صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الدين
------------------------------------------
العنوان: الإمام إسماعيل الجيطالي وفكره العقدي
المؤلف: خضير بن بكير بابا واعمر
افتتاحية: أحمد بن عمر أوبكة
تقديم: محمد ناصر بوحجام
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر
تاريخ النشر: 1430ه/ 2009م
الطبعة: 1
أصله: رسالة ماجستير
سلسلة بحوث منهجية مختارة (15)
ردمك: 978-9947-845-16-5
الإيداع القانوني: 2009/1087
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=2215&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/608
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 28 رجب 1446ه/ 28 - شهر 01 - 2025م. سلسلة بحوث منهجية مختارة (15)
الإمام إسماعيل الجيطالي وفكره العقدي
المتوفى سنة، (750 هـ/ 1349 م)
تأليف
خضير بن بكير بابا واعمر
تقديم
فضيلة الشيخ أحمد بن عمر أوبكه
الأستاذ الدكتور محمد ناصر بوحجام
نشر جمعية التراث القرارة - غرداية - الجزائر (1/1)
صفحة 2
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى
2009 - 1430
هذا البحث رسالة تقدم بها المؤلف لنيل درجة الماجستير في العلوم الإسلامية تخصص أصول الدين بكلية العلوم الإسلامية جامعة الجزائر
تحت إشراف الدكتور محمد ناصر بوحجام
وقد نوقشت بتاريخ 09 محرم 1424 هـ الموافق لـ 12 مارس 2003 م. ولله الحمد والمنة
المطبعة العربية
الهاتف / فاكس: 88.36.53 (029) للمنطقة الصناعية: 87.34:34 (029)
الإيداع القانوني رقم 7 8 0/ 2009
I.S.B.N: 978 - 9947 - 845 - 16 - 5: (1/2)
صفحة 3
الإهداء
إلى والدي الكريمين اللذين ربياني صغيرا، وعلاني أن الحياة علم وعسل، وأكرماني بدعواتها الصاكة.
إلى أخواتي العزيزات وإخوتي الأعزاء الذين شددت بهم أزري فكانوا لي سندا. إلى زوجتي الوفية التي أحاطتني برعايتها، وغرتني بوفائها الخالص. إلى ولدي الغاليين اللذين أنسياني كثيرا من متاعب الحياة. إلى أساتذتي وشلفي الكرام الذين الكرام الذين لقنوني لقنوني أبجديات العلم، وأناروا
عقلي، ونفتوني بما وهبهم الله
حكمة من
إلى كل صديق مخلص شجعنى بكلمة طيبة، أو أمدني خدمة جليلة.
إلى كل مسلم غيور على دينه، معتز باصالة فكسره.
إلى هؤلاء جميعا أهدي باكورة محشي وفا، وتقديرا.
نفي
-3 - (1/3)
صفحة 4
شكر وتقدير
احمد الله تعالى حمدا يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه على أن وقتنى في إنجاز هذا البحث، وتحرير فصوله ومباحثه، فلك الحمد في الأولى، ولك الحمد في الأخرى. اعترافا بجميل المعونة التي سيقت إلي في سبيل إعداد هذه الدراسة يطيب لي أن أتوجه بالشكر الجزيل، والثناء الخالص إلى كل من أمدني بعون مادي أو معنوي من قريب أو بعيد وأخص بالشكر والتقدير أستاذي الدكتور محمد ناصر بوحجام الذي تكلف أعباء الإشراف على هذا البحث رغم كثرة أعماله واسفانه، فقد تعهده برعاية علمية في كافة أطواره، وكم زودني بملاحظات وتوجيهات قيمة، وأفاض علي بروحه الأخلاقية السامية: حسن قول، وتواضع، وإخلاص، فكان لي نعم الموجه والقدوة.
كما أوجه شكري إلى مديري المكتبات العامة والخاصة بوادي مزاب وخارجه على توفيرهم لي ما احتجت إليه من مصادر ومراجع ولا سيما المخطوطة منها. ولا أنسى فضل أسرتي الكريسة، وأصدقائي الأوفياء الذين شددت بهم أزري
فكانوا لي جميعا سندا وعونا.
قائله الكريم أسال أن يجازي خيرا كل من أعان ونصح ..
- 4 - (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
افتتاحية
السماحة الشيخ أحمد بن عمر اوبكه
الحمد لله الذي أرسل برحمته للناس رسلا مبشرين ومنذرين، وجعلهم أيمة يهدون بأمره، قال الله تعالى: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده
عنه
ونصلي ونسلم على أو فى الأنبياء الذي صدقت نبوته، وإمام الرسل الذي عظمت رسالته، محمّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، ورضي عن صحابته الذين أخذوا وبلغوا، وقد رفع الله بعضهم فوق بعض درجات، وقال عز من قائل: نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم)
أما بعد، فإن الله تعالى جعل محمدا سال آخر الرسل، ورسالته آخر الرسالات تكريما له ولأمته، وكتب لهذه الرسالة بفضله الخلود، وأضفى بمنه عليها ما أضفى من مقومات الصمود، وجعل معجزة نبيها في كتابه الذكر الحكيم، وأرشدها إلى سبيل الفلاح بسنة نبيها العظيم، وأوصل حبل مواصلتها واستمرارها بما انبثق من ذلك المصدرين من هدي في خير القرون، ثم بما توارثه العلماء الأعلام الذين هم ورثة الأنبياء، وما استنبطوه من أحكام أعلام لا يخلو منهم عصر ولا مصر، يحيون من العلم ما اندثر، وينشرون منه ما انحصر ويتركون لمن بعدهم من آثارهم المستودع والمستقر. ومن هؤلاء الأعلام الإمام إسماعيل بن موسى الجيطالي" علم لا يعرفه إلا النزر القليل من مثقفي الأمة المسلمة، هو معلم طمرته عواصف الزمان وصدّت العيون عن أثره عاديات الحدثان. غير
أنّ في الأمة الإسلامية - بحمد الله - عناصر طيبة من شباب صالح تمن
حركه الوفاء بالأمجاد، قام يعمل جاهدا لإزاحة الأستار عما خفي، ونهض باذلا (1/5)
صفحة 6
خلفته
جهوده ليعرف أمته بما عندها من رصيد حضاري قيم، وتراث ثقافي غني، عقول نقية، وقلوب تقيّة، وأيد لم تبخل بما أوتيت من فضل ربها سخية. ومن بين هؤلاء الشباب المأمول خيره والمرجو فلاحه ونجاحه الابن البار الوفي "الأستاذ باباو اعمر خضير بن بكير" الذي شمر عن ساعد الجد والاجتهاد، فبحث ونقب وقلب مكنونات الخزائن، واستقصى ليستخرج الكتر المدفون، رغبة منه في التعريف بشخصية إسماعيل الجيطالي وبهويته العلمية ومميزاته الثقافية. فكتب رسالته القيمة التي من خلالها أبرز هذا العالم، ووجّه إليه الأبصار والبصائر ليراه القاصي والداني في منارة عالة، ثم رفع الستار عن وجه من وجوهها، وبين جانبا من جوانبها ألا وهو آراء الجيطالي الكلامية. وإنه ولا شك - حفظه الله - بهذا العمل قد أثرى المكتبة الإسلامية، حيث أوقف الباحثين المتعطشين للمعرفة على رافد يمرع تربة الأصيلة، ويخصب حقول المعرفة الثّريّة، ويروي دوحاتها الباسقة يتفيأ ظلالها من أرهقه السّير الدؤوب إلى هدف الحقيقة الخالصة.
الثقافة
ثم إن هذا الكاتب الوفي قد نصب برسالته هذه نبراسا تظهر بضوئه غائبات لم يطلع عليها الدارسون، وضمّنها نفائس لم يظفر بما في شباك المعرفة المتمدرسون. جزاء الله عن أمة الإسلام وعن الجيطالي بخير ما يجزي به الأوفياء الصالحين، وزاده قوة إلى قوته وأمده بروح منه ليواصل المشوار في خدمة العلم، وفتح عليه من كنوز المعرفة ما يتوا به مقعد كفاءة صادقة. وكتب له النجاح والفلاح في طريقه المعرفي. إنه سميع مجيب. وصلى الله وسلّم وبارك على محمد وآله والحمد لله ربِّ
العالمين.
غرداية يوم 20 شعبان 1424 هـ الموافق لـ 16 أكتوبر 2003 م
الأستاذ: أحمد بن عمر أوبكه.
- 6 - (1/6)
صفحة 7
تقديم
للدكتور محمد ناصر بوحجام
يتميّز الفكر الإسلامي بأصالته وغناه وإسهامه الكبير في الحركة الفكرية الإنسانية، بفضل قوّة مبادئه، وصفاء منابعه وتنوعها وبفضل ما قدمه أبناؤه من
عصارة فكرهم، ما سمح بدفع الحركة الفكرية إلى الأمام.
الحق يقال إن ما قدمه هذا الفكر من رجال عظام، وأعلام كبار، امتلكوا من الخصائص التي تتيح لهم المضي قدما في التطوير والتغيير نحو الأحسن ... يجعل المرء يقف إجلالا واحتراما لهؤلاء الذين كانوا صوى ومنارات، أنارت الدروب للسالكين، وأبانت الطريق للضالين، وأوضحت السبيل للتائهين ...
من
الثقة
لكن ما يؤسف له أن يكون هذا العمل الكبير، وهذا الجهد العظيم غير معروف أو غير معترف به، أو مغيبا؛ لسبب أو لآخر. عمل على ذلك الأعداء والأبناء، أسهم في هذا العالم به والجاهل. هذا الذي جعلنا اليوم نعيش حالة النفور هذا التراث، ونحيا هاجس سحب من أنفسنا، وبات العدو يجرنا إلى معسكره، ويتمادى في جذبنا إلى حماه بالتهديد والإغراء وبوسائل متعدّدة مختلفة، بإظهار الشفقة على مناهجنا التي تحمل عناصر الدّمار وتبطن بذور الإرهاب، وتتوفر على مقومات التخلف حسب ادعائه. وبإقناع ساستنا والمسيطرين على مراكز صنع القرار عندنا، أو طبخه وتسويقه وفرضه علينا، والذين يدعون الوصاية على الأمة، ويحتكرون حق توجيهها وإعداد السياسة التي تحكم حياتها ... إقناع هؤلاء بضرورة تغيير السياسة التربوية وتعديل مفهوم الثقافة، وتبديل أنماط الحياة ... بما يخدم أغراض أولئك الكائدين، ويحقق أطماع أولئك الحاقدين، ويستجيب لأهواء أبناء الفكر الإسلامي، الذين انحرفوا عن سواء السبيل. فكانت النتيجة فقد الغيرة على هذا الفكر، أو البقاء في دائرة التيه والحيرة، وبخاصة الشباب.
-7 - (1/7)
صفحة 8
المخرج من كل ذلك هو نهوض الغيورين من أبناء هذا التراث للتعريف بهذا
الفكر، بتقديمه للنشء بطريقة سليمة وتسهيل طريق فهمهم له واستيعابه. أو على الأقل الكشف عنه للدارسين والباحثين؛ ليكونوا على بينة مما تزخر به المدارس الفكرية الإسلامية، وهو ما يساعد على تقريب الشقة بينهم، وإزالة أسباب التوتر والصدام والصراع والصداع.
في هذا المسار، وضمن هذا التوجه تأتي دراسة الأستاذ خضير بن بكير بابا واعمر القيمة التي حملت العنوان الآتي: "الإمام" إسماعيل بن موسى الجيطالي وآراؤه الكلامية دراسة حاولت تقديم شخصية الشيخ إسماعيل العلمية والاجتماعية المجهولة؛ رغم ما أسهمت به من جهود كبيرة في مسار الفكر الإسلامي، قدمها بصفتها معلما من معالم الفكر الإباضي، التي أبانت عن حقيقة المذهب الإباضي، في أصوله، وأفكاره وفي منهجه في تناول المسائل المختلفة، وبخاصة العقدية منها، وفي طريقة تعامله مع بقية المذاهب ...
يعد الشيخ إسماعيل الجيطالي (ت 750 هـ / 1349 م) علما كبيرا من أعلام الفكر الإسلامي في القرن الثامن الهجري أسهم إسهاما مهما في التراث الإسلامي، والعقدي منه وبخاصة وتبوأ مكانا مرموقا في مسيرة الحركة الفكرية الإسلامية،
وفي المغرب الإسلامي منه بخاصة. مع كلّ ذلك ظل مجهولا حتى من أبناء مذهبه.
إن رجلا عاش في عصر، تردّت فيه الأوضاع الاجتماعية، واضطربت
الأحوال السياسية، وقام بجهد كبير، وأسهم بقدر عظيم في الحركة الفكرية الإسلامية، لرجل يستحق كلّ تكريم وتقدير واحترام. يقول عنه الباحث نقلا عن الدكتور عمرو خليفة النامي، وهو يتحدّث عن سبب تأليفه كتابه "قناطر الخيرات": "والدافع إلى تأليفه هو فساد أحوال عصره، واندراس معالم الدين، وامتلاء الضمائر بحب الدنيا وعماء البصائر عن طريق الآخرة، فخشي الانسلاخ من الدين كله، فدعاه ذلك إلى وضع هذا الكتاب إحياء للدين، وتذكرا لمن نظر فيه".
-8 - (1/8)
صفحة 9
رجل نشأ على المحاورة والمناقشة لأقرانه زمن الدراسة والتلمذة، ودأب على مناظرة أهل العلم، وهو شيخ عالم، ومفكر وموجه، معه من الزاد المعرفي والبضاعة العلمية النصيب الكبير. ورجل عاش في عصر ازدهرت فيه الحركة الفكرية وتنوعت؛ نتيجة التنوع المذهبي، والصراع الفكري ورجل يتمتع بقوة الحافظة، والجرأة في قول الحق، التي هي مفتاح شخصيته، وسبب متاعبه، وهو القائل: لا أقيم ببلد لا أقول فيه الحق، ولا آمر ولا أنهى رجل بهذا القدر من الكفاية، وهذا التميز يبقى غير معروف عند طلاب العلم, والباحثين والدارسين. إنّ هذا من يعد نقيصة في المشتغلين بالبحث والقائمين على مراكز التوجيه والتعليم. كم عانينا من غياب فكر أسلافنا عنا، وكم تضررنا من عدم معرفة حقيقة جهود من سبقونا.
الحظ
إلا أن دراسة الأستاذ الفاضل خضير بن بكير بابا واعمر حول شخصية الشيخ إسماعيل الجيطالي، أذهبت شيئا من الحزن وخففت عنا قليلا من الأنين؛ بما من تعريف لهذا الرجل الكبير، وكشفته من فكره، وهو بذلك يضع بين أيدي الباحثين معالم في طريق الدّراسات التي ستتبع ما قام به.
قدمته
-
بذل الباحث جهدا عظيما في التعريف بشخصية الجيطالي: بيئة ونشأة وتكونا، وحياة اجتماعية وعلميّة وفكرية وإغناء للمكتبة الإسلامية بما كتب وألف ... وقد تميز في هذا الجهد بالاستقصاء والرّصد، وتتبع المصادر، مظان العثور على معلومات عن حياة المترجم له، وهي قليلة.
إن قلة المعلومات، وندرة المصادر في حياة الرّجل قد يكون في صالح البحث؛ إذ يتيح له تناول شخصية الجيطالي بطريقة عمودية، تعتمد تقديم الإشكالية وعرض السؤال، وتعوّل على التحليل والتعليق والاستنتاج ... لتحصل الفائدة الأهم
من هذه الدراسات، وهي الإفادة والاعتبار من حياة أمثال هؤلاء الأعلام.
- قدم بحثه بطريقة مركزة، وعرض آراء الجيطالي بكيفية محكمة دقيقة، وبأسلوب مقبول، ومنهجية علمية سليمة. وبين سعة علم الشيخ، واطلاعه الكبير
-9 - (1/9)
صفحة 10
على الفكر العقدي الإسلامي. كما أبرز أن الشيخ الجيطالي من خير من يمثل الفكر تأصلا وقواعدا ومنهجا وشمولية وأسلوب تقديم الفكر ... وقد مثل الإباضي:
بذلك أصالة الفكر الإباضي، في عصر كثر فيه الجدل والنقاش والمناضرة، واشتد فيه التعصب والهجوم على آراء الآخر. قال الدكتور عمرو خليفة النامي: " ... وهو في كل ذلك الحامل الأمين لمذهبه، يعرض أقواله وآراءه في وضوح وبيان، ويبرزه ناصعا جليا لا تشوبه البدعة، ولا تغبشه "الضلالة من هنا أقول: إن فكر الشيخ الجيطالي يصلح أن يتخذ مجالا للمقارنة بين الفكر الإباضي وغيره، مما عرف في الفكر الإسلامي. وهو في الوقت نفسه يعطي الدليل على تفتح الفكر الإباضي، وسعة أفق علمائه وعمق نظرهم في المسائل والقضايا.
تمكن من وضع المعالم الكبرى في حياة الجيطالي، وفي فكره، وتحديد
منهجيته في الاستدلال، والوقوف على المرجعية التي يستند إليها.
- نجح في وضع الجيطالي في موضعه الزماني، وأن يحدد مكانته في عصره، وأن يبرز شخصيته الفكرية والعلمية، التي تأثرت بالحركة الفكرية التي سادت عصره، وأن يظهر مدى تمكنه من الكشف عن حقيقة الفكر الإباضي، وتبوئه مكانه ومقعده؛ وسط أجواء المناظرات والحوار والمناقشات التي ميزت عصره.
- توسع الباحث في دراسته، فكان - من حين لآخر – يعرض آراء علماء المذهب الإباضي وغيرهم؛ على سبيل المقارنة والمقاربة، وهو ما أعطى بحثه الطرافة والأصالة والدقة والشمولية وقد تميّز ذلك بالعرض الموضوعي، والمناقشة الهادئة، والتحليل الجيد، والنقد النزيه. وقد يكون ذلك انعكاسا لمنهج الشيخ الجيطالي نفسه الذي كان متفتحا على غيره قال الباحث: " ... أن مجيئه في عصر بلغ فيه الإنتاج المعرفي عند المسلمين قمة التراكم اضطره ذلك إلى الإلمام بمعظم جوانبه، فصار رجلا موسوعيا، عريض الاطلاع. لكنه يتميز عن غيره بمنهجه العلمي الخاص أثناء التحليل والنقد، وعند التركيب والعرض".
-10 - (1/10)
صفحة 11
سجل للشيخ إسماعيل الجيطالي مجموعة من المميزات من بينها:
أ- تميّزه بالتحرّر الفكري، واستقلاله بالرأي. قال عن موقفه من كتاب "إحياء العلوم" لأبي حامد الغزالي مثلاً: "إذا كان أكثر علماء المغرب وقفوا من (الإحياء) موقف الرفض والاحتراز منه فإننا نجد الجيطالي قد تصفح الكتاب، وقرأه قراءة نقديّة، ووضع على منواله كتابه الشهير قناطر الخيرات" الذي يعد أعظم ما ألفه في أخريات حياته فهو عصارة أفكاره؛ إذ نجد فيه إشارات المصنف إلى الكتب التي صنفها من قبل كشرح النونية وقواعد الإسلام والمناسك. وقف الجيطالي من ((الإحياء موقف الناقد البصير، فلم يرفضه برمته، كما أنه لم يقبله بحذافيره، بل كان واعيا فيما ينقل عن الغزالي، يأخذ ما يقتنع به، ويدع ما لا يراه صوابا."
ب قدرته على عرض العقيدة بأساليب مختلفة، قال الباحث: "في (شرح النونية) بسط القول في عرض المسائل والاستدلال عليها بشكل موسع، وفي (قواعد الإسلام) توخى أسلوب الإيجاز في العرض والاستدلال، وفي قناطر الخيرات) ربط قضايا العقيدة بالسلوك والأخلاق، وفي عقيدة التوحيد لخص المسائل بأسلوب أدبي موجز فصيح، ووجهها إلى الناشئة، ودعاهم إلى حفظها، ثم فهمها، ثم اعتقادها والتصديق بها، وقد كان مقررا تعليمها في المدارس الابتدائية بالمغرب".
ج- لم يكن الجيطالي فقيها ظاهريا تحجبه حروف النض عن إدراك معاني
التشريع، بل كان يُعمل النظر في محاله المسوغ له، ويعضده بما صح في النقل. من النتائج المهمّة التي توصل إليها الباحث في هذا العمل القيم التي تعدّ مفاتيح لدراسة شخصية الشيخ إسماعيل الجيطالي وفكره ومنهجه ومكانته، وهي تدعو الباحثين إلى مواصلة البحث، والدارسين إلى المزيد من الدراسات في هذه
الشخصية، نذكر منها ما يأتي:
أ- "إعطاء الجيطالي الآراء الكلامية بعدا عمليّا، وإنزالها إلى مستوى الواقع
وذلك من خلال مزجه بين أصول الدين والأخلاق في كثير من القضايا، كقضية
11 (1/11)
صفحة 12
التوحيد ومقامات الإيمان، والقضاء والقدر، والخوف والرجاء ... " أنا أقول: إن هذا في الحقيقة هو منهج الإباضية بعامة. فهو إذن لم يخرج عن دائرة المذهب الذي ينتمي إليه، ويصدر عنه. ب التزامه منهجا استدلاليا واضحا يرتكز على النقل والعقل واللغة، كما
أن تمكنه من المنطق واللغة أكسبه مقدرة عالية في الاحتجاج الكلامي. مجيئه في زمن متأخر (ق 8 هـ / 14 م) و لم يجعله مقلدا، وملخصا لأفكار الماضين دون وعي بل استطاع أن يثبت شخصيّته العلمية أثناء التعامل مع التراث ونقده وتحليله، ثم إعادة صياغته وتركيبه.
هذا
د وجود نسق متكامل في آراء الجيطالي، الكلامية، وهذا ما نلمسه بصفة
خاصة في مسألة التوحيد والصفات والإيمان والشفاعة والخلود ...
إن هذه النتائج وغيرها مما تتوصل إليها الباحث في هذه الدراسة، تكشف عن عظمة الشيخ إسماعيل الجيطالي، وتبين أنه ليس رجلا بسيطا، ولا عالما عاديا. وفي الوقت نفسه تبعث عن التساؤل: هل الرّجل يمثل الفكر الإباضي أحسن تمثيل؟ هل يمكن عد فكره محطّة من محطّات تطوّر الفكر الإباضي في منهجه؟ وهل خالف أسلافه الإباضية في بعض المسائل؟ إذا كان الجواب بنعم، ما تأثير ذلك على جوهر الفكر الإباضي؟ وما تقويم هذا الاختلاف؟
تبقى هناك مسائل، تعرّض لها الباحث، هي في حاجة إلى مناقشة. كتأكيده على تأثر الشيخ إسماعيل بأبي حامد الغزالي في ثلاث نقاط: في نظرية المعرفة، في آرائه التربوية، ومزجه بين أصول الدين والأخلاق. ويضيف قائلا: "وقد تجلّى لي أيضا، وذلك بعد المقارنة بين قواعد الإسلام) وبداية المجتهد) أن الجيطالي استفاد
هذا
من عقلانية الوليد بن رشد ومنهجه في عرض الفقه وتصنيفه. ولا عجب من التأثر، فقد مكنته مقوماته الشخصية من تجاوز الحدود المذهبية الضيقة، وانطلاقه إلى رحابة الفكر الإسلامي المتعدد المدارس والاتجاهات، وبذلك يمثل الجيطالي ذروة الالتقاء والتقارب بين الفكر الإباضي والفكر الأشعري في القرن الثامن الهجري،
-12 - (1/12)
صفحة 13
اللذين ظلاً متعايشين في البيئة المغربية".
يؤكد الباحث في موضع آخر من بحثه - وهو يتحدث عن مرجعية الشيخ
إسماعيل الجيطالي - أنّ من أهم المصادر الفقهيّة التي اعتمد عليها الجيطالي في كتابه
بن
"قواعد الإسلام" كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد لأبي الوليد محمد بن أحمد رشد القرطبي (الحفيد) ويكاد أن يكون مصدره الأول. حاول أن يثبت هذا التأثر بإيراد نصوص من الكتابين.
هذه النقطة في حاجة إلى مناقشة وإعادة النظر في النتائج التي وصل إليها الباحث فيها. ونحن نتساءل هل أشار الشيخ الجيطالي إلى هذا التأثر، أو هذا المرجع بالنسبة له؟ وبخاصة وأن الباحث يذكر أن الجيطالي كان يشير إلى مصادره. كما التأكد من نسبيّة تجاوز الجيطالي حدود المذهبية الضيقة في مجال الفقه، وما هو تفسير التجاوز والانطلاق في رحابة الفكر الإسلامي، أو ما دلالتها. أليست هناك مبالغة في تقرير تأثر الجيطالي بابن رشد وابن تومرت؟
يجب
هناك نقطة في حاجة إلى تفسير وتدقيق هي: إن الذين تناولوا آثار الجيطالي بالتحشية والتعليق والشرح كانوا من المغاربة، حسب القائمة التي أوردها الباحث، لم يكن من بينهم مشرقي واحد. هل هذه هي الحقيقة؟ وما تفسير ذلك؟ فإن هذا جارٍ على غير ما عرف عن أهل المشرقين والمغربين من التعاون في التأليف. وتعقب آثار بعضهم.
خلاصة القول إن هذه الدّراسة قيمة في مضمونها، رائدة في موضوعها، منصفة في تحليلها مركزة في عرضها، ثريّة في أطروحاتها، مثيرة في نتائجها. نرجو أن تكون الانطلاقة الفعلية لدراسة شخصية الشيخ إسماعيل الجيطالي وفكره، وهو يعد أحد الرجال الذين نطقوا بحقيقة الفكر الإباضي، ودوّنوا جوهر ما يتبناه. والله الهادي إلى سواء الصراط. نزوى سلطنة عمان يوم الأحد 2 من شعبان 1424 هـ
28 من سبتمبر 2003 م
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
- 13 - (1/13)
صفحة 14
الرموز
د. ت دون تاريخ
و: وجه الورقة.
ظ ظهر الورقة.
ت: توفي.
ج: جزء.
د: دكتور.
م: التاريخ الميلادي.
ه: التاريخ الهجري.
ر: راجع.
مواصلة التعليق في الصفحة الموالية.
- 14 - (1/14)
صفحة 15
بسم الله الحر الحمر
اند
مقدمة
إن البحث في التراث الإسلامي لا يزال خصبا، يحتاج إلى باحثين يتناولونه بالدرس العميق والتحليل المنهجي الذي ينطلق من فهم أُطره النفسية والاجتماعية،
ويهدف إلى استخلاص العبرة التي يستنير بها الفكر المعاصر.
وقد زخر التراث المغربي خصوصا بدراسات إسلامية واسعة في شتى فنون العلم والمعرفة جادت بها قرائح علماء أفذاذ من مختلف المدارس الفقهية والكلامية حملوا إرث النبوة، وأدركوا المسؤولية المنوطة بعهدتهم، ومن بين هؤلاء الأعلام الإمام أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي -رحمه الله تعالى المتوفى سنة 750 هـ/1349 م.
في سيره
وقد دفعني إلى دراسة شخصية الجيطالي وآرائه الكلامية أمور منها:
1 - شخصيته المتميزة التي تحدّث عنها المؤرّخ الشماخي (ت 928 هـ/1521 م) أنه "كان شيخا حافظا، وعالما عاملا محافظا شديدا في الأمر والنهي
"
(1) "
2 - غزارة إنتاجه العقدي، فكتابه: شرح "النونية" في ثلاثة أجزاء هو تأليف مستقل في مسائل العقيدة بالإضافة إلى كتبه الأخرى كقواعد الإسلام وقناطر الخيرات.
-3 - كون البحث في آراء الجيطالي الكلامية لم يتعرض له باحث بدراسة مستقلة أكاديمية من قبل، رغم توفر مصادر فكره.
وما زادني إقبالا على القيام بهذه الدراسة بالإضافة إلى الأسباب المتقدمة
1 - الشماخي: السير، تحقيق أحمد بن سعود السيابي وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،
- 15 -
195/ 21987/1407 (1/15)
صفحة 16
يسير
أمل كان يرغب في تحقيقه الدكتور عمرو بن خليفة النامي إلا أن الأقدار لم تسعفه، ويتمثل ذلك في عقد "دراسة مفصلة لموقع الجيطالي من الفكر الإسلامي والفكر الإباضي خاصة" (1) فعزمت من فعزمت من خلال هذه الدراسة على تحقيق ولو جزء لنا صورة لما كان يأمله الدكتور النامي الذي اهتم بتراث الجيطالي، ورسم مشرقة عن شخصيته أثناء تحقيقه للقسم الأول من كتاب قناطر الخيرات. ويكاد ينعدم الاهتمام في الدراسات الحديثة بفكر الجيطالي في مختلف مناحيه الكلامية والشرعية والتربوية باستثناء بعض الإشارات المقتضبة إلى آرائه في بعض الدراسات العامة عن الفكر العقدي عند الإباضية إلا أنها لا تعطي تصوّرا كاملا عن فكره، ونذكر منها:
أطروحة دكتوراه دولة لعمرو بن خليفة النامي باللغة الإنكليزية تحت عنوان: "دراسات عن الإباضية Studies in Ibadism" قدمها بجامعة كمبردج سنة
1971
أطروحة دكتوراه دولة للمستشرق الفرنسي الأب كوبرلي باللغة الفرنسية تحت عنوان مدخل إلى دراسة الفكر الإباضي وعقيدته Introduction à l'étude de l' ibadism et de sa théologie" قدمها بجامعة السربون سنة 1982 م.
- أطروحة التعمق في البحث العلمي لفرحات الجعبيري بعنوان: "تحليل ما يتعلق بأصول الدين من التراث الإباضي بالمغرب في القرون التالية: 10 - 11 - 12 هـ / 16 - 17 - 18 م" قدمها بكلية الآداب بالجامعة التونسية سنة 1986 م، وقد طبعت بعنوان: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية".
وقد حاولت في هذه الدراسة الإجابة عن الإشكاليات الآتية:
ما
هي
العوامل التي أسهمت في بناء شخصية الجيطالي وإثراء فكره؟
1 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق عمرو خليفة النامي، المطبعة العربية، غرداية، (د. ت): القسم 18/ 1.
-16 - (1/16)
صفحة 17
وما هي أهم آرائه الكلامية؟ وما هو منهجه في الاستدلال عليها؟ وهل هناك صلة بين آرائه الكلامية ومشاكل الواقع المعيش؟.
سلكت في الإجابة عن هذه الإشكاليات مناهج ثلاثة:
1 - المنهج التاريخي: اعتمدت عليه في دراسة حياة الجيطالي، وفي معرفة أوضاع عصره، وكذا في النشأة التاريخية لبعض المشكلات الكلامية.
2 المنهج الوصفي: وظفت هذا المنهج في أغلب ثنايا البحث من خلال
عرض آراء الجيطالي وتوضيحها، وعرض آراء المدارس الكلامية الأخرى. 3 - المنهج النقدي التحليلي: حاولت فهم آراء الجيطالي، وتحليلها، ومقارنتها بآراء غيره من العلماء، ثمّ نقدها اعتمادا على الأدلة النقلية والعقلية التي بين أيدينا وإن كنت في الحقيقة لم أتوسع في توظيف هذا المنهج نظرا لتهيبي من بعض المسائل، وقلة بضاعتي.
وقد اقتضت طبيعة البحث أن أقسمه إلى مقدّمة، وسبعة فصول، ثم خاتمة: تناولت في الفصل الأول عصر الجيطالي، وحللت الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في بيئة المغرب الإسلامي وجبل نفوسة موطن الجيطالي، ثم بينت ملامح عن حياته، وعناصر تكوينه ومقومات شخصيته، والآثار الفكرية التي خلفها. وعالجت في الفصل الثاني الجانب المنهجي في آراء الجيطالي، وبينت القواعد التي اعتمد عليها في بناء مذهبه الكلامي من خلال موضوع "العلم والنظر"، ومنهجه في الاستدلال، مبرزا مكانة العقل عند الجيطالي، وحاولت ضبط أصول فكره. وخصصت الفصل الثالث في الإلهيات فتناولت آراءه المتعلقة تعالى، وتوحيده، وصفاته، وقد تجلّى لي اشتغاله الكبير بمواجهة تيار الإلحاد، وتيار
التشبيه والتجسيم.
بوجود
الله
وأما في الفصل الرابع الخاص بالنبوات فقد تطرقت فيه إلى أهم المسائل المثارة
- 17 - (1/17)
صفحة 18
في موضوع النبوة، وأبرزت رأي الجيطالي فيها كحكم بعث الرسل، وخاصية النبوة والرسالة، ودلالة المعجزة، ومسألة الوحي، وركزت الحديث عن نبوة سيدنا محمد الله ومعجزاته.
وفي الفصل الخامس تناولت مسألة "الأسماء والأحكام"، وحددت مدلول المصطلحات الدينية: الإيمان والإسلام والكفر والنفاق، عند الجيطالي وأبرزت رأيه في حكم فاعل الكبيرة.
وأما في الفصل السادس عرضت قضية القضاء والقدر" واختلاف المدارس الكلامية في التوفيق بين القضاء والقدر الذي هو أصل عقدي وبين أفعال الإنسان، ووضحت موقف الجيطالي وسط هذا الجدل الكلامي، وكيف حاول ربط هذا الأصل العقدي بالسلوك الأخلاقي.
وأما في الفصل السابع فخصصته لليوم الآخر وأطواره المتعلقة به من موت،
وقبر، وبعث، وحساب، وشفاعة، وخلود.
وأما الخاتمة فقد ضمنتها نتائج البحث التي توصلت إليها، والمميزات التي
اتسمت بها آراء الجيطالي.
وأهم ما اعترض سبيلي في البحث أمران هما:
1 - كون أغلب تراث الجيطالي غير محقق، ولا سيما كتاب "شرح النونية" الذي يعد مصدرا أساسيا في البحث، وهذا ما دفعني إلى التثبت في النصوص جيدا قبل توظيفها.
2 - عدم وجود دراسات حديثة متخصصة في فكر الجيطالي لأسترشد بها في دروب البحث، وهذا ما جعلني أشعر بتردّد نفسي كبير عند استنتاج رأي، أو تقرير حكم.
وقد حاولت ما في وسعي إبراز آراء الجيطالي الكلامية من خلال مؤلفاته
- 18 - (1/18)
صفحة 19
وتقييمها. ولا أدعي أني ألممت بالموضوع، فهذه أوّل دراسة تعنى بفكر الجيطالي،
ونأمل أن تعقبها دراسات أوسع في المستقبل.
والله تعالى أسأل أن يتقبل مني هذا العمل، وينفع به كل مسلم غيور على
دينه، إنه ولي التوفيق.
غرداية، الخميس 13 صفر 1422 هـ الموافق لـ 17 ماي 2001 م
- 19 -
بابا واعمر خضير بن بكير (1/19)
صفحة 20
ذكرا مفصلا
أجد
نقد المصادر والمراجع
إسماعيل الجيطالي مفكر إسلامي مغربي لم يمنحه التاريخ في بطون صحائفه حياته وأعماله التي تدل على نبوغه وعلو مكانته العلمية، إذ لم عن عن سيرته وبيئته إلا شذرات قليلة متفرقة في كتب التاريخ، وقد تطلب مني ذلك أن أبذل جهدا في جمع أكبر قدر ممكن من المصادر والمراجع لرسم صورة واضحة عن شخصيته وسيرته وإن أعوزني افتقاد بعض حلقاتها أحيانا إلى الاستنتاج والتخمين لتكميلها.
وما دام البحث متعلقا بالجيطالي وآرائه الكلامية فقد استقيت مادته العلمية من صنفين من المصادر:
أولا - مصادر ومراجع تاريخية منها:
كتاب "صورة الأرض" للمؤرّخ الرّحالة أبي القاسم محمد بن حوقل البغدادي (ت بعد 367 هـ / 977 م) وقد تناول فيه المؤلّف خصائص الأقاليم وطبائع الشعوب من جميع بلاد الإسلام، وأرفق ذلك بصور وأشكال توضيحية، وقد
أفدت منه في معرفة بيئة جبل نفوسة الزراعية والاقتصادية والوجود المذهبي به. وأقدم مصدر يحدثنا عن تاريخ الإباضية ودخولها إلى أرض المغرب كتاب "السيرة وأخبار الأئمة" للشيخ أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر الوارجلاني (ت بعد 474 هـ / 1089 م) الذي حققه الأستاذ عبد الرحمن أيوب، كما تطرق فيه الكاتب إلى تأسيس الدولة الرستمية وسقوطها والافتراقات الخمسة التي حدثت بين الإباضية، وقد أخذ عنه اللاحقون من المؤرخين الشيء الكثير.
وقد حاول المؤرّخ الجغرافي. أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي (ت 626 هـ / 1229 م) في كتابه الشهير "معجم البلدان أن يضبط لنا الموقع الجغرافي لجبل
-20 - (1/20)
صفحة 21
نفوسة وتضاريسه وحدّد بعده بالأيام عن المدن المغربية المجاورة كالقيروان وطرابلس. وأما المؤرخ أحمد سعيد الدرجيني (ت 670 هـ/1271 م) فقد سلّط بن
الضوء في كتابه "طبقات المشايخ بالمغرب" على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية بالمجتمعات الإباضية بالمغرب وخاصة جبل نفوسة، وترجم لمشاهير مشايخ المغاربة في تسلسل تاريخي منذ القرن الأول للهجرة إلى غاية القرن السابع وذلك في اثنتي عشرة طبقة، وجعل كلّ طبقة في خمسين سنة، ولقد استفاد الدرجيني تمن سبقوه كأبي زكرياء، والبغطوري (ت (599 هـ / 1202 م) وغيرهما، وميزة الكتاب أنه لم يعتن بالسرد التاريخي المجرد فحسب بل يزخر بمادة فقهية وكلامية ومحاورات علمية، ولقد أفادني في جميع هذه الجوانب.
ومن المصادر التي اهتمت بالبيئة المغربية في عصر الجيطالي كتاب "بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد" للمؤرّخ يحيى بن خلدون (ت 780 هـ/1378 م)، وكتاب "المسند الصحيح في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن" لمحمد بن مرزوق التلمساني (ت 781 هـ/1379 م).
وكتاب "نظم الدر والعقيان في بيان شرف
بني زيان" لمحمد
بن عبد
الله
التنسي (ت 899 هـ/1493 م) وقد أفادتني هذه المصادر في معرفة الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية بالمغرب في عصر الدويلات في القرنين السابع والثامن للهجرة، ولا سيما الدولة الحفصية التي عاش في ظلّها الجيطالي.
وأما كتاب "العبر" للعلامة عبد الرحمن بن خلدون (ت 808 هـ/1405 م) فهو موسوعة ضخمة في تاريخ المغرب الإسلامي والدول المتعاقبة عليه، وقد أفادني بمعلومات مهمة عن أصول القبائل البربرية ومواطنها كما أنه وصف لنا التراث العلمي الذي يزخر به جبل نفوسة في عهده ق (8 هـ / 14 م) وهو عصر الجيطالي، وما يلاحظ هو أن ابن خلدون لم ينقل عن تاريخ إباضية المغرب إلا ومضات
متفرقات في موسوعته.
-21 - (1/21)
صفحة 22
وفيما يخص مصادر حياة الجيطالي فأولها آثاره التي تمكن القارئ من
استخلاص بعض الجوانب المتعلقة بسيرته الذاتية لا سيما وصيته المسماة "تذكرة لنسياد وأمان حوادث الزمان" التي تعد وثيقة تاريخية استجليت منها حياة الجيطالي الأسرية والاجتماعية، وقد طبعت ضمن دليل مخطوطات مكتبة العطف" وعلق عليها الأستاذ محمد بن موسى باباعمي بتعليقات مفيدة.
$
عبد.
