صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الدين
------------------------------------------
العنوان: الإرشاد في شرح مهمات الإعتقاد
المؤلف: سيف بن ناصر بن سليمان الخروصي
تقديم: مهنا بن خلفان بن عثمان الخروصي
الناشر: مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1420ه/ 1999م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 2
أصله: مخطوط
الإيداع القانوني: 99/180
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
ج1:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1456&id_ty=1
ج2:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1457&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/146
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 15 شوال 1446ه/ 14 - شهر 04 - 2025م. الإرشاد في شرح مُهمات الإعتقاد
تأليف الفقيه العلامة الورع الشيخ
سيف بن ناصر بن سليمان بن علي الخروصي
الجزء الأول
الطبعة الأولى
1420 ه/ 1999 م (1/1)
صفحة 2
الانشاد
في شرح مُهمات الإعتقاد
تأليف الفقيه العلامة الورع الشيخ
سيف بن ناصر بن سليمان بن علي الروحي
الجزء الأول
الطبعة الأولى
1420 هـ / 1999 م (1/2)
صفحة 3
الناشر
مكتب المستشار الخاص بجلالة السلطان
للشئون الدينية والتاريخية (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
سم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواجب وجوده المستفيض كرمه وجوده نشهد له بالوخلانية والقدم والبقا و نسيم عين بالتركيب والحدوث والفنا ونصلي ونسلم على خاتم الرسل الكملة بلاريب المعصوم في اقواله وأفعاله من الوحمة والعيب وعلى اله واصحابه المتولين القيام بدبنه الواقعين على حدود الشرع مع تقبيحه وتحسينه اما بعد فاني كنت قد وضعت رسالة في الاعتقاد وافية مع صغر حجمها بالمرار مخيرة عن معتمد المذهب واضحة القواعد جامعة للشوارد سالمتة في الحشر والتطويل سالكة ستيل الاستقامة على منهاج الدليل تمر بعد حين بلالحان أكشف قناعها بما يتشرف الكلمات ناقلاها ما يطابق من كلام الأصما و غيرهم متحريا فيه اصابة الحرو الصواب ورتمانزاده ا نقلته على ما في المتن في المعالي نافلة مني للطلبه والكمال الله عز وجل فمن رأى في شي فرذلك تصورا فهو لقصوري فهما و علما فليات عليه بما يتمه ويكمله وله الأجر الجزيل من كرب الجليل وبالله استعين و لوجنة ونعم الوكيل لا رب غير ولأخير الاخير ة ة ة سم الله الرحمن الرحيم
الكلام على الشمالية والحمد لة كثير شايع ولا باس بالتبرك بشي
فرخل متهما
صورة الصفحة الأولى من المخطوط (1/5)
صفحة 6
حرام نكاح المعاهدة فر الكتابية خلال وما الفرق بين هذه المسائل غيرها فر مسائل الفروع الا التحكم، وقد جمعوا ان فراقة بالجملة فهو مو فر ما لم يضيع سيا بعد قيام الحجة عليهه والى هنا انتهى بنا الكلام على الجزء الأول فركتاب الارشا و يشرح فيهما الاعتقاد والمرشد حق هده وصلاة الله وسلامه علي خير خلقه و اكر ومحبده. ولا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم ان وقد وقع الفراغ فرتسمويد هذه النسخة الأولي فر تاليف شيخنا الفقيه العلة من الفاضل
ميں ناصر سليم ما مر على الخروصي اوام الستر تجاه بين
و جزاه الله عنا خيرا آمين بقلم العبد
الضعيف الغير سر کو حمود الخش
الزاملي بين وكان تمام تار به امن
328
شهر ربيع الاول
بعد امل حجرة النبوية على صاحبها
افضل الصلوة والتحية
4.
صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط (1/6)
صفحة 7
[صفحة فارغة] (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
ترجمة عن المؤلف
:
نبذة عن حياة الشيخ سيف بن ناصر الخروصي (رحمه الله):
نسبه:
بقلم الشيخ مهنا بن خلفان بن عثمان الخروصي
هُوَ الشيخ العلامة سيف بن ناصر بن سليمان بن علي بن ناصر بن سليمان بن سعيد بن علي بن يحيى الخروصي العُماني.
وُلِدَ بقرية ستال، من وادي بني خروص، وتقدر ولادته في عقد السبعين من القرن الثالث عشر هجري، ونشأ في دوحة من الفضل والأدب فيمن عاصرهم، وأخذ عنهم العلم، وهم المشايخ: يحيى بن خلفان، وخميس بن أبي نبهان، وغيرهم من علماء أهل بلاده من بني خروص، وتلقى منهم مباديء العلوم، حتى برع في فن الفقه والعقيدة من أصول الدين، وعوّل في مُؤلّفاته على أراء المشايخ العُظماء: كأبي نبهان، والقطب، ونور الدين
وعلى رأس ثلاثمائة وألف هجري، هاجر من وطنه عمان إلى (1/9)
صفحة 10
زنجبار، وترك والده بعُمان، وقد كان أبوه من رجال الأدب
والفضل، وكان من فُرسان الإمام عزان بن قيس، وقادة رجاله وتوفي بعُمان سنة 1317 هـ. ونعي إليه والده بزنجبار، في رسالة أرسلها إليه الشيخ عبد الرحمن بن خميس بن أبي نبهان ـ كما حكاه الْمُؤلّف بنفسه.
،
وعاش الشيخ سيف بن ناصر بزنجبار، فترة لا تقل من نيف وأربعين سنة، خدم فيها الدولة والمُسلمين بعلمه وعمله، وبها وَلِيَ القضاء برهة حال إقامته فيها، وشرع في تأليف مصنفاته بهذا البلد الطيب، وكان أول مؤلّفاته: " جامع أركان الإسلام "، ثم مُؤلّفه الفائق المُسمى: " الإرشاد في شرح مُهمات الإعتقاد "، وجعله في " جزئين، كما ألف كتاباً سماه: " حلية الأمجاد في الحث على الجهاد "، وقد برع (رحمه الله، في تصنيفه لهذه الْمُؤلّفات
الجيدة.
وهكذا عاش محبوباً بين أقرانه، متدرعاً بوقار من الزهد والورع، حتى توفي رحمه الله عن عُمر يناهز السبعين، وكانت وفاته بزنجبار في: 12 / رجب / 1341 هـ، ولم يترك إلا ولداً واحداً، وهو: أحمد بن سيف، مات بعده بلندن، ولم تكن له ذرية، وبذلك إنتهى عقبه، وبقي ذكره في مُؤلّفاته الخالدة بعلمه
وعرفانه، إنه كريم رحيم.
والله ولي التوفيق،،، (1/10)
صفحة 11
مقدمة (1/11)
صفحة 12
[صفحة فارغة] (1/12)
صفحة 13
{تقريظ}
قال الناسخ / الشيخ حمود بن سالم بن خميس بن طالب بن سيف الزاملي، في مدح كتاب: " الإرشاد في شرح مُهمات الإعتقاد "، تأليف العلامة، الفقيه، الورع
الشيخ سيف بن ناصر بن سليمان بن علي الخروصي والله الموفق للصواب:
،
يا كتاب الإرشاد بالأسعاد جئت بالخير مع ذوي الأمجاد حبذا من كتاب عظيم جليل قد هدانا لنهج سُبل الرشاد وحكي فيه عن أئمة العلم جهراً ليس فيه إلا بلوغ المراد أفصح القول عنهم بكلام يفضح القوم عند أهل السداد وروي عنهم حكايات صدق قد حكوها بل قال في الإسناد فكفى حجة عليهم بما قد أظهروه بكتبهم من ما رأينا في الكتب مثل هداه ومعان به لقمع الفساد هذبته أفكار خبر فقيه وبصير في العلم بين العباد
عناد (1/13)
صفحة 14
ذاك بحر العلوم كنز المعاني فهو عضدي لدفع كل معاد
سيفنا العالم النبيه إمامي حجة الله في جميع البلاد
هداه كُنت تبغي
فالتزمه و ادرسه في كل ناد
يا خليلي إن إن فيه من عويصات علم ليس يدري بها أُولُوا الإلحاد وفراغي من نسخه بكمال فائق الحسن يا أخا الإرشاد يوم سُعد فيه السعادة دامت في زمان يطول في الآباد وصلاة مع السلام دواماً كل وقت على النبي الهادي
وقال تلميذه أبو الحارث مؤرخاً كِتاب: " الإرشاد في شرح مهمات الإعتقاد "، للعلامة، الفقيه، الورع، نادرة الأوان، الشيخ سيف بن ناصر بن سليمان بن علي الخروصي:
حلية العلم سيمة الأمجاد فهو عين الكمال والإمداد أورد الفكر في المسالك تبصر مظهر العلم في خيار العباد
أكسبته
نسبة العلم إن تجلت بعبد وتجلت له من الحق شمس بسماء
بصائر
النقاد
التوفيق
والإرشاد
-18 - (1/14)
صفحة 15
منه كلمات دلت على الإنفراد
برزت في مظاهر الحق و استقامت لنصها بينات نيرات الصوى مع الإسناد فأزاحت بنورها إذ تبدت داجيات الشكوك والإلحاد واستتبت لَهُ الحقائق علماً في مقام اليقين والإعتقاد كالإمام ابن ناصر إذ أتانا بكتاب كالجوهر الوقاد جامع الكل في الحقيقة كنز من علوم ما أن لَهُ من نفاد فعلى الكل فهو آية فضل واهتداء إلى سبيل الرشاد يا جميل الصفات يا مفرد العـ صر كمالاً وواحد الأحاد أنت بحر العلوم في كل فن وعِماد التقى وركن السداد ما لك اليوم في عُلومك نِدُّ أو مثيل بدا لنا في البلاد لك مدحي وقد حلى ولهذا عمَّ شعري حلاوة الإنشاد يا لبشرى الموحدين بسفر نسف الجاحدين نسف الرماد يبهج العارفين كشفاً ونوراً كابتهاج الدُّنيا بصوب العهاد عام تأليفه أتى ضمن بيت يتجلى عليك في الاعداد قل وعلم الكلام عِلم عَزيزٌ قد حواه مُهمة الإعتقاد (1)
607
4.
124
94
122 12.
146
(1) تاريخ الكتاب: 146 + 122 + 140 + 94 + 124 + 90 + 607 - سنة 1323 هجرية.
1101 (1/15)
صفحة 16
[صفحة فارغة] (1/16)
صفحة 17
مهيد
- 17 -
- (1/17)
صفحة 18
[صفحة فارغة] (1/18)
صفحة 19
بلة الحالية
الحَمدُ لِلّهِ الواجب وجوده، المُستفيض كرمه وجوده، نشهد له بالوحدانية، والقدم، والبقاء، ونسم غيره بالتركيب. والحدوث، والفناء، ونُصلي ونسلم على خاتم الرسل الكملة بلا ريب، المعصوم في أقواله وأفعاله من الوصمة والعيب، وعلى آله وأصحابه، المتولين القيام بدينه، الواقفين على حدود الشرع،
مع تقبيحه وتحسينه
أما بعد:
فإني حجمها بالمراد، مُخبرة عن مُعتمد المذهب (1)، واضحة القواعد، جامعة للشوارد، سالمة من الحشو والتطويل، سالكة سبيل الإستقامة على منهاج الدليل، ثم بعد حين، بدا لي أن أكشف قناعها، بما تيسر من الكلمات، ناقلاً لها مَا يُطابق من كلام الأصحاب وغيرهم، مُتحرياً فيه إصابة الحق والصواب،
كنت قد وضعت رسالة في الإعتقاد، وافية مع صغر
(1) المذهب
: ويعني به المذهب الأباضي، كما سيأتي بيانه في التحقيق عن الأباضية، في صفحة رقم (24) من
تحقيق هذا الكتاب.
-19 - (1/19)
صفحة 20
مني
للطلبة،
وربما زاد ما نقلته على ما في المتن من المعاني، نافلة والكمال لله عز وجل، فمن رأى في شيء من ذلك قصوراً، فَهُوَ لقصوري فهماً وعِلماً، فليأت عليه بما يتمه ويكمله، وله الأجر الجزيل من الرب الجليل، وبالله نستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل، لا رب غيره، ولا خير إلا خيره.
والله ولي التوفيق
666
سيف بن ناصر بن سليمان الخروصي
000 (1/20)
صفحة 21
المال الحرارية
الكلام على البسملة والحمدله كثير شائع، ولا بأس بالتبرك بشيء من خدمتهما: فالباء: مُتعلق بمحذوف، أختير كونه متأخراً فعلاً، أي: باسم الله، الألف أو إقرأ، والاسم مشتق من السمو على الأصح، وهو حقيقة المُسمى عند المتكلمين من أصحابنا، وقد يستعمل في اللفظ مجازاً، والله علم على الذات الواجب لذاته، وَهُوَ غير مُشتق على الأصح، وَهُوَ دال على معنى الألوهية، الواجب له الكمال المطلق
وَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: صفتان دالتان على الرحمة التي هي الإنعام، أو إرادة ذلك؛ فعلى الأول: هُمَا صفتا فعل؛ وعلى الثاني: هُمَا صفتا
ذات
الحَمدُ لِلَّهِ وكفى: الْحَمدُ: لُغة الثناء بالكلام على الجميل الإختياري، على جهة التبجيل، وإصطلاحاً: فعل يُنبيء عن تعظيم المنعم، من حيث كونه مُنعماً، عَلَى الحامد أو غيره، سواء كان ذلك قولاً باللسان، أو إعتقاداً بالجنان، أو عملاً بالأركان؛ والشكر لغة، هُوَ الْحَمدُ إصطلاحاً، بإبدال الحامد بالشاكر، وإصطلاحاً إستعمال العبد جميع ما أنعم الله به عليه، فيما خلق من أجله
هذا وفي بعض الكُتب: أن الْحَمدُ، والمدح، والشكر، مترادفة،
-11 - (1/21)
صفحة 22
وقيل: بينهما مُباينة؛ وقيل: عموم و خصوص من وجه؛ وقيل: مطلقاً؛ فمن أراد تحقيق ذلك فعليه بأبي البقاء (1) وكفى، أي: بالحمد عن غيره من الأذكار، لأنه رأس الشكر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: الْحَمدُ رأس الشكر " (2)، ولأنه مُفتتح به كتاب الله تعالى بعد البسملة، ولأنه نوه به تعالى في غير موضع من كتابه، {وَقُلِ الحَمدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعرِفُونَهَا} (3)، {قُلِ الحَمدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} (4)، {وَقُلِ الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي لَم يَتَّخِد وَلَداً} (5)، ولأنه دعاء أهل الجنة: {وَأَخِرُ دَعوَاهُم أَن الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ
العَالَمِينَ} (6) والصلاة والسلام على حزبه أهل الإصطفاء: الصلاة من الله: الرحمة المقترنة بالتعظيم، ومن غيره الدعاء؛ والسلام: التحية؛ فصلاته تعالى على حزبه الذين هم أهل الإصطفاء، أي: الخيرة من خلقه، وهم أهل الإستقامة على دينه، بأن يرحمهم، فيتقبل منهم ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم، وكل ذلك زيادة إنعام عليهم؛ والسلام: تحية منه لهم، لأنها تحية أهل الجنة، قال الله سبحانه وتعالى: {وَتَحِيَّتُهُم فِيهَا سَلَامٌ} (7)، {وَالمَلَائِكَةُ يَدخُلُونَ عَلَيْهِم
أحسن
(1) أبو البقاء: هو: أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، صاحب " الكليات "، كان من قضاة الأحناف، عاش وولي القضاء في " كفه " بتركيا، وبالقدس، وببغداد، وعاد إلى استنبول وتوفي بها عام 1094 هـ، وله كتب بالتركية؛ انظر: هدية العارفين، ص 229، وإيضاح المكنون، ج 2، ص 380،
ومعجم المطبوعات.
(2) انظر الملحق. (4) سورة النمل: 59.
(6) سورة يونس: 10
(3) سورة النمل: 93. (5) سورة الإسراء: 111. (7) سورة يونس: 10.
- YY- (1/22)
صفحة 23
مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرتُم» (1)، وَهُوَ زيادة في تأمينهم وإشعار بعلو قدرهم؛ وأصل الصلاة والسلام: اسما مصدر يطلب بهما زيادة الإنعام من الله تعالى، وزيادة تأمين منه
تنبيه:
جملة البسملة، والحمدلة، والصلعمة: كلها خبرية، لفظاً إنشائية، معنى على الأصح، وعلى رسول الله محمد سيد الأئمة الشرفاء، من عطف الخاص على العام، لأنه داخل في حزبه تعالى، بل هُوَ إمام حزبه، لأنه أفضل المخلوقات، وإضافته إلى الله تعالى مؤذنة بتشريفه، والرسول - كما يأتي -: حُر ذكر من بني آدم، أوحى إليه، وأمر بالتبليغ، ومحمد اسم عَلَم عَليه، قيل: مأخوذ من الحمد، سماه به جده عبد المطلب لسابع يوم من ولادته، فقيل له: لما سميته بمحمد، ولم يكن من أسماء آبائك؟ فقال: رجاء أن يُحمد أمره، الله ذلك من رجائه، وقيل: إنما سمته أمه بذلك، بأمر من قبل من حضرنها حين ولادته من نساء الجنة؛ سيد الأئمة: السيد من يتولى للسواد، أي: الجماعة الكثيرة، ويلزم أن يكون أعظمهم، والمقصود تعظيمه، وفيه إشارة أنه أفضل الكُل، لأنه إذا كان سيد الأئمة فما ظنك بالمأمومين، قال: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر " (2)، والأئمة جمع إمام، وَهُوَ المُقتدى به في كل شيء، والمراد هنا: من يُقتدى به في الرشد، كالرسل، والأنبياء، والعُلماء. والأتقياء؛ والشرفاء: جمع شريف، والشرف الرفعة؛ والمجد: صفة
فحقق
(1) سورة الرعد: 23، 24.
(2) انظر الملحق.
، (1/23)
صفحة 24
للأئمة لتخصيصهم بذلك، وعلى آله وصحبه أهل الكمال والوفاء، آل الرجال قرابته، والْمُراد بهم: الْمُؤْمِنُون من بني هاشم والْمُطلب، وَهُم من لا تحل لهم الصدقة، أو المُراد: أتقياء الأمة، لأنه ورد آل محمد كل مُؤمن تقي؛ والصحب: اسم جمع لصاحب، كركب وراكب، وعطفهم على الآل من عطف العام على الخاص على القول الأول، وبالعكس على الثاني، والمُراد بهم: أصحابه وَهُوَ من إجتمع به مؤمناً، ومات على ذلك، ولا تشترط الرواية ولا إطالة الصحبة، أهل الكمال والوفاء، أي: في أحوالهم، وأقوالهم، وأفعالهم، فهم الكملة الموفون لِلَّهِ تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ
عَلَيهِ} (1)؛ وأصل الكمال في اللغة: التمام؛ والوفاء: ضد الغدر.
وبعد، فهذه عُجالة في مُعتقدنا معشر الأباضية (2)؛ وبعد: هي كلمة يُؤتى بها عند الإنتقال من أسلوب إلى أخر، أي: وبعد البسملة وما بعدها، فهذه .... إلخ، والظرف مبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظاً، ويجوز أن يُضاف لفظاً ومعنى،، فيجوز نصبه، فهذه إشارة إلى الألفاظ الموضوعة للمعاني الدالة على الإعتقاد، والعُجالة بالضم والكسر: ما تستعجله من شيء، كذا في القاموس، وأصل الإستعجال: الحث؛ يُقال: إستعجله إذا إستحثه، والمراد هنا: ما إستعجلني في وضعها، بعض الطلبة، وهي الرسالة
(1) سورة الأحزاب: 23. (2) الأباضية: فرقة من فرق أهل الإستقامة، وانتسبوا إلى عبد الله بن أباض؛ وقد تم ذكرهم في صفحة (25) من تحقيق هذا الكتاب، وليسوا من الخوارج، كما نسبهم أهل المذاهب الأخرى، وموردهم الكتاب والسنة والإجماع، وبيان هذه الفرقة، كما ترجم عنها صاحب الكتاب
- YE- (1/24)
صفحة 25
بمعنى
المذكورة، فجاءت بحمد الله في يومين؛ في معتقدنا: المعتقد الإعتقاد، وهو الحُكم الجازم المُطابق للواقع؛ فالجازم: مخرج للظن، والشك، والوهم، إذ لا يجزي في الإعتقاد واحد منها، ولم يقل عن ضرورة أو دليل، لأن ذلك هو العِلم معشر الأباضية؛ المعشر: الجماعة أمرهم واحد؛ والأباضية: المنسوبة إلى الإمام عبد الله بن أباض (1) (ه)، وهو تابعي في طبقة جابر بن زيد (ه)؛ النسبة إليه: أباضي (بفتح الهمزة، كذا في الجواهر؛ وقال فيه أيضاً: النسبة إلى أباض، يعني: عدلوا بها عن الولد إلى الوالد؛ وإنما نسبوا إلى أبيه أباض، لأنه أعرف وأشهر منه إلى عبد الله، أ هـ (بتصرف)
فلينظر فيها: النظر: الفكر في معلوم، ليؤدي إلى معرفة مجهول؛ قال أبو البقاء: النظر ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى إستعلام ما ليس بمعلوم، أهـ
فمن رأى خطأ أو زللاً فليصلحه: من: اسم شرط يُراد به العموم، أي: كل من يتأتى منه رؤية خطأ، أو زلل؛ والرؤية هنا: العلم، أي: من علم خطأ، وهو ضد الصواب، والمراد هنا: من أراد ما يحسن فعله فيخطأ بغيره، وهذا هو المرفوع عن الأمة والأئمة، قال الله: " رفع عن أُمتي الخطأ والنسيان " (2)، وقال أيضاً
(1) عبد الله بن أباض بن تيم اللات بن ثعلبه التميمي المُري، من بني مرة بن عبيد، رهط الأحنف بن قيس، وَهُوَ أول من فارق الفرق الضاله، ونقض فساد اعتقادهم بحججه النيرات، نشأ في زمان معاوية، وعاش إلى زمان عبد الملك بن مروان، يصدر عن رأي الإمام جابر بن زيد، ونصح لعبد الملك، وحمى
حرم
مکه
عن عامل يزيد، كان قدوة لقادة الإسلام في اظهار الحق وتبيينه.
(2) انظر الملحق.
- YO_ (1/25)
صفحة 26
: " إذا إجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر " (1)، أما الخطأ الذي يُؤاخذ به العبد، فهو: أن يقصد بنيته وفعله غير ما يحسن، فهذا الخطأ،، فهو مأخوذ بذلك؛ والزلل والزلة: مصيب في نيته، وفعله عين الخطأ الفاحش، أو الوقوع في المكروه، يُقال: زل إذا زلق في طين، أو رأي، أو منطق، فعلى هذا يكون أعم من الخطأ، لكن الذي جرينا عليه أنهما بمعنى واحد، ولهذا وحدنا الضمير في: فليصلحه، وجعلناه من عطف التفسير، فليصلحه، أي: فليجعله على الحالة الْمُستقيمة النافعة، لأنه ضد الإفساد ونقيضه
الله
•
أصلح الله أحوالنا، وأحوال أئمتنا، وإخواننا: أصلح. إلخ، جُملة دعائية، والأحوال - جَمع حال ـ وهو: الهيئة؛ وقيل: ما يختص به الإنسان وغيره، من الأمور المتغيرة في نفسه وبدنه؛ وقيل: الحال يستعمل للصفة، التي عليها الموصوف، وقيل: الحال لغة نهاية الماضي، وبداية الْمُستقبل؛ وإصطلاحاً ما بين هيئة الفاعل والمفعول به لفظاً، والضمير المُضاف إليه أحوال، للإشتراك لا للتعظيم، والأئمة هنا: الْمُراد بهم أئمة الدين، وهم العلماء: كابن عباس (2) (رضي الله عنهما)، وجابر (3) (ه)، في الأقدمين، وكأبي
، بصره آخر
(1) انظر الملحق. (2) هو البحر: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، حبر الأمة، صحابي جليل، ولد بمكة (3 ق هـ، ت 68 هـ)، روى عن رسول الله أحاديث كثيرة، منها في الصحيحين (1660) حديثاً، كف بعد عمره، مات بالطائف، وله تفسير للقرآن العظيم، جمعه بعض أهل العلم، في مرويات المفسرين. (3) هو: الإمام جابر بن زيد، من فقهاء البصرة، تابعي من الثقات المُحدثين بإجماع، وأحاديثه مشهورة، ولد (21 هـ، ت 93 هـ)، وقيل: (96 هـ ـ و 103 هـ)، الله أعلم، أصله من بلدة فرق، قرية من قرى نزوى، ونسبه: من ولد عمرو من اليحمد، أزدي، ويُكنى بأبي الشعثاء، إبنته، وقبرها بفرق مشهور إلى
يومنا هذا
- 26 - (1/26)
صفحة 27
نبهان (1)، والشيخ الخليلي (2)، في المُتأخرين، وكأبي سعيد (3)، ومن في طبقته بين بين، وكالأئمة المنصوبين، كالأئمة الرستمية (4)، في أرض المغرب، وكالوارث (ه) وغيره، بعمان ()؛ وإخواننا: جمع أخ، مُراد به هنا: الأخ في الدين، لا أخ في النسب، والأخ في الدين: هو الموافق فيه، وإنما سُميَّ أخاً، لأن الإسلام كالأب للمؤمنين، قال الله تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (6)، أي: من حيث أنهم منتسبون إلى أصل واحد، وهو الإيمان الموجب للحياة الأبدية. أ هـ من شرح النونية (بتصرف).
في الدارين آمين: أي: دار الدُّنيا، وهي عبارة عن الأرض وما بينها وبين السماء، وقيل: عما في الليل والنهار، وهي محل التكليف، والأمر والنهي؛ والأخرى، وهي عبارة عما بعد النفخة الأولى إلى الأبد، وهي محل الجزاء لأهل الطاعة بالنعيم، ولأهل الكفر
(1)
العلامة الشيخ أبي نبهان جاعد بن خميس بن مُبارك بن يحيى الخروصي.، نسبه يتصل إلى الإمام الصلت بن مالك الخروصي، وصلت إليه رئاسة العِلم في عصره ومصره، وُلِدَ في (1147 هـ، ت 1237 هـ)، وَلَهُ مؤلفات كثيرة وشهيرة، دفن بوطنه العليا، من وادي بني خروص، من. عُمان (2) هُوَ: المُحقق العلامة سعيد بن خلفان بن صالح بن أحمد الخليلي، يتصل نسبه إلى الإمام الصلت بن مالك الخروصي، والخليلي: بيت في بني خروص، من أولاد الإمام الصلت، وُلِدَ في (1231 هـ، ت 1287)، لَهُ مُؤلّفات، وتحقيقات، وأجوبة كثيرة؛ لغوي كبير؛ وَلَهُ نظم عظيم في السلوك والعلوم. (3) هو: العلامة الكبير أبو سعيد محمد بن سعيد الناعبي الكدمي، نسبة إلى أرض كدم من: عُمان القرن 4 هـ، مُؤلّفاته في الفقه والأصول جليلة القدر، منها كتاب " الإستقامة "، وكتاب " المعتبر (4) الأئمة الرستميون لأباضية المغرب، أول إمام منهم: عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن سام بن کسري أنوشروان، بويع له سنة 160 هـ، وإنتهت دولتهم بإمارة اليقظان بن أبي اليقظان سنة 296 هـ، ذكرهم أبو ربيع سليمان الباروني في كتابه " مختصر الأباضية " (5) هُوَ الإمام الوارث بن كعب الخروصي، من أئمة أباضية عُمان بالقرن 2 هـ، بويع له سنة 177 هـ، ومات غريقاً بوادي كلبوه، بالسيل بنزوى في سنة 199 هـ (رضوان الله عليه)، وكان معه سبعون من رجاله
(رحمهم الله).
(6) سورة الحجرات: 10.
علماء، من
- YV- (1/27)
صفحة 28
بالعذاب الأليم؛ وآمين: معناه إستجب
إعلم إنا نعتقد أن أول الواجبات معرفة الله على المكلف: إعلم: خطاب مع من يتأتى منه العِلم، ممن إطلع على هذه الرسالة، وتنبيه على أنه لا ينبغي إلا العِلم، لأنه الحكم الجازم المطابق للواقع، الناشيء عن ضرورة، أو دليل ـ كما تقدم ـ وهل العلم يُرادف المعرفة؟ فقيل: نعم؛ وقيل: أعم منها، لأنها لا تكون إلا وقبلها جهل، ولا تتعلق إلا بالجزئيات، كذا قيل: أول الواجبات، أول كل شيء سابقه، بالإضافة إلى ما بعده، والمراد بالواجبات الشرعية، أي: الواجبات من جهة الشرع، وَهُوَ خطاب الله الدال بالإقتضاء، أو التخيير، أو الوضع، كذا في " مُختصر العدل " (1)؛ والمكلف: البالغ العاقل، وقد إختلف في أول الواجبات، قال في " مختصر القواعد " (2): وأول الواجبات معرفة الله عندنا، وهو الصحيح، أو النظر، قولان؛ وقال بعض: إختلف في أول الواجبات، فقيل: هو المعرفة، وقيل: هو النظر الموصل إليها، وقيل: هو أول جزء من النظر، وقيل: هو القصد إلى النظر، أهـ
لكن الصواب الأول، لأن الحجة هُوَ الإلزام، أي: التكليف
(1) كتاب " العدل والإنصاف "، للإمام أبو يعقوب بن يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، في ثلاثة أجزاء، واختصره العلامة أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي (ت: 928 هـ)، من أهل يفرن، شيخه أبو عفيف صالح بن نوح، ومؤلفاته كثيرة، ووفاته بقرية جربه. المرجع: كتاب " البعد الحضاري للشيخ فرحات الجعبيري. (2) المراد به كتاب " قواعد الإسلام "، أختصره العلامة الكبير القطب الشيخ أطفيش، محمد بن يوسف الجزائري، واختصر معه حاشية القواعد، وسماه: " الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص "، وكتاب قواعد الإسلام "، عظيم الشأن، ألفه العلامة الشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت: 7500 هـ).
،
- YA- (1/28)
صفحة 29
فكل من بلغ الحلم، أوجب الله عليه المعرفة، ولم ينفس له بعد البلوغ؛ قال في " القواعد ": فكل من بلغ وسلم عقله، تعين عليه التوحيد مع سائر العبادات، ولم يسعه جهل التوحيد، ويسعه جهل الفرائض، حتى تجيء أوقاتها، وجهل المُحرمات، ما لم يلتبس بها، أو يتول من إرتكبها. أ هـ (بتصرف).
وقال في موضع آخر منه: إعلم أن الله قدم معرفته على العبد في الدنيا على سائر المفروضات، كما قدم السؤال عنها في الآخرة قبل سائر السؤالات. أ هـ.
واختلف أصحابنا، فالأكثر من أهل المغرب، أنه لا تكليف إلا بالشرع، وأن الشرع هو الحجة لا العقل.
قال شارح الديانات (1): والذي عليه أئمتنا (رحمهم الله)، أن حجة الله على عباده الكتب والرسل، وأن معرفته تعالى لا توجد لأحد بالتفكر وبالإضطرار، وإنما توجد له بالإكتساب والتعلم للدين، لا يوجد إلا بعد تنبيه منبه، وإخبار مُخبر، وأن العقل ليس حجة، لولا بعثه الرسل، لقوله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُ بَعدَ
الرُّسُل (2)، ولم يقل: بعد العقل، وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا
كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (3)، ولم يقل: حتى نوجد عقولا،
(1) کتاب " شارح الديانات "، أي: كتاب الديانات، وَهُوَ للعلامة عامر الشماخي (ت: 792 هـ)، وَهُوَ مذكرة في عقيدة الأباضية، وشرحها كلاً من: العلامة عمرو الثلاقي،، وعبد الله الدويكشي، ولم أقف على
تاريخ وفاتهما، ترجم عنهم العلامة فرحات الجعبيري في كتابه " البعد الحضاري ".
(2) سورة النساء: 165.
(3) سورة الإسراء: 15 (1/29)
صفحة 30
وأن الله لم يوجد عاقلاً مُهملاً، لأن حجة الله قامت عليهم كلهم بالرسل، من عهد آدم إلى يوم القيامة، وأنه لا عذر لأحد في جهل التوحيد، وإرتكاب الكفر، سمع أو لم يسمع، قبل بعثة نبينا محمد
وبعدها. أ هـ.
وقال بعض الأئمة: إن العقل حجة، وإنه يُحسن ويُقبح، لكن قبل
ورود الشرع، فإذا ورد بخلافه تبع الشرع.
قال الإمام الخليلي: إن معرفة الله بصفاته وأفعاله، إذا خطرت بالبال، من بالغ عاقل، مما لا يسع الجهل به على حال، لأنها مما تقوم بها الحجة من قبل العقل بلا جدال. أ هـ.
وقال رحمه الله: فمن خطر على قلبه مثلاً، أن له، أو لشيء من
،
الموجودات، أو لجميع الكائنات المحدثات إلها، أو رباً، أو خالقاً أو مدبراً، لزمه الإقرار لمولاه بذلك في الحال، ولم يوسع له في الجهل
به على إعقاد السؤال. أ هـ
•
وأكثر المشارقة، على أن العقل في معرفة ما لا يسع جهله من التوحيد حجة، إذا فهم ذلك يوماً ما، وعذروا من كان على دين نبي الأنبياء، ما لم يسمع بمبعث نبينا محمد؛ قال في " مختصر القواعد ": ومن لم يصله بعث نبينا، وكان على شريعة نبي، عذر على الصحيح، ولا يعذر في الشرك، ولو لم ير أحداً. أهـ.
من
قال شارح الديانات: ولا إعتداد بقول عاذر صاحب الجزيرة، بعد (1/30)
صفحة 31
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ} (1)، وهو قد أُرسل إلى جميع العُقلاء من الجن والأنس، وقوله عز وجل: {فَتَوَلَّ عَنهُم فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ} (2)، يعلم منه أنه قد بلغ من أرسل إليهم، وإن كان التبليغ مختلفاً، لأنه في حق من سمع المشافهة والمُراسلة والمُكاتبة، وفي حق من لم يسمع التوسعة له إن كان على دين نبي من
*
إذ
الأنبياء حتى يسمع لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَومَاً بَعدَ هَدَاهُم حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} (3)، ويقطع عذره إن لم يكن على الدين لقوله تعالى: {وَإِن كَانُوا مِن قَبلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِين} (4). أهـ. وقد أطلنا الكلام في هذا المقام، لأنه من مزالق الأقدام، فلينظر فيه، ولا نكتفي بالتقليد لمن فيه أهلية النظر، ومفهومه أنه من ليس فيه أهلية النظر ويكتفي بالتقليد في إيمانه، وهو كذلك على الصحيح خلافاً لمن قال من القوم أنه لا يكتفي بإيمان المقلد، بل نقول أنه مؤمن وناج بفضله تعالى مع الوفاء
•
قال في " المعالم ": والأصح أن التقليد الجازم المطابق من العاجز عن النظر كافيه، وأن القادر عليه عاص إن تركه مع صحة إيمانه؛ ثم قال: والتقليد إعتقاد جازم لقول غير المعصوم، قال: وهذا الحد كما قيل أحسن من حد من قال هو أخذ قول الغير بغير دليل، وإتباع الغير وإعتقاد صحة ما يقوله من غير دليل ولا حجة، قال: والأصح أن الإنسان قد يعجز عن النظر خلافاً لمن قال إنه في غاية الندور، أوليس
(1) سورة المائدة:
67:
(3) سورة التوبة: 115.
(2) سورة الذاريات: 54.
(4) سورة آل عمران: 164؛ سورة الجمعة: 2.
-- (1/31)
صفحة 32
هو بموجود أصلاً، ولمن قال: إن كل من معه أصل عقل التكليف فهو متمكن من المعرفة والنظر. أ هـ.
مطلقاً، وغير
فتلخص أن في إيمان المُقلد ثلاثة مذاهب، صحيح، الثالث: أنه عاص إن كان فيه أهلية النظر وهو
صحيح
مطلقاً
المختار.
!
والتكليف: إلزام الله العبد ما فيه كلفة أو الأمر والنهي مطلقاً وقيل: إلزام الكلفة على المُخاطب، فهو عين الأول، ومعناه: أمر المُخاطب بما عليه فيه كلفة، أي: مشقة
وفي " مختصر القواعد ": والتكليف: إلزام ما فيه مشقة، فالملك غير مكلف، لأنه لا تشق عليه الطاعة، والمندوب غير مكلف به، لأنه غير ملزوم به، أو الأمر والنهي، فالملك مكلف، لأنه مأمور، والمندوب مكلف به، لأنه مأمور به أمر ندب كالمكروه، فانه منهي
منهي
عنه
نهي تنزيه
أهـ
خرج
وفي " مختصر العدل ": أن التكليف فعل الله، والحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، والمُراد بالحكم هو الشرعي، والخطاب توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، وبالإضافة إلى الله غيره، إذ لا حكم إلا حكم الله، وبالتعلق بفعل المكلف خرج خطابه بغير ذلك، والتكليف ليس من جهة المصلحة، لأن التكليف قد يكون إبتلاء، وقد يكون رحمة. أ هـ.
و معنى معرفته تعالى: أن يثبت في حقه ما هو واجب عقلاً، وينفي ما
- TY- (1/32)
صفحة 33
هُوَ مُستحيل، ويجوز في حقه الجائز إثبات ما هو واجب عقلاً، ونفي ما هو مُستحيل، أي: عقلاً، كذلك وتجويز ما هو جائز في حقه، أي: في العقل، هو الحكم بتلك الأمور، وقد قسم الحكم إلى عقلي، وغير عقلي، فلذلك قيل هُنا: بالعقلي، وقولنا: أن يثبت، أي: المكلف، ما هو واجب عقلاً، أي: في العقل، وينفي مقابل ليثبت لأنه نقيضه، أي: ما يستحيل في العقل، ويجوز في حقه الجائز، أي: ما يمكن وجوده وعدمه، أي: يستوي الأمران فيه
وفي " الدليل ": تنقسم العقليات ثلاثة أقسام: وجوب الواجبات وجواز الجائزات، وإستحالة المُستحيلات، وقال: وقولنا: وجوب الواجبات، فإن الله خلق المُكلف، وركب فيه العقل، وغرز في العقل هذه العلوم الثلاثة، وجعلها فطرية، لم تختلف العقلاء عليها، كدلالة الفعل على فاعل، والصنعة على صانع، والحدوث على
محدث
إلى أن قال: وقولنا: وجواز الجائزات: هُوَ ما استوى في العقل وجوده وعدمه، ليست إحدى الحالتين أولى من الأخرى، كنزول المطر، وصدق الخبر؛ قال: وقولنا: إستحالة المستحيلات: كالواحد لا يكون إثنين، في حالة واحدة، وحياً ميتاً، ومُوجوداً معدوماً، في حالة واحدة، ولو قدرنا منه مسألة واحدة، لو أن رجُلاً قال لنا: أن عندنا فرساً يكون شرقاً وغرباً، في حالة واحدة، محال؛ ولو قال: أنه يكون في غير بلدكم هذا، وينقاس في البلاد
لقُلنا
: (1/33)
صفحة 34
الفلانية
، لقُلنا: مُحال؛ ولو قال: إنه قد كان في الأعصر الماضية، والأمم السالفة، لقُلنا: مُحال؛ ولو قال: إن في الأدوية والعقاقير ما إن إستعملته إتفق، لقُلنا: مُحال؛ ولو قال: هبكم عرفتم ذلك في أنفسكم، فما،، فما عليكم في غيركم؟ قُلنا: مُحال، عرفناه بقضية العقل، وحكم الشاهد على الغائب في العقليات سواء في الإستحالة، فلو إنساغ ذلك، لكان القديم حديثاً، والحديث قديماً، وإستحالة الحقائق تبطل الكل. أ هـ.
فمن ثم قال: بعض هذه العلوم هي العقل، والصحيح إن العقل جوهر بسيط، إنغرزت فيه هذه العلوم، فمن الواجب وجوده، الذي هو عين ذاته، من للتبعيض والواجب هنا هو العقلي، أي: الذي لا يتصور العقل عدمه، وإن شئت قُلت: ما يستحيل في العقل عدمه، والوجود عين الموجود، لأن وجوده تعالى نفس تحققه، وثبوته في نفس الأمر، والدليل على وجوب وجوده حدوث العالم، والعالم أجرام وأعراض، والأجرام مُلازمة للأعراض، والأعراض مُتغيرة بالمشاهدة، ومُلازم الْمُتغير مُتغير، والْمُتغير حادث، فإذن لابد لها من محدث واجب لذاته، تستند إليه المحدثات دفعاً للدور والتسلسل، أما الدور فهو توقف الشيء على شيء متوقف عليه بمرتبة أو بمراتب، والدور محال، لأنه يلزم عليه تقدم كل من المحدثين على الآخر، وتأخيره عنه، وذلك جمع بين متنافيين، ويلزم تقدم كل على نفسه، وتأخيره وتوقف الشيء على نفسه، وأما التسلسل: فهو ترتيب أمور غير متناهية وهو محال، لأنه يودي إلى فراغ ما لا نهاية له. أ هـ.
- TE- (1/34)
صفحة 35
ومحدثها هو الله تعالى: {أَوَ لَيسَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخلُقَ مِثلَهُم بَلَى وَهُوَ الخَلاقَ العَلِيمُ} (1)، وأن وجوده لذاته، بمعنى: أنه غني على الإطلاق، لا يحتاج إلى شيء ما، معنى وجوده لذاته، لا لشيء يقتضي كونه موجوداً، بل وجوده ثابت لذاته، قال بعض: واجب الوجود لذاته، هو الواجب بالذات، وهو ما يكون مقتضياً لوجوده من حيث الذات، بخلاف الواجب بالغير، وهو ما يكون مُقتضياً لوجوده، لا من حيث الذات، بل باعتبار آخر وبعبارة أخرى واجب لوجود لذاته، هو الذي لا يتصوره العقل إلا موجوداً. أ هـ.
فمن أجل ذلك قُلنا: إنه بمعنى إنه غني على الإطلاق، فهو تفسير لقولنا، وأن وجوده لذاته، أي: لا يحتاج إلى مُخصص، ولا إلى محال، لأن ذلك. صفات الحادث من، ولو كان كذلك، لكان مثله، أي: أنه الغني الذي لا يفتقر وجوده إلى شيء، بل هو الذي يفتقر إليه كل موجود سواه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ (2)، وإنه: {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، مُقتبس من قوله تعالى: لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ} (3)، أي: ليس كمثله شيء من الأشياء في ذات، ولا في صفة، ولا في فعل، بمعنى: أن ذاته ليست كسائر الذوات، وأن صفاته العلية ليست كصفات غيره، وأن أفعاله ليست
كأفعال غيره من سائر
(1) سورة يس: 81.
(2) سورة فاطر: 15 (3) سورة الشورى: 11.
المحدثات
_ TO_ (1/35)
صفحة 36
وفي " الكشاف ": عند قوله تعالى: {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، قالوا:
،
مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عن ذاته قصدوا المبالغة في ذلك، فسلكوا به طريق الكناية، لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده، وعمن هو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه، ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم، كان أبلغ من قولك: أنت لا تخفر، ومنه قولهم: قد أيفعت لداته وبلغت أترابه، يريدون إيفاعه وبلوغه
وفي حديث رفيقة بنت صيفي في سُقيا عبد المطلب: إلا وفيهم الطيب الطاهر لذاته، والقصد إلى طهارته وطيبه، فإذا علم أنه من باب الكناية، لم يقع فرق بين قوله: ليس كالله شيء، وبين قوله: ليس: كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها، وكأنهما عبارتان معتقبتان على معنى واحد، وهو نفي الْمُماثلة، ونحوه قوله عز وجل: بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} (1)، فان معناه: بل هو جواد من غير تصور يد، ولا بسط لها، لأنها وقعت عبارة عن الجود، لا يقصدون شيئاً، حتى أنهم إستعملوها في من لا يد له، فكذلك إستعمل هذا في من له مثل، ومن لا مثل له. أ هـ
آخر
أي: أن ذاته العلية مخالفة لسائر الذوات، هذا وما بعده، تفسير لقوله تعالى: لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وذات الشيء حقيقته الخاصة
التي بها هو هو
(1) سورة المائدة: 64. (1/36)
صفحة 37
وفي أبي البقاء: هو ما يصلح أن يعلم ويخبر عنه، قال: ولفظ
الذات وإن لم يرد به التوقيف، لكنه معنى ما ورد التوقيف به، وهو الشيء والنفس، إذ معنى النفس في حقه تعالى، الموجود الذي تقوم به الصفات، فكذلك الذات مع أنهما يصدقان في اللغة، على ما يقوم بنفسه، فتكون الإضافة في ذات الله، من إضافة الشيء إلى نفسه، مثل بدن الرجل، قال: ثم أنه يجوز إطلاق اسم الشيء، والموجود، والذات، بالعربية والفارسية، للحق تعالى؛ ثم قال: قال المناوي: الذات العلية هي الحقيقة العُظمى، والعين القيومية المستلزمة لكل سبوحية قدوسية، في كل جلال وجمال، إستلزاماً لا يقبل الإنفكاك البتة. أهـ
أقول: ظاهره كله موافق، إلا قوله: الذي تقوم به الصفات، فإنه محل نظر على المذهب، فليراجع وسائر الذوات، أي: جميعها، وهي العالم العلوي والسفلي، فإن الكل يُنادي بلسان حاله، ولسان مقاله، لا إله إلا الله، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، وأنه لو شابه تعالى شيئاً لكان مثله، فتعالى ربنا عن ذلك، فهو منزه عن المثل، أي المشارك في تمام الماهية، وعن الند الذي هو المساوي
التنزيه الإبعاد كالتقديس، والْمُراد به: إبعاده تعالى عن الإتحاد.
مع غيره في شيء من الأشياء، والمثل المساوي في جميع الأوصاف، فمن ثم لم يتجاسر أحد أن يقول: لِلَّهِ مثل من جميع الخليقة، كذا قيل.
وأما النظير، والند، والشبيه، فهي: أخص من المثل، فمن ثم
،
- TY- (1/37)
صفحة 38
جيء بالند بعد المثل، لإنتفاء الإتحاد في المناوي والأخص، وهذا تفسير لقوله تعالى: {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» - كما تقدم - وأنه لا يبلغ إلى كنه حقيقته الخاصة به أحد من خلقه، أي: لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا صديق منتخب، والبلوغ إلى الشيء: الوصول إليه، والكنه: الغاية، أي: لا يصل إلى غاية حقيقته الخاصة به إلا نفسه، وأن البحث عن حقيقته محض الباطل، إلا أن تعرفه بما عرفك به
نفسه
قال الإمام الخليلي (رضوان الله عليه): لو كان الجواب عن الذات لسائل من المُمكنات، لأخبر تعالى عن نفسه، وأجابت به رسله، فالمكابرة فيه بعد وضوح الأحكام، تستدعي صواعق الإنتقام. أ هـ. (بتصرف). أهـ
قال: وأما التفتيش عن حقيقته الخاصة، التي هي فوق نظر العقول، فتفتيش عما لا سبيل إليه، والسائل عنه متعنت. أ هـ نقله عن
الكشاف
وغاية العلم به أنها ذات لا كالذوات، أي: موجود غير متحيز، ولا قائم بمتحيز، فإنه سبحانه ليس بذي شكل، ولا جسم، ولا يدرك بحد، ولا رسم، ولهذا قيل: لا يعرف الله إِلا هُوَ، ولا يلزم من عدم معرفته تعالى محذور، إذ العجز عن ذلك ممدوح لا مذموم، ولذلك قيل عن الصديق): العجز عن الإدراك إدراك، قال الإمام عند قوله: " من عرف نفسه عرف ربه " (1)،: إن النفس
الخليلي
(1) انظر الملحق.
- YA- (1/38)
صفحة 39
هنا عبارة عن الروح، أي: على بعض التفسير، وهي أمر إلهي غيبي لا يبلغ العبد إلى معرفتها، وإذا لم يعرف نفسه، فكيف بمعرفة الذات الإلهية على ما هي عليه، فذلك ما لا سبيل إليه، قال: ثم إذا كانت روحك التي بين جنبيك، وأنت لا تراها، ولا تسمعها، ولا تمسها، ولا تذوقها، ولا تشمها، ولا تتوهمها بقلبك، ولا يبلغها فهمك، ولا تعرف كيفية إتصالها وإنفصالها بجسدك، ولا إستقرارها منه، ولا أنها فوقه ولا تحته، ولا هي أقرب إلى شيء منه، ولا أبعد، إلى غير ذلك، فبذلك تعلم أن الذات الإلهية منزهة عن وصفها بالجسم
والعرض، والحلول، والشكل، والإستعلاء، والنزول، والحركة، والسكون، والإتصال، والإنفصال، وقُرب المسافة وبعدها، وعن مماسة الحواس، وبلوغ الوهم والقياس، وإحاطة الفكر، وإدراك البصر، ونحو هذا. أ هـ (بتصرف).
6
،
وإنما العِلم به لخلقه، معرفته بصفاته وأفعاله: إنما: تفيد الحصر، أي: لا يعلمه خلقه إلا بمعرفتهم إياه بصفاته وأفعاله، أي: لا معرفته بذاته، ولا يلزم المكلف أن يكون عارفاً بجميع صفاته تعالى، من أول الأمر، ولا في قدرته، قبل أن يفتح له باب النظر فيه، فإذا أراد أن يبتليه، ألقى ذلك في قلبه بتفكر، أو إستدلال، أو غيره، ولو وجده مكتوباً، أو سمعه متلواً، أو بلغه بوجه ما، فإذا فهم وعرف معناه، قامت به عليه الحجة، وضاق الجهل والشك والإنكار
ووجب الإقرار، وبأي صفة قامت عليه الحجة، كانت كافية لثبوت الإسلام في حقه، فإذا أقر بها كان مسلماً، ما لم يخطر بباله غيرها،
6 (1/39)
صفحة 40
مما لا يسع جهله حينئذ، فإن أقر بعد قيام الحجة، وإلا إسلامه، رد ذلك بجحد أو شك
واعلم أن الإستدلال على ثبوت الصفات يتأتى من وجوه، فإن من علم ثبوت الإلهية لواجب الوجود، ثم خطر على قلبه، أنه هل يجوز
في هذا الإله أن يتصف بشيء من النقائص أو الرذائل؟ وجب عليه نفي ذلك في الحال، لأنها ليست من صفات الإله، لأن من إتصف - مثلاً - بالحدوث، والعجز، والضعف، والصاحبة، والولد، فإنه ليس باله وفي هذا ونحوه إثبات لصفاته، لأنه بنفي الجهل ـ مثلاً ـ يثبت له العلم، وبنفي العجز تثبت له القدرة وهكذا
(
والوجه الثاني: إذا خطر بباله ـ مثلاً ـ هل يتصف بالصفات الحميدة؟ وجب عليه العِلم بأنه كذلك، لأن من لم يتصف بها إتصف بإضدادها، فإذا خطر بباله أنه عليم، أو حكيم، أو حي، أو قيوم، أو مريد، أو قادر، لم يسعه إلا أن يصفه بذلك، لأن من لم يتصف بها، فلابد أن يتصف بإضدادها، والمتصف بإضداد تلك الصفات، ليس
ياله
والوجه الثالث: النظر في أفعاله، فمن عَلم أنه خالق للمحدثات كلها، أملاكها، وعرشها، وفرشها، إنسها، وجنها، أحيى وأمات، وأعطى ومنع، وفعل ما شاء، عَلم أن مثل هذا لا يكون إلا من إرادة ملك عظيم، مريد لخلق، ما خلق قوي عليه، عدل في قضائه، وهكذا، لأنه لو جاز أن لا يكون كذلك، لكان جاهلاً غير متقن لصنعه، (1/40)
صفحة 41
ولا قادر على فعله، وبالنظر في نفسه كفاية. أهـ عن الإمام الخليلي
(بتصرف)
وثمت وجوه أخر، تركتاها روماً للإختصار، ومما يجب أن يكون قديماً، بمعنى: لا أول لوجوده، تقدم معنى الوجوب، أن يكون قديماً، أي: كونه تعالى قديماً، وفسر بمعنى: لا أول لوجوده، وبمعناه ما قاله بعضهم: هو عدم إفتتاح الوجود، لأن القدم يطلق على القدم الذاتي، وهو المراد هنا، وهو ما قدمه لذاته، لا القدم الزماني، وهو ما توالت عليه الأعصار والأزمان
وفي أبي البقاء: والقدم في حق البارئ، بمعنى: الأزلية التي هو كون وجوده، غير مستفتح، لا بمعنى: تطاول الزمن، فإن ذلك وصف للمحدثات: {كَالعُرجُونِ القَدِيمِ) (1)، وليس القدم معنى زايداً على الذات، فيلزمك أن تقول ذلك المعنى أيضاً، قديم بقدم زائد عليه، فيتسلسل إلى غير نهاية. أ هـ.
أقول: الآن حَصْحَصَ الحَقُّقُ} (2)؛ قال في المعالم: إختار المحققون أن قدمه تعالى صفة سلبية لا نفسية، أي: نفس ذاته تعالى لا زائد عليها، خلافاً للباقلاني والفخر، ومرجعه على هذا إلى الوجود المستمر أزلاً، ولا صفة معنوية بمعنى: أنه زائد على الذات، خلافاً للأشعري، ورد كل منهما؛ أما الأول: فبصحة تعقل الذات بدونه، والوصف النفسي لا تعقل الذات بدونه؛ وأما الثاني: فلما يلزم عليه
(1) سورة يس: 39.
(2) سورة يوسف: 51.
- (1/41)
صفحة 42
من التسلسل، وقيام المعنى بالمعنى. أ هـ
بإختصار، لا يُقال: إثبات موجود لا أول له، إثبات أوقات متعاقبة لا نهاية لها، إذ لا يُعقل إستمرار وجود إلا في أوقات، وذلك يؤدي إلى إثبات حوادث لا أول لها، وهو باطل، لإنا نقول: الأوقات يعبر بها عن موجودات تقارن موجوداً، وكل موجود أضيف إلى مقارنه موجود، فهو وقته والمستمر في العادات، التعبير بالأوقات عن حركات الفلك، وتعاقب الجديدين، فإذا تبين ذلك في معنى الوقت، فليس من شرط وجود الشيء أن يقارنه موجود آخر، إذا لم يتعلق أحدهما بالثاني في قضية عقلية، ولو افتقر كل موجود إلى وقت، وقدر الأوقات موجودة، لافتقرت إلى أوقات، وذلك يجر إلى جهالات لا يفتحلها عاقل، والله سبحانه قبل حدوث الحوادث، منفرد بوجوده وصفاته، لا يقارنه حادث. إنتهى أبو البقاء
وبمعناه بما في " المعالم "، وإنما إخترنا هذه العبارة لأنها أحضر؛ قالوا: الدليل على قدمه، أنه لو لم يكن قديماً لكان حادثاً، وحدوثه مفتقر إلى محدث، فيدور أو يتسلسل، والكل محال ـ كما تقدم ـ
-
وقدمه صفة سلبيه، بل وباقي صفاته كذلك غالباً، تقدم معنى كون القدم صفة سلبية، وأنه ليس معنى من المعاني، بل سلب الأولية عن
الذات العلية.
وفي " مختصر القواعد ": ومعنى لا أول لأوليته، ولا آخر لآخريته
أن له أولية وآخرية، بحسب وجود الخلق وفنائهم، أي: سبقاً
6
- ET- (1/42)
صفحة 43
وبقاء، ولا أول لذلك السبق، ولا آخر لذلك البقاء. أ هـ
بل وباقي صفاته كذلك غالباً؛ قال الإمام الخليلي (رضوان الله عليه: إعلم أن صفاته الكمالية أخص بهذا الباب، إذ لا يحسن أن يُقال بغيره في الجواب، فوصفه بالأزلية، والقدم، والأولية، لا يقتضي إلا نفي الحدوث عنه؛ قال: والحياة والبقاء: عبارة عن عدم موته وفنائه، وتغييره وزواله؛ والآخرية: عبارة عن عدم تناهيه، ونفي الفناء عنه؛ والأحدية والواحدية: عبارة عن سلب الكثرة وتنزيهه عن الثاني والثالث، ويجوز فيهما أن يكون المراد منهما نفي الحدوث، لأن الواحد ما لا شيء قبله، والأحد كذلك. أ هـ.
قال الباجوري: الصفات السلبية جزئياتها لا تنحصر خلافاً لبعضهم، وإنما قلنا: غالباً، لأن بعض الصفات مع سلبها ضدها، لابد من تعلقها بأمر آخر كالقدرة، فإنها مع سلبها العجز، لابد من تعلقها بالمقدور، فلينظر في ذلك، وإنه باق، بمعنى: لا نهاية لوجوده، لأن تجويز العدم اللاحق يوجب تجويز العدم السابق، أي: ومما يجب له تعالى أنه باق، وقد فسرناه بعدم نهاية الوجود، وبمعناه قول بعضهم: عدم آخرية الوجود؛ قال: والآخرية تطلق على الإنقضاء، ويقابلها بهذا المعنى الأولية، بمعنى: الإبتداء، وهو المراد.
وفي " المعالم ": يجب أن يكون ربنا باقياً، بمعنى: أنه لا يلحق وجوده عدم؛ قال: والبقاء له تعالى هو سلب العدم اللاحق لوجوده؛ قال: والمذاهب السابقة في القدم مقررة في البقاء. أ هـ
- ET- (1/43)
صفحة 44
أقول: يُشير إلى أن الباقلاني والفخر يقولان: البقاء صفة نفسية، أي: نفس ذاته تعالى، وأن الأشعري يقول: إن البقاء صفة زائدة على الذات، والكل مردود ـ وقد تقدم -.
قال أيضاً: والدليل على وجوب البقاء له، أنه لو قدر لحوق العدم له تعالى عن ذلك، لكانت ذاته العلية تقبل الوجود والعدم، لفرض إتصافه بهما، ولا تتصف ذاته بصفة حتى تقبلها، لكن قبوله تعالى للعدم محال، إذ لو قبله لكان هو والوجود بالنسبة إلى ذاته سيان، إذ القبول للذات نفسي لا يختلف ولا يتخلف، فيلزم إفتقار وجوده إلى موجد يرجحه على العدم الجائز، فيكون حادثاً، كيف وقد ثبت بالبرهان القطعي وجوب قدمه، فبان لك بهذا البرهان، أن وجوب القدم يستلزم وجوب البقاء أبداً
أما قولنا: تجويز العدم اللاحق يوجب تجويز العدم السابق، أي: أنه إذا جاز لحوق العدم لذاته العلية فيما لا يزال، جاز لحوق العدم له في الأزل.
قال في " المعالم " أيضاً: تجويز العدم اللاحق، يوجب ثبوت العدم السابق، يعني: أن القديم واجب البقاء، وعكسه بالموافق غير الواجب، البقاء ليس بقديم، أو تقول: كل قديم يجب له البقاء، وعكسه أيضاً بالموافق، كل ما لا يجب بقاؤه فليس بقديم، يشير إلى قاعدة كلية ذكرها من قبل، وهي: كلما ثبت قدمه إستحال عدمه، وهو معنى قولنا: تجويز العدم اللاحق يوجب تجويز العدم السابق (1/44)
صفحة 45
وأنه منزه أن يكون جرماً، أو قائماً به، أو محاذياً له، أو في جهة، فالتركيب يستحيل عليه مطلقاً، أي: ومما يجب له تعالى تنزيهه عن الجرمية وتقدم معنى التنزيه، والجرم هُوَ الْمتحيز، لأن التحيز صفة نفسية للجرم، ومعنى: أو قائماً به، أي: يكون شيئاً قائما بالجرم، أي: من الأعراض، كالألوان والأكوان، أو محاذياً له، أي: أو يكون محاذياً للجرم، أي: قريباً منه وبإزائه، أو في جهة، أي: أو يكون الرب في جهة، والجهات ست، فوق، وتحت، ويمين، وشمال، وقدام، وقفا، وكل ذلك من خواص المركب، فلذلك قلنا: إن التركيب يستحيل عليه مطلقاً.
وفي " المعالم ": لو فرض الصانع جسماً، فلا يخلو إما أن يكون جسماً متناهياً، أو غير متناه، فإن كان لا يتناهى، إستحال أن يكون
،
غير متناه من جميع الجهات، فإن ذلك يمنع وجود غيره من الأجسام فلابد من أن يكون في هذا الفرض مُتناهياً من بعض الجهات، فيجوز حركته إلى الجهة المتناهية، ويلزم منه تناهيه من الجهة الأخرى، لأن الحركة فراغ وشغل، فلا يشغل من جهة إلا وقد فرغ من الأخرى، فيجب تناهيه لا محالة؛ وأيضاً فلو كان مُركباً من جزئين فأكثر، للزم أن يقوم بكل جزء منه صفة العلم والقدرة ونحوهما من صفات الإله، لإستحالة وجود قديم غير الله، ولئلا يلزم الإفتقار إلى مخصص في ترجيح بعض الأجزاء، بقيام الصفات به دون بعض، لكن قيام الصفات بكل جزء محال، لما يوجب من تعداد الإله
وقال فيه أيضاً: وإذا استحال في حقه تعالى أن يكون جُرماً،
1201 (1/45)
صفحة 46
إستحال وصفه بالصغر والكبر، اللذين هما من صفات الأجرام، ويستحيل عليه تعالى التغير مُطلقاً، ويجب له القيام بنفسه، بمعنى أنه لا يفتقر إلى محل، ولا إلى مخصص،، أما عدم افتقاره إلى مخصص، فلوجوب القدم والبقاء لذاته ولسائر كمالاته، التي هي عين ذاته، وأما عدم افتقاره إلى محل، فلوجوب إتصافه بالصفات الكاملة؛ قال: إذ لو كان مفتقراً إلى محل لكان صفة، والصفة لا تتصف بشيء من الصفات، وأيضاً لو كان مُفتقراً إلى محل لم يكن بالإلوهية أولى من المحل الذي افتقر هو إليه، فإن فرض أنهما إلاهان لزم التعدد في الإله وهو باطل.
وقال فيه أيضاً: وبالجملة قد قامت البراهين القطعية على وجود الذات العلية الموصوفة بالكمالات السنية، وعلى قيامه تعالى بنفسه، وإستحالة مماثلته لكل ما يخطر بالبال، ويتكيف في الأوهام، وإستحالة إتصافه بكل ما يلزم مماثلته للحوادث؛ قال: لو اتصف مولانا عز وجل بشيء مما سبق، للزم مماثلته للأجرام، أو لأعراضها، وذلك يلزم أن يساويهما فيما يجب لهما من الحدوث، وقد سبق وجوب قدمه وبقائه. أ هـ
ويجب أن يكون قادراً، ومعناه: موجد بالإختيار، أي: يصح منه
الفعل والترك
وفي أبي البقاء: والقادر هو الذي يصح منه أن يفعل تارة وأن لا يفعل أُخرى، وأما الذي إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، فهو المختار،
127 - (1/46)
صفحة 47
ولا يلزمه أن يكون قادراً؛ إلى أن قال: قال صاحب " الملل والنحل
المؤثر إما أن يؤثر مع جواز أن لا يؤثر وهو القادر، أو يؤثر لا مع جواز أن لا يؤثر وهو الموجب، فدل أن كل مؤثر إما قادر وإما موجب، فعند هذا قالوا: القادر هو الذي يصح أن يؤثر تارة، وأن لا يؤثر أخرى،، بحسب الدواعي المختلفة؛ إلى أن قال: والمحال لا يدخل تحت القدرة، فلا يجوز أن يوصف الله تعالى بالقدرة على الظلم؛ قال: والمراد من قدرة الباري، نفي العجز عنه. أ هـ.
وفي " الكشاف ": فإن قلت كيف قيل: {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1)، وفي الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل، وفعل
قادر آخر، قلت: مشروط في حد القادر أن لا يكون الفعل مستحيلاً فالمستحيل مستثنى في نفسه؛ إلى أن قال: وأما الفعل بين قادرين فمختلف فيه. أ هـ
قال السيد: قوله: فالمستحيل مستثنى في نفسه عند ذكر القادر،
،
يريد أنه عام مخصوص بقرينة العقل، وكذلك الواجب لذاته مستثنى
عند ذكره أيضاً، ومن ثم قيل: أراد بالمستحيل في السؤال والجواب
ما يستحيل تعلق القدرة به في نفسه، فيتناول الممتنع والواجب معاً؛ إلى أن قال: قوله: فمختلف فيه، أي: هل يمكن أن تتعلق قدرتان بمقدور أو لا؟ فإن أمكن كان مقدور غيره مقدوراً له أيضاً،
معاً
وداخلاً في حكم الآية. أ هـ
6
(1) سورة البقرة: 259 (1/47)
صفحة 48
أقول: أشار صاحب " الكشاف " إلى مذهبه، أن الأفعال أفعال المخلوقات الإختيارية لا تدخل تحت قدرة البارئ، وهو خطأ، قال بعض قوله: وأما المقدور بين قادرين، فإنها ورطة يشتاق إليها القدرية، إذ يعتقدون إنما تعلقت به قدرة العبد، إستحال أن تتعلق به قدرة الرب، لأن قدرة العبد خالقة، فيستغنى الفعل بها عن قدرة خالق آخر. أ هـ
وسيجيء قريباً - إن شاء الله - فاستبان لك أن القدرة لا تأثير لها إلا في الممكن، ولهذا قال بعضهم: إنها صفة يتأتى بها إيجاد الممكن وإعدامه، على وفق الإرادة؛ قال في " المعالم المعالم ": لو لم يكن الصانع للعالم قادراً لِمَا أوجده، وبيان الملازمة أنه لو لم يكن قادراً لكان عاجزاً، والعاجز لا يتأتى منه فعل ولا ترك، قال: وقد مر أن الموجد الإختيار، هو الذي يصح منه الفعل بدلاً عن الترك وبالعكس، أي: يصح منه أن يفعل الشيء، وأن لا يفعله، والمراد بقولنا: أن لا
يفعله، أن لا يخرج الفعل إلى الوجود، بل يبقيه على العدم. أ هـ
وأنه ليس بعلة ولا طبيعة، أي: وأن موجد العالم فاعل بالإختيار، والفاعل بالإختيار ليس بعلة ولا طبيعة؛ وفي " المعالم ": أما الإيجاد بالذات كإيجاد العلة والطبيعة لو صح، فلا يلزم أن تكون العلة أو الطبيعة قادرة، ولا مريدة، ولا حية، ولا عالمة، فالإيجاد بالإختيار لما حقق بالبراهين القاطعة، سهل معه إثبات هذه الصفات سهولة لا يحتاج معها إلى كبير نظر؛ وقال فيه: إذا فرض أن صانع العالم طبيعة (1/48)
صفحة 49
أو علة، فلا يخلو، إما أن تكونا قديمتين، أو حادثتين، فإن كان الأول، لزم قدم العالم، لأن فعل العلة أو الطبيعة، إنما هو باللزوم لا بالإختيار، وقدم الملزوم يوجب قدم لازمه، وقد عرفت بالبرهان حدوث العالم، وإن كان الثاني إفتقر إلى علة أو طبيعة أُخرى، فيلزم الدور أو التسلسل، وكلاهما محال، فكونهما حادثتين محال، فوجود العالم الموقوف عليهما محال، والمحال مستمر العدم، فقد لزم إستمرار العدم للعالم، والعيان يكذب ذلك، قال: والحاصل أن كلا اللازمين المذكورين من كون الطبيعة والعلة قديمتين، أو حادثتين، باطل، فالملزوم وهو كون الصانع إحداهما باطل أيضاً، فتعين أن يكون فاعلاً بالإختيار، وهو المطلوب. أ هـ.
وأن يكون مريداً، ومعناه: ترجيح أحد طرفي الممكن، أي: تخصيص الحوادث بأحد الطرفين الجائزين، أي: ويجب أن يكون مريداً، أي: كونه تعالى مُريداً
وفي أبي البقاء، في حدها، أي: الإرادة معنى ينافي الكراهة والإضطرار؛ إلى أن قال: وقيل: إنها معنى يوجب إختصاص المفعول بوجه دون وجه، لأنه لولا الإرادة لما كان وقت وجوده أولى من وقت، ولا كمية ولا كيفية أولى مما سواها؛ قال: والإرادة إذا
آخر
إستعملت في الله يُراد بها المنتهى، وهو الحكم دون المبدأ؛ قال: واختلف في معنى إرادته تعالى، والحق أنه ترجيح أحد طرفي المقدور على الآخر، وتخصيصه بوجه دون وجه؛ قال: ثم إن إرادة الله تعالى
-?9 - (1/49)
صفحة 50
ليست صفة زائدة على ذاته كإرادتنا، بل هي غير حكمته التي تخصص وقوع الفعل على وجه دون وجه، وحكمته عين علمه
المقتضي لنظام العالم على الوجه الأصلح والترتيب الأكمل.
إلى أن قال: ولا يلزم من ضرورة وجود الإرادة والقدرة في القدم
قدم ما يتخصص بهما، والتعدد في مُتعلقاتها وتعلقها على نحو متعلق الشمس بما قابلها واستضاء بها، وهو المعنى بسلب النهاية على ذات
،
،
واجب الوجود، وكذا في غير الإرادة من صفات الذات، وإما بسلب النهاية عنها بالنظر إلى التعلقات فيما يصح أن تتعلق به الإرادة من الجائزات، فلا نهاية له بالقوة، لا إنه غير متناه بالفعل، وهذا لا مراء فيه ولا دليل يُنافيه. أ هـ.
وفي " المعالم ": يجب أن يكون البارئ تعالى مُريداً، وهو الموصوف بالإرادة، التي هي صفة يتأتى بها ترجيح أحد طرفي الممكن؛ قال: معنى قولنا: يتأتى بها التعلق، أي: بتعلقها على ما ستتحقه؛ قال: ولو لم يكن البارئ مُريداً، لما اختص العالم بوجوده، ولا مقدار، ولا صفة، ولا زمان، بدلاً عن نقائضها الجائزة، فيلزم إما قدم العالم، أو استمرار عدمه، وبيان ذلك إنا نقول: الله تعالى خصص الحوادث بأحد الطرفين الجائزين، وكل من كان كذلك، كان مُريداً، فالله تعالى مُريداً، أما الصغرى فواضحة، إذ لا يخفى أنه لما كان وجود الممكنات وعدمها بالنسبة إليها سواء، لا يجب أحدهما ولا يستحيل، بل هما جائزان بالسواء، ثم أنه تعالى هو الذي خصص (1/50)
صفحة 51
بأحد الطرفين الجائزين عليه، وهو الوجود، ولم يبقه على الطرف الآخر الجائز عليه أيضاً، وهو العدم، وكذا أوجده على مقدار مخصوص في ذاته، فخصه أيضاً بذلك المقدار، بدلاً من الآخر الجائز وهو أن يكون أكبر من ذلك أو أصغر منه، وكذا خصصه بالوجود في
كذا ساعة كذا، من يوم، في شهر كذا، في سنة كذا، بدلاً عن الوجود المتقدم على ذلك، أو المتأخر عنه، وكذا ما يتعلق بسائر الأعراض، خص بنوع من ذلك بدلاً عن تركه إلى مقابلة، وأما بيان الكبرى، فلأن ترجيح وقوع أحد الطرفين المستويين بغير مُرجح محال، ويستحيل أن يكون المرجح نفس ذلك الممكن، لأنه يلزم عليه أن يكون مساوياً لذاته، راجحاً كما مر، وأيضاً فلأنه إن ترجح له الوجود عن ذاته، كان واجب الوجود لذاته، فيلزم قدمه، وإن ترجح له العدم، وجب استمرار عدمه، فلا يوجد أبداً، لأن المرجح الذاتي يمتنع عدمه، وكلا القسمين باطل، فتعين أن يكون المرجح خارجاً عنه من جهة فاعله، والسبر يقتضي أن لا مرجح لاختصاص الممكن بأحد الجائزين عليه، أو الجائزات بدلاً عن مقابله بالإرادة، وهي إختيار الفاعل، وفعل ذلك الجائز. أ هـ.
من ذاته
وأن يكون تعالى عَالِماً بكل شيء جُزئي أو كلي، لا تقانه الأشياء أي: ولقوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (1)؛ وفي " الكشاف ": على هذه الآية، فمن ثم خلقهن خلقاً مستوياً محكماً، من غير تفاوت، مع خلق ما في الأرض، على حسب حاجات أهلها ومنافعهم
(1) سورة البقرة: 29؛ سورة الأنعام: 101؛ سورة الحديد:
: (1/51)
صفحة 52
ومصالحهم. أ هـ.
وفي " مختصر العدل ": العِلم إدراك الشيء، بحيث لا يحتمل النقيض، قال: وهو ضربان، قديم صفة ذات، لأن العلم من الصفات الذاتية .. إلخ؛ وفي أبي البقاء: وأما علم الله تعالى، فهو قديم وليس بضروري ولا مكتسب؛ إلى أن قال: والحق إن علم الله تعالى منزه عن الزمان، ونسبته إلى جميع الأزمنة على السوية، فيكون جميع الأزمنة من الأزل إلى الأبد بالقياس إليه تعالى، كامتداد واحد متصل بالنسبة إلى من هو خارج عنه، فلا يخفى على الله ما يصح أن يعلم كلياً كان أو جزئياً، لأن نسبة المقتضى لعلمه إلى الكلي واحدة، فمهما حدثت المخلوقات لم يحدث له تعالى علم آخر بها، بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي، فالعلم بأن سيكون الشيء هو نفس العلم، بكونه في وقت الكون من غير تجدد ولا كثرة، وإنما المتجدد هو نفس التعلق والمعلق به، وذلك مما لا يوجب تجدد المتعلق بعد سبق العلم بوقوعه في وقت الوقوع، وفرض إستمراره إلى ذلك الوقت، فلا تكون صفة العِلم في الأزل من غير تعلق، حتى يكون عَالِما بالقوة، فيفضي إلى نفي علمه تعالى بالحوادث في الأزل، فالصانع الذي لا يشغله شأن عن شأن، واللطيف الخبير الذي لا يفوته كمال، لابد وأن يعلم ذاته، ولازم ذاته، ولازم لازمه، جمعاً وفرادى، إجمالاً وتفصيلاً، إلى ما لا يتناهى، وبديهة العقل تقضي بأن إبداع هذه المبدعات، وإبداع هذه الحكم والخواص، يمتنع إلا من العالم بالممتنعات، والممكنات
والموجودات، قبل وجودها علماً جزئياً، بأنه سيكون وقت كذا،
، (1/52)
صفحة 53
ليقصد ما يشاؤه في وقت شاءه فيه، وبعد وجودها أيضاً، ليجعلها مطابقة لما يشاء، ثم إعلم أن علمه تعالى في الأزل بالمعلوم المعين، تابع لماهيته، بمعنى: أن خصوصية العلم وامتيازه عن سائر العلوم، إنما هو باعتبار أنه علم بهذه الماهية، وأما وجود الماهية
الحادث
:
وفعليتها فيما لايزال، فتتابع لعِلمه الأزلي بها التابع لماهيته، بمعنى أنه تعالى لما علمها في الأزل على هذه الخصوصية، بكونها في نفسها على هذه الخصوصية، لزم أن يتحقق ويوجد فيما لايزال على هذه الخصوصية، فلا جبر ولا بطلان لقاعدة التكليف، وأما مشيئته تعالى، فإنها متبوعة، ووقوع الكائنات تابع لها، فمن قال: إن علمه تعالى يجب أن يكون فعلياً، لا يقول: إن العِلم تابع للوقوع، ومن قال: بالتبعية، قال: يانقسام عِلمه إلى الفعل والإنفعال، والمقدم على الإرادة هو الفعل، وعلى الوقوع هو الإنفعال، ولا تعني بالتبعية للمعلوم تأخراً عن الشيء زماناً أو ذاتاً، بل المراد كونه فرعاً في المطابقة، والقول: بأن علمه تعالى حضوري، والمراد وجود المعلوم في الخارج يُشكل بالممتنعات، لأن عِلمه تعالى شامل للمتنعات، والمعدومات الممكنة، إلا أن يُقال: لها وجود في المبادئ العالية، وأما قوله تعالى: {إِلا لِنَعْلَمَ} (1)، وأشباهه فهو بإعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء، قال القاضي: في قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَشَاهُم لِنَعْلَمَ (2)، ليتعلق عِلمنا تعلقاً حالياً مُطابقاً لتعلقه، أولاً تعلقاً إستقبالياً، فلا يلزم منه أن يحدث له تعالى علم، فإن العلم الأزلي
(1) سورة البقرة: 143؛ سورة سبأ: 21
(2) سورة الكهف: 12
1871 (1/53)
صفحة 54
بالحادث الفُلاني، في الوقت الفُلاني، غير متغير، وإنما هو قبل حدوث الحادث، كهو حال حدوثه وبعد حدوثه، وإنما جاء المضي والإستقبال من ضرورة كون الحادث زمانياً، وكل زمان محفوف
،
6
بزمانين سابق ولاحق، فإذا نسبت العِلم الأزلي إلى الزمان السابق قلت: قد عَلم الله، وإذا نسبت إلى الزمان الحالي، قلت: يعلم الله وإذا نسبت إلى الزمان اللاحق، قلت: سيعلم الله، فجميع هذه التغيرات إنبعثت من إعتباراتك، وعلم الله واحد، لأن علمه ملازم لوجوده الأول، وفعله ملازم لعِلمه، أما بالنسبة إليه، فعلى سبيل الإتحاد، وأما بالنسبة إلى الموجودات، فعلى سبيل الإعتبار، فلا يستدل بتغيرها على تغيره، وبعدمها على عدمه، ويعلم جميع الْجُزئيات على وجه جُزئي، فعند وجودها يعلم أنها وجدت، وعند عدمها يعلم أنها عدمت، وقبل ذلك يعلم أنها ستوجد وستعدم، ولا مانع من أن يكون العلم في نفسه واحداً، ومتعلقاته مختلفة ومتغايرة، وهو يتعلق بكل واحد منها على نحو تعلق الشمس بما قابلها وإستضاء بها. أهـ. وفي " المعالم ": وإنما قُلنا: بأنه عالم بكل شيء، لأن الموجب للعلم ذاته العلية، والمقتضي للمعلومية ذوات المعلومات ومفهوماتها، ونسبة الذوات إليه سواء، فإذا كان عَالِماً ببعضها، كان عالماً بكلها؛ إلى أن قال: إنا نستدل على كونه تعالى عَالِماً، بأنه لو لم يكن عالماً لم
،
تكن أنت في ذاتك متصفاً بما أنت عليه، من غاية الأحكام والإتفاق ودقائق المحاسن التي لا تنحصر، وبيان الملازمة أنه معلوم بالبديهة، أنه لا يحكم الفعل ويبرزه في غاية الكمال، وفيما لا يُحاط به من
1021 (1/54)
صفحة 55
أنواع المحاسن، إِلا من هُوَ عَالِم، حكيم غاية الحكمة، وأما الإستثنائية، فمعلومة بضرورة المشاهدة. أ هـ.
وأن يكون حياً، لأن الحياة شرط لصحة العلم، والقدرة، والإرادة، وغيرها، والمتصف بالحياة يكون فاعلاً، أي: ومما يجب له تعالى أن يكون حياً، لقوله تعالى: {هُوَ الحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} (1)؟ وفي أبي البقاء: {الحَيُّ، هُوَ الَّذِي يصح أن يعلم ويقدر؛ إلى أن قال: وليست صفة حقيقية عادية عن النسب والإضافة في حقه تعالى، صفة الحياة. أ هـ.
الأصـ
وفي " المعالم ": يجب أن يكون ربنا عز وجل حياً، وإلا لم يكن متصفاً بتلك الكمالات السابقة، من القدرة، والإرادة، والعلم، وبيان الملازمة، إن تلك الصفات مشروطة عقلاً، بكون المتصف بها حياً، فلو قدر عدمه لوجب عدمها، لوجوب إنتفاء المشروط لإنتفاء شرطه؛ إلى أن قال: والحياة صفة توجب لمن إتصف بها أن يكون فاعلاً، قال: وإنما قُلنا: أن تلك الصفات بل وغيرها مشروطة بالحياة، لأنها ليست تحتها إلا الوجود. أ هـ.
وفي " شرح النونيه ": والدليل على حياته، تصرفه في خلقه،: بالإيجاد، والإعدام، والإكرام، والإيلام، والإفناء، والإعادة، ونحو ذلك، مما يستحيل وجوده من الأموات. أهـ
أقول: هذا معنى قولنا: من شرط الحي أن يكون فاعلاً، والأفعال
(1) سورة غافر: 65
1001 (1/55)
صفحة 56
معاني
ومحيي
المصادر، الواقع إشتقاق الأفعال والصفات منها، كإيجاد
الحياة، الذي هو معناه لفظ أحيى، المشتق منه: أُخيي، ويُحيي، وكإيجاد الخلق، المشتق منه: خلق، ويخلق، وخالق، ومخلوق، وعلى ذلك قياس جميع صفات الأفعال. أ هـ. شرح الديانات (بتصرف).
،
وأن يكون راضياً عن الْمُؤْمِنِين، محباً لهم موالياً، وأن يكون على المجرمين بعكس ذلك، ومعنى الرضى وما في معناه، هو الإرادة مع عدم الإعتراض، وقد يريد تعالى ما لا يرضى، ككفر أبي جهل مثلاً: أي: ومما يجب له تعالى أن يكون راضياً عن المؤمنين ... إلخ، أي: وأن يكون على المجرمين بعكس ذلك، فيكون ساخطاً عليهم، مُبغضاً معادياً، واختلف أئمتنا في الرضى والسخط وما في معناهما، فالجمهور على أنهما أفعال له تعالى، وأبو يعقوب المغربي ومن وافقه، أنها صفات ذاتية، كالعلم والقدرة
ونحوها.
وفي أبي البقاء: وأما رضى الله، فهو ترك الإعتراض لا الإرادة؛ إلى أن قال: والرضى والمحبة كل منهما أخص من المشيئة، فكل رضى إرادة ولا عكس، والأخص غير الأعم. أ هـ.
وفي " جمع الجوامع وشرحه ": والرضى والمحبة من الله، غير المشيئة والإرادة منه، فإن معنى الأولين المترادفين أخص من معنى الثانيين المترادفين، إذ الرضى الإرادة من غير إعتراض، والأخص غير
- 56 - (1/56)
صفحة 57
الأعم، فلا يرضى لعباده الكفر، مع وقوعه من بعضهم بمشيئته شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} (1)، قال البناني قوله: فلا يرضى لعباده الكفر للمغايرة المذكورة، وقوله: {وَلَو شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ}، دليل لقوله مع وقوعه من بعضهم. أ هـ
وفي " شرح النونية ": وإن له تعالى رضى مخلوقاً، هو قبوله أعمال من رضي عنه من خلقه، وتوفيقه للطاعة؛ إلى أن قال: فإذا علمت رضاه تعالى، علمت أن سخطه مخلوق له، وأنه هو عدم
التوفيق للعمل الصالح، وعدم قبوله عمل من سخط عليه. أ هـ
أقول: هذا على القول الأول المشهور؛ وأما على القول الثاني، أي: على القول: بأنها صفات ذاتية، فقد قال في " الدليل ": فإن قال قائل: ما الدليل على صواب ما قلتم في الرضى، والسخط، والحب، والبغض، والولاية، والعداوة، أنها صفات الله ذاتية؟ قلنا: من أحد ثلاثة أوجه، أحدها: من العقليات والضروريات، وذلك ما شرحناه في كون الحي مُرتبطاً بصفاته التي لا ينفك من واحدة منها، إلا كان مواتاً وهي العلم، والقدرة، والإرادة، والرضى، والحب، والولاية، وأن يكون فعالاً، فهذه حقيقة الحياة، لأنك إذا قُلت: رأيت حياً إقتضى فعالاً، وإن قلت: رأيت فعالاً إقتضى حياً، ولو قلت: رأيت حياً لا فعالاً، أو فعالاً لا حياً، أكذبك الوجود، لأن معنى الحي والفعال واحد، وقولك: حي يقتضي الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والرضى، والحب، والولاية، والفعل، وقولك: فعال يقتضي الفعل، والولاية، والحب، والرضى، والإرادة، والقدرة، والعلم، والحياة
(1) سورة الأنعام: 112. (1/57)
صفحة 58
ضرورة؛ إلى أن قال: وقد أجمعت الأمة على أن الرضى صفة الراضي، والسخط صفة الساخط، وفي حديث عائشة أن رسول الله أنزل عليه واسجد واقترب} (1)، فسجد وتقرب إلى الله في سجوده، فكوشف بمشاهدة الخلق، فنظر وليس شيء أعظم من عقاب الله، ولا من عفوه، فقال: اللهم إني أعوذ بعفوك من عقابك، ثم سجد أُخرى، فتقرب أعظم من تقربه الأول، فكوشف بمشاهدة الصفات، فلم ير شيئاً أعظم من سخط الله ورضاه، فقال: وأعوذ برضاك من سخطك، ثم سجد ثالثة، فتقرب أعظم من الأوليين، فقصر عقله عن عظمة ذات الله، فحينئذ بهره الأمر، فقال: وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك
إلى أن قال: إن لله حكمة في كل شيء، وأنه جعل بعض أفعال العباد سبباً لتمام تلك الحكمة، وبلوغها غاية المراد، وجعل بعض أفعالهم مانعاً من تلك الحكمة، فكل فعل وافق مقتضى الحكمة، حتى انساقت الحكمة إلى غايتها فهو شكر، وكلما خالف ومنع الأسباب من أن تنساق إلى غاية المراد فهو كفر، ثم انقسم عباده الذين هم من خلقه واختراعه، إلى من سبقت له في المشيئة الأزلية أن يستعمله لإستيقاف حكمته دون غايتها، ويكون ذلك قهراً في حقهم، لتسليط الدواعي والبواعث عليهم، وإلى من سبقت لهم في الأزل أن يستعملهم لسياق حكمته إلى غايتها في بعض الأمور، فكان لكل واحد من الفريقين نسبة إلى المشيئة خاصة، فاستعير لسببية المستعملين في إتمام الحكمة
(1) سورة العلق: 19.
1441 (1/58)
صفحة 59
لهم عبارة الرضى، واستعير للذين استوقف بهم أسباب الحكمة دون غايتها، عبارة السخط، وظهر على من سخط عليه في الأزل فعل، وقفت الحكمة به دون غايتها، فاستعير له الكفر، وأردف بنقمة اللعن، وظهر على من ارتضاه في الأزل، للذي إنساقت بسببه الحكمة إلى غايتها، فاستعير له عبارة الشكر، وأردف خلفه الثناء زيادة في الرضى والقبول. أ هـ بتصرف مع حذف
هذا ولا يخفى عليك، أن الأئمة قد فسروا الرضى والمحبة المستلزمين للولاية، بأنهما إلارداة مع عدم الإعتراض، والإرادة مطلقاً أعم منهما ـ كما تقدم - لأن كفر أبي لهب مراد له تعالى، غير مأمور به، ولا مرضي عنه، وإنما أمره بالإيمان، الذي لا يقدم عليه من أجل إشتغاله بكفره، إقامة للحجة وقطعاً للعذر، ولذلك قُلنا في المتن: وليس الأمر يستلزم الإرادة، وإنما ذلك مذهب المعتزلة، النافين عن إرادة الله الشرور والقبائح بزعمهم، فوقعوا في أمر أشنع مما فروا منه، حيث جعلوا كُفر الكافر غير مراد له تعالى، وإنما تعلقت إرادة العبد به، فكانت أغلب من إرادته تعالى بزعمهم، فإذن يلزمهم أن يقع في ملكه ما ليس مراداً له تعالى عن ذلك، وأجابوا عن قوله تعالى: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ} (1)، أي: لا يرضاه ديناً وشرعاً، بل يُعاقب عليه، وبأن المراد بالعباد: من وفق للإيمان، والأئمة يقولون: إنه قد يريد ما لا يأمر به، لحكم ومصالح يعلمها هو لأنه: {لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفعَلُ} (2)، وقد يأمر بما لا يريد كإيمان الكافر، فإنه أمر به
(1) سورة الزمر: 7.
(2) سورة الأنبياء: 23 (1/59)
صفحة 60
ولم يرده، ولو أراده لكان كما أراد: {فَلَو شَاءَ لَهَدَاكُم
أَجْمَعِينَ} (1). وفي أبي البقاء: والأمر مطلقا لا يستلزم الإرادة، ولو قلنا بالإستلزام، للزم ذلك في جميع الصور، من جملتها أمر الله تعالى،
:
والمعتزلة لما لم يفرقوا بين إرادة الرب وإرادة العبد، في جواز تخلف المراد اد، إتجه لهم القول بالإستلزام؛ قال: ونقل الزركشي في " البحر "، عن بعض المتأخرين: أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية، فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعاً وديناً، وقد يأمر بما لا يريده كوناً، وقدراً، كإيمان أبي لهب، وكأمر خليله بالذبح ولم يُذبح؛ إلى أن قال: وفائدته العزم على الإمتثال وتوطين النفس عليه. أ هـ
أن
لكن هذا التفصيل لم نجده لأحد منا، فلينظر فيه، وأن يكون سميعاً، بصيراً، متكلماً، ومعنى سمعه: علمه بالمسموعات، كما بصره ره سبحانه علمه بالمُبصرات، أي: ومما يجب له سبحانه وتعالى أن يكون سميعاً ... إلخ، ومعنى سمعه وبصره: أنهما صفتان كاشفتان، يتعلقان بالشيء على ما هو عليه، وهما راجعتان إلى معنى العلم، إلا أنهما لا يتعلقان إلا بالموجود المعين؛ فمن ثم قُلنا: إن معناهما علمه تعالى بالمسموعات في صفة السمع، كما أن علمه
بالمبصرات في صفة البصر.
(1) سورة الأنعام: 149.
• (1/60)
صفحة 61
وفي " القناطر ": إنه تعالى سميع، لا تخفى عليه الأصوات:
بصير، لا تخفى عنه الألوان؛ إلى أن قال: فالسمع كناية عن درك الأصوات، والبصر كناية عن درك الألوان، وذلك نفس العلم، قال: وهما صفتا كمال في حقه تعالى، قال: وإذا كانتا صفتي كمال في المخلوق، فكيف في الخالق؟!. أ هـ (بتصرف)
قال الإمام الخليلي - بعد كلام له -: فإذا وصفناه مثلاً بالعلم قُلنا
6
:
،
إن ذاته المقدسة كافية في إنكشاف حقائق الأشياء لها، إنكشافاً تاماً فهي حقيقة صفته بالعِلم، فإذا خص ذلك الإنكشاف المذكور بالمسموعات والمرئيات، قيل: إن ذاته الكريمة كافية في تجلي كل مسموع أو منظور لها، تجلياً حقيقياً على ما هو عليه، فهو حقيقة وصفه تعالى بالسمع والبصر. أ هـ
قالوا: الدليل على كونه سميعاً بصيراً متكلماً، الكتاب والسنة والإجماع، لأن الدليل العقلي ضعيف؛ قال في " المعالم ": لأن ذاته تعالى لا تعرف حتى يحكم في حقه، بأنها يجب إتصافه بإضدادها عند عدمها، فإن الإعتماد على الدليل العقلي في ثبوت تلك الصفات، من كونها كمالات، يجب إتصافه بها، وإلا اتصف بأضدادها، فيكون ناقصاً لفوات الكمال، وفواته نقص ضعيف، لأنه إنما ثبت لتلك الصفات الكمال في الشاهد، ولا يلزم من كون الشيء كمالاً في الشاهد، كونه كمالاً في الغائب. أ هـ
تنبيه:
قد علم مما مر، أن السمع والبصر يتعلقان بالموجود المعين،
-71 - (1/61)
صفحة 62
وأن العلم يتعلق بالواجب والممكن، الذي وجد أو يوجد، على قول أهل المغرب، فلا يتعلق بالممكن الذي لا يوجد ولا بالمستحيل؛ لكن
قال في " المعالم ": لا يخلو إما أن يريدوا به أنه يتعلق به، أي: بالمستحيل والممكن، الذي لا يوجد على وجه إنكشاف حقيقته وماهيته، أو على وجه صحة الحكم عليه، بأنه لا يوجد أو بأنه مستحيل، فإن أرادوا به الأول، أي: إنكشاف حقيقته وماهيته، فباطل، لأن العلم هو ما يوجب إنكشاف الشيء إنكشافاً تاماً، بحيث لا يحتمل النقيض بوجه ما - كما مر - ولا حقيقة في الخارج لما ذكر، تستدعي ذلك الإنكشاف، وإن سلم إعتبار وجودها في الذهن، فليس الكلام فيه، إن أرادوا به الثاني، أي: على وجه صحة الحكم عليه، أي: بأنه لا يوجد أو بأنه مستحيل، فمسلم وغير بعيد في هذا المقام، لأنه أمر إعتباري لا ينكره أحد. أ هـ بزيادة.
وَالَّذِي عليه الإمام الخليلي وغيره: أن علمه تعالى يتعلق بالممكن والواجب والمستحيل، واستدلال عليه بآيات، منها قوله تعالى: لَئِن أَخرِجُوا لاَ يَخرُجُونَ مَعَهُم وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُم وَلَئِن نصَرُوهُم لَيَوَكُنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ) (1)، ومنها قوله تعالى: وَلَو رُدُّوا لَعَادُوا} (2)، ومن قال يتعلق العلم بالجميع، لا يقول إنه تعالى يعلم حقيقة إنسان من ذهب مثلاً، بل يعلمه سبحانه وتعالى أنه
مستحيل، فهو نفس الحكم عليه
(1) سورة الحشر: 12
(2) سورة الأنعام: 28. (1/62)
صفحة 63
قال في " شرح النونية ": ويُقال: الله عالم، ويعلم، وقد علم،
وعليم، وعلام؛ إلى أن قال: ويعلم أنه ليس لنفسه شريك. أ هـ ألا ترى، أنه أثبت العلم بعدم الشريك وهو المطلوب، وأما كلامه: فهو فعل من أفعاله، لا صفة من صفاته، اللهم إلا أن أُريد به نفي الخرس، وقد إنتفى بالقدرة، لأنه عجز عن النطق، أي: أما الصفات المتقدمة فقد مضى الكلام عليها، وأما كلامه: فهو فعل من أفعاله، أي: حادث كغيره من المحدثات، وهو كتبه المنزلة على
أنبيائه ورسله ومنها القرآن، لأنه وصفه بصفات خلقه، فقال تعالى:
ذلك
كِتَابٌ أُحكِمَت آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَت» (1)، {فَأَجِرَهُ حَتَّى يَسمَعَ كَلَامَ الله) (2)، اللهُ نَزَّلَ أَحسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِها) (3)، إلى غير من الدلالات الدالة على حدوثه؛ فمن ثم قلنا: إنه فعل من أفعاله، لا صفة من صفاته، إلا أن يُراد به نفي الخرس، وذلك أن الأصحاب لهم في كونه تعالى متكلماً، بعد إجماعهم على صحة وصفه بذلك، تأويل أن أحدهما أنه متكلم ليس بأخرس، ومعنى كلامه على هذا أن
يكون متكلماً بذاته، كما أن قولهم في جميع الصفات كذلك كما يأتي والثاني: أنه خالق لكلامه، لأن اسم الفاعل لمن إتصف به، سواء كان قائماً به كقائم أو غير قائم به كخالق ومتكلم؛ وفي " الدليل "، عند قول الشيخ أبي الربيع: وندين بأنه خالق لوحيه، وكلامه، وجاعله، ومحدثه، قال الشيخ أبو يعقوب: وندين ها هنا مُحتمل ما
(1) سورة هود: 1 (2) سورة التوبة: 6.
(3) سورة الزمر: 23
،
-- (1/63)
صفحة 64
لم يقع أحد الشروط الثلاثة، وذلك أن هذه المسألة وقع فيها بعض
المغالطة
إلى أن قال: يُسأل من يقول القُرآن غير مخلوق، ما هذا القُرآن الذي تريدونه وما حده؟ فيقولون: أن الكلام أولاً إنما يكون في النفس، ثم يظهر على الألسنة، فيكون الظاهر والباطن كلاهما كلاماً،
،
،
فنظرنا إلى القرآن الظاهر عن كلام الباطن، قام ونظرنا إلى كلام النفس قد يكون في النفس قبل ظهوره إلينا، وأمور النفس أوكد من أمور الجوارح، والله تعالى لا يشبهه شيء في صفة ولا ذات، فعلمنا أن كلامه كعلمه، فقُلنا: الكلام والقُرآن إذ هو الكلام ليس بمخلوق، ثم قلنا لأهل الظاهر، الذين يقولون: هذا المسموع هو القُرآن: ما القرآن عندكم؟ فقالوا: هذا هو المسموع بالآذان، المتلو باللسان، المقطع بالحروف، المتعلق بالظروف، المحتمل للتصريف الموصوف بالتربيع، والتثليت، والتنصيف: {فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العلم (1)، حجة الأخرين، فها هنا وقعت المغالطة، فإن إعترف أصحاب الظاهر لأصحاب الباطن بما قالوا، صح لهم قولهم إنه الكلام في النفس، وأنه معنى في النفس ـــ على قول الأشعرية ـ وإن إعترف أصحاب الباطن لأصحاب الظاهر بما قالوا، أن الكلام هو هذا الحجة المسموع، صح أنه مخلوق، فعلى كل واحد منهم أن يقيم
،
—
على ما قال، فإن أقاماها صح ما قالا هذا صفة، وهذا فعل، وإن أحدهما، صح ما قال الآخر، وإن عجزا جميعاً، إحتمل صحة ما قالا أو بطلانه، واستدل أصحاب الباطن بقول الأخطل النصراني:
عجز
(1) سورة العنكبوت: 49
17 {- (1/64)
صفحة 65
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعِلَ اللسان على الفؤاد دليلاً واستدل الآخرون بقول الله: {وَإِن أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ: فَأَجرهُ حَتَّى يَسمَعَ كَلاَمَ اللهِ} (1)، فقال أصحاب الظاهر لأصحاب الباطن: صاحبكم نصراني، ولا ينصت إليه في تفسير لغة العرب؛ إلى أن قال: ونحن استدللنا بكتاب الله عز وجل، وما في الفؤاد غير مسموع بالآذان، قال الآخرون: أثبتناه صفة، لأن ضده منفي عن الله عز وجل وهو الخرس، فقال الآخرون: لم يكن الخرس للكلام بضد وإنما آفة، وضد الكلام السكوت وليس بآفة، فكما لا يجوز أن تقول ضد القدرة الخرس، أو النوم، أو الجوع، أو العطش، فهذه آفات ومجموعها هو ضد القدرة، وبعد أن يكون الكلام في النفس ككون الفعل في النفس، فلا يكونان صفة، وإنما قلنا: ككونها في النفس متعلق إلى علم الله عز وجل، بعلم الله في علمه، الذي إن ظهر كان كلاماً، وإن أظهر كان فعلاً، وقد علم الله عز وجل كون الخلق
في الأزل، وكون الخلق يوماً ما، وَحِينَاً مَا، وعلم الكلام في الأزل وكون الكلام يوماً ما وَحِينَا مَا؛ إلى أن قال: وهذه المسألة قد حار فيها المتكلمون، وليس فيها من الحيرة أكثر مما ترى، فإن سلم أحد من الشروط الثلاثة، كان المصيب فيها غانماً، والمخطئ سالماً، والسلامة أقرب لمن استدل بقول الله، دون من استدل بقول النصراني، والمبتدئ بقطع العذر ظالم. أ هـ مع حذف.
وفيه أيضاً: والشروط ما لم يدع أنه دين يُدان للهِ تعالى به، أو يقطع
(1) سورة التوبة: 6.
، (1/65)
صفحة 66
أدلة
عذر من خالفه، أو يهدم برأيه قاعدة من قواعد الإسلام. أ هـ وفيه أيضاً: والدليل على خلق القرآن لأهل الحق عليهم كثيرة، وأعظمها إستدلالهم على خلقه بالأدلة الدالة على خلقهم هم، فإن أبوا من خلق القُرآن، أبينا لهم من خلقهم، وقد وصفه الله في كتابه وجعله قرآناً عَرَبياً) (1)، مجعولاً منزلاً، مسموعاً بالآذان، مقروء بالألسن، مكتوباً في المصاحف: {فِي قُلُوبِ الَّذِينَ أُوتُوا العلم (2)، وليس لهم معول بعد العثور، إلا الإعتذار بالغرور، وذلك أنهم نصبوا للكلام، وللأمر والنهي هيولاً خيالاً غير القُرآن، وهي العبارة عن القُرآن، فما حاججناهم به من صفات الخلق الموجود في القُرآن؛ قالوا: صدقتم غير أن ذلك يتوجه إلى العبارة عن القُرآن، لا نفس القُرآن؛ قُلنا لهم: إن الله تعالى يقول: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرآناً عربياً) (3)؛ قالوا: العبارة عنه؛ قُلنا لهم: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكرٍ مِّن رَّبِّهِم مُحدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُم يَلْعَبُونَ} (4)؛ قالوا: العبارة عنه؛ قُلنا لهم: قال الله عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} (ه)، {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدرِ} (6)، {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} (7)، {وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (8)؛ قالوا: العبارة عنه؛ لهم: بعد قوله تعالى: {أَنزَلَهُ بعِلمِهِ وَالمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ} (9)،: العبارة عنه لا هو، فمن يشهد لكم بهذا بعد أن رددتم شهادة
قلنا
قلتم
(1) سورة الزخرف: 3. (3) سورة الزخرف: 3.
(5) سورة الدخان: 3. (7) سورة الشعراء: 193 (9) سورة النساء: 166
(2) سورة العنكبوت: 49. (4) سورة الأنبياء: 2. (6) سورة القدر: 1. (8) سورة الإسراء: 82.
177 - (1/66)
صفحة 67
الله
ومن
عز وجل وشهادة الملائكة، فياسبحان الله من قوم أنكروا نزول
هي
،
(
القُرآن مثل أهل الأوثان، ولو عرضوا بمثل ما هم فيه بمحمد وبجبريل الروح الأمين، أنه لم ينزل به جبريل على قلب محمد، وإنما نزل بالعبارة لا القُرآن، وخيال جبريل هو الذي نزل على خيال محمد، ولم ينزل علينا نحن أيضاً القُرآن، وإنما نزل على خيالنا، وقوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَومُكَ وَهُوَ الحَقُّ» (1)، وأن القوم ما كذبوا بالقُرآن، وإنما كذب خيالهم لا العبارة، فليس القُرآن في نفسه بحق، وإنما العبارة عنه الحق، وهي التي كذب بها خيال القوم كان بهذه الصفة، فليس بالعقلاء الذين يخاطب أمثالهم: أ هـ ونعتقد أيضاً أن صفاته هذه عين ذاته، لا زائدة على الذات، تقدم معنى الإعتقاد، وأيضاً مصدر آص، بمعنى: رجع، والصفات جمع صفة، وهي ما قامت بالموصوف، وهذه إشارة إلى الصفات المتقدمة وغيرها، وعين ذاته، بمعنى: أن ذاته كافية عن الإتصاف بمغاير لها، قال: بعض وجوب الوجود، يدل على نفي المعاني، والأحوال، والصفات الزائدة عيناً، قال: لأن وجوب الوجود دال على نفيها، لأن هذه الأمور إن كانت واجبة لذواتها، لزم تعدد الواجب، وقد أبطلناه، وإن كانت ممكنة لذواتها، فالموجب لها إن كان هو ذات الواجب
،
لزم أن يكون الواحد قابلاً وفاعلاً، وهو باطل، وإن كان غيره، لزم إفتقار الواجب إلى غيره. أ هـ
وبهذا تعلم بطلان ما قاله الغير، المستحيل تعدد ذوات قديمة، لا
(1) سورة الأنعام: 66 (1/67)
صفحة 68
ذات وصفات، وقوله: ولا يجترأ على القول بكون الصفات واجبة لذاتها، بل يُقال: هي واجبة لا لغيرها بل لما ليس عينها ولا غيرها، أعني: ذات الله، ويكون هذا مراد من قال: الواجب الوجود لذاته هو الله وصفاته، يعني: أنها واجبة لذات الواجب تعالى، وأما في نفسها، أي: الصفات، فهي ممكنة ولا إستحالة في قدم الممكن، إذا كان قائماً بذات القديم، واجباً به غير منفصل عنه، فليس كل قديم إلها حتى يلزم من وجود القدماء وجود الآلهة، لكن ينبغي أن يُقال: الله قديم بصفاته، قال: ولا يطلق القول بالقدماء لئلا يذهب الوهم، إلى أن كلاً منهما قائم بذاته، موصوف بصفات الألوهية. أ هـ من " شرح
العقائد " للتفتازاني.
تعدد
القدماء
وجه البطلان مرة يقولون: إن الصفات أغيار قديمة، فيلزمهم، ومرة يقولون: إنها ممكنة في نفسها واجبة لغيرها، وهذا تخليط، فإن الممكن حادث بالإتفاق؛ قال الإمام الخليلي عليه): والأصل الذي ذهب إليه أصحابنا في هذا، أن صفاته تعالى هي عين ذاته الأزلية، ولا ينكشف هذا إلا الذات بتجريد المقدسة عن الصفات بالكلية؛ فنقول: في وصفه مثلاً بالحياة، والعلم،
(رضوان
الله.
والقدرة، والسمع، والبصر، والإرادة، وغيرها من صفاته تبارك وتعالى، أنها ليست بشيء زائد في ذاته، لئلا يلزم الحلول في ذاته، ولا زائدة من ذاته، لئلا يلزم التبعيض في ذاته، ولا زائدة على ذاته، لئلا يلزم إفتقاره إلى ما يزيد على ذاته سبحانه، مثلاً عالم بلا علم يعلم به، وقادر لا بقدرة يقدر بها، وهكذا في سائرها، لأنه لو كان يعلم بعلم
-14 - (1/68)
صفحة 69
،
ويقدر بقدرة، فلابد إما أن يكون ذلك العلم هو هو، فيقتضي أن العلم هو الإله، وأن الإله هو العلم، وهذا باطل، وإلا لجاز أن يكون العلم رباً لقوم، والقدرة إلَهاً لغيرهم، والإرادة معبوداً للآخرين وهكذا، وهذا باطل لا يدعيه أحد لأنه شرك ظاهر؛ وأما أن يكون العلم غيره، فيلزم منه إفتقار الله سبحانه إلى غيره، وهذا باطل، لأن من كان مفتقراً إلى غيره فليس باله، وأما أن يكون ذلك العلم لا هو هو، ولا هو غيره، وهذا باطل لعدم الثالث، واعلم بأن القول: بأنه تعالى يعلم بعلم هو غيره، وأن له إرادة هي غيره، لابد له من أحد الأمرين، إما قول: بأن صفاته تعالى حادثة، فيكون الرب سبحانه وتعالى محلاً للحوادث وكل محل للحوادث فهو حادث، وهذا باطل، وإما أن يُقال: إنها قديمة أزلية معه، لا هي هو، ولا هي من خلقه، فتكون له شركاء كثيرين في وصف القدم والأولية، وفيه رجوع عن القول بالتوحيد والفردانية، إلى التصريح بالإثنين والثالث وما زاد، وهذا باطل، ولابد في كل واحد من هذه الأشياء الموصوفة بالقدم والأولية، من أن تكون رباً، أو مربوباً، وإلهاً، أو مألوهاً، وكل هذا باطل، والحق لا إله إلا الله، فلا قديم غيره، ولا أول سواه، وكل ما جاز القول فيه بأنه غيره، فلا يجوز أبداً إلا أن يكون مخلوقاً له، محدثاً، مصنوعاً كغيره من المخلوقات، والقول بهذا في صفات الله تعالى باطل لِمَا تقرر. أ هـ.
