صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: العقيدة وعلم الكلام
------------------------------------------
العنوان: الإلحاد أسبابه ووسائله ومظاهره وعلاجه
المؤلف: عبد الله بن سعيد بن خلفان المعمري
الناشر: مكتبة خزائن الآثار
مكان النشر: بركاء - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1444ه/ 2023م
الطبعة: 1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/801
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 10 ذو القعدة 1446ه/ 08 - شهر 05 - 2025م. بصيرة
الإلحاد
أسْبَابُهُ وَوَسَائِلُهُ وَمَظَاهِرُه وَعِلَاجُهُ
الشيخ الدكتور
عبد الله بن سعيد بن خلفان المعمري (1/1)
صفحة 2
الإلحاد
أسْبَابُهُ وَوَسَائِلُهُ وَمَظَاهِرُه وَعِلَاجُهُ (1/2)
صفحة 3
MTG
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى 1444 هـ / 2023 م
نشر وتوزيع
مكتبة خزائن الآثار سلطنة عُمان - بركاء
نقال: 0096895510025
الراعي الإعلامي:
موقع بصيرة الإلكتروني
موسوعة إلكترونية في العلوم الإسلامية
لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان
للتواصل: www.baseera.net
تصميم وطباعة:
مجموعة مسقط للأعمال التجارية (1/3)
صفحة 4
الإلحاد
أسْبَابُهُ وَوَسَائِلُهُ وَمَظَاهِرُه وَعِلَاجُهُ
الشيخ الدكتور عبد الله بن سعيد بن خلفان المعمري (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم (1/5)
صفحة 6
ملحوظ
أصل هذا الكتاب: ثلاث مجالس علمية، بُنت عن بعد، تناولت موضوع قمع الإلحاد؛ وأسبابه ووسائله ومظاهره وعلاجه:
المجلس الأول: ليلة الأحد 28 الآخر 1442 هـ.
ربيع
المجلس الثاني: ليلة الاثنين 29 ربيع الآخر 1442 هـ. المجلس الثالث: ليلة الثلاثاء 30 ربيع الآخر 1442 هـ.
وقد روعي في طباعة نص الحلقات المحافظة على أصل اللقاءات كما هي إلا في مواضع يسيرة يقتضيها التحرير، وقد أُضيفت عناوين فرعية؛ لتسهيل القراءة.
اللجنة العلمية
بموقع بصيرة
اللجنة العلمية يَمَوْقِع بَصِيرة (1/6)
صفحة 7
مقدمة
الله الرحم الرحيم
الله العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين، وخاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله وصحبه، وعلى كل من سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فنحمد الله تعالى على توفيقه لنا للحديث عن هذا
الموضوع الخطير، ألا وهو موضوع قمع الإلحاد.
وأُحِبُّ أن أنبه إلى أن القصد من تناول هذا الموضوع هو الإصلاح - إن شاء الله تعالى ـ ما استطعنا، وأُوجهه إلى نفسي، وإلى إخواني جميعا؛ وذلك لأجل أن نتعاون جميعًا للقيام بالدعوة إلى الله، ولتحصين أنفسنا وأولادنا، وإخواننا، ولأجل دفع هذا الخطر المحدق بنا، ومحاولة دعوة المتأثرين به إلى الحق، والهداية من الله الال. (1/7)
صفحة 8
يلي:
الالحان
وسنتناول هذا الموضوع من خلال أربعة محاور، وهي كما
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد.
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد.
المحور الثالث مظاهر الإلحاد.
المحور الرابع: علاج الإلحاد.
ومن خلالها سنسعى - بإذن الله تعالى - إلى بحث جذور هذه
القضية، والظروف المحيطة بها، وسبل ووسائل علاجها.
وليس الغرض من طرح وتناول هذا الموضوع، هو مناظرة أحد فيما يتعلق بالأفكار الإلحادية؛ لأن كل واحد له مجاله ولا أتصور أن مجرد المناظرة ستؤدّي إلى نتيجة، وإن كان الحق أبلج، ولله الحمد.
وقد طلب البعض منّي أنْ أُوَسْعَ المجال أكثر؛ لعل الله تعالى يهدي بعض المتأثرين بالإلحاد، وذلك بعرض شبههم، والرد
عليها؛ لعل الله تعالى يهديهم، وهذا ممكن إن شاء الله.
إلا أن الخطر أكبر من أن يتعلق بشخص واحد يعرض شبهته؛ فالخطر يحدق بالعالم كله، ويتطلب جهودًا جبَّارَةٌ (1/8)
صفحة 9
مقدمة
الالحان
مجتمعة بعد أنْ تُكَلَّل بتوفيق الله تعالى؛ للقضاء على هذا الخطر
الجاثم المهلك.
ونسأل الله أن يوفقنا لسديد القول، وصالح العمل، كما نسأله تعالى التوفيق والتيسير، والتسديد والفوز، والنجاح، ألهمني الله وإياكم العلم النافع، وأعاننا على العمل به. (1/9)
صفحة 10
[صفحة فارغة] (1/10)
صفحة 11
مدخل
الالحان
تعريف الإلحاد:
الإلحاد لغة الميل؛ كما هو استعمال اللغة العربية، ذكر ذلك شيخنا العلامة الحجة الخليلي - حفظه الله تعالى ـ، وأما في الاصطلاح الشرعي فهو الميل عن الحق اعتقادًا، أو قولا، أو فعلا.
ولذلك يجب أن يكون إدراكنا لمعنى الإلحاد أوسع عما هو متداول عند البعض؛ من حصره بمعنى التكذيب بالله تعالى، أو رسوله، أو باليوم الآخر، أو إنكار أي أمر معلوم في الدِّينِ بالضرورة، فمعنى الإلحاد أوسع من ذلك.
ويدل على ذلك كتاب الله؛ كما قال تعالى: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بالحادٍ بِظُلْمٍ تُذِقَهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحج: 25]، فكل معصية الله الله هي نوع من الإلحاد، حتى أن بعضهم قال: إن الباء مقحمة؛ وعلى هذا فهو أخطر من ذلك بكثير.
لكن بما أن الإلحاد شاع اليوم بما ينافي الإسلام من إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ فإنَّنا سنركّز عليه إن شاء الله تعالى. (1/11)
صفحة 12
12
مدخل
والمقصود بالإنكار هنا هو ذلك الإنكار الذي يكون دون تأويل؛ لأن مَنْ أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة فإن كان فعل ذلك تأويلا، وكان هذا التأويل شبهة يصلح أن يتمسك بها؛ فإنَّها تَدْرَأُ عنه حكم الشرك، أو الردة عن الإسلام، وأما إنْ كانت الشبهة واهية أو لم يعتمد على شبهة مطلقا؛ فإنه يُحْكَمُ عليه بالشرك.
واعتماده على تلك الشبهة التي يجعلها تأويلا لا ذلك يعني بأنه محق؛ بل هو مبطل، ولكن ينتقل من حكم الشرك إلى الفسق والعياذ بالله، فهو فاسق وإن كان مسلما.
فهو ينتقل من الإسلام إلى الفسق ويُحْكَمُ عليه بذلك؛ لأن الله تعالى يقول: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32]؛ لأن المسائل القطعية، أو العِلْمِيَّة، أو الإيمانية، أو اليقينية حسب كلام أهل العلم في تسميتها ـ لا تحتمل الخلاف، ولا يجوز فيها الاجتهاد، والحق هو ما دل عليه دليله من الكتاب، أو السنة، بشرط أن يكون قطعي الثبوت قطعي
الدلالة.
وعلى هذا؛ فالحق ما دلّ عليه الدليل، ومَنْ خَالَفَ بلا تأويل فهو مشرك، وإن كان مع تأويل فهو فاسق، وحكى بعض أهل العلم الإجماع على ذلك. (1/12)
صفحة 13
مدخل
الالجابي
13
جهود سماحة شيخنا الخليلي في دفع الإلحاد:
هذه الظاهرة التي نتناولها، والتي نسعى إلى تشخيصها
بن
وعلاجها قد سبقنا إلى تناولها وعلاجها شيخنا العلامة أحمد حمد الخليلي ـ حفظه الله تعالى - المفتي العام للسلطنة، وقد قام بجهد كبير في هذا الموضوع. وليس هذا الجهد وليد اليوم، بل هو جهد أكثر من خمسين عاما بفضل الله تعالى؛ فقد قام بمحاربة الفكر الشيوعي، وكان يُنسق الجهود السلطات القائمة؛ لأجل القضاء على هذا مع الفكر معنويا وماديا؛ كما ذكر هذا الأمر في كتابه مصرع الإلحاد، وبين أن القضاء على هذا الفكر يكون بيدين: يد من ذهب، ويد من حديد، أي: بالترغيب والترهيب أو بالفكر والقوة، فهما يسيران معا؛ لأن الواجب عرض الحق على الناس ليكون ذلك حجة عليهم، فإنْ قَبِلُوا ذلك أصبحوا مسلمين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإن أصرُّوا على الباطل فقد جَنَوْا على أنفسهم،
ويجب حسم
مادة الشر.
تأريخ ظهور الإلحاد عمومًا:
عصى
وبالنسبة لتأريخ الإلحاد فهو قديم جديد؛ فمنذ أن. إبليس ربه تعالى ظهر الإلحاد؛ لأنَّه أبى واستكبر، كما قال الله تعالى: (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ) [البقرة: 34]، ثم دعا إلى (1/13)
صفحة 14
14 الالمخاري
مدخل
الشرك بالله الهم ومضى هذا الأمر القرون تلوا القرون مما
،
لا يعلم مداه إلا المولى، وانتشر في أمم كثيرة أشركت بالله، أو جحدت وجوده جَلَّ وَعَلَا.
لكن هذه الصورة، والتي عُرِفَتْ في هذا العصر بالإلحاد إنما تركزت في القرون المتأخرة، بل في القرن الماضي والذي قبله؛ فقد ظهر الإلحاد في أوروبا منذ بدايات الثورة الفرنسية؛ لأن أوروبا كانت تدين بالنصرانية، أو اليهودية في أغلبها، وإن كانت سابقا على الفكر اليوناني، ولا شك أنَّه كانت فيه الوثنية، وكان يوجد فيه بعض الموحدين أيضا.
ثم جاءت الدولة الرومانية، وكانت على الفكر الوثني، وعندما ظهر المسيح، وظهرت دعوته في أوروبا، وانتشرت، ودخل فيها قسطنطين العاهل الرومي إلى النصرانية، وأدْخَلَ فيها بدعة التثليث، وتأليه المسيح عيسى، وانتشر هذا الفكر في غالب أوروبا، وفي أتباع النصرانية بشكل عام إلا قليلا.
وظل هذا الأمر مستمرًا قرونا إلى أن جاءت الثورة الفكرية الفرنسية، وهناك بدأ التَّنَكُرُ للدين، وإنكار الحقائق الدينية، التي يدعو إليها الكتاب المقدس؛ سواء العهد القديم أو العهد الجديد، أي: الشق اليهودي، أو النصراني. (1/14)
صفحة 15
مدخل
10
فَظَهَرَ التَّنَكُرُ لحقائق الغيب وللدِّين، ثم تطور هذا الأمر إلى أن ظهرت الثورة البلشفية عام 1917 م، وهنا أُعلن عن قيام دولة تدين بالإلحاد، وهي الاتحاد السوفيتي، وكان من قبل قائما على الرأسمالية، وعلى العلمانية التي فيها نوع من التزاوج بين التنكرِ للدين، والاعتراف به على مضض؛ بحيث يُحْصَرُ في زاويةٍ ضَيِّقَةٍ من الحياة، أو بين جدران المعبد، أو الكنيسة، أو الدير، أو الكنيس كما يقولون، وبجعله علاقة خاصة بين العبد وربه وبعزله عن الحياة كلها.
لكن بقيام الاتحاد السوفيتي أُعلن عن الإلحاد رسميا، وأصبحت هذه الدولة تتوشع بنفوذها، وقوتها، وقهرها، وجبروتها.
وانتشر هذا الأمر في الصين الشعبية كذلك، وأُسسَتْ هنالك دولة تتبنى هذا الفكر، وكان أوج قوتها وبطشها أيام حكم ما و تسي تونغ، أما في الاتحاد السوفيتي فقد حَكَمَهَا لينين، ثم ستالين، ثم ميخائيل غورباتشوف، ثم غيرهم.
وهكذا توالوا على نشر هذا الفكر وانتشر هذا الأمر في طائفة من بلدان العالم ولكن بصور مختلفة؛ تارة بالفكر الإلحادي الظاهر، وتارة بالفكر الاشتراكي فيما يتعلق بالسياسة المالية، ولكن كان كله من منطلق الإلحاد. (1/15)
صفحة 16
16
مدخل
وظهر هذا الأمر أكثر في بعض الدول؛ مثل فرنسا، وغيرها. ووصل الأمر إلى بعض البلاد العربية التي تأثرت به وحَكَمَتْ هذه الأحزاب التي تنتمي إلى هذا الفكر البلاد العربية من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق؛ فقد مر على الجزائر، وتونس، وليبيا، وفترات في مصر أيضا أيام عبد الناصر، وكذلك وصل الأمر إلى سوريا عن طريق ما يُعْرَفُ بحزب البعث، وكذلك العراق وفي بعض الفترات في السودان أيضا، وفي اليمن، وهكذا، وإن كان على قَدْرٍ من التفاوت في بعض الأفكار السياسية بين هذه الأنظمة.
وقد قارب هذا الأمر أن ينحسر بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أيام ميخائيل غورباتشوف، وسقوط سور برلين في سنة 1989 م، وتفكك الاتحاد السوفيتي، وسيطرة الفكر الرأسمالي، أو العلماني الغربي الذي تقوده أمريكا.
وتخلت كثير من الأنظمة عن هذا الفكر إلا بقايا هنا وهناك؛ كما في أمريكا اللاتينية، وخاصة في كوبا أيام فيلد كاسترو، وكذلك في فنزويلا، وفي الصين إلى الآن، وإن كانت تُحاوِلُ الصين المزج بين النظامين وكذلك روسيا الاتحادية، التي هي وريثة الاتحاد السوفيتي، وبقي الأمر على هذا النحو، ولا ننسى كذلك كوريا الشمالية؛ فقد انحسر الأمر فيها إلا في
نطاق ضيق. (1/16)
صفحة 17
مدخل
الالا 17
17
ولكن في الآونة الأخيرة بدأ الأمر بالمعاودة، والعجيب أن
أنها
تقوم بنشره بعض الدول الغربيَّة التي كانت تحارب هذا الفكر من قبل، ومنها: أمريكا مثلا، وبعض المؤسسات التي تدعي دينية، خاصة في بلاد الإسلام؛ فهناك منظمات دينية عالمية،
كبعض مؤسسات التنصير، لكنَّها وراء بعض الحركات الإلحادية في البلاد الإسلامية الآن؛ لأنَّها تُريدُ قطع صلة المسلمين بدينهم الإسلام، ولو تخلوا عن الدين كله، وارتموا في أحضان الكفر والإلحاد والعياذ بالله تعالى؛ وذلك تمهيدا للسيطرة عليهم، وهناك مطامع سياسية واقتصادية وغيرها؛ مما يتطلب منا الآن الحديث عن هذا الموضوع بكل قوة.
مهد
وبدأ الأمر ينتشر في الجزيرة العربية، التي هي الإسلام، وكان هذا الفكر قبل سنين على ضعف وخَوَرٍ أيام ظهور الحداثة من فكر، أدونيس، ومن معه نهاية الستينات
والسبعينات من القرن المنصرم.
تأريخ ظهور الإلحاد في عمان خصوصًا:
بدأ ينتشر هذا الأمر في عمان، وتأثر به بعض الشباب تأثرا بالآخرين؛ نتيجة البعثات التي كانت تُرسل من عمان، سواء أكانت البعثات التي تُرسل إلى العراق حينها، أو إلى سوريا، أو إلى مصر في بعض الأحيان، أو كانت عن طريق (1/17)
صفحة 18
18
الاحتكاك باليمن، الذي كان متأثرًا بهذا الفكر، وأثر على بعض الشباب.
ونظرا إلى الشعارات التي كانت تُنَادِي بها الحركات الشيوعية كانت شعارات مؤثرة جذابة؛ فهي تدعو إلى العدالة الاجتماعية، وإلى التخلص من الاستعمار، وتُزَيِّنُ للشباب أن الفردوس المنشود إنما يكون بتطبيق الشيوعية، أو في شقها الاقتصادي المعروف بضد الرأسمالية، وهو الفكر الاشتراكي، وكذلك فيما يتعلق بالأدب؛ انتشر لذلك الفكر الحَدَاثِي.
أنَّ هؤلاء
ولكن هذا الفكر سرعان ما قُضِيَ عليه، وكان لشيخنا العلامة الخليلي ـ حفظه الله تعالى ـ مع مَنْ أعانه بتوفيق الله تعالى دور كبير في القضاء على هذا الفكر؛ حتى كانت لهم مجلة تُسمى الغدير وقد وصفها الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ بالغدير الجاف بعد أنْ قَطَعَ الله دابرها، وكان أتباعها ينشرون مقالاتهم فيها.
ثم جاء فكر بعد ذلك يُحَاوِلُ إحياء هذا الفكر المطموس؛ وذلك عن طريق ما يُعرفُ بالعقلانية، وبدأت تنتشر الآن، وأدَّى هذا الأمر إلى وقوع بعض أتباعه المسلمين، أو ممن ينتسب للمسلمين في الجزيرة العربية، وفي الخليج العربي إلى الوقوع في الإلحاد والعياذ بالله شيئًا فشيئًا؛ وذلك نتيجة التشكيك في (1/18)
صفحة 19
دخل
19
الالالي 19
الحقائق الغيبية والدينية بشكل عام، أو إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وخاصة نتيجة البعثات التي يُبتعث إليها هؤلاء، خاصة إلى أمريكا فهناك مَنْ يقوم باحتضانهم، ومحاولة
التأثير عليهم.
من جهود الغرب في نشر الإلحاد
وَأَذْكُرُ أنّي في زيارة إلى أمريكا التقيت في مركز إسلامي بأحد الإخوة المسلمين العرب من أصل شامي، فلما رآني قال:
من الخليج؟
قلت: نعم.
قال: أريدك في كلمة لو سمح
قلت له: تفضل.
فقال: رجاءً لا ترسلوا أحدًا من الطلبة للدراسة هنا،
فتعجبت!!
فقلت له: لماذا؟
فأخبرني ـ وذلك عن خبرة منه ـ بأنَّه لاحظ أن الطلبة الذين يُبْتَعَثُونَ خاصة من الخليج العربي أو الجزيرة العربية تُوَجّه إليهم جهود خاصة لتنصيرهم في بداية الأمر؛ وذلك عن طريق مصاحبتهم بدعوى تعليمهم الإنجليزية، وتبادل الثقافات، (1/19)
صفحة 20
مدخل
وتعريفهم بالثقافة الغربية الأمريكية؛ فيصطحبونهم إلى الملاهي، والملاعب، وصالات الخمار والقمار، ونحو ذلك، فإن يئسوا من تحويلهم إلى النصرانية شكَّكُوهم في الإسلام؛ حتى يُجَرِّدُوهم من الدين، والأخلاق.
وقد لاحظ تأثر طائفة من الشباب، من ذكور وإناث بهذا الأمر، ولذلك أَسَرُ إليَّ بهذه النصيحة؛ فهذا كله يدعونا إلى أن ننتبه إلى هذا الأمر.
وَأَذْكُرُ أنَّه في البلد عندنا قبل سنوات، حينما كنت أُلقي درسًا في جامع السلطان قابوس بإبرا، أتاني بعد الدرس أحد
الشباب.
قال: أريدك في كلمة خاصة، كما يقول العمانيون كلمة راس. فإذا به يُخبرني عن أحد أقاربه، ولعله كان من إخوانه، من
الطلبة الذين ذهبوا إلى أمريكا، ورجع ملحدا، والعياذ بالله. وفي الأسبوع التالي أو بعد أسبوعين، وبعد الدرس أيضا أتاني غيره، وأخبرني نفس الأمر.
وكما تلاحظ الآن أيضًا فيما يُكْتَبُ في التويتر، أو في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام من مواضيع تكشف لنا هذا الأمر.
فهذا
كله
خطير جدا.
يدفعنا للتركيز على هذا الموضوع؛ لأن الأمر (1/20)
صفحة 21
21
عظم خطر الإلحاد:
هؤلاء الذين يتساهلون مع الإلحاد لا يعرفون أثره كما ذكر شيخنا الخليلي، وغيره؛ فقد نَقَلَ سماحته عن الشيخ محمد الغزالي من كتابه الإسلام في وجه الزحف الأحمر الكثير من الفضائح التي ارتكبها الشيوعيون حين تسلطوا في
مجازر.
الأرض من
وكذا نَقَلَ عن الأستاذ عبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني في كتابه الكيد الأحمر الكثير من المواقف التي سجلها التأريخ، وما أُسيل فيها من الدماء، وما هُتِكَ من الأعراض، وما انتُهِكَ
من المقدسات.
مجزرة شعب الإيجور المسلم:
ومن جملة ذلك ما حَدَثَ في الصين أيام حكم الطاغية ماو تسي تونغ؛ حيث قتل ستة وعشرين مليون نسمة من شعب الإيجور المسلمين بمجرد أنَّهم مسلمون، واعتبرهم أعداء للثورة، وأنهم لا يستحقون الحياة، وهذا الأمر مُقَنَّنٌ في هذه الأنظمة، كما هو مذكور في أحد قرارات الاتحاد السوفيتي منذ أيام لينين، ثم أيام ستالين.
وأظن كما في المادة سبعة وخمسين، والمادة مئة واثنتين وعشرين؛ حيث يُجَرِّمُ الانتماء لأيّ دِين ويُعْتَبَرُ اقتناء أي كتاب (1/21)
صفحة 22
22
الالحان
مدخل
مقدس جريمة؛ وقتل بسبب ذلك الكثير من أئمة المساجد، ومن المسلمين الملتزمين بعبادتهم فيها، وهُدِّمَتِ المدارس، وهُجْرَ
المسلمون بالملايين إلى سيبيريا؛ حيث القطب المتجمد الشمالي، ومات الملايين من الناس جوعا وعطشا وبردًا، فضلا عن الذين قتلوا وهم يدافعون عن أوطانهم؛ حتى لا تتسلط عليهم قوَى الاتحاد السوفيتي إبانها، وغيرها من القوى الظالمة، فهنالك الكثير من المآسي.
هيثم
حتى أن بعضهم حاول أن يحصر العدد الإجمالي؛ فذكر طلعت كما نَقَلَ عنه شيخنا الخليلي ـ حفظه الله تعالى - حينما تحدث عن التأريخ الأسود - كما يقال ـ للشيوعية في كتاب له: الإلحاد يسمم كل شيء بأنّ هؤلاء الضحايا وصلوا في القرن المنصرم إلى نحو مئة مليون نسمة على مستوى
العالم!!
وعندما ذَكَرَ شيخنا الخليلي هذا الرقم في مصرع الإلحاد
قال: بأن الرقم قد يكون أكبر من ذلك بكثير.
عاقبة التساهل مع هذا الفكر:
ماذا سيبقى إذا تسوهل مع مثل هذا الفكر؟!
بلا شك، لا تبقى نفوس، ولا تبقى أعراض، ولا تبقى (1/22)
صفحة 23
مدخل
23
مقدسات، ولا يبقى شيء للإنسانية، وإنما تسعى هذه الأفكار،
وهذه الأنظمة التي تتبناها إلى محق الإنسان مطلقا.
ويبلغ بها الأمر أن تفتك بنفسها؛ فالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله، هكذا أتباع الشياطين؛ فستالين أصدر قرارًا بتطهير الحزب، فقضى على أقرب مقربيه ممن كانوا أشد منه في الإلحاد والعياذ بالله، ولكنه كان يتوجس منهم خيفة؛ حتى لا يعارضوه السلطة، فأصبح يقضي عليهم، وهكذا الأنظمة؛ كما ذكر شيخنا الخليلي، يقول: كُنَّا نُتَابِعُها ونشعر بهذا حين يأتي حزب، أو فئة؛ لتقضي على مَنْ تقدَّمَهَا، وهكذا كل فصيل يحاول الإطاحة بغيره، قال تعالى: (وَكَذَالِكَ نُوَلّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأنعام: 129]، فنسأل الله العافية.
وللأسف هناك من يحاول التساهل مع هؤلاء بدعوى الحرية، وهذا فكر خطير جدا؛ لأنَّه يعني: فقد الغيرة على الدِّينِ، والانسلاخ من الحياء، والتهاون والتحقير لما عَظْمَهُ الله تعالى؛ لأن الله تعالى عَظْم شعائره فقال: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِمْ شَعَرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: 32].
لكن أنصار هذا الفكر الذين يدَّعُون الْمَدَنِيَّةَ، والتَّطور، والانفتاح، والتسامح لا يُبَالُونَ أنْ يُقْدَحَ فِي الذَّات العليَّة، وأَنْ تُنْتَهَكَ حرمة رسول الله، وأنْ يُدَنَّسَ القرآن، ويريدون إضفاء (1/23)
صفحة 24
24 الالحان
مدخل
الشرعية على مَنْ يفعل ذلك باسم الحرية، وتعدد الآراء
وحرية التعبير.
ولكن هل يرضى أحدهم إذا انتهكت حرمته؟!
هل يرضى أن تُشْتَمَ أمه وأبوه؟!
هل يرضى أو يَسْكُتَ إذا اعتُدِي على وطنه؟!
هل يرضى إذا اعتُدِيَ على رأس السلطة التي ينتمي من سلطان، أو ملك أو أمير، أو رئيس، أو غير ذلك؟!
إنَّه لا يرضى بذلك.
فلماذا
إليها؛
يرضى إذن أن تُنْتَهَكَ حرمة الله تعالى؟! أو يُسْخَرَ من
أحكامه، ويُسْتَهْزَاً بها؟!
فهذا الضعف والخَوَرَ من أسباب انتشار هذا الفكر واستقواء أهله، وبعد ذلك لا يلومَنَّ أحد إلا نفسه حين يطغى عليهم هذا الفكر.
وقد ذكر شيخنا الخليلي - حفظه الله تعالى ـ قصة بعض
أنَّ
الناس ممن التقى بهم، وذكر ذلك في كتابه مصرع الإلحاد: ذلك الشخص كان يُنَادِي بإشاعة هذا الفكر، وكان متحمسًا جدا
في
لذلك، وهذا إيَّان شبابه ولكن بعد أن حَدَثَ ما حَدَثَ بعض البلاد الأخرى تراجع عن هذا الأمر، وحمد الله وعن أنَّ (1/24)
صفحة 25
مدخل
هذا الفكر لم ينتشر، وإلا لسالت الدماء أنهارًا؛ لأن هؤلاء متعطشون للدماء بشكل لا يُتَصَوَّرُ، فآلتهم القمع والإرهاب، ولا يُبَالُونَ بحرمة الإنسان.
كما نَقَلَ شيخنا الخليلي - عن هيثم طلعت ـ في كتابه مصرع الإلحاد؛ عندما تحدث عن شي جيفارا الذي أسس هذا الفكر، ونَشَرَهُ في أمريكا الجنوبية، وهو أرجنتيني الأصل، ولكنه قاتل مع الجيش الكوبي، وأسَّسَ الدولة الشّيوعية في كوبا حتى تولّى الأمر فليل كاسترو، وتولى هو بعض المناصب.
ثم تولى ذلك كله، وأصبح ينتقل من بلد إلى بلد؛ للقتال في صفوف أتباع هذا الفكر الشيوعي، ويُقال: إنه كان في الجزائر، ووصل به الأمر إلى أوغندا، وكان بصحبة اثني عشر من أصحابه، فَقَتَلَ ستة منهم، ثم هرب من هناك، واعترف بأن الأوغنديين
أفشلوا الثورة، وهرب بمن معه.
أعظم ذنب وأعظم معصية:
وقد اعترف هؤلاء بتعطشهم للدماء، وعلى عدم مبالاتهم بحرمة الإنسان؛ وهذا الأمر يدفعنا إلى أنْ نُوَاجة هذا الفكر بكل عن كونه معصية الله تعالى، وفضلا عن كونه أعظم
قوة، فضلا
ذنب، فإن أعظم ذنب هو الكفر بالله الله، وتَوَعْدَ الله تعالى أهله (1/25)
صفحة 26
مدخل
بالعذاب الوبيل في الدنيا والآخرة؛ فقد قال سبحانه: {أُولَتِكَ عَلَيْهِمْ لَعَنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [البقرة: 161]، وقال: {وَسل مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ وَالِهَةً يُعْبَدُونَ) [الزخرف: 45].
ابنا الله وحينما جعل النصارى المسيح عيسى ابن مريم تعالى، واتخذوه شريكًا، وجعلوا أُمَّهُ أيضا كذلك رد الله تعالى عليهم ردًا شديدًا؛ فقال سبحانه: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَا نَ تَكَادُ السمواتُ يَنْفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَذَا أَن دَعَوْا للرحمن ولَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا عَانِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدا) وَكُلُهُمْ وَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْدًا) [مريم: 89 - 95].
فَلَئِنْ كان هذا شأن مَنْ جَعَلَ الله تعالى شريكًا، أو اتَّخَذَ له ولدا، فما شأن مَنْ يُنْكِرُ وجوده الله مطلقا؟! إن هذا لشيء عظيم، قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ
ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَهُ، وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) [المائدة: 17].
والله تعالى قد ذَكَرَ في كتابه أنه أهلك أقواما؛ لأنَّهم كذَّبوا برسلهم، أو كذبوا باليوم الآخر، أو شَكُوا في وجود الله، أو أَنْكَرُوا شيئًا مما كانوا يُدْعَوْنَ إليه من العدل في المجتمع، أو أنهم مارسوا الرذيلة؛ فأهلكهم، ولم يبق لهم أثر، فماذا يَتَصَوَّرُ (1/26)
صفحة 27
مدخل
هؤلاء الذي يُعلنون الكفر الصريح والعياذ بالله تعالى، ويتجاوزون حدود الله؟! فهؤلاء إنما يستنزلون غضب الله تعالى وسخطه، والله تعالى يقول: {وَاتَّقُوا فِتْنَةٌ لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَةٌ
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 25].
فمن هنا أُعْلِنُ براءتي مِنْ هؤلاء، وهكذا يصنع كل مسلم؛ حتى لا يكون في ركاب الظالمين وأعوانهم، ونسأل الله تعالى أن
يُسَلَّمَنَا من شرورهم. (1/27)
صفحة 28
[صفحة فارغة] (1/28)
صفحة 29
29
المحور الأول:
أسباب الوقوع في الإلحاد
ذِكْرُ أسباب الوقوع في الإلحاد لا نعني بها أبدا تسويغ الإلحاد، أي تسويغ الوقوع فيه؛ فإنَّه لا يُعذَرُ الإنسان أبدا في الكفر بالله تعالى؛ سواء أكان تكذيبًا، أو شكا، أو جهلا بعد قيام الحجة بذلك طرفة عين، فهذا ضلال كبير.
وإنما نذكر هذه الأسباب؛ لأن النفس الأمارة بالسوء تتَّخذها مطية لإيقاع صاحبها فيه، أو أن الشيطان يتَّخذُها منفذا للولوج إلى
أصحاب هذا المرض والعياذ بالله تعالى؛ فيكفرون بالله جَلَّ وَعَلَا. فكأنها ظروف محيطةٌ، أو أسباب داخلية، أو أهداف بعيدة، إلا أنها كلها تدفع بعض ضعفاء النفوس للوقوع في الإلحاد والعياذ بالله تعالى.
تماما مثل ما يُحدِثُهُ التبرج والعياذ بالله؛ فهو يدفع بعض ضعفاء النفوس؛ للاعتداء على النساء المتبرجات، أو الزنا بهن، فهذا الزاني لا يُعذَرُ والعياذ بالله تعالى؛ لأنه يفعل ذلك عن إرادته، ولكن لا شك أنَّ التَّبَرُّجَ كان من ضمن أسباب التهييج، التي دفعته للقيام بجريمته. (1/29)
صفحة 30
الالحان
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
وهكذا مثلا الغضب، أو الرغبة في الانتقام؛ فقد يدفَعُ صاحبَهُ لقتل مَنْ أساء إليه، أو تَسَبْبَ في غضبه، ولكن مع ذلك لا يُعْذَرُ فاعل ذلك من العقاب المادي والمعنوي.
وهكذا الشأن في المال السائب؛ فكما يُقالُ: أَنَّه يُعَلِّمُ الشرقةَ، إلا أن ذلك لا يعني إباحة أن تمتد يد أحدٍ إلى مالِ غيره، وهو يعلم ذلك؛ لأخذه بدون إذن صاحبه، ولكن هذا المال المعروض من غير حرز قد يُهَيّج بعض النفوس المريضة للقيام بجرائمهم.
ولذلك نحن هنا نذكر الأسباب التي قد تؤدّي، ويتخذها البعض مطية للوقوع في هذا الخطر العظيم والعياذ بالله، وهي
كما يلي:
السبب الأول: الغرور
فكثيرٌ ممَّن يقعون في الإلحاد إنما يقعون فيه بسبب الغرور والإعجاب بالنفس والعياذ بالله، وهذا مرض خطير يؤدي إلى معاص كثيرة لا تكاد أن تقف عند حد؛ لأن صاحبها يستعظم النعمة، ويدفعه ذلك إلى إنكار فضل المنعم بها، أو نسيان حق المنعم بها، وهو المولى.
والغرور على أنواع كثيرة، وله أسباب كثيرة؛ فقد يكون في العبادة، وقد يكون في العلم، وقد يكون في المال، وقد يكون في (1/30)
صفحة 31
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
النسب، وقد يكون في الجمال، وقد يكون في قوة البدن، وقد يكون في كثرة الأتباع، وقد يكون في الْمُلْكِ، أو في الرأي، وغير ذلك من الأسباب الأخرى.
وقد تَوَعَدَ الله هؤلاء بالعذاب الوبيل في كتابه العزيز، مما لا مجال لذكره الآن.
فبعض مَنْ وقع في الإعجاب بنفسه وبرأيه اعْتَبَرَ رأيه مُقَدِّما على كتاب الله وعلى الوحي، أو على رسوله؛ فيرى أن هذا العصر مثلا لا يُنَاسِبُهُ تطبيق الحدود الشرعية، أو أن النظام المعاصر الآن لا يقبل تحريم الربا؛ لأنه أصبح ضرورة يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
ويرى أن العلاقات الاجتماعية يجب أن يكون فيها انفتاح وحرية، فلا مانع من ممارسة العلاقات الجنسية بين غير المتزوجين؛ لأنَّ ذلك يؤدّي إلى تهذيب الغريزة الجنسية، فيُقَدِّمُ رأيه الذي هو عبارة عن هوى - والعياذ بالله تعالى ـ على أحكام الله، وعلى الأحكام التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم مما ثبت قطعا بالدليل؛ فهذا من الغرور
وبعض الناس وقَعُوا في الإلحاد أيضا بسبب اغترارهم بالدنيا، وميلهم إليها، وركونهم إلى شهواتها، وكأنهم مُخَلَّدُون فيها؛ فبسبب ذلك مضوا في شهواتهم، ودفعهم ذلك إلى إنكار حقوق الآخرين، أو الاعتداء على أعراضهم. (1/31)
صفحة 32
الالحالي
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
أنَّ
ليس بمجرد فعل، بل بتبني فكر يؤدي إلى إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وليس بمجرد انتهاك ـ مع الانتهاك عظيم، وهو كبيرة من الكبائر، وإنما انتها مع اعتراف
بحرمة ذلك الشيء فيما يُعْرَفُ في العُرف الشرعي بالْمُحَرَّمِ. فهؤلاء يستحلون ذلك دون أن يكون لهم تأويل، فيعتبرون الربا فائدة لجمع المال، ويعتبرون الزنا حبا؛ لأجل تحقيق مآربهم في الشهوات الجنسية، ويعتبرون الخمر مشروبات روحية؛ لأجل الاستمتاع، والترويح عن النفس، وربما استحلوا المخدرات أيضا، وهكذا، فميلهم إلى الدنيا، وحطامها دفعهم
إلى الإلحاد.
وربما يغتر البعض بسلطته وقوته فيقع في الإلحاد؛ كما يُذْكَرُ عن بعض من آذى الدعاة والمصلحين فيما يذكرونه في مذكراتهم، حينما دوّنُوا بعض معاناتهم في السجون إبَّانَ الأحكام الجائرة الظالمة، التي حَكَمَ بها عليهم القائمون على السلطة حينها في بلدانهم، ممن ينتمون إلى هذا الفكر الشيوعي، فكان بعضهم بسبب نشوته في السلطة، أو تسلطه، وكأنه بلغ حدا يتصور إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون وليس هناك مَنْ يمنعُه.
نفسه
فأدى به الأمر إلى أن يقول للسجين من الدعاة، أو العلماء: انت بالله الذي تعبده أو تحتمي إليه أضعه في السجن، أو. الزنزانة هنا!! (1/32)
صفحة 33
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
33
إلى هذا الحد بلغ ببعضهم الوقاحة، وهم في الأصل بأسماء إسلامية، ولكن السلطة والغرور دفعتهم إلى ذلك؛ حتى يتمردوا على كتاب الله تعالى، وينتهكوا المقدسات؛ فالغرور من أكبر أسباب الوقوع في الإلحاد بأي صورة كانت.
السببُ الثَّاني: الجهلُ:
سواء كان جهلا بحقيقة الدين الذي أنزله الله تعالى، أو كان جهلًا بمآلات الفكر الشيوعي نفسه؛ فربما بسبب تشويه صورة الدِّينِ من قبل بعض وسائل الإعلام، أو بسبب المتزينين بالدين ـ وهم ليسوا كذلك في الحقيقة - يتأثر بهم بعض الناس الذين لا علم لهم بشرع الله تعالى، أي بحقيقة الدين، فيقولون: إن كان الدين بهذه الصورة فنحن لا نريد شيئًا من هذا الدِّينِ، أو يُعْلِنُوا الكفر بالله ول. وفعلا هذا واقع؛ فلقد التقيت ببعض الشباب من سوريا،
وبعضهم من العراق، وكان ذلك في تركيا في إحدى الزيارات، وكلُّ واحدٍ منهم منفردًا أخبرني بهذه التجربة؛ وذلك بسبب ما يقع لديهم منذ سنين من تظاهر بعض الناس بالتَّدَين، وهم يُفَجِّرُون المساجد، أو الناس في المجتمع، ويعتبرون ذلك قُرْبَةً إلى الله تعالى؛ لأنَّهم يُكَفِّرُون المجتمع بسبب أنه لم يتبع الفكر عليه، فَشَوَّهُوا الدِّينَ بتصرفاتهم، وهم مع ذلك ربما
الذي هم يخطبون في المساجد، ويأمون الناس في الصلاة؛ فيقع الناس العوام في اضطراب شديد. (1/33)
صفحة 34
34
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
فهم من جهةٍ يتصوَّرُون الدِّينَ على غير هذا النحو، ولكن ليس لديهم علم حقيقي بالدين، وأولئك الذين يمسكون بزمام الأمر خطباء وأئمةٌ، ويقومون بنشر هذه الأفكار، وتسويغها؛ فأصيبوا بانفصام شديد فاندفعوا إلى إنكار الدين، أو الكفر بالله تعالى، ولكن أُتُوا أيضا من قبل جهلهم، وقد
يكون الأمر - كما قلت - بسبب الجهل بمآلات الفكر الشيوعي هذا.
والإلحاد كما ذكر شيخنا الخليلي - حفظه الله تعالى ـ عن بعض الناس الذين كانوا يؤيدون الفكر الشيوعي الإلحادي، أو الحركة الشيوعية: أنَّهم كانوا يتصورونه الفردوس المفقود قبل أن تنكشف لهم الحقيقة، ثم حمدوا الله تعالى بعد ذلك أن لم تنتشر هذه الأفكار، خاصة بعدما رأوا ما حَدَثَ في بلدان كثيرة؛ من سيلان الدماء، وانتهاك الأعراض، وظهور الفتن، والحروب الأهلية، وانتشار الفقر، على خلاف ما كان
الآفاق،
يُدْعَى. وقد يكون الجهل أيضًا بآيات الله تعالى؛ فالبعض من الناس لا يفتح عينيه على آيات الله تعالى في نفسه، وفي فلا يُبْصِرُ هذه الآيات كي تدخل إلى قلبه فيؤمن بالله تعالى ويعظمه، ويوحده، ويحبه ويشكره على نعمائه، ويندفع إلى عبادته، فهو للأسف الشديد يجهل هذه الآيات، أو يتجاهلها (1/34)
صفحة 35
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
الالحالي 35
مع وضوحها، مع أن الله تعالى قال: سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ) [فصلت: 53] وقال: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [يونس: 101]. وقال سبحانه: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]، وقال جَلَّ وَعَلَا: هو إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ
المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]. لكن ماذا تصنع بأناس صُمّ بكم عمي فهم لا يعقلون، أو صم بكم عمي فهم لا يرجعون، {إِنَّ شَرَّ الدَّوَاتِ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ البكمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22]؛ كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لجهنم كثيرا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يبصرونَ بِهَا وَلَهُمْ أَذَانُ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أَوَلَكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَيكَ هُمُ الْغَفِلُونَ} [الأعراف: 179].
فهؤلاء الذين غفلوا عن هذه الآيات وقعوا في هذا الأمر والعياذ بالله، ونَتَأَسَّفُ لبعض الناس الذين لديهم العقول الكبيرة الواسعة فيما يتعلق بالعلوم التجريبية، ولكنهم مع ذلك يرتضون أن يقعوا في براثن الإلحاد والعياذ بالله، ويكرعوا من مستنقعاته، أما كان لهم آية في تخصصاتهم؛ فيدفعهم علمهم إلى الإيمان بالله تعالى كما صنع غيرهم؟! (1/35)
صفحة 36
36
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
وقد نَقَلَ شيخنا الخليلي - حفظه الله تعالى ـ من كتاب الله يتجلى في عصر العلم، وشمس الإسلام تشرق من الغرب من جديد في كتابه برهان الحق الكثير من الشهادات العلمية لأصحاب التخصصات المختلفة، ومن خلال تخصصاتهم يُثْبِتُونَ وجود الله تعالى، وعظمته، ويعلن طائفة منهم إيمانهم بالله الله، عن تذلل وانكسار الله الخالق العظيم.
