صفحة 1
الكتاب: الإقرار بالإيمان
دراسة مقارنة في عقيدة الجنّاوني
تأليف: روبيرتو روبيناتشي
ترجمة: لميس الشجني
أعدها للنشر وقدم لها: موحمد ؤمادي
منشورات: مؤسسة تاوالت الثقافية
سلسلة: دارسات (8)
هذا الكتاب هو ترجمة لبحث نشر في: [مجلة الدراسات الإسلامية Revue des Etudes Islamiques]، في عددها الصادر سنة (1935م)، بعنوان: [La Professione di fede di al-Gannawuni.] تأليف المستشرق الإيطالي: [روبيرتو روبيناتشي Roberto Rubinacci]. ترجمة: لميس الشجني.
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] منشورات مؤسسة تاوالت الثقافية سلسلة دارسات – 8
الإقرار بالإيمان
دراسة مقارنة في عقيدة الجنّاوني
تأليف: روبيرتو روبيناتشى
ترجمة: لميس الشجني
أعدها للنشر وقدم لها: موحمد ؤمادي
هذا الكتاب هو ترجمة لبحث نشر في: [مجلة الدراسات الإسلامية Revue des Etudes Islamiques]، في عددها الصادر سنة (1935م)، بعنوان: [La Professione di fede di al-Gannawuni.] تأليف المستشرق الإيطالي: [روبيرتو روبيناتشى Roberto Rubinacci]. ترجمة: لميس الشجني.
T
مقدمة الناشرT
ضمن أهداف مؤسسة تاوالت الثقافية التي وضعتها على عاتقها هو: ترجمة ونشر الأعمال المهمة والمتعلقة بالتاريخ الشمال الإفريقي على العموم، والتاريخ الليبي على وجه الخصوص، ومن الأولويات التي وضعتها على عاتقها كذلك هو: ترجمة أعمال بعض المؤلفين المرموقين في هذا المجال، والتي لم يتسن لمقالاتهم أن تجمع وتنشر بين دفتي كتاب - وكانت قد صدرت على شكل مقالات متفرقة. ومن أهم من كتب في تاريخ شمال إفريقيا في العصر الوسيط هو: المؤلف والمتمزغ البولندي [تادايوش ليفيتسكي]، الذي على الرغم من أهمية أعماله، فلم يتسن لأحد أن جمعها ونشرها بين دفتي كتاب، إلا لحظة كتابة هذه المقدمة. بالرغم من هذا، فلقد تم نشر بعض الأعمال المفردة للمؤلف في كتاب مستقل من أمثال: (المؤرخون الإباضيون في إفريقيا الشمالية)، والذي ترجمه كل من: ريما وماهر جرّار، ونشر من قبل دار الغرب الإسلامي؛ وكذا كتاب: (تسمية شيوخ جبل نفوسة وقراهم – دراسة لسنية في الطوبونوميا والأنوميا الأمازيغية) ترجمه الأستاذ عبدالله ژارو، ونشر من قبل مؤسسة تاوالت الثقافية. (1/1)
صفحة 2
تكمن أهمية أعمال [ليفيتسكي]، في كونها مركزة ومتخصصة وذات طابع علمي منهجي في البحث والمقارنة، ويعتبر [ليفيتسكي] من القلة القليلة من المستشرقين المتخصصين في المذهب الإباضي، وتاريخه في إفريقيا الشمالية، والبحوث التي ننشرها بين يدي القارئ، تتنوع من بحوث تاريخية صرفة كبحث: "وثيقة إباضية لم تنشر حول هجرة أهل جبل نفوسة"، أو بحث " مملكة إباضية مغمورة - دولة بني مسالة"، أو بحث في مونوغرافيا(1) بحد ذاتها كالتي خصصها ل " كتاب السير لأبي العباس أحمد الشماخي - مع بعض الملاحظات حول أصل وتاريخ أسرة آل شماخ"، وتشمل المقالات المنشورة بحث الجغرافيا الاجتماعية، كالذي خصصه في مقاله المطول والمعنون: "التوزيع الجغرافي للتجمعات الإباضية بشمال إفريقيا خلال العصر الوسيط"، أو بحثه المعمق في الفرقة المنشقة "النكار".
نرجو أن تضيف هذه التراجم إلى المكتبة التاريخية لشمال إفريقيا مزيداً من الفائدة، وخصوصاً لغير الناطقين باللغة الفرنسية التي كتبت بها هذه المقالات، وسوف ننشر من ضمن هذه السلسلة المعنونة: "دراسات شمال إفريقية" مقالات متنوعة ومتعددة ذات أبعاد: تاريخية ودينية ولغوية واجتماعية، وبعدة لغات: كالإيطالية والفرنسية والألمانية والإنجليزية.
يندرج هذا العمل الطموح في ترجمة كل الأعمال المنجزة عن تاريخ الشمال الإفريقي والتاريخ الليبي، ضمن برنامج متوسع تقوم به مؤسسة تاوالت الثقافية في برنامجها البعيد المدى للبحث في الجذور، والتعمق بدراسات علمية رصينة في موروث الأجداد.
الناشر
مؤسسة تاوالت الثقافية
الولايات المتحدة الأمريكية
المؤلف في سطور
روبيرتو روبيناتشي(2)
__________
(1) TP PT _ المونوغرافيا (Monographic): متعلق ببحث مختص (بناحية واحدة أو بموضوع واحد). راجع المغني الكبير، لحسن سعيد الكرمي مادة Mono. (الناشر)
(2) - تأبين نشر في ذكرى وفاته بقلم فرانشيسكو جابريلي ؟؟؟ (1/2)
صفحة 3
نابولي 1936. يلاحظ أحد المدرسين المستجدين فور إرساله لتدريس "اللغة العربية القديمة" بالمعهد الشرقي Orientale من بين المتقدمين لدارسة اللغة العربية في الجنوب الإيطالي، شابين كان قد تخرجا بالفعل في علوم أخرى وكلاهما كان يبدي، فيما يتعلق باللغة العربية وبالحضارة الإسلامية بشكل عام، استعداد كبيرا وكانت لديهم رغبة جادة في تحقيق تقدماً في هذا المجال. أحدهما كان أليسّيو بومباتشي Alessio Bombaci وكان دارساً للحضارة التركية ثم خلف معلمه بونيللي Bonelli في المعهد الشرقي، ولقد إخطتفته براثن الموت مبكراً من دراساته وأصدقائه منذ بضعة أعوام. أمّا الآخر فهو روبيرتو روبيناتشي Roberto Rubinacci والذي نحتفل اليوم بهذه الهدية العلمية بعيد ميلاده السبعين. انقضت خمسون عاماً منذ قابلته للمرة الأولي، حقق فيها روبيناتشي صفة ومواصفات دارس اللغة العربية والدين والحضارة الإسلامية التي كان يرنو إليها عندئذ، وترقى فيها بكل شرف السلم الوظيفي الأكاديمي حتى بلغ أعلى درجاته، وساهم بدرجة كبيرة في تطوير وتنظيم الدراسات العربية-الإسلامية في نفس المعهد والذي شهد لقائنا الأول في الثلاثينات.
ولقد ربط روبيناتشي اسمه في مجال الدراسات العربية، الذي افتتحته أو جددته لاورا فيتشا فاليري Laura Veccia Valieri ، على الأخص بموضوعين: الإنشقاق الإسلامي القديم (الخوارج والشيعة في تشعباتهم ومعتقداتهم)، والنشر النقدي للإدريسي، فخر المستعربين المعاصرين الأوروبيين: وهو عمل جاء نتيجة مجهود شاق من التعاون الدولي، لعبت فيه إيطاليا وبالأخص نابولي دوراً رئيسياً، ربما لم يأخذ حقه من التقدير بعد. وهنا كان روبيناتشي معاوناً، محرراً ومنسقاً؛ وعندما سيذكر التاريخ هذا العمل الثري بالمبادئ والرغبة الصادقة الدولية، سوف يعرف الجميع القدر الذي يدين به هذا العمل للعزيمة الصادقة وحسن التنظم الذي قام به صديقنا النبوليتاني. (1/3)
صفحة 4
فإلى عميد المعهد الجامعي الشرقي بنابولي (ولكم هو عزيز علينا جميعاً، بالأخص للحفاظ والتأكيد على تلك التسمية: المستشرق، أن يكون المستعرب روبيناتشي هو من يشغل هذا المنصب) يقدم اليوم زملائه، تلاميذه وأصدقائه هذه الباقة الثرية من الدراسات التي كان الجانب الأكبر منها للغة العربية ولكن هناك أيضاً عن الدين والحضارة الاسلامية، الإفريقية والعِراقة.
وإن استعراضاً سريعاً لعناوين هذه الباقة لسوف يظهر اتساع الاهتمامات التي ألهمتها، بدأ من الدراسات في اللغة العربية والإسلام الكلاسيكي إلى المعاصر منها، والتي يبدو وأنها تجتذب الأجيال الشابة. وتعطينا أسماء المؤلفين إطاراً عريضاً حول الدراسات العربية والتي كانت كلها لإيطاليين، والتي شهدت، كما كان متوقعاً، تواجداً جليلاً لنابولي. ولقد وجد مدرس ذلك الوقت المستجد، والذي أصبح شيخاً هرماً، بين هؤلاء؛ أيضاً أسماء رفاق قدامى حتى وإن كانوا أقل منه سناً، لطلاب وزملاء لصديقنا المحتفى به بجانب بعض الأسماء الجديدة في معهدنا مما يدل على استمرار الزمن الذي لا يفنى، وعلى تمرير الشعلة من يد إلى يد في محراب العلم. وإن مُحدثكم المتقدم في السن اليوم، والذي يعتقد أنه قد سلم شعلته، لهو سعيد بأن يقدم لزميله وصديقه شهادة عرفان وتضامن ومحبة.
فرانشيسكو جابريلي
بيبليوغرافيا كتابات روبيرتو روبيناتشي(1)
عن دراسة القانون الإسلامي في إيطاليا، في "منشورات الندوة الإقليمية الأولي للدراسات الاستعمارية، نابولي 1939، ص761-770".
مؤسسة الإيداع (البنك) في القانون الاسلامي، في "مجلة قانون الاستعمار، روما 1939، العدد الرابع، ص539-586".
عن بعض جوانب نظام الوصاية في القانون الإسلامي، في "المرجع السابق، روما 1939، العدد الرابع ص630-632".
مجتمع البلاد العربية وليبيا، في "منشورات ندوة الدراسات الاستعمارية، فلورنسا 1947، ص89-94".
__________
(1) - فقط ما يتعلق منها بموضوع دراستنا (1/4)
صفحة 5
أنباء عن بعض مخطوطات الإباضية الموجودة لدي المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء الثالث، نابولي 1949، ص431-438".
كتاب الجواهر للبرّادي، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء الرابع، نابولي 1949، ص95-110".
الخليفة عبد الملك بن مروان والإباضية، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء الخامس، نابولي 1953، ص99-121".
التطهر عند الإباضية في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء السادس، نابولي 1954، ص1-41".
"الكتاب بين يدينا" وثيقة قديمة عن حياة نُسّاك الصوامع في الإسلام، في "منشورات المؤتمر الدولي الخامس والعشرين للمستشرقين، موسكو 1960، الجزء الثاني، ص72-73".
الجريدة، في "الموسوعة الإسلامية، الجزء الأول، ليديا-باريس، 1960، ص213".
البرّادي، المرجع السابق، ص1085.
"لكتاب بين يديك" وثيقة قديمة عن حياة نُسّاك الصوامع في الإسلام، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء العاشر، نابولي 1960، ص37-78".
عقيدة الجناوني، في "منشورات المعهد الجامعي الشرقي بنابولي، الطبعة الجديدة، الجزء الرابع عشر، نابولي 1964، ص553-595".
توجيهات في الأبحاث حول إباضية الشمال الإفريقي، في "منشورات المؤتمر الدولي الأول لدراسات الشمال الإفريقي، كاليري 1965، ص217-223.
جابر بن زيد، في الموسوعة الإسلامية، ليديا-باريس 1965، ص369.
الإباضية، في الديانة في الشرق الأوسط؛ الإسلام، الجزء الثاني، كامبردج 1969، ص302-317.
عدن عند الإباضية، في فوليا أورينتاليا Folia Orientalia ، العدد الثاني عشر، 1970، ص279-290.
كارلو ألفونسو ناللينو وإسلام الخوارج، في ليفانتيه Levante، الجزء العشرين، روما 1973، ص33-41. (1/5)
صفحة 6
الدم في الإسلام، في الدم والأنثروبولجية التوراتية، الجزء الأول، روما 1981، ص151-158.
ليبيا عند الجغرافيين العرب في العصور الوسطي، في الإسلام، 7، روما أبريل-يونيو 1984، ص89-93.
الرهبانية في الإسلام، في منشورات الندوة الدولية، مقارنة بين المسيحية والإسلام: التصوف المسيحي والتصوف الإسلامي، باليرمو 1984، ص27-32.
إشارات عربية-إسلامية في أرض كامبانيا Campania، في منشورات الندوة الثانية حول "الوجود الثقافي الإيطالي في البلاد العربية: التاريخ والآمال المستقبلية"، روما 1984، ص23-24.
الأبيات السياسية-الدينية لكثير عزة، في على شرف فرانشيسكو جابريلي في عيد ميلاده الثمانين، الجزء الثاني، روما، 1984، ص661-665.
عجائب الدنيا عند الغزالي، في منشورات الندوة الدولية الثالثة، مقارنة بين الإسلام والمسيحية: الله، الإنسان، الطبيعة، باليرمو 1985، ص19-21.
مصير البشرية في المفهوم الإسلامي، في منشورات الندوة الدولية الرابعة. مقارنة بين المسيحية والإسلام: الإنسان ومصيره، باليرمو 1986، ص13-16.
دراسات في اللغة العربية والدين والحضارة الإسلامية، في منشورات ندوة "الدراسات المتأفرقة في إيطاليا منذ الستينات إلى اليوم" (روما، 25-27 يونيو 1985)، المعهد الإيطالي-الإفريقي، روما 1986، ص195-203.
القرآن والعلم، في "مقدس ومُدنس" Sacro e profano، منشورات المؤتمر الدولي الخامس. مقارنة بين المسيحية والإسلام: العلم، التطور، الدين. باليرمو 1987، ص1923.
إباضية الشمال الإفريقي، في منشورات المؤتمر الدولي حول "الأقليات وعمليات الاستقلال الإقليمي في أسيا وإفريقيا. مقارنة مع سردينيا"، كاليري.
صاحب الوثيقة في سطور
يحيى بن الخير الجناوني (أبو زكرياء) (ق: 5هـ/11م) من العلماء الأعلام بجبل نفوسة بليبيا، من قرية إجنَّاون. وهو حلقة في سلسلة نسب الدين، التي تعتبر نوعا خاصًّا من الإجازة لدى علماء الإباضيَّة. (1/6)
صفحة 7
أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن أبي هارون، وغيره من المشايخ، إذ مكث في التعلُّم اثنتين وثلاثين سنة، فصار شيخًا عالمًا فقيهًا.
أخذ عنه بشر كثير، منهم: أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وأبو زكرياء يحيى بن أبي بكر صاحب السيرة، وأبو سليمان داود ابن هارون.
من آثاره العلميَّة مجموعة من النفائس، زوَّد بها المكتبة الإسلاميَّة، منها:
1.«عقيدة نفوسة»، (مط).
2.«كتاب الأحكام»، (مخ) بمكتبة الشيخ سالم بن يعقوب. وللشيخ أبي يعقوب يوسف المصعبي حاشية عليه. حقِّقه الباحثان عمر بازين وأحمد كروم، وهو تحت الطبع.
3.«كتاب الصوم»، (مط).
4.«كتاب النكاح»، (مط) بمصر، قدَّم له وعلَّق عليه الشيخ على يحيى معمَّر.
5.«كتاب الوضع»، وهو مختصر في الأصول والفقه، حقَّقه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، وطبع عدَّة مرَّات. وللمحشِّي الشيخ أبي ستَّة محمَّد ابن عمر حاشية عليه (مخ). وله عنوان آخر: «اللمع».
كان أهل نفوسة يعتمدون على كتبه حفظا وفتيا، لسلاسة أسلوبه، لأنَّها كتب مفيدة في التوحيد وفقه العبادات والأحكام، أودع فيها الراجح من الأقوال(1)
__________
(1) - مصادر ترجمته *أبو زكرياء: السيرة (ط.ت) 1/205، 244 (ط.ج) 218، 255 *الدرجيني: طبقات، 470، 489-490 *الجيطالي: قناطر الخيرات، 1/65 *البرادي: تقييد كتب أصحابنا، ملحق بالموجز لأبي عمَّار عبد الكافي، 2/288 *الشمَّاخي: السير (مط) 435، 535 (ط.ع) 2/100، 178-179 *القطب: الرسالة الشافية، 126 *غلى معمَّر: الإباضيَّة في موكب، ح2/ ق2/ ص93-95 *جهلان عدُّون: الفكر السياسي، 51 *الجعبيري: البعد الحضاري، 117 *الجعبيري: دور المدرسة الإباضيَّة، 34-35 الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، 95 *جمعيَّة التراث: دليل المخطوطات: -فهرس القطب، أو4، أز4، أع3، و3/9، ز6 -فهرس متياز: مج41، 72 -فهرس الحاج سعيد، 30. معجم أعلام الإباضية رقم994.
Smogorzewski: Abdel-Aziz ses ecrits, 14 *Lewicki: Encyclopedie de l'Islam, 2ed, vol 1, 171 *Fekhar: Les communautés, 27, 204, 407index. (1/7)
صفحة 8
.
الإقرار بالإيمان "عقيدة" الجنّاوني
عكفت [لاورا پيتشا پاليّرى Laura Veccia Vaglieri] على الاهتمام بالأبحاث التي تناولت المتون الإباضية فجاء اهتمامها مثمرا بنتائج أصيلة. وبناء على ذلك دفعني يقيني من أن هذا الموضوع سوف يروق لهذة الدارسة الجليلة للدين والحضارة الإسلامية، إلى أن أنشُر، بهذه المناسبة، تلك الدراسة التي كنت أنشُد الإعداد لها منذ زمن بعيد، حول أحد الوثائق القديمة عن العقيدة الإباضية بعنوان العقيدة من تأليف الشيخ أبو زكريا الجنّاوني. (1/8)
صفحة 9
ففي نظام مثل الإسلام، حيث لا توجد سلطة بابوية، فكما هو معروف، يكون تحديد الموقف العقدي، بشكل أساسي على يد كُتب العقائد (أو كُتب الجهر بالعقائد)، والتي عبّر من خلالها على مر القرون بعض رواة الأحاديث، القضاة، المتصوفون وعلماء الدين، على اختلاف حظوظهم كبيرة كانت أم صغيرة، ووفقا لمكانتهم الأدبية والعلمية، وعن وجهة نظرهم الخاصة أو وجهة نظر مدارسهم إزاء أهم مشاكل علم الكلام والمذاهب. ولقد قام [أ.ج. وينسينك A. J. Wensinck] بدراسة أهم عقائد أهل السُنّة، في إطار تطورها التاريخي، في عمل مُتقن تحت عنوان (عقيدة المسلم)(1). كما توجد أيضا تراجم أخرى لعقائد فردية ودراسات مركزة حول مشاكل خاصة(2). أمّأ فيما يختص ب"كُتب العقائد" الإباضية فلقد ذاع صيت عملين فقط إستند إليهما، في الغالب، دارسي الحضارة الإسلامية. ينسب أحدهما إلى مؤسس المذهب الإباضي ذاته، عبد الله إبن إباض التميمي والذي وُلِدَ على عهد خلافة معاوية (41-60هـ / 661-680م) وألّف كتاباته إبّان خلافة عبد الملك (65-86هـ / 685-705م)؛ يرويه لنا صاحب كتاب كشف الغُمّة، وهو عمل ألّفه أحد شيوخ الأباضية العُمانين أواخر حياته وهو ما يزال مخطوطا قام بترجمته [ساشاو Sachau](3). والثاني للشيخ المغاربي عمرو بن جميع والذي عاش في القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي. ولقد قام بنشرها وترجمتها [أ. دي سي. موتيلينيسكي A. de C. Motylinski] تحت عنوان [العقيدة الإباضية(4)
__________
(1) - كامبريدج 1932.
(2) - انظر ثبت مراجع W. Montgomery Watt, "عقيدة" في الطبعة الجديدة لموسوعة الإسلام (Encyclopedie de l'Islam).
(3) - Ueber die religi?sen Anschauungen der Ibaditischen Muhammedaner in Oman und Ostafrika in Mittheilungen des Seminars f?r Orientalischen Spracehn, 1899, Westas. St., II, 1899, p. 62-69
(4) - - انظر Recueil e memoires et de texts الذي نُشر بمناسبة le XIVe Congres des Orienlstes per les professeurs de l'Ecole superieure del Lettres et des Medersas, الجزائر 1905، ص505- 545. (1/9)
صفحة 10
L'aqida des Abadhites].
وال "عقيدة" التي نحن بصددها نجدها ضمن كتاب "الوضع": أهم أعمال أبو زكريا يحي بن الخير ابن أبي الخير الجنّاوني أحد علماء الإباضية من جبل نَفّوسة (طرابلس Tripolitania)؛ عاش في النصف الأول من القرن السادس الهحري، الثاني عشر الميلادي(1). ويوجد من هذا العمل طبعة حجرية نُسخت لذكراه وتعود للعام 1303هـ، 1886م(2). وهناك أيضا طبعة حجرية لجزء من هذه العقيدة في الجزائر طُبِعت في عام 1325هـ، 1907م تحت عنوان "عقيدة نفوسة". واحتوت كلتا الطبعتين على حواشي هامشية للمغاربي محمد أبو ستّة القصبي(3).
__________
(1) - حول الكاتب وأعماله انظر "La purita' rituale secondo gli Ibaditi" "طهارة الطقوس عند الإباضية" في Annali dell'Istituto Universtario Orientale di Napoli, N.S. VI, 1957,ص 2.
(2) - تحتفظ مكتبة المعهد الجامعي للدراسات الشرقية بمدينة نابولي بنسخة محفوظة بعناية فائقة من كتاب "الوضع" ولاتختلف كثيرا عن النص الموجود في الطبعة الحجرية. انظر ر.روبيناتشي "Notizia di alcuni manoscritti ibaditi esistenti presso l'Istituto Universitario Orientale di Napoli, A.I.U.O.N, N.S. III" لعام 1949، ص436 – 437.
(3) - توفي عام 1088 للهجرة، 1677 للميلاد. عن حياته وأعماله انظر ر.روبيناتشي "Notizia…"مرجع سابق، ص431 – 434، و "La Purita'…" مرجع سابق ص7. (1/10)
صفحة 11
وكان الجنّاوني أول من وضع ترتيبا نظريا للتعاليم المتوارثة، من خلال حلقات "سلسلة نسب الدين"(1) والتي تعود حتى أيام أبو زجير اسماعيل بن درار الغدامسي، أي أحد حملة العلم الخمسة المشاهير، والذين ما أن تلقوا علومهم في البصرة بمدرسة العالِم الشهير أبوعبيدة التميمي حتى عادوا إلى المغرب في النصف الأول للقرن الثاني الهجري، الثامن الميلادي(2).
وتعالج "عقيدته" باستفاضة كل الأوضاع العقدية الإباضية-الوهبية في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي. وهي تسمح لنا، من ناحية أخرى، أن نحدد زمن ال"عقيدتين" الأخرتين المذكورتين أعلاه، والذي لم يُحدد زمنهما بعد؛ وأن ندرس المشكلة التي طرحتها ناللينو (Nallino) حول العلاقات بين الأصول العقائدية عند المعتزلة وعند الإباضية في الشمال الإفريقي(3).
وكان الفكر اللاهوتي الذي جاءت بها التيارات المختلفة والتي بدأت مع صدر الإسلام، وقبل مجئ الجنّاوني، كان قد قطع شوطا طويلا.
وطالما كان النبي (ص) على قيد الحياة لم تكن هناك صياغة للمبادئ الأساسية للدين الجديد خارج مضمون الشهادة والتي كانت تعتبر الإقرار بعقيدة الإيمان الإسلامية.
__________
(1) - "سلسلة نسب الدين" بالنسبة للإباضية هي تلك المنظومة المستمرة غير المنقطعة للقائمين غلى نشر عقيدتهم.
(2) - ر.روبيناتشي "La Purita'…" مرجع سابق ص2.
