديث: «اجتنبوا الكبر فإنَّ العبد لا يزال يتكبَّر حتَّى يقول الله تعالى: اكتبوا عبدي هذا في الجبَّارين». وفي حديث حسَّنه الترمذيُّ: «لا يزال العبد يذهب بنفسه ــ أي يرتفع ــ ويتكبَّر حتَّى يكتب في الجبَّارين فيصيبه ما أصابهم» (1) . وفي حديث النسائيِّ والترمذيِّ: «يحشر المتكبِّرون يوم القيامة أمثال الذرِّ في صورة الرجال، يغشاهم الذلُّ من كلّ مكان، يساقون إلى سجن في جَهَنَّم، يسمى بولس تعلوه نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار: طينة الخبال» (2) ،
__________
(1) - في سنن الترمذي، كتاب الصلة والبر، حديث رقم 1923: «حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِe: «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ فَيُصِيبُهُ مَا أَصَابَهُمْ» قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ»
(2) - الحديث عند الترمذي، في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، رقم 2416: «حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ eقَالَ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ» قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» ... ولم نجد الحديث بهذا اللفظ عند النسائي.. (2/209)
صفحة 710
وفي حديث مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجة: «لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبَّة من خردل من إيمان، ولا يدخل الجنَّة أحد في قلبه مثقال حبَّة من خردل من كبر» (1) ،
__________
(1) - عند مسلم في كتاب الإيمان، حديث رقم 132: «حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ قَالَ مِنْجَابٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ»
... ورواه كلّ من: الترمذي، في كتاب البرّ والصلة، رقم 1921؛ أبو داود، كتاب اللياس، رقم 3568، وابن ماجه في المقدمة، رقم 58، وفي كتاب الزهد، 4163؛ ورواه أحمد في مسند المكثرين من الصحابة، رقم 4083، 6240، 6719، وفي مسند الشاميين، رقم 16729. (2/210)
صفحة 711
وفي الحديث الرباني: «يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار» (1) . وعبَّر بالرداء والإزار هنا عن الخصوصيَّة، أي الكبرياء والعظمة مختصَّان به، ليس لأحد أن ينازعني في شيء منهما، كما يختصُّ الواحد منكم بردائه وإزاره، فلا ينازعه فيهما منازع.
والكِبر أنواع:- إمَّا على الله تعالى: وهو أفحش أنواع الكبر، ككبر فرعون ونمرود حيث استنكفا أن يكونا له عبدين تعالى، وادَّعيا الربوبيَّة. قال تعالى: {إِنَّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جَهَنَّم داخرين} (2) ، أي صاغرين.
-وإمَّا على رسوله: بأن يمتنع من الانقياد له تكبُّرا وجهلا وعنادا كما حكى الله ذلك عن كُفَّار مكَّة وغيرهم من الأمم.
__________
(1) - رواه أبو داود، في كتاب اللباس، رقم 3567، قال: «حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ح و حَدَّثَنَا هَنَّادٌ يَعْنِي ابْنَ السَّرِيِّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ الْمَعْنَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ مُوسَى عَنْ سَلْمَانَ الْأَغَرِّ وَقَالَ هَنَّادٌ عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ هَنَّادٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ».
(2) - سورة غافر: 60. (2/211)
صفحة 712
-وإمَّا على العباد: بأن يستعظم نفسه ويحتقر غيره ويزدريه، فيأبى عن الانقياد له، أو يرتفع ويأنف من مساواته، وهذا وإن كان دون الأوَّلين إلاَّ أنَّه عظيم إثمه أيضًا، لأَنَّ الكبرياء والعظمة إِنَّمَا يليقان بالملك القادر القويِّ المتين دون العبد العاجز الضعيف، فتكبُّره فيه منازعة لله في صفة لا تليق إِلاَّ بجلاله؛ فهو كعبد أخذ تاج الملك وجلس على سريره، فما أعظم استحقاقه للمقت! وأقرب استعجاله للخزي!، ومن ثَمَّ قال تعالى كما مرَّ في أحاديث: إنَّ من نازعه العظمة والكبرياء أهلكه، أي لأنَّهما من صفاته الخاصَّة به تعالى.
وَأَيضًا فالتكبُّر على عباده لا يليق إِلاَّ به تبارك وتعالى، فمن تكبَّر عليهم فقد جنى عليه إذ من استدل [كذا] خواصَّ غلمان الملك منازع له في بعض أمره، وان لم يبلغ قبح من أراد الجلوس على سريره.
ومِن لازمِ هذا الكبر بنوعيه مخالفةُ أوامر الحقِّ، لأَنَّ المتكبِّر ومنه المتجادلون في مسائل الدين بالهوى والتعصُّب تأبى نفسه من قبول ما سمعته من غيره، وإن اتَّضح سبيله، بل يدعوه كبره إلى المبالغة في تزييفه وإظهار إبطاله، فهو على حدِّ قوله تعالى: {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا ِلهَذَا القُرْآنِ والغَوا فِيهِ لَعَلَّكُم تَغْلِبُون} (1) . {وإذا قيل له اتِّق الله أخذته العِزَّة بالإثم فحسبه جَهَنَّم ولبئس المهاد} (2) .
وقال ابن مسعود: «كفى بالرجل إثما إذا قيل له: اتَّق الله أن يقول: عليك بنفسك». وقال e لرجل يأكل بشماله: «كُل بيمينك»، فقال متكبراً: «لا أستطيع» فشلَّت يده فلم يرفعها بعد.
فإذَن التكبُّر على الخلق يدعو إلى التكبُّر على الخالق، ألا ترى أَنَّ إبليس لمَّا تكبَّر على آدم وحسده بقوله: «أنا خير منه» جرَّه ذلك إلى التكبُّر على الله لمخالفة أمره فهلك هلاكا مؤبَّداً. انتهى.
__________
(1) - سورة فصِّلت: 26.
(2) - سورة البقرة: 206. (2/212)
صفحة 713
وعلاجه بجميع أنواعه أن ينظر في مبدئه ومنتهاه، وفي حقيقة أحواله فإنَّه متى ما استغرق نظره في ذلك عرف ماهيته، وتبيَّن له عجزه، وانكسرت عند ذلك نفسه، وإلى هذا يشير قوله تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أنشَرَهُ} (1) ؛ وقوله تعالى: {هَل أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لم يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا...}الآيات (2) .
قال سيِّدي نورالدين t:
والكبر أن يغمط هذا ... الخلقا ... مزدريًا ويدرأنَّ ... الحقَّا
وَأَمَّا الحسد: فهو تمنِّي زوال نعمة الغير بلا حقٍّ، فخرج بقولنا: «بلا حقٍّ» هو ما إذا كان التمنِّي بحقٍّ، وذلك كأن يكون المنعَم عليه باغيا مثلا فإنَّه يحلُّ شرعا إضاعة ماله، وكلُّ ما حلَّ إضاعته جاز تمنِّي زواله ضرورة؛ وبقولنا: «تمنِّي إزالة النعمة» ما دام لم يتمنّ زوالها، لكن تمنِّي أَن يكون له مثلها فإنَّ هذا ليس بحسد، وإنَّما هو غبطة، وفي الحديث: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد».
قال سيِّدي نورالدين t:
ومن تمنَّى أَن تزول ... النعم ... عن غيره فحسد محرم
ومن تمنَّى مثلها فلا ... حرج ... وذاك بالغبطة يدعى إذ ... خترج
وللحسد مراتب: أعلاها زوال نعمة الغير من غير أن يكون للحاسد نفع في زوالها ليتساويا في المنزلة، فلا يكون المحسود زائدا عليه بشيء، وهو بجميع أنواعه حرام، قال تعالى: {أَم يَحْسدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُم اللهُ مِنْ فَضْلِهِ} (3) وقال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء} (4) .
__________
(1) - سورة عبس: 17-22.
(2) - سورة الإنسان: 01.
(3) - سورة النساء: 54.
(4) - سورة النساء 89. (2/213)
صفحة 714
وقال e: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جُنَّةٌ» (1) ، أي ساتر ووقاية. وفي رواية الديلمي: «الحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصَّبِر العسل»، وفي رواية أبي داود: «إيَّاكم والحسد، فإنَّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». وفي حديث آخر: «دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمَّد بيده لا تدخلون الجنَّة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا، أفلا أنبِّئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» (2) .
__________
(1) - رواه ابن ماجه، في كتاب الزهد، رقم 4200، بلفظ: «حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ وَأَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَر قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي عِيسَى الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ: «الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَالصَّلَاةُ نُورُ الْمُؤْمِنِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ».
(2) - رواه الترمذي، في صفة القيامة والرقائق والورع، رقم 2443، بلفظ: «حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّ مَوْلَى الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ e قَالَ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ ....أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَتِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مَوْلَى الزُّبَيْرِ عَنِ النَّبِيِّ e وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ» (2/214)
صفحة 715
وفي حديث الطبرانيِّ: «ليس منِّي ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه». وفي حديث الحاكم والديلمي: «إنَّ إبليس يقول أبغوا من بني آدم البغي والحسد، فإنَّما يعدلان عند الله الشرك». فهذه الأحاديث كلُّها دالَّة على أنَّ الحسد من الكبائر.
أمَّا قوله e: «الحسد في اثنين: رجل آتاه الله القرآن فقام به وأحلَّ حلاله وحرم حرامه، ورجل آتاه الله مالاً فوصل به أقاربه ورحمه وعمل بطاعة الله تمنَّى أَن يكون مثله» (1) . ففي إطلاق الحسد على الغبطة تجوز، ألا ترى إلى قوله آخر الحديث: «تمنَّى أن يكون مثله» ولم يقل: «تمنى أن تزول نعمته». وَأَمَّا قوله عليه الصلاة والسلام: «كلُّ ابن آدم حسود، ولا يضرُّ حاسدا حسده حتَّى يتكلَّم باللسان أو يعمل باليد»، ففيه بيان الحسد المعفو عنه، وهو ما يجده الإنسان في نفسه اضطرارا، فإنَّه لا يؤخذ به حتَّى يحقِّقه بالأفعال الاختياريَّة.
ومن آفات الحسد أَنَّ فيه تسخُّطا لقضاء الله إذ أنعم على الغير بما لا مضرة عليك فيه، وشماتة بأخيك المسلم؛ قال تعالى: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيِّئة يفرحوا بها} (2) .
__________
(1) - رواه البخاري، في كتاب التمني، رقم6691، بلفظ: «حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «لَا تَحَاسُدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ؛ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، فَيَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ» حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ بِهَذَا»
(2) - سورة آل عمران: 120. (2/215)
صفحة 716
وعلاجه أن تعرف أنَّه يضرُّ دينًا ودنيا، ولا يضرُّ المحسود لا دينا ولا دنيا، إذ لا تزول نعمة بحسد فقط، وإلاَّ لم تبق لله نعمة على أحد حتَّى الإيمان، لأَنَّ الكفار يحِبُّون زواله عن أهله، بل المحسود منتفع بحسدك دينا، لأَنَّهُ مظلوم من جهتك، سيما إن أبرزت حسدك إلى الخارج بالغيبة وهتك الستر وغيرهما من أنواع الإيذاء، فهذه هدايا تهدي إليه حسناتك بسببها، حتَّى تلقى الله يوم القيامة مفلسا محروما من النعم، كما حرمت منها في الدنيا ودينا لسلامته من غمِّك وحزنك وغيرها. انتهى.
وَأَمَّا الرياء: ويسمى الشرك الأصغر إرادة العامل بعبادته غير وجه الله تعالى، كأن يقصد اطِّلاع الناس على عبادته وكماله، حتَّى يحصل له منهم نحو مال أو جاه أو ثناء.
قال سيِّدي نورالدين t:
أَمَّا الرياء فهو أن يعمل ... لا ... لله لكن ليحبَّه ... الملأ
إمَّا بإظهار نحول وصفرة وجه، ونحو تشعُّث شعر، وبذاذة هيأة، وخفض صوت، وغمض جفن إيهاما لشدَّة اجتهاده في العبادة، وحزنه وقلَّة أكله، وعدم مبالاته بأمر نفسه لاشتغاله عنها بالأهمِّ، وتوالي صومه وسهره، وإعراضه عن الدنيا وأهلها.
وإِمَّا بإظهار زيَّ الصالحين، كإطراق الرأس في المشي، والهدء (1) في الحركة، وإبقاء أثر السجود على الرأس، ولبس الصوف وخشن الثياب وتقصيرها وغير ذلك... وإمَّا بالوعظ والتذكير، وإظهار السنن، ولقاء المشايخ، وإتقان العلوم وغير ذلك من الطرق الكثيرة... وَإِمَّا بنحو تطويل أركان الصلاة وتحسينها، وإظهار التخشُّع فيها، وكذا الصوم والحجُّ وغيرهما من العبادات. وَإِمَّا بالأصحاب والزائرين والمخالطين كمن يطلب من عالم أو أمير أو صالح أن يأتي إليه لزيارته إيهامًا لرفعته، وتبرُّك الأكابر به؛ وكمن يذكر أنَّه لقي شيوخًا كثيرين افتخارًا وترفعا بذلك على غيرهم.
__________
(1) - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «والهدوء». (2/216)
صفحة 717
وهو بجميع أنواعه حرام بشهادة الكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة. قال تعالى: {الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون} (1) . وقال تعالى: {ولا يشرك بعبادة ربِّه أحدا} (2) ، أي لا يرائى بعمله، ومن ثَمَّ نزلت في من يطلب الأجر والحمد بعبادته وأعماله.
وقال e: «إنَّ أخوف ما أخاف عليكم، الشرك الأصغر: الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى (3) الناس بأعمالهم إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا انظروا هل تجدون عندهم جزاء؟».
__________
(1) - سورة الماعون: 6-7.
(2) - سورة الكهف: 110.
(3) - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «جازى». (2/217)
صفحة 718
وفي حديث آخر: «أدنى الرياء شرك، وأحبُّ العبيد إلى الله الأتقياء الأسخياء الأخفياء» (1) ، أي المبالغون في ستر عبادتهم وتنزيهها عن الشوائب والأغراض الفانية، والأخلاق الدنيئة.
__________
(1) - رواه ابن ماجه، في كتاب الفتن، رقم 3979، بلفظ: «حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عِيسَى ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ e فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ e يَبْكِي فَقَالَ مَا: يُبْكِيكَ؟، قَالَ: يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ e سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ: «إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ» (2/218)
صفحة 719
وفي حديث آخر: «أخوف ما أخاف على أمَّتي الإشراك بالله، أما إنِّي لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرًا ولا وثنا ولكن أعمالا لغيَرٍ وشهوةٍ خفيَّة» (1) .
وفي حديث آخر: «إنَّ الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ــ أي ينزل إليهم أمره ليقضي بينهم ــ وكلُّ أمَّة جاثية فَأوَّلُ من يدعى به رجل جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: “ألم أعلِّمك ما أنزلت على رسولي؟” قال: “بلى يا ربِّ”، قال: “فما عملت فيما علمت؟” قال: “أقوم آناء الليل وآناء النهار” فيقول الله له: “كذبت! بل أردت أن يقال: فلان قارئ فقد قيل ذلك”، فيؤتى بصاحب المال فيقول الله له: “ألم أوسِّع عليك حتَّى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟” قال: “بلى يا ربِّ” قال: “فما عملت فيما آتيتك؟” قال: “كنت أصل الرحم وأتصدَّق” فيقول الله له: “بل أردت أن يقال فلان جواد، فقد قيل ذلك”؛ ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله فيقول الله: “في ماذا قتلت” فيقول: “أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتَّى قُتلت”، فيقول الله له: “كذبت! بل أردت أن يقال: فلان جريء ــ أي شجاع ــ فقد قيل ذلك”. يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أوَّل خلق الله تسعرهم النار يوم القيامة».
__________
(1) - رواه ابن ماجه، في كتاب الزهد، رقم 4195، بلفظ: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ حَدَّثَنَا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةً» (2/219)
صفحة 720
وعلاجه هو أن يعرض عن رغبته في كلِّ ذلك بما فيه من المضرَّة، وفوات صلاح القلب، وحرمان التوفيق في الحال، والمنزلة الرفيعة في الآخرة، والعقاب العظيم والمقت الشديد، والخزي الظاهر، حيث ينادى علي رؤوس الخلائق ويقال للمرائى: «يا فاجر يا غادر، يا مرائى، أمَا استحيت إذا اشتريت بطاعة الله تعالى عرض الحياة الدنيا! راقبت قلوب العباد واستهزأت بنظر الله تعالى وطاعته، وتحبَّبت إلى العباد بالتبغُّض إلى الله تعالى، وتزيَّنت لهم بالشين عند الله تعالى، وتقرَّبت إليهم بالبعد من الله تعالى». ولو لم يكن في الرياء إِلاَّ إحباط عبادة واحدة لكفى في شؤمه، وضروره (1) انتهى. وسنذكر هاهنا تنبيهات:
الأوَّل
فيمن عزم على إتيان الكفر
ماذا يقال فيه؟
__________
(1) - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ضَرره». (2/220)
صفحة 721
وقد عرفت مِمَّا مرَّ أنَّ الكفر نوعان: الأوَّل: كفر نعمة، الثاني: كفر شرك، فالعزم على كفر النعمة فسق على الصحيح، وَأَمَّا العزم على الشرك فقد صرَّح ابن حجر بأَنَّهُ شرك، ووجهه أنَّه لا يكون عازما على الشرك إِلاَّ وهو شاكٌّ في الإسلام، أو جاهل بحقِّيَّته، أو معاند له، وجميع هذه الأوجه شرك؛ وذلك لحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار»، قالوا يارسول الله: «هذا القاتل فما بال المقتول؟» قال: «إنَّه كان حريصا على قتل صاحبه» (1) . فعلَّل بالحرص؛ وللإجماع على المؤاخذة بأعمال القلوب كالحسد ونحوه؛ ولقوله تعالى: {ومن يُّرِد فيه بإلحاد بظلمٍ} (2) ، على تفسير الإلحاد بالمعصية ولقوله تعالى: {إنَّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا} (3) .
قال سيِّدي نورالدين t: «وللسبكيِّ في تفصيل حديث النفس كلام أحسن فيه جدًّا فقال ما نصُّه: “الذي يقع في النفس من قصد المعصية على خمس مراتب:
الأولى: الهاجس وهو ما يلقى فيها. ثُمَّ جريانه فيها وهو الخاطر.
__________
(1) - رواه البخاري، في كتاب الإيمان، رقم 30، بلفظ: «حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».
(2) - سورة الحج: 25.
(3) - سورة الإسراء: 36. (2/221)
صفحة 722
ثُمَّ حديث النفس: وهو ما يقع فيها من التردُّد، وإنَّما هل يفعل أوْ لاَ؟. ثُمَّ الهمُّ: وهو ترجيح قصد الفعل.
ثُمَّ العزم: وهو قوَّة ذلك القصد والجزم به. فالهاجس لا يؤاخذ به إجماعًا، لأَنَّهُ ليس من فعله، وإنَّما هو شيء ورد عليه لا قدرة له عليه ولا صنع، والخاطر الذي بعده كان قادراً على دفعه بصرف الهاجس أوَّل وروده، ولكن هو وما بعده حديث النفس مرفوعان بالحديث الصحيح، وإذا ارتفع حديث النفس ارتفع ما قبله بطريق الأَولى.
وهذه المراتب الثلاث أيضًا لو كان في الحسنات لم يكتب له بها أجرٌ؛ أمَّا الأوَّل فظاهر، وَأَمَّا الثاني والثالث بعدم القصد، وَأَمَّا الهمُّ فقد بيَّن الحديث الصحيح أنَّ الهمَّ بالحسنة يكتب حسنة، والهمَّ بالسيِّئة لا يكتب سيِّئة وينتظر، فإن تركها لله كتبت حسنة، وإن فعلها كتبت سيِّئة واحدة، والأصحُّ في معناه أنَّه يكتب عليه الفعل وجده، وهو معنى قوله: واحدة، وأنَّ الهم مرفوع ومن هذا يعلم أنَّ قوله في حديث النفس: «ما لم تتكلَّم به أو تعمل به»، ليس له مفهوم، حتَّى يقال: إنَّهَا إن تكلَّمت وعملت يكتب عليها حديث النفس، لأَنَّهُ إذا كان الهمُّ لا يكتب فحديث النفس أولى. (2/222)
صفحة 723
وَأَمَّا العزم فالمحقِّقون على أنَّه يؤاخذ به، وخالف بعضهم وقال: إنَّه من الهمِّ المرفوع، وربما تمسَّك بقوله أهل اللغة: همَّ بالشيء عزم عليه؛ فالتمسُّك بهذا غير سديد، لأنَّ اللغويَّ لا يتنزَّل على هذه الدقائق». انتهى كلامه. لكن في “شرح المنهاج” ما يخالف ما هنا في الهمِّ حيث قال: «إنِّي ظهر لي الآن المؤاخذة من إطلاق قوله e: “وتعمل”، ولم يقل: “أو تعمله”، قال: فيؤخذ منه تحريم المشي إلى معصية، وإن كان المشي في نفسه مباحا، لكن لانضمام قصد الحرام إليه فكلُّ واحد من المشي والقصد لا يحرم عند انفراده، أمَّا إذا ما اجتمعا فإن كان مع الهمِّ عمل لما هو من أسباب المهموم به فاقتضى إطلاق أو تعمل المؤاخذة به [كذا]، وعلى هذا مشى ابنه في جمعه ومنعه، فقال ما نصُّه:
“إنَّ عدم المؤاخذة بحديث النفس والهمِّ ليس مطلقا بل يشرط عدم التَّكَلُّم والعمل، حتَّى إذا عمل يؤاخذ بشيئين: همِّه وعملِه، ولا يكون همُّه مغفوراً وحديث نفسه إذا لم يتعقَّبه العمل، كما هو ظاهر الحديث.
التنبيه الثاني
نذكر فيه توبة المحرِّم والمستحلِّ
اِعلم أَنَّ المحرِّم المنتهك هو من يأتي الأشياء المحرَّمة في دينه على غير اعتقاد لها باستحلال. والمستحلُّ هو الذي يأتي الأشياء المحرَّمة في دين الله تعالى اعتقادا منه أَنَّهَا حلال متمسِّكا على ذلك بشبهة من كتاب الله أو سنَّة أو إجماع، فهو جازم بتلك الشبهة، ومعتقد أَنَّهَا الدليل القاطع، ويلتزم بها تخطئة مَن خالفه في ذلك دينا، أمَّا إذا لم يكن بهذه المثابة فليس هو بالمستحلِّ، وإن اعتقد حلَّ ذلك المحرَّم أو تحريم ذلك المحلَّل، وإنَّما هذا جاهل بقواعد الدين الذي هو عليه، وكيفية التوبة لمن فعل المحرَّم على وجه يعتقد أنَّ ذلك الذنب حرام أن يتوب منه مجملا مجزية، فلا يطالب بالتفصيل ذنباً ذنباً، بل إذا قال: أنا تائب إلى الله من جميع ذنوبي، قُبل منه. (2/223)
صفحة 724
وَأَمَّا المستحل فتوبته عكس توبة المحرِّم، أي يلزم المستحلَّ للذنب الذي ارتكبه أن يتوب منه تفصيلا، أي إذ كان له عدَّة ذنوب كلّها يدين باستحلالها فإنَّه لا يجزيه في التوبة منها إلاَّ أن يتوب ذنباً ذنباً، لأَنَّهُ يعتقدها دينا وتوبة، فإذا قال: أنا تائب من جميع ذنوبي، لم يدخل ما استحلَّه تحت هذا اللفظ، إذ ليس ذلك ذنبا عنده، وهذا فيما بينه وبين الناس، أمَّا فيما بينه وبين الله فإذا اعترف بخطإ ما كان عليه وضلالته فندم على استحلاله لذلك وارتكابه له، وعزم أن لا يعود إلى شيء منه وطلب الغفران من ربِّه لمجمل ذنبه فإنَّه يجزيه ذلك؛ وقيل: تجزيه التوبة مجملا حتَّى عند الناس، ويقبل منه إن عرف أنَّه راجع عن ذلك الذي يستحلُّه، وهو قول أفتى به الإمام محمَّد بن محبوب في محمَّد بن عباد، وقد استحلَّ أشياء فتاب منها عند المسلمين مجملا فطلبوا منه التفصيل فبقي كالجمل المحرَنجِم، إن تقدَّم نُحِر، وإن تأخَّر عُقر؛ فأفتى ذلك الإمام حينئذ بذلك القول، وقبلوا منه إجماله.
في الأثر ما نصُّه: «وسألته عمَّن يقول: “أستغفر الله من كلّ ما دنت بشيء من الباطل” أو تولىَّ عدوًا أو عادى ولياًّ، قال: “يجزيه ذلك إذا كان تديُّنه من جهة خطإ أو قذف، وقال من قال: لا يجزيه في هذا وإن كان تديُّنه بشيء من البدع والضلال، فذلك لا يجزيه حتَّى يتوب من ضلالته تلك بعينها، إِلاَّ أن يكون نسيه وقد تاب من جميع ذلك فإنَّ ذلك يجزيه فيما بينه وبين الله» أهـ. (2/224)
صفحة 725
قال سيِّدي نورالدين t: «في هذا الأثر تفصيل، بين ما إذا كان المستحلُّ من إحدى الفرق الضالَّة المعتقدة لاستحلال ما حرَّمه الله كالأزارقة، وبين ما إذا كان أصله من أهل الاستقامة فاستحلَّ أشياء في دين الله حرام بدليل في زعمه، فاجتزى بالاجمال في حقِّ هذا الأخير بعض ولم يجتز آخرون؛ وَأَمَّا المستحلُّ الأوَّل فلم يحكَ فيه إِلاَّ عدم الاجتزاء بالإجمال قولاً واحدًا». انتهى. وإلى هذا أشار t قوله:
ومجمل توبة من ... يحرم ... والمستحلُّ عكس هذا ... يلزم
التنبيه الثالث
فيمن أخذ مال الغير ونحو ذلك على اعتقاد تحريمه أو اعتقاد حلِّه
اِعلم أنَّ من أتى شيئًا من الأشياء التي فيها حقوق الغير كأخذ مال الغير أو ارتكاب فرج محرَّم غصبا، أو تأثير في نفس بما لا يحلُّ ونحو ذلك... فَإمَّا أن يأتيه ذلك الفاعل وهو معتقد بحرمته؛ وَإمَّا أن يأتيه وهو معتقد لحلِّه؛ فإن أتاه وهو معتقد حرمته فعليه مع التوبة أن يغرمه لصاحبه، ولا تجزيه التوبة بدون ذلك إن كان قادرًا على ذلك؛ أمَّا إذا كان غير قادر كما إذا تعذَّر عليه وجود صاحبه، أو تعذَّر عليه ما يتخلَّص فإنَّه يجب عليه حينئذ أن يعتقد الخلاص عند القدرة عليه، إِلاَّ أن يعفو عنه من له الحقُّ فيحلُّه منه؛ وإن لم يحلَّه منه فإن حضره الموت ولم يجد سبيلا إلى الخلاص وجبت عليه الوصيَّة، ولا شيء عليه فوق ذلك، لأنَّ شرط توبته التخلُّص من حقوق العباد؛ والوصيَّة به هو حدّ طاقته ولا عليه فوق الطاقة شيء، لقوله تعالى: {لا يكلِّف الله نفسا إِلاَّ وسعها} (1) .
__________
(1) - سورة البقرة: 286. (2/225)
صفحة 726
وإن كان أتاه وهو معتقد حلَّه فحكمه بعكس من أتاه وهو يعتقد حرمته، أي فتجزيه التوبة من ذلك الشيء دون عزمه سواء كان قائما في يده أو كان قد أتلفه، وهذا الحكم ظاهر في المشركين لقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن يَنتَهوا يُغفَرْ لهم ما قد سَلَفَ} (1) ، ولقوله e: «إِنَّمَا قيل للجاهلية جاهلية لجهالة أهلها، وضعف علمها، فمن أسلم على شيء وهو في يده فهو له»؛ ولحديث سليمان t حين أمره رسول الله e أن يستكتب وهو عليه دَين فباعه المشركون لليهود، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يستكتب؛ ولحكم رسول الله e في دور مكَّة ورباعها وقد دخلها على أهل مكَّة عنوة، فهي لهم فسوَّغ لهم جميع ما في أيديهم من كسب أو غصب، وكان للمسلمين المهاجرين فيها دور فخالف عليها المشركين من بعدهم واغتصبوها فهناها [كذا] رسول الله e لهم، ولم يردَّ على أحد من المهاجرين داره ولا انتزعها من أيدي المشركين؛ وقد اغتصب عقيل بن أبي طالب دور رسول الله e مولده، ودر بني عبد المطَّلب، وصارت دار خديجة زوج رسول الله e إلى أبي سفيان بن حرب التي فيها مولد فاطمة بنت رسول الله e فردَّها إلى داره.
وقال عمر ابن الخطَّاب t: «ولسنا بنازعين شيئًا من يد أحد أسلم عليه». وعلى هذا اجتمعت الأمة المحمَّدية فيه، ولكنَّ الخلاف من وراء ذلك في أربعة أشياء:
أحدها: المرتدُّ إذا أخذ شيئًا من أموال المسلمين بعد ارتداده هل عليه ردُّه إذا أسلم؟ ذهب أبو حنيفة إلى أنَّه عليه، والمذهب أنَّه ليس عليه، إذ لا فرق بينه وبين سائر المشركين.
والثاني: الذمِّيُّ إذا أخذ شيئًا من أموال المسلمين حال إعطائه الذمَّة، هل عليه ردُّه إذا أسلم؟ فمذهب الزمخشريِّ، وصحَّحَه القطب رحمه الله أنَّ عليه ذلك؛ والمذهب عندنا أن ليس عليه، إذ لا فرق بينه وبين سائر المشركين أَيضًا؛ وإخراج المرتدّ والذمِّيِّ من العمومات المتقدِّمة في المشركين يحتاج إلى دليل.
__________
(1) - سورة الأنفال: 38. (2/226)
صفحة 727
الثالث: ما اغتصبه المشركون من المسلمين، هل يكون لهم قبل أن يسلموا وليس لصاحبه أن يأخذه منهم وتجوز معاملتهم فيه أم لا؟ ذهب إلى الثاني ابن بركة وصاحب السؤالات والإمام أفلح والمحقِّق الخليلي، وحجَّتهم قوله تعالى: {ولن يجعلَ اللهُ للكافرين على المؤمنين سبيلا} (1) ، وقوله e: «لا حقَّ لعرق ظالم ولا ثواء على مال امرء مسلم»؛ وروى نافع عن ابن عمر أنَّه قال: «ذهب فرس له فأخذه العدوُّ، فظهر عليه المسلمون فردَّه عليه في زمن رسول اللهe».
وذهب إلى الأوَّل جماعة منهم الربيع بن حبيب وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم ،والمحقِّقون من أهل المغرب، وصحَّحه القطب رحمه الله، وحجتهم في ذلك ما مرَّ من إبقائه عليه الصلاة والسلام ما أخذه المشركون في أيديهم يوم الفتح، وقد طلبه أربابه، فلم ينزعه من المشركين. أقول: فلسيِّدي نورالدين t في هذا بحث فليراجع من المشارق.
والرابع: المُوَحِّد المقرُّ برسالة سيِّدنا محمَّد e، الدائن بحقِّيَّة ما جاء به عليه الصلاة والسلام إذا استحلَّ بتأويل الخطإ ما كان حراماً في دين الله عزَّ وجلَّ، كالأزارقة والصفرية في حكمهم على أهل القبلة بحكم المشركين، هل يكون حكمهم فيها استحلُّوا كحكم المشركين ليس عليهم إلاَّ التوبة منه أم لا؟
ذهب بعض إلى أَنَّ حكمهم في ذلك حكم المشركين، قياساً عليهم بجامع الاستحلال، وجعلوا من هذا الباب خروج عائشة tا على المسلمين، فسفكت بسبب خروجها الدماء، فلمَّا تابت قبل المسلمون منها ولم يلزموها شيئًا من الحقوق.
__________
(1) - سورة النساء: 141. (2/227)
صفحة 728
ثُمَّ اختلفوا في هذا المستحلِّ حسب اختلافهم فيما اغتصبه المشركون من المسلمين، هل يكون لهم قبل أن يسلموا عليه أم لا؟ فمنهم من ذهب إلى أنَّ ما أخذه المغتصب على وجه الاستحلال كان له، وليس لربِّه أن يأخذه منه، وتجوز معاملته فيه ولو لم يتب من استحلاله.ومنهم من ذهب إلى أَنَّ ذلك ليس للمستحلِّ إلاَّ إذا تاب عليه، ولا تحلُّ معاملته فيه قبل التوبة، ولصاحبه أن يأخذه إن قدر عليه، وذهب آخرون إلى أنَّ هذا الحكم مخصوص بالمشركين، وَأَنَّ المُوَحِّد المستحلَّ لا يشابههم في ذلك الحكم، فعليه أَن يردَّ جميع ما اغتصبه أو ضمانه إن كان قد أتلفه قبل التوبة من استحلاله وبعدها، وكأنَّ أرباب هذا القول يرون أَنَّ علَّة الحكم ها هنا هي الشرك لا الاستحلال، فلم توجد العلَّة في المُوَحِّد عندهم، فلم يثبت القياس؛
وذهب آخرون إلى التفصيل فقالوا: إن تاب هذا المستحلُّ وفي يده شيء من المغتصبات قائم العين لزمه ردُّه إلى أربابه؛ وإن تاب وليس في يده ما هو قائم العين فلا غرم عليه، وكأنَّ هؤلاء نظروا إلى قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسرَ} (1) ، وإلى قوله تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج} (2) ، وجه الاستدلال بهاتين الآيتين أَنَّ من كان مستحلاًّ لشيء لا يكاد يتوقَّف عند القدرة عليه فهو منهمك فيه ومتهوِّر منه، فإن ظهر له خطأه وأراد التوبة معه لا يكاد أن يتيسَّر له الخلاص لعظم ما أتلفه فحصلت له المشقَّة والحرج، ولا مشقَّة ولا حرج عليه في ردِّ ما كان في يده فظهر الفرق عند هؤلاء. انتهى.
التنبيه الرابع
نذكر فيه حالات التائب
ونبحث فيه عن أمرين:
الأمر الأوَّل:
إذا كان تائباً مضيِّعاً لحقٍّ من حقوق الله عزَّ وجلَّ ماذا عليه؟
__________
(1) - سورة البقرة: 185.
(2) - سورة الحج: 78. في الأصل: {ما جعل الله عليكم ...}. وَهُوَ خطأ. (2/228)
صفحة 729
اِعلم أنَّ العاصي لربِّه إمَّا أن يكون في عصيانه مستحلاًّ أو محرِّما، فإن كان مستحلاًّ فلا شيء عليه عند الأكثر، سوى الرجوع إلى الحقِّ والدينونة ببطلان ما كان عليه، وقد مَرَّ الكلام على هذا بما فيه كفاية إِن شاء الله؛ وإن كان محرِّماً لفعله فَفَعَله انتهاكا فإنَّ (1) أن يكون في فعله ذلك مضيِّعا لشيء من حقوق الله كالصوم والصلاة، أو من حقوق العباد كإتلاف مال أو قتل أو ارتكاب فرج غصباً؛ أو غير مضيِّع شيئاً من ذلك، فإن كان غير مضيِّع شيئاً من هذه الحقوق فليس عليه شيء سوى التوبة من عصيانه، وإن كان مضيِّعا شيئًا من حقوق العباد فعليه الخروج بالخلاص إلى أربابها؛ وقد سبق على ذلك ما فيه الكفاية.
__________
(1) - كذا في الأصل، والصواب: «فإمَّا». (2/229)
صفحة 730
وإن كان مضيِّعا لشيء من حقوق الله كما إذا ترك فرضا حاضرا ففات وقته فإنَّه يجب عليه التوبة عن ذلك التضييع واستدراكه بالقضاء وستره بالكفَّارة، وهي تحرير رقبة أو إطعام ستِّين مسكينا أو صيام شهرين متتابعين، فَأَمَّا وجوب التوبة فظاهر مِمَّا مرَّ، وَأَمَّا وجوب القضاء فلِما ورد عنه e أنَّه كان يأمر بقضاء الفوائت فرضا ونفلا؛ وَأَمَّا وجوب الكفَّارة في تضييع الصيام فلِما ورد عن أبي هريرة أنَّه قال: جاء رجل إلى رسول الله e مرَّة فقال: «يا رسول الله، أفطرتُ في رمضان» فقال: «اِعتق رقبة، أو صمْ شهرين متتابعين أو إطعام ستِّين مسكينًا» (1) .
__________
(1) - روى مسلم، في كتاب الصيام، حديث رقم1871، بلفظ: «حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ؛ ح وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ e عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً» قَالَ: لَا. قَالَ: «وَهَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا». و حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ عِيسَى أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ e أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ» ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ» (2/230)
صفحة 731
وقيس عليه تضييع الصلاة بجامع أنَّ كلاًّ منهما فرض مؤقَّت، فأوجبوا في تضييعها الكفَّارة كما وجبت في تضييعه، وقال آخرون: لا شيء عليه سوى التوبة واستقبال ما يأتي عليه بالأداء، واستدلُّوا على ذلك بقوله e: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (1) .
قلنا: ومن شرط التوبة من ذلك الذنب، قضاء ما فات والكفَّارة منه بما ذكر، قالوا: قال e: «الإسلام جبٌّ لما قبله». قلنا: ذلك في المشركين فإنَّ لهم حكما يخالف ما هنا، وإلى ذلك أشار سيِّدي نورالدين t بقوله:
وتارك فرضا لمولاه ... مضى ... كفَّارة وتوبة قد فرضا
عليه مع إبداله وقيل: ... لا ... شيء سوى التوبة في ذا جعلا
وذا كمثل الصوم ... والصلاة ... في حكم من حرَّم ... للحرمات
الأمر الثاني:
ما إذا كان العاصي عمل الطاعة في حال إصراره هل يعطى ثواب تلك الطاعة إذا تاب من تلك المعصية؟ اختلف في المصرِّ على على المعصية إذا فعل شيئًا من الطاعات كالصلاة والزكاة والصوم ونحو ذلك، ثمَّ تاب من ذنبه، وأناب إِلىَ ربِّه، هل يعطى ثواب تلك الطاعات؟ ففيه ثلاثة مذاهب:
? المذهب الأوَّل: وهو لأبي عبد الله محمَّد بن محبوب رضي الله تعالى عنه، واختاره ابن أبي نبهان أنَّه يعطي ثوابه، وظاهركلامهما عدم التفصيل بين المشرك والمنافق في الإصرار.
? المذهب الثاني: لبشير واختاره الزاملي، أنَّه إذا كان هذا المصرُّ حين فِعلِه للطاعة مشركا فلا ثواب له، وإن كان غير مشرك فله الثواب بعد التوبة.
__________
(1) - روى ابن ماجه، في كتاب الزهد، رقم 4240، بلفظ: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ حَدَّثَنَا وُهَيْبُ ابْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ». (2/231)
صفحة 732
? المذهب الثالث: للفضل بن الحواري، أنَّه لا يعطي ثوابها كان حين فِعله إيَّاها منافقًا أو مشركًا، مستدلاً بقوله تعالى: {إنَّمَا يتقبَّل اللهُ من المتَّقين} (1) ، ففي المسألة إطلاقان وتفصيل:
قال سيِّدي نورالدين t: «وعندي فيها تفصيل آخر هو الحقُّ إن شاء الله تعالى، وهو إذا كانت تلك الطاعة التي فعلها المصرّ مشروطًا في صحَّتها الإسلام كالصلاة والصيام والحجِّ ونحو ذلك من العبادات، فلا يثاب عليها بعد التوبة إذا فَعلها وهو مشرك، لأنَّ الثواب ثمرة الصحَّة، والصحَّة مشروطة بالإسلام، وما هنا إسلام، فلا صحَّة فلا ثواب؛ ويثاب عليها إن فعلها وهو مصرٌّ غير مشرك، لأنَّها تكون حينئذ صحيحة، فيصحُّ ترتُّب الثواب عليها.
أمَّا قوله تعالى: {إِنَّمَا يتقبَّل الله من المتَّقين} فلا يعارض ما قدَّرناه، لأنَّا لا نقول بقبول العمل من المصرِّ حال إصراره، وإنَّما نقول بقبوله منه بعد توبته، وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحَّتها الإسلام، كرفع المنكر ورفع المظالم ونفع الضعيف وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وفكِّ العاني وصلة الرحم وإقراء الضيف ونحو ذلك، فإنَّه يثاب عليها بعد التوبة كلّ من فعلها وإن كان مشركا، لقوله تعالى: {أولئك يبدِّل الله سيِّئاتهم حسنات} (2) ؛ ولقوله e: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ومن لا ذنب له يعطى ثواب حسناته»، فكذا من ماثله؛ ولقوله e: «على ما أسلفت من خير». أمَّا قوله e: «من أشرك ساعة حبط عمله، فإن تاب جدِّد له العمل»، فليس فيه دليل على المطلوب.
__________
(1) - سورة المائدة: 27.
(2) - سورة الفرقان: 70. (2/232)
صفحة 733
هذا كلُّه إذا فعل الطاعة حال الإصرار ثُمَّ تاب، أمَّا إذا فعلها قبل الإصرار ثُمَّ أشرك أو فسق ثُمَّ تاب أو أسلم فإنَّه يردُّ إليه ثواب ذلك العمل، لأنَّ الإحباط مشروط عندنا بالموت على الإصرار، لقوله تعالى: {ومن يرتَدِدْ منكم عن دينه فَيَمُتْ وهو كافرٌ فأولئك حَبِطَت أعمالُهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (1) .
وعلى هذا التقييد يحمل الإطلاق في قوله تعالى: {ولو أشرَكوا لَحَبِطَ عنهم ما كانوا يعملون} (2) ، والإطلاق الذي في قوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} (3) ، والإطلاق الذي في قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتَكم فوق صوت النبيِّ ولا تجهروا له بالقولِ كجَهرِ بعضِكم لبعضٍ أن تحبَطَ أعمالُكم وأنتم لا تشعرون} (4) ، والإطلاق الذي في قوله e: «ستَّة أشياء تحبط الأعمال: الاشتغال بعيوب الخلق، وقسوة القلب، وحبُّ الدنيا، وقِلَّة الحياء، وطول الأمل، وظالم لا ينتهي». وفي الحديث والآية التي قبله دليل على إحباط العمل بالكبائر الغير الشرك، أمَّا الحديث فصريح في ذلك، وأمَّا الآية فلِما فيها من ترتيب الإحباط على رفع الصوت على صوته e، وعلى الجهر معه بالقول كجهر بعضنا لبعض، ولا شكَّ أنَّ هاتين الخصلتين ليستا بشرك، وإلى ذلك أشار سيِّدي نورالدين t بقوله:
وفي مصرّ قد أتى الطاعة ... هل ... له ثوابها إذا الغفران حل
أو لا؟ أوالتفصيل أولى إن ... عصى ... من غير ما شرك أتى ... محصحصا
__________
(1) - سورة البقرة: 217.
(2) - سورة الأنعام: 88.
(3) - سورة المائدة: 05.
(4) - سورة الحجرات: 02. (2/233)
صفحة 734
اعلم أنَّ مسألة الإحباط مبنيَّة على مسألة القطع بتعذيب الفسَّاق، فذهب أصحابنا والمعتزلة إلى إحباط الأعمال بمطلق الفسق إذا لم يتب منه، وذهب القائلون بعدم القطع بوعيد الفسَّاق إلى أنَّ الأعمال إِنَّمَا تحبط بالشرك لا بشيء غيره من أنواع الفسق وهي كأصلها من المسائل الدينيَّة، فما ورد في الأثر مِمَّا نصُّه: «قال جابر بن النعمان رحمه الله: “اختلف المسلمون من أهل صحار في الذي يعمل الحسنات والسيِّئات فقال قائلون منهم: “إِنَّمَا تحصى عليه حتَّى يموت، ثُمَّ ينظر في حسناته وسيِّئاته أيُّهما أكثر جزي به؛ وقال آخرون: “إذا عمل حسنة ثُمَّ عمل سيِّئة محت السيِّئة الحسنة” قال جابر: “فخرجنا من صحار إلى سمائل فسألت هاشم بن غيلان رحمه الله عن ذلك فقال: كفُّوا عن هذا فقد وقع هذا في صحار وكتبوا إلينا فلم نجب، وعند هذا ومثله تقع الفرقة”. وبالله التوفيق».
هل هذا الخلاف مقرِّر أم مردود؟
فالجواب فيه: أنَّ هذا المقام ليس محلاًّ للخلاف؛ وأنَّ القائل بأنَّ السيِّئة تمحو الحسنة إذا جاءت بعدها هو المصيب، لكن بشرطين: أحدهما أن تكون السيِّئة كبيرة، لأنَّ الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر؛ وثانيهما أن يموت عليها، لأنَّه إذا تاب منها ردَّ إليه ثواب حسنته، وناهيك بسكوت هاشم بن غيلان عن الجواب عليهما بقوله: «وعند هذا ومثله تقع الفرقة» تنبيها على أَنَّهَا من مسائل الدين؛
فإن قيل له: كانت المسألة من مسائل الدين ما وسع هاشما السكوت عنها، لحديث: «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله» (1) .
__________
(1) - وانظر- الجامع الصحيح، حديث رقم 943، ص268-269. (2/234)
صفحة 735
قلت: فهم هاشم أنَّ المراد من الحديث شيئان: أحدهما: إلزام المبتدع الحجَّة؛ وثانيهما: إنقاذ المسلمين من هلكة البدعة، فعلم أنَّ الحجَّة قد لزمت هذا المبتدع بظهور العلم على لسان خصمه، ولا يلزم تكرار إظهار العلم؛ ورأى أنَّ المصلحة في إنقاذ المسلمين من تلك البدعة هي السكوت عن الخوض في تلك المسألة أصلاً، فإنَّها لو طال الكلام فيها لاتَّسع الخرق، واستطارت الفتنة، فيعمُّ ضرُّها أقطار الأمصار، ومتى ما كفَّ عن الخوض فيها خمدت نارها، ولم يتعدَّ صاحبها ضررها، فلله درُّ هاشم ما أغزر علمه وأثقب فهمه!. انتهى سيِّدي نورالدين.
قلت: فهذا ما صرَّح به هذا العلاَّمة واختاره رحمه الله، وظاهره بل صريحه أَنَّهَا مسألة دينيَّة غير جائز فيها القول بالعكس، ولكن صريح جواب الشيخ العلاَّمة عيسى بن صالح لولده شيخنا عبد الله بن سليمان الحارثي في سؤاله له عن هذه المسألة القول، بجواز الخلاف فيها، وأطال التحقيق فيه، وقد أحببت نقله في كتابنا هذا بطوله ليقتبس من نوره، وها هو بنصِّه قال:
«وسئل عمَّا في “شامل الأصل والفرع” قال: “من عمل حسنات وسيِّئات كتبت، وجوزي بأيِّها أكثر وهو ظاهر الأحاديث” ثُمَّ قال: “واختلف في حسناته حال الإصرار، قيل: تكتب وإن مات مصرًّا، لأنَّ النظر إلى ما هو أكثر”. انتهى. (2/235)
صفحة 736
فهل هذا الاختلاف وسكوت الشيخ عن التنبيه على هذه المسألة يدلُّ على أَنَّهَا خلافيَّة عند الأصحاب، أم هذا القول لغيرنا؟، لأنَّه مشكل على قاعدة المذهب؟ مع أنَّ شيخنا العلاَّمة السالمي رحمه الله تعالى عدَّ هذه االمسألة من مسائل الدين التي لا يجوز الخلاف فيها، ذكر ذلك في المشارق، وهذا نصُّ كلامه: «قال جابر بن النعمان رحمه الله: اختلف المسلمون من أهل صحار في الذي يعمل الحسنات والسيِّئات، فقال قائلون منهم: إنَّها تحصى عليه حتَّى يموت ثُمَّ ينظر في حسناته وسيِّئاته أيُّها أكثر جزي به؛ وقال آخرون: إذا عمل حسنة ثُمَّ عمل سيِّئة محت السيِّئة الحسنة، قال جابر: فخرجنا من صحار إلى سمائل فسألت هاشم بن غيلان رحمه الله عن ذلك فقال: كفُّوا عن هذا، فقد وقع هذا بصحار، وكتبوا إلينا فلم نجبهم، وعند هذا ومثله تقع الفرقة وبالله التوفيق».
هل هذا الخلاف مقرِّر أم مردود؟
فالجواب فيه أنَّ هذا المقام ليس محلاًّ للخلاف، وأنَّ القائل بأنَّ السيِّئة تمحو الحسنة إذا جاءت بعدها فهو المصيب، لكن بشرطين:
- أحدهما: أن تكون السيِّئة كبيرة، لأنَّ الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر.
- وثانيهما: أن يموت عليها، لأنَّه إذا تاب منها ردَّ إليه ثواب حسنته، وناهيك بسكوت هاشم عن الجواب.
وبقوله: «وعند هذا ومثله تقع الفرقة» تنبيها على أَنَّهَا من مسائل الدين، فإن قيل لو كانت المسألة من مسائل الدين ما وسع هاشماً السكوت عنها، لحديث: «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر عمله فإن لم يفعل فعليه لعنة الله» (1) . قلت: فهم هاشم أنَّ المراد من الحديث شيئان: أحدهما: إلزام المبتدع الحجَّة.
__________
(1) - تقدَّم يخريجه. (2/236)
صفحة 737
الكتاب: إيضاح التوحيد بنور التوحيد
المؤلف: سعيد الغيثي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] وثانيهما: إنقاذ المسلمين من هلكة البدعة، فعلم أنَّ الحجَّة قد لزمت هذا المبتدع بظهور العلم على لسان خصمه، ولا يلزم تكرار إظهار العلم، ورأى أنَّ المصلحة في إنقاذ المسلمين من تلك البدعة هي السكوت عن الخوض في تلك المسألة أصلاً، فإنَّها لو طال الكلام فيها لاتَّسع الخرق واستطارت، فيعمُّ ضررها أقطار الأمصار، ومتى ما كفَّ عن الخوض فيها خمدت نارها ولم يتعدَّ صاحبها ضررها، فلله درُّه ما أغزر علمه وأثقب فهمه».انتهى كلامه.
الجواب: قال أبو نبهان على إثر كلام المختلفين: وهذا كأنَّه هو الأصحُّ لما في ظاهر الحديث والقرآن من دليل، والأوَّل أقرب إلى رأي من يقول بالميزان، ولو صحَّ لهلك من مات على الإيمان من قبل أن يأتي من الإحسان مقدار عصيانه، لأنَّ الواحدة من حسناته في مقابلة عشر من سيِّئاته، ولجاز أن يسلم من يموت على كفره بعد إيمانه ما لم يرجح على ما تقدَّمه من إحسانه، فالواحدة من سيِّء أعماله في موازنة مثلها من صالح أفعاله، وهذا كأنَّه في غاية البعد، فكيف يجوز بأن يصحَّ إلا وإنه لأ ظهر ما في هذا أنَّ التوبة تمحو ما قبلها من سوء الأعمال، والإصرار على شيء من المعاصي يحبط ما تقدَّمه من عمل صالح على حال والله أعلم». انتهى ببعض حذف. (2/237)
صفحة 738
فتراه رحمه الله صحَّح القول الآخر من غير تخطئة للقول الأوَّل بل جعله أقرب إلى من يقول بالميزان، وتأمَّل قوله: «ولو صحَّ لهلك... ولجاز أن يسلم...»إلخ، فإنَّه لا قائل بهلاك من مات على الإيمان، ولم يترك ذنبا إلاَّ ارتكبه، ولا بسلامة من مات على الكفر والعياذ بالله ولو فعل جميع الطاعات، لقوله تعالى: {ومن يَرتَدِدْ منكم عن دينه فَيَمُتْ وهو كافرٌ} (1) ، وقوله: {فأولئك يبدِّل الله سيِّئاتِهم حسنات} (2) ، {إنَّه من يأتِ ربَّه مجرما فإنَّ له جَهَنَّم لا يموتُ فيها ولا يحيَى، ومن يأتِه مؤمنًا قد عَمِلَ الصالحاتِ فأولئكَ لهمُ الدرجاتُ العُلَى} (3) ؛ ولقولهe: «إنَّ أحدكم لَيعمل بعمل أهل النار حتَّى ما يكون بينه وبينها إلاَّ ذراع فيسبق عليه الكتاب...» الحديث. فمن مات على الإيمان والتوبة كفَّر الله ذنوبه ولو بلغت عنان السماء، ومن مات على الكفر أحبط الله عمله ولو عمل بعمل أهل الجنَّة عُمُر الدنيا.
فلا ينظر إلى ما سبق من سيِّء الأعمال وصالحها، وإنَّما النظر إلى الخواتم، فمن ختم عمله بعمل أهل النار لعلَّه فهو من أهل النار؛ ومن ختم عمله بعمل أهل الجنَّة فهو من أهل الجنَّة، فلا مقابلة ولا وزن هنا بين الحسنات والسيِّئات.
وكأنَّ أبا نبهان رحمه الله أراد أن يلزم القائل بأنَّه يجزي بالأكثر أَن يجري هذا الحكم فيمن مات على الكفر أو الإيمان ولا يلزمه ذلك، لإجماع الأمَّة على سلامة من مات على الإيمان والتوبة، وهلاك من مات على الكفر، وإنَّما الخلاف بينهم في تأويل قوله تعالى: {خَلَطُوا عَملا صَالحاً وآخرَ سيِّئاً} (4) .
__________
(1) - سورة البقرة: 217.
(2) - سورة الفرقان: 70.
(3) - سورة طه: 74-75.
(4) - سورة التوبة: 102. (2/238)
صفحة 739
قال الإمام عبد العزيز في شرح النونيَّة: «ولم يعلموا أَنَّهَا نزلت في خاصٍّ لا في عامٍّ»، ومراده أَنَّ الآية نزلت في أبي لبابة وجماعة أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد، لمَّا بلغهم ما نزل على المتخلِّفين، وحلفوا لا يحلُّهم إلاَّ النبيُّ e، فحلَّهم لمَّا نزلت: {خُذْ مِن أموالِهم صدقةً} (1) ، لأَنَّ هؤلاء اعترفوا بذنوبهم من التخلُّف عن رسول الله، وخلطوا العمل الصالح ــ وهو الجهاد السابق مع رسول الله e، وأعمالهم السابقة واعترفوا بالذنب ــ وآخر سيِّئا، وهو تخلُّفهم عن غزوة تبوك وموافقة المنافقين.
قال القطب: «وقيل: الآية في جميع المؤمنين وجميع أعمال البرِّ والسوء، {عسى الله أن يتوب عليهم} أي يقبل توبتهم التي وفَّقهم الله إليها، و“عسى” من الله إثبات ووعد إجماعا، ونكتة التعبير بها أو بـ“لعلَّ” التلويح بأنَّه لا واجب عليه عزَّ وجلَّ، والتحذير أن يتَّكل عامل إلى عمله». انتهى. فلا دليل لهم في الآية لمن خلط العمل الصالح بالسيِّء من غير توبة ولا اعتراف.
قال الإمام عبد العزيز: «والأشعريَّة قالوا: توزن حسنات المُوَحِّد العاصي وسيِّئاته، فأيُّهما كان أكثر جوزي به، وأنَّ من أقرَّ بالله والنبيِّu، وصلَّى وصام وحجَّ وزكَّى وغزا وجاهد وأتى بجميع الطاعات، وارتكب الفواحش من نحو الزنى والسرقة والقتل وشرب الخمر غلبت حسناته سيِّئاته، لأنَّ السيِّئة واحدة والحسنة عشر، والعشرات تغلب الآحاد، ولما لزم من قولهم: إنَّ الله لا يعذِّب أحدا من المُوَحِّدين العاصين، وهو خلاف ما دلَّت عليه النصوص من الآيات والأحاديث، ويستلزم تعذيب العاصي جميع عمره التائب منه قبل موته بشهر مثلا لكون سيِّئاته أكثر من حسناته».
__________
(1) - سورة التوبة: 103. (2/239)
صفحة 740
وقد أطال في الردِّ عليهم إلى أن قال: «وقال أصحابنا: إنَّ المعاصي تحبط الطاعات للأحكام التي أوجبها الله عزَّ وجلَّ لفاعلها في الدنيا من إقامة الحدود من القطع والغُرم ونحوهما، وفي الآخرة من عذاب النار، وأنَّها تسقط بالتوبة وبفعل الخير وبالمصائب وبشفاعة الرسول e وبعفو الله الأعظم من المذكورات، عن غير المصر الخائب والمبتدع الكاذب وهو النادم التائب الراجع إلى أمر ربه». انتهى كلامه. (2/240)
صفحة 741
ولعلَّ المخالف لا يستلزم قوله ذلك، لأنَّ التائب من ذنبه يقبل الله توبته ما لم يحضره الموت، لقوله تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيِّئات حتَّى إذا حضر أحدهم الموت قال إنِّي تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفَّار أولئك اعتدنا لهم عذاباً أليماً} (1) ، وقوله تعالى: {فأولئك يبدل الله سيِّئاتهم حسنات} (2) ولقوله e:«التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (3) ، وقوله: «إنَّ الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (4) ، فإنَّما يردُّ عليهم بالآيات والأحاديث الواردة في إحباط العمل بالكبائر، فكيف توزن أعمال أحبطتها المعاصي، والله يقول: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} (5) وقوله عزَّ وجلَّ: {يا أيُّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيء} (6) ، وقوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى} (7) .