وكذلك أيضا البعض بسبب جهله بالتأريخ وعِبَرِهِ يقع في مثل هذا المحذور، ويقع في الإلحاد والعياذ بالله حين يغتر، أو لا يَقْدِرُ الأمور قدرها، أو يتصوَّرُ أنَّ الله تعالى لا يُعَذِّبُه، أو لا يهلكه؛ فيغتر بحلم الله الا الله مع أن الله تعالى يقول: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَيْفلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ)
[إبراهيم: 42].
فيرتكب المعاصي التي هي بريد الكفر، وربما يرتكب الإلحاد نفسه، وكأنه ينتظر أن تنزل عليه صاعقة، وهو أحمق، ولو نزلت عليه صاعقة لما قام بعدها، ولكنه يغتر بحلم الله تعالى، مع أنَّ الله تعالى يريد بالعباد خيرا؛ كما قال سبحانه: {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّن
الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: 21]. وقد يُنْزِلُ عليهم عذابًا من عنده يتألمون بسببه، ولكن هذا العذاب منطو على نعمة وخير وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ} [البقرة: 216]، فيؤمن الناس العقلاء بالله الله، ويرجعون (1/36)
صفحة 37
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
الالاري
37
عن غيهم، ويثوبون إلى رشدهم ومن نجى منهم يعتبر بمصير الهالكين.
ولكن البعض للأسف لا يزالون يُصِرُّونَ على باطلهم وظلمهم، فينزل عليه عقاب الله تعالى بعد ذلك، وربما يندموا ولات ساعة مندم؛ كما صنع فرعون حيث قال تعالى: {حَتَّى إذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نجيك يبدينِكَ لِتَكُون لِمَنْ خَلْفَكَ وَايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَنَا
تغفِلُونَ} [يونس: 90 - 92].
السبب الثالثُ: كفر النعمة:
فبعض الناس لا يشكرون نعمة الله تعالى، وحين يُبتَلُون لا يصبرون على الابتلاء، وقد يُبْتَلَوْنَ بأشياء كثيرة؛ منها الفقر، ومنها المرض، ومنها فقد الأحبة بأي وجه من الوجوه فلا يصبرون، ويبلغ بهم الأمر إلى الوقوع في الإلحاد والعياذ بالله تعالى.
وقد ذكر شيخنا الخليلي - حفظه الله تعالى ـ عن بعض الكتاب الغربيين، وهو بول فيتز، حينما تكلم عن الأسباب النفسية التي تدعو إلى الإلحاد أنَّهُ أثبت بالدراسات أن كثيرًا من رموز الإلحاد كانوا منطوين على أمراض نفسية، وأن حياتهم (1/37)
صفحة 38
الالحان
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
الاجتماعية التي عاشوها كانت من ضمن المؤثرات الكبيرة لتحولهم إلى هذا الفكر الإلحادي وإن كانوا من قبل نشأوا على الديانة اليهودية، أو النصرانية، أو على الأقل كانوا يعترفون بوجود إله وخالق لهذا الكون.
ولكن بسبب الحرمان، وبسبب سوء المعاملة من قبل الوالدين، أو أحدهما، أو بسبب الفقر، أو بسبب المرض، أو العاهة التي أصيب بها بعضهم وقعوا والعياذ بالله في القنوط، وكأنهم يريدون - وأستغفر الله ـ معاقبة هذا الإله بإنكار وجوده، أو التمرد عليه وإعلان مخالفته أو أنّهم ينضمون إلى أعدائه من الشياطين، وهم رضوا لأنفسهم هذه المنزلة، ولم يتحملُوا شدة البلاء الذي أنزله الله تعالى؛ لحكمة يعلمها الله ليميز الخبيث من الطيب.
وَذَكَرَ طائفة من الأسماء، ورموز هذا الفكر الذين كانوا على هذا النحو؛ من أمثال بول سارتر و برنتات، رسل، وبلوتير، وغيرهم.
السبب الرابع: كيد الأعداء:
وهذا الأمر ليس وليد الساعة، وإنما يسعى إليه الأعداء، خاصة في الأمة الإسلامية؛ فمنذ ظهور الإسلام هم يكيدون لهم، فقد كَادَ له الوثنيون من عرب، قريش و كَادَ له اليهود، وكاد له النصارى، واستمر هذا الأمر إلى يومنا هذا، ولا يزال. (1/38)
صفحة 39
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
39
الالاي 39
وهذه سُنَّةُ الله تعالى في خلقه أن جعل الصراع بين الحق والباطل مستمرًا إلى أن تقوم الساعة وفي هذا ما يدفع المؤمنين إلى التمسك بدينهم، وإلى مُنَاوَاةِ هؤلاء المجرمين؛ فَوَرَاءَ هذا الكيد دُوَل، وليس الأمر سرا؛ فهناك أنظمة تقوم بذلك، وهناك جمعيات تقوم بذلك، وهناك أفراد معروفة أيضا من الدول التي تقوم بذلك، من نحو الاتحاد السوفيتي، وكانت تمد المتأثرين بالفكر الشيوعي بالمال، والسلاح، والخبرة.
وقد ذكر شيخنا الخليلي - حفظه الله تعالى ـ لقاءه لبعض الإخوة من اليمن حين زار اليمن عام 1423 هـ، ذكر أن هؤلاء أخبروه كثيرًا عن تأريخ الشُّيوعية، أو الماركسية في اليمن، وعن دورها في اضطهاد الناس وأنَّ الناس كانوا يُؤخذون بعدما يخرجون من المساجد، بعد أنْ يُصَلُّوا الله تعالى؛ ليربطوا بالحبال
إلى سيارات، ثمَّ يُجَرُّون في تلك الوديان؛ ليرتطموا بالحجارة، والصخور، والأتربة!!
حتى
هكذا رؤوسهم تتدحرج يمنة ويسرة، تسحبها السيارات، ويتبعهم الجنود؛ ليضربوهم على رؤوسهم بأعقاب بنادقهم؛. يلفظوا أنفاسهم الأخيرة، لمجرد أنهم أدوا الصلاة في المسجد. ويذكرون أن وراء هؤلاء مستشارين من الاتحاد السوفيتي، ومن كوبا، ومن غيرها يمدونهم بآرائهم في عدن، وفي غيرها، وكانوا يتولون تنظيم شؤون الدولة، وتنظيم الجيش، ولا يصدرون (1/39)
صفحة 40
الالحان
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
في أمر إلا عن رأيهم، ومشورتهم، وإذنهم؛ بسبب التبعية المطلقة لهم، والولاء الأعمى.
وهذا ليس سرا؛ لأنهم كانوا يمدون الثورة في الجزائر أيضا، وفي غيرها من البلاد العربية والإسلامية وما زالوا ينشرون الإلحاد إلى
يومنا هذا، وذلك بصور كثيرة، وإن انطوت حقبة الاتحاد السوفيتي. والبلاد الغربية تتولى هذا الأمر الآن، ولكن ليس باسم الإلحاد، وإنما باسم العلمانية، وبأسماء أخرى براقة؛ كالحرية، ونحوها، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
وكذلك هناك المنظمات الماسونية العالمية، والصهيونية التي وراء هذا الشر؛ وذلك لأجل قطع صلة المسلمين بالإسلام، ولأجل تدمير أخلاق المسلمين ولأجل تفريق شملهم، ولأجل إضعافهم سياسيا، واقتصاديا واجتماعيا وعلميا وثقافيا، وحضاريا بشكل عام؛ تمهيدًا للاستيلاء على فلسطين كلها، وبناء
دولتهم، وإقامة هيكلهم المزعوم، ونحو ذلك من الأمور.
كما يُعْلَمُ ذلك ممَّا نُشِرَ فيما يُعْرَفُ ببروتوكولات حكماء صهيون، وكما صرحوا ببعض هذه الأهداف في مؤتمر بال بسويسرا، الذي عُقِدَ سنة 1897 م بقيادة تيودور هرتزل اليهودي النمساوي، وهناك اتفقوا على إقامة الدولة الصهيونية في فلسطين بعد 50 خمسين عاما، فأسَّسُوهَا سنة 1947 م، فهؤلاء يمضون على
مخططهم، ولم يتوقفوا؛ ولذلك تَوَلُّوْا نشر الفكر الدارويني. (1/40)
صفحة 41
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
الالماني 41
وقد صرح غير واحد من الباحثين بأن الماسونية العالمية تَوَلَّتْ نشر فكر داروين في قضية النشوء والارتقاء؛ باعتبار أصل الإنسان قردا، أي حيوانا؛ لأنَّ الحيوان غير محاسب، ولأن الحيوان يغلب عليه طبع الشهوة الجنسية، وشهوة الغضب، والاستمتاع بهذه الحياة الدنيا دون قيود.
فيريدون أن يغرسوا هذه الفكرة في الناس؛ ليفعل الإنسان ما يريد، ولأجل التمييز، ونشر فكر الطبقية بين شعوب العالم؛ لسد ما يُعْرَفُ بالانتخاب الطبعي أو التطور، أي: الفكرة التي
يقول بها داروين؛ ليعتبروا أنفسهم هم الأرقى.
وهذا ما اعتمد عليه موسوليني في الفكر الفاشي في إيطاليا، وكذلك أدولف هتلر في الفكر النازي في ألمانيا، وغير هؤلاء اعتمدوا على هذه النظرية كذلك؛ للقضاء على غيرهم من بني البشر، وأنهم لا يستحقون الحياة.
فإذن هؤلاء يفعلون، ويتحرَّكُون، وكذلك المنظمات التنصيرية تتظاهر أمام العالم بأنَّها تود المشاركة في مؤتمرات لحوار الأديان، والتسامح، وكذا ولست أقول: بأن كل النصارى يفعلون هذا، ولكن مما هو معلوم تورط طائفة من المنظمات التنصيرية على مستوى العالم بذلك، ولها جهود خطيرة جدا من وراء الستار؛ لأجل نشر الإلحاد في البلاد الإسلامية، ولأجل التشكيك في الدين. (1/41)
صفحة 42
42
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
والتركيز الآن حاصل في الجزيرة العربية، وفي بلاد الخليج العربي؛ لأنها مهد الإسلام، ولأجل مصالح أخرى سياسية، واقتصادية واجتماعية وثقافية وحضارية، بشكل عام، وهذا أمر معروف لمن دَرَسَهُ.
وقد بحث الكاتب الدكتور سليمان الحسيني الحملات التنصيرية في كتابه الحملات التنصيرية إلى عُمان هذا الأمر، وأدرك بالوقائع والوثائق جهود هؤلاء في منطقة نائية في الجزيرة العربية، وهي عمان ومع أنَّهُم لم ينجحوا إلا أنهم لم يستسلموا أيضا.
وأحد قادتهم الكبار، وهو زويمر، الذي كان يتولى رئاسة الحملات التنصيرية في القرن الميلادي المنصرم، أو القرن الهجري المنصرم كان يُصَرِّحُ بهذا، بأنه: ليس من هدف المستنصرين إدخال مسلم في النصرانية؛ فإنَّ في ذلك تشريفا له وتكريما، وإنما هو في إخراج المسلم من إسلامه؛ فيترتب على ذلك قطع صلته بالأخلاق، التي تقوم عليها الحضارة؛ إذ إنَّه يكون مخلوقا لا صلة له بالله تعالى.
فهذا ما يقوله زويمر، وهذا ما يسعون إليه الآن، ولهم حَرَاكٌ كبير للأسف الشديد في الجامعات والكليات والمدارس، ولهم وسائل مختلفة أيضا. (1/42)
صفحة 43
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
الالحاني 43
وكذلك البوذية تتحرك الآن لنشر أفكارها الوثنية، وهذا إلحاد بلا شك؛ وذلك عن طريق نشر الفكر النَّباتي، ونشر الفكر
الروحي والطاقي، ولكن بمسميات مختلفة.
طبعا لَسْتُ ضد استعمال المرء حِمْيَةً نباتية في فترة من الفترات؛ فهذا قد يكون صحيا تارة، ولكن مع عدم تحريم ما أحل الله من أكل ذوات اللحوم من الأنعام، فهؤلاء ينشرون فكرهم الآن، ولا يقتصرون على بلاد الإسلام؛ فهذا الفكر أصبح شائعا في أمريكا وأوروبا، وأصبح يغزو تلك البلاد، ويشتكي منه النصارى المتدينون.
وقد بدأ يسري في بلاد الإسلام تحت أسماء براقة، فنحن وإنْ كُنَّا الفكر الروحي والطاقي من جهة معينة بِقَدَرٍ؛ لأنَّ هذه حقيقة قائمة على فكر متوازن في ذلك، فلا إفراط ولا تفريط، ولكن نقول: يجب الحذر أيضا؛ لأنَّ هناك بعض الممارسات تنطوي على شرك بالله الله، وقد تخفى على بعض من أخذ يدخل في هذه البرامج، أو الدورات دون أن يدري، وفيه تعامل مع الشياطين وعبادة للشيطان، وعبادة للشمس والعياذ بالله تعالى.
وكذلك الفكر الهندوسي حيث برز بقوة الآن، وذلك فيما يحدث من تعصب هندوسي في الهند، وظهور بعض الأحزاب (1/43)
صفحة 44
44
الالحالي
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
اليمينية، والتي وصلت إلى السلطة، ولديها أفكار متطرفة ضد الإسلام، وتقوم بممارسات قمعية ضد المسلمين، وقصة مسجد بابري، وانتهاك حرمته والاستيلاء عليه ومحاولة هدمه وبعد ذلك عن طريق المحكمة.
والآن ظهرت هذه الحقائق، فضلا عن قانون الجنسية الذي تظاهر ضده المسلمون، ورأوا أبعاده الخطيرة من تجريدهم من الجنسية المحلية في بلادهم؛ تمهيدًا لطردهم، واعتبارهم غير مواطنين؛ لتخلق البلاد للهندوس.
فهذه ممارسات خطيرة جدا، وهناك تعاون بين أصحاب الأفكار الهندوسية والماسونية والصهيونية العالمية والمؤسسات التنصيرية، وكلُّ ذلك لمحاربة الإسلام، وإن كانوا يُعْطُونَ بعض تصرفاتهم بمحاربة الإرهاب؛ فالمسألة خطيرة جدا. وكذلك كيد بعض الأفراد أنفسهم، فلا يلزم هؤلاء أن يتحرَّكُوا في مؤسسات، مع أن حركتهم مؤسسية كما هو معلوم، إما عن طريق دول، أو منظمات بأشكالها المختلفة، سواء حملة الوجهة الخيرية كما يقولون من مؤسسات للأعمال التطوعية، أو لمساعدة الفقراء، أو لأجل علاج المرضى، أو مؤسسات تأخذ الطابع العالمي الإنساني، أو غير ذلك.
لكن البعض منهم يتحرَّك فردًا، وليس أمره بيسير، بل هو
خطير. (1/44)
صفحة 45
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
45
وَأَذْكُرُ أنَّني قبل سنين ذهبت إلى دولة بوروندي، وهذه البلاد الأفريقية كان أهلي بعدما خرجوا من عُمان هاجروا إليها، وسكنوا فيها سنين طويلة، ثم رجع أكثرهم الآن إلى عمان البلد الأم، والحمد الله.
فذهبت لزيارة تلك البلدة - التي وُلدت فيها - قبل سنين طويلة، وكان ذلك برفقة الوالدين الكريمين، فَقُمْتُ في البيت، وذهبنا إلى زيارة إحدى القرى؛ ولأنهما زاراها قبل التحاقي بهم في تلك الرحلة، فسألتهما عما شاهداه؟
فأخبراني: أنهما التقيا بالقِسِّيس الذي كان في تلك القرية النائية في الأدغال، وقد عرفاه، وعرفهما، وذكرهما باسمهما.
وقال لهما فلان وفلانة؟!!
فقالا: أنت موجود إلى الآن.
قال لهم: نعم.
فقد صار له أكثر من خمس وثلاثين سنة، وهو قسيس إيطالي، ترك إيطاليا؛ حيث الْمَدَنِيَّةُ، والراحة، والمال، والأهل، والولد، وجاء يسكن في تلك الأدغال؛ لينشر النصرانية!! فانظروا
إلى تلك الجهود التي يقوم بها هؤلاء.
وهؤلاء لا تقتصر دعوتهم على الوثنيين الموجودين في تلك البلاد؛ وإنما يُرَكِّزُونَ على المسلمين أيضا، وذلك عن طريق ما يُسَمُّونَهُ بالأعمال الخيرية. (1/45)
صفحة 46
الالحان
وقد رَأَيْتُ
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
رحلة من الرحلات ذلك بعدما قطَعْنَا في بعيني ساعات في طريق الغابة، رأيتُ بعيني رأسي مؤسسة ضخمة بين بيوت لأقوام يعيشون فيها، وهي مبنية من الطين، ومغطاة بالسعف، وبالكاد كما يُقَالُ: تتسع لبعض الأفراد، عبارة عن غرفة واحدة فقط، لكن بين تلك البيوت الضعيفة المُهترئة القديمة مبان ضخمة فإذا بها عليها شعار النصرانية، وعليها الصليب، وفيها مشفى راق، وفيها مدرسة نظامية عصرية، وفيها مصنع للعمل.
هكذا يجمعون بين هذه الأشياء الثلاثة: يوفّرون المدرسة؛ للتعليم، ويوفّرون المشفى؛ للعلاج، ويوفرون مكان العمل؛ لأجل توفير القوت لهؤلاء، ولديهم محل تجاري في بعض الأحيان؛ لإعطاء خُصوم أو تسهيلات مادية لمن يتبع فكرتهم، فيُغطى بطاقة خاصة إن كان نصرانيا؛ وذلك حتى يُعامل معاملة خاصة، أما المسلم لو دخل هذه المؤسسات فإنَّه لا يُعَامَلُ كذلك. ولأنَّ الناس فقراء يرضون أن يفعلوا هذا، ولو لم يقتنعوا في الباطن، وأولئك المُنصِّرون يعلمون أنهم لم يقتنعوا، ولكنهم ينظرون إلى الأجيال التالية، فحينما ينشأ هؤلاء الكبار على الذهاب إلى الكنيسة، ويأتون بأطفالهم معهم، فهم يتولون تربية أولئك الأطفال منذ الصغر على هذه الأفكار، ثم بعد ذلك رسلونهم إلى أوروبا؛ لمزيد من التعلم، والتربية؛ ليرجعوا بعد
ير (1/46)
صفحة 47
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
??
ليكونوا متمكنين في تلك البلاد، فينالوا المناصب دون غيرهم من المواطنين المسلمين، الذين يكونون غير مؤهلين أصلا
للقيادة، وتولي المسؤوليات العامة.
السبب الخامس: الإغراق في المادية:
وللأسف الشديد بعض الناس يعبدون الدنيا، ويعبدون الشهوات، وَقَصَرُوا نظرهم على هذه الحياة الدنيا، فلا يؤمنون بالآخرة، ولا يؤمنون بالغيب، فإذا بهم يُقَدِّسُون الطبيعة، ويُؤلهونها من دون الله جل؛ فحينما يعيشون في رغدٍ ينسبون ذلك إلى الطبيعة، وحين ينالهم بؤس ينسبون ذلك إلى الطبيعة، فيتوجهون إليها
بالعبادة، وهذا من أسباب الوقوع في الإلحاد والعياذ بالله تعالى.
فحين يُجَمِّدُ الإنسان عقله، ولا يؤمن إلا بالمحسوس؛ كما هو شأن ما يُسَمَّى بالفكر الوجودي، الذي يمثله بول سارتر، ومَنْ معه، فهؤلاء والعياذ بالله لا يؤمنون إلا بما يقع تحت حواسهم البشرية.
وسرى على ذلك الفكرُ الأوروبي بعد قيام الثورة الفرنسية فيما يُسمى بحركة التطور العلمية؛ لأنَّ هؤلاء حَصَرُوا أنفسهم فيما يُثْبِتُه لهم المختبر؛ فما رأوه بأعينهم، أو لمسوه بأيديهم، أو سمعوه بآذانهم يؤمنون به، وما عدا ذلك فلا يعترفون بوجوده، فوقعوا في الإلحاد، والعياذ بالله تعالى. (1/47)
صفحة 48
48 الالحان
??
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
وأنكروا الجانب الروحي فيما يتعلق بوجود الملائكة، ووجود الجن، فضلا عن وجود الله، وينكرون حقائقه الله، الروحية، من مثل الوحي، ونحو ذلك، ولذلك وقعوا في الإلحاد.
وأتباع الفكر العقلاني المعاصر، الذي يدعي العقلانية، وهو ليس من العقل في شيء؛ كما ذكر شيخنا الخليلي ـ حفظه الله تعالى، أو كما يقول: الذين حُرِمُوا نعمة العقل، من باب تسمية الأشياء بأضدادها، ينحون هذا المنحى، وإن كانوا في البداية يبدأون بالمجادلة، ونحو ذلك، ولكنهم في النهاية يصلون إلى
هذه الغاية، والعياذ بالله تعالى.
السبب السادس: اتِّباعُ الهَوَى:
وهذا له مظاهر كثيرة.
والمقصود باتباع الهوى هو الميل عن الحق، فهم أتباعه، وينقادون له ولو كان في ذلك مضرتهم؛ لأنهم يرون مصلحة آنية، دون أن يَتَفَكَّرُوا في عاقبة الأمور، كالذي يرتكب الزنا والعياذ بالله تعالى؛ لأجل المتعة الجنسية في تلك اللحظات، التي ينتعش فيها بممارسة هذه الرذيلة مع مَنْ حرَّم الله عليه الالتقاء به جنسيا، وكالمتعة التي يجدها مَنْ يشرب الخمر، ولكن ينسى العواقب بعد ذلك؛ حين يفقد عقله، وكرامته بين (1/48)
صفحة 49
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
49
الناس، وربما تَبَوَّلَ على نفسه، وربما هَتَكَ عِرْضَ محارمه وربما قتل نفسه أو قَتَلَ غيره، وربما أَتْلَفَ ماله، وربما فَعَلَ
أي شيء.
وكذا من ارتكب فاحشة الزنا، أو فاحشة قوم لوط؛ حين يُصاب بأمراض خطيرة تؤدّي إلى هلاكه، وتدمير أسرته، أو ينقل العدوى إلى غيره؛ نتيجة إصابته بالأمراض الخطيرة، كالإيدز، والإيبولا، والزهري، والسيلان، وغيرها.
أو كالذي يتعاطى المخدرات؛ فيشعر بالنشوة، ولكن بعد ذلك يُصاب بالإدمان؛ فيؤدي به ذلك إلى هتك عرضه، أو عرض غيره، أو إتلاف ماله أو إتلاف مال غيره؛ لأجل الحصول على هذه المادة التي يتعاطاها، ولا يُبالي بفعل أي ـيء في أي أحد كان وكان يكفيه الذل الذي يناله بسبب
ذلك.
حتى
أن البعض حين يرى مِنْ نفسه الرغبة في الوقوع في جرائم قد تؤدّي إلى إهلاك بعض أحبابه يُبَادِرُ إلى الانتحار، وقتل نفسه، فَيُفَضِّلُ هذا الأمر؛ ليُنهي حياته، ويُكَبِّدُ المجتمع خسائر كثيرة، ويُحْزِنُ أهله على فقده بعد أَنْ أَحْزَنَهُم على ارتكابه تلك الجريمة، وإذلالهم في المجتمع؛ حتى نكسوا رؤوسهم؛ لانتمائه إليهم!! (1/49)
صفحة 50
السبب السابع: التَّنكُرُ للفطرة:
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
فالفطرة تدعو إلى توحيد الله، والإيمان به، والإيمان بالحقائق الكونية، والحقائق الغيبية؛ واتباع الهوى والتَّنَكُرُ لهذه الفطرة يؤدّي إلى الوقوع في الإلحاد والعياذ بالله؛ كما قال الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِنَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام: 33]، ومن دون ذلك العناد والمكابرة.
السبب الثامِنُ: الْحَمِيَّةُ الجاهلية: الذي هو مذكور في أسباب الكفر؛ كما ذَكَرَ شيخنا الإمام نور الدين السالمي الالا، وَذَكَرَ ذلك المولى في أسباب كفر العرب في الجاهلية؛ كما قال الله تعالى نقلا. وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْوَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: 31]، {أَنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
عنهم:
من بيننا) [ص: 8]. فمنشأ هذا الإلحاد هو الحسد والعناد، والكبر، والمجادلة بالباطل، وهم يعترفون بهذه الحقائق، وكم اعترف هؤلاء الملاحدة ولكن بعد سنين - بأنهم كانوا يجادلون مجادلات عقيمة، وهم يعلمون أنهم على باطل؛ وإنما فقط لإغاظة الخصم، أو لأنَّهم وجدوا آباءهم على هذا الفكر؛ فساروا عليه، وما أرادوا التغيير، كما هو الشأن في الحَمِيَّةِ الجاهلية والعياذ بالله؛ في قولهم: إنا وجدنا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى أَثَرِهِم مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23]
وفي آية أخرى: {وَإِنَّا عَلَى أَثَرِهِم مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22]. (1/50)
صفحة 51
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
51
فاتباع الهوى هو الذي يُوقِعُ صاحبه في الإلحاد والعياذ بالله تعالى؛ فحين يُرَدُّ على شخص مثلا، أو يُهْزَمُ في مناظرة، ويُفْصَحُ أمره فيُصِرُّ على الباطل، مع أنه يرى آيات الله البينات، لكنه يتعامى عن بوارق الحق ويتعاظم عن قوارع النذر، والعياذ بالله.
السبَبُ التَّاسِعُ: التَّرَف:
وهو وسيلة من وسائل الأعداء، والشيطان، والنفس الأمارة بالسوء في إيقاع الإنسان في الإلحاد والعياذ بالله تعالى؛ لأنَّ الترف يؤدّي إلى انعدام الحياء والغَيْرَة؛ فغالبًا المترفون والعياذ بالله تعالى مائلين إلى الحياة الدنيا، مُخْلِدِينَ إليها؛ بحيث لا يرون إلا التمتع بهذه الحياة الدنيا الفانية، فهم يُعَلِّمُونَ شأنها؛ كما قال الله تعالى: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هونه) [الأعراف: 176].
فَيَتَنَكَّرُ لآيات الله تعالى؛ لأجل ذلك، كما قال هؤلاء الصهاينة فيما يُسمى ببروتوكولات حكماء صهيون: «كأس وغانية يصنعان أمة محمد ما لا يصنعه ألف مدفع».
في
وهذا ما ذكره الإمام السالمي لا الا الان في جوهر النظام، فقد ذَكَرَ هذا الأمر قبل أكثر من مئة عام، بأنهم يأخذون الدار بالخدائع. وهذا الترف أُصِيبَ به ـ والعياذ بالله ـ كثير من الأغنياء، وكثير من أهل السلطة؛ فأصبحوا يهتمون بسفاسف الأمور، ولا يعتنون بالدِّينِ، فلا يُبَالُونَ أنْ تُنْتَهَكَ حرمات الله، ولا يُبالون (1/51)
صفحة 52
52 الالحان
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
أن يُكفر بالله، ولا يُبالون أن تُنتهك المقدسات، ولا يبالون أن تحتل الأرض، فهذا لا يهمهم، وإنما همهم هذا الفتات
المتساقط من موائد الآخرين؛ لأن هذا هو شأن المترفين. وربما يُلْحِدُ أحدهم؛ كما وقع أنَّ امرأة شابة فُتِنَتْ برجل أجنبي نصراني؛ فارتدت عن الإسلام، وخرجت معه، وتركت
أهلها.
وقد يُفتَنُ شاب بفتاةٍ، فيسيل لعابه لجمالها، فتستولي على عقله؛ ليتمرّغَ في أوحال الرذيلة، فإن قيل له: بأنَّ الإسلام يُحَرِّمُ هذا دون أن تكون هناك علاقة زواج شرعية، فلا يبالي أن يرتد عن الإسلام؛ ليعتنق الإلحاد، أو غير ذلك من الأفكار الباطلة والأديان الضالة؛ لأجل هذه الشهوة. أو كما يصنع بعض عبيد المال، حين يستحلون الربا أنفسهم
والعياذ بالله تعالى؛ لأنَّهم لا يستطيعون كبح جماح أنف بالاستكثار من المال؛ كما قال الله تعالى: (أَلْهَنكُمُ التَّكَاثُرُ) حَتَّى زُرتُمُ الْمَقَابِرَ) [التكاثر: 1 - 2، فلا تجدي معهم موعظة،
-
ولا تنفع معهم نصيحة؛ فبسبب هذا الترف وقعوا في الإلحاد والعياذ بالله تعالى. وكما قلت: الأمر خطير جدا؛ فبسبب وقوع الناس في الترف ذلك إلى العناية بسفاسف الأمور، فلا يبالون بموالاة أدى بهم أعداء الله رجل؛ فنرى بعض الشباب الآن يتعلَّقُون بما يُسَمَّوْنَ (1/52)
صفحة 53
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
53
بالمشاهير، فيما يُعْرَفُ بوسائل التواصل الاجتماعي، وسوشل ميديا، سواء كان هؤلاء من المغنين أو الراقصين، أو كانوا من أصحاب الوسامة، أو الوجوه الجميلة، أو كانوا غير ذلك، وإن كانوا منطوين على كفر، وإلحاد، وإن كانوا من المنحطين خُلُقيا، وإن كانوا يُصَرِّحُونَ بمعادات الإسلام، أو بولائهم للصهيونية العالمية، أو غير ذلك.
فغاية ما في الأمر أن كثيرًا من الشباب المسلم يتأثرون بهؤلاء؛ نتيجة ضحالة الفكر والترف الذي أصابهم، فأخلدوا إلى الأرض، فبمجرد كلمة ينطق بها هؤلاء يَتَّبِعُونهم، ويُقِرُّونهم على ما هم عليه من الكفر والضلال؛ تعاطفا معهم، ولو أريد أن ذلك، ينال أحدهم بالعقوبة الشرعية التي يستحقونها مانعوا من وربما خرجوا مظاهرات في ذلك؛ انتصارًا لهؤلاء الساقطين والعياذ بالله تعالى.
ويتولّد أيضا عن هذا الترف الاستهتار وعدم المبالاة، وهذا ما يقع فيه بعض الشباب الآن للأسف الشديد؛ حيث رجعوا من أوروبا بعد البعثات الدراسية وهم لا يبالون وهم مستهترون بكل شيء؛ مستهترون بالمقدسات، وباليوم الآخر، وبالرموز، أي: العلماء الربانيين، وبأحكام الله الله، فلا يبالون بشيء؛ لأنهم يريدون أن يعيشوا حياتهم - كما يقولون، وأن يستمتعوا، وأن لا يمنعهم من ذلك مانع. (1/53)
صفحة 54
54
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
السببُ العاشر: التَّطَرُّفْ
سواء كان ذلك بالإفراط، وهو الغلو والإرهاب، أو كان ذلك بالتفريط، وهو الانبطاح كما أُسَمِّيهِ، وهو أحسن، وأقوى من كلمة
التسامح.
فالإفراط الذي يؤدّي إلى التشدد - وهذا يُشَوهُ صورة الدِّينِ الحق - قد ينتج عن ذلك ممارسة وإرهاب بتطبيق ذلك في الواقع؛ فقد تكون هناك فئة مُتَشَدِّدَةٌ، تُوصَفُ بالغلو، ولكنها تجبح جباح نفسها فيما يتعلق بالتصوف إلا قليلا، أو في نطاق ضيق.
ولكن بعض هؤلاء المتشددين ربما يتجاوزون إلى إرهاب الآخرين، وإلى تطبيق فكرهم على الناس بالقوة، فمَنْ وافقهم أحاطوه بعنايتهم، وأغدقوا عليه المنصب والمال، ومَنْ خالفهم حكموا عليه بالعدم فقتلوه، حتى أن بعضهم يصل به الأمر إلى أن يقتل أخاه، أو يقتل أباه، أو يقتل جاره، أو يقتل إمام المسجد الذي كان يصلي خلفه.
وهذا مرض خطير جدا، وقد حَذَرَ الله تعالى منه أهل الكتاب؛ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) [النساء: 171] وقد نشأ هذا عند اليهود؛ بدعوى التَّدين والتقرب إلى الله عل. وقد حذر الله هذه الأمة منه أيضا، وصرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة؛ فقد نهى عن التشدد والغلو في (1/54)
صفحة 55
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
الالمحاربي
55
الدين، وأمر بالتيسير لا التعسير، إلا أن هذا التيسير يكون
بقواعده وبضوابطه.
والآيات والأحاديث في هذا كثيرة، وقد دفع هذا الأمر بعض الناس إلى الإلحاد والعياذ بالله تعالى، ومن هؤلاء أنفسهم الذين وقعوا في الغلو؛ لأنَّ الغلو معاكس للفطرة، ومضاد للدين؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرُ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ).
فقد وقعوا في اضطراب نفسي، وفي عُقد نفسية، ووصلوا إلى نتيجة أنهم لا يستطيعون تطبيق الدِّين على ذلك النحو الذي فهموه؛ فانقلبوا إلى الضّدّ، وهو ترك الدِّين بالكلية.
أو أن هؤلاء: أَعْطَوْا للدِّين صورة غير صحيحة، أي مشوهة، ولما رآهم بعض الناس على تلك الحال تنكِّرُوا للدين، وآثروا إنكار الدين على الإطلاق؛ فمنهم مَنْ لم يدخل الدِّينَ أصلا، ومنهم: مَن ارتد عن الإسلام والعياذ بالله؛ وذلك بسبب هذه الممارسات الخاطئة. وَأَذْكُرُ قبل سنين، وبعد حصول بعض التفجيرات في لندن و مدريد، كنتُ أتابع بعض القنوات الفضائية؛ فوجدتُ تُهما مباشرة بأن بعض مَنْ تورّط في
ذلك
هم
مسلمون.
(1) رواه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان، باب: الدين يسر، رقم: 39. (1/55)
صفحة 56
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
وبالمناسبة أُرِيدُ أنْ أعلق على هذه النقطة: بأن ليس كل ما يُنشَرُ في الإعلام صحيح، خاصة الإعلام الغربي، الذي يدعي
الحيادية، وما يسميها بالموضوعية.
وليس الأمر كذلك؛ بل هو إعلام موجة، خاصة ضد الإسلام، وهو يد للمنظمات والدول؛ لأجل تشويه صورة الإسلام؛ لأن تلك الدول والمنظمات رأتْ أنَّ الإسلام بدأ يفتح عينيه، وأن هذا العملاق بدأ يستيقظ من سباته، يفتح عينيه، ويمد رجليه، ويوشك أن يقوم على قدميه؛ فيُريدون الإجهاز عليه قبل أنْ يَحْدُثَ منه ذلك. رأوا ذلك حسب الإحصاءات التي ينشرونها، وهذا شيء أيضا ملاحظ في الواقع أن الإسلام هو أسرع الأديان انتشارا على مستوى العالم، وأخذوا يحسبون بعمليات معينة حسب توقعهم أنه بعد نحو 50 خمسين عاما سيحكم الإسلام أوروبا؛ حسب ما هو واقع الآن في المجتمعات الغربية، وهدفهم من ذلك تقوية ما يُسمى بالحركات اليمينية، أي: المتطرفة العنصرية؛ لتكون ضد الإسلام، وتقوم بحراك شعبي إعلامي سياسي اقتصادي اجتماعي ضد الإسلام فيما يُعْرَفُ بفكرة الإسلاموفوبيا، أي: التخوف من الإسلام.
وقد ظهر ذلك في دول كثيرة؛ فهناك الحزب الوطني National party) في بريطانيا، ويتزعمه أحد هؤلاء المعادين للإسلام، وهو آدم ووكر ومَنْ معه، وهناك حزب اليمين المتطرف (1/56)
صفحة 57
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
57
في هولندا، وفي النرويج، وفي ألمانيا، وفي فرنسا، وفي غيرها من البلاد الأوروبية.
وهذه تتعاون فيما بينها، وعندما رأت سرعة انتشار الإسلام في تلك البلاد أخذت تستعمل هذه الوسائل الإعلامية؛ لأجل بثّ المعاداة للإسلام، وخطر الإسلام، وربما يقومون بأجهزتهم المعروفة بالمخابرات الخفية بإنشاء بعض الجماعات التي تنتمي في ظاهرها للإسلام، أو أنَّهم اخترقوها أمنيًا أصلًا حتى وصلوا إلى أعلى درجات التأثير في قيادتها؛ ليُوجهوها للقيام بِعَمَلِ مثل هذه العمليات، لِتُنْسَبَ إلى المسلمين، ولِتُشَوِّه صورة الإسلام، فربما يكون بعض الشباب المسلم فعل ذلك حقيقة غُرر بهم، فهم يتحملون مسؤوليته.
ولكنهم.
ولكن وراء ذلك أيضا قد تكون الأيادي الخفية، وربما يكون
قام
بذلك،
عن طريق آلات مُعَيَّنَةٍ لا يُنْقَلُ فيها أشخاص؛ وذلك بسبب تطور أسلحة الفتك والدمار لدى هؤلاء، ثم يُنْشَرُ بأنَّ فلانا وهذا الشخص ميّت للأسف الشديد مع أنه مسلم، ولكن لا يُعْلَمُ له أثر، فلا يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا يستطيع أهله إن عرفوه أن يدافعوا عنه عنه أنَّه لم يفعل، فلا يُسْمَعُ لهم صوت، وإن قاموا بذلك سيُسْكَتُون ربما إلى الأبد، فنسأل الله العافية.
فإذن هذه من وسائل هؤلاء، ومن أسباب انتشار الإلحاد في العالم. (1/57)
صفحة 58
58
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
وأرجع إلى القضية أنه بعد وقوع هذه العمليات بما عُرِف محطة مترو الأنفاق التي تحت تحت الأرض، في محطة كينغز كروس في لندن، وفي مدريد أُعْلِنَ بأن الذي فَعَل ذلك مسلمون، والله أعلم.
وَظَهَرَ في بعض القنوات العربية الإسلامية محاورة مع أحد المفكرين، المسلمين فكان يتكلم بأنه يستنكر، ويشذب، ويدين هذا الفعل، وأنه ضد الإسلام، وضد الدعوة الإسلامية؛ لأن هؤلاء إن كانوا يريدون الدعوة إلى الإسلام، وانتصار الإسلام فهذا خطأ، ولا يكون بمثل هذا التصرف؛ لأنَّ هذا التصرف يؤدي إلى تهييج الرأي العام الغربي الأوروبي ضد الإسلام، بل العالمي.
فالناس حينما يرون ذلك يمتلئون حقدًا وغيضا على الإسلام، ولا يدخلونه، ولا يقتنعون بأفكاره، ومن أراد إقناعهم يكون قد تولد لديه فكرةً سلبية؛ فيعاني الدعاة للوصول إلى إظهار الحقيقة إليه؛ لأنه يلزمهم أولا أن يزيلوا هذه الغشاوة عن ذهنه فيما يُعْرَفُ بالفكر المغلوط النمطي؛ كما يُسمونه عند هؤلاء، نسأل الله العافية، والعياذ بالله.
وكذلك من التطرف التفريط والتهاون في الدين إلى درجة الذوبان في الآخرين، مع أن في الدين ثوابت لا يمكن التنازل عنها، ولكن البعض للأسف الشديد يتساهل في هذه الثوابت؛
كما قال أحمد مطر في بعض قصائده:
والدين من فرط يسره قد احتوى مسيلمة (1/58)
صفحة 59
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
59
منه،
فأصبح الآن مَنْ يكفر بالدِّينِ مِنَ الدِّينِ!! ولا يُخْرَجُ ولا يأبى هو الخروج منه، بل يبلغ به الأمر أن يتكلم باسم الدِّينِ مع أنَّه يحارب الدين، وهذا شأن عجيب!!
وشيخنا الخليلي - حفظه الله تعالى ـ ذَكَرَ عن بعض هؤلاء بأنهم يحاربون مبادئ الدين والتوحيد، وينتصرون لأسيادهم من الملاحدة والكفرة، فليتهم تركوا التَّقَوُّل على الله بغير علم، وليتهم تركوا تفسير القرآن، فلماذا يتشبثون بالقرآن، ويتكلمون باسم الإسلام، وينشرون بين الفينة والأخرى بعض التغريدات بأن الإسلام كذا، والقرآن كذا، كأنما يتكلمون باسمه، ما يكونون عن الدين.
وهم
أبعد
فالتفريط الذي أدى إلى هذا الانبطاح أيضا قد يؤدي إلى الإلحاد والعياذ بالله؛ وذلك حينما يقول بعض الناس: الكفر بالله عادي، وكل واحد حر أن يعبد الله، أو أن يعبد بقرة، أو أنَّ مَنْ يعبد البقرة - لأنه مجتهد استعمل عقله ـ سيدخل الجنة، وربما بعض هؤلاء الكفرة لم تبلغه الدعوة، ما شاء الله!!
وربما يقول بعضهم بأن هذا فلان، الفيلسوف البريطاني، ـفَعَ الإنسانية بما لم ينفعه بعض المسلمين، الذين لا يعرفون حتى صُنع إبرة، فهذا نَفَعَ الإنسانية بما اكتشف من أشياء، وبما صَنَعَ من آلات وابتَكَرَ من أشياء، فكم له من أجرٍ
بسبب ذلك؟! (1/59)
صفحة 60
60
الالحان
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
سبحان الله!! هو لا ينظر إلى الكبيرة التي تلبس بها، وهي الشرك بالله تعالى، التي تُخبط كل عمل؛ كما قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْتَهُ هَبَا مَّنثُورًا} [الفرقان: 23]، وقال: {وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الخَسِرِينَ) [المائدة: 5]،
إلى غير ذلك من الآيات، فسبحان الله العظيم!!
السبب الحادي عشر: تحريف الدين وتشويهه
إما بالتَّعَنُّتِ، أو التثليث، أمَّا التَّعَنُّتُ فقد ظَهَرَ من اليهود، والتثليث ظَهَرَ من النصارى والمقصود بذلك في النهاية هو
تعطيل وتجميد العقل.