وليس معنى ما ذكرنا أن هناك ذاتاً ولها صفة، وهما متحدان حقيقة، بل ذاته تعالى يترتب عليها ما يترتب على ذات وصفة معاً، فلا تحتاج إلى شيء؛ فسروا هذا بمعنى: أن ذواتنا ليست كافية في
- (1/69)
صفحة 70
إنكشاف الأشياء لنا، بل نحتاج في ذلك إلى صفة العلم، الذي يقوم بنا بخلاف ذاته تعالى، فإنه لا تحتاج في إنكشاف الأشياء لها، وظهورها إلى صفة تقوم به، بل المفهومات بأسرها منكشفة لذاته تعالى، فذاته بهذا الإعتبار حقيقة العلم مثلاً
وفي " الدليل ": أن صفات البارئ سبحانه ليس هناك معنى غيره، أو شيء يلازمه أو يفارقه، فقولنا: الله موجود، إثباته ليس هناك وجود غيره يخالفه أو يوافقه، وقولنا: الله حي، إخبار عن الذات أنها ليست بميتة، وأن له التصرف في الغير، وقولنا: الله قادراً، إخبار عن الذات أنها ليست بعاجزة، ولا يعوزها شيء، وقولنا: الله مريد، إخبار عن الذات أنها غير مكرهة، ولا يفوتها شيء، وكذلك سائرها، وليس في أن نفينا عن الذات في هذه الأمور، ما يقتضي أن معها غيرها يقاومها فيضاهيها، أو شيئاً غيرها نستعين به، ويكون جزءاً منها، وذلك محال في ذات البارئ سبحانه وتعالى، فالقديم من سبق الحدث، والعجز، والحاجة وجوده، فمن حصل اسم القدم له، حصلت له الألوهية، والصفات الكاملة. أ هـ
غني
مثلاً،
لا يُقال: إن الصفة عين الموصوف على قولكم هذا، فيكون الله هو العلم، والقدرة، والحياة، إلى غير ذلك، لأنا نقول: إن الله في الأزل بذاته، عن أن يزيد فيها شيء من صفاته، فقولنا: حي لم يزد بالحياة غيره، فتعد صفة زائدة، فلا يقتضي أن الحياة صفة زائدة على الذات، فلا يلزم من هذا أن يُقال: هُوَ الْحياة مثلاً
- Y- (1/70)
صفحة 71
قال الإمام الخليلي رضوان الله عليه: إن أسماء الصفات تثبت لمعان أخر، وهي أن تكثر الصفات، وتعدد الأسماء، إنما كان لأمور إعتبارية، بحسب تجليات أعيان الوجود وتأثرها، وإنفعالها للذات العلية، لطفاً من الله لعباده، لكمال المعرفة به، فإن تجلّي المعلومات من أعيان الوجود، بمعنى: إنكشافها للذات، لو يسمى إرادة، أو قدرة، لما صح معنى ولا لغة، فكذا تجلّي المسموعات لها، لا يسمى بصراً، ولا تجلي المرئيات لها، يسمى في سائرها. أ هـ
سمعاً، وهكذا
لا يُقال أيضاً: إن نفي الصفات عن الذات من الممتنعات، لكون الكتاب العزيز نطق بها، قال تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (1)، إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (2)، في أمثالها، لأنا نقول: إنما نفينا الزائد على الذات مخافة الوقوع في الكثرة، ولم ننف عنه تعالى مفهوم العلم والقدرة، بل نقول: إنه عالم، قادر، مريد، سميع، بصير، متكلم، أي: بذاته لإستحالته بديهة، ولا يقوله عاقل، فالصفات إعتبارية لا وجود لها، خارجاً عن الأذهان، كالإنكشاف في العلم، والتمكن في القدرة، والتخصيص في الإرادة، لا حقيقة زائدة على الذات العليه، قائمة بها وحالة فيها موجبة لتلك الثمرات، كما تقول الأشعرية، وإن هربوا عن الحلول، وأنفوا عنه، فالحالة قائمة وبالعكس. أ هـ.
(1) سورة البقرة: 29؛ سورة الأنعام: 101؛ سورة الحديد: 3.
(2) سورة البقرة: 20، 109، 148؛ سورة آل عمران: 165؛ سورة النحل: 77.
-11 - (1/71)
صفحة 72
الصفات
لأنا نقول: إن ذاته تعالى بحسب إنكشاف الأشياء لها تسمى: عالمة؛ وبحسب التأثير في المقدورات نسميه: قادراً؛ وبحسب تخصيص جميع المرادات نسميه: مريداً. المرادات نسميه: مريداً؛ وبحسب إنكشاف جميع المسموعات نسميه: سميعاً؛ وبحسب إنكشاف جميع المبصرات نسميه: بصيراً؛ وبحسب إستلزامه صحة إتصافه بجميع نسميه: حياً؛ فهذا هو المراد من كونها عين الذات، لأنها إضافات وتعلقات، لا صفات حقيقية، إنما هي أمور إعتبارية يراد بها نفي أضدادها، فبالعلم ينتفي الجهل، وبالمقدرة ينتفي العجز، وبالإرادة ينتفي الإكراه، وكذا الباقي بحسب، أي: باعتبار، أو أن حسب لفظة زائدة، من باب المجاز بالزيادة، ومنه: {وَهُوَ القَاهِرُ فَوقَ عِبَادِهِ} (1)، بزيادة فوق على بعض التأويل؛ وإنكشاف الأشياء ظهورها تسمى: عالمة، لا فرق بين قولنا ذاته: عالمة، وبين قولنا: هو عليم، وعالم، والتأثير في المقدورات هو الإنفعال للذات القادرة، فإنه فعل الذات في المقدورات على وفق الإرادة، والإرادة تخصيص الموجودات ببعض الجائزات دون بعض، وقد تقدم أن السمع والبصر إنكشاف مخصوص، فهو راجع إلى العِلم، والحياة عبارة عن كون الموجود فاعلاً، وقد تقدم عن " الدليل ": أن كل فاعل حي، وكل حي فاعل، والعلم والقدرة وغيرهما، شروط للحي عند المتكلمين كما تقدم - إضافات وتعلقات، لا وجود لها في ذاته، ولا في ذاتها، وهذا معنى قولنا: لا هي صفات حقيقية، بل أمور إعتبارية، أي: معتبرة في
الذهن لا غير
•
(1) سورة الأنعام: 18، 61.
- (1/72)
صفحة 73
قال في " المعالم ": فالذات والصفات شيء واحد في الحقيقة، وإن تغايراً بحسب المفهوم والإعتبار، ولا نعني بالصفات إلا سلب إتصافه بإضدادها السابقة، لا أمراً زائداً عليه، وعلى نفس التعلقات والإضافات، فباعتبار إضافة إنكشاف حقائق الأشياء إلى ذاته تعالى وتعلقها بها تسمى تلك: الإضافة؛ وذلك التعلق الخاص علماً بذلك الاعتبار، وباعتبار تأثير الذات العلية بالقصد والإختيار، وتعلقها بإيجاد الأشياء من العدم، وجعلها متصفة بالوجود يسمى: قدرة؛ وباعتبار تخصيصها بالإيجاد، بدل العدم المساوي لوجودها مثلاً يسمى: إرادة، وكذا الباقي، فليس وراء هذه الاعتبارات معنى زائد عليها، وإلا لكانت ذاته ناقصة لعينها، لكنها مكتملة بغيرها، ضرورة أن تلك المعاني القائمة بذاته تعالى ــ على زعمهم ــ أغيار لها، وخصوصاً من يقول منهم ـ كالسعد، والفخر، ونظائرهما ــ: بأن صفاته تعالى ممكنة في نفسها، إمكاناً خاصاً، واجبة بذات الواجب، قالوا: ولا استحالة في قدم الممكن، إذا كان قائماً بالقديم، واجباً به، غير منفصل عنه، وزاد الفخر على ذلك وقال: إن الذات قابلة لصفاتها، فاعلة لها، وهذا ـ والعياذ بالله ـ كُفر. أ هـ
لا يُقال: نفيكم الصفات تعطيل موقع في مذهب الحكماء، لأنا نقول قول الحكماء، قول موجب بالعلة والطبيعة، ونحن نقول: إنه فاعل بالإختيار ـ كما مر غير مرة - وأن ذاته العلية مقتضية لذلك الإضافات، بلا أمر زائد عليها، وأن من قال بزيادة المعاني، يلزمه تعليل الواجب تعالى، واللازم باطل، لأن الواجب لو علل لكان
- VT- (1/73)
صفحة 74
ممكناً، لأن ثبوته يكون حينئذ مُستفاداً من غيره، والإمكان ينافي الوجوب. أ هـ.
ويُقال: إنها أمور إعتبارية، بحسب تجليات أعيان الوجود وتأثرها وإنفعالها للذات العلية، وهي الفاعلة والمنكشفة لها الحقائق، فما ثُمَّ صفة زائدة، هذا الوجه مقابل للوجه الأول، ولم نره لأحد من الأئمة، غير الإمام الخليلي (رضوان الله عليه)، فإنه قال: واعلم أن لأصحابنا في تعريف صفاته قولين، كليهما يخرج على الصواب؛ إلى أن قال: أحدهما: في هذه الصفات، أنها أمور اعتبارية، يُراد بها نفي إضدادها من النقائص المنزه عنها سبحانه؛ إلى أن قال: فإن ذاته الكريمة غير قابلة للأوصاف الذميمة، قال: واعلم أن صفاته الكمالية هي أخص بهذا الباب، قال: وثانيهما: أن يقال في صفاته: إنها أمور اعتبارية، بحسب تجليات أعيان الوجود، وتأثرها وإنفعالها للذات العلية؛ إلى أن قال: فإذا تجلت ذاته العظيمة، على إيجاد معدوم،، أو إعدام موجود، أو غيرهما من أفعاله الخاصة، إنفعلت لها الأكوان بلا واسطة، وهي الحالة المعبر عنها بالفعل والإنفعال؛ إلى أن قال: فكانت أسماء هذه الصفات ومعانيها، بمقتضى مدلولاتها، وهي معنى قولنا: بحسب تأثر أعيان الوجود وإنفعالها للذات العلية، فالفاعل واحد، وذاته كافية في كل ما يريد، والأشياء كلها منفعلة لذاته، على وفق إرادته؛ إلى أن قال: فإن أسماء الصفات والأفعال، إنما كانت معدودة، كثيرة لكثرة معلوماتها، وتعدد مدلولاتها تقريباً، لأفهام العباد، ليتوصلوا بها إلى معرفته، التي هي سبب فلاحهم، والأصل في
- VE - (1/74)
صفحة 75
صفاته أنها شيء واحد في الحقيقة، بإعتبار تجلي ذاته المقدسة على كل شيء، لكنها بإعتبار الأمور الخارجية من تعدد التجليات، وتنوع المتجليات للذات الكريمة، تكون أنواعاً عديدة؛ إلى أن قال: وقد راعى هذا الإعتبار الخارجي في خطابه، كما قال في كتابه الكريم: قَد سَمِعَ اللهُ قَولَ الّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوجِهَا وَتَشتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (1)، فلا يجوز في إطلاق اللغة إلا مراعاة هذه النسب الخارجية، فلا يُقال: إن الله يبصر الأقوال ويرى الأصوات. أ هـ مع حذف
لكن ينبغي أن يراجع النظر في هذا الوجه، فإنه مشكل جداً، لأن صفات الذات أزلية، أي: موصوف بها في الأزل، وليس يراعى فيها وجود النسب الخارجية، وإنما ذلك أمر خاص بصفات الأفعال،
فليحرر المقام.
تنبيه:
الصفات قسمان: صفات ذاتِ، وصفات فعل؛ أما صفات الذات: فهي ما إتصف بها في الأزل، وفيما لا يزال، كالعلم، والقدرة، والإرادة، ونحوها؛ وأما صفات الأفعال: فكل وصف كان بسبب حدوث فعل من أفعاله، كخالق، ورازق، ومُحيي، ومميت لهم؛ والفرق بين صفة الفعل، وصفة الذات: أن صفة الفعل تجامع ضدها في الوجود، عند إختلاف المحل، كأن يوسع في رزق زيد، ويُضيق
(1) سورة المجادلة: 1
، (1/75)
صفحة 76
على عمرو، وأن يخلق كذا لزيد، ولا يخلق كذا لعمرو، وهكذا، وصفة الذات لا تجامع ضدها في الوجود، ولو إختلف المحل بعكس الأولى، فلا يُقال: عَلَمَ زيداً، ولم يُعَلِمَ عَمرواً، ولا أراد كذا، ولا أكره على كذا، وأن صفات الفعل تنفي عنه في الأزل، فنقول: كان ولم يخلق، ولم يرزق، ولم يرحم، ولم يُعذب، وصفة الذات لا تنفى عنه في الأزل، فلا يُقال: كان الله، ولم يعلم، ولم يُرد.
الله
6
قال البدر الثلاثي: هذا ما يُؤخذ من كلام المشارقة، وهو يدل على أن صفات الأفعال حادثة عندهم، والذي عليه المغاربة أن صفات الله كلها قديمة أزلية، لأنه يقال: الله تعالى خالق في الأزل، على معنى سيخلق، ورازق في الأزل، على معنى سيرزق، قال: وأن الفرق بين صفة الذات، وصفة الفعل عندهم، أن يقال في صفة الذات: لم يزل الله عَالِماً بما كان، قبل أن يكون، ولم يزل قادراً على إيجاد ما سيوجد، قبل أن يوجد، ولم يزل مُريداً لوجود ما علم أنه سيوجد، قبل أن يوجد، وهكذا، وصفة الفعل: لم يزل خالقاً، على معنى سيخلق، ولم يزل رازقاً، على معنى سيرزق، قال: وحاصله أن صفة الذات: هي التي إتصف بها تعالى بالفعل في الأزل؛ وصفة الفعل: هي التي لم يتصف بها بالفعل فيه، وإنما يتصف بها فيما لا يزال، وهو راجع إلى القول بحدوثها، قال: وإن بعض المشارقة قسم الصفة ثلاثة أقسام: صفة ذاتية فقط، وصفة فعلية فقط؛ وذاتية باعتبار وفعلية باعتبار آخر؛ فالأولى: هي كل صفة دلت على نفي ضدها عنه تعالى، واتصف بها بالفعل في الأزل، كالعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع،
- Y- (1/76)
صفحة 77
والبصر، والحياة؛ والثانية: كل صفة دلت على نفي ضدها عنه تعالى، ولم يتصف بها بالفعل في الأزل، كالخلق والإحياء، قال: والثالثة: كل صفة تحتمل معنيين متغايرين، كحكيم، فإنه بمعنى نفي العبث عنه، صفة ذات، وبمعنى واضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، صفة الفعل. أ هـ من " شرح النونية "
قال بعض: إن صفات الذات، ما يلزم من نفيه نقيضه، أي: ضده من الصفات، والذي لا يلزم من نفيه نقيضه، من صفات الأفعال، مثلاً لونفيت الحياة، لزم ضدها وهو الموت، ولو نفيت القدرة، لزم ضدها وهو العجز، وهكذا، ولو نفيت الإحياء والإماتة ونحوهما، لم يلزم نقيضه، بمعنى: أن نقيضه لم ينتقض، إذ نقيض صفات الذات نقص، ونقيض صفات الأفعال ليس بنقص، وقال بعض: إن كل ما الله تعالى به، ولا يجوز أن يوصف بضده، فهو من صفات، وما جاز أن يوصف به وبضده، فهو من صفات الأفعال، كالرأفة، والرحمة، والرضى، والسخط. أهـ
وصف
الذات
تنبيه آخر:
•
يُؤخذ ـ مما تقدم - أن الصفات منها صفة ذات متفق عليها، وهي ست: العلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والحياة، ومختلف فيها هل هي صفة ذات، أو صفة فعل؟ وهي: الكلام، والرضى، والسخط، والحب، والبغض، والولاية، والعداوة،
والصحيح أنها أفعال، ومنها محتمل للوجهين - كما تقدم -.
- VV - (1/77)
صفحة 78
ويجب أن تكون هذه الصفات قديمة، لأنه ليس محلاً للحوادث،
وقد تقدم تفسير الوجوب غير مرة - وهذه إشارة إلى صفات الذات، لأن صفة الفعل أثر على القدرة ـ كما تقدم - وكذا معنى القدم، أنه عدم إفتتاح الوجود، بمعنى: أنه لا إفتتاح لوجوده، بل ثابت متحقق من غير إفتتاح، وقولنا: لأنه ليس محلاً للحوادث، أي: لأنها لو كانت حادثة في ذاته، لزم خلو ذاته في الأزل عنها، ثم إتصافه بها، فيلزم حينئذ تغير ذاته عما كان عليه، وهو من إمارات الحدوث، فتكون ذاته محلاً للحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، كيف وقد ثبت أنه قديم قاله بعضهم
قال في " شرح النونية ": إنه موصوف بصفات ذاتية في الأزل، وفيما لا يزال، إذ لو كانت حادثة لاتصف قبل حدوثها بضدها، ووصفه به محال، والْمُؤدي إلى المحال محال، فحدوثها محال،
،
فوجب قدمها لعدم جواز إرتفاع النقيضين، فلو كان علمه تعالى حادثاً لا تصف قبل حدوثه بالجهل، تعالى عنه علواً كبيراً، وهكذا باقي
الصفات. أ هـ.
ويجب إعتقاد حدوثها، بمعنى: أن كلاً من العلم، والقدرة، والإرادة، وغيرها، شيء واحد، وأن تعدد التعلقات لا أثر له في الصفات، ويجب، أي: على المكلف، إعتقاد وحدتها، أي: الصفات، بمعنى: أن كلاً من العِلم، أي بمعنى: أن علمه تعالى الأزلي واحد، فهو يعلم جميع المعلومات بعلمه الأزلي، وكذا القدرة المقدورات تتعلق بها قدرته الأزلية، وكذا الإرادة فإنه
فإن جميع
- YA- (1/78)
صفحة 79
سبحانه يخصص جميع الكائنات بما يجوز عليها بإرادةٍ واحدةٍ، وكذا السمع والبصر، أما الحياة، فقد تقدم أنه لا تتعلق بشيء، لأنها ليس تحتها إلا الوجود، وأن تعدد التعلقات، أي: كالمعلومات، والمقدورات، والإرادات، لا أثر له وإن كثر وتعدد، فإن كثرته وتعدده لا يزيد شيئاً فيها، أي: الصفات، وقد تقدم غير مرة أن الذات والصفات شيء واحد، وأن المفهومات لا تزيد شيئاً عليها، كما نقلناه عن الإمام الخليلي (رضوان الله عليه)
قال في " المعالم ": دليل وجوب وحدة الصفة، أنها لو تعددت بتعدد متعلقاتها، لزم دخول ما لا نهاية له عدداً في الوجود، وأنه محال، وإلا لم يكن لبعض الأعداد ترجح على بعض، فيفتقر في تعيين بعضها إلى مخصص، وذلك يوجب حدوثها، وقد تبين وجوب قدمها هذا خلف فتعين إذن وجوب وحدتها. أهـ
وقال القطب: وصفاته لا أول لها ولا آخر، وهي كلها شيء
واحد، وهي ذاتية، والذات الواجب الوجود لا تتجزأ. أ هـ
وقال بعض الأفاضل: البارئ تعالى في الأزل، علم بوجود العالم في وقت وجوده، وهذا العلم صفة واحدة مقتضاها في الأزل العلم بأن العالم يكون من بعد وعند الوجود العلم بأنه كائن وبعده العلم بأنه كان، وهذه الأحوال تتعاقب على العالم، ويكون مكشوفاً لله تعالى بتلك الصفة، وهي لم تتغير، وإنما المتغير أحوال العالم وإيضاحه، بمثال وهو: إذا فرضنا للواحد منا علما بقدوم زيد عند طلوع الشمس، (1/79)
صفحة 80
وحصل له هذا العلم قبل طلوع الشمس، ولم ينعدم بل بقي، ولم يخلق له علم آخر عند طلوع الشمس، فما حال هذا الشخص عند الطلوع، أيكون عالما بقدوم زيد أو غير عالم؟ ومحال أن يكون غير عالم، لأنه قدر بقاء العلم عند الطلوع، وقد علم الآن الطلوع، فيلزمه بالضرورة أن يكون عالماً بالقدوم، فلو دام عند إنقضاء الطلوع فلابد أن يكون عالماً بأنه كان قد قدم، والعلم الواحد أفاد الإحاطة بأنه سيكون وبأنه كائن، وأنه قد كان، فهكذا ينبغي أن يفهم علم الله القديم الموجب بالإحاطة بالحوادث، وعلى هذا ينبغي أن يُقاس السمع والبصر، لأن لكل واحد منهما صفة يتضح بها المرئي والمسموع عند الوجود، من غير حدوث تلك الصفة ولا حدوث أمر فيها، وإنما الحادث المرئي والمسموع عند الوجود من غير حدوث تلك الصفة، ولا حدوث أمر فيها، وإنما الحادث المرئي والمسموع، وقد مضى نحو هذا عند ذكر العلم، فليراجع.
وإن تعلق الصفات لا نهاية لها، وأن كيفية تعلق المتعلقات ليس من مدارك العقول، أي: ومما يجب أن يعلم أن تعلقات الصفات يما تتعلق به من الإضافات الخارجية، وهو طلب الصفة أمراً زائداً على مفهومها لا نهاية لها، وأن ذلك التعلق ليس يصل إليه أحد بعقله، ولذلك قلنا: إنه ليس من مدارك العقول، أي: العقول لا تدركه وهو المختار عندنا، وذلك أنه لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى؛ وقيل: إنه أمر إعتباري؛ وقيل: بل وجودي.
وفي " المعالم ": إما عدم النهاية في متعلقات الصفات، فلأنها لو (1/80)
صفحة 81
ببعض ما
اختصت ببعض ما تصلح له، لاستحال ما علم جوازه، وافتقرت إلى مخصص، وبيانه أن نقول: لو اختصت صفة المتعلقات من تصلح له، لانقَلَب الجائز مستحيلاً، وبيان الملازمة أن البعض الذي لم تتعلق به تلك الصفة، مع صلاحية تعلقها به، هو في صحة تعلقها به، مثل الذي تعلقت به، فقصرها في التعلق على غيره، منع لما علمت وأيضاً فتخصيص الصفات ببعض ما جاز أن تتعلق به، يوجب افتقارها إلى مخصص مختار، لاستواء الجميع بالنسبة إليها، وذلك يوجب حدوثها، وقد عرفت استحالته. أ هـ.
صحته،
وفيه: لو سُئل عاقل: عن كيفية تعلق القدرة القديمة بمقدورها؟ لم يمكنه عن ذلك جواب إلا العجز وامتناع معقولية ذلك؛ ولو سئل: عن كيفية قيام الأعراض المشاهدة بالْحِس بالجواهر؟ لما أمكنه معقولية ذلك أبداً، فكيف بتعلق المتعلقات بالمقتضيات الخارجة عن محالها؟! فهو طلب كيفية فيما لا تدرك له كيفية، وقد قامت الأدلة العقلية والنقلية، وشهدت الأفعال الحسية على إثبات مفهومات الصفات وإعتباراتها وتعلق المتعلق منها، فلا يجب علينا علم بأن لها، ولا كيفية في الأزل، وفيما لا يزال، فإن الجهل بأمثال هذا غير
تعلقاً
مضر في العقائد. أ هـ
تنبيه:
تقدم في بحث البسملة أن الاسم هُوَ الْمسمى؛ قال: قال في " شرح النونية ": وأن الدليل على أن الاسم هو المسمى، قوله (1/81)
صفحة 82
سبحانه وتعالى: {سَبِّح اسمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} (1)، لأن المسبح (بالفتح): هُوَ الذات العلية، لا اللفظ الناطق به المسبح (بالكسر)، وقوله تعالى: {تَبَارَكَ اسمُ رَبِّكَ} (2)، لأن المبارك هُوَ الله تعالى، لا اللفظ المنطوق به، والقول بحذف المضاف، أي: مسمى اسم رَبِّكَ، خلاف الأصل ولا داعي إليه، وأن الذي في القرآن العظيم ذکر دال أسمائه تعالى لا أسمائه، فلا يلزمنا القول بخلقها من قولنا بخلقه، وإن دال الأسماء، وذكره، والتسمية، والإخبار، والحكايات، مخلوقة، قال: وأن معنى قول العلماء: هل الاسم هو المسمى أو غيره؟ إن الاسم بمعنى اللفظ غير المسمى قطعاً، إلى أن قال: وأن المراد من الاسم هنا مجرد الذات، كمدلول لفظ الجلالة أو الذات، باعتبار وصف لها، كمدلول لفظ العالم، والرازق، ونحوهما. أ هـ.
وأن يكون واحداً، ومعناه: سلب الكثرة، لأنه ذات قائم بنفسه، واجب وجوده، ليس بصفة من الصفات، ولا تجري عليه التغيرات، ولا يفتقر إلى الأمكنة والجهات، إلى غير ذلك، أي: ومما يجب له تعالى، أن يكون واحداً، بمعنى: أنه غير متجزئ ولا منقسم، وبمعنى: أنه غير متعدد ولا متكثر، وهو معنى قولنا: سلب الكثرة، لأن الوحدانية معنا صفة سلبية
وفي أبي البقاء: والواحد له معنيان: أحدهما: ما قامت به الوحدة، وَهُوَ كون الشيء، بحيث لا ينقسم إلى أمور متشاركة في الماهية، ويقابلها الكثرة، فالواحد بهذا المعنى لا ينقسم ولا يتجزأ، وهو
(1) سورة الأعلى: 1.
(2) سورة الرحمن: 78
- AY- (1/82)
صفحة 83
الواحد الحقيقي؛ إلى أن قال: والثاني: ما لا نظير له في ذاته، ولا شبيه له في أفعاله وصفاته، وليس في الوجود من يتصف بالمعنيين حقيقة سوى الله تعالى، لأن ما لا يتجزأ من الموجودات كالجوهر الفرد، ينضَمُّ إلى مثله وأمثاله، وما لا نظير له كالعرش والكرسي، وكلما انحصر نوعه في شخصه كالشمس والقمر، فإثبات النظير لها ممكن، والبارئ سبحانه يستحيل عليه التجزأ والإنقسام، فلا مثل له، ولا نظير، ولا شبيه، شهدت به الأدلة القطعية، واعلم أن للتوحيد ثلاث مراتب: مرتبة توحيد الذات: وهو مقام الإستهلاك والفناء في الله تعالى، فلا موجود د إلا الـ الله؛ ومرتبة توحيد الصفات: وهو أن يرى كل قدرة متفرقة في قدرته الشاملة، وكل علم مضمحلاً في علمه الكامل، بل يرى كل كمال لمعة من عكوس أنوار كماله؛ ومرتبة توحيد الأفعال: وهو أن يتحقق ويعلم بعلم اليقين، أو بعين اليقين، أو بحق اليقين، أن لا مؤثر في الوجود إلا الله؛ إلى أن قال: والواحد يدخل في الأحد بلا عكس، فإذا قُلت: فُلان لا يقاومه واحد، جاز أن يُقال: لكنه يقاومه إثنان، وأما إذا قُلت: لا يقاومه أحد، فلا يجوز أن يُقال ما ذكر، قال: ومعنى أحدية الله تعالى، أي: أنه أحدي الذات، أي: لا تركيب فيه أصلاً، ومعنى وحدانية الله: أنه يمتنع أن يشاركه شيء في ماهيته، وصفات، كماله، وأنه منفرد بالإيجاد والتدبير العام، بلا واسطة، ولا معالجة، ولا مؤثر سواه، في أثر ما عموماً. أ هـ
لأنه ذات، أي: حقيقته مخالفة لجميع الحقائق ـ وقد تقدم معنى الذات - وجواز إطلاقها عليه تعالى، ونزيد هنا، قال بعض: والدليل
- AY- (1/83)
صفحة 84
على جواز إطلاق الذات عليه، قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تتفكروا في ذات (1)، واعلم أن ما ورد الشرع بإطلاقه على الله سبحانه وتعالى،
الله
?
المماثلة فيه
إن كان مُشتركاً بينه وبين غيره، وجب عند إطلاقه نفي كالشيء والذات، بخلاف ما لم يرد الشرع بإطلاقه، فلا يُقال:
جسم لا كالأجسام مثلاً. أ هـ.
(
قائم بنفسه، أي: غير مفتقر إلى محل، أو مخصص؛؛ والمحل الذات، كذا قال السنوسي: أي: ذات الله تعالى غنية عن المحل، والمخصص (بكسر الصاد: هو الفاعل، فباستغنائه عن المحل، أي:
عن ذات يقوم بها، يلزم أن يكون ذاتاً لا صفة. أ هـ هدهدي.
:
بخلاف
وقيل: فسر القيام بعدم الإفتقار إلى المحل، وهو المتعارف عند بعض المتكلمين، ولا يخفى أنه أولى من تفسير السنوسي، إذ عدم الإفتقار إلى المحل، هو المحتاج إليه لعدم إستفادته مما مر، عدم الإفتقار إلى المخصص، فإنه غير محتاج إليه لعلمه من صفة القدم واجب وجوده، تقدم معنى الوجوب: أنه ما لا يتصور عدمه في العقل، وأن الوجود عين الموجود، ليس بصفة من الصفات، لأن الصفة لا تقوم بصفة كيف، وقد قام الدليل على أنه متصف بصفات الكمال، منتف عن جميع النقص، ولا تجري عليه التغيرات لعدم إمكانه، لأنه واجب وجوده ـ كما تقدم. ولأن المتغير حادث لا محالة، ولا يفتقر إلى الأزمنة والجهات، لأن الزمان والمكان الذي هو الجهة حادث إلى
غير ذلك من تنزيهاته - كما تقدم - وبرهان كون مولانا واحداً، لا نظير
(1) انظر الملحق.
-^ {- (1/84)
صفحة 85
له في الألوهية، أنه لو كان معه ثان، لزم أن لا يوجد شيء من العالم للزوم عجزه حينئذ، وذلك محال، لأنه خلاف الحس والعيان، وبيان ذلك أنه تقدم وجوب عموم قدرة الله تعالى بالممكنات، فلو قدر موجود له من القدرة على ممكن، ما مثل مولانا عز وجل، لزم عند تعلق تلك القدرتين أن لا يوجد شيء من العالم بهما، لما يلزم عليه من تحصيل الحاصل، أو كون الأثر الواحد أثرين، لأن المسألة مفروضة فيما لا ينقسم كالجوهر الفرد، فلابد من عجزهما إن لم يوجد بهما، أو من عجز أحدهما إن وجد بأحدهما دون الآخر، ويلزم من عجز أحدهما عجز الآخر لأنه مثله، وإذا لزم عجزهما في هذا الممكن لزم عجزهما في سائر الممكنات، إذ لا فرق، وذلك يستلزم إستحالة وجود الحوادث وهو محال، لأنه خلاف العيان، وإذا إستبان وجوب عجزهما مع الإتفاق، فمع الإختلاف أبين، وبهذا تعرف أنه لا تأثير لقدرتنا في شيء من أفعالنا، وإلا لزم ما تقدم، والإعتقاد الصحيح أن الله خلق للعباد قدرة على أفعالهم الإختيارية، تقارنها ولا تؤثر فيها، وأن الْمُؤثر هُوَ الله تعالى وحده، والقدرة توجد الأفعال الإختيارية عندها لا بها، كالنار بالنسبة للإحراق. أ هـ هدهدي.
أقول: ظاهره كله موافق، إلا قوله: الجوهر الفرد، فإن الأصحاب لا يقولون به.
قال القطب: والتحقيق أنه لا يتصور جُزء بلا تجزأ، والإلزام: التداخل: وهو أن أطرافه طرف واحد، وأنه الوسط، والوسط هو، وذلك محال. أ هـ.
-^0
- (1/85)
صفحة 86
ونعتقد أيضاً: أن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، أي: ونحكم حكماً جازماً ـ كما تقدم ـ أن ليس الحسن إلا
ما قال الشارع إفعلوه، سواءً كان الأمر به أمر وجوب، أو ندب وليس القبيح إلا ما قال الشارع لا تفعلوه، سواء كان النهي عنه نهي تحريم، أو نهي تكريه، وأن ما لم يرد فيه نهي ولا أمر، فإنه يحمل إلى أقرب الأمور إليه، فعلى هذا لا مباح، وهو مذهب الإمامين أبي سعيد وأبي نبهان (رضوان الله عليهما؛ وقال الجمهور منا: أن المباح ما لا أجر ولا وزر فيه، فعلى هذا تكون الأحكام خمسة؛ وفي " المعالم ": قال بعضهم: ليس المباح بحسن، ولا قبيح، وكذا المكروه، بناءً على أنهما واسطة، وعلى أن الحسن ما أمر بالثناء
عليه، والقبيح ما أمر بالذم عليه، وقيل: بالواسطة في المكروه فقط بناء على أن الحسن ما ساغ الثناء عليه، والقبيح ما ساغ الذم عليه، فيخرج المكروه عنهما، ويدخل المباح في الحسن، لأنه يسوغ الثناء عليه، وأن لم يؤمر به، والصحيح كما قال بعضهم: أن لا واسطة، وأن المباح حسن، والمكروه قبيح، بناءً على أن الحسن هو المأذون فيه، فيشمل الواجب، والمندوب، والمباح، والقبيح هو المنهي عنه، فيشمل الحرام والمكروه. أ هـ.
،
وأن العقل ليس له دخل في شيء من ذلك؛ وفي " مختصر العدل ": إعلم أن الحسن والقبح يُطلقان على موافقة الغرض ومخالفته، وليس بذاتيين لاختلاف الأغراض، ولا تجوز على الله، ويُطلق ويراد به ما أمر الشارع بالثناء على فاعليه وبالذم له، ويُطلق على ما فيه الحرج
- A 7 - (1/86)
صفحة 87
على فاعله، وما لا حرج على فاعله، وليس بذاتيين، بل إضافيين. أ هـ
وفي أبي البقاء: ثم أن كلاً من الحسن والقبيح، يُطلق على معان ثلاثة، الأول: صفة الكمال وصفة النقص، كما يُقال: العلم حسن والجهل قبيح؛ والثاني: ملائمة الغرض ومنافرته، وقد يعبر عنهما بالمصلحة والمفسدة؛ والثالث: تعلق المدح والذم عاجلاً، والثواب والعقاب آجلاً؛ فالحسن والقبيح بالمعنيين الأولين ثبتاً بالعقل إتفاقاً. أما بالمعنى الثالث، فقد إختلفوا فيه. أ هـ
،
قوله: إختلفوا فيه، يشير إلى خلاف المعتزلة مع الأشعرية، والمسألة مشهورة، ومعتقدنا ـ كما تقدم ـ أن التحسين والتقبيح شرعيان؛ وفي " المعالم ": قال أصحابنا والأشاعرة: أن الحاكم هو الشرع، ويتفرع عليه أمران، أحدهما: أن شكر المنعم ليس بواجب عقلاً، خلافاً للمعتزلة، والثاني: أن الأشياء قبل ورود الشرع حكمها عندنا وعند معتزلة بغداد على الحظر وعند الشيخ إبن أبي زكريا، وإختاره الإمام أبو يعقوب، وعند مُعتزلة البصرة وطائفة من الحنفية والشافعية على الإباحة، وعند الأشعري والسيرافي على الوقف، لكن
أدلة المعتزلة راجعة إلى العقل، وأدلة غيرهم إلى الشرع. أ هـ.
وأن التكليف يتعلق بحكم الفعل، لا بالفعل نفسه، تقدم معنى التكليف، إنه الإلزام، وإن تعلق بحكم الفعل، بحيث كون الفعل طاعة أو معصية، نسبة وإضافة، لأنه قد تختلف أحواله وهو واحد، كالقتل قصاصاً، حسن وجائز، والقتل تعدياً، ظلم وقبيح، والفعل
- AV- (1/87)
صفحة 88
واحد، وقد اختلف من جهة الإضافة؛ وفي " مختصر العدل: فإن قلت: إذا قررت أن الحسن والقبح راجعان في الحقيقة إلى الشرع، وأن الحجة هي الإلزام، فبما يتعلق الإلزام والتكليف، قلت: يتعلق بحكم الفعل لا بالفعل، نحو كونه حسناً، وطاعة، وواجباً، وصحة، وما يقابلها، وليست هذه بأوصاف الأفعال، لأن قولك: القتل ظلماً قبيح، والقتل قصاصاً، حسن، فالفعل واحد، واختلف عليه الحسن والقبيح بالإعتبارين. أ هـ.
وأنه تعالى هو الموجد أفعال العباد من غير تأثير لقدرتهم فيها، لأنه خالق وما سواه مخلوق، أي: ونعتقد أنه تعالى هو الموجد، أي: المخرج من العدم إلى الوجود، يُقال: أوجد الله الشيء من العدم، فوجد بالبناء للمفعول، فهو موجود له، أي: مخرج لها من العدم، سواء كانت تلك الأفعال إختيارية أو إضطرارية، كانت لعاقل كإنسي، أو جني، أو ملك، أو لغير عاقل كما فعال البهائم ونحوها، من غير تأثير لقدرتهم فيها ـ أي: في الأفعال - أي: تأثير خلق، لأنه تعالى هو الفاعل لكل شيء والخالق له، ولأنها - أي: تلك الأفعال ـ من جملة الممكنات، والممكنات بأسرها داخلة تحت قدرته، وأنه تعالى لا يُؤاخذهم بغير ما اكتسبوا من أعمالهم، فلا يعذبهم على غير أعمالهم، فلا جبر ولا تفويض.
وفي " شرح النونية "، للإمام عبد العزيز (قدس سره): أن الله خالق لكل مخلوق يصدر منه الفعل، وأن غير عاقل خالق أيضاً لسائر
-^^- (1/88)
صفحة 89
أفعاله الإختيارية والإضطرارية، فالفعل مخلوق لله تعالى، وإن كان قائماً بالعبد، كالبياض القائم بالجسم بخلق الله تعالى وإيجاده، وخالق لقدرة الطاعة فيمن أراد وصوله إلى رضاه ومحبته، وقدرة المعصية فيمن أراد ترك نصرته وإعانته وبعده عن رضاه ومحبته، ومعط لمن أراد به خيراً وعده الذي سبقت به إرادته في الأزل؛ وقال أيضاً: أن لكل مخلوق يصدر منه فعل إختياري، كسباً لأفعاله الإختيارية،، ألزم الله بسببه عبده فعل ما فيه كلفة، ولم يكن العبد مؤثراً في المقدور تأثير إختراع وإيجاد؛ والمجبرة نظروا إلى جهة الخالق فقط، فأضافوا أفعالهم إلى الله تعالى، وجعلوا أنفسهم كالميت في يد الغاسل، لا كسب له أصلاً؛ والمعتزلة نظروا إلى جهة الكسب فقط، فنفوا قدرة الله تعالى عن أفعالهم، وقالوا: أنه لم يخلق أفعال عباده؛ قال: وأصحابنا رحمهم الله تعالى نظروا إلى الجهتين، فأضافوا جهة الخلق لِلَّهِ سبحانه وتعالى، وجهة كسب الفعل للعبد الذي يأتي منه الفعل الإختياري. أ هـ
،
قال بعضهم: والله خالق لأفعال العباد من الملك والإنس والجن وخالق لأفعال سائر الحيوانات، لا خالق لها سواه، وهو مذهب الصحابة)، أي: موجد لذوات الأفعال، إما مع صفاتها من كونها طاعة أو معصية، كما ذهب إليه الأشعري، أو تستند صفاتها إلى قدرة العبد، كما قال القاضي أبو بكر، أو يراد أنه خالق الأفعال مع قدرة العبد، كما ذهب إليه الأستاذ، فلا رد صريحاً إلا على المعتزلة، فإن قيل: فمتى كانت القدرة، والإرادة، والشعور، والآلات بخلق
-19 - (1/89)
صفحة 90
الله تعالى، والفعل إنما يحصل من هذا المجموع، فمتى ثبت هذا المجموع حصل الفعل، ومتى لم يثبت فلا، فكيف يصح إسناد الفعل إلى العبد؟ قلت: لا شك أن أصل الإرادة والقدره بخلق الله تعالى لكن تعلقها بواحد من طرفي الفعل والترك مع الحركات والسكنات يصدر من العبد، فبهذا صح إسناده إلى العبد. أ هـ من " شرح العقائد ".
،
وأن التأثير والإيجاد خاصة من خواصه، التأثير: إبقاء الأثر ـ كذا قيل ـ وأما الإيجاد ـ فقد تقدم -: أنه إخراج الشيء من العدم، وهذا والذي قبله هو قولنا، لأنه خالق ... إلخ، تعريض بمن يزعم أن العبد يخلق أفعاله بقدرة يخلقها الله تعالى فيه، وخاصة من خواصه، أي: مختص هو بتلك الخاصة، لا يشاركه فيها أحد، وإلا لجاز تعدد المؤثر في العالم، فيؤدي إلى تعدد الألهة وَهُوَ محال.
وفي " شرح النونية ": وأعتقد أيضاً أن العبد لا يخلق شيئاً من أفعاله الإختيارية، خلافاً للمعتزله، للإجماع على أن لا خالق غيره سبحانه وتعالى، ولإسناد جميع الممكنات إلى قدرته تعالى، وإرادته، وعلمه الأزليات، وعلم من وجوب إنفراده تعالى بالخلق بالإختيار، ونفي تأثير العبد فيما باشره من الأفعال بطلان دعوى أن شيئاً يؤثر بطبعه أو بقوة فيه، وإنما الله سبحانه وتعالى بحسب جري العادة يخلق ذلك الأثر عنده لا به، كالستر عند اللبس، والري عند الماء، والإحتراق عند مماسة النار. أ هـ
وفي " الشرح " أيضاً: أن أصحابنا قالوا: إن للعبد كسباً لأفعاله (1/90)
صفحة 91
الإختيارية، يتعلق به التكليف من غير أن يكون العبد موجداً لها وخالقاً، لقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (1)، وقوله جل وعلا: {وَاللهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ} (2)، ولأنه لو كان العبد خالقاً لأفعاله، لكان عالماً بتفاصيلها، واللازم باطل، فالملزوم مثله، وأن المعتزلة بأسرها ذهبت إلى أن أفعال العباد مخلوقة لهم، وأنهم تفردوا بها دون مالكهم جل وعلا، وأنه ليس له فيها خلق ولا تقدير، ولا يجري عليها منه سُلطان ولا تدبير، وأنهم اختلفوا في أفعال الجمادات والحيوانات من حركاتها وسكناتها الإضطرارية؛ فقال بعضهم: إنها مخلوقة لِلهِ تعالى؛ وقال بعضهم: إنها فعل الطبيعة لا لِلَّهِ تعالى، وإلا لجاز أن يوصف بتركه؛ وقال بعضهم: هي فعل لا فاعل له؛ والصواب قول القائل: بأنها مخلوقة لِلَّهِ تعالى، للأدلة القطعية من الكتاب والسنة، الدالة على أن لا خالق سواه تعالى. أ هـ.
ولا يتحقق الفعل من العبد إلا بإرادته تعالى، وخلقه إياه في حال الفعل، لا قبله ولا بعده، وإرادة العبد له، وكسبه إياه، والإعانة من الله له إن كان طاعة، وخذلانه إن كان معصية؛ التحقق: الثبوت، يُقال: حق الشيء، أي: ثبت، والفعل من حيث اللغة الحدث مطلقاً، وفي الإصطلاح: هُوَ الْموجود بقدرة فاعله، لأن القدرة مع الفعل، وَهُوَ منقسم إلى الأحكام الخمسة المتقدمة إلا بإرادته تعالى ـ تقدم معنى الإرادة - وأنه تعالى لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأن الإرادة غير الأمر تقدم - لأنه أمر الكافر بالإيمان ولم يرده منه، ولو أراده لكان،
(1) سورة الأنعام: 101.
(2) سورة الصافات
47:
-91 - (1/91)
صفحة 92
وأن الخلق: هُوَ ما يقع به المقدور، مع صحة إنفراد القادر به، أي معنى: يوجد به المقدور، وذلك المعنى: هُوَ تعلق القدرة به؛ وقيل: ما يقع به المقدور لا في محل قدرته، أي معنى: يقع به المقدور الَّذِي هُوَ ذات المخلوقات وأفعالها، حال كون ذلك المقدور لا في محل قدرته، الَّذِي هُوَ ذات الله تعالى، كذا قيل في حال الفعل، أي: في هي وجود الفعل، لا قبل ذلك ولا بعده، وإرادة العبد، أي: قصده له، واختياره إياه، وكسبه إياه، الكسب: هُوَ مقارنة القدرة الحادثة في العبد لفعله، وقيل: هُوَ ما يقع به المقدور بلا صحة إنفراد
حالة
،
القادر به، أي معنى: هُوَ صرف العبد قدرته وإرادته إلى ذلك المقدور. أو تعلق القدرة الحادثة بالمقدور بسببه يقع، أي: يوجد المقدور من غير صحة إنفراد العبد القادر، وإنما المنفرد بإيجاده هُوَ الله تعالى، وقيل: هو ما يقع به المقدور في محل قدرته، أي معنى: بسببه أو معه يقع المقدور حال كونه في محل قدرته، وبعضهم لم يبين حقيقة الكسب واكتفى بقوله: إنا نعلم بالدليل القطعي أن لا خالق سواه تعالى، ولا تأثير إلا له، ونعلم بالضرورة أن القدرة الحادثة للعبد تتعلق ببعض الفعل، كالصعود مثلاً دون السقوط، فيسمى أثرها، أي: تعلقها كسباً، وإن لم تعرف حقيقة الإعانة من الله خلقه إبتداء الطاعة إلى إنتهائها وخذلانه، أي: عدم خلق القدرة على الطاعة، وخلق قدرة المعصية فيهم، وقيل: التوفيق جعل الله تعالى فعل عبده موافقاً لما يحبه ويرضاه، والخذلان عكسه
•
وعن قومنا: وإرادته تعالى واحدة، قديمة أزلية، متعلقة بجميع
- AY- (1/92)
صفحة 93
المرادات من أفعاله الخاصة، وأفعال عباده من حيث أنها مخلوقة، لا من حيث أنها مكتسبة لهم، فمن هذا قال: أراد الجميع خيرها وشرها، نفعها وضرها، كما أراد وعلم، أراد من العباد ما علم، وأمر القلم حتى كتب في اللوح المحفوظ، فذلك حُكمه وقضاؤه وقدره الَّذِي لاَ يتغير ولا يتبدل، وخلاف المعلوم مقدور الجنس بحال الوقوع، ولأن الإستطاعة عنده عرض، والعرض لا يبقى زمانين.
إلى أن قال: والعبد قادر على أفعال العباد، إذ الإنسان يجد من نفسه تفرقة ضرورية بين حركات الرعدة والرعشة، وبين حركات الإختيار والإرادة، والتفرقة راجعة إلى أن الحركات الإختيارية حاصلة تحت القدرة، متوقفة على اختيار القادر، فمن هذا قال: المكتسب هو المقدور بالقدرة الحادثة، والحاصل تحت القدرة الحادثة، ثم على أصل أبي الحسن: لا تأثير للقدرة الحادثة في الإحداث، لأن جهة الحدوث قضية واحدة، لا تختلف بالنسبة إلى الجوهر والعرض، فلو أثرت في قضية الحدوث، لأثرت في حدوث كل محدث، حتى يصلح لإحداث الألوان، والطعوم، والروائح، ويصلح الأحداث الجواهر والأجسام، فيؤدي إلى تجويز وقوع السماء والأرض بالقدرة الحادثة غير أن الله تعالى أجرى سُنَنَه بأن يخلق عقيب القدرة الحادثة أو تحتها ومعها الفعل الحاصل، إذا أراده العبد وتجرد له، ويسمى هذا الفعل: كسباً، فيكون خلقاً من الله إبداعاً وإحداثاً وكسباً من العبد حصولاً تحت قدرته، والقاضي أبو بكر الباقلاني تخطى من هذا القدر قليلاً فقال: الدليل قد قام على أن القدرة الحادثة لا تصلح للإيجاد، لكن
، (1/93)
صفحة 94
ليست تقتضي صفات الفعل أو وجهه وإعتباراته على جهة الحدوث فقط، بل ها هنا وجوه أخر وراء الحدوث، من كون الجوهر جوهراً متحيزاً قابلاً للعرض، ومن كون العرض عرضاً ولوناً وسواداً وغير
ذلك، وهذه أحوال عند مثبت الأحوال، قال: فجهة كون الفعل حاصلاً بالقدرة الحادثة أو تحتها نسبة خاصة ذلك كسباً، يسمى
وذلك هو أثر القدرة الحادثة، قال: فإذا جاز على أصل المعتزلة أن يكون تأثير القدرة أو القادرية القديمة في حال هو الحدوث في الوجود، أو في وجه من وجود الفعل، فلم لا يجوز أن يكون تأثير القدرة الحادثة في حال هو صفة للحادث، أو في وجه من وجوه الفعل، وهو كون الحركة مثلاً على هيئة مخصوصة، وذلك أن المفهوم من الحركة مطلقاً، ومن العرض مطلقاً، غير المفهوم من القيام والقعود غير، وهما حالتان متمايزتان، فإن كل قيام حركة، وليس كل قيام حركة قياماً، ومن المعلوم أن الإنسان يفرق فرقاً ضرورياً بين قولنا: أوجد، وبين قولنا: صلى، وصام، وقعد، وقام، وكما لا يجوز أن يضاف إلى البارئ تعالى جهة ما يضاف إلى العبد، فكذلك لا يجوز أن يضاف إلى العبد جهة ما يضاف إلى البارئ تعالى، فأثبت القاضي تأثيراً للقدرة الحادثة وأثرها هي الحالة الخاصة، وهي جهة من جهات الفعل، حصلت من تعلق القدرة الحادثة بالفعل، وتلك الجهة هي المتعينة لأن تكون مقابلة بالثواب والعقاب، فإن الوجود من حيث هو وجود لا يستحق عليه ثواب ولا عقاب. أهـ من الملل والنحل.
أقول: ظاهره غير خارج عن الحق، وتركنا قول الجويني لأنه يؤل
-98 - (1/94)
صفحة 95
إلى القول بالطبيعة - كما قاله صاحب الكتاب - والذي عليه أصحابنا: أن الله أمر بالطاعة، وأحبها، ورضيها، وزينها، فمن عملها فعمله إياها بخلق الله تعالى وعلمه، وإعانته إياه عليها، ونهى عن المعصية
وبغضها، وكرهها، وقبحها، فمن عملها، فعمله إياها بخلق تعالى وعلمه، وإرادته، وله عليه الحجة. أ هـ من " شرح النونية ".
الله
لأن الله خلق العباد، وخلق أعمالهم، وخلق الثواب والعقاب عليها، وأنهم إكتسبوها ولم يجبروا عليها - تقدم معنى الخلق والكسب فيما تقدم - ولم يجبروا عليها فيه تعريض بالمجبرة؛ وفي " المعالم ": وذهبت المجبرة إلى أنه ليس للعبد في أفعاله مُطلقاً إختيار البتة، بل هو مجبور عليها، وآلة لها كالسكين للقطع، والشجرة للريح، بل كخيط مُعلق في الهواء تميله الريح تارة يميناً وتارة شمالاً، من غير قدرة على مخالفتها أو موافقتها، فالحيوانات عندهم في أفعالها بمنزلة الجمادات، لا تتعلق بها قدرتها، لا إيجاداً ولا إختراعاً، ولا تناولاً وإكتساباً، وبطلان ظاهر، فإن الضرورة قاضية باختياره في بعض أفعاله، ويجبره في بعضه الآخر كحركتي مد اليد للتناول والإرتعاش، ويلزمهم عدم التكليف للعبد بأمر من الأمور، فلا يصح لغة ولا شرعاً، طلبه بالفعل،، ونهيه عنه، ولا مدحه به، ولا ذمه عليه، ولا توبيخه عليه، ولا التعجب من كفره، نحو: {كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} (1)، والكل باطل باجماع الموحدين. أ هـ.
وفي " شرح العقائد "، للتفتازاني: وللعباد أفعال إختيارية يثابون بها
(1) سورة البقرة: 28 (1/95)
صفحة 96
إن كانت طاعة، ويعاقبون عليها إن كانت معصية، لا كما زعمت الجبرية من أنه لا فعل للعبد أصلاً، وأن حركاته بمنزلة حركات الجمادات، لا قدرة عليها، ولا قصد، ولا إختيار، باطل، لأنا نفرق
بالضرورة بين حركة البطش وحركة الإرتعاش، ونعلم أن الأول بإختياره دون الثاني، ولأنه لو لم يكن للعبد فعل أصلاً لَمَا صح تكليفه ولا ترتب إستحقاق الثواب والعقاب على أفعاله، ولا إسناد الأفعال التي تقتضي سابقية القصد والإختيار إليه على سبيل الحقيقة، مما نجزم بالبديهة أنه لا تحقق له بدون القصد، والإختيار مثل صلى و صام، بخلاف مثل طال الغلام وإسود لونه، والنصوص القطعية تنفي ذلك كقوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1)، وقوله: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكفُر} (2)، وغير ذلك، فإن قيل: بعد تعميم الله تعالى وإرادته الجبر لازم قطعاً، لأنهما إما أن يتعلقا بوجود الفعل فيجب، أو بعدمه فيمتنع، ولا اختيار مع الوجوب والإمتناع،: يعلم الله ويريد أن العبد يفعله أو يتركه بإختياره فلا إشكال، فإن قيل: فيكون حينئذٍ فعله الإختياري واجباً أو ممتنعاً، وهذا ينافي الإختيار، قلنا: ممنوع، فإن الوجوب بالإختيار محقق للإختيار، لا
علم
قلنا
مُناف له، وأيضاً منقوض بأفعال البارئ تعالى. أ هـ.
قال بعضهم: لأن علمه إن تعلق بوجود فعله فيجب، وإن تعلق
بعدمه فيمتنع، مع أنه فاعل بالإختيار، يعني: أن أفعال البارئ واجبة
(1) سورة السجدة: 17؛ سورة الأحقاف: 14؛ سورة الواقعة: 24.
(2) سورة الكهف: 29.
،
-97 - (1/96)
صفحة 97
ومع
هذا لا ينافي الإختيار، وأما النقض بفعل البارئ تعالى فمدفوع، بأنه مفتقر إلى إختيار قديم يتعلق في الأزل، بالفعل الحادث في وقته، فالمخلص أن يُقال: إن إختيار العبد مسند إلى الإستعداد الموضوع فيه بطريق الصحة لا الوجوب، يعني: أن الله تعالى يخلق في العبد صفة من شأنها أن يريد بها أي شيء كان، في أي وقت كان، لا يُقال: إن الوجوب في فعل الله من ذاته تعالى، فلا يكون الوجوب منافياً لإختياره بخلاف فعل العبد، فإن الوجوب فيه لا يكون إلا من الله تعالى، فيكون منافياً لإختيار العبد، لأنا نقول: الكلام في الفعل بعد وجوبه، فالوجوب من حيث أنه وجوب، سواء كان من ذات الفاعل أو غيره، لا يتغير، وإلا لا يكون واجباً، بل ممكناً. أ هـ
وأن الفعل عرض يوجد مع الإستطاعة، وأن لبعض قدرة العبد وإرادته مدخلا في الفعل، كحركة البطش دون بعضها، كحركة الإرتعاش، وصرف العبد قدرته وإرادته كسب، وإيجاده تعالى الفعل خلق، والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين من جهتين مختلفتين - تقدم معنى الفعل: أنه لُغة الحدث، وإصطلاحاً: هُوَ الموجود بقدرة فاعله - وأما كونه عرضاً فهو ظاهر، لأنه إما حركة أو سكون.
قال في " شرح النونية ": والحركة: حصول الشيء حصولاً أولاً في الحيز الثاني، وبعبارة أخرى: هي كونان في آنين، في مكانين، والسكون: حصوله حصولاً أولاً في الحيز الأول؛ وبعبارة أخرى: هُوَ كون واحد في آنين، في مكان واحد، والفعل: هُوَ حركة البدن الشاملة للقول. أ هـ (1/97)
صفحة 98
يوجد، أي: يتحقق ويثبت مع الإستطاعة، الإستطاعة: إستفعال من الطوع، وهي عند المحققين: غسم للمعاني التي يتمكن الإنسان مما يريد من إحداث الفعل، وهي أربعة أشياء: نية مخصوصة للفاعل، وتصور للفعل، ومادة قابلة للتأثير، وآلة، إن كان الفعل آلياً كالكتابة،
ويضاده العجز، وهو: أن لا يجد أحد هذه الأربعة فصاعداً. أ هـ
من
ذلك
أبي البقاء: وأن لبعض قدرة العبد ... إلخ، أي: كل أحد يجد نفسه فرقاً بين حركة التناول وحركة الرعدة ـ وقد تقدم معنى كله - قال أصحابنا: إن أفعال العباد لا توجد إلا إذا وجدت خمسة أمور:، وإرادة العبد، وإكتسابه، وإعانة الله له ـ إن كان الفعل طاعة - وخذلانه - إن كان معصية - وخلقه له تعالى في وقت الفعل، لا قبله ولا بعده. أ هـ. وقد تقدم في المتن.
إرادة الله
وصرف العبد قدرته وإرادته كسب - تقدم معنى الكسب أيضاً - والصحيح ما قال بعضهم: إنا نعلم بالدليل القطعي أن لا خالق سواه تعالى، ولا تأثيراً لآلة، ونعلم بالضرورة أن القدرة الحادثة للعبد تتعلق ببعض الفعل، كالصعود مثلاً دون السقوط، فيسمى أثرها، أي: تعلقها: كساً.، وإن لم نعرف حقيقته.
قال في " المعالم ": كان شيخنا (رحمه الله كثيراً ما يقرر لنا في هذا المقام، إنا نضيف إلى الله تعالى ما أضافه إلى نفسه وهو الخلق، وإلى العبد ما أضافه إليه وهو الكسب، ونمسك عن ذلك الكسب ما هو، لكونه إذا حقق فإنه يؤدي إلى القول بالجبر، ولقوله عن ربه:
-44 - (1/98)
صفحة 99
11
القدر سري فلا ينبغي لأحدٍ أن يطلع على سري "، أ هـ
والمقدور الواحد ... إلخ، أي: تحت قدرة الله، قدرة الله من جهة الخلق
وتحت قدرة العبد من جهة الكسب؛ وفي " المعالم ": وهذا القدر من
المعنى ضروري، وإن لم نقدر على أزيد منه في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله وإيجاده، مع ما للعبد فيه من القدرة والإختيار، وإن عبروا بالفرق بينهما بمثل الكسب ما وقع بآلة، والخلق ما وقع لا بآلة. أ هـ.
،
وفي " شرح العقائد ": فإن قيل: لا معنى لكون العبد فاعلاً بالإختيار إلا كونه موجداً لأفعاله بالقصد والإختيار، وقد سبق أن الله مستقل بخلق الأفعال وإيجادها، ومعلوم أن المقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين مستقلتين؛ قُلنا: لا كلام في قوة هذا الكلام ومتانته، إلا أنه لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله تعالى، وبالضرورة أن لقدرة العبد وإرادته مدخلاً في بعض الأفعال، كحركة البطش دون البعض، كحركة الإرتعاش، إحتجنا في التقصي عن هذا المضيق إلى القول بأن خالق، والعبد كاسب، وتحقيقه إن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب، وإيجاد الله تعالى الفعل عقيب ذلك خلق؛ قال بعضهم: هذا يشعر بتقدم الكسب على الإيجاد، فيلزم كون العبد كاسباً لفعله حال عدمه،، أجيب: إيجاد الله تعالى متعلق بقصد العبد، متأخراً عنة تأخراً ذاتياً لا زمانياً، وأيضاً: القصد إلى تمام الفعل، فعند تمامه كان الفعل مكسوباً والقصد كسباً، وعلى الوجهين لا يلزم كسب الفعل حال عدمه. أ هـ كلام ذلك البعض.
الله
-99 - (1/99)
صفحة 100
قال التفتازاني: والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين، لكن بجهتين مختلفتين، والفعل مقدور لِلهِ تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور للعبد بجهة الكسب، وهذا القدر من المعنى ضروري، وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله تعالى وإيجاده، مع ما فيه للعبد من القدرة والإختيار.
قال بعضهم: فإن قيل: ما الفرق بين الخلق والكسب، حتى يُقال: أن الفعل مقدور لِلهِ تعالى من جهة الإيجاد، ومقدور للعبد من جهة الكسب؟ قلنا: منها أن يُقال: أن الخلق: إيجاد أصل الفعل، والكسب: تحصيل صفته من كونه طاعةً أو معصية، وكونه طاعة أو معصية، إنما هو لموافقته الأمر أو مخالفته، وكل منهما أمر لا يحتاج إلى علةٍ سوى وجود الفعل، فلا دخل لقدرة العبد في شيء منهما، نعم إن كون الفعل طاعة أو معصية، لما عرضه بالنسبة إلى محله، ناسب أن ينسب إلى قدرة المحل لذلك. أهـ كلام ذلك
البعض.
التفتازاني مثل قولهم: أن الكسب واقع من العبد بآلة، والخلق لا: بآلة، والكسب مقدور وقع في محل قدرته، والخلق مقدور لا في محل قدرته، والكسب لا يصح إنفراد القادر به، والخلق يصح، فإن قيل: قد أثبتم ما نسبتم إلى المعتزلة من إثبات الشركة، قلنا: إن الشركة أن يجتمع إثنان على شيء، وينفرد كل منهما بما هو له دون الآخر، كشركاء القرية والمحلة، وكما إذا جعل العبد خالقاً لأفعاله، والصانع خالقاً لسائر الأعراض والأجسام، بخلاف ما إذا أضيف أمر (1/100)
صفحة 101
إلى شيئين بجهتين مختلفتين، كالأرض تكون ملكاً لله بجهة الخلق، وللعبد بجهة ثبوت التصرف. أهـ.
أقول: أكثر هذا قد مضى عن أصحابنا، وإنما أثبتناه تقوية لهم، لكونه غير خارج عن الحق فيما يظهر - فلينظر فيه ـ والكسب متعلق التكليف الشرعي، وإمارة على حصول الثواب والعقاب، تقدم أن الكسب: هُوَ تعلق القدرة الحادثة بالمقدور، مقارنة له من غير تأثير لها، وهذا التعلق هو الذي يتعلق به التكليف من جهة الشارع، والتكليف: هُوَ الإلزام - كما تقدم - إذ لا تأثير لقدرة المكلف، فالحاصل أن تلك الأفعال المخلوقة لِلَّهِ تعالى نصبها الشرع عند إقترانها بأعراض حادثة كالقدرة والإرادة، إمارة على حصول الثواب والعقاب وغيرهما، أعني: المجعول إمارة على الثواب، هُوَ فعل الواجب والمندوب، والكف عن الحرام والمكروه بنية الإمتثال، وعلى العقاب فعل الحرام، والكف عن الواجب، وعلى غيرهما، الَّذِي هُوَ عدم الثواب والعقاب، فعل المباح والمكروه، والكف عن المندوب، وعن المكروه، بلا نية الإمتثال. أ هـ من " المعالم
واعلم أن أفعال الله تعالى على وجهين: عدل، وفضل، فكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، فإن يثبنا على الطاعة، فإثابته لنا إنما هي بفضله الخالص، وهو العطاء عن إختيار، لا عن إيجاب ولا وجوب، وإن يُعذبنا، فتعذيبه لنا بعدله الخالص، وهو وضع الشيء في من غير إعتراض، وليس منه تعالى عن ذلك ظلما ولا جوراً، لأن جميع الكائنات التى من جملتها الثواب والعقاب مملوك له عز وجل،
محله
-141 - (1/101)
صفحة 102
فليس لهما سبب عقلي، وإنما الطاعة والمعصية إمارتان مخلوقتان له تعالى، تدلان على ما اختاره من ثواب وعقاب، حتى لو عكس دلالتهما، أو أثاب وعاقب بلا سبق إمارة، لكان ذلك منه حسناً لا يُسأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} (1)، إلا أنه مناف لما أخبر من حكمته، وأن الخلف في وعده ووعيده نقص لا يجوز أن يُنسب إليه، فَيُثِيب المُطيع ويُعذب العاصي، إنجازاً لوعده ووعيده. أ هـ الإمام عبد العزيز من " شرح النونية " مع حذف
وقال أيضاً: لا يكون من العباد إلا ما شاء الله كونه، وعلمه، وإرادتة، وأن سعادة السعيد في بطن أمِهِ بالعمل الصالح الذي سيقع منه المعلوم له سبحانه، وشقاوة الشقي في بطن أُمِهِ بالعصيان الذي سيوجد منه المعلوم له عز وجل؛ قال: وشقاوة الشقي ووقوعه في سوء الخاتمة، وكفر الموافاة الذي هو آخر جزء منه، الذي يموت عليه
أزلي مثل سعادة السعيد، ولا انتقال لكل منهما عما ختم له في الأزل وإلا لانقلب العلم جهلاً، وتبدل الإيمان كُفراً بعد الموت وعكسه، وهو ظاهر الإستحالة، فالسعادة والشقاوة أزليتان. أ هـ.
ونعتقد أيضاً: أن رؤية البارئ محال في الدنيا والآخرة، لأن حاسة البصر لا تدرك إلا مكيفاً، والتكييف عليه محال، ونعتقد، أي: نجزم نحن معاشر الموفقين أن رؤية البارئ، الرؤية هنا: إدراك المرئي بالبصر، أي: الحاسة المميزة للألوان والصور والهيئات، البارئ تعالى معناه الخالق محال، أي: لا يتصورها العقل، لأنه:
(1) سورة الأنبياء: 23
،
-11 - (1/102)
صفحة 103
لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيء} (1)، في دار الدنيا، وهي عبارة عن السماء والأرض وما بينهما، أو عن الليل والنهار وما فيهما، ولا في دار الآخرة، وهي دار الجزاء، إما بالثواب والنعيم، وإما بالعقاب والعذاب الأليم، أعاذنا الله منه، لأن حاسة البصر، أي: الحاسة المرئي بها، التي هي العين، لا تدرك، أي: لا تبصر إلا مكيفاً، أي: ما له كيف، والكيف عبارة عن الصور والأحوال والهيئات، وهذه الحجة أخذناها من قول إمامنا الخليلي (رضوان الله عليه) من قصيدته
التي إنتصر فيها للزمخشري، مُعترضاً على بعض الأشاعرة، قوله:
أن كان في الآيات ناظرة كما قالوا فهل في الآي ذكر الْبَلكَفَه وعن النبي روواً ترون إلهكم كالبدر لا غيم عليه إستكنفه أترى مقالهم بلا كيف سوى إفك يزاد لقايس ما أسخفه لو كان منظوراً وغير مكيف لنفى الإله الكيف إذ أبقى الصفه فعلى م تأنف أن يكون مُكيفا وَهُوَ الَّذِي التكييف لن يستنكفه إذ كُل منظور فذاك مكيف أولا فهات دلالة عن معرفه إما بلا نظر ولا كيف له أو قل برؤية صورة متكيفه فالآي ما قالت بلا كيف ولا قال الرسول بذا فمن ذا أردفه فانظر لنفسك ما ترى تشبيهه أولى أم التقديس عن تلك الصفه والآي للتأويل قابلة على أصل صحيح ليس فيه عجرفه
وأولها:
سبحانه من ليس يدرك ذاته نظر بعين للذوات مكيفه
(1) سورة الشورى: 11. (1/103)
صفحة 104
خلق العقول لتهتدي بصفاته للذات إذ للذات قد
تنهي
الصفه
ولتعلم هنا: أن مسألة الرؤية مما انفرد بها الأشعري وأشياعه، وخالفهم جميع الفرق الإسلامية، وطال الإحتجاج واللجاج، وإنما مرادنا أن نوضح معتقدنا، فنقول: إعلم أن قولهم: الله تعالى مرئي، لأنه موجود، وكل موجود يصح أن يُرى، ينتقض بالأعراض، فإنها موجودة وغير مرئية، سيما ما لا يوصف بلون، فإن البصر لا يرى غير ذي لون، وقولهم: مرئي في الآخرة بدليل الوجود، يلزمهم رؤيته في الدنيا بدليل الوجود أيضاً، فلم لا يقولون به، وأيضاً: لو طردوا العلة في الحواس كلها، فقالوا: مسموع، مذاق، مشموم، ملموس، بدليل الوجود لكان أشبه، فتخصيص البصر بذلك تحكم، وأيضاً: الإدراكات موجودة، فلم لا يقولون: أنها مرئية؟ واعلم أن الوجود ليس بصفة، إنما هُوَ إثبات محض - كما تقدم - ولا يقتضي حكما، ولا يوجب علة، ثم قالُوا: إنه لا مانع من ذلك، إذا كان لا يُرى بجنسه، ولا في مكان، ولا حد، ولا صورة، ولا شكل، فلا يُوصف بالأماكن والحدود، والمقابلة ولا تجوز عليه المعاينة، التي هي جنس المقابلة، فلا تقابله الأجسام، وأنت خبير أن ذلك نفي لرؤية العين، إلا أن تسفسطوا.
موجود،
قال الإمام الخليلي (رضوان الله عليه): عليه: قولهم:: الله وكل موجود يصح أن يُرى، إن كبرى المقدمتين كاذبة، لأن المرئيات نوع من أجناس كثيرة، وإلا فلينظر في هذه الرياح، والأرواح، والأصوات، والهواء المفتوق بين الأرض والسماء، إلى غير ذلك مما
-1.8. (1/104)
صفحة 105
يطول ذكره، ويفوت حصره، فإنها من الموجودات التي لا تمكن رؤيتها. أ هـ (بتصرف).
وإستدلالهم على جوازها بقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» (1)، لا ينهض، فإن العقل مانع من ذلك، لأنه يؤدي إلى التشبيه، ولو عبروا عن الوجوه بالجملة كلها، أي: جملة الأبدان، وعن النظر بالإنتظار: {مَا يَنظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً} (2)، وأن العرب تعبر بذلك، تقول: فعلت هذا لوجه فلان، أي: له ولأجله لَكَان خيراً لهم} (3)، ولأن الوجوه ليست هي العيون، فلابد من التجوز؛ وفي " الكشاف ": ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء، لا يُحيط بها الحصر، ولا يدخل تحت العدد، في محشر يجمع الله الخلائق كلهم، فإن المُؤمنين نظارة ذلك اليوم، لأنهم الآمنون الذين: لا خَوفٌ عَلَيْهِم وَلاَ هُم يَحْزَنُونَ} (4)، فإختصاصهم بنظرهم إليه لو كان منظوراً إليه محال، فوجب حمله على معنى يصح معه الإختصاص، وَالَّذِي يصح معه أن يكون من قول الناس: إني إلى فُلان ناظر ما يصنع بي، يريد معنى التوقع والرجاء؛ إلى أن قال: والمعنى أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون، ولا يرجون إلا إياه. أ هـ
وأكبر دليل على الإمتناع قوله تعالى: و لا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ} (ه)،
(1) سورة القيامة: 22 - 23
(2) سورة يس: 49.
(3) سورة آل عمران: 110؛ سورة النساء: 46، 66؛ سورة محمد: 21؛ سورة الحجرات: ات: 5.
(4) سورة يونس: 62.
(5) سورة الأنعام: 103.
11101 (1/105)
صفحة 106
فإنه تمدح بذلك، كما تمدح بقوله: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَومٌ} (1)، فإن كُلاً من الآيتين دال على عموم النفي
قال الإمام الخليلي (ه): إن ظاهر الآية يؤذن بعموم النفي، ويقتضي منع الإدراك، الَّذِي هُوَ الرؤية مُطلقاً، فتخصيص حكمها بأن يمكن في بعض ولبعض، ويمتنع في بعض ولبعض، معلوم واضح لكل ذي بال، أنه ليس من لفظ الآية، ولا من معناها، وإنما هو شيء زائد عليها، وأمر خارج عنها، ليس منها، ولا مما تدل عليه لفظاً ولا معنى، وما لم يقم عليه في الحق دليل، فما إلى إثباته من سبيل، والتمسك بظاهر كتاب الله تعالى هو الحق بلا شك ولا جدال، والرجوع عنه إلى ما يخالفه ويضاده باطل وضلال، وهذا قول واضح المعارضه، جلي المضادة لظاهر الآية، كما لا يخفى على من له أدنى رمق من الفهم، فكيف يجوز القول به أو التعويل عليه. أ هـ.
وفي " الكشاف ": البَصَر: هُوَ الْجوهر اللطيف، الذي ركبه الله في حاسة النظر، به تدرك المبصرات، فالمعنى: أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه، لأنه متعال أن يكون مُبصراً في ذاته، لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلاً وتابعاً، كالأجسام والهيئات. أ هـ.
ثم أخذوا يتعلقون فيما لا تعلق لهم به، فمرة قالُوا: إن الإدراك: الرؤية على جهة الإحاطة بالجوانب حتى تنتفي، على زعمهم، ونفي الأخص لا يفيد نفي الأعم، كأنهم ينظرون إليه نظراً على جهة غير
(1) سورة البقرة: 255.
-1+1 - (1/106)
صفحة 107
الإحاطة، فيلزمهم رؤية بعضه، ومرة يقولون: أن لا تُدركه الأَبصَارُ} (1)، سلب كُل، فلا يلزم نفي جميع الأبصار بل بعضها؛
وليت شعري ما يقولون في قوله تعالى: {وَاللهُ لَا يَهدِي القَومَ الظَّالِمِينَ) (2)، {فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ} (3)، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية؛ وأيضاً قوله تعالى: {لَن تَرَانِي) (4)، نفي عام في نفي الرؤية في الحال والإستقبال؛ وقوله: {تُبتُ إِلَيكَ} (ه)، هل تاب إلا من سؤاله الرؤية، لأنه إنما سألها لقومه، حيث قالوا: {لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهرَةً} (6)، وإلا فمُوسى (ال) عالم بامتناعها، كيف لا وهو أعلم أهل زمانه بربه، ولولا ذلك لما قال تعالى: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِي وَبِكَلامِي} (7)، وقولهم إن: لن لنفي الحال غير مُسلم، إذ لا دليل عليه، لأن لن لتأكيد النفي، فمدعي الحال فيه عليه الدليل.
قال الإمام الخليلي): أما رسل الله وأنبياؤه فهم أعرف الخلق بالله تعالى وأعلمهم بآياته، وبما يجوز عليه ويستحيل من صفاته، ولا نزاع في هذا بين أحد، وكيف يجوز القول بغيره في حق موسى الكليم، وهو رأس العارفين بربه العليم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، وأما سؤال الرؤية مع علمه بامتناعها البته، وعدم إمكانها
103:
(1) سورة الأنعام: (2) سورة البقرة: 258؛ سورة آل عمران: 86؛ سورة التوبة: 19، 109؛ سورة الصف: 7. (4) سورة الأعراف: 143.
(3) سورة آل عمران: 32. (5) سورة الأعراف: 143؛ سورة الأحقاف: 15.
(6) سورة البقرة: 55
(7) سورة الأعراف: 144 (1/107)
صفحة 108
على الأبد، فلأمر ما، وهو أن قوماً عنده لم يجدهم النهي، ولم
،
يكفهم الزجر، ولم تنجح فيهم الموعظة، ولا الإنذار، ولا الأعذار ولا كانوا ممن: {يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (1)، فلق الله لهم البحر، وأغرق فيه بقدرته الخصم، فـ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُم أَلِهَةٌ} (2)، واسمعهم كلامه بلا واسطة، فعظم مكرهم واشتد كفرهم، وكافحوا رسولهم بالكفر مواجهة بقولهم: {لَن نؤمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهرَةً) (3)، وقد كانوا لشدة ما بهم من العتو والإستكبار، يقادون إلى الإيمان بسلاسل القهر والإجبار، وتلك سُنة الله فيهم، فقد أبوا عن قبول ما في التوراة من الشرائع والأحكام: وإذ نَتَقَنَا الجَبَلَ فَوقَهُم كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعُ بِهِم} (4) وناداهم منادي الحق: خُذُوا مَا أَتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} (ه)، ولم يأس مُوسى (الله) من قبولهم لقوله واستماعهم لنهيه، عن طلب الرؤية، سألها ليسمعهم الجواب عن الله، بما يلقمهم الحجر، ويبني سد اليأس بينهم وبين ما لا سبيل إليه لأحد من البشر، ولعظم هذه الجرأة منهم، وبشاعة هذه الطلبة، وقبح كفرهم بمسألة الرؤية: {فَأَخَذَتِكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُم تَنظُرُونَ} (6)، كما سلط القتل على عبدة العجل إذ هم جاهلون، فأي عبث في السؤال على هذا، وهذه صفة الحال، ولو قنعوا بالنهي واكتفوا بالزجر لما قالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى
(1) سورة الزمر: 18
(3) سورة البقرة: 55 (4) سورة الأعراف: 171
(5) سورة البقرة: 63؛ سورة الأعراف: 171 (6) سورة البقرة: 55.
(2) سورة الأعراف: 138.
- 108 - (1/108)
صفحة 109
اللهَ جَهرَةٌ» (1)، وهل يكون هذا إلا بعد محاورة، وخطاب، وزجر، وعتاب، إذ قالوا: {أَرنَا اللهَ جَهَرَةً} (2)، فلو فعل ذلك إبتداءً إذ قالوه، ولم يمنع منه إذ سألوه، لما ألجأهم ضرورة العتو وشدة الشكيمة في الشرك، والغلو، إلى أن يقولوا لرسولهم: لن تُؤْمِنَ لَكَ، جزماً حَتّى نَرَى اللَّهَ جَهَرَةً، فأراد أن يسمعهم من}. ينفي طمعهم، ولكون تلك الكلمة مما تقطع به الأرض،
کلام
الله ما
وتخر منه الجبال هداً الجبال هداً، عاقبهم الله بصاعقة تشملهم هلكاً
6
وقال
لموسى: انظُر إِلَى الجَبَلِ (3)، فلما تجلت عليه آية منه جَعَلَهُ دَكَّاً، ولكون مُوسى لم يرد حقيقة ذلك قال: {أَتُهلكنا
:
بمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنا إن هِيَ إِلا فِتَنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ} (4)، وقد دلت الآية الشريفة على معان، أولها: أن سؤال الرؤية على الحقيقة لم يرده موسى (ا)، بدليل قوله: بمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنا؛ وثانيها: إنما هي فتنة، أي: نوع بلاء واختبار، يعلم بها إيمان أهل اليقين، وتزلزل أهل الشك المرتابين؛ وثالثها: أن قومه سفهاء جهلة؛ ورابعها: أنهم هم الواقعون في الفتنة بها، وكونها محمولة عليهم دونه بدلالة ما سبق؛ وخامسها: الشهادة عليهم بالضلال؛ وسادسها: على التصريح بمكابرتهم وعنادهم، ولجاجتهم على شركهم، وعتوهم على ربهم بقولهم للرسول: {لَن نؤمِنَ لَكَ؛ وسابعها: غضب الله عليهم، وإرسال الصواعق المواصلة
(1) سورة البقرة: 55 (2) سورة النساء: 153 (3) سورة الأعراف: 143. (4) سورة الأعراف: 155
-1.9 - (1/109)
صفحة 110
لَكَ
إليهم، ليعلموا عاقبة ظلمهم: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلامِ لِّلْعَبِيدِ» (1)، ولكن: إِنَّ بَطشَ رَبِّكَ} (2)، على من تجرأ عليه لَشَدِيدٌ)؛ فقولك: يا هذا إن كان القوم مؤمنين، كفاهم قول موسى (العلم): أن الرؤية ممتنعة ... إلخ، وإن كانوا كفاراً، لم يصدقوه في حُكم الله بالإمتناع، وأياما يكون السؤال عبثاً لا فائدة فيه؛ فقد قلنا: إنهم لم يكونوا في تلك الحالة مُؤمنين، وأي إيمان يصح لمن يقول لرسوله: {لَن نُؤْمِنَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهرَةً} (3)، أفيجوز أن يكون مؤمناً، غير مُؤمن في حالة واحدة؟ هذا باطل لا يقبله عقل عاقل، بل الحق أنهم كانوا من قبلها مؤمنين، ثم صاروا بتلك الكلمة الشنعاء زائغين عن الحق، مرتدين عن الإسلام، كفاراً مشركين، يشهد عليهم كتاب الله بذلك، شهادة لا مرية فيها عند العارفين، وليس هذا بدعاً في بني إسرائيل، فقد عبدوا العجل، قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهَا} (4)، كما قالوا له في هذه: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ}، وأنهم لم يصدقوه في قوله بحكم الإمتناع من الرؤية، لما غلب على قلوبهم من الضلال، ولشدة حرصه على إيمانهم، وقوة طمعه في إنقاذهم من الهلكة، كما هو دأب المرسلين وعادة الأنبياء، أراد أن يسمعهم من كلام الله في ذلك ما يرتفع به نزاعهم، وتنقطع معه أطماعهم، وأي فائدة أعظم من هذا، وأي عبث به، فإن كان الكافر لا يعتني به، والمعاند لا يعبأ به، فلأي شيء أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، ولأي معنى نتق الجبل عليهم، وَهُم القوم الذين نتق الجبل عليهم، لقبول الشرائع والأحكام، ودك الجبل
(1) سورة فصلت: 46.
(3) سورة البقرة: 55.
(2) سورة البروج: 12. (4) سورة الأعراف: 138 (1/110)
صفحة 111
لهم، ليعلموا إستحالة رؤية ذي الجلال والإكرام، فهما باب واحد، وأفعال الله تعالى وآياته كلها منزهة عن العبث واللعب {وَمَا خَلَقنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} (1). أ هـ.
وأن من الجائز إرسال الرسل وإنزال الكتب، أي: ونَحكُم حُكماً جازماً مُطابقاً أن من الجائز، أي: من الذي يستوي في العقل وجوده وعدمه، إرسال الرسل، أي: إلى الخلق: مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} (2)، والإرسال لغة التوجيه إلى الغير؛ وفي أبي البقاء: تحميل جملة من الكلام إلى المقصود بالدلالة، وهو التوسط في إيصال الأخبار والأحكام بين المُرسل والمُرْسَل إليه. أ هـ (بتصرف)
•
والرسل: جمع رسُول، وهو من قاله له: تعالى بلغ عني، ولا يشترط فيه شرط - وتقدم تعريفه - ويأتي أيضاً، وأولهم آدم (العليا)، خلافاً لمن قال من القوم: أن أول الرسل نوح (ال)، فإن آدم رسول إلى بنيه، كما في حديث أبي ذر، ولتعلم أن قولنا: أن من الجائز ... إلخ، مخالفتنا لمن أوجب على الله تعالى إرسال الرسل، لأنه لا يجب عليه شيء، وكذلك أيضاً لمن قال من الكفار: إن إرسال الرسل من المستحيلات، واعلم أن الرسالة ليست ذاتية للرسل ولا إكتسابية، إنما هي أمر إضطراري، حال في ذات الرسول حلول الإستطاعة في المستطيع، وكذا النبوة؛ ومن أجل ذلك قلنا: ولا يشترط فيه شرط، ومن أنكر من الفلاسفة حقائق الوحي فهو مُشرك،
(1) سورة الدخان: 38
(2) سورة البقرة: 213؛ سورة النساء: 165؛ سورة الأنعام: 48؛ سورة الكهف: 56.
-111 - (1/111)
صفحة 112
يترتب عليه ما يترتب على المشركين من القتل والسبي والغنيمة؛ وفي المعالم ": الرسالة ممكنة، تفضل بها مولانا عز وجل على من إصطفاه من خلقه، وأوجبتها المعتزلة عقلاً على أصلهم، في وجوب مراعاة الصلاح والإصلاح، وأنها توكيد للعقل، ومنعتها البراهمة عقلاً ولا يخفى فساد المذهبين. أ هـ.
وفائدة البعثة للرسل، قطع عذر الجاحدين والمعاندين
،
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةُ بَعدَ الرُّسُلِ} (1)، وهداية من شاء له تعالى الهداية، والوصول إلى ثوابه، وأن يبلغوا عن ربهم أوامره، وأخبار الأخرة، وأحوال الأمم الماضية، وغير ذلك، والصحيح أنه لا يكون النبي عبداً، ولا إمرأة، ولا بدوياً، لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِم مِّن أَهلِ القُرَى} (2)، وأن كل رسول نبي ولا عكس، والصحيح أن الرُّسُل كُلهم آدميون، وأن قوله تعالى: يَا مَعشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ أَلَم يَأْتِكُم رُسُلٌ مِّنكُم} (3)، إنما غلب الإنس على الجن، فجرى الكلام على طريق التغليب، أو أن الرُّسُل (عليهم السلام) أرسلوا من الجن إلى قومهم، قال تعالى: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلُوا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} (4)، إلى آخر الآيات، وأنزل الكُتب، أي: على الرُّسُل (عليهم السلام)، أي: من الجائز أيضاً كالتوراة والإنجيل والفُرقان، فيها بيان ما يأتون، وما يذرون، وغير ذلك، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا
(1) سورة النساء: 165 (3) سورة الأنعام: 130
(2) سورة يوسف: 109. (4) سورة الأحقاف: 29.
112 (1/112)
صفحة 113
آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (1)، والإنزال معناه: لغة الإهباط من علو، وَلَمَا كانت الكتب من السماء عَبَرَ بالإنزال الذي أصله النزول، فأدخل عليه همزة التعدية؛ قال بعضهم: وَلِلَّهِ تعالى كُتب أنزلها على، وبين فيها أمره، ونهيه، ووعده، ووعيده. أ هـ
أنبيائه
وقد تفضل سبحانه وتعالى على الرُّسُل بالمعجزات الدالة على صدقهم: التفضل: العطاء بلا عوض عاجل ولا آجل، وسبحانه: اسم بمعنى التسبيح، واقع موقع المصدر، دال على التنزيه، ولا يستعمل إلا مضافاً في الغالب، وتعالى، أي: عظم شأنه عن سمة النقص. والرُّسُل: جمع رسول، وبالمعجزات: جمع معجزة مأخوذ من الإعجاز، وهي ما قصد به تصديق مدعي الرسالة - ويأتي قريباً تعريفها - والدالة، أي: المرشدة على صدقهم، أي: مطابقة خبرهم للواقع.
قال فقيه العصر في مشارقه: مقرونة دعواهم بأنهم أنبياء، وأنهم رُّسُل من الله إلى خلقه، وأنهم مبلغون ما أمرهم بتبليغه بمعجزات خارقة للعادة، مبطلة لمعارضة المعاند لهم، شاهدة على تصديق مدعاهم، نازلة منزلة صدق عبدي في كل ما يبلغه عني، وقرن دعواهم بالمعجزات، إنما هو عن محض تفضل، إنما هو عن محض تفضل منه تعالى، لا عن وجوب،
ولا عن إيجاب. أ هـ
وفي " القناطر ": ووجه دلالة المعجزة على صدق الرسول، أن كل ما عجز عنه البشر لم يكن إلا فعلاً لِلَّهِ تعالى، فمهما كان مقروناً
(1) سورة ص: 29
- 113 (1/113)
صفحة 114
بتحدي الرسول (ال)، نزل منزلة قول الله سبحانه وتعالى: {وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ} (1)، وذلك مثل القائم بين يدي الملك، المدعي على رعيته أني رسول الملك، فإنه مهما قال للملك إن كنت صادقاً فقم على سريرك، واقعد على خلاف عادتك، ففعل الملك ذلك، حصل للحاضرين علم ضروري بأن ذلك نازل منزلة قوله: صدقت. أ هـ.
والمعجزة: فعل الله الخارق للعادة، المقارن لدعوى النبوة والرسالة، المتحدى به غير مكذب، يعجز معارضه من الإتيان بمثله، الماء من بين أصابعه، فعل الله احترز به من غير الفعل
کخروج كالصفة مثلاً؛ وفي " المواقف ": فعل الله أو ما يقوم مقامه. أ هـ
للعادة خرج
أي: ليدخل نحو عدم إحراق النار لإبراهيم (ال)، وبالخارق المعتاد، كطلوع الشمس من المشرق، فإنه أمر معتاد؛ في " المعالم ": واحترز بالخارق من المعتاد، فإنه يستوي فيه الصادق والكاذب، ومن المعتاد السحر ونحوه، وما يوجد في بعض الأجسام من الخواص، كجذب الحديد بحجر المغناطيس، فإن المعجزة لابد فيها أن يعرى وقوعها عن جميع الحيل المعتادة في الكثرة والندور. أ هـ.
وبالمقارن لدعوى النبوة والرسالة، خرجت أربعة أمور، أحدها الكرامة: وهو ما يظهره الله تعالى من الخوارق على يد عبد ظاهر
الصلاح، ليس بمدع للنبوة في الحال، ولا في المآل
(1) سورة يس: 52
•
-11 - (1/114)
صفحة 115
تنبيه:
صحح صاحب " المعالم " ()، مع عدم وقوع الكرامة للولـ وعبادته، وإحترز بقوله: مقارن لدعوى الرسالة، مما وقع بدون دعوى، أو بدعوى ـ غير الرسالة - كدعوى الولاية على القول بجوازها، والصحيح المنع. أ هـ.
وأقول: كيف يقول الصحيح: المنع؟ وفي السير ما يدل على خلافه، وممن أثبتها منا العلامة الخليلي (ه)، وغيره، وكفى بواقعة عُمر بن الخطاب)، إذ صاح على المنبر: يا سارية الجبل (القصة)؛ الثاني المعونة: وهو ما يظهر على يدا العوام، تخليصاً لهم من شدة أو كرب ـ كذا قيل -؛ الثالث الإهانة: وهو ما يظهر على يد فاسق تكذيباً له، كما روي عن مسيلمة الكذاب، أنه تفل في عين أعور لتبرأ، فعميت الصحيحة؛ الرابع الاستدراج: وهو خلق الخارق على يد الأشقياء، كفرعون أخزاه الله، روي أنه كان يأتي بالمطر إذا طلبه منه قومه، وبالمتحدى به قبل وقوعه خرج الإرهاص، وهو عبارة العلامات الدالة على بعث نبي قبل بعثه، كالغمامة التي أظلت نبينا قبل بعثته، ونحوها من الخوارق؛ وفي " المعالم ": والتحدي طلب المعارضة، والصحيح منع تأخير المعجزة عن موته، كما أن جواز تأخير ما يدل على الرسالة إلى الوفاة، قد تضيع معه فائدة البعثة، وهو العلم بأحكام الله سبحانه. أ هـ.
عن
وبغير مكذب، أي: الخارق غير مكذب لمدعي الرسالة أو النبوة،
-110 - (1/115)
صفحة 116
وخرج ما لو كذبه الخارق، كما إذا قال: معجزتي أن يُنطق الله هذا الحجر، فقال: إنه كاذب؛ وفي " المعالم ": ويقول: غير مكذب، مما إذا قال: آية صدقي أن ينطق الله يدي، فنطقت بتكذيبه؛ وفي تكذيب الميت المتحدي بإحيائه في القدح وعدمه قولان لبعض قومنا،
وإختار بعضهم عدم القدح في تكذيب اليد وشبهها، لعدم التحدي بتصديقها، وإنما المتحدي به عدم النطق، وقد وقع. أ هـ
60
:
وبعجز معارضه عن الإتيان بمثله، خرج ما يقدر عليه غيره كالسحر، وعلم الطلسمات، ونحوها، وقد تقدم عن " المعالم " أن المعجزة تكون عارية عن جميع الحيل، كخروج الماء من بين أصابعه، رواه أنس، كما في " المواقف "
وفي " الخميس ": ونبع الماء من بين أصابعه بالحديبية، حتى شرب القوم وتوضؤوا، وهم ألف وأربعمائة، وأتي بقدح فيه ماء، الموضع أصابعه في القدح، فلم يسع، فوضع أربعة منها، وقال: " هلموا، فتوضؤوا كلهم، وهم ما بين السبعين إلى الثمانين ". أ هـ
فيجب تصديقهم في كل ما أتوا به عن الله تعالى، ويستحيل الكذب عقلاً، والمعاصي شرعاً، فيجب، أي: على المكلف وجوباً عقلياً تصديقهم، أي: أن ينسب إليهم الصدق، فيؤمن ويطمئن أنهم غير كاذبين، والكذب عدم مطابقة الخبر للواقع مطلقاً، فمن قال مثلاً: إن الشمس لا تضيء العالم، فخبره كذب، ولو إعتقد ذلك، وذلك لأن دلالة المعجزة قاضية بصدقهم، أي: الأنبياء والرُّسُل، فلو جاز
-117 - (1/116)
صفحة 117
عليهم الكذب، للزم الكذب في أخبار الله تعالى، لكن الكذب في أخباره تعالى محال، ولَما وجب تصديقهم فيما أتوا به، إستحال عليهم أن يكونوا كاذبين عقلاً أيضاً - لما قدمنا ــ ويستحيل منهم المعاصي شرعاً، أي: من جهة الشرع، لإجماع الأمة أننا مأمورون باتباعهم، فلو وقعت المعاصي منهم، لكنا مأمورين بها، لكننا غير مأمورين، {قُل إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالفَحشاء} (1)، وتجب أيضاً أمانتهم
وفطنتهم، وإلا لاتصفوا بضدها، لكن اتصافهم بضد ذلك محال، ويجوز في حقهم ما هو من أوصاف البشر، كالأكل، والمشي، ونَحو ذلك، لكن لا يقع منهم المباح والمكروه، إلا على سبيل التقوى على الطاعة لله، أو على جهة التشريع، فأفعالهم وأقوالهم دائرة بين
الواجب والمندوب، لعلو درجتهم، هذا ما ظهر لنا من " المعالم ".
وفي " المواقف ": أجمع أهل الملل والشرائع، على عصمتهم عن تعمد الكذب، فيما دل المعجز على صدقهم فيه، كدعوى الرسالة، وما يبلغونه عن الله؛ قال شارحه: إذ لو جاز عليهم التقول والإفتراء في ذلك عقلاً، لأدى إلى إبطال دلالة المعجزة، وهو محال. أ هـ.
لأن دلالة المعجزة عقلية، وعبارة " المعالم "، لأن خلق الله تعالى لهذا الخارق، على وفق دعوى الشخص وتحديه، مع العجز عن
معارضته وتخصيصه بذلك، يدل على إرادته تعالى تصديقه، كما يدل على إختصاص الفعل، كالبياض مثلاً للوقت المعين، والمحل المعين
على إرادته تعالى ذلك بالضرورة؛ وبالجملة فقد جعلوا التصديق في هذا
(1) سورة الأعراف: 28.
،
- 114 - (1/117)
صفحة 118
القول صفة للخارق الواقع على الوجه المخصوص، مع جواز أن يعرى ذلك الخارق عن صفة التصديق، بإنعدام شرط من شروط المعجزة، فصارت صفة التصديق للخارق والحادث، كسائر صفات الأفعال. أهـ
الحادثة
وقال بعضهم: وإنبعاث الرُّسُل من القضايا الجائزة، لا الواجبة، ولا المستحيلة، ولكن بعد الإنبعاث تأييدهم بالمعجزات، وعصمتهم الموبقات من جملة الواجبات، إذ لابد من طريق للمستمع يسلكه فيعرف به صدق المدعي، ولابد من إزاحة العلل، فلا يقع في التكليف تناقض. أ هـ
من
وبهذا تعلم أن قول من قال: إن القول بإستحالة الكذب ووجوب الصدق لهم شرعي مرجوح، وعصمتهم بعد النبوة ثابتة، أما قبل النبوة فهم معصومون عن الكبائر، وإن صدر منهم صغير فلا يقر عليه بعدها، عرفت العصمة: بأنها عدم قدرة على المعصية، أو خلق مانع منها غير مجبر، بل يبقى معه الاختيار، قيل: معناه أنها لا تجبره على الطاعة، ولا تعجزه عن المعصية، بل هي لطف من الله يحمل العبد على فعل الخير، ويزجره عن فعل الشر، مع بقاء الإختيار تحقيقاً للإبتلاء بعد النبوة ثابتة، أي: بعد الإيحاء إليهم من ربهم ثابتة، أي: العصمة، فيما يبلغون عنه من الأوامر، وهذا مجمع عليه، أي: مجمع علي عصمتهم في التبليغ؛ وفي أبي البقاء: واعلم أن الأنبياء عصموا دائماً عن الكفر، وقبائح يطعن بها، أو تدني إلى دناءة الهمة، وعن الطعن بالكذب، وبعد البعثة عن سائر الكبائر لا قبلها. أ هـ
-114 - (1/118)
صفحة 119
وهذا كما ترى غير موافق لمعتمد المذهب، وإن إعتمده بعض، فإن الصواب غيره؛ وفي المعالم: وذهب أصحابنا إلى عصمتهم من الكبيرة على كل حال دون الصغائر، ولا يقرون عليها بعد النبوة. أ هـ.
ولقطب الأئمة في تفسيره، قال عز من قائل: {وَوَجَدَكَ صَالاً فَهَدَى} (1)، ما نصه: ومن زعم أنه ضل عن الحق، وكان على ملة قومه، ثم هداه الله للإسلام فقد كفر، فإن الأنبياء معصومون عن الكبائر قبل البلوغ وبعده، وقبل النبوة وبعدها، أعني: لا يفعلون ما يكون كبيرة في حق البالغ المكلف: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُم وَمَا غَوَى (2)، ومعصومون عن الصغائر والقبائح، فكيف يشركون؟ ولو كان ذلك لعابه به المشركون. أ هـ
وسئل الإمام ابن محبوب رحمهما الله تعالى، عن الأنبياء (صلوات الله عليهم: ما كانوا عند الله إذ كانوا رجالاً غير مسلمين؟ قال: لا يجوز هذا القول في الأنبياء وهم أولياء الله، ولا يجوز أن يكونوا عند الله في شيء من الحالات كفاراً أو ضلالاً، وهم أصفياء الله قبل أن يخلقهم؛ قال: وأما قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ صَالاً فَهَدَى، أي: يعني ضالاً عن النبوة لم تأته بعد، وكذا فسر قول موسى (ال): {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} (3)، أي: عن النبوة أيضاً. أ هـ " منهاج الشيخ خميس ".
وفيه أيضاً: ولا يجوز أن توصف الأنبياء بالمعاصي، وقد ارتضاهم
(1) سورة الضحى: 7. (3) سورة الشعراء: 20.
(2) سورة النجم: 2
2:
-119 - (1/119)
صفحة 120
الله واصطفاهم، وجعلهم حجة على عباده: {يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنهونَ عَنِ المُنكَرِ) (1). أ هـ.
وفي أبي البقاء: وعصمة الأنبياء: حفظ الله أياهم، أولاً: بما اختصهم به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسيمة النقية، ثم بالنصرة وثبتت الأقدام، ثم بانزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم بالتوفيق. أ هـ.
منهم
إما قبل النبوة، أي: قبل الإيحاء إليهم، فهم معصومون عن أحد الكبائر، خلافاً لأبي البقاء، ومن حذا حذوه، وإن صدر من صغير، أي: على سبيل الغلط في التأويل، أو على سبيل النسيان، في غير ما أمروا بتبليغه، كقصة آدم وأكله من الشجرة، على سبيل الغلط، حيث تأول أنه غير منهي عن جنس تلك الشجرة، وإنما نهي عن شجرة واحدة، أو أنه نسي النهي على بعض التأويل، وكوكز سيدنا موسى (العليا) القبطي، إعانة منه للذي من شيعته، لأن القبطي باغ على ذلك الرجل، ولم يرد أن يقتله، لأنه لم يؤذن له بعد، وإلا فقتل الكافر جائز، روي أن القبطي كان خبازاً لفرعون، وأنه يحمل الإسرائيلي الحطب، وكأذنه الله للذين قال تعالى في حقهم: عفا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُم} (2)، ونحو ذلك، فلا يقر عليه بعدها، أي: بعد النبوة، ولو لم تكن هذه لِمَماً، لما عوتبوا واستغفروا وبكوا، ونعيت عليهم زلاتهم، فمن زعم أنهم معصومون عن الصغائر والكبائر قبل البعثة وبعدها، فقد رد النصوص.
(1) سورة التوبة: 71.
(2) سورة التوبة: 43
- IT- (1/120)
صفحة 121
بمنهي
إتفاقاً
حقهم
أيضاً
وفي أبي البقاء: والدليل على أن النبي مثل الأمة، في حق جواز صدور المعصية منه، قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُم يُوحَ إِلَيَّ) (1)، وقوله تعالى: {وَلَولا أَن تَبْتَنَاكَ لَقَدِ كِدَتَ تَرَكَنُ إِلَيْهِم شَيْئاً قَلِيلاً (2)، لكن الله تعالى عصمهم ظاهراً وباطناً من التلبس عنه مطلقاً، فيجب في حقهم الصدق فيما بلغوه عن الله تعالى، وكذا الأمانة على المشهور، بل الصواب قبل النبوة وبعدها فالكذب في التبليغ عمداً كان، أو سهواً، أو غلطاً، في حقهم مستحيل، وكذا الخيانة بفعل شيء مما نهي عنه نهي تحريم أو كراهية، كذا يستحيل في حقهم كتمان شيء مما أُمروا بتبليغه، لوجوب التبليغ في، ثم اعلم أن ما أمرهم الله من الشرع وتقريره وما يجري مجراهما من الأفعال، كتعليم الأمة بالفعل، فهم معصومون فيه من السهو والغلط، وأما ما ليس من هذين القسمين، أعني به: ما ليس من طريقة الإبلاغ، بل يختص به الأنبياء من أمور دينهم وأفكار قلوبهم، ونحو ذلك مما يفعلونه، لا ليبلغوا فيه، فإنهم فيه كغيرهم من البشر في جواز السهو والغلط، هذا ما عليه أكثر العلماء خلافاً لجماعة المتصوفة وطائفة من المتكلمين، حيث منعوا السهو والنسيان والغفلات والعثرات جملة في حقهم، وأما قصصهم فما كان منها منقولاً بالأحاديث وجب ردها، لأن نسبة الخطأ إلى الرواة أهون من نسبة المعاصي إلى الأنبياء، وما ثبت منها تواتراً، فما دام له محمل آخر حملناه عليه، لنصرفه عن ظاهره لدلائل العصمة، وما لم نجد له محيداً، حكمنا على أنه كان قبل البعثة، لأنهم جوزوا صدور المعصية
(1) سورة الكهف: 110؛ سورة فصلت: 6. (2) سورة الإسراء: 74. (1/121)
صفحة 122
على سبيل الندور كقصة أخوة يوسف، فإن إخوته صاروا أنبياء. أ هـ. أقول قوله: لأنهم جوزوا صدور المعصية المعصية ... إلخ، إن أراد بالمعصية الصغيرة، فصحيح - كما تقدم ـ وإن أراد به الكبيرة، كما هو مذهبه فلا، لأن زلاتهم كلها لم تخرج عن دائرة الصغير، كما تقدم عن الأئمة، وأما أُخوة يوسف فقد اختلف في نبوتهم، رفع ذلك أهل مذهبه؛ قال البوصيري: وسمعتم بكيد أبناء يعقوب، أخاهم. وكلهم صلحاء، ولم يقل: وكلهم أنبياء؛ قال أبو البقاء أيضاً: أو من قبيل ترك الأولى، أو من صغائر صدرت عنهم سهواً، أو من قبيل الإعتراف بكونه ظلماً منهم، أو من قبيل التواضع وهضم النفس، وغير ذلك من المحامل، فواقعة آدم نسيان، أو قبل النبوة، بدليل {ثُمَّ اجتَبَاهُ رَبُّهُ} (1)، والمدعي مُطالب بالبيان، وكلام الخليل (الكل):
فَعَلَهُ
هَذَا رَبِّي (2)، على سبيل الفرض ليبطله، و بل كَبِيرُهم) (3)، إستهزاء، وقد يعلق الخبر للنفي، فعلى هذا معن قوله: {بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا فَسَتَلُوهُم إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} (4)، لم يفعلوا، و إنِّي سَقِيمٌ} (5)، كان واقعاً أو سيقع، وهذه أختي، يعني في الدين، وقصة داود لم يثبت ذلك على ما قصوه، وقتل موسى القبطي قبل النبوة أو خطأ، وَوَجَدَكَ صَالاً (6)، مُعارضاً بقوله: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُم وَمَا غَوَى} (7)، والإذن للمنافقين، وأخذ الفداء من
(1) سورة طه: 122: (3) سورة الأنبياء: 63 (5) سورة الصافات: 89.
(7) سورة النجم: 2.
076:
(2) سورة الأنعام: (4) سورة الأنبياء: 63.
(6) سورة الضحى: 7
- 122 - (1/122)
صفحة 123
الأسارى، قد وقعا بعد المشاورة فيهما، ولم يعلم أن الأولى فيهما الترك إلا بعد الوحي، فالنبي معذور فيهما. أ هـ.
وقد تواتر أنه الله إدعى النبوة والرسالة، وظهر الخارق على وفق دعواه، فهو رسول الله، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي؛ التواتر: الخبر الثابت على السِنَةِ قوم لا يتصور تواطؤهم على الكذب، وأنه ليقوم مقام العيان في إفادته العلم، فدعواه النبوة والرسالة، لا سبيل إلى إنكاره وظهر الخارق، أي: الأمر الناقض للعادة، وهو المعبر عنه بالمعجزة على وفق دعواه، أي: موافق ذلك الخارق لدعواه، أنه نبي ورسول.
وفي
11
المعالم ": إن لنبينا محمد آيات و معجزات لا تحصى، والفرق بينهما، أن الآية تدل على صحة ما جاء به، وإن لم يتحد بها، وأن المعجزة مشروطة مع ذلك بالتحدي، ومعجزته العظمى التي تحدى بها على الكافة القُرآن، لأن القوم الذين نشأ فيهم الغالب عليهم في ذلك الزمان الفصاحة والبلاغة، فكانت من جنس ما غلب عليهم، وذلك أبلغ في العجز وأقطع للعذر. أ هـ.
والإعجاز بالإيجاز، والبلاغة، والبيان، والفصاحة، وبعدم كلال قارئه، وملل مستمعه، وبخرق العادة في نظمه، وبالإخبار بالغيب، وبأخبار من مضى، وبجمعه علوماً لم يجمعها غيره من حلال، وحرام، ومواعظ، وأمثال، وبصرف الهمة عن معارضته، وهل كل آية معجزة منه، أو السورة، وأقلها ثلاث آيات، كالكوثر، أو كله،
- 123 - (1/123)
صفحة 124
والقول الأخير باطل، أقوال ثلاثة. أ هـ قطب الأئمة (بتصرف).
فهو رسول الله.
-
وتقدم معناه ـ ومعنى تسميته بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال
القطب: نبي الله محمد، عَلَم منقول من اسم مفعول أحمد (بالتشديد) للمبالغة، أما من الله لكثرة خِصَاله المحمودة، أو سماه به جده عبد المطلب، ولم يكن من أسماء آبائه، رجاءً أن يحمد في السماء والأرض. أ هـ.
ابن عبد الله بن عبد المطلب؛ قال القطب أيضاً: وتجب معرفة، وجده عبد المطلب، وأنه هاشمي، وأنه قُرشي، عند
أبيه عبد الله.
بعض. أهـ.
الله
وفي " شرح النونية ": وأن من قال: أعرف أن محمداً رسول، ولا أعرف قبيلته ولا نسبه، كان موحداً، ولا يضره جهلهما؛ أن من قال: أعرف رسول الله، ولا أعرفه ابن عبد الله، فهو موحد، ولا يضره جهله كونه ابن عبد الله، إن كان محمد حاضراً، وإن كان غائباً، أو ميتاً، لم يكن موحداً لجهله ذلك؛ وإن قال: أعرفه ابن، ولا أعرف جده، كان موحداً، ولا يضره جهله؛ وقيل:
عبد
الله
يضره، وأنه غير موحد. أ هـ
وقد نسخ شرعه كل الشرع، أي: إلا ما لا يُنسخ، كالتوحيد، ومكارم الأخلاق؛ ونسخ الشرع: رفعه وإزالته بحكم شرعي، وهو جائز عقلاً واقع شرعاً، فلا سبيل إلى إنكاره؛ والشرع: اسم للأحكام الخمسة المُتقدمة، وما في معناها، وكل فعل أو ترك
،
- ITE- (1/124)
صفحة 125
مخصوص من نبي من الأنبياء صريحاً أو دلالة فهو شرع، والشرع منشيء للأحكام، لا مبين ومؤكد لحكم العقل، خلافاً لزاعمي ذلك، وتقدم: أن من كان على شريعة فله الإقامة عليها، ما لم تقم عليه الحجة بنسخها، وأن من ليس على شريعة، فليس بمعذور إن بلغ عاقلاً، إلا إن اعترف لِلَّهِ بالوحدانية، ولم يضيع شيئاً بعد قيام الحجة عليه، والصحيح أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، إلا أن أقره شرعنا، وأنه قبل بعثته لم يتعبد بشرع نبي من الأنبياء، وأن شرعه موافق لشرع إبراهيم في الحج خاصة، أما قوله تعالى: {فَبِهَدَاهُمُ اقْتَدِهِ} (1)، فإنما ذلك في مكارم الأخلاق والتوحيد.
وفي " الكشاف ": والمراد بهداهم طريقتهم: في الإيمان بالله وتوحيده، وأصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة، وهي هدى ما لم تنسخ، فإذا نُسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين، فإنها هدى أبداً، وقد أيده تعالى بثلاث في ذاته، هدى منقول، وصدق مقبول، وغيب مبذول؛ أيد قواه بثلاث، أي: خصال في ذاته، أي: كائنة في ذاته، أي: في نفسه، هدى منقول، الهدى والهداية الدلالة إلى ما يوصل إلى المطلوب، و اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} (2)، والمراد هنا ما فيه من خصال الخير، كالحلم، والكرم، والسخاء، والعلم، واليمن، والبركة، فإنه كان بالمكان المكين، منها في السريرة والعلانية، حتى أنه لا يوجد من يدانيه في واحدة من تلك الخصال، كيف وقد جمعت له جميعها؛ وصدق مقبول: أما صدقه فلا
(1) سورة الأنعام: 90.
(2) سورة الفاتحة: 6.
11401 (1/125)
صفحة 126
يحتاج إلى إيضاح، لأنه غير خاف، وقد أجمع عليه أولياؤه وأعداؤه، حتى سموه الأمين في الجاهلية، واعترف له بذلك كل أحد، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم في القدح فيه، فلم يعبه أحد بشيء من الكذب، جاهلية ولا إسلاماً؛ وغيب مبذول، أي: إخباره بالمغيبات، وأقله حكايته عن ربه أنه: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ} (1)، فوفي له بذلك في حياته، وأسعفه به بعد مماته، وليس من حكمة العليم الحكيم أن يحقق صدق الكاذب، ونقل عن التوراة أنه لا يطول أمد الكذب، كيف وأنواره - والْحَمدُ لِلَّهِ - ساطعة، وحججه لائحة، لم تخلقها الأيام، ذلك عطاء ذي الجلال والإكرام.