__________
(1) - سورة النساء: 18.
(2) - سورة الفرقان: 70.
(3) - تقدَّم تخريجه.
(4) -رواه الترمذي، في كتاب الدعوات، رقم 3460، بلفظ: «حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ»
(5) - سورة الكهف: 105.
(6) - سورة الحجرات: 02.
(7) - سورة البقرة: 264. (2/241)
صفحة 742
والحاصل أنَّ المخالف يقول: إنَّ من آمن بالله وبالرسول e ولولم يؤدِّ لله فرضا فقط (1) ، ولم يترك محجورًا إِلاَّ ارتكبه، فهو في مشيئة الله تعالى ولو لم يتب؛ وإنَّ كلمة الشهادتين تعدل جميع الذنوب، لما في الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله e: «إنَّ الله سيخلص رجلا من أمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ينشر له تسعة وتسعون سجلاًّ كلُّ سجلٍّ مدَّ البصر، ويقول له: «أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمتك كَتَبتي الحافظون؟» فيقول: «لا ياربِّ» فيقول: «ألك عذر؟» فيقول: «لا يارب»، فيقول الله: «بلى إنَّ لك عندنا حسنة فإنَّه لا ظلم عليك اليوم»، فيخرج له بطاقة فيها “أشهد أن لا إله إِلاَّ الله، وأنَّ محمدًا رسول الله”، فيقال له: «أحضر وزنك»، فيقول: «ياربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟»، فيقال: «إنَّك لا تُظلم اليوم» فتوضع السجلاَّت في كفَّة والبطاقة في كفَّة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء».
قال القطب: «قلت هذا مشرك ختم بكلمة الشهادة، أو مات قبل أن تقع عليه الفرائض، أو فاسق ختم عمله بها مخلصاً» (2) .انتهى.
هذا ما اعتقده (3) المخالف، فياله من معتقد يتهافت فيه أتباعهم إلى المعاصي تهافت الفراش إلى النار. نعوذ بالله من سوء الاعتقاد، ونسأله السلامة والفوز يوم الميعاد، إنَّه أرحم الراحمين.
__________
(1) - كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «قَطُّ».
(2) - انظر رسالة وينتن.
(3) - كتب في الحاشية مَا يلي: «قوله: “هذا ما اعتقده المخالف”، أقول: فهب أنَّ اعتقادهم ذلك صدق، فما في ذلك شيء أعظم من القول أنَّ السلامة هي عامَّة لهم ولنا، لأنَّ القول بالشهادة هو قول نقوله كما هم؛ وإذا فالسلامة تعمُّ الجميع فلينظر لذلك، وعليه فهل السلامة عندنا أو لا؟ انتهى الشارح». (2/242)
صفحة 743
فالذي يظهر لي أنَّ مراد القائلين من أصحابنا بأنَّه يجزى للأكثر إذا لم يكن العامل مصرًّا على ذنب، ولا مرتكبا لبدعة، بل دان بفرض التوبة، أو ارتكب ذنبا بغير علم وهو دائنٌ بالسؤال عنه، أو دائن في الجملة، ولم يهتد للسؤال عنه، مع الإخلاص لله تعالى، والاجتهاد وعدم التهاون؛ أو يقال إنَّ هذه السيِّئات من صغائر الذنوب فبالتمادي عليها وعدم التوبة منها صارت كبيرة ولم يكن للعامل من الحسنات ما يكفِّرها، فبإهمال جوزي بما هو أكثر كما تأوَّل العلامة الخليلي وحذيفة ذلك في أهل الأعراف.
ويقال: إنَّ هذا العامل أكثر من السيِّئات، وأذاق نفسه حلاوة المعصية، ثمَّ أتعب نفسه بعمل الحسنات، وأذاقها مرارة الطاعة، حتَّى محت ما سبق من السيِّئات، وختم عمله بالتوبة، فيكون الجزاء بما هو أكثر على هذا الوجه، ولو لم يكن للسيِّئات بقاء مع التوبة.
والسيِّئات تطلق على صغائر الذنوب وكبائرها، هذا مرادهم إن شاء الله، وعليه يحمل ما أجملوه من القول، وبه تعلم الفرق بين ما قالوه وبين ما قاله الأشعريَّة من قولنا، ليكون هذا التأويل موافقًا لمذهب أهل الحقّ والصدق، فإنَّه لا قائل منَّا بوزن الأعمال. (2/243)
صفحة 744
وسئل المحقِّق الخليلي عمَّن ركب الزنا وتزوَّج أخته من الرضاعة بجهله، أو عمل بفتوى العالم إذا أفتاه بباطل زللا، وهو دائن بالسؤال عمَّا يلزمه، أتراه سالمًا أم لا؟ قال: «لا يسعه علم ذلك أو جهل إذا علمها أخته من الرضاعة، فإن فعل ذلك هلك؛ وقيل: فيما لا تقوم الحجَّة إِلاَّ من السماع ولم تقم عليه بحرمته وجَهِل ذلك ودخله على الدينونة بالسؤال عنه بعينه إن هدي إليه، وإلاَّ ففي الجملة، وكان دائنا لله تعالى للتوبة منه إن عرفه ودان لله تعالى بالخلاص ممَّا يلزمه في ذلك بعينه إن فهم ذلك، وإلاَّ ففي الجملة، ولم يكن في دخوله متعمّدا لإثمٍ، ولا قاصدا لظلم، ولا مخادعًا لله في دينه في سريرة أو علانية، ولا مستخفًّا بشيء من أوامر الله تعالى، ولا متهاونًا به أنَّه لا يهلك، وترجى له السلامة عند الله تعالى، ولا يهلك بذنبه تائب مقرٌّ دائن وإنَّما يهلك من شرد عن الله شراد البعير النافر». هذا كلام هذا الإمام بتصرُّف فيه.
وفي كلام أبي نبهان لمَّا سئل عمَّن ترك الزكاة جهلاً مع الدينونة ما يوافق هذا القول كما هو صريح الأثر في هذه المسألة، وهكذا سمعت الوالد رحمه الله يقول بمثله، ثمَّ اطَّلعت في فتاويه لمَّا سئل عمَّن أتى شيئًا محجورًا عليه بالإجماع بجهله يظنُّه حلالاً وهو دائن بالله مع وجود المعبِّرين، فهل قيل بسلامته؟
فأجاب: نعم، قيل بسلامته إذا لم يهتد للسؤال عنه، ولم تقم عليه الحجَّة بتحريمه، ولا خطر على قلبه فيسأل عنه. (2/244)
صفحة 745
هكذا عرفنا عن أئمَّة الفقه؛ وعندي أنَّ هذا هو الأصحُّ والأعدل، ولو كان الأكثرون على عكسه؛ لقوله تعالى: {ولم يُصِرُّوا على ما فَعَلوا وهم يعلمون} (1) ، انتهى بتصرُّف (2) . ولقوله e: «هلك المصرُّون قدما إلى النار» (3) . ولقوله e: «أهل النار كلُّ جواظ عتلٍّ مستكبر» (4) .
قال القطب: «ولا إصرار إن فعل ولم ينو أن لا يتوب أو أن يعود؛ وقيل: إن لم يتب في الحال فهو مصرٌّ.
وفي النيل: من فعل ذنبا كبيرا ثمَّ طاعة بلا قصد توبة منه، وإن ابتلي وإن من قِبَل عبد بظلم فهل يكفِّره، أي ذلك الذنب بذلك الفعل الذي هو طاعة إن نوى أن يتوب، أو غفل، أو نسي، ولم يعتقد أن يعود، ولا أن لا يتوب أو لا حتَّى يقصده بالتوبة منه، قولان؛ وإن فعله ولم يصرَّ عليه ولم يتب، ودان بفرض التوبة من الذنوب، وتاب منها إجمالا، واستغفر منها إجمالا فهل يكفيه عن التوبة منه أو لا حتَّى يقصده بالتوبة؟ خلاف أيضًا. ولم يذكر صاحب الأصل أنَّه استغفر جملة أو تاب جملة، بل اقتضى على أنَّه دان بفرض التوبة». انتهى.
__________
(1) - سورة آل عمران: 135.
(2) - والد المؤلِّف:
(3) - لم نعثر عليه في الكتب التسعة.
(4) - رواه الترمذي: في كتاب صفة جهنَّم 2530، بلفظ: «2530 حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ قَال سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ e يَقُولُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُتَكَبِّرٍ» قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح. (2/245)
صفحة 746
وقال في التيسير: «{وعلى الأعراف رجال} (1) قوم استوت حسناتهم وسيِّئاتهم، ومعهم نورهم، أوقفوا بين الجنَّة والنار على الأعراف لتوسُّطهم بين الحسنات والسيِّئات، ومصيرهم إلى الجنَّة إذ لا دار في الآخرة إِلاَّ هي أو النار، يلقون في نهر حافته قضب الذهب مكلَّل باللؤلؤ، ترابه المسك، فتصلح ألوانهم فتكون في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها يسمون مساكين أهل الجنَّة، قاله حذيفة وابن مسعود وابن عبَّاس tم، واعتبار استواء الحسنات والسيِّئات والزيادة مذهب قومنا والمشارقة، وأمَّا المغاربة فلا يعتبرون ذلك، بل إن مات تائبا بطلت سيِّئاته كلُّها ولو كنَّ أكثر، أو مصراً بطلت حسناته ولو كنَّ أكثر».
وقال في: {ولم يصرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون} (2) : «أي ولم يصرُّوا على ما فعلوا والحال أنَّهم عالمون بأنَّه معصية، كذا يقال عن ابن عبَّاس».
وفي شرح العقيدة للقطب أيضًا: «{وعلى الأعراف رجال}: قيل هم ملائكة؛ وقيل: قوم فيهم عجب؛ وقيل: قوم استوت حسناتهم وسيِّئاتهم، بناءً على أنَّه تعدُّ الحسنات والسيِّئات فتكون السعادة بزيادة حسنة والشقاوة بزيادة سيِّئة، ولا وجه لهذا ولو كان قولا لأهل عمان كقومنا، وما جاء في الحديث مناسب له، فإنَّما هو في من يعمل الحسنات والسيِّئات ذاهلا غير مصرٍّ، ومن مات مصرًّا على صغيرة أو كبيرة دخل النار، ولو كانت حسناته كحسنات الملائكة وما لَه إِلاَّ تلك السيِّئة؛ ومن مات تائبا فله الجنَّة ولو كان عمله كعمل إبليس في المعصية وما له إِلاَّ حسنة واحدة وهذه التوبة، لأنَّ الإصرار يحبط الأعمال».
ونسبة هذا الإمام القول للمشارقة وهو قول للبعض من أهل صحار، والجمهور على خلافه فلا ينبغي [أن] يُنسَب إلى الكلِّ.
قال أبو يعقوب: «وجلُّ الفقهاء يقولون: إن هؤلاء قوم استوت حسناتهم وسيِّئاتهم». انتهى.
__________
(1) - سورة الأعراف: 46.
(2) - سورة آل عمران: 135. (2/246)
صفحة 747
وهكذا ينبغي أن يقال في ما فسَّرت به الآية أنَّ أهل الأعراف قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم على أحد وجوه التأويل، أو بغير رضا أمَّهاتهم على تأويل آخر، ورواه في الخازن مرفوعا إلى رسول الله e، فنقول: إنَّ ذلك محمول على أنَّهم لم يقصدوا المعصية بمخالفة آبائهم، ولكنَّهم لمَّا سمعوا داعي الجهاد وما فيه من الفضل خرجوا مبادرين مسابقين إلى الخيرات، فأكرمهم الله بالشهادة.
وفي البحر المحيط لأبي حيَّان: «وروي في مسند ابن أبي خيثمة عن جابر عن رسول الله e حديث فيه: «قيل: يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيِّئاته؟، قال: “أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون” (1) ». انتهى.
ومن جواب الشيخ خميس بن سعيد لمَّا سئل عن قوله تعالى: {وعلى الأعراف رجال}، قال: «وهو السور الذي بين الجنَّة والنار، رجال استوت حسناتهم وسيِّئاتهم، فقصرت بهم سيِّئاتهم وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هنالك حتَّى يقضي فيهم بما يشاء، ثمَّ يدخلهم الجنَّة برحمته، وهم آخر من يدخل، وهم يعرفون أهل الجنَّة وأهل النار، فيعرفون أهل الجنَّة ببياض وجوههم ونضرة النعيم عليهم، ويعرفون أهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم.
وقال ابن مسعود: “يحاسب الله الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيِّئاته بواحدة أدخل الجنَّة، ومن كانت سيِّئاته أكثر من حسناته بواحدة أدخل النار، ومن استوت حسناته وسيِّئاته كان من أصحاب الأعراف ولا ينزع النور الذي كان بين أيديهم” »انتهى.
ومن بيان الشرع في قوله تبارك وتعالى: {وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاًّ بسيماهم} (2) : «كان ابن عبَّاس رحمه الله يقول: “الأعراف حائط بين الجنَّة والنار يعرفون أهل النار بسواد وجوههم وأهل الجنَّة ببياض وجوههم، وأهل الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيِّئاتهم».
__________
(1) - تخريج الحديث.
(2) - سورة الاعراف: 46. (2/247)
صفحة 748
ومن جواب الإمام الخليلي لمَّا سئل عن أهل الأعراف: «وما يدريك لعلَّهم كانوا مِمَّن خلط عملا صالحا وآخر سيِّئاً من غير الكبائر التي هي في المهالك».انتهى.
وفي البحر المحيط لأبي حيَّان قال حذيفة بن اليمان أيضًا: «قوم أبطأت بهم صغائرهم إلى آخر الناس». وهو موافق لمَا قال به المحقِّق الخليلي رحمه الله.
وفي شرح النيل: «وسئل الفضل عن مصرٍّ مات هل تثبت له حسناته حال إصراره إذا تاب؟ قال: “سألت عن ذلك سعيد بن محرز، فقال: نظرت أنا وعبد الله في من يعمل الحسنات ثمَّ يكفر ثمَّ يتوب، فافترقنا واجتمعنا على أن لا يضيع له ذلك عند الله”، فقيل للفضل: “فما عمله من حسنات حال إصراره؟” فقال: “إنَّما يتقبَّل الله من المتَّقين». والله أعلم.
ابن محبوب: إذا تاب ردَّ الله إليه صالح عمله. أبو المؤثر: إِنَّمَا يتولىَّ على الخواتم فمن ختم عمله بخير وتوبة تولَّيناه ولا يضرُّه ما سبق من كثرة الذنوب، ومن ختمه بالمكث والإصرار وانتحال الباطل دينا خلعناه ولا ينتفع بماضي حسناته، لأنَّ الحسنات يذهبن السيِّئات وبالعكس.
وعنه e: «أتبِعِ السيِّئة الحسنة تمحها» (1) .
__________
(1) - رواه الترمذي، في كتاب البرّ والصلة، رقم 1910، بلفظ: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ e: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
... حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ قَالَ مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ e نَحْوَهُ قَالَ مَحْمُودٌ وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ. (2/248)
صفحة 749
والمتبادر أنَّه أتبِعها بقصد المحو، لكن لا يتعيَّن، بل يتحمل أن يريد أنَّ الإنسان لا يخلو من السيِّئات فليكثر الحسنات لعلَّها تصادفها، والأوَّل أظهر.
وكذا يدلُّ على الغفران بالحسنات بلا قصد المحو كلُّ حديث ورد فيه: من فعل كذا رفع له كذا وكذا درجة، وحطَّ عنه كذا وكذا سيِّئة...
وصحَّح قومنا أنَّ الكبيرة لا يمحوها إِلاَّ الاستغفار منها أو قصدها بالحسنة مع خلاص ما لزم عليها من حقٍّ. وقال e لمعاذ: «إن أحدثت ذنبا فأحدث عنده توبةً، إن سرًّا فسرًّا، وإن علانيةً فعلانيةً».
والصحيح بأنَّه يُقطع أنَّ التوبة النصوح تكفِّرالذنب قطعا، كإسلام الكافر، وظاهر ابن عبد البرِّ الإجماع على ذلك، والأرجح أنَّ التكفير واقع ظنًّا، والأعمال الصالحة لا تكفِّر الكبائر على الأصحِّ. وقال ابن عبد البرِّ: «إجماعا»، بل لاَ بُدَّ لها من التوبة، ويدلُّ لها حديث الصلوات الخمس. إلى قوله: «مكفِّرات لما بينهنَّ ما اجتنب الكبائر».
إلى قال رحمه الله: «نعم بعض الأحاديث يصرِّح بأنَّه تقابل يوم القيامة ذنوبه كلُّها بحسناته، فيحكم بالأغلب، وظاهر قوله: «تمحها» المحو من الصحيفة؛ وكذا في قوله: {يذهبن السيِّئات} (1) ، واختاره بعض، والصحيح أنَّ ذلك عبارة عن ترك المؤاخذة، واعترض بأنَّه تجوُّز يحتاج إلى دَلِيل»، إِلىَ أن قال: «إذ زادت حسناته على سيِّئاته، فقيل: يثاب بما زاد فقط، وقيل: بكلِّها، وأمَّا الصغيرة فتمحى ويثاب معها بحسناته كلِّها». انتهى المراد منه.
__________
(1) - سورة هود: 114. (2/249)
صفحة 750
فإذا تأمَّلت في كلام هؤلاء اتَّضح لك أنَّ سكوت هاشم عن الجواب في المسألة وعدم مبادرته للإنكار أنَّ المسألة ليست من مسائل الدين التي يقطع فيها العذر، فكيف يسع هاشما ومن معه من العلماء ومن بعده السكوت على البدعة، ويقول لجابر لمَّا سأله: «كفُّوا عن هذا فقد وقع هذا بصحار، فكتبوا إلينا فلم نجبهم، فعند هذا ومثله تقع الفرقة». وما اعتذر به شيخنا عنه في مشارقه لا يكفي عذراً، ولو رأى هاشم أنَّ المسألة مِمَّا يقطع فيه العذر، وأنَّها من البدع ما سكت عن جواب أهل صحار، ولم يأمر جابرًا بالكفِّ فقط، بل أظهر له وجه الحقِّ، وهو المتبادر من قوله: «مع أنَّ المختلفين لم يخطِّء بعضهم بعضًا، فيقال إنَّ المبتدع لزمته الحجَّة من لسان خصمه، وليست هذه المسألة بأشدَّ من مسألة خلق القرآن، وقد وقع الخلاف فيها بين محمَّد بن محبوب القائل بخلق القرآن ومحمَّد بن هاشم لمَّا اجتمع الأشياخ وتذاكروا في القرآن، واجتمع قولهم بعد الافتراق أنَّ الله خالق كلِّ شيء وما سوى الله مخلوق؛ وأنَّ القرآن كلام الله وكتابه ووحيه وتنزيله على محمَّد e.
قال القطب: «وفي بعض الأثر أنَّه لم ينكر سائر أصحابنا على من يقول منهم بقدمه، لئلاَّ ينتشر الخلاف والفتن، وهو ضعيف، لأنَّ المسألة من الأصول عند التحقيق إذا رجعت إلى الكلام النفسي.
وفي العقيدة: “ليس منَّا من قال إنَّ القرآن غير مخلوق” فكيف يسوغ فيه السكوت عن الإنكار؟. وقال أبو عليٍّ وابن محبوب وسليمان بن الحكم وأبو زيد الوضَّاح بن عقبة من أهل عمان والشيخ يوسف بن إبراهيم من المغاربة: إنَّ المسألة من الفروع لا يقطع فيها عذر من قال بقدمه أو بخلقه أو بالوقوف، ولا بأشدَّ من قول من يرى أنَّ ريح المروحة خلق له».
قال القطب: «ومن قال بذلك لقصور عقله لا يقطع عذر مخالفه لم يكفر نفاقًا ولا شركًا، ودخل اعتقاده في الخطإ المرفوع عنَّا، قاله بعض محقِّقي أصحابنا». (2/250)
صفحة 751
واعلم أنَّ شيخنا السالمي لم يحكم بتضليل أهل الخلاف في مسألة الصراط والميزان، وقال: إنَّ المسألة ليست من مسائل الدين، فإنَّه قد ذهب إلى ما ذهب إليه بعض أصحابنا من أهل المغرب كالشيخ هود بن محكَّم (1) المفسِّر الكبير، وأبي القاسم البرادي، والشيخ إسماعيل (2) ، وقطب الأئمَّة رحمهم الله»، ثمَّ قال: «والذي يظهر لي إبقاء الأحاديث على أصلها من غير تعرُّض لردِّها عَلَى راويها، وتفويض أمره إلى الله، فمن صدَّقها من غير قطع بكفر من خالفه فيها فقد أحسن ظنَّه بالراوي، ولا بأس عليه إن شاء الله». صرَّح بذلك في مشارقه، وهو مخالف لما اعتمد عليه الأصحاب، لكن لمَّا اطَّلع على قول هؤلاء الأئمَّة من أهل المغرب رأى أنَّ الحقّ عدم التضليل، وأحسب أنَّ نظمه في البيت الذي قال فيه:
لا مثل قول ذي الخلاف إذ ... غدا ... يُؤَلنه كفَّة ... وأعمدا
إنَّ موضع “ذي الخلاف” “ذي الضلال” فأبدله بـ“ذي الخلاف”.
__________
(1) - هو: هود بن محكم الهواري ق(3هـ/9م) عالم ومفسر،أخذ العلم عن أبيه وغيره، له: تفسير كتاب الله العزيز. أنظر: الوسياني:سير(مخ)،1/128. هود بن محكم الهواري:تفسير كتاب الله العزيز، مقدِّمة المحقق. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية(النسخة التجريبية)،ج5/ص686،تر1023.
(2) - هو: أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي(ت:750هـ/1349م) عالم جليل من نفوسة أخذ العلم عن الشيخ الطرميسي، وله مؤلفات كثيرة منها: قناطر الخيرات(3 أجزاء)،الحج والمناسك.... أنظر: الجيطالي: قناطر الخيرات،ج1/ص227-253. البرادي: الجواهر المنتقاة، ص219. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية(النسخة التجريبية)،ج1/ص114،تر141. (2/251)
صفحة 752
قال القطب: «ومن عليه تباعة المخلوق إن لم تكن له حسنات حمل من وزره بقدر التباعة كما في بعض الأحاديث إن صحَّت عنه e أو لا عندنا على أنَّها لم تصحَّ ضعَّفها جمهورنا، {ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزرَ أخرى} (1) ؟ قولان، وبالأوَّل قال الشيخ يوسف بن إبراهيم، وأساغه مستدلاًّ بقوله تعالى: {وليحملُن أثقالَهم...} الآية (2) ، وفيه أنَّ “أثقالا مع أثقالهم” أمرهم بالمنكر ومنعهم عن الحقّ، وذلك أفعال لهم، فتأمل ما قالوه».
وإذا لم يحكم بضلالة المخالف وكفره في مسألة الصراط والميزان فمن الأولى أن لا يحكم ببدعة القائل بأنَّه يجزى بالأكثر، ولو حمل كلام القائل بذلك على غير المصرِّ والمبتدع لكان أليق وأنسب بمقامهم، والأثر المشرقيُّ والمغربيُّ ناطق في أهل الأعراف أنَّهم قوم استوت حسناتهم وسيِّئاتهم من غير تخطئة ولا إنكار منهم عَلَى من قال بذلك، ومن المعلوم أنَّ القائل بِأَنَّ من زادت حسناته على سيِّئاته أولى بعدم التخطئة.
وفي قول القطب: إنَّه يجزى بالأكثر لظاهر الأحاديث ما يدلُّك على أنَّ المسألة ليست من مسائل الدين، لأنَّه لمَّا نسب القول للمشارقة ترحَّم عليهم، ولم أطَّلع في كلام أصحابنا المشارقة أنَّ الذنب الكبير يكفَّر بغير التوبة، وقد صرَّح به المغاربة كما سبق عن النيل، والأصحُّ أنَّ الذنب الكبير لا يكفَّر إِلاَّ بالتوبة، وهومعتمد أصحابنا المشارقة. واعلم أنَّ قطع العذر شديد ما احتمل لقائله وجه حقٍّ. والله أعلم، وإنِّي أستغفر الله مِمَّا خالفت فيه الحقَّ، وما توفيقي إِلاَّ بالله.
__________
(1) - سورة الأنعام: 164.
(2) - سورة العنكبوت: 13. وتمام الآيَة: {...وأثقالا مع أثقالهم وليسألُنَّ يوم القيامة عمَّا كانوا يفترون} (2/252)
صفحة 753
لحضرة الإمام محمَّد بن عبد الله ــ أبقاه الله ــ هذه المسألة صحَّح فيها، نريد إرسالها لزنجبار من أخيك عيسى بيده، أقول: نظرت في هذه الأبحاث ومثلي من يعترف بالعجز عن إدراك حقائق العلوم، مع أن ما نقله الشيخ عيسى عن علماء أصحابنا فيه دليل على أنَّ المسألة قابلة للخلاف وللتأويل، ومع ورود الحديث فلا يصحُّ ردُّه، ويؤوَّل ما أمكن تأويله، وقد ذكر الشيخ تأويله فليعتمد عليه، والله أعلم. كتبه إمام المسلمين محمَّد بيده.
أقول (1) أنا العبد الجامع لهذا الكتاب سعيد بن ناصر: فهل يلزم على هذا المذهب أن لا تلزم براءة الأشخاص مِمَّن شوهد منه خلط العمل الصالح والسيِّء لأنَّه من الممكن أن تكون حسناته أكثر من سيِّئاته، إذ الحسنة بعشر أمثالها والسيِّئة بمثلها، وهل يتمشَّى عَلَى هذا أن لا نبرأ مِمَّن خالفنا سيما العلماء منهم، لأنَّهم نشروا علوما لا زلنا ننتفع بها، فهم مِمَّن عملوا عملاً صالحاً، وقد كتبت لسيِّدنا الأميرt بحثا في هذا المشار إليه، فأورد عليَّ بما ينفي ذلك، ولم يلتفت الى اللازم لما في جوابه السابق، مع أنِّي أراه لازماً عليه. والله الموفق، أسأل الله العفو.
التنبيه الخامس
في أنَّ التوبة من التائب مقبولة ما لم تطلع الشمس من المغرب وما لم يغرغر بالموت
__________
(1) - كتبت في حاشية الكتاب العبارة: «أنا العبد الجامع لهذا الكتاب سعيد بن ناصر». (2/253)
صفحة 754
اعلم أنَّ توبة التائب مقبولة ما لم يغرغر بالموت أو تطلع الشمس من مغربها، فإذا كان أحد الأمرين لم تقبل التوبة، لقوله تعالى: {وليست التوبةُ للذين يَعمَلون السيِّئاتِ حتَّى إذا حَضَر أحَدَهم الموتُ قال إنِّي تبت الآن} (1) ، ولقوله تعالى في صفة فرعون: {فلمَّا أدركه الغرق قال آمنَت أنَّه لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} (2) ، فلم يقبل الله توبته عند مشاهدة العذاب، ولو أنَّه أتى بذلك الإيمان قبل تلك الساعة بلحظة لكان مقبولا ولقوله تعالى:{حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربِّ ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنَّها كلمة هو قائلها} (3) ولقوله تعالى: {وأنفقوا مِمَّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربِّ لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصَّدَّق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها} (3) وقوله تعالى: {فلم يك ينفعهم إيمانهم لمَّا رأوا بأسنا} (4) .
ولما روى أبو أيُّوب عن النبيء e : «أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، أي ما لم تردِّد الروح في حلقه، وعن عطاء ولو قبل موته بفوات ناقة، وعن الحسن أنَّ إبليس قال حين أُهبط إلىالأرض:
«
__________
(1) - سورة النساء: 18.
(2) - سورة يونس:90.
(3) - سورة المنافقون:11.
(4) - سورة غافر:85. (2/254)
صفحة 755
وعزتِّك لا أفارق ابن آدم مادام روحه في جسده» فقال: «وعزَّتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر» (1) ولقوله e: «التوبة مقبولة حتَّى تطلع الشمس من مغربها» (2) ، ولقوله e: «للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عاماً لا يزال كذلك حتَّى يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس من مغرها» ولقوله e: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (3) ،
__________
(1) - تقدَّم تخريجه.
(2) - رواه مسلم، في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، رقم 4872، بلفظ: «حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ ح و حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ح و حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ حَدَّثَنَا حَفْصٌ يَعْنِي ابْنَ غِيَاثٍ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ ح و حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ»
(3) - رواه مسلم، في كتاب التوبة، رقم ، بلفظ4954: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» و حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ».. (2/255)
صفحة 756
وفي هذه الآيات والأحاديث تنبيه على أمرين:
أحدهما: أنَّ الإيمان عند الغرغرة وعند معاينة عذاب الاستئصال لا ينفع، وهو مجمع عليه لأنَّه إنما كان بإلجاء لا باختيار، إِلاَّ قوم يونس فإنَّه إِنَّمَا نفعهم إيمانهم عند معاينة عذاب الاستئصال كرامة لنبيهم، وخصوصيَّة لهم، وخالف هذا الإجماع ابن العربي، وحكاه بعضهم عن الصوفية أيضًا، فزعموا أنَّ إيمان الملجئ نافع، وقد أطال الشيخ ابن حجر، الرد على ابن العربي بما يغني المسترشد، وسكت عن حكم هذا القائل، وإلى ذلك أشار سيِّدي نورالدين بقوله:
ولم يرد تائباً من ... ذنبه ... حتَّى يرى الموت دنى من قربه
أو تطلع الشمس من المغرب ... قد ... أتى عن المختار فيما قد ... ورد
انتهى.ونذكر هنا أمرين مهمين:
أحدهما: أنَّه إذا تاب أحد من ذنب ثمَّ رجع إليه ثمَّ تاب منه وهكذا... فإنَّه يقبل منه إذا تاب، ويترك إذا عصى؛ ومن هنا قال حيَّان الأعرج في رجل في ولاية المسلمين ويكون منه ما يكره المسلمون فيستتاب فيتوب ويعطى الرضى، ثمَّ يرجع فيدعى فيجيب ويطيع، وهذه حالته أنَّه يدعى إذا أدبر ويقبل، وقال (1) أبو عبيدة t: في مثل هذا توبة حتَّى يكون الشيطان هو الخاسر. انتهى.
الأمر الثاني
__________
(1) - قوله أبو عبيدة أي رضي الله عنه صاحب العلوم الرابحة والكرامات الظاهرة، وقد ورد أنَّه كان رحمه الله يقعد في الغار خوفا من الجبَّار الحجَّاج، وسأله إخوانه أن يظهر لهم الكرامة لمذهبه حتَّى يظهر لهم ذلك فقام وسأل الله تعالى أن يظهر له من كراماته مجتهدا في الدعاء، فانشقَّ لهم سقف الغار، وبان لهم السماوات... [انمحاء:، لعلَّه السبع]، حتَّى رأوا العرش العظيم و الحمد والشكر... [انمحاء] (2/256)
صفحة 757
اعلم أنَّه إذا كان التائب من الذنب لا تردُّ توبته حتَّى يغرغر، أو تطلع الشمس من المغرب، فمن أتى حراما، صغيرا كان أو كبيرا، هو داخل تحت هَذَا العموم، فتوبة قاتل المؤمن عمدا، وتوبة من أضلَّ غيره بمعصية، وتوبة من حلف: ليبطلنَّ حقًّا أثبته الله مقبولة، لدخول الثلاثة تحت ما مَرَّ، وخصَّ هؤلاء الثلاثة بالذكر ليبيِّن اختلاف الفقهاء في قبول توبتهم، فإنَّهم اختلفوا في قبولها منهم، وفي قبول توبة الملحِقة بزوجها ولدا من غيره، وقبول توبة من قتل نبيًّا، أو قتله نبيٌّ، لحديث يروى في ذلك إجمالا، والأحاديث وردت في بعض ما ذكر تفصيلا، فأمَّا توبة من قتل نبيًّا أو قتله نبيٌّ فلم يرو فيها غير الحديث العامِّ لجميع المذكورات، وقد استدلَّ القائلون بعدم التوبة لهؤلاء، وكأنَّه صحيح عندهم، وَعَلَى تقرير صحَّته فنحمله عَلَى عدم التوفيق لأسباب التوبة غالبا، لا عَلَى عدم قبولها، إذا أتى بها كما وجب عليه شرعًا، وعبَّر عن عدم التوفيق بما ذكر للزجر والتنفير عن هذه الكبائر جمعا بينه وبين تلك الأدلَّة، أو نقول: إنَّه إخبار عن عدم قبول توبة هؤلاء في أوَّل الإسلام مثلا، ثمَّ نسخ بقبولها بعدما وردت الأدلَّة. (2/257)
صفحة 758
أو نقول: إنَّه إخبار عن عدم قبول توبة كلِّ تائب، بل وبما ورد من الأحاديث عَلَى قبول توبة قاتل المؤمن عمدا ونحو ذلك، وبالجملة فلا يثبت مَعنا صحَّة ذلك الحديث. أمَّا قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمِّدا فجزاؤه جهنَّم خالدا فيها...} الآيَة (1) فمقيَّد بما إذا لم يتب. وأمَّا قوله e: «أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة» (2) .
__________
(1) - سورة النساء: 93.
(2) - رواه أحمد، في مسند الشاميين، رقم16395، بلفظ: «حَدَّثَنَا يُونُسُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: جَمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ رَجُلٌ فَحَدَّثَنِي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ سَرِيَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ e غَشُوا أَهْلَ مَاءٍ صُبْحًا فَبَرَزَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ؛ فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا قَدِمُوا أَخْبَرُوا النَّبِيَّ e بِذَلِكَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ e خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ الْمُسْلِمِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ وَهُوَ يَقُولُ إِنِّي مُسْلِمٌ» فَقَالَ الرَّجُلُ إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا، فَصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ e وَجْهَهُ وَمَدَّ يَدَهُ الْيُمْنَى فَقَالَ: «أَبَى اللَّهُ عَلَيَّ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» (2/258)
صفحة 759
وقوله e: «إنَّ الله أبى عليَّ فيمن قتل مؤمنا»ثلاثا، فأخبار آحاد لا تعارض القطعيَّ، وَعَلَى تقدير صحَّتها يحتمل أنَّ المُرَاد منها عدم التوفيق للتوبة غالبا، لا عدم قبولها ليحصل الزجر والتنفير عن قتل المؤمن، أو تحمل عَلَى قاتل مخصوصا، كما روي فيمن قتل قائل: “لا إله إِلاَّ الله” ظانًّا أنَّه التجأ بها عن السيف (1) .
__________
(1) - في صحيح مسلم، كتاب الإيمان، رقم 140، : «حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ح و حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظِبْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَهَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ e فِي سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَطَعَنْتُهُ؛ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ؛ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ e فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ» قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ؛ قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ فَقَالَ سَعْدٌ وَأَنَا وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ يَعْنِي أُسَامَةَ، قَالَ قَالَ رَجُلٌ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونُ فِتْنَةٌ» (2/259)
صفحة 760
وأمَّا قوله e: «أيُّما امرأة أدخلت عَلَى قوم من ليس منهم، فليس من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنَّته» (1) . فمعْنا (2) إذا لم تتُب، وأمَّا قوله عليه الصلاة والسلام: «من سنَّ في الإسلام سنَّة سيِّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (3) وفي رواية أخرى صحيحة: «ومن سنَّ شرًّا فاستنَّ به كان عليه وزره ومثل من اتَّبعه غير منتقص من أوزارهم شيئًا» فمعناه أيضًا إذا لم يتب، وكذا القول في قوله تعالى:{إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} (4) ، وكذا القول في أمثالها من الأحاديث وإلى هَذَا المذكور أشار سيِّدي نور الدين t بقوله:
فقاتل المؤمن عمدا ... تقبل ... توبته وهكذا المضلّل
من بعد موت من أضل ... وإذا ... آلى ليبطلن حقًّا فكذا
وقيل أن لا توبة لهم ... وفي ... قول أبي نبهان أن ليس اصطفى
لكن على المضل أن يبلغ ... من ... أضله بما دعا ومن فتن
__________
(1) - روى النسائي، في كتاب الطلاق، رقم 3427، بلفظ: «أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ شُعَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْمُلَاعَنَةِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ رَجُلًا لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَلَا يُدْخِلُهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
(2) - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «فمعناه».
(3) - تقدَّم تخريجه.
(4) - سورة آل عمران: 77. (2/260)
صفحة 761
إن كانت في مقدرة ... وإلاَّ ... فهو حري بمتاب ... المولى
وأراد بقوله t: «وهكذا المضلّل من بعد موت من أضلّ، أي ومثل قاتل المؤمن عمدًا في قبول التوبة، هو من دعى غيره لضلالة فأجابه إليها ثمَّ مات المجيب على تلك الضلالة، فإنَّه إن تاب هذا المضل قبلت توبته، أمَّا إذا لم يتب من أضله على تلك الضلالة فتوبته مقبولة قولاً واحدا.
لكن يشترط في توبته أن يدعوا إلى ترك تلك الضلالة كما دعى إلى الدخول فيها، وأراد بقوله وفي قول أبي نبهان إلخ، أي هو: الشيخ العلامة الولي جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى بن عبد الله بن ناصر بن محمَّد بن صيار بن زيد بن منصور بن الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك بن خليل بن خروص بن شاذان بن محمَّد بن عبد الله بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن حارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن أزد بن غوث بن زيد بن مالك بن زيد بن كهلان بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود النبيء u.
هذه السلسلة أرسلها إلى الشيخ منصور بن محمَّد بن يحيى بن خلفان بن الشيخ جاعد صاحب الترجمة الخليلي الخروصي t، المتوفى في عام ألف ومائتين وستٍّ وثلاثين، وكان مِمَّا وقع عند دفنه t: هو أنَّ الحاملين جنازته لمَّا وصلوا بها موضع قبره، فكان من شدَّة ما بهم من الدهشة بمصابه رحمه الله؛ نزلوا بجنازته منحرفة عن القبلة، فدارت الجنازة بنفسها إلى جهة القبلة، حكى هذه الحكاية سيِّدي نورالدين t وذكر أنَّ في قبره أنوارًا تسطع، وَهُوَ قد دفن في بلد العليا t ونفعنا به، فالشيخ المذكور ضعّف ذلك القول جدًّا، وهو نفي التوبة عن المذكورين. (2/261)
صفحة 762
اعلم أنَّ من دعى إلى ضلالة ثمَّ أراد التوبة منها عليه؛ أن يدعوا إلى الخروج منها كما دعا إلى الدخول فيها، فعليه أن يبلّغ توبته كلَّ من أجابه إلى ضلالته وهو أن يبيِّن لهم أنَّها ضلال؛ هذا كله إذا كان قادرًا على ذلك؛ فإن كان غير قادر، كما إذا مات المدعو إليها، أو كان بمكان باعد لا يستطيع الوصول إليه، ولا يصل إليه كتابه؛ فإنَّه يعذر بعجزه عن ذلك، لأنَّ الله لم يكلف العباد فوق طاقتهم، قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (1) وقال e: «يسِّروا ولا تعسِّروا» (2) .
خاتمة الكتاب
ونجزِّئها على قسمين:
القسم الأوَّل
نذكر إن شاء الله تعالى فيه جوابًا وبيانًا لمن طعن المذهب الحميد بجهله الفضيع، حتَّى عدّ بقوله: «إنَّ المتقدمين من هذا المذهب لم يكن لهم شيئًا من التآليف، وأنَّ كون المتأخرين منهم وقوع ذلك دليلاً لقيام الساعة».
__________
(1) - سورة البقرة: 185.
(2) - رواه البخاري، في كتاب العلم، رقم 67، بلفظ: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّe قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» (2/262)
صفحة 763
ثمَّ نأتي بعد ذلك شيئًا من مسائل متفرِّقة ونتعقّب بعد الكل بخاتمة تماماً للكتاب جلّه والعون بيد الله المعين. وصلِّ اللهمَّ وسلّم، وبارك على رسولك سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه. أشهد أن لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله. وأنَّ الدين عند الله الإسلام، سبحانك اللهمَّ وبحمدك أنت الله لا إله إِلاَّ أنت خلقت الخلق، وشرعت الحقَّ، وأنزلت الصدق، وبيَّنت الهدى، وخوَّفت من الردى، وأرسلت الرسل مبشرين ومنذرين؛ {ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحيى من حييَ عن بيِّنة} (1) .. صلَّى الله عليهم جميعا، وعلى سيِّدنا محمَّد خصوصًا وسلَّم تسليماً كثيراً، وعلى آله وصحبه لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمَّا بعد: لمَّا اختلفت الأمَّة بعد نبيِّها إلى ثلاث وسبعين فرقة كما قال رسول الله e ، ذهبت كلُّ فرقة منهم إلى مذهب، وسلك كلٌّ في طريق، وعاب كلُّ فريق على الآخر ما إليه ذهب، وظنَّت كلُّ طائفة أنَّهم أوتوا الحكمة وفصل الخطاب، ويأبى الله إِلاَّ أن يكون الحقُّ في واحدة، وهي التي على كتاب الله وسنة رسوله e وسنَّة الخلفاء الراشدين، ألا وهم أهل الاستقامة في الدين، المعروفون بالإباضيَّة الوهبيَّة المحبوبيَّة، كما دلَّت على ذلك الشواهد اللوامع، والبراهين القواطع. وقد اعترف لهم الخصم بذلك؛ والفضل ما شهِدَت به الأعداء.
__________
(1) - سورة الأنفال: 42. (2/263)
صفحة 764
فمن اعترف لهم قديمًا؟ عالم المدينة: مالك بن أنس، فإنَّه قال: «خطبنا أبو حمزة خطبة حيرت المبصر وردت المرتاب» وأبو حمزة هو المختار بن عوف قائد الجيش لإمام المسلمين: طالب الحقّ عبد الله بن يحيى الكندي رضوان الله عليهم؛ وإنَّ أبا حمزة خرج بالجيش إلى مكَّة فاستفتحها، ولاقته جموع الأعداء في قديد؛ فمزقهم كلِّ ممزَّق، ودخل المدينة واستفتحها، وخطب أهلها خطبة تناقلتها الألسن، والأسفار أقام فيها الحجَّة، وأوضح المحجة، وعلماء القوم يسمعون، ومن جملتهم: مالك. فما كان له عندهم جواب. سوى قول مالك المتقدِّم.
ومعنى قوله: «حيَّرت المبصر» أي جعلت العالم المتبصر في مذهبه محتارًا حيث سمع مالم يسمعه من الحجَّة والبرهان وقوله: «ردَّت المرتاب» أي من كان مرتابا في دينه ردَّت عنه إلى مذهب أبي حمزة ولولا خوف الإطالة لأوردت لك سيرتهم على التمام وقد رجع إلى مذهبنا في الزمان القديم: خلف بن زيَّاد البحراني وأبو النظر الخرساني وهما من أكابر العلماء المبصرين وقد نقل الاعتراف به عن جماعة كثيرين من المخالفين.
قال القطب: «وقد أقرَّ لي علما الحرم أنَّ دين الإباضيَّة الوهبيَّة خالٍ عن البدعة»، قال: «وإذا كانت الإباضيَّة الوهبيَّة مع عملهم بتلك الطاعات وتركهم تلك المعاصي في ضلال؛ فمن يكون إذا على صواب؟ أهؤلاء الذين يبولون على أعقابهم، ولا يستجمرون، وتنجس ثيابهم، ويصلون بها، ولا باستنجاء، ولا غسل جنابة، ويستعملون الدخان والخمر، وأنواع المسكرات والمفترات، ويعتقدون الرؤية التي توجب أنَّ الله لونا وحلولاً، في مكان وجهات، ويطففون الكيل والميزان، ويسرقون المال، ويستعملون الربى، وتنكشف نساءهم، ولا يصونونهنَّ، ويحكمون بالجور، ويأخذون الرشا، ويقارفون تلك المعاصي كلَّها غير الشرك، ويتركون الفرائض، والطاعات غير التوحيد. فمن فعل ذلك منَّا أو منهم، ومات غير تائب فهو في النار». (2/264)
صفحة 765
وهذا كلامه ومعناه أنَّهم يتركون الواجبات غير التوحيد ويفعلون المعاصي كلَّها، وهم مع ذلك لا يقطعون بالخلود لفاعل ذلك، بل يقولون: أنَّه يدخل الجنَّة قطعًا لحديث من قال: «لا إله إِلاَّ الله دخل الجنَّة؛ وإن زنى؛ وإن سرق». وجوابهم أن نقول نحن نقول:«لا إله إِلاَّ الله ولا نزني ولا نسرق فيلزمكم أن تقطعوا لنا بالجنَّة وإذا قطعتم لنا ذلك فعلى الطعن في مذهبنا هذا على تسليم ما قالوه من ظاهر الحديث وهو عندنا إن صحَّ متأول بأنَّ من قالها:«دخل الجنَّة؛ وإن زنى؛ وإن سرق قبلها، لأنَّ الإسلام جبٌّ لمَا قبله وهذا فيمن قالها واتبعها أو مات قبل أن يجب عليه العمل لقوله عزَّ من قائل:{إنَّ الذين قالوا ربنا الله ثمَّ استقاموا} (1) وقوله: {إِلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات} (2) في كثير من الآيات، وقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتعدَّ حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين} (3) .
ولولا القطع بتعذيب التارك للفرض أو الفاعل للكبيرة إن لم يتب، لمَا صحَّت الفرائض، ولا تثبت المحرمات، فإنَّه يلزم عليه أن يكون فعل ذلك وتركه على سواء، وقد قال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون} (4) ، {أم حسب الذين اجترحوا السيِّئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} (5) .
__________
(1) - سورة فصلت: 30.
(2) - سورة الشعراء: 227.
(3) - سورة النساء: 14.
(4) - سورة القلم: 35-36.
(5) - سورة الجاثية: 21. (2/265)
صفحة 766
وقد تنبه لهذا المعنى السيِّد الجليل مصطفى بن إسماعيل المصري متعنا الله بحياته، واستعملنا وإياه في طاعاته، فرجع عن مذهب الأشاعرة إلى مذهب الحقِّ، وهو واسع أترابه علما وفاقهم كياسة، وها هو قد نصب نفسه داعيا إلى الله ينادي بلساني الحال والمقال، وقد ألَّف "الهدية الإسلامية في النصائح العامَّة" وبث الخطب في صورة الجرائد لينتفع بها الخاصَّة والعامة، وقد قال في هديَّته حين ذكر الإمام محمَّد بن أفلح إمام المسلمين ببلاد المغرب في الزمان القديم.
قال: «ولقد قام هذا الإمام بأهمِّ واجبات العناية في احترام شعائر الله، وصون الدين الكريم من أن يتطرق إليه دخيل العبث، أو أن تمسُّه أهواء التعسُّف، والركاكة، والخلط في أقلّ القليل من أصوله وفروعه بعد أن تلقاه عن أبيه أفلح عن أبيه عبد الوهَّاب عن أبيه عبد الرحمن بن رستم الفارسي عن أبي عبيدة مسلم عن مرجع المسلمين أبي الشعثاء جابر بن زيد البصري العماني، وهو من التابعين الأخيار أخذ العلم عن البحر الزاخر ابن عبَّاس ابن عمِّ الرسول e وعائشة أم المؤمنين رضي الله تبارك وتعالى عنها، الذي لم يترك دقيقة من دقائق حياة الرسول e في قيامه، وقعوده، وسجوده، وحديثه، وصمته، ونومه، ويقظته، وبجملة حركاته، وسكناته، حتَّى أسرار خلوته معها إِلاَّ واستوعب معرفة منها، حتَّى كانت تتصبَّب tا أمامه عرقا من حرج السؤال، وخجل الجواب».
قال: «وكانت ولادته في خلافة عمر بن الخطاب t لسنتين بقيتا منها»، قال: «وذلك أن عمرَ مات سنة: ثلاث وعشرين من الهجرة، فتكون ولادة جابر سنة أحدى وعشرين منها، ومات سنة: ست وتسعين». قال: «وكان عمر مالك إمام المالكيَّة سنة واحد، لأنَّه ولد سنة خمس وتسعين ومات سنة تسع وسبعين بعد المائة، كان عمر أبي حنيفة إذ ذاك خمسة عشر سنة، لأنَّه ولد سنة ثمانين من الهجرة، ومات سنة مائة وخمسين منها». (2/266)
صفحة 767
قال: «أمَّا الشافعي فقد ولد في القرن الثاني، سنة: مائة وخمسين، ومات لأربع بعد المائتين، وولد ابن حنبل سنة مائة وأربعة وستِّين ومات سنة أحدى وأربعين بعد المائتين».
قال: «فيستدل من هذا البيان أن مذهب الإباضيَّة نسبة إلى الإمام عبد الله بن إباض رضي الله تبارك وتعالى عنه، وعنَّا وعن جميع من صلح من الأئمَّة الطاهرين الأخيار، هو أقدم المذاهب تاريخاً وأوثقها مصدراً وأصحّها تأويلاً وأحفظها للباب طهارة الدين الحنيف ونقاوته وسماحته وزكاوته، وعلى ذلك فليس ثمَّة مِراء في أنَّه هو الطريق الحقّ الذي كان مضى عليه رسول الله e والصحابة معه، وتلقاه عن جبرائيل عن مكائيل عن اسرافيل عن اللوح المحفوظ عن الله عزَّ وجلَّ وأنَّه هو الصراط المستقيم الذي دعانا الله إلى اتباعه في قوله تعالى: {وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوه ولا تتَّبعوا السبل فتفرَّق بكم عن سبيله ذلكم وصَّاكم به لعلَّكم تتَّقون} (1) ؛
__________
(1) - سورة الأنعام: 153. (2/267)
صفحة 768
وإنَّ أصحابه العاملين بما فيه هم المؤمنون حقاَّ أهل الفرقة الناجية التي عناها رسول الله e في هذا الحديث الصحيح: “بلوت اليهود فوجدتهم قد كذبوا على أخي موسى، فافترقوا عَلَى إحدى وسبعين فرقة كلُّها هالكة ما خلا واحدة ناجية وهي التي ذكرها الله تعالى في كتابه، فقال عز من قائل:{ومن قوم موسى أمَّة يهدون بالحقِّ وبه يعدلون} (1) ، وبلوت النصارى فوجدتهم قد كذَّبوا على أخي عيسى، فافترقوا على اثنتين وسبعين فرقة كلَّها هالكة ما خلا واحدة ناجية، وهي التي ذكرها الله في كتابه بقوله تعالى: {ذلك بأنَّ منهم قسّيسين ورهبانا وأنَّهُم لا يستكبرون} (2) وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلَّها هالكة ما خلا واحدة ناجية، وكلهم يدعى تلك الواحدة” (3) ، أو كما قال صلوات الله عليه».
قال: «ولقد شهد بهذا الحقِّ جميع الفلاسفة الفرنساويين الباحثين في الأديان، الذين وقفوا بكياسة أبحاثهم وسلامة قياسهم، على أنَّ نقاوة الدين الإسلاميِّ تنحصر إِلاَّ في مذهب أتباع ابن أباض، ومن البديهي أنَّ شهادة العدوِّ وهي أقوى الشهادات وأعدلها»، ولمَّا أجمعوا على صدق رجاله، وشهدوا لهم بصحَّة الدعوى، وغبطوهم عليها، أخذت هيئة السلطة هذه الشهادة منهم مأخذ الثقة، ولزمت تتابع تطبيقها على استقامة الرجال الإباضيَّة في إقليم ميزاب بمراقبة تصرُّفاتهم في المعاملة المعاشية والمعادية.
__________
(1) - سورة الأعراف: 159.
(2) - سورة المائدة: 82.
(3) - وانظر- حديث رقم 41 من الجامع الصحيح، باب [6] في الأمَّة أمَّة محمَّد e، وكذا بيان معاني هذا الحديث في حاشية السالمي على الجامع. (2/268)
صفحة 769
فلم تجد لهم مثيلاً من الرجال، وإذا لم يصلها من قبلهم منازعات، ولا ما يوجب مشغولية الحكومة بشيء من قبل أحوالهم الشؤونيَّة، ولم تر منهم في سجونها أثيما ولا مجرماً، كما لم تعثر في سجلاَّت المحاكم على اسمٍ من رجالهم تشمله قضية من القضايا المكدّرة، كأرباب السوابق؛ الأمر الذي لم ينشأ إِلاَّ من احترامهم التكاليف الشرعيَّة، ودأبهم على التحلِّي بكمالات الصدق والوفاء والأمانة والصفا والتناصر والتوازر على البرّ والإحسان، فإنَّها لم تنثن عن لحظهم بعين الرعاية والتجلَّة (1) ، وإعانتهم على الظهور في وسط الهيئات الأخرى من أهل مذاهب الفرق، وقدَّست أقوالهم وأحكامهم، فهي ترجع إليهم في مشاغل الدين عن باقي الفرق المنتشرة في إقليم الجزائر.
قال: «أمَّا من رام استقصاء النسبة الإباضيَّة بحذافرها، فعليه برسالة الأستاذ المكرَّم: الشيخ عبد الله بن يحيى الباروني، مرجع الإباضيَّة في جبل “فصاتوا” (2) من إقليم طرابلس الغرب».
قال: «ومن تطلَّع إلى الوقوف على أبلغ مراتب الغيرة، والحرص على العمل بدقائق كتاب الله، والتوقِّي من البدع والأحداث، فليطالع خطاب عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان المسطورة دُررُه وغُررُه في كتاب: “مراشد التقيَّة”، للتقيِّ الفهامة السيِّد: قاسم بن سعيد الشمَّاخي.
__________
(1) - كذا في الأصل.
(2) - كذا في الأصل ولعل الصواب: «فساطوا» وهي بلدة في جبل نفوسة بليبيا. (2/269)
صفحة 770
قال: «ومن أراد أن يشرح الصدر بالحنيفيَّة السهلة السمحة التي بعث بها أبو القاسم محمَّد بن عبد الله صلوات الله تعالى عليه، وسلمت من عبث التأويل، وخطإ التفسير، والتعسف في التطبُّق والقياس، فعليه بتسريح الطرف في رياض أسفار هذا المذهب الإباضي الجليل، في مستقرِّ الشيخ الموقَّر: محمَّد بن يوسف الإباضي، بوكالة الإباضيَّة في القاهرة بطولون». هذا كلامه جزاه الله عن الإسلام وأهله خيرًا، وحفظه من كلِّ بؤس وضير، {ومن يهدي الله فما له من مضلٍّ} (1) .
وقد كان هذا المذهب المبارك في الزمان الأوَّل منتشرا في جميع الآفاق والنواحي، وأكثر أهله بالبصرة، ومكَّة، وعمان والمغرب، واليمن، وخراسان، وكان أهل حضرموت كلُّهم على رأي أهل عمان. وكان بعض أهله في الموصل، ومن علماء المذهب فيها: أبو بكر يحيى بن زكرياء الموصلي رحمة الله عليه. وبعضهم في مصر: ومن علماء المذهب فيها محمَّد بن عباد. وقد انتشر في المغرب انتشارًا تامًّا، حتَّى كانت الدولة في زمن الأيمَّة الرستميين تحكم على مسيرة ثلاثة أشهر، لا ترى فيها إِلاَّ زاهدًا وعابدًا وقائمًا بأمر الله، وقد بلغ جيش الإمام أفلح إلى ثلثمائة ألف، وأهل الخيل منهم ثمانون ألفًا، أو خمسة وثمانون، واجتمع في زمان الإمام يوسف بن محمَّد أفلح: مائة ألف فارس وأحد عشر ألف فارس، وهؤلاء من طائفتين من طوائف المغرب فقط، وهم: “نفوسة” “ومزاتة”، وكثرة العلماء، حتَّى أنَّه قتل منهم في “وقعة نانوا” (2) أربعمائة عالم، وفي وقعة أخرى ثمانين عالما إِلاَّ واحدا، ووقعة نانو كانت في سنة مائتين وثمانين.
__________
(1) - سورة الزمر: 7.
(2) - كذا في الأصل والصواب: «مانو». ولقد كتبت “نانو” في مواقع أخرى وهي خطأ. (2/270)
صفحة 771
ومذهب الشافعي لم ينتشر كل الانتشار إِلاَّ بعد ذلك، وكان أهل المغرب يحجُّون بالذراري والنساء، حتَّى أنَّه ولد لهم من طريق الحجِّ سنة واحدة ثلاثمائة مولود، منهم عمروس بن فتح، وكان عمروس هذا في زمن محمَّد بن محبوب، وأمَّا انتشاره بعمان فأمر لا يخفى، وسيرة الأئمَّة فيها مشهورة، وأخبارهم معلومة.
وقد كانت من المسلمين بقيَّة في منصورة من بلاد السند، وكان للإمام راشد بن سعيد رحمه الله، إليهم سيرة، وأخبارهم شاهرة، ومن علمائهم بمكَّة، أبو الحرِّ عليُّ بن الحصين العنبري وأبو عبيدة عبد الله بن القاسم في عدَّة مشائخ، ومن أفاضلهم بمكَّة: الفضل بن جندب.
وأمَّا البصرة فقد كانت لنا مدينة العلم، حتَّى ضربوا لذلك مثلاً، فقالوا: «باض العلم بالمدينة، وفرخ بالبصرة وطار إلى عمان».
