صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: إسلاميات - عقيدة
------------------------------------------
العنوان: الإباضية وآراؤهم الكلامية
المؤلف: عبد الحي محمد قابيل
الناشر: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر
مكان النشر: الإسكندرية
تاريخ النشر: 2015م
الطبعة: 1
ردمك: 978-977-735-090-7
الإيداع القانوني: 2013/24345
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=4680&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/195
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 10 شعبان 1446ه/ 09 - شهر 02 - 2025م. الأباضية وآراؤهم الكلامية
تأليف
أ. د/ عبد الحي محمد قابيل (1/1)
صفحة 2
الأباضية وآراؤهم الكلامية
تأليف
أ. د. عبد الحى محمد قابيل أستاذ الفلسفة الإسلامية
بكلية الآداب - جامعة أسيوط
الطبعة الأولى
2015
الناشر
دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر
تليفاكس: 5404480 - الإسكندرية (1/2)
صفحة 3
مقدمة:
لم تكن نعرف إلى عهد قريب شيئاً عن الأباضية، سواء مما حصلناه أثناء الدرس في الجامعات، أو مما توفر بين أيدينا من مصادر سوى أنهم فرقة من فرق الخوارج، أو مع حسن الظن بهم فرقة معتدلة منهم، وعندما تناولهم من تناولهم من الباحثين المحدثين لم يخرج عن هذا التصوير لهم، فيقدموا تارة على أنهم قائلين بقول الخوارج، وتارة أخرى على أنهم متابعون أو متأثرون بالمعتزلة أو غيرهم من الفرق الأخرى. وفي كل الأحوال، ولسوء الحظ، يعتبر كل من الخوارج والمعتزلة من وجهة نظر أهل السنة من الفرق الضالة المبتدعة، وقياساً على هذا كان الحكم على الأباضية.
ويعتبر الآن كل من الخوارج والمعتزلة من الفرق المندرسة، وأعتقد أنه لا يوجد بيننا الآن من يعلن عن نفسه أنه معتزلى، أو أنه خارجى أو متابع للخوارج، فقد ولو بخيرهم وشرهم، وحسابهم على الله تعالى، أما الأباضية فهى تعتبر من الفرق، بل لعلها الوحيدة على الساحة العربية الإسلامية التي نجد بقاعاً واسعة فى الشرق والغرب يعلن أهلها نسبتهم إلى عقيدة وفكر هذه الفرقة.
ولا يختلف أحد حول ما لوحدة العقيدة والفكر من أثر عميق على توحيد الشعوب والأمم، ولا اعتقد أن لعقيدة أخرى غير الإسلام اهتمام بالدعوة إلى الوحدة والتوحد مثلما للإسلام، يقول تعالى: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ". وقد شاهدت بعيني رأسي مدى الأثر لهذه الفكرة المغلوطة عن الأباضية، سواء لجهل بهم، أو لفهم خاطئ لمعتقدهم، مما روجه المسلمون من غير الأباضية، في زرع بذور الإنفصال بينهم وبين غيرهم من المسلمين الذين يزعمون أنهم أهل سنة،
3 (1/3)
صفحة 4
أو أنهم على الإسلام الصحيح البعيد عن الضلال والبدع، فكم حز في نفسى يوما خلال فترة اهتمامى بالبحث والدراسة وجمع المعلومات عن الأباضية، أن التقيت بأحد طلابي، حيث كنت أقوم بالتدريس في إحدى الجامعات العربية، وقد كان الطالب من أبناء بلد إسلامي شقيق يعتقد معتقد الأباضية على المستوى الرسمى، ألا وهي دولة عمان وسألته: أأباضي أنت؟ فأدهشني أن رأيت الطالب وقد تجهم، وظهرت عليه علامات الضيق والحرج، وقد بادرني بالعتاب متسائلاً في أدب: ألا تستطيع يا دكتور أن تميز بين الإباضي والسني؟ فسألته بدورى: وهل عندكم للسنية سمات أو مميزات خاصة يستطيع المرء أن يميز بها بين الإباضي والسنى؟ فقال نعم. قلت: ما هي؟ فقال فيما قال: أنك ترى في أسلوب وشخصية الأباضية وطريقة حديثهم شيئاً من الليونة في مقابل الجدية التي تراها في شخصية وطريقة حديث السني، وغير ذلك من السمات الشخصية، مع اعتزاز الشاب غير المحدود بما يعدده من سمات السني في مقابل سمات الإباضي والذي يصر الطالب على أن يبرئ نفسه منها، وكأنها شئ مشين، فقلت لنفسى: الهذا الحد يزكي الاختلاف في المذهب عوامل الانفصال والتفرقة المادية والنفسية بين أبناء الشعب الواحد، ناهيك عما يفعل ذلك بين أبناء دولة ودولة
وكم شعرت يومها بالمرارة، ذلك لشعوري بمدى أثر الفهم الخاطئ، والجهل والعصبية العمياء، وما يفعله كل ذلك في بذر بذور الانقسام والانفصال والكرة وغير ذلك من الصفات البعيدة عن الإسلام يزرع هذا بين المسلمين، في الوقت الذى تتنازعهم قوى البغى والطغيان، سعياً للنيل منهم بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، الأمر الذي يجعلهم فى أشد الحاجة إلى التوحد، والالتفاف حول حبل الله (1/4)
صفحة 5
تعالى المتين، الذي دعاهم الله للاعتصام به، لكي يزدادوا قوة، ولا يتفرقوا، ومن ثم يستطيعوا أن يقفوا وقفة رجل واحد، أمام القوى المعادية التي تترصد بهم وبمقدراتهم من جميع الجهات، ملقين جانباً بخلافات وصراعات التفرق، التي ورثوها عن الماضى البغيض، حيث سادت يوماً ما بين المسلمين فكانت سبباً رئيسياً في البعد بهم بعيداً عن الإيمان والإسلام الحق، وضيعت عليهم الكثير والكثير من الجهد في الوقت والمال وغيرهما في عبث لا طائل وراءه، كان يمكن لو أنفقوه فيما يفيد لعاد بالخير الخير الكثير على المسلمين في دينهم ودنياهم.
لكل هذه الأسباب وغيرها، وجدت لزاماً على أن أقوم بهذه الدراسة لأكشف بها عن حقيقة معتقد يعتقده إخوة من المسلمين يقولون
لنا ببساطة شديدة أن معتقدهم هذا لا يعدو أن يكون هو الإسلام وأنهم مسلمون يؤمنون في معتقدهم بالكتاب والسنة، ومسمى الأباضية هذا، ومنهم من ينكره ولا يرتضى إلا النسبة إلى الإسلام، ومنهم من يقول به نسبة إلى شيخ فاضل من أسلافهم، ومنهم من يقول به لا لشئ إلا لأن أعداءهم أو مخالفيهم سموهم هكذا، وإنما التسمية التي يرتضونها هي الإسلام والمسلمون، ولا شئ غير ذلك، وكذلك الكشف عن مدى علاقتهم بكل من الخوارج والمعتزلة، اللذين أصر الكثير من الباحثين على ربطهم بإحداهما تارة، وبالأخرى تارة أخرى، وكذلك الكشف عن حقيقة ما نسب إليهم من فرق لها من الآراء ما لا يرتضيه الأباضية، بل يرون في بعضها الآخر أنه يكفى لإخراج صاحبه من الإسلام، وبيان رأيهم في هذه الفرق، ومدى صلتهم بكل منها، فكان القسم الأول الذي قسمته إلى أربعة فصول: الفصل الأول حول النشأة والتسمية،
والفصل الثاني عن الأباضية والخوارج، والفصل الثالث عن الأباضية
5 (1/5)
صفحة 6
والمعتزلة، أما الفصل الرابع فقد خصصته للحديث عما نسب إلى
الأباضية من فرق ورأيهم في كل منها.
وقد عقدت القسم الثاني من هذه الدراسة على بيان آراء الأباضية في قضايا العقيدة معتمدا على ما حصلت عليه من نصوص للإباضية أنفسهم دون التعويل على ما قيل أو كتب عنهم عن طريق غير الأباضية من المؤرخين للعقائد والفرق الإسلامية، وقد أقمت هذا القسم على أربعة فصول: تناولت في الفصل الأول قضية إثبات وجود الله وفي الفصل الثاني قضية الصفات الإلهية، وتناولت في الفصل الثالث القول في أفعال العباد، أما الفصل الرابع فقد تناولت فيه رأيهم في السمعيات، وفيه كان الحديث عن الشفاعة، وسؤال الملكين وعذاب القبر والحساب، والميزان والصراط والجنة والنار، وختمت البحث بخاتمة تناولت فيها أهم النتائج التي توصل إليها الباحث.
وقد التزمت في دراستي هذه بمنهج البحث التاريخي المقارن، بقدر ما أسعفتنى النصوص والمعلومات التي جمعتها عنهم، وعن الفرق الإسلامية ذات العلاقة بفكرهم، حتى أتمكن من خلال المقارنة من التثبت من صحة آرائهم ملتزماً بعدم التوسع في ذكر آراء الفرق الأخرى، حتى لا أخرج عن خطة البحث.
ولقد عانيت في هذه الدراسة من ندرة المراجع، وصعوبة الحصول على ما حصلت عليه منها. ومن ثم فالتقصير أولا وأخيراً، إنما يعود على، ولكنني آثرت - بدلاً من التسويف والتأخير - أن أقوم بهذا العمل، في حدود الخطة التي رسمتها لنفسى فيه، وفي حدود الإمكانات التي توفرت لى، اعتقادا منى في أن استمرارية البحث والتجويد والتقصى هي من سمات البحث العلمي، وبالتالي فإني لا أدعى أن ما قمت به، هو
6 (1/6)
صفحة 7
الكلمة الأخيرة - استغفر الله فلا كلمة أخيرة في مجال البحث – في موضوعه، وإنما قد يكون لبنة متواضعة في الطريق نحو إزاحة الغموض عن هذه الفرقة عند الباحثين خارج موطنها الأصلى، يمكن لى ولغيري إذا ما توفر له المزيد من المصادر أن يستكمله، وبذلك يلقى المزيد من الضوء على ما لم أستطع كشفه في هذه الدراسة، من زوايا نشأة وفكر الأباضية العقدى وغيره من مجالات فكرهم المتسعة
وأخيرا، أمل أن أكون قد قمت بما قدمت بنوع من الجهد المتواضع في هذا العمل، ما أصبت فيه فهو بتوفيق من الله تعالى، وما أخطأت فيه فهو عملى المنسوب إلى، والمسئول عنه، أرجو أن يغفره الله لى، ويعينني على تصحيحه.
تعالى
والله أسأل أن يوفقنا جميعا لما فيه الخير للإسلام والمسلمين،
عقيدة وفكراً وعملاً) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَتَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِيَهْتَدِى لَوْلَا أَنْ هَدَتَنَا اللَّهُ)
صدق الله العظيم.
7 (1/7)
صفحة 8
الأباضية -
الأصل والنشأة
القسم الأول (1/9)
صفحة 9
نشأة الأباضية
الفصل الأول (1/11)
صفحة 10
الاسم والتسمية:
وقد سموا الأباضية نسبة إلى عبد الله بن أباض، وعلى ذ
أجمعت ما وقفت عليه من كتب الفرق والتراجم والطبقات، ما عدا
كتاب " التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع " (1) لأبي الحسين الملطى.
الذي نسب فيه مؤلفه الأباضية مرة إلى " إباض ابن عمرو " الذي انفرد دون باقي كتب النحل - كما قال الشيخ الكوثرى - بتسمية زعيم
(2)
هذه الفرقة بهذا الاسم، ثم يعود الملطى مرة أخرى، في الكتاب نفسه لينسب الأباضية إلى " عبد الله ابن إباض " كما هو في سائر كتب
الفرق. والشيخ الكوثري يعلق على ذلك فيرجح في تعليقه أن يكون المقصود بـ عبد الله بن إباض " هو " عبد الله بن يحيى بن إباض " وهو
ما ينكره عليه الدكتور عمار الطالبي فيذهب إلى أن الكوثرى ربما يكون قد خلط بين " عبد الله بن إباض " وبين أحد الأباضية المسمى الله بن يحيي الإباضي الملقب بطالب الحق والمتوفى سنة 130 هـ والذي كان رفيقا لعبد الله بن أباض في جميع أقواله وأحواله كما قال
عبد
الشهرستاني)
(4)
الأمر الذي يبقى معه أن الأباضية نسبة إلى عبد وهو ما أجمع عليه جمهور المؤرخين كما ذكرنا.
وعبد
(3)
،
الله بن إباض
الله بن إباض - هو: عبد الله بن أباض بن تيم اللات ابن
ثعلبة التميمي من بنى مرة بن عبيد رهط الأحنف بن قيس، وهو الذي فارق جميع الفرق الضالة عن الحق وهم: المعتزلة والقدرية والصفاتية، والجهمية، والخوارج، والروافض، والشيع، وهو أول من بين مذاهبهم ونقض فساد اعتقاداتهم بالحجج القاهرات، والآيات المحكمات النيرات والروايات النيرات الشاهرات، نشأ في زمان معاوية
13 (1/13)
صفحة 11
بن أبي سفيان، وعاش إلى زمان عبد الملك بن مروان، وكتب إليه
بالسيرة المشهورة والنصائح المعروفة المذكورة
(5)
"
والنسبة جاءت إلى أبيه
الله
" أباض " وقيل: إنه - أى أبيه - " كان أفقه منه وأعلم، ألا أن عبد كان أثقل على زعماء الباطل من الصخرة، وكان لا يبالي برد الباطل على صاحبه، ولا يحابي في الدين، ولا يأبى أبواب الأمراء الذين تسلطوا على الأمة بالجبروت، وكان له من عشيرته حمى منيع، وركن رفيع لم يجسر أحد على الحط من قدره)
(6)
ونظرا لهذا الذي تميز به ابن باض من جرأة وجسارة، وقدرة على الرد والجدل والمناظرة، فضلا عما اكتسبه من قبيلته من منعة وقوة حالت دون النيل منه، أو إيذائه خشية غضب قومه إرتضى الأباضية أن ينتسبوا إليه، إلا أنه بالرغم من ذلك فإن علماء الأباضية يعتبرون دون ابن أباض في هذا دوراً ثانوياً بالقياس إلى جابر بن زيد الأزدي العماني الذي يعتبرونه إمام أهل الدعوة ومؤسس فقههم ومذهبهم، بل ويعتبرون ابن أباض واحدا من أتباع جابر بن زيد، وأنه كان يصدر في كل أقواله وأفعاله عن جابر بن زيد (7). وعلى ذلك فهم يعتبرون جابر بن زيد المؤسس الحقيقي لمذهب الأباضية وهو ما يؤكده الدرجينى أحد كتاب طبقاتهم في قوله: " يرجع المذهب الأباضي في نشأته وتأسيسه إلى جابر بن زيد الذي أرسى قواعده الفكرية وأصوله. فهو إمام متحدث فقيه، تبحر بعمق في الفقه وأمضى حياته بين البصرة والمدينة بشكل جعله على صلة بأكبر فقهاء المسلمين حينذاك. وقد روى عن ابن عباس قال للناس: اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه. وقد أصبح أعظم فقيه في البصرة، وله أتباع عديدون كعبد الله ابن أباض،
"
14 (1/14)
صفحة 12
ومرداس بن حيدر، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (8). وقد ذكر أن
جابر بن زيد قد ولد سنة 21 هـ. وتوفى عام 93
هـ.
وإذا كان ذلك كذلك، فلماذا إذن كانت النسبة إلى ابن أباض، وكانت التسمية بالأباضية؟ ويرد في الإجابة على هذا التساؤل: أنه إذا ' كان جابر بن زيد هو المؤسس الحقيقى لمذهب الأباضية، إلا أن الظروف السياسية والاجتماعية قد حتمت عليهم في ذلك الوقت أن تكون دعوتهم، وزعيمها في طي الكتمان خشية النيل منها من الحكام الأمويين، إلا أنهم لما كانوا في حاجة إلى إظهار كلمتهم وإعلان آرائهم التي تبعد عنهم الوصف بالخارجية، وكان ابن أباض هو المرشح لذلك للسمات التي ذكرناها من قبل والتي تتلخص في القدرة على الجدل والمواجهة، وشجاعته الفائقة في ذلك، فضلا عن المنعة التي كان يكتسبها من قوة قبيلته بين العرب، مما جعلهم يقدمونه للقيام بهذه المهمة، مما أشهره، وفرض نسبة الجماعة إليه وهو ما يؤكده الشماخي في قوله: " وكان ابن أباض المجاهد علنا، المناضل علنا في سبيل تحقيق الحقائق، وتصحيح قضايا العقول، فيما أحدثه أهل المقالات والبدع من. الزور والافتراء في شريعة ربنا، وكان شديدا في الله تعالى، وله مناظرات مع أهل التلطس والتفلسف. كان الحجة الدامغة التي يخنس أمامها كل ثرثار، وله كلام مع عبد الملك بن مروان يهضم نفس كل جائر جبار تغلب على المسلمين، أصحابه الذين يقولون بقوله الأباضية، وتسمى المذهب باسمه على هذا المعنى، وإنما كان الإمام القائد، والوسيلة الراشد، أس المذهب وحاميه، مرجع الفضل في تدوينه وتشييد مبانيه، إنما كان جابر بن زيد رضى الله عنه
*** 15 (1/15)
صفحة 13
كما أن هناك رأى آخر يذهب فيه أصحابه إلى أن الأمويين هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم نسبة إلى عبد الله بن أباض، لأن الأخير كان من علمائهم وشجعانهم والمناظر باسمهم. كما أن الأمويين لا يريدون نسبة هذه الفرقة إلى جابر حتى لا يجذبوا إليهم الأنظار، ولا يبدون في هالة جابر المشرقة فتميل إليهم النفوس، فنسبوهم إلى عبد الله بن أباض، وهو أقل منزلة من جابر في العالم، وإن كان لا يقل عنه في التقوى والورع والصلاح
(10)
وعلى ذلك فالأباضية وإن ارتبط اسمهم بابن أباض فهم لم يعتبروه المؤسس لمذهبهم ولا المشرع لهم، اعتمادا على أن مؤسس مذهبهم هو جابر بن زيد، فضلاً عن أنهم يدعون أن طريقتهم قد قامت على طريقة السلف التي تأخذ ما تأخذ من آراء اعتمادا على ما ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد صاغ نور الدين
الساعي ذلك نظما في قوله:
فما الأباضيون إلا علما وأصله أن فتي أباض ونسبوا من كان في طريقته من ذاك لا تلقى له في المذهب فنأخذ الحق متى نراه
لخلفاء الحق منا فاعلما كان محاميا لنا وماضي إليه لاشتهار حسن سيرته مسئلة نرسمها في الكتب لو كان مبغض لنا أتاه
إن المخالفين قد سموها بذاك غير أننا رضينا
مدافعنا أعداءنا بالحجة
ونحن الأولون لم يشرع لنا
ونحن في الأصل وفي الفروع والباطل المردود عندنا ولو
وحاميا إخواننا بالشوكة نجل أباض مذهبا يحملنا
على طريق السلف الرفيع
أتى به الخل الذي له اصطفوا
(di)
16 (1/16)
صفحة 14
وترتيباً على هذا كله كان الأباضية الأوائل لا يطلقون على أنفسهم هذا الاسم، بل كانوا يطلقون على أنفسهم اسم " المسلمين " أو جماعة المسلمين " أو " أهل الدعوة " ويؤكد الدكتور عوض خليفات
هذا بقوله:
وإذا تفحص الباحث المصادر الأباضية الأولى فإنه لا يجد فيها هذا الاسم، أي الأباضية، بل غالباً ما يجد لفظ جماعة المسلمين أو أهل الدعوة للتدليل على أتباع الفرقة. وإذا رجعنا إلى هذه المؤلفات التي كتبها مشايخ الأباضية مثل: مدونة أبى غانم الخراساني، وكتاب الزكاة لأبي عبيدة، والآثار الأخرى الباقية المنسوبة إلى جابر بن زيد فإننا لا نعثر فيها على كلمة أباضية. ولكن يبدو أنهم مع مرور الزمن وإصرار مخالفيهم على تسميتهم بهذا الاسم قد قبلوا به، وخاصة أنهم لم يجدوا فيه ما يؤذيهم أو يسئ إلى سمعتهم. وقد ظهر في المؤلفات الأباضية المغربية في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري. الأباضية والفرق الإسلامية:
(12) -
لقد أقر الأباضية الاختلاف والتفرق بين المسلمين، وما ترتب عليه عبر تاريخ الإسلام من وجود الفرق المختلفة والمتنازعة أيضا، وقد حوتها الكتب العديدة التي أرخت لها، وهو واقع لا ينكره أحد يؤكده الشيخ أحمد بن حمد الخليلى فى قوله: " قد ابتليت كل أمة بالافتراق فيما بينها، والانشقاق على نفسها، ولم تسلم من ذلك، أمة، حتى أمة محمد – صلى الله عليه وسلم - التي اختصت بمبعث أعظم رسول إليها، وإنزال أجل كتاب عليها، وحذرت أيما تحذير من الافتراق ودواعيه، وبينت لها عاقبته السيئة في محكم آيات الكتاب الذى اختصت به، قال تعالى: ر واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا که، وقال سبحانه:
(13)
17 (1/17)
صفحة 15
ولا تكونوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتْ وَأَوَلَيْكَ هُمْ عَذَابٌ (14)، وقال: (وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (15)، وقال لنبيه
عظيم
عليه أفضل الصلاة والسلام: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي (16)، فإنها ذلك كله لم تسلم من هذا الداء العضال الذي مع
أصاب غيرها من الأمم، غير أن الله سبحانه وتعالى اختصها بأن حفظ لها كتابها المنزل عليها من تحريف العابثين وتبديل المناوئين تحقيقا لوعده الصادق: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفظون) (17)، ومكن لها من معرفة الصحيح الثابت من سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وجعل لها مخلصا من الشقاق والنزاع بالاحتكام إلى الله ورسوله حيث قال: تأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأني مِنكُمْ فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (18) ولا يكون الاحتكام إلى الله إلا بالرجوع إلى كتابه فتستلهم منه الحقيقة، ويستبان به الحق، وكذلك الاحتكام إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يعنى إلا الرجوع إلى سنته الثابتة الصحيحة (19)
وبالرغم من إقرار وجود الفرقة والتفرق فيما بين المسلمين كأمر واقع أقره مفتى الأباضية في عمان، ودعوته إلى نبذ ذلك بالعودة إلى كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واللذين من الله سبحانه وتعالى من المسلمين بأن حفظهما لهم سالمين من يد التحريف. والتبديل كما حدث لغيرهما من الكتب لدى أصحاب الديانات الأخرى، إلا أننا نجد الأباضية بما ارتضوه لأنفسهم، ووفقهم الله تعالى إليه من سلامة المنزع وعدم التعصب لأئمتهم، والمرونة، والتسامح، لم يرفضوا كل ما لدى غيرهم من الفرق بل، ولم يتتكروا لما قاموا به من فضل في خدمة الإسلام والمسلمين، هذا فضلاً عما في هذا النهج الذي
18 (1/18)
صفحة 16
جميع
انتهجوه من حفاظ على وحدة الأمة الإسلامية، الأمر الذي لا مناص منه للتصدى لأعدائها، ولذلك نجدهم ينظرون إلى الأمة كوحدة واحدة تضم هذه الفرق، فعندهم: الأمة الإسلامية تتكون من جميع من ينتسب إلى الشيعة أو ينسب إليها، وجميع من ينتسب إلى الخوارج أو ينسب إليها، وجميع من ينتسب إلى المعتزلة أو ينسب إليه، وجميع من ينتسب إلى أهل السنة أو ينسب إليها، وجميع من ينتسب إلى الأباضية أو ينسب إليها، ولا يخرج منها إلا من أخذ بأصل من أصول الإسلام فأنكر معلوما منه بالضرورة بطريقة التصريح لا بطريقة الإلزام)
(20)
بل وأكثر من ذلك نجدهم يثبتون لكل فرقة من هذه الفرق دوراً إيجابياً لا غنى عنه في بناء الأمة الإسلامية، يقول على يحيى معمر: " لا يستطيع المسلم مهما كان مذهبه أن ينكر أن الخوارج بأقسى وأقصى ما يوصفون به وينسبون إليه - قد قدموا للأمة الإسلامية خدمة جلى، لقد قاموا بكفاح مرير حين استنام المسلمون وسكتوا عن الإنحراف بدولتهم من الخلافة إلى الملكية - فأقاموا الحجة على المسلمين بسيوفهم وألسنتهم وأثبتوا بجدارة تستحق الإعجاب - بون ما كان عليه الناس فى الخلافة الرشيدة وما هم مقدمون عليه عندما تسلطت الدكتاتورية الملكية على الحكم في الإسلام، وأخرجته من نظام الشورى إلى نظام الملك العضوض.
ولا يستطيع المسلم مهما كان مذهبه أن ينكر أن الشيعة قدموا للأمة الإسلامية خدمة جلى، فقد كافحوا بجهد جبار حتى أثبتوا حق آل البيت في الحياة وفي الحكم، ولولا الشيعة لقضى جبروت بني أمية على بني هاشم، ولمحا الحقد الأسرى المتغلغل في النفوس اسمهم من الوجود، أو شرد بهم حيث لا يكون لهم بقاء.
19 (1/19)
صفحة 17
ولولا المعتزلة لكانت الفلسفة القديمة بما أوتيت من براعة
الجدل، وذكاء التمويه قد استطاعت أن تتحرف بعقيدة المسلمين عن الإسلام، بل أن تخرج الكثير منهم من الإسلام. ولولا الأباضية لما كانت لما كانت هناك حلقة في الاعتدال والتوسط تمسك بكل طرف من الأطراف المتطرفة بجانب واضح يربطها بالفرق الأخرى، ويقلل مسافة البعد بينها سواء كان ذلك في العقائد أو في آراء الحكم والسياسة. ولولا أهل السنة الذين ناصروا الدولة الأموية لما كانت تلك الحضارة الرائعة التي بناها العرب على أسس من الإسلام، والتي استطاعت أن تقف متناهية في شموخ أمام الحضارات العالمية في ذلك الحين، ثم أن تتقدم في عهد الدولة العباسية فى أناة وثبات، فتستلم زمام الحضارة الإنسانية في العالم وتسير به الشوط الذي حفظه لها التاريخ، وتقدره لها الأجيال المتعاقبة. ولولا الظاهرية والحنابلة الذين استمسكوا بالنص واعتمدوا عليه واحتجوا دون اعتماد على العقل لما تمت خدمة النصوص الإسلامية من سنة وآثار على هذا المستوى العلمي الدقيق الذي نفخر ونعتز به، ونضعه كنموذج للتحقيق العلمي بين أنظار علماء
الإنسان.
ولولا النزعة العقلية المتحررة من فقهاء العراق وإستنادهم إلى العقل والمنطق، واعتمادهم على ذلك في مناقشة الآثار والنصوص لبقى الفقه الإسلامى تحت أثقال من الركود والجمود
(21)
ولكن بالرغم من هذه النظرة التى اتسمت بالفعل بالمرونة وسعة
الأفق عند الأباضية في نظرتهم لغيرهم من الفرق، قد كان لهم موقفا ربما كان مختلفا بعض الشئ من فرقتي الخوارج والمعتزلة، ذلك الموقف الذي تبدى في كفاحهم ونضالهم - كلما حانت لهم الفرصة، أو تجلى
20 (1/20)
صفحة 18
لهم موقف معين - من أجل نفى أى صلة من أى نوع بأي منهما، سواء كان ذلك من حيث النسبة، كما هو الشأن بالنسبة للخوارج، أو التأثر كما هو الشأن بالنسبة إلى المعتزلة، وربما كان ذلك راجعاً إلى أى من الأسباب التالية أو إليها جملة، وربما كان من هذه الأسباب نزعة الإستقلالية لدى الأباضية التي تمتد في أصولها إلى القدم حيث تنهل من المنابع الأصلية الأولى من الكتاب والسنة وما خلفه الصحابة والتابعون، الأمر الذى يجعل الأباضية يعتبرون أنفسهم أقدم الفرق أو أصل الفرق الإسلامية، نلمح ذلك فيما ذكره أحد كتاب الأباضية حينما قال بعد عرضه لأصولهم العقائدية: " يمكن أن نعتبر الأباضية أساتذة الفرق الإسلامية في تأصيل قضايا العقيدة "
(22).
أما السبب الثاني - فيما نرى - ربما تمثل في محاولة الأباضية البعد عن الإصطدام بالسلطة السياسية الغاشمة التي كانت تتمثل في الحكومة الأموية حينئذ، وهذا ينطبق على فرقة الخوارج، والتي كان العداء مستكما فيما بين أتباعها وبين السلطة الأموية، والشاهد على ذلك الصراعات الدامية التي دارت بين الأمويين والخوارج، وهو الأمر الذي دفع الأباضية إلى إعلان البراءة من الخوارج، ونفى أي صلة تربطهم بها كلما حانت الفرصة، فضلاً عن الخلافات الموضوعة بينهما والتي عددها الأباضية تدليلاً على عدم نسبتهم إلى الخوارج وسنذكرها في
حينها
أما الأمر الثالث في تأكيد الخوارج على الفصل بينهم وبين كل من الخوارج والمعتزلة، ربما تتمثل في الأخطاء التي وقعت فيها كل من الفرقتين، فيما يتعلق بالأمور العقدية، الأمر الذي أثار أهل السنة بل عامة المسلمين ضدهم مما عمق بذور الخلاف بينهما وبين أهل السنة،
21 (1/21)
صفحة 19
واتهام أهل السنة لكل منهما بالكفر، وتدعيم ذلك بأصول من الكتاب والسنة، مثال ذلك قول المعتزلة بالقدر وخلق العباد للأفعال
الأمر الذي جعل أهل السنة يعتبرونهم أخلاف القدرية الذين عنى بهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " القدرية هذه الأمة " مجوس هذا فضلاً عن مخالفتهم بقولهم هذا للكثير من الآيات القرآنية التي تؤكد خلق الله لكل شئ الأفعال وغيرها، ولا خالق سواه، وكذلك بالنسبة للخوارج، وقولهم في مرتكب الكبيرة، وتكفيرهم لمخالفيهم من المسلمين، واستحلالهم لدمائهم وأموالهم وسبيهم لنسائهم .... الخ، مما أثار عليهم المسلمون عامة وأهل السنة والجماعة خاصة، الأمر الذي اعتبروهم معه أنهم المعنيون بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم، في ذي الثدية " الذى حضر الرسول عليه السلام وهو يقسم الغنائم، فقال له: اعدل يا محمد، فقال له: " خبت وخسرت، إذا من يعدل؟!، ثم قال: " سيخرج من ضئضئة هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية "، وقد روى الحديث بروايات مختلفة إلا أنه ترتيباً على هذا الحديث عرف الخوارج عند أهل السنة بالمارقة " (23)
لهذه الأسباب الثلاثة أو لأى منها كانت تلك الحساسية المفرطة عند كتاب الأباضية التي دفعتهم إلى التأكيد على الإنفصال عن أي منهما، ولم يتجاوزوا ذلك في سب أو تكفير أى منهما، أو غيرهما من الفرق وسنفرد من أجل ذلك حديثاً خاصاً عن غيرهما من الفرق وسنفرد من أجل ذلك حديثاً خاصاً عن الأباضية وكل من هاتين الفرقتين
الأباضية والخوارج، والأباضية والمعتزلة.
22
22 (1/22)
صفحة 20
هوامش القسم الأول
(1) أبو الحسين الملطى ت 377 هـ: " التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع " تحقيق الشيخ محمد زاهد الكوثري، مكتبة المثنى،
بغداد (1388 هـ / 1968
م، ص 52.
(2) المصدر السابق، ص
178
(3) د. عمار الطالبي: آراء الخوارج، ج 1، نشر المكتب المصرى الحديث
للطباعة والنشر، الإسكندرية 1971.
م، ص
204
(4) الشهرستاني محمد بن عبد الكريم: الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، نشر مكتبة مصطفى الحلبي، مصر (1387 هـ / 1967 م)، ج 1، ص 134.
(5) أنظر: سالم بن حمد بن سليمان الحارثي: العقود الفضية في أصول الأباضية، نشر وزارة التراث القومى والثقافة، عمان (1403 هـ / 1983 م)، ص 121.
(6) سالم بن حمود بن شامس السيابي: طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان
(1980/ 1400)
ص
77
(7) د. عوض محمد خليفات: الأصول التاريخية للفرقة الأباضية، وزارة
التراث القومي والثقافة سلسلة تراثنا، عمان، (بدون تاريخ). ص 9
،
(8) أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب
ص
205 - 207، نقلا عن: بكير بن سعيد أعوشت: دراسات
إسلامية في الأصول الأباضية، ص 20.
23 (1/23)
صفحة 21
(9) نقلاً عن: عوض محمد خليفات في كتابه " الأصول التاريخية
للفرقة الأباضية " التالي ذكره.
(10) د. عوض محمد خليفات: الأصول التاريخية للفرقة الأباضية ط 2، نشر وزارة التراث القومى والثقافة، سلسلة تراثنا (12) عمان، بدون تاريخ، ص 11، 12.
(11) نقلاً عن: سالم الحارثي: العقود الفضية في أصول الأباضية،
ص 122.
(12) د. عوض خليفات: الأصول التاريخية للفرقة الأباضية، ص 12.
(13) آل عمران " 3 ".
(14) آل عمران " 105 ".
(15) الأنفال " 46 ".
(16) الأنعام " 159 ".
(17) الحجر " 9 " ..
(18) النساء " 59 ".
(19) الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ، مطابع النهضة،
مسقط عمان، 1409 هـ، ص 6.
(20) على يحيي معمر: الأباضية بين الفرق الإسلامية ج 2، نشر وزارة
التراث القومى والثقافة، عمان 1406 هـ / 1986
(21) نفسه، ص 160 - 161.
م، ص
151
(22) بكير بن سعيد أعوشت: دراسات إسلامية في الأصول الأباضية،
ص 121.
(23) عبد الكريم الشهرستاني: الملل والنحل للشهرستاني، ج 1، ص 115، والتبصير في الدين للإسفرايني، ص 29.
24 (1/24)
صفحة 22
الأباضية والخوارج
الفصل الثاني (1/25)
صفحة 23
ذهب كتاب ومؤرخو الفرق والمقالات من غير الأباضية إلى أن
الأباضية فرقة من فرق الخوارج، على نحو ما رأيناه على سبيل المثال لا الحصر عند كل من الأشعري (ت 330 هـ)، وأبي الحسين الملطى (ت 377 هـ)، وعبد القادر البغدادي (ت 429 هـ) وابن حزم (ت 456 هـ)، والإسفرايني (ت 471 هـ)، والشهرستاني 458 هـ)، وفخر الدين الرازي (ت 606 هـ) (*)، وعن هؤلاء وغيرهم ممن ساروا على نهجهم
(*) ذهب الأشعري إلى أن الأباضية فرقة من فرق الخوارج، ثم يفرعها إلى أربع فرق هي الحفصية واليزيدية وأصحاب حارث الأباضي، وأصحاب القول بطاعة لا يراد الله بها على مذهب أبي الهذيل من المعتزلة مقالات الإسلاميين ج 1 ص
(172 - 170
- كما يذهب أبو الحسين الملطى فيذكرهم ضمن فرق الخوارج، ويقول عنهم: * والفرقة الخامسة من الخوارج هم الأباضية أصحاب أباض بن عمرو خرجوا من سواء الكوفة، فقتلوا الناس، وسبوا الذرية قتلوا الأطفال، وكفروا الأمة، وأفسدوا في العباد والبلاد ومنهم اليوم بقايا بسواد الكوفة " (التنبيه والرد على
-
أهل الأهواء والبدع ص 52) - أما عبد القادر البغدادي فيذكر أن الخوارج عشرون فرقة يذكر من بينها الأباضية ويفرعها إلى الحفصية والحارثية واليزيدية، وأصحاب طاعة لا يراد الله بها، ويعتبر اليزيدية منهم غلاة لقولهم بنسخ شريعة الإسلام في آخر
الزمان " الفرق بين الفرق ص 72، 103، 104 - وكذلك ابن حزم يعتبر الأباضية من فرق الخوارج، وإن كانوا – عنده – من أقربهم إلى أهل السنة، يقول: " وأقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة أصحاب عبد الله بن يزيد بن الأباضي العزازي الكوفي، وأبعدهم الأزارقة •
•
الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 5، ص 51). - وأبو المظفر الاسفرايني يتحدث عن الأباضية كفرقة من فرق الخوارج ويفرقهم إلى: الحفصية والحارثية، وفريق يقال لهم أصحاب طاعة لا يراد
27 (1/27)
صفحة 24
أخذ معظم الباحثين المحدثين ومثالهم أيضاً " أحمد أمين "، والشيخ "محمد أبو زهرة "، والدكتور " يحيي هويدى "، والدكتور " صابر طعيمه "، والدكتور نايف معروف "، ومن المستشرقين نجد "جولد تسيهر "، و " يوليوس فلهوزن "، وكلهم قالوا بما قال به الأقدمون من أن الأباضية من الخوارج (**)، كان ذلك من القدماء - فيما نرى -
الله بها وينقسمون فيها بينهم إلى الإبراهيمية والميمونية والواقفية)، والبيهية (التبصير في الدين، ص.
(35.34
- وكذا الشهرستاني يذكرهم ضمن فرق الخوارج وينسب إليهم الحفصية والحارثية واليزيدية الملل والنحل ج 1، ص 134 - 136) - أما فخر الدين الرازي، فيذكر الأباضية أيضا ضمن فرق الخوارج، يقول عن الخوارج: " سائر فرقهم متفقون على أن العبد يصير كافرا بالذنب، وهم يكفرون عثمان وعليا وطلحة والزبير وعائشة، ويعظمون أبا بكر وعمر، ثم يذكر لهم إدى وعشرين فرقة من بينها الأباضية الذين يقول عنهم: هم أتباع عبد الله بن أباض، ظهر في زمن مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية وقتل عاقبة الأمر اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، ص 46 - 51). (50) يذهب الأشعري إلي أن الأباضية من اتباع عبد الله بن أباض الخارجي الذى. أنظر) أحمد أمين: ضحى الإسلام،
مات في عهد عبد اللك بن مروان
ج 3، ص 336).
.
- ويقول الشيخ محمد أبو زهرة: " الأباضية - هم أتباع عبد الله بن أباض - وهم أكثر الخوارج اعتدالا، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرا، فهم أبعدهم. تاريخ المذاهب افسلامية، ص 78). أما الدكتور يحيي هويدي فيقول: " يقال الأباضية الخوارج (الوهيبة) أو
عن الشطط والغلو، ولذلك بقوا
-
.
...
(الوهابية). - وكذلك الدكتور صابر طعيمه يقول: " والفرقة الرابعة من الخوارج الأباضية هم أصاب أباض بن عمرو، الذين خرجوا من الكوفة مجموع عات في شكل جماعات قاتلة، قتلت الناس في الطريق، وسبت النساء، وقتلوا الأطفال أيضا،
(تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الأفريقية، ص 44).
..
28 (1/28)
صفحة 25
لتأثرهم بالتوجهات السياسية الأولى للدولة الأموية، وعدائها المستحكم، لمن عارضوها منذ بدايات نشأتها الأولى، وكان بالطبع الأباضية من بين هؤلاء المعارضين، وهو الأمر الذى لا ينكرونه، وقد كانت رسالة ابن أباض لعبد الملك بن مروان من أبرز تلك المعارضة الفكرية لحكام الأمويين، من قبل الأباضية.
وكفروا الأمة جميعا، وأشاعوا الكثير من الفساد والعنف الدموى " (دراسات في الفرق، ص (149). وهو هنا ينقل ما قاله الملطى، وقد ذكرناه من قبل، ولكن بتصرف وتزيد، ودون أن يشير إلى مصدره.
-
أما الدكتور نايف معروف فيذكر الأباضية ضمن فرق الخوارج، ويقول عنهم: " ولعل اعتدال هؤلاء الجماعة من الخوارج، وعدم انجرافها مع الفرق الخارجية الأخرى هو الذى أتاح لهم البقاء إلى أيامنا الحاضرة في بعض مناطق شمال أفريقيا، وعمان وزنجيار · الخوارج في العصر الأموى، ط 20 ن، ص
(229.238
-
- ومن المستشرقين نجد جولد تسهير يذهب في حديثه عن الخوارج إلى القول بأنه " لا يوجد في أيامنا هذه جماعات إسلامية تدين بالمذهب الخارجي، ومن بين
فرق الخوارج العديدة التي كانت الفروق المذهبية سببا في انقسامها بقيت فرقة الأباضيين نسبة إلى مؤسسها عبد الله بن أباض ... ولا يزال الأباضيون يؤلفون جماعات عديدة في أفريقيا الشمالية على الأخص كما في مزاب في إقليم جبل نفوسة بطرابلس الغرب .... ويوجد فريق آخر بزنزبار بأفريقية الشرقية، أما الوطن الأصلى للأباضيين الذين يهاجرون إلى أفريقية
الشرقية فهو بلاد عمان العربية " العقيدة والشريعة في الإسلام، ص 194). أما فلهوزن فنراه يفرع الخوارج إلى أربعة فرق من بينها الأباضية، يقول: الأزارقة هم أصحاب نافع بن الأزرق، والصفرية أصحاب عبد الله ابن صفار، والأباضية أصحاب عبد الله بن أباض، والبيهية أصحاب أبي بيهي " (الخوارج
والشيعة، ترجمة دكتور عبد الرحمن بدوي، ص 67
29 (1/29)
صفحة 26
وقد ترتب على هذا، العداء من قبل الدولة الأموية، بل والتأكيد على وضعهم مع الخوارج في معسكر واحد، بل اعتبارهم فرقة منهم، ثم التركيز بعد ذلك على سقطات الخوارج، التي نجح أهل السنة في ذلك الوقت في أخذها عليهم من نحو خروجهم على السنة، وتكفيرهم لمخالفيهم بالذنوب، ومن ثم استحلالهم لدمائهم وأموالهم وسبى نسائهم، و اعتبار دار مخالفيهم دار حرب، ودارهم دار إيمان
(1).
الأمر الذي رتبوا عليه مفارقتهم للمسلمين، بل وإخراجهم من ملة الإسلام واتهامهم بالكفر. وهو ما روج له حينئذ كتاب ومفكرو العصر الذين كانوا يعيشون تحت مظلة الدولة الأموية، وفي كنفهم، وكذا أورثوه لمن أتوا بعدهم من الكتاب والمؤرخين، حتى استقر وضع الأباضية - عند الكثيرين - فرقة من فرق الخوارج، واستمر ذلك، إما ترديداً للرأى الرسمى الذى كانت توجه إليه حكومات الدولة الإسلامية، وكانت في الأغلب تمثل رأى أهل السنة، وإما جهلاً بآراء وأفكار الأباضية .... وكذلك الأمر نفسه بين معظم الكتاب المحدثين الذين اشتغلوا بالتاريخ أو البحث في الفرق الإسلامية، ولم يجدوا إلا الشائع والمشهور من تلك المصادر والمراجع التي سارت على نفس المنوال، فأخذوا نفس الموقف من حيث وضع الأباضية أو تناولها على أنها فرقة من فرق الخوارج، ما عدا القلة منهم الذين وفقهم الله تعالى إلى الوقوف على المصادر والأصول الأباضية في كتاباتهم الأصلية، خاصة بعد تقدم وسائل النشر، وسهولة الاتصال فيما بين الباحثين، وبين علماء الأباضية، فى مواطنهم الأصلية، الأمر الذى أدى إلى انصافهم وقول
كلمة الحق فيهم.
30 (1/30)
صفحة 27
والأباضية يناضلون بكل الطرق من أجل توصيل كلمتهم إلى
جميع مفكرى وباحثى المسلمين المهتمين بذلك الأمر، ويرفضون في
نضالهم هذا جعلهم فرقة من فرق الخوارج.
وينطلق الأباضية في دفعهم لشبهة الانتماء إلى الخوارج عن أنفسهم، والتى استغلها أعداؤهم للنيل منهم من منطلق ما تميزوا به، وربما كان هذا المنطلق هو الذى تسبب في زيادة الخلاف بينهم وبين أهل السنة، ذلك هو منطلق قضية القداسة التى أضفاها أهل السنة وعامة المسلمين على صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مما كان حجر عثرة أمام إبداء الرأى فيما ينسب إليهم – رضي الله عنهم - من قول أو عمل، تأسيساً على فضل الصحبة، أو التبشير بالجنة كما ورد في السنة، وغير ذلك مما يصلح دليلاً على ما لهم من فضل.
أما الأباضية فقد تحرورا من ذلك، دون إنكار لما نسب إلى هؤلاء الصحابة من فضل بنص الكتاب والسنة، ومن ثم لم يتهيبوا النقد لما ورد بشأنهم من أخبار تتعلق بأقوالهم وأفعالهم، تأسياً بما كان يحدث في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم، في علاقته وسياسته لأصحابه رضى الله عنهم، يقول سالم الحارثى عن هذا الموقف للأباضية من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ومن ذلك قولهم – أي قول الأباضية – في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، إنهم كغيرهم في الأعمال، لا في درجات الصحبة والمنزلة الآخروية، فالعاصي منهم كغيره من بعدهم، لقوله تعالى: " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم. (2)، وقوله تعالى عند ذكر بيعة الرضوان: " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وقد رجم رسول الله - صلى الله
(3)
31 (1/31)
صفحة 28
عليه وسلم - الزانى منهم، وجلد الشارب، وقطع يد السارق منهم، وهجر عاصيهم، وقال: "لو سرقت فاطمة ابنته لقطعها ... وهو رأى
الصحابة أنفسهم في بعضهم بعض وهم أسوة. (4).
وترتيباً على هذا لم يتحرج الأباضية في إعلان رأيهم في عمل أي من الصحابة، وخاصة الخليفتين عثمان وعلى – رضي الله عنهما - وهو ما نرى انعكاساته جلية على مواقفهم وآرائهم فيما سنذكره لهم. ماذا تعنى كلمة خوارج؟
من أجل أن ينفى الأباضية عن أنفسهم النسبة إلى الخوارج نجدهم يحددون مدلول كلمة " خوارج " حسب ما ورد لدى المؤرخين فيذهبون إلى أن البعض منهم قد ذكروا الخروج بمعنى الخروج على سيدنا على. بن أبي طالب رضي الله عنه، بعد قبوله مبدأ التحكيم فيما بينه وبين معاوية وأنصاره، لأنهم - أى الخوارج - بذلك نقضوا بيعة في أعناقهم، وخرجوا على إمامة مشروعة، وذهب فريق آخر من المتكلمين إلى أن الخروج يعنى الخروج من الدين، واستندوا في هذا إلى حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أن أناساً من أمتى يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية. كما ذهب فريق ثالث إلى أن الخروج يعنى الجهاد في سبيل الله، استناداً إلى قوله تعالى: " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله (5).، (6).
ولما كان الأباضية يعتبرون أنفسهم خلفاً للمحكمة الأولى، أو أن
(7)
المحكمة هم أسلاف الأباضية)، والمقصد هنا بالمحكمة أولئك الذين خرجوا على على بن أبى طالب رضى الله عنه، بعد قبوله مبدأ
التحكيم، إذن فهم يندرجون تحت مدلول الخروج بمعناه الأول، ومن أجل ذلك نجد على يحيي معمر - من الكتاب الأباضية – يشمر عن
32 (1/32)
صفحة 29
ساعده ليبرئهم من الخطأ واللوم، بل ويحمل الإمام على الخطأ لأنه قيل قبل التحكيم على الإمامة، وهو حق مشروع له بايعه عليها المسلمون. فيقول: " وإذا أباح بعض المؤرخين لأنفسهم أن يطلقوا هذه الكلمة - كلمة الخوارج - على جميع أولئك المتمسكين بإمامة على، المصرين على أنها حق شرعى لا يجوز فيه التردد، وأنه ليس من حق أحد حتى على نفسه أن يشك في إمامة، أجمعت عليها الأمة، ولا أن يتساهل فيها أو يقبل عليها المساومة، وأن معاوية وأتباعه فئة باغية، يجب عليهم الرجوع إلى حظيرة الإمامة، والأمة إما طوعا، وإما كرها، بنص الكتاب، فإذا رضخ على لطلب البغاة، ووضع الحق اليقيني موضع الشك، وتنازل عن الواجب الذى أناطته به الأمة وألزمته به البيعة، فإن هذه البيعة تنحل من أعناقهم، وهم بعد بالخيار "
(8) -
ولا يقف على يحيي معمر عند مجرد بيان عذر من خرجوا على. على رضى الله عنه، فقط، بل يخرجهم كذلك من المدلول الثاني للخروج، والذي يعني " المروق من الدين " ذلك لأنه يتتبع الثورة على إمام المسلمين، والخروج عنه سياسيا ودينيا منذ بداية الخلافة الراشدة، وحتى حدوث الفتنة بين على ومعاوية، ويصف خروج المحكمة على الإمام على بأنه " الثورة الخامسة " في تاريخ المسلمين، تأسيساً على أن الثورة الأولى تمثلت فيمن خرجوا على أول الخلفاء الراشدين، أبي بكر الصديق، مرتدين، أو ممتنعين عن أداء الزكاة، وأساس هذه الثورة ديني، لأنه يتضمن إنكار الإسلام جملة والردة إلى الكفر، أو إنكار أصل جوهرى من أصول الإسلام والامتناع عن أدائه، ألا وهو الزكاة. ومن أجل ذلك لم يتردد أبو بكر الصديق في محاربتهم، والثورة الثانية، قد تمثلت في الثورة على الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي
33 (1/33)
صفحة 30
الله عنه، الذي سار في سنوات خلافته الست الأولى سيرة الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر ثم حاد عن ذلك، مما جعل الكثيرين من الصحابة يواجهونه بالنصح مرة وبالنقد مرة أخرى إلى أن انتهى الأمر بثرة المسلمين عليه التي انتهت بمقتله، رحمه الله. والثورة الثالثة بثورة تمثلت في ثورة طلحة والزبير والسيدة عائشة - رضي الله عنهم - على على بن أبي طالب، وطلحة والزبير ممن كانوا بايعوا علياً، رضى الله عنهم على الخلافة وكان ذلك بحجة التراخى في ملاحقة قتلة عثمان - رضى الله عنه.
والثورة الرابعة تمثلت كذلك في خروج معاوية بن أبي سفيان على على بن أبى طالب بحجة التقصير أيضا في الاقتصاص من قتلة عثمان، والتي انتهت بما دار في معركة صفين، وما كان من عملية التحكيم حتى كانت الثورة الخامسة، كما يحلو للأباضية أن يسمونها، والتي تمثلت في خروج بعض من أتباع على رضى الله عنه، عليه لرفضهم عملية التحكيم في أمر مقطوع به وهو الإمامة، التي تمثل حقا شرعيا للإمام على ببيعة المسلمين والذى ليس من حقه أن يشك فيه، أو يساوم عليه، ولما كان منه هذا رأى هؤلاء الجماعة من أتباعه
أنهم في حل من البقاء تحت إمرته وخرجوا عليه وبايعوا إماماً غيره.
وبتصنيف هذه الثورات الخمس يرى الأباضية أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول منها كان الدافع الأساسي إليه فيما يبدو لهم هو ضعف الإيمان، وعدم تمكن الإسلام من القلوب، وينطبق على الثورة الأولى، والنوع الثانى من الثورة - فيما يرى الأباضية أيضا – لم تكن له أسباب ظاهرة معقولة، وإن كانت أسبابه الباطنية تدور حول الطمع في السلطة، وهو ما ينطبق على الثورة الثالثة التي قادها طلحة والزبير ضد
34 (1/34)
صفحة 31
الإمام على، والثورة الرابعة التي قادها معاوية بن أبي سفيان ضد الإمام على - رضي الله عنه – أيضا. والصنف الثالث من الثورة، قد كانت له أسبابه الظاهرة التى تتراءى للناظر أنها معقولة، وهو ما ينطبق على الثورة الثانية ضد عثمان رضى الله عنه، والثورة الخامسة ضد الإمام على رضي الله عنه
والملاحظ، كما يؤكد الأباضية، أن كلمة الخوارج هنا لم تطلق على أى ممن ثاروا وخرجوا على الإمام القائم والشرعى بالنسبة إلى حالات الثورات الأربع الأولى، وأطلقت فقط على أصحاب الثورة الخامسة وبمعنى الخروج من الدين اعتمادا على حديث " المروق " السابق الإشارة إليه، مما يجعلهم في حل من التشكيك فى صحة هذا الحديث، وأنه قد وضع لهدف معين يراد به النيل ممن خرجوا على على بعد عملية التحكيم وناهضوه.
كما ناهضوا معاوية وأنصاره، وهو الأمر الذي يرجحه على يحيي معمر فى قوله: " ويظهر من سياق الحوادث أن هذه الأحاديث التي تتحدث عن الخروج، لم تكن معروفة عند حدوث الثورات الأولى، وإلا فكيف أمكن أن لا تدور على الألسنة وأن يوصف بها الخارجون على الخلافة في زمن أبي بكر وعثمان وعلى، ولا الخارجون عن الدين في زمن الصديق؟ لماذا تبقى محفوظة لا يستفيد منها أنصار الخلافة أو خصومها في أربع ثورات جامحة ذهب ضحيتها عدد غير قليل من المسلمين الأبطال. أنها وضعت بعد ذلك قصدا للتشنيع على أهل النهروان، ولحمل على على قتالهم، والقضاء عليهم، خوفا من أن يتحرج على من دمائهم، ويتردد في قتالهم، ويفكر تفكيرا منطقيا في أنه قد يكون لهؤلاء حق
35 (1/35)
صفحة 32
ولرأيهم أصحابها "
سند، ولا يمكن القضاء على هذه الآراء إلا بالقضاء على
(9).
الثورية والخارجية:
إذا كان هذا هو حال المسلمين الأوائل - ومن بينهم الأباضية - في ثورتهم على الظلم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بكل أشكاله، إلا أنهم لم يتطرفوا في ذلك إلى مخالفة أحكام الإسلام مما يؤدى إلى استحلال ما حرم الله، أو عصمته كلمة التوحيد من دماء وأموال وأعراض إلا أنه وجد من بين هؤلاء الثائرين من انحرفوا بالثورة هذه عما درج عليه الثوار من المسلمين فخالفوا أحكام الإسلام، وحكموا على غيرهم من المسلمين بالشرك، واستحلوا منهم الأموال النساء والأطفال، ودم من يعترض سبيلهم، أو حتى ينضم إلى معسكر مخالفيهم، وهؤلاء هم الخوارج حقا، وقد قيل بأنهم ظهروا مع قيام ابن الأزرق، صاحب الأزارقة من الخوارج بصفة خاصة، وكان ذلك
وسبى
سنة 64 هـ
(10)
وهذا هو الفارق الذى ينفصل به الخوارج عن سائر المسلمين، يقول على يحيي معمر: " والخوارج حين ثاروا على ما اعتقدوه ظلما، ورأوه انحرافا بالحكم عن المنهج الإسلامى الثورى إلى منهج دكتاتورى مستبد، لم يقصروا الثورة على أجهزة الحكم الفاسد فقط - ولو في نظرهم - إنما تجاوزا ذلك إلى أن حكموا على غيرهم من المسلمين
بأحكام المشركين، واستباحوا منهم ما أباحه الله من الكفار.
وبذلك انتقلوا من وصف الثورية إلى وصف الخارجية الذي يعنى الخروج من الدين أى من مجموعة كانت تطالب بحق تؤيدهم فيه كل الأمة - ولو بقلوبها، حتى أولئك الذين لم يشتركوا في أية ثورة قط،
36 (1/36)
صفحة 33
لا باليد ولا باللسان - إلى فرقة قد انفصلت عن الأمة المسلمة انفصالا دينيا كاملا، بحيث حكمت على الأمة المسلمة بأحكام المشركين، لأنها في نظرهم قد كفرت، إما بكونها مع الظالمين، وإما برضائها وبقائها تحت حكمهم. وقد كان رد الفعل لهذا الموقف من الأمة المسلمة أن حكمت الأمة على هذه الثورية المنحرفة المتطرفة بنفس الحكم، وبادلتها نفس الموقف وأطلقت عليها لفظ الخارجية والخوارج، وهى تقصد بذلك خروج من يدين بذلك من الدين بسبب الحكم على المسلمين بالشرك معاملة المشركين. وهكذا بعدت المسافة، واتسعت الشقة فالخوارج يرون أن الحكام الظالمين ومن أعانهم على حكمهم، ومن سكت عنه، أو رضى به وبقى تحت سلطانهم، كل هؤلاء قد كفروا وتحل دماؤهم وأموالهم وسبى نسائهم وأطفالهم، والآخرون يرون أن الخوارج قد كفروا لأنهم كفروا المسلمين
النتيجة: الأباضية ليسوا خوارج:
(11)
بعد هذه المقدمات التي اتضح من خلالها الأسباب والمبررات التي كانت وراء تسمية الخوارج بالخوراج، وتعنى الخروج عن الدين، والمروق منه، يؤكد الأباضية أنهم لا يشتركون مع الخوارج في أي من هذه الأسباب، بل يخالفونهم فيها كل المخالفة، مما يؤكد عدم نسبتهم إليهم على الإطلاق، ذلك لأن الأباضية - فيما أكدوا عليه مرارا وفي أكثر من موضع - " من أحرص المؤمنين على التقيد بما ثبت من النصوص الشرعية من أحكام المسلمين وهم يعتقدون أن كل من نطق بكلمة الشهادة فهو مسلم، وله ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، فلا يستحلون دماء أحد من أهل القبلة إلى بالحق الذي بينته وحددته الشريعة الإسلامية، كالردة وقتل النفس وما في معناها من الحدود.
37 (1/37)
صفحة 34
ولا يستحلون مال أحد إلا بالطرق التي رسمتها الشريعة الإسلامية للتعامل بين الناس: فريضة في كتاب الله، هبة عن تراض، بيع عن تراض، وما في معناها. أما قتل الأبرياء، وسبى الأطفال والنساء، فقد وقفت دونها كلمة التوحيد، وصانتها عن هذه المذلة والهوان. ولا يستحلون هذا حتى من البغاة والمعتدين مهما بالغوا في مسلكهم الظالم. الأمر الذي ينتهي معه الباحث الأباضي إلى أن "الاعتبارات التي سمى الخوارج - من أجلها - خوارج لا وجود لها عند الأباضية مطلقاً. بل إنهم أبعد الناس عنها عقيدة وقولاً وعملاً 2
تلك
(12)
هي النتيجة التي لا يمل الأباضية من التأكيد عليها من قبل
باحثيهم - قدماء ومحدثين – متحدين بها من يعادونهم، فيحاولون أن يلصقوا بهم اسم الخوارج، ليرتبوا عليه الحكم بما حكم على الخوارج من قبل، ومتوسلين إليهم أحياناً أخرى، أن يتحرروا البحث، ويرجعوا إلى المصادر الأصلية لدى الأباضية، ولا يأخذوا عن التيار الآخر المعادى لهم، والذي روج لنسبة الأباضية إلى الخوارج، وذلك حتى يقف هؤلاء الذين ينقلون عن مصادر غير أباضية على الحقيقة الكاملة، والتي
تؤكد أن الأباضية ليسوا من الخوارج.
38
لله (1/38)
صفحة 35
هوامش الفصل الثاني
(1) أنظر: ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ افسلام بن تيمية، ج 19،
ص 71 - 73.
(2) الحجرات " 2 ".
(3) الفتح " 10 ".
(4) سالم الحارثي: العقود الفضية في الأصول الأباضية،
ص 288 - 289.
(5) النساء " 100 ".
(6) على يحيي معمر: الأباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى (في نشأة الأباضية)، نقلاً عن: بكير سعيد أعوشت: دراسات
إسلامية في الأصول الأباضية، ص 30.
(7) أحمد بن سعيد السيابي: مقدمته لكتاب الفرق بين الأباضية والخوارج، للشيخ أبي إسحق إبراهيم اطفيش، نقلاً عن: بدر بن هلال بن حمود اليحمدى: الأدلة المرضية في دحض ما نسب إلى
الأباضية، ص 34.
(8) المصدر السابق، ص 30.
(9) المصدر السابق، ص 36 - 37.
(10) على يحيي معمر: الأباضية بين الفرق الإسلامية، ج 2، ص
183
39 (1/39)
صفحة 36
(11) المصدر السابق، ج 1، ص 186، 187، وانظر أيضاً: أبو يعقوب
يوسف بن إبراهيم الورجلانى: الدليل والبرهان، ج 1، ص 15،
طبع طبعة حجر، القاهرة 1306 هـ.
189
40
(12) المصدر السابق، ج 1، ص (1/40)
صفحة 37
الأباضية والمعتزلة
الفصل الثالث (1/41)
صفحة 38
لقد ذهب بعض المؤرخين أو الباحثين المحدثين في مسائل علم
الكلام إلى الربط بين الأباضية والمعتزلة، سواء كان ذلك عن طريق القول بتأثرهم بالمعتزلة، أو متابعتهم لهم وأخذهم عنهم فيما صدر عنهم من آراء في مجال العقيدة. والأباضية ينكرون ذلك بإصرار، بل ويجندون أنفسهم للسعى وراء كل من يقول بشئ من هذا للرد عليه وتفنيد حكمه عليهم بشئ من هذا، ولعلهم قد اتخذوا هذا الموقف انطلاقا من إيمانهم بأصالة مذهبهم، وقدم شيوخهم الذين أخذوا عنهم لدرجة اعتقادهم أنهم كفرقة من الفرق الإسلامية وأقدمها.
ولعل " كارلو الفونسو نللينو " من أشهر من تحدث عن الربط بين الأباضية في شمال أفريقيا والمعتزلة في بحثه الذى كتبه عن المعتزلة، حيث نراه يعدد أوجه النقاء أو التشابه في الرأى بين الأباضية والمعتزلة، من نحو القول بخلق القرآن، ونفى رؤية الله تعالى، وتأويل بعض أمور السمعيات كالميزان والصراط، وتأيل الآيات المتشابهة ظاهرا كالاستواء، وأن الله لا يغفر الكبائر دون توبة قبل الوت، وكذا القول بـ " عينية الصفات للذات " لينهى بعد ذلك إلى تقرير أن مذهب الأباضية في شمال أفريقيا، معتزلى، وإن أثار بعض التساؤلات حول كيفية حصول هذه النتيجة التي أقرها كأمر واقع، وذلك في قوله: " فكان الجزء الأكبر من مذهب الأباضية في شمال أفريقيا إذا معتزلى. فهل هم أخذوه وهم في الشرق من قبل أن ينزحوا إلى بلاد المغرب؟، أم هم تقبلوه في شمال أفريقية تحت تأثير اتصالهم بالأدراسة من الشيعة، وبمعتزلة إقليم طنجة القديم، مدفوعين بعاطفة رد الفعل ضد أهل السنة؟، أم أن أباضية المغرب أضافوا من بعد في أفريقيا عناصر معتزلية جديدة إلى ما كان في الأصل. مشتركا بين المعزلة وأباضية المشرق؟ أو أن مذهب
43 (1/43)
صفحة 39
الأباضية في الشرق سار ومذهب إباضية المغرب بخطى واحدة تحت تأثير معتزلي؟ " (1).
ونحن نرى أن ما أثاره " نللينو " من متابعة الأباضية في شمال أفريقية في آرائهم للمعتزلة، مما جعله يقرر أنهم معتزلية في معظم آرائهم، لا يتفق مع طبيعة ما كانت عليه العلاقة من صراع دائم بين الأباضية والمعتزلة في تلك البلاد، سياسيا وفكريا، وهو الأمر الذي أكده على يحيي معمر في تاريخه للأباضية في الجزائر، حيث كان يعرض لتاريخ نطقة بنى مصعب، أو بنى ميزاب، الذين بدأ عهدهم منذ الفتح الإسلامي، حينما اعتنق سكان هذه المنطقة الإسلام حوالي سنة 50 هـ بعد الفتح الإسلامى. وفى أواخر القرن الأول الهجري، وعندما بدأ نشاط المذاهب الإسلامية، نفذ إليهم المعتزلة، واندمجوا مع سكان المنطقة من البربر المسلمين، وصارت السيطرة فيها للمعتزلة، ومنها بدأوا الاتصال مع المعتزلة الذين كانوا ينتشرون في بقاع كثيرة من أنحاء الدولة الإسلامية في الجزائر، كما بدأوا في الانتشار دعاة لمذهبهم الاعتزالي، ومناهضة لغيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى التي تصوروها، أو صورها لهم دعاتهم على أنها معادية لهم، وقد كان في ذلك الوقت قد تكونت حولهم دول ثلاث لا تدين بمذهب الاعتزال، وهي الدولة الرستمية، وقد نشأت حوالي سنة 160 هـ وهي أباضية المذهب، والدولة الإدريسية وقد نشأت سنة 172 هـ وهي شيعية المذهب، والدولة الأغلبية وقد نشأت عام 184 هـ وهي سنية مالكية المذهب، ولكل منها نفوذ على جهات فى الجزائر والمعتزلة بلا دولة.
ويصور على يحيى معمر طبيعة هذا الصراع، وهذه المعارضة
بقوله: " واستمروا - أى المعتزلة - في صراعهم مع المذاهب الأخرى أحيانا
44 (1/44)
صفحة 40
باللسان وأحيانا بالسنان. ولما كان معتزلة هذه البادية – بادية بني مصعب - مرتبطين مذهبيا مع ا الأعداد الوفيرة من المعتزلة الذين يحيطون بالدولة الرستمية، والذين كانت علاقتهم تتراوح بين الجدل في المجامع والمساجد، وبين القتال والحرب فى ميادين النضال تبعا لإحساس المعتزلة أنفسهم بما هم عليه من قوة وضعف. وكان لهذا الموقف المعتزلة الشمال أثره البالغ على سكان بادية بنى مصعب. وذلك أن أخوتهم في المذهب من أهل الشمال لا يفتأون يحذرونهم من أن المذهب الإباضي يكاد يعم المنطقة وأن دعاته لا يلبثون يدخلوا بين صفوفهم. ونتيجة للمخاوف التي كان يصورها ويبالغ في تصويرها دعاة المعتزلة تحذيرا من الأباضية ومن الدولة الرستمية بالذات. فقد تكون رد فعل عنيف عند بني مصعب
واستعداد قوى لمجابهة هذا المذهب وأصحابه، ومحاربة أتباعه ودولتهم إن
اقتضى الأمر "
(2) -
ويواصل الباحث تصويره لذلك الصراع بين الأباضية والمعتزلة في المغرب الإسلامى فيقول: " فقد استقر في أذهان بنى مصعب - وهم معتزلة - أن الأباضية وهم مخالفون في المذهب - أعداء لهم وخصوم، وأنه يجب الاحتراز منهم، والبعد عنهم، ومحاربتهم إذا دعت الدواعى وعندما كانت تقع المناوشات بين معتزلة الشمال، والدولة الرستمية كان بنو مصعب يحسون بالخطر، ويقفون على أهبة الدفاع. وقد يذهبون لنجدة إخوانهم بما يتيسر لهم من مساعدة مادية أو معنوية، ومضت هذه الفترة كاملة على المعتزلة عموما أو بني مصعب خصوصاً، وهم إما في محاربة فعلية مع بعض الدول القائمة، وإما في استعداد أو توقع لحرب. ويبدو مما يفهم من النتف القليلة التي وردت على السنة بعض المؤرخين أن مواقف بن مصعب كانت في أغلبها موجهة ضد الدولة
45 (1/45)
صفحة 41
الرستمية - وهى أباضية - فهم لا يخشون غيرها ولا يهتمون بسواها،
ولا يطمعون - حسبما يلقى إليهم يصور لهم - فى غير احتلال مكانها، والسيادة بدلها فهم معها على عداء مستمر، إما قتال، وإما مناصرة لمن يحاربها، وينقم عليها، ومساعدة له ولو بالمال والرأى وإما تحفز واستعداد، فعاشوا قرناً ونصف قرن في قلقل واضطراب وحرب
أعصاب
(3)
وقد أشار نللينو نفسه إلى وجود هذه المنازعات بين الدولة الرستمية وبين المعتزلة الواصلية في قوله: " إن بلاد طنجة وما حول تاهرت في بلاد الجزائر كذلك، كان فيها في القرن الثاني (للهجرة) جماعات قوية من البربر أغلبهم زناتية كانوا واصلية، أي من أتباع واصل بن عطاء فى الاعتزال، وأنه كان بين الواصلية حول تاهرت، وبين الأمير الثاني من أمراء الدولة الرستمية أى عبد الوهاب أبو الوارث الذي حكم بين 170 - 300 هـ تقريباً) منازعات، وإذا كان ذلك كذلك في مجال السياسة فإنه أشار أيضا إلى مثل هذه المنازعات في مجال العقيدة والفكر، فأورد أن ابن الصغير المالكي في تاريخه القديم ذكر مناظرة بين معتزلى وإباضي جرت في مكان بعيد من تاهرت أيام حكم أبى اليقظان - أحد الرستميين - حوالى 240 - 280 هـ، بصدد أعمال العبد مختار هو فيها أم غير مختار ". من كل هذا وغيره يتضح تاريخيا مدى الصراع السياسى والفكرى، والعداء الذى كان سائدا بين المعتزلة وبين الأباضية كدولة وكمذهب، الأمر الذى يستتبعد معه تبعية الأباضية للمعتزلة، أو أخذهم عنهم على النحو الذي ذهب إليه نلينو.
(4)
كما نجد أيضاً من بين الباحثين المحدثين من المسلمين من
اتخذ
نفس الموقف، مقرا متابعة الأباضية للمعتزلة في مسائل العقيدة، ومن بين
46 (1/46)
صفحة 42
هؤلاء كان الدكتور صابر طعيمه الذي حكم عليهم بالتبعية إما
للمعتزلة وإما للأشاعرة حسب القضايا التي يتناولونها
(5)
وقد قام مفكروا الأباضية بالرد على كل من ربط بينهم وبين المعتزلة، ومنهم الدكتور صابر طعيمه، الذي قدموا نقداً مستفيضاً لكل ما ورد في كتابه عنهم ضمنوه كتاب " هذه مبادئنا "، وقد تناولوه بالنقد من النواحى: المنهجية والتاريخية والموضوعية. وقد جاء فيه بالنسبة لما يتعلق بصلة الأباضية بالمعتزلة القول: " لقد سائد الأستاذ - يقصد الدكتور صابر طعيمه - فكرة قال بها كثير ممن كتب عن الأباضية من المحدثين، وهى فكرة تفتقر إلى الحجة والبرهان، وتؤكد العلاقة بين الأباضية والمعتزلة بناء على التشابه في كثير من النقاط العقائدية، فقد صور لنا هؤلاء الكتاب أن الأباضية – بناء على هذا الاتفاق – قد استقوا أفكارهم من المعتزلة.