وينبغي هنا أن أقول كلمة فيما يتعلق بأوروبا خاصة، وذلك فيما يُعْرَفُ بالعصور المظلمة، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى كتاب واقعنا المعاصر لمحمد قطب، وإلى غيره مما كُتِبَ في
هذا المجال:
فأوروبا في العصور المظلمة، أو القرون الوسطى، والتي تمتد تقريبًا فيما يُعْرَفُ بالقرن الثاني عشر إلى القرن السادس عشر، نحو أربعة أو ستة قرون كانت تعيش الفقر والجهل
6
والتخلف والمرض والضعف في النواحي الروحية والعلمية والسياسية والاجتماعية والمالية وغيرها.
فمن الناحية الروحية كانت منقطعة الصلة بالله تعالى؛ لأنَّها (1/60)
صفحة 61
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
61
ذلك،
كانت تعيش على أفكار شيطانية، فكان كثير من الناس يؤمنون بالخرافات، وبالشياطين، ويلجأون إلى السحرة، وربما يُقَدِّسُون الأحجار والأشجار؛ وبسبب جهلهم أيضا وقعوا في وبسبب ضعف الكنيسة في فترة من الفترات أيضا، وبسبب الحُكّام الظلمة الذين ينشرون فيهم هذه الأفكار؛ لأنه يسهل عليهم التحكم في الشعب الجاهل، فانقطعت صلتهم الحقيقية بالله تعالى إلا قليلا.
ومن الناحية الفكرية كانوا يؤمنون بالخرافات، وكانوا
يُعَطِّلُون العقل، وكانت الكنيسة تقوم بذلك فيما يُعْرَفُ برجال الدين، وذلك بعدما حصل تحريف في الكنيسة، وتحريف في أفكار التوحيد، التي جاء بها عيسى ال؛ فانتشر التثليث، وطالب القساوسة والرهبان الناس بالإيمان بأنَّ الله واحد، وفي الوقت نفسه هو ثلاثة؛ لأن أول مبادئ الوصايا العشر في العهد القديم التوحيد، وهذا معروف عند اليهود، وهم يؤمنون بالعهد القديم.
وأضافوا إليه العهد الجديد فيما يُعْرَفُ بالكتاب المقدس، وحتى يُقنعوا الناس بأن الواحد ثلاثة يطالبونهم بعدم استعمال العقل، ومَنْ نَاقَشَهُمْ في ذلك اعتبروا ذلك هرطقة، أي نوع من الكفر، أو الزندقة؛ ولذلك حرَّمُوا ما يُعْرَفُ بالمنطق الأورسطي وحرموا مطالعة كتب الفلاسفة اليونانيين وكان ذلك إِيَّانَ الدولة (1/61)
صفحة 62
62 الالجاري
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
الرومانية المادية الشهوانية، التي مجّدَتِ الشهوات، والقوة والطغيان، واختَقَرَتِ العلم والثقافة، فَضُيّع الفكر، وذهبت بساطة الدين، ونقاوته، ونوره.
وكذلك مُنِعَ العلم؛ لأنَّ الكنيسة في ذلك الوقت كانت تعتبر التعلم نوعا من اكتشاف أسرار الكون، واكتشاف ذلك يؤدّي بالإنسان إلى أنْ يُضادَّ الله الا الله وأستغفر الله ـ في تصريف الكون إذا اكتشفت أسراره؛ ولذلك انتشر في الأوروبيين إبَّانَ ذلك العصر، وتلك القرون فكرة انتهاء العالم بحدود أوروبا الغربية، فيما عُرف بالمحيط الأطلسي، وعُرِف ذلك البحر بأنه بحر الظلمات، وَنَفّوا أنْ يكون هناك بشر، أو أرض بعد ذلك البحر، وكانوا ينشرون بأنَّ مَنْ ذهب بذلك الاتجاه استولت عليه الشياطين، وأهلكته، فَمَنَعُوا الإبحار إلى تلك الجهة.
ومن ناحية الفقر كان الناس يعيشون الفقر؛ بحيث لا يكادون
إلا
يجدون لقمة العيش في الغالب، أي: غالب المجتمع، ما عُرف بالطبقة الأرستقراطية، وهي الطبقة الغنية، طبقة النبلاء؛ لأن المجتمع اجتماعيا كان يعيش على طبقات؛ فهناك الملك وحاشيته، وهؤلاء الأعلى، ثم النبلاء وأمراء الأجناد، الذين كانوا يُعْطَوْنَ الإقطاعات الواسعة لإرضائهم وتشجيعهم على توسيع المملكة، وإخضاع الناس، وهناك طبقة الأغنياء، ثم طبقة
المتوسطين في المجتمع، ثم طبقة الفقراء والعبيد. (1/62)
صفحة 63
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
الالالي
63
فالناس في أغلبهم كانوا يعيشون الفقر، والحاجة، والمرض، والجهل؛ لأنَّ العناية بالصحة وبالعلم، والراحة، والثقافة كانت حِكْرًا لثلة قليلة من قبيلة الملك، وأتباعه، أو مَنْ رَضِيَ عنه طبعًا، وهذا بدوره أدَّى إلى فوارق اجتماعية خطيرة.
ومن نواحي أخرى كان المجتمع يدور في قتال، ومعارك، وطغيان؛ كما عُلِمَ عن الدولة الرومانية، التي تَمَزَّقَتْ، وتشتَّتَتْ، وأصبحت دويلات يُنَاوِسُ بعضها بعضا، فتأريخ أوروبا دموي، واستمر هذا الحال كثيرًا.
ومن ضمن القصص التي تُذْكَرُ في هذا: أن القساوسة من النصارى كانوا يبيعون صكوك الغفران على الناس - يضحكون عليهم -؛ لأجل أن ينالوا المغفرة، ودخول الجنة، ولأجل ذلك يلزمهم أن يذهبوا ليعترفوا بآثامهم أمام القسيس، ولا ينالون صك الغفران إلا بدفع مال، سبحان الله!!
وانتشرت هذه التجارة وراجت واستغنى هؤلاء القساوسة
فأراد أحد من اليهود أن يقوم بشيء؛ فذهب إلى أحد القسيسين الكبار، وعرض عليه أن يشتري ما عنده فَعَرَضَ عليه القسيس صك الغفران فقال: لا أريد هذا، ولا أريد شراء الجنة عندك. من
فقال القسيس: ماذا تريد أن تشتري؟
فقال: أريد أن أشتري من عندك النار، فسخر القسيس منه. (1/63)
صفحة 64
فقال: ما هذا الغباء!!
وهو
يبيع
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
أصلا لا النار، لكن رأى شخصا مخبولا أمامه
أصلا
لا يريد أن يشتري الجنة، وإنما يريد أن يشتري النار، وهو
لا يملك الجنة، ولا يملك النار.
فقال: حسنًا أبيعك النار.
فقال: كم تريد ثمنا؟
فقال: ثمنًا، فاشترى منه النار، ووقعت الصفقة.
وبعد أن اشترى ذلكم اليهودي النار خرج للناس، وقال: يا أيها الناس افعلوا ما شئتم؛ فقد اشتريتُ النار، وهي ملكي من القسيس، وهذا هو يعترف أمامكم فاعترف.
فقال: افعلوا ما شئتم لن يدخل أحدكم النار؛ لأنها ملكي. فبارت ـ كما يقال - تجارة القسيس؛ لأن الناس لم تعد بعد ذلك بحاجة لشراء صكوك الغفران؛ لأنهم لا يخافون دخول
النار!!
فانظروا إلى هذه المهزلة التي وقعت؛ وعلى مَنْ ستضحك: على القسيس؟! أم على اليهودي الماكر؟! أم على المجتمع والناس الذين كانوا يُصَدِّقُون مثل هذه الخزعبلات،
والخرافات. (1/64)
صفحة 65
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
فهذه صورة الدين التي كانت موجودة؛ ولذا لا نستغرب أن قامت على إثرها الثورة الفرنسية، مع ما فيها من الظلم، والاستعباد،
والقتل، من نحو قصة غاليليو عندما قال بكروية الأرض، أو دورانها، ومن معه فقُتِل مئات، بل آلاف من ذلك. العلماء بسبب
وقصة ما قام به مكتشف أمريكا الجنوبية كريستوفر كولومبوس؛ حينما أبحر بإذن من الملك فرديناند وإيزابيلا سنة 1492 م، وأبحر إلى الهند في زعمه إلى جهة الغرب، فإذا به يكتشف تلك الأرض، ويقول: بأنَّ هؤلاء هم الهنود كما كان يقرأ عنهم، وهم ليسوا هنودًا، ولكنهم حُمْرٌ يختلفون عن الهنود الشمر، الذين كان يتوقع الوصول إليهم، فرجع إليهم، وأثْبَتَ للناس بأن هذا البحر وراءه أرض، وهناك عالم يعيشون، وبأنه لم يحدث له شيء بالإبحار فيه كما يقول القساوسة.
فبارت تجارة الكنيسة، وأفكارها وَفَقَدَ الناس الثقة بهم، وأنشأ كريستوفر كولومبوس بالمال الذي غَيْمَهُ بموافقة الملك والذي أعطى جزءا منه الملك، فرديناند ومَنْ معه - المدارس؛ لأجل تدريس المنطق، ودراسة الفلك، وهناك بدأت العلوم تقوى، ويطمئن إليها الناس؛ فتركوا الخزعبلات، والأفكار، ووثقوا بالعلم إلى أن قدَّسُوه، وتَنَكَّرُوا للدِّينِ، واعتبروا الدِّينَ سبب التخلف والرجعية والانحطاط، فبذلك آمنوا بالإلحاد والكفر، والعياذ بالله تعالى. (1/65)
صفحة 66
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
ولذلك كان تحريف الدِّينِ من ضمن أسباب وقوع الناس في
الإلحاد في أوروبا.
والإشكال في الأمر: أن رجال الدين - أي: الدِّين المحرَّف - من اليهود والنصارى كانوا يتسنَّمُون ذروة هذا الأمر؛ تعاونا فيما بينهم وبين الأباطرة؛ كما ذكر غير واحد مِمَّنْ كتب في
هذا المجال.
وقد تَعَرَّضَ لهذا الأمر سيد قطب في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام، وأيضا الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ومحمد قطب في كتابه واقعنا المعاصر، وغير هؤلاء كثير. كما ذكر هذا الأمر شيخنا الخليلي - حفظه الله تعالى - في كثير من دروسه، ومحاضراته، وتأليفاته.
وهذا الأمر اعترف به كثيرون، وهو الواقع أن القساوسة الفاسدين إبَّانَ ذلك العصر كانوا مُتَحَالفين مع الملوك الظلمة المستبدين؛ لأجل تطويع الجمهور باسم الدين، فكانوا يقومون بمظالمهم، ولا تُجِيزُ الكنيسة الاعتراض عليهم؛ لأنها تنشر بين الناس بأنَّ لهم صلة بالإله، وبأنهم خلفاء الله تعالى في وأنَّهم ظِلُّ الله في أرضه، وأنه تجب لهم أرضه، وأنه تجب لهم الطاعة المطلقة، ورؤجُوا لفكرة الجبرية، كما يقولون: «مَنْ ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر»؛ دلالة على الرضا، وأن كل ما يحدث للناس من
أرضه، (1/66)
صفحة 67
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
الالباربي
67
ظلم إنما هو من قضاء الله تعالى وقدره، وعليهم أن يرضخوا، وأنَّ النَّاس جميعًا مُسَيَّرُون، وأنَّ هؤلاء الظلمة لا يُحَاسَبُونَ على ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قَدَّرَ عليهم هذا الأمر، فباسم الدين كانوا
يظلمون الناس.
فضلًا عن منع الناس من العلم؛ كما في كلامهم، في كتاب العهد القديم في الإصحاح الثاني من سفر التكوين: أنَّ الله تعالى منع آدم وحواء من الأكل من شجرة المعرفة؛ حتى لا يعرفوا الخير والشر، فيبقوا على جهلهم، فجاءت الحية فأغرتهم بالأكل من الشجرة، فعرفوا الخير والشر.
وهذا أمر انطبع في أذهان هؤلاء، وصارت المعرفة عند الإنسان في نظرهم قرينة لتحديد يا الله له الا الله، أو مشاركته في تسيير
6
نظام هذا الكون؛ ولذلك منعوا المعرفة والعلم.
وكما ذكرتُ أيضا أنَّهُم منعوا دراسة المنطق الأرسطي ودراسة الفلسفة الإغريقية؛ لأنَّهم رأوا في ذلك استعمالا للعقل، وبما أن عقيدتهم في طبيعة المسيح كانت مخالفة للعقل، منعوا من استعمال العقل واعتبروا استعمال العقل في اصطلاحهم هرطقة، وأنَّ ذلك منافٍ للإيمان، وأنَّه يجب أن يكون مع الإيمان الاتباع المطلق، كما يقولون: «اتبع وأنت أعمى»، فأدى هذا الأمر في النهاية إلى احتقان تلك المجتمعات،
ومعاناتها الشديدة. (1/67)
صفحة 68
الالماني
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
وَأَذْكُرُ عندما كنت في بريطانيا قبل ما يقارب عشرين عاما من الآن أننا ذهبنا في زيارة لمدينة في شمال إنجلترا، أو إنجلند، وهي مدينة يورك، وكانت بها معالم أثرية قديمة، فذهبنا لزيارة مبنى ضخم، وهو عبارة عن كنيسة أثرية، فكان المرشد السياحي يسأل مجموعة الطلبة، وكنت من ضمنهم: عن عمر بناء هذه الكنيسة، هذا المبنى الضخم؟
فقال بعضهم عشر سنين وبعضهم أوصلها إلى عشرين، وبعضهم بالغ؛ فقال: استغرق بناؤها أربعين عاما، فذلك أقصى ما وصل إليه خيال هؤلاء.
فإذا بهذا المرشد يقول: بأنَّ بناء هذه الكنيسة استغرق مئتين وأربعين عاما، والملوك الذين تعاقبوا على بنائها دُفِنُوا فيها، وقبورهم شاهدة على ذلك، يأتي أحدهم فيُعمرُ عشرين أو أربعين سنة، أو أكثر؛ حتى يموت، ويتلوه الآخر، وهكذا وهم جملة.
وقد بقيت هذه الكنيسة ببنائها شامخة بعد مضي قرون كثيرة كأنها جديدة، وهذا ليس بعجب حين اطلعت على ذلك البناء الفخم الكبير جدا.
ومما يدل على ذلك: أنَّنا حين كُنَّا نتجول في فنائها إذا ببعض الألواح موضوعة على بعض الثقوب، والفراغات التي
على الجدار، فقال لنا المرشد: أترون هذا؟ (1/68)
صفحة 69
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
الالحجاب
69
فقلنا:
نعم.
قال: هذا غطاء لنافذة من النوافذ الموجودة في هذه الكنيسة.
يقول: هل تعلمون المدة التي استغرقها المتخصصون الفنيون
لإزالة هذه النافذة الزجاجية؟
لقد استغرق هذا الأمر سنتين من العمل، وهم يُنظفون الآن هذه النافذة، وذلك بتفكيكك قطع الزجاج الصغيرة فيها؛ لأنَّها مُشَكَّلَةٌ بشكل فنّي معين، وصورة معينة، وليست مجرد صبغ يُصْبَغُ على الزجاج، وإنما قطع زجاج ملونة بذاتها من الداخل، ورُكَّبَ بعضها على بعض؛ وذلك بتقطيعها بدقة، وبإلصاق بعضها ببعض؛ حتى يتكون منها شكل معين فاستغرق تفكيكها سنتين، وتنظيفها
تقريبا سنتين، وسيُعاد تركيبها بإعادتها إلى موضعها سنيتن!!
هذه نافذة واحدة يستغرق الأمر فيها مجموعة من المتخصصين مدة ست سنوات تقريبًا، فما بالكم بغيرها من النوافذ التي تملأ المكان، وذلك البنيان الهندسي الضخم الكبير؟!
وعندما رجعت إلى مركز اللغة الذي كنت أدرس فيه، سألوني عن المكان الذي زرته؟
فأخبرتهم أنّي زُرْتُ المكان الفلاني، فأبدوا امتعاضهم بذلك؛ لأنَّ الناس هناك ما زالوا يحملون الحقد لمثل هذه المباني والمؤسسات؛ ذلك لأنَّها تُمَثَّلُ دليلًا عَمَلِيًا على الظلم؛ حيث كان (1/69)
صفحة 70
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
رجال الكنيسة يعيشون في حياة البذخ والترف إبان القرون الوسطى، وبنوا هذه المباني الضخمة بالملايين من عرق أولئك الفقراء والبسطاء، الذين كانوا يدفعون الضرائب رغما عنهم، مع قلة دخلهم، وحين لا يفعلون ذلك يُنْشَرُ فيهم الحرمان الكنسي، أي: يوصفون بالكفر، وبحرمانهم من دخول الجنة، ويُعَامَلُون معاملة فيها إذلال، واحتقار، وظلم، وربما حُبِسُوا، ورُبَّمَا نُكِّل بهم التنكيل الكبير، فهذا مثال على ذلك.
وقد ذَهَبْنَا أيضًا إلى قبو من الأقبية، وهناك خزانة كانت ملأى بالذهب خُبيَتْ في تلكم الأقبية، بل خزائن، بينما كان الناس
يتضورون جوعا!!
فهذا مثال. أمثلة من الظلم الاجتماعي؛ لتشويه صورة الدين، ولنتصور مدى تَمَرُّدَ الناس على الدِّين لأجل ذلك، حيث جَعَلُوا أن تقدمهم ورُقّيهم لا يكون إلا بالتخلي عن الدِّينِ، ولذلك عندما قام كارل ماركس بنشر أفكاره استعمل هذا السبب؛ لتعبئة قلوب الناس حقدًا على الدين، وأنَّ الدِّينَ هو سبب الظلم،
وسبب الفساد؛ وذلك لما يُمَثْلُهُ تأريخ الكنيسة في أوروبا.
وهو نفسه عانى من الظلم الاجتماعي كما ذكر شيخنا الخليلي ـ حفظه الله تعالى ـ في بعض دروسه ومحاضراته؛ نقلًا عن مذكرات زوج کارل ماركس، حيث ذَكَرَتْ من ضمن ما ذَكَرَتْ: أَنَّها وزوجها كانا يسكنان في شقة، وتأخرا عن دفع (1/70)
صفحة 71
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
71
الإجار في ذلك الشهر، فما كان من مالكة البيت إلا أن أتتهم في ليلة شاتية قاسية ببرودتها، فَطَرَدَتْهُم من السكن، فأصبحوا في العراء، لا مأوى لهم، ولا يجدون مَنْ يأويهم، وكل هذا لأنَّهم كانوا فقراء لم يستطيعوا دفع الأجرة التي عليهم.
وَذَكَرَتْ أيضا مثلا آخر عن ابنتها أنَّها مَرِضَتْ، فلم يستطع أبوها وهو كارل ماركس شراء الدواء لها؛ فماتت بين أيديهم، فاعتصر قلبها ألَمًا، وقالت فيما قالت وا أسفاه، لقد وَفَدَتْ ابنتنا
إلى الدنيا ولم تُرزق مهدًا، وَغَادَرَتْهَا ولم تُرزق كفنًا.
فهذا الظلم الاجتماعي لا شك أنه كان من ضمن الأسباب
التي دعت أولئك الناس للوقوع في الكفر والعياذ بالله تعالى. وكما قلتُ: لست هنا بصدد التسويغ لهذا الأمر، ولكن أسباب يستغلُّها الشيطان والنفس الأمارة بالسوء؛ ليقذفا في أصحابها الشك والسخرية، والاستهزاء، والإنكار للثوابت القطعية التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه ورسله عليهم الصلاة
هي
والسلام.
ولذلك لا نستغرب أنْ يُنكِرَ المولى من أشد النكير على اليهود والنصارى في كتابه ـ كما هو معلوم في كثير من الآيات، وخاصة الأحبار والرهبان ـ ما تقوَّلُوه على الله تعالى بغير علم، ونسبوه إلى الدِّينِ، وما ذلك إلا لأنَّ الله تعالى يعلم أن هذا التشوية
سيؤدي إلى تنفير الناس من اتباع الحق، وقبول الطاعة الله الله (1/71)
صفحة 72
72
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
السبب الثاني عشر: التشبيه والإرجاء:
وهذا الفكر قد بدأ باليهود والنصارى أيضا؛ فاليهود هم الذين اشتهر عنهم التشبيه، وتبعهم النصارى.
وكذلك الإرجاء أيضا؛ فكان عند اليهود، وتبعهم النصارى، واشتهر عنهم، وسرى إلى بعض فئات هذه الأمة من بعد؛ فاعتنق بعضهم فكر تشبيه الله تعالى؛ نتيجة الاختلاط بأهل الكتاب، ودراسة كتبهم، والأخذ بالإسرائيليات، وعدم التحقق من صحة الأحاديث التي تُنسب إلى النبي، فكان جُل عنايتهم تتبع رجال الإسناد، وبذلوا جهدًا أقل في تتبع المتون؛ فقبلوا طائفة من الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة، فضلا عن الإسرائيليات، ونسبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقدوها؛ لأخذهم بالروايات الأحادية في مجال الاعتقاد.
فأثبتوا بها أصول الدين مع أنها ثمرة اليقين وقبلوه في خلاف القطع فاختلطت أصولهم بالفرع
فهذا الأمر أدى والعياذ بالله إلى الوقوع في مزالق كثيرة. والتشبيه بشقيه، مذموم، سواء كان تشبيها الله الله بخلقه، أو
كان تشبيه الخلق بالله وعل.
أما الشَّقُ الأول: وهو تشبيه الله تعالى بخلقه؛ فلا شك أنَّه يؤدي إلى انتقاص تعظيم الله تعالى في النفس، وهذا ما ورد فيما (1/72)
صفحة 73
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
73
يُعرف بالكتاب المقدس عند النصارى في الإصحاح الثاني عشر من سفر التكوين، والذي فيه: أنَّ يعقوب كان في
طريقه، فأتاه
هذا
في الليل مَنْ يصارعه، فصارعه فلم يستطع المصارع ليعقوب أن يفلت منه؛ لأنَّ يعقوب قبضه قبضة شديدة، فقال له: لا أطلقك حتى تباركني، فباركه، إلى غير
ذلك مما ذكروه. فتبين من بعد أن يعقوب كما يزعمون أنه صارع الله وجَل، فرَبِّ للأسف الشديد يُصَوَّرُ بهذه الصورة، أنه على صورة إنسان وأنَّه يُهْزَمُ ولا يملك من أمره شيئًا؛ حتى لا يُفَكُ أسره إلا بتلبية مطالب خصمه، ونحو ذلك مما ذُكِرَ من الأباطيل.
الثلث
إلى غير ذلك من تشبيه الله تعالى بخلقه: أنَّه ينزل في من الليل إلى السماء الدنيا بذاته، وأخذوا بهذه الروايات؛
الأخير
أنَّ الله تعالى في السماء، وهذه عقيدة نصرانية،
زعما منهم أخذوها من أهل الكتاب.
وللأسف الشديد أنَّ هذه الفكرة انطلت على طائفة من أتباع هذه الأمة، فأدى الأمر إلى تشويه حقيقة تنزيه المولى؛ لأن هذا يُنافي العقل، وينافي العلم، فأنى للعقل الإنساني أن يقبل بأن إلها ينزل في الثلث الأخير من الليل، وحين يوشك الثلث الأخير على الانتهاء يرتفع إلى السماء، مع أنَّ الليل مطبق على الأرض، لا يزول عنها أبدا؛ لأنَّ قِسْمًا من الأرض فيه نهار والقسم (1/73)
صفحة 74
الالا
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
المقابل فيه ليل، وهما يتتابعان، يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَرُ) [الزمر: 5]، {يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 61].
فلا يغيب أحدهما عن الكرة الأرضية؛ فحين يدخل ثلث الليل الأخير في بقعةٍ فإنَّه يرتفع من أخرى، فكيف يكون هذا الارتفاع والانخفاض لهذا الإله الذي لا يزال يتحرك جيئة وذهابًا من الأرض إلى السماء؟!
وكيف يزعمون أنه في جهة العلو، وهو لا يزال في الأرض؟! وما الذي يحتاجه المولى تعالى؛ حتى ينزل إلى الأرض وهو الله بكل شيء عليم؟! وبكل شيء محيط؟! ورحمته الله وسعت كل شيء؟!
فلا يحتاج إلى أن ينزل؛ كي يسمع العباد، فقد انكشفت له الله الأشياء انكشافا تاما، لا يحتاج في علمه بها إلى واسطة، سواء كانت مسموعةً، أو مرئيةً، أو غير ذلك وهو الله قادر عليها، لا يحتاج إلى أن ينزل قربها بالحس؛ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82].
فهذا الأمر يؤدّي إلى عدم تعظيم المولى الله في النفوس، ولا شك أنَّ من قرأ الدِّينَ على هذا المستوى، وتصور الإله (1/74)
صفحة 75
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
Vo
بهذا الفكر فإنَّه تنشأ لديه هذه التساؤلات، وهو يرى مَنْ يَتَسَمَّوْنَ برجال الدين يخطبون بها في المساجد، ويذكرونها في الكتب، وينسبونها إلى الإسلام؛ فتأتيه مثل هذه الأفكار التي تدعوه إلى التساؤل:
إن كان هذا الإله حالا في مكان، وهو السماء أو الأرض، أو فوق العرش، مع أنَّ السماوات والأرض جميعا مخلوقة، فأين كان قبل وجود هذه المخلوقات؟!
فيضطر بعض هؤلاء المتشبثين بهذا الفكر إلى الادعاء بأن الكون قديم - كما زعم بعضهم - وذلك منافٍ للدين نفسه، كما ذهب إلى ذلك بعض مَنْ ينتسب إلى الفلسفة من المسلمين؛ اتباعًا لفلاسفة اليونان وبعض المتكلمين، ونُسِبَ إلى ابن تيمية القول بذلك، فهذا أمر خطير جدا.
فإذن الأمر يحتاج إلى يقظة وأخذ بدلالات القرآن، وأنَّ الله تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، وأنه ليس كمثله شيء، {وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4].
أما الشق الثاني: وهو ما يتعلق بفكر الإرجاء؛ وذلك حين يُنسب هذا الفكر إلى الدين، وقد كان عند اليهود والنصارى من قبل كما تقدَّم؛ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ ابْتَوُا اللَّهِ وَاحِبَؤُهُ)
[المائدة: 18]. (1/75)
صفحة 76
76
الالحان
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
فكانوا يفعلون ما شاءوا بدعوى سيُغْفَرُ لنا ـ كما حكى الله تعالى عنهم. ذلك ـ، ولكن الله تعالى بين: أن هذه العقيدة هي التي أدت إلى تفريطهم في الدين؛ وذلك بتضييعهم حدود الله وعل، وانتهاكهم لمحارمه جَلَّوَعَلَا، وهذا أمرٌ صريح في قوله تعالى: و ألم تر إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُم بيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ) [آل عمران: 23)، ثم ذكر المولى الله سبب ذلك حين قال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ
إلا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَيَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 24]. فجعل ادعاءهم، وقولهم: بأن النار لن تمسهم إلَّا أيامًا معدودات افتراء على الله، وهو ما صرحت به آية البقرة وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيامًا مَعْدُودَةٌ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ
???
عهدا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)
[البقرة: 80].
ثم وضع القانون والنظام العام في هذا بقوله: {بَلَى مَن كسب سينةُ وَأَخَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَيكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ) [البقرة: (81]، فقرَّرَ أنَّ الجزاء من جنس العمل؛ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ, وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شرا ير) [الزلزلة: 7 - 8]
وهذا الذي أدى ببعض هذه الأمة للأسف الشديد إلى أن تغتر بهذا الفكر، وتأخذ ببعض الروايات المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (1/76)
صفحة 77
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
vv SEN
بأنَّ مَنْ فعل ما فعل من المعاصي فإنَّهُ سَيُغْفَرُ له، وأنَّه سيدخل الجنة لمجرد أنَّه يقول: «لا إله إلا الله»، فانقلب الدِّينَ إلى معاص، وتفلت من الالتزام؛ بمجرد القول.
وهذا مخالف لحقيقة الإسلام ولما كان يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ومناف للتضحياتِ العظيمة التي قدمها الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم -، فلو كان الأمر على هذا النحو لما اقتضى الأمر تلكم المعاناة الشديدة، والتضحيات البالغة؛ حيث قدموا أنفسهم وأموالهم رخيصة في سبيل الله، وهاجروا من أوطانهم، بل
وحاربوا أهليهم في سبيل الله تعالى.
فأنَّى يكون هذا الفكر منسوبًا إلى الدين الحق، والله تعالى ينفيه عن نفسه في كتابه، ويتوعد الوعيد الشديد لمن يفتريه عليه الله؟!
ولذلك حين سرى بعض هذا الفكر في هذه الأمة أفسدها، وهدم حضارتها، ولم تقم لها قائمة بعد عهد الخلفاء الراشدين، ولم تكد تقم للأمة الإسلامية قائمة على المستوى العام بخلافة راشدة، يقود الأمة فيها خلفاء عدول يُطَبّقُون شرع الله تعالى وإنما تحولت إلى ملك عضوض.
وكانت هناك طائفة ممن يتسمون بالفقهاء، وهم فقهاء السلاطين، يُبَرِّرُونَ أفعال أولئك الملوك الذين يتسمون باسم الخلفاء، أو غيرهم؛ لِيُثْبِتُوا لهم بأنَّهم لا يُحَاسَبُونَ؛ كما ذكر ذلك (1/77)
صفحة 78
78 الالحان
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
طائفةٌ مِمَّنْ كَتَبَ في هذا الموضوع؛ كالذهبي، وابن كثير، وابن
تيمية، وغيرهم.
وأن طائفة من الناس يقولون بأن الإمام لا حساب عليه ولا عقاب، وأن على الأمة أن تسير في ركابه، وأنه مهما ظلم أو جار فلا يجوز الخروج عليه، بل يجب على الأمة السمع والطاعة، ويُنْسَبُ هذا إلى هذا الدِّين، وأن ولاة الأمر فوق الدين، وفوق القانون، وفوق الشرع، ونسبوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قال: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)، وهي فضلاً عن بطلان متنها ـ لأنها مخالفة للنصوص الكثيرة من الكتاب والسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، التي تأمر المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطبيق العدل على أي أحد كان ـ هي بجانب ذلك فيها ضعف في إسنادها كما أثبت ذلك الدارقطني، وأن ذلك الراوي عن حذيفة لم يسمع منه، فكيف تُقَدِّمُ هذه الرواية الباطلة على النصوص القطعية الكثيرة، التي تُحَذِّرُ من الركون إلى الظالم؟! فضلا عن ارتكاب الظلم نفسه؛ كما قال الله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا
تُنصَرُونَ) [هود: 113].
(1) رواه مسلم في صحيحه كتاب: الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة
المسلمين عند ظهور الفتن، رقم: 1874. (1/78)
صفحة 79
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
وتلكم الفتاوى التي أفتى بها بعض مَنْ يَدَّعُون الفقه: بأنَّ الحاكم يجوز له أن يقتل ثلث الرعية؛ لأجل استبقاء الثلثين الباقيين!!
كيف يقول مسلم بهذا؟! والله تعالى يقول: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كتبنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32]، ويقول سبحانه: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: 93].
ويُذْكَرُ في التأريخ - مما هو ثابت بغير نكير ـ ما صنعه بعض حكام بني أمية في معارضيهم، وكم سفكوا من الدماء؟! وهتكوا من الأعراض؟! ونهبوا من الأموال؟!
وكذلك ما صَنَعَهُ بهم من بعدهم، وهم حُكّام بني العباس، وما فعلوه أيضا بخصومهم الآخرين؛ من البرامكة وغيرهم فلأجل تثبيت ملكهم كانوا يسحقون مخالفيهم سحقا، ولا يُبالون
بشيخ، ولا امرأة، ولا طفل.
وقد ذكر بعضهم من مناقب الحكام العثمانيين: أن الحاكم منهم كان إذا أراد أنْ يُوَطَّدَ لملكه أنه بعد أن يرث الملك من أبيه فإنه يقتل إخوانه جميعًا؛ حتى لا ينافسوه الملك، وليضمن انتقال (1/79)
صفحة 80
80
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
الملك إلى ولده من بعده، وإن كان له جملة من الأولاد فيقتل بعض أولاده؛ لأجل استئثار بعض بنيه بولاية العهد من بعده بسبب قيام بعض المحضِيَّات له من أمهات ذلك الولد؛ حتى يلبي طلبها!!
إلى هذا الحد وصل الأمر، وسوّغ بعض الفقهاء هذا الأمر، وكان جملةٌ مِنَ الذين يُقْتَلُونَ مِنَ الأطفال، فأي سياسة شرعية تُسَوغ لهم هذا الصنيع؟!
وهؤلاء الأطفال لم يُذْنِبُوا أصلا، وقد رفع الله تعالى عنهم التكليف، ومظنة قيامهم من بعد، وبغيهم على ولي الأمر ـ كما يزعمون ـ إنما هي مظنة موهومة، وربما يموت ولي الأمر قبل بلوغ أولئك الأطفال أصلا، فضلا عن منافاة ذلك للأدلة
القطعية من كتاب الله وسنة رسوله؛ والتي منها قوله «لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمٍ مُؤْمِنِ لَأَكَبَّهُمُ اللهُ فِي النَّارِ))، وحرَّم الجنَّة على القاتل نفسه، وعلى مَنْ قَتَلَ
غيره بغير حق.
ويُسَوّغون هذه التصرفات بمسوغات لا قيمة لها، ويُنْسَبُ هذا إلى الدِّين، ويُذْكَرُ في الكتب، فتصوَّرُوا مَنْ يأتي من الناس؛
(1) رواه الترمذي في جامعه، أبواب الديات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: الحكم
في الدماء، رقم: 1398. (1/80)
صفحة 81
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
81
ليجد الدين على هذه الصورة، فلا شك أنه سيتخذ ذلك ذريعة
للتَّفَلُّتِ من الدين، والوقوع في الإلحاد.
وهذا عين ما صَنَعَهُ مصطفى كمال أتاتورك في تركيا؛ فقد شوه صورة الدِّينِ، وتذرَّعَ لذلك بسيرة بعض السلاطين العثمانيين؛ ليُثْبِتَ للناس أنَّ الدِّين قمع، وفساد، وظلم، وليرتكب بعد ذلك الضد والعياذ بالله تعالى، فينشر الإلحاد والكفر، ويُغلق المساجد ويهدمها، ويمنع من اقتناء القرآن ويسعى إلى تغيير اللغة العربية في الخطاب، الأذان باللغة العربية، ويمنع النساء من الحجاب، ويمنع تعليم القرآن والعلوم الشرعية، ويقوم بأشياء فضيعة جدا لم يفعلها الغرب نفسه.
ويمنع
ومع كل ذلك فإنَّه لا عذر لهؤلاء ـ كما تقدم ـ فيما وقعوا فيه؛ وإنما أذكرُ ذلك لكي نعرف جذور هذا الأمر؛ حتى نتقيها، ولنعلم أيضا كيفية معالجة هذا الموضوع من أصوله، وبالطريقة التي تُنَاسِبُهُ، وحتى لا نغتر بمجرد المناظرة، أو المجادلة التي يدعيها البعض مع الملاحدة؛ فكثير من هؤلاء لا يستجيبون للحقائق، وإنَّما يُصِرُّون على الباطل، ويُرِيدُون
الظهور كما هو معلوم.
وكما قيل: «خَالِفْ تُعْرَفْ». (1/81)
صفحة 82
82
الالمان
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد
وكما ذُكِرَ عن رجل قُبِضَ عليه وهو يبول في بئر زمزم والعياذ بالله تعالى فقيل له: ما حملك على هذا؟
فقال: أردت أن أُذْكَرَ ولو باللعنات!!
فنسأل الله العافية، وكما قيل: «حُبُّ الظهور يقصم الظهور». (1/82)
صفحة 83
المحور الثاني:
وسائل نشر الإلحاد
الالمحاربة
هذه الأسباب التي ذكرناها من قبل، وهناك أسباب أخرى كثيرة بلا ريب، وإنما ذكرنا أهمها فيما نحسب إن شاء الله، كيف تُسْتَغَلُ من قبل أعداء الإسلام؛ لنشر الإلحاد؟
بلا شك أنَّ لهم وسائل كثيرة لا نستطيع حصرها؛ كما يقول
القائل عن أحدهم:
وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى
بي الدهر حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده
طرائق فسق ليس يحسنها بعدي
فهؤلاء يحملون كيدا، وفسادًا، وحقدًا على الدين أكثر من أساتذتهم، ويَتَفَنَّنُون في ذلك، وما نذكره إنَّما هو نماذج لهذا الأمر؛ وذلك حتى ننتبه لهذه الوسائل، ونحاول أن نحافظ على أنفسنا، وعلى أهلينا وأولادنا؛ حتى لا يقعوا في حبائل شياطين الإنس والجن. (1/83)
صفحة 84
??
84 الالحان
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
الوسيلة الأولى: الإعلام:
وهو الوسيلة الأولى بلا شك، وذلك بأذرعه المختلفة؛ سواء كانت مسموعة، أو مرئية، أو مقروءة؛ من القنوات الفضائية الآن، والشبكة العالمية للمعلومات، ووسائل التواصل الاجتماعي.
ولذلك بدأ ينتشر الإلحاد مرة أخرى بشكل خطير؛ لأن وسائل الإعلام في السابق - حسب أذرعها، وصورها ـ كانت لا تستطيع بث الفكرة بهذه السرعة التي وصلت إليها اليوم، ولا يكاد يسلم بيت من ذلك، والتركيز قائم على أمة الإسلام؛ لأن أعداء الإسلام من الملاحدة يُرَكَّزُون على الإسلام أكثر من غيره، وهذا ما اعترف به طائفة منهم؛ حيث بَيَّنُوا أَنَّهم يُعادون
الأديان جميعًا، ولكن يخصون الإسلام من بينها.
وقد ذكر شيخنا الخليلي جملة من الأسباب، أو المزايا التي تدفعهم لمعاداة الإسلام أكثر من غيره، منها:
أولا: صلابة عقيدة الإسلام:
فعقيدته صلبة، وتقف سدا منيعا من انتشار الإلحاد؛ ولا يستطيعون التغلب عليها، بل إنّها تتكَسَّرُ أمامها كُلُّ رياحهم العاتية، وتتهشّم كلُّ حُجَجهم؛ لأنَّ الله الله هو الذي أنزل هذا الدين الحق، منذ عهد آدم إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وهو (1/84)
صفحة 85
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
??
الدِّينُ الحقُّ إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها، فلا يستطيعون
مجابهته؛ فلذلك يُعادُونَه أكثر من غيره.
ثانيا: الإسلام دين الفطرة:
فهو ينسجم معها، وتنسجم معه؛ ولذلك يُقبلُ عليه كثير من الناس مِمَّنْ سلَّمَهُم الله تعالى من فساد فِطَرِهِم، أو تعفنها، وهذا
أخشى ما يخشاه هؤلاء الملاحدة.
ثالثًا: الإسلام وحي مِنَ اللهِ:
فقد بثّه على نبيه في مظهر القرآن العظيم، وهذا الكتاب هو المحفوظ من أي تحريف أو تبديل من بين الكتب السماوية جميعا، وهذا الشيء يُؤَرِّقُ مضاجعهم؛ لأنَّه يحفظ هذه العقيدة، ويحفظ هذا الدِّينَ جملةً وتفصيلا؛ كما قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9]، فلذلك يسعون جَهْدَهُم لمحاربة هذا الدين، ولإبعاد الناس عن هذا القرآن؛ لأنَّهم لم يستطيعوا تحريفه، وتبديله.
رابعا: الدِّينُ يسعى بعقيدته وشريعتِهِ إِلَى رقيّ أصحابه: فالمتمسك به عقيدة وشريعة يكون على درجة من الكمال البشري قَدْرَ اقترابه من الله الا الله، وفيه مِن المحاسن الكثير مما
يدعو الناس ـ من أهل العقول، والعلماء، والفلاسفة ـ إلى (1/85)
صفحة 86
86
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
الدخول فيه، والحثّ على دخوله، وهذا ما أوقع بعض الملاحدة
الذين كانوا يعادونه في هذا الأمر؛ فلذلك هم يَتَخَوَّفُون.
وهم
منه.
خامسا: الإسلامُ يُعَادِي الظلم، وينشر العدالة الاجتماعية: لا يريدون هذا، وإنَّمَا يُريدون أن يفتحوا طوفانا من الفساد والظلم، ويُسَوّغون ذلك، والإسلام لا يرضى بهذا الأمر، فلذلك يحاربونه؛ لأنَّه ضد مصالحهم المزعومة في هذه الحياة الدنيا؛ فهو يُوقِفُ هذا الفساد، ويمنع استعباد العباد، وإنما يُعَبدُ العباد الله الله او حمله به فلا يركع الإنسان، ولا يخضع إلا لمولاه
الخالق الله، لا إلى مخلوق مثله أيا كان.
سادسا: الدين يربط الإنسان بالقيم والأخلاق:
فهو دين الرحمة، ودين الحياة، ودين الغَيْرَة، ودين الكرم وهؤلاء الملاحدة تَجَرَّدُوا من إنسانيتهم، وتَجَرَّدُوا من قيمهم وأخلاقهم؛ فلا يجعلون للإنسان قيمة، ولا يرحمون ضعيفًا، ولا طفلا، ولا صغيرًا، وإنما يلهثون وراء شهواتهم، فيأبون كل ما يكبح جماح نفوسهم الخبيثة، ويريدون الانطلاق دون قيود، ولذلك يُؤَيّدون الإباحية، وأنواع الفساد؛ لأنهم هم يحاربون الإسلام.
وهذا ما تمجه أفواه قادتهم؛ سواء كانوا سياسيين، أو مفكرين في زعمهم -: أنهم يريدون المحافظة مثلا على القيم الغربية، (1/86)
صفحة 87
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
87
ولذلك يريدون إيقاف مد الإسلام؛ لأنه سيقضي على هذه القيم التي يتمسكون بها، وما هذه القيم التي يَدْعُونها؟!