ومن أيمَّة العلماء ومشاهرهم: أبو الشعثاء جابر بن زيد، وهو أوَّل من ألَّف في الإسلام فيما يظهر من الحال، لأنَّ تواريخ المؤلِّفين كلِّهم بعده، وفي كشف الغمَّة أنَّ ديوانه كان حِمْلَ خمسة أجمال، وقد احتوى عليه أمير بغداد، فلم يخرج إلى أهله، ومنعه علماء مذهبه من إخراجه حسدًا لهذا المذهب، والله أعلم بما كان عليه من الحال بعد ذلك.
وجابر هذا أخذ العلم عن سبعين بدريًّا، وعن ابن عبَّاس وعائشة أم المؤمنين، وقال: «لقيت سبعين بدريًّا، فحويت ما بين أظهرهم حتَّى لقيت البحر، فكدت أن أغرق» ــ يعني ابن عبَّاس ـ، وكان لابن عبَّاس فيه ثناء جميل، وشهادة بالعلم الواسع، ولولا الإطالة لذكرت بعض ذلك. وقد أخذ عن جابر هذا: ضمَّام بن السائب، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وحيَّان الأعرج، وأبو نوح صالح الدهَّان.
وقد تفجَّرت ينابيع العلم والحكمة من هؤلاء التلامذة، وكان أوسعهم علما أبو عبيدة وضمَّام. (2/271)
صفحة 772
وقد انتشرت العلوم في مشارق الأرض ومغاربها عن أبي عبيدة، وعنه أخذ حملة العلم إلى عمان، وإلى المغرب، وخراسان، وحضرموت، ولولا إيثار الاختصار في هذه الرسالة لذكرت لك طُرفا من أخبارهم الغرَّاء، ولمعة من سيرهم الزهراء.
وتلامذة أبي عبيدة لا يحصون عددا، وأجلُّهم قدراً: الربيع بن حبيب البصري، وإليه انتهت رئاسة المذهب بعد أبي عبيدة، ثمَّ إلى أيُّوب وائل بن أيُّوب الحضرمي، ثمَّ إلى محبوب بن الرحيل.
ثمَّ انتقل العلم إلى عمان بواسطة حملته الأربعة: منير بن النيِّر، وبشير بن المنذر، وموسى بن أبي جابر، ومحمَّد بن المعلاَّ.
وإلى خراسان: بواسطة أبي يزيد الخوارزي، وهاشم بن عبد الله الخراساني، ومن علماء خراسان: نصر بن سليمان، ومحمود بن نصر، وأبو منصور، وأبو غانم بشر بن غانم، وغيرهم.
وحمل العلم عن أبي عبيدة إلى المغرب: أبو الخطَّاب المعافري، وعبد الرحمان بن رستم، وعاصم السدراتي، وإسماعيل بن دراري، وغيرهم.
ثمَّ كثرت علماء المذهب بالمغرب، وعمان وحضرموت، فلا يحصون عددا tم أجمعين، وكان فيهم الأيمَّة الراشدون المرشدون البائعون أنفسهم في رضى ربِّهم، الراغبون في الآخرة، الهاربون عن الدنيا.
ومن أيمَّتهم بالعراق: عبد الله بن وهب الراسبي إمام أهل النهروان، ثمَّ المرداس بن حدير الشهير بأبي بلال t وعنهم، وكانت له سير وأخبار وكرامات تذهل العقول.
وكان من أيمَّتهم بحضرموت: طالب الحقّ عبد الله بن يحي، وسليمان بن عبد العزيز، وحمد بن سليمان.
ومن أيمَّتهم بالمغرب: أبو الخطاب المعافري، وأبو حاتم الأوَّل، وعبد الرحمن بن رستم، وابنه عبد الوهَّاب، وابنه أفلح، وابنه محمَّد، وابنه يوسف وهو أبو حاتم الثاني.
/// (2/272)
صفحة 773
ومن أيمَّتهم بعُمان: الجلندا بن مسعود، والوارث بن كعب، وغسَّان بن عبد الله، وعبد الملك بن حميد، والمهنَّأ بن جيفر، والصلت بن مالك، والخليل بن شاذان، وراشد بن سعيد، وراشد بن الوليد، وسعيد بن عبد الله، وناصر مرشد، وغيرهم من أيمَّة العدل، لا يحتمل ذكرهم هذا الموضع لإيثار الاختصار، وقد كانوا جميعًا في أمثال أبي بكر وعمر عدلاً وفضلاً لولا سابقة الصحبة، جزى الله الجميع عن الإسلام خير جزاء.
ولمَّا أراد الله تعالى أن ينفذ أمره فيمن شاء من الناس بسابقة القضاء طوى هذا المذهب من كثير من البلاد بموت أهله، وانقراض علمائه في تلك النواحي، فطال على الجهَّال الأمد، وأتاهم من أضلَّهم عن الحقّ، وأزلَّهم عن الصدق، وقيَّض على كلِّ ناحية شيطانًا بل شياطين عديدة، فتركوا ما كان عليه أسلافهم من واضح الحقّ، وصريح الصدق، إلى ما وسوس به الشيطان إلى أوليائه {شياطين الإنس والجنِّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا} (1) ، فذهب هذا الدين من مكَّة والبصرة وخراسان واليمن وحضرموت وبقي في عُمان والمغرب وزنجبار ومصر، ثمَّ انتقصت أطرافها أيضًا فلم يبق إِلاَّ في النواحي اليسيرة، فظهر بذلك صدق الحديث: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ».
فالحمد لله على هذه الغربة، والشكر له على هذه القِلَّة، فإنَّ المؤمنين قليل في أوَّل الزمان وآخره، قال تعالى: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} (2) ، وقال:{إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلٌ ما هم} (3) ، وقال: {وقليل من عباديَ الشكور} (4) .
__________
(1) - ... سورة الأنعام: 112.
(2) - سورة الأعراف: 102.
(3) - ... سورة ص: 24.
(4) - ... سورة سبأ: 13. (2/273)
صفحة 774
وناهيك بأحوال الأنبياء مع قومهم، فانظر إلى حال نوح u في قومه، وقد أرسل إلى أهل الأرض كافَّة، فقال تعالى: {وما آمن معه إِلاَّ قليل} (1) ، وإلى حال إبراهيم u فإنَّه بُعِث وحيدًا فريدًا {فآمن له لوط وقال إنِّي مهاجر إلى ربِّي} (2) ، وإلى حال لوط u حين أرسل إلى القرى، فإنَّ الله تعالى يقول فيه: {فما وَجَدنا فيها غيرَ بَيتٍ من المسلمين} (3) ، والمراد به بيت لوط u؛ وإلى حال موسى u فإنَّه خرج ببني إسرائيل، وعند ذلك قال فرعون: {إنَّ هؤلاء لشِرذِمَةٌ قليلون} (4) ، وقد خاف في أوَّل أمره من فرعون كما قال: {فَفَرَرْتُ منكم لمَّا خِفتُكم} (5) ؛ وكذلك أحوال غالب الأنبياء كزكريَّاء ويحيى وغيرهما.
وانظر إلى حال سيِّدهم محمَّد e، وإلى سيرته من أوَّل أمره وإلى آخره، وإلى عدد أصحابه والمشركون يومئذٍ لا يحصون عددًا؛ وإن ظهر الإسلام في حال ليكون حجَّة على الناس فإنَّه يختفي في أحوال كثيرة، وأزمان طويلة، وناهيك بأزمنة الفترة بين الأنبياء.
وإنَّ الحقَّ لم يظهر ظهورًا تامًّا بعد نبيّنا محمَّد e إِلاَّ سنين يسيرة، ثمَّ تولَّى الأمر الظلمة من أهل الجور، فتركوا الهدى وعملوا بالهوى، والحقُّ معروفٌ، والسيرة محفوظة، والطريق بيّن، والصراط مستقيم، ولكن {من يضلل الله فلا هادي له} (6) ، فلمَّا تفرَّقت الآراء، وتشعَّبت الأهواء، وعطِّلت الأحكام، واتُّخذ كتاب الله دَغَلاً (7) ، ومال الله دولاً، وعباد الله خولا، غضب المسلمون وأظهروا الحقَّ في أمكنتهم على حسب ما أشرت إلى ذكره فيما تقدَّم.
__________
(1) - ... سورة هود: 40.
(2) - ... سورة العنكبوت: 26.
(3) - ... سورة الذاريات: 26.
(4) - ... سورة الشعراء: 54.
(5) - ... سورة الشعراء: 21.
(6) - ... سورة الأعراف: 186.
(7) - ... الدَّغَل:بفتحتين هو الفساد . أنظر: الرازي: مختار الصحاح،ص206. (2/274)
صفحة 775
ولمَّا انطمست أعلام المذهب من غالب البلاد كما أسلفنا ذكره، اختفى على الأغبياء الجهلة ما نحن عليه من الحقّ الواضح، واشتغلوا بالسبِّ والطعن، ولا يضرُّ المسلمين شيء من ذلك، فقد قيل لنبيّهم عليه الصلاة والسلام: إنَّه ساحر أو مجنون؛ وقيل: إنَّه كاهن، وإنَّه شاعر، فلم يضرّه ذلك، بل زاده رفعة عند ربِّه صلوات الله عليه وسلامه، ولنا فيه أسوة حسنة.
وقد بلغني أنَّ بعض المخالفين ــ ولعلَّه من الشافعيَّة ــ يطعن في المذهب بِقِلَّة الكتب في زعمه، وذلك لقلَّة اطِّلاعه وقصور باعه، ولم يعلم المغرور أنَّ هذا المذهب كان إلى هذه الفضيلة وغيرها أسبق، وأنَّه بكلِّ خير أولى وأحقُّ؛ وقد قدَّمت لك ذكر ديوان جابر بن زيد، وأنَّه خمسة أجمال وأنَّه قد أدرك الصحابة وأخذ عنهم العلوم، وقد مات في سنة ستٍّ وتسعين من الهجرة، كما في كلام السيِّد المصطفى المتقدِّم، أو في سنة مائة وثلاث سنين، كما في مروج الذهب للمسعوديِّ، وذلك قبل أن تحمل الشافعيَّ أمُّه بسنين كثيرة، لأنَّه ولد في سنة مائة وخمسين كما تقدَّم، وقبل أن يأخذ أبو حنيفة ومالك حظَّهما من العلم، فقد نشر الأصحاب العلم وأفتوا ودرَّسوا وألَّفوا قبل أيمَّتهم الأربعة الذين يملؤون أفواههم بهم فخرا. (2/275)
صفحة 776
وأرسل الإمام عبد الوهَّاب t ألف دينار إلى المشرق إلى إخوانه بالبصرة أن يشتروا له بها الكتب، فلمَّا وصلهم الألف اشتروا بها قرطاسًا، فنسخوا له فيه وقر أربعين جملاً كتبًا، فلمَّا بلغته، تشمرّ وجدَّ لقراءتها ليلاً، وبعض أوقات النهار؛ وقيل: كان يجرِّد ثيابه إِلاَّ السراويل، فختمها فقال: «الحمد لله، إذ وجدت جميع ما فيها محفوظًا عندي، ولم أستفد منها إِلاَّ مسألتين، ولو سئلت عنهما لأجبت فيهما قياسًا، كما رُسما (1) في الكتب، وذلك في المائة التي ولد فيها الشافعيُّ، وهي المائة الثانية من الهجرة»؛ فهذه كتب الأصحاب قبل أيمَّتكم توقر الركاب.
وقال الشيخ أحمد بن محمَّد بن بكر tم: «كنت أقرأ على الشيخ سعدون، فجازت مسألة الأقلف، قال: “فيها قولان” ولم ينسبها، ودخلت إلى الديوان، وكان بجبل نفوسة ديوان اشتمل على تآليف كثيرة فدرستها أربعة أشهر لا أنام إِلاَّ فيما بين أذان السحر إلى صلاة الفجر، وتأملت ما فيها من تآليف المشارقة من أصحابنا فإذا هي نحو ثلاثة وثلاثين ألف جزءا فتخيَّرت أكثرها فائدة فقرأته» (2) .
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «رُسمتا».
(2) - ... الدرجيني: طبقات، 2/444. (للتأكُّد). (2/276)
صفحة 777
ولمَّا وفد أبو غانم بشر بن غانم الخراساني على الإمام عبد الوهَّاب، ومعه مُدوَّنتهُ المشهورة في الفقه، التي رواها عن تلامذة أبي عبيدة، وجاز على جبل نفوسة، واستودع عمروساً (1) نسخة منها، وأخذ في نسخها وأخته تملي عليه ويلازم الموضع حتَّى تدركه الشمس، فينتقل حرصاً في إحياء العلم، فما رجع بشر إِلاَّ وقد استكمل نسخها، وهو في اثنى عشر جزءاً، ولمَّا وقع ما وقع بتيهرت وأحرقت كتبها بقيت نسخة عمروس تنتفع بها الإباضيَّة في المغرب، وذلك ببركة عمروس وحسن نِيَّته، فهذه المدوَّنة أخذت عن تلامذته أبي عبيدة، وأبو عبيدة كان قد تُوفِّي رحمة الله عليه في دولة أبي جعفرالمنصور؛ ونشأة الشافعيِّ كانت بعد ذلك.
فهذه نبذة من مجمل القول في بيان كتب المذهب، وأمَّا تفصيلها كتاباً كتاباً فذلك مِمَّا لا سبيل إليه لاستيلاء الزمان على غالبها، وسأذكر لك بعضها مِمَّا يحضرني ذكره، فمن ذلك:
? كتاب الربيع بن حبيب المعروف بالمسند، وهو عندنا أصحّ الكتب بعد كتاب الله تعالى، لأنَّ فيه سند الأحاديث عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس أو غيره من الصحابة عن رسول اللهe؛ وهو أعلى سنداً من صحيح البخاري، رتَّبه الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم أبوابا، وشرحه الشيخ أبو ستَّة شرحاً شافياً، ومنه استمدَّ الأصحاب قواعد الفقه، وعليه بنوا غالب فروعهم.
? وكتاب ضمّام رفع فيه الأحاديث عن جابر أيضًا، وحفظه عن ضمّام، أبو صفرة عبد الملك بن صفرة.
? وكتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل.
? وكتاب محمَّد بن محبوب، يذكرون أنَّه سبعون جزءاً، قال البرَّادي: «رأيت منه جزءاً واحدا».
? وكتاب الخزانة، تأليف بشير بن محمَّد بن محبوب بن الرحيل، سمعت شيخنا محمَّد بن مسعود يذكر أنَّه في سبعين سفراً.
? وكتاب البستان، في الأصول لبشير أيضًا.
__________
(1) - ... عمروس بن فتح النفوسي، ت: 283هـ، انظر: الدينونة الصافية، مقدِّمة المحقِّق. (2/277)
صفحة 778
? وكتاب الرضف، في التوحيد وحدوث العالم وغير ذلك، لبشير أيضًا.
? وكتاب المحاربة لبشير أيضًا.
? وتفسير القرآن للشيخ هود بن محكَّم الهواري، في سفرين كبيرين (1) .
? والتفسير الكبير لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، قال أبو القاسم البرَّادي: «وهو كتاب عجيب، رأيت منه في بلاد أريغ سفراً كبيراً، لم أر، ولا رأيت سفراً أضخم منه ولا أكبر منه، وحزرت أنَّه يجاوز سبعمائة ورقة، فيه تفسير الفاتحة والبقرة، وحزرت أنَّه فسَّر القرآن في ثمانية أسفار مثله، فلم أر ولا رأيت أبلغ منه ولا أشفى للصدور في لغة أو إعراب أو حكم مبيَّن، أو قراءة ظاهرة أو شاذَّة، أو ناسخ أو منسوخ، أو في جميع العلوم، فإذا ذكر آية يقول: “قوله تعالى...” إلخ، فَأوَّلُ ما يذكر إعراب الآية ويستقصيه، ثمَّ يقول: “اللغة...” فيستقصي جميع تصاريف الفعل من الكلمة، ثمَّ الصحيح من حديث رسول الله e، فيسوق الرواية من كتاب الربيع بن حبيب المعروف بالمسند، ثمَّ يسرد فيه السند: أبو عبيدة عن جابر ويذكر الحديث؛ ولقد استقصى الاختلاف الذي في الإمام في قوله: {إنِّي جاعلك للناس إماماً} (2) فذكر مقالة الرافضة والغالية، وذكر مقالات النكَّار وغيرهم من جميع الفرق. ولَعمري إنَّ فيه لعلومًا جمَّة» (3) . انتهى كلامه.
? وكتاب العدل والإنصاف، في أصول الفقه لأبي يعقوب الوارجلاني أيضًا، وهو ثلاثة أجزاء في مجلّد ضخم، أوسع فيه المجال، وأشبع فيه المقال.
? وكتاب الدليل والبرهان في أصول الدين لأبي يعقوب أيضًا، وهو ثلاثة أجزاء أَيضًا، غير أنَّه يجعل في مجلَّد واحد.
? وكتاب الإمام العادل: سعيد بن عبد الله بن محمَّد بن محبوب tم أجمعين.
__________
(1) - ... حقَّقه الأستاذ بلحاج بن عدون شريفي في أربعة أجزاء تحقيقا علميا قيما. طبع دار الغرب الإسلامي.
(2) - سورة البقرة: 124.
(3) - ... انظر: البرادي: تقييد كتب أصحابنا، ملحق بآراء الخوارج الكلاميَّة. (2/278)
صفحة 779
? وكتاب الضياء، لأبي إبراهيم سلمة بن مسلم الصحاري العوتبي، في أربعة وعشرين مجلَّدًا، جمع فيه أصول الشرع وفروعه.
? وكتاب الكفاية، تأليف محمَّد بن موسى الكندي في إحدى وخمسين مجلدًا.
? وكتاب جلاء البصائر، في الزهد والمواعظ، لمحمَّد بن موسى أيضًا.
? وكتاب بيان الشرع، تأليف: أبي عبد الله محمَّد بن إبراهيم بن سليمان، في اثنين وسبعين مجلَّدًا، ويقال إنَّه في ثلاثة وسبعين مجلَّدًا، وإنَّه ذهب منه مجلَّد في الزكاة؛ فأبدله بعض العلماء من بعده، وهو أيضًا جامع لأصول الشرع وفروعه، وإنَّه لكتاب ظاهر البركة، عمَّ نفعه الآفاق، ومنه استمدَّ أهل الوفاق.
? ولمؤلِّفه أيضًا القصيدة المعروفة بـ“النعمة”، وهي رجَزٌ في أصول الشرع وفروعه، وهي طويلة جدًّا. وله أيضًا رسائل أخَر. وله القصيدة المعروفة في العبيريَّة، في وصف الجنَّة، اعتنى بشرحها جماعة، آخرهم إمامنا القطب، متَّعنا الله بحياته، وشرْحُه أبسط الشروح، وأكثرها تحقيقًا.
? وكتاب المصنَّف، تأليف أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي في إحدى وأربعين مجلَّدًا، ويقال: إنَّ صاحب الكفاية، وصاحب بيان الشرع، وصاحب المصنَّف كانوا بني عمٍّ.
? قال بعض من جاء من بعدهم: «ووجدت أنَّ مؤلِّف بيان الشرع قبل صاحب الكفاية، وصاحب الكفاية قبل صاحب المصنَّف». قال: «ومؤلِّف بيان الشرع محمَّد بن إبراهيم بن سليمان بن محمَّد بن عبد الله بن المِقدَاد الكندي السمدي. ومؤلِّف الكفاية: محمَّد بن موسى بن سليمان بن عبد الله بن المِقدَاد الكندي السمدي. ومؤلِّف المصنَّف: أحمد بن عبد الله بن موسى بن سليمان بن محمَّد بن عبد الله بن المِقدَاد الكندي السمدي النزوي».
? وكتاب التخصيص في الولاية والبراءة، وتخصيص الآيات الواردة في ذلك، وهو لأبي بكر أحمد بن عبد الله صاحب المصنَّف. (2/279)
صفحة 780
? وكتاب الجوهري المقتصر لصاحب المصنَّف أيضًا، ألَّفه في أصول الكلام، سمَّاه بذلك لأنَّ السبب في تأليفه الكلام في قسمة الجوهر الفرد.
? وكتاب الاهتداء، له أيضًا، صنَّفه في افتراق أهل عُمَانَ إلى نزوانية ورستاقية، وأطال فيه الاحتجاج بين الفريقين، وركَّبه على قواعد مبتكرة، وفروع معتبرة، وأوسع فيه المجال، وأطال فيه الجدال.
? وكتاب التسهيل في الفرائض، له أيضًا، وهو في حجم صغير.
? وكتاب سيرة البررة، له أيضًا، ألَّفه في الردِّ على من طعن في سيرتهم.
? وكتاب التيسير، له أيضًا، ألَّفه في النحو، ويذكر في بعض مؤلَّفاته أنَّ له كتاب “الذخيرة”، ولم نقف عليه ولا ندري في ماذا ألَّفه، غير أنَّه يحيل إليه معاني غريبة، ويذكر أنَّه ألَّفه لأصحابنا من أهل حضرموت.
? وكتاب التاج، لعثمان بن أبي عبد الله الأصمِّ العقري النزوي، في إحدى وخمسين مجلَّدًا،
? وله أيضًا كتاب النور في علم الكلام.
? وكتاب البصيرة في الأديان له.
? ووجدت أنَّ له كتاباً في الأحكام.
? وأنَّ له كتاب الأنوار في الأصول.
? وكتاب الاستقامة، لمفتي الأمَّة ومنقذها من الظلمة: أبي سعيد محمَّد بن سعيد الكدمي t، ألَّفه في الردِّ عل من خالف سيرة السلف في الحكم على بعض الخارجين في زمان الإمام الصلت بن مالك، وأوسع فيه القول حتَّى خرج عن المقصود، وصار كتابًا مستقلاًّ في أصول الدين، تحتار فيه الأفكار، وتقصر عن درك كنهه الأنظار، فصار بركةً عامَّة، ونعمةً خاصَّةً بأهل الاستقامة، وقد أطبق المشايخ قديمًا وحديثًا على الثناء مع ما فيه من طول، غير أنَّه تحت ذلك الطول فوائد، وتحت كلِّ حرف فرائد، فأبقوه على حاله، كلَّما تحرَّك متحرِّك للاختصار قعدت به همَّته بعد النظر، فهو كرامة لمؤلِّفه، ونعمة على اتباعه. (2/280)
صفحة 781
? وكتاب المعتبر، لأبي سعيد، اعتبر فيه الآثار، وتعقَّب به جامع ابن جعفر، ففَصَّل المجملات، وأوضح المشكلات؛ والموجود منه اليوم مجلَّدان: أحدهما في الأصول، والآخر في الطهارات؛ ومنهم من يجعله مجلَّدًا واحدا ضخماً، ويقال إنَّه في تسعة أجزاء. والله أعلم بصحَّة ذلك.
? وكتاب الجامع المفيد من جوابات أبي سعيد، أيضًا في مجلَّدين كبيرين.
? وكتاب زيادات الأشراف، لأبي سعيد أيضًا، وذلك أنَّه تعقَّب “كتاب الأشراف” لأبي بكر محمَّد بن إبراهيم، المشهور بابن المنذر النيسابوري، المتوفَّى في سنة ثلاثمائة وسبع عشرة سنة، جمع فيه مذاهب الأمَّة، وتعقَّبه أبو سعيد في كلِّ مسألة ذكرها، فصحّح، وضعّف، وقرّب، وبعَّد.
? كتاب الجامع، المشهور بجامع ابن جعفر، لأبي جابر محمَّد بن جعفر الأزكويِّ، في ثلاثة مجلَّدات، وفيه زيادات أبي الحواري وغيره من العلماء، كابن المسبِّح، جعلوا زياداتهم في حكم الحواشي، وهو كتاب مبارك نافع للخاصَّة والعامَّة.
? وكتاب الجامع، المعروف بجامع أبي محمَّد عبد الله بن محمَّد بن بركة البهلويِّ السليميِّ، وضع فيه المسائل بأدلَّتها، وصدَّره بأبواب في أصول الفقه، ثمَّ ذكر بعد ذلك أبواب الفروع.
? وكتاب الشرح لجامع بن جعفر، لأبي محمَّد أيضًا.
? وكتاب التقييد، لأبي محمَّد أيضًا.
? وكتاب الموازنة، له أيضًا، ألَّفه في موازنة أقوال من خالفه بأقوال من ضلَّ من الأمم. وله أيضًا كتاب المبتدإ، وكتاب التعارف، وكتاب الإقليد، وله أيضًا رسائل.
? وكتاب جامع أبي صفرة من القديمة جدًّا، لم نظفر بنسخة منه.
? وكتاب الأصفر كذلك لم نجده أيضًا.
? وكتاب الأكلة، وحقائق الأدلَّة، لنجاد بن موسى المنحي، وجدت أنَّه في خمسة أجزاء، ولم أجد منه إِلاَّ جزءًا واحدا، جمع فيه بين أصول الفقه وأصول الدين، وحقَّق فيه مباحث علم الكلام.
? وله أيضًا كتاب الإرشاد في الأصول.
? وله أيضًا كتاب الحوالة. (2/281)
صفحة 782
? وله أيضًا السيرة المعروفة بسيرة نجاد، في الردِّ على المخالفين.
? وجامع أبي موسى بن علي، قاضي المصر، وقدوة المسلمين في دينهم.
? وكتاب الإيضاح، للقاضي سعيد بن قريش، وهو ثلاث مجلَّدات.
? وكتاب الإيضاح أيضًا، لأبي زكرياء يحي بن سعيد الهجاري، في أحكام القضاء وما يحتاج إليه، أظنُّه في مجلَّدين، وقفت على مجلَّد منه.
? وكتاب الإيضاح أيضًا، لأبي ساكن عامر بن عليٍّ الشمَّاخي المغربي، في أربعة مجلَّدات، وهو كتاب في غاية الحسن، ردَّ فيه الفروع إلى الأصول؛ وعليه حواشي عن أبي ستَّة وغيره من المتأخِّرين.
? وله أيضًا: العقيدة المعروفة بـ“الديانات”.
? واختصره الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم، وزاد عليه كتبا وسمَّى الجميع: “كتاب النيل”.
? وكتاب قواعد الإسلام، للشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي، وهو في غاية الحسن أيضًا، وللمتأخِّرين عليه حواشٍ واختصار.
? وله أيضًا: كتاب القناطر، في وصف طريق الآخرة، في ثلاث مجلَّدات.
? وله أيضًا: شرح نونيَّة أبي نصر فتح بن نوح، في أصول الدين، في ثلاث مجلَّدات.
? وله أيضًا: كتاب الفرائض المشهورة، وعليه حاشية لبعض المحقِّقِينَ.
? وله أيضًا: مناسك الحجِّ.
? وكتاب أبي مسألة، لأحمد بن محمَّد بن بكر المغربي في الأديان والأحكام، مختصرا سمَّاه بذلك لأنَّ أبا عبد الله محمَّد بن سليمان النفوسي كتب إليه من “أبديلان” أن يضع تأليفا مختصرًا في الفروع، فرأى في منامه أنَّ قائلا قال لي: «اذكر أبا مسألة»، فسمَّوه “أبا مسألة”، وأبو محمَّد يسمِّيه “الجامع”، وهو في جزءين.
? وله أيضًا: أصول الأرضين في ستَّة أجزاء.
? وله أيضًا كتاب القسمة (1) .
? وتبيين أفعال العباد، ثلاثة أجزاء.
__________
(1) - ... حقَّقهما في مجلد واحد بعنوان: “القسمة وأصول الأرضين” الأستاذان: د/محمد صالح ناصر، والشيخ بكير بن محمَّد الشيخ بلحاج، وطبع بمكتبة الضامري في عُمان. وَهُوَ في صدد الطبع مع زيادات وتنقيح في غرداية ــ الجزائر. (2/282)
صفحة 783
? وله أيضًا كتاب الألواح، مات عنه وتركه في ألواحِهِ، في بلد يسمَّى “جلو” (1) .
? وله أيضًا سيرة الدماء، قال أبو القاسم عبد الرحمن (2) : «صنَّف في آخر عمره تصنيفاً في خمسة وعشرين جزءا». ولبعض المتأخِّرين على أبي مسألة حواشٍ.
? وكتاب دعائم الإسلام لأبي بكر أحمد بن سليمان بن عبد الله، بن أحمد بن الخضر بن سليمان، الشهير بابن النظر، ونسب إلى قبيلة بني النظر، وهو من أهل سمائل. والدعائم قصائد طوال في أصول الدين والفقه في كلّ باب منه قصيدة طويلة، على قوافي متنوِّعة، وأبحر متعدِّدة؛ ويوجد أنَّه ذهب منه أربع قصائد في الأحكام، وقصيدة في الصلاة، وقصيدة في الولاية والبراءة.
? وقد شرحه رجال منهم: محمَّد بن وصَّاف النزوي في مجلَّدين كبيرين، سمَّاه: “الحلُّ والإصابة”
? وأحمد بن عبد الله الرقيشي الأزكوي في مجلَّدين أيضًا، سمَّاه “مصباح الظلام، على دعائم الإسلام”
? وأبو القاسم إبراهيم البرادي ولم يتمَّه، سمَّاه: “شفاء الحائم على بعض الدعائم”
? ثمَّ تناوله البحر الزاخر، والبدر الباهر، الذي يقال في حقِّه كم ترك الأوَّل للآخر: قطب الأيمَّة، وعالم الأمَّة: امحمَّد بن يوسف اطفيَّش المغربي. فشرحه شرحا كافيًا شافيًا.
? ولابن النظر أيضًا: اللامية المشهورة من بحر الزجر، وقد شرحها شرَّاح الكتاب إِلاَّ البرادي، وأفردوها في مجلَّد، وجعلها القطب المغربيُّ في أربع مجلَّدات استقصى فيها بحوث الأدب والمعاني والمنطق والسير، وأتى بما لم يأت به غيره.
? ولابن النظر أيضًا مؤلَّفات مذكورة في ترجمته، لم يوجد منها شيء في زماننا، لأنَّ الجبَّار خردلة بن سماعة لمَّا قتله أحرق خزانة كتبه.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «أجلو»، وهي قرية قرب “بلدة اعمر” في وادي أريغ، جنوب شرق الجزائر.
(2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «عبد الرحيم بن عمر»، انظر: الدرجيني: طبقات، 2/444؟؟ (2/283)
صفحة 784
? وممَّا ذكروا عنه من الكتب: كتاب “قرى البصر في مجمع المختلف من الأثر” في أربع مجلَّدات، لم يوجد بعد الحرق إِلاَّ مجلَّد واحد منه، وهو ضخم.
? وكتاب “سلك الجمان، في سيرة أهل عمان” في مجلَّدين، لم يوجد منه بعض الحرق إِلاَّ تسعة كراريس.
? وكتاب “التضميد في التقليد” في مجلَّدين أيضًا. والله المستعان.
? وكتاب البصيرة، لصالح بن الوضَّاح في مجلَّدين.
? وجامع أبي الحواري، في الأديان والأحكام، مجلَّد كبير.
? وله أيضًا: سيرة طويلة إلى أهل حضرموت، تتضمَّن جوابات لما سألوه عنه من أحداث عُمان وغيرها.
? وكتاب المنهج، لخميس بن سعيد بن علي الرستاقي، في أحد وعشرين مجلَّدا.
? وكتاب مراهم القلوب في مناجاة المحبوب، تأليف: محمَّد بن أحمد بن إبراهيم، في الزهد والمواعظ.
? وكتاب الإيجاز، تأليف أحمد بن خليل السيجاني.
? وجامع أبي قحطان خالد بن قحطان، في مجلَّدين.
? وكتاب الأشياخ، جمع ما عن الأشياخ في المعسكر في رباط العدوّ، وقفت منه على مجلَّد الأحكام.
? وكتاب الرهائن، تأليف في رهائن الإمام وأحكامها.
? وكتاب الرقاع، في أحكام الرضاع، في مجلَّدين، يذكر في ترجمة ابن النظر أنَّه لجده قاضي القضاة: عبد الله بن أحمد.
? وكتاب الأحداث والصفات، تأليف أبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي، ذكر فيه الأحداث الواقعة في أيَّام الصلت بن مالك.
? وله أيضًا كتاب البيان والبرهان.
? وكتاب الإمامة، تأليف أبي المنذر سلمة بن سليم بن إبراهيم صاحب الضياء.
? وله أيضًا كتاب الأنساب.
? وكتاب مفتاح الشريعة، تأليف محمَّد بن أحمد بن إبرهيم بن أحمد الشجبي.
? وكتاب الكشف والبيان، تأليف محمَّد بن سعيد القلهاتي العماني الأزدي، في مجلَّدين؛ ومنهم من يجعله في مجلَّد ضخم، ألَّف المجلَّد الأوَّل منه في التوحيد والسير؛ والثاني في فرق الأمَّة. (2/284)
صفحة 785
? وجامع أبي الحسن علي بن محمَّد البسياني، في مجلَّد ضخم، ومنهم من يجعله في مجلَّدين، سلك فيه مسلك أبي محمَّد في قرن المسألة بدليلها من الكتاب والسنَّة، وهو في الأديان والأحكام.
? وله أيضًا المختصر المشهور بمختصر البسياني.
? وله أيضًا السيرة الكبيرة المشهورة بسيرة البسياني، ذكر فيها بعض الفرق وأحكام المختلفين وحكم الإمامة، وله غيرها سير عديدة.
? وكتاب مختصر الخصال، للإمام الزاهد المجاهد الشاري: أبي إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الحضرمي الهمداني، وضعه على وضع غريب، لم يسبق على مثاله، حصر الشريعة في أبواب، والأبواب في خصال، وقعَّد القواعد، وضبط الضوابط، وهو مشهور منتشر يشهد حاله على وصفه.
? وكتاب الصلاة والصلة، لعمرو بن عليٍّ المعقدي الوبلي الرستاقي.
? وله أيضًا زهرة الأدب.
? وكتاب مختصر العدل، في أصول الفقه، لأحمد بن سعيد الشمَّاخي المغربي، اختصر فيه العدل والإنصاف.
? وشرحه شرحًا مختصرًا أيضًا.
? وشَرَح القطبُ الشرح فأطال وهو في مجلَّدات.
? وله أيضًا كتاب السير المغربية الذي في علماء المذهب من أهل العراق والمغرب، وذكر فيه بعض أخبارهم وكراماتهم.
? وله أيضًا: شرح مرج البحرين، في علم المنطق والهندسة والحساب، والمتنُ لأبي يعقوب.
? وكتاب الموجز، لأبي عمَّار عبد الكافي، في أصول الدين والردِّ على المخالفين.
? وله أيضًا: شرح الجهات (1) ، سفر.
? وله أيضًا كتاب الفرائض.
? وكتاب اختلاف الفتيا.
ومن تأليف أصحابنا أهل جبل نفوسة:
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «شرح الجهالات». والجهالات متن في العقيدة منسوب إِلىَ تبغورين بن عيسى الملشوطي، المتوفَّى في القرن السادس الهجري / 12م. (2/285)
صفحة 786
? كتاب عمروس بن فتح، وفي السير المغربيَّة أنَّ عمروسا بعث إليه بعض الأشياخ من المتكلِّمين من أهل نزان (1) أن يؤلِّف له كتابًا في الأصول، فكتب إليه رسالة، فلمَّا رآه الفزاني، وهو الذي وضع الكتابين المعروفين بأصول الكلام، قال: “النفوسيُّ أقوى منِّي” وكتب اللقط. قال البرَّادي: «وقفت على أربعة في أربعة (2) أسفار كلُّها لأهل الجبل.
? وكتاب الجناوي (3) ، في سفرين، ذكره البرَّادي أيضًا.
? وكتاب الوضع، يقال إنَّ مؤلِّفه يحيى الجناوي (4) ؛ وقيل: لا يدرَى مؤلِّفه، لأنَّه أخفى اسمه ليعظم أجره.
? وحشَّى عليه أبو ستَّة.
? واختصره مع حاشيته القطب، وزاد عليها.
? وجوابات الأئمَّة: عبد الوهَّاب وابنه أفلح وابنه محمَّد بن أفلح بن عبد الوهَّاب سفر تامٌّ.
? وكتاب أبي سليمان داود بن يوسف (5) ، سفر.
? وكتاب الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف في الكلام مجلَّدان.
? وكتاب الشيخ أبي خزر في الكلام.
? وكتاب الشيخ أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر في السير، وهو المعروف بكتاب المشايخ وهما مجلَّدان.
? وكتاب الأشياخ، المعروف بديوان الأشياخ، في ستَّة أسفار صغار أو ثلاثةٍ كباراً.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «فَزَّان»، وهي من بلدان جبل نفوسة بليبيا.
(2) - ... كذا في الأصل.
(3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «الجناوني» نسبة إِلىَ “إجنَّاون” بجبل نفوسة.
(4) - ... كذا في الأصل.
(5) - ... كذا في الأصل، والصواب: «داود بن إلياس أبي يوسف الوارجلاني»، وهو من المستجابين للدعاء بوارجلان توفي سنة 462هـ/1069م. انظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية(النسخة التجريبية)،ج3/ص285،تر360. (2/286)
صفحة 787
? وكتاب السؤالات لأبي عثمان (1) وعليه لبعض المتأخِّرين حواشٍ.
? وكتاب الشيخ تبغورين بن عيسى في الكلام.
? وله أيضًا كتاب الجهالات (2) في الكلام.
? وله أيضًا كتاب الأدلَّة والبيان في أصول الفقه.
? والكتاب المعروف بالمعلَّقات، في أخبار أهل الدعوة؛ قال البرَّادي: «لم أعرف مؤلِّفه» (3) .
? وجوابات الشيخ أبي يعقوب يوسف بن خلفون (4) . ورسالته إلى أهل جبل نفوسة.
? وكتاب الطبقات (5) لأحمد بن سعيد الدرجيني.
? وكتاب المناسك، لأبي زكرياء يحيى الأبدلاني.
فهذا أكثر ما حضرني ذكره من أسماء الكتب، وقد تركت بعض ما حضر لخوف السآمة والملل، ولم أذكر شيئًا من تأليف المتأخِّرين كأبي نبهان ومن قبله من علماء دولة اليعاربة، إِلاَّ المنهج فإنَّ صاحبه قبل الدولة المذكورة، وإنَّما كان أدركها في زمانه، وهو القاضي الأكبر للإمام ناصر بن مرشد.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «لأبي عمرو عثمان»، وَهُوَ أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني المتوفَّى خلال القرن السادس الهجري،أحد الأعلام البارزين، ممن جازت عليه سلسلة نسب الدين. انظر: الدرجيني:طبقات،ج2/ص483-485. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية(النسخة التجريبية)،ج4/ص522،تر687.
(2) - ... كذا شهر عنه، والذي يظهر أنَّه إِنَّمَا ألِّف قبله، انظر: مصطفى شريفي: التراث العقدي لإباضية المغرب (مرقون).
(3) - ... انظر: تقييد كتب أصحابنا.
(4) - ... حقَّقها الدكتور عمرو خليفة النامي، بعنوان: أجوبة ابن خلفون سنة1972.
(5) - ... حققه الأستاذ:إبراهيم محمَّد طلاي،بعنوان: طبقات المشائخ بالمغرب. (2/287)
صفحة 788
وكذلك لم أذكر العلماء الذين بعد هذه الدولة لا من أهل المشرق ولا من أهل المغرب إِلاَّ ما أشرت اليه من بعض الشروح لبعض الكتب القديمة أو نحو ذلك، كاختصار الإيضاح؛ وإنَّ فيما تركت من الكتب المتأخِّرة لشيئا يذهل العقول، ويحيِّر الأفكار من كتب التفسير والحديث والأصول والكلام والفقه والأدب وغير ذلك من الفنون الكثيرة، وإنَّما لم أذكر شيئًا من ذلك لأنَّ الطاعن قد طعن علينا في زعمه بكثرة التآليف عند المتأخِّرين منَّا دون المتقدِّمين، حتَّى عدَّ ذلك من أشراط الساعة حيث اطَّلع على ما لم يطَّلع عليه من قبل، فلذا ذكرت له ما أمكن ذكره من الكتب القديمة دون غيرها، وأكثر ما ذكرنا سابق على تأليف كتب مذهبه التي يفتخر بها، ثمَّ إنَّا نقول له: إن كان كثرة التأليف من أشراط الساعة كما زعمت، فإنَّكم قد شاركتمونا في ذلك أيضًا.
وإن كان افتخارك بكثرة الكتب التي نشرتها المطابع فليست كلُّها لأهل مذهبك، وإنَّما لهم البعض منها، ثمَّ إنَّ منها ما تمجُّه الأسماع، وتفرُّ عنه الطباع، ويتحاشى عن النطر فيه أهل المرواث (1) ، كرجوع الشيخ إلى صباه. والإيضاح في النكاح للسيوطي وما كان في مثل هذا المعنى، وهي كثيرة لا تحصى عددًا، فإن كان الافتخار بهذا ونحوه فمذهبنا ــ بحمد الله ــ خال منه، ونحن نسقط عدالة القارئ فيه فكيف بالمؤلِّف؟ فبئس الفخر.
وأمَّا الكتب الجليلة القدر فإنَّها هي من كثرة أهل المذاهب، إذ ليست لأهل مذهب واحد. ولو لم يكن لنا من المؤلَّفات شيء لكان جوابنا له أن نقول: ليس العلم في الدفاتر وإنَّما العلم في الصدور، قال الله تعالى: {بل هو آياتٌ بيِّناتٌ في صدور الذين أوتوا العلم} (2) ، ولم يقل: “في دفاترهم”. ولله درُّ القائل:
إذا لم تكن حافظا ... واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع
أتنطق بالجهل في ... مجلس ... وعلمك في البيت ... مستودع
وقال آخر:
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «المروءات».
(2) - ... سورة العنكبوت: 49. (2/288)
صفحة 789
علمي معي حيث ما يمَّمت ... يتبعني ... بطني وعاء له لا بطن صندوق
إن كنت في البيت كان العلم فيه ... معي ... أو كنت في السوق كان العلم في ... السوق
ولم يكن في صدور الإسلام من الصحابة تأليف، بل كانت الرجال تنقل أحكام الشريعة من صدورهم، وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنَّة بما تلقّوه من صاحب الشرع وأصحابه، وكانوا يسمَّون المختصين بحمل ذلك، ونَقَله القرَّاء، فهم قرَّاء كتاب الله سبحانه وتعالى، والسنَّة المأثورة التي هي من غالب موارده تفسير له وشرح، وقد كره بعضهم كتابة العلم، واستدلَّ بما روى عن أبي سعيد الخدري أنَّه استأذن النبيءe في كتابة العلم فلم يأذن له، وروى عن ابن عبَّاس أنَّه نهى عن الكتابة وقال: إِنَّمَا ضلَّ من كان قبلكم بالكتابة.
وجاء رجل إلى عبد الله بن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما فقال: «إنِّي كتبت كتابا أريد أن أعرض (1) عليك» فلمَّا عرض عليه أخذ منه ومحاه بالماء؛ وقيل: له لماذا؟ فقلت: قال: «لأنَّهم إذا كتبوا اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ، فيعرض للكتاب عارض فيفوت علمهم»، قالوا: والكتاب مِمَّا يزاد فيه وينقص ويغيَّر، والذي حفظ لا يمكن تغييره، لأنَّ الحافظ يتكلَّم بالعلم.
ولو لم يكن لنا شيء من التآليف أصلا لكان لنا حجَّة بهذا السلف الصالح، ولو كان لنا من الكتب شيء يسير فقط لاحتججنا عليهم بقول ابن خلدون في مقدِّمة تاريخه حيث قال: «اعلم أنَّه مِمَّا أضرَّ بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التأليف، واختلاف الاصطلاحات في التعليم وتعدُّد طرقها، ثمَّ مطالبة العلم والتلميذ باستحضار ذلك، وحينئذ يسلم له منصب التحصيل، فيحتاج المتعلِّم إلى حفظها كلِّها أو أكثرها ومراعاة طرقها، ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرَّد لها، فيقع القصور ولا بدَّ دون رتبة التحصيل».
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «أعرضه». (2/289)
صفحة 790
هذا كلامه، مع أنَّا نعترف بأنَّ ضبط العلوم قد كان بعد زمان الصحابة في الكتابة لقوله e: «العلم صيد والكتابة قيد، قيِّدوا رحمكم الله تعالى علومكم بالكتابة...» (1) الحديث؛ ولأنَّ الصحابة قد تفرَّقوا بعد انتشار الإسلام في غالب البلدان، وصعب النقل عن كثير منهم، وحدثت الفتن واختلاف الآراء، وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء، وكان ذلك مانعا لكثير من الناس لتحصيل العلوم، ومن هاهنا احتيج إلى التدوين وتقييد العلوم بالكتابة، فكان في ذلك مصلحة عظيمة، وكان لنا منه الحظُّ الأوفر والنصيب الأكبر، وإن خفي ذلك على المخالف؛ وما أحسن قول القائل:
وإذا خفيت على الغبيِّ ... فعاذر ... أن لا تراني مقلة ... عمياء
__________
(1) - ... في سنن الدارمي، كتاب المقدِّمة، رقم 491 موقوفا على أنس بن مالك، وفي رقم 497 و498 موقوفا على عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ولفظ هذا الأخير: «أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثَّقَفِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «قَيِّدُوا هَذَا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» (2/290)
صفحة 791
ولولا خوف الإطالة لذكرت لك من براهين المذهب وكراماته ما يدهش العقول، ولئن يسَّر الله تعالى بمنِّه وأطال في العمر بفضله لأضعنَّ سيرة تشمل على منشإ هذا المذهب من أصله، وتكشف عن فرعه وفصله، وتنبئ عن استقامته وعدله، من أوَّل الزمان إلى آخره حتَّى يرى الغرُّ الجهول أنَّ مذهبنا على سيرة رسول الله e ،وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله ربِّ العالمين حمدا كثيرا طيِّبا مباركا فيه كما يحِبُّ ربَّنا ويرضى، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم، ما شاء الله لا قوَّة إِلاَّ بالله، لا ملجأ من الله إِلاَّ إليه، {ربَّنا اغفِر لنا ذُنُوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا وثَبِّت أقدامَنا وانصُرنا على القومِ الكافرين} (1) .
هذا آخر ما يسَّر الله كتابته في هذه الرسالة اليسيرة في ليلة إحدى وعشرين من شهر جمادى الأولى من سنة 1323. وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وسلم.
تمَّ ما أردنا نقله من هذه الرسالة المسماة بـ“اللَّمعة المرضية من أشعة الإباضيَّة”، لمؤلِّفها سيِّدي نور الدين أعلى الله مقامه ومقامنا، ورفع الله منارنا، آمين.
ونحن الآن نذكر خاتمة بعدما سبقت تكلمة للفائدة:
ولمَّا مات جابر بن زيد ودفن قال قتاده وكان ضريرا: «أدنوني من قبره»، فأدنَوه ومسَّه، فقال: «اليوم مات عالم العرب».
وعن ابن عبَّاس أنَّه قال t: «جابر بن زيد أعلم الناس». وقال: «عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد، لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه».
__________
(1) - ... سورة آل عمران: 146. (2/291)
صفحة 792
قال أبو عبد الله: «جابر بن زيد أعلم من الحسن البصري، ولكن كان جابر لقوم والحسن للعامَّة»، يعني أنَّ جابرا له بعض اختصاص لأصحابنا، وبعض الناس تفطن إمام أصحابنا، فلعلَّ هذا البعض لا يأتيه، والحسن لعامَّة الناس لم ينسب له اختصاص، وكلٌّ منها يعظ ويفتي؛ وما يروى عن الحسن كثيرا جدًّا في الفتوى في الأحكام وغيرها، مثل جابر بن زيد ومواعظ الحسن أكثر.
ويروى أنَّه روى عن جابر بن زيد قتادةُ وأيُّوب.
وروي أنَّه قال: «أدركت سبعين رجلا من أهل بدر فحويت ما عندهم من العلم إِلاَّ البحر ــ يعني ابن عبَّاس ــ فلم أستفرغ ما عنده من العلم». وقال: «أدركت جماعة من الصحابة فسألتهم: “هل يمسح رسول الله e على خفَّيه؟” فقالوا: “لا”.
وإذا كان عدد من لقيهم من أهل بدر مع قلَّة من شهدها سبعين رجلاً فما ظنُّك بمن لقيه من الصحابة؟.
والراوون من قومنا عن جابر بن زيد عمرو بن دينار وهو أشدّ شهرة، وقتادة ومن معه أو بعده. وأمَّا من أصحابنا فأبو عبيدة راوي المسند، وهو أشد شهرة، وضمَّام بن السائب، وأبو نوح، وحيَّان الأعرج وغيرهم، وكلُّهم علماء مجتهدون.
خاتمة ختمت بها المدوَّنة الكبرى من غيرها
في اجتماع الصدِّيق والفاروق وأمين الأمَّة على معاتبة عليٍّ، إذ قعد أوَّلاً عن مبايعة الصديق، وأنَّه لعلَّه يفسد أن يستخلف، وفيها ذكر بعض عظم شأنهما لجواز ذلك عند الحاجة إليه في الدين: (2/292)
صفحة 793
عن أبي حيَّان عليِّ بن محمَّد التوحيديِّ البغداديِّ: سمرنا ليلة عند القاضي أبي حامد أحمد بن بشير المرزي العامري، في دار أبي حسَّان في شارع المازبان، فتصرَّف الحديث بنا كلَّ متصرَّف، وكان أبو حامد ــ والله ــ معنًّا مفنًّا مخلطًا مزيلاً غزير الرواية، لطيف الدراية، له في كلِّ جوٍّ منتفس، ومن كلِّ نار مقتبس، فجرى حديث السقيفة وشأن الخلافة، فركب منَّا متنًا، وقال قولاً، وعرض بشيء ونزع إلى فنٍّ؛ فقال: «هل فيكم من يحفظ رسالة أبي بكر الصديق t إلى عليِّ بن أبي طالب وجوابَ عليٍّ له، ومبايعته إيَّاه عقب المناظرة؟»، فقالت الجماعة التي بين يديه: «لا والله»، قال: «هي من بنات الحقاق، ومخبَّآت الصناديق في الخزائن، ومذ حفظتها ما رويتها إِلاَّ للمهلَّبي أبي محمَّد في وزارته، وكتبها عنِّي في خلوة»، وقال: “لا أعرف على وجه الأرض رسالة أعقل منها ولا أبين، وإنَّها تدلّ على حلم وفصاحة وفقاهة ودهاء ودين، وبُعد غور، وشدِّ غوص”.
فقال أبو بكر العبداني: “أيُّها القاضي لو أتممت المنَّة بروايتها سمعناها، ونحن أوعى لها عندك من المهلَّبيِّ، وأوجب ذماما عليك” فاندفع وقال: حدثنا الخزاعي بمكَّة قال: حدثنا ابن أبي ميسرة، حدثنا محمَّد بن فليح، نبّأ عيسى بن دأب، نبّأ صالح بن كيسان ويزيد بن رومان، وكان معلِّم عبد الملك بن مروان. (2/293)
صفحة 794
قالا حدثنا مشام (1) بن عروة نبأ أبو النفاح مولى أبي عبيدة بن الجرَّاح، وروى هذا الحديث وكان له عليه جرأة ظاهرة، وكان من محفوظاته القديمة، فلمَّا كان بعد ذلك بدهر ذاكرنا بأحرف من هذه الرسالة ابن مروان، وكان نسيج وحده حفظا وبيانا واتِّباعاً، فعرفناه انَّ الحديث عندنا من جهة أبي حامد، فزعم أنَّ أستاذه ابن شجرة أحمد بن كامل القاضي سوَّده ولم يكن فيه صالح بن كيسان، وذكر مولى أبي عبيدة أبا النفاح ــ بالنون والفاء ــ وخالف في أحرف وأنا أكرِّر على الرسالة والحديث بعد ذكرهما، وأسمِّي حرفا حرفا مِمَّا وقع فيه الخلاف على جهة التصحيف أو على جهة التحريف، على أنِّي ما سمعت حديثًا في طوله وغرابته بأحسن سلامة منه، وإنَّما ذلك لأنَّه صار إلينا من رواية هذين الشيخين العلاَّمتين، وكان سماعنا من أبي حامد سنة ستِّين، ومن أبي منصور سنة خمس وسبعين، قال أبو حامد: قال أبو النفاح: سمعت أبي عبيدة بن الجراح يقول:
«لمَّا استقامت الخلافة لأبي بكر بين المهاجرين والأنصار، ولُحِظ بعين المهابة والوقار؛ وإن كان لم يزل بعد ذلك في هنة كاده الشيطان بها فدفع الله تعالى شرّها ودحض عرَّها، ويسّر خيرها، وأزاح ضيرها، وردّ كيدها، وقصم ظهر النفاق والفسوق من أهلها.
لمَّا بلغ أبا بكر الصديق t عن عليٍّ تلكُّؤ وشماس، وتهمهم ونفاس؛ وكره أن يتمادى الحال وتبدو العداوة، وتنفرج ذات البين، ويصير ذلك دربة لجاهل مغرور، أو عاقل ذمي دهاء، أو صاحب سلامة ضعيف القلب خوار العنان.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، لعل الصواب «هشام» . (2/294)
صفحة 795
دعاني فحضرته وعنده عمر بن الخطاب وحده، وكان يرمل أرضه بالسرجين، وكان عمر قبسًا له، ظهيرًا معه، يستضيء برأيه، ويستملي على لسانه، فقال: يا أبا عبيدة، ما أيمن ناصيتك، وأبين الخير بين عينيك وعارضيك، ولقد كنت من رسول الله e بالمكان المحوط، والمحلِّ المغبوط، ولقد قال فيك في يوم مشهود: «أبو عبيدة أمين هذه الأمَّة» (1) ، وطالما أعزَّ الله بك الإسلام وأصلح فساده على يديك، لم تزل للدين ملجأً، وللمؤمنين دوحًا، ولأهلك ركنا، ولإخوانك ردءًا، قد دعوتك لأمر له ما بعده خطره، مخوف وصلاحه معروف، وإن لم يندمل جرحه بمسيرك، ولم تستجب حتيه (2)
__________
(1) - ... رواه البخاري، في المغازي، رقم 4029، بلفظ: «حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ e يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ قَالَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا، قَالَا: إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا، فَقَالَ لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ، فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ e فَقَالَ: «قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ» فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ»
(2) - ... كذا في الأصل. وكتب فوقها: «لعلَّه: راحتيه».. (2/295)
صفحة 796
لرقيتك، فقد اليأس، وأعضل البأس، واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمرُّ من ذلك، وأعلق وأعسر منه وأغلق، واللهَ أسأل تمامه به، ونظامه على يديك، فَتَأَتَّ له يا أبا عبيدة، وتلطَّف فيه، وانصح لله ولرسوله e ولهذه العصابة، غير آل جهدًا، أو لا قال: جدًّا (1) ، والله كالِئُك وناصرك وهاديك ومبصِّرك، وبه الحول والتوفيق.
اِمض إلى عليٍّ، واخفض جناحك له، واغضض من صوتك عنده، واعلم أنَّه من سلالة أبي طالب، ومكانه مِمَّن فقدناه أمس e مكانه، وقل له: البحر مفرقه، والبرُّ مغرقه، والجوُّ أكلف، والليل أغلف، والسماء جلوًا والأرض صلعا (2) ، والصعود متعذِّر، والهبوط متعسِّر، والحق رؤوف عطوف، والباطل شنوف عنوف، والضغن رائد البوار، والتعريض شجار الفتنة، والثقة ثقوب العداوة، وهذا الشيطان متَّكئ على شماله، متحيِّل يمينه، نافخ حضنيه لأهله، ينتظر الشتات والفرقة، ويدبُّ بين الأمَّة بالشحناء والعداوة، عنادًا لله عزَّ وجلَّ ولرسوله e ولدينه، ناكبًا يوسوس بالفجور، ويدلي بالغرور، ويمنِّي أهل الشرور، ويوحي إلى أوليائه بالباطل، دأباً له منذ كان على عهد أبينا آدم e، وعادة منه، أهانه الله عزَّ وجلَّ في سالف الدهر، لا ينجوا منه إِلاَّ بعض الناجدين على الحقِّ، وغضّ الطرف عن الباطل، ووطء هامة عدوِّ الله وعدو الدين بالأشدِّ فالأشدِّ، والأجدِّ فالأجدِّ، وإسلام النفس لله عزَّ وجلَّ فيما يرضاه وجنب سخطه.
__________
(1) - ... كذا في الأصل.