(3) - سي. أ. نالليني "علاقات بين الأصول العقائدية عند المعتزلة وعند الإباضية في شمال إفريقيا" من مجلة الدراسات الشرقية – العدد السابع – روما 1916-1918 ص455 – 460، وأعيد نشرها في "Raccolta di scritt editi e inediti" - العدد الثاني – روما 1940 – ص170 – 175. (1/11)
صفحة 12
ولقد بات الانشغال بشرح العقائد ضروريا قرابة منتصف القرن الأول الهجري، عندما كان أهل السنّة والجماعة مجبرين على شرح موقفهم الخاص إزاء العقائد المخالفة التي جاءت بها الفرق الدينية، وذلك من خلال مناقشات كانت في بعض الأحيان حامية الوطيس. وما أن صفا الجو قام أئمة أهل السنة والجماعة بوضع حلولهم المتعلقة بكل نقاط الجدل في ملخصات عقائدية عُرفت باسم الفقه. ومن أقدم هذه الملخصات العقائدية: ما يُعرف بـ "الفقهه الأكبر1" الذي نُسب للإمام الشهير أبو حنيفة (الذي توفي في عام 150هـ، 767م) والذي يتصدره مقالا وُجِه ضد الخوارج، وكذلك "الوصية" والتي نُسبت هي الأخرى لأبي حنيفة، ولكنها بكل تأكيد ليست له نظرا لميولها الحنبلية، والتي تعارض بالأخص القدرية والمعتزلة الأول. ويعتبر "الفقه الأكبر2"، والذي نُسب هو الآخر لأبي حنيفة، هو أقدم عقيدة تم وضعها بشكل منظم ولكنه لا يمكن أن يعود إلى ما قبل القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، لأنه يمثل الوضع النهائي لأهل السُنّة والجماعة إزاء المعتزلة، والذي تم التوصل إليه من خلال جهود الأشعري (توفي عام 324هـ، 935م). ويُفتتح الفقه بلمحة مختصرة عامة عن الإيمان، ارتكزت على السنة. ثم تلى ذلك عدة مقالات تعالج ذات الله وصفاته، الملائكة وبالأخص البعثة النبوية لمحمد (ص). لكن الجدل ظلّ قائما بيد أنه لم يعد يحتل مكانا بارزا.
وتمثل الوصية والفقه الأكبر2، بشكل أوسع، أقدم مراحل علم الكلام عند المسلمين، وينصب تفكيرها على قضايا ذات الله وصفاته. وفي الفقة الأكبر2، تكشف مصطلحات مثل (جوهر) و(عَرَض) عن أولى تأثيرات الفلسفة الأرسطوطاليسية. (1/12)
صفحة 13
وفي أثناء القرنين الرابع والخامس الهجريين، العاشر والحادي عشر الميلاديين، برزت عملية تنظيم وعقلنة (ردها إلى مبادئ عقلية) العقائد، على غرار الفكر الأرسطوي، فظهرت، وإن كان بشكل متقطع، مقولات (واجب)، (ممكن أو جائز) و(مستحيل). ويرجع الفضل في التحول الحاسم، والذي أعّد له فلاسفة مثل الفارابي (توفي في العام 339هـ، 950م) و إبن سينا (توفي في العام 428هـ، 1037م)، إلى عبد القاهر البغدادي (توفي في العام 429هـ، 1037م)، والذي كان له السبق، على ما يبدو، في إدخال مبدأ العلم في علم الكلام. ولقد ارتكز اثبات صفات ذات الله على نظرية العلم والتي تمثل أول أحجار بيت اللاهوت. وأقدم الأعمال الدالة على ذلك هو الفقه الأكبر3 والذي، وإن كان قد نُسب للإمام الشافعي، لا يمكن أن يكون سابقا لأوائل القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي. ويُعرّف الفقهُ العلمَ ويطبق هذه الأداة الجديدة، على العالم، ويُظهر، ليس الأشياء فحسب، ولكن خالقها (بارئها) وصفاته. وبالتالي وجدت سلسلة من المقالات توضح العلاقة بين الله والإنسان، بعثة النبي (ص)، قيمة الإيمان، إحساس الجماعة، وللمرة الأولي في كُتب "العقيدة"، شروط الإمامة. ولم يكن الفقه الأكبر3 على نفس بساطة كُتب "العقيدة" السابقة، ولكن كان له طابع كتب التربية الدينة، ذلك الطابع الذي سوف يبرز أكثر فأكثر فيما بعد، في المشرق، في عقيدة أبا حفص "عمر النَصَفي" (توفي في العام 537هـ، 1142م) وفي الغرب في عقيدة ابن تومرت، المتلقب بالمهدي زعيم دولة "الموحدين" (توفي في العام 537هـ، 1142م).
وتحت هذا النوع من كتب العقيدة أو كتب التربية الدينية تندرج أيضا عقيدة الجنّاوني. (1/13)
صفحة 14
3. فلقد أعطى الجنّاوني، وفقا للترتيب التقليدي، الأسبقية لمفاهيم الفلسفة السكولاستية على العلم. فأفضل الطرق للوصول إلى الحقيقة هي معرفة الأشياء الموجودة (الموجودات) والفصل بين الأشياء المعلومة (المعلومات). فالأشياء إمّا موجودة منذ القدم (قديمة)، أو استُحدثت على مر الزمان (مستحدثة). الله أبدي (باق). والأشياء التي استحدثت على مر الزمان هي (الجسم) و(العَرَض). ولايوجد عند الإباضية ذلك الاختلاف الذي تفترض به كأساس استدلال مدرسة الأشاعرة بين (الجوهر) القِِوام المادي غير-المنقسم، و(الجسم) تلك المادة الجسدية المركبة وبالتالي فهي قابلة للإنقسام. وكما يتضح لنا من تعليق القصبي، فليس هناك اختلاف بين الجوهر والجسم، لأن كلاهما محدود (مُتَحيّز).والشئ المحدود لا يمكن اعتباره (غير منقسم). حقيقة الأمر أن كل مادة محدودة، قابلة للإنقسام لأن (جهة) الغرب تختلف عن (جهة) الشرق. ويطابق هذا الرأي ما جاء به إبراهيم النظّام (توفي في العام 231هـ، 845م) والذي كان الوحيد بين المعتزلة الذي رفض مبدأ الذريّة وأيّد أن "كل ذرة يمكن تقسيمها إلى عدد لانهائي من الأجزاء، حتى لو لم يكن ذلك ممكنا في الواقع، فعلى الأقل يمكن القيام به باستخدام مَلَكة الخيال (بالتخيل)"(1).
__________
(1) - الأشعري (مقالات) ed, Ritter اسطانبول 1929 ط 1،ص 319. أنظر أيضا عبد القاهر البغدادي "كتاب أصول الدين" – اسطانبول 1928 ص36 مع دحض لنظرية النّظّام؛M. Morten , Die philosophinschen system der spekulativen Theologen in Islam, بون 1912، ص227A.N. Nader, Le system philosophique des Mu'tazila, بيروت، 1956، ص55. (1/14)
صفحة 15
وبتقسيمه ل(العَرَض) إلى (سكون) و(حركة) وتلك الأخيرة إلى (ضرورية) و(كسبية)، أعطى الجنّاوني تصنيفا للمادة الجسدية (جسم). وتطابق نموذجه هذا لحد بعيد مع نموذج بورفيريوس (Porfirio). ونقول "لحد بعيد" نظرا لأنه ألغى مفهوم (الجوهر)، وتحول التمييز الذي يتطلبه (الجوهر) بين (جسدي) و(غير-جسدي) إلى (مرأي) و(غير-مرأي)، وأصبح يخص (الجسم).
وبدوره أصبح التمييز الذي يتطلبه (الجسم) بين (حي) و(غير-حي) يتميز بين (حيواني) و(مواتي) أصبح يختص بالـ (مرائي)؛ وذلك التمييز بين (حيواني) و(مواتي) أصبح يختص بالـ (مرائي)؛ وذلك التمييز الذي يطلبه الحي بين (مدرك) و(غير-مدرك) أصبح تمييزا بين (روحي) و(مائي) وأصبح يختص بالـ (حيواني).
تخطيط هيكلي
على أية حال، فكما هو واضح من هذا الجدول التوضيحي، فإن غالبية المصطلحات لها نفس قيمة المصطلحات عند بورفيريوس، بيد أنها طرأ عليها عملية نقل عن مواضعها.
فلقد وضع الجنّاوني تحت رتبة الكائن الحي العاقل: الإنسان، الجن (الثقلان) والملائكة على حد سواء. إذا فهو لم يقف عند نفس الصعوبة التي جعلت تقسيم بروفيريوس غير مقبول بالنسبة لإبن سينا: "هذا التقسيم، وإن كان مفيدا لتوضيح علاقة التبعية بين المفاهيم، فهو غير صحيح لأنه لايشتمل على الملائكة، والذين لا يمكن وضعهم في إطار من التبعية، بمعنى الكلمة، سواء تحت رتبة الكائن الحي، مع الحيوان والنبات، أو سواء تحت رتبة الحي العاقل، مع الإنسان"(1).
__________
(1) - إبن سينا، "كتاب الشفاء"، مكتبة المتحف البريطاني، رقم7500، 39-44. والفقرة مأخوذة عن ترجمة لإبراهيم مدكور، L'Organon d'Aristote dans le monde arabe, باريس 1934، ص74. (1/15)
صفحة 16
ولقد أضاف الجنّاوني المزيد من التمييز بين المفاهيم والخاصة بالإسلام: فالكائن العاقل إما مؤمن أو كافر؛ والمؤمن معصوم أو غير-معصوم؛ الكافر إما مشرك أو منافق؛ المسلم غير المعصوم يستطيع أن يدرك أعلى درجات الأيمان ويستمسك بها، كما أنه يستطيع أن يدرك أعلى درجات الإيمان ولايعمل بها.
ومصادر معرفة الأشياء المخلوقة (المخلوقات) هي: (الحِس المتبوع)، (العقل المجموع)، و(الشرع المسموع). وجاءت صيغته تقليدية تحاكي كتب التربية الدينية التي تحدثنا عنها أعلاه، والتي استهلها البغدادي(1). ويلاحظ فقط أن "الشرع المسموع" يأخذ مكان ذلك المصدر الذي يوصف في كتب العقيدة عند السُنّة بـ "الخبر الصادق".
ويوضح القصبي في تعليقه أن هذا التبديل يفسر بأن الشرع هو أسمى آيات "الخبر الصادق".
فالإدراك إما أن يتأتي بالحواس أو بالجسم (مجموع الأعضاء) مثلما الحال في الألم المعنوي، في الفرح، في الحزن، في الوجود وفي عدم الوجود. ويرجع هذا التمييز أيضا للبغدادي، والذي يُميز من العلم الطبيعي (علم ضروري) صنفا يُدرك بالأحاسيس (علم حسّي) وآخر تدركه مجموع الأعضاء كلها (علم بديهي)(2).
وينطوي (العقل المجموع) في ذاته على مقولات: الضروري (الواجب)، الممكن (الجائز) وغير الممكن (المستحيل). ويعطينا الجنّاوني تعريفا وأمثلة لكل مقولة منهم. فالـ"واجب" هو كل ما يستحيل عدم إدراك وجوده (ذاته) بالعقل أو بمعنى آخر، هو كل ما أوجبه العقل أو البديهة. على سبيل المثال: معرفة الفاعل بعد ثبوت حدوث الفعل. والمستحيل هو كل ما يستحيل إدراك وجوده (ذاته) بالعقل، على سبيل المثال: اتحاد الضدين، تحرك الجسم في اتجاهين مختلفين (في نفس الوقت)، إلخ. والجائز هو كل شئ يكون وجوده (ذاته) ليس بالواجب أو بالمستحيل.
__________
(1) - أصول الدين ص9.
(2) - كتاب أصول الدين، ص8-9. (1/16)
صفحة 17
ونجد أن المقولات هي نفسها الموجودة في النسق المنطقي الأرسطوطاليسي: "واجب"، "جائز" و"مستحيل". ولقد طبقها الجنّاوني، كما سنرى، على مفاهيم الله والنبي، وبذلك قدّم لنا أقدم دليل على إدخال ذلك النسق بأكمله في اللاهوت الإسلامي.
وثالث جذور العلم، هو "الشرع المتواتر" "الشرع المسموع"، وينقسم إلى: أ) المصدر "أصل"، ب) ما يمكن التدلليل عليه لهذا المصدر "مقول الأصل"، و ج) استمرار حال الأصل "استصحاب حال الأصل". ويشمل الأصل على: القرآن، السُنة والإجماع(1).
ولا توجد هنا أدنى إشارة عن "تماثل المبدأ الفكري" القياس، على الرغم من أنه يتضح، كما لاحظت في مواطن أخرى، أن الإباضية يستفيضون في اللجوء إلى استخدامه(2). ونجد سبب هذا الغياب مشروحا عند القصبي الذي يستشهد بفقرة من "السؤلات"(3): "القرآن هو أصل للسنة، والسنة أصل للإجماع، والإجماع أصل للقياس ولذلك يخضع القياس فقط لحُجة الإجماع". إذا فإن عملية "تماثل المبدأ الفكري" القياس عند الإباضية، تماما مثلما عند الشافعية، ليست أصلا مباشرا من أصول التشريع، ولكنه معيار تأويلي تُندب الجماعة لإقرار مدي صحته.
__________
(1) - في مقال بعنوان "الإباضية" ورد ضمن موسوعة الإسلام، Enciclopedie del l'Islam، قيل أن الإباضية يقبلون، كأصولا للتشريع، بالقرآن والسنّة، ولكنهم فيما يتعلق بالإجماع والقياس يتبادلون الرأي. حول العلاقة بين الرأي، القياس والإجماع انظر ص574 من هذا العمل.
(2) - ر. روبيناتشي، La purita'، ص20.
(3) - عمل مفقود لعالم إباضي من القرن السادس للهجرة، الثاني عشر للميلاد؛ أبو عمرو عثمان بن خليفة الصوفي.CF. Motyliniski, Bibliographie du Mzab, in Bulletin del Correspondence Africane, ط3، الجزائر 1878، ص27، رقم 66. (1/17)
صفحة 18
وبجوار "الأصل" يضع الجنّاوني "مقولة الأصل"، أي ما يمكن التدليل عليه لنفس ذات الأصل ذاته مما يوضح مدى أهميته. ونحن ها هنا بصدد تفسير وتأويل النصوص القديمة. وهي، إذا، عملية معرفية منطقية. وتتضافر مع عملية التأويل وفقا للجنّاوني، عدة عناصر أخرى: 1) مدلول الكلام "لحن الخطاب"، أو العنصر النحوي، والذي به يتبين المراد من أحكام الشريعة، آخذين في الاعتبار كل الكلمات حتى الضمنية منها، وكل الصلات النحوية التي ترتبط بها 2) ضمنية الكلام "فحوى الخطاب" أو العنصر المنطقي الذي به تتبين، بالضرورة، إرادة المشرع الحقيقة، من خلال الحكم المنطوق، حتى وإن لم تتضح من الألفاظ. فعلى سبيل المثال فإن الحكم القرآني الذي يحرم التأفيف (أن يقول المرء "أُفٍ") في وجه الوالدين (القرآن – السورة السابعة عشر – الآية 23)، ينطوي، عند الجنّاوني، على تحريم ضربهم وقتلهم. والبغدادي الذي بحث في نفس الحكم القرآني وتوصل لنفس الاستنتاج، لا يرى فيها بالفعل حالة من التأويل الممتد، بل هو "قياس جلي"(1)؛ 3) "معنى الخطاب"، أو العنصر الحرفي، والذي بمقتضاه يأخذ الحكم نفس المعنى الذي يتضح من الكلام (المعنى الظاهر).
__________
(1) - كتاب أصول الدين، ص18. (1/18)
صفحة 19
العنصر الثالث الذي يدخله الجنّاوني تحت مصادر التشريع هو "استصحاب حال الأصل"، أي "استمرارية حال الأصل"، وهي الخاتمة التي يصل إليها الفقيه عن طريق ربط حال شيء ما بسابقه. بمعنى آخر، أنه بمجرد أن تثبت حالة أمر ما في لحظة ما، فيفترض أن تستمر هذه الحالة إلى أن يثبت العكس. ويعتبر الشافعي، والذي كان أول من طبّق هذا المبدأ ولكن دون استخدام لفظة "استصحاب"، أنه جزأ من "القياس" و"المعقول"(1). والقاعدة الأساسية عند الجنّاوني هي "براءة الذمّة"؛ فمن أدعاها "شُغل الذمّة" فعليه البرهان، تماما مثلما يجب على كل من أنكر هذا البرهان، بعد إتيانه، أن يأتي ببرهان "يدحضه". ومن ذلك نصل إلى أنه ما من فرض يقع على عاتق المسلم، ما لم تحدده الشريعة. ويعلق القصبي قائلا: أن الموقف الإباضي بناء على ذلك يخالف موقف المعتزلة، القائلين بأن أحد أصول الفرض يمكن أن يكون أيضا "العقل" فقط (بمعني التدبر والتفكر). وهناك جانب آخر للاستصحاب عند الجنّاوني؛ ألا وهو "الاستحسان" والذي يصفه بأنه حكم يستند إلى ما جاء به آخرون من ذوي الثقة (تقليد)، دون إلزام، برهان أو اثبات". وبمعنى آخر، فالاستحسان، وهو تفضيل حكم تُمليه أسباب الاستخدام المنفعة العملية أو الإنصاف، على حكم يُمليه القياس، لن يعدو عندئذ كونه تقليدا، أو حكما يفتقر لأي برهان مباشر. ويشرح القصبي لنا العلاقة بين التقليد والاستصحاب بأن من يستخدم التقليد يستصحب إثبات المُقلد.
وبغض النظر عن كون هذا التفكير صحيحا أم لا، فالأمر الذي يعنينا هنا ملاحظته هو أن الإباضية يقرّون ليس فقط الاستحسان، بل التقليد أيضا(2).
__________
(1) - كتاب الأم، بولاق 1321-1325، ط4، ص170.CF. J. Schacht, The origins of Mohammedan Jurisprudence, أكسفورد 1950، ص126.
(2) - انظر تأكيدات Schacht في Handworterbuch des Islam, عن أن التقليد مرفوض عند الإباضية. (1/19)
صفحة 20
إذا فلقد دخلت العقيدة في لب الجزء اللاهوتي. فإثبات ذات الله، قدمه وبقاؤه ووحدانيته، عند الجنّاوني، تماما مثلما عند المدرسة الأشعرية، هي خاتمة تفكير يرتكز على برهان قاطع: الشريعة المُنزلة. ويتم الاستشهاد من آن لآخر ب"سورة الإخلاص رقم 112 بين سور القرآن الكريم" التي تؤكد بشكل كبير وحدانية الله وتدحض آراء (الظاهرية)، (الثَنَويّة) و(المُجَسِِمّة)، اليهود والنصاري و(المُشبِهَ) الذين يشبهون الله بالمخلوقات. و يطبق (التنزيه) تنزيه الله عن كافة المخلوقات بشدة لتطهير فكرة التوحيد والتي تقول بأن الله واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في فعله. ومن صفاته: (القُدرة)، (الإرادة)، (العلم)، (الحياة)، (الكلام)، (السمع)، و(البصر). ويؤكد القبصي مستدلا بكلمات الجنّاوني: "ومعنى الوصف له (أي لله) بهذه الصفات النافية لأضدادها"، أن هذه الصفات ليست معاني، كما يمكن أن تبدو، زائدة على ذات الله، كما عند الأشاعرة، ولكنها هي عين ذاته، حيث ينفي الجنّاوني صفات الله نفيا تاما، مثل المعتزلة. ولقد تناول القصبي نفس القضية بخصوص صفة الله (الكلام) فقال بأن الجنّاوني أعتبر هذه الصفة، صفة ذاتية، نافيا ضدها (فالمتكلم ليس بأخرس)، و على هذا النهج ظل المجاز (إطلاق) السائد بين الإباضية، إلى أن خشوا الوقوع في مذهب من خالفهم (أي أهل السُنّة والجماعة والذين كانوا استنبطوا من ذاتية صفة الله الكلام، أن القرآن ليس مخلوقا، فهجروها وفضلوا الإطلاق الآخر الذي كانت تتبعه جماعة من المعتزلة، والذي كان يقرر بأن صفة الكلام هي من بين صفات الله الفعّالة والتي لا تنفي الضد (الله متكلم ولكنه يمكن أن يكون أيضا ساكتا)، ويمكن برهنتها بمرور الوقت. واستنادا لهذ البرهنة تصبح صفة الكلام من الصفات الجائزة، المخلوقة ومن ذلك الرائي بخلق القرآن. (1/20)
صفحة 21
وبقراءة كتاب الجواهر للبرادي(1) قد يعتقد البعض بأن رأي الأباضية بخلق القرآن، هو نتيجة تأمل متأخر وبالتالي لم تكن (أي النتيجة) معروفة للجنّاوني، بيد أنه قد ثبت بالفعل أن الملك الرستمي (من تيهرت "تاهرت") أبو اليقظان محمد بن أفلح والذي حكم حوالي 240-281هـ، 860-849م، أي حوالي ثلاثة قرون قبل مجئ الكاتب المغاربي الإباضي (يقصد الجنّاوني) كان قد أقر بخلق القرآن.
ولايجب إغفال الفرض بأن الإباضية، على الرغم من إقرارهم في وقت سابق بصفة الكلام كصفة ذات لله، فهم لم يُعرّفوه قط (أي الكلام)، كما فعل على العكس من ذلك أهل السُنّة والجماعة، على أنه "كلماته" (أي كلمات الله) أو "القرآن". وفي هذه الحالة فإن موقف الإباضية قد لا يختلف عن الموقف المسيحي، القائل بأن كلمة الله الخالدة لا تُعرف على أنها كلمات الله ولا بالكتاب المقدس في مجمله(2).
__________
(1) - القاهرة 1302 ص186، عن الكاتب وأعماله انظر ر.روبيناتشي "كتاب الجواهر للبرادي" في AIOUN, N.S, VI, Roma 1952، ص95–110.
(2) - تيودورو أبو قرّة، في Migne، الجزء 47، العمود 1592. (1/21)
صفحة 22
4) فلو كان منهج الجنّاوني "كلاما"، وربوبيته (علم البحث عن وجود الله وصفاته) تنزيها، فإن أخلاقياته (عبرته) كانت بأكملها تسليم (أي خضوعا تاما لآوامر الله)، وشريعته وقضائه. ومن هنا ينبع الطابع الكلياني للإيمان. وهذا ليس فقط إقرار شفهي (قول)، بل على الأخص إقرار عملي (عمل). ويتكون الإقرار العملي (العمل) من الإنقياد في المقام الأول لتعاليم الفريضة، مثل الطهارة، إقامة الصلاة، الصوم، إيتاء الزكاة، حج البيت والجهاد في سبيل الله. وعدد التعاليم غير محدود، وبجانب أركان الإسلام المذكورة أعلاه، هناك إلزامات أخري ليست أقل حتمية، مثل اختيار الإمام و رفض تعدد الإمامات(1). بيد أن الإيمان يشمل أيضا كل الأعمال التطوعية الزائدة (النافلة) التي، وفقا لما يفهم من إحدي جُمل الجنّاوني(2)، يمكن أن تكون هي الأخري مقررة بأمر من الله. وهذا المفهوم الإيماني هو مفهوم معتزلي صِرف(3) ولا يجد صدي عند أهل السنة والجماعة، والذين يقولون بأن النوافل لا تحدد الإيمان، ولكنها تضمن، بدون أي إلزام بحساب، الثواب اللإهي(4).
__________
(1) - كلا التعليمان يتعارضان مع الطابع غير الإجباري للإمامة الذي أشار إليه Lewicki Handwortebuch des Islam, Ibadiya ومع جواز وجود إمامين والتي نسبها Nallino إلى الإباضية في "الموسوعة الإيطالية، الجزء 8، ص413، باب الخليفة"، والذي غلى ما يبدو أنه عمم غلى هؤلاء أحد المبادئ التي تأكدت فقط عند طائفة أخري من الخوارج، الحمزية، وهم فرع من الأغاريدة شهرستانيReligionsparteien und philosophenschulen ترجمة Th. Harbrucker, Halle, 1850، الجزء الأول، ص145).
(2) - (وأما العمل الذي هو من الإيمان فكل ما أمر الله بامتثاله من فريضة ونافلة).
(3) - الأشعري، مقالات، مرجع سابق، الجزء الأول. ص266.
(4) - عبد القاهر البغدادي، أصول، مرجع سابق، ص249. CF. Handbook of Early Muhammadan Tradition. ص182 أ. (1/22)
صفحة 23
وبعد أن استقر على طبيعة الإيمان، عرض الجنّاوني ودحض عقيدة المُرجئة، القائلة بأن الأعمال ليس لها أدني شأن بالإيمان. وفي إطار هذا التأكيد الشائع لدي كل المرجئة ميّز الجنّاوني من بين ممثلي تلك الحركة، ثلاثة مجموعات:
1. مجموعة جهم بن صفوان(1)، القائل بأن الإيمان هو معرفة دون إقرار.
2. مجموعة أبي مروان جيلان(2)، القائل بأن الإيمان هو إقرار دون معرفة.
3.مجموعة أبي حنيفة والقائل بأن الإٌيمان هو المعرفة والإقرار معا. واستمد هذا التمييز من مقالات الأشعري، حيث نجد، على كل حال، تسعة اشكال من التمييز تقوم، على قبول، أو عدم قبول، عناصر أخري (الحب، الخوف، التسليم (الإذعان) إلخ) لكل واحد من التعريفات المذكورة أعلاه(3).