-
وأنا لا أدرى لماذا لا يكون العكس صحيحا خاصة وأن الأباضية أقدم ظهورا من الناحية التاريخية عاشت الجماعتان في بيئة واحدة هي بيئة العراق وخاصة البصرة، فلم يحرم المذهب الإباضي من استقلاليته الفكرية، ويحكم عليه بالتبعية للمعتزلة أو الأشاعرة (6). وبهذا ينتهى الباحث نفسه إلى أن تقرير وجود نقاط اتفاق بين مذهبين ليس بالضرورة دليلا على تبعية أحدهما للآخر، وإن الاستفادة المتبادلة بينهما ليست أمرا غريبا، فهى ظاهرة عامة لدى كل المدارس الفكرية. وعليه ... يصبح حكم الدكتور صابر طعيمه بتبعية الأباضية للمعتزلة أو غيرهم بناء على وجود نقاط اتفاق بينهما هنا أو هناك حكما غير صحيح من الناحية المنهجية (7).
47 (1/47)
صفحة 43
ولا يقف نفى الزعم بأن الأباضية معتزلة، أو اخذوا عن المعتزلة
عند هذا الحد، بل إننا نجد من الباحثين الأباضية من يعمل على إقامة المزيد من الأدلة على نفى هذا الحكم عليهم وبطلانه، اعتمادا على السبق التاريخى للإباضية فى الظهور على المعتزلة، لأنهم يرون – كما سبق - أن المؤسس الحقيقى لمذهبهم هو الإمام جابر بن زيد، وهو حسب. ما ذكر من مواليد عام 21 هـ، كما ان وفاته كانت على الأرجح عام
93 هـ، فى حين أن واصل بن عطاء، مؤسس مذهب الإعتزال ولد عام .. وإذا أضفنا إلى ذلك أنه كان تلميذا في
80 هـ هـ وتوفى عام
131
هـ
(8)
مجلس الحسن البصرى، وهو - أى الحسن - من مواليد المدينة عامن دوم 21 هـ، وكانت سنة وفاته سنة 110 هـ)، صح ما قاله الأباضية من
صحبة وزمالة ومعاصرة جابر بن زيد للحسن البصرى أستاذ واصل بن عطاء فضلا عن كون أغلب الآراء التي أثيرت في الأمور العقدية كانت مثارة في غضون القرن الأول الهجري، وكان للإباضية رأيهم الواضح فيها، والذي كان نواة لمذهبهم فيما بعد، الأمر الذي لا يتفق مع القول بأن السابق (وهم الأباضية) قد أخذ عن اللاحق وهم المعتزلة).
هذا من الناحية التاريخية، وكذلك نرى الأباضية ينكرون هذه التبعية للمعتزلة أو لغيرهم اعتمادا على منافاة ذلك للمنهج العلمي، على أساس أنهم وغيرهم من الفرق الإسلامية قد اعتمدوا في تكوين آرائهم واجتهاداتهم بالدرجة الأولى على فهمهم لما ورد في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يعنى قول فرقة من الفرق برأى يأتي مشابها أو متحدا مع رأى فرقة أخرى، أن هذه الفرقة قد أخذت عن تلك، ولو كان ذلك صحيحا، لكانت المعتزلة هي التي أخذت عن (10)، اعتماداً على أن الأباضية أسبق في الظهور من المعتزلة،
الأباضية
48 (1/48)
صفحة 44
تاريخيا كما سبق. وعن أنكار القول بالتبعية أو التأثر اعتماداً على المنهج العلمى بقول على يحيي معمر: " إن أى عالم من علماء المسلمين حين تثار أمامه أو تعرض مشكلة يتجه قبل أى رأى إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وعلى ما يتضح له من ذلك يقرر رأيه، ويعلن عقيدته محتجا ومستشهدا بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الواردة في الموضوع، والآيات والأحاديث الواردة في أي موضوع هي واحدة، والاحتجاج بها من أطراف متعددة ليس متشابها، وإنما هو متحد، ولا يمكن أن يكون غير ذلك. فهل من الضروري أن يكون
المعتزلة هم أول من تنبه إلى قوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) (11)،
فقالوا باستحالة الرؤية، وأن كل من قال باستحالتها إنما أخذ عنهم هذا الاستدلال؟ وهل من الضروري أن يكون المعتزلة هم أول من انتبه إلى الآيات التي وصف القرآن الكريم بأنه محدث ومنزل ومجعول، وما إلى ذلك حتى يقال إن كل من قال بخلق القرآن إنما أخذ ذلك عن المعتزلة، والدليل على أخذه عنهم هو تشابه الأدلة، وما دام المعتزلة قد احتجوا بآية أو حديث، فإن كل من احتج بذلك يكون أخذ عن المعتزلة. لا شك أن في هذا من الشطط والغلو والتحكم ما فيه من تضييق الواسع، وتحجير العلم ما لا يتفق مع طبيعة علماء الإسلام في عصوره الأولى المتفتحة
المشرقة المتحررة
(12)
ولم يكتف الأباضية في إنكارهم القول بتبعيتهم للمعتزلة أو تأثرهم بهم، بإظهار أوجه الخلاف والصراع فيما بينهم وبين المعتزلة سياسيا وعلميا ولا بمخالفة أولئك الذين قالوا بذلك لأصول المنهج العلمي. الذي ينبغى أن يسود بين العلماء والباحثين عند معالجة قضية " التأثير والتأثر "، بل ذهبوا إلى تأكيد تلك المخالفة من الناحية
49 (1/49)
صفحة 45
الموضوعية، والتي ظهرت في كثير من أوجه الخلاف بين الأباضية والمعتزلة منذ وقت مبكر، ومن أشهر هذه الأوجه مخالفتهم للمعتزلة في قضية القدر، أو أفعال العباد، وهى واحدة من أخطر القضايا في تاريخ المسائل العقدية، وكان المعتزلة قد ذهبوا إلى أن أفعال العباد من إيجادهم وخلقهم، تأكيدا لأصل العدل عندهم، يقول القاضي عبد الجبار: " اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله جل وعز أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ومحدث سواهم وأن من قال إن الله سبحانه خالقها
(13)
ومحدثها فقد عظم خطؤه، وقد عرفت هذه المسألة في علم الكلام تحت عنوان القول بالقدر، ومنها اشتق اسم " القدرية " في مقابل " الجبر " و " الجبرية "، وعنه يقول صاحب " جامع العلوم ": " .. الجبر افراط في تفويض الأمور إلى الله تعالى بحيث يصير العبد بمنزلة جماد لا إرادة له،
ولا اختيار لبه والقدر تفريط في ذلك، بحيث يصير العبد خالقا لأفعاله مستقلا في إيجاد الشرور والقبائح ..
(14) -
والأباضية يخالفون القدرية أو المعتزلة في هذه القضية مخالفة قاطعة، بل وكانت الحد الفاصل الذى فصل بين الأباضية وبين المعتزلة، بل بينهم وبين كل من قال بالقدر، وقد كان ذلك كافيا للبراءة منه والانفصال عنه حتى ولو كان من قبل ممن ينتسبون إلى الأباضية أنفسهم، يقول على يحيي معمر: " يستنتج من كتب الأباضية في تاريخ مقالاتهم أن أول خلاف جدى وقع بين الأباضية كان في عهد الإمام أبي عبيدة (ت 135 هـ) ... كانت مسألة القدر في ذلك الحين هي شغلة العقول والأفهام عند العلماء والمتكلمين، وكان الأباضية يقفون منها موقفا مناهضا للمعتزلة، وكان من زملاء أبي عبيدة حمزة الكوفي،
50 (1/50)
صفحة 46
وعطية، وغيلان، فقالوا بالقدر، وحاول أبو عبيدة وأصحابه إقناعهم بأنهم أخطأوا، وعليهم أن يتوبوا فلم يقتنعوا واستمسكوا بعقيدتهم، فلما يئس منهم الإمام أبو عبيدة تبرأ منهم، وأمر أصحابه أن يتبرأوا منهم، وأن يبعدوهم عن مجالسهم خوفا منهم أن يؤثروا على العوام، وانقطعت الصلة بينهم وبين الأباضية منذ ذلك الحين، ولعلهم انضموا إلى بعض فرق المعتزلة. ولم يعد يتحدث عنهم أحد من الأباضية كأفراد من الأباضية - ولم يعتبرهم أئمة لفرقة مستقلة،، أو داخلة تحت فرق
(15)
كما يذكر أحد كتاب الأباضية المحدثين أنه كان لأبي عبيدة أيضا مناظرة حول هذه القضية .... قضية، القدر، مع واصل بن عطاء مؤسس مذهب المعتزلة، ينقلها عن كتاب " طبقات المشايخ " للدرجيني 262، يذكر فيها أنه " حكى بعض أصحابنا أن واصل بن
ج 2،
ص
عطاء المعتزلى صاحب عمرو بن عبيد ت 143 هـ، كان يتمنى لقاء أبي عبيدة، ويقول: لو قطعته قطعت الأباضية، قال: فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه، إذ أقبل أبو عبيده ومعه أصحابه، فقيل لواصل: هذا أبو عبيدة في الطواف. قال: فقام إليه واصل، فلقيه، وقال: أنت أبو عبيدة؟ قال: نعم، قال أنت الذي بلغني أنك تقول إن الله يعذب على القدر؟ فقال أبو عبيدة: ما هكذا قلت، ولكن قلت: إن الله يعذب على المقدور. فقال أبو عبيدة: وأنت واصل بن عطاء؟ قال: نعم، قال: أنت الذي بلغني عنك أنك تقول: إن الله يعصى بالاستكراه؟ قال: فنكس واصل رأسه فلم يجب بشئ، ومضى أبو عبيدة، وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه، يقولون: كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة، فسألته فخرج، وسألك فلم تجب!! فقال واصل: ويحكم، بنيت بناء
51 (1/51)
صفحة 47
(16) "
منذ أربعين سنة، فهدمه وأنا قائم، فلم أقعد ولم أبرح مكاني. كما يذكر الإباضية أيضاً فرقاً أو خلافاً موضوعياً آخر بينهم وبين المعتزلة، ولعل هذا الفرق أو الخلاف كان أساسا في الكثير من القضايا الفرعية التى تباينت فيها المواقف بين المعتزلة وبين غيرهم من الفرق الإسلامية ومن بينها الأباضية، ذلك هو تقديم المعتزلة للعقل على النقل أو الشرع، وعند التعارض يلزم عندهم تأويل الشرع ليوافق العقل أما الأباضية وإن اعتد بعضهم بالعقل فقبل ورود الشرع، أما بعد ورود الشرع فلا حكم إلا للشرع، وقد يرد في الشرع ما يخالف العقل.
ومن هنا يرفض الأباضية القول بالتحسين والتقبيح العقليين كما هو الشأن عند المعتزلة، ولا يعتد بهما عندهما اللهم إلا قبل ورود الشرع، يقول المصعبي: " وعند أصحابنا إن العقل يحسن ويقبح عند عدم
الشرع، فإن ورد الشرع بخلافه ترك، ورجع التحسين والتقبيح للشرع، فالحكم في الحقيقة هو الشرع
(17) "
من هذا كله لعله يكون قد اتضح حسب ما دلل عليه كتاب الأباضية، خطأ من نسبهم إلى المعتزلة، أو قال بأنهم قد صدروا عنهم فيما ذكر لهم من آراء فى قضايا العقيدة. هذا مع عدم التنكر لما بين المذهبين من تشابه في بعض الآراء التي توصلا إليها، وذلك لصدور كل منهما فيما ذهب إليه على حدة متأثراً بوحدة المصدر الذي استقيا منه
أصولهما ألا وهو كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم.
52 (1/52)
صفحة 48
هوامش الفصل الثالث
(1) انظر: كارلو الفونسو نلينو: بحوث في المعتزلة، ترجمة دكتور
عبد الرحمن بدوى ضمن كتاب: التراث اليوناني في الحضارة
الإسلامية، ص.
208 - 204
(2) على يحيي معمر: الأباضية في موكب التاريخ - الأباضية في
الجزائر، ص
433 - 431
(3) المصدر السابق، ص
434 - 433
(4) انظر: نلينو: بحوث في المعتزلة، ضمن كتاب التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، ص 197، 198.
(5) وكان الأباضية قد قالوا برأى مشابه لقول المعتزلة في قضية خلق القرآن ونفى رؤية الله تعالى وغيرهما من الأمور العقدية، والتي
سبق الإشارة إليها وسيأتي تفصيلها، وخالفوهم في القول بالقدر وأفعال العباد التي أضافوا خلقها وإيجادها إلى الله تعالى لا العبد، وأضافوا كسب الأفعال إلى العباد على نحو قريب مما قال به
الأشاعرة.
(6) مهنى عمر التيواجنى: الناحية المنهجية، ضمن كتاب: هذه
مبادئنا، ص
49.48
(7) الشيخ سالم بن حمد الحارثى: العقود الفضية في أصول الأباضية
ص 93.
(8) انظر الترجمة ومصادرها في: د. عبد الرحمن بدوي: مذاهب
الإسلاميين، ج 1، ص 82.
53 (1/53)
صفحة 49
(9) انظر: أحمد عطيه الله: القاموس الإسلامى ط 10، المجلد الثاني، ص 81.
(10) انظر: مهنى عمر التيواجنى: الناحية المنهجية، بحث ضمن: هذه مبادئنا، ص 48.
(11) الأنعام " 103 ".
(12) على يحيى معمر: الأباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1، ص 268. (13) القاضي أبو الحسن عبد الجبار: المغنى في أبواب التوحيد والعدل ج 8 (المخلوق) ص 3.
(14) القاضى عبد النبى بن عبد الرسول الأحمد نكرى: جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، ج 1، ص
383
(15) على يحيي معمر: الأباضية بين الفرق الإسلامية، ج 2، ص 9.
(16) بكير بن سعيد اعوشت: دراسات إسلامية في الأصول الأباضية، ص 64، وانظر أيضا القصة نفسها في: سالم بن حمد بن سليمان الحارثي: " العقود الفضية في أصول الأباضية، ص
144.
(17) عبد العزيز بن إبراهيم الثمينى المصعبي: معالم الدين، ج 1،
54
293
ص 257، ص (1/54)
صفحة 50
الفرق المنسوبة إلى الأباضية ورأيهم فيها
الفصل الرابع (1/55)
صفحة 51
إذا كنا قد رأينا من قبل كيف أن الأباضية يرفضون قول من ينسبهم إلى غيرهم من الفرق الإسلامية، كأن يقال إنهم خوارج، أو إنهم معتزلة، أو غير ذلك من النسب التي درج بعض الكتاب المحدثين على نسبة الأباضية إليها. فإن الأباضية أيضا ينكرون ما ينسب إليهم من فرق، ومن الفرق ما يرون - مع إنكار كونها من الأباضية – إن صح كونها فرقة فإنها تقع بين الفرق الإسلامية عامة، وهي ليست من الأباضية، ومنها ما يرون أنها ليست من الفرق الإسلامية أساساً، لخروجها بما اشتهرت به من آراء واتخذته من مواقف من الإسلام أصلاً، ومن هنا يرون أن نسبتها إلى الكفر أو النفاق، لا إلى الأباضية ولا إلى الفرق الإسلامية أولى.
ومنها ما يرون أنه يقال عنها فرقة وينسبونها إلى الأباضية، ولا يصح أن يطلق عليها ذلك أصلا، ذلك لأنها لا تعدو أن تكون مجرد تجمع من الناس اتفقوا على رأى في قضية ما، أو موقف سياسي معين أو خروج على حاكم، وكل ذلك لا يكفى – مفرداً أو مجتمعاً - أن يطلق على أصحابه اسم الفرقة، فضلاً عن نسبته إلى الأباضية.
وأخيرا يرون أيضاً أن من هذه الفرق التي نسبت إليهم ما هو أقرب إلى الخيال، وأنه لا وجود لها ولا وجود لمن نسبت إليهم، وإن وجدت فلا صلة لها بالأباضية.
وينقسم القول في الفرق التي نسبت إلى الأباضية وهم ينكرونها
إلى قسمين:
أحدهما: ما ورد ذكره في كتب الفرق والمقالات عند الأباضية
أنفسهم، وثانيهما: ما جاء به كتاب الفرق والمقالات من غير الأباضية. وفيما يلى سنعرض بإيجاز لهذه الفرق عند كل من الفريقين:
57 (1/57)
صفحة 52
أولاً: فرق الأباضية عند كتاب المقالات من الأباضية: 1 - النكارية أو النكار:
:
وهي فرقة نشأت في المغرب الإسلامى، وأصل نستها إلى يزيد بن فندين الذى خرج على الإمام القائم حينئذ - بعد أن بايعه - وهو الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم فعرف بين الناس هو وأتباعه بالنكار والنكات والنجوية، والشعبية، وإليه كانت النسبة بـ " النكار " أو " النكارية؟ (1). وينتهى يحييى بن معمر بشأنها إلى أنها وقد كانت تحسب ضمن فرق الأباضية، قد أصبح لها من الخصائص والمميزات ما يجعلها فرقة مستقلة شأنها شأن غيرها من الفرق الإسلامية الأخرى، تربطها بالأباضية العلاقة العامة علاقة الإسلام، كما تربطها
(2)
بسائر الفرق والمذاهب، ولها عقائدها واجتهاداتها الخاصة ". ثم يعود فيؤكد ذلك صراحة بقوله: " النكار فرقة مستقلة لها مقالاتها الخاصة بها، فهى ليست فرقة من فرق الأباضية، أو جزءا منها، وإنما هي فرقة
من فرق المسلمين عامة.
2 - الحسينية:
(3).
ونسبتهم إلى أبي زياد أحمد بن الحسين الأطرابلسي من رجال القرن 3 هـ، امتزجت فرقته حسبما ذكر كتاب المقالات مع فرقة أخرى تسمى " العمدية " وإليهما نسبت مجموعة من الآراء منها على سبيل المثال القول بأنه لا يشرك من أنكر سوى الله تعالى، والحكم بتشريك المتأولين والمخطئين من الأمة. وينكر على يحيي معمر نسبتها إلى الأباضية فى قوله: " وبالتأمل فيما نسب إليهم من مقالات يتبين أن ما فيها يخرجهم عن الإسلام. ولذلك فلست أدرى لما يحشرها كتاب المقالات ضمن فرق الأباضية، إنها فيما يبدو لى إذا لم تكن خارجة عن
58 (1/58)
صفحة 53
الإسلام، وإذا كان ما ينسب إليها صحيحا فهى فرقة مستقلة داخلة
(4)
تحت العنوان العام (الإسلام). وإن عاد مرة أخرى فاعتبرها خارجة
عن الإسلام يعني تحسب ضمن الفرق غير الإسلامية لإنكارها الكثير من الأصول الإسلامية) ة (5).
3 - السكاكية:
وهم أتباع عبد الله السكاك اللواتي، من سكان قنطرار بالمغرب الإسلامي، خالف المسلمين في مقالات قطعوا فيها عذره، فحكموا عليه بالشرك، وتساهل بعضهم فحكموا عليه بالنفاق، وقد رفض الأباضية
السكاكية والسكاك.
ومن آرائهم:
1 - أنكروا السنة والإجماع والقياس وزعموا أن الدين كله مستخرج
من القرآن.
2 - صلاة الجماعة عندهم بدعة.
3 الآذان بدعة، فإذا سمعوه قالوا نهق الحمار.
-4 لا تجوز الصلاة إلا بما عرف تفسيره من القرآن.
(6)
5 - طعام الأندر نجس لما يبول عليه من الدواب حين الدراس،
والبقول والخضر نجسه إذا وضع في أرضها السماد
•
(7)
ولذلك انتهى على يحيي معمر، إلى ضمها إلى فرقة الحسينية في الخروج عن الفرق الإسلامية بقوله: " والحسينية والسكاكية فرقتان خرجتا عن الإسلام بإنكارهما للسنة والإجماع، وبإنكارهما لوجوب
59 (1/59)
صفحة 54
الإيمان بالرسل والأنبياء والملائكة والجنة والنار. ووجوب معرفة سيدنا
محمد - صلى الله عليه وسلم -
(8)
4 - النفاثية:
وقد ظهرت أيضا في المغرب الإسلامى، ونسبتها إلى فرحان نصر
النفوس، المعروف بـ " نفاث " ولعل ذلك نسبة إلى قريته القريبة من جبل
نفوسة المعروفة بـ " نفاثة
5 - الفرثية:
(9)
وهم أتباع أبي سليمان بن يعقوب بن أفلح، وقد كانت له اجتهادات فرعية خالف فيها جمهور الأباضية، فنقموا عليه من أجل
ذلك، وقد نسب إليه القول بالمسائل التالية:
(10)
1 - نجاسة الفرث.، وما طبخ فيه من طعام.
2 - تحريم أكل الجنين.
-3 - تحريم دم العروق ولو بعد غسل المذبح، وكذلك دم الجوف.
4 نجاسة عرق الجنب وعرق الحائض.
(11)
5 - لا تعطى الزكاة إلا للقرابة (4)، أي قرابة المزكى
(12)
وانتهى الباحث الإباضى إلى القول بشأن هاتين الفرقتين إلى القول: " أما النفاثية والفرثية فليستا فرقتين دينيتين، ولا فئتين باغيتين،
وإنما هما مجموعات من الناس أخذوا بأقوال لأحد عالمين من علماء
الأباضية في مسائل في الفروع الفقهية
- (13)
وعلى هذا نفى كونهما فرقتين أصلا.
60 (1/60)
صفحة 55
6 - الخلفية:
وقد نشأت هي الأخرى في بلاد المغرب الإسلامي، ونسبتها إلى خلف بن السمح بن أبى الخطاب عبد الأعلى المعافري، كانت شهرته بسبب الثورة على الدولة في ذلك الوقت، والطمع في الاستقلال بولاية جبل نفوسة، وانتهى الأمر بهزيمته أمام سلطة الدولة، ولكن كتاب المقالات زعموا أنه إمام لفرقة نسبوها إليه، وهو ما يرفضه الأباضية. وفي هذا يقول على يحيي معمر: " الخلفية أتباع زعيم سياسي ثار على الدولة، واتبعه ناس في ثورته، مما يقع مثله في كل زمان وكل مكان، ولم يتعرض لمسائل الدين، ولم تعرف عنه فيه مقالة، ما عدا مطالبته باستقلال الناحية التي هو فيها (جبل نفوسة) عن تبعيته للدولة، ولا شك أن اعتبار اتباعه فرقة من الأباضية خطأ تاريخي. قد يعتبر هو وأتباعه فئة باغية تطالب بالرجوع إلى الدولة أو تقاتل – وهذا ما وقع بالفعل حتى انتهى أمره. اما أن تعتبر فرقة فليس هذا بصحيح، وإلا لاعتبر كل الثائرين والخارجين عن الدول رؤساء، فرق، واعتبار أتباعهم فرقاء وهذا ما لم يكن، ولا يمكن أن يكون
(14)
ثانيا: فرق الأباضية عند كتاب المقالات من غير الأباضية:
لقد
-:
ورد عند كتاب المقالات من غير الأباضية ذكر للعديد من الفرق التي نسبوها إلى الأباضية، والأباضية يرفضونها شكلا وموضوعا، بل وينكرون أساسا وجود هذه الفرق، أو الأشخاص التي
نسبت لهم، وإن وجدت أو وجدوا فهم لا يمتون بصلة إلى الأباضية.
بل وجدنا من خلال الوقوف على أقوال كتاب المقالات بالنسبة لهذه الفرق أنها جاءت وهى لا تخلو من الاضطراب والاختلاف بشأنها في أكثر من موضع، كأن نجد كاتبا منهم يثبت هذه الفرقة أو تلك ضمن
61 (1/61)
صفحة 56
فرق الأباضية، ثم نجد كاتبا آخر يثبتها ضمن فرق الخوارج المستقلة
(15)
والمتوازية مع الأباضية. وربما كان هذا لا يشكل عبئا على كاهل
هؤلاء الكتاب، ذلك لأنهم جميعا - كما رأينا من قبل - ممن وقفنا على آثارهم يعتبرون الأباضية بفرقها فرقة من الخوارج.
وما يهمنا هنا ونريد أن نثبته هو أن الأباضية كما رفضوا من قبل النسبة إلى الخوارج، أو غيرهم من الفرق، يرفضون أيضا ما ينسب إليهم من فرق، ومن ثم وجدنا أنه من حقهم علينا في هذا البحث ألا نثبت ما أثبته هؤلاء الكتاب من مؤرخى الفرق من آراء لهذه الفرق، ساهمت من قبل في التشنيع على الأباضية، وكذلك تفعل لو أعدنا تكرارها فنساهم أيضا بدورنا في التشنيع عليهم، وهو ما لا يرتضونه، ولا نرتضيه أيضا، ومن ثم فإنني سأكتفى بذكر الفرق المشهورة التي وردت لدى كتاب الفرق، وما ذكره الأباضية بشأنها، واعتذر عن قلة المصادر التي وقفت عليها من مصادر الأباضية التي تناولت هذه القضية.
1 - الحفصية:
وتنسب إلى حفص بن أبى المقدام، وقد ورد ذكرها عند الأشعرى (16)، والبغدادي (17)، والاسفراينى (18)، والشهرستاني)
(19)
والأباضية ينكرون وجود هذه الفرقة، أو وجود حفص بن أبي المقدام الذي نسبت إليه، يقول على يحيى معمر: " ومع كثرة ما قلبت في كتب الأباضية، ومع العناية والبحث فإننى لم أعثر على هذا الاسم الذي اعتبره أبو الحسن الأشعرى) إماما من أئمتهم. ولم أعثر كذلك على شئ من أخبار فرقته وآرائها ". ثم نجده يعود بعد أن ينكر وجود أية صلة بين مذهب الأباضية وبين ما نسب إلى هذه الفرقة من آراء في العقيدة وغيرها، فيقول: " قد تكون هذه الفرقة موجود، ولها علاقة ما
62 (1/62)
صفحة 57
بفرقة أخرى من فرق المسلمين، وقد يكون حفص هذا إماما في أي فرقة أخرى. أما أن يكون هو وأتباعه - إن وجد ووجدوا - في الأباضية، وأن تكون آراؤه التي ساقها أبو الحسن الأشعرى آراء الأباضية، فهذا هو المستحيل بعينه. وبتصفح أى كتاب من كتب العقائد عند الأباضية، سوف يتضح أن ما بها يناقض مناقضة كاملة لهذه المزاعم التي ساقها أبو الحسن على لسان حفص ونسبه ونسبها إلى الأباضية
-??? (20)
2 - اليزيدية:
ونسبتها إلى يزيد بن أنيسة، يذكرها الأشعرى (21)،
(22)
والشهرستاني) ضمن فرق الأباضية، ويذكرها البغدادي فرقة من فرق الخوارج التي خرجت بآرائها عن
ملة الإسلام
(23)
والأباضية ينكرون وجود هذه الفرقة لدى الأباضية، كما
ينكرون أيضا وجود يزيد بن أنيسة الذي نسبت إليه هذه الفرقة بين رجال الأباضية، يقول على يحيي معمر في رده على أبي الحسن الأشعري الذي نسب هذه الفرقة إليهم: " والغريب في الأمر أن القارئ الكريم إذا رجع إلى مصادر الأباضية من كتب وأسماء علماء منذ أوائل القرن الثاني الهجرى إلى هذا العصر فإنه لن يجد عند الأباضية هذا الإمام الذي سماه أبو الحسن الأشعرى - يزيد بن أنيسة -، ولا يجد عندهم ذكرا لفرقته ولا لآرائه، بل إنهم يحكمون على من يدين بمثل تلك المقالات بأنه مشرك، خارج عن الملة، ومن كان مشركا خارجا عن ملة الإسلام لا يمكن أن يحسب فى فرق المسلمين. ولست أدرى كيف ساغ لأبي الحسن أن يزيد - هذا اليزيد - إلى الأباضية، وأن يحشر معهم فرقته؟! هذا، إن وجد حقا ووجدت له فرقة - وكيف ساغ له أن يحسبها من
63 (1/63)
صفحة 58
فرق الإسلام، وينسبها إلى إحدى طوائفه، وهو نفسه يحكم عليها
بالخروج من الإسلام
3 - الحارثية:
(24)
(25)
(26)
وقد ساقها كل من الأشعرى، والبغدادي والاسفرايني (27)، والشهرستاني (28) ضمن فرق الأباضية، ونسبتها إلى حارث الإباضى ذكره هكذا مجردا كل من الأشعري والشهرستاني وذكره البغدادى حارث بن يزيد، وأورده الاسفرايني حارث بن مزيد. ونسب إليهم الأشعرى القول في القدر بقول المعتزلة وأنهم زعموا أن الاستطاعة قبل الفعل.
والأباضية ينكرون نسبة هذه الفرقة إليهم، كما ينكرون أيضا وجود أي ذكر لزعيمها " الحارث " في مقالاتهم، يقول على يحيي معمر: وهذا الحارث أيضا لم يحرث عند الأباضية ولم يزرع لا أراء ولا حبوبا، ولم يحصد الأباضية عنه أو عن فرقته شيئا، إن كان حقا حرث في أي مكان. ولو أن أبا الحسن الأشعرى) حشر هذا الحارث مع المعتزلة لكان أقرب ما دام يقول بقولهم في القدر، ومسألة القدر هي أم المسائل في النقاش الفلسفى الذى جرى بين المذاهب الإسلامية في وقت مبكر، وكانت المميز الواضح بين مذاهبهم، والمهم في الموضوع أنه لا يوجد لهذا الحارث الذي لم يجد أبو الحسن أبا له، فجاء به هكذا يسوقه حتى أدخله عند الأباضية، وتركه. لا يوجد عند أي الأباضية أي
ذكر لهذا الحارث أو رأى أو فرقة أو نسب، ولا حتى مرو ضيافة فمراجع الأباضية مما استطعت الحصول عليه خالية منه ومن آرائه ومن فرقته، فإذا كانت حقيقته وحقيقة آرائه في الواقع كما هي عند الأباضية، فإنه رجل لا وجود له ولا لفرقته، أما آراؤه فهى صورة في
64 (1/64)
صفحة 59
مخيلة مشنع على الأباضية ألقاها على أبى الحسن، فوثق به، وأثبتها في
كتابه دون نقد أو تمحيص "
(29).
4 - القول بطاعة لا يراد الله بها:
:
أوردها الأشعرى كفرقة من فرق الأباضية كانوا يقولون بطاعة
لا يراد الله بها على مذهب أبي الهذيل، وحاول بيان معناها فقال:
به،
ومعنى ذلك أن الإنسان قد يكون مطيعا لله إذا فعل شيئا أمره الله. وإن لم يقصد الله بذلك الفعل، ولا أراده به ". (30). وعلى نحو قريب من
(31)
هذا ذكره الاسفرايني. . أما البغدادي فقد ذكرها أولا فرقة مستقلة من فرق الخوارج متوازية مع الأباضية، ثم عاد فذكرها مرة أخرى كفرقة من فرق الأباضية (32)،، كما حكاها الشهرستاني حكاية عن
الكعبي
(33)
وموقف الأباضية من هذه الفرقة موقفهم مما سبقها من فرق ذكرها ونسبها لهم كتاب المقالات من غير الأباضية، أنكروا وجودها في كتبهم، وإن وجدت فهى ليست منهم، يقول على يحيي معمر في تفنيده لرأى الأشعرى: " ويبدو أن أبا الحسن لم يجد لهذه الفرقة إماما فلم يذكر لها إماما، وإنما جاء يسوق أتباعها كما يسوق القطيع حتى أدلهم في حظيرة الأباضية وتركهم. لو أنه سمى هذه الفرقة بالهذيلية، ما دامت تقول بقوله - أى قول أبي الهذيل - لكان لذلك وجه لأنه لم يذكر لهذه الفرقة قولا غير القول السابق. وعلى كل حال فهذه فرقة ليس لها إمام، وليس لها اسم، وكل ما في الأمر أنه نسب إليها قولا يناقض مناقضة كاملة ما عند الأباضية، في هذا الموضوع فكيف تكون من الأباضية، وهى بما يناقض رأى الأباضية مناقضة
كاملة
(34)
65 (1/65)
صفحة 60
(5) - 8) الإبراهيمية، والميمونية، والواقفية، والبيهسية:
وقد الأشعرى قصة حول المرأة ... وكانت تدور حول مسألة: هل
يجوز بيع الأمة من المخالفين، وكان رجل من الأباضية يدعى إبراهيم قد
(35)
أفتى بأن بيع الأمة من مخالفيهم جائز. وحول هذه الفتوى كان الخلاف بين موافق لفتوى إبراهيم، ومخالف له وممن خالفه رجل كان يدعى ميمون، وبين متوقف في هذا أى لا مع ولا ضد الفتوى. وحول هذه المواقف نسج كتاب الفرق والمقالات عدة فرق نسبوها إلى الأباضية، فقالوا: الإبراهيمية والميمونية، والواقفية، والبيهسية.
والأشعرى ذكر القصة وأشار إلى أوجه الخلاف، ولكنه لم
بسم فرقا، ولكن جاء من بعده من أشار صراحة إلى هذه الفرق الأربع وذكرها على أنها فرق من الأباضية كما هو الشأن عند الاسفراينى
(36)
وقد خالف الإسفراينى الأشعرى بالنسبة لفرقة البيهسية التي تنسب إلى أبى بيهس هصيم بن عامر، التي يعتبرها - أى الأشعرى – فرقة من الخوارج (3)، وليست من الأباضية كما ذهب الإسفرايني.
وحرصا منا على ألا يخرج البحث عن الإطار الذي رسمناه له، وألا نطيل في أمور لا تتحملها هذه الدراسة آثرنا عدم الدخول في التفاصيل بالنسبة لآراء هذه الفرق، خاصة وأن الأباضية – موضوع بحثنا - ينكرون هذه القصة برمتها، وأنه لا جود لها، ولا للأبطال الذين وردت أسماؤهم بها مجردة، في كتبهم ومقالاتهم، ومن ثم فإذا كانت القصة التي نسج حولها كتاب الفرق والمقالات فرقهم التي نسبوها إلى الأباضية، قصة وهمية، أو على الأقل لا وجود لها ولا لأبطالها في تراثهم، فكذا الأمر نفسه بالنسبة لما رتبوه عليها من فرق. وهو الأمر الذي دعانا إلى عدم الوقوف عند التفاصيل التى قد تطيل من هذه الدراسة
66 (1/66)
صفحة 61
وتخرجها عن إطارها، ونكتفي فقط بذكر ما يقول على يحيي معمـ بشأن هذه القصة، يقول: " إن جميع أبطال هذه القصة ناس مجهولون، لا يعرف عنهم شئ. إن أى كاتب يستطيع أن يجد عشرات القصص من هذا النوع في الأحداث اليومية التي تجرى بين الناس، فيختلفون ويتخاصمون، ويلعن بعضهم بعضا ..... وينتهى هذا الباحث الإباضي إلى أنه لا وجود في كتب المقالات التي كتبت عن الأباضية لأى من هذه الأسماء التي وردت مجردة في هذه القصة، قصة تشبه من قريب أو من بعيد أحداث هذه القصة، ولو اختلفت فيها أسماء الأبطال، وينتهي آخر الأمر إلى ترجيح أن شخصا أراد التشنيع على الأباضية فاخترع هذه القصة، ونسجها على المنوال، ثم وجد أبا الحسن الأشعرى وهو يهتم بدراسة الفرق وأقوالها وآرائها، فألقاها إليه فأثبتها أبو الحسن دون تمحيص أو تحقيق وليت أبا الحسن حين كتب هذا نسبه إلى مصدره حتى تبرأ ساحة الإمام العظيم من أية مسئولية، وتكون العهدة إلى
أصحابها " (38)
67 (1/67)
صفحة 62
هوامش الفصل الرابع
(1) على يحيي معمر: الأباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1، ص 15، 16.
(2) المصدر السابق، ص 18.
(3) المصدر السابق، ص
36
(4) المصدر السابق، ص 32، 33.
(5) المصدر السابق.
(6) الأندر: الكدس جمع أكداس، من القمح خاصة، ويعنى بالكدس أكداس الحب المحصود والتى تتجمع بعد الدرس بالنورج
التي تجر بالدواب انظر: المنجد في اللغة والأعلام، مادة (بيدر)، ص 29، الكدش، ص 676، الأندر، ص 798.
(7) على يحيي معمر:
: الأباضية بين الفرق الإسلامية، ص 34 - 35.
(8) المصدر السابق، ص 38.
(9) المصدر السابق، ص.
22 - 21
(10) الفرث: السرجين ما دام في الكرش والسرجن، والرسجون،
والسرجون: الزبالة (فارسية)، انظر: المنجد في اللغة والاعلام،
مادة (سرج)، ص 329، ومادة (فرث)، ص
573
(11) وهو ما يخالف ما جاء في القرآن الكريم بشأن الزكاة في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} " التوبة / 60 ".
68 (1/68)
صفحة 63
(12) على يحيي معمر: الأباضية بين الفرق الإسلامية، ص 35 - 36.
(13) المصدر السابق
ص
38
(14) المصدر السابق، ص
37
(15) وينطبق هذا على فرقة " القول بطاعة لا يراد الله بها " حيث نجد الأشعرى المقالات، ج 1، ص (172) والإسفرايني (التبصير في الدين، ص 35)، يضعانها ضمن فرق الأباضية، نجد البغدادي في (الفرق بين الفرق ص (72) يضعها ضمن فرق الخوارج.
(16) مقالات الإسلاميين، جذ، ص 170.
(18) الفرق بين الفرق ص.
104
(19) التبصير في الدين، ص 34.
(20) الملل والنحل، ج 1، ص
135
(21) على يحيي معمر: الأباضية بين الفرق الإسلامية ج 1، ص 23.
(21) مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 170.
(22) الملل والنحل، ج 1، ص 136.
(23) الفرق بين الفرق، ص 279.
(24) على يحيي معمر الأباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1، ص 24.
(25) مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 170.
(26) الفرق بين الفرق، ص
105
(27) التبصير في الدين
ص
35
69 (1/69)
صفحة 64
25
(28) الملل والنحل، ج 1، ص 136.
(29) على يحيي معمر: الأباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1، ص
(30) مقالات الإسلامين، ج 1، ص 172.
(31) التبصير في الدين، ص
(32) الفرق بين الفرق ص.
(33) الملل والنحل، ج 1، ص
35
105.72
136
(34) على يحيي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1، ص 25 26.
(35) راجع هذه القصة لدى الأشعرى في مقالات الإسلاميين، ج 1،
ص 175.
(36) التبصير في الدين، ص 35.
(37) مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 177.
(38) على يحيي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص
36.35
70
70 (1/70)
صفحة 65
الأصول العقدية عند الأباضية
مجمل العقيدة
القسم الثاني (1/71)
صفحة 66
لقد نهج الأباضية في قضايا العقيدة نهجا معتدلا بالقياس إلى
المدارس الكلامية الأخرى، وخاصة فيما يتعلق بالموقف من العلاقة بين العقل والنقل، ومكان كل منهما في فهم أو تفسير أو معالجة أي من الأمور العقدية، وذلك لأننا نجدهم لم يقدموا العقل على النقل كما فعل المعتزلة ومن سار في ركبهم، كما أنهم لم يغمطوا العقل حقه، في القضايا التي تقع في ساحة صلاحيات العقل الإنساني، وعندما يتعارض العقل مع النقل، فلابد من تقديم النقل، أو الشرع، ولم يرتضوا أن يفعلوا كما فعل المعتزلة مثلاً بأنه عند التعارض يطوع الشرع أو يؤول بما
يتفق مع ما يقتضيه العقل. وقد إنعكس ذلك المنهج على كل معالجاتهم لأمور العقيدة كما سنرى في الصفحات التالية.
معرفة الله:
سيراً على نهج الأباضية في اعتدادهم بالعقل رأينا من يذهب منهم إلى القول بوجوب معرفة الله تعالى على العاقل، اعتمادا على العقل، وذلك قبل ورود الشرع، فإذا ما جاء الشرع زادها وضوحا وثباتا،
وأكد
وجوب ذلك على الإنسان
(1)
ولعلهم بهذا القول يؤكدون ما تردد عند السلف من موافقة
المعقول للمنقول، أو النقل الصحيح للعقل الصريح على النحو الذي رأيناه
(2)
عند ابن تيمية من علماء السلف. وعند الأباضية" إن الإنسان إذا بلغ حد التكليف وجب أن يعلم أن له خالقا خلقه، ورازقاً رزقه، ومصوراً صوره، ومقدرا قدره، ذلك لأنه يعلم أنه لم يخلق نفسه، ولم يصبغها بصبغة قدرته وعليه فلابد لها من خالق خلقها له الحول والقوة على الخلق، وأن ذلك الخالق مباين للمخلوقات كلها، وغير مماثل لشئ منها في حال من الحال، وأنه الكامل عن كل نقص، فإنه إن لم يكن
73 (1/73)
صفحة 67
6
(3)
كذلك لم يصلح أن يكون ربا أبدا، لأنه إذا كان عاجزا عن شئ ما لم يصلح أن يكون إلها قطعا وأن ذلك كله يعتمد على أعمال العقل وتدبره، لمخلوقات الله تعالى في الآفاق، وفى الأنفس مما يتأكد بقول
الله تعالى سنريهم أياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه
الحق (4).
لكن الأباضية وإن كانوا قد رأوا كفاية العقل عند العقلاء المعرفة الله تعالى، بل وأوجبوا عليهم ذلك قبل ورود الشرع، فإنهم لم يروا كفاية ذلك بعد ورود الشرع، وذلك أولا، للحاجة إلى وضوح تلك المعرفة، ولعلهم يشيرون بذلك إلى الأمور التي لا يصلح العقل للخوض فيها، ولا غنى للدين عنها، مثلما يتعلق بأمور الغيب، وكذا الأمر بالنسبة للسمعيات عموما، وثانيا: لما يترتب في الدين بعد الإيمان بالله تعالى وتوحيده من وجوب الإئتمار بكل ما أمر الله به، والإنتهاء عن كل ما نهى الله عنه وهو ما يندرج تحت " الطاعة لله تعالى " فيما أمر ونهى، وما يترتب على ذلك من أمور الثواب والعقاب، وهو ما لا يتحقق إلا بالشرع، وهو الأمر الذى خالفوا فيه المعتزلة ومن سار في ركبهم. يقول صاحب قناطر الخيرات: " إن معرفة الله سبحانه وتعالى وطاعته واجبة بإيجاب الله تعالى وشرعه، لا بمجرد العقل، خلافا للمعتزلة. لأن العقل إن أوجب الطاعة فلا يخلو إما أن يوجبها لغير فائدة، وهو محال، لأن العقل لا يوجب العبث. وإما أن يوجبها لفائدة وغرض، وذلك لا يخلوا إما أن يرجع إلى غرض المعبود، وذلك محال، فإنه يتقدس عن الأغراض والفوائد، بل الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان في حقه سيان، وإما أن يرجع إلى غرض العبد، وهو محال، لأنه لا غرض له في الحال، بل
يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه. وليس في المآل إلا الثواب، ومن
74
24 (1/74)
صفحة 68
أين يعلم أن الله يثيب على المعرفة والطاعة، ولا يعاقب عليها، مع أن
الطاعة والمعصية في حقه سيان، إذا ليس له إلى أحدهما ميل، ولا لأحدهما به اختصاص، وإنما عرف تمييز ذلك بالشرع.
(5) "
وبهذا لعله اتضح عند الأباضية عدم كفاية العقل في قضية معرفة الله تعالى وطاعته، وذلك لأنه - أى العقل - وإن صلح في التوصل إلى ضرورة الخالق الموحد لهذا الكون من خلال تدبر آيات الله تعالى في الكون وفى الأنفس، إلا أنه لا يمكنه التوصل إلى إقرار عناصر الإيمان من نحو طاعة الله تعالى، وما يترتب عليها من ثواب أو عقاب وغير ذلك من واجبات العبودية لله تعالى مما لا يتوفر للإنسان إلا بالشرع. مجمل عقيدة التوحيد عندهم:
ومجمل العقيدة عند الأباضية يقوم على توحيد الألوهية وتنزيه الله تعالى عن كل ما يثير التشبيه، أو التجسيم، وإثبات الصفات والأسماء التي تليق بجلاله سبحانه وتعالى، مع الإقرار بوعده للمطيعين بثواب الجنة، وتوعده للعصاة بالعذاب، مقرين بإرسال الرسل، مصدقين لما ورد على لسان رسله من سائر السمعيات معلنين الولاء للمؤمنين وتحريم دمائهم وأموالهم وغير ذلك مما هو حق لهم على سائر المسلمين، والبراءة من المشركين يقول صاحب " قناطر الخيرات ": " إن الله تعالى أوجب على كل عاقل سلم عقله من الآفات أن يعتقد أن الله سبحانه إله واحد لا شريك له منفرد لا ند له قديم لا أول له مستمر الوجود لا آخر له، ليس بجسم مصور، ولا بجوهر مقدر، ولا يماثل الإجسام، ولا يتجزأ بالإنقسام، ولا تحله الجواهر والأعراض، ولا تعتريه الخواطر والأغراض، ولا تحويه الأقطار والجهات، ولا تكتنفه الأرض والسموات، منزه عن التغيير والإنتقال مقدس عن الزوال ".
75 (1/75)
صفحة 69
وبعد تنزيه الله تعالى على النحو الذي رأينا يثبت له سبحانه
الأسماء والصفات، فيقول: " حى، قادر، جبار، قاهر، لا تعتريه قصور ولا عجز ولا تأخذه سنة ولا نوم له الملك والملكوت، والعزة والجبروت، منفرد بالخلق والاختراع، متوحد بالإيجاد والإبداع عالم المعلومات، محيط بما يجرى من تخوم الأرض إلى أعلى السموات، بجميع لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء .. الخ.
وهو تعالى مريد للكائنات، مدبر للمحدثات، خالق لجميع الموجودات وأفعالها مقدر لأرزاقها وأجالها، لا يقع كفر ولا نكر ولا عرفان، ولا سهو ولا نسيان إلا بقضائه ومشيئته، وحكمه وإرادته، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه. لم يزل واحدا، حيا، عالما قادرا مريدا في الأزل لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها لها،، فوجدت في أوقاتها كما قدرها من غير تقدم ولا تأخر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته. وهو سبحانه سميع لا تخفى عنه الأصوات، بصير لا تغيب عنه الألوان، لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفى ولا يغيب عن رؤيته مرئي، وان دق، يرى من غير حدقة ولا أجفان، ويسمع من غير أصمخة ولا آذان، كما يعلم من غير قلب ولا جنان، وهو تعالى متكلم بلا شفة ولا لسان، وأمر بالطاعة والإحسان، ناه عن الإساءة والعصيان.
"
واعد على طاعته ثواب الخلد، والجنان، متوعد على معصيته عقابا بين أطباق النيران وأنه تعالى حكيم في أفعاله عادل في أحكامه، متفضل بالإنعام، ممتن بالإحسان، لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وأنه تعالى بعث رسوله النبي الأمين محمد بن عبد
الله، خاتم
النبيين، إلى الجن والإنس أجمعين، فنسخ بشريعته جميع الشرائع
76 (1/76)
صفحة 70
المتقدمة إلا ما لا يتسخ من التوحيد، ومكارم الأخلاق المتممة. فختم به الأنبياء، وفضله على جميع أوليائه من الأنبياء والأصفياء، ومنع سبحانه كمال التوحيد الذي هو قول لا إله إلا الله ما لم تقترن به الشهادة لرسوله بأنه محمد رسول الله.
كما تضمنت جملة العقيدة عند الأباضية ضرورة التصديق بكل ما ورد عن رسوله الله - صلى الله عليه سلم - من أمور الغيب، التي لا سبيل إلى معرفتها إلا السمع والتصديق بما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - في الكتاب والسنة.
يقول الجيطاني: " وألزم الخلق تصديقه في جميع ما قاله، وأخبر عنه، من أن الموت حق وأن البعث حق، وأن الحساب حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله جملة الأنبياء والرسل، وجلمة الملائكة والكتب والإيمان بالقضاء والقدر، وولاية أولياء الله من الأولين والآخرين والعداوة لأعدائه من الإنس والجن أجمعين، ومعرفة التوحيد والشرك، وفرز كبائر الشرك من كبائر النفاق، ومعرفة تحريم دماء المسلمين وأموالهم، وسبى ذراريهم بالتوحيد الذي معهم، ومعرفة تحليل دماء المشركين وأموالهم وسبى ذراريهم بالشرك الذي معهم، ومعرفة الملل وأحكامها، واعتقاد العبودية لله تعالى بجميع أوصافها "
(6).
ويلاحظ من مجمل الإعتقاد عند الأباضية، وهم المعتدون بالعقل والنقل، عدم مجاراتهم لأصحاب التيار العقلي في الإسلام، أولئك الذين قدموا العقل على النقل، وخاصة المعتزلة، ولذا نجدهم وأن شاركوهم، بل شاركوا جمهور المسلمين في التأكيد على توحيد الله تعالى وتنزيهه عن المماثلة والمشابهة عملاً بقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير (7)
77 (1/77)
صفحة 71
إلا أنهم فارقوا المعتزلة بإثباتهم لصفات الله تعالى وأسمائه، وأنها
قديمة، بل وإثباتهم لخلق الله تعالى لجميع الأفعال، فخرجوا بهذا من المنزلق الذي انزلق إليه المعتزلة عندما قالوا بنفى الصفات، تأكيدا لأصلهم في التوحيد كما اعتقدوا، وقولهم بخلق العباد لأفعالهم تأكيداً لأصلهم في العدل - كما زعموا - أيضا، وهو الأمر الذي أكد التقاء مع جمهور المسلمين في الاعتقاد، وسوف نعود إلى تفصيل ذلك إن شاء الله في الفصول التالية.
78 (1/78)
صفحة 72
هوامش القسم الثاني
(1) سالم بن حمود بن شامس السيابي: طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، ص 91.
(2) انظر: ابن تيمية في كتابه، درء تعارض العقل والنقل، ج 1، ص 10. (3) سالم بن حمود بن شاس السيايي: طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الاباضي، طبع وزارة الارشاد القومي والثقافة، عمان، 1400 هـ - - 1980 م، ص 92.
(4) فصلت " 53 ".
(5) الجيطالي النفوسى أبو طاهر اسماعيل بن موسى): قناطر الخيرات
ج 1، ص (، ص 239 240، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، عمان،
1983/ 1403
م.
221 - 219
79
(6) المصدر السابق،
ص
(7) الشورى " 11 ". (1/79)
صفحة 73
التدليل
على وجود الله
الفصل الأول (1/81)
صفحة 74
تعددت الطرق في التدليل على وجود الله، وتشعبت إلى فروع
كثيرة، منها ما يعتمد على العقل في استدلاله، ومنها ما يعتمد على القلب، ومنها ما يعتمد على النقل. ولما كنا لم نقف في قراءتنا لفكر الاباضية على شئ في استدلالهم على وجود الله تعالى يشير إلى اعتمادهم في ذلك على الطريق القلبى أو النقلى، بل جل ما وقفنا عليه عندهم يقع في إطار الطريق العقلي، فإنا سنقصر الحديث على هذا الطريق مع إغفال الحديث عن الطريقين الآخرين. والطريق العقلي في الإستدلال على وجود الله يشتمل على مسلك الفلاسفة، ومسلك المتكلمين، ومسلك القرآن وسنبدأ حديثنا ببيان موجز لكل من هذه المسالك الثلاث، ثم نتبع القول في كل منها بقول لاباضية في استدلالهم بها
أولا: مسلك الفلاسفة (الواجب - الممكن)
:
•
ولعله من المفيد قبل الحديث عن الواجب والممكن الذي بنى عليه الفلاسفة الإسلاميون استدلالهم على وجود الله تعالى أن نبين المقصود بهذين الإصطلاحين، وقد حددهما ابن سينا في بداية المقالة الثانية من الإلهيات في كتابه " النجاة: بقوله: " إن الواجب الوجود هو الموجود الذي متى فرض غير موجود عرض منه محال، وأن الممكن الوجود هو الذي متى فرض غير موجود أو موجودا لم يعرض منه محال، والواجب الوجود هو الضرورى الوجود، والممكن الوجود هو الذي لا ضرورة فيه
بوجه، أي لا في وجوده ولا عدمه.
(1).
وقد ذهب الفارابي في استدلاله على وجود الله تعالى بفكرتي
الواجب والممكن إلى أن كل موجود فهو إما واجب الوجود أو ممكن الوجود، وليس ثم سوى هذين الضربين من الوجود، كما أنه قسم
83 (1/83)
صفحة 75
الواجب إلى واجب وجود بالذات، وإلى واجب وجود بالغير، وذلك هو
الممكن إذا وجد (
(2)
ولما كان ممكن الوجود يحتمل الوجود والعدم، وفى حالة وجوده يصير واجب الوجود بالغير، فلابد له من علة ترجح وجوده على عدمه، ولما كانت هذه العلة لا يمكن تكون من الممكنات التي هي أيضا تحتمل الوجود كما تحتمل العدم، مما يحتاج إلى علة، لأن ذلك سيوقع في: إما التسلسل وإما الدور، والعقل يرفض الأثنين معا - التسلسل والدور - فلما كان ذلك كذلك، فلابد من أن تكون هذه العلة واجبة الوجود، وبذلك ينتهى الفارابى إلى إثبات واجب الوجود، وهو واجب الوجود بذاته، الذى إذا فرض عدم وجوده عرض منه المحال
وهو الله تعالى.
(3)
وإذا انتقلنا إلى الشيخ الرئيس ابن سينا نجده يستخدم أيضا الواجب والممكن في تدليله على واجب الوجود الله تعالى، فيقول: لا شك أن هنا وجودا، وكل وجود فإما واجب وإما ممكن، فإن كان واجبا فقد صح وجود الواجب، وهو المطلوب، وإن كان ممكنا فإنا نوضح أن الممكن ينتهى وجوده إلى واجب الوجود. . (4). وابن سينا في إثباته لواجب الوجود عن طريق فكرة والواجب والممكن بدلا من القديم والحادث اللذين استدل بهما المتكلمون على وجود الله يعتقد أنه قد أصاب وتخلص مما يراه نقصا في استدلال المتكلمين، ذلك لأنه يرى أننا لا ينبغي أن نلتمس البرهان على إثبات البارى تعالى مستدلين عليه بشئ من مخلوقاته، بل ينبغي أن نستنبطه من إمكان ما هو موجود، وما يجوز في العقل وجوده، موجودا أول، واجب الوجود، وجوده عين ماهيته (5).
84 (1/84)
صفحة 76
ذلك لأن ابن سينا يرى أن برهان المتكلمين القائم على التمييز
بين القديم والحادث يلزمه أن كل موجود ما خلا الله حادث، أي مسبوق بزمان لم يكن لله فيه فعل ما، وهذا مما يعطل وقت وجود الله بالوجود
في ذلك الزمان السابق على المحدثات، فيكون الله. غير جودا في وقت وجودا في وقت آخر (9). ويناقش الدكتور محمد ثابت الفندى هذه المسألة عند ابن سينا فيقول: " ومع ذلك يجب أن نلاحظ أن تمييز المتكلمين بين القديم والحادث أكثر مطابقة للتصور الديني لإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب الذى يخلق الحوادث متى شاء، ولا ضير من سبق الزمن عليها ولا أهمية لتعطيل إرادته في ذلك الزمن السابق على الحوادث، لأن إرادته غير ملزمة بالخلق ولا مجبرة بضرورة ما، وإنما هي حرة في أن تستأنف دائما أفعالها على حين أن برهان ابن سينا إنما يبطن تصورا وثنيا يونانيا لإله تتحكم فيه الضرورة أو الإلزام أو الوجوب، فضلا عن أنه على حسب قول الدكتور ثابت الفندى برهان يضمر تصورا يونانيا لوجود عالم قديم وجودا واجبا وضروريا لا حرا ولا اختيارا " (7).
هذا هو مجمل القول في الإستدلال على وجود الله تعالى عن طريق فكرتى الإمكان والوجوب عند الفلاسفة الإسلاميين، وقد مثلنا لهم بما رأيناه عند الفارابي ابن سينا.
قول الأباضية:
قد أدرك الأباضية ما في الدليل الفلسفي القائم على الوجوب والإمكان من نقص، فضلا عما فيه من مخالفة وبعد عن التصور الديني لما فيه من إيحاء بالقول بقدم العالم الذي شاع بين الفلاسفة، كما أنه يصور وجود العالم عن الصانع سبحانه وتعالى بصورة وجوبية وضرورية
85 (1/85)
صفحة 77
يختفى معها كون الله تعالى حرا مختارا في إيجاده للعالم، وهو مضمون النقد الذي وجهه الدكتور محمد ثابت الفندى من قبل لدليل الممكن والواجب عند ابن سينا، مفضلا عليه دليل المتكلمين القائم على القدم والحدوث، وبالطبع أنا لا أدرى إذا كان أستاذنا الدكتور الفندى قد وقف على ملاحظة الأباضية على هذا الدليل على النحو الذي أشار إليه الشيخ عبد العزيز الثمينى ت 1223 هـ، أم أنه مجرد توافق أفكار، خاصة وأن المنبع الذي استقى منه كل منهما موقفه واحد، وهو التراث
الإسلامي.
والشيخ عبد العزيز الثمينى يتناول الحديث عن دليل الممكن والواجب في موضعين من كتابه " معالم الدين "، الموضع الأول يأتى من خلال حديثه عن " الممكنات وأحوالها "، ويعرض فيه للفرق بين الإستدلال بطريقة الإمكان والاستدلال بغيره ومن بين الفروق التي يتميز بها الاستدلال بالممكن أن العلم بحدوث العالم يتأخر في هذا الدليل على العلم بالصانع، على عكس الاستدلال بغيره، ولعله يقصد بغيره الاستدلال بحدوث العالم على الصانع، فالعلم فيه بحدوث العالم يجئ متقدما على العلم بالصانع، ولعله يعتبر ذلك ميزة في هذا الدليل وإن كان لم يذكر ذلك صراحة، ذلك لأنه – أي دليل الإمكان والوجوب - يقدم العلم بالصانع على العلم بالعالم. أما عيوب هذا الدليل فتنحصر عنده في أمرين:
الأول: أنه وإن أدى إلى استنتاج وجود الصانع، إلا أنه يحتمل أن
يكون صانعا باللزوم، بمعنى انتفاء الحرية والاختيار عنه.
الثاني: أن العالم الناتج منه يأتى عالما قديما كما هو رأى
86
(8)
الفلاسفة (1/86)
صفحة 78
مصادمة
ومن أجل أن يستقيم الدليل، ويصلح للإستدلال به دون مخالفة أو مع التصور الديني، أخذ الشيخ الثمينى على نفسه أن يلتزم مع الاستدلال بهذا الدليل، بالتدليل على كون الله تعالى (الصانع) فاعلا مختارا، بالإضافة إلى التدليل على أن العالم حادث، ودلل على الأمر الأول وهو كون الله حرا مختارا بقوله: " فنقول صانع العالم إما أن يكون أوجبه لذلك في ذاته أو اقتضاه بطبعه، أو أوجبه باختياره. وجهات التأثير منحصرة في هذه الأوجه الثلاثة، ووجه الحصر أن كل مؤثر لا يخلو إما أن يصح منها منه الترك أو لا.
والأول: الفاعل المختار.
والثاني: إما أن يتوقف اقتضاؤه على شرط أو انتفاء مانع أو لا.
والأول الطبيعة، والثانى العلة، ثم نقول: لا جائز أن يكون المؤثر في هذه الممكنات موجباً لها بذاته كالعلة، ولا مقتضيا لها بطبعه، لأن ما يؤثر كذلك لا يجوز أن يخصص مثلا عن مثل، لاستحالة الاختلاف في معلول العلة الواحدة، ومطبوع الطبيعة الواحدة، وفاعل العالم قد خصص مثلا عن مثل، فتعين أن يكون فاعلاً مختاراً. (9)
ثم بعد أن أثبت الثمينى أن الصانع تعالى لا يصدر عنه العالم عن طريق الوجوب أو اللزوم، وإنما يصدر عنه بفعل حر مختار، اتجه إلى التدليل على أن العالم حادث وليس بقديم، فقال: " فنقول حينئذ العالم موقع بالإختيار، وكل موقع بالإختيار حادث، إذ الحادث وجوده يستلزم سبق عدمه، وإلا لكان تحصيل الحاصل في الوجود، وثبوت الممكن عما لا يصح كونه في العدم، فينتج العالم حادث
(10).
87 (1/87)
صفحة 79
وبعد أن تخلص " الثمينى " الإباضي من المحاذير التي كان من
الممكن أن يقع فيها، باستخدام هذا الدليل اتجه إلى الاستدلال به دون خوف، فقال: " اعلم أنه لما ثبت بالبرهان الذى لا يشك فيه عاقل منصف أن العالم محدث، ومعلوم أن المحدث لا بد له من محدث ضرورة امتناع ترجح أحد طرفي الممكن من غير مرجح كما مر غير مرة، ثبت أن له محدثا وصانعا، وأنه هو الله سبحانه وتعالى، أعنى الذات الواجب الوجود، الذي يكون وجوده لذاته، بمعنى أنه غنى عن الإطلاق لا يحتاج إلى شئ ما البتة، إذ لو كان جائز الوجود لكان من جملة العالم، فلم يصلح محدثا للعالم، وصانعا له، مع أن العالم، اسم لما يصلح أن يكون علما على وجود مبدأ له، وقريب من هذا يقال أن مبدأ الممكنات بأسرها لابد أن يكون واجبا إذ لو لم يكن كذلك لكان إما ممتنعاً أو ممكنا، والأول واضح البطلان، والثاني كذلك، لأنه لو كان ممكنا لكان من جملة الممكنات فلم يكن مبدأ لها، وقد يتوهم أن هذا دليل على وجود الصانع من غير افتقار إلى أبطال التسلسل، وليس ذلك، بل هو إشارة إلى أحد أدلة بطلان التسلسل، وهو أنه لو ترتبت سلسلة الممكنات إلى لا نهاية لاحتاجت إلى علة، وهى لا تجوز أن تكون نفسها ولا، بعضها لاستحالة كون الشئ علة لنفسه ولعلله، بل خارجا
،
عنها، فيكون واجبا وتنقطع السلسلة "
(11).
وبهذا يكون الأباضية قد نجحوا في الاستدلال بالممكن والواجب على إثبات وجود الله تعالى، الفاعل المختار الواجب الوجود لذاته، والموجد للعالم المحدث، والممكن الوجود. وذلك دون أن يوجه
إليهم ما وجه للفلاسفة من انتقادات على استدلالهم بهذا الدليل نفسه
88 (1/88)
صفحة 80
ثانيا: مسلك المتكلمين:
يعد الاستدلال على وجود الله عن طريق التمييز بين القديم
والحادث من أشهر الأدلة عند المتكلمين، وفي سبيل ذلك قسموا الموجودات إلى قسمين.
قسم قديم لم يزل متقدماً إلى غير غاية وهو الله تعالى، وقسم
(12)
محدث لوجوده أول، وهو قول الباقلاني، ويعني به العالم أو كل شئ غير الله على حد تعبير أبي منصور البغدادي (13)، أو كل موجود سوى الله تعالى كما قال الجويني
(14)
وفي سبيل الإستلادلال على حدوث العالم قسموا العالم إلى أعراض وأجسام أو جواهر وأجسام تتالف منها، وأعراض ثم أثبتوا الأعراض، وانها حادثة، وإن الأجسام لا تتعرى عن الأعراض، ومن ثم فالأجسام حادثة أيضا، إذن فالعالم حادث، وما هو حادث لابد له من الله تعالى. وفيما يلى نعرض في إيجاز لأدلتهم على كل
محدث، وهو من هذه النقاط التي تتكون منها هذه المسألة برمتها.
1 - إثبات الأعراض:
والمقصود بالأعراض عندهم أنها التي لا يصح بقاؤها، وهي التي تعرض في الجواهر والأجسام، وتبطل في ثان حال وجودها. ويستدل عليها الباقلاني من القرآن الكريم بقول الله تعالى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا
"
(15)
وَاللهُ يُرِيدُ الآخرة إشارة إلى زوال وبطلان أعراض الدنيا من الأموال
ونحوها، وبقوله تعالى إخبارا عن الكفار في اعتقادهم فيما أظلهم من العذاب أنه عارض، لما اعتقدوا أنه مما لا دوام له: (عَارِضُ تُمطرنا (16) (17).
89 (1/89)
صفحة 81
ويدلل المتكلمون على ثبوت وجود الأعراض على أساس أنه ترى
الأجسام وتتعاقب عليها الأضداد من الإعراض فيرى منها المتحرك الذي يسكن، والساكن الذى يتحرك، كما يرى منها الأبيض والأسود، وهى في ذلك كله لا تتجاوز في كونها كذلك أن تكون إما متحركة أو متلونة لنفسها، أو لمعنى زائد عليها، ولو كانت هي كذلك لنفسها لما كان يصح أن يرى فرد من أفراد جنسها متحركا وغيره ساكنا، وكذا في بقية الإعراض، ولما كان الثابت غير ذلك، كان من المستحيل أن تكون هي كذلك لنفسها فيتبقى أن تكون كذلك لمعنى زائد عليها هو العرض نفسه. وبهذا أثبتوا وجود الأعراض (18)
ويشمل ذلك الحركة كما يشمل غيرها من الأعراض من نحو الألوان والطعوم والأرابيح، والتآليف، والحياة والموت، والعلم والجهل والقدرة والعجز وغير ذلك من ضروبها. والمعتزلة يوردون قسمة أخرى للأعراض، فيقسمونها إلى ما هو مدرك، وما هو غير مدرك، ويحصرون المدرك منها في سبعة أنواع هى: الألوان، والطعوم والروائح، والحرارة، والبرودة، والآلام والأصوات وغير المدرك، مثل: الشهوة، والحياة، والقدرة، والاجتماع والافتراق والحركة والسكون وغيرها 2 - إثبات حدوث الإعراض:
(19)
أما عن كون الأعراض حادثة فيستنتج من كوها تتعاقب على محالها، مما يؤكد حدوث الطارئ منها من حيث وجدت، وحدوث السابق منها من حيث عدمت، إذ لو كانت قديمة لاستحال عدمها، لأن القدم ينافي العدم، وإن ما ثبت له القدم استحال عليه العدم، وهو ما
يثبت حدوث الأعراض (20)
90
90 (1/90)
صفحة 82
3 - عدم تعرى الأجسام عن الأعراض:
وينتقل المتكلمون بعد ذلك إلى إثبات أن الأجسام أو الجواهر لا تتعرى عن الأعراض التي أثبتوا كونها حادثة، وذلك ترتيبا على أنه لا يتصور جسم غير متصف بالحركة أو السكون، أو الاجتماع أو الافتراق، أو باللبث في المحال أو الزوال أو الانتقال إلى غير ذلك، مما يثبت معه عدم تعرى الأجسام عن الأعراض.
4 - إثبات المحدث أو الصانع:
ولما كانت الأجسام لا تتعرى عن الأعراض، والأعراض حادثة، كما أن الأجسام لا تسبق الأعراض الحادثة، ثبت أن الأجسام حادثة وإذا ثبت حدوث الأعراض وحدوث الأجسام، ثبت بالتالي حدوث العالم، ولما كان العالم حادثا، إذن لابد له من محدث صانع هو الله تعالى، الموجد المدبر للعالم. وعند الجويني كما كان العالم حادثا فهو جائز الوجود، وجائز الوجود هو ما يجوز تقدير وجوده بدلا من عدمه، ويجوز تقدير عدمه بدلا من وجوده ولما اختص العالم بالوجود الممكن بدلا من العدم الائز افتقر إلى مخصص خصه بالوجود دون العدم، وهو الصانع
سبحانه وتعالى
(21)
أما المعتزلة فقد سلكوا مسلكاً آخر في إثبات وجود الله تعالى عن طريق مبدأ الحدوث أيضاً، وذلك لأنهم رأوا أنه يمكن إثبات وجود عن طريق إثبات حدوث الأعراض، بنفس الطريق التي رأيناها عند
الله
سائر المتكلمين، وإذا ما أثبتوا ذلك انتقلوا إلى إثبات المحدث لها وهو الله تعالى، اعتمادا على أنه لا بد لكل محدث من محدث أحدثه، كما سلكوا الطريق نفسه في إثبات وجود الله عن طريق إثبات حدوث الأجسام. ورأوا أن هذا المسلك أولى من سابقه لأسباب عددوها في
91 (1/91)
صفحة 83
كتبهم. وبعد إثبات حدوث الأجسام، قالوا بأنه لابد لها من محدث
أيضا وهو الله تعالى (22).
قول الأباضية:
وقد استعان الأباضية بدليل الحدوث في تدليلهم على وجود الله مسايرين بذلك غيرهم من المتكلمين، وقد وقفنا على ذلك في أكثر من مصدر من مصادرهم، ونذكر هنا ما ذكره أبو عمار عبد الكافي بعد أن فند قول القائلين بغير قولهم، فقال: " فإن سألنا سائل من أهل الدهر،)، فقال: وما يدريكم بأن هذه الأشياء محدثة؟ ولعلها قديمة لم تزل؟ قيل له: علمنا حدوثها من وجوه، أما أحدها فإنا نظرنا في هذا العالم فوجدناه صنفين لا ثالث لهما: إما جسم أو عرض صفة له، ثم نظرنا في العرض، فإذا هو صفات متضادة متعاقبة في الجسم، فقلنا لا
(*) الدهر ويقصد به الأبد، وإليه ينسب الدهرية، وهم للقائلون بقدم العالم وبالتالي إنكار وجود إله خالق له، وأن العالم قد وجد نتيجة للقوانين الطبيعية، كما ينكرون وجود حياة أخرى وراء هذه الحياة الدنيا، وإلى هذا يشير قوله تعالى: " وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون " الجائثة / 24، ويطلق عليهم الطبيعيون والماديون ومن المصنفات في الرد عليهم: " الرد على الدهريين لجمال الدين الأفغاني ترجمة الأستاذ الإمام محمد عبده، وعلى أطلال المذهب المادى " لمحمد فريد وجدى. (أنظر القاموس الإسلامي للأستاذ أحمد عطيه الله ج 2، ص 397. - أما فخر الدين الرازي، فيذكر الأباضية أيضا ضمن فرق الخوارج، يقول عن الخوارج: " سائر فرقهم متفقون على أن العبد يصير كافرا بالذنب، وهم يكفرون عثمان وعليا وطلحة والزبير وعائشة، ويعظمون أبا بكر وعمر، ثم يذكر لهم إدى وعشرين فرقة من بينها الأباضية الذين يقول عنهم: هم أتباع عبد الله بن أباض، ظهر في زمن مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية وقتل عاقبة الأمر " اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، ص 46 - 51).