ويعد كتاب "السير" للمؤرّخ النفوسي أبي العباس أحمد بن سعيد بن الواحد الشماخي (ت 928 هـ / 1522 م) أقدم مصدر ترجم للجيطالي، وأشار إلى مؤلفاته وبعض مواقفه، وقد أفادني بمعلومات قيمة عن سيرة الجيطالي وأوضاع مجتمع جبل نفوسة، وجل الذين ترجموا للجيطالي من بعده نقلوا عنه، ولم يأتوا بشيء جديد عما اورده ويعتبر كتاب سير الشماخي موسوعة مهمة في تاريخ اباضية المغرب ابتداء من القرن الأوّل الهجري إلى غاية القرن العاشر، وهو کتاب نامع الأهم كتب السير المسابقة أمثال: سير أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت 471 هـ / 1070 م)، وكتاب "السيرة" لأبي زكرياء وسير البغطوري، وطبقات الدرجيني، والجواهر الانتقاة للبرادي (ت 810 هـ/1407 م) وغيرها.
وأما المراجع الحديثة فهي كثيرة اتسمت بميزة التكرار والتلخيص لما ورد في مؤلّفات السابقين، ولا يخلو بعضها من استنتاجات وإضافات مفيدة. ونذكر من بينها. - كتاب "الإباضية في مركب التاريخ الحلقة الثانية الإباضية في ليبيا" للشيخ
على يحيى معمّر.
-
أعمال المستشرقين وخاصة المستشرق البولوني "تادوز لفيتسكي Tadiesz Lewicky" المتخصص في التاريخ الإباضي، والمستشرق "رينيه باسيه
" René Basset
من خلال دائرة المعارف الإسلامية.
- تراجم المؤلفين التونسيين لمحمد محفوظ.
- 22 - (1/22)
صفحة 23
- الأعلام لخير الدين الزركلي.
معجم أعلام الإباضية قسم المغرب إعداد لجنة البحث العلمي لجمعية التراث. - أطروحة دكتوراه بعنوان: "جبل نفوسة منذ الفتح الإسلامي إلى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21 - 422 هـ /642 - 1053 م) للأستاذ مسعود مزهودي المهتم بتاريخ إباضية المغرب، وقد تطرق فيها إلى تاريخ جبل نفوسة والقبائل التي استوطنت فيه، والحياة الاجتماعية والفكرية، وإن كان الباحث بحكم موضوع بحثه لم يتعرض إلى الفترة التاريخية التي تعنينا في بحثنا.
-
- محاضرة بعنوان: "أبو طاهر إسماعيل الجيطالي حياته ومآثره" للأستاذ الصادق بن مرزوق ألقاها بمناسبة الملتقى التاريخي الأول بجزيرة جربة، وهي محاضرة قيمة امتازت بوصف دقيق لمؤلّفات الجيطالي المخطوطة منها والمطبوعة.
ثانيا- مصادر تناولت آراء الجيطالي:
إن المصادر التي تناولت آراء الجيطالي الكلامية تتمثل بالدرجة الأولى في مؤلفاته وهي حسب ترتيبها الزمني في التأليف:
-
كتاب "شرح النونية" ألفه سنة 730 هـ/1329 م، وقد تطرق فيه إلى جليل الكلام ودقيقه وأظهر فيه مقدرته اللغوية والكلامية، والكتاب لا يزال مخطوطا غير محقق وهو في ثلاثة أجزاء كبيرة مما كلّفني جهدا في قراءة نصوصه
وضبطها.
- كتاب "قواعد الإسلام" ألّفه سنة 733 هـ /1332 م وعرض فيه مسائل العقيدة بأسلوب، موجز، وخصص بقية أقسام الكتاب لمسائل الفقه والأخلاق، قام
بتصحيحه والتعليق عليه الشيخ عبد الرحمن بكلي (ت 1406 هـ/1986 م).
- كتاب "قناطر الخيرات" ألفه سنة 738 هـ/1337 م في ثلاثة مجلدات ضخمة، قسمه الجيطالي إلى سبع عشرة قنطرة، وقد اعتمدت على القناطر المتعلّقة
-23 - (1/23)
صفحة 24
بمسائل العقيدة، وما يلاحظ هو أن الجيطالي لم يتوسّع في هذا المصنف في مسائل الكلام بل سلك فيه منحى ذوقيا حيث مزج فيه بين أصول الدين والأخلاق، وجعل منهما حقيقة واحدة متأثرا بأبي حامد الغزالي، وقد حقق الدكتور عمرو بن خليفة النامي قنطرتي العلم والإيمان، وحققت هيئة طلبة قسم الشريعة بمعهد عمّي سعيد بغرداية قنطرة الصلاة ووظائفها من الطهارات، ولا تزال القناطر الأربع
عشرة في حاجة إلى تحقيق.
فكان
من هذه المؤلفات الثلاثة منطلق البحث في آراء الجيطالي الكلامية
ومرجعه، وكان يشير في اللاحق من كتبه إلى السابق منها تفاديا للتكرار.
وهناك مصادر ومراجع أخرى قديمة وحديثة من إنتاج مختلف المدارس
الكلامية اعتمدت عليها في إنشاء هذا البحث ذكرتها في مظانها.
-24 - (1/24)
صفحة 25
الفصل الأول
الجيطالي عصره وشخصيته وآثاره
تمهيد: ملامح عامة عن بيئة جبل نفوسة.
المبحث الأول: عصر الجيطالي (القرن 8 هـ/14 م).
المبحث الثاني: شخصية الجيطالي.
المبحث الثالث: آثار الجيطالي. (1/25)
صفحة 26
هيند: ملامح عامة عن بيئة جبل نفوسة
يقع جبل نفوسة جنوب غرب مدينة طرابلس بليبيا يقول عنه الحموي (ت 626 هـ / 1229 م): "جبال بالمغرب بعد إفريقية عالية نحو ثلاثة أميال، وطول هذا الجبل مسيرة ستة أيام من الشرق إلى الغرب وبين جبل نفوسة وطرابلس ثلاثة أيام، وبينه وبين القيروان ستة أيام"
(1) "
ويتحدث ابن حوقل (ق 4 هـ / 10 م) عن جبل نفوسة، وما يزخر به من ثروات طبيعية مياه حارية، أراض خصبة أشجار متنوعة .. مكنت أهل نفوسة من
ران
الاعتماد عليها في قوتهم ومعاشهم، يقول: "أما جبل نفوسة فجبل عال فيه منبرا لمدينتين إحداهما شروس في وسط الجبل وفيها مياه جارية، وكروم، وأعناب طيبة، وتين غزير، وأكثر زروعهم الشعير وإياه يأكلون وإذا خبز كان أطيب طعما من خبز الحنطة، ولشعيرهم لذة ليس لخبز من أخباز الأرض .. وبالجبل مدينة ثانية
تعرف بجادو أما
(2) 11
عن سكان جبل نفوسة فهم من القبائل الأمازيغية التي عمرت شمال إفريقيا من فجر التاريخ (3)، ولا أدل على ذلك من تسمية الجبل باسم قبيلة نفوسة البربرية نسبة إلى نفوس بن زحيك بن مادغيس (4) التي استوطنت هذه المنطقة، وهي أشهر القبائل الطرابلسية في العلم والفروسية (5) وتوجد بالجبل قبائل أمازيغية أخرى كقبيلة، لواتة ومزاتة وهوارة وزناتة وسدراتة، ولماية، وزواغة،
من
1 - ياقوت الحموي: معجم البلدان دار صادر، بيروت 1399 هـ/1979 م: ج 199/ 5. 2 - أبو القاسم بن حوقل صورة الأرض، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، (د. ت): 92 - 93. -3 محمد الهادي حارش: التاريخ المغاربي القديم السياسي والحضاري المؤسسة الجزائرية للطباعة، (د. ت): 32. 4 ابن خلدون العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1983 م: ج 179/ 6، 230
5 سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني للنشر، تونس 1406 هـ/1986 م: 46.
-26 - (1/26)
صفحة 27
ونفزاوة، ومغيلة (1). وقد ازدهر العمران بالجبل وضواحيه فتكونت مدن وقرى متتالية ومتقاربة بلغت نحو ثلاثمئة قرية وعشرات من المدن الكبرى (2). أشهرها مدينة شروس (عاصمة الجبل ومدينة نالوت ويفرن، وكباو، وميرى، ومدينة جيطال. ومن قراه قرية، ويغو، وتندميرة وتملوشايت، واجناون، وقنطرارة.
ولما بلغ الفتح الإسلامي مدينة طرابلس سنة 23 هـ/643 م بقيادة عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه (3) رغب أهل نفوسة بطواعية في اعتناق الإسلام ونبذ الكفر والجاهلية فأرسلوا وفدا من البربر يعلن ولاء أهل نفوسة لأمير المؤمنين وتعهدهم بالتزام الإسلام قولا وعملا. ويذكر أبو إسحاق اطفيش (ت 1385 هـ/1965 م) أن أصل تسميتهم بنفوسة لأنهم أسلموا بأنفسهم ولم يكن الإسلام منهم كرها (4). وهذا مجرد تأويل لغوي لكلمة نفوسة، وهو لا يستقيم لأن التسمية كانت قبل اعتناقهم الإسلام، والصحيح هو ما ذكره ابن خلدون من قبل.
وللإسلام دوره البارز في تهذيب طباع البربر، وتقويمها والقضاء على
العصبيات التي كانت سائدة بين القبائل الأمازيغية المتجاورة.
وبعد الفتح الإسلامي للمغرب تحركت المذاهب الإسلامية إلى أراضيه داعية إلى آرائها العقدية والفقهية ونظريتها السياسية والاجتماعية بكل حرية بعيدة عن
1 - د/ مسعود مزهودي: جبل نفوسة منذ الفتح الإسلامي إلى هجرة بني هلال، رسالة دكتوراه في التاريخ الإسلامي الوسيط (مخطوطة)، 1416 هـ / 1996 م: 35. .
-2 أبو زكرياء الجناوني: الوضع مختصر في الأصول والفقه تحقيق أبي إسحاق اطفيش، الفجالة الجديدة، القاهرة، ط 1، (د. ت): 9 - 10. ياقوت الحموي: المعجم: ج 155/ 5. محمد علي دبوز:
تاريخ المغرب الكبير، دار إحياء الكتب العربية، مصر، ط 1، 1383 هـ/1963 م: ج 356/ 3.
3 ابن عبد الحكم: فتوح إفريقية والأندلس، تحقيق عبد الله أنيس الطباع، دار الكتاب اللبناني، بيروت،
-
30:1964
4 - أبو زكرياء الجناوني: الوضع مقدمة المحقق: 6.
-27 - (1/27)
صفحة 28
أعين السلطة المركزية بالمشرق.
ويتحدث ابن حوقل عن الوجود المذهبي بجبل نفوسة فيقول: "وأهل جبل نفوسة فشراة إما إباضية من أصحاب عبد الله بن إباض)، أو وهبية من أصحاب عبد الله بن وهب (2)، وتجاورهم من البربر زناتة ومزاتة قبيلتان عظيمتان
الغالب عليهم الاعتزال من أصحاب واصل ابن عطاء (3) (4)
فأما
سعد (5)
عن الإباضية فيرجع تاريخ ظهورهم بالمغرب إلى الداعية سلمة بن أول من وطئ أرض المغرب من دعاة الإباضية، قدم من البصرة، ومعه
1 - عبد الله بن إباض المري التميمي عاش في النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، وإليه تنسب فرقة الإباضية، كان تلميذا لجابر بن زيد (93 هـ / (711 م ويعمل بآرائه وله مراسلات مع عبد الملك بن مروان (86 هـ / 705 م) يبين له فيها آراء الإباضية العقدية والسياسية وهو " إمام أهل الطريق، وجامع الكلمة لما وقع التفريق". ر. الدرجيني طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاي، دار البعث، قسنطينة (د. ت): ج 214/ 2. عمار طالبي: آراء الخوارج الكلامية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1398 هـ / 1978 م: ج 193/ 1 وما بعدها.
-2 - عبد الله بن وهب بن راسب الأزدي العماني، إمام المحكمة، شارك في فتوح العراق بقيادة سعد بن أبي وقاص (55 هـ/674 م) ناصر عليا في حروبه، ثم أنكر التحكيم، وعارضه، يلقب بذي الثفنات لطول سجوده، استشهد في وقعة النهروان سنة 38 هـ / 658 م. ر. الدرجيني: طبقات المشايخ: ج 201/ 2. الشماخي: السير، تحقيق أحمد بن سعود السيابي: ج 51/ 1 خير الدين الزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، 10، 1992 م: ج 143/ 4. د/ عمار طالبي: آراء الخوارج الكلامية: ج 88/ 1 وما بعدها. -3 واصل بن عطاء المكنى بأبي حذيفة الغزال ولد بالمدينة سنة (80 هـ / 699 م) وتوفي سنة (181 هـ / 793 م) أخذ العلم من محمد بن الحنيفة وهو إمام المعتزلة. ر. عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سد، الدار التونسية للنشر، طر 2 سنة 1406 هـ/1986 م: 234.
الزركلي: الأعلام: ج 108/ 8 - 109. -4 ابن حوقل صورة الأرض: 93 - 94
5 - سلمة بن سعد بن علي بن أسد الحضرمي، داعية إباضي عاش في أوائل القرن الثاني للهجرة أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة. ر. الدرجيني: طبقات المشايخ: ج 11/ 1 - 12. الشماخي: السير: ج 90/ 1 - 91. علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ، مطبعة الاستقلال الكبرى، مصر، ط 1، 1384 هـ / 1964 م، الحلقة الثانية: ج 25/ 1 - 26.
-28 (1/28)
صفحة 29
عكرمة مولى ابن عباس (1) متعاقبين على بعير فكان سلمة يدعو إلى مذهب الإباضية، وعكرمة يدعو إلى مذهب الصفرية، وذلك في مطلع القرن
(2 هـ / 8 م). (2) وقد أثمرت جهود د الداعية سلمة بن سعد فانتشرت آراء الإباضية، واستجاب لدعوته ثلة من الطلبة قصدوا البصرة للتعلّم على شيخ الإباضية الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (3)، فتتلمذوا عنده خمس سنوات ثم رجعوا إلى المغرب ليسهموا في نشر مذهبهم، ولقبوا بحملة العلم وهم. أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري (5)، وعبد الرحمن بن رستم وأبو داود القبلي، وعاصم السدراتي (1)، وإسماعيل بن درار الغدامسي
الفارسي
(6)
خمسة (4).
1 - عكرمة بن عبد الله المدني أبو عبد الله (25 هـ - 105 هـ / 645 م - 723 م) مولى ابن عباس تابعي من أعلم الناس بالتفسير والمغازي. ر. الزركلي: الأعلام: ج 244/ 4.
كان
-2 أبو زكريا يحيى السيرة وأخبار الأئمة، تحقيق عبد الرحمن أيوب الدار التونسية للنشر، تونس 1405 هـ/1985 م:42. الدرجيني: طبقات المشايخ: ج 11/ 1 - 12. الشماخي: السير: ج 113/ 1. -3 - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي توفي حوالي 150 هـ / 767 م في ولاية أبي جعفر المنصور، وهو الإمام الثاني للإباضية بعد وفاة جابر بن زيد (93 هـ /711 م) ومنظم حركتهم، عاش بالبصرة وأخذ العلم عن جابر بن زيد، وصحار العبدي، وجعفر السماك. ر. الدرجيني: طبقات: ج 238/ 2. الشماخي: السير: ج 1/ 78. يحيى محمد بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد، المطبعة العربية، غرداية، 1408 هـ/1988 م: ج 62/ 1 - 63.
-4 أبوزكريا، السيرة 57 الدرجيني: طبقات ج 19/ 1. الشماخي: السير: ج 113/ 1. 5 - أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الحميري اليمني، رشحه أبو عبيدة مسلم- بعد تخرجه إماما للمسلمين، وقد بويع بالإمامة بطرابلس سنة 140 هـ / 757 م، فأحسن السيرة ومكث فيها أربع سنوات وقتل سنة 144 هـ / 761 م في معركة دارت بينه ومحمد بن الأشعت عامل جعفر المنصور على مصر. ر. أبو زكرياء السيرة: 61. الدرجيني: طبقات: ج 22/ 1. الشماخي: السير: ج 113/ 1. 6 - عبد الرحمن بن رستم الفارسي، تلميذ أبي عبيدة مسلم أقام مع أبي الخطاب الإمامة بطرابلس، وبعد استشهاد أبي الخطاب، أسس الدولة الرستمية بتاهرت سنة 160 هـ / 776 م، توفي سنة 171 هـ / 787 م. ر. أبو زكريا: السيرة.58. الدرجيني: طبقات: ج 40/ 1. سليمان الباروني: الأزهار الرياضية في معرفة أئمة وملوك الإباضية دار أبي سلامة، تونس، ط 1، 1986 م: القسم 84/ 2.
7 - أبو داود القبلى من بلاد نفزاوة كان شيخا عالما ممن أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم. ر. أبو زكرياء السيرة: 58 الشماخي: السير: ج 129/ 1.
(2)
- 29 - (1/29)
صفحة 30
بن
وأما عن الاعتزال فيرجع تاريخ ظهوره بالمغرب إلى الداعية عبد الله الحارث رسول واصل بن عطاء (ت 181 هـ /797 م) إلى بلاد المغرب يقول الله، فأنفذ إلى عطاء رسله في الآفاق, يدعون إلى دين البلخي: "فرق واصل بن المغرب عبد الله بن الحارث، فأجابه الخلق، وهنالك بلد تدعى البيضاء (3) يقال: إن فيها مائة ألف يحملون السلاح يعرف أهله بالواصلية (4)
ولقد دام الوجود الإباضي بجبل نفوسة قرونا عديدة تمكنوا فيها من كيانهم الديني والاجتماعي، ويرجع سبب ذلك إلى اختيارهم مسلك "الكتمان"، وهو المرحلة الرابعة من مسالك الدين (5) عند الإباضية، وتعتبر أدنى درجات الجهاد حيث يعجز المسلمون فيها عن مواجهة الحكام ورد المظالم فيلجؤون حينئذ إلى كتمان أمرهم واعتزال الظالمين، والابتعاد عن وظائفهم.
والكتمان لا يعني الركون إلى الراحة والاستسلام لواقع الأمر، والسكوت.
1 - عاصم السدراتي، أحد النفر الخمسة من حملة العلم قتل مسموما في حصار أبي الخطاب للقيروان وذلك عام 141 هـ / 758 م. ر. أبو زكريا، السيرة: 68. الشماخي: السير: ج 116/ 1 - 117. 2 - إسماعيل بن درّار الغدامسي، أحد الشيوخ المشهورين في العلم والتعليم والعمل والورع، عينه أبو عبيدة مسلم قاضيا على جماعة الإياضية بطرابلس، وأخذ عنه العلم جماعة منهم: أبو المنيب محمد بن يانس الدركلي. ر. أبو زكريا السيرة: 60 الشماخي: السير: ج 127/ 1. علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الثانية: ج 64/ 2 - 65.
-3 - البيضاء هو الاسم القديم لمدينة طرابلس. ر. ابن حوقل: صورة الأرض: 71.
4 البلخي: باب ذكر المعتزلة من مقالات الإسلاميين ضمن كتاب فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد، الدار التونسية للنشر، تونس، ط 2، 1986 م: 66 - 67.
5 - مسالك الدين أنواع الإمامة وهي أربعة الظهور الدفاع الشراء الكتمان. ونظرية المسالك هي أهم ما يتميز به الفكر السياسي عند الإباضية. ر. أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي: مقدمة الوحيد وشرو مها تعليق إبراهيم اطفيش 50 وما بعدها عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية، جمعية التراث القرارة، غرداية، (د. ت): 149. أعوشت بكير: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية دار البعث قسنطينة، الجزائر، 1982: 110.
-30 - (1/30)
صفحة 31
عن تغييره إنما هو توجيه الجهود إلى العمل القاعدي، والتنظيم الداخلي للمجتمع في مجالاته الدينية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية من أجل "المحافظة على الدين" الذي هو الهدف الأسمى من مرحلة الكتمان.
ولعل أبرز نظام يحكم المجتمع النفوسي في مرحلة الكتمان هو نظام العزابة.
فما تعريف هذا النظام؟ وما هي خصائصه؟
(1)
إن واضع نظام العزابة هو الإمام أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النَّفوسي وذلك سنة 409 هـ / 1018 م حين انتقل رفقة تلامذته إلى مدينة تنسلي (2)، فرتب بما قواعد الحلقة وحرر قوانينها، وضبط آدابها وشروطها. (3)
العزابة مفردها عزابي والكلمة مشتقة من العزوب أو العزابة وهي تعني العزلة، والغربة، والتهجد (4). ويحمل هذا اللقب كل عضو انخرط في سلك العزابة. يقول الدرجيني: "كلُّ من لازم الطريق وطلب العلم وسير أهل الخير وحافظ عليها وعمل بها، فإن من حمل جميع هذه الصفات سُمي عرابيا" (5)
والعزابة هي هيئة محدودة العدد (12) عضوا غالبا) تمثل خيرة أهل البلد علما وصلاحا وهذه الهيئة تقوم بالإشراف الكامل على شؤون المجتمع (الإباضي (6) الدينية
أخذ
1 - أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي (345 - 440 هـ / 956 - 1049 م) الملقب بمحمد السائح، العلم عن أبي نوح سعيد بن زنغيل ق 4 هـ)، وأبي زكريا فصيل ابن أبي مسور (ق 4 هـ) كان من أكثر الناس علما وورعا، أسس قواعد حلقة العزابة سنة 409 هـ /1018 م. ر. الدرجيني: طبقات: ج 167/ 1، ج 377/ 2. الشماخي: السير: ج 61/ 2. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب المطبعة العربية غرداية، ط 1، 1420 هـ / 1999 م: ج 772/ 4، ترجمة: 803.
2 - تنسلي بلدة بالقرب من مدينة تقرت تعرف الآن باسم بلدة اعمر.
3 - الدرجيني: طبقات المشايخ: ج 170/ 1.
4 - علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى: 97 الجعبيري: نظام العزابة عند الإباضية الوهبية بجربة المطبعة العصرية، تونس 1975 م: 63.
5 - الدرجيني: طبقات: ج 4/ 1.
-6 علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى: 97.
-31 -
3 (1/31)
صفحة 32
والتعليمية والاجتماعية والسياسية (1).
وهي التي تختار من بينها شيخا يسمى "شيخ العزابة"، وهو أعلمهم،
وأكثرهم كفاية.
وفي كل قرية أو بلد حلقة للعزابة تقوم بالإشراف على الأمور الخاصة بالبلد، فإن حدث أمر هام رفع إلى المجلس الأعلى للعزابة الذي يرأسه الشيخ الأكبر، أو حاكم الجبل حسبما كان في جبل نفوسة.
(2)
تعتبر سلطة العزابة في زمن الكتمان السلطة الحقيقية في المجتمع النفوسي فهي تمثل الإمام وتقوم بوظائفه (3) ماعدا تنفيذ الحدود وبعض الأحكام، كما يباشر مجلس العزابة دور السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، في آن واحد. وأما قوة السلطة في نظام العزابة فتستمد من مبدأين:
أولاً- تطبيق مبدإ ولاية الأشخاص، وبراءة الأشخاص وهي من الأصول العقدية التي تميز بها الفكر الإباضي خلافا للمذاهب الأخرى)، وولاية الأشخاص: أن يتولى المسلم كل من علم منه الوفاء لدينه، وبراءة الأشخاص: أن يبغض كل من علم منه الإصرار على كبيرة (5).
وقد قال عمر بن الخطاب الله: "من رأينا فيه خيرا قلنا فيه خيرا، وظننا فيه
خيرا، وتوليناه، ومن رأينا. ومن رأينا منه شرا، قلنا فيه شرا، وظننا فيه، شرا، وتبرَّأنا منه.
(6) n
-1 - تفصيل هذه المهام ينظر محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة، التعاونية، مصر 1385 هـ/1965 م: ج 195/ 1 - 226
2 علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى: 102. 3 - المرجع نفسه: 97، 103.
4 - إسماعيل الجيطالي: شرح النونية (مخطوط) ج 14/ 2 ظ، محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة:
ج 209/ 1.
5 - يوسف بن إبراهيم السرحني زاد المسلم مكتبة الضامري سلطنة عمان، (د. ت): 12. 6 - إسماعيل الجيطالي: شرح النونية: ج 7/ 2 و. محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة: ج 7/ 2.
-32 - (1/32)
صفحة 33
وبتطبيق العزابة هذا المبدأ تمكنوا من الحصول على وسيلة ردع قوية يعلنونها في
وجه كل مفسند ظالم. وبمجرد إصدار حكم البراءة على شخص يهجره أفراد المجتمع، ويكفون عن مساعدته، ويقطعون العلائق معه فيغدو الجاني في سجن نفسي لا يقدر على ضيقه. ولكون الإنسان اجتماعيا بطبعه سرعان ما يقلع العاصي عن ذنبه ويتوب إلى ربه فيرفع عنه الحكم، ويستحق بعدها الاستغفار، والعون، والنصرة.
وقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ الهجران على الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك
فكان ذلك لهم تأديبا وسببا في توبتهم.
(1)
ثانيا- التزام حلقة العزابة هيئة وأفرادا بآداب الإسلام وتعاليمه اعتقادا ومعاملة فكانوا موضع التقدير والاحترام والطاعة من جميع الناس، وسلست لهم
أزمة القيادة. (2)
1 - قال تعالى في شأنهم: "وعلى الثلاثة الذين خُلّفوا ... " سورة التوبة، الآية: 118. 2 علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى: 108.
-33 - (1/33)
صفحة 34
المبحث الأول
عصر الجيطالي (القرن 8 هـ/14 م)
إن المكان والزمان يتركان في الإنسان أثرهما العميق، ولا يقدر هذا المخلوق الضعيف أن يتحرر من قيودهما. لذا غدا الإنسان رهين بيئته التي نشأ في أحضانها
يتأثر بأحداثها، وينفعل بتطوراتها، ويتجلى ذلك واضحا في آثاره وإنجازاته. ولفهم شخصية الجيطالي وفكره لابد من بيان أوضاع بيئته السياسية
والاجتماعية والفكرية.
أولا - الحياة السياسية
الله
يفاضل ابن خلدون بين مختلف الأنظمة السياسية فيختار السياسة الدينية عن سائر النظم الأخرى ويبين ذلك معللا: "لأنها مفروضة من بشارع يقررها ويشرعها، والسياسة الدينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وذلك لأن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط، فالمقصود بهم إنما هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم، وتكون جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة حتى في الملك الذي هو طبيعي
للاجتماع الإنساني على منهاج الدين وليكون الكل محوطا بنظر الشارع (1) وبالتالي إن تصور نظام سياسي مستقل عن الدين كان يبدو أمرا غريبا لدى
مفكري الإسلام منذ قيام الدولة الإسلامية حتى نهاية الخلافة (2).
فما مدى التزام النظام السياسي المغربي في القرنين السابع والثامن للهجرة،
1 - ابن خلدون المقدمة، دار الجيل، بيروت (د. ت): 210. -2 - أحمد محمود صبحي: النظريات السياسية لدى الفرق الإسلامية، مجلة عالم الفكر، وزارة الإعلام، الكويت، 1993 م: عدد 135/ 2
-34 - (1/34)
صفحة 35
بمنهج الشارع وقواعده؟ فهل تدينت السياسة؟ أم تسيس الدين؟
- عرفت الدولة الموحدية في النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي السابع الهجري خلافات خارجية مع إسبانيا المسيحية، وأخرى داخلية بين الجهاز الحكومي والقبائل العربية الموجودة بالمغرب وسرعان ما تطورت هذه الخلافات
إلى ثورات أضعفت قوة الموحدين وأذنت لدولتهم بالزوال. (1)
فتقاسمتها ثلاث دول إسلامية مغربية:
في الشرق الدولة الحفصية التي عاش في ظلّها الجيطالي، وهي نسبة إلى أبي
حفص عمر بن يحيى الهنتاتي (571 هـ/ 1175 م) شيخ قبيلة هنتاته المصمودي وأحد العشرة الذين اختارهم ابن تومرت لنشر دعوته. ولما أفل نجم الموحدين استقلت إفريقية نهائيا عن الدولة الموحدية على يد أبي زكرياء عبد الواحد الحفصي سنة 627 هـ / 1129 م المؤسس لقواعد الدولة الحفصية التي استمرت مدة طويلة إلى أن سقطت في يد العثمانيين سنة 981 هـ / 1589 م)
(3)
ولعل العامل الأساسي في سقوط الدولة الحفصية يكمن في انقسام البيت الحفصي، وصراع الأمراء على السلطة، وطمعهم الشديد في الاستيلاء على بلاد المغرب بزعمهم الورثة الشرعبين لخلفاء مراكش.
من أجل ذلك ضعه، قبضة الدولة على أطراف المملكة مما أدى بالأمراء الحفصيين إلى جعل الرياسة شورى بين مجالس أعيان القبائل والأسر ذات النفوذ في
1 ابن خلدون العبر: ج 521/ 6 - -522. عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، دار الثقافة، بيروت
1402 هـ/1982 م: ج 42/ 2
2 ابن خلدون العبر: ج 577/ 6. 3 - المصدر نفسه: ج 593/ 6. الجيلالي: تاريخ الجزائر: ج 43/ 2. مصطفى أبو ضيف: القبائل العربية بالمغرب في عصر الموحدين وبني مرين ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1982 م: 120.
-35 - (1/35)
صفحة 36
كثير من أجزاء المملكة لاسيما الثغور الغربية منها. (1) ومثال ذلك مدينة طرابلس التي حكمها رؤساء مستبدون من بني ثابت (2) فشهدت المدينة اضطرابات وفتنا متوالية في عصر الجيطالي، ويرجع ابن خلدون سبب ذلك إلى حدوث العصبية في البلد لحدوث الشورى والمنافسة فيها. (3)
ومن حكام طرابلس خلال حياة الجيطالي نذكر من بينهم:
ثابت بن عمار الزكوجي من هوارة قام بأمرها، وبقي في ولايته ستة أشهر، وثار عليه أحمد بن سعيد بن طاهر (4) فقتله واستبد بأمر البلد ثم ثارت عليه جماعة من زكوجة، وقتلوه في مغتسله عند أذان الصبح، وولوا محمد بن ثابت (ابن شيخهم ثابت) سنة 727 هـ/1326 م. (5)
-
محمد بن ثابت بن عمار الذي استبد بأمر طرابلس عشرين سنة (747 727 هـ / 1326 - 1346 م) بعيدا عن رقابة، الحفصيين وكان يغالط عن الإمارة بالتجارة والاحتراف بها، ولبوس، شاراتها، والسعي راجلا في سكك المدينة يتناول حاجته، ويخالط السوقة في معاملاته، يذهب في ذلك مذهب التخلق والتواضع، لكن ثارت عليه جماعة من مجريش فقتلوه عند داره. 9)
(7)
(6)
ويذكر الشماخي أن والي طرابلس وقاضيها أودعا الجيطالي السجن،
ابن خلدون: العبر: ج 959/ 6.
2 - المصدر نفسه: ج 957/ 6.
3 - المصدر نفسه: ج 959/ 6.
4 كان والده واليا على طرابلس اثنتي عشرة سنة قبل ولاية ثابت بن عمار ر. ابن خلدون العبر
ج 961/ 6.
5 - المصدر نفسه.
6 - المصدر نفسه: ج 960/ 6 - 961.
-7 - والي طرابلس هو محمد بن ثابت (حسبما نرجحه) المعاصرته أحمد بن مكي.
-36 - (1/36)
صفحة 37
وصادرا أمواله لما رأيا منه جرأته في الحق وقيامه بواجب الأمر والنهي.
--
أما
(1)
- حينما قتل محمد بن ثابت سنة 747 هـ / 1346 م ثارت بطانته وولوا بعده ابنه ثابت ابن محمد (ت 754 هـ / 1353 م الذي تزيَّا بزي الإمارة في اللبوس (2) والركوب بحلية الذهب واتخاذ الحجاب والبطانة وأقام فيها ست سنوات. عن جبل نفوسة فقد استقل بحكم ذاتي، فبعد سقوط الدولة الرستمية سنة 296 هـ / 909 م (3) لم يخضع للدول التي تعاقبت على الحكم في المغرب الإسلامي إلى الحكم التركي بل كان يختار من رجاله الأكفاء حاكما يتولى شؤون الأمة، وصلاحياته جارية على سكان الجبل كما قد يقتصر حكم أحدهم على ناحية من نواحي الجبل بينما يتولى غيره ناحية (*) يقول ابن حوقل: " لم يدخل أهل هذا الجبل في عهد الإسلام إلى سلطان والسلطان على هذه المدن حاكم وأمره نافذ وكذلك فيمن كان ومن حكام الجبل في عصر الجيطالي:
منهم
(5) 11
- الشيخ بن إبراهيم بن أبي يحيى الباروني (ت 722 هـ/1322 م) وهو تلميذ
عيسى بن عيسى الطرميسي) وكان حاكما عدلا قامعا للجورة. - أبو زكريا يحيى بن أبي يحيى الباروني كان يطوف بطلبته في البلاد ينكر
على الناس ويعظهم.
(8)
1 - الشماخي: السير، ج 2/ 196 انظر محن الجيطالي صفحة: 67 من البحث.
-2
2 ابن خلدون: العبر: ج 550/ 6 96.
3 بحاز إبراهيم: الدولة الرستمية المطبعة العربية، ط 2، غرداية، 1993 م: 130.
4 - علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 145/ 2. -5 ابن حوقل: صورة الأرض: 03.
- عيسى بن عيسى الطرميسي. رجمته عند ذكر شيوخ الجيطالي صفحة: 61 من البحث. 7 - الشماخي: السير: ج 2/ 194 - 195، إبراهيم أبو اليقظان: سليمان الباروني باشا في أطوار حياته، المطبعة العربية، الجزائر، 1376 هـ / 1956 م: ج 26/ 1.
8 - المصدران السابقان ونلاحظ ندرة المعلومات حول سيرة الحكام بجبل نفوسة.
-37 - (1/37)
صفحة 38
أما في الغرب الدولة المرينية وتشتمل على المغرب الأقصى، وجهات من الأندلس الإسلامية غير تابعة لبني الأحمر ملوك غرناطة وعاصمتها فاس، وبنو مرين قوم بداة تمردوا على حكم الموحدين وأقاموا دولتهم على يد أميرهم أبي
(2)
يوسف يعقوب بن عبد الحق سنة 668 هـ / 1269 م، و لم يزل ملوك هذه الدولة (749 هـ/1348 م) فاختلفت الحال من بعده قوة
عظاما
منهم
حتى هلك أبو عنان وضعفا إلى أن انقرضت في عهد السلطان عبد الحق سنة 869 هـ / 1465 م. (3) وأما في الوسط دولة بني عبد الواد أو الزيانية نسبة إلى زيان بن ثابت وعاصمتها تلمسان (4) تأسست سنة 633 هـ / 1235 م على يد أبي يحيى يغمراسن أول من قام بوظيفة الملك بعد مهلك أخيه أبي عزة زكدان بن زيان فمحا آثار الدولة المؤمنية (5)، ولم يترك من رسوم دولتهم إلا الدعاء على المنابر لخليفة مراکش (5)
وكانت تلمسان محل أطماع منافسيها إذ تعرضت لغارات عديدة من بني حفص شرقا، وأخرى من بني مرين غربا مما جعل حدودها تضيق وتتسع حسب قوة جيرانها. (7)
-1 - مبارك بن محمد الميلي: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، دار الغرب الإسلامي، بيروت (د. ت)
ج 419/ 2.
2 ابن خلدون: العبر: ج 976/ 7.
3 - الميلي: تاريخ الجزائر: ج 420/ 2.
-4 - المرجع نفسه: ج 2/ 439 - 444.
5 - يحيى بن خلدون بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد، مطبعة ببير فونطا، الجزائر 1321 هـ / 1903 م: ج 109/ 1 - 110 دولة الموحدين المؤمنية بالمغرب نسبة إلى مؤسسها عبد المؤمن بن علي الكومي (487 هـ - 558 هـ/1094 - 1163 م) من الأتباع العشرة لابن تومرت. ر. الزركلي: الأعلام: ج 170/ 4. بن عبد الله التنسي: نظم الدر والعقيان في بيان شرف بني زيان، تحقيق محمود بوعياد، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985 م: 111 - 112، ابن خلدون، العبر: ج 162/ 7 - 163. ابن خلدون: العبر: ج 185،178،171/ 7.
6 - محمد
-38 - (1/38)
صفحة 39
ومثل ذلك: في سنة 639 هـ / 1241 م استنفر أبو زكريا بن أبي حفص جنده وسائر الأعراب في عساكر ضخمة، وارتحلوا حتى نزلوا تلمسان فاقتحموها، وعاثوا فيها بقتل النساء والصبيان واكتساح الأموال. (1)
ولعل أشد ما عانته تلمسان ذلكم الحصار الطويل من قبل أبي يعقوب يوسف المريني عام 698 هـ/ 1299 م الذي دام ثماني سنين وثلاثة أشهر، "نالهم فيها من الجهد والجوع ما لم ينل أمة من الأمم من الأمم ... حتى لزعموا أنهم أكلوا فيها أشلاء الموتى من الأناسي وخربوا السقف للوقود، وغلت أسعار الأقوات والحبوب، وسائر المرافق بما تجاوز حدود العوائد". (2)
هذا بعض ما أحيط بتلمسان من خارجها، أما من الداخل فقد شهدت ثورات داخلية تزعمتها قبائل مغراوة وبني توجين وسويد (3) أزعجت حكم الزيانيين
واستقرارهم.
والمتتبع للنظام السياسي المغربي في عصر الدويلات يلاحظ ما يأتي:
أ- الرغبة الكبيرة في الاستيلاء على الحكم وغالبا ما يكون عن طريق الثورة والقتل الذي هو مآل كثير من الرؤساء.
ب اشتغال الحكام بأبهة الملك وبمظهر الإمارة لا بوظائفها الحقيقية.
-
ج- ضعف دول المغرب بسبب نزاعاتها الداخلية
ومع
مجاوريها، وعجزها
عن الوقوف صفا واحدا في وجه الحملات الصليبية الحاقدة التي شنها الإسبان ضد
الثغور المغربية.
1 - ابن خلدون: العبر: ج 165/ 7 - 166.
-2 - يحيى بن خلدون بغية الرواد: ج 121/ 1. ابن خلدون: العبر: ج 197/ 7 - 198. 3 ابن خلدون: العبر: 178/ 7. الميلي: تاريخ الجزائر: ج 408/ 2، 468، 471.
-39 - (1/39)
صفحة 40
وقبل أن نختم الحديث عن الإطار السياسي لعصر الجيطالي ينبغي الإشارة إلى الحالة السياسية بالمشرق الإسلامي.
ففي الوقت الذي كانت بلاد المغرب تتنازعه دويلات متكافئة القوى، فإن المشرق الإسلامي - بعد سقوط الدولة الأيوبية - كان تحت حكم المماليك الذين لهم في أول الأمر فضل كبير في حماية أراضي الإسلام من هجمات التتار، والضربات الصليبية إلا أن ريحهم ذهبت بسبب انقسامهم، وتنازع الملوك على السلطة فوهنوا في أعين الأعداء، وقد وصف ابن الأثير (ت 630 هـ/1232 م) هذه الأوضاع المؤلمة بعد تردد شديد (1) فيقول: "لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يتل بما أحد من الأمم. منها هؤلاء التتار قبحهم الله أقبلوا من المشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، ومنها خروج الفرنج لعنهم الله من المغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر، وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم، ومنها أن الذي سلم من هاتين الطائفتين فالسيف بينهم مسلول والفتنة قائمة على قدم وساق" (2)
وبالتالي يلاحظ أن الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي مشرقا ومغربا في القرنين السابع والثامن للهجرة متشاكية تتميز بعدم الاستقرار حيث انقسم المسلمون إلى دويلات متنازعة، واستحكمت العداوة بين القبائل المتساكنة، وتربص العدو الصليبي والمغولي بالمسلمين الدوائر، ولعل ذلك إيذان بأقول حضارة
-1 يظهر تردده في قوله: "لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها، فأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل هذا، وكنت نسيا منسيا. ابن الأثير الكامل في التاريخ، تعليق نخبة من العلماء، ط 5، دار الكتاب العربي، بيروت، 1405 هـ/1985 م: ج 229/ 9.
