صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: عقيدة - تاريخ - دراسات عن الإباضية
------------------------------------------
العنوان: الإباضية أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
المؤلف: طارق ساسي الشيباني
تقديم: عبد العزيز بن عثمان التويجري
الناشر: منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة إيسيسكو
مكان النشر: الرباط - المغرب
تاريخ النشر: 1434ه/ 2013م
الطبعة: د.ط
ردمك: 978-9981-26-584-4
الإيداع القانوني: 2013/2590
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5171&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/729
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 19 جمادى الآخرة 1446ه/ 21 - شهر 12 - 2024م. الإباضية
أصولها وأعلامها وأثرها
في التقريب بين المذاهب الإسلامية
تأليف
أ. طارق ساسي الشيباني
منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة - إيسيسكو ـ 1434 هـ/2013 م (1/1)
صفحة 2
رقم الإيداع القانوني: 2013 M 02590
ردمك: 4 - 584 - 26 - 9981 - 978 التصفيف والتوضيب والسحب في الإيسيسكو
الرباط - المملكة المغربية (1/2)
صفحة 3
تقديم
يهدف برنامج التقريب بين المذاهب الإسلامية، الذي تعتمده المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة في جميع خطط العمل الثلاثية المتعاقبة و تواصل تنفيذه عبر المجلس الاستشاري الأعلى للتقريب بين المذاهب الإسلامية الذي يعمل في إطارها، إلى تقوية لحمة الوحدة الثقافية بين المسلمين، وإلى إزالة أسباب الفرقة والتشرذم ورواسب الخلافات الناتجة عن سوء الفهم المتراكم للاختلاف المذهبي، وذلك في إطار (استراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية التي وضعتها وصادق عليها مؤتمر القمة الإسلامي العاشر في ماليزيا سنة 2003 م.
وتتخذ المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة من نشر ثقافة التقريب وإشاعة روح الأخوة الإسلامية التي تعمق أواصر القربى وتقيم جسور التلاقي والتقارب، وسيلة ضمن عدة وسائل لتحقيق الأهداف النبيلة التي حددتها الاستراتيجية الموماً إليها. ويدخل نشر الكتب التعريفية بالمذاهب الإسلامية، بأسلوب مبسط وبمنهجية علمية محكمة، في نطاق الجهود المبذولة من أجل أن يكون التقريب بين المذاهب الإسلامية تقاربا حقيقيا بين المسلمين كافة، واقتراباً من المنابع الصافية التي تنبثق منها قيم الأخوة الإسلامية.
ويعد هذا الكتاب الذي صنفه الباحث الأستاذ طارق ساسي الشيباني حول الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب (1/5)
صفحة 4
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
الإسلامية)، مثالاً للجهد العلمى المخلص الذي يبذل من أجل تعزيز الوعي السليم بأهمية تبادل المعرفة بين أتباع المذاهب الإسلامية، وبضرورة نشر الحقائق الساطعة والمعلومات الصحيحة الموثقة من المصادر الأصلية المعتمدة لدى أتباع هذه المذاهب. فقد استهل المؤلف كتابه بتوطئة عامة مفيدة، قبل أن يعمد إلى تفصيل الحديث حول المذهب من خلال ثلاثة محاور رئيسة هي: التعريف بنشأة المذهب، وأصول المذهب وأبرز مصادره وأعلامه تعريفا مركزا جامعا، وروح التقريب في المذهب الإباضي من خلال مبادئه.
ووضع المؤلف نصب عينيه هدفًا رئيسًا هو التعريف بالمذهب الإباضي وأهم مصادره وأصوله وأعلامه والتقريب بين المذاهب المبني على حقائق علمية، والتوثيق للمعلومة المقدمة. وهو الأمر الذي وفق المؤلف في تحقيقه على النحو الذي صحح كثيرًا من المعلومات عن المذهب الإباضي، وأزال الغموض الذي كان يلف بعض المفاهيم الوارد في عدد من المراجع التي تعرضت لهذا المذهب.
ويقدم لنا هذا الكتاب صورة إجمالية للمذهب الإباضي باعتباره مذهبًا إسلامياً أصيلاً تصدَّر المذاهب الإسلامية في نشأته على يد التابعي الجليل جابر بن زيد المتوفى سنة 93 هجرية على أرجح الأقوال. ويبين لنا المصنف كيف أن التسمية المتداولة الآن (الإباضية) لم تكن معروفة في بداية النشأة، وإنما جاءت التسمية بعد ذلك بزمن نسبة إلى عبد الله بن إباض، أحد الأعلام المشهورين عند الإباضية المتوفى سنة 86 هجرية.
ثم يخلص المؤلف إلى نتيجة جامعة عامة مفادها أن المدرسة الإباضية لا تختلف عن المدارس الفقهية الأخرى إلا في مسائل معدودة في الفقه لا يعد الخلاف فيها خلافا في الأصول وهي النتيجة التي تؤكدها (1/6)
صفحة 5
توطئة
7
المؤلفات العلمية المعتمدة في أصول المذهب الإباضي من مختلف العصور. وبذلك يكون هذا الكتاب الذي تنشره المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، يستجيب للأهداف التي تعمل لها، ويقدم الخلاصة الوافية لأحد المذاهب الإسلامية التي يتجاوب صفوة علمائها في هذا العصر مع سياسة التقريب، ويعملون مخلصين من أجل أن يكون التقريب جامعا للمسلمين على كلمة سواء.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري
المدير العام للمنظمة الإسلامية
للتربية والعلوم والثقافة (1/7)
صفحة 6
توطئة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد؛
فقد تنامي الاهتمام بموضوع التقريب بين المذاهب، وأخذت تمتد مكانته في بعض المؤسسات العلمية وعند ثلة من العلماء، وأصبحت الأصوات تتعالى في سبيل وحدة الأمة الإسلامية على اختلاف مذاهبها، ضد عدوها المشترك، الذي يسعى بكل وسائله لهدم الإسلام، وبخاصة أن هناك سمات مشتركة بين شعوبها توحد الأمة الإسلامية أكثر مما تفرّق، بينما نجد في دول أخرى غير مسلمة - غربية وغيرها - ليس فيها هذه الخصائص، رغم ما كان بينها من عداء وحروب لا يزال ماثلاً في أذهان شعوبها، هذا اتحدت واتَّخَذَتْ طريق العيش المشترك منهجاً بينها.
ومع
ومن بين المؤسسات التي حملت لواء التقريب بين المذاهب الإسلامية المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة في مسعى حثيث منها لتوحيد صف المسلمين على اختلاف انتماءاتهم المذهبية، وبخاصة أن القاسم المشترك لهذه المذاهب الإسلامية هو الكتاب والسنة، وإن اختلفت في فهم نصوص هذين المصدرين هذا الاختلاف المحمود الذي وقع من الصحابة (رضي الله عنهم) في حياة النبي وأقر كلا الفريقين على فهمه - يمثل أساساً للاختلاف المبنى على أصول صحيحة، وإن اختلفت اجتهادات الناس بعد ذلك. (1/9)
صفحة 7
10
10
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
أنه
ومن بين المذاهب الفقهية التي عُرفت في التاريخ الإسلامي المذهب الإباضي، وإمامه جابر بن زَيْد (رحمه الله)، وكان للمذهب الإباضي دور كبير في إغناء الحضارة الإسلامية في جزء من العالم الإسلامي وما يزال، ولكن جنى عليه التعصب السياسي والمذهبي فعَمِطَ حَقَّه على مر التاريخ، خلا فترات قليلة التقط فيها أنفاسه ومن الجناية عليه أنْ أصبحَ يُصَنَّف ضمن فئة الخوارج - مع بعيد كل البعد عن مسلك هذه الفرقة - وتبعاً لذلك صارت تُلْصَقُ بهذه المدرسة الفقهية ما يُلَصَق بالخوارج ومن سار على منهجهم، من السلب، والقتل، وغير ذلك، مما يُخْرِجُ من اتصف ببعضها من الملة الإسلامية. فإذا حاول من يَنْتَسِبُ إلى المدرسة الإباضية دَفْعَ هذه التهم بأن كتب الإباضية التي سَلِمَتْ من عوادي الزمان، وما أكثرها - لا يوجد فيها هذه الطامات، لا تجد أذنًا مُصْغِيَةً، فإِنَّ مَنْ كتب هذه الآراء ولم يعتمد فيها على مصادر إباضية ارتفع إلى مصاف المعصوم، وصار محاولة الدفاع من المنتسب للمذهب كأنها شبه لا شيء، فالحكم قد صدر، والدفاع لا يفيد أو إذا قلت: إن ما تذكره بعض المصادر الإباضية هو رأي لبعض أفراد لا يمثل المذهب الإباضي، وإنما يمثل رأي صاحبه، وقد يكون مخطئاً، أو هو قول مرجوح، كما هو موجود في بقية المذاهب الإسلامية، فكأنما تنفخ في رماد.
من
لهذا كله عندما طلب مني الكتابة عن فقه هذه المدرسة للتعريف بها، لتنفيذ الخطة التي رسمتها منظمة (الإيسيسكو) للتقريب بين المذاهب الإسلامية - سارعت لتلبية الطلب، وإن كنتُ أرى أن هناك من هو أقدر مني علماء المذهب على الكتابة في هذا الموضوع، ولكن لعله ينالني أجر بقراءة هذا الكتيب، ومن ثم فإن ما أسطره فى هذه الورقات إنما استفدته من كتب شيوخي وعلمهم، ولو كان شيخنا على يحيى معمّر (رحمه الله) حيًّا، لكان بالكتابة في هذا الموضوع، فما سأكتبه إنما هو مأخوذ في عُظمه من أولى مني كتبه التي تدعو إلى التقارب بين مختلف المذاهب الإسلامية؛ التي ترجع في (1/10)
صفحة 8
توطئة
11
استنباط أحكامها إلى المصدرين الأساسين: كتاب الله، الذي لا يَأْتِيهِ
البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت: 42)،
وسنة رسوله الثابتة الصحيحة.
وقد قسَمْتُ الكتيب إلى ثلاثة محاور:
المحور الأول: التعريف بنشأة المذهب.
المحور الثاني: أصول المذهب، وأبرز مصادره وأعلامه. المحور الثالث: روح التقريب في هذا المذهب من خلال مبادئه.
ويهدف هذا الكتيب ـ كما ورد في بيان الإيسيسكو - إلى: 1. التعريف بالمذهب الإباضي، وأهم مصادره وأصوله وأعلامه. 2. التقريب بين المذاهب المبني على حقائق علمية.
3. التوثيق للمعلومة المقدمة رغبة في إمداد المستزيد بمصادر إضافية موثوقة.
والله أسأل أن يوفقنا للسداد في القول والعمل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وَإِنْ كَانَ خَرْقُ فَادَّرِكْهُ بِفَضْلَةٍ
مِنَ الحِلْمِ وَلْيُصْلِحْهُ مَنْ جَادَ مِقْوَلاً (1)
طارق ساسي الشيباني رباط الفتح المغرب الأقصى محرم 1431 هـ، الموافق 2009/ 12 م
(1) من الشاطبية. (1/11)
صفحة 9
تمهيد
في التعريف بالمذهب ونشأته
الإباضية مذهب إسلامي أصيل تصدر المذاهب الإسلامية في نشأته، وكان ذلك على يدي التابعي الجليل جابر بن زيد المولود نحو 18 هـ، والمتوفى سنة 93 هـ، على أرجح الأقوال، وكل المذاهب الأخرى نشأت بعد ذلك، فزَيْدُ بنُ عَلِيِّ ولد سنة 79 هـ، وتوفي سنة 122 هـ، وجعفر الصادق ولد سنة 80 هـ، وتوفي سنة 148 هـ، وأبو حنيفة ولد سنة 80 هـ، وتوفي سنة 150 هـ، ومالك ولد سنة 93 هـ، وتوفي سنة 179 هـ، والشافعي وُلِد سنة 150 هـ وتوفي سنة 204 هـ، وأحمد ابن حنْبَل وُلِد سنة 164 هـ، وتوفي سنة 241 هـ، رحمهم الله تعالى أجمعين.
ولم تكن هذه التسمية المتداولة الآن الإباضية معروفة في بداية النشأة، بل كانوا يُسَمُّون أنفسهم آنذاك بـ «أهل الدعوة» و «أهل الحق» و «أهل الاستقامة» و «جماعة المسلمين»)، وإنما عُرفوا» بـ «الإباضية بعد ذلك بزمن نسبة إلى «عبد الله بن إباض أحد الأعلام المشهورين عند الإباضية (المتوفى نحو سنة 86 هـ)، بسبب المراسلات والمناقشات الطويلة التي كانت بين عبد الله بن إباض وعبد الملك بن مروان، ولنَقْدِهِ الحكم الأموي؛ عندما ابتعد عن نهج الخلفاء الراشدين، ولمواقفه الجَدَلِيَّة ضدّ الخوارج، بحيث ظهر عند عامة الناس أنه الزعيم المنافح عن هذه الفرقة.
(1) أخذاً من قوله تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قبل (سورة الحج، آية 76). (1/13)
صفحة 10
14
14
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
فهذه النسبة غير قياسية، ولكن الإباضية ارتضوا هذه التسمية عندما رأوا أن هذه التسمية لا منقصة فيها ولا طَعْن فَقَبلُوها، وشاعت عند الخاص والعام، وتداولتها الكتابات والألسن على مر التاريخ بعد ذلك. يقول السالمي في نظمه كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة:
إِنَّ الْمُخَالِفِينَ قَدْ سَمَّونَا بِذَاكَ غَيْرَ أَنَّنَا رَضِينَا
وَأَصْلُهُ أَنَّ فَتَى إِبَاضِ
كَانَ مُحَامِيًّا لَنَا وَمَاضِي
بل ذهب بعض المعاصرين إلى أنَّ الأولى أنْ تُسَمَّى «الجابرية» نسبة إلى مؤسسها الحقيقي (2)
ولم يرد هذا المصطلح في مصادر المذهب قبل الربع الأخير من القرن الثالث الهجري، ولعل أول كتاب مِنْ كُتُب الإباضية ظهرت فيه هذه التسمية هو «أصول الدينونة الصافية» الذي ألفه أبو حَفْص عَمْرُوس بن فَتْح النَّفُوسِى المتوفى سنة 283 هـ (3)، وكانت هذه الطائفة تُسَمَّى أيضا بـ «القعدة» لأنها قعدت ـ في زعمهم - عن نصرتهم في وجه الظُّلمة، ولكن عبد
أن
الله
(4)
من
قبل
الخوارج، الله بن إباض (رحمه الله أبى الخروج معهم بالسيف، وقال قولته المشهورة بعد سمع الأذان يرفع في المساجد: «أَ عَنْ هؤلاء أَخْرج!»، وقال: «إنَّا براء إلى من [نافع] بن الأزرق وصنيعه وأتباعه، لقد كان ـ حين خرج ـ على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنَّهُ أَحْدَثَ وارْتَدَّ وكَفَرَ بعد إسلامه، فنبرأ إلى الله منهم عرفت إذا أن الشخصية التي كان لها دور سياسي بارز في نصرة المذهب الإباضي وعُرفَتْ به هو عبد الله بن إباض، وأن جابر بن زيد هو إمام
(2) محمد نعيم في كتابه القانون) في عقائد الفرق والمذاهب الإسلامية)، ص 364. (3) طبعته وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان سنة 1999.
(4) الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات، ص 155 و 156.
(5) الجواهر المنتقاة للبرادي، ص 165. (1/14)
صفحة 11
تمهيد في التعريف بالمذهب ونشأته
15
المذهب ومن أرسى قواعده، ولكنَّ العالِمَ الذي شيد بنيان المذهب، وبعث الدعاة، وأسهم إسهاماً فعالاً في نشر المذهب وفقهه، هو العالم الجليل أبو عُبَيْدة مُسْلِم بن أبي كَرِيمة التَّمِيمِيِّ المتوفى سنة 145 هـ (رحمه الله)، ففي حياته أرسلَ سَلَمَةَ بن سَعْد (6) إلى إفريقية لنشر المذهب الإباضي، فجاء هو وعكرمة مولى ابن عباس يتعاقبان جملاً واحداً - كما تذكر المصادر الإباضية - سَلَمَةُ يدعو إلى الإباضية، وعِكْرمةُ يدعو لمذهب الصُّفْرية).
و
ولعل من آثار دعوة سَلَمة بن سَعْد هذه تَوَجّه محمد بن عبد الحميد بن
معْطِير الجنّاونِي النَّفُوسِي) إلى البصرة لتلقي العلم.
ثم تلاه أربعة من المغاربة سنة 135 هـ، وهم: أبو المنيب إسماعيل بن درار الغدامسي من ليبيا، وعبد الرحمن بن رُسُتُم من القيروان (1)، وعاصم السدراتي)، وأبو داود القبلي النَّفْزَاوي (12)، وعادوا سنة 140 هـ إلى بلاد المغرب ومعهم خامس هو: أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني، عُرِفوا فيما بعد في المصادر الإباضية باسم «حملة العلم الخمسة
(13)
إلى المغرب».