(2) - ... كذا في الأصل مع شكل كلمة “جلوًا”، والصواب: «جلواء، والأرض صلعاء»، انظر شرح الكلمات للمصنِّف في آخر هذه الرسالة. (2/296)
صفحة 797
ولا بدَّ الآن من قول إذا ضرَّ السكوت وخيف غبُّه، ولقد أرشدك من أفاد ضالَّتك، وصافاك من إحياء مودَّته لك بعتابك، وأراد الخير بك من آثر البقاء معك؛ ما هذا الذي تسوِّل لك نفسك، ويدوى به قلبك، ويلتوي به عليك رأيك، ويتخاوص دونه طرفك، ويسري فيه ظعنك، ويترادُّ معه نفسك، وتكثر معه صعداؤك، ولا يغيض به لسانك، أَعُجمة بعد إفصاح؟ أتلبيس بعد إيضاح؟ أدين غير دين الله عزَّ وجلَّ؟ أخلق غير خلق الله عزَّ وجهه؟ أهُدًى غير هدى النبيء e؟ أمثلي يمشي له الضراء، أو تدب إليه الحمراء؟ أم مثلك ينقبض عليه الفضاء؟ أو ينكسف في عينه القمر؟ ما هذه القعقعة بالشنان؟ وما هذه الوعوعة باللسان؟ (2/297)
صفحة 798
إنَّك جدّ عارف باستجابتنا لله عزَّ وجلَّ ولرسوله u، وخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا، وأحبتنا، هجرةً إلى الله تعالى عزَّ ذكره، ولنصرة نبيِّه e، في زمان أنت في كنِّ الصبا، وخدر الغرارة، غافل عمَّا يشيب ويريب، لا تدري ما يشاد ويراد، ولا تحصل ما يساق ويفاد، سوى ما أنت جار عليه إلى غايتك التي إليها عدى بك، وعندها حط رحلك، غير مجهول القدر، ولا محجول الفضل؛ ونحن في أثناء ذلك نعاني أحوالاً تزيل الرواسي، ونقاسي أهوالاً تشيب النواصي، خائضين غمارها، راكبين تيَّارها، نجترع صابها، ونشرح عيابها، ونتبلغ (1) عبابها، ونحكم (2) أساسها، ونهزم (3) أمراسها، والعيون تحدج بالجسد، والأنوف تعطس بالكبر، والصدور تستعرُّ بالغيظ، والأعناق تتطاول بالفخر، والشفار تشحد بالمكر، والأرض تميد بالخوف؛ ولا ننتظر عند المساء صباحاً، ولا عند الصباح مساءً، ولا ندفع في نحر أمر لنا إِلاَّ بعد أن نحسو الموت دونه، ولا نتبلغ إلى شيء إِلاَّ بعد جرع الغصص معه، ولا نقوم بنادٍ إِلاَّ بعد اليأس من الحياة عنده، فادين في كلِّ ذلك لرسول الله e بالأب والأمِّ والخال والعمِّ والنشب والسبد والهبد والهلة والبلة، بطيب نفس، وقرور عين، ورحب أعطان، وثبات عزائم، وصحَّة عقول، وطلاقه وجه، وذلاقة ألسُنٍ؛ هذا إلى خفيات أسرار، ومكنونات أخبار، كنتَ عنها غافلاً، ولَوْ[لا] سنك لم تكن عنها ناكلاً، كيف وفؤادك مشهوم، وعودك معجوم، وغيبك مخبور، والقول فيك كثير؛ والآن قد بلغ الله بك وارض (4) الخير لك، وجعل مرادك بين يديك؛
__________
(1) - ... كذا في الأصل. وكتب فوقه بقلم مجهول: «بتبلُّغ».
(2) - ... كتب فوقه بقلم مجهول: «وبتحكم».
(3) - ... كذا في الأصل. وكتب فوقه بقلم مجهول: «وبنهزام».
(4) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب و« رضي ». (2/298)
صفحة 799
وعن علم أقول ما تسمع، فارتقب زمانك، وقلِّص إليه أردانك (1) ، ودع التجسُّس والتعسُّس لمن لا يطلع إليك إذا أخطى، ولا يتزحزح عندك إذا أعطى؛ فالأمر غضٌّ، والنفوس فيه مضٌّ، وإنَّك أديم هذه الأمَّة، فلا تحكم لجاجا، وسيفها العضب فلا ينبو اعوجاجاً، وماؤها العذب فلا تحيل أجاجا.
والله لقد سألتُ رسول الله e عن هذا الأمر فقال لي: «يا أبا بكر هو لمن يرغب عنه، لا لمن يرغب فيه ويجاحش عليه، ولمن تضاءل له لا لمن تنفخ إليه ولمن يقال: “هُوَ لَكَ” لا لمن يقول: “هُوَ لي”». والله لقد شاورني رسول الله e في الصهر فذكر فتيانا من قريش، فقلت: أين أنت من عليٍّ؟ فقال: «إني لا أكره لفاطمة ميعة شبابه، وحداثة سنِّه».
فقلت له: متى كنفته يدك، ورعته عينك، حفَّت به البركة، وسبغت عليهما النعم، مع كلام كثير خطبت به عنك، ورغبته فيك وما كنت عرفت منك في ذلك جوجا (2) ولا لوجا فقلت ما قلت، وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة سواك، وكنت لك إذ ذاك خيرا منك الآن لي، ولئن كان عرض بك رسول الله e فقد كنَّى عن غيرك؛ وإن كان قال: فيك فما سكت عن سواك؛ وإن يختلج في نفسك شيء فهلمَّ، فالحكم مرضيٌّ، والصواب مسموع، والحقُّ مطاع.
ولقد نقل رسول الله e إلى ما عند الله عزَّ وجلَّ وهو عن هذه العصابة راض، وعليها حدب (3) يسرُّها ما يسرُّها، ويكيدها ما كادها، ويرضيه ما أرضاها، ويسخطه ما أسخطها؛ ألم تعلم أنَّه لم يدع أحدا من أصحابه وخلطائه وأقاربه وسجرائه (4) إِلاَّ أبانه بفضيلة، وخصَّه بمكرمة، وأفرده بجلالة، لو أصفقت الأمَّة عليه لكانت عنده إيالتها وكفالتها وكرامتها وغزارتها.
__________
(1) - ... الرٌّدْن:بالضم أصل الكُم، يقال: قميص واسع الرُّدن. أنظر: الرازي: مختار الصحاح،ص240.
(2) - ... كذا في الأصل.
(3) - ... الحَدَب: ماارتفع من الأرض. أنظر: الرازي: مختار الصحاح،ص 125.
(4) - ... كذا في الأصل. (2/299)
صفحة 800
أتظنُّ أنَّه e ترك الأمَّة نشرى سدًى، وبرد أعدى (1) ، فيا هل طلاحي مفتونة بالباطل؟ مغبونة عن الحقّ؟ لا زائد، ولا حائط، ولا ساقي، ولا راقي، ولا هادي، ولا حادي، كلاَّ والله، ما اشتاق إلى ربِّه تعالى، ولا سأله اللحوق إلى رضوانه حتَّى ضرب الصوى، وأوضح الهدى، وآمن المطارح والمهالك، وسهَّل المبارك والمهايع، حتَّى شدخ يافوخ الشرك بإذن الله عزَّ وجلَّ، وشرم وجه النفاق لوجه الله تعالى جَدُّه، وجَدَع أنف الفتنة في ذات الله تبارك اسمه، وثقل في وجه الشيطان بعون الله عزَّ وجلَّ ذكره، وصدع بملء فيه ويده أمر الله عزَّ وجلَّ.
وبعدُ، فهؤلاء المهاجرون والأنصار عندك ومعك في دار واحدة، وبقعة جامعة، إن استقالوني لك وأشاروا عندي بك، فأنا واضع يدي في يدك، وصائر إلى رأيهم فيك؛ وإن تكن الأخرى فادخل فيما دخل المسلمون فيه، وكن العون على مصالحهم، والفاتح لمغالقهم، والمرشد لضالِّهم، والرادع لغاويهم، فقد أمر الله عزَّ وجلَّ بالتعاون على البرّ والتقوى، وأهاب إِلىَ التناصرعلى الحقِّ؛ ودعنا نقضي هذه الحياة الدنيا بصدور بريئة من الغلِّ، ونلقى الله عزَّ وجلَّ بقلوب سليمة من الضغن.
وبعدُ، فالناس ثمامة، فارفق بهم، واحن عليهم، ولِنْ لهم، ولا تشقِ نفسك بنا خاصّة فيهم، واترك ناجم الحقد حصيدا، وطائر الشر واقعا، وباب الفتنة غلقا، فلا قال ولا قيل، ولا لوم ولا تبيع، والله عزَّ وجلَّ على ما نقول وما نحن عليه نصير».
قال أبو عبيدة: فلمَّا تهيَّأتُ للنهوض قال لي عمر: كن لدى الباب هنيَّة، فلي معك درٌّ من القول، فوقفت ولا أدري ما كان بعدي، إِلاَّ أنَّه لحقني ووجهه يندى تهلُّلا وقال: “قل لعليٍّ: الرقاد محلمه، واللجاج ملخمه، والهوى مقحمه؛ وما منَّا أحد إِلاَّ وله مقام معلوم، وحق مشاع أو مقسوم، ونبأ ظاهر أو مكتوم؛
__________
(1) - ... كذا في الأصل. (2/300)
صفحة 801
وإنَّ أكيس الكيس من منح الشارد تألُّفا، وقارب البعيد تلطُّفاً، ووزن كلَّ امرء بميزانه، ولم يخلط خبره بعيانه، ولم يجعل فتره مكان شبره؛ ولا خير في معرفة مشوبة بنكرة، ولا في علم معتل في جهل، ولسنا كجلدة رقع البعير بين العجان والذنب، وكلٌّ صالٍ فَبِنَارِهِ، وكل سيْل فإلى قراره؛ وما كان سكوت هذه العصابة إِلىَ هذه الغاية لعى وشى (1) ، وكلامها اليوم لفتق أو رتق، قد جدع الله لمحمَّد e أنف كلِّ ذي كبر، وقصف ظهر كلِّ جبَّار، وقطع لسان كلِّ كذوب؛ فماذا بعد الحقّ إِلاَّ الضلال.
ما هذه الخزوانة (2) التي في فراش رأسك؟ وما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك؟ وما هذه الوحرة (3) التي أكلت شبر أُسيفك؟ والقذاة التي أعشت ناظرك؟ وما هذا الدخس والداس اللذان يدلاَّن على ضيق الباع، وخور الطباع؟ وهذا الذي لبست بسببه جلد النمر، واشتملت عليه بالشحناء والنكر، لشد ما استسعيت إليها، وسريت سرى ابن أنقد إليها.
إنَّ العوان لا تعلم الخمرة، وإنَّ الحصان لا تكلم خبره، وما أحوج الفرعاء إلى قالٍ، وما أحوج الصلعاء إلى حالٍ.
__________
(1) - ... كذا في الأصل.
(2) - ... كذا في الأصل.
(3) - ... الوَحَر:الغل، وفي الحديث « يذهب بوحَر الصدر». أنظر: الرازي: مختار الصحاح،ص 712. (2/301)
صفحة 802
لقد خرج رسول الله e والأمر مجسس ليس لأحد فيه ملمس ولا مائس، ولم يسيِّر فيك قولاً، ولم يستنزل فيك قرآنا، ولم يجزم في شأنك حكماً، ولسنا في كسروية كسرى، ولا قيصريَّة قيصر، ليست الخلافة مِمَّا يوصى فيه شحًّا عليها وتملكا، أو يورث تانك (1) لأخدان فارس وأبناء الأصفر، قوما جعلهم الله عزَّ وجلَّ جزرًا لسيوفنا ولرماحنا، ومرمى لطعاننا وتعبا (2) لسلطاننا، بل نحن في نور نبوَّة، وضياء رسالة، وثمرة حكمة، وأثر رحمة، وعنوان رحمة، وظلِّ عصمة، بين أمَّة مهديَّة بالحقِّ والصدق، مأمونة على الفتق والرتق، لها من الله عزَّ وجلَّ قلب أبيٌّ من خلقه، وساعد قويٌّ، ويد ناصرة، وعين باصرة.
أتظنُّ أنَّ أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتاً على هذه الأمَّة خادمًا لها، متسلطاً عليها؛ أتُراه امتلخ (3) أحلامها، وأزاغ أبصارها، وحلَّ عقدها، وأحال عقولها، وأستلَّ من صدورها حميِّتها، وانتزع من أكبادها عصبيَّتها، وأنكث رشاها، وانتضب ماءها، وأضلَّها عن هداها، وساقها إلى رداها، وجعل نهارها ليلاً، ووزنها كيلاً، ويقظتها رقادًا، وصلاحها فسادًا، إن كان هذا فسحره مبين، وكيده متين؛
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والنون منقوط من فوق ومن تحت: «تابك».
(2) - ... في الهامش: «كذا في الأصل» ولعلَّ الصواب «تبعا».
(3) - ... كذا في الأصل. (2/302)
صفحة 803
كلاَّ والله! بأيِّ خيل ورجل؟ وبأيِّ سنان ونصل؟ وبأيِّ قوَّة؟ وبأيِّ دخر وعدَّة؟ وبأيِّ أيد شدَّة؟ وبأيِّ عشيرة أسرة؟ وبأيِّ تدرُّع وبسطة؟. لقد أصبح عبدك بها وسمته منيع العقبة، رفيع العتبة، لا والله، ولكن سلا عنها، فولهت إليه، وتطامن لها، ولصقت به، فمالت إليه، واشتمل دونها فاشتملت عليه، حبوة حباه الله بها، وعقبة بلَّغه الله عزَّ وجلَّ إيَّاها، ونعمة سربله الله جمالها، ويدًا أوجب عليه شكرها، وأمة نظر الله به لها، لطالما حلقت فوقه أيَّام رسول الله e وهو لا يلتفت لفتها، ولا يرتصد وقتها، والله أعلم بخلقه، وأرأف بعباده، يختار ما كان لهم الخيرة.
وإنَّك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوَّة، ومعدن الرسالة، وكهف الحكمة، ولا يجحد حقَّك فيما أتاك ربُّك، ولكن لك من يزاحمك يمنكب أضخم من منكبك، وقرب أمسَّ من قربك، أعلى من سنِّك، وشيبة أروع من شيبتك، وسادة لها عرف في الجاهليَّة، وفرع من الإسلام والشريعة، ومواقف ليس لك فيها من جمل ولا ناقة، ولا تذكر منها في مقدِّمة ولا ساقة، ولا تضرب فيها بدراع ولا أصبع، ولا تخرج منها ببازل ولا هبع؛ فإن عذرت نفسك فيما تهدر به شقشتك من صاغيتك، فاعذرنا فيما تسمع منَّا بلين وسكون، مِمَّا لا تبعده منه، ولا تناشله عليه، ولئن خزيت بهذا نفسك لينتخشنَّ عليك ما يسنيك (1) الأولى، ويلهيك عن الأخرى، ولم علم من ضنابه بما في أنفسنا له وعليه لما سكن ولاتخذت أنت إلى بعض الأرب.
فأمَّا أبو بكر فلم يزل حبّه سويداء قلب رسول الله e، وعلاقة همِّه، وعيبة سرِّه، ومثوى حربه، ومفزع رأيه ومشورته، وراحة كفِّه، ومرمق طرفه؛ وذلك كلُّه بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والأنصار؛ وشهرته مغنية عن الدلالة عليه.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ينسيك». (2/303)
صفحة 804
ولعمري إنَّك أقرب إلى رسول الله e قرابة، ولكنَّه أقرب قُربة، والقَرابة دمع ودم، والقُربة روح ونفس، وهذا فرق قد عرفه المؤمنون، وكذلك صاروا أجمعين».
أجمعين هنا ليست التي يراد بها التوكيد، إِنَّمَا هي المستعملة في قول العرب: «جاء القوم بأجمعهم»، وكان (1) الأصمعيُّ: إِنَّمَا بأجمُعهم بضمِّ الميم، لأنَّ المفتوحة الميم لا تضاف، ولا تكون إِلاَّ مؤكِّدة.
وخالفه ابن الأعرابيِّ، فأجاز فتح الميم، وقال: «ليست هذه تلك، كما أنَّ “كلاًّ” المستعملة في قولنا: “كلُّ القوم ذاهب”، ليست المستعملة في قولنا: “مررت بالقوم كلِّهم”» (2) .
«ومهما شككت فيه فلا تشكّ في أنَّ يدَ الله مع يد الجماعة، ورضوانه لأهل الطاعة، فادخل فيما هو خير لك اليوم، وأنفع لك غدا، والفظ مِن فيك مَن (3) تعلَّق بلهاتك، وأنفث بخيمة صدرك عن ثقاتك، فإن يكن في الأمد طول، وفي الأجل فسحة فستأكله مريئا أو غير مريء، وتشربه هنيئا أو غير هنيء، حين لا رادَّ لقولك إِلاَّ من كان منك، ولا تابع لك إِلاَّ من كان طامعاً فيك، يعض إهابك، ويفرى قادمتك، ويزرى على هديك، هنالك تفزع السنُّ من ندم، وتجرع الماء ممزوجاً بدم، وحينئذ تأس على ما مضى من عمرك، ودارج قومك، فتودّ أن سقيت بالكأس التي أبيتها، ورددت للحال التي أسبرتها، ولله فينا وفيك أمر هو بالغه، وغيب هو شاهده، وعافية هو المرجو لضرَّائها وسرَّائها، وهو الوليُّ الحميد، الغفور الودود».
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وقال».
(2) - ... يبدو أنَّ هذه الفقرة من إضافة المؤلِّف تعليقا عَلَى كلمة “أجمعين” في الرسالة، ليستأنف نصَّها في الفقرة التالية.
(3) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «ما». (2/304)
صفحة 805
قال أبو عبيدة t: «فمشيت مزمَّلاً أتوجَّأ كما مشيت على أمِّ رأسي فَرقًا من الفرقة، وشفقا على الأمَّة، فوصلت إلى علي في خلوة فأبثثته بثِّي كلَّه، وبرئت إليه منه، ورفقت إليه، فلمَّا سمعها ووعاها، وسَرت في أوصاله حمياها، قال: «حلت معلوطة، وولت مخروطة، حل لا حليت النفس، أدنى لها من قول لعا (1) إحدى لياليك، فهيسى هيسى، لا تنعمي الليلة بالتعريس، نعم يا أبا عبيدة، أكُلُّ هذا في أنفس القوم يحثُّون عليه ويطيعون به؟».
قال أبو عبيدة: «لا جواب لك عندي، إِنَّمَا ناقض حقّ الدين وراتق فتق الإسلام للمسلمين، وسادٌّ ثلمة الأمَّة، يعلم الله ذلك من خلجان قلبي، وقرارة نفسي».
قال عليٌّ: «والله ما كان قعودي في كسر هذا البيت قصدا للخلافة، ولا إنكارا للمعروف، ولا رزاية على مسلم، بل لمَا وقدني به رسول اللهe بفراقه، وأردعني من الحزن يفقده، وذلك أنِّي لم أشهد بعده مشهدا إِلاَّ جدَّد لي حزنا، وذكَّرني شجوًا؛ وإنَّ الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره، فقد عكفت على عهد الله تعالى أنظر فيه، وأجمع ما تفرَّج منه، رجاء ثواب معدٍّ لمن أخلص عمله، وسلم لعلمه ومشيئة ربِّه، على أنِّي ما علمت أنَّ التظاهر عليَّ واقع، ولا عن الحقّ الذي سبق إليَّ أدافع، وأنا قد أُفعِمَ الوادي بي، وحشد النادي من أجلي، فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمين، وفي النفس كلام لولا سابق قول، وسالف عهد، لشفيت غيظي بخنصري وبنصري، وخضت لجَّته بأخمصي ومفرقي، لكنِّي ملجم إلى أن ألقى ربِّي عزَّ وجلَّ، وعنده أحتسب ما بي وأنا عادل إلى جماعتكم، ومبايع لصاحبكم، وصابر على ما ساءني وسرَّكم، {ليقضيَ الله أمرًا كان مفعولاً} (2) ، وكان الله على كلِّ شيء شهيدًا».
__________
(1) - ... كذا في الأصل.
(2) - ... سورة الأنفال: 42. (2/305)
صفحة 806
قال أبو عبيدة t: «فعدت إلى أبي بكر وعمر tما، فقصصت القول على عره، ولم أختزل شيئًا من حلوه ومرِّه، وذكرت غدوَّه إلى المسجد؛ ولمَّا كان الصباح وافى عليٌّ فخرق إِلىَ أبي بكر فبايعه، وقال خيرًا، ووصف جميلاً، وجلس زمينًا، واستأذن للقيام ونهض، وشيَّعه عمر تكرمة له، واستبشارا لما عنده.
فقال له عليٌّ: «ما قعدت عن صاحبكم كارهًا له، ولا أتيته فرقا منه، وما أقول ما أقول تعلَّة؛ وإنِّي لا أعرف مسمَّى طرفي ومخطى قدمي، ومنزع قوسي، وموقع سهمي، ولكنِّي قد أزمت على فأسي، ثقة بالله تعالى في الإيالة في الدنيا والآخرة».
فقال له عمر t: «كفكف غربك، واستوقف سربك، فدع العصى بلحائها، والدلاء برشائها، فأنا من خلفها وورائها، إن قدحنا أورينا، وإن منحنا أورينا، وإن جرحنا أدمينا، وإن نصحنا أربينا؛ ولقد سمعت أمانيك التي لغوت بها عن صدر أكل بالجوى، ولو شئت لقلت على قولك ما إذا سمعته ندمت على ما قلته؛
زعمت أنَّك قعدت في كسر بيتك لمَّا وقَدك به رسول الله e بفراقه أفراق رسول الله e، وقدك وحدك ولم يقد سواك، بل مصابه أعزُّ وأعظم من ذلك، فإنَّ من حقِّ مصابه أن لا يصدع شمل الجماعة بكلمة لا عصام لها، ولا يزري على أخيارها بما لا يؤمن كيد الشيطان في عقباها؛ هذه العرب حولنا، واللهِ لو تداعت علينا في مصبح يوم لم نلتق في ممسى.
وزعمت أنَّ الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره، فمن الشوق إِلَيهِ نصر دينه ومؤازرة أولياء الله تعالى جَدُّه ومعاونتهم فيه.
وزعمت أنَّك عكفت على عهد الله عزَّ وجلَّ تجمع ما تبدَّد منه، فمن العكوف على عهد الله تعالى النصيحة لعباده، والرقَّة على خلقه، وبذل ما يصلحون به، ويرشدون به. (2/306)
صفحة 807
وزعمت أنَّك لم تعلم أنَّ التظاهر واقع، ولك عن الحقّ الذي سبق إليك دافع، فأيُّ تظاهر وقع عليك؟ وأيُّ حقٍّ لك يطردونك عنه؛ قد علمت ما قالت الأنصار لك بالأمس سرًّا وجهرًا: منَّا أمير ومنكم أمير، وتقلَّبتَ عليه بطنا وظهرًا، فهل ذكَّرتك أو أشارت لك أو وجدنا لك أو وجدنا رضاها عندك؟
هؤلاء المهاجرون من الذي قال بلسانه: تصلح لهذا الأمر، وأومأ بعينه، أو همهمَ في نفسه، أتظنُّ أنَّ الناس قد ضلُّوا من أجلك وعادوا كفَّارًا زهدًا فيك؟ وباعوا الله سبحانه ورسولهe تحاملاً عليك؟
لا والله، ولكنَّك اعتزلت، أتنتظر الوحي، وتتوكَّف مناجاة مَلَك لك؟
أمر طواه الله عزَّ وجلَّ بعد محمَّد e.
أكان الأمر معقوداً بالشوطة، أو مشدودًا بأطراف ليطة؟ كلاَّ والله، إنَّ الغيابة لملحقة، وإنَّ الشجرة لمورقة، ولا عجماء بعد حمد الله إِلاَّ وقد فَصحَت، ولا عجلاء إِلاَّ وقد سمنت، ولا بلهاء إِلاَّ وقد فطنت، ولا شوكاء إِلاَّ وقد نفحت.
ومن أعجب شأنك قولك: “لولا سابق قول، وسالف عهد، لشفيت غيظي”، وهل ترك الدين لأحد أن يشفي غيظه بيده أو لسانه، تلك جاهليَّة قد استأصل الله عزَّ وجلَّ شأفتها، ودفع عن الناس آفتها، وأقلع جرثومتها، وهوَّرَ ليلَها وغوَّرَ سيلَها، وأبدل منها الروح والريحان، والهدى والبرهان.
وزعمت أنَّك ملجم، فلعمري إنَّه من اتَّقى الله عزَّ وجلَّ، وآثر رضاه، وطلب ما عنده أمسك لسانه، وأطبق فاه، وجعل سعيه لما وراءه». (2/307)
صفحة 808
قال عليٌّ: «والله ما بذلت وأنا أريد قِلَّته، ولا أقررت بما أقررت وأنا أريد حولاً عنه؛ وإنَّ أخسَر الناس صفقة عند الله عزَّ وجلَّ من آثر النفاق، واستحسن الشقاق، وبالله سلوة من كلِّ كارث، وعليه التوكُّل في كلِّ الحوادث، اِرجع يا أبا حفص ناقع القلب، فصيح اللسان، بارد الغليل، فسبح البال، فليس ما سمعته وقلته إِلاَّ ما يشدُّ الأزر، ويحطُّ الوزر، ويضع الأصر، ويحمع الألفة، ويرفع الكلفة، ويوقع الزلفة، بمعونة الله عزَّ وجلَّ وحسن توفيقه».
///
وهذا تفسير ما يخفى:
? المفنُّ: التي (1) يتصرَّف في كلِّ فنٍّ.
? والمخلط: الذي يخلط بعض الأمور ببعض.
? والمزيل: الذي يزيل بعضها عن بعض.
? والمعنَّى: الذي يتصرَّف في كلِّ معنى.
? والجوى: الهوى والحزن، والجوى الناحية من الأرض.
? والتنفُّس: الاستراحة والاتِّساع.
? والسقيفة: سقيفة بني ساعدة التي اجتمع فيها المهاجرون والأنصار حين مات رسول الله e.
? والفنُّ: النوع.
? والمتن في الحديث: نصُّه على وجهه.
? والحقاق: أوعية يجمع فيها الطِّيب والجوهر، والواحد: حقَّة.
? والإغلاق والغوص: الدخول في الأمر الغامض.
? ونسيج وحده: لا نضير له، مأخود من الثوب الرفيع الذي لا مثل له، يجعل له منسج وحده لا ينسج عليه غيره.
? وسَرَد الحديث: قرأه بلا تقديم و لا تأخير، وسَرْدُه: نصُّه ووصل إسناده.
? والهنة: اللطيف من كلِّ شيء.
? ورحض عرَّها: أزال مكروهها، وأصله العرُّ الذي [هو] داء يأخد الإبل.
? والتلكُّؤ: التأخُّر.
? والشماس: النفار.
? والتهمهم: كلام لا يفصح به.
? والنفاس: المنافسة.
? ويرمل: يصلح.
? والسرجين والسرقين: الزبل.
? وتنفرج: تفترق.
? وذات البين: الحال المتَّصلة، قال الله تعالى: {لقد تَقَطَّعَ بينكم} (2) .
? والظهير: المعين الذي يشدُّ به ظهره.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «الذي».
(2) - ... سورة الأنعام: 94. (2/308)
صفحة 809
? ومتثاءة (1) الثائي: الإفساد، وأصله في الخرز أن بثقب الخرزة فتكون مع الأخرى واحدة.
? والمغبوط: ما يتنافس فيه.
? والقبس: عود في طرفه نار، فضرب مثلا لمن يستعان برأيه.
? وخوار العنان: الفرس يصرفه صاحبه كيف شاء ضرب مثل.
? والدوح: الشجر العظيم.
? والردء: العون.
? والمسبار: ما يدخل في الجرح ليعلم كم عمقه.
? غير آلٍ: غير مقصِّر.
? ومغرقة: موضع غرقه.
? ومفرقة: موضع فزعه.
? والجوُّ أكلف: الهواء أغبر.
? وأغلف: شديد الظلمة.
? والسماء جلوءا: ظاهرة النجوم.
? وأرض صلعاء: لا نبات فيها.
? والصَّعود (بالفتح) وصف، و(بالضمِّ) مصدر.
? والتقوب: الحطب وما تشتدُّ النار.
? والقعة: التأخُّر عن الأمر، مِن: “وَقَع الرجلُ” إذا اشتكى لحم قدمه ولم يقدر على المشي.
? شجار الفتنة: خشب الهودج. ضربه مثلاً.
? ويدلي بالغرور: الدخول في الأمر، من “أدلى” بمعنى أدخل الدلو في البئر.
? والشنوف: المبغض.
? والعنوف: الشديد.
? والتالب: الطاعن.
? والضغن: الحقد.
? ورائد البوار: قائد الهلاك.
? ويوحي: يشير.
? والناجد الأضراس.
? وأفاد ضالَّتك: ردَّها.
? والحوص (بالحاء المهملة): ضيق في العين، وبالمعجمة: عور فيها.
? والضعن: النهوض.
? وما يغيض: ما يبين.
? الصعداء: النَّفَس العالي في غيظ.
? والجمر: ما التفَّ من الشجر.
? ويمشي الضرَّاء: يضمر الشرَّ ويعمل فيه حتَّى يجد فرصة، وأصله أن يستتر الصائد حتَّى يرمي الصيد.
? وينقض: يضيق وينغلق.
? الشنآن: العداوة.
? ويوري: يوقد نارًا، ونحوه الشبيب.
? والأثناء: الأعطاف، والواحد ثنًى.
? والغمار: الماء الكثير.
? والأمراس: الحبال التي يستقي بها الماء.
? الصاب: المرُّ.
? وشحد السيف: سنَّه.
? والعباب: الموج.
? والعياب: جمع عيبة، وهي ما خشن من الثياب تطوى فيه الأشياء.
? وتحدج: تنظر.
? وتميد: تتحرك في ميل.
? والسبد: الشعر.
? واللبد: الصوف، والمراد: الإبل والغنم.
__________
(1) - ... كذا في الأصل. (2/309)
صفحة 810
? والهلَّة: الفرج، وما يستن الرجل.
? والدلاقة: الفصاحة.
? والأعطان: مبارِك الإبل عند الماء.
? والمخبور: المجرِّب.
? والرهص: قدم واصل.
? وقلص: شمَّر.
? والأردان: الأكمام.
? والمضُّ: الحرقة.
? واللجاج في الأمر: التلوُّن.
? والأُجاج: ضدُّ العذب.
? ولا يحلم حلم الأديم: وقع فيه السوس.
? والعضب: القاطع.
? ونبأ السيف: ضرب به ولم يقطع.
? ويجاحش: يدافع.
? ويتضاءل: يتصاغر.
? وينثفج: يتفرشح.
? والحوجاء: الحاجة.
? واللوجاء: اتِّباع وتداخل في الأمر.
? ويختلج: يضطرب.
? والشجراء: جمع شجير، وهو الصديق.
? وأصفقت: اجتمعت.
? والأبالة: السياسة.
? والنشر: انتشار الغنم في المرعى فيعدو عليها الذئاب.
? والسدى: المهمل.
? والعداء: الأعداء، والعدى الغرباء.
? والعباهل: الإبل التي لا حافظ لها. والطلاح: التي تكلُّ ولا تقدر على النهوض. والمباهل التي لا تمنع أخلافها فيحلبها كلُّ من أراد.
? وبملء فيه: بكلامه.
? وصدع: أظهر.
? والذائد: الدافع.
? والحائط: الحافظ.
? والحادي: الذي يمشى وراء الإبل ويغنِّي.
? واليافوخ: أصل الدماغ.
? والصوى: علامة تجعل في الطريق يهتدي بها.
? وشدخ: كسر.
? وشرم: شقَّ أنفه.
? والتمامة: بنت ضعيف.
? وهنيئة (1) : ساعة.
? والملحمة: يحلم بأشياء لا حقيقة لها.
? والملحمة: موضع القتال.
? والمقحمة: الدخول فيما لا ينبغي.
? والفتر: ما بين السبَّابة والإبهام.
? ومشوبة: ممزوجة.
? ومعتمل: منطبع.
? والرفع: أهل الفخد.
? ولعيٌّ وشيٌّ: كقولهم: “حَسَن بَسَن”، و“شيطان ليطان” و“جائع نائع” ويقال: “عيٌّ شيٌّ».
? والرتق: ضدُّ الفتق.
? والرهق: فساد الشيء.
? قصف: قصم.
? والخنزوانة: التكبُّر، أعاذنا الله منه.
? والغراس والشجا: ما يقصُّ به.
? والوجرة: الحق.
? والشراسيف: أطراف الضلوع.
? والدخص: ورم يصيب حافر الدابَّة شبه انتفاخ اللحم.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «هنيهة». (2/310)
صفحة 811
? والدأس: البحث عن الأخبار بالتجسُّس.
? والخور: الضعف.
? وليس جلد النمر لفلان: تهيَّأ لمضرَّته.
? والأنقد: القنفد.
? والخمرة: شدُّ الخمار على الرأس.
? والحصان: المرأة العفيفة.
? والخبرة: الاختبار.
? والعون: التي كان لها زوج.
? والفرعاء التي كشر (1) شعرها.
? والحالي: العنق المزيَّن بالحلي.
? ومحبس: مقيدٌ.
? ومعبَّد: مذلَّل.
? ومأيس: تأثير.
? والمزع: القطع.
? والأثرة: ما يختصُّ به الرجل مثلا دون غيره.
? مأمونة على الرتق والفتق: أي الإصلاح والفساد.
? ومفتاتًا: أي بغير اختيار.
? وانتكث رشاها: نقض حبلها.
? وانتضب ماؤها: جفَّ.
? والأيد: القوَّة.
? والأسرة: الطبقة.
? وولهت: جُنَّت.
? وتطامن: انخفض.
? والحبوة: العطية.
? وسربله: ألبسه السربال.
? لا يلتفت لفتها: أي جهتها.
? والكهف: الجبل، والغار فيه.
? وقربي أمسُّ: ألصق.
? والعِرق: الأصل.
? والبازل: الجمل المسنُّ.
? والهبع: الصغير منها يولد في زمان آخر النتاج، وإن ولد في أوَّله فربع.
? وتهدر به شقشقتك: الشقشقة: ما يخرج من فم البعير، وهو من حلقه.
? والصاغية: القرابة.
? والمناضلة: المراماة بالسهام.
? وخزيت: خضعت أو أنفت؛ وقيل: الصواب: أنفت بدل خزيت.
? ولينتخشَنَّ: ليقومنَّ ويتحرَّكن.
? والفظ: الطرح.
? وأنفث: أبعد.
? والسخيمة: العداوة.
? والنفاث: ما ينفث به.
? بعضُّ إهابك: يشقُّ جلدك.
? ويفري قادمتك: يقطع ريش مقدم جناحك.
? واستبرأتها: تخلَّيت منها.
? والتزمُّل: الالتفات.
? أتوجَّى أتعرَّج.
? حلَّت مغلوطة: نزلت. والمغلوطة: الناقة توسم في عنقها بالنار، واسم تلك السمة الغلاطة.
? ومخروطة: رقيقة المؤخَّر، وهو مكروه في الإبل.
__________
(1) - ... كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «كثر». (2/311)
صفحة 812
? ويقال في زجر الناقة: “حل حل”، وحللت بالإبل: إذا قلت لها: حل حل، فإذا لم تزدجر قلت لها: لا حليت، أي لا ظفرت بما أردت، وهيسي هيسي يضرب مثلاً لمن وقع في داهية وأمر عظيم يحتاج فيه إلى الانزعاج وترك الراحة؛ والهيس: السير الشديد؛ وأصل هذا المثل أن طسهما (1) وقعت بجديس وأبادتها في قصَّة طويلة جرت بينهما، فقال في ذلك رجل ما ذكر.
? ولعا: كلمة تقال للعاثر إذا عثر، ومعناه قم من عثرتك.
? وعلى غرِّه: على طبعه الأوَّل، يضرب مثلا للأمر الذي لا يغيِّر عمَّا هو عليه.
? والزميت: الساكن.
? ومخطي قدمي ومنزع قوسي: حيث أرمي.
? وأزمت على فأسي: فأس اللجام: ما يدخل منه في فم الفرس، وأزم الفرس عضَّ عليه.
? والإيالة: الحالة وانقلاب الأمور، وهي الإهالة.
? والغرب: الدلو، أو المراد: الحدُّ.
? واللِّحى: القشر.
? وأورى الزند: ظهرت ناره.
? والماتح: الذي يخرج الماء من البئر.
? ان نصحنا: أي خطنا.
? وأربينا: أصلحنا.
? أي كلّ مقصور: أي مقروح.
? والجوى: داء يعترض في الجوف.
? والعصام: حبل القربة، يضرب مثلاً.
? والمؤازرة: المعاونة.
? تداعت دعًّا بعضا بعضا (2) .
? والعهد: القران.
? والأنشوطة: العقدة التي يجبد طرفها فتنحل.
? والليطي: قشر القصب.
? والغيابة: ما فوق الرأس من سحاب أو غيره.
? ومحلقة: مستديرة.
? واستأصله: نزعه من أصله.
? والشافة: قرحة تخرج في القدم فتُكوَى، يضرب ذلك مثلاً.
? وجرثومة كلِّ شيء: أصلة (3) ، والجرثومة ما يجتمع في أصل الشجرة.
? وهوَّر ليلها: أذهبه وأصله هوَّر البنيانَ أي هدمه.
? واحتضن: تأبَّط، والحضن: الإبط.
? وناقع القلب: مرتويه.
? والغليل: حرقة العطش.
? واللبان: الصدر.
? والأزر: القوَّة.
? والأصر: الثقل.
? وشدهت: تحيرت.
? والكاهل: أعلا الكتفين.
__________
(1) - ... كذا في الأصل.
(2) - ... كذا في الأصل.
(3) - ... كذا في الأصل ولعلَّ الصواب: «أصله». (2/312)
صفحة 813
أعلى الله عزَّ وجلَّ مقامنا في الدنيا والأخرى، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم. تَمَّ ما أردنا نقله.
أثر
من كتاب القطب رحمه الله تعالى نصُّه:
وقال e: «يسحُّ الخير سحًّا في أربع ليال: ليلة النصف من شعبان، وليلة الفطر، والأضحى، وعرفه؛ وأخفى ليلة القدر لأنَّها ليلة الرحمة والعتق من النار، أخفاها لئلاَّ يتَّكلوا»، أي وليجتهدوا في الشهر كلِّه، كما أخفى ساعة الإجابة من يوم الجمعة؛ وقيل: معلومة، والخلاف فيها مشهور، وأخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى حتَّى تدعوه بها كلِّها.
وقال e: «أخفى الله تعالى ثلاثة في ثلاثة: رضاه في طاعته، فلا تحقرنَّ من الطاعة شيئًا، وغضبه في معصيته، فلا تحقرنَّ من المعصية شيئًا، وأخفى وليَّه في خلقه، فلا تحقرنَّ منهم أحدا».
قال كعب الأحبار t: «يبعث الله ليلة النصف من شعبان جبريل إلى الجنَّة، فيأمرها أن تتزيَّن، ويقول: إنَّ الله تعالى قد أعتق في ليلتك هذه عدد نجوم السماء، وعدد أيَّام الدنيا ولياليها».
قال عطاء بن يسار: «ما بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من شعبان، وهي من الليالي التي يستجاب فيها الدعاء».
وفي التوراة: «من قال في شعبان: لا إله إِلاَّ الله، ولا نعبد إِلاَّ إيَّاه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، كتب الله له عبادة ألف سنة، وخرج من قبره ووجهه كالقمر ليلة البدر، وكتب عند الله صديقا.
وعنه e: «سأل ليلة الثالث عشر من شعبان الشفاعة فأعطي الثلث، ثمَّ في ليلة الرابع عشر فأعطي الثلث ثمَّ في ليلة الخامس عشر فتمَّ له الجميع، إِلاَّ من شرد على الله شراد البعير». انتهى من مؤلَّف العلاَّمة القطب نفعنا الله به.
عن حلق اللحى وغلفها (1)
من الكبير أم من الصغير؟
__________
(1) - ... كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وإعفائها». (2/313)
صفحة 814
فإن كان منهما أو من أحدها، فما الدليل من الكتاب والسنَّة؟ أو من السنَّة وحدها؟ آتونا به، وإلاَّ فلم تحرِّمونا المباح علينا من غير إيضاح؟ أليس لنا أن نتزيَّن لنسائنا، ونتصنَّع؟ ألسنا مأمورين بالنظافة، والطهارة، كتقليم الأظافر وحلق الشعور التي في الصدور؟ بيِّن لي جواب؟
ما كنت أحسب أن يمتدَّ بي ... زمن ... حتَّى أرى دولة الأوغاد ... والسفل
ما رأيت عجبا كاليوم! {سبحانك هذا بهتان عظيم} (1) كيف يطلب الدليل على شيء علم من الدين بالضرورة؟!
وليس يصحُّ في الأذهان ... شيء ... إذا احتاج النهار إلى ... دليل
ما مثلك في قولك هذا إِلاَّ مثل من ينكر الشمس رابعة النهار، ويقول: ائتنى بدليل على طلوعها، فهذه الأمَّة المحمَّديَّة أجمعت على توفير اللحى إجماعاً كاد أن لا يشابهه غيره، لما عرفوا من ثبوت ذلك عن نبيِّهم عليه أفضل الصلاة والسلام.
وكانت العرب في جاهليَّتها تحترم اللحى أيَّ احترام، وأنتم في إسلامكم قد أهنتموها كلَّ الإهانة، ألا إنَّ جزَّها من الكبائر، لأنَّه من خصال المشركين من الأعاجم.
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر يرفعه: «خالفوا المشركين، جزُّوا الشوارب، ووفِّروا اللحى» (2) .
__________
(1) - ... سورة النور: 17.
(2) - ... لفظ البخاري في كتاب اللباس، رقم 5442: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ e قَالَ «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ».
... أمَّا لفظ مسلم، كتاب كتاب الطهارة، رقم 382، فهو: «حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِe: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَوْفُوا اللِّحَى».
... وأمَّا بلفظ جزوا فلم يرو إِلاَّ بعبارة: «خالفوا المجوس» فقد روي عن أبي هريرة، فعند مسلم، كتاب كتاب الطهارة، رقم 383، قال: «حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحُرَقَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِe: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ»
... ورى أحمد هذا الحديثَ كذلك عن أبي هريرة، في باقي مسند المكثرين، رقم 8423، و8430 (2/314)
صفحة 815
وعند الربيع من حديث أبي سعيد الخدري: أنَّ رسول الله e أمر بإحفاء الشارب وإعفاء اللحى، ومعنى إعفائها: توفيرها، أي تجعل وافرة لا يقطع منها شيء، فقطعها منهيٌّ عنه، وجزُّ الشوارب، وحلق العانة، وتقليم الأظافر مأمور به، ولا يصحُّ أن يقاس ما كان منهيًّا عنه على ما كان مأمورا به، فمن قاس ذلك فقد خالف محمَّدًا e جهارًا، واتَّبع إبليس في قياسه الفاسد في تفضيل نفسه على آدم.
ولا ينفعكم التعلُّل بأنَّ في قطعها زينة للنساء، فهذا رسول الله e يقول: «لعن الله النامصة، والمتنمِّصة، والواصلة، والمستوصلة، والواشمة، والمستوشمة، والمتفلِّجات للحسن» (1) . رواه الربيع رحمة الله عليه من طريق ابن عبَّاس، قال الربيع: «النامصة: التي تأخذ من شعرها ليكون رقيقا معتدلاً، والمتنمِّصة: التي يفعل بها ذلك، والواصلة: التي توصل شعر رأسها ليقال إنَّه طويل، والمستوصلة: التي يفعل بها ذلك، والواشمة: التي تجعل الوشم في وجهها أو في ذراعها، والمستوشمة: التي يفعل بها ذلك، والمتفلِّجات: التي يفلجن ما بين أسنانهنَّ للجمال.
فهذه الأصناف من النساء قد ثبتت عليهنَّ اللعنة من الله تعالى على لسان محمَّد e، وهنَّ إِنَّمَا فعلن ذلك للجمال والحسن، ومن المعلوم أنَّ كلَّ واحد من هذه الأفعال دون جزِّ اللحى، على أنَّ في جزِّها تشبُّها بالمشركين من الأعاجم أشباه البانيان (2) ، وبعض الأعاجم لا يرضى بذلك كالإفرنسيس، وفيه أيضًا تشبُّه بالنساء، وقد جاء اللعن بالمتشبِّهين بالنساء، والمتشبِّهات بالرجال، والعلم عند الله. انتهى.
__________
(1) - ... روي عند الربيع بن حبيب في جامعه، عن أبي عبيدة عن جابر عن ابن عبَّاس، باب [41] في المحرَّمات، حديث رقم 637، ص168.
(2) - ... كذا في الأصل، ولعلَّه يقصد: «اليابان»، والله أعلم. (2/315)
صفحة 816
اعلم أنَّ المذكور في كتابنا هذا هو داخل تحت الجملة، وهي قول لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله e؛ وأنَّ جميع ما جاء به محمَّد e من عند ربِّه هو الحقُّ المبين.
i
خاتمة
فما هي الأخيريَّة بجاه الرسول e. اعلم أنَّ المذكور في كتابنا هذا ختم الله أعمالنا بصالح العمل نذكر فيها شيئًا من تضمُّن كلمتي الشهادة ما يجب على العبد معرفته.
قال في متن السنوسيَّة ما نصُّه: «فقد بان لك تضمُّن كلمتي الشهادة مع قلَّة حروفها لجميع ما يكلَّف على المكلَّف معرفته من عقائد الإيمان في حقِّه تعالى وفي حقّ رسله عليهم الصلاة والسلام، ولعلَّها لاختصارها مع اشتمالها على ما ذكرناه جعلها الشرع ترجمة على ما [في] القلب من الإسلام، ولم يقبل من (1) الإسلام من أحد الإيمان إِلاَّ بها، فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها مستحضرًا لمَا احتوت عليه من عقائد الإيمان حتَّى يمتزج معناها بلحمه ودمه، فإنَّه يرى لها من الأسرار والعجائب إن شاء الله تعالى ما لا يدخل تحت حصر».
والمراد بقوله: «كلمتي الشهادة»: لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله، وثنَّاهما لأنَّهما جملتان: الأولى: لا إله إِلاَّ الله، والثانية: محمَّد رسول الله، فجعل كلاًّ من الجملتين كلمة.
والمراد بقوله: «مع قلَّة حروفها» أي لأنَّها أربعة وعشرون حرفاً، وكانت كلُّها جوفيَّة للإشارة إلى أنَّه ينبغي الإتيان بها من خالص الجوف، وهو القلب، ولم يكن فيها حرف معجم بل كلُّها مجرَّدة على النقط، إشارة إلى أنَّه ينبغي لمن نطق بها أن يتجرَّد عن كلِّ ما عداه تعالى، وكانت أربعة وعشرين حرفًا، لأنَّ الليل والنهار أربع وعشرين ساعة، فكلُّ حرف يكفِّر ذنوب ساعة.
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «من الإسلام»، فتكون الجملة: «ولم يُقبل من أحد الإيمانُ إِلاَّ بها»، كما ذكره الشارح فيما سيأتي. (2/316)
صفحة 817
وكانت سبع كلمات قال الفخر الرازي: «لأنَّ المعصية لا تكون إِلاَّ من الأعضاء السبعة: الأذنان والعينان واليدان والرجلان واللسان والبطن، فكلُّ كلمة تكفِّر معصية عضو. وأيضًا في ذلك إشارة إلى أنَّ أبواب جهنَّم السبعة مغلقة عن قائلها بفضل الله وبرحمته».
والمراد بقوله: «ولم يُقبَل من أحد الإيمانُ إِلاَّ بها» ظاهره أنَّه يشترط النفي والإثبات، فلا يكفي الله واحد، ومحمَّد رسول، وهو قول الأكثر، وعليه الشافعيَّة؛
وقيل: لا يشترط ذلك، بل المدار على ما يدلُّ على الإقرار لله تعالى بالوحدانيَّة، ومحمَّدٍ e بالرسالة، وهو المعتمد عند المالكيَّة، وعلى الأوَّل فيشترط أَيضًا الإتيان بلفظ: “أشهد”، بأن يقول: “أشهد أن لا إله إِلاَّ الله...”إلخ، وأن يعرف المعنى ولو إجمالا، فلو لقِّن عجميٌّ الشهادتين بالعربيَّة فتلفَّظ بهما وهو لا يعرف معناهما لم يحكم بإسلامه.
وأن يرتِّب، فلو عكس في الشهادتين لم يصحَّ إسلامه على المعتمد. وأن يواليَ بينهما فلو تراخت الثانية عن الأولى مدَّة طويلة لم يصحَّ إسلامه على المعتمد أيضًا. وأن يكون بالغًا عاقلاً فلا يصحُّ إسلام [صبيٍّ] ولا مجنون إِلاَّ تبعًا. وأن لا يظهر منه ما ينافي الانقياد، فلا يصحُّ إسلام الساجد لصنم في حال سجوده، وأن يكون مختاراً.
فلا يصحُّ إسلام مكره إِلاَّ إذا كان حربيًّا أو مرتدًّا، لأنَّ إكراهه حينئذ بحقٍّ. وأن يقرَّ بما أنكره أو يرجع عمَّا استباحه إن كان كفره بجحد مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة، أو استباحة محرَّم، إلى غير ذلك. قال بعضهم:
شروط الإسلام بلا ... اشتباه ... عقل بلوغ عدم الإكراه
والنطق بالشهادتين ... والولا ... والسادس الترتيب فاعلم ... واعملا (2/317)
صفحة 818
والمراد بقوله: «فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها»، وأقلُّ الإكثار عند الفقهاء ثلاثمائة كلَّ يوم وليلة، وعند الصوفية اثنا عشر ألفا؛ والمراد هنا استغراق جميع الأوقات والأحوال، والأفضل ترك المدِّ في حقّ الكافر لينتقل إلى الإيمان فورًا، بخلافه في حقِّ المؤمن، فإنَّ الأفضل له المدُّ إِلاَّ أن يأمر شيخه بطريقة فيتبعها.
وقد ورد أنَّ من قال لا إله إِلاَّ الله ومدَّها هدمت له أربعة آلاف ذنب من الكبائر قالوا: «يا رسول الله، وإن لم يكن له شيء من الكبائر؟»، قال e: «يغفر لأهله ولجيرانه». رواه البخاري (1) .
واختلف في المراد بالمدِّ المذكور فقال بعض المشايخ: أن يطوَّل أَلِفُ “لاَ” بقدرِ سبعِ أَلِفَات، وذلك أربع عشر حركة، لأنَّ كلَّ ألف حركتان، وأن يطوَّل ألف لفظ الجلالة بقدر ثلاث ألفات، وذلك ستُّ حركات، لأَنَّ كلَّ ألف حركتان كما علمت؛ وقال بعضهم: المراد المدُّ الطبيعيُّ، وهو خلاف المنقول عن مشايخ الطريق العارفين.
والمراد بقوله: «مستحضرًا لمَا احتوت عليه...»إلخ: أي حال كونه ملاحظا ذلك بقلبه ولو إجمالاً، على أنَّ ذلك ليس بشرط، بل أدب من آداب الذكر المقرَّرة في محلِّها، ولذلك قال ابن عطاء الله السكندري: «لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، فإن غفلت مع وجودِ ذِكرِه فعسى أن يرفَعَك مِن ذِكرٍ مع وجودِ غفلةٍ إلى ذكرٍ مع وجودِ حضورٍ، بل ومِن ذكرٍ مع وجودِ حضورٍ إِلىَ ذلك مع وجودِ غيبَتِه عمَّا سوى المذكور، {وما ذلك على الله بعزيز} (2) ». انتهى.
نَعَم، يشرط أن لا يقصد به غيره، وإلاَّ فلا ثواب له فما يقع الآن من قول “سبحان الله” بقصد التعجُّب فلا ثواب فيه.
__________
(1) - ... لم نجد الحديث بهذا اللفظ عند البخاري.
(2) - ... سورة إبراهيم: 20. (2/318)
صفحة 819
والمراد بقوله: «حتَّى يمتزج مع معناها بلحمه ودمه» غاية في الكثرة السابقة، وهي كناية عن شدَّة التمكُّن بحيث إذا تركه جرى على لسانه وقلبه بغير اختياره، ويحتمل أنَّ المراد بذلك الاختلاط والسريان الباطني، لأنَّه إذا أكثر من ذكرها اختلطت بلحمه ودمه وسرت في ذلك، إذًا الإكثار من إجراء الشيء على اللسان يستلزم حضوره في الجنان الذي هو رئيس الأعضاء، ويدلُّ لذلك ما حكي عن بعضهم من تهليل دمه حين قطعت رأسه، وعن بعضهم من تهليل لسانه حال نومه.
وقد كان بعضهم يقول: “الله” دائما فتواجد، فأصاب رأسه حجر فشجَّه وسال دمه على الأرض فكتب: “الله الله”، فهو امتزاج سريان كسريان الماء في العود الأخضر لامتزاج مماسَّة كامتزاج جسم بآخر، فاندفع ما يقال: إنَّ الامتزاج من خواصِّ الأجسام كامتزاج الماء بالعسل.
والمراد بقوله: «من الأسرار»: أي من المعارف والأوصاف الحميدة التي يجلي الله بها باطنة، كالزهد والتوكُّل والحياء.
وقوله: «والعجائب»: أي الكرامات التي يكرمه الله بها، كوضع البركة في ماله حتَّى يكثر القليل، ويكفي الكثير، وكتيسير دراهم أو دنانير أو كليهما، أو غير ذلك مِمَّا تدعو إليه الحاجة، لكن لا ينبغي للشخص أن يقصد ذلك بشيء من طاعته، وإلاَّ دخل عليه الشرك الخفيُّ، فيجب على المريد أن يصفِّي باطنه من ذلك حين ذكر كلمة التوحيد، فلا يقصد بذكره إِلاَّ رضى مولاه، وكشف الحجاب عن عين قلبه.
والمراد بقوله: «إن شاء الله تعالى»: أشار بذلك إلى أنَّ حصول ما ذكر إِنَّمَا هو بإرادته تعالى فهو المعطي المانع، فقد يوجد إكثار الذكر ويتخلَّف عنه ذلك، وحينئذٍ فالمطلوب من العبد إِنَّمَا هو القيام بالعبادة، ويسلِّم الأمور له تعالى متَّكلاً على قسمته في أرزاق الأرواح كما يتكل عليه في أرزاق الأشباح.
والمراد بقوله: «ما لا يدخل تحت حصر»: أي تحت عدد محصور، وهذا كناية عن المبالغة في الكثرة». انتهى نقلاً من السنوسية. (2/319)
صفحة 820
هذا آخر ما منَّ الله به عليَّ من كتابة هذا الشرح على الرسالة المسمَّاة بـ“نور التوحيد”، واللهَ أسأله أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله مدوَّنا في ديوان عملي الصالح، ويكون لي ذخرًا في اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إِلاَّ من أتى الله بقلب سليم.
ولقد أخذت غالب هذا الشرح من تصانيف سيِّدي نور الدين العلاَّمة الجامع علوم الأوائل والأواخر، قدوة المناظرين وفخر المتأخِّرين: الإمام عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، المتوفَّى في ليلة خامس من شهر ربيع الأوَّل اثنين وثلاتين وثلاثمائة وألف، ودفن في بلد تنوف بقرب مقبرة ملوك النباهنة، نوَّر الله ضريحه، وقدَّس روحه، ونفعنا الله به وبعلومه.
ومن كتاب “الإرشاد شرح مهمَّات الاعتقاد” لشيخنا العلاَّمة سيف بن ناصر بن سليمان الخروصي، المتوفَّى في ليلة الأحد من شهر رجب عام 1341هـ رحمه الله تعالى.
ومن شرح الشيخ سليمان بن محمَّد بن أحمد الكندي لهذه الرسالة المسمَّى “إرشاد العبيد إلى نور التوحيد” المتوفَّى بسابع عشر من صفر عام 1337هـ رحمه الله تعالى، وهو المراد عند إطلاقي في الشرح بالشيخ الكندي رحمه الله، وتارة من غير هذه الكتب، ولكنَّ الأغلب منها هي، كما يعلم ذلك عند الاطِّلاع عليه.
وإنِّي تالله لمعترف بقصور الباع والتقصير عن كلِّ صفة محمودة. وإنَّ بالكتب المؤلَّفة عن كتابي هذا غنى وكفاية، ولكن حملني على ذلك طمع في مرضاة الربِّ تعالى، لأنِّي وإن لم أصب في العبارة، فأرجو إن شاء الله أن لا أحرم من الجزاء، لأنَّ الله لا ينظر إلى الوجوه، وإنَّما ينظر إِلىَ القلوب، ومع ذلك فقد يطرأ الجديد، وينظر إليه فيحصل منه النفع العديد، وتكون الفائدة فيه كما قيل: وكم ترك الأوَّل للآخر.
وما أحسن قول الأبوصيري (1) :
صاح لا تأس إن ضعفت عن ... الطا (2) ... عات واستأثرت بها الأقوياء
__________
(1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «البوصيري».
(2) - ... كتب فوق الكلمة بقلم مجهول: «عة». (2/320)
صفحة 821
إنَّ لله رحمة وأحقُّ الناس ... منه ... بالرحمة الضعفاء (1)
فابق في العرج عند منقلب ... الذو ... ذ ففي العود تسبق العرجاء
لا تقل حاسدًا لغيرك ... هذا ... أثمرت نخله ونخلي عفاء
وائت بالمستطاع من ... عمل ... البرّ فقد يسقط الثمار ... الإتاء
قال بعض شرَّاح قصيدته: إنَّه جرَّد من نفسه شخصا نهاه وأمره فقال: «لا تحزن إن ضعفت قواك عن كثرة الطاعة التي [هي] أعمال الخير ففاز بكثرتها ذوو القوَّة فإنَّه تعالى ذو رحمة واسعة تعمّ القويَّ والضعيف، والدنيَّ والشريف، لكنْ أحقُّ الناس بالرحمة الضعفاء، لانكسار خواطرهم بتخلُّفهم عن مرادهم، بواسطة العجز الناشئ عن الضعف، فقد يحصل لهم من فيض الرحمة ما لا يحصل للأقوياء، لقوله: «أنا عند المنكسرة قلوبهم» فلهذا أمر ببقائه في العرج االذين هم الضعفاء لأنَّهم أقوى نية.