ويشارك نفس مفهوم الإيمان عند الإباضية كل من: الصُفرية، القُدرية، الحَشَوية (أو السُنة)، الزيادية و الشيعة، على الرغم من اختلاف المواقف اتي اتخذتها كل مجموعة من هذه المجموعات إزاء من كل من يقر بالإيمان ولكنه لا يلتزم بما يقتضيه. ففي الوقت الذي تعتبر الصُفرية هذا الشخص مشرك، وبالتالي خارج عن جماعة المسلمين، فهو بالنسبة للسُنة مذنب فقط، وهو كافرعند الإباضية، الزيادية والشيعة وبالتالي فهو خارج عن جماعة الإباضية وليس جماعة المسلمين. وبعد العديد من التأملات حول معاني كلمة دين والتي توضحها استشهادات مشاهير الشعراء، تبع ذلك تذييل فقهي حول العلاقات مع أتباع مختلف العبادات، والذي أدخلته الآية القرآنية رقم 17 في السورة 22، والذي يعدد هذه العبادات.
وبالمقارنة بالإباضي، الذي يحمل العقيدة الإسلامية الحقّة، هناك طائفتان من الكفار:
__________
(1) - للتوسع انظر الموسوعة الإيطالية.
(2) - أبو مروان غيلان بن مسلم الدمشقي القبطي. للمزيد عن هذه الشخصية انظر الموسوعة الإيطالية (Ghaylan b. Muslim).
(3) - مقالات، مرجع سابق، الجزء الأول، ص132. (1/23)
صفحة 24
1.…المسلمون (والإشارة هنا للإباضية) الذين يخرجون عن الطاعة أو يرتكبون الكبائر أو يجيئون بمحدثات. فوجبت محاربتهم وطردهم من الجماعة طالما ظلوا مخالفين. بيد أن غنيمة ممتلكاتهم وسبي أبنائهم والإجهاز على جرحاهم واتباع مدبرهم حرام. موارثتهم ومناكحتهم حلال.
2.…المشركون. وهذه الطائفة تشمل، ليس فقط عبدة الأوثان، ولكن أيضا أهل الكتاب، أي: اليهود، النصاري والصابئين ويضاف إليهم المجوس. ولكن الأحكام التي تطبق على كل طائفة منهم ليست واحدة وتشابه تلك الأحكام التي أقرتها مدارس السُنة. فبينما هم في حرب مستمرة مع عبدة الأوثان، ولا يمكن لتلك الحرب أن تتوقف إلا بدخولهم في الإسلام؛ فهم متسامحون مع أهل الكتاب الذين يعيشون تحت سلطان المسلمين ويقبلون بدفع الجزية، فهم يحمونهم ويأمنون سلامتهم. وهناك تضارب في الأراء في العقيدة حول قيمة هذة الجزية(1).
وها هي ال"عقيدة" تدخل في الجانب الجدلي. فلقد تأسست قاعدتها على النبؤة النبوية الشهرية القائلة بأن الأمة الإسلامية سوف تنقسم من بعده (أي النبي ص) إلى ثلاثة وسبعين فرقة، من بينها واحدة فقط على الحق (الفرقة الناجية)، وهي تستعرض المواد الأساسية (الأصول) التسعة التي تقوم عليها الشريعة؛ والتي شهدت اختلافات في الآراء بين المسلمين، وفيما يتعلق بكل أصل من تلك الأصول تحدد (أي عقيدة الجنّاوني) موقف الإباضية وتدحض عقيدة مخالفيهم. وبهذا نعرف ما هي النقاط الراسخة في العقيدة الإباضية في بداية القرن السادسهـ، الثاني عشرم.
1. التوحيد: نفي أي علاقة أو تماثل بين صفات الله وصفات المخلوقات (خلاف الجسمية).
2. العدل: إقرار العدل لله، وبالتالي لمبدأ العاقب أو الثواب للإنسان على أعماله (خلاف الجبرية).
3. القدر: الإقرار بالقضاء والقدر، وبالتالي، الإيمان بمبدأ أن الله خلق أفعال الإنسان (خلاف القُدرية).
__________
(1) - أنظر هذا الكتاب ص573. (1/24)
صفحة 25
4. الولاية والعداوة (يقصد البراءة): حب وبغض الله يدخلان في إطار علمه ويتطابقان معه بها نظرا لكونهما علم بالثواب والعقاب. ونظر لأن العلم أحد صفات ذات الله، فإن الولاية والبراءة هما أيضا صفتا ذات، يرد ذكرهما دائما مع سُخط الله ورضاه (خلاف الحسينية)(1).
5. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وجوب العمل بمبدأ (الأمر بالخير (المعروف) والنهي عن الشر (المنكر)، وبالتالي وجوب اختيار الإمام (خلاف النكات "النكار")(2).
6. الوعد والوعيد: إقرار بأن الله صادق في وعده ووعيده، وأن كلمات الله لاتتبدل، وبالتالي الإقرار بخلود العذاب للعصاة من المسلمين (خلاف المرجئة).
7. المنزلة بين المنزلتين: وجود حالة بينية، وهو المنافق (= كافر)، وهي بين المشرك والمؤمن (خلاف المرجئة).
8. لا منزلة بين المنزلتين: ليس هناك حالة بينية بين الكافر والمؤمن (خلاف المعتزلة).
__________
(1) - فرقة إباضية من الشمال الإفريقي تأخذ اسمها من الشيخ أحمد بن الحسن (الحسين) الطرابلسي الإباضي، عاش في ليبيا أيام الإمام أفلح (190–240 للهجرة، 881-860 للميلاد) (?ammahi, Siyar, cit., p. 336, 546: Masqueray, Chronique d'Abou Zakariya, p. 60: Motylinski, Chronique d'Ibn Saghir, in Actes du XIVe congres International des Orientalistes, III, parigi 1907, p. 73; T. Lewicki, Subdivisions de l'Ibadiyya in Studia Islamica, IX, Parigi 1958, p.80).
(2) - أو أيضا نكار (انظر ص564 من هذا الكتاب). فرقة إباضية هامة، للتوسع انظر T. Lewicki, باب النكار في الموسوعة الإيطالية ص185-186. (1/25)
صفحة 26
9. الأسماء و الأحكام: إقرار أن الأسماء، أو المصطلحات وأضدادها: الإيمان والكفر؛ مؤمن وكافر هي مترتبة على الأحكام، أو آوامر الدين والتي ترتبط بهذه الصفات(1) (خلاف العُمريّة)(2).
وهذا الترتيب، كما أظهرت ناللينو Nallino(،(3) والذي وجده في كتيب الشيخ أمير بن على الشماخي (القرن الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي) تحت عنوان أصول الديانات، هو ترتيب معتزلي بحت وليس له أثر في كتابات الأشاعرة؛ ويوجد، على العكس، عند كتاب الشيعة الذين، كما هو معلوم، أخذوا جزأ لابأس به عن العقيدة المعتزلية. و نجده النمط المعتزلي، كما أوضح Golziher (36) و Nallino ذاته(4)، أيضا في غالبية النقاط العقائدية المذكورة أعلاه(5) (رقم:1، 2، 5، 6، 9). ويخالف الإباضيةُ المعتزلةَ في أنهم تمسكوا بشدة بمبدأ أن أفعال الإنسان من خلق الله (رقم3)، وأن الولاية والبراءة من صفات ذات الله وليست صفات أفعال(6) (رقم4) ، وأن هناك حالة بينية بين المشرك والمؤمن (رقم 7)، ولكن ليس بين الكافر والمؤمن (رقم8).
__________
(1) - يشاركه نفس الفكرة المعتزلي الغبعي؛ الأشعري "مقالات"، الجزء الثاني، ص582.
(2) - فرقة إباضية أسسها شخص يدعي عيسي بن عمر (عمير) في النصف الأول للقرن الثاني للهجرة، الثامن الميلادي. كان يقول بأن أهل الكتاب ليسوا مشركين غلى الإطلاق. الشماخي "السير"، ص105. Masqueray, Chronique مرجع سابق ص60-61: Motylinski Chronique d'Ibn Saghir مرجع سابق ص73T. Lewicki, Subdivisions مرجع سابق ص80.
(3) - سي. أ. ناللينو، علاقات، مرجع سابق، ص172.
(4) - إي. جولدزهير Le dogme et la loi de l'Islam، باريس 1920، ص163 و 281.
(5) - سي. أ. ناللينو، علاقات، مرجع سابق، ص170- 175.
(6) - الأشعري، مقالات، القاهرة، الجزء الأول، ص302. (1/26)
صفحة 27
ولكن هناك ملاحظة أخري جديرة بالأخذ في الاعتبار. إذا كان الجنّاوني يرفض بشكل مماثل الحتمية المطلقة عند الجبرية وقدر القُدرية والمعتزلة، ومن ناحية أخري يقبل بنظرية المعتزلة القائلة بأن عدل الله يحمل في طياته عقاب وثواب الإنسان على أفعاله، فليس بمقدوره ألاّ يُقر، حتى وإن كان ذلك في حدود ضيقة، بحرية الإنسان في أعماله. وبمثل هذه الشكل المحدود، نجد مسألة ال "كَسح" عند الأشاعرة وسنتعرض لها لاحقا.
ويُختتم هذا الجزء الجدلي بشرح معني كلمات: الإيمان، الكفر، النفاق، الإسلام شرحا موثقا، كما جري العُرف، باستشهادات لأشهر الشعراء، وببحث في نشأة الأسماء: يهود، نصاري، صابئين، مُرجئة، قُدرية، معتزلة، نُكّار أو نُكّات.
5- ويتعارض حزب الله المختار (الفرقة الناجية، أهل الإيمان الحق) مع الفرق المخالفة.
وتحدد العقيدة (أي عقيدة الجنّاوني) بشكل نسقي الأركان الأساسية لهذا الإيمان متطرقة أيضا إلى مفاهيم قد تم تناولها من قبل. فالإيمان هو علم الله، العمل، والنية الحسنة، الامتناع عن المعاصي (الورع)، الإذعان الكامل الاختياري (التسليم) لأمر الله مع اليقين في عدله ورحمته. و"مجاريه (أي الإيمان)" هي الكتاب (القرآن الكريم)، السنة، الإجماع، و"أحرازه" الإلزام العقائدي بالصداقة والتضامن "الولاية" تجاه المؤمن الحق والبغض "البراءة" سواء بالجهاد أم لا، ضد كل من لا يستحق هذه الصفة. وتتنوع "المسالك" التي يمكن للمؤمن اتباعها: الظهور، عندما تسنح كل الشروط لإعلان الإمامة؛ الدفاع، عندما يهدد خطر شديد الأمة ويتم اختيار إمام مؤقت لحماية حقوق الله؛ والكتمان، عندما يستحيل النصر على أعداء الله وتعيين إمام صريح؛ بذل النفس (شراء)، عندما يختارون القتال حتى الموت.
والإيمان نقيضه الكفر، والجهل والمشاعر الدنيئة: الكبرياء (الكبر)، الحسد، التشيع، الرغبة، الخوف، الشهوة والغضب. (1/27)
صفحة 28
6- يدور الفصل الأخير حول تصنيف الأحكام والقدر التي يتعين على المؤمن من خلاله أن يستمسك بها. ومعرفة التوحيد والشرك واجبة على الإطلاق على المؤمن البالغ العاقل (المُكَلّف)، والي تطلب قبل أي شئ معرفة كل ما أمر الله به: الإيمان والطاعة، وكل ما نهي عنه: الكفر والمعصية.
ويتعين على المؤمن، في المقام الثاني، أن يعرف الله ورسوله، أي معرفة كل ما هو ضروري (واجب)، ممكن (جائز) و غير ممكن (مستحيل) تجاه كل منهما. فبالنسبة لله فالأشياء الواجبة: الألوهية، الربوبية، الوحدانية؛ والأشياء الجائزة: الخلق، الفناء، الإعادة؛ والأشياء المستحيلة: أن يكون له شريك، أن يكون له صاحبة، أو أن يكون له ولد. فيما يتعلق بالرسول فالأشياء الواجبة: الصدق، التبليغ، الأمانة؛ والأشياء الجائزة: الغلط، النوم، النسيان؛ والأشياء المستحيلة: الكذب، الغش والخيانة.
وها نحن نقابل للمرة الأولي هنا الثالوث الأرسطاطليسي المنطقي كاملا: واجب، جائز، مستحيل. والأمر الذي يبرهن على أن هذه المقولات دخلت إلى علم الكلام قبل زمن الجنّاوني بكثير، هو أن المصطلح الثاني من هذه النسق، "جائز"، كان متداولا، مُطبقا على معجزات أعداء الله، بالفعل في الفقه الأكبر 2(1)، الذي يرجع تاريخ تأليفه إلى قرابة منتصف القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي. أمّا المصطلحين الآخرين من المنظومة فلقد وُجِدا معا فقط في عقيدة تالية، أو على أفضل الظن معاصرة، لعقيدة الجنّاوني، وهي عقيدة القاضي إياد بن موسي (توفي في العام 544هـ، 1149م)، المعروفة ب"شرح الشهادتين"(2). وتناولت هذه العقيدة مسألة ذات الله وصفاته، في واقع الأمر، في جزئيها الأول والثاني تحت مقولة ما هو "واجب" أو مستحيل منطقيا.
__________
(1) - Wensinck, عقيدة المسلم، مرجع سابق، ص193، 227، 273-274.
(2) - المرجع السابق ص274. (1/28)
صفحة 29
يتعين على المؤمن أيضا معرفة الإلزام العقائدي للمحبة (ولاية) و البغض (براءة). فمن ناحية، يجب عليه أن يعرف أن الولاية واجبة ل:
1) مُجمل المؤمنين "ولاية الجملة".
2) الأشخاص الذين مدحهم القرآن.
3) الإمام العادل.
4) للأشخاص الموفين بتعاليم الدين "ولاية الأشخاص".
ومن ناحية أخري، أن البراءة واجبة إزاء:
1) مجمل الكفار.
2) الأشخاص المذمومين في القرآن.
3) الإمام الجائر.
4) كل من لا يستحق لقب مؤمن.
والمبدأ المترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يطابق عند أهل السنة والجماعة فقط فيما يتعلق بواجب التضامن العام مع مجمل المؤمنين، وحرب الكفار.
ويجب على المؤمن أيضا أن يعرف أنه من الفضائل الأساسية أن يوازن جيدا بين الخوف من الله ورجاء رحمته. ويجب عليه أن يعرف أيضا أن إرادة الله مطلقة، فهو (الله) لايدين بشئ لأحد، لأنه ملك الملوك، وأن كل نعمه على الإنسان هي عبارة عن المنفعة التي أوصلها (الله) إلينا على جهة الإحسان.
وبنفس ألفاظ الأشاعرة، وضد المعتزلة، كان التأكيد على أن إرادة الله لا غالب لها: فالله يريد كل الأشياء خيرها وشرها، على الرغم من أنه لايأمر بها أو يقرها كلها. لايوجد أي إلزام عليه، لكي يفعل، على سبيل المثال، كما يريد المعتزلة، ما فيه خير للإنسان، وأن يثيبهم على أفعالهم الحسنة. (1/29)
صفحة 30
ومرة أخري يؤكد على القَدر الذي كتبه الله مسبقا على حوادث الدهر. من ناحية أخري فنحن نعرف، لأن الجنّاوني رفض ذلك صراحة، أن هذا القَدر ليس نفس الشئ المطلق الذي يؤمن به الجبرية. وهكذا، فإزاء قَدر المعتزلة، والذي رفضه الجنّاوني أيضا، لا يتبقي سوي حل الوسط الذي جاء به الأشاعرة. ونفهم بوضوح، من تأكيده على واجب المؤمن في أن يري في الأشياء المخلوقة برهانا وشهادة على قدرة الله، أنه قَبِل بهذا الحل (اي حل الأشاعرة) :"أمّا واحد يدل على واحد، فوجود الفعل يدل على الاستطاعة". وإن أفعال الإنسان، على الرغم من أنها من خلق الله، تنبع عن قدرة "استطاعة" يمتلكها الإنسان. ولكن هذه الاستطاعة من خلق الله، ويخلقها مع الفعل لكي يحقق هذا الفعل وليس فعل آخر. والفرض بأن يكون موضوع الاستطاعة هو الفعل أو ضده، هو فرض مستبعد، فمن ناحية، أكد سياق النص بكل وضوح على أن الواحد يدل على الواحد، ومن ناحية أخري، فإن التسليم به (أي الفرض) سوف يعني العودة إلى موقف المعتزلة، والذي أنكره الجنّاوني. وعلي الرغم من أن النص لم يشتمل صراحة على مصطلحات: الكسب والاكتساب، فإن استخدام الاستطاعة يرجع بنا للعقيدة الأشعرية التي تُقر بحرية أفعال الإنسان، ولكن بشكل محدود.
وإذا كانت معرفة المبادئ المذكورة أعلاه دائمة الوجوب على المؤمن الحق، فليس الحال كذلك بالنسبة لمعرفة الواجبات الدينية التي تتطلب سلفا تحقق شرط ما. وهذا الشرط ربما يكون تحقق البرهان (argumentum revelationis)، مثلما الحال في مسألة صفات الله، الأنبياء، الملائكة؛ أو أن يُعمّر المرء في الدنيا قدر أجله المكتوب، وأيضا بالنسبة للشعائر مثل الصلاة والصوم.
وأكثر من ذلك، فالمؤمن ليس مطالبا بأن يكون على قدر كبير من الإلمام بأحكام الشريعة والتي تفترض سلفا التمتع بتخصص أهل الذكر. (1/30)
صفحة 31
7- ولنبحث، الآن، موقف عقيدة الجنّاوني إزاء العقديتين الأخرتين، وهما أيضا إباضية – وهابية، واللتان حدثتُ عنهما أعلاه. أحدهما هي تلك (العقيدة) المنسوبة لعبد الله بن إباض والتي ترجمها ساشاو. وهي عبارة عن كتاب تعاليم دينية موجز جدا (لم يتجاوز بضعة صفحات). يفتتحه مؤلفه بنظرة عامة عن الإيمان والتي، على الرغم من أنها لم تصل لنفس كمال ما جاء به الجنّاوني، إلا إنها تتخطي بكثير تلك التعبيرات البسيطة التي جاءت في السيَر. فنجد فيها موضوعات: القسمة والمصير، خلود العصاه في نار جهنم، رفض أي تجسيم وأي عقيدة مماثلة لعقيدة (الكسب) عند الأشاعرة. ونجد أيضا مسألة استحالة رؤية الله في الحياة الأخري، وهي مسألة غابت عن عقيدة الجنّاوني. ولم تتطرق (العقيدة) لمسألة صفات ذات الله، على الرغم من أن مفهوم الله، كذات بلا نهاية، لا يحويها زمان أومكان، لايمكن أن تدخل إلى خيال الإنسان، إلخ، كان يمثل التمهيد البديهي، في تبسيط الفكر العقائدي، للعلاقة بين ذات الله وصفاته (ص62- 65). ثم تأتي بعد ذلك أحكام فقهية وتعاليم أخلاقية غير موجودة في عقيدة الجنّاوني (ص65 – 67). ولقد خُصِصَ الجزء الختامي من العقيدة للجدل والمناظرة. وعرضت (العقيدة) بالترتيب نقاط العقيدة الإباضية العديدة، ومع كل منها تم دحض مخالفيها مثل: بدع المرجئة، الحشوية، السلفية، الشيعة، القٌدرية والمعتزلة وزيادة، عما جاء في عقيدة الجنّاوني، فلقد دحض بدع الإسماعيلية، الرافضة، والأزارقة (ص67 – 69). (1/31)
صفحة 32
ويمكن، بشئ من الصعوبة، إثبات أصالة ال عقيدة. فغالبية القضايا الكلامية التي تعرضها، كانت قد تمت مناقشتها في القرن الثاني والثالثهـ، الثامن والتاسعم، أي بفترة طويلة بعد الحقبة التي عاش فيها عبد الله بن إباض. وفضلا على ذلك فإن الاهتمام بالجانب الأخلاقي قد يدعو للاعتقاد بأنه (كاتب العقيدة) قد تأثر بمذهب الغزالي. فمن وجهة النظر الأدبية فإن العقيدة قد تبدو تالية لعقيدة الجّناوني، حيث يزداد فيها طابع كتب مبادئ الدين التي ميزت هذه الحقبة المتأخرة.
والبحث في العلاقة بين عقيدة الجنّاوني وعقيدة الشيخ المغاربي عمرو بن جميع، والتي نشرها موتيلينيسكي، يخضع لاعتبارات أوسع. ووفقا لما يسرده الشيخ نفسه في المقدمة، فلقد وجد هذه العقيدة محررة باللغة الأمازيغية وترجمها للعربية حتى يسهل فهمها. ومن وقتها أصبحت أوسع كتب تعليم الدين انتشارا في منطقة مزاب وفي جزيرة جربة، وهي المواطن الرئيسية للمذهب الخوارجي في الشمال الإفريقي. (1/32)
صفحة 33
بيد أنه لم يعد يبقي أي أثر للوثيقة الأمازيغية الأصلية. ونجد في الترجمة العربية إشارة إلى الشيخ يونس بن أبي زكريا. وتسمح لنا تلك الإشارة من تحديد الفترة الزمنية التي يمكن بعدها تأريخ الوثيقة. واقع الأمر أننا نعرف من الدرجيني(1) ومن الشماخي(2)، أن الشيخ المذكور أعلاه، كان أحد أفضل تلامذة العالم الشهير أبو عبد الله محمد بن بكر، صاحب نظام الحلقة، والذي عاش في النصف الأول للقرن الخامس الهجري، الحادي عشرم(3). أما لتحديد الفترة الزمنية التي كُتِبت فيها الوثيقة فليس لدينا، بطبعية الحال، سوي تلك الحقبة التي عاش فيها المترجم العربي، وهي القرن التاسع الهجري، الخامس عشرم. وحيث أن عقيدة الجنّاوني كانت قد كتبت في القرن السادسهـ، الثاني عشرم، أي في ظل نفس الحقبة الزمنية والتي تنسب إليها، على نحو التقدير، كتابة النص البربري المذكور أعلاه (الخامس – التاسع الهجري، الحادي عشر- الخامس عشرم)، فلن نتمكن استنادا للمعطيات الخارجية، من تقرير، إذا ما كانت العقيدة قد جاءت قبل اوبعد هذه الوثيقة. وبذلك يجب علينا اللجوء إلى معايير من داخل النص.
__________
(1) - كتاب طبقات المشايخ مكتبة جامعة Lwow، رقم 275.
(2) - كتاب السير، مرجع سابق، ص471 و 512.
(3) - حول هذا الشيخ وحول تأسيس الحلقات المميز للإباضية، انظر ر. روبيناتشي في Un antico documento di vita cenobitica musulmana، في AIUON، الطبعة العاشرة (1961)، ص37–78. (1/33)
صفحة 34
وبمقارنة العقيدتين يظهر أنهما تتشابهان في بعض الأجزاء وتختلفان في البعض الآخر. وقد قمنا بوضع خط تحت الأجزاء المتشابهة في ترجمة عقيدة الجنّاوني التي أوردناها في لاحقة الكتاب. وهذه الأجزاء لا تتطابق تماما على الدوام. ومن بين أوجه الاختلاف بين العملين نجد أن البعض منها يتعلق بالاسلوب، ويمكن إرجاع ذلك إلى أن كلا النصين، في الأصل، كان قد كُتِب بلغة مختلفة، حيث كُتِبَ أحدهما باللغة العربية وكُتِبَ الآخر باللغة الأمازيغية. وبناء على ذلك يمكننا تنحية هذه الاختلافات جانبا أثناء القيام بالمقارنة (يقصد بين النصين). بيد أن بعض الإختلافات الأخري جوهرية ونحن نذكرها مترجمة. وللإطلاع على النصين باللغة العربية انظر "كتاب الوضع" للجنّاوني، طبعة القاهرة 1303هـ، 1886م، و"عقيدة" عمرو بن جميع والتي نشرها موتيلينيسكي.
(المقارنة بين أوجه الاختلاف في النصين)
الجنّاوني ... عمرو بن جميع
أ) ... يشهد أن لا إله ألا الله، أول بلا بداية، باق بلا نهاية، الحي القيوم (ص44) ... يشهد أن لا إله ألا الله، الواحد الأوحد، لاشريك له، لا ند له، لا ضد له، ليس له قرين، ليس له شبيه، وليس له مثل. (ص508-509)
ب) ... يؤمن بقضاء الله، خيره وشره (ص47) ... يؤمن بأن الله هو الذي خلق كل شئ كان (المُكَوّن)، وأنه موجود وباق (ص509، 1. 6).
ت) ... العبادة هي الإنقياد للفروض والنوافل التي أمر بها الله (ص48). ... العبادة هي الانقياد للفروض التي أمر بها الله (ص509، 1. 1-2).
ث) ... القرآن، السنة، الإجماع (ص48). ... الوحي، السنة، الرأي (ص509، 1. 16) (1/34)
صفحة 35
ج) ... يأخذ من الكتاب (القرآن): الصلاة، الزكاة على أنواعها، صوم شهر رمضان، الغسل للتطهر من الحدث الأكبر (يقصد الجنابة)، الوضوء، حج بيت الله لمن استطاع لذلك سبيلا، الحرب (يقصد الجهاد) في سبيل الله، قسمة المواريث، النهي عن كل الأشياء المحرمة (يقصد المنكر)، حدود الله وما شابهها (ص49). ... تم أخذ العديد من الأوامر عن الوحي، اختيرت أربعة من بينها: الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج لمن استطاع إليه سبيلا (ص509 1. 16-17).