كما أن هناك طلبة من الحجاز واليمن وعُمان درسوا في البصرة ورجعوا بعد ذلك وهم: بشير بن المُنْذِرِ النَّزْواني، ومُنير بن النَّيِّرِ الجَعْلاني الرِّيامي،
(6) وقيل: سلمة بن سعيد وقيل: سلامة بن سعيد.
(7) طبقات المشايخ بالمغرب للدرجيني 11/ 1، وانظر سير أعلام النبلاء 21/ 5.
(8) توفي بعد 160 هـ. معجم أعلام الإباضية 385/ 2. (9) كان حياً سنة 211 هـ معجم أعلام الإباضية 55/ 2.
(10) توفي 171 هـ. معجم أعلام الإباضية 246/ 2. (11) توفي بعد 141 هـ معجم أعلام الإباضية 239/ 2. (12) كان حياً سنة 140 هـ. معجم أعلام الإباضية 139/ 2.
(13) توفي 144 هـ. معجم أعلام الإباضية 242/ 2. (1/15)
صفحة 12
16
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
وموسى بن أبي جابر الأزكوي، وأبو سفيان محبوب بن الرحيل، ومحمد بن المعلى الكِنْدِي، وعُرف هؤلاء بـ «حملة العلم إلى المشرق)
(14)
انتشرت الإباضية - بفضل هذه الجهود التي قام بها أبو عبيدة ـ فشملت بلاد المغرب والمشرق، ونشأت ثلاث إمامات بموافقته ومباركته، كإمامة طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي في حضرموت واليمن (129 - 132 هـ)، والجلندى بن مسعود في عُمان (132 - 134 هـ)، وأبي الخطاب عبد الأعلى بن السَّمْح المعافري بإفريقية (140 - 144 هـ)، وتوسع انتشارها حتى وصل الإباضية إلى خُراسان والأندلس وزنجبار وبلاد السند.
وقامت الدولة الرَّسْتُمُيّة بتيهرت في جنوب المغرب الأوسط (الجزائر حالياً) سنة 160 هـ، وإمامها عبد الرحمن بن رُستُم الفارسي - أحد حملة العلم إلى المغرب - وبقيت إلى سنة 296 هـ، وكانت تحكم من حدود طرابلس إلى حدود المغرب الأقصى، ثم انتهت هذه الدولة عقب سقوطها على يد أبي عبد الله الفاطمي داعية الفاطميين العبيديين الشيعة.
ثم أخذ ينحسر انتشار الإباضية شيئاً فشيئاً بسبب التضييق والحروب والصراع المذهبي من الدول المتعاقبة: الأموية والعباسية والعبيدية والموحدية، وغيرها مِنْ بَعْدُ، وبقي انتشارهم بَعْدُ، وبقي انتشارهم الآن في ليبيا، وتونس، والجزائر، وعُمان، وزنجبار (تنزانيا حالياً)، وغانة، ومالي، وجُلُّ من ينتسب إلى المذهب الإباضي في شمال إفريقيا من البربر.
- عُمان:
أغلب سكان عُمان اليوم على المذهب الإباضي، وهو المذهب الرسمي للدولة، وقد استمر أتباع المذهب في تولي أمورهم بأنفسهم منذ قيام إمامة
(14) السير للشماخي، 237/ 1 و 238، وأشعة من الفقه الإسلامي، التيواجني، ص 91. (1/16)
صفحة 13
تمهيد في التعريف بالمذهب ونشأته
17
مستقلة لهم عن الحكم الأموي إلى الآن، ومن أبرز علمائهم ابن بركة البهلوي صاحب «الجامع»، ونور الدين السالمي مؤلف طلعة الشمس» في أصول الفقه.
ليبيا:
أتباع المذهب الإباضي في ليبيا ينتشرون الآن في «زوارة» الواقعة على الساحل الشمالي، وفي جبل نفوسة في الجنوب الغربي من العاصمة طرابلس، وكان لهم دور كبير في نصرة المذهب الإباضي على مر التاريخ وهم يعيشون الآن مع إخوانهم من أتباع المذهب المالكي ـ المذهب السائد ـ في صفاء ووئام. ومن فقهائهم: أبو العباس الشماخي صاحب «مختصر العدل والإنصاف» و «شرحه، وأبو ساكن الشمّاخي صاحب كتاب «الإيضاح»، والحيطالي صاحب كتاب «قواعد الإسلام».
- تونس:
ظلت تونس في غالبها على المذهب الإباضي ردحاً من الزمن، ثم انحسر المذهب الإباضي فلم يبق اليوم إلا في جزيرة جربة. ومن فقهائها أبو عبد الله محمد بن عمر السدويكشي، المعروف بالمحشي، (المتوفى سنة 1088 هـ) لكثرة حواشيه على أمهات كتب الإباضية، منها «حاشية على مسند الربيع بن الحبيب بترتيب الوارجلاني، في الحديث، وهي المعروفة بـ «حاشية الترتيب طبعت في وزارة التراث القومي والثقافة بعمان.
- الجزائر: تأسست في المغرب الأوسط (الجزائر حالياً) دولة للإباضية سنة 160 هـ، تتابع عليها ستة أئمة اشتهرت باسم الدولة الرُّسْتُمِيّة، وكان غالب أهلها من الإباضية، وعاشت فى أمن ورخاء زهاء أكثر من قرن، وازدهرت، وعم التعليم، وعمرت المساجد ودور العلم، ثم سقطت الدولة سنة 296 هـ، فصار المذهب ينقص شيئاً فشيئاً، وبقي بها في جنوب الجزائر في وارجلان (1/17)
صفحة 14
18
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها فى التقريب بين المذاهب الإسلامية
ووادي ميزاب وما زال المذهب هناك يعج بالحركة العلمية، وما زال «نظام العزابة (15) معمولاً به في أماكن انتشار الإباضية في الجزائر، ومن أشهر علمائها الوارجلاني صاحب العدل والإنصاف في أصول الفقه، وقطب الأئمة امحمد بن يوسف اطفيش صاحب المؤلفات العديدة، ومنها «شرح كتاب النيل وشفاء العليل».
و الله
وليس هناك من قاسم مشترك ألبتة بين الخوارج والإباضية، سوى رفضهم للتحكيم فيما جرى بين الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاوية بن أبي سفيان مع اعترافهم بأن الحق مع الإمام علي بن أبي طالب. وقد استقر في الأعصر المتأخرة الكفّ عما دار بينهما، وأن الله سيحاسب كلا بعمله فيما شجر بينهما ولا نخوض فيه: تِلكَ أُمَّة قَد خَلَت لَهَا مَا كَسَبَت وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلا تُسئلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (البقرة: آية 134) وينبغي الالتزام بقول عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه، الشهير: «تلك دِمَاء طَهَّرَ الله مِنْهَا أيدينا فَيَجِبُ أَنْ نُنَزِّه عنها أَلْسِنَتَنَا» (16).
نسأل الله أن يحشرنا مع الصحابة الكرام البررة، في أعلى عليين في
جنة النعيم.
الشاغلة
(15) العزابة: مفرده عزابي، مشتق من عَزَب عن الشيء تركه وانصرف عنه، واستعير لمن بعد عن الأمور الدنيوية عن الآخرة. وعرفه الدرجيني بأنه كل من لازم الطريق وطلب العلم، وصاحب أهل الخير، وحافظ عليها، وعمل بها، ولهذا الصنف سمات انفردوا بها، وأحوال عُرفوا بها، وذلك في تسميتهم و وخطابهم، ومؤاكلتهم ولباسهم، وأوقات نومهم وقيامهم وأورادهم، وصيامهم، وعبادتهم، وعندهم في ذلك قوانين يعتادونها، وحدود لا يتجاوزنها. معجم. مصطلحات الإباضية 698/ 2 وما بعدها. ولا تعني العزابة الانقطاع عن الدنيا والتبتل ـ كما فهم منها البعض - بل من شرطه أن يكون متزوجاً، وكان المصطلح أولاً يطلق على تلاميذ حلقة العلم، ثم اقتصر على شيوخ الحلقة بعد ذلك.
(16) انظر إلى كتاب التعاريتي «المسلك المحمود في معرفة الردود»، طبع سنة 1331 هـ، وكتابات الشيخ محمد اطفيش أيضا ومنها رسالة «النقد الجليل للعتب «الجميل» طبعت سنة 1924 م، ومحاضرة الشيخ بيوض التي
طبعت في كتيب باسم «فضل الصحابة والرضا عنهم، والفصل الذي كتبه الشيخ علي يحيى معمر
في
كتابه الماتع «الإباضية بين الفرق الإسلامية» بعنوان: (رأي الإباضية في الصحابة)، من ص 246 إلى 257. (1/18)
صفحة 15
أصول المذهب الإباضي
تستوقف القارئ لكتب الفرق والمذاهب، آراء غريبة تُنْقَل عن المذهب الإباضي؛ وذلك لجهل الناس بهذه الفرقة في السابق، ولكن الذي يُستغرب أكثر هو حدوثه من الكتاب المعاصرين الذين احتكوا عن قرب بأتباع هذه المدرسة، وما ذلك إلا بسبب اعتمادهم على مصادر غير إباضية، وهذا خلل في المنهج يعرفه كلُّ من تَدَرَّج في العلم، فمن أراد المعين الصافي عليه أن ينهل من مصدر الماء، ولا يتبع السَّوَاقي والتُّرَع، وكما هو معروف في علم الحديث أنه كلما طال السندُ زَادَ الخَلَلُ. ولذلك سأعرض للمصادر التي اعتمدها الإباضية فى كتبهم ونصّوا عليها، حتى لا تبقى شبهة نحوهم، ولا تشكيك في كونهم منضوين تحت حظيرة الإسلام الكبرى.
يعتمد الإباضية في إثبات الأحكام؛ المصادر نفسها التي ارتضاها جمهور المسلمين متمثلة فى النقل والعقل، وتحت كل صنف أدلة متعددة، وبعضها مختلف في تصنيفها هل هي عقلية أو نقلية. وتقسيمها بين أصلية
وتبعية، وإليك تفصيلها.
أولاً: المصادر الأصلية:
اتفقت الإباضية على اعتماد المصادر الأصلية للأحكام التي ارتضاها جمهور المسلمين وهي: الكتاب والسنة والإجماع، والقياس، ولكنهم قد يطلقون على (الإجماع، والقياس) كلمة (الرأي)، ولذلك يظن من لا دراية له بهذا أن الإباضية ينكرون الإجماع، وليس هذا بصحيح. (1/19)
صفحة 16
20
20
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
يقول ابنُ بَرَكَة: «حُجَجُ الله التي تُعْرَفُ بها الأحكام: في الكتاب،
والسنة، واتفاق الأمة، وحجة العقل».
ويقول العوتبي: «الأصول: ما جاء في كتاب الله، والسنة، والإجماع. فما وجد في هذه الثلاثة فهو أصل، وما لم يوجد فهو فرع. ويقاس عليهن ما لم يذكر في أحدها» (2).
والأصول كلها ترجع في نهايتها إلى كتاب الله تعالى، يقول الكدمي: ثبت إجازة الرأي [يعني القياس من الإجماع ومن السنة ومن الكتاب وثبت الإجماع من الكتاب والسنة، وثبتت السنة من الكتاب وثبت الكتاب عن الله تعالى لا شك في ذلك ... ولا ريب» (3).
المصدر الأول: القرآن الكريم:
القرآن الكريم كلام الله هو الأصل الأول وإليه ترجع كل الأصول، من أنكر شيئاً منه ـ ولو أنكر حرفاً - كفر وارتد، وخلع ربقة الإسلام. ثابت بطريق التواتر، معجز في نظمه منزَّلُ على النبي، بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام، يبتدئ بـ «الفاتحة» وينتهي بسورة «الناس».
يقول الكُدَمي: ولا ريب أنه كله مُنْزَل من رب العالمين، نَزَل به الرُّوحُ الأمين جبريلُ - أمينُ ربِّ العلمين - من الكتاب المحفوظ، على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، وأنّ مبين، وأن جميع ذلك عن الله تبارك وتعالى
رب العالمين».
(1) التعارف لابن بر
كة،
ص 6.
(2) الضياء للعوتبي، 10/ 3، وانظر المعتبر للكدمي، 13/ 1 و 14.
(3) المعتبر للكدمي، 18/ 1.
(4) المعتبر، 18/ 1 و 19. (1/20)
صفحة 17
أصول المذهب الإباضي
ويقول نور الدين السالمي في تعريف القرآن في منظومته: أما الكِتابُ فهو نَظْمُ نَزَلا على نبينَا وَعَنْهُ نُقِلا
21
تَوَاتُرًا وكان في إنْزَالِهِ إعجاز مَنْ نَاوَاهُ فِي أَحْوَالِهِ (5) وأما ما عدا ذلك مما حدث بعد القرون الأولى - خير القرون ـ في قضية
خَلْق القرآن، فقد كان المسلمون فى غِنى عنه، وبخاصة أنه لم يرد عن المعصوم ما يفصل في القضية، فكان عليهم أن يكتفوا بالثابت مما اتفقوا عليه، ويتركوا ما سوى ذلك مما لن يصلوا فيه إلى حلّ قاطع في الدنيا، وأن يكتفوا بذلك، ولا يتعدوا إلى التكفير والتبديع، والتفسيق والتجريح، مما نال المسلمين منه بلاء كبير، وقد نال شيء منه حافظ الدنيا الإمام البخاري، وأصبحت هذه القضية - على رغم كونها من فضول العلم - سهماً يُرمى به المحدثين في وجه من لم يقل بقولهم. ولذلك قال الشَّوْكَانِي: «مسألة الخلاف في كلام الله سبحانه وإن طالت ذيولها، وتفرّق الناس فيها فرقًا، وامتحن بها من امتحن من أهل العلم، وظنَّ مَنْ ظَنّ أنها من أعظم مسائل أصول الدين؛ ليس لها كثير فائدة، بل هي من فضول العلم، ولهذا صان الله سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم عن التكلم فيها».
عند
(5) شمس الأصول، ص 8.
(6) يمكن تقسيم رأي الإباضية في هذه المسألة - مع إجماعهم أن القرآن كلام الله - إلى عدة آراء، ملخصها في ثلاثة أقوال:
الأول: يرى أ: يرى أن القرآن مخلوق. وعلى هذا جل إباضية المغرب، وجمهورهم فيما بعد. الثاني: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وهو قول ابن النظر في كتابه الدعائم، وأيده شارحه ابن وصاف في كتابه الحل والإصابة. وهو قول بعض إباضية المشرق منهم الشيخ البسيوي.
يسع
جهله).
الثالث: لم يصل فيها إلى رأي حاسم فتوقف، وقال إن هذا (مما انظر (الجامع) للبسيوي 452/ 1 وما بعدها، ودراسات عن الإباضية، ص 182 و 183 و 184، والحق الدامغ، ص 137 وما بعدها، ومنهج الاجتهاد عند الإباضية، هامش ص 169. (7) إرشاد الفحول، 95/ 1 (طبع دار الفضيلة، الرياض)، وانظر أيضاً كلام ابن قتيبة في كتابه (الاختلاف في ا والرد على الجهمية والمشبهة ص 9 (تحقيق الكوثري).
اللفظ (1/21)
صفحة 18
222
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
المصدر الثاني: السنة النبوية:
تأتي السنة في المرتبة الثانية من حيث حجيتها عند الإباضية، منها ما ومنها ما هو ثابت النسبة إلى رسول الله بصفته البشرية، وقصة
النبي صلى الله عليه وسلم في تأبير النخل، وقوله بعد ذلك: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» (8) شاهد على ذلك، وأمثلته كثيرة.
وما كان وَحيًا فهو وَحْيُ مِنَ الله سبحانه تعالى لنبيه، ولكنه وَحْي غيرُ مَتْلُو، وغير مُتَعَبَّد بتلاوته، ولا تصح الصلاة به. ومن حيثُ ثبوتها، فليست في مستوى واحد، فمنها المقبول ومنها المردود، والمقبول على درجات، ولم يأت عن أحد الإباضية إنكار السُّنَّةِ، لا عند المتقدمين ولا عند المتأخرين.
يقول الكُدّمي: (وأما ثبوت السنة من كتاب الله فمن ذلك قوله تبارك وتعالى: وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا (9)، وكثير من الآي من كتاب الله تبارك وتعالى يشهد بمثل هذا ويدل عليه، ولا
ينكر معنى هذا أحد من أهل القبلة» (10)
ولم يأتِ تحديد اصطلاحي لمصطلح «السُّنّة» في كتب المتقدمين من الإباضية (11)، لاعتنائهم بالجانب العملي أكثر، وإن وَرَدَ لفظ «السُنَّة» عندهم، كقول أبي المُنْذِرِ في المُحْرِم: «والسنة المجتمع عليها: لا يغطّ الرجل رأسه، وإن نَسِيَ وغَطَّى، جَهَرَ بالتلبية ونَزَع ... (12). وكقول ابن وَصاف: «والسنة في الجمعة أربع خصال: الغُسْلُ، ومس الطيب، والبُكُور، والإنصات إلى الخطبة.
(( ... )
(8) مسلم کتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره من معايش الدنيا.