سر زمنا وانهض كسيرا ... فحظك البـ ... ـطالة إذا خرت عن ... ما لصحَّة (2)
فربما بسبب ذلك سبقوا الأقوياء إلى النعيم المقيم إلى مقام كريم، كما أنَّ الشاة العرجاء من الذود المتخلِّفة عن السوابق منه إذا رجع الذود إلى ربِّه، تصير أمامهم فتسبقهم إلى الوصول، وتفوز قبل بقيَّة الذود بالمطلوب والمأمول، ثمَّ نهاه عن مقارفة الحسد، بأن يقول هذا القويُّ حصلت له بواسطة قوَّته الأعمالُ، وبلغ منها الآمال، وما حصل له، فأتني مثله بسبب ضعفي، فإنَّ الضعيف قد يحصل له بسبب ضعفه ما لا يحصل للقويِّ الناظر إلى قوى نفسه، كما أنَّه يحصل من صغار النخل ثمرة لا يحصل من كبارها، لأنَّ الله لا ينظر إلى صوركم بل ينظر إلى قلوبكم، فتأمَّل هذا المعنى البديع... مهمة بهية (3) .
__________
(1) - ... كذا قسَّم الناسخ البيت وفيه خلل واضح.
(2) - ... كذا في الأصل.
(3) - ... كذا في الأصل، ويبدو أنَّ في العبارة سقطا. (2/321)
صفحة 822
والحمد لله على كلِّ حال، والصلاة والسلام على نبيّ الأمَّة وخاتم الرسل، حامل لواء الحمد، أوَّل من تنشقّ عنه الأرض، الفائز بالمقام المحمود، وبالحوض المورود، بوعد من الله سبحانه وتعالى شرفًا وتفضيلا له؛ فله الصلاة والسلام، والشرف التام، بلا عدد ولا انتهاء.
ربَّنا أحينا ما أحييتنا مسلمين، وأمتنا إذا أمتَّنا مسلمين، واحشرنا حين تحشرنا مسلمين مع زمرة المسلمين، الفائزين بالشفاعة العظمى، وافعل مثل ذلك بأحبَّائنا وبوالدينا وإخواننا من الأوَّلين والآخرين إلى يوم الدين.
واجعل كتابي هذا نافعًا للمسلمين، وحجَّة منجية لي يوم الدين، يوم تذهل فيها المرضعات عن مرضعهنَّ، و{...يفرُّ المرءُ من أخيهِ، وأمِّه وأبيهِ، وصاحبتِه وبنيه، لكلِّ أمرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغنيه} (1) والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله العليِّ العظيم.
ولنأت هاهنا تكملة للفائدة قصيدةً من نظم الشيخ عبد الرحمن بن محمَّد بن أحمد الكندي، في مدح المذهب، وها هي في تبيين صحَّة المذهب:
يا أيُّها السائل عن ... مذهبنا ... وعن أساسه الذي منه انبنى
فإنَّه القرآن والسنَّة ... ما ... به اعوجاج ما إذا ما استبينا
أساسه رأس رفيع ... سمكه ... فليس معيوبا ولا مستوهما
وليس عن قصد السبيل ... جائرا ... منهاجه، شكرًا لمن وفّقنا
عن جابر عن ابن عبَّاس ... عن ... المختار جا، ما زاغ فيه أخذنا
فهو تقييد بحق ... كله ... من بدع التقليد خال علنا
وهو اتِّباع لا ابتداع ... لا كما ... يقوله من للهوى قد ركنا
بل اتَّبعنا فيه خير ... قادة ... لهدي عمَّار أئمَّة لنا
لم يمتروا في باطن المكر ... الذي ... كيد لدفع الحقِّ في نيل الدُّنا
قد غادروا التحكيم للحكم ... الذي ... أتى به النصُّ له مبيِّنا
{فإن بغت إحداهما ... فقاتلوا} (2) ... ذي آية محكمة من ربِّنا
فلم يسعهم ترك ذا إلى ... الذي ... أراد من في دينه قد فُتنا
__________
(1) - ... سورة عبس: 34-37.
(2) - ... سورة الحجرات: 9. (2/322)
صفحة 823
وفتنة قال: اتَّقوا (1) يعني ... بها ... ما قد جرى، فالله قد حذَّرنا
فاستبصروا فاستمسكوا بما ... مضى ... عليه عمَّار فأمُّوا السننا
حتَّى مضوا بالنهروان ... شُهدا ... على الهدى فهم به قدوتنا
لله باعوا أنفسا ... مؤمنة ... بما اشترى منهم فأوفى الثمنا
قد صدقوا ما عاهدوا ... ربَّهم ... عليه لم يبدِّلوا تيقُّنا
فصدعوا بالحقِّ للهَ ... ولم ... يداهنوا في دينهم من أدهَنَا
من يتبصَّر يستبن له ... الهدى ... ومن تعامى بالضلال اقترنا
والله يهدي للهدى من شاء ... مِن ... عباده من منهم به اعتنى
قال تعالى: {والذين ... جاهدوا ... فينا لنهدينَّهم سبلنا} (2)
ومن عجيب أنَّهم ... سمونا ... خوارجا بذا أرادوا سبَّنا
وأغفلوا في جمل ... وبعده ... صِفِّين عمَّا قد جرى قبلنا
بل صيَّروا ذلك حقًّا ... كلَّه ... تعصُّبًا وخطَّؤوا خروجنا
واعتذروا بأنَّهم ... صحابة ... لو أنصفوا لصوَّبوا أصحابنا
لأنَّهم صحابة قد ... زايلوا ... ضلال ما لفتنة قد زيِّنا
«لا ترجعوا بعدي كفَّارًا» ... أتى ... عن النبيِّ فقد نهى وبيَّنا
«وسيكون حكمان» قال ... «من ... بعدي مضلاَّن» فقد أعلمنا
فلم يكن فيما جرى شكٌّ ... فهل ... موسَّع في الدين جهل إن عنا
والحقُّ ما قلتُ فلا تركن ... إلى ... سواه واسأل إن تشأ تَسْتَيقِنا
واتل القرآن وتدبَّر ... آيه ... مستبصرًا كفى به مهيمنا
نسبتنا لابن إباض حيث ... إذ ... قد كان ردءًا وبه قوَّتنا
استظهر الحقَّ فأضحى ... ناصرًا ... له وليس مبدعًا شرعًا لنا
مسائل الدين أصول ... تسعة ... قام بها بين الورى مذهبنا
مذاهب الأمَّة كلٌّ ... منهموا ... قد ناقض الإجماع فيها غيرنا
فنحن أهل الاستقامة ... الأولى ... ثبَّتنا الله الذي وفَّقنا
فإنَّه الدين الذي قد قال ... فيـ ... ـه خاتم الرسل حديثا زكنا
قد بدأ الدين غريبا ... وسير ... جع من بعد غريبا بيننا
وقابض قال على الدين ... كمن ... قد قبض الجمر حديثًا بيِّنا
ولا تزال فرقة ... قائمة ... على الهدى بالحقِّ يروى فافطنا
__________
(1) - ... إشارة إِلىَ قوله تعالى: {واتَّقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصَّة}، سورة الأنفال: 25.
(2) - ... سورة العنكبوت: 69. (2/323)
صفحة 824
والحقُّ لا يدركه إِلاَّ ... الذي ... به الهدى موفَّقا قد قرنا
وليس يغني العلم شيئًا إن ... يكن ... قد جانب التوفيق فافهم قولنا
أهل (عُمان) منذ أسلموا ... إلى ... ذا اليوم لم يفتنهم من فتنا
هم على الدين الذي جاء ... به ... نبيُّهم ما بدَّلوه فأيقنا
كم بايعوا أيمَّة للعدل ... في ... (عُمان) بل في حضرموت زمنا
يكثر وُرَّادي على حوضي ... أتى ... أهلُ (عُمان) فافهمًا ما أعلنا
من سرّه ينظر صحبي ... ينظرا ... ليصلحا أهل (عُمان) خصَّنا
أصحابنا بالغرب من ... إفريقيا ... قد قال فيهم مخبرًا نبيُّنا
لو أنَّ هذا الدين بالنجم ... لنالته ... من الفرس رجال فطنا
قام زُهَا قَرْنٍ به ... أئمَّة ... منهم أقاموا العدل حتَّى استمكنا
لم نعتقد أنَّ تعالى ... مدرَك ... ببصر فذاك تشبيه بنا
وهو تعالى جلَّ ليس ... مثله ... شيءٌ فلا تدركه حواسُّنا
ولاستوى قهرا على العرش ... فلا ... نقول باستقراره أنَّى لنا
مقارف الكبير إن مات ... على ... إصراره يخلد نارًا عندنا
لكفره كفر نفاق ... بالذي ... قارفه لا ما يقول قومنا
ولا تناله شفاعة من ... المختـ ... ـار إذ لا خلاف قول ربِّنا
{وليست التوبة للذين ... يعملـ ... ـون السيِّئات} (1) نصًّا معلنا
وحجَّة الخصم التي يدلي ... بها ... مدحوضة بذا لدى حُجَّتنا
لأنَّما الإيمان قول ... متبع ... بعمل لنية قد قارنا
ما عملٌ بنافع ما لم ... يكن ... مع ورع فهو ملاك ديننا
لا نرتضي مخالف ... اعتقادنا ... ولا نوالي عاصياً وإن دنا
أفعالنا لله خلق ... ولنا ... كسب فليس مُكرِها إلهنا
لم يُجبِر العبد على فعل ... فذا ... يفضي إلى ظلمٍ تعالى ربُّنا
إنَّا على الحقّ ولو ... قلوننا ... مذهبنا القيِّم لو خطَّوننا
ندين لله بما دانوا ... به ... من أنكروا التحكيم من أسلافنا
مِمَّن مضى منهم على نهج ... الهدى ... مستمسكين فهم قادتنا
فصحة المذهب ما قد ... قلته ... فدع أقاويل الذي خالفنا
فقم تبيّن إن تشأ ... صحَّته ... والحمد لله الذي ألهمنا
ثمَّ الصلاة والسلام ... سرمدا ... على النبيِّ المصطفى شفيعنا
وآله وصحبه ومنقفا ... منها ... جهم لا من مُنى فافتتنا
k
نبذة أخذناها من سلم العامَّة للمبتدئين
__________
(1) - ... سورة النساء: 18. (2/324)
صفحة 825
لمؤلِّفها العلاَّمة الهمام عبد الله بن يحيى الباروني، تبياناً لمهمٍّ جيِّد، وذلك أنَّنا بحمد الله تعالى قد فرغنا من هذا الكتاب، ومن حيث إنَّه كتاب إباضيٌّ ولم يكن أتينا فيه شيئًا من ذكر ما كان عليه السلف في صدر الإسلام، فأحببنا إيراد ما يدلُّ على ذلك.
قال المصنِّف المذكور:
«الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام رسول الله الأمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين.
أمَّا بعد، فاعلم أيَّدنا الله وإيَّاك بتوفيقه، وأرشدنا إلى معرفة الصواب من دينه وطريقه، أنَّ المسلمين كانوا في حياة النبيِّ e على رأي واحد واعتقاد واحد، لا خلاف بينهم في معتقدهم لوجوده e بينهم، يقلِّدونه في جميع نوازلهم، ولمشاهدتهم الوحي، ونزول القرآن في بيان ما أشكل عليهم، ولمَّا مات e بقي المسلمون على ذلك، ولم يقع بينهم خلاف إِلاَّ في بعض أمور اجتهاديَّة لا تعلُّق لها بالمسائل الاعتقاديَّة، ولا توجب كفرًا ولا إيماناً، ولا زيغًا ولا طغيانًا، ثمَّ سار الخلاف يتدرَّج شيئًا فشيئًا إلى آخر أيَّام الصحابة رضوان الله عليهم، ومع ذلك لم تزل عقائدهم وديانتهم واحدة لا خلاف بينهم فيها. (2/325)
صفحة 826
إلى أن ظهر رجل يقال له: معبد الجهينيُّ، وآخر يقال له: غيلان الدمشقيُّ، وآخر يقال له: يونس الأسواريُّ، وخالفوا المسلمين في القدَر، ونسبوا أفعالهم إلى قدرتهم، ونفوا عنها قدرة الله تعالى، فزاغوا بذلك وضلُّوا عن مسلك الحقِّ، ولم يزل الخلاف يتدرَّج ويتشعَّب، وكثرت الآراء والأقوال، وعظمت الفتن والأهوال، حتَّى تفرَّق أهل الإسلام، وأصحاب المقالات إلى ثلاث وسبعين فرقة؛ كما أخبر بذلك رسول هذه الأمَّة u حيث قال: أو كما قال: «افترقت إليهود على إحدى وسبعين فرقة كلُّها هالكة ما خلى واحدة ناجية، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلُّها هالكة ما خلى واحدة ناجية، وستفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين أمَّة كلُّها هالكة ما خلى واحدة ناجية، وكلُّهم يدَّعي تلك الفرقة ويقول: إنَّ الحقَّ بيده دون غيره، وصار {كلُّ حزب بما لديهم فرحون} (1) ».
وقد سئل رسول الله e عن الفرقة الناجية فقال: «هم الذين يعملون بكتاب الله تعالى وسنَّتي» فإذا فهمت هذا، وانتقش في صحيفة ذهنك فاعلم أنَّ أصحابنا وأيمَّتنا tم هم المتمسِّكون بكتاب الله وسنَّة الرسول، المقتفون آثار الصحابة العدول، قد قادهم الإرشاد والتوفيق فأخذوا على يمين على الطريق، وأسَّسوا قواعد مذهبهم على الصدق، والتحقيق، فبراهينهم عليه نيِّرة واضحة، ودلائلهم على إثبات صحَّته مقبولة راجحة، موافقة للكتاب والسنَّة، وما عليه السلف الصالح من هذه الأمَّة؛ ولم يزالوا بحمد الله تعالى على النهج القويم والصراط المستقيم، يتوارثون دين الله خلَفًا بعد خَلَف، وطبقة بعد طبقة، وجيلا بعد جيل، من لدن رسول الله e إلى هلمَّ جرّا، كما قال u: «يحمل هذا العلم من كلِّ خَلَف عُدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».
__________
(1) - ... سورة المؤمنون: 53. (2/326)
صفحة 827
فالغالون هم الصفريَّة والأزارقة ومن شايعهم، فإنَّهم غلوا في دين الله، وتعدَّوا حدوده، وحكموا بأنَّ المعاصي كلَّها شرك، ومرتكب الكبيرة كافر كفر شرك، يحلُّ دمه وماله وسبي ذرِّيته، وكفَّروا بعض الصحابة الراشدين tم، إلى غير ذلك من قبائحهم.
وأمَّا المبطلون فهم المشبِّهة والمجسِّمة ومن وافقهم، فقد شبَّهوا الله تعالى بخلقه، ووصفوه بكونه جسما، فأبطلوه بذلك جلَّ وعلا.
وكذلك المرجئة فإنَّهم قالوا: إنَّ المعاصي لا تضرُّ مع الإقرار بالتوحيد، فأبطلوا بذلك فائدة الحلال والحرام، والأمر والنهي، والوعد والوعيد.
وأمَّا الجاهلون فهم المتأوِّلون لكتاب الله وسنَّة نبيِّه e على غير تأويلهما، وأصحابنا tم قد سلموا من هذه الزلاَّت، ونزَّهوا دين الله عن هذه الهفوات، فصدق عليهم الحديث المنقول، وثبت بذلك أنَّهم القادة العدول، المصدَّقون في كلِّ فعل وقول، مِمَّا جاء عن الله والرسول، فلذلك صدَّقنا أخبارهم واقتفينا آثارهم، وعلمنا أنَّهم هم الحاملون لهذا الدين، المشيِّدون له على أساس الصحَّة واليقين، أماتنا الله على مناهجهم موفَّقين، لا مبدِّلين ولا مغيرين، بجاه خاتم النبيِّين صلَّى الله عليه وعليهم أجمعين.
وإذ قد ذكرنا أصل الاختلاف الواقع بين المسلمين فلنرجع إلى ما قصدناه من تسمية أيمَّتنا ومشايخنا المهتدين الذين أخذنا عنهم هذا الدين، وصاروا وسيلة لنا إلى ربِّ العالمين، فنقول وبالله التوفيق: (2/327)
صفحة 828
اِعلم وفَّقنا الله وإيَّاك لمرضاته أنَّ سلفنا وقدوتنا وعمدتنا وإمام مذهبنا ووسيلتنا إلى ربِّنا بعد رسوله الصادق الأمين وأصحابه الأيمَّة الراشدين صلَّى الله عليه وعليهم أجمعين، هو الإمام الماهر والبحر الزاخر عمدة كلِّ مريد: أبو الشعثاء جابر بن زيد t البصريُّ العمانيُّ، من التابعين. أخذ العلم عن ابن عبَّاس ابن عمِّ النبيء u وغيره من الصحابة، كما قال رحمه الله تعالى: «اجتمعت بسعين رجلا من الصحابة فحويت ما عندهم من العلم إِلاَّ البحر الزاخر» يعني ابن عبَّاس، وسمَّاه بحرًا لغزارة علمه وكثرته، فلذلك لم يحط بما عنده من العلم.
قال في كتاب السير عند التعريف به: «وكان جابر أعلم الناس، وأعبد الناس، ولذلك قال ابن عبَّاس: “جابر بن زيد أعلم الناس”، وقال أيضًا: “عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد، ولو قصدوا نحوه لوسعهم علمه”.
وذكر أبو طالب مكِّي في كتاب “قوت القلوب” أنَّ ابن عبَّاس قال: “اسألوا حابر بن زيد فلو سأله من بالمشرق والمغرب لوسعهم علمه”. وقال إيَّاس بن معاوية t: “رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد” مع أنَّ البصرة مملوءة يومئذ بالفقهاء.
وعن الحصين بن حيَّان قال: “سمعت ابن عبَّاس في المسجد الحرام يقول: جابر بن زيد أعلم الناس بالطلاق. وعنه أيضًا لمَّا مات جابر بن زيد بلغ موته أنس بن مالك خادم رسول الله e فقال: “مات أعلم من على ظهر الأرض” أو قال: “مات خير أهل الأرض”. وله كرامات وفضائل تطلب من المطوَّلات.
وكان رحمه الله في القرن الأوَّل مع كثيرين مِمَّن كانوا على طريقته من فحول العلماء، ورجال الدين، كالإمام عبد الله بن إباض، وأبي بلال مرداس بن حدير، وأخيه عروة، وغيرهم مِمَّن لهم ذكر وفضائل في التواريخ الكبيرة tم. (2/328)
صفحة 829
وكانت ولادته رحمه الله في خلافة سيِّدنا عمر بن الخطاب t لسنتين بقيتا منها، وذلك أن سيِّدنا عمر مات في ثلاث وعشرين من الهجرة فتكون ولادة جابر في إحدى وعشرين منها.
وفاته: ومات رحمه الله سنة ستٍّ وتسعين من الهجرة، بعد أن أخذ عنه العلم ناس كثيرون، واستضاء بنورة رجال موفَّقون، من جملتهم ذلك الإمام المحقِّق الزاهد معدن الحكم والمعارف: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري، وغيره مِمَّن يكثر تعدادهم.
(ثم صار) (1) أبو عبيدة قائدًا في الدين، وإماماً للمسلمين، يرجعون إليه في المهمَّات، ويقصدونه في إيضاح المشكلات؛ تشدّ إليه المطايا من كلِّ فجٍّ عميق لطلب العلوم واستفادة التحقيق.
كان معاصرًا للإمام أبي حنيفة ومالك، قبل اشتهار مذهبيهما في الممالك، أخذ عنه جماعة فاقوا، وفي مضمار العلوم تسابقوا؛ منهم حملة العلم إلى وسط جزيرة العرب، وعُمان والمغرب، المجدِّدون فيها لهذا المذهب، حتَّى عرف واشتهر، وقوي أهله وظهر، فناصَبُوا من حادَّهم، وحاربوا من ضادَّهم، وساعدهم بعون الله سابق المقدور حتَّى رقوا من حضيض الخفاء إلى ذروة الظهور.(وها أنا) ذا أذكر لك سبب ظهور هذا المذهب، وانتشاره في أرض المغرب.
ظهور المذهب بالمغرب
وذلك أنَّ خمسة أنفار متفرِّقي البلاد والديار، (وهم أبو الخطاب) عبد الأعلى بن السمح المعافري من اليمن، وعبد الرحمن بن رستم الفارسي، وإسماعيل بن درار من غدامس، وأبو داود القبلي من نفزاوة، وعاصم السدراتي؛ (هؤلاء) الخمسة دعاهم داعي الفلاح والفتوح، فأجابوه إلى طلب العلم الممدوح، وسار كلُّ واحد منهم إلى ما هو إليه مشتاق، وفارق الأهل والأوطان والرفاق، وقطعوا الفيافي إلى أرض العراق، وقصدوا أبا عبيدة مسلمًا بن أبي كريمة بمدينة البصرة، التي كان قدومهم إليها سببًا للتأييد والنصرة، فجمعهم عنده سابق القضاء والقدر، ومكثوا يتعلَّمون العلم حينًا من الدهر.
__________
(1) - ... القوسان من وضع الناسخ. (2/329)
صفحة 830
فلمَّا قضوا منها وطرهم وبغيتهم، وأخذوا مِمَّا راموه غرضهم وأمنيتهم، وأرادوا التوجُّه إلى بلادهم وأوطانهم، والإنضمام إلى طارفهم وتلادهم، استشار أبا عبيدة t في عقد إمامة الظهور لواحد منهم ليحكم بينهم بالسنَّة والكتاب، وما عليه السلف الصالح من الأصحاب، وذلك إذا بلغوا أوطانهم، وآنسوا قوَّة في أنفسهم، فأنعم لهم بذلك وأجاب وقال: «إن كان ولا بدَّ فعليكم بهذا»، وأشار إلى أبي الخطَّاب، فإن أبى فاقتلوه إن توفَّرت الأسباب.
وروي أنَّهم حين عزموا على التوجُّه والسفر خرج أبو عبيدة لتشييعهم ووداعهم طلبًا للأجر، ونفيًا للأنفة والكبر، ولمَّا وضع رِجلاً واحدة في الركاب، اندفع إسماعيل بن درار يسأله عن مشكلات المسائل ويطلب الجواب، فما لوى رجله الثانية إلى الركاب الآخر حتَّى سأله عن ثلاثمائة مسألة من الأحكام، فقال له الشيخ معجبا باستحضاره: «أردت أن تكون يا ابن درار قاضيا؟» فقال له: «وما الذي تراه إن ابتلاني الله بذلك أيُّها الإمام»؟.
(وصولهم إلى طرابلس)
ولمَّا بلغوا مدينة طرابلس، وكانت إذ ذاك عامرة بإخوانهم، وفيهم العلماء وأرباب الحيثيات والتجَّار وأهل الفضل والدين، مكثوا مدَّة حتَّى جمعوا أمرهم، وتشاوروا مع من كان فيها من أهل الرأي من إخوانهم، والتمسوا الفرصة في عقد الإمامة، على وجه يكون عاقبته الظفر والسلامة، فتواعدوا للاجتماع خارج البلاد بموضع غربيٍّ من المدينة، يقال له: صياد، وأظهروا أنَّهم مجتمعون في شأن أرض وقع فيها خصام، ليقسموها على وجه يوافق المرام. (2/330)
صفحة 831
فلمَّا خرجوا إلى الموضع المشار إليه أعلنوا بالأمر الذي عزموا عليه، وعرضوا الإمامة أوَّلاً على عبد الرحمن، فامتنع من قبولها في ذلك الأوان؛ ثمَّ عطفوا بها إلى أبي الخطَّاب عبد الأعلى وقالوا له: ابسط يدك لنبايعك على أن تحكم بيننا بالسنَّة والكتاب، وما عليه رجال الدين وأولوا الألباب، فقال لهم: يا قوم، ما لهذا الأمر خرجنا، ولا لأهله اجتمعنا، وكان غير عالم بمرادهم إِلاَّ ما أظهروه من شأن قسمة أرضهم، فقالوا: لا سبيل إلى الامتناع أبسط يدك نبايعك على أن يطاع الله ورسوله وتطاع، فلمَّا رأى أنَّهم مجدُّون في توليته، وعلم أنَّه لا سبيل إلى تركه أجابهم إلى طلبوه، وساعفهم فيما رغبوه، وقبل عند ذلك بيعتَهم بعد شروط اشترطها عليهم.
ولمَّا تمَّ أمرهم وانتهى، دخلوا المدينة على حين غفلة من أهلها، وأخرجوا عاملها بالأمان والسراح، وتولَّى أبو الخطاب مكانه واستراح، وحكم طرابلس ونواحيها، وتوجه إلى القيروان وما يليها، واستعمل عبد الرحمن بن رستم عاملاً عليها، ومكث في الخلافة ما شاء الله أن يليها، ثمَّ قتل شهيدًا رحمة الله ببلدة في شرق طرابلس تسمَّى “تورغا” في أربعة عشر ألفًا من أصحابه. وكانت ولايته في القرن الثاني عام أربعين ومائة.
وكان له بطرابلس مسجد ومنبر جمعة، وله فضائل وأخبار يطول ذكرها، ومن أرادها فعليه بكتاب السير للشيخ أبي العبَّاس أحمد بن سعيد الشمَّاخي رحمه الله.
إمامة أبي حاتم t (2/331)
صفحة 832
ثمَّ عقد المسلمون الإمامة بعده للوليِّ الصالح أبي حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي، وذلك في رجب عام 154 أربعة وخمسين ومائة، فتولَّى أعمال طرابلس وقابس والقيروان وما يليها، وكانت له حروب ومقاتلات كثيرة، يطول شرحها أنهاها المؤرِّخون إلى ما فوق ثلاثمائة وخمسين مقاتلة، منها (وقعة مغمداس) في شرق طرابلس على مسافة ثمانية أيَّام منها، لاقى فيه أبو حاتم عسكر المسودة، فهزمهم وقتل منهم ستَّة عشر ألفًا، وهذه الوقعة يعدُّونها ثأرًا لوقعة أبي الخطاب التي مات فيها، ولذلك ذكروا أنَّ رجلاً من الجند ناقش رجلاً من أصحابنا وقال له مفتخرًا عليه: «ما تفسير تورغا»؟ يشير إلى قتلهم الإمام أبا الخطَّاب ومن معه فأجابه صاحبنا بأنَّ «تفسيرها مغمداس فيها أربعة أكداس في كلِّ كدس أربعة آلاف» يشير إلى الوقعة المذكورة فسكت الجنديُّ وبهت، وكان صاحبنا حاذقًا نبيهًا إذ بادر بهذا الجواب القاطع المسكت للخصم.
ومكث أبو حاتم في الخلافة ما شاء الله، ثمَّ قتل شهيدًا رحمة الله عليه ودفن هو ومن معه من الشهداء بموضع يقال له: “جنبي” قرب جبل “ككله” وقبره هناك مشهور يزار إِلىَ يومنا هذا. (وشهد) العرب المجاورون له النور على قبره مراراً، وما ارتفع إِلاَّ بعد أن دفن في حريمه أعرابيٌّ مات بالقرب منه.
(وذكر) المؤرِّخون أنَّه اجتمع لأبي حاتم من الجموع ما لم يجمع لأحد من أهل مذهبه قبله، إذ بلغ عسكره ثلثمائة ألف وثلاثين أو خمسين ألفًا. ولمَّا مات رحمه الله انتقلت الإمامة إلى أرض المغرب بمدينة تاهرت التي بناها عبد الرحمن بن رستم الفارسي ومن معه، حين خرجوا من القيروان بعد موت أبي الخطاب، وقد رأيت في بعض كتب غيرنا أنَّ عبد الرحمن بناها قبل مدينة فاس بخمسين سنة.
إمامة عبد الرحمن رضي الله عنه (2/332)
صفحة 833
ثمَّ عَقَد المسلمون الإمامة لعبد الرحمن بن رستم بالمدينة المذكورة عام 160 ستِّين ومائة من الهجرة، فاستقامت له الأمور ولم يخالف عليه أحد من المسلمين، ورضي عنه أهل المذهب كلُّهم، من كان بالمشرق والمغرب، ومكث في الخلافة ما شاء الله ومات رحمة الله عليه. انتهى
قد تمَّ بحمد الله هذا الكتاب وكان وقوع الفراغ من جمعه في يوم 19 من شهر رمضان سنة 1351. والحمد لله على كلِّ حال.
هذا آخر ما نقلته لمؤلِّفه الشيخ العالم الفقيه الحبر الندب، النبيه الأروع الزكي النزيه علاَّمة الزمان قاضي الأوان الفاضل سيِّدي سعيد الغيثي، أبقاه الله ومتَّعنا بحياته، ونفعنا بعلومه. آمين والحمد لله ربِّ العالمين.
بقلم الحقير المذنب بالتقصير، زاهر بن عبد الله بن موسى الكندي العماني النزوي، بيده بزنجبار المحروسة، وملكها اليوم السلطان: خليفة بن حارب بن ثويني بن سعيد بن الإمام، وعُمان بها إمام المسلمين: محمَّد بن عبد الله الخليلي.
///
فهارس كتاب إيضاح التوحيد
فهرس الآيات
فهرس الآيات القرآنية
سورة الفاتحة [1]
1 ... {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ... 8، 11، 15، 17، 18
5 ... {إيَّاك نعبد} ... 15
سورة البقرة [2]
6 ... {سواء عليكم أأنذرتم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} ... 249
20 ... {إنَّ الله على كلِّ شيء قدير} ... 311، 399
23 ... {قل فأتوا بمِن مِثلِه وادعوا شُهَدَاءَكم ...} ... 637
24 ... {فاتَّقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدَّت للكافرين} ... 566، 603
26 ... {إنَّ الله لا يستحي أن يضرب مثلاً...} ... 458
28 ... {كيف تكفُرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم} ... 484
29 ... {وهو بكلِّ شيء عليم} ... 40، 329
31 ... {وعلَّم آدم الأسماء كلَّها} ... 384
31 ... {أنبؤُني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} ... 248
32 ... {سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم} ... 604
43 ... {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ... 571، 639
67 ... {إنَّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} ... 435
96 ... {ولتجدنَّهم أحرص الناس على حياةٍ، ...} ... 487 (2/333)
صفحة 834
105 ... {فثم وجه الله} ... 438
105 ... {فأينما تولوا فثم وجه الله} ... 445
106 ... {ما ننسخْ من آية أو نُنسِها نأتِ بخير منها أو مثلها} ... 374
111 ... {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} ... 249
124 ... {إنِّي جاعلك للناس إماماً} ... 367، 824
124 ... {لا يَنَال عَهدِيَ الظالمين} ... 611، 632
129 ... {ربَّنا وابعث فيهم رسولاً منهم...} ... 621
134 ... {تلك أمَّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ... يعملون} ... 76، 159
159 ... {ويلعنهمُ اللاَّعنون} ... 502
163 ... {وإلهكم إله واحد لا إله إِلاَّ هو الرحمن الرحيم} ... 325
164 ... {إنَّ في خلق السموات والأرض واختلاف اللَّيل والنهار ...} ... 295
185 ... {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ... 247، 769، 805
186 ... {فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان} ... 457
195 ... {ولا تلقوا بأيديكم إِلىَ التهلكةِ} ... 707
206 ... {وإذا قيل له اتِّق الله أخذته العِزَّة بالإثم ...} ... 752
215 ... {قل ما أنفقتم من خير فلِلْوالدين...} ... 726
217 ... {ومن يرتَدِدْ منكم عن دينه فَيَمُتْ وهو كافرٌ ...} ... 774، 779
221 ... {ولا تنكحوا المشركات حتَّى يؤمنَّ ولأمَة مؤمنة خير...} ... 723
222 ... {إنَّ الله يحبُّ التوَّابين ويحبُّ المتطهِّرين} ... 359
235 ... {علم الله أنَّكم ستذكرونهنَّ} ... 315
245 ... {يقبض ويبسط} ... 438، 446
246 ... {والذين ينفقون أموالهم باللَّيل والنهار سرًّا وعلانية} ... 161
255 ... {ولا يحيطون بشيء من علمه إِلاَّ بما شاء} ... 562
255 ... {وسع كرسيّه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما...} ... 457
257 ... {الله وليُّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور...} ... 649
258 ... {ربِّيَ الذي يُحيِي ويُميتُ} ... 484
264 ... {يا أيُّها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى} ... 783
275 ... {وأحلَّ الله البيع وحرَّم الربا} ... 432
285 ... {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربِّه والمؤمنون...} ... 469
286 ... {لا يكلِّف اللهُ نفسا إِلاَّ وُسعها} ... 245، 246، 276، 293، 766
286 ... {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ... 618، 742، 644 (2/334)
صفحة 835
286 ... {ربَّنا لا تؤاخدنا إن نسينا أو أخطأنا ربَّنا ولا تحمل علينا إصرًا ...} ... 529
286 ... {ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به} ... 247
سورة آل عمران [3]
4 ... {نزَّل عليك الكتاب بالحقِّ مصدِّقًا لما بين يديه...} ... 375
7 ... {هو الذي أنزل عليك الكتاب...} ... 440
7 ... {فيه آيات محكمات هنَّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات...} ... 437
18 ... {شهد الله أنَّه لا إله إِلاَّ هو والملائكة وأولوا العلم} ... 238
28 ... {ويحذركم الله نفسه} ... 438، 444
76 ... {بلى من أوفى بعهده واتَّقى فإنَّ الله يحب المتَّقين} ... 145
77 ... {إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلاً ...} ... 803
86 ... {كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم...} ... 653
89 ... {إِلاَّ الذين تابواْ} ... 653
97 ... {ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا} ... 247، 714
97 ... {ومن كفر فإنَّ الله غني عن العالمين} ... 283، 661
110 ... {كنتم خير أمَّة أخرجت للناس ...} ... 189
120 ... {إن تمسسكم حسنة تسؤهم، وإن تصبكم سيِّئة يفرحوا بها} ... 756
133 ... {أعدَّت للمتَّقين} ... 603
135 ... {والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله...} ... 739
135 ... {ولم يصرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون} ... 713، 787، 788
140 ... {وتلك الأيَّام نداولها بين الناس} ... 109
142 ... {أم حسبتم أنَّ تدخلوا الجنَّة ولمَّا...} ... 442
144 ... {ومبشِّرًا برسول يأتي من بعديَ اسمه أحمد} ... 35
146 ... {ربَّنا اغفِر لنا ذُنُوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا وثَبِّت أقدامَنا ...} ... 841
169 ... {ولا تحسبنَّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياءٌ ...} ... 547
185 ... {كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ} ... 485
192 ... {ربَّنا إنَّك من تدخل النار فقد أخزيته} ... 715
194 ... {وآتنا ما وعدتنا على رُسُلك ولا تُخزِنا ...} ... 248
سورة النساء [4]
5 ... {ولا تؤتوا السفهاءَ أموالكم} ... 707
6 ... {فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم} ... 136
14 ... {ومن يعص الله ورسوله ويتعدَّ حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها ...} ... 809 (2/335)
صفحة 836
18 ... {وليست التوبة للذين يعملون السيِّئات حتَّى إذا حضر ...} ... 737، 782، 797
28 ... {يريد الله أن يخفِّف عنكم وخُلق الإنسان ضعيفا} ... 247
31 ... {إن تجتنبوا كبائرَ ما تُنهَون عنه نكفِّر عنكم سيِّئاتكم} ... 712
47 ... {وكان أمر الله مفعولاً} ... 371
48 ... {إنَّ الله لا يغفرُ أن يُشرَكَ به ويغفِرُ ما دونَ ذلك لمن يشاءُ} ... 607، 249
54 ... {أَم يَحْسدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُم اللهُ مِنْ فَضْلِهِ} ... 754
56 ... {كلَّما نضجت جلودُهم بدَّلناهم جُلودًا ليذوقوا العذابَ} ... 586، 597
59 ... {يا أيُّها الذين أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ... 357، 731
65 ... {لئلاَّ يكون للناس على الله حجَّة بعد الرسل} ... 620
78 ... {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} ... 452
82 ... {أفلا يتدبَّرون القرآن...} ... 441
89 ... {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء} ... 754
93 ... {ومن يقتل مؤمنا متعمِّدا فجزاؤه جهنَّم خالدا فيها...} ... 279، 604، 802
103 ... {إنَّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} ... 565
106 ... {واستغفر الله إنَّ الله كان غفورًا رحيمًا} ... 742
110 ... {... ثمَّ يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} ... 736
115 ... {ومن يَّتَّبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولَّى ونصله جهنَّم وساءت مصيرًا} ... 82
116 ... {إنَّ الله لا يغفرُ أن يُشرَكَ به ويغفِرُ ما دونَ ذلك لمن يشاءُ} ... 607
129 ... {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} ... 248
129 ... {فلا تميلوا كلّ الميل فتذروا كالمعلَّقة} ... 248
136 ... {ومن يكفر بالله وملائكته...} ... 469
141 ... {ولن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا} ... 173، 767
147 ... {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} ... 252، 458، 528، 643
163 ... {وآتينا داوُودَ زَبُورًا} ... 481
164 ... {وكلَّم الله موسىا تكليما} ... 439، 450
171 ... {رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} ... 372
سورة المائدة [5]
2 ... {وتعاونوا على البرّ والتقوى} ... 238
2 ... {واتَّقوا الله إنَّ الله شديد العقاب} ... 735 (2/336)
صفحة 837
3 ... {اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي ..} ... 354
5 ... {وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم وطعامكم حلٌّ لهم...} ... 723
5 ... {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} ... 734، 774
6 ... {أو جاء أحد منكم من الغائط} ... 435
19 ... {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ...} ... 617
23 ... {قال رجلان من الذين يخافون أَنعَم الله عليهما...} ... 663
27 ... {إِنَّمَا يتقبَّل الله من المتَّقين} ... 629، 659، 773
35 ... {يا أيُّها الذين آمنوا اتَّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} ... 58
41 ... {ولم تؤمن قلوبهم} ... 259
44 ... {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ... 280، 283، 715
54 ... {يا أيُّها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه} ... 100
54 ... {فسوف يأتي الله بقوم يحبُّهم ويحبُّونه} ... 223
64 ... {وقالت اليهود يد الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولعنوا بما قالوا ...} ... 445
64 ... {بل يداه مبسوطتان} ... 438
64 ... {وليزيدَنَّ كثيرا منهم ما أُنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} ... 242
67 ... {يا أيُّها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربِّك} ... 630
77 ... {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ...} ... 118
79 ... {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} ... 729
80 ... {لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سخِطَ اللهُ عليهم ...} ... 575
82 ... {ذلك بأنَّ منهم قسّيسين ورهبانا وأنَّهُم لا يستكبرون} ... 812
84 ... {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحقّ} ... 263
100 ... {قل لا يستوي الخبيث والطيِّب، ولو أعجبك كثرة الخبيث} ... 110
103 ... {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} ... 352، 366
105 ... {لا يضرُّكم من ضلَّ إذا اهتديتم...} ... 731
سورة الأنعام [6]
1 ... {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ...} ... 365
1 ... {وجعل الظلمات والنور} ... 366
28 ... {ولو ردّوا لعادوا لما نُهُوا عنه} ... 315، 319
50 ... {ولا أعلم الغيبَ} ... 543
60 ... {وهو الذي توفَّاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار...} ... 560
61 ... {حتَّى إذا جاء أحدَكم الموتُ توفَّته رسلُنا وهم لا يفرِّطون} ... 484، 485، 494 (2/337)
صفحة 838
88 ... {ولو أشرَكوا لَحَبِطَ عنهم ما كانوا يعملون} ... 774
90 ... {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ... 118
91 ... {ما أنزل الله على بشر من شيء} ... 368
93 ... {ولو ترى إذِ الظالمون في غَمَرات الموتِ} ... 486، 488
93 ... {إِذِ الظَّالِمُونَ ِفي غَمَرَاتِ المَوتِ والمَلا ئِكَةُ بَاِسطوا أَيدِيهِم} ... 513
93 ... {أخرِجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون} ... 486
94 ... {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوَّل مرَّة وتركتم ما خوَّلناكم ...} ... 487
94 ... {اليوم تجزون عذاب الهون} ... 513
94 ... {لقد تَقَطَّعَ بينكم} ... 861
102 ... {خالق كلِّ شيء} ... 355
103 {لا تدركه الأبصار} ... 418، 422، 431
112 ... {شياطين الإنس والجنِّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا} ... 818
121 ... {وإن أطعمتموهم إنَّكم لمشركون} ... 718
130 ... {يا معشر الجنِّ والإنس ألم يأتكم رسل منكم...} ... 344
153 ... {وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوه ولا تتَّبعوا السبل ...} ... 811
158 ... {يومَ يأتي بعضُ آياتِ ربِّك لا يَنفعُ نفسًا إيمانُها ...} ... 677
164 ... {ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزرَ أخرى} ... 552، 795
سورة الأعراف [7]
2 ... {ألمص، كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج ...} ... 373
3 ... {اتَّبعوا ما أُنزل إليكم من ربّكم} ... 617
20 ... {ما نَهَاكما ربُّكما عن هذه الشجرةِ} ... 633
23 ... {ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفِرْ لنا وترحمْنا ...} ... 578
27 ... {إنَّه يراكم هو وقبيله} ... 527
28 ... {إِنَّ الله لا يأمر بالفحشاء} ... 707
34 ... {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} ... 536
40 ... {لا تفتَّح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنَّة ...} ... 496، 530
43 ... {ونُودُوا أنْ تِلكُمُ الجنَّةُ أورِثتُموها بما كنتم تَعملون} ... 601
46 ... {وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاًّ بسيماهم} ... 790
46 ... {وعلى الأعراف رجال} ... 471، 788، 790
52 ... {ولقد جئناهم بكتاب فصَّلناه على علم} ... 373، 374
99 ... {فلا يأمن مكر الله إِلاَّ القوم الخاسرون} ... 453
102 ... {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين...} ... 214، 818 (2/338)
صفحة 839
143 ... {ولكن انظر إلى الجبل، فان استقرَّ مكانه فسوف تراني...جعله دكاًّ} ... 447-448
143 ... {فلما تجلَّى ربه للجبل} ... 439، 447
146 ... {سأصرف عن آياتي الذين يتكبَّرون في الأرض بغير الحقِّ} ... 749
157 ... {الذِي يَجِدُونَه مكتُوبًا عندَهُم في التوراةِ والاِنجِيل} ... 481
159 ... {ومن قوم موسى أمَّة يهدون بالحقِّ وبه يعدلون} ... 812
186 ... من يضلل الله فلا هادي له} ... 215، 820
189 ... {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها} ... 365
سورة الأنفال [8]
3-4 ... {الذين يقيمون الصلاة وممَّا رزقناهم ينفقون ...} ... 571
38 ... {قل للذين كفروا إن يَنتَهوا يُغفَرْ لهم ما قد سَلَفَ} ... 666، 766
39 ... {وقاتلوهم حتَّى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه } ... 723
41 ... {واعلموا أنَّمَا غنِمْتُم من شيء فأنَّ لله خُمُسه وللرسول و...} ... 725
42 ... {ليهلك من هلك عن بيِّنة ويحي من حيي عن بيِّنة} ... 158، 807
42 ... {ليقضيَ الله أمرًا كان مفعولاً} ... 857
50 ... {يضربون وجوههم وأدبارهم} ... 513
63 ... {لو انفقت ما في الاَرض جميعا ما ألَّفت بين قلوبهم ...} ... 194
72 ... {وإنِ استَنصَرُوكُم في الدينِ فَعَليكمُ النَّصْرُ} ... 660
74 ... {والذين آوَوْا وَنَصَروا...} ... 670
سورة التوبة [9]
1 ... {براءة من الله ورسولِه إلى الذين عاهدتم من المشركين...} ... 653
24 ... {إِنَّمَا المشركون نجس...} ... 721
29 ... {حتَّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ... 723
30 ... {قاتلهم الله أني يؤفكون} ... 449
32 ... {ويأبى الله إِلاَّ أن يتمُّ نوره} ... 190
46 ... {ولو أرادوا الخروج لأعدُّوا له عُدَّة} ... 65، 147
34،35 {والذين يكنزون الذهب والفضَّة ولا ينفقونها في سبيل الله ...} ... 572
71 ... {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر...} ... 729
80 ... {إن تستغفر لهم سبعين مرَّة فلن يغفر الله لهم} ... 249
88 ... {لكن الرسول والذين ءامنوا معه ...} ... 161
100 ... {والسابقون الأوَّلون من المهاجرين ...} ... 161
101 ... {سَنُعَذِّبُهُم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} ... 513 (2/339)
صفحة 840
102 ... {خَلَطُوا عَملا صَالحاً وآخرَ سيِّئاً...عسى الله أن يتوب عليهم} ... 781
103 ... {خذْ من أموالِهم صدقةً تطهِّرهم وتزكِّيهم بها ...} ... 661، 781
108 ... {فيه رجال يحبُّون أن يتطهَّروا، والله يحبُّ المطَّهِّرين} ... 359
114 ... {وما كان استغفارُ ابراهيمَ لأبيه إلاَّ عن مَوْعِدَةٍ ...} ... 661
115 ... {وما كان الله ليضلَّ قوما بعد إذ هداهم ...} ... 191
118 ... {وعلى الثلاثة الذين خلِّفوا} ... 162
122 ... {فلولا نفر من كلِّ فرقة منهم طائفة ليتفقَّهوا في الدين} ... 238
125 ... {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} ... 242
128 ... {لقد جاءكم رسول...} ... 379
سورة يونس [10]
10 ... {وتحيَّتهم فيها سلام} ... 34
44 ... {إِنَّ الله لا يظلمُ الناسَ شيئًا ...} ... 249، 595، 641، 642
58 ... {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ...} ... 748
67 ... {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرًا} ... 365
68 ... {إن عندكم من سلطان بهذا} ... 449، 459، 466
90 ... {فلمَّا أدركه الغرق قال آمنَت أنَّه لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ به بنو إسرائيل ...} ... 798
سورة هود [11]
2 ... {ألمر، كتاب أحكمت آياته ثمَّ فُصِّلت ...} ... 373، 441
6 ... {وما من دابة في الارض إِلاَّ على الله رزقها} ... 241، 541
13 ... {قل لئن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ...} ... 374
13 ... {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} ... 249، 374
18 ... {ألاَ لعنة اللهِ على الظالمين} ... 662
40 ... {وما آمن معه إِلاَّ قليل} ... 214، 819
90 ... {واستغفروا ربَّكم ثُمَّ توبوا إليه} ... 742
108 ... {وَأَمَّا الذين سعدوا ففي الجنَّة خالدين فيها} ... 734
114 ... {إنَّ الحسنات يُذهِبن السيِّئات} ... 712، 793
117 ... {وما كان ربُّك ليهلك القرى بظلم} ... 250
119 ... {لأملأنَّ جهنَّم من الجِنَّة والناس أجمعين} ... 649
سورة يوسف [12]
2 ... {قرآناً عربيًّا} ... 482
3 ... {نحن نقصُّ عليك أحسن القصص} ... 376
31 ... {ما هذا بشرا إنْ هذا إِلاَّ ملك كريم} ... 473
87 ... {إنَّه لا ييأس من رَوْح الله إِلاَّ القوم الكافرون} ... 280
100 ... {وجاء بكم من البدو} ... 476 (2/340)
صفحة 841
109 ... {وما أرسلنا من قبلك إِلاَّ رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} ... 344
سورة الرعد [13]
1 ... {ألمر، تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربِّك الحقُّ} ... 374
24 ... {والملائكة يدخلون عليهم من كلِّ باب سلام عليكم بما صبرتم} ... 34
35 ... {أُكلُها دائم} ... 603
38 ... {لكلِّ أجل كتاب} ... 536
39 ... {يمحو اللهُ ما يشاء ويثبت، وعنده أمُّ الكتاب} ... 538
سورة إبراهيم [14]
1 ... {ألمر، كتاب أنزلناه إليك} ... 374
4 ... { وما أرسلنا من رسول إِلاَّ بلسان قومه} ... 415
15 ... {واستفتحوا وخاب كلُّ جبَّار عنيد} ... 749
20 ... {وما ذلك على الله بعزيز} ... 879
27 ... {يثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ...} ... 501، 517، 520
سورة الحجر [15]
5 ... {وما تسبق من أمَّة أجلَها وما يستأخرون} ... 536
27 ... {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} ... 478
40 ... {إلاَّ عبادَك منهم المخلَصين} ... 633
42 ... {إنَّ عبادي ليسَ لَكَ عليهم سلطانٌ} ... 633
49 ... {نبِّئ عبادي أنِّي أنا الغفور الرحيم} ... 736
سورة النحل [16]
1 ... {أتى أمر الله فلاتستعجلوه} ... 372
23 ... {إنَّه لا يحِبُّ المستكبرين} ... 749
27 ... {إنَّ الخزيَ اليوم والسوء على الكافرين} ... 715
30 ... {ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقينَ} ... 659
44 ... {وأنزلنا إليك الذكر لتُبَيِّن للناسِ ما نُزِّل إليهم...} ... 375
53 ... {وما بكم من نعمة فمن الله} ... 742
81 ... {وجعل لكم من الجبال أكناناً} ... 365
90 ... {إِنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاء ذِي القربَى...} ... 707، 729
106 ... {وقلبه مطمئن بالإيمان} ... 269
107 ... {ذلك بأنَّهم استحبُّوا الحياة الدنيا على الآخرة} ... 487
111 ... {يومَ تأتي كلُّ نفسٍ تُجادِل عن نفسِها} ... 593
125 ... {وجادلهم بالتي هي أحسن} ... 380
سورة الإسراء [17]
1 ... {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} ... 261
9 ... {إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} ... 617
12 ... {وجعلنا الليل والنهار آيتين} ... 366
15 ... {وما كنَّا معذِّبين حتَّى نبعث رسولا} ... 240، 321، 322، 323، 620
15 ... {ومن ضلَّ فإنَّما يضلُّ عليها} ... 194 (2/341)
صفحة 842
23 ... {إمَّا يبلغنَّ عندك الكِبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ} ... 590-591
32 ... {ولا تقربوا الزنى} ... 643، 707
32 ... {ولا تقربوا الفواحش} ... 643
36 ... {ولا تقف ما ليس لك به علم ...} ... 118، 157، 543، 701
36 ... {إنَّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا} ... 761
50 ... {قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا ما يكبر في صدوركم} ... 248
85 ... {قل الروح من أمر ربِّي} ... 542
86 ... {ولئن شئنا لنذهبنَّ بالذي أوحينا إليك} ... 372
110 ... {قل ادعو الله...} ... 379
سورة الكهف [18]
7 ... {إنا جعلنا ما على الارض زينة لها} ... 366
18 ... {وتحسبهم أيقاظا وهو رُقودٌ} ... 561
19 ... {وكذلك بَعثناهم ليتساءلوا بينهم، ...} ... 561
49 ... {ولا يظلِمُ ربُّك أحدًا} ... 642
99 ... {ونفخ في الصور} ... 603
105 ... {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} ... 783
107 ... {إِنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنَّات الفردوس...} ... 734
110 ... {ولا يشرك بعبادة ربِّه أحدا} ... 757
سورة مريم [19]
57 ... {ورفعناه مكانًا عليًّا} ... 504، 505
59 ... {فخلف من بعدهم خَلْفٌ أضاعوا الصلاةَ ...} ... 565
62 ... {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيَّا} ... 556
63 ... {تلك الجنَّة التي نورث من عبادنا من كان تقيًّا} ... 44، 45، 660، 629
64 ... {وما كان ربُّك نسيًّا} ... 124
65 ... {هل تعلم له سميَّا} ... 333
66-68 {ويقول الإنسان أإذا ما متُّ لسوف أُخرج حيًّا...} ... 384
71-72 {وإن منكم إلاَّ واردُها كان على ربِّك حتمًا مقضيًّا ...} ... 595
سورة طه [20]
5 ... {الرحمن على العرش استوى} ... 439، 448، 453
8 ... {له الأسماء الحسنى} ... 341
39 ... {ولتصنع على عين} ... 438، 444، 452
46 ... {إنني معكما أسمع وأرى} ... 324
74،75 {إنَّه من يأتِ ربَّه مجرما فإنَّ له جَهَنَّم ...} ... 780
82 ... {وإنِّي لغفَّار لمن تاب...} ... 736، 607
103-104 {يوم نحشر المجرمين يومئذٍ زُرقًا يَتخافتون بينهم ...} ... 561
114 ... {وقل ربِّ زدني علمًا} ... 37، 39، 40
115 ... {ولقد عَهِدنا إلى آدم من قبلُ فنسِيَ} ... 633
124 ... {فإنَّ له معيشة ضنكًا} ... 503، 514 (2/342)
صفحة 843
133 ... {أو لم تأتهم بيِّنة ما في الصحف الأولى} ... 622
سورة الأنبياء [21]
1 ... {فهم في غفلة معرضون} ... 323
2 ... {ما يأتيهم من ذكر من ربِّهم محدث} ... 362، 367
18 ... {بل نقذف بالحقِّ على الباطل فيدمغه ...} ... 381
19 ... {لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون...} ... 470
20 ... {يسبِّحون الليل والنهار لا يفترون} ... 470
22 ... { لو كان فيهما آلهة إِلاَّ الله لفسدتا} ... 325، 406 ، 408
23 ... {لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون} ... 42، 244، 528، 649
26 ... {عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} ... 469، 470، 473
28 ... {ولا يَشفَعون إلاَّ لمن ارتضَى} ... 611
103 ... {لا يحزنهم الفزع الأكبر} ... 554
112 ... {ربِّ احكم بالحقِّ} ... 247
سورة الحج [22]
9 ... {إنَّا نحن نزَّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون} ... 375
17 ... {إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين و...} ... 727
19-21 {من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم ...} ... 597
25 ... {ومن يُّرِد فيه بإلحاد بظلمٍ} ... 761
31 ... {ومن يشركْ باللهِ فكأنَّما خرَّ من السماء ...} ... 496، 530
45 ... {وبئر معطَّلة وقصر مَشيد} ... 256
46 ... {فإنَّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ... 293
52 ... {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيء} ... 475
78 ... {ما جعل عليكم في الدين من حرج} ... 247، 769
78 ... {ملَّة أبيكم إبراهيمَ هو سمَّاكم المسلمين من قَبْلُ} ... 651
سورة المؤمنون [23]
112-113 {قالوا كم لبِثتُم في الأرض عدد سنين؟ قالوا لبثنا يومًا أو بعض يومٍ} ... 561
100 ... {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربِّ ارجعون ...} ... 798
سورة النور [24]
13 ... {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء...} ... 741، 745
15 ... {ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} ... 157
17 ... {سبحانك هذا بهتان عظيم} ... 423، 466، 872
23 ... {والذين يرمون المحصنات الغافلات المومنات} ... 162
31 ... {وتوبوا إلى الله جميعًا أيُّها المؤمنون لعلَّكم تُفلِحُون} ... 736، 737، 742
35 ... {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح...} ... 439، 447 (2/343)
صفحة 844
55 ... {وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ...} ... 161
سورة الفرقان [25]
45 ... {ثمَّ جعلنا الشمسَ عليه دليلاً} ... 366
68-70 {والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس ...} ... 605، 659، 736
70 ... {فأولئك يبدل الله سيِّئاتهم حسنات} ... 774، 780، 783
78 ... {إلاَّ من تاب} ... 736
سورة الشعراء [26]
5 ... {ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث} ... 362
21 ... {فَفَرَرْتُ منكم لمَّا خِفتُكم} ... 214، 819
54 ... {إنَّ هؤلاء لشردمة قليلون} ... 214، 819
69-74 {واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه...وكذلك يفعلون} ... 380
165-166 {أتأتون الذُّكران من العالَمين وتَذَرون ما خلق لكم ربُّكم ...} ... 578
193 ... {نزل به الروح الأمين} ... 372، 438، 444
214 ... {وأنذِرْ عشيرتَك الأقرَبين} ... 613
227 ... {إِلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ... 809
227 ... {فسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون} ... 143
سورة النمل [27]
50 ... {ومكروا مكراً ومكرنا مكراً} ... 453
61 ... {أمن جعل الارض قرارًا وجعل خلالها أنهارًا} ... 365
80 ... {إنَّك لا تسمع الموتى} ... 550
سورة القصص [28]
20 ... {وجاء رجلٌ من أقصى المدينة...} ... 663
80 ... {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير} ... 239
88 ... {كلُّ شيءٍ هالكٌ إِلاَّ وجهَهُ} ... 438، 445، 452، 603
سورة العنكبوت [29]
13 ... {وليحملُن أثقالَهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألُنَّ يوم القيامة...} ... 796
26 ... {فآمن له لوط وقال إنِّي مهاجر إلى ربِّي} ... 819
26 ... {إني مهاجر إلى ربِّي} ... 214
49 ... {بل هو آياتٌ بيِّناتٌ في صدور الذين أوتوا العلم} ... 838
60 ... {وكأيِّن من دابَّة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإيَّاكم} ... 539، 541
سورة الروم [30]
47 ... {وكان حقًّا علينا نصرُ المومنين} ... 241