92 (1/92)
صفحة 84
نخلو هذه الأشياء من أن تكون قديمة أو محدثة، فبطل أن تكون قديمة لكونها متعاقبة في الجسم، آتية، وذاهبة، وليس في إتيان الآتي منها أكثر من حدوثه، ولا في ذهاب الذاهب أكثر من بطلانه وفنائه، وبطل أن تكون هذه الأشياء مجتمعة مع تضادها في الجسم بحال واحدة، لبطلان الوصف له بها في حال واحدة، ولو كان الأمر كذلك لجاز أن يسمى الجسم مجتمعا متفرقا، ومتحركا ساكنا مع سائر تلك الصفات في حال واحدة، فلما بطل الوصف للجسم بهذه الأشياء المتضادة في حال واحدة ثبت أن بطلان ما بطل منها لم يبطل إلا بحدوث ضده، وإن ما حدث منها لم يحدث إلا بفناء ضده وبطلانه، فلما كان الأمر هكذا علمنا أن تلك الأشياء بجميعها محدثة، كائنة بعد أن لم تكن. ونظرنا في الجسم فوجدناه لا يخلو من هذه الأشياء المحدثات ولا ينفك عنها، لا و يوجد قبلها ولا بعدها، ولا يوجد إلا وهى معه، ولو أن متوهما توهم الجسم غير مجتمع ولا متفرق ولا متحرك، ولا ساكن، كان قد توهم ضربا من المحال فاسدا، ووجها من الخطأ مضمحلا، لأنه إذا توهم ذلك، توهم بطلان وجوده، وفساد كونه .... ثم رجعنا إلى القول في الجسم: لما كان الجسم غير عار من هذه الأعراض، ولا منفك في حال من أحواله، ولم يوجد إلا وهى به ولا يتقدمها بحال واحدة ولا يجوز أن يتأخر بعدها حالا واحدة وهي جميعها محدثة -. . كما وصفنا - قضينا على الجسم بالحدوث، كما قضينا على العرض بالحدوث، إذ لم
(23)
،
يسبقها ولم يكن قبلها. وبهذا ثبت عند الأباضية عن هذا الطريق حدوث الأجسام. ولما كان العالم يتكون كما سبق من الأعراض والأجسام، وكلاهما حادث، إذن فالعالم حادث. ثم كان الانتقال بعد ذلك إلى إثبات ضرورة المحدث لهذا العالم الحادث، فقيل: " فإن سأل
93 (1/93)
صفحة 85
سائل فقال: هل دللتم على حدوث الأشياء لا من شئ فهل حدثت من تلقائها، وما دلكم على حاجتها إلى محدث يحدثها؟ قيل له:
لا تخلو هذه الأشياء من وجهين لا ثالث لهما: إما أن تكون حدثت بمحدث أحدثها، أو حدثت من تلقائها بلا محدث، وبطل أن تكون تحدث من تلقاء نفسها، لأنها لو كانت كذلك لحدثت قبل حدوثها أو بعده، ولكان المتقدم منها متأخرا، والمتأخر متقدما، والمتوسط متقدما أو متأخرا، أو متقدمة جميعا، أو متأخرة جميعا، فلما أن وجدناها حدثت في وقت حدثها، دون ما قبل ذلك الوقت ودون ما بعده، ووجدنا المتقدم منها متقدما، والمتوسط متوسطا، والمتأخر متأخرا، وعلمنا أن ذلك لم يكن إلا بإرادة محدث أحدثها، فقدم ما أراد أن يقدمه، ووسط ما أراد أن يوسطه، وأخر ما أراد أن يؤخره، وبطل عند ذكرنا القول بأن الأشياء حدثت من تلقاء نفسها بغير محدث، وثبت القول الثاني بأن الأشياء محتاجة إلى محدث يحدثها في أوقات حدوثها، يقدم ما أراد تقديمه منها، ويؤخر ما أراد تأخيره.
فإن قال: وما يدريكم لعل هذه الأشياء أحدثت أنفسها، ولعل المحدث لها هي بأنفسها؟ قيل له " لا تخلو هذه الأشياء بعد ما ثبت حدوثها، وثبت أن لها محدث أحدثها، وأنها غير مستغنية عن ذلك من وجهين لا ثالث لهما: إما أن تكون أحدثت نفسها، أو أن تكون أحدثها غيرها. ويبطل أن تكون أحدثت نفسها من قبل أنها لا تخلو في حال حدوثها من أن تكون معدومة أو موجودة، فإن كانت معدومة، فالمعدوم لا يحدث شيئا، نفسه ولا غيره، وإن تكن موجودة، فما حاجتها إلى أن توجد نفسها وهي موجودة بعد؟ فلما فسد هذان الوجهان ثبت أن لها
94 (1/94)
صفحة 86
محدثا، أحدثها، وهو غيرها، موجود قبل إيجاده لها، ذلك الله رب
العالمين" (24)
وبهذا استدل الأباضية على إثبات وجود الله عن طريق القديم
والحادث، وإن خلا حديثهم من التفصيلات الكثيرة التي رأيناها في
كتب غيرهم من المتكلمين.
موقف السلفيين من هذا الاستدلال:
يذهب أهل السنة من السلفيين إلى أنه لا جدوى من هذه الطرق العقلية للإستدلال على وجود الله تعالى، بالنسبة للمؤمنين، وذلك لأن أصل العلم الإلهي - حسب قول ابن تيمية - ومبدأه ودليله الأول عند الذين آمنوا هو الإيمان بالله ورسوله، وعند الرسول - صلى الله عليه
الله إليه
"
(25)
وهو ما يترتب عليه بداية وضرورة عند
وسلم -، هو وحى | المؤمنين المعرفة بالله تعالى، وإن كانوا - أى أهل السنة – لا ينكرون زيادة وتجويد هذه المعرفة عن طريق النظر والتأمل في مخلوقات الله
تعالى بعد ذلك، فعندهم المعرفة هي:
" أول الفرض الذي لا يسع المؤمن جهله، ولا تنفعه الطاعة - وإن أتى بجميع طاعة أهل الدنيا - مالم لم تكن معه معرفة وتقوى - فالمسلم إذا نظر في مخلوقات الله تعالى وما خلق من عجائبه، مثل دوران الليل والنهار، والشمس والقمر، وتفكر في نفسه، وفي مبدئه ومنتهاه،
، ومن
فتزيد معرفته بذلك، قال الله تعالى (وَي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُصِرُونَ) ثم لم يخرجوا في استدلالهم على الله تعالى عن الاستدلال بما جاء في الكتاب والسنة، ورفضوا طريق العقل إلى لذلك، واستشهدوا على ذلك بما روى عن ابن عباس أنه قيل له: بماذا عرفت ربك؟ فقال: من طلب دينه بالقياس لم يزل دهره في التباس، ضاعنا في الإعوجاج، زائفا عن
95 (1/95)
صفحة 87
المنهاج، أعرفه بما عرف به نفسه، وأصفه بما وصف به نفسه .. وصاحب
هذا كله لا يخرج عما احتواه الكتاب والسنة)
(27)
وترتيباً على هذا النهج الذي ارتضاه السلفيون طريقا للاستدلال على الله تعالى، كان موقفهم مما سلكه المتكلمون وغيرهم من طرق عقلية، استدلوا بها على إثبات الصانع سبحانه وتعالى، ومن ثم نجد ابن تيمية بعد عرض ومناقشة هذه الطرق عندهم، يذهب إلى القول بأن " هذه الطريقة - أى طريقة المتكلمين - مما يعلم بالإضطرار أن محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يدع الناس بها إلى الإقرار بالخالق، ونبوة أنبيائه، ولهذا اعترف حذاق " أهل الكلام " كالأشعرى وغيره بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عليهم. بل المحققون على أنها طريقة باطلة، وأن مقدماتها فيها تفصيل يمنع ثبوت المدعى بها مطلقا. ولهذا تجد من اعتمد عليها في أصول دينه فأحد الأمرين له لازم، إما أن يطلع على ضعفها، ويقابل بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم، فتتكافأ عنده الأدلة، أو يرجح هذا تارة وهذا تارة، كما هو حال طوائف منهم، وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل، كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار، والتزم أبو الهذيل لأجلها انقطاع حركات أهل الجنة، والتزم قوم لأجلها - كالأشعرى وغيره - أن الماء والهواء والنار له طعم ولون وريح ونحو ذلك، والتزم قوم لأجلها وأجل غيرها أن جميع الأعراض كالطعم واللون وغيرهما لا يجوز بقاؤهما بحال، لأنهم احتاجوا إلى جواب النقض الوارد عليهم لما اثبتوا الصفات الله مع الاستدلال على حدوث الإجسام بصفاتها، فقالوا: صفات الأجسام أعراض، أى أنها تعرض وتزول فلا تبقى بحال، بخلاف صفات الله فإنها باقية.
96 (1/96)
صفحة 88
وأما جمهور عقلاء بني آدم فقالوا: هذه مخالفة للمعلوم بالحس.
والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها، نفى صفات الرب مطلقا، أو نفى بعضها، لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها، والدليل يجب طرده، والتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به، وهو أيضا في غاية الفساد والضلال، ولهذا التزموا القول بخلق القرآن، وانكار رؤية الله في الآخرة، وعلوه على عرشه إلى أمثال ذلك من اللوازم التى الزمها من طرق مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم، فهذه داخلة فيما أسماه هؤلاء أصول الدين، ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه الله لعباده *
(28).
ولكننا نجد ابن تيمية بعد رفضه مع أهل السنة لطريق الاستدلال على وجود الله تعالى عن طريق حدوث العالم، وما تم استخدامه من ذلك
من قياس، ومصطلحات لم يرد ذكرها في الكتاب والسنة مثل: الجوهر، والعرض، والأكوان، وغير ذلك، مما اعتبرهم - أى المتكلمين - به مبتدعة، وقائلين بما هو ليس في الكتاب والسنة مما حدا به في أكثر من موضع إلى وصف عملهم هذا بالفساد والضلال وغير ذلك من الأحكام القاسية، نجده يعود فيذهب إلى أنه إذا عرف المستخدم لهذه الأدلة المعاني التي وردت في الكتاب والسنة، ولكن استخدم هذه المصطلحات والأساليب في تعريف الغير بالله سبحانه وتعالى، لأنه لا يمكن اقناعهم أو تعريفهم بما يراد إلا بهذه اللغة وهذا الأسلوب، بحيث تكون هذه الألفاظ تعبيرا عن المعاني الحقيقية المقابلة لها في كتاب الله وسنة رسوله، وشبه ذلك بمن يقوم بترجمة معاني الكتاب والسنة إلى لغة أو لغات أخرى لا يمكن لأهلها أن يفهوا القرآن
97
1 (1/97)
صفحة 89
والسنة إلا بها، لأنها لغتهم، ويذهب إلى أنه إذا كان ذلك كذلك فلا ضير في هذه بل تكون عظيمة الفائدة، ولنقرأ مع ابن تيمية: " والسلف
والأئمة – الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض، تضمن كلامهم ذم من يدخل المعانى التى يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين في دلائله، وفي مسائله، نفيا وإثباتا. فأما إذا عرف المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة، وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ، ليتبين ما وافق الحق من معانى هؤلاء، وما خالفه، فهذا عظيم المنفعة، وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتب بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} (29)، وهو مثل الحكم في سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوصفهم وعرفهم. وذلك يحتاج إلى معرفة معانى الكتاب والسنة ومعاني هؤلاء بألفاظهم، ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني، ليظهر الموافق
والمخالف.
(30)
وهكذا نجد ابن تيمية بهذا قد رجع عما اتهم به المتكلمين لاستخدامهم هذا الأسلوب من التدليل، لأنه - فيما نعلم ويعلم ابن تيمية أيضا - لم يستخدم المتكلمون هذه الأدلة لتوجيهها إلى المؤمنين، بل استخدموها للدفاع عن عقيدة الإسلام وبلغة خصومهم، وهي الوظيفة الأصلية لعلم الكلام، وذلك ضد من يشككون في هذه العقيدة، ومن ثم فهم لا يفهمون أو لا يقرون لغة القرآن والسنة، بل وربما لا يؤمنون بهما أصلا. وهو ما ينصف علماء الكلام، ويبرئهم مما وجههه إليهم ابن
تيمية وغيره من انتقادات واتهامات.
98 (1/98)
صفحة 90
ثالثاً: مسلك القرآن الكريم:
ومسلك القرآن الكريم في الاستدلال على وجود
الله
والذي يشيع عند السلفيين وعند غيرهم من المتكلمين أيضا، يستند على ما ورد في كتاب الله تعالى من آيات قرآنية تدور حول عملية خلق الله تعالى للخلق، وما تتضمنه من إعجاز وحكمة لا يتوافران لغير الله تعالى، فضلا عما تتضمنه أيضا من حكمة واتساق في صنعه للعالم، وجعله سبحانه وتعالى بعضه مفيدا ومسخرا للبعض الآخر.
(31)
ومن بين ما يستدل به السلفيون على وجود الله تعالى ما يمكن أن نسميه بدليل الخلق. وهو الذى ترد الإشارة إليه في قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ، وفي هاتين الآيتين استفهام إنكار. يقول الله تعالى للمشركين أنهم خلقوا بعد أن لم يكونوا مخلوقين، فهل خلقوا من غير. خالق؟ أم خلقوا أنفسهم، والجواب على هذين السؤالين بالنفي: أى لا هذا ولا هذا، فمن المستحيل أن يخلقوا من غير خالق، ومن المستحيل أن يكونوا قد خلقوا أنفسهم. يقول ابن قيم الجوزية: " فإن من لا يقدر أن يزيد فى حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ساعة واحدة كيف يكون خالقا لنفسه
(32) -
ويرد في تفسير ابن كثير أن هاتين الآيتين قد نزلتا في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، كما يذكر في تفسيره حديث جبيرة بن مطعم الذي رواه البخارى، وقد حدثنا فيه بأنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غير من الآية قال: لما سمعتها كاد قلبي يطير، وقيل: إن سماعه لهذه الآية من هذه السورة كان من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام
99 (1/99)
صفحة 91
بعد ذلك. كما ذهب ابن كثير أيضا إلى أن في هاتين الآيتين انكار على المشركين في شركهم بالله وهم يعلمون أنه الخالق، وحده لا شريك له، ولكن عدم إيقائهم هو الذي يحملهم على ذلك
(33)
ونجد أيضا من المتكلمين من سلك المسلك القرآني في استدلاله على إثبات وجود الله، من نحو ما وجدناه عند الأشعري في استدلاله بخلق الله تعالى للإنسان ناقلا له من كونه نطفة إلى علقة ثم مضغة ثم لحما ودما وعظما، ونقله بعد الولادة من كونه طفلا ثم شابا ثم رجلا ثم كهلا .... الخ، وعجز الإنسان عن التدخل في تغيير هذا المسير والإنتقال من حال إلى حال، الأمر الذى يدل على وجود خالق له ومدبر
(44)
قام بكل هذا، ويستدل على هذا من القرآن الكريم بقول الله تعالى: أَفَرَهَيْتُم مَّا تُمْنُونَ وَأَنتُمْ فَخَلَقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ)) (34)،، وبقوله عزوجل وَفي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (35)
::
ونجد مثل هذا أيضا عند غير الأشعرى من المتكلمين، مثلما
(36)
(37)
نجده عند الباقلاني، والشهرستاني، كما ذكره أيضا ابن رشد
تحت مسمى دليل العناية ودليل الإختراع
قول الأباضية:
(38)
وقد سلك الأباضية أيضا مسلك القرآن في التدليل على وجود الله تعالى، بل نجد منهم من ذهب إلى أن في هذا المسلك كفاية لمعرفة
(*) يشير إلى قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ خلقناه نُطْفَةً فِـ قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) · المؤمِنُونِ 12 - 14، وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ يُخْرِجُكُمْ طِفلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مِّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [غافر: 67]
100 (1/100)
صفحة 92
الله تعالى، والتدليل على وجوده ولنقرأ معا قول " صاحب قناطر الخيرات " حيث يقول: " وأما الأدلة على وجود الله تعالى فيكفي في ذلك ما أرشد إليه القرآن، فليس بعد بيان الله تعالى بيان، قال الله
"
تعالى: (الر تجمَلِ الْأَرْضَ مِهَدَا وَالْجَبَالَ أَوْتَادًا * إلى قوله (وَجَنَّتٍ أَلْفَافًا) وقال سبحانه: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (40) الآية وقال تعالى: (ألم
(41)
تروا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا إلى قوله: (وَتُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وقال جل جلاله: أَفَرَمَيْتُمُ مَا تُمْنُونَ وَأَنتُمْ تَخَلَقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) إلى قوله
تعالى: (وَمَتَعَا لِلْمُقْوِينَ)
فليس يخفى على من له عقل وتمييز إذا تأمل بفكره مضمون هذه الآيات، وأدار نظره على عجائب خلق الأرض والسموات، وأصناف الحيوان والنبات أن هذا الأمر العجيب الذى أحكم غاية الإحكام، ورتب هذا الترتيب لابد له من صانع يدبره، وفاعل يحكمه ويقدره، بل تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها مقهورة تحت تسخير، مصرفة بمقتضى تدبير. ولذلك قال تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذلك الدِّينُ الْقَيِّمُ) (43)، فإذن في فطرة الإنسان وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة البرهان
(44).
وبهذا نجد الأباضية قد شاركوا في استدلالهم على وجود الله الكثيرين غيرهم ممن خاضوا في هذه المسألة، فقالوا بقول الفلاسفة وغيرهم ممن استدلوا على وجود الله تعالى بفكرتي الواجب والممكن، ولكن بعد أن طوعاهما ليتسق الاستدلال بهما مع التصور الديني وكذلك شاركوا المتكلمين في استخدامهم لفكرتي القديم والحادث، كما شاركوا أهل السنة وغيرهم ممن استدلوا بالقرآن الكريم في التدليل على وجود الله تعالى.
101 (1/101)
صفحة 93
هوامش الفصل الأول
1 - الشيخ الرئيس أبو على الحسين بن سينا: النجاة، ط 20، طبع محيي الدين الكردى مصر 1357 هـ / 1938 م، ص 224 - 225.
2 - الفارابي: عيون المسائل، طبعة ليدن،
الفلسفة في الإسلام، ترجمة د. أبو ريدة،
ص دي بور: تاريخ
57
207
208
ص
-3 - انظر: دى بور: " تاريخ الفلسفة في الإسلام، ص
، دكتور
محمد عاطف العراقي: ثورة العقل في الفلسفة العربية، ط 30، ص 95 - 96.
4 - الشيخ الرئيس ابن سينا: النجاة، ص 235.
5 - انظر: دى بور: تاريخ الفلسفة في الإسلام، ص.245
6 - دكتور محمد ثابت الفندى: الله والعالم، والصلة بينهما عند ابن
سينا ونصيب الوثنية فيها، بحث ضمن: الكتاب الذهبي
للمهرجان الألفي لذكرى ابن سينا، بغداد (20) - 28 مارس
1952 م) مطبعة مصر، القاهرة 1952،
ص.204
7 - المصدر السابق، ص 205.
8 - الشيخ عبد العزيز الثمينى: معالم الدين، ج 1، ص 84
9 - المصدر السابق، ص 84 - 85.
10 - المصدر السابق، ص 85.
11 - المصدر السابق، ص 158 - 157.
12 - الباقلاني: التمهيد، ص 41.
13 عبد القاهر البغدادى: أصول الدين، ص 33.
102 (1/102)
صفحة 94
14 - الجويني: لمع الأدلة في قواعد أهل السنة،
15 - الأنفال " 67 ".
ص
76,
16 - 17 - الأحقاف " 24 "، وانظر: الباقلاني: التمهيد، ص 44.
18 - المصدر السابق، ص 42، الإنصاف، ص 30 – 31.
19 القاضي عبد الجبار: شرح الأول الخمسة، ص 92 وما بعدها
20 الجويني: لمع الأدلة، ص 79.
21 المصدر السابق، ص 80.
22 - القاضى عبد الجبار شرح الأصول الخمسة ص.
118.94 - 92
23 - أبو عمار عبد الكافى الاباضى: الموجز، ج 1، ص 38 - 39.
24 - المصدر السابق، ص 44 - 46.
25 - ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 2 (توحيد
الريوبية) ص
44046
26 - الذاريات " 12 ".
-27 - ابن تيمية - المصدر السابق، ص 2 - 3.
28 - ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 3 (مجمل
اعتقاد السلف).
ص
29 - البقرة " 213 ".
30 - المصدر السابق، ص
305 - 304
31 - الطور " 35 - 36 ".
308
103 (1/103)
صفحة 95
32 ابن قيم الجوزية: مختصر الصواعق المرسلة، ج 1، ص 72،
مطبعة الإمام، القاهرة، 1380.
-33 - انظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 34 - الواقعة " 58 - 59 ".
245
35 - الذاريات " 21"، الأشعرى: كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ص 17 – 19.
36 - الباقلاني: الإنصاف في ما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به
32 - 31
37 الشهرستاني: نهاية الإقدام في علم الكلام، ص 12.
38 ابن رشد:: مناهج الأدلة في عقائد الملة، تقديم وتحقيق دكتور محمود قاسم، مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة، 1955.
ص 150 وما بعدها.
م،
39 - النبأ " 6 - 16" والآيات هي: ألَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً؟ وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً؟ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً 8 وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً $ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً $ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً 8 وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شدَاداً $ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً $
وأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء تجاجاً لا لِتُخْرِجَ بِهِ حَبَاً وَنَبَاتِاً $ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً.
40 - البقرة " 164 والآية: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء من ماء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن
كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخْرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
104 (1/104)
صفحة 96
41 - نوح"15 - 18 " والآيات: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً. وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَباتاً ثم يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إخراجا.
42 - الواقعة " 58 - 73 " والآيات: أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ $ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ $ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
عَلَى أَن تُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَتُنشئكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ $ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ $ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ $ لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ $ إِنَّا لَمُعْرَمُونَ $ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ $ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الذي تَشْرَبُونَ $ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ 8 لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ؟ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ $
أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِرُونَ 8 نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً
وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ.
"30"
43 - الروم "
44 - أبو طاهر اسماعيل الجيالطي، قناطر الخيرات، ج 1، ص 222 -
105
223 (1/105)
صفحة 97
الصفات الإلهية
الفصل الثاني (1/107)
صفحة 98
إختلف المتكلمون فيما بينهم حول صفات الله تعالى وعلاقتها
بذاته تعالى وخاصة بالنسبة للصفات التي عرفت بالصفات الذاتية، أي تلك التي يتصف بها الله تعالى ولا يتصف بضدها، لأن في إتصافه بضدها يلحقه النقص أو العجز أو نحو ذلك، تعالى الله. عن ذلك. كما هو الشأن بالنسبة للقدرة والحياة والعلم والإرادة وهل هذه الصفات هي عين الذات أم غير الذات زائدة عليها. وانقسموا في هذا إلى فريقين: فريق ارتبط باسم المعتزلة، الذين رأوا في القول بإثبات صفات الله تعالى غير الذات أو زائدة عليها، إثبات لإلهين قديمين بل أكثر، وهو ما لا يتفق مع التوحيد المطلق لله تعالى. ومن ثم كان نفيهم للصفات. وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على قول ظاهر، وهو الإتفاق على وجود إلهين قديمين أزليين، قال: ومن أثبت معنى صفة قديمة
استحالة
فقد أثبت إلهين "
(1).
ولما كان القول بنفى الصفات يصطدم بما هو مقرر في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ذهب المعتزلة بعد ذلك إلى القول بصفات هي عين الذات، أو بصفات دون إقرار كونها موجودة غير الذات، وهو ما غبرت عنه أقوالهم، ولنقرأ في هذا قول أبي الهذيل العلاف: " هو عالم بعلم هو هو، وهو قادر بقدرة هي هو، وهو. حى بحياة هو هو .. الخ، وكان يقول: إذا قلت إن الله عالم أثبت له علما الله هو ه ونفيت عن الله جهلا، ودللت على معلوم كان أو يكون، وإذا قلت قادر نفيت عن الله عجزا وأثبت له قدرة هي الله تعالى ودللت على
مقدور
(2)
وهكذا في سائر الصفات مما يبدو منه جليا عند أبي الهذيل
نفى الصفات مستقلة عن الذات بل يجعلها عين الذات.
109 (1/109)
صفحة 99
ومنهم من يقول بالصفات أيضا ولكن لا يصرح بأنها عين الذات، وهو أيضا لا يثبتها غير الذات، وذلك بشكل صريح، أو بشكل ضمنى كأن لا يصرح بوجودها، وإنما المعنى المقصود منها، ومن النوع الأول الذي ينكر وجودها صراحة نجد عباد بن سليمان - من المعتزلة - الذي ينقل عنه الأشعرى قوله في الصفات: " هو عالم قادر حي ولا أثبت له علما ولا قدرة ولا حياة ولا أثبت سمعا ولا أثبت بصرا، وأقول: هو عالم لا يعلم، وقادر لا بقدره، وحى لا بحياة وسميع لا يسمع، وكذلك سائر ما يسمى به من الأسماء التي يسمى بها
(3) "
ومن النوع الآخر نجد ضرار بن عمرو - من المعتزلة أيضاً - الذي يذهب إلى أن: معنى أن الله عالم أنه ليس بجاهل، ومعنى أنه قادر أنه
(4).
ليس بعاجز، ومعنى أنه حى أنه ليس بميت ". وكذا ابراهيم بن سيار النظام الذي يذهب إلى أن: " معنى قولى عالم إثبات ذاته ونفى الجهل
2,
عنه، ومعنى قولى قادر إثبات ذاته ونفى العجز عنه، ومعنى قولى حى إثبات ذاته ونفى الموت عنه
(5)
وأما الفريق الآخر، وهو الذى عرف أصحابه بالصفاتية أو
بمثبتى الصفات فقد خالف أنصاره رأى المعتزلة الذين عرفوا عندهم بالنفاة، أي نفاة الصفات. وكان على رأى هذا الفريق جماعة أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية وقد ذهبوا إلى أثبات الصفات لله تعالى، وقد برروا قولهم بما فى العالم من حكمة وإتساق، لا يمكن أن تكون إلا من كائن متصف بالعلم والقدرة والحياة ..... الخ، يقول الأشعري: " فإن قال قائل: لم قلتم إن الله تعالى عالم؟ قيل له: لأن الأفعال المحكمة لا تتسق في الحكمة إلا من عالم. وذلك أنه لا يجوز أن يحوك الديباج ويصنع دقائق الصنعة من لا يحسن ذلك ولا يعلمه. فلما
110 (1/110)
صفحة 100
رأينا الإنسان على ما فيه من اتساق الحكمة كالحياة التي ركبها الله فيه والسمع والبصر وكمجارى الطعام والشراب وانقسامها فيها، وما هو عليه من كمالة، وتمامه، والفلك وما فيه من شمسه وقمره وكواكبه، ومجاريها، دل ذلك على أن الذي صنع ما ذكرناه لم يصنعه إلا وهو عالم بكيفيته وكنهه. ولو جاز أن تحدث الصنائع الحكمية لا من عالم لم ندر لعل جميع ما يحدث من حكم الحيوان وتدابيرهم وصنائعهم يحدث منهم وهم غير عالمين، فلما استحال ذلك دل أن الصنائع المحكمة لا تحدث إلا من عالم. كذلك لا يجوز أن تحدث الصنائع إلا من قادر حى، لأنه لو جاز حدوثها ممن ليس بقادر ولا حى لم ندر لعل سائر ما يظهر من الناس يظهر منهم وهم عجزة موتى، فلما استحال ذلك دلت الصنائع على أن الله. حى قادر
(6)
وهكذا أثبت الأشعرى ضرورة كون الله تعالى متصفا بالصفات لضرورة ذلك لكونه خالقا لهذا العالم بما فيه من حكمة واتساق ونظام. أما عن علاقة هذه الصفات بذاته تعالى، بعد إثباتها له تعالى، فنجده يخالف المعتزلة في قولهم بأنها هي عين ذات الله تعالى، وقال بأنها لا هي هو ولا هى غيره، يقول الشهرستاني: " قال أبو الحسن الباري تعالى عالم بعلم، قادرة بقدرة حي بحياة مريد بإرادة " وهكذا في سائر الصفات ثم نسب إليه القول بأن " هذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى. لا يقال هي هو ولا هى غيره، ولا: لا هو، ولا: لا غيره "
(7) "
وقد نحا الماتريدية المنحى نفسه في قولهم بالصفات وإثباتها لله تعالى قديمة قدم الذات. وها هو أبو المعين النسقى - من شيوخ الماتريدية - يقول: " ثم لا شك أن صانع العالم حى، عالم قادر سميع بصير" ثم نجده بعد أن يدلل على ذلك يقول: ثم لما ثبت أنه حي عالم قادر سميع
111 (1/111)
صفحة 101
بصير، ثبت أن له حياة وعلما وقدرة وسمعاً وبصراً " ثم يأخذ في تفنيد. قول المعتزلة الذين انتهوا فيه إلى نفى الصفات، لأنه عندهم في إثبات لغير قديم، مما يؤدى إلى القول بالهين مما ينتهى به إلى تأكيد إثبات الصفات لله تعالى لا هى هو ولا هى غيره على النحو الذي رأيناه عند الأشاعرة يقول النسفي: " وما يزعم المعتزلة أن الله تعالى لو كانت له هذه الصفات لكانت أغياراً له، وفيه إبطال التوحيد، والقول بأزلية غير الله تعالى، كلام باطل، لأن الصفات ليست بأغيار الله تعالى، بل كل صفة لا هو ولا غيره، لأن الغيرين موجودان، يتصور وجود أحدهما. انعدام صاحبه، وذلك في حق ذات الله تعالى وصفاته ممتنع، إذ ذاته
مع
أزلي، وكذا صفاته،، والعدم الأزلي محال، فانعدم حد المغايرة، وانعدمت المغايرة، كالواحد من العشرة، لا يكون غير العشرة، ولا عين العشرة، لاستحالة بقائه بدونها، أو بقائها بدونه، إذ هو منها، فعدمها
عدمه ووجودها وجوده
(8).
وبهذا يثبت الماتريدية أيضا كما هو شأن الأشاعرة الصفات لله تعالى، على أنها لا هى هو ولا هى غيره على النحو الذي رأيناه عند كل
منهما.
بعد هذا العرض الموجز لاتجاهات المتكلمين في قولهم في الصفات الإلهية نأتى إلى بيان موضوع بحثنا حول بيان رأى الأباضية في مسألة
الصفات.
قول الأباضية في الصفات: صفات الذات وصفات الفعل والأباضية ينقسمون في هذا إلى فريقين: فريق - وهم المشارقة - يقسم الصفات إلى صفات ذات وصفات فعل، ويفرقون بينهما على أساس " أن صفات الفعل تجامع ضدها في الوجود عند اختلاف المحل، كأن يوسع في رزق
112 (1/112)
صفحة 102
زيد ويضيق في رزق، عمرو، وأن يرزق العلم، عمرا، ويخلق الجهل لزيد، وأن يخلق كذا دون كذا، وأن يعطى فلانا كذا ويمنع فلانا كذا، ويحب فلانا ويبغض فلانا، ويرضى عن فلان ويسخط على فلان، ويوالى فلانا ويعادى فلانا، ويرحم فلانا ويعذب فلانا وهكذا.
وصفات الذات كالعلم والقدرة والإرادة لا تجمع مع ضدها في الوجود، ولو اختلف المحل، فلا يقال: علم الله كذا وجهل كذا، ولا قدر على كذا وعجز عن كذا، ولا أراد كذا وأكره على كذا، وهكذا.
وإن صفات الفعل تنفى عن الله في الأزل فنقول: كان ولم يرض ولم يسخط، ولم يحب ولم يبغض، ولم يخلق ولم يرزق، ولم يرحم ولم يعذب، وهكذا. وصفات الذات لا تنفى عنه في الأزل، فلا نقول: كان
?
رق الله ولم يعلم ولم يقدر ولم يرزق، وهكذا. وترتيبا على هذا كانت
صفات الذات عند المشارقة قديمة، وصفات الأفعال حادثة كما هو
الشأن عند المعتزلة.
أما الفريق الآخر - وهم المغاربة من الأباضية – فذهبوا إلى "أن صفات الله كلها قديمة ازلية، لأنه يقال: الله تعالى خالق في الأزل على معنى سيخلق، ورازق في الأزل على معنى سيرزق وهكذا ... وإن الفرق بين صفة الذات وصفة الفعل عندهم أن يقال في صفة الذات لم يزل الله عالما بما كان قبل أن يكون، ولم يزل قادرا على إيجاد ما سيوجد قبل أن يوجد، ولم يزل مريدا لوجود ما علم أنه سيوجد قبل أن يوجد وهكذا. وصفة الفعل لم يزل خالقا على معنى سيخلق ولم يزل رازقا
على معنى سيرزق، وهكذا
(10) -
113 (1/113)
صفحة 103
وهذا الرأى الذي قال به الأباضية من المغاربة، قريب فيما نرى من
رأى الماتريدية، حينما جمعوا صفات الأفعال تحت ما أسموه بصفة
التكوين، وجمعوا بينها وبين: " الصفات الذاتية، واعتبروها جميعا قديمة قدما لذات
(11)
كما جاء عند الشيخ السالمي تقسيم آخر للصفات. - عند المشارقة من الأباضية – قسموها فيه إلى ثلاثة أقسام:: صفة ذاتية فقط، وصفة فعلية فقط، وصفة ذاتية باعتبار وفعلية باعتبار أخر. والأولى هي كل صفة دلت على نفى ضدها عنه تعالى، واتصف بها بالفعل في الأزل كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة.
والثانية كل صفة دلت على نفى ضدها عنه تعالى، ولم يتصف بها بالفعل في الأزل، كالخلق والإحياء والحب والبغض، والقبض والبسط والولاية والبراءة.
والثالثة كل صفة تحتمل معنيين متغايرين كـ " حكيم " فإنه بمعنى نفى العبث عنه تعالى صفة ذات وبمعنى واضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها صفة فعل، وصادق فإنه بمعنى نفى الكذب عنه تعالى صفة ذات، وبمعنى مخبر بالصدق صفة فعل، و " سميع " فإنه بمعنى نفى الصمم عنه تعالى صفة ذات، وبمعنى قابل الدعاء صفة فعل، ولطيف بمعنى عالم صفة ذات، وبمعنى رحيم. صفة فعل علاقة الصفات بالذات عند الأباضية:
(12) "
ولقد كانت العلاقة بين الصفات وخاصة الصفات الذاتية وبين ذات الله تعالى مناط الاختلاف بين المتكلمين، وهل هي عين الذات أو غير الذات. ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا
114 (1/114)
صفحة 104
(13)
تمثيل). ومن ثم نجدهم بعد إقرار وإثبات الصفات لله تعالى لا يقولون فيها بأنها عين الذات ولا غير الذات. أما المعتزلة - كما رأينا فقد ذهبوا إلى أنها عين الذات الأمر الذى أدى بهم إلى نفى وجود صفات الله تعالى، قائمة بذاته أو زائدة عليها، تأكيدا لأصلهم في التوحيد حسب. أما الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة فقد أثبتوا الصفات الله تعالى، وقالوا بأنها لا عين ولا غير الذات كما سبق أن
زعمهم
ذكرنا.
(14)
أما الأباضية فقد قالوا في الصفات بعد أن أثبتوها، أنها عين الذات، على النحو الذي قال به المعتزلة. وهي قديمة قدم الذات لأن الله قديم، وصفة القديم مثله في القدم. فإذا كانت شيئا غيره كان هناك قديمان أو أكثر، وهو تصور يتنافى مع أصل التوحيد، ولا يجوز اعتبار الصفات مستقلة محدثة، إذ يصبح الله تعالى محتاجا إلى أعراض وأجزاء ويغدو مركبا. وهذا يتنافى ووحدانية الله تعالى. وفي هذا نقرأ قول أبي عمار عبد الكافي، حيث يقول: " إنا نصف الله جل جلاله بصفاته الحسني التي لا تليق إلا به، وننفى عنه صفات المحدثين، وذلك أنا نصفه بالقدم، إذ لا بدء لوجوده تعالى، وننفى عنه الحدوث لما ثبت من حاجة المحدث إلى محدث يحدثه، وقد بينا تسلسل ذلك إلى ما غاية له من الفساد ... فوجب بذلك أنه قديم لا أول لوجوده، ونصفه بأنه باق لا يفنى لاستحالة الفناء على ما يستحيل عليه الحدوث، لأنه لما كان سبحانه وتعالى موجودا لا بعد عدم، بطل أن يكون معدوما بعد وجود، ونصفه بأنه حى عليم حليم قدير مريد، سميع بصير، لاستحالة وجود الأفعال من الأموات، وبطلان وقوعها من الجاهلين، العاجزين، يتعالى ربنا عن صفات النقص علوا كبيرا " فإن قال: اخبروني عن هذه الأشياء التي
115 (1/115)
صفحة 105
وصفتموه بها من الحياة والعلم والحكمة، والقدرة والإرادة والعزة والسمع والبصر أهو شئ لم يزل به أم هو شئ استحدثه لنفسه؟ أم
كيف القصة في ذلك؟
قلنا: إن الله تعالى لم يزل موصوفا بما ذكرنا من الحياة والعلم والحكمة والقدرة الإرادة والسمع والبصر، في سائر تلك الصفات، ولا يزال موصوفا بها من قبل أنه لا تعدو تلك الصفات إذا كانت حادثة إليه وجوها ثلاثة: إما أن تكون حدثت إليه من غير محدث أحدثها، أو حدثت بمحدث أحدثها وهو غيره، أو أن يكون استحدثها لنفسه. وبطل أن تكون من غير محدث لما بينا من فساد القول بأن شيئا يحدث بلا محدث في غير موضع من كلامنا، وفسد أن يكون غيره أحدثها له، إذ كان ذلك الغير يجب فيه من القول مثل ما يجب في هذا الموصوف، ولا ينفك مما لا ينفك منه هذا الموصوف، فيتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية. وفسد أن يكون هو الذي أحدثها لنفسه لأنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يكون من قبل أن يستحدثها لنفسه، ليس بحى ولا عالم، ولا حكيم، ولا قادر، ولا سميع، ولا بصير، فمن كان بهذه الهيئة لم يقدر على أن يحدث علما ولا قدرة ولا شيئا من الأشياء. فلما بطلت هذه الوجوه الثلاثة، واضمحل القول بها، لم يبق إلا القول بأنه لم يزل ربنا جل وعلا حيا عالما قديرا سميعا، بصيرا في سائر صفاته، ولا يزال
كذلك
(15).
ويلاحظ من هذا كله أن الأباضية بإثباتهم صفات الله تعالى على النحو الذي رأينا من العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر ونحوها قد التقوا مع الصفاتية أو مثبتى الصفات على النحو الذي كان سواء عند أهل السلف، أو الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة
116 (1/116)
صفحة 106
وفي الوقت نفسه خالفوا النفاة أولئك الذين نفوا وجود صفات الله تعالى قديمة قدم الذات ولكن الأباضية الذين قالوا بأن الصفات عين الذات، أو أن الله تعالى قد اتصف بهذه الصفات لذاته، قد استشعروا خطر الوقوع فيما وقع فيه ه المعتزلة، وأدى بهم إلى التوحيد بين الذات والصفات، ومن ثم إلى نفي الصفات، فلجأوا إلى تفسير قولهم بعينية الصفات التي قالوا بها. وفى هذا قال المصعبي: " فإن قالوا: كيف يتصور كون صفة الشئ عين حقيقته، مع أن كل واحد من الموصوف والصفة يشهد بمغايرته لصاحبه، وهل هذا الكلام إلا مما نشأ عن محض الوهم، لا يمكن أن يصدق كما في سائر القضايا الوهمية التي
يمتنع التصديق بها كما مر فلا حاجة في الاستدلال على بطلانه.
قلنا: ليس معنى ما ذكرنا أن هناك ذاتا ولها صفة، وهما متحدان حقيقة كما يتوهمون ... بل معناه أن ذاته تعالى يترتب عليها ما يترتب على ذات وصفه معا .... فالنسبة إلى ذاته تعالى)، فإنه لا يحتاج في انكشاف الأشياء له وظهورها إلى صفة تقوم به، بل المفهومات بأسرها متكشفة لذاته، فذاته تعالى بهذا الاعتبار حقيقة العلم مثلا. وقد أوضح البدر الثلاثي هذا المعنى، وقال ما حاصله معنى كونه تعالى عالما كون ذاته العلية منكشفة له جميع المعلومات انكشافا تاما من غير قيام شئ أزلي بذاته تعالى، زائد عليه مقتضى لذلك الإنكشاف، فإنا لا نقول بأن وجوده زائد عليه قائم به، بل هو عين ذاته، بمعنى أن وجوده تعالى كاف في انكشاف جميع الكائنات له، فالمنفى عندنا، زيادة العلم مثلا على الذات لا نفسه، كيف ننفيه عنه تعالى، وهو فاعل فعلا متقنا، وهو لا يصدر إلا من عالم، وأيضا فهو تعالى فاعل بالقصد والاختيار، ولا يتصور ذلك إلا مع العلم بالمقصود، لاستحالة توجه القصد والإرادة من الفاعل إلى ما لم يعلمه، ولسنا نقول بثبوت العلم معنى من
117 (1/117)
صفحة 107
المعاني، وأنه عين الذات كما قد يتوهم من قولنا، إن صفات الله تعالى عين ذاته، بل نقول إن وجود ذاته يكفي في انكشاف الأشياء له جميع بالنسبة إلى العلم، وفى التأثير في المقدورات بالنسبة إلى القدرة، وفي تخصيص جميع المرادات بالنسبة إلى الإرادة، وفي انكشاف جميع المسموعات بالنسبة إلى السمع، وجميع المبصرات بالنسبة إلى البصر، وفي استلزامه صحة اتصافه بجميع الصفات بالنسبة إلى الحياة، فهذا هو المراد من كونها عين الذات
(16)
ولكن نرى أن هذا الجهد الذي قدمه الأباضية في تفسيرهم لقولهم بأن الصفات عين الذات لا يغير شيئا بالنسبة لمنهج الصفاتية الذين قالوا بوصف الله تعالى بصفات مستقلة عن الذات هي العلم، والقدرة، والإرادة. . الخ. ولما كان الأباضية قد أثبتوا هذه الصفات لله تعالى، فما كان أولى بهم بأن يتوقفوا كما فعل أهل السلف رضى الله. عنهم وأرضاهم حينما قالوا بهذه الصفات، وتوقفوا في كونها عين الذات أو غير الذات، وهو الأسلم فيما نعتقد بالنسبة لأمور عقدية كأمور الصفات، ولكنها شهوة العقل، والرغبة فى السير معه إلى ما لا نهاية قد دفعت بأمثال المعتزلة والأباضية ومن سار في ركبهما أو على منوالهما إلى هذه النتائج.
ولما كان الأباضية قالوا بالصفات فقد قالوا في كل منها بقول على النحو التالي، وسنلتقى هنا بقولهم في صفات الذات، موضع الخلاف بين المتكلمين.
فعن القدرة ذهبوا إلى أنه يجب أن يكون مولانا عز وعلا قادرا
وإلا لما صح منه إيجاد العالم وتقرير برهانه أن يقال: الله تعالى موجد بالاختيار وكل موجد بالاختيار فهو قادر فالله قادر
(17)
118 (1/118)
صفحة 108
كما دللوا على كونه تعالى مريدا وموصوفا بالإرادة بقولهم:
يجب أن يكون البارى تعالى مريدا وهو الموصوف بالإرادة التي هي صفة يتأتى بها ترجيح أحد طرفي الممكن ..... ولو لم يكن البارى تعالى مريدا لما اختص العالم بوجود ولا بمقدار، ولا صفة ولا زمان بدلا من نقائصها الجائزة فيلزم إما قدم العالم أو استمرار عدمه، وبيان ذلك أنا
نقول:
-
-
الله تعالى خصص الحوادث بأحد الطرفين الجائزين.
وكل ما كان كذلك فهو مريد
أما الصغرى فواضحة، إذ لا يخفى أنه لما كان وجود الممكنات وعدمها بالنسبة إليها سواء لا يجب أحدهما ولا يستحيل، بل هما جائزان بالسواء، ثم إنه تعالى أوجد هذا الممكن، فبالضرورة أنه تعالى هو الذي خصصه بأحد الطرفين الجائزين عليه وهو الوجود، ولم يتبعه على الطرف الآخر الجائز عليه أيضا وهو العدم، وكذا أوجده على مقدار مخصوص في ذاته فخصه أيضا بذلك المقدار بدلا من الطرف الآخر الجائز، وهو أن يكون أكبر من ذلك أو أصغر منه، وكذا خصه بالوجود في ساعة كذا، من يوم كذا، في شهر كذا، في سنة كذا، بدلا من الوجود المتقدم على ذلك، أو المتأخر عنه، وكذا ما يتعلق بسائر الأعراض، خصه وبنوع من ذلك، بدلا من تركه إلى قابله.
وأما بيان الكبرى: فلأن ترجيح وقوع أحد الطرفين المستويين بغير مرجح محال، ويستحيل أن يكون المرجح نفس ذلك الممكن، لأنه يلزم عليه أن يكون مساويا لذاته راجحا كما مر، وأيضا فلأنه إن ترجح له الوجود عن ذاته كان واجب الوجود، فيلزم قدمه، وإن ترجح له العدم من ذاته وجب استمرار عدمه، فلا يوجد أبدا، لأن المرجح الذاتي
119 (1/119)
صفحة 109
يمتنع عدمه، وكلا القسمين باطل، فتعين أن يكون المرجح خارجا عنه من جهة فاعله والسر يقتضى أن لا مرجح لاختصاص الممكن بأحد
الجائزين عليه أو الجائزات بدلا من مقابله إلا بالإرادة وهى اختيار
(18)
الفاعل لفعل ذلك الجائز. وبهذا ثبت كون الله تعالى مريدا وموصوفا بالإرادة.
كما دللوا على كون الله تعالى عالما موصوفا بالإرادة، فعندهم يجب أن يكون ا الله سبحانه وتعالى عالما بكل شئ جزئي وكلي، كائن ممكن أو واجب " وذلك لأنه " لو لم يكن عالما، لم تكن أنت في ذاتك متصفا " بما أنت عليه من غاية الإحكام والإتقان، ودقائق المحاسن التي لا تنحصر، وبيان الملازمة أنه معلوم بالبديهة أنه لا يحكم الفعل ويبزره في غاية الكمال، وفيما لا يحاط به من أنواع المحاسن، إلا من عالم حكيم غاية في الحكمة، وأما الاستثنائية فمعلومة بضرورة المشاهدة، ولا يخفى أن عجائب مصنوعاته تعالى مما لا يحيط بها وصف واصف، ومن جوز صدور تلك العجائب مع كثرتها وخروجها عن د الحصر من جاهل على سبيل الإتفاق كان معاندا للحق، جاحدا للضرورة، وسقطت مناظرته لخروجه عن حيز العقلاء وبهذا ثبت
بالدليل كونه تعالى عالما موصوفا بالعلم.
(19)
ويرتب الأباضية على ثبوت صفات القدرة والإرادة والعلم لله تعالى، ثبوت صفة الحياة، على أساس أن الصفات السابقة لا يمكن أن تتوافر إلا لمن يتصف بالحياة فيذهبوا إلى القول بأنه: " يجب أن يكون ربنا عز وجل حيا، وإلا لم يكن متصفا بتلك الكمالات السابقة من القدرة والإرادة والعلم، وبيان الملازمة، أن تلك الصفات مشروطة عقلا بأن يكون المتصف بها حيا، فلو قدر عدمه لوجب عدمها لوجوب انتفاء
120 (1/120)
صفحة 110
المشروط عند انتفاء شرطه، لكن انتفاء تلك الكمالات المشروطة
محال، لوجوبها على ما مر، فنفى شرطها، وكونه تعالى حيا محال، والحياة صفة توجب لمن اتصف بها أن يكون فعالا
جميع
(20)
كما يؤكد الأباضية اتصاف الله سبحانه بالسمع والبصر والكلام تنزيها له تعالى عن إتصافه بضدها من الصمم والعمى والخرس، تعالى الله عن ذلك كله، فيقولون: " يجب أن يكون ربنا عز وعلا سميعا بصيرا متكلما، وإلا لاتصف لكونه حيا بأضداد ذلك من الصم والعمى والخرس، وهى آفات ونقص يجب تنزيهه عنها لاحتياجه حينئذ إلى من يكمله، كيف؟ وهو الغنى على الإطلاق، المفتقر إليه ما سواه. وبيان ذلك أن كل حى قابل لصفة فإنه لا يخلو منها إلا إلى مثلها أو ضدها لما أسلفناه، ولما سنعيده من استحالة عرو القابل عن جنس المقبول، ودليل أن كل حي قابل للإتصاف بهذه الصفات أو بأضدادها. كما مر ... امتناع اتصاف الموتى بها، وصحة إتصاف الأحياء بها، فالمصحح إذا لقبول هذه الصفات إما الحياة أو أمر يلازمها، وأيا ما كان يلزم عليه قبول إتصاف كل حي بها، فإذا لم يتصف الحى بكونه سمعيا بصيرا متكلما، لزم أن يتصف بأضدادها، وهي كونه أصم أعمى أبكم، يعنى أخرس لكن هذه الأضداد في حقه تعالى مستحيلة، لكونها آفات ونقائص، وهو منزه عنها عقلا ونقلا لن الناقص مفتقر إلى من يكمله، وذلك يستلزم حدوثه، والحدوث والافتقار على واجب الوجود لذاته مستحيلا بالضرورة كما مر غير مرة، ويلزم على تقدير تلك النقائض أن يكون المخلوق المتصف بالكمالات أكمل من الخالق تعالى عن ذلك، وهو مما لا يعقل
(21)
هكذا نجد الأباضية يقرون ما اشتهر بين المتكلمين على أنه
صفات ذاتية لله تعالى، على النحو الذي رأيناه بين الصفاتية أو مثبتى
121 (1/121)
صفحة 111
الصفات، لكن خلافهم كان حول علاقة هذه الصفات بالذات، فقالوا عنها إنها عين الذات على النحو الذي فسروا به هذه العينية، وعرضناه من قبل، وهو أمر لم يستطيعوا التخلص منه خشية إثبات قديمين - ذات وصفه - مما يؤثر – حسب رأيهم - في مطلقية التوحيد والتنزيه الله
تعالى. والله أعلم. الصفات الخبرية:
بقى من مسألة الصفات عند الأباضية بيان رأيهم فيما اصطلح
على تسميته بالصفات الخبرية وتعنى تلك الصفات ما جاء خبرها في القرآن الكريم من نحو، الإستواء على العرش (22)، والمجى
(25)
(26)
والعين، والوجه، والنفس، واليد
(29)
(24)
والجنب
(27)
،
والقبضة واليمين
(23)
6
(28)
"
، ونحو ذلك من الألفاظ التي ورد ذكرها في كتاب الله
تعالى أو في الأخبار عن أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -
وقد انقسم المتكلمون حولها، وتفرقوا في فهمها، والبيان عن معناها، فكان منهم من ذهب إلى أخذ هذه الألفاظ على ظاهرها، وفهمها قياسا على ما هو شائع من استعمالاتها في العالم المشاهد، فنسبوا إلى الله تعالى استواء على العرش كاستواء الملوك على الأسرة أو العروش، ومجيئا كمجيئنا، وعينا ووجها ونفسا ويدا، وقبضة، ويمينا، وجنبا، كما هو معروف فى أعضاء البشر، واستدلوا على هذا بفهم خاطئ للحديث الذي روى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم على صورته "، ومؤدى هذا الفهم الخاطئ، أن لله تعالى صورة جاءت صورة آدم مثلها، ومن ثم فلا ضير في أن يفهموا أن الله تعالى استواء، ومجيئا ووجها ويدا .. الخ، كما هو في العالم المشاهد متمثلا فيما عليه البشر من أبناء آدم (30). تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
-
122 (1/122)
صفحة 112
(31).
وبالنسبة للحديث المذكور والذي ورد تعلق المشبهة به، فإن تفسيرا طويلا ورد عند الفخر الرازي قلبه فيه على جميع الوجوه المحتملة، ولم يرد فيها إمكانية ورود هذا الفهم الخاطئ الذي نسب إلى هؤلاء المشبهة (). وحجتهم في هذا، أن كل هذه الآى التي وردت بها هذه الصفات مذكورة في القرآن الكريم، أو أنها قد وردت في الأحاديث النبوية، وهم أخذوها كما جاءت. وهذا هو ما أورده أبو عمار عبد الكافي بعد أن حكى مقالة هؤلاء المشبهة نجده يقول - حاكيا قولهم وحجتهم أن " هذه الأخبار كلها في كتاب الله عز وجل، يخبر به عن وصفته، ولن نعدو ما قال الله، وهو اعرف بصفته .... ويؤكد جميع ما تلونا من هذه الآى الحديث المرورى: " إن الله خلق آدم على
نفسه
صورته
(32) -
ويأتي كلام أهل السلف بمثابة الرد على قول هؤلاء المشبهة والمجسمة، بالنسبة للقول في صفات الله تعالى، بشكل يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - من صفات الكمال والجلال دون الوقوع في شبهة التشبيه والتجسيم، يقول ابن تيمية في هذا: " ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ولذلك نجدهم عندما تعرضوا من بين هذه الآيات التي أشرنا إليها من قبل، لآية الإستواء على العرش ذهبوا إلى أن القول الفاصل فيها هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق. بجلاله ويختص به، دون التعرض لكيفه، وعمدتهم في هذا ما روى عن الإمام مالك رضى الله عنه فى هذا عندما سئل عن " الإستواء " فقال:
123 (1/123)
صفحة 113
الإستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب
والسؤال عنه بدعة
(33) "
وقد أوجز ابن القيم رأى السلفية إيجازا جامعا في تصويره لرأيهم في هذه المسألة بما نقله عن أبى العباس بن سريح غمام الشافعية، حيث قال: " حرام على العقول أن تمثل الله سبحانه وتعالى، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الظنون أن تقع، وعلى الضمائر أن تعمق، وعلى النفوس أن تفكر وعلى الأفكار أن تحيط، وعلى الألباب أن تصف (الله) إلا ما وصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وقد صح وتقرر واتضح عند جميع أهل الديانة والسنة والجماعة من السلف الماضين والصحابة والتابعين من الأئمة المهتدين الراشدين المشهورين إلى زماننا هذا أن جميع الآى الواردة عن الله تعالى في ذاته وصفاته، والأخبار الصادقة الصادرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في الله وصفاته التي صححها أهل النقل، وقبلها النقاد الأثبات، يجب على المرء المسلم المؤمن الموفق الإيمان بكل واحد منه كما ورد وتسليم أمره إلى الله سبحانه وتعالى كما أمر.
،
(34).
ثم يتعرض النص كما نقله ابن القيم بعد ذلك إلى ذكر الآيات والأحاديث التي اشتملت على وصف الله تعالى بالإتيان، والمجئ والإستواء على العرش والقبضة واليمين والفوقية والنفس، واليدين، والسمع والبصر والكلام والعين والنظر والإرادة .... والقدم، والإصابع والنزول، والوجه ونحوها، ثم قال مجملا ما ذكره، وما لم يذكره في قوله: " وغير هذا مما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - من الأخبار المتشابهة الواردة في صفات الله سبحانه ما بلغنا وما لم يبلغنا مما صح عنه، اعتقادنا فيه وفى الآيات المتشابهة في القرآن أن نقبلها ولا نردها
124 (1/124)
صفحة 114
ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نزيد عليها، ولا تنقص منها، ولا نفسرها، ولا نكيفها، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية، ولا نشير إليها بخواطر القلوب، ولا بحركات الجوارح، بل نطلقها كما أطلقه الله عز وجل، ونفسر ما فسره النبي – صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعون، والأئمة المرضيون من السلف المعروفين بالدين والأمانة، ونجمع ما أجمعوا عليه، ونمسك عما امسكوا عنه، ونسلم الخبر الظاهر، والآية الظاهرة تنزيلها، لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة، بل نقبلها بلا تأويل، ونؤمن بها بلا تمثيل، ونقول الإيمان بها واجب، والقول بها سنة وابتغاء تأويلها بدعة.
(35).
وسار الأشعرى على النهج الذي رأيناه عند أهل السلف بالنسبة لهذا النوع من الصفات، فأكد على الإيمان بها كما وردت في الكتاب والسنة دون تكييف، يقول ضمن قوله لجملة ما عليه أهل الحديث والسنة: " ..... وأن الله - سبحانه - على عرشه كما قال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وأن له يدين بلا كيف، كما قال: (خلقت بيدى) وكما قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)، وأن له عينين بلا كيف، كما قال: تجرى بِأَعْيُنَا)، وأن له وجها كما قال: وَسَقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ
والاكرام
(36)
وقال بمثل هذا أيضا في كتابه "الإبانة (37). كما قال
بذلك أيضا من الأشاعرة الإمام الباقلاني.
(38)
أما الأشاعرة المتأخرون فيبدو أنهم خالفوا متقدمى الأشاعرة في ذلك وهو ما نراه من أخذ بالتأويل في هذه الصفات وهو ما رأيناه عند البغدادى وتأويله للوجه بالذات والعين وبالرؤية، والإستواء على العرش
بالملك (39)
وكذلك عند فخر الدين الرازي، مع اختلاف في التأويل، وإن
125 (1/125)
صفحة 115
بدأ الإتفاق على المبدأ والمنهج مثل تأويله للعين بشدة العناية والحراسة،
وقد اتبع منهج التأويل في الكثير من الكلمات المثارة في هذا المجال
،
(40)
وكذلك الماتريدية من أهل السنة والجماعة جاء رأيهم مترددا
بين الإقرار بلا تكييف وبين التأويل عند الماتريدي، وبين الأخذ بمبدأ التأويل عند اتباعه من بعد كما نجده عند أبى العين النسفي، فنقرأ عند المارتريدى قوله: " وأما الأصل عنه في ذلك أن الله تعالى قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ فنفى عن نفسه شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله، وصفته متعال عن الإشباه فيجب القول بالرحمن على العرش استوى على ما جاء به التنزيل وثبت في العقل، ثم لا نقطع تأويله على شئ.
(41).
أما المتأخرون من الماتريدية فصرحوا بالتأويل، وهو ما تراه عند أبي المعين النسفي فنجده يؤول النفس بالذات والقبضة بالملك والقدرة والساق بالأمر العظيم الصعب، والإصبع في " قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن بالتوفيق والخذلان، والقدم ويقرأها بالكسر (قدم) ويعني عنده ما كان في قدم علمه من الكفار، والمجئ بأمر الله، وهكذا، وإن كان كلام النسفي لا يخلو أيضا من التردد حيث نراه عندما يذكر اليد يقول فيها بأنها صفة ذاتية لله تعالى بلا كيف ويتوقف عن تأويلها بل وينكر على من أولوها بالقدرة والنعمة قولهم، أما بالنسبة للإستواء على العرش، فلا يورد فيها رأيا صريحا، وإنما يختم القول فيها بما يشبه الإقرار بها مع عدم التكييف، فيختم القول فيها بعد الرد على المشبهة بقول محمد بن الحسن - رحمه الله - أنه كان يقول نؤمن بالله، وبما جاء من عند الله على ما أراد الله، وعلى ما أراد به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا نشتغل بكيفية مراد الله
126 (1/126)
صفحة 116
تعالى، وبما جاء من عند - رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو اختيار
كثير من كبراء الأئمة وعلماء أهل الملة
المؤولون للصفات الخبرية:
(42)
يقع المتكلمون ممن تعرضنا لآرائهم ضمن الرافضين لفكرة التأويل للصفات الخبرية التي ورد ذكرها باستثناء من ذكرنا من متأخرى الأشاعرة والماتريدية الذين نهجوا منهج التأويل، وآثرنا وضعهم مع جماعتهم لمزيد من الفائدة وفيما يلى نعرض بإيجاز لفريق المؤولين من المتكلمين بهذه الصفات، ونكتفى منهم بذكر المعتزلة زعماء هذا الاتجاه، ونوجز القول فيه أملا في تفصيله عند حديثنا عن الأباضية الذين يقولون بمثل قولهم في ضرورة التأويل.
ولما كان مجمل عقيدة المعتزلة في التوحيد قد تضمن اجماعهم على أن الله تعالى واد ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، وليس
.
بجسم، ولا شبح ولا جثة، ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص. ولا طول، ولا عرض، ولا عمق .... وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذى جهات، ولا بذي يمين وشمال وأمام وخلف، وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان، ولا يجرى عليه، زمان، ولا تجوز عليه المماسة، ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشئ من
(43)
صفات الخلق الدالة على حدوثه .... الخ فقد أخذوا على عاتقهم
تأويل. جميع الألفاظ التي وردت في القرآن أو في السنة مما يشير إلى وصفه تعالى بأى من الصفات التى تتعارض مع محتوى عقديتهم الذي أشرنا إلى شئ منه فيما سبق من نحو الجسمية أو الكون في جهة أو المشابهة مع مع المخلوقين. ولذا فقد اعتبروا جميع الآيات التي وردت متضمنة أيا من هذا مجازا فتأولوها، وذلك مثل تأولهم الإستواء في قوله
127 (1/127)
صفحة 117
(44)
تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، بأنه استولى وملك وقهر)، ورفضوا الاستواء على العرش على معناه الظاهر، لأنه لا يستقر على جسم إلا جسم، ولا يحل فيه إلا عرض والله منزه عن ذلك، ولأن كل متمكن على جسم لا محالة مقدر، فإما أن يكون أكبر منه أو أصغر أو مساويا له، وكل ذلك لا يخلو من التقدير، ولو جاز أن يماسه تعالى جسم من جهة لجاز أن يماسه تعالي من سائر الجهات، فيصير محاطا به مما يؤدى إلى معنى التجسيد والتحديد، وهو ما يتنافى مع مذهبهم في عقيدة التوحيد والتنزيه.
كما نفى المعتزلة أيضا " الفوقية " الواردة في القرآن الكريم
كما في قوله تعالى: (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوقِهِمْ) (45)، والآية الرَّحْمَنُ عَلَى العرش استوى (46)،
(50)
، لأن الفوقية تدل على الجهة، فجعلوا كون الله فوق العرش بمعنى أنه تعالى خير منه وأفضل، كما يقال الأمير فوق الوزير. وتأولوا آيات المجئ، فقالوا في الآية (وَجَاءَ رَبُّكَ (47)، والآية هَلْ ينظُرُونَ إِلا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ) (48)، أن تقديرها وجاء أمر ربك، لأن الله لو كان يجئ (أو يأتي) حقيقة لكان متحركا متجسما (49). كما تأولوا الوجه الوارد في قوله تعالى: {وَبَقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام، وكُل} كُل شَيْءٍ مَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ (51)، فذهبوا إلى أن هذا لو أخذ على ظاهره فهو يعنى إثبات الجسم، ومن ثم لزم التأويل، فذهبوا إلى أن الوجه في الآية الأولى يعنى الصلة، والتقدير ويبقى وجه ربك وذلك على سبيل المجاز، أما كلمة الوجه في الآية الثانية، فقد أولوها بمعنى الذات " أى أن المراد به: كل شئ هالك إلا ذاته أى نفسه، واستندوا في ذلك إلى اللغة، فذهبوا إلى أن الوجه بمعنى الذات مشهور في اللغة، يقال: وجه هذا الثوب جيد أى ذاته جيدة
(52)
128 (1/128)
صفحة 118
وترتيبا أيضا على قولهم في التوحيد بنفى الجسمية والأعضاء
والجوارح عن الله تعالى، وتنزيهه عن ذلك، أولوا كلمة " اليد " التي
(53)
وردت في قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَى بالقوة، كما
أولوا " اليدين " فى قوله تعالى: يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) بمعنى النعمة
(54).
وتأولوا كذلك كلمة (العين) بمعنى العلم، وذهبوا إلى أن قوله تعالى: وَلِيُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (35) أنها بمعنى: بعلمي. وايضا تأولوا "الجنب" بمعنى " الأمر " وقالوا في قوله تعالى: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ بِحَسْرَكَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللهِ أنها بمعنى: في أمر الله (56)
وهكذا كان نهج المعتزلة في تأويل غير ذلك من الآيات المتشابة، وكذا الأخبار والأحاديث التى رويت في مثل ذلك، دفاعا عن معتقدهم في نفى الجهة والجسمية والأعضاء والجوارح، وما شابه ذلك مما يؤدى إلى القول بالتشبيه أو التجسيم على الله تعالى.
قول الأباضية في الصفات الخبرية:
والأباضية بقولهم في مسألة الصفات الخبرية يقعون ضمن من قالوا بضرورة تأويل هذه الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم أو في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، من نحو الوجه، والإستواء، واليد .... الخ مما ذكرناه سابقا، ويحذرون من أخذ هذه الألفاظ على ظاهرها، لأنها لو أخذت كذلك لكان الوصف لله تعالى بما لا يليق به، ويؤدى بقائله إلى التجسيم والتشبيه مما يتنافى مع القول بتنزيه الله تعالى، هذا فضلا عن أنه يؤدى إلى مناقضة القرآن الكريم بعضه بعضا.
وعلى هذا يحملون على من أخذوا هذه الألفاظ على ظاهرها ويحاججوهم ويقيمون الأدلة على خطاهم، ولنقرأ معا قول أبي عمار
129 (1/129)
صفحة 119
عبد الكافي وهو يناظر من قالوا بهذا من المشبهة، يقول:" فنقول لهم: أخبرونا عن جميع ما خاطب الله به عبادة في كتابه مما دلهم به على صفته، وعلى فلعه، وغير ذلك من أخباره وأخبار رسوله - صلى الله عليه وسلم -: أيحمل جميع ذلك على ظاهره، دون سائغة، وعلى معقولة دون مفهومه، وعلى حقيقته دون، مجازه، أو يجمل على ما يسوغ في حكمة الله تعالى وعدله، وعلى ما يليق به في صفته، دون ما لا يليق به، وعلى ما تستعمله أهل اللغة والناس بينهم في خطابهم، مما تقتضيه دلالة القياس دون عبارة اللفظ؟ فإن هم قالوا: إن جميع ذلك يحمل على المعقول دون المفهوم، وعلى الظاهر دون السائغ، ولو أن ذلك الظاهر والمعقول يخرج إلى غاية الفساد من القول، ونهاية المتناقض من الكلام. قيل لهم: أليس قد قال الله عز وجل: إِنَّ شَرَ الدَّوَاتِ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكُمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) (57)، وقال: (هُمُّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}
"
(58)
وقال:
صم بكم على فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) (59)، وقال: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَنًا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَنًا فَأَغْشَيْتَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ)، وقال: (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ
تهدى العمى
(61)
،
(60)
وقال: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا
يبصرون (62). أتحملون هذا كله على الظاهر دون السائغ من الكلام، وعلى المعقول من الخطاب دون المفهوم؟
فإن قالوا: نعم، قلنا: فهم إذن صم لا أسماع لهم يسمعون بها ما يخاطبون به، وعمى لا أنظار لهم يدلون بها ما يبصرون عليه، ولا عقول لهم يعقلون بها ما يكلفون به، وبكم لا ألسنة لهم فينطقون بما يلزمهم، فينبغى على هذا المعنى أن يكون الله عز وجل خاطب من لا يسمع ولا يبصر، وذمه بأنه لا يسمع ولا يبصر، وكلف من لا يفهم التكليف، ولا
130 (1/130)
صفحة 120
يحتمله، ولا يعقله، فهذا فعل العابث السفيه، ومن القول الذي لا يقول به أحد من الناس عالم ولا جاهل، تعالى الله
عن ذلك
(63)
وقد بان بذلك سخف ونقص المنهج الذى أخذ به أولئك الذين فهموا تلك الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية في وصف الله تعالى من نحو الوجه والإستواء والقدم ونحوه على ظاهرها، كما اتضح عند هؤلاء المشبهة والمجسمة ومن سار على منوالهم الأمر الذي جعل الأباضية يلزمون أنفسهم بضرورة تأويل هذه الألفاظ، طبقا لمنهج التأويل المتعارف عليه بين العلماء على ضوء المحافظة على قواعد استعمال اللغة العربية فضلا عن عدم المصادمة مع ما هو ثابت ومحكم في كتاب الله، وقد ارتأوا ذلك حتى لا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم في حق الله تعالى يقول صاحب الموجز: " فقد حملنا جميع ذلك – يقصد الألفاظ الواردة بالصفات الخبرية - على المفهوم من الكلام دون المعقول، وعلى السائغ فى صفة الله تعالى واللائق به، والجائز في لغة العرب مما تقتضيه. دلالة القياس دون عبارة، اللفظ، ويؤكده مما سواه من نص القرآن الذى لا يعتريه التأويل، ولا يعارضه منحول التفسير، ولو جميع هذه الآيات على أظهر ظاهرها " والأحاديث ... على أظهر ظاهرها لخرجت إلى أفحش الفحش من الكلام، وأقبح القبيح من المقال فيما لا يقول به أحد من الناس، ولا يجوزه مشبه ولا غير مشبه فإذا تناظرت الأخبار، وتقاومت المعانى رجع بها إلى أسوغها في صفة الله تعالى، وأليقها به فى عدله عز وجل، وحكمته، وأولاها بمخاطبة العرب فيما بينها في كلامها، ويحمل جميع ذلك على ما تقتضيه دلالة القياس الذى لا يكذب مثلها ولا يتناقض معناها
حملت
(64)
بهذه القاعدة التزم الأباضية في مواجهتهم لخصومهم، وفي تناولهم لهذه الألفاظ الواردة في كتاب الله تعالى وفي أحاديث رسول الله - صلى
131 (1/131)
صفحة 121
الله عليه وسلم -، وفيما يلى نتناول تأويلاتهم لما وقعت عليه يدنا من
هذه الألفاظ.
وجه الله:
وتعلق الوجه بما جاء في قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ، وركل
شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ) والأباضية يتأولون الوجه في هاتين الآيتين بـ"الذات"
وعلى أن يكون تأويله في الآية الأولى ويبقى ذات ربك وفى الآية الثانية -
كل شئ هالك إلا ذاته يعنى إلا هو.