"
-2 - ابن الأثير: الكامل: ج 230/ 9.
-40 - (1/40)
صفحة 41
المسلمين، وعبورها إلى بلاد أخرى من العالم، فالحضارة ملك للإنسانية.
ثانيا- الحياة الاجتماعية
إن عواقب السياسة السيئة في عواصم المغرب العربي في القرن الثامن الهجري أنتجت أوضاعا اجتماعية مضطربة، تتجلى في انعدام الأمن وقلة الإنتاج، واستحكام العداوة بين القبائل. وقد تكونت في بلاد المغرب طبقة إقطاعية تسبب في نشوئها ملوك الدول الحاكمة إذ كانوا يتحالفون مع أعيان القبائل العربية، ويقتطعون لهم الأراضي الواسعة، ويغدقون عليهم الهدايا والأموال، ولهم جباية القبائل المستضعفة (1)، "فعمت الفوضى، وفشت المنكرات، وأخيفت الطرقات فاستاء الناس من رداءة أوضاعهم الاجتماعية والسياسية وسئموا الحياة، فركنوا مستسلمين إلى العزلة والزهد. يقول الجيلالي: "إن انتشار الطرق الصوفية) وتعددها وتفرعها إلى فروع عديدة منتشرة في جميع الجهات إنما كان ذلك منذ القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي. وإذا علمنا أن الطرق الصوفية تعتزل الواقع، وتفضل الخلو بالنفس،
والانكماش فإن لها بعض المحاسن في المجال الاجتماعي منها (5):
- بعث التقاليد الإسلامية في كثير من القبائل البربرية التي ظلت بعيدة عن
1 - الميلي: تاريخ الجزائر: ج 354/ 2. 2 - الميلي: تاريخ الجزائر: ج 362/ 2.
3 - كالقادرية المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني المتوفي سنة 561 هـ / 1166 م، والشاذلية المنسوبة إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي المتوفي سنة 656 هـ/1258 م، والنقشبندية المنسوبة إلى الشيخ خواجة بهاء الدين نقشبند المتوفي سنة 791 هـ/1389 م. وإلى هذه الطرق الثلاث ترجع جل الطرق
الصوفية المنتشرة اليوم بالمغرب الإسلامي وغيره. ر. الجيلالي تاريخ الجزائر: ج 71/ 2. -4 الجيلالي: تاريخ الجزائر العام: ج 251/ 3. ر. شارل أندري جوليان تاريخ إفريقيا الشمالية، تعريب محمد مزالي البشير بن سلامة الدار التونسية للنشر، تونس 1398 هـ/1978 م: ج 197/ 2. الجيلالي: تاريخ الجزائر العام: ج 249/ 3 - 250. نقلا عن صالح العقاد: المغرب العربي، مصر 1962 م: 4.
-41 - (1/41)
صفحة 42
التأثر بالثقافة الإسلامية.
- العمل على التقريب بين عناصر السكان وجمعهم في وحدة متكاملة. اعتراض إرساليات التبشير في الشمال الإفريقي، وحفظ المجتمع المغربي من
-
الغزو الديني والسياسي إلى فترة ما قبل النهضة.
ولعل من أبرز الحكام في عصر الدويلات الذين بذلوا جهدا - ولو لفترة قصيرة – في إصلاح الأوضاع الاجتماعية في كافة نواحي المغرب الملك أبو الحسن علي بن عثمان المريني (732 - 752 هـ /1331 - 1351 م)، حين تمكن من توحيد أجزاء المغرب الكبير تحت حكم واحد لمدة وجيزة. (1)
ومن أهم إصلاحاته الاجتماعية:
- رعايته للأيتام من سائر القبائل حيث خصص لهم مبلغا ماليا إلى أن يبلغوا حد الخدمة، فلا يقع بصرك على يتيم في بلاد المغرب إلا وهو مكفول
(3)
(2)
- رعايته للشيوخ إذ منح لهم رواتب، وأجرى لهم كساء يكفيهم.
-
تأمينه طرق المسافرين، وإحداثه مرافق يضطرون إليها خصوصا طريق الحج والعمرة، كما أنشأ أبراجا ومحارس في جميع بلاد السواحل ما لم يعهد مثله في عصر من الأعصار. (4)
1 - مجموعة من الدكاترة: الجزائر في التاريخ العهد الإسلامي، المؤسسة الوطنية للكتاب 1984 م: ج 389/ 3. ر. أندري جوليان: تاريخ إفريقيا الشمالية: ج 228/ 2 - 229.
2 محمد بن مرزوق التلمساني: المسند الصحيح في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن، تحقيق ماريا خيسوس الشركة الوطنية للنشر الجزائر 1981 م: 420.
3 - محمد بن مرزوق التلمساني، المسند الصحيح: 427.
-4 محمد بن مرزوق التلمساني، المسند الصحيح: 383، 397، 429
- 42 - (1/42)
صفحة 43
- رعايته لذوي الأقدار والأحساب وشفقته عليهم.
(1)
- - تودده إلى الناس عامتهم وخاصتهم ومبادرته في قضاء حوائجهم.
(2)
- وضعه عن الناس المغارم المضروبة عليهم، حيث كان لكل شخص صغير
أو كبير قوي أو ضعيف حتى الرضيع مغرم يخصه، وهي أعظم مناكر الظلم
الاجتماعي، فأسقط ذلك عنهم.
-
(3)
اشتداده في المناكر والأشياء التي يبتدعها بعض الناس، ويدعون فيها منافع
وقصدهم أكل أموال الناس بالباطل وهتك أعراضهم.)
(4)
إن هذه الإصلاحات التي أحدثها أبو الحسن تعطي لنا صورة شاملة عن
الآفات الاجتماعية التي عانت منها بلاد المغرب في القرن الثامن الهجري.
أما
عن حال مجتمع نفوسة فقد كان للعزابة دور بارز في تغيير أوضاعه الاجتماعية إيمانا منهم بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكثرت من أجل ذلك تنقلاتهم بين قرى الجبل وما جاوره يفصلون في الخصومات، يراقبون المعاملات التجارية في الأسواق، ويؤدبون العصاة المتمردين، معلنين البراءة عنهم حتى يتوبوا. ومن نماذج هؤلاء الدعاة في القرن الثامن:
- العالم أبو النجاة يونس التملوشايتي، وكانت معه حلقة من الطلبة، يطوف بكم في جبل نفوسة يذكر الناس، ويعظهم ويأمر وينهى. وقيل رجع إلى بلده بعد
سبعة أعوام. (5)
1 - محمد بن مرزوق التلمساني، المسند الصحيح: 337.
2 المصدر نفسه: 321 - 325.
3 - المصدر نفسه: 284.
-4 - المصدر نفسه: 286. 5 - الشماخي: السير: ج 195/ 2.
- 43 - (1/43)
صفحة 44
- العالم إسماعيل بن موسى الجيطالي الذي كان ينتقل بين قرى جبل نفوسة وطرابلس وجزيرة جربة داعيا ومذكرا ومن الآفات الاجتماعية التي حاربما تعاطي الخمر إذ يذكر الشماخي: "أنه (أي الجيطالي سكن فرسطاء, تسعة أعوام وحمل أهلها على السبيل المستقيم، فأتاه آت ذكر له أن خمرا عند بعضهم فخرج إليه في جمع من الفقهاء، وأهل الصلاح فأرسل إليه أهل العاصي بعض الأعراب فردوه، فأراد الارتحال فتعلق به الناس فقال: "لا أقيم ببلد لا أقيم فيه الحق, ولا آمر, ولا أنى" (2) وأعلنت المدينة براءتها من المجرم, و لم يسعه إلا التوبة.
ويعتبر نظام الولاية والبراءة من أهم النظم الاجتماعية التي ضمنت التماسك
والتآزر للمجتمع الإباضي في إطار الشريعة الإسلامية. (3)
(4)
وقد أسهمت الرحلات المدرسية التي يشرف عليها علماء مربون أمثال: أبو زكريا يحيى ابن أبي يحيى)، وأبوالنجاة يونس التملوشايتي إسهاما فعالا في إصلاح أوضاع المجتمع النفوسي، وغرس الوعي الديني في الأوساط الاجتماعية, ومتابعة أحوال الناس, والقضاء على كل بادرة سوء ظهرت. كما أن هذه الرحلات أتاحت للطلاب التدرب" بالطريقة العملية على واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يراه الإباضية من أعظم أركان الإسلام الذي لا يستقيم حال أمة إذا لم يقم به أفرادها العارفون". (5)
1 فرسطاء إحدى قرى جبل نفوسة. 2 - الشماخي: السير: ج 197/ 2.
- د/ محمد ناصر: حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي جمعية التراث القرارة، الجزائر
1410 هـ/1989 م: 28.
4 - الشماخي: السير: ج 194/ 2.
-5 - علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 68/ 2.
-44 - (1/44)
صفحة 45
ثالثا- الحياة الفكرية
شهدت الحركة الثقافية في عواصم المغرب العربي خلال القرنين السابع والثامن للهجرة نشاطا مزدهرا نسبيا في كافة المجالات العلمية لاسيما العلوم الدينية التي احتلت الصدارة (1) شأن كل مجتمع مسلم آنذاك مشرقا أو مغربا.
وقد أرجع الأستاذ عبد الحميد حاجيات أسباب ذلك إلى (2):
- المنافسة القائمة بين ملوك المغرب الإسلامي في مجال العلوم والآداب،
-
وعنايتهم بإنشاء المؤسسات العلمية، (3) واستدعاء أشهر العلماء للتدريس فيها. - تفاقم الأوضاع في الأندلس مما أدى إلى توافد علمائها إلى بلاد المغرب. - ثمرة جهود النهضة العلمية التي غرستها الدعوة الموحدية. ونضيف عاملا آخر وهو التنوع المذهبي في بلاد المغرب، والذي يتكون من مختلفة المشارب اعتزالية وشيعية، وإباضية وأشعرية، والمناظرات الكلامية التي نشأت بينها أسهمت في تنشيط الحركة العقلية, وإيجاد تعايش فكري متنوع، أنتج لنا تراثا علميا زاخرا. فلولا الصراع لما كانت حركات فكرية، فهو الذي غذاها، ونماها حتى كانت الحياة العقلية بالقيروان لا تختلف عن سواها ببغداد ومصر في عصور ازدهارها (4)
عناصر
لكن الساسة كثيرا ما استغلوا هذه التراعات الفكرية فأوغروا الصدور، وأثاروا الفتن فتحول الحوار الفكري الهادئ إلى محاكمة وصراع بالسيف، وكان ذلك بدافع الحفاظ على مصالحهم السياسية الدنيئة.
1 - يرى الأستاذ رابح بونار أن عصر النضج الأدبي والثقافي بالمغرب يبتدئ بدولة الموحدين (547 هـ) وينتهي بسقوط الدول البربرية التي تفرعت عنها. ر. رابح بونار تاريخ المغرب وثقافته، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع 1981 م: 50
-2 مجموعة من الدكاترة: الجزائر في التاريخ العهد الإسلامي: ج 437/ 3.
3 - محمد بن مرزوق التلمساني المسند الصحيح الحسن: 405 - 406. ر. ابن خلدون: العبر: ج 209/ 6. 4 عبد العزيز المجدوب الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية الدار التونسية للنشر، تونس،
- 45 -
2401975/ 1395 (1/45)
صفحة 46
وقد امتاز القرن الثامن الهجري بإنشاء المدارس والمعاهد العلمية على نمط هندسي بديع واختيار علماء أكفاء للتدريس فيها، ويبين ابن مرزوق (ت 781 هـ/1371 م) في مسنده "أن إنشاء المدارس كان في المغرب غير معروف حتى أنشأ مولانا المجاهد الملك العابد أبو الحسن المريني (ت 752 هـ/1351 م) مدرسة الحلفائيين بفاس .... ثم أنشأ الله في كل بلد من بلاد المغرب الأقصى وبلاد المغرب الأوسط مدرسة". (1)
وهكذا عمل الأمراء على نشر العلم في شعوبكم خدمة للدين, أو إذاعة لنفوذهم فتيسرت سبل التحصيل لطالب العلم. ورغم ما قامت به هذه المدارس من دور عظيم في إنارة الشعوب والقبائل المغربية إلا أن التقليد والتعصب المذهبي كانا سمة العصر البارزة، ولم يكن للتفكير المستقل القائم على النظر المجرد حظ، فانتشر الجدل العنيف بين أتباع المذاهب الكلامية والفقهية الذي تناقلته الكتب والمدونات فصارت عمدة التدريس في هذه المدارس العلمية.
وقد نعى ابن خلدون (732 - 808 هـ / 1332 - 1406 م) ظاهرة التقليد في عهده فيقول: "لا محصول اليوم للفقه غير هذا (أي التقليد) ومدعي الاجتهاد لهذا العهد (ق 8 هـ / 14 م) مردود على عقبه مهجور تقليده". (2)
وعرف المذهب المالكي في هذا العصر خدمة جليلة، وانتشارا واسعا بعد أن قضى عليه الموجدون (3) إلا أنه بقي غضا حسب تعبير ابن خلدون، ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب لكون أهل المغرب بادية غفلا من الصنائع إلا في الأقل. (4)
1 - محمد بن مرزوق التلمساني: المسند الصحيح: 405 - 406.
2 - ابن خلدون: المقدمة: 496.
3 ابن خلدون: العبر: ج 466/ 6. اندري جوليان تاريخ إفريقيا الشمالية، ج 197/ 2 - 245. الجيلالي:
تاريخ الجزائر العام: ج 113/ 2.
-4 ابن خلدون: المقدمة: 498، 506. وهذا الرأي قابل للنقد لأن سبب التقليد لا يرجع إلى البداوة
-46 - (1/46)
صفحة 47
وقد سبقت الإشارة عند الحديث عن الحياة الاجتماعية (1) إلى أن الحركة
الصوفية عرفت انتشارا واسعا في القرن الثامن الهجري حيث استمال المتصوفة قلوب العامة فاتبعوهم متأثرين بظواهر هم معجبين بتراتيبهم، وكراماتهم ومن هؤلاء المتصوفة رجل يدعى سعادة بن رحمن من مسلم إحدى شعوب رياح، كانت أمه عابدة, ورعة, فنشأ على العبادة والزهد, وارتحل إلى المغرب, وأخذ العلم عن شيخ الفقهاء والصالحين لذلك العهد أبي إسحاق التسولي، ورجع إلى بلده ونزل طولقة من بلاد الزاب فدعا إلى فكرته وأجابه أتباع كثيرون ومن بينهم رؤساء القبائل، وبعض الأعلام. وعمل على إقامة السنة، وتغيير المنكر، وتأمين الطرق، وتعليم الدين، و سميت طريقته بالسنية. (2)
ولكن أتباع الطريقة السنية أساؤوا إليها بعد وفاة سعادة، يقول الميلي: "وهكذا حاولت إصلاح المجتمع رياح فذهبت مساعيها لاختلافها أدراج الرياح، وكفى سعادة سعادة أنه أدى الواجب، وفاز بالشهادة". (3)
ويبين ابن خلدون أحوال هذه الطائفة قائلا: "وبقى من عقب سعادة في زاويته بنون وحفدة يوجب لهم ابن مزني، الرعاية وتعرف لهم أعراب الفلاة من رياح حقا في إجازة من يجيزونه من أهل السابلة وبقي هؤلاء الدواودة يترع بعضهم أحيانا إلى إقامة هذه الدعوة فيأخذون بها أنفسهم غير متصفين من والتعمق في الورع بما يناسبها ويقضي حقها بل يجعلونها ذريعة لأخذ الزكوات من
الدين
فحسب بل إلى عوامل اجتماعية وسياسية وفكرية تعطل نشاط العقل، وتخمد شرارة إبداعه، كما أن التجديد ليس له وطن يختص به سوى الإنسان. فقد تضيء موهبة الإبداع عند ساكن البادية تارة، وتكون تارة أخرى وليدة التحضر والمدنية.
1 - انظر الحياة الاجتماعية: 41 من البحث.
-2 - ابن خلدون العبر: ج 81/ 6 - 82. الميلي: تاريخ الجزائر: ج 362/ 2.
3 - الميلي: تاريخ الجزائر: ج 364/ 2.
- 47 - (1/47)
صفحة 48
(1)
الرعايا، ويتظاهرون بتغيير المنكر
أما عن طريقة التعليم في مدارس المغرب فقد انتقدها ابن خلدون لعدم تدرجها المنهجي في تقديم المعارف للمتعلم، واكتناف الغموض، مما يجعل الطلبة عاجزين عن الفهم، متكاسلين راغبين عن التعليم ويقول: "وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد (أي القرن الثامن الهجري) يجهلون طرق التعليم، وإفاداته، ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة، ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها، ويحسبون ذلك مرانا على التعليم، وصوابا فيه يكلفونه رعي ذلك، وتحصيله ويخلطون عليه مما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها، وقبل أن يستعد لفهمها". (2)
هذه لمحة عن أوضاع الحياة الفكرية بالبيئة المغربية عامة، فماذا عن سير الحركة العلمية بجبل نفوسة؟
نوه المؤرخون باهتمام أهل جبل نفوسة بالعلم وعنايتهم بإنشاء المدارس، والمكتبات وتنافس ذويها في مضمار التحصيل رغبة منهم في أن يجعلوا مدينتهم منارة للعلم والدين في المغرب الإسلامي، تضاهي مثيلاتها في المشرق.
وبتتبع شهادات المؤرخين نستجلي مكانة نفوسة العلمية:
-
يشير ابن خلدون إلى كثرة تأليف علماء جبل نفوسة، وجودة مصنفاتهم
وإن كان كان يرى أنها تختلف أنها تختلف مع مذاهب أهل السنة والجماعة فيقول: "وتطير إلينا هذا العهد (ق 8 هـ /14 م) من تلك البلاد دواوين ومجلدات من كلامهم في فقه الدين وتمهيد عقائده وفروعه مباينة لمناحي السنة (أي أهل السنة والجماعة) وطرقها بالكلية إلا أنها ضاربة بسهم في إجادة التأليف والترتيب".
1 - ابن خلدون: العبر: ج 85/ 6.
2 - ابن خلدون: المقدمة: 589. ابن خلدون: العبر: ج 362/ 3 - 363.
(3)
-48 - (1/48)
صفحة 49
- ويذكر الشماخي (ت 928 هـ / 1524 م): "أن جبل نفوسة احتوى على
الكرامات وعلى كثرة الصالحين والعلماء ما لا يوجد بغيره، وذكر أن بعض الأزمنة (العصر الرستمي) لا تحتاج فيه قرية إلى قرية للفتيا إلا اجناون، وويغو, وتندميرة لاتحتاج دار إلى دار (1) ويضيف الشماخي أن التعلم لم ينحصر في طبقة معينة من الناس بل هو تعليم معمم شمل كل الطبقات الاجتماعية حتى العبيد والإماء فلهم حظهم الوافر من المذاكرة والدرس
(2)
- ويتحدث محمد علي دبوز (1337 - 1402 هـ / 1919 - 1981 م) بإعجاب كبير عن الحياة العلمية بنفوسة قائلا: "إذا جئت غرب طرابلس, وصعدت إلى جبال نفوسة الشماء، وجدت معادن العلم، والعبقرية ومشرق العرفان والثقافة الإسلامية". (3)
- ويرى أيضا أن نفوسة هي وريثة تاهرت من حيث الرقي العلمي والأدبي فيقول: "رأينا في الجبل بعد سقوط الدولة الرستمية من القرن الرابع إلى العاشر الهجري صورة للدولة الرستمية التي كانت تمتاز بالغرام بالعلم، وعلو الكعب في العرفان إنه أصدق مرآة لها، وأجلى مظهر لعظمتها في العلوم". (*) وفي سياق علماء الجبل يؤكد محمد علي دبوز أن أكثر من ذكر الشماخي في سيره من العلماء ويزيد عددهم على ألف عالم أكثرهم من جبل نفوسة وذلك
الحديث عن
لنبوغه وكثرة العلماء فيه.
(5)
- وأما أبو إسحاق اطفيش (1305 - 1385 هـ/1886 - 1965 م) فقد أشاد
1 - الشماخي: السير: ج 187/ 2.
2 - المصدر نفسه.
-3 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير: ج 385/ 3.
4 - المرجع نفسه: ج 388/ 3.
5 - المرجع نفسه: ج 285/ 3.
- 49 - (1/49)
صفحة 50
بغزارة الإنتاج الفكري المتنوع لعلماء الجبل في كافة الفنون العلمية ويقول: "قد اشتهر علماء نفوسة بطول الباع في العلوم، والتأليف وامتلأت الخزائن في عصور مديدة بمؤلفاتهم في سائر العلوم العقلية والنقلية، والرياضية ما يصح أن يقال إنما أغزر مادة من الأندلس بدون مبالغة (1) وبين أن عطاء نفوسة العلمي كان مستمرا حيث لم يمر منذ القرن الثاني للهجرة إلا وتجد من مؤلفات علمائه ما يبهر العقول. (2) كما أن عصر جبل نفوسة كان موئلا لعلماء المدرسة الإباضية من شمال إفريقيا يقصدونه إذا أحسوا بفتور النفس في العبادة، أو ضعفها في التحصيل. (3) وقد عرف علماؤها بقوة الاجتهاد في المسائل الفقهية فيقال: هذا قول أهل الجبل، فغالبا ما يقال: هذا قول أصحابنا من أهل المغرب فيراد به أهل الجبل. (4)
ولا شك أن هذه المكانة العلمية المرموقة التي حظيت بما نفوسة كانت ثمرة لأسباب وجهود بذلت فلزاما علينا أن نتعرف على هذه الأسباب التي أسهمت: ازدهار الحركة العلمية بجبل نفوسة. وهي تتمثل فيما يأتي:
-1 - الموقع الجغرافي لجبل نفوسة، وكان يقترب من بلاد المشرق، ويعد مركز عبور إلى مصر، ومنها إلى الحجاز والشام وبغداد (5)، هذا ما شجع أهله على الارتحال إلى العواصم العلمية بالمشرق للتعلم والاستزادة. وهذا ما قام به محمد بن عبد الحميد بن مغطير النفوسي الجناوني
(6) الذي
1 - الجناوني: الوضع، مقدمة المحقق: 8.
2 - المرجع نفسه: 9. 3 - المرجع نفسه: 11.
-4 الجناوني: الوضع مقدمة المحقق: 8. وقد يراد بأهل المغرب أيضا منطقة الجريد بالجنوب التونسي وأريغ ووارجلان ومزاب ببلاد الجزائر.
د مسعود مزهودي: جبل نفوسة منذ الفتح الإسلامي إلى هجرة بني هلال المقدمة: أ.
6 - محمد بن عبد الحميد بن مغطير النفوسي الجناوني عاش في أوائل القرن الثاني الهجري، وهو تلميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ينظر الشماخي: السير: ج 128/ 1.
-50 - (1/50)
صفحة 51
أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة بالبصرة، ثم نشره في جبل نفوسة (1)، وكذلك عمرو بن يمكنن (2) الذي تعلم القرآن بطريق مغمداس حيث كان يلتقى
فيها السابلة من طلبة العلم الذين يؤمون المشرق حتى تمكن من حفظ كتاب الله، ثم فتح أول مدرسة قرآنية بجبل نفوسة. (3)
2 الأمن والاستقرار: إن فترة الأمن والاستقرار التي شهدها جبل نفوسة منذ القرن الثاني إلى غاية القرن العاشر للهجرة تعد عاملا أساسيا في الحفاظ على تراثه العلمي، ونمائه لاسيما المكتبات الزاخرة بآلاف المجلدات في شتى فنون العلم. ولكن ما إن حل القرن العاشر الهجري حتى حدثت الفتن والغارات فصار مصيرها إلى الإتلاف والحرق (4) شأن أغلب تراثنا الفكري في العالم الإسلامي.
(5)
3 - إنشاء المؤسسات العلمية من مدارس ومكتبات في كافة ربوع الجبل:
فأما
(7)
عن المدارس فعادة ما يكون لها مناهج ومراحل وأنظمة معينة (6) ويشرف على إدارتها علماء أكفاء. ومن أشهر المدرّسين بنفوسة في القرنين السابع والثامن للهجرة:
أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي (ق 7 هـ/13 م).
1 - محمد علي دبوز تاريخ المغ: الكبير: ج 386/ 3. علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 27/ 1.
2 - عمرو بن يمكنن من علمء النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، كان عاملا للإمام أبي الخطاب (ت 144 هـ) على سرت ونواحيها. ر. علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ
الحلقة الثانية: ج 39/ 1.
-3 - الشماخي: السير: ج 27/ 1.
-4 محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير: ج 388/ 3.
-5 - عن النكبات التي أصابت كتبات في العالم الإسلامي، ر. د/ مصطفى السباعي: من روائع
حضارتنا، دار الصديقية الجزائر (د. ت): 228 وما بعدها.
6 - علي يحيى معمر: الإباضية في مركب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 59/ 2.
7 - الشماخي: السير: ج 2.
-51 - (1/51)
صفحة 52
أبو زكرياء يحيى بن وجدليش (ق 7 هـ/13 م). موسى عيسى بن عيسى الطرميسي (ت 722 هـ/1322 م).
أبو
أبو النجاة يونس التملوشايتي (ق 8 هـ).
أبو غالي أبو عزيز بن إبراهيم بن أبي يحي الباروني (ت 746 هـ/1345 م). أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت 750 هـ/1349 م).
أبو ساكن عامر بن علي الشماخي (ت 792 هـ/1389 م).
وأما عن المكتبات فقد شملت مدن الجبل، وقراه على مئات من الخزائن المملوءة بالكتب النفيسة (1). وحفاظا على هذه المكتبات، وإثراء لها بادر بعض علماء نفوسة بتوقيف ما تركوه من كتب لطلاب العلم، هذا ما فعله العالم أبو موسى عيسى بن عسى الطرميسي (ت 722 هـ/1322 م) حيث حبس ما خلف من الكتب على طلبة نفوسة وفقهائها (2)، وقد اقتدى بهذا الصنيع المحمود تلميذه من بعده إسماعيل الجيطالي (ت 750 هـ / 1349 م) الذي أوصى بأن تحبس كتبه للقراءة لا تورث ولا تباع. (3)
-4 - تسخير الثروات الاقتصادية التي يزخر بها الجبل من فلاحة وتجارة لخدمة العلم وأهله، وقد قام بهذا الدور ذوو اليسار فبنوا المدارس، واعتنوا بالشؤون الاجتماعية للطلبة، ومنحوا الرواتب للمدرسين، وقد أورد الشماخي في سيره (4) نماذج من سخاء هؤلاء وكرمهم في سبيل العلم.
5 - قيام حلقة العزابة بمهمة التربية والتعليم وهي أهم وظيفة اعتنى بما العزابة
1 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير: ج 388/ 3.
2 - الشماخي: السير: ج 193/ 2.
-3 إسماعيل الجيطالي: تذكرة النسيان وأمان حوادث الزمان ضمن دليل المخطوطات مكتبة العطف،
جمعية التراث، القرارة: 318.
4 - الشماخي: السير: ج 188/ 2 - 201.
-52 - (1/52)
صفحة 53
في المجتمع النفوسي، وكان لهم دور عظيم في نشر العلم، والوعي الديني في كافة الطبقات الاجتماعية غنيّها وفقيرها، حتى العاجزين كان لهم نصيب من التعليم. والتدريس في الحلقة
يتم في مرحلتين (1):
الأولى: يحفظ فيها الطلاب القرآن الكريم، ويتعلمون القراءة ومبادئ الحساب. الثانية: يدرس فيها الطلاب أنواع المعارف المعروفة في ذلك الحين، ولا يقبل
الطالب في المرحلة الثانية إلا إذا حفظ كتاب الله، فحفظ القرآن بمثابة شهادات اليوم. ويبدو لنا أن طريقة الحلقة في التدريس كانت الطريقة التعليمية السائدة هي
آنذاك في بلاد المغرب إذ تقتصر في مرحلتها الابتدائية على تحفيظ الطلبة القرآن الكريم، ثم يتدرجون بعد ذلك في تعلم فنون العلم وآدابه، وإلى هذا يشير ابن خلدون: "فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم لا من حديث، ولا من فقه، ولا من شعر، ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه، أو ينقطع دونه، وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب، ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم إلى أن يجاوزوا حد البلوغ إلى الشيبة". (2)
ويبين الدرجيني أن الأفضل للأصغرين أن لا يتعرضوا إلى ما ليس بشأكم غير دراسة القرآن إلا ما قد ناهم من العبادة وفرائض الإسلام كالطهارات والصيام، وما أشبه ذلك فإن امتدو: إلى غير ذلك فقد كره مشي الغراب مع الحمام.
ويقوم بمهمة التعليم شيخ الحلقة أو نائبه، ومعه
جملة
(3)
من العرفاء يساعدونه في
1 - علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 145/ 2.
2 - ابن خلدون: المقدمة: 594.
-3 - الدرجيني: طبقات المشايخ، ج 178/ 1.
-53 - (1/53)
صفحة 54
مهام التدريس وحفظ النظام، وسنوضح في المخطط (1) الآتي الهيكل التعليمي في حلقة العزابة:
الأمر
الحلقة
المأمور
شيخ الحلقة أو نائبه
طلبة القرآن
طلبة فنون العلم
العرفاء
الطلبة
العاجزون عجزا بدنيا أو عقليا
منفرد
غير منفرد
عريف
أوقات
عريف
الختمات
الطعام
عريف تعليم القرآن
عريف تنظيم أوقات الدراسة
والنوم
1 - المخطط ملخص من الدرجيني طبقات المشايخ ج 171/ 1 - -181 البرادي: الجواهر المنتقاة، طبعة حجرية (د. ت): 207 - 208 علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 138/ 2، 147.
- 54 - (1/54)
صفحة 55
6 إذا علمنا أن الحركة الفكرية لا يمكن حصرها في فترة زمنية محدودة نظرا لامتدادها التاريخي، فلابد إذن من ذكر سببين تاريخيين كان لهما دور بارز في ازدهار نفوسة علميا.
الأول: أن حملة العلم الخمسة إلى المغرب (1) اتخذوا طرابلس وجبل نفوسة
مقرا لكفاحهم العلمي والسياسي.
الثاني: تشجيع الأئمة الرستميين للحركة العلمية، مما جعل بلاد نفوسة تجود
بعلماء كثر أفذاذ تركوا آثارا قيمة في تاريخ المسيرة العلمية بالمغرب.
جلية الأمر أن الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في القرن (8 هـ /14 م) تتسم في طابعها العام بالاضطراب والقلق وهذا ما يتوافق مع الصورة التي رسمها الجيطالي لأحوال أمته وما آلت إليه من فساد حيث يقول: "إني نظرت في أحوال دهرنا فرأيته دهرا مستعصيا تبدلت فيه شرائع الإيمان، وانتقضت فيه عرى الإسلام واندرست فيه حدود الدين بالكلية ورأيت فتنا متراكبة يحار فيها اللبيب ودينا مندرسا لاداع إليه ولا مجيب، وقد عميت عن الآخرة بصائرنا وامتلأت بحب الدنيا ضمائر نا (3) لكن موقف الجيطالي من أوضاع عصره لم ينته في حدود الوصف والتألم لأحواله كما أنه لم ينعزل في معبد بعيدا عن أحداثه، بل كان واقع عصره المرير دافعا إلى قيامه بواجب الأمر والنهي والجهاد بالقلم ليسجل حضوره في عصره كعالم مسؤول، وهذا ما سيتضح لنا عند معرفة سيرة الجيطالي
و شخصيته العلمية والأخلاقية.
1 - تم ذكرهم في صفحة 29 - 30 من البحث. 2 - محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير: ج 387/ 3.
- الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق عمرو خليفة النامي: القسم 24/ 1.
- 55 - (1/55)
صفحة 56
1 - نسبه
المبحث الثاني شخصية الجيطالي
هو أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي النفوسي (ا)، كنيته "أبو طاهر" ولقبه "الجيطالي" نسبة إلى بلده جيطال إحدى قرى جبل نفوسة، ويذكر علي يحيى "أن جيطال مدينة فسيحة تقع بين أمسين وإينر على ربوتين متقابلتين تحيط بما من جميع الجهات غابات كثيفة من الزيتون والتين
معمر
(2) 11
وقد منحه معاصروه والمؤرخون الذين ترجموا لحياته نعوتا، وألقابا تدل على
علو مكانته العلمية، والأخلاقية والاجتماعية في عصره. فهو: "الشيخ، الحافظ،
العالم، العامل، المحافظ (3)
وهو الإمام، الورع، مستجاب الدعوة" (4) وهو:
"فيلسوف الإسلام، عملاق من عمالقة الفكر الإسلامي في ذلك العصر "غزالي المغرب (6) وهو: "الأديب الشاعر، ذو الثقافة الغزيرة".
(5) 11
وهو:
-1 الشماخي: السير: ج 195/ 2. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب: ج 112/ 2، ترجمة:
110. الزركلي: الأعلام: ج 327/ 1 - 328.
2 علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 107/ 2.
3 - الشماخي: السير: ج 195/ 2. 4 أبو راس مؤنس الأحبة في أخبار جربة، تحقيق محمد المرزوقي، المطبعة الرسمية، تونس، 1960: 91. -5 - علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 107/ 2.
6 محمد علي دبوز تاريخ المغرب الكبير: ج 390/ 3. 7 - محمد محفوظ تراجم المؤلفين التونسيين، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1982: ج 72/ 2.
-56 - (1/56)
صفحة 57
2 - مولده ووفاته
نشأ الجيطالي بمدينة جيطال إحدى قرى الجبل (1)، وأما عن تاريخ ولادته فلم يضبطها المترجمون لسيرته تحديدا بيد أنه عاش في النصف الثاني من القرن السابع الهجري والنصف الأول من القرن الثامن (2) وذلك إذا علمنا أنه تلميذ عيسى الطرميسي المتوفى سنة 722 هـ / 1322 م والذي كان "أستاذ الجيل في القرن السابع
الهجري
(3) 11
أما عن وفاته فقد أورد الشماخي روايتين مختلفتين (4):
أولاها: أنه توفي سنة 737 هـ / 1336 م (5)، واعتمدها محمد أبو راس في كتابه مؤنس الأحبة ويقول: "انتقل الجيطالي إلى جربة ونزل الجامع الكبير .. وكان يقرئ ويصنف في المجلس الواحد إلى أن أتاه اليقين وتوفي سنة 737 هـ ودفن بمقبرة الجامع (6) ثانيها: أنه توفي سنة 750 هـ/ 1349 م بجزيرة جربة". وهي الرواية المشهورة. و نحن نرجح الرواية الثانية لعلتين هما:
أ- أن أحمد بن مكي (ت 766 هـ / 1364 م) الذي أسهم في إطلاق سراح
1 - جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب: ج 2/ 112. علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 107/ 2.
2 الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي عبد الرحمن: ج 1 هـ. دائرة المعارف الإسلامية: ج 149/ 13 (مادة الجيطالي).
3 علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 204/ 2.
-4 ذكر هذا الاختلاف أيضا محمد محفوظ تراجم المؤلفين التونسيين ج 72/ 2. دائرة المعارف
الإسلامية مادة الجيطالي. من غير ترجيح)
5 - الشماخي: السير: ج 198/ 2.
-6 - محمد أبو راس: مؤنس الأحبة في أخبار جربة، تحقيق المرزوقي: 91.
7 - الشماخي: السير: ج 198/ 2.
- 57 - . (1/57)
صفحة 58
الجيطالي من سجن طرابلس وقد كان وقتئذ واليا على قابس جربة)، و لم يتول ابن مكي رئاسة جربة إلا بعد أن فتحها مخلوف بن الكماد أيام السلطان أبي بكر وذلك سنة 738 هـ/ 1338 م. (2)
ب ذكر الجيطالي في وصيته أن له أربعين درهما عند عمر بن أبي زكرياء
يكتالهم له شعيرا أول الصيف عام أول سبعة وأربعين" (3) أي سنة 747 هـ. وبالتالي حسب منطق الأحداث تكون وفاة الجيطالي سنة 750 هـ/1349 م.
بجزيرة جربة، ودفن بمقبرة الجامع الكبير بالحشان (4)
3 - حياته الاجتماعية
تشح المصادر التاريخية بذكر معلومات مهمة عن الحياة الاجتماعية للجيطالي إلا أن المصدر الأساسي في معرفة هذا الجانب هو وصيته المسماة "بتذكرة النسيان وأمان حوادث الزمان. والمتأمل في محتواها يستخلص ما يأتي:
أ- أن الجيطالي كان صاحب أسرة، ومتزوجا بامرأة من "شروس" يجلها ويرعى حقوقها خلافا لأستاذه الطرميسي (ت 722 هـ/1322 م) الذي آثر العزوبة، وانقطع للعلم والعبادة. وقد أقر الجيطالي في وصيته "أن لامرأته الشروسية
في ذمته سبعمائة درهم غير الصداق باعهم من كسبها تأخذهم وتحالله في جميع
أكل من مالها، وفرط من حقوقها". (5)
ما
1 - الشماخي: السير: ج 196/ 2.
2 - ابن خلدون: العبر: ج 849/ 6.
3 - الجيطالي: "تذكرة النسيان وأمان حوادث الزمان ضمن دليل مخطوطات مكتبة العطف: 318. -4 سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة: 114.
5 - الجيطالي: تذكرة النسيان وأمان حوادث الزمان ضمن دليل مخطوطات مكتبة العطف: 317، 319. ويظهر لنا أن هذه الوصية كانت بعد مصادرة أمواله وإبداعه السجن حتى لا يتهم الجيطالي بالمماطلة في أداء حقوق غيره
-58 - (1/58)
صفحة 59
ب له أخ يسمى بأبي بكر، وهو خليفته في ماله وأهله بعد وفاته، ولم يرد
ذكره في كتب السير والتراجم.
ج-
كانت تربطه بأقاربه علاقة وصل ومحبة ولا أدل على ذلك
لهم بمائة درهم وأرض له بكل ما فيها". (1)
د-
من إيصائه
كان يملك أراضي زراعية في عدة نواح من جبل نفوسة، ويشتغل بالفلاحة وتربية المواشي، ويتاجر بما تنتجه أرضه من خيرات.
هـ- كان من ذوي اليسار والثراء وكان سخي النفس يعطي الفقير، ويقرض ذا الحاجة، وينفق على المتعلمين، فقد استطاع أن يوفق بمهارة بين التجارة، والعلم والدعوة فهو التاجر، العالم الداعي.
4 - حياته العلمية
أ- تكوينه
تسكت كتب السير عن المراحل الأولى من نشأة الجيطالي، ويبدو أنه تلقى علومه الابتدائية كسائر أبناء مجتمع نفوسة في المدارس القرآنية التي تشرف على إدارتها حلقة العزابة.
وقد شهد جبل نفوسة خلال القرنين السابع والثامن للهجرة مراكز علمية أسهمت في غرس الوعي الديني في الأوساط الاجتماعية، ورفعت من مستواها الثقافي، ولعل أبرزها مدرسة أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي (ت 722 هـ/1322 م) التي تخرج فيها الجيطالي. (2)
وميزة مدرسة الطرميسي تظهر في اهتمام معظم خريجيها بالتأليف
1 - الجيطالي: تذكرة النسيان وأمان حوادث الزمان ضمن دليل مخطوطات مكتبة العطف: 317، 319.
2 - الشماخي: السير: ج 195/ 2.
-59 - (1/59)
صفحة 60
والتدوين) لا سيما في فنون علم الشريعة بغية منهم في إحياء التراث، وتقديمه في
عرض جديد يوائم احتياجات عصرهم.