وإنما قلنا
: بثلاث في ذاته إلخ، تبعاً لأبي يعقوب في دليله، ولأن العدد لا يفيد الحصر، وثلاث في كتابه تأليف عجيب، وتعريف أخبار القرون الذهوب، وتوقيف على أسرار الغيوب، أي: وأيده
بثلاث ... إلخ، لأنه معطوف على الأول، أي: بثلاث خصال، وكتابه: هُوَ الكِتاب العزيز الذي: ولا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (2)، وإنما قلنا: كتابه، لأنه} جاء به عن ربه: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النور (3)، وأما تأليفه العجيب: فهو ظاهر بالضرورة، وقد تحدى. به في حياته فأعجز، وأسعفه تعالى به بعد مماته فأنجز، فهو التأليف الذي أعجز به الخليقة، وظهر عليهم بالحقيقة
(1) سورة التوبة: 33. (3) سورة إبراهيم: 1.
(2) سورة فصلت
EY:
-177 - (1/126)
صفحة 127
وفي " المعالم ": واختلفوا في تعيين الوجه المعجز الذي تحدى
به، فإنه اشتمل على وجوه من الإعجاز، فقال بعض من المعتزلة: إعجازه أسلوبه ونظمه الخاص؛ وقال بعض: فصاحته وجزالته؛ وقال
قوم: مجموع ذلك، وَهُوَ الْمختار. أهـ
،
وتعريف أخبار القرون الذهوب: هو الإخبار عن القرون الماضية والأمم الخالية في غابر الزمان، فطابق أخباره الواقع؛ وفي " الدليل ": فجاءت على وفق أهلها، ولن يقدر أحد أن يحيط علماً بأخبار أقطار البلاد في زمانه، فكيف بسائر الدنيا أخباراً وأسراراً، ولا خبر أعظم من إخباره بأسرار أهل زمانه، فأطبقوا على إصابته، وليس من طبع الخليقة أن يسالموا ويطبقوا، وقد وقفوا على كذبة. أ هـ
فكم خبر عن الأنبياء والأمم طابق ما في كتبهم، مع كونه أمياً لا يكتب ولا يقرأ الكتابة: {وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابِ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذا لأرتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (1)، وتوقيف على أسرار الغيوب، وهذا مع كونه من الطراز الأول، لابد وأن يكون أعم منه، لاشتماله على المتقدم والحاضر والآتي من الأخبار، ومع ذلك فإنه مشتمل على إستخراج الفوائد والعلل المستنبطة منه، مع أنه غير مخالف لقضايا العقول، فهو كتاب لا تحصى فوائده، ولا تنقضي عجائبه، لا يخلق على كثرة الترداد، ولا تنحصر فوائده بتعداد، فسبحان من أنزله: كِتَاباً مُّتَشَابِها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخشَونَ رَبَّهُم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُم وَقُلُوبُهُم إِلَى ذِكرِ اللَّهِ} (2)، فهو
(1) سورة العنكبوت: 48
(2) سورة الزمر: 23
- ITY- (1/127)
صفحة 128
يوقفك ـ لا محالة ـ على أسرار المغيبات، من استنباط الأحكام، وتمييزات الحلال من الحرام، مع ما فيه من الإخبار عن الوقائع، كقوله تعالى: {الَمَ * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعدِ غَلَبِهِم سَيَغْلِبُونَ * فِي بضع سِنِينَ} (1)، فكان كما أخبر بلا جدال: وكقوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ أَمَنُوا مِنكُم)
،
وثلاث في أمته: رجوع العدو المباين، ونزول البركات والخزائن، وإفتتاح البلاد والمدائن؛ وأيده أيضاً بثلاث خصال في أُمته: رجوع العدو المباين، أي: إحداها: رجوع المخالف له إليه، بعد ما كان له
،
،
طالباً، وعن دينه راغباً، فصار بعد طلبه الثأر منه في المال والنفس راجعاً إليه، مطيعاً لأمره، مُوافقاً له بعد توليه عنه، يفديه بالنفس والمال، ويؤثره على الأهل والعيال، فانقلبت العداوة محبة، والمخالفة طاعة، غير كاره ولا مقهور، طلباً للوسيلة، وروماً للفضيلة، فسبحان مقلب القلوب؛ الخصله الثانية: نزول البركات والخزائن وهذا ظاهر للعيان، فإنه له جمعت له الدنيا بحذافيرها، ودرت له ألبانها، فأينعت أثمارها، وإبتهجت أقطارها، ونورت أشجارها، لقوم كانوا جفاة بداة، أشبه شيء بمواشيهم، فرجعوا ذوي أخطار، ملوكاً ذوي أقدار، تملكوا ما بين الخافقين، وفازوا بعز الدارين، ومن وراء هذا كله ما نبه، حيث قال: " ما نزل هذه الليلة من الفتق أوقضوا
صواحب الحجرات "؛ والخصلة الثالثة: إفتتاح البلاد والمدائن
وهذا أمر لا خفاء فيه، فهو أوضح من أن يؤتي عليه ببيان، فإنه
،
(1) سورة الروم: 1 - 4.
(2) سورة النور: 55.
- ITA - (1/128)
صفحة 129
قد أعطي ما لم يُعط نبي قبله، فإنه فتحت له البلاد، وأذعنت له العباد، وذلك تصديقاً لقوله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ} (1)، فظهرت المساجد والجمعات، وأُقيمت الصلوات في الجماعات، وتمرت الكنائس والبيع، وظهر الإسلام في أكثر الأقطار، ظهوراً لا خفاء فيه.
وفي " الدليل "، لأبي يعقوب (رحمه الله): واعلم أن الله تعالى وهب لمحمد ما لم يهب لنبي قبله ولا لملك، وذلك أن بني إسرائيل امتن الله عليهم أن وعدهم إفتتاح القدس ومدائن الشام، وإستطالت به بنو إسرائيل على جميع الأنبياء والأمم التي قبلهم فكان ذلك، كذلك ولم يصح مع ذلك مدائن الشام كلها، وأفضل الشام فلسطين والدروب للروم، ألا ترى قول الله تعالى لداود حين قال له أخرج أولاد كنعان من أرض فلسطين، فإنهم لا يطيعون نبياً منهم ولا من غيرهم، فهم للأرض كالجدري للوجه، ففتح الله تعالى لمحمد، ل الشام كله، فلسطين ودروبه، وجزيرة العرب بأسرها، والجزيرة، جزيرة بني عُمر إلى الجودي، إلى ما وراء ذلك، والعراق، والبحرين، وعُمان، واليمن قاطبة، والحسا، وهجر، والمشقر، وأرض فارس، والماهات، وهمدان وحلوان، والري، وأرمينية، وخراسان، ومن وراء ذلك الصين، وإلى سمرقند، وبخارى، والتمرمذ، إلى سد يأجوج ومأجوج، ومن ناحية السند، والهند، وكرمان، ومكران، وسجستان، وغرنة، والتبت، ومن المغرب، مصر، وإفريقية،
(1) سورة التوبة: 33.
- 129 - (1/129)
صفحة 130
والأندلس، وبعد الخمسمائة من الهجرة، فتح الله عليه بلاد السودان جوجو، وغانة إلى الجزائر الخالدات، فهو ملك الأرض من فرغانة إلى
،
غانه. أ هـ
وقد نبه على جميع الفتوح يوم حفر الخندق على المدينة، حين تخرب عليه الأحزاب، فهو من إخباره بالمغيبات
فعلى كل مكلف الإيمان به، في كل ما جاء به عن الله عز وجل جملة وتفصيلاً، وأنه حق، أي: إذا ثبت جميع ما ذكر من الآيات والمعجزات، فعلى المكلف، أي: فيجب على المكلف وجوباً شرعياً لا عقلياً، والمكلف: البالغ العاقل، الإيمان به، أي: تصديقه في كل ما جاء به من أمر أو نهي جملة، إن قامت عليه الحجة بجملته وتفصيلاً، حيث يجب عليه التفصيل، إن قامت عليه الحجة بتفصيله وأنه حق، أي: وأن يعلم أنه حق، أي: جميع ما جاء به مطابق للواقع؛ واعلم أن شروط التكليف البلوغ، والعقل، وقيام الحجة، وأن يفهم المكلف الأمر الذي كلفه، فلا تكليف على صبي، ولا مجنون، وكذا من لم تقم عليه الحجة بشيء من دين الله، ومن لم يفهم الخطاب والعبارة، كالعجم إذا خوطب بالعربية، ونحو ذلك، والحجة: ما يحصل بها للناظر حقيقة الشيء المنظور فيه، هذه العبارة، لأن الحجة إذا كانت فهي حجة، ولو جهلها الجاهل؛ وقيل: ما دل به على صحة الدعوى؛ وقيل: إنها مُرادفة للدليل، بمعنى: الدلالة، أي: ما يعرف به الشيء المدلول عليه، الحجة إلى عقلية، فيما يدرك العقل، من غير واسطة سماع،
واستحسنت
وتنقسم
- 130 - (1/130)
صفحة 131
كثبوت الصانع، ووجوب قدمه، وإستحالة عدمه، ونحو ذلك، وإلى سمعية، فيما لا يصل إليه العقل إلا بواسطة السمع، كوجوب الصلاة في الأوقات المخصوصة بشروطها ووظائفها، ونحو ذلك، وأما
الإيمان الشرعي، فهو ما قارنه الثواب ـ وسيأتي قريباً تفصيله -
وفي " مختصر القواعد ": يجب إعتقاد أحقية ما جاء به سيدنا محمد، والإقرار بها إجمالاً، وقيل: يكفي إعتقاد الجمل الثلاث، وقال بعض: أن من اعتقدهن ولم ينطق بهن، مُشرك؛ وأن من قال: يكفيه ذلك، كافر. أ هـ
•
أقول: كيف يُقال ذلك، والمسألة خلافيه، وليس من قواعدهم التكفير في المُختلف فيه؟ والذي عليه الإمام أبو سعيد (ه): أنه لا يلزم الإقرار إلا على رجلين، أحدهما: من تقدم منه شرك أو شك في شيء منها، والثاني: من نشأ في دار الشرك، لأنه محكوم عليه بحكم أهل الدار في الظاهر، والقول الأول، أي: أن عليه الإقرار أول البلوغ - قول الجمهور - لأن الإقرار شرط للإسلام أو شطر منه، ولا يتم إلا به؛ وقال في " مُختصر القواعد " أيضاً: وأما بالتفصيل، فمنه ما وسع حتى يجيء وقته، وما وسع حتى يسئل عنه، أو يخطر بباله، أو ينكره، كتعيين صفة، وما وسع حتى تقوم الحجة، كتعيين نبي أو ملك، وما وسع أبداً ما وجد من قام به، كقسم المواريث، لكن لا يُعذر إن قال فيه بغير الحق، أو قارفه بجهل، أو صوب الخطأ فيه، وإنما يخرج من الشرك بالإقرار والإعتقاد، أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسُول الله، وأن ما جاء به حق. أ هـ
-171 - (1/131)
صفحة 132
وانظر إلى كلامه: أنه يخرج من الشرك بالإقرار، وهذا ـ كما
تقدم - فيمن دخل في الشرك لا غير، والصحيح أنه يتم توحيده وإيمانه بإقراره وإعتقاد الجمل الثلاث، ما لم يضيع شيئاً لزمه بعد قيام الحجة عليه، واعلم أنه لا يصح التكليف بالمحال، كتكليف الأخرس النطق خلافاً لبعض القوم، لانتفائه عقلاً ونقلاً، ومن أراد بسط هذه المسائل فعليه بالمطولات و إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسلام، وأنه جميع ما أمر الله به عباده أن يطيعوه به، من قول، وعمل، ونية، وإعتقاد، أي: وأن يعتقد المكلف أن الدين ... إلخ، وهذا مقتبس من قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسلامُ} (1)، وأنه جميع ما أمر الله به عباده ... إلخ، أي: من الواجبات، والمندوبات، وترك المحظورات، والمكروهات، فالمندوب: مأمور به أمر ندب، كما أن المكروه: منهي عنه نهي تكريه، من قول: كالإقرار بحقية جميع ما أتى به سيدنا محمد، أو يكفيه الإقرار بالجمل الثلاث، كما مر قريباً، عن قطب الأئمة (عفى الله عنه، وعَمَلٍ، واعلم أن العمل منه مؤقت، فالإتيان به في وقته واجب، كالصلاة والصوم، ونحو ذلك، ومنه ما وقته العمر كله، كفرض الحج والزكاة، فقيل: واسع جهله ما لم يجب عليه أداؤه أو الوصية به، وقول: جهله غير واسع، وإن سوغ تأخيره، وثمت قول: أنهما فوريان؛ والاعتقاد، كاعتقاد ما لا يسع جهل اعتقاده من أمر التوحيد، وجميع فروع الاعتقاد، كثبوت الوحدانية والرسالة، ونحو ذلك من الإعتقادات يأثم.
(1) سورة آل عمران: 19.
- 132 - (1/132)
صفحة 133
اعلم أن الدين لغة العادة والجزاء، وغير ذلك، واصطلاحاً ما يشتمل على أصول الشريعة وفروعها، واحد، بأنه وضع إلهي سابق لذوي العقول بإختيارهم المحمود إلى الخير بالذات
قال القطب جزاه الله خيراً): واحترز بالإلهي عن الوضع البشري، كالرسوم، والسياسة، والتدبيرات المعاشية، وبأولي الألباب، عن الوضع الطبيعي الذي يهتدي به الحيوان لمنافعها ومضارها، وباختيارهم المحمود عن المعاني الإتفاقية والضرورية، وبإلى ما هو خير لهم بالذات، من نحو صناعة الفلاحة، فإنها بالوضع الإلهي الذي هو تأثير الماء، وحرارة الشمس، وتأثير الهواء والأرض، بخلق ا الله تعالى ذلك، وبسائق أولي الألباب إلى صنف من الخير بالإختيار المحمود، لكن ليست تسوق إلى ما هو خير بالذات، وهو ما يكون خيراً، بالقياس إلى كل شيء، وهو السعادة الأبدية. أ هـ.
وقال السيد الجرجاني: الدين وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عند الرسول، قال: والدين والملة متحدان بالذات، ومُختلفان بالإعتبار، فإن الشريعة من حيث أنها تُطاع تُسمى:، ومن حيث أنها تجمع تُسمى: مِلة، وقيل: الفرق بين الدين والملة، أن الدين منسوب إلى الله، والملة منسوبة إلى الرسول. أ هـ.
ديناً
وفي أبي البقاء: والملة: ما شرعه الله لعباده على لسان نبيه، ليتوصلوا به إلى أجل ثوابه، والدين مثلها، لكن الملة تقال باعتبار الدعاء إليه، والدين باعتبار الطاعة والانقياد له، والملة الطريقة أيضاً،
- ITTL (1/133)
صفحة 134
،
ثم نقلت إلى أصول الشرائع، من حيث أن الأنبياء يعلمونها ويسلكونها. ويسلكون من أمروا بإرشادهم بالنظر إلى الأصل، وبهذا الإعتبار لا تُضاف إلا إلى النبي الذي تُسند إليه، ولا تكاد توجد مضافاً إلى الله تعالى، ولا إلى آحاد أمة النبي، ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها؛ إلى أن قال: والشريعة تُضاف إلى الله والنبي والأمة، وهي من حيث أنها يُطاع بها تُسمى: ديناً، ومن حيث أنها يُجتمع عليها تسمى: ملة، وكثيراً ما تستعمل هذه الألفاظ بعضها مكان بعض، ولهذا قيل: أنها مُتحدة بالذات، ومُتغايرة بالإعتبار، إذ الطريقة المخصوصة الثابتة عن النبي الله وتسمى: بالإيمان: من حيث أنه واجب الإذعان؛ وبالإسلام: من حيث أنه واجب التسليم؛ وبالدين: من حيث أنه يُجزى به؛ وبالملة: من حيث أنه يُملي ويكتب ويجتمع عليه؛ وبالشريعة: من حيث انه يرد على زلال كماله المتعطشون؛ وبالناموس: من حيث أنه أتى به الملك الذي أُسمه الناموس، وهو جبريل (العلي). أ هـ.
فإذا عرفت هذا عرفت قولنا في المتن، وأن الدين والإيمان والإسلام شيء واحد، مُختلفة المفهوم، مُتحدة المصادق؛ قال القطب على الله عنه: واعلم أن الدين والإسلام والإيمان بمعنى واحد، وهو ما أمر الله به عباده أن يطيعوه، أو نفس الطاعة؛ وقيل: ما صدقها واحد، ومفهومها مُختلف، فمن حيث أن ذلك معتقد ومقطوع عذر من خالفه، أو يُجازى عليه، أو يلزم ويعتاد، يُسمى: دينا؛ ومن حيث أنه مُستسلم إليه، ويذعن إليه، يُسمى: إسلاماً؛
- ITE - (1/134)
صفحة 135
ومن حيث التصديق به، يُسمى: إيماناً، وقد يُطلق كل منها على
التوحيد، وقد يُطلق الإسلام على العمل الصالح. أ هـ.
وأنت خبير إن إطلاق كل منها على التوحيد، وإطلاق الإسلام
على العمل الصالح، أخص من القول الأول، فليتأمل.
وفي " المعالم ": والإيمان لُغة التصديق شرعاً، أن تشهد لِلهِ تعالى بالوحدانية، ولمحمد، بالرسالة، وأن جميع ما جاء به حق، من المأمورات، ووظائف الدين، كلف الله بها عباده، والإسلام لغة الخضوع والإنقياد، وشرعاً أعمال الجوارح والقلب بجميع المأمورات. أ هـ
وفي " القناطر ": فإن قال قائل: قد نص رسول الله في حديث جبريل (العلي: " أن الإيمان هو ما يتعلق بالقلب من الإعتقادات "،: وبقوله: " إن الإيمان هَا هُنا " (1)، وأشار إلى صدره، وفيه أيضاً: " فهل لا شققت عن قلبه للذي قتل الصارخ بالإيمان "، وأن الإسلام هو ما يتعلق بالجوارح من العبادات، ولم يذكر الدين، وأنت تُوجب الإيمان هو الإسلام، وأن الإسلام هو الإيمان، وهما الدين، فاعلم أن الإيمان أصله التصديق ـ كما ذكرنا ـ وأن الإسلام أصله الإستسلام والخضوع، وأن الإسلام كله من قبل التصديق إيمان، وأن الإيمان من قبل الإستسلام والخضوع إسلام، والدين من قبل الإيمان تصديق، والإيمان من قبل الدين طاعة، وأن الإسلام من قبل الدين طاعة، والدين من قبل الإستسلام إسلام، وكل (1) انظر الملحق.
1170 - (1/135)
صفحة 136
خصلة من الإيمان فهي إسلام ودين، وكل خصلة من الإسلام فهي إيمان ودين، وكل خصلة من الدين إيمان وإسلام، وإلى هذا القول ذهب أصحابنا (رحمهم الله)، وهو الصواب إن شاء الله، إذ لا يسعك أن تنفي الإيمان عن الصلاة وأخواتها، فإن إتسع لك، فلا يسعك أن تنفي الإسلام عن الإيمان، الذي هو الإعتقاد، فيكون الواحد مؤمناً غير مسلم، ومُسلماً غير مؤمن، قال الله عز وجل: {وَذَلِكَ دِينُ القيمة) (1)، وقال: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسلامُ} (2)، وقال: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسلامِ دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ} (3)، أ هـ.
وبهذا تعلم أن الإختلاف في الإيمان من أنه القول فقط، أو القول ا والإعتقاد، أو هما معاً، وأن العمل خارج عن الإيمان، لمغايرته له، في العطف في القُرآن، أقوال مردودة، فمن أراد الوقوف على ذلك
فليراجع المطولات تنبيه:
اعلم أن للدين قوائم وقواعد، فقوائمة أربعة: العلم، والعمل، والنية، والورع؛ فأما العِلم: فعلم ما لا يسع جهله من علم الإعتقادات، وعلم ما يجب فعله عند وجود العمل أو الترك؛ وأما العمل: فهو فعل الواجبات وترك المنهيات إذا كُلف بها وصار من جملة المخاطبين مع وجود السبب والشروط وإنتفاء الموانع، وأما النية: فهي تجري مرضاة الآمر وإمتثال أمره، فلو عمل ولم ينو، فكمن لم
(1) سورة البينة: 5 (3) سورة آل عمران: 85.
(2) سورة آل عمران: 19.
-177 - (1/136)
صفحة 137
يعمل؛ وأما الورع: فالكف عن الشبهات وترك المحرمات، فلو عمل وأصر على معصية ناوياً أن يلقى الله مُصراً عليها، فأعماله هباء ليس له منها إلا العناء: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ) (1)؛ وأما قواعده فأربعة أيضاً: الإستسلام لأمر الله، والرضاء بقضاء الله، والتوكل على الله، والتفويض إلى الله؛ فالإستسلام: هو الخضوع والإنقياد إلى ما أمر الله به؛ والرضى بقضاء الله: عدم السخط لشيء ما من جميع ما حكم فيه، والعزم على الإمتثال فيما حكم؛ والتوكل على الله: هو الإستيثاق بما عنده، والإعتماد عليه وإظهار العجز: {قُل لا أملك لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إلا مَا شَاءَ اللهُ} (2)؛ وأما التفويض إلى الله: فهو رد الأمور كلها إليه، فإن في ذلك إستراحة لنفس المفوض، فإن حکم الله ماض، رضى العبد أو لا، وإنما له الأجر الجزيل في التفويض، فمن أنكر شيئاً مما تقدم حكم بشركه، ومن إستحل لما حرم الله بغير تأويل مُشرك، أي: فمن أنكر شيئاً مما تقدم من التوحيد، كأن يعتقد أن واجب الوجود ليس بموجود، كمن يقول: بقدم الصانع وقدم العالم، كالدّهرية (أخزاهم الله؛ أو يُثبت له شريكاً في الخلق والإختراع، كالمجوس (قبحهم الله)، أو يسويه بخلقه في شيء من كمالاته، أو يسوي خلقه به، کفعل جاهلية العرب، حيث قالوا: مَا نَعبُدُهُم إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (3)، ويصفه بصفة نقص، كالجهل، والعجز، والعمى، والصمم، ونحو ذلك؛ أو ينفي
(1) سورة المائدة: 27 (3) سورة الزمر: 3.
(2) سورة الأعراف: 188.
- 137 - (1/137)
صفحة 138
عنه كمالاته التي هي عين ذاته، كالعلم، والقدرة، والإرادة، والحياة ونحوها؛ أو يُنكر الرسالة مثلاً، كأن يقول باستحالتها، كالبراهمة؛ أو يقول: بأن الوحي لا وجود له في نفس الأمر، بل هو خيال يتخيله النبي أو الرسول، كالفلاسفة، أو نحو ذلك، حكم بشركه، أي:
?
حكم الشرع عليه بالشرك، أي: يترتب عليه ما يترتب على أهل حزبه، من القتل، والسبي، وغنم الأموال، والنجاسة، ونحو ذلك، ومن استحل لِمَا حرم الله بعد قيام الحجة عليه، مثل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ونكاح ذوات المحارم، ونحو ذلك من غير تأويل، بل راد للنص، فهو مُشرك أيضاً، يترتب عليه ما يترتب على الذي قبله، وكذا المحرم ما أحل الله من غير تأويل بعد الحجة، لأنه مُكذب لِلَّهِ وفي أبي البقاء: والشرك أنواع: شرك الإستقلال، وهو إثبات إلهين مستقلين، كشرك المجوس؛ وشرك التبعيض: وهو تركيب الإله
الله
من آلهة، كشرك النصارى؛ وشرك التقريب: وهو عبادة غير ليقرب إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية؛ وشرك التقليد: وهو عبادة غير الله تبعاً للغير، كشرك متأخري الجاهلية؛ وشرك الأسباب: وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة والطبيعيين، ومن تبعهم على ذلك؛ وشرك الأغراض: وهو العمل لغير الله؛ فحكم الأربعة الأولى الكفر بإجماع؛ وحُكم السادس المعصية من غير كفر بإجماع؛ وحكم الخامس التفصيل؛ فمن قال في الأسباب العادية: أنها تؤثر بطبعها، فقد حكم الإجماع على كفره، ومن قال: أنها تؤثر بقوة أودعها الله فيها فهو فاسق. أ هـ.
- ITA- (1/138)
صفحة 139
ولا يغيب عنك أن مُعتقده في الشرك أنه الكفر، وأنهما مترادفان،
وأن مذهبنا أن الكفر أعم من الشرك، لأن الشرك عندنا يُطلق على المساواة لِلهِ تعالى في ذاته، أو في صفاته، أو في أفعاله، أو في عبادته، وعلى إنكار وجوده سبحانه وتعالى، وأن الكفر يُطلق على فاعل الكبيرة مطلقاً، إلا أنه لا يخرج من الملة الإسلامية بكل كبيرة، بل بكبائر الشرك فقط، وأما كبائر النفاق، كترك الصلاة والصوم تشهيا من غير إنكار لها، وكفعل الزنى مثلاً من غير إستحلال له، فإنه يُحبط بها ثواب العمل، ويُعامل في دنياه مُعاملة الإسلاميين، ما عدا الولاية، وقبول الشهادة، وغير ذلك مما يختص بالموفي بدين الله، وأما في الأخرى!، إن مات على كبيرة من غير توبة غير ناس لها، فإنه يُخلد في النار، بل قيل: إن عذابه أشد من عذاب الكفار
وفي " شرح النونية "، للإمام عبد العزيز (قدس سره): وأن الشرك يتحقق بأمور كثيرة، منها إنكار وجود الله عز وجل، كشرك الدهرية القائلين: أن الأشياء قديمة لا مُحدث لها، ومنها إقامة غير الله تعالى مقامه في الخلق والإنشاء والإختراع، كشرك المنائية، والديصانية، الزاعمين أن الأشياء وجدت من أصلين قديمين، وهما النور والظلمة، وكشرك المجوس، الزاعمين أن الأشياء القبيحة خلقها الشيطان، والحسنة خلقها هرمز، ومنها إقامة غير الله تعالى مقامه في العبادة، كشرك مشركي العرب العابدين للأوثان القائلين: {مَا نَعْبُدُهُم إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلفى} (1)، وهم شفعاؤنا عند الله تعالى، مع إقرارهم
(1) سورة الزمر: 3.
-179 - (1/139)
صفحة 140
بأن نحو الخلق والرزق والإحياء والإماتة لله تعالى وحده لا لغيره، ومنها عدم معرفته سبحانه وتعالى وجميع ما لا يحل جهله، كالأنبياء وغيرهم - مما مر - ومنها تكذيبه تعالى بإنكار رسُول أو نبي من أنبيائه، أو ملك من ملائكته، أو حرف من كتابه، أو نحو البعث والحساب والعقاب والمعاد، ومنها وصف الله تعالى بصفة من صفات خلقه من
العجز، والجور، والسهو، والنسيان، والنوم، والأكل، والشرب. وجميع ما لا يليق به عز وجل، أو وصف الخلق بصفة من صفاته تعالى، كالقدرة التامة، والعلم التام، أو بفعل من أفعاله تعالى، كالإحياء، والإماتة، والخلق، والإرسال، والإنزال، ونحو ذلك، مما لا يليق
،
،
إلا به جل وعلا، ومنها التقرب إليه تعالى بمعاصيه، من نحو الشرك وزعم أنه تعالى أمر بها، وأنه نهى عن طاعته، كالتوحيد وغيره، ومنها تقرب العبد إلى المخلوق بطاعته تعالى، من نحو الصلاة، والزكاة، وسائر الصدقات، والذبح الصادر منه رياء وسُمعة، وهذا هو الشرك الأصغر، لقوله: " الرياء هو الشرك الأصغر " (1)، المنهي عنه بقوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} (2)، ومنها دعاء العبد إلى
عبادة نفسه، كفعل إبليس اللعين، فالصادر منه ذلك الدعاء مُشرك والشاك في شركه مُشرك لا يحل جهله في حال ما، ومنها الإكراه على القول يالهين إثنين، وذلك المقول المكره عليه، قيل: أنه شرك وليس بكفر ولا بمعصية، وقيل: ليس بشرك، ولا كفر، ولا معصية، ولا بذنب، وإنما هو كذبٌ مُباح لقائله، واتفق الجميع على أنه غير آثم
(1) انظر الملحق. (2) سورة الكهف: 110
- 18+ - (1/140)
صفحة 141
ولا مُعاقب عليه، ومنها ما ركب في العباد من الجزع، والهلع، وقلة الثقة بما عند الله تعالى، وثقتهم بأنفسهم وهواهم، وما طبعوا عليه وبكلابهم؛ وقد جعل ابن عباس رضي الله عنهما) هذا شركاً، ويدل لشركه قوله تعالى: {فَلَمَّا نَجَّاهُم إِلَى البَرِّ إِذَا هُم يُشْرِكُونَ} (1)، أي: لقولهم: لولا إستواء الريح لهلكنا. أ هـ.
ولا يخفى أنه ليس كل ذلك شركاً حقيقياً يترتب عليه
والغنيمة، وذلك كالرياء ونحوه.
قال في " مختصر القواعد ": والشرك الذي لا تحل به الدماء، ولا السبي، ولا السلب، ولا يحكم عليه بحكم الشرك، بل بحكم النفاق، هو الجزع، وعدم الصبر، وعدم الثقة بموعود الله، والثقة الله، والرياء وهو الشرك الأصغر وصحح أو هو نفاق؛ والشرك: هو الترك لغير الله قولان. أ هـ.
بغير
الخلف،
والمستحل بتأويل الخطأ منافق، والمستحل، أي: لما حرم الله تعالى بتأويل الخطأ، أي: بسبب تأويله الخطأ، أي: بسبب الخطأ في تأويله كتاب الله، وسنة نبيه، وآثار السلف، وكذا المحرم لما أحل الله تعالى بالتأويل منافق، أي: مُخلف، لأن النفاق هو وذلك كأن يعتقد أن الله تعالى مرئي بالأبصار في الآخرة، أو يُعتقد الخروج من النار بعد الدخول فيها، أو نحو ذلك مما قطع المسلمون عذر مخالفيهم فيه، واعلم أن النفاق مأخوذ من نافقاء اليربوع وهي
(1) سورة العنكبوت: 65.
-121. (1/141)
صفحة 142
حفرة يخفيها ليخرج منها عند طلبهم له من حُفرته المعروفة، وشرعاً قسمان، أحدهما: تأويل الكتاب والسنة على غير الصواب ـ كما تقدم - والثاني: الخيانة بفعل الكبائر، أو الإصرار ولو على صغير، لأن الإصرار نفسه كبير، أو ترك الواجب، كالصلاة والصوم بعد وجوبهما من غير استحلال، والنفاق كُفر، أي: كُفر نعمة لا كفر شرك، وزاد القطب، وأبو يعقوب قسماً ثالثاً: هو إظهار الإسلام وإخفاء الشرك. قال القطب في " مُختصر الوضع ": والنفاق الخروج من غير المدخل، وكتمان الشيء وإظهار غيره المضاد والمناقض له، مأخوذ نافقاء اليربوع.، وهو جحر يكتمه ويظهر غيره، وهو يرققه، فإذا أتى من قبل القاصعاء ضربه برأسه فإنتفق، أي: خرج، وذلك في اللغة، وفي السؤالات: إن ذلك قول غيرنا، وأن قولنا: أنه مأخوذ من نفقت الدابة، بمعنى: هلكت، ثم رأيت أثراً سابقاً على زمانه لبعض أصحابنا يقول: إن ذلك الاسم مأخوذ من نافقاء اليربوع، وأما في الشرع، ففعل الموحد كبيرة، أظهرها أو سترها، وأسرار الشرك وهو فرع الخلف والكذب، والمراد بالخلف والكذب هنا التزلزل في التوحيد، لعدم رسوخه رسوخاً يمنع من الكبيرة، وصفة المنافق الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، والخيانة في الإئتمان. أ هـ
من
وفي " الدليل "، لأبي يعقوب (رحمة الله عليه): وإنما وقع الإختلاف بين الأمة في أهل الكبائر، فأطلق عليهم أهل البصائر في الدين اسم النفاق، وقاسوهم على من قبلهم من أهل الشقاق، وامتنع الأخرون، وقالوا: النفاق في الخفاء، والفساد، وهؤلاء السلاطين
-1 EY- (1/142)
صفحة 143
وجنودهم، وأهل الطاعة لهم، ليسوا بمنافقين لأن أفعالهم ظاهرة، وهذا أمر مبني على الرأي، ما لم يتجشم ويتقحم أحد، أحد الشروط المتقدمة. أ هـ.
فإن قلت: إنك أثبت النفاق في التأويل بالخطأ، وهذا نقلك عن أئمتك، أن المنافق هُوَ مُرتكب الكبيرة فقط، قلت: قد ثبت في غير موضع عنهم، أن المأول إذا قطع عذر مُخالفه في تأويله ذلك، أو هدم بتأويله قاعدة من قواعد الشرع، فهو منافق.
قال في " شرح النونية ": وأن النفاق قسمان ـ كما مر ــ نفاق تحليل لما حرمه الله، كالقول بالخروج من النار، وتحريم لما أباحه الله، كالقول بعدم خلود الموحدين فيها، وهو نفاق هؤلاء المخالفين، المؤديهم إليه تأويلاتهم للنصوص الظاهرة، بالتأويلات الفاسدة في العبارات الكاسدة، ونفاق خيانة، وهو نفاق من ضيع وارتكب تشهياً لا تديناً. أهـ وفي " كرسي الأصول "، للإمام الخليلي (رضوان الله عليه): الأمة المحمدية كلها يُطلق عليها اسم الإسلام، وينفى عنها سمة
وفرق
الشرك والأصنام، وهم في ذلك لا يعدون جميعاً عن نوعين، أهل نحلة الحق، وأهل نحلة الضلال، فالفرق الضلالية كلها من نوع واحد
،
وهم من دان، بخلاف أصل من أصول دين الله تعالى، ولا مُخالف لذلك إلا من حيث التدين بفاسد التأويل، ومن خرج عن هذا الحد من العصاة، فهو من أهل نحلة الحق في التسمية، ولو منتهكا لما يدين (1/143)
صفحة 144
بتحريمه، لأن الإنتهاك غير بدع في جميع الفرق، فلا يعد فرقة وحده ومما جاء به، أن كل حي يموت إلا الله تعالى، والموت إنقطاع
الحياة، أو كيفية مخلوقة في الحي، ومما جاء به، أي: النبي، ويجب على المكلف إعتقاده أن الموت حق، كما في دعائه عند قيامه للتهجد، وأن كل حي من ساكني الأرض والسماء، إنسي، أو جني، أو ملك، أو دابة، يموت إلا الله تعالى، أي: إلا واجب الوجود لذاته، المنعوت بنعوت الكمال، الْمُنزَّه عن سمة النقص على كل حال، وفسر الموت بانقطاع الحياة، فهو عدم محض، أو كيفية مخلوقة في الحي، فهما قولان لأصحابنا
قال أبو ستة في " حاشية القواعد ": الموت هو عدم الحياة عمن إتصف بها، فالتقابل بينها وبين الحياة - التي هي قوة تتبع إعتدال المزاج - تقابل العدم والملكة، وقيل: الموت كيفية وجودية يخلقها الله تعالى في الحي، فهي ضد الحياة، لقوله تعالى: {خَلَقَ المَوت والحياة)) (1)، والخلق، لكونه معنى لا يتصور إلا فيما له وجود، والجواب: أن الخلق هنا بمعنى التقدير، كذا بخط شيخنا عبد الله (رحمه الله)؛ وكلام " شارح الجهالات " صريح في القول الثاني، حيث قال: والحياة عرض من الأعراض، كما أن الموت عرض من الأعراض مثله. أ هـ
فعلى هذا لا حاجة إلى التأويل في الآية، فيكون التقابل بينهما تقابل
(1) سورة الملك: 2.
-1? E- (1/144)
صفحة 145
التضاد؛ وفي " الكشاف ": الحياة ما يصح بوجوده الإحساس، وقيل: ما يوجب كون الشيء حياً، وهو الذي يصح أن يعلم ويقدر، والموت عدم ذلك فيه ومعنى: {خَلَقَ المَوتَ وَالحَيَاةَ» (1)، إيجاد ذلك المصحح وإعدامه. أهـ
وما يُقال: أن الموت جسم على صورة الكبش، والحياة جسم على صورة الفرس، فمذهب خلافي لم نجده لأحد من أصحابنا، قالوا: وأما المعنى القائم بالبدن عند مفارقة الروح، فإنما هو أثره، فتسميته بالموت من باب المجاز. أ هـ
•
وفي " شرح النونية ": إن العلماء إختلفوا في الموت، فقال بعضهم: إنه عدم الحياة، عما من شأنه الحياة؛ وقال الأشعري: إنه كيفية وجودية تضاد الحياة، أي: توجد في الجسم بعد نزع الروح منه، فلا الجسم الحيواني عنهما، ولا يجتمعان فيه، وليس بعدم محض،
وفناء صرف، وإنما هو إنقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقته له، وحيلولة بينهما، وتبدل حال بحال، وانتقال من دار إلى دار؛ وفي حديث عُمر بن عبد العزيز: " إنما خلقتم للأبد، ولكنكم تنقلون من دار إلى دار "، وأن القابض للروح رسُول الموت وهو: عزرائيل، ومعناه: عبد الجبار، أي: أن مُخرجها وآخذها بإذنه تعالى من مقرها أو من يد أعوانه، ذلك الرسول (ال)، سواء كانت روح آدمي شهيداً، أو غيره، أو جني، أو حيوان، ولو بعوضة، كما قال أهل الحق؛ وقالت المعتزلة: لا يقبض أرواح غير الثقلين، وانظر ما
(1) سورة الملك: 2.
11801 (1/145)
صفحة 146
القابض لها عندهم؛ وقالت المبتدعة: أنه لا يقبض أرواح البهائم، بل أعوانه هُمُ القابضون لها، والمراد بالبهائم: كل ما استعجم، فيدخل
الله
الوحش والطير ونحوها، وأما إسناد التوفي إليه تعالى في قوله: و يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوتِهَا} (1)، فلأنه الخالق الحقيقي الموجد له، ولما باشره ملك الموت، أسند إليه في قوله تعالى: {قُل يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم} (2)، كإسناده لأعوانه لمعالجتهم لها ونزعها في قوله تعالى: {تَوَفَّتَهُ رُسُلُنَا) (3). أ هـ.
وفي " القناطر ": واختلفوا في كيفية قبض الروح، فقال بعض العلماء: إن ملك الموت للروح بمنزلة حجر المغناطيس في جذبه للحديد، وإنه إذا ظهر الملك للروح طار إليه؛ وقال قوم: إن الله تعالى يُخرج الروح فيتلقاها الملك، والصحيح: أن الله تعالى هُوَ الَّذِي يُحي ويُميت، وَهُوَ أعلم بكيفية ذلك. أ هـ
أقول: لم تشترط قيام الحجة على المكلف هنا، لأن الموت معلوم بالمشاهدة وبالضرورة، وإلا فلا يلزم شيء من جميع ما جاء به سيدنا محمد الله من جميع السمعيات، إلا بعد قيام الحجة عليه، فيما لا يدرك إلا بحجة السمع - كما تقدم - ومما جاء به سؤال الملكين في القبر، وهما منكر ونكير: فيسألان الميت عن التوحيد والنبوة إمتحاناً، ومما جاء به، أي: سيدنا رسول الله محمد، ويجب على المكلف إعتقاده بعد قيام الحجة السمعية عليه به سؤال الملكين الميت في
(1) سورة الزمر: 42. (3) سورة الأنعام: 61
(2) سورة السجدة: 11.
-1 E 7 - (1/146)
صفحة 147
القبر، أي: قبره، أي: قبر ذلك الميت المدفون هو فيه، وإنما ذكر القبر تغليباً، وإلا فلا يشترط القبر للسؤال، أي: سؤال الملكين وهما منكر بفتح الكاف) ونكير؛ قال بعضهم: سُميا بذلك لأن الميت لم يعرفهما، ولم ير صورة مثل صورتهما، قال: والمنكر بمعنى النكير. إذا لم يعرفه أحد، والنكير بمعنى المنكر. أ هـ
،
،
أي: كل منهما اسم مفعول من النكر، الذي هو عدم المعرفة فيسألان الميت، أي: بعد رد رُوحه على بدنه، أو على جزء منه، عن التوحيد، بأن يقولا له: من ربك؟ كما في الحديث، وما دينك؟ وعن النبوة بأن يقولا له: من نبيك؟ فإن كان مؤمناً، قال: ربي الله الَّذِي لا إله إلا هُوَ، وديني الإسلام، ونبي محمد؛ وإن كان غير مؤمن، قال: لا أدري، إمتحاناً، أي: للميت، أو للملائكة، أو لنا معشر المكلفين، هل تُؤمن وتصدق، أو ليباهي به سبحانه ملائكته، إن كان مؤمناً، وليفضحه مع ملائكته، إن كان بعكس ذلك
•
وفي " القناطر ": سؤال الملكين، وهما منكر ونكير، وقد وردت بهما الأخبار، وذلك ممكن في العقل، إذ ليس يستدعي إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به يُفهم الخطاب، ولا يدفع ذلك بما يشاهد من سكون أجزاء الميت، وعدم سماعنا للسؤال، فإن النائم ساكن بظاهره، ويدرك في باطنه الألآم واللذات، ما يحسن تأثيره عند إنتباهه من النوم. أ هـ
ولسيدي أبي نبهان رضوان الله عليه، في دفن الميت، وفي قول
- SEV- (1/147)
صفحة 148
آخر: يُكشف عن عينه اليمنى، ليعاين بهما منكراً ونكيراً، عند سؤالهما له. أ هـ كلامه، ولم يورد عليه ما يبطله.
وفي " منهاج " الشيخ الخميس الرستاقي (عفى الله عنه)، عند قوله " " تعالى: يُثبت اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالقول الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ (1)، بالخير، والعمل الصالح، وفي القبر، هذا قول قتادة؛ وقال الضحاك: فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا}، بِلَا إِلَهَ إِلَّا الله، {وَفِي الآخِرَةِ، إذا سُئل في القبر. أ هـ.
قلت فيه: إن القبر من الآخرة، ويشهد له حديث سيد المرسلين
: " من مات فقد قامت قيامته " (2).
وقال القطب (رحمه الله: ومن مات قبل الساعة، فهو في الآخرة
على الصحيح، أو في الدُّنيا، أو في الآخرة البرزخ أقوال. أ هـ
وفي " شرح النونية ": عن ابن عباس (رضي الله عنهما)، في قوله تعالى: يُثبت اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالقول الثابت، قال: الشهادة يُسألون عنها في قبورهم بعد موتهم، قيل لعِكرمة: ما هو القول الثابت؟ قال: يُسألون عن الإيمان بمحمد، وأمر التوحيد، فيجيب بما يوافق ما مات عليه من إيمان، أو كفر، أو شك، وهذا السؤال خاص بهذه الأمة، وقيل: كُل، وقيل: كُل نبي وأمته، كذلك يُسأل كل أُمة نبي عن
الإيمان بذلك النبي. أ هـ
(1) سورة إبراهيم: 27
(2) انظر الملحق.
-1 E^- (1/148)
صفحة 149
وفي " الدليل ": قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الميت إذا أُدْلِي في قبره، وفرغ أهله من قبره
ه، أتاه ملكان أحدهما عند رأسه والآخر عند
رجليه، وانصرف الناس وهو يسمع خفق نِعالهم، فيقعده الملكان فيقولان له:: من ربك؟ فإن كان مؤمنا، فيقول:: الله ربي، فيقولان: من نبيك؟ فيقول: محمد نبي، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: الإسلام ديني، ويقولان: ما قبلتك؟ فيقول: الكعبة قبلتي، فيفتحان له باباً إلى النار، فيقولان له: هذا منزلك فنجاك الله منه، ثم يفتحان له باباً إلى الجنة، فيُريانه مكانه في الجنة، فيهم أن يقوم إليه، فيقولان: نم رشيداً، فينام نومة العروس حتى يكون أحب أهله إليه الذي يوقظه، يوم القيامة؛ وأما المنافق والمرتاب، فيقولان لهما: من ربكما؟ فيقولان: لا ندري، فيقولان لهما: لا دريتما ولا ابتليتما، فيفتحان لهما باباً إلى الجنة، فيقولان لهما: هذا مكانكما في الجنة لكنكما صُرفتما عنه، فيفتحان لهما باباً إلى النار، فيقولان لهما: هذا مكانكما في النار، فعند ذلك يكرهان القيامة، فَكَرها لقاء الله، فيَكْرَهُ الله لقاءهما ". أ هـ
حتى يبعثه الله
تنبيه:
الصحيح: لا يُسأل الأنبياء، ولا أطفال الْمُؤمنين، بل ولا الأطفال لأنه لا تكليف عليهم، والشهيد، والمرابط، والمطعون، والميت زمن الطاعون بغيره، إذا كان صابراً محتسباً، والصديق، والميت يوم أو ليلتها، والقارئ كل ليلة: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} (1)، وبعضهم
(1) سورة الملك: 1.
الجمعة
-189 - (1/149)
صفحة 150
ضم إليها سورة السجدة، والقارئ في مرضه الذي يموت فيه: {قُل
هُوَ اللهُ أَحَدٌ} (1)، راجع " شرح النونية ".
لكن رأيت بعد ما كتبت هذا في " الدليل "، ما نصه: ومسئلة عذاب القبر ليست من مسائل الديانات، فمن جهلها سلم، ومن علمها غنم. أ هـ
أقول: أما من جهلها ولم تقم عليه الحجة بها فنعم، لكن من قامت عليه الحجة بالأحاديث النبوية، وإتفاق أكثر الأمة المحمدية: فما حاله، وليس الجهل بعذر لجاهل قامت عليه الحجة بشيء من دين الله، لكن إذا لم يرد نصاً ولا قطع عذراً، فلا يقطع عذره، والله أعلم،
فلينظر فيه
لا يُقال: سؤال الملكين ليس من عذاب القبر، فإنه أول نعيم، أو أول عذاب، كيف وعذاب القبر مما إتفقت عليه أكثر الأمة، ومنه سؤال الملكين؟ ومما جاء به قيام الساعة، وهي النفخة الأولى، ولا يعلمها إلا الله تعالى، لكن لقُربها علامات، ومما جاء به، أي: سيدنا، ويجب على المكلف إعتقاده، ولا يسع جهله بعد قيام
محمد
?
الحجة به، قيام الساعة، قال الله تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ أَتِيَةٌ لَا رَيبَ فيها} (2)، والساعة هنا الوقت الذي تقوم فيه القيامة، ولفظ الساعة يُطلق على القيامة نفسها مُجازاً، لأن الساعة في اللغة الوقت الحاضر
وجُزء من أجزاء الجديدين
(1) سورة الإخلاص: 1.
7:
(2) سورة الحج: 7
110.1 (1/150)
صفحة 151
وفي " الكشاف ": والساعة من الأسماء الغالية، كالنجم للثريا، وسُميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو على العكس لطولها، أو لأنها عند الله على طولها، كساعة من الساعات عند الخلق. أ هـ.
وقال القطب: ولا يخفى أن الساعة تُطلق على وقت نفخة الموت، وعلى وقت نفخة البعث، وعلى الوقت الواسع العام، لذلك كله وما بينه وما بعده، ويُطلق أيضاً قيام الساعة والقيامة على وقوع نفخة الموت، وإذا قيل: يوم القيامة، صح أن يُراد وقت قيام الناس من قبورهم، أو وقت نفخة الموت، أو الوقت الواسع الذي يقع القيام من القبور في بعضه. أ هـ
وإنما تبع صاحب المتن صاحب " القواعد، حيث قال: وهي النفخة الأولى، وعبارة " القواعد ": وهي النفخة الأولى التي يُميت الله بها كل حي، وبينها وبين النفخة التي للبعث أربعون سنة، فيما يُروى عن النبي. أهـ
وسمي ما بين النفختين بالبرزخ، وهو عالم المثال، أي: الحاجز بين الأجساد الكثيفة، وعالم الأرواح المجردة، وهل هو من الدُّنيا، أو من الآخرة، أو لا؟ ولا أقوال ثلاثة، ولا يعلمها إلا الله تعالى، أي: لا ينكشف علم وقت وقوعها إلا لواجب الوجود لذاته، قال تعالى لنبيه: قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} (1)، روي
: {
(1) سورة الأعراف: 187
- 151 - (1/151)
صفحة 152
أن اليهود سألوه - وقيل: قُريش -: عن الساعة؟ فنزلت
وفي " الكشاف ": {إِنَّمَا عِلمُهَا} (1)، أي: علم وقت إرسائها عنده، قد إستأثر به، لم يخبر به أحداً، من ملك مقرب، ولا نبي مرسل، يكاد يُخفيها من نفسه، ليكون ذلك أدعى للطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أخفى الأجل الخاص، وهو وقت الموت لذلك. أ هـ
قال تعالى: {لَا تَأْتِيكُم إِلا بَغَتَةً} (2)، أي: فجأة، وقال
(2)
" إن الساعة تهيج بالناس، والرَّجُل يُصلح حوضه، والرَّجُل يسقي ماشيته، والرَّجُل يقوم سلعته في سوقه، والرَّجُل يخفض ميزانه ويرفعه " (3)، وقال الجبريل (ال)، في الحديث المشهور (4): " ما السائل بأعلم بها من المسئول، لكن لقربها علامات، أي: لقرب وقت وقوعها علامات، أي: آيات تدل على قرب وقوعها، منها خروج الدابة، ومنها أن تلد الأمة ربتها، ومنها طلوع الشمس من مغربها، ومنها تطاول الحفاة العراة - رعاة الإبل ـ البهم في البنيان، ومنها عدم الإيمان، قال: " لا تقوم الساعة على مؤمن " (ه)، ومنها يأجوج ومأجوج، أي: خروجهما، ومنها غير ذلك، قال تعالى: فَهَل يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغتَةً فَقَد جَاءَ أَشْرَاطُهَا} (6)،
، ومنها إنشقاق القمر،
أي: علاماتها، قالوا: منها ومنها الدخان، ومما جاء به ويجب إعتقاده، البعث والمبعوث: هي
(1) سورة الأعراف: 187؛ سورة الأحزاب: 63. (2) سورة الأعراف: 187.
(4) انظر الملحق. (6) سورة محمد: 18.
(3) انظر الملحق.
(5) انظر الملحق.
1101 - (1/152)
صفحة 153
-
الأجساد الفانية بعينها، ومما جاء به، أي: سيدنا محمد، ويجب، أي: على كل مكلف إعتقاده، أي: بعد قيام الحجة ـ كما تقدم ــ البعث، أي: إحياء الموتى بعد الموت، ونشرهم من قبورهم، لأنه أمر ممكن، أخبر به الصادق، قال الله تعالى: {وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَعِذَا مَا مِتْ لَسَوفَ أَخْرَجُ حَيّاً * أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَّم يَكُ شَيئاً * فَوَرَبِّكَ لَنَحشُرَتْهُم وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحضِرَنَّهُم حَولَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً) (1)، والمبعوث، أي: الذي يحيى وينشر هي الأجساد الفانية بعينها، أي: وَإلا لكان الثواب والعقاب على غير المطيع والعاصي في الدُّنيا، وهذا غير ممكن.
وفي " شرح النونية ": وأن عليه الإيمان بالبعث وقيام الساعة، فإن جهلهما، أو أنكرهما، أو شك فيهما بعد قيام الحجة عليه بهما، كان مشركاً، وأن يعلم أن الله خلق الأشياء لا من شيء، ويفنيهم لا إلى شيء، ويُعيدهم لا من شيء. أ هـ.
خُلقت
وحديث: " كل ابن آدم يفنى إلا عجم الذنب فمنه يُركب "، تأوله القطب رحمه الله تعالى: وعبادته وهلاك الأشياء عدم محض من غير شيء، وتعدم إلى غير شيء، وتُعاد من غير شيء، ومعنى ما ورد أن عجم الذنب وهو مثل حبَّة الخردل أسفل الصلب عند العصعص لا يفنى، وأن الإنسان ينبت منه، أن الله سبحانه يُعيد الأعيان الفانية ويركبها عليه لحكمة لا لتعذر الإعادة إلا بذلك مع أن التحقيق أنه يفنى أيضاً، والإستثناء في الحديث: " كل ابن آدم يفنى إلا
(1) سورة مريم: 66 - 68
- 153 - (1/153)
صفحة 154
عجم الذنب فمنه يُركب "، منقطع، أي: لكن عجم الذنب منه يُركب بعد إعادته. أ هـ
وفي " شرح العقائد ": والبعث: وهو أن يبعث الله تعالى الموتى من القبور، بأن يجمع أجزاءهم الأصلية، ويُعيد الأرواح إليها حق، لقوله تعالى: {قُل يُحييهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} (1)؛ قال بعض الأفاضل: فيه تقبيح بليغ لإنكاره، حيث عجب منه بأن رتب مخاصمة الملك الجبار على خلقه من هو أصله من أحقر الأشياء. أ هـ.
قال " شارح العقائد: إلى غير ذلك من النصوص القاطعة الناطقة: الدالة بحشر الأجساد. أ هـ.
وفي معالم الإمام عبد العزيز (قدس سره): أن الله سبحانه يُحي الأبدان بعد موتها، والدليل عليه أن الإعادة إما أن تكون إعادة الجواهر بعد إعدامها، أو جمعها بعد تفريقها، وكلاهما ممكن، وكل ممكن أخبر الصادق بوقوعه فهو حق، فالإعادة حق، وإنما قلنا: أن الإعادة بالمعنى الأول ممكنة، لأن ما هية الأعراض والجواهر تقبل الوجود والعدم لذاتها، لما عرفت أن القبول لا يكون إلا نفسياً، وَإلا للزم التسلسل، وذواتها لا تنقلب بعد عدمها، فلما قبلت الوجود والعدم إبتداء تقبلهما إنتهاء، وإنما قُلنا: إنما تقبل الوجود والعدم، لأنها لو لم تقبل إلا الوجود لكانت قديمة واجبة الوجود، وهو باطل لما سبق من بُرهان حدوثها، ولو لم تقبل إلا العدم، لكانت ممتنعة
(1) سورة يس: 79.
-108 - (1/154)
صفحة 155
الوجود والعيان يكذبه، وأما إمكان الإعادة بالمعنى الثاني، وهو جمع الأجزاء بعد تفرقها وخلق الحياة فيها، فواضح هذا إذا نظرنا إلى
الله
الإعادة بحسب قابليتها، وإن نظرنا إليها بحسب فاعلها وهو سبحانه، فلا خفاء في أن قدرته لا يتعاصى عليها ممكن، وعلمه محيط بكل شيء، فلا تعذر إذا إلا من جهة القابل، ولا من جهة الفاعل، وإلى نفي التعذرين أشار القرآن العظيم في قوله تعالى: {قَالَ مَن يُعِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} (1)، فنفى التعذر من جهة المعاد القابل بقوله تعالى: {أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} (2)، وأنها قابلة للوجود وبدليل
النشأة الأولى، ويستحيل أن تنقلب الحقيقة من الإمكان إلى الإستحالة ونفى التعذر من جهة الفاعل بقوله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الخَلاق العليم (3)، بصفتي المبالغة، وبقوله: هو أَنشَأَهَا}، ثم أرشد إلى الجواب عن شبه المنكرين ومن شبههم إستيعاد جميع الأجزاء إلى أبدانها المخصوصة بعد إختلاطها بغيرها، كما قالوا: {أَعِذَا مِتَنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجعٌ بَعِيدٌ} (4)، بأنه تعالى عالم بجميعها، غير عاجز عن تأليفها وخلق الحياة فيها، وقال: {قَد عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُم} (5)، ومن شبههم أيضاً، أنها إذا صارت تُراباً فقد تغير طبعها عن طبع الحياة التي هي الحرارة والرطوبة، فرد هذا الإستبعاد بقوله تعالى: {الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَحْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ} (6)، إلى غير
ذلك
أهـ
(1) سورة يس: 78 (3) سورة يس: 81.
(5) سورة ق: 4.
(2) سورة يس: 79. (4) سورة ق: 3. (6) سورة يس: 80.
("")
11001 (1/155)
صفحة 156
ومما يجب الإيمان به: الحساب، وهو تفصيل العمل وإظهار:
6
المقبول منه والمردود، ومقدار الثواب والعقاب عليه، ومما يجب الإيمان به، أي: على المكلف بعد الحجة عليه، فيجب إعتقاده الحساب، وهو اسم مصدر للمحاسبة أو مصدر لها قولان لأهل اللغة وهو لغة العد لشيء ما، وعند الأصوليين: تفصيل العمل، أي: تمييزه، وهو عمل العبد الذي عمله في دنياه، وإظهار المقبول منه، أي: عند الله تعالى لصاحبه، حتى يستبشر بنعمة الله وفضله في موقفه، وهو موقف الحساب والمردود، أي: منه على صاحبه، فينادي عليه في عرصات القيامة بالخسران، فيكون عليه حسرة، وتفصيل مقدار الثواب للمطيع على عمله ذلك، وتفصيل مقدار العقاب للعاصي على عصيانه، فيرى الْمُؤمن حسناته مُضاعفة، وسيئاته مكفرة، وغير الْمُؤمن وهو الكافر والفاسق، حسناتة مُحبطة، أي: لا ثواب له عليها، وسيئاته في ميزانه مؤاخذاً بها
وفي " شرح النونية ": وعليه أن يعلم، أي: المكلف، أن الحساب حق، فإن أنكره، أو جهله، أو شك فيه، أشرك، قلت: وذلك بعد قيام الحجة عليه ولو من عقله، كأن يرشدك إليه كتاب الإستقامة، قال: وذلك الحساب أن يوقف الله عبده الْمُؤمن على ذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا وكذا، فيقول: نعم يارب أعرف، فإذا أوقفه عليها كلها، ورآى بعد أنه هالك، قال له سبحانه وتعالى، ذو الرحمة الواسعة، والكرم الفائض: أني سترتها عليك في الدنيا، وأني أغفرها لك اليوم، ثم يُعطى كتاب حسناته، وأن يُنادي على المشركين
- 156 - (1/156)
صفحة 157
والمنافقين: {هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهم) (1)، وبمثل هذا أو دونه. أ هـ
قال تعالى: {وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ} (2)، ومعنى سرعة حسابه: أنه لا يشغله حساب أحد عن مُحاسبة الآخر، كما لا يشغله سبحانه رزق أحد عن رزق الآخر، لا يشغله شأن عن شأن.
وفي " شرح النونية "، أيضاً: أن من نوقش في الحساب، أي: إستقصي عليه عُذِبَ، كما قال: " وأن العبد محاسب على كل. شيء، إلا على أربعة أشياء، بيت يكنه، وطعام يقيم به صلبه، وثوب يواري به عورته، وماء قراح يشربه ". أهـ
•
ومن حاسب نفسه في الدُّنيا، خف عليه الحساب يوم القيامة، ومن
أرسلها وأهملها، ثقل عليه يومئذ
تنبيه:
قال بعضهم: إن الشدائد التي تصيب المُسلمين في الحشر هي بعض المؤاخذة، وهي أن يبعثهم حفاة عُراة غُرلاً، أي: غير مختونين،
ثم يلجمهم العرق على قدر أحوالهم، وذلك من بقايا ذنوبهم في الدنيا قيل: إن مواقف القيامة ألف سنة؛ وقيل: خمسون ألف سنة؛ وقيل: على الْمُؤمن ألف سنة، وعلى غيره خمسون ألف سنة، وروي أنه يكون على الْمُؤمن قدر صلاة مكتوبة، وأن للقيامة مواقف ومحاورات، ففي
(1) سورة هود: 18
(2) سورة الرعد: 41.
11011 (1/157)
صفحة 158
مواضع يُسئلون، وفي مواضع لا، فلذا ترى قوله تعالى في بعض الآيات: وَلَا يُسْتَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ} (1)، {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسَ وَلَا جَانٌّ} (2)، وفي بعضها: {فَلَنَسْتَلَنَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيهِم
وَلَنَّستَلَنَّ المُرْسَلِينَ} (3)، {وَقِفُوهُم إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} (4).
وفي " الكشاف "، عند قوله عز وجل: {فَيَومَئِذٍ لَا يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسِ وَلَا جَانٌّ} (5)، والمعنى: أنهم لا يُستَلُونَ، لأنهم يُعرفون بسيم المجرمين، وهي سواد الوجوه وزرقة العيون، فإن قلت: هذا خلاف قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَستَلَنَّهُم أَجْمَعِينَ} (6)، وقوله سبحانه: وَقِفُوهُم إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} (7)، قلت: ذلك يوم طويل، وفيه
مواطن، فَيُسئلون في مواطن، ولا يُسئلون في أخر
قال قتادة: كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت: أيدِيهِم وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ} (8)، قيل: {لا يُسئَلُ عَن انبه (9)، فيعلم من جهته، ولكن يُسأل سؤال توبيخ. أ هـ
كما أن الإيمان بالثواب وهو الجنة واجب، والإيمان بالعقاب وهو النار ــ أعاذنا الله منها ـ واجب أيضاً؛ شبه وجوب الإيمان بالثواب والعقاب بوجوب الإيمان بالبعث وغيره مما تقدم، فقال: كما أن الإيمان، أي: التصديق والإعتقاد على المكلف بعد الحجة
(1) سورة القصص: 78.
(3) سورة الأعراف: 6
(2) سورة الرحمن: 39.
(4) سورة الصافات: 24
(5) سورة الرحمن: 39. (7) سورة الصافات: 24
(9) سورة الرحمن: 39
(6) سورة الحجر: 92
(8) سورة يس: 65.
11071 (1/158)
صفحة 159
بالثواب لأولياء الله، والثواب عبارة عن المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم، وهو، أي: ذلك الثواب، الجنة، لأنها محله في الأخرة،
وما تقدم ذلك من البشارة، كنضارة الوجه، والأخذ للكتاب باليمين، فهي مقدمات دالة على الثواب والإيمان، أي: التصديق بالعقاب وهو، أي: ذلك العِقاب، المضرة المقرونة بالإهانة، لأنه ضد الثواب، وهو، أي: العِقاب، النار لأعدائه من الكفار والمنافقين في الآخرة،
،
لأنها محل له، وما يجدونه من سواد الوجوه، وأخذ صحائف الأعمال بالشمال، فكل ذلك من المقدمات الدالة على عدم الفلاح، أعاذنا الله منها، أي: النار، سؤال من الْمُؤلّف أن يجيره وجميع
المسلمين منها بمنه وكرمه.
،
قال أبو البقاء: والثواب والعقاب على إستعمال الفعل المخلوق لا على أصل الخلق، ويُعاقب عليه بصرف الإستطاعة التي تصلح
للطاعة إلى المعصية، لا على أحداث الطاعة. أ هـ.
قلت
: هذا جواب عن إعتراض المعتزلة على الجمهور: حيث
قالوا: إن الله يُعذبهم على خلقه فعلهم
وقال في " شرح النونية ": وعليه، أي: المكلف، أن يعلم أن الجنة حق، وأن النار حق، فإن جهلهما، أو أنكرهما، أو شك فيهما، كان مشركاً، قلت: لا يغيب عليك أن ذلك بعد قيام الحجة عليه، كما شرطناه آنفاً، قال: والجنة دار الثواب، والنار دار العقاب، وبعض أصحابنا جزم بعدم خلقهما الآن، والجمهور توقفوا فيه وفي (1/159)
صفحة 160
عدمه، وهو المسموع من مشايخ المذهب؛ قال: وأنا أميل دائماً إلى القول بالخلق الآن لكثرة أدلته، حتى رأيت الشارح الجيطالي (رحمه الله تعالى، مال إليه أيضاً، فحمدت الله على ذلك وشكرته، حيث وافقت عَالِماً فاضلاً ولياً من أهل المذهب في ميله إلى خلقهما الآن، المصرح به في قوله (قدس سره): وعندي - والله أعلم ـ أن قول من قال: أنهما مخلوقتان أمثل، وقد قال ذلك في شرحه على النونية، وفي قناطره أيضاً، قال: لقوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَد رَأَهُ نَزَلَةٌ أُخرَى * عِندَ سِدرَةِ المُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَى} (1)
إلى أن قال: ورأيت في بعض كتب أصحابنا المشارقة، عن الحسن، أن رسول الله قال: " إن الجنة مخلوقة وهي في السماء، وإن النار مخلوقة وهى في الأرض "، والله أعلم، قلت: يرشد إليه كلام
المتأخرين منا
قال أبو البقاء: ويجري التغير والطي والإنشقاق على السماوات
السبع دون العرش والكرسي، فإن الجنة بينهما. أ هـ.
وهذا حجة لقول صاحب الدليل (ه)، حيث قال: وقد إستبعد العلماء قول من يقول: إن العرش فما دونه، والسماوات والأرض تفنى، فتعود الأشياء كما كانت في الأزل، فهذا بعيد. أهـ كلامه،
وللبحث فيه مجال.
وقال " شارح النونية " أيضاً: ورأيت في كتب غيرنا: أن الجنة عن
(1) سورة النجم: 13 - 15
-17 - (1/160)
صفحة 161
يمين العرش، والنار عن يساره. أ هـ
وفي قناطر الشيخ الجيطالي طاب (مثواه): والواجب على المكلف أن يعتقد أن الله سبحانه ثواباً لا يشبهه ثواب، وعِقاباً لا يشبهه عقاب، وهما الجنة والنار، وهما دائمتان مع سُكانهما من الأبرار والفجار، لا يموتون، ولا هم عنها بمخرجين. أهـ
وخالف جهم بن صفوان وأشياعه جميع الموحدين، فقالوا: أنهما
يفنيان، وله خرافات يُنزه مثل هذا المختصر عنها
تنبيه:
توقف بعض قومنا في ثواب الجن المطيعين، مع الإتفاق على بعثهم وتعذيب العاصي منهم، ولعل الجن أفقه منه، حيث قال الله تعالى
حكاية عنهم: فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَحْساً وَلَا رَهَقاً} (1).
وفي كتاب الجيطالي " كتاب القواعد ": أن مؤمني الجن في " صحارى الجنة، وليتأمل هل للجنة صحاري، فإنها قصور وأنهار وبساتين، كما صرح بذلك وحده، فليحرر المقام.،
ومما جاء به: الشفاعة للمقصرين في حق الجار، والأزواج، والأرحام، وغيرهم، لا لأهل الكبائر؛ ومما جاء به، أي: سيدنا رسول الله له: ويجب على المكلف معرفته بعد الحجة عليه، الشفاعة، أي: سؤال فعل الخير للغير، وترك الضرر عن الغير، لأجل
(1) سورة الجن: 13
-171 - (1/161)
صفحة 162
الضراعة، ولا تستعمل لغة إلا بضم الناجي إلى نفسه، من هو خائف من سطوة الغير، كذا قيل للمقصرين في أشياء، هي حق الجار الواجب عليهم حقوقه، وحق الأزواج - جمع زوج - وحق الأرحام - جمع رحم - وهم القرابة وغيرهم كالأولاد، وقد ذكر الْمُؤلّف وجهاً واحداً هنا، وقد تكون، أي: الشفاعة، لغير المقصرين - كما يأتي قريباً ـ لأنها تكون لزيادة تشرف الْمُؤمنين، ورفع درجاتهم، ومضاعفة ثوابهم، لا لأهل الكبائر - جمع كبيرة ـ وهو ما وجب بسببه حد في الدنيا، ووعيد في الآخرة، كالزنى، والسرقة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك من جميع الفجور، فإن الله وعد عليها النار وبئس القرار.
قال أبو ستة (رحمه الله تعالى: الشفاعة حق لا تكذيب فيها، ولكنها للمؤمنين، دون أهل الكبائر العاصين الفاسقين، وهكذا حكي عن جابر بن زيد رحمه الله، أنه قال: الشفاعة حق، فمن كذب بها فقد كذب بالقُرآن. أ هـ
•
والشفاعة متفق عليها، لكنها لا لوجوب ما قد زال، ولا لزوال ما قد وجب، بل هي كرامة من الله تعالى لنبيه
الله
وفي " الدليل ": روى ضمام بن السائب (ه): إذا فصل تعالى بين الخلائق في المحشر، ذهب أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار
إلى النار، قال الله عز وجل لمحمد: إذهب اشفع، فيأتي إلى المحشر، فيختار منهم جماعة إلى الجنة، فيقول الله عز وجل: إرجع، فيرجع ويأتي بجماعة منهم إلى الجنة، فيقول الله عز وجل:
- 162 - (1/162)
صفحة 163
?
إرجع، فيرجع ويأتي بجماعة منهم إلى الجنة، فيقول الله عز وجل إرجع، فيقول له: يارب لم يبق إلا من حبسه الكتاب، فيعزل الله منهم طائفة إلى الجنة، مع ما فيه أهل الأعراف، قال ضمام: هم قوم
،
إستوت حسناتهم مع سيئاتهم، فأتت شفاعة الجواد الكريم، الرب الرحيم، على من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان؛ إلى أن قال: ولا مطمع فيها للصنفين، مُصر على معصية الله، عازم أن يلقى الله وجل بها يوم القيامة، ومبتدع في دين الله عز وجل، منعكس منتكس عن الله. أهـ
عز
وفي " شرح النونية ": وما يُقال من أن المؤمنين التائبين لا حاجة لهم بالشفاعة، لأنهم من أهل الجنة بلا شك مردود، بأنهم محتاجون لها في زيادة تشريفهم، ورفع درجاتهم، وتكثير ثوابهم، وفي تقصيره في حق الجار، وذي القُربى، والأرحام، والزوجة، والأولاد ونحوها، ويدل على إحتياجهم لها قوله تعالى حكاية عنهم: رَبَّنَا أتمم لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1)، حيث أخبر عنهم: أنهم يطلبون منه إتمامه لهم نورهم، وغفرانه لهم ذنوبهم،
وهم سائرون على قناطر جهنم، قبل دخولهم الجنة، وقوله ما من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح، وبرحمة الله، وشفاعتي "، وأنها عند أصحابنا، إنما تكون في المحشر، قبل دخول الكفار وعصاة الموحدين النار، وهي مخزونة لا ينالها نبي مرسل، ولا ملك مقرب، حتى يأتيها محمد، وهي المقام المحمود الذي وعده عز وجل به، ويحمده به الأولون والآخرون، لفتحه إياه لهم، بعد كونه
(1) سورة التحريم: 8.
-197 - (1/163)
صفحة 164
مغلقاً، لا يصل إليه أحد
وقال أيضاً (رحمه (رحمه الله تعالى: إن أصحابنا (رحمهم الله تعالى) قالوا: إن الشفاعة حق لا شك فيها، وأنها للمؤمنين المطيعين، لا لأهل الكبائر العاصين، والفُجار الفاسقين، وإستدل على ذلك بالكتاب والسنة، فليراجع.
إلى أن قال: فمن زعم أن الشفاعة تكون لأهل الكبائر، لزمه القول بأنهم يدخلون الجنة، وأن الأمة كلها في الجنة، وذلك خلاف ما في الكتاب والسنة؛ وهي شفاعات منها ما خص به، وهي لأهل المحشر، ومنها لمن مات تائباً مُقصراً في العمل، ومنها للسعداء زيادة في درجاتهم، ومنها إدخاله الجنة بغير حساب، وممن يشفع: الأنبياء، والملائكة، والعُلماء، والشهداء، وهي شفاعات، أي: مُتعددة، والظاهر أنها أربع، لا واحدة، ولا إثنتان، وإن صح ذلك عند بعض منا، منها، أي: من تلك المتعددة، ما خص به
، شفاعة
أي: فضل وميز به، أي: ببعض منها، وهي الشفاعة العظمى المحشر، وهي المقام المحمود، يحمده فيه الأولون والآخرون - كما تقدم - تحمده الملائكة، والأنبياء، وغيرهم، لفتحه لهم باب الشفاعة، ويحمده الآخرون، حيث نجاهم الله من هول ذلك المقام، وأدخلهم بفضله دار السلام، بشفاعة المصطفى
قال أبو ستة (رحمه الله تعالى: والشفاعة عندنا في المحشر، قبل دخول الكفار النار، وهي مخزونة لا يصل إليها نبي مرسل، ولا ملك
-198 - (1/164)
صفحة 165
وعده
الله
مقرب، حتى يفتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي المقام المحمود الذي عز وجل، يحمده فيه الأولون والأخرون، حيث نجاهم من ذلك المقام، ويحمده بما فتح لهم من الشفاعة، لأنها مختومة، حتى يفتحها رسول الله
إلى أن قال: فبلغنا أن الله يُشفع أقوياء المُسلمين في ضعفائهم، حتى
قيل: إن الشهيد يُشفع في سبعين من قرابته، إذا كانوا مؤمنين. أ هـ وأما الكفار، والفسقة المنافقون، فما هم إليه صائرون أعظم من أهوال المحشر - عافانا الله تعالى بمنه وكرمه من ذلك فلا شفاعة لهم،
فهنالك يقولون: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ}
ومنها، أي: من تلك الشفاعات، شفاعته له لمن مات تائباً مقصراً. أي: تائباً من ذنوبه، مُقصراً في عمله، تقصيراً لا يوجب عليه تبعة ولا مؤاخذة، كتثاقله عن أول الأوقات في الواجبات، ونحو ذلك، وهي القسم الثاني من تلك الشفاعات
قال القُطب رحمه الله: هي لمن مات تائباً، مقصراً في العمل، والخروج عن المعاصي، إلا أنه تاب نصوحاً. أ هـ.
،
وهي المعبر عنها: بأنها تكون في جماعة من صلحاء أمته، ليتجاوز عنهم على تقصيرهم في الطاعات، ولم يُبين أنها مُختصة به، أو يُشاركه فيها غيره، ليحرر المقام؛ ومنها، أي: من تلك الشفاعات، شفاعته
للسعداء، لأجل الزيادة في درجاتهم في دار الكرامة
•
(1) سورة الشعراء: 100 - 101.
- 165 - (1/165)
صفحة 166
قال القُطب: والشفاعة للسُعداء، الذين فوق ذلك بزيادة
الدرجات، زيادة قد قضى الله بها على عبيده. أ هـ
،
وهي مختصه به علي ظاهر کلام
الله أن
الثالثة تلك الشفاعات من وهي القطب، والنووي الشافعي، ومنها، أي: من تلك الشفاعات، شفاعته في إدخاله بعض أُمته الجنة بغير حساب، كما روي أن سبعين ألفاً من أمته يحشرون إلى الجنة بغير حساب،، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله سَل الله أن يجعلني منهم، فقال: اللهم إجعله منهم، فقام آخر من الحاضرين، وقال: يا رسول الله سَلِ يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عُكاشة وبردة الدعوة؛ وممن يُشفع: الملائكة، والعُلماء، والشهداء، قال تعالى: {وَالمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمدِ رَبِّهِم وَيَستَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرضِ} (1)، {الَّذِينَ يَحمِلُونَ العَرْشَ وَمَن حَولَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمدِ رَبِّهِم وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَعْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) (2)، وكفى بها حجة ودليلاً.
فمن ثم قال جابر بن زيد): ما شفاعة الملائكة والأنبياء إلا للتائبين، أي: لظاهر هذه الآية؛ وقال أيضاً: ما نالت هذه دعوة مؤمن منافقاً قط، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تنال شفاعتي سُلطاناً ظلوماً غشوماً، ولا رجُلاً لا يُراقب الله في اليتيم "، وقال: " لا تنال شفاعتي الغالي في الدين، ولا الجافي عنه "، وقال: " صنفان من أُمتي لا تنالهما شفاعتي: القدرية والمرجئة، وهما ملعونتان على لسان
(1) سورة الشورى: 5.
(2) سورة غافر: 7.
-177 - (1/166)
صفحة 167
سبعين
نبياً "، وقال الله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} (1)، وقال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى له (2).
ونختم هذا البحث، بشعر الإمام الخليلي (ه)، نترك السؤال ونأتي بالجواب، قال:
أَلَا بَلَغَنَّ رُوَاةَ القَصيد مَقَالَ سُرَاةٍ تحارير صيد لِقَد خَالَفُوا البطل إذ وَافَقُوا عَلَى الْحَقَّ آيَ الكِتَابِ المجيد فَمَا لِظَلُومٍ شَفِيعٍ يُطَاع نفت كونها لغوي مريد ولا يشفعون لِمَن لا ارتضى بها ثبتت لولي سَعِيد ولا تثبتن من الإثم جزماً شفاعته من كبير شديد
القيامة يوم الوعيد
وَلَكِنه شافع للورى بيوم إذا اشتد كرب بطول الوقوف وغصت بذاك نفوس العبيد فَيَأْتُون آدَمُ يَستشفعُون بهِ وَخَليل العزيز المجيد وَمُوسَى وَعِيسَى فَلَا يَشْفَعُون لِتَفريج شدَّة كرب شديد فَيَأْتُون أَحمد يَستشفعُون لِخَوفِ بهم مِن إِلَهِ شَديد فَيَأْتِي وَيَشفع فِيهُم فَيُعطَى لوا الحَمدِ في يده والسعود فَهَذَا وَمُحتمل غَيرُهُ لأهل التقى في جنان الخُلُود گرفع محل وتقـ وتعظيم منزلَةٍ لِلسَّعِيد لأهل الكَبَائِر غَير الجحود
مَا مَقَالَهُم فَهَذَا خِلاف لِمَا جَاء عَن إِلَهِ السَّمَاوَاتِ رَبِّ وَدُود
(1) سورة غافر: 18.
(2) سورة الأنبياء: 28
-19 V- (1/167)
صفحة 168
فَخُدْ مَا أَتَاكَ وَدع غَيره وَرَبَّكَ فَاشْكُر تَفُرْ بِالمَزِيد
ومما جاء به: تطاير الكتب بأعناق أهلها، وأخذها باليمين والشمال؛ ومما جاء به، أي: سيدنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: تطاير الكتب، أي: من خزانة تحت العرش، تحملها ريح، فلا تخطئ عُنق صاحبها، ثم يؤتى الْمُؤمن كتابه بيمينه، فيه أعماله التي عملها في الدُّنيا، وتغل يمين الفاجر، فيؤتى كِتابه من وراء ظهره، فيأخذه بشماله، قال تعالى: وَكُلَّ إِنسَانِ أَلزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ منشوراً * اقرأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَومَ عَلَيكَ حَسِيباً} (1)؛ وعن بعضهم: أن الْمُؤمن يعطي بيمينه، كالهلال مبيض الوجه، مكتوباً في عنوانه الكريم: بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ} (2)، هذا كِتاب الله الجليل، إلى عبده الصالح الخليل، أدخلوه {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (3)، ثم ينادى: نعم العبد عبداً ترك دنياه، وتزود لعقباه، وَعَبدَ مولاه، ثم إذا قرأ الْمُؤمن كتابه، وجد فيه ثوابه، وأبعد الله عقابه، ويسر عليه حسابه، ثم تستقبل إليه الملائكة، والغلمان، والحور، والولدان، وفتحت له أبواب الجنة والقصور، ثم ينادي مناد: سعيد فلان بن فلان سعادة دائمة بالروح والريحان، حوله خدم ينثرون عليه المسك والرياحين، ويلبسونه الحلل وتاج اليقين، وفي يمينه کتاب منشور، ويؤتى الكافر والمنافق كِتابه بشماله مسوداً، وجهه مردود إلى قفاه، يدخل شماله من صدره ويخرجها من بين كتفيه، ثم
(1) سورة الإسراء: 13 - 14
(2) سورة النمل: 30. (3) سورة الحاقة: 22 - 23.
=
-174 - (1/168)
صفحة 169
إذا قرأ كتابه، إسود وجهه، لِمَا عمل من الموعود، فتضربه الملائكة بمقامع من حديد، ويصبون عليه من الحميم والصديد، ويلبسونه لباس القطران، ويوثقونه بالسلاسل والأغلال، مقروناً مع الشياطين، وهو ينادي: واحَسرتاه، وَانَدَماه، مكتوباً في كتابه: بئس العبد عبداً عبد الشيطان، وترك عبادة الرحمن، أدخلوه في النيران بين العقرب والتعبان، فيبكي ويصيح بالويل، قال الله تعالى: {وَأَمَّا مَن أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَم أُوتَ كِتَابِهِ * وَلَم أَدرِ مَا حِسَابِيَه * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ القَاضِيَةَ} (1)، أهـ.
قال تعالى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيكُم بِالحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَستَنسِخُ مَا كُنتُم تَعمَلُونَ) (2)، والكتاب من أهوال المحاسبة؛ قال بعضهم: ومن أهوالها، شهادة الشهود العشرة: الألسنة، والأيدي، والأرجل، والسمع، والبصر، والجلود، والأرض، والليل، والنهار، والحفظة الكرام، كل ذلك ثابت بالنصوص، ومنها تغير الألوان: {يَومَ تَبَيَضُ وُجُوهٌ وَتَسوَدُّ وُجُوهٌ} (3)، ومنها المناداة بالسعادة والشقاوة، والحكمة في هذه المحاسبة وأهوالها، مع أن المحاسب خبير،، والناقد بصير، ظهور مراتب أرباب الكمال، وفضائح أرباب النقصان على رؤوس الأشهاد، زيادة في لذات هؤلاء ومراتبهم، وآلام أولئك وأحزانهم، ثم في هذا ترغيب في الحسنات، وزجر عن السيئات، وهل يظهر أثر هذه الأهوال في الأنبياء، والأولياء، وسائر الصلحاء؟ فيه
(1) سورة الحاقة: 25 - 27
(2) سورة الجاثية: 29. (3) سورة آل عمران: 106.
-199 - (1/169)
صفحة 170
تردد، والظاهر السلامة: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا» (1)، {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوفٌ عَلَيهِم وَلَا هُم} يَحزَنُونَ} (2)، وقيل: أن خوف الأكابر، خوف إجلال وإعظام، وإن كانوا آمنين من الفزع. أ هـ.
من
ونؤمن بحوضه، ونؤمن، أي: نصدق نحن معشر الموفقين أمته، أمة الإجابة بحقيقة حوضه، أي: أنه حق، كما أخبر بذلك، لأنه صادق في جميع ما أخبر به، وهو الكوثر الموعود به في قوله تعالى: إنا أَعطَيْنَاكَ الكَوثَرَ} (3)، وأما كونه في الموقف، أو بعد الجواز على الصراط، وهو المراصد السبعة المشهورة، فيه تردد
قال في " القناطر ": الحوض المورود: حوض محمد، قد إستفاض الحديث به، كقوله: " وليُدَادَ رجال من أمتي على حوضي "، في أمثالها، وقد فسر ذلك في قوله عز وجل: إنا أَعطَيْنَاكَ الكَوثَرَ، في بعض الأقوال: إن الكوثر نهر في الجنة، يصب منه ميزابان في حوض النبي، يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة.، وبعد جواز الصراط، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة.، عرضه مسيرة شهر، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من
العسل، حوله أباريق عدد نجوم السماء. أ هـ
وفي " شرح العقائد ": والحوض حق، لقوله تعالى: {إِنَّا أَعطَيْنَاكَ
(1) سورة فصلت: 30. (2) سورة يونس: 62. (3) سورة الكوثر: 1.
- 170 - (1/170)
صفحة 171
الكَوثَرَ
، قال: " الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي " (1)، وقال حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه أكثر من نجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبداً " (2)، والأحاديث فيه كثيره. أ هـ.
تنبيه:
سكت الْمُؤلّف عن الصراط، والميزان، والورود للنار، لكونها مؤولة عند الأصحاب، على خلاف ما يقوله القوم؛ فالصراط عندهم: الله المستقيم، ومنهاجه القويم؛ والموازين: تمييز الأعمال، وتبينها لأصحابها - كما تقدم -؛ والورود: الإشراف على الشيء، والإطلاع عليه: {ثُمَّ لَتَرَوُنْهَا عَينَ اليَقِين) (3)، نعم أثبتوا المراصد
دين
السبعة
جسر جهنم
قال في " القواعد ": واشتهر عن أهل التفسير في قوله عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرصَادِ} (4)، يعني: ملائكة، يرصدون العباد على، عند القناطر السبع، وهي المحابس، فيسأل العبد عند أولهن عن الإيمان؟ فإن جاء به مُخلصاً، جاز إلى الثاني؛ فيُسأل عن الصلاة؟ فإن جاء بها تامة، جاز إلى الثالث؛ فيُسأل عن الزكاة؟ فإن جاء بها تامة، جاز إلى الرابع؛ فيُسأل عن الصوم؟ فإن جاء به تاماً، جاز إلى الخامس؛ فيُسأل عن العُمرة؟ فإن جاء بها تامة، جاز إلى السادس؛ فيُسأل عن الحج؟ فإن جاء به تاماً، جاز إلى السابع؛ فيُسأل
(1) انظر الملحق. (3) سورة التكاثر: 7.
(2) انظر الملحق. (4) سورة الفجر: 14.
-1 V 1 - (1/171)
صفحة 172
المظالم؟ فإن كان لم يظلم أحداً، جاز إلى الجنة. أ هـ. عن
وينظر فيمن لم يلزمه زكاة، ولا حج، ولا عُمرة، لفقره، والظاهر لا سؤال عنها، وكذا من أسلم ثم اخترمته المنية ونحوه،
فليحرر.
ومما جاء به ويجب إعتقاده، وجود الملائكة الكرام، وأنهم غير الجن والإنس، كالحفظة، وهم: عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسقُونَهُ بالقول وَهُم بِأَمرِهِ يَعْمَلُونَ} (1)؛ ومما جاء به، أي: سيدنا رسول، ويجب، أي: على المكلف إعتقاده بعد قيام الحجة عليه، (جمع مليك، بهمزة بعد اللام حذفت، أي: الهمزة وجود الملائكة
الله
تخفيفاً لكثرة الإستعمال، ولذلك تراها في ملائكة مقلوب مالك، بتقديم الهمزة على اللام، وإشتقاقه من الألوكة، أي: الرسالة، وقيل: زيدت الهمزة في الجمع على غير قياس؛ وعن بعضهم المليكة (جمع ملائك)، والتاء لتأنيث الجمع، أو لتأكيد تأنيث الجمع، وهو مقلوب مالك، من الألوكة وهي الرسالة، لأنهم واسطة بين الله وبين الناس؛ قلت: لو قال: بين الله وبين رُسله لكان أظهر، إلا إن أراد أن الرُّسُل يبلغون الناس عنهم، فهو ظاهر، واختلف في حقيقتهم بعد الإتفاق على أنها ذوات موجودة قائمة بأنفسها، والصحيح أنها أجسام لطيفة قادرة على التشكل؛ وقال الحكماء: إنها جواهر مجردة، مخالفة للنفوس الناطقة؛ وقالت فرقة من النصارى: إنها النفوس الفاضلة الناطقة، المفارقة للأبدان، وهذا القول ليس بشيء، لأن النفوس الناطقة راجعة
(1) سورة الأنبياء: 26 - 27.
- 172 - (1/172)
صفحة 173
،
إلى أبدانها في المعاد، والملائكة باقية بعد القيامة في الآخرة، أما وجوب الإيمان بهم، فمن قوله تعالى: (أَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلُّ أَمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ} (1)، والملائكة غير الجن، الذين هم من ولد الجانَ، الذي قال فيه تعالى: {وَالجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبلُ مِن نار السموم» (2)، مأخوذ من الإجتنان، أي: الإستتار، وحد، أي: الجن، بأنه حيوان هوائي، يتشكل بأشكال مختلفة، وأنها تقدر أن تلج أجواف الحيوانات، وتنفذ في منافذها الضيقة، نفوذ الهواء المنتشق؛ وأنكر طائفة وجودهم من الأطباء وبعض اليهود، ولا يعبأ بهم، لوجود ذكرهم في الكتب السماوية، وأنهم يأكلون بدليل سؤالهم الزاد ليلة الجن، ومن ثم نُهينا عن الإستجمار بالرمة والروث وليس عليهم أن يظهروا أنفسهم للناس، وليس عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيما بيننا وبينهم، ولا من تبليغ الشهادات، وتنفيذ الحكومات، وأما أحكامهم بينهم، فكأحكامنا بيننا، كذا قال صاحب العدل رحمه الله قال: وإن ظهروا كانت أحكامنا وأحكامهم واحدة، وظهور الأصوات ليس بظهور، وولاية مؤمنيهم جملة، وليس علينا ولاية أحد منهم بعينه ولو سمع صوته، وأما هؤلاء الذين يصرعون الناس ويخنقونهم فلا حرمة لهم، فيجوز أن يُقرأ عليهم بالعزائم، ولو ماتوا واحترقوا، وغير الإنس وهم البشر واشتقاق تسميتهم بذلك، قيل: من الإيناس الذي هو ضد الوحشة، وقيل: من النوس، أي: التحرك لحركتهم، وقيل: من النسيان، وهو المروي الله عن ابن عباس (رضي عنهما، الواحد منهم إنسان، وهل هو عبارة
(1) سورة البقرة: 285 (2) سورة الحجر: 27.
- 173 - (1/173)
صفحة 174
عن الروح والبدن، أو عن الروح فقط، لأنه هو المأمور المنهي قولان، وذلك الجنس الذين هم الملائكة كالحفظة، واختلف فيهم فهل هما إثنان أو أربعة، إثنان بالليل وإثنان بالنهار، أو غير ذلك؟ حتى روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أن المُسلم عليه من الحفظة مائة وستون يدفعون عنه ما لم يقدر له "، عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} (1)، أي: مرضيون، محمود فعالهم عند ربهم، مُقربون: {لَا يَسقُونَهُ بالقول (2)، لا يقولون شيئاً حتى يقول لهم هو، كما هو ديدن العبد عند سيده: {وَهُم بِأَمرِهِ يَعْمَلُونَ} (3)، أي: لا يعملون قط ما لم يأمرهم به، وفيه دليل على أنهم مأمورون، منهيون، مطيعون باختيارهم وعلومهم الهامية، ويسوغ لهم الإجتهاد، واجتهادهم كله صواب، كذا قال صاحب العدل (رحمه الله)، {يُسَبِّحُونَ الليلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} (4)، واتفق أئمتنا أنهم معصومون: {لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ} (5)، وما يحكى عن هاروت وماروت، فمن خُرافات اليهود والقصاص الجهلة، قال تعالى: لا يَستَكبُرُونَ عَن عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} (6)، فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بالليل وَالنَّهَارِ} (7)، وإبليس (لعنه الله)، كان من الجن وإستثنى منهم في قصة آدم، لكونه واحداً بين ظهرانيهم فغلبوا عليه ولكونه كان مثلهم في العبادة.
،
وفي " شرح النونية ": وأن على المكلف أن يعلم أن جملة الملائكة
026:
(1) سورة الأنبياء (3) سورة الأنبياء: 27
(2) سورة الأنبياء: 27.
(4) سورة الأنبياء: 20.
(5) سورة التحريم: 6.
(6) سورة الأنبياء: 19.
(7) سورة فصلت: 38
- IVE- (1/174)
صفحة 175
غير جملة الإنس والجن، وجملة الإنس غير جملة الجن؛ إلى أن قال: والملائكة لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يوصفون بلحم ولا بدم، ومن وصفهم بشيء من ذلك فقد أخطأ في صفتهم، والخطأ فيها شرك، ومراده بالشرك هنا الشرك الْجُزئي الَّذِي هو خطأ في العقائد، ولا يترتب عليه ما يترتب على الشرك الحقيقي، لأنه قال: وعلى المكلف أن يعرف أن معرفة الله توحيد، وجهلها شرك، أي: خصلة من خصاله، وفرد من أفراده، فالشرك كلي، وهذه الخصلة ونحوها جُزئيات، وإفراد له لا كل، وهذه جزء له ولا شروط، وهذه شرط له، وقس على هذا كل ما يرد عليك مما يُقال أنه شرك. أ هـ.
وقال رحمه الله: وإن العلماء إختلفوا في موتهم وخلقهم، وقال بعضهم: خلقوا جميعاً في مرة واحدة، ويموتون بمرة أيضاً؛ وقال آخرون متفاوتون في الخلق وفي الموت أيضاً، فأول من خلق حملة، ثم من دونهم من أهل السماء السابعة، ثم من أهل السادسة، فالخامسة إلى الأولى؛ وقال قوم: يخلقون إلى يوم القيامة
العرش
،
إلى أن قال: وأنهم عشرة أجزاء، تسعة منها هم الكروبيون الذين: {يُسَبِّحُونَ الليلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفتُرُونَ} (1)، وجُزء منهم للرسالة، والخزانة، وما شاء الله من أمره؛ إلى أن قال: وأن الحفظة إثنان، واحد على اليمين، وآخر على الشمال؛ وقيل: أربعة، إثنان بالليل، وإثنان بالنهار؛ وقيل: ستة بالليل، وستة بالنهار؛ وقيل: لا
(1) سورة الأنبياء: 20
-170 - (1/175)
صفحة 176
يقصرون على عدد معلوم؛ قال: واختلف فيما يكتبونه على المكلف فقيل: يكتبون عليه كل شيء صدر منه، حتى أنينه في مرضه؛ إلى أن قال: وقيل: لا يكتبون إلا ما يؤجر ويُعاقب عليه؛ قال: واختلفوا فيما يحفظون من عمله؛ فقيل: ظاهره وباطنه؛ وقيل: الظاهر فقط. أ هـ.
عنهم
قلت: وجبريل (الله) منهم، ولا تلزم معرفته أول البلوغ، خلافاً لمن قال بذلك، وممن صرح بعدم لزوم معرفته، صاحب الدليل (رضوان الله عليه)، والأئمة العُمانيون، كما في كرسي الإمام الخليلي (رحمه الله)، وكيف يُقال بلزوم المعرفة له العلي)، ولم يرد نص في ذلك قاطع؟ وتجب ولايتهم، أي: حبهم على الطاعة، وهم مطيعون باختيارهم، وثوابهم رضاء الله، وتجب، أي: على المكلف ـ كما مر ـ بعد الحجة عليه، ولايتهم، أي: ولاية المكلف لهم، أي: الملائكة (عليهم السلام، وفسر الولاية بالحب لهم على الطاعة، أي: طاعتهم لمولاهم فيما يأمرهم به، وهم مطيعون لربهم باختيارهم، لا قهراً، ولا إضطراراً، لأن الإضطراري: لا مدح ولا ثواب عليه، وهؤلاء ثوابهم رضاء ا الله عنهم، ويمكن أن يكون لهم ثواب ولا نعرفه، وأما نعيم الجنة فليس لهم من حظ، لأنهم لا يأكلون ولا يشربون.
وفي " شرح النونية ": وأنهم مُكلفون، مُلزمون، مَأْمُورُون، مكتسبون، وأنه يجوز كون ثوابهم غير ثوابنا، وعقابهم غير عقابنا، كما أن ذواتهم ليست كذواتنا. أ هـ
وأما هم، فإنهم يوالون، ويعادون بالظواهر، ومنهم سماويون،
- 176 - (1/176)
صفحة 177
ومنهم أرضيون؛ قال الإمام الخليلي): وفي الأرض سياحون منهم كمثلنا،، روائع، سماعون، نشدان، رهبان، وورد أنهم يحضرون مجالس الذكر، ولا يدخلون بيتاً فيه جرس، ولا جرو، ولا صورة حيوان - كذا قيل - ولا يستغفر لهم، لأنهم ليس لهم ذنب، بل يجب لهم ما يوافق لهم من الرحمة، لأنها وسعت كل شيء، وليس عليهم من شرائع الأنبياء شيء، لأنهم يتلقون من الفيض الرباني، ومن قال: أن الملائكة كلهم من الجن من القوم، فقد أخطأ خطأ فاحشاً حتى نسبه بعض المحققين منا إلى الشرك، ويعلم بذلك ما حكاه أبو البقاء في كلياته: أنه ليس بشيء، اللهم إلا أن يريد أنهم لم نرهم، فهم مستترون، وليسوا هم والجن بحقيقة واحدة.
ويجب الإيمان بالأنبياء والرُّسُل، وكلهم آدميون، والصحيح أنهم أفضل من الملائكة، ويجب، أي: على المكلف بعد الحج، كما مر غير مرة - الإيمان، أي: التصديق بالأنبياء (جمع نبي) مر غيرهم، وبالهمزة لُغة ضعيفة، وهو المخبر عن الله تعالى، فإنه فعيل، بمعنى: فاعل، أو مُخبر من قبل الله، فيكون فعيلاً، بمعنى: مفعول، النبأ من: الخبر، أو من النبوة، بمعنى: الرفعة، بمعنى: لأنه مرفوع القدر عند الله تعالى، ورافع لقدر أمته، والإيمان بالرُّسُل (جمع رسول) فعول، بمعنى: مفعول، وتقدم معنى الرسالة والنبوة، والصحيح ليس بشيء منهما إكتسابياً ـ كما تقدم ـ بل: {ذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} (1)، من عباده، وأنهم كلهم، أي: كل من
وإشتقاقه
(1) سورة المائدة: 54؛ سورة الحديد: 21؛ سورة الجمعة: 4.
،
- 177 - (1/177)
صفحة 178
الأنبياء والرسل آدميون، أي: من نسل آدم فهم منسوبون إليه، وإن أطلق على الملائكة أنهم رُّسُل، أي: رُّسُل الله إلى أنبيائه ورسله، فلا يستعمل إلا مقيداً في حقهم، وأما مع الإطلاق، فإنه مستعمل في رُسُل البشر خاصة - كذا قيل - واختلف في أفضليتهم على الملائكة، وصحح الْمُؤلّف: أنهم أفضل من الملائكة تبعاً لجمهورنا، خلافاً للبدر الشماخي، لأنه حكى عنه صاحب " المعالم " تفضيل الملائكة؛ قال في " الدليل ": وقد وردت أخبار تدل على أن بني آدم أفضل منهم، قال الله عز وجل: نَحنُ أَولِيَاؤُكُم فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} (1)، فهم حفظتنا وخدمتنا، وناهيك فضلاً منهم من خدمنا، وخُلقت الجنة والنار لنا، وخلقت السماوات السبع والأراضون السبع، وأباح لنا ما في السماوات والأرضين، قال عز من قائل: {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} (2)، فقصر العلم إلينا، وهم سفرة ما بيننا وبين ربنا، وفي الحديث: " أن الْمُؤمن من بني آدم أفضل عند الله من جميع الملائكة "؛ وحدثني الشيخ نوح بن نافي، عن الشيخ أبي سليمان، صاحب الشيخ أبي خزر إلى مصر، أنه روي له عن الشيخ أبي خزر: أن المسلم عند الله من بني آدم أفضل من الملائكة "
11
إلى أن قال: وأما قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ الليلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (3)، فهكذا أولو العزم من الرُّسُل، والأنبياء، والصديقين، والسابقين، والمقربين؛ وأما قوله تعالى: {وَمَن يَقُل مِنهُم إِنِّي إِلَةٌ
(1) سورة فصلت: 31.
(3) سورة الأنبياء: 20.
(2) سورة الطلاق: 12.
- 178 - (1/178)
صفحة 179
مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} (1)، وعيد
شديد. أ هـ
أقول: هذا على سبيل الفرض، أن لو فعلوا - حشاهم من ذلك - كقوله تعالى لنبيه: لَئِن أَشرَكتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (2)، وأما وجوب الإيمان بهم، فمن قوله تعالى: {وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّنَ) (3)، ومن قوله تعالى: أَمَنَ الرَّسُولُ (4)، وأفضلية بعضهم على بعض، قد نطق بها الكتاب: {تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ} (ه)، {وَلَقَد فَضَّلْنَا بَعضَ النَّبِيِّنَ عَلَى بَعض} (6)، واستدل بهما على أفضلية محمد وعليهم أجمعين، وبكونه مرسلاً إليهم، فلو وجد أحد منهم، لزمه إتباعه، قال الله تعالى: {وَإِذ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ لَمَا أَتَيْتُكُم مِّن كِتَابِ وَحِكمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّق لمَا مَعَكُم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} (7)، ومحال أن يؤمر الفاضل باتباع المفضول
قال في " شرح النونية ": وأن الأنبياء يجب أن يعتقد أنهم يتبعونه في الفضل، فمرتبتهم فيه بعد مرتبته؛ إلى أن قال: وأن فضله على سائر الأنبياء والرُّسُل، بتفضيل من الله تعالى، لا لأوصاف وجدت فيه دونهم، لأنه لو قيل: إن كرمه الله أكمل من كرمهم، كان إتصفوا بتسعة أجزاء منه فقط، مثلاً لزم وجود جزء من البخل فيهم، وَهُوَ نقص
(1) سورة الأنبياء: 29 (3) سورة البق رة: 177 (5) سورة البقرة: 253. (7) سورة آل عمران: 81.
(2) سورة الزمر: 65. (4) سورة البقرة: 285 (6) سورة الإسراء: 55
- 179 - (1/179)
صفحة 180
‚ i.
لا يجوز في حقهم
وأما تفضيل غيره منهم على الآخر، فهو إستخراج، فلذلك نمسك عنه، لأنه ليس من الإعتقاد، والنبي حُرِّ ذَكَر أوحي إليه، والرسول حُر ذكر أُوحي إليه، وأُمر بالتبليغ، ولا ينبغي الإقتصار على عدد، تقدم معني النبي وإشتقاقه، وخرج بقولنا: حر العبد، فإن الله تعالى ما نبأ عبداً على الصحيح، وبقولنا: ذكر، خرجت النساء، لأن الله تعالى ما نبأ إمرأة على الصحيح أيضاً، وينبغي أن يزاد في الحد من بني آدم لتخرج الملائكة، فإنهم لا يُقال لهم أنبياء، وقولنا: أوحي إليه، الوحي في اللغة: الإخفاء والإلقاء إلى الغير، يقال: وحى إليه الكلام، يحيه وأوحاه أيضاً، وهو أن يكلمه بكلام يخفيه، والوحي الإشارة، ومنه قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيهِم أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيَاً} (1)، الله إلى أنبيائه إخباره وإعلامه لهم، إما بواسطة ملك، وإما بالهام، وإما بغير ذلك، والمراد به كلام الله مُطلقاً؛ وفي أبي البقاء: كل ما ألقيته إلى غيرك فهو وحى، والكتابة، والإشارة، والرسالة، والإلهام، كلها وحي بالمعنى المصدري. أ هـ
ووحي
•
وفي " القواعد ": والوحي: علم الأنبياء والرسل، وسُئِل كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل إليَّ الملك رجُلاً فيكلمني، فأعي ما يقول؛ إلى أن قال: والأنبياء (عليهم السلام) منهم من يأتيه الوحي عياناً، ومنهم من يأتيه إلهاماً، ومنهم من يراه في
(1) سورة مريم: 11
- 180 - (1/180)
صفحة 181
النوم. أ هـ
ومن
،
وأما الرسول: فهو النبي، فكل شرط وجد في النبي، وجد فيه، بزيادة الأمر بالتبليغ، فكل رسول: نبي، ولا عكس، وهذا هو الصحيح؛ قال في " مُختصر القواعد ": والنبي: أوحي إليه أمر بالتبليغ، أو لم يؤمر، والرسول أمر به، فبينهما عموم وخصوص مطلق؛ وقيل: كل نبي رسول وبالعكس، لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِي} (1)، فأطلق الإرسال على النبي وأجيب بأن الأصل ولا نبأنا نبياً؛ إلى أن قال: وقيل: لا رسول إلا من له كتاب ناسخ، وهو ضعيف لقلة الكتب، وكثرة الرسل؛ إلى أن قال: شأن النبي الإرشاد للخير، والأمر والنهي، ولا يكون إلا سالما من عيب منفر، عيب نسبي، وعيب بدني، وأما بلاء أيوب، وعمي يعقوب، فبعد التبليغ والإعجاز، ولا يكون عند الجمهور إمرأة، خلافاً لمن قال بنبوة حواء، وسارة، وهاجر، وآسية، وأُم موسى، ومريم، ولا عبداً، أو أمة، خلافاً لمن قال بنبوة هاجر، ولقمان، والصحيح، وذا القرنين، وصاحب الأخدود، أولياء، لا أنبياء؛ إلى أن قال: ولا عمودياً، راحلاً قاحلاً، خلافاً لمن قال ذلك: في يعقوب وبنيه، لقوله عز وجل: {وَجَاءَ بكُم مِّنَ البَدو) (2)، وقلت: ويبحث بأنهم حضريون، كانوا في البدو ثم جاءوا، أو كانوا بداة أهل ماشية، لكن ليسوا عموديين راحلين. أ هـ كلامه.
أنه
أقول: الصحيح أن بني يعقوب - غير يوسف (ال) - أنهم أولياء
(1) سورة الحج: 52
(2) سورة يوسف: 100.
-141 - (1/181)
صفحة 182
،
وليسوا بأنبياء ـ كما تقدم - ولا ينبغي الإقتصار على عدد، أي: لا ينبغي للمكلف أن يقتصر على عدد منهم، وإن ورد ذلك في بعض الروايات. كحديث أبي ذر في " القواعد "، لئلا يدخل فيهم من ليس منهم، أو يخرج عنهم من هُوَ من جملتهم، قال تعالى: {وَرُسُلاً قَد قَصَصَنَاهُم عَلَيكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لم نَقصُصُهُم عَلَيكَ} (1)؛ وَالَّذِي اختاره الْمُؤلّف هنا، قد نوهت به كُتب المشارقة، كـ " الإستقامة "؛ قال بعض المحققين: وأول الأنبياء آدم، وآخرهم محمد، وقد روي بيان عددهم في بعض الأحاديث، والأولى أن لا يقتصر على عدد في التسمية؛ إلى أن قال: ولا يُؤمن في ذكر العدد أن يدخل فيهم من ليس منهم، أو يخرج عنهم من هو منهم، وكلهم كانوا مخبرين، مبلغين عن الله تعالى. أ هـ.
وإختار أصحابنا المغاربة تبيين عددهم؛ قال في " مختصر القواعد ": قال أبو يعقوب يوسف: والأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، أو ثمانية آلاف قولان، والرُسُل ثلاثمائة وثلاثة عشر، وهو عندي الصحيح، أو وأربعة عشر، أو وخمسة عشر، وأولهم آدم، وأخرهم
سيدنا محمد. أهـ
تنبيه:
لا يُقال: إن ذكر الأنبياء، والرُسُل، والكُتب، وما يذكر هنا مع ما تقدم تكرار، لأننا هنا ذكرنا وجوب الإيمان بهم، وقبل ذكرنا ما
(1) سورة النساء: 164.
- 182 - (1/182)
صفحة 183
حب ويستحيل، ويجوز في حقهم، ولأن ذكرهم هنا من جملة ما جاء
، فلا تكرار ويجب الإيمان بالكتب عموماً، وبالقرآن خصوصاً، ويجب، أي: على المكلف بعد قيام الحجة، فلا تغفل الإيمان، أي: التصديق بالكتب المنزلة من عند الله تعالى، على أنبيائه ورسله، (جمع کتاب)، بمعنى: مكتوب، تسمية للمفعول باسم المصدر، مأخوذ من الكتب، وَهُوَ الْجمع عموماً، أي: بجملتها، كان يقول: آمنت بالكتب كلها، إيماناً يعمها عموماً، وبالقُرآن هُوَ الكِتاب المنزل على سيد المرسلين، المفتتح بالتحميد، المختتم بالإستعاذة، المتعبد بتلاوته، معجزة له من بين الرُّسُل خصوصاً، أي: إيماناً يخصه خصوصاً، كان يقول: آمنت بالقرآن أخصه خصوصاً.
قال شارح النونية: وإنما سمي قُرآنا، أخذاً له من القرء، وَهُوَ الجمع، لأنه جامع للسور، والآيات، والقصص، والأحكام، وغير ذلك؛ وقيل: لأنه قرن بالحكمة، وفرقاناً لفرقه بين الحق والباطل، وَكِتاباً أخذاً له من الكتب، وهو الجمع، لأنه جامع لما ذكر. أ هـ وإن أطلق الكتاب في عُرف الشرع، فالمراد به: القُرآن، والدليل على وجوب الإيمان بالكتب والقُرآن، قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبلَ} (1)، إلى غير ذلك من النصوص الفرقانية، والآيات
(1) سورة النساء: 136.