=
وهم يبنون تأويلهم هذا على ضرورة عدم إطلاق الوجه على الله تعالى بالمعنى الظاهر، فيقعوا فيما وقع فيه المشبهة والمجسمة، وهو ما ينكره الأباضية بل وجميع المسلمين. كما يبنونه على استعمالات العرب
للوجه في لغتهم ويعنون به الذات من نحو ما جاء في قول الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات
إلى الرحمن يأتي بالفلاح
والعرب تطلق الوجه على الذات، كما تطلقه على غير الذات وفى اطلاقه على الذات مجاز إرسالي، علاقته اطلاق اسم الجزء على الكل، كما تقول العرب: ما فعلت هذا إلا لوجه فلان أي لفلان
وفعلت هذا كرامة لوجهك أى لك، وانفقت هذا لوجه الله أى لثوابه،
ووجه البلدة أى كبيرها
الإستواء على العرش:
(65)
وتعلق الإستواء على العرش بقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ استوى (66)، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (67)، وانفرد أبو عمار عبد الكافي بتأويل الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) بأنه يعنى العلم والحفظ والقدرة والإحاطة والظهور بالسلطان والقدرة (68). كما عاد وشارك غيره من
132 (1/132)
صفحة 122
علماء الأباضية في القول بتأويل الإستواء بمعنى الملك، وعبروا عنه بالقهر
والغلبة والاستيلاء.
في وصف
وقد دللوا على صحة تأويلهم بضرورة هذا التأويل، حتى لا يقعوا الله بالجسمية، ذلك لأن " الإستواء " لو ترك على الاستقرار والتمكن للزم منه كون المتمكن جسما مماسا للعرش، أما مثله أو أكبر منه، أو أصغر، وكل ذلك محال، وما يؤدى إلى محال فهو
محال
(69)
كما أيدوا قولهم بما هو مشهور في استعمال الإستواء بمعنى الاستيلاء والغلبة والقهر في استعمالات العرب في لغتهم العربية من نحو قول الشاعر:
قد استوى بشر على أرض العراق من غير سيف، أو دم مهراق وقالوا بأن تخصيص ذكر العرش بالاستيلاء مع أنه تعالى مستول على جميع المخلوقات، لأن العرش أعظمها، وإذا كان مستوليا على أعظمها، فهو مستول على أحقرها بطريق الأولى. كما رد الشيخ السالمي أيضا على من زعم أن التأويل للاستواء بالاستيلاء والغلبة يستدعى المحاولة والمزاولة حتى يتم له ذلك بأنه لا يسلم بذلك اللزوم لأن ما ذكر ليس من مدلول اللفظ وإنما هو من مألوف الوهم، وذلك أن الحس شاهد أن استيلاء بعضنا على بعض مقرون غالبا بمحاولة ومزاولة، فقضى الوهم بذلك. وقد تقدم أن الله لا يشابه خلقه في ذات ولا صفة ولا فعل، وبهذا يسقط هذا الزعم
(70)
133 (1/133)
صفحة 123
العين:
(74)
(71)
وتتعلق " العين بما جاء في قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) وقوله: (وَأَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) (72)، و تَجْرِى بِأَعْيُنَا) وتجرى بأعيننا (73). وذهب المشبهة ترتيبا على فهمهم الخاطئ، لهذه الآيات بأن لله عينا وعيونا، تعالى الله عن ذلك، وإذا أضفنا إلى ذلك تعلق المشبهة بما وري عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله خلق آدم على صورته، فلابد من أنهم يقولون بأن له وجها ورأسا، وقفا، وغير ذلك مما يؤدى إلى التشبيه والتجسيم. وهو الأمر الذى يرفضه الأباضية، ذلك لأن الله تعالى، يتعالى ويتنزه عن كل ذلك، وإنما هى عبارات يتخاطب بها البشر فيما بينهم، فخاطبهم عز وجل فيما بينهم وإياه لاستقرار معانيها عندهم في حق الله تعالى، فلا يذهبون بها إلى غيرها، وقد علموا أن الله جلت قدرته مباين لهم في الأحوال كلها، كما وضح لهم ذلك في قوله: كَمِثْلِهِ شَي. فاستقر في الأذهان انتفاء ما يوهم النقصان في حق الملك الديان، تبارك وتعالى، مع علمهم أيضا بوجود المجازات والاستعارات في لغتهم الفصحى، وهى أكثر من أن تحصى، بل القرآن مشحون منها بحيث يسلم لها العربى راغما، أو يخضع لمعانيها طائعا، ولا يستنكر شيئا من مبانيها ووجودها في السنة كوجودها في القرآن والأصل واحد ولا خلاف لديهم فيها أبدا، فمن حاد عن نهجهم فقد رمى نفسه في لجة لا يدرى خلاصه منها أبدا.
(75) "
وعلى هذا فقد تأول الأباضية العين بمعنى الحفظ على سبيل
المجاز الإرسالي، علاقته اسم السبب الذى هو الباصرة على المسبب الذي
هو
الحفظ، لأن الحفظ لا يحصل غالبا إلا بها "
(76)
134 (1/134)
صفحة 124
كما أنه - فيما رأوا - في تفسير العين بالباصرة في هذه الآيات
بعد عن المعقول، ذلك لأن تفسيرها بالباصرة في قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عيني) يؤدى إلى كون موسى عليه السلام فوق عينه الباصرة، وأيضا تفسيرها بالباصرة فى قوله تعالى: تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا) يلزم منه أن تكون سفينة نوح عليه السلام تجرى بأعينه التي يبصر بها، وكل هذا مما لا يقل به عاقل.
اليد:
ابديهم
والمقصود هنا " اليد " التي وردت في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوقَ
(77)
(78)
ال همه ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي، بل يداه
مبسوطتان (79) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَما فَهُمْ لَهَا
ملكون و
(80)
وبهذه الآيات استدل المشبهة على أن الله تعالى يدا، بل
الزمهم الأباضية سيرا على منهجهم في حمل الآيات على ظاهرها أن يقولوا بأن الله أيديا كثير، يذهب الشيخ السالمي إلى أنه إن كانت اليد بمعنى الجارحة وهو ما يقول به المشبهة فحمل الآيات عليها محال مما يلزم من تشبيه الله تعالى بخلقه ... ولا يتم استدلال المشبهة لهذه الآيات على مطلوبهم، لأنهم يزعمون أن الله يدين و وفى مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) صيغة الجمع، فإن حملوها لمعنى ظاهرها لزم أن له أيديا من الثلاث فصاعدا، وإن تأولوا الجمع بالتثنية حملا على قوله تعالى لِمَا خَلَقْتُ بيدي لزمهم صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، لأن إطلاق لفظ الجمع على الإثنين مجاز لغة فوقعوا فيما فروا عنه عن العدول عن الحقيقة إلى المجاز مع ما ارتكبوه من فحش التشبيه
(81)
135 (1/135)
صفحة 125
والأباضية يرفضون أخذ " اليد " في هذه الآيات على ظاهرها،
ويتأولوها بمعنى القوة، أو القدرة في قوله تعالى:.: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا
يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللَّهِ فَوقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن تَكَتَ فَإنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا يَدُ اللهِ فَوقَ أَيْدِيهِمْ) و لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَى) كما يتأولوها بمعنى النعمة في الآية: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ. يقول الشيخ السالمي فإنه يتعين تأويل اليدين بالنعمتين الظاهرة والباطنة، أو العاجلة والآجلة لأن القدرة غير متعددة، لأن صفات الذات عين الذات لا شئ آخر،
(82)
فيتعدد تارة ولا يتعدد أخرى. لا يقال أنه لا يلزم من تثنية اليد. تعدد
القدرة فإنها وردت بمعنى القدرة، وهى مثناة ومجموعة، لآنا نقول إن
تثيتها وجمعها في تلك المواضع لبيان كمال القدرة لا لتعددها، وهنا
(83)
لبيان تعدد النعم بدليل السياق. وقد أورد المشبهة قول الله تعالى: وَالسَّمَوَاتُ مَطُونَتُ بِيَمِينِهِ)، واستدلوا به على أن الله يد، وهو ما يدخل فيما سبق للأباضية أن فندوه ورفضوه من قبل. ويضيف صاحب " الموجز " تفنيدا جديدا إلى ما سبق يعتمد فيه على ما ورد في القرآن الكريم والسنة، أو فى استعمال العرب لليمين واليد في اللغة، ولا يمكن أن يراد بها الجارحة، وإنما كانت ترد مجازا ويراد بها شئ آخر، يقول أبو عمال: " ولو كنا حتى سمعنا بيمين لم يكن بد من أن يكون اليمين يدا جارحة. كأن إذا قال الشاعر:
فلما تغشى كل شهر ظلامه وقال آخر يصف ظليما (84) ونعامه:
فتذكر ثقلا وئيدا بعد ما
وألقى يدا في كافر الشمس مغرب
(85)
ألقت ذكاء يمينها في كافر
136 (1/136)
صفحة 126
أوجب أن يجعل للشمس يدين يسارا ويمينا .... وقال الله جل جلاله: وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ (86)، وقد علمنا أن الله لم يعن يمينا ولا شمالا، ولو كان الكلام يوجب أن نأخذ الكلام بظاهره وندع باطنه، لكانت الآية خاصة في كل من له يمين دون الأقطع من أصل المنكب. وكذا قال الله لنبيه - صلى الله عليه
(89)
،
(87)
وسلم -: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَعْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَسُها كُلَّ البَسْطِ) يرد الله بذكره هذه اليد المركبة في بدنه، وإنما نهاه عن البخل والسرف جميعا، لأن هذا النهى قد وقع على الأعسم (88)،، وعلى الأجذم، وعلى من لا يد له إذا كان ذا جدة. وعلى هذا المعنى قالت اليهود: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَعْلُولَةٌ غُلَتْ أَيْدِيهِمْ وَيُمِنُوا بِمَا قَالُوا) (90)، وليس أن اليهود من دينها ومن اعتقادها أن لله يدا كأيدينا وأنها غلت إلى عنقه على مثال الغل الذي نعرف "
(91).
وبهذا وبغيره ظهر واضحا تهافت قول المشبهة بتفنيد مدعاهم في أخذ لفظ اليد واليمين على ظاهرا، وثبت ضرورة ما اتجه إليه الأباضية
في تأويلهم لليد وغيرها من واقع الكتاب واستعمالات اللغة.
الإصبع:
وهو مأخوذ مما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن "، وقد تأوله الأباضية بمعنى القدرة فيكون المعنى في الحديث: تحت قدرة الرحمن يقلبه كيف شاء، يقول صاحب " المشارق ": " وإطلاق الأصابع على القدرة مجاز مرسل علاقته السببية لا يقال إنه يلزم أن يكون قلب غير المؤمن ليس في قدرة الله، لأنا نقول: لا يلزم ذلك، لأن ذكر قلب المؤمن خاصة
137 (1/137)
صفحة 127
مع أن القدرة شاملة للكل لتشريف المؤمن على غيره، كما يقال: بيت
الله، لتشريف البيت على غيره من البيوت
(92)
الساق - القدم - الرجل:
(93)
أما " الساق " فمن قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ *. وأما القدم " فقد وردت فيما روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضمن أحاديث مطولة، منها: " فيضع الجبار قدمه في النار فتقول قط أي حسبي حسبي "، وفي رواية أخرى: " حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوى بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك "، وفي أخرى: يقال لجهنم هل امتلأت، وتقول هل من مزيد حتى يضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها فتقول قط قط ". وأما " الرجل " فقد ورد ذكرها أيضا في حديث طويل جاء فيه: " فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فيها فتقول قط قط، فهنالك تمتلى وينزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم
(94) -
الله عز وجل من خلقه أحدا. وتعلق المشبهة كعادتهم بهذه النصوص فأثبتوا لله تعالى ساقا وقدما ورجلا، وهو ما يرفضه ويفنده
الأباضية.
وقد تأولوا " الساق " بـ " الأمر الشديد " نأيا عن الوقوع فيما وقع فيه المشبهة أساسا واعتمادا على أمرين:
الأول منها: هو ما ورد عند العرب في لغتهم من استعمال للساق، دون أن يقصدوا به الساق بمعنى العضو الجارحة. وقد تقول العرب " قد قامت الحرب بنا على ساق " وليس تريد لها رجلا وساقا، وقد قال
الشاعر: وقام الشر منه على ساق.
وقال آخر:
138 (1/138)
صفحة 128
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وأن شمرت عن ساق الرب شمر
وقال آخر:
وذاقت كموج البر تعبو عبابه
وقامت على ساق وحان التلاحق
وواضح هنا من هذه النصوص أن الساق لم يعن بها المعنى الظاهر والثاني: هو ما جاء في الأخبار مما يؤيد تأويلهم الذي أخذوا به، نقل أبو عمار عبد الكافي " عن عاصم بن كليب قال: رأيت سعيد بن جبير غضب غضبا شديدا لم أره غضب مثله قط، فقال: أتقولون قولا عظيما - يعنى التشبيه الذى ذكروا - قال سعيد: إنما يعني يوم
(95)
يكشف عن الأمر الشديد. وقد روى الطبرى مثله في تفسيره للآية ذاتها، قال: " حدثنا ابن حميد قال: حدثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم عن ابن عباس: يوم يكشف عن ساق، قال: عن أمر شديد. أما " القدم " فذهب الأباضية بشأنها أنه على تقدير صحة هذه الروايات فهى على حذف مضاف تقديره حتى يضع معاند الجبار أو معاند الرب فيها قدمه، وهو من علم الله معاند به ولا يلزمنا تعيينه. وبالمثل قالوا في تأويل الرجل في " حتى يضع رجله.
(96)
وجاء في تعليق الدكتور عبد الرحمن عميره على هذه النصوص. بما يؤيد التأويل من نحو ما نقله عن جار الله الزمخشري في كتابه الفائق في غريب الحديث " في ما روى " حتى يضع الرب تبارك وتعالى قدمه عليها - وضع القدم على الشئ مثل للردع والقمع. فكأنه قال يأتيها أمر الله فيكفيها عن طلب المزيد فترتدع. وما حكى عن أبى عبيدة الهروى عن الحسن البصرى أنه قال: القدم هم الذين قدمهم الله لها من شرار خلقه وأثبتهم لها .. وكذا فيمن يرويه بلفظ " الرجل " فإنه
139 (1/139)
صفحة 129
يقال: رجل من جراد، فيكون المراد يدخلها جماعة يشبهون في كثرتهم
الجراد فيسرعون التهافت فيها
(97) "
جنب الله:
:
وهو المأخوذ من قوله تعالى: أَن تَقُولَ نَفْسٌ بِحَسْرَنَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللهِ (98). والأباضية مع رفضهم لأخذها على ظاهرها مما يجعل لله جنبا بالمعنى الظاهر، يذهبون إلى تأويلها بـ " أمر الله " ويكون تقديرها على ما فرطت في أمر الله. لأن الندم إنما يقع على ترك الأوامر وارتكاب المناهي. يتأيد ذلك عندهم بما وجدوه في اللغة، والعرب تطلق الجنب على الأمر، قال الشاعر: أما تتقين الله في جنب عاشق له كبد حرى وعين ترقرق المجئ والإتيان:
(99)
ويتعلق المجئ بقوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (100)، وكذلك الإتيان بقوله تعالى: هَلْ يَظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ
الفكاري 2
(101)
والأباضية يتأولون " المجئ " و " الإتيان بالأمر والقضاء". ويدلل صاحب " الموجز " على ضرورة هذا التأويل وتفنيد رأى المشبهة الذين أخذوا فيه المجئ والإتيان على ظاهره بطريقين:
الأول يقيمه على مواجهة الخصوم بغير ذلك من الآيات والمشهور
في اللغة حيث استخدم اللفظان عينهما، ولا يمكن حملهما فيها على
ظاهرهما، فيقول مناظرا المشبهة: " وقد قال تعالى أيضا: وَلَقَدْ جِيْنَهُم
يكتب فَضَّلْتَهُ عَلَى عِلْمٍ
،
(102)
، أتقولون: إنه جاء إليهم في الأرض وهو في
140 (1/140)
صفحة 130
(103)
(104)
السماء بزعمكم؟. وقال: فَأَفَ اللهُ بَيْنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ) افتقولون إنه ظهر لهم من تحت الأرض؟. وقال: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} أفتقولون: ذهب به من الأرض إلى السماء أو ما تقولون في أمثال هذا من أخبار الله تعالى عن نفسه بالإتيان والذهاب وهو كثير؟ فإن قلتم إنما جاءهم الكتاب من عند الله ولم يأتهم الله نفسه، وقلتم: إن قولهم: فات الله بنينَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ) أى أبطل مكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم - وكيدهم له، و ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} أي أذهب نورهم، قلنا لهم: قد صرتم إلى المجازات، وتركتم قطع الشهادات، فكذلك قولنا في قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَا صَفًا) أى جاء أمره وثوابه وعقابه. وقد يقول الرجل لعبده: لا جاء الله بك ولا ذهب بك، وليس يريد أن الله في
نفسه ذهابا ومجيئا
(105) -
والثاني: يقيمه على ما ورد في تفسير الصحابة والتابعين للآية بأمر الله فيقول وكذلك روى في التفسير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: (وجاء ربك) أي: جاء أمر ريك وقضاؤه. وكذلك في قوله: أن يأتيهم الله) أي: أن يأتيهم أمره وقضاؤه فيفصل بينهم وهو قول الحسن ومجاهد، قال الحسن: يعني بأمره وقضائه، وكذلك قال أبو صالح صاحب التفسير: وجاء أمر
ربك، أي: قضاؤه
(106) *
مشكلة خلق القرآن
يدخل الحديث عن مشكلة خلق القرآن أو كلام الله ضمن الحديث عن صفات الله، لكن جرى العرف على أن يفرد لها حديث خاص في الدراسات الكلامية، وذلك لأنها شغلت المفكرين في الإسلام ردحا طويلا من الزمن، واحتلت مساحة كبيرة من دراساتهم، وامتحن
141 (1/141)
صفحة 131
بسببها الكثيرون من المسلمين وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل الذي
سجن وعذب بسبب عدم قوله بأن القرآن مخلوق.
ويذهب البعض إلى أن هذه المشكلة أصلا مشكلة دخيلة على الفكر الإسلامى، ومن ثم لم تثر بشكل ملحوظ بين الرعيل الأول من المسلمين بدءا من عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا في عصر الصحابة والتابعين، فلم يسأل أحد: هل القرآن أو كلام الله قديم أو محدث أو مخلوق. ولكن من اتساع الدولة الإسلامية واحتكاك المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات والحضارات الأخرى ظهرت هذه المشكلة، ويغلب أصحاب هذا الرأى أن القول بخلق القرآن وفد إلى المسلمين من اليهود، والقول بقدمه جاءهم من النصارى، وهو ما يؤكده أحد الباحثين في قوله: " ورأينا من قبل أن منشأ القول بخلق القرآن كان بتأثير اليهود الذين يعتقدون بخلق التوراة. أما القول بأزلية القرآن فيظهر أنه يرجع أيضا إلى أصل أجنبى، والمرجح أنه مستمد من المسيحيين الذين يؤمنون بقدم الكلمة.
(107) -
على أية حال أثيرت هذه المشكلة بين المسلمين بصرف النظر عن السبب في إثارتها، أو مصدر التأثر في القول بها، وذهب فيها المفكرون المسلمون مذاهب متباينة، تتأرجح بين القول بالقدم أو الحدوث، ورتبوا على مذاهبهم نتائج خاصة فيما بينهم، كانت سببا في الصراع، والطعن والامتحان.
فاختلف القائلون بالقدم إفراطا وتفريطا، فوجدنا منهم من يذهب إلى الإطلاق في القدم للقرآن معنى وحرفا وكلمات، مكتوبة كانت أو مسموعة، وممن ذهب إلى هذا نجد الحشوية الذين يقول عنهم الجويني في هذا الشأن: " وذهبت الحشوية المنتمون إلى الظاهر إلى أن كلام الله
142 (1/142)
صفحة 132
تعالى قديم أزلى، ثم زعموا أنه حروف وأصوات، وقطعوا بأن المسموع من أصوات القرآن ونغماتهم عين كلام الله تعالى، وأطلق الرعاع منهم بأن المسموع صوت الله تعالى تعالى الله عن قولهم، وهذا قياس جهالاتهم.
ثم قالوا إذا كتب كلام الله بجسم من الأجسام رقوما ورسوما وأسطرا وكلما فهى بأعيانها كلام الله القديم
(108) -
أما أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل فقد ذهبوا إلى القول بأن القرآن كلام قديم أزلي غير مخلوق، وفي تدليل الإمام أحمد على قدم القرآن قال لرجل سأله: " ألست مخلوقا؟ قال: بلى، فقال: أو ليس كلامك منك؟ قال: بلى. والله ليس بمخلوق، وكلامه منه " ومراده ان المخلوق إذا كان كلامه صفة له هو داخل في مسمى اسمه، وهو قائم به فالخالق أولى أن يكون كلامه صفة له داخل في مسمى اسمه، وهو قائم به، لأن الكلام صفة كمال، وعدمه صفة نقص، فالمتكلم أكمل ممن لا يتكلم، والخالق أحق بكل كمال من (109) الأمر الذى ينتهى معه إلى القول بأن القرآن صفة. لله تعالى القديم وهو - أى القرآن - قديم غير مخلوق.
غيره
وقد قصد الإمام أحمد بكلام الله القديم، المعنى واللفظ الذي يؤدى هذا المعنى، أما الصوت الذي سمع به القرآن، أو المداد والأوراق التي يكتب بها وعليها القرآن، والتي هي من فعل العباد فهي مخلوقة ولذا نجده يقول: " من قال اللفظ بالقرآن، أو لفظى بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع.
وفى بعض الروايات عنه: " من قال لفظي بالقرآن مخلوق يعني به القرآن فهو جهمي، لأن اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظا، ومسمى هذا فعل العبد، وفعل العبد مخلوق، ويراد باللفظ القول الذي
143 (1/143)
صفحة 133
يلفظ به اللافظ، وذلك كلام الله لا كلام القارئ. فمن قال إنه مخلوق فقد قال إن الله لم يتكلم بهذا القرآن. وأن هذا الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله، ومعلوم أن هذا مخالف لما علم بالإضطرار من دين الرسول. واما صوت العبد فهو مخلوق "
(110).
وقد شرح شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ما نسبه إلى الإمام أحمد بن حنيل مبينا أن أحمد بن حنبل قد فرق بين أمرين القرآن بمعناه وألفاظه وبين صوت العبد الملازم لقراءة القرآن، أو المداد والأوراق وغيرها المستخدم في كتابة القرآن ورسمه. والأول عنده هو كلام الله وهو قديم، والثاني هو من أفعال العبد وهو مخلوق. فقال: " وقد صرح الإمام أحمد وغيره بأن الصوت المسموع صوت العبد ولم يقل أحمد قط: من قال إن صوتى بالقرآن مخلوق فهو جهمى. وإنما قال: من قال لفظي بالقرآن. والفرق بين لفظ الكلام وصوت المبلغ له فرق واضح فكل من بلغ كلام غيره بلفظ ذلك الرجل فإنما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه، وهو إنما يبلغه بصوت نفسه لا بصوت ذلك الغير. ونفس اللفظ والتلاوة والقراءة والكتابة ونحو ذلك لما كان يراد به المصدر الذي هو حركات العباد، وما يحدث عنها من أصواتهم وشكل المداد، ويراد به الكلام الذي يقرأه التالي ويتلوه ويلفظ به ويكتبه. منع أحمد وغيره من إطلاق النفي والإثبات الذي يقتضى جعل صفات الله مخلوقة، أو جعل صفات العباد ومدادهم غير مخلوق.
وقال أحمد: نقول القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف، أى حيث تلى وكتب وقرئ مما هو في نفس الأمر كلام الله فهو كلامه، وكلامه غير مخلوق، وما كان من صفات العباد وأفعالهم التي يقرأون ويكتبون بها كلامه كأصواتهم ومدادهم فهو مخلوق.
144 (1/144)
صفحة 134
ولهذا من لم يهتد إلى هذا الفرق يحار. فإنه معلوم أن القرآن واحد، ويقرأه خلق كثير. والقرآن لا يكثر في نفسه بكثرة قراءة القراء، وإنما يكثر ما يقرأون به القرآن، فما يكثر ويحدث في العباد فهو خلوق. والقرآن نفسه لفظه ومعناه الذى تكلم الله به، وسمعه جبريل من وسمعه محمد من جبريل، وبلغه محمد إلى الناس، وأنذر به الأمم لقوله تعالى: الأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ قرآن واحد. وهو كلام الله ليس
الله،
بمخلوق
(111) -
ثم جاء بعد ذلك. دور المعتزلة في الحديث عن كلام الله تعالى وهل هو مخلوق أو غير مخلوق، وكانوا للحق واضحين ومحددين فيما ذهبوا إليه، فبدءا ذي بدء حددوا المقصود عندهم بكلام الله، كما هو في الشاهد، وقالوا به في حق الغائب، يقول القاضي عبد الجبار: " والذي نختاره في. حد الكلام أنه ما حصل فيه نظام مخصوص من هذه الحروف المعقولة، حصل في حرفين أو حروف، فما اختص بذلك وجب كونه كلاما، وما فارقه لم يجب كونه كلاما، وإن كان من جهة التعارف لا يوصف بذلك إلا إذا وقع ممن يفيد أو يصح أن يفيد، فلذلك لا يوصف منطق الطير كلاما، وإن كان قد يكون حرفين أو حروفا منظومة
(112).
هذا هو حد أو تعريف المعتزلة للكلام كما فهموه من العالم المشاهد، أي كما هو مفهوم من كلام البشر، ثم سحبوا هذا على العالم الغائب، أي على كلام الله تعالى، ولما كان ذلك كذلك، حكموا عليه بالمخلوقية، أى كونه مخلوقا، وهو ما اعتمدوه ودللوا عليه بالقول: " والذي يدل على حدوث كلامه، الذي ثبت أنه كلام له، أن الكلام على ما قدمناه لا يكون إلا حروفا منظومة، وأصواتا
145 (1/145)
صفحة 135
فإذا
مقطوعة، وقد ثبت فيما هذه حاله أنه محدث لجواز العدم عليه صح أن كلامه تعالى من جنس هذا الكلام، فتجب استحالة قدمه، لأن كل مثلين استحال في أحدهما أن يكون قديما فيجب أن يستحيل في الآخر، ولأن من حق القديم أن يكون قديما لنفسه، فما شاركه في جنسه فيجب أن يكون قديما، فإذا ثبت كون كلامه من جنس كلامنا وجب القضاء بحدوثه، كما: يجب القضاء بحدوث إحسانه
وانعامه.
(113) -
ثم جاء الأشعرى والأشاعرة واتخذوا موقفا وسطا بين الاتجاهين السابقين في كلام الله، فقسموا القول فيه على اطلاقين، أحدهما ما يتعلق بكلام الله النفسي - حسب تعبيرهم - والآخر ما يتعلق بكلام الله تعالى المنطوق، أو المكتوب في شكل أصوات وحروف وكلمات: وأقروا بأن هذا غير ذاك وهو ما شرحه الجوينى مبينا الفرق بين هذين المستويين: مستوى الكلام النفسي، وهو الحقيقى عنده، ومستوى التعبير عنه بالعبارات أو الإشارات، وبالنسبة لكلام الله الأول قديم. والثاني مخلوق أو حادث، يقول الجويني: " والكلام الحقيقي شاهدا، حديث النفسن. وهو الذى تدل عليه العبارات المتواضع عليها، وقد تدل عليه الخطوط والرموز والإشارات وكل ذلك أمارات على الكلام القائم بالنفس، ولذلك قال الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
ومن الشواهد على ذلك من كتاب الله عز وجل، في الإخبار عن المنافقين قوله تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُتَفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} الآية (113)، ونحن نعلم أن الله تعالى لم يكذبهم في إقرارهم، وإنما يكذبهم فيما تجنه سرائرهم وتكنه ضمائرهم.
146 (1/146)
صفحة 136
وإذا ثبت أن القائم بالنفس: كلام، وليس حروفا منتظمة، ولا
أصواتا مقطعة من مخارج الحروف، فليستيقن العاقل أن الكلام القديم: ليس بحروف ولا أصوات، ولا ألحان ولا نغمات فإن الحروف تتوالى، وتترتب، ويقع بعضها مسبوقا ببعض - وكل مسبوق حادث – وكلام الله تعالى مقروء بألسنة القراء محفوظ بحفظ الحفظة، مكتوب في المصاحف على الحقيقة. والقراءة أصوات القارئين ونغماتهم، وهي من الأفعال التي يؤمر بها وينهى عنها، ويثاب المكلف عليها، وقد يعاقب على تركها. وكلام الله تعالى هو المعلوم المفهوم منها. والحفظ حفظ الحافظ، والمحفوظ كلام الله عز وجل. والكتابة أحرف منظومة، وأشكال مرقومة - وهى حوادث، والمفهوم منها كلام الله تعالى. كما أن الله تعالى: مكتوب معلوم مذكور، وهو غير ذكر الذاكرين، وعلم العالمين، وكتابة الكاتبين
(114).
وقد دلل الأشعرى على قدم كلام الله تعالى بالمعنى النفسي،
مستدلا بأكثر من دليل، نذكر منها ما جاء في قوله: " إن قال قائل: لم قلتم إن الله تعالى لم يزل متكلما، وأن كلام الله تعالى غير مخلوق؟
:
قيل له: قلنا ذلك لأن الله تعالى قال: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن، فلو كان القرآن مخلوقا لكان الله تعالى قائلا له:
فيكون
(115)
يوجب
(كن) والقرآن قوله، ويستحيل أن يكون قوله مقولا له، لأن هذا قولا ثانيا، والقول في القول الثانى وفى تعلقه بقول ثالث، كالقول في القول الأول وتعلقه بقول ثان، وهذا يقتضى ما لا نهاية له من الأقوال، وهو فاسد، وإذا فسد ذلك فسد أن يكون القرآن مخلوقا (116)، وهو ما يؤكد القول عنده بقدم كلام الله تعالى كصفة له قائمة بذاته، أما الحروف والأصوات التى تؤدى هذا المعنى فهى ولاشك حادثة
(117)
147 (1/147)
صفحة 137
وفي الحقيقة عند النظر إلى أقوال المتكلمين التي عرضنا لها في إيجاز، وبالرغم من تباينها من حيث ظاهرها نجد عند التأمل فيها، أنها ما كانت تتحمل كل هذا الصراع والتباين فيما بينها، لأننا نرى أن هذا التباين، وهذا الخلاف الذى بدا بينها، ما كان يمكن أن يكون لولا غياب وحدة المنهج، أو سيطرة النظرة الجزيئة إليها، وغياب النظرة الشاملة ذلك لأننا نرى في معظمها أن كلا منها نظر إلى كلام الله تعالى من زاوية غير الزاوية التي نظر منها الآخر إلى الكلام نفسه، ثم جاء من بعدهم من أخذ حكم كل منها على ذلك الجانب من كلام الله وأطلقه على كلام الله ككل، وكانت المقارنة وكان النزاع وكان الصراع بين المتكلمين، ولنأخذ مثالا على ذلك بذكر ما دار من خلال بين أشهر المتخاصمين حول هذه القضية، ألا وهما المعتزلة وأهل السنة، وإلى الأولى نسب القول بخلق القرآن وإلى الثانية نسب القول بقدم القرآن، فى حين أن المعتزلة حينما قالوا بخلق القرآن قصدوا بذلك فقط الكلام كما هو مشاهد بين الناس أصوات وحروف وكلمات ولم يتعرضوا إلى شئ من وراء ذلك، يتصل بكون الله متكلما بمعنى نفى الخرس أو العجز عنه، ولم يقولوا بشئ من ذلك، بل أقاموا جانبا أساسيا من مذهبهم على توحيد وتنزيه الله تعالى عن المشابهة مع غيره من المخلوقين، وهو ما أكده السلفيون بل وجميع المسلمين. وكذلك نجد السلفيين عندما قالوا بقدم كلام الله تعالى، قصدوا به الكلام المضاد لوصفه بالخرس أو نحوه، وما دام الله تعالى موصوفا بالكلام، فلابد من أن للكلام هذا معنى وحروفا تدل عليه، وجميعها عندهم لابد من أن تكون قديمة، وهو ما تأكد عندهم كما سبق، ولم يزعموا أبدا أن أفعال العباد التي تدور حول التلاوة أو الكتابة قديمة. وهكذا
148 (1/148)
صفحة 138
نشعر أنه لا خلاف بين معظم هؤلاء المتكلمين، وإنما كان الخلاف
لأسباب بعيدة ربما عن جوهر هذه القضية.
قول الأباضية في كلام الله:
كلامه
وعلى النحو الذي رأيناه عند سائر المتكلمين كان حديث الأباضية عن كلام الله حينما أدلوا بدلوهم أيضا في خضم هذه المشكلة، فوجدناهم يقسمون الحديث عن كلام الله على مستويين أو إطلاقين: أحدهما كلام الله تعالى، أو أن الله تعال متكلم، كصفة كمال ذاتية تعنى نفى الخرس أو العجز أو النقص عنه، والثاني كلام الله كصفة فعل له تعالى تعنى خلقه تعالى للحروف والألفاظ الدالة على. وهو بالمعنى الأول قديم قدم الذات شأنه شأن سائر الصفات الذاتية، وبالمعنى الثانى مخلوق شأنه شأن سائر المخلوقات التي تقع تحت عنوان أفعال الله تعالى. وجمهور الأباضية على هذه القسمة ما عدا بعض الأئمة منهم الذين شاركوا المعتزلة في القول بأنها صفة فعل، ولم يتعرضوا إلى ما وراء ذلك. يقول الشيخ السالمي: " واختلف في إثبات الكلام صفة ذات الجمهور منا ومن غيرنا إلى أنها تكون صفة ذات وصفة فعل، وذهب المعتزلة وبعض أئمتنا إلى أنها صفة فعل فقط (118). وعن قدم القرآن وأزليته كصفة ذات وأنه مخلوق كصفة فعل يقول الجيطالي: إنه تعالى متكلم ليس بأخرس، وكلامه على وجهين: أحدهما الكلام الذي هو صفة له على نفى الخرس عنه، فذلك صفة له في ذاته لم يزل موصوفا به والثاني كلامه هو القرآن وسائر كتبه المنزلة، ذلك فعل من أفعاله لقوله تعالى: (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللهِ} (119)،
"
ولا يسمع الإنسان كلامه إلا بأذنيه وهذا المسموع محدث ........ وقد وصف الله تعالى كلامه الذي هو القرآن بالتشابه والتماثل والاتصال
149 (1/149)
صفحة 139
والانفصال، وأخيرا أنه في اللوح المحفوظ، وفى صدور الذين أوتوا العلم ووصفه بالذهاب والحدوث والنزول وغير ذلك من دلائل الحدث ومعاني
المخلوق
(120) -
كما استند الأباضية أيضا في تدليلهم على خلق القرآن إلى ما اتصف به من إعجاز واداة للتعبد، وأنه موحى به على الرسل والأنبياء، وعلى ما جاء في وصفه من أنه مجعول ومنزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنه قد تم تلقيه ونسخه عن طريق الملائكة في اللوح المحفوظ الذي أودع في بيت العزة من السماء الأولى، ومنها نزل مفرقا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحسب الوقائع والأحوال في عشرين سنة وكل هذا دليل عندهم على خلقه
(121)
بل ويذهب الأباضية إلى أبعد من ذلك في التدليل على مذهبهم بأن كلام الله كصفة فعل مخلوق مستخدمين المزيد من الأدلة العقلية. والنقلية، ومن الأدلة العقلية التي أوردوها نذكر منها ما ذكره " صاحب الموجز" في رده على مخالفيهم ممن قالوا بأنه غير مخلوق: " يقال لمن زعم أن القرآن غير مخلوق: أخبرونا عن القرآن وجميع الكتب المنزلة من الله إلى خلقه على السنة رسله، أهى أشياء أم ليست بأشياء؟ فإن قالوا: بأنا غير أشياء أبطلوها، وجعلوها في حد العدم والتلاشي، فيقال لهم: فما الذي زعمتم أنه ليس بمخلوق؟ إذ ليس ثم شئ يكون غير مخلوق أو خلقا، وبطل على هذا المعنى أن تكون رسل الله جاءت من عند الله
بشئ، وإن الله أنزل على أنبيائه شيئا، وقد قال الله عز وجل: (وَمَا قَدَرُوا
(122)
اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ، فقال ردا عليهم: (قُلْ مَنْ أنزَلَ الْكِتَبَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى (123). فلما تبين أن كتاب الله شئ من الأشياء، قلنا لا يخلو هذا الشئ من وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون
150 (1/150)
صفحة 140
محدثا أو غير محدث، فإن قالوا: غير محدث أبطلوا وردوا على الله
حيث قال: (مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرِ مِن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ
(124)
يلعبون و، فإن قالوا: إن الله أحدثه، اقروا بخلقه. ويقال: هل كان القرآن دالا على الله في ربوبيته، شاهدا عليه في وحدانيته؟ فإن قالوا: لا، أبطلوا، بل هو دال على الله، وشاهد عليه، كما كان سائر الأشياء من الخلق دالا على الله، قلنا: من جعله دالا على الله؟ ولا يجدون إلا أن يقولوا الله جعله دلالة على ربوبيته، وشهادة على وحدانيته، كما جعل سائر الخلق كذلك، فإذا قالوا ذلك أقروا بخلقه.
ويقال لهم: أخبرونا عن القرآن، أليس محدثا كان بعد أن لم يكن؟ فإن قالوا: لا، أبطلوا، وجعلوه قديما مع الله، وصاروا إلى
مذهب الإثنين ممن أنبأنا عن باطلهم فيما مضى فإن قالوا: محدث كائن بعد إذ لم يكن أقروا بخلقه، والحدوث هو الخلق، كما أن
الخلق هو الحدوث.
(125).
ثم كان التدليل أيضا من النقل على خلق القرآن، على نحو ما فعل صاحب " الموجز " أيضا، حيثما رأيناه يستعرض في استقراء دقيق تلك الصفات المشتركة التي وردت في القرآن الكريم، يصف الله تعالى
بها القرآن، كما يصف بها مخلوقاته أيضا من نحو " الجعل "
(128)
" (129)
" (126).
(130)
، و المتشابه، و " الحدوث
و النزول " (127)
، و " الحفظ "
(131).،
، و " السمع
، وأنه (132)، و " الهدى والرحمة
(133) -
"
و " التفصيل " آيات " (134)
وقد انتهى بعد استقرائه للآيات العديدة التي جاءت متضمنة لكل صفة من هذه الصفات مرة مضافة إلى القرآن ومرة أخرى مضافة إلى واحد أو أكثر من مخلوقات الله تعالى إلى القول: " ومثل هذا في
151 (1/151)
صفحة 141
كتاب الله عز وجل من التمثيل والتشبيه للقرآن بغيره من الخلق ما يوجب أن القرآن داخل في جملة الخلق، غير خارج منها، فيجب عليكم أن تقضوا على القرآن بأنه خلق، كما قضيتم على سائره مما ذكرناه، وما لم نذكره، بانه خلق، كما وقع بالتمثيل به في الصفة، والتشبيه له في الحلية، أو تقضوا على سائر القرآن مما ذكرنا من الخلق الذي سوى الله بينه وبين القرآن في الصفة على التسوية في الحكم
(135) "
ونخلص من هذا كله أن الأباضية في مسألة كلام الله تعالى قد وافقوا أهل السنة في القول بأن الله تعالى متكلم والكلام صفة كمال
أزلية قديمة قدم ذاته تعالى، وإن خالفوهم في القول بقدم ألفاظه الدالة والمعبر بها عن هذا الكلام. فأهل السنة يعتبرون الكلام بمعناه ولفظه قديم والأباضية يعتبرون الكلام كصفة تنفى عنه تعالى الوصف بالخرس والنقص صفة ذات قديمة، أما الكلام كحروف وألفاظ ودلالات على كلامه تعالى فمحدث مخلوق. والأباضية يوافقون المعتزلة على القول بكلام الله كحروف وكلمات مكتوبة أو مقروءة أو مسموعة على النحو الذي عليه الكلام في العالم المشاهد مخلوق، وينفردوا عنهم - أى عن المعتزلة - بإقرار الكلام القديم كصفة ذات قديمة قدم الذات. وهو الذى لا يتعرض له المعتزلة لا بالنفي ولا بالإثبات. كما أنهم - أى الأباضية - لا يتعرضون لما أطلق عليه الأشاعرة الكلام النفسي الذي اعتبروه قديما، وقالوا بدلا من ذلك بالكلام كصفة ذات قديمة تثبت لله تعالى الكمال وتنفى عنه الخرس والنقص، ووافقوهم في القول بحدوث وخلق الروف والكلمات الدالة والمعبر بها عن كلام الله
تعالى.
152 (1/152)
صفحة 142
مشكلة الرؤية: رؤية الله تعالى:
تعتبر مسألة " رؤية الله تعالى " من المسائل ذات الصلة بموضوع صفات الله، كما أنها احتلت مساحة واسعة أيضاً في منطقة الخلاف
ويسميهم
بين المتكلمين، وإن لم يشتد الصراع حولها مثلما حدث حول مشكلة خلق القرآن. وانقسم المسلمون حولها إلى قسمين: المثبتة، البعض الصفاتية، أى " أولئك " الذين أثبتوا الصفات لله تعالى "، والنفاة أو المعطلة، وهم أولئك الذين عرفوا بنفى الصفات عن الله تعالى، أو تعطيل الذات عن الصفات "، وإلى الفريق الأول انتسب السلفيون وأهل السنة والجماعة، ومن قال بقولهم. وإلى الفريق الثاني انتسب المعتزلة
وأضرابهم.
قول مثبتى الرؤية:
اتفق مثبتو الرؤية على إمكانها وإن اختلفوا حول وقوعها في الدنيا والآخرة، فاتفق جمهورهم على وقوعها في الآخرة، وإن قالت طائفة منهم بأنها واقعة في الدنيا والآخرة، واختلف الآخيرون: هل هي واقعة في الدنيا للرسول - صلى الله عليه وسلم – خاصة أم هي واقعة للرسول وللمؤمنين. وانفرد غلاة الصوفية بالقول بانها واقعة للرسول وغيره من المؤمنين في الدنيا. وإلى ذلك يجنح كلام الألوسي إلى درجة أنه يجيز الكيفية في الرؤية لله تعالى في الدنيا وعنه ينقل صاحب " الحق الدامغ " قوله: (نقل المناوى أن الكمال بن الهمام سئل عما رواه الدارقطني وغيره عن أنس من قوله صلى الله عليه وسلم: " رأيت ربي في أحسن صورة " بناء على حمل الرؤية على الرؤية في اليقظة) فأجاب بأن هذا حجاب الصورة. وعلى هذا الطراز يحمل ما جاء في بعض الروايات المطعون بها " رأيت ربي في صورة شاب - وفى بعضها زيادة - له نعلان
153 (1/153)
صفحة 143
من ذهب ". ومن الناس من حمل الرؤية في رواية الدار قطني على الرؤية المنامية وظاهر كلام السيوطى أن الكيفية فيها لا تضر، وهو الذي سمعته من المشايخ قدس الله أسرارهم والمسألة خلافية. قال: وإذا صح ما قاله المشايخ وأفهمه كلام السيوطى فأنا والله تعالى الحمد قد رأيت ربى مناما ثلاث مرات، وكانت المرة الثالثة فى السنة السادسة والأربعين والمائتين والألف بعد الهجرة، رأيته جل شأنه وله من النور ما له متوجها جهة الشرق، فكلمنى بكلمات أنسيتها حين استيقظت، ورأيت مرة في منام طويل كأني في الجنة بين يديه تعالى وبيني وبينه ستر حبيك بلؤلؤ مختلف ألوانه فأمر سبحانه أن يذهب بي إلى مقام عيسى عليه السلام ثم إلى مقام محمد. صلى الله عليه وسلم -، فذهب بي إليهما فرأيت ما رأيت والله تعالى الفضل والمنة. . بل ذهب الألوسي عقب ذلك إلى ما ذلك فأخذ يرد النصوص التي تنافى إمكانية الرؤية على
هو
أبعد من النحو الذي ذكره.
(136)
وكذلك بالنسبة لمن أثبت أنها واقعة في الدنيا للرسول صلى الله عليه وسلم، والقائلون بهذا يعتمدون على ما رووه من حديث للرسول - صلى الله عليه وسم -، " عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رآه بعينه وقيل إنه حديث ضعيف أخرجه ابن خزيمة في التوحيد بألفاظ مضطرية. وأهل السنة والجماعة ينكرون هذا وهو ما يؤكده شارح العقيدة الطحاوية في قوله بأنه " لم يرد نص بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه، بل ورد ما يدل على نفى الرؤية، وهو ما رواه مسلم في " صحيحه " عن أبي ذر رضي الله عنه، قال " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال " (نور أني أراه). وفي رواية: رأيت نورا. وقد روى مسلم أيضا عن أبي موسى
154 (1/154)
صفحة 144
الأشعري رضي الله عنه أنه قال: " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور) وفى رواية " النار لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " فون - والله أعلم - معنى قوله لأبي ذر " رأيت نورا ": أنه رأى الحجاب، ومعنى قوله (نور أني أراه): النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته، فأنى أراه؟ أي: فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته؟ فهذا صريح في نفي الرؤية (137).
بقى بعد ذلك من قول مثبتى ما جاء بشأنها لديهم من كونها ممكنة وأنها تقع فقط في الدار الآخرة لا في الدنيا. وقد سلك مثبتو الرؤية في التدليل على إمكان رؤية الله أو جوازها طريق العقل والنقل، وبالنسبة إلى طريق العقل نجدهم يربطون في تدليلهم على إمكان رؤية الله تعالى بين إثبات إمكان الرؤية، وبين إيمانهم بالصفات الذاتية لله تعالى، من نحو الربط بين ضرورة إمكان الرؤية وبين الإيمان بأن الله موجود، والربط بين إمكان الرؤية الله تعالى وبين الإيمان بأن الله قادر على كل شئ، ومن مظاهر قدرته تعالى أنه قادر على أن يرينا إياه. ونجد المسلك الأول الذي يقوم فيه التدليل على إمكانية الرؤية اعتمادا على كون الله موجودا مذكورا عند الإشعري، حيث يقول:
" ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار أنه ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله عز وجل، وإنما لا يجوز بداية أن يرى المعدوم، فلما
كان الله.
وجل ..
عز وجل موجودا مثبتا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عز
(138)
، وهو دليل معتمد عند السلفية بل يعتبره ابن تيمية مأخوذ
155 (1/155)
صفحة 145
من كلام السلف والأئمة، وقد ذكره حنبل عن الإمام أحمد كما رواه الخلال في كتاب السنة، بل نجد ابن تيمية يسوق الدليل بطريقة أخرى فيقول: " وهناك طريقة أخرى، وهى أن نقول إن كل موجود فالله قادر على أن يجعلنا نحسه بأحد الحواس الخمس، وما لا يكون ممكن
إحساسه بإحدى الحواس الخمس فإنه معدوم
(139) -
،
ولما كان الله
تعالى مثبت الوجود، فلابد من أنه ممكن الإدراك بالحواس، ومن
الحواس حاسة البصر، فهو ممكن الرؤية بالأبصار.
أما دليل المثبتين العقلى الذي يربطون فيه بين إمكانية الرؤية وبين الإيمان بأن الله قادر على كل شئ، ومن ثم فإنه قادر على أن يرينا نفسه، وإنكار ذلك يلحق بالله تعالى عكس كونه قادرا، تعالى الله
عن ذلك، وكما يقول ابن تيمية فهذا أمر مستقر في فطر المؤمنين لا يشكون في أن الله تعالى قادر على أن يريهم نفسه، وإنما يشكون هل يكون ذلك أو لا يكون كما سأل المؤمنون النبي - صلى الله عليه وسلم - " هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: نعم، هل تضارون في رؤية الشمس) .... فإنما كانوا شاكين هل يرون ربهم، لم يكونوا شاكين هل يقدر على أن يريهم نفسه، وكذلك في المعاد يعلمون أنهم عاجزون عن رؤيته، كما أنهم عاجزون عن أن يقدروا بسمعهم وببصرهم على أكثر مما هم قادرين عليه، كما يعجزون عن رؤية الأشياء البعيدة والأشياء اللطيفة مع علمهم أن الله قادر أن يريهم ذلك
(140)
إذن فلا خلاف حول جواز إمكان رؤية الله لأن ذلك عندهم ذلك أمر معلق بقدرة الله تعالى،، وهو القادر على كل شئ، ومن ثم قادر على أن يريهم نفسه فلا شئ مستحيل عليه تعالى إذن فأمر رؤيته ليس بمستحيل، بل ممكن. وبهذا فهى ليست موضوع سؤالهم، وإنما موضع
156 (1/156)
صفحة 146
السؤال هو هل يقدرهم الله تعالى على ذلك، بأن يقويهم على رؤيته أم لا. يقول ابن تيمية: " ولهذا لا يوجد أحداً من الأمم السليمة الفطرة قال إن رؤية الله ممتنعة عليه، يعنى أنه لا يجوز أن يكون مرئيا وليس في مقدوره أن يرى أحدا نفسه بل هم إذا نفوا الرؤية كان لعظمته من جهة القدر أو الوصف مثل قوله: " لا تدركه الأبصار " أي: لا تحيط به، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: " نور أني أراه " فإن السماء ينفى عنها إدراك البصر لسعتها، والشمس لبرهاتها وشعاعها الذي يغشي البصر، فيكون ذلك لعجز البصر عن وصف المرئى وقدره.
(141).
وفي دليل آخر يربط ابن تيمية في التدليل على إمكان رؤية الله تعالى، بين ذلك وبين كل من الوجود والقدرة كصفتين ذاتيتين؛ حيث يذهب إلى امتناع القول بعدم رؤية الموجود في مقابل امتناع القول برؤية المعدوم، لأن المعدوم بعدمه لا يدخل في الأشياء، التي تدخل تحت قدرة الله تعالى، والله قادر على أن يقدرنا عليها مثل الحال بالنسبة للرؤية
يقول ابن تيمية: " اما أن يقال: إن موجودا عظيما - يمتنع في نفسه أن يكون مرئياً، كما يمتنع ذلك في المعدوم فهذا خلاف ما فطر الله عليه عباده، بل حيث كان الوجود أكمل كان أحق بأن يجوز أن يرى ويشهد، لكن بشرط قوى الرائى وكماله، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث الصحيحة: " إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر لا تضامون في رؤيته " وفى رواية (كما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب " فقوله: " لا تضامون " و " لا تضارون " نفى لأن يلحقهم ضيم أو ضير كما يلحقهم في الدنيا في رؤية الشئ، إما لظهوره كالشمس، أو لخفائه كالهلال. أما المعدوم فالإحساس به برؤية أو غيرها يقتضى أن يكون موجودا معدوما، فإن كونه معدوما
157 (1/157)
صفحة 147
يقتضي أنه ليس بالخارج، فرؤيته في الخارج تقتضي أنه في الخارج، فيقتضى الجمع بين النقيضين الوجود والعدم، وهذا باطل ممتنع لا حقيقة له أصلا، فلا يدخل في مسمى الشئ حتى يقال إن الله عليه قدير، فإنه سبحانه على كل شئ قدير، وهذا ليس بشئ أصلاً " (142) وبعد أن دلل مثبتو رؤية الله تعالى على كونها ممكنة عن طريق الأدلة العقلية التي ذكرنا شيئا منها من قبل اتجهوا إلى التدليل بالنقل على جوازها ووقوعها في الآخرة، معتمدين في ذلك على ما ورد في
كتاب الله تعالى من آيات، وما ورد في السنة من أحاديث صحيحة.
ومن القرآن استدل مثبتو الرؤية على إمكانها ووقوعها في الآخرة بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَيْهَا نَاظِرَةٌ وبعد أن استبعدوا
(143)
المعاني غير النظر بالعين التي يمكن أن تحمل عليها الآية، انتهوا إلى أنها تعنى النظر بالعين، مما يؤكد رؤية الله بالأبصار.
كما استدلوا كذلك بما ورد في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَيْنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَركينِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ
(144)
ووقفوا من هذه
اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَينِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَل جَعَلَهُ دَكَّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَا فَلَمَّا أفاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوّلُ الْمُؤْمِنِينَ * الآية عند سؤال موسى ربه الرؤية، ورتبوا عليه أنه لو لم تكن الرؤية ممكنة ما سأل موسى ربه إياها، كما أنه لا ينبغي له عليه السلام أن يكون جاهلا بذلك، كأن يكون على غير علم بإمكان رؤيته تعالى، وأنه ممتنع الرؤية، وكل هذا يتنافى مع مكانة موسى عليه السلام، وهو من أنبياء الله - صلى الله عليهم أجمعين وسلم - الأمر الذي يرتبوا عليه جواز وقوع الرؤية.
158 (1/158)
صفحة 148
ومن الآيات كذلك التي استندوا إليها في هذا قوله تعالى: لِلَّذِينَ
(145)
أحْسَنُوا الحسنى وزيادة. وفسروا الزيادة في هذه الآية بـ " رؤية الله تعالى " لأنها خاصة بأهل الجنة، وفى الجنة من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومن ثم لا يكون زيادة أعظم من ذلك كله إلا الرؤية، فاتخذوا من هذا دليلا على رؤية الله تعالى في
الآخرة
(146)
ولما عورضوا بقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الأَبْصَر، قال الأشعرى: " قيل لهم: في الدنيا لا في الآخرة " أى أن المقصود بهذه الآية أن الأبصار لا تدركه تعالى في الدنيا، كما أولها أيضا في موضع آخر بقوله: " يعنى لا تدركه أبصار الكافرين
المكذبين
(147)
أما الماتريدى فاتخذ من هذا الإعتراض دليلا على الرؤية، فقال: فأما الدليل على الرؤية فقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ
الأَبْصَر
(148)
، ولو كان لا يرى لم يكن لنفي الإدراك حكمة، إذ
يدرك غيره بغير رؤية، فموضع نفى الإدراك - وغيره من الخلق لا يدرك
إلا بالرؤية - لا معنى له.
(149) "
وبهذا نجد أن مثبتى الرؤية قد دللوا على إمكان وقوع رؤية الله
تعالى في الآخرة بالدليل العقلى والدليل النقلى، وقد خالف أهل السنة منهم الحشوية وكذا غلاة الصوفية في القول بالرؤية مع التكييف، فقالوا بجوزا الرؤية بلا كيف، وهو ما وجدناه عند الأشعرى حسب ما يذكر عنه ابن عساكر من أنه قال بأن الله تعالى: " يرى من غير حلول وإلى مثل هذا ذهب الماتريدي في " كتاب
ولا حدود ولا تكييف
(150) "
"
159 (1/159)
صفحة 149
التوحيد " حيث نجده، بعد أن يؤكد إمكان وقوع الرؤية في الآخرة ويدلل عليها بالعقل والنقل يقول: " فإن قيل كيف يرى؟ قيل: بلا كيف، إذ الكيفية تكون لذى صورة، بل يرى بلا وصف قيام وقعود، واتكاء وتعلق واتصال وانفصال، ومقابلة، ومدابرة، وقصير وطويل
ونور وظلمة، وساكن ومتحرك، ومماس ومباين، وخارج وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم، أو يقدره العقل التعاليه عن ذلك)
قول نفاة رؤية الله تعالى:
(151)
قد ذهب النفاة مذهبهم في نفى الصفات بصفة عامة والمعتزلة بصفة خاصة تأسيساً على مذهبهم في التوحيد الذي نزهوا الله تعالى فيه صفات المخلوقين، وفي ذلك نقرأ في مجمل قول المعتزلة في التوحيد: إن الله واحد ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، وليس بجسم،
عن
(152)
ولا شبح ولا صورة ولا لحم، ولا دم ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض ولا بذى لون ولا طعم ولا رائحة، ولا مجسة .. الخ ولما كانوا قد عنوا بالرؤية التي أخذوا على عاتقهم إثبات استحالتها على الله تعالى، رؤية الله تعالى بحاسة البصر، كما هو شأنها المعهود في العالم المشاهد، وقد أفسح لها القاضي عبد الجبار معظم الجزء الرابع من كتابه " المغنى في أبواب التوحيد والعدل " حيث تحدث فيه عن الشروط التى ينبغى أن تتوفر للرؤية البصرية. فقصر الرؤية على الرؤية التي تتم بآلة البصر، وهى العين ولا رؤية بدونها، قال: " إن الواحد منا لا يصح أن يرى الشئ إلا بعينيه إذا كانت صحيحة، ومتى فقدها أو لحقها فساد لا يصح أن نرى المرئيات). كما اشترطوا لإتمام عملية الرؤية بالإضافة إلى سلامة الحاسة " ضرورة وجود الشعاع الذي يصل بين
(154).
(153)
المرئى والعين حتى تتم الرؤية، كما اشترطوا في المرئى لتتم رؤيته
160 (1/160)
صفحة 150
أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل للعين، وذلك لأن عندهم: البصر
(155)
لا يصح أن يرى به إلا ما كان مقابلا، أو في حكم المقابل له، فما اختص بذلك صح أن يرى بالبصر، وما خرج عنه لا يصح أن يرى به ومن هذه النصوص يتض جليا أن الرؤية التى قصد النفاه نفيها عن الله تعالى لا تخرج عن معنى الرؤية الحسية المعهودة في عالم الحس. فإذا أضفنا هذا المعنى للرؤية إلى ذلك الاعتقاد في التوحيد الذي ينافح عنه المعتزلة ومن تبعهم يتضح لنا منطقية قولهم بالنفي للرؤية، واتساقا مع مذهبهم دفاعا عن معتقدهم وردا للقول بالتشبيه والتجسيم الذي سقط فيه غيرهم من الحشوية ومن تبعهم، وهو ما يؤكده القاضي عبد الجبار في قوله: " أعلم أنه لما نفى عنه شبه الأجسام والأعراض، وما يختص كل منهما من الأحكام، اتبعه بنفي الرؤية، لاشتمال هذا الحكم على الجسم والعرض، واشتراكهما فيه، وهذا الباب – يعني باب نفى الرؤية - يعد من باب نفى التشبيه
(156)
وبالرغم من ذلك أخذ المعتزلة يدللون على مبتغاهم وهو إثبات استحالة الرؤية على الله تعالى، واستخدموا في هذا - كما هو الشأن
عند خصومهم من مثبتى الرؤية - الدليل العقلى والدليل النقلي، فمن تدليلهم العقلى على نفى إمكان رؤية الله تعالى ما ذكره صاحب المغنى في قوله: " لو كان سبحانه مرئيا لوجب أن يكون من أجناس المرئيات في الشاهد، لأن المرئيات في الشاهد أجناس مخصوصة لا يدخل فيها ما ليس منها، ولا يخرج منها ما هو منها، فهى فى كونها مرئية كالجنس الواحد ..... فكذلك إذا قال إنه مرئى لزمه أن يكون من جنس المرئيات فإذا استحال كونه من جنسها، لأن ذلك يوجب كونه جوهرا أو
عرضا، ويوجب حدوثه، فيجب القضاء بأنه ليس بمرئى أصلا " (157)
161 (1/161)
صفحة 151
أما فى استخدامهم التدليل على نفى الرؤية نقلا عن الكتاب والسنة، فأوردوا في أكثر من موضع نفس الآيات التي استخدمها المثبتون للرؤية، ولكن بعد أن أولوها تأويلا يفيد النفي لا الإثبات، مثلما حدث بالنسبة لاستدلالهم بقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ، وذهبوا بشأنها إلى أن الإدراك إذا ما قرن بالبصر فلابد من أن يفيد الرؤية، ومن ثم كان القول (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، بمعنى " لا تراه الأبصار "
(158).
كما استدلوا أيضاً بقوله تعالى: " رَبِّ أَرِنِي أَنظُر إِلَيْكَ " وإجابته تعالى له بقوله (لن) (ترانى). وإذا كان المثبتة للرؤية قد اتخذوا من هذه الآية دليلا على إمكان الرؤية، لكون السائل هو موسى عليه السلام ولا يجوز عليه سؤال ما يستحيل على الله تعالى، وإلا نسب موسى عليه السلام إلى ما لا يجوز أن ينسب إليه، وهو من الأنبياء عليهم السلام جميعا، ومن ثم فإن الرؤية ممكنة، وإلا لما سألها موسى عليه السلام ربه. لكن المعتزلة في فهمهم وويلهم لهذه الآية، ذهبوا إلى أن موسى عليه السلام لم يكن جاهلا بأن الله تعالى لا يمكن رؤيته بالأبصار، ولكنه سأل ذلك من الله تعالى لتبكيت، قومه، وإقامة الجة عليهم، ردا على سؤالهم إياها من موسى عليه السلام، بل وقفهم للإيمان بالله حتى تتم رؤيته تعالى جهرة، وهو ما ورد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)، ومن ثم فالآية عندهم لا تفيد إمكان الرؤية، بل النفى فيها صريحا للرؤية بقوله تعالى:
" لن تراني
(160).
(159)
أما بالنسبة للأخبار والأحاديث النبوية التي استدل بها مثبتوا
الرؤية، فقد ذهب المعتزلة بشأنها إلى الطعن فيها، وأنها أحاديث آحاد
162 (1/162)
صفحة 152
مما لا يصح الاستدلال به في أمور أصول العقيدة، بل واتوا بأحاديث
الله
مثلها مقابلة لها تؤكد نفى الرؤية. من نحو ما روى عن أبي الزبير عن الله، قال:: " قال رسول | صلى الله عليه وسلم: لن يرى الله أحد في الدنيا ولا في الآخرة " وما روى عن أبي ذر عن رسول الله
جابر بن عبد
صلى الله عليه وسلم أنه قال لرسول الله: هل رأيت ربك؟ قال: " نور
أني أراه " يعنى لا أراه
(161)
قول الأباضية في نفى رؤية الله بالأبصار:
يقول الأباضية بقول النفاة في مسألة الرؤية، بل يعتبر الأباضية أنفسهم أصلاء في هذا الرأي، وينفون القول بأنهم أخذوه عن أحد، ومن ثم نجدهم يشمرون عن سواعدهم للرد على كل من زعم أنهم تأثروا في قولهم باستحالة الرؤية على البارى سبحانه وتعالى بالمعتزلة، اعتمادا على أنهم يرفضون منهجيا الحكم على رأى بأنه مأخوذ من آخرين لمجرد التشابه بين الرأيين وبالنسبة لمقارنتهم بالمعتزلة يعتبرون أنفسهم أقدم وجودا من المعتزلة، ذلك لأنهم أخذوا مذهبهم عن جابر بن زيد الذي كان زميلا معاصرا للحسن البصرى الذى تتلمذ عليه واصل بن عطاء شيخ مدرسة الاعتزال.
وترتيبا على هذا يردون على " نللينو " قوله بتأثر الأباضية في قولهم بنفى الرؤية بالمعتزلة، وإن كانوا أيضا لا يقبلون القول بأن المعتزلة قد تأثروا بهم فيها، يقول على يحيي معمر: " إن عقيدة الأباضية بأن إمكان رؤية البارى جل وعلا مستحيل في الدنيا والآخرة كان واضحا شديد الوضوح في النصف الثانى من القرن الأول، وقد ناقشه بعض أئمة الأباضية، وتأيد فيها موقفهم بتأييد بعض كبار الصحابة كعائشة أم المؤمنين، الله بن عباس، فهل يحق للباحث أن يزعم أن المعتزلة وعبد
163 (1/163)
صفحة 153
أخذوا رأيهم في موضوع الرؤية من الأباضية، لأن هؤلاء سبقوهم إلى ذلك القول، ولأن المعتزلة يحتجون بنفس الأدلة التي يحتج بها الأباضية؟ لاشك أن الباحث المنضف لا يستطيع ان يزعم هذا الزعم
عربيتهم
(163)
(162) "
والأباضية يحددون معنى الرؤية التي يأخذون على عاتقهم أن ينفونها، بأنها الرؤية البصرية المعهودة في العالم المشاهد، وهي – كما يقول الشيخ السالمي: " اتصال شعاع الباصرة بالمرئي، أو انطباع صورة المرئي في الحدقة، هذه حقيقة الرؤية التي كانت العرب تعرفها في. كما يذكر لحصولها تسع شرائط لا يمكن أن تتم بدونها، وهي: سلامة الحاسة التي هي العين، وكون الشئ جائز الرؤية مع حضوره للحاسة، ومقابلة المرئى للحاسة أو كونه في حكم المقابلة، وعدم غاية الصغر، وعدم غاية اللطافة، وعدم غاية البعد، وعدم غاية القرب، وعدم الحجاب الحائل بين المرئى والحاسة، وأخيرا أن يكون المرئى مضيئا بذاته أو بغيره. وهذه هي نفسها شرائط الرؤية المعهودة، والتي يرى الشيخ السالمي استحالتها بالنسبة لله تعالى وذلك " لأنها لا تعقل إلا في جسم، والله تعالى ليس بجسم ولا عرض.
(164).
وترتيباً على هذا يرى الأباضية ضرورة الاعتقاد باستحالة الرؤية على النحو الذي سبق تحديده، وهى الرؤية البصرية، والحكم على كل من اعتقدها بأنه إما مشرك وإما منافق، وهو ما نقرأه عند الشيخ السالمي أيضا حيث يقول: " أعلم أن معتقدى الرؤية صنفان: أحدهما: قالوا: إن الله تعالى يرى في الدنيا والآخرة، كل ولي شاء الله أن يراه، وهؤلاء مشركون لمصادمة الكتاب. وصنف منهم خصوا الرؤية في الدنيا لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وهؤلاء منافقون لتأولهم الكتاب بحديث وضع لهم، أن محمد - صلى الله عليه وسلم - رأي ربه
164 (1/164)
صفحة 154
يري
ليلة الإسراء .. والصنف الثانى من معتقدى الرؤية، قالوا: إن الله لا. في الدنيا أصلا لا لولى ولا لنبي، وإنما يرى في الآخرة خاصة، وهؤلاء أيضا صنفان: أحدهما: قالوا إنه يرى في الآخرة في جهة، وخيز، له جسم ووجه ويد كأجسامنا، وأوجهنا، وأيدينا، وهؤلاء مشركون لمساواتهم ربهم بخلقه، فهم يعبدون صنما يزعمونه ربا.
وثانيهما: تستروا عن هذا التشبيه، فقالوا نراه في الآخرة بلا
كيف أي بلا هيئة ولا حالة نكيفها، وهذا فرار من صريح التشبيه مع
الوقوع فيه معنى، ولذا قال الزمخشري:
لجماعة سموا هواهم سنة وجماعة، حمر لعمرى مؤفكه
قد شبهوه بخلقه فتخوفوا
شنع الورى فتستروا بالبلكفه
وحكم هؤلاء عندنا أنهم منافقون لتأولهم الكتاب، وتعلقهم به
ووذلك أنهم تأولوا قوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ) بنفى الإدراك في
دار الدنيا، لقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَها نَاضِرَةُ إِلَى رَيْهَا نَاظِرَةٌ) التدليل على استحالة رؤية الله تعالى:
(165)
والأباضية قد اعتمدوا في تدليلهم على نفى الرؤية على العقل والنقل، كما هو الشأن عند غيرهم من مثبتى الرؤية ونفاتها، وقد أخذوا على عاتقهم تفنيد أدلة خصومهم ثم الإتيان بأدلتهم التي يثبتون بها رأيهم. ونبدأ بعرض قولهم فيما عرضوه من التدليل العقلي ثم نتبع ذلك
بعرض لأدلتهم النقلية.
التدليل العقل على نفى الرؤية:
وقد بدأ الأباضية بتفنيد أدلة المثبتين للرؤية، وأشهر الأدلة في ذلك ما نسب إلى الأشعري، وقد سبق عرضه، وخلاصة القول فيه: أنه
165 (1/165)
صفحة 155
يقيم دليله العقلى على إمكان رؤية الله تعالى على إنصاف الله تعالى
بصفة الوجود، ويصوغ دليله فى شكل قياس على النحو التالي:
البارى تعالى موجود
كل موجود يصح أن يرى
إذن فالبارى تعالى يصح أن يرى
وقد كان الدليل الذي قال به الأشعرى وسايره فيه بعض
الأشاعرة، مثار انتقاد من البعض الآخر من الأشاعرة، فقال عنه الفخر
إليها (166)
المشاهد
الرازي بأنه ضعيف ودلل على ضعفه من وجوه يمكن لمن أراد الرجوع،، كما عارضه الغزالي فلم يسو الوجود كما هو في العالم مع وجود الله تعالى الذى هو عين ذاته، ومن ثم فإن كان الوجودان وجود الله تعالى ووجود الموجودات يلتقيان مثلا في كونهما موضع تعلق العلم والرؤية إلا أن وجود الله تعالى يخالف وجود سائر الموجودات في استحالة كون الله تعالى حادثا أو موصوفا بما يدل على الحدوث، أو على أى صفة أخرى تناقض صفات الله تعالى
(167)
كما فنده أيضا علماء الأباضية، تمهيدا لبيان رأيهم في نفى أو استحالة الرؤية على الله تعالى، وقد شجعهم على ذلك ما رأوه من الشهادة بضعف الدليل من الأشاعرة أنفسهم، ولذلك نجد المعصبي بعد أن يذكر الدليل، ويستشهد بما قاله الغزالي والرازي بشأنه يقول: ونزيد لما ذهبوا إليه من أن علة الرؤية هو الوجود وضوحا وبيانا في ضعفه، حتى يصير إن شاء الله أوهن من بيت العنكبوت، فنقول: لو جاز تعلق الرؤية بالأصوات والطعوم والروائح، وبالرؤية نفسها وبالاعتقاد وبسائر الإعراض الموجودة المحققة ضرورة أن يكون الكل موجود،
166 (1/166)
صفحة 156
واللازم باطل فكذا الملزوم. وبيان الملازمة أن مصحح الرؤية على ذلك التقدير هو الوجود، وأن يتصف به البارى سبحانه وغيره من الجواهر
والأعراض، فالاتفاق في العلة دليل الإتفاق في الكم، ومستلزم له. وبيان بطلان اللازم، أن عادته تعالى جرت بعدم تعلق الرؤية بكثير من الأعراض، إن أنصفوا وتركوا السفسطة، فإن قلت الخصم لا ينكر ذلك ولكنه يقول: إن الله تعالى قادر أن يخرق تلك العادة، قلنا: هذا مسلم، ولكنه يستلزم محالا ضرورة أنه لو جاز ذلك لجاز أن يتعلق بالألوان والطعوم والروائح وغير ذلك، وأن يتعلق بها الشم والذوق واللمس أيضا، فتكون كل حاسة بغير ما طبعت عليه بعادته تعالى فيلزم الإنقلاب المنافى الكمة الإلهية فلا تستقر له عادة، وتبطل حينئذ فائدة اختصاص كل من الحواس بما طبعت عليه
(168)
وبعد تفنيد الأباضية للتدليل العقلى للخصوم على إثبات إمكان الرؤية اتجهوا بدورهم إلى إقامة الأدلة العقلية التي تثبت رأيهم في استحالة الرؤية على الله تعالى.