واعتبر علي يحيى معمر أن مدرسة الطرميسي هي أعظم مدرسة بنفوسة
وجهت طلابها إلى الاشتغال بفن التأليف. (2)
ب شيوخه
لم يكن للجيطالي أساتذة كثيرون لمكوثه في جبل نفوسة، ولم يثبت أنه ارتحل إلى عواصم المشرق للتعلم والاستزادة، ولعل ذلك لاضطراب أوضاعها السياسية والاجتماعية والفكرية، فاكتفى بالتعلم في مدارس نفوسة المزدهرة آنذاك. وأبرز شيخ تلقى عنه الجيطالي العالم أبو موسي عيسي بن عيسي
الطرميسي عاش في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وتوفي سنة 722 هـ/1322 م، أخذ العلم عن أبي زكرياء يحيى بن وجدليش (3) ثم أسس مدرسته الواقعة بين طرميسة" و"جادو (4). وأشرف على إدارة مدارس أخرى " (4). في كل من: "مزغورة" و " أمسين" و " يفرن (5) مستعينا بطلبته البارزين.
1 - أمثال أبو ساكن عامر بن علي الشماخي (792 هـ / 1389 م) ومن مؤلفاته: كتاب "الإيضاح" (4 أجزاء)، وأبو غالي أبو عزيز إبراهيم الباروني (ت 746 هـ / 1345 م) ومن مؤلفاته: كتاب
"اللقط". وإسماعيل الجيطالي 750 هـ / 1349 م) انظر مؤلفاته صفحة 73 من البحث. وأبو زكرياء يحيى بن أبي العز (ق (8 هـ / 14 م) كان نساخا للكتب، لا تخلو خزانة من خزائن كتب نفوسة من خطه. ر. السير: ج 194/ 2.
2 - علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 68/ 2.
-3 - الشماخي: السير: ج 193/ 2.
أبو زكرياء يحيى بن وجدليش من علماء القرن السابع للهجرة وهو " أحد الحائزين قصب السبق من طلبته، وفاز مبرزا بين الأقران في الميدان، علم وعمل، واستفاد، وأفاد". ر. الشماخي: السير: ج 190/ 2.
4 - علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 103/ 2. -5 - المرجع السابق: 69 مزغورة، وأمسين، ويفرن وجادو، هي قرى متقاربة بجبل نفوسة.
-60 - (1/60)
صفحة 61
و لم يترك الطرميسي آثارا فكرية لاهتمامه الكبير بتكوين العلماء والرجال الذين حملوا رسالة التأليف والعلم من بعده ومن بين هؤلاء نذكر (1): - الشيخ بن إبراهيم بن أبي يحيى الباروني (ت 722 هـ/1321 م).
- يدراسن الأزاجي (ت 732 هـ/1331 م).
أبو غالي أبو عزيز بن إبراهيم بن أبي يحيى الباروني (ت 746 هـ/1345 م).
أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت 750 هـ/1349 م).
أبو ساكن عامر بن علي الشماخي (ت 792 هـ/1389 م)
- أبو زكرياء بن أبي العز ت ق 8 هـ).
فكانوا
ومما زاد في ثقافة الجيطالي ملازمته لرفقائه الذين درسوا معه يتذاكرون، ويتسابقون في سبيل الاستزادة والتحصيل العلمي. ويروى أن الجيطالي دخل عند العشاء الآخر إلى بلده جيطال، وكان عامر الشماخي (ت 792 هـ / 1389 م) ينظر في كتاب فقعد إليه يسأله عن المشكلات والمبهمات إلى أن انفجر الصبح، ولم يقف في واحدة، فإذا سئل عنه بعد ذلك يقول: "عامر وحيد وكان الجيطالي والشماخي كفرسي" رهان يتسابقان في ميدان" (3)
عصره
(2)
وقد صَاحَبَ الجيطالي أبا عزيز زمانا (4)، واجتمعا للتدريس في مسجد
مزغورة بمعية أخيهم يدراسن الأزاجي
(5)
هكذا اهتم الجيطالي بالمحاورة والمناقشة مع أقرانه لما لها من فائدة عظيمة في
1 - الشماخي: السير: ج 193/ 2 وما بعدها.
2 المصدر نفسه: ج 198/ 2.
3 - المصدر نفسه.
4 - المصدر نفسه: ج 195/ 2. 5 - المصدر نفسه: ج 196/ 2.
- 61 - (1/61)
صفحة 62
تكوين الفرد وتنمية قدراته، يقول الزرنوجي: "إن قضاء ساعة واحدة في المناقشة، والمناظرة أجدى على المتعلم من قضاء شهر بأكمله في الحفظ والتكرار ". (1)
ج- تدريسه
لم يكن الجيطالي صاحب مدرسة مستقرة شأن أستاذه الطرميسي، بل كان أستاذا زائرا، يجوب القرى، لا يتدفأ منه مضجعه يعلم من رغب، ويحاور من عارضه من العلماء والفقهاء (2). وقد عمل على تبليغ رسالة العلم في كل بلدة يحل بها إلى أن أدركته المنية بالجامع الكبير بجربة.
ودرس في كل من "فرسطاء" و"مزغورة" و"غريان" و"جيطال (3) ثم استوطن جزيرة جربة بتونس يدرس بجامعها الكبير إلى آخر حياته، فكان يدرس ويصنف في المجلس الواحد. (4)
أما عن طريقته في التعليم فهي تعتمد على الإلقاء والشرح، وقد انتقد طريقة
التلقين والحفظ بدون فهم التي انتشرت في عهده.
ومن المؤلفات التي درسها في حلقاته (6):
(5)
- درس الفقه وأصوله من كتاب العدل والإنصاف للورجلاني (ت 570 هـ).
- درس النحو من كتاب جمل الزجاج.
1 - محمد منير مرسى: التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية، عالم الكتب، القاهرة
1403 هـ/1983 م: 288.
2 - مثال ذلك: محاورته لفقهاء طرابلس، وقد قال لهم: " هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ ". السير:
ج 2/ 196.
3 - الشماخي: السير: ج 196/ 2، 198.
4 سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة: 114.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 1/ 1 ظ.
6 - الشماخي: السير: ج 196/ 2.
-62 - (1/62)
صفحة 63
5
- درس البلاغة والأدب من كتاب مقامات الحريري. - درس العقيدة من كتاب الدعائم لابن النظر العماني.
وكان الجيطالي يرى أنه لا يجوز للمعلم أن يأخذ أجرا عن التعليم، وإنما يبتغي به مرضاة الله تعالى، وهو رأي أبي حامد الغزالي أيضا خلافا لجمهور علماء المسلمين. ويبدو أن هذا الرأي الفقهي هو الذي جعل الجيطالي يشتغل بالتجارة،
ويتخذ منها مصدر رزق إلى جانب قيامه بوظيفة التدريس.
5 - مقومات شخصيته
من خلال آثار الجيطالي ومواقفه واستئناسا بالأوصاف التي نعته كما المؤرخون نحاول استجلاء معالم شخصيته القائمة على خصال خلقية وعلمية،
وهي فيما يأتي:
أ- قوة الحفظ
كان "شيخا حافظا (2) قوي الذاكرة، والناظر في كتبه سيتحقق من ذلك، وقد مكنته هذه الصفة من الحصول على ثروة علمية زاخرة، واقتدار كبير على الاستدلال على آرائه فالحافظة الواعية أساس العلم، كما أضفت على مؤلفاته طابع الموسوعية ومن جملة ما كان يحفظه مقامات الحريري، وجمل الزجاج في النحو، وكتاب العدل والإنصاف للوارجلاني، وكتاب الدعائم لابن النظر والأشعار والسنة وغير ذلك. (3).
1 - الغزالي: إحياء علوم الدين دار الثقافة الجزائر، ط 1، 1991 م: ج 75/ 1. الجيطالي، قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 155/ 1 - 156. محمد منير: مرسي: التربية الإسلامية: 186.
2 - الشماخي: السير: ج 195/ 2.
3 - المصدر نفسه: ج 196/ 2.
-63 - (1/63)
صفحة 64
ب الجرأة في الحق
قال عنه الشماخي: "كان محافظا شديدا في الأمر والنهي
(1) "
لعلها هي أبرز صفة لدى الجيطالي إذ هي مفتاح شخصيته، فقد ملك الحق شغاف قلبه فأحبه، وكافح من أجله، فغدا داعي خير يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر أينما ارتحل أو نزل يعظ الناس، ساسة، ورعية، ويذكرهم في المساجد، والأسواق، في الحضر والسفر، لا يخاف في الله لومة لائم فهو القائل:
"لا أقيم ببلد لا أقيم فيه الحق ولا آمر ولا أنهى". (2)
ومن كثرة تذكيره الناس وإتيانه الأسواق واعظا قال فيه بعض العابثين: "علم
(3) 11
السوقة مسائل الغش) يعني أنه ينهاهم عنها فتعلموها.
وقد احتمل في سبيل ذلك آلاما شديدة إذ كثر مناوئوه الذين ضايقوا سبيله، وابتلي ببطش السلطان الذي أذاقه محنة السجن، إلا أن الجيطالي تجاوز محنه بسلام بفضل إيمانه الخالص برسالته.
وصفة الجرأة في الحق متولدة عن صفات أخرى مثل: العدل، والصبر،
والشجاعة والثبات.
ج- العلم والعمل
(4) 11
أدرك الجيطالي أن "العلم والعمل توأمان متلازمان فكان "عالما عاملا" (5)
يؤم المدارس والمساجد معلما ومرشدا، ويحضر مجالس العلماء مذاكرا ومناقشا.
1 - الشماخي: السير: ج 195/ 2.
2 - انظر مناسبة المقولة صفحة 44 من البحث.
الشماخي: السير: ج 197/ 2.
4 الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 118/ 1.
5 - الشماخي: السير: ج 195/ 2.
- 64 - (1/64)
صفحة 65
وقد أوتي ملكة البيان فانكب على التأليف ليعرض آراءه، ويثبتها بعمق وروية فخلد آثارا فكرية تشهد بعلو كعبه العلمي.
و لم يعتزل الجيطالي الناس وحياتهم رغم مكانته العلمية بل حمل هموم أمته ونزل إلى واقع مجتمعه ليصلح ما به من فساد لما رأى دهره كما وصفه: "تبدلت فيه شرائع الإيمان وانتقضت فيه عرى الإسلام واندرست فيه حدود الدين بالكلية" (1) فكان حامل رسالة كثير التحرك، يجوب الآفاق داعيا، يعمل على توحيد صفوف المسلمين، ولم شمل القبائل المتنازعة. (2)
د- المجاهدة
(3) 11
كان الجيطالي "من" أهل المجاهدة والتقوى والإخلاص مقتديا بأسلافه الذين زهدوا في الدنيا وسلكوا طريق الآخرة، فالتزم نهجهم، وسار على دركم ثم وضع لنا كتاب "قناطر الخيرات" وهو موسوعة علمية في فلسفة التشريع وتزكية الأنفس، وضمنه جملة من آرائه التربوية.
وقد يرجع سبب سلوك الجيطالي هذا المنحى الروحي إلى فساد الأوضاع السياسية والاجتماعية واندراس معالم الدين في عصره.
-
هـ التحرر الفكري
عاش الجيطالي في عصر سادت فيه العصبية المذهبية وانتشر التقليد، وقد وصف ابن خلدون ذلك في قوله: " ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه، مهجور تقليده (4)
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق عمرو النامي: القسم 24/ 1.
2 نماذج من إصلاحه بين القبائل. ر. الشماخي: السير: ج 197/ 2. 3 الجيطالي: قناطر الخيرات، مقدمة المحقق: ج 15/ 1.
4 ابن خلدون: المقدمة: 496.
- 65 - (1/65)
صفحة 66
عن
وقد حاول الجيطالي التحرر من هذه الأجواء الفكرية الضيقة، وذلك بذمه التقليد والنعي على أهله)، ودعوته إلى قبول الحق من أي مصدر كان، بغض النظر مذهب صاحبه. ويقول في بيان هذا المنهج: "وأنا أستغفر الله من كل ما زلت به القدم، وطغى به القلم في كتابنا هذا وغيره من كتبنا، وإنما ألفناه من كتب شتّى وأكثره من كتب قومنا من غير (مذهبه امتثالا لقوله عليه الصلاة والسلام: "اقبل الحق ممن جاءك به حبيبا كان أو بغيضا، ورد الباطل على من جاءك به حبيبا كان أو بغيضا (2) واستخرجت العلم النافع من كل كتاب، و لم أهتبل بمؤلفه على خطأ كان أو صواب، ونقلت الحق المفهوم من بين الشوك والسموم، إذ حجة الله على الإنسان فهم الحق وعلمه من أي لغة سمعها أو لسان" (3)
وبالتزامه هذه الصفة نمت ثروته العلمية، وصار يبحث في مسائل العلم
انطلاقا
من القرآن والسنة وآثار الصحابة رضي مختلف المدارس دون أن يتقيد برأي معين.
الله
عنهم
وأقوال العلماء من
6 - محن الجيطالي
اقتضت العادة أن يبتلى كل صاحب رسالة بخصوم وأعداء يناوئونه، ويعترضون سبيله، وفي ذلك اختبار عظيم لمدى صدقه وإخلاصه، وتطهير لصفوف أتباعه ليعلم الصادقين منهم والكاذبين. وبقدر ما تزداد مكانة الشخص يكثر من حوله الحاسدون، ليحسدوه على ما آتاه الله من
فضله.
ونظرا للمكانة العلمية والاجتماعية التي حظي بها الجيطالي في عصره تضاعف من حوله الحسدة الكائدون من العامة والخاصة حينما عجزوا عن
1 الجيطالي: شرح النونية: ج 20/ 1. قناطر الخيرات وزارة التراث القومي، عمان 1403 هـ/1983 م:
ج 257/ 1. 2 - لم أعثر عليه.
-3 - الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 565/ 3 - 566.
-66 - (1/66)
صفحة 67
مجاراته. قال أبو تمام
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت، أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت
ما كان يعرف عرف طيب العود
شرح
فقد عانى الجيطالي من كيد حاسديه معاناة شديدة، وتصدى لمحاكمتهم بما أوتي من عزيمة صادقة ولسان ذلق ويراع بليغ. ويصور لنا معاناته في نهاية كتابه النونية": "لقد صدر عن صدر يناجيه البلبال، وقلب تقلبه الأهوال، وفصل عن بديهة وارتجال لا عن روية واحتفال مع ما يعتريني من وساوس الصدور، وما منيت به من أهل الحسد والجفاء، والجهل بالأمور ينظرون إلى شزرا مساء وصباحا، ويتربصون بي ريب المنون غدوا، ورواحا، ويأكلون لحمي أكلا صراحا، ويترفون عرضي غيبة ومراحا كما قال القائل وإلى الله المشتكى والعويل وعليه التكلان والتعويل في جميع ما يطرقنا من الحدثين من انطماس معالم الأديان مع عدم المعوان ومقاساة أهل هذا الزمان". (1)
ويبين من خلال، قاله أن هذه المكائد رغم ما استنفذت منه من جهد لم تثنه عن عزمه ولم ين في أداء رسالة الحق، وإظهارها كما تتجلى قوة إيمانه بربه الذي إليه الرجعى والمصير في كل صغير أو كبير.
وهكذا أثارت ... الجيطالي حنق وحقد من لم يبلغ شأوه، ولم يصل إلى
مرتبته فكان جزاؤه أن تعرض إلى محن عسيرة منها:
- سجنه من قبل، الي طرابلس بتواطؤ من قاضيها وبعض علمائها، فمكث
في السجن مدة.
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 206/ 3 - 207. 2 - الشماخي: السير: ج 196/ 2.
- 67 - (1/67)
صفحة 68
(1)
- تعرضه إلى محاولات اغتيال من قبل خصومه
حرمانه من دخول جزيرة جربة لفترة - الخلاف ناشئ بينه وبين بعض فقهائها. (2)
انتهاك عرضه والتنقيص من شأنه. (3) -
و نفصل القول في حادثة سجن الجيطالي وأسباب ذلك.
محنة السجن نموذجا
بز
الجيطالي عالما، وذاعت شهرته في الآفاق سار إلى مدينة طرابلس
في تجارة (4) وحيثما حل كان داعيا إلى الخير، ونورا يهتدى به.
وقد سبق له أن حاور بعض علماء طرابلس وناقشهم في مسائل علمية وفقهية وكان له اقتدار كبير في إقناع مخاطبيه بالحجة القاطعة فأثار فضله مكامن الحسد في قلوب خصومه من العلماء، و لم يغضوا عنه لعلهم كانوا يرون آراءه مخالفة لفتا ويهم، ودعوته مناهضة لنظام الحكم فرفعوا أمره إلى حاكم طرابلس محمد بن ثابت (5)، وافتروا عليه.
عقد حاكم طرابلس مجلسا عددا يضم
(6) ||
من العلماء والفقهاء، وفيهم قاضي
البلد. ودعي الجيطالي إلى المناظرة، والمناقشة "فوجدوه. كتر العلوم، والمعارف، ومعدن الفضائل بالمنطق والمفهوم) وضاقت صدورهم حرجا لما يدعو إليه، ولما قصرت مداركهم عن بارغ مستواه العلمي تحداهم بقوله الساخر: "هل عندكم من
1 الجيطالي: شرح النونية: ج 206/ 3 - 207. 2 - الشماخي: السير: ج 197/ 2.
- الجيطالي: شرح النونية: ج 206/ 3 - 207 4 - الشماخي: السير: ج 196/ 2.
5 - حاكم طرابلس في ذلك العهد هو محمد بن ثابت حسبما نرجحه انظر ترجمته صفحة: 36 من البحث. 6 أبوراس: مؤنس الأحبة في أخبار جربة: 91.
-68 - (1/68)
صفحة 69
علم فتخرجوه لنا؟ (1) فازدادت رغبتهم إثر هذا القول العنيف في إيذائه انتصارا لأنفسهم المنهزمة. وأجمعوا أن يجعلوه في قعر السجن، ويسلبوا ما معه من أموال، ظانين أنه السبيل لإسكاته!! وهكذا نلاحظ أن السجن والقسر عبر التاريخ هو كل عالم جريء، يقف بفكره المتحرر صامدا في وجه سلطان مستبد، عاجز عن مواجهة الفكرة بالفكرة، ومقارعة الحجة بنظيرتها.
مصير
ظل الجيطالي رهين محبسه مدة يعذب ولم تشفع له أعوامه الستون أو تزيد، فأنشد قصيدة يمدح فيها أحمد بن مكي (ت 766 هـ / 1364 م) سلطان قابس وجربة (2) آنذاك، ويستعطفه، وشفع له عند صاحب طرابلس فأطلق سراحه، كما تحركت ضمائر أولاد أبي زكرياء بن أبي مسور (3) لإخراجه، وتحملوا عنه مالا (4)
خرج الجيطالي من غيهب السجن داعيا على طرابلس بقوله: "سلّط الله عليك عدوا لا يخاف ربا، ولا يتقي ذنبا (5) قال الشماخي: "فما مضت إلا أيام
قليلة حتى
(6) 11
أخذتها النصارى".
وكاتب الجيطالي بعد خروجه من السجن أحمد بن مكي، لكن لم تكن المكاتبة شكرا لصنيعه التميل حسبما يقتضيه الطبع النبيل، بل كانت اعتذارا، يخبره
1 - الشماخي: السير: ج 2/ 196
2 - هو أبو العباس أحمد بن. والي قابس وجربة سنة 738 هـ / 1337 م ومكث فيها إلى أن توفي سنة
766 هـ / 1364 م وكان يب الشعر ويجيده. ر. ابن خلدون: العبر: ج 806/ 6، 935.
-3 أولاد أبي زكرياء بن أبي مسور بيت علم قديما وحديثا ورؤوس الفقهاء بحربة وإليهم الإشارة ومرجع الأمر" ر. الشماخي: السير: ج 167/ 2.
4 - الشماخي: السير: ج 167/ 2.
- المصدر نفسه: ج 196/ 1
6 - المصدر نفسه قمت حادثة استيلاء النصارى على طرابلس في عهد ولاية ثابت بن محمد سنة
754 هـ / 1353 م، وأعاثوا فيها فسادا، وكان الجماعة المسلمين بالبلاد الجريدية فضل كبير في استخلاص الثغر من أيدي الكفار. ر. ابن خلدون: العبر: ج 964,963/ 6.
- 69 - (1/69)
صفحة 70
وورعه أن لا يكون كذب في
أنه لا يستحق ذلك المدح كله "وذلك من تحفظه شعره، وأن لا يكون من الذين يهيمون في كل واد". (1)
ويظهر من خلال هذا الموقف أن فن الكتابة شعرا أو نثرا عند الجيطالي هو مسؤولية عظمى على عاتق الكاتب يتحمل تبعاتها ولو كانت في ظروف قاهرة، وصدق الجاحظ في قوله:
وما من كاتب إلا سيفنى ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تر
تراه.
انتقل الجيطالي إلى جربة وآواه أولاد أبي زكرياء بن أبي مسور، ونزل
الجامع الكبير واستقبله علماء جربة أحسن استقبال واجتمعت عليه الطلبة فكان يدرس، ويصنف في المجلس الواحد. (2)
واصل الشيخ، دروسه وبحوثه، وتصنيفاته بكل اجتهاد، ولم يقدر خصومه تقييد فكره ولسانه، بل انتشرت آراؤه وآثاره وظل خادما لرسالة العلم إلى أن
فاضت
روحه إلى ربها، وبذلك ودّع أهل جربة ونفوسة عالما تقيا، وزاهدا جريئا،
احتمل في سبيل الدفاع عن آرائه الشيء الكثير.
1 - الشماخي: السير: ج 196/ 2.
2 أبو راس: مؤنس الأحبة في أخبار جربة: 91.
-70 - (1/70)
صفحة 71
-
أولا تلاميذه
المبحث الثالث
آثار الجيطالي
إذا نظرنا إلى النتاج الفكري الذي خلفه الجيطالي، وإلى جهوده في نشر العلم واعتبرنا الأدلة التاريخية التي تؤكد أنه جلس للتدريس في جهات عديدة فإن العقل أن يكون للشيخ أفواج من المريدين تلقوا عنه من مختلف النواحي. لكن كتب السير لم تحفظ من تلامذة الجيطالي إلا اسما واحدا وهو:
يوجب
أبو أيوب الجيطالي
عاش في النصف الثاني من القرن الثامن للهجرة، أخذ العلم أول مرة عن إسماعيل الجيطالي، فلما سافر الجيطالي إلى جربة واصل أبو أيوب دراسته عند أبي ساكن عامر الشماخي (ت 792 هـ / 1389 م) كما ناب عن الجيطالي في القراءة على أبي ساكن، وقيل له: "إن أبا طاهر سافر إلى جربة و لم يبق من يقرأ عليه (أي على أبي ساكن سواك فإن مت انقطع من يقرأ عليه (1)
وكان أبو أيوب متقيا شديدا في الأمر والنهي كثير النصح لطلبته ومن جملتهم:
ابناه العالم أبو محمد عبد الله (ت 829 هـ/1425 م)، وأبو عبد
الله
-71 -
(2)
-
لشاعر الفقيه.
- وزكرياء الفرسطائي.
1 - الشماخي: السير: ج 201/ 2.
2 - المصدر نفسه. (1/71)
صفحة 72
ثانيا - مؤلفاته
إلى جانب اهتمام الجيطالي بالتعليم، وإلقاء الخطب والدروس فقد أولى عناية كبيرة رغم كثرة أسفاره بفن التأليف والكتابة.
وترجع دواعي التأليف لدى الجيطالي إلى توجيه أستاذه الطرميسي (ت 722 هـ / 1322 م) الذي دعا خريجي مدرسته المبرزين إلى الاشتغال بهذا الفن لإحياء
(1)
التراث وصون العلم من الاندراس)، يقول الجيطالي: "لولا تأليف العلماء
للأسفار لاندرس الحق وانطمست الآثار عند موتهم في أي عصر من الأعصار. "
(2)
ويعتبر كتاب السير للشماخي أقدم مصدر وردت فيه معظم مؤلفات الجيطالي، ولا يزال البحث في ميدان المخطوطات إلى حد الآن لم يأت بجديد علمنا عما ذكره الشماخي ما عدا وصية الجيطالي المسماة بـ "تذكرة
النسيان وأمان حوادث الزمان" التي تم العثور عليها مؤخرا. (3)
ذلك
وأغلب آثار الجيطالي لا تزال محفوظة من التلف إلى يومنا هذا، ولعل سبب يرجع إلى توقيفه إياها لطلاب العلم)، واهتمام من بعده من العلماء بشرحها
وتلخيصها. (5)
ويمكن أن نصنف آثار الجيطالي حسب فنون العلم إلى:
في علم الكلام والفقه
نالت مباحث العقيدة والفقه القسط الأوفى من مؤلفات الجيطالي فقد
1 - انظر صفحة 61 من البحث 2 الجيطالي: شرح النونية: ج 1/ 1 ظ.
-3 عثرت عليها فرقة بحث من جمعية التراث بمكتبة دار التلاميذ (العطف) سنة 1996 م.
4 - الجيطالي: تذكرة النسيان، ضمن دليل مخطوطات مكتبة دار التلاميذ العطف: 318. 5 - ر. الأعمال التي تناولت آثار الجيطالي صفحة: 82 من البحث.
-72 - (1/72)
صفحة 73
يخصص لكل منها مؤلفا مستقلا، أو يوردها ضمن مجموع. والجمع بين مباحث العقيدة والفقه عادة درب بما الفقهاء قديما لكون الفروع تبنى على الأصول، واعتبار أصول الدين هو الفقه الأكبر. ومن هذه المؤلفات:
1 - شرح النونية [مخطوط]
النونية قصيدة في مسائل العقيدة نظمها العالم أبو نصر بن نوح الملوشائي (ق 7 هـ/13 م) (1) وتقع في مائة وإحدى وثمانين بيتا مطلعها: سلام على الإخوان في كل موطن بتحد وعيف والسهولة والحزن. (البحر الطويل)
قام الجيطالي بشرحها في ثلاثة أجزاء (مجموع) أوراقها 304 ورقة) وذلك سنة 730 هـ/1329 م، أما عن منهجه في الشرح فكان يتخذ من ألفاظ البيت مادة للبحث،
من
يدرس معاني الكلمات معتمدا على معاجم اللغة ودواوين الشعراء. فإن كانت الألفاظ الواردة في القرآن أشار إلى معانيها من خلال الآيات مستعينا بأقوال المفسرين، وإن كانت مما يستعمل شرعا بين معناها الاصطلاحي ذاكرا أوجه الاختلاف إن وجدت. ثم يفصل القول في المعنى الإجمالي للبيت مبينا مسائل الكلام جليلها ودقيقها، يستعرض آراء المدارس الكلامية، ويناقش أدلتهم مرجحا ما يقتنع به.
وبين الجيطالي الدافع إلى شرحه النونية في قوله: "إنّي نظرت إلى قصيدة الشيخ الأفضل الفقيه الأجل أبي نصر فتح بن نوح فوجدتها قد اشتملت على جمل من الأصول الدينية مع خلوها من التفسير، وشغف الطلبة في حفظها من غير معرفة
1 - أبو نصر بن نوح الملوشائي عاش في النصف الأول من القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي أخذ العلم من خاله أبي يحيى زكرياء بن إبراهيم وكان لغويا قرظ ما ألف شعرا". وله دواوين. ر. الشماخي: السير: ج 2/ 189. علي يحيى معمر الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 97/ 2.
- 73 - (1/73)
صفحة 74
بمجمل شرحها مع إغفال الأولين عن تلخيصها ليفهم عنهم المتأخرون جمل فنونها (1) وإذا نظرنا إلى الشروح التي تناولت النونية (2) لوجدنا شرح الجيطالي أوسعها تحليلا وعمقا، وأسبقها زمانا وبالتالي يعد الجيطالي أول وأكبر شارح للنونية. وتوجد نسخة خطية هذا الشرح المخطوط في مكتبات جبل نفوسة، من وجربة، ومزاب (3).
2 - قواعد الإسلام [مطبوع]
كتاب جامع لمسائل العقيدة والفقه يقع في جزأين يقول الجيطالي: "قد جمعت في هذا الكتاب قواعد الفرائض والواجبات وواجب الحقوق، وغير ذلك من الكبائر الموبقات والفضائل الأدبيات (4) ألفه سنة 733 هـ/1332 م خصص الركن الأول منه لمباحث العقيدة متوخيا أسلوب الإيجاز في عرضها ما عدا مسألة الولاية والبراءة فإنه أطال في تفريعاتها وتطبيقاتها، ثم تطرق إلى أبواب الفقه: الطهارات، والصلاة والزكاة والصوم والحج، وختم كتابه بمبحثين أحدهما في الحقوق ومظالم العباد، والثاني في الآداب، وقد سلك في عرض المسائل الفقهية منهجا مقارنا حيث يورد مذاهب فقهاء الأمصار، ويبين سبب نزاعهم.
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 1/ 1 ظ.
محمد
2 من هذه الشروح: شرح قاسم بن يحيى الويراني (ت 1073 هـ / 1662 م). شرح يوسف بن المصعبي (ت 1187 هـ / 1773 م). شرح عمر بن رمضان التلاتي (ت 1187 هـ/1773 م). شرح عبد العزيز بن إبراهيم الثميني (ت 1223 هـ / 1808 م. شرح محمد ابن ادريسو (ت.
(+1881/ 1298
3 - في مزاب: مكتبة القطب (بني يزقن) تحت رقم: هـ 33 نسخة كاملة. مكتبة عمي سعيد (غرداية) نسخة كاملة مصورة (قسم المخطوطات)
-4 - الجيطالي: قواعد الإسلام، تحقيق بكلي: ج 278/ 2.
-74 - (1/74)
صفحة 75
قام بتصحيحه والتعليق عليه الشيخ بكلي عبد الرحمن بن عمر)، وطبع
بالمطبعة العربية (غرداية) الجزائر سنة 1976 م.
3 - الفرائض [مطبوع]
تناول فيه المؤلف أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية، مركزا على الجانب التطبيقي، حيث ألحق القواعد النظرية بمسائل محلولة تيسيرا للفهم، وتدريبا للطلاب على
إنجاز المسائل الذي هو الهدف من علم المواريث.
وقد اهتم الجيطالي بالفرائض لما رأى استغناء الناس عن تعلمها فأراد تقريبها إلى الأفهام بتجديد مسائلها، وتبسيط طرقها ليسهل على الراغبين تحصيلها ويقول: "رأيت أن أؤلف في الفرائض من مسائل المواريث جملا وأجدد من حسابها عهدا مضمحلا على أن الأولين لم يتركوا للآخرين مقالا ولقد نصبوا الهم على كل شيء مثالا، ولكن ربما يبلى القديم فيكون مملولا، ويطرأ الجديد فيكون في النفس
مقبولا" (2)
طبع
الكتاب ضمن مجموع بالمطبعة البارونية بمصر سنة 1305 هـ/1887 م
من غير تحقيق أو تعليق.
4 - قياس الجروح [مطبوع]
تناول فيه المؤلف منازل الجروح وكيفية قياسها وما يلزم أداؤه من مغرم عند كل حالة إيراد أمثلة مختلفة تبين هذه القواعد، وهو رسالة فريدة في فقه
1 - بكلي عبد الرحمن بن عمر فقيه معاصر ولد سنة 1901 م بالعطف الجزائر، خريج جامع الزيتونة والمدرسة الخلدونية خدم رسالة العلم والدين بإخلاص صادق وعزم ثابت من مؤلفاته: ديوان الشعر، فتاوى البكري، تاريخ الحركة الإصلاحية، توفي سنة 1986 م. ر. الحاج سعيد يوسف: تاريخ بني مزاب المطبعة العربية غرداية، 1991: 230 وما بعدها 2 الجيطالي الفرائض، المطبعة البارونية سنة 1305 هـ/1887 م: 11 - 12.
-75 - (1/75)
صفحة 76
القصاص والديات.
تم طبع الكتاب ضمن مجموع في المطبعة البارونية بمصر سنة 1305 هـ/1887 م من غير تحقيق.
5 - الحج والمناسك [مخطوط]
خصصه الجيطالي للحديث عن فريضة الحج، وتبيان المناسك الواجبة، وذكر فيه كيفية الزيارة وجملة من فروع مسائل الحج، والدعاء المأثور فيه، وغير ذلك من آداب الحج وسننه، وربما كان بعض الحجيج يستصحبون هذا الكتاب في أسفارهم للاسترشاد به، وقد ألفه قبل كتاب القواعد.)
6 - ما جمع من أجوبة الأئمة [مخطوط]
(1)
جمع فيه الجيطالي أجوبة الأئمة وفتاويهم في عصور مختلفة، ورتبها في ثلاثة أجزاء ولا تخلو من بعض تعليقاته، وتقديماته، وتوجد بعض النسخ الخطية منها في
جربة (2)
7 - عقيدة التوحيد [مطبوع]
هي رسالة مختصرة تشمل قواعد العقيدة بغير استدلال، صاغها الجيطالي بأسلوب أدبي موجز فصيح ووجهها إلى الناشئة، ودعاهم إلى حفظها، ثم فهمها ثم اعتقادها، والتصديق بها. تم طبعها بالمطبعة العربية غرداية، سنة 1974 م، وقد وردت هذه الرسالة ضمن كتاب قناطر الخيرات، قنطرة الإيمان (ص: 287 - 289)
1 - الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي: ج 196/ 2. 2 ر. الصادق بن مرزوق الجيطالي وأهم الكتب التي خلفها يراعه محاضرة ألقاها بمناسبة الملتقى الدولي التاريخي الأول بجزيرة جربة. (د. ت) [مخطوط] ص: 8. لم نتمكن من الاطلاع على هذه الأجوبة الفقهية رغم ما قمت به من محاولات!!
-76 - (1/76)
صفحة 77
وقد حققها الدكتور عمرو خليفة النامي ضمن القسم الأول من كتاب القناطر.
في فلسفة الأخلاق
8 - قناطر الخيرات
كتاب قيم في مقاصد التشريع وفلسفة الأخلاق ألفه سنة 738 هـ/1337 م يقع
عشرة
في ثلاثة مجلدات ضخمة (مجموع صفحاتها 1557 ص) قسمه الجيطالي إلى سبع قنطرة، إذ شبه الفرائض بالقناطر التي يمكن للسالك عليها العبور للوصول إلى السعادة الأبدية، وقد اجتهد في ترتيب القناطر ترتيبا محكما معللا ذلك بحجج منطقية يراها. (1) والدافع إلى تأليفه هو فساد أحوال عصره، واندراس معالم الدين، وامتلاء الضمائر بحب الدنيا، وعماء البصائر عن طريق الآخرة، فخشي الانسلاخ من الدين كله فدعاه ذلك إلى وضع هذا الكتاب إحياء للدين، وتذكيرا لمن نظر فيه. وعن أهمية الكتاب قال علي يحيى معمر: " والجيطالي لو لم يقدم إلى المكتبة الإسلامية إلا هذا الكتاب لكان فيه الكفاية. (3)
ويصفه الثميني (ت 1223 هـ / 1808 م) في قوله: "إن الكتاب الذي صنفه الإمام أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي المسمى بالقناطر كتاب جامع العلوم دين والدنيا والآخرة ومهذب للخواطر دالة على علو درجة مؤلفه في العلوم، سالم من الطعن فيه بأدنى خدش أو كلوم شاهد له بالفوز بالحظ من علم اليقين والكشف كما نطق به فحوى كلامه وذکر به من مناقبه من الوصف ولا أظن أن علمائنا المغاربة ناسجا على منواله في هذا الشأن" (4)
من
1 - ر. الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق عمرو النامي: القسم 8/ 1 وما بعدها. -2 - المرجع نفسه: القسم 24/ 1.
3 علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 109/ 2. 4 - الثميني: عقد الجواهر المأخوذ من بحر القناطر، [مخطوط]، المقدمة.
-77 - (1/77)
صفحة 78
طبع الكتاب أول مرة بالمطبعة البارونية بمصر بأجزائه الثلاثة من غير تحقيق سنة 1307 هـ/1889 م وشرع الدكتور عمرو خليفة النامي في تحقيق القسم الأول منه ويحتوي على قنطرتي العلم والإيمان وذلك سنة 1965 م. وقد حققت مؤخرا هيئة طلبة قسم الشريعة بمعهد عمي سعيد (غرداية) الجزائر قنطرة الصلاة ووظائفها من الطهارات ولا تزال جهودهم مستمرة في تحقيق بقية القناطر. وتم طبعه كاملا من غير تحقيق بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان سنة 1403 هـ/1983 م. في الأدب والشعر
كان الجيطالي أديبا وشاعرا، ولغويا كبيرا يظهر ذلك جليا في كتاباته حيث نلحظ جزالة الأسلوب، وقوة المعنى وجمال المبنى، ومن آثاره الأدبية:
9 - الرسائل [مخطوط]
ترك الجيطالي مجموعة من الرسائل العلمية والأخوية بعثها إلى علماء عصره، وإلى بعض الطلبة. وتوجد نسخ خطية منها في جربة. (1)
10 - القصائد
نظم الجيطالي عددا من القصائد قال في شأنها علي يحيى معمر: "هي إلى
معاني الفلسفة أقرب منها إلى أغراض الشعر.
(2) 11
ومن جملة قصائده، قصيدة حول الاقتداء بالأئمة الأعلام (3) يقول في أبياتها الأولى:
ألا كل من لا يقتدي بأئمة
يكن مثل ملش في الدجى ليس يهتدي
1 - ر. الصادق بن مرزوق: الجيطالي وأهم الكتب التي خلفها براعه 09.
،
2 علي يجي معمر الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية: ج 109/ 2. 3 - ر. قصائد عديدة من نظم الجيطالي، وغيره المطبعة البارونية (د. ت) مصر: 130 - 131.
-78 - (1/78)
صفحة 79
ويأتي غدا يوم القيامة حائرا
ولكنني قلدت ديني
ومذهبي
فما إن له في دينه من مقلد سلالة إبراهيم أفضل مورد
رضينا به بين الأنام مقلدا
وإني بأفضل الأئمة مقدي
(من البحر الطويل)
وقد كتب بعض أجوبته الفقهية شعرا كقوله لأحد السائلين (1): فيا أيها المهدي مقالته جدلا تفهم صريح الحق وارض به أهلا فهذا امرؤ عندي تزوج أربعا أوانس أمثال الجآذر كحلا فطلق إحداهن فدى وقد بقي لها من إياس حيضها عدة مثلا نواة وأستار وفذ جميعها من النش نيم فاحسبنه تجد عدلا على زوجها إن شاء تزويج غيرها كعدتها حتما يراقبها مهلا متى انقضت يعتد بالأشهر التي ذكرن فذا في نص خالقنا يتلى لأن الأولى في حكمه غير جائز له الخمس نصا في الكتاب مترلا (من البحر الطويل)
ومن أشهر قصائده تلك التي مدح فيها أحمد بن مكي، راجيا شفاعته عند والي طرابلس ليطلق سراحه من السجن، إلا أن كتب التاريخ لم تروها لنا، ولعل يرجع إلى تنكر الجيطالي لمدح ابن مكي بعد خروجه من السجن لعدم
ذلك
استحقاقه ذلك.
1 - الجيطالي: الفرائض: 277 وقد أورد السؤال، وبين معاني الأبيات.
-79 - (1/79)
صفحة 80
في الحساب والهندسة
11 - حساب مسائل البيع والشراء [مطبوع]
تناول فيه المؤلف طرق حساب المكاييل، والموازين، ومسائل البيع والشراء، وجانبا مهما من مباحث الرياضيات كحساب مجاميع الأعداد، وجدائها، واستخراج الجذور، ودراسة الكسور، وحساب مساحات الأشكال الهندسية المختلفة. وميزة الكتاب تتجلى في تناوله أمثلة من واقع الحياة التجارية والفلاحية مما يعطي الكتاب قيمة علمية تشبع احتياجات الناس الضرورية في مجال المعاملات كما أنه يعد ثمرة ناضجة لازدهار العلوم الرياضية لدى المسلمين في ذلك العصر، وبلوغ الجيطالي منها مبلغا عظيما.