(9)
سور
الحشر، آية 7.
(10) المعتبر للكدمي المطبوع، 14/ 1 و 15. والمخطوط،10، ونقلاً عن منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 187. (11) منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 184. (12) كتاب المحاربة - خ، صفحة 4 و) لأبي المنذر بشير بن محمد القرن 3 هـ)، نقلاً عن منهج الاجتهاد عند
الإباضية، ص 185. (1/22)
صفحة 19
أصول المذهب الإباضي
23
والصلاة على الميت سنة من سنن الإسلام وصلاة العيدين سنة من سنن
الإسلام» (13)
وقد بدأ الاهتمام بالمصطلح بارزا بعد القرن السادس، وقد عرف السالمي «السنة» في الاصطلاح بأنها: ما صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام غير القرآن من قول أو فعل، أو تقرير. وفي ذلك يقول:
السُّنَّةُ القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ والفِعْلُ والتَّقْرِيرُ للمَفْعُول (14)
ولاعتماد الإباضيةِ السُّنَّةَ حُجَّةً في الاستدلال، رَدَّ عَبْدُ العزيز قَوْلَ جابر بن زيد في فتواه أن حيازة الأرض تثبت بمرور عشرين سَنَةٌ إِذا لم يَدَّعها أحدٌ لنفسه؛ لأنَّهُ مخالف لحديث النبى الله الذي فيه أن مدة الحيازة عشر سنين فقط، وهو الحديث الذي رواه الربيع بن حبيب في مسنده عن أبي عُبَيْدة، عن جابر، عن ابن عباس، عن النبي قال: «مَنْ حَازَ أَرْضاً وَعَمَرَهَا عَشْرَ سِنِينَ وَالْخَصْمُ حَاضِرٌ لا يُغَيِّرُ وَلَا يُنْكِرُ فَهِيَ لِلَّذِي حَازَهَا وَعَمَرَهَا، وَلاَ حُجَّةَ لِلْخَصْمِ فيها (15)، فقال ابن عبد العزيز: ما قاله النبي فهو حَقٌّ، والسُّنَّةُ أحقُّ بأن تُتَّبع إذا كانت سُنَّةً مِنَ النبي. وأما القياس فلا ينبغي أَنْ يُبْطِلَ الحَقُّ تَقادُمَهُ، والحقُّ قديم لا يبطله تقادمه
(16)
وقد أتى ابن بركة بعبارة متينة تثبت ما كان عليه الإباضية من اتباعهم للسُّنَّةِ، فقد أَوْرَدَ رأيَ الإباضية في المستحاضة التي لا ينقطع دمها كيف تفعل؟ فقال أصحابنا: إنها تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلاً. «والذي ذهب إليه أصحابنا أنظر من قول مخالفينا ... » الذين أوجبوا على المستحاضة
(13) الحل والإصابة شرح كتاب الدعائم 92/ 1 و، نقلاً عن منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 185. (14) طلعة الشمس شرح شمس الأصول، 5/ 2.
(15) مسند الربيع بن حبيب كتاب الأحكام، ص 951، حديث 601.
(16) المدونة الكبرى تحقيق باجو، 152/ 2، ومنهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 190 و 191. (1/23)
صفحة 20
24
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
أن تغتسل لكل صلاة على انفراد، قال: «لأنه بالسُّنَّةِ أشبه. على أنَّا إِنْ سَلّمْنا الطعن في خَبَر عائشة من طريق النظر، والجمع للمسافر وَجَبَ باتفاق لمشقة السفر والمستحاضة أولى بذلك؛ لأنَّ المشقة عليها في حال استحاضتها أعظم»، ثم أعقب ذلك قائلاً: وإن كان خبر عائشة صحيحا، فالتسليم للسُّنَّةِ أَوْلَى مِنَ النَّظَرِ، ولا حَظِّ للنظَرِ معَ وُجُودِ السُّنَّةِ (7).
واعتماد الإباضية على نصوص السنة النبوية، يعنى اعتماد من جاء بها من الصحابة الكرام البررة، وهم الواسطة الذين نقلوا لنا أقوال نبينا وأفعاله وتقريراته، ولذلك قال أبو عبيدة مُسلم بن أبي كَرِيمَة: «من لم يكن له أستاذ من الصحابة فليس على شيء من الدين، وقد مَنَّ الله علينا بعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وهم الراسخون في العلم، فعلى آثارهم اقتفينا وعلى سيرتهم اعتمدنا، وعلى مناهجهم سلكنا والحمد لله
المصدر الثالث: الإجماع:
(18)
يتبوأ الإجماع المرتبة الثالثة من حيث حجيته عند الإباضية، يقول الكُدَمِيّ: «الحق كله إنما يُدرك من كتاب الله تبارك وتعالى، أو سُنَّةِ رسوله، أو إجماع المحقين من أمة محمد الله، أو حُجَّةِ العقل مما وافق فيه الأمة» هذه الأصول الثلاثة؛ كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع المحقين من
(19)
والدليل على أن الإجماع من أصول التشريع - كما يقول الكدمي. قوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران، آية (11).
(17) الجامع لابن بركة، 237/ 2.
(18) مسائل أبي عبيدة ـ خ، 18 ظ/19
(19) المعتبر، 13/ 1.
و. (1/24)
صفحة 21
أصول المذهب الإباضي
25
وقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةً يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ المُنكَرِ} (آل عمران، آية 104).
وقوله تعالى: {وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس (الحج، من الآية 78).
وقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمرِ مِنكُمْ)
النساء من الآية (59) (20).
خَلُص
وقد تَطَوّر تعريف مصطلح الإجماع عند الإباضية (21)،، حتى تعريفه لدى المتأخرين إلى أن الإجماع: اتفاق مجتهدي أمة محمد بعد
وفاته، في عصر من الأعصار، على أمر من الأمور)
قال السالمي في «شمسه»:
(22)
إجماعُنَا اتفاق أهلِ العِلْمِ مِنَّا عَلى بَيانِ نَوْعِ حُكْم كما إذا اتفقت أقوالهم عليه أو تواطأت أفعالهم
وقد قسم الأصوليون الإجماع إلى نوعين:
الأول: الإجماع القولي: وهو ما فيه اتفاق أقوالهم أو تواطؤ أفعالهم
على شيء واحد. وهذا إذا كملت شروطه، دلالته قطعية، يفسّق من خالفها
(23) ,
والنوع الثاني: الإجماع السكوتي: وهو ما فيه قولُ بعضهم، أو عمله مع سكوتِ الباقين عليه بعد انتشار ذلك فيهم، ومع القدرة على إنكاره.
(20) المعتبر، 15/ 1.
(21) منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 249 وما بعدها.
(22) شامل الأصل والفرع،91، وطلعة الشمس شرح شمس الأصول، 252/ 2.
(23) طلعة الشمس شرح شمس الأصول، 106/ 2، ومنهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 255، وينظر العدل والإنصاف للوارجلاني، 258/ 2. (1/25)
صفحة 22
26
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
وجمهور الإباضية على اعتباره حجة، وأما دلالته فظنية، فهو كأخبار الآحاد
يوجب العمل ولا يفيد العلم
(25)
يقول السالمي:
(24)
وَسَمِّهِ القَطْعِيُّ - أعني السابقا وتارك القطعي صار فاسقا وبالسكوتي فَسم الثاني وَأَبْقِ مَنْ خالف في الإيمانِ لكنّه يوجب نفس العمل ظنا كما في خبَرِ المُعَدَّلِ ولا يكون إجماع أهل المدينة ـ كما يرى مالك ـ حُجَّةً، لأنهم بعضُ أُمَّةٍ، ولا إجماع أهل البيت خاصة، كذلك (26). يقول نور الدين السالمي في شمس الأصول (27):
فليس إجماعُ ذَوِي المَدينَةِ عند خلافِ غيرِهِمْ بِحُجَّةِ كذاك أيضاً أهلُ بيت المصطفى كذا الخليفتان أي: والخُلَفَا
المصدر الرابع: القياس:
من
الأصول التي اتفق عليها جمهور الأصوليين دليل القياس، وكان لأئمة الإباضية الأوائل بعض الخلاف في مشروعية هذا الدليل في أول الأمر، وكان أبو عبيدة مسلم بن أبي كَرِيمَةَ من أوائل الإباضية الذين لهم موقف متشدد من القياس، واعتبره قولاً بخلاف الكتاب والسنة والآثار، وأيَّدَهُ تلميذه مَحْبُوب بن الرَّحَيْل فقال: «ليس في دين المسلمين قياس، هو كتاب وسُنَّة
20
(24) طلعة الشمس شرح شمس الأصول، 106/ 2 و 511، وينظر العدل والإنصاف للوارجلاني، 258/ 2.
(25) شمس الأصول مع شرحها، 104/ 2.
(26) مختصر العدل والإنصاف، ص 45.
(27) شمس الأصول مع شرحها، 124/ 2، وانظر مختصر العدل والإنصاف، ص 45. (1/26)
صفحة 23
أصول المذهب الإباضي
27
وآثار المسلمين تُتَّبَعُ ويُؤخَذُ بها ويُقْتَدَى ... وكان أبو عُبَيْدَةً يقول: من ذهب في القياس ذهب في التُّرَّهَاتِ» (28). وقد ذهب إلى ذلك أيضاً الربيع بن حبيب تلميذ أبي عبيدة، وجماعة ممن عُرفوا بالتزامهم الشديد بالأثر.
وقد حسم الخلاف بعد القرن الثالث في مسألة القياس، وأنه ثابت بالشرع كسائر الأدلة، وهو جائز عقلاً (29). ويمكن حمل كلام أبي عبيدة وتلميذه محبوب وغيرهما على أنهم ينكرون القياس إذا خالف النص، أو لم يوافقه من القياس: فالقياس المعتبر ما كان مبنياً على أصل ولم يخالف ما تَقَرَّرَ في في الأصول. فارتفع (الإشكال))
(30)
ويُوجهُ الشيخ أحمد الخليلي ما ورد من حكاية الاختلاف عنهم أن ذلك محصور في مواطن محددة، فإنَّ أبا عُبيدة عَوّل على قياس العِلّة وقياس الشَّبَهِ
في فروعه الفقهية
(31) ..
ونجد استعمال القياس وارداً على لسان أئمة الإباضية الأوائل، وفى «المدونة «الكبرى نماذج لعمل الإباضية الأوائل بالقياس، منها: «أن السنة في سجدتي السهو أنهما واجبتان في الفريضة، وفي القياس التطوع مثله؛ لأن فرض الحج وتطوّعه سواء فيما يضيّع أهله» (32).
(28) الضياء للعوتبي، 263. وجاءت فيه لفظة تُرّهَات محرفة إلى نزهات - بالنون والزاي ـ في جميع مواضعها، وصواب عبارة العوتبي: والترهات الأحاديث الكاذبة، الوحدةُ: تُرهَةٌ، وقولهم: جَاءَنَا بِتُرَّهَاتِ البَسَابِسِ، أَي: جَاءَنَا بِالكَذِبِ ... وَالبَسَابِسُ: الأَرْضُ الخَالِيَةُ الَّتِي لَيَس فِيهَا شَيْءٌ. وانظر لسان العرب (تره) 480/ 13. (29) منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 302 و 314.
(30) دراسات عن الإباضية، ص 146، ومقدمة المحقق باجو لمدونة أبي غانم الخراساني، 47/ 1. (31) تصحيح نبهني عليه الشيخ أحمد الخليلي المفتى العام لسلطنة عُمان، حفظه الله، وانظر منهج الاجتهاد
عند الإباضية، ص 311.
(32) المدونة الكبرى تحقيق باجو، 312/ 1، وانظر منهج الاجتهاد عند الإباضية للأستاذ مصطفى باجو، فقد ذكر أمثلة لأخذ الإباضية بالقياس من ص 352 إلى 383، فجزاه الله خيراً فقد كفى ووفّى. (1/27)
صفحة 24
28
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
(33)
وممن قال بالقياس أيضاً من المتقدمين ابنُ بَرَكة (المتوفى في القرن الرابع) واعتبره من مصادر الأحكام التي لم يرد بها نص من كتاب أو سنة، وعرَّفَه بأنه: «تشبيه الشيء بغيره، والحكم به هو الحكم للفرع بأصله إذا استوت علّته، ووقع الحكم بسببها. وقد خلص التعريف عند السالمي (المتوفى سنة 1332 هـ) إلى أن القياس: حَمْلُ مجهول الحكم على معلوم الحكم بجامع بينهما»، وقال إنه أجود التعاريف ومَثَّل له بالخمر فإن حكمه معلوم بنص الكتاب على تحريمه بقوله تعالى: إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رجس مِّن عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُم تُفْلِحُون} (المائدة آية 90) ويسمى في اصطلاحهم اصطلاحهم أصلاً، ومجهول الحكم كالتتن (34) ونحوه، فإنه لم ينص على حكمة كتاب ولا سُنَّةٌ ولا إجماع، ويُسَمَّى فَرْعًا. والوصف الذي لأجله كان ذلك الحكم في ذلك الأصل، كالإسكار في الخمر، ويُسَمَّى بالجامع (3)
وه
(35)
فأركان القياس إذا أربعة: 1. الأصل: الصورة التي نزل فيه الحكم كالخمر. 2. والفرع: الصورة التي لم يَرِدْ فيها حكم بعينها كالتين هنا. 3. والوصف الجامع - ويُسَمَّى المناط -: ما يكون الحكم في الأصل لأجله، فإن زال الوصف فُقد الحكم. 4. وحُكْمُ الأصل: مِنْ وُجوب، أو نَدْبِ، أو تحريم، أو كراهة، أو إباحة. يقول السالمي: أما القياس: فهو حمل ما جهل حكمًا على معلوم حكم قد عُقِلْ بجامع بَيْنَهُمَا فَالأَوَّلُ: أصل، وأما الثاني: فَرْعُ، يُحْمَلُ
:
والجامع الوصف الذي به وجد في الأصل حكمُهُ فَإِنْ زالَ فُقِدْ فهذه ثلاثة أَرْكَانُ والرابع: الحكم له بيان:
(33) جامع ابن بركة، 155/ 1.
(34) من أسماء التبغ، ومن المخدرات بأنواعها من الخشخاش والهيروين والكوكايين. وإن كان بينهم وبين التبغ دركات.
أسمائه أيضاً: الدّخان والتنباك. الموسوعة الفقهية الكويتية، 101/ 10. ويضاف إليه
(35) انظر طلعة الشمس، 146/ 2 و 147. (1/28)
صفحة 25
أصول المذهب الإباضي
ثانياً: المصادر التبعية:
29
بنا ذكر المصادر الأصلية للأحكام: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهذه المصادر قد لا تفي بحاجات الناس وتطور الناس المستمر، مما دعا الأصوليين ـ ومن ضمنهم الإباضية - إلى الاجتهاد خارج هذه المصادر، واصطلحوا عليه بـ «الاستدلال» الذى يعنون به طلب الدليل مما ليس بنص ولا إجماع ولا قياس وتُسَمّى أيضاً بـ «الأدلة التبعية» و «الأدلة المختلف فيها»، وقد توسع بعضهم فأوصلها إلى أربعين نوعاً، بينما حصرها ابن الحاجب في
ثلاثة أنواع. وعلى أية حال، فقد قال الإباضية ببعضها، وهي: 1. قول الصحابي، 2. وشرع من قبلنا، وهذان من الأدلة النقلية، (وفي المذهب خلاف في
الأخذ بهما).
وباقيها من الأدلة العقلية وهى: 3 الاستحسان، 4. والمصالح المرسلة
5. وسد الذرائع 6 والاستصحاب، 7 والعرف، 8 والاستقراء، 9. وقياس العكس، 10. والإلهام.
واعتبر السالمي في طلعة الشمس: الاستصحاب وعكسه، والقياس الاقتراني والقياس الاستثنائي، والاستقراء، والمصالح المرسلة، والاستحسان، وحُكُمُ الأشياء قبل ورود الشرع. وهو أَوْفَى من تناول هذه الأدلة من بين أصوليي الإباضية
(37)
(36) ..
وقد فصل الدكتور مصطفى باجو في كتابه «منهج الاجتهاد عند هذه الأدلة وجمعها من كتب الإباضية المتقدمين والمتأخرين وأتى بأمثلة متعددة تبين أن الإباضية كغيرهم في الاستدلال بهذه الأدلة
الإباضية»
(36) انظر منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 699.
(37) المصدر السابق، ص 697 إلى 744. (1/29)
صفحة 26
30
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
التبعية، فمن أخذ بها على إطلاق ومن أخذ بها بشروط، أجاد في عرضها، فجزاه الله خيراً، أبان أن الشريعة الإسلامية سمحة فيها مجال واسع للاختلاف، هذا الاختلاف محمود من المجتهدين المؤهلين، وكله لا يخرج عن سُوري الشريعة: العزيمة، والرخصة، فمن كان محتاطاً لنفسه ولغيره وأراد أن يقع في الإثم - إن وُجِدَ - اقترب من حائط العزيمة، ومن رأى أن الشريعة أتت للتيسير والتخفيف على الناس - ليجتهد الكل في العبادة ـ اقترب من حائط الرخصة، فالكل دين، والكل يريد الله.