ومن أدلتهم العقلية في هذا الشأن ذلك الدليل الذي صاغوه في
شكل قياس على النحو التالي:
إن الله تبارك وتعالى لا يشبه شيءئا ولا يشبهه شئ من كل وجه.
ومن كان كذلك استحال في حقه أن يرى.
فالله تعالى استحال أن يرى.
وقد كان عليهم أن يدللوا على صدق مقدمتي القياس لتصدق النتيجة التي توصلوا إليها من كون الله تعالى مستحيل الرؤية، فذهب المصعبي إلى أن: " دليل الصغرى في قولنا إن الله تعالى لا يشبه شيئا ولا
167 (1/167)
صفحة 157
يشبهه شئ، العقل والنقل، أما العقل فلما مر غير مرة من أنه تعالى مخالف لسائر الحوادث، وقد اعترف الخصم بذلك، وأما النقل فلقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ والآية نصا في المراد كما اعترف به أيضا. وأما الكبرى، وهى قولنا، ومن هو كذلك استحال في حقه أن
يرى، فلأنه لو لم يكن مستحيلا رؤيته لكان إما واجبا رؤيته أو جائز، والأول محال اتفاقا، والثانى لا يخلو إما أن يكون لقبول ذاته، تعالى عن ذلك، أو لقبول جوهر البصر، له والأول وهو أنه لقبول ذاته لا يخلو من أن يكون ذلك القبول حقيقيا أو اعتباريا، وكلاهما فاسد، أما الأول وهو أن يكون حقيقياً فلا يخلو من أن يكون نفس ذاته تعالى، وهو الحق لما مر غير مرة، أو زائد عليها، فالأول يستلزم إما قدم الأبصار أو قيام الحوادث بذاته تعالى، والثانى يوجب التسلسل في القوائل، والكل محال.
وأما الثاني: وهو أن يكون القبول اعتباريا، فلأن الإعتباري لا يصلح لأن يكون علة للأمر الثبوتى ضرورة أن الإعتباريات عندهم من قبيل الإعدام، وهو أنه لقبول جوهر البصر له فاسد أيضا من وجهين: أحدهما: أنه يوجب إما كونه تعالى مماثلا للحوادث، او خروج جوهر البصر عما طبع عليه، فيكون غيره من الحواس أيضا يشاركه في ذلك المعنى، والتخصيص بالبصر تحكم، والإستدلال بالظواهر قد مر تأويله.
والقول بأنه لا بعد في أن يخرق الله سبحانه في ذلك اليوم عادته فيخلق قوة في الأبصار فتراه مع ما هي عليه في طبعها، ظاهر الفساد، ولعلا تعالى عن ذلك علوا كبيرا، خرق عادته في ذلك اليوم، بأن تتبدل،
168 (1/168)
صفحة 158
ثم حاشاه ذاته العلية فتكون من قبيل المرئيات، هذا ما قد بان بطلانه
لمن يعقل.
•
وثانيهما: أنه لو كان ذلك القبول لجوهر البصر، مع ما هو عليه من طبعه صح له أن يراه في الدنيا، وقد قيل به جهلا لازما بالذات لا يتغير، ولا يرد القول المذكور أيضا، لظهور بطلانه على كل تقدير مع الإنصاف، وإذا بطل الجواز بجميع احتمالاته، ولا سبيل إلى القول بالوجوب تعين الإمتناع المقتضى لتنزيهه تعالى
(169) -
ومن أدلتهم العقلية أيضاً ما أوجزه مفتى عمان في أن الله سبحانه وتعالى كان قبل خلق الوجود كله، ولم تتحول ذاته، أو تتبدل صفاته بعد الخلق عما كانت عليه قبله فلا تتصل ذاته سبحانه بشئ من مخلوقاته، كما أنها لا تنفصل عنها، لأن كل ذلك من صفات الحوادث، ومن ثم كان إدراك كنهها مستحيلاً عقلا ونقلا، وإنما غاية المعرفة بها الشعور بالعجز عن إدراك كنهها، كما قيل " العجز عن
الإدراك هو الإدراك
(170).
وعلى هذا كان إثبات استحالة رؤية الباري التي تعد نوعاً من
الإدراك لذاته سبحانه وتعالى.
التدليل النقلى على نفى الرؤية:
وقد سلك الأباضية في ذلك مسلكا ذهبوا فيه إلى النظر في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي استدل بها خصومهم على إثبات
/
إمكانية الرؤية ووقوعها، ففهموها فهما مغايرا لفهم خصومهم، أو أولوها تأويلا يؤيد وجهة نظرهم في القول باستحالة الرؤية على الله
تعالى، فضلا عن البعد بهم عن الوقوع في مزالق التشبيه أو التجسيم
لله تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
169 (1/169)
صفحة 159
وقد استدلوا في ذلك كله على ما تسمح به طبيعة اللغة العربية
من فهم أو تأويل، فضلا عن ما جرى عليه استعمال العرب للغة، أو على ما وجدوه في القرآن الكريم من آيات تؤيد فهمهم أو تأويلهم للآيات المعنية تأسيسا على أن القرآن الكريم لا يتخالف بعضه مع بعض، وإنما يؤيد بعضه بعضا. كما أضافوا إلى ذلك أدلة جديدة من الكتاب تؤيد وجهة نظرهم في النفئ، ولم يتعرض لها خصومهم.
هذا بالنسبة إلى ما استدلوا به من القرآن الكريم، أما ما كان موضع التدليل عند الخصوم من السنة على إثبات الرؤية فذهبوا فيه أكثر من مذهب، منها الطعن في استدلال خصومهم بما استدلوا به من الأحاديث، على أساس إما أنها غير صحيحة، أو أنها رواية آحاد مما لا يصلح دليلا في أمور العقائد، ومنها الاتجاه إلى تأويل الاحاديث – إن صحت – تأويلا مغايرا لتأويل خصومهم لتأتى مؤيدة لوجهة نظرهم في النفى والاستحالة للرؤية على الله تعالى. كما أضافوا إلى هذا كله من الأخبار والأحاديث النبوية ما رأوا فيه تأييداً لوجهة نظرهم في النفي ولم
يتعرض له الخصوم. وفيما يلى نفصل ما أجملناه على النحو التالي:-
(1) ما كان بشأن قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةُ إِلَى وَنَهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يوملم بارةٌ) تَكنُ أَن يُعْمَلَ بِمَا نَافِرَةٌ) (171)،، وقد اتخذ الأشاعرة ومن ذهب مذهبهم من هذه الآية دليلا على إثبات إمكان رؤية الله بالأبصار ووقوعها في الآخرة، خاصة أنه - فيما رأوا - في إسناد النظر إلى الوجه دليل على نظر العين. كما استدلوا أيضا بـ تعدى النظر بـ " إلى " على أنه نظر العين، زاعمين أن هذا هو المشهور في استعمال
العرب للغة.
170 (1/170)
صفحة 160
والأباضية في موقفهم من استدلال مثبتي الرؤية بهذه الآية -
شأنهم شأن غيرهم من النفاة - رفضوا هذا الفهم والتأويل لهذه الآية على النحو السالف من وجهين الوجه الأول: هو أن (ناظرة) في هذه الآية لا تعنى نظر الأبصار، ولكنها تعنى التوقع والانتظار. وقد ذهب الربيع بين حبيب الأزدي (ت 170 هـ) في صحيحه الذي يعتمد عليه الأباضية بعد القرآن الكريم، إلى التدليل على أن النظر في اللغة يعنى الانتظار فقال: " إن النظر هو الانتظار لقول الله عز وجل: (مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً
(172)
تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَحْصِمُونَ)، يعنى ينتظرون، وليس بمعنى النظر بالأبصار. وقد قال الله عز وجل: (وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن، وقال: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَيْكَةُ) (174)، ونحوه من القرآن، ومصداق ذلك في اللغة قول القائل: إنما انظر إلى الله ثم إليك،
فراق
(173)
يعني ينتظر ما يأتيه من قبله
كما يستشهد على أن معنى النظر هو الإنتظار بما روى عن على بن أبي طالب أنه قال: (تنضر وجهوهم وهو الإشراق، إلى ربها ناظرة) قال: تنظر متى يأذن لهم ربهم في دخول الجنة، ولا يعنى الرؤية بالأبصار، لأن الأبصار لا تدركه، كما قال: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (175))
..
(176)
وكان المثبتون للرؤية قد عارضوا تفسير النفاة للنظر بالإنتظار أو التوقع للثواب، زاعمين أن فى الإنتظار ما يفسد على المؤمنين متعتهم بما
أعد الله لهم من نعيم في الآخرة،
ورداً على هذا الزعم ذهب الشماخي إلى أن ذلك " نبو ظاهر عن
مظان استعمال العرب بغير سلطان ولا هدى ولا كتاب منير، فإن الآية
171 (1/171)
صفحة 161
نزلت في حال يوم القيامة، فالمؤمنون ناظرة وجوههم بالبشارات والكفار باسرة وجوههم بتحقيق الوعيد، فالأولون منتظرون دخول الجنة، والكافرون يتوقعون أن ينبذوا فى الحطمة، هذا وأهل الأعراف لم يدخلون وهم يطمعون، وأهل الجنة في نعيم ينظرون، وأيضا فإن في ذلك تجاسرا، بأن يكون المؤمنون ناظرة وجوههم، بعد الإنتظار باسرة، وأن يكون انتظار نعمته سلب النعمة، وسبب الغم، وضيق الصدر والموت الأحمر، والحزن الأكبر، والقلق الأخسر، وبالبؤس أجدر. كما يعود فيدلل على أن النظر في الآية بمعنى الإنتظار بتقديم (إلى ربها) أي لا تنظر إلا الله، على معنى لا يفيد الحصر والإختصاص، ولو كان من نظر العين لا تحصر نظرهم في ذات الله تعالى عن ذلك، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء كثيرة، لأنهم الآمنون، الذين لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ (177)، وَهُم مِّن فَرع يومين مَامِنُونَ) (178)، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
الأكبر
يخزنون
(179)
)
في حين تفسير النظر بمعنى الإنتظار يزيل هذا الإلتباس،
لأن المؤمنين لا ينتظرون الثواب إلا من الله تعالى.
كما يدلل أيضاً على التفسير بالنظر بمعنى الإنتظار بذكر
(تظن) في مقابلة (ناظرة)؛ أي تتوقع أن يفعل بها فعل فظيع يقصم فقار الظهور. كما ترتجى الوجوه الناظرة إلى ربها أن يفعل بها كل خير وأيضاً فاعل (تظن) هو الوجوه، ومعلوم أن الوجوه لا تظن وإنما تظن القلوب فتكون الوجوه عن الجملة في الأول والثانى للمعادلة والموازنة
بينهما
(180) -
وإذا كان مثبتوا الرؤية قد ذهبوا في التدليل على صحة قولهم بأن النظر في الآية يعنى نظر الأبصار، بسبق النظر بـ (إلى) على أساس أن النظر إذا جاء مسبوقا بـ (إلى) فهو يعنى نظر العين أو نظر الأبصار،
172 (1/172)
صفحة 162
وعلى هذا فهمهم لـ (إلى ربها ناظرة يعنى الرؤية بالأبصار، ومن ثم لا يمكن أن يكون بمعنى الإنتظار والتوقع على نحو ما ذهب إليه النفاة، لعدم ثبوت ذلك فى استعمالات اللغة العربية عند العرب. ورفض الأباضية قولهم هذا، بل ذهبوا إلى أن من يقول بهذا يعد قاصرا عن تتبع
كلام البلغاء، واستدلوا على هذا من القرآن الكريم بقوله تعالى: فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة، ومن كلام العرب، يقول الشاعر:
(181)
وإذا نظرت إليك من ملك والبحر دونك زدتني نعما
(182)
كما أضاف خصوم الأباضية من مثبتى الرؤية أنه إذا قرن النظر بالوجه فلابد من أن يعنى نظر الأبصار، والأباضية يردون عليهم ذلك أيضا بما هو ثابت في كلام العرب، ذلك لأنه قد جاء النظر مقرونا بالوجه وبـ (إلى) معا، وهو بمعنى الإنتظار. ويستشهدون في ذلك بقول حسان بن ثابت:
وجوه يوم بدر ناظرات
إلى الرحمن يأتي بالفلاح
وقول البعيث:
وجوه بها ليل الحجاز على الهوى إلى ملك ركن المعارف ناظرة
أي: منتظرة المعروفه
(183)
بكل هذا تأيد ضعف أن تقوم هذه الآية – حسب رأى الأباضية - دليلا على إمكان ووقوع الرؤية بالأبصار الله تعالى – حسبما رأى الأشاعرة ومن سار على نحوهم - فضلا عن أنه في ذلك دعم لقولهم
باستحالة ذلك على الله تعالى:
173 (1/173)
صفحة 163
(ب) قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَيْنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تركي ولكن أنظر إلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَدَى فَلَمَّا تَجَلَّ
ربد الجبل جعله دكا وَخَر موسى صعقا فلما أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَك تبت
(184)
إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)، وكان خصوم الأباضية من مثبتى إمكان الرؤية قد استدلوا بهذه الآية على إمكان وقوعها بالأبصار، اعتمادا على الآتى:
1 - أن الرؤية لو كانت مستحيلة على الله تعالى ما طلبها موسى عليه السلام، لكونه نبيا، والنبي لا يجوز عليه الجهل بصفات الله تعالى، ولا يجوز عليه أيضا أن يكون عالما باستحالة ذلك على الله تعالى، ويسأله إياه لأن ذلك من قبيل العبث، إذن - حسب رأيهم – فهى ممكنة
2 - لكون الله تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل فقال: وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرٌ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي، واستقرار الجبل أمر ممكن، وما علق على الممكن فهو
ممكن، ومن ثم فالرؤية - حسب رأيهم أيضا ممكنة
وبالنسبة للشق الأول من استدلال خصوم الأباضية بالآية وهو
-
المتعلق بسؤال موسى عليه السلام ربه الرؤية، وهو ما لا يجوز عليه – حسب رأى الخصوم - لو لم تكن ممكنة. يذهب الأباضية إلى أن موسى عليه السلام ما سأل ربه هذا عن الجهل ولا كان أيضا من العابثين، ولكنه سأله ذلك وهو يعلم استحالة الرؤية عليه تعالى، كما أنه لم يسألها إلا لغرض معين، فيكون بذلك عابثا، وإنما سألها للرد على قومه من بنى اسرائيل، الذين أبوا أن يؤمنوا حتى يروا الله جهرة،
174 (1/174)
صفحة 164
وأصموا آذانهم عن ذلك من نحو قوله لهم، إن الله لا يرى أو يستحيل أن يرى، وهو ما جاء بشأنه قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ. عَلَيْنَا الْمَلَيكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتو عنوا كبيرا (185)، وقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصنعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) (186)، وقوله تعالى: (يَسْتَلْكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَن تُنَزِلَ عليهم كتبا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ
(187)
الصديقة يظلمهم)، فلما يئس من إقناعهم كان ذهابه للميقات، ومعه سبعون رجلا من قومه، حيث سأل ربه الرؤية لإفحامهم وكبتهم. وإن قيل " لم سألها باسمه ولم يسألها باسم قومه؟ قيل في هذا، إنه فعل ذلك من قبيل فعل الأولى، حتى يسمعهم أن الرؤية مستحيلة عليه وهو نبي الله عليه السلام، فمن باب أولى أن يكون كذلك بالنسبة لهم. ومما يدلل به أيضا على أن موسى عليه السلام قد سأل ذلك لإقامة الحجة على قومه الذين تعنتوا وسألوا ذلك لإفحامهم قوله تعالى: واختار موسى قومَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَيْنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّى أَهْلِكُنَا مَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِن إنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِتُنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الغَفِرِينَ)
(188)
فإن قيل: لما كان ذلك كذلك، فلم كانت التوبة من موسى وطلب الرحمة والمغفرة من الله تعالى عقب فعلته وهي سؤال الرؤية بالرغم من علمه بأنها مستحيلة على الله تعالى. قيل في الرد على ذلك أنه كان منه ذلك لعدم إذن الله تعالى له في السؤال، وإن كان الله سبحانه يعلم سريرته التي تنطوي على علمه باستحالة الرؤية على الله تعالى، وأنه ما سألها لنفسه ولكن لإقامة الحجة على قومه كما مر، وهو ما تأكد
175 (1/175)
صفحة 165
من الآية على لسان موسى فى قوله منزها الله تعالى، ومؤكدا الإيمان بما يليق به تعالى من صفات، وقد ورد في قوله تعالى: سُبْحَنَكَ تُبْتُ
إلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين) أى حاشى أن يمكن رؤيتك بالأبصار، وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى
(189)
أما بالنسبة إلى الشق الثاني من استدلال خصوم الأباضية بالآية، وهو الخاص بتعليق الرؤية على استقرار الجبل واستقرار الجبل ممكن وما يتعلق - بالممكن ممكن، ومن ثم كانت الرؤية ممكنة عندهم، فقد فنده الأباضية أيضا، ولنقرأ في هذا ما ذكره صاحب " معالم الدين " حيث قال: " إن أرادوا إمكانا نسبيا فمسلم وغير بعيد، وإن أرادوا إمكانا حقيقا فهو ممنوع، على أن نتيجة مفهوم الشرط في قوله: فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَينِي صريحة في نفيها في المستقبل مطلقا، أعنى في الدنيا والآخرة، ومن أدعى التخصيص بالدنيا فعليه بيانه، فإن قلت: المفهوم وهو إن لم يستقر مكانه فلا تراني غير منتج عند علماء الميزان، قلت: معنى نفى إنتاجه نفى لزومه، ولا مرية في أن نفى الأخص وهو اللزوم لا يستلزم نفى الأعم وهو الإنتاج، فثبت إنتاجه، وإلا لزم العبث في كلامه تعالى، والتالى باطل
(190).
أما الشيخ السالمي فقد ذهب في المسألة إلى القول بأن " استقرار الجبل مستحيل في علمه تعالى والمتعلق بالمستحيل مستحيل مثله لأن الاعتبار في ذلك بالمخاطب - بالكسر - لأن الخطاب صدر منه وهو عالم باستحالته (لا يقال إنه اعتبرهنا حال المخاطب بالفتح واستقرار الجبل إليه ممكن لأنا نقول إن هذا خلاف الظاهر، وعلى مدعيه
الدليل ولا دليل)
(191)
176 (1/176)
صفحة 166
وبهذا التفنيد الذي فنده الأباضية لاستدلال خصومهم بالآية المشار
إليها سابقا على إمكان الرؤية، يبطل الاستدلال بها على ما ذهبوا إليه، ويبقى ما جاء بها من قوله تعالى: لن ترانى ليفيد استحالة رؤية الله تعالى على التأييد، بمعنى أنها غير ممكنة أو مستحيلة في الدنيا وكذا في الآخرة. وهو ما اعتقده الأباضية.
(ج) قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)
(192)
ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره هذه الآية عدة أخبار تفيد أكثر من وجه في تفسير (وزيادة) التي وردت في الآية منها:
1 - أنها تفيد النظر إلى وجه الله تعالى.
ب الزيادة تعنى غرفة من لؤلؤة واحدة لها أو فيها أربعة أبواب. وقيل أنها تفيد أن " الحسنى " واحدة من الحسنات بواحدة، والزيادة تمام العشر. كما قيل: الزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
ج ومنها أن الزيادة مغفرة من الله ورضوان.
د-
:
أن الزيادة ما أعطوا في الدنيا وهو قول ابن زيد: الحسنى: الجنة، وزيادة: ما أعطاهم الله في الدنيا لا يحاسبهم به يوم القيامة. وقرأوا: وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا) (193)، وقال: ما أتاه مما يحب في الدنيا عجل له في أجره. وانتهى الطبرى بعد ذكره للأخبار التي ذكرها في تفسيره للآية إلى القول: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وعد المحسنين من عباده على إحسانهم أن يجزيهم على طاعتهم إياه بالجنة، وأن تبيض وجوههم ووعدهم مع الحسنى الزيادة عليها. وعدد أوجده الزيادة على النحو الذي وردت به الآثار جميعها بما في ذلك النظر إلى
177 (1/177)
صفحة 167
وجه الله تعالى. ولكنه انتهى إلى القول: " وعم ربنا جل ثناؤه بقوله: (وزيادة) الزيادات على (الحسنى) فلم يخصص منها شيئا دون شئ، وغير مستنكر من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع إن شاء الله: وترتيبا على هذا ينتهى الطبري إلى أن أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يعم كما عمه عز
ذكره
(194)
وأعتقد أن ما انتهى إليه الطبرى من فضل التعميم في هذه الآية هو الصواب، ولكننا نجد المتكلمين عندما استدلوا بهذه الآية على إثبات إمكان الرؤية أو استحالتها انقسموا في هذا إلى قسمين كما سبق، قسم مثبتى الرؤية ويضم أهل السنة والأشاعرة والماتريدية ومن سار في ركبهم، ونراهم قد تعلقوا بالوجه الأول الذى وردت به الآثار كما ذكره الطبرى ويعنى أن الحسنى هى الجنة، وأن الزيادة تعنى النظر إلى وجه الله تعالى، وهو ما ذهب إليه الأشعرى حيث تأول (الزيادة) التي وردت في هذه الآية، ووردت في قوله تعالى: (ولدينا مزيد) بأنها النظر إلى وجه الله تعالى، وأنه لم ينعم الله تعالى على أهل الجنة بأفضل من نظرهم إليه ورؤيتهم له
(195)
أما القسم الثاني من المتكلمين في رؤية الله تعالى، وهم النفاة الذين ذهبوا إلى نفى الرؤية، أو استحالة رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا والآخرة، فقد فندوا أولا تأويل مثبتى الرؤية (الحسني) بأنها "الجنة "، والزيادة بأنها النظر إلى وجه الله تعالى. ومن ثم تعلقوا في تفسير الآية بالأوجه الأخرى التي رواها الطبرى فى معنى الآية، ما عدا وجه: النظر إلى وجه الله تعالى. والأباضية يقعون في معسكر نفاة الرؤية أو القائلين باستحالتها على الله تعالى، ولهذا نقرأ في تفنيدهم
178 (1/178)
صفحة 168
لتأويل الأشاعرة، وغيرهم ممن أولوا الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله تعالى قول أبي عمار عبد الكافي، الذي وضع من قال بمثل هذا في زمرة المشبهة، وقال عنهم: " وأما تأويل المشبهة لقوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) فقالوا: إن الحسنى هى الجنة، ولا نجد ما يزيدهم بعد الجنة إلا أن يريهم الله إياه. فهذا من التأويل باستكراه شديد وتعسف قبيح، غير أن القوم متى سمعوا بذكر شئ قريب من الذي تميل إليه أهواؤهم، أو بعيد منهم ذهبوا إلى ما تهوى أنفسهم من
تشبيههم
(196)
كما فند ذلكم الشيخ السالمي في قوله بأن: " هذا خلاف الظاهر بلا دليل فالظاهر أن الزيادة على الشئ لا تكون إلا من جنسه ولذا لا يفسر عندى ألف درهم وزيادة بزيادة ثوب مثلا، وأيضا فالظاهر أن الزيادة أقل من المزيد عليه، ورؤية الله تعالى بزعمهم أكبر من الجنة، وأعلا مقاما، ولذا قال الشافعى: " أما والله لو لم يبقن محمد بن إدريس بأنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا ". نقل ذلك عنه الباجوري في
حاشية الجوهرة
(197).
ويستدل الأباضية في تفنيدهم لاستدلال مثبتي الرؤية أيضا بأنه لو كان ما ذهبوا إليه صحيحا، وأن وقوع رؤية الله للمؤمنين في الآخرة ثابت على النحو الذي زعموه، وهي أعظم قدرا من كل ما ذكر من نعيم الجنة، وهو ما أقره الخصوم من مدعى إمكان الرؤية ووقوعها، ما كانت الإشارة إليها في كتاب الله تأتى هكذا غامضة، ولا تتضح إلا بالتأويل وقد جرت العادة بالنسبة لأوصاف الجنة ونعيمها، والنار وعذابها بشكل يدعو إلى الترغيب والترهيب، أو التشويق والتنفير، للطاعة من ناحية والعصيان من ناحية أخرى. ذلك هو ما يعتمد عليه مفتى الأباضية
179 (1/179)
صفحة 169
في تفنيده لتأويلات الخصوم التي بنوا عليها إمكان الرؤية ووقوعها في الآخرة. ولنقرأ له قوله: " إنك تجد في كتاب الله ما وعد به المؤمنين في الدار الآخرة من النعيم مذكورا بأصرح العبارات، ومكررا في مواضع شتى لأجل التشويق إليه، بينما لا تجد للرؤية ذكرا إلا ما يتأوله مثبتوها من لفظ " الزيادة " وأمثالها، وهو ما لم يذكر إلا مجملا، فهل ترى من المعقول - بعد لو كانت الرؤية ثابتة، وهى أجل من كل نعيم في الجنة - أن يكتفى بهذه الإشارة الطفيفة إليها، بينما تذكر المآكل، والمشارب، والمساكن، والمناكح، والحدائق والأنهار، وسائر المباهج والملذات الفينة بعد الفينة بعبارات واضحة لا تحتمل التأويل؟!
(198)
ثم بعد هذا التفنيد العقلى لما تأول به مثبتوا الرؤية " الزيادة " في هذه الآية، يلجأون إلى الاستدلال بالأخبار التي جاءت في تفسيرها بغير الرؤية من نحو كون الحسنى حسنة، والزيادة التسع استنادا إلى ما جاء في قوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} أو انها غرفة من لؤلؤ لها أربعة أبواب حسب ما روى عن الإمام على كرم الله وجهه أو أنها: انتظارهم لما يزيدهم الله من فضله ويتحفهم به. أو انها: مغفرة ورضوان الله ونحو ذلك.
وبهذا التفنيد يخطوا الأباضية خطوة جديدة، نحو هدفهم وهو
إثبات أن الرؤية مستحيلة على الله تعالى في الدنيا والآخرة.
(د) قوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
الخبير) (199)
:
قد سبقت الإشارة إلى استخدام نفاة إمكان رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا والآخرة لهذه الآية: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ دليلا من
180 (1/180)
صفحة 170
القرآن الكريم على صدق مدعاهم في نفى الرؤية البصرية على الله تعالى، وذهبوا في تدليلهم على صحة هذا الاستدلال إلى أن الإدراك إذا ما قرن بالبصر فهو لا يعنى إلا الرؤية البصرية، ولما كان الله تعالى قال: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَرُ) فقرن الإدراك بالإبصار، فهو لا يعنى إلا أنه سبحانه لا تراه الأبصار (200).
أما مثبتوا الرؤية من اهل السنة والجماعة ومن قال بقولهم فقد تأولوا في هذه تأويلات مختلفة لتؤدى من وجهة نظرهم إلى نفى كون هذه الآية دليلا على نفى رؤية الله تعالى بالأبصار على النحو الذي إدعاه النفاة، بل ولتصلح دليلا على إثبات الرؤية، يقول الأشعري: بأن المقصود بـ (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ) أن لا تدركه في الدنيا وتدركه في الآخرة، لأن رؤية الله تعالى أفضل اللذات، وأفضل اللذات تكون أفضل في الدارين، أو احتمال أن يكون الله تعالى أراد بقوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ) يعنى لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين
(201)
أما الماتريدية من أهل السنة والجماعة، فقد أكدوا أن الإدراك في هذه الآية غير الرؤية، والله تعالى قد نفى الإدراك، وقد فهموا الإدراك بأنه الوقوف على حدود المرئى وجوانبه، وهو ما يستحيل على الله تعالى، ومن هنا كان نفيه في الآية، وعلى هذا يثبتون الرؤية لله تعالى من غير إدراك، وإلا لم يكن حسب رأيهم لنفى الإدراك حكمة. وهو ما نقرأه عد الماتريدى في قوله: " القول في رؤية الرب عز وجل عندنا لازم وحق من غير إدراك ولا تفسير. فأما الدليل على الرؤية فقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ) ولو كان لا يرى لم يكن لنفي الإدراك حكمة .. " (202)
181 (1/181)
صفحة 171
ويزيد أبو المعين النسفي - وهو ماتريدى أيضا - القول إيضاحا،
فيقول: " ولا تعلق للخصوم بقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَر وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، لأن المنفى هو الإدراك لا الرؤية، والإدراك هو الوقوف على جوانب المرئى وحدوده، وما يستحيل عليه الحدود والجهات يستحيل عليه الإدراك دون الرؤية، فكان الإدراك من الرؤية نازلا منزلة الإحاطة من العلم، ونفى الإحاطة التي تقتضي الوقوف
على الجوانب والحدود لا يقتضي نفى العلم به، فكذا هذا وبنحو هذا قال أيضا شارح العقيدة الطحاوية
(204)
(203)
أما الأباضية وهم القائلون مع النفاة بنفى إمكان رؤية الله تعالى
"
(205)
ووقوعها فلا يفصلون بين الإدراك والرؤية كما فعل مثبتو الرؤية، بل. يجعلون الإدراك المقترن بالأبصار هو رؤية الأبصار) كما رفض الأباضية تفسير مثبتى الرؤية للإدراك بأنه الإحاطة بالمرئى من حيث جهاته وحدوده، وقد أورد سماحة مفتى عمان نصاً شافيا بين فيه خطأ حصر الإدراك في الإحاطة نورده كاملا بالرغم من طول هذا النص لأهميته في موضوع الرؤية، يقول فيه: " حصر الإدراك في الإحاطة خروج عما تقتضيه أوضاع اللغة العربية، فإن إدراك كل شئ - عند الغرب - بحسب حالة ذلك الشئ فإدراك العين رؤيتها، وإدراك اليد مسيسها، وإدراك الأذن سماعها وهكذا. ولا يفيد شئ من ذلك بالإحاطة، ففى الليسان الدرك: اللحاق، وقد أدركه، ورجل دراك مدرك كثير الإدراك، ونحو هذا في القاموس وشرحه، وفي اللسان أيضا، والإدراك اللحوق، يقال مشيت حتى ادركته، وعشت حتى أدركت زمانه، وأدركته ببصرى أى رأيته أ. هـ. وهو نص في تفسير
إدراك البصر بالرؤية ويؤيده عدة أمور:
-:
182 (1/182)
صفحة 172
(1) إن العرب تقول أدركت زمانه مع عدم الإحاطة بزمانه كما نص عليه صاحب اللسان، ولربما قال أحدهم أدركت حياة فلان، وهو لم يولد إلا في الزمن الأخير من حياته.
(2) إن العرب تسمى المطر المتوالى بالمتدارك مع العلم أنه ليس المقصود منه أن كل ديمة منه تحيط بغيرها، وإنما المقصد تلاحق الديم.
(3)
عدم
مخالفة أحد في صواب قول من قال: أدركه السهم، ومن
المعلوم أنه ليس المراجع منع إحاطة السهم به، ولو قال قائل أحاط به السهم لعد من هذيان الكلام.
(4) مجئ الألفاظ المشتقة من الإدراك دالة على غير معنى الإحاطة كما
في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَذَارَكُوا فِيهَا)
(206)
"
إذ ليس من المعقول أن
يكون المراد من الآية إحاطة كل فوج من أهل النار بالآخر مع أن التفاعل يقتضى التشارك من الجانبين أو الجوانب، وإنما المراد من الآية تلاحق الأفواج في النار والعياذ بالله.
(5) احتجاج أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) على عدم رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه: فقد أخرج الإمام الربيع في مسنده والشيخان في صححيهما عن مسروق، قال: كنت متكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت ما هن؟ قالت من زعم أن محمداً - صلى الله علي وسلم - رأى ربه، فقد أعظم. على الله الفرية: قال: وكنت متكئا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين انظرينى ولا تعجليني، ألم يقل عز وجل: (وَلَقَدْ رَوَاهُ الْأُني المُبِينِ) (207)، (وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزَلَةٌ أُخرى) (208)، فقالت: أنا أول هذه
183 (1/183)
صفحة 173
الأمة يسأل عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: " إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأينها منهبطا من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض، فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول: (لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)، إلى آخر ما جاء في الرواية. فكيف تحتج عائشة رضى الله عنها بنفي الإدراك على نفى الرؤية، لو كان ثم فارق بينهما مع أنها رضي الله عنها عربية المحتد، واللسان وقد تربت في حضن النبوة وارتوت من معين الوحى. وإذا كانت أقوال أهل الجاهلية دليلاً على مقاصد التنزيل، فالثابت من كلام الصحابة رضى الله. عنهم أولى بذلك، ولاسيما من كان كعائشة رضى الله عنها لخصائصها
المعروفة
(209) ..
وبعد هذا التفنيد الذي فقده الشيخ لحصر الإدراك في الإحاطة على النحو الذي ذهب إليه مثبتو الرؤية، والذي يعبر به عن رأى الأباضية، نجدهم يركزون على كون الآية دليلا قاطعاً على النفي المؤبد لرؤية الله بالأبصار لا في الدنيا ولا في قياس الآخرة، يصيغ ذلك المصعبي في شكل قياسى ينتهى فيه إلي إثبات مقصودهم وهو نفى الرية
على النحو التالي:
-
الرؤية إدراك البصر.
لا شئ من إدراك البصر يتعلق به تعالى.
لا شئ من الرؤية يتعلق به تعالى.
184 (1/184)
صفحة 174
ويوضح مفردات القول في هذا القول فيقول: " ودليل الصغرى أن الرؤية هى الإدراك، لأنه لا يصح ثبوت الرؤية مع نفى الإدراك. ودليل الكبرى نفى الإدراك في الآية عن كل بصر، لأن الجمع المحلى بالألف واللام يقتضى استغراق جميع الأفراد، ويلزم من عمومه في الأزمان كما ليه المحققون من أئمة الأصول من أن العموم في الأشخاص يستلزم العموم
في الأحوال، والبقاع، والأزمان، فيلزم على هذا أن لا يراه مؤمن ولا كافر في الدنيا ولا في الآخرة
(210)
وإذا كان مثبتو الرؤية بعد فصلهم بين الإدراك والرؤية، أكدوا على نفى الإدراك بمعنى نفى الإحاطة وإثبات الرؤية الله تعالى، ورأوا في ذلك وجه التمدح لله تعالى بهذه الآية، وأنه لولا ذلك لما كان فيها شئ من التمدح فإن النفاة والأباضية معهم قد رأوا العكس من ذلك، إذ وحدوا بين الإدراك والرؤية بالأبصار، ورأوا التمدح في ذلك، وذهبوا إلى أن في نفى الإدراك وهو عندهم نفى الرؤية البصرية على الله تعالى، إثبات للتمدح له، إذ في نفيه إثبات للكمال لله سبحانه، وفي الثبوت إثبات للنقص وهو محال في حقه تعالى.
(211).
كما أننا نجد الشيخ المفتى مع جزمه بأن الآية دليل على نفى رؤية الله تعالى بالأبصار، يتجه إلى المزيد من التدليل على ذلك من الآية نفسها، وهو ما ورد في نهايتها من قول الله تعالى: (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، يقول الشيخ: " والخلاصة من كل ما تقدم أن دلالة الآية الكريمة على انتفاء رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة دلالة قاطعة، وكل ما تعلق به القائلون بخلاف ذلك لا يتجاوز أن يكون ضبابا من الوهم، لا يلبث أن يتلاشى بإشراق شمس الحقيقة، ويؤيد نصيتها على ذلك.
تذييلها بقوله تعالى: (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، فإن قوله: (اللطيف)،
185 (1/185)
صفحة 175
كالتعليل لقوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ}، وقوله: (الخبير)، كالتعليل لقوله: (وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ، والصفتان المذكورتان من صفات ذاته تعالى لا تتبدلان أزلا وأبدا، أما الخبير فكونه من صفات الذات ظاهر
لأنه كالعليم، وأما اللطيف فلأنه - كما يقول الإمام ابن عاشور - صفة مشبهة تدل على صفة من صفات ذات الله تعالى، وهي صفة تنزيهه
:
تعالى عن إحاطة العقول بماهيته، أو إحاطة الحواس بذاته وصفاته، فيكون اختيارها للتعبير عن هذا الوصف في جانب الله تعالى، وهى منتهى الصراحة والرشاقة في الكلمة، لأنها أقرب مادة في اللغة العربية تقرب معنى وصف ذاته تعالى بحسب ما وضعت له اللغة من متعارف
الناس "
(212).
(213)
أما عن استدلال الأباضية بأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - على نفى الرؤية فقد سلكوا فيها أيضا مسلكين:
أقاموا المسلك الأول: على تأويل الأحاديث التي استدل بها مثبتوا الرؤية تأويلا يتفق مع قولهم بنفى الرؤية مثلما حدث بالنسبة لما رووه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن هذه الأحاديث حديث. إنكم سترون ربكم لا تضامون في رؤيته كما لا تضامون في القمر ليلة البدر " فذهبوا في تأويله إلى أنه يعنى " أنكم: " تعلمون أن لكم ربا لا تشكون فيه ولا يجوز أن يعتريكم الشكوك والريب، كما لا يجوز ذلك في العلم بأن القمر قمر ليلة البدر، لا على أن الأبصار تدركه
جهرة
(214).
-
والمسلك الثاني: ذهبوا فيه إلى الإستدلال بأحاديث أخرى لم
ترد لدى خصومهم مما يصلح دليلا على نفى الرؤية من نحو ما أورده الشيخ المفتى مما رواه الإمامان البخارى ومسلم وغيرهما عن أبي موسى
186 (1/186)
صفحة 176
الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن.
ووجه الإستدلال به صراحة في عدم رؤيتهم لله الحيلولة رداء الكبرياء بينهم وبين ذلك
(215) "
وبهذا لعله اتضح موقف الأباضية من مسألة الرؤية، وأنها مستحيلة على الله تعالى في الدنيا والآخرة، واكتملت أدلتهم العلقية
والنقلية على ذلك.
187 (1/187)
صفحة 177
225
هوامش الفصل الثاني
1 - الشهرستاني: الملل والنحل، ج 1، ص 46.
2 - أبو الحسن الأشعرى: مقالات الإسلاميين، ج 1، ص
225
226
227
المصدر السابق، ص
4 - المصدر السابق، ص
- المصدر السابق، ص
6 - ابو الحسن الأشعرى: كتاب اللمع، ص .. 25 - 24
7 - الشهرستاني: الملل والنحل، ج 1، ص 95.
8 أبو المعين النسفى: التمهيد في أصول الدين تحقيق دكتور عبد
الحي قابيل،
، ص 23
9 - الشيخ السالمي: مشارق الأنوار، ج 1.
10 المصدر السابق، ص 243.
ص 243 - 242
11 - أنظر: الماتريدي: كتاب التوحيد، ص 47 – 49.
12 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 1، ص.243
13 - ابن تيمية: فتاوى شيخ الإسلام بن تيمية، ج 5، (الأسماءوالصفات)، ص 26.
14 - أنظر: بكير سعيد الموشت: دراسات إسلامية في الأصول
الإباضية، ص 53.
15 - أبو عمار عبد الكافى الإباضي: الموجز، ج 1، ص 177 - 178
188 (1/188)
صفحة 178
16 - عبد العزيز المصعبي: معالم الدين، ج 1، ص 220 - 221.
-17 - المصدر السابق، ص 174.
18 المصدر السابق، ص 176 - 177.
19 المصدر السابق، ص 190 – 193.
20 المصدر السابق، ص 204.
21 المصدر السابق، ص 208 - 209.
-22 - وهو مار ورد في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) طه /5
ونحوها.
122:
23 جاء في قوله تعالى: (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفاً صَفّاً [الفجر:.
24 - مثلما ورد في قوله تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي اطه: 139 25 - وقد ورد في قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27) وغيرها
26 - من نحو قوله تعالى: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: 41]. 27 - يقول تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) المائدة / 64، (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيْ) ص / 75.
28 - يقول: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بيَمِينِهِ) الزمر / 67.
29 - يقول تعالى: (يَا حَسَرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللَّهِ الزمر /56/
112 - 111.109
30 - أنظر: البغدادي: أصول الدين، ص الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 265.
189 (1/189)
صفحة 179
31 - أنظر: فخر الدين الرازي: أساس التقديس في علم الكلام،
87.-83
وانظر أيضا: البغدادى: أصول الدين، ص 76
32 - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، ج 1، ص
123
-33 - انظر: ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 5
(الأسماء والصفات)،
ص
41.40.28.26
34 - ابن القيم: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، نشر زكريا يوسف، مطبعة الإمام، القاهرة (بدون
تاريخ) ص (
76 - 75
المصدر السابق 77 78.
320
36 أبو الحسن الأشعرى: مقالات الإسلاميين، ج 1، ص) 37: الإبانة عن أصول الديانة، ص 105 – 131.
38 - أنظر الباقلاني: التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة، طبعة بيروت، 1337 هـ، ص 262.
39 - أنظر: أبو منصور عبد القاهر طاهر البغدادي: كتاب أصول الدين، نشر مدرسة الإلهيات باستانبول، ط 10، 1346 هـ /
1928
م، ص
113 - 109
40 - أنظر: فخر الدين الرازي: أساس التقديس في علم الكلام، ص
140 - 117
41 - أبو منصور الماتريدى: كتاب التوحيد، ص 74 ..
190 (1/190)
صفحة 180
42 - أنظر: أبو المعين النسفى: بحر الكلام في علم التوحيد (بدون
تحديد الناشر) مصر، 1340 هـ / 1922 م.
43 أنظر الأشعرى: مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 216.
44 - الأشعرى: الإبانة، ص 108.
45 - النحل " 50 ".
46 - الفرقان " 59 ".
47 - الفجر" 22 ".
48 - البقرة " 210 "
49 الصواعق المرسلة، ج 2، ص 141، 106، نقلا عن: زهدى حسن جار الله: المعتزلة، ص 85.
50 - الرحمن " 57".
51 - القصص " 88 ".
52 - أنظر: القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، تحقيق وتقديم دكتور عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، 1965،
ص 227.
75 - 53
54 - أنظر: المصدر السابق، ص 228.
55 - طه "39".
56 أنظر الأشعرى: مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 248، 266.
57 - الأنفال " 22 ".
191 (1/191)
صفحة 181
58 - البقرة " 172 ".
59 - البقرة " 18 ".
60 - يس "9".
61 - الزخرف " 40 ".
62 - هود " 20 ".
63 - أبو عمار عبد الكافى الأباضي: الموجز، ج 1، ص 123 - 124.
64 - المصدر السابق، ص
126 – 125
65 - انظر: الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 1، ص 402، موسى بن عيسى البشرى. مكنون الخزائن، ج 1/ 2، 174.
"5" ab -66
67 - وردت كجزء من آيات في مواضع ستة هي:: الأعراف " 54، يونس " 3 "، الرعد " 2 "، الفرقان " 59 "، السجدة " 4 "، الحديد " 4 ".
68 - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، ج 1، ص 132.
69 - أبو طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي: قناطر الخيرات، جذ،
ص 227.
70 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 1، ص
71 - طه "39".
72 - هود "37".
73 - القمر" 14 ".
192
406.405 (1/192)
صفحة 182
74 - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، ج 1، ص
143
75 - سالم السيابي: طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذ الإباضي، ص 99 - 100.
76 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 1، ص 43، وقد قال
الرازي في أساس التقديس، ص 122 كما سبق بمثل هذا
77 - الفتح " 10 ".
-78
ص "75".
79 - المائدة " 64 ".
-80
يس " 71 - .
81 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 1، ص 403.
82 - المصدر السابق، والصفحة نفسها.
83 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 1، ص 404. 84 - الظليم: جمع ظلمان وظلمات، وأظلمة: الذكر من النعام. (مادة ظلم من المنجد في اللغتة العربية.
85 ذكاء: اسم علم للشمس غير منصرف (المنجد في اللغة العربية،
مادة: ذكا).
86 - النساء " 24 ".
87 - الإسراء " 29 ".
88 - يقال: عسم.
عسما فهو اعسم للرجل، وعسماء للمرأة: وهو يبس
مفصل الرسغ حتى تعوجت القدم أو الكف (المنجد في اللغة
العربية مادة: عسم).
193 (1/193)
صفحة 183
89 - الأجذم وجمعه: جذمى وجذماء: المقطوع اليد أو الأنامل (المنجد
في اللغة العربي مادة:: جذم).
90 - المائدة " 64 ".
91 - أبو عمار عبد الكافى الإباضي: الموجز، ج 1، ص 144 - 145 92 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 1، ص
401
93 - القلم " 42 ".
94 - وقد أورد ابن كثير هذه الأحاديث ضمن تفسيره لقوله تعالى: (يَوْمَ تَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مزيد) " ق / 30 " -
انظر: تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 228.
95 - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، ج 1، ص 140.
96 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 1، ص
400
97 تعليقات الدكتور عبد الرحمن عميرة: على هامش الموجز، ج 1،
ص 141
98 - الزمر " 56 ".
99 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 1، ص 339، وانظر: أبو عمار عبد الكافي: الموجز، ج 1، ص 146.
100 الفجر " 22، 5 "
101 - البقرة " 210 ".
101 - الأعراف " 52 ".
102 - النحل " 26 ".
194 (1/194)
صفحة 184
103 - البقرة " 17 ".
104 - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، ج 1، ص 134.
105 - المصدر السابق (نفس الموضع.
106 - زهدي حسن جار الله: المعتزلة، ص 75
107 - الجويني (عبد الملك إمام الحرمين الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، ط السعادة، القاهرة، 1950، ص 128.
108 - ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، ج 2، ص
275
109 - مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ج 12 (القرآن كلام الله)،
ص.74
110 - المصدر السابق ص 74 - 75.
111 - القاضي عبد الجبار: المغنى في أبواب التوحيد والعدل، ج 7
(خلق القرآن)، ص 6، وانظر له أيضا: المحيط بالتكليف
جمع الحسن بن متويه، ص
306
112 - المصدر السابق، ص.
84
113 - المنافقون " 1 ".
114 - الجويني (عبد الملك، إمام الحرمين: لمع الأدلة في قواعد عقائد
أهل السنة والجماعة، ص 91 - 92، وانظر: الشهرستاني:
الملل والذل، ج 1، ص 96.
115 - النحل " 40 ".
195 (1/195)
صفحة 185
116 - أبو الحسن الأشعرى: كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ
والبدع، 33.
117 - الشهرستاني: نهاية الإقدام في علم الكلام، ص 313، وانظر: دكتور إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه، ج 2، ص 50، أحمد أمين: ضحى الإسلام، ج 2، ص 40.
118 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقل، ج 1، ص 344. 119 - التوبة " 6 ".
120 أبو طاهر اسماعيل بن موسى الجيطالي: قناطر الخيرات، ج 1، ص 230. وانظر أيضا: عبد العزيز إبراهيم الثميني المصعبي:
معالم الدين، ج 2، ص)
10 - 9
121 - أبو جعفر عمر بن جميع: عقيدة التوحيد وشرحها، ص 67، اعوشت: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، ص
87
122 - الأنعام " 91 ".
123 - الأنعام " 91 ".
124 - الشعراء " 5 ".
125 - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، ج 2، ص
108 - 107
126 - الزخرف " 3 "، الإسراء " 12 "، يونس " 5 ".
127 - القدر" 1 "، الحجر " 9 "، الحديد " 25"، الأنبياء "32"،
الزمر " 6 ".
128 الحجر " 9 "، الحجر " 17 ".
196 (1/196)
صفحة 186
129 - الأنبياء " 2 "، طه " 113"، النجم " 95 "، لقمان " 6 ". 130 - الزمر " 23 "، آل عمران " 7 "، الأنعام " 141 ".
131 - فصلت " 3 "، الأعراف " 52 "، الإسراء " 12 ".
132 - التوبة " 6 "، الإحقاف " 3 "، الجن " 1، 2، المجادلة " 1 "، آل عمران " 181 "، الزمر " 18 ".
133 الأعراف " 52 "، الأنبياء " 107 "، االبقرة " 5 ".
134 - البقرة " 99 " مريم " 21 "، البقرة "259"، الإسراء " 12 ".
،
135 - انظر المصدر السابق، ص 108 – 111.
136 - الألوسي: روح المعاني: ج 1، ص 52، 53، نقلا عن: الحق الدامغ للشيخ أحمد بن حمد الخليلي ص 28، 29، وانظر فيمن قال بوقوع الرؤية الله تعالى مع تحديد الكيف ما ذكره
ابن عساكر في تبيين كذب المفترى فيما نسب إلى أبي الحسن
الأشعرى من قول الحشوية
ص
149
137 - قاضي القضاة صدر الدين على بن على بن محمد بن محمد بن
أبي العز الحنفى: شرح العقيدة الطحاوية في العقيدة السلفية، تحقيق أحمد شاكر، مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود، ط 30، الرياض، 1405 هـ، ص 143 - 144. وانظر أيضا: ابن تيمية: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 6، ص
510
-509
138 - أبو الحسن الأشعرى: الإبانة عن أصول الديانة، تقديم وتحقيق وتعليق دكتوره فوقية حسين دار الأنصار القاهرة 1397 هـ /
1977 م، ص 51 - 52.
197 (1/197)
صفحة 187
139 ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية،
مجلد 2، د 10، مطبعة الحكومة، مكة المكرمة، 1392
هـ، ص
350 - 349
140 ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية مجلد 2، ص 352.
141 المصدر السابق، ص 352 253.
353
142 المصدر السابق ص
143 - القيامة " 22 - 23 ".
144 - الأعراف " 143 ".
145 - يونس " 26 ".
- 63
146 - انظر هذه الأدلة عند الأشعري في كتابيه: اللمع، ص 65، والإبانة، ص 35، 37، 41، 43، 49، وكذا عند الماتريدي في " كتاب التوحيد " ص 77 - 80، وشرح العقيدة
الطحاوية ص 135 وما بعدها.
147 - الأنعام " 103 ".
148 - الأشعري: الإبانة ص 47، اللمع ص 65.
149 أبو منصور الماتريدى: كتاب التوحيد ص
77
150 - ابن عساكر: تبين كذب المفترى فيما نسب إلى أبي الحسن
الأشعري، ص 149.
151 الماتريدي: كتاب التوحيد، ص 85
152 - أبو الحسن الأشعرى: مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 216.
198 (1/198)
صفحة 188
153 القاضي عبد الجبار: المغنى في أبواب التوحيد والعدل، ج 4،
ص 36.
154 - المصدر السابق، ص 64.
155 نفس المصدر السابق، ص 14.
156 - القاضي عبد الجبار: المحيط بالتكليف، ص
218
157 - القاضي عبد الجبار: المغنى في أبواب التوحيد والعدل، ج 4،
ص 129.
158 - المصدر السابق ص.
145 - 144
159 - البقرة " 55 ".
160 - أنظر: المصدر السابق ص 161 وما بعدها، وأنظر: الكشاف للزمخشري ج 2، ص 112 - 113.
161 - أنظر: المصدر السابق ص 228 - 230.
162 على يحيي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية ج 1، ص 271، وأنزر أيضا: محمود جمعه الأندلسى: رؤية الله " بحث ضمن "
هذه مبادئنا " ص 136 - 137.
163 - الإمام أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي: مشارق أنوار
العقول، ج 1، ص
362
164 - انظر: المصدر السابق
ص
165 - المصدر السابق، ص 393.
381 - 380
199 (1/199)
صفحة 189
166 - أنظر: فخر الدين الرازي: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، دار الكتاب العربي، بيروت، 1404 هـ / 1984 م،
ص 273 - 274.
167 - أنظر: أبو حامد الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ط 10، مصطفى البابي الحلبي، مصر (بدون)، ص 30 - 31.
168 عبد العزيز بن إبراهيم الثمينى المصعبى: معالم الدين، ج 2، ص 42 - 43.
169 المصدر السابق، ص 45 - 47.
170 - سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلى: الحق الدامغ، ص 67.
171 - القيامة " 22 - 25 ".
-172
يس " 49 ..
173 ص "15".
174 - الأنعام " 158 ".
175 - الأنعام " 103 ".
176 - الإمام الربيع بن حبيب الأزدى البصرى: الجامع الصحيح، طبع المطبعة السلفية، القاهرة 1349 هـ، ج 3، ص 26 – 29، بكير
بن سعيد الموشت، دراسات إسلامية في الأصول الإباضية
20، ص 59 - 60.
177 - الأنبياء " 103 ".
178 - النمل " 89 ".
200 (1/200)
صفحة 190
179 - يونس " 62 ".
180 - أنظر: عبد العزيز الثمينى المصعبي: معالم الدين، ج 2،
ص 23، أبو عمار عبد الكافى: الموجز، ج 1، ص
136
محمود جمعة الإندلسي: رؤية الله، بحث ضمن كتاب: هذه
مبادئنا،
ص
146
181 - البقرة " 280 ".
273، عبد
182 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 1، ص العزيز إبراهيم الثمينى المصعبي: معالم الدين، ص 34.
183 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 1، ص 273، 274.
184 - الأعراف " 143 ".
185 - الفرقان " 21 ".
186 - البقرة " 55 ".
187 - النساء " 153 ". .
188 - الأعراف " 155 ".
189 - أنظر: عبد العزيز الثمينى المصعبي: معالم الدين، ج 2، ص 230 وما بعدها، أبو عمار عبد الكافي: الموجزج 1، ص 150 وما بعدها الشيخ السلمى: مشارق أنوار العقول، ج 1، ص 389 وما بعدها الشيخ أحمد ابن حمد الخليلي: الحق الدامغ، ص 85 وما بعدها.
-190
عبد العزيز بن إبراهيم الثميني المصعبي: معالم الدين ج 2،
33 - 32
201 (1/201)
صفحة 191
191 - أبو محمد عبد الله ميد السالمي: مشارق أنوار العقول ج 1،.
ص
368 - 367
192 - يونس " 26 ".
193 - العنكبوت " 27 ".
194 - أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى: جامع البيان عن تأويل أى
القرآن، المعروف بتفسير الطبري، تحقيق محمود شاكر ج 15،
ص 62 وما بعدها، طبع دار المعارف بمصر،
1374.
هـ
195 - أبو الحسن الأشعرى: الإبانة عن أصول الديانة، ص 45 – 46. 196 - أبو عمار عبد الكافى الإباضى: الموجز، ج 1، ص 139. 197 - أبو محمد بن حمد السالمي: مشارق انوار العقول، ج 1، ص 374 198 - الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ، ص 95.
199 - الأنعام " 103 ".
200 - أنظر: القاضي عبد الجبار: المغنى في أبواب التوحيد والعدل
ج 4،
، ص
145 - 144
201 أنظر: أبو الحسن الأشعرى: الإبانة عن أصول الديانة، ص 47،
واللمع، ص 65.
202 الماتريدي: كتاب التوحيد، ص 77.
203 - أبو المعين النسفي: التمهيد في أصول الدين ص
39
204 - أنظر: صدر الدين على بن على بن محمد بن أبي العز الحنفي:
شرح العقيدة الطحاوية، ص 139 - 140.
202 (1/202)
صفحة 192
205 - أنظر: الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول ج 1، ص 487،
عبد العزيز المصعبي: معالم الدين ج 2، ص 36.
206 - الأعراف " 38 ".
207 - التكوير " 23 ".
208 - النجم " 13 ".
209 تعليق لسماحة المفتى الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في: الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول ج 1، ص
388
210 - عبد العزيز بن إبراهيم الثمينى المصعبي: معالم الدين، ج 2،
37 - 36
211 - المصدر السابق، ص 37، وانظر الجيطالي: قناطر الخيرات، ج 1، ص 227، الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول 389. 212 ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 7، ص 417، الدار التونسية للنشر.
84
213 - سماحة الشيخ احمد بن حمد الخليلى: الحق الدامغ ص 214 - ابو عمار عبد الكافي الإباضي: الموجز، ص 151 - 152. 215 - سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ ص 90.
203 (1/203)
صفحة 193
أفعال العباد
الفصل الثالث (1/205)
صفحة 194
مشكلة " القضاء والقدر " أو " الجبر والاختيار " أو " الإرادة الإنسانية أو التكليف " أو " الثواب والعقاب "، كل هذه عناوين وردت لأبحاث أجريت في تراثنا الإسلامي، وكلها جاءت لتعالج قضية واحدة هي قضية " أفعال العباد " رداً على تساؤلات قد أثارها الإنسان منذ القدم
تدور حول:
هل الإسان مسير أو مخير؟ هل هو مستقل بإرادته وقدرته فيما يصدر عنه من أفعال؟ أم أنه لا حول له ولا قوة، وإنما أفعاله تصدر عنه
بإرادة وقوة خارجتين عنه، وهو مجرد حامل أو محل لهذه الأفعال؟
وقد عرف المسلمون - في علم الكلام. - هذه المشكلة منذ وقت مبكر، بل وكانت مثار جدل ونقاش طويل فيما بينهم، ولعل السبب الأساسي في ذلك، ولله في ذلك الحكمة، أنه ورد في القرآن الكريم من الآيات ما يشير إلى حرية الإنسان فيما يصدر عنه من أفعال، وفي آيات أخرى ما يشير إلى أنه مجبر فيما يصدر عنه من أفعال، وأن أفعاله مقدرة عليه، بل ومن الآيات ما تتضمن الآية الواحدة منها كون الإنسان مجبرا ومخيرا في الآية نفسها
ومن أمثلة النوع الأول من الآيات التى يشير ظاهرها إلى جبرية الأفعال قوله تعالى: (وَلَا يَنفَعُكُن نصحى إن أردتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (1)، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِ أُنةِ رَسُولًا أَن اعبدوا الله واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَهُ (2)، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (3)، مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا في أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبَاهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ) (4)، وَمَا
207 (1/207)
صفحة 195
كان لمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخَيرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ()
وغير ذلك من الآيات كثير.
ومن الآيات التي وردت لتقرر حرية الإنسان في أفعاله وأنه فاعلها: نقرأ قوله تعالى: (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفر (6)، جَزَاء بِمَا كَانُوا يعملون کي (7) اجزاء بما كانوا يكسبون کي (8) إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِما شاكرا وَإِمَّا كَفُورًا (9) وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رحِيمًا وَمَن يَكْسِبُ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)
(10)
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تقرر حرية الإنسان فيما يصدر عنه
من أفعال
(11)
ولم يكتف الأمر بظهور التعارض بين هذين النموذجين من الآيات التي جاء النموذج الأول منها يعضد الجبر، والآخر يؤيد الاختيار، بل وجدنا هذا التعارض في الآية الواحدة، وفى أكثر من موضع من القرآن، وهو ما يؤكده الدكتور عاطف العراقي في قوله: " وقد يظهر في الآية الواحدة ثمة تعارض في هذا المعنى، كقوله تعالى: أَوَلَمَّا أَصَبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} (12)، وعن هذه النازلة عينها يقول الله تعالى: (وَمَا أَصَبَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْمَمَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ) (13)، وما أصابك من سنة فين نَفْسِكَ) (14) (15).
..
وكذلك لم تخل كتب السنة من أحاديث تخوض في قضية القدر أو أفعال العباد، من نحو ما روى في صحيحي البخارى ومسلم من أحاديث تؤيد القول بالجبر من نحو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن
208 (1/208)
صفحة 196
الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ". ومنها ما يحمل على أنه يتضمن شيئا من القول بحرية الإرادة مع شئ من التأويل
-
من نحو ما روى عنه - صلى الله عليه وسلم. عن على قال " كنا في جنازة ببقيع الفرقد فأتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقعد وقعدنا، حوله، وبيده مخصرة فجعل ينكت بها الأرض، ثم قال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان أهل السعادة فسيصير إلى عمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل الشقاوة، ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى واتَّقَى وَصَدَّقَ بِالسفير البرى)
كما يربط أستاذنا الدكتور مدكور بين ظهور هذه المشكلة في الفكر الإسلامي وبين السياسة، فيقول: " وكان لابد للسياسة أن تسهم في شئ من ذلك، ويظهر أن بني أمية كانوا يكرهون بوجه عام القول بحرية الإرادة لاعتبارات دينية وسياسية، لأن القول بالجبر يخدم سياستهم، فهم يقولون إنهم جاءوا بقضاء الله قدره. وإذن يجب على المسلمين طاعتهم والخضوع لهم، ولعمر بن عبد العزيز (ت 101 هـ - 720 م) وهو من نعرف في تقواه وروعه واستمساكه بما كان عليه الصدر الأول مواقف مشهورة ضد القائلين بحرية الإرادة، وبخاصة ضد غيلان الدمشقى، وكان يمقت الخوض في هذه المسائل، ولم يخرج عن ذلك من خلفاء بني أمية إلا يزيد بن عبد الملك (ت 126 هـ - 744 م) الذي دعا الناس إلى القدر وحمله عليه وقرب أصحاب غيلان، وحذا
209 (1/209)
صفحة 197
حذوه مروان بن محمد (ت 132 هـ
الجعد بن درهم (ت 117 هـ = 735 م)
=
750 م) الذى أخذ عن أستاذه.
(17)
كما أنه في اعتقادنا أن للمشكلة علاقة أخرى بقضية الإيمان بصفات الله سبحانه وتعالى من ناحية، وبعدم شمولية نظرة من تناولوها وجزئية هذه النظرة من ناحية أخرى، أعنى أن الذين قالوا: بالجبر
بالنسبة لأفعال العباد قد ربطوا قولهم هذا بالإيمان بقدرة الله تعالى المطلقة وأنه على كل شئ قدير، وفى نسبة الأفعال إلى الإنسان تحديد لهذه القدرة، فلابد من نسبة هذه الأفعال الله تعالى الخالق لكل شئ، وهو ما أدى إلى إثارة مشكلة أخرى لم تكن فيما نعتقد في حسبان الجبرية عندما قالوا بهذا ألا وهى قضية التكليف والثواب والعقاب فضلا عن الإيمان بعدل الله تعالى وتنزيهه عن الظلم، ذلك لأن القول بالجبر يؤدى إلى عدم مسئولية الإنسان عما يصدر عنه من أفعال، لأنها في هذه الحالة تكون من الله تعالى، فكيف يحاسبه عليها، ويجازيه بالثواب أو بالعقاب على أعمال لا علاقة له بها، مما يؤدى إلى وصف الله تعالى بالظلم، تعالى الله عن ذلك، وهو الأمر الذي استند إليه أصحاب القول بالاختيار في قولهم.
خلاصة القول: أن المشكلة قد أثيرت في الفكر الإسلامي ومنذ وقت مبكر وانقسم المسلمون حولها إلى فريقين: فريق اختار القول بحرية الاختيار أو القول بالقدر، وكان على رأس هذا الفريق معبد الجهني (ت 80 هـ = 699 م) وقد قيل إنه أول من قال بالقدر من المسلمين. وغيلان الدمشقى (ت 105 هـ = 722 م) وكانا يريان أن المرء حر الإرادة يعمل ما يشاء ولا سبيل لمسئوليته إلا إذا تحققت حريته وعرف أصحاب هذا الفريق بالقدرية نسبة إلى القول بالقدر، وهو القول
(18)
210 (1/210)
صفحة 198
الذي يثبت للإنسان قدرة على أفعاله. والفريق الآخر هو الذي قال أصحابه بالجبر وتزعمه الجهم بن صفوان (ت 127 هـ = 745 م)، وهو الذي كان يردد فى الكوفة أن الإنسان مجبور لا اختيار له، وما أشبهه بالريشة في مهب الريح، نتحرك بحركته، وتسكن بسكونه، والأعمال كلها مخلوقة لله تعالى، ونسبتها إلى العبد على سبيل المجاز). وهو ما يتأكد بما أضافه الشهرستاني إليه في قوله: " ومنها قوله - الجهم - .... إن الإنسان لا يقدر على شئ ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله، ولا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازا كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس و غربت، وتغيمت السماء وأمطرت، واهتزت الأرض وأنبتت إلى غير ذلك، والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر، قال: وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضا كان جبرا
(20) "
ثم جاء المعتزلة فورثوا قول القدرية في أفعال العباد وأنكروا إضافة الأفعال إلى الله سبحانه وتعالى على النحو الذي قال به الجبرية، ونسبوها إلى العباد، يقول القاضي عبد الجبار: " اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله جل وعز أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم،
(21).
وأن من قال إن الله سبحانه خالقها ومحدثها فقد عظم خطؤه. وقد
استدلوا على ذلك من جهة القرآن، فقالوا: قد ثبت أنه تعالى أضاف
(22)
الفعل إلى العباد فقال: هَلْ ثُوبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}، وقال:
وافعلوا الخير) (23)، وقال: جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (24)، وقال تعالى
211 (1/211)
صفحة 199
وتخلفون إنكا (25)،
(25)، وقال لعيسى: (وَإِذْ تَخلُقُ مِنَ الدِّينِ} (26).
وقال:
،
فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَلقِينَ) (27) ... فيجب حمل ذك على الحقيقة.
(28)
واستدلوا بقوله تعالى: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُتِ)، فنفى عن
خلقه التفاوت. وإنما قال سبحانه ذلك عقيب ذكره ما خلقه من الموت والحياة والتكليف وأنه هو: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا
(29)
ثم نبه على عظيم نعمه بذلك من حيث يبين أن خلقه على وجه يتسق في الحكمة وإلا خرج جميعه من أن يكون نعمة، لأنه لو كان في أفعاله شئ قبيح لفسد التدبير، ولم يثق المكلف بوعد ولا وعيد، وذلك يخرج كل أفعاله من أن تكون نعمة. ويبين ما قلناه: إنه لو كان قد خلق أفعال العباد لوجب أن يكون خالقا للقول بالتثليت والتثنية والتوحيد، ولوجب أن يكون خالقا للجهل والعلم، ولا شئ في التفاوت أعظم من ذلك، فيجب نفى كونه خالقا لها. ومما يدل على ذلك قوله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} (30)، فيجب القضاء بأنه لا شئ هو سبحانه خالق له إلا وهو حسن، وذلك يوجب نفى القبائح عما خلقه، ولا يجوز أن يحمل ذلك على أنه أراد به أنه علم كل شئ خلقه، لأنه تعالى عالم بذلك قبل أن خلقه، ولأنه يعلم ما لم يخلق كعلمه بما خلقه، فلما خص ما خلقه بذلك، دل على ما قلناه
(31)
كما أن المعتزلة لم ينكروا أن القدرة التي يقوم بها الإنسان. بأعماله من الله، ولكنهم اختلفوا في متى يمنح الله تعالى الإنسان هذه القدرة. فالذين يقولون أن الاستطاعة عرض وأنها غير الإنسان وغير الصحة والسلامة كأبي الهذيل والفوطى يرون أن الله يخلق القدرة في الإنسان عند مباشرة كل عمل من أعماله. أى أن الإنسان يعمل بقدرة حادثة، وأكثر المعتزلة يتبعون هذا الرأى. والذين يقلون إن الإنسان حي
212 (1/212)
صفحة 200
مستطيع بنفسه لا بحياة واستطاعة هما غيره كالنظام والأسوارى، أو يقول أن الاستطاعة هي السلامة وصحة الجوارح، وتخليتها من الآفات ليس غير كثمامة وبشر بن المعتمر، لا يقرون بالقدرة الحادثة لأنهم يرون أن الله تعالى يخلق القدرة على العمل في الإنسان جملة. ويرى المعتزلة أيضا أن القدرة قبل الفعل، وأنها قدرة على الفعل، وعلى ضده. فالإنسان في نظر المعتزلة فاعل مختار حر الإرادة، يتصرف بهذه القدرة التي منحته العناية الإلهية كما يشاء، ويوجهها حسبما يريد، ويستغلها في خلق أفعاله، فهم يثبتون للقدرة صلاحية الخلق والإيجاد، لأنهم يعتقدون أن القادر على شئ لابد له من التأثير في مقدوره، ويجب أن يتعين ذلك التأثير في الوجود، لأن حصول الفعل يكون بالوجود لا بصفة
تقارن الوجود
(32)
"
ولم يرتض السلفيون ما ذهب إليه المعتزلة من أن العبد موجد وخالق لأفعاله، كما رفضوا قول الجبرية بأن العبد مجبر على ما يأتي من أفعال، فذهبوا إلى القول بأن الله سبحانه وتعالى خالق لكل شئ، وأنه على كل شئ قدير من أفعال العباد، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. كما خالفوا المعتزلة أيضا في قولهم بالقدرة أو الإستطاعة، فذهبوا إلى أن الإستطاعة نوعان: النوع الأول منها استطاعة متقدمة على الفعل، صالحة للضدين، مصححة للفعل ومجوزة له، أما النوع الثاني: فاستطاعة مقارنة للفعل موجبة محققة له.
(33)
وقد دلل ابن تيمية على النوع الأول من الاستطاعة وأنها متقدمة على الفعل وليست مقارنة له بالقرآن بقول الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِج الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، ولو كانت هذه الإستطاعة لا تكون إلا مع الفعل لما جب الحج إلا على من حج، ولما عصى أحد بترك الحج، ولا
213 (1/213)
صفحة 201
كان الحج واجبا على أحد قبل الإحرام به بل قبل فراغه. وقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم، فأمر بالتقوى بمقدار الاستطاعة، ولو أراد الإستطاعة المقارنة لما وجب على أحد من التقوى إلا ما فعل فقط، إذ هو الذي قارنته تلك الإستطاعة. وكذلك قول الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، و (الوسع): الموسوع، وهو الذي تسعه وتطيقه، فلو أريد به المقارن لما كلف أحد إلا الفعل الذي أتى به فقط دون ما تركه من الواجبات. وقول الله تعالى: فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يتماتا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ ستين مسكينا، والمراد به الاستطاعة المتقدمة، والا كان المعنى فمن لم يفعل الصيام فإطعام ستين. فيجوز حينئذ الإطعام لكل من لم يصم، ولا يكون الصوم واجبا على أحد حتى
يفعله.
ومن السنة بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "، ولو أريد به المقارنة فقط لكان المعنى فأتوا منه ما فعلتم فلا يكونون مأمورين إلا بما فعلوه.
وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم – لعمران بن حصين: صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب "، ولو أريد المقارنة لكان المعنى فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب"، ولو أريد المقارنة لكان المعنى فإن لم تفعل فتكون مخيرا، ونظائر هذا متعددة. فإن كل أمر علق في الكتاب والسنة وجوبه بالاستطاعة، وعدمه بعدمها لم يرد به المقارنة. وإلا لما كان الله قد أوجب الواجبات إلا على من فعلها، وقد أسقطها عمن لم يفعلها فلا يأثم أحد بترك الواجب المذكور.
214 (1/214)
صفحة 202
أما دليل الإستطاعة المقارنة الموجبة فمثل قوله تعالى: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ)، وقوله: الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَلَم عَن
ذكرى وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُون سمعا. فبهذه الإستطاعة هي المقارنة الموجبة.
ويطلق على الإستطاعة الأولى " الشرعية " وهي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب وعليها يتكلم الفقهاء، وهي الغالبة في عرف الناس. كما يطلق على الإستطاعة الثانية " الكونية " وهي مناط
(34)
القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل. وقد اعتقد السلفية أنهم بهذا قد قدموا حلا لهذه المشكلة، خلافا لقول المعتزلة والجبرية، ذلك أنهم قد جمعوا بين قول المعتزلة الذين جعلوا أفعال العباد مخلوقة لهم يأتونها بإقدار الله لهم عليها وبكامل حريتهم، وبين قول المجبرة الذين ذهبوا إلى أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لا دخل للعباد فيها،، ولا سلطان لهم عليها. إلا أن السلفيين بتغليبهم للاستطاعة الكونية المقارنة للفعل والموجبة له على الاستطاعة الشرعية المتقدمة على الفعل والمجوزة له، وأن الإنسان لا يمكنه بدونها، حتى ولو توفرت له الإستطاعة
الشرعية أن يقوم بالفعل، وذلك لأنه " لا يكون إلا ما علم الله كونه
(35) -
وأراد كونه فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ". وعند مشيئة الله وإرادته تكون الإستطاعة الكونية للعبد التي بها يوجد الفعل، ومع عدم مشيئة الله تعالى وإرادته لن تكون هذه الاستطاعة الكونية ومن ثم لا يوجد الفعل، وذلك مع وجود الإستطاعة الأولى في الحالتين. وترتيبا على هذا نجد أن السلفيين لم يقدموا بهذا خلاً للمشكلة كما زعموا،
ولكنهم عادوا مرة أخرى إلى القول بالجبر، وإن البسوه صورة أخرى.
وفى مواجهة هذا التعارض بين القائلين بالجبر والقائلين بالإختيار في أفعال العباد خرج علينا أبو الحسن الأشعرى ت 330 هـ. - بنظريته في
215 (1/215)
صفحة 203
الكسب
(+)
(38)
، وفى هذه النظرية يذهب الأشعرى إلى أن اكساب العباد مخلوقة لله تعالى. ويدلل على ذلك من القرآن الكريم نحو قوله تعالى: وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (36)، وقوله جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (37)، وغير ذلك من الآيات، كما يدلل على قوله بخلق الله تعالى لأفعال العباد من ناحية العقل فيقول: " والدليل من القياس على خلق أعمال الناس: أنا وجدنا الكفر قبيحا فاسدا باطلا متناقضا خلافا لمن خالف، ووجدنا الإيمان حسناً متعباً مؤلماً، ووجدنا الكافر يقصد ويجهل نفسه إلى أن يكون الكفر حسناً حقاً، فيكون بخلاف قصده، ووجدنا الإيمان لو شاء المؤمن أن لا يكون متعباً مؤلماً ولا مريضاً لم يكن ذلك كائنا على حسب مشيئته وإرادته. وقد علمنا أن الفعل لا يحدث على حقيقته إلا من محدث أحدثه عليها، لأنه لو جاز أن يحدث على حقيقته لا من محدث أحدثه على ما هو عليها لجاز أن يحدث الشئ فعلا لا من محدث أحدثه فعلا، فلما لم يجز ذلك صح أنه لم يحدث على حقيقته إلا من محدث أحدثه على ما هو عليه، وهو قاصد إلى ذلك، لأنه لو جاز حدوث فعل على الحقيقة لا من قاصد لم لا يؤمن أن تكون الأفعال كلها كذلك، كما أنه لو جاز حدوث فعل لا من فاعل لم يؤمن أن تكون الأفعال
(*) ولم ينفرد الأشعرى في عصره بالقول بالكسب، بل قال بها أيضا الإمام أبو جعفر الطحاوى ت 321 هـ، ومن قوله: " وأفعال العباد هي خلق الله وكسب من العباد (أنظر: شرح العقيدة الطحاوية لأبي العز الحنفي، تحقيق الأستاذ أحمد محمد شاكر ص 389 " كما قال بها أيضا أبو منصور الماتريدي إمام المدرسة الماتريدية، وهو القائل عن أفعال العباد: " بل هى الله بأن خلقها على ما هي عليه وأوجدها بعد أن لم تكن وللخلق على ما كسبوها وفعلوها: ويقول أيضا: " إن كل أحد يعلم من نفسه أنه مختار لما يفعله وأنه فاعل كاسب " أنظر: " كتاب التوحيد للماتريدي، تحقيق دكتور فتح الله خليف ص 226 ".
216 (1/216)
صفحة 204
كلها كذلك، وإذا كان هذا هكذا، فقد وجب أن يكون للكفر محدث أحدثه كفرا باطلا قبيحا، وهو قاصد إلى ذلك، ولن يجوز أن يكون المحدث له هو الكافر الذي يريد أن يكون الكفر حسنا صوابا حقا، فيكون على خلاف ذلك. وكذلك للإيمان محدث أحدثه على حقيقته متعبا مؤلما، مرمضا، غير المؤمن الذى لو جهد أن يقع الإيمان خلاف ما وقع من إبلامه وأتعابه وارماضه لم يكن إلى ذلك سبيل، وإذا لم يجز أن يكون المحدث للكفر على حقيقته المؤمن، وجب أن يكون محدث ذلك هو اله رب العالمين القاصد إلى ذلك.
(39) -
وبذلك ثبت عند الأشعرى بالنقل والعقل أن جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. وهي كذلك تقع بقدرة مقارنة للفعل الذي يقوم به العبد، مخلوقة لله تعالى بشرط التخلية من العبد واحتمال بنيته لذلك. وشرط التخلية واحتمال البنية يأتى عند الأشعري بشكل عارض، الأمر الذي جعل الآخرين لا يعولون عليه كثيرا إذ يقول الأشعرى عنهما وهو بصدد محاورة الخصوم: " فإن قالوا: فإذا كان في عدم التخلية والإطلاق عدم الفعل ففى وجودهما وجود الفعل، قيل لهم: كذلك نقول. فإن قالوا: فإذا كان في عدم احتمال البنية للفعل عدم الفعل فلم لا يكون في وجود احتمال البنية للشئ وجوده؟ قيل لهم: كذلك نقول، لأن البينة لا تحتمل إلا ما يقوم بها
(40).
إذن من اليسير مع هذا أن نستخلص أن الله تعالى لا يخلق في العبد - حسب قول الأشعرى هذا - القدرة على الفعل إلا مع سلامة البنية والتخلية بمعنى التهيؤ للفعل وعدم وجود ما يحول دون ذلك. وهو ما يجعل العبد مشاركا في حدوث الفعل على الحقيقة، على عكس ما فهم عن الأشعرى وانه يقول بخلق الله للأفعال، وخلق القدرة في الإنسان
217 (1/217)
صفحة 205
على الأفعال، الأمر الذى يجعل نسبتها إليه على سبيل المجاز، أو يجعل منه مجرد محل لحدوث الأفعال، أو كونها مجرد مقارنة الفعل للقدرة وكلاهما مخلوق الله تعالى، مما أدى إلى وصف هذه القدرة المخلوقة في الإنسان على الفعل بأنها قدرة غير مؤثرة في حدوث ما يحدث فيه من أفعال (*) ومن ثم كان وصف قول الأشعرى بالكسب بأنه مجرد صورة من قول الجبرية وهو ما جعل تلاميذه من بعده يجهدون أنفسهم للتخلص من تهمة الجبرية بإضافة الأثر إلى القدرة في صنع الأفعال المكتسبة
(**) يقول الشهرستاني ت 548 هـ: " ثم على أصل أبي الحسن الأشعرى لا تأثير للقدرة الحادثة في الأحداث ..... غير أن الله تعالى أجرى سنته بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة أو تحتها أو معها الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له، ويسمى هذا الفعل كسبا، فيكون خلقا من الله تعالى إبداعا وإحداثا وكسبا من العبد، حصولا تحت قدرته الملل والنحل ج 1، ص (97). ويقول فخر الدين الرازي ت 606 هـ " ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعرى رضى الله تعالى عنه، إلى أن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل أن الله أجري عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون فعل العبد مخلوقا الله إبداعا وإحداثا ومكسوبا للعبد، والمقصود بكسبه إياه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له " أساس التقديس ص 228 "، كما يقول الجرجاني في شرحه على " مواقف " عضد الدين ايجي ت 756 هـ: والمراد بكسبه إياه مقارنته - لقدرته (قدرة الإنسان وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له (المواقف مع شرح السيد الشريف الجرجاني ج 8، ص 146)
218 (1/218)
صفحة 206
للعبد وهو ما وجدناه عند الباقلاني
والرازي
(60604)
وغيرهم من الأشاعرة.
(444)
، والجويني (0000)
(***) يحاول الباقلاني ت 403 هـ ا. ان يجعل للقدرة تأثيرا خلافا لما فهم من قول الأشعرى وذلك أنه يرى أن إثبات قدرة لا أثر لها كنفى القدرة أصلا، وذلك ليصل إلى نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة. انظر: الشهرستاني: الملل والنحل ج 1، ص 98).
(48.47.43
•
(0000) يعقد الإمام الجويني بابا في العقيدة النظامية " تحت عنون " في العبودية والصفات المرعية يجعل الركن الأول منه في " قدرة العبد وتأثيرها في مقدورها ومن بين ما يذكر فيه نقرأ أن " قدرة العبد مخلوقة الله تبارك وتعالى باتفاق العالمين بالصانع، والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعا، ولكنه مضاف إلى الله تبارك وتعالى باتفاق العالمين بالصانع، والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعا، ولكنه مضاف إلى الله تبارك وتعالى تقديرا وخلقا: " العقيدة النظامية " تحقيق د. أحمد حجازى السقا. ص (00000) يعمل فخر الدين الرازي على إظهار التأثير لقدرة العبد على أفعاله، خلافا للأشعرى من خلال تبيانه لما يتولد مع القدرة في الإنسان من ميل وداع إلى العمل، ينضمان إلى القدرة المخلوقة لله في العبد على الفعل، مما يؤدى إلى حدوث الفعل، ما يجعل لقدرة العبد تأثيرا يساهم في نسبة الفعل إليه حقيقة. يقول الرازي: " إن الفعل الصادر عن الإنسان فعل اختيارى والفعل الاختيارى عبارة عما إذا اعتقد في شئ كونه زائدا في النفع فيتولد عن ذلك الاعتقاد ميل، فينضم ذلك الميل إلى أصل القدرة فيصير مجموع ذلك الميل مع القدرة موجبا "، وعلى هذا التقدير يكون العبد فاعلا على سبيل الحقيقة، ومع ذلك فتكون الأفعال بأسرها بقضاء الله وقدره " كما اعترفنا بأن الفعل واجب الحصول عند مجموع القدرة والداعي، فقد اعترفنا بكون العبد فاعلا وجاعلا فلا يلزمنا مخالفة ظاهر القرآن، وسائر كتب الله تعالى. وإذا قلنا بأن المؤثر في الفعل مجموع القدرة مع الداعي، مع أن هذا المجموع حصل بخلق الله تعالى، فقد قلنا بأن الكل بقضاء الله وقدره * (المعالم في أصول الدين ص، 73، 75، 116).
219 (1/219)
صفحة 207
قول الأباضية:
يخالف الأباضية في قضية القدر أو أفعال العباد أو الجبر والاختيار
كلا من الجهمية وغيرهم من القائلين بالجبر، وأن الإنسان مجبر فيما يأتي من أفعال وما هو إلا محل لأفعال خلقها الله فيه، والقدرية والمعتزلة في قولهما بأن الإنسان حر مختار فيما يأتى من أفعال، وأنه موجد وخالق لأفعاله، ووافقوا في هذا قول أهل السنة فيما ذهبوا إليه في هذه
المشكلة
(41)
وفى مخالفتهم لكل من الفريقين - المجبرة والقدرية - يكشف الأباضية عن غلط كل من الفريقين في المنهج الذى اتبعاه في معالجة هذه المشكلة - مشكلة أفعال العباد. ذلك لأن كلا منهما نظر إلى المسألة من جهة دون الجهة التي نظر منها الفريق الآخر، ومن ثم جاء رأى كل منهما قاصرا خاطئا، يقول أبو عمار عبد الكافى موجها كلامه إلى الفريقين: ....... ذلك أنكم (المجبرة) وإياهم (يعنى القدرية اتفقتم في بدء أمركم على أن الفعل جزء واحد، وأنه لا يحتمل التجزئة، وغير متجه لا يوصف بالجهات، فاتفقتم على ذلك، وقلتم جميعا: لا يخلو هذا الفعل من أن يكون جميعه الله، أو يكون جميعه للعبد، فلما اتفقتم على هذا من قولكم رجعتم فيما بينكم فاختلفتم على وجهين مختلفين متباعدين كلاهما بعيد عن وجه الصواب وفصل الخطاب، فقلتم أنتم معشر المجبرة، بأن الفعل ما كان بهذه الصفة لا يحتمل التجزئة، ولا يوصف بالجهات، فينبغي أن يكون الفعل بذلك مضافا جميعه إلى الله عز وجل، لأنه أضاف ذلك إلى نفسه بأن خلقه وجعله في قلوب الفاعلين، فاضلهم به وهداهم، ولثبوت عجز العبد عن أن يجعله بكيفيته التي هو بها. وقالت القدرية: بل لما وجدنا هذا الفعل غير
220 (1/220)
صفحة 208
متجزء ولا محتمل للجهات على مثل علة المجبرة، ووجدناه مضافا إلى العبد، بأنه يكتسبه ويختاره، ويذم عليه ويحمد، وغير جائز أن يضاف إلى الله بأنه يترك به أو يسكن، ويؤمن به أو يكفر، أو يطيع به أو يعصى، فيجب أن يكون الفعل لما ذكرنا جميعا مضافا إلى العبد بجميع وجوهه، وليس لله فيه حكم ولا تدبير، ولا له عليه ملك ولا سلطان، فانتشرت عليكم الأمور، وتفرقت بكم السبل عن سبيل الله، وذلك أنكم عمدتم إلى علتين مختلفتين، وجهتين متفاوتتين، فجعلتموهما علة واحدة وجهة واحدة، وهو أن للفعل جهتين متفرقتين متباينتين غير متفقتين: إحداهما جهة الخلق لله والتدبير والتقدير، والأخرى جهة التحرك للعبد والسكون، والطاعة والمعصية فجعلتم هاتين الجهتين المختلفتين جهة واحدة، فأبطلت المجبرة واحدة، وأبطلت القدرية واحدة، فضللتم بذلك جميعا عن سبيل الله ضلالا بعيدا *
(42)
فالأباضية إذن يقولون في أفعال العباد بقولين يتعلق كل منهما بجهة من فعل العبد، فعندهم فعل العبد موجود بعد أن كان معدوما، وقد علم الله تعالى كنهه، وعجز العبد عن ذلك، هو من خلق الله تعالى، وهو من حيث وقوعه تحت قدرة العبد وكسبه واضافته إليه هو
فعل العبد.
وعن كون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بالمعنى الذي قدمنا يقول الأباضية: " إن العالم وما فيه من جوهر وعرض، وخير وشر، وطاعة ومعصية، ما يرى من ذلك وما لا يرى، مما كان منه وما سيكون، وما يتوهم كونه، ان لو كان كيف كان يكون، فهو خلق الله وتدبير له، والله المقدر لجميع ذلك والمدبر له، وهو الصانع له
221 (1/221)
صفحة 209
والمالك، وليس شئ منه بخارج من تدبير الله وتقديره وملكه وسلطانه
(43)
وارادته وعلمه ما يضاف إلى العباد من ذلك وما لا يضاف إليهم وقد استدل الأباضية على قولهم بخلق الله تعالى لأفعال العباد بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية وكذلك بالمشهور من الأخبار فمن القرآن الكريم استدلوا بالكثير من الآيات القرآنية التي أولوها بما يؤيد مذهبهم من نحو قوله تعالى: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ الله خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (44) ردا على من أخرج شيئا من كل الأشياء من أن يكون من خلقه، وبقوله عز وجل: (وَأَمِرُوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ (4) فدل على أن ما أسر العباد أو أظهروه فهو من خلقه، ... محتجا على من قال لا يكون الفعل مخلوقا، وبقوله تعالى: (وَمِنْ وَايَنَيْهِ، مَنَامُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ (46) فكيف يكون الابتغاء للفصل الذي هو عمل العباد من آيات الله، وليس فيه لله تدبير ولا هو له خالق ... وقال عز وجل: خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا (47) وأفعال الخلق بين السماء والأرض، وبقوله تعالى: (وَالله
ينهما
خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (48) وغير ذلك من الآيات.
كما استدلوا من السنة كذلك بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة القدرية " سموا مجوسا لأنهم يضيفون القدر إلى أنفسهم، وغيرهم يجعله الله دون نفسه، ومدعى الشئ لنفسه أولى بأن يسمى به دون من جعله لغيره، ولأنهم ضارعوا المجوس بل زادوا على المجوس، وذلك لأن المجوس نفت عن الله خلق الشرور وزادت القدرية نفى خلق الخير من جميع أفعال الخلق عن الله تعالى. .... وروى عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ بن جبل:
222 (1/222)
صفحة 210
إن الله لم يخلق أحب إليه من العتاق - يعنى مما رغب فيه من غير فرض - ولم يخلق شيئا أبغض إليه من الطلاق " يعنى مما هو دون ما نهى عنه من المعصية، وقد علمنا أن العتاق والطلاق من فعل العباد. وغير ذلك من
الأحاديث.
كما استدلوا من الآثار بما روى عن على بن أبي طالب أنه سئل
عن الأفعال التى يستوجب بها العباد السخط. من الله أهى من الله ام من العباد؟ فقال: من الله خلقا ومن العباد فعلا. وبما روى عن حذيفة بن اليمان رضي ا الله عنه أنه قال: إن الله خلق كل صانع وصنعته " وبما روى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: العجز والكيس بقدر، وهما فعل العباد يحمدون به ويذمون عليه. وغير ذلك أيضا من أقوال الصحابة
رضى الله.
عنهم
(49)
وكذلك يدلل الأباضية على أن الله خالق لأفعال العباد ولغيرها عن طريق العقل، يقول أبو عمار عبد الكافي: " ونحن سائلوا القدرية ولا حول ولا قوة إلى بالله فنقول لهم: حدثونا عن هذه الأفعال التي زعمتم أنها غير مخلوقة لله، هل تخلو من أن تكون حركة أو سكونا؟ قالوا: لا تخلو من ذلك، قلنا: أمحدثة هي أم غير محدثة؟ فإن قالوا: غير محدثة أبطلوا، وإن قالوا محدثة، قلنا: فالعباد هم الذين أحدثوا هذه الأفعال: من الحركات والسكون، وجعلوها محدثة غير قديمة، فإذا قالوا: نعم، قلنا فهل تدل بحدوثها على حدوث من حلت به ووصف بها؟ فإن قالوا: لا، أبطلوا، وصاروا إلى مذهب المبطلين من أهل الدهر فكان الرد عليهم جميعا واحداً، فإن رجعوا وقالوا: إنها تدل بحدوثها على حدوث من حلت به، ووصف بها، قلنا: من جعلها دالة على حدوث الموصوف بها؟ فإن زعموا أن العباد تولوا ذلك منها، قلنا: فالعباد إذن
223 (1/223)
صفحة 211
وحسن
محمودون على أن جعلوا أفعالهم تدل على حدوث الأجسام وإبطال قدمها، فإن هم أجابوا إلى ذلك، قلنا: أفيجب على ذلك للعباد الحمد، الثاء؟ فإذا قالوا: نعم، قلنا: فينبغي أن يكون العاصون محمودين على معاصيهم، التى هى حركاتهم وسكونهم حيث جعلوها دلالة على حدوث أجسامهم، فإذا قالوا: نعم، أبطلوا عن العاصين الذم وأدخلوهم في باب الحمد والشاء، فإن قالوا: لا يجب الحمد للعاصين، وليسوا هم الذين جعلوا أفعالهم دالة على حدوث أجسامهم فيحمدون على ذلك، قلنا: من جعلها إذن تدل على حدوث من قامت به ووصف بها؟ فلا يجدون إلا أن يقولوا: إن الله جعل هذه الأفعال من حركات العباد وسكونهم واجتماعهم وافتراقهم دالة على حدوث أجسامهم، وجعل ذلك دلالة على وحدانيته جل ثناؤه، وربوبيته، كما جعل سائر الأفعال من الأشياء، إذ كانت الأشياء متساوية في وجه الدلالة على الله جل
جلاله
(50)
هكذا كان حديث الأباضية عن أفعال العباد من حيث كونها مخلوقة لله تعالى، بمعنى أنه سبحانه وتعالى قد أخرجها من العدم إلى الوجود، في إطار كونه الخالق لكل شئ سواه، وهكذا كان أيضا تدليلهم على ذلك بالأدلة النقلية من الكتاب والسنة والآثار والأدلة العقلية أيضا، بقى بعد ذلك أن نقف على حديثهم عن أفعال العباد من حيث أفعال وأكساب للعبد مضافة إليه، وهو مستحق عليها للثواب
والعقاب.
وأفعال العباد من حيث هي فعل وكسب لهم تتعلق عند الأباضية بما للعباد من قدرة وإرادة مخلوقين لهما من قبل الله تعالى. وقد وقفنا من قبل على كون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى من حيث الاختراع أو
224 (1/224)
صفحة 212
الإيجاد بعد العدم، هذا من جانب، ومن جانب آخر هي – أي الأفعال - مكسوبة للعباد، والكسب عند الأباضية لا يعنى أكثر من نسبة هذه الأفعال إلى قدرة العبد التى يخلقها الله له مقارنة للفعل، وإن كانت عندهم قدرة غير مؤثرة في اختراع الفعل أو إيجاده من العدم على النحو الذي قال به المعتزلة، ورفضه الأباضية، فذلك عندهم من شأن الله تعالى فقط الخالق لكل شئ. وبهذا خالف الأباضية أيضا أهل الجبر الذين أضافوا أفعال العباد من جميع جهاتها إلى الله تعالى، وما العبد إلا محل لحدوث الأفعال. يقول صاحب " قناطر الخيرات " إن إنفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد وسكناتهم لا يخرجها عن كونها مقدرة للعباد على سبيل الاكتساب، فالله سبحانه خلق القدرة والمقدور جميعا والكسب والمكتسب جميعا، فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه، وليس بكسب له، وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له، فإنها خلقت مقدورة بقدرة هى وصفه فكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى القدرة، فسميت باعتبار تلك النسبة كسبا، وكيف يكون الفعل جبرا محضا وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية أو يكون خلقا للعبد وهو لا يحيط علما بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها. فإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد في الاعتقاد، وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعا، وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنها بالإكتساب، وقد قال تعالى: قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ (51) فأضاف القتل إلى العباد والتعذيب إلى نفسه في فعل واحد، والتعذيب هو عين القتل. بل صرح وقال: (فلم) تقتلوهم ولكن الله قتلهم) إلى قوله: (ولكن الله رمى)، وهو جمع بين النفى والإثبات ظاهرا، فكأنه
(52)
225 (1/225)
صفحة 213
قال: (وما (رميت بالمعنى الذى يكون به الرب راميا " إذ رميت " بالمعنى الذي يكون به العبد راميا، فرد تعالى في هذه الآية على المعتزلة والمجبرة
جميعا
(53)
كما أن تلك القدرة التي خلقها الله للعبد، تأتى مقارنة للفعل، ولابد من أن تكون كذلك، لكونها عرضا ومن أحكام العرض أنه لا يبقى يقول المعصبي: " أعلم أنه إنما قلنا بوجود قدرة للعبد مقارنة لمقدورها لما تجد من الفرق الضرورى بين حركتي الإضطرار والإكتساب، وهذا الحكم، وهو المقارنة، ليس ثابتا لها من حيث كونها قدرة، بل من حيث أنها عرض، ومن أحكام العرض انعدامه عقب زمان وجوده، واستحالة بقائه زمانين في الأكثر .... وإذا ثبت استحالة بقائه لزم من ذلك استحالة تقدم القدرة الحادثة، إذ لو تقدمت لزم انعدامها حال وجود المقدور، فيكون بقدرة معدومة، وذلك محال، وتقرير ذلك أنه إذا عدمت جاز وجود ضدها، وهو العجز فيلزم كونه مقدورا حال وجود العجز، وهو يستدعى معجوزا عنه، فيقع الشئ حال وقوعه مقدورا عليه معجوزا عنه، وذلك محال
(54)
وإذا كان الله قد خلق في العبد القدرة على الفعل مقارنة له فهو أيضا قد خلق له - حسب قول الأباضية - الإرادة أو الإختيار التي بها يختار هذا الفعل أو ذاك، وهو ما يؤكده الشيخ السالمي بقوله: " إنه تعالى خيرنا في فعل الخير والشر، وبين لنا عاقبة الأمرين فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ) (55)، وجعل لنا قدرة اكتساب أيهما شئنا لا على خلقه، فإنه هو الذي يخلقه فينا حال اكتسابنا له، وبهذا الاكتساب ارتفع الإتصاف بالجبر، فلا نقول إنه مجبر لنا على فعلنا ..... وإنما نقول إنه نشأ باختيار منا واكتساب لنا. وفوق ما ذكرنا
226 (1/226)
صفحة 214
إنا قد أمرنا بالكف عنه وترك الخوض فيه لَا يُسْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
يسلون
(56) (57)
ونحن إذا توقفنا قليلا مع نهاية النص السابق للشيخ السالمي نشعر معه أن الأباضية - رغم إصرارهم على أن الأفعال من حيث هي كسب للعباد قد كانت كذلك بقدرة واختيار قد خلقهما الله فيهما، يميلون مرة أخرى إلى القول بنوع من الجبر للعبد في أفعاله، ومن أجل ذلك كان قول السالمي السابق برفض الجبر، والقول بالإكتساب، ثم يلى ذلك بالدعوة إلى التوقف عند هذا الحد وعدم الخوض في مناقشته ويظهر هذا التوجه بشكل أوضح عند المصعبي في استناده على أفعال العباد من حيث هي مفعولة لهم ومكتسبة بقدره واختيار خلقهما الله فيهم على صحة تكليف الله للعباد، وذلك لأن الله تعالى قد رفع التكليف الشرعى عن المكره كما رفعه عمن لا تتوفر له أدوات هذه الأفعال من نحو العقل والقدرة والإرادة وبالجملة عما هو ليس في الوسع. ثم يعود مرة أخرى في تقريره للعلاقة بين أفعال العباد الداخلة تحت التكليف فيخرجها كذلك من أن تكون سببا في الثواب والعقاب، وقد جرى العرف على أن الفعل إذا كان منسوبا حقا إلى
(58)
"
فاعله يكون - في هذه الحالة - سببا فيما يترتب عليه من نتائج وآثار وعدم ذلك يعنى عدم نسبة الفعل إلى صاحبه، وبالتالي فهو غير مسئول عنه غير مستحق لما يترتب عليه من مدح و ذم، وثواب أو عقاب، وهذا ما يؤكده المصعبي في قوله: " إن نظرنا إلى الباطن كما قيل، وإلى حقيقة الأمر لم يصح جعل فعله (يعنى فعل العبد) سببا عقليا لشئ. وقد جاء القرآن والسنة بملاحظة الأفعال تارة، نحو (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تعْمَلُونَ (59)، وبلغوها تارة نحو " لا يدخل الجنة أحدكم بعمله "،
227 (1/227)
صفحة 215
والملاحظة الأمرين، وخفاء المراد في الكسب، يقرر لنا في هذا القام انا نضيف إلى الله تعالى ما أضافه إلى نفسه وهو الخلق، وإلى العبد ما أضاف إليه وهو الكسب، ونمسك عن كون ذلك الكسب هو ما لكونه إذا حقق فإنه يؤدى إلى القول بالجبر، ولقوله صلى الله عليه وسلم عن ربنا سبحانه وتعالى: القدر سرى فلا ينبغي لأحد أن يطلع على سرى "، قلت: " ومن ثم قال بعضهم: العبد مجبور في قالب مختار الأمر الذى انتهى بهم إلى أن دخول الجنة والنار إنما يتم تفضلا وعدلا من الله تعالى وليس بسبب ما اقترفوه من أعمال خيراً أكانت أم شراً.
(60)
إذا فالأباضية قد ساروا في هذه المسألة في طريق رفضوا فيه قول الجبرية لما يترتب عليه من تعطيل للتكليف، ونسبة الظلم إلى الله تعالى في محاسبته العباد على أعمال لا طائل لهم بها ونحوه كما رفضوا قول المعتزلة لما يترتب عليه من قول بالشركة في الخلق، والحد من قدرة خلقية الله تعالى، واقتربوا في هذا من قول أهل السنة فحاولوا الجمع بين الرأيين في رأى واحد حول أفعال العباد من جهتيها: جهة كونها مخلوقة لله تعالى وجهة كونها مكتسبة للعبد، واعتقدوا أنهم بذلك قد صححوا ما وقع فيه فريقا المجبرة والقدرية من أخطاء، إلا أنهم في النهاية إما أنهم أشعروا بالعودة إلى الجبر أو الدعوة إلى التوقف وعدم الدخول في مزيد من النظر والتفكير في هذه المسألة أكثر مما توصلوا إليه، تأسيسا على أنها تقع في علم الله تعالى وسره.
الحكم على أفعال العباد:
:
والمقصود هنا بـ " أفعال العباد " الأفعال الاختيارية التي يقوم بها العباد، ومن ثم تقع تحت مسئوليتهم، وكذا تحت الحكم على فاعليها من قبل الله تعالى، من حيث الوصف بالإيمان أو الكفر، أو الفسوق
228 (1/228)
صفحة 216
والعصيان، أو نحو ذلك من الأحاكم والمسميات، وما يترتب على من وعد ووعيد، أو ثواب وعقاب، وما تشمل منها رحمة ومغفرة الله تعالى، وما لا تشمله، وما يقابل ذلك من خلود في الجنة أو خلود في النار، وأخيرا ما يجوز أن يشفع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، يوم القيامة
وما لا يجوز.
والناس في ذلك أصناف، منهم المؤمنون وغير المؤمنين، ونقصد بغير المؤمنين أولئك الذين لم يقروا بكلمة التوحيد أصلا، ممن يطلق عليهم الكفار المشركون، أما المؤمنون فالمقصود بهم أولئك الذين خرجوا من دائرة الكفر والشرك، ودخلوا دائرة الإيمان بإقرارهم بكلمة التوحيد، وبهذا دخلوا الإسلام ووصفوا بأنهم مسلمون. وعن أعمال هؤلاء يدور حديثا، كما صوره الأباضية، وما اتفقوا أو اختلفوا بقولهم فيه مع غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى.
ولا خلاف بين المسلمين على وعد الله أو إثابة الله تعالى، المؤمنين المطيعين الموفين بكلمة التوحيد، ولكن الخلاف قد ثار بينهما فيما يتعلق بالوعيد، أو بعقوبة الله تعالى لغير الموفين، أو للمذنبين بتعذيبهم في النيران يوم القيامة، ومن هنا كان اتفاق الجمهور اعتمادا على ما ورد في ذلك في الكتاب والسنة إلى تقسيم أفعال العصاة من العباد إلى كبائر وصغائر، سيرا نحو تلمس الحكم على كل منها، وحول ذلك كانت خلافاتهم، فما المقصود بالكبائر والصغائر؟
الكبائر والصغائر:
والكبائر جمع كبيرة أو كبير، والصغائر جمع صغيرة، وقد
شمل الحديث عن الكبائر والصغائر جميع طوائف المسلمين ما عدا المرجئة والخوارج والمرجئة هم الذين أخرجوا الأعمال من حد الإيمان،
229 (1/229)
صفحة 217
فقصروا الإيمان على التصديق فقط دون العمل، وذهبوا في الحكم على الأعمال إلى أنه مرجأ إلى الآخرة، ومن ثم فبالنسبة للذنوب أو المعاصي،
فلله فيها المشيئة حينذاك، إن شاء غفرها لأصحابها وأدلهم الجنة، وإن
(61)
شاء عذبهم أما الخوارج فلم يقولوا بهذه القسمة، وأنكروا وجود صغائر، بل
(62)
ذهبوا إلى أن كل فعل قبيح هو كبير. . أما غيرهما من الفرق فقد
أقروا بقسمة الذنوب إلى كبائر وصغائر.
أما عن محاولة تحديد أو تعريف الكبير والصغير من الذنوب فقد
(63)
ما
اعتبر ابن تيمية أن أولى الأقوال بالاستدلال على هذا التحديد هو أثر عن ابن عباس رضى الله عنه وذكره أبو عبيد وأحمد بن حنبيل وغيرهما وهو ان الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة. وقد أوضح أن المقصود بالحد في الدنيا هو العقوبة الخاصة في الدنيا مثل القتل والقطع والرجم ونحو ذلك، أما حد الآخرة فالمقصود به الوعيد بالعقوبة في الآخرة مثل الوعيد من الله تعالى بالنار أو الغضب أو اللعنة، أو نفى الإيمان أو غير ذلك مما توعد به المذنبيين في الآخرة.
وترتيباً على هذا يكون معنى الكبيرة أنها ما ثبت فيها هذا الحدان: حد الدنيا وحد الآخرة، أى عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة. وعلى هذا يدخل تحت هذا التعريف للكبائر: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، والزنا والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وغير ذلك من الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة مشروعة، كما يدخل فيها: الفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا، وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة الزور، وغير ذلك مما جاء فيها وعيد خاص من قبل الله تعالى في الآخرة مثل: الغضب واللعنة وغير ذلك، ويؤكد ابن
230 (1/230)
صفحة 218
تيمية قوله بما جاء في القرآن الكريم من نحو قوله تعالى في الفرار من الزحف: وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَن دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِنَا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيْرًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَنَهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (64)، وقول الله تعالى فيمن يأكل مال اليتيم: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بطونهم نارا وسيضلون سميرا کو (65)، وقوله فيمن ينقضون العهد: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَفِهِ. وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي
(66)
الْأَرْضِ أُولَيكَ هُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ النَّارِ)، وقوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن توَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِعُوا أَرْحَامَكُمْ أَوَلَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَنَعُمْ وَأَعْمَى أَبْصَرَهُمْ) (67)، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَيكَ لا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
كما يدخل ابن تيمية أيضا في الكبائر كل فعل جاء بشأنه توعد بعدم دخول الجنة والنفى من المؤمنين أو من الإيمان، وفي هذا يقول: " وكذلك كل ذنب توعد (الله) صاحبه بأنه لا يدخل الجنة، ولا يشم رائحة الجنة وقيل فيه: من فعله فليس منا وأن صاحبه آثم. فهذه كلها من الكبائر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يدخل الجنة قاطع "، وقوله: " من غشنا فليس منا "، وقوله: " من حمل علينا السلاح فليس منا "، وقوله: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليها فيها أبصارهم حتى
ينتهبها وهو مؤمن ...
(69) "
ويتفق الأباضية مع أهل السنة في تعريفهم للكبائر والصغائر على
النحو الذي أورده ابن تيمية، ذلك لأننا نقرأ عند الشيخ السالمي أن
231 (1/231)
صفحة 219
الكبير من الذنوب هو ما ثبت فيه حد في الدنيا أو عذاب في ة (70)؛ كما ذهب في تحديد الصغيرة إلى أنها عكس الكبيرة، او ما خالف الكبيرة في حدها، أو بعبارة أخرى هى ما عدا الكبيرة من
الآخرة
الذنوب
(71)
أما أبو عمار فقد جمع بين الكبيرة والصغيرة في كونهما معصية، ولكن الله تعالى قد تجاوز عن المعصيات من الصغائر إذا ما انتهى الإنسان عن فعل الكبائر، ولذلك نجده يقول: " وقد اجتمعت الأمة على أن كل كبيرة معصية، ولم يجمعوا على أن كل معصية كبيرة، فلو كانت كل معصية كبيرة كانت الأمة تجمع على ألا معصية إلا كبيرة، كما أجمعوا على أن لا كبيرة إلا عصيان، الا ترى أن الله تعالى قال في كتابه: مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كبيرة إلا أَحْصَنَهَا} (72)، وقال: (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطرُ) (73)، وقال: إن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كريما لکھ (74)، فكل ما كان مغفوراً لأهله متروك المؤاخذة عليه، فهو صغير غير كبير وغير كفر، فعلمنا لذلك أن طاعة الله إيمان وليس جميع معصيته كفراً ولا كبيراً (5)
حكم مرتكب الكبيرة:
(75)
جميع
قد اختلف المسلمون حول حكم مرتكب الكبائر من حيث وصفه بالكفر المخرج من الملة الإسلامية أو عدم وصفه بذلك، ومن حيث الوعيد بالتخليد في النار من عدمه، فذهب الخوارج، والزيدية، والشيعة، إلى الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه كافر خالد مخلد في النار، واستدل الأزارقة من الخوارج على هذا القول بكفر إبليس، وقالوا: " ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمر بالسجود لآدم عليه السلام
232 (1/232)
صفحة 220
فامتنع، وهو عارف بوحدانية الله تعالى " (76). وشاركهما في هذا المعتزلة، وإن اطلقوا على مرتكب الكبيرة فاسق ليس بمؤمن ولا كافر، بل هو في منزلة بين منزلتى الإيمان والكفر، وإن كان واقعاً تحت وعيد التخليد في النار. كما خالفوا أيضا كلا من الزيدية
والخوارج بالقول بأن عذابه - أى مرتكب الكبيرة – مختلف عن عذاب الكافرين من أهل الشرك، أو أخف منه
(77)
وفى مقابل هؤلاء ممن أثبتوا الوعيد كان المرجئة، أولئك الذين ذهبوا إلى تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار كما نسب إلى بعضهم القول بأن ما دون الشرك مغفور لا محالة، وأن العبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من
السيئات
(78)
ورأى الأشاعرة في مرتكب الكبيرة أنه " إذا خرج من غير توبة يكون حكمه إلى الله تعالى إما أن يغفر له برحمته وإما أن يشفع فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ قال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتى، وإما أن يعذبه بمقدار جرمه، ثم يدخله الجنة برحمته. ولا يجوز أن يخلد في النار مع الكفار لما ورد به السمع بالإخراج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان "
(79).
ولم يرتض أهل السنة قول الخوارج وأضرابهم ممن قالوا بكفر مرتكب الكبيرة وتخليده في النار، كما أنهم لم يرتضوا قول المعتزلة الذين قالوا بقول الخوارج وإن سموا مرتكب الكبيرة فاسقاً، أو جعلوا عذابه أثناء تخليده في النار غير أو أخف من عذاب الكافر، ذلك لثبوت الإيمان وأخوة الإيمان لمرتكبى هذه المعاصى (
(80)
233 (1/233)
صفحة 221
كما أنهم رفضوا قول المرجئة الذى توقفوا فيه عن الحكم على مرتكب الكبيرة، وأرجاوه إلى الله في الآخرة، وذلك لثبوت الوعيد للمذنبين في الكتاب والسة. وقد فصل ذلك ووضحه شارح العقيدة الطحاوية، فقال: " إن أهل السنة متفقون على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج إذ لو كفر كفرا ينقل عن الملة لكان مرتدا على كل حال، ولا يقبل عفو ولى القصاص، ولا تجرى الحدود في الزنا السرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين، كما قالت المعتزلة. فإن قولهم باطل أيضا، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتب عليكم القِصَاصُ في القتلى إلى أن قال: فَمَنْ عُنِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَأَنْبَاعُ) بِالْمَعْرُونِ (3) فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخا لولى القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب. وقال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) إلى أن قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أخويك (82)
(81)
ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد. قد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من كانت عنده لأخيه اليوم مظلمة من عرض أو شئ فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه، ثم ألقى في النار، أخرجاه في الصحيحين. فثبت أن الظالم يكون
234 (1/234)
صفحة 222
له حسنات، يستوفى المظلوم منها حقه. وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار قال: المفلس من يأتي يوم القيامة وله حسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد شتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، وقذف هذا وضرب هذا، فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقصى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار " رواه مسلم. وقد قال تعالى: إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (83) فدل ذلك أنه في حال إساءته يعمل حسنات تمحو سيئاته.
(84).
والخاصية التي يختص بها أهل السة، وتمثل الفارق بينهم وبين المعتزلة والخوارج واضرابهما ممن أخرجوا المسلم بكبيرته ومعصيته من الإسلام وحكموا عليه بها بالخلود في النار تكمن في اعتقادهم أن هذه المعاصى والكبائر التى يموت عليها المسلم بدون توبة تقع تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء غفرها له وإن شاء عذبه عليها، مدللين على ذلك بما ورد في كتاب الله تعالى، يقول ابن تيمية في تفنيده، لما ذهب إليه كل من الخوارج والمعتزلة من جانب، اللذين أكدا على الوعيد، والمرجئة من جانب آخر الذين توقفوا فيه: " وقد دل على فساد قول الطائفتين، قول الله تعالى في آيتين من كتابه، وهو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ (8) فأخبر أنه لا يغفر الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه لمن يشاء، ولا يجوز أن يراد بذلك التائب كما يقوله من يقوله من المعتزلة، لأن الشرك يغفره الله لمن تاب وما دون الشرك يغفره الله أيضاً للتائب، فلا تعلق بالمشيئة. ولهذا لما ذكر المغفرة للتائبين قال
تعالى: (قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا نَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
235 (1/235)
صفحة 223
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (8)، فهنا عمم) المغفرة وأطلقها، فإن الله يغفر للعبد أى ذنب تاب منه، فمن تاب من الشرك غفر الله له، ومن تاب عن الكبائر غفر الله له، وأى ذنب تاب العبد غفر الله له، ففي آية
التوبة عمم، وأطلق، وفى تلك الآية خصص، وعلق، فخص الشرك بأنه لا يغفره، وعلق ما سواه على الذنب على المشيئة
(87) -
إلا أن أهل السنة. مع. هذا وقد أثبتوا من قبل أن لمرتكبي المعاصي والكبائر حسنات بجانب ما لهم من معاصى، الأمر الذي يستخلص منه عدم خروجهم من الإيمان لا يسوون بين إيمانهم هذا بين الإيمان الكامل الذي يتسم به المؤمنون ممن تحلوا بالطاعات وتخلوا عن المعاصي والكبائر، سواء بعدم ارتكابها أو بالتوبة عنها، إذن فهو إيمان ناقص عندهم، وهو ما يؤكده ابن تيمية أيضا في قوله: " وقد لا يدخل (أى مرتكب الكبيرة) في اسم الإيمان المطلق، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ وَايْتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَا) (88) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، ويقولون هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الإسلام
المطلق، ولا يسلب مطلق الإسم "
قول الأباضية
(89).
ورأى الأباضية في الحكم على مرتكب الكبيرة يدور حول أمرين: الأمر الأول يتعلق بما بينه وبين ربه، وما يترتب على ذلك من إنفاذ الوعيد الذي توعد به الله تعالى مرتكبى الكبائر، الذين يموتون
236 (1/236)
صفحة 224
على كبائرهم دون توبة، أو بتوبة غير مستوفية لشروطها. والثاني من
الأمرين يتعلق بما بينه وبين المؤمنين من الخلق.
وعن الأمر الأول يذهب الأباضية إلى أن مرتكب الكبيرة غير التائب عنها في الآخرة خالد مخلد في النار، ولا يقع تحت عفو الله تعالى، لأن القول بهذا يؤدى - حسب رأى الأباضية – إلى إبطال وعيد الله تعالى الذى توعد به مرتكبى الكبار الذين ماتوا عليها بلا توبة بتخليدهم في النار، كما يؤدى إلى إدخال الكذب في اختيار الله تعالى، فضلا عن أنه يتنافى مع عدل الله تعالى وحكمته، وإدخال الخلف عليه،.، تعالى الله عن كل ذلك
(90)
ويدلل صاحب: الحق الدامغ " على ذلك بما جاء في تفسير المنار
للشيخ محمد عبده، في تفسير قوله تعالى: بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَطَتْ يهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَيكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ). وفي تفسيرها
لا
يجد
(91)
يقول صاحب المنار: " ومعنى إحاطة الخطيئة هو حصرها لصاحبها، وأخذها بجوانب إحساسه ووجدانه كأنه محبوس فيها، لنفسه مخرجا منها، يرى نفسه حرا طليقا، وهو أسير الشهوات وسجين الموبقات ورهين الظلمات، وإنما تكون الإحاطة بالاسترسال في الذنوب، والتمادى على الإصرار، قال تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا (92). أي من الخطايا والسيئات، ففى كلمة يكسبون معنى
يكسبون الاسترسال والاستمرار، ران عليه غطاه وستره، أي أن قلوبهم قد أصبحت فى غلف من ظلمات المعاصى حتى لم يبق منفذ للنور يدخل إليها منه، ومن أحدث لكل سيئة يقع فيها توبة نصوحا واقلاعا صحيحا، لا تحيط به الخطايا، ولا يرين على قلبه السيئات، روى أحمد والترمذي والحاكم وصححاه والنسائي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم من
237 (1/237)
صفحة 225
حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله تعالى في القرآن: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) لمثل هذا كان السلف يقولون " المعاصى بريد الكفر ...... (93)، بل مما ينقل صاحب "الحق الدامغ " عن الشيخ محمد عبده أنه قال بعد ذلك: " والقرآن فوق المذاهب يرشدنا إلى أن من تحيط به خطيئته لا يكون ولا يبقى مؤمنا (94). وبهذا كان تأكيد الاستحقاق بالتخليد في النار.
كما يستدل الأباضية على تخليد مرتكبى الكبائر غير التائبين بغير ذلك من القرآن من نحو قول الله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا) (95)، وقوله جل وعز: (إِلَّا بَلَنَا مِنَ اللَّهِ (95)، {وَرِسَلَتِهِ، وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا كه (96)، وقوله تعالى في وصف المؤمنين: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا وَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا لا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوليك يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (97).
كما يدلل الأباضية أيضا على تخليد مرتكبي الكبائر غير التائبين في النار من السنة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت ويا أهل الجنة لا موت كل خالد فيما هو فيه " وفيه صحة دلالة على صحة عقيدة القائلين بخلود أهل الكبائر في النار، وذلك لأنه يعقب دخول الطائفتين في الدارين. وقوله - صلى الله عليه وسلم -:
238 (1/238)
صفحة 226
لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا بها، ولو قيل لأهل الجنة: إنكم ماكثون فيها عدد كل حصاة لحزنوا، ولكن جعل لهم الأبد ". وقوله - صلى الله عليه وسلم:
" لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر ".
وفي رواية أخرى: " ثلاثا قد حرم الله عليهم الجنة: مدمن خمر، والعاق لوالديه، والديوث الذى يقر السوء في أهله، وقوله - صلى الله عليه وسلم - " من شرب الخمر في الدنيا يحرمها في الآخرة "، وهو كناية عن حرمانه من دخول الجنة، لأن أهل الجنة لهم فيها ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم فلا يحزنون على شئ وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه إلا حرم ا الله عليه الجنة " وقوله - صلى الله عليه وسلم -: من اقتطع حق مسلم بيمينه
حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار " فقال رجل: " وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " وإن كان قضيبا من أراك، وقوله - صلى الله عليه وسلم - " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه. بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا، ومن نزل من جبل فقتل نفسه فهو ينزل في نار جهنم خالدا خلدا فيها "، وقوله - صلى الله عليه وسلم: " صنفان من أهل النار لم أرهما؛ قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يدخل الجنة نمام " وفي رواية "
239 (1/239)
صفحة 227
فتات
(98)
، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من أدعى إلى غير أبيه
وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام.
(99) *
أما عن الأمر الثاني الذي يختص بما بين مرتكبى الكبائر عموما وبي المؤمنين من الخلق، فهو يتعلق بأمرين أيضا، يختص الأمر الأول منهما بالاسم الذي يطلقه الأباضية على مرتكب الكبائر، ويختص الأمر الثانى بما ينبغى أن يكون عليه سلوك المؤمنين تجاههم. وبالنسبة للاسم الذي يسموهم به فالأباضية يطلقون عليهم اسم كفار منافقون، ليسوا بمشركين ولا مؤمنين " مُذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى
(100)
هَؤُلاء وَلا إلى هؤلاء وبالنسبة إلى لفظ " الكفر " أو " كفار " الذي أطلقه الأباضية على مرتكب الكبيرة فهو يعنون به معنى خاصا غير " الشرك بالله " تعالى، خلافا لغيرهم من المسلمين، الذين يطلقون الكفر ويعنون به الشرك، أو الخروج من ملة الإسلام، ولكى يميز الأباضية هذا اللفظ كما يستخدمونه أطلقوا عليه " كفر النعمة " أو " كفار النعمة " وهو وصف لأهل الكبائر في الدنيا لا يخرجوا به عن ملة الإسلام، ولا يعنى به كفر الشرك، إذن فهو مصطلح أو مفهوم خاص بهم، وهم لا يعجزون عن الأستناد فيه على ما ورد في الكتاب والسنة، يقول على يحي معمر: والذي ساعدهم (يعنى الأباضية أن يطلقوا كلمة كافر على أكل الرشوة من الأباضية ومن غيرهم هو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - " الرشوة في الحكم كفر " وعلى من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه فيما يقال فقد كفر بما أنزل على محمد " وعلى من تهاون بصلاة قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من ترك الصلاة كفر " وعلى من وجب
240 (1/240)
صفحة 228
عليه الحج فلم يؤده قوله تبارك وتعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (101)، وعلى من يتعامل)
بالربا قوله تبارك وتعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبوا وَيُرْيِي الصَّدَقَتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أنيم که (102)
، إلى كثير من النصوص التي وردت بهذا المعنى، والتي وإن أمكن تأويل بعضها بالشرك أو الردة فإن بعضها الآخر لا يمكن تأويله إلا على كفر النعمة، الذي هو بمعنى العصيان أو الفسوق، أو ما يطلق عليه أصحاب الحديث: كفر دون كفر. إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصف المرتشى، ومصدق الكاهن والعراف، والمرابي، والمتهاون في أداء الفريضة، والمسلمين المتقاتلين: "لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " بالكفر، فما ذنب الأباضية إذا استعملوا هذه الكلمة في وصف العصاة الذين يرتكبون تلك الموبقات أو ما يشبهها - وهم على يقين أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين وصف المرتشى والمرابي ومن بعدهما بالكفر لم يحكم عليهم بالشرك، أو الردة، أو الخروج من الملة. فاستعمل الأباضية كلمة الكفر في المواضيع التي استعملها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيما يشبهها، ولم يريدوا بها في ذلك الحكم بالشرك أو الردة، والخروج من الملة. ولو حكم بالشرك والخروج من الملة على كل من تهاون في صلاة أو حج فريضة، وكل من ارتكب معصية من المعاصى التي وصف رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -، مرتكبها بالكفر لما بقى من المسلمين إلا العدد اليسير. ولو سرنا مع هذا المنطلق لحكمنا على جميع المسلمين بالشرك أو الردة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " قد بدأ ضرب الرقاب بعده، ولم يتوقف حتى اليم. بل إن رقاب المسلمين لتطير بأيدي المسلمين في كل يوم حتى
241 (1/241)
صفحة 229
هذا العصر، ولا يبدو أنها ستتوقف، فهل يحكم على هؤلاء كلهم بأنهم مشركون مرتدون، وهل نحكم على أولئك البسطاء والسذج
(103)
الذين يصدقون كل شئ حتى العراف بأنهم مشركون مرتدون؟!! وبهذا اعتقد أنه قد اتضح لنا من هذا النص وفي نصوص غيره كثيرة، لا يمل الأباضية التأكيد على نفس المعنى فيها، أن استخدامهم لكلمة " الكفر " أو " الكفار " فيما يطلقونه على مرتكبي المعاصي والكبائر من الموحدين، لا تعنى أبدا أنهم مشركون، أو أنهم خارجون بمعصيتهم من ملة الإسلام، وهو ما يجعلهم مختلفين تماما عن تكفير الخوارج لمرتكبي الكبائر، لأن الخوارج يعنون بالتكفير حين يطلقونه الكفر المؤدى إلى الشرك، أو المخرج من ملة الإسلام، وترتيبا على هذا يميز الخوارج بين ما يسمونه معسكر المسلمين الذين هو معسكرهم، وبين معسكر المشركين، ويعنون به معسكر الذين يخالفونهم، أو الذين يصفونهم بأنهم مرتكبو كبائر، وبها خرجوا من معسكر الإسلام إلى معسكر الشرك، وعليهم أن يعاملونهم معاملة المشركين من استحلال القتل والسبى، والغنم، وعدم المدافنة معهم، إلى غير ذلك. وهو ما لا يمل الأباضية من نفيه عن أنفسهم.
بقى بعد ذلك أن نفهم بعد ذلك ما يقصده الأباضية بكلمة "النفاق " و " المنافقين " التي جاءت في تسميتهم لمرتكبي الكبائر كفار منافقون ". ويأخذ الأباضية هذه الكلمة " منافقون " ويعنون بها " غير المؤمنين " و " غير الكافرين " من القرآن الكريم، من قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) العَذِبَ اللهُ الْمُنْفِقِينَ وَالْمُنْفِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ والْمُشْرِكَتِ وَيَتوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا له
(104)
242 (1/242)
صفحة 230
فجعلهم ثلاث منازل معروفة غير مجهولة في كتابه عز وجل، وقال تعالى في المنافقين: وَتَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنهم لمنكُمْ} (105)، يقوله للمؤمنين، أى في النصر، والتسمية بالإيمان والوفاء، فقال عز وجل تكذيبا للمنافقين: (وما هم منكم يقوله للمؤمنين، أى ليسوا منكم في الوفاء، ولا تجرى عليهم أسماؤكم، ثم يبين ما الذى لم يكونوا به من المؤمنين فيقول: (وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (أى يجبنون عن الحرب، وعن قتال
العدو، فبذلك ومثله من أفعالهم لم يكونوا من المؤمنين، ثم قال:
(106)
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَن لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ)، يقول: قد
علموا ذلك ودل على أنهم من أهل التصديق، وقال مفرقا بين المؤمنين والمنافقين: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وينهون عن المنكر ويقيمون الصلوة ويُؤْتُونَ الزَّكوة ويطيعون الله ورسوله و 1072) إلى آخر الآية، ثم قال الْمُتَفِقُونَ وَالْمُتَفَقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسَوا، يعنى النفقة في سبيل الله، فبين ما فرق به المؤمنين
الله
(108)
والمنافقين من أفعال المنافقين التى هى ليست شركا، وإنما هي كبائر دون الشرك. ومما يؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في حيلة المنافقين أنه قال: " المنافق إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان " فدل على أن هذه الأفعال من النفاق، ودل بذلك على أن
المنافقين ليسوا بمشركين
(109)
البراءة من مرتكبى الكبائر:
وهو
ر الثانى الذى يختص بعلاقة المؤمنين بمرتكبى
الأمرا
الكبائر، فإن الأباضية قد ذهبوا فيه إلى ضرورة براءة المؤمنين منهم،
243 (1/243)
صفحة 231
وعدم محبتهم، وكذا عدم الاستغفار لهم حتى يعودوا فيتوبوا عما ارتكبوا من معاصى وكبائر، وهو - فيما نعتقد - فرع فرعه الأباضية عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو واجب عل كل مسلم، تجاه غيره من المسلمين ممن يقعوا في معصية الله تعالى، ومن ثم كانت الولاية للمؤمنين والبراءة من العاصين واجب - عند الأباضية على كل مسلم، ولا عذر عندهم من جهل ذلك، يقول الجيطالي: " الولاية والبراءة في الجملة، وهما سواء لا عذر لمن جهلهما، وهما واجبتان على كل مكلف عند حال بلوغه، وذلك أن يتولى سبحانه وأولياؤه المسلمين من الثقلين أجمعين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، ويتبرأ من جميع أعداء الله من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، فهذا واجب على كل مكلف من جملة اعتقاده للدين حتى يقع عليه الفرض في شخص معين إذا صح له فيه ما يوجب ولايته أو براءته، لأن الحكم النقلى يشهد أن الأمور ثلاثة: أمر بان رشده فاتبعوه، وأمر بان غيه فاجتنبوه، وأمر أشكل عليكم فيه فكلوه إلى الله تعالى
(110)
ويعتبر الأباضية هذا الأمر من قبيل التربية الإسلامية التي يجب أن
،
يقوم بها المجتمع الإسلامي، بل وأفراده أيضا من أجل تقويم مرتكبى. الكبائر والمعاصى حتى ينصلح حالهم، وليس من المقبول عندهم التسوية في المعاملة بين المؤمنين ومرتكبي المعاصي، وإن كانوا لا يخرجون مرتكبي المعاصى من ملة الإسلام، لكنهم لا يتركونهم على معاصيهم، بل يحاولون عن طريق مبدأ البراءة منهم وعدم محبتهم، وتخشين المعاملة لهم، أن يتوهم عن معاصيهم بالحسنى، وهم يزعمون أنهم قد انفردوا بهذا، وهو قول أحد كتاب الأباضية بأن: " هذه القضية يكاد ينفرد بها الأباضية عن غيرهم من الفرق الإسلامية، فلم
244 (1/244)
صفحة 232
يساووا بين مؤمن تقي، وعاص شقى في المعاملة، وقالوا يجب على المجتمع أن يعلن كلمة الحق فى كل فرد من أفراده، وأن يتولى تهذيب الناشزين، وتقويم المنحرفين، وتربية المخطئين بالوسائل التي شرعها الإسلام للتربية الاجتماعية من أمر بمعروف ونهى عن منكر، وإعراض عمن يتولى عن الله. وليس من الحق أن نتغاضى عن أولئك الذين يرتكبون المعاصى، ونضعهم في صف واحد من المؤمنين الموفين، بل يجب أن نزجر العاصى عن معصيته ما دام منحرفا عن سبيل الله. وأن لا نساوى في المعاملة بينه وبين الموفى، وأن لا نعطيه من المحبة وطلب المغفرة، وحسن التعامل ما نعطيه للذى يراقب الله في الخفاء والعلانية ويرجع إليه في كل كبيرة وصغيرة، ويقف عند حدوده التي رسمها لا يتخطاها: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله (111)، والأباضية لا يخرجون العصاة من الملة، ولا يحكمون
وسوله)
عليهم بالشرك، ولكن يوجبون البراءة منهم وبغضهم واعلان ذلك حتى
يقلعوا عن معصيتهم، ويتوبوا إلى ربهم
(112) -
ويدلل الأباضية على ما ذهبوا إليه من واجب البراءة من مرتكبى الكبائر والمعاصى حتى يتوبوا إلى الله ويقلعوا عن معاصيهم بما جاء في القرآن الكريم، من نحو قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَهُوا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم الْمَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (113)، مع قوله تعالى: (وَمَن يَنول
يَتَوَلَّ
فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (114)، فإنه تعالى أوجب التأسي بإبراهيم عليه
السلام، والذين معه بقوله: لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ)، وبقوله: وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)
(115)
245 (1/245)
صفحة 233
كما استدلوا أيضا على قولهم هذا بما فعله النبي - صلى الله
عليه وسلم.
رحبت
(116)
-
، مع
الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت
بهم الأرض بما
وهؤلاء هم:: هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن
ربيعة، من الأنصار وكانوا قد تخلفوا مع جماعة من الصحابة عن غزوة تبوك مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلما عاد الرسول - صلى
-
الله عليه وسلم -، من غزوته جاء إليه من تخلفوا عن الخروج معه، واعتذروا له بأعذار عن عدم خروجهم معه، وقبل أعذارهم، على أن الله تعالى هو العالم بسريرتهم إلا أن هؤلاء الثلاثة وليس لهم عذر في تخلفهم، قد صدقوه القول وأقروه بتقصيرهم وأثمهم لعدم الخروج معه، فما كان من الرسول إلا أن ترك أمرهم إلى الله تعالى، ولم يستغفر لهم، بل دعا الصحابة إلى مقاطعتهم وعدم تكليمهم أو التعامل معهم، بل ودعا زوجاتهم إلى هجرانهم. وقيل: إنهم ظلوا على ندمهم عما اقترفوه، مع استمرار عدم الكلام معهم ومقاطعتهم من النبى وأصحابه مدة خمسين يوما، حتى نزل فيهم القرآن يعلن قبول الله تعالى لتوبتهم في قوله تعالى: (لَقَد تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِي وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتبعوه في سَاعَةِ الْمُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيعُ قُلُوبُ فَرِيق مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بمَا رَحْبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (117). وهو ما يتضح معه مدى تأثير ما أشار به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقام به من مقاطعة لهؤلاء الثلاثة بسبب أثمهم عما اقترفوه بالتخلف عن الجهاد معه بدون عذر الأمر الذي أدى إلى إصرارهم على الندم والتوبة إلى الله تعالى حتى بشرهم الله تعالى وأنزل فيهم قرآنا بقبول توبتهم، وهو ما يتفق مع ما
246 (1/246)
صفحة 234
يعنيه الأباضية من دعوة إلى براءة المؤمنين، وإعلان عدم محبتهم للمذنبين من المسلمين وتخشين المعاملة لهم حتى يدفعونهم إلى التوبة عن معاصيهم، والإقلاع عنها.
والأباضية في هذا يخالفون الخوارج الذين أغلظوا القول فيما يجب أن يكون عليه معاملة مرتكبى الكبائر، ذلك لأنهم لم يكتفوا بالبراءة منهم كما فعل الأباضية، بل ذهبوا إلى ضرورة معاملتهم معاملة المشركين في استحلال دمائهم وأموالهم، وسبى ذراريهم، وعدم مناكحتهم، ولا الصلاة على موتاهم، ولا المدافنة معهم، وغير ذلك، وهو ما يترتب أصلا على الخلاف بين حكم الأباضية وحكم الخوارج على مرتكبى الكبيرة، ذلك لأن الأباضية حكموا بتكفير مرتكب الكبيرة كفر نعمه، وهو ما يتساوى كما ذكرنا مع العصيان أو الفسوق، أو النفاق مما لا يخرج من الملة، أما الخوارج فقد حكموا عليهم بالكفر كفر شرك، ورتبوا عليه ضرورة معاملة مرتكبى الكبائر معاملة المشركين، وهو ما لا يرتضيه الأباضية ولا يأخذوا به، نقرأ في مناقشة أبي عمار عبد الكافى الإباضي الصفرية، إحدى فرق الخوارج، حيث يقول: فإن قالوا (يعنى الصفرية: لم كفرتم الجبابرة ولم تشركوهم؟ قيل لهم: ليس كل كفر شركا، كما أن كل شرك كفر، فكل فعل أوعد الله عليه العقاب، وأضاف فاعله إلى النار علمنا أنه كفر، والشرك إنما هو مقصور على المساواة بالله غيره، كما أن التوحيد إفراد الله من غيره، فلما أن وجدنا من ذكرتم (مرتكبو الكبائر) ليسوا بمساوين الله بغيره في شئ من أفعالهم، وإنما أتوا ما أتوا من ذلك شهوة ولذة دائنين بتحريمه غير مستحلين له، علمنا أنهم. كافرون غير مشركين. فإن قالوا يعنى الصفرية: فكيف حتى قلتم
247 (1/247)
صفحة 235
بتحليل دمائهم ولم تقولوا بتحليل أموالهم، وسبى ذراريهم؟ قيل لهم: ليس كل من حل دمه، فقد حل ماله وجاز، سبيه، ألا ترون أن القاتل للنفس التي حرم الله يقتل، ولا يحل ماله ولا سبيه، وقد يرجم الزاني المحصن ولا يحل سبيه ولا ماله والقاطع طريق المسلمين، والدال على عوراتهم، فليس أحد من هؤلاء يحل ماله ولا سبيه، وقال الله عز وجل: فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)، وقد جرى في سالف هذه الأمة بينهم في الدماء ما هو مشهور غير مستور، معروف غير مجهول، فهل سمعتم فيما بينهم بتحليل في مال او سبى في ذرية، حتى كنتم أول من أحدث هذا الحدث وفتحتم بابه "
(119) -
كما خالف الأباضية غيرهم ممن ذهبوا إلى أن البراءة هي من أعداء الله على الجملة دون الأشخاص، أما الأباضية فأوجبوها في الجملة وفي الأفراد أيضاً، يقول الشيخ السالمي: " إن الأمة مجمعة على وجوب البراءة من أعداء الله جملة، لكن اختلفوا في ثبوتها تفصيلا في الأشخاص، فمذهب الأصحاب (يقصد (الأباضية ثبوتها في الأشخاص مستدلين أن العلة التى لأجلها وجبت البراءة في الجملة، إنما هي الإخلال بشئ من أوامر الله تعالى، أو ارتكاب شئ من مناهيه، فإذا وجدنا هذه العلة في شخص بعينه وجب علينا أن نجرى عليه الحكم الذي أوجبته هذه العلة، فثبت القياس قطعيا للقطع بأن علة الحكم في الأصل هي ما ذكرنا، وهي مقطوع بوجودها في الفرع فثبت الحكم قطعا
(120) "
كما خالف الأباضية أيضا غيرهم ممن قالوا بأن البراءة لا تكون ولا تجب قبل استتابة مرتكب الكبيرة وإقامة الحجة عليه، وقالوا بأنه متى ثبت إرتكاب مرتكب الكبيرة أو المعصية لها، وجبت البراءة منه حتى يتوب، فإذا تاب عن معصيته وأقلع عنها تساوى فيما له وما عليه مع
248 (1/248)
صفحة 236
سائر المؤمنين الموفين لإيمانهم، يقول الشيخ السالمي: " اختلفت الأئمة في القدوم على البراءة منه يعنى من مرتكب الكبيرة قبل الاستتابة، فإن تاب قبل منه، وإن أبي برئ منه، وهو اختيار الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، مستدلا عليه بأنه لا يحكم على أحد بشئ إلا بعد الإحتجاج عليه إن أمكن اجماعا، واستدل عليه غيره بقوله تعالى لإبليس: {قَالَ مَا مَنَعَكَ
(121)
أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمرتك فلم يعاجله بالطرد حتى استخبره، والله عالم بكل شئ وإنما تعليم لعباده، وإظهار لما في حكمته، فيستفاد من الآية ثبوت
إقامة الحجة.
وذهب آخرون إلى أنه يبرأ منه قبل أن يستتاب وصححه القطب - رحمه الله تعالى - ثم يستتاب، فإن تاب قبل منه وإن أبى بقى على حكم البراءة - وهو مذهب الأباضية - ولأهل هذا القول أنه: من حين ما ركب الكبيرة صار عدوا لله، ووجبت علينا معاداته فالوقوف منه بعد وجوب المعاداة وقوف عن الواجب، وإهمال عن إنفاذ الحكم، لا احتجاج عليه فيما لا يحتل إلا باطلا، وموضع الإحتجاج على المحكوم عليه إنما هو في شئ يكون له فيه مخرج عن الباطل، ولا مخرج لراكب الكبيرة أصلا، فإنها لا تقع بخطأ
(122)
وعلى هذا فحكم مرتكب الكبيرة من جهة الخلق عند الأباضية هو البراءة منه، وعدم إظهار المحبة له، والمخاشنة له في المعاملة، وعدم الاستغفار بمجرد ثبوت ذلك عليه، حتى يتوب، فإذا ما تاب وأقلع كان له وعليه ما للمؤمنين وعليهم، يجب ذلك على المؤمنين
تجاه الجملة وتجاه الأشخاص.
249 (1/249)
صفحة 237
الأباضية والفرق الأخرى في حكمهم على مرتكبى الكبائر:
لقد كان موضوع الحكم على مرتكبى الكبيرة مثار خلاف بين المسلمين، كما ثار الكثير من الجدل حول رد رأى الأباضية في هذه القضية إلى غيرهم من الفرق بغية الحكم بتبعيتهم في رأيهم لهذه الفرقة أو تلك، والأباضية يرفضون هذا، مؤكدين استقلاليتهم كفرقة أصيلة غير تابعة لهذه أو تلك من الفرق الأخرى، هذا مع إقرارهم بأن هذا لا يتعارض مع كون رأيهم قد يأتي موافقا أو مخالفا رأى غيرهم، تأسيسا على أن الجميع قد صدروا في آرائهم عن مصدر واحد، وهو التراث الإسلامي، وفي مقدمته كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن أجل هذا قد أفردنا حديثا خاصا لبيان موقف الأباضية من رأى أهم الفرق فى هذا الموضوع، وما أثير حوله من مجادلات، ومدى صلته برأيهم. ومن هذه الفرق سنتناول الخوارج والمعتزلة وأهل السنة
والأشاعرة. الأباضية والخوارج:
والأباضية يعلنون بإصرار مخالفة الخوارج فيما ذهبوا إليه بشأن مرتكبي المعاصى بصفة عامة، وذلك لأنه، كما ذكرنا من قبل لا قسمة عندهم للمعاصى إلى كبائر وصغائر، فكل قبيح أو كل معصية كبيرة، ذلك لاعتبار الخوارج مرتكبى المعاصي أنهم كفار شرك، وعلى هذا يرتبوا معاملتهم معاملة المشركين في الحرب وفى. السلم، ومن ثم تسبى نساؤهم وذراريهم، وتغنم أموالهم، وتحرم مؤاكلتهم ومناكحتهم والدفن معهم، والأباضية يخالفونهم في الأمور
التالية:
250 (1/250)
صفحة 238
أولا: يخالفونهم في نظرتهم إلى المعاصى على أنها واحدة لا تمييز
فيها بين صغيرة ولا كبيرة، ويحكمون على مرتكبها حكمهم على مرتكب الكبيرة، وأنه كافر كفر شرك يخرج صاحبه من الملة، يقول صاحب الحق الدامغ: " وإنما خالفنا الخوارج من حيث أنهم يحكمون
على كل معصية تؤدى إلى العذاب بالشرك المخرج من الملة، فخالفوا بذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة)
(123)
ثانياً: خالف الأباضية الخوارج من حيث الأصل الاجتماعي فيما رتبوه على الحكم على مرتكبي المعاصى، بأنهم مشركون أو كفار كفر يخرجهم من الملة ومن ثم يجب على المسلمين معاملتهم معاملة المشركين، كما ذكر من قبل، والأباضية لا يوافقونهم في ذلك، بل يؤكدون على معاملتهم - أى مرتكبى الكبائر - معاملة الأخوة في الإيمان، وإن أظهروا لهم النصح والبراءة حتى يتوبوا إلى الله تعالى، يقول على يحي معمر: " إن الأباضية يختلفون اختلافا كبيرا عن الخوارج في هذه القضية، بل لعلها أشد مواضع الخلاف بينهم، وأكثرها إثارة للخصومة والعنف أحيانا - فبينما يحكم الخوارج على مرتكب الكبيرة بأنه مشرك تنطبق عليه أحكام المشركين – وينفذون تلك الأحكام عليه، لا يرى الأباضية في مرتكب الكبيرة إلا أنه أخ لهم في الإسلام، له جميع حقوق المسلمين، وتنطبق عليه جميع أحكام المسلمين، إلا أنه بارتكابه للمعصية يستحق الجفاء والمخاشنة في المعاملة، ولا يستحق منهم الاستغفار - وما إلى ذلك مما لا يكون أهلا له إلا الموفى بدينه الحريص على اسلامه - حتى يتوب
،
(124).