- 183 - (1/183)
صفحة 184
القرآنية
قال في " المعالم ": جملة ما أنزل الله من الكتب على أنبيائه، مائة كتاب وأربعة كتب، منها خمسون على شيث بن آدم، وثلاثون على إدريس، وعشرة على إبراهيم، وعشرة على موسى قبل التوراة، والتوراة على مُوسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والفرقان على محمد وعليهم أجمعين. أ هـ
وفي كتب القوم، قال الباجوري: وقد إشتهر أنها مائة وأربعة صحف، شيث ستون، وصحف إبراهيم ثلاثون،، وصحف موسى قبل التوراة عشرة، والكتب الأربعة: التوراة لِلمُوسى، والزبور لداود، والإنجيل لعيسى، والفرقان لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: صحف شيث خمسون، وصحف إدريس ثلاثون، وصحف إبراهيم وموسى عشرون بالسوية، والكتب الأربعة؛ وقيل: أنها مائة وأربعة عشر، صحف شيث خمسون، وصحف إدريس ثلاثون، وصحف إبراهيم عشرون، وإختلف في عشرة، فقيل: لآدم، وقيل: لموسى؛ إلى أن قال: والتحقيق الإمساك عن حصرها في عدد، فيجب إعتقاد أن الله أنزل كتباً من السماء. أ هـ
حاشية السنوسية، وأقول: كلها منسوخة تلاوة، وحكماً، بالقرآن الكريم، وعدم الإقتصار على العدد هُوَ الصواب، فإنه لم يرد بعددها نص قطعي، والله أعلم
ويجب الإيمان بالقدر: وَهُوَ إيجاد الله الأشياء، وبالقضاء: وَهُوَ
- 1^8 - (1/184)
صفحة 185
،
الحكم بها في الأزل؛ ويجب، أي: على المكلف بعد بلوغ الحجة الإيمان، أي: التصديق بالقدر، وهو صفة فعل، فلذلك فسره بإيجاد الله تعالى الأشياء، أي: إخراجها من العدم إلى الوجود، كما علمها في الأزل مقدرة بأوقاتها، وجهاتها، وأحوالها، وبما يجري عليها من خير وشر، ونفع وضر، وقيل: القدر صفة ذات، وَهُوَ علمه تعالى الأزلي بها، أي: بذواتها وصفاتها، وبالقضاء، أي: ويجب على المكلف الإيمان بالقضاء، وفسره أنه هو الحكم بها، أي: بالأشياء على وفق علمه كما أرادها.
وفي أبي البقاء: القضاء ممدود ويقصر، وقد أكثر أئمة اللغة في معناه، وآلت أقوالهم إلى أنه تمام الشيء قولاً وفعلاً؛ إلى أن قال: إن القضاء: هُوَ الْحُكم الكُلي الإجمالي، على أعيان الموجودات بأحوالها. من الأزل إلى الأبد، مثل الحكم بأن: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوتِ} (1): والقدر: هُوَ تفصيل هذا الحكم بتعيين الأسباب، وتخصيص إيجاد الأعيان، بأوقات وأزمان، بحسب قابلياتها وإستعداداتها المقتضية للوقوع منها، وتعليق كل حال من أحوالها بزمان معين وسبب مخصوص، مثل الحكم بموت زيد في اليوم الفلاني بالمرض الفلاني.
إلى أن قال: وقد يُطلق القضاء على الشيء المقضي نفسه، وهو الواقع في قوله: " اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء " (2)، والرضى به لا يجب
الشقاء
(1) سورة آل عمران: 185؛ سورة الأنبياء: 35؛ سورة العنكبوت: 57 (2) انظر الملحق.
- 1^0 - (1/185)
صفحة 186
على هذا المعنى، ولذلك إستعاذ منه، والواجب الرضى بالقضاء، أي:
،
بحكم الله وتصرفه، وأما المقضي فلا، إلا إذا كان مطلوباً شرعاً كالإيمان ونحوه؛ إلى أن قال: والقدر مرضى، لأن القدر فعل الله لا المقدر، إذ يمكن أن يكون في تقدير القبيح حكمة بالغة، والقضاء عند الأشاعرة إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، وقدره إيجاده الأشياء على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها. أ هـ.
قُلتُ
: إلى هذا جنح شارح النونية، حيث قال: وأن القضاء لغة الحكم، وإصطلاحاً إيجاد الله عز وجل الأشياء في اللوح المحفوظ دفعة، والقدر إيجاده إياها في الخارج على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها، طبق ما سبق في علمه الأزلي؛ وقيل: هو نفس الصفة التي يوجد بها كل مخلوق من حسن، وقبح، ونفع، وضر، وما يحويه من زمان ومكان، وما يترتب عليه من طاعة وعصيان، وثواب وعقاب. أ هـ
وبمعناه ما قيل: واختلف في معنى القضاء والقدر، فالقضاء إرادة الله تعالى وتعلقها الأزلي، والقدر إيجاد الله الأشياء على وفق الإرادة، فإرادة الله المتعلقة أولاً بأنك تصير عالماً أو سلطاناً قضاء، وإيجاد أ العلم فيك بعد وجودك، أو السلطنة على وفق الإرادة قدر؛ وقيل: القضاء: علم الله الأزلي وتعلقه بالمعلوم، والقدر: إيجاد الله الأشياء على وفق العلم، فعلم الله المتعلق أزلاً، بأن الشخص يصير وجوده قضاء، وإيجاد العلم فيه بعد وجوده قدر، وعلى كل من
عالماً بعد
-147 - (1/186)
صفحة 187
القولين، فالقضاء قديم، لأنه صفة من صفاته تعالى، أما الإرادة، وأما العلم والقدر حادث، لأنه الإيجاد، والإيجاد من تعلقات القدرة، وتعلقات القدرة حادثة
قال الباجوري - ناقلاً عن السنوسي -: إن في القضاء والقدر أقوالاً غير هذين، أحدهما: القضاء: إبراز الكائنات على وفق علمه تعالى، والقدر: تحديد كل شيء بحده الذي يوجد عليه من حسن وقبح ونفع وضر، إلى غير ذلك أزلاً، وعلى هذا القول: فالقضاء: حادث، والقدر: قديم؛ إلى أن قال: ومنها أنهما بمعنى: إرادته تعالى، ومنها أنهما بمعنى: قدرته، ومنها أنهما بمعنى: كل منهما. أ هـ فليتأمل.
والذي يظهر أنه كله غير خارج من الصواب، وأن دليل وجوب
الإيمان بالقدر، قوله: " إنك لن تجد، ولن تبلغ حقيقة الإيمان، حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، أنه من الله تعالى "، وقوله في حديث جبريل ال، لَمَّا سأله عن الإيمان: " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورُسُله، واليوم الأخر، وبالقدر خيره وشره "، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في ذلك.
ويجب معرفة التوحيد، بأنه إفراد الله عن الخلق، وأفعالهم، وصفاتهم، ويجب، أي: على المكلف - كما تقدم ـ معرفة التوحيد، تقدم معنى المعرفة أيضاً، وأنها مُرادفة للعلم على الصحيح، وهما إدراك الشيء على ما هو عليه، والتوحيد: لغة الحكم على الشيء بأنه - واحد، وشرعاً إفراد الذات العلية عن ذوات الخلق، وإفراد أفعاله
- 187 - (1/187)
صفحة 188
تعالى بأنها ليست كأفعالهم، ففعله بلا معالجة مثلاً، وإفراد صفاته بأنها ليست كصفاتهم، وذلك معنى قول بعضهم: التوحيد: الإفراد بالوحدانية لِلهِ تعالى، ونفي الاضداد عنه تعالى؛ قال شارح النونية: التوحيد: لغة الإفراد، والمراد هنا، إفراد الله تعالى في ذاته، وصفاته، وأقواله، وأفعاله، وعبادته، وسائر كمالاته، أي: إعتقاد كونه فرداً في ذلك كله، لا يشاركه فيه شيء ما، بأي وجه كان، مع الإقرار بذلك. أ هـ
وقال الشيخ عُمر الثلاثي: التوحيد: إفراد الله تعالى في ذاته، وصفاته، وأقواله، وأفعاله، وأحكامه، وعبادته، وسائر كمالاته التي لا نهاية لها، أي: إعتقاد وحدته في ذلك كله، وأنه لا شريك له فيه، والإقرار بها المتحقق بالتلفظ بالجمل الثلاث، التي هي لا إله إلا الله محمد رسول الله، وما جاء به حق من، وما جاء به حق من عند الله، وإمتثال المأمورات، وإجتناب المنهيات، هذا معنى التوحيد الشرعي عندنا
قال القُطب في " مُختصر القواعد ": لو تشابه معهم، أي:: الخلق، في أقل قليل، لدخل عليه العجز منه، ولا احتاج ما احتاجوا؛ ونقول: هو عالم، أي: الله تعالى، بمعنى: أن ذاته كافية في انكشاف المعلومات، فعلمه قديم عام، غير حال، وزيد عالم بمعنى خلاف
ذلك، وهكذا انتهى بزيادة.
قلت
: قوله: قديم يُنافي علم المخلوق فإنه حادث، وقوله: عالم، أي: على جميع المعلومات من الواجبات، والجائزات والممتنعات
- 188 - (1/188)
صفحة 189
كما قدمنا ـ وقوله: وهكذا، أي: ما اتفق من الأسماء له ولغيره، فإنها تتفق في اللفظ وتختلف في المعنى فيه على ذلك في " القواعد "، وأوجبوا هنا معرفة الشك، فقالوا: لُغة هُوَ المساواة، وإصطلاحاً تسوية الله بغيره في ذات، أو صفة، أو فعل، أو حكم، أو عبادة؛ وتأول ذلك الشيخ أبو سعيد (ه)، فقال: إن جهل الشرك واسع ما لم يتلبس بشيء منه، ونوه بهذا القول في " الدليل "، فليراجع.
تنبيه:
من ثبت الجسمية لِلهِ تعالى، أو الجوارح، كاليد، والجنب، والعين - هل يُشرِك؟ فإن أطلقوا ذلك صراحاً من غير تأويل أشركوا وإن تأولوا نافقوا.
قال الإمام الخليلي: فإن زادوا على هذا في بهتانهم العظيم، فأتوا بصريح التشبيه والتجسيم من وصفه بالجواهر، والأعراض، والكليات، والإبعاض، بقصد حقيقة مفهوم العضو والجارحة، ولم يكن قصدهم التوسع بمجاز القول لفظاً، عن إرادة الحقيقة من الأعضاء، ولا يتستر في شيء يلابسه كشف حقيقة التجسيم والتصور محضاً، ففي هذا وبابه قد تردد الفقهاء بالرأي، فقول: بشركه مجملاً، وقول: بكفر نعمته على حال ما كان وقول: بأنه إن صرح بكونه جسماً كهذه الأجسام، أو جوهراً كهذه الجواهر، أو عرضاً كهذه الأعراض، وأنه يده، أو وجهه، أو عينه، أو شيء منه كهذه الجوارح، أو حده من قوله القادح بالإبعاض، أو بالتحيز، والإنتقال، والحلول، والإتصال،
6
- 149 - (1/189)
صفحة 190
والإنفصال، مصرحاً في هذا كله بأنه فيه كغيره، فإنه بهذا يكون مشركاً في هذا الرأي، ومُرتداً به الإسلام، على أنه ما لم يخرج به من دائرة التأويل، ففي نفسي أن القول بشركه موضع رأي لا دين، حتى قال: إن القول بشركه في هذا المقام أشهر ما فيه، وأصح ما حكاه الأعلام. أ هـ (بتصريف).
ويجب التفرقة بين كبائر الشرك وكبائر النفاق، لأنه يترتب على كل منهما حكم يخالف الآخر؛ ويجب، أي: على المكلف، التفرقة، أي: الفرز والتميز بين كبائر الشرك، التي هي تسويته تعالى بغيره في ذات، أو صفة، أو في فعل، أو في عبادة، أو تسويتهم كذلك - كما تقدم - التنبيه عليها، وبين كبائر النفاق، التي هي إخفاء الشرك وإظهار الإسلام، أو ترك المأمور به أمراً جازماً، أو فعل المنهي عنه نهياً جازماً ولو بتأويل، وإنما قلنا: أمراً جازماً في الأول ليخرج النفل فإنه مأمور به أمر ندب، وكذا قولنا: نهياً جازماً يخرج المكروه فإنه منهي عنه نهي تكريه، لأنه يترتب على كل منهما، أي: على كل من كبائر الشرك وكبائر النفاق حكم يخالف الآخر، أي: بيانيه فيترتب على أهل كبائر الشرك القتل، والسبي، والغنيمة، وأحكام أُخر، إن أبوا من قبول الإسلام، ولم يكونوا أهل جزية، ويترتب على أهل كبائر النفاق جواز مُناكحتهم، ومُوارثتهم، والصلاة معهم وعليهم، وغير ذلك، ما عدا الولاية وأشياء أخر من تعلم سير الأئمة وآثارهم.
قال في " القواعد ": أما الشرك فمعناه التساوي بين الأشياء في
-19.- (1/190)
صفحة 191
الذوات والصفات، ومعناه في الله جل جلاله التسوية بينه وبين خلقه في الذات أو الصفات، قال تعالى: {إذ نُسَوِّيْكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ} (1): أي: في العبادة والتعظيم وإثبات الألوهية، فالشرك إذاً على وجهين:
جحود ومساواة، ويتصرف على وجوه ... إلخ، فليراجع.
وفي " مختصر القواعد ": أن يعلم أن تكذيب الله شرك، والكذب عليه نفاق، ودخل في التكذيب القول بخلاف ما قال، مواجهة بلا تأويل، أو أن يعلم أن الكبائر قسمان: شرك ونفاق، أو أن يعلم أن الشرك مساواة أقوال ثلاثة محررة لأصحابنا، وفي وجوب معرفة أن النفاق خلف قولان. أ هـ.
وفي " القواعد " أيضاً: وكبائر النفاق على وجهين، أحدهما: إستحلال ما حرم الله تعالى بتأويل الخطأ من فاعله؛ إلى أن قال: والوجه الآخر: مقارفة ما أوعد الله على فعله، النكال في الدُّنيا، والعذاب في الآخرة، إلى آخر ما أطال فيه، فليراجع.
وإنما أوجبوا فرز ما بين كبائر الشرك وكبائر النفاق لوجهين، أحدهما: أنه يترتب على كل منهما حكم يخالف الآخر ـ كما تقدم -
والثاني: أن ضلالة الفرق في الأكثر نشأت من عدم الفرق بينهما.
قال في " مختصر الوضع ": ندين بأن الطاعة: ما قرنه الأمر من توحيد وغيره؛ والإيمان: ما قارنه الثواب من توحيد وغيره؛ والمعصية:
(1) سورة الشعراء: 98
-191 - (1/191)
صفحة 192
ما قارنه النهي من شرك وغيره؛ والكفر: ما قارنه العقاب من شرك وغيره؛ وقالت الصفرية: الطاعة والإيمان: كلاهما توحيد، والمعصية والكفر: كلاهما شرك؛ قال: والمذهب: أن الكفر شرك أو نفاق؛ قال: والذنب: صغير وكبير، ومنه ما لا يُدرى أصغير أم كبير، ومشهور المذهب: أن الصغائر لا تعلم، لئلا يجترأ عليها، لكونها تغفر بإجتناب الكبائر، وبنحو الصوم، والصلاة، والوضوء، والحج؛ وقالت المرجئة، والماتريدية، والأشعرية: الإيمان كله توحيد، فلا يُسمى عندهم توحيداً إلا ما يُسمى عندنا توحيداً، والطاعة منها توحيد وغير توحيد، والكفر كله شرك، والمعصية منها شرك وغير شرك، واعلم أن التوحيد ما قارنه الإفراد والمراد ترك مساواة الخالق بالمخلوق أو المخلوق بالخالق، والشرك ما قارنه التساوي والمراد وصف الخالق بصفة المخلوق أو فعله، والمخلوق بصفة الخالق أو فعله، والإيمان لُغة التصديق، والكفر لغة الستر؛ إلى أن قال: والجحود وفيه معنى الستر، نحو: {وَمَا يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَن يُكفَرُوهُ} (1)، وعدم الشكر وشرعاً ما يجب عليه عقاب الأخرة، سواءً وجب عليه الحد في الدُّنيا أم لا، وهو في معنى ما مر، وكذلك الكبيرة. أ هـ (بتصرف). وقد تقدم بعض هذا، فليراجع
ويجب أن يعلم أن الله أمر بطاعته وأوجب عليها ثواباً، ونهي عن معصيته وأوجب عليها عِقاباً، وإيجاب ذلك قضاؤه ووعده به في الجملة، ويجب، أي: على المكلف، أن يعلم، أي: يعتقد إعتقاداً جازماً
(1) سورة آل عمران: 115.
- 192 - (1/192)
صفحة 193
مطابقاً، أن الله، أي: واجب الوجود لذاته أمر بطاعته، المراد من
الأمر هنا الإيجاب والإلزام، وهو فعل من أفعاله، كذا في " مُختصر العدل "، وتقدم معنى الطاعة قريباً، أنها ما قارنها الأمر من توحيد وغيره، وأوجب عليها ثواباً، أي: بمقتضى حكمته ووعده،، لأنه لايُبَدَّلُ القَولُ لَدَيهِ سبحانه، لا لمراعاة الأصلحية، خلافاً لمن قال بذلك من القوم؛ ولهذا قال صاحب " الدليل ": فالذين قالوا: أن الثواب حتم على الله، قد أساؤوا الأدب، إنما كان ينبغي لهم أن يقولوا: حتم، في واجب الحكمة، بعد أن يصح ما قالوا أنه
واجبه
أهـ
ونهى عن معصيته، المراد بالنهي: إيجاب الترك إمتثالاً، وكذا تقدم معنى المعصية: أنه ما قارنه النهي من شرك وغيره، وأوجب عليها عقاباً، أي: أوعد ذلك، ولا يخلف وعده ولا وعيده، قال تعالى: {مَا يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ} (1)، لأن الأمر والنهي، إذا لم يقترن بهما ثواب ولا عقاب، كان الأمر إباحة، والنهي: لغواً، كذا في " الدليل "، وإيجاب ذلك قضاؤه، أي: حكمه ووعده به، أي: وعد المطيع الثواب، والعاصي العِقاب، في الجملة، أي: لا من حيث الإفراد، فإنه يشترط في كل فرد الوفاء وعدمه، وتقدم معنى الثواب
والعقاب.
وفي " القواعد ": فكلما تلزم معرفته من طاعة الله لزمت معرفته بأن الله أمر به، وأوجب عليه الثواب، وأما المعرفة بأن الله أوجب
(1) سورة ق: 29.
- 193 - (1/193)
صفحة 194
العقاب على تركه، فلا يلزم ذلك إلا في التوحيد خصوصاً دون سائر الطاعة، لأن على المكلف أن يعلم أن الله أمر به، وأوجب عليه ثوابه، وعلى تركه عقابه، وأما ما دون التوحيد من الفرائض، فإنما عليه أن يعلم أن الله أمر به، وأوجب عليه ثواباً فقط، وكذلك المعاصي، وعلى هذا الحال ما خلا الشرك، فإن عليه أن يعلم أن الله نهى عنه، وأوجب على فعله عقاباً، والله أعلم. أ هـ
من
الله
بالإيجاد
ويجب معرفة المن والدلائل، فالدلائل: دالة على وجود الله ووحدانيته، وهي ما سوى الله، والمنَّ: تفضل من الله والإنعام، ويجب، أي: على المكلف، معرفة، أي: إدراك المنَّ، وهو الإنعام مطلقاً، والإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه، والمنَّ أيضاً: إحسان المحسن غير معتد بإحسانه، فمن ثم أنه تفضل، لأن التفضل عطاء من غير عوض - كما تقدم - والْمنَّ المذموم من الخلق، الذي يفتخر بإحسانه، ويبدي ويُعيد على الممنون عليه، وكذا يجب على المكلف معرفة الدلائل (جمع دلالة أو دليلة)، وهو ما د الله يستدل به على نحو الطريق؛ فمن ثم قال: دالة على وجود ووحدانيته: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِحْتِلَافِ الليلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} (1)، وإنما خلقها إظهاراً لقدرته، لا لإحتياجه
إليها
وفي " القواعد ": هُوَ أن يعلم الإنسان أن الله تعالى خلق خلقه أطواراً، وأفاض عليهم النعم صغاراً وكباراً، مناً منه وفضلاً، لا وجوباً
(1) سورة آل عمران: 190.
-198 - (1/194)
صفحة 195
ولا فرضاً، بل خلقهم إظهاراً لقدرته، وتحقيقاً لما سبق من إرادته، ولما حق في الأزل من كلمته، لا لإفتقاده إليهم وحاجته، وبعث إليهم
رُسُله وشرع لهم دينهم لغير حاجة دعته إلى تكليفهم، ولا من ضرورة قادته إلى تعبدهم، وإنما قصد نفعهم تفضلاً منه عليهم
إلى أن قال: وأما الدلائل: فهي مخلوقات الله تعالى الدالة على ربوبيته ووحدانيته من السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من الجوهر والعرض، فالعاقل إذا نظر في ذلك بعين البصيرة، علم أن الله تعالى لم يخلق ذلك عبثا ولا باطلاً، ولم يترك الإنسان سُدى ولا مُهملاً؛ قال: ومن دلائله على وحدانيته وربوبيته، الرسل الذين جعلهم للخلق أدلاء، وأنزل عليهم كتبا تُتلى. أ هـ بإختصار.
وفي " مختصر الوضع ": ويجب مع أول البلوغ، أن يعلم أن الله خلق الخلق، ورزق الأرزاق، مناً وفضلاً، إظهاراً لقدرته، وتحقيقاً لما سبق من إرادته، ولما حق في الأزل من كلمته، لا وجوباً، ولا فرضاً، ولا افتقاراً إليهم، ولا إستفادة منهم؛ إلى أن قال: وأما الدلائل: فقد علمت أنها مخلوقات الله تعالى، تدل على ربوبيته ووحدانيته،
ممن صح عقله، والدليل على صحته حسن المذاهب ... إلخ. ويجب على المكلف الخوف والرجاء وإعتدالهما، ولو كان بمكان الطاعة أو بمكان المعصية؛ ويجب على المكلف، أي: البالغ العاقل، مع بلوغه ملازمة الخوف من الله تعالى، أي: يخاف منه، بأن لا يقبل سعيه، فيحبط أعماله، فيعذبه، ويجب عليه، أي:
-190_ (1/195)
صفحة 196
المكلف ملازمة الرجاء له تعالى، لعله أن يرحمه، فيثيبه على عمله، ويتجاوز عنه في زلاته، لأن رحمته تعالى وسعت كل شيء؛ ويجب عليه
،
أيضاً إعتدالهما، أي: إستواؤهما، ولو كان المكلف بمكان الطاعة أي: مُلازماً لها، ومقيماً عليها، لأنه لا يعلم أنها مقبولة عند الله أم لا، أو كان، أي: المكلف، بمكان المعصية، أي: في حالة هي ملازمة المعصية مكباً عليها، لأنه مأمور بالإنتهاء عنها، فرجاؤه بالإنقلاع عنها، وتوبته منها لا غير، لأنهما سوطان زاجران، يُزجران مطية العبد، لئلا تتقحم به في المفاوز المهلكة، فلو عرى عنهما بطل سعيه، وإن عري من الخوف أمن مكر الله، وإن عرى من الرجاء خيف عليه القنوط والأياس من رحمة الله، وهما كبيرتان
قال في " مختصر الوضع ": ويجب مع أول البلوغ، خوف عذاب الآخرة، ورجاء رحمتهما، ويجوز الإقتصار في الذكر على أحدهما، وحق من عرف الجنة والنار أن لا يتصور إحداهما دون الآخرى، فإن من أيس لا يقال له خاف، ومن قطع بالرحمة لا يقال له رجا، ويجب إعتدالهما كميزان الهند، ورخص ما لم يتعر القلب من أحدهما، فإنه ما لم يتعر ليس بآيس من الرحمة، ولا بآمن من العذاب، والإياس والأمان كبيرتان، وأجيز الميل إلى الرجاء عند الإحتضار. أ هـ.
وفي " شرح النونية ": إن الطمع في الثواب على الطاعة، والفزع من العقاب على المعصية، فهما واجبان على المكلف وجوباً غير موسع فيه، وواجب عليه أيضاً إستواؤهما في نفسه، مثل إستواء أمرين متصاحبين في تصاحبهما، بحيث لا يترجح أحدهما عنده على الآخر،
-197 - (1/196)
صفحة 197
لأنه لو ترجح الرجاء عنده على الخوف، الخيف عليه الأمن من عقاب الله، وهو كبيرة، لقوله تعالى: {فَلَا يَأْمَنُ مَكَرَ اللهِ إِلَّا القَومُ الخَاسِرُونَ (1)، ولو ترجح عنده الخوف على الرجاء، لخيف عليه الإياس من رحمة الله، وهو كبيرة أيضاً، لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يَايَنَسُ مِن رَّوحِ اللَّهِ إِلَّا القَومُ الكَافِرُونَ} (2).
•
إلى أن قال: وإستواؤهما واجب على المكلف، ولو لم يعلم من نفسه ذنباً، ولو في حالة العصيان، ويُؤجر بزوال الأمن من المكر.
والإياس من الرحمة، من نفسه؛ إلى أن قال: إن الخوف والرجاء يوجدهما فعل جميع الواجبات، وترك جميع المحرمات، وأنهما إن فقدا من فعل واجب وترك المحرم، بطل السبب الضعف الحاصل لهما من فقدهما منه؛ إلى أن قال: وإن الخوف والرجاء غير محدودين، ويثبتان بنحو التوبة من الذنب؛ إلى أن قال: وإن مرجع الخوف والرجاء في الإمتثال إلى الشك، في كونه على الوجه المأمور به أولاً، أي: الغرض في كونه مقبولاً، وإلا قال: والشك في الفرائض على ثلاثة أوجه: شك يبطلها كلها، كالشك في خصلة من خصال التوحيد، كوحدة الله ورسالة محمد، وحقية جميع ما جاء به من عند ربه، وشك يبطل بعضها دون بعض، كشك المصلي في كونه صلى أربعاً مثلاً أو ثلاثاً، فإنه يبطل تلك الصلاة دون غيرها من الفرائض، وشك لا يصح الفرض إلا به، كالشك في كون بر الوالدين وصل إلى الحد المأمور به أولاً، وفي كون التوبة والرجاء على الوجه المأمور به أولاً،
(1) سورة الأعراف: 99
(2) سورة يوسف: 87.
،
-19 V- (1/197)
صفحة 198
وهكذا باقي الفرائض الغير المحدودة، فإنها لا تصح إلا بالشك المذكور. أ هـ.
وهل خوف الأنبياء، خوف إجلال، أو خوف عِقاب، أو خوف ملامة، وتوقيف محاسبة تردد؟ اعلم أنه ثبت بالدليل القاطع خوف الأنبياء (عليهم السلام)، ورجاء وهم، لقوله تعالى: {إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً» (1)، ولقوله عز وجل حكاية عن سيدنا إبراهيم (ال): {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَعْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَومَ الدِّينِ} (2)، ولقوله: " إني لأخوفكم لله "، ولقوله: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً " (3)، وكذا الملائكة، بدليل قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوقِهم} (4)، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِم الوَسِيلَةَ} (ه)، وإذا ثبت رجاء أولئك السادة وخوفهم، فحينئذ تردد الأئمة في حكم ذلك الخوف منهم، هل هو خوف إجلال له تعالى، لأنهم في حضرة القدس، لا يغيبون عن ذلك المقام، لكنهم عَالِمون بأنهم معصومون عن الموت على شيء يكدر صفوهم، وأنهم من أهل حضيرة القدس، أو خوف عقاب لثبوت الزلة منهم غالباً، كما تقدم عنهم، أو خوف ملامة وتوقيف محاسبة، كما حكى سبحانه وتعالى عن سيدنا عيسى (ال)، حيث يقول: {وَإِذ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأَمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ} (6)، على أقوال ثلاثة: أصحها الأول، لِمَا
(1) سورة الأنبياء: 90.
(3) انظر الملحق. (5) سورة الإسراء: 57
(2) سورة الشعراء: 82.
(4) سورة النحل: 50 (6) سورة المائدة: 116.
-194 - (1/198)
صفحة 199
يظهر من تصور الآي بأنهم: لا خَوفٌ عَلَيْهِم وَلَا هُم يَحْزَنُونَ} (1)، وقيل: الأصح الثاني، لأنهم يخافون سوء الخاتمة، ولقول سيدنا يوسف (العل): تَوَفَّنِي مُسلِماً وألحقنِي بالصَّالِحِينَ)) (2)، ونحوه، وحقيقة الخوف: غم يلحق لتوقع المكروه، بخلاف الحزن، فإنه غم يلحق من فوات نافع أو حصول ضار؛ ولذلك قيل: الخوف: علة المتوقع، والحزن: علة الواقع، والخشية: خوف مع تعظيم، ولذلك خص بها العلماء في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ
العلماء (3).
وفي " شرح النونية ": أن الملائكة يخافون الله عز وجل خوف إجلال وتعظيم، لقول الله سبحانه وتعالى فيهم: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فوقهم ه (4)، قال: وأن الأنبياء (صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين)، يخافون من الله عز وجل فيما ينالهم من المنافع، ويصيبهم من المضار، وراجون ثوابه على طاعتهم، وإن كانوا عالمين بكونهم من أهل الجنة، وأن النار لا نصيب لها فيهم، لأن الخوف والرجاء من
العبادات التعبدية. أ هـ
وفي " مختصر الوضع ": ويجب على الأنبياء أن يعلموا أنهم من أهل الجنة، وأن يخافوا الملامة وتوقيف محاسبة، وأن يرجوا السلامة منها، وقيل: يجب عليهم أن يخافوا العِقاب، ويرجوا السلامة منه تعبداً، لعلمهم أنهم من أهل الجنة، وقد يشتد خوفهم لعارض في
(1) سورة يونس: 62. (3) سورة فاطر: 28.
(2) سورة يوسف: 101. (4) سورة النحل: 50.
-199 - (1/199)
صفحة 200
الدُّنيا، وفي يوم القيامة، حتى ينسوا أنهم من أهل الجنة. أ هـ. ومما يجب إعتقاده، الولاية لأولياء الله، وهي النصرة، والحب، والإستغفار لهم، والبراءة من أعداء الله، وهي عكس الولاية؛ ومما يجب إعتقاده، أي: على المكلف، أي: بعد قيام الحجة عليه، لأنه مما جاء به، وتقدم معنى الإعتقاد غير مرة، أنه الجزم بالحكم المطابق للواقع، الولاية بفتح الواو، والكسر قليل هو: النصرة (لغة)؛ قال أبو البقاء: الولاية (بالفتح) بمعنى: النصرة والتولي؛ الولاية (بالكسر) بمعنى: السُلطان، والملك؛ (وبالكسر) في الأمور؛ (وبالفتح) في الدين؛ يُقال: هُوَ وَال عَلَى الناس، أي: متمكن، الولاية (بالكسر) وهو ولي لِلّهِ، أي: بين الولاية (بالفتح)، أو هما
لغتان. أ هـ.
أهـ
وشرعاً كما في المتن: هى الحب للمُؤمنين لإيمانهم، أي: الميل إليهم والإستغفار لهم، أي: طلب المغفرة، أي: الستر، بشرط كونهم موافقين في الشريعة، لأن الولاية هي الموافقة.
قال في " الدليل ": واعلم أن الولاية مرتبطة بثلاثة أوجه، أولها: الموافقة في الشريعة، فإن الله تعالى أمر الْمُؤمنين أن يكونوا على شريعة
:
واحدة، ولا يختلفوا عليها، وأمرهم بالتعاون، وهذا أصل الولاية؛ والثانية: المحبة بالقلوب، فمن عري من محبتهم، لن ينتهي دون بغضهم؛ والثالثة: حقوقهم من المعونة، والإسعاف، والإستغفار، والرحمة، قال الله سبحانه وتعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (1/200)
صفحة 201
وَالمُؤمِنَاتِ} (1). أ هـ مع حذف
واعلم أن الولاية تنقسم من حيث هي، أربعة أقسام، القسم الأول: ولاية العبد لربه، وهي أن يقيم نفسه تحت الأمر والنهي، فلا يجاوز في سيره إلى ربه طريق الإستقامة، حتى يحل بتوفيقه إياه دار الإقامة؛
والقسم الثاني: هي ولاية الله لعبده، وهي نصرته له حتى يحميه عن المعصية، ويعينه على الطاعة، واختلف في تحقيقها، فقيل: أنه التوفيق على الطاعة، كما أن عداوته تعالى الخذلان لعدوه، وتركه وهواه، وشيطانه، ودنياه، وقيل: العلم بما يصير إليه العبد من المنزلة عنده تعالى، وقيل: إعداد الثواب له، والأول أصح، ولا تتحول ولاية الله لعبده خلافاً لمن قال بذلك، لأنه يلزم على قوله ذلك الجهل بما لم يقع من الأشياء حتى يقع.
قال القطب: السعيد في ولاية الله، ولو في حال المعصية، والشقي في براءة الله، ولو في حال وفائه، خلافاً للنكار وابن الحسين، ولزمهم على ذلك وصفه بالجهل بما لم يقع حتى يقع، أو علم الحكمة. أ هـ بخلاف مقتضى علمه، وهو عبث وخروج عن
والقسم الثالث: ولاية العبد لنفسه، قيل: هي قسم من ولاية الأشخاص، إلا أنها أخص منها لعلمه بها ظاهراً وباطناً، فيجب عليه ردعها عن مناهي ربه وإستغفاره لها، وطلب النصرة والإعانة منه، زاجراً لها بسوط الخوف ومقرعة الرجاء، حتى تصل به في سيرها إلى ما
(1) سورة محمد: 19 (1/201)
صفحة 202
أعد لها من النعيم المقيم: {وَرضوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ) (1)؛ القسم الرابع: ولاية الغير المنقسمة إلى: ولاية الجملة، وولاية الحقيقة، وهي ولاية المعصومين بنص، وولاية الأشخاص فرداً فرداً، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، وأما البراءة: فهي عكس الولاية بهذا المعنى، فهي البغض، واللعن، والطرد للكافر لكفره، وتكون من الله لعبده، حيث جنح إلى ما لا يرضاه ربه بإختياره، الخذلان له وعدم النصرة، ولا يجوز أن تكون البراءة من العبد لفظاً في حق مولاه، وإن كان في مخالفته لنهيه، وأمره في معنى المتبري منه، وأما براءة العبد من نفسه في حال المعصية، فهو كغيره من الخليقة، نص عليه الإمام الخليلي (ه)، والبراءة من الغير، وهي ثلاثة أقسام: براءة الجملة، وبراءة المنصوص عليه بالسر، وبراءة الأشخاص - كما تقدم في الولاية - وسيأتي أحكام الجميع إن شاء الله
فهي!
تعالى
ومن أنكر ولاية المُؤمنين جملة، وبراءة الكافرين أشرك، ومُنافق من تركهما أو جهلهما، بعد قيام الحجة عليه؛ ومن أنكر، أي: جحد ولاية المؤمنين جملة، بأن قال: لا تلزم ولاية الجملة، أي: ولاية جملة المؤمنين من الأولين والآخرين، وبراءة الكافرين، أي: ومن أنكر براءة الكافرين، أي: جملة، بأن قال: إن البراءة من جملة الكافرين من الأولين والآخرين لا تلزم، فقد أشرك، أي: خرج من الملة الإسلامية، لأنه راد لآي القُرآن، مُكذب لِلَّهِ تعالى في حكمه، قال تعالى: لا
(1) سورة التوبة: 72 (1/202)
صفحة 203
تَجِدُ قَوماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَن حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَو كَانُوا أَبَاءَهُم أَو أَبَنَاءَهُم} (1)، وقال: {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعض} (2)، وقال: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ} (3)، وقال: {أَم حَسِبَ الَّذِينَ اجَتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُم كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (4)، وقال: " أوثق عرى الإسلام الحب في الله والبغض في الله وَهُوَ حقيقة الإيمان " (ه)، وفي البراءة قوله الله: " لعن الله من أحدث في الإسلام حدثاً أو أوَى مُحدثاً في أمثال ذلك " (1).
وفي " شرح النونية ": وأن من جهل ولاية الجملة وبراءتها مُشرك، وأن من تولى كل الناس مُشرك، لأنه يلزمه ولاية الكافرين، وهي شرك، وأن من تبرأ من كل الناس مُشرك أيضاً، لأنه يلزمه براءة من الأولياء، والأنبياء، والرسل، وهي شرك، وأن من توقف في الكل مشرك، لأنه يلزمه التوقف في الأنبياء، والرسل، والْمُؤمنين، والكافرين، وهي شرك. أ هـ.
وفي " الشرح " أيضاً: وأن الولاية قسمان: ولاية الجملة، وولاية الأشخاص، فالأولى - كما تقدم -: أن يتولى المكلف في أول بلوغه جميع المُسلمين والمُسلمات من الثقلين، ومن الصغار والكبار، من عرفه ومن لم يعرفه، من أول الدُّنيا إلى آخرها، من غير قصد إلى معين،
(1) سورة المجادلة: 22
(3) سورة القل
35 - 36:
(5) انظر الملحق.
(2) سورة التوبة: 71. (4) سورة الجاثية: 21.
(6) انظر الملحق. (1/203)
صفحة 204
فالإتيان بها توحيد، وتركها وإنكارها وجهل كونها فرضاً شرك كل واحد منها، وجهل كون الله أوجب على الإتيان بها ثواباً، وعلى تركها عقاباً، ضلال وكفر. أ هـ.
فإن قلت: أراك قسمت الولاية ثلاثة أقسام، وهذا الشيخ عبد العزيز قسمها قسمين؟ قلت: قد أدخل ولاية المنصوص عليه من المعينين والموصوفين في ولاية الأشخاص، وإنما ملت أنا إلى إصطلاح المشارقة، ولا مشاحة في الإصطلاح، والمرجع واحد، وينافق من تركهما، أي: ترك ولاية الجملة وبراءة الجملة، أي: من غير إنكار ولا جحد ـ وتقدم معنى النفاق ومعنى الشرك - أو جهلهما، أي: جهل أمر ولاية الجملة أو براءتها، وبعد قيام الحجة عليه تنازعا، تركهما أو جهلهما فحذف من الأول، وأعمل الثاني، وإنما حذفه لكونه فضلة؛ فإن قلت: إن في " شرح النونية "، تشريك من جهلهما أو تركهما - كما تقدم نقله - وأنت تقول بنفاقه، فبينكما البون؟ قلت: لم يرد شارح النونية رحمه الله، إلا الشرك الْجُزئي، الَّذِي هُوَ إصطلاحهم، وَهُوَ الْخطأ في العقيدة، لا الشرك المعروف وعبارته في ذلك الشرح، وأن معنى كون ولاية الجملة مثلاً توحيد، أنها خصلة من خصاله التي لا يوجد إلا بها، لكونه شرطاً في وجوده أو جُزءاً منه، لا إنها إفراد الله تعالى، ففي إطلاق التوحيد عليها مجاز إرسالى علاقته اللزوم، لأن الشرط لازم المشروط، أو الكلية، أو الجزئية، أو هما معاً، فالتوحيد
كل وتلك الولاية شرط له أو جزء منه، ومعنى كون تركها مثلاً شركاً
أنه خصلة من خصاله، لا أنه جحود - كما مر ـ فالشرك كلي، وذلك
6
- Y.E- (1/204)
صفحة 205
الترك جُزئي، وفرد من أفراده - وقد مر ذلك - ومعنى كون ولاية غير المنصوص عليه طاعة، أنها من خصال التقوى التي لم تبلغ في القوة مرتبة التوحيد، ومعنى كون إنكارها مثلاً نفاقاً، أنه من خصاله التي لم تبلغ في القوة مرتبة الشرك، فتلك الولاية من إفراد الطاعة، وتركها من إفراد النفاق، فكل من الطاعة والنفاق كلي لا كل، وقس على هذا نظائرها. أ هـ
=
واعلم أن الولاية والبراءة ضدان لا نقيضان، لعدم إجتماعهما في شخص في حالة واحدة، وقد يرتفعان لوجود الوقوف في من لم نعرف منه خيراً ولا شراً، هذا في حق العباد فيما بينهم، لا في حق المولى، فإنها لا تخلو عنده من إحدى الجهتين، فهما نقيضان في حقه تعالى؛ قال الإمام الخليلي: واعلم أيضاً أن الولاية الحقيقية الإفرادية لها في الأزل حكم واحد لا يتغير، والبراءة كذلك، فلا يكون الولي حقيقة عدواً حقيقة ولا عكس، لا في الدُّنيا ولا في الآخرة، ولا في حكم السابق في الأزل الأول، ولا في حكم الخواتم عند حضرة الوفاة، فالخواتم تابعة السوابق و حتماً مقضياً} (1). أ هـ
أقول: وإن كان كلامه رحمه الله، لا يدل على أنهما نقيضان في حق المولى في ظاهر لفظه، فإنه دال بمعناه، إذ لم يذكر إلا الولاية والبراءة، ولا يرتفعان، ولا يجتمعان فإنه لا يخرج عبد من عباده من إحداهما، وأيضاً الوقوف في حقنا، فيم لا نعرف منه خيراً ولا شراً، والباري تعالى لا يغيب عليه علم شيء، فهو العليم بكل شيء
(1) سورة مريم: 71
14.01 (1/205)
صفحة 206
فممن تجب ولايتهم، الأنبياء، والرُّسُل، والملائكة جملة، وأن
يقصد إلى محمد، مخصوصاً، ولا تلزم ولاية أحد ما لم تقم عليه الحجة غير محمد له، فممن تجب، أي: على المكلف، بعد قيام الحجة عليه، ولايتهم، أي: محبتهم ونصرتهم، والإستغفار لهم، وقبول ما جاءوا به عن ربهم من الشرائع غير المنسوخة، الأنبياء، والرسل، والملائكة، وتقدم تعريفهم والكلام في حقهم مستوفياً، جملة، أي: في الجملة، أو حال كونهم جملة، وأن يقصد، أي: بولايته ومحبته، إلى محمد، أي: رسول الله، مخصوصاً بالولاية له والرضا، وقبول جميع ما أمر به ونهى عنه، وهذا قسم من ولاية المعصومين العام لجميعهم، ولا تلزم، أي: تجب على المكلف ولاية أحد، أي: منهم، أي: الأنبياء، والرُّسُل، والملائكة، ما لم تقم عليه الحجة، أي: التي لا يسع الجهل بعد قيامها غير محمد صلى الله عليه وسلم أي: لأنه لا يتم إيمانه إلا بمعرفته، فأما ولاية الأنبياء والرسل، فكما تقدم إنه الإستغفار والمحبة لهم، والرضى والدعاء لهم بالجنة، وأما الملائكة، فولايتهم المحبة لهم على الطاعة، لا الإستغفار، إذ لا ذنب لهم، ولا بالدعاء بالجنة، فإنها لا تكون ثواباً لهم، وإنما يدخلونها للخدمة والسلام على أولياء الله تعالى
،
قال الإمام الخليلي: وأما ولايتهم من حيث العموم فواجبة بلا شريطة، على كل مكلف، ممن إنتهوا إليه في علمه بهم، من حيث المعنى لا من حيث الأسماء؛ حتى قال رحمه الله تعالى): فلو سمع
الأسماء هذه، ولم يدر ما الملائكة، ولا ما النبوة، والرسالة
،
- 206 - (1/206)
صفحة 207
والولاية، لم تكن واجبة عليه ولاية الحقيقة، إلا لمن لم يسع الجهل به لحق الإسلام، وهو النبي، فإذا عرفت هذا، عرفت أن ما يوجد في بعض العقائد المغربية، أنه تلزم ولاية آدم من الأنبياء، وجبريل من الملائكة، ليس بشيء، وقد أشار إلى إبطال هذا القول في
" الدليل "، الإمام أبو يعقوب (ه) مع أشياء أخر، فليراجع. قال الإمام الخليلي: فإن قلت: فهل من هؤلاء من لا يسع جهله، ولو لم يسمع اسمه من كتاب الله؟ قلت: نعم، الإنسان الكامل محمد، فعلى كل من بلغ إليه الخبر برسالته، أن يُؤمن إسماً وصفةً،
ولكن لا يهلك بجهل اسمه من شهرة أو تعبير آمين، ومختلف في أداء العلم بغيره من المعبرين على قولين: أحدهما: أن الحجة في مثل هذا بما ينهي العلم إليه ولو من مشرك أو لسان طائر، وثانيهما: لا يهلك بما عبره له غير الأمناء: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)) (1).
ووجدت في قول آخر مغربي: أن آدم (العلي) لا يسع جهله، قال: وقيل في جبريل (ال) مثل ذلك، وليس كذلك عند عامة عُلمائنا. أ هـ
ولا يشكل عليك ـ ما مر - من أن معرفته ومعرفة أبيه وجده على
قول واجبة، فإنه بعد قيام الحجة باسمه واسم أبيه وجده وقبيلته.
(1) سورة النساء: 141.
• (1/207)
صفحة 208
وممن تجب ولايتهم من ذكر الله تعالى في كتابه باسم أو صفة، أنه مؤمن، أو راض عنه، أو ما أشبه ذلك، أو كان ذلك على لسان رسول الله الا الله، وهم المعصومون عن الموت على الكبائر، وكذا كل سعيد عند الله، إلا أنا لا نعرف إلا المنصوص عليه.
وممن تجب، أي: على المكلف، إن قامت عليه الحجة ولايتهم، أي: محبتهم ونصرتهم - كما تقدم ـ من ذكر الله تعالى،
،
،
أي: أخبر عنه، واجب الوجود لذاته في كتابه، المراد هنا: القُرآن وكذا كل كتاب من كُتبه الخالية، كالتوراة، والإنجيل، ونحوها، باسم، كإبراهيم وموسى وعيسى، وأمثالهم من الأنبياء والرسل (عليهم السلام)، أو من الملائكة، كجبريل، وميكائيل، ونحوهما أو بصفة، كمُؤمن آل فرعون، وأصحاب الكهف، ومؤمنى الاخدود، أو أنه راض عنه، نحو: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَان رَّضِيَ اللَّهُ عَنهُم} (1)، أو ما أشبه ذلك، كقول الله تعالى: {وَكُلاً وَعَدَ اللهُ الحُسنَى} (2)، في أمثال ذلك، مما يدل على قبول إيمانهم، وهذا ـ كما ترى ـ أعم من الأول، لأنه عام لكل من ثبت له اسم أو صفة، في شيء من الكتب السماوية، أو كان ذلك على لسان رسول الله، المراد بالرسول هنا: محمد، وكذا الأنبياء والرسل الماضون، مثل: إبراهيم، وموسى، وعيسى، فمن أخبر منهم عن أحد أنه مؤمن حقيقة، أو أنه من أهل الجنة، أو ما أشبه ذلك، فإنهم الصادقون في
(1) سورة التوبة: 100. (2) سورة النساء: 95؛ سورة الحديد: 10.
- YA- (1/208)
صفحة 209
أخبارهم، ولا تتحول حال المخبر عنه، وهم، أي: هؤلاء المخبر عنهم بذلك، المعصومون، أي: في أحوالهم وأفعالهم وأقوالهم، عن الموت، أي: الإنتقال من عَالَم الدُّنيا إلى عالم الآخرة على الكبائر
(جمع كبيرة)، وليس المراد الجمع، بل المراد الجنس، فهـ معصومون عن الموت على شيء مما يوسخ إيمانهم، وكذا من ثبتت له السعادة في الأزل، لكن علم العباد لا يتجاوز إلى غير ما علموه، فلذلك لا يعرفون إلا من ثبت فيه نص، وهؤلاء هم المعبر عنهم بأهل ولاية الحقيقة لتحقق سعادتهم
قال الإمام الخليلي (ه): ومعنى الحقيقة في هذه الولاية، عرفا كونها لمن كان من أهل الجنة في حكم الأزل، وأما شرح طبقات أهلها على اختلاف مراتبهم فيها، ففي ذلك نقول: الولاية الدينية الحقيقية. عامة، وخاصة، وعين، وصفة، وثبوتها من أصلين من كتاب الله، ولسان رسول الله، ومعمولها من الأعيان، من ثبت
هي
،
ذكر سعادته في كتاب الله تعالى، أو في الحديث عن رسول الله ثم أخذ يتكلم على أقسامها، فقال: القسم الأول: العام لجميعهم وهم: ملائكة، وأنبياء، ورُسُل، وأولياء؛ ثم قال: القسم الثاني: الولاية الحقيقية الخاصة وهي نوعان: عين، وصفة، فالنوع الأول: الولاية الحقيقية العينية وهي الخاصة العين، بعين ذكرها مفردة بالذات في كتاب الله؛ إلى أن قال: القسم الثالث: ولاية الحقيقة الخاصة الوصفية وهي واجبة لكل فرد عرف بالصفة الممزوجة في كتاب الله تعالى، وحكم هذا ولاية الموصوف من غير تعيين له (1/209)
صفحة 210
إلى أن قال: فهذا حكم ما أتى في كتاب الله، وأما ما كان على
لسان رسول الله، فهذا يجب الإيمان به حقيقة، كما سمع من الكتاب، المرتبة الثانية: ما لم يسمع من لسانه، لكن تأدى ذلك إليه بالشهرة التي توجب العلم بصحة الآثار والأخبار، المرتبة الثالثة: ما صح من ذلك بشهادة أهل العدل عن لسان رسول الله، فهذا لا يوجب ولاية حقيقة، لأن الأخذ بالشهادة الواجب قبولها أمر ظاهري حكمي، بخلاف الشهرة، المرتبة الرابعة: ما تأدى ذلك مرفوعاً إلى النبي، فهذا لا يفيد الحكم لمن لم يصح معه. أهـ مع حذف
واعلم أن الولاية الحقيقية الإفرادية لا تثبت لأحد بعد موته
،
?
لأن ذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالوحي، وقد سد بابه بموت خاتم
الأنبياء صلوات الله عليه وسلامه، وهل كان متعبداً بالظاهر كغيره في ولاية الخلق وبراءتهم؟ فالجواب: نعم
قال الإمام الخليلي: واعلم أن النبي المتعبد بالولاية الظاهرية والبراءة الظاهرية كغيره من المكلفين، إلا ما خص به من علم الحقيقة بواسطة الوحي في مخصوص من البشر أو عموم للجميع ....
إلخ
وقال في موضع آخر: وأما النبي، فهو بشر، وشريعته ظاهرية وحقيقية، وأخباره تابعة لشريعته، فهو يقول بالظواهر مرة، وبالحقائق أخرى، فما دل على الحقيقة حكم به حقيقة ـ كما سبق ـ وما دل على الظواهر، حكم فيه بالأحكام الظاهرية. أهـ (1/210)
صفحة 211
تنبيه:
لو صحت ولاية شخص حقيقة من كتاب، أو لسان رسول، ثم أحدث ما يجب به كفره، أو ما يجب به عليه حد، كالزني، أو حارب من هو حجة من المُسلمين في الظاهر، ما الحكم فيه؟ فنقول: لابد من إجراء الأحكام الظاهرية فيرجم، إن وجب عليه الرجم، ويُقتل إن حارب الحجة، مع إبقاء ذاته على الولاية الحقيقية، لأن حكم الله لا يتحول فيه، لكن الله حكم على الجميع بالشريعة الظاهرة، ونقطع أنه لا يموت إلا تائباً، فلا يجوز الشك في ولايته قدر ما يرتد إليك
طرفك.
قال الإمام الخليلي: كما لا يجوز له أن يرضى بفعله ذلك، ولا بأنه فاعل ذلك، لإستحالة كون المعصية مرضية عند الله تعالى، لإستحالة كونه محقاً، فلا يُوَالى من حيث أفعاله، ولا يُعادي من حيث مآله. أ هـ بإختصار.
ومن ثم تعلم أن الصحابة وهم من آمن برسول الله، واجتمع به في الأرض مؤمناً، كلهم جملة، أنهم من أهل الجنة بدليل: كُنتُم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ} (1)، {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم تَرَاهُم رُكَّعاً سُجَّداً} (2)، لا من حيث أشخاصهم فرداً فرداً، فإن لكل منهم حكمه، فإنه له قد أقام الحدود في أهلها، ووالى وعادى وصرح كما لا يخفى على من تتبع سيرته، وأحكام الله لا
(1) سورة آل عمران: 110.
(2) سورة الفتح: 29.
- 211 - (1/211)
صفحة 212
تختلف ولا تتخافى في أحد، وسيأتي لهذا مزيد من بيان إن شاء الله، ومن ثم بفتح الثاء)، أي: من هناك، أي: من حيث علمت ولاية الحقيقة، أن معمولها من ثبت له حكم السعادة في الكتاب، أو على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، تعلم، أي: تتيقن بأن الصحابة بفتح الصاد - جمع
6
صاحب)، قيل: ولا يجمع فاعل على فعالة إلا هذا، ونقل عن الجوهري: الصحابة (بالفتح: الأصحاب، وهو في الأصل مصدر؛ وفي أبي البقاء: الصحابة في الأصل مصدر، أطلق على أصحاب الرسول، لكنها أخص من الأصحاب، لكونها بغلبة الإستعمال في أصحاب الرسول، كالعلم لهم، ولهذا نسب الصحابي إليها، بخلاف الأصحاب والصاحب، مشتق من الصحبة، وهي وإن كانت تعم القليل والكثير، لكن العرف خصصها لما طالت، وهم من آمن برسول الله، قيل: مخرج للكفار، فمن إجتمع به وهو على كفره، فلا يُسمى صحابياً، وهل هو خاص بمؤمنى الإنس، كإشتراط البلوغ عند بعض أو عام، فيدخل مُؤمِنُو الجن والطفل، وإن غير مميز قولان، وهل الملائكة داخل فتشملهم الصحبة؟ الصحيح لا
قال أبو البقاء: ثم الصحابي، هو من لقي النبي بعد النبوة في حال حياته يقظة مؤمناً به، ومات على ذلك، ولو أعمى كإبن أم مكتوم حنكه النبي النبي، أو مسح وجهه من الأطفال، أو من
وغيره، ممن
غير جنس البشر، كوفد جن نصيبين
•
وإستشكل ابن الأثير في كتابه: " أسد الغابة "، دخوله في اسم " الصحبة، وكمن لقيه من الملائكة ليلة الإسراء وغيرها، بناء على أنه (1/212)
صفحة 213
مرسل إليهم أيضاً، وعليه المحققون، وقد عبر بعضهم بالاجتماع دون اللقاء، إشعارا بأشراط الإتصاف بالتميز، فلا يدخل في الصحبة من حنكه من الأطفال، أو مسح على وجهه، إذ لهم رؤية، وليس لهم صحبة، وخرج به أيضاً الأنبياء الذين اجتمعوا به ليلة الإسراء أو غيرها، ومن اجتمع به من الملائكة، لأن المراد الإجتماع المتعارف، لا ما وقع على وجه خرق العادة، ومقامهم أجل من رتبة الصحبة. أ هـ.
المصنف
من
وإذا سمعت ما نقل عن أبي البقاء، عرفت اختيار قوله في المتن: من آمن برسول الله، واجتمع به في الأرض مؤمناً، من أن الملائكة والأطفال خارجون بهذا التقييد، وقولنا: كلهم جملة أنهم من أهل الجنة، أي: من أهل ولاية الحقيقة، وهذه الولاية لا قصد فيها إلى حصته في الخارج، ولا يدخل فيها إِلَّا الْمُؤمن عند الله، لأنها من ولاية الجملة، كذا قيل بدليل: {كُنتُم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ (1)، أي كُنتُم، في الأزل، أو في علم الله.
وفي " البيضاوي ": كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ}، دل على خيرتهم فيما مضى، ولم يدل على إنقطاع طَرَاً، كقوله تعالى: {وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} (2)، وقيل: كُنتُم، في علم الله في اللوح المحفوظ، وفيما بين الأمم المتقدمين: أخرجت للناس)، أي:
ظهرت لها. أ هـ.
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم تَرَاهُم
(1) سورة آل عمران: 110
(2) سورة النساء: 96، 100، 152؛ سورة الفرقان: 70؛ سورة الأحزاب: 5، 50، 19، 73؛ سورة الفتح: 14.
- 213 - (1/213)
صفحة 214
رُكَّعاً سُجَّداً» (1)، وَالَّذِينَ مَعَهُ}، أي: محمد، وصفهم سبحانه وتعالى بالشدة والغلظة: {عَلَى الكُفَّارِ}، وهذا دال على البراءة والعداوة لِمَن خالف الله ورسوله، قيل: إنهم كانوا يتحرزون منهم أن تمسهم ثيابهم، ثم وصفهم بالرحمة فيما بينهم، وهذا يدل على ولايتهم لبعضهم بعض، ولذلك قال: " اللهم لا تجعل الكافر له علي يداً فأحبه "، لا من حيث أشخاصهم فرداً فرداً، أي: لا تثبت ولايتهم حقيقة في أشخاصهم منفردين كل واحد على حدة لا لمن صح، وذلك له من طريق الشهرة أنه نزل فيه كتاب، أو قال فيه الرسول، أنه من أهل ولاية الحقيقة، فإن لكل واحد منهم حكمه، أي: بالظاهر أو بالحقيقة، وتقدم أنه، يوالي ويعادي بالظواهر، إلا ما دل الدليل عليه أنه من ولاية الحقيقة، فإنه، قد أقام الحدود في أهلها، هذا غير خاف، فلا يحتاج إلى إيضاح، فإن حدود القرآن نزلت فيهم، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُن لِّلخَائِنِينَ خَصِيماً} (2)، وقال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم} (3)، من هؤلاء الخائنون، ومن الذين إنتفى عنهم الإيمان، إن لم يحكموه فيما شَجَرَ بَينَهُم، وقال: " ليس منا من غشنا " (4)، وقال: " ليس منا من حلق أو صلق " (ه)، وقال: " إستوصوا بالأنصار خيراً " (6)، وقال: " الأنصار عيبتي " (7)، وقال: " رحم
(1) سورة الفتح: 29. (3) سورة النساء: 65
(5) انظر الملحق.
(7) انظر الملحق.
•
(2) سورة النساء: 105
(4) انظر الملحق.
(6) انظر الملحق. (1/214)
صفحة 215
الله نساء الأنصار " (1)، وقال: " اللهم صل على آل أبي أوفى " (2)، وكذا قوله الله العبد الله بن رواحه: " رحم الله إبنة عمك وقد وجدتها فقيهة في الدين "، وقال: " رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده " (3)، وكما يوجد في: " تيسير الوصول إلى جامع الأصول "، من حديث الرسول، أنه قال: " مات فلان وغل، نعلين فهو يُعذب بهما في النار "، وفي رواية أُخرى، أنه كان رجل من المُسلمين في غزوة قريظة شديد البأس فأطنب المسلمون في مدحه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذلك من أهل النار "، منه، فما لبث أن خرج فقتل نفسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أشهد أني عبد الله ورسوله "، والكلام على هذا لا يُحصى، وفيما مضى كفاية: لِمَن كَانَ لَهُ قَلبٌ أَو أَلقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (4)، فإذا عرفت هذا عرفت ما في المتن.
فتَعَجَّبُوا
ووالى، وعادى، وعرض، وصرح - كما تقدم - جُملة وإفراداً، فأما معنى الولاية والبراءة - فقد تقدم - وأما التعريض والتصريح: فهما ضدان، فالتعريض: الإتيان بلفظ لا يُفيد المعنى حقيقة ولا مجازاً، لكن يفيده بالإشارة إليه، كقوله وقد فرش رداءه لعدي بن حاتم: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " (ه)، والتصريح أن يبرز المعنى في حيز، بحيث لا يحتاج إلى تأويل، كقوله: " من بدل دينه
11
الظهور فاقتلوه " (6).
(1) انظر الملحق. (3) انظر الملحق. (5) انظر الملحق.
(2) انظر الملحق. (4) سورة ق: 37 (6) انظر الملحق.
1910 - (1/215)
صفحة 216
وفي أبي البقاء: التصريح: الإتيان بلفظ خالص للمعنى، عار عن تعلقات غيره، لا يحتمل المجاز ولا التأويل. أ هـ
وأما التعريض: فهو إيهام المقصود بما لم يوضع له لفظ حقيقة ولا مجازاً، وهو أن يتضمن ما يصلح للدلالة على المقصود وغير المقصود، إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح. أ هـ
كما لا يخفى، أي: بل هو ظاهر بين على من تتبع سيرة ته،، أي: تطلبها، وسيرته: طريقته المثلى، وأحكام الله لا تختلف، أي: لا يخالف بعضها بعضاً، بل أحكامه سبحانه وتعالى مُتفقة مؤتلفة، فهي على كل أحد، وهم فيها سواء، ولا تتخلف، أي: لا تتأخر عن أحد من المكلفين، وتثبت في حق آخرين، وناهيك بقوله: " حكمي صلى الله عليه وسلم على الواحد حكمي على الجميع " (1)، وسيأتي لهذا مزيد بيان، أي: في الخاتمة في ذكر الإمامة.
تنبيه:
قال صاحب العدل (رحمه الله: واعلم أن الناس في أول الإسلام، قبل أن تختل الأمانات، وتتغير الديانات، فظهور العدالة بظاهر الإسلام، كما قال عُمر بن الخطاب): المُسلمون كلهم عدول، إلا مجرياً عليه بشهادة زور، أو ظنينا في ولاء، أو نسب، فهذا هو الأصل، فلما تغيرت الأمانة على عهد عُمر (ه)، وفشت فيهم
(1) انظر الملحق.
- YIT- (1/216)
صفحة 217
الخيانة، أحدث لهم المزكين، فلما وقعت الفتنة، أصبح الناس وقد مرجت عهودهم وأماناتهم، وجب التوقف والبحث، وأخذ الناس بما يعرفون، ويدعون ما ينكرون، كما قال رسول الله لعبد الله بن عمرو بن العاص: " كيف بك إذا مرجت عهود الناس وأمانتهم؟ "، قال: ما تأمرني به يارسول الله، قال له: " تأخذ بما تعرف، وتدع ما تنكر، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت "، فهناك يسع العامي التوقف ما لم يقبل بالفعال أو بالمقال، فيسعه ما لم يتوقف في المُسلمين، أو يتولى المجرمين، أو ينتهك الحرام، ولكن يقول: ديني دين المُسلمين، وقولي قول المُسلمين، وهذا لمن لم يتدين أولاً، من تدين، فلا يسعه حتى يرجع عن مقالته إلى مقالة المُسلمين قصداً، ومن الولاية، ولاية الأشخاص، وهم: كل من تشاهد منه الوفاء، أو قامت الحجة أنه موفي، فالمشرك إذا أقر بالجمل الثلاث، وجبت ولايته، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول وأن ما جاء به حق من عند الله، ما لم يحدث كبيرة على الصحيح،
فأما
الله
وكذا المخالف، إذا خرج من مذهبه، ودخل في مذهبنا؛ ومن الولاية،
أي: من أقسامها، لأنه تقدم أنها منقسمة ثلاثة أقسام: ولاية الجملة
،
وولاية المنصوص عليه باسم أو صفة، وتقدم الكلام عليهما، والقسم الثالث هذا، وهو: ولاية الأشخاص (جمع شخص)، أي: غير المنصوص عليه، وهم: كل من شوهد منه الوفاء لله بدينه وهم قسمان: جملة، وإفراد؛ فالجملة: هُم عُلماء المسلمين وأئمتهم في الدين، كابن عباس، وجابر بن زيد، وأبي عبيدة، في الأقدمين،
،
- 217 - (1/217)
صفحة 218
وكالمحاربين يوم الدار على الحق المبين، وكالمنكرين التحكيم يوم صفين، وكالمنكرين على الفرق ضلالهم، كمحبوب بن الرحيل، وأبي سعيد (أجمعين، وكالأئمة المنصوبين القائمين بأمر الله تعالى، كأبي بكر، وعُمر، وابن وهب، وكالجلندا، والوارث بن كعب، وكأئمة المغرب، عبد الرحمن بن رستم، وبنيه () أجمعين، وأما المتأخرون، فكأبي نبهان، والخليلي (رضي الله عنهما)، وكذا كل من حذا حذوهم، ومشى على طريقهم، واتبع أثرهم، فهؤلاء وأمثالهم لا يسع من قامت عليه الحجة بالشهرة إلا ولايتهم، وقبول الحق منهم، فمن تبرأ برأي، أو دين، من أحد منهم، أو من جملتهم، بعد قيام الحجة عليه، هلك والعياذ بالله، وهكذا كل من كان من عُلماء المُسلمين بهذه الصفة، من المعاصرين مثلاً، فإنه لا يجوز البراءة من العالم، ولا الوقوف عنه برأي، ولا بدين؛ وأما الإفراد: فهو من شوهد منه الوفاء لِلَّهِ بدينه، من فعل الواجبات، وترك المنهيات، مع سلامة إعتقاده من الزيغ، فإنه تجب ولايته، وهو من عرفه لا يعرف منه إلا خيراً، ولا يسمع عنه إلا بخير، وكان موافقاً في القول والعمل، وقيل: ولو في القول فقط، والقول بوجوب ولايته هو الصحيح، وقيل: لأبد من الإنتظار به حتى تطيب النفس، لكن هذا يؤدي إلى تعطيل حقوق الولاية وما يتبعها، أما إن أتهم بزيغ في إعتقاده، فلا ولاية حتى تبرأ ساحته من ذلك، ولو صلى وصام، وحج البيت الحرام، وتصدق بماله في الفقراء والأيتام، وآتي بأصناف الطاعات من المندوبات والمفترضات، فإنه لا يزيده ذلك إلا بعداً من ربه، ما دام ضالاً عن
- YIA- (1/218)
صفحة 219
الحق في إعتقاده، ناكباً عن الطريقة المثلى، راكباً عشواه، متبعاً لهواه، فلا ولاية ولا كرامة، وإنما ذلك عليه حسرة وندامة، نسأله سبحانه أن يُطهرنا من الباطل بمنه وكرمه.
فمن أجل ذلك قالوا: إن الأديان إذا ظهرت ببقعة أو بلدة، لأبد من الإمتحان لمن أتهم بشيء من أديان الضلال، فإن الدار محكوم عليها بحكم ساكنيها، أو بحكم السيرة الظاهرة فيها، فهي تبع لمالكها، وقيل: بحكم الأغلب عليها، وهذا قسم من أحكام ولاية البيضة - وسيأتي - أو قامت الحجة بأنه موف قيام الحجة بأحد ثلاثة أمور: إما بالشهرة التي لا دافع لها، أو برفيعة عالمين، وفي العالم الواحد خلاف، فقيل: إنه تُقبل رفيعته مطلقاً، فتجب ولاية المرفوع ولايته، وقيل: تجوز ما لم تسأله، فلو سأل وجب، وقيل: ولو سأل فهي جائزة لا واجبة، وقيل: لا مُطلقاً إلا برفيعة عالمين، لأنها الحجة في الشهادة، وهل المرأة إن نزلت منزلة الرَّجُل في العلم بأحكام الولاية والبراءة تكون كالرَّجُل أم لا قولان، وهل العبد كالحر إن نزلت بتلك المنزلة قولان، وهل الأمة مثل المرأة في جميع ما ذكر قولان أيضاً، وأما الضعيف وهو من لا علم له بأحكام الولاية والبراءة، لا يكون حجة إلا إن رفع عن العالم، وهل إن رفع الضعيف عن العالم يكون حجة فتجب الولاية، أو تجوز، أو لابد من ضعيفين يرفعان عن عالم قولان، ومن أراد بسط ذلك فعليه بالمطولات؛ القسم الثالث: الخبرة (وهي بكسر الخاء وضمها، هي الإختيار، وقد تقدم الكلام عليها
مستوفياً.
- 219 - (1/219)
صفحة 220
تنبيه:
ليس على الضعيف من ولاية الأشخاص وبراءتهم، حتى يكون عالماً بأحكام ما يسع جهله وما لا يسع جهله، من أحكام الولاية والبراءة، وولاية الجملة وبراءة الجملة جُنة له، حتى ينزل منزلة من يكون حجة في أحكام الولاية والبراءة.
قال الإمام الخليلي بعد كلام له: وعلى هذا الولاية الدينية الظاهرية النظرية لا تجب إلا على البصراء بالنظر كما حققناه، ومحال أن يكون بصيراً من لا علم له، فإذا هي لا تجب إلا على العلماء، لكن لا على كل عالم بفن من العلم، بل على كل عالم بهذا العلم كما قررناه في هذه القاعدة، فإن قلت: فالضعيف إذا رأى من تجب على اء ولايته بالظاهرية، فما يكون له من الحكم في حقه؟ فأقول: سلامة الضعيف في وقوف الدين، وولاية الجملة، والشريطة، وبراءتها وكفى، فإن قلت: ولم لم يكن للضعيف أن يتولى هذه الولاية؟ فأقول: لأنه ليس من أهل النظر، وهو شرط فيها. أ هـ
العلماء
فالمشرك، أي: من أي صنف من أصناف المشركين المتقدم بيانهم، سواء كان شركه بالجحد أو بالتسوية، إذا أقر، أي: إعترف وصدق بالجمل الثلاث، وجبت ولايته، أي: بشرط أن يكون غير مكره عليها، ولا جار منه إقراره على سبيل الهزو، وجبت ولايته، أي: على من عرف منه ذلك، بشرط كونه عالماً بأحكام الولاية والبراءة، وأجاز الإمام الخليلي هنا، وفي الطفل المتولى بولاية أبيه
6
د. (1/220)
صفحة 221
إذا بلغ ولاية الرأي، قال: أنه يشترك في ذلك العالم والضعيف، وهنا يشاركها العالم الضعيف في ولاية الرأي، فليتأمل، أي: الجمل الثلاث: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن ما جاء به حق من عند الله، وإنما قال في المتن: وهى، ولم يقل: وهن، لأنهن كالشيء الواحد، ولهذا عبر بعض الأصحاب عنهن بالجملة، وأيضاً فقد ورد مثل هذا عن البلغاء، قال أبو الطيب:
فتلك الخيل وهي مسومات
البيت، فإن قُلت: من أين لك أن تقول: وإنما جاء به حق عند الله من الجملة، والنبي لا يدعو الناس إلى قول لا إله إلا الله محمداً رسول الله، ولم يرد عنه، ولا عن الخلفاء الراشدين، أن ما جاء به حق من عند الله؟ قلت: قد ثبت عنه، أنه قال: " يُؤمن عبد حتى يُؤمن بأربع، شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأني بعثت بالحق " (1)، وأيضاً فإن أصحابنا قد أجمعوا على وجوب الإقرار بذلك
قال القطب: وإنما يخرج من الشرك بالإقرار والإعتقاد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن ما جاء به حق. أ هـ.
وفي " الدليل ": إن بعض اليهود زعم أن محمداً رسول آتى الأميين دون غيرهم، فأمر المُسلمون بالإقرار، وأن ما جاء به حق، خروجاً من
(1) انظر الملحق .. (1/221)
صفحة 222
ضلالتهم، واستدل بالحديث أيضاً، وقوله تعالى: {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ باللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الحَقِّ} (1)، فليراجع، وقول المتن: ما لم يحدث كبيرة على الصحيح، تبع فيه كتب أهل المغرب، كـ " القواعد "، و " مختصره "، و " هامشه "، و " الوضع "، وغيره.
قال في " شرح النونية ": وولاية من رجع من الشرك إلى الإسلام، لقوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُعْفَر لَهُم مَّا قَد سَلَفَ} (2) وقوله: " الإسلام جُب لما قبله " (3)، أي: قطع. أ هـ. ولم يذكر غيره
وأما عبارة القطب عفى الله عنه في ذَهَبه: وتجب ولاية داخل الإسلام، ولو بيد مخالف، ما لم يُحدث كبيرة على الصحيح، أو يوقف فيه، إن دخل بعد ظهور الجورة، حتى يبرأ منهم قولان. أ هـ.
وفي " هامش القواعد " عند قول " المصنف ": فالمستجيب إلى الإسلام خارج من الشرك وجميع المعاصي، فإن مات قبل حلول الفرض عليه فهو مسلم، ما لم يكن منه حدث أو تفريط في شيء من الفروض، وقد قيل: أن المستجيب اليوم على خلاف المستجيب في زمان الرسول، أراد: أنه لا يتولى حتى يدين بالبراءة من الجبابرة ... إلخ، قوله: أراد أنه لا يتولى، أي: أراد صاحب هذا القيل، وكأنه مرجوح عنده، ولذلك حكاه بقيل. أ هـ كلامهما
فليتأمل
(1) سورة المائدة: 84.
(3) انظر الملحق.
(2) سورة الأنفال: 38. (1/222)
صفحة 223
وأما الإمام الخليلي، فعبارته: الحزب الأول من لم يكن مأخوذ
لما مضى، وصحت له الموافقة، كصبي بلغ، ومشرك أسلم، ففي ولايتهم ثلاثة أقوال، إحداها: ولايتهم في الحال؛ ثانيها: ينتظر بهم
الأعمال؛ ثالثها: ما قيل في الولاية الإصطفائية؛ حتى قال: فإن قلت فما ترى في هذا القول الأول، وهل عليه عندك المعول؟ قلت: وأما هو فغير خارج من النظر، كما أنه مشهور في الأثر، ومن الحجة فيه نقلاً قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعَنَكَ عَلَى أَن لا يُشرك كنَ باللهِ شَيْئاً وَلاَ يَسرقنَ وَلَا يَرْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَولادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ ببهتَان يَفتَرِينَهُ بَينَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعَهُنَّ وَاسْتَغْفِر لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1)، قيل: والإستغفار ولاية، وأما من النظر فقد ثبت لكل منها حُكم الإسلام، ولم يضيع فريضة بعد ولم يتهم بخيانة، فأولى به الأمانة، ولن يغلب الكفر على الإيمان من لنفسه إرتضاه ودان بمقتضاه، ولو مات على ذلك غير مبدل، لكان في الجنة جزماً، وأما أن يكون المعمول على هذا القول الأول، وأنه أصح ما قيل، فلا أرى ذلك ولا أقول به. أ هـ.
وأقول: إن النبي، إكتفى من الأعراب وأحلاف العرب بالشهادتين، ولم يلزم واحداً غير مفارقة الكفر وأهله، والكون مع الإسلام وأهله، ولم ينتظر بأحد في أمر ولايته شهرين ولا أقل ولا أكثر، فَمَن نِّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَن أُوفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيمًا} (2)، وقوله: على الصحيح، فيه إشارة إلى
(1) سورة الممتحنة: 12.
(2) سورة الفتح: 10. (1/223)
صفحة 224
القولين الآخرين، وكذا المخالف إذا خرج من مذهبه ودخل في مذهبنا، أي: إذا لم يمنع من ولايته إلا خلافه، فإنه تجب ولايته على الصحيح، وفيه الثلاثة الأقوال المُتقدمة، كما في المُشرك، وزاد القطب شرطاً وهو: كونه مُقلداً، فأما إذا كان متديناً مُجتهداً، فلا، حتى يتوب من بدعته تلك بعينها؛ وعبارته: تجب ولاية المخالف إذا دخل في مذهبنا، إن كان مُقلداً غير قاطع للعذر، وإن كان مجتهداً أو قاطعاً ا ماً للعذر، فلا، حتى يتوب من كل بدعة دان بها واحدة واحدة، ويعترف بالخطأ فيها عند كل من يعلمها منه ولو برسالة. أ هـ
لكن قوله: عند كل من يعلمها منه ... إلخ، فيه إشكال، لأنه علمها منه، ولم يتبعه عليها، فليس عليه إعلامه، بل عليه إعلام من إتبعه عليها، هكذا في الأثر؛ وعبارة " القواعد ": وإن كان المبتدع دعا إلى بدعته فاستجيب له، فأراد التوبة، فلابد له أن يذهب إلى من دعاه، فيعرفه أن الذي دعاه إليه ضلال، وأنه تاب إلى الله من ذلك. فإن غالوا وكانوا بحيث يعرف أثرهم وصل إليهم وعرفهم توبته وردهم عن ضلالتهم، فإن قبلوا فسبيل ذلك ... إلخ.
الولاية: ولاية الإمام العدل ومن تحته من الرعية إجمالاً، لأن الدار حينئذ دار عدل وإسلام، ومن الولاية، أي: ولاية الأشخاص على الصحيح، التي تجب، أي: وجوباً عينياً، ولاية الإمام العدل، أي:، وهو الذي صرح الأثر به أنه لا يسع جهله
المعاصر قال الإمام الخليلي: لكن وجوب ذلك على رعيته، إذ لابد من
- YYE- (1/224)
صفحة 225
إلتزام طاعته ديناً إن ثبتت إمامته، وإلا فبالعكس إن ظهرت عداوته. أ هـ
ومن تحته من الرعية إجمالاً، أي: من ثبت عليه حكمه من الناس
في الجملة من غير تعيين مخصوص
قال الإمام الخليلي: في الدار العدلية المجتمع عليها، وهي دار الإمامة المتسمي أهلها بدين أهل الإستقامة، فإذا صح ذلك منهم، وجرت الأحكام فيها بالعدل، فظهرت السُنن، وإنخمدت الفتن، بحكم الإمام المجتمع عليه، أو من له حكمه، فلأهل الدار حينئذ تثبت ولاية البيضة - فيما قيل - بالحكم الظاهر في الجملة، فيجوز لهم من حيث الجملة، ما يجوز للولي من الثناء والإستغفار؛ وقال في موضع آخر: دار الإمام العدل إذا كانت إمامته ظاهرة، ويده لأهلها قاهرة، ففي أهلها أقوال، أحدها: إن كل من إستقبل القبلة، ودان بطاعة الإمام، وجبت ولايته؛ وثانيها: الأول، إلا أنه قال: إذا لم يعلم منه مُخالفة الإمام، وإستقبل القبلة، على قول من يرى الموافقة بالقول، ورابعها: قول المغربي: إنه يتولى كل من رآه في زي أهل الدار، ولم تظهر منه مُخالفة لهم، وخامس الأقوال: إنه لا ولاية إلا بزيادة شروط الولاية الإصطفائية، وقد مضى القول عليها، والإختلاف هنا كما هو ثمة أيضاً. أ هـ
•
وأما أعوان الإمام، فأُمناؤه على العباد في البلاد، كوال، وقاض، ففيهم قولان، أحدهما: أنهم يتولون، لأنه لا يباح له تولية أهل الفساد،
- YYO- (1/225)
صفحة 226
اللهم
فهم تبع له في الولاية، وقول: هم كغيرهم من العباد، وأما عساكره وجنوده، وقد تقدم القول: أنهم يتولون في الجملة، على بعض القول، لا من حيث إفرادهم، ويلحق بالإمام العدل كل حاكم عدل على الصحيح، ولو لم تثبت له بيعة، إن سار بسيرة الإمام العدل، وقولنا: لأن الدار حينئذ دار عدل وإسلام، أي: بسبب حكمه الجاري على أهلها، ولو أن فيها فُساقاً أو أهل ذمة، قال رسول الله إرحم الأنصار والْمُهاجرين " (1)، وقال: " أسلم، سالمها الله، وغفار، غفر الله لها "، ومعلوم أن هذه ولاية في الجملة، ولا ينظر إلى كان تحت حكم الإمام، مقهوراً من الفسقة، وقد مضى أن حكم الدار لمالكها، أو لساكنها، أو للأغلب، نص عليه الإمام الخليلي، وإحتج عليه بقوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تُعمَلُ الخَبَائِتْ (2)، فلم يلتفت إلى بيت للوط (ال)، لأنه بيت بين ظهرانيهم، بل حكم على القرية بالفسق، حيث قال: {إِنَّهُم كَانُوا قَومَ سَوءٍ فَاسِقِينَ (3)، وإن كانت الدار إختلاطية، بأن ظهر فيها تدين بضلال أو بشرك، ولم تكن يد أهل العدل قاهرة، فلا يتولى إلا من صحت له الموافقة في القول والعمل، وللديار أحكام تطلب من
من
مظانها
ومن الولاية أيضاً: ولاية أطفال الْمُؤمنين؛ ومن الولاية، أي: من أقسامها، أي: ولاية الأشخاص، ولاية أطفال المؤمنين، أي: من ثبتت ولاية آبائهم وأمهاتهم، بأي وجه من أقسام الولاية المتقدم حكمها،
(1) انظر الملحق (3) سورة الأنبياء: 74.
(2) سورة الأنبياء: 74
- 226 - (1/226)
صفحة 227
لكنها ولاية بحكم الظاهر، ولو ثبتت لآبائهم ولاية الحقيقة، وقول: إن ولي الحقيقة يتولى ولده بالحقيقة، وهو الأصح لقوله صلى الله عليه وسلم: " تمام رضاعك في الجنة يابني "، في ولده إبراهيم (ال)، وثبوت ولايتهم بالتبع، لقوله عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتَهُم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَان} (1)، واتفق العلماء على ولاية ولد المتولي بولاية أبيه، واختلفوا في ولايته بولاية أُمه، والصحيح أنه يتولى بولايتها، لأنها تجره إلى إسلامها، إذا أسلمت وأبوه مُشرك، والمعتوه إذا بلغ معتوهاً وأبوه متولي، فكذلك يتولى بالتبع، وأما إذا كان ولياً قبل كونه معتوهاً، فإنه يبقى على ولايته لإنكسار القلم بعد أن يكون معتوهاً، واختلفوا في مولى المتولى وعبده، إذا كانا طفلين، والشيخ الخليلي يميل إلى أنه تبع لأبيه لا لسيده، إن يكن له أب في الإسلام وعبادته إن كان لهم أبوان في الإسلام ولو مملوكاً، فلهم في الولاية حكمه لأنهم ذريته ولا فرق، وإن لم يكن لهم في الإسلام أب ولا أم، فلا يكونون في هذا الموضع تبعاً لآبائهم المجهولين، لأنهم في حكم من لم يُدر منه خير ولا شر، ولا يصح لهم تبع لآبائهم لو كانوا مُشركين، لأنهم تبع للإسلام، فيما لهم من الأحكام. أ هـ.
وفي " الأثر المغربي ": يصح ولايتهم بالتبع لسيدهم وهو الظاهر
وإن كان القول بعدم ولايتهم بالتبع مشهوداً، فإذا بلغ المتولي بالتبع.
فقيل: إنه باق على ولايته، ما لم يقع منه ما يوجب خروجه عنها، والأصح إنه يوقف عنه كغيره، حتى يثبت له موجبها فيتولى أو العكس
(1) سورة الطور: 21.
،
6
- 227 - (1/227)
صفحة 228
فليبرأ منه، فلو غاب قبل البلوغ، فالقولان ثابتان، إذا صار بحد من يمكن بلوغه بسن أو شهادة عدلين أو شهرة قاضية، لأنه يمكن بقاؤه
فيحكم عليه بحكم نفسه، ويمكن موته فيكون ولياً بالتبع لأبيه
تنبيه:
من الولاية: ولاية الرأي، والسؤال، والشريطة، وكلها في حق الضعاف لا الأعلام، وذلك أن يقع من الولي حدث محرم في غير الجملة وتفسيرها، لكن لا يعلم الضعيف الحكم عليه، فإنه يتوسع بهذه الأقسام فيه، فيتولاه على أشتراط البراءة منه، إن كان حدثه
تجب به البراءة، أو على إعتقاد السؤال في حدثه، حتى ينزله منزلته
أو يتولاه بالرأي على ذلك، وهذه طريقة المشارقة؛ وأما المغاربة فإنهم يتوقفون في الفعل، ويبقون الشخص على حاله، وسيأتي، والله
،
:
أعلم. وأما البراءة: فقد تقدم أنها البغض واللعن للكافر لكفره، أي: أما الولاية، فقد تم الكلام عليها، وأما البراءة ... إلخ، ولها معنى لغوي ومعنى شرعي، أما اللغوي: فهي المفارقة والتخلص عن الشيء، وأما الشرعي، فكما في المتن: إنها البغض واللعن للكافر ... إلخ، وأدلتها تقدمت في باب الولاية، وإنما قُلنا: إنها البغض واللعن ... إلخ، لأنها ضد الولاية،، وهي منقسمة إلى: براءة الله من عبده، إذا خذله ـ كما تقدم ـ فخذلان الله عبده هي براءته منه، وقيل: علمه به وبمنزلته في جهنم (أعاذنا الله منها، وإلى: براءة العبد من نفسه، وذلك حال
- YYA- (1/228)
صفحة 229
مقارفته لذنبه وعصيانه لربه، وإلى: براءة الشخص من غيره، إن شهر
صح
ذلك
عنه ما تجب به البراءة من قول، أو عمل، أو إعتقاد،، أو بالبينة العادلة، وهي شهادة عدلين ما، تجب به البراءة، وهل تجوز المرأتان مع العدل، إن نزلتا منزلة من تؤخذ منه البراءة، وكذا العبد
إن نزل تلك المنزلة قولان
•
وفي " شرح النونية ": وأن البراءة تؤخذ بأحد خمسة أسباب: إقرار المرء على نفسه بفعله كبيرة، وبإتخاذ الخطأ ديناً ومشاهدته على كبيرة أو صغيرة مصراً عليها، وبشهادة عدلين ممن تقوم بهما الحجة في الولاية والبراءة، وبالشهرة التي لا تدفع. أ هـ.
تنبيه:
أنكر براءة الأشخاص بعض القوم على ما يوجد في الأثر، وليس بشيء،، فإن علة براءة الجملة عدم الوفاء، وهو بعينه علة براءة
الأشخاص
قال الإمام الخليلي (رضوان الله عليه): فلا تركن إلى قول من لا يرى البراءة إلا في الجملة دون الأفراد، فإنه لقصور علم وركاكة فهم ... إلخ.
وإنها تجب براءة الكافرين جملة، ومن لم يبرأ من جملتهم، فقد أشرك؛ وإنها، أي: القصة والشأن، تجب على المكلف براءة الكافرين، أي: من الأولين والآخرين جملة، أي: حال كونهم جملة، (1/229)
صفحة 230
أو في الجملة، سواء كان كفرهم شركاً أو نفاقاً، ومن لم يبراً من جملتهم، فقد أشرك لرده على الله حكمه فيهم، قال الله تعالى: {أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} (1)، وقال: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ} (2)، في أمثالها، وقد تقدم في باب الولاية أكثر من هذا.
وفي " شرح النونية ": وأن البراءة أيضاً قسمان: براءة جملة، وبراءة أشخاص، فالأولى - كما سبق -: هي أن يتبرأ المكلف عند أول بلوغه من جميع العاصين والعاصيات، والمشركين والمشركات، من الإنس والجن، والأحرار والعبيد، المعروف له منهم وغير المعروف من أول الدُّنيا إلى آخرها، من غير قصد إلى معين
،
وفي كرسي الإمام الخليلي (قدس سره): في البراءة الحقيقية للجملة الوصفية، وهذه هي المعروفة عندنا بالبراءة في الجملة من كل عدو لله.، من مشرك أو منافق فاسق، فالبراءة من أهل هذه الصفات حقيقية بنص الكتاب، والأصل فيه قوله تعالى: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} (3)، {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَاوَاهُمُ النَّارُ) (4)، وما يشبههن من الآيات؛ فالبراءة في الجملة واجبة لأهل هذه الصفات، من دون تعلق بالذات إلا بحكم الظواهر، وهذه البراءة من كل عدو لِلَّهِ، هي الْمُسماة عندنا: ببراءة الجملة الحقيقية، في كُتب الشيخ يسميها: البراءة الشرطية. أ هـ.
(1) سورة التوبة: 3 (3) سورة الفتح: 6.
(2) سورة التوبة: 68. (4) سورة السجدة: 20.
- (1/230)
صفحة 231
وفي " القواعد ": في براءة الجملة، وهي فريضة على كل مكلف في حال البلوغ، كالولاية حذو النعل بالنعل، ففرض البراءة على كل مكلف، أن يبرأ من جميع أعداء الله من الأولين والآخرين، من الجن والإنس أجمعين إِلَى يَومِ الدِّينِ، من غير قصد إلى أحد بشخصه من الكافرين، هكذا توحيد، والترك لشيء من ذلك شرك، والجهل بأن الله أوجب على العمل بها ثواباً كفر وشرك، والإنكار لوجوبها شرك أيضاً. أ هـ.
أقول: إذا سمعت ما تلوناه عليك من آثار المُسلمين، فلا تغفل أن هذا مشروط بقيام الحجة التي ينقطع بها عذر المكلف، وإلا فلا تكليف إلا بها ـ كما تقدم غير مرة ـ.
وكذا براءة المنصوص عليه بالشر واجبة، وهو من ذكر الله في كتابه، أو على لسان رسوله، باسم أو صفة، أنه من أهل النار، وأنه كافراً، وما أشبه ذلك، كأبي لهب، وَكَالَّذِي تَوَلَّى كِبَرَهُ من العصبة: {الَّذِينَ جَاءُو بالإفكِ} (1)، ونحو ذلك، أي: ومثل وجوب براءة الجملة، براءة المنصوص عليه، أي: الثابت عليه حكم من الله تعالى بالبراءة أو بالكفر واجبة،: أي على من قامت عليه الحجة بذلك من المكلفين، وهو المعبر عنه في كتب الشيخ أبي سعيد (رحمه الله)، ببراءة الحقيقة، وهو من ذكر الله تعالى في كتابه، أي: القرآن، وكذا كل كتاب من الكتب السماوية المتقدمة، حكمها حكم القُرآن، أو على لسان رسوله له وهو سيدنا محمد، وكذا
(1) سورة النور: 11
- (1/231)
صفحة 232
،
كل رسول من الرُّسُل المتقدمين باسم، أي: كفرعون، وهامان وقارون، أو بصفة: كأصحاب الرس، وقوم هود، وقوم صالح، وأصحاب الاخدود، أنه من أهل النار، أي: من أهل عذاب الله تعالى، أو أنه كافر كفر نعمة، أو كفر جحود وإنكار، وما أشبه ذلك مما يؤول إلى سخط الله وعذابه، كأبي لهب، لقوله تعالى: تبت يدا أبي لَهَب وَتَبْ) (1)، فإن التب: الخسران والهلاك، وكذلك: الذين جَاءُو بِالإِفكِ عُصْبَةٌ مِّنكُم لَا تَحْسَبُوهُ شَراً لكُم بَل هُوَ خَيْرٌ لَكُم لِكُلِّ امريء منهُم مَّا اكَتَسَبَ مِنَ الإثم وَالَّذِي تَوَلَّى كِبَرَهُ مِنهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (2)، أي: الكذب في حق السيدة عائشة (عليها السلام)، والقصة مشهورة في كتب الأحاديث والتفاسير؛ قيل: أن المتولي كبره ابن أبي أخزاه الله، لكن لا يلزم البراءة منه بالحقيقة، إلا مع من له ذلك بالشهرة التي لا دافع لها بخلاف الصفة في الآية، فإنه يبرأ منه حقيقة، واعلم أن المنصوص عليه إما جملةً، وإما أفراداً وإما صفة، أو باسم - كما تقدم - فالجملة ظاهر معناها كقوله تعالى: وَقَومَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَعْرَقْنَاهُم) (3)، في أمثالها من الآي، والمفرد المُسمى: كَأَبِي لَهَبٍ، والموصوف: كـ {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ
صح
الحَطَّبِ) (4).
قال الإمام الخليلي في البراءة الحقيقية للجملة العينية: هي ما عينت لذوات معروفة، كالشياطين، وقوم نوح، وعاد، وثمود؛ إلى أن قال: فالبراءة منهم بأعيانهم واجبة بالحقيقة، على كل من تأدى
(1) سورة المسد: 1 (3) سورة الفرقان: 37
(2) سورة النور: 11.
(4) سورة المسد: 4.
- 232 - (1/232)
صفحة 233
ذلك إليهم من العلم الذي يوجب الحقيقة؛ حتى قال: فإن قلت: إن كانت هذه الحقيقية، فالبراءة جنسية لشمولها الكل؟ فأقول: نعم هي في الكلام بحكم الحقيقة، وذلك في الجملة لازم بنص الكتاب؛ ثم قال: قد سبق أن الجملة نوعان: عينية ووصفية؛ فالعينية: ما عينت لذوات معروفة، والوصفية: ما دلت على صفات مألوفة؛ فالأولى منهما لشمول الأعيان جميعاً، لا تقصر على فرد أبداً من نوع ذلك الجنس، الذي صح فيه حكم الحقيقة من ولاية أو براءة، فمن لزمته ولاية الجملة للملائكة (عليهم السلام، ثم صح معه أن إسرافيل و عزرائيل (سلام) | الله عليهما ملكان، وجبت عليه لهما الولاية في الأفراد، ومن لزمته البراءة العينية من الشياطين، وعلم أن منهم إبليس (لعنه الله)، وجبت عليه له العداوة الحقيقية، ولم يكن عليه سؤال عن صفة إبليس وعمله، ولم يجز له الشك فيه؛ وأما الجملة الوصفية، فكذلك يندرج تحتها كل نوع من أهل جنس تلك الصفة، ولكن لا يحكم على الأفراد بحقيقة إتصافهم بهاتيك الصفة إلى الممات، لأنه من الغيب، فمنع الحقيقة لقصور علمنا عن الحكم عليهم بثباتهم على حقيقة الإتصاف، لا لقصور عن حقيقة في الحكم لأهل تلك الصفة:
،
فقد بلغ العلم اليقيني الحقيقي، أن كل من استقام على الدين فهم من أهل الجنة قطعاً بنص الكتاب، ولكن لم يصح عندنا العلم القاطع في أحدٍ أنه من أهل الإستقامة إلى الممات، لما فيه من المحتملات التي
إنفرد بها عالم الغيب والشهادة.
إلى أن قال في البراءة الحقيقية من الأفراد: وهي أيضاً على نوعين؛
- 233 - (1/233)
صفحة 234
النوع الأول: البراءة الحقيقية العينية: وهي كل من ثبت اسمه في كتاب الله تعالى، وذكر فيه بالوعيد واللعن، أو الشتم، أو الذم، كفرعون، وهامان، وآذر، فالبراءة منهم واجبة بالحقيقة، وكذا من ثبت فيه ما يوجب براءة الحقيقة عن لسان نبي أو رسول؛ ثم قال: النوع الثاني: في البراءة الحقيقية الوصفية من الأفراد: وهو كل من لم يذكر اسمه بعينه، وإنما ذكر بصفة يعرف بها، وهم في الوجود طائفتان لا سوى، فالأولى: شيطانية، وهي أم الخبائث، وقد بقي في الكتاب من صفة قائدهم إلى النار، ما كثر قوله تعالى في الشيطان الرجيم: وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ} (1)، {إِنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (2)، والبراءة والعداوة واجبة ممن حلي بهذه الصفات القبيحة، عند كل من انتهت إليه من كتاب الله، كذلك ولا تجب بها البراءة منه بالاسم إلا على من عرف التأويل يقيناً؛ والطائفة الثانية: الإنسانية، وهم رجال ونساء: وكل يوجد فيه ذلك من شرار الفريقين، فالرجال: كقوله تعالى: وَاتِلُ عَلَيهِم نَبَأَ الَّذِي أَتَيْنَاهُ أَيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ) (3)، فالبراءة واجبة من هذا بالصفة لا بالغير، إلا من علم يقينا من التأويل أنها نزلت في أحد معروف العين عنده، فتجب عليه العداوة الحقيقية؛ ثم قال: والنساء: كقوله تعالى: {ضَرَبَ اللهُ؛:: مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحتَ عَبْدَينِ مِن عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَم يُغْنِيَا عَنهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ الله (4)، والحكم فيهما بالعداوة الحقيقية الوصفية كما
(1) سورة الحديد: 14
(2) سورة البقرة: 168، 208؛ سورة الأنعام: 142؛ سورة يس: 60؛ سورة الزخرف: 62. (3) سورة الأعراف: 175
(4) سورة التحريم: 10. (1/234)
صفحة 235
مضى. أ هـ مع حذف.
ومن الواجب البراءة ممن شوهد، أو شهر، أو أخبر عنه متوليان، أنه يأتي كبيرة، أو مُصر على معصية، لأن الإصرار كبير، والله وعد تكفير الصغائر مع إجتناب الكبائر؛ ومن الواجب، أي: على المكلف إذا نزل منزلة من يجب عليه ذلك بعد قيام الحجة، البراءة، أي: المفارقة الدينية من كل شخص شوهد، أي: علم منه أنه يأتي كبيرة، أي: يفعلها، وفسرت المشاهدة بالعلم، سواء كان ذلك بعيان، أو سماع، أو إقرار، إذا أقر بذلك على سبيل السرور بهما أو الإفتخار، وشرطه أن لا يكون له محتمل، فلو احتمل له وجه يخرجه من الحق البتة. أ هـ
وقولنا: يأتي كبيرة - تقدم ضبطها -: أنه ما وجب به حد في الدني ووعيد في الآخرة وما أشبهه، وما قبح فاعله، وهي لا تعدو ثلاثة أقسام: شرك، وإستحلال، وإنتهاك، وضابطها: واجب الترك، وترك الواجب، واختلف في المظالم، فقيل: أنها كبير مطلقاً، وقيل: ما خرج في معنى الأموال، على معنى السرق والتلصص، فلا كبير حتى يكون قيمته أربعة دراهم، وكذا في الأنفس، فكلما أوجب قصاصاً فكبير، تشبيهاً له بالحد، وقول: ولو رمية ببعرة، وأما الخارج على معنى البغي والحرب، فهو كبير مُطلقاً، ولا خلاف فيه أو شهر، أي: إشتهر شهرة حق لا دافع لها وهي بضم الشين)، ولا تنحصر بعدد، وضابطها ظهور الشيء بلا لبس، وهي عرفاً ما كان من خير متواتر
متواطئ عليه، حتى يرتفع الريب ويثبت العلم اليقيني. (1/235)
صفحة 236
قال فقيه العصر في مشارقه: وحاصله إن لشهرة الحق شرطين:
أحدهما: أن تكون صادرة عن أهلها؛ وثانيهما: أن لا يعارضها من أهلها معارض، مثال ذلك: أن يصدر من بعض المحقين خبر، ويصدر من البعض الآخر خبر يخالفه، فإن كل واحد من الخبرين المتعارضين آحادي ليس بشهرة، أما إذا كان الإنكار صادراً من غير أهلها، فلا يعبأ به، وذلك كإنكار أهل الخلاف للشهرة القاضية بحقية أهل النهر، فإنه إنكار صادر على سبيل الدعوى منهم، وها أنا أُبين أهل الشهرة، فأقول: هم جماعة لا يمكن تواطوء مثلهم على الكذب عادةً، بأن كانوا من جهات شتى، فلا يشترط فيهم تعيين عدد، خلافاً لمن قال:
بتعيين
العدد فيهم
أهـ
أو أخبر عنه متوليان، أي: شهد عليه المتوليان وإن ضعيفين، لأن الشهادة يشترط فيها العدالة، ولا يشترط كون الشاهد عالماً، فشهادة المتولي مقبولة ولو ضعيفاً، لكن على الضعيف أن يفسر الحدث، وقول: لا تقبل من الضعيف مطلقاً، وقول: لا تقبل من الضعيف على عالم أو إمام، وبعض فرق بين الأحداث، فقال: ما كان فيه العالم والضعيف سواء، كالزنى والشرك، فلا تفسير على ضعيف ولا على عالم، ما كان من الأحداث لا يصل إليه إلا العالم، كتجوير الحاكم في حكمه، وأخذ مال الله من غير موضعه، فهذا ونحوه يشترط فيه شهادة العلماء، وحيث اشترط في باب الولاية والبراءة العلماء، فالمراد بهم عُلماء الفن، وفي المشهود عليه لابد من أن يكون حاضراً على الصحيح، أما الأموات فلا تقبل الشهادة عليهم، لعدم إمكان
- 236 - (1/236)
صفحة 237
حضورهم، وبعض جوز الشهادة على غير الحاضر، فالأموات ما لم يكونوا عُلماء أو أئمة، فلابد من أن يلحقهم الإختلاف السابق، أما العلماء والأئمة، فقد حكى الإجماع على عدم جواز الشهادة عليهم بعد موتهم، وهل يشترط في الشاهد أن يكون حراً، ذكراً، بالغاً، تشبيهاً للبراءة بالحدود، فلا تجوز شهادة النساء، أو تجوز مع الرجال كالحقوق، قولان، وكذا العبد أو مُصر على معصية، الإصرار:: لغة الإقامة، وعرفا: عدم الإنقلاع عن المعاصي، سواء كانت المعصية كبيرة أو صغيرة
قال الإمام الخليلي: والإصرار عرفاً: عبارة عن الثبوت على الشيء بلا إقلاع عنه، وقد اختلف في المدة التي يحكم فيها بالإصرار على من ركب الصغائر من الذنوب، فقيل: ما لم يتب من حينه فقد أصر؛ وفي قول آخر: ما لم يعزم على ترك المتاب، وذلك لا يعرف حتى يستتاب، فإن امتنع فقد أصر، وكذلك إنَّ بإصراره أقر، ومن فعل الصغير متهاوناً به، أو مستخفاً بعقابه، فذلك كبير من جرمه لعظم إثمه. أ هـ
لأن الإصرار كبيرة، أي: لقوله صلى الله عليه وسلم: " هلك المصرون " (1)، ولقوله أيضاً: " لا كبيرة مع الإستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار " (2)، وللإجماع على أن الإصرار كبير، وقد نوه إلى ذلك الكتاب، كقوله تعالى: {وَلَم يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُم يَعلَمُونَ} (3).
(1) انظر الملحق. (3) سورة آل عمران: 135
(2) انظر الملحق.
- YTY- (1/237)
صفحة 238
وفي " الكشاف ": في هذه الآيات بيان قاطع، أن الَّذِينَ آمَنُوا على: ثلاث طبقات: متقون، وتائبون، ومصرون؛ وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرين، ومن خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه. أهـ
والله وعد تكفير الصغائر، مع إجتناب الكبائر، أي: لقوله سبحانه وتعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهُونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وندخِلَكُم مُّدخلاً كَريماً) (1).
قال في " شرح النونية ": إن في وجود الصغير عند أصحابنا خلافاً، فقيل: لا وجود لها أصلاً، وقيل: أنها موجودة في نفس الأمر، ولكنها غير معلومة لنا، وقيل: موجودة فيه معلومة لنا، كالتبسم الغير المباح، ونية المعصية والهم بها، ويمكن رد القول بعدم علمها إلى القول بعدم وجودها، لأن السالبة تصدق بنفي الموضوع، كما هو مقرر في علم الميزان الحاوي له أهل التقى والإتقان، وإن في الآثر عن غير واحد: أن الصغائر تحط عن العبد يإجتنابه الكبائر وبفعله الطاعات، الإستثناء الله إياها، بقوله تعالى: {إِلا اللّمَمَ) (2)، وقوله: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ} (3)، أي: أن الصلوات الخمس يكفرن الصغائر
لمن اجتنب الكبائر، وكذلك الصوم من رمضان إلى رمضان والجمعة إلى الجمعة، والعُمرة إلى العُمرة، كل هذه المعاني تكفر الصغائر لمجتنب الكبائر، وأما من كانت معه كبيرة، فإنه يُعاقب عليها
(1) سورة النساء: 31 (3) سورة هود: 114.
(2) سورة النجم: 32.
،
- YTA- (1/238)
صفحة 239
وعلى الصغير معاً، لقوله تعالى: و لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً} (1)، فأخبر أنه تعالى أحصى عليهم صغير الذنوب وكبيرها، والمراد من إجتناب الكبائر ما يعم التوبة منها بعد ملابستها، لا ما يخص عدم مفارقتها بالمرة، وأما إجتنابها بعد التلبس بها من غير توبة، فلا تكفر به الذنوب الصغائر بالنسبة لتلك الكبائر، ولا ينحصر مكفر الصغائر في إجتناب الكبائر، لقوله تعالى: {إِنَّ الحَسَنَاتِ} (2)، وقوله: اتبع السيئة الحسنة تمحها " (3)، وقوله: " من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، أي: بسوء، غفر له ما تقدم من ذنبه " (4)، وفي رواية: " لا يتوضأ مسلم فيحسن الوضوء فيصلي صلاة إلا غفر له ما بينها وبين التي تليها " (ه)، وكذا المصائب تكفر الصغائر كذلك. أ هـ.
"
وإذا سمعت ما تلوناه عن الإمام عبد العزيز، علمت إختيار الْمُؤلّف: أن الصغائر لها وجود في الخارج، وفاقاً للجم الفقير من أهل
المذهب وغيرهم
قال الإمام الخليلي: وأما الصغائر فهي ما عدا الكبائر من المعاصي مطلقاً، كقبلة، ونظرة، ومس في بدن أجنبية، لا على ما جاز ولو لعذر، ولا في الفرج على عمد، فكبيرة؛ وعلى قول آخر: فجميع المعاصي كبائر، وكأنه قول من إستغرقته هيبة الجلالة فأسكرته
،
ودهشته بوارق العظمة فحيرته، فأتى في مقاله بلسان حاله، وَالَّذِي يطابق
(1) سورة الكهف: 49
(3) انظر الملحق. (5) انظر الملحق.
(2) سورة هود: 114.
(4) انظر الملحق. (1/239)
صفحة 240
مفصل الشريعة الأول، بدليل الثابت في نص الكتاب، من مثل قوله تعالى: وإِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهُونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيُدخِلكُم مدخلاً كَريماً) (1)، وقوله تعالى: {وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَال هَذَا الكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبيرَةً إِلا أَحصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (2)، ومن السُنة، كقوله: " لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع إستغفار " (3). أ هـ.
فالبراءة من أئمة الجور، وممن تبعهم على جورهم، أو أعانهم، واجبة؛ (الفاء) فصيحة، أي: واقعة جواب شرط مقدر، والبراءة، تقدم معناها: أنها المفارقة الدينية من أئمة الجور، أي: المائلين عن القصد لمخالفتهم الله ورسوله فيما يأتون وما يذرون، وممن تبعهم، أي: سار سيرتهم وإقتفى أثرهم، على جورهم، أي: ميلهم عن القصد لظلمهم عباد الله تعالى في بلاده، أو أعانهم، أي: على جورهم، قال سبحانه وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالعُدوان} (4)، فمن أعان جائراً فهو جائر، وقوله تعالى: {وَلا تَرَكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} (ه)، وقوله تعالى: {وَلَا تُطِع مِنهُم أَثِماً أَو كَفُوراً} (6)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله الظلمة، وأعوانهم، وأعوان أعوانهم، ولو ببرية قلم، أو بمدة دواة "، رواه جابر بن زيد رحمه الله، واجبة، أي: على من قامت عليه الحجة
(1) سورة النساء: 31.
(3) انظر الملحق. (5) سورة هود: 113
(2) سورة الكهف: 49.
(4) سورة المائدة: 2. (6) سورة الإنسان: 24.
1 YE- (1/240)
صفحة 241
من
المكلفين، وهذا كما ترى في مقابلة ولاية الأئمة العدل، فكما تجب لهم الولاية والنصرة والقيام بالأمر، فهؤلاء على العكس من أولئك.
قال في " القواعد ": ولا يبرأ من جميع من كان تحت لوائه، لأنه قد يكون المسلمون تحت لوائه بالتقية، فيسوغ لهم ذلك؛ إلى أن قال: والأصل في هذا ما روي عن النبي، قال: " قدموا قريشاً ولا تتقدموها، وتعلموا منها ولا تعلموها، وأطيعوهم ما أقاموا فيكم كتاب الله وسنتي، فإذا عصوهما، فلا طاعة لهم عليكم، ثم خذوا أسيافكم واجعلوها على عواتقكم، واضربوهم بها حتى تبيدوا خضراءهم، وإلا فعيشوا تحتهم حراثين فدادين، حتى تلقوني بأسوإ حال " (1)؛ فالواجب على الإنسان، إذا رأى داراً الغالب عليها الجبابرة والحكا الضالة المضلة، أن ينسب الدار إليهم، فيسميها دار الجور والظلم. ويبرأ من كل من دان بطاعتهم، مع انقياد الرعية إلى أحكامهم الجائرة. وديانة العامة المسخرة بطاعتهم، ويبرأ من كل من دان بطاعتهم،
واحتطب في حبالهم، ولا يتولى منهم أحداً إلا من يعرفه أنه موافق للمسلمين في أقوالهم وأفعالهم. أ. هـ.
تنبيه:
،
تعلم هنا خلاف أئمتنا لغيرهم، فإنا لا نجوز شد عضد جائر، ولا إعانته على جوره، بل نبرأ منه، ونفتي بالخروج عليه مع الإمكان،
(1) انظر الملحق.
- YES- (1/241)
صفحة 242
خلافاً لمن قال من القوم: إن السُلطان لا يجوز الخروج عليه، وإن بدل الأحكام، وطمس معالم الإسلام، ما لم يكن فعله شركاً، حتى أن الخطيب الشربيني في " شرحه على المنهاج "، قال: لا يجوز الخروج عليه، ولو كان الخارج مُحقاً، والسُلطان مبطلاً، ونقل ابن حجر، عن الغزالي في " شرح الهمزية ": أن الحسين خروجه على يزيد باطل وأنه قتل بسيف جده، وهذا باطل، ترده النصوص المتقدمة
،
والبراءة من المرتد إلى الشرك وقتله واجب، في كل زمان، أي: ومن الواجب مع قيام الحجة على المكلف، البراءة ... إلخ - وتقدم معناها غير مرة - من المرتد، أي: الراجع من الإسلام إلى الشرك، إلى، أي: نوع من غير الشرك، الهلع، والإكراه، والرياء - كما تقدم آنفا - كان إسلام الراجع إليه أصلياً، بأن كان بالغاً، عاقلاً، مسلماً، أو تبعياً، بأن كان محكوماً بإسلامه بعد بلوغه لإسلام أبويه، أو أحدهما، ولا اعتداد بشرك الطفل وقتله، أي: المرتد إلى الشرك إن لم يتب، واجب وجوب ذلك بالسُنة وإجماع الْمُسلمين، قال: " من بدل دينه فاقتلوه " (1)، وهل المرأة كالرجل إن إرتدت؟ الصحيح نعم، وخالف بعض، فقال: لا لخروجهن من خطاب الرجل في كل زمان، أي: لا يقيد الحكم عليه بذلك بوقت دون وقت، أما وجوب البراءة، فمن قوله تعالى: {وَمَن يَرتَدِد مِنكُم عَن دِينِهِ فَيَمُت وَهُوَ كَافِرٌ} (2)، وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسلامِ دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنْهُ} (3)،
(1) انظر الملحق
(3) سورة آل عمران: 85.