لا
وقد نقل عن أبي عبد الله محمد بن سليمان النَّفُوسِي (ق 6 هـ) أنه قال: «حمدنا الله الذي جَعَلَ اختلاف أهل الدَّعْوَةِ مثل اختلاف المسافرين في طريقهم، في نُزُولهم وارتحالهم، والسُّرْعة وترك العجلة الكُلُّ إِنَّما يُرِيدُون السَّلامة) ()
الإباضية في كُتُب المقالات والفرق:
بعد هذا الإيضاح الذي قدمته من اعتماد الإباضية على المصادر الأصلية التي ارتضاها علماء المسلمين لدينهم أعني الكتاب والسنة المتفق عليهما، والإجماع والقياس، وغيرهما من الأدلة التبعية المختلف فيها، يعجب المرء من نسبة بعض الكتب للإباضية أسماء فِرَق لا وجود لها في تاريخهم، كالحفصية، والحارثية، واليزيدية، ونُسب إلى الإباضية أقوال يكفي من قال ببعضها أن يخرج من دائرة الإسلام، وقد أورد البغدادي في كتابه «الفرق بين
الفرق وغيره، نقولات متعددة عنهم، منها:
إن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمن عرفه ثم كفر بما سواه من رسول، أو جنّة، أو نار، أو عمل جميع المحرمات من قتل النفس
واستحلال الزنا وسائر المحرمات، فهو كافر بريء من الشرك "
(38) سير الوسياني، 564/ 2. (39) الفرق بين الفرق، ص 104.
(39) (1/30)
صفحة 27
أصول المذهب الإباضي
31
- إن الله سيبعث رسولاً من العجم، وينزل عليه كتاباً من السماء جملة
واحدة.
- من شهد لمحمد بالنبوة من أهل الكتاب وإن لم يدخلوا في دينه ولم يعملوا بشريعته فهم بذلك مؤمنون.
والإباضية يحكمون على من يقول بهذا وأمثاله بالشرك لأنه رَدُّ على
الله، وتكذيب لما عُلِمَ مِنَ الدين بالضرورة
(40)
وكذلك نُسبت إليهم أقوال أخرى منها:
- لا حجة لله على الخلائق في التوحيد وغيره إلا بالخبر، وما يقوم مقام الخبر من إشارة وإيماء (41).
- كلُّ مَنْ دَخَل في دين الإسلام وجبت عليه الشرائع والأحكام، سمعها أو عرفها، أو لم يسمعها ولم يعرفها.
- يجوز أن يبعث الله تعالى إلى خلقه رسولاً بلا دليل يدل على صدقه. ليس على الناس المشي إلى الصلاة ولا الركوب والمسير للحج ولا شيء من الأسباب التي يُتوصل بها إلى أداء الواجب.
- يجوز أن تنكح المرأة على عمتها، أو خالتها. وغير ذلك مما أورده البغدادي وغيره من أصحاب الكتب في العقائد عن الإباضية مما لا يقول به الإباضية، ولا هو موجود في
كتبهم.
وأما أسماء هذه الفرق فمما لا يعرفه الإباضية في كتبهم، وقد جعلت أسماء هذه الفرق المختلفة - التي نسبت إلى الإباضية ظلماً ـ الشيخ علي يحيى
(40) الإباضية مذهب إسلامي معتدل، ص 20. (41) الفرق بين الفرق، ص 106. (1/31)
صفحة 28
32
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
معمر يفنّد نسبة فرقة الحارثية إلى الإباضية بحدة، فقال: «وهذا الحارث أيضاً لم يحرث عند الإباضية ولم يزرع لا آراء ولا حبوبا، ولم يحصد الإباضية عنه أو عن فرقته شيئًا. إن كان حقا حرث في أي مكان ... فلا يوجد عند الإباضية أيُّ ذكر لهذا الحارث أو رأي أو فرقةٍ أو نسب، ولا حَتَّى مرور ضيافة في مراجع الإباضيَّة مِمَّا استطعت الحصول عليه خالية منه ومن آرائه في الواقع كما هي عند الإباضية، فإنه رجل لا وجود له، ولا لفرقته (42). وفَنَّد نسبة بقية الفرق - ذُكِرَتْ آنفاً - التي تُنْسَب للإباضية في كتابه «الإباضية مذهب إسلامي معتدل» وفي كتابه الماتع «الإباضية بين الفرق الإسلامية»، ووضعها في مكانها الصحيح بميزان الشرع والعقل والعلم. وإني أنصح كل من أراد أن يتعرف على المذهب الإباضي - من الإباضية ومن غيرهم مِنْ إخواننا - أن يقرأوا هذين الكتابين بتأن، فسيصححان له كثيراً من المفاهيم المغلوطة حول الإباضية.
التي
وإذ فرغنا من ذكر المصادر التي اعتمد عليها الإباضية، وردّ ما نُسب إليهم، نعطف عنان البحث لنذكر بعض أعلام الإباضية، ليكون القارئ على
علم ومعرفة ببعض رجالاتهم الأعلام الفقهاء.
(42) الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 16 و 17. (1/32)
صفحة 29
من أعلام المذهب الإباضي
1 الإمام جابر بن زيد (إمام المذهب))
(2)
جابر بن زَيْد اليَحْمدِيِّ الأَزْدِي الجَوْفي العُماني البَصْرِي، أبو الشَّعْنَا. أَصْلُ المذهب، وأُسُّهُ الذي قام عليه نِظامُهُ، ومَنَارُ الدِّينِ ومَن انتصبت به أعلامه ولد بقرية «فرق» ولاية «نَزْوَى» بعُمان، ونشأ في أحضان عائلة علم ورواية، إذ روى عن أبيه. ولما بلغ أشده رحل إلى البصرة، التي تُعدّ من عواصم البلاد الإسلامية في العلم والأدب والسياسة؛ واتَّخذها دار مقام، ومدرسة علم. وكان يتنقل بينها وبين الحجاز، لاستزادة معرفة أو لتحقيق مسألة، أو لملاقاة شيخ. روى الحديث عن جماعة من الصحابة، منهم: أم المؤمنين عائشة، الله بن عباس، وعبد الله بن عُمر، وعبد الله ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن الزبير، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة،
بن مسعود، وأنس
وعبد
مالك، بن
أنَّه
وأبو سعيد الخُدْرِي وغيرهم (رضي الله عنهم) أجمعين. ويُروى عن جابر قال: «أدركتُ سبعين بدريًا فحويتُ ما عندهم إلا البحر»، يعني: ابن عباس.
(1) من مصادر ترجمته: تهذيب الأسماء واللغات، 141/ 1، وتاريخ الإسلام، 1199/ 2، ومعجم أعلام الإباضية،
108/ 2
(2) طبقات المشايخ بالمغرب للدرجيني، 205/ 2، والسير للشماخي، 70/ 1. (3) كما جاء في أحكام القرآن للجصاص، 148/ 4. (1/33)
صفحة 30
24
34
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
وقد أثنى عليه شيخه ابن عباس فقال: «لو أخذ أهل البصرة بقول جابر بن زيد لأَوْسَعَهُمْ عِلْمًا عَنْ كتاب الله». كما عُرِفَ بِالزُّهد والورع، فقد قال عنه أبو نُعَيْم: كان مُسْلِمًا عِنْدَ الدينار والدَّرْهَم
من
تلاميذه: أبي عُبَيْدة مُسلم بن أبي كريمة، وضُمام بن السائب العُماني، وقتادة السدوسي من رجال البخاري)، وعمرو بن دينار، وأيوب بن أبي تميمة كَيْسان، وتميم بن حُوَيْص الأَزْدِي، وحَيّان الأَعْرج، وعاتكة بنت أبي صفرة، وعبد الله بن زيد الجرمي، وجعفر السماك، وغيرهم.
ترك الإمام جابر آثاراً علميةً جليلةً، بعضها في التعليم والإفتاء، والأخرى في التأليف والرواية. وكان إماما في التفسير والحديث والفقه؛ تنسب له موسوعة علمية تعرف بـ «ديوان جابر»، وهو أول من جمع الحديث في ديوان، ومن أوائل المؤلفين فى الإسلام؛ غير أنَّ ديوانه ضاع، وبقيت بعض فتاواه. ورواياته وآراؤه منتشرة في جُلَّ المصادر الفقهية والحديثية، وبخاصة
في المصادر الإباضية؛ ومما بقي من تأليفه:.1 «كتاب الصلاة»، مخطوط بجربة، ولعله جزء من ديوانه، ذكر عنه الدكتور عمرو النامي معلومات هامة في أطروحته للدكتوراه دراسات عن الإباضية - ط»، وحققه تحقيقاً أولياً، ومنه نسخة
مخطوطة بالمكتبة البارونية بجربة في تونس.
2. «كتاب النكاح»، مخطوط بجربة، ولعله جزء من ديوانه، وقد فهرسه الدكتور عمرو النامي في أطروحته.
(4) تهذيب الأسماء واللغات، 141/ 1/1 و 142. قال النووي: إنه معدود من أئمة التابعين وفقهائهم، وله مذهب
يتفرد به.
(5) حلية الأولياء، 89/ 3. (1/34)
صفحة 31
من أعلام المذهب الإباضي
35
3 مراسلات ومكاتبات وأجوبة لتلاميذه وأصحابه، منها سبع عشرة رسالة موجهة إلى الإباضية في عدة مواطن، طبعت.
كما جمع بعض الأساتذة آراءه وفتاواه والأحاديث التي رويت من طريقه، في مؤلفات منها:
1. «فقه الإمام جابر بن زيد جَمْعُ وتحقيق الأستاذ يحيى بكوش. طبع
مرتين، إحداهما بدار الغرب الإسلامي، ببيروت، سنة 1986.
2 من جوابات الإمام جابر بن زيد ترتيب الشيخ سعيد بن خلف
الخروصي. طبع سنة 1984، برعاية وزارة التراث والثقافة العُمانية. .3 «موسوعة آثار الإمام جابر بن زيد الفقهية»، جمع وترتيب إبراهيم بن علي بولرواح، طبع مكتبة الاستقامة بعمان، سنة 2006.
توفي - على أصح الأقوال - سنة 93 هـ، رحمه الله تعالى.
2. عبد الله بن إباض التَّمِيمِيِّ)
(6)
:
هو عبد الله بن إباض بن تيم اللات بن ثَعْلَبة التميمي، (من بني مُرَّة بن عُبَيْد، رهط الأحنف بن قيس) فهو من قبيلة تميم التي كان لها دور مهم في الأحداث السياسية فى صدر الدولة الأموية. نشأ في مدينة البصرة، وشب في زمان معاوية، وأدرك عبد الملك بن مروان. وأدرك كثيرا من الصحابة، فيعد من التابعين.
إليه ينسب المذهب الإباضي نسبةً غير قياسية، كما تتفق على ذلك المصادر، الإباضية، كان الأولى أن ينسب إلى إمام المذهب جابر، فعدل عن
(6) من مصادر ترجمته: طبقات المشايخ بالمغرب للدرجيني، 214/ 2، والسير للشماخي، 189/ 1، والأعلام، 61/ 4، ومعجم أعلام الإباضية، 263/ 2 (1/35)
صفحة 32
36
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
النسبة إلى ابن إباض لمواقفه العلنية من مخالفي الإباضية، ومناظراته الظاهرة للخوارج ورؤسائهم من أمثال نافع بن الأزرق، لاستعراضهم المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم بغير حقٌّ، كما ناظر غيرهم، واشتهر برسائله إلى عبد الملك بن مروان، تلك الرسائل التي ضمنها نصائح له، وبين فيها آراء جماعته، وموقفها من انحراف السلطة الأموية عن نهج الخلفاء الراشدين. وكان يَصْدُرُ في كل ذلك عن مشورة إمام المذهب جابر بن زيد، فهو تلميذه في العلم. شارك في الدفاع عن مكة مع ابن الزبير ضد الأمويين؛ قال عنه الشمّاخي: «إمام أهل التحقيق، والعمدة عند شَعَب أولي التفريق». ولهذه الأسباب عُرف أصحابه بأتباع ابن إباض.
توفي على أرجح الأقوال سنة 86 هـ، في عهد عبد الملك بن مروان.
(8).
:
3 أبو عُبَيْدَة مُسلم بن أبي كَرِيمة مُسْلِمُ بن أبى كَريمة التَّمِيمِيِّ بالولاء، أبو عُبَيْدَةَ، مولى لعُرْوَة ابن أُدَيَّةَ، أصله من فارس، كان آية في الذكاء ولد حوالي سنة 45 من الهجرة. روى عن بعض الصحابة، منهم: صُحار بن العباس العُماني الصحابي. كما أخذ العلم أيضاً عن: جابر بن زيد (وهو تابعي مثله) وجعفر بن السماك، وضُمام بن السائب وأكثر مروياته عن صُحار العبدي التابعي (وهو سَمِي الصحابي السابق)، وكان أفقه من صُحار ومن أبي نوح صالح الدهان، والمقدَّم عليهما.
طلب العلم أربعين سنة ثم مكث بعد ذلك أربعين سنة يدرس. خَلَفَ جابر بن زيد في إمامة المذهب بعد وفاته، وعُرِف المذهب في عصره نشاطاً دؤوباً في
(7) السير للشماخي، 189/ 1. (8) من مصادر ترجمته: السير للشماخي، 196/ 1، والأعلام، 222/ 7، ودراسات عن الإباضية، ص 95 وما بعدها، ومعجم أعلام الإباضية، 418/ 2. (1/36)
صفحة 33
من أعلام المذهب الإباضي
37
نشره، وكانت له مدرسة في البصرة في سرداب بعيداً عن أنظار بني أُميّة، وقد
كانت عيون الحجاج بن يوسف تلاحقه.
وريد
هلك
سجنه الحجاج في من سَجَن من المسلمين، ولم يُفرج عنه حتى الحجاج سنة 95 هـ. وقد عُرف بـ «القَفَّاف» لأنه كان يُمَوِّه مدرسته بصنع القفاف. وقد تخرج في مدرسته بالبصرة مشاهير أئمة الإباضية ودعاتها، منهم: الربيع بن حبيب الفراهيدي صاحب المسند)، وأبو سفيان محبوب بن الرُّحَيْل، وأبو يزيد الخوارزمي وأبو حمزة المختار بن عوف الشاري، وعبد بن يحيى المعروف بـ «طالب الحق، والجُلَنْدَى بن مسعود، وسَلَمَة سَعْد، وأبو الخطاب عبد الأعلى بن السَّمْح المعافري، وعبد الرحمن بن رُسْتُم الفارسي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود القبلي النفزاوي، وعاصم السدراتي.
الله
بن
ترك - إلى جانب جهاده التربوي والسياسي - آثارا علميةً منها: - مجموعة أحاديث كان يرويها عن الإمام جابر بن زيد، وجعفر بن السماك، وصُحار العَبْدي.
- كتاب (مسائل أبي عُبَيْدة مجموعة من الفتاوى وبعض المحاورات. - رسالة في الزكاة طبعت ضمن إصدارات وزارة التراث القومي والثقافة بعمان، ثم أعاد نشرها محققة مبارك بن عبد الله الراشدي
ضمن رسالته للدكتوراه.
- رسائل تعرف بـ «رسائل أبي عُبَيْدة».
فتاوى في الفروع والأصول متناثرة في كتب الإباضية.
ولدوره الفعال في الحياة السياسية والنجاحات التي تحققت في حياته في المشرق والمغرب، قال عنه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور حين بلغته (1/37)
صفحة 34
38
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
وفاته: أَو قَدْ مَاتَ! إنا لله وإنا إليه راجعون ذَهَبَتِ الإباضية. توفي رحمه الله تعالى حوالي سنة 145 هـ.
وقد ألف الدكتور مبارك بن عبد الله الراشدي رسالة بعنوان «الإمام أبو عبيدة مُسلم بن أبي كَرِيمة التَّمِيمي وفِقَهُهُ، طبعت في سلطنة عمان، سنة 1993 م.
4 الربيع بن حَبِيب الفراهيدي
(10)
:
?
الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي، أبو عمرو البَصْري. وُلِدَ فِي عُمان في حدود سنة 75 هـ. نشأ في بيت علم وصلاح، أخذ العلم عن والده، وعن أبي الشعثاء جابر بن زيد، وأبي عُبَيْدَةَ مُسلم بن أبي كريمة التميمي، وأبي نوح صالح بن نوح الدهان الجهني، وأبي عبد الله ضُمَام بن السائب الأزدي، وقد أكثر عن هؤلاء الثلاثة بسبب طول ملازمته لهم، وأخذ عن محمد بن سيرين الفقيه (المتوفى سنة 110 هـ)، ومجاهد بن جبر المقرئ المفسر (المتوفى سنة 103 هـ)، وعطاء بن أبي رباح التابعي الكبير (توفي سنة 114 هـ). وأخذ عنه خلق منهم: بشير بن المنذر النَّزْوانِي، وأبو أيوب وائل بن أيوب الحَضْرَمِي، وأبو غانم بشر بن غانم الخراساني، وأبو سفيان محبوب بن الرحيل المكي، وغيرهم.