ح) ... يأخذ من السنة: عدد الصلاوات الخمسة، مقدار الزكاة، رجم الزاني، صلاة الوتر، المضمضة، الاستنشاق، مسح الأذنين، الاستنجاء، الختان، عدم جواز الوصية لوارث وكل ما شابه ذلك، ما لم يرد به ذكر في الكتاب (ص50) ... يأخذ من السنة: ...الاستنجاء، الختان، الرجم، صلاة الوتر (ص509، 1. 18).
خ) ... يأخذ من الإجماع: عقد الإمامة، عدم جواز وجود إمامين على نفس الطريق، جلد شارب الخمر، منح سدس الزكاة للجدين، قيام شهر رمضان، أحكام الغائب وما شابه ذلك، ما لم يرد به ذكر في الكتاب أوالسنة (ص51). ... من الرأي ...: أحكام الغائب، الإمامة، عقوبة شارب -الخمر، توريث السدس للجدين (ص509، 1. 19-20). (1/35)
صفحة 36
د) ... الأحكام المتعلقة ب (الخارجين) عن ملّة الإسلام هي: ... لا يحل غنيمة مالهم، ولاسبي أطفالهم ولا الإجهاز على جرحاهم أو اتباع مدبرهم. إذا ما اعترفوا بطاعة إمام المسلمين، سوف يأخذ الإمام منهم صدقات أموالهم ويوزعها على مستحقيها، وسوف يمنعهم إظار المنكر من الأشياء، أو المعصية. موارثتهم ومصاهرتم حلال. وتحرم ولايتهم ما ظلوا على خلافهم وبدعهم (ص61 – 62). ... الأحكام المتعلقة بالمسلمين العصاة هي ...: إذا ما قدرت عليهم جيوش المسلمين، وكان لهم حصن يتحصنون به، أو ملاذ يفرون إليه، يجب اتباع مدبرهم والإجهاز على جريحهم. وإذا لم يكن لهم حصن يتحصنون به، أو ملاذ يفرون إليه، يجب اتباع مدبرهم ولا يُجهزعلي جرحاهم. وسوف تُرد لهم اسلحتهم، أو وفق لرأي البعض، سوف تُدفن، أو وفقا للبعض الآخر سوف تباع، وسوف يوزع ثمن البيع كصدقة على الفقراء ممن شهِدوا القتال. وتجب ضدهم البراءة على فعلتهم هذه (ص512، 1. 14-18).
ذ) ... كان هناك خلافا على قيمة الجزية: فلقد أكد البعض أنها "درهما في الشهر"؛ وقال البعض الآخر:" طالما أقر الإمام بذلك"، وقال آخرون:" على ميسوري الحال أربعة دراهم في الشهر، وعلي الطبقة المتوسطة درهمان، وعلي متواضعي الحال درهما في الشهر" (ص65 – 66) ... كل فرد بالغ عاقل يجب عليه دفع عشرة دراهم في الشهر. ويزيد (النصراني) المسيحي درهمان فوق هذا المبلغ. (ص512 – 513).
ر) ... حصون الدين ثلاثة: الولاية للمؤمن الموفي (بواجبات دينه)؛ البراءة من المنافق والمشرك؛ والإمساك تجاه من تُجهَلُ ارائه حتى تُعرف (ص97). ... حصون الدين ثلاثة: الولاية لمن نعرف أنه يفعل الخير؛ البراءة ممن نعرف أن يفعل الشر، والترك عن أي تمرد يقال أيضا "وقوف" وهو تجاه من تُجهَلُ ارائه حتى تُعرف (ص510، 1. 1-3). (1/36)
صفحة 37
ز) ... لذلك قِيل أن ستة أشياء تلازم ستة أشياء أخري:... الولاية والبراءة (ص102) ... تجب على الإنسان ستة أشياء، تلازمها ستة أشياء:... الولاية والعداوة (ص510، 1. 8-10)
س) ... الولاية لغير العصاة، الذين أثني عليهم الله في كتابه (القرآن)، والذين وصفهم بالمطيعين الذين يأتون الخيرات (ص106). ... الولاية لغير العصاة، أي أولئك الذين ذكرهم الله في كتابه ووأثني عليهم، وأوجب لهم الجنة. وهم يضمون عشرة رجال وعشرة نساء (سوف نذكرهم لاحقا) (ص510 – 511).
ش) ... البراءة من الملعونين في كتاب الله، الذين وصفهم بأهل المعصية والفساد، وحدد أسمائهم (ص109) ... البراءة من أهل الوعيد، أو الذين ذكرهم الله في كتابه، وأوجب لهم النار (سوف نذكرهم لاحقا) (ص521، 1. 2-4).
ص) ... البراءة من الإمام الجائر، وممن يطيعونه في جوره (ص109). ... البراءة من السلطان الجائر، ومن وزيره وخازنه. أما من كان تحت لوائه فلا، لأنه ربما يكون فيهم مسلم يخضع لسلطانه لينقذ نفسه "تقي على نفسه" (ص512، 1. 5-7).
ض) ... أما بالنسبة للبراءة من أطفال المشركين والمنافقين، فيجب الإمساك عنهم حتى يبلغوا الحُلُم (ص110). ... أما بالنسبة للولاية لأطفال المشركين والمنافقين، فيجب القوقوف فيهم (ص511، 1. 19-20).
وتتمثل عناصر الاختلاف بين النصين في الفقرات التي توجد زائدة في كل منهما عن الآخر.
وهي عند الجنّاوني:-
أ ) نظرية عامة في المعرفة (ص13-30)؛
ب ) ذات الله وصفاته (ص31 – 41)؛
ت ) عرض ودحض العقائد المخالفة (ص52 – 59)؛
ث ) توضيح النقاط العقدية المختلفة ودحض المواقف المخالفة (ص67-90)؛
ج ) إعطاء الأمثلة وتعميق "المعرفة" بالأحكام الواجبة على المؤمن (ص103–105، و111-117).
وهي عند عمرو بن جميع:-
أ ) تفصيل العشرين صلاة ( ثمانية فرضا واثنتي عشرة سنة) الواجبة لله (ص510، 1. 11-14). (1/37)
صفحة 38
ب ) العدد الإجمالي للكتب التي أنزلها الله وعدد الأنبياء؛ التمييز بين الفروض والسنن؛ صفات الملائكة؛ الأشهر المقدسة؛ الأشهر الحُرُم، أشهر الحج؛ ذنوب الشرك أو النفاق؛ تلخيص النقاط الأساسية للعقيدة الإباضية (ص513– 516).
وتؤدي الاختلافات الواحضة واختلاف النصين في أجزاء عريضة منهما، إلى اسبعاد أن يكون أحدهما مشتقا من الآخر. ويمكننا فقط القول بأن أحد النصين، وهو نص عمرو بن جميع، يبدو وأنه يعكس سمات حقبة تالية لحقبة الجنّاوني، لآنه، كما سنشرح فيما بعد، يعمق بعض النقاط العقدية خلاف الآخري. ومن وجهة النظر الأدبية، تبدو ايضا هذه العقيدة تالية، حيث أنها، مقارنة بعقيدة الجنّاوني، تُبرزُ بشكل أعمق سمات كتب التعاليم الدينية.
وباسبعاد ان يكون أحد النصين مشتق من الآخر، يمكن أن نطرح الافتراض الظني بأن النصين يمثلان صياغتين مختلفتين لعمل أصلي واحد أو هما تحرير لذلك العمل: واحد باللغة العربية والآخر باللغة الأمازيغية. ولكي نعيد تكوين هذا الافتراض فإن أول مرحلة هي حذف العناصر المختلفة في النصين، حيث يمثل كل منهما نتاج التأمل اللاهوتي المميز لحقبة كاتبه. فمن عقيدة عمرو بن جميع يمكن أن نمحو، بشكل أساسي، الجزء الختامي، الذي لا يوجد في عقيدة الجنّاوني، والذي خصصه لبعض النقاط التي عمقها، بشكل خاص، الكلامية المتأخرون: أنبياء، ملائكة، كتب سماوية. أما من عقيدة الجنّاوني نحذف نظرية المعرفة والجزء المخصص للجدل والمناظرة واللذان لا يوجدان في عقيدة عمرو بن جميع، حيث أن الأولي (اي نظرية المعرفة)، أخذت تختفي رويدا رويدا من كتب العقائد بعد احتجاج الغزالي على كل ألوان التعقلية الكلامية، والثاني (الجزء الجدلي) لم يعد في بؤرة الاهتمام، بعد ما انتشر الإحساس بأن خطر الفرق والخوارج قد انتهي. (1/38)
صفحة 39
وبحذف الأجزاء المختلفة، يتطابق كلا النصان ويبرهنان على وجود النموذج الأصلي المفترض نظرا لتطابقهما الشديد. ويمكن اعتبار تلك الاختلافات التي أشرنا إليها اعلاه روايات مختلفة عن نفس النص. فليست جميعها على نفس القيمة. فالبعض منها يبدو وكأنه نص مدسوس بغرض التوضيح، أو لإعطاء أمثلة، تارة في الجنّاوني (ج، ح، خ) وتارة عند عمرو بن جميع (س، ش)، أو مثل عكس الترتيب ببساطة (ض). والبعض الآخر يبدو وكأنه فهم خاطئ للنص، ربما، حدث ذلك بسبب وجود اللغة الأمازيغية كمرحلة وسط. على سبيل المثال، في النقطة (ز)، عمرو بن جميع يضع بطريق الخطأ العداوة مكان البراءة. فى النقطة (ر) هناك شرحان مختلفان لحصن الدين الثالث. ومقولة عمرو بن جميع (بالترك عن أي تمرد) لا تشرح في السياق ومن المحتمل أن تكون هي الأخري راجعة لخطأ في الترجمة. (1/39)
صفحة 40
وربما يكون قد تم، وفقا للشرح الصحيح والذي نجده في الجنّاوني، تصحيح الخطأ في الهامش والحواشي التي أدخلت على النص كتعبير مرادفي (يقال أيضا أن ... إلخ). وتعتبرروايات أخري أيضا النقاط (د، ذ، ص) تعطي قواعد مختلفة حول بعض النقاط في تطبيق حد الحرابة. ربما يعكس المبدأ، الذي عبر عنه عمرو بن جميع في النقطة (د)، أن حرب المسلمين المخالفين هي حرب بلا هوادة أو مهادنة، حين يكون لهؤلاء امكانية اللجوء إلى أماكن حصينة وتعزيز قواهم، مقارنة بموقف الجنّاوني الأقل تشددا، مرحلة أقدم، عندما كان المسلمون الخارجون على الجماعة يكونون سببا مستديما للإزعاج والحرب. وتكفي الإشارة إلى الحروب التي خاضتها الإباضية الإفريقية بلا هوادة في "تيهرت" ضد الخارجين على الجماعة والذين ولدوا في صدر الجماعة. وهكذا أيضا الحكم الذي عند عمرو بن جميع (ذ) يحدد مقدار الجزية المستحقة على أهل الكتاب بشكل عام، بعشرة دراهم - وهو ما لم أجده في كتب أحد غيره – واثني عشر درهما للنصاري، يبدو وأنه يوثق، على العكس من الجنّاوني، والذي على العكس يورد رأي الفقهاء في هذا الأمر، إجراء خراجي ملموس كانت تفرضه السلطة الإباضية على عصره. ونظرا لأن الإباضية كانت لهم سلطة ووظائف دولة فقط مع الدولة الرستمية (160–226هـ/776–909م)، يمكن أن نطرح الفرض أن الحكم الخراجي الإباضي المذكور أعلاه يرجع إلى تلك الحقبة. و ربما يعكس موقف تاريخي خاص، مثل على سبيل المثال موقف الإباضية الخاضعين لحكم الأغالبة، ولكنهم موالين للرستمية، المبدأ الموجود عند عمروبن جميع في النقطة (ص) بأن البراءة لا تجوز على رعية الإمام الجائر خشية أن يعاني منها الإباضي الذي يتظاهر بالإيمان لينقذ نفسه (تقيا على نفسه). ويعتبر ما جاء في النقاط (أ، ب، ت، ث) بمثابة شاهد على اختلاف الاتجاه العقدي. ففي النقطة (أ)، وصف مفهوم الله عند عمرو بن جميع، لا يشمل أية إشارة إلى صفاته الإلهية، والتي يعددها (1/40)
صفحة 41
الجنّاوني على العكس من ذلك. وهذا الغياب للصفات له مغزاه حيث أن الكلامية لم يهتموا بأمر مسألة صفات الله إلا منذ بداية القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي. وفي النقطة (ب) توجد صياغتان مختلفتان للقدر. فلا تحمل رؤية عمرو بن جميع، على عكس رؤية الجنّاوني، التوضيح بأن الله هو خالق الشر تماما مثل أنه خالق الخير. ونحن نعرف أن المعتزلة كانوا ينتقدون قاعدة القضاء والقدر بحجة، فضلا عن حجج أخري أوردوها، أن الله عادل، لا يمكن ان يريد شرا. وبذلك تبدو صياغة هذه القاعدة، كما أوردها الجنّاوني، والتي نجدها للمرة الأولي عند أهل السنة والجماعة في العمل المعنون بالوصية والمنسوب إلى أبي حنيفة (القرن الثالث الهجري، التاسعم)(1)، وكأنها احتجاجا ضد قول المعتزلة وتمثل، مقارنة بصياغة عمرو بن جميع، خطوة إضافية. في النقطة (ب)، يعطي الشرح الذي يقدمه الجنّاوني والقائل بتوسيع رقعة القيام بالفروض لتشمل أيضا النوافل، لمفهوم الإيمان لون (صبغة) معتزلي غير موجود عند عمرو بن جميع.
__________
(1) - Wensinck, عقيدة المسلم، مرجع سابق، ص126. (1/41)
صفحة 42
وفي النقطة (ث) نجد الاختلاف بين إجماع (الجنّاوني) و رأي (عمرو بن جميع) والذي يمكن شرحه بأكثر من طريقة. يمكن الاعتقاد بأن أحد المصطلحات الأمازيغية الأصل والذي يستخدم للإشارة إلى الإجماع قد أعيدت ترجمته بكلمة رأي. بيد أن هذا الأمر يبدو قليل الإحتمال لأن المصطلحات الفنية كانت قد أخذت، عن اللغة العربية كما هي. وهناك احتمال بأن اللفظتين: إجماع ورأي هما متساويتان بالنسبة للإباضية، كما أكد M.M.Moreno.(1) وكبرهان على تساوي المعنيين، استشهد المرحوم مورينو، الدارس للدين والحضارة الإسلامية، بأن أحد كتاب الإباضية من القرن السادسهـ، الثاني عشرم، أبو يعقوب الورجلاني، في عمله"كتاب الدليل لأهل العقول"، عدد أصول الشرع كما يلي: الكتاب والسنة ورأي المسلمين والعقل(2). وما يؤكده مورينو صحيحا. ويلزم ، على أية حال، التأكيد على أن لفظة رأي عند الإباضية لا تساوي كلمة إجماع فحسب، بل تشمل أيضا القياس. فواقع الأمر أن القصبي في تعليقه على عقيدة الجنّاوني، لاحظ أنه بدلا من مصطلح إجماع، أن الكاتب كان يتعين عليه استخدام مصطلح رأي، لأنه ينطوي على القياس بالفعل. ونفس ذات الشئ ورد بشكل جوهري على لسان الشيخ أطفيش في تعليقه على "عقيدة التوحيد" لعمرو بن جميع حيث يقول:" الرأي هو إجتهاد العلماء؛ أمّا الإجماع فهو كل ما يؤخذ من القرآن والسنة، ولكن مكانه (مأخذه) خفي؛ وهذا هو اجتهاد، حيث أن الحكم يكون خفي أمام هؤلاء الذين لايصلون إلى الإجماع. ولو لم يكن الأمر كذلك وبدا الحكم واضحا وظهر في القرآن وفي السنة أو في أحدهما، سوف
__________
(1) - ملاحظات في اللاهوت الإباضية، في AIUON, N.S.(1949)، ص301.
(2) - أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني، كتاب الدليل لأهل العقول، القاهرة، 1306 هجري، 1889ميلادي, ط 2، ص18. توفي الكاتب في عام 570 للهجرة، 1175 ميلادي، وفقا للشماخي، السير، مرجع سابق، ص445، ويسمي أيضا الصدراتي وكتابه الدليل والبرهان. (1/42)
صفحة 43
يقال أنه نابع من القرآن أو من السنة ولكن ليس من الإجماع"(1). موجز القول، ان الشيخ أطفيش قام بعمل قياس منطقي كما يلي: رأي = اجتهاد؛ إجماع = اجتهاد إذا رأي يساوي إجتهاد وإجماع. كل ذلك يشرح كيف توصلت موسوعة الإسلام (2) وكاتب عربي حديث غير إباضي، الشيخ أرسلان(3)، إلى أن الإباضية ليس عندهم قياس أو إجماع وأن الرأي قد استبدل كلاهما. بكلمات أخري، فكما وضحنا من قبل، فإن الاستنتاج النابع عن تفكير منهجي (رأي، اجتهاد، قياس) لايأخذ عند الإباضية مأخذ الوجوب إذا ما لم يكن مصدقا عليه من إجماع (العلماء). و يمكن إعادة تكوين العملية التي بسببها جاء مصطلح رأي ليستبدل مصطلح إجماع كما يلي: في بادئ الأمر كانت أصول التشريع القرآن والسنة فقط ومعهما الرأي بشكل إضافي (مساعد).
__________
(1) - الشيخ محمد بن يوسف أطفيش"عقيدة التوحيد، 1326 هجري- 1908 للميلاد، ص93-94.
(2) - Encyclopedie de l'Islam انظر ص558، رقم 15.
(3) - لوثروب ستدارد وأمير شكيب أرسلان، حاضر العالم الإسلامي، القاهرة 1343 للهجرة، 1924 للميلاد. ط 2، ص353. (1/43)
صفحة 44
وهذا الأمر يوافق الحديث الذي يروي لنا أن مُعاذ بن جبل كان قد أُرسل ليعمل قاضيا، وردا على أسئلة النبي حول المبادئ التي كان ينوي اتباعها في الفصل بين الناس (العمل كقاضي)، أجاب أنه كان س "يجتهد في رأيه" إذا لم يجد أي مرشد له في القرآن أو في سنة النبي (ص)، وهو برنامج أقرُه النبي وقبله بكل ترحاب(1). ويأتي الإجماع بعد ذلك ليضمن التطبيق الأصيل والسديد للقرآن والنقل الأمين لسنة النبي (ص)، الاستخدام الشرعي للرأي ونتائجه؛ ويغطي كل حكم يطبق على نموذج من الوقائع. إلا أن وظيفته السائدة انتهت بتشربهم لوظيفة الرأي. لكن الرأي استعاد، فقط في وقت لاحق، في صورة القياس المحدودة، لقيمته المستقلة وتم إقراره كمصدر رابع من مصادر التشريع. ولم يكن الإباضية، على الأقل حتى زمن الجنّاوني، قد اتخذوا هذه الخطوة الأخيرة بعد.
فإذا ما أصابت التأملات المطروحة والإفتراضات المصاغة (أعلاه) الحقيقة، فإن المتغيرات التي جاءت في نص عمرو بن جميع سوف تعكس، مقارنة بمتغيرات الجنّاوني، مرحلة أقدم في الفكر الفقهي- العقائدي. ولذلك فهي، على الأرحج، تطابق النص الذي اشتقت منه الوثيقتان، أكثر مما جاء به الجنّاوني.
و يحافظ هذا النص المعاد تكوينه والمفترض أنه عمل أصلي، على الموقف الإباضي حول النقاط التالية: (أ) الإيمان والأعمال، (ب) القضاء والقدر، (ث) الإمامة، (ج) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (ح) الولاية والبراءة، (خ) الكتمان، (د) معاملة مخالفي الإباضية.
ولم يتطرق إلى النقاط التالية التي تتعلق بعقيدة المعتزلة، والتي سوف توجد، على العكس من ذلك، في ال"عقائد" الإباضية التالية:
أ ) خلق القرآن.
ب ) إنكار رؤية الله.
ت ) تأويل تفاصيل الآخرة، والتشبيه الظاهري تأويلاً مجازيا.
ث ) الخلود في النار حتى للمسلم العاصي.
ج ) ذات وصفات الله.
__________
(1) - أبو داود، الجزء الثالث، 220. (1/44)
صفحة 45
وبالتالي سوف يكون نصنا المفترض منيعا على الإضافات المعتزلية. ونظرا لأنه يحتوي، من ناحية أخري، على إشارات إلى مواقف كلامية تالية لمنتصف القرن الثاني الهجري، الثامنم، (فضلا على شخصية تاريخية، أبو عبيدة التميمي(1)، توفي في العام 137هـ، 754م)، ويجب الاعتقاد بأنه، حتى تلك الحقبة، لم تكن هناك تأثيرات معتزلية، على الرغم من أن المعتزلة والإباضية كان لهم مركزا روحيا في البصرة. ولذلك يجب استبعاد أن الإباضية، الذين هاجروا إلى المغرب أوائل القرن الثاني هـ، كانوا قد تشربوا بالفعل في المشرق بعناصر من العقيدة المعتزلية. وهذه العناصر لم تكن لتسلك لها طريقا في الذهب الإباضي إلا في وقت لاحق.
ويمكن أن يكون ذلك قد حدث لدي إباضية المشرق ثم بعد ذلك انتقلت الأحكام المعتزلية إلى إباضية المغرب عن طريق العلاقات الثقافية التي لم تنقطع قط، بين بعضهم البعض، ولكن الأحتمال الأكبر أن التأثر المعتزلي قد لاقي قبولا في الشمال الإفريقي، حيث ولج إليه المذهب المعتزلي مع نهاية القرن الثامنهـ وتطور بشكل خاص على يد الشيعة الإدريسية. ولذلك سوف أكون ميّال إلى أن أتبر هذا المعني حلا للمشكلة التي طرحتها ناللينو حول ما إذا ما كان إباضية الشمال الإفريقي قد أخذوا العقيدة المعتزلية في المشرق قبل أن يهاجروا إلى المغرب، أو أنهم أخذوها إلى الشمال الإفريقي، باتصالهم مع الشيعة الإدريسية ومع المعتزلة من إقليم تينجيتانا القديم.
سعيد بن عيسى الباروني صاحب المخطوطة
(نص عقيدة الجناوني كما وردت عند روبينيتشي)
__________
(1) - لمعلومات عنه أنظر ص591، رقم 93. (1/45)
صفحة 46
اعلم ألهمنا الله وإياك الرشد، وأَتَاحَ لنا من لدنه العون والرفد، إن الله تعالى شهد لنفسه بالوحدانية، فشهدت له بها الملائكةُ المُقرَّبُون، والعالِمون بالله تعالى الموقنون، قال الله تعالى: { شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العًزِيزُ الحَكِيمُ } فأَوْجَبَ توحيده على كل بالغ مُكلَّف من عباده، حُرًّا كان أو عبداً، ذكراً كان أو أُنثى، إذا بلغ الْحُلُمَ وليس بعقله آفة ٌ تمنع التكليف، لقوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيعَبُدُونِ } يعني ليوَحِدُونِ. وأرسل الرسل بالدعاء لخلقه إلى توحيده، لقوله تعالى: { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } أي وحِّدُوه، لقوله: { وَإِلََى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } أي وحِّدوه، وكذلك سائر الرسل.
فإذا تعيّن على العبد فرضُ التوحيد، وجب عليه أن يعرف خالقه مع أول البلوغ ولم يسعه جهله طَرْفَةَ عَيْنِ.
( فصل ) (1/46)
صفحة 47
اعلم أنه لا سبيل أوضح لمعرفة الخالق من معرفة الموجودات، والتمييز بين جملة المعلومات، وذلك أن تعلم أن الأشياء كلها ضربان: قَدِيمٌ وَمُحْدَثٌ، فالقديم هو سبحانه المنفرد بالوحدانية والألوهية والربوبية والمُحْدَثُ ضربان: جِسْمٌ وَعَرَضَ. والعرض ضربان حركة، وسكون. والحركة ضربان: كَسْبِيَّةٌ، وَضَرُورِيَّةٌ. والجسم ضربان :مَرْئِيٌ كالأشْبَاح، وغير مرئي كالهواء والرياح. والمرئي ضربان :حيواني ومواتي. والمواتي ضربان: مواتِيٌ يحي كالأرض والبزور، ومواتيٌّ لا يحيا كالحديد والصخور. والحيوانيّ ضربان: روحي يدب ويدرَج، ومائي ينبُت ويعرُجُ. والروحي ضربان عاقل مكلَّف كالملائكة والثقلين، وغافل مُهْمَل كالوحوش والأنعام. والعاقل ضربان مؤمن، وكافر. والمؤمن ضربان :معصوم كالملائكة والأنبياء، وغير معصوم كسائر من آمن بالأنبياء. والكافر ضربان: مشرك، ومنافق. والمشرك ضربان: جاحد، ومساوٍ. وغير المعصوم ضربان: مُقِرٌّ بالجملة موفٍ بالتفسير، ومقرٌّ بالجملة مضيِّعٌ للتفسير. فإذا ثبت واُستقرّ في فهمك وعقلك أن هذه الأشياء المذكورة محدثة مصنوعة مخلوقة بدليل الحدَث والحَاجة والعجز، وعلمت أن لها محدثًا أحدثها، وخالقًا خلقها، لأن الصَّنعة دالة على صانعها ومحدثها، قال الله تعالى: { أَفِي اللهِ شَكٌ فَاطِرِ السَّمَواتِ وَاْلأَرْضِ } ، وقيل لأعرابي: ما الدليل على أن لهذا العالم صانعًا ؟ فقال: إن البعرة تدل على البعير، وأثر القدم يدل على المثير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أَمَا يَدُلاّن على الصانع الخبير. قال الحكيم :
أيَا عَجَبَا كَيْفَ يُعْصَى اْلإِلهُ *** أَمْ كَيْفَ يجحدُه الجاحدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ *** تدُلُّ عَلَى أَنهُ وَاحدُ
وَِللهِ في كل تحريكةٍ *** وتسكينةٍ أَبَدًا شاهدُ (1/47)
صفحة 48
وهذه الحجة من واجبات العقل التي لا خلاف بين أهل العقول فيها. وذلك أن العلماء حصروا العلوم الواصلة إلى العبادات في ثلاث طرق: وهي :الحسّ المطبوع، والعقل المجموع، والشرع المسموع.