(2) سورة البقرة: 217
6
- 242 - (1/242)
صفحة 243
وقوله تعالى: {وَمَن يَكفُر بالإيمَان فَقَد حَبِطَ عَمَلُهُ} (1)؛ وأما وجوب القتل، فمن الحديث المتقدم ومن الإجماع؛ لكن قال عُمر بن الخطاب (ه): يُستاب ثلاث مرات في ثلاثة أيام، تعرض عليه التوبة في كل يوم مرة، فإن أبى قتل، وتوبته أن يقر بالجمل الثلاث، وبالرجوع عما أشرك به من قبل، لأنه إذا فعل أو قال خصلة شرك، فقد خرج من الإسلام، ولا دخول فيه بدون الجمل.
قال القطب على الله عنه: ولا تُسبى ذريته، ولا يغنم ماله، أو: تسبى ويُغنم إن لحق بدار الحرب قولان، ويُقتل الرابع من بني أبنائه ويُسبى أو الثالث قولان، وولده الطفل من جملة يتامى المُسلمين، وكذا طفل ولده ـ عند بعض - ويُقتل ولده البالغ إن أبي الإسلام، ومال لأهل دينه الذين ارتد إليهم، أو لورثته المُسلمين وهو ضعيف، أو ما سعاه في دار الإسلام لهم، وما في دار الحرب لورثته في الشرك أو لبيت المال أقوال، وبطل ما عمل قبل الإرتداد ولو زلة وتاب ويُعيده أو يُعيد الحج فقط مُطلقاً، أو إن وجدت شروطه حين تاب، أو لا يُعيد شيئاً ويُثاب على عمله إن مات تائباً، ولا يُعيده وهو الصحيح، أو يُعيده وما فاته من الفرائض حال الإرتداد أقوال، ولزمه غسل جسده إذا تاب وما مسه بلله أو ما نجس فقط قولان، انظر التفسير، ويبدل الله سيئات من تاب من شرك أو نفاق وحسنات، ومعنى هذا: أنه يرجع إلى عمل الحسنات بالتوفيق أقوال، ولا إعادة على المنافق الموحد باتفاق، ولكن لا ثواب له إن لم يتب، وحرمت على المرتد زوجته، ومثله من
(1) سورة المائدة: 5 (1/243)
صفحة 244
اطلع فيه على خصلة شرك حادثة في أحكامه السابقة كلها، وإن كانت منذ كلف، فحكمه حكم المشرك، أو لا تحرم زوج من فيه خصلة شرك مما هو زلة قولان، وكذا في الإرث والذبائح والدفن مع الموحدين، وتوبة المرتد الإقرار بالجمل الثلاث، ولابد أيضاً أن يبرأ من كل دين خالف الحق، وهذا أيضاً في كل مشرك تاب أو يكفي مُطلقاً لا إله إلا الله محمد رسول الله، لأنه إذا كان رسول الله، فكل
ما جاء به حق من كونه إلى الكافة، وكون القُرآن من الله، أو هذا في
زمانه، أقوال. أ هـ
•
والراجع عن مذهبنا نبرأ منه ولا نقتله، إلا إن طعن في مذهبنا طعناً صريحاً، لا لمجرد إعتقاد ديانته؛ الراجع عن مذهبنا، أي: عن مذهب الأباضية المحقة، إذا كان على الإعتقاد الصحيح قبل، ثم خرج عنه إلى أي مذهب من مذاهب المبتدعة، بأن صوب ديانتهم، أو تبرأ من أحد من أئمة المُسلمين، أو من جملتهم، أو نسبهم إلى الخطأ
،
أو الضلال، فيما دانوا به، وقطعوا عذر من خالفهم فيه، نبرأ منه وهو حقيق بذلك ولا نقتله، لأنه لا تحل الدماء بالتدين بأديان جميع مذاهب أهل الإسلام، إلا إن طعن، أي: ذلك الخارج في مذهبنا، طعناً صريحاً، بأن يخرج في تضليل أهل المذهب، أو سبهم بما ليس
فيهم.
قال بعض الأئمة: والطعن في دين المُسلمين كبيرة عندنا، ويحل
بها دمه. أ هـ
- YEE- (1/244)
صفحة 245
والأصل في ذلك، أنه،، دس على كعب بن الأشرف، فَقُتِل
لشتمه إياه، وروي عن الإمام عمروس بن فتح (رحمه الله)، أنه قال لأبي منصور: إن لم تأذن لله بثلاث، فخذ خاتمك عني: الدال على عورات المُسلمين يُقتل، والطاعن في دين المُسلمين يُقتل، ومانع الحق يُقتل، ولقد ورد عن أبي بلال (رحمه الله، ما يُؤيد قول عمروس في الطاعن، حيث قال لمن قال: إن فرسك هذا لحروري، فقال له أبو بلال: وددت أني وطئت بها على بطنك في سبيل الله، ولكن يا فتى أحسن حملان رأسك، فأشار إلى جواز قتله على قوله: فرسك هذا حروري، فلو تاب الطاعن مما طعن به فمقبول منه، ولا قتل عليه، والمخالف إذا طعن ثم رجع إلى دين المُسلمين، فرجوعه رجوع عن طعنه ولا شيء عليه، ومن صوب من طعن في دين المُسلمين، فهذا أشد من الطعن، والأمر بالطعن في الْمُسلمين والمستحل لذلك طاعن، وأما من صوب مذهبه، أو خطأ ما يخالف مذهبه من الاعتقاد، كالقول: بعدم خلق القُرآن ونحوه، فليس بطعن، وهذا هو المراد من قولنا، لا لمجرد اعتقاد ديانته، فإن المتدين ينقض على من خالفه في اعتقاده، ويأتي على قوله بالحجج، وليس ذلك بطعن في مذهب الغير، وعبارة القطب في ذهبه، تجب براءة من رجع منا إلى مذهب المخالفين الذي هو ديانة، ويُقتل إن طعن في مذهبنا، كما فعل
بخردلة بأمر جابر، حين رجع إلى المخالفين وطعن فينا. أ هـ.
وفي " الدليل ": وأما قول القائل: ما أفضل الجهاد يا أبا الشعثاء؟ فقال له جابر: قتل قاتل خردلة، وخردلة رجل من المُسلمين، قتله
- 245 - (1/245)
صفحة 246
رجل فأشار به إليه، فقال: لا حتى تضع يدك عليه، فإني أخشى أن أقع في غيره، فجاز أبو الشعثاء خلف الرجل فوضع كفه عليه، فقام إليه الرجل فقتله، وطلبوا إلى الرجل أن يدلهم على من شار إليه بقتله
فامتنع، قال جابر: وكنت أخشى أن يُشير إليَّ، حتى قتلوه. أ هـ.
وهذا يدل على أن خردلة رجل صالح، والرجل القاتل له هو الذي دل جابر على قتله، ومن ثم قالوا: إن المقتول على ديانته، لا يُعفى عن قاتله، وليس لوليه ذلك، وإنما ذلك للقائم بأمر المُسلمين، وجابر (رحمه الله تعالى)، هُوَ من أئمة المُسلمين.
تنبيه:
الطاعن والقاتل على الديانة يُقتلان في الظهور والكتمان، وكفى بفعل جابر حجة، وهو من أهل الكتمان، والله أعلم
يبرأ
من
•
ولا يبرأ من أحد حتى يستتاب على الصحيح، أو لا يستتاب، إلا الولي، فهل يستتاب قبل البراءة، أو يبرأ منه ثم يستتاب؟ قولان، ولا أحد، أي: من المكلفين، ممن قارف معصية، سواء كانت شركاً، أو إستحلالاً، أو إنتهاكاً، حتى يستتاب، أي: يطلب منه الرجوع، لأن البراءة حكم، ولا يحكم عليه حتى ينقطع عذره على الصحيح، فيه إشارة إلى القول الآخر.
قال القطب: وتستحب استتابة غير المتولي من الذنب، لأن ذلك من جملة الدعاء إلى الله، وإحياء الدين، وإظهار شعاره، وزعم بعض أنه لا يستتاب. أ هـ.
- 246 - (1/246)
صفحة 247
متولاه
أو لا يستتاب أي أحد ممن قارف إلا الولي، لأنه له حق على
، فاستتابته واجبة.
قال الإمام الخليلي (رحمة الله عليه: والولي إذا واقع الكبيرة، ولم يكن له مخرج منها، فقد كفر كفر النعمة في حال مواقعتها بلا تأخير، وأما البراءة منه فلهم فيها قولان، أحدهما: يبرأ منه ثم يستتاب، فإن تاب رجع إلى ولايته؛ وثانيهما: أن لا يبرأ منه حتى يستتاب، لأن البراءة حكم، ولا يحكم على أحد إلا بعد إنقطاع الحجة، كما ثبت من السُنة في المرتد، ألا يُقتل إلا بعد أن يستتاب، والقول في المستحل هكذا، غير أن البراءة منه قبل استتابته هي أكثر ما قيل به، وغير الولي يبرأ منه من حينه، ومختلف في ثبوت الاستتابة
له. أهـ
فإذا سمعت الآثر، علمت ما في المتن، فهل يستتاب قبل البراءة أو يبرأ منه ثم يستتاب؟ قولان لهم فيه، فلا يحتاج إلى إعادة.
،
قال القطب في ذهبه: وتجب استتابة المتولي، ومن لم يستتبه، فمنافق إن كان الذنب كبيرة، وعاص إن كان صغيرة، على القول بظهورها، أو لا يدري أصغيرة أم كبيرة، من عاين من متولاه كبيرة، أو أخبره الأمناء، تبرأ منه ثم استتابه وهو الصحيح، أو يستتيبه ثم يبرأ منه، إن لم يتب إلا الزاني، فإنه يقدم فيه البراءة؛ قلت: وكذا الشرك فإنه شر منه، ومن كل سؤال، إن قال: ولا تجب استتابة المتولي بولاية البيضة، ومن استتيب من ذنب فتاب ثم عاد إلى الذنب بعينه
- YEV- (1/247)
صفحة 248
إستتيب أيضاً وهكذا وهو الصحيح، أو يستتاب ثلاثاً، قولان، وإن استتيب وتاب، ثم قال: لم أتب، برئ منه، وإذ استتيب، فقال: تبت من جميع ذنوبي، لم يجزه حتى يبين الذنب المستتاب منه، أو أجزاه مُطلقاً، أو إن لم يستحله أقوال. أ هـ.
وقال الإمام الخليلي رحمة الله (عليه: وإذا تاب غير المستحل مما به كفر، وأحدث من الضمانات والمظالم والتبعات، فقد قيل: بولايته في الحال، وأنه مأمون على أداء ما لزمه من ذلك، لأنه في الذمة عليه كالديون؛ وعلى قول آخر: فهو على حكم الحدث في البراءة، حتى يصح منه قضاء تلك المظالم والديون بأدائها لأهلها على ما جاز؛ وعلى قول آخر: فهو في البراءة حتى يصح له حكم الأداء، ولابد على هذا القول من زيادة إشتراط، إلا أن يكون له عذر؛ وعلى قول سادس: فتصح له ولاية إن أنتمن على معرفة ما لزمه من الدينونة به، ووضع كل شيء في موضعه، ولم يخالجه في صدقه ريب ولا تهمة، وإلا فلا؛ وسابع الأقوال: يوقف عنه بعد التوبة حتى ينزاح الإشكال، ويخرج من الشبهة بالجمع بين التوبة والدينونة بالقضاء، وكان هذا القول هو الذي يعجب الشيخ، وهو حسن. أ هـ
أقول: ظاهر الأقوال خمسة لا سبعة، إلا أن يكون غلط بنسختنا، وليت شعري لم جاز أن يبقي في البراءة بعد التوبة، والله تعالى يقول: وَمَن لَّم يَتُب فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (1)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له "، وليس لنا إلا ما ظهر، والله
(1) سورة الحجرات: 11.
- YEA- (1/248)
صفحة 249
يتولى السرائر. وفي ذهب القطب (عفى الله عنه): وذكر أبو إسحاق: أن من تاب من ذنبه، ثبتت ولايته ساعته، وأن محمد بن محبوب قال: إذا أُستتيب المجرم لذنبه، لم أرجع إلى ولايته، حتى أستديمه وأستبريه بعد التوبة، ويطمئن إليه قلبي، قال أبو إسحاق: وأظن قوله هذا إحتياطاً عنده. أ هـ.
وسكت هو، والإمام الخليلي عن المستحل؛ قلت: تقدم في باب ولاية الخارج من مذهب أهل الخلاف إلى مذهبنا، أنه يتولى إذا لم يمنع منه إلا خلافه، وتقدم هنالك بسطه، فليراجع.
بقي من لم يعرف منه خير ولا شر، فالحكم فيه الوقوف ع الولاية والبراءة؛ بقي من المكلفين من لم يعرف منه خيره ولا يعرفا منه شر، فيبرأ منه على شره، فالحكم فيه عند علمائنا الوقوف بالدين عنه، حتى يعلم أحد الأمرين فيه، واعلم أنه لا يكون في الجملة، كما كانت الولاية في الجملة، والبراءة كذلك، لأنه لا يخلو عبد في الحقيقة عند الله من أحد الأمرين، إما مطيع أو عاص، فمن أجل ذلك لم يثبت الوقوف الديني في الجملة - نص عليه الإمام الخليلي (ه) - وَعِبارته في الوقوف الديني، وهو: لا يكون من حيث الجملة في الناس بالنظر إلى الحقيقة، إذ لا مخرج لأحد في حال من أن يكون مطيعاً أو عاصياً، لكن الإحاطة بهم من هذه الكيفية متعذرة في الإقرار. أ هـ. قلت: واستدلوا على وجوب الوقوف الديني في المجهول أمره (1/249)
صفحة 250
بالعقل والنقل
قال الإمام الخليلي أيضاً: فإذا ثبت أن الولاية لا تكون إلا في معلوم الحال، فالبراءة كذلك لكونها حكماً، والحكم لا يكون إلا بصحة، وإلا كان ظناً وتخميناً، والظن محتمل لكونه حقاً أو باطلاً، وكل محتمل لم يقم الدليل عليه، وكل ما لم يقم الدليل عليه لم يجز القطع به، وإذا لم يجز القطع، وجب الإمساك حتى يصح ما يوجب القطع؛ حتى قال في البرهان النقلي: فجميع ما في كتاب الله من ذم القول بغير علم، فهو شاهد للوقوف. أ هـ فليراجع.
قال القطب (عفي الله عنه: يجب الوقوف فيمن لم يعلم فيه موجب الولاية، ولا موجب البراءة، لقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ} (1). أ هـ.
قلت: والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى، منها قوله " دع ما يريبك إلى ما لا يُريبك "، في أمثالها، وأجمع على ذلك أئمتنا
تنبيه:
قال الإمام الخليلي مسألة: فيمن يجب الوقوف عنه بالدين بإجماع أو إختلاف، فأما المجتمع عليه، فمثاله: إذا رأيت شخصاً لا تعرف منه موافقة ولا مفارقة في الدين في قول ولا عمل، فالوقوف واجب عنه بإجماع، وأما المختلف فيه: فمن صحت له موافقة بالقول دون العمل،
(1) سورة الإسراء: 36
1 YOT- (1/250)
صفحة 251
مبتدع
وفي معناه: مشرك إستسلم، وصبي من أهل الإسلام بلغ ومنتهك، أو أظهر المتاب، وهكذا حكم من عرف ببعض الأعمال الصالحات، كرجل وجد يصلي في المسجد ... إلخ، وأنت خبير أن المشرك إذا أسلم، والصبي إذا بلغ متولي بولاية أحد أبويه، والمخالف إذا رجع إلينا، والمنتهك إذا تاب، أن الأصح فيهم الولاية الدينية، لأنها حق واجب، فلا يُؤخر إلا لما يُوجب التأخر؛ وأما الموافق في القول دون العمل، ومن وجد يصلي في المسجد ولا يعرف حاله، فجديران بالوقوف الديني حتى يعلم حالهما بالخبرة، والمسألة في الموافق بالقول دون العمل خلافية، وتقدم ذلك كله في مواضعه. وكذا المتشاتمان والمتقاتلان، إن لم تعرف المحق منهما، فهما في حكمهما السابق؛ وكذا المتشاتمان والمتقاتلان ... إلخ؛ أي: ومثل ما يجب الوقوف فيمن لم يعرف بخير ولا شر للجهل بحاله، والحكم على الجهل لا يصح، يجب أيضاً الوقوف في فعل المتشاتمين والمتقاتلين ومن في معناهما، حتى يعلم المحق منهما، وأن فعلهما ذلك حق أم باطل، ولا يكونان محقين، لأنهما ضدان، وممكن باطلهما، وباطل أحدهما، فيجب الحكم بإبقائهما على حالهما السابق من ولاية، أو براءة، أو وقوف، هذه طريقة المغاربة
،
قال القطب (عفى الله عنه: إذا لم يعرف المحق من المتشاتمين والمتقاتلين، تركا على ما هما عليه من ولاية، أو وقوف، أو براءة ووقف في الفعل؛ وزعمت النكار: أنه يوقف فيهما إن كانا متوليين، ولزمهم الرجوع عن العلم المتيقن بالشك، وأن يتركوا كلما طرأ لهم
1901 - (1/251)
صفحة 252
أهـ كلامه شك في نجاسة وتحريم
لكن في " الدليل "، بعد حكايته هذا، قال: إما إن زاد متولي آخر إلى أحدهما، فالمتوليان هما الحجة، وأما طريقة المشارقة، فلهم فيهما ونحوهما ثلاثة مذاهب، قالوا: وأما من له وليان، فسمع كلا منهما يبرأ من الآخر، فهذا موضع خصومة، كانا ضعيفين، أو عالمين، أو ضعيفاً وعَالِماً، فأيهما برئ من صاحبه قبل الآخر فهو قاذف، ويبرأ منه بدين لمعنى القذف، ويتولى الآخر بدين إذا غاب أمرهما على براءته منه، لأنه المبتدئ بالبراءة، ويبرأ منه بحكم الظاهر، والمحق منهما هو المبرأ منه، كان عالماً، أو ضعيفاً، لأنه موضع أحكام لا موضع فتيا، وأما إذا لم يعرف البادئ بالبراءة منهما قبل الآخر، فقد قيل: بولايتهما على الأصل، حتى يعرف المبطل، وقيل: بالوقوف فيهما للإشكال، وقول: بالبراءة لإظهارهما القذف، وليس لهما بذلك حجة. أ هـ " منهاج " الشيخ خميس (بتصرف).
أما إذا اختلفا في التحليل والتحريم، وبرئ كل من صاحبه على ذلك، فإن كانا عَالِمين، فلا تجوز البراءة من العالم المحق برأي ولا دين، والعَالِم المبطل ينزل هنا منزلة الضعفاء، فإن لم يهتد سامعهما إلى الحكم عليهما، مع علمه بإختلافهما، ففي المبطل منهما أربعة وجوه: ولاية الرأي، وبراءة الرأي، ووقوف السؤال، والبراءة على، وإن كانا ضعيفين، فإن الضعيف لا تقوم به الحجة في الفتيا، وقد برئ من ضعيف مثله، أو عَالِم نزل منزلته، فلا تجوز ولايتهما بالدين، إلا على إشتراط البراءة من المبطل منهما، ومن أراد بسط
الشريطة
- 252 - (1/252)
صفحة 253
هذه المسائل، فليراجع المطولات
تنبيه:
إذا عرفت ما هنا، عرفت بطلان قول من يقول: أن البراءة بالواحد جائزة، وليت شعري كيف لا تجوز شهادته في قيراط على يهودي لمسلم، وتجوز البراءة به من ولي في الدين، والبراءة قتل؟ إن هذا لأمر عجيب، وكذا من فعل فعلاً لا يعلم الحكم فيه.
وقفنا في الفعل وأبقيناه على حاله الأول، أي: لأنا لو وقفنا، أو تبرأنا منه على فعل لا نعلمه، لكنا ربما برئنا، أو وقفنا عنه، على فع الطاعة، وهو لا يجوز، اللهم إلا أن يكون حدثاً في الجملة، ومختلف في الحكم عليه، إن كان في تفسير الجملة، كالصفات والأفعال، وكذا المستحل والمصر، قيل: إنهم لا يسع جهل حدثهم، كالحدث الجملة، وقيل: إنه لا يهلك أحد بهلاك أحد، وهذه طريق المغاربة
في
أيضاً
،
قال صاحب " الدليل ": فكل معصية ليس عليك فيها إلا الكف وكل فرض ليس عليك إلا أن تعرف أنه واجب عليك وتعصي بتركه، وكذا كل من وجب عليه شيء فضيعه، فليس عليه من معرفته ومعرفة الفاعل إلا أن يعلمه حراماً، حراماً عليه تركه، وليس عليك من معرفة أسمائه، لا من الكبير، ولا من الفسق، ولا من النفاق، ولا من الشرك، إلا الشرك الظاهر، الذي ظهرت به تسوية الباري سبحانه بخلقه، أو نفي وجوده، أو قصد إلى شخص بعينه، فهذه الوجوه
- 253 - (1/253)
صفحة 254
الثلاثة، لا يسعك إلا تشريكه، وتكفيره، وإيجاب العقاب له، وأما ما سوى ذلك من المحرمات، فليس عليك منها شيء، فإن وجب عليك معرفة شيء، فتعلم أنه حرام، وأنه معصية، وأما ما سوى هذين الأمرين، وهو الشرك الباطني، والفرض الواجب من معرفة محمد، والبعث والحساب، والجنة والنار، والْمُسلمين والمسلمات، وجميع ما لا يسع جهله، فليس عليه من شيء إلا أنه حرام، وأن علينا أن الفعلة التي صدرت من ولينا هي معصية، ولا ندري ما يبلغ بها، كالمسألة الأولى، فولينا على حاله، والمتبري منه ليس علينا منه شيء، ونكون على ولايتهما كأول مرة.
فهي
وقال الشيخ أبو خزر): يسع جهل جميع أهل الحرام، ما خلا الشرك - وقد تقدم ذكره - وأما قول الشيخ: والإستحلال لما حرم الله، أو إصرار على ما حرم الله، وشرط في هاتين إذا علمت، وكذلك في سائر المعاصي إذا علمت، وأما إذا لم تعلم، فليس عليك
منه شيء. فإذا سمعت هذا، فاستمع لما يقوله أهل المشرق في ذلك، فإنهم قالوا: ليس له أن يتولى وليه المحدث بدين، إذا علم أنه محدث، ولا يعلم ما يبلغ به حدثه، ولا يبرأ من ضعيف إذا برئ منه بدين، ولا من عالم برئ منه برأي، ولا بدين.
قال الإمام الخليلي (رحمة الله عليه: واعلم أن براءة الرأي لها موضعان لا غير، فيما نعلمه من صحيح الأثر: فالموضع الأول: فيمن أحدث ما يكفر به من غير ما محتمل فيه، أو عذر يصح له في رأي،
- 254 - (1/254)
صفحة 255
صح
أو دين، سواء كان من قبله في حكم ولاية، أو براءة، أو وقوف، فإذا ذلك منه عند ضعيف، لا بصر له في أحكام براءة في ذلك، فواسع له أن يبرأ بالرأي، في قول أهل العلم في هذا الموضع، ما لم تقم عليه الحجة من قول من يلزمه أن لا يرد في الحق قوله من عُلماء المُسلمين، ومثال ذلك: من أحدث الباطل، كالزنى، وشرب الخمر، وأكل لحم الميتتة المحرم، إلا ما اضطر إليه، في موضع جوازه على قول، أو بإجماع، فإذا جهل الضعيف أن يبرأ منه على ذلك، كان واسعاً له في هذا المقام أن يبرأ منه برأيه في الأحكام، ولو كان في الأصل ولياً له من قبل ذلك، أو كان من الأعلام، أو الأئمة في الإسلام، فالحق في ذلك واحد، ولذلك قيل في المختلفين: من ضعيف وَعَالِم، والعَالِم هُوَ المبطل في دين الله تعالى، أن البراءة من العالم جائزة بالرأي، لمن كان ضعيفاً لا يستطيع أن يعرف بالحق من هو المبطل منهما في دين الله الملك الحق، فكيف ترى في المبطل إن كان ضعيفاً، ومخالفه في الحق مثله، في سمة الضعف أنها في المبطل لأجوز لا محالة، ولكن إذا كانوا من قبل في الولاية جميعاً، وبريء المحق الضعيف من المبطل، ضعيفاً كان، أو عَالِماً، فهذا هو الموضع الثاني من مواضع جواز البراءة بالرأي، فإذا كان هو المبتدئ بالبراءة بالرأي، فإذا كان فيه هو المبتدئ بالبراءة بالدين، على ما به من الضعف الذي لا يكون فيه حجة، فقد قيل: أن البراءة بالرأي منه جائزة في هذا الموضع، لمن برئ من وليه، وكان هو محقاً في الأصل، صادقاً في البراءة، موافقاً لأحكام الله تعالى، فكيف إذا كان هو المبطل؟ إنها لأحق به، ولو كان عالما، لأنه ينحط حينئذ عن درجات العلم إلى درجات الظلم.
،
- YOO- (1/255)
صفحة 256
فأفضل أحواله أن يكون في ذلك كالضعيف، لا حجة منه في شيء. أهـ
ويتوقف في أطفال الكفار والمنافقين، وإن صرح بعض أكابرنا بأنه لا ذنب عليهم، ولا يضيع الله ذرية آدم، وأنهم في الجنة يثابون، وإن قصرت بهم درجتهم عن درجة العاملين، وقيل: هم ثواب كالحور العين؛ ونتوقف، أي: نحن معاشر الأباضية، في أطفال الكفار والمنافقين، أي: عن الحكم عليهم بولاية أو براءة، بل نحكم عليهم بالوقوف عنهم، لعدم ورود نص قاطع فيهم، وقد ورد في أطفال
الْمُؤمنين.
•
وفي " شرح النونية ": وإن أطفال أهل الشرك والنفاق في الوقوف إلى البلوغ، لقوله للسائل عنهم: " الله أعلم بما كانوا عاملين، إن لو كانوا عاملين " (1)، قال: وإن أطفال المتولي إذا إرتد إلى الشرك، على ولايتهم الأولى، وإن أولاد المتولي إذا نافق يرجعون إلى الوقوف. أ هـ.
قلت: ينظر ما الفرق بين المسألتين، مع أن الشرك أكبر الكبائر فليحرر المقام.
وفي " الشرح " أيضاً: وأن الناس اختلفوا في أفعال الأطفال، فقيل:
لا تكتب حسنة ولا سيئة، وقيل: تُكتب الحسنات كَقِراءة القُرآن
،
وقيل: إن لهم سيئات وخطايا، وأنها نصيب من خطيئة أبيهم آدم
(1) انظر الملحق.
،
- 256 - (1/256)
صفحة 257
(الم)، ثم قال: وأجمعوا أن السيئات لا تكتب عليهم. أ هـ (مع
حذف).
"
وإن صرح بعض أكابرنا: بأنه لا ذنب عليهم، لما في الحديث: ا أن القلم مكسور عنهم "؛ ولحكاية الإمام عبد العزيز: الإجماع على أنه لا تكتب عليهم السيئات؛ والأكابر: كأبي سعيد (رحمه الله)، فإنه ذكر في " المعتبر "، أنه: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرَى} (1)، ولم يكن منهم ما يوجب تعذيبهم، وهم على الفطرة؛ وكما في الدليل "، لأبي يعقوب، فإنه قال، بعد كلام يدل على إيمانهم: فظهرت منة الله تعالى على الأطفال، أن أصحبهم الإيمان من حين ولادتهم إلى أن يبلغوا حال الرجال، فمن مات منهم قبل البلوغ دخل الجنة، لحرمة آدم ... إلخ؛ ثم قال: فلما قضينا لكل مولود يولد على الفطرة، بالفطرة وبالحنيفية، قضينا له بالإيمان، وبالحنيفية بعد الإيمان لأولاد الْمُشركين ولأولاد الْمُؤمنين؛ قال: وهو مذهب معاذ بن جبل ـ أعلم هذه الأمة بعد نبيها ـ وهو أشبه. أ هـ (مع حذف أيضاً)
ولا يضيع الله ذرية آدم، فيه إعتراض على قول من زعم: أنهم يكونون تراباً كالبهائم، وعلى زعم الخوارج: أنهم في النار تبع لآبائهم، قياساً على أولاد المُؤمنين في التبعية، وكلا القولين ليس بشيء، كما في " " دليل " أبي يعقوب (رحمة الله عليه): وأنهم في الجنة يثابون ... إلخ،
(1) سورة الأنعام:: 164؛ سورة الإسراء: 15؛ سورة فاطر: 18؛ سورة الزمر: 7.
- YOY- (1/257)
صفحة 258
أي: لإقرارهم بالإيمان، وثبوت العهد لهم، يوم قال لهم الله تعالى: أَلَستُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى} (1)، وهم في صلب آدم (ال)، كالذر، ولقوله: " خُلقت هذه القلوب حنيفية، إلا ما كان من الشيطان، فإنه يخترمها عما خُلقت له "، وأنت خبير أن درجات العاملين متفاوتة في الثواب، فكيف بمن لم يكن له منه عمل قط، بل ثبت منه الإيمان؛ فمن ثم قال: وإن قصرت بهم درجتهم عن درجة العاملين، فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدخِلَ الجَنَّةَ فَقَد فَازَ} (2)، وقيل: إنهم من جملة ثواب أهل الجنة، وليس لهم من الثواب شيء، بل هم خدم لساكني
الجنان.
وفي " كرسى الأصول ": وثانيهما: أولاد الأعداء من مشرك وفاسق، ففيهم من أقوال العلماء ثلاثة: أحدها: أنهم في الجنة، لثبوت شهادتهم، يوم قال لهم المولى: {أَلَستُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى} (3)، وكل مولود يُولد على الفطرة، والقلم مرفوع عنه حتى يبلغ، لكن على هذا القول أيشابون أم يكونون ثواباً لأهل الجنة؟ قولان، والصحيح: لم يقم دليل على أحدهما؛ وثانيها: أنهم في النار تبع لآبائهم لقوله للسيدة خديجة (عليها السلام): " إن شئت أسمعتك نغاءهم في النار "، واختلفوا إنهم يعذبون فيها أم لا؟ على قولين، والصحيح إنه: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرى} (4)، والحديث متأول،
إذ لم يقل: إنهم في النار، ولكن أبهم الجواب وعلقه بمشيئتها، علماً
(1) سورة الأعراف: 172 (3) سورة الأعراف: 172
(2) سورة آل عمران: 185.
(4) سورة الأنعام: 164؛ سورة الإسراء: 15؛ سورة فاطر: 18؛ سورة الزمر: 7.
- YOU- (1/258)
صفحة 259
طلباً
بأنها لا تشاء، ولم يصرح بشيء، لئلا يكون بإذاعته تسلية للكفار تأسياً بالمولى فترك ذكرهم؛ وثالثها: الوقوف عن الخوض فيهم للسلامة. أ هـ.
ونعرض هنا عن أحكام الملل؛ الإعراض: الصدود والميل عن ذكر أحكام الملل، أي: الست المذكورة في سورة الحج، وهو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنِّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} (1)، لأنها ليست من الإعتقاد، خلافاً لمن قال من
أصحابنا: أنه لا يسع جهل أحكام أصحاب الملل.
وفي " الدليل ": وحكاية الشيخ (ه): أنه لا يسع جهل الملل وهم: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى، وَالصَّابِئُونَ، وَالْمَجُوسَ، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، فهذه أبعد من هذه المسائل كلها وأحمل، ولم تبلغ درجة اليهود، وَالنِّصَارَى، وَالْمَجُوسَ، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، أن يقرن الله الإيمان بهم،
بالإيمان به، وتلك منزلة لم تبلغها أنبياؤهم، إبراهيم، وَمُوسى وعيسى، بل هم أخس من ذلك. أ هـ.
وفي " ذهب " القطب: ولا تلزم معرفة تلك الملل وأحكامها، حتى تقوم الحجة عند: عمروس، وعبد الرحمن بن رستم، وأبي خزر، وابن زرقون، وأبي يعقوب، وغيرهم من المحقين، وهو الصحيح عندي،
أو تلزم، وأشرك من لم يعرف ذلك، أو من لم يعرف الملل فقط
6
ومعرفتها أن يعرف أنها ملل شرك، أو أن يعرف أن عبدة الأصنام
(1) سورة الحج: 17
6
- 259 - (1/259)
صفحة 260
والمجوس مشركون، لأنه لا يعذر جاهل الشرك، القائل بتعدد الألهة. أ هـ.
وفي " شرح النونية ": وأن الملة الأولى من الست: ملة أهل التوحيد، وحكم أهلها: ولاية الموفي منهم بالدين، وحبه، وطلب الغفران له، ونصيحته، وإعانته على البر والتقوى، وترك ضره وبغضه واغتيابه، وغير ذلك من حقوقه الواجبة له، ظاهراً وباطناً، وبراءة غير الموفي منهم بالدين، وبغضه، ولعنه، وجلده على الزنى، إن لم يحصن، ورجمه عليه إن أحصن، وجلده على القذف، وإجراء حقوق المولى عليه، من غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، وقطع يده إن سرق ما يجب به القطع، وعدم قبول شهادته في غير النكاح، وقبولها فيه، وعدم عدالته، وحل مناكحته، وارثه، وأخذ الزكاة منه، ووضعها في الفقير من جنسه، والحج. معه، والتسوية بينه وبين الموفي في القود، والقصاص، والدية، وتحريم دمه، وماله، وسبيه، ودعائه. إلى ترك البغي، إن صدر منه، وإعطائه للحق، والإنصاف منه وله، وإقامة الحدود عليه، ولزوم غرم المتلفات، ورد التباعات، والقصاص في الجراحات، وفي الأنفس بالقود والديات، فإن أجاب وأذعن للحق ورجع إليه، وترك ما كان عليه، فإنه لا يقاتل، وإن إمتنع من الرجوع عن ذلك، وعن الفساد بعد التنبيه والإنذار، قوتل إلى أن يرجع إلى أمر، ولا يغنم ماله، ولا يُسبى أهله وعياله، وإن إنهزم أتبع، ولا يُجهز عليه إن جرح، ويحرم الفرار حال حربه، إلا لمتحرف لقتال، أو متحيز إلى فئة، وهذا هو حكم الموافق في الدين الموفي وغيره، وأما
الله
- 260 - (1/260)
صفحة 261
المخالف فيه، فحكمه الدعاء إلى ترك ما به ضل، من إعتقاد البدع، وإلى البراءة من الأئمة المبتدعين لها، وإلى الدخول في ديننا، وولاية
علينا، من
أئمتنا، وأهل الوفاء منا، فإن أجاب صار منا، له ما لنا، وعليه ما الحقوق كلها، وإن إمتنع دعي إلى دفع الحقوق الواجبة للمسلمين، وإلى الإستسلام لأحكامهم، وإجراء حدود الله عليه، فإن أذعن لذلك وانقاد له، ترك وما هو عليه، مع حل كل ما يحل منا منه، من نحو المناكحة، والموارثة، والمدافنة، وإجازة شهادته، إن كان
عدلاً في الأحكام، دون الولاية والبراءة، وما فيه تكفير المُسلمين. وقال أبو الْمُؤثر رحمه الله: إذا غلبنا جازت شهادته، وإن غلبناه
لم تجز، ويجب عليه وله، ما يجب علينا ولنا، من الحقوق كلها ما خلا الولاية، فإنه ليس له فيها نصيب، ونصيبه البراءة منه، من نحو أكل الذبائح، والقصاص، وقبول شهادته إن لم يتهم، وعدم إظهار المنكرات، والصلاة معه إن لم يحدث فيها ما يبطلها، وأخذ الصدقات والفيء منه إن كان غنياً، ووضعها في فقيره في زمان الظهور، ودفع الظلم عنهم، وإن إمتنع من إجراء الحقوق عليه، أُدب بما يقمعه ويردعه عن إمتناعه منه، فإن إنقمع وارتدع بذلك الأدب، ترك وما هو عليه، وإلا حل قتاله وضربه إلى أن يذعن، وحرم سبي عياله، وغنيمة، وإتباعه إن أدبر، والإجهاز عليه إن جُرح، ولم تكن له فئة باغية يرجع إليها، فإن كانت أتبع وأجهز عليه، وإن الثانية، والثالثة، والرابعة: ملة أهل الكتاب، وَهُم: اليهود، والنصارى، والصابئون، وحكمهم واحد، وهو أن يدعوهم الإمام العادل إلى الدخول في الإسلام،
أمواله
- Y- (1/261)
صفحة 262
فإن قبلوا دعوته ودخلوا فيه، كان لهم وعليهم ما للمُسلمين وعليهم من جميع الحقوق الإسلامية ـ مما مر ـ وغيره، وإن أبوأ من الدخول فيه، دعاهم إلى دفع الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أجابوا لذلك
ورضوا بإعطائها، أخذها منهم وتركهم على ما هم عليه من ديانتهم وحلت ذبائحهم، ونكاح الحرائر من نسائهم الغير الزانيات، دون الإماء والزانيات، وإن أبوا من دفعها، حاربهم وحل دمهم، وسبي ذريتهم، وغنيمة أموالهم، وحرم أكل ذبائحهم، ونكاح حرائرهم، وللإمام أن يصالحهم قبل أن يحاربهم، إن أرادوا الصلح، ويأخذ منهم كل ما اتفقوا عليه مما يقع الصلح على دفعه له لا غير ذلك، فإن نقضوه وامتنعوا من الجزية، قاتلهم، وسباهم، وغنم، إلا ما دفعوا عليه الجزية حال الصلح، فإنه لا يغنم، ولا يُسبي، وقد رفع بين أئمتنا (رحمهم الله، في كيفية دعاء الإمام لهم.
الخلاف
،
فقال بعضهم: يدعوا الأمراء من أهل القرار، وكل واحد من أهل البادية بعينه، وقال آخرون: يدعوا أمراءَهم أيضاً كأهل القرار، فإن لم يعلم لغتهم أتى بترجمانين آمينين يدعوانهم، وقيل: بواحد؛ وأن الخامسة: ملة المجوس، وحكم أهلها كحكم أهل الكتاب، لقوله: " سَنُوا بهم سُنة أهل الكتاب، إلا في الذبائح، ونكاح الحرائر منهم، فإنهما لا يحلان، ولو أذعنوا للجزية ودفعوها " (1)، فقوله: سنوا بهم ... إلخ، محمول على الجزية فقط، لا على الذبائح والنكاح أيضاً؛ وأن السادسة: ملة عبدة الأوثان، وحكمهم أن
(1) انظر الملحق.
- 262 - (1/262)
صفحة 263
يدعوهم الإمام إلى الإسلام، فإن قبلوه ودخلوا فيه، كانوا مسلمين، ولهم وعليهم ما للمُسلمين، وعليهم من الحقوق الإسلامية كلها، وتجب ولاية من دخل في الإسلام من جميع من تقدم على الفور، حتى يظهر منه ما يوجب البراءة منه، وإن أبوا من الدخول فيه، أي: عبدة الأوثان، حاربهم، ولا يقبل منهم جزية ولا صلحاً، وتسبى ذريتهم، وغنم أموالهم، إلا المُشركين من أهل مكة (زادها الله شرفاً)، وقيل: جميع مُشرك العرب لا يسبون، تعظيماً له، وقيل: قريش خاصة، كما في العقيدة. أ هـ
فإذا سمعت هذا، فاعلم إنا نقول: لا يلزم معرفة أحكام الملل وهل يكفر من لم يعرف أن نكاح المجوسية حرام، ونكاح المعاهدة من الكتابيات حلال؟ وما الفرق بين هذه المسائل وغيرها من مسائل الفروع إلا التحكم، وقد أجمعوا أن من أقر بالجملة فهو مؤمن، ما لم
يضيع شيئا بعد قيام الحجة عليه
•
- 263 - (1/263)
صفحة 264
وإلى هنا إنتهى بنا الكلام على الجزء الأول من كتاب " الإرشاد في شرح مهمات الإعتقاد والحَمدُ لِله حق حمده
وصلاة الله وسلامه على خير خلقه وآله وصحبه وَلَا حَولَ وَلَا قُوةَ إِلا بِاللهِ العَلِي العَظِيم. وقد وقع الفراغ من تسويد هذه النسخة الأولى من تأليف شيخنا، الفقيه، العلامة، الفاضل / سيف بن ناصر بن سليمان بن علي الخروصي ـ أدام الله بقاءه ـ وجزاه الله عنا خيراً آمين بقلم العبد الضعيف، الفقير لله تعالى / حمود بن سالم بن خميس الزاملي بيده وكان تمامه نهار 19 من شهر ربيع الأول سنة 1328
بعد الهجرة النبوية
على صاحبها أفضل
الصلاة
والتحية
- 264 - (1/264)
صفحة 265
ملحق بتخريج الأحاديث الشريفة
طرف الحديث
المرجع
الصفحة
الحمد رأس الشكر
إتحاف 9: 49
22
منشور 1: 11
کنز 6419
أنا سيد ولد أدم يوم القيامة ولا فخر الكشاف
90
م الفضائل 3 ت 3148
رُفِعَ
رفع عن أُمتي الخطأ والنسيان
تلخيص 1: 281
درر
87
تذكرة 91
إذا إجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ق ط
23
25
26
211:4
180:
تلخيص
38
حاوي 2: 412
من عرف نفسه عرف ربه
خف
362:2
لا تتفكروا في ذات الله
إن الإيمان هَا هُنَا
إتحاف 10: 182/ 160 84
حبيب 3: 17
کنز 38261/ 34998 135
طب 17: 209
الرياء هو الشرك الأصغر
حم
- 265 -
5: 428
سنه 10: 7
درر
85 (1/265)
صفحة 266
طرف الحديث
المرجع
الصفحة
من مات فقد قامت قيامته
تذكرة 215
148
إن الساعة تهيج
بالناس
فوائد 267 الكشاف 66
152
ما السائل بأعلم بها من المسئول منثور 6: 50
152
قرطبي 14: 82
لا تقوم الساعة عَلَى مُؤمن
مطالب 4584/ 4582 | 152
فتح 13: 85
الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي کنز 39146
171
حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء
م فضائل الصحابة 27 171
تمهيد
307
اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء إتحاف 5: 84
لو تعلمون ما أعلم
عر
325:1
کنز 30894
:
198
203
8: 162/ 161/127
أوثق عرى الإسلام الحب في الله م إيمان 240
ش 11: 41
لعن الله من أحدث في الإسلام حدثاً حبيب 1: 13
ليس منا غشنا من
کنز 9972
203
214
ليس منا من حلق أو صلق
- 266 -
إتحاف 6: 259
مشکل 2: 134
د 3130
214 (1/266)
صفحة 267
طرف الحديث
إستوصوا بالأنصار خيراً
الأنصار عيبتي
رحم
الله نساء الأنصار
اللهم صل على آل أبي أوفى
المرجع
الصفحة
حم 241:3
214
کنز 33717
سنه 14: 171
214
لا 2: 108
فق 1: 48
عدي 3: 1220
خ 2: 8/ 159: 96/ 90
مشکل 162
الله أبا ذر، يمشي وحده ك 50:3
کشاف 82
215
215
215
215
215
216
221
222
226
إذا أتاكم كريم قوم فاكرموه
هـ 3712
ك 292
من بدل دينه فاقتلوه
خ 4: 9/ 75: 137/ 19
ت 1458
حكمي على الواحد حكمي على الجميع تذكره 186
لا يُؤمن عبد حتى يُؤمن بأربع
أسرار 188
ت 2145
ترغيب 62
الإسلام جب لما قبله
إتحاف 9: 609
نبوه 351:4
اللهم ارحم الأنصار والمهاجرين حم 3: 77
فتح 8: 52
- 267 - (1/267)
صفحة 268
طرف الحديث
هلك المصرون لا كبيرة مع الإستغفار
اتبع السيئة الحسنة تمحها
المرجع
الصفحة
مسيره 204:4
کنز 10238
237
237
خف 512:2
مي 2: 323
239
كثير 4: 289
من توضأ نحو وضوئي هذا
خ
239
52/ 51:
م الطهارة 4/ 3
لا يتوضأ مُسلم فيحسن الوضوء
م الطهارة ب 4 رقم 5 239
لا صغيرة مع إصرار
الإيمان ب 4 رقم 5 مكرر
إتحاف 8: 750
خف 2: 508
240
قدموا قريش ولا تتقدموها
من بدل دينه فاقتلوه
الله أعلم بما كانوا عاملين
سنوا بهم سنة أهل الكتاب
درر 180
تلخيص 2: 36
إتحاف 2: 231
ف 278
241
خ: 9/ 75: 137/ 19 - 242
ت 1458
خ 2: 8/ 125: 153 256 م 2049/ 2048
هق 9: 189
غليل 5: 88
262
- YA- (1/268)
صفحة 269
[صفحة فارغة] (1/269)
صفحة 270
رقم الإيداع: 99/ 185 (1/270)
صفحة 271
[صفحة فارغة] (1/271)
صفحة 272
الإرشاد في شرح مُهمات الإعتقاد
تأليف الفقيه العلامة الورع الشيخ
سيف بن ناصر بن سليمان بن علي الخروصي
الجزء الثاني
الطبعة الأولى
1420 ه/ 1999 م (2/1)
صفحة 273
الانشاد
في شرح مُهمات الإعتقاد
تأليف الفقيه العلامة الورع الشيخ
سيف بن ناصر بن سليمان ابي علي الروحي
الجزء الثاني
الطبعة الأولى 1420 هـ / 1999 م (2/2)
صفحة 274
الناشر
مكتب المُستشار الخاص لجلالة السلطان للشئون الدينية والتاريخية (2/3)
صفحة 275
[صفحة فارغة] (2/4)
صفحة 276
هذا الجزء الثاني في كتاب الأرشاد انه لما كانت بحث و الأمام وسير الأئمة واختراق الامتدليس و العقائد لكن خرت عادة المؤلفين غالباً بذكر ذيك افرد المؤلف له هذا الجزء فقالك الله الرحمن الرحيم
ونقول ان الامامة واجبة مع استكمال شروطها ولا يختص بها قرشي وليس فيها تصر انما هي اختيار في المسلمين ونقوك اي تعقد تعتقد فالقول هنا هنا هنا معنى الاعتقادات الامامة الحلقة مصدر فراهمت الوجلاي مير تر اما في اي قدامي و اصطلاحاهي رياسته عامته متضمنة حفظ مصالح العباد في الدارين واجبة إلي شرعا لا عقلا خلا ف المن قال بوجوبها عقلاً وانما و جون ما فر طريق الاجتماع وقول الرافضة أنها واجبر على الله السي بشي لاند بسبحان لا يجب على ليه شئ كما تقدم. وقول الجا لحسب والنجدة
في الخوارج لاتحب الله قال القطب على الله عنه و يتم الامر والنهي يا مام عدد و نصبر واجب اذا كان المسلمون على نصف عدوهم الذين يتقون شوكتهم مع ما يكفيهم في علم ومال وانما اشترطت ان يكونوا على النصف لقوله تعالى الأن خف القدر عنكم وعلم ان فيكم ضعفا فان يكن منكم ماية مصابرة يغلبوا ما يتين وان يكن منكم
الفريجلبوا
صورة الصفحة الأولى من المخطوط (2/5)
صفحة 277
الاستعجال على بني من حتى يسير خطاءه وللدور القائل وكم من غائب قولاً صحيحان وافته خالق ال السقيم ... والحمد لله رب العالمين والصلوة والسلام على سيد المرسلين
والد و صحبه اجمعين ولا حول ولاقوة الا بالله العلى العد العظيم
وقع الفراغ فرنسيخ هذا الكتاب الشريف بعون الله به اللطيف يعلم العيال ضعيف الغير منها. و درسامان حسين طالب سب الزاملي
الله على سيدية والده
امين
2.2.
صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط
-1 - (2/6)
صفحة 278
مهيد (2/7)
صفحة 279
[صفحة فارغة] (2/8)
صفحة 280
11
هذا الجزء الثاني من كتاب:
الإرشاد في شرح مهمات الإعتقاد"
إنه لما كان بحث الإمامة، وسير الأئمة، وإفتراق الأمة، ليس من العقائد، ولكن جرت عادة الْمُؤلّفين ـ غالباً ـ بذكر ذلك،
أفرد الْمُؤلِّف له هذا الْجُزء.
666
سيف بن ناصر بن سليمان بن علي الخروصي
والله ولي التوفيق
000
-9 - (2/9)
صفحة 281
[صفحة فارغة] (2/10)
صفحة 282
ونقول: أن الإمامة واجبة مع إستكمال شروطها،
الإعتقاد
ولا يختص بها قرشي، وليس فيها نص، إنما هي إختيار من المسلمين؛ ونقول، أي: نعتقد، فالقول هنا بمعنى:، أن الإمامة (هي لغة مصدر من أممت الرجل، أي: صيرته أمامي، أي: قُدامي، وإصطلاحاً: هي رياسة عامة متضمنة حفظ مصالح العباد في الدارين)، واجبة، أي: شرعاً لا عقلاً، خلافاً لمن قال بوجوبها عقلاً، وإنما وجوبها من طريق الإجماع؛ وقول الرافضة: أنها واجبة على الله، ليس بشيء، لأنه سبحانه لا يجب عليه شيء ـ كما
تقدم - وقول: أبي الحسين والنجدات من الخوارج، لا تجب باطل
قال القطب (عفى الله عنه: ويتم الأمر والنهي بإمام عدل،
ونصبه واجب، إذا كان الْمُسلمون على نصف عدوهم الذين يبقون شوكتهم، مع ما يكفيهم من عِلم ومال، وإنما إشترطت أن يكونوا على النصف، لقوله تعالى: {الآنَ خَفْفَ اللهُ عَنكُم وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُم ضعفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّانَةٌ صَابِرَةٌ يَغلِبُوا مِائَتَين وَإِن يَكُن مِّنكُم أَلف يَعْلِمُوا أَلفين» (1)، وإنما قُلت بوجوبه، لوجوب الأمر والنهي والإنصاف، لأصحاب الحقوق وإخراج الحدود، وإنما بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأمر النبي يامامة
(1) سورة الأنفال: 66
يتم
ذلك
11 - (2/11)
صفحة 283
أبي بكر، أو إشادته إليه، ولإجماع الأمة عليه، وَعَلَى عُمر، وَعَلَى عُثمَان، وَعَلَى عَلِيّ، وقال النكار والخوارج: أن نصب الإمام غير واجب، وإنه يجب على الناس أن يقيموا كتاب الله فيما بينهم، ويرده ما ذكرناه، والجماعة لا تقوم بذلك، بل ولو كان تقوم لكن تختلف، فليكن الإمام ... إلخ، مع إستكمال شروطها، أي: تمام شروطها (جمع شرط)، إذ لا يتم المشروط إلا بتمام شرطه؛ وهذه الشروط، إما في الإمام، وهو كونه: حُراً، ذكراً، مُكلفاً، عاقلاً، عدلاً، غير: مقعد لزمانه، ونحوها، سالماً فقد من بصر، وسمع، وكلام؛ وأما في العاقدين عليه، ويشترط أن يكونوا ذوي عدة، وقوة في المال والعِلم، لما يأتي عليهم من حوادث الأمور، ويغشاهم من متشابه النوازل، وصاروا مع ذلك بالعدة في النصف، لما يليهم من أعدائهم الذين يتقون شوكتهم
وقال القطب: ذلك أن يختار المُسلمون بإجماع أهل الرأي والنظر رجلاً، أقدمهم هجرة من الشرك، أو النفاق، أو من أمر العامة وخوصهم، أعلمهم بكتاب الله تعالى، وسُنة رسوله محمد، عزيزاً في قومه، ذا حسب ونسب، شجاعاً جواداً بماله، وإن وجدوا أصلح
للإمامة جاز، ولو كان فيهم من هُوَ أَعَلم منه، فيلزمه القيام بالحق وعلى ذلك يُبايعونه، وتلزمهم طاعته ما دام على الحق، ويكون الناس عنده في الحق سواء. أهـ.
وأنت خبير، أن أكثر هذه الشروط التي ذكرها إستحبابية لا وجوبية، وشروط الإستحباب أكثر من أن تبين.
،
-17 - (2/12)
صفحة 284
وفي " طوالع البيضاوي " ـ من كُتب قومنا ـ لنا مقامان: وجوبه
علينا سمعاً، وعدم وجوبه على الله تعالى؛ أما الأول: فلأن نصب الإمام لدفع ضرر لا يندفع إلا به، لأن البلد إذا خلا عن رئيس قاهر، يأمر بالطاعات، وينهى عن المعاصي، ويدرأ بأس الظلمة عن الْمُستضعفين، إستحوذ عليهم الشيطان، وفشى فيهم الفسوق والعصيان، وشاع الهرج والمرج، ودفع الضرر عن النفس بقدر الإمكان، واجب بإجماع الأنبياء، وإتفاق العُقلاء؛ فإن قيل: يَحتمل مفاسد أيضاً، إذ ربما يستنكف الناس من طاعته فيزداد الفساد، أو يستولى عليهم فيظلمهم، ويحتاج لدفع المعارض وتقوية الرياسة إلى، قلنا مزيد مال فيغصب منهم: إحتمالات مرجوحة، وترك الخير لأجل الشر القليل شر كثير؛ وأما الثاني: فلما بينا أنه لا يجب عليه شيء، بل هو الموجب لكل شيء. أ هـ.
وأنت خبير، أن هذه مُقدمات عقلية، فالأولى الإستدلال بإجماع الصحابة، وروي أن الصديق له قال في خطبته يوم موت رسول الله: أيها الناس من كان يعبد محمداً، فمحمد قد مات كان، ومن يعبد الله، فإنه حي لا يموت، ولابد لهذا الأمر، أو لهذا الدين من قائم يقوم به ... إلخ، فلم يعترض عليه أحد من المهاجرين والأنصار، بل بادروا إلى ذلك.
وقال البيضاوي أيضاً، في صفات الأئمة: الأولى: أن يكون مجتهداً في أصول الدين وفروعه، ليتمكن من إيراد الدلائل، وحل الشكوك، والحكم، والفتوى، والوقائع؛ الثانية: أن يكون ذا رأي
-17 - (2/13)
صفحة 285
وتدبير، يُدبر الحرب والسلم، وسائر الأمور السياسية؛ الثالثة: أن يكون شجاعاً، لا يجبن عن قيام بالحرب، ولا يضعف قلبه عن إقامة الحدود؛ وجمع تساهلوا في الصفات الثلاث، وقالوا: يُنيب من كان موصوفاً بها. أ هـ.
ولا يخفى أن هذه الصفات معنا إستحبابية إن أمكنت، وإلا فلا يُعطل القُطر من قائم غير مُجتهد ونحوه إن لم يوجد؛ قال أيضاً الرابعة: أن يكون عدلاً، لأنه مُتصرف في رقاب الناس، وأموالهم، وإبضاعهم؛ الخامسة والسادسة: العقل والبلوغ؛ السابعة: الذكورة فانهن ـ أي: النساء ـ ناقصات عقل ودين؛ الثامنة: الحرية، لأن العبد مستحقر بين الناس، مُشتغل بخدمة السيد؛ التاسعة: كونه قُرشياً، خلافاً للخوارج، وجمع من المعتزلة، لنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: " الأئمة من قريش " (1)، واللام في الجمع، حيث لا عهد للعموم، وقوله:
الولاة من قريش ما أطاعوا الله وإستقاموا في الأمور " (2). أ هـ.
وأنت تعلم أن هذه الشروط كلها وجوبية، إلا قوله: التاسعة: كونه قرشياً، فالرد عليه ينهض من حديثه الذي إستدل به، وهو الحديث الثاني، وهو قوله: " الولاة من قريش ما أطاعوا الله وإستقاموا في الأمور "، فإن مفهومه إن لم يستقيموا ولم يطيعوه تعالى، فلا ولاية لهم، بل ولا كرامة، وأما الحديث الأول، فهو قطعة من حديث رواه أصحابنا: " الأئمة من قريش، ما حكمت فعدلت وقسمت
(1) انظر الملحق.
(2) انظر الملحق.
6 (2/14)
صفحة 286
فقسطت "، وهو عين الحديث الثاني، فإن مفهومه إن لم تعدل في الحكم، وتقسط في القسم، فلا.
وفي " تاريخ السيوطي ": عن أبي بردة عن النبي: " الإئمة من
قريش ما حكموا فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا " (1).
فإذا عرفت هذا، فاعلم أن هذا مُستحب مع الإمكان، وإلا فما يقولون في صقع لم يوجد فيه قُرشي، ولا قدروا عليه، وكملت شروط
،
الإمامة، أتراهم يُعطلون، أم يفعلون، فليختاروا؟ فإذا سمعت هذا علمت قول الْمُؤلّف في المتن: ولا يختص بها قُرشي، أي: قريش
وغيرهم فيها سواء، وهذا تعريض بهم، حيث خصصوا بلا مخصص
،
وقول الصديق (يوم السقيفة، حين قال: الأنصار منا أمير، ومنكم أمير، الرب واحد، والرسول واحد، والكتاب واحد، فالإمام واحد، ولن يعرف هذا الأمر إلا في قريش، فإنهم أوسط الناس نسباً ... إلخ، لا دليل فيه، فإن قريشاً من يصلح منهم للأمر يومئذ
موجود، وكيف لا وفيهم من أثنى عليه سبحانه في كتابه، في غير موضع منه، فلا ينبغي العدول بها عنهم حينئذ؛ وما الفرق بين قول الأشعرية: أن الله ورسوله نصا على قريش؛ وقول الشيعة: أن الله ورسوله نصا على عَلِيّ وبنيه إلا التحكم، بلا دليل، ولو سلموا أن الإمامة إختيار من المُسلمين، ليس فيها نص على قريش، ولا على، إنما هي إختيار من المُسلمين، الذين هم حجة الله في بلاده، وخُلفاءه على عباده، لكان خيراً لهم، ولكن: {وَمَا تُعْنِي الأَيَاتُ
غيرهم
(1) انظر الملحق.
1101 (2/15)
صفحة 287
وَالنُّذُرُ عَن قَومِ لا يُؤْمِنُونَ} (1)، وقولنا: ليس فيها نص تعريض بهم وبإخوانهم الرافضة، كيف وقد إنعقد الإجماع من الصحابة وهم: خير أمة أخرجت للناس) (2)، على بيعة أبي بكر، وعُمر، وعُثمان، ولم ينكر أحد ذلك، وسيأتي في موضعه إن شاء الله
،
وأول الأئمة بعد النبي، أبو بكر الصديق (ه) وولايته وإمامته حق، لقوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَد خَلَت مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَو قُتِلَ انقَلَتُم عَلَى أَعْقَابِكُم وَمَن يَنقَلِب عَلَى عَقِبَيهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي وَسَيَجزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (3)، وهل إمام الشاكرين إلا أبو بكر، وبقوله تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدعَونَ) (4)، فكان أبو بكر هو الداعي، وقوله تعالى: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَحْلِفَنَّهُم فِي الأرض) (ه)، فاستخلف أبو بكر، فأنجز الله وعده، ومكنه من دينه} الذي ارتضى له، وأبدله بعد الخوف أمناً، وكفى بإجماع الصحابة
إطباقهم، وهم المعصومون عن الزلل، فلا يجتمعون على ضلال
وأول الأئمة بعد النبي، أبو بكر الصديق)، بويع يوم موته، في سقيفة بني ساعدة، بعد مُراجعة بين المهاجرين والأنصار، كادت أن تقع الفتنة، ثم وقى الله شرها، حين إنحاز أكثر الأنصار إلى سعيد بن عبادة بالسقيفة، وبنو هاشم وابن العوام إلى بيت
حتى
(1) سورة يونس: 101. (3) سورة آل عمران: 144
(4) سورة الفتح:
016:
(5) سورة النور: 55.
(2) سورة آل عمران: 110. (2/16)
صفحة 288
فاطمة (عليها السلام، وأكثر المهاجرين إلى أبي بكر، فبلغهم أن
الأنصار مع سعد بالسقيفة، فقالوا: لنأتين إليهم، فساروا إليهم، فقال الأنصار ما قالوا، فقال أبو بكر: إختاروا إما هذا، وإما هذا، وكان الله بين أبي عبيدة وعُمر (رضي عنهما)، فأخذ عُمر بيد أبي بكر فبايعه،
ثم بايع من حضر من المهاجرين والأنصار ()، فاستقام الأمر وفي كتاب " الكشف والبيان ": فلما قُبض رسول الله، ولم يستخلف على أمته أحداً، وعلموا أن لا يسعهم أن يقيموا دين الله إلا بإمام يعمل بالكتاب والسنة، ويقوم بأمرهم من قبض الصدقات، وحفظ الأموال، وإقامة الحدود، وتجهيز الجيوش للجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن الْمُنكر، فلم يروا أفضل من أبي بكر، ولا أولاهم بالتقديم منه، لأنه أولهم إسلاماً، وأقدمهم هجرة، وأولهم الرسول الله، محبة، وأكثرهم معرفة، وأشجعهم قلباً، وأحسنهم سيرة؛ حتى قال: فقدموه، فكان لذلك أهلاً، واتبع كتاب الله، وأخذ بسنة رسوله، وحارب من إرتد إلى الشرك، ومن منع الزكاة، حتى دخلوا فيما خرجوا منه. أ هـ (بتصرف).
وفي " تاريخ الخميس "، من كُتب قومنا: ولم ينص رسول الله، على إمامة أحد، وفوض أمرها إلى الأمة؛ وقوله: " إقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعُمر " (1)، ليس نصاً عليهما، وقوله، لِعَلِيّ: " أنت مني بمنزلة هارون من مُوسى إلا أنه لا نبي بعدي " (2)، لا يدل على كونه خليفته له بعد وفاته، بل المراد: أنه خليفة له حين
(1) انظر الملحق.
(2) انظر الملحق. (2/17)
صفحة 289
غيبته في غزوة تبوك، كما كان هارون خليفة لموسى، حين غيبته عن قومه. أ هـ.
موته
وولايته وإمامته حق، أي: لإجماع الصحابة - كما تقدم - ولإستقامته
من
على النهج القويم، ولقوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَد خَلَت قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَو قُتِلَ انقَلَبْتُم عَلَى أَعْقَابَكُم وَمَن يَنقَلِب عَلَى عَقِبَيهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (1)، تعريض بأن} الراجع على عقبه ضرره عائد على نفسه، والثابت على طريقته المثلى مجزى على ثباته، لكونه شاكراً لربه، غير متغير حاله، ولأنه (ه) هو الذي تلى عليهم هذه الآية، وكان ثابت العقل، ربيط الجأش يوم حين تغيرت أحوالهم، وطاشت عقولهم؛ فمن ثم قُلنا: أنه هو إمام الشاكرين لا غيره، وهذه الآية نزلت يوم أحد، إذ صرخ صارخ: أن محمداً قد قتل، وذلك أن ابن قميئة رماه بحجر، فشجه وكسر رباعيته، ففداه مُصعب بن عُمير بنفسه، فقتله ابن قميئة، وكان يرى أنه رسول الله، فقال: قتلت محمداً، فقال بعض المنافقين: لو كان نبياً ما قتل، وقال بعض: ليت ابن أبي حاضر فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، فقال أنس بن النظر: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، فقاتل حتى قتل
فثبات أبي بكر (ه)، يوم قضي عليه، هو ثبات ابن النظر و اضرابه، يوم أخبر بموته قتيلاً
وروي أن رجلاً من الْمُهاجرين مر بأنصاري يتشحط في دمه، فقال له: أن رسول الله، قد قُتل، فقال: إن كان قتل فربه باق،
(1) سورة آل عمران: 144
،
1^- (2/18)
صفحة 290
قاتلوا على دينكم حتى تلحقوا به، ولقوله تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدعَونَ إِلَى قَومٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُم أَو يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلُوا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبَكُم عَذَاباً أَلِيماً (1)، أطبق المفسرون أن الداعي أبو بكر، والقوم بنواً حنيفة، أو أهل الردة.
قال الإمام الخليلي في رسالته الجهادية بعد ذكر الآية: فأجمعت الأمة أن الداعي في هذه الأية هو أبو بكر (ه)، خليفة رسول الله، لما دعى الناس في قتال بني حنيفة، وقد سمعت ما فيها من الوعيد على من تخلف عن إجابة دعوته. أ هـ
نبيه
مع
وفي " الدليل ": وقال الله تعالى في المنافقين حين منعهم الجهاد، حين تخلفوا عنه في زمن الحديبية: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدعَونَ إِلَى قَومِ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُم أَو يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلُّوا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبَكُم عَذَاباً أَلِيماً، فوعدهم الله تعالى إن تخلفوا، بعد ما كانوا تخلفوا عن رسول الله، وخليفته من بعده، والمأموم المطيع، الفائز بطاعته، ولقوله سبحانه وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ أَمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرض كَمَا اسْتَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِم أَمَناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الفَاسِقُونَ (2)
(1) سورة الفتح: 16
(2) سورة النور: 55.
-19 - (2/19)
صفحة 291
ذلك
قال في " الدليل ": فلما استخلف أبو بكر (ه)، أنجز الله له وعده، فثبت أن أبا بكر مؤمن، وقد عمل الصالحات، ومكنه الله بعد من دينه،، الَّذِي ارتضى لَهُ، وبدله الأمن من بعد الخوف، فصار إلى العبادة وإدحاض الشرك، ومن كفر بعد ذلك ممن لم يسلك سبيل أبي بكر خاف بعد الأمان، واضطهد في قعر داره، والدنيا أمان واستغاث، ولم يغث، والدنيا إيمان: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (1)
الله
ودليل آخر على تصويب ولايته من السُنة: أن قدمه رسول على عماد الدين، وهي الصلاة، وجعله إمام المتقين، والغير
،
مأموم، ومن خالفه ملوم، كما قال علي بن أبي طالب: رضيك رسول الله الديننا، ورضيناك لدنيانا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إقتدوا بالذين من بعدي " (2)، إمامة دليل، على أن الإمام محق، يدعوا إلى الهدى. أ هـ.
،
ولإجماع الأمة، واطباق المفسرين، قُلنا: أن أبا بكر هو الداعي. وإن إختلف في المدعو إلى قتاله، أهم أهل الردة، أو بنو حنيفة، أو فارس، أو الروم، أو غيرهم، فإنه أول داع إلى ذلك بعده، فلم يكن من بعده إلا أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما)
•
ومن رأي الْمُسلمين في الإجماع: إطباق الصحابة عليه، ورجوع الْمُنافقين إليهم، وإطلاق الاسم أنه خليفة رسول الله، وحسبه اسمه عند الله: الصديق الأكبر: {ثَانِيَ اثْنَين إذ هُمَا فِي الغَارِ} (3). أ هـ.
(1) سورة آل عمران: 82؛ سورة المائدة: 47؛ سورة النور: 55. (2) انظر الملحق. (3) سورة التوبة: 40 (2/20)
صفحة 292
فحين سمعت ما تلوناه عليك، عرفت المتن، فأنجز الله وعده،
له
أي: المذكور في الآية، لكمال إيمانه، ومكنه من دينه الذي إرتضى له، بأن جهز الجيوش، وأولها جيش أسامة، فإنه جهزه، وأمره بأمره، فأنفذ أبو بكر ذلك، ثم قاتل أهل الردة، وقوم مسيلمة وغيرهم، حتى رجع الدين أعز، والمنهاج بيناً، وأي بيان أوضح من ذلك، وأبدله بعد الخوف أمناً، فإن رسول الله، وأصحابه ()، كانوا يروحون ويغدون في السلاح، يتوقعون هجوم العدو من كل وجهةٍ، حتى من الله عليهم، فافتتح رسول الله جزيرة العرب، كما قال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتحُ * وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفوَاجاً» (1)، فلما استخلف)، إرتدت العرب أكثرهم، فردهم أبو بكر الصديق إلى الإسلام صاغرين، وأخذ منهما والكراع، ولما إعترض عليه عُمر بن الخطاب (ه)، في حرب الردة، قال أبو بكر)، لعمر: أجبار في الجاهلية، وخوار في الإسلام، قد إنسد باب الوحي، وكمل الدين؛ قال عُمر: فرجعنا كلنا إلى قوله، وكفى بإجماع الصحابة، أي: على بيعته، وإطباقهم كلمته، ورجوعهم في المستصعبات إليه، وهم، أي: الصحابة)، المعصومون من حيث جملتهم عن الزلل في الدين، فلا يجتمعون على ضلالة
على
الحلقة
قال في " تاريخ الخميس ": لما كثرت المُراجعة من الصحابة إليه، قال أبو بكر: أنكم قد علمتم من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إليكم
(1) سورة النصر: 1 - 2. (2/21)
صفحة 293
المشورة فيما لم يمض فيه أمر من نبيكم، ولا نزل به الكتاب عليكم، وأن الله لن يجمعكم على ضلالة، وإني سأشير عليكم، وإنما أنا رجل منكم، تنظرون فيما أشرته عليكم، وفيما أشرتم به، فتجتمعون على أرشد ذلك، فإن الله يوفقكم، أما أنا: فأرى أن نشد على عدونا: {فَمَن شَاءَ فَليُؤمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكفُر} (1)، وأن لا نرشوا على الإسلام أحداً، وأن تتأسوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنجاهد كما جاهد ... إلخ كلامه
الله
ومقصدنا من ذلك الإختصار، ومن أراد إستيفاء مناقب أبي بكر الصديق (ه)، فليراجع السير؛ فإن قلت: أراك ادعيت الإجماع على بيعة أبي بكر، واستدللت بالكتاب والسنة على إمامته وولايته، وثمت فرق الشيعة كلها، تدعي أنه ليس للخلافة أهلاً، وإن بايعه من بايعه من الصحابة، فإن ذلك عدول منهم عن الكتاب والسنة، كيف لا وقد قال رسول الله الله في علي بن أبي طالب: " إنه هو الإمام الحق "، فتارة، وتارة تلويحاً، وكما تأولتم في أبي بكر آيات، فقد تأولوا أيضاً في عليّ، منها قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ} (2)، ومنها آية المباهلة، وهي قوله تعالى: {فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم} (3)، فقد
تصريحاً
أجمع أهل السير والتفاسير أنه له، إحتضن الحسين، وقاد الحسن
6
واتبعه علي وفاطمة عليها السلام.
،
(1) سورة الكهف: 29. (3) سورة آل عمران: 61
(2) سورة المائدة: 55
- TY- (2/22)
صفحة 294
الأمة
قلت: الجواب الإجمالي عن جميع زعم الشيعة، إجماع الصحابة
، وهي
بهم
على بيعة أبي بكر، وعلي من جملتهم، فقد دخل في جميع ما دخل فيه الثابتة لها العصمة عن الإجماع على الباطل، كيف والعهد جديد، وهم الذين ينزل فيهم القُرآن، مثل قوله تعالى: {لِلفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأَمْوَالِهِم يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّوُ الدَّارَ وَالإِيمَان مِن قَبْلِهِم يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيْهِم وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (1)، إلى آخر الآيات، ومثل قوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّهِم كَفْرَ عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَأَصْلَحَ بَالَهُم (2)، وقال عز وجل في حقهم: كُنتُم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرجت للناس (3)، وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُم أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (4)، وقال له: " أمتي أمة مرحومة " (ه)، إشارة إلى قوله سبحانه وتعالى: {وَرَحمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (6)؛ وقال: " أنتم توافون سبعين أمة، أنتم خيرها وأفضلها عند، فالكتاب والسنة ناطقة بولاية الصحابة جملة، وعصمتهم من الخطأ والضلالة في إجماعهم؛ وأما الآيات التي يستدل بها هؤلاء على زعمهم، فليس فيها أكثر من كونه ولياً لِلَّهِ، ولياً للمؤمنين، إن صح أنها
الله "
، (7)
(1) سورة الحشر: 8 - 9. (3) سورة آل عمران: 110. (5) انظر الملحق. (7) انظر الملحق.
(2) سورة محمد: 2. (4) سورة البقرة: 143 (6) سورة الأعراف: 156 (2/23)
صفحة 295
نزلت فيه؛ وأما آية المباهلة فهي أبعد، لكونها معه فيها رسول الله
، وبضعته فاطمة، ومع ذلك فلا تدل على إمارة، وأصحاب العلماء، بتأويل كتاب الله لا الشيعة، وإنما
رسول الله
،
، هم
اقتبسوا هذا المذهب في عليّ، من النصارى في المسيح، لمجاورتهم لهم، فتراهم يفضلونه على جميع الأنبياء، ومرة يقولون أن محمداً وعلياً في الفضل سواء، وكلهم يدينون بالرجعة في الدنيا قبل القيامة، ولهم بدع لا تُحصى، منها شرك، ومنها كفر نعمة، فالإعراض عنهم وعن معارضتهم أليق.
وَالَّذِي زعموه أنه منع فاطمة (عليها السلام) من الميراث، فقد
شهد جمع من الصحابة، أنهم سمعوا الحديث من رسول الله " أنه لا يورث منه درهم ولا دينار، إنما تركته الأنبياء صدقة "، لكنها تمسكت بالعموم، حتى ظهر المخصص، وهذا شائع في كُتب الأصول، أنه للإنسان أن يتمسك بالعام، حتى يظهر له المخصص وإن أبى من ذلك الشافعية.
6
قال صاحب " العدل "، (رحمه الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي ذهبت إليه فاطمة (رضي الله عنها)، في قول الله عز وجل: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي {أولادِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الْأُنثَيَينِ} (1)، فاعترضت به أبا بكر الصديق ه)، في ميراثها من أبيها، فقالت: أترثكم بناتكم، ولا أرث أبي: وَاللَّهُ أَذِنَ لَكُم أَم عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ} (2)، فقابلها أبو بكر الصديق
(1) سورة النساء: 11 (2) سورة يونس: 59.
- YE- (2/24)
صفحة 296
لي
) بالخبر، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نحن معاشر الأنبياء ما تركناه صدقة " (1)، ولم يردوا عليها مذهبها في التعميم، ولا أخذوا عليه من جهته لغة العرب ... إلخ
•
وفي " تاريخ الخميس ": أنه إسترضاها فرضيت، فقال: إنه لن
يبرح عن بابها حتى رضيت.
تنبيه:
أتفقت الأمة - ما عدا الشيعة - على أفضلية أبي بكر الصديق (ه)
بعد النبيين، لسابقته، وفضله، وزهده، وثباته مع نبيه المستصعبات، ولأنه: {ثَانِيَ اثْنَين إذ هُمَا فِي الغَارِ} (2)، وغير ذلك؛ قال الشيخ ابن النظر:
ثم أبو بكر إمام وولي أفضل حاف كان أو مُنتعِل بعد النبي الأبطحي العبدل صلى عليه الله من مُزمل ولما مرض) ومرضه الذي مات فيه، لم يألُ جهداً في نُصح الأمة، ومشاورة أهل السابقة، كعبد الرحمن بن عوف، وعُثمان، وعلي، وأسيد بن حضير من الأنصار، كما في جواهر البرادي (رحمة الخميس، وغيرهما في عهده، إلى عُمر بن
الله عليه؛ وتاريخ الخطاب (ه) فأمر عُثمان، فكتب بالعهد إلى عُمر، وهو:
(1) انظر الملحق. (2) سورة التوبة: 40 ..
- YO- (2/25)
صفحة 297
و بسم الله الرحمن الرحيم)
هذا ما عهد به أبو بكر، عند آخر عهده بالدنيا، خارجاً منها
،
وعند أول عهده بالآخرة، داخلاً فيها، حيث يُؤآمن الكافر، ويتقي الخطاب،
الفاجر، ويصدق الكاذب، إني إستخلفت عليكم عُمر بن فإن عدل واتقى، فذلك ظني وعلمي فيه، ورجائي وأملي، وإن بدل أو غير، فالخير أردت، ولا أعلم الغيب، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ
مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (1).
•
،
فمن ثم قال في المتن: وإمامة عمر بن الخطاب () وولايته بعد أبي بكر الصديق) حق، وله شركة مع
أبي بكر في جميع دولته، نسقا بنسق، أما حقية إمامته: فلأنه إستخلفه أبو بكر (ه)، وذلك حكم منه على الرعية، وارتضته الجماعة؛ وأما حقية ولايته: فلإستقامته على الطريقة المثلى، ولم يعترض عليه في شيء من سيرته، بل كان معه القريب والبعيد سواء، يسعهم عدله، وفتح الله الفتوح على يده، وأعز به الإسلام، إجابة لدعوة نبيه، وكمل الله به الأربعين يوم إسلامه، وقال (ه): لا يُعبد الله سراً بعد اليوم؛ وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الفاروق "؛ وقال: " ما سلك عُمر فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً آخر " (2)؛ وقال: " لو كان نبياً من بعدي لكان عُمر " (3)؛ وقال: " لكل أمة مروع فإن يكن فيكم فعُمر "؛ وقال صلى الله عليه وسلم: " لو نزل علينا عذاب من
(1) سورة الشعراء: 227
(3) انظر الملحق.
(2) انظر الملحق. (2/26)
صفحة 298
السماء لِمَا نُجى منه غير عُمر " (1)؛ وأما شركته مع أبي بكر رضي (الله عنهما)، فلأنه كان في الحياة وزيره، ومُشيره، ومُعينه على الصالحات، وفي الممات إقتفى سيرته، واتبع الحق على وتيرته، فكلما ثبت من الآي في أبي بكر، فله فيه نصيب، ومن اتبع الحق لا يخيب، فهما وأضرابهما عند اللَّهِ الَّذِينَ آمَنُوا، المستخلفون في الأرض، والداعون إلى إزاحة الكفر وأهله، والتابع في الخير له من نصيب المتبوع، من غير أن ينقص من نصيب المتبوع شيء: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدىً مِّن رَّبِّهم) (2)، في الظاهر، وإلى الله تُبلى السرائر، ومن يتبع غير سبيل المؤمنين، خسر وخاب، ولم يكن سعيه عند ربه بمستطاب
الشام
وأما كراماته فغير خافية، وكفى بقصة سارية حين ناداه وهو بأرض، من منبر رسول الله الله: يا سارية الجبل، وكان بينه وبين المدينة مسير شهر، فسمع سارية نداءه ولزم الجبل، فسلم من العدو بمن معه من الْمُسلمين
قال في " تاريخ الخميس ": وعن عمرو بن الحارث، قال: بينما عُمر بن الخطاب (ه)، يخطب يوم الجمعة، إذ ترك خُطبته ونادى: يا سارية الجبل مرتين أو ثلاثاً، ثم أقبل على خطبته، فقال ناس من أصحاب رسول الله: إنه لمجنون، ترك الخطبة ونادى: يا سارية الجبل، فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف، وكان يبسط عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، تجعل للناس عليك مقالاً، بينما أنت في خطبتك إذ ناديت: يا سارية الجبل، إلى شيء هذا؟ فقال): والله ما ملكت
(1) انظر الملحق.
(2) سورة البقرة: 5؛ سورة لقمان: 5.
- YY- (2/27)
صفحة 299
ذلك، حين رأيت سارية وأصحابه يُقاتلون عند جبل، يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم، فلم أملك أن قُلت: يا سارية الجبل، ليلحقوا بالجبل؛ فلم يمض إلا أيام حتى جاء رسول سارية بكتابه، أن القوم الجمعة، فقاتلناهم من حين صلاة الصبح، إلى أن حضرت، وذر حاجب الشمس، فسمعنا صوت مُنادٍ يُنادي: يا سارية الجبل (مرتين)، فلحقنا بالجبل، فلم نزل قاهرين لعدونا، حتى هزمهم
لاقونا يوم
الجمعة
الله. أ هـ.
قيل: أنه في جبل نهاوند غار سمع سارية منه نداء عُمر بن الخطاب ه)، وإلى الآن يُعظم ذلك المكان؛ وكتابته إلى نيل مصر، وغير
ذلك، وكان يُراجع رسول الله، فينزل القرآن على رأيه
تنبيه:
،
نقمت الشيعة على عمر بن الخطاب (ه) أشياء، أجاب عنها في " الدليل "، فقال: ونحن نذكر السنن التي أحدثها عُمر بن الخطاب (ه)، فنقضتها عليه الشيعة والروافض؛ أولها: أرض الفيء والخراج، فقالوا: أن الله تعالى قد حكم في غنائم المُسلمين بالسهام والقسم على أهلها الذين غنموها، قال الله عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُم أَمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَومَ الفُرقَانِ يَومَ التَقَى الْجَمَعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1)، وكان من
(1) سورة الأنفال: 41.
- YA- (2/28)
صفحة 300
سنة رسول الله الله، أن جعل المغانم في الأموال والرباع، كما قال الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} (1)، فعمم ولم يخص، وقسم رسول الله، في أرض خيبر الأموال والرباع على عشرين سهماً، فخمسها وأخرج منها أربعة أسهم للخمس، وبقي ستة عشر سهماً، والجيش في ألف وثلاثمائة رجل ومائة فارس، لكل مائة سهم، وأعطا المائة فارس ثلاثة أسهم، سهمان للفرس، وسهم لراكبها، فصار لكل رجل عشر عشر السهم الواحد، واحد من مائة، ولكل فارس ثلاثة أعشار العشر، فخالف عُمر إلى أرض الفيء، فنزعها من أيدي أهلها الذين غنموها، فجعلها بين الْمُسلمين مشاعاً إلى يوم القيامة، والماضي والتالي منه.
الجواب وبالله التوفيق: إن أرض خيبر جعلها الله لمن أطعموها، وهم أهل الحديبية خصوصاً، وأهل الرضوان خصوصاً، فأنزل الله عز وجل سورة الفتح، وبشرهم بخيبر طعمة أطعموها، وعرفهم بما وراء ذلك من المغانم التي وعدهم، ولم يتم لهم عليها كخيبر، فقال عز من قائل: لقد رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ {مَا فِي قُلُوبِهِم فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِم وَأَثَابَهُم فَتحاً قَريباً) (2)، وهي خيبر، ثُمَّ وَعدهم: {وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُم هَذِهِ وَكَفَّ أَيدِيَ النَّاسِ عَنكُم وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُم صِرَاطاً مُستَقِيماً) (3)، وأما الأخرى التي لم يقدروا عليها، فهي فتح مكة، وأخبرهم أنه: {قَد أَحَاطَ اللهُ بهَا} (4)، لما كف أيدي الناس عنهم،
(1) سورة الأنفال: 41. (3) سورة الفتح: 20
(2) سورة الفتح: 18. (4) سورة الفتح: 21.
- Y 9 - (2/29)
صفحة 301
،
وهم وجميع
صلى الله
،
كنانة حلفاء قريش، للعهد الذي عاهدوا عليه رسول الله، فلم يخف من قريش، ولا من كنانة، فمكث على خيبر زُهَاء شهر يفتح قرية قرية، حتى إفتتحها كلها، وهي أحدى وعشرون قرية، فهرب منها أهل تسع قُرى، وهي الكثيبة، فوهبها الله عز وجل خصوصاً محمد وجنده، فقسم خيبر على القسمة التي ذكرنا. فأنزل الله بعد ذلك: لمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهل القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَي لَا يَكُونَ دُولَةً بَينَ الأَعْنِيَاء مِنكُم وَمَا أَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ * لِلفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأَمْوَالِهِم يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِم يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَل فِي قُلُوبِنَا غِلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (1)، ولما قال هَا هُنا للمهاجرين الأولين:
بهم
وَالَّذِينَ تَبَوَّعُو الدَّارَ وَالإِيمَانَ}، {وَالَّذِينَ جَاءُو مِن بَعدِهِم
علمنا أنه أراد الرباع والعقار، وبقيت الغنائم كلها لأهلها الذين حازوها وقبضوها في كل الأيام، وسكوت العصابة المحمدية من عمر) من الأمة، دلنا على أنه الحق، إذ لا
الصحابة على صنيع.
تجتمع أمة أحمد إلا عَلَى الحق، فإن ادعوا أن هناك منكراً أتوا بمنكر
(1) سورة الحشر: 7 - 10.
،
، (2/30)
صفحة 302
وهل في الأمة أحد من الصحابة نازع عن هذا الخراج، أو حرمه، أو قال بقسمته فمنع ولا يحدونه، فأول ذلك عليّ بن أبي طالب الذي انتصروا له، وله في العراق مستغل أربعين ألف دينار في كل سنة، وقد عرفوا حال عُمر بن الخطاب (ه)، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في النصوص، فكيف المحدثات وقد أطبقت الأمة على هذا، ولكل أهل زمان في محدثاتها أحكام؛ حتى قال: والثانية: صنيع عُمر بن الخطاب (ه) في القرابة، قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سل منهم الخمس ومنعهم إياه، بعد قوله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنْمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ» (1)، فعمل به
رسول الله أيام حياته، وعمل به أبو بكر، وبعد أبي بكر عُمر
ثم بداله ومنعهم إياه، وغير سُنة رسول الله، وسُنة أبي بكر، ثم سنة نفسه، بغضاً لآل رسول الله الله، والقرابته، فكيف يلزمه في صنيعه الْخُمس، وقد سلبهم ما آتاهم الله، أحيى فيهم الحكم الجاهلي، وغير حكم الإسلام، وهذا كله مذهب الشيعة والروافض في عُمر بن الخطاب (ه).
في
سهمهم
،
الجواب وبالله التوفيق: إن الله تعالى جعل لقرابة رسول الله فرضاً مفروضاً، وأنفذه رسول الله، وأبو بكر، وعُمر، وكان
رسول الله، يسد به خلل الفقراء منهم، وينكح الأيامي منهم، ويصون به وجوههم عن مسئلة الناس، وعن أوساخ الناس من الله الصدقات التي حرمها السهام الغني والفقير، والحاضر والغائب، ولكن يسد الخلل ولو كانت
(1) سورة الأنفال: 41.
عز وجل عنه وعنهم، ولم يذهب مذهب
- (2/31)
صفحة 303
سهامهم واجبة غير زايلة، لما إستحقها قوم دون قوم، فلما فتح الله عز وجل على المُسلمين البلاد، واقتبس عُمر (ه) من كتاب الله
أراضي الفيء، وخراج الأرضين، فاستغنى به الجميع عن أموال المساكين، والفقراء، والأيتام، وأبناء السبيل، أغناهم الله عز وجل بخراج الأرضين، عن مُشاركة الفقراء والمساكين وغيرهم، لأن العلة التي أباح الله عز وجل بها تلك الأموال، الصون عن أوساخ الناس، فاستعملها لهم عُمر في الفقراء والمساكين وذويهم، بأن صانهم عن مشاركة المذكورين، بأن أغناهم الله تعالى من فضله بخراج الأرضين وغللها، والفِقه في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسوله معرفة حقائق العلل، وذهاب العلة ذهاب المعلول، فلو كان سهم القرابة للرجال والنساء والفقراء والأغنياء، لكان مرتبطاً بهم لا يزول، لكنه للحاجة، فعند زوالها يزول المعلول، وعند وجودها يُوجد؛ والثالثة: صنيع عُمر فِي الْمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُم، قالت الشيعة والروافض: أن الله تعالى فرض في كتابه للمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُم سهماً في الصَّدَقَات، فقال عز من قائل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينَ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابن السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (1)، فأول هذا قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ، وإنما عند العرب من حروف الحصر لا يدخله إستثناء ولا تغيير، لقوله عز وجل: إِنَّمَا اللهُ إِلَة وَاحِدٌ} (2)، وقوله: {إِنِ الحُكمُ إِلا لِلَّهِ} (3)، والثانية: قوله: {فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (4)، فجاء عُمر
(1) سورة التوبة: 60
(2) سورة النساء: 171.
(3) سورة الأنعام: 57؛ سورة يوسف: 40، 67 (4) سورة التوبة: 60. (2/32)
صفحة 304
وادعى
أنه أعلم من الله وأحكم، فلو ساغ لعمر بن الخطاب فعل،. لساغ أن تنقض الناس الصلوات الخمس صلاة، وصيام رمضان، وأن تحوله إلى غيره، والحج في أيامه ومكانه، ولا يُؤمن ممن يأتي بعد، فيبدل أحكام الشريعة ويسلخها إختياراً، ويندرج عمداً اضطراراً، فلو كان لأحد تبديل الشريعة، لكان للمهدي الَّذِي هداه الله، وعلمه ما لم يكن يعلم، وَكَانَ فَضلُ اللهِ عَلَيْهِ عَظِيماً، والمهدي من ولد فاطمة. الجواب وبالله التوفيق: إن الله عز وجل فرض الفرائض والأحكام، وسن رسول الله الله السنن، وبين منها كل فن، وفوض باقيها لمن يأتي من المُسلمين، الذين فوض الله عز وجل إليهم الإستنباط، وحملهم على سواء الصراط، وجعل لهم العلل مناراً، والفقه في الدين أنواراً، وانفهم لهم أن العلة في سهم الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم، حاجة الإسلام إليهم وخيفتهم منه، كما قال عُمر بن الخطاب (ه) حين جاءوا يطلبون سهامهم: ذلك إذا كان الإسلام حقياً، وأما الآن فقد بزل، ولهذا قال عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرأَنا عَرَبِاً لِّعَلَّكُم تَعْقِلُونَ} (1)، أي: لما فيه من المعاني البديعة، والغرائب العجيبة، قال: (لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ}، والخطاب منه عز وجل، قد إعتوره لحن الخطاب وفحواه، ودليله ومعناه، لا يعلمه إلا العالمون العاقلون، وقد نبهت قبل هذا على ما تضمنه كلام العرب من المعاني، وما تفرد به من عقول العرب دون العجم؛ الرابعة: عتقه لأمهات الأولاد على آبائهم، وذلك أن الله أباح تسري إماء الناس لأربابهن، قال الله عز وجل: لا يَحِلُّ
(1) سورة يوسف: 2. (2/33)
صفحة 305
لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أَزْوَاجِ وَلَو أَعْجَبَكَ حُسنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَت يَمِينُكَ} (1)، وقال تعالى: {حُرِّمَت عَلَيْكُم أُمَّهَاتُكُم وَبَنَاتُكُم وَأَخَوَاتُكُم وَعَمَّاتُكُم وَخَالَاتُكُم وَبَنَاتُ الأَحْ وَبَنَاتُ الأُختِ وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّتِي أَرضَعَنَكُم وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُم وَرَبَائِبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُوركُم مِّن نِّسَائِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُم وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِن أَصْلَابِكُم وَأَن تَجمَعُوا بَينَ الأُختَين إلا مَا قَد سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} (2)، فأباح الله تعالى السراري أمهات الأولاد وغيرهن، ولم يعتق على الناس أُمهات أولادهم، وليس في سنة رسول الله عتق شيء منهن، ولم يسبقه أحد من الناس إليهن إلا رأيه، والرأي مع النصوص من الكتاب والسنة
ساقط
الجواب وبالله التوفيق: إنَّ عُمر بن الخطاب (ه)، ذهب في أمهات الأولاد إلى الذي ينبغي، والذي ينبغي إعتاقهن لحرمة أبناءهن، وأما أن يخرجن من غير إعتاق فلا، علي أنه ورد عنه، أنه قال في مارية القبطية: " سريته أعتقها ذو بطنها "، وهي التي ولدت ولده إبراهيم (العلة)، فلو عول عُمر (ه) على هذا الحديث، وبنى عليه فتواه، لكان ماذا فان؟ قال قائل: فإن كانت أم الولد عتيقة، فقد أباح فرج حرة على حكم التسري؛ قُلنا: حكم سبق وتقدم، ولم يأت ما ينقضه؛ حتى قال: وليس في هذا أعظم أمر قد سلم له من حضر، ولا
(1) سورة الأحزاب: 52.
(2) سورة النساء: 23 - 24.
- TE- (2/34)
صفحة 306
تجتمع أمة محمد على ضلال. أ هـ.
والعجب من هؤلاء الزاعمين، أنهم على هدى من ربهم، دون الأمة المحمدية، كيف سولت لهم أنفسهم، حتى رأوا الخروج في عرض أبي بكر الصديق وعُمر بن الخطاب (رضي الله عنهما) دون كل، فضيلة في الإسلام، فتراهم في خُطبهم وَمُؤَلَّفاتهم، يخرجون في هؤلاء السادة الكرام، من أصحاب محمد، وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتَنَتَهُ فَلَن تَملِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَم يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُم} (1).
وولاية عثمان بن عفان، كان بدؤها حقاً - المراد هنا: الإمارة - فالولاية بمعنى كونه والياً على الناس، أي: أميراً، كان بدؤها. حقاً، لإنعقاد الإجماع من أهل الشورى، ومن بقية الصحابة عليها، قيل: أن عُمر بن الخطاب (ه)، لما طعنه أبو لؤلؤة غُلام المغيرة (أخزاه الله في صلاة الفجر، ثلاث طعنات، وطعن معه ثلاثة عشر رجلاً، وصلى بالناس عبد الرحمن بن عوف، حمل إلى بيته، وقد أغمي عليه، فأرادوا أن يُنبهوه فلم ينتبه، فقالوا له: الصلاة، ففتح عينيه وقال: لا حظ في الإسلام لعبد ترك الصلاة، فصلى وجراحاته تتعب دماً، فمكث ثلاثة أيام يُصلى في أثوابه التي طعن فيها، ثم قال لإبنه عبد الله: إلتمس لى طبيباً، فسقاه الطبيب لبناً، فخرج من الطعن، فقال له: لا أراك تُمسي، فما أنت صانع فاصنع، ثم جعل الأمر شورى بين ستة من المهاجرين، عليّ بن أبي طالب، وعُثمان بن عفان، وطلحة، والزبير بن العوام، وعبد الرَّحمن بن عوف، وسعد بن أبي
(1) سورة المائدة: 41. (2/35)
صفحة 307
وقاص، وأمر بالصلاة صهيباً، إلى أن يتفقوا، وأمر أبا طلحة الأنصاري - صاحب رسول الله - مع خمسين من الأنصار، إن لم يتفقوا إلى ثلاثة. أيام، أن يُضرب أعناقهم، ثم قُضيَّ عُمر (رحمة الله عليه)، فمر عليهم المقداد بن الأسود - فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال: أناشدكم الله لا تولوا رجلاً لم يحضر بدراً، وفر يوم أحد، ولم يشهد بيعة الرضوان؛ وروي أن عُمر قال في أهل الشورى: إن إفترقوا فكونوا مع الأكثر، فإن إستووا، فكونوا مع فرقة عبد الرحمن بن عوق، ولما ناظر عبد الرحمن بن عوف بعضهم في بعض، أكثرهم مال إلى عُثمان بن عفان لمسابقة فضله، ولتقدم إسلامه، ولأنه ممن هاجر الهجرتين، وجهز جيش العسرة، وحفر بئر دومة، وتزوج بإبنتي رسول الله، واحدة بعد أخرى، وأهدى الهدي عن رسول الله يوم الحديبية، لما أن صدهم المشركون، فبايعه عبد الرحمن بن عوف على إتباع سنة رسول الله، وسيرة الخليفتين من بعده، وبايعه أهل الشورى والمهاجرون والأنصار، فانعقد الإجماع على بيعته، ولم يزل مُستقيماً على طاعة الله تعالى ست سنين، والمُسلمون عنه راضون، وله
مؤازرون.
قال البرادي (رحمة الله عليه: ثم أن عُثمان بن عفان لم يزل
الله
الله
عنها)، عند عبد بن مسعود ليأذن له
6
يستشفع بعائشة (رضي فيدخل عليه، فقال: أقعدوني، فأقعدوه، فقال له عُثمان: إستغفر لي يا أبا عبد الرحمن، فقال له: إن كنت كما أقول فما ينفعك، وإن كنت كما تقول فما يضرك وإن لم أستغفر لك، وكان عُثمان
حبس
عطائه (2/36)
صفحة 308
اجتمع
خمس سنين، وكان عطاءه كل سنة خمسة آلاف درهم، فاجتمع له خمسة وعشرون ألفاً، فقال له عُثمان: إبعث إلى عطائك فخذه، فقد لك عندنا مال، فقال عبد الله بن مسعود: لا والله لا أأخذ منه شيئاً حتى ألقى محمداً، فقام عثمان وقال للزبير: لا تسبقوني بجنازته، فلما مات عجل القوم بدفنه، فبلغ عُثمان موته فركب فآتاهم، فوجدهم قد فرغوا من دفنه، فقال: يا زُبير، رفعتم واللهِ أيديكم عن خير من على الأرض، ولم تعلموني، فقال الزبير متمثلاً:
لأعرفنك بعد الموت تندبني وفي حياتي ما زودتني زاداً
وفي رواية: قال له لما دخل عليه بعد خطاب طويل: ما تشتكي يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: ذنوبي، فقال له: فما تشتهي؟ فقال: المغفرة، فقال له: أَلا ندعوا لك الطبيب ليداويك؟ فقال: فعل هذا
،
بي، فقال له: ألا نأمر لك بعطاءك؟ فقال: حبسته إذ أنا محتاج له وتعرضه علي إذ أنا غني عنه، فقال له: أرى في بناتك عيلة؟ فقال: لا أخاف عليهن ما صلين الغداة، ثم قال عبد الله: يا أُمهات المؤمنين ويا أصحاب محمد، أناشدكم الله إن صدقت لما صدقتموني، وإن كذبت لما كذبتموني، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في مواطن يوم كذا وكذا ـ يُعدد مناقب له - فقالوا: اللهم نعم، ثم قال: وتعلمون أن رسول الله الله، قال في مواطن ثلاث: " اللهم إني قد رضيت لأمتي من رضي لها ابن أم. عبد، وسخطت من سخط لها "، فقالوا: اللهم نعم؛ فخرج عُثمان وأقعد غُلاماً له عنده حتى يُعلمه بموته، فضرب الله على أُذني الغُلام، فمات ابن مسعود ليلاً وقد
- TY- (2/37)
صفحة 309
أوصاهم أن يُعجلوا بدفنه، فلما بلغه موته جاء فوجدهم فرغوا من دفنه. قال السيوطي من قومنا: وكان كثيراً ما يولي بني أمية، ممن لم
ذلك
بني
عمه
يكن له مع رسول الله له صحبة، فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد، وكان عثمان يستعتب فيهم، فلا يعزلهم، وذلك في سنة خمس وثلاثين، فلما كان في الست الأواخر، إستأثر فولاهم، وما أشرك معهم، فولى عبد الله بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين، فجاءه أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه، وقد كان قبل عُثمان هناة إلى عبد الله من بن مسعود، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، وكان بنوا هذيل، وبنوا زهرة في قلوبهم ما فيها، لحال ابن مسعود، وكانت غفار وأخلافها، ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها، وكانت بنوا مخزوم قد حنقت على عُثمان لحال عمار بن ياسر، وجاء أهل مصر يشتكون من ابن أبي سرح، فكتب إليه كتاباً يتهدده فيه، فأبى ابن أبي سرح يقبل ما نهاه عنه عُثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل عُثمان من أهل مصر، ممن كان أتى عُثمان. أهـ
فقتله
قال البرادي في " جواهره ": حدثنا سليمان الأعمش، عن عُبيد الله بن حارثه، قال: سمعتُ علياً يقول: دعاني عُثمان فقال: يا علي أعني نفسك، ولك عير أولها بالشام وآخرها بالمدينة، ولك عير أولها بالمدينة وآخرها بالعراق، ولك عير أولها بالمدينة وآخرها باليمن، فقلت له: بخ بخ، لقد أكثرت، لو كان من مالك، فقال: من مال من أذن، فقال علي: من مال قوم جالدوا عليه بأسيافهم، فقال:
- TA- (2/38)
صفحة 310
وإنك لهناك تذهب. أهـ
وفي " جواهر البرادي " عفى الله عنه: وأعطى مروان بن الحكم خمس إفريقية، وأعطى أخاه الحارث بن الحكم مائة ألف درهم من صدقة البحرين، وأعطى عبد الله بن خالد بن أبي العاصي ستمائة ألف درهم من صدقة البصرة، كتب له بها إلى عبد الله بن عامر ـ عامله على البصرة - وأرسل إليه أبو موسى الأشعري بمال عظيم من صدقة البصرة، فجعل يُقسمه بين ولده وأهله بالصحاف، وكان زياد بن عباد مولى الحارث الثقفي ـ حاضراً، وهو الذي أتى بالمال، فبكى وفاضت عيناه بالدموع، فقال عُثمان: ما يُبكيك لا أُم لك؟ فقال: ذكرت عُمر بن الخطاب (ه) وصنيعه في مال أتيته به من البصرة، وكان زياد أتى عُمر بن الخطاب (ه) قبل ذلك بمال من البصرة، وبين يديه إبنةً له صغيرة، فأخذت درهماً فجعلته في فيها فذهبت، فصاح بها عُمر لترجع فسعت، فسعي في أثرها، فأخذها وأدخل سبابته في فيها، فأخرج الدرهم ورده في المال، وبكت الصبية وردها إلى صدره، فقال: أسكتي بنتي فوالله لأنت تبكين أيام الدنيا كلها، أحب إليَّ من أن يبكي عُمر يوم القيامة، فقال له عُثمان: لِلَّهِ أبوك، عُمر منع أهله وقرابته رجاء ما عند الله، وأنا أعطيت أهلي وقرابتي رجاء ما عند الله
وفي الكتاب أيضاً: واستسلف من مال الله مالاً عظيماً، فأتاه عبدالله بن أرقم - أمين المُسلمين - وكان يلي الخمس والغنائم في أيام رسول الله، ووليَّ المال في أيام أبي بكر الصديق)، فأتاه
__ (2/39)
صفحة 311
عبد
يتقاضاه منه، فجعل عُثمان يماطله ويُمنيه، فلما طال ذلك على الله ناشده الله، إلا ما أدى ما قبله من في الله، فقال عثمان: مالك ولهذا المال، فوالله ما أؤدي منه شيئاً أبداً، فلما سمع منه ذلك إنطلق إلى المفاتيح فأخذها، ثم أتى عُثمان والناس عنده، فقال: يا معشر المسلمين، هذه مفاتيحكم وبيت مالكم، ثم قال لعثمان: لا ألي لك شيئاً أبداً
مالك
سير
وفي " تاريخ الخميس ": فلما كان سنة خمس وثلاثين، قَدِمَ المدينة بن الأشتر النخعي، في مائتي رجُل من أهل مصر، كلهم مجمعون على خلع عثمان الخلافة، فلما اجتمعوا في المدينة، من عُثمان المغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاصي، ليدعوهم إلى إليهم كتاب الله، وسنة رسوله، فردوهما أقبح رد، ولم يسمعوا كلامهما، فبعث إليهم عليا، فردهم إلى ذلك، وضمن لهم ما يعدهم به عُثمان، وكتبوا على عُثمان كتاباً بإزاحة علتهم، والسير فيهم بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيه، وأخذوا عليه عهداً بذلك، وأشهدوا عليا على أنه ضمن ذلك، وإقترح المصريون على عُثمان عزل عبد الله بن أبي سرح، وتولية محمد بن أبي بكر، فأجابهم إلى ذلك وولاه، فإفترق الجمع كل إلى بلده، فلما وصل المصريون إلى أيلة، وجدوا رجُلاً على نجيب لعُثمان، ومعه کتاب مختوم بخاتم عُثمان، مصطنع على لسانه، وعنوانه: من عُثمان إلى عبد الله بن أبي سرح، وفيه: إذا قَدِمَ محمد بن أبي بكر، وفلان وفلان، فاقطع أيديهم وأرجلهم، وارفعهم على جذوع النخل، فرجع المصريون، والبصريون، والكوفيون، لما بلغهم ذلك، وأخبروه الخبر، فحلف (2/40)
صفحة 312
عُثمان أنه ما فعل ذلك ولا أمر به، فقالوا: هذا أشد عليك، يُؤخذ خاتمك، ونجيب من إبلك، وأنت لا تعلم، وما أنت إلا مغلوب على أمرك، وسألوه أن يعتزل فأبى، فأجمعوا علي حصاره، فحصروه في داره. أ هـ.
وفي " جواهر البرادي ": فساروا إليه المسلمون من كل أفق ليستتيبوه، أو ليعزلوه، أو ليقتلوه، فلما نزل أوائلهم الذين أقبلوا من مصر، وكانوا من أشد الناس عليه، أرسل إلى المهاجرين والأنصار، أني أتوب إلى الله مما فعلته، فلا تعجلوا عليَّ، وردوا الناس عني، فإني لكم على عهد الله وميثاقه، لأردن المظالم إلى أهلها، ولأقيمن الحدود التي عطلتها، ولأعز لن عُمالي الذين كرهتموهم، ولأستعملن عليكم ما أحببتم، فلما أرسل بذلك إليهم تواثقوا منه، وأخذوا عهد وميثاقه على الوفاء لهم بما قبلوه، وكان ولي ذلك منه علي بن أبي طالب، فلقي الناس وصرفهم عنه، فانصرفوا إلى أمصارهم، ورجى الناس أن يوفي لهم، فلم يفعل.
الله
حدثنا محمد بن إسحاق بن ياسر المدني، عن محمد بن عبد الرحمن،
6
قال: لما رأي الناس ما صنع عُثمان، كتبوا إلى أصحاب محمد بالمغازي والثغور، وقالوا لهم: إنكم قد نفرتم تطلبون دين محمد صلى الله عليه وسلم ودين محمد هَا هُنَا، قد ترك وضيع، فهلموا فأقيموا دين محمد، فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه، وكان عُثمان قد كتب إلى بن سعد ـ عامله إلى مصر - حيث تراجع الناس عنه، فزعم أنه تائب في الذين شخصوا إليه من مصر، وكانوا من أشد أهل الأمصار
عبد الله
181 - (2/41)
صفحة 313
عليه: أما بعد، فانظر إذا قدم عليك فُلان وفلان، فاضرب رقابهما، وانظر فُلاناً وفُلاناً، فعاقبهما بكذا وكذا، ونفر من أصحاب رسول الله، ونفر من التابعين لهم بإحسان، وكان رسوله في ذلك أبو الأعور السلمي، حمله عُثمان على جمل له، ثم أمره بالجد والإجتهاد، حتى يدخل مصر قبل القوم، فلحقهم أبو الأعور ببعض الطريق، فسألوه: أين تريد؟ فقال: أُريد مصر، ومعه رجُل من أهل الشام من خولان، فقالوا له: هل معك كتاب؟ وقد عرفوا جمل عُثمان، فقال: لا، ففتشوه فوجدوا معه كتاباً، فنظروه فإذا فيه قتل بعضهم، وعقوبة بعضهم في أنفسهم وأموالهم، ورجعوا بالكتاب إلى المدينة، فبلغ الناس رجوعهم والذي كان، فتراجع الناس من الآفاق كلها، وثار عليه أهل المدينة، فلما جاءوه وقالوا له: أليس هذا عاملك؟ قال: إنطلق بغير إذني، قالوا: أوليس هذا جملك؟ قال: سُرق من داري بغير علمي وأمري، قالوا: أوليس هذا كتابك؟ قال: قد شبه الخط بالخط، قالوا: أوليس هذا طابع خاتمك؟ قال: نقش عليه، قال: فلما رأي عُثمان ما نزل به، وما قد إنبعث من الناس عليه، كتب إلى معاوية بالشام: أما بعد، فإن أهل المدينة قد كفروا، وخلعوا الطاعة، ونكثوا البيعة، فابعث إليَّ بمن قبلك من مُقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول؛ فلما قرأ معاوية الكتاب، تربص وكره إظهاره، وخاف من مخالفة أصحاب محمد ه، وقد علم إجتماعهم على أمر عُثمان، فلما
أبطأ عليه أمراءه، كتب عُثمان إلى أهل الشام يستنفرهم ويستعجلهم الخلفاء، وما أمر الله به من طاعتهم، ومناصحتهم، ووعدهم
ويذكر
6
- EY- (2/42)
صفحة 314
أن يتخذهم بطانة وجُنداً دون الناس، وذكرهم بلاءه وصنيعه، فإن كان عليكم غياثاً فالعجل العجل، فإن القوم أعجلونا، فلما قريء كتابه عندهم، قام أسد بن كريز البجلي، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عُثمان وما هو فيه، وحضهم على نصرته، وأمرهم بالمسير، فتابعه ناس كثير، فساروا معه حتى كانوا بوادي القُرى، فبلغهم قتل عثمان فرجعوا، وقد كان عُثمان كتب نسخة كتابه إليهم، فوجهها إلى عبد الله بن عامر بن كريز، أن يندب أهل البصرة إلى نصرته، فجمعهم عبد الله وقرأ عليهم الكتاب، فقام فيهم مجاشع بن مسعود السلمي، وكان أول من تكلم، وَهُوَ يومئذ سيد قريش، فحثهم على نصرته
6
وقام قيس بن الهيثم، فخطب وحث الناس على نصرة عُثمان، فتسارع الناس إلى ذلك، فاستعمل عبد الله بن عامر، مجاشع بن مسعود السلمي، فسار بهم حتى نزلوا الربوة، ونزلت مقدمته صدار، مسيرة أيام من المدينة، فأتاهم قتل عثمان. أ هـ
ثم ذكر صاحب الكتاب: سبب قتله، ومن قتله،، ومن
ومن كان معه، ومن قتل يومئذ، فليراجع
كان عليه،
نعم، أشار صاحب " المروج "، بعد حكاية قولهم، فقال: وقال حسان بن ثابت، فيمن تخلف عنه، وخذله من الأنصار وغيرهم، ومن أعان على قتله - والله أعلم بما قاله من أبيات -:
خذلته الأنصار إذ حضر المـ وت وكانت ولاته الأنصار
- ET- (2/43)
صفحة 315
من عذيري من الزبير ومن طلح ة إذ جاء أمر له مقدار فتولى محمد بن أبي بك
عيانا وخلفه عمار
في شعر طويل، يذكر غير من ذكرنا، وينسبهم إلى التمالي على قتله، والرضى بما فعل به، وا، والله أعلم. أ هـ.