55 ... {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة...} ... 555، 558، 561
سورة لقمان [31]
2 ... {تلك آيات الكتاب الحكيم} ... 441
80 ... {وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} ... 257
سورة السجدة [32]
11 ... {قل يتوفَّاكم ملك الموت الذي وُكِّل بكم} ... 484، 485 (2/344)
صفحة 845
17 ... {جزاء بما كانوا يعملون} ... 599
18 ... {أفمن كان مؤمنًا كمن فاسقًا، لا يستوون} ... 610
سورة الأحزاب [33]
24 ... {ويعذّب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم} ... 607
33 ... {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} ... 162
38 ... {وكان أمر الله قدَرًا مقدورًا} ... 371
56 ... {إنَّ الله وملائكته يصلُّون على النبيِّ} ... 49
56 ... {يآ أيُّها الذين آمنوا صَلُّوا عليه وسلِّموا تسليمًا} ... 48
62 ... {سنَّة الله التي قد خلت من قبلُ، ولن تجدَ لسنَّة الله تبديلا} ... 109
70 ... {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} ... 256
سورة سبأ [34]
3 ... {لا يعزُب عنه مثقال ذرَّة في السماوات ولا في الأرض} ... 457
13 ... {وقليل من عبادي الشَّكور} ... 111، 214، 819
17 ... {وهل نجازي إِلاَّ الكفور} ... 280، 715
20 ... {ولَقد صَدَقَ عليهم إِبليسُ ظَنَّه ...} ... 632
سورة فاطر [35]
2 ... {ما يفتحِ اللهُ للناسِ من رحمةٍ فلا مُمسِكَ لها} ... 675
3 ... {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} ... 465
10 ... {إليه يصعد الكلم الطيب} ... 257
10 ... {والعمل الصالح يرفعه} ... 257
15 ... {يا أيُّها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} ... 332
18 ... {ولا تزرُ وازرة وزر أخرى} ... 501
28 ... {إنَّما يخشى الله من عباده العلماءُ} ... 239
34 ... {الحمد لله الذي أذهب عنَّا الحزن} ... 258
سورة يس [36]
6 ... {لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} ... 321، 323، 323، 621
7 ... {لقد حقّ القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} ... 250، 323
10 ... {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} ... 250
14 ... {إذْ أرسلنا إليهمُ اثنينِ فكذَّبوهما فعزَّزنا بثالثٍ...} ... 663
52 ... {قالوا يا ويلنا مَن بَعَثَنا من مرقدنا} ... 558
65 ... {اليوم نَختِم على أفواهِهم وتُكلِّمُنا أيدِيهِم وتَشهدُ أرجُلُهم} ... 594
71 ... {وممَّا عملت أيدينا أنعاماً} ... 446، 452
81 ... {أوَ لَيس الذي خلق السموات الآرض بقادر على أن يخلق مثلهم ...} ... 305
83 ... {فسبحان الذي بيده ملكوت كلِّ شيء} ... 450
سورة الصافات [37] (2/345)
صفحة 846
35 ... {إنَّهم كانوا إذا قيل: لهم لا إله إِلاَّ الله يستكبرون} ... 256
سورة ص [38]
24 ... {إِلاَّ الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} ... 111، 214، 819
75 ... {لما خلقت بيديَّ} ... 445، 452
سورة الزمر [39]
6 ... {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} ... 376
7 ... {ولا يرضى لعباده الكفر} ... 310، 646
7 ... {ومن يهدي الله فما له من مضلٍّ} ... 814
23 ... {كتابا متشابها مثاني} ... 441
42 ... {الله يتوفَّى الأنفسَ حين موتِها والتي لم تَمُتْ في منامِها ...} ... 482، 483، 560
47 ... {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} ... 493
53 ... {قل يا عباديَ الذين أسرَفوا على أنفسهم ...} ... 607
53 ... {إنَّ الله يغفر الذنوب جميعاً} ... 736
56 ... {على ما فرطَّت في جنب الله} ... 439، 446
62 ... {خالقُ كلِّ شيء} ... 350
67 ... {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة} ... 438، 446، 452
67 ... {والسماوات مطويَّات بيمينه} ... 438، 446
73 ... {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} ... 554
سورة غافر [40]
11 ... {ربَّنا أمتَّنا اثنتين وأحييتَنا اثنتين} ... 563
16 ... {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} ... 446، 557
17 ... {لا ظلم اليوم} ... 602
19 ... {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} ... 458
28 ... {وقال رجلٌ مؤمنٌ من آل فرعونَ} ... 663
35 ... {كذلك يطبع الله على كلِّ قلب متكبِّر جبَّار} ... 749
45 ... {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} ... 556
46 ... {النار يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا ويوم تقوم الساعة ...} ... 555، 556
60 ... {اُدعوني أستجبْ لكم} ... 733
60 ... {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنَّم داخرين} ... 749، 751
78 ... {مِنهم مَن قصصنا عليكَ ومِنهم من لم نقصص عليك} ... 41
85 ... {فلم يك ينفعهم إيمانهم لمَّا رأوا بأسنا} ... 798
سورة فصلت [41]
20 ... {إذا ما جاؤوهَا شَهِدَ عليهم سمعُهم وأبصارُهم...} ... 594
22 ... {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم و...} ... 447
26 ... {وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا ِلهَذَا القُرْآنِ ...} ... 752
30 ... {إنَّ الذين قالوا ربُّنا اللهُ ثُمَّ استقاموا تتنزَّل عليهم الملائكة...} ... 491، 660، 809 (2/346)
صفحة 847
38 ... {فالذين عند ربك يسبِّحون له بالليل والنهار...} ... 470
46 ... {وما ربُّك بظَلاَّمٍ للعبيدِ} ... 642
سورة الشورى [42]
11 ... {جعل لكم من أنفسكم أزواجًا} ... 365
11 ... {ليس كمثله شيء} ... 350، 403، 431، 440، 452
13 ... {شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحا...} ... 218، 638
23 ... {لا أسألكم عليه أجرا إِلاَّ المودَّة في القربى} ... 162
30 ... {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ...} ... 712
52 ... {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ...} ... 371، 372
52 ... {ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا} ... 365
سورة الزخرف [43]
3 ... {إنَّا جعلناه قرآنا عربيًّا لعلَّكم تعقلون} ... 348، 364، 365
12 ... {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} ... 365
19 ... {وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا} ... 471
20 ... {ما لهم بذلك من علم إن هم إِلاَّ يخرصون} ... 658
سورة الدخان [44]
1-2 ... {حمِ، والكتاب المبين، إنَّا أنزلناه في ليلة مباركة} ... 375
49 ... {ذُقْ إنَّك أنت العزيزُ الكريمُ} ... 596
56 ... {لا يذوقون فيها الموت إِلاَّ الموتة الأولى} ... 557، 559
سورة الجاثية [45]
21 ... {أم حسب الذين اجترحوا السيِّئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ..} ... 610، 809
33 ... {وبدا لهم سيِّئات ما عملوا} ... 493
سورة الأحقاف [46]
29 ... {فلمَّا حضروه قالوا : أنصتوا، فلمَّا قضي ولَّوا إلى قومهم منذِرين} ... 344
32 ... {ومن لم يُجِب داعيَ الله فليس بمعجِزٍ في الأرض} ... 132
سورة محمَّد [47]
19 ... {فاعلم أنَّه لا إله إِلاَّ الله واستغفرْ لذنبِكَ ...} ... 432، 255، 660
19 ... {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} ... 704
24 ... {أفلا يتدبَّرون القرآن أم على قلوب أقفالها} ... 244
31 ... {ولنبولنَّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} ... 158
38 ... {وإن تتولَّوا يستبدل قوما غيركم} ... 224
سورة الفتح [48]
10 ... {يد الله فوق أيديهم} ... 445، 452
10 ... {ومن نكث فإنَّما ينكث على نفسه} ... 141
15 ... {يريدون أن يبدِّلوا كلام الله، قل لن تتبعونا...} ... 251 (2/347)
صفحة 848
29 ... {محمد رسول الله والذين معه أشدَّاء على الكفَّار رحماء بينهم} ... 35، 161، 262
سورة الحجرات [49]
2 ... {يا أيُّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتَكم فوق صوت النبيِّ ...} ... 586، 774، 783
9 ... {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} ... 269
9 ... {فإن بغت إحداهما على الأخرى ...} ... 151
13 ... {يا أيُّها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى...} ... 137
14 ... {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} ... 259
14 ... {ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبكم} ... 259، 269
سورة ق [50]
05 ... {ما يبدَّل القول لديَّ وما أنا بظلاَّم للعبيد} ... 734
9 ... {ونزَّلنا من السماء ماءً مباركًا} ... 376
16 ... {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ... 455، 456
19 ... {وجاءت سكرةُ الموتِ بالحقِّ ذلك ما كنت منه تحيد} ... 492
21 ... {وجاءت كلُّ نفسٍ معها سائقٌ وشهيدٌ} ... 594
22 ... {فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} ... 447
29 ... {ما يُبدَّل القولُ لَدَيَّ ومَا أنا بِظَلاَّم للعبيدِ} ... 650
30 ... {يقول لجهنم: هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد؟} ... 453
سورة الذاريات [51 ... ]
36 ... {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} ... 214، 819
56 ... {وما خلقت الجنَّ والإنس إِلاَّ ليعبدون ...} ... 332، 624
سورة النجم [53]
3 ... {لا ينطق عن الهوى إن هو إِلاَّ وحي يوحى} ... 617 ، 626، 664
9 ... {قاب قوسين أو أدنى} ... 456
14 ... {ثمَّ رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى} ... 444
43 ... {وأنَّه هو أضحك وأبكى} ... 644
سورة القمر [54]
14 ... {تجري بأعيننا} ... 444، 452
55 ... {في جنَّات ونهر في مقعَدِ صدقٍ عند مليك مُقتدِرٍ} ... 599
سورة الرحمن [55]
19،20 {مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان} ... 435
22 ... {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} ... 436
27 ... {ويبقى وجه ربك} ... 438، 452
27 ... {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام} ... 445، 603
46 ... {ولمن خاف مقام ربِّه جنَّتان} ... 601
سورة الواقعة [56]
47-50 {ائنَّا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون ...} ... 593
83 ... {فلولا إذا بلغت الحلقومَ وأنتم حينئذ تنظرون} ... 488
85 ... {ونحن أقرب إليه منكم} ... 455
سورة الحديد [57] (2/348)
صفحة 849
4 ... {وهو معكم أين ما كنتم} ... 458
45 ... {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} ... 376
سورة المجادلة [58]
7 ... {ما يكون من نجوى ثلاثة إِلاَّ هو رابعهم... } ... 457
19 ... {ألاَ إنَّ حزبَ الشيطان هم الخاسِرون} ... 632
22 ... {لا تجدُ قوماً يؤمنون باللهِ واليومِ الآخرِ يُوادُّون مَن حَادَّ اللهَ...} ... 45، 161، 662
22 ... {ألاَ إنَّ حزب الله هم المفلحون} ... 160
سورة الحشر [59]
7 ... {وما آتاكم الرسولُ فخُذُوه وما نَهاكم عنه فانتَهُوا...} ... 626، 637
8 ... {للفقراء المهاجرين الذين أُخرِجوا من ديارهم...} ... 670
9 ... {ومن يوقَ شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون} ... 135
12 ... {لئنْ أُخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ...} ... 319
16 ... {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر} ... 435
16-17 {كمَثَلِ الشيطانِ إذ قال للإنسانِ اكفر فلمَّا كفر قال ... } ... 663
سورة الممتحنة [60]
4 ... {لقد كانَ لكم أُسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم ...} ... 661
6 ... {لقد كان لكم فيهم أُسوةٌ حسنةٌ ...} ... 661
10 ... {فلا ترجعونهنَّ إلى الكفَّار لا هنَّ حلٌّ لهم، ولا هم يحلُّون لهنَّ} ... 723
12 ... {يا أيُّها النبيُّ إذا جاءكَ المؤمناتُ...} ... 660
سورة الصف [61]
4 ... {إنَّ الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا ...} ... 161
سورة الجمعة [62]
3 ... {وآخرين منهم لمَّا يلحقوا بهم} ... 223
سورة المنافقون [63]
11 ... {وأنفقوا مِمَّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ...} ... 798
سورة التغابن [64]
7 ... {قلْ بَلَى وربِّي لتُبعثُنَّ...} ... 593
سورة الطلاق [65]
5 ... {ذلك أمر الله أنزله إليكم} ... 371
7 ... {لا يكلِّف اللهُ نفسا إِلاَّ ما آتاها} ... 246، 301
سورة التحريم [66]
4 ... {فإنَّ الله هو مولاه وجبريلُ وصالح المومنين} ... 162
6 ... {يا أيُّها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارًا} ... 729
6 ... {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} ... 470، 473، 662
8 ... {يا أيُّها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً} ... 736
8 ... {يوم لا يخزي الله النبيء والذين ءامنوا معه} ... 161
سورة الملك [67] (2/349)
صفحة 850
2 ... {الذي خَلَق الموتَ والحياةَ} ... 484
2 ... {ليبلوكم أيُّكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور} ... 158
10 ... {لو كنَّا نسمع أو نعقل} ... 419
سورة القلم [68]
35-36 {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون} ... 809
4 ... {وإنَّك لعَلَى خُلُقٍ عظيمٍ} ... 626، 635
42 ... {يوم يكشف عن ساق} ... 439، 447
سورة الحاقة [69]
17 ... {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} ... 436، 440
40 ... {إنَّه لقولُ رسول كريم} ... 42
سورة نوح [71]
16 ... {وجعل الشمس سراجًا} ... 365
سورة الجن [72]
3 ... {وإنَّه تعالى جدُّ ربِّنا} ... 453
19 ... {وأنَّه لمَّا قام عبد الله يدعوه} ... 261
23 ... {ومن يعص الله ورسوله فإنَّ له نار جَهَنَّم خالدين فيها أبداً} ... 604، 606، 735
26 ... {فلا يُظهر على غيبه أحدًا إِلاَّ من ارتضى من رسول} ... 79
سورة المزمل [73]
20 ... {علم أن سيكونُ منكم مرضى} ... 315
سورة المدثر [74]
11-17 {ذرني ومن خلقت وحيدا... سأرهقه صعودا} ... 250
30 ... {عليها تسعة عشر} ... 436
سورة القيامة [75]
18 ... {فإذا قرأناه فاتَّبع قرآنه، ثمَّ إنَّ علينا بيانه} ... 368
22-23 {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} ... 443
23 ... {إلى ربها ناظرة} ... 437
36 ... {أيحسب الإنسان أن يُّترَكَ سُدًى} ... 301، 624
سورة الإنسان [76]
1 ... {هَل أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ...} ... 753
8 ... {ويطعمون الطعام على حبِّه مسكينا ويتيما وأسيرا} ... 162
سورة النبأ [78]
14 ... {وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجَّاجًا} ... 376
20 ... {وسيِّرت الجبالُ} ... 603
سورة عبس [80]
17-22 {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ...} ... 753
21-22 {ثمَّ أماته فأقبرهُ ثُمَّ إذا شاءَ أنشره} ... 593
34-37 {يفرُّ المرءُ من أخيهِ، وأمِّه وأبيهِ، وصاحبتِه وبنيه...} ... 884
سورة التكوير [81]
22 ... {ومَا صاحبكم بمجنون} ... 42
سورة الأعلى [87]
18-19 {إنَّ هذا لفي الصحُف الأُولى صحف إبراهيم وموسى} ... 482
سورة الغاشية [88]
17-19 {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت ...} ... 295 (2/350)
صفحة 851
17 ... {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت} ... 245، 294
سورة الفجر [89]
22 ... {وجاء ربك والملك صفا صفا} ... 437، 443
سورة الليل [92]
10 ... {فأما من أعطى واتَّقى وصدَّق بالحسنى فسنيَسِّره لليسرى...} ... 490
17 ... {سيتجنَّبها الأتقى الذي يوتي ماله يتزكَّى} ... 162
سورة الضحى [93]
4 ... {وللآخرة خير لك من الأولى} ... 38
سورة العلق [96]
1 ... {اقرأ باسم ربِّك} ... 8
سورة القدر [97]
1 ... {إنَّا أنزلناه في ليلة القدر} ... 375
سورة البيِّنة [98]
7 ... {أولئك هم خير البريَّة} ... 172
سورة الزلزلة [99]
7 ... {فمن يعمل مثقال ذرَّة خيرا يره} ... 734
سورة التكاثر [102]
1-4 ... {ألهاكم التكاثر حتَّى زرتم المقابر كلاَّ سوف تعلمون...} ... 514، 525
سورة الماعون [107]
4-5 ... {فويل للمصلِّين الذين هم عن صلاتهم ساهون} ... 565
6-7 ... {الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون} ... 757
سورة المَسد [111]
1 ... {تبَّت يدا أبي لهب} ... 250
سورة الإخلاص [112]
1 ... {قل هو الله أحدٌ} ... 580
فهرس الأحاديث النبوية
1 «آباؤكم في النار» ... 322
2 «آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن فشربها...» ... 672
3 «آيتَّهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي إمرأة... » ... 165
4 «أبشر عمَّار! تقتلك الفئة الباغية». ... 672
5 «أبو عبيدة أمين هذه الأمَّة» ... 845
6 «أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة» ... 802
7 «أتاكم أهل اليمن والأنصار» ... 223
8 «أتاني جبريل - عليه السلام - فبشَّرني أنَّه من مات من أمَّتك لا يشرك بالله شيئًا ...» ... 258
9 «أتبِعِ السيِّئة الحسنة تمحها» ... 791
10 «أتدرون ما هذا الكتابان؟... أمَّا الذي في يميني: بسم الله الرحمن الرحيم » ... 489
11 «أتسمع ما أسمع...اسمع أصوات اليهود يعذبون في قبورهم» ... 517
12 «أحبُّ الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده» ... 28
13 «أحسنهم [المؤمنين] خلقًا» ... 507
14 «أخفى الله تعالى ثلاثة في ثلاثة: رضاه في طاعته...» ... 871
15 «أخوف ما أخاف على أمَّتي الإشراك بالله...» ... 758
16 «أدنى الرياء شرك، وأحبُّ العبيد إلى الله الأتقياء ...» ... 758 (2/351)
صفحة 852
17 «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ...» ... 285
18 «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ... 162، 216
19 «أصحابي لا تتَّخذو هم عرضا بعدي فمن أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم ...» ... 163
20 «أصيحابي أصيحابي» ... 155
21 «أفضل الذكر لا إله إِلاَّ الله، وأفضل الدعاء الحمد لله» ... 25
22 «أكثروا ذكر هادم اللذَّات، فإنَّكم إن ذكرتموه في ضيق وسعة عليكم...» ... 486، 507
23 «أكثروا عليَّ من الصلاة في يوم الجمعة فإنَّ صلاتكم معروضة عليَّ...» ... 548
24 «أكثروا من الصلاة عليَّ فإنَّها تحلُّ العقد، وتفرِّج الكرب» ... 52
25 «ألا أدلُّك على خير من هذا؟ سبحان الله، والحمد لله...» ... 30
26 «ألا إنَّ الإيمان ها هنا...إلخ» ... 221
27 «أمَّا أهل السعادة فييسَّرون لعمل أهل السعادة، ...» ... 490
28 «أمر بَانَ لك رُشدُه فاتَّبعه، وأمر بانَ لك غيُّه فاجتنبه...» ... 701
29 «أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إِلاَّ الله» ... 267
30 «أمره - صلى الله عليه وسلم - بغسل الإناء سبعًا من ولوغ الكلب» ... 359
31 «أمسك أربعا وفارق سائرهن» ... 433، 724
32 «أمسك أيتهما شئت» ... 433، 724
33 «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر...»، ... 646
34 «أنا سيِّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر». ... 34
35 «أنا عند المنكسرة قلوبهم» ... 883
36 «أنور هو فأراه؟» ... 420
37 «أهل النار كلُّ جواظ عتلٍّ مستكبر» ... 787
38 «أو قد رأيته؟ ذلك عدوَّ الله أبو جهل بن هشام...» ... 533
39 «أوحي إليّ أنَّكم تفتنون في القبور فيؤتى أحدكم في قبره ...». ... 545
40 «أوصيكم بالصلاة وبرِّ الوالدين، فإنَّه يزيد في العمر...». ... 591
41 «أوصيكم بالصلاة وما ملكت أيمانكم» ... 570
42 «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة. وإن تأمَّر عليكم عبدٌ» ... 731
43 «أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون» ... 790
44 «أولى الناس بي يوم القيامة أكثركم عليَّ صلاة» ... 50
45 «أيُّ آية في كتاب الله أعظم؟ ... » ... 378 (2/352)
صفحة 853
46 «أيُّما امرأة أدخلت عَلَى قوم من ليس منهم...» ... 803
47 «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها...» ... 434
48 «أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتَّى يرجع إليهِم» ... 285
49 «إذا أحبَّ عبدي لقائي أحببت لقاءه...». ... 487
50 «إذا أقعِد المؤمن في قبره أتي ثُمَّ شهد أن لا إله إِلاَّ الله ...» ... 517
51 «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار...» ... 760
52 «إذا تاب العبد عرجت الملائكة إلى السماء فيقولون...» ... 589
53 «إذا ترك الرجل فريضة واحدة متعمِّدًا كتب اسمه على باب النار...» ... 567
54 «إذا ذكر أصحابي فكفُّوا» ... 164
55 «إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا» ... 647
56 «إذا شرب الخمر أربع مرَّات سخط الله سبحانه وتعالى...». ... 586
57 «إذا صلَّيتم عليَّ فعمُّوا» ... 55
58 «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه...» ... 227، 776، 778
59 «إذا عملت سيِّئة فأحدث معها توبة: السرُّ بالسرِّ والعلانية بالعلانية» ... 740
60 «إذا قال العبد {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قال أهل الجنَّة: لبِّيك وسعديك» ... 20
61 «إذا كان العبد في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة...» ... 495
62 «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاَّ من ثلاث...» ... 546
63 «إذا وقعت النطفة في الأرحام، أوحى الله إلى ملك الأرحام ...» ... 490
64 «إذا وقعت في ورطة فقل: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}...» ... 18
65 «إن أحدثت ذنبا فأحدث عنده توبةً، إن سرًّا فسرًّا...» ... 792
66 «إنَّ أحدكم إذا بكى استعبر صويحبه، فيا عباد الله لا تعذّبوا إخوانكم». ... 554
67 «إنَّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشيِّ ...» ... 502، 515
68 «إنَّ أحدكم لَيعمل بعمل أهل النار حتَّى ما يكون بينه وبينها إلاَّ ذراع...» ... 780
69 «إنَّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمِّه أربعين يوما ...» ... 301
70 «إنَّ أخوف ما أخاف عليكم، الشرك الأصغر: الرياء...». ... 758 (2/353)
صفحة 854
71 «إنَّ أدنى أهل النار عذابًا يوم القيامة يتنعل بنعلين ...» ... 598
72 «إنَّ أشدَّ الناس عذابا يوم القيامة المصوِّرون» ... 195
73 «إنَّ أصحاب هذه الصور يعذَّبون يوم القيامة يقال لهم: احيوا ما خلقتم» ... 195
74 «إنَّ أهله ليبكون عليه وإنَّه ليعذَّب» ... 549
75 «إنَّ إبليس يقول ابغوا من بني آدم البغي والحسد...» ... 755
76 «إنَّ الزناة يأتون يوم القيامة تشعل وجوههم ناراً...» ... 575
77 «إنَّ العبد إذا شرب شربة من الخمر أسودَّ قلبه...» ... 585
78 «إنَّ العبد إذا وُضع في قبره وتولَّى عنه أصحابه، وإنَّه ليسمع قرع نعالهم ...» ... 519، 524
79 «إنَّ العبد المؤمن إذا كان انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة...» ... 529
80 «إنَّ الله أبى عليَّ فيمن قتل مؤمنا...» ... 802
81 «إنَّ الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد وكلُّ أمَّة جاثية ...». ... 759
82 «إنَّ الله تعالى لم يفرض شيئًا أفضل من التوحيد والصلاة» ... 61
83 «إنَّ الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، ... 798
84 «إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» ... 547
85 «إنَّ الله سيخلص رجلا من أمَّتي على رؤوس الخلائق ...». ... 784
86 «إنَّ الله عزَّ وجلَّ حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» ... 549
87 «إنَّ الله عزَّ وجلَّ يحبُّ من عبده أن يراه متضرِّعًا بين يديه...» ... 578
88 «إنَّ الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه» ... 501
89 «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ...» ... 799
90 «إنَّ الله يستحي أن يعذِّب من أطاعه» ... 454، 458
91 «إنَّ الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» ... 783
92 «إنَّ المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردا» ... 677
93 «إنَّ المجتهد إذا اجتهد إذا أخطأ فله أجر» ... 174
94 «إنَّ المسلم إذا ملك نصابًا وهو عشرون مثقالاً من الذهب ...». ... 571
95 «إنَّ المعلِّم إذا قال للصبيِّ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}...» ... 19
96 «إنَّ الميِّت لعذَّب ببكاء بعض أهله عليه» ... 553، 550 (2/354)
صفحة 855
97 «إنَّ الميِّت يعذَّب ببُكاء أهله؟». ... 549
98 «إنَّ روح القدس نفث في روعي: لن تموت نفس حتَّى يستكمل رزقها...» ... 539
99 «إنَّ شريعتي جاءت على ثلاثمائة وستين طريقة ...» ... 216
100 «إنَّ في الجنَّة جبلاً يقال له جبل الرحمة...» ... 20
101 «إنَّ في المغرب طائفة على الحقِّ لا يضرُّهم من ناوأهم» ... 206
102 «إن في جَهَنَّم سبعين ألف واد، في كلِّ واد سبعون ألف شعب...» ... 598
103 «إنَّ قومًا يأتون يوم القيامة وهم يقولون: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}...» ... 20
104 «إنَّ للموتَ لسكرات» ... 488
105 «إنَّ لله كنز ليس من ذهب ولا من فضَّة... » ... 100
106 «إنَّ معاوية باغ على عليٍّ وإنَّ عليا هو الخليفة الحقُّ» ... 174، 177
107 «إنَّ من صلَّى عليَّ واحدة صلَّى الله عليه عشرًا... ». ... 51
108 «إنَّ من قتله بطنه لم يعذَّب في القبر». ... 546
109 «إِنَّمَا قيل للجاهلية جاهلية لجهالة أهلها...» ... 766
110 «إِنَّمَا مثل الصلاة كنهر جارٍ على باب أحدكم يغتسل منه ...» ... 569
111 «إنَّهم ليبكون عليه، وإنَّه ليعذَّب بجرمه» ... 550
112 «إنهم ليبكون عليها وإنَّما لتعذَّب في قبرها» ... 550
113 «إنِّي لا أدري ما قدرُ بقائي فيكم فاقتدوا ...» ... 125
114 «إني لا أكره لفاطمة ميعة شبابه، وحداثة سنِّه» ... 849849
115 «إيَّاكم والحسد، فإنَّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». ... 754
116 «ائذنوا له، مرحبا بالطّيِّب المطيّب» ... 672
117 «اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب ...» ... 284
118 «اجتنبوا الكبر فإنَّ العبد لا يزال يتكبَّر ...». ... 749
119 «اجعل الحياة زيادة لي في كلِّ خير» ... 37
120 «احذروا الزنى فإنَّ فيه ستَّ خصال، ثلاثة: ...» ... 575
121 «اختلاف أمتي رحمة» ... 216
122 «استعيذوا بالله من عذاب القبر» ... 529
123 «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم...» ... 732
124 «اسم الله الأعظم هو الله...» ... 17
125 «اسم الله الأعظم: يا الله». ... 17 (2/355)
صفحة 856
126 «اِعتق رقبة، أو صمْ شهرين متتابعين أو إطعام ستِّين مسكينًا» ... 771
127 «اِعملوا فكلٌّ ميسّر لما خلق له، سدِّدوا وقاربوا ...». ... 490
128 «افترقت إليهود على إحدى وسبعين فرقة كلُّها هالكة ما خلى...» ... 84، 890
129 «اقبلوا الحقّ مِمَّن جاء به صغيرًا كان...» ... 422
130 «اِقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر...» ... 162، 671
131 «الأئمَّة من قريش» ... 732
132 «الأمراء من قريش ما عملوا فيكم بثلاث: ما رحموا إذا استرحموا... » ... 732
133 «الإسلام جبٌّ لما قبله» ... 666، 772
134 «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلاَّ الله ...» ... 609
135 «الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللِّسان وعمل بالأركان» ... 268، 609
136 «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» ... 771، 774، 783
137 «التسبيح نصف الميزان ...حتَّى تخلص إليه» ... 26
138 «التوبة مقبولة حتَّى تطلع الشمس من مغربها» ... 799
139 «الثيب أحق بنفسها من وليها» ... 434
140 «الحسد في اثنين: رجل آتاه الله القرآن فقام به وأحلَّ حلاله ...» ... 755
141 «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب...» ... 754
142 «الحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصَّبِر العسل» ... 754
143 «الحياة زيادة في كلِّ خير» ... 39
144 «الدالُّ على الخير كفاعله» ... 239
145 «السعيد من بطن أمِّه والشقيُّ من بطن أمِّه». ... 650
146 «الصلاة جامعة رحمكم الله» ... 612
147 «الصلاة ميزانك ومنتهى كيلك، فإذا وفّيت نجِّيت ...» ... 567، 568
148 «العلم صيد والكتابة قيد، قيِّدوا رحمكم الله تعالى علومكم بالكتابة...» ... 840
149 «القبر أوَّل منزلٍ من منازل الآخرة، والذي نفسي بيده ما القبر ...» ... 499
150 «القدر سرِّي، ولا ينبغي لأحد أن يطَّلع على سرِّي». ... 647
151 «القدريَّة خصماء الله في القدر» ... 301
152 «الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» ... 486
153 «اللعب بالنرد من عمل قوم لوط، والمسابقة بالحمير...» ... 580
154 «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء...» ... 647 (2/356)
صفحة 857
155 «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب جهنّم...» ... 501
156 «المؤذِّن المحتسب كالمتشحِّط في دمه، وإن مات لم يُدَوَّد» ... 547
157 «المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويوسّع له قبره أربعين ذراعًا...» ... 499
158 «المؤمن وقَّاف والمنافق وثَّاب» ... 701
159 «المؤمن يغبط والمنافق يحسد» ... 753
160 «المدَّعي ما ليس له والمنكر لمَا عليه كافران» ... 284
161 «الميِّت يعذَّب ببكاء الحيِّ، إذا قالت النائحة: ...» ... 554
162 «الميِّت يعذَّب في قبره بما ينحُّ عليه» ... 549
163 «الناس تبع لقريش» ... 732
164 «النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال لعمران بن حصين» ... 392
165 «الولد للفراش وللعاهر الحَجَر» ... 180، 182
166 «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ» ... 214، 818
167 «بدأ هذا الدين غريبًا، وسيعود غريبًا» ... 109
168 «بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء» ... 9
169 «بلوت اليهود فوجدتهم قد كذبوا على أخي موسى...» ... 812
170 «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» ... 283
171 «تالي القرآن له بكلِّ حرف عشر حسنات...» ... 382
172 «تحدَّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فإنَّه كانت منهم أعاجيب...» ... 506
173 «تركت فيكم واعظين ناطق وصامت...». ... 487
174 «تستحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم، وصيام أحدكم في جنب صيامهم» ... 145
175 «تضغط المؤمن في هذا ضغطة تردّ منها حمائله» ... 522
176 «تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك...» ... 646
177 «تعلَّموا البقرة وآل عمران، فإنَّ تعلُّمهما بركة...» ... 377
178 «تعوَّذوا بالله من جبِّ الحزن أو واد الحزن ...». ... 598
179 «تعوَّذوا من عذاب القبر» ... 500
180 «تقتلك الفئة الباغيَّة» ... 174، 673
181 «تمنَّى أن يكون مثله» ... 755
182 «ثلاثة لا يجدون ريح الجنَّة وإنَّ ريحها يشمُّ من مسيرة خمسمائة عام ...» ... 583
183 «جئت متمِّما لمكارم الأخلاق» ... 626
184 «جاءني جبريل بنظرة وبشاشة، فقلت: يا جبريل...» ... 54
185 «حتَّى الشوكة يشاكلها» ... 712
186 «حتى يضع الجبار فيها قدمه» ... 440 (2/357)
صفحة 858
187 «حتَّى يضع ربُّ العزَّة فيها قدمه فينزوي...» ... 453
188 «حين يقومون من قبورهم يقول: متى كنت في أهلي ...» ... 562
189 «خالفوا المشركين، جزُّوا الشوارب، ووفِّروا اللحى» ... 873
190 «خلُّوا سبيلهم حتَّى تصل إليهم الدعوة فإنَّ دعوتي تامَّة...» ... 722
191 «خير البشر آدم، وخير العرب أنا ولا فخر...» ... 379
192 «خير القرون قرني، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم» ... 110، 163
193 «دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء ...» ... 754
194 «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ... 360
195 «ذهب فرس له فأخذه العدوُّ، فظهر عليه المسلمون ...» ... 767
196 «رأيت رجلاً من أمَّتي جاءه الموت، وكان بارًّا بوالديه ...» ... 570
197 «رأيت ليلة المعراج ملكًا ساقطا على وجهه منزوع الأجنحة...» ... 53
198 «ربَّ مسرور مغبون لا يشعرُ، الويل لمن له الويل وهو لا يشعر..» ... 489
199 «رغم أنف من ذكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ» ... 46
200 «سباب المؤمن فسوق» ... 716
201 «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ... 283
202 «سبعة يلعنهم الله سبحانه تعالى يوم القيامة ولا ينظر إليهم ...» ... 580
203 «سبعين قصرًا لكلِّ قصرٍ سبعون بابًا من ذهب وفضَّة». ... 569
204 «ستَّة أشياء تحبط الأعمال: الاشتغال بعيوب الخلق...» ... 775
205 «سنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم...» ... 723
206 «سيأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه... » ... 111
207 «سيكذب علي فما وافق الكتاب فمنِّي...» ... 229
208 «شفاعتي لأهل الكبائر من أمَّتي» ... 612
209 «شقيَ عبدٌ ذكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ» ... 46
210 «صاحب الجنَّة يختم له بعمل أهل الجنَّة ...» ... 492
211 «ضمَّ سعد ضمَّة حتَّى صار مثل الشعرة فدعوت اللهَ عزَّ وجلَّ ففرَّج عنه» ... 522
212 «طوبى للغرباء... من يبغضهم أكثر مِمَّن يحبُّهم» ... 111
213 «عاقُّ والديه لو صلَّى وصام حتَّى بقي مثل الوتر...». ... 591
214 «عشرة من أمَّتي يسخط الله عليهم يوم القيامة: ....شيخ زانٍ...» ... 567 (2/358)
صفحة 859
215 «عشرة من هذه الأمَّة كُفَّار بالله العظيم، وإن ظنُّوا...» ... 716
216 «على ما أسلفت من خير» ... 774
217 «عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي» ... 162
218 «عليكم بهدي عمَّار وبهدي ابن أم عبد» ... 151
219 «فأكثر بالصلاة عليَّ فإنَّها تكشف الهموم والغموم...» ... 53
220 «فإن زدت فهو أفضل...إذن يكفيك الله أمرك في دنياك وآخرتك» ... 51
221 «فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه...» ... 526
222 «فتمسَّكوا بعهد ابن أم عبد واهتدوا بهدي عمار» ... 125
223 «فرق ما بين العبد والكفر تركه الصلاة» ... 281
224 «فسحقا فسحقا» ... 155
225 «فكِله إلى الله» ... 701
226 «فلا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» ... 715
227 «في أربعين شاة شاة» ... 433
228 «فيضع الجبار قدمه في النار فتقول: قط قط» ... 453
229 «قاتِل عمَّار، وسالبه في النار» ... 715
230 «قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن» ... 440، 454
231 «قولوا لا إله إِلاَّ الله تفلحوا» ... 256
232 «كان جبريل إذا جاءني بالوحي أوَّل ما يلقي عليَّ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}» ... 17
233 «كفى بالرجل إثما إذا قيل له: اتَّق الله أن يقول: عليك بنفسك» ... 752
234 «كلُّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فهو أبتر» ... 14
235 «كلُّ ابن آدم حسود، ولا يضرُّ حاسدا حسده حتَّى يتكلَّم ...» ... 755
236 «كُل بيمينك» ... 752
237 «كلُّ قوم في زينة من أمرهم، ومفلحون عند أنفسهم...» ... 377
238 «كلُّ كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» ... 14
239 «كلُّ مؤمن يفتن في قبره إِلاَّ الشهيد» ... 546
240 «كلُّ مسكر حرام، وكلُّ خمر حرام...» ... 583
241 «كلُّ مسكر حرام» ... 539
242 «كلُّ مولود يولد على الفطرة حتَّى ينطق لسان...» ... 701
243 «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان... » ... 27
244 «كم لك من إله؟ قال: عشرة، قال: فمن لغمِّك وكَربك، ...»، ... 392 (2/359)
صفحة 860
245 «كيف بك يا عمر إذا دخلت قبرك ودخل عليك فتَّانَا القبرِ منكر ونكير» ... 503
246 «لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إِلاَّ الله... » ... 30
247 «لا إله إِلاَّ الله حصني فمن دخل حصني آمن من عذابي» ... 257
248 «لا إله إِلاَّ الله...» ... 71
249 «لا إيمان لمن لا صلاة له» ... 283
250 «لا تحلُّ الزكاة لتارك الصلاة ولا تساكنوه ولا تحاسبوه ...» ... 568
251 «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ... 285
252 «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتَّى يسأل عن أربع...» ... 594
253 «لا تسبُّوا أصحابي فلو أنَّ أحدكم لو أنفق مثل...» ... 163
254 «لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمَّتي» ... 611
255 «لا حقَّ لعرق ظالم ولا ثواء على مال امرء مسلم» ... 767
256 «لا صغيرة مع الإصررا» ... 712
257 «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ... 129
258 «لا نكاح إِلاَّ بولي» ... 434
259 «لا يؤمن عبد حتَّى يؤمن بأربع: شهادة أن لا إله إِلاَّ الله... » ... 262
260 «لا يجتمعان في قلب مؤمن في مثل هذا الموطن إِلاَّ أعطاه الله ما يرجو...». ... 508
261 «لا يجد الشهيد من ألم الموت إِلاَّ كعضَّة قمَّلة» ... 505
262 «لا يجد ريح الجنَّة...» ... 606
263 «لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبَّة من خردل من إيمان...» ... 750
264 «لا يزال العبد يذهب بنفسه ويتكبَّر حتَّى يكتب في الجبَّارين ...» ... 749
265 «لا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه...» ... 455
266 «لا يزال هذا الأمر ــ يعني الولاية ــ في قريش ما دام فيهم رجلان» ... 732
267 «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» ... 280، 282، 718
268 «لا يقتل مؤمن بكافر» ... 197
269 «لا يمسح أحدكم وجهه من التراب إذا سجد في الصلاة...» ... 570
270 «لا، النوم أخو الموت، وأهل الجنَّة لا يموتون ولا ينامون» ... 559
271 «لتامرنّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليسلطنَّ عليكم شراركم...» ... 730
272 «لعلَّهم يكونون من رهط هذا» ... 100 (2/360)
صفحة 861
273 «لعن الله الخمرة وبائعَها وشاربها ومشتريَها» ... 583
274 «لعن الله المخنَّثين من الرجال، والمترجِّلات من النساء» ... 581
275 «لعن الله المرجئة على لسان سبعين نبيًّا قبلي...»، ... 609
276 «لعن الله النامصة، والمتنمِّصة، والواصلة...» ... 875
277 «لقد تضايقت على هذا الرجل الصالح قبره، ثمَّ فرج عنه». ... 522
278 «لقد حكمتَ بحكم الله من فوق سبع أرقعة في بني قريضة» ... 500
279 «لقيت إبراهيم - عليه السلام - ليلة أُسري بي فقال: يا محمَّد أقرئ...» ... 31
280 «للتوبة باب بالمغرب مسيرة سبعين عاماً ...» ... 799
281 «للشهيد عند الله ستُّ خصال...ويجار من عذاب القبر» ... 546
282 «لله عزَّ وجلَّ ثمانية عشر ألف عالَم، الدنيا عالم منها...» ... 24
283 «لمَّا خلق الله آدم - عليه السلام - وأخرج ذرِّيته من صلبه كالذرِّ...». ... 490
284 «لمَّا نزلت {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} سبَّحت الجبال حتَّى سمع أهل مكَّة...» ... 18
285 «لمَّا نزلت {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، فرح أهل السموات...» ... 18
286 «لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتَّى تؤمن بالقدر ...» ... 646
287 «لن يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاَّة ما لم تحدثوا...» ... 732
288 «لو تعلَّق الدين بالثريَّا لنالته رجال من الفرس» ... 99، 223
289 «لو تعلم البهائم ما علمتم من الموت ما أكلتم منها سمينا». ... 487
290 «لو سمع أحدكم ضربة الملك للميِّت بمقامع من حديد لمات» ... 544
291 «لو علم الله شيئًا أدنى من الأفِّ لنهى عنه...» ... 590
292 «لو علم الله عزَّ وجلَّ في الكلام شيئًا أَقَلَّ مِنْ أُفٍّ ...» ... 590
293 «لو كان الإيمان عند الثريَّا لنالته رجال أو رجل من هؤلاء» ... 223
294 «لو كان الدين عند الثريا لذهب رجال من أبناء فارس ...» ... 224
295 «لو كان في الكلام شيء أقلَّ من أفٍّ ما ...» ... 591
296 «لو كانت الأشجار أقلامًا، والبحار مدادًا...» ... 19
297 «لو لم تذنبوا لخشيت ما هو أكبر منه: العجب» ... 748 (2/361)
صفحة 862
298 «لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد بن معاذ...». ... 500
299 «لوكان العلم عند الثريا» ... 224
300 «ليس بين المرء والكفر إِلاَّ تركه الصلاة» ... 715
301 «ليس بين عاقِّ والديه وبين إبليس في النار إلاَّ درجة واحدة» ... 591
302 «ليس على أهل لا إله إِلاَّ الله وحشة في قبورهم...» ... 257
303 «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلم إِلاَّ كفر ...» ... 284
304 «ليس من رجل يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا ...» ... 521
305 «ليس منِّي ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه». ... 755
306 «ليعورنَّ الإسلام كما عورت...» ... 101
307 «ليلة أسري بي إلى السماء رأيت أقواما معلَّقين في جذوع من نار...» ... 591
308 «ليلة أسريَ بي إلى السماء رأيت رجالاً ونساءً محبوسين ...» ... 577
309 «ما بين المسلم والمشرك إِلاَّ ترك الصلاة ...» ... 565
310 «ما عوفي أحد عن ضغط القبر إِلاَّ فاطمة بنت أسد» ... 522
311 «ما لم تتكلَّم به أو تعمل به» ... 762
312 «ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النار» ... 151
313 «ما من بيت في الدنيا من شَعر ولا مدَر إِلاَّ وملك الموت يقف على بابه ...» ... 485
314 «ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إِلاَّ وقاه الله فتنة القبر». ... 546
315 «ما من ميِّت يموت إلاَّ وله خوار يسمعه كلُّ شيء ...» ... 486
316 «ما من نفس منفوسة إِلاَّ وقد كتب مكانها في الجنَّة أو في النار» ... 650
317 «ما منكم من أحد ولا نفس منفوسة إِلاَّ وقد كتب مكانها في الجنَّة...» ... 490
318 «مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم ...» ... 254
319 «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر...» ... 730
320 «مكتوب على باب الجنَّة: أنتِ حرام على البخيل ...» ... 573
321 «مكفِّرات لما بينهنَّ ما اجتنب الكبائر». ... 792
322 «ملكان أسودان أزرقان فظَّان غليظان ينحتان الأرض بأنيابهما ...» ... 503
323 «من أتى امرأة في دبرها، أو حائضا فقد كفر» ... 715 (2/362)
صفحة 863
324 «من أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله ....» ... 201
325 «من أدَّى زكاة ماله تامًّا وافيًّا بطيب نفسٍ ...». ... 573، 574
326 «من أرادَ أن ينجيه الله تعالى من الزبانية..فليقرأ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم}» ... 19
327 «من أشرك ساعة حبط عمله، فإن تاب جدِّد له العمل» ... 774
328 «من أطعم شارب الخمر لقمة سلَّط الله على جسده حيَّات ...» ... 584
329 «من أكثر الصلاة عليَّ أغناه الله غناء لا فقر بعده» ... 52
330 «مِن أكذب الناس من يهجو قبيلة بأسرها» ... 119
331 «مِن أيِّ ماء يا أمير المؤمنين، أمن ماء الحجاز...» ... 101
332 «مَن ترك الصلاة متعمدا فقد كفر» ... 280
333 «من تقرَّب شبرًا تقرَّبت منه ذراعا، ومن...» ... 455
334 «من تهاون بالصلاة عاقبه الله تعالى بخمس عشرة عقوبة...» ... 566
335 «من حافظ على الصلاة كانت له تجارة يوم القيامة ...» ... 570
336 «من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ...» ... 239
337 «مَن ذكرتَ عنده يا محمَّد فلم يصلِّ عليك أبعده الله» ... 46
338 «مِن رهطك يا سليمان» ... 223
339 «من زنى بامرأة متزوِّجة كان عليها وعليه في القبر عذاب ...» ... 576
340 «من سبَّ والديه نزل على رأسه في جهنَّم بعدد كلِّ قطرة ...» ... 591
341 «من سنَّ سنَّةً سيِّئة...» ... 552
342 «من سنَّ في الإسلام سنَّة سيِّئة كان عليه وزرها ...» ... 803
343 «من شهد أن لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له...أنَّ عيسى عبد الله...» ... 258، 609
344 «من صافح امرأة حرامًا ــ أي أجنبيَّة ــ جاء يوم القيامة ويده مغلولة ...» ... 577
345 «من صلَّى الصبح في جماعةٍ أربعين يومًا لم تفته ركعة واحدة ...» ... 568
346 «من صلَّى الصبح في جماعة، ثُمَّ جلس يذكر الله حتَّى تطلع الشمس...» ... 569
347 «من صلَّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه عشرُا» ... 50
348 «من صلَّى عليَّ صلَّت عليه الملائكة... » ... 51
349 «من صلَّى عليَّ في اليوم مائة مرَّة ــ قضى الله له مائة حاجة... » ... 52 (2/363)
صفحة 864
350 «من صلَّى عليَّ كلَّ خمسمائة مرَّة، لم يفتقر أبداً». ... 52
351 «من صلَّى عليَّ كلَّ يوم مائة مرَّة ...» ... 52
352 «من صلَّى عليَّ مرَّة صلَّى الله عليه عشرًا... ». ... 51
353 «من عسرت عليه حاجة ــ وفي رواية حاجته ــ فليكثر بالصلاة» ... 53
353 «من عقَّ والديه فقد عصى الله ورسوله، والعاقُّ لوالديه إذا دفن ...» ... 592
354 «من عمل عمل قوم لوطٍ فاقتلوا الفاعل والمفعول به» ... 579
355 «من قال على إثر صلاته: سبحان الله وبحمده، مائة مرَّة... » ... 27
356 «من قال لأخيه: يا كافر، فقال له: أنت الكافر...» ... 716
357 «من قال: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، ولا حول ولا قوَّة إِلاَّ بالله ...» ... 18
358 «من قال: سبحان الله وبحمده كتب الله له مائتي ألف حسنة...» ... 28
359 «من قال: سبحان الله وبحمده وسبحان ». ... 30
360 «من قال: سبحان الله وبحمده، غرست له نخلة في الجنَّة ... 29
361 «من قال: لأخيه: ياكافر فقد باء بها» ... 286
362 «من قال: لا إله إِلاَّ الله دخل الجنَّة - أو وجبت له الجنَّة -...» ... 28
363 «من قال: لا إله إِلاَّ الله دخل الجنَّة وإن زنى وإن وسرق» ... 156، 809
364 «من قال: لا إله إلاَّ الله دخل الجنة» ... 219، 608، 609
365 «من قال: لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك... » ... 26
366 «من قال: لا إله إِلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك...» ... 27
367 «من قالها لم يسبقها منه عمل، ولم تبق معها سيِّئة». ... 27
368 «من قتل نفسه بحديدة...» ... 606
369 «من قتل نفسه...» ... 279
370 «من قرأ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} موقنًا سبَّحت معه الجبال...» ... 18
371 «من قرأ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، كتب له بكلِّ حرف أربعة آلاف حسنة» ... 19
372 «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إِلاَّ الله دخل الجنَّة» ... 257
373 «من مات وهو يعمل عمل قوم لوط لم يلبث في قبره...». ... 581
374 «من ملأ عينه من الحرام ملأ الله عينه من جمر جهنَّم...». ... 576 (2/364)
صفحة 865
375 «من ملك نصابًا ولم يزكِّه جاءه يوم القيامة في صفة ثعبان ...». ... 572
376 «من واضب على الصلوات الخمس بوضوئها ومواقيتها ...» ... 570
377 «من وقع الخمر في بطنه لم يقبل الله سبحانه وتعالى منه حسنة...». ... 585
378 «من يعرف أصحاب هذه القبور؟...إنَّ هذه الأمَّة تبتلى في قبورها...» ... 544
379 «نحن معشر الأنبياء لا نورث» ... 65
380 «نضح جبريل فرجه بعد الوضوء «يريني كيف أفعل» ... 471
381 «نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن البول في الماء الدائم» ... 359
382 «هذا من العلم المكنون، ولولا أنتم سألتموني عنه ما أخبرتكم...». ... 49
383 «هذه لعلَّه أصوات اليهود يعذَّبون في قبورهم» ... 532
384 «هذه لعلَّه أصوات اليهود يعذَّبون في قبورهم». ... 517
385 «هل تدرون فيما نزلت {فإنَّ له معيشة ضنكًا}؟ ...» ... 503
386 «هلك المصرُّون قدما إلى النار» ... 787
387 «هم أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة... » ... 172
388 «هم الذين يصلحون أنفسهم عند فساد الناس» ... 111
389 «هم الذين يعملون بكتاب الله تعالى وسنَّتي» ... 85، 890
390 «هو اسم من أسماء الله تعالى، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إِلاَّ كما بينَ سواد العين وبياضها من القرب» ... 17
391 «وأمَّا النار فلا تمتلئ حتَّى يضع الله رجله فيها» ... 453
392 «وأمر أشكل عليك فقِفْ عنه». ... 543
393 «والذي بعثني بيده ما من أحد ملك غنمًا أو بقرًا أو إبلاً ...». ... 572
394 «وتصديق بالجنان» ... 268
395 «وعزتِّك لا أفارق ابن آدم مادام روحه في جسده» ... 799
396 «وعزَّتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر» ... 799
397 «وعمل بالأركان» ... 267
398 «وعند هذا ومثله تقع الفرقة» ... 778
399 «وكان يسبِّح الجبال والأحجار، ولكن لا يسمع تسبيحها» ... 18
400 «ولساناً ويدًا فمني يسمع وبي يبصر وبي يبطش» ... 455
401 «ومن سنَّ شرًّا فاستنَّ به كان عليه وزره ومثل من اتَّبعه ...» ... 803
402 «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل فقد خبت وخسرت...» ... 165 (2/365)
صفحة 866
403 «يأتي القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب...» ... 378
404 «يأتي شارب الخمر يوم القيامة والكوز معلَّق في عنقه ...» ... 587
405 «يؤتى يوم القيامة بأطفال ليس لهم رؤوس ...» ... 582
406 «يا أبا بكر هو لمن يرغب عنه، لا لمن يرغب فيه ويجاحش عليه...» ... 849
407 «يا بني عبد المطَّلب إنَّ الله أمرني أن أنذركم ألا وأنِّي لا أغني عنكم ...» ... 613
408 «يا جبرائيل، اشفع لي إلى ربِّي ويهوِّن عليَّ» ... 488
409 «يا عبَّاس عمَّ رسول الله، ويا فاطمة بنت محمَّد...» ... 612
410 «يا علي لا تقاتل القوم حتَّى تدعوهم وتنذرهم وبذلك أمرت» ... 721
411 «يا عمَّار ستقتلك الفئة الباغيَّة» ... 151
412 «يا عمر ما حالك إذا متَّ ودرست في قبرك...» ... 518
413 «يتَّبعون سنَّتي ويكثرون الصلاة عليَّ» ... 224
414 «يتفكَّرون في الموت عشرين مرَّةً في اليوم والليلة» ... 493
415 «يجيء شارب الخمر يوم القيامة مسودًّا وجهه، ...» ... 583