طبع
الكتاب ضمن مجموع بالمطبعة البارونية بمصر سنة 1305 هـ/1889 م
من غير تحقيق.
في الوصايا
-12 - تذكرة النسيان وأمان حوادث الزمان
هو كتاب خاص لوصية الجيطالي استهلها بوصية أدبية يدعو فيها أقاربه إلى اعتقاد التوحيد، وتصديق ما جاء به الرسول الله ثم شرع في وصيته المادية مبينا ما له، وما عليه من حقوق راجيا من ورثته أن يؤدوها. ويقول في ختامها: "واعلم أني كتبت الوصية مرارا، فإنما هي وصية واحدة ولكن كررتها في الكتب لئلا تتلف، وهذه فيها إقرار بما لي وما علي (1) وتعدّ وثيقة مهمة في معرفة ومضات من حياة الجيطالي الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية.
1 - الجيطالي: تذكرة النسيان، ضمن دليل مخطوطات مكتبة العطف: 319.
- 80 - (1/80)
صفحة 81
طبع الكتاب ضمن دليل مخطوطات مكتبة العطف، جمعية التراث (ص:
319 - 317) من غير تحقيق.
ثالثا- الأعمال التي تناولت آثار الجيطالي
امتد أثر الجيطالي إلى العصور التالية له، إذ حظيت مؤلفاته باهتمام العلماء من بعده بدراستها فتنوعت أعمالهم بين شارح، وملخص لها، ومعتمد عليها في تأليفه، ومن جملة هؤلاء نذكر:
أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة الجربي (ت 1088 هـ/1677 م)
- حاشية على كتاب قواعد الإسلام المطبعة البارونية، مصر سنة 1297 هـ/1879 م. (1)
- حاشية على كتاب الفرائض: المطبعة البارونية مصر سنة 1305 هـ/1887 م.
يعقوب يوسف بن محمد المصعبي المليكي (ت 1187 هـ/1773 م)
- حاشية على كتاب الفرائض [مخطوط].
عبد العزيز بن الحاج إبراهيم الثميني (ت 1223 هـ/1808 م) - عقد الجواهر المأخوذ من بحر القناطر: مخطوط بمكتبة الاستقامة،
إبراهيم بن يوسف اطفيش (ت 1303 هـ/1886 م)
مختصر المناسك ومذهب السالك: المطبعة البارونية مصر
وهو اختصار لكتاب مناسك الحج للجيطالي.
محمد بن يوسف اطفيش (ت 1332 هـ / 1914 م)
بني يزقن.
1310 هـ/1892 م
- حاشية على قناطر الخيرات مخطوط بمكتبة القطب بني يزقن رقم: (أ. و:5).
1 - شرع في تحقيقه الأستاذ الحاج موسى بشير. وقد أنجز القسم الأول منه سنة: 1418 هـ/1998 م. (تحقيق المتن والحاشية)
-81 - (1/81)
صفحة 82
- حاشية على شرح النونية: مخطوط بمكتبة آل يدر بني يرقن رقم: 77 ع/11.
- حاشية على كتاب الفرائض: مخطوط مفقود.
- الذهب الخالص ط 2 مطبعة البعث (قسنطينة) الجزائر، سنة 1400 هـ/1980 م تحقيق أبي إسحاق اطفيش، وهو جمع واختصار لكتاب قواعد الإسلام وحاشية أبي ستة عليه.
الحاج صالح بن عمر لعلي (ت 1347 هـ/1928 م)
تعاليق وشروح على كتاب القناطر: مخطوط بمكتبة المؤلف، بني يزقن رقم: (أ-و 5).
إبراهيم بن بكير حفار (ت 1373 هـ/1954 م)
شرح عقيدة الجيطالي: مخطوط بمكتبة الشيخ عمر بن يوسف عبد الرحمن، بني يزقن.
- 82 - (1/82)
صفحة 83
تمهيد
الفصل الثاني
الجانب المنهجي في آرائه
المبحث الأول: النظر والعلم.
المبحث الثاني منهج الاستدلال الكلامي عند
الجيطالي.
المبحث الثالث: مرجعية فكر الجيطالي. (1/83)
صفحة 84
الفصل الثاني: الجانب المنهجي في آرائه
تمهيد
قبل عرض آراء الجيطالي لابد من التعرف على الأصول المنهجية التي اعتمد عليها في بناء مذهبه الكلامي، وقد أشار إليها في ثنايا مؤلفاته إذ
مي
السبيل الموصل إلى المعرفة.
وإذا كان البحث الفلسفي يولي عناية كبرى لنظرية المعرفة: أدواتها، وطرقها، وميادينها فإن علماء الكلام لاسيما المتأخرين منهم قد أسهموا في إثراء هذا الجانب المنهجي، وذلك بتخصيصهم مباحث ومقدمات طويلة حول العلم، وطرقه والنظر، وشروطه حتى غدا ذلك من أوليات البحث العقدي فصار تقليدا علميا متبعا.
سار الجيطالي على هذا النهج فجعل قنطرة العلم) أولى القناطر المنجية للعبد، وتليها قنطرة الإيمان، فالعلم هو أول القواعد التي يبنى عليها الإسلام .. والنظر طريق، موصل إليه. فما مفهوم النظر والعلم عند
الجيطالي؟.
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي القسم 1/ قنطرة العلم (ص: 25 - 282).
-2 - راجع القواعد الأربع التي بينى عليها الإسلام الجيطالي: شرح النونية: ج 24/ 3 ظ. قواعد الإسلام،
تصحيح وتعليق بكلي: ج 112/ 1.
- 84 - (1/84)
صفحة 85
المبحث الأول
النظر والعلم
1 - النظر
أ- تعريفه
(1)
تطرق الجيطالي إلى معاني النظر في اللغة وهي نظر العين، قال الله تعالى: فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم (2).
قال النابغة:
نظرت إليك في حاجة لم تقضها نظر السقيم إلى الوجوه العود. - نظر القلب هو نظر تأمل وتمييز، وفكر كقولك: نظرت في الأمر. نظر، رحمة كقولك: اللهم انظر لنا، أي ارحمنا.
بمعنى الانتظار، قال تعالى: وانظرونا نقتبس من نوركم الله.
- بمعنى المقابلة مو: دار فلان تنظر دار فلان أي تقابلها.
(3)
ويعرف الجيد النظر اصطلاحا بأنه: "استعمال الفكر في قوة الدلالة (4) ونلاحظ أنه تعريف يشمل مطلق النظر سواء كان صحيحا أم فاسدا، أفاد العلم أو الظن. ومجال النظر عند الجيطالي قد يكون في أصول الشريعة أو فروعها، فأما النظر
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 1/ 7 و، ج 48/ 3. ابن منظور لسان العرب، ج 215/ 5. 2 - سورة الصافات، الآية: 88 - 89.
3 - سورة الحديد، الآية: 13. 4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 21/ 1 ظ.
85 (1/85)
صفحة 86
في أصول الشريعة فلا يؤدي إلا إلى الحق أو إلى خروج عن الدين، وأما النظر في
الفروع فالمصيب غانم والمخطئ سالم (1)
ب- أقسامه
قسم الجيطالي النظر إلى قسمين ن (2):
-
أولا نظر فاسد وهو النظر في الشبهة التي اعتمد عليها مخالف الإسلام كاليهود والنصارى وغيرهم، وحقيقة الشبهة هي: "التخيل إلى الناظر أن ما نظر إليه دليل وهو بخلاف ذلك" (3). ولا نرى داعيا في حصر النظر الفاسد في الشبهة التي يراها مخالف الإسلام، فعقول البشر جميعا - ماعدا الرسل قد تصيب، أو تزل في معرفة الدليل.
ثانيا- نظر صحيح: ينقسم إلى:
-
النظر في الدليل القطعي الموصل إلى العلم.
النظر في الأمارات الموصلة إلى غالب الظن وهذا هو المستعمل في فروع
الشريعة دون أصولها.
ج- شروطه
وضع الجيطالي للنظر شروطا هي
(4)
(1)
- أن يكون الناظر عاريا من التقليد والاستحسان (1)
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 21/ 1 ظ الوارجلاني: العدل والإنصاف وزارة الثرات القومي، سلطنة
عمان، 1404 هـ / 1984 م: ج 27/ 1 - 28.
2 المصدر نفسه: ج 48/ 3 و، ظ. 3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 21/ 1 ظ.
4 - المصدر نفسه.
-86 - (1/86)
صفحة 87
- أن يعرف الناظر طريق العلماء ومواصفات أهل الشريعة، وعامة ما اجتمعت عليه الأمة.
- أن يكون عاقلا مميزا.
فإن توفرت الشروط كان النظر علما وإلا كان ظنا، وهذه الشروط تخص أهل العلم، وأما عامة الناس فيرى الجيطالي أن نظرهم يتمثل في أمرين هما (2):
- التخيير بين أقاويل العلماء مما يراه العامي صوابا عند الله.
تخيير العامي للعلماء من يرى أنه أسلم لدينه ودنياه.
لكن هل للعامي الفاقد لأهلية النظر قدرة على التمييز بين أقاويل العلماء، وترجيح بعضها على الآخر؟ كلا، فمن أين يتأتى له ذلك؟ ثم إن اختيار العامي للعالم الأسلم دينا أي الورع هو عمل عسير لأن مقامات المتقين لا يعلمها إلا الله تعالى وهو أعلم بمن اتقى (3) أضف إلى ذلك أن العلم يؤخذ من العالم الأكثر علما لا ورعا، وبالتالي لا يمكن أن يقال إن للعامي نظرا لأن النظر مبني حسب تعريف الجيطالي على قوة الفكر والتمييز والعامي عاجز فيكفيه الاتباع والتقليد.
-
د إفادة النظر العلم
يذكر الجيطالي أن الجمهور من العلماء اتفقوا على أن النظر الصحيح في الدليل مؤد إلى العلم الصحيح ولابد أن يكون النظر في دليل صحيح لا في شبهة. والذين أنكروا إفادة النظر للعلم مطلقا هم طوائف منهم:
1 - الاستحسان: "هو شهوة النفس والميل بالهوى إلى "القول ر. أبو عمار عبد الكافي، الموجز،
تحقيق عمار طالبي: ج 22/ 2.
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 21/ 1 ظ.
-3 - سورة النجم، الآية: 32. 4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 21/ 1 ظ.
- 87 - (1/87)
صفحة 88
- السمنية: اعتمدوا على شبه كثيرة واهية.
المهندسون قالوا: إنه يفيد العلم في الهندسيات دون الإلهيات والغاية فيها
الظن والأخذ بالأحرى والأخلق
- الملاحدة: قالوا النظر لا يفيد العلم بمعرفة الله بلا معلم)
(1)
والأدلة التي يتوصل بصحيح النظر فيها إلى علم ما لا يعلم في مستقر العادة تنقسم إلى:
- أدلة عقلية: كوجوب الواجبات وجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات.
- أدلة سمعية هي التي تستند إلى خبر صادق أو أمر يجب اتباعه، وهو وضعي مجازي كاللفظ والرمز وسائرها من مواضعات الناس.
(2)
هـ- النظر في معرفة الله تعالى
دعا القرآن الكريم إلى النظر في آيات الله الصامتة المبثوتة في هذا الكون الفسيح وقراءتها قراءة تأملية ليتوصل الإنسان إلى معرفة الله تعالى حق المعرفة، فتسكن نفسه ويمتلئ قابه يقينا. ومن جملة هذه النصوص:
قال تعالى: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت و إلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت (3)
وقوله: قل انظروا ماذا في السموات والأرض كل (4)
وقوله: فانظر إلى أثر رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتمان (5)
الإنجي: المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت: (د. ت): 24 - 26 وقد ساق ردود العلماء عليهم.
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 22/ 1 ظ.
3 - سورة الغاشية، الآيات: 17 - 20. -4 سورة يونس الآية: 101.
5 - سورة الروم، الآية: 50.
-88 - (1/88)
صفحة 89
:
وقوله: أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض (1)
فالنظر في مخلوقات الله عبادة وطريق اليقين، وقد قال ابن عباس: "لا
تتفكروا في الله ولكن تفكروا في خلقه فإنه لا يعرف بالأشباه والأمثال لكن بتصديقه (2)
اتفقت غالبية الأمة أن النظر في معرفة الله واجب، واختلفوا في الطريق الذي يثبت به النظر، هل هو الشرع أو العقل؟ فأما الإباضية والأشاعرة فقد أثبتوا النظر بالشرع وبين الجيطالي أن الإنسان لن يصل إلى معرفة الباري سبحانه إلا بتنبيه مخبر أو إلهام ملهم يبعث عقله على التفكير والبحث والنظر في الأدلة الموصلة إلى معرفة الله تعالى (3). وأما المعتزلة فأثبتوا النظر بالعقل، ويعلل القاضي عبد الجبار (ت 415 هـ / 1024 م) ذلك لأن المكلف إذا بلغ كمال العقل لابد من أن يخاف الضرر من تركه النظر لسبب من الأسباب، وأسباب هذا الخوف مختلفة منها سماعه اختلافات الناس، وتضليل بعضهم بعضا، وادعاء كل واحد منهم أن الحق في جانبه، فيخاف العاقل إن لم ينظر أن يقع في ورطة ومهلكة. وقد تقرر في العقل أن دفع الضرر عن النفس واجب، فثبت وجوب النظر في طريق معرفة الله تعالى). وهناك من أنكر وجوب النظر مطلقا اعتمادا على شبه باطلة منها: "أن معرف عرفة الله قد تحصل بالإلهام أو التعليم أو التصفية" (5) يقول الجيطالي: "اعلم أن معرفة الله عز وجل لا تدرك بالحواس ولا بتقليد الكبراء من الناس، وإنما تدرك معرفته باستعمال النظر العقلي الذي يؤدي إلى العلم الضروري (6) ويقول في موضع آخر: "تدرك معرفة الله
-1 - سورة الأعراف الآية 185.
2 - الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1985: ج 215/ 3. 3 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 8/ 1 - 9. شرح النونية: ج 22/ 1 و. 4 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، الأنيس، الجزائر، 1990: ج 23/ 1 - 24. راجع شبه هؤلاء والرد عليهم، الإيجي: المواقف: 30.
6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 17/ 1 و.
- 89 - (1/89)
صفحة 90
باستعمال النظر لأن علم دين الله اكتساب وقال أصحابنا: ليس منا من ادعى علم
الديانة من غير تعليم
(1) n
من خلال هذين النصين يتبين لنا أن الجيطالي نفى أن تتم معرفة الله تعالى
عن طريق الحواس، أو بالتقليد أو ادعائها من غير تعليم.
فأما الحواس، فقد قال تعالى: ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (2) فالله تعالى متره أن يكون جسما متحيزا مقابلا، تكتنفه الجهات لم يقل أحد بمشاهدته في الدنيا إلا غلاة الصوفية، وأما إدراكه بحاسة البصر في الآخرة فالمسألة خلافية سيأتي بيانها.
وأما التقليد فحقيقته هي: قبول قول القائل من غير دليل، ولا برهان (3) وقد أجمعت الأمة أنه لا يصح التقليد في أصول الدين، ويكفي في ذلك قول الله تعالى حكاية عن الأتباع ويوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (4)
وأما معرفة الله بالضرورة فهي فكرة أصحاب المعارف من المعتزلة وعلى رأسهم الجاحظ (ت 250 هـ / 864 م) فالعلم عندهم ليس فعلا للعبد، ولا متولدا، وإنما يتم بالطبع، وزعموا أن الله طبع العباد على معرفته، ولا يكون بالغا صحيح العقل مأمورا منهيا إلا وهو عارف بالله عز وجل، لأنه ليس من الحكمة أن يأمر العباد بما جهلوه، ولم يعرفهم إياه.
ويرد الجيطالي على هذه الفكرة مبينا أن العلم والجهل على وجهين: يكون
1 - المصدر نفسه: ج 21/ 1 و.
2 - سورة الأنعام، الآية 103. 3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 20/ 2 و. 4 - سورة الأحزاب، الآيتان: 66 - 67. - الجيطالي: شرح النونية: ج 21/ 1 و.
90 (1/90)
صفحة 91
العلم باكتساب ويكون، باضطرار وكل ما كان علمه اكتسابا فالجهل به اكتساب، وكذلك كل ما كان العلم به اضطرارا فالجهل به اضطرار، والعلم بالله تعالى ليس بضروري وإنما هو اكتسابي
2 - العلم
أ- تعريفه
أورد الجيطالي اختلاف المذاهب في تعريف العلم فقد ذهبت الأشعرية إلى أن
(2) 11
حد العلم هو: "معرفة المعلوم على ما هو به وقال بعضهم: "هو معرفة الشيء
(3) 11
"
(4) 11
على ما هو به والذي اختاره الجيطالي هو: درك الشيء على ما هو "به" وهو: "الدرك والإحاطة والاستبانة (5) ونلاحظ أن الجيطالي حصر العلم في التصور الذي هو إدراك ماهية الشيء، وأغفل جانب التصديق إذ لم يتعرض إلى قضية المطابقة بين الفكرة والواقع الذي هو جزء لا يتجزأ من ماهية العلم.
وسبب الاختلاف بين المذاهب في حد العلم يرجع إلى اختلافهم في مفاهيم المصطلحات المستعملة في التعريف فالمعلوم عند الأشعرية قد يكون موجودا أو
- الجيطالي: شرح النونية. ولعل أقوى الردود على أصحاب المعارف هو رد القاضي عبد الجبار المعتزلي عليهم فليراجع في كتابه شرح الأصول الخمسة: ج 10/ 1 وما بعدها. -2 - اختلفت الأشعرية في حد العلم، والقول الذي رواه الجيطالي هو قول القاضي أبي بكر الباقلاني (ت 403 هـ). ر. الباقلاني: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به تحقيق الكوثري، ط/3 مكتبة الخانجي، القاهرة، 1993 م: 13. وقد انتقد الإيجي (ت 756 هـ) هذا التعريف في موضعين: إذ إن علم الله يخرج من التعريف فلا يسمى معرفة وأيضا فيه دور إذ المعلوم مشتق من العلم فلا
يعرف إلا بعد معرفته. ر. الإيجي: المواقف: 10.
-3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 15/ 1 و.
4 - المصدر نفسه.
5 - المصدر نفسه: ج 14/ 1 ظ.
-91 - (1/91)
صفحة 92
(1)
معدوما، أما الموجود فهو الشيء الكائن الثابت والمعدوم ما كان منتفيا ليس بشيء. ومدلول الشيء عند الإباضية والمعتزلة ما كان مخبرا عنه موصوفا، وقد يجوز
الشيء أن يكون موجودا أو معدوما، فأما الموجود فهو ما كان كائنا، وكل ما جاز فيه موجود جاز فيه شيء ولا يقال العكس وأما المعدوم ما ليس موجودا، ولا حاضرا وقد يجوز أن يكون شيئا. (2)
ويتبين لنا أن العلم عند الإباضية والمعتزلة يتعلق بالشيء، والشيئية عند هؤلاء لا تدل على الموجودات العينية فحسب بل تشمل المعدوم، بينما العلم عند الأشاعرة يتعلق بالمعلوم من حيث وجوده. وقد يكون الاختلاف في حد العلم راجعا إلى تعذر حصره، وعظم خطره.
ب- أقسامه
ينقسم العلم إلى: قديم ومحدث فالعلم القديم هو علم الله سبحانه وتعالى،
الذي هو صفة ذاتية له قديمة بقدمه عز وجل.
أما العلم المحدث فهو على ضربين: ضروري ومكتسبي.
فالضروري: هو فعل الله سبحانه وتعالى، وهو ما لا يمكن للعالم به نفيه عن نفسه، وذلك مثل علم الإنسان بنفسه، وما هو عليه من حالاته، وعلم الفرق بين الموجود والمعدوم، والعلوم العقلية من الواجبات والجائزات، والمستحيلات (3)
وأما المكتسبي: فهو العلم الحاصل باستدلال الحواس، كالتمييز بين الأصوات حسنها وقبيحها، أو بالبحث والنظر، والطلب كعلوم الشعر، أو ما وقع العلم به
1 - الباقلاني الإنصاف 15 د/أحمد محمود صبحي في علم الكلام، دار النهضة العربية، بيروت،
ط 1، 1405 هـ/1985 م: ج 95/ 2.
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 42/ 1 و.
3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 14/ 1 ظ، 15 و.
-92 - (1/92)
صفحة 93
عن جريان العادة كالحرف والصنائع العملية. (1)
وقد أورد الجيطالي في قنطرة العلم تقسيما آخر للعلم (2) متخذا الرقم (3) أساسا للتقسيم والحصر، مراعيا الإيجاز في التعريف بالأقسام، وهو مبين فيما يأتي:
ينقسم العلم إلى ثلاثة أقسام:
-
-
العلم بالدين.
- العلم بالدنيا.
العلم بما يتوصل به إليهما.
العلم بالدين ثلاثة أقسام:
العلم بالله تعالى.
- العلم بالرسل.
العلم بما جاءت به الرسل.
-
أ العلم بالله تعالى ثلاثة أقسام:
- العلم بما يجب له.
- العلم بما يجوز عليه.
العلم بما يستحيل عليه.
العلم بما يجب له وهو ثلاثة أقسام:
-
العلم بالوجود، وينبني على نفي التشبيه، والتشبيه على
-1 الجيطالي: شرح النونية: ج 14/ 1 ظ، 15 و
2 - انظر هذا التقسيم بالتفصيل: الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 128/ 1 وما بعدها.
- 93 - (1/93)
صفحة 94
-
-
ثلاثة التقييد بالزمان والتقييد بالمكان، والتقييد بالجنس، وفي لفظ آخر: التغير والتحيز والتأليف.
العلم بالوحدانية وينبني على نفي التشريك،
والتشريك على ثلاثة الاتصال والانفصال والحلول.
- العلم بالكمال، وينبني على نفي النقائص، والنقائص على ثلاثة منها ما يمنع الأفعال ومنها ما يمنع الإدراك،
ومنها ما يمنع الكلام.
العلم بما يجوز عليه، وهو ثلاثة:
- إيحاد العالم.
- إعدامه بعد وجوده.
-
إعادته بعد إعدامه.
العلم بما يستحيل عليه، وهو
- التشبيه.
- التشريك.
- النقائص.
ثلاثة:
ب العلم بالرسل وهو ثلاثة أقسام:
-
العلم بما يجب إثباته للرسول وهو: التصديق، والأمانة،
واتباع الحق في أفعاله وأقواله.
- العلم بما يجب نفيه عنه وهو: الكذب، والخيانة، واتباع
الباطل في أقواله وأفعاله.
-94 - (1/94)
صفحة 95
العلم بما يجوز عليه وهو ما يجوز على البشر من
الانتفاع والاستضرار.
ج - العلم بما جاءت به الرسل عليهم السلام، وهو ثلاثة:
- الوحي، وهو على ثلاثة: الأمر والنهي، والخبر.
- التكليف، وهو على ثلاثة: الإيمان، والتقوى، والورع.
-
الجزاء، وهو على ثلاثة: الحساب، والعقاب، والثواب.
2 العلم بالدنيا: وهو على ثلاثة أقسام:
العلم بمنافعها.
- العلم بمضارها.
- العلم بأسباب المعيشة فيها.
3 - ما يتوصل به إلى العلم: وهو
-
-
ثلاثة:
اللغة وبما جاءت الأحكام والشريعة.
- الإعراب وبه تنصلح المعاني، وتفهم، فإذا بطل الإعراب بطلت المعاني، وإذا بطلت المعاني بطل الشرح.
- الحساب فهو مما يتوصل به إلى معرفة الدين والدنيا جميعا.
وما نلاحظه في هذا التقسيم هو التكلف الكبير للجيطالي في تقييده بالرقم (3) أثناء التقسيم، والداعي في ذلك قد لا يكون علميا صرفا، ففنون العلم في عصره قد تشعبت، وتفرعت فهي أوسع من أن تحصر في ثلاثيات محدودة.
وإن امتازت نظرة الجيطالي إلى العلم بالنظرة الشمولية التي تجمع بين علوم الدين والدنيا إلا أنه من خلال تفريعاته تظهر عنايته الكبيرة بالعلوم الدينية ولا سيما
- 95 -
7 (1/95)
صفحة 96
العقدية منها، وإهماله للعلوم الدنيوية تماشيا مع التوجه الفكري لأهل عصره. وللجيطالي تقسيم آخر خاص بعلوم الدين)، وهي على ثلاثة أوجه:
1 - ما لا يسع الناس جهله طرفة عين كمعرفة الله جل ذكره ونفي الأشباه
والأمثال.
عنه.
2 ما يسع جهله إلى الورود وقيام الحجة، وهو على قسمين:
-2 -
أولا - ما لا يسع جهله وترك علمه إذا ورد كمعرفة أن الله بصير عليم سميع وفي أمثالها من ذكر الأسماء والصفات فإذا ورد عليه شيء من صفات الله تعالى، أو سئل عنها، أو خطرت على باله أن يوردها عليه أحد فلا يسعه إلا أن من غير الله بصفته، وينفي عنه صفات خلقه، ووجه آخر يسع جهله حتى تقوم عليه الحجة وذلك كمعرفة نبي من الأنبياء، أو ملك من الملائكة، أو حرف من كتاب فإذا قامت عليه الحجة بشيء مما ذكرنا فشك فيه أو أنكره، فقد نقض جملة التوحيد التي أقر بها.
يصف
الله
من
ثانيا- ما يسع جهله حتى يجيء وقته وذلك كالفرائض الموسومات الأوقات الصلاة والصوم والزكاة والحج، وسائرها من جميع الفرائض البدنية والمالية يسع جهل جميع ما ذكرنا ما لم يبتل العبد بالعمل فحينئذ يلزمه العمل بها وامتثالها. يسع جهله أبدا مثل قسمة المواريث، وتصريف القصاص في وجوهه، وتحريم الربا في معانيه وتحريم الخمر والميتة، وأمثال ذلك من جميع المحرمات ما خلا الشرك، فإنه لا يسع جهله، وأما غيره من المعاصي، وجميع الحرام فإنه يسع جهله ما لم يقارف شيئا من ذلك.
ثالثا ما
1 - انظر هذا التقسيم بالتفصيل: الجيطالي: شرح النونية ج 22/ 2 و. ظ. قواعد الإسلام: ج 114/ 1 - 115.
-96 - (1/96)
صفحة 97
ج- طرق العلم
أشارت آيات القرآن الكريم إلى جهل الإنسان حين ولادته لتؤكد أن
المعرفة ليست فطرية بل هي مكتسبة، يتلقاها الإنسان من العالم الخارجي بواسطة
وسائل المعرفة الإنسانية كالحواس، والعقل، والقلب.
ومن جملة هذه الآيات:
قال تعالى: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (1)، ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا، أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (3)، وإن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (4). استنادا إلى هذه النصوص القرآنية حصر الجيطالي
طرق المعرفة (*) فيما يأتي:
أولا- الحس
أكد الجيطالي أن الحواس الخمس هي سبيل إلى درك المعلومات، وه
جوالب إلى القلب فيميز القلب ما جلبن إليه. (3) وينقسم الحس إلى ثلاثة أقسام:
- حس متصل كالملموسات والمذوقات فإن حاسة اللمس وحاسة
1 - سورة النحل، الآية: 78.
2 - سورة الإسراء، الآية: 36.
3 - سورة الحج، الآية: 46.
4 - سورة ق، الآية: 37.
لا ننكر تأثر الجيطالي بالمؤثرات الأجنبية لاسيما في استخدامه بعض الأساليب والمصطلحات الفلسفية في
شرحه لوسائل المعرفة وقد يكون ذلك تعبيرا عن الواقع الحضاري الذي عايشه.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 18/ 1 ظ.
97 (1/97)
صفحة 98
الذوق لا تدركان إلا متصلتين بمحسوساتها.
حس بنية: وهو ما يجده الإنسان في نفسه من غير طريق الحواس
كالجوع والعطش، والفرح، والحزن وأشباه ذلك. (1)
وتتم المعرفة الحسية بواسطة ثلاث قوى باطنية في الدماغ: الخيالية، المفكرة، الحافظة. فصور المحسوسات تنتقل إلى القوة المتقدمة وهي الخيالية، وفعلها الخيال، الغالبة على الصبيان والمجانين فتؤديها إلى القوة الوسطى وهي المفكرة، ووظيفتها التمييز بين الأفكار صحيحها من سقيمها.
وهي
والمعرفة المتحصل عليها تنتقل إلى القوة الحافظة ليتم خزنها، وحفظها فتؤديها إلى القلب والقلب وعاء حافظ لما استحفظ من صور المحسوسات حتى تنظر فيها النفس، والروح، والعقل. (2)
ثانيا- العقل
بين الجيطالي المدلول اللغوي لكلمة العقل، وهي مأخوذة من عقال الناقة المانع لها أن تميم، وهو ضد الحمق. والعقل يمنع النفس فعل ما تهواه (3)، وقد ساق الجيطالي اختلافات الناس في تعريف العقل (4) ويرى أنه: "قوة وبصيرة في القلب
مترلته متزلة البصر من العين. (5)
وينقسم العقل إلى قسمين (6).
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 18/ 1 ظ. الجيطالي: القناطر، تحقيق النامي: القسم 128/ 1.
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 19/ 1 ظ.
-3 المصدر نفسه: ج 23/ 1 - 78 و. ابن منظور: لسان العرب: ج 458/ 11.
-4 - انظر هذه التعريفات الجيطالي القناطر، تحقيق النامي: القسم 1/ 32/ وما بعدها. شرح النونية: ج 23/ 1 و.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 23/ 1 ظ.
الجيطالي، قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 31/ 1.
- 98 - (1/98)
صفحة 99
عقل غريزي: وهو العقل الحقيقي، وله حدّ يتعلق به التكليف، ولا
يتجاوزه إلى زيادة، ولا يقصر عنه إلى نقصان وبه يمتاز الإنسان من سائر الحيوان
فإذا تم في الإنسان سُمي عاقلا وخرج به إلى حد الكمال.
1
عقل مكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي، وذلك علوم تستفاد من
التجارب بمجاري الأحوال فإن من حَكَمَتْه التجارب يقال: إنه عاقل في العادة،
ومن
لا يتصف به يقال إنه غمر جاهل، وهذا العقل ينمو إن استعمل، وينقص إن أهمل)
(1)
العلاقة بين العقل الغريزي والمكتسب فيوضح الجيطالي أن العقل وأما عن المكتسب لا ينفك عن العقل الغريزي لأنه نتيجة منه، وقد ينفك العقل الغريزي عن العقل المكتسب فيكون صاحبه مسلوب الفضائل، موفور الرذائل. (2)
ويقسم الجيطالي أيضا العقل تقسيما ثلاثيا باعتبار أحكامه إلى:
- الواجب وهو على ثلاثة أقسام: - وجوب انحصار الحقائق.
- وجوب اطرادها.
- وجوب اختصاصها بأحكامها.
المستحيل وهم على ثلاثة أقسام: - قلب الحقائق.
- نقد الحقائق.
-
بطلان الحصر.
الجائز متردد بين " نجب والمستحيل وهو جائز في حقنا وعند الله واجب أو مستحيل. (3)
1 - الجيطالي: القناطر، تحقيق النامي: القسم 35/ 1.
2 - المصدر نفسه.
3 - المصدر نفسه: القسم 128/ 1.
- 99 - (1/99)
صفحة 100
ثالثا- السمع
(1)
وهو الطريق الذي تثبت منه أحكام الشرع، وينقسم إلى: الكتاب والسنة والإجماع (1)
-
رابعا البديهة
في اللغة هي "
منه، (2)
أوّل كلّ شيء، وما يفجأ منه، (2) وهو ما يقبله الإنسان من
دون احتياج إلى تفكير. كعلمنا أن الأكل مشبع، والشرب مرو.
(3)
خامسا- الذوق
إن طريق الصوفية إلى المعرفة اليقينية لا يتم بالحواس، ولا بالتعقل، بل بوسائل باطنية، فإن تخلّت النفس عن الرذائل، وتحررت من شهواتها، وتحلّت بالفضائل،
وداومت على الرياضة الروحية تجلت لها المعارف الإلهية الخفية.
وقد تحدث الجيطالي عن حضور القلب والكشف، والمشاهدة متأثرا في نظراته برأي أبي حامد الغزالي (ت 505 هـ / 1111 م) يقول: "فبقدر صفاء مرآة القلب من الخبائث وتجليه بأنوار الطاعات تظهر فيه صور الحقائق، وتتلألأ فيه لوائح الصدق، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالمجاهدة، ورياضة النفس، وبالعلم والتعلم تحقيقا لقوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
كما بين أن العبد إذا قوي يقينه بالله تعالى ترقى إلى درجة المعرفة، وهي أعلى درجات الإيمان) وإذا قويت هذه المعرفة في قلب العارف، واستحكمت
(6)
1 - الجيطالي: القناطر، تحقيق النامي: القسم 128/ 1.
ابن منظور: لسان العرب: ج 475/ 13. 3 الجيطالي: القناطر، تحقيق النامي: القسم 128/ 1. 4 - سورة العنكبوت، الآية: 69.
5 - الجيطالي: القناطر، تحقيق النامي: القسم 128/ 1. 6 - المصدر نفسه: القسم 356/ 1، شرح النونية: ج 57/ 2 ظ.
- 100 - (1/100)
صفحة 101
لاح له من نور ربه اللطف الخفي، والنور الجلي.
(1)
لئن كان الجيطالي اعتبر علم المكاشفة أو علم الباطن هو الغاية القصوى، وفضله على سائر العلوم فإنه أنكر على الصوفية شطحاتهم، ودعاويهم الباطلة كدعاوي الاتحاد، وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب تعالى ذلك علوا كبيرا، وكذلك أنكر عليهم تأويلاتهم الفاسدة لآي القرآن، و صرفهم ألفاظ الشرع من غير ضرورة عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا
الله
عن
يسبق منها إلى الأفهام فائدة.
خلاصة القول
(2)
إن طرق المعرفة عند الجيطالي تبتدئ بالحس، ثم بالتعقل، والمجاهدة، وتنتهي بالكشف والإشراق. فقد اعترف بكل أدوات المعرفة الإنسانية، وضرورة استخدامها في ميادينها مسايرا في اتجاهه العام من سبقه من فلاسفة الإسلام أمثال ابن سينا (428 هـ / 1037 م) وأبي حامد الغزالي (505 هـ/1111 م).
1 - الجيطالي: القناطر تحقيق النامي: القسم 357/ 1.
2 - المصدر نفسه: القسم 270/ 1 - 271.
- 101 - (1/101)
صفحة 102
المبحث الثاني
منهج الاستدلال الكلامي عند الجيطالي
تختلف المناهج باختلاف العلوم، فلكل علم منهجه الذي يتبعه في عرض موضوعاته، ولقد سلك علماء الكلام مناهج وطرقا استدلالية توفق بين مبادئ. العقل الصريح، وأصول النقل الصحيح ليتمكنوا من دحض التيارات الفكرية المنحرفة الموجودة في بيئاتهم. ومن خلال قراءتنا للتران العقدي الذي خلفه الجيطالي نحاول استجلاء منهجه الاستدلالي وهو يتمثل فيما يأتي:
1 - الاستدلال بالنقل
أ- القرآن
اتفقت الأمة الإسلامية أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للعقيدة الإسلامية والمورد الأعلى حجة، والأقوى دليلا لكن الإشكال الذي فرق شوكتها هو اختلافها في فهم نصوص القرآن، وتحديد دلالتها، وكيفية استخدامها. فنتج عن هذا أن استدلت كل مدرسة كلامية على آرائها بآيات مختلفة من القرآن الكريم، وقد يزداد الإشكال تعقيدا حينما تستدل المذاهب التنازعة بالنفس الواحد الذي يحتمل معاني متباينة، فيأخذ كل فريق بما يراه مناسبا مع قواعد مذهبه. وأبرز سبب في اختلاف التفاسير مشكلة المتشابه في القرآن. فكيف تعامل معه الجيطالي؟ انتهج الجيطالي مسلك أسلافه الإباضية في التعامل مع المتشابه) إذ لم يجر النصوص المتشابهة على ظواهرها، بل عمد إلى تأويلها وفق ما تتطلبه قواعد اللغة وأصول التتريل.
-1 - راجع تعامل الإباضية مع المتشابه الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، نشر جمعية التراث القرارة، المطبعة العربية غرداية، 1991 م: ج 271/ 1 وما بعدها.
- 102 - (1/102)
صفحة 103
وبين معنى التأويل بأنه التفسير، وحقيقته هو ما يؤول إليه معنى الآية ومنه
(2)
قوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله) أي ما يؤول إليه من معنى وعاقبة. وقوله: وذلك خير وأحسن تأويلا) أي مصيرا ومرجعا وعاقبة. وفلان تأوّل الآية أي نظر ما يؤول إليه معناها. (3)
وقد عرفه السالمي اصطلاحا: "هو صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه لقرينة اقتضت ذلك الصرف (4)
أما عن طريقة الجيطالي في التأويل فهي تعتمد على الأسس الآتية: 1 - حمل المتشابه على المحكم باعتبار المحكم أصل الكتاب لقوله تعالى: وهو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات من أم الكتاب وأخر متشابهات من (5) ومن الآيات المحكمات التي اتخذها الجيطالي مرجعا أوّل على ضوئها المتشابه من الصفات الإلهية (6) قوله تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير 2 - اعتماده الكبير على اللغة فهو يسعى إلى تأييد كل معنى يختاره بشواهد من كلام العرب، فلا تأويل عنده إلا فيما تقتضيه اللغة.
(7)
3 - البحث عن الكلمة المدروسة في القرآن وحصر وجوه معانيها الواردة فيه لكون القرآن يفسر بعضه بعضا وسلوك الجيطالي هذا النهج يعطي لتأويلاته
1 - سورة آل عمران الآية: 07.
-2 سورة النساء الآية: 59
3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 82/ 2 ظ.
4 - السالمي: شرح طلعة الشمس على الألفية، وزارة الثرات القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 2،
1405 هـ/1985 م: ج 169/ 1.
5 - سورة آل عمران الآية: 07. 6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 61/ 1 و.
7 - سورة الشورى، الآية: 11.
- 103 - (1/103)
صفحة 104
نسقا واحدا منتظما ومتكاملا، ويعصمه من الوقوع في التعارض.
4 - استخدامه أحكام العقل كوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات في ترجيح المعنى المقصود كرده على من نفى أن تكون معنى
(1)
بمعنى
اليد الواردة في الآية: وقال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي القدرة بدعوى أن حمل اليد على القدرة فيه إبطال فائدة التخصيص لآدم عليه السلام يردُّ عليهم قائلا: "إن العقل يقضي بأن الخلق لا يقع إلا بالقدرة فلا وجه لاعتقاد كون آدم عليه السلام بغير القدرة، وإنما لزم السجود اتباعا لأمر الله تعالى، لا يستحيل في العقل تقديم الله تعالى بعض العباد بالتخصيص بالذكر ونظائر ذلك في كتاب الله عز وجل كثيرة (2)
فالعقل عند الجيطالي أداة للتأويل، وما أنزل القرآن إلا لتعقل آياته قال تعالى: إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (3) وقال: إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (4)
5 - رفضه للمنهج الظاهري الذي قد يُفضي إلى التشبيه، (5) وإنكاره
الشديد على الباطنية والصوفية تأويلاتهم البعيدة التي توصل إلى هدم الشريعة،
وإبطال التكاليف، والقضاء على اللسان العربي.
(6)
6 - في حالة احتمال النص المفسّر وجوها كثيرة فإن الجيطالي يدعو إلى
اختيار أحسنها معنى عملا بالآية الكريمة: فخذها بقوة وامر قومك يأخذوا
1 - سورة ص، الآية: 75
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 61/ 1 ظ.
-3 سورة يوسف، الآية: 02.
4 - سورة الزخرف، الآية 03
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 52/ 1 ظ. 61 و.
6 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 271/ 1 - 272.