كان الإمام الربيع مضرب المثل في العلم والتقوى والأمانة، وكان شيخه أبو عبيدة يقدّمه فى الفتوى فقد قال عنه: «فقيهنا وإمامنا وتقينا»، وقد تولى إمامة الإباضية بعد وفاة شيخه وممن وثق الربيع من غير الإباضية ابن شاهين، وابن معين). وذكره البخاري وابن حبان ولم يذكرا فيها جرحاً ولا تعديل (12).
(9) السير للشماخي، 205/ 1.
(10) من مصادر ترجمته: طبقات المشايخ بالمغرب للدرجيني، 273/ 2 و 274، والسير للشماخي، 217/ 1 - 220، والأعلام للزركلي، 14/ 3، ومعجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية (قسم المشرق)، 235/ 1.
(11) تاريخ أسماء الثقات، ص 127، وسؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين، ص 322 (تحقيق أحمد نور سيف). (12) كتاب الثقات، 299/ 6، والتاريخ الكبير، 277/ 3. (1/38)
صفحة 35
39
من أعلام المذهب الإباضي وقد ترك لنا الربيع مؤلفات لعل أشهرها كتابه في الحديث المسمى «المسند» دوّنه وفق مسانيد الصحابة، ثم رتبه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (المتوفى سنة 570 هـ) على حسب أبواب الفقه، وسماه «ترتيب المسند».
ب
ومن آثار الربيع أيضاً «رسالة بعث بها إلى المشرق والمغرب جواباً عن بعض أسئلة، طبعت أخيراً باسم «الرسالة الحجة»، بتحقيق الحاج سليمان بابزيز، سنة 2009، عن وزارة التراث والثقافة بعمان.
وقد قامت بعض الدراسات الحديثية على المسند ومؤلفه منها: 1. الربيع بن حبيب محدثاً وفقيهاً، أبو القاسم عمرو بن مسعود الكاباوي، رسالة ماجستير قدمت لكلية التربية بجامعة الفاتح
بطرابلس، ثم طبعت بعد ذلك في مطبعة المكتبة العربية، 1994 م.
2. الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده السعيد بن مبروك القنوبي، طبع سنة 1995، بمكتبة الضامري، سلطنة عمان.
3. حاشية على مسند الإمام الربيع بن حبيب. تعليقات العلماء على أحاديث المسند من خلال مؤلفاتهم من 175) إلى 570 هـ). جمعها فهد بن على السعدي، وطبعت فى مكتبة الأنفال لسلطنة عُمان، سنة 2006.
توفي الإمام الربيع بن حبيب سنة 173 من الهجرة على أرجح الأقوال، في بلده عُمان بعد أن رجع إليها في آخر عمره بمدينة غضفان، وصلى عليه ن أبي جابر الأزكوي، رحمه الله تعالى.
تلميذه
موسي بن (1/39)
صفحة 36
40
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
5. محمد بن بكر الفَرْسَطَائِي
(13)
:
محمد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفَرْسَطَائي النَّفُوسِيِّ، أبو عبد الله. أحد علماء الإباضية المشهورين، ومن أبرز المصلحين الدينيين والاجتماعيين في القرن الخامس الهجري. وُلِد بمدينة (فَرْسَطاء) بجبل نفوسة (ليبيا) شرقي مدينة (كَباو)، ولم تحدّد كتب السير تاريخاً دقيقاً لمولده.
أخذ العلم في مسقط رأسه (فرسطاء)، ثم سافر إلى القيروان للاستزادة، وأخذ عن الشيخ أبي زكرياء فَصيل بن أبي مسور بالجامع الكبير بجربة، وسافر إلى الحامة فأخذ عن الشيخ أبي نوح سعيد بن زنغيل، وكان من تلاميذه
المتقدمين.
ثم سافر إلى (قصطيلية) بحثاً عن الشيخ أبي عمران موسى بن زَكَرِيَّاء، ليأخذ عنه الفقه والفروع، غير أن وفدًا من جربة اضطره إلى التحوّل من مرحلة التعلّم إلى مرحلة التعليم، وعلى يده تم تأسيس حلقة العزابة، وشرع في تطبيق مبادئ هذا النظام في أول حلقة به بغار (تين يسلي)، وهي (بلدة اعْمَرْ) بالقرب من مدينة (تقرت) التابعة لمدينة وارجلان، جنوب شرقي الجزائر، وذلك سنة 409 هـ
ود
وقد ظل هذا النظام الاجتماعي المُسَمّى بنظام العزابة معمولاً به دهراً من الزمن في أماكن انتشار الإباضية ليبيا، الجزائر، تونس)، ثم انحسر هذا النظام ولم يبق إلا فى وادي ميزاب ووارجلان بجنوب الجزائر معمولاً به إلى وقتنا الحاضر، يدير شؤون الحياة الاجتماعية والدينية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية.
(13) من مصادر ترجمته: طبقات المشايخ بالمغرب للدرجيني، 377/ 2 وما بعدها، والسير للشماخي، 570/ 2 وما بعدها، ومعجم أعلام الإباضية، 368/ 2. (1/40)
صفحة 37
من أعلام المذهب الإباضي
41
وعلى الرغم من أن المصادر تذكر أن الفرسطائي كان مكثراً من التأليف، فإنها لم تذكر لنا عنواناً واحداً له، ومع ذلك فإن مصادر الإباضية تعج بنقولات عنه، ولعل أبا بكر لم يؤلف بنفسه كتاباً، وإنما جمع تلامذته أقواله وفتاويه وحكمه لتعرف فيما بعد بتأليف أبي عبد الله
(14)
ومما تجدر الإشارة إليه أن حلقة العزابة ونظامها الذي كان نتاج تفكير أبي عبد الله قد كَتَبَ عنه الكثير للتعريف به، فلا بأس أن نعرج على ذكر بعضهم للقارئ الذي يريد الاستزادة ليتبين له أن مصطلح «العزابة» لا يعني التبتل والعزوف عن الزواج، وإنما يعني العزوب عن الدنيا والإقبال على الآخرة وخدمة الصالح العام. وإليك بعض أسمائها، وكلها مطبوعة: ـ «نظام العزابة بجربة»، للأستاذ فرحات الجغبيري، طبع بتونس، سنة 1975.
- نظام العزابة للشيخ متياز الحاج إبراهيم.
- «حلقة العزابة» للدكتور محمد ناصر، طبع في كتيب صغير بجمعية التراث بالجزائر.
- النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقيا» للدكتور عوض خليفات، وطبع في عمّان، سنة 1982.
ـ «العزابة ودورهم في المجتمع الإباضي بميزاب» للأستاذ صالح بن عمر اسماوي، مطبوع في ثلاثة أجزاء، نشر جمعية التراث بالقرارة، سنة
2005، وهو رسالة ماجستير قدمت لقسم التاريخ بجامعة الجزائر.
وقد أجمعت المصادر على أن وفاة الفرسطائي كان في سنة 440 هـ، ودُفن في مقبرة قدّام غاره بأجلو، بلْدَة اعْمر، وتبعد 25 كلم من مدينة تقرت،
جنوب الجزائر.
أعلام الإباضية، 370/ 2. (14) معجم (1/41)
صفحة 38
42
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
6. امحمد بن يوسف اطْفَيّش
(15)
:
امحمد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن الحفصي،
اطفيش، المعروف بـ «قطب الأئمة».
من أشهر علماء الإباضية بالمغرب في العصر الحديث، من «بني يسجن» بالجزائر. وُلِد بغرداية سنة 1237 هـ = 1821 م، وتوفي والده وهو في الرابعة من عمره، فكفلته أمه وعهدت به إلى أحد المربين لما رأت فيه من آثار النجابة المبكرة، فحفظ القرآن وهو ابن ثمان. ثم أخذ مبادئ النحو عن أخيه الأكبر إبراهيم، والمنطق عن الشيخ سعيد بن يوسف وينتن، وأخذ عن غيرهما من مشايخ «بني يسجن»، ولم يسافر خارج موطنه لتحصيل العلوم، وجعل دأبه الحرص على اقتناء الكتب واستنساخها، فتجمّعت لديه مكتبة غنية، تعد فريدة في عصرها آنذاك.
وما كاد يبلغ السادسة عشرة من عمره حتى جلس للتدريس والتأليف، ولما بلغ العشرين أصبح عالم وادي ميزاب بلا مدافع، وبلغ في كهولته درجة الاجتهاد المطلق، كما ذكر ذلك بنفسه في كتابه «شامل الأصل والفرع». وبسبب نبوغه وجده في التحصيل عُرف واشتهر فوفد عليه الطلبة للتحصيل في المعهد الذي أنشأه في «بني يسجن»، فتخرج على يديه العشرات منهم، إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان، رائد الصحافة العربية في الجزائر، وأبو إسحاق إبراهيم اطفيش ابن أخيه، الذي كان نزيل القاهرة ممن شارك في تحقيق تفسير القرطبي»، وهى الطبعة المشهورة المتداولة، ولعلها أدق وأضبط من حيث المتن، قبل أن تنشره دور أخرى. ومن تلاميذه من ليبيا سليمان باشا الباروني المجاهد بالسيف والقلم ومن تونس المؤرخ سعيد بن تعاريت ومن المدينة المنورة أحمد الرفاعي وغيرهم.
(15) من مصادر ترجمته: الأعلام للزركلي، 156/ 7، ومعجم أعلام الإباضية، 399/ 2. (1/42)
صفحة 39
من أعلام المذهب الإباضي
43
ترك العالم اطفيش تأليف كثيرة في فنون العلم المختلفة أربت عن الثلاثمائة، وقد ساعده على ذلك أنه عُمّر حتى وصل ستة وتسعين عاما، وبارك الله في وقته فكان لا يُعرف إلا في تدريس علم أو تأليف كتاب» كما وصفه تلميذه أبو اليقظان من تأليفه:
- «تيسير التفسير مطبوع في 7 مجلدات. ثم طُبع مرة أخرى في 14 مجلداً، وطبع محققاً من قبل الشيخ طلاي وغيره، بالجزائر.
- «هميان الزاد إلى دار المعاد في التفسير أيضاً، مطبوع في 13 مجلداً.
«جامع حرف ورش» مطبوع.
- «ترتيب الترتيب»، مطبوع في سنة 1326 هـ، وهو إعادة ترتيب لمسند الربيع بن حبيب بعد ترتيب أبي يعقوب الوارجلاني.
ـ
«الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحُسْنَى» مطبوع.
- الردّ على الصفرية والأزارقة» مطبوع.
وبوا
- «شرح كتاب النيل وشفاء العليل مطبوع في 13 مجلداً، من الكتب المعتمدة في الفقه الإباضي، وجامع لآراء فقه المذاهب الأخرى، بواسطته تعرّف العالم الإسلامي على فقه هذه المدرسة، واعتمدته لجان موسوعات الفقه الإسلامي في مصر والكويت، واعتمد في برنامج جامع الفقه الإسلامي إصدار،1.03، الذي أصدرته شركة «حرف» سنة 1998.
- فتح الله شرح شرح مختصر العدل والإنصاف» مخطوط، موسوعة أصول الفقه المقارن، لو طبعت لكانت في اثني عشر مجلدا.
في
وغيرها من التأليف النافعة في التاريخ والسيرة والنحو واللغة والبلاغة والمنطق والتوحيد والفتاوى، وله شعر في مواضيع متعددة، ونظم كثيراً من العلوم. (1/43)
صفحة 40
44
تولّى
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
منصب القضاء ثم اعتزله لما بسط الاستعمار الفرنسي نفوذه على منطقة وادي ميزاب بجنوب الجزائر سنة 1882 م، وكان ينادي بمقاطعة
المستعمر وعدم التعامل معه، وجهاده بأي طريقة، ومن شعره في ذلك: ولولا ثلاث هُنَّ: تعليم جاهِلِ وخِدْمَةُ رَبِّي، والجهادُ لِذِي الكُفْرِ لَمَا كُنْتُ أخشى الموت، والموتُ لازم وإلا فما الحَياةُ والمَرْءُ فِي قَهْرِ ولعل من طريف ما يُروى قصته مع لغز الماء الذي ورد في بعض الجرائد، فانبرى الشيخ لحله وكتب الجَوَابَ في رسالة ممتعة، تدل على ذكائه وتعمقه في علوم العربية عموما والبلاغة خصوصاً (16). وقد نال على حَلَّه أَوْسِمَةً وهدايا مختلفة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ولما أتى ممثل الحكومة الفرنسية ليقدم له وساماً لحله لهذا اللغز قدّم له طرف ردائه السفلي، بدل أن يعلقه على صدره، فقيل له في ذلك فقال: «الإسلام) يَعْلُو ولا يُعلى عليه
توفي رحمه الله
يوم
767
(17)
السبت بعد مرض دام أسبوعاً، في 25 ربيع الثاني
من عام 1332 من هجرة النبي الاول الموافق لسنة 1914 م.
(16) وأوله بعد الحمدلة: «إن لغزاً ورد إليَّ من بلاد بحر الروم، يريد أهله شرح ما انطوى عليه من العلوم، وشاع في جزيرة الأندلس وسائر بلاد الغرب، وعَجَزَ عَنْ حَلَّهِ عُلَمَاءُ العَجَمِ والعَرَبِ، وَوَرَدَ إِليَّ اشتياق أهل مكة إليه، قائلين بلسان الحال: كلُّ من حلّه من المسلمين فكل تحية إسلامية عليه، وَأَصْلُهُ فيما أظن من الروم المسلمين من أهل قسطنطينية، أو من بلاد الشام، خصوصاً الأعمال الدمشقية، ورَدَ في «الجُرنال» وعجز عنه الناس، وفتح الله لي ببركة سلفنا ذوي الموافقة للكتاب والسنة والائتلاف، وَنَصَّهُ: ما تقولُ في شيء يطير بلا جناح، ويبيضُ ويفرخ في البطاح، رأسُهُ فِي ذَنَبِهِ، وعينُهُ فِي مَوْضِع قرنه ..... وآخره: «يُمازِجُهُ الإيقاف، ويُتلى في سورة قاف». ثم بدأ شرحه مستوفى.
(17) معجم أعلام الإباضية، 405/ 2. (1/44)
صفحة 41
من أعلام المذهب الإباضي
7. إبراهيم بن عمر بيوض (18)
:
45
رائد الإصلاح والتجديد في العصر الحديث بالجزائر. ولد الشيخ بمدينة القرارة - جنوب الجزائر - سنة 1899 م وكان والده من أعيان الإصلاح في البلد استظهر القرآن الكريم قبل سن البلوغ، وأخذ مبادئ الفقه عن مشايخه الحاج إبراهيم البريكي، والشيخ الحاج عمر بن يحيى، الذي نال حظوة عنده فلازمه. نبغ بذكائه وحافظته، وذلاقة لسانه العربي الفصيح، مما أهلَهُ لينوب شيخه عند غيابه في تدريس البلاغة والمنطق.
وقد اكتوى بنار الحربين العالميتين مما جعله يدخل المعترك السياسي ويناضل لأجل بلده، ولأجل إلغاء التجنيد العسكري الإجباري، حتى أصدرت فرنسا - المحتلة للجزائر آنذاك - قانوناً جديداً يلغى فرض التجنيد على وادي ميزاب ثم في تحرير بلده الجزائر من المستعمر الفرنسي بعدها. دخل معترك الحياة السياسية فأنشأ خلال سني حياته أو شارك في عدة جمعيات منها: - جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931، حيث ساهم في صياغة قانونها، وأسندت إليه نيابة أمين مالها.
- جمعية الحياة بالقرارة رائدة النهضة العلمية الإصلاحية بالجنوب
الجزائري، سنة 1937.
وكان خلال الثورة الجزائرية على اتصال وثيق بالمراسلات السرية بينه وبين جبهة التحرير الوطني، والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في المهجر، وقد سجل ذلك في بعض مذكراته التي طبعت باسم «أعمالي في الثورة»، وكان ذا همة فى السياسة، ورائداً فى صناعة الرجال، وكان يؤمن بأن الكفاح لا يقتصر على رفع السلاح وحده، وإنما يتكامل ببناء النفوس وإعدادها لتحمّل
(18) من مصادر ترجمته: معجم أعلام الإباضية، 20/ 2 - 23. (1/45)
صفحة 42
46
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
المسؤولية والرسالة في المستقبل. ولعلّ أكبر موقف عُرف به: معارضته لمؤامرة فصل جنوب الجزائر في الصحراء عن الشمال الجزائري، وقد فضح - في مذكراته السابقة - بعض ما عمله المحتل للوصول إلى هذه الغاية.