إنَّهُمْ يَعْنُونَ بذلك شرب الخمر الذي يُحَرِّمُه الإسلام، والزنا الذي يُحرّمه الإسلام، والتَّبَرُّجَ الذي يُحَرِّمُه الإسلام، فهم يريدون هذه الحرية المطلقة، ويريدون الاستمراء على الكذب واحتلال الدول، ونهب ثرواتها، واستعباد شعوبها.
وحين تُشْرِقُ شمس الإسلام عليهم سينكشف عوارُهم، وتظهر مسوائهم، وهم لا يريدون الفكاك عمَّا أَلِفُوه؛ لأنَّ الإنسان إذا أَلِفَ شيئًا تَطَبَّعَ به، ومن الصعوبة بمكان أن يتخلى
عنه.
فإذن: الإعلام يُسَوّغُ للإلحاد، وهذا له طرق، ومظاهر كثيرة، سواء كان ما يتعلق بالفكر، أو بالفساد؛ فكل ذلك يدعو إلى الإلحاد، فينشرون الكفر بالله تعالى، والتشكيك في الدين، والقدح فيه والسخرية بأحكام الدين، والاستهزاء بالعلماء الربانيين.
ومن ضمن ذلك: الاستهزاء بالله، وعل، والاستهزاء بالقرآن الكريم، والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم.
ويدخل في سياق ذلك ما يُعْرَفُ بالصور المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم في الدنمارك، وغيرها.
ويفعلون ذلك بدعوى حرية الإعلام، وحرية الرأي والتعبير، (1/87)
صفحة 88
المحور الثاني وسائل نشر الإلحاد
ويحمون مَنْ فعل ذلك، وكل هذا الأمر بلا شك قد يؤثر في
نفوس الضعفاء.
ومسألة الأفلام والمسلسلات التي يبثونها في هذا المجال تؤكِّدُ هذا الأمر، وللأسف الشديد يتأثر بذلك الأطفال قبل غيرهم فيما يُعْرَفُ بالرسوم المتحركة، أو الأفلام الكرتونية، وللأسف أنَّها تُبَثُ إلى بلاد المسلمين، وفي وسائل إعلام المسلمين، وفيها عبارات تُدَش دشا، وتارة تكون ظاهرة، فبدل كلمة الإله تذكر كلمة الآلهة ويُصَوَّرُ الإله على أنه يجلس في السحاب، ويُصَوَّرُ الإله بأنه ظالم غاشم، وبأنَّه على صورة بشر، ويتصارع مع الناس، ويُرَسَّخ مفهوم الشرك بالله، وأنَّ الآلهة يتنازعون إلى غير ذلك من السخرية بالدين، أو الجرأة على الله عل بأنواع السب والشتم.
أو يكون ذلك بتصوير بعض الشخصيات الإسلامية بصورة مقززة؛ لأجل تنفير الناس من الدين أو يكون ذلك بنسبة بعض الجرائم إلى الإسلام، وإلصاقها به فيما يُعْرَفُ بالعمليات الإرهابية، وأن هذا هو الإسلام.
وقد استطاع مَنْ وراء هذا الإعلام - وهم اليهود، وغيرهم - أنْ يُؤَلِّبُوا الناس في العالم بشكل كامل تقريبا إلا بعض بلاد المسلمين؛ فهناك معاداة للإسلام تظهر في آسيا، فضلا عن أوروبا، وأمريكا بشمالها وجنوبها، وكذلك في أفريقيا، إلا قليلا
من الناس ممن لديهم عقل، أو روية، أو اختلط بالمسلمين. (1/88)
صفحة 89
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
بل قد انطلى هذا الأمر على بعض الأنظمة الإسلامية التي تحكم بلاد المسلمين، أو أنَّ هؤلاء يعرفون الحقيقة، ويتذرّعُون بهذا البعبع كما يقولون؛ لأجل الوصول إلى مطامحهم الشخصية؛ وذلك بضرب الدعوة الإسلامية تحت شعار محاربة الإرهاب كما يفعل الغربيون.
الوسيلة الثانية: الإغراء بالمال والجاه:
وهذا أمر معلوم منذ القدم؛ تماما كما صنع فرعون مع السحرة حين طلبوا منه؛ {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الغَلِبِينَ)) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الأعراف: 113 - 114]، فوافقهم على المال، وأعطاهم فوق ذلك الجاه؛ حتى يكونوا معه، ويوافقوا على باطله.
فهذا أسلوب يفعله الطغاة والمفسدون قديما وحديثا، ولا شك أن دعاة الإلحاد يفعلون هذا أيضا؛ فلا نستغرب أن
يقوموا بذلك.
وأَذْكُرُ قبل مدة أنَّني كنت أتابع إحدى النساء اللاتي يتزعمن الحركة النسوية العربية في بلاد العرب والإسلام، وقد هَرَبَتْ من وطنها بعدما أُقيمت عليها دعوى ردة عن الإسلام؛ بسبب استهزائها بالله تعالى وبقيم الإسلام وإنكارها ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فإذا بها تتحدث بأنَّها استقبلت في أمريكا، (1/89)
صفحة 90
الالحاد
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
وبأنَّها تُدَرِّسُ في الجامعات الأمريكية، وذهبت إلى جامعات أخرى أيضا في أوروبا، وتُدرِّسُ الفكر الإسلامي!!
فتَصَوَّرُوا ما هو الفكر الذي تُدَرِّسُه المرأة التي تُحارِبُ
الإسلام؟!
ألفت عشرات الكتب، وقامت بالعشرات، وربما المئات من
المقابلات التي تتهجّمُ فيها على الحجاب الشرعي!! وتُطالب بتعدد الأزواج؛ كما أن الرجل له الحق في
الزوجات!!
وتُريدُ رفع الطلاق عن الرجل!!
وتُريد مساواة المرأة في الميراث!!
تعدد
وغير ذلك من الأمور العظيمة، المصادمة للنصوص القطعية
التي تُطالب بها!!
والشاهد هُنَا أَنَّهَا وَجَدَتْ مأوى عند طائفة مِمَّنْ يريدون تشجيعها على الإلحاد، وكم من المنظمات المشبوهة التي تعمل في بلاد الإسلام تحت ستارات مختلفة من جمعيات، أو نقابات، أو أحزاب، وما ذلك إلا وجه سياسي؛ لتغطية التمويل الذي يأتيها من الشرق، أو الغرب من قبل أعداء الإسلام؛ لنشر
الفكر الإلحادي في بلاد المسلمين، فهم يجدون الدعم لذلك. (1/90)
صفحة 91
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
91
وربما يقومون بانقلابات في بعض البلاد الإسلامية على السلطة القائمة - بغض النظر أيضا إن كانت سلطة ظالمة غاشمة، ولكنها لم تصل إلى درجةٍ في إنكار الدِّين كله ومحاربته ـ، فتجد الدعم لمثل الحركات من قبل بعض الدول، أو الأنظمة التي تواليها؛ لأجل الاستيلاء على السلطة بالسلاح، وبالأجناد، وبالمال.
وهذا معلوم؛ فقد انقسم العالم قبل سنين إلى فريقين: فريق الاتحاد السوفيتي، وفريق يتبع الفكر الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كانت هناك بعض الدول التي
يتبع
وَقَفَتْ في الوسط فيما عُرِفَ بحركة عدم الانحياز.
فإذن هناك دعم يتلقاه أتباع هذه الأنظمة المختلفة، وبسبب حب السلطة، وحب المال لا يبالي بعض الناس أن يكفر بالله تعالى، وأن يعتنق أي كُفر، وأي فكر، ولو لم يكن مقتنعًا به، وربما يؤدي ذلك إلى نشر هذا الفكر في الناس، مع أن بعض هؤلاء في حياته الخاصة يلتزم ببعض القيم مع أنه ـ سبحان الله العظيم - يقوم بنشر ما هو أشد من ذلك أو يُطَالِبُ الناس بفعل ما هو أشد من ذلك في حياتهم العامة.
الوسيلةُ الثالثةُ: بثُ السُّعار الجنسي والفسادِ الخُلُقِيِّ: فمما هو معلوم أنَّ الترف يؤدّي إلى التلف، وهؤلاء لا يكتفون بهذا الأمر - أي بتشجيع الناس على حياة البذخ، (1/91)
صفحة 92
92 الالحان
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
والدعة، والخمول، وحب الدنيا، وإيثارها على الآخرة؛ بل يُشَجِّعُون في الناس هذه النّعرةُ الحيوانية، ولذلك كان معتمد الملاحدة نظرية داروين؛ لأن داروين يعتبر الإنسان حيوانا، أو أنَّه تطوّر من حيوان ولذلك تغلب عليه النزعة الحيوانية من الغضب، والشهوة، والميل إلى الأرض، وعدم المبالاة بعواقب الأمور.
ولأنَّه يعلم أن الحيوان غير مكلف ـ حتى عند أتباع الأديان المختلفة ـ يريد غرس التَّقَلتِ من النظام، ومن الأخلاق، وهذا الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فإنّ الإنسان يكون أشد من الحيوان الأعجم إذا أُطلِق له العنان، كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَوَاهُ اسْتَغْنَى) العلق: 6 - 7]، {أَوَلَيْكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَيْكَ هُمُ الْغَفِلُونَ) [الأعراف: 179]، فالإنسان حينما يُطْلَقُ لشهوته ولهواه السَرَاحَ ويدفعها فإنَّه لا يكاد يقف عند حد، ويفعل أشياء ينبو، ويترفع عنها الحيوان؛ لما بقي فيه من فطرة؛ ولما أودع الله تعالى فيه من غريزة.
فتجد بعض الحيوانات مع تقادم العصور، واستمرار السنين إلا أنها تحافظ على ما فَطَرَهَا الله عليه؛ فالقط أو الهر حينما يقضي حاجته فإنه يحاول، دفنها، والشاة حينما تقضي فإنَّها تقعد؛ حتى تكون قريبة من الأرض.
حاجتها
وهكذا بعض الحيوانات حينما تريد أن تقيم بعض العلاقات
الجنسية الحميمة فإنّها تَتَوَارَى عن الأنظار. (1/92)
صفحة 93
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
93
هكذا في بعضها على الأقل، ففيها شيء من الحياء. ولكن هؤلاء الملاحدة حين يُطْلِقُون السُّعار الجنسي؛ فإنهم
لا يقفون في ذلك عند حد، وإنما يفتحون الباب على مصراعيه، ولذلك اعتمدوا نظرية سيغموند فرويد فيما يتعلق بالغريزة الجنسية، والعلاقات بين الجنسين، ففرويد مثلا يعتبر الغريزة الجنسية هي التي تتحكَّمُ في تصرف الإنسان، ويجعل علاقة الأب بابنته علاقة جنسية والعياذ بالله، وعلاقة رضاع الطفل الصغير وهو يولد من بطن أمه بلثم ثديها بأن ذلك من الجنس
والعياذ بالله.
ولذلك هو يُصَنِّفُ الحياة كلها على أنَّها جنس، وأن هذا أمرٌ طبعي يجب فيه فتح الباب للإنسان، ولا يرى وضع أي حدود في العلاقة بين الجنسين، وإنّما يسعى إلى هدم أي فاصل بين الذكور والإناث وأنَّ عدم القيام بذلك يؤدي إلى الكبت الجنسي، والكبت الجنسي يترتب عليه الوقوع في أمراض نفسية، وذلك إما أن يؤدّي إلى الانتحار، وإما إلى نقيض هذا الكبت، وهو الانفلات.
ولذلك لا مانع عند فرويد من أن يجلس الشاب إلى الفتاة؛ ليتبادلا الحديث، ويتطلع كلُّ واحد منهما إلى مفاتن الآخر، وأن يقوما بعلاقة جنسية، ولو كان في غير إطار الزواج، ويفتحون المجال لما يعرف بالمراهقين - أي دون السابعة عشرة، أو (1/93)
صفحة 94
94
المحور الثاني وسائل نشر الإلحاد
الثامنة عشر في قوانينهم، أو عُرْفهم، وإن كانوا بالغين حسب الفطرة في أغلب الأحيان بظهور علامات البلوغ فيهم - لممارسة الجنس، والرذيلة فيما بينهم، فلا يُحَاسَبُون على ذلك، ويعتبرون ذلك من تفريغ الشهوة؛ لأنَّها أمر ضروري للإنسان، كالمأكل، والمشرب، والسكن واللباس.
والملاحدة يَتَبَنَّوْنَ هذا الفكر؛ ولذلك يسعون لنشر الفساد الخُلُقِيّ، لما يترتب عليه من الوقوع في الإلحاد؛ لأنَّ الذي يَتَّبِعُ
شهوته في الجنس لا يقف عند حد، فيكون أسير الشهوة.
وكما ذَكَرَ شيخنا الخليلي - حفظه الله تعالى ـ عاقبة هذا الأمر في مقدمته على جواهر التفسير في الجزء الأول؛ حين ذكر الإعجاز التشريعي، والإعجاز الخُلُقِي في القرآن الكريم، وذكر: أن الغرب ونتيجة اتباعهم لهذه النظريات الفاسدة البالية وقعوا فيما لا تُحْمَد عقباه؛ بحيث لم يقف فسادهم عند حد.
وذَكَرَ أنَّه اطَّلَعَ على خبر في صحيفة: أن رجلا أمريكيًا اغتصب أكثر من ثلاثين طفلا، ثم قتلهم، فهذا خلاف ما يدعيه فرويد: أن هذا اللقاء بين الذكر والأنثى، وتبادل الحديث، وتَطَلُّعُ كل منهما على مفاتن الآخر يؤدّي إلى تهذيب الغريزة الجنسية؛ إذ لم يقع ذلك، بل فَتْحُ المجال يؤدي إلى مجاوزة الفطرة ومعاكستها، فبعض الرجال لا يكتفون بالنساء، وإنما يعتدون على الرجال، ويقومون بممارسة الشذوذ الجنسي، وهو ما يُعْرَفُ (1/94)
صفحة 95
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
الالا
95
عندهم اليوم بكلمة ألطف، وهي المثليين، حتى أنهم لا يسمحون بإطلاق كلمة الشذوذ على هؤلاء الذين يمارسون هذه الفاحشة والعياذ بالله، فلم يكتفوا بذلك؛ ليقوموا برزء الأطفال كذلك في شرفهم، وعفتهم، وكرامتهم.
وهذا أمرٌ أيضا وقعت فيه بعض النساء؛ وذلك بممارسة السحاق فيما بينهن، وأصبحت هناك عمليات جماعية؛ لممارسة الفاحشة والعياذ بالله تعالى.
فهذا الذي نتج عنه فتح هذا الباب، وهم يعلمون أن هذا سبيل ضعف كثير من الشباب؛ ولذلك يُحَاوِلُون إفساد الشباب عن طريق تشجيعهم على هذا المجال، وذلك بنشر التَّبَرُّج، وإباحة الاختلاط بين الذكور والإناث دون قيود أو ضوابط، وكذلك الخلوة بين الأجانب من الرجال والنساء غير المحارم إلى غير ذلك؛ من نشر الأفلام والمسلسلات الإباحية، والمجلات الإباحية.
وأَذْكُرُ أنّي كنتُ في بريطانيا أذهب إلى دكان قريب من البيت، فكان يُعرِضُ بعض الصحف والمجلات التي تُنْشَرُ في تلك البلد أمام العملاء هكذا، وفيها بعض الصور تنكشف فيها المرأة بصورة على كامل الغلاف، وليس عليها قطعة ثوب والعياذ بالله تعالى، بينما يرتاد ذلك المكان رجال ونساء، وأطفال. (1/95)
صفحة 96
96
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
فهكذا يقتلون المروءة، والحياء، والغَيْرَةَ، ويُعَكِّرُون فطرة الأطفال، وينشرون الفساد، فما عسى أن يتصرف شاب تثور فيه شهوته في عنفوان الشباب، وهو يفتح عينيه على طوفان من التبرج والعري، ولذلك تكثر عندهم جرائم الاغتصاب مع الحرية التي يزعمونها.
وَأَذْكُرُ أَنِّي عندما كنت في بريطانيا فتحت الموقع الرسمي لـ Home Office وهو ما يُعْرَفُ بوزارة الداخلية، وذكروا في ذلك العام، أي قبل خمسة عشر عاما من الآن: أنَّه اعْتُصِبَ في بريطانيا في عام واحد مئة وثمان وستون ألف امرأة، هذا مما اطَّلَعْتُ عليه بنفسي، وهذا الذي أُثْبِت، أو بَلْغَتْ عنه أولئك
النساء المغتصبات.
العدد،
وَأَذْكُرُ أنّي حضرت محاضرة لأحد علماء النفس في الجامعة، وتكلم عن الجريمة، وذَكَرَ في دراسته أن نسبة الجرائم التي يُعْلَنُ عنها إنما هي ربع الحقيقة فقط في أي: 25?، وذكر أسبابًا كثيرة لذلك، ومنها أن كثيرًا من المجني عليهم يخشون من الإبلاغ عن الجناة خشية الانتقام منهم، أو أنهم لا يثقون بالنظام الأمني، أو أنهم لا يثقون بالنظام القضائي، أو لأنَّهم لا يعرفون حقوقهم، أو لغير ذلك من الأسباب، وعدم المبالاة.
فهذه الأحداث التي تُذْكَرُ إنما هي جزء بسيط من الحقيقة. (1/96)
صفحة 97
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
97
ولذلك فشعار الإلحاد هو الإباحية المطلقة، فليس عندهم شيء من الخصوصية؛ فالمرأة كلاً مستباح عندهم، والعلاقات الجنسية مفتوحة ولا يعترفون بقداسة الزواج، ولا يقيمون للأسرة وزنًا.
فلا نستغرب بعد ذلك أنْ يَتْبَعَ هذا الفِكْرَ بعض مرضى القلوب من أتباع الشهوات ويُمَجِّدُونه، وَيَدْعُونَ إِليه؛ لأنَّهم يريدون تحقيق شهواتهم من هذا الفكر الفاسد العفن.
الوسيلة الرابعةُ: القهرُ والتَّسلط
وهذا ينتج عن طريق الدول التي تتبنى هذا الفكر، أو الأنظمة، أو بعض المنظمات، أو الأحزاب، أو غير ذلك.
سواء كانت ظاهرة أم خفية، فالظاهر منها معلوم، ولكن الخفي منها ما يتبع بعض الأجهزة المخابراتية الخفية، أو المنظمات الإجرامية المعروفة في هذا المجال، وذلك حين يتسلطون على عباد الله تعالى بالقهر والظلم؛ بالقتل والتعذيب، والتهديد، والتجويع والإرهاب والطرد، والتهجير؛ لأجل إرغام الناس على قبول فكرهم.
،
وذلك كما هو منشور ومعلوم عن فعل الاتحاد السوفييتي؛ حين حكم هذا النظام الشيوعي، وإيَّان حكمه ما كان الناس يجرؤون على القيام بذلك. (1/97)
صفحة 98
98
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
وهذا الأمر لا يقتصر على هؤلاء الذين أظهروا إلحادهم، بل النظام العلماني الرأسمالي لا يقل عنه ضراوة أيضا؛ فإنهما وجهان لعملة واحدة، فهم يستعملون القهر، والسلطة الظاهرة والباطنة؛ لأجل دفع الناس إلى الكفر بالله الله.
وما حدثت الحرب العالمية الأولى والثانية؛ إلا نتيجة الصراع بين أصحاب هذه الأفكار والعياذ بالله، وكان ضحاياها أكثر من خمسين مليون شخصا في الأرض، وكثير منهم أبرياء، لم ينخرطوا فيه هذه الجيوش، ولكن قُتِلُوا ـ كما يُقالُ ـ بدم بارد، وكم هُجر من المسلمين، وقُتِلُوا؛ لأجل إرغامهم.
كما
بل أُقِيمَتْ لهم محاكم تفتيش؛ لينسلخوا عن دينهم كان من الصليبيين في الأندلس بعد أن قضوا على الممالك الإسلامية الضعيفة المتفرقة؛ لأنَّها تَخَلَّتْ عن التمسك بالدين حقيقة، وبقي لديها الاسم فقط، أو بعض المظاهر، فغرقت في الترف، والخلافات الداخلية، فأطمع أعداءها فيها، وقُضِيَ على آخر مملكة، وهي مملكة غرناطة واستولي على قصر الحمراء، وكان ذلك سنة 1492 م، وهو نفس العام الذي ذهب فيه كرستوفر كولومبس إلى أمريكا، ورجع بالغنائم وقطع البحر.
فهؤلاء يفعلون هذا الأمر؛ لأجل إرغام المسلمين على ترك
الإسلام، كما كان منهم في محاكم التفتيش هناك. (1/98)
صفحة 99
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
99
وقُتِلَ أيضا الكثير من الناس أيام الحروب الصليبية باسم الدين، وكذلك في الصين، وفي الاتحاد السوفييتي، وفي أوروبا، وفي إفريقيا، وفي أمريكا، ولا تكاد تخلو بلاد من تسلط هؤلاء؛ إما عن طريق السلطة القائمة، هكذا علنا، بالقتل العلني؛ حتى في ملاعب كرة القدم، أو في السجن تحت التعذيب، أو دون أي تهمة وإنما بالتلفيق، وقد يكون ذلك عن طريق بعض الأجهزة الخفية كما يعرف بجهاز (KGB)، التابع للاتحاد السوفييتي السابق، وبعض الأجهزة الأمنية الأخرى، التي لا زالت تقوم بعملها إلى الآن، ولهم في ذلك
أساليب كثيرة.
ومنها أيضا الابتزاز فربما يقع بعض مرضى القلوب من المسلمين في خطأ معين - ربما بسبب ضعف إيمانه - فيُصَوِّرُونه، ويهددونه إن لم يطاوعهم فيما يريدونه فإنهم سيفضحونه على الملأ؛ فينقاد إليهم، ويُعْلِنُ الكفر، وربما يتسنم السلطة فيفعل
ما يريدون.
وهذا من أساليبهم الرخيصة كما هو معلوم.
وكما قلتُ: لست هنا أعتذر لأحدٍ، أو لأُسَوِّعَ له، وإنما أَذْكُرُ وسائل هذا، ولكن المؤمن يبقى على إيمانه، ويثبت على الدِّينِ الحق مهما كان الأمر، وإنما له أن يمارس التَّقِيَةَ بلسانه، أو بفعله
بضوابط شرعية معروفة، وليس المقام مناسبا لذكرها الآن. (1/99)
صفحة 100
الالجانبي
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
أما العقيدة في القلب، ولا يمكن التنازل عنها بحال، وليس في ذلك تقية مطلقاً؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ وَلَكِن مِّن شرححَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظيم) [النحل: 106]، فهذا الذي ينسلخ من إيمانه لا يُعْذَرُ عند
الله تعالى.
الوسيلة الخامسةُ: التَّربيةُ والتَّعليم:
فهؤلاء أصحاب فكر، وينطلقون من عمل مؤسسي،، لا على طريق العشوائية، فيُنَظْمُون أنفسهم؛ لأنَّهم يعلمون أنَّ هذا النظام الذي يقومون به هو الكفيل بتحقيق أهدافهم.
وهذا الأمر صحيح من حيث الإجمال؛ فالعمل المؤسسي لا شك أنه أفضل من العمل الفردي، أو العشوائي؛ لأنه يكثر فيه الإنتاج، ويكون بأقل جهد، وأقل وقت، ويكون فيه تعاون وتكافل، ويكون فيه شورى، وتخطيط وإدارة، وقيادة، وأتباع، ولا شك أن هذا يؤدّي إلى استمرار العمل؛ فلا يتوقف بتوقف فرد، بحياته أو موته، بصحته أو مرضه لاعتناقه هذا الفكر أو تخليه عنه، فهم يعرفون هذا الأمر، ولذلك يسعون جهدهم لتحقيقه.
ولا شك أن من ضمن الوسائل لاستمرار هذا الفكر نشر التربية والتعليم، والقيام بذلك؛ ولذلك بنوا الحضانات، (1/100)
صفحة 101
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
1.1
والمدارس، والكليات والجامعات وأنشأوا المراكز البحثية؛ هذا الأمر حتى يترسخ، فيُرَبُّون الأطفال على هذا لأجل دعم. الفكر منذ نعومة أظفارهم، فيفسدون فطرهم، مع أن فطرة الإنسان على الدين الحق؛ كما يُعْلَمُ، بالدليل، قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدين حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدين القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم: 30]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (1)، والدراسات تُثبت هذا الأمر، في أمريكا، وفي غيرها.
وَقد ذَكَرَ شيخنا الخليلي في كتابه مصرع الإلحاد طائفة من هذه الدراسات التي تُنْبِتُ بأن الأطفال ينشأون على الإيمان بالله تعالى، واليوم الآخر، ومِنَ الصَّعب بتُ فكرة مخالفة لذلك في نفوسهم، بل يُنْكِرُون على غيرهم لو رأوا منهم غير ذلك، وهذا ما لا تسعى إليه هذه الأنظمة الإلحادية؛ ولذلك تحاول غرس الفكر الإلحادي في الأطفال منذ الصغر؛ لكي يوالوها، ولكي
يكونوا مُضَحينَ لأجلها.
وفعلا، وبسبب السنين، ولم تتوقف، إلى أنْ أذِنَ الله تعالى انقضاءها بقوته،
هذا النظام استمرت الشيوعية لعشرات
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟، رقم: 1358. (1/101)
صفحة 102
102
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
لا بقوة البشر، وإن كانت هناك قوّى من البشر حاولت ذلك، كما قام الأفغان بمحاربة الاتحاد السوفيتي، وانتصروا عليه، وكان ذلك إيذانًا بإسقاطه فكريًا، ولكن النصر من عند الله جل؛
و وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال 10].
والله الله هو الذي ينصر مَنْ يشاء من عباده، ويذل مَنْ
يشاء من عباده (قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن نَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 26]، وذلك مع عدم التهاون في الأخذ بالأسباب؛ كما قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم) [الأنفال: 60]، وهؤلاء يعلمون هذا الأمر، ولذلك يُرَكِّزُون على التربية والتعليم، ونشروا بذلك هذا الفكر، وهذا ما يذكرونه في
مذكراتهم.
وَأَذْكُرُ أن شيخنا الخليلي - حفظه الله تعالى ـ ذَكَرَ أيضًا في مصرع الإلحاد كلامًا عن أحد العملاء المنشقين عن الاتحاد السوفييتي: أنه ذَكَرَ أنَّه بعد سقوط القوة العسكرية فإنَّ الطريق للتأثير على الآخرين يكون بالقيام بنشر الفكر على أربع مراحل: وذكر المرحلة الأولى وهي إسقاط القيم والأخلاق، ويدخل في ذلك السخرية بالدين والاستهزاء بوجود الدين، وإفساد المدارس خُلُقِيّا، ونشر الأفكار الإلحادية، إلى غير ذلك، وذلك عن طريق وسائل الإعلام، وغيرها. (1/102)
صفحة 103
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
الالالي 103
ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الثانية يكون فيها الوقوع في أزمة؛ نتيجة هذا الصراع الحاصل بين الناس، فتوجد أفكار مختلفة، وتنازع،
وتذكى العصبيات القبلية والحزبية، ويختلف النظام، أو المجتمع.
اللفظ
ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الثالثة وهي الفوضى، وقد تقع المجتمعات في حرب أهلية بسبب ذلك، فلا يكتفون بمجرد التنازع والخلافات، وإنما ينتقلون إلى الحرب الأهلية، وربما يستجدون الآخرين للتدخل فيما بينهم، وكل فريق يستجدي بقوة، فعندما ينزل أولئك الأعداء ينزلون بقوتهم، ويستولون على الأمر.
ثم تأتي المرحلة الرابعة وهي تلميع بعض الشخصيات، التي مقتنعة بهذا الفكر الإلحادي، والتي هي عَمِيلَة لهؤلاء الأعداء، فتنصب على الناس؛ لتحكمهم، ولتنشر الفكر، فيكون عن طريق ذلك الاستيلاء على مُقَدَّرَاتِ الأمم، لا بالحرب العسكرية الصريحة، التي كانت فيما تقدم.
الوسيلة السادسة: تعميم اللغة والأدب:
أي: الثقافة، وهذا ما هو حاصل؛ فعندما أرادت فرنسا غزو
شمال أفريقيا ماذا صَنَعَت؟!
نشرت فكرها ونشرت لغتها؛ لأنّ اللغة ليست مجرد حركة
اللسان، وإنما
ينتبه لهذا الأمر.
هي ثقافة وقيم، ولذلك على الدارس للغة معينة أن (1/103)
صفحة 104
104 الالحان
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
فمع كوننا نُشَجِّعُ على دراسة لغات مختلفة؛ لأجل نشر الدعوة إلى الإسلام، ولكن في الوقت نفسه نُحَذِّرُ من التأثر بأفكار الآخرين؛ لأنَّ اللغة مطية لهؤلاء للوصول إلى قلوب الناس وعقولها، ولذلك قام مصطفى كمال أتاتورك اللغة بمنع العربية؛ حتى يَقْطَعَ صلة الناس بالقرآن، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم،
وبالتأريخ، والحضارة، وليجعل صلة الناس بأوروبا؛ فاستعمل الحروف اللاتينية.
وهذا عين ما قامت به بريطانيا أيضًا في ممالكها المختلفة؛ فَغَيَّرَتِ الحروف المستعملة في الهند من الحروف العربية إلى الحروف الهندية القديمة، أو إلى الحروف اللاتينية، وغَيَّرَتْ أيضا الحروف العربية المستعملة في أندونيسيا، وفي ماليزيا إبان احتلالها، وجعلت الناس هناك يستعملون الحروف اللاتينية
ويتكلمون اللغة الإنجليزية.
أنَّهُ وهذا ما صنعته أيضًا في أفريقيا في اللغة السواحيلية، حتى توجد كتابات قديمة كُتِبَتْ فيها اللغة السواحلية في الصحافة العمانية العربية بالحروف العربية، وتُوجَدُ بعض المخطوطات للشيخ ناصر بن أبي نبهان يكتب فيها أسماء بعض الأعشاب والأدوية
بالحروف العربية، وهي كلمات سواحيلية، وهذا أمر معروف. وكذا صنعت فرنسا؛ وذلك فيما يُعْرَفُ بالفَرْنَسَة، فنشرت اللغة الفرنسية، بل ألزمت الناس بذلك في الجزائر، وفي تونس، (1/104)
صفحة 105
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
1.0
وفي أجزاء من المغرب، وفي غرب أفريقيا، وغيرها من البلاد التي احتلتها، وتغير الناس بعد سنين، وتأثروا بهذا الفكر، وهذا أمر خطير جدا.
اللغة وتارة لا يلزم ذلك عن طريق تغيير وإنما بنشر أفكار هؤلاء عن طريق وسائل الأدب المختلفة المعروفة؛ من نحو القصص والروايات، فكم من كُتّاب يُوصَفُون بأنَّهم عرب، وبأنَّهم مسلمون أو يحملون أسماء إسلامية، ولكنهُمْ ينشرون هذه الأفكار، وتأثَّرُوا بهذا الفكر؛ كما هو في الفكر
الحداثي.
فهذا علي أحمد سعيد المعروف بأدونيس، يكتب بالعربية هو وغيره، ولكن ما الكلام الذي كان يقوله؟ وماذا كان الشعراء الآخرون أيضا - ممن تأنَّرُوا بهذا الفكر، أو الشعر الحداثي. يقولون؟ حينما يقول أحدهم: «تُب إلى اللات، ودع عنك الجحود»، نسأل الله العافية.
هو كلام عربي، ولكن فيه تمجيد للكفر، ودعوة إلى الإلحاد، والعياذ بالله تعالى، وتشجيع عليه، وتعظيم للشك، واللا أدرية كما يقولون في أبيات إيليا أبي ماضي وغيره.
فهم ينشرون القصص والروايات لنشر هذا الفكر، ولنشر الفساد أيضا، من قصص الجنس والغرام، وغيرها، ويبتون فيها
سمومهم. (1/105)
صفحة 106
الوسيلة السابعة: المسرح والسينما:
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
وذلك باعتباره داخلا تحت ما يسمى مصطلح الأدب، والمصطلح المعروف عند الغرب (Arts)، وتدخل في ذلك الفنون، فيستعملون ذلك لنشر أفكارهم.
والآلة والمؤسسة الإعلامية الأمريكية المعروفة بهوليوود لا شك أنّها تقوم بدور عظيم في هذا المجال، وقد استطاعت أن تغزو العالم كله تقريبًا، وها هي المؤسسة الهندية بوليوود أيضا تحاول اقتفاء أثرها.
فهذه المؤسسات تقوم بنشر هذا الفكر الإلحادي؛ وذلك بالدعوة إلى السجود لأصنام والعياذ بالله تعالى، أو بتقديس الطبيعة دون الله، أو بعبادة الشيطان، أو بالقدح في الدين، أو السُّخرية والاستهزاء به.
بسم
أو بتشويه صورة الدِّينِ بِعَرْض أفلام تَعْرِضُ محاربة الإرهاب، ويظهرُ هؤلاء الإرهابيون بأنَّهم يُصلُّون، وبأنَّهم يقولون: الله»، ويقولون: الله أكبر حين يريدون تنفيذ العمليات ويحملون القرآن معهم، ويلبسون العمامة، ويُطْلِقُون اللحي؛ وبهذا تنغرس مثل هذه الصور عند المشاهدين، وتسري فيهم الأفكار حين يُجْعَلُ خلفية للسيطرة على ما يُعْرَفُ بالعقل الباطن، أذانا، أو قراءة قرآن حين القيام بمثل هذه العمليات
هذه (1/106)
صفحة 107
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
107
الخطيرة، والتي يكون من آثارها قتل الناس دون تمييز؛ في مجمع تجاري أو في مسجد أو في كنيسة، أو في حالة عرس جماعي، أو عزاء، أو غير ذلك، وكل هذا؛ لأجل تسميم الأفكار
بنشر الإباحية؛ عبر المسلسلات والمؤسسات المختلفة.
ولذلك أدعو المسلمين أن يستقلوا في إعلامهم، وأن يُقَدِّرُوا تأثير الإعلام؛ فإنَّ كثيرًا من الناس إنما يتحركون بقوة الإعلام، وبعض الناس أصبح رئيس دولة، كما في أمريكا؛ لأنَّه كان ممثلا، وهو رونالد ريجن، فكانت له شعبية.
وهذا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب له قناة مستقلة وبسبب قوته الإعلامية والمالية استطاع أنْ يُسَوّق لنفسه، وأن يكون له أتباع كثيرون، وأنْ يُسَوّق لفكره؛ ولذلك اختاروه بغض النظر عن بعض الأخطاء التي يمارسها، أو المؤاخذات التي يؤاخذها عليه خصومه وكل هذا بسبب الإعلام.
وهكذا في البلاد الأخرى؛ فبعض الرياضيين يكونون هم القادة، فالإعلام له أثر كبير جدا، ولربما يكون الشخص غير كفؤ،
ولكن بسبب إجادته لتسويق نفسه إعلاميًا يفوز في السباق، وهذا الفوز يعني وصوله هو إلى غايته، وإلا فهو خاسر إن لم يكن أهلا
لذلك، وبعض الناس يكونون أكْفَاءَ، ولكنهم بسبب ضعف تسويقهم لأنفسهم يخسرون السباق.
1 (1/107)
صفحة 108
108 الالحان
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
الوسيلة الثامنة: الصحف والمجلات:
فهي
أيضا تدعو إلى ذلك، ولا أريد الإطالة في هذا، وإنما
فقط التمثيل؛ فإن ذلك معلوم، ولذلك هؤلاء يحاولون السيطرة
على كل منفذ يقدرون عليه.
والآن
هم يحاولون السيطرة على بعض المؤسسات
الإعلامية؛ المسموعة والمرئية والمقروءة، ووسائل التواصل الاجتماعي، ويكتبون، وينشرون.
ولا يُستغرب أن يكون هذا المجال الذي أكرمنا الله تعالى به مؤديا إلى إغاضتهم، وقد رأيتُم بعض الممارسات من محاولة بعض الناس تشويه شاشة البث وكتابة بعض الكلمات البذيئة، وهناك من يكتب بعد ذلك تعليقات مسيئة، وكل ذلك لصدّ الناس عن متابعة هذه الدورة، ونحمد الله تعالى على توفيقنا لنشر الإسلام، ومواجهة هذا الإلحاد؛ ولذلك رأيت وضع كلمة «محق الإلحاد في بداية الدورة.
الوسيلة التاسعةُ: التَّشكيك في الدِّينِ وأحكامه: وهذا أسلوب رخيص، والمولى ما ذَكَرَهُ في كتابه عن المنافقين، وقبلهم أيضًا ذَكَرَهُ عن المشركين، وكيف أنَّهم يتعاملون مع أنبيائهم ورسلهم عليهم الصلاة والسلام؛ حيث إنهم (1/108)
صفحة 109
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
الالحاني
109
يُشَكِّكُون في الله، وفي اليوم الآخر، وفي النُّبوَّة؛ {قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بشرا رسولا} [الإسراء: 94]، {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا} [الإسراء: 90]، إلى آخر الآيات.
أو ما ينشرونه من إشاعات في المجتمع المسلم؛ {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ خَيْرٍ لَكُمْ} [التوبة: 11]، {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَهُمْ عَن قِبْلَيْهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142]، وكما ذكروا عن الميتة: «أنأكل ميتتنا، وتحرم علينا ما قَتَلَهُ الله؟!»، أي: أن ما مات حتم أنفه فهو ميتة، حرام، لكن ما قتلوه، أي: ذبحوه، فهو حلال. فقالوا: كيف هذا؟!
فينشرون مثل هذه الأفكار؛ للتشكيك في الدين وأحكامه. وقد تبين أيضا أن بعض الطلبة حين يُبْتَعثُون إلى البلاد الغربية أو الشرقية أو إلى أي مكان - وربما يكون حتى في البلاد العربية، والإسلامية، وفي الوطن نفسه ـ يكون هناك مَنْ يقوم بذلك من هؤلاء؛ فلا بد من الحذر منهم.
وَأَذْكُرُ أنَّ طائفة من طلبة العلم قد تربوا على يد مشايخ العلم، وتعلَّمُوا على أيديهم سنين، وحين التحقوا بشيء من الجامعات، أو الكليات استحوذ عليهم أتباع هذا الفكر فأوقعوهم في الإلحاد والعياذ بالله، وهم في البلد، وتأثرُوا بذلك،
ومنهم من سافر إلى الخارج فتأثر، فنسأل الله تعالى السلامة. (1/109)
صفحة 110
110
الالجاري
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
وهذا حرمان من توفيق الله؛ ولذلك يجب الحذر من هؤلاء، سواء كانوا داخل البلاد، أو خارجها.
وهذا الأسلوب في التشكيك يلجأون إليه كثيرًا في الآونة الأخيرة، وقد التقيتُ بأحد الطلبة ممن كان يَدْرَسُ معنا في إحدى الجامعات هنا في البلد، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ الأستاذ الذي يُدَرِّسُهم يُلقي عليهم مثل هذه الشكوك، وهو أستاذ غربي أمريكي، ويقدح في بعض أحكام الإسلام، وفي ثوابته، ويُلْقِي على الطلبة هذا الأمر، وليس هناك مَنْ يجادله، وربما يخشى الطلبة مواجهته؛ خشيةً مِنْ أَنْ يرسبهم في الامتحان، أو ينقص درجاتهم، وهذا واقع في بلدنا للأسف الشديد، وليس واقعا من فرد، بل هم جملة.
وَأَخْبَرَنِي بعض الطلبة أيضا أن هؤلاء يستعملون طريقة أخرى، وهي التبادل الثقافي بين الجامعات أو الكليات، وبأن طلبة من أمريكا زاروهم في هذه المؤسسة التعليمية، فكانوا يتكلمون معهم، فإذا بأولئك الطلبة الأمريكان يقومون ببثّ الشكوك في الإسلام، وفي البداية هو حوار، والتعرف على لغة الآخر، وإذا رأوا أن ذلك الطالب منبهر بالغرب، ويُمَجِّدُ هؤلاء الغرب، يبدأون بطرح مثل هذه الأسئلة على صورة إشكالات نريد الإجابة عنها وأنت مسلم وغالبًا ما يكون هذا الطالب
ضعيفًا؛ لأنه لم يتلق تعليمًا كافيًا فيما يتعلق بدينه، وعقيدته. (1/110)
صفحة 111
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
الليالي 11
111
وللأسف الشديد لا يستطيع الإجابة عن تلك الأسئلة؛ فيقع الشك، فيُعطونه كتبًا في هذا المجال، أو يدعونه إلى الدخول في مواقع معينة؛ ليتابعها، أو ليقرأ فيها، وهناك يتابعه أناسٌ
في
متخصصون في نشر هذا الفكر وفي الطلبة العرب خاصة. . فيستحوذون على هذا الطالب الضعيف، ويبثون فيه الغرور، ويُنَشِّئُونه على مبدأ العقلانية؛ حتى يترك الآيات، والأحاديث، وكأنَّه يحيلها إلى النقاش، وهو لا يستطيع الإجابة، وتبرير كل شيء حين يستعمل هذا الأسلوب، فيضعف، ولا يرجع إلى العلماء؛ لأنهم ينفخون فيه الاستقلال، وأن الرجوع إلى العلماء إنما هو إلغاء للذات، وهو نوع تقديس لهؤلاء العلماء، وأنَّه لا يليق بطالب مثله ولديه هذا الفكر ولديه هذا العقل، ووصل إلى المرحلة الجامعية، ويُتقِنُ لغات متعددة، فلا ينبغي أن يكون منغلقا وجامدا، بل ينبغي أن يكون مستقلا برأيه، وهكذا يؤثرون عليه شيئًا فشيئًا؛ حتى ينقلب إلى رأيه.
وَأَذْكُرُ أَنِّي قرأتُ كُتيّبًا صغيرًا للدكتور مصطفى محمود قبل نحو أكثر من ثلاثين عاما من الآن بعنوان حوار مع صديقي الملحد، يذكر فيه مثل هذا الأمر للأسف الشديد.