104 (1/104)
صفحة 105
بأحسنها (1) وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما من كلمة إلا ولها وجهان فاحمل الكلام على أحسن وجوهه. ويقول الإمام أفلح ابن عبد الوهاب (3): "إذا أتى أحد
(2) 11
بكلام يحتمل الوجوه فمن دين الله أن يحمل على أحسنها " (4).
فالتأويل
عند الجيطالي هو ما كان على ضوء الآيات المحكمة، وأيدته شواهد
اللغة، ودلت عليه القرائن العقلية.
لماذا التأويل؟
يُجيب الجيطالي على هذا الإشكال مبينا أن ترك التأويل يفتح باب اللبس والشبهات، ويفسح الطريق أمام الزائغين ليفسروا آيات القرآن وفق ما تمليه عليهم أهواؤهم، يقول بعد تأويل الاستواء بالقهر والغلبة: "الإعراض عن التأويل
يجري إلى اللبس والإبهام، واستزلال العوام، وتطريق الشبهات إلى أصول الدين،
الله إلى
رجم ظنون الزائغين.
(5) 11
وتعريض كتاب كما يرى أن إجراء الآيات على ظاهرها يؤدي إلى التناقض بين نصوص
(6). "أي
مكان،
القرآن، يقول الجيطالي في تفسير الآية الكريمة وامنتم من في السماء) أمره في السماء فليس المراد أنه ساكن في السماء، ولا كائن في مكان دون فلو حمل جميع ما ذكرنا على ظاهره لتناقض القرآن واختل البيان، ولكن لما جعل
1 - سورة الأعراف، الآية: 145. 2 - لم أعثر عليه.
3 - أفلح بن عبد الوهاب بن رستم ثالث أئمة الرستميين تلقى العلم عن أبيه عبد الوهاب وعن جده عبد الرحمن، كان عالما وفقيها وشاعرا وإماما عادلا توفي سنة 258 هـ/871 م. ر. معجم أعلام الإباضية قسم المغرب:
ج 120/ 2، ترجمة: 116.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 38/ 1 و.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 38/ 1 و.
6 - سورة الملك، الآية: 16.
105 (1/105)
صفحة 106
السماء مسكن ملائكته ومهبط، وحيه ومكان عرشه ومن جهتها تسمع الملائكة الوحي جاز أن يصف نفسه أنه في السماء على معنى التدبير والاقتدار لا على السكني والقرار فيها." (1) فبالتأويل يتسنى لنا الجمع والتوفيق بين آيات القرآن، ويرتفع التعارض والتضارب بينها ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (2).
ويرد الجيطالي على الواقفين في المتشابه منتهجا أسلوب المحاورة يدعوهم إلى ترك الوقوف، وضرورة الفهم، إذ إن معرفة الله تعالى بصفاته التي تليق بجلاله، وعظيم سلطانه أوجب الواجبات على العبد. يقول: "فإن قالوا: ليس علينا من من البحث والتفتيش في هذا شيء قل: بل يجب الله عليكم أن تصفوه بصفاته، وتعرفوا أنه بخلاف صفات مخلوقاته، وتدَعُوا ما وراء ذلك التشبيه والتعطيل، ووقوفكم من دون ما بين الله في كتابه، وأوضحه الرسول عليه السلام في سنته، وتكلمت به أئمة
المسلمين من الصحابة والتابعين، مع أنكم قد بحثشتم وفتشتم وقلتم فأخطأتم))
ب- السنة
هي
(4) 11
(3) 11
أقوال النبي، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته. وتعتبر المصدر النقلي
الثاني في التشريع، فقد جاءت موضحة لمعالم العقيدة الثابتة إلا أن ما يلاحظ على علماء الكلام قلة بضاعتهم في الحديث وولعهم الشديد بمصطلحات الفلاسفة، وفي هذا السياق يقول صبحي الصالح: وقد" كانوا أي المتكلمين) يستطيعون لو عولوا على ما تلقيه السنة من أضواء على العقيدة الإسلامية أن يتجنبوا كثيرا من الأخطاء التي وقعوا فيها فريسة لآراء الفلاسفة ونزعات الفرق والمذاهب
-1 الجيطالي: شرح النونية: ج 87/ 1 ظ.
2 - سورة النساء، الآية: 82.
3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 83/ 1 ظ.
4 - الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي، دار الفكر، سورية، 1996 م: ج 449/ 1.
5 - لويس غرديه وج. قنواتي: فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية، ترجمة صبحي الصالح وفريد
- 106 - (1/106)
صفحة 107
فأما
عن حجية السنة، فإن المتواتر منها يفيد العلم القطعي بإجماع المسلمين،
و لم يخالف أحد من أهل الإسلام، ولا من العقلاء. (1)
لكن اختلافهم كان في العلم الحاصل بالمتواتر، هل هو علم ضروري أو نظري؟ يرى الإباضية وأكثر المعتزلة، والجمهور أنه علم ضروري، (2) وقال الكعبي، وأبو الحسين البصري: إنه نظري، وقال الغزالي: إنه قسم ثابت ليس أوليا، ولا كسبيا، بل من قبيل القضايا التي قياساتها معها، وقال المرتضي والآمدي بالوقف
وأما
خبر الآحاد فالخلاف قائم في حجيته هل يفيد اليقين أم الظن؟ وهل
يستدل به في الاعتقاد؟
لم يتعرض الجيطالي إلى هذه المسألة في مبحث نظري خاص، ويبدو جليا من خلال تعامله مع أخبار الآحاد أنه يسلك موقف الإباضية والجمهور الذين يحكمون بظنية دلالتها، وأنها لا تفيد بنفسها العلم، ولا تثمر اليقين. ومسائل الاعتقاد تبنى على اليقين لا على الظن، فالظن مذموم اتباعه في الأمور الاعتقادية.
وعن موقفه من الأحاديث التي ظاهرها التشبيه فقد وضع لقبولها شروطا هي: - أن تكون صحيحة الإسناد، صادرة عن رواة تقات.
أن توافق القرآن الكريم.
الجبر، دار العلم للملايين، بيروت، ط 2، 1983 م: ج 389/ 3.
-1 - السالمي شرح طلعة الشمس: ج 13/ 2. الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، تحقيق أبي مصعب البدري: مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ط 1، 1992 م: 90.
- السالمي: شرح طلعة الشمس: ج 13/ 2.
3 - الشوكاني: إرشاد الفحول، ص: 90.
4 - ابن بدران نزهة الخاطر العاطر شرح كتاب روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة، دار ابن حزم، بيروت، ط 2، 1995 م: ج 216/ 1. الشوكاني إرشاد الفحول: 92. السالمي: شرح طلعة الشمس: ج 13/ 2.
- 107 - (1/107)
صفحة 108
- أن يكون لها مخرج في مجاز لغة العرب، وتحمل على أحسنها تأويلا فإن لم يكن لها مخرج إلا التشبيه ردّت. (1)
ويتبع في تأويل الحديث نفس القواعد التي قام عليها تأويل القرآن مع التقيد
بشرط موافقة معاني الحديث لآيات القرآن الصريحة إذ لا تعارض بين وحي تعالى. يقول الجيطالي: "ولا يجوز تأويل الحديث على معنى غير القرآن" (2)
2 - الاستدلال بالعقل
الله
إلى جانب النقل استعمل الجيطالي العقل في إثبات العقائد الإسلامية، والدفاع عنها، فوظف في استدلالاته الطرق العقلية الشهيرة عند المسلمين ليتمكن من الردّ على هجومات الملحدين، وأتباع اللاهوت المسيحي الذين أسسوا إيديولوجياتهم على قوالب عقلية مستمدة من المنطق الأرسطي (3). فالحجة العقلية لا تقارع إلا بنظيرتها.
ويرى الجيطالي أنه لا يمكن الاستدلال على الخصم إلا بما يُقر به (4).
ومن بين هذه الطرق العقلية ما يلي:
أ- إنتاج المقدمات النتائج
وهو "استخلاص النتيجة من المقدمة بحيث تكون المقدمة ضرورية" (5) كاستدلال الجيطالي على خلق أفعال العباد بقوله: "إن الأفعال شيء مُحدَث
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 64/ 1 ظ.
2 المصدر نفسه: ج 71/ 1 و.
-3 نماذج من ردوده على مقالات أهل الإلحاد. ر. شرح النونية: ج 51/ 1 وما يليها.
4 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 379/ 1.
-5 - علي سامي النشار: مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، دار النهضة العربية، بيروت، 1404 هـ/1984 م: 136.
- 108 - (1/108)
صفحة 109
بإجماع فكل مُحدّث مخلوق. (1)
ب السبر والتقسيم
في عرف أهل الأصول هو: قصر أوصاف الأصل، وإلقاء ما يصلح للتعليل منها، وحذف ما لا يصلح لذلك" (2) ويستخدمه المتكلم خصوصا في مناظرة خصه، وذلك بأن يجمع الاحتمالات الواردة في الموضوع المتناول، ثم يدرسها واحدا واحدا فيبطلها بالأدلة ما عدا واحدا لا يقبل الرد فيكون هو الصحيح، أو قد يردُّها جميعا فيبطل دعوى الخصم. وقد استخدم الجيطالي هذا الطريق في إثبات صفات الله تعالى من العلم والقدرة والحياة والإرادة، والقدم، وسائرها. وفي إثبات الوحدانية الله تعالى يقول: "أخبرني عن خالق الأشياء أواحد هو أم اثنان؟ قيل له: إن مُحدث الأشياء واحد ليس له ثان، فلو كان معه غيره لكان لا يخلو كل واحد منهما أن يكون يقدر أن يفني صاحبه، أو لا يقدر فإن كان كل واحد منهما قادرا على إفناء صاحبه كانا ضعيفين جميعا إذ كل واحد منهما مقدور لصاحبه مقهور ذليل، والذليل المقهور لا يكون إلها. وإن كان كل واحد منهما غير قادر على صاحبه فغير القادر عاجز، والعاجز لا يكون إلها. فإن كان أحدهما قادرا على صاحبه قاهرا، له فالقاهر القادر هو الإله والمقهور الذي تجري عليه قدرة القادر هو مخلوق وذليل مقهور، فثبت أنه واحد (3)
ج- نفي اجتماع الأضداد
بين الجيطالي معنى الضد في العبارة: "ضد الشيء ما يزيله، كالحياة ضد الممات، واليقظة ضد المنام، وكذلك الحركة ضد السكون والقيام والقعود، فإذا كان
1 الجيطالي: شرح النونية: ج 31/ 2 ظ.
2 - السالمي: شرح طلعة الشمس: ج 135/ 2. - الجيطالي: شرح النونية: ج 54/ 1 ظ،55 و.
- 109 - (1/109)
صفحة 110
أحدهما زال الآخر، وجمع الضد أضداد (1)
وقد استدل الجيطالي بهذا القانون العقلي لإبطال من قال إن الاستطاعة قبل
(2)
الفعل، وإثبات رأي القائلين بأن الاستطاعة مع الفعل) وفي رده على القائلين بالخروج من النار لإبطاله أن يكون الشخص مثابا معاقبا في آن واحد. يقول: "لا يخلو المثاب المعاقب من أن يكون مؤمنا ولي الله من أهل الجنة سعيدا في علم الله السابق، أو يكون كافرا عدوّ الله شقيا في علمه السابق من أهل النار، فبطل أن يكون كافرا مؤمنا شقيا سعيدا عند الله من أهل الجنة والنار جميعا لأن ذلك المحال واجتماع الأضداد، من فلما بطل هذا لم يبق إلا أنه مؤمن سعيد من أهل الجنة، أو شقيّ من أهل النار
د الإلزام
(3) 11
طريق استخدمه المتكلمون في إفحام، خصومهم واعتمدوا عليه كثيرا في مناظراتهم. وهو استدراج الخصم إلى نتيجة مخالفة لمُدّعاه بتسليمه بمقدمات تلزم عنها تلك النتيجة. (4) وغالبا ما تكون هذه النتيجة تستوجب الشناعة، ولا يرتضيها الخصم. ومن المواطن التي وظف فيها الجيطالي هذا الطريق رده على القائلين بالرؤية وهو كالآتي: "يقال لهم أخبرونا لأي علة صار معبودكم يرى في دار المعاد ولا يرى في الدنيا للذات ذلك أم للخبر؟ فإن قلتم للذات فالذات لا تتغير، وإن قلتم للخبر فما ذلك الخبر؟ فإن قلتم ووجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة (5) قلنا هذا الخبر عندكم للرؤية في المعاد. فأين الخبر الذي لا يرى به في الدنيا؟ فلستم تجدوه إلا أن
يوم
المعاد،
1 - المصدر نفسه: ج 30/ 2 ظ.
2 - المصدر نفسه.
3 - المصدر نفسه: ج 71/ 2 و.
4 - عبد المجيد عمر النجار: مباحث في منهجية الفكر الإسلامي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1،
113 1992
5 - سورة القيامة، الآية: 22 - 23.
110 (1/110)
صفحة 111
الذات
تقولوا قوله لا تدركه الأبصار (1) فإذا قالوا ذلك قيل له هذا الخبر خبر عن أو خبر عن الوقت، فإن قالوا خبر عن الذات قلنا لهم قد قلتم إن الذات لا تتغير إذا
كان في ذلك تغيير صفة القديم إلى صفة المحدّث، فإن قلتم عن وقت دون وقت فيلزمكم أن تقولوا بمثل ذلك في جميع ما أخبر الله به عن نفسه في القرآن من قوله: ولا تأخذه سنة ولا نوم ... ولا يؤوده حفظهما) ولا يعزب عنه مثقال ذرة (3)
(3)
(4) 11
هذه الأخبار من كتاب الله وما شاكلها في صفات الله إنما هي لوقت دون وقت هذه نماذج من الطرق العقلية التي استخدمها الجيطالي في مناقشاته الكلامية، وإن كان بعضها لا يسلم من النقد، (5) إلا أنها تمثل منهج الاحتجاج العقلي السائد
في تلك العصور.
مكانة العقل عند الجيطالي
اعترف الجيطالي بأن العقل أحد طرق المعرفة الإنسانية (6)، وأنه آلة لدرك العلوم، وأس للفضائل، وينبوع للآداب، وأصل للتكليف، وعماد للدنيا" (7) كان الجيطالي عارفا بمجالات استخدام العقل وحدوده، فقد بين دوره البارز في استنباط الأحكام الشرعية والكشف عن العلل، وفي مجال الاستدلال على مسائل العقيدة كما سبق ذكره. وقد قرّر أن العقل والنقل طريقان للمعرفة، وأن
1 - سورة الأنعام، الآية: 103.
2 - سورة البقرة، الآية: 255.
3 - سورة سبأ، الآية: 3.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 73/ 1 ظ.
5 - راجع الانتقادات الموجهة لبعض هذه الطرق: علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام:
132 وما بعدها.
6 - انظر طرق العلم: ص: 73 من البحث.
7 - الجيطالي: القناطر، تحقيق النامي القسم 28/ 1. وقد خصص الجيطالي فصلا كاملا في فضل العقل وشرقه
وحقيقته وأقسامه. ر. المصدر نفسه: القسم 28/ 1 - 51.
111 (1/111)
صفحة 112
النقل لا يأتي بما يستحيل على العقل، ويؤكد ذلك في قوله: "جعل الله ما تعبدهم به مأخوذا من واجب عقلي ورد الشرع بتأكيده ومسموعا من خطاب النقل لا يمنع العقل من جوازه، لذلك توجّه الخطاب إلى ذوي الألباب وبه استوجبوا الثواب
والعقاب.
(1)
وسنتعرض إلى ثلاث مسائل كنموذج لتوضيح هذه المكانة وهي:
أولا التحسين والتقبيح
إن رأي الجيطالي في هذه المسألة هو رأي الإباضية والأشعرية، فقد نفى أن يكون الحسن والقبح صفتين قائمتين بذات الشيء، تُدركان بالعقل كما زعم ذلك المعتزلة، والفلاسفة وبين مدلول الحسن: "هو ما ورد الشرع بالثناء على فاعله كقوله تعالى: ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون (2) والمفلحون في أمثالها (3) وأما القبح: "هو ما ورد الشرع بذم فاعله كقوله تعالى: ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) وفي أمثالها
(4)
من القرآن" (5)
فالعقل عند الجيطالي "لا يدل على حسن الفرائض المأمور بما في أنفسها، ولا على قبح المحرمات المنهي عنها في أنفسها. لأن العقل لا يدل على حسن شيء، وقبحه في حكم التكليف إلا ما تعلق به من جهة الواجبات وأخواتها، وإنما يعرف ذلك من موارد الشرع". (6)
وإن في الاستثناء الوارد في قوله: "إلا ما تعلق به من جهة الواجبات
1 الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي: ج 3/ 1.
-2 سورة النور، الآية 52
3 الجيطالي: شرح النونية: ج 46/ 2 و.
4 - سورة المنافقون، الآية: 9.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 46/ 2 و.
6 - المصدر نفسه.
- 112 - (1/112)
صفحة 113
وأخواتها دلالة صريحة أن الشرع لا يتعارض مع أحكام العقل الواجبة منها، والمستحيلة لأن الشرع جاء لتبيين جملة من الممكنات العقلية التي لا يستقل العقل بالحكم عليها لعجزه عن الوصول إليها بمفرده.
قد أورد الجيطالي دليل المعتزلة ومفاده: " أنّ الله تعالى لا يجوز أن يكلف عباده إلا من جهة المصلحة واستدلوا بقوله تعالى: الفيظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم). واعترض عليهم بقوله: "قد يكون التكليف ابتلاء من الله عز وجل بعباده، ويكون رحمة (2)
ثانيا- التعليل
التعليل عملية عقلية بحتة، فما هي مجالاته عند الجيطالي؟
قسم الجيطالي العلة إلى قسمين رئيسيين هما (3):
- العلل العقلية: كالحركة علّة المتحرّك، والسكون علة الساكن، وكذلك في التوحيد والصنائع. وأكد الجيطالي أنه لا يجوز أن يرد السمع بخلاف هذه العلل فيقول: أثبتوا حركة بغير متحرك، وسكونا بغير ساكن، وحدثا بغير محدث، وصنعة بغير صانع. العلل الشرعية: فكاختلافهم في علة الربا، وغير ذلك من وجوه العلل المستنبطة. فاختلاف القائسين في علل الشرع دال على جواز انقلابها.
(4)
وأما عن موقف الجيطالي من القياس فقد اعترف أنه أصل من أصول التشريع الإسلامي وعرفه: "بأنه حمل الفرع على الأصل بضرب من الشبهة، وقيل حده: حمل معلوم على معلوم لأمر جامع بينهما من نفي أو إثبات (5) وبين أنه لا يتم إلا بأربعة
1 - سورة النساء الآية: 160.
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 46/ 2 و.
-3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 45/ 2 ظ.
-4 قد فصل الجيطالي القول في تعليل المفروضات والمناهي. ر. الجيطالي شرح النونية: ج 45/ 2 ظ.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 48/ 2 و.
- 113 - (1/113)
صفحة 114
شروط هي: أصل، وفرع، وعلّة، وحكم (1)
يعني
لكن الجيطالي أنكر استعماله في مجال الماورائيات، وهو ما يسمى بقياس الغائب على الشاهد، وقد ذهب في شرح النونية: "أنّ الله لا يُدرك بالحواس ولا يقاس بالناس (2) فلا يجوز أن تقاس قضيّة تخص الخالق الغائب) على قضيّة تخص المخلوق (الشاهد) فيشتركان في الحكم لعلّة جامعة بينهما. كما أنه أوضح اشتراك الغائب والشاهد في أسماء لا ذلك مطلقا التشبيه، لكن للتشبيه مدلوله الخاص كما يبينه في العبارة: "فإن قال: الله شيء، والإنسان شيء. قيل له: نعم، فإن قال: أو ليس هذا تشبيها؟ قيل له: إن التشبيه لا يقع في اتفاق الأسماء، وإنما يقع في اتفاق الأعيان. ألا ترى أنك تقول: الله، موجود، والإنسان موجود. والله حي، والإنسان حي، وكذلك سميع وسميع، وعالم وعالم وسائرها من الأسماء فليس في ذلك تشبيه إنما التشبيه يقع في اتفاق الأعيان أن يوصف هذا بصفة، ويوصف غيره
بتلك الصفة. (3)
ثالثا - موقف الجيطالي من علم المنطق
تبنى الجيطالي منهج الغزالي النقدي في رده على الفلسفة اليونانية خاصة فيما يتعلق بالمسائل الميتافزيقية كالإلهيات وببعض جوانب الطبيعيات (4) وأما علم الرياضيات، وعلم المنطق فقد تم قبولهما لكونهما لا يخالفان العقل، ولا يعارضان الدين. لذا فقد نال المنطق اليوناني بعد الغزال اهتمام المسلمين فاشتغلوا بدراسته ونقده. ويعتبر الدكتور النشار أبا حامد الغزالي هو المازج الحقيقي للمنطق
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 48/ 2 و.
2 - المصدر نفسه: ج 68/ 1 و.
3 - المصدر نفسه: ج 55/ 1 و.
4 - الغزالي: إحياء علوم الدين دار الثقافة: الجزائر: ط 1، 1411 هـ / 1991 م: ج 33/ 1 - 34. الجيطالي:
قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 121/ 1 - 122.
-114 - (1/114)
صفحة 115
الأرسطاطاليسي بعلوم المسلمين، لا لما وضع من كتب منطقية سهلة العبارة، بل لتلك المقدّمة المنطقيّة التى وضعها في أوّل كتابه المستصفى، والتي ذكر فيها أن من لا يحيط بها فلا ثقة بعلومه قطعا. (1)
اتباعا للغزالي تعامل الجيطالي مع المنطق واعتبره علما داخلا في علم الكلام وقد عرفه بأنه: بحث عن وجه الدليل، ووجه الحدّ وشروطه، وبين فائدته التي تتجلى في تزويد العقل بجملة من القوانين التي تقومه، وتسدد الإنسان نحو
(3)
الصواب. 3
كما أن حاجة الإنسان إلى قوانين المنطق أكيدة إن أراد التماس الوقوف على الحق اليقين في مطلوباته لا سيما في المعقولات التي يدركها عن طريق التفكير والقياس والاستدلال.
نسبة
وقد عقد الجيطالي مقارنة بين علم المنطق وعلم النحو، وذلك صناعة المنطق إلى العقل والمعقولات كنسبة صناعة النحو إلى الألفاظ، ويشارك المنطق النحو بعض المشاركة بما يعطي من قوانين الألفاظ، ويفارقه في أن النحو إنما يعطي قوانين تخص ألفاط أمة ما، وعلم المنطق إنما يعطي قوانين مشتركة تعم ألفاظ الأمم كلّها. (5)
1 - علي سامي النشار: اناج البحث عند مفكري الإسلام: 90. 2 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 123/ 1.
3 - المصدر نفسه.
4 - المصدر نفسه.
5 - المصدر نفسه.
- 115 - (1/115)
صفحة 116
المبحث الثالث
مرجعية فكر الجيطالي
ليس من اليسير أن نضبط مرجعية فكر الجيطالي ضبطا دقيقا نظرا لموسوعية فكر الرجل، واطلاعه الواسع بيد أننا نكتفي بالإشارة إلى أهم الموارد العلمية الأساسية (1) التي استقى من معينها جملة آرائه وأفكاره في مجالات العقيدة، والفقه، والأخلاق، وكان لها تأثير في توجيه منحاه الفكري.
وسنعتمد في تحديد ذلك على طريقتين هما:
- إحالات الجيطالي إلى المصادر التي ينقل عنها، وذلك إما بذكر اسم المؤلّف، أو عنوان الكتاب.
- مقارنة بعض أعمال الجيطالي بإنتاج سابقيه من العلماء.
وبإمكاننا تصنيف مرجعيّته الفكرية إلى مصدرين
1 - المدرسة الإباضية
إن انتماء الجيطالي إلى المدرسة الإباضية أصولا وفروعا جعله يتقيد بمنهجها العقدي والفقهي، ويعتمد على آراء شيوخها الكبار ويعترف لهم بالاتباع، وعدم الابتداع ويبين ذلك في العبارة: "فإن قال قائل قد ذكرت ما وجدت في الآثار، ولم تذكر قولك في هذه المسائل. قل له قولنا في هذه المسائل، وفي غيرها قول المشايخ، وقول المسلمين، ونحن لهم متبعون غير مبتدعين.
(2) 11
1 - من البديهي أن الجيطالي يرجع في كلّ أفكاره وآرائه إلى القرآن والسنة ليقتبس من نورهما، ويستنير
بهديهما كما هو حال جل علماء الإسلام.
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 37/ 1 و.
-116 - (1/116)
صفحة 117
وقد خصص الجيطالي قصيدة لهذا الغرض يدعو فيها إلى ضرورة الاقتداء بالأئمة الأعلام بدءا من إمام المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أسوة الخلق، ثم بصحابته الكرام رضي الله عنهم، عنهم، ثم بشيوخ المذهب أمثال جابر بن زيد، وأبي عبيدة مسلم
والربيع بن حيب – رحمهم الله تعالى - وغيرهم. يقول في بعض أبياتها: ألا كل من لا يقتدي بأئمة يكن مثل ماش في الدجى ليس يهتدي
ويأتي غدا يوم القيامة حائرا فما إن له في دينه من مقلد ولكنني قدت ديني ومذهبي سلالة إبراهيم أفضل مورد رضينا به بين الأنام مقلدا وإنّي بأفضل الأئمة مقتدي وإن كتاب الله في الدين قدوتي رضينا به بعد النبي محمد وأصحابه أولي التقى ثم بعدهم من الناس أسلاف لنا بكم أقتدي ربيع" وجابر (2) بن زيد و مسلم) وحاجب (4) والمرداس (5) شيخالتمجد
(3)
1 - هو أبو عمرو الربيع بن حبيب الأفراهيدي ولد في منتصف العقد الثامن من القرن الأول الهجري زمن الخليفة الأموي عبد الملك، نشأ بعمان ثم انتقل إلى البصرة لتلقي العلم على يد أبرز علمائها: جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة من مؤلفاته: مسند الربيع في الحديث الشريف، وكتاب آثار الربيع، وأجوبة فقهيّة وعقدية. توفي حوالي سنة 175 هـ / 791 م. ر. أبو القاسم الكباوي: الربيع بن حبيب محدنا وفقيها، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1994 م: 120 وما بعدها. -2 - هو أبو الشعثاء جابر بن زيد الجوفي من قبيلة اليحمد العمانية ولد حوالي 18 هـ/639 م، تابعي جليل أخذ العلم عن خيرة الصحابة منهم: عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عباس، وعبد مسعود، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة رضي الله عنهم وغيرهم كان مفتى البصرة، وإمام أهل الدخوة والاستقامة، والمؤسس الحقيقي للمذهب الإباضي، وله تأليف كثيرة توفي سنة 93 هـ / 711 م. و. جمعية الثراث: معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب: ج 217/ 2، ترجمة: 230. بكوش نيي: اتمه الإمام جابر بن زيد: ج 11/ 1 وما بعدها.
الله
بن
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة تقدّمت ترجمته 16 من البحث. هو أبو مودود حاجب الطائي عاش بين 100 هـ - 150 هـ أصله من عمان ومولده بالبصرة تلقى العلم عن أبي عبيدة؛ وكان ساعده الأيمن في نشاطاته، أوكل إليه مهمة الإشراف على الشؤون المالية، والعسكرية، ومتابعة سير الدعوة خارج البصرة. ر. معجم أعلام الإباضية قسم المغرب: ج 238/ 1 - 239، ترجمة: 249. -5 أبو بلال مرداس بن حدير بات 61 هـ / (680 م عابد متدين من رؤساء الشراة وأحد الخطباء
- 117 - (1/117)
صفحة 118
فيارب اسلكني مسالك قصدهم إلى أن تزرني المنية في غد
وثبت أقدامي على منهج
الهدى
فلست أبالي بعده أين ملحد
عليهم من الرحمن أسنى تحية وأفضل رضوان يروح ويغتدي (1)
كان الجيطالي في أكثر كتاباته عارضا لآراء شيوخ الإباضية لا سيما المغاربة منهم، ومن أبرز المصادر التي كان يرجع إليها:
الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب (ت = 175 هـ/791 م)
- جوابات الإمام أفلح بن عبد الوهّاب (ت 258 هـ/871 م).
- الرد على جميع المخالفين لأبي خزر يغلا بن زلتاف (عاش ق 4 هـ /10 م). الجامع لأبي محمد عبد الله بن بركة العماني (عاش ق 4 هـ/10 م)
- التحف المخزونة لأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت 471 هـ/1078 م) - تبيين أفعال العباد لأبي العباس أحمد بن محمد النفوسي (ت 504 هـ/1110 م). - كتاب السؤالات لأبي عمرو عثمان خليفة السّوفي (عاش ق 6 هـ/12 م).
- أصول الدين لتبغورين بن عيسى (عاش ق 6 هـ/12 م).
- شرح الجهالات لأبي عمّار عبد الكافي (عاش ق 6 هـ/12 م)
- الموجز لأبي عمار عبد الكافي (عاش ق 6 هـ/12 م) العدل والإنصاف لأبي يعقوب يوسف الوارجلاني (ت 570 هـ/1174 م).
شهد صفين مع علي رضي الله عنه وأنكر التحكيم. وشهد النهروان، وسجنه عبيد الله بن زياد علقمة المازني في معركة دارت بين جيشه وجماعة الشراة. الدرجيني: طبقات:
قتله عباد بن
ج 214/ 2 - 225. الجعبيري البعد الحضاري: ج 49/ 1.
1 مجموع قصائد من نظم الجيطالي وغيره: 130 - 131.
- 118 - (1/118)
صفحة 119
- الدليل والبرهان لأبي يعقوب يوسف الوارجلاني (ت 570 هـ/1174 م). - طبقات المشائخ بالمغرب لأبي العباس أحمد الدرجيني (ت 670 هـ/1272 م). وإن اتباع الجيطالي لما قرره شيوخ المذهب لم يمنعه من الاطلاع على آراء المذاهب الإسلامية الأخرى والاستفادة منها، وتحرره من قيد التبعية إن رأى الحق يستدعي ذلك. 2 - التراث الإسلامي
العلماء
من
بحكم مجيء الجيطالي في زمن متأخر فقد استفاد مما أنتجته قرائح مختلف المذاهب والملل، فكان واسع الاطلاع على التراث الإسلامي في شتى فنونه، وتخصصاته يأخذ منه ما يلبي احتياجاته، ويشبع فهمه العلمي. وقد أكد في أكثر من موضع على وجوب اقتناء الحق من أي مورد صدر، فالحكمة ضالة المؤمن.
(1)
يقول الدكتور عمرو خليفة النامي: "مع الجيطالي، وفي جميع كتبه تلتقي بأئمة الإسلام، وفقهائه المخلصين تلتقي بالغزالي والماوردي، والمحاسبي، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وغيرهم من يورد آراءهم فيما يعرض له من مباحث في دقة وأمانة، فإذا رأى خلافا أبان،
الأئمة،
عن أصله، وأوضح أسبابه، ثم اختار ما يبلغ عقله من الحق في ذلك". (2)
وسنقتصر الحديث عن علمين بارزين كان لهما تأثير واضح في فكر الجيطالي، وكتاباته وهما: أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ/1111 م)، وابن رشد القرطبي (ت 595 هـ / 1198 م). (4)
1 - ر. التحرّر الفكري عند الجيطالي: 66 من البحث.
2 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 16/ 1.
3 - محمد محمد بن
بن
محمد الغزالي الطوسي أبو حامد (450 - 505 هـ/1058 - 1111 م) حجة
الإسلام، فيلسوف متصوف. ر. الزركلي: الأعلام: ج 22/ 7.
4 - محمد
بن
أحمد ابن رشد أبو الوليد القرطبي المعروف بابن رشد الحفيد (520 - 595 هـ/1126 - 1198 م). الزركلي: الأعلام: ج 318/ 5. ر. الطاهر المعموري: الغزالي وعلماء المغرب، دار القلم، تونس، 1988: 77.
- 119 - (1/119)
صفحة 120
أ- بين الجيطالي والغزالي
من الألقاب التي أطلقت على الجيطالي قيل عنه: "غزالي المغرب "غزالي المغرب" (1) فما
طبيعة العلاقة التي تربط بين هذين العالمين؟
هي
أثارت مؤلّفات الغزالي جدلا فكريا لدى علماء المغرب، والأندلس ولا سيما كتابه إحياء علوم الدين فحين وصوله إلى المغرب سنة 503 هـ/1109 م تصفحه الفقهاء وعلى رأسهم أبو عبد الله محمد بن علي بن حمدين (2) واتفقوا على فساده، فاستجاب علي بن يوسف بن تاشفين (3) لرأيهم، وأمر بإحراق الكتاب في مسجد قرطبة على الباب الغربي بعد إشباعه زيتا بمحضر الفقهاء، وأعيان السكان، ثم أرسل علي بن يوسف بن تاشفين لكافة بلاد الأندلس والمغرب وأمر باحتجاز نسخه وإحراقها، وأُخذت النسخ من أيدي أصحابها وأُعدمت .. (4)
وأسباب مصادرة العلماء كتاب الإحياء في المغرب ترجع إلى:
1 - معارضة الغزالي للاتجاه الفقهي المغربي السائد.
-2 ذمّه للفقهاء الذين أغرقوا في الدّراسات الفروعية، وانحرفوا عن مقاصد
الفقه الحقيقية.
-3 - تفضيله طرق الصوفية على قوانين الفقهاء، ومجادلات المتكلمين، ورفعه
درجة العارفين بالله على الفقهاء.
1 - محمد علي دبوز: تاريخ المغرب الكبير: ج 390/ 3.
2 أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد العزيز بن حمدين، التغلي، قاضي الجماعة بقرطبة، توفي سنة 508 هـ / 1114 م. ر. الطاهر المعموري، الغزالي وعلماء المغرب: 21.
-3 علي بن يوسف بن تاشفين اللمتوني أبو الحسن (477 - 537 هـ/1084 - 1143 م)، أمير المسلمين بمراكش، وثاني ملوك دولة الملثمين المرابطين. ر. الزركلي: الأعلام: ج 33/ 5.
-4 - الطاهر المعموري: الغزالي وعلماء المغرب: 21 - 22.
- 120 - (1/120)
صفحة 121
ويبين المعموري (1) أن خلاف الغزالي مع. علماء المغرب ظل قائما حتى أصبح الذين ناقشوا الغزالي في كتبه من علماء المغرب عددا لا بأس به، وقد اشتهر منهم: ابن حمدين، والطرطوشي (2)، والمازري (3)، وابن العربي (4)، والقاضي عياض (5)، وابن
رشد.
إذا كان أكثر علماء المغرب وقفوا من "الإحياء" موقف الرفض والاحتراز منه فإننا نجد الجيطالي قد تصفح الكتاب، وقرأه قراءة نقدية، ثم وضع على منواله كتابه الشهير "قناطر الخيرات" الذي يعدّ أعظم ما ألفه في أخريات حياته فهو عصارة أفكاره إذ نجد فيه إشارات المصنّف إلى الكتب التي صنفها من قبل: كشرح النونية، وقواعد الإسلام، والمناسك.
وقف الجيطالي من "الإحياء" موقف الناقد البصير، فلم يرفضه برمته، كما أنه لم يقبله بحذافيره بل كان واعيا فيما ينقل عن الغزالي، يأخذ ما يقتنع به، ويدع ما لا يراه صوابا وسأذكر فقرات من كتاب "القناطر" اقتبسها الجيطالي من "الإحياء"
1 - الطاهر المعموري: الغزالي وعلماء المغرب: 29 - 30 2 هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الأندلسي أبو بكر الطرطوشي (451 - 520 هـ/1059 - 1126 م) يعرف بابن أبي، رندقة أديب من فقهاء المالكية الحفاظ من مؤلفاته: سراج الملوك وكتاب كبير عارض به إحياء علوم الدين للغزالي. ر. الزركلي: الأعلام: ج 133/ 7 - 134. 3 - هو محمد بن علي بن عمر التميمي المازري أبو عبد الله (453 - 536 هـ/1061 - 1141 م) محدث من فقهاء المالكية نسبة إلى مازر من مؤلفاته: "التلقين" و"الكشف والإنباء في الرد على الإحياء للغزالي" ر. الزركلي: الأعلام: ج 277/ 6. 4 - هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي (468 - 543 هـ/1076 - 1148 م) قاض حفاظ الحديث بلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين له مؤلفات كثيرة منها: "العواصم والقواصم" الذي ناقش فيه الغزالي. ر. الزركلي: الأعلام: ج 230/ 6. د/ عمار طالبي: آراء أبي
من
بكر بن العربي الكلامية الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر (د. ت): 25 - 88 - 97 5 - هو عياض بن موسى بن عياض أبو الفضل القاضي (476 - 544 هـ/1083 - 1149 م) عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته من تصانيفه: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" .. الزركلي: الأعلام: ج 99/ 5.
ر.
- 121 - (1/121)
صفحة 122
لأبي حامد الغزالي وتتمثل فيما يأتي:
1 - القناطر: القسم 48/ 1: "وفي كتاب الغزالي قال: اختلف الناس في تفاوت العقل ولا معنى للاشتغال بنقل كلام من قد قل تحصيله، بل المبادرة بالتصريح بالحق قال: الحق الصريح أن التفاوت يتطرق إلى الأقسام الأربعة سوى القسم الثاني وهو العلوم الضرورية من جواز الجائزات واستحالة المستحيلات، فإن من عرف أن الاثنين أكثر من الواحد عرف أيضا استحالة كون الجسم في مكانين، من النظائر التي تدرك إدراكا محققا من غير شك، وأما الأقسام الثلاثة فالتفاوت يتطرق إليها" وذلك ما ورد في كتاب إحياء علوم الدين: ج 114/ 1.
أمثالها من
المكاشفة
2 - القناطر: القسم 116/ 1 - 117: "الفصل الثاني في علم الدين وطريق الآخرة: فاعلم أنه قد ذكر الغزالي في كتابه أن علم طريق الآخرة قسمان: أحدهما: علم، معاملة، وهو علم بأحوال القلب وهو نوعان محمود ومذموم، فالمحمود منها كالصبر والشكر والخوف والرجاء والتوبة ... وأمّا المذموم منها، فخوف الفقر، وسخط المقدور والغل والحقد والحسد والغش ... القسم الثاني: علم وهو علم الصديقين والمقربين وهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة فينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة فتتضح إذ ذلك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله تعالى ... فالمراد بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلية الحق في هذه الأمور اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه" وهذا ملخص ما ورد في كتاب الإحياء: ج 30/ 1 - 31.
3 - القناطر: القسم 335/ 1: "وأما أقسام التوحيد فذكر الغزالي في ذلك ثلاثة أقسام: قال إن الله أوحى إلى داود عليه السلام فقال: "يا داود تعلم العلم النافع، قال يا إلهي، وما العلم النافع؟ قال: أن تعرف جلالي وعظمتي وكبريائي وكمال قدرتي على كل شيء فإن هذا هو الذي يقربك إلي" قال الغزالي: فالتوحيد جوهر
- 122 - (1/122)
صفحة 123
نفيس وله قشران أحدهما أبعد عن اللب من الآخر قال: وخص الناس اسم التوحيد للقشر الأول، وبصنعة الحراسة للقشر الثاني، أراد بذلك صنعة الكلام، وأهملوا اللب بالكلية" وذلك ما ورد في كتاب الإحياء: ج 47/ 1.
-4 - القناطر القسم 335/ 1: "فهذه اثنتا عشرة علامة من علامات علماء الآخرة، تحتوي كل واحدة على جمل من أخلاق المتقين جمعتهما من كتب علماء السلف وأكثرها من كتاب الغزالي لأنها موافقة للقرآن ولما مضى عليه السلف الصالح من مشايخ المسلمين رحمهم الله" وهذا ملخص ما ورد في الإحياء: ج 78/ 1 وما بعدها.