انظروا - معاشر المُسلمين - إلى أجوبة هذا البحر من عُلماء هؤلاء، فإنه قال: أن جفينة نصراني، وإبنة أبي لؤلؤة أبوها مجوسي، وأُمها مجهولة، والهرمزان هو الآمر، كأن قتل الذمي عنده جائز، ولابد أن يكون جفينة ذمياً أو مستأمناً - على زعمه ـ وَأَلَا فَهُمُ الْمصرحون أن عمر لا يرضى أن يدخل المدينة مُشرك بلغ الحلم، وقد حكم عُمر بن الخطاب (ه) في إبنة عبيد الله، أما أن يأتي ببينة تشهد أن الهرمزان آمر أبا لؤلؤة بقتل عُمر، وَإلا فليُقد عُبيد الله بمن قتله بلا حجة، ولم يرض بذلك عُثمان، وذلك حُكم من إمام تقدمه؛ قال: ومنها أنه كان غادرا لما وقع له مع محمد بن أبي بكر)، قال: وجوابه أنه حلف لهم فصدقوه. أ هـ.
قال في " الدليل ": إذ لا يعيذ الإسلام باغياً، ولا الإمامة خائناً،
ولا الشهر الحرام فاسقاً، ولا الصُحبة مُرتداً على عقبه. أ هـ.
فإن قلت: أراك أطنبت في عُثمان، وأن الأمة الإسلامية لا تجتمع على ما ذكرت فيه؟ قلت: قد أجمعت الأمة على إحداثه ـ كما تقدم - وأن هؤلاء المتلقبين بأهل السنة والجماعة، بعدما حكوا إحداثه، قالوا: (2/44)
صفحة 316
رسول
أنه قتل مظلوماً، وأنه من أهل الجنة ولا غرو؛ فإن قلت: أن عُثمان أشرف عليهم يوم الدار، فقال لهم: أناشدكم الله، ألم تسمعوا أن الله يقول: " لا يحل دم إمرء مُسلم، إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزني بعد إحصان، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق " (1)، وأنا ما زنيت، ولا كفرت بعد إيمان، ولا قتلت النفس، قلت: قد غفل عن إباحة دم الباغي، قال الله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي ى تَفِيءَ إِلَى أَمرِ اللَّهِ} (2)، فإن قلت: قد أجمع أئمتك على أن الإمام حجة في تنفيذ الأحكام، وليس لأحد أن يعترض عليه، وهو من على العامة في الأحكام، وكل من حاربه على إنفاذ
تبغي
حجج
الله
حكم، فهو خصم للحجة، وهو مقطوع العذر، ولو كان الإمام خائناً في السريرة، قلت: نعم ما لم تنكر عليه علماء عصره في شيء، أما إذا أنكر عليه العلماء أن الذي يأتيه من الأفعال خارجة من القانون الشرعي، فإن العُلماء حجة عليه في الإنكار، لأن العلماء هم الحجة على الإمام، فإن إختلفوا عليه في ذلك، فإن كانت الأحكام مما لا فيها، فالحجة في ذلك من نطق بالحق منهم، والذي
الخلاف يجوز يقول بالباطل، لا حجة له ولا منه، وإن كان مما يخرج مخرج الدعوى منهم ما قالوه، فلا يقطع على أحد بدعواه عذره؛ فإن قلت: فهل تجب البراءة من عُثمان على كل مكلف؟ قلت: لا إنما تجب على من صح معه ذلك بمعاينة، أو شهادة، أو شهرة من أهل زمانه، أو من
(1) انظر الملحق. (2) سورة الحجرات: 9.
120 - (2/45)
صفحة 317
،
غيرهم، إذا عَلِم الْحُكم في ذلك، وأما من لم يصح معه ذلك فلا وكذا من لم يعلم الحكم في إحداثه؛ فإن قلت: أن عُثمان الأئمة، من وقد جاء الأثر أنه لا يسع جهل الأئمة؟ قلت: قد فسر ذلك في أئمة أهل عصره ـ كما تقدم - ولو كان ذلك كذلك، لكان هو وغيره من الإئمة سواء، فإذا لم يسع جهله هو، فغيره كذلك
وفي كرسي الإمام الخليلي (قدس سره): وحرام أن يبرأ بغير حجة، ولا لمن حكم على الجهل، ولا عذر له في التكلم بما لم يأذن له به الله، ولم يأذن الله لأحد أن يقول بما لا يعلم، لأنه من إفتراء الكذب، وهو كبيرة، وفاعل ذلك مُبطل في حكم الدين. أ هـ.
على
الله
وأما عليّ بن أبي طالب، فإن ولايته وإمامته حق،
حيث إنعقد الإجماع من الصحابة عليها: وأما علي بن أبي
6
طالب ... إلخ، إختلف في اسم أبي طالب، فقيل: أنه عبد مناف وقيل: عُمران، والأول أصح، والثاني في شعر الموسوي، ولايته، أي: إمارته، وإمامته، أي: تقدمه على الناس في الأمر والنهي، بمصالح الإسلام - كما تقدم - حق، لأنه أهل للخلافة، لسابقته وبلائه في مواطن جمة، كبدر، وأحدٍ، وغيرهما، وأنه إفتتح خيبر، واجتهد في الإسلام أي إجتهاد، ولأنه روي أنه لم يعبد صنما قط، لأنه تربى في حجر رسول الله، ولأنه قيل: أول من أسلم من الصبيان، كذا روى قومنا، وأنا أتعجب من هذا، لأن رسول الله لم يكن يخص
بدعوته الصبيان، اللهم إلا أن يكون ذلك من خصوصيات علي، وَإِلا
1271 (2/46)
صفحة 318
فأبو بكر هو أول الناس إسلاماً، وكان أعلم الصحابة في القضاء، لشهادة رسول الله له بذلك له، فإنه قال: " أقضاكم علي " (1)،
ولأنه زوج البتول فاطمة (عليها السلام، ولأنه كان أزهد الصحابة، وكفاه فضلاً وشرفاً آية المُباهلة، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " (2)، وروي أن عُمر بن الخطاب (ه) أرسل إلى إمرأة فأجهضت جنيناً، فأفتاه الصحابة بأنه مؤدب ولا شيء عليه، فأفتاه علي بأن ديته في عشيرته، لأنه بمنزلة الخطاء، فقال عُمر بن الخطاب (ه): لولا علي لهلك عُمر؛ لا كما تقول الشيعة: أنه أمر برجم إمرأة وفي بطنها جنين، فقال له عليّ: لا لك شيء على ما في بطنها، اللهم إلا أن يكون عُمر قال ذلك مرتين، لإجماع الصحابة. عليها، أي: على إمامته
علياً
•
وفي كتاب " الكشف والبيان ": لَما قُتل عُثمان، بايع المُسلمون، بعد أن ترددوا عليه أياماً وهو يأبى، ولما بايعوه صعد المنبر وعليه السلاح، وعمار بن ياسر عن يمينه، ومحمد بن أبي بكر عن يساره، فحمد الله، وصلى على نبيه،، وصلى على نبيه، وسأل الله الإعانة له، ورد مقاطع عُثمان، وأخذ ما في بيته من بيت مال المُسلمين، وترك ماله لورثته، ثم قال: إن لكم في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل،
فالجور عليه أضيق. أ هـ (بتصرف).
(1) انظر الملحق
(2) انظر الملحق. (2/47)
صفحة 319
وفي " مروج المسعودي ": وقعد عن بيعته جماعة عُثمانية، لم يروا الله بن
إلا الخروج عن الأمر، منهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله عُمر، وبايع يزيد بعد ذلك، والحجاج لعبد الملك بن مروان، ومنهم:
قدامة بن مظعون، ووهبان بن صيفي، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وممن إعتزل من الأنصار: كعب بن مالك، وحسان بن ثابت - وكانا شاعرين - وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة ـ حليف بني عبد الأشهل - وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، ومسلمة بن خالد، في آخرين ممن لم يذكرهم من العُثمانية من الأنصار، وغيرهم من بني أمية وسواهم، وإنتزع علي أملاكاً كانت لعثمان، أقطعها جماعة
من
المُسلمين. أ هـ.
قلت
: تقدم عن القلهاتي: أنه ترك له أملاكه لوارثه، وأخذ السلاح، والنجب، والأموال التي أقطعها أقاربه، وأصلها بيت مال المُسلمين، وسيأتي أن عُمر بن عبد العزيز فعل ذلك، حين أفضى إليه الأمر، فإن قلت: أنك تقول أن بيعته وقع عليها الإجماع، وهؤلاء من أكابر الصحابة، مثل: ابن عُمر، وابن سلام، وابن أبي وقاص ــــ أحد أهل الشورى - لم يُبايعوا؟
قلت: لم ينكروا بيعته، بل سلموا، ولا يلزم كل أحد أن يُبايع، إذا بايع أهل الحل والعقد ولو إثنان، ولم ينكر الآخرون على أن علياً لما سُئل عنهم، قال: أولئك قوم قعدوا عن الحق، ولم يعينوا على الباطل، لكن مبايعة ابن عُمر ليزيد، والحجاج لابن مروان، إن لم تكن عن تقية، ففيها ما فيها (2/48)
صفحة 320
قال صاحب " الدليل " (رحمه الله: الفرقة الثانية: هم المتوقفون
الله
بن
في عُثمان، ولم يروا حل دمه، منهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد عُمر بن الخطاب، وعبد الله بن سلام، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة،
ومحمد بن مسلمة، والمتوقفون من عامة الناس، فهؤلاء توقفوا في تحلة دم عُثمان، ولم يبرؤوا من عمار وأصحابه، ولم يبرأ عمار وأصحابه منهم، فالأول عمار وأصحابه أهل البصائر في الدين، ولاسيما أن رسول الله الله جعله علماً للفتنة، وقال: " تقتل عماراً الفئة الباغية " (1)، قال الله عز وجل: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَت إحدَاهُمَا عَلَى الْأُخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقسِطِينَ} (2)؛ حتى قال: والآخرون قصرت بصائرهم عن تحلة دم عُثمان فتوقفوا، والكل على بصيرة، ما لم يبغ بعضهم على بعض، وأما أصحاب الدار فهم في حزب عُثمان في الدُّنيا وفي دار القرار، وأما الفرقتان عمار وسعد، فواسع لهم ما يقحم أحدهما أحد الشروط الثلاثة: إحدَها: أن يرى رأيه ديناً لِلَّهِ لا يسع أحداً التخلف عنه؛ والثاني: أن يقطع عذر صاحبه في التخلف عنه؛ والثالث: أن يخرجه قوله إلى أن يهدم قاعدة من قواعد الإسلام، فمن سلم من هذه الشروط الثلاثة وسعه ذلك، ومن إبتدأ بالبراءة من الطائفتين، فهو أولى بها. أهـ
(1) انظر الملحق. (2) سورة الحجرات: 9
- {9 - (2/49)
صفحة 321
قال ابن الوردي في تاريخه: وبايعته الأنصار إلا نفراً قليلاً، ثم راً
أخذ في تعدادهم؛ ثم قال: هؤلاء قد ولاهم عُثمان على الصدقات وغيرها، قال: وسار النعمان بن بشير بشوب عُثمان ملطخاً بالدم إلى الشام، فكان معاوية يُعلق قميص عُثمان على المنبر تحريضاً على قتال عليّ
أهـ
قال المسعودي: وقسم على ما في بيت المال على الناس، ولم يُفضل أحداً على أحد؛ حتى قال: وإتصلت بيعة علي بالكوفة وغيرها من الأمصار، وكانت أهل الكوفة أسرع إجابةً إلى بيعته، وأخذ له البيعة على أهلها أبو موسى الأشعري، حتى تكاثر الناس عليه، وكان عليها عاملاً لعُثمان، وأتاه جماعة ممن تخلف عن بيعته من بني أمية؛ ثم قال: فجرى بينه وبينهم خطب طويل، وقال له الوليد: إنا لم نتخلف عنك رغبة عن بيعتك، لكنا قومٌ وترنا الناس وخفنا على نفوسنا، فَعُذرنا مما نقول واضح.
إلى أن قال: وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى: أن حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، والنعمان بن بشير - قبل نفوره بالقميص ـ أتوا علياً في آخرين من العُثمانية، فقال كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين ليس مسيئاً من أعتب، وخير كف ما محاه عذر، في كلام كثير، ثم بايع وبايع من ذكر جميعاً
قلت
: إن صح هذا، فهو الجواب عن المتن، لإنعقاد الإجماع عليها، وإلا فتأخر هؤلاء ومُنازعة أهل البغي لا تنقض الإجماع، لأن
1901 (2/50)
صفحة 322
المنازع محكوم ببغيه إجماعاً، ولا حجة من باغ حتى يتوب عن بغيه، وعدم الإنكار من الآخرين، ثم رجوعهم إليهم عين الإجماع
عصى
فقاتل طلحة، والزبير، وعائشة، ومن معهم، فقتاله حق لشقهم الأمة ونكثهم الصفقة، وأول من أسسوا الخروج على الأئمة، فحل لعلي قتالهم، إلا ما كان من أمر عائشة، فإنها قد إشتهرت عند الله المُسلمين بتوبتها (رضوان عليها): فقاتل، أي: علي بن أبي طالب، لأنه هو الإمام الحق يومئذ، طلحة، أي: ابن عبيد الله المهاجري القُرشي، والزبير، أي: ابن العوام المهاجري القُرشي، وعائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنها إستزلاها عن الصواب، وإلا فهي التي كانت تحرض الناس، وتشهد عليه بالخطأ في إحداثه التي أحدثها، وذلك أنهما ومن معهما قالوا لها: أن عُثمان قتله الناس بعد التوبة - كما تقدم عن صاحب العدل وسيأتي - فقتاله لهم حق، لأنهم بايعوه أولاً، أي: طلحة والزبير ومن معهم، ثم شقوا عصى الأمة، أي: فارقوها وعادوها؛ يُقال: شق عصى الأمة، أي: فارقهم، فهو كناية عن تخلفهم عن الهدى، ونكتهم الصفقة، أي: نقضهم عهد البيعة، وأول من أسسوا الخروج على أئمة العدل، فلهم نصيب من خروج كل خارج على حجة الله من إمام أو جماعة إلى يوم القيامة، فحل لعلي بن أبي طالب قتالهم.
قال ابن الوردي: أول من بايعه طلحة، وكانت يده مشلولة من أحد، فقال حبيب بن ذويب: {إِنَّا لِلَّهِ} (1)، أول من بدأ بالبيعة يد
(1) سورة البقرة: 156.
- 51 - (2/51)
صفحة 323
شلاً، لا يتم هذا الأمر، وبايع الزبير وقد قال علي لهما: إن أحببتما أن تبايعا، وإن أحببتما بايعتكما، فقالا: بل نبايعك، وقال علي لسعد بن أبي وقاص: بايع، فقال: حتى يُبايع الناس، والله ما عليك مني بأس، فخلا سبيله. أ هـ
وفي مروج المسعودي: قال ابن عباس: قدمت من مكة بعد مقتل عثمان بخمس ليال، فجئت علياً أدخل عليه، فقيل لي: عنده الْمُغيرة بن شعبه، فجلست بالباب ساعة، فخرج المُغيرة فسلم عليَّ وقال: متى قدمت؟ فقلت: الساعة، ودخلت عَلَى عَلي وسلمت عليه، فقال: أين لقيت الزبير وطلحة؟ قُلت بالنواصف، قال: ومن معهما؟ فقلت: أبو سفيان بن الحارث بن هشام، فقال علي: أما إنهم
لم يكن لهم بد أن يخرجوا، يقولون: نطلب دم عُثمان، والله يعلم أنهم قتلة عُثمان. أ هـ
قلت
: انظر إلى هذا، يُرفع عن ابن عباس، عن علي، أن قتلة عثمان: طلحة، والزبير، وقومنا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} (1)، لكن ذلك ليس بعجيب منهم.
قال المسعودي أيضاً: فقلت: أخبرني عن شأن المغيرة، ولم خلا بك؟ قال: جاءني بعد مقتل عثمان بيومين، فقال: إخلني، ففعلت، فقال لي: إن النصح رخيص، وأنت بقية الناس، وأنا لك ناصح، وأنا أشير عليك، أن لا ترد عُمال عُثمان عامك هذا، فاكتب إليهم بإثباتهم
(1) سورة النساء: 46؛ سورة المائدة: 13. (2/52)
صفحة 324
على أعمالهم، فإذا بايعوك وإطمأن أمرك، عزلت من أحببت، وأقررت من أحببت، فقلت له: والله لا أداهن في ديني، ولا أُعطي الدنية في أمري، قال: فإن كنت قد أبيت، فانزع من شئت، واترك
معاوية فإن له جُرأة، وهو في أهل الشام مسموع منه، ولك حجة في
إثباته، فقد كان عُمر ولاه الشام كلها، فقُلت له: لا والله لا أستعمل معاوية يومين أبداً، فخرج من عندي على ما أشاد به، ثم عاد فقال: إني أشرت بما أشرت، وأبيت عليَّ فنظرت في الأمر، وإذا أنت مُصيب، لا ينبغي أن تأخذ أمرك بخدعة، ولا تكون فيه دنية، فقال ابن عباس: فقلت له: أما أول ما أشار عليك فقد نصحك، وأما الآخر فقد غشك، وأنا أُشير عليك أن تثبت معاوية، فإن بايع لك، فعلى أن
أقلعه من منزله، قال: والله لا أعطيه إلا السيف، ثم تمثل:
فما ميتة إن متها غير عاجز بعار إذا ما غالت النفس غولها فقلت: يا أمير الْمُؤمنين، أنت رجل شجاع، أما سمعت رسول الله يقول: " الحرب خدعة " (1)، فقال علي: بلى، قُلتُ: أما والله لئن أطعتني، لأصدرن بهم بعد ورود، ولا تزكنهم ينظرون في أثرهم إلا بأمر، ولا يدرون ما كان وجهه، من غير نقص لك، ولا إثم عليك، فقال: يا ابن عباس، لست من هنياتك وهنيات معاوية في شيء يسير، ما لك عندي إلا الطاعة، والله ولي التوفيق، قال: ودخل طلحة والزبير مكة، وقد كانا استاذنا علياً في العُمرة، فقال لهما: لعلكما
تريدان البصرة أو الشام، فأقسما أنهما لا يقصدان غير مكة. أ هـ.
(1) انظر الملحق. (2/53)
صفحة 325
قلت
لينظر من كان له قلب، فإن هذا أول الغدر منهما قال أيضاً: وكانت عائشة (رضي الله عنها) بمكة، وقد كان
الله عبد بن عامر ـ عامل عُثمان على البصرة - هرب عنها، حين أخذ البيعة لعليّ بها، على الناس حارثة بن قدامة السعدي، ومصير عُثمان حنيف الأنصاري إليها، على خراجها من قبل علي، وإنصرف عن
بن
اليمن عامل عُثمان، وأعطى عائشة، وطلحة، والزبير، أربعمائة درهماً، وكراعاً، وسلاحاً، وبعث إلى عائشة بالجمل المُسمى: عسكراً، وكان شراءه عليه باليمن بمائتي دينار، فأرادوا الشام، فصدهم ابن عامر، وقال: إن بها معاوية، ولا ينقاد إليكم ولا يطيعكم، لكن هذه البصرة لي بها صنائع وعدد، فجهزهم بألف ألف درهم، ومائة من الإبل، وغير ذلك، وسار القوم نحو البصرة في ستمائة راكب، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب، يُعرف: بالحواءب، عليه ناس من كلاب، فعوت كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع، فقال لها السائق لجملها: الحواءب، فاسترجعت وذكرت
بني
ما قيل لها في ذلك. أ هـ
وعبد
قلت
: لم يذكر الذي قيل لها؟
وفي ابن الوردي: وطلب بدم عُثمان، عائشة، وطلحة، والزبير، الله بن عامر، وجماعة من بني أمية، وساروا في جمع عظيم للإستيلاء على البصرة، واكتفوا بمعاوية في أمر الشام، قال: ومروا بمكان اسمه: الحوأب، فنبحت كلابه، فقالت عائشة: أي ماء هذا، (2/54)
صفحة 326
قيل: هذا ماء الحواب، فصرخت، وقالت: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ (1)، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وعنده نساءه: " ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب " (2)، ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، وقالت: ردوني، فأناخوا يوماً وليلة. أ هـ.
قلت: الحديث مشهور مع الأمة: " أيتكن تنبحها كلاب الحواب، وهي مع الفئة الباغية "، وإن كنتم ذلك من كتمه، كأنهم لم يذكروا مُراجعة الزبير، وطلحة، لعائشة، عند قدومهم مكة، حيث قالا لها: إن علياً إستأثر هذا الأمر لنفسه من غير مشورة، وأن عُثمان قتل مظلوماً بعد أن تاب، خدعة منهما لها عن بصيرتها، بعدما كانت تخرج من حجرتها مُصحفها، وتقول: أشهد بالله، أن عُثمان كفر بما في هذا المصحف، فلم يزالا بها حتى أخرجاها من بيتها، الذي أمرها الله بالقرار فيه، قائلين: يجب أن تسيري معنا إلى العراق
وتصلحي بين الناس، وتكفي بعضهم عن بعض، ويصلح الله أمر هذه
الأمة بك. أ هـ.
6
قال المسعودي: فقالت: ردوني إلى حرم رسول الله، لا حاجة لي بالمسير، فقال ابن الزبير: بالله ما هذا الحوأب، ولقد غلط فيما أخبرك به، وكان طلحة في ساقة الناس فلحقها، فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب، شهد معهما خمسون رجلاً ممن كان معهم، فكان ذلك أول شهادة زور أُقيمت في الإسلام، فأتوا البصرة، فخرج إليهم
(1) سورة البقرة: 156
(2) انظر الملحق.
1801 (2/55)
صفحة 327
عُثمان
بن حنيف فمانعهم، وجري قتال، قال: ثم أنهم اصطلحوا بعد ذلك على كف الحرب إلى قدوم عليّ، فلما كان في بعض الليالي، بيتوا عُثمان بن حنيف فأسروه، وضربوه، ونتفوا لحيته، ثم أن القوم استرجعوا وخافوا على مخلفيهم بالمدينة من أخيه سهل بن حنيف، وغيره من الأنصار، فخلوا عنه، وأرادوا بيت المال، فمانعهم الخزان والموكلون به، وهم الصالحون، فقتلوا منهم سبعين رجلاً، غير من جُرح، وخمسون من السبعين ضُربت رقابهم صبراً من بعد الأسر، وهؤلاء أول من قتلوا ظُلماً في الإسلام، وصبروا وقتلوا حكيم بن جبله العبدي، وكان من سادات عبد القيس، وزهاد ربيعة، ونساكها. أهـ كلام المسعودي.
قلت: الله أكبر، هؤلاء الذين يشهد لهم أهل السنة بالجنة. ويروون ذلك عن رسول الله، وإذا تأمل العاقل في إعتقادات المخالفين، لاسيما الأشاعرة، وجد جميع ما عاب الله عز وجل به اليهود، لهم منه نصيب، قال تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلَفٌ وَرِثُوا الكِتابَ يَأخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدنَى وَيَقُولُونَ سَيُعْفَرُ لَنَا} (1)، قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام "، وقال: " ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم
رقاب بعض "، لكن القوم طَالَ: عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُم وَكَثِيرٌ
مِّنهُم فَاسِقُونَ} (2)
(1) سورة الأعراف: 169.
•
(2) سورة الحديد: 16
1871 (2/56)
صفحة 328
قال المسعودي في مروجه: وتشاجر طلحة والزبير في الصلاة
بالناس، ثم إتفقوا على أن يُصلي بالناس عبد الله بن الزبير يوماً، ويُصلي محمد بن طلحة يوماً، في خطب طويل، كان بين طلحة والزبير، إلى أن إتفقا على ما وصفنا، وسار عليّ من المدينة بعد أربعة أشهر في سبعمائة راكب، منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار، منهم سبعون بدرياً، وباقيهم من الصحابة.
حتى قال: ولحق بعلي جماعة من الأنصار، فيهم خزيمة بن ثابت - ذو الشهادتين ـ؛ قال: وكاتب عليّ من الربدة إلى أبا موسى الأشعري ليستنفر الناس، فثبطهم أبو مُوسى وقال: إنما هي فتنة، فنمى ذلك إلى عليّ، فول على الكوفة فرطة بن كعب الأنصاري، وكتب إلى أبي موسى: إعتزل عملنا يا ابن الحائك، مذموماً مدحوراً، فما هذا أول يومنا منك، وأن لك فيها الهنات وهنيات
حتى قال: فإنتهى إلى البصرة - يعني: علياً ـ وراسل القوم وناشدهم الله، فأبوا إلا قتاله. أ هـ كلامه مع حذف
ثم أخذ في وصف المواكب والرايات، ومن دخل مع علي البصرة من المهاجرين والأنصار ()، منهم: خزيمة، وعمار، وابن عباس، وغيرهم من أهل الفضل جزاهم الله عن الإسلام وأهله خيراً ورضي عنهم، حيث بينوا منار الهدى، وأوضحوا السبيل لمن اتبع رضوان
الله، فهم على من سواهم من البغاة؛ وقول من قال: أن الزبير وطلحة اجتهدا فأخطاءا، لا أدري أي إجتهاد هذا، لكن القوم عُميت أبصارهم، (2/57)
صفحة 329
زادها
الله عمى في الدارين، وقد قال تعال: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ} (1)، وقال رسول الله الله الزبير: " أما إنك لتقاتلنه وأنت له ظالم "، ولم يكن قتال بين علي والزبير إلا هذا، وتعيين عُمر (ه) لهم للشورى، إنما ذلك رأي رآه، كما أنه قال: لو كان سالم - مولى أبي حذيفة - حياً، ما خالجني فيه الظنون.
لله
قال أبو يعقوب رحمة الله عليه في دليله: وزلة طلحة والزبير في نكثهما الصفقة، حين بايعا علياً فنكثا، فإن أراد التوبة مما فعلاه، حين يقول طلحة: اللهم خُذ لعثمان
بعثمان
مني
حتى ترضى، فقد
عُثمان
أخطأ، إنما يرضى الله تعالى أن لو أقادا من أنفسهما لولي دم. وسلما من نكث الصفقة، وشرعا دين الخوارج ديناً، ولهما أجور الخوارج أو أوزارهم، على أن الخوارج إنما خرجوا على الأئمة الجورة، أحر بهم في الخروج، لولا الإستعراض للعامة. أ هـ
قال المسعودي بعد ذكره علياً ومن معه من المهاجرين والأنصار:
،
فساروا حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية، فصلى أربع ركعات وعفر خديه بالتربة، ثم رفع يديه يدعوا؛ قال: وقال في دعائه: اللهم هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي، وبغوا عليَّ، ونكثوا بيعتي ... إلخ؛ قال: وبعث من يُناشدهم الله في الدماء؛ وقال: علاما يُقاتلونني؟ فأبوا إلا الحرب، فبعث رجلاً من أصحابه اسمه مسلم، ومعه مصحف يدعوا إلى الله، فرموه بينهم فقتلوه، فَحُمل إلى عليّ؛ ثم قال: وأمر علي أن يُصافوهم ولا يبدونهم بقتال؛ حتى قال: جاء عبد الله بن بديل
(1) سورة الفتح: 10
1441 (2/58)
صفحة 330
ابن ورقاء الخزاعي بأخ له مقتول، وجاء قوم من الميسرة برجل قد رمي بسهم فقتل، فقال عليّ: اللهم اشهد، وعذروا إلى القوم، فقام
6
عمار بن ياسر بين الصفير، فقال: أيها الناس، ما أنصفتم نبيكم. حيث كففتم عتقاء تلك الخدور، وأبرزتم عقيلته للسيوف، وعائشة على جمل في هودج، قال: فدنى عمار من موضعها فنادى: إلى ما تدعينني؟ فقالت: إلى الطلب بدم عُثمان، فقال: قتل الله في هذا اليوم الباغي، والطالب بغير الحق، ثم قال: أيها الناس، إنكم لتعلمون أينا الممالي في قتل عُثمان، ثم أنشأ يقول، وقد رشقوه بالنبل:
فمنك البكاء ومنك العويل ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الإمام وقاتله عندنا من آمره إلى أن قال: فقام عليّ، فقال: أَيُّهَا الناس، إذا هزمتموهم، فلا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيراً، ولا تتبعوا مولياً، ولا تطلبوا مديراً، ولا تكشفوا عورة، ولا تُمثلوا بقتيل، ولا تهتكوا ستراً، ولا تقربوا من أموالهم، إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح، وكراع، وعبد، وأمَةٍ، وما سوى ذلك، فهو ميراث لورثتهم. أ هـ بإختصار. قلت: هذا هو مذهبنا في حرب البغاة كله، إلا قوله: ما تجدونه ... إلخ، فإن العبد والأمة من المال، وأما السلاح والكراع؛ فقد قال في " المعالم ": والخلف في سلاح الباغي، بعد إنقضاء
الحرب
109 - (2/59)
صفحة 331
عبد
قال الشماخي: فالصحيح أنه يرد عليه، وبذلك حكم أصحاب بن يحيى؛ وقيل: يُدفن، كما فعل أصحاب أبى بلال في
الله
الرجل الذي فتكوا به في داره، فدفنوا معه ماله وسلاحه؛ وقيل: يُباع ويتصدق بثمنه على الفُقراء الذين شهدوا القتال؛ وقال بعض أئمتنا: لا بأس للمسلمين أن يستعينوا بخيل، إن وجدوها سارحة أو في رباطها، إن كانت لعدوهم، أو قتلوا أهلها عليها، وكذا السلاح إن قتلوا أهله، أو وجدوه في منازلهم. أ هـ.
وقوله: ولا تتبعوا مُدبراً، المدبر لا يُتبع، ولا يُجهز على جريحه، إن لم يكن له مأوى يأوي إليه، فيمتنع به، وإلا أتبع وأجهز عليه، إن كان ذلك له، ويرفع عن الباغي ما أتلفه، في حال حربه من قتل أو مال؛ وقيل: لا يُرفع عنه إلا القتل فقط لا الأموال، فإنه مأخوذ بها؛ وقيل: لا يُرفع عنه إلا ما أتلفه في المعركة؛ وقيل: لا يُرفع عنه شيء من ذلك كله، فهو مأخوذ بما أتلفه، نص على ذلك إمامنا الخليلي في بعض أجوبته.
قال المسعودي، بعدما ذكر أمر وقعة الجمل: ودخل علي بيت مال البصرة في جماعة من الْمُهاجرين والأنصار، فنظر إلى ما فيه من العين والورق، فجعل يقول: يا صفراء غُري غيري، وأدام النظر إلى المال مفكراً، ثم قال: أقسموه بين أصحابي ومن معي خمسمائة خمسمائة، ففعلوا، فما نقص درهم واحد، وعدد الرجال إثنى عشر، وقبض ما كان في عسكرهم من سلاح، ودابة، ومتاع، وآلة،
ألفاً (2/60)
صفحة 332
وغير ذلك، فباعه وقسمه بين أصحابه، وأخذ لنفسه ما أخذ، لكل واحد ممن معه. أهـ
قلت: نعم، هُوَ الَّذِي ذكره أصحابنا في بيت مال البصرة، أنه فرقه خمسمائة درهم لكل واحد ممن معه، وأخذ هو مثل واحد منهم، وإنما إكتفينا بكلام المسعودي في أكثر هذه الواقعة، لأنه واف بالمرام، فلا حاجة إلى نقل الكتب، فإن هذا لا غُبار عليه، بقي قول المتن: إلا ما كان عائشة من، فإنها قد إشتهرت عند المسلمين توبتها .. إلخ،
فإنه لم يُصرح المسعودي لها بتوبة، ولكنه أشار إلى ذلك، ونورد إشارته، ثم نتبعها بكلام الأصحاب في ذلك.
قال المسعودي، بعد حكاية إرسال عليّ لعائشة إلى المدينة: قيل لها: كيف رأيت مسيرك؟ قالت: كنت بخير والله؛ إلى أن قالت: وددت والله أني لم أخرج، وإن أصابتني كيت وكيت، من أمور ذكرتها، وإنما قيل لي: تخرجين فتصلحين بين عباد الله، فكان ما
كان. أهـ
وفي " جواهر البرادي " (رحمة الله عليه): ويومئذ قال عمار بن ياسر (ه)، لعائشة رضي الله عنها، وقد قال له علي: أدخل على هذه أنت وفلان، وكلماها وقولا لها تتوب وتستغفر الله، فقال لها عمار: والله إنا لنعلم إنك زوج نبينا في الجنة، ولكن لا ندع الله يُعصى بين أظهرنا، فتابت واستغفرت
وقال في الكتاب أيضاً: وقال أبو سفيان محبوب بن الرحيل (رحمه (2/61)
صفحة 333
الله)
: دخل جابر بن زيد، وأبو بلال مرداس، على عائشة ()، وعاتباها على ما كان منها يوم الجمل، فاستغفرت وتابت مما دخلت فيه. أهـ.
قلت: وإنما لم يوجبوا عليها شيئاً من العزم، لأنها ترى في خروجها ذلك، أن فعلها حلال لها، فهي من المستحلين، ولا غرم على المستحل إن تاب مما فعل، إذا أتلف الأموال والأنفس بإستحلاله، ومن ذلك أخذ أصحابنا: أن المشهود له بالجنة، بنص كتاب، أو حديث عن رسول الله، لابد من إجراء الأحكام عليه - كما تقدم - والله أعلم.
فمن مات تحت راية على يومئذ، ويوم صفين، فهم أئمة المسلمين وأعلام الدين؛ أي: فمن مات قتيلاً، أو غير قتيل، إلا أنه موال للمُسلمين على سيرتهم، وأمرهم بالمعروف، مثل: إبني بديل بن ورقاء الخزاعيين (رضي الله عنهما)، تحت راية علي، أي: مُحارباً للبغاة يومئذ، أي: يوم قاتل عليّ، طلحة والزبير بالبصرة، ويوم صفين، أي: مع عليّ في حرب معاوية، وعمرو بن العاص، ومن معهما من البغاة، الشاهد عليهم بالبغي رسول الله، والمُسلمون كافة، إلا من أضله الله عن الحق، وهي الفتنة الثالثة من الفتن، لأن
الأولى فتنة الدار، والثانية فتنة الجمل
قال المسعودي: وقد كان عمرو بن العاص مُنحرفاً عن عُثمان
لإنحرافه وتولية مصر غيره، فنزل الشام، فلما إتصل به أمر عُثمان.
،
، (2/62)
صفحة 334
عُثمان
قال
وما كان من بيعة عليّ، كتب إلى معاوية يهزه ويُشير عليه بالمطالبة بدم، وكان فيما كتب إليه: ما كُنت صانعاً إذ قشرت من كل شيء تملكه، فاصنع ما أنت صانع، فبعث إليه معاوية، فسار إليه، فقال له معاوية: بايعني، فقال: والله لا أعينك من ديني، حتى أنال من دنياك، قال: سل، قال: مصر طعمة، فأجابه إلى ذلك، وكتب له به كتاباً؛ الله قال: ووجه علي بجرير بن عبد إلى معاوية، وقد كان جرير لعلي: إبعثني إليه، فإنه لم يزل بي مُستنصحاً، وإذا فاتيه وأدعوه إلى أن يُسلم هذا الأمر، وأدعو أهل الشام إلى طاعتك، فقال الأشتر: لا تبعثه ولا تصدقه، فوالله إني لأظُن هواه هواهم، ونيته نيتهم، فقال علي: دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا، فبعث به، وكتب إلى معاوية معه، يُعلمه مُبايعة المهاجرين والأنصار، وإجتماعهم عليه، ونكث الزبير وطلحة، وما أوقعه الله بهما، ويأمره بالدخول في طاعته، ويُعلمه أنه من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلالة، فلما قدم عليه جرير، دافعه وسائله أن ينتظر به، وكتب إلى عمرو بن العاص ـ كما قدمنا ـ فأشار إليه عمرو بالبعثة إلى وجوه الشام، وأن يلزم عُثمان ويُقاتلهم به، فقدم جرير إلى عليّ فأخبره خبرهم وإجتماع أهل الشام مع معاوية على قتاله، وأنهم يبكون على عُثمان ويقولون: إن قتاله علياً قتله وآوى قتلته، ومنع منهم، وإنهم لابد لهم من أو يفنيهم، فقال له الأشتر: قد كُنت أخبرتك يا أمير المؤمنين بعداوته وغشه، لو بعثتني لكنت خيراً من هذا الذي أرخى خناقه، وأقام حتى لم يدع باباً يرجو منه إلا فتحه، ولا باباً يخاف منه إلا غلقه، فقال له
علياً
بدم
حتى يفنوه
- 63 - (2/63)
صفحة 335
جرير: لو كنت لقتلوك، والله لقد ذكروا إنك من قتلة عُثمان، قال الأشتر: لو أتيتهم والله لم يُعيني جوابهم، ولا ثقل عليَّ خطابهم، ولحملت معاوية على خطة أعجلته فيها عن الفكر، ولو أطاعني أمير لمؤمنين قبل، لحبستك وأشباهك في محبس، فلا تخرجون منه حتى يستقيم هذا الأمر. أ هـ
ثم ذكر مسير علي إلى صفين بجيشه، ونزوله الرقة، وقال بعضهم في عدد الجيش:
أثبت معوي قد أتاك الحافل
سبعون ألفاً كلهم مُقاتل
عما قليل يضمحل الباطل
ثم سار معاوية من الشام، ومعه جيشه أهل الشام، قيل: أنهم ثمانية وتسعون ألفاً؛ وقيل: خمسة وثمانون
قلت: هذه المقاتلة من الفريقين دون الخدمة، فقد أنهاهم بعض
إلى أكثر من ذلك
•
ثم ذكر المسعودي نزول معاوية على الماء، ومنع علي ومن معه من الورود، وأمر علي الأشعث ومن معه، قال: بينما علي يدور في الليل في جيشه، إذ سمع قائلاً يقول:
أيمنعنا القوم ماء الفُرات وفينا الرماح وفينا الجحف وفينا عليّ له صولة إذا خوفوه الردى لم يخف (2/64)
صفحة 336
ونحنُ غُداة لقينا الزبير وطلحة خضنا غمار التلف فما بالنا الأمس أسد العرين وما بالنا اليوم شاة النجف
قال: وألقيت في فسطاط الأشعث رقعة فيها:
لئن لم يُجل الأشعث اليوم كربةً من الموت عنا للنفوس تعلت ونشرب من ماء الفرات بسيفه فهبنا أناساً قبل كانوا فمرت
قال: فلما قرأ، هاج وأتى علياً، فقال له: أُخرج في أربعة آلاف من الجيش، حتى تهجم في عسكر معاوية، فتشرب وتسقي الأصحاب، أو تموتوا عن آخركم
عن
إلى أن قال: وكان الأشعث يُقدم رمحه، ثم يحث أصحابه
6
فيقول: أرجموهم مقدار هذا الرمح، قال: وإرتحل معاوية ومن معه الماء،، وورد عليّ ومن معه، قال: وبعث علي إلى معاوية يدعوه إلى إتحاد الكلمة، والدخول في جماعة المُسلمين، وطالت المراسلة بينهما؛ حتى قال: ولما كان في اليوم الآخر من المحرم، قبل غروب
6
الشمس، بعث إلى أهل الشام أني قد إحتججت عليكم بكتاب الله ودعوتكم إليه، وإني قد أنبذت إليكم: {عَلَى سَوَاءَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (1)، فلم يردوا عليه جواباً، إلا السيف بيننا وبينك،
ويُهلك الأعجز منا. أهـ ما أردنا نقله من كلامه.
ثم أخذ في وصف الوقائع الجارية في صفين؛ حتى قال: في يوم
(1) سورة الأنفال: 1. (2/65)
صفحة 337
الأربعاء خرج عليّ بنفسه في الصحابة، من البدريين، وغيرهم من المهاجرين، والأنصار، وربيعة، وهمدان؛ قال ابن عباس: رأيت في هذا اليوم علياً وعليه عمامة بيضاء، وكأنَّ عينيه سراجاً سليط، وهو يقف على طوائف الناس في مراتبهم، يحثهم ويحرضهم، حتى إنتهى إلى وأنا في كثيف من الناس، فقال: يا معاشر المُسلمين، غموا الأصوات، وأكملوا الملامة، واستشعروا الخشية، وأقلقوا السيوف في الأجفان قبل السلة، والحظوا الشرر، وأطعنوا الهبر، ونافحوا الصبا، وصلوا السيوف بالخُطا، والنبال بالرماح، وطيبوا عن أنفسكم الله أنفساً، فإنكم بعين، ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاودوا الكر واستقبحوا الفر، فإنه عار في الأحقاب، ونار يوم الحساب، ودونكم هذا السواد الأعظم، والرواق المطنب، فاضربوا نهجه، فإن الشيطان راكب صعيده، مُعترض ذراعيه، قد قدم للوثبة يداً، وآخر للنكوص رجلاً، فصبراً جميلاً، حتى تنجلي عن وجهة الحق، وأنتم الأعلون، والله معكم، ولن يتركم أعمالكم، وتقدم على على بغلة رسول الله
للحرب.
حتى قال: وقال عمار بن ياسر: إني لأرى وجوه قوم لايزالون يقاتلون، حتى يرتاب المبطلون، والله لو هزمونا، حتى يبلغوا بنا سعاف هجر، لكنا على الحق، وكانوا على الباطل، وتقدم عمار فقاتل، ثم رجع إلى موضعه، فاستسقا، فآتته إمرأة من نساء بني شيبان، من مصافهم، بعسل فيه لبن، فدفعته إليه، فقال: الله أكبر، الله أكبر، اليوم ألقى الأحبة تحت الأسنة، صدق الصادق، وبذلك أخبر الناطق،
-77 - (2/66)
صفحة 338
وهو اليوم الذي وعدت فيه؛ ثم قال: أَيُّهَا الناس، هل من رائح إلى الله تحت العوالي؟ والذي نفسي بيده، لتقاتلنكم على تأويله، كما قاتلناكم على تنزيله، وتقدم وهو يقول:
نحن ضربناكم على تنزيله فاليوم نضربكم على تأويله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويُذهل الخليل عن خليله أو يرجع الحق إلى سبيله
قلت: في كُتب أصحابنا، أنه قال: هل من رائح إلى الله قبل تحكيم الحكمين؟ فإن قلت: أن التحكيم لم يكن حينئذ، قلت: أنهم لايزالون يترقبون إلى ذلك
قال المسعودي: كان أبو موسى الأشعري يُحدث قبل وقعة صفين، ويقول: إن الفتن لم تزل في بني إسرائيل، ترفعهم وتخفضهم، حتى يُبعثوا الحكمين، يحكمان بما لا يرضى به من أتبعهما، فقال سويد بن علقمه: إياك إن أدركت ذلك الزمان، أن تكون أحد الحكمين، قال: أنا؟! قال: نعم أنت، فكان يخلع قميصه ويقول: لا جعل الله لي إذاً في السماء مصعداً، ولا في الأرض مقعداً، فلقيه سويد بن علقمة بعد ذلك، فقال: يا أبا مُوسى، اتذكر مقالتك؟ قال: سل ربك العافية. أ هـ.
ثم قال المسعودي أيضاً: فتوسط القوم، وإشتبكت عليه الأسنة - يعني: عماراً - فقتله أبو الهادية العاملي، وأبو حواء السكسكي،
- TV- (2/67)
صفحة 339
وإختلفا في سلبه، فاحتكما إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال لهما: أخرجنا عني، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وبغت قريش بعمار ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " (1)؛ قُلت: وفي البخاري وغيره، عنه: " ويح عمار تقتله الفئة الباغية " (2). أ هـ
ثم أخذ في وصف المعركة، ومن قل مع علي يومئذ من أهل البصائر، مثل: خزيمة بن ثابت، وعمار، وابني بديل بن ورقاء، فمن ثم قلنا: إنهم والمر؛ قال هاشم: وغيرهم المُسلمين، وأعلام الدين، جزاهم الله عن الإسلام وأهله خيراً).
أئمة
ثم قال المسعودي: ولما رآى معاوية القتل في أهل الشام، وكلب أهل العراق عليهم، إستدعى بالنعمان بن جبله التنوخي، وكان صاحب راية قومه في تنوخ ونهد، وقال له: لقد هممت أن أولي قومك من هو خير منك مقدماً، وأنصح منك ديناً، فقال له النعمان: إنا لو كنا ندعى إلى جيش ممنوع، لكان في لكع بعد الإناة، فكيف ونحن ندعوهم إلى سيوف قاطعة، وَرُدَيْنيّة شاغرة، وقوم ذوي بصائر نافذة، والله لقد نصحتك على نفسي، وآثرت مُلكك على ديني، وتركت لهواك الرشد وأنا أعرفه، وحدت عن الحق وأنا أبصره، وما وفقت لرشد حين أُقاتل عن ملكك ابن عم رسول الله له، وأول مُؤمن به، ومُهاجر معه، ولو أعطيناه ما أعطيناك، لكان أرأف بالرعية، وأجزل في العطية، ولكن قد بذلنا لك الأمر، ولابد من إتمامه، أكان غياً أو رشداً، وحاشا
(1) انظر الملحق.
(2) انظر الملحق (2/68)
صفحة 340
أن يكون رشداً، وسنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها، إذا أحرمنا ثمار الجنة وأنهارها، وخرج إلى قومه فصمد إلى الحرب. أ هـ.
وفي كُتب بعض المخالفين: قال قيس بن أبي حازم: كنت مع عليّ في جميع أحواله وحروبه؛ حتى قال يوم صفين: انفروا إلى بقية الأحزاب، انفروا إلى من يقول: كذب الله ورسوله، وأنتم تقولون: صدق الله ورسوله، فعرفت إيش كان يعتقد في الجماعة، فاعتزلت عنه. أ هـ
تنبيه:
قال المسعودي: وقد تكلم طوائف من الناس ممن سلف وخلف، من أهل الآراء في الخوارج وغيرهم، من فعل عليّ يوم الجمل
(
ويوم صفين، وتباين حكمه فيهما، وفي من قتل من أهل صفين مقبلين ومدبرين، وإجهازه على جُرحائهم، ويوم الجمل لم يتبع مولياً، ولا أجهز على جريح، ومن ألقى سلاحه، أو دخل داره كان آمناً، وما أجابهم! به شيعة عليّ، في تباين حكم عليّ في هذين اليومين، لإختلاف حكمهما، وهو: أن أصحاب الجمل لما إنكشفوا لم يكن لهم فئة يرجعون إليها، وإنما رجع القوم إلى منازلهم غير مُحاربين، ولا منابذين، ولا لأمره مُخالفين، فرضوا بالكف عنهم، وكان الحكم فيهم رفع السيف، إذ لم يطلبوا عليه أعواناً، وأهل صفين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدة، وإمام منتصب، يجمع لهم السلاح، ويسني لهم الأعطية، ويُقسم لهم الأموال، ويجبر كسيرهم، ويحمل راجلهم،
-99 - (2/69)
صفحة 341
ويردهم فيرجعون إلى الحرب، وهم إلى إمامته منقادون، ولرأيه متبعون، ولغيره مخالفون، ولإمامته تاركون، ولحقه جاحدون، وبأنه يطلب ما ليس له قائلون، فاختلف الْحُكم لِمَا وصفنا، وتباين حكماهما لِمَا ذكرنا. . أهـ
قلت: وقد مضى ما هو المذهب في حرب البغاة قبل هذا، وإنما إكتفينا بكلام المسعودي في الواقعتين، وتركنا كتبنا فيهما، لأنه حجة على منكري حقية مذهبنا، والْحَمدُ لِلَّهِ عَلَى كُل حال
ثُمَّ أَنَّ عليّاً رضي بتحكيم الحكمين، ثُمَّ عاد عودة على بدئه، فقال: إنهما حكما بغير ما أنزل الله، فقتل من رضي بالتحكيم، ومن أبى منه، فلم يرضه، فإن كان حقاً في نفسه، فليس له أن يرجع عنه، وإن كان باطلاً، فمن أين له الدخول؟ وإعتذار من يعتذر عنه بأنه مقهور ومغلوب ليس بشيء، لأنه عليه أن يمضي على الحق، ولو بقي بنفسه، قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةٌ لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُم خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ} (1)، فحرمه الله بذلك المحرمين، وعوضه دار الفتنة العراقين، فسلم منه أهل الشرك، ووقع بأسه بأهل الإسلام؛ ثُمَّ أن عليّاً بعد صحة بيعته وثبوتها من أهل الحل والعقد، وقتاله الفرقتين الباغيتين من أهل الجمل وصفين، وبعد قتل الأفاضل الأخيار من جيشه، رجع عن ذلك كله، فرضي بتحكيم الحكمين، وهما: أبو موسى الأشعري، من لدن عليّ، بعدما كان يثبط الناس عنه، وبعد عزله له عن ولاية الكوفة - كما قدمنا - -، وعمرو بن العاص،
(1) سورة الأنفال: 25
- Y- (2/70)
صفحة 342
الذي لم يزل يُحرض الناس، ويجمعهم عليه، ويُخاصمه، ويُحاربه مع معاوية، وبعد شهادته عليهم أنهم بقية الأحزاب
قال المسعودي، بعد ذكره ليلة الهرير، وما وقع فيها من بلاء الْمُسلمين بهؤلاء الشامية: وقال معاوية: هلم مُخباتك يا ابن العاص، قد هلكنا، وتذكر ولاية مصر، فقال عمرو بن العاص: أَيُّهَا الناس، من
كان معه مصحف فليرفعه على رمحه، فكثر في الجيش رفع المصاحف وارتفعت الضجة، ونادوا: كتاب الله بيننا وبينكم. أ هـ.
،
قلت: وفي " جواهر البرادي " عفى الله عنه): وحمل المُسلمون على أصحاب معاوية، فهزموهم وأكثروا فيهم القتل، حتى دخلوا ناحية عسكره؛ إلى أن قال: وإنحاز عمرو إلى ناحية من العسكر، ثم إنصرف معاوية، فقال له عمرو: هل لك أن تدعو القوم دعوة، إن أعطوها إفترقوا، وإن منعوها إفترقوا، ولا تزيدنا إلا إجتماعاً، وَلاَ تزيدهم إلا فرقة وشتاتاً، فقال معاوية: وما هي؟ فقال: إني عارف بأهل العراق، إرفعوا لهم المصاحف على الرماح، وادعوهم إلى ما فيها، فقال له معاوية: إفعل، فأمر لأن تُرفع لهم المصاحف على الرماح، ثم غادياً، وقال: بيننا وبينكم كتاب الله، فلما سمع منهم أهل الوهن، مثل: الأشعث بن قيس، وغيره من جُبناء أهل العراق، قاموا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين أنصفك القوم. أ هـ
خرج
وفي مروج المسعودي: رفع في عسكر معاوية نحواً من خمسمائة مصحف، فلما رأى كثير من أهل العراق ذلك، قالوا: نجيب إلى
- VI- (2/71)
صفحة 343
كتاب الله ونشوب إليه، وأحب القوم الموادعة، وقيل لعليّ: قد أعطاك معاوية الحق، قال: وكان أشدهم في ذلك اليوم الأشعث بن قيس، فقال عليّ: أَيُّهَا الناس لم يكن من أمركم ما أُحب حتى قرحتكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت، وإني كنت أمس أميراً، فأصبحت اليوم مأموراً. أ هـ.
وقد جرى بينه، وبين الأشعث وأضرابه، ممن أحب البقاء، وآثر
الحياة الدنيا، خطب طويل.
،
ولا
حتى قال المسعودي: فقال عليّ: ما رفعوها لأنكم تعلمونها يعملون بها، وما رفعوها لكم، إلا خديعة، ودهاء، ومكيدة، فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله، فقال: ويحكم إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم الكتاب، فقد عصوا الله فيما آمرهم به، ونبذوا كتابه، فامضوا على حقكم وقصدكم، وقتال عدوكم، فإن معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمه، وبني النابغة، وعدة غير هؤلاء، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن؛ حتى قال: وتهددوه أن يصنعوا به ما صنع بعثمان. أ هـ
وفي " جواهر البرادي " (عفى الله عنه): وخرجت حينئذ طائفة من أصحاب عليّ، فقالوا: لاَ حُكم إِلا لِلَّهِ، وَاللَّهُ مَا كِتاب الله يُريدون، وتقلدوا سيوفهم، واعتقلوا رماحهم، وقالوا لعلي: قد مضى الحكم في معاوية وأصحابه، إنهم أهل بغي، حتى يرجعوا إلى كتاب قال: وعن خالد بن سعيد: أن بعض القوم دعوا إلى القتال، حين
الله
حتى
- VY - (2/72)
صفحة 344
رفعت المصاحف، منهم: الأشتر النخعي، وشبيب بن ربيعة، ويزيد بن قيس وغيرهم، وكان يأبى من القبيلة الرجل والرجلان، وكان أكثر من يأبى من الناس همدان، لما دخل الناس من الكراهية للحكومة، حتى رجعوا وأجابوا. أ هـ
•
ثُمَّ ذكر المسعودي: إرسال عليّ الأشعث إلى معاوية، واتفاقهما على الحكومة.
حتى قال المسعودي: فقال له معاوية: نرجع نحن وأنتم إلى كتاب الله، وإلى ما أمر الله به في كتابه، تبعثون منكم رجلاً ترضونه، وتختارونه، ونبعث برجل، ونأخذ عليهما العهد والميثاق، أن يعملا بالكتاب، ولا يخرجا عنه، وننقاد جميعاً إلى ما اتفقنا عليه، فصوب الأشعث قوله، وانصرف إلى عليّ فأخبره بذلك، فقال أكثر الناس: رضينا، وقبلنا، وسمعنا، وأطعنا، فاختار أهل الشام عمرو بن العاص، وقال الأشعث، ومن إرتد بعد إلى رأي الخوارج: رضينا نحن
بأبي موسى الأشعري. أ هـ كلام المسعودي بحروفه
قلت
: هنا زلت بجميع الأشعرية القدم، كالمسعودي وغيره، فإنهم ما أنصفوا، فإن الخوارج لم يرضوا بالحكومة أصلاً، وأن عروة بن
6
جديد)، ضرب الأشعث فأصاب بغلته، وقال: لا حكم إلا لِلَّهِ (ه) لأن الحكومة معهم باطل، لأن المصوب لها راجع عما كان عليه من قبل، وقد ثبت أن قتال عليّ، والمهاجرين، والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، لمعاوية، وعمرو بن العاص، ومن إنتظم في سلكهم، هو
- VT- (2/73)
صفحة 345
الحق المبين، لا مرية في ذلك، كيف وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم بغاة، حيث قال لعمار بن ياسر (ه): " تقتله الفئة الباغية " (1)، وما قال معاوية، وعمرو بن العاص، للأشعث، ما قالاه إلا مكر وخديعة وكيف يحكمون كتاب الله، وقد قتلوا على كتاب الله خمسة وعشرين ألفاً من أفضل الناس.
قال صاحب الدليل رحمة الله عليه: فإن قال قائل: هذه أمة أحمد، قد أُصيبت باتباع أوائلها، وما يُدريكم لعلكم أنتم أيضاً ممن أصيب باتباع أوائله، ولم قضيتم أن أوائلكم على الهدى، وأوائل غيركم على الردى، وأوائلكم غير معصومين، كأوائل غيركم؟
قلنا وبالله التوفيق: إنا اتبعنا أوائلنا، وحاسبناهم، واتبعناهم
تقييداً
،
ولم نتبعهم تقليداً، فعولت أوائلنا على الوزن بالقسطاس المُستقيم، والبرهان القويم، وَهُوَ الكِتاب والسُنة، ورأي المُسلمين، وذلك أنه لم تفترق فرقة بعد رسول الله، إلا كان أوائلنا في أفضلها، حتى إنتهى الأمر إلينا، وأول ذلك: أن المسلمين اختلفوا بعد رسول الله، فأجمعوا على أبي بكر الصديق (ه)، فخالفت الشيعة، وكنا مع المهاجرين والأنصار، وكانت مع حزب الشيطان الرجيم، وعُمر بن الخطاب (ه)، في حزب أبي بكر الصديق (ه)، فوقعنا في حزب الذين بعد رسول الله، والمهاجرين، والأنصار، وأهل الشورى بعدهما، ثُمَّ وليَّ عُثمان بعد الإمامين، فاختلف عليه أصحاب رسول
(1) انظر الملحق.
- VE- (2/74)
صفحة 346
الله، فجل الْمُهاجرين والأنصار عليه لا لَهُ، إلا ما كان من زيد بن ثابت، وعبد الله بن سلام، والمتوقفون: عبد الله بن عُمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وباقي المُهاجرين والأنصار، عَلَيهِ لاَ له، والإمام عمار بن ياسر (ه)، لما جعله رسول الله، علامة للفتنة، قال: " ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، إنما عمار جلدة بين أنفي وعيني، مهما أُصيب المرأ هنالك لم يستبق " (1)، وقوله الله العمار: " تقتلك الفئة الباغية " (2)، وقوله: " عليكم بهدي عمار وابن أم عبد " (3)، ثُم أطبق أهل الشورى والمهاجرين والأنصار على عليّ، وكُنا معهم، فخرجا عنه طلحة والزبير، فنكثا الصفقة، وعائشة أم المؤمنين التائبة، فحصلنا بحمد الله مع الجمهور، ثم خالف معاوية وعمرو بن العاص بالشام، وليس معهم من الْمُهاجرين والأنصار مقهور ولا مذكور، فحصلنا، مع عليّ وعمار، ومع المُهاجرين والأنصار، ثم أن علياً رجع على عقبيه ورضي بالحكومة، التي كفر راضيها، وصوب ساخطها، فقتل الفريقين جميعاً، الراضي والساخط، والمحق والمبطل، فكنا على الأصل الذي فارقنا عليه أبا ذر، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، الذي جعله رسول الله، علماً للفتنة، حين قال: " عمار تقتله الفئة الباغية " (4)، فأثبته على الهدي عند الإختلاف، وحين قال: " عليكم بهدي عمار وبهدي ابن أم عبد "، وقال: " ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة له ما في حزبهما، فإن كان الجميع
ويدعونه إلى النار "، فوقعنا بحمد
(1) انظر الملحق.
(3) انظر الملحق.
الله
(2) انظر الملحق.
(4) انظر الملحق. (2/75)
صفحة 347
على الحق، فنحن أولى، ولا نعمت عين لهم، وإن كانوا على الباطل سلمنا، إذ لا تجتمع أُمة محمد على ضلال. أ هـ
،
وبهذا يتبين المتن، ثُمَّ عاد عودة على بدئه، إذ ليس بين العبارتين إلا أختلاف اللفظ، والعود: الرجوع على بدئه، أي: على ما كان عليه من قبل، فإنه كان يشهد عليهم، أي: معاوية وحزبه، بأنهم ليسوا أهل دين ولا قُرآن، فإنه أعطاهم الرضى بالتحكيم.
ثم رجع ونقل عنه في كتاب " الملل والنحل "، أنه يقول: انفروا إلى بقية الأحزاب، انفروا إلى من يقول: كذب الله ورسوله، وأنتم تقولون: صدق الله ورسوله؛ فإن قيل: أن صاحب " الملل والنحل"، قال: إعلم أنه أول من خرج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، جماعة ممن كان معه في حرب صفين، وأشدهم خروجاً عليه ومروقاً في الدين: الأشعث بن قيس، ومسعود بن فدكي، وزيد بن حصين، قالوا: القوم يدعوننا إلى كتاب الله، وأنت تدعونا إلى السيف؛ حتى قال: أنا أعلم بما في كتاب الله، انفروا إلى بقية الأحزاب، انفروا إلى من يقول: كذب الله ورسوله، وأنتم تقولون: صدق الله ورسوله، قالوا: لئن لم ترجعن الأشتر عن قتال المُسلمين، وَإِلا لنفعلن بك كما فعلنا بعُثمان، فاضطر إلى رد الأشتر، بعد أن هزم الجمع، وولوا مدبرين، وما بقي منهم إلا شرذمة قليلة، فيهم حشاشة قوة، فامتثل الأشتر أمره، وكان من أمر الحكمين.
إن الخوارج حملوه على التحكيم أولاً، وكان يُريد أن يبعث
- 76 - (2/76)
صفحة 348
عبد الله بن عباس، فما رضي الخوارج بذلك، وقالوا: هو منك، فحملوه على بعث أبي موسى الأشعري، على أن يحكما بكتاب الله تعالى، فجرى الأمر على خلاف ما رضي به، فلما لم يرض، خرجت الخوارج عليه، وقالوا: لم حكمت الرجال، لا حكم إلا لِلَّهِ، وهم
المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان، هذا كلام الشهرستاني في ملله
قلت: أما قوله: أول من خرج على أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب، جماعة ممن كان معه في حرب صفين، فإن هذا هَوَس منه، وقد قدمنا أن أول الخوارج عليه: طلحة، والزبير، ومن معهما، وأنهم هم الذين سنوا الخروج على الأئمة، فلهم أجور الخوارج، أو أوزارهم - كما تقدم عن أبي يعقوب لكنهم إحولت أعينهم عنهم، لأنهم بقية منهم، ومنهم من إعتذر عن طلحة والزبير، بأنهما إجتهدا فأخطاءا، وقد حملهم الإجتهاد إلى أن يُقاتلوا المُسلمين من المهاجرين والأنصار، ويسفكوا دماء خمسين من أهل البصائر صبراً، ومنهم من يقول: أنهما تابا إذ ذكرهما عليّ فتذكرا.
وهذا المسعودي يحكي عن ابن عباس، حين جرى بينه وبين ابن الزبير أمر، فقال له: وأما قولك: حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد لقيت أباك في الزحف، وأنا مع إمام هدى، فإن يكن على ما أقول: فقد كفر
أبوك بقتالنا، وإن يكن على ما تقول: فقد كفر بهربه عنا. أ هـ
فإن طلحة قتل بالمعركة، والزبير قتل هارباً بوادي السباع، هذا
ولم يدع أحد من فرق الموحدة توبتهما غير الأشعرية، فالمعتزلة
،
- VY - (2/77)
صفحة 349
والشيعة، والخوارج، لم يدع أحد توبتهم، وإن كانوا خُصماء لا يُقبل قولهم، ثم كان من معاوية ما كان بصفين، حتى أحسوا بالهزيمة، فاحتالوا على عليّ بأمر الحكومة، وقد أنكرها المحققون لأنها باطل، فمن أجازها فقد رجع عن حرب الفئة الباغية، وأن عمار بن ياسر لم يزل ينهي عنها حتى استشهد (ه).
وقوله: وأشدهم خروجاً عليه الأشعث ... إلخ، لعن الله الأشعث، وهل أعان البغاة والباطل إلا الأشعث وأضرابه، وأما زيد بن حصين الطائي (ه)، فهو ممن حكم الله
وقوله: وكان من أمر الحكمين، أن الخوارج حملوه على التحكيم ... إلخ، ما لهم يحملونه على التحكيم، وهم ينهون عنه، ولا يجيزونه أصلاً، وأيضاً هم شرذمة قليلون، والجيش مائة ألف أو يزيدون، بل كيف يتوعدونه أن يُفعل به ما فعل بعثمان، وهو في مثل هذا الجيش، ممن بايعه ورضي بإمامته، من المهاجرين، والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، هل هذا إلا خبط عشوى؟ عافانا الله والمُسلمين من اللجاج، والميل إلى الإعوجاج، إنما حمله على الحكومة، الأشعث وأضرابه، الذين مردوا على النفاق، ولعمري لم يكن له من أمره إلا مطاوعتهم، ثم أنه أظهر التوبة من التحكيم، حين عاتبه المسلمون، فقبلوا منه، ولم يردوا عليه توبته، حتى جاءه الأشعث، فرده عن الحق، فرجع بعد أخذ الميثاق عليه، فلم يلبث أن خرجوا عنه، وقوله: وأولاً كان يُريد أن يبعث ابن عباس، فما رضي الخوارج بذلك، وقالوا: هو منك، فحملوه على بعث أبي موسى
- YA- (2/78)
صفحة 350
الأشعري: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (1).
هل هذا إلا إختلاق على الخوارج، إن الخوارج لم يقبلوا التحكيم من أول الأمر، لأن الله تعالى حكم في الفئة الباغية، أن تُقاتل: {حَتى تَفِيءَ إِلَى أَمرِ اللهِ} (2)، ومعاوية وحزبه لم يفيئوا إلى أمر الله، فليس لعمرو بن العاص، وأبي مُوسى الأشعري، ولا غيرهم، أن يحكموا، أو يحكموا، وليس لعليّ قبول قولهم، ولا فرق أن يسير ابن عباس، أو غيره، أو يسير عليّ بنفسه، وقد حكى المسعودي، عن ابن عباس، أنه قيل له (ه): ما منع علياً أن يبعثك مكان أبي موسى يوم الحكمين؟ فقال: منعه من ذلك حائل القدر، وقصر المدة، ومحنة الإبتلاء، أما والله لو بعثني مكانه، لإعترضت مدارج نفسه، ناقضاً لِمَا أُبرم، ومُبرماً لِمَا أنقض، أسف إذ طار، وأطير إذا أسف
،
ولكن مضى قدر، وبقي أسف، ومع اليوم غداء، وللآخرة خير للمتقين. أ هـ
فقال: إنهما حكما بغير ما أنزل الله، أي: حيث لم يثبتا أمره، بل إتفقا على خلعه من الإمارة، وأقر عمرو بن العاص معاوية وبايع له. قال المسعودي في مروجه: وكان فيما كُتب في الصحيفة: أن يحيى الحكمان ما أحيى القُرآن، ولا يتبعان الهوى، ولا يُداهنان في شيء من ذلك، فإن فعلا فلا حُكم لهما، والْمُسلمون من حكمهما بُراء، قال:
(1) سورة البقرة: 156 (2) سورة الحجرات: 9. (2/79)
صفحة 351
وصيروا الأجل إلى شهر رمضان، على إجتماع الحكمين، في موضوع بين الكوفة والشام؛ قال: ومر الأشعث بالصحيفة يقرأها على الناس فرحاً مسروراً، حتى مر بمجلس بني تميم، وفيه جماعة من زعمائهم، منهم: عروة بن حدير التميمي ـ أخو أبي بلال الخارجي ـ فقرأها عليهم، فجرى بين الأشعث وبين أناس منهم خطب طويل، وأن الأشعث كان بدأ هذا الأمر، والمانع له من قتال عدوهم، حتى يفينوا إلى أمر الله، فقال عروة: أتحكمون في دين الله، وأمره ونهيه الرجال، لاَ حُكم إلا لِلّهِ، فكان أول من قالها وحكم بها، وشد على الأشعث بسيفه، فضم فرسه على الضربة، فوقعت في عجز الفرس ونجي الأشعث؛ قال: ولما وقع التحكيم، تباغض القوم جميعاً، يتبرأ الأخ من أخيه، والإبن من أبيه، وأمر عليّ بالرحيل، لإختلاف الكلمة، وتفاوت الرأي، وعدم النظام لأمورهم، وما لحقه من الخلاف منهم وكثرة التحكيم في جيش أهل العراق، وتضارب القوم بالمقارع ونعال السيوف، ولام كل فريق منهم الآخر في رأية، وسار علي يؤم الكوفة، ولحق معاوية بدمشق - من أرض الشام -؛ قال: ولما دخل على الكوفة، إنحاز عنه إثنا عشر ألفاً من القُراء وغيرهم، فلحقوا بحروراء - قرية من قرى الكوفة - وجعلوا عليهم شبيب بن ربعي التميمي، وعلى صلاتهم عبد الله بن الكوى اليشكري - من بكر بن وائل ـ فخرج عليّ إليهم، وكانت له معهم مناظرات، فدخلوا جميعاً الكوفة. أ هـ كلامه
مع حذف.
قلت
: وقد غصَّ بريقه عن ذكر المحاورة، وأنا أُلخص كلام
6
-^. (2/80)
صفحة 352
طلحة والزبير
،
الأصحاب، وأتبعه بكلام الأشاعرة؛ قالوا: جرى بين الشيعة والمُسلمين، حين فارقوا علياً مُناظرة، فقال لهم المسلمون: إستبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكُفر كفرسي رهان، فأما أهل الشام فإنهم بايعوا معاوية على ما أحبوا وكرهوا، وأما أنتم فبايعتم علياً على أنكم أولياء من والى، وأعداء من عادى، ثم نزل المسلمون حروراء، فأرسل إليهم علي ابن عباس، فلما قدم إليهم رحبوا به، وقالوا: ما سرنا أن غيرك جاء إلينا، فقال لهم: ما نقمتم على أمير المؤمنين؟ فقالوا له: أخبرنا عن الأمر الذي كنا نحن وعلي عليه بالبصرة مع وبصفين مع معاوية وعمرو بن العاص، أهدى كان أم ضلالاً؟ فقال لهم: اللهم إنه لهُدىً، فقالوا له: أُنزل كِتاب من السماء بترك ذلك الأمر، وتأمين معاوية وحزبه من البغاة، وقد قال الله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمرِ اللهِ} (1)، أم فاء إلى أمر الله معاوية وحزبه، إذ أمتهم على؟ فقال ابن عباس: إن الله تعالى يقول في شقاق بين رجل وزوجته: {وَإِن خِفْتُم شِقَاقَ بَينِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّن أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّن أَهلِهَا} (2)، وفي صيد يقتله مُحرم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنتُم حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدلٍ مِّنكُم} (3)، فكيف بأمر أمة محمد؟ فقالوا له: كل حكم فوض الله الأمر فيه إلى المُسلمين فذلك إليهم، وأما الحكم الذي حكم فيه بنفسه، فليس لأحد أن يُبدله من تلقاء نفسه،
(1) سورة الحجرات: 9. (3) سورة المائدة: 95.
(2) سورة النساء: 35.
-^- (2/81)
صفحة 353
،
أرأيت لو وجب حد على أحد، كحد الزني مثلاً، أو قطع السبيل فأراد القائم بالأمر من أئمة المُسلمين أن يُقيم عليه الحد، هل له أن يقول للإمام: نبعث حكماً من قبلك، وحكماً من قبلي، فما حكما به رضيناه، هل للإمام أن يقبل ذلك؟ ثُمَّ كروا عليه، فقالوا: أرأيت لو أن يهودية تحت مُسلم فتشاقا، فأرادت زوجة المُسلم أن تُحاكمه إلى أحكام اليهود، هل لها ذلك، ويُجبر المُسلم على أحكام اليهود؟ فقال لهم: اللهم لا، فقالوا له: إن عمرواً يُريد أن يحمل المُسلمين على حكمه فيهم، وبالأمس حكمه فيهم القتل أو الرجوع إليهم على باطلهم، ثم قالوا له: إن قاتل الصيد وهو مُحرم، هل يجوز له أن
يحكم من مذهبه، إستباحة قتل الصيد وهو محرم؟ فقال: اللهم لا فقالوا له: كيف حكمتم عمرواً في دماء المُسلمين ودينهم، وهو يستحل قتلهم ويسفك دماءهم؟ ثم كروا عليه، فقالوا له: أخبرنا عن قتل جرادة في الحرم، هل يجوز أن يحكم عليه غير ذوي عدل من المُسلمين؟ فقال لهم: اللهم لا، فقالوا له: كيف جوزتم حكومة عمرو وأبي موسى، وعندكم أنهما ليسا بعد لين؟ فنناشدك الله يا ابن عباس، المسلمون أعظم حُرمة أم الجرادة حين قتلها المحرم؟ فرجع ابن عباس إلى عليّ وقد لزمته الحجة، فسار على إليهم، فقال لهم: إن الكلام منكم جملة لا يُستطاع، فليخرج إليَّ منكم مائة، ثم قال للمائة: ليخرج إليَّ منكم عشرة، فخطب مُتكاً على قوسه، فقال في آخر كلامه: ما نقمتم علينا، ولأي شيء كان خروجكم عنا، متكلمهم فقال: نقمنا عليك ترك الأمر الذي كنا عليه نحن وأنت
فقام
- AY- (2/82)
صفحة 354
الله
بالأمس، وإعطاءك الأمان لمعاوية وحزبه، وهم بغاة لم يفيئوا إلى أمر، وخلعك نفسك من إمارة الْمُؤمنين، وقد أجمعت الأمة المحقة عليها، وكتبت باسمك واسم أبيك، وحكمت الرجال في أمرك، وحكم الله مُتقدم فيهم، بأن يُقاتلوا حتى يفيئوا، أو تفنى أرواحهم، فلم يسعنا أن نكون معك، بل وجبت مُفارقتك، والبراءة من وراء ذلك حتى ترجع، فقال: أما تركي للأمر الذي كنا عليه، فلأن القوم دعونا إلى كتاب الله، وأن رسول الله، هادن قريشاً عام الحديبية،
،
وأما كتابتي باسمي واسم أبي، فقد فعل ذلك رسول الله القُريش حين قالوا له: لو نعلم إنك رسول الله لِمَا قاتلناك ولاتبعناك، فكتب من محمد بن عبد الله، وأما تحكيمي للرجال، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم سعد بن معاذ في قضية بني قريظة، فقال متكلمهم: أما قولك: القوم دعونا إلى كتاب الله، فإن القوم لم يفيئوا ولم يرجعوا، وعلى کتاب الله قاتلناهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلمهادن قريشاً، فذلك منسوخ بسورة براءة (التوبة)، حيث يقول تعالى: {وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُم كَافَّةً} (1)، فلا يُقاس على المنسوخ، وأما كتابته باسمه واسم أبيه، فلما أوحى الله إليه، أنه يسالمهم ليفتح خيبر بسبب ذلك، فلا يخاف من قُريش وأحلافها، وأنت قد إجتمع على بيعتك المهاجرون، والأنصار، والتابعون لهم بإحسان، فخلعت نفسك من بيعتهم، وأما تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم سعداً، فإنه ثقة عدل، لا يرى للكفر على الإسلام مزية، وأنت حكمت عمرواً، وهو يراك ومن
(1) سورة التوبة: 36.
- AY- (2/83)
صفحة 355
نص، إنما حكمه
معك قتلة عُثمان ويطلبكم بدمه، فأين قضيتك من هذه وعُثمان هو قتيل حجة الله؟ أما تعلم أن عمرواً ليس منك، وأيضاً فإن رسول الله، حكم سعداً في شيء لم يأت فيه عن ا الله ليجتهد رأيه، وقضيتك هذه حكم الله فيها، وفرغ الحكم منها، فلما سمع كلام القوم وإحتجاجهم، إلتفت إلى قوم منهم ممن حضر صفين، وقد أنقذهم الله بإخوانهم عند رجوعهم، فقال: ألستم تعلمون أن القوم دعونا إلى كتاب الله، فقلتم: كيف تقاتل قوماً يدعوننا إلى كتاب الله؟ فقلت لكم: خدعة منهم، فقعدتم في رحالكم، ثم قُلت: دعوني أبعث رجلاً مني، فأبيتم غير أبي موسى، فقلت: كيف نثق بالرجل، وبالأمس يقول: إحذروا الفتنة الصماء البكماء، التي القاعد فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فاكسروا قسيكم، واقطعوا أوتارها، فكبروا حين سمعوا منه، فكبر الناس، واتصل التكبير إلى مسجد الكوفة
ثم قال بعضهم: إن بيعة عليّ خرجت من أعناقكم، فعليكم برجل تولونه أمركم، فنا شدهم الله أن لا يفعلوا، وأنه راجع إليهم، ومعط من نفسه الحق، فأخذوا عليه العهود، فرجعوا جميعاً إلى الكوفة، فخطب عليّ، فقال: إن أمر الحكمين ضلال، وإنا نبرأ إلى الله منهما، وممن رضي الحكم لهما؛ ثم قال في آخر كلامه: زللت زلة فسوف أكيس بعدها، ولم يزل يكررها في خطبه، فبلغ الأشعث، فدخل عليه، فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين، ما بالكوفة أمة على ظهرها جرة، إلا وهي تحدث إنك تبت من أمر الحكومة، أو تظن أن الناس يعدلون بك
-^ {- (2/84)
صفحة 356
معاوية، وأنت أقدم إسلاماً، وأشرف ديناً وحسباً؟ ثم بلغ معاوية، فكتب إلى وجوه العراقية، فنهضوا عليه نهضة رجل واحد، فرجع إلى قولهم، ثم صعد المنبر، فقال: إنا نظرنا في أمر الحكمين فصو بناه، فمن خطأنا فليبدلنا صفحته، ثم قال: فمن عابنا بذلك عاقبناه، فتواثبوا من نواحي المسجد ومن تحت المنبر، وهم يقولون: لا حكم إلا لِلَّهِ، فقال عليّ: الله أكبر، إن سكتوا غمضناهم، وإن خرجوا قاتلناهم، هذا معنى ما قاله المسعودي: أنه جرى له معهم مناظرة فرجعوا جميعاً، وأما من يزعمون أنهم أهل السنة والجماعة، فعندهم أن شُبهة أهل النهروان المُسمين لهم بالخوارج قطعية البطلان، دون من قاتل علياً، فإنهم عندهم أهل إجتهاد
قال ابن حجر الهيثمي، في كتابه " تطهير الجنان واللسان "، عن سيده معاوية بن أبي سفيان، قال: وأما ما يضطر إليه من أحوال مولاه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، في حروبه وقتاله لعائشة، وطلحة، والزبير، ومن معهم من الصحابة وغيرهم، وللخوارج البالغين - في رواية بضعاً وعشرين ألفاً ـ على الوصف والعلامة، اللذين بينهما النبي، ومن كونه الإمام الحق، والخليفة الصدق، فكل من قاتله من هؤلاء بغاة عليه، لكن من عدا الخوارج، وإن كانوا مخطئين، فهم مثابون، لأنهم فقهاء، أئمة، مُجتهدون، مؤلون تأويلاً محتملاً، بخلاف الخوارج، فإن تأويلهم قطعي البطلان. أ هـ.
?
ليت شعري، ما لهم وللخوارج، لم يسلكوا فيهم سبيل الإنصاف، وإنما تعسفوا فيهم أكبر الإعتساف، فإن تكن علتهم الصحبة، فهؤلاء (2/85)
صفحة 357
شجرة
من أجلهم، كيف لا، ومنهم: شجرة بن أو في السلمي - بدري. وعتبة بن معمر الأنصاري، من الذين نزل إليهم قوله تعالى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوكَ لِتَحْمِلَهُم قُلتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُم عَلَيْهِ تَوَلُّوا وَأَعْيُنُهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَنَا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} (1)، وعبد الله بن ممن بايع تحت الشجرة - وغيرهم)، وإن يكن الفقه علتهم، فقد سمعت إحتجاجهم على عليّ وابن عباس، وإن يكن لعبادتهم، فهم خير ممن نزل فيه: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} (2)، وممن قال فيه رسول الله الله: " اللهم العنه بكل بيت لعنة، فإني لا أُحسن الشعر "، وممن قال فيه: " إذا رأيتم فلاناً على منبري فاقتلوه " (3)، وممن قال فيه: " إن بني أمية شر الناس ".
قال ابن حجر، في ذَلِك الكتاب: الثالث، الحديث المروي بسند حسن، إنه قال: " شر قبائل العرب بنوا أُمية وبنوا حنيفه وثقيف "، وفي الحديث الصحيح، قال الحاكم على شرط الشيخين، عن أبي برزة): كان أبغض الأحياء أو الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوا أُمية. أ هـ.
ثُمَّ أخذ يتعسف في تأويل ذلك الحديث، فليراجع؛ وإذ قد وعدنا أن نحكي قولهم وما صاغوه من زخرفاتهم في حق أُوْلَئِكَ السادة،
فدونك.
(1) سورة التوبة: 92.
(2) سورة الكوثر: 3 (3) انظر الملحق.
- AT- (2/86)
صفحة 358
قال أبو العباس المبرد في كامله، في باب أخبار الخوارج: ويُروى
أن علياً في أول خروج القوم عليه، دعا صعصعة بن صوحان العبدي، وقد كان وجه إليهم زياد بن النظر الحارثي مع عبد الله بن عباس، فقال لصعصعة: بأي القوم رأيتهم أشداً طاقة؟ فقال يزيد بن قيس: الأرجني، فركب علي إليهم إلى حروراء، فجعل يتخللهم حتى صار إلى مضرب زيد بن قيس، فصلى فيه ركعتين، ثم خرج فاتكأ على قوسه
،
وأقبل على الناس، ثم قال: هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة أنشدكم الله تعالى، هل علمتم أن أحداً منكم كان أكره للحكومة منى؟ قالوا: اللهم لا، قال: أفعلمتم أنكم أكرهتموني حتى قبلتها؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فعلاما خالفتموني ونابذتموني؟ قالوا: إنا أتينا ذنباً عظيماً فتبنا إلى الله، فتب إلى الله منه واستغفره نعد إليك، فقال علي: أستغفر الله. من كل ذنب، فرجعوا معه وهم ستة آلاف، فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن علياً رجع عن التحكيم، ورآه ضلالاً، وقالوا: إنما ينتظر أمير المؤمنين أن يسمن الكراع، ويُجبي المال، فينهض إلى الشام، فأتى الأشعث بن قيس علياً، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تحدثوا عنك، أنك رأيت الحكومة ضلالاً، والإقامة عليها كفراً، فخطب عليّ الناس، فقال: من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب، ومن رآها ضلالاً فهو أضل، فخرجت الخوارج من المسجد فحكمت، فقيل لعليّ: إنهم خارجون عليك، فقال: لا أقاتلهم حتى يُقاتلوني وسيفعلون، فوجه إليهم عبد الله بن عباس. أ هـ.
قلت
: مفهوم كلامه، أن ابن عباس سار إليهم، بعد مسير عليّ،
- AY- (2/87)
صفحة 359
ومفهوم كلامه، قيل: أنه سار إليهم، قبل مسير علي ـ كما تقدم عن أئمتنا - (رحمهم الله، وقول عليّ - إن صح عنه ـ أنه قال لهم: من رأي الحكومة ضلالاً فهو أضل، تخطئة منه لهم، فحري أن يُخطيء حيث إعترف لهم من قبل بالحق، والبادي أظلم.
قال أبو العباس أيضاً: فوجه إليهم عبد الله بن العباس، فلما صار إليهم رحبوا به وأكرموه، فرآي منهم جباها قرحة لطول السجود،
(
وأيديا كثفنات الإبل، وعليهم قمص مرحضة وهم مشمرون. أ هـ قلت: أي وربي، كذا وصفهم الله تعالى، فقال: {سِيمَاهُم فِي وُجُوهِهِم مِّن أَثَرِ السُّجُودِ} (1)، ولكن قومنا عكسوا فانتكسوا، فقالوا فيهم: إن إيمانهم لا يجاوز تراقيهم، والله يقول: بَلَى
أَوفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (2)، وقال تعالى: مَن يَقَ وَيَصبر فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (3)، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ} (4)، وقال: " قُل آمنت بالله ثم استقم " (5)، أفلا تراهم يُخالفون الآي والأحاديث، في قوم حكموا الله على أنفسهم
قال أبو العباس أيضاً: فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس؟ فقال: جنتكم من عند صهر رسول الله، وابن عمه، وأعلمنا بربه وسنة
(1) سورة الفتح: 29 (3) سورة يوسف: 90
(5) انظر الملحق.
(2) سورة آل عمران: 76.
(4) سورة فصلت: 30
-^^- (2/88)
صفحة 360
نبيه، ومن عند الْمُهاجرين والأنصار، قالوا: إنا أتينا ذنباً عظيماً حين حكمنا الرجال في دين الله، فإن تاب كما تُبنا ونهض لمجاهدة عدونا رجعنا إليه، فقال ابن عباس: أنشدكم الله تعالى ألا ما صدقتم أنفسكم، أما علمتم أن الله أمر بتحكيم الرجال في أرنب تساوي ربع درهم تصاد في الحرم، وفي شقاق رجل وامرأته؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فانشدكم الله تعالى، فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عن القتال للهدنة بينه وبين أهل مكة؟ فقالوا: اللهم نعم، ولكن علي محى نفسه من إمارة المُسلمين، قال ابن عباس: ذلك ليس يزيلها عنه، وقد محى رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه من النبوة، وقد أخذ على الحكمين أن لا يجورا، وإن لم يجورا، فعلي أولى من معاوية وغيره،
60
قالوا: إن معاوية يدعي مثل دعوى عليّ، فأيهما رأيتموه أولى فولوه قالوا: صدقت؛ قال ابن عباس: ومتى جار الحكمان، فلا طاعة لهما، ولا قبول لقولهما. أ هـ
وأنت تعلم أن هذه تلفيقات لفقوها: يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِم وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ} (1)، وأكثر أجوبتهم مضت فيما نقلناه عن أئمتنا (رحمهم الله)، ثم أخذوا يطعنون عليهم بأشياء هم منها براء، كقولهم: بقروا بطن إمرأة حُبلى، وقتلوا الله بن خباب، وغير ذلك مما ليس من سيرتهم، ولا هو بمعروف من مذهبهم، ثم رفعوا عن علي، أن قول الله سبحانه وتعالى: {قُل هَل نُنَبِّئُكُم بالأَحْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعَيُهُم فِي
عبد
(1) سورة التوبة: 32.
-19 - (2/89)
صفحة 361
الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُم يَحسَبُونَ أَنْهُم يُحسِنُونَ صُنعاً} (1)، أنها نزلت في أهل حروراء، وحين نزول الآي لم يكن لأهل حروراء اسم ولا رسم، وهذا مثل قول معاوية في عليّ بن أبي طالب: أن قول الله سبحانه وتعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُم إِن تَوَلَّيْتُم أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرض وَتُقَطِّعُوا أَرحَامَكُم * أَوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُم وَأَعْمَى أَبصَارَهُم} (2)،
أنها نزلت في عليّ، والخصم ليس بمقبول منه دعواه على خصمه
قال المسعودي: ولما رجع عليّ الكوفة، جعلت الحرورية تناديه وهو على المنبر: جزعت من البلية، ورضيت بالقضية، وقبلت الدنيه لا حكم إلا لِلَّهِ، فيقول: حكم الله انتظر فيكم. أ هـ.
قلت: لعله ينتظر حكم أبي مُوسى الأشعري، وعمرو بن العاص، وإلا فحكم الله قد مضى في الباغي، وعليه جرى من قبل، فسبحان
مقلب القلوب
حتى قال المسعودي: في سنة ثمان وثلاثين، كان إلتقاء الحكمين بدومة الجندل، وقيل: بغيرها، على ما قدمنا في وصف التنازع في ذلك، وبعث علي بعبد الله بن عباس، وشريح بن هاني الهمداني، في أربعمائة رجل، فيهم: أبو موسى الأشعري، وبعث معاوية بعمرو بن، ومعه شرحبيل بن الصمة، في أربعمائة رجل. أ هـ
العاص
وفي جواهر البرادي (رحمة الله عليه): ثم أجمع عليّ على المسير إلى أبي موسى وعمرو، بعد مُراجعة، وخطاب، ومُحاورة، وجواب،
(1) سورة الكهف: 103 - 104.
(2) سورة محمد: 22 - 23.
، (2/90)
صفحة 362
فأمر بجمل له أن يُشد، فبينما الجمل يُشد عليه، إذ مال فمات فتطير علي من سببه، فأقام وبعث إلى أبي موسى أربعمائة رجل، عليهم شريح بن هاني. أهـ
ولم يذكر أن ابن عباس سار معهم، بل ذكر قوماً آخرين، كما يعلم بالوقوف على كلامه؛ قال أيضاً: ثم إلتقى الحكمان، وحضر معاوية بنفسه، وأرسلوا إلى نفر من قريش، فيهم: ابن عُمر، وابن
الزبير، وابن الجهم، وغيرهم. أ هـ (بتصرف).
،
قال المسعودي: فلما تدانى القوم من الموضع الذي كان فيه الإجتماع، قال ابن عباس لأبي مُوسى الأشعري: إن علياً لم يرض بك حكماً لفضل غيرك، والمتقدمون عليك كثير، وأن الناس أبوا غيرك، وإني لأظن ذلك لشر يُراد بهم، وقد ضم داهية العرب معك أن نسيت، فلا تنس أن علياً بايعه الذين بايعوا أبا بكر الصديق (ه)، وعمر بن الخطاب (ه)، وعُثمان بن عفان، وليس فيه خصلة تباعده من، وليس في معاوية خصلة تقربه من الخلافة. أ هـ
الخلافة
وقال في جواهر البرادي: وانصرف معاوية إلى الشام، بعدما وقف على أبي موسى الأشعري، وقال: قد علمت أني قد وافيت، وأن علياً لم يواف، وأن رسول الله، إذا إختصم إليه رجلان، وتخلف أحدهما، قضي للذي لم يتخلف، فقال له أبو موسى: إنما كان رسول الله، يقضي في البعير والشاة، وهذا أمر أمة محمد
قال: فما ترى لي؟ قال: أرى لك أن تُؤمن على من يأتيك من الناس،
،
-91 (2/91)
صفحة 363
وتتقي
الله، فقال له معاوية: نعما أمرتني به. أ هـ
وقال المسعودي: فلما إلتقى أبو موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، قال عمرو لأبي مُوسى: تكلم وقُل خيراً؟ فقال أبو موسى: بل تكلم أنت يا عمرو، فقال عمرو: ما كنت لأفعل وأقدم نفسي قبلك، ولك حقوق كلها واجبة، لسنك، وصحبتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت ضيف، فحمد الله أبو موسى، وأثنى عليه، وذكر الحديث الذي حل بالإسلام، والخلاف الواقع بأهله، ثم قال: يا عمرو، هَلُمَّ إلى أمر يجمع. الله فيه الألفه ويلم الشعث، ويصلح ذات البين، فجزاه عمرو خيراً، وقال: إن للكلام أولاً وآخراً، ومتى تنازعنا الكلام خطباً، لم نبلغ آخره حتى ننسى أوله، فاجعل ما كان من الكلام نتصادر عليه في كتاب يصير إليه أمرنا، قال: فاكتب، فدعا عمرو بصحيفة وكاتب، وكان الكاتب غُلاماً لعمرو، فتقدم إليه ليبدأ به أولاً دون أبي موسى لما أراد من المكر به، ثم قال له الجماعة: أُكتب فإنك شاهد علينا، ولا تكتب شيئاً يأمرك به أحدنا حتى تستأمر الآخر فيه، فإذا أمرك فاكتب، وإذا نهاك فانته حتى يجتمع رأينا، أكتب:
بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ}
تقاضى عليه فُلان وفلان، فكتب، وبدأ بعمرو بن العاص، فقال له عمرو: لا أم لك، أتقدمني قبله، كأنك جاهل بحقه، فبدأ باسم الله بن قيس، وكتب تقاضياً على أنهما يشهدان أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسلة: {بِالهُدَى
عبد
- AY- (2/92)
صفحة 364
وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشْرِكُونَ} (1)، ثم قال عمرو: ونشهد أن أبا بكر) خليفة رسول الله، عمل بكتاب الله، وسُنة رسول الله، حتى قبضه الله إليه، وقد أدى الحق الذي عليه، قال أبو مُوسى: أكتب، ثم قال في عُمر بن الخطاب) مثل ذلك، ثم قال عمرو: أكتب، وأن عُثمان ولي هذا الأمر بعد عُمر، على إجماع من الْمُسلمين، وشورى من أصحاب رسول الله، ورضى منهم، وأنه كان مؤمناً، فقال أبو موسى الأشعري: ليس هذا مما قعدنا له، قال عمرو: والله لابد من أن يكون مؤمناً أو كافراً، قال أبو مُوسى: أُكتب، قال عمرو: فظالِماً قتل عُثمان أو مظلوماً؟ قال أبو موسى: بل مظلوماً، قال عمرو: أفليس قد جعل الله لولي المظلوم سُلطاناً يطلب بدمه؟ قال أبو موسى: نعم، قال عمرو: فهل تعلم لعُثمان ولياً أولى من معاوية؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: فليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان، حتى يقتله أو يعجز؟ قال أبو موسى: بلى، قال عمرو للكاتب: أكتب، وأمره أبو موسى فكتب، قال عمرو: فإنا نقيم البينة أن علياً قتل عثمان، قال أبو موسى: هذا أمر قد حدث في الإسلام، وإنما إجتمعنا لله، فهلم إلى أمر يصلح به أمة محمد الله، قال عمرو: وما هو؟ قال أبو موسى: قد علمت أن أهل العراق لا يُحبون معاوية أبداً، وأن أهل الشام لا يُحبون علياً أبداً. فهل نخلعهما جميعاً، ونستخلف عبد الله بن عُمر، وكان بن عُمر، على بينة أبي مُوسى، قال عمرو: أيفعل ذلك عبد الله بن عُمر؟ قال أبو مُوسى: نعم، إذا حمله الناس على ذلك فعل،
عبد الله
،
(1) سورة التوبة 33؛ سورة الصف: 9
- ar- (2/93)
صفحة 365
فعمد عمرو إلى كل ما مال إليه أبو موسى فصوبه، وقال له: في سعد؟ فقال له أبو موسى: لا، فعدد له عمرو جماعةً، وأبو موسى يأبى ذلك إلا ابن عُمر، فأخذ عمرو الصحيفة فطواها، وجعلها تحت قدمه، بعد أن ختماها جميعاً، وقال عمرو: أرأيت إن رضى أهل العراق بعبد الله بن عُمر، وأبى أهل الشام، أيقاتل أهل الشام؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: فإن رضى أهل الشام، وأبى أهل العراق، أيُقاتل أهل العراق؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أما إذا رأيت الصلاح في هذا الأمر، والخير للمُسلمين، فقُم فاخطب الناس، واخلع صاحبينا، وتكلم باسم هذا الرجل الذي نستخلف، فقال أبو موسى: بل أنت قم فاخطب الناس، فأنت أحق بذلك، قال عمرو: ما أحب أن أتقدمك، وما قولي وقولك للناس إلا قول واحد، فقم راشداً، فقام أبو موسى الأشعري، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على نبيه
،
ثم قال: أَيُّهَا الناس، إنا قد نظرنا في أمرنا، فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن والصلاح، ولم الشعث، وحقن الدماء، وجمع الأُلفة، خلعنا علياً ومعاوية، وقد خلعتُ علياً، كما خلعتُ عمامتي هذه، وأهوى إلى عمامته فخلعها، واستخلفنا رجلاً، قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه،
الله بن
وصحب أبوه النبي صلى الله عليه وسلم، فبرز في سابقته، وهو: عبد عُمر
،
،
وأطراه، ورغب الناس فيه ونزل، فقام عمرو بن العاص، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله، ثم قال: أَيُّهَا الناس، إن أبا موسى عبد الله بن قيس، خلع علياً، وأخرجه من هذا الأمر الذي يطلب، وهو أعلم به، ألا وإني خلعتُ علياً معه، وأثبت معاوية علي
-98 - (2/94)
صفحة 366
وعليكم، وأن أبا مُوسى قد كتب في الصحيفة أن عُثمان قد قتل مظلوماً شهيداً، وأن لوليه أن يطلب بدمه حيث كان، وقد صحب معاوية رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وصحب أبوه النبي، وأطراه ورغب الناس فيه، وقال: هو الخليفة علينا، وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عُثمان، فقال أبو موسى: كذب عمرو، لم نستخلف معاوية،، ولكنا خلعنا معاوية وعلياً معاً، فقال عمرو: بل كذب عبد الله بن قيس، قد
خلع
علياً ولم نخلع معاوية
قال المسعودي: ووجدت في وجه آخر من الروايات: أنهما إتفقا على خلع علي ومعاوية، وأنه يجعلا الأمر بعد ذلك شورى، يختار الناس رجلاً يصلح لها، فقدم عمرو أبا مُوسى، فقال أبو موسى: إني قد خلعت علياً ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وتنحى، وقام عمرو من مكانه، فقال: إن هذا قد خلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فقال أبو موسى: مالك لا وفقك الله غدرت وفجرت، إنما مثلك: كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحمِلُ أَسفَارًا} (1)، فقال له عمرو: بل إياك يلعن الله، كذبت وغدرت، إنما مثلك: {كَمَثَل الكَلبِ إِن تَحمِل عَلَيهِ يَلْهَثْ أَو تَترُكهُ يَلْهَتْ} (2)، ثم وكز أبا مُوسى فألقاه لجنبه، فلما رأي ذلك شريح بن هاني قرع عمرواً بالسوط، وتحول أبو موسى فاستوى على راحلته، ولحق بمكة ولم يعد إلى الكوفة، وقد كانت خطته وأهله وولده بها، وآلى أن لا ينظر إلى وجه علي ما بقي، ومضى ابن عُمر وسعد إلى بيت المقدس
(1) سورة الجمعة: 5.
(2) سورة الأعراف: 176.
-90 - (2/95)
صفحة 367
وفي فعل الحكمين، يقول أيمن بن خزيم بن فاتك الأسدي: لو كان للقوم رأي، يغبطون به عند الخطوب، رموكم بابن عباس، لكن رموكم بوغدٍ من ذوي يمن، لم يدر ما ضرب أخماس بأسداس، هذا ما
كان من رأي الحكمين، ونرجع إلى مقتل أهل النهروان ()
واعلم أن أصحابنا صوبوا أهل النهروان على إنكارهم التحكيم؛ قال الشيخ أبو الربيع سُليمان بن يخلف المغربي: وندين بتصويب أهل النهر، في إنكارهم الحكومة يوم صفين على معاوية.
قال الشيخ أبو يعقوب في " الدليل ": واعلم أن قوله في هذه المسألة: وندين، لا يحتمل أكثر من قطع العذر، لإنتهاك عليّ حُرمة الدماء، فلو لم يقع إلا القول، لم يتجاوزوا فيه إلى قطع العذر، وإنتهاك حرمة الدم، لكان فيها ما فيها من الوسع، ولكن الأمور التي لا تقتضى إلا حكماً، وليس إلا فوار الفم، لا يؤدي إلى قطع العذر، رأياً، ففيه إحتمال، والله أعلم.
وفي جواهر البرادي: لما قال عليّ: الله أكبر، إن سكتوا غمضناهم، وإن خرجوا قاتلناهم، قام زيد بن عاصم النجاري، قال كلاماً منه: يا علي أبالقتال تخوفنا، وبالموت تعرفنا، أما والله إني لأرجو أن أضربكم بها عما قليل: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُم أَولَى بِهَا عليا) (1)، ثم خرج من المسجد وأربعة أخوة له، وهو يقول: لا حكم إلا لِلَّهِ، ولما بلغ المُسلمون توجيه أبي موسى، مشى نفر منهم،
(1) سورة مريم: 70.
-99 - (2/96)
صفحة 368
فقالوا: يا علي أين العهد الذي أعطيتنا، أن لا تبعث أحداً، ولا تفى لهم؟ فقال لهم: شككتمونا فأهلكتمونا، وقال له هلال الأعور: أما نحن، فنطلب بقتالك الله، وأما أنت، فمن تطلب بقتالنا؟ ودخل عليه حرقوص بن زهير السعدي، وذرعة الطائي، فقالا له: يا علي تُب من خطيئتك، واخرج بنا إلى عدونا وعدوك، فقال لهما: كتبنا بيننا كِتاباً وأخذوا عهودنا، وقد قال الله عز وجل: {وَأَوفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّم» (1)، فقال حرقوص: إن ذلك ذنب يجب أن تتوب منه، فقال له: ما هو بذنب، ولكنه عجز في الرأي، فقال له ذرعة الطائي: لأن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنك، أطلب بذلك وجه الله،
فقال له عليّ: بؤساً لك، كأنك قتيل بسيفي، تسفى عليك الريح
(
فقال: وددت إن كان ذلك، فخرجا من عنده وهما يحكمان، فجرى
فيما بينهم كلام.
حتى قال صاحب الكتاب: فقام حمزة بن سنان، فقال بعد كلام طويل: فإنه لابد لكم من مُستند وعماد، ومن رأيه تجتمعون بها وترجعون إليها، فولوا أمركم رجلاً منكم، فابعثوا إلى زيد بن حصن الطائي، وكان من أفاضلهم وخيارهم، فعرضوها عليه فأبى؛ فعرضوها على حرقوص فأبى؛ وعرضوها على المسيب بن ضمرة فأبى؛ فعرضوها على شريح بن أوفى العبسي فأبى؛ فعرضوها على عبد وهب، بعدما تقاذفوها، فقال: هاتوها فو الله ما أخذتها رغبة في الدُّنيا
الله
بن
ولا أدعها فرقاً من الموت، فبايعوا عبد الله بن وهب. أ هـ (بتصرف،
(1) سورة النحل: 91
،
- 9 V- (2/97)
صفحة 369
وتقديم وتأخير).
وفي " كامل " أبي العباس المبرد: وكان عبد الله بن وهب، ذا رأي، وفهم، ولسان، وشجاعة؛ وقال أيضاً: لما عزموا على البيعة لعبد الله
الله
بن وهب الراسبي - من الأزد - تكره ذلك، فأبوا من سواه،
ولم يُريدوا غيره، فلما رأي ذلك منهم، فقال لهم: يا قوم استبيتوا الرأي، قال: وكان يقول: نعوذ بالله من الرأي الديري؛ ولما بلغ علياً ما حكم به الحكمان، وما مكر بأبي موسى الأشعري، صعد المنبر، وخلعهما، وبريء منهما، وقال: ليس على المُسلمين منهم حكم، فانفروا إلى عدوكم وجاهدوهم، وأعطا الناس العطايا، ثم سار إلى معاوية حتى إنتهى إلى الأنبار، فقال له الأشعث: أتسير إلى الشام ومعاوية وتترك أهل النهر وراءك، فقال لهم: إليهم أُريد، فبعث إليهم الحسن في خيل، فلما جاءهم، قالوا له: لم جئتنا يا حسن، نُذكرك في دماءنا، علاما تُقاتلنا، على أن سمينا أباك أمير المؤمنين، وخلع نفسه، وأبينا أن نخلعه، ودعوناه أن يمضي إلى قتال عدو وعدونا، فأبى، وشك، وثبتنا على ذلك، فانصرف الحسن ولم يُقاتلهم، حتى إنتهى إلى عليّ، فقال له الأشعث: يا علي ناجز القوم، فإنهم إن كلموا الناس أفسدوهم عليك، ثم قدم صعصعة بن صوحان العبسي، فأتاهم، فخطبهم، فقالوا له: يا صعصعة، قد أعطيت بضعة تقلبها في فيك، فنناشدك الله، لو كنا نحن الذين دعونا إلى تحكيم الحكمين، وركنا إلى ذلك، وكان عليّ هو الذي أنكر علينا ذلك، أمعنا كان الحق، أم مع علي؟ فلم يحر جواباً، فانصرف حتى أتي
الله
-94 - (2/98)
صفحة 370
علياً، فأخبره الخبر، فبعث إليهم قيس بن سعد، فلما أتاهم، قال لهم:: أُناشدكم الله يا معشر المسلمين، في دماءنا ودماءكم، ما الذي
تريدون، قالوا: قتال معاوية حتى يحكم الله، أو يعمل بكتاب الله فقال قيس: هذا أمير الْمُؤمنين يعمل فيكم بكتاب الله، قالوا: ومن
أمير المؤمنين؟ قال: عليّ، قالوا: وليس خلع نفسه، ونبذها. وخلعها من عنقه، وولاها أبا مُوسى، فخلعه كما يخلع نعليه، فما ترى علياً، كيف صنع الله به، ألم يسلبه دينه وسلطانه، وأنه لم
،
،
6
يغضب لربه، وإنما غضب لنفسه، حين لم يحكم له، وحكم لغيره قال قيس: فكيف ذلك؟ قالوا: أليس حكم أبا موسى وعمرو بن العاص، فخلعاه وترك حُكم القُرآن، قال الله عز وجل: {وَمَن
أَحسَنُ مِنَ اللهِ حُكماً لِّقَومٍ يُوقِنُونَ) (1). أ هـ جواهر البرادي.
وفي " العقد ": فلما كاد عمرو بن العاص أبا مُوسى، إضطرب الناس على عليّ واختلفوا، وخرجت الخوارج، وقالوا: لا حكم إلا، جعل يتمثل بهذه الأبيات:
لِلهِ
لي زلة إليكم فاعتذر
سوف أكيس بعدها وأتشمر
واجمع الأمر الشتيت المنتشر
حتى قال: فبينما عليّ يوماً على المنبر، إذ إلتفت إلى الحسن - ابنه ـ فقال: قُم يا حسن، فقُل في هَذين الرجلين: عبد الله بن قيس،
(1) سورة المائدة: 50
-99 - (2/99)
صفحة 371
وعمرو بن العاص، فقام الحسن، فقال: أَيُّهَا الناس، إنكم قد أكثرتم في هذين الرجلين، وإنما بعثا ليحكما بالكتاب على الهوى، فحكما بالهوى على الكتاب، ومن كان هكذا لم يُسمَّ حكماً، ولكنه محكوم
عليه، وقد أخطأ عبد الله بن قيس، إذ جعلها لعبد الله بن عُمر فأخطأ في ثلاث خصال: واحدة: أنه خالف أباه، إذ لم يرضها له، ولا جعله من أهل الشورى؛ وأخرى: أنه لم يستأمره في نفسه؛ وثالثة: أنه: لم يجتمع عليه المُهاجرون والأنصار، الذين يعقدون الإمارة،
ويحكمون بها على الناس، ثم جلس، فقال لعبد الله بن عباس:: قم بن عباس، بعد أن حمد الله، وأثنى عليه: أَيُّهَا الناس
فقال عبد الله إن للحق أهلاً أصابوه بالتوفيق، فالناس بين راض به وراغب عنه، فإنه بعث عبد الله بن قيس يهدي إلى ضلالة، وبعث عمرو بضلالة إلى هدى، فلما إلتقيا رجع عبد الله بن قيس عن هداه، وثبت عمرو على ضلاله، وأيم الله، لأن كانا حكما بما سارا به، لقد سار عبد وعلي إمامه:، وسار عمرو ومعاوية إمامه، فما بعد هذا من ينتظر. أ هـ مع حذف
الله
غيب
فقُتل من من رضي بالتحكيم، كمعاوية، وعمرو، وحزبهما، ومن
أبى منه فلم يرضه، وهم أهل النهروان ()، وقد سمعت القصة. فمن ثم قُلنا: إن كان حقاً في نفسه، أي: التحكيم، لأنه من حكم في قضية، فحكمه نافذ، لا يُقال: أن الخصمين إذا رضيا بأحد من الناس أن يحكم بينهما، فلكل منهما الرجوع، فإنا نقول: أن علياً
،
، (2/100)
صفحة 372
هو الإمام العدل في زعمهم، فتحكيمه أبا مُوسى ثابت عليه، بعدما أفضت إليه الحكومة منه، لأنه نائب الإمام، فحكمه ثابت على الإمام وغيره، وإن كان، أي: التحكيم، باطلاً، وقد سمعت الحجة ببطلانه، فمن أين له الدخول، أي: فيه، وقد دخل فيه وخرج منه
ـ كما سمعت ـ فلا تلتفت إلى من أضله هواه، فسلك سبيل العصبية
فأعمى الله بصره.
"
قال المسعودي: وقد كان عليّ إنفصل عن الكوفة في خمسة وثلاثين ألفاً، وأتاه من البصرة، من قبل ابن عباس ـ وكان عامله عليها - عشرة آلاف؛ حتى قال: فنزل عليّ الأنبار، والتامت عليه العساكر، فخطب الناس، وحرضهم على الجهاد، وقال: سيروا إلى قتلة المهاجرين والأنصار، قد طالما سعوا في إطفاء نور الله من قبل، وحرضوا على قتل رسول الله ومن معه، حتى قال: سيروا إلى القاسطين، فإنهم أهم علينا من الخوارج، سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين، يتخذهم الناس أرباباً، ويتخذون عباد الله خولاً، وما لهم دولاً، فأبوا إلا أن يبدؤا بالخوارج. أ هـ مع حذف. قلت: يدلك على أن علياً أمره ليس له، وأنهم يتلاعبون به تلاعب الكرة، كيف يدعوهم إلى قوم، ويدعونه إلى آخرين، فيزيدون عليه،
هذا وقد سمعت كلامه في معاوية وأحزابه.