وذكر شيخنا الخليلي - حفظه الله تعالى ـ أيضا عن بعض دعاة العقلانية: أنَّه حين نوقش في قوله: بأن الأديان جميعا على مسافة واحدة من العلم والبحث والنقاش، والانتقاد، ونحو (1/111)
صفحة 112
112
112 الالحالي
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
ذلك، وأنَّها طرق إلى الله تعالى جميعًا؛ فيساوي بين اليهودية، والنصرانية، والإسلام، حينما ناقشه أحدهم، وقال له: فماذا تقول في البوذية والهندوسية؟
أجابه أحدهم بأنَّه لا ننسى أيضًا أن الإسلام فيه شيء من رموز الوثنية والعياذ بالله تعالى؛ وذلك لأن في الإسلام يوجد الطواف، وهو دوران حول، حجر، وتقبيل لحجر، وفيه سعي بين الصفا والمروة، وهو سعي من حجر إلى حجر، أستغفر الله
العظيم!!
فجعل هذا مثالا على الوثنية في الإسلام، وكذلك التي لا يعلم مغزاها وتعليلها، وأنها غير معقولة المعنى، ويريد بذلك أن يُسَوّغ عبادة الهندوس للبقر، وعبادتهم الأصنام، وأنَّ هذه مجرد رموز في نظرهم، وأنهم يعبدون الإله، فبلغ بهم الأمر إلى هذا الحد، والعياذ بالله تعالى.
وكلُّ هذا لأجل إغراء الناس بما يقولونه، أو يعتقدونه؛ لأجل
الإيقاع بهم في حبائلهم، نسأل الله تعالى العافية.
وطبعا
هم.
قد يُشَكُكُون في القرآن، وقد يُشككون في السنة،
ولا يحتجون بما في القرآن وإنما بالعقل فقط، ويُنْكِرُونَ السنة مطلقا، ويقولون: لا نحتج إلا بالقرآن»، ويقولون: «نحن قرآنيون»، وكذبوا؛ إذ لو كانوا يَتَّبعون القرآن لاتَّبَعُوا السنة؛ لأن القرآن مليء بالآيات التي تدعو إلى اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وتحكيم (1/112)
صفحة 113
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
113
سنته، ولو لم يكن إلا قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كنتم تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] لكان كافيا، فكيف بقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى انْ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يوحى) [النجم: 3 - 4]، وكيف بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أَسْوَهُ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) الممتحنة: 6]، وكيف بقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
فهؤلاء يستعملون تارةً مثل هذه الأفكار للقضاء على الإسلام ويزعمون بأنَّ السنة لا تكون حجة بنفسها إلا مما وافقت فيه القرآن أو أحدث فيه القرآن، فلا يعترفون بالسنة الْمُخَصَّصَة للعموم، ولا المقيّدة للإطلاق، ولا السنة التي تأتي مفيدة لحكم غير موجود في القرآن، وبحكم زائد؛ كالختان، والرجم - عقوبة الزاني المحصن، وكالوتر، ونحو ذلك، فلا يعترفون بذلك، مع أنه قد انعقد عليها الإجماع على
مشروعية ذلك.
وإنما يريدون بذلك هَدْمَ هذا الدين، وإلا فأنَّى لهم أن يتوصلوا دون السُّنَّةِ إلى كيفية الصلاة؟! أو كيفية الزكاة؟! أو كيفية الحج؟! أو غير ذلك من العبادات المختلفة؟! إنما يريدون
هم بذلك التفلت من الدِّينِ. (1/113)
صفحة 114
114 الالحان
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
وإن أنكروا السنة فهم منكرون للقرآن والعياذ بالله، وإن شَكَّكُوا في السنة فهم يُشكِّكُون في القرآن، وهذا على سبيل الإجمال؛ فهذا مبدأهم.
أما قضية التشكيك فى حديث واحد أو رواية واحدة، وهي آحادية، وَتَقْبَلُ الكلام؛ أخذا وعطاءً من قبل أهل العلم، فلا مانع من ذلك؛ فلا زال العلماء المجتهدون المتخصصون في علم الحديث يُصححون ويُضعفُون، وليس هناك حديث يكون بمنأى عن ذلك، إلا إذا ثَبَتَ تواتره، فما دام ظني الثبوت؛ بأن ورد من طريق واحد، أو اثنين أو ثلاثة، أو لم تنطبق عليه شروط التواتر فهو متجل للنظر فيه سندًا ومتنا.
ولكن ذلك مِنْ قِبَلِ العلماء الربانيين المتخصصين في هذا المجال، وليس بقصد الطعن في الدين أيضا، وليس اتباعًا للهوى؛ كما يصنع هؤلاء حينما يُضَعَّفُون بعض الأحاديث مفردة، أو يصححونها؛ اتباعًا للهوى.
والأصل أن هؤلاء لا يعترفون بحجية أي حديث آحادي ولكن حين تكون في ذلك الحديث موافقةً لما يشتهون فإنهم يذكرونه، ويحتجون به، وحين يخالفهم لا يُبَالُونَ بطرحه، والاستهزاء به،
والسخرية منه؛ كما سخر بعضهم من قيام وصلاة الليل!!
وكما سخر بعضهم من حديث الذبابة، وغير ذلك من
الأمثلة. (1/114)
صفحة 115
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
الوسيلة العاشرة: انتهاك المقدسات:
115
سواء كان ذلك بالاستهزاء بالله، أو برسوله،، وَلَين سالتهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَيْهِ، وَرَسُولِهِ كنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنكُمْ} [التوبة: 65 - 66]، والمسلم لا يرضى أبدًا أنْ يُعْتَدَى على الله تعالى في حضرته، أو أنْ يَبْلُغَهُ ذلك، أو أنْ يُعْتَدَى على رسوله بأي وجه من الوجوه، وإني لأكبر الأمة الإسلامية - والحمد لله ـ حين انتفضت؛ انتصارًا
لنبيها بعدما قام بعض الأقزام بالتَّفَوُّه بكلام غير لائق في حق النبي صلى الله عليه وسلم؛ بدعوى حرية الرأي، وقام جمهور الناس بما يستطيعون
من المقاطعة لبضائع تلك البلاد، وهي فرنسا.
وينبغي أن لا يكون ذلك مُقتصرًا على هذه البلاد، وإنما يتخطاها إلى كلِّ مَنْ يعادي الدِّينَ الحقِّ، ويكيد له؛ فهناك استهزاء بالله تعالى وبكتابه، وهناك حرق لآيات القرآن، بل وَدَوْسٌ للقرآن تحت الأقدام، وإلقاء له في محل القاذورات،
وهناك ما هو واضح أيضا من إنكار أحكام هذا القرآن.
ولكن بعض الناس ـ سبحان الله ـ يتعاطفون مع أمرٍ معين، ويتساهلون في أمور أخرى، والمسلم إن كان في موضع، وحصل فيه هذا الاستهزاء، أو السخرية بالله تعالى أو برسوله يجب عليه أنْ يُنْكِرَ، فإن لم يستطع فعليه أن يقوم من المجلس، وإلَّا عُدَّ شريكا معهم ما دام يستطيع القيام إلَّا أنْ يتخذ ذلك تقية؛ لخوفه (1/115)
صفحة 116
117
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
على نفسه، {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بها ويستهْزَأُ بِهَا فَلَا نَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? إِنَّكُمْ إِذًا مسلهم إنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [النساء: 140].
الوسيلة الحادية عشرةَ: قطع الصلة بحضارة الأمة وتأريخها: وهذا ما قام به أتاتورك في تركيا، وقامت به فرنسا،
وبريطانيا، ولا زالوا يقومون بذلك إلى الآن.
فهذه الجامعات والكليات والمدارس، التي نُشِرَتْ في البلاد الإسلامية، سواء كانت عربية أو غربية، ولكن بطريقة غربيَّة، وتُدَرِّسُ الفكر الغربي، ما الذي يُنْتَظَرُ منها؟!
ينشأ الشاب المسلم فيها وهو لا يحسن تلاوة القرآن!! وعندما أتكلّمُ أتكلّم عن فئة أو عن ظاهرةٍ وَقَعَتْ في وقت من الأوقات، وليس كل المؤسسات على هذا النحو؛ حتى لا أغمط أحدًا حقه، ويتفاوت هذا من بلاد إلى أخرى، فلا يزال الكثير من الطلبة المسلمين في البلاد العربية والإسلامية - والحمد لله - يتعلمون القرآن، ويتلونه، ويحاولون فهم معانيه، ولكن الجرعة مع في العلوم الدينية ضعيفة، ويجب أن نعترف بذلك، وأصبح كثير من الطلبة للأسف الشديد ضعفاء في هذا الجانب، وكثير من أولياء أمورهم يحرصون على تلقينهم العلوم العصرية أكثر من
ذلك
تعليمهم العلوم الشرعية؛ من عقيدة، وفقه، وهكذا. (1/116)
صفحة 117
117
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
ولستُ أدَّعِي أنَّ هذه العلوم العصرية غير مهمة، فضلا عن منعها؛ فالإسلام يدعو إلى الانفتاح، وإلى التعلم، وجعل الإنسان خليفة الله في هذه الأرض، ودعاه إلى عمارة هذا الكون، شريطة أن يكون ذلك بمنهاج الله تعالى، فما الفائدة
في
أي
من طبيب، أو مهندس او عالم في الذرة، أو عالم علم من العلوم التجريبية إذا كان لا يصلي؟! أو إذا كان
لا يُوَسِّدُ الله تعالى؟!
فهذا لا يُؤْمَنُ أنْ يقوم باستعمال عِلْمِهِ في إهلاك الناس، وهذا ما حَدَثَ في أمريكا، وأوروبا، وغيرها؛ فَمَن الذي اكتشف
هذه الأسلحة؟! أسلحة الدمار الشامل؟!
الأسلحة
إنما هم في إرهاب الشعوب، وفي تدمير الناس، وفي قتلهم،
علماء للأسف الشديد، وباحثون، وتُسْتَعْمَلُ هذه
وما قنبلتا هيروشيما وناجازاكي عنا ببعيد.
وما حَدَثَ أيضا من تسرب للإشعاع النووي في تشيرنوبل في الاتحاد السوفييتي ببعيد، وأدت إلى هلاك كثير من الناس، وإصابتهم بعاهات.
وما يحدث الآن بين بعض بلاد العالم من تهديد بالسلاح النووي، مما يقض مضاجع الناس ويرهقهم، إنما هو من صنيع
الإنسان، إن لم يكن موجها بالإيمان. (1/117)
صفحة 118
118 الالماني
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
وما يحدث في المعامل اليوم من محاولة صناعة ما يُعرفُ بالسوبر مان الإنسان الخارق، وذلك بالتلاعب في الجينات فيما يعرف بالهندسة الوراثية، وظهر ذلك في النعجة دولي كما قيل في اسكتلندا.
ولا زالت هذه التجارب قائمة عند بعض الناس مع مَنْعِ منظمة الصحة العالمية، ومنظمة اليونسكو من ذلك، ومحاولة
بعض الدول تشريع قوانين تمنع أو تُجَرِّمُ ذلك.
وهناك بعض الأنظمة لا تستجيب لذلك، وبعض الباحثين والعلماء لا يقتنع بذلك، وبدأوا يستنسخون، ويقومون بالاستنساخ لبعض الأنسجة والأعضاء، وإن كان في هذا فائدة طبية، ولكن يريدون نسخ إنسان كامل وهم في طريقهم إلى ذلك كما يزعمون، وهذا بلا شك أنَّه سيؤدي إلى اختلال نظام الكون، واختلال التوازن البيئي، وإلى إفساد الإنسان، وإلى القيام بأشياء خطيرة جدا لا تكاد تخطر على بال.
وقد بدأت بعض وسائل إعلام هوليوود الترويج لمثل هذا الأمر فيما يُعْرَفُ بالإنسان الآلي، فضلا عن هذا الإنسان المستنسخ، وأن هذه الآلة قد تتمرد على الإنسان، وتؤدّي إلى القضاء على النوع البشري، فالعلم إذا لم يذكيه إيمان؛ فإنَّهُ يؤدِّي إلى الفساد والعياذ بالله تعالى. (1/118)
صفحة 119
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
فهؤلاء يريدون قطع صلة هذه الأمة بدينها، وبتأريخها، وبحضارتها، فينشأ الطالب لا يعرف شيئًا عن دينه، ولا يعرف شيئًا عن تأريخه وعن ثقافته، ولا يعتز بسلفه الماضين، وإنما ولاؤه كله لأعدائه.
ينشأ على لغة عدوه، ويعرف تأريخ أوروبا، أو أمريكا أكثر من تأريخ بلاد الإسلام.
وربما بسبب ذلك يغتر ببعض الأنظمة، أو الأفكار الغربية كما بدأ بعض شبابنا يتأثَّر بالديمقراطية، ويظنها الفردوس المنشود، وأنها غاية ما وصل إليه الفكر البشري، وأرقى ما وصل إليه؛ كما ذَكَرَ ذلك فرانسيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ، وانبهر بذلك، وقد أتى من شرق آسيا، من اليابان، وأصبح أمريكيا، وتأثر بالفكر الأمريكي الغربي؛ واعتبر النظام السياسي الديموقراطي أرقى نظام عرفته البشرية، واعتبر النظام الرأسمالي في تسيير الاقتصاد أرقى ما وصلت إليه البشرية، وهو إنما يتكلم عن علمه، ولا يعرف شيئًا عن الشورى الإسلامية، وعن أحكام الإسلام، وربما تأثر ببعض كتابات أعداء الإسلام، ولكن قَدَّرَ الله تعالى أن يعيش فرانسيس فوكوياما إلى عام 2009 م، ويشهد الأزمة المالية العالمية، ويُجْرَى معه لقاء؛ ليعترف فيه بوجود خلل في النظام المالي الرأسمالي الغربي، وأنَّ الأمر بحاجة إلى إصلاح. (1/119)
صفحة 120
120 الالجاي
المحور الثاني وسائل نشر الإلحاد
وهذا ما اعترف به طائفةٌ من هؤلاء، ويريدون الحل الآن.
الثقافة
كتابه
ولكن يأتي بعض الناس من المسلمين، وممن يَتَسَمَّوْنَ باسم الإسلام، ويتأثرون بهذا الأمر؛ لأنَّهم خِلْو الإسلامية؛ كما قال أبو الأعلى المودودي في ألقاها كلمته التي أمام الجماعة الإسلامية في بيشاور؛ كما نقل ذلك عنه شيخنا الخليلي. - حفظه الله تعالى - في دروسه المختلفة، وفي مصرع الإلحاد أيضا، وكان من جملة ما قاله أبو الأعلى المودودي: «وإنما تبقى عبرةً في التاريخ قصةٌ مَنْ يحمل عصا موسى تحت إبطه، وهو يخشى من الحبال والخشب!!»، أي: أن المسلم يخشى من الشيوعيّة، ومن الرأسمالية، والديمقراطية، ويريد أن يستجدي من هؤلاء الحل، وفي يده القرآن، وفي يده خلاص العالم، وفي يده الوحي الربَّاني، بل وفي صدره، فسبحان الله من هذه الغفلة!!
الوسيلة الثانية عشرة: قطع الصلة برموز الأمة ومراجعهَا: أي: العلماء الربانيين؛ وذلك عن طريق تشويه صورة الدين.
وَأَذْكُرُ أنّي قرأتُ في بعض ما كَتَبَهُ بعض الكاتبين، ولعله محمد قطب في كتابه واقعنا المعاصر، أو غيره، يذكر عن ممارسات الاستعمار الفرنسي، والاستعمار الإنجليزي في مصر،
وأنَّه كان يُبَغْضُ إلى الطلبة الدِّينَ بممارسات متعددة. (1/120)
صفحة 121
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
12
ومنها: أنْ تُجْعَلَ حصة التربية الإسلامية آخر حصة دراسية في اليوم؛ وذلك حتى يكون الطلبة الصغار قد تعبوا وملوا، فيكرهون تلك الحصة؛ ويكرهون بسببها الدين.
أو يُوضع مدرسون لتدريس هذه المادة ليس لديهم ملكات تربوية، وليس لديهم أسلوب علمي، وإنما يُؤْتَوْنَ من معاهد، أو مؤسسات تُعنى بتغذيتهم بالعلم الشرعي الديني، ولكن لا تَعْتَنِي بمهاراتهم في إيصال المعلومات إلى الطلبة.
وربما لا يكون لديهم ذلك السلوك اللائق أيضا في احترام الطلبة، وتقديرهم، أو توجيههم؛ فلا يفهم منهم
الطلبة.
أو أنهم حين يقارنون مستواهم في إيصال المعلومات بغيرهم من أساتذة تعليم اللغة الإنجليزية، أو الرياضيات، أو العلوم، وغيرها فإنَّهم يجدون البون الشاسع؛ فيُفضّلون تلك المواد العلمية، أو اللغات الأجنبية على معلم اللغة العربية، أو التربية الإسلامية. وعندما يتقدمون في السن لا يتوجهون لدراسة العلوم الشرعية في دراساتهم العليا، أو اللغة العربية، وإنما يتوجهون لدراسة اللغات الأجنبية؛ لأنَّه غُرِسَ فيهم أنَّ هذه اللغة الآن لغة الحضارة، ولغة المدَنِيَّةِ، وأنَّ مَنْ أراد العمل، أو التحسين من مستواه المادي فعليه أنْ يَتَعَلَّمَ هذه العلوم؛ لأن اللغة العربية، أو
التربية الإسلامية لا تفيد شيئًا، ولا ينال صاحبها وظيفة!!
هي (1/121)
صفحة 122
122 الجاري
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
وأنا هنا لا أذمُّ هذه العلوم، كلا؛ فهي علوم مفيدة، ولكن أَتَكَلَّمُ عن هذه المقارنة في هذا الجانب، وفي هذا المستوى، وإلا كما قال أبو مسلم قال:
ولا تقولن علم ليس ينفعني بكل علم يعيش المرء منتفعا فاطلب وأطلق بلا قيد ولا حرج وقف إذا كان عنه الشرع قد منعا
فهؤلاء يُشَوِّهُون صورة العلماء الربانيين، ويُقيّدون حركتهم، ويمنعونهم من الدعوة، وربما يشغلون العلماء بطلب لقمة العيش؛ حين لا يُوَفِّرُ لهم ما يحتاجون من نفقاتهم، ونفقات عيالهم، أو كتبهم، أو يحتاجون إلى مراكز بحث، أو إلى مدارس؛ لكي ينشروا علمهم، فَيُضَيِّقُون عليهم.
ورُبَّمَا يُريدُون شغلهم بالمناصب، والمال؛ فيغرقونهم بالترف، ونحو ذلك من حظوظ الدنيا؛ لأجل صرف الناس عنهم، أو لأجل صرفهم عن الناس.
فإن انصرف الناس عنهم، أو انصرفوا عن الناس خلتِ الساحة، وتولى الأمر أناس غير مؤهلين لقيادة المجتمع،
فيرجع إليهم العامة؛ لطبيعة الناس في الرجوع إلى قادة، وإلى مراجع، فهذا أمر طبعي، والله تعالى يقول: {فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: 43]، ويقول: فَتَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59]، ويقول: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يستَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83].) (1/122)
صفحة 123
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد
123
فيظهر في الساحة أُناسٌ قد صُنعُوا بيد هؤلاء الملاحدة، أو عملائهم، وهم لا يفقهون من الدِّينِ شيئًا، وليس لديهم استقامة، وليس لديهم غَيْرَةٌ على محارم الله، وليس لديهم إدراك للواقع؛ فَيَضِلُّونَ، ويُضِلُّونَ.
وهذا ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث؛ حين قال: «إنَّ الله وعل لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِرَاعًا يَنْتَزِعَهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَصَلُّوا، وَأَضَلُّوا».
ونحن بحمد الله أكرمنا ربي في هذا البلاد بعلماء ربانيين هم يتصدرون المشهد، وبفضل الله تعالى يتوجه الناس إلى هذا الخير، وإن كان بعض الناس يحاول زعزعتهم، أو التأثير عليهم، ولكن فضل الله تعالى، حاصل ونسأل الله تعالى الثبات لنا ولهم جميعا. إلا أن هذا الخطر يحدق بالأمة، وقد أُصيبت كثير من البلدان
بهم
الإسلامية بسبب إصابة العلماء، وتشويه مكانتهم، واسْتُبْدِلَ. أُناسٌ غير أَكْفَاء فَفَتَنُوا العامة، وأضلوا الناس، فضلوا عن سبيل
الله تعالى، فنسأل الله تعالى العافية.
(1) رواه البخاري في صحيحه كتاب العلم باب كيف يقبض العلم، رقم: 100. (1/123)
صفحة 124
[صفحة فارغة] (1/124)
صفحة 125
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
الالالي 125
في هذا المحور سنذكر نماذج من مظاهر الإلحاد، وهي على سبيل التمثيل، لا على سبيل الحصر؛ لأن الأمر واسع.
وإنما أُنَبِّهُ هنا على أشياء حتى ننتبه لها جميعًا، ونَحْذَرَ منها أيضا في الوقت نفسه، ونحرص على أن يكون كلُّ مَنْ يتصل بنا بعيدا عنها؛ حتى لا يقع في شباكها، ويُصاد بحبائل كيدها؛ فإنَّها تجر إلى ما بعدها مما هو أعظم والعياذ بالله.
المظهر الأولُ: الشَّيوعيَّةُ:
ولا شك أنَّ الشُّيوعية بهذا الاصطلاح المعروف تتصدر هذا الأمر؛ فهي تُعد أشرس مظاهر الإلحاد؛ وذلك بتكذيب وجود الخالق، وإنكار كل ما هو غيبي، بل إعلان معاداة الدين، كما هي المقولة المشهور لأحد رموز هذا التيار، وهو كارل ماركس؛ حين قال: «الدِّينُ أفيون الشعوب».
وهو يعني بذلك: أنَّ الدِّينَ مُخَدِّرٌ للشعوب؛ لأنَّه استعمل من قبل الأباطرة، والقياصرة في استعبادهم؛ لأجل أن يكونوا (1/125)
صفحة 126
126 الالحار
المحور
الثالث: مظاهر الإلحاد
طوعا لهم، ولكي يدفعوا الضرائب التي تُمْلَى عليهم، وليكونوا أجنادًا في سبيل تحقيق مصالحهم التَّوَسُعِيَّة، والتسلط في الأرض.
وفوق ذلك ربما يشير أيضا إلى أنَّ الدِّينَ ـ كما فَهِمَهُ هو، ومَنْ معه - يُخَدِّرُ العقول من البحث والتفكير، واكتساب العلم؛ بناء على ما قرَّرْنَاه سابقا من انتشار هذا الفكر عن الدين، وذلك بتشويه صورته في القرون الوسطى والعصور المظلمة؛ لأسباب كثيرة، والشيوعية هي التي تُشِيعُ كل شيء، ولا تعترف بملكية الفرد، قرينة للاشتراكية في النظام المالي.
لكنها أوسعُ مِنَ الاشتراكية؛ لأنَّها تشتمل على نظام شامل المجالات، فلا تقتصر على النواحي المالية، أو
في جميع الاقتصادية؛ بل تشمل النواحي الاجتماعية والفكرية، والسياسية، والثقافية، وغيرها.
كما أنها لا تعترف بحدود، ولا تلتزم بضوابط؛ فالإنسان كأنَّه مشاع، لا يملك نفسه، ولا يملكه أحد.
وكلُّ ذلك إنما هو إعلان، وتعريض بعدم رجوع الإنسان إلى خالقه، ومُكَوِّنِهِ الله، وأنَّه لا سلطان لأحدٍ عليه، وأنَّه حُرِّ في كلِّ ما يفعل؛ ولذا فإنَّ هؤلاء لا يُلْقُونَ للفضيلة وزنًا، ولا يجعلون للإنسان قيمةً، وإنما هم أتباع الشهوات، بل أتباع الشياطين؛ ولأجل ذلك وجب الحذر من هذا الفكر العقيم. (1/126)
صفحة 127
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
الالحان 127
والحمد لله أنْ قَطَعَ الله دابر الشُّيوعية، وإن كانت قد قامت الثورة البلشفية في عام 1917 م، وأقيم على إثرها دول هنا وهناك، وكان أعظمها فتكا، وتوسعًا، وقوةً ما عُرف بالاتحاد السوفيتي، ولكن هذا الكيان سقط عام 1989 م، وما بعده أيضا سقوط جدار برلين وكذلك تبعته كيانات أخرى صغيرة هنا وهناك، وكأن هذا الاسم قد انحسر، وإن كان قد بقي في الصين، وفي كوريا الشمالية.
ولكن هناك تطورات كثيرة في هذا المجال، وقد ظَهَرَتْ موجة جديدة من الإلحاد.
وكنتُ أقرأ، وأتصفح بعض الكلام الذي كتبه الباحث عبد الله بن صالح العجيري في كتابه ميليشيا الإلحاد، ونَبَّه على خطورة هذه الظاهرة الحديثة؛ وذلك فيما عُرف بالإلحاد الجديد، وأنه بدأ يكتسح مساحات غير قليلة من العالم، وأنه اعتمادًا على دراسات أُجْرِيَتْ هنا وهناك؛ فإن هذه الدراسات تفيد بأن 10? من سكان أمريكا وقعوا في الإلحاد، وهذا أمر خطير جدا؛ لأن أمريكا كانت المحارب الأول للاتحاد السوفيتي، أو ما عُرف بالإلحاد؛ لأنَّها أساسًا أقيمت على أنها دولة دينية ـ كما تقدم أن المكتشف الأسباني عندما خرج من إسبانيا إلى أمريكا إنما كان يُعْلِنُ شعار الكنيسة والدعوة إلى الإيمان بالمسيح، واعتبروا أمريكيا أرض الميعاد، وحَثُوا الأوروبيين على الهجرة (1/127)
صفحة 128
128
128 الالحان
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
إليها، ولا زالت أمريكا على هذا النحو، ومنذ مدة كنت أقرأ أيضا بأن 85? من الأمريكيين يؤمنون بالله، وبوجود خالق، وذلك على
حسب التصور الذي يتصوَّرُونه، وأكثرهم من النصارى.
وكانوا يُجَرِّمُون الإلحاد، ولا يقبلون بانتماء أحدٍ إلى الحزب الشُّيوعي، ومنعوا تكوين حزب شيوعي في بلادهم، وربما إن ثَبَتَ عن أحدهم الانتماء لذلك يُحْكَمُ عليه بالإعدام، وسعوا إلى محاربة هذا الفكر في بلدان كثيرة من العالم إلى أن سقط الاتحاد السوفيتي، سواء كان تلك المواجهات عسكرية، أو عن طريق المخابرات (CIA)، وغيرها، أو كانت ذلك باستعمال أحد المسلمين؛ كما حصل
في أفغانستان، وفي غيرها؛ لأجل القضاء على الفكر الإلحادي. ولكن أن تعود هذه الظاهرة من جديد فإن هذا الأمر يؤدي: إلى القلق، خاصة أن هذا الباحث ذكر بأنه قد انتشر كتاب أحد رموز الإلحاد الجديد، وهو كتاب وَهُمُ الإله لمؤلفه تشالز دوكنز، وأن صحفية التايمز ذكرت بأنَّه من أكثر الكتب مبيعا، وتقدم في قائمتها بأسابيع؛ فكان على رأس القائمة، وبقي في القائمة لمدة عام كامل، وأن موقع أمازون كان يبيع أعداد هذا الكتاب بشكل جدا، وتصدر القائمة لمدة طويلة، وبيع منه في أربع سنوات
كبير أكثر من مليوني نسخة.
فهذا أمرٌ يُنْذِرُ بخطرٍ كبير، وأن الناس بدأوا يقرأون مثل هذه الكتب، خاصة أن هذا الكاتب هو مِنْ أشدّ الكتاب وقاحة، وجُرأةً (1/128)
صفحة 129
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
129
فيما يطرحه، وفي تهكمه بالذات الإلهية والحقائق الغيبية والدينية، وفي انتقاد مخالفيه، ولكن ذلك كله لم يمنع من مداولة كتابه. وهذا الأمر أيضًا انتشر في طائفة من الدول الأوربية، وبدأ ينتشر في العالم الإسلامي، وتلكم الإحصاءات التي ذَكَرْتُهَا إنما كانت في 2010 م كما ذكر العجيري فما بالكم بالإحصاء الآن وذلك بعد نحو عشر سنوات من هذا الإحصاء؟! وإن كنت لا أستطيع أن أعتمد على مثل هذه الإحصاءات؛ لأن الاعتماد عليها كليا خطأ، فنحن نعلم أنَّ هناك بعض المراكز البحثية تميل إلى تيارات معينة، وتقوم بنشر إحصاءات كاذبة؛ لأجل ترويج أفكارها، فلا ينبغي أن نثق بها تمام الثقة، ولكن ذلك مؤشر، ولا شك أن الأمر موجود، وخاصة في أوروبا، فقد سبقت إلى الإلحاد.
فإذن هذا نوع من الإلحاد الجديد، وقد بدأ ينتشر بكثرة؛ خاصة إذا وَسَعْنَا مفهوم الإلحاد، وهذا ما ينبغي أن يكون؛ لأنّ مفهوم الإلحاد لا يقتصر على إنكار وجود الخالق الله، وإنما يتجاوز ذلك إلى إنكار النبوة، أو تكذيب أحد النبيين، أو تكذيب أي أمر معلوم من الدين بالضرورة، أو الشك فيه؛ فكل ذلك من الكفر الملّي الكفر الأكبر كما هو معلوم عند المسلمين، فضلا عن جهل ذلك بعد قيام الحجة.
وهذا مما يدل عليه النَّصُّ من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، وحكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك، (1/129)
صفحة 130
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
وإن كان الأمر لا يحتاج بحثًا عن وجود الإجماع؛ لأن النص صريح في ذلك، وهذا طبعًا يُوَسْعُ الدائرة، وهذا ما نُحَذِّرُ منه؛ لأن الله الله عندما يقول مثلا: كَذَّبَت قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105] اعتبر تكذيب أولئك القوم لرسالة نوح تكذيبا لجميع الرسالات السماوية، وتكذيبًا بجميع الأنبياء؛ لأنَّ الله تعالى يقول: فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ القيمة يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85]. فلا يمكن أنْ يُجَزَّأَ الدِّينُ؛ فتكذيب بعضه تكذيب لكُلِّهِ، كما قال الله الله الحكاية عن المؤمنين: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) [البقرة: 285]، فهذا هو الإيمان الواجب، ولذلك تتسع دائرة الإلحاد؛ خلافًا للمفهوم الشائع عند الغربيين حينما يحصرون الإلحاد في تكذيب وجود الخالق الله.
فهذا أول مظهر من مظاهر الإلحاد، وهو ظهور هذه الحركة؛ فكل ما صاحبها، وما نتج عنها وعن فكرها، وكتاباتها، ورموزها يجب أن يُحْذَرَ منه؛ لأنَّها تؤدّي إلى الوقوع في الكفر والعياذ بالله، وتؤدّي إلى خسران الدنيا والآخرة.
المظهرُ الثَّاني: العِلْمَانِيَّةُ:
وهذا مما ينبغي أنْ يَعْلَمَهُ كلُّ عاقل، وكلُّ مؤمن يدين بالله
تعالى بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة ويؤمن بالقرآن هاديًا (1/130)
صفحة 131
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
131
ودليلا، وأنه كتاب أوحاه الله إلى عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ ذلك لأن حقيقة العلمانية إنما هي تكذيب لحقائق الدين الحق الذي أنزله الله تعالى، فالعلمانية وإن كان اسمها براقًا؛ بالانتساب إلى العلم، فَهِيَ خِلو من ذلك؛ إذ العلمانية في حقيقتها إنما هي صرف الإنسان عن الدار الآخرة، ليكون جُل همه الحياة الدنيا؛
كما جاء في موسوعة المعارف البريطانية.
وعند بعضهم بأنها فصل الدين عن العلم.
وفي تعبير آخرين بأنها فصل الدين عن الحياة.
والمراد بذلك كله أن لا يكون الله له أي حاكمية في هذه الأرض، وإنما يُعْتَرَفُ به بأنه ربِّ، أو خالق عند مَنْ أراد ذلك. وتكون هذه العلاقة علاقة روحية، أو مجرد علاقة شخصية، ولا علاقة بذلك في واقع الحياة، فيُفْصَلُ عن الحياة كلها، وعن كافة مظاهرها؛ فلا دخل للدِّينِ في السياسة، ولا دخل للدين في العلم، ولا دخل للدِّينِ في الأدب، ولا دخل للدين في التشريع، ولا دخل للدِّينِ في الأمور العامة للناس، وإنما قد يُسْتَمَدُّ من الدِّينِ - إنْ أُذِنَ له بذلك - القيم الأخلاقية، وبعض الشعائر التعبدية.
فيُخصر مفهوم الدين عند العلمانية بين جدران دار العبادة: من مسجد، أو كنيس يهودي، أو كنيسة نصرانية، أو كهف في دير لأحد المتعبدين ممَّن يُسمون بالبوذيين، أو غيرهم. (1/131)
صفحة 132
132 الالباري
فضلا
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
وهذا حاصل ما يريده هؤلاء، ولا شك أن في ذلك منازعة الله الله في صفاته، وهو كفر صريح بالله تعالى؛ كما يقول الله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، عن كون هذا الأمر يعني القَبُولَ بأي دين آخر على أنَّه حق، وأن للإنسان الحرية الكاملة في اعتناقه، وذلك لا شك مصادم لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، وقوله: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الخَسِرِينَ) [آل عمران: 85].
وكما نعلم أن الإسلام - وإن كان هو الدين الحق - إلا أن ذلك لا يعني
أنَّه يُحْكَمُ على غيره بعدم الوجود.
فَفَرْقٌ بين أنْ يُحْكَمَ على فكرٍ معيَّن بأنَّه ضلال، وأَنْ يُحْكَمَ على صاحبه بالإعدام.
وهذا أمر لم يستطع بعض الناس التفريق بينه؛ فمن جهة الإسلام يُعطي الإنسان حرية الاختيار؛ كما قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ في الدين) [البقرة: 256]، وقال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29]، إلَّا أنَّه في الوقت ذاته يعتبر عدم الإيمان بالله تعالى، أو باليوم الآخر، أو بأي ركن من أركان الإيمان كفرًا بالله تعالى، وأنَّ مَن اختار هذا الطريق فَإِنَّهُ يَتَحَمَّلُ مسؤوليته في الدنيا والآخرة، وأنَّهُ في الآخرة في نار جهنم، والعياذ بالله. (1/132)
صفحة 133
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
أن
فيظهر الفرق بين أنْ يُقَالَ: للإنسان حرية الاختيار، وبين يُقَال: بأن الكفر جائز؛ فالله تعالى قال: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) [الزمر: 7]، وتفصيل هذا الأمر يحتاج إلى بسط، وليس محله الآن. فهذا الفكر الذي بدأ يعتنقه طائفةٌ مِنَ الذين يَدَّعُون الإسلام يُوقِعُهم في حرج شديد، ولست بصدد تكفير عباد الله تعالى هنا، أو اعتبارهم، مُرتدين، ولكن أقول: بأن بعض المسلمين يقعون في الكفر والعياذ بالله تعالى؛ بسبب جهلهم بحقيقة دينهم الذي يعتنقونه وقد يغارون عليه، فيقعون فيما يُبْعِدُهُم عن الدين الحق، وفيما يهلكهم في دنياهم وأخراهم والعياذ بالله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَتِنَكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) أُولَيْكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بنايتِ رَبِّهِمْ وَلِقَابِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا نُقِيمُ هُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنا)
[الكهف: 103 - 105].
فهؤلاء عليهم أن يحذروا من الوقوع في براثن هذا الفكر، وقد انتشر كثيرًا عند مَنْ يقومون بمسؤوليات، أو يُدَرِّسُون العلم، ولا يَقْبَلُونَ أنْ يتدخَلَ الدِّينُ بالتحليل والتحريم في أعمالهم، وإنما يراعون مصالحهم الشخصية، أو ما يرونه بأنفسهم مصلحة.
وربما شرعوا القوانين؛ لتبرير ذلك، وفي ذلك مصادمة للنصوص القطعية، ومنازعة الله تعالى في ملكه، وفي حكمه (1/133)
صفحة 134
134
الالحان
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
فهو وحده الحاكم إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ) [الأنعام: 57]، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]، أَفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]، فالإنسان مع أن الله تعالى أعطاه العقل إلا أنه لم يأمره بالاحتكام إلى العقل؛ فالحاكم الشرع لا العقل.
فحاكم الشرع قضى بما جرى لا العقل يا ذا فاتركن عنك المرا والعقل مع عِظَم نعمته مِنَ الله تعالى على الإنسان إلا أنَّه لا يستقل بالتشريع، وإنما يُحَسِّنُ ويُقَبِّحُ وفقا للحكم الشرعي، إلا فيما أُذِنَ للإنسان فيه من بعض الأمور التي ينطلق فيها مستصحبًا القواعد الشرعية التي أنزلها الله، وفيما أُذِنَ له فيه بالاجتهاد على ضوء تلك القواعد عند مَنْ آتاه الله تعالى مَلَكَةً اجتهادية؛ فهناك يُبَاحُ له ذلك بقدر، وهو بفعل هذا إنما يكون كاشفًا لحكمه الشرعي، لا مُنْشِى لحكم كما نَبَّةَ على ذلك أهل العلم؛ فإن الذين يضعون تشريعات من تلقاء أنفسهم مخالفة صريحة، دون تأويل لحكم قطعي أنزله الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله، فإنهم يضعون أنفسهم في
خطر عظيم.
وموضوع
العلمانية يحتاج إلى كلام طويل، وعسى الله تعالى
أن يُيَسرَ لنا فرصة للحديث عنه؛ وذلك حتى لا يقع الناس في
هذا الخطر العظيم. (1/134)
صفحة 135
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
المظهر الثالثُ: الحَركاتُ القوميّةُ:
135
فهذه الحركات القومية تلتقي مع الإلحاد والعياذ بالله تعالى؛ لأنها تنتمي إلى جنس مُعَيَّن من الناس، وتعتبر ذلك الجنس هو قطب الرحى الذي تدور عليه، وتعتبره أساس التحسين والتقبيح؛ فمَنْ لم يكن من ذلك الجنس فكأنما يكون غريبا، وربما يُعْتَبَرُ عدوا، ولا يكون له شيء من الحقوق؛ لأنه لا يحمل وثيقة معينة يُعْتَرَفُ له فيها بذلك.
وحمل تلك الوثيقة التي تدل على الانتماء إلى قومية معينة إنما يعتمد في الغالب على قطعة من الأرض، أو يعتمد على جنس مُعَيَّن من البشر، ومن لم لا يحمل تلك الوثيقة فإنَّه لا يُعْتَرَفُ له بشيء، وهذا خطير؛ لأنه يعود إلى ما عُرِف بالجاهلية، وإنما سُمِّيَ أهل تلك الفترة بأنهم يتَّبِعُون الجاهلية؛ لأجل انتمائهم القبلي، ولأجل حَمِيَّتِهم؛ فهم كانوا يتعصبون لآرائهم، أو آراء آبائهم وأجدادهم ولو لم يكن أولئك الآباء على حق، أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) [البقرة: 170].
وقد أنكر الله تعالى هذا الحكم؛ فقال: {أَفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]، وذلك اتباع للهوى، وفيه منازعة الله في حكمه، وفيه عدم اعتراف بالأحكام القطعية التي أنزلها الله الا الله في كتابه، أو على لسان (1/135)
صفحة 136
136
الالحان
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
رسوله؛ ومنها قوله ل: (يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خبير) الحجرات: 13]؛ وإنما يُقَسَّمُ الناس إلى الأقسام المعروفة
في الشرع:
وفرزه في ثلاث مؤمن ومنا فق وصاحب شرك جاحد عُزلا فهذه نظرة المؤمن النظرة الإيمانية للناس، بحيث يحسبهم على هذا النحو؛ فلا عبرة بنسب ولا عبرة بمال ولا عبرة بلسان ولا عبرة بجنس ولا عبرة بمصلحة، وإنما العبرة بالإيمان والعمل الصالح، فَمَنِ اعتنق عقيدة الحق، وعمل الصالحات فهو أخ ولو كان أبعد الناس نسبا، ولو اختلف في اللون، ولو تَبَايَنَ في اللسان، ولو بَعُدَ في السكنى والأرض، فأساس الأخوة إنما هو الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح، ويبتعد عن المؤمن كلُّ مَنْ أخلَّ بالإيمان، أو بالعمل الصالح، أو بكليهما، فيُنْزَلُ منزلته هل هو مشرك أو منافق؟!
فهذا هو دين الله تعالى؛ وهو جَعْلُ النَّاسِ أمةً واحدةً إن كانوا على هذا النحو، فجاء مفهوم الأمة {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً) [الأنبياء 92]، وقال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10]، وجاء في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تقرير هذا الأمر؛ حين قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةٌ فَرَّجَ (1/136)
صفحة 137
المحور
الثالث: مظاهر الإلحاد
137
اللهُ عَنْهُ كُرْبَةٌ مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
فبعض هذه الحركات - إن لم نقل أغلبها ـ إنما تنطلق من هذا الفكر الأرضي، ولا ترتقي بالإنسان إلى الروح؛ وهي أكرم خصائص الإنسان، وإنما تتغذى الروح بالإيمان، وبالعقيدة، وهؤلاء يَرْجِعُونَ بالنفس، وبالإنسان إلى الأرض، فيجتمعون على أساس التراب، وعلى أساس السياج، وعلى أساس الدم، أو على غير ذلك من المصالح البشرية المعروفة.
وطالما ـ حسبما ظهر في التأريخ - كانت هذه الحركات موافقة للملاحدة في أفكارهم؛ وذلك بتعطيل الدين، وجعله لا قيمة له، وأن الدِّينَ إنما هو علاقة بين العبد وربه، وأن الوطن يتَّسِعُ للجميع؛ فكأنهم يجعلون الدين غير واسع للجميع، ويُهَمْشُون الدِّينَ، وربما يُعَذِّمُون بعض الكفرة من أعداء الله الله فيؤدي الأمر إلى أن لا يبالوا بأنْ يُوَلُّوا عليهم مَنْ كان كافرا، بهم أنَّ الله تعالى يقول: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) [النساء: 141]، وربما وَالَوْا أعداء الله الا الله من الأمم أخرى؛ بسبب رفعهم للشعار نفسه.