فقد وافق الجيطالي الغزالي في أكثر آرائه التربوية، وفي نقده للفقهاء، والمتكلمين، والفلاسفة، والصوفية الغلاة، وفي تفضيله علوم المكاشفة والإشراق على بقية العلوم. وفيما يتعلق بناحية المنهج فقد وافقه في نظرية المعرفة، وكذا في قضية الاستدلال بالأحاديث الضعيفة في باب الرّغائب مؤيدا رأيه في المسألة بقول محدث المذهب أبي عبيدة مسلم).
كما أن الجيطالي خالف الغزالي في بعض مسائل علم العقيدة، والفروع بحكم اختلافهما المدرسي، ويبين ذلك في بدء قنطرة الحج: "أنقل من كتاب الغزالي ومن روضة الحقائق جملتها، وأتجنّب ما خالفا فيه مذهب أئمتنا كما فعلت فيما مضى من كتابنا وبالله عصمتنا وتوفيقنا (2)
وتتجلّى شخصية الجيطالي في كتاب القناطر فيما يأتي:
1 - اختياره العنوان المناسب للكتاب، فـ "القناطر" جمع قنطرة، وهو جسر
مبني فوق النهر للعبور عليه، (3) و"الخيرات" جمع خَيْرَةُ أي: الفاضلة من كلّ شيء.)
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 491/ 1 - 492.
2 المصدر نفسه: ج 54/ 2.
3 ابن منظور لسان العرب: ج 118/ 5.
4 - المصدر نفسه: ج 264/ 4.
(4)
- 123 - (1/123)
صفحة 124
ويعلّل الجيطالي هذه التسمية في قوله: "دعاني رحمكم الله إلى تمثيل الدنيا بالمفازة، وتمثيل الشريعة بالطريق فيها، وتمثيل الفرائض بالقناطر مرتبة موضوعة عليها، وتمثيل أعمالها بالمطايا لأني وجدت ضرب الأمثال يرشق القلوب بسهام الموعظة لا يليق بغيرها، ولأنّ ذلك أبلغ في تقريب المعاني إلى العقول. (1)
2 - اجتهاده في ترتيب القناطر السبع عشرة ترتيبا محكما فقد وضع فصلا خاصا لتوضيح العلاقة بين كل قنطرة وأخرى تليها. (2) (انظر الشكل التوضيحي)
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 20/ 1.
2 ر. فصل ترتيب القناطر، الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 8/ 1 وما بعدها.
- 124 - (1/124)
صفحة 125
الشكل التوضيحي لترتيب القناطر
- 125 - (1/125)
صفحة 126
-3 لم يكتف الجيطالي بالنقل عن الإحياء فحسب بل كان مطلعا على أهم
ما كتب في موضوع تزكية الأنفس قبل عهد الغزالي، ومن جاء بعده، فتعددت مراجعه ومن بينها: قوت القلوب لأبي طالب المكي (386 هـ/996 م) (1)، التفكر والاعتبار للحارث بن أسد المحاسبي (ت 243 هـ / 857 م) (2)، وأدب الدنيا والدين لأبي الحسن الماوردي (ت 450 هـ / 1058 م) (3)، والعقد الفريد لابن عبد ربه (ت 328 هـ/940 م))، والضياء لأبي سلمة بن مسلم الصحاري، وتبيين أفعال العباد لأبي العباس أحمد (ت 504 هـ / 1111 م)، والجامع لأبي محمد الله بن بركة عبد (ق 4 هـ/11 م)، وسيرة الأشياخ للبغطوري، وطبقات المشائخ للدرجيني (ت نحو 670 هـ/1271 م). وكتاب ختم الأولياء لمحمد علي بن الحسين الترمذي (ت
(932/ 320
وكان الجيطالي في أغلب نقوله عن هؤلاء الأعلام يشير إلى عنوان الكتاب، أو اسم مؤلّفه كقوله في نهاية أحد فصول قنطرة العلم: "كتبت أكثر هذا الباب من كتاب الغزالي "أي الإحياء" لأنه أتبع فيه فضائح علماء السوء منهم فأحببت أن
1 - أبو طالب المكي محمد بن علي بن عطية الحارثي (ت 386 هـ / 996 م) واعظ، زاهد، فقيه. ر. الزركلي: الأعلام: ج 274/ 6. 2 - الحارث بن أسد المحاسبي أبو عبد الله (ت 243 هـ / 857 م) من أكابر الصوفية كان عالما بالأصول والمعاملات، واعظا مبكيا، وله تصانيف في الزهد والرد على المعتزلة وغيرهم. ر. الزركلي: الأعلام: ج 153/ 2 - 154. 3 - علي بن محمد بن حبيب أبو الحسن الماوردي (364 - 450 هـ / 974 - 1058 م) عالم، باحث، أقضى قضاة عصره. ر. الزركلي: الأعلام: ج 327/ 4.
4 - أحمد بن محمد بن عبد ربه (246 - 328 هـ / 860 - 940 م) الأديب الإمام، صاحب العقد الفريد. ر. الزركلي: الأعلام: ج 207/ 1.
5 - أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي (ت (504 هـ / 1111 م من علماء وارجلان، له تأليف كثيرة منها: كتاب القسمة وأصول الأراضين"، وكتاب "تبين أفعال العباد" وكتاب "الألواح" ...
ر. جمعية النتراث: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب: ج 95/ 2 وما بعدها، ترجمة: 89.
-126 - (1/126)
صفحة 127
تقفوا عليها إذ كان ما ذكره موافقا للحقِّ غير خارج من الشرع
(1) "
وبالجملة فإن آراء الجيطالي التربوية يؤول أكثرها إلى الغزالي من خلال كتابه الإحياء كما أن آراء الغزالي في أغلبها ترجع إلى كلّ من الحارث المحاسبي، وأبي طالب المكي (2). ب بين الجيطالي وابن رشد
من أهم المصادر الفقهيّة التي اعتمد عليها الجيطالي في كتابه "قواعد الإسلام" كتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (الحفيد) ويكاد أن يكون مصدره الأول.
وسأورد مواضع من كتاب "قواعد "الإسلام" اقتبسها الجيطالي من "بداية المجتهد" لابن رشد ونلاحظ في نقوله للمسائل ميزة التلخيص في عرض الأدلة، وذكر أقوال المذاهب، كما أنه أحيانا يبدي رأيه الفقهي في كما أنه أحيانا يبدي رأيه الفقهي في المسألة بترجيح ما يراه صوابا من الأقوال، أو يكتفي بإيراد قول مذهب الإباضية، وأحيانا أخرى لا يذكر ذلك. ومن بين هذه النماذج ما يأتي:
1 - القواعد: ج 152/ 1 - 153 فاختلف فيه (أي الماء) أيضا إذا حلته النجاسة و لم تغير أحد أوصافه، فقيل هو طاهر قليلا كان أو كثيرا، قوم فرقوا بين القليل والكثير فقالوا: القليل ينجس والكثير لا ينجس وحد القليل منه بما دون القلتين وهما قربتان ونصف بقلال هجر عند بعضهم، وقيل هما مقدار خمسمائة رطل، وحدّ الكثير منه بحيث يحرك طرفه فلا يتحرك الطرف الآخر وقوم لم يجدوا في ذلك حدا، وإنما وقع التنازع في هذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا زاد الماء على قلتين لا يحتمل خبثا (3) ونهيه عليه السلام الجنب أن يغتسل بالماء الدائم أو قال الراكد، فقيل
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 2/ 1. 2 - أبو حامد الغزالي: المنقذ من الضلال، تحقيق عبد الكريم المراق، الدار التونسية للنشر، ط 3، 1989 م
81 - 80
3 - أخرجه أبو داود السنن، كتاب الطهارة، باب ما ينجس الماء: ج 17/ 1، رقم 63.
مع
اختلاف
- 127 - (1/127)
صفحة 128
لأبي هريرة: كيف يفعل؟ قال يتناوله تناولا وهذا يدل على قلته، ونهى أن يبول أحد في الماء الدائم ثم يتوضأ أعلم" وهذا ملخص ما ورد في "بداية المجتهد " (1): ج 23/ 1.
منه
2 - القواعد: ج 296/ 1 - 297: " في حكم صلاة الجماعة وقد اختلفوا فيه: فذهب بعضهم إلى أنها سنة أو فرض كفاية، وذهب آخرون إلى أنها فرض متعيّن على كل مكلف وروي هذا الظاهرية وذهب أصحابنا إلى أنها فرض كفاية، عن قال فقهاء الأمصار وسبب التنازع اختلاف مفهوم الآثار، وذلك أن قوله عليه السلام: "صلاة الجماعة تفضل عن صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة (2) يؤدي إلى أن صلاة الجماعة مندوب إليها، وأنها كمال زائد على صلاة الفذ، فكأنه قال: صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد، وقوله عليه السلام لابن أم مكتوم حين قال: إني ضرير شاسع الدار، لا قائد لي فهل لي من رخصة أصلي في بيتي؟ قال عليه السلام: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال فأجب، وقيل قال له: لا أجد لك رخصة (3) كالنص في وجوبها، والله أعلم" ويقابل ذلك ما ورد في "بداية المجتهد": ج 136/ 1.
وهذا
3 - القواعد: ج 298/ 1 - 299: "فيمن" أولى بالإمامة الفقيه أو القارئ؟ فروي عن بعضهم أن الفقيه أولى، وهذا مروي عن الشافعي ومالك، وقيل القارئ أولى وهو مروي عن أبي حنيفة، وسبب الخلاف قوله: "يوم القوم أقرؤهم لكتاب الله له)،الحديث، فمن فهم من الأقرإ أنه الأفقه. قال: الفقيه أولى لأن الحاجة إلى
الصيغة: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث".
2 - محمد بن
أحمد بن رشد القرطبي: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، صححها نخبة من العلماء، دار اشريفة،
1409 هـ / 1989 م.
-2 - أخرجه البخاري: كتاب الإمامة والجماعة، باب فضل صلاة الجماعة: ج 231/ 1، رقم: 619. -3 - أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الإمامة وصلاة الجماعة باب التأمين: ج 375/ 1، رقم: 903. 4 - أخرجه مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة: ج 465/ 1، رقم: 673.
- 128 - (1/128)
صفحة 129
الفقه ماسة من الحاجة إلى القراءة، وأيضا فإن الأقرأ من الصحابة هو الأفقه مخالف لما عليه الناس اليوم، وأما أبو حنيفة فحمل الحديث على ظاهره فأوجب إمامة القارئ والله اعلم" وذلك ملخص ما ورد في "بداية المجتهد": ج 139/ 1. 4 - القواعد: ج 242/ 1: "فصل في ستر العورة في الصلاة وغيرها وهذا الفصل ينقسم إلى قسمين أحدهما في ستر العورة، والثاني فيما يجزئ من اللباس في الصلاة القسم الأول في حد العورة وحكم سترها: اجتمعت الأمة على أن ستر العورة فرض بإطلاق واختلفوا في الصلاة، هل ستر العورة شرط في صحتها أم
من سنن
هذا
لا؟ فذهب جمهور أهل العلم من أصحابنا وغيرهم إلى أنها شرط في صحة الصلاة، وذهب بعضهم إلى أنها الصلاة وروي عن مذهب مالك والله أعلم، وسبب التنازع هل الأمر الوارد من قوله تعالى: وخذوا زينتكم عند كل مسجد (1) يحمل على الوجوب أم الندب، فمذهب الجمهور كما قدمنا أنه محمول على الوجوب وقالوا لأن الآية نزلت في أهل الشرك يطوفون بالبيت عراة فدل على أن المراد به ستر العورة، ومن حمل الأمر على الندب قال المراد به الزينة الظاهرة والله أعلم ويقابل ذلك ما ورد في بداية المجتهد": ج 110/ 1.
5 - القواعد: ج 191/ 2 - 192: "فيما يجزئ وما لا يجزئ من الضحايا: أما ما لا يجزئ فقد أجمع العلماء على أنه لا يجزئ في الضحايا أربع: العوراء البين عورها، العرجاء البين، عرجها، والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقى لثبوت هذا في الحديث عن رسول الله الله وأجمعوا على أن ما كان من هذه الأربعة خفيفا لا تأثير له في منع الإجزاء، واختلفوا في موضعين: "الموضع الأول" فيما كان من العيوب أشد من هذه الأربعة المنصوص عليها في السنة مثل العمى، وقطع الساق، وأشباه ذلك. الموضع الثاني" فيما كان مساويا في إفادة النقصان مثل ما من العيوب في الأذن، والعين والضرس وغير ذلك من الأعضاء، ولم يكن
كان
1 - سورة الأعراف الآية: 31.
- 129 - (1/129)
صفحة 130
يسيرا" وهو ملخص ما ورد في "بداية المجتهد": ج 417/ 1.
6 القواعد ج 114/ 2: وزعم ابن رشد من فقهاء قومنا أنهم أجمعوا على أن من دخل في الحج والعمرة تطوعا، ثم أفسده أن عليه القضاء، وأنهم أجمعوا على من خرج من صلاة التطوع أنه ليس عليه القضاء، فتردد الصوم بين الصلاة والحج، فمن شبهه بالحج قال عليه القضاء ومن شبهه بالصلاة قال لا قضاء عليه، والصحيح عندنا أن كل تطوع أفسده بعد الدخول فيه أن عليه قضاءه، الخلاف أيضا وسبب
اختلاف الأحاديث في ذلك" ويقابل ذلك في "بداية المجتهد": ج 301/ 1.
7 - القواعد: ج 158/ 2: "المسألة الثالثة في إقامة الحج بعرفة وغيرها، وذكر ابن رشد من فقهاء قومنا أن الناس أجمعوا على إقامة الحج للسلطان الأعظم أو لمن يقيمه، وأنه يصلي وراءه برا كان أو فاجرا أو مبتدئا وأن السنة أن يأتي المسجد بعرفة يوم عرفة فإذا زالت الشمس خطب الناس وجمع بين الظهر والعصر، واختلفوا في وقت أذان المؤذن" وهو ما ورد في "بداية المجتهد": ج 335/ 1.
هكذا نلمس أن الجيطالي قد تأثر تأثرا واضحا بطريقة ابن رشد في وضع المقدمات وترتيب المسائل الفقهية على نسق منطقي من غير إغراق في التفريعات وفي ردّ فروع المسائل إلى أصولها وفي المقارنة بين مذاهب فقهاء الأمصار بأسلوب علمي هادئ مع تحرير محل النزاع بينهم.
يعد ابن رشد رائد المذهب العقلي في الفكر الإسلامي، ومن دعاة التوفيق بين صريح العقل، وصحيح النقل إذ إن الشرع لا يناهض العقل مطلقا لذا نجد للقياس والنظر حضورا قويا في مناقشته مسائل الفقه، وعند الترجيح، وهو ما تأثر به الجيطالي في كتابه القواعد، إذ لم يكن الجيطالي فقيها ظاهريا تحجبه حروف النص عن إدراك معاني التشريع،
بل كان يعمل النظر في محاله المسوغ له، ويعضده بما صح في النقل ومن أمثلة ذلك: - يقول الجيطالي: "قيل وما حدّ الغنى؟ قال خمسون درهما، أو عدلها ذهبا،
- 130 - (1/130)
صفحة 131
وروي عن الحسن البصري أنه قال من له أربعون درهما فهو غني، وبه قال أبو عبيدة وأظنّ حجتهم قوله: "من" سأل ومعه أوقية فقد سأل الناس إلحافا" (1) والأوقية أربعون درهما، وقال آخرون من له مال يؤدّي عنه الزكاة فلا يأخذ الصدقة إلا إذا كان مديانا لقول النبي: أمرت أن آخذها من أغنيائكم (2) الحديث وبه يقول أبو حنيفة، وقال بعض أصحابنا من لم يكن له مال يكفيه هو وعياله نفقتهم وكسوتهم إلى الحول فهو فقير، يأخذ الصدقة، فهذا هو الذي يوجبه النظر، ويشهد بصحته الخبر. (3)
- ويقول أيضا: "لقد اختلف الناس فيما يجوز به التيمم فذهب بعض أصحابنا إلى إجازته بغير التراب من أجزاء الأرض وافقهم على ذلك مالك بن أنس، وذهب آخرون إلى جوازها بالرمل، والنورة والزرنيخ، وما أشبه ذلك، وذهب بعض أصحابنا إلى أنّ التيمم لا يجوز إلا بالتراب الطيب وبه قال أبو محمد بن بركة)، ووافقهم على ذلك الشافعي، وهذا هو الذي يوجبه النظر عندي لقول الرسول: جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا" -متفق
عبد
الله
عليه " (5)
وبالتالي يظهر أن الجيطالي استفاد من المنهج الرشدي في عرض الفقه، وتأثر بأبرز عناصره كما أنّ ابن رشد بدوره أخذ هذه الطريقة حسب رأي الدكتور
1 - أخرجه ابن حبان في مدحه كتاب الشركاء، باب المسألة والأخذ 184/ 8، رقم: 3390. (مع
اختلاف في اللفظ)
2 - الصنعاني سبل السلام 281/ 2.
3 - الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي: ج 47/ 2.
4 - هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي العماني، عالم فقيه عاش في نهاية القرن الرابع الهجري. ر. ابن بركة: الجامع تحقيق عيسى يحيى الباروني: وزارة التراث القومي، عمان (د. ت)
مقدمة المحقق: ج 10/ 1.
5 - الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي: ج 194/ 1.
- 131 - (1/131)
صفحة 132
عمار طالبي عن جده الفقيه (ت 520 هـ/1126 م) الذي يرى: "أن العالم على الحقيقة هو العالم بالأصول والفروع، لا من عُني بحفظ الفروع، و لم يتحقق بمعرفة الأصول، إذ لا تعلم الفروع إلا بعد معرفة الأصول". () ويذهب الدكتور العبيدي إلى أن ابن رشد لم يتأثر بجده بل كان في أسلوبه ومنهجه أرقى جده بكثير، من
فقد استثمر ابن رشد الحفيد ثقافته الفلسفية في الفقه وسلك في كتابه بداية المجتهد الفلسفة في المقارنة والنقد والتعليل.
منهج
(2)
وتجدر الإشارة إلى أن الجيطالي اعتمد في كتابه القواعد على مصادر فقهية أخرى، ويذكر ذلك في خاتمة الكتاب يقول: "فأنشد الله من قرأ كتابي هذا، وفهم مضمون ما أودعناه من علوم العبادات، وما ضمناه من الحقوق والأدبيات أنه إذا اطلع فيه على خطأ، أو زلل أن يحسن الظن بنا، ويسد الخلل لأننا جمعناه من كتب مختلفة، وذكرنا بعض اختلاف علماء الأمة. " (3)
خلاصة القول
إن مرجعيّة فكر الجيطالي هي مرجعية أصيلة، متفتحة فلم يعجز قط عن الاطلاع على الثروة العلمية الثرية التي توارثتها الأجيال، والنظر فيها، وفحصها. وإن اقتباسه عن غيره من العلماء من مختلف المذاهب أمر يشرفه، ويدلّ على تحرّره الفكري، وصدق نواياه في البحث عن الحقيقة التي ينشدها، وعزمه على تقريب شقق الخلاف بين المذاهب، وذلك بعرض آرائها ودراستها عساه أن يخفف شدّة التحيّز الفكري، ومن ضيق التعصب المذهبي الذي اتسم به عصره. يقول الدكتور عمرو النامي واصفا كتابات الجيطالي: "فكان في جميع ما يكتب داعي
-1 عمّار: طالبي: الفقه والفقهاء في ميزانية العقلانية الرشدية مجلة ابن رشد، مارينور للنشر، 1998 م:
عدد 99/ 1.
2 - حمادي العبيدي: ابن رشد وعلوم الشريعة، دار الفكر العربي، بيروت، ط 1، 1991: 49. 3 - الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي: ج 279/ 2.
من
- 132 - (1/132)
صفحة 133
ألفة ومحبة، وسفير قرب ومودة وهو في كلّ ذلك الحامل الأمين لمذهبه يعرض أقواله وآراءه في وضوح وبيان ويبرزه ناصعا جليًا لا تشوبه البدعة، ولا تغبشه الضلالة " (1)
ختاما لهذا المبحث أقول: ليس القصد من هذه الدراسة لمرجعية فكر الجيطالي تجريده من كل أصالة وإبداع، فللجيطالي شخصيّته العلمية إنما أردت بذلك أن بلغ فيه الإنتاج المعرفي عند المسلمين قمة التراكم اضطره ذلك
أثبت أن مجيئه في عصر إلى الإلمام بمعظم جوانبه فصار رجلا موسوعيّا عريض الاطلاع لكنه يتميز عن غيره بمنهجه العلمي الخاص أثناء التحليل والنقد، وعند التركيب والعرض.
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات، مقدمة المحقق: القسم 16/ 1.
- 133 - (1/133)
صفحة 134
الفصل الثالث الإلهيات
المبحث الأول: البرهان على وجود الله تعالى.
المبحث الثاني: وحدانية الله تعالى.
المبحث الثالث: صفات الله تعالى. (1/134)
صفحة 135
المبحث الأول
البرهان على وجود الله تعالى
شرع الإنسان منذ أقدم العصور في البحث عن إثبات وجود الله فمنهم من اهتدى إليه، ومنهم من عجز عقله عن ذلك فضل في متاهات الشرك والحيرة. ويرى أحد الباحثين أن فكرة وجود الإله الحق لم تخل منها الأرض منذ صار الإنسان إنسانا، يمتاز بهذا العقل المفكر. " (1)
وقد تسربت إلى البيئات المسلمة تصورات غريبة عن فكرة الألوهية من مشارب مختلفة يونانية هندية برهمية مسيحية شوهت من صفاء العقيدة، ومن خلوصية التوحيد، وهو الباعث الذي دفع العلماء في كل عصر ولا يزالون إلى وضع البراهين القاطعة على وجود الله تعالى إقامة للحجّة على المنكرين والشكاك، ودعوتهم إلى الحق المبين. (2)
ويُعدّ الجيطالي من بين هؤلاء الأعلام الذين نافحوا عن العقيدة، وقد عاش في بلاد المغرب أحد الثغور التي لم تسلم من الإيديولوجيات الأجنبية، ولكم
تعرضت إلى الهجمات الصليبية مرارا.
فما هي
الطرق التي انتهجها الجيطالي في البرهنة على وجود الله تعالى أولى
قضايا العقيدة وكبراها؟
1 - نديم الجسر: قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن طرابلس، بيروت (د. ت):30.
-2 - يقول أستاذنا د/ محمد هشام سلطان: "أصبحت قضية وجود الله من القضايا التي تدخل في صميم مشاكل العصر، وخاصة في عصرنا الحاضر حيث نلاحظ أن أصحاب الفكر المادي يرجعون سبب حضارة الأمم، وتخلفها إلى الدين وذلك بدعواهم أن المجتمعات كلما آمنت بالله (الدين) كلما تخلفت، والمجتمعات المتمسكة بالأديان هي أكثر المجتمعات تخلفا، وكلّما ارتقت فوق الأديان كلما اقتربت من الحضارة" ر. محمد هشام سلطان العقيدة والفكر الإسلامي، رحاب الجزائر، ط/2، 1988 م: 63.
- 135 - (1/135)
صفحة 136
1 - طريق القرآن
اعتبر الجيطالي الطريقة القرآنية في الاستدلال على وجود الله تعالى شافية كافية، إذ ليس بعد بيان الله بيان، وإن من نظر في هذه الأدلة القرآنية، وتأملها، وأدار نظره على عجائب الخلق في الأرض والسماء والحيوان والنبات تحقق لديه أن هذا الصنع المحكم غاية الإحكام لابد له من صانع يدبّره، وفاعل يحكمه ويقدره. (1). ومن الآيات القرآنية التي ساقها ما يأتي:
- قال الله تعالى: وألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء تجاجا لنخرج به حبًا ونباتا وجنات ألفافات (2)
- وقال سبحانه: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع النّاس وما أنزل الله من السماء من ماء فأخيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابة وتصريف الرّياح والسحاب المسخر بين
السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (3)
- وقال تعالى: ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر
فيهن نورا وجعل الشمس سراجا والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إنخر اجانية (4)
- وقال جل جلاله: أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن
قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا
1 - الجيطالي: القناطر، تحقيق النامي: القسم 291/ 1.
2 - سورة النبأ، الآيات: 166
3 - سورة البقرة، الآية: 164. 4 - سورة نوح، الآيتان: 15 - 18
136 (1/136)
صفحة 137
تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المتزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (1)
ويؤكد الجيطالي أنّ الآيات القرآنية الدالة على وجود الله تعالى لا يتسنّى لنا فهمها فهما كاملا إلا إذا اقترن ذلك بالنظر في كتاب الكون الصامت وما يتجلّى فيه من إبداع وإحكام وترتيب، (2) وهو ما ذهب إليه صاحب كتاب قصة الإيمان إذ يقول: "وأوّل ما يجب أن نفهمه هو كلام الله، وأول شيء يجب أن نفهمه من الله وعلى أنه الخالق العليم القادر المريد البارئ المصوّر الحكيم وهذه الآيات لا تفسّر على الوجه الأكمل إلا إذا اطلعنا على ما في الكون من أسرار الخلق والنظام، والإحكام، والإتقان (3)
كلام الله
هو الآيات الدالة على وجود
ويرجع الفضل الكبير إلى ابن رشد (4) الذي كشف عن خصائص الطريقة القرآنية في الاستدلال على وجود الله تعالى التي تتسم بالسهولة، والبساطة، والوضوح يدركها الساذج، والعالم ويعيها القلب والعقل في آن واحد دون حاجة إلى خوض في جدل أو نقاش.
2 طريق الفطرة
الفطرة هي
أعماق الإنسان بأن فوق ذلك الشعور الطبيعي الذي ينبع من
الكائنات المحدودة المتناهية كائنا غير محدود ولا متناه يهيمن على كل شيء، ويدبّر
1 - سورة الواقعة، الآيات: 58 - 73.
2 - الجيطالي: القناطر، تحقيق النامي: القسم 291/ 1.
3 - نديم الجسر: قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن: 242 4 - د/ محمد هشام سلطان العقيدة والفكر الإسلامي: 57 وما بعدها.
- 137 - (1/137)
صفحة 138
كل أمر، شعور يجده الإنسان في نفسه بغير تعلّم ولا تلقين ولا اكتساب (1) ويرى الجيطالي أنّ فطرة الإنسان أعظم دليل على وجود الله تعالى يغني عن إقامة البراهين (2) قال الله تعالى فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم (2) وقال جل علاه: أ في الله شك فاطر السماوات والأرض. كل (4)
3 طريق العقل
سلك الجيطالي طريق العقل في إثبات وجود الله تعالى اقتداء بالعلماء النظار وإقامة للحجة وهو مبين فيما يأتي:
أ- دليل الحدوث
صاغه الجيطالي على شكل محاورة متبعا طريقة السبر والتقسيم في عرضه يقول: "قال: فأخبرني عن الأشياء إذ زعمت أنها محدثة مصنوعة فما الدليل على حدوثها؟ قلنا وبالله التوفيق: الدليل على ذلك أنا نظرنا إلى ما أدركناه من الأشياء فوجدناها محتملا للتأليف، والتبعيض، مفتقرا إلى مؤلّف ألّفه، محتاجا إلى أمور تقوم به بنيته، فقلنا لا يخلو
من
هذا الذي أدركناه من أن يكون قديما، أو محدثا، فبطل أن يكون قديما لما شاهدناه تعاقب الأعراض عليه من الحركة والسكون وسائر الأعراض حوادث، وما لم يسبق الحوادث فحادث مثله، لأنّ الجسم لا ينفك من حركة أو سكون فلما ظهرت فيه أعلام العجز، والافتقار والحدث، وقضينا على ما غاب عنا بما أدركناه لأنه مساو له في علّته فقلنا لا يخلو بجميعه من أحد ثلاثة أوجه إما أن يكون حادثا لغير محدث، فبطل أن يكون أحدث نفسه، لأنه لا يخلو أن يكون أحدث نفسه قبل كونه، أو بعد
1 - د/ يوسف القرضاوي: وجود الله، دار البعث، قسنطينة، 1987: 19.
2 - الجيطالي: القناطر، تحقيق النامي: القسم 292/ 1.
-3 - سورة الروم، الآية: 30.
- سورة إبراهيم، الآية: 10.
- 138 - (1/138)
صفحة 139
كونه، فإن قلت قبل كونه فهو معدوم، والمعدوم لا يحدث نفسه ولا غيره، وإن قلت بعد كونه فقد فرغ من تكوينه، فبطل أن يكون الحدث ولم يفعله أحد لاستحالة وجود الفعل ولا فاعل له والكتابة ولا كاتب لها، ولأنّ العالم كله على ثلاثة أشياء: حيوان عاقل، وحيوان غير عاقل، وجماد وموات فلو اجتمعت الحيوانات العاقلة على إنزال قطرة، أو إنشاء ذرّة لعجزوا فإذا عجز الحيوان العاقل فغير العاقل أعجز، فإذا عجز العاقل، وغير العاقل، فالجماد أبعد وأبعد، فلما بطل هذان الوجهان، لم يبق إلا أن له محدثا أحدثه، وخالقا خلقه" (1)
ويمكن أن نلخص هذا الدليل في النقاط الآتية:
إثبات حدوث العالم لاتصافه بأعراض الحدوث: الحركة، السكون،
الاجتماع الافتراق ... وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وما لم يسبق
الحوادث فحادث مثله.
- إبطال أن يكون هذا العالم حادثا لغير محدث (مستحيل عقلا).
- إبطال أن يحدث الشيء نفسه.
- إثبات أن للعالم الحادث محدثا، وخالقا هو الله جل جلاله.
ب- دليل العلية
إن احتياج الأثر إلى مؤثر، والمعلول إلى علّة من القضايا البديهية التي تسلّم بها الفطر والعقول، يقول المفكر الاسكتلندي لانج: "كلّ إنسان يحمل في نفسه (فكرة العلية) وأنّ هذه الفكرة كافية لتكوين العقيدة بأن قمة آلهة، صانعة، خالقة للكون (2)
1 الجيطالي: شرح النونية: ج 54/ 1 و. ظ. -2 - آل ياسين الله بين الفطرة والدليل المكتب العالمي، بيروت، ط 6، 1979 م: 15. وإن بإله واحد خالق للكون يستحق العبادة لا بآلهة عديدة كما يقول المفكر.
- 139 -
كان المسلم يدين (1/139)
صفحة 140
فدليل العلية من أشهر الأدلة على وجود
الله
العقاد أنه ويري
أقدم من البراهين، وأقواها على الإقناع (1) وقد نطقت به فطرة الأعرابي قديما: إنّ البعرة تدلّ على البعير، وأثر الأقدام يدلّ على المسير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج لا يدلان على اللطيف الخبير؟
ويذكر الجيطالي أنّ فطرة العقول قد انطبقت أن الحادث لا يستغني في حدوثه عن محدث يحدثه (2) ويقول: "بطل" أن يكون الحدث، ولم يفعله أحد، لاستحالة وجود الفعل ولا فاعل، له والكتابة لا كاتب لها. (3) كما قد نفى الجيطالي تصوّر المصنوعات بنفسها لعجزها الواضح، فافتقار الحادث إلى محدث من المدركات الضرورية وبين ذلك في العبارة: "فإذا علم بدليل العقل أن الصنعة لا تقوم بذاتها إلا بصانع صنعها، وحكيم يخترعها علم أن النطفة لا تتصور بنفسها يدا، ورجلا، وكلاما، وعقلا، فلو اجتمعت الحيوانات العاقلة على أن يردّوا إلى الجسد بعد تصويره إصبعا واحدا بعد زواله فضلا عن إنشائه لعجزوا، فإذا عجز الحيوان الذي يتأتى منه العقل والتمييز فغير العاقل أعجز، فإذا عجز الحيوان غير العاقل فالجامد الذي بمنزلة الموات أبعد وأبعد، فإذا ثبت ما ذكرناه بصورة العقل صح أن المصنوعات لا تتصوّر بنفسها، ولا تقوم بذاتها لكن بقدرة مُكوّن الكائنات، وخالق الأرض والسموات (4)
وقد أكدت البحوث العلمية ذلك فأثبتت أنّ الكون ليس خالق نفسه، وبالتالي لم يكن أزليا بل له موجد أوجده. وهذا ما يذكره العالم الأمريكي ادوارد لوثر كسيل يقول: "وهكذا أثبتت البحوث العلمية دون قصد أن لهذا الكون بداية
1 - عباس محمود العقاد الله المكتبة العصرية، بيروت. (د. ت): 214.
2 - الجيطالي: القناطر، تحقيق النامي: القسم 292/ 1.
-
3 الجيطالي: شرح النونية: ج 54/ 1 ظ.
-4 - المصدر نفسه: ج 17/ 1 و.
- 140 - (1/140)
صفحة 141
فأثبتت تلقائيا وجود الإله لأن كل شيء ذي بدابة لا يمكن أن يبتدئ بذاته، ولابد أن يحتاج إلى المحرك الأول الخالق الإله. " (1)
وأنكر الجيطالي تسلسل المعلولات والعلل إلى ما لانهاية لكون ذلك باطلا ومستحيلا عقلا ليثبت أن الله تعالى قديم واجب الوجود، وهو صانع الأشياء،
وبارئها، وموجدها. (2)
ج- دليل التسخير
التسخير في اللغة هو التذليل، سفن سواخر، إذا أطاعت وطاب لها الريح، وكل ما ذلّ وانقاد أو تحميأ لك على ما تريد فقد سخر لك. (3)
ويعرض الجيطالي هذا الدليل بالشكل الآتي: "إن الله سبحانه خلق الدنيا، وحقها شهوات، وملأها آفات وأسكنها التقلين من عباده، وسخر لهم كل ما في بلادهم أكلا، وانتفاعا، ولبسنا واستمتاعا ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وأسرعهم إلى طاعته، قبولا، وفعلا، وامتثالا." (4)
إن جميع ما في الكون مسخّر للإنسان مهيّأ له لينتفع به، ويستمتع. والقصد هذا التسخير كما يشير الجيطالي ابتلاء الإنسان، واختبار مدى اعترافه بالله جل علاه، وكونه الخالق المعبود الذي يستحق الشكر وحده.
من
ودليل التسخير مصدره القرآن الكريم فقد أشارت الكثير من الآيات إلى
مظاهره في هذا الكون الفسيح في السّماء والأرض، والحيوان والنبات ..
1 - وحيد الدين خان الإسلام يتحدى، تحقيق عبد الصبور شاهين دار البحوث العلمية، ط 6. 1981 م: 55. نقلا عن: 51: The Evidence of God, p
2 - الجيطالي القناطر، تحقيق النامي: القسم 292/ 1 - 293. 3 ابن منظور لسان العرب: ج 354/ 4. (مادة سخر)
4 - الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي: ج 2/ 1 - 3.
- 141 - (1/141)
صفحة 142
قال الله تعالى: ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى
ولا كتاب منير كم (1)
وقال تعالى: وسخر لكم ما في السماوت وما في الأرض جميعا منه إن في
ذلك لآيات لقوم يتفكرون (2)
وقال تعالى: {وكذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (3)
هذه بعض الأدلة التي اعتمد عليها الجيطالي في البرهان على وجود الله
(4) 11.
تعالى، فهو يعتقد أن الله جل علاه موجود بغير مشاهدة " (4) لا يدرك بالحواس،
ولا بالتقليد ولا بالضرورة، وإنما بالنظر العقلي الذي يوصل إلى العلم الضروري يقول: "إنما يعرف ربنا بالآيات ويثبت بالعلامات التي جعلها في كسبير الخلق،
وصغيره الدالة على ربوبيته ووحدانيته
(5) 11
وأما عن منهجه في سوق الأدلة فقد فضل الطّريقة القرآنية في الاستدلال على سائر طرق المتكلمين، والفلاسفة لبساطتها، ووضوحها فهي تشفي علة المرتاب، وتهدي الحيران. لكن لما كان الجدل موجها إلى الملحدين، والمنكرين لوجود الله اضطره ذلك إلى صياغة أدلته صياغة منطقية ليتمكن من دحض باطلهم
بوسائلهم التي يقرون بها.
هي
ويلاحظ أن الأدلة التي استعملها دليل الفطرة الحدوث، العلية، التسخير
أدلة تستمد أصالتها، وقوتها من القرآن الكريم، وهي مشهورة عند المسلمين إلا
أن صياغتها الشكلية قد تختلف من شخص لآخر.
1 - سورة لقما ة لقمان، الآية 20.
2 - سورة الجاثية، الآية: 13.
3 - سورة الحج، الآية: 36.
4 - الجيطالي: قواعد الإسلام، تحقيق بكلي: ج 7/ 1.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 66/ 1 و.
142 (1/142)
صفحة 143
تمهيد
المبحث الثاني وحدانية الله تعالى
أدرك الجيطالي قيمة التوحيد الخالص، ومكانته في عقيدة المسلم باعتباره قطب الرحى التي تدور عليه شرائع الدين حيث يؤكد في شرح النونية "أن العبادة لا تصح إلا بالتوحيد ومعرف رفة الله عز وجل والإيمان به (1) ولما للتوحيد أيضا من ارتباط وثيق بالكون، إذ إن صلاحه متعلق بوجوده وفساده مرهون بانتفائه، فقد أولى الجيطالي لقضية التوحيد - شأن علماء الإسلام - اهتماما بالغا، فبسط القول في مؤلفاته (2) يوضح حقيقتها، ويبرز أبعادها العملية، ويرد على مناوئيها الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان مقتديا بالرسل الكرام الذين جعل الله مفتاح دعوة كل "لا إله إلا الله" يقول تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى أنه لا اله إلا أنا فاعبدون (3) فما هي حقيقة التوحيد عند الجيطالي؟ وكيف استدل
منهم
على إثبات صفة الوحدانية الله تعالى؟
1 - حقيقة التوحيد
إليه
عرف الجيطالي التوحيد بعبارات وإن اختلفت في ألفاظها إلا أنها تشكل النظرة الشاملة لمدلول التوحيد التي تجمع بين التصور النظري والسلوك العملي الذي يستلزمه.
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 48/ 1 و.
-2 - انظر على سبيل المثال: قناطر الخيرات القنطرة الثانية قنطرة" الإيمان وسائر قواعد الاعتقاد والتوحيد"، قواعد الإسلام ج 7/ 1 وما بعدها. شرح النونية: ج 48/ 1 و، وما بعدها.
-3 سورة الأنبياء، الآية: 25
- 143 -
10 (1/143)
صفحة 144
يقول في القواعد: "أما التوحيد فمعناه إفراد الرب سبحانه عن الخلق، وجميع
(1)
معانيهم، وترك التسوية بينه وبين العباد في جميع أفعالهم وصفاتهم" ويعرفه بصيغة أخرى: "هو إثبات الواحد جلّ جلاله، ونفي ما سواه من إله، أو شريك، أو ولي، أو طاغوت، فلكل ما يعبد سوى الله يجب نفيه، والكفر به، والتبرؤ منه هكذا يتضح أن التوحيد عند الجيطالي هو إثبات، ونفي: إثبات لوحدانية الذات والصفات والأفعال ونفي التسوية، والشريك، والشبيه عنه، كما يجب الكفر، والتبرؤ العملي من كل شريك، أو ولي، أو طاغوت.
(2)
ونلاحظ أن التعريف الثاني للتوحيد لم يكن مبتكرا من لدن الجيطالي بل نجده بنفس الصيغة عند المهدي ابن تومرت (3) وأبي يعقوب الوارجلاني) مما يدل على تأثره بما.
هي:
يحلل الجيطالي معنى الواحد في صفة الله عز وجل على أربعة معان (5) واحد في الذات: أي أن ذاته ليست بذات جسم فيوصف بالتجزئة والانعداد. واحد في الصفة أي ليس أحد غيره يوصف بصفاته من الألوهية والربوبية والعلم والقدرة وسائر الصفات.
-
واحد في الفعل أي لا أحد يفعل كفعله من خلق الخلق وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وسائر أفعاله عز وجل.
واحد في العبادة: أي لا يستحق العبادة إلا هو، قال الله تعالى: فإياي
فاعبدون نيکي (6)
1 - الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 33/ 1 قناطر الخيرات: القسم 325/ 1.