•
وقد قال ابن حجر عن عمار (ه)، وبسند رجاله ثقات: أن عماراً حلف، أن قوم معاوية، لو قاتلوا قوم عليّ، حتى بلغوا بهم
-1.1 - (2/101)
صفحة 373
سعفات هجر، لما شكوا أن علياً إمامهم على الحق، وضده على الباطل، وقال أيضاً: الحديث الرابع، الحديث الصحيح، أن رسول الله قال لعمار بن ياسر: " تقتلك الفئة الباغية " (1)، فقاتل عسكر معاوية حتى قتل، فهذا إخبار من الصدوق الصادق، قال رسول الله: " إن معاوية باغ على عليّ، وأن علي هو الخليفة الحق "، وجوابه أن غاية ما يدل عليه هذا الحديث: أن معاوية وأصحابه بغاة، وقد مر أن ذلك لا نقص فيه، وإنهم مع ذلك مأجورون غير مأزورين بنص قوله: " أن المجتهد إذا إجتهد فأخطأ فله أجر "، ومن مستوفي مبسوطاً أن معاوية مُجتهد، وقد أول هذا الحديث بما لا يقطع بطلانه، الذي لا يفسق ولا يؤثم. أ هـ كلامه
فإذا كان معاوية، باغ، وإنه لا يفسق ولا يأثم ببغيه، فما بال أهل النهروان ()، يضللونهم ويفسقونهم، والعلة واحدة، هل هذا من الإنصاف؟ فإما أن يكونوا جميعاً بغات مأجورين على بغيهم، وإنه لا يفسق أحد من هؤلاء ولا من هؤلاء، وإما أن ينزلوهم جميعاً في هوة الضلال، ولا ملجأ لهم من ذلك إلا التعصب وعدم الإنصاف.
وإذ قد سمعت كلام هذا البحر من أئمة الشافعية، فاعلم أنه يجوز للمجتهد أن يُخاصم الحجة، ويُعارضها باجتهاده عنده، وما الفرق بين مُعارضة النبي، إذا جاء عن الله بأمر، وبين من إقتفى سيرته، واتبع شريعته، من أئمة العدل، والحجج القائمة في بلاده،
(1) انظر الملحق.
- 102 - (2/102)
صفحة 374
وعلى عباده، والأئمة العادلة نواب الأنبياء، وهل هذا إلا مذهب بلعام
أخزاه الله، حيث أداه إجتهاده إلى مخالفة نبي الله موسى (الله) حين دعا على قومه، ثم مع ذلك، لم يطردوا العلة في الجميع، بل ذهبوا في معاوية وإخوانه، إلى أنهم معذورون، وذهبوا في غيرهم، إلى التشنيع، وقد أثنى عليّ على الجميع، بل زاد على ما يذكرونه من الثناء على أهل النهروان، فإنه قال فيهم: إخواننا بغوا علينا، فقاتلناهم، وهذا الكلام نقله عنه الزرقاني، شارح " الموطأ "، من قومنا
،
وروي أن علياً قال لقمبر: ويحك يا قمبر، أتدري من صُرع هاهنا، لقد صرعنا خيار هذه الأمة وقراءها، وذلك بعد قتله أهل. النهروان، ثم قال: جذعت أنفي، وشفيت غيظي، نقل ذلك ابن عباس عنه، وأن أصحاب عليّ، ليطوفون في القتلا يدفنونهم، فيعرف الرجل أخاه، وقريبه، ومولاه، فيخرج هارباً من العسكر، حتى هرب في يوم واحد إثنى عشر ألفاً.
وروي عثمان بن بسطام الضبي: أن رجلاً أقبل رافعاً صوته، يقول
قتلنا
في العسكر، وهو بمسمع من عليّ: من حمل على بغلة شهباء يوم المشركين، فقال عليّ: عليَّ بالرجل، فقال له: ويحك، إنهم ليسوا بمشركين، من الشرك فروا، فقال: أفا مُنافقون؟ فقال له علي: ويحك، إن المنافقين لا: {يَذكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً} (1)، وهؤلاء يذكرون الله كثيراً، فقال: أفهم من: الَّذِينَ ضَلَّ سَعَيُهُم فِي الحَيَاةِ {
(1) سورة النساء: 142. (2/103)
صفحة 375
الدُّنْيَا وَهُم يَحسَبُونَ أَنْهُم يُحسِنُونَ صُنعاً) (1)، فقال علي: ويحك، أُوْلَئِكَ أهل التوراة والإنجيل، فقال: إذن فمن هم يا أمير المؤمنين؟
فقال: هم إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم، فقام إليه رجل فقال: يا علي، وليسوا بمُشركين، ولا بمُنافقين، فعلاما قتلناهم؟ فخرج عنه، وقال له رجل ممن حضر: يا علي، والله ما بين الطريقين طريق، إن كان أمر الحكمين هدي، لقد ضللت بنقض عهدك وبراءتك منهما، وما إهتديت ولا إهتدينا، وإن كان أمرهما ضلالاً لقد ضللت بقتلك أهل النهر، إذ نهوك عن الضلال، وأن أويسا القرني قتل معهم، عرفه رجل من أهل اليمن ساكناً بالمدينة، وقد عرف إهداء رسول الله له السلام إليه، فقال لما رآه صريعاً: يا علي، هذا أويس، رسول يهديه السلام، ونحن نهديه أطراف الرماح: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ} (2)، فقال له عليّ: ليس الرجل بأويس، فقال له الرجل: إني لأعرفه كما إني أعرفك، فقال له عليّ: اسكت وإلا رأيت ما تکره، فسکت حتى دخل الليل، فخرج الرجل من العسكر.
الله
الحكمان
وحدث عبد الله بن يزيد الفزاري، عن عوانة: أن الحريث بن راشد رجل من بني ناجية ـ كان أصحاب عليّ من، فلما حكم بخلع عليّ، أتى الحريث إليه، فقال: إنكما حكمتما هذين الرجلين، فحكما بخلعك، واختلفا في معاوية، فأنت ليس لك من الأمر شيء، ثم خرج فأتى أسياف بحر فارس يدعو إلى خلع على، فأتبعه ناس على ذلك، فبعث إليه عليّ، معقل بن قيس، فلقى الحريث وأصحابه
فقتلهم.
(1) سورة الكهف: 104.
(2) سورة البقرة: 156.
- 104 - (2/104)
صفحة 376
وحدثني عبد الله
بن يزيد الفزاري: أن عدي بن حاتم قال لعلي:
تركتنا لا ندري أين نذهب، قتلت من دعى إلى القضية ورضيها،
،
وقتلت من أباها ونها عنها، أما الله عبد بن وهب وأصحابه فكرهوها وأما الحريث بن راشد وأصحابه فرضوها، والله ما بين هؤلاء موضع قدم، إن كان إنكارها حقاً من الله، ظلمت عبد الله وأصحابه، وإن كانت باطلاً، لقد ظلمت الحريث وأصحابه، فقال علي: يا عدي، إنك لأعربي تتوضى ببولك، فقال عدي: والله لا أتوضء ببولي، ولقد صحبت محمداً، ولكنا تركتنا لا ندري أين نذهب
وعن جابر بن زيد: أن علياً لما رأي الناس، وما نزل بهم من
الندامة، وقد قيل له: إنك قتلت قوماً، ثم صرت تثني عليهم، وتزين
،
أمرهم، لتخلعن أو لتقتلن، فلما أصبح قال: إبتغوا في القتلى شيطانا فوجدوا رجلاً من المُسلمين كان قد الفحل تتذوته، فقال علي: إن هذا لهو، فقال إبنه، أي: الحسن: أليس هذا رافع، مولى ترمله، صاحب رسول الله الله، وكان الرجل رافع له صحبة وجهاد مع رسول الله، فقال لابنه: اسكت فإن الحرب خدعة
وعن الشعبي: أن علياً لما قتل أهل النهر، آيس أن يستقيم له الأمر، فقال لبنيه: لا تكرهوا بيعة معاوية، فإنكم لو فقدتموه لرأيتم الرؤس تتطاير من كواهلها تطاير الجراد، ولما دخل علي الكوفة، إفتقد أصوات القراء والذاكرين، فقال: أين أهل القرآن؟ أين أسد النهار ورهبان الليل؟ فقال له ابنه الحسن: قُتلوا يوم النهروان، أما
11.11 (2/105)
صفحة 377
والله لا يدخل قاتلهم الجنة، فقال علي: ليتني أدخلها ولو حبواً وقال ابن عباس (ه) للحسن بن عليّ: إنكم لأهل بيت في
كتاب الله
العرب، أحق أن تتيهوا، كما تاهت بنوا إسرائيل، قمتم بكتاب الله وسنة نبيه، وجاهدتم بهما في الله عدوكم، ثم جعلتم حكماً على، وقد إستبان لكم حكم الله في عدوكم، ثم عمدتم إلى فقهاء الناس وخيارهم، وقد أفنوا اللحم والمخ، وأجهدوا الجلد والعظم، في العبادة لله، وبذلوا أنفسهم وأموالهم لله، والله لو كان الحكمان من المُسلمين، ما حل لكم أن تقتلوا المُسلمين، إن لم يرضوا برأيهما، فكيف وهم عدوكم، وقد قتلوا أولياءكم؟ فاعتزلهم ابن عباس (رضي عنهما). أ هـ من " الجواهر " بتصرف، وتقديم
الله
کتمان
وتأخير. وروى بعض الْمُخالفين: أن بعض عُمال علي، كتب إلى عليّ: أن ابن عمك أكل ما تحت يده، من غير عِلم منك، فلم يسعني ذلك، فكتب إليه عليّ: وَآل على الحق وفارق الجور، وذلك حين فارق ابن عباس (رضي الله عنهما علياً، وأخذ ما في بيت مال البصرة، وكتب إليه علي: أنه بلغني عنك أمرٌ، إن كنت فعلته فقد أسخطت الله، وأخربت أمانتك، وعصيت إمامك، وحُنت المُسلمين، بلغني إنك خربت الأرض، وأكلت ما تحت يدك، فارفع إلى حسابك، واعلم أن حساب الله عظيم، فأجابه ابن عباس: إني لما تحت يدي ضابط، وما بلغك باطل، فلم يستكف عليّ منه بهذا، فلما رأي أن
،
-1.7 - (2/106)
صفحة 378
علياً غير مقلع عنه، كتب إليه ابن عباس: أنه بلغني تعظيمك عليَّ مـ مرزاة مال، وأيم الله، لئن ألقى الله بما في بطن هذه الأرض، من عقباتها، ومُخبئاتها، وبما في بطنها وتلاعها ذهباً، أحب إلي من أن ألقى الله، وقد سفكت دماء هذه الأمة، لأنال بذلك الملك والأمرة، فلما أراد عبد الله المسير، دعى أخواله بني هلال بن عامر بن صعصعة، فجاء الضحاك بن عبد الله، فأجاره هو ورجل معه، وقال بنوا هلال: لا غنى لنا عن هوازن، لا غنى بنا عن سليم، فلما اجتمعوا إليه، حمل ما في بيت المال وسار به، فتبعته الأحماس، فجرى بينهم خطب طويل، ثم وصل عبد الله الحجاز.
حتى قال: قال سُليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن عبيد، عن أبي الكنود، قال: كنت من أعوان عبد الله بن عباس بالبصرة، فلما كان من أمره ما كان، أتيت علياً فأخبرته، فقال: {وَاتلُ عَلَيْهِم نَبَا الَّذِي أَتَيْنَاهُ أَيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنهَا فَأَتبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ} (1)، ثم كتب إليه معه: أني كنت أشركتك في أمانتي، ولم يكن من أهل بيتي من رجل أوثق عندي منك، لِمُواساتي ومؤازرتي بأداء الأمانة، فلما رأيت الزمان قد كلب على ابن عمك، والعدو قد حرد، وأمانة الناس قد خربت، وهذه الأمة قد فتنت، قلبت لابن عمك ظهر المحن، ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوء خذلان، وخنته مع من خان، فلا ابن عمك آسيت، ولا الأمانة إليه أديت، كأنك لم تكن على بينة من ربك، وإنما كدت أمة محمد عن دنياهم، وغدرتهم عن فيئهم،
(1) سورة الأعراف: 175.
- 107 - (2/107)
صفحة 379
فلما أمكنتك الفرصة في خيانة الأمة، أسرعت الغدرة، وعاجلت
،
،
الوثبة، وإختطفت ما قدرت عليه من أموالهم، وإنقلبت بها إلى الحجاز كأنك إنما خرت على أهلك ميراثك من أبيك وأُمك، سبحان الله أما تُؤمن بالمعاد، أما تخاف الحساب، أما تعلم إنك تأكل حراماً، وتشرب حراماً، وتشتري الإماء وتستنكحها بأموال اليتامى والأرامل، والْمُجاهدين في سبيل الله، التي أفاء الله عليهم، فاتق الله، وأد إلى القوم أموالهم، فإنك والله لئن لم تفعل، وأمكنني الله منك، لأعذرن إلى الله فيك، فو الله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل ذلك الذي فعلت، ما كان لهما عندي هوادة، ولما تركتهما أخذ الحق منهما، والسلام.
حتى
فأجابه ابن عباس: أن حقي في بيت مال الله أكثر من الذي أخذته
فكتب إليه عليّ: العجب منك، إنك ترى أن لك في بيت مال أكثر مما لواحد من المُسلمين. أهـ
الله
فحرم، أي: حُرمة الله تعالى بذلك الفعل، حين أتى عليّ أولياءه وأعدائه مسحا بالسوق والأعناق، وتأول في أهل النهروان، وإن كانوا عنده من أهل الإجتهاد، إن في صنيعهم الفرقة وتشتيت الأمة، وبلوغ ابن أبي سفيان فيهم أعظم الأمنية، فأتى عليهم عن آخرهم، وأنت تعلم فيمن قتل مؤمناً واحداً، فكيف بمن قتل أربعة آلاف أواب تواب؛ الحرمين الشريفين أن يقيم بهما في حياته، وأن يكونا مثواه بعد وفاته، وهذا من أدلة الحرمان، وقد حدث بعض القوم: أن عبد الله بن سلام
- 108 - (2/108)
صفحة 380
قعد له على طريقه، إبان خروجه إلى البصرة، فقال له: إلى أين
تذهب؟ فقال عليّ: أريد البصرة، فقال له عبد الله: أما إنك لئن خرجت من حرم رسول الله، لا تعودن إليه أبداً، فكان كذلك؛
وعوض، أي: عوضه الله دار الفتنة العراقين، فإن رسول الله أشار بيده الشريفة إلى جهة المشرق، وقال: " أَلا إن الفتنة هَا هُنا، حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر " (1)، فكان مقامه بهما في حياته، ومدفنه بعد وفاته، دُفن بالنجف، وقيل: بل بمسجد الكوفة، وقيل: حمل على جمل ليدفن بالمدينة، فتاه به الجمل، فلم يُدر أين
توجه، فمن ثم زعم بعض الجهلة من الشيعة أنه بالسحاب، فقال: ومن قوم إذا ذكروا علياً يردون السلام إلى السحاب ولهم فيه خُرافات، يعجز عن حملها المقام، وقيل: بل الجمل، ظهر بجبل طي، فدفن هنالك، هذا وقال بعض من ينتصر لمعاوية: وأعظم آفات عليّ أن خلف الحجاز، الذي فيه الحرمان، مكة والمدينة، اللذان فيهما بيت الله الحرام، وقبر نبيه، وفضلنا على جميع، وحرميهما وعوض الله منهما العراق، دار الفتنة والشقاق، والقسوة والنفاق، ونيران المجوس والعقاق، حيث أشار رسول الله، أنه موضع الفتن، والبلايا، والمحن. أ هـ.
الدنيا
مدن
فسلم منه أهل الشرك، حيث أنه لم يفتح في خلافته مدينة من مدائن المُشركين، وَلاَ حارب عدواً من أعداء الدين، بل سل السيف في
(1) انظر الملحق.
-1.9 - (2/109)
صفحة 381
المُسلمين، وعطل الثغور، ووقع بأسه بأهل الإسلام، فسل فيهم السيف، وفتح باباً سلكته الخوارج، بعد قول الله سبحانه وتعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُم إِنَّ اللَّهَ كَانَ بكُم رَحِيماً وَمَن يَفْعَل ذَلِكَ عُدوَاناً وَظُلماً فَسَوفَ نُصلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} (1)، وبعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب
بعض " (2)
وأما معاوية بن أبي سفيان، ووزيره عمرو بن العاص، فهما أظهر من أن يبين تأمرهما، وكفى بإجماع الأمة على بغيهما، وقول رسول الله، لعمار بن ياسر: " تقتلك الفئة الباغية " (3)، وقد قتلاه بصفين مع طعام الشام: وأما معاوية ووزيره ... إلخ، إعلم أنهما غشما الأمر، واعتسفاه عسفاً، ولم يكن لهما منه شيء، لأن معاوية بن أبي سفيان من الطلقاء، وعمرو بن العاص فيه ما فيه، والأمر لأهل بدر وأحد، والسابقين الأولين من المُهاجرين والأنصار ()، وقد شهدا على أنفسهما، أنهما لا على شيء من أمر الدين، وشهد عليهما رسول
•
الله بذلك أما شهادتهما على أنفسهما، فقد روى سفيان بن عيينة: أن معاوية علم إن لم يُبايعه عمرو بن العاص لن يتم له الأمر، فقال له: يا عمرو إتبعني، فقال عمرو: لماذا للآخرة، فو الله ما عندك آخرة، أم للدنيا، فو الله لا كان حتى أكون شريكك فيها، قال: فأنت شريكي
فيها إلى آخر القصة
(1) سورة النساء: 30.
(3) انظر الملحق.
(2) انظر الملحق.
-11 - (2/110)
صفحة 382
وأما شهادة رسول الله، فإنهم قالوا: لما قدم عمرو على معاوية، وقام معه في شأن عليّ، بعد أن جعل له مصر طعمة، فقال له: إن بأرضك رجلاً له شرف واسم، والله إن قام معك، إستهويت به
قلوب الرجال، وهو عبادة بن الصامت، فأرسل إليه معاوية، فلما أتاه له بينه وبين عمرو، فجلس بينهما، فحمد الله وسع معاوية، وأثنى عليه، وذكر فضل عبادة وسابقته، وذكر عُثمان وما ناله، وحضه على القيام معه، فقال عبادة: قد سمعت ما قلت، أتدريان لم جلست بينكما في مكانكما؟ قالا: نعم، لفضلك، وسابقتك، وشرفك، قال: لا والله ما جلست بينكما لذلك، وما كنت لأجلس بينكما في مكانكما، ولكن بينما نحن نسير مع رسول الله له في غزوة تبوك، إذ نظر إليكما وأنتما تتحدثان، فإلتفت إلينا فقال: " إذا رأيتموهما " إجتمعا، ففرقوا بينهما، فإنهما لا يجتمعان على خير أبداً " (1)، وأنا أنها كما عن إجتماعكما. أ هـ من " عقد الفريد
11
وفي ابن حجر: أن شداد بن أويس دخل على معاوية، وعمرو معه على فراشه، فجلس بينهما، وقال: أتدريان ما أجلسني بينكما؟ إني سمعت رسول الله الله يقول: " إذا رأيتموهما جميعاً، ففرقوا بينهما، فو الله ما إجتمعا إلا على غدر "، فأحببت أن أُفرق بينكما
وقال أيضاً: وجاء بسند رجاله، رجال الصحيح، إلا واحداً فمُختلف فيه، لكن قواه الذهبي بقوله: إنه أحد الثقات، وما علمت فيه جرحاً أصلاً: أن عمرو صعد المنبر فوقع في عليّ، ثم فعل مثله
(1) انظر الملحق.
-111 - (2/111)
صفحة 383
الْمُغيرة بن شعبة، فقيل للحسن: اصعد المنبر لترد عليهما، فامتنع إلا أن يعطوه عهداً إنهم يصدقوه إذا قال حقاً، ويكذبوه إن قال باطلاً فأعطوه ذلك، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أنشد كما بالله يا عمرو، ويا مُغيرة، ألم تعلما أن رسول الله، لعن السائق والقائد، أحدهما: فُلان؟ قالا: بلى، ثم قال: أنشدكما بالله يا معاوية، ويا مغيرة، ألم تعلما أن النبي، لعن عمرو بكل قافية قالها لعنة؟ قالا: اللهم بلى، ثم قال: أنشدكما بالله يا عمرو، ويا معاوية، ألم تعلما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعن قوم هذا؟ قالا: بلى. أ هـ
قلت: سجى ابن حجر أن يُسمي معاوية، لأن عنده أمير الْمُؤمنين، وهذا هُوَ الَّذِي أشار إليه الشيخ أحمد بن النظر في لاميته، حيث يقول:
ذاك ابن حرب رأس كُل مُبطل والأقعس الملعون خلف الجمل فهما أظهر من أن يبين أمرهما، أي: لِما سمعت من قصصهما، ومحاربتهما للحجة، التي هي عند الله حجة، ومنازعتهما للمهاجرين والأنصار، وإحتيالهما بالْمُماكرة والمُخادعة، حتى صارت الخلافة بهما ملكاً عضوضاً، كما قال رسول الله، فلا تلتفت إلى بغبغات المبرسمين، القائلين: أنهما من أهل الجهاد والإجتهاد، فإن ذلك تمويه لا طائل تحته، إلا أن أهل الأهواء شياطين الخدع، وكفى بإجماع الأمة على بغيهما، لا إنكار لذلك، حتى مع من يقول: أنهما من أهل الإجتهاد، لكن معهم أن البغي ليس باسم ذم، ولا يُخرجهما من
- 112 - (2/112)
صفحة 384
الإيمان، لأن البغي معهم الإستطالة من طريق اللغة، وعندنا مأخوذ من التعدي؛ ومن قال: أن الباغي مُؤمن حال بغيه، فهو مُبتدع، لا يُقال أن قول الله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمرٍ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَينَهُما بالعدل وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (1)، فيه دليل على ثبوت الإيمان للفرقتين، لأن المراد بالْمُؤمنين: الموحدون، فإن الإيمان في اللغة: التصديق، لا المراد به الإيمان الكامل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا التقى الْمُسلمان بسيفهما، فالقاتل والمقتول في النار "، قيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: " لأن كل واحد منهما أراد أن يقتل صاحبه " (2)، وقول رسول الله، لعمار بن ياسر: " تقتلك الفئة الباغية " (3) - تقدم مقتل عمار (ه) - وقد قتلاه بصفين مع طغام الشام، سلمه زوج النبي، قالت: لما بني رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده بالمدينة، أمر باللبن تُضرب وما يحتاج إليه، ثم قام رسول الله، فوضع رداءه، فلما رأي ذلك المُهاجرون والأنصار، وضعوا أرديتهم وأكسيتهم، يرتجزون ويقولون ويعملون:
عن
لئن قعدنا والنبي يعملُ ذاك إذن لعمل مضلل قالت: وكان عُثمان رجلاً نظيفاً متنظفاً، فكان يحمل اللبنة ويُجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض يديه، ونظر إلى ثوبه، فإذا أصابه شيء من التراب نفضه، فنظر إليه علي بن أبي طالب، فأنشد:
(1) سورة الحجرات: 9
(3) انظر الملحق.
(2) انظر الملحق (2/113)
صفحة 385
لا يستوي من يعمر
المساجدا يداب فيها راكعا وساجدا قائماً طوراً وطوراً قاعدا ومن يُرى عن التراب حائدا
فسمعها عمار بن ياسر، فجعل يرتجز بها، وهو لا يدري من يعني
بها، فسمعه عُثمان، فقال: يا ابن سمية، ما أعرفني بمن تعرض ومعه جريدة، فقال: لتكفن أو لأعترضن بها وجهك، فسمعه النبي وهو جالس في ظل حائط، فقال: " عمار جلدة ما بين عيني
وأنفي، فمن بلغ ذلك منه فقد بلغ مني "، وأشار بيده فوضعها بين عينيه، فكف الناس عن ذلك، وقالوا لعمار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب فيك، ونخاف أن ينزل فينا قُرآن، فقال: أنا أرضيه كما غضب، فأقبل عليه، فقال: يا رسول الله، ما لي ولأصحابك؟ فقال: مالك ولهم؟ قال: يُريدون قتلي، يحملون لبنة، ويُحملون علي
لبنتين، فأخذه وطاف به في المسجد، وجعل يمسح وجهه من التراب
ويقول: " يا ابن سمية لا تقتلك أصحابي، ولكن تقتلك الفئة الباغية "، فلما قتل بصفين؛ وروى هذا الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال معاوية: هم قتلوه، لأنهم أخرجوه إلى القتل، فلما بلغ ذلك عليا، قال: نحن قتلنا أيضاً حمزة، لإنا أخرجناه. أ هـ.
قلت: وقتل عدي بن حجر وأصحابه صبراً، ماذا يقول معاوية فيهم؟ وإحراق محمد بن أبي بكر حياً بالنار بمصر، بعد إدخاله في جيفة حمار، وأن السيدة عائشة مكثت تدعو عليهما دبر كل صلاة، ثم كان بعد هؤلاء من تغلب على الممالك، وعمل بالمهالك، فلا حاجة إلى
،
-118 - (2/114)
صفحة 386
ذكرهم، حاشى عمر بن عبد العزيز؛ ثم كان بعد هؤلاء ـــ أي: الذين ذكرناهم آنفاً - من تغلب على الممالك، أي: ممالك الإسلام، وعمل بالمهالك، أي: المعاصي المُهلكة، كيزيد بن معاوية، فإنه بايع له أبوه معاوية، وأخذ له البيعة طوعاً وكرها، فعاث في البلاد، وأكثر فيها الفساد، ثم تتابعت بنوا أُمية، الذين قال فيهم رسول الله: " إنهم شر الناس "، على ذلك يورثها الكبير الصغير، حاشي عُمر بن عبد العزيز، فإن سيرته غير سيرتهم، لكن بعض الأصحاب توقف فيه، لتوقفه في عُثمان، وبعضهم قال: إذا والى أولياء المُسلمين
فقد
تبرأ
ممن تبرأوا منه
•
قال في " المعالم "، بعد ذكره الصديقين: ومن عدل بعدهما فهو ناظر لطريقتهما، كعُمر بن عبد العزيز، فإنه قد أعطى الخلافة حقها عدلاً وزهداً، غير أنه يتوقف في عُثمان، وتولى الإمارة من غير مشورة. أ هـ.
قلت: قوله: يتوقف في عُثمان، سيأتي عن أبي الحر، أنه رجع
(
عن توقفه، وأما توليته الخلافة، فمن تولى الأمر على سبيل الإحتساب وعدل وسار على الحق، فلا يُعاب، وقد إستخلفه سليمان بن عبد الملك ـ ابن عمه - ابن عمه - فكان من قدر الله، أن جعله قائماً بالأمر في بلاده، وعلى عباده، ومن كلمة جرير فيه: جاء الخلافة أو كانت له قدراً كما أتى ربه موسى على قدر
ومنه فيه:
الخير ما دمت فينا لا يُفارقنا بوركت يا عُمر الخيرات من عُمر
-110 - (2/115)
صفحة 387
وفي بعض السير: أن أبا الحر، عليّ بن الحصين، والوفد الذين
معه، قدموا على عُمر، فدخلوا عليه، وكان أبو الحر وجعاً، فطرحت وسادة له من أدم، فجرى بين عُمر وبينهم كلام في عُثمان، فقال عمر: كان عثمان خيراً من قتله، فطرح أبو الحر (رحمه الله) الوسادة، وقال: إنك لتعذر الظلمة، فلم يزل الكلام فيما بينهم، حتى قبل منهم في عُثمان، ثم قالوا: إن الْمُسلمين شتموا على المنابر، فأظهر عذر المُسلمين، فقال: إني أخاف أن لا أتمكن إلى ذلك، فقالوا: إن أئمة العدل لا تسعها التقية، وقد قتل المسلمون وصلبوا، وهم يلعنون على المنابر، فأظهر عذرهم، وأبرأ من الظالمين، فإنه لا يسعك إلا ذلك، فقبل ابنه عبد الملك، فقال: يا أبت، أطع القوم بالبكور ولو غليت لحومنا بالمراجل بالعشي، فقال عُمر: إن فعلت ذلك عُوجلت، لكن عليَّ لكم نميت كل يوم بدعة، ونُحيي سُنة، فأبوا، وقالوا: نخرج عنك لا نتولاك، فبلغ الخبر أبا عُبيدة، فقال: ليت القوم قبلوا منه،
وقيل: لما وليَّ عُمر الخلافة، خطب الناس، ثم ذهب يتبوء مقيلا
فقال له ابنه عبد الملك: أتقيل ولا ترد المظالم، فقال: أي بني
،
،
،
سهرت في أمر سليمان البارحة، فإذا صليت الظهر رددت المظالم فقال له: يا أمير المؤمنين، وهل لك بأن تعيش إلى الظهر؟ فقال له عُمر: إدن مني، فالتزمه، وقال: الْحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أخرج من صلبي من يُعينني على ديني، ثم خرج ولم يقل، ونزل رجل من أهل الصلاح على عُمر، فأنزله مع ولده عبد الملك، وكان عبد الملك أعزب، قال الرجل: فكنت معه في بيته حتى صلينا العشاء، وأوي كل منا إلى
-117 - (2/116)
صفحة 388
سمعني
فراشه، فظن أني قد نمت، فقام إلى المصباح فأطفأه، وقام يُصلي حتى ذهب بي النوم، ثم استيقظت وهو يقرأ قوله تعالى: {أَفَرَأَيت إن متعنَاهُم سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتِّعُونَ} (1)، بكى، ثم رجع إليها، ثم بكى، حتى خفت أن يقتله البكاء، فقُلت كالْمُستيقظ: سبحان الله وَالْحَمدُ لِلَّهِ، فلما ألبد، فلم أسمع له حساً؛ وكان في وفد أبي الحر، جعفر بن السمان، والحتات بن كاتب، وأبو سفيان؛ أخبرني مبارك بن حتات، عن أبيه: أن عبد الملك بن عُمر، توفي ونحن يومئذ عند عُمر، فبعث إلينا، وقال: جهزوا صاحبكم، فدخلنا لغُسله، فوضع العمر كرسي فجلس عليه، وأخذنا في غُسله ونزع ثيابه، فغشي على عُمر فوقع، فرفعوه وقال بعض من حضر: يا أمير الْمُؤمنين، إن هذا ليس لك بمجلس، فلو خرجت إلى الناس فعزوك وحدثوك، لكان أرفق بك، فخرج، فغسلناه وواريناه وصلى عليه أبوه (رحمة الله عليهما)، ولما دفن عبد الملك بن عُمر، إستوى عُمر بن عبد العزيز قائماً، وأحاط به الناس، فقال: يا بني، لقد كنت براً بأبيك، وكنت مذ وهبك الله لي مسروراً بك، وَلاَ والله ما كنت قط أشد سروراً، ولا أرجى لحظي فيك، وقد وضعتك في المنزل الذي صيرك الله إليه، فرحمك الله وغفر لك، وجازاك بأحسن عملك ورحم الله كل داع لك، من شاهد وغائب، رضينا بقضاء الله، وسلمنا لأمره، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ على كل حال. أ هـ منهاج الشيخ خميس بن سعيد (بتصرف وتقديم وتأخير)
،
ومن ثمة قال الشيخ أحمد بن النظر (رحمه الله تعالى وغفر له):
(1) سورة الشعراء: 205 - 207.
-114 - (2/117)
صفحة 389
والعن بني مروان طراً واركل فليس فيهم لأخي الحق ولى غير الذي هم ولما يفعل ذاك أبو حفص كسيف مقصل ذاك الربيع في الزمان الممحل وإبنه عبد المليك المفضل
مسئلة: من أقطعه الإمام من أراضي الفيء، هل له، أو لغيره من الأئمة، الرجوع في ذلك؟
الجواب: نعم، كما فعل عليّ بن أبي طالب في مقاطيع عُثمان، وكما جرى لعمر بن عبد العزيز رحمه الله، وذلك أنه نظر إلى ما صار إلى بني أُمية من أموال الفيء، فرأه أموالاً جليلةً، فأتى الأسفاط التي فيها وثائق الأموال، فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فخطبهم، وقال: أَيُّهَا الناس، إني نظرت إلى ما في أيدينا من أموال الفيء، فرأيته يُناهز ثلث الفيء أو نصفه، ثم يفتح السفط، ويأخذ منه الوثيقة. ويدفعها لولده عبد الملك، وعبد الملك على رأس المنبر، فيقول: إقرأ يا بني، فيقول: هذا ما دفع أمير الْمُؤمنين عُثمان بن عفان لمروان، من مال الفيء، أقطعه إياه قطيعة، فيقول: يا بني، ما تقول أنت؟ فيقول عبد الملك: إن الله أقطعه الْمُسلمين قبله، فيقول عمر: مزق يا بني، فيمزق عبد الملك الوثيقة، ويتبع جميع مكاسب مروان، وعبد العزيز ـ أبيه ـ من لدن الخلفاء، فيقول: مزق يا بني، فمزقه، حتى أتى على آخرها، ثم أن عُمر قال لحاجبه يوماً واحداً: لا يدخلن على أحد إلا أموي، لا يأذن لغيرهم، ولا يستأذن لغيرهم، فلما إجتمعوا، قال لهم عُمر بن عبد العزيز: إني نظرت إلى ما في أيديكم
يا
،
-114 - (2/118)
صفحة 390
جعلتها
من مال الفيء، فوجدته يزيد على الثلث، أو على النصف، فالآن إنخلعوا عما في أيديكم من مال الله، فسكتوا ولم يحيروا جواباً، وقال لهم ثانية، فسكتوا، فقال لهم ثالثة، فأجابه العباس بن الملك عبد بن مروان - وكان أسن القوم - فقال: إن هذه الأموال الخلفاء لأجدادنا وآباءنا، لسنا ننقضه، أنفقر أبناءنا، ونكفر، لسنا بفاعلي ذلك ما دامت هذه ـ وأشار برأسه ـ على كواهلنا، فسكت عُمر هنيئة، ثم قال: وأيم الله، لولا أن تستعينوا بمن أطلب هذا المال عليَّ، فتقاتلوني بهم، ما خرجتم من هنا، أو تتركوه، وقال لهم: إنصرفوا، فانصرفوا، فكان من رأي عُمر إسترداد كله، هذا وإنما قُلنا: لا حاجة إلى ذكرهم، لأن النبي منهم
آباءنا
له حقه من
ذلك
قد عرض وصرح بهم.
:
آفة
6
قال ابن حجر: قال عبد الله بن عمر، عنه: " لكل نبي وآفة هذا الدين بنوا أُمية "، قال: وبسند فيه، قال الحافظ الهيثمي: لا أعرفه أنه، قال: " يكون خليفة هو وذريته من أهل النار "، قال: وبسند فيه مستور، وبقية رجاله ثقات، أن الحكم إستأذن على، فعرفه، فقال: " إذنوا له فعليه: {لَعَنَةَ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (1)، وما يخرج من صلبه، يشرفون في الدنيا، ويرذلون في الآخرة، ذووا مكر وخديعة، إلا الصالحين منهم،
النبي
وقليل
ما
هم.
أهـ
(1) سورة البقرة: 161؛ سورة آل عمران: 87. (2/119)
صفحة 391
قلت: هذه إشارة من رسول الله، إلى مثل الخليفة عُمر بن عبد العزيز، وإبنه (رحمهما الله).
وقال ابن حجر أيضاً، وبسند رجاله، رجال الصحيح، إلا واحداً فثقة، أنه رأى كأن بني الحكم ينزون على منبره،، وينزلون، فأصبح كالمتغيظ، وقال: " رأيت بني الحكم ينزون على منبري، نزو
، حتى
القردة " (1)، قال أبو هريرة: فما رأي الله مُستجمعاً ضاحكاً، ح لقي الله، وقال: وبسند فيه من نسب للوضع؛ وقال ابن عدي: لا بأس به: " أن لبني العباس رايتين، أحداهما كفر، والأخرى ضلال، فإن أدركتهما فلا تضل " (2)، وبسند، وفيه ضعيف، أنه قال: " ما لي ولبني العباس، شقوا على أمتي، وسفكوا دماءهم، وألبسوهم ثياب السواد، ألبسهم الله ثياب النار " (3). أ هـ. هذا في كتب القوم.
وأما كتبنا، ففي " الدليل ": وعن راشد بن سعيد، أن النبي قال يوماً، وعنده نفر من قريش: " ألا إنكم ولاة هذا الأمر من بعدي، فلا أعرفن ما شققتم على أمتي، اللهم من شق على أمتي فشق عليه "، وعن أبي هريرة، عنه، أنه قال: " يهلك أُمتى هذا الحي من قريش "، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: " لو أن الناس إعتزلوهم " - أو: ـ قال: تركوهم - وعنه، أنه قال: " ما أشد ما أتخوف على أُمتي الشيطان والدجال، ولكن أشد ما أُلقي عليهم، الأئمة المضلون "، وعنه أيضاً، أنه قال: " من ولى من أمة محمد شيئاً فلم يعدل فيها
(1) انظر الملحق. (3) انظر الملحق.
(2) انظر الملحق.
- 120 - (2/120)
صفحة 392
فعليه بهلة وجل ".
I
الله
(1)، قالوا: وما بُهلة الله؟ قال العنة الله
عز
وَذُكِرَ في فتوحات إفريقية، أن رسول الله، قال لعمه العباس ماذا تلقى ذريتي من ذريتك يا عم؟ فقال له العباس: أفلا أجب نفسي يا رسول الله؟ قال لا أمر قضى، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا من قريش ولا تعلموها، وقدموها ولا تتقدموها، وأطيعوهم ما أطاعوا الله، فإذا عصوه، فلا طاعة لهم عليكم، ثم خذوا أسيافكم واجعلوها على عواتقكم، واضربوهم بها حتى تبيدوا خضراءهم، وإلا فعيشوا
تحتهم فدادين حرائين، حتى تلقوني بسوء حال " (2). أ هـ.
تنبيه:
وأما الحكم في خزائن الملوك وبيوت أموالهم، فإن الحكم فيها كالحكم في بيوت أموال المُسلمين، إلا أن تكون بشيء معروف، لم يسلكوا فيه سبيل الخُلفاء الراشدين، ولا سبيل مذهبهم هم، فإنما هو غصب ومظلمة، فهو مردود على أهله، إلا أن يكون ذاهب العين ومضى لسبيله، ومن داين بيت المال - مال المُسلمين ـ في أيام الملوك الظلمة، فمطلوه ومنعوه، أو حيل بينهم وبينه، فله ماله من بيت مال المُسلمين على أخذه، وما كان لأحد من عدة في بيت مال المُسلمين، فلأمير المُسلمين الوفاء بذلك، إن رآه مصلحة له، ممن يستحق ذلك، وإلا فالخيار له، وكل صلح بين هؤلاء الملوك وبين عدوهم من الروم
(1) انظر الملحق.
(2) انظر الملحق.
- 121 - (2/121)
صفحة 393
وغيرهم، فهم على صلحهم، إلا أن يخافوا منهم خيانة، فلينبذ إليهم
على سواء، وكل حق للملوك على الولاة، فروغوهم بها حتى زال سُلطان الملوك، فإن لأمير المؤمنين في ذلك إمضاء الحكم فيه على وجهه، وإن عطل أهل الذمة ما عليهم من الخراج، ومن الجزية، سنين عدة، فإنا نأخذهم بذلك، إلا أن سوغت لهم الملوك ذلك، وإن غاب أهل الذمة في بلاد بعيدة غير بلادنا، فأتوا علينا، فإنا لا نأخذهم بشيء من الجزاء، إلا إذا مكثوا في بلادنا سنة كاملة، سواء تلك البلاد التي جاءوا منها بلاد شرك أو بلاد إسلام، إن طاع لهم أهل تلك البلاد بها، وإلا أخذنا الجزاء عدة تلك السنين ما خلا بلاد الشرك، ولا نعشر أموالهم إلا لعام واحد، فإن ادعوا أنهم أعطوا العشر، أو الجزية، لبعض أهل تلك البلاد التي جاءوا منها، أو لأهل الخلاف، ولهم على ذلك براوات، فإنا نحط عنهم تلك الجزاء أو الخراج، ونعشرهم لعامنا الذي جازوا فيه علينا، وما أحدثوه أيام الملوك من الكنائس والبيع بالرشى هدمناه، وإن كانوا على إذن تركناه، وعن ظلم أزحناه، وإنهم أهل الذمة بالإسلام، وإن أدوه ومنعهم منه الملوك وصابروا إلى أيامنا، فليس علينا منهم شيء إن أسلموا فسبيل ذلك، وإن تمادوا على ما هم عليه، فليس علينا منهم شيء، وذلك أنهم في أيام الحجاج بن يوسف، جارت عليهم الولاة فأسلم بعضهم، فمنعوهم من الإسلام، لئلا يضيع بيت مال المُسلمين، وإن أسلم أهل الذمة، إنتزعنا منهم الفيء، ورددناها على جيرانهم، وحططنا عنهم الجزاء والخراج، وإن كانت بلادهم بلاد صلح لا بلاد فيء، فمن أسلم وما له وعليه فيه
، (2/122)
صفحة 394
الصلح والعشر، إلا أن أراد أن يسلمها لأخوته، ومن إشتراها من المُسلمين، كان عليهم مثل ذلك، ولا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه، وذكر أن جل أموال الليث بن سعد من ذلك، وإن بنوا الكنائس والبيع بأمر الملوك وظهرنا عليهم، تركناهم وإياها، وأما إن كان على يد
6
السلطان، منعناهم منها، وإن إصطفت الملوك الغنائم في أيامها وعطلوا فيها السهام، وردوها إلى بيت مال المسلمين، تركناهم وفعلهم، وإن كان قائمة لم يقضوا فيها بأمر، أجريناها على السهام، وإن عاقبوا بالأموال جميع من عمل المعاصي، أو خالف أمرهم أو فينوه، وانتزعوا منهم الديار، والعقار، والدمن، والأموال، وهي قائمة بأعيانها في بيت مال المُسلمين، أو في يد من أعطوها له، وليس علينا هذا إصلاح شيء من، ولا النظر فيه، تصرف أو لم يتصرف، وإن كان بينهم نقض عهد، أو غدر، أو مظالم بينهم وبين أهل الذمة والمحاربين، فإنا نصلح من ذلك ما أفسدوا، ونحل عقد ما إجترموا، سواء كان النقض، أو الغدر، من أهل الإسلام، أو من أهل الذمة والمُحاربين، فمن إمتنع أجرينا عليه حكم الإسلام وأهله، ومن إمتنع قاتلناه وحاربناه، وأما السلاطين الجورة، فهم الذين تغلبوا على الناس، لا يُراعون شرعاً، ولا يدعون إليه، ولا يعملون به، وعطلوا الزكاة، والصدقات، والعشور، والخراجات، ولا يهتبلون بالأقضية والحكومات، ولا بإقامة الحدود والقصاصات، وشرعوا لأنفسهم طرقاً في إقامة ملكهم، خلاف طرائق الشرائع، وشيدوا القصور، وبنوا الدور وحصنوها بالحرس والأعوان، ويغيرون على البلدان، واستعملوا (2/123)
صفحة 395
في جميع الأموال، المغارم والقبالات، واتخذوا الأعوان والكفات وأظهروا شرب الخمور، ولباس الحرير، والمعازف والستور، والجور في جميع الأمور. أ هـ من " الدليل ".
فاستعمل المسلمون حينئذ مسالك الدين، وهي: الظهور، والدفاع، والشراء، والكتمان؛ فالظهور: كأمر أبي بكر الصديق، وعُمر بن الخطاب، وعبد ا الله بن يحيى الكندي ـ طالب الحق ـ والجلندا بن مسعود، وغيرهم من أئمة المُسلمين، وسمي هذا بالظهور، لأن الحدود لا تتم ولا تُقام، إلا بالإمام الظاهر، مثل:
القطع، والرجم، ونحوها.
فاستعمل المُسلمون مسالك الدين، أي: طرقه، وهي: الأحوال التي يترتب عليها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الواجب على المُكلف مع الإمكان، وهي تلك الأحوال؛ الظهور: وهو الأصل المأمور به، وعليه توفى رسول الله، وذلك بأن يكون المسلمون كنصف عدوهم، في جميع ما يحتاجون إليه، عدداً وعدة؛ والدفاع: وهي أن يجتمع الناس على إمام، يقدمونه عند قتال العدو إذا قصدهم، وتجب عليه نصيحتهم، كما أن عليهم طاعته؛ قيل: وتزول إمامته بزوال القتال، والصحيح: نصبه على الإستمرار للدفع - وهو الأحوط - إذ يمكن هجوم العدو بغتة، والدفاع من فروض العين.
•
قال الإمام الخليلي: الوجه الثاني، أي: من وجهي الجهاد: هو الدفاع المذكور في قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُم تَعَالَوا
- ITE- (2/124)
صفحة 396
قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا} (1)، فأخر الدفاع في الآية لتأخره رتبة، فالدفاع ضرورة ربما تستعمله البهائم، والجهاد المحض لمرضات الله، وكبت أعداء الله
•
حتى قال: إذا غشي العدو البلد، وجب دفعه على الغني، والفقير والحر، والعبد، على قول في العبد والمديون، ولو لم يكن له وفاء، على قول أيضاً فيه. أ هـ (بتصرف)
،
والشراء بالمد والقصر، وهو: أن يشتري المسلمون الجنة بأنفسهم، أو يشتروا أنفسهم من النار، أو أن يبيعوها لِلَّهِ، فإن إطلاق الشراء على البيع جائز، وهو: أن يخرج المسلمون إلى الجهاد في أربعين رجلاً فصاعداً
نَفْسَهُ
قال أبو ستة في " هامش الوضع ": والشراء مقصور وممدود، من أسماء الأضداد، يُطلق على البيع والشراء، والمراد أنهم بايعوا أنفسهم لله بجنته، قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي ابْتِغَاءَ مَرضَاتِ اللهِ} (2)، أي: يبيعها، وقال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ اشتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) (3).
قال بعضهم: نفاسة السلعة تُعرف بثلاثة أشياء: بعظم المشتري، لأن العظيم القدر لا يُباشر في العادة الشراء، ولا يشتري الأشياء الخسيسة بنفسه، ولا يُنسب إليه شراءها، وتُعرف بجلالة الدلال، لأن
(1) سورة آل عمران: 167.
(3) سورة التوبة: 111.
(2) سورة البقرة: 207
11901 (2/125)
صفحة 397
الدلال الكبير لا يُسمي على الأشياء الحقيرة؛ وتُعرف بعظم الثمن، لأن الشيء الحقير لا يُدفع فيه الثمن الخطير؛ فانظر إلى نفوس الشهداء والمجاهدين، كيف إشتراها سبحانه وتعالى بنفسه جلا وعلا، وجعل السمسار عليها أشرف خلقه أجمعين، وجعل ثمنها الجنة في جوار رب العالمين، وناهيك بهذا شرفاً لم ينله غيرهم، وفضلاً لم يصل إليه
سوا
واهم
•
قال بعض العارفين: النفوس ثلاثة: نفوس لم يقع عليه البيع لخساستها، وهي: نفوس الكافرين؛ ونفوس وقع عليها البيع لكرامتها: وهي: نفوس الْمُؤمنين؛ ونفوس لم يقع عليه البيع لحُرمتها، وهي:
نفوس الأنبياء.
لطيفة:
قال بعضهم: لما أخبر الله سبحانه بأنه: {اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَمْوَالَهُم، فكأنهم قالوا: ربنا ما الثمن في هذا البيع؟ قال الله تعالى: بأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، فكأنهم قالوا: ربنا فكيف نسلم بهذه السلعة التي وقع عليها البيع؟ قال الله تعالى: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبيل الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقتَلُونَ (1)، فإذا فعلتم ذلك، فقد سلمتم السلعة، ووفيتم بما لزمكم في هذه الصفقة، ووجبت لكم الجنة، فكأنهم قالوا: ربنا مضت سُنة فضلك، أن تشهد ملائكتك بما تنعم به على عبيدك، وقد قلت في كتابك العزيز: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُم، وأمرت بكتابة
(1) سورة التوبة: 111.
-17 - (2/126)
صفحة 398
الوثائق بين المتبايعين، فمن شهد في هذا البيع؟ فقال الله تعالى: وعداً عَلَيهِ حَقَّا فِي التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالقُرآن) (1)، فأنتم يا عبادي تثقون بوثيقة واحدة، فهذه ثلاث وثائق، وتثقون بشاهدين، فقد أشهد
عليَّ من أنزلتها عليهم وهم ثلاث أمم، كل أمة لا تحصى، فكأنهم قالوا: ربنا أنت تمحو ما تشاء، وتثبت ما تشاء، ولا تسأل عما تفعل، فربما تمحوا هذا، فنرجع على الثمن خائبين؟ فقال سبحانه وتعالى: وَمَن أَوفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ} (2)، أي: لا أحد أوفى بعده مني، ثم لما كان من البيع ما يعقبه الندم، إذا تبين لصاحبه الخسران، ونقصاً في الثمن، ومنه ما يعقبه الفرح والسرور، بما يظهر فيه من الربح والغبطة، وحسن الوفاء، قال سبحانه: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ} (2)، ولذلك لما مر الأعرابي على النبي، وهو يقرأ هذه الآية: إنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} (2)، فقال: كلام من هذا؟ قال: كلام الله، قال: بيع والله مُربح، لا نقيله ولا نستقيله، فخرج إلى العدو فاستشهد. أ هـ
وإنما ذكرت هذا مع طوله، لما فيه من التحرض على الصبر، على الجهاد في سبيل الله؛ والكتمان: هو مصدر كتم الأمر، يكتمه، كتماناً، يطلق ما إذا كان المُسلمون يعذبون على دين الله، أو يمنعون منه، أو يعذبون على مذهبهم، أو يمنعون منه، ويطلق على ما إذا كانوا لا يعذبون على ذلك، ولا يمنعون منه، ولو لم يبلغوا حد
(1) سورة البقرة: 282
(2) سورة التوبة: 111.
- ITV - (2/127)
صفحة 399
الظهور، وهو حال رسول الله له قبل الهجرة، وحال المُسلمين في
آخر الزمان. أ هـ كلام قطب الأئمة (بتصرف).
فالظهور: كأمر أبي بكر، وعُمر، أي: وهو حال رسول الله بعد هجرته، إلى أن قبضه الله تعالى، ثم إقتفى أثره سيدنا أبو بكر، والخليفة الثاني عُمر بن الخطاب (رضي الله عنهما)، وقد تقدم الكلام عليهما؛ وكعبد الله بن يحيى الكندي (الْمُلقب: بطالب الحق) هُوَ أحد بني عُمر بن معاوية، كان من حضرموت، وكان مجتهداً عابداً، قال له رجل، بعد إطالة النظر إليه: لتملكن ولتبلغن خيلك وادي القرى،
قاله أبو الفرج.
حتى قال: وكتب إلى أبي عُبيدة مسلم بن أبي كريمة وإلى غيره من الأباضية بالبصرة، يشاورهم في الخروج، فكتبوا إليه: إن استطعت ألا تقيم يوماً واحداً فافعل، فإن الْمُبادرة بالعمل الصالح أفضل؛ قال: وشخص إليه أبو حمزة المُختار بن عوف الأزدي، وبلج بن عُقبة، في رجال من الأباضية، فحثوه بالخروج، وأتوه بكتب من أصحابه: إذا خرجتم فلا تغلوا، ولا تغدروا، واقتدوا بسلفكم الصالح؛ قال: فدعا أصحابه فبايعوه، فقصدوا دار الإمارة، وعلى حضرموت إبراهيم بن جبله، فحبسوه يوماً فأطلقوه، وأقام عبد الله بن يحيى بحضرموت وكثر جمعه، وسموه: طالب الحق، فكتب إلى من كان من أصحابه بصنعاء، أني قادم عليكم، وتوجه إلى صنعاء سنة تسع وعشرين ومائة، في ألفين، وبلغ عامل مروان بن محمد مسيره، فخرج يُريد الأباضية في
- ITA- (2/128)
صفحة 400
سلاح ظاهر، وعدة، وجمع كثيرة، فلقيه عبد الله بن يحيى قريباً من الليل، فقال الناس: أَيُّهَا الأمير، لا تُقاتل الخوارج ليلاً، فأبى وقاتلهم، فقتلوا من أصحابه كثيراً، وانهزم إلى صنعاء، فأقام يوماً، ثم عسكر قريباً من صنعاء، فأقبل عبد الله بن يحيى فنزل على ميلين من عسكر
القاسم، فوجه إليهم يزيد بن الفيض في ثلاثة آلاف، فكانت مناوشة، فرجع يزيد إلى القاسم فاستأذنه في بياتهم، فأبى، فقال يزيد: والله إن لم تبيتهم ليغمنك، ثم أقبل عبد الله بن يحيى، فوافاهم مع طلوع الفجر، فقاتلهم الناس على الخندق، والقاسم يُصلي، فركب وقاتلهم الصلت بن يوسف، فإنهزم أهل صنعاء، فأراد أبرهة بن الصباح إتباعهم، فمنعه عبد الله بن يحيى، واتبع يزيد القاسم فأخبره الخبر، فقال القاسم:
ألا ليت شعري هل أذودن بالقنا وبالهند وأينات قبل مماتي وهل أصبحن الحارثين كليهما بطعن وضرب يقطع اللهوات
ثم دخل عبد الله بن يحيى صنعاء، فحبس الضحاك بن رمة،
وإبراهيم بن جبلة، وأحرز الخزائن والأموال، ثم أرسلهما، وقال: حبستكما خوفاً عليكما من العامة، ولا عليكما، فأقيما إن شئتما، فخرجا، وخطب الناس عبد الله بعد إستيلاءه على اليمن، فحمد الله وصلى على نبيه، ثم قال: إنا ندعوا إلى كتاب الله، وسنة نبيه، الإسلام ديننا، ومحمداً نبينا، والكعبة قبلتنا، والقُرآن
إمامنا ... إلخ خطبته
• (2/129)
صفحة 401
حتى قال: من زنى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر؛ حتى قال: ونشهد أنه صادق فيما وعد، وعدل فيما حكم، ندعوا إلى توحيد الرب، واليقين بالوعيد والوعد، وأداء الفرائض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله، والعداوة لأعداء الله ... إلخ.
حتى قال: وأقام عبد الله بصنعاء أشهراً، يحسن السيرة فيهم، ويلين جانبه لهم، ويكف عن الناس، فكثر جمعه، وآتته الشراة من كل جانب، وكان وقت الحج، فوجه أبا حمزة، وبلج بن عُقبة، وأبرهة بن الصباح، إلى مكة في تسعمائة فارس، وأمره أن يُقيم بمكة إذا صدر الناس، ويوجه بلجاً، إلى الشام، فقدموا مكة يوم التروية، وعليها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، فكره قتالهم، فكانت بينه وبينهم مهادنة إلى النفر الأخير، ثم هرب عبد الواحد في النفر الأول إلى المدينة، فدخل بلج وأصحابه مكة من غير حرب، وأقام بها؛ قال: ودعى عبد الواحد بالديوان، وضرب على الناس، وزاد في عطياتهم، وخرج بهم عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فنزلوا قديداً ليلاً، فلم يرعهم إلا القوم قد خرجوا عليهم، فكانت المقتلة على قريش، وهم كانوا أكثر الناس وبهم الشوكة، فكتب عبد الواحد إلى مروان، يعتذر من خروجه عن مكة، فكتب مروان إلى عبد العزيز بن عُمر بن عبد العزيز، يأمره بتوجيه الجيش إلى مكة، فوجه ثمانية آلاف رجل من أبناء المهاجرين والأنصار، ولما بلغ أبا حمزة إقبال أهل المدينة إليه، إستخلف على مكة أبرهة بن الصباح، وشخص إليهم،
- 17. - (2/130)
صفحة 402
له
وعلى مقدمته بلج بن عُقبة، ولما كان الليلة التي صبحهم، قال لأصحابه: إنكم لاقوا قومكم غداً، وقد وضح الصبح لذي عينين، فأكثروا ذكر الله، وتلاوة القرآن، ووطنوا أنفسكم على الصبر، وأرسل إليهم أبو حمزة بلجاً، فأتاهم في ثلاثين راكباً، فذكرهم الله وسألهم أن يكفوا، فقال لهم: خلوا سبيلنا نسر على من جار في الحكم عليكم، فإنا لا نُريد قتالكم، فشتمهم أهل المدينة، وقالوا: نُخليكم تفسدون في الأرض يا أعداء الله، فقالت الخوارج: إنما خرجنا لنكف أهل الفساد، لا لنفسد في الأرض، ولا تقاتل إلا من قاتلنا، ا فادخلوا في السلم، وعاونوا أهل الحق، فقال له عبد العزيز: ما تقولون في عُثمان؟ فقال له: بريء منه المسلمون قبلي، وأنا مقتد بهم، فقال: ارجع إلى أصحابك، فليس بيننا وبينكم إلا السيف، فرجع إلى أبي حمزة فأخبره، فقال: لا تقاتلوهم حتى يبدء وكم بالقتال، فواقعوهم، فرمي رجل من أهل المدينة في عسكر أبي حمزة بسهم فجرح رجلاً، فقال أبو حمزة: الآن حل قتالهم، فحملوا عليهم، فثبت بعضهم لبعض، ثم إنكشف أهل المدينة فلم يتبعوهم، ثم كروا عليهم فقاتلوهم قليلاً. ثم إنهزموا، فلم يبعدوا حتى كروا ثالثة، فقاتلهم أبو حمزة فهزمهم هزيمة لم تبق منهم باقية، فقال ابن الحصين: اتبع القوم فاقتل المدبر فلو جاءك أهل الشام غداً لرأيت من هؤلاء ما تكره، فقال أبو حمزة: لا أخالف سيرة سلفنا؛ قال: وبلغت قتلى قديد ألفين ومائتين وثلاثين رجلاً، ودخل بلج المدينة بغير حرب، ورجع أبو حمزة إلى مكة، وكان على شرطته أبو بكر بن عبد الله، من آل سُراقة، ومضى عبد الواحد
،
-171 - (2/131)
صفحة 403
إلى الشام، فرقي أبو حمزة المنبر. أ هـ من أبي الفرج الأصبهاني وخطبه مشهورة، وكذا خبر مقتلهم ()، فلا حاجة إلى الإطالة
والجلندى بن مسعود، بويع سنة تسع وعشرين ومائة، واستشهد (رحمه الله) سنة إحدى وثلاثين ومائة، فسنتان وشهر وبعض الأيام مدة خلافته، وهو الإمام العادل، البطل، الحلاحل، أبو المآثر والفضائل، وناهيك به فضلاً وشرفاً، وتفضيل بعض إياه على الإمام العدل سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب (رحمة الله عليهم جميعاً)، مع ما للإمام
الجلندى
سعيد من الفضل، والعلم، والورع، وأنه مات شهيداً، والإمام (رحمه الله، أول من عقد له الإمامة بعمان، قيل: أنه كان من شراة أبي حمزة الْمُختار رحمه الله، فنجا فيمن نجا؛ ومزاياه أشهر من نار على علم، لو لم يكن له من الفضل إلا قتله بني عمه بني الجلندى، وقضيته معهم مشهورة.
قال صاحب " كشف الغمة ": لما وليَّ عبد الله السفاح، من بني العباس، ولى أخاه أبا جعفر المنصور على العراق، وعُمان يومئذ تحت أيديهم، فولى المنصور على عُمان محمد بن جناح الهنائي، فأحسن السيرة، واجتمع رأي الأباضية على أن يقدموا الجلندى بن مسعود إماماً، فبايعوه على طاعة الله ورسوله، وسيرة الأئمة من قبله، فكان عدلاً فاضلاً، حسن السيرة، فلم يلبث أن خرج عليه شيبان، وكان السفاح طالباً الشيبان، فلما وصل شيبان عُمان، أخرج إليه الإمام هلال بن عطية الخراساني، وكان عالماً فاضلاً، ويحيى بن (2/132)
صفحة 404
المُسلمين
نجيح في جماعة من المُسلمين، وكان فضل يحيى هذا بين شاهراً، فدعا، فأمن الفريقين على دعائه؛ وذلك أنه قال: اللهم إن كنت تعلم أننا على الدين الذي ترضاه، وتحب أن نلقاك به، فاجعلني أول قتيل من أصحابي، ثم اجعل شيبان أول قتيل من أصحابه، واجعل الدائرة عليهم، وإن كنت تعلم أن شيبان وأصحابه على الدين الذي ترضاه، وتحب أن يؤتى به، فاجعل شيبان أول قتيل من أصحابه، ثم اجعلني أول قتيل من أصحابي، ثم اجعل الدائرة علينا، فتزاحف الفريقان بعد أن آمن على دعاء يحيى كل منهم، فكان يحيى أول قتيل من أصحابه، ثم كان شيبان أول قتيل من أصحابه، وتفرق أصحاب شيبان، ثم وصل حازم بن خزيمة من عند السفاح طالباً لشيبان، فقال للإمام: أريد أن أرجع إلى الخليفة بسيف شيبان و خاتمه، وأنكم في طاعته، فلم ير الْمُسلمون للإمام ا تسليم سيف شيبان، لأنه أمانة لوارثه، فغضب حازم لذلك، فقاتل المسلمين، فلم يبق منهم إلا الإمام وعالمه هلال بن عطية، فقال هلال للإمام: أنت إمامي، فكن إمامي، ولك عليَّ أن لا أبقى بعدك، فتقدم الإمام فاستشهد رحمه الله، ثم تقدم هلال، فكان يتعجب منه قوم حازم، حتى عرفوه، فاحتالوا عليه حتى قتلوه (رحمه الله تعالى). أهـ ملخصاً.
المداهنة، ولا
وغيرهم من أئمة المُسلمين، أي: مثل الوارث وأضرابه، فإن الإمام الوارث كان إماماً شارياً، وقد قاتل الجبابرة، حتى إستقام الأمر،
وعز الدين. (2/133)
صفحة 405
قال العلامة سيدي أبو نبهان (ه):
فمن لي مثل وارث بن كعب إمام عادل بطل حلاحل وصلت نجل مالك والمهنا فقد نشروا من العدل الغلائل
قتل
وهذه قصيدة طويلة، توارد عليها هو وشيخه محمد بن عبد الله الغشري، في ذكر الأئمة، وَسُمِيَّ هذا، أي: الحال: بالظهور، أي: المتقدم بيانه، لأن الحدود جمع حد، هو في اللغة المنع، وشرعاً عقوبة مخصوصة على ذنب مخصوص، وإنما جمعه مُراعاة لأنواعه، فمنه، ومنه ضرب، ومنه قطع، فالقتل في الزاني المحصن، حال كونه حُراً، بالغاً، عاقلاً، فإنه يُرجم بالحجارة حتى يموت؛ وفي المُرتد عن الإسلام، يُقتل بالسيف - كما مر - وفي قاطع الطريق إذا قتل، وهل قتل تارك الصلاة تكاسلاً، والمقتول قصاصاً، يُسمى بالحد أم لا؟ قولان؛ وأما الضرب، فالزاني البكر، يُجلد مائة جلدة، وشارب الخمر والقاذف يُجلدان ثمانين جلدة، والعبد يجلد نصف جلد الحر؛ وأما القطع، ففي السارق أربعة دراهم فصاعداً من حرز، تُقطع: تقطع يمينه من الرسغ، كما هو مقرر في محله، وفي قاطع السبيل، إن سلب ولم يقتل، تقطع يده ورجله من خلاف، فلو قطع الطريق، ولم يقتل، ولم يسلب، عُزر، لا تتم، أي: لأنها مشروطة بالإمام، ولا تقام، أي: لا يجب على الجماعة قيامها، وإن جاز لهم على بعض القول؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحدود، والجمعة، والزكاة، للإمام "، رواه
أبو سعيد في إستقامته، وكذا جبر الرعية على الجهاد، وتولية القضاء، وغير ذلك
•
- ITE- (2/134)
صفحة 406
قال في " المواقف ": أن في نصب الإمام دفع الضرر، ودفع
الضرر واجب على العباد، إذا قدروا عليه إجماعاً، بيانه أن في نصب الإمام، وأنا نعلم عِلماً يُقارب الضرورة، أن مقصود الشارع فيما شرع الْمُعاملات، والمناكحات، والجهاد، والمقاصات، وإظهار شعار الشرع في الأعياد والجمعات، إنما هي مصالح عائدة على الخلق معاشاً ومعاداً، وذلك لا تتم إلا بإمام يكون من قبل الشارع، يرجعون إليه فيما يعن لهم، لأنهم مع إختلاف الأهواء، وتشتت الآراء، وما بينهما من الشحناء، قل ما ينقاد بعضهم لبعض، فيفضي ذلك إلى التنازع والتواثب، وربما أدى إلى هلاكهم جميعاً، ويشهد له التجربة والفتن القائمة عند موت الولاة. أ هـ
•
والدفاع: كابن وهب، إمام المحكمة، الفرقة المُحقة المُنكرين التحكيم، فاستشهد بالنهروان هو من معه من الْمُسلمين (رضوان الله عليهم؛ والدفاع تقدم عليه الكلام، وابن وهب: هُوَ عبد الله الله بن
وهب الأزدي المُلقب: بذي الثفنات، لكثرة عبادته؛ قال المبرد:
كان عبد الله بن وهب ذا رأي، وفهم، وشجاعة ـ وتقدم الكلام عليه
-
قال: ولم يختلف في إجماعهم على ابن وهب الراسبي، وأنه إمتنع عليهم، وأومأ إلى غيره، فلم يقنعوا إلا به، فكان إمام القوم؛ قال: وإنما لجئوا إليه، وخلوا معدان الأيادي، لقول معدان:
سلام على من بايع الله شارياً وليس على الحر المقيم سلام. فتبروا منه، وقالوا: إنك خالفت، لأنك برأت من القعد، قال:
11401 (2/135)
صفحة 407
والخوارج في جميع أصنافهم يتبرأون من الكاذب، ومن ذي المعصية
الظاهرة. أ هـ.
قلت: لعمري إن جرمهم لكبير، حيث لم يوالوا السفهاء الله المتبجحين بمعاصي، ومن أجل جرمهم عند المرجئة والحشوية ما ذكره الشهرستاني في ملله، حيث قال: وأما خروجهم في الزمن الأول على أمرين: أحدهما: بدعتهم في الإمامة، إذ جوزوا الإمامة في غير قريش؛ قال: والبدعة الثانية: أنهم قالوا: أخطأ عليّ في التحكيم، إذ حكم الرجال، لا حكم إلا لِلهِ، وكذبوا عَلَى عَلِيّ من وجهين: أحدهما في التحكيم: أنه حكم الرجال، وليس ذلك صدقاً، لأنهم هم الذين حملوه على التحكيم؛ والثاني: أن تحكيم الرجال جائز، فإن القوم هم الحاكمون في هذه المسألة، وهم رجال. أهـ
قلت: فأما كون الإمامة في قريش، فقد انفردت بذلك الأشعرية، وقد تكلمنا في الإمامة في موضعها؛ وأما قوله: هم الذين حملوه على التحكيم، فليته هو وحزبه إرتاحوا إلى قول ابن حجر الهيثمي، فإنه قال: حين إختلف الحكمان، فقال علي: قد كنت نهيتكم عن الحكومة فعصيتموني، فقام إليه فتى فأغلظ عليه الكلام، وقال له: بل أمرتنا، وإنما تبرأت لما كان فيها ما تكره، فأغلظ له عليّ في الجواب، فقال له: ما أنت وهذا الكلام، ثم قال: والله إن كان ذنباً،
أنه لصغير مغفور، ولإن كان حسناً، أنه لعظيم مشكور، وقال أيضاً أن أبا موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يكون في هذه الأمة حكمان ضالان، ضال من اتبعهما "، فقيل له: يا أبا مُوسى
-179 - (2/136)
صفحة 408
انظر لأن تكون أحدهما
وقال أيضاً: أخرج أبو يعلي بسند صحيح، قال: لما إستمر القتل في أهل الشام بصفين، إعتصم معاوية وأصحابه بجبل، فقال له عُمرو بن العاص: أرسل لعليّ المُصحف واسأله الصلح، فو الله لا يرده عليكم، فأرسل له رجلاً بجمله ويُنادي: بيننا وبينكم كتاب الله: أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ يُدعَونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحكُمَ بَينَهُم ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنهُم وَهُم مُّعْرِضُونَ) (1)، قال: نعم، بيننا وبينكم كتاب الله، وإنا أولى به منكم، فجاءت الخوارج ـ وكنا نسميهم يومئذ: القُراء - أسيافهم على عواتقهم، قالوا: يا أمير الْمُؤمنين، لا تمش لهؤلاء القوم حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقام سهل بن حنيف، فنهاهم عن رد الصلح، وإستدل بقصة الحديبية، أن، مال إلى الصلح دون كثيرين من الصحابة، وكان الخير كل الخير في الصلح، ولما لم يسمع لهم علي في رد الصلح، خرجوا
النبي
عليه، فأرسل يُناشدهم الرجوع إليه، فأتوا بضعة عشر ألفاً. أ هـ.
ألا ترى أن علياً تردد في الحكومة، أهي ذنب أم لا؟ ثم مع تردده قتل الراضي بها، والساخط لها وتقدم، وأما أبو موسى، فقد شهد على نفسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيها: " أنها لضلالة "، وأما الشهرستاني، قوله: أنهم حكموا في المسألة وهم رجال، حكموا فيها بحكم الله، أن يُقاتل الباغي حتى يفيء أو تفنى روحه، ولم يجعلوا لأحد رأياً في الحكومة، وقوله: أنهم كذبوا، سفه منه، والسكوت عن
(1) سورة آل عمران: 23
- 137 - (2/137)
صفحة 409
السفيه خير، كما قيل:
إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت أما المحكمة، سموا: محكمة، لتحكيمهم الله، وتركهم حكومة عمرو وأبي موسى، قال بعضهم:
ألم تر أن الله أنزل حكمه وعمرو وعبد الله مختلفان قال في " المواقف ": المحكمة: هم الذين خرجوا عَلَى عَلِيّ في التحكيم وكفروه، وهم إثنى عشر ألف رجل، كانوا أهل صلاة وصيام، وفيهم قال النبي: " يحقر أحدكم صلاته في جنب صلاتهم، وصومه في جنب صومهم، ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم " (1). أ هـ.
قلت: أن رسول الله له، وهو المبلغ عن ربه قوله تعالى: {بَلَى مَن أَوفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (2)، وقال سبحانه وتعالى: إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصبر فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (3)، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوفٌ عَلَيْهِم وَلَا هُم يَحزَنُونَ (4)، أم هؤلاء خصهم، بأن لا ترفع أعمالهم. حتى أن إيمانهم لا يجاوز تراقيهم، وهل هذا إلا من مُبتدعات الحشوية، فإن هذا قول مختلف، أنه يبلغ عن الله، ثم يُخالفه في
بعض أُمته، ليت شعري ما لهم لا يفقهون حديثاً
(1) انظر الملحق. (3) سورة يوسف: 90
(2) سورة آل عمران: 76.
(4) سورة الأحقاف: 13.
- ITA- (2/138)
صفحة 410
قال في " المواقف " أيضاً: قالوا: من نصب من قريش وغيرهم وعدل فيما بين الناس فهو إمام، وإن غير السيرة وجب أن يُعزل أو يُقتل، ولم يُوجبوا نصب الإمام، بل جوزوا أن لا يكون في العالم إمام، وكفروا عُثمان وأكثر الصحابة، ومُرتكب الكبيرة. أ هـ.
قلت: قوله: من نُصب من قريش وغيرهم وعدل ... إلخ، سيأتي أن عُمر بن الخطاب (أشار إلى ذلك، بل لم تنفرد المحكمة بذلك - كما يأتي
وقوله: وإن غير السيرة وجار ... إلخ، لهم أسوة بأصحاب رسول الله، عمار، وأبو ذر، وابن مسعود، وغيرهم، حيث نقموا على
عثمان وتبرؤا منه، بل كل الصحابة بين قاتل وخاذل
وقوله: ولم يوجبوا نصب الإمام، هذا لا يحتاج إلى جواب، فإنهم هم الناقلون عنهم: أنهم بايعوا عبد الله بن وهب،، فلا يكون قولهم يُخالف فعلهم، لكنهم شرطوا للإمامة شروطاً ـ وقد تقدمت ـ.
قوله: كفروا عُثمان وأكثر الصحابة، ومُرتكب الكبيرة إن أراد بالكفر الخروج من الملة، فذلك مذهب الأزارقة، وليس من مذهب المحكمة، وإن أراد به كفر النعمة، فقد وردت النصوص القاطعة بذلك، هذا وأن صاحب " المواقف " لم يقذع فيهم، وأما غيره من الحشوية والشيعة، فقد بلغوا الغاية في سبهم، وقد قال الشاعر:
العرانين تلقاها محسدة ولا ترى للئام الناس حُسادَا (2/139)
صفحة 411
وقُولنا: الفرقة الْمُحقة، لأنهم لم يدخلوا في أمر الحكومة، وقد سمعت رسول الله الله، قوله في الحكمين ومتبعهما، المُنكرين
التحكيم ـ تقدم هذا غير مرة ـ، فاستشهدوا بالنهروان، هو ومن معه من الْمُسلمين رضوان الله عليهم)، تقدم الكلام على مقتلهم
قال الإمام أبو سعيد (ه): من كان على أصل، وثبت له في أنه شيء حكم، فهو عليه حتى يصح رجع عنه، ولا شك أن علي بن أبي طالب والجماعة في حكم الظاهر كانوا على حق في قتال معاوية، ومعاوية وحزبه كانوا حرباً للحق وأهله، ولا شك في حكم الظاهر أن أهل النهروان ثبتوا على ذلك السبيل في حُكم الظاهر، وليس ترك أحد من الناس لسبيل الحق من إمام أو غيره بضار له، ولو كان الثابت على سبيله في الإجماع واحداً فما فوقه، ولو أمةً مملوكة كانت هي الحجة على كل من خالف سبيل من ثبت على الحق الذي وقع عليه الإجماع، والْمُخالف نازل بإحدى منزلتين مُدع، لا تُقبل دعواه، ولا يجوز له محاربة المُحق على إدعائه، وأما مُنتهك لما يدين بتحريمه مكابر متغلب على غير سبيل الحق.
حتى قال: فإن كان عليّ مُحقاً في قتال أهل النهروان فيما صح معه عليهم، فإنه مُبطل في الحكم بالظاهر، لأنه قتل الحجة قبل أن يصح زوالها، ولا يجوز أن تتحول الحجة إلا بحجة مثلها
•
ثم قال (رحمه الله: كل من مضى على سبيل أهل النهروان () من خارج، أو قاعد، أو مُسالم، أو مُحارب، إلى يوم القيامة، ولم
- 18+ - (2/140)
صفحة 412
يُغير ولم يُبدل، فهو الحجة التامة على سبيل ما مضى عليه النبي، وأبو بكر الصديق، وعُمر بن الخطاب (رضي الله عنهما)، والجماعة الذين هم حجة الله يوم الدار في قتال عُثمان، وما قاتل عليه عليّ والجماعة، وطلحة، والزبير، وما قاتلوا عليه معاوية أيام صفين، وما قاتل عليه أهل النهروان (رحمهم الله، فالحجة قاضية، والأحكام ماضية، إن هذا كله فسبيله واحد لا تناقض في أحكامه، وأن من خالف ذلك السبيل فهو مُخالف للحق، وكفى بالإجماع على هذا، وليس علينا أن نحكم في شيء من الأمور إلا بما ظهر
•
ثم قال (رحمه الله: وكيف يجوز قبول دعوى مدع في إدعائه، ليبطل حجة من حجج الإسلام، وينقض ما ثبت من الأحكام؟ فمن
خالف الحجة فهو خصم لأهل الحق، ولا تقبل دعواه حتى يستبين حقه
ولو كان الْمُدعَى عليه مُخالفاً لدين الله في السريرة. أ هـ مع حذف
•
،
والشراة: كأبي بلال مرداس بن حدير، ومن حذا حذوه من المُسلمين، وأخوه عروة، وهو أول من قال: لا حكم إِلا لِلَّهِ، وقريب والزحاف؛ تقدم معنى الشراة؛ مرداس بن حدير، قال أبو العباس المبرد في سبب خروج أبي بلال مرداس: وكانت من المجتهدين: حنظلة مالك البلجاء، وهي إمرأة من بني حرام بن يربوع بن بن مناة بن تميم، وكان مرداس بن حدير أبو بلال، أحد بني ربيعة بن حنظلة، تُعظمه الخوارج، وكان مُجتهداً، كثير الصواب في لفظه، فلقيه غيلان بن خرشه الضبي، فقال: يا أبا بلال، إني سمعت البارحة
بن زيد
-181 - (2/141)
صفحة 413
الأمير عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء، وأحسبها ستؤخذ، فمضى إليها أبو بلال، فقال لها: إن الله قد وسع على الْمُؤمنين في التقية فاستتري، فإن هذا المُسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك، فقالت: إن يأخذني فهو أشقي بي، فأما أنا فما أحب أن يعنت إنسان بسببي، فوجه إليها عُبيد الله بن زياد، فأتى بها، فقطع يديها ورجليها، ورمي بها في السوق، فمر أبو بلال والناس مُجتمعون، فقال: ما هذا؟ فقالوا: البلجاء، فعرج إليها، فنظر ثم عض على لحيته، وقال لنفسه: لهذه أطيب نفساً عن بقية الدُّنيا منك يا مرداس، ثم أن عُبيد الله تتبع الخوارج فحبسهم وحبس مرداساً، فرأي صاحب السجن شدة إجتهاده وحلاوة منطقه، فقال: إني أرى مذهباً حسناً وإني لأحب أن أوليك معروفاً، أفرأيت إن تركتك تنصرف ليلاً إلى بيتك أتدلج إليَّ؟ قال: نعم، فكان يفعل ذلك به، ولج عُبيد الله في حبس الخوارج وقتلهم، فكلم في بعض الخوارج فلح وأبى، وقال: أقمع النفاق قبل أن ينجم لكلام هؤلاء أسرع للقلوب من النار إلى اليراع، فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلاً من الشرط، وقال ابن زياد: ما أصنع بهؤلاء، كلما أمرت رجلاً بقتل رجل منهم فتكوا بقاتله، لأقتلن من في حبسي منهم، فأخرج السجان مرداساً إلى منزله كما كان يفعل، وأتى مرداساً الخبر، فلما كان في السحر تهيأ للرجوع، فقال له أهله: اتق الله في نفسك فإنك إن رجعت قُتلت، فقال: إني والله ما كنت لألقى الله غادراً صاحبك، فقال:: أعلمت ورجعت.
، فرجع إلى السجان، فقال: إني قد علمت ما عزم عليه
- 142 - (2/142)
صفحة 414
ويُروى أن مرداساً مر بأعرابي يهناء بعيراً له، فهرج البعير فسقط مرداس مغشياً عليه، فظن الأعرابي أنه صرع، فقرأ في أذنه، فلما أفاق، قال له الأعرابي: قرأت في أذنك، فقال له مرداس: ليس بي ما خفته عليَّ، ولكني رأيت بعيرك هرج من القطران، فذكرت آية قطران جهنم فأصابني ما رأيت، فقال: لا جرم، والله لا أفارقك أبداً؛ وكان مرداس قد شهد صفين مع علي بن أبي طالب، وأنكر التحكيم، وشهد النهر ونجا فيمن نجا، فلما خرج من حبس ابن زياد، ورأي جد بن زياد في طلب الشراة، عزم على الخروج، فقال لأصحابه: أنه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم،
مجانبين للعدل، مُفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم
،
وإن تجريد الطريق، وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا ننتبذ عنهم، ولا نجرد سيفاً، ولا تقاتل إلا من قاتلنا، فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلاً، منهم: حريث بن حجل، وكهمس بن طلق الصريمي، فأرادوا أن يولوا أمرهم حريثاً فأبى، فولوا أمرهم مرداساً، فلما مضى بأصحابه، لقيه عبد الله بن رباح الأنصاري، وكان له صديقاً، فقال له: يا أخي أين تُريد؟ قال: أُريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة، فقال له: أعلم بكم أحد؟ قال: لا، قال: فارجع، قال: أو تخاف عليَّ مكروهاً؟ قال: نعم، وأن يُؤتى بكم، قال: لا تخف، فإني لا أجرد سيفاً، ولا أخيف أحداً، ولا أقاتل إلا من قاتلني، ثم مضى نزل آسك، وهو ماء بين رام هرمز وأرجان، فمر به مال يُحمل لإبن زياد، وقد قارب أصحابه الأربعين، (2/143)
صفحة 415
فحط ذلك المال وأخذ منه عطاءه وأعطيته أصحابه، ورد الباقي على الرسل، وقال: قولوا لصاحبكم: إنما قبضنا أعطياتنا، فقال بعض أصحابه: فعلى ما تدع الباقي؟ قال: إنهم يُقيمون بهذا الفيء، كما يُقيمون الصلاة، فلا تقاتلهم على الصلاة، ولأبي بلال أشعار في الخروج، إخترت منها قوله:
أبعد ابن وهب ذي النزاهة والتقى ومن خاض في تلك الحروب المهالكا أحب بقاء أو أرجي سلامة وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا فيارب سلم نيتي وبصيرتي وهب لي التقى حتى ألاقي أُوْلَئِكَا ويُروى أن رجلاً من أصحاب ابن زياد قال: خرجنا في جيش نُريد خراسان، فمررنا بآسك، فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رجلاً، فصاح بنا أبو بلال: أقاصدون لقتالنا أنتم؟ وكنت أنا وأخي قد دخلنا زرياً، فوقف أخي ببابه فقال: السلام عليكم، فقال مرداس: وعليكم السلام، فقال لأخي: أجنتم لقتالنا؟ قال: لا، إنما نريد خراسان، فقال: أبلغ من لقيكم، إنا لم نخرج لنفسد في الأرض، ولا نُروع أحداً، ولكن هربنا من الظلمة، ولسنا نُقاتل إلا من قاتلنا، ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا، أندب لنا أحد، قلنا: نعم، أسلم بن زرعة الكلابي، قال: فمتى ترونه يصل إلينا؟ قلنا كذا وكذا، فقال: يوم أبو بلال: و حَسبُنَا اللهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ} (1)، وجهز عبيد الله أسلم بن زرعة في أسرع وقت، وجهه إليهم في ألفين، وقد تتام أصحاب مرداس
(1) سورة آل عمران: 173 (2/144)
صفحة 416
أربعين رجلاً، فلما صار إليهم أسلم، صاح أبو بلال: اتق الله يا أسلم فإنا لا تريد قتالاً، ولا نحتجزن فيئاً، فما الذي تُريد؟ قال: أُريد أن
أردكم إلى ابن زياد، قال مرداس: إذاً يقتلنا؟ قال: وإن قتلكم،
،
،
قال: أتشرك في دمائنا؟ قال: إني أدين لِلَّهِ بأنه مُحق، وإنكم مُبطلون فصاح به حريث بن حجل: أهو مُحق وهو يطيع الفجرة وهو أحدهم، ويقتل بالظنة، ويخص بالفيء، ويجور في الحكم، أما علمت أنه قتل بابن سعاد أربعة براء، وأنا أحد قتلته، ولقد وضعت في بطنه دراهم كانت معه، ثم حملوا عليه حملة رجل واحد، فانهزم هو وأصحابه من غير قتال، وكان معبد أحد الخوارج، قد كاد يأخذه، فلما ورد على ابن زياد غضب عليه غضباً شديداً، وقال: ويلك أتمضي في ألفين فتهزم لحملة من أربعين، وكان أسلم يقول: لئن يذمني ابن زياد حياً، أحب إليَّ من أن يمدحني ميتاً، وكان إذا خرج إلى السوق، أو مر بصبيان، صاحوا به: أبو بلال ورائك، وربما صاحوا به: يا معبد خذه، حتي شكي ذلك إلى ابن زياد، فأمر الشرط أن يكفوا الناس عنه، ففي ذلك
يقول عيسى بن فاتك، من بني تيم اللآت بن ثعلبة، في كلمة له:
فلما أصبحوا صلوا وقاموا إلى الجرد العتاق مسومينا فلما استجمعوا حملوا عليهم فظل ذووا الجعائل يُقتَلُونا حتى أتاهم بقية يومهم سواد الليل فيه يراوغونا يقول بصيرهم لما أتوهم بأن القوم ولوا هاربينا ألفا مؤمن فيما زعمتم ويهزمهم بآسك أربعونا
11201 (2/145)
صفحة 417
الخوارج مؤمنونا
ولكن الخوارج
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ولكن
الفئة القليلة غير شك على الفئة الكثيرة ينصرونا
ثم ندب عُبيد الله بن زياد لهم الناس، فاختار عباد بن أخضر
،
وليس أبوه أخضر، وَهُوَ: عباد بن علقمة المازني، وكان أخضر زوج
أُمه، فغلب عليه، فوجهه في أربعة آلاف، فشهد لهم، ويزعم أهل
العلم
6
، أن القوم كانوا قد تنحوا عن داراب جرد، من أرض فارس فصار إليهم عباد، وكان إلتقاءهم في يوم الجمعة، فناداه أبو بلال: أُخرج إليَّ يا عباد، فإني أُريد أن أحاورك، فخرج إليه، فقال: ما الذي تبغي؟ قال: أن آخذ بأقفاءكم، فأردكم إلى الأمير عُبيد الله بن زياد، قال: أو غير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أن ترجع، فإنا لا نخيف سبيلاً، ولا نذعر مسلماً، ولا تحارب إلا من حاربنا، ولا نجبي إلا ما حمينا، فقال له عباد: الأمر ما قلت لك، فقال له حريث بن حجل: أتحاول أن ترد فئة من المُسلمين إلى جبار عنيد؟ قال لهم: أنتم أولى بالضلال منه، وما من ذلك بد، وقدم القعقاع بن عطية الباهلي من خراسان يُريد الحج، فلما رأي الجمعين، قال: ما هذا؟ قالوا: الشراة، فحمل عليهم، ونشبت الحرب، فأخذ القعقاع أسيراً، فأوتي به أبو بلال، فقال: ما أنت؟ قال: لست من أعداءك، وإنما قدمت للحج، فجهلت وأعزرت، فأطلقه، فرجع إلى عباد، فأصلح من شأنه، ثم حمل عليهم ثانية وهو يقول:
أقاتلهم وليس على بعث نشاطاً ليس هذا بالنشاط
-187 - (2/146)
صفحة 418
أكر على الحروريين مهري الأحملهم على وضح الصراط
فحمل عليه حريث بن حجل السدوسي، وكهمس بن طلق
الصريمي، فأسراه وقتلاه، ولم يأتيا به أبا بلال، فلم يزل القوم يجتلدون، حتى جاء وقت الصلاة يوم الجمعة، فناداهم أبو بلال: يا قوم، هذا وقت الصلاة، فوادعونا حتى تصلي وتصلوا، قالوا: لك ذلك، فرمي القوم أجمعون بأسلحتهم وعمدوا إلى الصلاة، فأسرع عباد ومن معه، والحرورية مبطئون، فهم من بين راكع، وساجد، وقائم في الصلاة، وقاعد، حتى مال عليهم عباد ومن معه، فقتلوهم أجمعين: فأتى برأس أبي بلال.
،
وتروي الشراة: أن مرداساً أبا بلال، لما عقد على أصحابه، وعزم على الخروج، رفع يديه، وقال: اللهم إن كان ما نحن فيه حقاً فأرنا آية، فرجف البيت
وقال آخرون: فارتفع السقف؛ فروي أهل العلم: أن رجلاً من الخوارج ذكر ذلك لأبي العالية الرباحي، يعجبه من الآية، ويرغبه في مذهب القوم، فقال أبو العالية: كاد الخسف ينزل بهم، ثم أدركتهم
نظرة الله. أ هـ
قلت
: ذلك ليس بغريب من أبي العالية وأضرابه، فإن قريشاً لما أخبرهم رسول الله له عن الإسراء به إلى بيت المقدس، قالوا له: أرنا آية، فانشق القمر، فقالوا: سحرنا محمد، فقال تعالى: {وَإن
-184_ (2/147)
صفحة 419
يَرَوا أَيَةً يُعرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌ} (1)، وما أظن هذا إلا بقية من أوْلَئِكَ؛ وقوله: أدركتهم نظرة الله، أي: والله أدركتهم نظرة الله قال أبو العباس أيضاً: فلما فرغ من أولئك الجماعة، أقبل بهم، وصلبت رؤوسهم، وفيهم: داود بن شيث، وكان ناسكاً، وفيهم: خبية النظر بن قيس، وكان مُجتهداً؛ حتى قال: في القوم كهمس، وكان أبر الناس بأمه، فقال لها: يا أم لولا مكانك لخرجت، فقالت:
،
يا بني، قد وهبتك لِلهِ، ففي ذلك يقول الخطى عيسى بن فاتك:
ألا في الله لا في الناس سالت بداود وإخوته الجذوع مضوا قتلاً وتمزيقاً وصلباً تحوم عليهم طير وقوع إذا ما الليل أظلم كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدُّنيا هجوع
وقال عُمران بن حطان (رحمه الله تعالى:
يا عين أبكي لمرداس ومصرعه يارب مرداس اجعلني كمرداس تركتني هائماً أبكي لمرزاتي في منزل موحش من بعد ايناس أنكرتُ بعدك ما قد كنت أعرفه ما الناس بعدك يا مرداس بالناس أما شربت بكأس دار أولها على القرون فذاقوا جرعة الكأس فكل من لم يذقها شارب عجلاً منها بأنفاس ورد بعد أنفاس
قلت
: من أراد فضائل أبي بلال وصحبه، ففي سيرة أبي العباس
(1) سورة القمر: 2.
- SEA- (2/148)
صفحة 420
المغربي، وغيره، ومن حذا حذوه، أي: فعل كفعله، بأن نسج على منواله، كقتله ابن الأخضر
قال أبو العباس المبرد: ثم أن عباد بن الأخضر المازني، لبث دهراً في المصر محموداً بما كان منه، حتى أتمر به جماعة من الخوارج أن يفتكوا به، فجلسوا له في يوم جمعة، فقام إليه رجل منهم، فقال: أسألك عن مسألة، أرأيت رجلاً قتل رجلاً بغير حق، وللقاتل جاه وقدر عند السُلطان، أَلِوليَّ ذلك المقتول أن يفتك به؟ قال: بل يرفعه إلى السلطان، فقال له: إن السُلطان لا يعديه علينا لمكانه منه، قال: أخاف عليه إن فتك به السلطان، فقال له دع ما تخافه أتلحقه تبعة فيما بينه وبين الله؟ قال: لا، فحكم هو وأصحابه وخبطوه بأسيافهم فقتلوه، وقُتلوا (رحمة الله عليهم). أ هـ مع
حذف
،
،
وأخوه عروة، أي: أبن حدير، ويُكنيان: بإبني أُديه، لأن أُدية جدتهما في الجاهلية، وَهُوَ: عروة بن حدير، أحد بني ربيعة بن حنظلة، قال قوم: إن أول من حكم عروة؛ وقيل: رجل يقال له: سعيد من بني مُحارب، لكن الأصح معنا الأول، وقد تقدم خبره في التحكيم.
قال أبو العباس المبرد: وكان عروة نجا من حرب النهروان، فلم يزل باقياً مدة من خلافة معاوية، ثم أوتي به زياد ومعه مولى له، فسأله عن أبي بكر الصديق، وعُمر بن الخطاب (رضي ا، الله عنهما)؟ فقال: خيراً، فقال له: ما تقول في أمير الْمُؤمنين عثمان، وأبي تراب؟ فتولى
- 129 - (2/149)
صفحة 421
عثمان ست سنين من خلافته، ثم شهد عليه بالكفر، وفعل في أمر علي مثل ذلك، إلى أن حكم، ثم شهد عليه بالكفر، ثم سأله عن معاوية؟ فسبه سباً قبيحاً، ثم سأله عن نفسه؟ فقال: أو لك لزنية، وآخرك لدعوة، وأنت بعد عاص لربك، ثم أمر به، فضربت عنقه، ثم دعا، فقال: صف لي أموره؟ فقال: أطنب أم أختصر؟ فقال: بل إختصر، فقال: ما أتيته بطعام نهاراً قط، ولا فرشت له فراشاً بليل. أ هـ. هذا ما ذكره أبو العباس المبرد صدر الباب
مولا
وقال في موضع آخر: وكان قتل عباد - قاتل أبي بلال، وعُبيد الله بن زياد - بالكوفة، وخليفته بالبصرة عبيد الله بن أبي بكره، فكتب إليه يأمره: أن لا يدع أحداً يعرف بهذا الرأي إلا حبسه، وجد في طلبه، فجعل عبيد الله بن أبي بكره يتبعهم فيأخذهم، فإذا شفع إليه أحد كفله إلى أن يقدم بن زياد، حتى أوتي بعروة فأطلقه، وقال: أنا كفيلك، فلما قدم عُبيد الله بن زياد، أخذ من في الحبس فقتلهم. جميعاً، وطلب الكفلاء بمن كفلوا به منهم، فكل من جاء بصاحبه أطلقه وقتل الخارجي، ومن لم يأت بمن كفل به منهم قتله، ثم قال لعبيد أبي بكره: هات عروة، قال: لا أقدر عليه، قال: إذا والله أقتلك، فإنك كفيله، فلم يزل يطلبه حتى دل عليه، فكتب ذلك إلى ابن زياد، قال: فلما أقيم عروة بين يديه حاوره وقد إختلف في خبره وأصحه عندنا، قال له: لقد جهزت أخاك عليَّ؟ فقال له: والله لقد كنت به ظنيناً، وكان لي عزاً، ولقد أردت له ما أردت لنفسي، فعزم عزماً فمضى عليه، فما أحب لنفسي إلا المقام وترك الخروج، قال: أفأنت
الله بن
-10 - (2/150)
صفحة 422
على رأيه؟ قال: كنا نعبد رباً واحداً، وقال: أما لأمثلن بك، قال: اختر لنفسك من القصاص ما شئت؟ فأمر به، فقطعوا يديه ورجليه، ثم قال له: كيف ترى؟ قال: أفسدت على دنياي، وأفسدت عليك آخرتك، ثم أمر به فقتل. أ هـ مع حذف.
وقريب والزحاف؛ قال الْمُؤلّف: لم أجد لهما ترجمة عن أحد من القوم، إلا ما شنع به عليهما أبو العباس المبرد، ولا غرو، فدأبه التشنيع على هذه العصابة، وإنما ذكرتهما تبعاً للشيخ أحمد بن النظر، حيث يقول:
أو كقريب عند هول مهول والثالث الزحاف يوم المحفل إذ رجما بالصخر ثم الجندل ويوم طواف الشهيد البطل
الله
قال الشارح: ثم خرج قريب الأزدي، وزحاف الطائي، وهما إبنا خالة، وعقدا لواء حين أبصرا إنتهاك حرمة الدين، فاجتمعا بالبصرة يُريدان الخروج، وعندهما جماعة من، وعندهما جماعة من المُسلمين، فبلغ خبرهما عُبيد بن زياد، فبعث إليهم الخيل والرجال، ولم يكونوا تأهبوا، فخرجا بمن معهما يُريدان الجبان، فجعل الناس يرمونهم بالصخر من فوق البيوت يميناً وشمالاً، ويقولون: الحرورية، الحرورية، فذهبت إمرأة ترميهم بصخرة، فطعنها أحد منهم بالرمح، وقاتلا ومن معهما حتى
قتلا
أ هـ (بتصرف)
وفي سيرة أبي العباس المغربي (رحمه الله): ثم خرج قريب
- 151 - (2/151)
صفحة 423
الأزدي، وزحاف الطائي، وهما إبنا خالة، فقُتلا (رحمهما الله) بحومة بني راسب، عاجلوهما ولم يكونا تهيئا للخروج، فرموهما من فوق البيوت ومن الأزقة، فبعث عُبيد الله بن أبي بكرة، إلى ابن زياد
بالكوفة: إن كان لك بالبصرة حاجة فالعجل العجل، فلما قدم قامت الخطباء على رأسه. أ هـ
قال المبرد: وكان عُبيد الله بن زياد لا يلبث عن قتل الخوارج، بحبسهم تارة، ويقتلهم تارة، وأكثر ذلك يقتلهم، ولا يتغافل عن أحد منهم، وسبب ذلك أنه كان أطلقهم من حبس زياد لما ولي بعده، فخرجوا عليه، فأما زياد فكان يقتل المعلن، ويستصلح المسر، ولا يجرد السيف حتى تزول التهمة. أ هـ
قلت: كل من قتل منهم.
أحداً، فسبيله سبيل قاتلهم بالنهروان،
لأنه جعلها سُنةٌ فيهم، وغداً إلى الله تبلى السرائر.
والكتمان: كحال أبي الشعثاء جابر بن زيد، وأبو عبيدة مسلم، وحاجب، وغيرهم من أئمة المسلمين، وإمامهم في ذلك ابن عباس (رضي الله عنهما)، فإن جابر بن زيد تلميذ له، وعنه أخذ، وقد عاشوا تحت الجورة متمسكين بدينهم، ولا بأس، فإن أئمة المُسلمين أجازوا الإقامة تحت
،
الجورة، إذا لم ينفذوا لهم جورهم، أو يأمروهم بمعصية وإلا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق: والكتمان: كحال أبي الشعثاء جابر بن زيد ... إلخ، تقدم أن الكتمان: أن لا يقدر
1101 - (2/152)
صفحة 424
المسلمون على إنكار المنكر، وإظهار الأمر بالمعروف، وهو حال رسول الله قبل الهجرة، قال له: " بدأ الدين غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء " (1)؛ كحال أبي الشعثاء جابر بن زيد؛ عده الشهرستاني في ملله من رجال الخوارج؛ وقال القطب (رحمه الله: جابر بن زيد من التابعين، ذكره في الثقات ابن حجر، ووثقه البخاري، واجتمعت عليه الأمة. أ هـ.
وفي " هامش الوضع ": أنه من الأزد، وأنه من أهل عُمان، وهو أحول، أو أعور، والأول أصح، قلت: روى أن السيدة عائشة رضي الله عنها)، حين سألها عن أحوال رسول الله، فأخبرته حتى كونه مع أهله، ثم قال لها: أحبك يا أماه، ثم راجعها، فقال لها: أحبك في الله، فأنكرت عليه، وقالت: أمحبة في غير الله يا أعور، أخذت هذا من بعض أشياخي
قال أبو ستة أيضاً: ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، وتوفي سنة ست وتسعين بالبصرة، كان من أعلم الناس وله أخبار، قال: وبلغنا أن هؤلاء العصابة يخرجون بأمر إمامهم جابر بن زيد، ويحيون
سيرة الحرب، لئلا تموت دعوتهم، ويكون جابر رداً لهم. أ هـ
وفي سيرة محبوب بن الرحيل: أن المرداس وعروة في زمانه، وخروج مرداس عن أمره، وكان أبو عُبيدة من تلامذته، وضمام بن السائب من تلامذته أيضاً، ومن تلامذته: الربيع بن حبيب،، أدركه
(1) انظر الملحق.
11071 (2/153)
صفحة 425
وهو شاب، وقل ما حمل عنه من العلم، وكان الربيع يروي عن ضمام، عن جابر، وكان جابر بن زيد أفقه من الحسن بن أبي الحسن، لكن جابر لقوم، والحسن للعامة.
ومن
کلامه، ما رواه صاحب " الدليل ": لا يحل للعالم أن يقول للجاهل: إعلم مثل عِلمي، وإلا قطعت عذرك، ولا يحل للجاهل أن يقول للعالم: أجهل مثل جهلي، وإلا قطعت عذرك، فإن قال العالم للجاهل: إعلم مثل عِلمي وإلا قطعت عذرك، قطع الله عذر العالم، وإن قال الجاهل للعالم: إجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك، قطع الله عذر الجاهل؛ ومن كلامه، ما بنيت عليه أصول الولاية والبراءة قوله: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوه
وفي " الدليل ": أنه تولى الفتوى والمساحات للحجاج، وأخذ العطايا منه، وكان جابر أخذ العلم عن ابن عباس، وعن ابن عُمر، والسيدة عائشة، وروي عنه أنه لقي سبعين ممن شهد بدراً، وأخذ عنهم، وروي عنه (رحمه الله)، أنه قال: لقيت سبعين بدرياً عنهم، فحويت ما معهم، إلا البحر، يعني: ابن عباس، وروي عنه،
فأخذت
أنه قيل له في مرضه الذي مات فيه: ماذا تشتهي؟ فقال: الحسن بن
أبي الحسن، فلما حضره وهو في السياق، قال له: قُل لَا إِلَه إِلا الله فسکت جابر، فأعاد عليه، فسكت أيضاً، فقال الحسن: {إِنَّا لِلَّهِ
وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ} (1)، مثل جابر يرتج عليه في هذا المقام، فسمعه،
(1) سورة البقرة: 156.
،
6
-108 - (2/154)
صفحة 426
فقال جابر: طال ما قلتها إن تقلبت، ثم تلا قوله تعالى: {يَومَ يَأْتِي بَعضُ أَيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إيمَانُهَا لَم تَكُن أَمَنَت مِن قَبْلُ» (1)، فقال الحسن: لِلّهِ درك من فقيه، أو كلام هذا معناه، ثم سأله ما علامة المؤمن عند الموت؟ فقال له: أن يجد برداً على قلبه، ونفساً مطمئنة، فقال جابر: الله أكبر، أما إني لأجد ذلك، ولما توفي (رحمة الله عليه)، وقف الحسن على قبره، فقال: اليوم دفن رباني هذه
الأمة.
وأبي عُبيدة، هُوَ: مسلم بن أبي كريمة، تقدم أنه من تلامذة جابر بن زيد، وأخذ عنه وعن غيره، وهو مولى لبني تميم، وامتحن وأذاه الحجاج بالسجن، وكان من أفضل أصحاب جابر
وفي " السيرة ": أن أبا عُبيدة يروي عن جابر، وعن ضمام، وأكثر ما حمل من العلم عن صحار بن العبد، وهو فقيه من فقهاء الْمُسلمين من خُراسان، وتقدم أن خروج طالب الحق عن مشورته،
ومما تقدم فيه على الخاص والعام: أنه كان حاجاً زمن هدم الحجاج الكعبة، فدخل المسجد الحرام والكعبة نقض، والناس لا يعرفون ما يفعلون، فتقدم وتلى قوله تعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَن أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتَ أَن أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (2)، وطاف، فتتابع الناس على ذلك، وروي أن واصل المعتزلي كان يتمنى لقاءه قريباً من أربعين عاماً، ويزعم أنه إن لقيه نقض عليه مذهبه في
(1) سورة الأنعام: 158
(2) سورة النمل: 91
-100 - (2/155)
صفحة 427
القدر، فإلتقيا بمكة، فقال له بعض أتباعه: هذا أبو عبيدة، فقال واصل لأبي عبيدة): أأنت تقول: أن الله يعذب على القدر؟ فقال له: بل أقول: أن الله يعذب على المقدور، ولكنك أنت تقول: أن الله يُعصى مُستكرهاً؟ فسكت واصل ولم يحر جواباً، ثم مر أبو عبيدة، فسأل واصلاً بعض خواصه، فقال له: سألته فتخلص منك، وسألك فتوقفت؟ فقال واصل: كُنت أبني له بنياناً منذ أربعين
سنة فهدمه وهو واقف، ثم بنى بيني وبينه فلم أستطع النفوذ إليه وفي " السير المغربية ": أنه تعلم العُلُوم وعلمها، ورتب روايات الحديث وأحكمها، وهو الذي يُشار إليه بالأصابع بين أقرانه، ويزدحم على زواجر وعظه، وقد إعترف له بحوز قصبات السبق، واعترف مع ذلك بضيق الباع، مع ما هو عليه من الإتساع، وإبتلى هو وضمام بسجن الحجاج إياهما (رحمهما الله).
قال أبو سفيان: لما سجن الحجاج أبا عبيدة وضماماً، منع أن
يوصل إليهما شيء، وكان يطعم أهل السجن خبز الشعير وملح الجريش وكان يعمد إلى مراكن عظام، فيسكب فيها الماء، ويطرح فيها الملح، فيضربوه حتى يخرج رغوته، فمن شرب أولاً كان أمثل، ومن شرب أخياً كان العذاب، فربما ضاق ضمام، فيقول أبو عبيدة: على من تضيق؟ ولم يخرجا من السجن حتى مات الحجاج.
تو في أبو عبيدة في خلافة أبي جعفر المنصور، بعد موت حاجب (رحمهما الله تعالى، وحاجب وغيره من أئمة المُسلمين؛ حاجب: هُوَ
??
، (2/156)
صفحة 428
ابو مودود الطائي، من طبقة أبي عُبيدة، وَهُوَ العَالِم الفيصل بين الأصحاب، بل كان كما قيل فيه: أنه بالزهد والورع موصوف، وبالعلم والفضل معروف
وفي " السير المغربية ": قال أبو سفيان: أتى حمزة الكوفي أبا عُبيدة ليذاكره في أمر القدر، فخرجنا إلى منزل حاجب فتناظرا كثيراً، وآخر ما سمع من أبي عُبيدة: يا حمزة على هذا فارقت غيلان، فخرج فكلمه حاجب، وكان هيبته من حاجب أعظم من هيبته من أبي عبيدة، فقال حمزة: إنما أخذت هذا القول عن المُسلمين، فقال له حاجب: لم تدرك أحد إلا وقد أدركته، إلا جابراً فعن من أخذته؟ فقال: عنك، فقال حاجب: إني أرجع عنه، فارجع عنه كما رجعت، فقال: أرفق بي، وأقبل ما أقول: {مَّا أَصَابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نفسك} (1)، فالحسنة من الله، والسيئة من العباد، وأقول: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلا وُسعَهَا} (2)، فقال له: إما هذه الكلمة فمقبولة من غيرك، وأما منك فأنا أعرف مذهبك أولاً، فخرج، فسئل عنه حاجب، فقال: أرفقوا بحمزة، ثم بلغهم بعد مدة أنه مشى إلى النساء والضعفاء فكلمهم، فأمر أبو عُبيدة حاجباً، فجمع له الناس، فتكلم المتكلمون، ثم تكلم حاجب، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن حمزة وعطية أحدثا علينا أحداثاً، فمن أواهما، أو أنزلهما، أو جالسهما، فهو عندنا الخائن الْمُتهم، فتفرق الناس، وطردا من
المجلس. أ هـ.
(1) سورة النساء: 79
(2) سورة البقرة: 286.
-101 - (2/157)
صفحة 429
ومنها أيضاً، قال أبو سفيان، عن وائل: أن حاجباً قدم مكة عام وقع بين أهل حضرموت ما وقع في أمر عبد الله بن سعيد، حين جعلوه في الحديد وبايعوا حسناً، وخالفت طائفة يكرهون ما فعل به، فبعث هؤلاء رجالاً، وهؤلاء رجالاً، فدخلوا على حاجب وهو أرمد، فقال: لقد خرجت من أجلكم، فما أبصر من البصرة سهلاً ولا جبلاً، ومما أرجوا من قضاء نسكي يا أهل حضرموت، إنكم قد غلبتمونا، فقال وائل: يرحمك الله لا نخرج من رأيك، فقال له: اسكت والله ما أريدك ولا أُصاحبك، فقال الذين أنكروا على عبد الله: ما أحق بالأمر الدافع أم بالشاري؟ قال: بل الشاري، فقال أصحاب أبي سعيد: أما إذا شروا فليخرجوا عنا فإنا لا طاقة لنا بالحرب، فقال: صدقوا، أخرجوا عنهم، فقالوا: يؤجلوننا شهراً، فقال: لا والله ولا ثلاثة أيام برضاهم، قال أبو سفيان: وكان حاجب هو القائم بمثل هذه الأمور
في مثل هذه الأشياء، من أمر الحرب وجمع المال والمعونة. أ هـ.
وغيرهم من أئمة المُسلمين، أي: غير هؤلاء المذكورين، مثل: ضمام بن السائب، وأبو نوح، وأبو المورج، وأمثالهم، كما تشهد بذلك الآثار والسير من الْمُوافق والْمُخالف؛ وإمامهم في ذلك، أي: إمام هذه العصابة في ذلك، أي: في الكتمان، إبن عباس، هُوَ: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم فقه ابن عباس وعلمه التأويل " (1)، وكانوا يُلقبونه بالبحر، وسمعت مُفارقته لعلى، وما جرى بينهما بعد
(1) انظر الملحق.
14811 (2/158)
صفحة 430
النهروان، وكذا سمعت قول جابر فيه أيضاً، وكان عطاء يقول: ما رأيت مجلساً أكرم من مجلس ابن عباس، أهل الفقه يسألونه، وأهل
الحديث يسألونه، وأصحاب التفسير يسألونه، كُلاً يُجيب، ويذهب معه في بحر واسع.