فالحسّ المطبوع ينقسم ثلاثة أقسام :حسّ متّصِل كاللّمس والذّوق وحسّ منفصل كالرؤية والشم والسمع، وحسّ بنية كالألم واللذة والفرح والحزن والوجود والعدم.
والعقل المجموع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: واجب كمعرفة الفاعل بعد ثبوت الفعل قال الله تعالى { أَفِي اللهِ شَكٌ فَاطِرِ السَّمَواتِ وَاْلأَرْضِ } فأثبت انتفاء الشَّكِّ عمن انتفى عنه جهل الفطور.
ومن الواجبات في العقل ثبوت القدرة لمن ثبت له الفعل، وثبوت العلم لمن ثبت له القدرة، وثبوت الحياة لمن ثبت له العلم، وثبوت الوجود لمن ثبت له الحياة. ومستحيلٌ كاجتماع الضِدَّين، ووجود شيء واحد في كائنين، وتحرك الجسم إلى جهتين، ومستحيل فاعل غير قادر، وقادر غير عالم، وعالم غير حيّ، وحيّ غير موجود. وجائزٌ وهو ما لم يكن في العقل واجبًا ولا مستحيلا، وساغ في العقل وجوده وعدمه. (1/48)
صفحة 49
والشرع المسموع ينقم إلى ثلاثة أقسام: أصلٌ، ومعقولُ أصل واستصحابُ حال الأصل. فالأصل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والإجماع. وينقسم معقول الأصل ثلاثة أقسام: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى الخطاب. وينقسم استصحاب حال الأصل ثلاثة أقسام: براءة الذمة، وشغل الذمة، والاستحسان. فأما براءة الذِّمَّة فإنّ الأصلَ في الفرائض براءة الذِّمَّة منها ؛ لا فرض إلاّ بثبوت الشَّرع عليه، فمن أدعى شغلَها فعليه الدَّليل، ومن نَفَاه بعد ثُبُوتِه فعليهْ الدَّليل. وأمّا الاستْحْسَان: فقولٌ بتَقْلِيد لا تَقْيِيد ولا دليل ولا برهان. وأمّا لحنُ الخطاب: فالضَّمير الذي لاَ يتمّ الكلام إلاّ به ؛ كقوله تعالى: { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ } يعني إِنْ حَلَقَ. وأمّا فحوى الخطاب: فالذي يقتَضِيهِ المعنى المذكور دُونَ ما ذكر ؛ كقوله: { وََلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وََلاَ تَنْهَرْهُمَا } . فمعلومٌ أنّ القتلَ والشتمّ والضّربْ أَوْلَى بالنَّهي. وأمّا مَعْنَى الخطاب فالمفْهُوم من ظاهر الكلام. (1/49)
صفحة 50
فلما دلَّت حُجَّةُ العقل الواجبة فيه على أنَّ الصَّنعة لا بُدَّ لها من صَانع كان الصانعُ لهذه الأشَيْاء المصنوعة المحدَثَة هو الله الْقَدِيم الذي لا يَجْرِي عليه صِفَةٌ من صفات المحْدَثِ ولاَ يُوصَفُ بها، ولوكان مَوْصُوفًا بها لَلزِمَهُ ما يلزم المحْدَثَ من الحاجَة والعَجْز، فَثَبتَ أنّ القدم ِللهِ وحْدَهُ، وهو بَدِيعُ السَّموَاتِ والأرض وما بينهما، ، لا خالقَ ولا مُحْدِثَ غيره ؛ قال تعالى: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّماءِ وَاْلأَرْضِ } وقال أيضاً: { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأََمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } ووَجَبَت الوَحْدَانية بحمد الله تعالى ِللهِ بدَليل العَقْل ومسمُوع الشَّرع، ونَبّهَ الله تعالى عبادَه على ذلك بقوله: { قُلْ هُوَ اْللهُ أَحَدٌ اْللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفؤًا أَحَدٌ } فقوله { قُلْ هُوَ اْللهُ } رَدٌّ عَلََى الدَّهْرِية، وقوله { أَحَدٌ } رَدٌّ عَلَى الثَّنَوِيَّة. وقوله: { الصَّمَدُ } رَدٌّ عَلَى المُجَسِّمَة. وقوله: { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدُ } رَدٌّ عَلَى اليهود والنصارى. وقوله: { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفؤًا أَحَدٌ } رَدٌّ عَلَى المشَبِّهَةِ. وقد قيل: إن أَنْوَاعَ الشِّرْك ثمانيةٌ: الكثرة، والعَدَد، والتقلُّب، والنقائض، والعِلَّةِ، والمعْلُول، والأضْدَاد، والأشكال. فنفى الله عن نفسِهِ الكثرة والعَدَد بقوله : { قُلْ هُوَ اْللهُ أَحَدٌ } ونفى عن نفسه التقلُّبَ والنَّقَائِضَ بقوله : { الصَّمَد } ونفى العِلَّة والمعْلُولَ بقوله : { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدُ } ونفى الأَضْدَاد والأَشْكالَ بقوله : { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفؤًا أَحَدٌ } وقال بعض العلماء: كلُّ مَوْصُوف بأنه وَاحِدٌ فذلك جائزٌ ؛فالواحد على الحقيقة هو الله سبحانه ؛ لأنّ الخالق لا يقبَلُ التَّجَزِّئ بخلاف المخلوق. ألاَ (1/50)
صفحة 51
تَرى أنّ الواحد مِنّا هو في الحقيقة اثنان: جسم وَرُوحٌ، ومن اثنين ذَكّرٍ وأُنْثى، وباثنين طَعَامٍ وشَرَابٍ، وفي اثنين لَيْلٍ وَنَهَارٍ، ومع اثنين حَرَكةٍ وَسُكُونٍ، والله تعالى بخلاف ذلك. وهو الوَاحِدُ في ذاتِه والوَاحِدُ في صِفَتِهِ والواحد في فِعْلِهِ، أي لا ذَاتَ كذاتِهِ، ولا أحَدَ يُوصَفُ بِصِفَتِهِ، ولا أحَدَ يعل كفعله. وتفسير { الصَّمَد } في لُغة العَرَبِ السَّيّد الذي قد انْتَهَى في السُّؤدَدِ والشَّرَفِ. قال الشاعر :
أَلاَ بَكَرَ النّاعِي بِخَيْرِ بَني أَسَدْ *** بِعَمْرو بن مَسْعُودٍ وبالسيِّدِ الصَّمَدْ
وقيل: الصمد المصمود إليه في طلب الحوائج ؛ قال أحمد بن النضر رحمه الله :
فيا ربِّي إليك صَمَدْتّ قَصْدًا *** لتقبلَ تَوْبَتي وَتحُطَّ حَوْبي
وتفسير الكُفُوِّ القَرِينُ قال حَسَّان بن ثابت شاعر الرسول - صلى الله عليه وسلم - :
أَتَهْجُوهُ وَلََسْتَ لَهُ بِكُفْؤٍ *** فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا فِدَاءُ
واختلفت العلماءُ في اشْتِقَاق اسم اللهِ تعالى، فقال بعضهم: أصله لاَهَ، واللاَّهُ في اللغة العَالِي، تقول العرب: تَأَلَّهَت الشمسُ إذا عَلَتْ، قال الشاعر :
لاَهَ رَبِّي على الخلائق طُرًّا *** خالِقُ الْخَلْقِ لاَ يُرَى وَيَرَانا
وقيل أصله من الْوَلَهِ وهو الحيرة ؛ لأنّ القلوب تَأْلَهُ إليه في طلب الحوائج ؛ قال الشاعر :
وَأرَانِي طَرِبَا في أَثْرِهِمْ *** طَرَبَ الْوَالِهِ أَوْ كالْمُخْتَبَلْ (1/51)
صفحة 52
وقيل: اللهُ اسمٌ لمن لا يَسْتَحِقُّ العبادَةَ إلاَّ هُوَ. وقيل: اللهُ اسمٌ تُبْنَى عليه الصِّفَاتُ. وصفاته: العِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالْحَيَاةُ وَالْكلاَمُ وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ. ومعنى الوَصْفِ لهُ بهذه الصِّفَات النَّفْيُ لأَِضْدَادها فالله تعالى حَيٌّ ليس بميِّت، عَالِمٌ ليس بِجاَهِل، قادِرٌ ليس بعَاجِزٍ، مُرِيدٌ ليس بِمُسْتَكْرَهٍ، مُتَكَلِّمٌ ليس بأَخْرَس، سَمِيعٌ ليس بأَصَمّ، بَصِيرٌ ليس بأَعْمَى، سبحانه وتعالى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
(فصل) (1/52)
صفحة 53
اعلم أنّ التَّوْحِيد لا ينتفع به إلاّ المؤمن الموَفِّي بدين الله تعالى، ودين الله هو الإسلام، وينقسم قسمين: قَوْلٌ وَعَمَلٌ، والقول ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول الإِقْرَارُ: بِالله أنه لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْقدِيمُ بلا بداية، والدائم بلا نهاية، الحيُّ بلا تَنَفُّسٍ ولاَ رُطُوبة، العالمُ بلاَ تَعَلُّمٍ ولا دِرَاسةٍ، القدِيرُ بلا تَكَلُّفٍ ولا مَشَقَّة، المُرِيدُ بلا شَهْوَةٍ ولا حَاجَة، المتَكَلِّمُ بلا لِسَانٍ ولا شَفَةٍ، السَّمِيعُ بلا أُذُنٍ ولا إصمخَة، البَصِيرُ بلا جَفْنٍ ولا حَدَقَة. القسم الثاني : اْلإِقْرَارُ بمُحَمَّدٍ بن عَبْدِاللهِ بن عَبْدِالمُطَّلِبِ الهاشِمِي القُرَشي، بأنّه عبدُ الله ورسولهُ، أَرْسلهُ بالْهُدَى وَدين الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ. وَخَتَمَ به أَنْبِيَاءَهُ، وَفَضَّلَهُ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ ؛ بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قال :( أُعْطِيتْ لي خَمْسٌ لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: بُعِثْتُ إِلََى اْلأَحْمَرِ وَاْلأَسْوَدِ، وَجُعِلَتْ لِي اْلأَرَضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًاِ، وَحَلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَِحَدٍ قَبْلِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَهْوَ يَسِيرُ أَمَامِي شهراً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة فَادَّخَرْتُهَا لأُِمَّتِي ) القسم الثالِثُ: اْلإِقْرَار بما جاء به مُحَمَّد بن عبدالله أنَّهُ حَقٌّ، وهو أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ وَرُوسُلِهِ وَالمَوْتِ وَالبَعْثِ وَالْحِسَابِ وَالعِقَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، إِنَّهُ مِنَ اللهِ. وَأَمَّا العَمَلُ الَّذِي هُوَ مِنَ الإِيمَانِ فَكُلُّ مَا أَمَرَ اللهُ بامْتِثَالِهِ مِنْ فَرْضٍ وَنَافِلَةٍ. وَالمَأْمُورُ به يَنْقَسِمُ ثلاثة أَقْسِامٍ: مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (1/53)
صفحة 54
وَاْلإْجْمَاعِ. وَاْلمُنْكِرُ لِشَيءٍ مِنْ وُجُوهِ الْقَوْلِ وَالعَمَلِ مُشْرِكٌ. فَمِنَ الْكِتَابِ وُجُوبُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالزَّكَاةُ في أَنْوَاعِهَا، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالاغْتِسَالِ مِن الْجَنَابَةِ، وَالوُضُوءُ، وَحَجُّ البَيْتِ من اْسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وَالْجِهَادِ في سَبِيلِ اللهِ وَفَرَائِضُ الْمِيرَاثِ، وَتَحْرِيمُ جَمِيعِ المحَرَّمَاتِ، وَالحُدُودُ الْوَاجِبَةُ، وما أَشْبَهَ ذلك مما ذكرنا. (1/54)
صفحة 55
ومن السُّنَّة: عَدَدُ الصَّلَوَاتِ، وَمَقَادِيرُ فَرَائِض الزَّكَاةِ، وَرَجْمُ الزَّانِي المُحْصَنِ، وَصَلاَةِ الوَتْرِ، وَالمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، وَمَسْحُ اْلأُذُنْين، وَالاسْتِنْجَاءُ، وَالاخْتِتَانُ، وَأَنْ لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَما أَشْبَهَ ذلك مما لم يكن في كتاب الله ذكره، ومن الإِجْمَاعِ عَقْدُ الإمامة، وأنْ لا إمامين في سيرة واحدة، والجَلْد على الخمر، وميراث الجدَّتَيْنِ السُّدُسُ، وقيام شهر رَمَضَان، والفقد، وما أشبه ذلك، مما لم يذكر في كتاب الله ولا في سنة نبيه. واختلف الناسُ في الإِيمَانِ على قولين، فقالت المرْجِئة الإِيمانُ هو ما أمر الله به مِنْ تَوْحِيدِه ونَفْي الأشْبَاه عنه، والأَمْثَال وما لا يَلِيقُ به من صفات خلقه فقط، وما سِوَى ذلك مِن أَوَامِرِ الطَّاعَة، ونَوَاهِي المعصية، فليس عِنْدَهم بإِيمَان، ولا بدين، ولا إِسْلاَمٍ. واختلفوا فيما بينهم على ثَلاَثِ فِرَق، فِرْقَةٌ قالت: الإِيمانُ مَعْرِفَةٌ دون إِقْرَارٍ وهو جَهْمُ بن صَفْوان ومَن شايَعَه، وفرقة قالت :الإِيمانُ إقرارٌ ومعْرِفَةٌ وهو أبو حَنِيفَةَ ومَنْ شايَعَهُ. وفِرْقَةٌ قالت: الإيمان إِقْرَارٌ دون معرفة وهو مَرْوَان بن غَيْلاَن ومن شايعه: وَحُجَّة جَهْمٍ من الكتاب قوله تعالى : { قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ } ومِن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم :( الإِيمَاُن هَا هُنَا ) وأشار بيده إلى صدره، في أمثالها، وحجة مَرْوَانَ من الكتاب قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } أي أقروا. ومن السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ الناس حتى يقولوا لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ ) في أَمْثَالِهَا، واحتجَّ أبوحَنِيفَة بِحُجَّة الأولين والآخرين على قوله، وساَئِرُ الأَمَّة قد أَجْمَعوا على أن الإِيمَان قولٌ وعملٌ خلافاً لِقَوْلِ المُرْجِئَةِ. (1/55)
صفحة 56
واختلفوا فيمَنْ أتى بالْقولِ وضَيَّعَ العمل على خمسة مذاهب: فقالت الصُّفْرَيَّة: مَن أتى بالقَوَل وضَيَّعَ العملَ فهو مُشْرِكٌ كافر فاسِقٌ ضَالٌّ عاصٍ، ليس بمُسْلِمٍ ولا بمُؤْمِنٍ. وقالت القَدْرِيَّة :مَنْ أَتَى بِالْقَوْلِ وَضَيَّعَ العملَ، فهو فاسق عاصٍ، ليس بمُؤْمِنٍ ولا بمُسْلِم، ولا بمشرك ولا كافر و قالت الأَشْعَرِيَّة: مَنْ أَتَى بِالْقَوْلِ وَضَيَّعَ العملَ فهو مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ عَاصٍ مُذْنِبٌ، ليس بمشرك ولا كافر ولا ضَالٍّ ولا فاسق، إن شاء الله عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ. وقالت المُرْجِئَةُ: من أتى بالقول وضَيَّعَ العمل، فهو مُؤْمِنٌ مُسْلِم ليسَ بمشرك ولا كافر ولا ضَالّ ولا فاسق. وقالت الأبَاضِيَّة بَأصْنَافها، وَالزّيْدِيّة وَالشِّيعَةُ من أتى بالقول وَضَيَّعَ العملَ فهو كافِرٌ مُنَافِقٌ ضَالٌّ فَاسقٌ عَاصٍ ليس بمُؤْمِنٍ ولا بمسلم ولا بمشرك، وأحكامه أحكام المِلَّةِ الإسلامية. والمِلَّة كلُّ شريعةٍ وطَرِيقَةٍ شرعَهَا قَوْمٌ لأنفسهم واتَّخَذُوهَا دِينًا. والدِّينُ وَالإِيمَانُ وَالإِسْلاَمُ: أسماءُ مُخْتَلِفةٌ لشيء واحد وهو طَاعَةُ اللهِ تعالى ؛ يُقال: كلُّ إِيمَانٍ دينٌ، وكلُّ إِسلامٍ دِينٌ، وَلا يقَالُ :كلُّ دِينٍ إِسلامٌ، وَلا كلُّ دِينٍ إِيمَانٌ ؛ لأَنَّ الدِّينَ في لغَةِ العَرَبِ ينصرفُ على وُجوه، يكون الدِّينُ بمعنى الطَّاعَةِ قال الشاعر:
لَئِنْ حللتَ بِجَوٍّ في بَنِي أَسَدٍ *** في دينِ عَمْرٍو وَحَالَتْ دُونَنَا فَدَكُ
ويكون بمعنى العَادِة ؛ قال المثقِّب العبدي :
تقول إذا دَرَأْتُ لهَا وَضِينِي *** أ هذا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي
أي عادَته وَعادتي بمعنى الْجَزاء ؛ قال الشاعر :
اعْلََمْ وَأَيْقَنْ أّنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ *** وَاعْلَمْ بِأَنَّ كما تُدِينُ تُدَانُ (1/56)
صفحة 57
أي كما تجَازِي تُجَازَى. ويأتي بمعنى الحساب : ( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) أي الحساب المستقيم. وَيَأْتِي بمعنَى الْحُكْمَ (ليَأْخُذَ أَخَاهُ في دِينِ الْمَلِكِ ) أي في حُكْم الْمَلِكِ. ويقال: كلُّ مِلَّةٍ دِينٌ، ولا يقال كلُّ دينٍ مِلَّةٌ، للعلة التي قدَّمنا. وجميعُ المللِ المذكورة في كتاب الله سِتَّةٌ، وهي في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وُالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
وأحكام هذه المللِ عند المسلمين مختلفة، فأحكام مِلَّةَ اْلإِسلاَمِ إذا خرج أَحَدُهُمْ عن الطَّاعَةِ وَعَمِلَ بالْكَبَائِرِ، وَابْتَدَعَ في المِلَّةِ مَا لَم يَأْذَنْ به الله ولا رسولُه، أَنْ يَدْعُوهُم المُسلِمُونَ إلى تَرْكِ ما بِه ضَلُّوا، فإِن أجابوا للطَّاعَةِ فلهم ما للمْسلمِينَ، وعليهم ما على المسلمين، وإن أَبَوْا الطاعَةَ وبايَنُوا المسلمين نَاصَبَهُمْ إِمَامُ المُسلمين الْحَرْبَ، حتى يَفِيئُوا إلى أمرِ الله، ولا يَحِلُّ منهم غير دِمَائهم، والبَرَاءَة منهم ما داموا مُخَالِفِينَ للمسلمين، ولا تَحِلُّ غَنَائِمهم ولا تُسْبَى ذَرَارِيهمْ، ولا يُجْهَّزُ على جريحهم، ولا يُتْتَبَعُ مُدْبِرُهُمْ، فإِن أذعنوا وأطَاعُوا إِمَامَ المُسلمينَ، جَبَى الصَّدَقَاتِ من أَمْوَالِهِم وَقسمها في وجوههَا، ومنع إِظْهَارَ الْمُنْكَرَاتِ والمعَاصِي، وتجري المُوَارَثَةُ بيننا وبينهم، وكذلك المُنَاكَحةُ، وحرمت علينا ولاَيَتُهُم ما دموا على خلافهم وبِدْعَتِهِْم. (1/57)
صفحة 58
وأما أحكامُ مِلَلِ الشِّرْكِ فإِن اليهود والصَّابِئِينَ والنصارى أحكامهم واحدةٌ، وذلك أن الإمامَ دعوهم إلى الدُّخُول في الإسلام فإِنْ دَخَلوا فلهم مَا للمسلمين وعليهم ما عَلَى المسلمين. وإِن امتنعوا من الدخول في الإسلام دعاهُمْ إلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. فإِنْ أجابوا لذلك أُخِذَتْ منهم وَأُمِّنُوا بأَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَحَرُمَ مِنْهُمْ ثَلاَثَةٌ: سَفْكُ دِمَائِهِم، وَغُنْمُ أَموالِهم وَسَبْيُ ذَرَارِيهم. وحَلَّت منهم ثَلاَثَةٌ: أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ، ونِكاحُ الْحَرِائِرِ من نسائهم، وَأَخذ الْجِزْيَةِ من أَحْرَارِهم البالغين، وليس على نسائهم وصغَارِهْم ومَجَانِينِهِمْ جِزْيَةٌ. فإِن امْتَنَعُوا من إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ مع الامتناعِ من الدُّخُولِ في الإسلام، ناصَبَهُمْ إِمَامُ المُسلمين الحربَ، واستَحَلَّ مِنْهُمْ مَا يَحْرُمُ بأَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وحَرَّمَ مَا يَحِلُّ بأدائها، وليس لحربهم أَمَدٌ حتى يذعنوا لأحَدِ الأمرين: إِمَّا الإِسْلاَمُ، وإِمَّا الْجِزْيَةُ.
واخْتَلَفُوا في مقدار الْجِزْيَةِ، فقال بعضهم :دِرهم في كل شهر، وقال بعضهم: ذلك إلى ما يرى الإِمَامُ. وقال بعضهم: على الدِّهْقَانِ أربعةُ دراهمَ في الشَّهْرِ، وعلى الأوسطِ دِرْهَمَانِ في الشهر، وعلى الدُّونِ دِرْهَمٌ في الشهر. (1/58)
صفحة 59
وأمَّا المجُوسُ فأحكامهم كأحكام أهل الكتاب حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ، إلا في الذبائحِ، ونكاحِ الْحَرَائِرِ منهم، فهمَا على التَّحْرِيمِ ولو مع إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ. وَأَمَّا الَّذِينَ أَشْرَكُوا فهم عَبَدَةُ الأَوْثَانِ، فأحكامُهُم أن يدعوهم الإِمامُ إلى الدخول في اْلإِسلامِ ؛ فإِن دخلوا فلَهُم ما للْمُسْلِمِين وعليهم ما على المسْلِمين، وإِنْ أَبَوْا وَحَادُّوه، ناصَبَهم الإِمامُ الحربَ حتى يُسْلِمُوا طَوْعًا أو كَرْهًا وَلاَ تُقْبَلُ منهم جِزْيَةٌ، وَيَحِلُّ سَبْيُهُم وَغَنِيمَةُ أَمْوَالِهِم وسَفْكُ دمائهم ما دَامُوا على شِرْكِهِم.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( بلَوْتُ اليَهُودَ فوجدتُّهم قد كَذَبُوا عَلَى أَخِي مُوسَى، فافترقوا على إِحْدَى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، كلُّها هَالِكَةٌ ما خَلاَ وَاحِدَةٍ ناجِيَة، وهي التي ذكرها اللهُ في كتابه فقال عَزَّ مِنْ قائل : { وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِه يَعْدِلُون } ، وَبَلَوْتُ النَّصَارَى فَوَجَدْتُهُمْ قد كَذَبُوا عَلَى أَخِي عيسى، فافترقوا على اثنين وسبعين فِرْقَةً، كلُّهَا هَالِكَةٌ ما خلا واحدة ناجِيَةٌ، وهي التي ذكرها الله في كتابه : { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون } ، وسَتَفْتَرِقُ أُمَتِي على ثلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، كلُّها هالِكَةٌ ما خَلاَ واحدةً ناجيَةٌ، وكلُّهم يَدَّعِي تلكَ الواحدة ).