ثالثا: يقود الخلاف السابق إلا خلاف آخر بين الأباضية والخوراج
وهو ما يتعلق بالاسم الذى أطلقه كل منهما على مرتكب الكبيرة،
251 (1/251)
صفحة 239
فالخوارج سموه كافرا كفر شرك، مما يخرج صاحبه من الملة، أما الأباضية فسموه كافرا كفر نعمه، وهو - كما يقرون هم أنفسهم - كفر لا يخرج من الملة، وإنما يعنى الوصف بالعصيان، أو الفسق، أو النفاق، أو ما شابه ذلك مما يمكن أن يوصف به الموحد دون أن يخرجه خارج الملة، والدليل على ذلك ما ذكره الأباضية من أنهم يعاملون صاحبه معاملة المؤمنين في كل شئ ما عدا البراءة وتخشين المعاملة من أجل النصح حتى تتحقق له التوبة، يقول على يحي معمر مبينا الفرق بين استعمال كلمة الكفر عند الخوارج، واستعمال الأباضية لها: " يحسب كثير ممن لا علم له أن الأباضية يتفقون مع الخوارج في تكفير العصاة كفر شرك، ولا يعرفون أن الأباضية يطلقون كلمة الكفر على عصاة الموحدين الذين ينتهكون حرمات الله، ويقصدون بذلك كفر نعمة. أخذا من الآيات الكريمة التي أطلقتها في أمثال هذه المواضيع واستنادا
(125)
إلى أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -. والسبب الذي دعا الأباضية إلى إطلاقهم هذه الكلمة على العصاة بدلا من كلمة النفاق أو الفسوق أمران: أولهما: أنها الكلمة التي أطلقها الكتاب الكريم والسنة القويمة عليهم في كثير من المواضيع والمناسبات. وثانيهما: أن لكلمة النفاق أثرا خاصا في تاريخ الإسلام، فقد اشتهر بها عدد من الناس في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، آمنوا ظاهرا، ولكن قلوبهم لم تطمئن بالإيمان، فكان القرآن الكريم ينزل بتقريعهم، ويفضح بعضهم، ويتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم، إن المنافقين هم
الفاسقون)
(126)
، وخلاصة البحث أن الأباضية عندما يطلقون كلمة
الكفر على أحد من أهل التوحيد فهم يقصدون كفر النعمة، ويطلق
252 (1/252)
صفحة 240
(127)
عليه المعتزلة الفسوق ويطلق عليه غيرهم النفاق، أو العصيان، وهو معنى واحد، والنقاش في هذا الموضوع نقاش لغوى والاختلاف لفظى. وتفسير الأباضية لكلمة الكفر التي يطلقونها على مرتكب الكبيرة
على هذا النحو يقربهم مما هو عند أهل الحديث الذين يطلقون على مرتكب الكبيرة كفر دون كفر
الأباضية والمعتزلة:
(128)
يتفق الأباضية مع المعتزلة في الحكم على مرتكب الكبيرة الذي يموت على كبيرته دون توبة بأنه مخلد في النار، وإن خالفوهم في القول بأن عذابه غير أو أخف من عذاب المشركين، كما يخالفونهم في تسميته بالفاسق لا هو بالمؤمن ولا هو بالكافر كفر شرك، ولكنه في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، والأباضية يرفضون ذلك من المعتزلة، لأن الناس عندهم " قسمان ": قسم وفي بما عليه الله قولا وعملا واعتقادا، وقسم خان في بعض ذلك، فالأولون هم المؤمنون، والآخرون هم المنافقون، أو كفار النعمة، أو الفساق، أو العصاة، هؤلاء جميعا تنطبق عليهم أحكام واحدة في الدنيا، ويتساوون في الحقوق والواجبات اللهم إلا الاستغفار فإنه حق للموفين فقط، أما المشركون فهم غير مسلمين سواء عبدوا الأصنام، أو عبدوا الطبيعة، أو لم يعبدوا شيئا، أو كانوا أهل كتاب، فتمسكوا بدينهم الباطل ولم يؤمنوا بالإسلام. وهؤلاء كلهم تنطبق عليهم أحكام الشرك، اللهم إلا بعض المزايا أو الاستثناءات التي جعلها الله لأهل الكتاب
(129)
ثم يحاول الأباضية إقامة الحجة على المعتزلة لتخطئتهم في تسميتهم مرتكب الكبيرة الذي يموت على كبيرته دون توبة بأنه فاسق، وإثبات صحة ما ذهبوا إليه في تسميته كافرا مشركا،
253 (1/253)
صفحة 241
مستحقا للتخليد في النار مع سائر المشركين، يقول أبو عمار عبد الكافي: " ونحن محتجون على المعتزلة، فنقول لهم: أخبرونا، أليس قد اتفقنا نحن وأنتم جميعا على أن الوعيد لأهل الكبائر ثابت، وأنهم غير مؤمنين؟ وبعد، فأخبرونا من أين علمتم بتفسيقهم ولم تعلموا بتكفيرهم؟ وهل سميتموهم فاسقين إلا لأن سميتموهم غير مؤمنين ولأن ثبتم وعيدهم؟ فإن كنتم لهذين الوجهين سميتموهم فاسقين فيجب عليكم أن تسموهم كافرين كما سميتموهم فاسقين إذا كان الوعيد.
إنما للكافرين والفاسقين. وإذ كان من بطلت عنه التسمية بالإيمان لم تبطل عنه إلا لأن ثبت وعيده وسمى كافرا، فإن كنتم لا تسمونهم كافرين فيجب عليكم أن تسموهم مؤمنين، وتبطلوا وعيدهم فتصيروا إلى مذهب المرجئة، وليس لكم بين القولين قول، ولا بين السبيلين سبيل، إما أن تكونوا تزيلون وعيد أهل الكبائر وتسمونهم مؤمنين، أو تكونوا تثبتون وعيدهم فتسمونهم كافرين، فانظروا أي هذين القولين تعزمون، وعلى أيهما تعتمدون؟ ومقالتنا على كل حال أقرب لكم من مقالة المرجئة، لأنكم خالفتم المرجئة في معنيين: في إثبات الوعيد، ونفى التسمية بالإيمان، وما وافقتموهم إلا في شئ واحد، وهو نفى التسمية بالإيمان، ولم تخالفونا إلا في عبارة التسمية بالكفر، وأما جميع معانى الكفر ووجوهه من إثبات الوعيد، والخلود في النار، والتسمية لهم بجميع أسماء أهل الكفر، من الضالين والفاسقين والظالمين والفجار، وأعداء الله، فقد أثبتم جميع ذلك وسميتموهم به، فلم شنعتم النظر عن عبارة التسمية بالكفر، وأنتم أثبتم معناها، لأن في تفكيم التسمية بالإيمان تسمية بالكفر كما أن في نفي التسمية بالكفر تسمية بالإيمان، وليست التسمية بالفسق مما يقابل لكم
254 (1/254)
صفحة 242
التسمية بالإيمان ولا مما يضادها، ولا مما يسد مسدها وينافيها، وإنما
يضاد المؤمن الكافر، والكافر يضاد المؤمن
(130)
ونلاحظ هنا أن الأباضية كانوا أكثر اتساقا وصدقا مع مذهبهم فيما ذهبوا إليه، فهم قد خرجوا مرتكب الكبيرة غير التائب من الإيمان، فلم يطلقوا عليه اسم المؤمن، فكان طبيعيا أن ينتقل بذلك من الإيمان إلى الكفر، ويكون ما كان من حكم عليه بالخلود في النار، اما المعتزلة فكانوا غير ذلك من عدم الاتساق مع ما ذهبوا إليه، ولذا نراهم بالرغم من قولهم بنفى الإيمان عن مرتكب الكبيرة، وقولهم بتخليده في النار نجدهم يعودون فيقولون: لكن عذابه غير أو أخف من عذاب الكافرين، كما يختارون له اسما غير الإيمان وغير الكفر وهو الفسق، ويجعلونه في منزلة بين المنزلتين، في حين أن المحصلة واحدة بالنسبة للحكم على مرتكب الكبيرة عندهم وعند الأباضية، وهو الأمر الذى حدا بأحد علماء الأباضية إلى الذهاب إلى أن الخلاف بينهم وبين المعتزلة في هضه القضية لا يعدو أن يكون مجرد خلاف لفظي فقط، وهو ما نقرأه في قول الشيخ السالمي حيث يقول: " وذهبت المعتزلة إلى جعل منزلة الفسق بين منزلتى الإيمان والكفر، قالوا: لا يسمى الفاسق مؤمنا ولا كافرا، فهو بين بين لأن له في الدنيا أحكام المؤمنين، وفي الآخرة أحكام الكافرين، والخلاف بيننا لفظي، لأنهم خصوا اسم الكفر بالمشرك، ومنعوا اطلاقه على الفاسق، ونحن نطلقه عليه، لكننا نقيده بكفر النعمة، ولا نجرى عليه أحكام المشركين، بل نقول فيه: إن أحكامه في الدنيا أحكام المؤمنين، إلا في الولاية وقبول الشهادة ونحوهما من الأحكام المختصة بالعدول، وليست التسمية
255 (1/255)
صفحة 243
بنفسها موجبة خلافا معنويا بين الفرق، وإنما الموجب لذلك الخلاف بناء
الأحكام على الأسماء
•
(131)
الأباضية وأهل السنة والأشاعرة:
يذهب أهل السنة والأشاعرة إلى القول بخلود الموفين بطاعتهم في ثواب الجنة ونعيمها، وخلود غير الموحدين من المشركين في عذاب النار أما أصحاب المعاصى من الموحدين ممن يموتون على معصيتهم ولا يقعون تحت شفاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيقعون تحت مشيئة الله تعالى إن شاء غفر لهم ودخلوا الجنة برحمته، وإن شاء عذبهم بقدر جريمتهم وأخرجهم من النار وأدخلوا الجنة لينعموا بنعيمها ويخلدون فيها
مع الأبرار.
والأباضية وإن وافقوا أهل السنة والأشاعرة في خلود الدارين دار الجنة، ودار الجحيم إلا أنهم يخالفونهم فيما ذهبوا إليه بشأن عدم تخليد
العصاة
اة ومرتكبى الكبائر الذين يموتون عليها دون توبة من الموحدين
في النار، لأن الأباضية يرون أن كل من دخل الجنة فهو خالد مخلد
(132)
فيها، وأن كل من دخل النار فهو خالد مخلد فيها. وقد ترتب ذلك الخلاف بينهما على موقف كل منهما من مرتكب الكبيرة الذي يمون على كبيرته دون توبه، ويذهب الأباضية إلى الحكم عليه بالكفر كفر شرك، وبالتالى استحقاقه للخلود في النار، وهو ما سنعود إليه بعد قليل، أما أهل السنة والأشاعرة فيرون عدم خروجه بكبيرته المصر عليها من الإيمان، وبالتالى يرون أنه واقع تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وأدخله الجنة برحمته ويدللون على ذلك – كما ذكر من قبل - بقول الله تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَتَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يشاء (133)
، ويذهبون في تفسير هذه الآية إلى أن المقصود بقوله تعالى:
256 (1/256)
صفحة 244
ويغفر ما دون ذلك هو المعاصى والكبائر التي مات المرء عليها بدون توبة، ذلك لمغفرة الله تعالى لغيرها من المعاصى والكبائر التي ارتكبها
المرء وتاب عنها، وقد بسطنا قول أهل السنة في ذلك في موضعه، ونزيد عليه هنا ما قاله صاحب " كتاب الإنصاف " من أهل السنة، في تفسير هذه الآية، يقول: " عقيدة أهل السنة أن الشرك غير مغفور البتة وما دونه من الكبائر مغفور لمن يشاء الله أن يغفره له، هذا مع عدم التوبة، وأما مع التوبة فكلاهما مغفور. والآية إنما وردت فيمن لم يتب، ولم يذكر فيها توبة كما ترى، فلذلك أطلق الله تعالى نفى مغفرة الشرك،
وأثبت مغفرة ما دونه مقرونة بالمشيئة - كما ترى - فهذا وجه انطباق الآية على عقيدة أهل السنة
(134)
والأباضية لا يوافقون أهل السنة في تفسيرهم هذا لهذه الآية بل يذهبون في تفسيرها مذاهب خالفوا فيها تفسير أهل السنة، فذهب أبو عمار عبد الكافي في تفسيرها إلى أن معنى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ أى أنه لا يتجاوز عن شرك لقيه به عبده، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يشاء. وفسر قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ بأنه يعني به الصغائر من الذنوب التي علق التجاوز عنها بعدم ارتكاب الكبائر، عملا بقول الله تعالى: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ
(135)
عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وعلى هذا كان معنى (لمن يشاء)
عنده، أن الله تعالى قد شاء أن يغفر لمرتكب الكبائر ما دون الكبائر ولم يشأ أن يغفر لمرتكبها إذا هو لقى الله بها
(136)
أما نور الدين السالمي فقد ذهب في تفسير الآية نفسها، وهو يرد
بذلك على أهل السنة إلى أن المقصود بقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
257 (1/257)
صفحة 245
لا
يَشَاءُ هو المعاصى والكبائر التي يرتكبها المرء ويتوب عنها، والأمر هنا حسب ما ذهب إليه الشيخ السالمي متعلق بمدى توفر شروط التوبة الصحيحة التي يقبلها الله تعالى وعدم توفرها، ذلك لأن الله تعالى يوفق من يشاء إلى هذه الشروط، فتتحقق له التوبة النصوح فيغفر له، أما من يوفقه الله إلى ذلك، فلن يغفر له مع التوبة، لأنها ستكون حينئذ غير مستكملة لشروط التوبة النصوح. يقول الشيخ السالمي إن فائدة قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ تتمثل في التنبيه على أن ليس كل تائب مقبولة توبته، وإنما يقبل الله توبة من يشاء أن يغفر له. وإن قيل: وعد الغفران بوجود التوبة، فمهما وجدت وجب قبولها لأن وعده الحق. قلنا: نعم إن وعده حق، وأن التوبة النصوح مقبولة عنده لا بوجوب عليه بل بتفضل منه، فإن نفس الوعد بها تفضل وقطعنا باستحال كذبه لكن للتوبة المقبولة شروط، فمن شاء أن يغفر له وقفه على تلك الشروط فوفى بها، فهذه فائدة التعليق بالمشيئة لا ما زعمتموه، أما فائدة الإطلاق في نفى غفران الشرك في الآية مع أنه مغفور بالتوبة في آيات أخر فهى لتعظيم كبيرة الشرك على كبائر الفسق، وتهويل شأنه حتى ينفر عنه السامع، فلا يحوم حول حماه *
(137) -
أما صاحب " الحق الدامغ " فيذهب في تفسير قوله تعالى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ في الموضعين اللذين وردت بهما من سورة النساء إلى أن المقصود بـ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ (أى ما دون الشرك من معاصي وذنوب
المشركين، والمقصود بـ لِمَن يَشَاءُ أى لمن شاء أن يوفقه إلى التوبة من
شركه
(138)
258 (1/258)
صفحة 246
ومن هنا نرى أن الأباضية - حسب ما وقفنا عليه من أقوالهم في
تفسير وتأويل هذه الآية - وإن لم يتفقوا على تفسير أو تأويل واحد لها، إلا أنهم اتفقوا فيما بينهم على مخالفة أهل السنة في تفسيرهم لها، وذلك ليدعموا موقفهم الذي ارتضوه لمذهبهم من مرتكب الكبيرة الذي مات عليها دون توبة، وأنه بهذا يخرج من الإسلام ويستحق التخليد في النار، موافقين في هذا قول الخوارج والمعتزلة في هذه القضية بالذات.
::
259 (1/259)
صفحة 247
1 - هود " 34 ".
2 - النحل " 36 ".
3 - التكوير " 9 ".
4 - الحديد " 22 ".
5 - الأحزاب " 36 ".
هوامش الفصل الثالث
6 - الكهف " 29 ".
7 - الأحقاف " 14 ".
8 - التوبة " 82، 95 ".
9 - الإنسان " 3 ".
10 - النساء " 109 - 110 ".
11 - أنظر: د. . إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه ج 2، ص 93 - 94؛ أحمد أمين، فجر الإسلام
ص
347 348، دكتور عبد الرحمن بدوي، مذاهب
ج 30،
12 - آل عمران " 165 ".
الإسلاميين، ج 1، ص 98 - 100.
13 - آل عمران " 166 ".
14 - النساء " 79 ".
15 - د. محمد عاطف العراقي: النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد،
ص 200.
260 (1/260)
صفحة 248
16 - أنظرد. مدكور: في الفلسفة الإسلامية ج 2، ص 95، أحمد
أمين: فجر الإسلام ص 348.
17 - المصدر السابق، ص
93
18 أنظر: تعليق الشيخ محمد زاهد الكوثري بهامش (4) ص 13: من كتاب التبصير في الدين، لأبي مظفر الإسفراييني، ط 10
19 - د. إبراهيم مدكور: في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه، 100، وله أيضاً: مقدمة كتاب المغنى للقاضي عبد
ج 2، ص الجبار ج 8، ص (ج).
20 الشهرستاني: الملل والنحل، ج 1، ص 87.
21 - القاضي عبد الجبار: المغنى في أبواب التوحيد والعدل
ج 8، (المخلوق) ص 3.
22 - المطففين " 36 ".
23 - البقرة " 68 ".
24 - الواقعة " 24 ".
25 - العنكبوت " 17 ".
26 - المائدة " 110 ".
27 - المؤمنون " 14 ".
28 الملك " 3 "
29 - الملك " 3 ".
30 - السجدة " 7 ".
261 (1/261)
صفحة 249
31 - المصدر السابق، ص
259 - 257
-32 - أنظر: زهدى حسن جار الله: المعتزلة، ص 92 - 95.
-33 - ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 8، كتاب القدر ص 407، 428.
34 - المصدر السابق ص 272 - 273.
35 المصدر السابق نفسه، ص 374.
36 الصافات " 96 ".
37 - السجدة " 17 ".
38 - أبو الحسن الأشعرى: اللمع ص 69 - 70.
39 - المصدر السابق ص 71 - 72.
40 - المصدر السابق ص 98، وانظر: د. حمودة غرابة: أبو الحسن الأشعرى، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة 1393
1973 /
م، ص
113
41 - أنظر: سالم بن حمد بن سليمان الحارثى: العقود الفضية في
أصول الأباضية، ص
290
42 أبو عمار عبد الكافى الإباضي: الموجز ج 2،
ص
72 - 71
43 - السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 2 ص 192 وما بعدها،
المصعبي: معالم الدين ج 1، ص 265.
44 - الرعد " 16 ".
45 الملك " 13 - 14 ".
262 (1/262)
صفحة 250
46 - الروم " 23 ".
47 - الفرقان " 59 ".
48 - الصافات " 96 ".
49 - أنظر: أبو عمار عبد الكافى الإباضية: الموجز ج 2 ص 46 وما
بعدها: وانظر: الجيطالي: قناطر الخيرات ج 1، ص
50 - أبو عمار عبد الكافي: الموجز ج 2، ص
51 - التوبة " 14 ".
233
23 - 21
52 - الأنفال " 17 ". والآية (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنَاً إِنَّ اللَّهَ
سميع عليم.
53 - الجيطالي: قناطر الخيرات، ج 1، ص 234 - 235.
54 - المصعبي: معالم الدين، ج 1، ص
268
55 - الكهف "29".
56 - الأنبياء " 129 ".
57 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 2، ص 194، 195.
85 - المصعبي: معالم الدين، ج 1، 270 وما بعدها.
59 - النمل " 32 ".
60 - المصدر السابق، ج 1، 275 276.
61 - أنظر: ابن تيمية: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 11
(التصوف) ص
184 183
263 (1/263)
صفحة 251
62 - د / عبد الكريم عثمان: قاضي القضاة عبد الجبار أحمد الهمذاني ص 217.
63 - ابن تيمية: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 11 (التصوف)
ص 650 - 651.
64 - الأنفال " 16 ".
65 - النساء " 10 ".
66 - البقرة " 27 ".
67 - محمد "22".
68 - آل عمران " 77 ".
-69 - المصدر السابق، ص 652.
70 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 2، ص 270.
71 - المصدر السابق
ص
271
72 - الكهف " 49 ".
73 - القمر " 53 ".
74 - النساء " 31 ".
75 - أبو عمار عبد الكافى الأباضي: الموجز ج 2، ص 98.
76 - أنظر: أبو الحسن الأشعرى: مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 140، والشهرستاني: الملل والنحل، ج 1، ص 122.
264 (1/264)
صفحة 252
189
77 - أنظر: أبو الحسن الأشعرى: نفس المصدر، ج 1، ص عبد القاهر البغدادي: أصول الدين ص 249، الشهرستاني:
نفس المصدر، ج 1، ص 45.
78 - الشهرستاني: نفس المصدر، ج 1، ص 139 – 140.
79 - المصدر نفسه، ص 101.
80 - أنظر: ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج 3 (مجمل اعتقاد السلف) ص 151.
81 - البقرة " 187 " والآية (يَا أَيُّهَا النينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بالأُنثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتَّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءِ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ
اليم.
82 - الحجرات " 9 - 10" والآياتان: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
-83
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
هود "114".
84 - صدر الدين على بن على بن محمد بن أبي العز الحنفى: شرح العقيدة الطحاوية في العقيدة السلفية، بتحقيق أحمد شاكر،
ص 273 - 274.
85 - النساء " 48، 116 ".
265 (1/265)
صفحة 253
86 - الزمر 53 ".
87 - ابن تيمية فتاوى شيخ الإسلام بن تيمة ج 11 (التصوف)
ص 184 – 185.
88 - الأنفال " 2 ".
89 - ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 3 (مجمل
عقيدة السلف) ص
152 - 151
90 - أنظر: الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ ص 216.
91 - البقرة " 81 ".
92 - المطففين " 14 ".
93 - الشيخ محمد عبده: تفسير المنار، ط 40، ج 1 ص 363، طبع دار المنار نقلا عن: الحق الدامغ ص 205 - 206.
94 - تفسير المنار ج 1، ص 364، والحق الدامغ ص 206.
95 - النساء " 93 ".
96 - الجن " 23 ".
97 - الفرقان " 68 - 70 -
98 - القتات والقتوت: النمام، وقيل هو الذي يستمع أحاديث الناس
من حيث لا يعلمون نمها أو لم ينمها (أنظر: المنجد في اللغة
والاعلام، مادة: قت).
99 - الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ ص
100 - النساء " 143 ".
266
225 - 224 (1/266)
صفحة 254
101 - آل عمران " 97 ".
102 - البقرة " 176 ".
103 على يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية ج 1، ص
106 -
104 - الأحزاب " 73 ".
105
105 - التوبة " 56 " والآية (وَيَحْلِفُونَ باللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم
منكُمْ وَلَكِنْهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ).
106 - التوبة " 63 ".
107 - التوبة " 71 ".
108 - التوبة " 76 ".
109 - انظر: أبو عمار عبد الكافي: الموجز ج 2، ص 95 – 96.
110 - الجيطالي: قناطر الخيرات ج 1، ص 254.
111 - المجادلة " 22 ".
112 - على يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ، نقلا عن: بكير بن سعيد أعوشت: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية
ص 103 - 104.
113 - الممتحنة " 4 ".
114 - الممتحنة " 6 ".
115 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2، ص 212.
267 (1/267)
صفحة 255
116 - سالم بن حمد سليمان الحارثي: العقود الفضية في أصول الإباضية ص 289.
117 - التوبة " 117 - 118"، وأنظر قصة هؤلاء الثلاثة في: تفسير الطبري، تحقيق محمود شاكر ج 14، الأثر رقم 17447 ص
547 وما بعدها.
118 - الحجرات " 9 ".
119 - أبو عمار عبد الكافي: الموجز ج 2، ص 98 - 99.
120 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 2، ص 213 - 214.
121 - الأعراف " 12 ".
122 المصدر السابق ص 275 - 26.
123 - الشيخ أحمد بن حمد الخليلى: الحق الدامغ ص 190.
124 - على يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج 1،
280 - 279
125 وقد سبق الإشارة إلى الآيات والأحاديث المعنية من قبل.
126 - التوبة " 67 ".
127 - على يحي معمر: الإباضية في موكب التاريخ – الحلقة الأولى - في نشأة الإباضية، مكتبة، وهبة، القاهرة 1964،
ص 89 - 92.
128 أنظر: بدر بن هلال بن حمود اليحمدى: الأدلة المرضية في
دحض ما نسب إلى الإباضية، ص 36.
268 (1/268)
صفحة 256
129 على يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية ج 1، ص
281
130 - أبو عمار عبد الكافي الإباضي: الموجز ج 2، ص 100 - 101.
131 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 2، ص 202.
132 - أنظر: سالم الحارثي: العقود الفضية في أصول الإباضية،
ص
285,
133 - النساء " 48، 116 ".
134 - الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الإسكندري
المالكي: كتاب الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من
الاعتزال. بذيل الكشاف. دار الفكر، بيروت مجلد 1،
ص 532.
135 - النساء " 31 ".
136 - أنظر: أبو عمار عبد الكافي: الموجز ج 2، ص 91.
137 - نور الدين السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2، ص 153 - 154
138 - أنظر: الشيخ محمد الخليلي: الحق الدامغ ص 218.
269 (1/269)
صفحة 257
السمعيات
الفصل الرابع (1/271)
صفحة 258
والمقصود بالسمعيات هنا تلك الأخبار التى تتعلق بأمور الآخرة مما يدخل في غيب الله تعالى، ولا تقع تحت مدارك الإنسان لا بالحس ولا بالعقل، ومن هنا كانت ضرورة الإيمان بها اعتمادا على ما ورد بشأنها سمعا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهي خاصية من خصائص المؤمنين، يقول تعالى في أول سورة البقرة: الم ذلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (1)
إلا أن المتكلمين قد اختلفوا في مثل هذه الأمور بقدر اختلافهم في المنهج الذي التزموه في بحثهم لأمور العقيدة، فمنهم من قدم العقل على النقل. فيها كما فعل المعتزلة وأضرابهم، الأمر الذي حدا بهم عند اختلاف العقل مع النقل إما إلى إنكار ما ورد في النقل أو تأويله تأويلا يتفق مع ما اقتضاه العقل، ومنهم من أخذ بظاهر ما جاء به النقل دون تجاوزه، والتوقف عنده اعتمادا على ما جاء في النقل كتابا أو سنة لا يقول بخلاف ذلك، وهو الأغلب في مذهب أهل السنة، ومنهم من أقر بما جاء به النقل وآمن به، ولكن حاول تأويل النصوص تأويلا يأتي موافقا لما يقتضيه العقل، وهو ما نجده في مذهب الأباضية في معالجتهم لأمور السمعيات كما سنرى فيما يأتى وسنعرض من مسائل السمعيات لتلك الأمور التي كانت موضع خلاف بين المتكلمين وللاباضية رأى فيها من نحو سؤال الملكين وعذاب القبر وما يكون بعد البعث من نحو العرض، والحساب، والميزان، والصراط، والشفاعة والحوض، وأخيرا للجنة
والنار.
273 (1/273)
صفحة 259
أولاً: سؤال الملكين وعذاب القبر ونعيمه:
ولقد أنكر المعتزلة والجهمية سؤال الملكين وكذلك عذاب القبر ونعيمه، اتساقا مع منهجهم الذي أشرنا إليه من قبل (2). وقد أقره
أهل السنة وجمهور المسلمين، اعتمادا على النصوص الثابتة والواردة بشأنه في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم، يقول النووى في شرحه لصحيح مسلم: " إعلم أن مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة، قال تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيًّا) (3)؛ وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه سلم - من رواية جماعة من الصحابة في مواطن كثيرة. ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد،
(3)
(4)
ويعذبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشرع وجب قبوله واعتقاده والأحاديث في ذلك كثيرة نذكر منها ما روى عن قتادة عن أنس بن مالك أنه حدثهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه - وإنه ليسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل. - محمد
صلى الله عليه وسلم - فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر اللي مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا " قال قتادة " وذكر لنا أنه يفسح له في قبره؟ ثم رجع إلى حديث أنس قال: " واما المنافق فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدرى أقول ما يقول الناس. فيقال له: لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد فيصيح صيحة يسمعها من يليه من الثقلين ". ومن الأحاديث التي يستدلون بها أيضا في هذا المقام حديث البراء بن عازب الذي جاء فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا
274 (1/274)
صفحة 260
أقعد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله
فذلك قوله: يُنَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ)
(5)
(6).
.
كما يستدل الأشعرى على صحة عذاب القبر للكافرين ونعيمه للمؤمنين بآيات من القرآن الكريم، فيقول: " ومما يبين عذاب الكافرين في القبور قوله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيَّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) ()، فجعل عذابهم يوم تقوم الساعة بعد عرضهم على النار في الدنيا غدوا وعشيا. وقال تعالى: سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ (5) مرة بالسيف، ومرة في قبورهم، ثم يردون إلى عذاب غليظ في الآخرة. وأخبر الله تعالى أن الشهداء في الدنيا يرزقون، ويفرحون، بفصل الله تعالى، قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ:. أَمْوَنَا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا وَانهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (9)، وهذا لا يكون إلا في الدنيا، لأن الذين لم يلحقوا بهم أحياء لم يموتوا
ولا قتلوا ...
كما
(10) "
نيم
ولا يستشعر القارئ أن عذاب القبر هو من قبيل الأمر الحسي، مشاهد في الحياة الدنيا، الأمر الذى يترتب عليه ضرورة هو الاعتقاد بأن الله تعالى يعيد الروح إلى الجسد بعد أن يقبر، ثم يجرى على الميت بعد إحيائه سؤال الملكين، ثم العذاب أو النعيم، وهو ما لم يقره من أنكروا عذاب القبر، محتجين في إنكارهم بقول الله تعالى: رَبَّنَا أَمَتَنَا اثنين وأحييتنا اثْنَتَيْنِ) (11)، وبقوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (12) وهو ما يعنى أن الإحياء والإماتة مرتين، وهو ما ذكره الطبري في تفسيره أنه
275 (1/275)
صفحة 261
يعنى بالإماتة الأولى موت الذكر، والخمول في أصلاب الآباء نطفا، حتى تكون الحياة الأولى بالنفخ وإنشاء الإنسان بشرا سويا فيذكر الإنسان ويعرف ثم تكون الإماتة الثانية بقبض الأرواح، وإعادة المرء رفاتا لا يعرف ولا يذكر، يظل هكذا حتى تكون الحياة الثانية بالنفخ في الأرواح لبعث الساعة، وصيحة القيامة. وعلى ذلك فلا مجال للقول بحياة وممات آخرين لإجراء عذاب القبر، مما يرتب عليه منكرو عذاب القبر القول بإنكاره. ولما كان هذا مما يتعلق بالحديث في كيفية عذاب القبر الذى أقره أهل السنة، وأوجبوا الإيمان به، وجدنا منهم من يذهب إلى التوقف عن الخوض في كيفية عذاب القبر، لعدم توافر شئ من النصوص في الكتاب أو السنة يبين هذه الكيفية، ولا سبيل للمؤمن إلى ذلك بغيرهما، ولذلك نجد صاحب شرح العقيدة الطحاوية بعد إقراره صحة سؤال الملكين وعذاب القبر ونعيمه يقول: " قد تواترت الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عهد له به في هذه الدار والشرع لا يأتى بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتى بما تحار فيه العقول، فإن عود الروح للجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا ... وأعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أكلته السباع، أو احترق حتى صار رمادا ونسف في الهواء، أو صلب، أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور. وما ورد من اجلاسه واختلاف أضلاعه ونحو ذلك، فيجب أن يفهم عن الرسول - صلى الله
276 (1/276)
صفحة 262
عليه وسلم - مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا
يحتمله، ولا يقصر به عن مراده، وما قصده من الهدى والبيان
النار
(15).
(13)
أما ابن حزم فقد ذهب في هذا الموضوع إلى أبعد من ذلك، حيث قرر أن فتنة القبر وعذابه والمساءلة فيه " إنما هي للروح فقط بعد فراقه للجسد إثر ذلك، قبر أو لم يقبر (4)، وقد دلل ابن حزم على قوله مستعينا بما ورد في الكتاب والسنة، كما رد قول كل من قال بعودة الروح إلى الجسد، ولنقرأ معا ما قال: " وقد علمنا أن فيهم (يعنى الموتى) أكيل السبع، والغريق تأكله دواب البحر، والمحرق، والمصلوب والمعلق، فلو كان على ما يقدر من يظن أنه لا عذاب إلا في القبر المعهود، لما كان لهؤلاء فتنة ولا عذاب قبر وملا مساءلة، ونعوذ بالله من هذا، بل كل ميت فلابد له من فتنة وسؤال وبعد ذلك سرور أو نكد إلى يوم القيامة، فيوفون حينئذ أجورهم، وينقلبون إلى الجنة أو. ثم يؤكد على عودة الجسد إلى التراب وأنه لا إحياء مرة أخرى إلا يوم البعث فيقول: " إن جسد كل إنسان فلابد للعود إلى التراب يوما ما، كما قال تعالى: (مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا غُفْرِمُكُمْ تَارَةً ي أخرى (16). فكل من ذكرنا من مصلوب، أو معلق، أو محرق، أو أكيل سبع أو دابة، فإنه يعود رماداً أو رجيعا، أو ينقطع فيعود إلى الأرض ولا بد، وكل مكان استقرت فيه النفس اثر خروجها من الجسد فهو قبر لها إلى يوم القيامة، واما من ظن أن الميت يحى في قبره فخطأ لأن الآيات التي ذكرنا تمنع من ذلك. ولو كان ذلك لكان تعالى قد أماتنا ثلاثا وأحيانا ثلاثا، وهذا باطل، وخلاف القرآن، إلا من أحياه الله تعالى آية لنبى من الأنبياء. الذين خرجوا وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) (18)، أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ
،
(17)
277 (1/277)
صفحة 263
أَنَّى يُحي، هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَتَهُ}
(19)
،
وكذلك قوله
(20)
تعالى: (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ مِينَ مَوْتِهَا) إلى قوله: إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) فصح بنص القرآن أن روح من مات لا ترجع إلى جسده إلا إلى الأجل المسمى وهو يوم القيامة، وكذلك أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى الأرواح ليلة اسرى به عند سماء الدنيا عن يمين آدم عليه السلام أرواح أهل السعادة وعن شماله أرواح أهل الشقاء، وأخبر عليه السلام يوم بدر، إذ خاطب القتلى وأخبر أنهم وجدوا ما توعدهم به حقا قبل أن يكون لهم قبور، فقال المسلمون: يا رسول الله أتخاطب قوما قد جيفوا، فقال عليه السلام: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " فلم ينكر عليه السلام على المسلمين قولهم أنهم قد جيفوا، وأعلمهم أنهم سامعون فصح أن ذلك لأرواحهم فقط بلا شك، وأما الجسد فلا حس له .... ولم يات قط عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خبر يصح أن أرواح
الموتى ترد إلى أجسادهم عند المسائلة، ولو صح ذلك عنه عليه السلام لقلنا به، فإذ لم يصح فلا يحل لأحد أن يقوله
قول الأباضية:
(21)
والأباضية في هذه المسألة يلتقون مع أهل السنة) وجمهور المسلمين ممن أقروا واعتقدوا فتنة القبر وعذابه بالنسبة للكافرين وتنعيمه بالنسبة للمؤمنين، معتمدين في التدليل على صحة معتقدهم على الأدلة نفسها التي اعتمدها أهل السنة والجماعة من نحو قول الله تعالى:
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيّا) (22) الآية وقال: أغرقُوا فَأُدْخِلُوا
نارا (23)، وقوله تعالى: سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم (24)، فإنه ذكر يعذبون ثلاث مرات، فالأولى بإقامة الحدود، والثانية في القبر، والثالثة بعد البعث، كذا قيل، وبقوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَنَا اثْنَيْنِ
::
278 (1/278)
صفحة 264
وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ وإن إحدى الحياتين هي حياة القبر، وقد اعترض على الاستدلال بهذه الآية في عذاب القبر، بل اتخذ منها من اعترضوا على الإقرار بعذاب القبر ونفيه دليلا على ذلك، على أساس أن المفهوم من الحياتين أنهما الحياة الدنيوية والحياة الأخروية، إلا أن الأباضية ردوا على ذلك، بأن المقصود بالحياتين أنهما الحياة في القبر حيث السؤال والعذاب أو النعيم، والحياة الثانية هى الحياة الأخروية يوم القيامة، وقد
خص هاتان الحياتان بالذكر لأنهما اللتان أنكروهما بعد الموت، أما الحياة الأولى محسوسة فلا يحتاج إلى النص عليها.
(25).
كما استدلوا أيضا بقوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) (26)، نزلت كما قيل في عذاب القبر، إذا قيل للميت فيه بعد رد الروح إليه " من ربك وما دينك، وما نبيك فيقول: ربى الله وديني الإسلام ونبيى محمد صلى الله عليه وسلم ".
وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا قبر الميت اتاه ملكان
(27) -
أسودان أزرقا العينين، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير " وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار "، كما استدلوا على نعيم القبر للمؤمنين بقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (28)،
وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي مر ذكرها في استدلال أهل السنة
على ثبوت عذاب القبر سؤال الملكين
(29)
أما مسألة كيفية عذاب القبر، وهل يعيد الله سبحانه وتعالى عن
الروح إلى الجسد مرة أخرى فإننا نرى الأباضية يقولون في هذا بقول من
279 (1/279)
صفحة 265
قال من أهل السنة بعودة الحياة إلى الجسد أو إلى جزء من أجزائه مما يجعله يشعر بالعذاب أو النعيم، ويتجاوب مع سؤال منكر ونكير، وهذا ليس ببعيد على الله تعالى وهو على كل شئ قدير، يقول المصعبي: وبالجملة فإنه لا مانع في العقل من رد الحياة كما مر إلى بعض أجزائه (يعني الميت في القبر) أو كلها، ويجعل له من الفعل الفهم، ما يفهم به ويجيب ويدركه الملكان منه، وإن لم نسمع كلامهم، وكذا يجوز أن يسمع كلام من يسلم عليه، وكل ذلك جائز وقد ورد السمع به، فوجب اعتقاد ظاهره، ولا حاجة إلى تكلف تأويله
(30) -
كما يذهب الأباضية في ردهم على من ينكرون عذاب القبر تأسيسا على أن ذلك يتعارض مع حال الميت بعد موته ودفنه، قياساً على الشاهد، معتمدين في هذا الرد على قوة الإيمان وضعفه، ذلك لأنه من الإيمان الإقرار بما ورد به السمع بخصوص أمور الغيب، ومن ثم فإنكارها يتبع الشك الذى يلحق بضعاف الإيمان، وهو ما يشير إليه المصعبي أيضا في قوله: " فإن قالوا - أي نفاة عذاب القبر -: نحن نرى من ندفنه على حاله، ونعلم بالضرورة كونه ميتا - قلنا: هذا يؤذن قائله بعدم طمأنينته إلى الإيمان، وهو بمثابة استبعاد الكافر حشر
من
(31)
العظام البالية.، ومن يسلم اختصاص الرسول برؤية الملك دون القوم وتعاقب الملائكة فينا، وقوله تعالى في إبليس - لعنه الله - وجنوده " إنه يراكم هو وقبيله (32) الآية، لا يشك في التصديق بذلك. كيف؟ والنائم يدرك أحوالا من السرور والغموم والألم، من نفسه، ونحن لا نشاهد ذلك منه، والبرزخ أول منزل من منازل الأخرة، وفيها تغيير للعادات وخرقها، فيصح أن يكون الميت حال مشاهدتنا له، والقبر حال نظرنا إليه على غير الحالة التي نشاهدها، ولم نشعر بشئ مما هنالك،
280 (1/280)
صفحة 266
والأمر بيد الله تعالى، يظهر ما يشاء ويحجب ما يشاء، ومن تأمل في
عجائب ملكه وملكوته، وغرائب قدرته وجبروته لم يستبعد أمثال
ذلك، فضلا من الاستحالة نسأله سبحانه أن يجعلنا ممن آمن به
"
وملائكته وكتبه ورسله، ويختم لنا بخواتم السعداء بمنه وكرمه ثانيا: العرض والحساب
(33)
وعند أهل السنة وجمهور المسلمين يعتبر العرض والحساب من أمور الآخرة التى يجب الإيمان بها بدلالة الكتاب والسنة، وفيهما يكون الجزاء من الله تعالى للعباد بعد محاكمة عادلة يعرض فيها الناس على ربهم، ليروا أعمالهم الخير والشر، وتقام عليهم ولهم الحجج فيها إيذانا بالجزاء من الله تعالى إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
ومما يدلل به أهل السنة على " العرض " على الله يوم القيامة قوله عز وجل: فَوْمَد وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَأَنشَقَتِ السَّمَاءُ فَلِي يَومَيذٍ وَاهِبَةٌ) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَابِهَا وَيَجلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَومَيد نميبةٌ يَومَذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخَفَى مِنكُر خَافِيَةٌ)
وقوله تعالى: (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِسْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرقم
(35)
ويدخل في معنى العرض إبراز الأعمال وإظهارها، فيعرف صاحبها بذنوبه، فغن كان من أهل النجاة، وهو الذي يؤتى كتابه بيمينه تجاوز الله. عن ذنوبه، ولم يناقشه الحساب وأدخله الجنة، ولم يعذبه بالنار، وأما من كثرت معاصيه وأوتى كتابه وراء ظهره، فذلك الذي يناقش الحساب، ويسأل عن كل صغيرة وكبيرة
(36)
كذا روى في العرض أنه يتم في ثلاث عرضات: عرضتان جدال ومعاذير، وفي الثالثة تطير الصحف في الأيدى فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، كما نقل عن الترمذى الحكيم قوله: " الجدال
281 (1/281)
صفحة 267
للكفار، ويجادلون لأنهم لا يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوا نجوا. والمعاذير اعتذار الله لآدم وأنبيائه بإقامة الحجة على أعدائه، والثالثة للمؤمنين وهى العرض الأكبر)
(37)
أما الحساب، وهو يعنى: توقيف الله عباده قبل الإنصراف من
يوم
الحشر على أعمالهم خيرا كانت أو شرا، والدليل قوله تعالى: يعتهم اللهُ جَمِيعًا فَيُنَتِتُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} (38)، وقال: {فَأَمَّا مَنْ بعَثُهُمُ أُوتِيَ كَتَبَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} الآيتين
(39)
(40) *
وفي الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسيراً) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ذلك العرض " وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب كما أن أهل السنة يؤمنون بأن الله تعالى يستشهد على العباد بالأرض، وبما لهم من أعضاء، يشهدون عليهم بما ارتكبوه من اعمال في الدنيا. ويستدلون على شهادة الأرض على العباد بقوله تعالى: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَنُ مَا لَا يَوْمَيذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبِّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَيذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا لبُرَوْا أَعْمَلَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا
(41).
وقد ورد عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يَوْمَذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) فقال:: " أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على
282 (1/282)
صفحة 268
(42) "
كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها أن تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا، وقال: فهذه أخبارها. وفي معجم الطبراني " تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وأنه ليس من أحد عامل عليها خيرا أو شراً إلا وهى مخبرة. . كما هو الإيمان أيضا بشهادة الأعضاء على صاحبها يوم القيامة بما عمل، ويدللون على ذلك بقول الله تعالى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كانوا يعملون) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُم وَلَا أَبْصَرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ) (43).
كما يؤمن أهل السنة بالفرق في المحاسبة بين المؤمن والكافر فإن المؤمن توزن حسناته وسيئاته فمن رجحت حسناته بسيئاته دخل الجنة، ومن خفت موازينه بأن رجحت سيئاته بحسناته دخل النار، وأما من تساوت حساناته وسيئاته فقيل أولئك أصحاب الأعراف، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته فإنه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها، قال تعالى: أُولَيْكَ هَمْ سُومُ الْحِسَابِ) (44)،، وقال: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْتَهُ هَبَاهُ مَنشُورًا) (45)، وقال: فلا تقيم لم يَوْمَ الْقِيمَةِ وَزْناً) (46)، نُقِيمُ لَهُمْ وقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابِ بِقِيعَةٍ) (47) الآية (48).
كما أن رحمة الله تعالى عند الحساب تنال المؤمنين دون الكافرين فيخلو الله سبحانه بعبده المؤمن، ويقرره بذنوبه، ويستر عليه، ولا يناقشه الحساب، فقد ورد أنه قيل لابن عمر رضى الله عنهما: كيف سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النجوى
283 (1/283)
صفحة 269
(مناجاة الله لعبده المؤمن في الآخرة؟ قال: سمعته يقول " يدنو أحدكم من ربه، حتى يضع كنفه عليه، فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول نعم. ويقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول نعم. فيقرره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى صحيفة حسناته. وأما الكافر فينادى على رءوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين *
قول الأباضية:
(49)
يوافق الأباضية أهل السنة في تعريفهم للعرض والحساب وإن اختلفت الألفاظ فهو عندهم: " تمييز العمل خيراً أو شراً، أى تبيين عمل الخير لصاحبه، وتبيين المقبول منه والمردود، وتبيين مقدار ثوابه، وتبيين
(50)
-
عمل الشر لصاحبه وتبيين أنه مرود عليه، وتبيين مقدار عقابه كما يوافقونهم أيضا في وجوب الإيمان به، وفى القول بتفاوت الخلق في الحساب، وأنه يشمل الناس جميعا، يقول الجيطالي: " الحساب والإيمان به واجب، قال سبحانه: (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بها وكفى بنا حسين. وحساب الله يومئذ فصل وتمييز لا يشغله حساب أحد عن أحد كما لا يشغله رزق أحد عن أحد، وقيل لعلى: كيف يحاسب الله العباد على كثرة عددهم؟ فقال: كما يرزقهم على كثرة عددهم، ويتفاوت الخلق فى الحساب من مناقش فيه، إلى مسامح، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب، وهم المقربون، فيسأل الله من يشاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة، ومن شاء من الكفار عن تكذيب المرسلين، ويسأل أهل البدع عما أحدثوا من بدعهم، وعما تركوا من سنة نبيهم عليه السلام، ويسأل المسلمين عن الأعمال، كما قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ
لَنَسْتَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (51) الآية ... (52).
284 (1/284)
صفحة 270
ولكن الأباضية لا يوافقون أهل السنة فيما ورد عنهم ضمنا من
أن الله سبحانه وتعالى هو الذى يستعرض كتب العباد بأعمالهم، وهو الذي يناقشهم ويستشهد عليهم الأرض وأعضاءهم ونحو ذلك، لما فيه من إثبات المكالمة والمحادثة والمناقشة فيما بين الله تعالى وبين عباده وهو ما لا يقبله الأباضية بل ويردوه يقول الشيخ السالمى، بعد أن يستعرض الأقوال في كيفية الحساب كما ذكرناها عند أهل السنة: " وهذا الذي يرده النقل والعقل، لأن القدم مختص به عز وجل، وكلامه الذاتي إنما هو صفة توجب عدم الخرس، لا حروف وأصوات مسموعة، فلو قدرنا أن كلامه الذاتى كذلك للزم أن يكون مشابها لخلقه في صفاتهم الكلامية، وهذا خلاف قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شي
(54) (53)
أما عن تصور الأباضية لكيفية إجزاء الحساب فيتصوروها من خلال عدة احتمالات، كأن يتم ذلك عن طريق الوقوف أمام ملك من الملائكة، أو أمام قدرة الله ونعمته فتتم عملية الحساب بمعنى تبيان الأعمال الخير منها والشر والمقبول والمردود. أما عملية الاستشهاد على الخلق حسب ما ورد في قوله تعالى: (الْيَوْمَ نَفْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) مكالمة ومخاطبة وشهادة فيحتمل معه أن يكون القائم بذلك خلق من خلق الله تعالى يخلقه ليقوم بهذه المهمة. جاعلا سبحانه وتعالى، لهذا الخلق القدرة على المحاسبة للجميع الإنس والجن، المؤمن والكافر إلا من استثنى الله منهم. كام ذكر الأباضية أيضا احتمالاً آخر هو أن الله
،
(55)
بما يتضمنه ذلك ويقتضيه من
قد يخلق صوتا يكلم العباد فيسألهم عن أعمالهم فيحاسب هذا حسابا يسيرا وهذا عسيرا، وهذا سرا وهذا جهرا.
(56)
285 (1/285)
صفحة 271
ولا أدرى لماذا كان هذا الجهد والعناء من قبل المتكلمين ومنهم
الأباضية، ذلك الذي شغلونا به، وماذا لو تركنا عناء التفكير في أمور الآخرة، ووفر الاختلاف والتخاصم حول قضايا لا نملك دليلا ولا وصفا سوى ما جاء بشأنها في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واكتفينا بالإيمان بأنه حق وكفى ووفر هذا الجهد وهذا العناء لننفقه فيما هو أجدى، ونملك أدوات الخوض فيه وبالله التوفيق.
ثالثا: الميزان: يتفق أهل السنة والأشاعرة ومن سار في فلكهم من المتكلمين على أن الميزان حق، معتمدين في هذا على ما ورد بشأنه في القرآن الكريم والسنة النبوية، من نحو قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ القيمة) إلى قوله تعالى: (وَكَفَى بِنَا حَسِينَ) (57)، وقوله تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَيد الْحَقُّ) (58)، وقوله عز وجل: فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ)
فَهُوَ في عيشة رَاضِيَةِ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأْتُهُ هَاوِيَةٌ) (59)، وقوله تعالى: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيِّمَةِ وَزْنا) (60)، ومن السنة يستدلون أيضا بما روى عن السيدة عائشة رضى الله عنها أنها قالت: يا رسول الله هل
تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال لها: " أما عند مواطن ثلاثة فلا:
الكتاب والميزان والصراط.
(61).
وأهل السنة من السلفية لا يحددون للميزان كيفا، بل يكتفون
...
بالإيمان به، فالطحاوى مثلا يقول: " ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال. والميزان:، لكن الأشعرى يذهب إلى تحديد كيفية الميزان فيقول:
(62)
(63) ?
" قال أهل الحق: له لسان وكفتان.، وشارح العقيدة الطحاوية عندما يشرح قول الطحاوى يقول: " والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان ". (64)، أما ابن تيمية فيتوقف عن
286 (1/286)
صفحة 272
تحديد الكيفية فلا يقول فيها بشئ وإنما عندما يسأل عن الميزان هل هو عبارة عن العدل أم له كفتان؟ يجيب: أن الميزان هو ما يوزن به
الأعمال، وهو غير العدل .... وأما عن كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة
(65)
كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب، ويسكت عن غير ذلك. وكذا " ابن حزم " يذهب إلى أنه لم يرد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - شئ يصح في صفة الميزان، ومن ثم فلا يحل أن نقول فيه بشئ لم برد لا في الكتاب ولا في السنة، وعلى ذلك نجده بالرغم من اعتقاده بنصب الموازين في الآخرة لتقدير أعمال العباد من خير وشر، يقول: ولا ندرى كيف تلك الموازين، إلا أننا ندرى أنها بخلاف موازين الدنيا وأن ميزان من تصدق بدينار أو بلؤلؤة أثقل من ميزان من تصدق بدابة، وليس هكذا وزن الدنيا، وندرى أن اثم القاتل أعظم من اثم اللاطم وأن ميزان مصلى الفريضة أعظم من ميزان مصلى مثلها من التطوع، بل بعض الفرائض أعظم أجرا من بعض، فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " أن من صلى الصبح في جماعة كمن قام ليلة، ومن صلى العتمة، وفي لفظ العشاء، في جماعة فكأنما قام نصف ليلة، وكلاهما فرض، وهكذا في جميع الأعمال ". بل يذهب ابن حزم إلى أبعد من هذا فيخالف ما ذهب إليه الأشعرى وشارح الطحاوية، فيقول: " وأما من قال بما لا يدرى من أن ذلك الميزان ذو كفتين، فإنما قاله قياسا على موازين الدنيا، وقد أخطأ في قياسه إذ في موازين الدنيا ما لا كفة له كالقرطسون، وأما نحن فإنما اتبعنا النصوص الواردة في ذلك فقط، ولا نقول إلا بما جاء به قرآن أو سنة صحيحة عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، ولا ننكر ما لم يأت فيهما، ولا تكذيب إلا
بما فيهما ابطاله
(67) "
(66)
287 (1/287)
صفحة 273
أما المعتزلة فقد ذهب أهل كتاب أهل السنة إلى أنهم قد
أنكروا الميزان، قال صاحب " فتح البارى ": " وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة، لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال، ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين، وقال ابن فورك: انكرت المعتزلة الميزان بناء على أن الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها، وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها أ.
هـ
(68) -
ويبدو أن أهل السنة قد ذهبوا إلى ذلك تشنيعا على المعتزلة، وذلك لأننا نجد القاضي عبد الجبار - وهو شيخ من شيوخ المعتزلة – يقرر أن الموازين التي ورد ذكرها في محكم كتاب الله حق يجب اعتقاده والإقرار به، ثم يذهب إلى أنه لم يرد الله تعالى بالميزان الا المعقول منه المتعارف فيما بيننا، ثم يعود فيقر للميزان كفتين في قوله: " ليس يمتنع أن يجعل الله تعالى النور علما للطاعة، والظلم أمارة للمعصية، ثم يجعل النور في احدى الكفتين، والظلم في الكفة الأخرى، فإن ترجحت كفة النور حكم لصاحبه بالثواب، وإن ترجحت الأخرى حكم له بالأخرى (0). وهو ما يتنافى مع قول أهل السنة بأن المعتزلة ينكرون الميزان، ويبدو أنهم يقصدون بذلك أنهم لم يؤولوا أو يفهموا الميزان على الطريقة التي أقرها أهل السنة.
(69)
واختلف المتكلمون كذلك في الموزون، ما هو؟ قيل: الحسنات، والسيئات، توضع كل منهما في كفة فإن رجحت الحسنات دخل الإنسان الجنة، وإن رجحت سيئاته دخل النار، وبهذا قال الأشعرى (70). وقيل: يوزن الرجل مع عمله كما قيل: الوزن للأعمال دون أصحابها (71). ورد شارح الطحاوية على من ينكرون عملية الوزن تأسيسا
288 (1/288)
صفحة 274
على أن أعمال العباد هي من قبيل الأعراض غير القابلة للوزن فقال: فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل
(72) "
الوزن الأجسام .. فإن الله يقلب الأعراض أجساما، ومن ثم تصير
قابلة للوزن عنده
•
قول الأباضية:
والأباضية يرون أن الميزان حق
(73)
"
معتمدين تقريبا على الآيات
والأحاديث التي استدل بها غيرهم ممن يثبتون اعتقاد الميزان وغيره من أحوال الآخرة، مما ورد ذكرها في الكتاب والسنة. وهم في ذلك موافقون غيرهم من المتكلمين ممن اعتقدوا ثبوت الميزان، ولكنهم خالفوهم في فهمهم لصورة وحقيقة الميزان. ذلك لأنهم أولوه بمعنى العدل" وليس بمعنى الميزان الحقيقى المعهود في العالم المشاهد، واعتبروا ما جاء بشأنه من نصوص في الكتاب والسنة أنها من قبيل التشبيه أو الاستعارة، أو التمثيل، يقول الشيخ السالمي: " فذهب أصحابنا وجمهور المعتزلة إلى أنه يعنى (الميزان) عبارة عن ثبوت السعادة لقوم والشقاوة لآخرين، على سبيل الاستعارة التمثيلية، حيث شبه ثبوت العمل الصالح بثقل الموازين، والعمل السيئ بخفتها على وجه لا يظلم أحد منه شيئا (74)، كما ذهب الجيطالى إلى أن وزن الأعمال يعنى تمييزها وتفصيلها والمجازات بها (75). وبمثل هذا قال صاحب " المعالم "؛ حيث يقول: "غير
أنه - أى الميزان - ليس على ما زعموه أيضا من أنه بعمود وكفتين، فالموزون فيه، قالوا: صحف الأعمال، أو مثالات يخلقها الله سبحانه ويزنها على قدر أجود الأعمال، وما يتعلق بها من ثوابها وعقابها، وإنما المراد عندنا وعند معظم المعتزلة من الميزان اعتبار الحسنات، وتمييزها من غيرها، والعدل الذي وضعه عز وعلا بين خلقه (فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شيْئًا كما قال: (وَالْوَزْنُ يَوْمَذٍ الْحَقُّ}، {اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ
289 (1/289)
صفحة 275
"
وأنزلنا مَعَهُمُ الْكِتَب وَالْمِيزَانَ الآية، يعني العدل بين عباده، وكل ذلك تمثيل يجب الحمل عليه، كما يقال: اجعلوا بيننا ميزانا يعدل بيننا مراد به قاضيا عدلا، ولا ضرورة تدعو إلى الميزان المتعارف لما أنه إنما يحتاج إليه من لا يعرف مقادير الأشياء وأراد معرفتها، والله سبحانه وتعالى غنى على الإطلاق، محيط علمه بكل
(76) *
شئ، فإنه يحكم بينهم وعليهم بسرائرهم، وما تخفى صدروهم والميزان من أمور الغيب وبالرغم من أن الأباضية مع إيمانهم به، يعملون على تأويله بان المقصود به العدل ونحوه، نجدهم ينكرون على غيرهم ما تأولوه عليه بخلاف تأويلهم. ثم نجد منهم من يعود ويلمح بأته مع القول بالتوقف عن الجدال في مثل هذه الأمور، والإنشغال بها دون جدوى، ويستشهد على ذلك بما ذهب إليه سيد قطب في " ظلال القرآن " حيث قال: " ولا ندخل في طبيعة الوزن، وحقيقة الميزان، كما دخل فيه المتجادلون بعقلية غير اسلامية في تاريخ الفكر الإسلامي، فكيفيات أفعال الله خارجة عن التشبيه والمثيل "، ولا يقف الأباضية عند هذا الحد، وهذا الاستدلال الذى يحسب عليهم لا لهم، لأنهم لم يتوقفوا عند مجرد الإيمان بأمور الغيب، ومنها الميزان، ولكنهم سعوا إلى التأويل مثلما فعل غيرهم، بل عملوا أيضا على الوقوف عند ما استدل به مخالفوهم من أهل السنة من الأحاديث، وقالوا بتضعيفها، والتشكيك
(77)
فيها وفي سلسلة رواتها، ليصلوا إلى الجزم بعدم صلاحيتها للاستدلال على ما انتهى إليه مخالفوهم.
رابعا: الصراط:
(78)
ويعد الصراط كذلك من أمور الآخرة، التى يعتقدها ويؤمن بها
جميع المسلمين، وإن اختلفوا في فهمه وتفسيره أو تأويله، يقول شارح الطحاوية في " العقيدة السلفية " ونؤمن بالصراط، ويقول الأشعرى "
(79)
290 (1/290)
صفحة 276
(80)
والصراط حق، كما يذهب القاضي عبد الجبار - من المعتزلة -
(81)
إلى أن " من جملة ما يجب الإقرار به واعتقاده الصراط. ولكن الخلاف يحدث بينهم في فهمهم وتأويلهم لمعنى الصراط، فأهل السنة يؤمنون بأن الصراط جسر على جهنم. ومما يستدلون به على هذا ما أورده الحافظ بن حجر من صحيح البخاري من حديث طويل جاء فيه وصف الصراط:. " .... . .. ويضرب جسر جهنم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فأكون أول من يجيز ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلابيب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شون السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنها شوك السعدان، غير أنها لا يعلم قدر
(82) "
عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم: منهم المويق بعمله، ومنهم المخردل ثم ينجو ... ، وفى الشرح ذكر الشارح: " باب الصراط جسر جهنم: أى الجسر المنصوب على جهنم لعبور المسلمين عليه إلى
الجنة "
(83) "
(84)
كما أورد في وصفه أنه أحد من السيف وأدق من الشعرة ونصب الصراط يكون بعد الحشر والحساب والميزان، عندما يستشفع المسلمون بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، ليشفع لهم، ليخلصوا من هول الموقف يقول: ابن حجر: إن الخلق إذا حشروا، وتساقط الكفار منهم في النار بقى من عداهم في كرب الموقف فيستشفعون، فيقع الإذن بنصب الصراط، ثم يكون المرور عليه. ويعتقد أهل السنة، طبقاً لما جمعوه من نصوص وآثار اختلاف الناس من المسلمين في مرورهم على
،
(85)
الصراط، بحسب اختلافهم في درجة أعمالهم من الطاعة والمعصية، يصف: شارح الطحاوية " لنا ذلك، بما ورد في ذلك من نصوص فيقول: إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة رضى الله عنها: " إن رسول الله - صلى
291 (1/291)
صفحة 277
الله عليه وسلم - سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم.؟ وروى البيهقى بسنده عن مسروق، عن الله عبد قال: " يجمع الله الناس يوم القيامة " إلى أن قال: " فيعطون نورهم على قدر أعمالهم. وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه يضئ مرة، ويطفأ، مرة، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفئ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحض ومزلة، فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل يرمل رملا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذى نوره على إبهام، قدمه، تخريد، وتعلق يد، وتخر رجل، وتعلق رجل وتصيب جوانبه النار، فيخلصون، فإذا خلصوا، قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد إن أراناك، لقد أعطانا الله ما لم
يعط أحدا
(86)
أما القاضي عبد الجبار - من المعتزلة - فيخالف أهل السنة فيما ذهبوا إليه من تفسير للصراط على المعنى الذي ذكرناه عندهم، ويزعم أن الصراط " هو طريق بين الجنة والنار يتسع على أهل الجنة ويضيق على أهل النار إذا راموا المرور عليه، وقد دل عليه القرآن، وقال الله
(87)
تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضالين)، وأنكر تفسير أهل السنة، فقال: " فلسنا نقول في الصراط ما يقوله الحشوية، من أن ذلك أدق من الشعرة وأحد من
292 (1/292)
صفحة 278
السيف، وأن المكلفين يكلفون اجتيازه والمرور به فمن اجتازه فهو من أهل الجنة، ومن لم يمكنه ذلك فهو من أهل النار، فإن تلك الدار ليست بدار تكليف، حتى يصلح إيلام المؤمن وتكليفه المرور على ما هذا سبيله في الدقة والحدة، وأيضا فقد ذكرنا أن الصراط هو الطريق، وما وصفوه ليس من الطريق بسبيل، ففسد كلامهم "
(88)
كما ذكر عن مشايخ المعتزلة أن منهم من أول الصراط بأنه الأدلة الدالة على الطاعبات التى من تمسك بها نجا والأدلة الدالة على المعاصي التي من ركبها هلك، أو الأدلة الدالة على وجوب الواجبات والتمسك بها وعلى قبح المقبحات والإجتناب منها، وهو ما لا يرتضيه منهم لأن فيه حمل لكلام الله على المجالز، وهذا لا يجوز إذ حمله على
الحقيقة ممكنا
قول الأباضية:
(89)
والأباضية لا ينكرون " الصراط " إيمانا بما جاء فيه في الكتاب والسنة يقول صاحب مشارق الأنوار: " الصراط هو الحق: أي الصراط المذكور في قوله تعالى: (أَفَمَن يَمْشِي مُكِباً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَط تستقيم (90)، وفي الروايات المروية عنه - صلى الله عليه وسلم – كالمروية عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: " يوضع الصراط على سواء جهنم، مثل حد السيف المرهف مدحضة مزلة عليه كلابيب من نار يختطف بها ممسك يهوى فيها، ومصروع، ومنهم من يمر كالبرق فلا ينشب ذلك أن ينجو، ثم يكون آخرهم إنسانا رجل قد لوحته النار، ولقى فيها شرا، ثم يدخله الله الجنة بفضله وكرمه ورحمته ...
(91) -
إلا أن الأباضية مع إيمانهم بالصراط يختلفون مع غيرهم ممن
اخذوا القول فيه على ظاهره أو أولوه تأويلا لم يرقهم، ويذهبون في
تأويله إلى أكثر من وجه نذكر منها:
293 (1/293)
صفحة 279
(أ) ما قاله الجيطالى من أن الصراط هو " طريق الإسلام " واستدل على
(93)
(92) *
اهدنا
ذلك بقوله تعالى: " وإنك لا تهدى إلى صراط مستقيم. الصراط المستقيم)، كام ذهب الجيطالى أيضا إلى أن من أصحابهم أى من (الأباضية من ذهب إلى أن الصراط يعني الجسر الموضوع على متن جهنم، المرتب عليه القناطر السبع، التي هي مراصد ومحابيس للعباد حتى يسئلوا عن السبع سؤالات المشهورة، ويستدل على هذا بقول الله تعالى: (فَامْدُوهُمْ إِلَى صِرَاط النسيم) وَقِفُوهُمْ إنَّهُم مَّسْئُولُونَ (94)، وهو ما لا يصح معه حمل الصراط على أنه طريق الإسلام - اختاره الجيطالى - وإن كان لا يحيل تأويل أصحابه بل يراه ممكنا وإن لم يختاره "
(95)
(ب) أما صاحب المعالم " فقد ذهب إلى أن المقصود بالصراط هو " دين الله كما نطق به القرآن " وعن ما جاء في وصفه في الأخبار بأنه أدق من الشعرة وأد من السيف. فقد ذهب إلى أن ذلك " لو سلم ثبوته فهو من صفات الدين، فإنه أدق شئ من حيث أنه لا يوافق الهوى ولا الشهوات فلذلك كان يشبه بالموصوفات ضرورة أنه لا يميز بين صفاته إلا ذو الحجى والنهى والبصيرة النافذة، مع عون وتوفيقه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " الشرك أخفى في أمتى من دبيب النمل فى صخرة صماء في ليلة ظلماء وقال أيضا: الا إن الشرك بضعا وسبعين بابا: وقال أيضا: " إن هذا الدين متين فكل من شده غلبه فعليكم بالقصد فيه لتبلغوا، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى"، فكل ذلك تمثيل مناسب لما قلنا " (96).
الله
أما فيما عدا ذلك من تفسير أو تأويل لو فهم عند غير الأباضية فهو مما أنكروه، تأسيسا على خطأ الفهم فيه، مثل تأويل الصراط
294 (1/294)
صفحة 280
بالجسر وهو ما لا يقبله الأباضية، لأن ذلك مما لا يصح في معنى الصراط الذى هو الطريق عندهم. أما عن الأحاديث التي استدل بها غيرهم على فهم الصراط بمعنى غير الذي ارتضاه الأباضية فذهبوا إلى
أنها أحاديث أحادية لا تصلح للإستدلال في الأمور الإعتقادية، واكتفوا بهذا دون الطعن فيها
(97)
خامسا: الشفاعة:
والشفاعة من الأمور التي يترتب القول فيها لدى الفرق الإسلامية على قولهم في أفعال العباد وقولهم في المعاصى والكبائر، التي يموت عليها الإنسان دون توبة، والحكم على مرتكبها في الآخرة.
ولما كان الخوارج والمعتزلة قد انتهوا كما رأينا من قبل إلى الحكم على مرتكب الكبيرة غير التائب عنها بأنه كافر كما هو رأى الخوراج وفاسق في منزلة بين الإيمان والكفر كما هو رأى المعتزلة، وأنه عند كليهما خالد مخلد في النار أبدا، فترتيبا على هذا وجدناهم ينكرون الشفاعة لمن سبق عليهم الحكم بالتخليد في النار، ومن ثم تجاهلوا الآيات القرآنية التى تقول بها، وتمسكوا بالآيات التي تنفيها، لأن الشفاعة في رأيهم تتنافى مع مبدأ الوعد والوعيد، فلا يستطيع أحد أن يشفع عند الله لأحد ويجعله ينجو من النار، بل تجد كل نفس يؤمئذ من الثواب بقدر عملها الصالح، ومن العذاب بقدر عملها الشئ
(98)
أما أهل السنة والأشاعرة، وقد ذهبوا من قبل إلى القول بأن مرتكبى الكبائر غير التائبين من عصاة المؤمنين فأمرهم موكول إلى الله تع، تعالى في الآخرة إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم بقدر جريمتهم ثم أدخلهم الجنة برحمته، وأنه لا يخلد في النار من كان في قلبه ذرة من إيمان، فقد رتبوا على ذلك قولهم بالشفاعة، وقالوا بها للمؤمنين الموفين
295 (1/295)
صفحة 281
بشروط وواجبات الإيمان، وللمؤمنين الذين ارتكبوا ذنوباً وماتوا عليها دون توبة، بل ومنهم من قال بها للكفار الذين ماتوا على غير التوحيد، ومنهم من نفاها عنهم:
والأساس الذي أقام عليه أهل السنة رأيهم هذا في إثبات الشفاعة هو اعتقادهم عدم خلود أحد من الموحدين في النار، يقول ابن تيمية: " وقد ذكر الله تعالى " أولياءه " المقتصدين والسابقين في سورة فاطر في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِهِ.