(1) رواه البخاري في صحيحه، کتاب المظالم، باب: لا يَظْلِمُ المسلم المسلم
ولا يُسْلِمُه، رقم: 2442. (1/137)
صفحة 138
الالجابي
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
وطالما جَرَّتْ مثل هذه الحركات الأمم والبلدان والشعوب إلى حروب لا طائل تحتها؛ لأنَّها تقوم على أساس عنصري والعياذ بالله تعالى فظهرت بعض الحركات فيما يُسمى بالشيفونية، التي ترى نفسها أفضل من غيرها؛ بناء على نظرية داروين؛ كالحركة الفاشية لموسوليني في إيطاليا، والحركة
العنصرية النازية الأخرى المعروفة في ألمانيا لأدولف هتلر.
وهكذا ظهرت أعراق تتصارع فيما بينها، وكل يرى نفسه أفضل من غيره.
وللأسف الشديد ظهر هذا بين جملةٍ من الشعوب الإسلامية التي جمعها الله على الإسلام فتقاتلت فيما بينها على هذا الأساس العنصري، مع أن الله تعالى أنعم عليها بما يجمع شملها، ويُؤَلِّفُ المختلف بينها، وامتن عليها بذلك؛ فقال: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ وَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران (103)، وحذر المولى الله من هذا التَّفَرُّقِ؛ وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ) [الأنفال: 46]. وللأسف الشديد يأبى بعض الناس إلا أن يتبعَ الأعداء؛ فتمزقت الأمة، وأصبح يُحَارِبُ مفهوم الأمة، وينسبه إلى بعض الجماعات الإسلامية، وكأنَّ هذا أمرٌ مُحْتَقَرٌ، ويُصَوَّر أنَّ هذا
يؤدّي إلى نزع الخصوصية عن بعض الشعوب. (1/138)
صفحة 139
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
الاجابي 139
وليس الأمر كذلك؛ فالإسلام مع اعترافه، ودعوته إلى فكر الأمة، وجمع الشمل ـ ويريد من ذلك تقوية هذه الأمة، ومحافظتها على مبادئها وأهدافها، ومقدساتها، وجعلها قوية بين الأمم الأخرى - إلا أنه يعترف بخصوصية الناس، وبخصوصية الأفراد، وبخصوصية الجماعات؛ فالله تعالى يقول: ادْعُوهُمْ لِآبَابِهِمْ} [الأحزاب: 5]، وقال: {وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لتعارفوا) [الحجرات (13] فَأَثْبَتَ هذا الانتساب إلى الشعوب، وإلى القبائل؛ لأجل التعارف لا أن يكون محور التحسين والتقبيح بين الناس، أو أساس الاتصال والانفصال، فهذا مما
لا يمكن.
ولذلك ينبغي أنْ يُنْتَبَة لمثل هذا الأمر، وأنْ يُحْذَرَ منه؛ لأنَّهُ في النهاية سيقود إلى الإلحاد عاجلا أم آجلا؛ لأن ابتداءه إنما يكون بعدم الاعتراف ببعض الحقائق الدينية، وفي ذلك منازعةٌ الله تعالى في ملكه، ومُضادة له، وبعد ذلك يؤدّي إلى التهميش، ونسأل الله العافية.
المظهر الرابع: حركة تحرير المرأةِ، أو ما يُعْرَفُ بالنسوية
العالمية:
وهي عبارة عن حركة ظهرت أخيرًا، وربما ذلك في بدايات القرن التاسع عشر الميلادي وقويت في القرن العشرين الميلادي، ومع القرن الخامس عشر الهجري. (1/139)
صفحة 140
140
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
وبعضهم يجعل ابتداءها في أوروبا، وبعضهم يجعل ابتداءها في أمريكا.
وحركة تحرير المرأة حركة علمانية غربية، تهدف إلى تحرير المرأة من الدين والقيم والأخلاق، رافعة شعار المطالبة بحقوق المرأة، ومنطلقةً من النظر إلى المرأة على أنَّها مهضومة مظلومة، وأن الرجل هو الذي ظَلَمَهَا، حتى أن كثيرًا من النساء اللائي يلتحقن بهذه الحركة يُعَادِينَ الرجل، ويعتبرن الرجل عدوا، ويَسْعَيْنَ للنيل منه، ويصل بهن الأمر إلى أنْ يُطَالِبْنَ
مبدأ
بحقوق تعاكس، فطرهن ولا يرتضين شيئًا، وينطلقن من المساواة التامة بين الرجل والمرأة، مع مخالفة ذلك للنواحي الفطرية، والنواحي البيولوجية، والنواحي النفسية، فضلا أحكام دين الله الله
عن
ودين الله تعالى هو أوّلُ مَنْ كَرَّمَ المرأة، وذلك منذ أنْ بَعَثَ الله تعالى الأنبياء والرسل، من لدن آدم له إلى خاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وظهر هذا التكريم بوضوح، وبصورة شاملة التي مَثْلَتِ الإسلام كله؛ بعقيدته،
في بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتشريعاته، وقِيمِهِ، إلى غير ذلك.
والله تعالى قد كَرَّمَ المرأة في كتابه، ومظاهر هذا التكريم كثيرة، وطبق هذا التكريم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والحديث عن
ذلك يطول. (1/140)
صفحة 141
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
الالحان 141
وما جعله الله تعالى من تشريعات للمرأة ـ أي: التي تخص المرأة ـ إنما ذلك من تكريم المرأة أيضا؛ ولأجل المحافظة على نفس المرأة، وعِرْضها ومالها وعقلها، ونسلها، ودينها، وكل ما يتصل بها، عَلِمَ ذلك من علم وَجَهِلَ ذلك مَنْ جهل. وهكذا الشَّأنُ في الرجل؛ فالله الله إنما أَنْزَلَ الدِّينَ رحمة للعباد؛ و يُريدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185].
والذين قاموا بهذه الحركة - حركة تحرير المرأة ـ في البلاد الغربية، قد يُتَفَهَّمُ - نوعا ما ـ ما قاموا به؛ وذلك نتيجة الظلم، والاضطهاد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والفكري، الذي مورس ضد المرأة في أوروبا، وفي شعوب مختلفة من العالم؛ لأنَّ تلك الشعوب ما كانت تعتقد الدين الحق، وما وَصَلَ
إليها مِنَ الدِّينَ كان قد حُرِّفَ، واستُعْمِلَ لتكريس هذا الظلم.
فنالت المرأة المظالم الكثيرة، وكانت أشد معاناة من الرجل؛ لأنَّها الجنس الأضعف ـ حسب تقسيم هذه الحياة ـ؛ فكانت تقتل في الحروب دون جريرة، وكانت تُسْتَرَقُ دون أن تشارك في الحروب، وتُغتصب، وتُنْتَهَكُ كرامتها، ولا يُعْتَرَفُ بإنسانيتها، عن عدم تَمَلُّكِهَا لشيء، وتصرفها فيه، وكان الرجل يرثها
فضلا
كما يرث المتاع!!
وبقي هذا إلى وقت متأخر في أوروبا، وإلى بدايات القرن العشرين الميلادي، كما حدث في فرنسا، وفي غيرها، فربما كان (1/141)
صفحة 142
142 الالحارة
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
لبعض الناس في المجتمع ـ نساء ورجالا ـ أن يثوروا ضد هذا الفكر، ولكن لا عُذْرَ لهم أبدا، وخاصة ممن ينتمى إلى الإسلام أن يعادي دين الإسلام؛ فإن دين الله تعالى يعترف بالمرأة إنسانا منذ أول يوم نَزَلَ فيه، وكان أَوَّلُ مَنْ آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم امرأةٌ، وهي خديجة الكبرى و له، وهي التي بذلت من وقتها، وجهدها، لنا ومالها، وكل ما تستطيع؛ لأجل نُصْرَةِ هذا الدِّينِ.
كما أقر لها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ونزل جبريل في الحديث مُبَشِّرًا إياها بالجنة، ومُبَلِّغا لها السلام من الله، فأي بشارة تنتظر
المرأة إن كانت على هذا النحو من التكريم.
وربما تفوق المرأة آلاف أو الملايين من الرجال، وهذا واضح في كتاب الله تعالى؛ فقد خَلَّدَ الله ذكرها، وذكر مريم، ونزلت عليها الملائكة مخابطة إيَّاها: {يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ} [آل عمران: 42]، والكلام
عن ذلك يطول.
فسبحان الله!!
كيف تقوم بعض النساء المسلمات بالانضواء تحت لواء حركة تحرير المرأة؟!
فقد يعود ذلك إلى جهلهن بحقيقة الإسلام، وقد يعود ذلك إلى جهلن بحقيقة هذه الحركات التي تستهويهن شعاراتها؛ (1/142)
صفحة 143
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
الالحالي 143
وذلك حين يَرَيْنَ أنّ من جملة هذه الشعارات المطالبة بحقوق المرأة، والمطالبة بتمكين المرأة، وما هو إلا شَرَك؛ لأجل الوصول إلى الطعم، ثم بعد ذلك يقعن في المصيدة؛ فكم من نساء غُرِّرَ بهن ففقدن، عفتهن، وبعد سنين اكتشفن الأمر.
وإنما يُرَادُ من هذه الحركات نزع عفة المرأة، ونزع إيمانها، وجعلها ألعوبة بيد الرجل؛ حتى يحقق منها بغيته في الشهوات، وإلا فما نالت المرأة إلى الآن في أوروبا شيئًا.
فإن كان في الجانب السياسي، كم عدد النساء في البرلمان الأوروبي، وفي برلمان كل دولة على حدة كما يقال؟! في بريطانيا، وفي فرنسا.
وإلى الآن كثير من هذه الدول قد لا يصل تمكين المرأة فيها إلى 10? من الأعضاء؛ فأكثرهم من الرجال، وكذا في الحكومات أيضا في المناصب القيادية؛ أن المرأة أُعْطِيَتْ حرية مطلقة مع هناك، ولكن السلطة في أغلبها للرجال، مع أن عدد النساء قد يصل إلى النصف من حيث عدد السكان، وممن لهم حق التصويت، وقد يفوق عدد النساء في بعض الدول عدد الرجال،
وربما يتساوون، ولكن التمثيل الانتخابي لا يكافئ هذا.
ثقة
وقد يعود هذا إلى أسباب كثيرة، ومن جملة ذلك: عدم المرأة بالمرأة نفسها؛ فلا تعطيها صوتها، وإلا فكيف يفسر عدم (1/143)
صفحة 144
144 الالحان
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
وصول حركات تحرير المرأة إلى أهدافهن؟! مع أنَّ هذه الحركات قامت منذ أكثر من 100 مائة عام، وأُعْطِيَتِ المجال؛ لتحقيق ذلك، وتُدْعَمُ ماليا، وربما تُؤَيَّدُ من قبل بعض الحركات الماسونية والصهيونية العالمية، كما أنها تستعين بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي أبرمته الأمم المتحدة 1947 م.
فمع كل ذلك، ومع تطرف هذه الحركات إلا أنها لم تنجح، وما تحقق إنّما يؤدّي إلى اضطهاد المرأة أصلا، فكم عدد الجرائم التي تُرْتَكَبُ ضد المرأة في أوروبا؟! وفي أمريكا؟! فإنَّ الجرائم هناك بالثواني؛ في قتل المرأة واغتصابها، والتحرش بها، وظلمها في حقوقها.
ولا زالت إلى الآن ـ وذلك ببيانات رسمية ـ المرأة لا تُغطى نفس أجرة الرجل في الوظيفة التي تقوم بها، مع أنها تقوم بنفس الاختصاصات والأعمال الوظيفية، ولا زال هذا التمييز في أمريكا، وفي طائفة من البلدان الأوربية، ولا زالت الحركات النسوية هناك تعاني من عدم الإنصاف، فضلا عن الجرائم التي
ذكرتها.
فما الذي أدَّت إليه هذه الحركات؛ من دعوة المرأة إلى التبرج، ومنازعة المرأة في كل مكان ومحاولة الظهور بمظهر الرجل، إنما هذه إهانة للمرأة؛ لأنَّ المنطلق هو المساواة المطلقة للرجل، فأصبحت هاتيك النساء يتأففن من نون النسوة، ولا يُرِدْنَ (1/144)
صفحة 145
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
الالحالي 145
الضمير «هي» أو «she»، وإنما يُرِدْنَ الضمير المذكر، إذ تَخَلَّيْنَ عن أنوثتهن، ولا يَعْتَدِدْنَ بها، وكأنَّهُنَّ يَغَرْنَ من الرجل، حتى كأنهن يشجعن على السحاق والعياذ بالله.
مع
أنَّ طبيعة المرأة لا تقبل ذلك؛ لأن طبيعة الرجل الجسدية تختلف عن المرأة، فإلى أين تذهبون؟!
فوا أسفاه على بعض النساء في بعض البلدان العربية والإسلامية حين يغتررن بمثل هذه الحركات، وربما يلبس بعضهن الحجاب، ولا يخلعنه ولكن الإيمان من الداخل منعدم
أو ضعيف؛ لأنَّهن يقعن في ما يؤدي بهن إلى الكفر تارة.
ولا أدَّعِي أنَّ كل مَنْ دخل هذه الحركات هو على هذا النحو، ولكن الكثير منهن إن كن يأخذن بأفكار تحرير المرأة وقعن في ذلك والعياذ بالله، وَقَعْنَ في الإلحاد، شعرن أو لم يشعرن، فإنما العتب على جهلهن والعياذ بالله، أو سذاجتهن حين بعن دينهن بهذا الرخص، منهن مَنْ ينكر حكم الله تعالى في إعطاء الابن في الميراث ضعف أخته؛ كما قال الله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنثَيَيْنِ) [النساء: 11]، فيعترضن على هذا.
ومنهن مَنْ يَدْعُون إلى إنكار الحجاب مطلقا!!
ومنهن من تدعو إلى إباحة الزنا، والشذوذ الجنسي؛ بدعوى
الحرية!! (1/145)
صفحة 146
146 الالحان
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
ومنهن مَنْ يعترض على حكم الله تعالى في مجالات أخرى تتصل بالمرأة!!
فأي إيمان يبقى لأحد وهو على هذا النحو؛ والله تعالى يقول: هو فلا وريكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يجدوا في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسليمًا} [النساء: 65] ويقول: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ أَن يقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَوَلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [النور: 51]، ويقول جَلَّ وَعَلَا: و وما كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، فهل هذا إلَّا اتباع للشيطان، وهل هذا إلا انقياد للهوى، كما قال الله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ ممَّنِ اتَّبَعَ هَوَلَهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [القصص: 50]، ولذلك؛ لأجل علاج هذا الأمر لا بد من القيام بجهد عظيم.
المظهر الخامس: الحداثة والتجديد:
وقد ظهر هذا منذ فترة في أوروبا؛ لأنَّه عُرف بأنه عصر التنوير والحداثة، وذلك في القرن الثامن والتاسع عشر الميلادي، وظهر في البلاد العربية والإسلامية في القرن العشرين، وانتمى إليه طائفة من الأدباء؛ لأنَّهم أخذوا يقرأون للأدباء الغربيين. (1/146)
صفحة 147
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
الالحاق 147
وهؤلاء ـ كما تقدم ـ يستعملون الأدب؛ لنشر فكرهم، ويقولون: الأدب للأدب - هكذا في زعمهم، أي: أنَّ المرء يكتب ما يكتب ولو كان في كِتَابَتِهِ التشكيك في الدين، أو الإقرار بعدم ألوهية الحق الله، أو كان في كتابته ما يدعو للسخرية بأنبياء الله تعالى ورسله، أو في كتابته ما يدعو إلى التشجيع على الفساد والرذيلة والعلاقات الجنسية المحرمة، أو غير ذلك مما ينافي أحكام الله الله.
وحين يُنْكَرُ عليهم يقولون الأدب للأدب، وهذا يجب أن
نتعامل
معه
على أنَّهُ نَصِّ أدبي.
وبلغ ببعضهم الوقاحة أن يتعاملوا مع القرآن بهذا الفكر، وعلى هذا المعيار؛ فيسمح أحدهم لنفسه أن يأخذ آيةً من القرآن، أو سورة؛ لينتقدها بلاغيًا، أو نحويًا، أو فكريا، ويعتبر القرآن نصا أدبيًا تأريخيا، محصورًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك لا يصلح لمخاطبة البشر في القرون التالية، وخاصة في هذا العصر؛ فَيَرُدُّونَ من الأحكام ما شاءوا، ويُكَذِّبُون من الأخبار القرآنية
ما شاءوا.
أفليس هذا نوعا من الكفر؟!
أفليس هذا نوعا من الزندقة حين يتعاملون مع كتاب الله
تعالى على هذا النحو؟! (1/147)
صفحة 148
148 الالحان
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
وهو النور الذي أنزله الله تعالى، وهو الحق الذي لا يَأْتِيهِ البطل مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]. ويتعاملون بهذا النحو أيضا مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا يَتَحَرَّجُون من انتقاد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ سواء كان قولا، أو فعلا، أو تقريرا، وسواء كان متواترا، أو آحادًا، ويعتبرون النبي صلى الله عليه وسلم قائدا سياسيا، وأن ما صدر عنه إنما هو كان لمعالجة الوضع الآني، والمرحلة التي كان فيها، وأنه لا يَتَّخِذُ صفة النبوة، أو التشريع، وأنَّه قال ذلك اجتهادًا من نفسه، وأنَّ للإنسان في هذا العصر - وقد تَقَدَّمَ في العلم والمصالح ـ أن يُشرع لنفسه، وأنْ يَرُدَّ على النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنْ يُخَطَّئَهُ، أو يعتبره غير قدوة له.
فهل هذا إلا تكذيب بآيات الله التي أمر الله تعالى فيها بالأخذ
بكلامه، وكلام رسوله، والاحتكام إليهما؟!
وماذا بقي مِنَ الدِّينِ إنْ لم يكن هذا تكذيبا للدين، وطعنا فيه، وانتهاكًا للمقدسات، وتجاوزا للحدود تحت أي شعار؟!
وكيف يَدَّعُون هذا الأمر بأنَّ الأدب للأدب؟! وهم يقصدون
:
بأدبهم الذي ينشرونه - نثرًا أو شعرا، تحت ما يُسَمَّى بالشعر الحداثي، وتارة بالتفعيلي، أو خارجًا عن بحور الخليل بن أحمد ـ نشر أفكارهم، ونشر الإلحاد. (1/148)
صفحة 149
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
الالحاني 149
فهم يقومون بما يُناقض فكرهم، ولكن يُحِلُّونَهُ عاما،
ويُحَرِّمُونه عاما، أو كما قال القائل:
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس وما ذلك إلَّا تهرب من المسؤولية، وواقعهم يشهد بذلك؛ فإن كثيرًا من هؤلاء واقعون في الانحلال الخُلُقِي، وأصبحوا يعاقرون الخمر، أو يقعون في الرذيلة مع النساء دون زواج.
طبعا أقول: الغالب، أو طائفة لا أحاسب على ذلك.
منهم.
على الأقل؛ حتى
ولكن هذا ما يؤدّي إليه فكرهم؛ لأنَّهم يُشَجِّعُون على الرذيلة، ولا يُقَدِّسُونَ ولا يُعَظْمُون ما عَظَّمَهُ الله، ولا يُحَقِّرُون ما حَقَّرَهُ الله؛ بل ربما يرفعون شأن بعض الكتاب، وربما أُعْطِيَ بعضهم جائزة نوبل للأدب؛ كما فعلوا مع نجيب محفوظ، أو مع غيره؛ لأنه قام بانتقاد الدين أو قام بتجاوز حدود الله الله في روايته أولاد حارتنا، أو غير ذلك.
فهنا ينبغي، بل يجب أن تُدْرَك خطورة هذا الموضوع، وهؤلاء يتحركون في الجامعات والكليات المختلفة تحت أسماء براقة، وشعارات براقة، وهناك يحتويهم أرباب هذا الفكر، فيأخذون الشباب من الشعراء الناشئين والكتاب والقُصَّاص؛ ليغرسوا فيهم، وليُلَوِّثُوا فكرهم بهذه الأفكار، فسرعان ما يتأثرون (1/149)
صفحة 150
150 الالحان
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
بهم، وينقلبون في توجهاتهم؛ فبعد أن كان يقول أحدهم: السلام عليكم ورحمة الله، إذا به يقول للجمهور عمتم مساء يا قوم فيستعملون تحية الجاهلية.
وربما يأتي بأبياتٍ يُدَلِّلُ بها على أنه انقلب إلى هذا النوع من الفكر، ويرمز إلى أن ذلك من المدنية والتطور، كما أنهم ينفخون في هؤلاء الشباب التمرد، والغرور.
والعجيب أنه في بلادنا العربية والإسلامية يتأخرون حتى في هذا؛ لأنَّهم متأخُرُون في كثير من الأمور في النواحي العلمية؛ فهذه العِلْمَانِيَّةُ لم تصنع شيئًا إلى الآن، مع أن هناك مَنْ تمسك بها، وحاول أن يفرضها على الشعوب الإسلامية، ويُبْعِدَهَا عن هذا دينها، ولكنها لم تتقدم في شيء من المنجزات، وحتى في الأدب أيضا، مع أن هؤلاء يَدْعُون التَّقدُّم الفكري، فالعالم الغربي وصل إلى ما بعد الحداثة، وهؤلاء لا زالوا يتسكَّعُون في مثل هذه المستنقعات، نسأل الله العافية.
المظهر السادس: العقلانية:
وهذا مرض خطير جدا أيضا، وإن كان الاسم براقًا باستعمال العقل، وحاول سَدَنْتُهُ ممَّن كانوا على الإسلام أنْ يُبَرْهِنُوا لمكانة العقل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، لكنهم سرعان ما انكشف عُوَراهُمْ بعد ذلك؛ (1/150)
صفحة 151
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
الالحالي 151
حين أصبحوا يُقَدِّسُون هذا العقل، أو يكادون يُؤَلِّهُونَهُ من دون الله تعالى، ويحتكمون إليه، ويُعَارِضون به حُكم الله رحل وحُكم رسوله، وينتقدون النصوص القطعية.
وربما يصل ببعضهم الأمر إلى أنْ يُنْكِرَ حُجيَّة السُّنَّة، أو يتلوى بأنَّه لا يعترف بحجيَّة السُّنَّة إلَّا إذا كانت سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ولا تدري بم يعنيه من ذلكم الكلام، وإنما ليَرُدُّ منها ما شاء، وَلِيَأْخُذَ منها ما شاء.
وربما يَتَجَرَّأُ بعضهم فيُنْكِرُ السُّنة، ويدعي أنه قرآني، وهو أبعد ما يكون عن القرآن؛ لأنَّ القرآن أبعد عنه، والقرآن فيه إثبات
نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ووجوب اتباعه، وحجية سُنّتِه.
فهؤلاء الذين يرفعون شعار العقلانية وصل بهم الأمر إلى أن يرتضوا لأنفسهم أن يكونوا في خندق واحد مع الملاحدة، وأن يُدَافِعُوا عنهم، ولربما طارت عقول بعضهم: أن انتقد أحد الملاحدة حين تُوفّي قريبًا، ولم يُتَرَحم عليه، فثار غيضهم، وأصبحوا يُثنون على ذلك الملحد الذي يُعْلِنُ إلحاده، ويترحمون عليه، ويستنكرون على من انتقده.
وربما يعيبون على بعض المسلمين؛ لأنهم لم يكونوا في رجاحة عقله كما يقولون، وأي عقل بقي لديه، وهو لم ينفع نفسه بالإيمان بالله تعالى؛ ليصونها من غضب الله تعالى، ولِيُنَوِّرَها بنور (1/151)
صفحة 152
152
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
الإيمان، وليُرَوِّحَهَا بروح اليقين، ولم يستعمل عقله في منع نفسه من الوقوع في غصب الله في الآخرة، ولم يهتد إلى أعظم حقيقة في الوجود، وهو وجود الله تعالى.
فأمثال هؤلاء وإن فعلوا ما فعلوا للبشرية من الخير في بعض مكتشفاتهم، لكنهم أساءوا إلى أنفسهم، وأساءوا إلى غيرهم؛ لأنهم كانوا قدوة في الباطل، وكابروا الحقيقة.
مع
ويرتضي بعض هؤلاء العقلانيين أن ينتصر للشيطان، ويُبَرِّي ساحته من المسؤولية عن المعاصي والجرائم التي تقع للناس، أن الله تعالى حَذْرَ من اتِّباع الشيطان، ومن اتباع خطواته، وحمل الشيطان مسؤولية من ذلك، كما أنه في الوقت نفسه يُحَمِّلُ العاصي من الناس، ومن الجن أيضا المسؤولية عن فعله؛ لأنَّه فَعَلَهُ عن إرادة، لكن الشيطان مسؤول عن ذلك أيضا، وهذا بنصوص صريحة؛ كما ذكر شيخنا الخليلي ـ حفظه الله تعالى ذلك في الحقيقة الدامغة.
إلا أن هؤلاء يبرئون الشيطان من الوسوسة، وأنه ليس له من الأمر شيء، وأن المسؤولية كاملة تقع على عاتق الانسان، فسبحان الله العظيم!!
فضلا عن أمور أخرى يذكرونها في هذا المجال؛ حين يزعم بأن الصالح الآن في هذا العصر هي الدولة المدنية، التي
أحدهم: (1/152)
صفحة 153
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
153
لا دخل للدِّين في الحكم فيها، وأن الأحكام المدنيَّة التي يأتي بها البشر بأنفسهم من تلقاء أنفسهم هي المناسبة للواقع، وأنَّها هي التي تصلح لِجَمْعِ النَّاس؛ لأنَّ الدِّينَ يُفَرِّقُهم كما يقولون،
سبحان الله العظيم!!
مع
أنَّ هذا مخالف لنصوص صريحة؛ كما تقدم ذكره، إلى غير ذلك من الأمور التي يذكرونها.
ونحن لا نحارب العقل؛ بل نقول: إنَّ العقل مناط التكليف، ومَنْ فَقَدَ العقل فَقَدْ سقط عنه التكليف؛ كما قال العلماء: «إذا أخذ الله ما وهب أسقط ما أوجب»، فالمجنون غير مكلف بالنص والإجماع عندنا.
والعقل له مجالاته، ويجب استخدامه في أشياء كثيرة، ولكنه محدود؛ فهو يُسْتَعْمَلُ في البحث والتنقيب، وفي إصلاح العالم، وفي فهم النصوص الشرعية، وفي الاجتهاد بضوابطه الشرعية، كما أن له مجالات أخرى كثيرة.
إلَّا أنَّ العقل لا يقف في مواجهة النص الشرعي القطعي في ثبوته، القطعي في دلالاته؛ فعلى العقل أنْ يُسَلِّم لذلك تسليمًا، وإنما له مجال أيضا في تطبيق هذا النص في الواقع.
فهو له مجال في ذلك، لكن هل في دلالة النص؟ كلا؛ ليس له ذلك، وإنما عليه أنْ يُسَلَّمَ، وعليه أن يتهم نفسه إن بدر فيه (1/153)
صفحة 154
154 الالجاي
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
شيء من المصالح يخالف ذلك النص، فحيثما كان النص كانت المصلحة؛ لأن الله الا الله إنما يأمر بمصالح العباد، وينهى عن مضار
العباد عَلِمَ ذلك مَنْ عَلِم، وجَهِلَ ذلك مَنْ جَهل.
مكانة العقل، ونحن لا ندعو لتجميد العقل، ولكن
فهذه هي بعض الناس للأسف الشديد لم يفهم مكانة العقل في الإسلام، ولا زال يجادل في هذ الأمر.
وربما كان ذلك بسبب انتشار الجمود في القرن الثامن عشر الميلادي، والتاسع عشر الميلادي، والقرن العشرين الميلادي أيضا، وهو ما كان في القرن الثالث عشر، والرابع عشر والخامس عشر للهجرة، خاصة الثالث عشر، والرابع عشر الهجريين في بعض البلدان الإسلامية، وأكثره بسبب استعمار، أو احتلال البلاد الغربية لبلاد الإسلام، ونهبهم لثرواتها، وبسبب نظرة بعض المسلمين إلى الغرب نظرة إكبار وإجلال؛ لما وصلوا إليه مِنْ تَقَدُّم ومَدَنِيَّةٍ في مجال الإدارة، والعمران، والبحث العلمي، والرفاهية؛ مما أدى ذلك إلى اغترار بعض المسلمين بهذا الفكر الغربي، وعاد ذلك إلى العقل.
ومعلوم أن الحملة التي أرسلها محمد علي باشا إلى فرنسا للدراسة سنة 1826 م تحت قيادة رفاعة الطهطاوي كانت نتيجة الحملة الفرنسية على مصر، حملة نابليون على مصر 1798 م،
سنة (1/154)
صفحة 155
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
155
والتي أدت إلى تأثر محمد علي باشا بها؛ وذلك حين رأى المدنية، ولباس الجيش، والسلاح الذي يمتلكه، والمراكب
الحربية الفخمة التي أتى بها.
فضلا
عن بعض الهدايا التي أتى بها نابليون؛ فتأثر بها،
وعزم على بعث طائفة من الطلبة المصريين إلى أوروبا؛ للدراسة بفرنسا، خاصة الدراسة في جامعة السوربون، فاقترح عليه أحد مشايخ الأزهر، وهو الشيخ حسن العطار أنْ يُوفد مع هؤلاء الطلبة إمامًا يؤمهم في الصلاة، ويكون مُشرفًا عليهم، فاقتنع بفكرته الشيخ محمد علي باشا، وترك الأمر إليه في اختيار شخصية مناسبة للمهمة؛ فاختار الشيخ رفاعة الطهطاوي.
وكان من خريجي الأزهر، ويُذْكَرُ أنَّه كان حافظا للقرآن، وكان ذكيًا، فأرسله معهم، فكان يصلي بهم، ويراقب شؤونهم ولكنه لما وصل هنالك، والتقى ببعض المستشرقين، رأى أنه من الأنفع له أن يلتحق بالدراسة أيضا، وأن يستفيد من وقته، فيُقَالُ: أنه بعث برسالة إلى محمد على باشا يستأذنه في الالتحاق بالدراسة، فأذِنَ له، فبدأ بدراسة الحقوق، والقانون الفرنسي، والأدب، والتأريخ بعد أن أتقن اللغة الفرنسية، وأخذ يناقش المستشرقين هناك.
مصر،
وبعد نحو خمس سنوات، أي: سنة 1831 م رجع إلى وقد تغير فكره؛ فبدل ما كان يُدْعَى باسم الشيخ رفاعه أصبح (1/155)
صفحة 156
156
الالمجاري
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
ميسو رفاعة، وَخَلَعَ العمامة، ولبس اللباس الغربي، وَكَتَبَ مذكرات يتحدث فيها عن حياته في أوروبا؛ فيما عُرِف ب تخليص الإبريز في تلخيص باريز.
وذكر هنالك إعجابه بالثقافة الغربية وبالحياة الاجتماعية والمدنية، وبدأت التسريبات لبعض أفكاره في هذه المذكَّرَاتِ، وإن لم تكن صريحة؛ فذكر الرقص والغناء، وأنه لا حرج في ذلك، وأن المرأة الأوروبية الغربية والفرنسية بشكل خاص قد تكون كاشفة لرأسها، وتختلط بالرجال، وتتراقص مع الرجال الأجانب، ولكنها مع ذلك تحافظ على عفتها، ما شاء الله!! فبدأ يَنْشُرُ هذه الأفكار على هذا النحو، ثم بدأ بعد ذلك أخذ يُصَرِّحُ
بما هو أكثر.
وأخطر عمل قام به هو ترجمة القانون الفرنسي ـ كما قيل: أحد عشر مقالا -، وأدَّى ذلك إلى تعريب هذا القانون البشري، وبدأ يُطَبّقُ في مصر، وعُمِّم بعد ذلك في البلاد العربية
في
والإسلامية.
وهذا كان في البداية، وفي تلك السنوات، ثم ظهر بعد ذلك بعض الناس ممَّن يُمَجدُون الناحية العقليَّة، وينظرون إلى الحياة الغربية نظرة، إعجاب، وتأثروا قليلا، ولكن بقدر، إلَّا أنَّه فَتَحَ الباب، ومن ضمن هؤلاء الذين تأثروا الإمام محمد عبده، صاحب تفسير المنار. (1/156)
صفحة 157
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
157
العلماء،
وقد ذكر شيخنا الخليلي ـ حفظه الله تعالى -: أنَّه من وأنه قاد، وأسَّسَ ما يُعْرَفُ بالمدرسة الإصلاحية؛ اتباعًا وتأثرًا بشيخه، وأستاذه جمال الدين الأفغاني.
دين
الله،
ولكن الفرق بينه وبين هؤلاء الطلبة الذين يتظاهرون بالعقلانية الآن: أنَّ الشيخ محمد عبده كان عالما، وكانت مواقفه مشهودة في خدمة الإسلام وفي الانتصار للإسلام، وفي عَرْضِ وفي تفسير القرآن العظيم وإن كانت له بعض المواقف التي أنكرت عليه؛ كما ذكر شيخنا الخليلي: بأن مدرسته الإصلاحية قامت بدور كبير في توعية المسلمين، وفي إصلاح الأوضاع، وفي نقلهم من الجمود إلى الانطلاق، وفي إعادة فتح باب الاجتهاد في كثير من القطاعات عند بعض المذاهب التي أغلقت ذلك، وإن لم يكن مغلقًا عندنا معشر أهل الاستقامة. ولكن تؤخذ عليه بعض الأمور، ومنها: تأثره ببعض الأفكار
الغربية بطريقة غير مقبولة، ومنها تفسيره للملائكة بأنها مجرد أرواح، وقد ردَّ عليه شيخنا الخليلي ـ حفظه الله تعالى ـ في برهان الحق، وفي غيره، ونَبَّه على ذلك أيضا في جواهر التفسير. وكذلك انتقده فيما عُرِف بتفسيره الطير الأبابيل بأنه مرض
الجدري. وقد استنكر عليه هذا كثير من العلماء؛ لأنه لا دليل عليه ولعله دفع إلى ذلك؛ لكي يُقْنِعَ الغرب بهذا الأمر، فأنى للغربي (1/157)
صفحة 158
158
أن
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
يتقبَّلَ أن طيرًا جاءت - كما يقولون ـ من لا مكان؛ لتلقي بحجارة على أناس معينين؛ فالفكر الغربي المادي لا يستقبل مثل هذا، وهذا انسياق وهزيمةٌ، نفسيةٌ، ومُعَارَضَةٌ للدليل غير مقبولة.
وبعض الشباب الآن يتصدرون المشهد، ويكتبون باسم العقلانية، وبلغ بهم الأمر بأن يجعلوا الأديان كلها في سياق واحد، الإسلام مع غيره، وباسم الانفتاح والحرية يَعْذُرُونَ، أو طائفة. منهم تعذر مَنْ لم يؤمن بوجود الله تعالى إذا كان قد اجْتَهَدَ في البحث عن الحقيقة، ولو عَبَدَ البقر، ولو كان بوذيا ويستعملون الشعار الإنساني؛ للاجتماع مع الناس، وفي النهاية يَتَقَولُون على الله بغير علم.
وليتهم تَرَكُوا الدِّينَ، وَتَرَكُوا التَّحدث باسم القرآن؛ كما ذكر شيخنا الخليلي؛ لأنّهم أبعد ما يكونون عن ذلك، فالذي يتكلم في
آيات الله تعالى، وفي تفسير هذه الآيات، وفي تفسير كلام النبي إنما العالم المجتهد، التقي، الورع، المُدْرِكُ للواقع، الغيور على الأمة، وليس مَنْ يجمع هذه الصفات، نسأل الله العافية.
المظهر السابع: المؤتمرات المشبوهة:
وهي
عبارةٌ عن دعوات تظهر على شكل مؤتمرات، وتَبتُ
هذه المؤتمرات أفكارًا معيَّنَةً، ومن هذه المؤتمرات ما يدعو إلى
وَحْدَةِ الأديان، وهذه دعوة قديمة دعا إليها بعض الناس. (1/158)
صفحة 159
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
الالحالي 159
والعجب أن تكون في كلام ابن العربي الصوفي المشهور؛ فعنده هذه الفكرة، وانتقدت عليه من طائفة من العلماء، وإن كان بعضهم يحاول أن يدافع عنه، وأنه لم يقصد ذلك.
وهذا الأمر مخالف للأدلة القطعية من كتاب الله وعل، وسنة رسوله؛ فحينما يجتمع بعض الناس في مجمع، أو في مؤتمر، أو في غرفة، أو تحت أي شعار؛ ليجعلوا الناس على دين واحد حسب ما يريدون؛ فيجتمع عندهم اليهودي، والنصراني، والمسلم، وربما ضَمُّوا إليه البوذي، وتارة الهندوسي، وتارة الملحد أيضا، ويُسَمُونَ ذلك وَحْدَةَ الأديان، وتارة يحصرونها في الأديان السماوية؛ فيضمون ويجمعون بين الإسلام واليهودية والنصرانية، وهذا كان شعار الماسونية في فترة من الفترات فيما يُعْرَفُ بالأخوة على هذا النحو، وعلى هذا القدر من المساواة.
وقد اغتر بذلك بعض الناس، وهذا أمرٌ خطيرٌ؛ لأنَّه يتضمن التنازل عن قواعد الدين، وعن مبادئه؛ فإن الله الله جعل الدين الإسلامي هو الدِّينُ الذي يتقبَّلُه دون غيره.
نعم، نحن ندعو إلى وَحْدَةِ الدِّين؛ لأنَّ الدِّينَ واحد، وهذا حق، وهذه دعوة الإسلام: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران: 19] وقال: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الْخَسِرِينَ} [آل عمران: 85]، ويقول: (لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِيَ دِينِ)
[الكافرون: 6]. (1/159)
صفحة 160
لالحان
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
فالدين واحد، ولكن هذا الدِّينَ يقوم على توحيد الله تعالى، وعلى الإيمان بجميع أنبياء الله تعالى ورسله، وعلى الإيمان باليوم الآخر، وعلى القيم والأخلاق الحميدة، وعلى عبادة الله تعالى وطاعته، وعدم الإشراك معه؛ فهذا هو الدِّينُ، شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)
[الشورى: 13].
وهذا الدِّينُ هو دين إبراهيم، ودِينُ موسى، ودين عيسى، وهو نفسه دين محمد صلى الله عليه وسلم، لا فرق بينها، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رسله) [البقرة: 285]، ولذلك سماهم الله تعالى جميعا المسلمين؛ هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ) [الحج: 78]، واعتبر إبراهيم
حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67].
وكانت تلك وصية إبراهيم، ووصية يعقوب أيضا لبنيه، وذلك معروف بالآيات الكثيرة في هذا.
ووصف الله تعالى طائفة من النبيين بهذا الوصف، وذكر بأن التوراة يحكم بها النبيون الذين أسلموا، والآيات في ذلك كثيرة. فهذا هو الدين الحق الذي ندعو إليه، أما أنْ يُؤْتَى مِنَ الإسلام بشيء، ويُؤْتَى مِنَ النصرانية المحرَّفة بشيء، وليست بعد المسيح والموحدين، الذين يعتبرونه عبدا لله تعالى، ورسولا له (1/160)
صفحة 161
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
الالان 16
6
سبحانه، وإنما يأتون بنصرانية مُحَرَّفة لم يدعُ إليها عيسى علي. ويأتون بالتثليث، أو يأتون بأنَّ المسيح هو الله، أو يأتون بأفكار أخرى مخالفة تتعلق القدس، أو بمريم، أو يقولون: ع
بروح
عزيز ابن الله، أو يأتون بتلك الأفكار التي فيها انتقاص للأنبياء، و انتقاص الله الا الله فيما يتعلق بالتشبيه، وغير ذلك من قبل اليهود، أو غيرهم، فهذا لا يمكن أنْ يُقْبَلَ؛ فالله تعالى يقول: {قُلْ يَأَهْلَ الكتب تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا أَشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].
فلا مساومة في هذا، وما يُدْعَى إليه بهذه الصورة إنما هو دعوة إلى الإلحاد بدين الله تعالى؛ وذلك بإنكار أمور معلومة من الدين بالضرورة.
وحين لم يستطع الغرب تحقيق هدفهم في وَحْدَةِ الأديان حاولوا فكرة أخرى وهي ما عُرِفَتْ بالتقارب بين الأديان، فنشروا هذه الفكرة، وقالوا نحن لا نريد وَحْدَةَ الأديان، وإنما نحاول أن نقارب بين الأديان.
فالفكرة الأولى أن يكون هناك دين واحد، يلتحم فيه الجميع، ويَتَخَلَّوْنَ عن الإسلام، والنصرانية، واليهودية، وهذه الفكرة الأخرى تكون بالتقارب. (1/161)
صفحة 162
SUNI
162 الألماني
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
وقد ينطبق عليها ما ذكرته سابقا، أقرب إليها؛ وذلك وهي أن يكون هناك جزء من دين الإسلام، وجزء من كذا، أي: يتخلى المسلمون مثلا عن فكرة الجهاد، ويتخلَّوْنَ عن فكرة تكفير من لم يكن مسلما، ويتخلَّوْنَ عن فكرة ضرورة الإيمان بالقرآن، ويحصر المسلمون الإسلام في علاقتهم بالله الله وبين جدران المسجد فقط، ولا دخل للإسلام في واقع الحياة، أي: إنها عِلْمَانِيَّة!! وهكذا يقوم الآخرون بشيء من
ذلك التقارب.
،
ويُردُّ على هذا نفس الفكرة السابقة التي تقدمت، بل ينطبق عليها ما تقدم، وهو باطل أيضا.