ويَقُومُ افْتِرَاق هذه اْلأُمَّة من تِسْعَةِ أُصُولٍ، ومنها تشعبت بِهِم الآراءُ، حتى وقَعُوا في الفُضُولِ، وذلك أنهم اختلفوا في التَّوْحِيدِ، وَالْعَدْلِ، وَالْقَدَرِ، وَالْوِلاَيَةِ وَالْبَرَاءَةِ، وَاْلأَمَرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَالْمَنْزِلََةِ بين المنْزِلتين، وَأَنْ لاَ مَنْزِلَةَ بين المنزلتين، وَالأَسْمَاءِ واْلأَحكام. (1/59)
صفحة 60
أَمَّا التَّوْحِيدُ: فقد أَطْبَقَتْ الأُمَّةُ اْلإِسْلاَمِيَّةُ عَلَى أَنَّ الله وَاحدٌ ليس كَمِثْلِهِ شيءٌ وَهُو السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وأنه لا يُشْبِهُ شيئًا ولا يُشْبِهُهُ شَيءٌ في اسمٍ وَلاَ صِفَةٍ وَلا ذَاتٍ، فَنَقَضَتْ المشَبِّهة قولهم حيث شَبَّهوا الله تعالى بخلقه.
واختلفوا فيما بينهم على أربع وعشرين مقالة، ورَدَّها الفنري إلى أربع مقالات: إحداها مقالة مُقَاتِل بن سليمان ومن شايعه، زعموا أن الله جِسْمٌ طويل عريضٌ لحم ودم، وزعمت طائفةٌ أن الله جِسْمٌ طويل عريض ولا يقولون لحم ولا دم. وزعمت طائفةٌ أن الله تعالى له جَوَارِحُ كجوارح الإنسان، من العَيْنِ واليَدِ والوَجْهِ، ووَقَفُوا عما سِوَى ذلكَ. وزعمت طائفةٌ أن الله جسمٌ لا كالأجسام. تعالى اللهُ عن مَقَالَةِ المبطلين عُلُوَّا كبيراً، وقد كفروا بما قالوا وضَلُّوا ضَلاَلاً بعيداً.
وأما العَدْلُ ؛ فأجمعوا على أن الله عَدْلٌ، لا يُنسبُ إليه الْجُورُ ولا يوصفُ به، فَنَقَضَتْ الْمُجْبِرَةُ إِجماعَهم بزعمهم أن الله تعالى أَجْبَرَهُمْ على أفعالهم التي زَجَرَهُمْ عنها ثم عَذَّبَهُمْ عليها، والحجة عليهم قول الله تعالى : { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } وقوله : { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } .
وَأَما القَدَرُ: فقد أجمعوا على أن الله خَالِقٌ وَما سواه مَخْلُوقٌ ؛فَنَقَضَتْ الْقَدَرِيَّةُ قولهم بزعمهم أن الله تعالى لم يخلق أفعالهم، وَالْحُجَّةُ عليهم قولُ الله تعالى : { وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } . (1/60)
صفحة 61
وَأما الوَلايةُ وَالعداوَةُ فقد اتَّفَقَ المُوَحدون على أن الله تعالى لم يزل عَالِمًا بما كان وَما يَكُون، وما لم يكن أن لو كان كيْفَ كان يكون، علم ذلك بنفسه لا بِعِلْم مُتَجَدِّد حاصل في ذاته بالْحُلُولِ وَالانْتِقَال، فنقضت اَلْحَسَنِيَّة قولهم بزعمهم أَنّ وَلاَيةَ اللهِ وََعداوَتَه تَتَقلَّبُ والحجة عليهم قول اللهِ تعالى : { هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ } يعني في التوراة ( وَفيِ هَذَا ) يعني القرآن.
وأما الأََمْرُ وَالنَّهْيُ: فقد اتفق الموحِّدُونَ على أن الله تعالى فَرَضَ الأَمْرُ بالمَعْرُوفِ والنهيَ عن المنكر على عباده في كل حين وأوَانٍ على قَدْرِ الطَّاقَةِ، فنقضت النُّكَّاثُ قولَهُم بزعمهم أنّ الإِمَامَةَ ليست بِواجبَةٍ على الناس، والحجةُ عليهم قولُ اللهِ تعالى : { وَأُوْلِي اْلأَمْرِ مِنْكُمْ } . وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( إِن أُمِّرَ عليكم عبدٌ حَبَشِيٌّ مَجْذُوعُ الأَنْفِ وأقَامَ فيكم كِتابَ الله وسُنَّتي فاسْمَعُوا له وَأَطِيعُوه ).
وَأَما الوَعْدُ وَالوَعِيدُ: فقد اتفق الموحِّدُون على أن الله صادق في وعده ووعيده: فنقضت المرْجِئَةُ قولهم بزعمهم أن الله يُخْلِفُ وَعيدَه، ولا يخلف وَعْدَه، واعتلوا في ذلك بِأَنَّ الكريمَ من الناس مَنْ إذا أَوْعَدَ أحداً بِشَرٍّ ثم أَخْلَفَ وَعِيدَهُ وعفا، كان ذلك مدحاً للكريم، واحتجوا أيضًا بقول الشاعر :
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدتُّه أَو وَعَدتُه *** لمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
والحجة عليهم قول الله تعالى : (مَا يُبَدِّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ). ثم قلنا لهم حيث رجعتم إلى دَلالة الشِّعْرِ، وقد قال الشاعر :
قَوْمٌ إِذا وَعَدُوا أَوْ أَوْعَدُوا غَمَرُوا *** صِدْق الرِّوَايَةِ مَا قَالُوا بِمَا فَعَلُوا (1/61)
صفحة 62
وأما المَنزِلة بين المنزلتين: فهي منزلةُ النِّفَاقِ بين منزِلة اْلإِيمانِ ومنزِلَةِ الشِّرْكِ. وزعمت المُرْجِئَةِ أنْ لا منزِلةَ بين منزلةِ الشِّرْكِ واْلإِيمَانِ، وجعلوا الإِيمَانَ كلَّه تَوْحِيدًا، وَجَعَلُوا الكُفْرَ كلَّه شِرْكًا، والحجَّةُ عليهم قولُ الله تعالى : { لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالمُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا } .
وأما قولهم لا منزلة بين المنزلتين: أي لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الشِّرْك ؛بدليل قوله تعالى : { إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } ، أي إِمَّا مُقِرٌّ بالوَحْدَانِيَّةِ، وإما جاحِدٌ لها.
وأما اْلأَسْمَاءُ وَاْلأَحْكامُ: فقد اتفقَ المُوَحِّدُون على أن الأسماءَ تابعةٌ لِلأََحْكامُ، فنقض ذلك عيسى بن عُمَيْرٍ، وأحْمَدُ بن الْحُسين، بزعمهما أن أهل الكِتَابِ لَيْسُوا بِمُشْرِكِين بعدما اسْتَحَلاَّ منهم ما يحلُّ من المشركين، وحَرَّما منهم ما يحْرُمُ من المشركين.
( فصل )
وأكثر اختلاف الأُمَّةِ إنمَا جاء من قِبلِ الأَسْمَاءِ، وذَلِكَ أنهمُ اختلفوا في الطاعة والإيمان والمعصية والكفر، فقال بعضهم إنّ الطاعة واْلإِيمانَ كلاهما تَوْحِيدٌ، والمعصية والكفر كلاهما شِرْكٌ، وقالَ بعضهم: الإِيمانُ كله توحيدٌ والطاعة منها توحيدٌ وغير تَوْحِيد الكفر كله شِرْكٌ، والمعصية منها شرك، وغيرُ شرك. وقالَ بعضهم :الطاعة كلُّ ما قارَنَه الأَمْرُ مِنْ توْحِيدٍ أو غيره ؛ واْلإِيمَان كلُّ ما قارنه الثَّوَابُ مِن توحيد أو غيره، والمعصية كلُّ ما قارنه النهي من شرك أو غيره، والكفر كل ما قارنه العقابُ من شِرْكٍ أو غيره. وهذا القول الأَخِيرُ هو قَوْلُنا، وبه دَانَ أهلُ مذهبنا وعليه اعتمادُنا. (1/62)
صفحة 63
وأما التوحيد فكلُّ ما قارنه الإِفْرَادُ، والإفْرَادُ تركُ مُسَاواة الخالِقِ بالمخلوقِ، والمخلوق بالخالقِ.
وأما الشرك: فكلُّ ما قارنه التَّساوي، والتساوي هو وَصْفُ الخالِقِ بِصِفَاتِ المخلوق، ووصفُ المخلوقِ بِصِفَاتِ الخالق. وقد يكون الإيمانُ في اللُّغَةِ التَّصْدِيقُ ؛قال الله تعالى : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } أي بمُصَدِقٍ لَنَا. والكُفْرُ في اللُّغَة الْغِطَاءُ والسِّتْرُ ؛ ولذلك سمي اللَّيْلُ كَافِرًا ؛ لأنَّه يَستُرُ كلَّ شيء بِظلْمَتِه.
قالَ الشاعر يذكر الْهَقْلَةَ والظَّلِيمَ :
فَتَذَكَّرَا ثَقْلاً رَئِيدًا بَعْدَمَا *** أَلْقَتْ ذُكَاءُ يَمِينَهَا في كَافِرِ
وقال آخر :
حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا في كَافِرٍ *** وَأجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلاَمُهَا
وقال آخر :
يَعْلُو طريقَةَ مَتْنِها مُتَوَاتِرًا *** في لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُها
وسُمِّي الحارثُ كافراً لأنه يَسْتُرُ الْبَذْرَ، قال الله تعالى : { أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } يعني الزُّرَّاعَ. وأما الكُفْرُ في الشَّرْعِ: فهو الاسْتِفْسَادُ إلى وَلِيِّ النعمة ؛ وقد قال عنترةُ :
نُبِّئْتُ عَمْرٌو غَيْرُ شَاكِرٍ نِعْمَتِي *** وَالْكُفْرُ مُخْبِثُةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ
وأما النِّفَاقُ: فأصله الْخُلْفُ والكذب ؛ بدليل قول الله تعالى :( بمَا أَخْلَفُوا للهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) وقول الرسول- صلى الله عليه وسلم - في صفة المنافق :( إِذا حَدَّثَ كَذِبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ ) وأما الإسلام في اللغة: فهو الانقياد والخضوع ؛ قال الشاعر :
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ المُزْنُ *** تَحْمِلُ عَذْبًا زُلاَلاَ
(فصل) (1/63)
صفحة 64
وسُمِّيَ اليهودُ يهوداً لِتَهْويدِهِمْ عند قراءة التوراةِ. وقيل لهم: إنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ. وقيل: لأتباعهم يهود بن يعقوب عليه السلام. وسُمِّيَ النَّصَارَى نصارى لنزولهم قَرْيَةً تُسَمَّى ناصرة. وقيل :لهم نَحْنُ أنصَارُ اللهِ. وسُمِّيَ الصابئون صابئين لصَبْوِهِمْ مِنْ دِينٍ إِلى دِين. وسمي المرْجِئَةُ مُرْجِئَة لإرْجَائهم أهل الكبائر، ولم يقطعوا فيهم قطعاً. وقيل: لإرجائِهم عَلِيًّا ولم يَعُدُّوهُ رابعًا من الخلفاء. والإرجاء في اللُّغَة: التأخير ؛ قال الله تبارك وتعالى : { أَرْجِه وَأَخَاهُ } أي أخِّرْه. وسُمِّيَ القَدْرِيّة قدرية: لنَفْيِهِم القَدَرَ عن أفعالهم. وسميت المُعْتَزِلَة معتزلةً: لاعتزالهم مجلس الحسن البَصْري. وقيل :لاعتزالهم أَحَدَ القولين. وسميَتْ النُّكّاثُ نُكَّاثًا: لنَكْثِهِمْ بَيْعَة الإمام عبدالوهاب رضي الله عنه. وسُمُّوا نُكّارًا لإنكارهم لها.
(فصل) (1/64)
صفحة 65
وللدِّين قَوَائِمُ وَأَرْكانٌ، وَمَسَالِكُ وَمَجَارِي وَحُدُودٌ، وَأَفْرَازٌ وَأَحْرَازٌ. فقوائمه أربعةٌ: العِلْمُ والعملُ والنّيّة والْوَرَعُ، وأركانه أربعةٌ: الإستسلامُ ِلأَمْرِ اللهِ، والرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ، والتَّوَكُّلُ عَلََى الله، والتَّفْوِيضُ إلى الله. ومَسَالِكُهُ أربعةٌ: الظُّهُورُ كأَيَّامِ أبي بكرٍ وعُمَرَ، والدِّفَاعُ كَأيَّام عبداللهِ بن وَهْبٍ الرَّاسِبِّي، والكِتْمَانُ كأيام أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلمٍ، وجابرِ بن زَيْدٍ رحمهما الله، والشّرَاءُ كأيام أبي بلالٍ مِرْدَاسِ بنِ حُدَيْرٍ رحمه الله تعالى. ومَجَارِيهِ ثلاثةٌ: الكتابُ، والسُّنَّة، والإِجماعُ. وحُدُودُهُ ثلاثة: عِلْمُ ما لا يَسَعُ النَّاسَ جهْلُهُ طَرْفَةَ عينٍ كَالتَّوْحِيدِ، وفِعْلُ ما لا يَسَعُ النَاس تَرْكُهُ كَالْفَرَائِضِ البدنية والمالية، وترك ما لا يَسَعُ الناسَ فعْلُهُ كَالمَعَاصي. وأَفْرَازُهُ ثلاثةٌ: وَفَاءُ المُؤْمِنِ، وَتَضْيِيعُ المنَافِقِ، وجُحُودُ المُشْرِكِ. وأَحْرَازُهُ ثلاثةٌ: ولايةُ المؤمِنِ المُوَفِّي، وبراءَةُ المنَافقِ والمشرِكِ، والإمْسَاكُ عن المجهُولِ حتى يُعْلَم. ولِلْكُفْرِ قَوَائِمُ وأركَانٌ: فقوائمه أربعةٌ: الكِبْرُ، وَالْحَسَدُ، والعَصَبِيَّةُ، والْجَهْلُ. وأركَانه أربعةٌ: الرّغْبَةُ، وَالرّهْبَةُ، وَالشَّهْوَةُ، وَالْغَضَبُ.
(فصل) (1/65)
صفحة 66
اعلم أنّ العلومَ ثلاثةٌ : عِلْمُ ما لا يَسَعُ الناسَ جهلُه طرفةَ عَيْنٍ، وعِلْمُ ما يَسَعُ جهلُهُ إلى الْوُرُودِ، وقيامِ الحُجَّة، وَعِلْمُ ما يَسَعُ جَهْلُهُ أَبَدًا ؛ فأما عِلْمُ ما لا يسع جَهْلُهُ طرفَةَ عَيْنٍ: فهو معرفةُ التَّوْحِيدِ، والشِّرْكِ لا يسع جهلُهُما لأَِنّ مَنْ جَهِلَ الشِّرك لم يعلم التَّوْحِيدَ فَوَجَبَتْ معرفَتُهما مع أوّل البُلُوغ، ولذلك قيل: سِتَّةٌ تكون مع ستّة: التَّكْلِيفُ والبُلوغُ، والأمرُ والنَّهْيُ، ومعرفَةُ اللهِ ومعرفَةُ الرسول، والولايةُ والبراءةُ، والخوفُ والرجاءُ والمنُّ والدلائلُ. وأَمَّا التَّكْلِيفُ في اللُّغَةِ: فهو تَحَمُّلِ ما يشق عَلَى النَّفْس ؛ قال الشاعِر :
تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ *** ومَن لِي بالصَّلاَئق وَالصِّنَابِ
وقال آخر :
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الْحَيَاةِ ومَنْ يَعِشْ *** ثَمَانِينَ عَامًا لا أَبَا لَكَ يَسْأَمِ (1/66)
صفحة 67
وأَمَّا التكليف في الشَّرع: فهو الإلزامُ والإيجابُ للفرائض، وأَما البُلُوغُ فيقع بخمسةِ أَوْجُهٍ، يشتركُ الذُّكْرَانُ وَالإناثُ في ثلاثة وَتَنْفَردُ الإناث باثنتين، وأما اللواتي تشتركُ بَيْنَهُم :فالنبات وَالاحْتِلاَمُ وَالسِّنُونُ، وأََما الاثنتان المخصوصتَان بالإناثِ :فالْحَيْضُ وَالْحَمْلُ وأَما الأمر والنهي: فهما يَقَعَانِ مع أَوّل البُلوغِ معًا عَلَى المكلَّفِ في حالة التكليفِ ؛ومعناها أَنه مأمُورٌ بالطاعَةِ وَالإِيمانِ ؛وَمَنْهِيٌ عن المنكر وَالمعاصي. وَأَمَّا مَعْرِفةُ اللهِ ومعرفةُ الرَّسولِ :فهما تَجِبَانِ عَلَى المكلَّفِ معًا في حالة واحدة ؛وَقد قيل: يعرف الله بثلاثة: وَاجِبٌ وَجَائٌز وَمُسْتَحِيلٌ. فالواجِبُ، الألُوهيةُ وَالرُّبوبيَّة وَالْوَحْدَانِيَّةُ ؛ وَالْجَائزُ: الخلق والإِفناء والإِعادةُ. والمسْتَحِيلُ: الشَّرِيكُ والصَّاحِبَة وَالْوَلَدُ، ويُعْرَف الرسول بثلاثةٍ :واجبٌ وَجائزٌ ومستحيلٌ ؛فالواجب: الصِّدقُ والرّسَالَةُ والتبليغُ. والجائِزُ :النَّوْمُ والغَلطُ والنِّسْيان. والمستحيلُ: الكذِبُ والغِشُّ والخيانَةُ.
وأَمَّا الوَلاَيةُ والبَرَاءة: فَيَقَعُ وُجوبُها مع أَول البُلوغ حال التكليف. أَما الولاية فتنقسم عَلَى أَرْبَعةِ أَقْسَامٍ: القسم الأول: وَلاَيةُ جملةِ المؤمنين من الثَّقَلَيْنِ أَحيَاءً وَأَمْواتًا ؛ معلومين أو مجهولين. الثاني: ولايةُ المعصومينَ الممدُوحين في كتاب الله تعالى، الموصوفِينَ بالطّاعةِ والإِحسان. الثالث :ولاية إِمَامِ العَدْل وجميع من شملته بَيْضَتُه ما لم يظهر مِن أحَدٍ ما يُبْرَأُ منهُ. الرابع :وَلاَيةُ المخْصُوصِ بِنَفْسِه المعيَّن بِشَخْصِه إذا ظهر منه الوفاءُ بِدِينِ الله تعالى. (1/67)
صفحة 68
وشُرُوطُ وُجُوبِ الولاية أربعةٌ: منْظُورُ العْينِ مَرْضِيٌّ، ومَسْمُوعُ اْلأُذُنِ مرضيٌّ، ومَقْبُولُ القَلْبِ مَرْضِيُّ الحال، ومُوافَقَةُ الشَّرِيعة والمذْهَبِ ؛ويزيدون في تفسيرها ثلاثةَ أقسامٍ :ولايةُ أطفال المسلمينَ شملتهم الولاية مع آبائهم. وفي ولاية عَبِيدِهِم الأطْفَالِ قَوْلاَنِ: وولايَةُ الرَّاجع مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الخِلافِ، إلى أهل الحقِّ. إذا لم يمنع مِن ولايته غيرُ الخِلافِ الذي كان عليه. وولاية الخارج من الشِّرْكِ إلى الإِسلام.
وتنقسم البراءةُ على أربعة أقسام: القسم الأول: البراءة من جملة الكافرين من الثَّقَلَيْنِ أحياءً وأَمْواتًا، ومعلومين ومجهولين. والثاني: البراءة من الإِمامِ الجائر، ومَن أطاعه في جوره، الثالث: البراءة من المذمومين في كتاب الله، الموصوفين باْلإِسَاءَةِ والمعصية، المخصوصين بأسمائهم. الرابع: البراءة مِمَّن عرفناه بعينه إذا ظهر لنا منه فِعْلٌ يوجِبُ البراءة، ويزيدون في تفسير البراءة، قسمين: أحدهما براءةُ الخارج من مَذْهب أهل الحقِّ إلى مذهب أهل الخلاف، الثاني: بَرَاءَةُ الخارج مِن الإِسلام إلى الشرك، وإنما تَجِبُ البَرَاءَةُ بعَمَلِ الكبَائِر. وأما أطفال المشركين والمنافقين فالكَفُّ عنهم حتى يَبْلُغُوا الحُلُمَ.
وأما الْخَوْفُ والرَّجاء: فيقع وجوبهما مع البلوغ أيضاً، وهما من أَفْعَالِ الْقَلْبِ فالواجب على العبد أن يُسَاوِيَ بينهما حتى يَعْتَدِلاَ كالميزَانِ الْهِنْدِيّ لئلا يميلَ أحَدُهما بالآخرِ، لأنّه إن مالَ القلبُ إلى الرَّجاء خِيفً عليه الأَمَانُ مِن عذاب الله. وقد قال الله تعالى : { وَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } ؛وإن مالَ الْقَلبُ إلى الْخَوْفِ خِيفَ عليه الإِياسُ من رحمة الله، قال الله تعالى : { إِنّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الَّقَوْمُ الْكَافِرُونَ } . (1/68)
صفحة 69
وأما المنُّ والدلائلُ: فلتجب معرفَتُهما مع أوّل البُلُوغِ ؛ وذلك أن تعلم أن الله تعالى خَلق الخلق ورزَق الأرزاق، مَنًّا منه وفضلاً، لا وُجُوبًا، وفرضًا، ولكن خلهم إظهاراً لقدرتِهِ، وتحقيقاً لما سَبَقَ من إرادتِه، ولما حَقَّ في الأزلِ من كلماتِهِ لا لافتقارِه إليهِمْ، وحاجته، وأحْدَثَهُم بقدرته لا لحاجة ولا لاستفادةٍ، وخَلق الملائكةَ المقَرَّبِينَ لِلْقُرْبِ والسعادة، وخَلق الجِنَّ والإِنسَ للابتلاءِ والعبادةِ، وخَلقَ سائر الْخَلق للدَّلالةِ والشهادةِ. وأما الدلائلُ: فهي مخلوقاتُ اللهِ تعالى، تَدُلُّ على رُبُوبِيَّتِهِ تعالى، ووَحْدَانِيَّتِهِ. والعاقلُ الصَّحِيحُ العَقْل إذا نظر في الأشياء بِعَيْنِ البَصِيرَةِ عَلِمَ المعلومات، واستَدَلَّ ببعضها على بعض. والدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ العقل حُسْنُ المذاهب ؛ولذلك قيل: ثمانيةُ مدلولاتٍ، وأدِلّتُها منها: واحدٌ يدلُّ على وَاحِدٍ، واثنان يدلان على واحِدٍ، ووَاحِدٌ يدل على اثنين. أمَّا واحدٌ يدُلُّ على وَاحِدً: فوجودُ الفعل يَدُلُّ على الاستطاعة. وأما اثنان يَدُّلاَّنِ على واحد: فحركةُ الاضْطِرَارِ وحركة الاكْتِسَابِ يَدُلاَّنِ على الحيَاةِ. وأما واحِدٌ يَدُلُّ على اثنين: فحُسْنُ المذاهب يَدُلُّ عَلَى العَقْلِ والتكليف، والعقل هو المُمَيِّزُ بين المحسوسات، والمحسوسُ ما أَدْرَكَتْهُ الحواسُّ، والحواسُّ خمسٌُ وهي :السَّمْعُ، وَالبَصَرُ، والشَّمُّ، وَالذُّوقُ، وَاللَّمْسُ. فأما محسوسُ السَّمْعِ :فالأصواتِ بأصنافِها، وأما محسوسُ البَصَرِ :فالألوانُ والصُّوَرُ، وأما محسوسُ الذُّوقِ: فالطُّعُومُ بأصنافها من الْحُلُوِ والمُرِّ والقارِسِ والبَشِيع. وأما مَحْسُوُس الشَّمِّ :فالأرياحُ الطيبة والخبيثة. وأما محسوس اللمس: فالليَانَةُ والخشونَةُ والحارُّ والبارد. فتجلب هذه الْحوَاسّ ما أدركته إلى العقل فيُمَيِّزُ ما بينها، ويستدل بما أدْرَكَتْه (1/69)
صفحة 70
على ما لم تُدْرِكْه.
وأما العِلْمُ الذي يَسَعُ جهلُه إلى الوُرود فهو على وجهين :أحدهما: ما يَسَعُ جهلُه إلى وُرُود الْحُجَّةِ، وذلك كصفاتِ الله تعالى، أو نَبِيٍّ أو مَلَكٍ قامت به الحجةُ، أو ما أشبه ذلك. والوجه الثاني: كالفَرَائِضِ المرسومَاتِ كالصلاة والصوم، يسع جهلهما ما لم يدخل وقتهما. وأما العِلْمُ الذي يسع جهله أبَدًا: فهو كقسم المواريثِ، وقِصَاصِ الْجِراحاتِ، وتحريم الرِّباوِيَاتِ، وجميع المحرمات ماخلا الشِّرْكَ، يسع جهلها ما لم يَتَقَوَّلْ على الله الكَذِبَ، وما لََم يُقَارِفِ الحرام من ذلك. نسأل الله علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وورعاً حاجزاَ.