416 «يحشر المتكبِّرون يوم القيامة أمثال الذرِّ في صورة الرجال...» ... 749
417 «يحفران بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، معهما مرزبة ...». ... 519
418 «يحمل هذا العلم من كلِّ خلف عدوله ينفون عنه» ... 85، 377، 891
419 «يخرج شارب الخمر من قبره أنتن من الجيفة ...» ... 584
420 «يخرج شارب الخمر من قبره متورِّمة سيقانه...» ... 588
421 «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتهم مع صلاتهم...» ... 164
422 «يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ...» ... 157
423 «يدخل على الرجل الصالح عملُه في قبره ويبعث معه إذا بُعث ...». ... 499
424 «يدخل على الشقيِّ عمله في قبره، ويبعث معه إذا بعث يوم القيامة ...». ... 499
425 «يساق أهل الزنى وشارب الخمر إلى النار يوم القيامة...» ... 586
426 «يسحُّ الخير سحًّا في أربع ليال: ليلة النصف من شعبان...» ... 871
427 «يسِّروا ولا تعسِّروا» ... 806
428 «يعذَّبان وما يعذَّبان بكبيرة، أمَّا أحدهما فقد كان لا يستبرئ من البول...» ... 516
429 «يغفر لأهله ولجيرانه» ... 878 (2/366)
صفحة 867
430 «يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم» ... 166
431 «يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري...» ... 751
432 «يكثر ورَّاد حوضي من أهل عمان» ... 222
433 «يكون في أمَّتي رجل يقال له محمَّد بن إدريس...»، ... 150
434 «يمرقون من الدين» ... 166
435 «ينادي مناد: يا أهل الجنَّة إنَّ لكم أن تصحُّوا فلا تسقموا أبدًا...» ... 601
436 «يهود تعذَّب في قبورها» ... 533
- -
فهرس الشعر والنظم
قافية الهمزة
صاح لا تأس ... الأقوياء ... 882
إنَّ لله رحمة ... الضعفاء ... 882
فابق في العرج ... العرجاء ... 882
لا تقل حاسدًا ... عفاء ... 882
وائت بالمستطاع ... الإتاء ... 882
صلاة الله ... الدعاء ... 32
وإذا خفيت ... عمياء ... 840
وخصَّ ما ... السواء ... 708
لكن إذا نوى ... نوى ... 708
وفضله ليس ... الأنباء ... 239
قافية الباء
آل النبيِّ همُو ... والعرب ... 43
أنشأت نظمًا ... أصابا ... 112
الحقُّ أصبح ... فيعابا ... 112
فلينتعش من ... المبين شهابا ... 112
أوضحتُ أصل ... صوابا ... 112
ناهيك بالموضوع ... استحبابا ... 112
من رام ... مآبا ... 113
جادت سما ... شرابا ... 113
منظومة بائيَّة ... إطنابا ... 113
توليك معنى ... الإيجابا ... 113
تهب المعارف ... فطابا ... 113
فاستمسكوا بزمامها ... وآبا ... 113
اسلك سبيل ... رقابا ... 113
هو مذهب ... أنابا ... 113
فلقد أشار ... أنجابا ... 113
فقد اقتدوا ... نابا ... 113
أعني أبا بكر ... المحرابا ... 113
سارا على نهج ... أصابا ... 113
فالدين أضحى ... المنابا ... 113
وترادفت فتن ... الألبابا ... 113
قد حذَّر المختارُ ... الأحبابا ... 113
لله حزب ... إيجابا ... 113
فالراسبيُّ سليل ... أصابا ... 113
قد سار للنهر ... الأصحابا ... 113
فرُّوا من التحكيم ... رابا ... 113
عضُّوا وصيَّ ... جنابا ... 113
أعليٌّ، إنَّك ... مهابا ... 113
أرَضيت بالتحكيم ... مرتابا ... 114
ولديك بحر ... بابا ... 114
والحقُّ في كفَّيك ... سحابا ... 114
أم قد رأيت ... عتابا ... 114
تُرضي معاوية ... جلابا ... 114
لمحاسن الدنيا ... خرابا ... 114
وتزيَّنت لأولي ... نقابا ... 114
كي لا ترى ... الصلاح وتابا ... 114
فجرى بما كتب ... كتابا ... 114
فمضى عليٌّ ... رقابا ... 114
وهم الألى ... هابا ... 114
نصروه في جلِّ ... أحزابا ... 114 (2/367)
صفحة 868
أيضًا، وفي صفِّين ... أحبابا ... 114
فجزاهم بالقتل ... أصابا ... 114
أزهقت أرواح ... ترتابا ... 114
صيَّرت هاتيك ... ضبابا ... 114
ورميت هاتيك ... فعلت صوابا ... 114
كلاَّ ولكن فاستعد ... جوابا ... 114
أسفي على ابن زهير ... فطابا ... 114
شربوا بكأس ... رحابا ... 114
وتبوَّءوا بعد الشهادة ... أترابا ... 114
هنئتَ عمَّار ... مآبا ... 115
فلقد أصيب ... فأنابا ... 115
ماذا فعلت أبا الحسين ... غلاَّبا ... 115
هي فتنة دهمى ... حسابا ... 115
أهلا وسهلا ... طابا ... 115
قسمًا بأنَّ الحقَّ ... الضلال وغابا ... 115
لا فوز إِلاَّ للموفي ... متابا ... 115
إنَّ القبول مقيَّد ... أوَّابا ... 115
فله الشفاعة ... عقابا ... 115
أمَّا المصرُّ ... خابا ... 115
إن مات بالإصرار ... أحقابا ... 115
فيكون مخزيًّا ... كذَّابا ... 115
سيَّان في حال ... كتابا ... 115
من مات ... سرابا ... 115
جرى الخلف ... أقرب ... 60
كفَّرت مرتكب ... تابا ... 115
والشاربين الخمر ... الأسبابا ... 115
هو كفر ... إيجابا ... 115
حلق اللحى ... عابا ... 115
والحالقين تراهم ... استصحابا ... 115
ونهى النبيُّ ... جبابا ... 116
يا شارب ... ذهابا ... 116
دنَّست فاهك ... نحَّابا ... 116
أعماله مردودة ... غابا ... 116
حثَّ الحبيب ... الآدابا ... 116
قدَّس مليك ... حجابا ... 116
إذ قد نفى ... البابا ... 116
واللام في ... الألبابا ... 116
إنَّ العيون ... ثوابا ... 116
وغدت وجوه ... عقابا ... 116
والظنُّ معناه ... إيَّابا ... 116
لقد ارتقى ... آبا ... 116
فرأى من ... هيَّابا ... 116
فاستفتح الإسرا ... الأسبابا ... 116
هذا هو التحقيق ... إعجابا ... 116
وسؤال موسى ... فأجابا ... 116
أوما سمعت ... هابا ... 116
فاندكَّ أسفله ... ترابا ... 116
إذ مات بعد ... تابا ... 116
سبحانه قد جلَّ ... الوهَّابا ... 117
وكلامه قد عزَّ ... الأحزابا ... 117
وصفاته ذاتيه ... نرتابا ... 117
الله ربٌّ واحد ... أربابا ... 117
والذات معناه ... مرتابا ... 117
لو لم تكن ... أبي لهب ... 43
من ذاك ... الكتب ... 67
ناقشه وبيَّن ... هابا ... 67
والذنب قسمان ... غضبا ... 711
والروح ما أخبر ... أدبا ... 542
والروح ما أخبر ... أدبًا ... 543
وعكسه الصغير ... اللعب ... 712
وكانت له ... ويعرب ... 60
ومن ذا ... معايبه ... 6
ويجب الفعل ... فيجتنب ... 641
ويُكرهَنْ، ... محرَّم ... 641
وضدُّه الحرام ... ندب ... 641 (2/368)
صفحة 869
وضدُّه المكروه ... جناح ... 641
قافية التاء
لو أنَّه مشابه ... مخلوقاته ... 407
إذ كلّ شبيهين ... انتما ... 407
قافية الحاء
سر زمنا ... ما لصحَّة ... 883
لكنَّه لا ينبغي ... صحيح ... 38
والخلف هل قد خُلقا ... اتَّضح ... 604
قافية الدال
ألاَ بلِّغن رواة ... صيد ... 614
لقد خالفوا ... المجيد ... 615
فما لظَلوم ... مريد ... 615
ولا يشفعون لمن ... سعيد ... 615
ولا تثبتن لأهل ... شديد ... 615
ولكنَّه شافع ... الوعيد ... 615
إذا اشتدَّ كرب ... العبيد ... 615
فيأتون آدم ... المجيد ... 615
وموسى وعيسى ... شديد ... 615
فيأتون أحمد ... شديد ... 615
فيأتي ويشفع ... والسعود ... 615
فهذا ومحتمل ... الخلود ... 615
كرفع محلٍّ ... للسعيد ... 615
وَأَمَّا مقالهم ... الجحود ... 615
فهذا خلاف ... ودود ... 615
فخذ ما أتاك ... بالمزيد ... 615
إذا متُّ فانعيني ... معبد ... 552
إليك بحمد الله ... أحمدا ... 288
عليه شرع صلاة الله ... هدى ... 288
فمن ركب المحجور ... تعمدا ... 288
ترك الإمارة ... الشارد ... 126
زار الحجيج ... الواحد ... 126
فأظهر الحقَّ ... شهدا ... 67
فبعد البشكست ... تبعد ... 143
فلو ... الوالد ... 126
فيا عجبا كيف ... الجاحد ... 245
وفي كلِّ شيء ... واحد ... 245
ولله في كلِّ ... شاهد ... 245
فيا عجبا كيف ... الجاحد ... 294
وفي كل شيء ... واحد ... 294
ولله في كلِّ ... شاهد ... 294
لا مثل قول ... وأعمدا ... 795
لقد كان بشكست ... المسجد ... 143
نسائل شمس ... الممجدا ... 288
عن الراكب ... الدهر سرمدا ... 288
يجالس أعلام ... والهدى ... 288
يدارس للآثار ... يراه مسوَّدًا ... 288
وإنِّي إن ... موعدي ... 733
والكلُّ من ذين ... سنورد ... 619
ودعنى من ذكر ... للهدى ... 289
فهذا له حكم ... مقصدا ... 289
فجئت بحمد الله ... أحمدا ... 289
وضيَّع مفروض ... واعتدى ... 288
وما عذره ... بالردى ... 288
كزانٍ ولم يدر ... تعمُّدا ... 289
فذلك بالإجماع ... ابتدا ... 289
وهذا عليه حجَّة ... بَدا ... 289
ولو سقط التكليف ... أعودا ... 289
ولا تبغ في ذاك ... مفندا ... 289
وإن تاب من قبل ... واهتدا ... 289
وفي كلِّ ... واحد ... 23
ولله في ... شاهد ... 23
ولم يسمع التحريم ... بالبال كي يتعبَّدا ... 288
ويحسبه فعلا ... الرَّدا ... 288
أيسلَم عند الله ... مخلَّدا ... 288
فقل ما أراك ... مرشدا ... 288
فلا زلتَ محبورا ... أحمدا ... 288 (2/369)
صفحة 870
ولم يمت قبل ... يحد ... 536
كان حلالاً ... قَدَّرا ... 536
ومن قال ... وتمرَّدا ... 415
ولكن يراه ... نرويه مسندا ... 415
قافية الراء
أخا القوم ... أمرا ... 170
أو كان ... والضرر ... 8
إذا ما رأيت ... صدر ... 636
وإنْ بان منه ... الأثر ... 636
وإن جاء يومًا ... النظر ... 637
وإن كان من ... واشتهر ... 637
ومن فاسق إن ... استقر ... 637
وإلاَّ فيدعَى ... اختبر ... 637
إذا مات ابن آدم ... عشر ... 546
في علوم بثَّها ... تجري ... 546
وراثة مصحف ... نهري ... 546
وبيت للغريب ... ذكر ... 547
وتعليم لقرآن ... بحصر ... 547
إنَّ سرَّ الله في الأرض ... والنظر ... 648
ببذل وحلم ... يسير ... 629
......... ... جراحات بدر في حشاه تفور ... 75
جهلت وما تدري ... تدري ... 292
علام تخطئ ... وشكرا ... 171
عليَّ صبُّ المعاني ... البقر ... 358
فحاكم الشرع ... المرا ... 296
فشال المصاحف ... مكرا ... 170
وسنَّ لشيعته ... دهرا ... 170
وقلتم بحقِّ ... ذكرا ... 170
وخطَّأتم عصبة ... يبرا ... 170
فمالك عاديت ... جهرا ... 172
وطلبت تمزُّق ... مستمرا ... 172
وترميهم أنَّهم ... أبرا ... 172
أإن غضبوا للإله ... صبرا ... 172
وحلوا من الدين ... ظهرا ... 172
وباعوا نفوسا ... تشرى ... 172
ولم تختلبهم ... صفرا ... 172
وقد خلبت ... مشرا ... 172
إلهى أدين ... أبرا ... 172
قال إليكم ... مستمرا ... 170
فإن قلت ... أحرى ... 170
قال: فالجعل ... ذكر ... 351
قلت: جعْل ... مقال مشتهر ... 351
متى يلتمس ... أكثر ... 6
وإنَّ ابن هند ... وسمرا ... 170
وحارب حيدر ... بدرا ... 170
وإنِّي إذ أظنُّ ... قادر ... 128
وبالقضاء نؤمن ... النظر ... 648
وعذر ابن هند ... وأجرا ... 171
وقال له ... كفرا ... 171
لعمرك إنِّي ... أجرا ... 171
أأعطيك ديني ... مصرا ... 171
وقستم ضلالا ... وعمرا ... 171
وكل موال ... وسرًّا ... 170
وإن قلت ... عليًّا تبرا ... 170
وكونك ... يسير ... 405
ولكن رأيك ... بدرا ... 170
ولكن هويتم ... خسرا ... 171
وصغتم له ... فخرا ... 171
ولو تعدَّد الإله ... بهر ... 408
ولو تعدَّد الإله ... بَهَر ... 325
وليتني كنتُ ... والبصر ... 8
وما عليه فيكون ... الفقَرا ... 403
ومذ حاز ... مرا ... 171
تبيَّنت الناس ... لأخرى ... 171
لمَا شاع ... جهرا ... 171
أعمَّار تقتلك ... قرا ... 171
ومن يكن ... النظر ... 8
ومُنكر الجملة ... كفر ... 277
ولم يسع جهل ... تلا ... 277
كذاك جهل ... تلفيه ... 277 (2/370)
صفحة 871
يا أيُّها العلماء ... بالأقطار ... 77
... ما قولكم أهل الأقدار ... 77
حلف امرؤ ... النار ... 77
ماذا عليه ... القطع بالإصرار ... 77
إن قلتم: ... والفجَّار ... 77
وهو الذي ... سادة الأبرار ... 78
روت الرواة ... ثابت الأخيار ... 78
لو لم يكن ... ذي الأنوار ... 78
في المؤمنين ... دخول النار ... 78
هذا دليل ... خصَّ بالكفار ... 78
إن قلتموا ... كيف معنى الباري ... 78
ولقد برئتم ... النبيِّ الأطهار ... 78
فرميتم ... بلا إنكار ... 78
ورضيتم ... البتَّار ... 78
وعدلتموه ... مصحِّح الآثار ... 78
ولعنتموا ... حليف الجار ... 78
هذا سؤالي ... كثرة الأفكار ... 78
قسما بربِّي ... الأشرار ... 78
خاضوا ... المختار ... 78
إنَّا على ... سائر الأمصار ... 78
أفتوا فتى ... في الأقطار ... 78
ثمَّ الصلاة ... صحبه الأبرار ... 78
ما حنَّ رعد ... بالأشجار ... 78
قافية السين
وبلدة ليس ... العيس ... 260
وظهرت ... الالتباس ... 174
فجعلوا الجميع ... الهداية ... 174
ولم يكن لهم ... اختلفوا ... 174
وذاك أنَّ ... يتلاعنونا ... 174
وجعلهم جميعهم ... أنزله ... 174
لأنَّما ولاية ... الفسق ... 174
والكلُّ فرض ... نزلوا ... 174
وقولهم إنَّ الجميع ... أرشدوا ... 175
وكلُّ من في دينه ... يعتمد ... 175
ليس بشيء ... اجتهدا ... 175
وذاك في الفروع ... .لظاها ... 175
إِلاَّ إذا تاب ... بالتصويب ... 175
ومخطئ الدين ... مضل ... 175
لو كان كلّ ... غيَّروا ... 175
إذ كلّ فرقة ... تهلكنا ... 175
والخبر الصحيح ... الإطلاق ... 175
لأنَّه قد جعل ... استقامه ... 175
وبالهلاك للبواقي ... فاعلما ... 175
فإنَّ كلّ ... افترقوا ... 175
فحصل الإجماع ... خاطئه ... 175
فهو موافق ... البشر ... 175
والعقل لا يقبل ... يفعلوه ... 175
لو كان باستحلال ... تهدَّما ... 175
يحرِّم الشيء ... يعذبُنا ... 175
والاعتقاد لحلاله ... ضلل ... 175ا
لأنَّه خالف ... أفعاله ... 175
فهو يزيد في الضلال ... محرما ... 175
ومن طريق آخر ... غضبا ... 175
ومتقرب إلى اللَّه ... نقما ... 176
وهم بهذا الوجه ... يزعمونه ... 176
وقد عرفت بطل ... الوهم ... 176
قافية الضاد
نحن الأولى ... يرتضى ... 159
نقول تلك ... كسبت ... 159
وكان من قولهم ... فرضا ... 159
فما مضى ... طاعة ... 159
وأصله أنَّ فتى ... وماض ... 66
وتارك فرضا ... فرضا ... 772
عليه مع إبداله ... جعلا ... 772 (2/371)
صفحة 872
وذا كمثل الصوم ... للحرمات ... 772
قافية العين
إذا لم تكن ... ينفع ... 838
أتنطق ... مستودع ... 838
بشراك فانهض قد ... طلعا ... 422
فصار معروفًا ... رفيع ... 67
فنحن في الأصل ... الرفيع ... 67
قد نسخت شرائع ... البديع ... 627
وما له ــ أي شرعنا ... يغيَّر ... 627
مسدَّد الرأي ... مضطلعا ... 423
ما كان يومًا ... ممتنعا ... 423
من راحتيه ... الفرعا ... 423
ما زال ... حين سعى ... 423
أتَى بمطبعة ... مصر معاً ... 423
لمَّا أديرت ... إذ رصعا ... 423
وافا اليراع ... طبعا ... 423
وصحَّحوا ... مرتفع ... 38
ولم يزل وليس ... يصنعه ... 330
وهذه دولة ... قد سطعا ... 422
بالقائم الحازم ... حين دعا ... 422
لبرغش بن سعيد ... حين دعا ... 423
قافية الفاء
فالظبي فيه ... يعرف ... 7
لعصابة ... ما أشرفه ... 421
وتمدحوا ... في الصفه ... 421
وتشبثوا ... مزخرفة ... 421
نسبوا ... متحرفة ... 421
ظلما ... متلفه ... 421
وإذا طلبت ... لن نعرفه ... 421
لكن أئمتنا ... لن نصرفه ... 421
هذا وقد ... بالسفسفة ... 421
يكفيك من ... الكتاب المنصفة ... 421
منها وجوه ... عبد أسلفه ... 421
لا تدرك الأبصار ... ما ألطفه ... 421
يدريه من ... أهل المعرفة ... 421
حبرًا تجده ... متلفه ... 421
وهذا لأحمد ... سبل السفه ... 421
الله أكبر ... المستنكفة ... 421
وقهرت ... مستكشفة ... 421
الحمد لله ... بيان أسلفه ... 421
أوليس لي ... الرمال المشرفة ... 421
صيد جحاجحة ... المعرفة ... 421
ما إن يصيب ... والمعرفه ... 229
ما سلم ... يوصف ... 7
نزه إلهك ... الصفه ... 425
واعرف ... متلِفه ... 425
أتعبت ... مخلفه ... 425
عجبا توحده ... مستهدف ... 425ه
وفررت ... البلكفه ... 425
وأحلت ... مكنفه ... 425
هذا التناقض ... عجرفه ... 425
إن كنت تعقل ... متوقفه ... 425
أولست تعقله ... المعرفه ... 425
إن قلت معلومًا ... متصرفه ... 425
أو قلت مجهولا ... الصفه ... 425
أثبتت إدراك ... تستنكف ... 425ه
يستلزم الإدراك ... متكيفه ... 425
تنفي التحيز ... السف ... 425ه
إن قلت أمر ... متكلفه ... 425
فإليك لو ... مستشرفه ... 425
إن كنت تدركه ... لن نعرفه ... 425
أو لا فأي ... متكشفه ... 425
وحديثكم يقضي ... عرفه ... 426
ردفاً لقول ... معرفه ... 426
هب أنَّني ... الصفه ... 426
هل أثبتا ... السفسفه ... 426
تركوا المجاز ... متلفه ... 426
أترى مجازاً ... معنفه ... 426
تأبى حقيقة ... متألفه ... 426
أوجبت رؤيته ... من صفه ... 426 (2/372)
صفحة 873
إن قلت ... عن شف ... 426ه
كلا لقد ... عرفه ... 426
أتراه يخلق ... مكشفه ... 426
فيكون مخلوقًا ... الصفه ... 426
هذا هو التحديد ... متعسفه ... 426
إن قست رؤيته ... المتشوفه ... 426
فإذا نصبت ... مزيفه ... 426
قل لي أموسى ... المرجفه ... 426
فتسومه النقصان ... والمعرفه ... 426
أم كان يعلم ... عجرفه ... 426
وعلى الثلاثة ... منصفه ... 426
بل كا ن يعلم ... السفه ... 426
وما عدا الإيمان ... التكلُّف ... 270
ومنكر لخلقه ... نقف ... 356
ما لم يخط للذي ... المقالا ... 356
ونسب الأوَّل ... قاطبة ... 356
وبعضهم يبرأ ... يرد ... 357
لأنَّه قد جاء ... الخطاب ... 357
قافية القاف
إمَّا تتقين ... ترقرق ... 446
إن رُمت ... سابقُه ... 7
جور الزمان ... يفارقه ... 7
علمي معي ... صندوق ... 838
إن كنت ... السوق ... 838
قد استوى ... مهراق ... 448
كم عاقل ... مرزوقا ... 446
هذا الذي ... زنديقا ... 446
والقول بالإمساك ... نطق ... 542
والكبر أن يغمط ... الحقَّا ... 753
ومن يقل إلهنا ... أحمق ... 309
لقوله لكلِّ ... الرازق ... 309
قافية الكاف
قد كان في ... المسلك ... 674
ناقشه وبيَّن ... هابا ... 674
قد كان في أيَّام ... المسلك ... 67
مدافعًا أعداءنا ... بالشوكة ... 66
قافية اللام
أمَّا الحساب ... فعل ... 595
خصَّ به مقصِّر ... التندُّما ... 595
أَمَّا الرياء فهو ... الملأ ... 757
تكليفه العباد ... عقل ... 244
بعد قيام حجَّة ... عقله ... 244
هما طريقان ... الصانع ... 244
وهكذا الإدرك ... الإثبات ... 244
كالعلم والقدرة ... اعلما ... 244
وما عدا هذا ... يجتنب ... 244
تكليفه العباد ... عقل ... 275
بعد قيام حجَّة ... عقله ... 275
هما طريقان ... الصانع ... 275
وهكذا الإدراك ... الإثبات ... 275
كالعلم والقدرة ... اعلما ... 275
وما عدا هذا ... يجتنب ... 275
ثمَّ من الجائز ... الأعدل ... 346
مقرونة دعواهم ... التقوُّلا ... 346
فالاسم ما يدخله ... وَ«على» ... 618
فقاتل المؤمن ... المضلّل ... 804
من بعد موت ... فكذا ... 804
وقيل أن لا ... اصطفى ... 804
لكن على المضل ... فتن ... 804
إن كانت في مقدرة ... المولى ... 804
في الذات والصفات ... حال ... 333
فلم وصفكه ... اعلما ... 333
ما خلقت أفعالها ... خردله ... 309
ما زال يلهج ... الجمال ... 508
فأصابه مستيقظًا ... الآمال ... 508
ما كنت أحسب ... والسفل ... 872
وأنَّه ليس جسما ... كملا ... 332
وواحد خفي ... بدلا ... 332 (2/373)
صفحة 874
وإنَّما الاستواء ... عقلا ... 448
كما يقال ... والجبلا ... 448
والخلف في ... نزل ... 270
تكليفه بها ... أبى ... 270
والشرك لا بدَّ ... اعتزلا ... 728
وهو المساواة ... وعلا ... 728
وذلك لا يجوز ... الأحوال ... 273
وشرع من مضى ... الأعدل ... 619
إن قصَّه الله ... انكار ... 619
وعدم تعييننا ... دل ... 604
وعدم التعيين ... أرجح ... 604
وفاسق من قال ... فعل ... 643
وأنَّه لم يجعل ... طاعه ... 643
لأَنَّهُ لو كان ... جعلا ... 643
وفي مصرّ قد أتى ... حل ... 775
أو لا؟ أوالتفصيل ... محصحصا ... 775
وقوف رأي ... ضلال ... 703
فالدين في ... تقتدي ... 703
والرأي في ... أبهما ... 703
وقيل: والسؤال ... من ألزموا ... 703
وفي وليَّين ... لم يعلم ... 703
بطلان كلٍّ ... يشكّ ... 703
وليس يصحُّ ... دليل ... 872
ومتبرّئ من وليٍّ ... فعل ... 666
ومن تره يمشي ... ولا حلاّ ... 658
فذلك رجال ... عدلا ... 658
وميِّت بأجله ... يقبل ... 536
قافية الميم
أبو سعيد ... للنعمه ... 699
منها طعامه ... زوجته ... 699
كانت له الزوجات ... الحلال ... 699
أحكام شرع الله ... والمحرَّم ... 640
والرابع المكروه ... بالصحيح ... 640
فالفرض ما فعله ... العقاب ... 640
ومنه مفروض ... الجماعة ... 640
والسنَّة المثاب ... أهمله ... 640
ومنه مسنون ... جماعة ... 641
أمَّا الحرام فالثواب ... يفعل ... 641
وفاعل المكروه ... يثب ... 641
وخصَّ ما يباح ... السوا ... 641ء
لكن إذا نوى ... نوى ... 641
أمَّا الصحيح في ... حكما ... 641
وفي المعاملات ... ثبتت ... 641
والباطل الفاسد ... فقد ... 641
ألا أدلُّكم ... خصموا ... 153
وحاربوا ... علانيَّة ... 153
سنَّ لهم ... محفل ... 153
فكان فيهم ... محدثة ... 153
قد نسبوا ... عليها ... 153
وحين قام ... الطريق ... 153
نهى عن الشتم ... تكتتب ... 153
تأمر بالعدل ... عدوان ... 154
فتركوا سبَّ ... سرًّا ... 154
وقد أبى ... فنيا ... 154
هم أهل ... تركوا ... 154
خوفا من السطوة ... السلطان ... 154
وانحرفوا فسبُّوا ... المكانا ... 154
لو ملكوه ... صوِّبا ... 154
كمثل قد ... مليَّا ... 154
فهذه أصولهم ... اذكر ... 154
أذكر ما مضى ... صحفه ... 154
فكتبهم بذاك ... تنكرنا ... 154
أنا الجديعا ... مريم ... 142
أيُّها المقتفي ... الكلام ... 61
إذا تمَّ شيء ... إذا قيل: تَمَّ ... 110
بعت سواري ... مخدم ... 142
تأوبني داء ... وللهمم ... 449
وما بي عشق ... ولا سقم ... 449 (2/374)
صفحة 875
ولكن لما ... الحكم ... 449
كقولهم لله ... ومبتسم ... 449
وأنَّ له وجها ... صمم ... 449
بتحريفهم آي ... الظلم ... 449
تطلب الفقه ... الأحكام ... 61
دع ما ادَّعته ... واحتكم ... 632
سئمت تكاليف ... يسأم ... 240
فالعُجب أن يستعظمنَّ ... أنعما ... 749
قال المنجِّم ... إليكما ... 360
إن صحَّ قولكما ... عليكما ... 360
قريب، محيط ... للنعم ... 23
لكن عليه ... متمِّما ... 624
لم يزل الله قديرا ... فاهما ... 271، 273
هي الواو ... مهما ... 60
وأمَّا كلام ... للطاهر الشيم ... 351
وأي وصف ... أحكما ... 388
والحقُّ ما قالت ... كلام ... 356
ووحيه وأنَّه ... دليله ... 356
لكن أقول الأحرف ... ملفوظة ... 356
بأنَّها مخلوقة ... تماري ... 356
لأنَّها مظروفة ... فاعرف ... 356
وذلك غير ... كمالا ... 356
فالعلم والمعلوم ... تباعدا ... 356
والكلُّ مخلوق ... بالقدم ... 356
والكلُّ من ذينِ ... تمام ... 662
وجامعنا، والسيِّد ... نظم ... 23
وخالقنا ... القدم ... 23
وقد رمى ... التحما ... 227
وهم لها ... يحكمونا ... 227
وما واو لها ... حتما ... 60
ومجمل توبة ... يلزم ... 765
ومن تمنَّى أَن تزول ... محرم ... 753
ومن تمنَّى مثلها ... خرج ... 754
وهو كلام ... الأمم ... 466
والكل مخلوق ... بالقدم ... 466
وواجب عليك ... لزما ... 630
وما استحال ... المكارم ... 630
كالصدق والتبليغ ... وكالفطانه ... 630
والمستحيل ضدُّها ... الريب ... 630
قافية النون
أجلها البرهان ... تقترن ... 389
ألا بلغ معاوية ... اليماني ... 183
أتغضب أن يقال ... زاني؟ ... 183
فاشهد أنَّ ... الأتاني ... 183
أنكرت جهلا ... ثاني ... 350
إنَّ المخالفين ... رضينا ... 66
........... ... رحمانا ... 13، 16
سبحانه ليس ... زمان ... 411
بخلقه لكلِّ ... منفرد ... 411
ليس له فوق ... خطلا ... 411
كذا يمين وشمال ... احتذا ... 411
فمن أتى بالجملتين ... قمنا ... 276
إِلاَّ إذا ما نقضوا ... ضلالا ... 276
فنحن الأولون ... يحملنا ... 673
من ذاك لا تلقى ... الكتب ... 673
ما كلُّ ... السفن ... 72
والموت حقٌّ ... والحسبان ... 385
فالموت أن تفارق ... للأبد ... 385
........ ... وبالذي أنزله الرحمن ... 466
وديننالم ... فنشتمنا ... 154
وفي صنوف ... باللِّسان ... 154
وما عدا ذلك ... يستهجن ... 635
ومن أصرَّ ... والسنن ... 712
ومن عجيب ... سبَّنا ... 885
وأغفلوا في ... قبلنا ... 885
بل صيَّروا ... خروجنا ... 885 (2/375)
صفحة 876
واعتذروا ... أصحابنا ... 885
لأنَّهم صحابة ... زيِّنا ... 885
لا ترجعوا بعدي ... وبيَّنا ... 886
وسيكون ... أعلمنا ... 886
فلم يكن ... إن عنَّا ... 886
والحقُّ ما قلتُ ... تَسْتَيقِناَّ ... 886
واتل القرآن ... مهيمناَّ ... 886
نسبتنا لابن إباض ... قوَّتناَّ ... 886
استظهر الحقَّ ... لناَّ ... 886
مسائل الدين ... مذهبناَّ ... 886
مذاهب الأمَّة ... غيرناَّ ... 886
فنحن أهل ... وفَّقناَّ ... 886
فإنَّه الدين ... زكناَّ ... 886
قد بدأ الدين ... بينناَّ ... 886
وقابض قال ... بيِّناَّ ... 886
ولا تزال فرقة ... فافطناَّ ... 886
والحقُّ لا ... قرناَّ ... 886
وليس يغني ... قولناَّ ... 886
أهل (عُما ... فتناَّ ... 886
هم على ... فأيقناَّ ... 886
كم بايعوا ... زمناَّ ... 886
يكثر وُرَّادي ... أعلناَّ ... 886
من سرّه ... خصَّناَ ... 886
أصحابنا ... نبيُّنا ... 887
لو أنَّ هذا ... فطنا ... 887
قام زُهَا قَرْنٍ ... استمكنا ... 887
لم نعتقد ... بنا ... 887
وهو تعال ... حواسُّنا ... 887
ولاستوى قهرا ... لنا ... 887
مقارف الكبي ... عندنا ... 887
لكفره ... قومنا ... 887
ولا تناله ... ربِّنا ... 887
وليست التوبة ... معلنا ... 887
وحجَّة الخصم ... حُجَّتنا ... 887
لأنَّما الإيمان ... قارنا ... 887
ما عملٌ بنافع ... ديننا ... 887
لا نرتضي ... وإن دنا ... 887
أفعالنا ... إلهنا ... 887
لم يُجبِر العبد ... ربُّنا ... 887
إنَّا على الحقّ ... خطَّوننا ... 887
ندين لله ... من أسلافنا ... 887
مِمَّن مضى ... قادتنا ... 887
فصحة ... خالفنا ... 888
فقم تبيّن ... ألهمنا ... 888
ثمَّ الصلاة ... شفيعن ... 888ا
وآله وصحبه ... فافتتنا ... 888
ونحن الأوَّلون ... يحملنا ... 67
يا أيُّها السائل ... انبنى ... 884
فإنَّه القرآن ... استبينا ... 884
أساسه ... مستوهما ... 884
وليس عن ... وفّقنا ... 884
عن جابر ... أخذنا ... 884
فهو تقييد ... علنا ... 884
وهو اتِّباع ... ركنا ... 884
بل اتَّبعنا ... أئمَّة لنا ... 884
لم يمتروا في ... الدُّنا ... 885
قد غادروا ... مبيِّنا ... 885
{فإن بغت إحداهما ... ربِّنا ... 885
فلم يسعهم ... قد فُتنا ... 885
وفتنة قال ... قد حذَّرنا ... 885
فاستبصروا ... السننا ... 885
حتَّى مضوا ... قدوتنا ... 885
لله باعوا ... الثمنا ... 885
قد صدقوا ... تيقُّنا ... 885
فصدعوا ... أدهَنَا ... 885
من يتبصَّر ... اقترنا ... 885
والله يهدي ... اعتنى ... 885
قال تعالى ... سبلنا ... 885
قافية الهاء (2/376)
صفحة 877
أعادينا بمفخرنا ... عداها ... 420
بكونه ولونه ... بفعله ... 330
ثُمَّ عذاب القبر ... فانتبه ... 511
واعتقدنَّ صدقه ... تحتمل ... 511
شروط الإسلام ... الإكراه ... 878
والنطق بالشهادتي ... اعملا ... 878
صفاته لذاته ... آياته ... 339
إذ لم تكن فيه ... نعلم ... 339
ولا عليه فيكون ... الفقرا ... 339
فهو عليم ... ركِّبا ... 339
وهو بصير ... عرت ... 339
وهكذا في سائر ... الذات ... 339
فوجهه أي ... لفعله ... 451
واليد منه ... يسم ... 451
وجده كوجهه ... ظلم ... 451
قد كان في المنعة ... لسطوته ... 66
كفروا به ... خوفه ... 426
فأراد من حرص ... الصفه ... 427
أتراه يسألها ... معنفه ... 427
أو لم يصرح ... أسفله ... 427
ومتابه خوفا ... مستنكفه ... 427
أعميت عن تأكيد ... المعرفه ... 427
هب أنَّ برهان ... كشفه ... 427
أيقول ربك لن ... البلكفه ... 427
هذا لعمر لله ... تخلفه ... 427
أبآية الأنعام ... محرفه ... 427
هل فيهما بعض ... لن يألفه ... 427
كلا ولكن ... مزلفه ... 427
ألمحت من نور ... متكشفه ... 427
الطور أتحفه ... أتحفه ... 427
أجهلت أنَّ ... مخوفه ... 427
طلبوا التي نافت ... مستخطفه ... 427
أنكرت دك ... المسرفه ... 427
فهب التجلي ... البلكفه ... 427
طمست بصائركم ... المتلفه ... 427
وإذا أنغت ... تأنفه ... 427
فجلاله ... أم بالصفه ... 427
أعلمت ربك ... المتصرفه ... 427
أتراه جاء مع ... مصففه ... 428
هل جاء إِلاَّ ... موقفه ... 428
أتراه يأتي ... مكنفه ... 428
هل ذاك إِلاَّ ... مستنكفه ... 428
وإذا فرغت ... تكيفه ... 428
أظننت ... المتعطفه ... 428
بالبعد قد ... أزلفه ... 428
منع الحجاب ... كنفه ... 428
هل زاد ... تكيفه ... 428
مزق حجابك ... أكثفه ... 428
واعرج إلى ... معرفه ... 428
قدس ... المتحرفه ... 428
وإذا نزعت ... المتصوفه ... 428
لله نحلتنا ... مصحفه ... 428
هي عين ... زخرفه ... 428
لا تعبد المحسوس ... متألفه ... 428
بل نعبد ... نعرفه ... 428
من عجزنا ... المستأنفه ... 428
تجريدنا ... نصرفه ... 428
توحيدنا ... الصفه ... 428
ونجعله ... مشرفه ... 428
والدين نأبى ... حرفه ... 429
ونقلد ... معرفه ... 429
أفلتَّ سانحة ... مزلفه ... 429
أضللت صديقيَّة ... منصفه ... 429
بدريَّة ... ليحرفه ... 429
شربت بماء ... مقرقفه ... 429
لكم دار علِّيِّين ... غفيرها ... 601
لكم ما اشتهت ... قريترها ... 601
هنيئًا لكم يا صفوة ... سورها ... 601
من لم ... اشتباه ... 718 (2/377)
صفحة 878
لأَنَّهُ ما ... أنزله ... 718
وكشفه ... فافهمنَّ ... 718ه
والكفر في ... التسوية ... 718
نعبده جلَّ ... وزجره ... 642
فإن يشأ ... بعدله ... 642
فالملك والعزَّة ... والبرهان ... 642
وتكليمه موسى ... وحيه ... 451
وكان لا يدعوه ... وعلمه ... 67
ولم يرد تائباً ... قربه ... 800
أو تطلع الشمس ... ورد ... 800
ونسبوا من كان ... سيرته ... 67
قافية الياء
دخولي تحت ... بنيَّا ... 34
فلا بكين ... علانيه ... 131
قتلنا عبيدا ... اليمانيا ... 144
ليت مروان ... عشيَّة ... 141
إذ غسلنا العار ... فيه ... 141
مالي الزمان ... رجاليه ... 131
وأبرهة الكندي ... المواضيا ... 144
ولا عرين إذا ... العاويه ... 131
وما تركت أسيفنا ... عاصيا ... 144
وممَّا زادني ... الثريَّا ... 34
فهرس الأعلام
حرف الألف
آدم - عليه السلام - ... ... 41، 110، 326، 344، 470 ، 472، 476، 477، 478، 622، 633، 634، 752،846، 875.
آسية ... 476
آمنة ... 675
أبرهة بن الصباح ... 125، 128، 141، 142، 145،
الأبطح ... 141
أبو أيُّوب ... 516، 532، 798
أبو أيُّوب ... انظر: وائل بن أيُّوب الحضرمي
أبو إسحاق ... انظر- إبراهيم اطفيَّش
أبو البحتريِّ ... 672
أبو البقاء ... 326، 329، 704، 307، 311، 329
أبو الحارث محمَّد بن علي الباروني ... 208، 209
أبو الحرِّ ... انظر- علي بن الحصين
أبو الحسن ... انظر - علي بن محمَّد البسيوي
أبو الحسن الأبدلاني ... 102، 166، 231، 686، 687
أبو الحسن الأشعري ... 183، 274
أبو الحواري ... 828
أبو الخطاب ... انظر- عبد الأعلى بن السمح المعافري
أبو الشعثاء ... انظر - جابر بن زيد
أبو الشعثاء السنتوتي ... 103
أبو الطيِّب محي الدين بن شيخ القحطاني. ... 215
أبو العادية المزني (أو الجهني) ... 673
أبو العالية ... 726
أبو العبَّاس ... انظر- أحمد بن سعيد الشماخي
أبو العبَّاس أحمد بن طولون ... 187
أبو العقيصة ... 166
أبو الفرج الأصفهاني ... ... 122، 127، 130، 131، 132، 139، 140، 141، 142، 143، 144
أبو الفضائل أحمد بن محمَّد الرازي الحنفي ... 218
أبو القاسم البرادي ... انظر: البرادي
أبو القيِّم ... 520
أبو الليث ... 565
أبو المؤثر ... 238، 603، 791، 833.، (2/378)
صفحة 879
أبو المؤثر ... انظر: الصلت بن خميس الخروصي
أبو المنصور ... 212
أبو المنيب ... انظر: محمَّد بن يانس
أبو الموفَّق ... انظر: سعدوس بن عطية
أبو النصر ... انظر: القشيري
أبو النظر الخرساني ... 199، 808
أبو الوليد ... انظر: سعود بن حميد
أبو بكر الصديق ... ... 68، 72، 125، 202، 213، 237، 354، 665، 670، 730، 818، 842، 844، 853، 854، 857.
أبو بكر العبداني ... 842
أبو بكر بن أفلح ... 97
أبو بكر بن عبد الله بن عمرو ... 131
أبو بكر يحيى بن زكرياء الموصلي ... 814
أبو بلال ... انظر: مرداس
أبو بيهس الهيضم ... 69، 70
أبو جعفر الباقر ... 47
أبو جعفرالمنصور ... 822
أبو جهل ... 646
أبو حاتم ... انظر: يعقوب بن لبيب
أبو حاتم الأوَّل ... 213، 817
أبو حاتم يعقوب بن لبيب الملزوزي ... 92، 93، 206، 299، 823، 824
أبو حاتم يوسف ... 98
أبو حامد أحمد بن بشير المرزي العامري ... 842، 844
أبو حسَّان ... 842
أبو حمزة ... انظر - أبو المختار بن عوف
أبو حمزة عبدَ الله بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب ... 125
أبو حنيفة ... 88، 150، 183، 183، 184، 185، 197، 197، 267، 274، 274، 274، 292، 392، 393، 726، 767، 811، 821، 894.
أبو حيان ... انظر: عليِّ بن محمَّد التوحيديِّ البغداديِّ
أبو خزر ... 473
أبو خليل ... 509
أبو داود (صاحب السنن) ... 353، 532، 731، 750، 754،
أبو داود القبلي ... 89، 894
أبو ذر ... 28، 237، 258، 284، 344، 344، 347، 347، 608، 609، 731
أبو ذرٍّ الهرويُّ ... 17
أبو زكرياء ... 684، 694، 696
أبو زكرياء الأنصاري ... 207
أبو زكرياء الأنصاري ... 207
أبو زكرياء التوكي ... 103
أبو زيد المصغورتي ... 103
أبو زيد الوضَّاح بن عقبة ... 794
أبو زيد عبد الرحمان بن المعلى ... 235
أبو زيد عبد الله بن محمَّد ... 654
أبو ساكن ... 348
أبو ستَّة ... 278، 340، 391، 823
أبو سعيد ... انظر: محمَّد بن سعيد الكدمي
أبو سعيد الخدري ... 164، 165، 512، 514، 515، 828، 875،
أبو سفيان ... 182، 222، 675، 676، 677
أبو سفيان بن حرب ... 766
أبو سهل ... 603
أبو صخر الهذلي ... 144 (2/379)
صفحة 880
أبو صفرة عبد الملك بن صفرة ... 823
أبو طالب ... 137
أبو طالب مكِّي ... 87، 675، 720، 892
أبو طاهر ... 556
أبو طاهر المعتزلي صاحب ركن الدين ... 513
أبو طلحة ... 50
أبو عامر التصراري ... 102
أبو عبد الرحمن ... انظر: عبد الله بن عمر
أبو عبد الرحمن السلميّ ... 672
أبو عبد الله ... 204
أبو عبد الله محمَّد بن إبراهيم بن سليمان ... 825، 842
أبو عبد الله محمَّد بن الخير ... 236
أبو عبد الله محمَّد بن سليمان النفوسي ... 830
أبو عبيدة بن الجراح ... 237، 844
أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني ... 103
أبو عبيدة عبد الله بن القاسم ... 210، 815
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري ... 27، 81، 88، 89، 90، 158، 164، 199، 200، 211، 212، 219، 221، 236، 236، 308، 308، 510، 515، 646، 653، 716، 800، 810، 816، 817، 822، 823، 842، 845، 851، 855، 856، 857، 893، 894، 895.
أبو عبيدة معمر بن المثنى ... 181
أبو عثمان ... 224
أبو عليٍّ ... 794
أبو عمَّار عبد الكافي ... 834
أبو عمرو بن الصلاح ... 223
أبو غانم بشر بن غانم الخراساني ... 212، 817، 822
أبو قحطان خالد بن قحطان ... 832
أبو قدامة اليفرني ... 681، 682
أبو لبابة ... 781
أبو لهب ... 646، 663
أبو مالك عامر بن خميس ... 651، 747
أبو محمَّد ... 510، 833، 830
أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد المجدلي ... 234
أبو محمد عبد الله بن محمَّد بن بركة البهلويِّ السليميِّ ... انظر: ابن بركة
أبو مرداس مهاصر التبرستي ... 102
أبو مريم ... 182
أبو مريم السلولي ... 182
أبو مسألة ... انظر: أحمد بن محمَّد بن بكر المغربي
أبو مسلم الرواحي ... 35، 271، 272، 273، 274، 309، 424، 637
أبو منصور ... 817، 844
أبو مهاصر موسى بن جعفر من أهل إفطمان ... 102
أبو مهدي عيسى المليكي في رسالته ... 159
أبو موسى الأشعري ... 554
أبو نبهان ... انظر: جاعد بن خميس
أبو نصر بن أيُّوب ... 341
أبو نعيم ... 18، 224، 224
أبو نوح صالح الدهَّان ... 211، 816، 842
أبو هاشم المعتزلي ... 320 (2/380)
صفحة 881
أبو هريرة ... ... 27، 30، 183، 223، 224، 284، 493، 506، 519، 528، 529، 546، 600، 672
أبو وائل ... 226
أبو يحيى الأصغوي ... 103
أبو يحيى تسكينت التارديني ... 103
أبو يزيد الخرساني ... 212
أبو يزيد الخوارزي ... 817
أبو يعقوب ... 206، 299، 823، 824، 432، 473، 476، 622، 733، 767، 789
أبو يعقوب الوارجلاني ... انظر: يوسف الوارجلاني
أبو يوسف الأرجاني ... 234
أبو يونس ... 182
أبو يونس بن عبيد أخو صفية بنت عبيد بن أسد بن علاج الثقفي ... 182
أبي بن كعب ... 237، 378
الأحدي ... 340
أحمد ... 47، 51، 125، 184، 195، 197، 224، 266، 274، 283، 284، 284، 353، 354، 354، 532، 726، 733
أحمد الرفاعي ... 24
أحمد الهجمي ... 413
أحمد بن أبي داود ... 353
أحمد بن سعيد ... انظر: الشمَّاخي
أحمد بن سليمان ... 212، 222
أحمد بن سميط العلوي ... 207
أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي ... 825، 826
أحمد بن عبيد ... 150
أحمد بن محمَّد بن بكر، أبو العبَّاس ... 822، 830
أحمد بن موسى اليمني، أبو العبَّاس ... 39
أحمد زرُّوق ... 39
الأحنف بن قيس ... 674
أخت أفلح ... 99
الأخضريِّ من بحر المعاني ... 40
أخو جويرة بنت أبي سفيان ... 181
أخو يزيد بن طرف ... 524
الأذرعي ... 709
الأشعري أبو الحسن ... 242، 383
الأعمش ... 301
الأغرِّ بن بن حمَّاد اليشكري. ... 128
أفلح ... 97، 99، 209، 213، 230، 685، 687، 698، 767، 810، 814، 817، 835
أم سلمة ... 672
أم عبد الوهَّاب اليفرنيَّة ... 682
أم عمر ... 498
أم موسى عليه السلام ... 476، 663
أميَّة بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ... 131
أميَّة بن عتبة بن سعيد بن العاص ... 127، 128
أمين الأمَّة ... 842
أنس بن مالك ... 19، 50، 51، 88، 150، 183، 183، 518، 522، 570، 675، 679، 732، 893
الأوزاعي ... 274
أيُّوب أبو العبَّاس ... 230
أيُّوب بن العبَّاس ... 686، 687
أيُّوب عليه السلام ... 475، 478، 696، 697، 698، 842
أيُّوب وائل بن أيُّوب الحضرمي ... 816
الأيوبي ... 187
إبراهيم اطفيَّش ... 117، 119، 157، 158، 160، 164، 168، 320
إبراهيم التميمي ... 533
إبراهيم الخليل ... 621 (2/381)
صفحة 882
إبراهيم بن أحمد ... 105
إبراهيم بن أحمد من بني الأغلب ... 104
إبراهيم بن الأغلب ... 95
إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي ... 123
إبراهيم بن عبد الله بن مطيع ... 129
إبراهيم بن قيس ... 66، 222
إبراهيم - عليه السلام - ... 31، 205، 214، 218، 347، 347، 477، 477، 478، 480، 496، 497، 523، 524، 636، 661، 819
إدريس - عليه السلام - ... 35، 347، 347، 478، 480، 504، 505
إسحاق ... 478
إسرائيل ... 476
إسرافيل ... 347، 369، 474، 811
إسماعيل بن درار ... 89، 90، 212، 817، 894، 895
إسماعيل - عليه السلام - ... 27، 478، 482، 621، 795
إلياس ... 36، 478
إيَّاد بن مثوبة ... 510
ابن أبي الحديد ... 87، 121، 145، 146، 152، 164، 207، 146، 512، 675، 893
ابن أبي الدنيا ... 17
ابن أبي حاتم ... 17، 532
ابن أبي داود ... 354
ابن أبي شيبة ... 17، 532
ابن أبي ميسرة ... 844
ابن أبي نبهان ... انظر: جاعد بن خميس
ابن أفلح ... 140
ابن إباض ... انظر: عبد الله بن إباض
ابن الأثير ... 164، 173، 179
ابن الأعرابيِّ ... 855
ابن الأغلب ... 105
ابن الجبائي ... 522، 740
ابن الجوزي ... 180
ابن الحسين ... 705
ابن الزبير ... 69
ابن السلمى ... 18
ابن السنيِّ ... 18
ابن الشحنة ... 183
ابن الصغير ... 230
ابن الصلاح ... 223
ابن العربي ... 800
ابن الغيث ... 140
ابن القيس ... 139
ابن الماجشون ... 142
ابن المسبِّح ... 828
ابن الملقن ... 51
ابن المنذر النيسابوري ... 725، 828
ابن المنير ... 557
ابن النظر ... 71، 76، 81، 348، 349، 351، 449، 451، 648، 831
ابن بركة ... 299، 623، 624، 625، 639، 767، 828
ابن بطوطة ... 71، 73، 117، 119، 120، 121
ابن جابر الضبعي ... 69
ابن جبير الكناني الأندلسي ... 187
ابن جرير ... 532
ابن جندب ... 183
ابن حبَّان ... 519
ابن حبيب أحد أيمَّة المالكيَّة ... 197
ابن حجر ... 49، 173، 174، 176، 177، 205، 206، 207، 224، 228، 532، 708، 709، 716، 739، 759، 800
ابن حزم الأندلسي ... 205، 230، 681
ابن دأب ... 100
ابن دينار ... 519
ابن زيَّاد ... 69، 639
ابن شجرة أحمد بن كامل ... 844
ابن شعبة ... 181
ابن صوريا ... 368 (2/382)
صفحة 883
ابن عبَّاس ... 17، 18، 19، 74، 87، 185، 211، 283، 479، 497، 498، 501، 504، 512، 522، 549، 550، 558، 565، 579، 644، 674، 675، 677، 679، 711، 716، 721، 726، 738، 788، 790، 810، 816، 823، 839، 842، 875، 892، 893
ابن عبد البرِّ ... 528، 792
ابن عتبة ... 181
ابن عثمان ... 128
ابن عرفه ... 265
ابن عساكر ... 183
ابن عطاء الله السكندري ... 879
ابن عطيَّة ... 139، 140، 141، 142، 143، 144
ابن عمرو بن العاص ... 525
ابن فندين ... 682، 683، 685
ابن فورك ... 341
ابن ماجة ... 508، 750
ابن مالك ... 24
ابن محبوب ... انظر: محمَّد بن محبوب
ابن مروان ... 844
ابن مسعود ... 19، 47، 50، 125، 185، 195، 283، 284، 418، 539، 586، 752، 788، 790.
ابن مسعود الأنصاري ... 221، 732
ابن ملجم ... 73، 80
ابن مليكة ... 501
ابن مندة ... 52
ابن نوح ... 30
ابن وصاف ... 265، 266، 270
ابنتا عبد الله بن خالد بن أسيد ... 127
اصطخر ... 181
امرأة أبي لهب (حمَّالة الحطب) ... 663
امرأة فرعون ... 663
امرأة لوط ... 663
امرأة نوح ... 663
امرأتا يزيد ... 678
حرف الباء
الباجوري ... 32، 38، 40، 41، 44، 61، 292، 327، 471
الباروني ... 112
الباقر بن زين العابدين ... 268
الباقلاني ... 473، 740
البخاري ... 17، 71، 165، 166، 223، 226، 283، 517، 519، 553، 608، 679، 823، 878
البدر ... انظر: التلاتي
البدري ... 183
البراء بن عازب ... 517، 526، 529، 532
البرادي ... 266، 351، 360، 484، ، 505، 738، 795، 823، 831، 835، 836
البراهمة ... 345
برغش بن سعيد سلطان زنجبار ... 204
البرنيُّ ... 56
برهام ... 345
البرواني ... 423
بسر بن أرطأه ... 181
بسرف عامل يزيد ... 674
بشر المريسي ... 555
بشكست النحوي ... 143
بشير (ملَك) ... 518
بشير بن المنذر ... 212، 299، 773، 816
البطَّاشي ... 229
بلال ... 237
بلج بن عقبة ... 123، 125، 128، 131، 140، 145
البلخي ... 522
بلعام ... 176
البوصيري ... 881
البيهقيُّ ... 17، 51، 532
حرف التاء
تبغورين بن عيسى الملشوطي ... 522، 836
الترمذي ... 520، 594، 608، 731، 749، 750، 784
التلاتي البدر ... 12، 159، 340، 387، 416
التيمي ... 224 (2/383)
صفحة 884
حرف الثاء
ثابت أبي الشعثاء ... 677
ثابت البناني ... 494، 677
الثعلبيُّ ... 19
ثوبان ... 733
الثوريِّ ... 725
حرف الجيم
جابر بن النعمان ... 775، 777، 778
جابر بن زيد ... 17، 27، 27، 52، 87، 94، 164، 166، 211، 494، 506، 508، 509، 510، 515، 524، 540، 550، 564، 613، 666، 670، 674، 675، 676، 676، 677، 678، 679، 689، 694، 716، 793، 810، 811، 815، 816، 823، 824، 841، 842، 892، 893.
جابر بن عبد الله ... 47، 522، 548، 789
جار الله ... 474
جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى بن عبد الله ... 67، 290، 331، 454، 537، 541، 555، 564، 603، 700، 772، 779، 780، 786، 804، 837
الجبائي ... 243، 522، 631
جبريل - عليه السلام - ... 32، 42، 46، 53، 54، 258، 347، 369، 372، 438، 444، 471، 474، 811، 871
الجرجاني ... 394
الجزولي ... 56
جعفر الصادق ... 392
جعفر بن الباقر ... 268
جعفر بن السماك العبدي ... 199
جعفر بن محمَّد ... 456، 581
الجلندا بن مسعود ... 213، 680، 699، 818
جمعه بن خصيف ... 171
الجنيد ... 542، 543
جهم بن صفوان ... 610
جويرية بنت أبي سفيان ... 181
حرف الحاء
الحارث الإباضي ... 148
الحارث بن سويد ... 653
الحافظ الوائليَّ ... 533
الحاكم (صاحب المستدرك) ... 17، 51، 152، 532، 755
حباب بن كلب ... 199
حبابة ... 137
الحجَّاج ... 79، 494، 677، 678
حجر ... 181
حجر بن عدي ... 181
حذيفة بن اليمان ... 125، 521، 671، 672، 785، 788، 791
حرقوصبن زهير السعدي ... 178، 179، 237
الحريري ... 618
الحسن ... 22، 418، 436، 494، 497، 509، 514 ، 677، 721، 798
الحسن البصري ... 180، 226، 308، 494، 508، 677
الحسن بن علي ... 181
الحسن بن محمَّد ... 726
الحسين ... 436
الحسين بن علي ... 268
الحصين بن حيَّان ... 87، 675، 893
حفصة بنت عمر ... 549
حفيد السعدِ ... 12
الحليمي ... 710
حمانة بن الأخنس الكنديَّ ... 144
حمد بن راشد بن سليم الغيثي ... 700
حمد بن سليمان ... 817
حمزة بن عبد المطلب ... 548
حمود بن أحمد البوسعيدي ... 5
حمود بن محمَّد ... 236
حميد بن راشد بن سليم الغيثي ... 700
حنظلة بن صفوان ... 476
حوَّاء ... 475 (2/384)
صفحة 885
حيان الأعرج ... 211، 800، 816، 842
حرف الخاء
الخازن ... 789
الخاقان العثماني ... 188
خالد بن سنان العبسي ... 476
خانوخ وهو إدريس ... 476
خديجة ... 766
خردلة بن سماعة ... 832
الخزاعي ... 844
خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين ... 36، 237، 673
الخضر - عليه السلام - ... 235، 476، 657
الخضريّ ... 43
الخطَّابي ... 552
الخطيب البغداديُّ ... 17، 300
خلف بن زيَّاد البحراني ... 198، 199، 808
خلفان بن فهيم ... 231
خليفة بن حارب بن ثويني بن سعيد بن الإمام ... 899
الخليل بن شاذان ... 213، 818
الخليلي (الإمام) ... 228، 288، 318، 319، 327، 330، 422، 423، 612، 614، 618، 639، 667، 668، 700، 706، 727، 767، 785، 786، 791، 805، 899
خميس بن سعيد ... 790
حرف الدال
الدارقطنيُّ ... 17
داود - عليه السلام - ... 60، 347، 477، 478، 480، 574
دحلان ... 203، 219
الدردير ... 12
الدمنهوري ... 13
الديلمي ... 18، 19، 754، 755
الدينوري. (صاحب حياة القلوب) ... 55
حرف الذال
ذو القرنين ... 476، 542
ذو الكفل ... 478
حرف الراء
الرازي ... 45، 257، 660
راشد بن النظر ... 699
راشد بن الوليد ... 213، 818
راشد بن سعيد ... 210، 213، 815، 818
راشد بن سليم الغيثي ... 430، 700
الرافعي ... 206،207
الربيع ... 27، 183، 195، 212، 222، 283، 285، 286، 510، 516، 517، 532، 540، 550، 683، 716، 732، 767، 816، 838، 875
ربيعة ... 69
ربيعة بن عبد الرحمن ... 126
رسالة عبد الله بن يحيى الباروني النفوسي ... 83، 123
الرقيشي الأزكوي ... 158
الرقيشي الأزكوي ... 159
الرملي ... 264
رومان (ملَك) ... 501
حرف الزاي
الزاملي ... 773
زاهر بن عبد الله بن موسى الكندي العماني النزوي ... 899
الزبير ... 204، 206، 207
الزبير بن المنير ... 552
الزبير بن علي الأصغر ... 203
الزجَّاج ... 726
الزرقاني ... 47، 150، 176، 183، 184، 185، 196، 204، 210، 267، 293، 610، 725، 726، 811، 815، 821، 822
زكرياء ... 215، 478، 819
الزمخشري ... 42، 422، 458، 739، 767
الزنداجلي ... 68، 149، 172، 178، 186، 192، 216، 217، 218، 219، 227
الزندوستي ... 183
الزهري ... 608 (2/385)
صفحة 886
زهير بن أبي سلمى ... 240
زيَّاد بن أبيه ... 180، 181، 182، 183
الزيادي ... 264
زيد بن حصن الطائي ... 238
زيد بن صوحان ... 237
زيد بن وهب ... 301
زين العابدين بن الحسين ... 268
زينب ... 724
حرف السين
سارة ... 475
سالم الهلالي ... 200
سالم بن راشد الخروصي ... 196، 700
سالم بن راشد بن سليم الغيثي ... 700
سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ... 548
السبط ... 505
السبكي ... 274، 761
سراقة ... 131
السراقيَّ ... 131
السعد (صاحب شرح المقاصد) ... 345، 474
سعد بن معاذ ... 500، 522
سعدوس بن عطية أبو الموفَّق ... 681
سعدون ... 822
سعود بن حميد ... 540
سعيد ... 144
سعيد بن أحمد الراشدي ... 349
سعيد بن أحمد الراشدي صاحب ... 349
سعيد بن الأخنس ... 144
سعيد بن المسيّب ... 528، 548 ، 549
سعيد بن خلفان الخليلي ... 700
سعيد بن راشد بن سليم الغيثي ... 700، 899
سعيد بن عبد الله ... 213، 818
سعيد بن عبد الله القرشي ... 699
سعيد بن عبد الله بن محمَّد بن محبوب ... 680، 699
سعيد بن محرز ... 791
سعيد بن ناصر ... 797
سعيد من آل بوسعيد (السلطان) ... 232
سفيان بن عيينة ... 256
سلامة ... 137
سلطان بن سيف ... 700
سلطان غانة ... 107
سلمان الفارسي ... 100، 223، 224، 237
سلمة بن مسلم الصحاري ... 299
سليمان عليه السلام ... 477، 478 ، 766
سليمان التيمي ... 224
سليمان بن الحكم ... 794
سليمان بن بلال ... 224
سليمان بن داود عليه السلام ... 580
سليمان بن عبد العزيز ... 212، 222، 817
سليمان بن محمَّد بن أحمد الكندي ... 881
سليمان راشد بن سليم الغيثي ... 700
السمح بن أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح ... 96
سميَّة ... 182، 671
سميَّة جاريَّة الحارث بن كلدة ... 182
السنُّوسيُّ (صاحب شرح صغرى الصغرى) ... 39، 203، 345
سهل ... 25
سهل بن حنيف ... 181
سهيل مولى زينب بنت الحكم بن العاص: ... 141
السويق ... 232
السيِّد ... 311، 337، 338، 415، 416، 419، 420، 423، 467
سيف بن محمَّد البوسعيدي ... 232 (2/386)
صفحة 887
سيف بن ناصر الخروصي ... 33، 68، 164، 173، 176، 206، 208، 262، 304، 307، 310، 312، 313، 318، 326، 328، 331، 344، 383، 384، 419، 469، 478، 613، 640، 704، 881
سيف بن هبيرة ... 680
السيوطيُّ ... 53، 184، 532، 546، 694
حرف الشين
شريف صاحب التعريفات ... 169، 282
شريف مكَّة ... 204
شريك القاضي ... 183
شريك بن سلمة المرادي ... 673
شعبة ... 183
الشعبيُّ ... 17، 47
الشعثاء بنت جابر ... 680
الشعراني ... 202
شعيب، أبو المعروف ... 323، 476، 478، 683، 685
شكر بن صالح الكتامي ... 681
الشماخي ، أحمد بن سعيد ... 92، 105، 142، 150، 184، 341، 416، 509، 540، 674، 681، 681، 694، 698.