ومنهم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذهَبَ عَنَّا الْحَزَنْ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ الَّذِي أَطَلْنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوب (39)، لكن هذه الأصناف الثلاثة في هذه الآية هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة، كما قال تعالى: " ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ " ..... و " الظالم لنفسه " أصحاب الذنوب المصرون عليها، ومن تاب من ذنبه أى ذنب كان " توبة صحيحة لم يخرج بذلك من السابقين، و المقتصد: المؤدى للفرائض المجتنب للمحارم " و السابق للخيرات: هو المؤدى للفرائض والنوافل، كما في تلك الآيات ... ويدلل ابن تيمية على أن التائب من ذنبه داخل في المقتصد
"
والسابق بقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّراءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ
الفيظ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً
296 (1/296)
صفحة 282
أوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَوَلَيكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّتٌ تَجْرِي مِن)
(100)
تحتها الأنهر خلدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَمِلِينَ) .... وقوله تعالى: جَنَّتُ
عدن يدخُلُونَها مما يستدل به أهل السنة على أنه لا يدخل في النار أحد من
أهل التوحيد
(101)
وترتيباً على هذا كان الإعتقاد صحة الشفاعة للمؤمنين والمطيعين وهو ما يتفق فيه أهل السنة مع غيرهم من الفرق الإسلامية، وتكون هذه يوم القيامة لأهل الموقف حتى يقضى بينهم، كما تكون لأهل الجنة أن يدخلوها، كما تكون أيضا في زيادة الثواب ورفع الدرجات في
الشافعة
الجنة
(102)
كما اعتقدوا الشفاعة للمذنبين وأهل الكبائر من الموحدين يقول ابن تيمية: ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بأنه يخرج من النار من في قلبه
مثال ذرة من إيمان
(103) -
كما ذهب البعض منهم إلى أن الشفاعة قد تشمل الكافر بنوع
ما ليخفف عنه العذاب، واستدلوا على هذا بما ورد في الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشئ؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ...... ونحو ذلك. فهذا نص صحيح الشفاعته في بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب، بل في أن يجعله صريح أهون أهل النار عذابا، كما في الصحيح أيضا عن ابن عباس: أن رسول
297 (1/297)
صفحة 283
الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين منهما دماغه
(104).
.
(105)
ويستدل أهل السنة على قولهم بالشفاعة بالقرآن الكريم من نحو قوله تعالى: لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا فأوجب عز وجل الشفاعة لمن اتخذ عنده عهدا بالشفاعة، وصحت بذلك الأخبار المتواترة المتناصرة بنقل الكواف لها. قال تعالى: {يَوْمَذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قولا (106)، وقال تعالى: (وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ (107)، فنص تعالى على أن الشفاعة يوم القيامة تنفع عنده عز وجل ممن أذن له فيها، ورضى قوله، ولا أحد من الناس أولى بذلك من محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه أفضل ولد آدم
(108)
عليه السلام. وقد قال تعالى: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى)، وغير ذلك من الآيات إلى أن قال: " فقد صحت الشفاعة بنص القرآن الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه
(110) -
(109)
وكذا يوافق أهل السنة غيرهم من الفرق الإسلامية في القول بأنه لا شفاعة للكفار والمشركين ممن تقدر من الله تعالى تخليدهم في النار، ولا منفعة في الشفاعة لهم مهما كانت منزلة ومكانة الشافع، يقول ابن تيمية: " وأما الشفاعة والدعاء فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار، والإستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم - ول كان الشفيع أعظم الشفعاء جاها - فلا شفيع أعظم من محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم الخليل
298 (1/298)
صفحة 284
إبراهيم، وقد دعا الخليل لأبيه واستغفر كما قال تعالى عنه: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَى وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (111)، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداء بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنهم أَصْحَبُ الجعيد
(112) (113)
وقد ناقش أهل السنة أدلة الذين نفوا الشفاعة، معتمدين أيضا في هذا على نصوص من القرآن والسنة، الأمر الذى لم يستطع معه أهل السنة رد أدلتهم، فذهبوا إلى أن هذه الشفاعة المنفية غير الشفاعة المثبتة والتي يأخذون القول بها وذهب ابن تيمية في هذا إلى القول: " وجواب أهل السنة أن هذا " يعنى نفى الشفاعة يراد به شيئان: أحدهما أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى في نعتهم: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَابِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ يوم الذين) حَتَّى أَننَا الْيَقِينُ) فَمَا تَفَهُهُمْ شَفَعَةُ الشَّيفِمِينَ)، فهؤلاء نفى عنهم شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارا.
والثاني: أنه يراد بذلك نفى الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك، ومن شابههم من اهل البدع: من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض، فيقبل المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة، وكما يعامل المخلوق المخلوق بالمعاوضة .... " مدللا على هذا بالكثير من الآيات القرآنية.
299 (1/299)
صفحة 285
قول الأباضية:
والأباضية، خلافا للمعتزلة والخوارج ومن نحا نحوهم، لا ينكرون الشفاعة لأنهم رأوا أن في إنكارها إنكارا لما جاء في القرآن والسنة، يقول الجيطالى: " وهى (يعنى الشفاعة حق، فمن كذب بها فقد كذب القرآن، وهي المقام المحمود، قال الله لنبيه عليه السلام: عسى أن يبعثكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا} (114)، يحمده فيه الأولون والآخرون، يحمده الأولون بما فتح لهم من الشفاعة وكانت مخزونة لا يصل إليها أحد حتى يفتحها النبي عليه السلام، ويحمده الآخرون حيث نجاهم من
(115)
هول المقام ولما كان الأباضية في حكمهم على مرتكبي الكبائر الذين يموتون على كبائرهم دون توبة يرون أنهم خارجون بكبائرهم عن الإسلام، داخلون بها في الشرك، مستحقين للخلود والتخليد أبدا في النار، فإنهم وإن وافقوا أهل السنة في إقرار الشفاعة إلا أنهم جعلوها فقط في المسلمين دون مرتكبى الكبائر المصرين عليها، ومن ثم فهى لأهل الجنة من المؤمنين دون الكافرين المشركين. يقول الجيطالي: والشفاعة إنما هي للمسلمين الذين ماتوا على الطاعة، لأن الله سبحانه يقول: (لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} يعنى بالعمل الصالح في أمثالها، وقال تعالى مخبرا عن أهل النار: فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ) وَلَا صَدِيق حميم في أمثالها، وكان جابر بز زيد – رحمه الله – يحلف ما لأهل الكبائر من شفاعة، وكان يقول والله ما شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين إلا للتائبين، وكان يقول ما نالت دعوة مؤمن منافقا
قط، والشفاعة ليست لمن استوجب العقاب فيصير بها إلى الثواب وتشريف في المنازل، ويضيف المعصبى إلى ذلك أيضا أنها في دخول
(116)
300 (1/300)
صفحة 286
الجنة بعد الفراغ من الحساب، وذلك أن الخلق إذا فرغوا من الحساب استاذن المسلمون من يشفع لهم إلى الله سبحانه وتعالى أن يأذن لهم في الدخول إلى منازلهم في الجنة، فيطلبونها من آدم أولا ثم من نوح، ثم من إبراهيم وكلهم يدفعهم إلى غيره حتى تصل إلى سيد الأولين والآخرين، ولا تحرمنا يارب من شفاعته بفضلك لا بعملنا، فيطلبونه فيدعو مولاه فيعطيه مفاتيح الجنان، وهو المراد من قوله تعالى: (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مقاما محمودا (117)
كما يذهب الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتى عمان إلى أن بعض العلماء قد ذهبوا إلى أن الله سبحانه وتعالى يمكن للنبيين والصالحين من الشفاعة لمن ارتضى الله يؤمئذ من عباده، وذلك كان يشفعوا للتائب أن يتقبل توبته، وقد جاء ما يدل على ذلك في بعض الروايات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما منكم من أحد يدخل الجنة يوم القيامة إلا بفضل الله ثم بعمله ثم بشفاعتي " فالتوبة الله مقبولة، ولكن ذلك لا يمنع أن يكون للنبي - صلى الله عليه وسلم – دور في الشفاعة لأجل قبول هذه التوبة، فإن من شأن العبد أن يكون دائما مقصرا، والشفاعة هي دعوة من الدعوات، فالنبيين والملائكة والصالحون يشفعون لمن ارتضى الله عز وجل، وقد ذكر الله تعالى عن ملائكته المقربين أنهم يستغفرون للذين آمنوا: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَى و رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ
عند
(119)
(118)
ويدلل الأباضية على عدم الشفاعة للعصاة ومرتكبي الكبائر الذين يصرون عليها ويموتون من غير توبة، بل واستحقاقهم التخليد في النار أبدا، بالقرآن والسنة من نحو قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا
301. (1/301)
صفحة 287
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا}، وقوله تعالى: (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا)، وقوله تعالى في سورة المؤمنين بعد أن ذكر الزنا وقتل النفس: وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَنَا مَا يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ). وعندهم لا شفاعة لهؤلاء وأمثالهم من مرتكبى الكبائر المصرين عليها، ذلك لأن الشفاعة هي لمن مات على صغيرة، أو مات وقد نسى ذنبا أن يتوب عنه، أو لزيادة درجة في الجنة، أو لتخفيف الموقف على المؤمنين وإراحتهم منه إلى الجنة، لقوله تعالى: (مَا لِلظَّلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ)، وقوله تعالى: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى .. ومن السنة بقوله - صلى الله عليه وسلم، لعشيرته: " لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس، ويا صفية، ويا .... لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتونى بأنسابكم "، وقول جابر بن زيد: والله ما لأهل الكبائر، شفاعة، لأن الله أوعد لأهل الكبائر النار في كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك: " إن الشفاعة لأهل الكبائر " فوالله ما عنى القتل والزنا والسحر، وما أوعد الله عليه النار (120)
فاطمة
كما أكد الأباضية على صواب رأيهم هذا في الشفاعة، وخطورة القول بالشفاعة لأهل الكبائر والعاصين من المسلمين، ذلك لأن الناس يتخذون ذلك ذريعة للتهاون في ارتكاب المعاصى، اعتمادا على الأماني، وأنهم مغفور لهم من الله تعالى، أو مشفوع لهم عنده من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا لشئ إلا لأنهم مسلمون، وهو ما يشيع في المجتمعات الإسلامية اليوم، وبعد ضعف الإيمان في قلوبهم، ويدلل الأباضية على قولهم هذا بما نقلوه عن بعض المفكرين المسلمين المعاصرين مثلما نقلوه. عن الشيخ محمد الغزالي من قوله في الشفاعة، بعد أن استعرض الكثير
302 (1/302)
صفحة 288
من النصوص الواردة فيها، حيث يقول: " يلغظ عوام المسلمين بأحاديث واردة في شفاعة النبي صلي الله علية وسلم وعلق أولئك العوام الشفاعة يخيل إليك أن قوانين الجزاء بطلت، وأن نيران الجحيم توشك أن تتحول بردا وسلاما على عصاة المؤمنين وكثيرا ما يفرط هؤلاء الجهال في الفروض، ويقعون في وخم الذنوب، ثم يقولون أمة محمد بخير، وهذا مسلك ساقط، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - أول من يستنكره، ويحارب أصحابه وينذرهم بأنهم أصحاب الجحيم ...... والقول بأن قوانين توقف بالنسبة لأتباع نبى ما سخف فارغ، وقد قال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْرِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ) (121)، ثم يقول: فلينظر هؤلاء قول الحق في أهل النار: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ما والعجب للمسلمين يصابون بهذه اللوثة، وهم يتركون قوله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ
اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
(122)
.
(123)
والأباضية يستشهدون على أهمية العمل الصالح، ومن قبله على فضل الله تعالى، ليتجنب المؤمن العذاب في النار، وبغير ذلك لا فائدة من الأمانى التى يصورونها اعتمادا على الشفاعة، بقول الشيخ الإمام محمد عبده في تفسيره لقوله تعالى: مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا حيث يقول: " فكل تلك الأماني في الشفعاء كأضغاث الأحلام، برق خلب، وسحاب جهام، وإنما المدار في النجاة على الإيمان والأعمال، كما صرح به تعالى، فقال: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ
الصباحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَيْكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ
تقرا کے
(124)
، ثم يضيف: " هذا وان في هاتين الآيتين من العبر والموعظة
303 (1/303)
صفحة 289
ما يدك صروح الأماني ومعاقل الغرور التى يأوى إليها ويتحصن فيها الكسالى والجهال والفساق من المسلمين الذين جعلوا الدين كالجنسية السياسية، وظنوا أن الله العزيز الحكيم يحابي من يسمى ن
نفسه
مسلما، ويفضله على من يسميها يهوديا أو نصرانيا، بمجرد القلب، وأن العبرة بالأسماء والألقاب لا بالعلم والعمل.
(125).
هكذا كان رأى الأباضية فى الشفاعة، وهم يؤمنون بها إيمانهم
بما جاء فيها من الكتاب والسنة، وهى عندهم للمؤمنين دون العصاة
ومرتكبي الكبائر المصرين عليها.
سادسا: الحوض:
والحوض من أمور الآخرة أيضا، ذلك الذي ورد ذكره في
الكتاب والسنة، أورد ابن كثير في تفسيره " لسورة الكوثر " أن
،
الكوثر نهر في الجنة أعطى للرسول - صلى الله عليه وسلم - ليشرب منه هو والمؤمنون من أمته، ومن شرب منه لا يظمأ أبدا. كما ذكر من الأخبار أيضا ما أفاد أن الكوثر هو الحوض، ومنها ما أفاد أن الحوض يصب فيه ميزابان من الكوثر. كما جاء أيضا في صفاته أن ماءه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأن من يشرب منه لا يظمأ أبدا، وأن عليه آنية كعدد نجوم السماء، أول من يرد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يزود عنه حتى يشرب منه المؤمنون من أمته، بعدهم يرده غيرهم من الأمم.
(126)
وعلماء الكلام من أهل السنة أثبتوا الحوض، واعتقدوه، وجعلوه
من الإيمان لكثرة ما ورد فيه من أحاديث بلغت حد التواتر، وأنكروا
ورود الكافرين عليه
(127)
304 (1/304)
صفحة 290
وذهب الأشعري في الإبانة إلى أن المعتزلة قد انكروا الحوض،
وإن وجدنا عند القاضي عبد الجبار المعتزلى ما يشير إلى الإيمان والإقرار بجملة ما ورد من أمور الآخرة، وهى عندهم حق يجب ا وأورد أمثلة لذلك منها، عذاب القبر والمساءلة والحساب والميزان
(128)
اعتقاده،
والصراط ونشر الصحف، مما يشعر أنهم لا ينكرون الحوض، وما
قاله الأشعري في " الإبانة " إنما هو من قبيل التشنيع عليهم.
قول الأباضية:
والأباضية يؤمنون بثبوت " الحوض " اعتمادا على ما ورد فيه من
أحاديث كثيرة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أما عن وجوب
الاعتقاد به ففيه عند الأباضية رأيان:
الرأى الأول: ويقول به الجيطالي، يختار فيه الوجوب اعتمادا على كون اعتقاد الحوض داخلا في جملة التوحيد، والتي تقوم بدورها على ثلاث جمل لا يستغنى بعضها عن بعض: أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن ما جاء به حق من عند الله ومما جاء به الاخبار بالحوض ووروده يوم القيامة، مما يستخلص منه ضرورة الإيمان بأن الحوض حق،
واجب الإيمان به
(129)
والرأى الثانى: ويقول به صاحب " مشارق أنوار العقول " ويتضمن
إما القول بأن الحوض حق والإقرار به واجب، وإما التوقف في ذلك دون
إنكار ما ورد فيه من اخبار عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
،
والإنتهاء عن المجادلة في ذلك، يقول الشيخ السالمي: وهذه مسألة مما يسع جهله لمن لم يبلغه تواتر الأخبار، ويجوز التصديق بخبر الواحد فيها، لأنها من زيادة الفضائل لنبينا عليه الصلاة والسلام، فالتصديق بها تصديق بمزيد فضيلة له ثم يقول: " إن الأخبار واردة به (يعني الحوض)
305 (1/305)
صفحة 291
فإن أنكرتها، وهى فى نفس الأمر مطابقة للواقع كنت منكرا لما هو حق فى نفس الأمر، فالوقوف إن لم تصدق أولى من الإنكار وأسلم،
فإنها وإن كانت لا تقوم بها حجة عليك فلا يصح تكذيبك لراويها "
سابعا: الجنة والنار:
(130)
والجنة والنار كذلك من أمور الآخرة التي يؤمن بها جميع المسلمين، وتقرها كذلك جميع الفرق الإسلامية، وقد جاءت فيهما إثباتا ووصفا وتحديدا الآيات الكثيرة في كتاب الله، كما ورد فيهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضاً العديد من الأحاديث التي جاءت في وصفهما، ولعل عمدتها في ذلك الحديث الذي جاء في وصف الجنة برواية أبى هريرة رضى الله عنه، قال: " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " قال الله عز وجل " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، واقرأوا إن شئتم: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنِ} (131) .... " وفي وصف النار ورد أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ناركم هذه التي توقدون: جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزء، كلها مثل حرها
(132) -
:
ولقد اختلف أهل الفرق الكلامية حول خلق ووجود الجنة والنار الآن أم انهما غير موجودتين الآن وسيخلقان عند الجزاء، وأهل السنة يقولون أنهما موجودتان مخلوقتان والمعتزلة ومن جاراهم يقولون أنهما غير مخلوقتين ولا موجودتين الآن ويقول الإمام أبو جعفر الطحاوى في عقيدته المعبرة عن عقيدة السلف: " والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق.
(133).
.
306 (1/306)
صفحة 292
ويلخص " شارح الطحاوية " صورة الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في هذه المسألة فيقول: " اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، حتى نبغت نابغة المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة ..... وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذى وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا!! وقاسوه على خلقه في أفعالهم فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم
فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة! وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث لأنها تصير معطلة مددا متطاولة ... فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن
(134).
مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم *، ويدلل أهل السنة على قولهم بأن الجنة والنار مخلوقتان بالكتاب والسنة – بما ورد في الجنة من قوله تعالى: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (135)، أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ، وما ورد في النار من نحو قوله عز وجل: أُعِدَّتْ
ورسله
"
(136)
(137)
الكفيرين کے إنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ من صَاد الا الطعين منابا (138)،
، وبقول
الرسول - صلى الله عليه وسلم - من حديث أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء وفي آخره: " ثم انطلق بي جبرائيل حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدرى ما هى، قال: ثم دخلت الجنة فإذا هي جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك " ومن حديث عبد الله بن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من اهل النار فمن أهل النار، يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم
القيامة" ..
الخ.
307 (1/307)
صفحة 293
ويختلف المتكلمون أيضاً في أبدية وخلود الجنة والنار، وقول أهل
السنة في هذا أنهما خالدتان لا تفنيان ولا تبيدان أبدا، وعن قول من خالفهما يقول " شارح الطحاوية ": " وقال ببقاء الجنة وقال بفناء النار جماعة من السلف والخلف، والقولان مذكوران في كثير من كتب التفسير وغيرها، وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من المية المسلمين ولا من أهل السنة. وأنكره عليه عامة أهل السنة، وكقروه به، وصاحوا به وبأتباعه من أقطار الأرض .... ووافق الجهم في هذا أبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة، ولكنه قال إن هذا يقتضى فناء الحركات فقال بفناء حركات أهل الجنة والنار حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة)
(139)
وبعد رد أهل السنة أقوال من خالفوهم دللوا على عدم فناء الجنة والنار وأبديتها بالكتاب والسنة من نحو قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي
أي
الجنة خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءٌ غَيْرَ يَجْذُونَ) (140) غير مقطوع. كما استدلوا من السنة بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس ويخلد ولا يموت ".
كما استدلوا على بقاء النار وأبديتها بقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ (141)، فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) (142)، خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدا كم
(144)
(143)
وَمَا هُم مِّنْهَا بِسُحرمِينَ)، وغير ذلك من الآيات. كما أن السنة تفيد المعنى نفسه من تخليد الكافرين في النار، فقد ورد بها ما يفيد خروج من قالوا لا إله إلا الله منها بعد تعذيبهم على ما اقترفوه من جرائم، وهو ما يفيد عدم خروج الكفار وتخليدهم في النيران، والا لتساووا مع
308 (1/308)
صفحة 294
الموحدين
(145)
وقال الأشاعرة أيضا بقول جمهور أهل السنة بأن الجنة
والنار مخلوقتان وأنهما لا يفنيان أبدا
(146)
قول الأباضية:
مكلف
ويقول الأباضية بوجوب اعتقاد كون الجنة والنار على كل (147)، إلا أنهم يختلفون فيما بينهم كما هو الاختلاف بين سائر المتكلمين: هل هما - الجنة والنار - مخلوقتان الآن، أم غير مخلوقتان وأنهما سيوجدان يوم الجزاء؟
واختلف الأباضية فيما بينهم حول الإجابة على هذا السؤال على
ثلاث فرق:
الفرقة الأولى: وهى تمثل جمهورهم - حسب رأى الشيخ السالمي - تذهب إلى أنهما - الجنة والنار - موجودتان الآن، واستدل القاتلون بهذا بقصة آدم وحواء عليهما السلام، وإسكانهما الجنة وإخراجهما منها بالزلة وعندهم: هذا دليل لا يمكن الجواب عنه لنص محكم الكتاب به ولتواتره ضرورة حتى عند من جحد النبوة، والقول بأن الجنة التي كانا فيها غير الجنة الموعود بها في الآخرة تحكم من قائله، إذ لا دليل عليه، والأخبار الصحيحة سالكة هذا المسلك، فإن كثيرا منها ما يدل على وجودهما الآن. كما استدلوا أيضاً بقوله تعالى: (أُعِدَّتْ الْمُتَّقِينَ) (148). • أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ)، بصيغة الماضي
(149)
(150)
والفرقة الثانية: وتمثل بعض الأباضية فقد ذهبوا إلى أنهما ليستا
مخلوقتين، إذ لا فائدة في خلقهما قبل يوم الجزاء.
والفرقة الثالثة: وتمثل أيضا البعض الآخر من الأباضية، الذين
يرون فقط ضرورة الإيمان بكون الجنة والنار سواء كانتا مخلوقتين
309 (1/309)
صفحة 295
الآن أم أنهما ستخلقان يوم الجزاء، يقول الجيطالي: " وجواب بعض أصابنا في ذلك: إن كانتا كانتا، وإن لم تكونا فستكونا، والجنة حق مع ما فيها من المأكول والمشروب والمنكوح والملبوس، وسائر الملاذ المحسوسة، وغير ذلك من المساكن الطيبة، وكذلك النار حق مع ما
فيها من أصناف العذاب من الزقوم والحميم، وسرابيل القطران والأنكال والأغلال، والغسلين وغير ذلك
(151).
ولقد وجدنا الجيطالي والشيخ عبد العزيز الثميني المصعبي وكذلك الشيخ السالمي، ومن تابعوهم ممن وقفنا على آثارهم أنهم من القائلين بقول الجمهور، وقد ذكر الجيطالي - وهو من الأباضية المغاربة - أنه وجد في بعض آثار الأباضية من أهل المشرق أنه روى عن الحسن أو غيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: الجنة مخلوقة، وهى في السماء، والنار مخلوقة، وهى في الأرض والله أعلم.
(152).
أما الشيخ السالمي فيفضل التوقف عن تعيين محل أو مكان الجنة والنار، وذلك لأنه يرى أنه لا دليل عنده على تعيين هذا المحل لا في الكتاب ولا في السنة، وإن كان يدعو نفسه ومن رأى رأيه ألا يقدح فيمن قالوا بالمحل، فربما يكونوا قد وقفوا على ما لم يوفق للوقوف عليه من الأدلة على تحديد المكان والمحل، هذا فضلا عن أنه يرى أن
عدم تديد المكان أو المحل لا يقدح ولا ينقص من الإيمان بوجود الجنة
والنار
(153)
310 (1/310)
صفحة 296
هوامش الفصل الرابع
1 - البقرة " 1 - 3 ".
2 - أنظر: الأشعرى: مقالات الإسلاميين ج 2 ص 147، الإبانة عن أصول الديانة ص 247، أبو الحسين الملطى: التنبيه والرد على أهل
الأهواء والبدع ص 99.
3 - غافر " 46 ".
-4
صحيح مسلم بشر النووى ج 17، ص) 200 - 201، دكتور محمد نعيم ياسين الإيمان: أركانه، حقيقته، نواقضه، مكتبة الفلاح،
الكويت 1403 هـ / 1983.
م، ص
5 - إبراهيم " 27 ".
107 - 106
6 - العسقلاني (الإمام أحمد بن على بن حجر): فتح البارى بشرح صحيح الإمام البخاري حديث رقم 1338، 1369، 1364، ج 3
ص
232.205
7 - غافر " 46 ".
8 - التوبة " 101 ".
آل عمران " 169 - 170 ".
10 أبو الحسن الأشعرى: الإبانة عن أصول الديانة ص
11 - غافر" 11 ".
249 - 248
12 - البقرة " 28 "، وانظر: تفسير الطبري ج 1، ص 418 وما بعدها
311 (1/311)
صفحة 297
13 - أبو العز الحنفى (صدر الدين على بن على بن محمد): شرح
العقيدة الطحاوية في العقيدة السلفية، ص.
14 - ابن حزم: الفصل ج 4 ص
15 - المصدر السابق ص
117
118
: 355 - 354
16 - طه " 55 ".
-17 - يقصد قوله تعالى: (رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ غافر / 11، وقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ
الآية البقرة / 28.
18 - البقرة " 242 ".
19 - البقرة "259".
20 - الزمر " 42 " والآية: اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ ثمتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
21 - المصدر السابق ص 118 - 119.
22 - غافر " 46: والآية: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)
23 - نوح " 25 " والآية: مِمَّا خَطيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ
يَجدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً.
24 - التوبة " 101 ".
25 - عبد العزيز الثميني المصعبي: معالم الدين ج 2،
، ص
173
312 (1/312)
صفحة 298
26 - إبراهيم " 27 ".
27 وقد أضاف صاحب " فتح البارى " في صفات الملكين: " وفي رواية ابن حبان يقال لهما منكر ونكير " زاد الطبراني في الأوسط من طريق أخرى عن أبى هريرة: أعينهما مثل قدوس النحاس، وأنيابهما مثل صياصى البقر وأصواتهما مثل الرعد "، ونحوه لعبد الرزاق من مرسل عمرو بن دينار وزاد " يحفران بأنيابهما ويمطان في أشعارهما معهما مرزبة لو اجتمع أهل منى لم يقلوها " وأورد ابن الجوزي في " الموضوعات " حديثا فيه " أن فيهم رومان وهو كبيرهم. وذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذين يسألان المذنب: منكر ونكير وان اسم اللذين يسألان المطيع مبشر وبشير " أنظر: أحمد بن على بن حجر: فتح الباري شرح
صحيح البخارى ج 3، ص
237
28 - آل عمران " 169 ".
-29 - أنظر: الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2، ص 105 وما
بعدها، الجيطالي: قناطر الخيرات ج 1، ص 245 - 246، الشيخ عبد العزيز المصعبي: معالم الدين ج 2، ص 171 وما
بعدها.
30 معالم الدين ج 2، ص 172.
-31 - وهو المأخوذ من قوله الله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ
قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ يس / 78 – 79.
313 (1/313)
صفحة 299
32 - الأعراف " 27 " والآية: (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِتَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ
أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ.
-33 - المصدر السابق ص 173.
34 - الحاقة " 15 - 18 ".
35 - الكهف " 48 ".
:
36 - د. محمد نعيم ياسين: الإيمان ص 129، وانظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج 11، ص 403.
37 - المصدر السابق، ص 403، وانظر: الكواشف الجلية في معاني الواسطية ص 478.
38 - المجادلة " 6 " والآية: (يَوْمَ يَبْعَتُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
39 - الإنشقاق " 7 - 8 ".
40 - المصدر السابق ص 477، وانظر الحديث في فتح البارى بشرح صحيح البخاري رقم 6536، 6537 ج 11، ص 400.
41 - سورة الزلزلة.
42 محمد على الصابوني: مختصر تفسير ابن كثير م 3، ص
43 فصلت " 19 - 22 ".
44 - الرعد " 18 ".
666
314 (1/314)
صفحة 300
45 - الفرقان " 23 ".
46 - الكهف " 105 ".
47 - النور " 39 ".
48 - الكواشف الجلية في معانى الواسطية ص
49 - د. محمد نعيم ياسين: الإيمان، ص
133
479 - 478
50 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 2، ص 110. 51 - الحجر "12".
52 - الجيطالي: قناطر الخيرات ج 1، ص 247 - 248.
53 - الشورى " 11 ".
54 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2، ص 11.
-55
يس " 65 ".
56 - أنظر: المصدر السابق ص 111 - 112.
57 - الأنبياء " 47 " والآية: (وَتَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى
بنا حاسبين.
58 - الأعراف " 8 ".
59 - القارعة " 6 - 9.
60 - الكهف " 105 ".
315 (1/315)
صفحة 301
61 - أنظر: شرح الطحاوية في العقيدة السلفية ص 371، الأشعرى:
مقالات الإسلاميين ج 2 ص
146
، الباقلاني: الإنصاف ص
52، البغدادي: الفرق بين لفرق ص 348، الشهرستاني: الملل والنحل ج 1،، ص 102، ابن حزم: الفصل، ج 4، ص 114.
62 - أبو جعفر الطحاوى: العقيدة الطحاوية، نشر محمد ناصر الألباني (ب. د) ص 35.
63 - الأشعري: مقالات الإسلاميين ج 2، ص
64 - شرح العقيدة الطحاوية ص 372.
146
65 ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 4 (مفصل
الاعتقاد) ص 302.
66 ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل ج 4، ص.
67 ابن حزم: المصدر السابق، ج 4، ص 114.
114
68 - ابن حجر العسقلاني: فتح البارئ بشرح صحيح البخارى ج 13، ص 538.
69 القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، تحقيق دكتور عبد
الكريم عثمان ص
:735
70 - أبو الحسن الأشعرى: مقالات الإسلاميين ج 2، ص
146
71 - أبو العز الحنفى: شرح الطحاوية في العقيدة السلفية
ص 273 - 274.
72 - المصدر السابق ص 274.
-73 - عبد العزيز الثمينى المصعبى: معالم الدين ج 2، ص
316
191 (1/316)
صفحة 302
74 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2، ص
75 - الجيطالي: قناطر الخيرات ج 1، ص 245.
125
76 - عبد العزيز الثمين المصعبي: معالم الدين ج 2، ص
77 - سيد قطب: ظلال القرآن ج 3، ص 1261.
191
78 أنظر: عاشور يوسف كسكاس: الميزان، بحث ضمن كتاب:
هذه مبادئنا ص
194 - 191
79 - شرح الطحاوية في العقيدة السلفية، ص
80 - مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 322.
369
81 - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة.
ص
737
82 - الحافظ بن حجر: فتح البارى بشرح صحيح البخاري ج 11 ص 445، وما ذكر هو من الحديث رقم 6573 من صحيح
البخاري.
83 - المصدر السابق ص 446
84 - المصدر السابق ص 454.
85 - المصدر السابق ص 352.
86 - شرح الطحاوية، ص
370 - 369
87 - الفاتحة " 6 - 7.
88 - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة.
89 - المصدر السابق ص 738.
317
ص
738 - 737 (1/317)
صفحة 303
90 - الملك "22".
91 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2، ص
92 - الشورى " 53 ".
93 - الفاتحة " 6 ".
94 - الصافات " 23 - 24 ".
95 - الجيطالي: قناطر الخيرات ج 1، ص 246.
128
96 - الشيخ عبد العزيز الثمينى المصعبي: معالم الدين ج 2، ص
190 -
97 - أنظر: الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2، ص 129
189
98 - أنظر: ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 4، ص 111، حسن زهدى الله: المعتزلة، ص 10.
99 - فاطر " 32 - 35 ".
100 آل عمران " 133 - 136 ".
101 - ابن تيمية: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 11 (التصوف)
ص 182 - 184
102 - ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 1 (توحيد الألوهية) ص 148، ج 3 (مجمل اعتقاد السلف ص
147
وانظر أيضا: ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل ج 4،
ص 113.
318 (1/318)
صفحة 304
103 ابن تيمية: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 1 (توحيد الألوهية)
ص 116، 317.
104 - المصدر السابق ص
105 - مريم " 87 ".
106 - طه " 109 ".
117
107 - سبأ "23".
108 البقرة 55.
109 - النجم " 26 ".
110 - ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل ج 4، ص 112.
111 - المدثر " 42 - 48 ".
112 - المدثر " 42 - 48 ".
113 - المصدر السابق ص
114 - الإسراء " 79 ".
150 - 149
، ص 118.
115 - الجيطالي: قناطر الخيرات ج 1، ص 248، وانظر أيضاً: الشيخ عبد العزيز الثميني المصعبي: معالم الدين ج 2،
ص 192، الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2، ص
116 - المصدر السابق ص 248.
135
117 - الشيخ عبد العزيز الثمينى المصعبي: معالم الدين ج 2، ص.192
118 - غافر 71 ".
319 (1/319)
صفحة 305
119 - أنظر د. عاشور يوسف كسكاس: الشفاعة، بحث ضمن كتاب هذه مبادئنا ص 176 - 177.
120 - سالم بن حمد بن سليمان الحارثي: العقود الفضية في أصول
الإباضية ص
287 - 286
121 - البقرة " 123 ".
122 - النساء " 123 ".
123 - محمد الغزالي: عقيدة المسلم، ص 253 نقلا عن: عاشور يوسف كسكاس: الشفاعة، بحث ضمن كتاب " هذه مبادئنا
" ص 180 - 181.
124 - النساء " 124 ".
125 - تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار ج 5 ص 435 وما بعدها، نقلا عن المصدر السابق ص 181 - 182.
126 - أنظر: تفسير ابن كثير ج 4 ص 557 وما بعدها، ابن الأثير الجزري: جامع الأصول في أحاديث الرسول ج 1 ص 461 وما
بعدها.
127 أنظر: الأشعرى: مقالات الإسلاميين ج 2 ص 147، والإبانة ص 246، البغدادي: الفرق بين الفرق ص 348، الباقلاني: الإنصاف ص 52، ابن تيمية: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 3 ص 146، ابن حزم الفصل ج 4، ص 115.
128 - القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة.
129 الجيطالي: قناطر الخيرات ج 1، ص
246
ص
734
320 (1/320)
صفحة 306
130 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 2، ص 122 - 123. 131 - السجدة " 17 "، وقد ورد ذكره في البخاري والموطأ والترمذي وانظر: ابن الأثير الجزرى: جامع الأصول في أحاديث الرسول ج 10، ص 494.
132 - وقد أخرجه البخارى ومسلم والموطأ والترمذي، وانظر: المصدر
السابق ج 10، ص 512
133 - أنظر: شرح الطحاوية ص 274 - 275.
134 أبو العز الحنفى: شرح الطحاوية في العقيدة السلفية ص.
135 - آل عمران " 133 ".
136 - الحديد " 21 ".
137 - آل عمران " 131 ".
138 - النبأ " 22 ".
139 - المصدر السابق ص
-140
هود " 108 ".
141 - المائدة " 37 ".
142 - النبأ " 30 ".
379 - 378
143 - النساء " 57" وفي آيات أخرى متعددة.
144 - الحجر " 48 ".
145 - المصدر السابق ص 383.
372
321 (1/321)
صفحة 307
146 - أنظر: أبو الحسن الأشعرى: مقالات الإسلاميين ج 2 ص 148،
149، ابن حزم: الفصل ج 4 ص
145 .. 141
147 - الجيطالي: قناطر الخيرات ج 1، ص 249.
148 - آل عمران " 133 ".
149 - البقرة " 24، 131 ".
150 - الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول، ج 2، ص 115، عبدالعزيز
الثمينى: معالم الدين ج 2، ص
197
151 - الجيطالي: قناطر الخيرات ج 1، ص)
152 - المصدر السابق ص 249.
250 - 249
153 - أنظر: الشيخ السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2،
ص 117 - 119.
322 (1/322)
صفحة 308
الخاتمة (1/323)
صفحة 309
في ختام هذه الدراسة نستطيع باطمئنان أن نقرر بأننا قد توصلنا
إلى النتائج التالية:
أن الأباضية فرقة إسلامية أصيلة ومستقلة تضرب في الأصالة عبر تاريخ الأمة الإسلامية منذ البدايات الأولى لظهور التفرق والاختلاف في الرأى بين المسلمين تستلهم آراءها من جابر بن زيد المولود عام 21 هـ والمؤسس الحقيقي لهذه الفرقة.
كما أنه لا علاقة للإباضية بالخوارج اللهم إلا العلاقة العامة،
مثلها في ذلك مثل غيرها من الفرق الإسلامية، قد تلتقى معها في بعض الآراء، وتختلف معها في البعض الآخر.
وكذلك كان شأنها مع المعتزلة، خاصة وأن الأباضية أقدم زمنيا
في الظهور من المعتزلة لانتسابهم كما ذكرنا إلى جابر بن زيد المولود عام 21 هـ، والمعاصر للحسن البصرى المولود عام 21 هـ، أستاذ واصل بن عطاء المولود عام 80 هـ، والمؤسس لمدرسة الإعتزال بعد ذلك. وهو الأمر الذي يتضح معه خطأ القول بأن الأباضية تتابع المعتزلة، وصحة الإستنتاج بأن علاقتها بالمعتزلة لا تعدو أيضا العلاقة العامة في الإسلام كفرقة اسلامية قد توافقها أو تخالفها في هذا الرأى أو ذلك.
كما نخرج من هذه الدراسة بموافقة الأباضية في رفضهم ما نسب إليهم من فرق سواء كان قد ورد ذكرها لدى كتاب المقالات من الأباضية، أو لدى كتاب المقالات من غير الأباضية، والحكم على كل منها بأحد الأحكام الثلاثة الآتية:
أ - إما أنها - أى هذه الفرقة أو تلك - لا تخرج بما نسب إليها من آراء من دائرة الإسلام، ولكن لا صلة لها بآرائها بالأباضية، ولا وجود
325 (1/325)
صفحة 310
لأبطالها عندهم، ومن ثم فعلاقاتها بالأباضية مثل علاقتها بسائر الفرق الإسلامية، قد تتفق معها وقد تختلف ولكنها في كل الأحوال ليست ضمن الأباضية.
ب أو أنها - أى هذه الفرقة أو تلك - تخرج بما نسب إليها من آراء من دائرة الإسلام تماما، وبالتالى فهى فرقة أو فرق غير إسلامية، ولا
علاقة لها بالأباضية، ولا بغيرها من سائر الفرق الإسلامية.
،
ج وإما أنها لا تقوم لها قائمة كفرقة إسلامية أو غير إسلامية، وذلك بسبب أن ما نسب إليها لا يعدو أن يكون مجرد خلاف في رأى، أو خروج على نظام قائم، يجب معاملة أصحابه معاملة الفرقة الباغية وكفى، وإما أنه لا وجود أساسا لمن نسب إليهم قيام هذه الفرقة أو تلك، وإنما هي امور متوهمة بقصد التشنيع على الأباضية، مما لا يعتد به ولا تقم له علاقة بهم على الإطلاق
هذا بالنسبة للنتائج التي توصلنا إليها من خلال ما قدمناه في القسم الأول من هذه الدراسة. وبالتأكيد لقد كان لذلك كله انعكاساتته على نتائج الدراسة في القسم الثاني المتعلق بآراء الأباضية العقدية، والذي توصلنا فيه إلى النتائج التالية:
بالنسبة لرأى الأباضية في التدليل على وجود الله، قد بان واضحا تماما اعتدادهم في منهجهم الذي ارتضوه، والذى اعتدوا فيه بالعقل دون أن يكون ذلك على حساب النقل. وترتيبا على هذا وجدناهم يشاركون الفلاسفة في تدليلهم على وجود الله تعالى بدليل الواجب والممكن، ولكن بعد أن يدللون على دوث العالم، وعلى أن الله تعالى في إيجاده للعالم فاعل مختار، وبذلك يخلصون الدليل مما وجه إليه من انتقادات
326 (1/326)
صفحة 311
تدور حول كونه يؤدى إلى القول بقدم العالم، وأن صدور العالم (الممكن) عن الله (الواجب) خاضع للضرورة ولا اختيار الله (واجب الوجود فيه، مما يتنافى مع التصور الإسلامي.
الله تعالى عن
كما يشاركون المتكلمين في التدليل على وجود طريق دليل الحدوث الذى يثبتون فيه حدوث العالم، وأن كل حادث لابد له من محدث ذلك المحدث هو الله تعالى. ودون الدخول في كثير من التفريعات التى فرعها المتكلمون على هذا الدليل.
كما يشاركون أيضاً المتكلمين والفلاسفة التدليل على وجود الله تعالى بالمسلك القرآني، من خلال تأكيدهم على تلك الآيات العديدة التي جاءت في القرآن الكريم، لتخاطب العقل في الإنسان، مؤكدة على ضرورة وجود الله تعالى الخالق المدبر، المبدع، والمنظم لهذا الكون، بما فيه من نظام وترتيب واتساق.
وهكذا نجد الأباضية يشاركون غيرهم في هذا المنحى دون أن
يجوروا على العقل، ولا يتعدوا الحدود التي رسمها النقل في هذا المجال.
وإذا انتقلنا إلى قولهم في الصفات نجدهم يثبتون لله تعالى جميع
الصفات والأسماء التي تليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى، وهم بهذا يوافقون أهل السنة ويخالفون النفاة والمعطلة الذين نفوا الصفات عن الله تعالى. أو عطلوا الذات عن الصفات، ولكنهم لا يقولون بصفات هي عين الذات ولا غير الذات، ولكنهم يذهبون إلى أن طبيعة ذاته تعالى تجعلها قادرة وعالمة ومريده وسميعه وبصيره ومتكلمه؛ بمعنى ينافي
الخرس، وهكذا بالنسبة لغير ذلك من الأسماء والصفات التي ورد ذكرها في الكتاب والسنة.
327 (1/327)
صفحة 312
وترتيباً على هذا كان قولهم بالنسبة لمسألة القرآن أو كلام
الله، فهم يثبتون لله تعالى صفة الكلام كصفة ذات بمعنى نفى الخرس عنه تعالى وهى قديمة قدم الذات، أما الكلام المكتوب أو المقروء أو المسموع في شكل حروف وأوراق ومداد وأصوات ...... الخ فهو مخلوق الأمر الذى لم يختلف عليه معهم لا سنى ولا معتزلى ولا أشعري، اللهم إلا إذا كان الاختلاف لفظيا.
وهو
وكذلك بالنسبة لمسألة الرؤية أى رؤية الله تعالى، فقد نفى الأباضية إمكان أن يكون الله مرئيا بالأبصار، على النحو الذي تكون فيه الرؤية المعهودة في العالم المشاهد، وبالشروط التي اشترطوها لتوفر الله
هذه الرؤية، وقد وافقوا في هذا المعتزلة نفيا للتجسيم والتشبيه عن ا تعالى، والمثبتون للرؤية أيضا لا يقرون التجسيم ولا التشبيه على الله تعالى، بل هم من أحرص الناس على تنزيه الله تعالى، عن التشبيه والتجسيم، ولكنهم يرون أنها رؤية ممكنة بلا كيف، وقد تكون أيضا بقوة أخرى يخلقها الله تعالى في البصر غير القوة المعهودة له في العالم المشاهد، كما قد تكون بحاسة أخرى غير حاسة البصر المهم أنهم أقروها اعتمادا على فهمهم لما وقفوا عليه من نصوص أو لاعتمادهم في ذلك على القول بأن الله قادر على أن يرينا نفسه، أو غير ذلك من أدلة ارتضوها كافية لإثبات إمكانية رؤية الله تعالى.
أما بالنسبة لقضية القدر أو أفعال العباد، فقد قال الأباضية فيه برأى خالفوا به المعتزلة، ذلك لأنهم ذهبوا - على خلاف المعتزلة الذين قالوا بأن العبد خالق لأفعاله - إلى أن الأفعال مخلوقة لله تعالى، لأنه سبحانه الخالق لكل شئ وبهذا وافقوا أهل السنة بالنسبة لهذه الجزئية. وإذا كانوا قد خالفوا القدرية والمعتزلة فهم أيضا قد خالفوا أيضا
328 (1/328)
صفحة 313
المجبرة الذين ذهبوا إلى أن العبد مجبر فيما ينسب إليه من أفعال فالأفعال كلها مقدرة عليه من قبل الله تعالى، وما هو إلا محل لهذه الأفعال. وقالوا - أى الأباضية - بأن الأفعال مخلوقة لله تعالى، مكتسبة للعباد، على نحو قريب مما قال به الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة.
أما من ناحية الحكم على أفعال العباد فقد ذهبوا بشأنها إلى أن الإنسان بكسبه للأفعال مسئول عما يترتب عليها من آثار، مستحق للثواب والعقاب. ومن ثم وقوفهم عند مرتكب الكبيرة، وكان حكمهم عليه، الذي ينقسم إلى قسمين: قسم يختص بالحكم على صاحبه في الدنيا من حيث التسمية، ومن حيث المعاملة، والقسم الآخر يتعلق بصاحبه في الآخرة إذا مات مصرا على كبيرته غير تائب عنها. فبالنسبة للحكم عليه في الدنيا فالأباضية يرون تسميته كافرا، ولكن ليس كفر شرك كما ذهب الخوارج، ورتبوا عليه ما رتبوا من معاملته معاملة المشركين، ولكن كفر نعمة، وهو اصطلاح يقترب من مسمى: الفسق، أو العصيان، أو النفاق، ذلك الذى لا يخرج صاحبه من الإيمان أو الإسلام، كما أضافوا إلى ذلك أمراً أخر إلى الحكم على مرتكب الكبيرة في الدنيا وهو ضرورة البراءة منه وعدم موالاته أو الدعاء له، بل والمخاشنة له في المعاملة حتى يتوب ويقلع عن معصيته، وهو ما يدخل في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا ما تاب وأقلع كان له وعليه ما لسائر المؤمنين من حقوق وواجبات، ومن بينها الموالاة والدعاء
وحسن المعاملة
أما فيما يتعلق بالحكم على مرتكب الكبيرة في الآخرة، فإن الأباضية يرون أن مرتكب الكبيرة إذا مات مصرا عليها، غير تائب
329 (1/329)
صفحة 314
عنها فإنه في هذه الحالة محكوم عليه بكفر الشرك، وهو مع المشركين في النار خالد مخلد فيها، وهم في هذا قد وافقوا المعتزلة والخوارج وخالفوا أهل السنة والمرجئة الذين علقوا ذلك على مشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه بقدر جريمته وأدخله الجنة أيضاً.
أما بالنسبة للسمعيات فالأباضية خلافا لجمهور المعتزلة، قد أقروا بوجوب الإيمان بجميع السمعيات من أمور الآخرة التي ورد ذكرها في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من نحو الإيمان بسؤال الملكين وعذاب القبر ونعيمه، والعرض والحساب، والميزان والصراط، والشفاعة، والجنة والنار. وإن كان الأباضية قد حاولوا تأويل البعض منها مما احتمل التأويل عندهم، مثل تأويلهم للميزان بالعدل، وتأويلهم للصراط بطريق الإسلام أو بالدين.
أما بالنسبة للشفاعة فالأباضية مع اقرار وجوب الإيمان بكونها في الآخرة، إلا أنهم قد خالفوا أهل السنة فجعلوها للمؤمنين فقط من أجل تخفيف هول يوم القيامة، والإسراع بإدخالهم منازلهم في الجنة، أو الحصول على منازل أعلى بين منازل الجنة أو نحو ذلك. ولم يجعلوها للكافرين أو أصحاب الكبائر الذين ماتوا عليها دون توبة. على خلاف
أهل السنة الذين ذهبوا إلى أن الشفاعة. يوم القيامة للعصاة ومرتكبى الكبائر من المسلمين.
هذه باختصار هي مجمل النتائج التي توصلنا إليها من هذه
الدراسة. والله أعلم.
330 (1/330)
صفحة 315
قائمة المصادر والمراجع (1/331)
صفحة 316
1 ابراهيم بيومى مدكور (دكتور): في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، جزآن، دار المعارف، مصر 1968 م، 1976 م.
2 - ابن الأثير الجزري الإمام مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد): جامع الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق عبد القادر الأرناؤطى، نشر رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض 1389 هـ / 1969 م.
3 - . ابن تيمية أبو العباس شيخ الإسلام أحمد: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية مجلدان، مطبعة الحكومة، مكة المكرمة 1392 هـ.
-4
-5
-6
-7
......... :: درء تعارض العقل والنقل تحقيق الدكتور محمد رشاد
سالم، 10 أجزاء، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الرياض 1399 هـ / 1979 م.
....... . . مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 1 (توحيد الإلوهية)، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدى الحنبلي، 10، دار العربية، بيروت
1398
هـ.
: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 2 (توحيد الربوبية) جمع وترتيب عبد الرحمن بن، محمد بن قاسم العاصمي
النجدي الحنبلي، ط 10، دار العربية، بيروت 1398 هـ.
......... . مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 3 (مجمل اعتقاد السلف) جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
هـ
العاصمي النجدى الحنبلي، ط 10، دار العربية، بيروت 1398 هـ
333 (1/333)
صفحة 317
: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج 5 (الأسماء والصفات - القسم الأول) جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدى الحنبلي، ط 10، دار العربية، بيروت
1398 هـ.
...........
مجموع فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية، ج 6 (الأسماء والصفات - (2) جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي النبلى، 10، دار العربية، بيروت 1398 هـ.
: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج/8 (كتاب القدر) جمع وترتيب عبد الرمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدى الحنبلي، ط 10، دار العربية، بيروت 1398 هـ.
......... مجموع فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية، ج/11 (التصوف) جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
العاصمي النجدي الحنبلي، ط 10، دار العربية، بيروت 1398 هـ
: مجموع فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية، ج/12 (القرآن كلام الله جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي، ط 10، دار العربية، بيروت 1398 هـ
: مجموع فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية، ج/19 أصول الفقه - (1) جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
العاصمي النجدي النبلى، ط 10، دار العربية، بيروت 1398 هـ.
-8
-9
-10
-11
-12
-13
14 - ابن الجوزى الحافظ الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن): نقد العلم والعلماء أو تلبيس إبليس، نشر إدارة الطباعة المنيرية
القاهرة (بد).
334 (1/334)
صفحة 318
15 - ابن حزم الإمام أبو محمد على بن أحمد): الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق دكتور محمد إبراهيم نصر، ودكتور
عبد الرحمن عميره، خمس أجزاء، دار الجيل، بيروت 1405 هـ
1985/
م.
16 - ابن رشد (أبو الوليد محمد بن أحمد) مناهج الأدلة في عقائد الملة تقديم وتحقيق دكتور محمود قاسم، مطبعة الأنجلو
المصرية، القاهرة 1955، م.
17 - ابن سينا (الشيخ الرئيس أبو على الحسين): النجاة ط 10 طبع محى الدين الكردى، مصر 1357 هـ / 1938 م.
18 - ابن عاشور: التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس (بدون تاريخ).
:
19 - ابن عسكر الدمشقى أبو القاسم على بن الحسن بن هبة الله: تبيين كذب المفترى فيما نسب إلى أبى الحسن الأشعرى، دار
الكتاب العربي، بيروت 1399 هـ / 1979 م.
20 - ابن القيم (شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر):
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، نشر
زكريا على يوسف، مطبعة الإمام القاهرة بدون تاريخ.
محمد
-21 - ابن القيم (ابن القيم الجوزية)، (شمس الدين أبو عبد الله بن أبي بكر: مختصر الصواعق المرسلة، مطبعة الإمام
القاهرة، 1380 هـ.
22 - ابن كثير (الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء اسماعيل) تفسير القرآن العظيم، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة (بدون تاريخ).
335 (1/335)
صفحة 319
23 - ابن المنير الاسكندرى المالكي ناصر الدين أحمد بن محمد): كتاب الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال على
اشية الكشاف للزمخشرى، دار الفكر، بيروت (بدون تاريخ).
24 أبو زهرة الشيخ محمد): تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي، بيروت (بدون تاريخ).
25 - أبو سعده (دكتور محمد حسيني: الخوارج في ميزان الفكر الإسلامي، دار أبو حربية للطباعة، القاهرة 1994. م.
-26 أبو العز النفى (قاضي القضاة صدر الدين على بن على بن محمد): شرح الطحاوية في العقيدة السلفية، تحقيق أحمد
شاكر، مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود ط 30،
الرياض 1405 هـ.
27 - أبو عمار عبد الكافى الأباضي، الموجز، جزآن، خرج أحاديثه، وعلق عليه دكتور عبد الرحمن عميرة، دار الجيل بيروت
1990/ 1410
28 - الأحمد نكرى القاضي عبد النبى بن عبد الرسول: جامع العلوم في اصطلاحات الفنون المعروف بدستور العلماء، 4
أجزاء، نشر مؤسسة الأعلى للمطبوعات، بيروت 1395 هـ /
1975 م.
29 - الاسفراييني أبو المظفر شاهنور بن طاهر بن محمد): التبصير
في الدين تخريج الشيخ محمد زاهد الكوثري، نشر محمد عزت العطار، مطبعة الأنوار، القاهرة 1940 م.
336 (1/336)
صفحة 320
30 - الأشعرى (أبو الحسن على بن إسماعيل): الإبانة عن أصول
الديانة، جزآن، تقديم وتحقيق دكتورة فوقية حسين محمود،
دار الأنصار القاهرة 1397 هـ / 1977.
..........
-31
م.
: كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، صححه
وقدم له دكتور حموده غرابة، مكتبة الخانجي القاهرة
1955 م.
32 اعوشت بكير بن سعيد: دراسات اسلامية في الأصول الإباضية ط 20، مطبعة الألوان الحديثة الرطبة، الجزائر (بدون
تاريخ).
الله الحسيني)
33 - الألوسي (أبو الثناء شهاب الدين محمود بن عبد روح المعانى 9 مجلدات نشر دار التراث العربي، القاهرة (بد).
34 - أمين (الأستاذ أحمد): فجر الإسلام، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1354 هـ / 1935.
م.
35 - أمين (الأستاذ أحمد): ضحى الإسلام - ثلاثة أجزاء، لجنة
-36
التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1351 هـ هـ / 1933
م.
ظهر الإسلام - أربعة أجزاء لجنة التأليف والترجمة
والنشر، القاهرة 1364 هـ / 1945 م.
37 - الأندلسي (محمود جمعة): رؤية الله، بحث ضمن كتاب: " هذه مبادئنا " مطابع النهضة، مسقط، عمان (بدون تاريخ).
38 - الباقلاني القاضي أبو بكر بن الطيب: الإنصاف فيما يجب
"
اعتقاده ولا يجوز الجهل به تقيق محمد زاهد بن الحسن
الكوثرى، ط 20 مؤسسة الخانجى القاهرة 1382 هـ / 1963 م.
337 (1/337)
صفحة 321
-39
-40
: التمهيد في الرد على الملدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة، تحقيق محمود محمد الخضيري ومحمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي القاهرة، 1366 هـ، 1947 م. بدوى (دكتور عبد الرحمن): مذاهب الإسلاميين، جزآن دار العلم للملايين، بيروت 1971، 1973 م.
41 - البغدادى الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي):
كتاب أصول الدين، نشر مدرسة الإلهيات باستانبول، ط 10،
استانبول تركيا 1346 هـ / 1928 م.
-42
: الفرق بين الفرق تحقيق محمد محى الدين عبد
الحميد، نشر مكتبة محمد على صبيح، مصر (بدون تاريخ).
43 التيواجنى مهنى عمر: الناحية المنهجية: بحث ضمن كتاب: "هذه مبادئنا "، مطابع النهضة مسقط عمان (بدون تاريخ).
44 جار الله زهدى حسن: المعتزلة، مطبعة مصر، القاهرة،
1947/ 1366
1 م.
45 جولد تسيهر (أجناس): العقيدة والشريعة في الاسلام: ترجمة
دكتور محمد يوسف موسى وآخرين، دار الكتب الحديثة،
مصر 1378 هـ / 1959
م.
46 - الجويني (عبد الملك، امام الحرمين: الإرشاد إلى قواطع الأدلة،
-47
مطبعة السعادة، القاهرة، 1950
م.
: العقيدة النظامية في الأركان الاسلامية تقديم وتحقيق
الدكتور احمد جازى السقا، مكتبة الكليات الأزهرية،
القاهرة 1399 هـ / 1979 م.
338 (1/338)
صفحة 322
-48
: لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة، تقديم
وتحقيق دكتورة فوقية حسين محمود الدار المصرية للتأليف
والترجمة والنشر، القاهرة 1385 هـ / 1965.
م
49 - الجيطالي النفوسى ابو طاهر اسماعيل بن موسى): قناطر
الخيرات، نشر وزارة التراث القومى والثقافة، عمان 1403 هـ /
1983
م.
50 - الحارثى سالم بن حمد بن سليمان: العقود الفضية في أصول الإباضية نشر وزارة التراث القومى والثقافة، عمان 1403 هـ /
-51
1983 م.
حمود اليحمدى بدر بن هلال): الأدلة المرضية في دحض ما نسب إلى الإباضية، مطابع النهضة، مسقط، عمان 1409 هـ /
1988 م. 52 - خليفات (دكتور عوض محمد: الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، وزارة التراث القومى والثقافة، عمان (بدون تاريخ). 53 - الخليلى الشيخ أحمد بن حمد: الحق الدامغ، مطابع النهضة، مسقط، عمان 1409 هـ.
54 - الدرجينى (أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني): طبقات المشايخ بالمغرب، جزآن تحقيق ابراهيم طلاى، مطبعة البعث،
قسنطينة، الجزائر 1974 م.
55 - دى بور الأستاذ ت. ج): تاريخ الفلسفة في الاسلام، ترجمة دكتور محمد عبد الهادي ابو ريدة، ط 40، نشر لجنة التأليف
والترجمة والنشر، القاهرة 1377 هـ، 1957.
م.
339 (1/339)
صفحة 323
56 الرازي فخر الدين محمد بن عمر الخطيب).: أساس التقديس في
علم الكلام، نشر مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1354 هـ
1935 /
-57
-58
-59
م.
........ . اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، مراجعة وتحرير
دكت
ــور على سامى النشار، دار الكتب العلمية، بيروت
1982/ 1402
م.
......... : محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.
1404 هـ / 1984 م.
: المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق طه جابر فياض
العلواني، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض 1399 هـ / 1979 م.
60 - الربيع بن حبيب (الإمام الأزدى البصرى: الجامع الصحيح، طبع المطبعة السلفية، القاهرة 1349 هـ.
61 - زايد (عزة محمد عبد المنعم: رؤية الله تعالى بين المثبتين والنافين، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان 1980 م.
62 - الزركان محمد صال): فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية، دار الفكر، بيروت 1383 هـ / 1963،
م.
63 - الزمخشري (أبو القاسم جار الله محمود بن عمر): الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، دار الفكر، بيروت (بدون
تاريخ
340 (1/340)
صفحة 324
64 - السالمان (عبد العزيز المحمد): الكواشف الجلية عن معاني
الواسطية، ط 40، الرياض (بد).
65 - السالمي (أبو محمد عبد الله بن حميد مشارق أنوار العقول صحه وعلق عليه سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، وحققه دكتور عبد الرحمن عميرة، جزآن، دار الجيل، بيروت 1409
هـ / 1989 م.
66 السيابي سالم بن حمود بن شامس طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة
عمان 1400 هـ / 1980 م.
67 - الشهرستاني (أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد): الملل والنحل، جزآن تحقيق محمد سيد كيلاني، نشر مصطفى
-68
الحلبي، مصر
1967/ 1387
......... : نهاية الإقدام في علم الكلام، حرره وصححه الفرد
جيوم، مكتبة المثنى، بغداد (بدون تاريخ).
69 - الشافعي (الدكتور حسن محمود: المدخل إلى دراسة علم الكلام مكتبة، وهبة القاهرة 1411 هـ / 1991 م.
70 - الصابوني (محمد) (على): مختصر تفسير ابن كثير، دار القرآن الكريم، بيروت 1402 هـ / 1981.
م.
71 - الطالبي (دكتور عمار) آراء الخوارج: نشر المكتب المصرى
الحديث للطباعة والنشر، الاسكندرية، 1971 م.
341 (1/341)
صفحة 325
72 - الطبرى أبو جعفر محمد بن جرير: جامع البيان عن تأويل أى القرآن، المعروف بتفسير الطبري، تحقيق محمود شاكر، دار
المعارف، مصر 1374.
73 - طعيمه (دكتور صابر) الإباضية عقيدة ومذهبا، دار الجيل بيروت، 1406 هـ / 1986 م.
-74
: دراسات في الفرق الشيعة - النصيرية – الباطنية -
الصوفية - الخوارج مكتبة المعارف، الرياض، 1401 هـ /
1981 م.
75 - عبد الجبار الهمذاني (القاضي): شرح الأصول الخمسة، تحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة 1384 هـ
-76
/ 1965 م.
: المحيط بالتكليف، جمع الحسن بن أحمد بن متويه
تحقيق عمر عزمى الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر
القاهرة (بدون تاريخ).
77 - عبد الجبار (القاضي): المغنى في أبواب التوحيد والعدل ج 4 (رؤية البارى)، تحقيق د. محمد مصطفى حلمى، ودكتور أبو الوفا الغنيمي التفتازانى، نشر الدار المصرية للتأليف والترجمة
-78
القاهرة (بدون تاريخ).
: المغنى في أبواب التوحيد والعدل ج 6 - القسم الأول التعديل والتجوير) تحقيق أحمد فؤاد الأهواني، القسم الثاني (الإرادة) تحقيق الأب جورج قنواتى الدار المصرية للتأليف
والترجمة، القاهرة (بدون تاريخ).
342 (1/342)
صفحة 326
-79
-80
: المغنى في أبواب التويد والعدل ج 7 (خلق القرآن)، قوم
نصه ابراهيم الابيارى نشر وارة الثقافة والارشاد القومى القاهرة 1380 هـ / 1961 م.
: المغنى في أبواب التوحيد والعدل ج 8 (المخلوق) تحقيق
دكتور توفيق الطويل، سعيد زايد، نشر وزارة الثقافة والارشاد
القومى، القاهرة بدون تاريخ.
81 - عبد الرازق الشيخ مصطفى): تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ط 20 لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1379 هـ /
1959 م م.
82 - عبده الشيخ (محمد): تفسير المنار طبه دار المنار – القاهرة (بدون
تاريخ).
83 - عثمان (دكتور عبد الكريم قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الهمذاني دار العربية، بيروت 1386 هـ / 1976 م ..
84 - العراقي (دكتور محمد عاطف): ثورة العقل في الفلسفة العربية، ط 30، دار المعارف، القاهرة 1976 م.
-85
.......... : النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد دار المعارف،
القاهرة 1968 م.
86 - العسقلاني الإمام احمد بن على بن حجر): فتح البارى بشرح صحيح البخارى نشر ادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة
والارشاد، الرياض 1379 هـ.
87 - عطية الله (أحمد): القاموس الاسلامى، خمس مجلدات، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1383 هـ
1963/
343 (1/343)
صفحة 327
1966/ 1386
1976
1390
م،
1400 هـ / 1980 م
م.
هـ
1970 /
م،
1396
88 غرابة (دكتور (حمودة: الأشعرى الهيئة العامة لشئون المطابع
الأميرية، القاهرة 1393 هـ / 1973 م.
89 - الغزالي أبو حامد (محمد) الاقتصاد في الاعتقاد، نشر مكتبة الحسين التجارية، القاهرة (بدون تاريخ).
-90
-91
: قواعد العقائد، إعداد رءوف شلبي، موسى محمد
على نشر مجمع البحوث الاسلامية، مصر) 1390 هـ/ 1970 م.
: المنقذ من الضلال، تعليق وتصحيح محمد محمد
جابر، مكتبة الجندى، مصر (بدون تاريخ).
92 - فلهوزن (يوليوس): الخوارج والشيعة، ترجمة دكتور عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1968 م.
93 - الفندى (دكتور محمد ثابت: الله والعالم والصة بينهما عند ابن سينا ونصيب الوثنية منها. بحث ضمن: الكتاب الذهبي
للمهرجان الألفي لذكر ابن سينا، بغداد (20 - 28 مارس 1952 م) مطبعة مصر القاهرة 1952 م.
94 كسكاس (عاشور يوسف: الميزان، بحث ضمن كتاب " هذه
-95
مبادئنا " مطابع النهضة، مسقط، عمان (بدون تاريخ).
: " الشفاعة، بحث ضمن كتاب " هذه مبادئنا " مطابع
النهضة، مسقط، عمان (بدون تاريخ).
96 الماتريدي (أبو منصور محمد بن محمد بن محمود): كتاب التوحيد، تحقيق وتقديم دكتور فتح الله خليف، دار المشرق،
بيروت 1986.م.
344 (1/344)
صفحة 328
97 - المصعبي الشيخ عبد العزيز بن ابراهيم الثميني) معالم الدين جزآن، نشر وزارة التراث القومى والثقافة، عمان 1407 هـ /
:
1986
98 - معروف (دكتور نايف: الخوارج في العصر الأموى ط 20 دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 1401 هـ
1981 /
م
99 - معمر (على يحيى): الإباضية بين الفرق الإسلامية – جزآن، نشر
-100
-101
وزارة التراث القومى والثقافة، عمان 1406 هـ / 1986 م.
الإباضية، مكتبة وهبة، القاهرة 1964. م.
: الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الأولى في نشأة
: الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الرابعة - الإباضية في الجزائر، مكتبة وهبة، القاهرة 1399 هـ
/
1979
102 - الملطى الشافعي (أبو الحسن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن): التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، مكتبة المثنى، بغداد 1388 هـ / 1968 م -103 النجار دكتور عامر): الإباضية
ومدى صلتها بالخوارج دار المعارف، القاهرة 1993 م.
104 النسفى أبو المعين): بحر الكلام في علم التوحيد، مصر
-105
1340 هـ / 1921 م.
: التمهيد في أصول الدين تحقيق وتقديم دكتور
عبد الحي قابيل، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القالهرة 1407 هـ
345
?
1987 / (1/345)
صفحة 329
106 - نلينو (كارلو ألفونسو) بحوث في المعتزلة، ترجمة دكتور عبد الرحمن بدوي، ضمن كتابه " التراث اليوناني في الحضارة
الإسلامية " دار النهضة العربية، القاهرة 1965.
م.
107 - هويدى (دكتور يحيى): تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية - الجزء الأول - في الشمال الأفريقي، مكتبة النهضة
المصرية، القاهرة 1966 م.
108 - الورجلاني (أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم): الدليل والبرهان
1306:
طبعة حجر، القاهرة 5
هد.
109 - ياسين (محمد) (نعيم: الإيمان - أركانه، حقيقته، نواقضه،
مكتبة الفلاح، الكويت 1403 هـ
346
1983 /
م (1/346)
صفحة 330
رقم الصفحة
فهرس الموضوعات
مقدمة:
الموضوع
القسم الأول
الأباضية الأصل والنشأة
الفصل الأول: نشأة الأباضية
الاسم والتسمية
الأباضية والفرق الإسلامية
الفصل الثاني - الأباضية والخوارج
ماذا تعنى كلمة خوارج
الثورية والخارجية
النتيجة: الأباضية ليسوا خوارج الفصل الثالث: الأباضية والمعتزلة
الفصل الرابع: الفرق المنسوبة إلى الأباضية
ورأيهم فيها
أولاً: فرق الأباضية عند كتاب المقالات من
الأباضية
1 - النكارية
2 - الحسينية
3 - السكاكية
4 - النفاثية
5 - الفرثية
6 - الخلفية
ثانياً: فرق الأباضية عند كتاب المقالات من غير
347
الأباضية (1/347)
صفحة 331
الموضوع
1 - الحفصية
2 - اليزيدية
3 - الارثية
-4 - القول بطاعة لا يراد الله بها
8 - 5 - الابراهيمية والميمونية والواقفية
والبيهسية
القسم الثاني
رقم الصفحة
الأصول العقدية عند الأباضية
معرفة الله
مجمل العقيدة
الفصل الأول: التدليل على وجود الله
أولاً
: مسلك الفلاسفة (الواجب - الممكن)
قول الأباضية
ثانياً: مسلك المتكلمين (دليل الحدوث)
أولاً: إثبات الأعراض
ثانياً: إثبات حدوث الأعراض
ثالثاً: عدم تعرى الأجسام عن الأعراض
رابعاً
: إثبات المحدث أو الصانع
قول الأباضية
موقف السلفيين من هذا الاستدلال
ثانيا: مسلك القرآن الكريم
قول الأباضية
الفصل الثاني: الصفات الألهية (1/348)
صفحة 332
الموضوع
صفات الذات وصفات الفعل
الصفات الخبرية
المؤولون للصفات الخبرية
قول الأباضية في الصفات الخبرية وجه الله
رقم الصفحة
114
الاستواء على العرش
العين
اليد
الأصبع
الساق - القدم - الرجل
جنب الله
المجيئ والإتيان
مشكلة خلق القرآن
قول الأباضية في كلام الله
مشكلة الرؤية
رؤية الله تعالى
قول مثبتي الرؤية
قول نفاة رؤية الله تعالى
قول الأباضية في نفى رؤية الله بالأبصار
التدليل على استحالة رؤية الله تعالى
التدليل العقلى على نفى الرؤية
التدليل النقلى على نفى الرؤية
الفصل الثالث: أفعال العباد (1/349)
صفحة 333
الموضوع
رقم الصفحة
قول الأباضية
الحكم على أفعال العباد
الكبائر والصغائر
حكم مرتكب الكبيرة
قول الأباضية
الأباضية والفرق الأخرى في حكمهم على
مرتكبى الكبائر
الأباضية والخوارج
الأباضية والمعتزلة
الأباضية وأهل السنة والأشاعرة
الفصل الرابع: السمعيات
أولاً: سؤال الملكين وعذاب القبر ونعيمه
قول الأباضية
ثانياً: العرض والحسباب
قول الأباضية
ثالثاً
: الميزان
قول الأباضية
رابعاً: الصراط
قول الأباضية
خامساً
: الشفاعة
قول الأباضية
سادساً
: الحوض
قول الأباضية (1/350)
صفحة 334
الموضوع
رقم الصفحة
306
309
323
331
347
351
سابعاً: الجنة والنار قول الأباضية
الخاتمة
قائمة المصادر والمراجع فهرس الموضوعات
- (1/351)
صفحة 335
بحمد الله
رقم الإيداع: 2013/ 24345 الترقيم الدولى: 7 - 090 - 735 - 977 - 978
مع تحيات
دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر
تليفاكس: 5404480 - الإسكندرية (1/352)