هذا النضال الدؤوب في الحياة العَمَلِيَّة لم يترك له مجالاً للتأليف المستقل، ولذلك كان يقول: «شُغِلْتُ عن تأليف الكُتُب بتأليف الرجال». ولكنه ترك تراثاً قيماً من التسجيلات الصوتية خلال دروسه المختلفة التي كان يلقيها، طُبعَ بعضها، ومنه تفسير للقرآن مسجل في 1500 ساعة، وامتد تفسيره 45 سنةً، من 1945 إلى 1980 طبع منه سبعة عشر جزءاً بعنوان «في رحاب القرآن»، وله أيضاً المجتمع المسجدي»، و «البدعة مفهومها وأنواعها وشروطها»، و «فضل الصحابة والرضا عنهم أجاد فيه، و «فتاوى» جمعها
الأستاذ بكير الشيخ بلحاج، صدرت في جزءين، وله غير ذلك. كما افتتح سنة 1931 درس الحديث الشريف من «فتح الباري شرح
صحيح البخاري لابن حَجَر، واختتمه في حفل علمي سنة 1945. وفي عمر يناهز 83 سنة توفي العالم الجليل يوم الأربعاء 8 ربيع الأول 1401 هـ، الموافق لـ 1981/ 1/14 م. رحمه الله تعالى.
هؤلاء بعض أعلام الإباضية الذين كان لهم تأثير في المدرسة الفقهية الإباضية، وإن كان هناك غيرهم لا ينبغي أن يُغفلوا أمثال، أبي محمد عبد الله بن محمد بن بَرَكة البهلوي (المتوفى في القرن الرابع الهجري) صاحب كتاب الجامع المطبوع، وأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (المتوفى سنة 570 هـ) صاحب «العدل والإنصاف» و «الدليل والبرهان» وكلاهما، مطبوعان، ونور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي (المتوفى سنة 1332 هـ) وكتابه «شمس الأصول» نَظْم في ألف بيت، وشرحه «طَلْعة الشمس» مطبوع، في أصول الفقه يَدلُّ على تبحره، وشيخنا وأستاذنا علي (1/46)
صفحة 43
من أعلام المذهب الإباضي
47
يحيى معمّر (المتوفى سنة 1400 هـ = (1980 م) صاحب كتاب «الإباضية بين الفرق الإسلامية المطبوع أكثر من مرة، آخرها سنة 2003 بمكتبة الضامري بسلطنة عمان، وغيرهم، كثير مما حواهم كتاب معجم أعلام الإباضية من القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر. قسم المغرب الإسلامي» المطبوع في دار الغرب الإسلامي سنة 2000 م، و «معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية. قسم المشرق المطبوع في مكتبة الجيل الواعد بسلطنة عُمان سنة 2007 م. رحمهم الله تعالى جميعا.
وبعد أن فرغنا من ذكر بعض أعلام المذهب، نأتي إلى التعريف ببعض
كتب المذهب المعتمدة، وبالله التوفيق. (1/47)
صفحة 44
من كتب المذهب الإباضي المعتمدة في الفقه وأصوله والحديث
توطئة:
إن المؤلفات الإباضية شغلت حيّزًا واسعاً في الآثار الإسلامية، ومع ذلك فهى لا تُعْرَفُ إلا من قبل القليل الذين يهتمون بها، وقد كان في السابق من الصعب على غير الإباضية - بل ومن الإباضية أنفسهم - الحصول على معلومات عن كتبهم بسبب خوفهم من إتلافها من قِبَل خصومهم، كما ذكر النديم أن كتبهم مستورة محفوظة).
ولابد من الإشارة إلى أن كتب الإباضية كانت موجودة بوفرة في المكتبات الإباضية التي كانت موجودة في أماكن وجودهم في جبل نفوسة، وتيهرت، وغيرها، وأشهر مكتبتين للإباضية هما:
- المكتبة التي كانت تضمها مدينة شَرْوس (2) بجبل نفوسة، وتسمى بـ «قصر ولم. والأخرى التي كانت تحتويها مدينة تيهرت، وتسمى «المَعْصُومة»، التي أحرقت من بعد على يد أبي عبد الله الفاطمي.
(1) الفهرست 651/ 1 و 125/ 3.
(2) ذكرها ياقوت في معجمه، وقد خربت، وأطلالها ما زالت باقية إلى يومنا هذا في نواحي بلدة "الحرابة" في
جبل نفوسة بليبيا.
(3) قصر ولَمْ، أو قصر أولَمْ فيه خزانة كتب نَفُوسَة. السير للشماخي 498/ 2. (1/49)
صفحة 45
50
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
ولا أدل على كثرة الكُتُبِ التي كانت موجودة في منطقة «جبل نفوسة»
(4)
ما ذكره الشماخي أن الشيخ أبا العباس أحمد بن محمد بن بكر (تـ 504 هـ) قال: «كنتُ أقرأ على الشيخ سَعْدُون) فجازت مسألة ذَبِيحَةِ الأَقْلَفِ. قال: في أكلها قولان. ولم ينسبهما، فدخلت إلى الديوان، وكان بجبل نفوسة ديوان اشتمل على تأليف كثيرة. فلازمتُ الدرس أربعة أشهر، لا أنام إلا فيما بين أذان الصبح إلى صلاة الفجر، فتأملتُ ما فيه من تأليف أهل المشرق. فإذا هي تقرب من ثلاثة وثلاثين ألف جزء كلها لأهل المذهب، فتخيّرت أكثرها فائدة فقرأته (5)
ولا شك أن الوجود الإباضي في عُمان منذ دخول الإسلام إليه أوجد مكتبات عديدة فيه، ذهب بعضها بفعل الحروب والصراعات المذهبية
المتعاقبة.
ولكن أول إحصاء شبه مفصَّل قُدّم لتراث إباضي هو ما ذكره البرادي (تـ 810 هـ) في الجواهر المنتقاة (6) عندما ذكر أكثر من خمسين مؤلفاً واصفاً بعضها، وعادا أسفار بعضها، وهو ما خلا منه قبلُ مَنْ ذكر بعض المؤلفات، وقد أورد نور الدين السالمي (1332 هـ) عدداً آخر من المؤلفات في لُمْعَتِهِ (7)، تجاوز عددهم 120 عنواناً، ولا يمكن إغفال مقال الدكتور عمرو النامي بعنوان مخطوطات إباضية مكتشفة حديثة في شمال إفريقيا»، الذي نشره في مجلة الدراسات السامية في عددها الأول بالمجلد الخامس عشر، بالمملكة المتحدة، و ترجمه سلطان الشيباني ونشره في كتابه «عمرو النامي .. مسيرة عطاء»، وصف فيه النامي بعض المخطوطات الإباضية التي اطلع عليها في إطار بحثه
(4) سعد بن ييفاو النَّفُوسي، من مشايخ جبل نفوسة. توفي في القرن الخامس الهجري. معجم أعلام الإباضية، 171/ 2.
(5) كتاب السير للشماخي، 618/ 2.
(6) ص 218 - 221
(7) اللّمعة المرضية من أشعة الإباضية، ص 24 - 37. (1/50)
صفحة 46
من كتب المذهب الإباضي
51
لرسالة الدكتوراه سنة 1968 م، وهي ليست كل المخطوطات التي اطلع عليها بيد أن هذه تعتبر أكثر أهمية من غيرها على أمل تقديم وصف لبقية
101
المخطوطات التي درستها أثناء هذه الرحلة في مقالات قادمة» (8).
ومما يذكر أيضاً في مجال تجميع الكتب، أنَّ الشيخ خَلَف بن سِنَان الغَافِرِيّ (تـ 1125 هـ) ـ أحد قضاة الإمام سيف بن سُلْطانِ اليَعْرُبِيِّ (تـ 1123 هـ) كان له مكتبة عظيمة تحتوي على سبعين وثلاثمائة وتسعة آلاف (9370) مجلداً مخطوطاً، وأنشد مفتخراً بها، وبالغ حتى قال إنه لا يَجْمَعُ مثلها أحدٌ، وفي ذلك أنشد:
لَنَا كُتُبُ فِي كُلِّ فَنَّ كأَنَّها جنانُ بِها مِنْ كُلِّ مَا تَشْتَهِي النَّفْسُ جرى حُبُّهَا مِنِّي وَمِنْ كُلِّ عَالِمٍ ذَكِيُّ الحِجَا وَالفَهْم حيثُ جَرَى النَّفْسُ فلا أبْتَغِي مَا عِشتُ خِلَّا مُؤَانِسًا سِوَاهَا فَنِعْمَ الخِلٌّ لِي وَهِيَ الْأُنْسُ ولَستُ أُرَبَّى أَنْ يَفُوزَ بِمِثْلِهَا على غَابِرِ الأَيَّامِ حِنُ ولا إِنَّسُ ثلاث منين ثمَّ سَبْعُونَ عَدُّها وتِسْعَةُ آلافٍ لَهَا تَمَنُ بَخْس () وقد ذكر سالم الحارثي في العقود الفضية بعض أسماء مؤلفات علماء
الإباضية.
وأما أوعب مؤلَّفَ ذُكِرَ فيه كتب الإباضية فهو «معجم مصادر الإباضية» الذي طبع في طهران. غير أنه كتاب ببليوغرافي، تنقصه الدقة في كثير من أسماء الأعلام، وإضافة كتب لا علاقة لها بالتراث الإباضي، والسبب أن مؤلفه لا ينتمي إلى المدرسة الإباضية، ولذلك صحف كثيراً في أسماء الأعلام،
(8) مقال: مخطوطات إباضية مكتشفة حديثاً في شمال إفريقيا، ص 3، واختفى المؤلف «قسراً» قبل أن يُكتب لمقالاته الأخرى الظهور، رحمه الله تعالى.
(9) العقود الفضية في أصول الإباضية. (1/51)
صفحة 47
52
52
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
وربما ذكر كتابين وهما، واحد والغالب فى عرض المؤلفات ذكر عناوينها دون التوسع في ذكر بداياتها ونهاياتها، وهل هي مطبوعة أو لا زالت مخطوطة، أو
هي مفقودة، كما أن العاطفة - أحياناً - تغلب في عرض هذه المؤلفات، ومن فالحاجة ما زالت ملحة لجمع التراث الإباضي من قبل أهله، وفهرسته وتبويبه، لتأتي المرحلة التالية وهي التحقيق والطبع.
ولا بأس من الإشارة لبعضها بشيء من التفصيل لمن رام أن يتعرف عن
قرب على مؤلفات هذه المدرسة الفقهية العريقة.
1. المدونة الكبرى، لأبي غانم الخراساني
:
تمثل «المدونة الكبرى» لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني (المتوفى أوائل القرن الثالث الهجري)، أحد أهم الأعمال الأولى للتأليف عند الإباضية، دون فيه المؤلف ما وصل إليه من أقوال علماء المذهب الإباضي الذين عاصرهم، أو كانوا قبله، وجمع فيها آراء سبعة من كبار تلاميذ أبي عبيدة، وقد نبه على ذلك في مقدمة كتابه (ص 44) فقال: «سألت الربيع وأبا المهاجر، وأبا المُؤَرّج، وأبا سعيد عبد الله بن عبد العزيز، وأبا غسان مَخْلَد بن العُمُرد، وأبا أيوب، وحاتم بن مَنْصُور، فمنهم من سألته مشافهة، ومنهم من أخبرني عنه من سألهم مشافهة عن الوضوء والصلاة». وقد ذكر أيضاً أبا سفيان محبوب الرُّحَيْل، وعبد الله بن عَبّاد المصري، وأبا المعروف شُعيب. وتتألف المدونة من اثني عشر كتاباً على اختلاف في بعض النسخ في التسمية والعد) هي: كتاب الصلاة، الزكاة، الصوم النكاح، الطلاق، الهبة والنَّحْلَة، الأحكام والأقضية، الوصايا الشهادات الديات، الأشربة والحدود، البيوع.
بن
منهج السؤال والجواب هو السائد في كتاب المدونة، وأصله تقييدات إجابات المشايخ عن أسئلة التلاميذ، وأغلبها أسئلة وجهها أبو غانم إلى عبد بن عبد العزيز، وأبي المؤرّج عمر بن محمد القدمي، والربيع بن حبيب
الله (1/52)
صفحة 48
من كتب المذهب الإباضي
53
البصري، وقد استشهد أبو غانم بالقرآن الكريم في مواضع كثيرة للاستدلال بها، ولتفسيرها أحياناً، كما كان للسنة النبوية وجود في هذا التأليف، بل تعتبر من أهم مصادر الإباضية في الحديث، بعد مسند الربيع. ويشار إلى أن أبا غانم الخراساني ركز في تعامله مع السنة النبوية على أمرين: الأول: تعظيم السنة وتقديمها على الرأي. والثاني: الاحتياط الشديد في قبول الروايات، كما هو الشأن في مدرسة أهل العراق. كما اعتمدت المدونة» على أقوال الصحابة، كأبي بكر، وعمر، وابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن مسعود، وغيرهم، رضي الله عنهم أجمعين. واحتوت على آراء فقهاء المسلمين من غير الإباضية، كإبراهيم النَّخَعِي، وشُرَيْح القاضي، والحَسَن البَصْرِي، وربيعة الرأي، وأبي حَنِيفةً، وصاحبه محمد بن الحسن الشيباني وغيرهم، مما يجعل «المدونة» كتاب فقه مقارن طبعت المدونة عدة طبعات، منها:
- الطبعة التي خرجت في سنة 1974 م، في مجلدين، ونشرتها دار اليقظة بلبنان، برعاية وتقديم سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، وسماها «المدونة الكبرى»، وهي طبعة مكتوبة باليد، وأعادت طباعتها بعد وزارة التراث القومي والثقافة بعمان، سنة 1984. - طَبَعَتْها أيضاً وزارة التراث القومي والثقافة بعمان، سنة 1984 باسم «المدونة الصغرى» في مجلدين وهما مدونة واحدة، لا كما كان يظن في السابق أنهما اثنتان کبري و صغري (10)
وطبعت في مكتبة الجيل الواعد، بعُمان، في مجلد سنة 2006، بتحقيق و ترتيب يحيى بن عبد الله النبهاني وإبراهيم بن محمد العساكر، باسم «مدونة أبي غانم الخراساني»، وألحق بها المحقق «كتاب ابن عباد»
و «كتاب الربا».
(10) مقدمة المحقق مصطفى باجو للمدونة الكبرى، 53/ 1. (1/53)
صفحة 49
54
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
- طبعة أخرى لوزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان، في ثلاث مجلدات، سنة 2007، بتحقيق الدكتور مصطفى بن صالح باجو، باسم «المدونة الكبرى»، ومعها تعليقات الشيخ امحمد اطفيش، وهي من الطبعات الجيدة، ولعلها أجود ما طبع؛ لما فيها من توثيق لاسم الكتاب،
01
جَمْع لنسخ الكتاب الخطية المتناثرة، والتحقيق الدقيق، وفق المناهج
العلمية المتبعة.
2. كتاب الجامع لابن بَرَكَة:
عبد
من أهم مؤلفات ابن بركة «كتاب الجامع»، بل ربما يُعد أهم ما أُلف في القرن الرابع الهجري من حيث التحقيق الفقهي عند الإباضية، ألّفه أبو محمد الله بن محمد بن بَرَكة البهلوي العُماني (توفي في القرن الرابع الهجري)، وقد استفاد ابن بركة من كتاب ابن جعفر الإزكوي المسمى بـ «الجامع» أيضاً، وفَاقَهُ في التبويب والتأصيل والتفريع، ولذلك عُدّ من المؤلفات الفريدة للإباضية في القرون الأولى، وأصبح محور محور علم الأصول عند المشارقة على الخصوص، حتى اصطلحوا على الإشارة إليه باسم (الكتاب)))) (11) اهـ. وطبع مرات، منها الطبعة التي صدرت بتحقيق عيسى يحيى الباروني، سنة 2007، وصدرت عن وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان، وحبذا لو يعاد تحقيقه وفق القواعد المتبعة عند أهله المتقنين.
3. مسند الربيع بن حبيب:
هو أقدم مسند في الحديث محفوظ بأيدي الناس، دونه الإمام الربيع (المتوفى نحو 175 هـ) وفق مسانيد الصحابة، ثم رتبه أبو يعقوب يوسف بن
(11) منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 38. (1/54)
صفحة 50
من كتب المذهب الإباضي
S
55
إبراهيم الوارجلاني (المتوفى سنة 570 هـ) على حسب أبواب الفقه، وسماه ترتيب المسند، فانكب الناس عليه وتركوا ترتيب الأصل. وقيل: إن ترتيبه على الأبواب الفقهية كان من الربيع بن حبيب نفسه (12).
يحتوي المسند المطبوع على أربعة أجزاء: الجزءان الأول والثاني من تصنيف الربيع، وعدد أحاديثه 742 حديثاً، وجل الأحاديث ثلاثية السند: الربيع، عن أبي عبيدة، عن جابر، عن الصحابي، عن رسول الله. وأما الثالث والرابع فمن إضافة الوارجلاني المُرَتِّب، يشمل الجزء الثالث على آثار الرّبيع في الحجة على مخالفيه وأغلبها في مسائل الاعتقاد، وعددها 140 حديثاً والجزء الرابع؛ يشتمل على روايات محبوب بن الرحيل عن الربيع، وروايات الإمام أفلح بن عبد الوهاب عن أبي غانم وغيره، ومراسيل أو مقاطيع الإمام جابر بن زيد. وعددها 203 أحاديث.