الشيباني ... 415
شيت - عليه السلام - ... 346، 476، 480
حرف الصاد
صاحب الإيضاح ... 278
صاحب الجوهر ... 272
صاحب السؤالات ... 767
صاحب الفتاوي الخانيَّة ... 197
صاحب المرآة ... 512
صاحب الملل والنحل ... 311
صاحب كتاب التعريفات ... 281
صالح بن سعيد ... 564
صالح بن علي الحارثي ... 424، 700
صالح بن عليِّ الخلاسي ... 112
صالح بن كيسان ... 844
صالح عليه السلام ... 323، 476، 478
الصاوي ... 12
الصبان ... 43
صخر بن الجهم بن حذيفة العدويُّ ... 129
صلاح الدين يوسف بن أيُّوب بن شاذي ... 186
الصلاح الصفدي ... 196
الصلت بن مالك ... 213، 699، 818، 827، 833
صهيب ... 237، 550، 552، 553
حرف الضاد
ضرار بن عمر ... 513، 555
ضمام بن السائب ... 211، 614، 667، 816، 842
حرف الطاء
طالب الحقِّ ... انظر عبد الله بن يحي
طالوت ... 504، 505
الطبراني ... 726، 733، 755
الطبري ... 179
طرفة بن العبد ... 552
طلحة ... 206، 207
طموم الأزهري ... 149، 150، 151، 152، 180
الطيالسي ... 532
حرف العين
عائشة ... 18، 67، 82، 166، 179، 185، 211، 222، 226، 228، 418، 435، 486، 500، 501، 505، 512، 522، 549، 550، 552، 554، 584، 676، 768، 810، 816
عاصم السدراتي ... 89، 212، 817، 894
عامر بن خميس المالكي ... 207
عبادة بن الصامت ... 646
عبد الأعلى بن السمح المعافري ... 89، 90، 91، 92، 93، 212، 213، 817، 894، 895، 896، 897، 898
عبد الباري ... 25 (2/387)
صفحة 888
عبد الجهينيُّ ... 889
عبد الرحمان ... 230
عبد الرحمان الثعالبي ... 202
عبد الرحمان بن أم الحكم ... 183
عبد الرحمان بن رستم القارسي (الإمام) ... 89، 91، 93، 94، 98، 212، 213، 230، 255، 681، 683، 810، 817، 894، 896، 898
عبد الرحمان بن عوف ... 237، 722
عبد الرحمن بن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر ... 125
عبد الرحمن بن محمَّد بن أحمد الكندي ... 884
عبد الرحمن بن محمَّد بن مسلمة ... 683
عبد الرزاق البغدادي ... 204، 519
عبد العزيز الثميني ... 127، 127، 128، 129، 307، 384، 384، 388، 400، 471، 538، 781، 782
عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفَّان ... 127
عبد الله ... 36، 95، 123، 262
عبد الله بن أحمد ابن النظر ... 832
عبد الله بن إباض ... 67، 68، 69، 70، 88، 94، 147، 149، 156، 194، 220، 498، 533، 548، 670، 673، 674، 791، 811، 812، 813، 893
عبد الله بن الحسن العلوي ... 126
عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ... 201
عبد الله بن المديني ... 533
عبد الله بن سعيد الحضرميَّ ... 123
عبد الله بن سليمان الحارثي ... 777
عبد الله بن عازب ... 495
عبد الله بن عامر الغرري ... 430
عبد الله بن عبد المطلب القرشي ... 255
عبد الله بن عمر ، أبو عبد الرحمن ... 17، 47 ، 185، 254، 489، 501، 522، 533، 549، 550، 552، 672، 767، 873
عبد الله بن عمرو الأنصاري ... 547
عبد الله بن عمرو بن العاص ... 488، 490، 784
عبد الله بن مسعود ... 50، 237، 301، 512، 514
عبد الله بن معاذ الأزدي ... 150
عبد الله بن وهب ... 75، 94، 212، 670، 673، 817
عبد الله بن يحي الكندي ، طالب الحقّ ... 121، 122، 123، 124، 139، 143، 144، 212، 222، 807، 817
عبد الله بن يحيى الباروني ... 83، 687، 813، 889
عبد الله بن يزيد ... 533
عبد الله صالح الفارسي الشافعي ... 417
عبد المطلب (جد رسول الله (ص) ) ... 35، 36، 255، 262
عبد الملك بن حميد ... 197، 200، 213، 818
عبد الملك بن عطيَّة السعدي ... 139، 140
عبد الملك بن عمر ... 81
عبد الملك بن مروان ... 674، 813، 844 (2/388)
صفحة 889
عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك ... 125، 126، 127، 131
عبد الواحد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، ... 125
عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم ... 94، 95، 96، 99، 104، 213، 230، 670، 681، 683، 686، 810، 817، 821، 822، 835
عبد مناف ... 36
عبيد الله ... 181
عبيد الله بن محمَّد بن حفص العمري ... 125
عبيد بن عمير ... 519
عبيد، أب مبرور ... 182
عتبة بن غزوان ... 179
عثمان ... 17، 67، 72، 73، 77، 80، 81، 82، 125، 129، 200، 206، 226
عثمان بن أبي عبد الله الأصمِّ العقري النزوي ... 827
عدنان ... 36
العرباض بن سارية ... 731
عروة بن حدير ... 88، 893
العزُّ بن عبد السلام ... 185
عزَّان بن قيس بن عزَّان ... 700
عزرائيل ... 474
العضد(صاحب المواقف) ... 150، 151، 152، 337، 338، 415، 420، 423
عطاء بن يسار ... 725، 726، 871
عقبة بن عامر الجهني ... 673
العقبى الجزائري، تحتوش ... 186، 188، 189، 190، 191، 192، 234
عقيل بن أبي طالب ... 766
عكرمة ... 644
عكرمة بن أبي جهل ... 724
العلاء ... 139، 710
العلاء بن أفلح ... 139
العلاء بن عبد الكريم ... 524
عليٍّ بن أبي طالب (الإمام) ... ، 18، 67، 71، 72، 73، 74، 75، 77، 80، 81، 82، 117، 121، 142، 146، 147، 148، 151، 152، 153، 154، 157، 160، 166، 169، 172، 173، 174، 176، 178، 179، 180، 181، 183، 184، 185، 193، 206، 226، 268، 379، 418، 422، 435، 448، 490، 512، 514، 525، 672، 673، 842، 844، 846، 849، 851، 856، 857، 859
عليُّ بن الحصين العبدي ... 130، 141، 210، 815
علي بن خميس ... 421، 423، 424
علي بن عامر بن راشد ... 424
علي بن محمَّد البسيوي ... 564
علي بن محمَّد البغدادي الخازن ... 280
عليِّ بن محمَّد التوحيديِّ البغداديِّ ... 789، 791، 842
عليِّ بن محمَّد بن عليٍّ المنذريِّ ... 5
علي بن موسى ... 268
علي بن يخلف النفوسي التيمجاري ... 106
عليش المالكي ... 197، 203، 205، 219
عمار بن حيَّان ... 678
عمَّار بن ياسر ... 82، 125، 173، 174، 226، 228، 237، 670، 671، 672، 673 (2/389)
صفحة 890
عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير ... 127، 128
عمارة بن خزيمة بن ثابت ... 673، 679
عمر الفاروقي ... 24
عمر بن الجموح الأنصاري ... 547
عمر بن الخطَّاب ... 47، 51، 68، 72، 88، 100، 101، 125، 141، 165، 179، 185، 200، 213، 237، 254، 379، 498، 501، 503، 518، 519، 548، 549، 550، 552، 553، 665، 672، 679، 725، 733، 767، 810، 811، 818، 842، 845، 851، 857، 858، 893
عمر بن عبد الرحمان بن زيد بن الخطاب ... 140، 141
عمر بن عبد العزيز ... 81، 136، 147، 152، 153، 159، 200، 508، 548، 589
عمران بن حصين ... 392
عمران بن عبد الله بن مطيع ... 127
عمران بن مروان الأندلسي ... 681
عمرو بن الحارث الخولاني ... 673
عمرو بن العاص ... 75، 183، 184، 506، 525، 672، 673، 724
عمرو بن دينار ... 842
عمرو بن عبيد ... 300، 301، 309
عمروس بن فتح ... 210، 815، 822، 835
عيسى - عليه السلام - ... 35، 36، 218، 258، 326، 326، 326، 347، 361، 371، 372، 476، 477، 478، 480، 548، 582، 622، 797
عيسى بن دأب ... 844
عيسى بن صالح الحارثي ... 651، 700، 777
عيسى بن صالح بن علي ... 321
حرف الغين
الغزالي ... 197، 198، 205، 415، 416، 710
غسان بن عبد الله ... 213، 818
الغشني في المجالس السنِّية ... 255
غيلان الدمشقي ... 83، 889
حرف الفاء
فاطمة ... 435، 766
الفخر الرازي ... 250، 300، 392، 415، 416، 432، 441، 629، 877
فرعون ... 214، 663، 665، 751، 798، 819
الفضل بن الحواري ... 773، 791
الفضل بن جندب ... 211، 815
فهر ... 36
فيصل بن تركى سلطان مسقط وعمان ... 188
حرف القاف
القاسم بن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ... 523، 524
قاسم بن سعيد الشمَّاخي ... 148، 180، 198، 814
القاسم بن عمرو أخو يوسف بن عمرو الثقفي ... 123
قاضي القضاة ... 512
قاضي خان ... 197
القاضي عياض ... 45، 197، 246، 457، 528، 629، 660، 738
قتادة ... 418، 519، 679، 725، 726، 841، 842
القرطبيُّ ... 10، 58، 520، 545، 548، 552
قريش بني أسد بن عبد العزَّى بن قصيٍّ ... 131
القسطلاني ... 71، 501، 519، 679 (2/390)
صفحة 891
قسور بن حمُّود ... 558
القشيري، أبو النصر ... 738
قطب الدين تمتن ملك هرموز ... 72
القطب امحمَّد بن يوسف اطفيَّش المغربي ... ... 10، 25، 33، 36، 43، 47، 48، 145، 154، 155، 164، 168، 169، 190، 191، 201، 202، 203، 205، 207، 219، 226، 230، 258، 260، 263، 266، 268، 313، 320، 321، 347، 471، 475، 480، 521، 522، 523، 526، 540، 559، 590، 607، 608، 609، 622، 700، 705، 724، 725، 726، 743، 767، 768، 781، 784، 787، 788، 794، 795، 796، 808، 814، 825، 831، 871، 872
قطفان بن سلمة الزواغي ... 96
حرف الكاف
كعب الأحبار ... 36، 504، 544، 609، 871
الكعبيُّ ... 537
الكمال بن الهمام الحنفيُّ ... 49
الكندي ... 307، 312، 324، 324، 336، 343، 385، 390، 394، 395، 397، 397، 398، 399، 399، 401، 403، 404، 406، 410، 411، 413، 416، 429، 443، 458، 461، 467، 627، 636، 648، 654، 660، 728.
حرف اللام
لؤيِّ غالب ... 36
لقمان ... 476، 663
لوط - عليه السلام - ... 214، 214، 214، 323، 477، 478، 819
الليث السمرقندي ... 576
حرف الميم
ماروت ... 470
ماطوس بن ماطوس الشروسي ... 102
مالك بن أنس ... 36، 88، 184، 185، 195، 196، 197، 199، 216، 217، 220، 266، 475، 610، 726، 807، 808، 811، 821، 894
المبرِّد ... 67، 70
مبشِّر (ملَك) ... 518
مجاهد ... 257
محبوب بن الرحيل ...
محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي ... 212، 670، 680، 680، 816
المحشِّي ... 188
محمَّد الحاج ابن قاسم المصعبي ... 164
محمد الحنفي ... 184
محمَّد بن أسلم الطوسي ... 97، 202، 213، 810، 817، 835
محمَّد بن الحاج ابن القاسم المصعبي ... 160
محمَّد بن المعلَّى ... 212، 817
محمَّد بن سعيد الكدمي، أبو سعيد ... 32، 66، 166، 269، 290، 293، 297، 297، 299، 494، 509، 623، 624، 625، 664، 670، 677 ، 698، 708، 711، 712، 743، 827
محمَّد بن سليمان المنذري ... 424
محمَّد بن سليمان المهنا العيني ... 671
محمَّد بن عباد ... 209، 764، 814
محمَّد بن عبد الرحيم الزرجالي ... 71 (2/391)
صفحة 892
محمَّد بن عبد العزيز بن عمرو بن عثمان ... 130
محمَّد بن عبد الله ... 797
محمَّد بن عبد الله ... انظر: الخليلي
محمَّد بن عبد الله ابني بذيل ... 237
محمَّد بن عبد الله العثماني ... 126
محمَّد بن عبد الله بن عمر بن عثمان ... 125
محمَّد بن عقيل العلويّ ... 117، 118، 119، 121
محمَّد بن علي المنذري ... 216
محمَّد بن علي بن عبد الباقي ... 231
محمَّد بن علي بن محمَّد بن علي ... 5
محمَّد بن فليح ... 844
محمَّد بن كرام ... 413
محمَّد بن محبوب ... 210 ، 353، 510، 639، 667، 680، 699، 764، 772، 791، 793، 794، 815
محمَّد بن مسعود ... 823
محمَّد بن هاشم ... 352، 353، 793
محمَّد بن يانس الدركلي، أبو المنيب ... 102، 231، 686، 687، 697
محمود بن نصر ... 212، 817
محيىالدين ... 424
المختار بن عوف الشاري، أبو حمزة ... ... 122، 123، 125، 126، 128، 128، 129، 129، 130، 131، 132، 133، 134، 138، 139، 140، 141، 142، 143، 144، 145، 199، 447، 807، 808
مخلد بن المعرد ... 683
مرداس بن حدير الشهير بأبي بلال ... 69، 88، 206، 212، 676، 817، 893
مروان بن الحكم ... 125، 132، 133، 143، 144
مروان بن محمَّد بن مروان ... 125، 139، 144
مريم ابنة عمروان ... 252، 476، 663
مسعود الأندلسي ... 681، 682، 701
المسعوديّ ... 152، 821
مسلم (صاحب السنن) ... 37، 39، 164، 195، 223، 224، 283، 284، 520، 731، 750، 520،
مسلم المسرف ... 68
مسيلمة الكذَّاب ... 13، 672
مصطفى إسماعيل ... 821
مصطفى بن إسماعيل الفارضي ... 201
مصطفى بن إسماعيل المصري ... 220، 810
مصعب بن سرمان ... 681
معاذ بن جبل ... 237، 740، 792
معاوية ... 67، 71، 74، 75، 81، 146، 147، 151، 152، 153، 169، 173، 174، 176، 179، 180، 181، 182، 183، 184، 193، 548، 674
معبد الجهيني ... 83
المعلى ... 139، 140
مغيرة بن شعبة ... 100، 101، 181، 183
المفضل الأزدي ... 47، 139، 140، 141
المقريزي ... 184
مكائيل ... 347، 369 474، 811
ملَك الإلهام ... 481
ملك الموت ... 484، 496، 497
الملويُّ ... 39، 40
مناد بن السري ... 532
المنصور ... 201، 217 (2/392)
صفحة 893
منصور بن محمَّد بن يحيى بن خلفان بن الشيخ جاعد ... 805
منكر ... 501، 503، 517
المنياوي ... 6، 333
منير بن النير ... 212، 816
مهدى النفوسي ... 95، 231، 686، 687، 695، 696، 697
المهلَّبي أبي محمَّد ... 842
المهنا بن جيفر ... 213، 818
المهنَّا محمَّد بن سليمان المهنا العيني ... 667
موسى بن أبي جابر ... 212، 510، 817
موسى بن جعفر ... 268
موسى بن علي ... 667، 699
موسى عليه السلام ... 176، 214، 218، 334، 347، 369، 370، 371، 444، 447، 450، 476، 477، 478، 480، 645، 657، 699، 819
ميمون بن أحمد المروزي ... 150
حرف النون
ناصر بن أبي نبهان، ... 231
ناصر بن المرشد ... 213، 700، 818، 837
نافع بن الأزرق ... 68، 69، 70، 146
نافع بن عبد الله ... 549
نجاد بن موسى المنحي ... 829
النجار ... 195
النخعي ... 726
نَزار ... 36
النسائيِّ ... 749
نصر بن سليمان ... 212، 817
النضر ... 36
النظَّام ... 732
النعمان ابن بشير ... 733
نفاث ... 689، 691، 694
النفاح ... 844
نكير ... 501، 503، 517، 711
نمرود ... 751
النوبري (ابن الجوزي) ... 180
نوح عليه السلام ... 30، 214، 323، 344، 476، 477، 478، 622، 819 (2/393)
صفحة 894
نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي....... ... 9 11، 32، 33، 42، 42، 44، 59، 66، 70، 72، 74، 77، 78، 82، 120، 147، 157، 159، 160، 166، 176، 189، 192، 195، 199، 201، 203، 204، 209، 221، 231، 232، 236، 237، 239، 240، 244، 245، 250، 252، 255، 263، 265، 266، 269، 270، 271، 273، 275، 276، 277، 278، 281، 288، 289، 296، 299، 307، 308، 309، 312، 314، 322، 326، 330، 334، 337، 339، 345، 346، 349، 350، 355، 356، 357، 358، 385، 403، 407، 408، 410، 411، 414، 417، 418، 419، 434، 437، 441، 448، 451، 466، 467، 510، 511، 513، 522، 523، 523، 526، 528، 532، 536، 538، 540، 541، 543، 555، 586، 595، 603، 604، 606، 608، 612، 619، 623، 627، 630، 635، 636، 638، 641، 642، 643، 648، 651، 652، 654، 656، 662، 666، 680، 695، 698، 700، 702، 703، 708، 711، 712، 714، 716، 717، 719، 720، 728، 732، 741، 743، 747، 749، 753، 757، 761، 764، 768، 772، 773، 775، 777، 794، 800، 804، 805، 881
النووي ... 266
حرف الهاء
هاجر ... 476
هاروت ... 470
هارون الرشيد ... 216، 217، 217، 477، 478
هاشم بن عبد الله الخراساني ... 36، 212، 776، 778، 793، 817
هاشم بن غيلان ... 699، 776، 778
هامان ... 663
الهرمزان الفارسي ... 179
الهرويُّ ... 709
هشام بن عبد الملك ... 132
هشام بن عروة ... 844
هلال بن محمَّد بن الإمام صاحب السويق ... 232
هود بن محكَّم المفسِّر الكبير ... 794، 824
هود عليه السلام ... 323، 476، 478
وائل بن أيُّوب ... 683، 212
الواحديُّ ... 710
الوارث بن كعب ... 213، 818
واصل بن عطاء ... 308، 309، 646، 686
ورقة بن نوفل ... 622
وكيع ... 19
الوليد بن عبد الملك بن مروان ... 548
وهب بن منبِّه ... 24، 608
حرف الياء
اليحمد من ولد عمرو بن اليحمد ... 680
يحي ... 215، 478
يحي بن أبي بكر بن حسن بن الشيخ يوسف ... 206
يحيى الجناوني ... 819، 835
يزيد ... 68
يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجَّاج ... 677، 678
يزيد بن الأصم ... 224 (2/394)
صفحة 895
يزيد بن الوليد بن عبد الملك ... 136
يزيد بن رومان ... 844
يزيد بن طريف ... 524
يزيد بن فندين ... 681، 683
يزيد بن مسلم ... 678
يزيد بن معاوية ... 69، 180
يزيد بن مقرع الحميري ... 183
يزيد بن هارون ... 183
اليسع ... 478
يعقوب ... 475، 476، 478
يعقوب بن كراب ... 24
يعقوب بن لبيب الملزوزي ... 92، 93، 897، 898
يعقوب ويسمَّى إسرائيل ... 35
يوسف (الإمام) ... 101
يوسف بن أيُّوب ... 188
يوسف بن إبراهيم ... 794، 796
يوسف بن عمرو الثقفي ... 123
يوسف بن محمَّد ، وهو أبو الحاتم الثاني ... 106، 209، 213، 814، 817
يوسف عليه السلام ... 476، 478
اليوسيُّ (ردّ) ... 40
يونس ... 478
يونس الأسواري ... 84، 890
-
فهرس الأديان والمذاهب والأقوام
آل أبي طالب ... 137
آل سراقة ... 131
آل مروان ... 133
آل مروان بن محمَّد ... 125
أبناء فارس ... 100، 223
الأزارقة ... 147، 157، 267، 718، 727، 764، 768، 891،
الأشاعرة ... ... 164، 247، 250، 254، 268، 302، 322، 333، 334، 336، 337، 345، 349، 350، 351، 382، 402، 415، 460، 473، 512، 536، 539، 540، 602، 609، 621، 631، 644، 718، 732، 782، 785، 810.،
الأشياخ ... 352
أصحاب الأخدود ... 548
أصحاب الدار ... 166
أصحاب الرسِّ ... 504، 505
أصحاب الكهف ... 542
أصحاب برهام ... 345
الأكراد ... 179
الأنصار ... ... 130، 131، 131، 136، 223، 228، 379، 507، 529، 670، 844، 850، 857، 860،
أهل "إِمِتجْ". ... 103
أهل "بهراسان" ... 234
أهل الأعراف ... 785
أهل الباطنة ... 232
أهل البصرة ... 694
أهل البطحاء ... 232
أهل الجبل ... 203
أهل السنة ... 10 ... ، 147، 153، 164، 172، 201، 207، 216، 218، 233، 266، 280، 310، 416،
أهل السوق ... 141
أهل الشام ... 130، 139، 140، 142، 224،
أهل الطائف ... 127
أهل العراق ... 675
أهل القرط ... 232
أهل القرى ... 214
أهل الكوفة ... 673
أهل المدينة ... ... 128، 129، 131، 132، 133، 134، 135، 138، 140، 141، 142، 143،
أهل المشرق ... 277، 315، 711، 837،
أهل المغرب ... 112، 210، 315، 683، 711، 768، 794، 795، 815، 837،
أهل النخيلة ... 674 (2/395)
صفحة 896
أهل النهروان ... 151، 166، 168، 176، 177، 207، 674، 817،
أهل اليمن ... 223
أهل بدر ... 842
أهل جبل نفوسة ... 834، 836
أهل حضرموت ... 209، 814، 827،
أهل زنجبار ... 236
أهل سمائل ... 831
أهل صحار ... 775، 777، 789، 793
أهل صِفِّين ... 674
أهل عمان ... ... 121، 203، 204، 206، 209، 237، 313، 788، 794، 814، 826، 835،
أهل مصر ... 196
أهل مكَّة ... 18، 141، 142، 766،
أهل ميزاب ... 203
أهل نزوى ... 232
أهل نفوسة ... 205، 230
أهل وادي القرى ... 139
أهل وارجلان ... 205
الأيمَّة الرستميين ... 209
البدو ... 476
البراهمة ... 345
البربر ... 141
البصريِّين ... 10
بنو "تنكسيت" ... 235
بنو أميَّة ... 128، 137، 140،
بنو إسرائيل ... 214، 477، 819،
بنو الأغلب ... 95، 104، 105،
بنو العبَّاس ... 147، 224، 681، 690،
بنو النجَّار ... 543
بنو النظر ... 831
بنو اليقظان ... 106
بنو تميم ... 165
بنو رستم بن بهرام بن سام بن كسرى الملك الفارسي ... 224
بنو شطان ... 122
بنو عبد المطَّلب ... 613، 766
بنو كندة ... 181
بنو مخزوم ... 671
بنو مروان ... 136
بنو ميزاب ... 108
بنو نبهان ... 120
بنو هاشم ... 36، 142، 147،
التابعين ... 118
الجبريَّة ... 644
الحارثيَّة ... 148
الحشويَّة ... 631
الحفصيَّة ... 148
حملة العلم إلى المغرب ... 211، 816، 817
حملة العلم إلى حضرموت ... 211، 816
حملة العلم إلى خراسان ... 211، 212، 816،
حملة العلم إلى عمان ... 211، 212، 816،
الحنابلة ... 350، 351
الحنفيَّة ... 197، 274، 433، 520، 639، 640،
الخلفاء الراشدون ... 128، 145، 262، 354، 807،
الخوارج ... ... 121، 127، 129، 141، 142، 144، 145، 146، 147، 148، 157، 178، 205، 206، 267، 392، 674،
الدولة الأيوبيَّة ... 186
دولة اليعاربة ... 837
الرافضة (الروافض) ... 555، 631، 824،
زناتة (باب) ... 95
الزنوج ... 141
الزيديَّة ... 148، 278،
سريانيّون ... 476
السنيَّة ... 11، 152، 153، 156، 169، 430،
الشافعيَّة ... 176، 197، 274، 417، 639، 640، 710، 821، 877،
الشراة ... 128، 141، 142،
الشيعة ... 117، 118، 137، 166، 178، 278، 315، 333، 336،
الصائبة ... 148
الصابئين ... 721، 722 (2/396)
صفحة 897
الصحابة ... ... 118، 134، 138، 148، 155، 156، 157، 158، 160، 161، 164، 166، 169، 178، 179، 180، 180، 183، 193، 226، 237، 274، 418، 451، 564، 680، 733، 738، 811، 821، 823،840، 842، 889، 890، 891، 892،
الصفريَّة ... 147، 157، 267، 718، 727، 768، 891،
الصوفية ... 878
العرب ... ... 109، 265، 323، 366، 368، 392، 415، 418، 445، 447، 451، 454، 476، 558، 679، 721، 722، 723، 841، 854، 873، 897،
عرب فزَّان ... 108
علماء الحرم ... 201
علماء مداد ... 231
العمانيون ... 237
العيسويه ... 265
الغالية ... 824
الفرس ... 101، 181
فرق من أعمال نزوى عاصمة عمان ... 680
فزَّان ... 108
قبائل البربر ... 686
القدريَّة ... 312، 648
قريش ... 127، 129، 130، 130، 131، 142، 323، 849،
قوم تبَّع ... 581
قوم لوط ... 579
قوم موسى ... 176
قوم نوح ... 214، 323
قوم يونس ... 799
كندة ... 122
الكوفيُّون ... 10، 183
الماتريديَّة ... 623
المالكيَّة ... 108، 197، 199، 220، 811، 877،
المجبرة ... 643، 645
المجسِّمة ... 407، 446، 452، 891،
المجوس ... 420، 721، 722
مذهب الجبائي ... 243
مذهب الشافعي ... 210
المرجئة ... 166، 891
مزاتة ... 104، 210، 815،
مشائخ مكَّة ... 219
المشارقة ... 334، 351، 387، 388، 788، 789، 793، 795، 796، 822،
المشبّهة ... 350، 413، 446، 448، 450، 451، 891،
مضر ... 413
المعتزلة ... ... 11، 127، 240، 246، 287، 293، 294، 296، 297، 299، 300، 301، 302، 307، 309، 310، 333، 335، 336، 341، 345، 350، 351، 353، 473، 537، 538، 540، 541، 555، 602، 603، 610، 620، 623، 625، 631، 642، 645، 646، 686، 687، 696، 697، 698، 719، 737، 775،
المغاربة ... 57، 314، 334، 387، 788، 794، 796،
ملَّة عيسى ... 720
ملَّة موسى ... 720
الملحدة (الملحدين) ... 444، 420
ملوك بني العبَّاس ... 353
المهاجرون ... 136، 228، 379، 670، 844، 850، 858، 860،
النجديَّة ... 718، 727
نجران ... 548
النصارى ... 325، 336، 361، 403، 420، 720، 722،
نفوسة ... 98، 101، 104، 105،
النكَّار ... 705، 824
النهروانيون ... 169
هوارة ... 95 (2/397)
صفحة 898
الواصليَّة ... 686
الوهَّابيَّة ... 357
اليعقوبيَّة ... 361
اليهود ... 263، 326، 413، 470، 487، 542، 720، 722، 766،
- -
فهرس الأماكن
أبديلان ... 830
الأبطح ... 141
أجلو ... 830
أُحد ... 547، 671
الأندلس ... 205، 220
إفريقيَّة ... 95
إيندل ... 231
استامبول ... 188
بئر ميمون ... 142
بدر ... 533، 550، 671، 679
بدما ... 352
بريان ... 205
البصرة ... ... 122، 200، 209، 211، 213، 675، 676، 678، 679، 814، 815، 818، 821، 893، 894
البطحاء ... 232
بغداد ... 211، 689، 690، 816
بقيع الفرقد ... 490
بلاد أريغ ... 824
بهراسان ... 243
بيت الرباط بمكة ... 203
تباكلت ... 234
تبوك ... 222
تجديت ... 108
تجديت ... 235
تنوف من عمان ... 196
تهامة ... 222
تورغا ... 92، 896، 897
تيجي ... 105
تيهرت (تاهرت) ... 93، 94، 96، 98، 106، 681، 693، 822، 898
جادو ... 103
جامع الأندلس ... 220
جبال مطماطة ... 96
جبل “فصاتوا” ... 813
جبل ككله ... 897
جبل من جبال سمائل ... 233
جبل نفوسة (الجبل) ... 94، 95، 96، 102، 103، 203، 686، 693، 822، 835
جربة ... 96، 205، 234
الجزائر ... 813
جزيرة العرب ... 189، 894
جَنْب ... 93
الحبشة ... 101، 671
الحجاز ... 222
الحرَم ... 201، 808
حضرموت ... 119، 122، 123، 144، 209، 211، 212، 213، 526، 817، 818
خراسان ... 150، 209، 211، 212، 213، 814، 817، 818
الخندق ... 671
دمَّر ... 96
دمشق ... 142
ذي الحليفة ... 127
رستاقية ... 826
زنجبار ... 204، 208، 213، 236، 797، 818، 899
زنزفة ... 96
سِرت ... 96، 97، 690
سروس ... 693
سقيفة بني ساعدة ... 860
سلجماسة ... 206
السِّنْد ... 210
سنغفورة ... 118
السودان ... 106، 108
سودان الغرب ... 106
سوق الأهواز ... 179
السويق ... 232
سيستن ... 235
الشام ... 101، 125، 129، 130، 131، 139، 140، 142، 353
شروس ... 231
صحار ... 776، 778، 793
صفَّين ... 166، 179، 672، 673
صنعاء ... 123، 124، 143
صياد ... 896
الطائف ... 127، 143، 182
طرابلس ... 92، 95، 96، 97، 693، 813، 895، 896، 897
طرابلس الغرب ... 105، 203
طولون (وكالة الجاموس) ... 186، 814
طيبة ... 481
العراق ... 101، 157، 212، 231، 817، 842، 892
عرفات (عرفة) ... 125، 231، 232، 675 (2/398)
صفحة 899
العَقِيق ... 127
العليا (بلد) ... 805
عمان ... 119 ... ، 120، 121، 188، 195، 196، 203، 204، 206، 209، 210، 211، 212، 213، 222، 237، 349، 353، 424، 676، 680، 814، 815، 816، 817، 818، 832، 894، 899
العنتق - وهو نهر بنزوى - ... 232
غانة ... 106
غدامس ... 894
فاس ... 93، 898
قابس ... 92، 96، 897
قُدَيد ... 122، 127، 128، 131، 132، 141، 807
القرارة ... 205
القرط ... 232
قسطاليَّة ... 97
القيروان ... 92، 93، 896، 897، 898
الكعبة ... 217، 221، 677
كَكْلَة ... 93
الكوفة ... 672
المازبان (شارع) ... 842
مالي ... 107
مانو ... 101، 104، 105 ،210،
مداد ... 231
المدينة ... ... 36، 125، 127، 128، 129، 129، 131، 132، 133، 135، 138، 139، 140، 141، 142، 143، 146، 201، 211، 222، 223، 548، 671، 807، 815
المسجد الحرام ... 205، 893
مسقط ... 188
مشارق الأرض ... 816
المشرق ... 94، 99، 104، 821، 893، 898
مصر ... 196، 213، 219، 683، 814، 818
المغرب ... ... 93، 94، 101، 104، 106، 109، 119، 205، 209، 209، 210، 212، 213، 222، 224، 465، 628، 681، 810، 814، 815، 816، 817.، 818، 822، 893، 894، 898
مَغْمَدَاس ... 92، 897
مقام إبراهيم ... 205
مكَّة ... ... 18، 36، 125، 126، 128، 131، 140، 141، 142، 143، 144، 146، 203، 204، 209، 210، 213، 219، 222، 223، 481، 674، 683، 693، 751، 766، 807، 814، 815، 818، 844
ملندى ... 5
منصورة (السِّنْد) ... 210
منصورة من بلاد السند ... 815
منير بن النير ... 212
مهبط الوحي، حرَم الله الآمن ... 194
الموصل ... 209
ميزاب ... 203، 205، 813
نفزاوة ... 894
نفوسة ... 210، 230، 686، 687، 693، 694، 696، 815
النهروان ... 151، 166، 168، 176، 207، 212، 673
نيسابور ... 268
الهند ... 203، 345
وادي أريغ ... 109، 236
وادي الرمل ... 95
وادي القرى ... 122، 139، 140
وارجلان ... 205
اليمن ... ... 122، 124، 144، 209، 213، 221، 222، 223، 235، 814، 818، 894
-
فهرس الكتب
1. الأحداث والصفات ... أبي المؤثر الخروصي ... 833
2. الأدلَّة والبيان ... تبغورين بن عيسى ... 836
3. أربعون كتابًا في الاستطاعة ... ... 98 (2/399)
صفحة 900
4. أرجوزة في الردِّ على المخالفين ... السالمي ... 189
5. الأزهار الرياضيَّة ... عبد الله بن يحيى الباروني ... 687
6. أسد الغابة ... ابن الأثير ... 179
7. أصول الأرضين ... أحمد بن محمَّد بن بكر ... 830
8. الأكلة ... نجاد بن موسى المنحي ... 829
9. الألواح ... أحمد بن محمَّد بن بكر ... 830
10. الأنوار في الأصول ... عثمان بن أبي عبد الله النزوي ... 277، 827
11. الإحياء ... للغزالي ... 598
12. إرشاد العبيد إلى نور التوحيد ... ... 881
13. الإرشاد شرح مهمَّات الاعتقاد ... سيف بن نصر ... 206، 312، 881
14. الإرشاد في الأصول لنجاد بن موسى المنحي ... 829
15. إزالة الاعتراض عن محقي آل إباض ... ... 609
16. الإقليد ... لابن بركة ... 828
17. الإنجيل ... ... 347، 351، 361، 375، 480، 481، 622، 721،
18. الإيجاز ... أحمد بن خليل السيجاني ... 832
19. الإيضاح ... ... 278
20. الإيضاح ... أبي ساكن عامر بن عليٍّ الشمَّاخي ... 829
21. الإيضاح ... أبي زكرياء يحي بن سعيد الهجاري ... 829
22. الإيضاح في النكاح ... السيوطي ... 838
23. الإيضاح لسعيد بن قريش ... ... 829
24. اختصار الإيضاح ... ... 837
25. الاستقامة ... أبي سعيد محمَّد بن سعيد الكدمي ... 827
26. الاهتداء ... أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي ... 826
27. بحر الأنوار ... ... 54
28. البحر المحيط ... أبي حيَّان ... 789، 791
29. بحر المعاني للأخضري ... ... 40
30. البصيرة في الأديان ... عثمان بن أبي عبد الله النزوي ... 827
31. البصيرة لصالح بن الوضَّاح ... ... 832
32. بهجة الأنوار ... نور الدين السالمي ... 239، 265
33. بيان الشرع لمحمَّد بن إبراهيم ... الكندي السمدي ... 790، 826
34. البيان والبرهان ... أبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي ... 833
35. التاج ... عثمان بن أبي عبد الله النزوي ... 827
36. تاريخ ابن الشحنة ... ... 183
37. تاريخ البدري ... ... 183
38. تاريخ النوبري ... ابن الجوزي ... 180
39. تاريخ بغداد ... للخطيب ... 300
40. تبيين أفعال العباد ... أحمد بن محمَّد بن بكر المغربي ... 830
41. تحفة الأعيان ... نور الدين ... 232
42. التخصيص ... أبي بكر أحمد بن عبد الله ... 826
43. الترتيب ... الكشف والتبين ... 315، 317 (2/400)
صفحة 901
44. التسهيل في الفرائض ... أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي ... 826
45. التضميد في التقليد ... ابن النظر ... 832
46. التعارف ... لابن بركة البهلويِّ السليميِّ ... 828
47. التعريفات ... الشريف ... 169، 282
48. تفسير الشيخ الكندي ... 336، 343، 390، 394، 397، 398، 403، 404، 406
49. تفسير القرآن ... أبو يعقوب يوسف الوارجلاني ... 824
50. تفسير القرآن ... لهود بن محكَّم الهواري ... 824
51. تفسير القطب ... ... 321
52. التفسير الكبير ... الرازي ... 660، 629
53. التقييد ... لابن بركة البهلويِّ السليميِّ ... 828
54. التوحيد القطب ... ... 219
55. التوراة..............................347، 351، 361، 375، 480، 481، 542، 721، 871
56. تيسير التفسير ... القطب ... 226، 559، 590، 607، 788
57. التيسير في النحو ... أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي ... 826
58. الجامع ... ... 830
59. جامع ... أبو الحسن علي بن محمَّد البسياني ... 833
60. الجامع أبي الحواري ... أبو الحواري ... 832
61. جامع أبي صفرة ... أبو صفرة ... 828
62. جامع أبي موسى بن علي ... أبو موسى بن علي ... 829
63. جامع أركان الإسلام. ... ... 640
64. جامع ابن بركة ... لابن بركة البهلويِّ السليميِّ ... 828
65. جامع ابن جعفر ... لأبي جابر محمَّد بن جعفر الأزكويِّ ... 827، 828
66. الجامع الصحيح ... الربيع ... 680
67. الجامع الصغير ... القطب ... 33
68. الجامع الصغير ... قاضي خان ... 197، 733
69. الجامع المفيد من جوابات أبي سعيد ... أبو سعيد ... 828
70. الجهالات ... تبغورين بن عيسى ... 836
71. جواب أبي إسحاق اطفيَّش ... أبو إسحاق اطفيَّش ... 320
72. جواب الخليلي ... الإمام الخليلي ... 791
73. جواب في نجاسة القمَّلة ... السالمي ... 255، 358
74. جوابات ابن خلفون ... أبو يعقوب يوسف بن خلفون ... 836
75. الجواهر المنتقاة ... البرَّادي ... 360، 484، 505
76. جوهر النظام ... ... 271، 273، 356، 536، 641
77. الجوهري المقتصر ... أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي ... 826
78. حاشية أبو ستَّة لكتاب الوضع ... أبو ستَّة ... 835
79. حاشية الباجوري على متن السلم ... الباجوري ... 38 (2/401)
صفحة 902
80. حاشية السنوسية ... ... 203، 303، 389، 399
81. حاشية الشذور ... ... 11
82. حاشية الصاوي على رسالة الدردير الصاوي ... 12
83. حاشية القطب على حاشية أبي ستَّة القطب ... 835
84. الحقائق ... ... 52
85. حقائق الأدلَّة ... نجاد بن موسى المنحي ... 829
86. حل الرموز ... ... 456
87. الحلُّ والإصابة ... محمَّد بن وصَّاف النزوي ... 831
88. حواشٍ أبي مسألة ... أبو العبَّاس أحمد ... 830
89. حواشي أبي ستَّة ... ... 829
90. حواشي الجوهرة ... الباجوري ... 32
91. حواشي الكشاف ... السيد ... 467
92. حياة القلوب والمرآة ... الدينوري ... 55
93. الخزينة ... ... 17، 51، 52، 58
94. خطط المقريزي ... المقريزي ... 184
95. خواصِّ الصلاة المنجية ... الجزولي ... 56
96. خواصِّ القرآن ... ... 20
97. الدرّ المنثور ... ... 18، 19
98. الدرر المضيئة ... ... 150
99. دعائم الإسلام ... ابن النظر ... 831
100. الدليل والبرهان ... أبو يعقوب ... 825
101. الديانات ... أبي ساكن عامر بن عليٍّ الشمَّاخي ... 829
102. ديوان الأشياخ ... الأشياخ ... 836
103. ديوان جابر ... جابر بن زيد ... 691، 816، 821
104. الذخيرة ... أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي ... 826
105. الذهب الخالص ... القطب ... 160، 321، 645
106. ردّ اليوسي ... ... 40
107. الرد على الزنداجلي ... المصنِّف ... 149، 172، 178، 216، 218
108. الرد على العقبي ... القطب ... 188، 191، 202، 234
109. الرد على الغزالي ... ابن حجر ... 205
110. الردِّ على طموم ... قاسم الشماخي ... 180
111. رسالة الباروني ... عبد الله بن يحيى الباروني ... 813
112. رسالة البسملة ... ... 20
113. رسالة الدردير ... ... 12
114. رسالة في الرد على ابن عقيل ... أبو إسحاق اطفيش ... 119
115. ركن الدين ... أبي طاهر المعتزلي ... 513
116. روايات أبي سفيان عن الربيع ... أبو سفيان ... 222
117. روضة الزندوستي ... ... 183
118. الزبور ... ... 347، 351، 480، 481
119. زهرة الأدب ... عمرو بن عليٍّ المعقدي الرستاقي ... 834
120. زيادات الأشراف ... أبو سعيد ... 828
121. السؤالات ... أبو عمر عثمان ... 767، 836
122. سرِّ الأسرار ... ... 58
123. سرِّ الأنوار ... ... 56
124. سلك الجمان في سيرة أهل عمان ابن النظر ... 832 (2/402)
صفحة 903
125. سلم العامَّة للمبتدئين ... عبد الله بن يحيى الباروني ... 889
126. سنن أبي داود ... أبو داود ... 532
127. السنوسية ... ... 203، 389، 393، 396، 398، 401، 881
128. السير ... الشمَّاخي ... 92، 96، 119، 834، 835، 892، 897
129. سيرة أهل حضرموت ... ... 832
130. سيرة البررة ... أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي ... 826
131. سيرة البسياني ... أبو الحسن علي بن محمَّد البسياني ... 833
132. سيرة الدماء ... أبو القاسم عبد الرحمن ... 830
133. سيرة نجاد في الردِّ على المخالفين ... نجاد بن موسى المنحي ... 829
134. شامل الأصل والفرع ... القطب ... 777
135. شرح الجامع الصحيح ... ابن الصلاح ... 223
136. شرح الجهالات ... أبو عمَّار عبد الكافي ... 834
137. شرح الجوهرة ... ... 264
138. شرح الرائيَّة ... الثميني ... 639
139. شرح السنوسيَّة ... ... 306، 309، 345، 393، 396، 401
140. شرح العقيدة ... القطب ... 788
141. شرح الكبرى ... عليش ... 197
142. الشرح الكبير ... الرافعي ... 206
143. شرح المقاصد ... السعد ... 345
144. شرح المنهاج ... ... 762
145. شرح المواقف ... السيد ... 337، 419
146. شرح النونيَّة ... الثميني ... 319، 328، 383، 465، 538،781
147. شرح النيل ... القطب ... 207، 791
148. شرح جامع أبي جعفر ... ابن بركة البهلويِّ السليميِّ ... 828
149. شرح غريب كتاب الجامع من حديث مالك ابن حبيب المالكي ... 197
150. شرح مختصر العدل ... القطب ... 834
151. شرح مرج البحرين ... الثميني ... 834
152. شرح نهج البلاغة ... ابن أبي الحديد ... 146
153. شرح نونيَّة أبي نصر ... إسماعيل بن موسى الجيطالي ... 829
154. شرح هذه الرسالة ... الكندي ... 307
155. شعر ... الإمام الخليليِّ ... 614
156. شفاء الحائم على بعض الدعائم ... أبي القاسم إبراهيم البرادي ... 831
157. صحف موسى - عليه السلام - ... ... 347، 481
158. صحف إبراهيم? - عليه السلام - ... ... 347، 480، 481
159. صحيح البخاري ... البخاري ... 517، 519، 532، 550
160. الصحيحان ... البخاري ومسلم ... 223
161. الصراط المستقيم ... المصنِّف ... 152، 155، 229، 416، 417، 418
162. الضياء ... سلمة بن مسلم الصحاري ... 299 (2/403)
صفحة 904
163. الطبقات ... أحمد بن سعيد الدرجيني ... 674، 837
164. طلعة الشمس ... السالمي ... 21، 66
165. طمس الأبصار عن إدراك ذات الجبار ... أبو مسلم ... 424
166. الظهور المحتوم ... قاسم بن سعيد الشمَّاخي ... 148
167. العدل والإنصاف ... أبو يعقوب الوارجلاني ... 206، 432، 470، 479، 825
168. العقد الفريد ... ابن عبد ربه ... 180
169. عقيدة التوحيد ... القطب ... 205
170. الغاسول في أسماء الرسول ... القطب ... 36
171. غاية البيان ... ... 22
172. غاية المراد ... السالمي ... 332، 448، 728
173. الفتاوى الخانية ... ... 197
174. فتاوى نورالدين ... السالمي ... 289، 651، 656
175. فتح الباري ... ابن حجر العسقلاني ... 205
176. قاموس الشريعة ... ... 43، 147، 422
177. قرى البصر في مجمع المختلف من الأثر ... ابن النظر ... 832
178. قصيدة النعمة و العبيريَّة ... أبي عبد الله محمَّد بن إبراهيم بن سليمان ... 825
179. القصيدة النونيَّة ... ... 352، 349
180. قصيدته البلكفية ... الزمخشري ... 422
181. قناطر الخيرات ... إسماعيل بن موسى الجيطالي ... 330، 602، 829
182. قواعد الإسلام ... إسماعيل بن موسى الجيطالي ... 702، 829
183. قوت القلوب ... أبو طالب مكِّي ... 675
184. القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد محمد الحنفي ... 184
185. كتاب ... أبي سفيان محبوب بن الرحيل ... 823
186. كتاب ... أبي يوسف داود بن إلياس الوارجلاني ... 836
187. كتاب ... الجناوني ... 835
188. كتاب ... اللَّيث السمرقندي ... 576
189. كتاب ... سعيد بن عبد الله بن محمَّد بن محبوب ... 825
190. كتاب في السير ... أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر ... 108، 836
191. كتاب في الكلام. ... تبغورين بن عيسى ... 836
192. كتاب اختلاف الفتيا ... أبو عمَّار عبد الكافي ... 834
193. كتاب الأشراف ... أبو بكر محمَّد بن إبراهيم ... 828
194. كتاب الأشياخ ... الأشياخ ... 832
195. كتاب الأصفر ... نجاد بن موسى المنحي ... 828
196. كتاب الأغاني ... الأصفهاني ... 122
197. كتاب الأنساب ... أبو المنذر سلمة بن سليم بن إبراهيم ... 833
198. كتاب الإمامة ... أبةو المنذر سلمة بن سليم بن إبراهيم ... 833 (2/404)
صفحة 905
199. كتاب البستان ... بشير ... 823
200. كتاب التلخيص ... ... 185
201. كتاب الحوالة ... نجاد بن موسى المنحي ... 829
202. كتاب الخزانة ... بشير بن محمَّد بن محبوب بن الرحيل ... 823
203. كتاب الردِّ على من أخلد إلى الأرض السيوطي ... 184
204. كتاب الرضف في التوحيد ... بشير ... 823
205. كتاب الرقاع في أحكام الرضاع عبد الله بن أحمد ابن النظر ... 832
206. كتاب الرهائن ... ... 832
207. كتاب الروضة ... أبو زكرياء الأنصاري ... 207
208. كتاب الشفاء ... القاضي ... 197
209. كتاب الصلاة والصلة ... عمرو بن عليٍّ المعقدي الوبلي الرستاقي ... 834
210. كتاب الضياء ... أبو المنذر سلمة بن سليم بن إبراهيم ... 825، 833
211. كتاب الفرائض ... أبو عمَّار عبد الكافي ... 834
212. كتاب الفرائض ... إسماعيل بن موسى الجيطالي ... 830
213. كتاب القسمة ... أحمد بن محمَّد بن بكر المغربي ... 830
214. كتاب الكفاية ... محمَّد بن موسى الكندي ... 825
215. كتاب المحاربة ... بشير ... 823
216. كتاب المصنف ... أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي ... 825
217. كتاب المناسك ... أبو زكرياء يحيى الأبدلاني ... 837
218. كتاب النيل ... عبد العزيز الثميني ... 744، 787، 829
219. كتاب الوضع ... الجناوني ... 835
220. كتاب بيان الشرع ... أبو عبد الله محمَّد بن إبراهيم بن سليمان ... 825
221. كتاب جلاء البصائر ... محمَّد بن موسى ... 825
222. كتاب سيف بن ناصر ... سيف بن ناصر ... 304، 331، 344، 613
223. كتاب ضمّام ... ضمام ... 823
224. كتاب عذاب القبر ... البيهقي ... 532
225. كتاب عمروس بن فتح ... عمروس بن فتح ... 835
226. كتاب في الجرح والتعديل ... محمد بن عقيل ... 118
227. كتاب في الكلام ... أبو الربيع سليمان بن يخلف ... 836
228. كتاب في الكلام ... أبو خزر ... 836
229. كتاب محمَّد بن محبوب ... محمَّد بن محبوب ... 823
230. كتا ب في الأحكام ... عثمان بن أبي عبد الله النزوي ... 827
231. كتب اللقط ... ... 835
232. كتب بني الله شيت - عليه السلام - ... ... 346
233. كتب نبيِّ الله إدريس - عليه السلام - ... ... 347
234. الكشَّاف ... الزمخشري ... 311، 312، 329، 383، 458 (2/405)
صفحة 906
235. كشف الحقيقة ... السالمي ... 276
236. كشف الظنون ... ... 694
237. كشف الغمَّة ... ... 211، 674، 816
238. الكشف والبيان ... محمَّد بن سعيد القلهاتي العماني الأزدي ... 833
239. الكشف والتبيين في ترتيب أجوبة الإمام نور الدين سعيد بن ناصر الغيثي (المؤلف) ... 314
240. الكفاية ... محمَّد بن موسى الكندي السمدي ... 826
241. لامية ابن النظر ... ابن النظر ... 831
242. اللَّمعة المرضية من أشعة الإباضيَّة نور الدين ... 199، 209، 841
243. مؤلَّفات في الردِّ على أصحاب الفرق والمذاهب الأخرى للإمام محمَّد بن أفلح ... 98
244. المبتدإ ... ابن بركة البهلويِّ السليميِّ ... 828
245. المبسوط ... ... 197
246. متن السنوسيَّة ... ... ض876
247. المجالس السنِّية ... الغشني ... 255
248. مختصر البسياني ... أبو الحسن علي بن محمَّد البسياني ... 833
249. مختصر الخصال ... لأبي إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي ... 833
250. مختصر العدل في أصول الفقه ... أحمد بن سعيد الشمَّاخي المغربي ... 834
251. مختصر القرطبيَّة ... ... 546
252. مختصر الوضع ... القطب ... 43
253. مختصر تذكرة القرطبيِّ ... ... 533، 546
254. المدارج ... السالمي ... 275
255. المدارك ... القاضي عياض ... 197
256. المدوَّنة ... ... 822
257. مراشد التقيَّة ... قاسم بن سعيد الشمَّاخي. ... 814
258. مراهم القلوب في مناجاة المحبوب محمَّد بن أحمد بن إبراهيم ... 832
259. مرج البحرين ... أبو يعقوب الوارجلاني ... 834
260. مروج الذهب ... المسعوديّ ... 821
261. المستدركه ... الحاكم ... 532
262. مسند ابن أبي خيثمة ... ابن أبي خيثمة ... 789
263. مسند الربيع بن حبيب ... 164، 823، 824
264. مسند الطيالسي ... الطيالسي ... 532
265. المشارق ... السالمي ... 42، 204، 255، 324، 325، 337، 339، 332، 342، 347، 357، 358، 403، 407، 415، 437، 457، 471، 474، 603، 608، 698، 699، 708، 708، 709، 777
266. المشكاة ... ... 532
267. مصباح الظلام، على دعائم الإسلام أحمد بن عبد الله الرقيشي الأزكوي ... 159، 831
268. المصنَّف ... أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي ... 826 (2/406)
صفحة 907
269. مصنّف ابن أبي شيبة ... ابن أبي شيبة ... 532
270. معارج الأمال على مدارج الكمال السالمي ... 240، 254، 334
271. معالم الدين ... الثميني ... 307، 307، 328، 329، 384، 398، 400، 460، 462، 463، 510، 511، 527، 555، 666، 667
272. المعتبر ... أبو سعيد ... 32، 269، 827
273. المعجزات ... أبو مسلم الرواحي ... 637
274. المعلَّقات ... ... 836
275. مفتاح الشريعة ... محمَّد بن أحمد بن إبرهيم بن أحمد الشجبي ... 833
276. الملل والنحل ... ابن حزم ... 311
277. مناسك الحجِّ ... إسماعيل بن موسى الجيطالي ... 830
278. المنهج ... خميس بن سعيد بن علي الرستاقي ... 832
279. الموازنة ... ابن بركة البهلويِّ السليميِّ ... 828
280. المواقف ... العضد ... 148، 150، 151، 152، 180، 337، 413
281. المواهب ... ... 473، 474
282. الموجز ... أبو عمَّار عبد الكافي ... 834
283. الموطَّأ ... مالك ... 217
284. المولد ... أبو مسلم ... 35
285. نثار الجوهر ... أبي مسلم ... 271، 274، 280
286. النزهة ... ... 53
287. النقد الجليل ... أبو إسحاق اطفيَّش ... 158، 164
288. نهج البلاغة ... ... 121
289. نور التوحيد ... علي بن محمَّد المنذري ... 1، 881
290. النور في علم الكلام ... عثمان بن أبي عبد الله الأصمِّ النزوي ... 827
291. النونيَّة ... ابن النظر ... 349، 351، 352
292. الهديَّة الإسلاميَّة في النصائح العامَّة ... ... 201، 810
293. هميان الزاد ... القطب ... 11، 47، 622
294. الورقات وشرحها ... ... 420
295. وفاء الضمانة ... القطب ... 258، 608
-
قواعد لتحقيق الإيضاح
1. حجم المتن: العرض: 12، الطول: عل 4 سفل 5.7
2. تخريج الحديث: من البرنامج، بذكر أحد النصوص والإحالة إلى المصادر الأخرى. وما لم نجده في الصادر بتخطاه دون ذكر عدم وجوده، مع الإشارة أنَّنا بحثنا عنه.
3. في إحالة النصوص المقتبسة إلى مصادرها، نستعمل طريقة المسح وتكون على هذا الترتيب: *كتب السالمي. *كتب الشيخ اطفيَّش *كتب السير والتاريخ *كتب عمانية مثل: سيف بن نصر، الكندي، كشف الغمة... إلخ *كتب مختلفة مثل: الكشاف، المواقف للعضد... (2/407)
صفحة 908
ونقصد بالمصدر ما ظهر لنا أنَّ المؤلِّف رجع إليه مباشرة، أمَّا المصادر التي يرجع إليها مصدر المؤلِّف فلا تعتبر. والملاحظ أنَّ المؤلِّف إذا انتهى من الاقتباس يذكر لفظ: انتهى...، أو اهـ... والضابط في انتهاء الاقتباس هو هذا اللفظ.
4. تراجم الأعلام، يكتفى بأقلّ المعلومات، ويحال إلى المصادر والمراجع.
5. تخطيط العناوين:
فائدة، تنبيه، غريبة، لطيفة....: (أندلسي 22) (توسيط)
الأمر الأوَّل، الثاني: عناوين أولية (فارسي 20)
متن العقيدة: خط نسخ 18.
المصدر المعتمد: خط الشرقية 18.
... ... ... (
(1)
الفهارس
1. لا نفهرس للأعلام أو الأماكن... التي ترد في الحديث أو الآية أو الشعر، لأَنَّ البحث عنها يكون عن طريق البحث عن نفس الحديث أو الآية أو الشعر الذي ذكرت فيه.
2. لا يفهرس لمَا يرد كثيرا مثل: محمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، الملائكة، قومنا، أصحابنا، الإباضيَّة ...
3. يفهرس للجزء القولي من الحديث، في حال الحديث الفعلي.
__________
(1) - ... (2/408)