وللأسف الشديد انخدع بعض الناس بذلك، ووقعوا فيه؛ لأنهم لم يفهموا بعض الآيات القرآنية؛ كقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَرَى وَالصَّبِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]؛ فظنوا أن هذه الآية تدعو إلى الاعتراف بهذه الأديان المحرَّفة، وأنه لا حرج في تعدد الأديان، وأنَّه لا حرج في تقارب المسلمين وبينها.
فهؤلاء لم يفهموا هذه الآية الكريمة، فهذه الآية لا تدل على مرادهم؛ لأن الآية كما قال بعض أهل العلم: إنما تتحدث عن أولئك المؤمنين من أصحاب هذه الرسالات السماوية، في عهود (1/162)
صفحة 163
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
الالحالي 163
أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام، فقد كانوا جميعا مسلمين، وكانوا
جميعًا مؤمنين. فالمسلمون بالنسبة إليهم أيضا هم إخوة لديهم، وهم مؤمنون أيضا، وإن أخذوا شعار الذين آمنوا في هذه الأمة، تخصيصا لهم بينهم بذلك؛ لأنَّه اكتمل لديهم الدِّينُ ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،
وتشريفا لهم.
لكن أولئك السابقين لا يُكَلَّفُون بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم عندما لم تقم عليهم الحجة؛ فالإنسان يُكَلَّفُ بما قامت عليه الحجة، وما لم تقم عليه الحجة فهو معذور عنه على هذا النحو ما داموا يؤمنون بالله واليوم الآخر.
ومَنْ كانوا من أتباع موسى بحق، ومن أتباع عيسى بحق فإنَّهم يُوَحْدُون الله تعالى ويؤمنون بنبوة هؤلاء النبيين، ويعملون
الصالحات.
فهذه الآية تتحدث عن هؤلاء، وليس عن الذين كفروا وحَرَّفُوا الدِّينَ، وقالوا المسيح ابن الله، وقالوا: إنَّ الله ثالث ثلاثة، وقالوا: إنَّ الله هو المسيح ابن مريم، أو اتَّخذُوا رهبانهم أربابا من دون الله، أو الذين قالوا عزيز ابن الله، أو الذين يعملون السيئات والعياذ بالله ويقتلون، وينهبون، ويأكلون الربا، ويشربون الخمر، ويفعلون الفواحش؛ فهؤلاء لا يدخلون في هذه الآية الكريمة. (1/163)
صفحة 164
164 الالحان
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
وكذلك قال بعض أهل العلم: إن هذه الآية أيضا قد تدل على مَنْ لم تقم عليه الحجة ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو بكتابه القرآن الذي أنزله الله تعالى عليه، ولو كانوا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كما تقدم إنما يُكَلِّفُ المرء بعد قيام الحجة.
فلو قُدِّرَ في هذا العصر مثلا أنْ يُوجَد شخص آمن بالله وباليوم الآخر، وعمل صالحًا حسب ما بلغه من تشريع الله تعالى على أي نبي من أنبيائه، ولم يُنْكِرُ نبوة شخص اسمه محمد، ولا أنكر القرآن وما خوطب بذلك، ولا خاض، ولا فعل؛ لأنَّه لم تقم عليه الحجة بذلك، وبقي على التوحيد.
فلو قدر حصول ذلك لأحدٍ فإنَّه يَسْلَمُ بإذن الله تعالى؛ كما
قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].
لكن من قامت عليه الحجة فلا يُعْذَرُ أبدًا؛ فإِنَّ الله تعالى لم يعذره في كتابه؛ فالله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا} [البينة: 6]، فلم يعذُرْ أهل الكتاب. بل حَذَّر من أهل الكتاب الذين قامت عليهم الحجة،
وأصروا على ما هم عليه.
، وبموسى
،
ولو قدر أنهم مؤمنون حقا بعيسى وبالكتاب الذي أُنزل عليهما، وعَمِلُوا بما فيهما، ولكنهم أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنكروا كتابه القرآن الذي أُنْزِلَ من (1/164)
صفحة 165
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
الالحالي 165
عند الله، فقد حَذَّر من اتباعهم أيضًا؛ {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَنكُمْ كَفِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ وَايَتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هدى إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [آل عمران: 100 - 101]، وقال: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءَ) [النساء: 89]، وقال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَتِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109].
فإنَّ هؤلاء على باطل، وليسوا على حق، ولا يُعْذَرُونَ في ذلك؛ فكيف يُقَالُ: بالتقارب بين الأديان؛ بزعم أن الإسلام إنما هو دين محمد صلى الله عليه وسلم، واليهودية هي دين موسى، وموسى من نسل يوسف؛ لأنه من الأسباط.
أو من الأسباط، وليس من نسل يوسف بالضبط كما قيل.
نعم، هو من الأسباط؛ من أبناء يعقوب، ويعقوب يرجع نسبه
إلى إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام جميعًا.
وكذا
عيسي؛ على حسب ما يزعمون طبعا، وأنَّهم من بني أنَّ الله تعالى جعل ميلاده آيةً إِلَّا إِذا نُسِبَ إلى أمه.
إسرائيل، مع
فهم يقولون بأننا أبناء عمومة؛ لأنَّ محمدا صلى الله عليه وسلم يرجع نسبه إلى قريش، وقريش من أولاد إسماعيل، وإسماعيل من
إبراهيم؛ فنحن أبناء عمومة، فإذن نتقارب فيما بيننا. (1/165)
صفحة 166
166 الالحان
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
ونحن نقول نعم تقارب في النسب، ولكن في الدِّين لا؛ فالله تعالى يقول: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًا وَلَا نَصرانيا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 67 - 68].
فالصلة بإبراهيم الله إنما هي صلة مبدأ، وليست صلة نسب، فإن كانوا يريدون النسب فأهلا وسهلا ومرحبا بهم، وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ} [الأنفال: 75]، فلسنا ممن يدعو إلى قطيعة الرحم ولكن إن كانوا يَدْعُون إلى التآخي على ذلك دون النظر إلى الدِّينِ فهم أبعد ما يكونون عن الحق. فكيف يكون هنالك تقارب مع أنَّ الدِّينَ من الله، وليس للإنسان التصرف فيه سواء كان مسلمًا، أو غير ذلك، والله تعالى يقول: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13]، فهو الذي شرع، وكما يقول العلماء: إنَّ الدِّينَ وضع إلهي سائغ لذوي العقول السليمة باختياره المحمود لما هو خير لهم بالذات.
ووضع إلهي أي من الله والله تعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٍ) [آل عمران: 128]، ويقول المولى أيضا: يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]، فليس الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم،
فضلا عن غيره؛ فكيف يتنازل أحد عن الدين؟! (1/166)
صفحة 167
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
الالحالي 167
وذلك كما يتنازل بعض الناس اليوم عن فلسطين، أو عن جزء منها كأنَّ الأمر إليه، وهو ليس إليه؛ فإنَّ الله تعالى لم يجعل فلسطين ملكًا لفلان، أو حزب أو دولة معينة؛ ليتنازل عنها لمن شاء، كما أعطى من قبل مَنْ يملك لِمَنْ لا يستحق، وأعطاه ما لا يملك أيضا، وذلك حين قامت بريطانيا ـ وتُسمى العظمى - بجعل فلسطين وطنا لليهود في وعد بلفور؛ كما هو معلوم سنة 1917 م.
فليس لها الحق في ذلك، وليس لغيرها أيضا، لا باسم عربي، ولا باسم إسلامي؛ لأنَّها بلاد مُقَدِّسَةٌ، وقد ائتمن الله تعالى هذه الأمة على هذه المقدسات، ولا يملك أحد التصرف فيها.
وبعد أن رأوا فشلهم في تلك الأفكار لجأوا إلى ما يُعْرَفُ بحوار الأديان.
ولا أستطيع أن أقول: إن حوار الأديان يؤدي إلى الإلحاد. ونحن ندعو إلى الحوار، ولكن ينبغي أن يكون هؤلاء المحاورون من المسلمين مُنْتَبِهِين؛ لأني حضرت في الحقيقة بعض هذه المؤتمرات؛ حضرت مؤتمر حوار الأديان السابع في الدوحة، ومؤتمر حوار الأديان الثامن أيضا في الدوحة في فندق شيراتون، حضرتها بنفسي. (1/167)
صفحة 168
168
الالبان
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
وقد حصل هناك حوار مع أصحاب ديانات مختلفة، وأفكار مختلفة، ولكن تَبَيَّنَ من بعد أن طائفة من المجتمعين إنما يريدون تسويغ فكرهم، وتسويغ دياناتهم، ويريدون الاعتراف لهم بما هم عليه من باطل، مع أنهم لا يعترفون بالمسلمين أصلا.
فلا يعترفون بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يعترفون بالقرآن أصلا، مع أننا من ديننا الإيمان بنبوة موسى، والإيمان بنبوة عيسى، والإيمان بالتوراة، وبالإنجيل، وأنَّها من عند الله، ومَنْ لم يؤمن بشيء من ذلك فهو غير مؤمن عندنا؛ بل کافر لكنهم لا يفعلون الشيء نفسه تجاهنا، وإلى الآن لا يعترفون بهذا الدين، ولا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا بمعجزة القرآن؛ فهم يريدون تسويغ الظلم الذي يفعلونه.
ورأينا منهم تارة يذكرون فلسطين، وأن لهم الحق في المكث فيها، وأن المقاومة التي يُقَاوَمُونَ بها إنما هي إرهاب، وأنَّه يجب أنْ تُدَانَ، وأنَّ ما فعلوه ويفعلونه في غزة وفي غيرها هو حق من حقوقهم، ودفاع عن أنفسهم، وأن الصهيونية العالمية هي المبدأ الذي يعتنقونه.
ونُشِر بعد ذلك بيان من أهل العلم، وهم الذين كانوا يحضرون هذه المؤتمرات ومنهم الشيخ يوسف القرضاوي؛ مُنَدِّدًا بهذا المؤتمر، وأنَّه لا يمكن أنْ يُجْتَمَعَ بهم، وأنَّه لا يُشْرَعُ هذا النوع من اللقاءات وأنَّه يُتَّخَذُ ستارا لغزو بلاد المسلمين، (1/168)
صفحة 169
المحور الثالث: مظاهـ الإلحاد
169
والسيطرة عليها، فَأُوقف المؤتمر من حينها، واستبدل به حوار
الحضارات، أو حوار كذا، والله أعلم بها.
ونحن ندعو إلى الحوار، وإلى الجدال بالتي هي أحسن، ولكن وفق الضوابط الشرعية؛ وذلك لأجل إيصال رسالة الإسلام إلى الناس جميعا، وللتعاون، فلا حرج فيما يصلح للإنسانية؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول: «وَلَوْ دُعِيتُ بِهِ الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ).
فلو اجتمع الناس على اختلاف دياناتهم؛ لنصرة المظلوم، ولإغاثة الملهوف، ولإعانة الفقراء والمساكين، ولعلاج المرضى، ولإغاثة المنكوبين، وللنظر في مصالح هذا العالم، وهذا الكوكب؛ كالاحتباس الحراري، وكيفية القضاء عليه، ولتحقيق العدالة في الأمم، وللقضاء على الفساد، فنحن معهم، وندعو إلى ذلك إن شاء الله تعالى وننطلق لذلك باسم الإسلام.
المظهر الثامنُ: الحرية المطلقةُ، أو ما يُعرفُ بالديمقراطية: وهذا أمر قد اغتر به الكثيرون وصاروا يُنادُونَ به، وهم من المسلمين، ويحملون أسماء إسلامية، ويتصوَّرُون أنهم على حق، وأنهم لا ينابذون بذلك دين الله الله.
(1) ينظر: فتح الباري لابن حجر في فتح الباري، باب: قول الله ل: والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم، ج 4، ص 472. (1/169)
صفحة 170
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
وهذا قد يعود تارة إلى مفهوم الديمقراطية في أذهانهم؛ فربما يفهمون الديمقراطية على أنها مجرد إجراء انتخابي، أو صناديق الاقتراع، أو أنها تعني حرية الناس في اختيار من يحكمهم، أو مَنْ يُمَثْلُهم في مجالس الشورى، أو فيما يُسمى بالبرلمانات، فهذه العملية الانتخابية يُطلِقُون عليها الديمقراطية، ويقتصرون على ذلك؛ ويريدون بذلك القضاء على ما عُرف بالاستبداد، والتسلط، والوراثة في الحكم، ونحو ذلك.
فإن نظر إلى هذا الأمر من هذا المنظار الضيق، فقد يكون لهم عذر؛ لأنَّ هذه وسيلة في اختيار الحاكم، والإسلام جعل هذا الأمر مفتوحًا، فلا مانع - كما نص على ذلك أهل العلم - في اختيار الناس مَنْ يُمَثْلُهُم على جميع المستويات بهذه الطريقة والوسيلة.
وحتى في البيت الواحد، ربما يُجْرَى انتخاب، وفي المدرسة، في مجمع أولياء الأمور، وفي المجالس المحلية، وفي مجلس السوق، إلى آخر ذلك.
فلا مانع من ذلك، فهذه وسيلةٌ وإجراء، والأمر فيها واسع إن
شاء الله.
لكن هؤلاء ربما غاب عنهم ما ذَكَرَهُ مؤسسو الديمقراطية، ومفكروها، وأقطابها حتى في هذا العصر، ومَنْ رجع إلى شيء من ذلك وَجَدَ الأمر واضحًا؛ فإن هؤلاء يَعْنُونَ تارة بالديمقراطية بأنها: (1/170)
صفحة 171
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد
171
حكم الشعب للشعب، أو حكم الناس بالناس، أي: أنَّ الناس يحكمون أنفسهم بما يتَّفِقُون عليه، وحسب الطريقة التي يريدونها. فلو اختاروا أن ينبذوا أي دين فلهم الحق في ذلك، ولو اختاروا أن يكفروا بالله تعالى فلهم ذلك، ولو اختاروا أنْ يُشَرِّعُوا الفساد فلهم ذلك؛ كأن يبيحوا الخمر، وأن يبيحوا الزنا، وأن يفعلوا ما شاءوا فلهم ذلك.
فهل هذا يسوغ في دين الله تعالى قيد ذرة، أو قيد أنملة، أو
لحظة؟!
أليس هذا هدمًا للدّين، ومنازعة الله تعالى في ملكة
وحاكميته؟!
فهذا تعريف بعض هؤلاء للديمقراطية.
هذا
وبعضهم يجعل الديمقراطية هي الحرية، فبعض الأحزاب العالمية الآن كما هو معروف عنها؛ مثلا: الحزب الديمقراطي في بعض البلاد هو حزب تحرر، ويأتون بكلمة معروفة في Liberalism: التحرر، ومفرده بالإنجليزية liberal ويعني الحرية: ويعنون بذلك: الحرية المطلقة.
هي
ولذلك استعملت هذه الكلمة هنا، وهذا يعني: عدم الالتزام بأي ثوابت، أو أحكام أو ضوابط؛ وإنما هو اتباع للهوى، ولذلك إلى الآن يوجد خصام بين هذه الأحزاب. (1/171)
صفحة 172
172 الالحان
172
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
وبعض الأحزاب التي ترفع شعار الدين على الأقل في هذه الدول المختلفة؛ سواء في أوروبا، أو أمريكا، أو غيرها، يكون هناك نزاع بينها فيما يتعلق بقضايا معينة كحق الإجهاض مثلا، فبعض الأحزاب الدينية ترى الإجهاض محرمًا؛ ولكن هذا الحزب الديمقراطي يعتبره مُجَازًا؛ لأن المرأة الحامل لها الحق في التصرف في جسدها، وهذا الولد هو جزء منها، فلها أنْ تُبْقِيه، ولها أنْ تُسْقِطَه.
وهناك قضية المثليين، وهو ما يعرف بالشذوذ الجنسي.
فهذه الأحزاب الديمقراطية المتحررة تبيحُ الشذوذ الجنسي، وتبيحُ السحاق العلاقة الجنسية الحميمية بين المرأة والمرأة، والعلاقة الجنسية بين الرجل وبين الرجل، فلا ترى في ذلك غضاضة؛ لأنَّ هذا هو اتباع الهوى.
بينما بعض الأحزاب التي تنتمي إلى الدين ـ عندهم حسب أصول الدين عندهم - لا زالت تُعَارِضُ هذا، وتعتبر هذا مخالفًا للفطرة، ومُحَرَّمًا في الدِّينِ، ولا زال عند النصارى تحريم لهذا، واليهود لا يجيزون هذا الأمر أيضا، وإن كانت بعض فرق اليهود تحلله.
بينما الأحزاب الديمقراطية التحررية تعتبر هذا من حقوق الإنسان، وتنطلق من هذا المبدأ في فعل أي شيء للإنسان؛ لأنَّها تدور حول الإنسان، فكأنما تجعله إلها؛ فهو يفعل ما يشاء. (1/172)
صفحة 173
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
IVY SENI
وأتباع هذه الأحزاب غالبًا لا يؤمنون بالدين، وإن كان بعضهم يتمسَّحُ به، ويذهب إلى دور العبادة، أو يعترف بوجود الله، ولكن لا يعترف بوجوده في الحياة كما تقدم؛ لأنَّ هذه الأحزاب جميعًا تدور في فكر علماني، حتى عند من تمسح
بالدين منها، أيا كان هذا الدين.
فإذن هذا خطر عظيم!!
وكيف إذا كان هذا الأمر يتعلق بتحكيم أشخاص في البلاد الإسلامية لا يؤمنون بالإسلام أيضا؛ تحت مسمى الديمقراطية، مع أن شرط الإسلام شرط صحة في الحاكم في البلاد الإسلامية، فلا يجوز أبدا بالنص والإجماع أن يحكم المسلمين شخص غير مسلم.
ولكن تحت مسمى الديمقراطية هؤلاء جميعًا مواطنون وما دام هؤلاء المواطنون من أي دين فلهم الحق في الترشح والانتخاب، وإنْ فاز أحدهم، أو اختير من قبل الجمهور ـ أي: العبرة بالأغلبية - فله الحق أن يتولى، وأن يحكم المسلمين، وأن يختار الحكم الذي يريده والوزارات، والأفراد الذين يختارهم في تولي الحقائب الوزارية المختلفة، أو قيادة الجيوش، والأجهزة الأمنية والعسكرية.
أليس هذا أمرًا خطيرًا على الأمة؟! (1/173)
صفحة 174
174 الالبخاري
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
وهؤلاء الذين يدْعُون الديمقراطية يُصَرِّحون بذلك، وعندما ظهرت بعض المظاهرات والاعتصامات طالب بعضهم - من أصحاب التيار الديمقراطي، أو العقلاني، أو الحداثي ـ بهذه الأمور، وكانوا يُطَالِبُون، ومن أهم مطالباتهم إباحة الخمر في البلاد العربية الإسلامية!!
ومنها بلدنا هذا؛ وذلك حتى تُبَاحَ لكلِّ أحد، ولا يُحْجَرُ عليها، أو لا يُخَصُّ بها طائفة من الناس، وكانوا يُطَالِبُون بإباحة العلاقات الجنسية؛ فليس هناك حُرمة للزواج، وإنما يُبَاحُ الزنا، أو يجعل اختيارًا ما دام عن رضا من الطرفين؛ اعتمادًا على بعض الاتفاقيات الدولية، التي وافقت عليها بعض الدول، مع ما في ذلك من مخالفة للنصوص القطعية، ولدين الله تعالى الإسلام. فإذن المسألة خطيرة، وبهذا المفهوم فإنَّ الديمقراطية تُوَافِقُ الإلحاد، خاصة أنَّها تُشَرِّعُهُ؛ فلا أن يكون المرء مُلْحِدًا؛ إذ حرج لا يُعْتَبَرُ الإلحاد جريمة، وإنما هو حرية رأي، ولا حرج في الدعوة إلى الإلحاد، ونشره؛ فهذه حرية تعبير.
وإن قام أحدٌ ضد هؤلاء فهو الذي يجب أنْ يُنْكَرَ عليه؛ لأنَّه هو المخالف للقانون، أو الدستور، فينقلب الحق باطلا، والباطل وينتشر الظلم والفساد، وتنقلب الأمة إلى أمة ملحدة، ولننتظر فقط عقدًا، أو عقدين، فلن يبقى لهذه الأمة شيء، فيجب
حقا،
الحذر
ذلك.
من (1/174)
صفحة 175
المحور الثالث مظاهر الإلحاد
IVO SESI
أمَّا إِنْ وُجِدَ ما يُسمَّى بالديمقراطية الإسلامية، بالمفهوم الذي نفهمه من الشورى الإسلامية ومن الانتخاب بالضوابط الإسلامية، فلا مانع من ذلك؛ كما قام بذلك الكاتب الكبير الأستاذ الراحل حسين غباش في كتابه عمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث.
وجَعَلَ عمان بتجربتها الإباضية في الحكم نموذجا للعالم كله في الديمقراطية الحقيقية، التي تُعْطِي الإنسان حقه، وتقوم بنشر مبادئ العدل، ونشر القيم الإسلامية الأصيلة، وتغطي الناس الحرية في اختيار من يريدون، إلى أن وصل فجعل هذا النموذج حقا للإنسانية، وليس حكرًا على عمان، أو أهلها، أو المذهب الإباضي. وإنما قال: هذه تجربةً تتعدى الأمة الإسلامية؛ لتكون تجربة
إنسانية، وتجربة بشرية حضارية على مدى التاريخ.
وقد اعتبرها أطول مدة حضارية في تطبيق الديمقراطية في تأريخ البشرية، وإن وُجِدَتْ بعض الأحيان في بعض البلاد في العالم، ولكنها لم تمتد على هذا النحو ما يَقْرُبُ من ألف عام.
فضلا
عن النماذج الراقية التي فيها، فإذا كانت بهذا النحو
فلا مانع إن شاء الله تعالى على ما يقول بعض أهل العلم.
وإن كان بعضهم لا يحب تسمية الديمقراطية مطلقا؛ لما فيها من خلفية ذهنية، ويُفَضّلُ استعمال الشورى الإسلامية، وهذا أولى؛ كما قال الله: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]. الله (1/175)
صفحة 176
[صفحة فارغة] (1/176)
صفحة 177
المحور الرابع
علاج الإلحاد
هذا
وهي عبارة عن أفكار واقتراحاتٍ تَوَصَّلْتُ إليها ـ بعد فضل الله تعالى وتوفيقه - من خلال مطالعة بعض الكتب في. المجال، وخاصة كتاب شيخنا العلامة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى. والمجال مفتوح للزيادة، ولتراعي كل أمة، وكلُّ مجتمع
ما يناسبه؛ فالداعية المسلم طبيب نفسه.
والهدف من تناول هذا الموضوع هو أن نتعاون فيما بيننا لعلاج هذه الظاهرة، وللقضاء عليها من جذورها بإذن الله تعالى؛ ولذلك توشعْتُ بعض الشيء في الجوانب المختلفة، ولم أتعرض كثيرًا لشبهات الملاحدة؛ فإن هذا له مجالاته، وله وقته. وإنْ أُصر على ذلك فعسى الله أنْ يُوَفِّقَنِي لعرض هذه
الشبهات مع الرد عليها في موطن آخر.
وقد تكفّل بذلك طائفة من العلماء والباحثين، ومنهم شيخنا
الخليلي في برهان الحق، وفي مصرع الإلحاد، وكذا غيره، لمن أراد الهداية إن شاء الله تعالى. (1/177)
صفحة 178
178
178 الالحان
المحور الرابع: علاج الإلحاد
العلاج الأول: غرسُ المفاهيم الإيمانية:
وهذا أمرٌ، ضروري، فالوقاية خير من العلاج، ويجب أن نقوم بذلك على وجه صحيح؛ وذلك باتباع الأسلوب القرآني في غرس القيم، والمفاهيم الإيمانية، فللقرآن أسلوبه الخاص في ذلك؛ لأنه كلام الله تعالى أنزله بعلمه، وأسلوبه معجز، وقد تكفل ببيان ذلك أهل العلم.
فإذن يُرْجَعُ إلى هذا الأمر؛ ليتشبعه الدعاة، والمربون، وولاة الأمر، والمدرسون، والقائمون بوسائل الإعلام المختلفة، وكلّ مسؤول، «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)؛ ليقوم بهذا الأمر في نفسه، وفيمن يعوله، أو تحت ولايته، فهو مأمور بذلك، فمثلا لقمان لا ضَرَبَهُ الله تعالى مثلا في هذا المجال.
وتوجد أمثلة أخرى كثيرة في القرآن الكريم، وكتبت في ذلك
بحوث، ومؤلفات، فلنرجع إليها.
لكن يجب غرس المفاهيم الإيمانية في نفوس الناشئة خاصة، ويساعدنا على ذلك أنّها الفطرة؛ فالأطفال يتقبلون ويساعدنا المجتمع أيضا والحمد الله؛ لأننا لا زلنا نعيش في مجتمع محافظ ليس مثل المجتمعات الغربية، التي بعدت عليها
(1) رواه البخاري في صحيحه، کتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، رقم: 893. (1/178)
صفحة 179
المحور الرابع: علاج الإلحاد
الالحان 179
179
الشقة، واختفى عنها الدِّينُ الحق منذ قرون، ولم تر النموذج الإيماني الصحيح في الواقع، بل تَشَوَّهَتْ صورة الدِّينِ لديها، أو أنها تَمَرَّغَتْ في أوحال الرذيلة، أو أن الأفكار الإلحادية قد أذهان مفكريها، ومنظريها، وعلماء الاجتماع فيها،
عَشَشَتْ في وساستها، وقادتها، ورؤساء جامعاتها، ومدرسيها، وغيرهم،
والقائمين على وسائل الإعلام عندهم.
فضلا
عن المؤسسات التي تُشَرِّعُ للإلحاد باسم القضاء،
والقانون، وغير ذلك.
فلا يزال مجتمعنا محافظا فتيًا مؤمنا والحمد لله، وإِنْ ظَهَرَ فيه بعض الأفراد، أو أصبح ظاهرة نوعا ما في وقت من الأوقات، إلا أنّ الغالبية العظمى - والحمد الله ـ فيها خير، ومن السهولة بمكان بإذن الله تعالى تربيتها إيمانيًا بالمفاهيم الإيمانية الصحيحة؛ من كتاب الله، ومن سنة رسوله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير مَنْ طبق القرآن، والله الله يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)
[الأحزاب: 21].
وهذا لا يعني عدم الرجوع إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل يجب الرجوع إليها أيضا؛ وذلك لنتشرب منها تطبيق منهاج القرآن، وما ورد فيها، ففيها الخير الكثير، حتى تَخَرَّجَ على يد النبي صلى الله عليه وسلم ذلكم الجيل من الصحابة رضوان الله عليهم، الذي عده الله خير (1/179)
صفحة 180
180
المحور الرابع: علاج الإلحاد
أمة أُخْرِجَتْ للناس، وما عرف التأريخ فاتحا أرحم منه، ولا مثله، كما قال جوستاف لوبون المؤرخ الفرنسي: «ما عرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب»، ويعني بذلك: المسلمين.
العلاجُ الثَّاني: التربية على القيم والأخلاق:
وهذا ضروريّ؛ لأنَّه سياج للمحافظة على المفاهيم الإيمانية، وعدم الانزلاق وراء الإلحاد، وعدم التأثر بوسائل الإلحاد التي سبقت الإشارة إليها.
وقد سبق أن من أساليب هؤلاء، ومن وسائلهم: إيقاع الناس في براثن الرذيلة؛ وذلك حتّى يتحوَّلَ الإنسان إلى حيوان أهوج لا يسعى إلا وراء شهواته، ثم حين تستحكم هذه الشهوات في تفكيره وتصرفاته لا يُبالي عندها أن يدوس على الدين، وأن يَتَنَكَّرَ للحقائق، وأنْ يُعرِضَ عن اليوم الآخر.
فإذن لا بد من التربية على القيم والأخلاق، ولأن في هذا أيضا كشفا لزيف الملاحدة؛ لأن الملاحدة لا يَنْطَوُنَ على قيم وأخلاق، فيتميزون عن المجتمع المسلم المتربي على القيم والخلاق، فأي خلق يرجع إليه هؤلاء؟! وهم لا يؤمنون بمبدأ، ولا يُراعُون في الإنسان - فضلا عن المؤمن ـ إلا ولا ذمة،
-
ولا يعرفون له حرمة، ولا يخافون اليوم الآخر، بل لا يؤمنون به، ولا يخافون الله، وإنما يتبعون شهواتهم. (1/180)
صفحة 181
المحور الرابع: علاج الإلحاد
181
وما أخلاقهم التي يَدَّعُونَهَا إِلَّا مصالح آنية، وتختلف من حين إلى آخر، ويستطيع أحدهم أن يخالفها كما يشاء حسبما يراه من مصلحة متوهمة، وقد تكون غير حقيقية أصلا، فهم يُشرعونَ
ما شاءوا.
فلا بد من التربية على القيم والأخلاق، وهذا الدين إنما يقوم على القيم والأخلاق؛ كما يقول الله تعالى في وصف نبيه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]، وكما قال النبي: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ».
العلاجُ الثالثُ: تعميقُ الانتماء للإسلام وحضارته: وذلك لقطع الطريق على الملاحدة وأعوانهم، الذين يريدون قطع صلة هذه الأمة عن تأريخها وحضارتها؛ فيجب أن يُعمق الانتماء للإسلام في الناس، وأن يغاروا على الإسلام.
وذلك لا يُنَافِي أنْ يتعاملوا مع الآخرين باحترام وتقدير؛ فمع شدة إيمان المؤمنين إلا أن الله تعالى يقول لهم: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، والنبي صلى الله عليه وسلم يأمر بمعاملة الناس بحسن الخلق، ولو كان هذا الشخص كافرًا.
(1) رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الشهادات، جماع أبواب من تجوز شهادته ومن لا تجوز باب بيان مكارم الأخلاق ومعاليها، رقم: 20839. (1/181)
صفحة 182
182
المحور الرابع: علاج الإلحاد
بل إن الله تعالى يأمر الولد بمعاملة والديه بإحسان ولو كانا مشركين، بل ولو دعواه للشرك؛ {وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا معْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) [لقمان: 15]، وقال تعالى: {أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)
[النحل: 125].
فهل هناك أمر بأخلاق أحسن من هذا لجميع الناس؟! ولكن كما قلت بأن الجهل هو آفة بعض الناس الذين لا يعرفون حقيقة دينهم؛ ولذلك لا يغارون عليه، ولا يعرفون حضارته، فتراهم يتأثرون بالعلمانية تارة، وبالديمقراطية تارة، وبالشيوعية والاشتراكية تارة وبالدولة المدنية تارة؛ لأنَّهم يجهلون حضارتهم وقيمهم، وما أنجزه الإسلام.
نعم، ربما يكون لدى بعض المسلمين غبش في التصور، وعدم وضوح في الفكرة عن الإسلام؛ وذلك نتيجة للأفكار التي تلقَّوْهَا عن بعض مشايخهم، فعلى هؤلاء أن يرجعوا إلى الإسلام النقي الصافي، وأنْ يُحَرِّرُوا عقولهم من بعض الأفكار المخالفة للنصوص القطيعة وإن ورثوها عن آبائهم؛ وذلك كبعض الأفكار التي تؤدي إلى معارضة الأحكام القطعية مثلا، فيما يتعلق بالسياسة، وغيرها من المجالات. (1/182)
صفحة 183
المحور الرابع: علاج الإلحاد
183
AP SES
فبهذا ـ إن شاء الله - يكون التصور عن الإسلام صحيحًا؛ فلا يَغْتَرُونَ بما عند الآخرين، وربما يُوَسِّعُون مداركهم للرجوع
إلى بعض المدارس الإسلامية.
العلاج الرابع: ترسيخ العلوم الشرعية:
وذلك بنشرها، وبتفقيه الناسُ في الدين؛ لأن هذا فرض واجب، وفرض عيني على كل مسلم أن يعبد الله على علم، لا على جهل؛ فطلب العلم فريضة على كل مسلم، {فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ} [محمد: 19]، والتوحيد يقوم على العلم؛ فهذا واجب.
فكيف يفرط فيه أبناء المسلمين؟!
فيتعلمون العلوم المختلفة قبل التفقه في الدين؛ مع أن أول ما ينبغي أَنْ يُتَعَلَّمَ من علم الله القرآن.
نعم، نحن نقول بتعلم العلوم المختلفة، وهذا من الدين، ويُعِينُ على فهم القرآن، ويُعِينُ على فهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويُعِينُ على تمكين المسلمين، وتقوية هذه الأمة، ويدخل في قول الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) [الأنفال: 60]، وهو كذلك من تطبيق خلافة الإنسان في هذه الأرض؛ كما أراد الله تعالى، ولكن يجب أن يكون ذلك بعد استيفاء القاعدة من الأحكام الشرعية التي تتعلق بالدين، وأمهات الأخلاق، (1/183)
صفحة 184
184
المحور الرابع: علاج الإلحاد
والعبادات، والمعاملات، ثم بعد ذلك الانطلاق في العلوم
الأخرى.
فهناك تقصير كبير في هذا، ولذلك يجب أنْ يُلْزَمَ جميع الطلبة بدراسة هذه العلوم العقيدة والفقه، ونحو ذلك من العلوم المتصلة بها، واللغة العربية أيضا تعين على ذلك، بل هي الطريق لفهم الدين، وبعد ذلك يتخصصون في المجالات
النافعة والمفيدة.
لا أن يتعلموا العلوم التي لا فائدة منها؛ من الإلحاد، والزندقة، وتعظيم مَنْ حقرَهُ الله الا الله من الملاحدة والمفسدين، وتعظيم كلامهم؛ لِيُقَدِّمُوه على كلام الله، وكلام رسوله.
العلاج الخامس: فتح باب الاجتهاد والتجديد بضوابطه
الشرعية
وهذا مما ندعو إليه؛ لأنَّنا ضد الجمود والتخلف، فيجب أن يُوسع هذا الباب، وأنْ يُعَلَّمَ الناسُ دين الله، وأَنْ يُعَلِّمُوا اللغة العربية، وجميع علوم الآلة التي تُخَرِّجُ علماء مجتهدين، يستطيعون بها فهم النصوص الشرعية، ويُدركون المقاصد
الشرعية، ويُدركون أسرار التشريع، ويُدركون الواقع أيضا.
فيقومون بعملية الاجتهاد والتجديد ويُوجهون أصحاب (1/184)
صفحة 185
المحور الرابع: علاج الإلحاد
الالحالي 185
العلوم الأخرى، ويُعْطُونَ الحكم الشرعي للمستجدات؛ ومما أوقع بعض المسلمين في الرجوع للعلمانية، أو غيرها أنَّهم يجهلون الحكم الشرعي فيها، وأنهم لا يجدون الحكم الشرعي فيما يستجد من الأمور المعاصرة، خاصة أن العالم اليوم مُتَجَدِّد، ومتسارع في ذلك، فَفَقَدُوا الثقة بالدِّينِ، وفَقَدُوا الثقة بالعلماء الربانيين؛ فلجأوا إلى غيرهم، أو أَعْطَوْا أحكامًا من تلقاء أنفسهم، وَسَوَّغُوا لأنفسهم ما لا يُبيحه الشرع، وإن
كانوا في نيَّاتهم على قصد حسن، لو سلمنا لبعضهم بهذا. فيجب أن يُفتح باب الاجتهاد والتجديد، ولكن بضوابطه الشرعية، لا كما يدعو إلى ذلك بعضهم: من فتح باب الاجتهاد والتجديد على الإطلاق؛ حتى برد النصوص القطعية، فهذا لا يمكن، فللاجتهاد، مجال لكن ليس للاجتهاد قدرة أو صلاحية أن يرد النصوص الشرعية القطعية في الثبوت وفي الدلالة، فليس له مجال في ذلك.
نعم، له أن
يجتهد في تطبيق هذا النص على الواقع فيما
يُعْرَفُ بتحقيق المناط.
وقد ذكرتُ في عشرة دروس - في أحكام الاجتهاد والتقليد، لمن أراد الرجوع إليها - ما يتعلق بهذا الأمر باستفاضة، وعسى
أن يكون في ذلك فائدة، وأسأل الله تعالى ذلك. (1/185)
صفحة 186
186
المحور الرابع: علاج الإلحاد
العلاج السادس: التَّحصن من الغزو الفكري:
فيجب أن يُوَعى الناس بحقيقة الإلحاد على طريقته الواسعة التي تقدم ذكرها، وصوره المختلفة، وأسباب الوقوع فيه، ووسائل نشره؛ حتى يكونوا على بَيِّنَةٍ من أمرهم، وحتى يُحصنُوا أنفسهم، ويُحصنوا أولادهم.
ويقوم بذلك جميع أفراد المجتمع؛ من مؤسسات رسمية، ومؤسسات أهلية، ومؤسسات خاصة، فيجب عليها أن تتعاون جميعا للقيام بهذا.
وأخصُّ بالذكر مَنْ يُبْتَعثُون للدارسة في بلاد غير إسلامية، أو بشكل عام، وحتى في بعض البلاد الإسلامية بعدما حصل لها كثير من التغير؛ فَوُجِدَ فيها تيارات تدعو إلى الإلحاد، وإلى الفساد، فهؤلاء يجب أن يكونوا مُحَصَّنِينَ، ولذا اقترحت أكثر من مرة أن لا يُوفَدَ أحدٌ من هؤلاء الطلبة إلا بعد أن يدخل في دورة متخصصة في هذا المجال.
بحيث يُعَرَّفُ فيها بمفاهيم الإيمان، وبالقيم الخُلُقِيَّة، وبالانتماء لهذا الدِّينِ وحضارته، وبِشُبَهِ الملحدين، وبكيفية الرد عليها، وبخطر الإلحاد، وبضرورة أن يبقى متصلا بأهله وبالعلماء والدعاة؛ وذلك حتى يسألهم عما أشكل عليه، وحتى (1/186)
صفحة 187
المحور الرابع: علاج الإلحاد
الالحالي 187
187
يتفقه في أمر دينه، ويستشيرهم فيما يواجهه، أو يلاقيه في
المجتمع غير المسلم.
ولا يُعْطَى فرصةً للسفر إلَّا بعد نيل هذه الشهادة، أو اجتيازه
لهذه الدورة بنجاح.
ويُراقب بعد ذلك أيضا من قبل البعثات التعليمية في مختلف البلاد التي يَدْرُسُ فيها، وتُنتَقَى الجامعات في ذلك، وتُسْتَبْعَدُ الجامعات التي تَبيَّن منها أو من منهاجها أو أسلوبها أنها تتقصد أبناء المسلمين، وتُرِيدُ إفسادهم، وتغيير أفكارهم، أو تسمح لبعض المنظمات بالدخول والوصول إليهم في بيوتهم
وسكناتهم؛ لأجل التأثير عليهم، فَتُسْتَبْعَدُ من القائمة.
كما يقوم القائمون على هذه البعثات التعليمية بمراقبة الطلبة في مستواهم التحصيلي العلمي، وفي أخلاقهم، وفي دينهم، قدر الطاقة؛ لتوجيههم، والمحافظة عليهم، وتَجْمَعُهُم في جمعيات خاصة بهم؛ حتى تُحَافِظ عليهم.
وكلُّ ذلك مع الانفتاح على العالم، والاستفادة من الآخرين، ولكن بِقَدَرٍ؛ فنحن لا ندعو إلى الانغلاق، وإنما ندعو إلى الانفتاح، ولكن بعد أنْ يَتَحَصَّنَ هؤلاء الطلبة؛ ليعودوا ناشرين للفكر الصحيح، لا للفكر المغلوط. (1/187)
صفحة 188
188 الالحان
المحور الرابع: علاج الإلحاد
العلاج السابع: إصلاح واقع الأمة سياسيا، واقتصاديا
واجتماعيا، إلخ
وذلك حتى نقضي على الإلحاد بطريقة شاملة، وبطريقة عَمَلِيَّة، لا أن يكون مجرد ترقيع فقط؛ يظهر الإلحاد فيُطَالَبُ العلماء والدعاة بالتصدي لهذا الإلحاد، مع أن أسباب الإلحاد التي تدفع إليه كثيرة.
والتي منها: الظلم الاجتماعي، ومنها: التجهيل في التعليم؛ وذلك حينما تُهَمَّسُ مادة التربية الإسلامية، وحينما تُوضع لها حصص في المدارس قليلة، وحينما لا يُؤَهَّلُ مدرسو التربية الإسلامية تأهيلا كاملا؛ لإيصال المفاهيم الاسلامية إلى الطلبة، وحينما يُسْمَحُ للطلبة بالتَسَيُّب، ولا يُعطون فرصة مثلا لإقامة الصلاة، وإقامة شعائر الدين في المدارس، أو في الجامعات.
فيجب أن يُصْلَحَ هذا الواقع بتطبيق شرع الله الله، ونفي الظلم الاجتماعي؛ لأن من أسباب وقوع بعض الملاحدة في الإلحاد الظلم الذي عانوه بسبب الحرمان، وبسبب الفقر، وبسبب المرض، فلم يستطيعوا العلاج لأسباب الطبقية التي عانوها؛ في النظام الرأسمالي، أو النظام الطبقي، أو النظام الإقطاعي
مثلا
في أوروبا، حتى انفجروا عليه فيما عُرف بالثورة.
فيجب أنْ يُصْلَحَ الواقع، وبذلك لا يكون لأحدٍ عذر. (1/188)
صفحة 189
المحور الرابع: علاج الإلحاد
الالحان 189
189
وقد رأيتُ بنفسي: بأنَّ كثيرًا مِنْ هؤلاء الذين يدعون الدعوة إلى الإلحاد، ويتصدرون المشهد إنْ أُعْطُوا منصبًا، أو أُعْطُوا مالا فإنهم يخمدون، ويسكتون؛ فيتبيَّن من ذلك أن ما فعلوه إنما كان لمصالح شخصية، أو كما قال شيخنا الخليلي ـ حفظه الله تعالى -: أنَّهُ عَرَضَ هذا الأمر على ناظر الداخلية أيام حكم
سعيد بن تيمور، وهو السيد أحمد بن إبراهيم، وذلك حين بدأت الشيوعية، أو الإلحاد يظهر عند بعض الناس في عمان، من قبل فئة الشباب خاصة، فاقترح هذا المقترح على السيد أحمد بن إبراهيم، وذلك بأن يكون علاج هذا الموضوع بيدين: يد من ذهب، ويد من حديد.