نص العقيدة (ترجمة للعربية عن ترجمة للغة الإيطالية)
I (1/70)
صفحة 71
ولتعرف – ألهمنا الله، وفضلّك وأعاننا واغاثنا برحمته - أن الله تعالي شهد لنفسه بالوحدانية، وشهدت له بها الملائكة المقربين؛ وأن المؤمنين هم من يعرفون الله. قال الله تعالي: "شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم، قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم". (القرآن، السورة الثالثة، الآية 18). فَرَضَ الإقرار بالتوحيد على كل عباده المكلفين، الحر والعبد، الذكر والأنثي مع أول البلوغ (سن الحلم) ولم يكن به مرض عقلي يمنع تكليفه، عملا بقول الله تعالي:" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (القرآن، السورة 51، الآية 56)، أي يؤمنوا بوحدانية الله. أرسل رسلا لدعوة المخلوقات للإيمان بوحدانيته، يقول تعالي:" وإلي عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم إله غيره" (القرآن، سورة 7، آية 65)، أي يؤمنوا بوحدانيته وقال أيضا:"وإلي ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره" (القرآن، سورة 7، آية 73)، أي يؤمنوا بوحدانيته؛ وهكذا فعل باقي المرسلون. ونظرا لأن الإٌقرار بوحدانية الله فرض واضح على عباد الله، فيجب عليهم أن يعرفوا الله مع أول البلوغ ولا يجوز لهم إنكاره ولو مقدار طرفة عين.
II (1/71)
صفحة 72
ولتعرف أن أسهل طريق للوصول إلى معرفة الخالق هي معرفة الموجودات والتمييز بين جملة المعلومات. حسنا، يجب أن تعرف أن الأشياء صنفان: كل ما وجد منذ القدم (قديمة) وكل ما أنتج مع مرورالزمان (محدثات). والله، سبحانه وتعالي، باق (صمد)، له وحده صفات: الواحد، المعبود، القدير. وأن ما نتج مع الزمان ينقسم لصنفين: جسم وعَرَض. والعَرَض صنفان: حركة وسكون. والحركة صنفان: كسبية وضرورية. والجسم صنفين: مرآي مثل الأشياء وغير مرآي مثل الهواء والرياح. والمرآي صنفان: حيواني ومواتي. والمواتي صنفان: مواتي به حياه مثل الأرض والبذور، ومواتي ليس به حياة مثل الحديد والحجارة. والحيواني صنفان: روحي يزحف ويمشي، ومائي ينبت ويرتفع. والحيواني صنفان: عاقل مكلف مثل الملائكة والثقلان (الجن والإنس)، وجافل مهمل، مثل الضواري والقطعان. والعاقل صنفان: مؤمن وكافر. والمؤمن صنفان: معصوم وغير معصوم. المعصوم مثل: الملائكة والأنبياء؛ وغير المعصوم مثل الآخرين الذين يعتقدون في الأنبياء. والكافر صنفان: مشرك ومنافق. والمشرك صنفان: جاحد ومساوي. وغير المعصوم صنفان: من يقر بالإيمان في مجمله ويفي به، ومن يقر بالإيمان ولايفي به.
فإذا ما ثبت واستقر في فهمك وفي عقلك أن الأشياء المذكورة أعلاه محدثة، مصنوعة ومخلوقة بدليل الجديد، الضروري والكمال، سوف تعرف أن لها محدث أحدثها، خالق أبدعها (خلقها)، لأن الصنعة تبرهن على صانعها ومنتجها. يقول الله – العلي العظيم- :"إفي الله شك فاطر السماوات والأرض(؟)" (القرآن، سورة 14، آية 10). سأل أعرابي: "ماهو الدليل على وجود فاطر لهذه الدنيا؟" فأجاب :"البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام على المسير، فهل لا يدل بناء عظيم بهذا الجمال ومُستقر بهذا التصميم، على الفاطر الخبير؟".
قال أحد الحكماء:
ألاَ إنّنا كلَّنا بائدُ***وأيّ بني آدمٍ خالدُ
وبَدْؤُهُم كان من ربّهم***وكلٌّ إلى ربّه عائدُ (1/72)
صفحة 73
فيا عجبا كيف يُعْصَى الإِلهُ***أم كيف يَجْحَدُه الجاحدُ
وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ***تدلّ على أنه واحدُ
ولله في كل تحريكة***وتسكينة في الورى شاهد(1)
وهذا دليل من بين الأدلة التي يفرضها العقل دون أن ينشب أي خلاف بين أهل القول. حسنا، لقد حدد العلماء ثلاثة طرق للمعرفة: الحس المتبوع، العقل المجموع والشرع المسموع. وينقسم الحس المتبوع إلى ثلاثة فئات: حس بالالتحام مثل:اللمس والتذوق؛ حس بالانفصال: مثل النظر، الشم والسمع؛ حس بمجموع الأعضاء مثل على سبيل المثال: الألم، الوجع، الفرحة، التعاسة، الوجود، اللاوجود، الاستحداث و القدم.
ينقسم العقل المجموع إلى ثلاثة فئات:
1-…الواجب، مثل معرفة الفاعل بمجرد أن يثبت الفعل. يقول الله – العلي العظيم- :"إفي الله شك فاطر السماوات والأرض(؟)" (القرآن، سورة 4، آية 10)، أكّد أن الشك يزول من عند الذي أزال عن نفسه الجهل بأنه كان هناك خلق (فطور). ومن بين الواجبات: ثبوت الاستطاعة لمن ثبت له الفعل؛ تثبت الحياة لمن ثبتت معرفته؛ ويثبت الوجود لمن ثبتت حياته؛
2-…والمستحيل مثل: اتحاد الضدين، وجود نفس الشئ في مكانين (في آن واحد)، تحريك الجسم في جهتين (متضادتين). ويستحيل أن يكون الفاعل غير مستطيع؛ وأن يكون القادر غير عليم؛ والحي غير موجود؛
3-…والجائز:أو كل ما لايراه العقل واجبا او مستحيلا وبذلك فهو يمكن أن يكون موجود أو غير موجود.
وينقسم الشرع المسموع إلى ثلاثة فئات: أصل، مقول الأصل، واستصحاب حال الأصل.
وينقسم الأصل إلى ثلاثة فئات: القرآن والسنة والإجماع. وينقسم مقول الأصل إلى ثلاثة فئات:
__________
(1) - أبيات شعرية لأبي العتاهية. توجد، ماعدا الأخير منها، في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، بولاق 1285 هجريا، 1868 ميلاديا، الجزء الثالث، ص143. عن الشاعر الذي توفي في العام 210 للهجرة، 825 للميلاد، أنظر الموسوعة الإسلامية. (1/73)
صفحة 74
لحن الخطاب، فحو الخطاب ومعني الخطاب(1).
وينقسم استصحاب حال القول إلى ثلاثة فئات: براءة الذمة، شغل الذمة والاستحسان. أما فيما يتعلق ببراءة الذمة فإن الأصل في الفرائض براءة الذمة، وعدم وجود أي فرض إذا ما لم يحدده الشرع، ومن يدعي شغل الذمة (في حالة بعينها) يجب عليه الإتيان ببرهان، وأن من ينكر شغل الذمة بعد إثباتها، وجب عليه الإتيان ببرهان (لدحض برهان من يقول بشغل الذمة). والاستحسان هو حكم يقوم على تقليد الآخرين، بدون شغل، برهان أو إثبات.
أمّا لحن الخطاب فهو الضامر (أو المستتر) والذي بدونه لايكتمل الخطاب (أو لن يكون له معني)(2)، مثلما في قول الله تعالي:"فمن كان منكم مريضا أو به أذي من رأسه ففدية من صوم" (القرآن، الجزء الثاني، آية 192)، والقول يعني إذا حلق رأسه(3).
أمّا فحو الخطاب، فهو عندما يتطلب معني الكلمات أكثر مما قيل صراحة، كما في قول الله تعالي:"ولا تقل لهما أف (أي للوالدين) ولا تنهرهما" (القرآن، السورة 17، الآية 23)؛ يجب في واقع الأمر أن نعي أن شتمهما أو ضربهما أو قتلهما أشد وأكبر من نهرهما.
ومعني الكلام، هو كل ما يفهم منه حرفيا. ونظرا لأن العقل بإثباته للحُجة، الواجبة في هذا الصدد، أثبت أن الصنعة لابد لها من صانع، فإن صانع كل تلك الأشياء المصنوعة والمخلوقة هوالله - سبحانه، الكبير، القادر، الباقي -؛ الله متعال عن صفات المحدثات، فلا يتصف بها؛ فلو كان كذلك للزمته نفس احتياجاتها وسارت عليه نقائصها.
__________
(1) - شرح هذه التعبيرات في الصفحات التالية.
(2) - هذا هو وصف الكلام كما أُخِذَ عن النُحاة: لكي تكون الجملة تامة يجب أن تكون مفيدة .
(3) - نفهم أن المعني يتعلق بحلق الرأس، وذلك من الآية السابق:" وأتموا الحج والعمرة لله، فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله". (1/74)
صفحة 75
ومن المؤكد إذا أن البقاء لله وحده، وأنه هو بادئ السموات والأرض وما بينهما. فلا خالق، ولا رزاق، ولا صانع إلا هو. يقول الله تعالي:" هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض(؟)" (القرآن، السورة 35، الآية 3). ويقول الله تعالي أيضا:"ألا له الخلق والأمر(؟) تبارك الله رب العالمين!) (القرآن، السورة السابعة، الآية 54).
ووحدانية الله – سبحانه وتعالي – واجبة لله وحده ببرهان العقل وماورد عن الشرع.
ومن هذا الأمرحذر الله تعالي عباده؛ قال تعالي:"قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد". (القرآن، السورة 113، الآية من 1 إلى 4).
وكلمات الله :"قل هو الله أحد" هي دحض للظاهرية؛ وكلمة "أحد" دحض للثنوية؛ وكلمة "الصمد" دحض للمجسمة؛ والكلمات "لم يلد ولم يولد" دحض الذين هادوا والنصاري؛ وكلمات"لم يكن له كفوا أحد" دحض للمشبهة. وقيل بأن أصناف الشرك ثمانية وهي: الكثرة (التكثر)، الأعداد (التعدد)، التقلب، النقائص، العلة، المعلول، الأضداد والأشكال(1).
ولقد نفي الله عن نفسه التكثر والتعدد "قل هو الله أحد"؛ ونفي عن نفسه التقلب والنقائص بكلمة "الصمد"؛ ونفي عن نفسه العلة والمعلول بقوله تعالي"لم يلد ولم يولد"؛ ونفي عن نفسه الأضداد والأشكال بقوله تعالي"ولم يكن له كفوا أحد".
وقال بعض العلماء: يجوز أن ينعت الشيء بأنه واحد، فأما أحد فلا ينعت به غير الله تعالى ، لأن الخالق لا يقبل التجزؤ خلاف كافة الأشياء. ألا تري أن ال "واحد" منا في الحقيقة اثنان: جسم وروح؟ (يولد) ومن اثنين: ذكر وأنثي؟ باثنين: طعام وشراب؟ وفي اثنين: ليل ونهار؟ ومع اثنين: حركة وسكون؟ والله تعالي بخلاف ذلك. هو واحد في ذاته، واحدا في صفاته؛ واحدا في فعله. أو، ليس هناك ذات كذاته، فلا أحد يتصف بصفاته ولا يفعل أحد كفعله.
__________
(1) - من القرآن (السورة التاسعة، الأية 30):" قالت اليهود عزير ابن الله!". (1/75)
صفحة 76
و"الصمد" في اللغة العربية هو السيد الذي وصل إلى أقصي حد من القدرة والعظمة". قال الشاعر:
ألا بكر الناعي بخير بني أسد***بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد(1)
يقال أيضا الصمد هو من يُصمدُ إليه لسداد الحاجة. قال الشيخ أحمد بن الناظر العماني(2): "أي إلهي، أصمد إليك لتقبل توبتي وتغفر ذنبي".
وكفء تعني شبيها في الصفات. يقول حسان بن ثابت:
" أتهجوه ولست له بكفء***فشركما لخيركما الفداء "(3).
ولقد اختلف العلماء حول اشتقاق لفظة الجلالة "الله" تعالي. فالبعض يقولون أن الأصل هي كلمة لاحَ (أن يكون المرء طويلا) وأن كلمة الإله في اللغة العربية تعني الطويل. تقول العرب: لاحت الشمس عندما ترتفع الشمس. قال الشاعر(4):
تعالي إلهي على كل المخلوقات***خالق الكون، لانراه وهو يرانا".
(لم استدل عليه واجتهدت في ترجمته إلى العربية نقلا عن الإيطالية)
وقيل أيضا أن مصدرها من الولِه بمعني "الحائر"، لأن القلوب تضرع إليه وهي حائرة تطلب إليه قضاء الحاجة. يقول الشاعر:
أراني مضطربا في اتباعهم***كطرب الوله"(5).
(رجاء التحقق)
__________
(1) - هذا البيت يوجد في كتاب الأغان، الجزء 19، ص88، وينسب إلى ندابة مجهولة.
(2) - لا أعرف له معني آخر.
(3) - البيت الشعري ورد ذكره في كتاب الأغاني، مرجع سابق، الجزء الرابع، ص5. حول الشاعر المتوفي في العام 54 للهجرة، 674 للميلاد، أنظر C. Brockelmann, Geschichte der Arabischen Litteratur, I, 37 and S.I., 67
(4) - لم يستدل عليه.
(5) - بيت شعري ل النبيجة الغادي؛ ورد ذكره في M. Nallino. Le poesie di an-Nabigah al-Gadi، ناللينو "أشعار النبيجة الغادي"، روما 1953، ص80، رقم 34. (1/76)
صفحة 77
وقيل أن لفظة الجلالة "الله" هي اسم "إلا هو" (أي الذي) يستحق التمجيد، وقيل أن الله هو اسم بنيت عليه الصفات. وصفاته: الحياة، العلم، القدرة، الإرادة، الكلام، السمع والبصر. ووصفه بهذه الصفات يعني انتفاء اضدادها: فالله تعالي حي، ليس ميتا؛ عالم ليس جاهل؛ قادرا ليس عاجز؛ مريد وليس مضطر؛ متكلم وليس أخرس؛ سميع ليس أصم؛ بصير ليس أعمي. " سبحانه وتعالي عما يقولون علو كبيرا" (القرآن، السورة 17 الآية 43).
III
ولتعلم أن التوحيد لا يكون سوي للمؤمن الذي يتمسك بدين الله تعالي. وإن الدين عند الله الإسلام. وينقسم الإسلام إلى قسمين: القول والعمل. وينقسم القول إلى ثلاثة أقسام: الأول شهادة ألا إله إلا الله، قديم بلا بداية، باق بلا نهاية؛ الحي القيوم؛ العالم بلا علم أو دراسة؛ القادر بلا صعوبة أو عناء؛ المريد بلا مرام أو حاجة؛ المتكلم بلا لسان أو شفاه؛ السميع بلا أذن أو قنوات سمعية؛ البصير، بلا جفون أو بؤبؤ.
القسم الثاني هو شهادة أن محمد بن عبد المطلب الهاشمي القرشي هو عبد الله ورسوله. "هو الذي أرسل رسوله بالهدي بدين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" (القرآن، سورة 9، آية 33). ختم به الله تعالي أنبيائه وفضله على العالمين. ويبرهن على ذلك قول رسول الله – صلي الله عليه وسلم- :" اعطيت خمسا لم يعطعهن أحدا من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس عامة"(1).
القسم الثالث هو شهادة أن ما جاء به محمد بن عبد الله حق وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسلة، في البعث والحساب (على الأفعال)، والجنة والنار، والقدر خيره وشره من عند الله.
أمّا العمل وهو جزء من الإيمان فيتلخص في الإتيان بجميع فرائض الله ونوافله.
__________
(1) - "صحيح البخاري"، بولاق، 1926 هجريا، 1879 ميلاديا، الجزء الأول ص80. (1/77)
صفحة 78
أما الفرائض فتنقسم إلى ثلاثة أقسام: من القرآن، من السنة، ومن الإجماع. ومن ينكر أي نقطة من نقاط القول أو الفعل مشرك.
من الكتاب: الصلوات الخمسة(1)، الزكاة على جميع أنواعها، الوضوء، حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، الجهاد في سبيل الله، قسمة المواريث، النهي عن المحرمات (المنكر)، والحدود وكلما شابه ذلك.
ومن السنة: عدد الصلوات الخمسة، قيمة الزكاة، رجم الزاني المحصن، صلاة الوتر(2)، المضمضة(3)، الاستنشاق(4)، مسح الأذنين(5)، الاستنجاء(6)، الختان (الطهارة)، لاوصية لوارث(7)، وكل ما شابه ذلكن ما لم يرد به ذكر في الكتاب.
ومن الإجماع: عقدالإمامة، عدم جواز وجود إمامين على نفس المسلك، جلد شارب الخمر، إعطاء سدس الميراث للجدين، قيام شهر رمضان، أحكام الغائب، وكل ما شابه ذلك ما لم يرد به ذكر في كتاب الله والسنة.
__________
(1) - إضافة الرقم "خمسة" خطأ واضح، تم تصحيحه بعدها حينما تحدث عن الفرائض المأخوذة عن السنة.
(2) - صلاة نوافل تصلي في ختام الليل.
(3) - أحد جوانب الوضوء التقليدية. وهي غسيل (تشطيف) الفم.
(4) - جانب آخر من جوانب الوضوء التقليدية. وهي غسيل الأنف عنطريق استنشاق الماء من المنخارين.
(5) - جانب من جوانب الوضوء.
(6) - التطهر بالماء بعد قضاء الحاجة
(7) - الوريث الشرعي للموصي، وبالتالي لاتجوز له الوصاية. (1/78)
صفحة 79
انقسم الناس حول الإيمان إلى قسمين: يؤكد المرجئة أن الإيمان هو فقط الإقرار بوحدانية الله، كما أمرنا، ليس له شبيه، ليس له مثيل، ولا يشبه مخلوقاته في صفاتها. وفضلا عن ذلك، فإن فروض الطاعة، والنهي عن المعصية ليست بالنسبة لهم لا إيمان، ولا دين ولا اسلام. وانقسموا إلى ثلاثة طوائف: أكدت إحداها أن:"الإيمان هو معرفة بلا إقرار، ومثلُها جهم بن صفوان(1) وأتباعه. وأخري أكدت أن الإيمان:" إقرار بلا معرفة" ومثّلها مروان بن جيلان(2) وأتباعه. والثالثة أكدت بأن الإيمان:"معرفة وإقرار"، ومثلها أبو حنيفة.
ويخبرنا الله تعالي عن حُجة جهم في القرآن فيقول:"من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم" (القرآن سورة 5، آية 43)، ويخبرنا عنه رسول الله – صلي الله عليه وسلم – في سنته قال: الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى صدره" وأفعال مشابهة. ويخبرنا الله تعالي عن حُجة مروان في القرآن فيقول:" يا أيها المؤمنون"(3)، أي يا من تقرون بالإيمان؛ ويخبرنا عنه رسول الله – صلي الله عليه وسلم – في سنته قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا لإله إلا الله" وأقوالا مشابهة. وأخذ أبو حنيفه لنفسه برأي الآثنين.
لكن باقي الأمة كان متفقا على أن الإيمان هو قول وعمل على خلاف قول المرجئة. وكان عندهم خمسة أراء مختلفة حول من أتي بالقول وضيّع العمل. أكد الصُفرية أن من يأتي بالفعل ويضيع العمل، مشرك، كافر، ضال، فاسق، عاصي، ليس مؤمن ولا مسلم.
يؤكد القُدرية: أن من يأتي بالقول ويضيع العمل فاسق، ضال، عاصي، ليس مؤمن، ليس مسلم، ليس مشرك وليس كافر.
المُجسِمَة يؤكدون: أن من يأتي بالقول ويضيع العمل مؤمن، مسلم، عاصي ومذنب، ليس كافر، ولا ضال، ولا فاسق؛ ويعذبه الله، إن شاء أو يرحمه.
__________
(1) - أنظر ص562، الملاحظة رقم 27.
(2) - بالتحديد هو أبو مروان جيلان. أنظر ص562، ملاحظة رقم 28.
(3) - من آيات القرآن (1/79)
صفحة 80
المرجئة يؤكدون: المجسمة يؤكدون: أن من يأتي بالقول ويضيع العمل مؤمن، مسلم، ليس مشرك، ولا كافر، ولا ضال، ولا فاسق.
وتؤكد كل فئات الإباضية: زيادية و شيعة: أن من يأتي بالقول ويضيع العمل كافر، منافق، ضال، فاسق، عاصي، ليس مؤمن، ولا مسلم، ولكنه ليس مشرك، وتسري عليه أحكام الملّة الإسلامية.
الملّة هي أي شريعة وطريقة يكتبها الناس على أنفسهم ويتخذوها دينا. والدين، والإيمان والإسلام هي أسماء مختلفة لشئ واحد، وهو طاعة الله تعالي. يقال أن كل إيمان دين، وأن كل دين اسلام، وليس أن كل دين إيمان، لآن كلمة دين تفسر بطرقة عدة في اللغة العربية.
والدين يعني الطاعة. قال الشاعر(1)
لو أنت نزلت ببني أسد في دين عمرو
(الشطرة الثانية غير مفهومة واليت كله لم استدل عليه)
ويعني (الدين) "العادة". يقول المثقب العبدي:
" إذا درأت لها وضيني***أهذا دينه أبداً وديني؟(2) (أي عادتها وعادتي).
ويعني (الدين) الثواب. يقول الشاعر:
"فلتعلم ولتتأكد أن مملكك ذائل، واعرف أنك كما تدين تدان"(3).
ويعني (الدين) أيضا الحساب: "ذلك الدين القيم" (القرآن، السورة 9، الآية 36).
ويعني (الدين) أيضا حُكم:" ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك" (القرآن، سورة 12، آية 76) أي وفقا لحُكم الملك.
ويقال أن كل ملّة دين، وليس كل دين ملّة، للسبب الذي ذكرناه آنفا.
ومجمل الملل التي وردت في كتاب الله ستة. وهي كما جاء في كلام الله تعالي:"إن الذين أمنوا، والذين هادوا، والصابئين والنصاري، والمجوس والذين أشركوا، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة" (القرآن سورة 22، الآية 17). وأحكام هذه الملل مختلفة عند المسلمين.
__________
(1) - لم يستدل عليه.
(2) - بيت شعر ورد ذكره في"لسان العرب". حول الاشاعر المتوفي في عام 588 للميلاد، أنظر Brockelmann,G.A.L., Supp. I. p.56
(3) - بيت شعر ورد ذكره عند البقللاني في كتاب التمحيد، مرجع سابق، فصل في معني الدين، ص345. (1/80)
صفحة 81
وأحكام الملة الإسلامية هي: إذا ما خرج البعض عن الطاعة وارتكبوا الكبائر أو أحدثوا في الملة ما لم يُقرّه الله ولا الرسول ولا المسلمين، ندعوهم لترك ما ضلوا به. فإن أجابوا يكون لهم نفس ما لنا وعليهم نفس ما علينا؛ فإن أبوا الطاعة جافاهم المسلمين، وسيحاربهم إمام المسلمين حتى يعودوا لأمر الله ولا يحق سوي سفك دمائهم ونفيهم طالما ظلوا على مخالفتهم للمسلمين. ولا تحل غنيمة أموالهم وسبي أبنائهم والإجهاز على جرحاهم واتباع مدبرهم. إذا ما اعترفوا بطاعة إمام المسلمين، سوف يأخذ الإمام منهم صدقات أموالهم ويوزعها على مستحقيها، وسوف يمنعهم إتيان المنكر من الأشياء، أو المعصية. موارثتهم ومصاهرتم حلال. وتحرم ولايتهم ما ظلوا على خلافهم وبدعهم.
أحكام ملة المشركين، هي نفس أحكام الذين هادوا والنصاري والصابئين. يدعوهم الإمام للإسلام؛ فإن أجابوا أصبح لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين؛ فإن أبوا، دعاهم لدفع الجزية " حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عن يد وهم صاغرون " (القرآن، السورة 9، أية 29). فإن أذعنوا أخذت الجزية منهم وضمنوا سلامتهم؛ وتحرم إزائهم ثلاثة أشياء: سفك دمائهم، غنيمة أموالهم وسبي أبنائهم؛ وتحل ثلاثة أشياء: أكل ذبائحهم، التزوج من نسائهم الأحرار، أخذ الجزية من باليغهم الأحرار. ولا جزية على نسائهم، ولا أطفالهم، ولا عبيدهم، لا سفهائهم. فإن أبوا دفع الجزية أو اعتناق الإسلام،
حاربهم إمام المسلمين. ويحل إزائهم ما كان محرما بدفع الجزية، ويحرم كل ما كان حلال. ولا تضع الحرب أوزارها حتى يفيئوا إلى أحد الأمرين: الإسلام أو الجزية. وكان هناك اختلاف على قيمة الجزية: : فلقد أكد البعض أنها "درهما في الشهر"؛ وقال البعض الآخر:" طالما أقر الإمام بذلك"، وقال آخرون:" على ميسوري الحال أربعة دراهم في الشهر، وعلي الطبقة المتوسطة درهمان، وعلي متواضعي الحال درهما في الشهر. (1/81)
صفحة 82
أمّا المجوس فأحكامهم تتطابق تماما وفي كل شئ مع أحكام أهل الكتاب باستثناء ما يتعلق بذبائحهم والزواج من نسائهم الأحرار: فهذان الشيئان حرام حتى بدفع الجزية.