يعد مسند الربيع» أقدم مصدر متكامل لنشأة الفقه والاجتهاد عند الإباضية، وقد استشهد المؤلف أيضا بآثار الصحابة والتابعين، لبيان معنى الحديث، أو تأكيد العمل به، أو تخصيصه، وقد قصر روايته في المسند على رجال المذهب، فلم يرو عن غيرهم في مسنده إلا في القليل النادر.
حوى المسند أحاديث طائفة من الصحابة بلغت (45) صحابياً، منهم أربعة من أمهات المؤمنين، والخلفاء الأربعة، وهؤلاء بعضهم مرتبين على حسب كثرة روايتهم: عبد الله بن عباس (150) حديثاً)، أبو هريرة (72)، أم المؤمنين عائشة (68)، أبو سعيد الخدري (60)، أنس الخدري (60)، أنس بن مالك (40)، عبد الله بن عمر (20) عُبادة بن الصامت (15) جابر بن عبد الله الأنصاري (12) عمر بن الخطاب (9) خالد بن زيد الأنصاري (9)، على بن أبي طالب (5)
(12) مقدمة حاشية على مسند الإمام الربيع، ص 45 وما بعدها. (1/55)
صفحة 51
56
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
أسامة بن زيد (5)، معاوية بن أبي سفيان (3)، أبو بكر الصديق (2)، عثمان بن عفان (2) وغيرهم، رضى الله عنهم 3
(13)
وقد حاول بعض الناس نفي صحة هذا الكتاب جملة، وأنه موضوع كله
ولا تصح نسبته إلى الربيع، بل هو من عمل الوارجلاني المُرتب! وهذا مردود، فلا يُعرَفُ أنَّ الإباضية اشتهر عنهم الوضع، بل يُعدُّون من أصدق الناس حديثاً فى الجملة، فلا يُعلَم - على مر التاريخ الإسلامي - أنّ إباضياً واحداً وَضَعَ حديثاً في أي شأن كان.
وره
ثم إن هناك من المؤلفين الإباضيين من استشهد بأحاديث من المسند قبل الوارجلاني، فقد استشهد ابن بركة في «الجامع» (توفي في القرن الرابع) بأحاديث من المسند، منها ما ذكره من حديث سعيد بن جبير قال: «سألتُ ابن عباس عن فاتحة الكتاب قال: هي أم القرآن، ثم قرأها فقرأ: بس الرحمن الرحيم، وقال: إنَّها آية من كتاب الله. ولا أعلم بين أصحابنا خلافاً أنَّها من السبع المثاني)) ()
(14)
بسم
الله
- ولفظ الربيع بن حبيب: «أبو عبيدة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: فَاتِحَةُ الكِتَابِ هِيَ أُمُّ القُرْآنِ فَقَرَأَهَا، وَقَرَأَ فِيهَا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَقال: إِنَّهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ الله». قال الرّبيع: قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: وَقَدْ رَوَى معيد بن جبير عن ابن عبّاس مِثْلَ هَذَا» (15).
وه و
كما استشهد أيضاً بحديث النبي من طريق أنس أنه: «صلى الظهر ذات يوم، جلس ثم قال: سَلُونِي عَمَّا شِئْتُم، ولا يسألني اليوم أحد منكم عَنْ
(13) انظر باقيهم في: رواية الحديث عند الإباضية، ص 61 وما بعدها.
(14) الجامع لابن بركة، 83/ 1.
(15) مسند الربيع كتاب الصلاة، باب في القراءة في الصلاة، ص 63، رقم 227. (1/56)
صفحة 52
57
من كتب المذهب الإباضي شيء إلا أخبرتُهُ؛ فقامَ الأقرع بن حابس فقال: يا رسول الله، الحج علينا واجب كل عام؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه فقال: والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَفْعَلُوا، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا لَكَفَرْتُمْ، وَلَكِنَّ إِذَا
نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (16).
ة
- وهو نص الرَّبِيعِ في مسنده قال: أبو عبيدة، عن جابر بن زيد، عن أنس بن مالك قال: إِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظهر ذَاتَ يَوْمٍ فَجَلَسَ فَقال: سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، وَلاَ يَسْأَلني أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ شَيْءٍ إِلا أَ أَخْبَرْتُهُ بِهِ، فَقَالَ الأَقْرَعُ بنُ حَابِ يَا رَسُولَ اللهِ الْحَجُّ عَلَيْنَا وَاجِبٌ فِي كُلِّ عَامٍ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ: حَتَّى احْمَرَّت وَجْنَتَاهُ، وَقال: وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَفْعَلُوا، وَلَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَكَفَرْتُمْ، وَلَكِنْ إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (17).
وانظر أيضاً أحاديث الربيع في جامع ابن بركة 286/ 1 و 305/ 1 و 314/ 1 و 323/ 1 و 329/ 2 و 481/ 2 وغيرها كثير
(18)
كما أورد الكندي (المتوفى سنة 508 هـ) في «بيان الشرع»: «حديث أبي عُبَيْدَةَ، عَنْ جَابِرِ بْن زَيْدٍ، عَنْ عَائِشَة رضى الله عنها، قَالَتْ: إِنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْس وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَت ذلك لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: آمرهَا فَتَعْتَسِل ثُمَّ تُهلّ»، وبه قيل أيضاً إن عَائِشَةَ قَالَتْ: «إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ النَّبِي حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَحَابِسَتْنَا
(16) الجامع لابن بركة، 139/ 1.
(17) مسند الربيع كتاب الحج باب في فرض الحج، ص 101 رقم 399.
(18) وقد تتبعها الأستاذ إبراهيم بو لرواح في بحثه: (مسند الإمام الربيع بن حبيب وكتاب "الجامع" لابن بركة)،
دراسة مقارنة، وطبع سنة 2013 م. (1/57)
صفحة 53
58
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها فى التقريب بين المذاهب الإسلامية
؟ فَقِيلَ: إِنَّهَا قد أَفَاضَتْ فقَالَ: فَلاَ إِذَن (19). وهذان الحديثان موجودان
هي
المسند
برقم 441 و 442
في
(20)
طبع المسند عدة طبعات منها الطبعة التي أشرف عليها نور الدين السالمي لها عدة نسخ من المشرق ونسخة القطب اطفيش، وطبعت في عمان سنة 1388 هـ، في مكتبة الاستقامة. كما أن على المسند تعاليق وحواش وهي:
وجمع
1. «ترتيب الترتيب» لمحمد بن يوسف، اطفيش أعاد ترتيب المسند وفق
اجتهاده، وطبع في الجزائر طبعة حجرية سنة 1326 هـ.
2. «حاشية على كتاب الترتيب لأبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة (المتوفى سنة 1088 هـ) المعروف بالمحشي، طبع بوزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان سنة 1983. كما طبعت بدار البعث
القومي
بالجزائر، بتحقيق إبراهيم محمد طلاي، بلا تاريخ 3. شرح المسند نور الدين السالمي وأسماه «شرح الجامع الصحيح»، في ثلاثة أجزاء، وهو شرح للجزأين الأولين من المسند، وطبع في المطابع الذهبية بمدينة «روي»، سلطنة عمان، بلا تاريخ.
4. وجمع فهد بن علي السعدي تعليقات العلماء على أحاديث المسند من خلال مؤلفاتهم، وطبعه باسم «حاشية على مسند الإمام الربيع بن حبيب من 175 هـ إلى 570 هـ) ووضع له مقدمة ضافية أبانت خصائص المسند ورَدَّ الشُّبَة التي دارت حوله وفندها، وطبع في مكتبة الأنفال، بسلطنة عمان، سنة 2006. وغير ذلك الأعمال من المطبوعة والمخطوطة والرسائل العلمية التي تكلمت عن الربيع
ومسنده، وقد مر بنا في ترجمته بعضها.
(19) مسند الربيع، ص 120.
(20) بيان الشرع، 90/ 24. (1/58)
صفحة 54
من كتب المذهب الإباضي
59
وأشير أيضاً إلى بعض الكتب في الفقه والأصول التي تعد من الكتب
المعتمدة في المدرسة الإباضية:
- كتاب «أصول الدَّيْنُونَةِ الصَّافِيَةِ»، العَمْرُوس بن فَتْحِ النَّفُوسِي، طبع
سنة 1999، بوزارة التراث القومي والثقافة، بسلطنة عمان.
الأستاذ
- كتاب «الإيضاح»، لأبي ساكن عامر بن علي الشماخي (توفي سنة 792 هـ)، طُبع في أربع مجلدات بلبنان ونشير بليبيا بتصحيح المربي علي الشاوش، ثم طُبعَ مرة أخرى بإشراف وزارة التراث والثقافة في سلطنة عُمان في ثماني مجلدات.
کتاب «شرح كتاب النَّيلِ وشِفَاءِ العَلِيل»، لمحمد بن يوسف اطفيش، منها طبعة أخرجتها وزارة التراث القومى والثقافة بسلطنة عُمان سنة 1986، في 17 مجلداً.
- كتاب «طَلْعَة الشَّمْس وشَرْحها»، في أصول الفقه لنور الدين السالمي، وآخر طبعة له حققها الأستاذ عمر حسن القيام، سنة 2008، بمكتبة الإمام السالمي بسلطنة عُمان، وهي غاية في التحرير والتحقيق وجودة الطباعة.
وغيرها من الكتب التي ألّفها علماء الإباضية على مر العصور، ولكلِّ من الفضل على حسب نيته واجتهاده، فجزاهم الله خيراً.
هذه نبذة مختصرة عن المدرسة الإباضية التى انتشرت بفضل جهود أبنائها من الدعاة، وبفضل احترامها للمدارس الفقهية الأخرى بقيت المدرسة الفقهية الإباضية تتعايش معهم في أماكن وجودهم، وبخاصة المدرسة المالكية، بسبب مجاورتها لها في ليبيا وتونس والجزائر، والمدرسة الشافعية ومجاورتها في عُمان، وبسبب التوافق في كثير من الفروع بين هاته (1/59)
صفحة 55
60
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
المدارس الفقهية، وقد كانت هناك صلات وثيقة بين أبناء هاته المدارس وما يزال، مكنها من التواصل معهم كلّما تجاوزت المذاهب التعصب المذهبي. وإذا اتضحت الصورة عن هذه المدرسة الفقهية لدى الناس علموا أن ما يقال عن هذه المدرسة من قِبَل كُتاب المقالات فيه كثير من التَّجَنِّى، فمن جهل شيئاً عاداه كما يقال، والناس أعداء لما جهلوا. والصفحات التالية فيها نقولات وكتابات تبيّن أن التقارب بين المدارس الفقهية التي ترجع إلى نفس الأصول سهل ميسر لمن أراده، ولم يُعمه التعصب عن رؤية الحق، وأن الاختلاف محمود إذا صدر عن مُتَأَهلِ. (1/60)
صفحة 56
روح التقريب في المذهب الإباضي
من خلال ما تم عرضه في الصفحات السابقة يمكن أخذ فكرة ولو يسيرة عن المدرسة الإباضية وبعض أعلامها، وأنها لا تختلف عن المدارس الفقهية الأخرى إلا في مسائل معدودة في الفقه لا يعد الخلاف فيها خلافاً في الأصول، بل هو خلاف فرعي، ومن ثم فقد كان هناك تقارب منذ القرون الأولى التي دُوِّنَ فيها الفقه الإسلامي، قد يبتعد هذا التقارب وقد يقترب، بحسب الظروف السياسية ونشاط التعصب المذهبي من كل طرف في فترات من التاريخ، وبسبب مجاورة المدرسة الإباضية للمدرسة المالكية والشافعية في شمال إفريقيا وعُمان وُجِدَ هذا التقارب بين هاتين المدرستين أكثر من غيرهما، وإن المتتبع لتأليف الإباضية يجدهم ينقلون عن غيرهم من بقية المذاهب، في الفقه والحديث، وغيرهما، ولعل كتاب «الجامع» لابن بَرَكَة البهلوي خير مثال على هذا التقارب.
ففي مجال الفقه ينقل ابنُ بَرَكَة أقوال مالك والشافعي وأبي حنيفة، وكتابه طافح بالنقل عنهم، بل إنَّ عِبَارَتَهُ الآتية تُعَدُّ مثالاً واضحاً للاحترام الذي يكنّه لهؤلاء الأعلام الأفاضل، ففي كلامه عن علة ربا الفضل في الأصناف الستة الواردة في الحديث النبوي نَقَلَ قَوْلَ الشافعي ومالك وأبي حنيفة فقال: «ألا ترى أنهم قد اختلفوا في العلل التي قد أثبتوها أُصولاً لهم وتأويلاً يرجعون إليه، ومعقلاً يفزعون إليه في استنباط الحكم عند الحوادث النازلة بهم، التي لا نص عليها باسمها. فقال الشافعي: عِلَّةُ الربا في المأكول (1/61)
صفحة 57
62
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
دون غيره، وخالفه عاقل مثله وهو مالك بن أنس فقال: عِلَّةُ الربا الاقتيَاتُ والادّخار، وخالفهما عاقل مثلهما، وهو أبو حنيفة فقال: علة الربا الكَيْلُ والوزن. فانظر رحمك الله إلى هذا النقل الذي يوزن بميزان الذهب ووصفه للأئمة الأعلام بالعقل، وإن اختلفوا في الفهم.
وهذا كتاب «الإيضاح العامر بن علي الشماخي أيضاً (المتوفى سنة 792 هـ) الذي يعد من كتب الفقه المقارن، حيث ذكر أقوال الفقهاء الأربعة الأئمة وغيرهم، ويستشهد بأحاديث رواها البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وغيرهم، وقد بَيَّنَ ذلك المصححون الذين خدموا الكتاب في الحاشية.
ويقرر ابنُ بَرَكة في كتابه «الجامع» بأن الرواية الصحيحة مقبولة ممن جاء بها من أهل المذهب أو غيرهم، والعبرة دائما هي توفر شروط صحة السند، والمتن، فيقرر هذا المعنى بقوله: «ولسنا ننكر أخبار مخالفينا فيما تفردوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها، لأنّا قد علمنا فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم يعلم بفساده أن يكون صحيحاً، وإن لم ينقلها معهم أصحابنا، لما يجوز أن يكون البعض من الصحابة علم بالخبر أو بعض الأخبار، ولم يستفض (2) في الكل علم ذلك الخبر، ولم يشتهر بينهم، وقد تختلف الأخبار بيننا وبينهم لتأويلها، أو لانقطاع بعض الأخبار أو اتصالها، وقلة حفظنا فيها، وقد كان بعض الصحابة يصل إلى النبي، أو الرجل يصل إلى الصحابي، وقد ذَكَرَ بَعْض الخبر، ومنهم من ينسى مِنَ الخبر شيئاً فيُغَيّر معناه أو يزيد فيه، والصحيح منها ما أيّده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك ... » (3).
(1) الجامع لابن بركة 101/ 1، تحقيق عيسى الباروني.
(2) في المطبوع: يستقص. وما أثبت أسد من نسخة مخطوطة موجودة بوزارة الأوقاف العمانية برقم (086 AK)،
صفحة 225
(3) الجامع لابن بركة، 547/ 1، وانظر أيضاً قراءات في فكر ابن بركة، ص 51. (1/62)
صفحة 58
روح
التقريب المذهب الإباضي
63
كما ينقل أبو غانم الخراساني في «المدوّنة» آراء الفقهاء غير الإباضية، كإبراهيم النَّخَعِي، وشريح القاضي، والحسَن البَصْري، وربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي، وأبي حنيفة، وصاحبه محمد بن الحسن الشيباني، وعمر بن عبد العزيز الخليفة العادل، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم، على تفاوت في النقل عنهم كثرة وقلة، وقد ورد ذكر إبراهيم النخعي زهاء أربعين مرة، بل إن أبا غانم - في مسألة وصية الميت في مرضه ـ يعرض حواراً مع شيخه في اعتماده على قول النَّخَعِيّ وعُدُوله عن قول فقهاء مذهبه. ففي المدونة أن الله بن عبد العزيز قال: قول إبراهيم أعدل عندي وبه نأخذ»، كان لا يجيز وصية الميت فى مرضه، فقال أبو غانم لشيخه ابن عبد العزيز: «سبحان الله! أتأخذ بقول إبراهيم وتدعُ قول جابر وأبي عبيدة (4)؟! قال لي: أنت رجل مقلّد، وما لى لا آخذ بقول من أرى قولَه عَدلاً، نافيًا لريبة في نفسي، ومبعدا عن مقارفة الخطا والأخذ بالثقة قول إبراهيم، فاعتمد عليه» (5).
عبد
لنفاسته،
يعني: أنه
وقد ذكر أبو غانم في «مدونته» باباً سماه «الاختلاف في الرأي» أَنْقُلُهُ كله فيه أن الاختلاف بين السَّلَفِ واسع لا بين ينبغي أن يُنكر فقال: سألت أبا المُؤَرِّج عن الاختلاف فى الرأي واختلاف السلف قَبْلَنَا في رأيهم، أليس قد يسعهم الاختلافُ ولم يبرأ بعضهم من بعض؟ قال: بل ذلك واسع. قلتُ: فإِنْ أَخَذَ بَعْضُ الناس ببعض أقاويلهم وهو خلاف لما اجتمع عليه المسلمون)، هل يبرأ بعضهم من بعض أم لا؟ فقال لي مُغْضَبًا: ما حَمَلَكَ على البراءة يا هذا! إنك إليها السريع، ما يَسَعُ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَهُوَ فَهُوَ يَسَعُنَا» (7). اهـ.