بحيث يؤخذ هؤلاء بالحزم؛ لمنعهم من القيام بذلك، ولكن
في الوقت نفسه يُعْطَوْنَ أيضا، ترغيبا، فلا يُكتفى بالترهيب.
وقد ذَكَرَ السيد أحمد بن إبراهيم هذا الأمر للمفتي السابق الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري فأيد فكرة سماحة الشيخ أحمد الخليلي في ذلك الوقت، لكن استبعد حصول ذلك؛ لأنَّ القائم بالأمر حينها لا يعرف إلَّا اليد التي من حديد، وما كان يُعطي، أو يبذل العطاء؛ لأجل كسب وُدّ هؤلاء، مع أن الله تعالى جَعَلَ في
كتابه نصيبا للمؤلفة قلوبهم من الزكاة، التي هي ركن من أركان الإسلام؛ وذلك لأجل دفع ضررهم، أو كيدهم، أو عداوتهم، ولأجل جذب مودتهم، وترسيخ إيمانهم. (1/189)
صفحة 190
190 الالحان
190
المحور الرابع: علاج الإلحاد
وبعض الناس يُجْدِيهِمْ نفعًا مثل هذا الأسلوب، وعلى الأقل كما يقال ربما يُصْلِحُ مَنْ بعدهم، ويخلصوا نيته أولادهم، والجيل اللاحق لهم الصادر منهم إن شاء الله تعالى.
العلاج الثامن: تحقيق العدالة الاجتماعية:
وذلك بتطبيق الإسلام، ودفع التفاوت الطبقي - بأن تكون فئة من الناس أعلى من فئة أخرى؛ بحيث يشعر الناس بأنهم سواسية ـ أمام التشريع، أو ما يُسمى بالقانون، وأنهم سواسية في العطايا، وقد يكون هناك تمييز من جهة العمل، فذاك شيء آخر؛ وذلك حين
يبذل المرء عملاً يستحق به أنْ يُكَافاً على جهده، فهذا أمر آخر.
فباعتبارهم مواطنين لهم نفس الحقوق، ونفس الفرص في الحصول على أعمال، وفي تولي مناصب معينة، وفي الارتقاء في هذه المناصب، وفي نيل المكافآت إن قاموا بعمل معين؛ بحيث لا تكون هناك محاباة، ويشعرون بأنهم إخوة متكاتفون متعاونون، ويُطَبق الإسلام في هذا لا أن يشعر الفقراء بالحرمان.
كما يُفْتَحُ المجال للجمعيات الأهلية والخيرية، أو ما يُسَمَّى بالتطوعية للعمل في المجالات المختلفة؛ لتكون أيضا ردءًا مساعدًا للعمل الحكومي، لا أنْ يُنظر إليها أنَّها مُضادَّة لها، وإنما لتكون معينة على ذلك، ولا مانع من مراقبتها، لكن لا أنْ يُتَّهَم الناس في نياتهم قبل تحصيل الشيء. (1/190)
صفحة 191
المحور الرابع: علاج الإلحاد
191
فهذا مما يُكَرِّسُ العدالة الاجتماعية، ويؤدّي إلى الاستفادة من المواهب، ويؤدّي إلى تولية الأكفاء، الذين يمتلكون الصفات القيادية في المواضع القيادية؛ وذلك حتى ينفعوا الأمة، ويُقْطَعَ الطريق على بعض الانتهازيين، أو الفاسدين المفسدين وأعوانهم؛ للتسلط على الأمة، ونهب ثرواتها، وإيقاع الظلم بغيرهم، نسأل الله العافية.
العلاج التاسع: تطبيق الأحكام الشرعية:
وهذا مطلب على كل مسلم، وهو أمر ضروري، ويأتي على كل ما تقدَّم؛ فحكم الله تعالى هو الذي يُحقق مصالح الناس، وهو الكفيل بالحرية؛ فأحكام الله تعالى عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، ومصلحة كلها، وأعجب مِمَّنْ يَدْعِي الإيمان بالإسلام، وبحكم الله تعالى ومع. ذلك يستبدل بشرع الله شرعا آخر من الشرق، أو من الغرب، أو من تلقاء نفسه، فسبحان الله العظيم!!
الله
فكلُّ أحد مطالب بتطبيق شرع الله تعالى في نفسه، وفي أهله، وولده قدر الطاقة إن لم تُلَبَّ هذه المطالب بتطبيق شرع في المجتمع. وأيضا أَرْمِي هنا إلى تطبيق شرع الله تعالى في هؤلاء الذين يتجرأون على انتهاك الذات الإلهية، ويستهزئون بالذات العليَّة، (1/191)
صفحة 192
192
المحور الرابع: علاج الإلحاد
ويسخرون منها، أو بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو بالقرآن، أو بالأحكام الشرعية؛ فهؤلاء يجب أن يُوقَفُوا عند حدهم، فتارة قد يناقشون، كما يُقَالُ: يجابه الفكر بالفكر، ونحن نؤيد هذا.
ولكن إن تمرُدُوا، وواصَلُّوا فيجب أن يوضع كل واحد عند حده، وأن يؤدب بالأدب الشرعي الذي يستحقه، أما أنْ يُطْلَق لهم العنان فإن هؤلاء يفسدون في الأرض ولا يصلحون، والعضو الفاسد إن لم يرجَ برؤه فإنَّه يُبْتَرُ؛ وإلا أدى إلى استفحال المرض في الجسد كله، وأدَّى إلى هلاكه والعياذ بالله تعالى.
عن
والذي يُعْرِضُ عن حكم الله تعالى يتوقع منه مثل هذا؛ فإنَّ الإلحاد إذا انتشر سيقضي على المجتمع كله، وسيؤدي إلى الفساد، وإلى نهب الخيرات، وإلى كل ظلم نتصوره؛ فضلًا استحقاق غضب الله تعالى ونقمته في الدنيا قبل الآخرة؛ كما قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَةٌ وَاعْلَمُوا أن اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 25]، وكما قال سبحانه: {وَلَوْأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]. (1/192)
صفحة 193
خاتمة
لنعلم جميعًا أنَّ النصر من الله تعالى، والفتح بإذن الله تعالى قريب، وهذا وعد الله تعالى؛ {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) [الفتح: 28]، وكما قال الله تعالى: {وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]، {وَالْعَقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه: 132].
وقد ذَكَرَ شيخنا الخليلي في دروسه، ومحاضراته، وكما هو في كتابه مصرع الإلحاد كلمات ذهبية للإمام أبي الأعلى المودودي، وذلك في كلمة قالها سنة 1946 م في بيشاور حينما خاطب أنصاره سيأتي بلا شك اليوم الذي تتحير فيه الشيوعية في موسكو نفسها من دون أي ملجأ، وتتعثر فيه الرأسمالية في واشنطن نفسها بدون أي منجأ، وتهيم فيه المادية في جامعات لندن وباريس، وتتلاشى فيه العنصرية حتى عند البراهمة والألمان، وإنما تبقى عبرة في التاريخ قصة من يحمل عصا
موسى تحت إبطه وهو يخشى من الحبال والخشب!!.
فالمسلمون أعطاهم الله الا الله القرآن، وكرمهم بهذا وشرَّفَهُم، فما بالهم يتركون هذا النور الرباني، ويعتمدون على (1/193)
صفحة 194
194 الالباربي
خاتمة
أفكار بشرية هزيلة لأناس مرضى من الشرق والغرب، يستبدلون بأحكام الله تعالى هذه الأفكار والأعمال، التي لا تؤدي بهم إلَّا إلى الضعف والحرمان والمعاناة؛ كما قال الله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يوْمَ القِيمَةِ أَعْمَى) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا) ققَالَ كَذَلِكَ أَنَتَكَ ايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنَسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بِشَايَتِ رَبِّهِ، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) [طه: 124 - 127]، فما بالنا لا نأخذ بهذه الهداية الربانية.
خاصة أن شيخنا الخليلي حفظه الله تعالى: ذَكَرَ بأَنَّ العُمانيين كرمهم الله تعالى بأن كانوا أول أمة انتصرت، وكان لها الشرف أن ترد الكيد التنصيري المتمثل حينها بالبرتغاليين في القرن الحادي عشر الهجري، أو القرن السابع عشر الميلادي، وَتَتَبَّعُوا هؤلاء حتى أخرجوهم من ممالك الإسلام المختلفة، وتَتَبَّعُوهم إلى إفريقيا الشرقية، فقضوا على هذا الاستعمار البغيض.
وكذلك كان لهم الشرف على أن ينتصروا باعتبارهم دولة على الشيوعية؛ فكانت أول دولة تقوم بذلك هنا ـ في عمان ـ والحمد وذلك بتعاون السلطة الحكومية، وتعاون العلماء؛ فكان القضاء
لله،
على الحراك الشيوعي في الجنوب، وكان ذلك سنة 1395 للهجرة، أو 1975 للميلاد. وقد احتفل قبل عدة أيام بهذا النصر؛ لأنه وافق
هذه المناسبة - كما يقولون - تاريخ كما يقولون 11 ديسمبر. (1/194)
صفحة 195
خاتمة
الالحان
195
فإذن هناك إرثُ حضاري، فليكن للعمانيين، وليكن أهل
الاستقامة السبق في هذا المجال؛ حتى يكتمه الله تعالى. نعم قد أكرم الله تعالى الأفغان أيضا أن قاموا بدور عظيم في
هذا، وسَجِّلَ هذا الأمر أيضا شيخنا الخليلي، وغيرهم. وسجل ذكرهم التأريخ بأن وفّقَهُم الله تعالى للانتصار على الشيوعية فى أفغانستان، واستطاعوا هزيمة إحدى أكبر القوى العظمي في هذا العصر، وهو الاتحاد السوفيتي؛ فرجعت خسيئة منكسرة، لكن ليتهم أكملوا هذا النصر، وفرحوا وسعدوا بهذا الأمر بدلا من أن ما أصاب غيرهم من الفتنة الداخلية يصيبهم والاقتتال الطائفي؛ حتى تسلط عليهم غيرهم.
نسأل الله تعالى الفرج القريب للجميع، فالنصر آت بإذن الله
تعالى، وإنما علينا الاجتهاد في
هذا. (1/195)
صفحة 196
[صفحة فارغة] (1/196)
صفحة 197
توصية
1 - ضرورة إنشاء عمل مؤسسي؛ ليقوم بما ذكرتُ من الأفكار، وبغيره ممَّا يُقْتَرَحُ، أو يأتي إن شاء الله تعالى، ويُرَى مصلحة؛ ليكون عملنا غير مقتصر على فرد، وإنما هو عمل جماعي مُنَظَّم، يقوم بوضع أهداف يسعى لتحقيقها، وتكون واضحة، ويُتَرْجَمُ ذلك في خطة، وفي وقت معين، وتقوم على ذلك إدارة مؤهلة، وأتباع تُوَزِّعُ عليهم الاختصاصات، ويتكاملون، ويتعاونون، ويُخْلِصُونَ نياتهم الله الله؛ حتى يصلوا إلى مبتغاهم
بإذن الله تعالى.
ليس لها إلَّا التفاف قوة بقوة ومقتد بمقتدى ليس لها إلا نفوس طفئت أضغانها واشتعلت فيها التقى يلمها الإيمان قلبا واحدا وحشوه الهدى إذا رمت فقوسها واحدة وما رمت وإنَّما الله رمى
الله وجهته
2 ـ على هذه المؤسسات أن تقوم بدراسة الدعوة فيما يتعلق بهذا المجال، ومعرفة طرق الملاحدة، ووسائلهم، وتتبعهم، واكتشاف مواقعهم الإلكترونية، وفي وسائل الاجتماعي، والتحذير من كتبهم، وبعض رموزهم، والحصول على ملفات (1/197)
صفحة 198
198 الالحان
198
توصية
أيضا لبعض مَنْ تأثر بهم؛ حتى يُسْتَدْعَى، ويعالج بالكلمة الحسنة أولا، وإن أصر فإنَّه يُحَذِّرُ منه، ويُعامَلُ بما يليق به، وذلك بعد إبلاغ السلطات المختصة.
ـ يكون هناك تعاون بين هذه المجموعة بعد أن تأخذ الصفة الرسمية أيضًا لها، وأنْ تُفْتَحَ أقسام في الجهات المسؤولة عن هذا الأمر تختص بهذا، سواء كانت جهات أمنية، أو جهات بين قوسين - أيضا دعوية، مثلا في وزارات معينة، أو في الإعلام؛ لكي تقوم بالتعاون بينها جميعًا في هذا المجال، ويكون هناك اجتماع، ويكون هناك لقاء؛ حتى تنتظم الجهود، وتتكامل. وعسى الله تعالى أن يأتي بالخير اللجوء إلى الله تعالى، لاستمداد التوفيق، والرحمة منه؛ فإنما التوفيق بيد الله تعالى، وليس بجهود البشر؛ إن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخذُ لَكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160]، و مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) [الكهف: 17]، {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: (56]، فننطلق على هذا النحو مخلصين الله تعالى متجرّدين، له وعسى الله أن يأتينا بالخير؛ {رَبَّنَاءَائِنَا مِن لَدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10]. (1/198)
صفحة 199
الأسئلة والمناقشات
الالحان 199
199
الإلحاد دين يحارب الدين:
الإلحاد الآن بصورته هل أصبح مجرد ظاهرة أم أصبح دينا
يُعتنق؟
هو مع أنه يحارب الدِّينَ إلا أنه أصبح دينا؛ يَدِينُ به المرء، وهذا هو مفهوم الدين أي ما يعتقده، ولذلك هؤلاء يدينون
بالإلحاد، أي: بالكفر بالله الله
لكن عندما نطلق عليه ظاهرة فذلك بمعنى أنه: بدأ يتفشى،
له. وبأنَّ هناك مَنْ ينتصر
ولكن لا شك أن الأمر قد يَسْتَفْحِلُ والعياذ بالله إن لم يُوقف في وجهه، ولأنه قد يتخذ مظاهر خادعة؛ لأجل الاحتيال على
الناس.
وبغض النظر عن هذا وذاك؛ تجب محاربته، والوقوف أمامه؛ لنشر الحق إن شاء الله. (1/199)
صفحة 200
الأسئلة والمناقشات
علاقة مصطلح الإنسانية بالإلحاد:
مصطلح «الإنسانية» الذي أصبح يُرَوّج له بصورة واسعة الآن، هل له مدخل أو علاقة بالإلحاد؟
هذا المفهوم خطير جدا، فهو مظهر من مظاهر الإلحاد والعياذ بالله تعالى؛ لأنَّه يَسْتَبْعِدُ المرجعية الدينية الحقة، بذلك دين الإسلام.
ونعني
ربما يكون مفهوم الدِّينِ مغلوطًا، أو مُشوَّشًا عند الغربيين، أو الشرقيين؛ لأنَّهم حرَّفُوا الدِّينَ، أو لأنَّه لم يصلهم نقيا من كل شائبة، فالمفهوم الإنساني قد يكون مقبولا لدى البعض؛ للرجوع إلى الفطرة والإنسانية.
ولكن بالنسبة لنا نحن المسلمين لدينا الدين الحق ولا يمكن أبدا أن نتنازل عن الرجوع إلى مصدر التشريع الأول، وهو القرآن، وإلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يمكن، وهو
أمر قطعي.
نعم، إن كان المراد تعاون المسلم مع غيره فيما يتفقون فيه، وأولئك ينطلقون من مبدأ «الإنسانية»، ونحن ننطلق من مبدأ الدين، ولكن كلَّنا نُعَظْمُ شأن الإنسان كما أراد الله تعالى فلا مانع منه، أو أن نتعاون على ما اتَّفَقْنَا عليه لما فيه صلاح الإنسانية فلا مانع من ذلك؛ فنحن نعيش على أرض واحدة، (1/200)
صفحة 201
الأسئلة والمناقشات
الالحالي 201
فهناك الأمم المتحدة، تجتمع فيها الدول، ويتفرع عنها مؤسسات، ويلتقي فيها المسلم بغير المسلم؛ لأجل القيام بمصالح تنفع الناس جميعا، فهذا لا مانع منه، بل نُؤَيَّده، ونُشَجع عليه.
طبعا إن كانت هذه المؤسسة تقوم بذلك كما في الأصل، أو كما يُدعَى، وإن كان قد استعملت من قبل البعض؛ لتحقيق مصالح خاصة.
وكالتعاون في الكوارث الطبيعية كما في بعض الجمعيات أو المنظمات الخيرية؛ كما في أطباء بلا حدود، والعناية بالأيتام، أو علاج مرضى القلب، أو السرطان، أو العناية بالفقراء
والمحتاجين على مستوى العالم.
فهذه مبادئ نحن نُقِرُّها، وندعو إليها، ومن صميم
ونتعاون
مع البشر في ذلك.
ديننا،
لكنَّ المسلم حين يتكلم يجب أن ينطلق من دينه، وأن
يقول قال الله، وقال الرسول، وأنا أقول هذا؛ لأنَّ
ديني
يأمرني
بذلك، ولأنَّ الله تعالى يقول لي ذلك، فيوجد تقاطع
مع الآخرين.
لكن أن يقوم بعض المسلمين بالتخلي عن ذلك؛ بدعوى
مسايرة الآخرين فلا، والله تعالى المستعان. (1/201)
صفحة 202
202
الالحان
الأسئلة والمناقشات
الفرق بين الإلحاد والكفر والشرك
هل هناك فرق بين الكفر، والشرك، والإلحاد؟
الإلحاد هو الميل عن الحق؛ اعتقادًا، أو قولاً، أو فعلا؛ فعلى هذا معنى الإلحاد أوسع.
ولكن يغلب علينا في كلامنا استعمال هذه الكلمة بمعنى: إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهذا عُرْفٌ جرى عليه الاستعمال، وهذا الذي سلكناه؛ لأجل تحذير الناس من هذه الكبيرة، وبذلك يكون مرادفا للشرك، سواء كان شرك جحود، أو شرك مساواة.
والكفر ينقسم إلى قسمين: كفر نعمة، وكفر أكبر، والكفر
الأكبر شرك بقسميه.
وهناك مَنْ يقول: الكفر بمعنى المعصية مطلقا.
وعندما نقول كفر النعمة هو ارتكاب كبيرة دون الشرك، سواء كان ذلك الفعل تهاونا مع الاعتراف بحرمة ذلك الشيء، أو بترك واجب، أو فعل محرم، أو كان ذلك استحلالا؛ بتأويل فهذه كبيرة أيضا.
ولكن هو من كفر النعمة ولا يصل إلى كفر الشرك؛ وذلك بأن يتمسك أحد بشبهة يحسبها تأويلا، فتدرأ عنه حكم الشرك، (1/202)
صفحة 203
الأسئلة والمناقشات
203
باعتقاد حكم بخلاف الشرع؛ بتحليل حرام، أو تحريم
وكان بتأويل.
حلال،
أما إذا كان بغير تأويل فهو الشرك، والشرك ينقسم إلى جحود، ومساواة، فبينها تداخل في بعض الأحيان.
الإلحاد لا يقوم على أي أساس علمي:
هل هناك مشروع قادم للحديث عن شبهات الإلحاد،
وتفنيدها؟
إن شاء الله نحاول ذلك، وإن كنتُ لَا أُرَكِّز على بعض الشُّبَهِ التي يذكرونها؛ لأنَّ هذا يحتاج إلى دروس كثيرة، ولأنَّ كل شبهة تستغرق وقتا طويلا، ولأني لا أشجع على ذلك
كثيرًا.
وإن كنتُ أقولُ بأنَّ هذا جهد مشكور، وقد انبرى لذلك شيخنا سيدي العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله تعالى في كتابه برهان الحق، وَفَنَّدَ طائفة من أهم شبهات هؤلاء
الملاحدة.
لكني أؤكد بأنَّ الإلحاد لا يقوم على أي أساس علمي؛ كما ذكر غير واحد من الكُتَّابِ الغربيين أنفسهم، وأن ادعاءهم العلمية هو مخالفة للحقيقة، وتجن للعلم. (1/203)
صفحة 204
204 الالباني
الأسئلة والمناقشات
فليس هناك أي دليل علمي يقوم عليه الإلحاد؛ إذ العلم صنو وطريق الإيمان، ولا يمكن أن يكون يوما مضادا للدِّين الحق، أو داعيًا للإلحاد؛ لأن العلم إنما يُمَثْلُ الحقيقة، والحقيقة
هي
هذا العالم الذي نعيشه بمن فيه، وما فيه.
وكل الحقيقة إنما تؤدّي إلى نتيجة واحدة، وهي أنَّ هذا الكون بمَنْ فيه وما فيه إنما هو خلق الله، ولذلك قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَموا) [فاطر: 28].
اعتقاد الشرك أو القول به أو فعله كله إثم:
الاعتقاد
في حقيقته قد يكون اعتقادًا، أو قولا، أو فعلًا، فهل
أثر ذلك يتساوى؟ وهل يأثم فاعل ذلك؟
ذلك يختلف حسب نوع التصرف؛ فبعض التصرفات أشد من
بعض في الإثم، وفي الأثر.
ولا شك أن الاعتقاد هو أشدها؛ ذلك لأن الاعتقاد هو الذي
يُوَجّه السلوك؛ سواء كان قولا، أو فعلا.
وبالنسبة للقول، أو الفعل أيضا قد يكون شركا، وقد لا يكون شركا، فالسجود لصنم مع تعظيم ذلك الصنم يُعتبر شركا؛ كما ذهب إلى ذلك طائفة من أهل العلم. (1/204)
صفحة 205
الأسئلة والمناقشات
الاتحاد
205
وإنما الكلام لو سجد لصنم بإرادته دون أن يكون ذلك
إكراها، فهل يُعتبر ذلك شركًا أم لا؟
فبعض العلماء: حكم عليه بالشرك.
وبعضهم قال: إنَّه لا يشرك ما دام لم يقصد بذلك العبادة
لذلك الصنم
لكنه في النهاية هو مُحَرَّم، وهذا من الفعل.
وقد يكون قولا وذلك بالنطق بكلمة الكفر بأي وجه من الوجوه؛ كأن ينفي ألوهية الله تعالى، أو يعترف بالألوهية لأحدٍ من الخلق، أو غير ذلك مما يتعلق باستحلال ما حرم الله تعالى؛ فالأمر يختلف بحسب الفعل، أو القول الذي يقوله.
وإن وشعْنَا مفهوم الإلحاد فيما يتعلق بالمعصية فهذا شيء آخر، والتي هي دون الشرك، سواء كانت كبيرة من الكبائر دون الشرك، أو كانت على قول بعض أهل العلم صغيرة من الصغائر؛ فكل شيء له حكمه، فالله تعالى قال: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِالْحَادِ بِظُلْمٍ تُذِقَهُ مِنْ عَذَابٍ اليم) [الحج: 25]، فاعتبر الظلم في الحرم الحادّا، والظلم كبيرة من كبائر الذنوب ما دام صاحبها يعترف بحرمتها، أي: هذه المعصية معصية الظلم، ولم يستحلها، فهي كبيرة من الكبائر، ولكن لا ترقى إلى الشرك، ولها عقوبتها المقدرة المعروفة شرعًا. (1/205)
صفحة 206
206 الالحاري
الأسئلة والمناقشات
أهمية الزاد العلمي الكافي لمواجهة الإلحاد
الإلحاد يَتَّخِذُ صورًا وأشكالاً عديدة، وله براهين متعددة، وقد يحاول الإنسان مواجهة شخص ملحد ولكنه لا يمتلك العدة الكافية والبراهين التي يمكن أن يستدل بها؛ لمواجهة هذا الملحد، فما نصيحتكم للتزود بالزاد العلمي الكافي لمواجهة الإلحاد؟
السؤال عن الواقع العملي؛ وذلك حين يتأثر بعض الناس بشيءٍ مِنْ هذا الفكر فكيف تكون معاملته؟ وخاصة حينما يكون قريبا.
الإنسان طبيب نفسه، وليُقيّم الواقعة التي يتعامل معها، وأول شيء هو اكتشاف هذا الأمر، وما دام هناك وعي فسيكتشف هذا الأمر؛ لأن بعض هؤلاء الملاحدة قد يَدْعُون، أو يَبُثُون ـ على
قد
الأقل ـ هذه الأفكار، ويُعْلِنُونَهَا، وبعض الناس بجهلهم لا يُدْرِكُون أنها منافية لشرع الله تعالى أو أنَّها تُوقِعُ صاحبها في الإلحاد، فيتساهلون مع هذا الأمر، ولا ينكرونه.
فإذا اكتشف هذا الأمر فإنّ هذا الشخص ينبغي أن يُدْرَسَ؛ أَنْ ما الذي دفعه للقيام بذلك؟ هل هو مريض نفسيا مثلا؟ وهل هناك أسباب اجتماعية دفعته إلى ذلك؟ وهل هناك أسباب أخرى دفعته؛ كحب مثلا؟ طالما هو شاب مثلا، فوقع في غرام فتاة (1/206)
صفحة 207
الأسئلة والمناقشات
غربية، أو كافرة، أو بسبب دراسته في مكان معين، أو قراءته عن شخصية معينة، فَيُفهم ما سبب هذا الذي وقع فيه.
فبذلك إن شاء الله تعالى يُحَاوِلُ علاج هذا السبب؛ لأن هذا الأمر في غالبيته لا يرجع إلى اقتناع العقل؛ وإنما هو مكابرة، وعناد، أو تأثر نفسي، أو اجتماعي؛ بسبب موقف من المواقف.
وقد يتخلّى بعض هؤلاء ـ على الأقل ـ عن هذه الأفكار في
-
لحظة واحدة، وذلك عندما يصلح ذلكم السبب، أو الخلل الذي هم فيه؛ فربما يكون هو قد أخذ موقفًا عن شخصية دينية يراها رمزا وفعلت معه كذا وكذا، فيتنكر للدين، وحين يُجلس معه، ويُفَهَّمُ بأنَّ الدِّينَ ليس كما فهم، وإنما الدِّينُ كذا، ويُجَرِّمُ هذا الفعل يرجع للحق والإيمان.
مثلا شاب ربما وقع عليه انتهاك عرض من قبل شخصية تتظاهر بالدِّين، فنفر من الدّين، وقال: إذا كان الدين بهذه الصورة فهذا كذب، وكأنه نوع من الانتقام، ولكن بطريقة غير مباشرة، وذلك بمعارضة هذا الشخص المتدين، ومعارضة فكره، وتأليب الناس عليه، فيتقمص هذا الشيء، فيُبَيِّنُ له الحقيقة، ويُعَالَجُ نفسيا واجتماعيا، وإن شاء الله تعالى يرجع.
أو كان ذلك مثلا بسبب الاغترار، فمثلا بعض الناس مُغرم بالاشتراكية، وأنّها تمثل الملكية الفردية والعدالة الاجتماعية، (1/207)
صفحة 208
208 الالحان
الأسئلة والمناقشات
فيسعى إلى تطبيق ذلك؛ لما يرى من الظلم الاجتماعي، ويرى الفساد، فيقول: أحسن حل هو الاشتراكية؛ فيتمادى في الأخذ
من
بالشيوعية، ونبذ الدِّين؛ لأنَّه يُبيحُ الملكية الفردية.
فيُبَيِّنُ له ما معنى الملكية الفردية في الإسلام، وهل هناك أشياء جماعية؟ وهل تُقَدَّمُ المصلحة الجماعية على المصلحة الفردية تارة؟ أو دائما؟ أو العكس؟
ويُنَبَّه على الحقوق التي يفرضها الإسلام على العباد؛ حتى يكفل بعضهم بعضا، ويُنَبَّهُ على أن تطبيق النظام الاشتراكي لم يؤد إلى ما كان يُعْجَبُ به الناس، بل أدى إلى الفقر، وإلى الحرمان، وإلى البؤس، وإلى التخلف، وإلى التسلط، وأنَّ النظام الحزبي كان هو المسيطر، كما في روسيا؛ فبعض الحفلات الخاصة كانت لستالين في قصره، وفي أولاده.
والخمور التي كانت تُقَدَّمُ، والفخامة التي كانت تُعْرَضُ بخلاف ما يُنَادَى بها أمام الناس، وكأن الناس يلبسون لباسا واحدا، وليس لهم ملكية فردية، وإنما أصحاب الحزب هم المتحكمون فيه، ويعيشون عيشة رفاه وبذخ، فيُكشَفُ له مثل هذا الجواب، وهكذا.
وإذا كان عنده شبهة لا يستطيع هذا الشخص القريب المؤمن الرد عليها فليقرأ، وليتعلم، وليتصل بأحد العلماء؛ لكي يُبَيِّنَ له. (1/208)
صفحة 209
الأسئلة والمناقشات
209
وإن رأى نفسه غير قادر على ذلك فلينصح هذا المتأثر بأن يأخذه إلى أحد هؤلاء العلماء؛ ليجلس معه، ولينصحه، وليناقشه مناقشة علمية هادئة هادفة؛ حتى يزول عنه هذا الغبش إن شاء
الله تعالى.
وأُحَدِّرُ من التشهير به، فلا يُشَهرُ به؛ لأنَّ هذا التشهير قد
يدفعه ـ انتصارًا لنفسه ـ إلى التمرد أكثر، وإلى عدم المبالاة.
وربما بعضهم يسعى إلى ذلك لنشر فكره، فلكل ساقطة لاقطة، فلربما يبحث بعض الناس عنه ليجدوه، فَيُكَوِّنُ له جماعة أو فرقة ليؤثر على الناس، ويعلن جهرًا أفكاره ولا يبالي، فقَدْرَ الطاقة لا يُشَهرُ به في بداية الأمر، وإنما يحاول احتواؤُه بالإغراء قدر الإمكان، وبالترغيب، ولكن إن أصر فيكون الترهيب أيضًا؛ بمعنى: إن لم يستجب فيُمْنَعُ فيُمْنَعُ مثلا من متابعة قناة معينة، ومن متابعة وقراءة كتب معينة تؤدّي إلى هذا الفكر، ومن ملاقاة أصحاب هذا الفكر، الذين يُلَوِّثُون فكره، ومن متابعة بعض القنوات الإباحية، بحيث يُمْنَعُ عنه المدد.
وربما أيضا يُهَدِّدُ بالعقوبة إن تجراً أكثر من اللازم، وذلك بالقدر الذي يستطيعه طبعًا، ودون إحداث فتنة في هذا الأمر،
ويُعامل معاملة تعيده إلى طريق الحق إن شاء الله تعالى. (1/209)
صفحة 210
210
الأسئلة والمناقشات
فإِنْ أَبَى فَيُرْفَعُ أمره إلى القضاء الشرعي إن أصبح يُشَكُلُ تهديدا وخطرًا على إخوته، وعلى أهله، وأصبحوا يتأثرون به؛ لأن هذا أصبح عدوا الله، ما دام بالغا عاقلا مختارًا فيما يفعل، فلا يُجَامَلُ في دين الله، فإن حق مثل هذا أَنْ يُعْتَبَرَ عدوا الله وعل، ويُنْزَلَ حيث أنزل نفسه.
مصادر ومراجع حول موضوع الالحاد والوقاية منه ما الكتب والمراجع التي تَنْصَحُ بها؛ للقراءة حول موضوع
الإلحاد؟
حقيقة؛ أنا أولا أدعو الناس لقراءة كتاب الله، والتَّفقه فيه، فهذا أول شيء؛ فإمعاننا في تدبر كتاب الله ل هو الذي يُعطينا العلم والإيمان، والبراهين.
وكذلك ضرورة العناية بالأسلوب القرآني في غرس المفاهيم الإيمانية، وكذلك في الرد على شبهات الملاحدة؛ فالقرآن متضمن لكثير من الشبه مع الرد عليها، وبالأسلوب المقنع الذي يجمع بين الإقناع العقلي والتأثير العاطفي.
وكذلك دفع الإنسان إلى الطاعة من خلال تعظيم الله وعل،
فهذا مهم جدًّا، ودراسة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبعد ذلك الأمر واسع إن شاء الله تعالى، وكتاب (1/210)
صفحة 211
الأسئلة والمناقشات
211
مصرع الإلحاد لشيخنا الخليلي تَضَمَّنَ جملةً
من
ذلك، وهناك
كتب في المراجع كثيرة عاد إليها الشيخ، ويمكن الرجوع إليها. وأعترف أن بعض الأمور مستعصية؛ فهي تتكلم عن فلسفات، وتتكلم عن جدل منطقي، وما كل أحدٍ يُحْسِنُ هذا. وعندما كُنَّا في بريطانيا في فترة الدراسة، كُنَّا نتصور أن إقناع هؤلاء الغربيين من الصعوبة بمكان، وأنهم أصحاب فكر، وأنهم أصحاب ثقافة واسعة، وأنَّه لا ينفع معهم إلا الإعجاز العلمي، وكنت مملوءا بمثل هذه الأفكار.
لكن تبين لي من الواقع بأن هناك أفرادا كثيرين هم من البساطة ومن قلة الثقافة لا يكاد يساوون الناس في مجتمعنا، أو هم أقل من ذلك بكثير، وأنَّ عَرْضَ الإسلام عليهم بصورته الواضحة البسيطة، وعرض مزاياه، وعرض حضارته كفيل ـ بعد توفيق الله ـ بهدايتهم.
وَأَذْكُرُ أن أحد الطلبة التقى بطالبة وهم يذهبون إلى الجامعة، وذلك في موقع انتظار الحافلة، فكلمها عن الإسلام، وبعد عدة ساعات دخلت الإسلام، هكذا!!
وكان بعض الناس يقف بطاولته - وهذا كان موجودًا في أكسفورد ـ يعرض عليهم المعروضات والمنشورات الإسلامية، من الأشرطة، وبعض الكتب البسيطة؛ للتعريف بالإسلام، (1/211)
صفحة 212
الأسئلة والمناقشات
وموقف الإسلام من المرأة، وكذا وكذا، مع بعض المطويات، ويتكلم علنا هكذا عن الإسلام، ويأتيه الناس ما شاء الله بكل جرأة، ويسألونه عن الإسلام.
وقيل لي بأنه يكاد في كل أسبوع هو يفعل هذا، فقط يوم الأحد في كل أسبوع، ويدخل بعض الناس الإسلام؛ فالمسألة
بسيطة.
وكذلك في الهايد بارك في وسط لندن، وذلك فيما يسمى بالكورنر؛ فبعض الناس يتكلمون عن الإسلام، ويُنَاظِرُون، فيدخل بعض الناس الإسلام، وبعضهم من مجرد المناقشة بين مسلم وغير مسلم يدخل الإسلام؛ فالمسألة يسيرة.
وإذا رأيناهم معاندين مصرين فلا نضيع وقتنا معهم؛ فهناك كثيرون ـ والحمد لله - يدخلون الإسلام من غير هؤلاء، وماذا نصنع بهم؟! والله الا الله يقول: (وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللهُ أَلَا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 176]. نسأل الله العافية، فأن نعتني بأهلينا، وأولادنا - كما يقال: عصفور في يدي خير من عشرة عصافير في الشجرة ـ؛ لنثبتهم على الإسلام فهذا خير، ولندعو مَنْ يتقبل الإسلام وفي ذلك
خير أيضا. (1/212)
صفحة 213
الأسئلة والمناقشات
213
والإسلام وكما هو معلوم الآن هو أسرع دين انتشارًا في العالم، وأكثر من يدخله من النساء، مع وجود هذه الحركة النسوية العالمية، واتخاذ أعداء الإسلام موضوع المرأة ثغرة للطعن في الإسلام، ولكن أكثر الناس إقبالا على الإسلام إلى الآن في أوروبا وأمريكا من النساء.
وهذا الشيء شاهدته بنفسي، وتَذْكُرُهُ الإحصاءات، وقرأتُ عنه لكثير من الدعاة المسلمين، ويُقبلن على الحجاب الشرعي، خِلافًا لبعض البنات المسلمات، اللائي بدأن يظهرن في الشارع الآن للأسف بدون حجاب، أو مع كشف الرأس، أو كشف اليدين، أو يقمن بالخلوة بالرجال الأجانب، أو بالتخلي عن الآداب بالاختلاط بالرجال الأجانب؛ بدعوى سلامة القلب، حتى أن بعض الإخوة أرسل إلي بأن مسألة الفساد الخُلُقِي أو الجرائم لا تقتصر على المجتمع الغربي، بل هذا موجود في مجتمعاتنا، ولكن ليس بنفس الكثافة، أو بنفس الدرجة.
وللأسف توجد الآن جرائم خُلُقية، وتفش للرذيلة في مجتمعاتنا المسلمة، وأصبحت بعض الأمراض تنتشر، وأصبحنا نسمع والعياذ بالله عن بعض الجرائم؛ كزنا المحارم أيضا، وما كنا
نسمعه من قبل. (1/213)
صفحة 214
214 الالحان
الأسئلة والمناقشات
مجتمع
فهذا موجود، ونحن لا نقول: بأن المجتمع عندنا كما يقال - مَلَكِي؛ ليس فيه إثم، أو خطيئة، فهذا لم يتحقق حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فوُجِدَ مَنْ سرق وقُطِعَتْ يده، وَوُجِدَ مَنْ زنا فَجُلِد مائة جلدة؛ لأنَّه كان بكرًا، وَوُجِدَ مَنْ زنا وكان محصنا فرجم بالحجارة حتى الموت، فَوُجد أمثال هؤلاء، فهذا أمر طبعي في البشر، وإلا لما وُجِدَتِ الأحكام الشرعية، ولما وُجِدَتْ الدولة، والقضاء، والمحاكم، إلى آخره.
ولما وُجِدَتْ حاجةٌ للدعاة أيضًا؛ للتحرك في الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه طبيعة الإنسان، ولكن نقول: ينبغي أن نُرَكِّز على الجانب الحسن أيضا، وأن نشغل به أنفسنا أكثر من غيره مع عدم إغفال دعوة أولئك، والله تعالى
المستعان. (1/214)
صفحة 215
فهرس المحتويات
ملحوظة.
مقدمة
مدخل.
تعريف الإلحاد.
جهود سماحة شيخنا الخليلي في دفع الإلحاد.
تأريخ ظهور الإلحادِ عمومًا.
تأريخ ظهور الإلحادِ في عمان خصوصًا ..
من جهود الغرب في نشر الإلحادِ.
عظم خطر الإلحاد.
مجزرة شعب الإيجور المسلم.
عاقبة التساهل مع هذا الفكر
أعظمُ ذنب وأعظمُ معصية. (1/215)
صفحة 216
فهرس المحتويات
الالحان
المحور الأول: أسباب الوقوع في الإلحاد.
السبب الأول: الغرور ..
السبب الثاني: الجهل
السبب الثالث: كفرُ النعمة.
السبب الرابع: كيد الأعداء.
السبب الخامس: الإغراق في المادية.
السبب السادس: اتِّباعُ الهوَى.
السببُ السابع: التَّنكُرُ للفطرة.
السبب الثامنُ: الْحَمِيَّةُ الجاهلية.
السبب التاسع: التَّرَفْ.
السبب العاشر: التَّطَرُّف
السبب الحادي عشر: تحريفُ الدِّينِ وتشويهه.
السبب الثاني عشر: التشبيه والإرجاء. (1/216)
صفحة 217
فهرس المحتويات
المحور الثاني: وسائل نشر الإلحاد.
الوسيلة الأولى: الإعلام.
الوسيلة الثانية: الإغراء بالمالِ والجاه.
الوسيلة الثالثةُ بثُ السُّعار الجنسي والفسادِ الخُلُقِيّ.
الوسيلة الرابعةُ: القهرُ والتَّسلط.
الوسيلة الخامسة: التربية والتعليم.
الوسيلة السادسة: تعميم اللغة والأدب.
الوسيلة السابعةُ: المسرح والسينما.
الوسيلة الثامنة: الصحف والمجلاتُ.
الوسيلة التاسعة: التشكيك في الدِّينِ وأحكامه.
الوسيلة العاشرة: انتهاك المقدسات.
الوسيلة الحادية عشرة: قطع الصلة بحضارة الأمة وتأريخها ... 116
الوسيلة الثانية عشرة: قطع الصلة برموز الأمة ومراجعِهَا. (1/217)
صفحة 218
الالحان
المحور الثالث: مظاهر الإلحاد.
المظهر الأول: الشيوعية.
فهرس المحتويات
المظهر الثاني: العِلْمانية.
المظهر الثالثُ الحَركاتُ القوميّةُ.
المظهر الرابع: حركة تحرير المرأةِ، أو ما يُعْرَفُ بالنسوية
العالمية.
المظهر الخامس الحداثة والتجديد.
المظهر السادس: العقلانية.
المظهر السابع: المؤتمرات المشبوهة.
المظهر الثامن: الحرية المطلقة، أو ما يُعرفُ بالديمقراطية .... 169
المحور الرابع: علاج الإلحاد.
العلاج الأول: غرسُ المفاهيم الإيمانية.
العلاج الثاني: التربية على القيم والأخلاقِ.
العلاج الثالث: تعميق الانتماء للإسلام وحضارته (1/218)
صفحة 219
الالحالي 219
فهرس المحتويات
العلاج الرابع: ترسيخ العلوم الشرعية.
العلاج الخامس: فتح باب الاجتهاد والتجديد بضوابطه
الشرعية.
العلاج السادس: التحصنُ من الغزوِ الفكري.
العلاج السابع: إصلاح واقع الأمة سياسيا، واقتصاديًا،
واجتماعيا، إلخ.
العلاج الثامن: تحقيق العدالة الاجتماعية.
العلاج التاسعُ: تطبيق الأحكام الشرعية ..
خاتمة.
توصية.
الأسئلة والمناقشات
الإلحاد دين يحارب الدين.
علاقة مصطلح الإنسانية بالإلحاد.
الفرق بين الإلحاد والكفر والشرك. (1/219)
صفحة 220
220 الالباربي
الإلحاد لا يقوم على أي أساس علمي.
اعتقاد الشرك أو القول به أو فعله كله إثم.
فهرس المحتويات
أهمية الزاد العلمي الكافي لمواجهة الإلحاد.
مصادر ومراجع حول موضوع الإلحاد والوقاية منه
فهرس المحتويات. (1/220)