6
وقال مجاهد: أجلس إلى ابن عباس يوماً، وإلى ابن عُمر يوماً فكان ابن عباس يُجيب في كل ما يُسأل عنه، وكان ابن عُمر يرد أكثر
ما يُسأل عنه
وقال محمد بن سيرين: ما رأيت مثل ابن عباس، أكثر حديثاً، وفهماً، ولا أكثر خُبزاً ولا لحماً، يُشير إلى كرمه؛ ومما رواه عبد الله بن عباس، قال: كُنت رديفاً لرسول الله وأنا غُلام، فقال: " يا غُلام تقرب إلى الله في الرخاء، يجرك عند البلاء، واحفظ من الله، يحفظك الله
11
6
وله أخبار.
وقال أبو العباس المبرد: أن نافع بن الأزرق ينتجع عبد الله بن عباس فيسأله، وله عنه مسائل من القُرآن وغيره، قد رجع إليه في تفسيرها ..
حدث أبو عبيدة معمر بن المثني التيمي، عن أسامة بن زيد، عن عكرمة، قال: رأيت ابن عباس وعنده نافع بن الأزرق، وهو يسأله ويطلب الإحتجاج باللغة، فإذا سأله عن شيء، قال له: وهل تعرف العرب ذلك؟ فيقول ابن عباس: نعم، فيسأله عن قول الله عز وجل:
-109 - (2/159)
صفحة 431
وَالليل وَمَا وَسَقَ} (1)، فقال: وما جمع، فقال: أتعرف ذلك
العرب؟ فقال ابن عباس: أما سمعت قول الراجز:
إن لنا قلائصاً حقائقاً مستوسقات لو يجدن سائقا
والقصة مشهورة؛ وقال ابن حجر: أن ابن الزبير كتب إلى ابن
لله
عباس (ه) ليبايعه، فأبى، فظن يزيد بن معاوية أن ذلك رعاية له فكتب إلى ابن عباس بذلك، وبخذلان ابن الزبير وتنفير الناس عنه، وأن يزيد يُحسن جائزته، فكتب إليه ابن عباس، وأطال في سبه وتقبيحه، وأنه لم يمتنع من مُبايعة ابن الزبير لرجاء جائزة يزيد، ولا معرفة لحقه، وأنه لا يدعوا أحداً إلى يزيد، ولا يخذل عن ابن الزبير، وأن يزيد يحبس عنه بره وصلته، ليكون ابن عباس حابساً عنا ونصره، ثم أطال في الخط على أبيه بما صنع في إستلحاق زياد، وعلى يزيد بما إستباح من حُرمة آل الرسول، حتى قتل حسيناً وكثيرين من أهل البيت، وسبي، ذراريهم، واستباح حرمة المدينة الْمُكرمة المُعظمة، وحُرمة أهلها، حتى أباح العظائم بالقتل والنهب أياماً. أ هـ.
عنه وده
،
توفي ابن عباس وعُمره إثنان وتسعون سنة، وقيل عن أبي عبيدة مسلم: إثنان وسبعون، وقد كف بصره آخر عُمره، وكان يقول: أن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور
(1) سورة الإنشقاق: 17. (2/160)
صفحة 432
قلبي ذكي وعقلي غير مدخل وفي فمي صارم كالسيف مأثور
فإن جابر بن زيد تلميذ له، وعنه أخذ ـ تقدم معنى هذا الكلام - وقد عاشوا تحت الجورة متمسكين بدينهم، أي: غير قادرين على الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، بل سبيلهم الكتمان، تمسكاً بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: " وإلا فعيشوا تحتهم فدادين، حتى تلقوني بأسوء حال " (1)، والذي يظهر أن بأسوء حال متعلق بعيشوا لا بتلقوني، أي: عيشوا بأسوء حال حتى تلقوني، وذلك إذا لم يقدروا على ضرب قريش حتى يبدوا خضراءهم، وإنما ذكر قُريشاً تغليباً لما كشف له أنهم ولاة الأمر بعده، وإلا فكل جبار كذلك ولا بأس، أي: عليهم في الإقامة تحتهم مكتتمين، لأنه: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} (2)، خلافاً للخوارج من الأزارقة والنجدات وغيرهما، فإن أئمة المُسلمين أجازوا الإقامة تحت الجورة، أي: مُنكرين الْمُنكر بقلوبهم، إن لم يستطيعوا الإنكار باليد ولا باللسان
قال في " الدليل ": واعلم أنه يجوز الغزو معهم لجميع المشركين الذين حل قتالهم؛ قال: والناس تحت الظلمة على طبقات، الأولى:
6
من باين الظلمة وناصبهم ما قدر، وهو يأمرهم وينهاهم عن المنكر ويُرد عليهم سوء مذهبهم ويُناقضهم، وكان معروفاً عند الناس في ذلك، فهذا يسوغ له الكون تحتهم، والجهاد معهم، ويأخذ سهمه من الغنيمة، ويلي لهم على الفتوى، وقسمة المساحات، لجابر بن زيد،
(1) انظر الملحق (2) سورة البقرة: 286 (2/161)
صفحة 433
والحسن البصري، وشريح، وابن عباس، وكثير من الصحابة، فهؤلاء ليس عليهم بأس أن يلوا من الأمور ما ليس به بأس، بشرط أن يعملوا بأمر الله، ويستعملوا طريقة العدل، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يكونوا معاونين لأهل الباطل، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله الظالمين وأعوانهم، ولو بمدة قلم "؛ وقال: وأما من لم يكن له عهد بهذه الأمور، فلا ينبغي أن يلي من أمورهم شيئاً، إلا أن يكون أمراً يعرف الناس صلاحه، فلا بأس عليه، وأما أن يُريد صلاح المُسلمين، فإن كان أمراً يعرفه ويعرف صلاحه فلا بأس، وأما إن راودوه على معصيتهم أو أكرهوه عليها فلا، وأما أن يلي أمور المساجد، أو الإقامة، والتأذين، والمحاضر، والتذكير، فلا بأس، وأما أن يصير أميناً على الأسواق، أو على المقاسم، أو عوناً، أو رأس الأعوان، أو عريفاً لهم، أو من الحرس، أو على الدواوين، دواوين الجنود، والخراج، وجباية الأموال، والحراسة من عدو يُحاربهم ظالماً، أو مظلوماً، فلا في هذا كله، وأما إن كان لهم أميناً في أمور المعصية كلها، فمن ظهرت منه معصية أخبرهم بها، فإنه لا يأمن أن يعاقبون العاصي بخلاف مُقتضيات الشريعة، فلا يكون أميناً، ولا يخبرهم. أهـ مع حذف
وبالجملة، فأحكام الجبابرة موضعها كتب الفقه، وقد أتينا على
نبذة منها، ونذكر مسائل بيننا وبين المُشركين.
قال في " الدليل ": لا يجوز لمن يتخذ دار الشرك وطناً، لقول
-177 - (2/162)
صفحة 434
رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث من الكبائر: خروجك من أمتك، وتبديلك سنتك، وقتالك أهل صفقتك "، ومعنى خروجك من أُمتك، أراد بذلك إتخاذك دار الشرك وطناً، وقال الله في المُسلمين والمشركين: " لا تنزا آي نارهما "، دليل على أنه لا تجوز مُساكنتهم، ويجوز لنا السفر إلى بلادهم، إن أمنا أن لا يغدوا ولا يجروا علينا أحكامهم، ولا يكرهون على معصية، ويجوز دخولنا عليهم عيونا، وجواسيس، ودعاة إلى الإسلام، وإلى الصلح، أو نقضه، أو لأمر للمسلمين فيه فرج، وإن طلبوا منا الأمان للتصرف في بلادنا لتجارة، أو للإسلام، أو رسل إلينا، فجائز لنا تركهم، وإن غزا الْمُشركون بلاد المُسلمين، جاز لأهل البلاد الكون معهم وتحتهم، وتجري عليهم أحكامهم، ولا يجوز لأحد أن ينزلها ويتخذها وطناً من سائر الناس، وإن خرج أحد من المُسلمين من بلاده من خوفهم، فهو مثل من لم يسكنها قط، وإن كان المشركون أهل كتاب، كاليهود والنصارى، فللمسلمين مخالطتهم، ومبايعتهم، ومواكلتهم، ويأكلون ذبائحهم، وسمنهم، وأقطهم، وجبنهم، إن لم يظهروا على حرام؛ قال: وإن اتهموهم على النجاسة، فليتحرجوا منهم ما قدروا، ولا يتزوجون إليهم، ولا يتسرون، ولا ينكحونهم، ويُعاملونهم في أموالهم، ولا يحذرون منها شيئاً؛ قال: ولا يُعاملونهم بالربا، ويدفعون عن بلدهم، إلا عساكر المُسلمين، فلا يدفعونهم، ويتقون من المجوسي جميع ما يُؤكل؛ قال: ويجوز لنا منهم جميع ما يجوز للمُسلمين، الذين لم يتملكوهم من غدر، وخيانة، ودلالة، والخروج عليهم؛ قال: وإن دخلنا بلادهم
-197 - (2/163)
صفحة 435
بأمان، فلا نخون، ولا نغدر. أ هـ بإختصار
ومسائل ما بيننا وبين المُشركين أكثر من أن تُحصى، فمن أرادها فليطلبها من مظانها؛ إذا لم ينفذوا لهم جورهم، قد سمعت ما يجوز لهم معهم، وما لا يجوز، أما إذا نفذوا لهم جورهم، فهم شركاء فيه، وللمجني عليه إن قدر أن يأخذ أيهم شاء بالخيانة، وتقدم أنه يجوز الغزو معهم لجميع الْمُشركين، إذا كانوا مُتدينين، والأخذ للعطاء من الغنيمة، والخمس، والصدقات، وتجوز الجمعة والجماعة خلفهم إن أقاموها، وأما ما يتعلق بالحدود والقصاص، فإنه يفعل معهم جميع الحدود، إن ثبتت بالحجة الشرعية، كالرجم للمحصن، ويُجلد القاذف، والزاني البكر، وغير ذلك مما أتوه على وجهه على الأصح، لأنه من التعاون على البر، أما لو جبروه بأن يفعل فعلاً لا يرضاه، فإنه يكون معدماً للرضى، وأما الفعل فهو بإختياره، لكن جاز له أن يتقي على نفسه في القول، ولو أجبر على الشرك بالله، إذا إطمئن قلبه بالإيمان، وكذا لو أكره في القول بما لا يضر بفعله أحداً.
قال شارح " النونية ": وأن التقية بالقول عن الموت جائزة في كل قول، بشرط إطمئنان القلب بالحق فيما يُقال، وذلك كتحقيق الباطل، وإبطال الحق، وولاية الكافرين، وبراءة المُسلمين، وتصويب ديانات المخالفين، ونسبة شخص لغير أبيه، وإنكار الزوجة وإثباتها، وإثبات العبودية للنفس أو للغير، وأنها لا تجوز في قذف المحصنات، خلافاً لأبي عبد الله محمد بن بركة العُماني (رحمه الله) في قوله بها، فيه قولاً
-198 - (2/164)
صفحة 436
أنزل
6
ضعيفاً، ولا في الفتوى بغير حق، ولا في شهادة الزور، وأجازها بعض العُلماء في هذه الثلاثة، وفي كل ما يقوله اللسان من القول، بغير ما الله، والكذب والبهتان، قياساً على الشرك الذي هو أعظم منها، وأنها إنما تجوز في إتلاف النفس دون إتلاف المال، إذا لم يكن إتلافه مؤدياً إلى إتلافها، فإن كان كذلك، جازت فيه أيضاً ودون، نحو: الحبس، والضرب، والجوع والعطش، إن لم تؤد إلى تلف النفس، فإن أدت إليه، جازت فيها أيضاً دون نفس الغير وماله، كأن يقول: ظالم الشخص إن لم تقل بالهين إثنين، قتلت فلاناً، أو أتلفت ماله، فإنه لا يقول ذلك، إلا إذا كان عدم القول به يُؤدي إلى تلف نفسه، وإنها لا تجوز في الفعل، كالقتل، والزنا، وأكل أموال الناس بالباطل، والفساد في الأموال والأنفس، والتجسيس فيهما، وإلقاء السلاح للعدو، وإعطاء اللباس له، وشرب الخمر، وأقذار بني آدم، وأكل ما لا يختلف في نجاسته من نحو الأبوال، فمن أُكره بالقتل على فعل شيء من ذلك ونحوه، فإنه يُقتل ولا يجوز له فعله، وأجازها بعض العُلماء في الأفعال كلها من نحو: شرب الخمر والأنجاس، وأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وأجاز بعضهم تنجية النفس عن الإكراه على نحو: أكل مال الغير، أو شربه، والإنتفاع به بأي وجه كان، وأجاز أيضاً للمُضطر بالجوع والعطش أن يُنجي نفسه من الموت، بأكله أو شربه من مال غيره، قدر ما يُنجيه منه فقط، أو يُعطى مثل ما أكله، أو شربه، أو قيمته لصاحبه، ولا يجوز له مُجاوزة القدر الذي يُنجي به نفسه من الهلاك، واختلف فيمن
- 165 - (2/165)
صفحة 437
أكره على أكل الميتة أو نحوها؛ فقال بعضهم: لا يأكلها لأنها إنما اح للجائع العادم غيرها فقط؛ وقال بعضهم: يأكلها لأنها أُبيحت لتنجية النفس من الهلاك، وأجاز بعض المعتزلة التقية في فعل جميع المعاصي قياساً على القول، إلا ما كان فيه ظلم الغير؛ وقال بعض العلماء: لا يسوغ القول بالكفر إلا بطريق التعريض، لقوله: " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب " (1). أ هـ
أو يأمروهم بمعصية، تقدم ما يجوز معهم، وما تجوز التقية لهم فيه، فإن أمروهم بالمعاصي، فأمر الله أحق أن يتبعوه، ومُقدم على أمر فراغتهم؛ ولهذا قال في المتن: وإلا، أي: وإن لم يمتثلوا أمر الله، افلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "، وهذا حديث عن رسول الله، وقد قال الصديق الأكبر): أطيعوني ما أطعت الله، فإذا
عصيته فلا طاعة لي عليكم
وعبد
وعبد الله
بن أباض، المنسوب إليه المذهب، هُوَ من
،
التابعين، لكنه أظهر الدعوة، وأرسل الرسائل إلى البلدان لأنه كان عزيزاً في قومه، ولم يستكن، بل قام لله: الله بن أباض ... إلخ، هو واسطة العقد، بل هو العلم الذي يهتدى بمناره، والحائز لقصبات السبق في مضماره، وإنما نُسب إليه المذهب، لأن المحكمة كانت كلمتهم واحدة، لا يختلفون إلا في شاذ من الفروع، كما قال المبرد في كامله، ثم إفترقوا، وأول من
(1) انظر الملحق.
-177 - (2/166)
صفحة 438
فرق كلمتهم وأحدث عليهم نافع بن الأزرق، وذلك أن المحكمة خرجوا للذب عن حرم الله، إذ أباح مسلم المسرف من طرف يزيد المدينة، وفعل في أهلها الْمُنكرات الهائلة، وأنهم يعينون ابن الزبير حين أظهر لهم أنه على رأيهم خدعة منه، حتى إمتحنوه وعرفوا ما عنده ففارقوه، ثم مات يزيد بن معاوية وضعفت شوكة ابن زياد بالبصرة، وكان في حبسه قدر أربعمائة منهم، فكلم فيهم فأطلقهم، فخرجوا عليه وأوهنوه، فانتقل إلى الأزد، فهاجت الحرب بين الأزد، وربيعة، وتميم، فاعتزلت المحكمة الحرب، إلا من أخذته العصبية على قومه، فأظهر المحكمة بالبصرة كلمتهم، وطردوا منها عُمال الجبابرة، وهم على رأي واحد، يتولون أهل النهروان، وأهل النخيلة، ومرداساً وأصحابه، ونافع بن الأزرق يومئذ بالأهواز، فأحدث نافع أحداثاً،
منها: أنه رأي الإستعراض للعامة، ومنها: أنه رأي الدار دار كفر
فأباح السبا والغنيمة إلا من أظهر إيمانه، وأنه لا تحل ذبائحهم، ولا
منهم
6
،
موارثتهم، ولا مناكحتهم، وإن جاءنا أحد فعلينا أن نمتحنه وهم مثل كفار العرب، لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومنها: أن القعدة عن الحرب بمنزلتهم، أي: كفار، والتقية لا تحل لأحد في قول ولا فعل، فنفر منه جل المحكمة، فوقعت بينه وبينهم مناظرات، ومُراجعات، ومُكاتبات، يطول ذكرها، فلما ورد كتابه إلى محكمة البصرة، وفيهم الإمام عبد الله بن أباض (رحمه الله)، وأبو بيهس الهيضم بن جابر الضبعي، فجرت بينهما محاورة، فكان من كلام أبي بيهس، أن قال: أن نافعاً غلا فكفر، وأنت قصرت فكفرت،
-174 - (2/167)
صفحة 439
وتزعم أن من خالف ليس بمُشرك، وإنما هم كفار النعم، لتمسكهم بالكتاب، وإقرارهم بالرسول الله، وزعمت أن مناكحتهم، ومُوارثتهم، والإقامة معهم، حلال طلق، وأنا أقول: أن أعداءنا كأعداء رسول الله، تحل لنا الإقامة فيهم، كما فعل المسلمون في إقامتهم بمكة،
وأحكام المُشركين تجري فيهم، وأزعم أن مُوارثتهم، ومُناكحتهم: تجوز، لأنهم مُنافقون يُظهرون الإسلام، وأن حكمهم عند الله حكم
المُشركين، فصارت المحكمة حينئذ ثلاث فرق، لهم ثلاثة أقاويل، قول نافع في البراءة، والإستعراض، وإستحلال الأمانة، وقتل الأطفال، وقول أبي بيهس، وقول الإمام عبد الله بن أباض.
،
،
قال المبرد في كامله: وقول عبد الله بن أباض هُوَ أقرب إلى السُنة من أقاويل الضلال والصفرية، والنجدية تقول في ذلك الوقت بقول
عبد
الله بن أباض. أ هـ
ثم إضطرب كلام النسخة التي معي، وأقول كما قال أبو حمزة سالم بن غسان الخروصي
أعادينا بمفخرنا شهود وخير القوم من شهدت عداها وجُلَّ هذا لخصته من " كامل " المبرد، فإذا سمعت فاعلم أن ما كُتب القوم الكلامية من الإضافات إلى الأباضية، إنها من زخرفاتهم العجيبة، مثل: الإستطاعة قبل الفعل، ومثل: بعث نبي بلا حجة ولا، وغير ذلك مما ينسبونه إليهم، كذب بحت، وأنت إذا
في
معجزة
-174 - (2/168)
صفحة 440
تأملت في كتابنا هذا، علمت أن الحق له نور ساطع، وبرهان قاطع، وقولنا المنسوب إليه المذهب تقدم، كون المذهب منسوباً إليه صدر الكتاب، عند قولنا: في معتقدنا معشر الأباضية، هو من التابعين، أي: ممن أدرك بعض الصحابة، فالتابعي من أدرك أحداً منهم، فإنه أدرك أحداً منهم، فإنه أدرك ابن عباس وعائشة ()
عبد
قال في " كشف الغمة
الملك
: عبد الله بن أباض، من تميم، من رهط
الأحنف بن قيس، نشأ في زمان معاوية بن أبي سفيان، وعاش إلى زمن بن مروان؛ قال: ورفع المذهب عن ابن عباس، وأبي الشعثاء جابر بن زيد، وعن أهل النخيلة، والنهروان، ومن بقي من أهل صفين، وأهل النخيلة، والتابعين لهم بإحسان ... إلخ.
وفي " السير المغربية ": أنه إمام أهل التحقيق، والعمدة في المذهب، عند شغب التفريق، سلك بأصحابه محجة العدل، وفارق سبل الضلالة والجهل، وكان كثيراً ما يُبدي النصائح لعبد الملك وغيره، وله مُناظرات مع الخوارج وغيرهم، وكان يرد ويصدر في أموره عن رأي جابر بن زيد. أ هـ.
ثم
قلنا: لكنه أظهر الدعوة: أي: بين للناس ما يدعوه إليه هو وأصحابه من قواعد للمُسلمين، وخالف أهل الزيغ، ومن تفرقت بهم السبل عن سبيل ربهم، وأرسل الرسائل إلى البلدان، أي: بما هو عليه من الإعتقاد الحق، ولو لم تكن له إلا الرسالة المشهورة، التي أجاب بها عبد الملك بن مروان، في أمر عُثمان، ومن شائعه وحذا
-199 - (2/169)
صفحة 441
حذوه، لكفى بها دليلاً على شرفه وعزه، ومن كلامه في تلك الرسالة مخاطباً له: وأوصيك بتقوى الله، فإن العاقبة للتقوى؛ قال: وأما ما ذكرت عن عُثمان، والذي عرضت به من شأن الأمة، فإنه ليس لأحد أن يُنكر على الله شهادته، حيث يقول سبحانه: {وَمَن لَّم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (1)، وهذا عام؛ وقال: ولقد كان عثمان كما ذكرت من قدمه في الإسلام، ولكن الله تعالى لم يجر العباد من الفتنة؛ حتى قال: والْمُؤمنون شهداء لِلهِ في الأرض، ثم أطال في أمر عثمان وغيره، وما نقمه الْمُسلمون عليهم ـ وقد تقدم فلا تطيل الكتاب ـ لأنه كان عزيزاً في قومه، هذا ظاهر لا يحتاج إلى بيان، ومن عزه وشرفه، مُجاهرته للملوك بما هو عليه من الحق، وقد عرفت أن أئمة المذهب أكثرهم في غاية من الكتمان، ومن أظهر منهم کلمته، وأعلن دعوته، تظاهرت عليه الأعداء، فهم بين قتيل تذري على جسده الرياح، وأسير في سجون الجبارين، وقد أسمعناك بعض أخبارهم، فإن أردت المزيد، فارجع إلى سيرهم وآثارهم، ولم يستكن، بل قام لله، أي: داعياً إلى دينه، وناقضاً على مخالفيه ــ كما قدمنا ــ لكنه لم يقم مُحارباً بسيفه وسنانه، بل كان إحتجاجه أشد من السهام
النافذة في مقاتل الأعداء
ثمة قُلنا ومن
•
: قال ابن الأثير: عبد الله بن أباض أراد الخروج بالبصرة، فسمع رنين الْمُؤذنين، وقراءة القراء، وذكر الذاكرين،
فقال: لا أخرج على هؤلاء. أ. هـ.
(1) سورة المائدة: 45. (2/170)
صفحة 442
ابن الأثير، أي: الشيباني، صاحب التاريخ المسمى بـ " الكامل "، وكلامه هذا نقله قطب الأئمة في كتابه " إزالة الإعتراض "؛ ثم قال عنه): أنه. من مذهبنا إعتقاد أن الشتم ليس بعبادة. أ هـ.
(عفي
الله
وإنما إخترنا نقله، لأنه شاهد لعبد الله، أنه مُخالف لطريقة من جوز الإعتراض للعامة، وهذا عين ما حكاه أبو يعقوب في " دليله "، حيث قال: وقد جرى لعبد الله بن أباض شيء من هذا، وذلك أنه اتفق مع أصحابه بمنارة الجامع، أن يجتمعوا فيها آخر الليل، للإتفاق على الخروج، فقام آخر الليل، فسبقهم إلى المنارة وجلس عندها، إذ سمع أصوات الْمُؤذنين، ورنين المتعبدين، وصنوف الأذكار في الأسحار، فقال لهم: لست منكم في شيء، أعلى هؤلاء يجوز الخروج والإستعراض، ثم فارقهم، فسلم وتورطوا؛ إلى أن قال: وذلك أن طريقة عبد الله بن أباض، إنما هو الخروج على الملوك الجورة، لا على العامة المسخرة، كطريقة أبي بلال (رحمه الله. أ هـ.
فمن أجل ذلك، قال الْمُؤلّف: لأن المذهب الخروج على
6
الملوك الظلمة، والسلاطين الجورة، إذا بدلوا الأحكام وطمسوا معالم الإسلام، فمن شاء أقام تحتهم، متمسكاً بدينه، ومن أراد الخروج عليهم جازته: لأن المذهب، أي: المعتقد الحق، والطريقة المثلى، جواز الخروج على الملوك، أي: القاهرين للعامة، المُتسلطين الظلمة، أي: المتجاوزين لحدود الشرع
171 - (2/171)
صفحة 443
إذا بدلوا الأحكام، أي: أوامر الله ونواهيه، بأن حكموا بالهوى، ولم تقدهم ديانة، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَا تُطِع مِنهُم أَثِماً أو كَفُوراً) (1)، وقال سبحانه: {وَلَا تَركَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} (2)، في غيرها، فكيف تجوز مؤاثرة طاعة الجبارين على طاعة رب العالمين، إن هذا إلا قول مختلف، أم ترى أن مُؤاثرة الحياة الدُّنيا أضر من العقبى.
ولهذا قال في " الدليل ": وقد إختلفت الأمة في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: قول أهل الدعوة: أنه جائز الخروج عليهم، وقتالهم، ومناصبتهم، والإمتناع من إجراء أحكامهم، إذا كنا في غير حكمهم، وأما إذا كنا تحت حكمهم، فلا يسعنا الإمتناع من كثير من أحكامهم، وإن أردنا الشراء والخروج عليهم جاز لنا؛ الثاني: قول المخالفين: أنه لا يجوز الخروج عليهم، ولا قتالهم، ولا الإمتناع من أحكامهم، ولا الدفاع؛ الثالث: مذهب الأزارقة، والصفرية، والنجدات: في الإستعراض لسائر الخلق، الملوك وأجنادها، والرعية وعوامها، لأنهم حكموا على الجميع بالشرك، فاستعرضوا الجميع وأجروا عليهم حُكم المُشركين، من القتل، والسبي، والغنيمة. أهـ
(بتصرف)
قلت
فإن قلت: تقدم أن الصفرية والنجدات تقول بقول الأباضية؟: لكل منهم قوله يعرفون بها وسيأتي، وإنما كان بدأ أمر
(1) سورة الإنسان: 24. (2) سورة هود: 113.
،
- 172 - (2/172)
صفحة 444
الخوارج كلهم على كلمة واحدة فتفرقوا، وكان أمر أكثرهم فرطا ولما كان أمر الخروج على الجبابرة وعدمه مناطاً بأمر الإمامة، لأن الإمام العدل لا يسع جهله - كما تقدم - وكذا إمام الجور.
(بتاء
،
جعل الْمُؤلّف كلام المسعودي كالشهادة على قول الأئمة، ولأنه من المخالفين، لكونه حجة عليهم كلامهم، فقال: ولتذكر هنا كلاماً للمسعودي، حتى تعلم أن جل فرق الإسلام على ما ما قلناه: ولتذكر الخطاب بعد لام الأمر)؛ وهنا: إشارة إلى المقام، أي: الذي نحن فيه الآن؛ كلاماً: اسم جنس لما يتكلم به، قليلاً كان أو كثيراً، وفي الإصطلاح ما تضمن كلمتين بالإسناد، والمراد هنا به الألفاظ الدالة على المعاني الآتية؛ والمسعودي: هُوَ العلامة عَلَي بن الْحُسين والكلام الآتي ذكره، إنما ذكره في ترجمة يزيد وإبراهيم ابني الوليد بن الملك، حتى تعلم بناء الخطاب، أي: تتيقن أيها الواقف على ذلك أن جل، أي: مُعظم فرق الإسلام جمع فرقة، وهي الطائفة المباينة لغيرها في الأصول، على ما قُلنا، أي: إعتقادناه في أمر الإمامة أنها إختيار، وأن الإمام لا يلزم أن يكون هاشمياً معصوماً، بل لا عصمة لغير الأنبياء - كما قدمنا - ولا قُريشياً وإن خان، لأن الخائن لا إمامة له، والإمامة استثمار من الله ورسوله على عباده في بلاده، قال تعالى: وَلَا تُطِيعُوا أَمرَ الْمُسْرِفِينَ} (1)، وقال سبحانه وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِع غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (2)؛ قال: كانت المعتزلة
عبد
(1) سورة الشعراء: 151.
(2) سورة النساء: 115.
- 173 - (2/173)
صفحة 445
الله
وغيرها من الطوائف، تذهب إلى أن الإمامة إختيار من الأمة، وذلك أن عز وجل لم ينص على رجل بعينه، وأن إختيار ذلك مفوض إلى الأمة، تختار رجلاً منها ينفذ أحكامهم، سواء كان قرشياً أو غيره من ملة الإسلام، وأهل العدل والإيمان، ولم يراعوا في ذلك النسب ولا غيره، وواجب على أهل كل عصر أن يفعلوا ذلك. أ هـ.
قوله: كانت المعتزلة ... إلخ؛ المعتزله هم أصحاب: واصل بن عطاء المُلقب: بالغزال، قيل: لطول عُنقه، وقيل غير ذلك، وكان
ممن يقول بالقدر، وتقدمت له مُناظرة أبي عبيدة (رحمه الله)
قال المسعودي عند ذكره يزيد الناقص، وسمي بذلك لنقص بعض الجند من أرزاقهم، قال: وكان يذهب إلى قول المعتزلة وما يذهبون إليه في الأصول الخمسة، من التوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد، والأسماء، والأحكام، والقول بالمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفسير قولهم فيما ذهبوا إليه من الباب الأول وهو باب التوحيد، هو: ما إجتمعت عليه المعتزلة من البصريين والبغداديين وغيرهم، وإن كانوا في غير ذلك من فروعهم مُتباينين من أن الله عز وجل لا كالأشياء، وإنه ليس بجسم، ولا عرض، ولا عُنصر، ولا جزء، ولا جوهر، بل هو الخالق للجسم، والعرض، والعُنصر، والجزء، والجوهر، وإن شيئاً من الحواس لا يُدركه في الدنيا ولا في الآخرة، وأنه لا يحصره المكان، ولا تحويه الأقطار، بل هو الذي لم يزل، ولا زمان، ولا مكان، ولا نهاية، ولا حد، وأنه
-1 VE - (2/174)
صفحة 446
يحب
الخالق للأشياء، المُبدع لها، المُبدع لها، لا من شيء، وأنه القديم، وإنما سواه محدث؛ وأما قوله: بالعدل، وهو الأصل الثاني، فهو: أن الله لا الفساد، ولا يخلق أفعال العباد، بل يفعلون ما أمروا به ونهوا عنه، بالقدرة التي جعلها الله لهم وركبها فيهم، وأنه لم يأمر إلا بما أراد، ولم ينه إلا عما كره، وأنه ولي كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها، لم يُكلف ما لا يطيقون، ولا أراد منهم ما لا يقدرون عليه، وإن أحداً لا يقدر على قبض ولا بسط، إلا بقدرة الله التي أعطاهم إياها، وَهُوَ الْمالك لها دونهم، يفنيها إذا شاء، ويُبقيها إذا شاء، ولو شاء لجبر الخلق على طاعته، ومنعهم إضطراراً عن معصية، ولكان على ذلك قادراً، غير أنه لا يفعل، إذ كان في ذلك رفع للمحنة وإزالة للبلوى؛ وأما القول: بالوعيد، وهو الأصل الثالث، فهو: أن الله لا يغفر لمُرتكب الكبائر إلا بالتوبة، وأنه لصادق في وعده ووعيده، لا مبدل لكلماته؛ وأما القول: بالمنزلة بين المنزلتين، وهو الأصل الرابع، فهو: أن الفاسق الْمُرتكب للكبائر ليس بمؤمن ولا كافر، بل يُسمى فاسقاً، على حسب ما ورد التوقيف بتسميته، وأجمع أهل الصلاة على فسوقه
قال المسعودي: وبهذا الباب سُميت المعتزلة: وهو الإعتزال، وهو الموصوف بالأسماء والأحكام، مع ما تقدم من الوعيد في الفاسق الخلود في النار؛ وأما القول: بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن الْمُنكر، وهو الأصل الخامس، فهو: إنما ذكره على سائر الْمُؤمنين واجب، على حسب استطاعتهم في ذلك، بالسيف فما دونه، وإن
من
1170 - (2/175)
صفحة 447
كان كالجهاد، ولا فرق بين مُجاهدة الكافر والفاسق، فهذا ما إجتمعت عليه المعتزلة. أ هـ.
فوقي
سقيفة
الأمة
وأنت إذا عرفت بما مر في هذا الكتاب، عرفت خلافهم لك، ووفاقهم فيما وافقوا وخالفوا، وغيرها، أي: غير المعتزلة من الطوائف، أي: طوائف المُسلمين، أي: فرق الإسلام من غير المعتزلة، ممن مذهبه عدم النص، فذهب أن الإمامة إختيار من - تقدم تفسير ذلك ـ وذلك أن الله تعالى لم ينص على أحد بعينه؛ فمن ثم قال سيدنا عمر بن الخطاب (ه): أن بيعة أبي بكر كانت فلتة الله شرها، فمن فعل ذلك فاقتلوه، أي: من فعل ذلك بغير مشورة من أهل الحل والعقد من الْمُسلمين - كما عليه إئمتنا - وبيعة أبي بكر كانت بمشورة، كيف وأكابر المُهاجرين والأنصار حضور في ساعدة - - كما تقدم - وأن إختيار ذلك مفوض إلى الأمة، أي: إلى علماء الأمة وأكابرها، تختار، أي: الأمة، رجلاً منها، أي: كملت فيه الشروط الْمُتقدمة، يُنفذ أحكامهم، أي: يقوم بواجبات الشرع، سواء كان قُرشياً، أو غيره من ملة الإسلام، لأنه حجة الله في بلاده، ولا حجة لكافر على مُؤمن، لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، ومن أهل العدل والإيمان، أي: وأن العدالة شرط فيه، وإذا كانت شرط في الشاهد الذي يكون حجة على الغير في إنفاذ الحكم، فما ظنك بالإمام القائم بأمر الله في بلاده وعلى عباده، ولم يُراعوا في ذلك النسب ولا غيره، أما النسب فهو ما ينبغي ـ إن أمكن - وإلا فما فائدته مع الخيانة وعدم الأمانة، قال الله تعالى: {إِنَّ
ممن
بني
- 176 - (2/176)
صفحة 448
أكرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتْقَاكُم} (1)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سلمان منا أهل البيت "، وقد قيل في ذلك:
لعمرك ما الإنسان إلا ابن دينه فلا تترك التقوى إعتماداً على النسب فقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الجهل الشقي أبا لهب
ولم يُراعوا في ذلك النسب ولا غيره، ولا أدري ما مُراده بالغيرية هنا، وواجب على أهل كل عصر أن يفعلوا ذلك، أي: مع إستكمال الشروط المُتقدمة.
قال الإمام أبو سعيد رحمه الله تعالى)، في " الإستقامة ": ومما أوجب الله تعالى فرضاً ثابتاً على عباده في كتابه: طاعة أولي الأمر منهم؛ حتى قال: وأجمع أهل الإستقامة من الأمة على طاعة الإمام العدل، ما أطاع الله ورسوله، وعمل بكتابه وسنة نبيه، وإجماع المحقين من الأمة، ولم نعلم منهم خلافاً في ذلك بقول، ولا
?
عمل؛ قال: وأجمع أهل العِلم من المُسلمين، أن الإمام إذا ثبتت إمامته بوجه من وجوه الحق، أن طاعتة لازمة واجبة، ما لم يُخالف كتاب الله، أو سُنة نبيه، أو إجماع المُسلمين قبله، أو إجماع أهل العلم ممن في عصره، مما يكون حكمه إجماعاً، فما لم يأت بأحد هذه المعاني فطاعته ثابتة. أ هـ مع حذف.
أقول: هذا كله صحيح، مع إستكمال شروط الإمامة، المُترجم
(1) سورة الحجرات: 13.
- IVY - (2/177)
صفحة 449
لها في كتب الفقه؛ أقول: (فعل) مُضارع من القول الذي تحكي بعده الجمل، جيء به ليدل على التجدد، وهذا إشارة إلى كلام المسعودي، والصحيح ما قابله الفساد، وهو ما إجتمعت أركانه وشرائطه، حتى يكون مُعتبراً في حق الحكم، مع إستكمال شروط الإمامة؛ الإستكمال: هو الكمال، (فالتاء والسين (زائدتان، الْمُترجم لها، أي: الإمامة في كتب الفقه، كـ " بيان الشرع "، " والنيل "، وأكمل ما ذكرت فيه شرائط الإمامة " إغاثة الملهوف "، لإمامنا الخليلي، فراجعه إن شئت، وقد تقدم منها ما فتح الله
وقال أيضاً: والذي ذهب إلى أن الإمامة قد تجوز في قريش وغيرهم من الناس، هم المعتزلة بأسرها، وجماعة من الزيدية مثل: الحسن بن صالح؛ قال: ويوافق من ذكرنا على هذا القول جميع الخوارج من الأباضية وغيرهم؛ وقال أيضاً، أي: المسعودي: والذي ذهب إلى أن الإمامة قد تجوز في قريش وغيرهم من الناس، هم المعتزلة بأسرها، أي: جميعها، وقد سمعت ما حكاه عنهم في أصولهم، وهذا ما حكاه عنهم في الإمامة، لكن عبارة الشهرستاني في ملله تؤذن بالخلاف عندهم، حيث قال: واختلفوا في الإمامة، والقول فيها نصاً أو إختياراً ـ كما سيأتي - عند مقالة كل طائفة؛ وقال أيضاً: القاعدة الرابعة قوله، أي: قول واصل في الفريقين، من أصحاب الجمل وصفين: أن أحدهما مُخطيء لا بعينه، وكذلك قوله في عُثمان وقاتليه وخاذليه؛ قال: أحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أن أحد المتلاعنين فاسق لا بعينه، وقد عرفت قوله في الفاسق، وأقل درجات
الخمسة
- 178 - (2/178)
صفحة 450
عنهم
الفريقين أنه لا تُقبل شهادتهما، كما لا تُقبل شهادة المتلاعنين. أ هـ وجماعة من الزيدية: إعلم أن الزيدية أتباع زيد بن علي بن الْحُسين بن عَلَيِّ بن أبي طالب، كان مُعتزلي الأصول، لكونه تلميذاً لواصل بن عطاء وجل أصحابه، بل كلهم مُعتزلة، حكى أهل المقالات ذلك؛ قال الشهرستاني في ملله: وكان من مذهبه، جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، وأن عَلَيَّ بن أبي طالب أفضل الصحابة، إلا أن أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها، من تسكين نائرة الفتنة، وتطيب قلوب العامة؛ قال: وجرت بينه وبين أخيه محمد الباقر مُناظرة لا من هذا الوجه، بل من حيث كان تلميذاً لواصل بن عطاء، ويقتبس العِلم ممن يجوز الخطاء على جده في قتال الناكثين، والقاسطين، ومن تكلم في القدر على غير ما ذهب إليه أهل البيت، ومن حيث أنه كان يشترط الخروج شرطاً في كون الإمام إماماً.، حتى قال له يوماً على قضية مذهبك: والدك ليس بإمام،
فإنه لم يخرج قط، ولا تعرض للخروج.
إلى أن قال: وقالت أكثر الزيدية بعد ذلك من القول: بإمامة المفضول، وطعنت في الصحابة طعن الإمامية، وهم أصناف ثلاثة: جارودية، وسليمانية، وبترية، والصالحية منهم والبتريه على مذهب واحد. أ هـ. . أهـ
وجماعة من الزيدية، يعني: السليمانية؛ قال الشهرستاني: السليمانية أصحاب سُليمان بن جرير، وكان يقول: أن الإمامة شورى
- 179 – (2/179)
صفحة 451
فيما بين الخلق، ويصح أن تنعقد بعقد رجلين من خيار الناس، وأنها تصح في المفضول مع وجود الأفضل؛ قال: وتابعه على القول بجواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، جماعة من المعتزلة، منهم: جعفر بن بشر،
وجعفر بن حرب، وكثير النوى، وهو من أصحاب الحديث. أ هـ.
مثل: الحسن بن صالح، نسب الشهرستاني إليه الفرقة الصالحية، فقال: الصالحية: أصحاب الحسن بن صالح بن حي؛ والبترية: أصحاب كثير النوي الأبتر، وهما مُتفقان في المذهب، وقولهم في الإمامة، كقول السليمانية، إلا أنهم توقفوا في أمر عُثمان، أهو مؤمن أو كافر ... إلخ؛ قال: ويوافق من ذكرنا على هذا القول، جميع الخوارج من الأباضية وغيرهم، أي: القول بأن الإمامة إختيار؛ قوله:
جميع الخوارج.
قال في " المعالم "، في ذكر الفرق التي تفرق إليها هذه الأمة: وقد أشار إليها رسول الله، بقوله: " إفترقت المجوس إلى سبعين فرقة، واليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، والنصارى إلى إثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أُمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها هالكة ما خلا واحدة ناجية، وهي ما أنا عليه وأصحابي " (1)، وكان ذلك من معجزاته، حيث وقع ما أخبر به، وكلهم يدعي تلك الناجية؛ إلى أن قال: وقد إختلف الناس في وجه تفريقها على طرق، فلنقتصر على ذكر طريقتين منها، معتمدين على الثانية منهما، كما سنقف على بيانها؛
(1) انظر الملحق.
-14 - (2/180)
صفحة 452
الأولى: إنما ذكر بعضهم أن منها عشرين في المرجئة، وأربعاً وعشرين في الشيعة، وسبع عشرة في المحكمة، وإثنتي عشرة في المعتزلة؛ قال: والثانية هي التي قررها العضد في " المواقف "، ثم إختارها وأخذ في تقرير كتابه عليها، فراجعه إن شئت
قوله: جميع الخوارج من الأباضية وغيرهم، هم الفرق السبعة عشر التي تصوب المحكمة، على تركهم تحكيم عمرو بن العاص وصنوه - كما تقدم ـ وذلك لأن سلفهم أثبتوا إمامة ابن وهب للدفاع، كما أثبتوا إمامة سيد المُسلمين مرداس للشراة، ومن هنا تفرقت المحكمة - كما قدمنا ـ ثم لا يغيب عنك أن قول الصالحية هو قول أئمتك في الإمامة: وإن كنا لا نعدل بأفضلية أبي بكر أحداً ـ كما قدمنا ـ؛ إلى أن قال: وذهب من قال بهذا القول إلى دلائل ذكروها، منها قول عُمر بن الخطاب (ه): لو أن سالماً حتى ما خالجني فيه الظنون، وذلك حين فوض الأمر إلى أهل الشورى، قالوا: وسالم مولى إمرأة من الأنصار، فلو لم يعلم عُمر أن الإمامة جائزة في سائر الْمُؤمنين، لم يطلق هذا القول، ولم يتأسف على موت سالم - مولى أبي حذيفه ـ قالوا: وصح بذلك عن النبي أخبار كثيرة، منها قوله: " اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع " (1)، وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ أَكْرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم} (2). أ هـ
إنما قال الْمُؤلّف: إلى أن قال: وذهب ... إلخ، لأنه ترك حكايته،
(1) انظر الملحق (2) سورة الحجرات: 13
-141 - (2/181)
صفحة 453
قول النجدات: وذلك أنه لما قال: ويوافق من ذكرنا على هذا القول جميع الخوارج من الأباضية وغيرهم، قال: إلا النجدات من فرق الخوارج، فزعموا أن الإمامة غير واجب نصبها، ووافقهم على هذا القول أُناس من المعتزلة. أ هـ
قلت: هذا يُؤيد كلام الشهرستاني من قبل، أن المعتزلة مختلفة في وجوب نصب الإمام - كما قدمنا ـ وذهب من قال بهذا القول، أي: ممن تقدم ذكرهم من فرق المعتزلة، والزيدية، والأباضية، وغيرهم، إلى دلائل ذكروها، (جمع دلالة، بمعنى: الدليل، تسمية للفاعل باسم المصدر، وهو لغة ما نصب، ليدل على غيره وإصطلاحاً.
قال أبو البقاء: ثم اسم الدليل يقع على كل ما يُعرف به المدلول حسياً كان أو شرعياً، قطعياً كان أو غير قطعي، حتى سمى الحس،
والعقل، والنص، والقياس، وخبر الواحد، وظواهر النصوص كلها
أدلة. أ هـ
،
منها، أي: من تلك الدلائل، قول عُمر بن الخطاب (ه): لو أن سالماً حي ما خالجني فيه الظنون، والدليل في قوله (ه) أنه لم يقصر القول بالإمامة في قريش - كما تقول الحشوية ـ بل جوزها حتى في الموالي، وذلك حين فوض الأمر إلى أهل الشورى، وتقدم ذلك في أول الباب عند موت عُمر بن الخطاب (ه)، قالوا: وسالم مولى إمرأة من الأنصار، أي: فإطلاق قوله ذلك يرد على من قال بتخصيص قريش، فلو لم يعلم عمر (ه) أن الإمامة جائزة في سائر الْمُؤمنين، لم
- 182 - (2/182)
صفحة 454
يطلق هذا القول، ولم يتأسف على موت سالم ـ مولى أبي حذيفة ـ كيف وقد أطلق قوله ذلك؟ قالوا، أي: المجوزون: نصب الإمام من غير قريش، وصح بذلك عن النبي أخبار كثيرة، منها ما قدمنا أول الباب، ومنها قوله: " اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع "، أي: ما أقام فيكم أحكام الله، ومُحال أن يأمر النبي بطاعة أهل الكبائر، كيف وقد قال: " من سود اسمه مع سُلطان جائر حشره ه معه يوم القيامة "، وقال له: " الْمُؤمنون يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم "، وحمل حديث الباب على طاعة من يوليه الإمام، خروج به عن مقتضى ظاهره، وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ أَكْرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتقَاكُم (1)، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى جعل علة الكرامة لديه هي التقوى، لا النسب، ولا المال، وقال سبحانه وتعالى قبل ذلك: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» (1)، أي: لا لتتفاخروا، فإن الفخر الأكبر، والكرامة التي لا مزيد عليها، هي التقوى، وهي فعل الواجبات وترك المنهيات، ولهذا أمر سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (2)، فأين مقال هؤلاء من الكتاب والسنة، ولكن: {عَلَى قُلُوبِهِم أَكِنَّةً أَن يَفقَهُوهُ وَفِي أَذَانِهِم وَقراً} (3)؛ وإنما نقلنا كلامه برمته، لأنه أصدق شاهد على المرء لسانه، أي: نقلنا كلام المسعودي من تاريخه " مروج
(1) سورة الحجرات: 13 (2) سورة التوبة: 119.
(3) سورة الأنعام: 25؛ سورة الإسراء: 46؛ سورة الكهف: 57.
- 183 - (2/183)
صفحة 455
6
الذهب "، برمته، أي: جميعه، لأنه أصدق شاهد على المرء لسانه. لإرتفاع اللبس بشهادة نفسه عنه، فإن في شهادة الغير عليه إحتمالاً، وذلك لأن المخالف إذا إعترف لمن خالفه أن الحق في يده، فقد أبطل ما هو عليه، فإن قلت: لم يعترف به وإنما حكاه، قلت: فحكايته له
تؤذن بخلاف معتقده، فلا ضير
ولا نقول كما تقول الأزارقة من الخوارج، والصفرية، والنجدات: أنه يجوز إستعراض الناس مُطلقاً، لأنهم إذا لم يكونوا معهم وفي بلادهم، فهم مشركون، يحل منهم القتل، والسبي، والغنيمة؛ تقدم أن القول يُطلق على الإعتقاد كما هنا، أي: لا نعتقد إعتقاد الأزارقة، وهم أتباع أبي راشد نافع بن الأزرق، وسمع مُخالفته وإحداثه على
المحكمة فيما تقدم
قال الشهرستاني في ملله: هم الذين خرجوا مع نافع، من البصرة إلى الأهواز، فغلبوا عليها، وعلى كورها، وما وراءها من بلدان فارس وكرمان، في أيام عبد الله بن الزبير، وقتلوا عُماله بهذه النواحي،
وكان مع نافع من أمراء الخوارج: عطية بن الأسود الحنفي
وعبد
،
،
الله بن ماخون، وأخواه عُثمان، والزبير، وعُمر بن عُمير العنبري، وقطرى بن الفجاءه المازني، وعُبيدة بن هلال البشكري، وأخوه محرز بن هلال، وصخر بن حنبا التميمي، وصالح بن مخراق العبدي، وعبد ربه الكبير، وعبد ربه الصغير، في زهاء ثلاثين ألف فارس، ممن يرى رأيهم وينخرط في سلكهم، فأنفذ إليهم عبيد الله الحرث بن نوفل النوفلي، يُصاحب جيشه مسلم بن عنبس بن كويز بن
بن
- 1^ {- (2/184)
صفحة 456
حبيب، فقتله الخوارج وهزموا أصحابه، فأخرج إليهم أيضاً عُثمان الله عبد بن معمر التميمي فهزموه، فأخرج إليهم حارثة بن بدر العتابي في جيش كثير فهزموه، وخشي أهل البصرة على أنفسهم وبلدهم من الخوارج، فأخرج إليهم المُهلب بن أبي صفرة، فبقي في حرب الأزارقة تسع عشرة سنة، إلى أن فرغ من أمرهم في أيام الحجاج، ومات نافع قبل وقائع الْمُهلب مع الأزارقة، وبايعوا بعده قطرى بن الفجاءه، وسموه أمير الْمُؤمنين؛ ثم قال: ويدع الأزارقة ثمانية، إحداها: أنهم كفروا علياً، وقالوا: إن الله أنزل في شأنه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعجبُكَ قَولُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَام) (1)، وصوبوا عبد الله بن ملجم، وقالوا: أن الله أنزل في شأنه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشَرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرِضَاتِ الله} (2)، وقال عُمران بن حطان، وهو مُفتي الخوارج، وزاهدها، وشاعرها الأكبر، في تصويبه ابن ملجم:
يا ضربةً من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوماً فأحسبه أوفى البرية عند
أ هـ (بتصرف). وإنما حذفت ما لا يُطابق من قذعه.
الله
ميزانا
وأقول: أما عُمران بن حطان (رحمه الله تعالى)، فهو من أهل ولاية المُسلمين، كما في " السير المغربية "، وليس هو من الفرقة الأزرقية، وأما ابن ملجم، فليس عندي فيه عِلم، فأمره إلى ربه، ولكن تقدم أن
(1) سورة البقرة: 204.
(2) سورة البقرة: 207.
11401 (2/185)
صفحة 457
المحكمة كلمتهم واحدة، قبل إحداث نافع، وأيضاً فإنه قد أثبت له
الولاية في شعره هذا، ومشهور أن الشعر لعمران
•
قال الشهرستاني أيضاً: والثانية: أنه كفر القعدة، وهو أول من أظهر البراءة من القعدة على القتال، وإن كان موافقاً على دينه، وكفر من لم يُهاجر إليه؛ والثالثة: إباحته قتل أطفال المخالفين والنسوان؛ والرابعة: إسقاط الرجم عن الزاني، إذ ليس في القُرآن ذكره، وإسقاط حد القذف عمن قذف المحصنين من الرجال، مع وجوب الحد على قاذف المحصنات من النساء؛ الخامسة: حُكمه بأن أطفال المُشركين في النار مع آبائهم؛ السادسة: أن التقية غير جائزة في قول ولا عمل؛ السابعة: تجويزه أن يبعث الله تعالى نبياً يعلم أنه يكفر بعد نبوته، أو كان كافراً قبل البعثة، والكبائر والصغائر إذا كانت بمثابة عنده وهي كفر، وفي الأمة من جوز الكبائر والصغائر على الأنبياء (عليهم السلام) فهي كفر؛ الثامنة: إجتمعت الأزارقة على أن من إرتكب كبيرة من الكبائر، كفر كفر ملة، خرج به عن الإسلام جملة، ويكون مخلداً في النار مع سائر الكفار، واستدلوا بكفر إبليس لعنه الله)، وقالوا: ما إرتكب إلا كبيرة، حيث أمر بالسجود لآدم فامتنع، وَإِلا هُوَ عارف بواحدانية الله تعالى. أ هـ.
من الخوارج: إعلم أن فرق المحكمة كلها تسمى: خوارج، لخروجهم عن عليّ بن أبي طالب، حين رجع عن قتال الفئة الباغية، وإعطائه العهد بتحكيم الرجال في مسألة حكم الله فيها، ولم يكلها إلى
-147 - (2/186)
صفحة 458
أحد من خلقه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أمراً أن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلالاً مبيناً) (1)؛ والصفرية والنجدات، أي: منهم، أي: من الخوارج؛ أما الصفرية، فهل هم أتباع ابن الصفار، أو أتباع زياد بن الأصفر؟ قولان، وفي تسميتهم صفرية، هل لإتباعهم من ذكرنا، أو لإصفرار وجوههم من العبادة؟ قولان أيضاً
وفي " المعالم ": أنهم يشركون أهل التأويل، كبعض الزيدية، والنظام من المعتزلة
وفي ملل أبي الفتح الشهرستاني: الصفرية، الزيادية، أصحاب زياد بن الأصفر، خالفوا الأزارقة، والنجدات، والأباضية، في أمور، منها: أنهم لم يكفروا القعدة عن القتال، إذا كانوا موافقين في الدين والإعتقاد، ولم يسقطوا الرجم، ولم يحكموا بقتل أطفال المشركين، وبتكفيرهم، وتخليدهم، وقالوا: التقية جائزة في القول دون العمل. أ هـ
وأنت خبير، أن هذا كله لم يخالفوا فيه إلا ابن الأزرق، فإن الأباضية هذا قولهم في هذه المسائل، وقال أيضاً: وقالوا: ما كان من
الأعمال عليه حد واقع، فلا يتعدى بأهله الاسم الذي لزمه به الحد
،
كالزني، والسرقة، والقذف، فيسمى: زانياً، سارقاً، قاذفاً، لا كافراً مشركاً، وما كان من الكبائر مما ليس فيه حد لعظم قدره، مثل
(1) سورة الأحزاب: 36.
- 187 (2/187)
صفحة 459
ترك الصلاة، فإنه يُكفر بذلك. أ هـ
وأما النجدات: فهم أصحاب نجدة بن عامر الحنفي، خالف. نافع بن الأزرق في أشياء ونقمها عليه، فوقعت بينهما مُراجعات، كما في " الكامل "، للمبرد.
،
وفي ملل الشهرستاني: النجدات العاذرية، أي: سموا بالعاذرية، كما سموا بالنجدات، قال: هم أصحاب نجدة بن عامر الحنفي، وقيل: عاصم، وكان من شأنه أنه خرج من اليمامة مع عسكره يُريد اللحوق بالأزارقة، فاستقبله أبو فديك، وعطية بن الأسود، في الطائفة الذين خالفوا نافع بن الأزرق، فأخبروه بإحداث نافع من الخلاف بتكفير القعدة عنه، وسائر الأحداث والبدع، وبايعوا نجدة وسموه أمير المؤمنين، ثم إختلفوا على نجدة، فقد كفره قوم منهم لأمور نقموها عليه، منها: أنه بعث ابنه مع جيش إلى أهل القطيف، فقتلوا وسبوا نساءهم، وقوموها على أنفسهم، وقالوا: إن صارت قيمتهن في حصصنا فذاك، وإلا رددنا الفضل، ونكحوهن قبل القسمة، وأكلوا من الغنيمة، فلما رجعوا إلى نجدة وأخبروه بذلك، قال: لم يسعكم ما فعلتم؟ قالوا: لم نعلم أن ذلك لم يسعنا، فعذرهم بجهالتهم، واختلف أصحابه بعد ذلك، فمنهم من وافقه، وعذر بالجهالات في الحكم الإجتهادي. أ هـ.
وبالجملة، إن له مقالة بنفسه تعرف في كتب الكلام، منها قولهم: من خاف العذاب على المُجتهد المُخطيء في الأحكام قبل قيام الحجة
- 188 -
- (2/188)
صفحة 460
عليه فهو كافر، ومنها إستحلال دماء أهل العهد والذمة، سبي نسائهم، وغنم أموالهم، ومنها: أن أصحاب الحدود والكبائر من موافقيه، أن
الله لعله إن يعفو عنهم، وإن عذبهم فبغير النار، ثم يدخلهم الجنة
،
ومنها: من فعل ولو صغيرة وأصر عليها فهو مُشرك، ومن أتى الكبائر غير مصر فهو غير مُشرك، ومنها: حكاية الكعبي عنه، أن التقية جائزة في القول والعمل، وحكى أيضاً عنهم: الإجماع على عدم وجوب نصب الإمام، لأن على الناس أن يتناصفوا فيما بينهم، ومنها غير ذلك، فليراجع. وإنما جمع الْمُؤلّف بينهم، وإن لم يكن إعتقادهم جميعاً كذلك، لكنهم قريبوا الإعتقاد من بعضهم بعض - كما سمعت ـ وأما الذي حكاه في المتن، فهو: إعتقاد نافع ومتابعيه، أنه يجوز إستعراض الناس مطلقاً، أي: من غير إلتفات إلى دعوى ولا عدمها، مع أن رسول الله، قال: " إن دعوتي باقية إلى يوم القيامة، وإنهم أخافوا الطرق، ولم يؤمنوا من خالفهم، وانتحلوا الهجرة إليهم "، وقال رسول الله: " لا هجرة بعد فتح مكة
فمن ثم قال في المتن: لأنهم إذا لم يكونوا معهم وفي بلادهم فهم مشركون، أي: وإن مُوافقين لهم في الإعتقاد، إلا أنهم لم يُهاجروا إليهم، وقد اتبعوا الحكم الاسم، فقالوا: يحل منهم القتل، والسبي، والغنيمة، وليس هذا مُختص بنافع ومتابعيه، فالنجدات والصفرية مثلهم في هذا الإعتقاد، وإن خالفوهم في الأشياء، وقد تقدمت غالب مقالتهم؛ ولا كما تقول المرجئة: أن الإمام لا يكون إلا قرشياً، وإن
- 189 - (2/189)
صفحة 461
بدل الأحكام، وطمس معالم الحلال والحرام، فإن إمامته لا تزول إلا
بالشرك؛ ولا كما تقول المرجئة، أي: ولا تقول كقول المرجئة
،
(
أي: إعتقادهم، لا نعتقد، والمراد بهم هنا: أبو حنيفة وأصحابه ومن حذا حذوهم من جميع الأشاعرة، وإن هم أبوا ذلك، فإنهم يغترفون من مواردهم، كما صرح أئمتنا بذلك، لأن الإرجاء تأخير صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، ولا يقضي عليه بحكم في الدُّنيا من كونه من أهل الجنة، أو من أهل النار، كذا قيل، والإرجاء لغة وجهين، أحدهما: التأخير والإمهال، والثاني: إعطاء الرجاء، وعلى كليتهما فمعناه ظاهر، لأنهم يُؤخرون العمل عن الإعتقاد، وعلى الثاني يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، وهما عين الإرجاء.
على
وفي مروج المسعودي: وذهب أبو حنيفة، وأكثر المرجئة، وأكثر الزيدية من الجارودية وغيرها، وسائر فرق الشيعة، والرافضة، والراونديه، إلى أن الإمامة لا تجوز إلا في قريش، لقول النبي: " الإمامة في قريش "، وقوله: " قدموا قريشاً ولا تتقدموها " (1). أ هـ.
وقد مر أن هذا قطعة من حديث، لا حديث كامل، والحديث بأسره: " الإمامة في قريش ما حكمت فعدلت، وقسمت فقسطت "، وقد استدللنا بمفهومه، أنه إذا لم يكن منها ذلك، فلا إمامة لها، بل ولا كرامة، وقوله: " قدموا قريشاً ولا تتقدموها "، قطعة من
حديث متعلق بما بعده، وقد مر الكلام عليه
(1) انظر الملحق.
• (2/190)
صفحة 462
قال الشهرستاني: ولعمري كان يُقال لأبي حنيفة وأصحابه: مرجئة السنة، وعده كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة، ولعل السبب فيه، أنه لما كان يقول: أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وهو لا يزيد ولا ينقص، ظنوا به أنه يُؤخر العمل عن الإيمان، والرجل مع تحرجه في العمل، كيف يفتي بترك العمل وله سبب آخر، وهو أنه كان يُخالف القدرية والمعتزلة، الذين ظهروا في الصدر الأول. والمعتزلة كانوا يُلقبون كل من خالفهم في القدر مرجئياً، وكذلك
الوعيدية من الخوارج، فلا يبعد أن اللقب إنما لزمه من فريقي المعتزلة والخوارج. أ هـ.
،
والذي نقوله: أن اللقب لزمهم، من حيث أنهم يرجون الجنة للمنتهكين لحرمات الله تعالى، وهم المصرون على إنتهاكها، الموافون للمحشر من غير توبة، وإن كانوا يقولون: أن الإيمان قول وعمل، لكنهم يقولون: أن غير العاملين في مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفى عنهم فأدخلهم الجنة، وإن شاء عذبهم بقدر عملهم، ثم يخرجون من النار فيدخلون الجنة، قال صاحب الجوهرة:
ومن يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض لربه ألا ترى هم يوافقون المرجئة في المعنى، أن الإيمان قول بلا، وإن خالفوهم في اللفظ، فقد إتفقت مادتهم، ومما تعجب منه الشهرستاني، حيث يقول: ومن العجب أنهم لم يجزموا القول بأن الْمُؤمنين من أهل التوحيد يخرجون لا محالة من النار. أ هـ.
عمل
-191 - (2/191)
صفحة 463
قلت: إذا المرجئة أحسن حالاً منه ومن أصحابه، لأنهم وإن قالوا
ذلك، فإنهم لم يجزموا بذلك، وإنما جزم بذلك هو وأصحابه؛ قال أيضاً: وقيل: أن أول من قال بالإرجاء الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، فكان يكتب فيه الكتب إلى الأمصار، إلا أنه ما أخر العمل عن الإيمان، كما قالت المرجئة اليونسية، والعبيدية، لكنه حكم بأن صاحب الكبيرة لا يكفر، إذا أدى الطاعات، وترك المعاصي، ليس من أصل الإيمان حتى يزول الإيمان بزوالها؛ ثم قال: رجال المرجئة كما نقل الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، وسعيد بن جبير، و طلق بن حبيب، وعمرو بن مُرة، ومحارب بن دثار، ومقاتل بن سليمان، وذر، وعمرو بن ذر، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وقديد بن جعفر، وهؤلاء كلهم أئمة الحديث، لم يكفروا أصحاب الكبائر بالكبيرة، ولم يحكموا بتخليدهم في النار، خلافاً للخوارج والقدرية. أ هـ
قلت: قد أنصف هذا العالم النحرير، أنهم هم المرجئة، وأن
هؤلاء أئمتهم، فـ: {أَينَ المَفَرُّ * كَلاً لَا وَزَرَ} (1)، وقد قال
النبي
?
: " المرجئة يهود هذه الأمة "، أي: لإدعائهم الخروج من
النار، وما الفرق بين قول اليهود: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُم فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفتَرُونَ} (2)، وبين قولهم بخروج أهل الكبائر المصرين عليها، الموافين القيامة من غير توبة، وقد آيسهم من الشفاعة، فقال: " طائفتان من أُمتي لا تنالهما شفاعتي، وهما
(1) سورة القيامة: 10 - 11.
(2) سورة آل عمران: 24.
- 192 - (2/192)
صفحة 464
عهود
ملعونتان على لسان سبعين نبياً قبلي: القدرية، والمرجئة "؛ وقول المتن: أن الإمام لا يكون إلا قرشياً، واستدلوا بالحديث المتقدم، وقد أجبنا عنه، وبفعل الصحابة يوم السقيفة ولا دلالة، فأين لهم مثل أبي بكر، وقوله (ه): منا الأمراء، ومنكم الوزراء، مُخاطباً للأنصار، أي: إن حكموا بالحق وإلا فالإمامة لا ينالها ظالم، لأنها من الله تعالى، ومما أوجبها الله على عباده، لإجماع الصحابة عليها بعد موته، ولا تجتمع أمته على ضلال، ومُرتكب الكبيرة ظالم، فأنى ينالها، وإن بدل الأحكام، فعمل بما تهوى نفسه، كما قال بعضهم بإمامة معاوية وبنيه، ومروان وبنيه، مع إنهماكهم في معاصيهم، وإعانة الفسقة لهم، كأن أوامر الله لديهم هباء، بل كأن الخطاب لم يعمهم، وطمسوا معالم الإسلام بتأخيرهم عما وجب عليهم فعله، وتقديمهم ما نهوا عنه، فمنهم: من وطيء إبنته، وقال: لا يفوز باللذات إلا الجسور، ومنهم: من جامع بنات أخيه، ومنهم: من يُؤخر الصلاة إلى غير أوقاتها، وقد أجمعوا أن الإمامة لا تزول إلا بالشرك، فعذروا أهل المعاصي، ومنهم: من زعم أن الخليفة إذا ملك أربعين يوماً فلا حساب عليه؛ وَلِلَّهِ در أبي يعقوب حيث يقول: وأما إخواننا المرجئة، فإنهم نظروا إلى أنفسهم، لا غنى لهم عن المعصية ولا صبر دونها، وقد تنغصت عليهم بالوعيد الشديد، والخلود في النار يوم الخلود، عمدوا إلى ما أنزل الله على نبيه محمد، أول مرة في دعائه المشركين الجاهلين إلى الدخول في الإسلام، والباب الذي فتح لهم من الإيمان، وعظم ما وعد الله للداخلين فيه من الثواب الجزيل
- 193 - (2/193)
صفحة 465
والأجر الجليل، إستصلاحاً لعباده، وتسهيلاً لهم في الدخول في الإسلام، وترغيباً لهم في عظيم الثواب، فلما دخلوا في الإسلام، وتمكن في قلوبهم الإيمان، خاطبهم وقال: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا أَمَنًا وَهُم لَا يُفتَنُونَ * وَلَقَد فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ} (1)، ثم عقبوا على الوعيد الذي عقبه الباريء سبحانه، في آخرية الإسلام على المعاصي والذنوب، وأبطلوه ولاشوه: {وَيَومَ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُم مُسوَدَّةٌ أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثوى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} (2)، فاحولت أعينهم، عمدوا إلى الناسخ فأبطلوه، ورضوا بالمنسوخ وقبلوه، وإرتاحت أنفسهم بالخروج من النار، تسلياً وتولياً، بعد قول الله عز وجل، حكاية عن اليهود: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامَاً مَّعْدُودَةً قُل أَتَّخَذْتُم عِندَ اللهِ عَهِداً فَلَن يُخلِفَ اللَّهُ عَهِدَهُ أَم تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصحَابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ} (3)، أتموا بإخوتهم اليهود. أ هـ.
ولا كما تقول الرافضة: أن الإمامة في عليّ وذريته، وأنهم معصومون؛ ولا كما تقول الرافضة، أي: لا تقول كقولهم، وهم فرق شتى دون السبعين، ولهم مقالات وإعتقادات يُخالف بعضها بعضاً، في الإمامة وغيرها، وسموا الرافضة، لرفضهم زيد بن علي بن الحسين بن علي - كما يأتي - وقيل: لغير ذلك، ونذكر هنا إختلافهم
في الإمامة وخبطهم فيها
(1) سورة العنكبوت: 1 - 3. (3) سورة البقرة: 80 - 81.
(2) سورة الزمر: 60.
-198 - (2/194)
صفحة 466
من
قال المسعودي: وانفرد أهل الإمامة، بأن الإمامة لا تكون إلا نصاً الله ورسوله، على عين الإمام واسمه، واشتهاره كذلك، وفي سائر الأعصار لا تخلوا الناس من حجة الله فيهم ظاهراً أو باطناً، على حسب إستعماله التقية والخوف على نفسه، واستدلوا بالنص على أن الإمامة في قريش، وبدلائل كثيرة من العقول، وجوامع من النصوص في
وجوبها، وفي النص عليهم، وفي عصمتهم من ذلك، قوله عز وجل مخبراً عن إبراهيم: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» (1)، ومسألة إبراهيم بقوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِي) (1)، وإجابة اللهَ لَه بأنه: {لَا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ} (1)، قالوا: ففيما تلونا دلائل على أن الإمامة نص من
الله
، ولو كان نصها إلى الناس، ما كان لمسألة إبراهيم ربه وجهاً
،
ولما كان الله قد أعلمه أنه إختاره، وقوله: لا يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ} (1)، دلالة على أن عهده يناله من ليس بظالم، ووصف هؤلاء الإمام، فقالوا: نعت الإمام في نفسه أن يكون معصوماً من الذنوب، لأنه إن لم يكن معصوماً لم يُؤمن أن يدخل فيما يدخل منه غيره من الذنوب، فيحتاج الإمام إلى الإمام إلى غير نهاية، ولم يُؤمن عليه أيضاً أن يكون في الباطن فاسقاً، فاجراً، كافراً، أو أن يكون أعلم الخليقة، لأنه إن لم يكن عَالِماً لم يؤمن عليه أن يقلب شرائع وأحكامه، فيقطع من يجب عليه الحد، ويحد من يجب عليه القطع، ويضع الأحكام في غير المواضع التي وضعها الله، وأن يكون أشجع الخلق، لأنهم يرجعون إليه في الحرب، فإن جبن هرب يكون قد باء
(1) سورة البقرة: 124.
الله
-190 - (2/195)
صفحة 467
الله
،
بغضب من، وأن يكون أسخى الخلق، لأنه خازن المُسلمين وأمينهم، فإن لم يكن سخياً، تاقت نفسه إلى أموالهم، وشرهت إلى ما في أيديهم، وفي ذلك الوعيد بالنار، وذكروا خصالاً كثيرة ينال بها أعلى درجات الفضل، لا يُشاركه فيها أحد، وأن ذلك كله وجد في عليّ بن أبي طالب وولده (رضي الله عنهما، في السبق إلى الإيمان، والهجرة، والقرابة، والحكم بالعدل، والجهاد في سبيل الله، والورع، والزهد، وأن الله قد أخبر عن بواطنهم وموافقتها لظواهرهم، بقوله عز، ووصفه لهم فيما صنعوه من الإطعام للمسكين، واليتيم، والأسير، وأن ذلك لوجهه خالصاً، لا إنهم أبدوه بألسنتهم فقط، وأخبر عن أمرهم في المنقلب، وحسن المؤمل في المحشر، ثم في إخباره عز وجل عما ذهب عنهم من الرجس، وفعل بهم من التطهير، وفي غير ذلك. أ هـ
وجل
وأنت خبير أن هذا كله منقوض بإجماع الصحابة على غيره، وإنما
صاغوا هذه الخرافة ليتوصلوا بها إلى تكفير أصحاب رسول الله وتضليلهم، بعد ما نزل القرآن العظيم بمدحهم، كما يعلم بالوقوف على الآي الكريمة فيهم وتفاسيرها، كلا فلا تغرنك مخرقات المضلين عن سواء السبيل.
وفي ملل الشهرستاني: ومن قال: أن الإمامة تثبت بالنص، إختلفوا بعد علي (ال)، فمنهم من قال: إنما نص على ابنه محمد بن الحنفية، وهؤلاء الكيسانية، ثم إختلفوا بعده، فمنهم من
- (2/196)
صفحة 468
قال: أنه لم يمت ويرجع فيملأ الأرض عدلاً؛ ومنهم من قال: أنه مات وإنتقلت الإمامة بعده إلى إبنه أبي هاشم، وإفترقت هؤلاء، فمنهم من قال: الإمامة بقيت في عقبه، وصية بعد وصية؛ ومنهم من قال: إنتقلت إلى غيره، فاختلفوا في ذلك الغير؛ فمنهم من قال: هُوَ بنان بن سمعان النهدي؛ ومنهم من قال: هُوَ عليّ بن عبد الله بن عباس؛ ومنهم من قال: هُوَ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء كلهم يقولون: أن الدين طاعة رجل، ويتأولون أحكام الشرع كلها على شخص معين، كما ستأتي مذاهبهم، وأما من لم يقل بالنص على محمد بن الحنفية، قال بالنص على الحسن والحسين، وقال: الإمامة في الأخوين الحسن والحسين، ثم هؤلاء اختلفوا، فمنهم من أجرى الإمامة في أولاد الحسن، فقال: بعد بإمامة ابنه الحسن، ثم ابنه الله، ثم ابنه محمد، ثم أخيه إبراهيم الإمامين، وقد خرجا في أيام المنصور فقتلا في أيامه، ومن هؤلاء من يقول: برجعة محمد الإمام، ومنهم من أجرى الوصية في أولاد الحسين، وقال: بعد بإمامة ابنه علي زين العابدين نصاً عليه، ثم اختلفوا بعده، فقالت الزيدية: بإمامة ابنه زيد، ومذهبهم أن كل فاطمي خرج، وَهُوَ عَالِم، زاهد، شجاع، سخي، كان إماماً واجب الإتباع، وجوزوا رجوع الإمامة إلى أولاد الحسن، ومنهم من وقف وقال: بالوصية؛ ومنهم من ساق وقال: بإمامة كل من هذا حاله في كل زمان، وسيأتي تفضيل مذاهبهم
عبد
وأما الإمامية، فقالوا: بإمامة محمد بن علي الباقر نصاً عليه، ثم بإمامة جعفر بن محمد وصية إليه، ثم اختلفوا بعده في أولاده من
-198 - (2/197)
صفحة 469
عبد
المنصوص عليه وهم خمسة: محمد، وإسماعيل، وعبد الله، وموسى، وعلي؛ فمنهم من قال: بإمامة محمد، وهم العمارية؛ ومنهم من قال: بإمامة إسماعيل، وأنكروا موته في حياة أبيه، وهم المباركية؛ ومن هؤلاء من وقف عليه وقال برجعته؛ ومنهم من ساق الإمامة في أولاده نصاً بعد نص إلى يومنا هذا، وهم الإسماعيلية؛ ومنهم من قال: بإمامة الله الأفطح، وقال برجعته بعد موته، لأنه مات ولم يعقب؛ ومنهم من قال: بإمامة مُوسى نصاً عليه، إذ قال والده سابقكم قائمكم، ألا وهو سمي صاحب التوراة، ثم هؤلاء اختلفوا، فمنهم من اقتصر عليه وقال برجعته، إذ قال: لم يمت هو؛ ومنهم من توقف في موته وهم الممطورة؛ ومنهم من قطع بموته وساق الإمامة إلى ابنه علي بن موسى الرضي، وهم القطعية، ثم هؤلاء اختلفوا في كل ولد بعده، فالأثنى عشرية ساقوا الإمامة من علي الرضي إلى ابنه محمد، ثم إلى ابنه علي، ثم إلى ابنه الحسن، ثم إلى ابنه محمد القائم المنتظر الثاني عشر، قالوا: وهو حي لم يمت، فيرجع ويملأ الأرض عدلاً، كما ملئت جورا، وغيرهم ساقوا الإمامة إلى الحسن العسكري، ثم قالوا بإمامة أخية جعفر، وقالوا بالتوقف عليه، إذ قالوا: بالشك في حال محمد، ولهم خطب طويل في سوق الإمامة، والتوقف، والقول بالرجعة بعد الموت، والقول بالغيبة، ثم بالرجعة بعد الغيبة. أ هـ.
وَلِلَّهِ الْحَمدُ عَلَى آلاءه، من مثل هذه السفاسف، وأنت إذا تدبرت المذاهب، علمت أن الحق أين هو؟ فلتشكره: {وَاعْبُد رَبَّكَ يَأْتِيَكَ اليَقِينُ} (1)؛ هذا وإن نقموا على الأباضية، تجويزهم
(1) سورة الحجر: 99
-194 - (2/198)
صفحة 470
الخروج على الملوك الجورة، فلا غرو، فقد خرج الحسين بن عَلَيَّ بن أبي طالب على يزيد بن معاوية، أي: فلينقموا عليه، فإنه من الصحابة، ومن أفاضل الناس، وممن يعلنون بولايته ومحبته في آخر خطبهم، ولعمري أن بعضهم مثل الغزالي، قال: أنه قتل بسيف جده، لأنه خرج على الإمام في زعمهم، وأما قضية خروجه ومقتله فمشهورة، ولا بأس بإيراد شيء من أخباره، قيل: أنه كان أشجع ولد علي، وكان لا يُسام خسفاً، وأما أصحابنا فإنه لم يكن على طريقتهم، وإن كانوا لا يعدون عليه إلا موالاته لأبيه وأخيه، قيل: أنه لما طلب منه والي المدينة البيعة ليزيد، خرج إلى مكة وهو يقول متمثلاً:
لا ذعرت السوامَ في فلق الصبح مُغِيراً ولا دعيت يزيدا يوم أعطي مخافة الموت ضيماً والمنايا يرصدنني أن أحيدا فكتب إليه أهل الكوفة: أنهم حابسوا أنفسهم على بيعته، وأنهم لا يحضرون جُمعة ولا جماعة، وإنهم يبايعونه على الموت دونه، فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب، فنزل الكوفة مختفياً، فبايعه منها للحسين إثنا عشر ألفاً، وكان الأمير يومئذ النعمان الأنصاري، وفشى خبره، وقد أرسل إلى الحسين، فهم الحسين بالخروج، فنصحه ابن عباس، وقال له: إن أهل العراق قوم غدر، فإن لم يكن لك بُد من الخروج فلتأت اليمن، فإن فيها حصوناً، ولك هنالك أنصار، وأمر أهل العراق بإخراج أميرهم إن كانوا صادقين، فأبى الحسين إلا الخروج، فخرج عند ابن عباس، قمر يابن الزبير
بن بشير
-199 - (2/199)
صفحة 471
فقال: قرت عينك يا ابن الزبير، هذا الحسين يخرج إلى الكوفة ويخليك والحجاز، وكان أحب شيء لابن الزبير خروج الحسين حتى يتم له الدست، فإنه لا يتم له مُراده والحسين هناك، فإنهم لا يعدلونه به، ثم دخل ابن الزبير على الحسين فزين له الخروج، ثم خاف أن يتهمه فرغب له في المقام، وأنه يدعوا الناس إلى بيعته، وممن لم يأل جهداً في نصيحة الحسين، أبو بكر بن الحارث بن هشام بن عبد المطلب، وقد بلغ الخبر يزيد بن معاوية، فأرسل لإبن زياد من البصرة بولاية الكوفة، فخرج إليها بحشمه والناس يرجون الحسين، فكلما مر بناد من محافل الكوفة، قالوا: مرحباً يابن بنت رسول الله، حتى إستبان لهم أنه ابن زياد، فتنادوا: ابن مرجانه، وقد فاتهم فتحصن بقصر الإمارة، ولما وصل ابن زياد خاف مسلم، فتحول إلى هاني المرادي، وكان كبير قومه، فقتلهما ابن زياد بعد خطب طويل، فبلغ الحسين خبر قتل ابن عمه وهو بالقادسية، فهم بالرجوع إلى مكة، فأبى من ذلك أخو مسلم وابنه، وقالا: حتى نأخذ بثأرنا أو نموت، فقال الحسين: لا خير في الحياة بعدكم، فمال إلى كربلاء بمن معه من أهل بيته وأصحابه، والمكثر يقول: أنهم خمسمائة فارس ومائة راجل، والمقل يقول: هم إثنان وسبعون، ولما تكاثرت عليه عساكر ابن زياد وهم أهل الكوفة، وليس ثمت إلا كوفي، قال: اللهم احكم بيني وبين قوم دعوني ثم هم يُقاتلونني، وكانوا يومئذ أربعة وعشرين ألفاً، وقيل بغير ذلك، فمنعوهم من ورد الماء، وقاتلوهم حتى قتل الحسين وكثير من أهل بيته وممن معه، واجتزت رؤوسهم، فحملت (2/200)
صفحة 472
إلى ابن زياد، ثم إلى يزيد، وحملت نساء بني هاشم سبايا على أقتاب الجمال، وأمر عُمر بن سعيد بن العاص أن توطأ الخيل جثثهم، وهو يومئذ أمير جيش ابن زياد، ولما وصلت الرؤوس إلى يزيد، جعل رأس الحسين في طست، فجعل يزيد ينكت فيه على ثناياه بقضيب، ويقول: هاماً من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما
نفلق
وكان من الحاضرين أبو بردة، فقال: ثنايا طال، ما رأيت رسول الله يقبلها، فارفع قضيبك، وخرج التوابون أيضاً وهم أربعة آلاف، فأخذوا الجزيرة طولاً وعرضاً، يقتلون ويُقتلون
إنما أوردنا هذا، وما بعده، وما قبله، ليكون حجة لنا على جواز الخروج، وأن غالب الأمة الإسلامية فعلته، فليس بدعاً في مذهبنا،
وليس مُرادنا أن نستقصي أخبار هؤلاء، فإن كتابنا ليس كتاب خبر.
ألفاً من
فأما التوابون، فإنهم زعموا أنهم ندموا على ترك الحسين وخذلانه حتى قتل:، وهم قريبون منه، ورأوا أن توبتهم، إما أن يُقتلوا كما قُتل، أو يقتلوا قتلته، فعسكروا بالنخيلة، فلقيهم ابن زياد في ثلاثين أهل الشام، وفي الخميس في سنة خمس وستين، سار سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب، الأميران في أربعة آلاف يطلبون بشار الحسين، وقصدوا عبيد الله بن زياد، وكان مروان قد وجهه ليأخذ له العراق في ثلاثين ألف فارس، فالتقوا فقتل الأميران، ولسُليمان بن صرد صحبة،
والمسيب من كبراء أصحاب عليّ، وكانت الواقعة بالجزيرة. أ هـ. (2/201)
صفحة 473
وخرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي، وقامت العامة على الحجاج بن يوسف الثقفي، وفيها الفقهاء زهاء خمسمائة فقيه، منهم: الشعبي، وسعيد بن جبير؛ وخرج عبد الرحمن بن محمد ... إلخ، استعمله الحجاج والياً على سجستان و بست وغيرها، فكان رجلاً مشمراً شهماً، فوقعت له حروب مع الترك وغيرهم في تلك النواحي، وفتح فتوحاً، ثم بدا له فخلع طاعة الحجاج، وصار إلى كرمان، ثم ثني بخلع عبد الملك، وإنقاد له أهل الري والجبال، مما بين الكوفة والبصرة وغيرهما، ثم سار الحجاج إلى البصرة، فحاربه ابن الأشعث، فكان له معه حروب عظيمة، وفي ابن الأشعث يقول الشاعر:
خلع الملوك وسار تحت لوائه شجر العرى وعراعر الأقدام وكتب الحجاج لعبد الملك يعلمه بخبر ابن الأشعث، وكتب إليه عبد الملك: لعمري لقد خلع طاعة الله بيمينه، وسلطانه بشماله، وخرج من الدين عُرياناً، وإني لأرجو أن يكون هلاكه وهلاك أهل بيته على يد أمير المؤمنين، ثم دخل ابن الأشعث الكوفة، فاستغاث الحجاج بعبد الملك، بأن قال: يا غوثاه بالله (ثلاثاً)، فأرسل إليه عبد الملك جنود الشام، وأجابه: بلبيك (ثلاثاً)، فالتقى الحجاج وابن الأشعث بدير الجماجم، فكانت بينهم نيف وثمانون وقعة، وكانت على ابن الأشعث، فانتهى إلى ملوك الهند، فاحتال الحجاج في قتله، فقتل وأتي به برأسه، وقيل: أنه أرسل به أهل الهند مع أربعين من
- 202 - (2/202)
صفحة 474
أصحابه، فرمي نفسه من عال، فأتى الحجاج برأسه، وحلف الحجاج لا يؤتى بأسير من دير الجماجم إلا قتله. أهـ مُلخصاً من المسعودي
وغيره.
وقامت العامة على الحجاج بن يوسف، أي: حال إمارته على العراق وغيرها، من لدن عبد الملك، وفيها، أي: في تلك العامة القائمة عليه، زهاء خمسمائة فقيه، أي: قدر خمسمائة، وهؤلاء من
الذين يزعمون أنهم أهل السنة والجماعة، وهم لا يرون الخروج.
فمن ثم قال في " الدليل ": أما السُنية، فقد نقضوا أقوالهم بأفعالهم، أي: في هذه الوقعة وغيرها، منهم: الشعبي، وسعيد بن جبير؛ أما الشعبي، فقد رفع عنه المسعودي، أنه قال: أوتي بي الحجاج موثقاً، فلما دخلت عليه استقبلني يزيد بن مسلم، فقال: إنا لله يا شعبي، على ما بين ذقنيك من العلم وليس بيوم شفاعة، بوء للأمير بالشرك والنفاق على نفسك، فبالحري أن تنجو منها، فلما دخلت واستقبلني محمد بن الحجاج، فقال لي مثل مقالة يزيد، فلما مثلت بين يدي الحجاج، فقال: وأنت يا شعبي، فيمن خرج علينا، وكشر، قلت: نعم، أصلح الله الأمير، أحزن بنا المبرك، وأجدب الحنان، وضاق المسلك، واكتحلنا السهاد، واستحلسنا الخوف، ووقعنا في فتنة، لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، قال: صدق والله، ما يروا بخروجهم علينا، ولا قوموا إذ فجروا، أطلقوا عنه؛ وأما سعيد بن جبير، فقد قال المسعودي أيضاً: لما ظفر (2/203)
صفحة 475
الحجاج بن يوسف بسعيد بن جبير، وأوصل إليه، قال له: ما اسمك؟
قال: اسمي سعيد بن جبير، قال: بل شقي بن كسير، قال: أبي كان أعلم باسمي منك، قال: لقد شقيت وشقى أبوك، قال: الغيب إنما يعلمه غيرك، قال: لأبدلنك بالدنيا نار لظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك ما اتخذت إلهاً غيرك، قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل، قال: فاختر أي قتلة تُريد أن أقتلك؟ قال: بل اختر يا شقي لنفسك، فو الله ما تقتلني اليوم بقتلة إلا قتلتك في الآخرة بمثلها، فأمر به الحجاج فأخرج ليقتل، فلما ولى ضحك، فأمر الحجاج برده، وسأله عن ضحكه؟ فقال: عجبت من جرأتك على الله عنك، فأمر به، فلما كب لوجهه، قال: أشهد أن لا وحلم إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الحجاج غير مُؤمن بالله، ثم قال: اللهم لا تسلط الحجاج على أحد يقتله من بعدي، فذبح واجتز رأسه، ولم يعش الحجاج من بعده إلا خمسة عشر ليلة، حتى وقعت في جوفه الأكلة فمات من ذلك، ويروى أنه كان يقول بعد قتل سعيد بن جبير: يا قومي مالي ولسعيد بن جبير، كلما عزمت على النوم أخذ بحلقي. أ هـ
الله
،
وخرج زيد بن علي بن الحسين، في أيام هشام بن عبد الملك، فقال له بعض قومه: ما تقول في أبى بكر الصديق، وعُمر بن، وعُمر بن الخطاب (رضي الله عنهما؟ فقال لهم: يا قوم ليس هذا أوان ذلك، فقالوا: كلا؟ فقال لهم: إن أبا بكر وعُمر هما اللذان أخرجاني، وأقاماني هذا المقام، فرفضوه وخذلوه، وأخذ أسيراً وضربت عُنقه؛ وخرج زيد بن
- Y.E- (2/204)
صفحة 476
علي بن الحسين ... إلخ، تقدم أنه نُسبت إليه الزيدية، وأنه صاحب
المذهب المعروف
قال الشهرستاني: ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة (عليها السلام)
ولم يجوزوا ثبوت إمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا إمامة كل فاطمي
عالم، زاهد، شجاع، سخي، خرج بالإمامة، يكون إماماً واجب
الطاعة. أ هـ
6
6
وهذا منتقض عليه، بتجويزهم إمامة الشيخين، وإذا تأملت كلام الشهرستاني، وجدت أكثره ـ كذلك ـ ينقض بعضه بعضاً، والنقل قد تقدم عنهم، أنهم يجوزون أن يختاروا رجلاً منهم يلي أمرهم، فيأمر وينهي بمقتضى كتاب الله، وسنة نبيه، وإجماع المسلمين من الأمة، ويكون تقدمه عن أمر رجلين صالحين، فاضلين، عالمين، وإن وجد من هو أفضل منه، لأن مذهبهم: تجويز إمامة المفضول مع وجود الأفضل، فلا عبرة بكلام الشهرستاني؛ في أيام هشام بن عبد الملك، قيل: أن هشاماً هذا كان خشناً، فظاً، غليظاً، وكان أحول.
قال المسعودي: كان يزيد بن عليّ يشاور أخاه أبا جعفر، فأشار عليه بأن لا يركن إلى أهل الكوفة، إذ كانوا أهل غدر ومكر، وقال له: بها قتل جدك عليّ، وبها طُعن عمك الحسن، وبها قتل أبوك الحسين، وفيها وفي أعمالها شتمنا أهل البيت، وأخبره بما كان عنده من العِلم في مدة مُلك بني مروان، وما يتعقبهم من الدولة العباسية، فابي إلا. عزم عليه من المطالبة بالحق، فقال له: إني أخاف عليك يا
14.01 (2/205)
صفحة 477
أخي أن تكون غداً المصلوب بكناسة الكوفة، وودعه أبو جعفر، وأعلمه أنهما لا يلتقيان. أ هـ.
فقال له بعض قومه: ما تقول في أبي بكر وعمر، لأن الشيعة يعتقدون أن أبا بكر وعُمر ليسا بأئمة، وأن الإمام على بنص من الله ورسوله - كما تقدم عنهم - فمن ثم سألوه عنهما؟ فقال لهم: يا قوم ليس هذا أوان ذلك، لأنه في أمر ثاني، هُوَ تدبير الحرب وتجهيز الجيوش، فقالوا له: كلا؟ أي: إرتدع، لأن كلا حرف ردع وزجر أي: إرتدع عن هذا الذي نقوله، وأخبرنا عن حقيقة إعتقادك فيهما؟ فقال لهم: إن أبا بكر وعُمر هما اللذان أخرجاني، أي: من مكاني، لطلب العدل، وإقامة الحجة، مُشيراً بذلك أنهما إماما حق معه، وأقاماني في هذا المقام الصعب، فرفضوه وخذلوه، فسموا الرافضة
لذلك
قال الشهرستاني: وكان من مذهبه جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، قال: فلما سمعت شيعة الكوفة هذه المقالة منه، وعرفوه أنه لا يبرأ من الشيخين، رفضوه، حتى أتى قدره عليه، فسميت رافضة. قال المسعودي: وقد كان زيد دخل على هشام بالرصافة، فلما مثل بين يديه، لم ير موضعاً يجلس فيه، فجلس حيث إنتهى به مجلسه، قال: يا أمير الْمُؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى الله، ولا يصغر دون تقوى الله. أ هـ.
فجرى بينه وبين هشام كلام، وأغلظ عليه هشام؛ حتى قال (2/206)
صفحة 478
المسعودي: فمضى إلى الكوفة، وخرج عنها ومعه القراء والأشراف فحاربه يوسف بن عُمر الثقفي، فلما قامت الحرب، إنهزم أصحاب زيد، وبقي في جماعة يسيرة، فقاتلهم أشد قتال، وهو يقول متمثلاً
أذل الحياة وعز الممات وكلاً أراه طعاماً وبيلا فإن كان لابد من واحدٍ فسيري إلى الموت سيراً جميلا
وحال المساء بين الفريقين، فراح زيد مثخناً بالجراح، وقد أصابه سهم في جبهته، فطلبوا من ينزع النصل، فأوتي بحجام من بعض القُرى، فاستكتموا أمره، فاستخرج النصل، فمات من ساعته، فدفنوه في ساقية ماء، وجعلوا على قبره التراب والحشيش، وأجرى الماء على ذلك، وقد حضر الحجام مواراته، فعرف الموضع، فلما أصبح مضى إلى يوسف متنصحاً، فدله على موضع قبره، فاستخرجه يوسف وبعث برأسه إلى هشام، فكتب إليه هشام: أن أصلبه عُرياناً، فصلبه يوسف كذلك، ثم كتب هشام إلى يُوسف: بإحراقه وذروه في الرياح. أ هـ مع حذف.
،
هذا ما ذكره المسعودي، وهو مُخالف لما في المتن، فإنه قال: وأخذ أسيراً، فضربت عُنقه، وقد تبع في ذلك الْمُؤلّف، الإمام أبا يعقوب، فإن عبارته في " الدليل ": واستجازت الشيعة الخروج عليهم كما استجزناه، فخرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، على خالد بن عبد الله القسري، وكان عاملاً لهشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم؛ إلى أن قال: فانهزم عنه أصحابه، فأخذ أسيراً (2/207)
صفحة 479
وضربت رقبته. أ هـ مع حذف
وقد التزم صاحب المتن في متنه هذا، أن لا يأخذ إلا عن أئمته،
بخلاف كلامه في الشرح.
وخرج ابنه يحيى بن زيد، وخرج ابن الزبير من قبل على يزيد بن معاوية، فما لنا ولهم على الخروج؛ خروج يحيى بعد قتل أبيه، وذلك في أيام الوليد بن يزيد، خرج بالجوزجان من بلد خراسان فقتل. قال المسعودي: خرج منكراً للظلم، وما عم الناس من الجور، فسير إليه الوليد، نصر بن سيار، ومسلم بن أحرز المازني، فقُتل يحيى في المعركة؛ قال: وليحيى وقائع كثيرة، وقتل في المعركة بسهم أصابه في صدغه، فولى أصحابه عنه يومئذ، واجتز رأسه فحمل إلى الوليد. أ هـ.
وفي ملل الشهرستاني: ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك، حتى ظهر بخراسان ناصر الأضروش، فطلب مكانه ليقتل، فاختفى واعتزل إلى بلاد الديلم والجبل، ولم يتحلوا بدين الإسلام بعد، فدعا الناس دعوة إلى الإسلام، على مذهب يزيد بن عليّ، فدانوا بذلك ونشوا عليه، وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين، وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة. أ هـ
وخرج ابن الزبير من قبل، على يزيد بن معاوية: أما الزبير فإنه لم يبايع ليزيد، بل خرج من المدينة، كما خرج الحسين، إذ دعيا إلى
- YA- (2/208)
صفحة 480
البيعة، ومما وصى به معاوية ابنه يزيد، أنه إن ظفر بابن الزبير أن يُقطعه إربا إرباً، وهل بويع ابن الزبير بالخلافة في أيام يزيد وهو، كما نقله صاحب الخميس، أو بعد موت يزيد، وموت ابنه معاوية، قولان لأهل الأخبار.
الصحيح
قال المسعودي: ولما شمل الناس جور يزيد وعماله، وعمهم ظلمه، وما ظهر من فسقه، وقتله ابن بنت رسول الله، وما ظهر من شربه الخمور، وسار سيرة فرعون، بل كان فرعون أعدل منه في رعيته، وأنصف منه لخاصته وعامته، أخرج أهل المدينة عامله عليهم، قال: وذلك عند تنسك ابن الزبير، وتألهه وإظهار الدعوة لنفسه، وكان إخراجهم، لما ذكرنا من بني أمية، وعامل يزيد عن أذن ابن
الزبير.
حتى قال: فسير إليهم بالجيوش من أهل الشام، عليهم مسلم بن عقبة المري، الذي أخاف المدينة ونهبها، وقتل أهلها، وبايعه أهلها على أنهم عبيد يزيد، وسماها: نتنه، وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم: طيبة. أ هـ.
قلت: أين أهل الإنصاف؟ أين من أخذ قومنا عدم جواز الخروج؟ فهذا ابن الزبير صاحب رسول الله، وابن حواريه، وأول مولود في الإسلام، ثم هؤلاء أهل المدينة، قائدهم عبد الله بن مسطبع، وعبد الله بن حنظلة الغسيل، قد سنوا الخروج على الجبابرة؛ فمن ثم قلنا: فما لنا ولهم على الخروج؟ أي: ما لنا لا نخرج، وقد فعله من
- Y.9 - (2/209)
صفحة 481
هو خيرٌ منا، وما لهم لا يسلكون طريق الحق، ومحجة الصدق، قبح
الله
من خالف أئمة الهدى منا ومنهم.
من أخبار ابن الزبير، مما نقله المسعودي، قال بعد الإسناد: أن ابن الزبير خطب أربعين يوماً، لا يُصلي على النبي، وقال: لا يمنعني أن أصلي عليه، إلا أن تشمخ رجال بآنافها، وذكر سعيد بن جبير: أن عبد الله بن عباس دخل على ابن الزبير، فقال له ابن الزبير: أنت الذي تؤنبني وتبخلني؟ قال ابن عباس: نعم، سمعت رسول الله، يقول: " ليس المُسلم الذي يشبع ويجوع جاره " (1)، فقال ابن الزبير: إني لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة.، وجري لهما خطب طويل، فخرج ابن عباس من مكة خوفاً على نفسه، فنزل
الطائف فتوفي هنالك. أ هـ
قلت
: رحم
الله
ابن عباس، ولا وفق، وقد سمعت ما الله مبغضيه ذكر المبرد: أن المحكمة إنتهت إلى ابن الزبير، ثم فارقته لما بان لهم مكره، ولابن الزبير أخبار مع أهل البيت، منها: حبس ابن الحنفية ومن معه، ومنها غير ذلك
وفي المسعودي أيضاً: وقد كان ابن الزبير عهد إلى من بمكة من بني هاشم، فحصرهم في الشعب، وجمع لهم حطباً عظيماً، لو وقعت فيه شرارة من نار، لم يسلم من الموت أحد، وفي القوم محمد بن
الحنيفية. أ هـ
(1) انظر الملحق. (2/210)
صفحة 482
وقد أخرجتهم من هذا الشعب خيل المختار بن عبيد الله الثقفي، ولما تنمرت خيل المختار لقتاله، لاذ بأستار الكعبة، وقال: أنا عائذ
الله
قال بعض أئمتنا: جرى لي كلام مع الفقيه يحيى بن أبي بكر بن الحسن بن الشيخ يوسف بسلجماستة، فقال الفقيه: أول من سن الخروج على السلاطين: أبو بلال مرداس، فقُلت له: أن له في ذلك أسوة حسنة، فقال: أو حسنة؟ فقلت: أو سيئة؟ فقال: ومن هو؟ فقلت: طلحة والزبير، فقال لي: إن طلحة والزبير إجتهدا فأخطاءا، فقلت: ولعل أبا بلال إجتهد فأصاب، فقال: أو أصاب؟ فقلت: ولعله إجتهد فأخطأ، فقال: يغفر الله للجميع. أهـ
قال بعض أئمتنا: المراد بهذا البعض هنا: الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي المغربي، صاحب كتاب " العدل والإنصاف "، وَكِتاب " الدليل والبرهان "، وله من التصانيف غير هذين الكتابين، التفسير الكبير المشهور، الذي ذكر أصحابنا أنه ذهب أكثره، وهو الإمام المشهور في الفقه، والأصول، والتفسير: والحديث، والمعقول، والمنقول، وقد رتب المسند عن الربيع، عن أبي عبيدة، وبالجملة فهو أشهر من نار على علم
،
قال في " السير المغربية ": كان في عُلوم القرآن غاية، وفي عُلوم النظر، والجدل، والمنطق، والكلام، نهاية؛ وفي علم الحديث، ونقل الأخبار، والسنن، والآثار، والفروع، والأحكام، وعلم
- 211 - (2/211)
صفحة 483
الفرائض، والمواريث، ومعرفة رجال الحديث، وَعِلم الحساب والتنجيم. أ هـ.
ولا يخفى أن آثاره دالة عليه؛ وقوله: جرى لي كلام مع الفقيه يحيى بن أبي بكر بسلجماسة، مُراده بهذا الفقيه، أنه من فقهاء المخالفين، وسلجماسة - بلدة بالمغرب - قريبة من بلدة ورجلان، وفي " السير ": أنها بلاد الرمل التي بينهم وبين السودان؛ فقال الفقيه، أي: يحيى المذكور: أول من سن الخروج على السلاطين أبو بلال مرداس، لأن مذهب ذلك الفقيه لا يجوز الخروج عليهم، وإن ضلوا، فسفكوا الدماء، ونهبوا الأموال - كما تقدم - فقال الإمام (رحمه الله: فقلت له: أن له في ذلك أسوة حسنة، وهذا مغالطة منه لذلك الفقيه، حيث إعتقد أن الخروج على السلاطين زلة، فأجابه أن تلك الفعلة أخذها عمن تعتقدون حقيته وتصويبه؛ فمن ثم قال الفقيه متعجباً: أو حسنة؟ فأبهم الإمام عليه، فقال: أو هي سيئة؟ فقال الفقيه: ومن هو الذي إقتدى به أبو بلال؟ فقال له الإمام: طلحة والزبير، فهما اللذان تعتقدون أنهما من أهل الجنة، فمن تبعهما على زعمكم لا يكون مخطئاً؛ فمن ثم قال الفقيه: أن طلحة والزبير إجتهدا فأخطاءا، والمجتهد لا زلة منه، بل يؤجر على خطأه، كما قال رسول الله، قال الإمام: فقُلت، أي: لذلك الفقيه: ولعل أبا بلال إجتهد فأصاب، لأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإزالة الظلم، وجهاد البغاة، ليس في شيء منه خطأ، فصوابه ظاهر؛ فمن ثم قال الفقيه: أو أصاب؟! على سبيل التعجب، قال الإمام: فقلت:
- 212 - (2/212)
صفحة 484
ولعله إجتهد فأخطأ، أي: إن لم تسلم أن ما فعله أبو بلال صواب، فلعله من باب ما ذكرته عن طحلة والزبير، أنه من باب الخطأ في الإجتهاد، وهذا أمر باب التسليم، وإرخاء العنان للخصم،، وَإِلَّا فالإمام على تصويب أبي بلال، ولما رأي الفقيه أن لا محيد له عن جعل الحادثتين في حكم واحد، فقال: يغفر الله للجميع.
وللقلم في مثل هذا، مجال رحب، فالإمساك بعنانه عن الجري أولى؛ وللقلم في مثل هذا، أي: في مثل جواب هذا الفقيه، مجال رحب، المجال: محل الجولان للفارس، والرحب: الواسع، وذلك أنه شبه القلم بالفارس الذي يجول، تشبيها مضمراً في النفس، إستعارة بالكناية، وأثبت له الجولان إستعارة تخيلية، والإمساك بالعنان عن الجري توشيح، وأولى، أي: بنا من غير الإمساك؛ فلينظر لنفسه كل مكلف، فالطريق واضح بين؛ كل مكلف، أي: بالغ عاقل، فالطريق واضح بين، أي: لمن أراد سلوكها، قال سبحانه وتعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}
وَالْحَمدُ لِلَّهِ، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بدأ الْمُؤلّف بالحمدلة والصلعمة، ثم ختم بهما، تبركاً بذكر الله، وذكر رسوله،
نسأل الله أن يختم لنا بخاتمة خير
(1) سورة الإنسان: 3.
000 (2/213)
صفحة 485
[صفحة فارغة] (2/214)
صفحة 486
الخاتمة
قال الْمُؤلّف: جمعت هذه الكلمات، وليس لي فيها إلا جمعها، لئلا يظن ظان أنه من تلقاء نفسه، ولهذا أتى بالنفي والإثبات على سبيل
الحصر قال الْمُؤلّف: وأكثر إعتمادي في ذلك، عَلَى كِتاب " الدليل "، وَكِتاب " المعالم "، " ورسالة الإمام الخليلي "، وَكِتاب " مُختصر القواعد "؛ أما كتاب " الدليل "، فَمُؤلّفه أبو يعقوب ـــ كما تقدم ــ؛ وأما كتاب " المعالم "، فللإمام إبراهيم المصعبي، صاحب كتاب " النيل "، وصاحب التصانيف الجليلة، كـ " التاج "، و " الورد البسام "، و " شرح النونية "، و " شرح الرائية "، وغيرها، و " رسالة شمس الدين "، للإمام الخليلي، وقعت منه جواباً لبعض طلبته، وهو الإمام العَالِم، الفيصل، القائم بالعدل، فهو أشهر من أن تبين فضائله، مات شهيداً بعد إمامه بأيام (رضوان الله عليهم أجمعين): وعمره ست وخمسون سنة؛ وَكِتاب " مُختصر القواعد "، هُوَ للقطب، الإمام، شيخ الإسلام، محمد بن يوسف أطفيش، صاحب التصانيف العديدة، وقد خدم الكتب، متعنا الله بحياته، ومن غيرها، لكن المعتمد هذه، كما يشهد بذلك النقل على هذا المتن، فلينظر فيه، ثم لا يُؤخذ إلا بعدله، أي: وما كان خطأ، أو زللاً، فلينبه عليه، فإن قبول غير الحق لا يجوز لعالِم أو جاهل، ولا توفيق لنا، وَلا لأحد من
،
1910 - (2/215)
صفحة 487
الخليقة، إلا بالله، لكن لا ينبغى الإستعجال على شيء منه، حتي يتبين
خطأه، وَلِلَّهِ دَر القائل:
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
000
- 216 - (2/216)
صفحة 488
بعون
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ
والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
وقع الفراغ من نسخ هذا الكتاب الشريف
،
الله اللطيف، بقلم العبد الضعيف الفقير لله تعالى
حمود بن سالم بن خميس بن طالب بن سيف الزاملي بيده
نهار 12 من شهر ربيع الآخر سنة 1328 هـ
وصلي
الله
على سيدنا محمد
وآله وصحبه وسلم
أمين
- 217 - (2/217)
صفحة 489
[صفحة فارغة] (2/218)
صفحة 490
ملحق بتخريج الأحاديث الشريفة
طرف الحديث
الأئمة من قريش
المرجع
كنز العمال ج 338310/ 12
الولاة من قريش ما أطاعوا الله كنز العمال ج 14059/ 5
الأئمة من قريش ما حكموا
إقتدوا بالذين من بعدي
كنز العمال ج 338310/ 12
كنز العمال ج 32646/ 11
أنت مني بمنزلة هارون من موسى كنز العمال ج 14242/ 5
إقتدوا بالذين من بعدي
أُمتي أمة مرحومة
أنتم توافون سبعين أُمة
نحن معاشر الأنبياء
كنز العمال ج 32646/ 11
تذكرة الموضوعات 92
مستدرك الحاكم 4: 84
مسند الإمام الربيع 2: 62
ما سلك عُمر فجاً إلا وسلك
السنه لابن أبي عاصم 2: 582
لو كان نبياً من بعدي لكان عُمر كنز العمال ج 32745/ 11
لو نزل علينا عذاب من السماء الشفا للقاضي عياض 2: 364
إذا بلغ بنوا أبي العاص
أقضاكم على
أنا مدينة العلم وعلي بابها
تقتل عماراً الفئة الباغية
مسند أحمد بن حنبل 3: 80
فتح الباري 10: 590
كنز العمال ج 36463/ 13
كنز العمال ج 33555/ 11
مستدرك الحاكم 155/ 2
الحرب خدعة
ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب البداية والنهاية 7: 231
الصفحة
14
14
17
17
20
23
23
25
26
26
27
45
47
47
49
03 (2/219)
صفحة 491
الصفحة
74
vo
vo
Yo
Yo
86
88
102
109
110
110
111
113
120
120
120
121
121
طرف الحديث
وبغت قريش بعمار
ويح عمار تقتله الفئة الباغية
تقتله الفئة الباغية
المرجع
البداية والنهاية 7: 269
صحيح البخاري 122
صحيح البخاري 122
ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة البداية والنهاية 7: 269
تقتلك الفئة الباغية
كنز العمال 23736
عليكم بهدي عمار وابن أم عبد مشكل الآثار 2: 85
عمار تقتله الفئة الباغية
صحيح البخاري 122
إذا رأيتم فلاناً على منبري فاقتلوه الكامل في الضعفاء 3: 1255
قُل آمنت بالله ثم استقم
تقتلك الفئة الباغية
أَلا أن الفتنة هَا هُنا
كنز العمال ج 3/ 5477
كنز العمال 23736
کنز العمال 30856
ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً
كنز العمال 30901
کنز العمال 23736
تقتلك الفئة الباغية
إذا رأيتموهما إجتمعا ففرقوا بينهما کنز العمال 31723 إذا إلتقى المُسلمان بسيفيهما مشكاة المصابيح 3538
تقتلك الفئة الباغية
كنز العمال 23736
رأيت بني الحكم ينزون على منبري البداية والنهاية 8: 259 كنز العمال 31034
إن لبني العباس رايتين
ما لي ولبني العباس شقوا على كنز العمال 31042 أمالي الشجري 2: 228
من ولى من أُمة محمد شيئاً
تعلموا من قريش ولا تعلموها کنز العمال 33808 (2/220)
صفحة 492
طرف الحديث
المرجع
الصفحة
يحقر أحدكم صلاته في جنب صلاتهم | سنن ابن ماجه 3986
بدأ الدين غريباً وسيعود غريبا
اللهم فقه ابن عباس
وإلا فعيشوا تحتهم فدادين
إن في المعاريض لمندوحة
سنن ابن ماجه 3986
مسند الإمام الربيع 3: 22
کنز العمال 33808
إتحاف السادة المتقين 7: 528
138
153
158
161
إفترقت المجوس إلى سبعين فرقة سنن أبي داوود 40596
إسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع مسند أحمد بن حنبل 6: 403
قدموا قريشاً ولا تتقدموها
ليس المُسلم الَّذِي يشبع
تلخيص الحبير 2: 36
القول المسدد 21
180
181
190
210 (2/221)
صفحة 493
[صفحة فارغة] (2/222)
صفحة 494
رقم الإيداع: 2000/ 114 (2/223)