(4) جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. (5) المدونة الكبرى لأبي غانم تحقيق باجو 78/ 3 كتاب الوصايا، وانظر مقدمة المحقق جزاه الله خيراً، 63/ 1
و 64. وكذلك 32/ 3 و 34 و 35، 51.
(6) يعني: خالف بعض الفقهاء الآخرين ما عليه الإباضية. لما مر أن لفظ المسلمين كان يُطلق في المصنفات الأولى على الإباضية.
(7) مدونة أبي غانم الخراساني ملحق بها كتاب ابن عباد وكتاب الربا، ص 521 و 522. تحقيق وترتيب يحيى النبهاني وإبراهيم العساكر. (1/63)
صفحة 59
64
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
وقد ذكر أبو العباس الدّرْجِينِي في طبقات المشايخ بالمغرب» في ترجمة أبي يعقوب يوسف بن خَلَّفون المزاتي الإباضي (المتوفى في القرن السادس) أنه كان كثير المطالعة لكتاب الإشراف على مذاهب العلماء لأبي بكر ابن المنذر الفقيه الشافعي (8)، وغيره من التصانيف في علم الخلاف (9) والناظر في كتابه المطبوع باسم «أجوبة ابن خلفون» يرى هذا الأثر واضحاً. كما علق على «الإشراف» الشيخ أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي
العُماني الإباضي (كان حيا سنة 372 هـ) وسمى كتابه «زيادات الإشراف»، وقد عُثر على أجزاء قليلة منه وفقد معظمه، وقد جمع الباحث إبراهيم بو الرواح ما عُثر عليه من مخطوط، وطَبَعَهُ في أربعة أجزاء في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بسلطنة عُمان سنة 2011، وباقي المخطوط في عداد المفقود إلى الآن.
وها هو الشيخ محمد بن إبراهيم الكِنْدِي (المتوفى سنة 508 هـ) في موسوعته بيان الشرع المطبوع في 71 مجلداً يستشهد بأقوال ابن المنذر الشافعي في كتابه الإشراف على مذاهب العلماء»، وكتابه مليء بعشرات بل بمئات النقولات، وكأنه وضع كتاب «الإشراف» أمامه، أو «زيادات الإشراف» للكدمي، ناقلاً. منه تارة، وناقدا أخرى منها:
- قوله في بيان الشرع 5/ 8: «في الأمواه من كتاب الإشراف: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في البحر: «هو الطهور ماؤه والحل ميتته»، وممن روينا عنه قال: «ماء البحر طهور»: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وابن عباس، وعقبة بن عامر، وبه قال عطاء، وطاووس، والحسن البصري، ومالك وأهل
(8) طبع كتاب الإشراف بمكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة - الإمارات العربية المتحدة، بتحقيق صغير أحمد الأنصاري، سنة 2004، في عشرة أجزاء الأخيران للفهارس، وهي أجود طبعاته وأكملها. (9) طبقات المشايخ بالمغرب، 496/ 2. (1/64)
صفحة 60
روح التقريب المذهب الإباضي
65
المدينة، وسفيان الثوري وأهل الكوفة، والأوزاعي، وأهل الشام، والشافعي، وأحمد بن حنبل». انتهى. وهذا النص موجود بتمامه في «الإشراف» 124/ 1. وانظر بيان الشرع، الجزء الثامن الصفحات 10 و 25 و 35 و 39 و 42 و 48 و 61 و 67 و 73 و 91 و 131 و 179 وغيرها كثير في مئات النقول، بحيث يستطيع القارئ أن يستخرج تعليقة للكندي على كتاب «الإشراف»، رحمهم أجمعين، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
الله
وقد استشهد أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة السدويكشي (الشهير بالمُحَتَّى) (المتوفى سنة 1088 هـ) في كتابه «حاشية الترتيب»، بكثير من أقوال الأئمة الأعلام (10): الشافعية والمالكية، والحنابلة، والأحناف، وتجد فيه أيضاً نقولات كثيرة عن البخاري في صحيحه، وعن الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح وابن دقيق العيد، والبيضاوي، والطبري، وابن عبد البر، وابن قدامة، والقاضي ابن العربي، والحافظ ابن الصلاح الشهرزوري، والخطابي، والنووي، والمازري، والبغوي، والزَّرْكشي، والزين ابن المنير، وابن القيم، وغير هؤلاء كثير، إما بالنقل عنهم مباشرة، أو النقل عمن نقل عنهم، وهذا يدل على اعتماده على هؤلاء العلماء الأجلاء، وأنهم كغيرهم علماء الإباضية، في الاحترام والتقدير.
من
كما استفاد الشيخ إسماعيل الجيطالي (تـ 750 هـ) من كتب الغزالي وبخاصة كتابه النافع إحياء علوم الدين، ويبدو هذا واضحاً في كتاب الحيطالي المطبوع «قَنَاطِرُ الخَيْرَات».
وإذا نظرنا إلى جانب تحقيق كتب المدارس الفقهية الأخرى غير الإباضية، نجد أنا أبا إسحاق اطفيش الإباضي المذهب (تـ 1385 هـ) قد ساهم
(10) انظر حاشية الترتيب، 3/ 3 و 7 و 9 و 17 وغيرها. وهو حاشية على كتاب المسند للربيع، الذي رتبه أبو يعقوب
الوارجلاني. (1/65)
صفحة 61
66
66
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
مساهمة كبيرة في تحقيق تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن»، المطبوع في دار الكتب المصرية، وهي أجود الطبعات إلى الآن، وقد كان صديقا مُقَرَّبًا للعلامة محمود شاكر.
كما أن من مظاهر التقارب ما نراه من قراءة علماء الإباضية لكتب الحديث التي ألفها غيرهم، فها هو غيرهم، فها هو الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض - رائد الإصلاح والتجديد في العصر الحديث بالجزائر - يفتتح سنة 1931 م درس الحديث الشريف بالكتاب العظيم «فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني، وظل يدرسه أزيد من خمس عشرة سنة، ثم اختتمه بحفل علمي سنة 1945 م، مما يدل على مدى اعتماد علماء الإباضية المعاصرين لكتب الحديث المختلفة.
ولا أدل لهذا التقارب من اعتماد شيخ المحدثين وأمير المؤمنين في الحديث أبي عبد الله البخاري على رجال ينتمون إلى المذهب الإباضي، منهم الوليد بن كثير المخزومي، أبو محمد المدني المتوفى سنة 151 هـ، وإن كان الإباضية لا يذكرون هذا العلم ضمن أعلامهم المعروفين، ولكن اعتماد هذا العلم من قبل البخاري في جامعه قد اجتاز القنطرة - كما يقال.
ومن مظاهر التقارب الواضح عند الإباضية ونبذ العصبية في مكة المكرمة - شرّفها الله - ما أخبرني به والدي - حفظه الله ـ أن الإباضية رفضوا أن يكون لهم مقام في مكة المكرمة يُصَلُّون خلف إمام منهم، كما هو معمول به في وقت من أوقات التاريخ عند المدارس الفقهية الأخرى ـ الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة - ثم وجدتُ القصة ذكرها الشيخ اطفيش في رسالته في الرد على العقبي»، وفيها أن السلطان برغش بن سعيد الإباضي (حكم من 1870 - 1880 م) عَرَضَ عليه شريفُ مَكَّةَ حين إقامته بها أن يتخذ له وللإباضية مقاماً كمقام الشافعي، فردّ عليه السلطان قائلاً: لا أقبل؛ لأن اتخاذ (1/66)
صفحة 62
روح التقريب المذهب الإباضي
67
المقامات في المسجد الحرام، بدعة، ولا مقام إلا مقام إبراهيم، ولو قَبِلْتُ لَعَدَّه أصحابي الإباضية كبيرة، ولو اتخذته لم يقف فيه أحد منهم، ولازدادت المقامات فيه لأصحاب المذاهب (11). يعني أنه في كل زمن يُزاد مقام جديد لمذهب ما، فتضيع هيبة الإسلام ووحدة المسلمين في أقدس بقعة تتوجه إليها أبدانهم في كل يوم. وقد سُئل المُحَقِّق الخليلي سعيد بن خلفان (تـ 1287 هـ) عن حكم المشبهة الذين يقولون باليد والوجه لله على حقيقتها ولا يؤوّلونها، هل هُم مشركون؟ فأجاب السائل بشيء من الزجر فقال: «إياك ثم إياك أن تعجل بالحكم على [أحدٍ من أهل القبلة بالإشراك من قبل معرفة بأصوله، فإنه موضع الهلاك والإهلاك (12).
هذا قليل من كثير مما يدل على احترام الإباضية ومرونتهم وتسامحهم في معاملة سائر فرق الأمة الإسلامية، التي تتفق في الأصول ولا تختلف إلا في الفروع منها، إذ لم يُخرجوا أحدًا من المِلَّةِ ما دام يدين بالشهادتين، ولا يُنْكِرُ
شيئا مما علم من الدين بالضرورة، وفي ذلك يقول نور الدين السَّالِمِي
ونحن لا نُطَالِبُ العِبادا فوق شَهَادَتَيْهِمُ اعْتِقَادًا ومَنْ أتى بالجُمْلَتَيْنِ قُلْنَا: إخواننا، وبالحُقُوقِ قُمْنا
:
(13)
وقد تَوَسَّعَ في هذا الموضوع، وأبرز كثيراً من نماذج التقارب بين الإباضية الأستاذ الفاضل إسماعيل بن صالح الأغبري في «سلسلة حلقات: أمة خالدة وأعده للنشر سنة 2011، وبخاصة الحلقتين الثامنة
وغيرهم
أضواء على
والتاسعة: «التواصل الثقافي الفقهي» و «التواصل الثقافي بين الإباضية وأهل
(11) رسالة في الرد على العقبي ص 48، ورسالة سلم العامة والمبتدئين، ص 66 وما بعدها. (12) تمهيد قواعد الإيمان، 224/ 1، وانظر الحق الدامغ، ص 13.
(13) كشف الحقيقة مع أنوار العقول، ص 25. (1/67)
صفحة 63
68
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها فى التقريب بين المذاهب الإسلامية
السنة ولعله قد طبع، ولا ننسى الجهود التي بدأها الشيخ علي يحيى معمّر، رحمه الله واستمر عليها الشيخ الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان حفظه الله، الذي يدعو في معظم مؤلفاته ودروسه إلى التقارب بين المدارس الفقهية، واحترام الآخر، فجزاهم الله خيراً.
هذا آخر ما أردت جمعه في هذه الرسالة، ولم أتعرض لمسائل الإباضية في العقيدة، أو السياسة، ولعل الله أن ييسر كتابتها في طبعة أخرى، أسأل الله لها القبول وعموم النفع، وأن يرحم مشايخنا وأساتذتنا، ومن له حق علينا ولجميع المسلمين والمسلمات، وأن يجمع شمل هذه الأمة على كلمة سواء إنه
سميع
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. (1/68)
صفحة 64
فهرس المصادر والمراجع
1 الإباضية مذهب إسلامي معتدل (1) علي يحيى معمّر، قدّم له وعلّق عليه
أحمد
بن سعود السيابي، الطبعة الثالثة 1994 المطبعة العربية غرداية -
الجزائر.
2. أحاديث مسند الربيع من خلال جامع ابن بركة، إبراهيم بولرواح، نسخة مرقونة على الحاسوب.
3 أشعة من الفقه الإسلامي، الفقه والتشريع مدخلاً وتاريخا، مهني عمر التيواجني، 2001 معهد العلوم الشرعية، مسقط
4. أصول الدينونة الصافية، أبو حفص عمروس بن فتح النَّفُوسِي، تحقيق كروم، الطبعة الأولى، 1999، وزارة التراث القومي
حاج أحمد بن حمو والثقافة، مسقط - سلطنة عمان.
أحمد
بن
5 تاريخ أسماء الثقات ممن نُقل عنهم العلم، أبو حفص عمر بن شاهين، تحقيق عبد المعطي أمين، قلعجي، الطبعة الأولى، 1986، دار الكتب
العلمية، بيروت - لبنان.
6. التاريخ الكبير، أبو عبد الله البخاري، دون تاريخ، مصورة عن طبعة حيدر أباد، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.
(1) طبعه الأستاذ محمد بو حجام أيضاً في الجزائر باسم: «الإباضية: دراسة مُرَكَّزَةٌ في أصولهم وتاريخهم». والأوراق التي طبع عنها الكتاب لا تحمل عنواناً، فعمل كل واحد ما رآه أنسب لمحتواه. (1/69)
صفحة 65
70
70
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
7. تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان، المحقق الخليلي سعيد بن خلفان (تـ 1287 هـ)، الطبعة الأولى، 1986، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان.
8 الحق الدامغ، أحمد بن محمد الخليلي، الطبعة الثانية 2008، دار الحكمة لندن. 9. الحق المبين في الرد على صاحب العرفان مجموعة من العلماء، الطبعة الثانية، 1988 وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان.
10. دراسات عن الإباضية عمرو خليفة النامي ترجمة ميخائيل خوري، الطبعة الأولى 2001، دار الغرب الإسلامي، بيروت ـ لبنان.
11 سؤالات ابن الجنيد لأبي زكرياء يحيى بن معين، تحقيق أحمد محمد نور سيف، الطبعة الأولى 1988 مكتبة الدار المدينة المنورة.
،
12. سلسلة حلقات: أضواء على أمة خالدة، إسماعيل بن صالح الأغبري، مرقونة على الآلة الكتابة، سنة 2011.
13. طبقات المشايخ بالمغرب، أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، تحقيق إبراهيم طلاي، دون، تاريخ مطبعة البعث، قسنطينة - الجزائر.
14 طلعة الشمس شرح شمس الأصول نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، تحقيق عمر حسن القيام، الطبعة الأولى، 2008، مكتبة الإمام السالمي، سلطنة عُمان.
15. الفَرْقُ بين الفِرق، عبد القاهر بن طاهر البغدادي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد 1995 المطبعة العصرية، صيدا - لبنان.
16. كتاب الجامع، أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي العُماني ت القرن الرابع الهجري)، تحقيق عيسى يحيى الباروني، 2007، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان. (1/70)
صفحة 66
فهرس المصادر والمراجع
71
17. كتاب السير، أبو العباس أحمد بن أبي عثمان الشماخي، تحقيق محمد حسن، الطبعة الأولى، 2009، دار المدار الإسلامي، بيروت ـ لبنان.
18. مختصر العدل والإنصاف، أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي، 1984، طبع وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
19. معجم أعلام الإباضية من القرن الأول الهجرى إلى العصر الحاضر، (قسم المغرب الإسلامي)، تأليف: محمد بن موسى بابا عمي، إبراهيم بن بكير بحاز، مصطفى بن صالح، باجو، مصطفى بن محمد شريفي، الطبعة الثانية، 2000، دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان.
20. معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية قسم المشرق)، من القرن الأول الهجري إلى بداية القرن الخامس عشر الهجري، فهد بن علي بن هاشل
السعدي، الطبعة الأولى، 2007، مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عمان.
21. معجم مصطلحات الإباضية، تأليف مجموعة من الباحثين، الطبعة الأولى، 2008 وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان.
22 منهج الاجتهاد عند الإباضية، مصطفى صالح باجو، الطبعة الأولى، 2005، مكتبة الجيل الواعد، مسقط - عُمان.
23. النقد الجليل للعتب الجميل، أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، الطبعة الأولى، 1993، مكتبة الضامري، سلطنة عمان. (1/71)
صفحة 67
فهرس الموضوعات
تقديم توطئة
تمهيد في التعريف بالمذهب ونشأته
أصول المذهب الإباضي
أولاً: المصادر الأصلية
المصدر الأول: القرآن الكريم
المصدر الثاني: السنة النبوية
المصدر الثالث: الإجماع
المصدر الرابع: القياس
ثانياً: المصادر التبعية
الإباضية فى كُتُب المقالات والفرق
من أعلام المذهب الإباضي
1. الإمام جابر بن زيد (إمام المذهب)
2. عبد الله بن إباض التَّمِيمِي
3 أبو عُبَيْدَة مُسلم بن أبي كَرِيمة (1/73)
صفحة 68
الإباضية: أصولها وأعلامها وأثرها في التقريب بين المذاهب الإسلامية
4. الربيع بن حبيب الفراهيدي
5. محمد بن بكر الفَرْسَطَائِي
6. امحمد بن يوسف اطفيّش
7. إبراهيم بن عمر بيوض
74
74
من كتب المذهب الإباضي المعتمدة في الفقه وأصوله والحديث
توطئة
1 المدونة الكبرى، لأبي غانم الخراساني
2. كتاب الجامع لابن بركة
3. مسند الربيع بن
روح التقريب في المذهب الإباضي
فهرس المصادر والمراجع
فهرس الموضوعات
تم بحمد الله (1/74)