أما الذين أشركوا فأحكامهم كما يلي: يدعوهم الإمام للإسلام؛ فإن أجابوا أصبح ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين؛ فإن أبوا، وعارضوا، يحاربهم الإمام إلى أن يسلموا طوعا أو كرها. لا تقبل منهم الجزية، ويحل سبي أبنائهم، فيئ غنائمهم وسفك دمائهم طالما ظلوا على شركهم.
روي عن الرسول – صلي الله عليه وسلم- أنه قال: " إفترقت اليهود على واحد وسبعون شعبة، كلهم في النار إلا واحدة، تلك التي ذكرها الله في كتابه" ومن قوم موسي أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" (القرآن سورة 7 آية 159) وإفترقت النصارى على إثنان وسبعون شعبة، كلهم في النار إلا واحدة، تلك التي ذكرها الله في كتابه "ذلك لأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون" (القرآن، سورة 5، آية 82) وستفترق أمتى على ثلاثة وسبعون شعبة، كلهم في النار إلا واحدة وفي بعض روايات الحديث (هي ما أنا عليه وأصحابي.(1) (أو كما قال).
وستتشعب هذه الأمة من تسعة أصول انتشرت أرائها حتى سقطت في الضلال. وذلك نظرا لاختالفهم حول التوحيد، العدل، القدر، الولاية والعداوة، الأمر والنهي، الوعد والوعيد، المنزلة بين منزلتين واللامنزلة بين منزلتين، وحول الأسماء والأحكام.
__________
(1) - سنن أبو داوود، القاهرة، 1951، الجزء الرابع، ص276(كتاب السنة). (1/82)
صفحة 83
التوحيد: تتفق الأمة الإسلامية على التأكيد على أن الله واحد، لا شئ مثله، السميع، البصير، لا يشبه ولا يشبهه شئ في اسمه أو صفاته أو ذاته. لكن المشبهة أنكروا هذا التأكيد لأنهم شبهوا الله تعالي بمخلوقاته، وانقسموا فيما بينهم إلى اربعة وعشرين رأيا، اختصرها الفراء(1) إلى أربعة: الرأي الأول لمقاتل بن سليمان(2) وأتباعه الذين قالوا بأن الله تعالي له جسم طويل وعريض من الدم واللحم؛ ومجموعة قالت بأن الله تعالي له جسم طويل وعريض لكنها لم تذكر الدم واللحم؛ وأكدت مجموعة منها أن له أعضاء مثل أعضاء الإنسان: عين، وجه ويد، ولكنها لم تذهب أبعد من ذلك؛ ومجموعة أخري قالت بأن له جسما يختلف عن باقي الأجسام. ولكن الله يتعالي عما يقول الظالمون. فهم يكذبون فيما يقولون ويضلون عن الحق.
العدل: اتفقوا جميعا على أن الله عدل، يستحيل وصفه بالظلم ويستحيل أن يتصف هو به. لكن كل المُجبرة أنكروا ذلك، قائلين بأن الله تعالي يُجبر الإنسان على أفعاله والتي يلومه عليها ثم يعذبه بها. ودحض الله تعالي قولهم: "جزاء بما كانو يفعلون" (القرآن، السورة 32، الآية 17)، و: "ذلك بما قدمت أيديكم" (القرآن، السورة 8، الآية 51).
القدر: اتفقوا جميعا على أن الله خالق وأن كل ما عداه مخلوقا. وأنكر القُدرية هذا التأكيد، قائلين بأن الله تعالي خلق أفعالهم، ولكن الله تعالي دحض قولهم: "والله خلقكم وما تعملون" (القرآن، السورة 37، الآية 96).
__________
(1) - ربما يكون القاضي أبو يائلة بن الفراء، توفي في عام 458 للهجرة، 1077 ميلادي، كتب عدة أعمال في اللاهوت والشريعة، أنظر عنه: Zirikli, الأعلام، مرجع سابق، الجزء السادس، ص331، و Henri Loust, La profession de foi d'Ibn Batta, دمشق، 1958، الفهرس.
(2) - أنظر عنه الموسوعة الإسلامية. (1/83)
صفحة 84
الولاية والعداوة: اتفق الموحدون (يعني الإباضية) أن الله تعالي يعلم دائما كل ما حدث، كل ما سيحدث وكل ما لم يحدث، ويعلم كل ما لم يحدث بالشكل الذي كان سيحدث عليه لو كان حدث. وهو علم خاص بذاته، ليس عبر العلم المتجدد الذي يأتي لذاته أو ينتقل إليها. و أنكر الحسنية(1) هذا التأكيد واعتقدوا أن ولاية وعداوة الله يتغيران. ولكن الله تعالي دحض قولهم: "هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا" (القرآن، سورة 22، آية 78)
الأمر والنهي: اتفق الموحدون على أن الله تعالي فرض على عباده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل حين وأوان كل على قدر استطاعته.
لكن النكات(2) أنكروا هذا التأكيد، وقالوا بعدم وجوب الإمامة. ولكن الله تعالي دحض قولهم: "وأولي الأمر منكم" (القرآن، سورة 4، آية 59)، وكذلك قول الرسول – صلي الله عليه وسلم – " وإن أُمِر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا "(3).
الوعد والوعيد: اتفق كل الموحدين على أن الله صادق في وعده ووعيده. لكن المرجئة أنكروا هذا التأكيد، قائلين بأن الله تعالي يتراجع عن وعيده، وليس عن وعده. وبرهانهم أن القدوس يتوعد أحد ما، ثم يتراجع عن وعيده ويغفر له، وهذا شئ حسن وكبرهان على كلامهم استشهدوا بأبيات شعر:
"أنا لو واعدت أو وعدت*** أرجع عن وعيدي وليس وعدي"(4).
(رجاء التحقق)
ودحض الله تعالي قولهم :"ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد" (القرآن، سورة 50، آية 28), إذا فنحن نقول لهم، بما أنكم لجأتم لبرهان الشعر، فإن الشاعر يقول:
__________
(1) - أنظر في الهامش ملحوظة 33.
(2) - أنظر في الهامش، ملاحظة 34.
(3) - صحيح مسلم، القاهرة 1930، ج 12، (وجوب طاعة الأمراء)
(4) - بيت شعر لعمر بن الطفيل، ورد ذكره في لسان العرب (وعد). استشهد به أيضا البقلاني كتاب التمحيد، طباعة R. J. Mc Carthy، بيروت 1957. ص352، فصل "الوعد والوعيد". عن الشاعر أنظر Brockelmann, G.A.L. Suppl. P. 57. (1/84)
صفحة 85
"هم أناس، إن وعدوا أو توعدوا***يؤكدون صحة: يفعل ما يقول"(1).
(لم استدل عليه واجتهدت في ترجمته نقلا عن الإيطالية)
المنزلة بين منزلتين: هي منزلة النفاق بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك. قالت المرجئة أنه لا توجد منزلة بين الشرك والإيمان وجعلوا فقط الإيمان (توحيد) والشرك. ودحض الله تعالي قولهم: "ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات" (القرآن، سورة 33، الآية 73). ولكن تأكيدهم: لا منزلة بين المنزلتين، أي أنه لا توجد منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك، تستند إلى كلام الله تعالي: "إما شاكرا وإما كفورا" (القرآن، السورة 76، الآية 3)، أي إما يثبت التوحيد أوينكره.
الأسماء والأحكام: اتفق الموحدون في التأكيد على أن الأسماء تتبع الأحكام: وأنكروا ما قاله عيس بن عُمير (أو عمر) و أحمد بن حُسين (أو الحسن)(2) بأن أهل الكتاب لم يصبحوا مشركين بعد أن اعتُبِر حلالا تطبيق أحكام المشركين عليهم واعتُبِرحرما تطبيق تلك الأحكام المحرمة على المشركين عليهم (أي أهل الكتاب).
IV
نبع أكبر اختلاف في صدر الأمة فقط في الأسماء، حيث كان هناك اختلافا في الرأي حول الطاعة، الإيمان، المعصية والكفر. البعض قال: الطاعة والإيمان كلاهما توحيد؛ المعصية والكفر كلاهما شرك. والبعض الأخر قال: أن الإيمان دائما توحيد، والطاعة تارة توحيد، وتارة لا؛ الكفر دائما شرك، والمعصية تارة شرك وتارة لا. وقال آخرون:
الطاعة هي كل ما يرتبط بأمر التوحيد أو غيره؛ الإيمان هو كل ما يرتبط بالثواب على التوحيد أو غيره؛ المعصية هي كل ما يرتبط بتحريم الشرك أوغيره؛ والكفر هو كل ما يرتبط بالعقاب على الشرك أو غيره.
وهذا الرأي الأخير هو مذهبنا، تؤمن به جماعتنا وتستند إليه.
__________
(1) - لم يستدل عليه.
(2) - مؤسسي الطائفتين الإباضيتين: العمرية والحسينية، أنظر ص564، الملاحظة 35، وص 563، الملاحظة 31. (1/85)
صفحة 86
والتوحيد هو كل ما يرتبط بالإفراد، والإفراد يتطلب ترك أي تساوي بين الخالق والمخلوق، والمخلوق والخالق. والشرك هو كل ما يرتبط بالتساوي أي إطلاق صفات المخلوق على الخالق أو إطلاق صفات الخالق على المخلوق. وكلمة إيمان في اللغة العربية يمكن أن يعني التصديق: يقول الله تعالي: "وما أنت بمؤمنلنا ولو كنا صادقين" (القرآن، السورة 12، الآية 17)، أي أنك لا تصدقنا. وكلمة كفر في اللغة العربية تعني يستر، يحجب ولذلك يقال عن الليل أنه كافر لأنه يستر أي شئ بظلامه. قال الشاعر:
" فتذكّرا ثقلاً رثيداً بعدما ألقت ذكاء يمينها في كافر "(1).
ويقول شاعر آخر:
"إلى أن ترمي الشمس بيدها في الكافر والظلمات تستر الحدود والمناطق غير المحمية"(2).
(لم استدل عليه واجتهدت في ترجمته نقلا عن الإيطالية)
" فهو يمتطي ناقته باستمرار في ليلة كافرة النجوم"(3).
والزارع كافر لأنه يغطي البذور. يقول الله تعالي: "كمثل غيث أعجب الكفار نباته" (القرآن، سورة 57، آية 20)، أي الزراع. وكلمة كفر تعني في الشريعة استفساد المحسن. قال عنترة:
قالوا لي أن عمر لا يقر بفضلي***فالكفر لا يرضي المحسن"(4)
__________
(1) - بيت شعر للشاعر الجاهلي: ثعلبة بن صئير، ورد ذكره في القالي "كتاب الأمالي"، القاهرة 1954، جزء ثاني، ص142.
(2) - بيت شعر للبيد بن ربيعة (وفقا للشرح). لا يوجد شطره الثاني في كتاب الأغاني، مرجع سابق و في Brockelmann, Die Gedichte des Lebid, Leida 1982.
(3) - ورد ذكر الشطر الثاني عند البقلاني في كتاب التمحيد، مرجع سابق، ص348، فصل في معني الكفر.
(4) - بيت شعر ورد ذكره في "ديوانه" (طبعة Ahlwardt)، ص48، 68، واستشهد به في Lane, Arabic – English Lexicon, New York 1955, "habata, mahbata". عن الشاعر أنظر الموسوعة الإسلامية. (1/86)
صفحة 87
وخصل النفاق: الخلف، والكذب. يبرهن على ذلك قول الله تعالي: "بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون" (القرآن، سورة 9 آية 77)، وقول الرسول – صلي الله عليه وسلم – في وصف المنافق: " إذا حدث كذب، إذا أوعد أخلف وإذا إتومن خان"(1).
وكلمة اسلام في اللغة، هو الانقياد. قال الشاعر:
أسلمت وجهي لمن أسلمت***له المزن تحمل عذبا زلالا "(2)
سُمّي الذين هادوا يهود لأنهم كانوا يتهودون التوراة؛ أو لأنهم قالوا: "هدنا إليك"؛ أو لأنهم اتبعوا يهوذ بن يعقوب – عليه السلام.
سُمّي المسيحيون نصاري لأنهم كانوا يقيمون في بلد اسمه ناصرة؛ أو لأنهم كانوا يقولون: "نحن أنصار الله". وسُمّي الصابئون كذلك لصبوئهم من دين لآخر.
وسُمّيت المرجئة كذلك لأنهم كانوا يرجئون الحكم على مرتكبي الكبائر دون التقرير فيهم؛ أو لإرجائهم الحكم على "على" (أي الإمام على بن أبي طالب رضوان الله عليه) دون اعتباره رابع الخلفاء. وكلمة إرجاء في اللغة تعني التأخير. يقول الله تعالي: "أرجئه وأخاه" (القرآن، السورة 26، الآية 36).
سُمّي القُدرية كذلك: لأنهم كانوا يفرقون بين قدرة الله وأفعالهم.
سُمّي المعتزلة هكذا لعتزالهم مجالس الحسن بن أبي الحسن البصري؛ أو لآعتزالهم دون أن ينضموا لأي من الرأيين.
سُمّي النكات هكذا لأنهم نكتوا بيعة الإمام عبد الوهاب – رضي الله عنه – وقيل نهم أيضا نكار لأنهم أنكروها.
V
وللدين قوائم، أركان، مسالك، مجاري، حدود، أفراز وأحراز.والقٌوائم أربعة: العلم، العمل، النية والإمساك.
والأركان أربعة: الانقياد لأمر الله؛ الرضاء بقضائه، الثقة بالله وتفويض الأمر لله.
__________
(1) - الإيمان للبخاري، ص24.
(2) - بيت شعر لزيد بن عمرو، ورد ذكره في كتاب الأغاني، مرجع سابق، الجزء الثالث، ص17. عن الشاعر، المتوفي في 606 ميلادية أنظر Zirkili،الأعلام مرجع سابق، الجزء الثالث، ص100. (1/87)
صفحة 88
والمسالك أربعة: الظهور مثلما على عهد أبي بكر وعمر؛ الدفاع، مثلما على عهد عبد الله بن وهب الراسبي(1)؛ الكتمان مثلما على عهد أبي عبيدة(2) وجابر بن زيد(3) – يرحمهما الله – والشراء مثلما على عهد أبو بلال مرداس بن حضير(4) – رحمه الله.
والمجاري ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع.
والحدود ثلاثة: العلم الذي لايجوز للإنسان إنكاره مثل التوحيد؛ العمل الذي لايجوز للإنسان تركه، مثل الفرائض البدنية والمالية؛ ترك ما لا يجوز للإنسان فعله مثل المعصية.
والأفراز ثلاثة: وفاء المؤمن، تضيع المنافق وجحود المشرك.
والأحراز ثلاثة: ولاية المؤمن الموف بواجباته؛ البراءة من المنافق ومن المشرك؛ الإمساك عن من نجهل ارائه حتى تُعرف.
والكفر له قوائم، وأركان. والقوائم أربعة: الكبرياء (التكبر) ، الحسد، العصبية والجهل.
والأركان أربعة: الشهوة، الخوف، الهوي والغضب.
VI
__________
(1) - أختير كقائد للخوارج، عندما هجروا"غلى"، واتجهوا إلى النهروان، وقتل في المعركة (38 هجري، 658 ميلادي).
(2) - أبو عبيدة التميمي، أحد أكبر علماء الإباضية في البصرة.أنظر الشماخي "السير"، مرجع سابق، مأخوذ عن (CF. Crupi La Rosa, I trasmittitori della dottrina ibadita, AIUON, N.S. V (1954)؛ "حملة العقيدة الإباضية"؛ و Masqueray, Chronique,، مرجع سابق، 4، 19-20، ملاحظة 138؛ T. Lewicki, Notice sur la chronique ibadite d'ad-dargini, in Rocznik Ojentalistyczny, Lwow 1936, pp. 169, 170.
(3) - توفي حوالي العام 100 للهجرة، وكان زعيم الجماعة الإباضية في البصرة. أنظر الشماخي "السير"، مرجع سابق، مأخوذ عن (CF. Crupi ؛ مرجع سابق ص131؛ و Masqueray, Chronique,، مرجع سابق، 181-183 ملاحظة؛ T. Lewicki, Une chronique ibadite "Kitab al-Sijar" in Revue des Etudes Islamiques, 1934, 20, 77
(4) - زعيم خوارجي مشهور من البصرة، قتل في عام 61 للهجرة، 680 ميلادية، أنظر الموسوعة الإسلامية. (1/88)
صفحة 89
ولتعلم أن المعرفة ثلاثة أصناف: معرفة بما لايجوز للإنسان أن ينكره ولو للحظة؛ ومعرفة ما يجوز للإنسان إنكاره إلى أن يتضح؛ معرفة ما يمكن للإنسان أن ينكره على الدوام.
ومعرفة ما يجوز انكاره ولو للحظة واحدة، هي معرفة التوحيد والشرك: فإن جهل الإثنين غير جائز لأن من يجهل الشركرلا يعرف التوحيد. ومعرفتهما واجبة مع أول البلوغ. ولذلك قيل أن ستة أشياء تصاحب ستة أشياء: التكليف والبلوغ؛ الأمر والنهي؛ معرفة الله ومعرفة الرسول؛ الولاية والبراءة، الخوفوالرجاء؛ المن والدلائل.
وكلمة التكليف في اللغة العربية تعني تحملما لا تطيقه النفس. يقول الشاعر:
تكلفني معيشة آل زيد***ومن لي بالمرفق والصناب(1)
ويقول آخر:
"سئمت تكاليف الحياة ومن يعش***ثمانين حولا لا أبالك يسئم"(2)
وللبلوغ خمس علامات؛ ثلاثة منها مشتركة بين الذكور والإناث، واثنين تميزان الإناث خاصة. أمّا الثلاثة المشتركة فهي: النمو، الاحتلام، والعمر؛ وأمّا العلامات التي تميز الإناث خاصة: الحيض والحمل.
الأمر والنهي: واجبان على المكلف البالغ سن التكليف: ومعناهما أنه يجب على المكلف أن يلتزم بالطاعة وحرمت عليه المعصية والشرك.
معرفة الله ومعرفة الرسول – عليه السلام -، واجبتان معا على المكلف مع أول البلوغ. وقيل أن الله يعرف ب: الواجب، الجائز والمستحيل. الواجب هي ألوهيته، ربوبيته، ووحدانيته؛ وأمّا الجائز فهو: الخلق، الإفناء،الإعادة؛ وأمّا المستحيل فهو: أن يكون له شريكا، أوصاحبة أو ولدا.
__________
(1) - بيت شعر لجرير، ورد ذكره في كتاب الأغاني، مرجع سابق، الجزء 7، ص60. عن الشاعر أنظر الموسوعة الإسلامية.
(2) - بيت شعر للبيد بن الربيعة، وفقا للشرح. غير موجود في المجموعة المطبوعة بمعرفة C. Brockelmann "Die Gedichite des Lebid", Ledia 1892.. عن الشاعر أنظر الموسوعة الإسلامية. (1/89)
صفحة 90
يعرف الرسول ب: الواجب، الجائز والمستحيل. الواجب الصدق، التبليغ والبعثة؛ أمّا الجائز فهو: الخطأ، النوم والنسيان؛ أمّا المستحيل فهو: الكذب، الغش والخيانة.
الولاية والبراءة: واجبة على المكلف مع أول البلوغ. وتنقسم الولاية إلى أربعة أصناف: 1) ولاية الجملة، أي التي تشمل كل المسلمين والإنس والجن "الثقلان"، الأحياء والأموات من علمناهم و من لم نعلمهم. 2) ولاية المعصومين الذين أثني الله عليهم في كتابه، ووصفهم بالطاعة وحب الخير، 3) ولاية الإمام العادل وكل من في معيته يطيعونه طالما ظل كذلك. 4) ولاية الأشخاص المميزين بدنيا وأخلاقيا والذي تظهر عليهم علامات الحفاظ على مقتضيات الدين الإسلامي.
شروط وجوب ولاية الأفراد أربعة: يسرنا ما نراه منهم؛ يسرنا ما نسمعه منهم؛ يسرنا ما يَقِرُ في القلوب؛ التزامهم الكامل بالشريعة وبالعقيدة (يقصد الإباضية).
ولتفسير الولاية تتم إضافة ثلاثة أصناف أخري: 1) ولاية أطفال المسلمين وهي تدخل ضمن ولاية أبائهم؛ وهناك رأيان في ولاية أبناء العبيد؛ 2) ولاية من يترك المذهب المخالف ويدخل في مذهب أهل الحق، طالما لم يمنعها عامل آخر؛ 3) ولاية من خرج عن الشرك ليدخل في الإسلام.
وتنقسم البراءة إلى أربعة أقسام: البراءة من كل المشركين عامة وخاصة الإنس والجن، الأحياء والأموات الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم؛ 2) البراءة من الإمام الجائر ومن يطيعه في جوره؛ 3) البراءة من الذين ذمهم الله في كتابه ووصفهم بالعصاة المفسدين، والذين ذكرهم بأسمائهم؛ 4) البراءة من أشخاص نعرفهم حق المعرفة لكنهم يقترفون من الأفعال ما يوجب برائتهم.
ولتفسير البراءة يتم لإضافة ثلاثة أصناف أخري: 1) البراءة ممن خرج عن مذهب الحق واعتنق مذهب المخالفين؛ 2) البراءة ممن خرج من الإسلام وعاد للشرك. ولكن البراءة واجبة فقط على من يرتكبون الكبائر. أمّا أطفال المشركين والمنافقين فيجب الإمساك عنهم لحين بلوغهم الحلم. (1/90)
صفحة 91
الخوف والرجاء: واجبان أيضا مع أول البلوغ؛ فهما أشياء قلبية وواجب على المرء أن يوازن بينهما حتى تتساوي كفتيهما، ككفتي الميزان الهندي، لا تزن إحداهما الأخري، لأن القلب إن مال للرجاء، يُخشي أن يعتقد أنه بمفازة من عذاب الله. قال الله تعالي:"أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون" (القرآن، السورة 7، الآية 97). وإن مال القلب إلى الخوف، يُخشي أن يقنط من رحمة الله؛ قال الله تعالي: "إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون" (القرآن، سورة 12، آية 87).
المن والدلائل: معرفتهم واجبة مع أول البلوغ؛ أي أنه يجب أن نعرف أن الله تعالي خلق المخلوقات ويسر سبل معيشتهم (منافعهم) بفضله وإحسانه وليس لضرورة ولا وجوب. خلقهم ليظهر قدرته ويحقق إرادته الأولي وكلامه الحق الخالد، ليس لضرورة لهم أو لاحتياج إليهم؛ صنعهم بقدرته ليس لأنه يحتاجهم أو يريد منهم نفعا؛ خلق الملائكة المقربين؛ خلق الجن والإنس ليبتليهم وليعبدوه؛ خلق باقي الخلق كبرهان ودليل قدرة.
الدلائل هي الأشياء التي خلقها الله تعالي، التي تدل على ربوبيته ووحدانيته. والمتفكرون وأولوا الألباب حين يتدبرون هذه الأشياء بعين الفكر، يدركون المعلومات ومنها يستنبطون أشياء أخري. وحسن المذهب دليل نفاذ البصيرة. لذلك يقال: ثمانية أشياء تم التدليل عليها. أمّا أدلتها: فالواحد يدل على واحد؛ واثنان يدلان على واحد؛ وواحد يدل على اثنين. الواحد يدل على واحد: فالفعل يدل على الاستطاعة. وإثنان يدلان على واحد: فالحركة الضرورية والحركة الكسبية يدلان على الحياة. وواحد يدل على إثنين: حسن المذهب يدل على العقل و التكليف. (1/91)
صفحة 92
والعقل يميز بين الأحاسيس، والإحساس هو ما تدركه الحواس. والحواس خمسة: السمع، البصر، الشم، التذوق واللمس. والسمع يدرك الأصوات على اختلاف أصنافها؛ والبصر يدرك الصور والألوان؛ والتذوق يدرك مذاق الطعام بأصنافه: حلو، مر، مقزز. والشم يدرك: الروائح الذكية والكريهة؛ واللمس يدرك: النعومة والخشونة، البارد والساخن. والحواس ترسل ما أدركته للعقل والذي يميز بين الأحاسيس ويستنتج ما لم تستطه الحواس إدراكه. والعلم، بما هو حلال إنكاره لحين التدليل عليه، صنفان: الأول هو العلم بما يحل إنكاره حتى إيجاد البرهان، مثل صفات الله تعالي، أحد الأنبياء، أحد الملائكة والذين من خلالهم حصلنا على البرهان وحالات مشابهة. والثاني: الفرائض الموسمات الأوقات مثل الصوم، الصلاة؛ فإن إنكارها جائز فقط حتى تحين أوقاتها المفروضة.
والعلم الذي يجوز إنكاره على الدوام يتعلق، على سبيل المثال، بتقسيم المواريث، القصاص. أمّا تحريم عقود الغرر وكل الأشياء المحرمة، ماعدا الشرك، فإنكاره جائز، طالما لا يُفتري على الله الكذب، و تُرتكب الذنوب بسبب هذا الكذب.
ونسأل الله تعالي علما نافعا، وعملا مقبولا، إيمانا خالصا. وبالله التوفيق.
فهرس عام (1/92)