-2 الجيطالي قناطر الخيرات: القسم 331/ 1.
3 - عبد المجيد النجار المهدي بن تومرت حياته وآراؤه الفكرية، دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1983: 203 - 204.
4 أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان: ج 332/ 3.
الجيطالي: شرح النونية: ج 49/ 1 و، ظ.
6 - سورة العنكبوت الآية: 56.
- 144 - (1/144)
صفحة 145
ويبين الجيطالي ما يجب على العبد أن يعتقده في الله عز وجل وجوبا، وإثباتا،
وما يجب أن يعتقده نفيا واستحالة، وهو من مقتضيات التوحيد، وكل ذلك بعبارات موجزة، مشحونة قد يعسر على العامي إدراك معانيها يقول: "فيجب على العبد معرفة ربه والإيمان به نطقا باللسان، واعتقادا بالجنان، ويعقد في قلبه أن لا إله إلا الله واحدا، غير منقسم في ذاته ولا معه ثان في ألوهيته، موجود بغير مشاهدة، قديم بلا بداية أوجد منها نفسه دائم بلا نهاية ينتهي إليها ... وهو موجود على الإطلاق، غير مقيد بزمان، ولا مخصوص بجهة ولا مكان، بل هو في كل مكان بلا حواية ولا اجتنان لا تحيط به الجهات والأقطار، ولا تكيفه القول والأفكار، متره عن جميع الأماكن والجهات ... ليس له شريك ينازعه، ولا كفؤ يدافعه، ولا مثل يعادله ولا نظير يشاكله ولا وزير يؤازره، ولا ند يحاوره، ولا تكيفه العقول، ولا تمثله النفوس، ولا تلحقه الأوهام والأفكار ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) (1) ليس بجوهر ولا عرض، ولا بذي طول ولا، عرض ولا بذي صورة ولا شكل ولا هيئة ولا مثل بل هو الواحد الأحد، العدل الصمد لم يلد ولم يولد و لم يكن له كفوا أحد ... " (2)
ونلاحظ أن الجيطالي بالغ في استعمال صيغ السلب والنفي أثناء تصوره
للتوحيد الخالص، ولعل سبب انتهاجه هذا الأسلوب يرجع إلى:
- التتريه المطلق للذات العلية من كل نقص أو تشبيه.
- انتشار تصورات غريبة في المجتمعات الإسلامية من مصادر يهودية،
ومسيحية، ويونانية.
- ظهور فكر التشبيه والتجسيم والحلول في البيئات الإسلامية.
-1 سورة الأنعام، الآية 103.
2 الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 7/ 1 - 8
145 (1/145)
صفحة 146
- حاجة مصطلح التوحيد إلى ضبط مدلوله، وتوضيح صورته مخافة أن يقع الناس في براثين الشرك.
وهذا الأسلوب في تصور التوحيد نجده لدى غالبية المتكلمين الذين تولوا
الدفاع: عقيدة التوحيد وتخليصها من كل شائبة شرك.
لكن الجيطالي لم يقتصر في تعريفه التوحيد على معناه النظري المجرد كما فعل المتكلمون بل تطرق إلى الآثار العملية التي ينبغي أن تظهر في سلوك الموحد ليكون توحيده حقيقيا، يقول في القناطر: اعلم أن التوحيد لا يبقى في الشرع مطلقا، ولكن لابد له أن يتقيد بسبع تقييدات منها:
- أن يكون عن يقين لا عن شك.
أن يكون عن إخلاص لا عن شرك.
- أن يكون مقرونا معه العمل وإلا بطل واختل.
- أن يصدر عن القلب واللسان جميعا.
- أن يتكلم به ابتغاء وجه الله تعالى من غير طمع في الدنيا ولا خوف من أهلها. - أن يستصحب حاله ويثبت عليه حتى يموت لا مبدلا ولا مغيرا" (1) وقد وافق الجيطالي على التقسيم الثلاثي للتوحيد الذي أورده الغزالي في "الإحياء" حيث اعتبر أن التوحيد له قشران ولباب (2):
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات القسم 327/ 1 - 328 ويعلق عند ذكر هذه التقييدات أنها قد وردت بها الأحاديث الشريفة تركها اختصارا. وقد أشار إلى هذه الشروط المذكورة محمد بن تومرت وأبو يعقوب الوارجلاني من قبله. ر. ابن تومرت أعز ما يطلب تقديم وتحقيق د/ عمار طالبي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985 م 269 الورجلاني: الدليل والبرهان: ج 332/ 3. 2 - الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 335/ 1 - 336. ر. الغزالي: الإحياء: ج 47/ 1.
- 146 - (1/146)
صفحة 147
القشر الأول: هو أن تقول بلسانك "لا إله إلا الله" وهذا يسمى توحيدا مناقضا للتثليث الذي صرّح به النصارى، ولكنه قد يصدر عن المنافق الذي يخالف
سره جهره.
القشر الثاني: أن لا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول بل
يشتمل ظاهر القلب على اعتقاده، وكذلك التصديق به وهو توحيد عوام الخلق، والمتكلمون يحرسون هذا القشر من تشويش المبتدعة.
الثالث وهو اللباب وذلك لا يفهمه أكثر المتكلمين فإن مفهومه لم يتصفوا به وهو أن يرى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع التفاته عن الوسائط والأسباب، فلا يرى الخير والشر إلا من الله جل جلاله، وأن يعبده عبادة يفرده بها ولا يعبد معه غير، وهذا مقام شريف إحدى ثمراته التوكل ومن ثمراته ترك الشكاية إلى الخلق، وترك الغضب عليهم والتسليم لحكم الله جل جلاله.
ويبين في عبارة واضحة أن "الموحد" الحقيقي هو الذي لا يرى إلا الواحد الخالق جل جلاله، ولا يوجه وجهه إلا إليه، وهو امتثال قوله تعالى: قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون (1) وليس المراد به القول باللسان، إنما اللسان ترجمان يصدق مرة ويكذب أخرى، وإنما موقع نظر الله تعالى المترجم عنه هو القلب، وهو
معدن التوحيد ومقره
(2) 11
من خلال ما سبق نجد أن الجيطالي حاول أن يعطي للتوحيد بعدا عمليا ذوقيا متأثرا بأبي حامد الغزاني وأبي يعقوب الورجلاني ليتمكن من إنزال التوحيد من التصور النظري الذي رسمه المتكلمون إلى واقع حياتي معيش، إذ لا يكفي للإنسان أن يعتقد أن الله وأحد ولم يوحده عمليا. وهذه الرؤية الشاملة للتوحيـ
يتفق عليها دعاة التغيير والإصلاح في المجتمعات الإسلامية قديما وحديثا.
1 - سورة الأنعام، الآية: 91.
2 - الجيطالي: قناطر الخيرات القسم 337/ 1. ر. الغزالي، الإحياء: ج 47/ 1 - 48.
147 (1/147)
صفحة 148
وبما
أنه معلوم أن الأشياء لا تتميز إلا بأضدادها لذلك لا يمكن أن نتصور حقيقة التوحيد دون تصور حقيقة الشرك لكونهما معنيين متضايفين، وهذا ما دعا إليه الجيطالي في قوله: "علينا أن نعلم أن الشرك مساواة الله بغيره لأن لأن معرفة الشرك توحيد، وجهله شرك، ومن عرف التوحيد عرف الشرك، وكذلك الشرك من عرفه فقد عرف التوحيد" ويرى أن العلم بالوحدانية "يبنى على نفي التشريك، والتشريك على ثلاثة: الاتصال والانفصال والحلول
(1) "
هذه نظرة الجيطالي إلى حقيقة التوحيد في جانبيها النظري والعملي. وإذا كانت كلمة التوحيد هي مما يجب على كل بالغ سليم العقل أن يعتقدها بقلبه، ويقر بما بلسانه، فقد وقف الجيطالي عند مسألة لها ارتباط بخصائص بيئته الثقافية وهي: اللغة التي تؤدّى بما كلمة التوحيد، وأوضح رأيه فيها.
-2 - كلمة التوحيد واللغة التي تؤدّى بها
بحكم كون أغلبية المجتمعات المغربية أمازيغية اللسان، فقد أثيرت هذه المسألة: بأية لغة تؤدّى كلمة التوحيد؟ وهل يجوز أن تؤدى بغير اللغة العربية؟ ذكر الجيطالي قولين في المسألة (3):
الأول: زعم البعض أنه يجب على الإنسان أن يأتي بجملة التوحيد (4) كلّها باللغة العربية، فإن ترك منها شيء فلا يجزيه وقد وجدت هذا القول لصاحب السؤالات يقول: من قال الله واحد بالبربرية، فلا يقال إنه أتى على جميع الوصف
11
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 50/ 1 و.
2 الجيطالي: قناطر الخيرات القسم 129/ 1. سيأتي الحديث عن أقسام الشرك ووجوهه في الفصل السادس. 3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 26/ 1 و.
-4 - يراد مصطلح "جملة التوحيد" في المصادر الإباضية هو إقرار العبد بالشهادتين، وأن ما جاء به رسول الله من الأحكام والشريعة هو الحق.
- 148 - (1/148)
صفحة 149
بصفاته عزّ وجلّ، وإن قال الله واحد بالعربية فقد أتى على جميع الوصف بصفاته" (1) الثاني: وقد حكي عن أبي الربيع سليمان بن يخلف أنه قال: يجزيه إذا أتى بها بأي لغة شاء. (2)
وقد اختار الجيطالي القول الثاني ورجّحه لكونه هو "اللائق برأفة الله عز
وجل، والأول إلى التنطع أقرب" (3)
وعلى حسب اطلاعي يبدو أن إباضية المغرب تفردوا بالنظر في هذه المسألة
و دراستها، وفي هذا دلالة على ارتباط علم الكلام بالواقع الاجتماعي، وإمكانية
تجدد مسائله حسب البيئات.
3 براهين الوحدانية
استدل الجيطالي على إثبات الوحدانية الله تعالى بأدلة من القرآن والسنة
والعقل نوردها فيما يأتي:
أ من القرآن
تضمنت معظم سور القرآن موضوع التوحيد ومن الآيات التي استدل بها (4):
قوله تعالى: إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولدهم (5)
وقال تعالى: (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال (6) وقوله تعالى: وذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل (7)
1 - أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي: السؤالات: 102. ومن تشدّده أيضا قوله: "يجب على العبد أن يعلم سبعة أسامي بالعربية: الله جبريل، آدم محمد الجنة النار القرآن" ر. المصدر نفسه: 188.
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 26/ 1 و.
3 - المصدر نفسه.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 49. القناطر: القسم 331/ 1.
-5 - سورة النساء، الآية: 171.
6 - سورة يونس، الآية: 32.
7 - سورة الحج، الآية: 62.
149 (1/149)
صفحة 150
السنة ب من -
استدل بما يأتي (1):
- الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني من غرائب العلم قال: "وما صنعت في رأس العلم حتى تسأل عن غرائبه، قال: وما رأس العلم؟ قال: "معرفة الله حق معرفته"، قال: وما معرفة الله حق معرفته؟ قال: أن تعرفه بلا مثل، ولا ند، واحدا، أحدا، ظاهرا، باطنا، أولا، آخرا، لا كفؤ له، فذلك معرفة الله حق معرفته (2)
- وقوله:: "بني الإسلام على خمسة على أن يوحد الله ... " (3)
- وقوله الله في التليبة: "لبيك لا شريك لك " (4)
ج- من العقل
أثبت الجيطالي وحدانية الله تعالى بأدلة عقلية اجتهد في بنائها وصياغتها صياغة منطقية محكمة، نعرض بعضا منها فيما يلي:
دليل التمانع: اعتمد عليه المتكلمون في إثبات الوحدانية وإن اختلفوا في طرق صياغته. وقد أشار الجيطالي إلى فكرته بإيجاز، يقول: "الدليل على أن الله واحد من القياس إبطال الاتفاق في الصنع من اثنين وقيل اتصال التدبير وقوام الصنعة قال تعالى: ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتان (5) وقال: وما كان معه من إله إذا
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 49/ 1 ظ. القناطر: القسم 331/ 1. 2 - أخرجه الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: ج 214/ 3، رقم: 826. -3 - أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب بيان أركان الإسلام ج 45/ 1، رقم: 16. -4 أخرجه البخاري كتاب الحج، باب التلبية: ج 561/ 2، رقم: 1474.
-5 سورة الأنبياء، الآية: 22
- 150 - (1/150)
صفحة 151
(2) (1)
لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض الله ونجد صورة هذا الدليل
عند أبي عمرو عثمان بن خليفة السوفي.
(3)
دليل نفي التشبيه يرى الجيطالي أن التشبيه يقوم على ثلاثة: التقييد
بالزمان والتقييد بالمكان، والتقييد بالجنس وبعبارة أخرى التغير، والتحيز،
الله
هذا
والتأليف (4). وقد نفى التشبيه عن تعالى مطلقا ليثبت له الوحدانية، ويصيغ الدليل كالآتي: "فحقيقة المعرفة بالله تعالى أن تعلم أن الأشياء لا تشبهه من جميع الجهات في، فعل، ولا اسم ولا صفة ولا ذات لأنه لو أشبه شيئا من الأشياء ولو في أقل القليل لدخل عليه العجز من تلك الصفة فلهذا أوجب على المكلف أن يعرف حقيقة الوحدانية الله تعالى، ويصفه بما يليق به من الصفات، وينفي عنه شبه الأشياء من جميع الجهات، وإن اتفقت الأسماء في اللفظ فليعلم أن تلك المعاني مختلفة نظير ذلك أن الله قديم لم يزل وعالم لا يجهل، ويقال لبعض الخلق قديم، وعالم، ولا يقال لم يزل ولا يجهل، فيتفق اللفظان، ويختلف المعنى لأن تأويل قول القائل: الله قديم أي من غير بدء، ولا أول لوجوده، والإنسان القديم إنما يعني بعدد السنين والأوقات، وقد كان له بدء وأول وكذلك قوله: فلان عالم إنما أخبر عن علم استفاده بعد جهل، وهو مع ذلك جاهل بأكثر الأشياء، فالفصل بين معاني هذه الأسماء أنك تقول: الله قديم لم يزل، ولا يزال، ولا يجوز ذلك في غيره. وتقول عالم لا يجهل، وقدير لا يعجز، وكذلك جميع الصفات على هذا الحال لأن الله تعالى يقول: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (5) وقال: وهل تعلم له سميا (6)
1 - سورة المؤمنون، الآية: 91
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 49/ 1 ظ.
3 - أبو عمرو عثمان السوفي: السؤالات: 105.
-4 - الجيطالي: القناطر: القسم 129/ 1.
5 - سورة الشورى، الآية: 11.
-6 - سورة مريم، الآية: 65.
151 (1/151)
صفحة 152
وقال: ولم يكن له كفوا أحد (1) فثبت بدليل الشرع وشاهد العقل أن الله لا
يشبهه شيء من الأشياء في اسم ولا صفة ولا ذات ولا فعل.
(2) 11
دليل نفي الغيرية صاغه كالآتي: "أخبرني عن خالق الأشياء أواحد هو أم اثنان؟ قيل له إن محدث الأشياء واحد ليس له ثان فلو كان معه غيره لكان لا يخلو كل واحد منهما أن يكون يقدر أن يفني صاحبه أو لا يقدر، فإن كان كل واحد منهما قادرا على إفناء صاحبه كانا ضعيفين جميعا، إذ كل واحد مقدور لصاحبه، مقهور ذليل، والذليل المقهور لا يكون إلها وإن كان كل واحد منهما غير قادر على صاحبه فغير القادر عاجز والعاجز لا يكون إلها، فإن كان أحدهما قادرا على صاحبه قاهرا له، فالقاهر والقادر هو الإله والمقهور الذي تجري عليه قدرة
القادر هو مخلوق، وذليل مقهور
(3) 11
دليل نفي التحيز والتجزؤ يعرض هذا الدليل بالصورة الآتية: "فإن قال فإذا ثبت أنه واحد فما معنى قولك واحد؟ أهو كما يقال للجوهر إنه واحد وإن كان أجزاء متفرقة؟ تعالى الله عن ذلك. فإن قال كما يقال للأشياء المجتمعة حيكة واحدة قيل له: لا، فإن قال كما يقال للجوهر الواحد في عينه واجتماعه. قيل له: لا فإن قال فما معنى قولك الله واحد إذا أبيت عن هذه المعاني؟ قيل له: معنى قولنا أي الله، واحد لا واحد الأشياء التي شاهدنا، وذلك إنا شاهدنا الواحد من الأشياء على ضربين إما واحد في اسمه متحيز في معناه أعلام التدبير فيه ظاهرة، أو يكون واحدا في عينه ولو كان أقل قليلا لكان محتملا للصنعة لأنه لا يخلو من أن يكون محاطا به متحركا أو ساكنا يحتمل أن يضم إليه، أمثاله ذا جهات مختلفات، فنفينا عن الله عز وجل أن يكون واحدا في اسمه متجزئا في معناه، لأن المتجزئ متفاضل
1 - سورة الإخلاص، الآية: 4.
2 الجيطالي: القواعد: ج 33/ 1 - 34. القناطر: القسم 325/ 1 - 326.
3 الجيطالي: شرح النونية: ج 54/ 1 ظ، 55 و.
152 (1/152)
صفحة 153
الأجزاء، بعضها أفضل من بعض فيدخل عليه النقص في الأجزاء المفضولة فما كان ناقصا غير تام فليس بإله فأثبتناه واحدا في صفاته واحدا في فعله، أي لا ذات كذاته ولا أحد يوصف بصفاته، ولا أحد يفعل كفعله. (1)
دليل نفي التعدد وقد صاغه على النحو الآتي: "فإن قال قائل ما حجة من زعم أن الآلهة اثنان أو ثلاثة فصاعدا؟ قيل له: لا يخلو الاثنان فصاعدا من أن يكونوا في القدرة سواء فيخلق كل واحد منهما خلقا على حدة، ولا يستطيع منع صاحبه على ما خلق فإن كانوا كذلك فقد صاروا كلهم، مقهورين، غير مستطيعين بخلق ما يريدون، فمن كان هكذا فهو عاجز ليس بإله فإن كانوا في القدرة سواء، فقد اصطلحوا جميعا على الخلق قيل له: ليس أحد يطلب الصلح إلا لجر منفعة أو لدفع مضرة فهم كلهم محتاجون، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها، والله تعالى لا يحتاج إلى
أحد فهو الغني الحميد
(2) 11
خلاصة القول
وحدانية
يتضح لنا مما مضى أن الجيطالي قد بذل جهده في رصد الأدلة التي تثبت
الله
تعالى، وتنفي عنه التساوي بغيره، وقد عوّل على الأدلة العقلية، وسلك
"
في عرضها طريقة "السؤال والجواب معتمدا على الحجج المنطقية ليتمكن من الرد على دعاوى المنكرين بنفس الآليات والأساليب التي يستخدمونها.
وما يلاحظ على الأدلة العقلية التي ساقها التقارب في فكرتها الرئيسة، وفي
منهج عرضها كما أنها تبقى حججا موجهة إلى طبقة خاصة من الناس دون
عامتهم نظرا للتعقيد الوارد في أساليبها.
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 55/ 1 و.
2 - المصدر نفسه: ج 49/ 1 ظ.
- 153 - (1/153)
صفحة 154
وقد خاض الجيطالي في بعض المسائل المتعلقة بالتوحيد (1)، وأبدى فيها وجهة
نظره منها: هل التوحيد اكتساب أم اضطرار. وهل هو فعل العبد أم فعل الله؟ وما يفعل التوحيد في الإنسان القلب أم اللسان؟ وهل خصال التوحيد تزداد وتنقص؟ وبماذا يثبت التوحيد لأهله؟ وما هي دار التوحيد؟ وغيرها من المسائل التي قد يبدو البحث فيها في عصرنا غير ذي نفع إلا أننا لو نزلناها في محيطها الفكري لأدركنا أن الجيطالي، وغيره من العلماء أحاطوا بموضوع التوحيد من كل جوانبه، وضبطوا
جزئياته ليسدوا جميع المنافذ في وجه الشاكين والمنكرين.
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 55/ 1 و.
- 154 - (1/154)
صفحة 155
المبحث الثالث
صفات الله تعالى
اتفقت الأمة الإسلامية على مبدإ عقدي هام، وهو أن الله تعالى يوصف
بصفات الكمال ويتره عن صفات النقص، لكن ما إن أثيرت بعض الإشكاليات الصفات (1)، كعلاقة الذات بالصفات، والشبه بين صفات الله
المتعلقة
بموضوع وصفات الانسان وغيرها من مسائل الكلام التي خاض فيها المسلمون حتى تفرقوا مذاهب ذات اتجاهات مختلفة: اتجاه التأويل، واتجاه التفويض والتسليم، واتجاه
اللغة، وأحكام
التشبيه والتجسيم. كان الجيطالي من أنصار التأويل الذي يتوافق مع قوانين العقل، ودافعه إلى ذلك تتريه الباري جلّ ثناؤه من النقص، والمشابهة، ووصفه بما
يليق بجلال ملكه، وعظيم سلطانه.
وقد تناول أبرز المشكلات المثارة في موضوع الصفات الإلهية، وحاول
عرضها بأسلوب تحليلي لا يخلو من نزعة جدلية. فلنبدأ الحديث بتعريف الجيطالي للصفة وأقسامها.
1 - تعريف الصفة
في اللغة: وصف الشيء له، وعليه، وصفا، وصفة: حلاه. الوصف المصدر،
والصفة الجلية كالعلم، والسواد. أما النحويون فليسوا يريدون بالصفة هذا لأن الصفة
عندهم هي النعت، والنعت هو اسم الفاعل نحو ضارب، واسم مفعول نحو مضروب.
-1 - مصدر إثارتها يتمثل في: أ-
مصدر داخلي الآيات والأحاديث الموهمة للتشبيه).
ب مصدر أجنبي (اللاهوت المسيحي وأهل الكتاب عموما، والفلسفة اليونانية ....
2 - ابن منظور: لسان العرب: ج 356/ 9 - 357. (مادة وصف)
(2)
- 155 - (1/155)
صفحة 156
بين الجيطالي مدلول الصفة هو ما بان به الشيء من غيره فإذا ذكر الواصف صفة الشيء فقد أبانه عن غيره من الأشياء بصفاته التي ذكرها (). وأكد أن الصفة للموصوف كما أنّ الوصف للواصف (2) .. وردّ على من. (2) .. وردّ على من قال إن الصفة هي الوصف منتهجا طريق الإلزام في قوله: ألا ترى أن لو كان ذلك كما قالوا، أليس تكون الأشياء كلّها موجودة قائمة من غير صفة حتى يكون الوصف لها من الواصفين فهذا مما يبطل وجود الأشياء بصفاتها في أعيانها فيكون الأبيض ليس بأبيض حتى يقال فيه: إنه أبيض والحار لا يكون حارًا حتى يقال إنه كذلك، وكذلك البارد لا يكون موصوفا بالبرودة حتى يقال فيه: إنه بارد، والمتحرك غير موصوف بالحركة ولا موجود بها حتى يقال: إنه كذلك، وكذلك السكون والألوان بأسرها أيضا ... ففي هذا إبطال وجود الأشياء فلما صح هذا ثبت أن صفات الأشياء هي حقائقها التي لا توجد إلا بما، وبطل القول بأن صفات الأشياء هو ما يوجد من وصف الواصفين لها. ألا ترى أنه لو لم يوصف الواصف أكان جائزا أن تكون الأشياء موجودة بغير صفة من الصفات، ولا حقيقة من وهذا قد بان فساده جدا (3)
2 - أقسام الصفات
الحقائق
أورد الجيطالي تقسيم إباضية المشرق للصفات الإلهية وهي على ثلاثة أقسام:
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 106/ 1 ظ. ويعرفها أبو عمار هي: "ما بان به الشيء من غيره على ما هو به في ذاته ونفسه، وصفه الواصفون أو لم "يصفوه ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز، تحقيق د/عمار طالبي:
•
180/ 2€
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 1/ 91 و.
ر.
الوصف هو قول الواصف، وهو ذكر الصفة، الموصوف: المستحق للصفة. المصدر نفسه: ج 104/ 1 و-106 ظ.
-3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 106/ 1 ظ/107 و. وهو ما ذهب إليه أبو عمار عبد الكافي في الموجز: تحقيق
دا عمار طالبي: ج 180/ 2 - 181.
- 156 - (1/156)
صفحة 157
أ- صفات الذات التي لم يزل ربنا موصوفا بها في الأزل والحال كالقدم، والحياة، والعلم والقدرة، والإرادة والكلام والسمع، البصر، والعزة، وغيرها، الله ضدها فهى صفة ذات (1)
وكلّ صفة تنفي عن ب صفات الفعل وهي كلّ صفة تثبت وضدّها في الوجود فهي من
صفات الفعل كقوله: يعطي، ويمنع ينيب، ويعاقب.
ج
(2)
صفات مشتركة، وهي كل صفة تحتمل معنيين مثل صادق على نفي
(3)
على نفي
الكذب صفة ذات وصادق مخبر بالصدق صفة فعل. وكذلك سميع الصمم صفة ذات، وبمعنى يقبل الدّعاء صفة فعل. ويرى الجعبيري أن هذا التقسيم هو أكثر التقسيمات (4) دقة، ووضوحا وشمولا (5). و يذكر الجيطالي أن صفات الله تعالى كلّها ذاتية لأنه يسمى قبل الخلق خالقا، رازقا، ساخطا)، وبالتالي فهي قديمة أزلية. وإن كان في هذه المسألة خلاف، حيث اختلفت آراء الإباضية في صفات الأفعال هل هي قديمة أو حادثة؟ فذهب إباضية المغرب إلى أنها قديمة، أزلية، فالله قبل الخلق والرزق يوصف بأنه خالق، رازق على معنى سيخلق، وسيرزق. ووافقهم على ذلك الماتريدية، وأما إباضية المشرق فيرون أن صفات الفعل حادثة فالله قبل الخلق، والرزق لا
-1 الجيطالي: شرح النونية: ج 93/ 1 ظ.
2 - المصدر نفسه.
3 - المصدر نفسه.
4 - التقسيمات الأخرى عند الإباضية هي: - صفات ذاتية، وصفات فعلية.
- صفات ذاتية، وصفات فعلية، وصفات مشتركة.
5 - الجعبيري: البعد الحضاري: ج 249/ 1. 6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 92/ 1 ظ، 94 و.
- صفات واجبة وصفات مستحيلة، وصفات جائزة.
7 - أبو عذبة: الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية، تحقيق عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، بيروت،
ط 1، 1989 م: 63 - 64.
- 157 - (1/157)
صفحة 158
يكون خالقا رازقا، ووافقهم على ذلك الأشعري (1). قال البدر الثلاثي (2): "هذا ما يؤخذ من كلام المشارقة على أن صفات الأفعال حادثة عندهم، والذي عليه المغاربة أن صفات الله كلّها قديمة أزليّة لأنه يقال الله تعالى خالق في الأزل على معنى سيخلق، ورازق في الأزل على معنى سيرزق، وهكذا". (3)
وقد دار الحوار بين علماء الإباضية في هذه المسألة الخلافية إلا أنه لم يخل من عبارات التعنيف والتفسيق التي قد ينجم عنها تفريق في صفوف المسلمين. يقول الشيخ يونس بن أبي زكرياء): " من قال لا يجوز على الله خالق ولا رازق في الأزل فهو كافر منافق، ومن قال ليس بخالق ولا رازق فهو مشرك وكذا في سائرها أشبه ما ذكرنا (5) واعترض الرستاقي (6) على هذه الفكرة بقوله: "ولا يجوز أن يقال: لم يزل بارئا، ومصوّرا، ورازقا، وخالقا وما كان من صفات الأفعال لأن ذلك يوجب قدم
الفعل في الأزل، والله سبحانه وتعالى لم يزل ولاشيء معه ثم أحدث الأشياء". (7) ويردّ الجيطالي في شرح النونية على المشارقة مبينا أن الله تعالى يقول في كتابه:
1 - أبو عذبة الروضة البهيّة فيما بين الأشاعرة والماتريدية، تحقيق عبد الرحمن عميرة: 63 - 64. 2 عمرو بن رمضان الثلاثي الجربي (ت 1187 هـ / 1773 م) عالم جربي، له مؤلفات عديدة منها: شرح قصيدة النونية لأبي نصر، وديوان شعر. ر. محمد محفوظ تراجم المؤلّفين التونسيين: ج 242/ 1. جمعية التراث:
معجم أعلام الإباضية: ج 663/ 3، ترجمة: 687 الجعبيري: البعد الحضاري: ج 160/ 1 وما بعدها. -3 - السالمي: مشارق أنوار العقول، تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط 1، 1989 م: ج 343/ 1. 4 - يونس بن فصيل بن أبي مسور (ق 5 هـ/11 م) أخذ العلم عن أبيه فصيل في الجامع الكبير بجربة، نشط في تأسيس نظام الحلقة مع أبي عبد الله محمد بن أبي بكر (ت 440 هـ/1049 م) وكان من
أعضاء
الحلقة. ر. الجعبيري: نظام العزابة: 196.
5 - الجعبيري: البعد الحضاري: ج 247/ 1.
-6 - خميس بن سعيد بن علي بن سعود الشقصي الرستاقي من إباضية عمان (ق 10 - 11 هـ/16 - 17 م). الطالبين وبلاغ الراغبين تحقيق الحارثي، ط. عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1979 م،
ر. الرستاقي منهج مقدمة المحقق: ج 8/ 1.
-7 - الجعبيري: البعد الحضاري: ج 247/ 1.
- 158 - (1/158)
صفحة 159
خبر
ال إن ربك هو الخلاق العليم (1) ومثل هذا في كتاب الله كثير، وليس في الخبر دليل على الفرز ما بين صفات الذات وأسمائها، وصفات الفعل وأسمائه، فقوله "العليم" الخلق ولم يستوجب الصفة بخلق الخلق فلو كان كذلك لم تجب له الصفة حتى يخلق ولا يقال له خالق لما لم يخلق بعد، وقد أخبرنا الله عزّ وجلّ في كتابه أنه وفعّال لما يريد (2) لما لم يفعل، فقال: فعّال لما يريد وخالق كل شيء (3) فدخل في هذا المعنى ما خلق، وما لم يخلق، وكذلك قوله: وفعّال لما يريد كما يستند الجيطالي إلى اللغة التي تجيز ذلك، قال الله تعالى لنبيه: إنك ميت وإنهم ميتون (4) وكذلك يسمون من أراد الخروج خارجا، ومن أراد الحج حاجا. (5)
ويبدو جليا أن الخلاف بين الفريقين خلاف معنوي، لا لفظي كما ذهب إلى ذلك الجعبيري () فالمغاربة يقولون بقدم الصفة لا قدم متعلقاتها في المخلوقات وأما المشارقة فيقولون بحدوثها باعتبار متعلقاتها إذ يلزم عندهم من حدوث المكوّن حدوث التكوين.
3 - إثبات الصفات الذاتية
استدل الجيطالي على إثبات الصفات الذاتية لله تعالى كالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام والسمع والبصر وسائرها بأدلة عقلية منطقية، وهي
بالتفصيل فيما يأتي:
1 - سورة الحجر، الآية: 86.
-2 سورة هود، الآية: 107.
3 - سورة الرعد، الآية: 16. قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار
-
- سورة الزمر، الآية: 30
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 108/ 1 ظ. 6 - الجعبيري: البعد الحضاري: ج 248/ 1.
- 159 - (1/159)
صفحة 160
أ الحياة
هي
صفة
الله حي إثبات أنه ليس الله عزّ وجلّ لم يزل موصوفا كما، ومعنى
بميت، ولا يموت والدليل على حياته تصرفه في الحدث بالإنشاء، والإعادة، والإفناء والإبادة والنقص والزيادة لأن الأموات استحالت الأفعال. وعن
منهم
علاقة صفة الحياة بالذات يرى الجيطالي أن الله حي بذاته لا يقال بحياة لئلا يوهم الغيرية، ولا بغير حياة لئلا يوهم تناقض القول. (1)
ب العلم
صفة الله تعالى في ذاته على نفي الجهل، وقد استدل الجيطالي على إثبات العلم بطريقين هما:
-
ما نشاهده في هذا الكون من إتقان بديع، ونظام عجيب في الأرض والسموات والأشجار والجماد والحيوانات وتركيب عظيم، وتدبير قويم دليل على أن صانعها عالم بما قبل تكوينها إذ لا تأتي صنعة ممن لم يتقدّم له بكيفيتها. (2)
- دليل السبر والتقسيم: "قال قائل ما الدليل على أنه لم يزل عالما قيل له لا
-1 الجيطالي: شرح النونية: ج 95/ 1.
أثارت مسألة "علاقه الصفات بالذات" جدل المتكلمين والفلاسفة فتباينت أقوالهم وهي على أربعة: أ- صفات الله تعالى هي عين ذاته، وليست مستقلة عنه، وهذا قول المعتزلة والإباضية. ب- إنها قائمة بالذات ولكنها ليست هي الذات ولا هي غيرها بل زائدة عليها وهو رأي الأشعرية. ج- إن الصفات مستندة في ثبوتها والعلم بها إلى أحوال وراء الذات أي أن هناك أحوالا أو معاني من أجلها اتصفت الذات بالعلم والقدرة، والحياة، ولا تعلم هذه
الصفات إلا مع الذات وبالذات وهو رأي أبي هاشم الجبائي.
د يرى الفلاسفة أن هذه الأوصاف ليست ثبوتية وإلا أدّى إلى الكثرة في ذاته، والكثرة دالة على الإمكان وقد ثبت أنه واجب الوجود.
وهناك فريق من العلماء المتقدمين والمتأخرين اختار عدم الخوض في هذه المسائل لأنها خارجة عن نطاق
العقل، فالعلم بما لا ينفع والجهل بما لا يضر، كما أن ذات الله فوق الإدراك.
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 95/ 1 وظ.
- 160 - (1/160)
صفحة 161
يعدو أن يكون إنما كان عالما بنفسه أو بمعنى غيره فإن كان بمعنى غيره فلا يخلو
ذلك المعنى من أن يكون قديما معه أو محدثا، أحدثه، فإن كان قديما فهو أولى
فلا يخلو من
بالألوهية لكونه محتاجا إليه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإن كان محدثا أحدثه أن يكون أحدثه لنفسه وهو يعلمه أو لا يعلمه، وإن كان لا يعلمه فالجاهل لا يحدث شيئا، وإن كان يعلمه فلابد لذلك العلم من عالم يعلمه به، ولابد للعالم من علم فيتحصل ذلك إلى ما لا غاية فلما فسد هذا صح أنه لم يزل عالما بنفسه وبذاته لا يعلم هو معنى غيره.
ج- القدرة
الله عزّ وجلّ في ذاته لم يزل موصوفا بها في الأزل والحال، ولقد
صفة الله وهي
استدل على إثباتها بطريقين هما:
- ما وجد من هذه الصنعة دلّت على صانعها، والفعل لا يصدر إلا عن قوة وإلا فالقوي والزمن واحد، (2) والقدرة هي السلطة على الفعل، وهو ما يراه محمد عبده في رسالة التوحيد، يقول: "لما كان الواجب هو مبدع الكائنات على مقتضى علمه وإرادته فلا ريب يكون قادرا بالبداهة لأن فعل العالم المريد فيما علم وأراد إنما يكون بسلطة له على الفعل، ولا معنى للقدرة إلا هذا السلطان " (3)
- دليل السبر والتقسيم ويعرضه بالشكل الآتي: "فإن قال ما الدليل لم يزل قادرا؟ قيل له من قبل أنه لا يخلو أن يكون قادرا بنفسه، أو بمعنى غيره، فإن كان قادرا بمعنى غيره فلا يخلو ذلك المعنى أن يكون قديما معه، أو محدثا، فإن كان قديما فهو أولى بالربوبية لكونه محتاجا إليه فإن كان محدثا أحدثه فلا يخلو أن يكون أحدثه وهو يقدر عليه أو لا يقدر عليه، فإن كان لا يقدر عليه فهو عاجز، لا يحدث
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 95/ 1 ظ. 2 - المصدر نفسه: ج 98/ 1 و.
-3 - محمد عبده: رسالة التوحيد، دار إحياء العلوم، بيروت، ط 6، 1986 م: 63.
- 161 - (1/161)
صفحة 162
شيئا، وإن أحدثه وهو يقدر عليه فما القدرة التي قدر بما عليه؟ فإن كان بقدرة غيره لاتصل ذلك إلى ما لا نهاية له، فلما فسد صح أنه قادر بنفسه. ويتفق الجيطالي مع المتكلمين أن جميع الصفات تنضم إلى القدرة، وليس المعنى في ذلك أن يضموا صفة إلى صفة إنما أرادوا أن صفة القدرة تنفي جميع العيوب لا كلّ ما ينفى بصفة من الصفات فقد ينفى بالقدرة، والجهل منفي لام بالعلم وهو عجز، والعجز منفي بالقدرة، وكذلك الصمم والعمى ينفيان بالسمع الصفات. (2) والبصر، والصمم والعمى عجز، والعجز ينفى بالقدرة، وكذلك جميع
د الإرادة هي
صفة الله عزّ وجلّ في ذاته ينفى بها الاستكراه، فالله عزّ وجلّ مريد لم يزل، وليست الإرادة فعلا من أفعال الله كما ذهب قوم من المعتزلة بل هي
ذات عند الجيطالي. (3) أبطل الجيطالي مقالة الجهمية أن تكون إرادة الله المراد إذ لو كانت المراد، كان العلم هو المعلوم، والقدرة هي المقدور عليه، والعزة هي
الإرادة هي
المعتز عليه، وهذا فاسد جدا. (4)
في
وأما عن الفرق بين الإرادة والمشيئة في صفة الله عزّ وجلّ فهما بمعنى واحد،
وهو نفي الاستكراه عنه عزّ وجلّ.
وأما في اللغة فعبارة الإرادة أوسع محالا من عبارة المشيئة يقولون: أردت الله عزّ وجلّ بهذا الفعل على معنى التقرب إليه، ولا يقال: شئت إليه، ويقال: أردت
فلانا بمعنى قصدته ولا يقال شئته
(5)
1 - الجيطالي: شرح النونية، ج 98/ 1 و، القناطر: تحقيق النامي: القسم 298/ 1.
2 - الحيطالي: شرح النونية: ج 98/ 1 و.
3 - المصدر نفسه: ج 99/ 1 و.
4 - المصدر نفسه: ج 99/ 1 ظ.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 99/ 1 ظ.
- 162 - (1/162)
صفحة 163
والإرادة والمشيئة من صفات القادر لأن من صفات القادر إذا شاء أن يكون شيء كان، وإذا شاء أن لا يكون لم يكن كما أن من صفات العاجز إذا شاء أن يكون شيء فلا يكون، وإذا شاء أن لا يكون كان، فهذا، مغلوب والأوّل غالب) وقد تطرق الجيطالي إلى مسائل جزئية متعلقة بصفة الإرادة منها:
هل أراد الله موت الأنبياء والرسل وذهاب الصالحين؟
هل يقال أراد الله نفسه؟
هل أراد الله أن يكون الشيء قبل كونه، أو أراده بعد كونه، أو أراده حال كونه؟ (2). ولقد أجاب على هذه الإشكاليات المثارة سالكا أسلوب الحوار في العرض
(إن قال .. قيل)
هـ - الكلام
اتفق المسلمون أن الله تعالى متكلّم، وأن القرآن الكريم كلامه تعالى، لكن اختلافهم في مسألة حنوث القرآن وقدمه أثار جدلا عنيفا بين المذاهب تجاوز حد المناظرة باللسان إلى المناجزة بالسنان، والاقتتال بين أتباع الكتاب السماوي الواحد الذي يدعو قارئيه إلى الاعتصام بحبل الله تعالى، ونبذ التفريق.
أن
وإننا لنشك في أن توجد أياد دخيلة اندست في صفوف المسلمين تريد تجعل من كتاب الله (القرآن) سببا في نزاع أهله، ومدعاة لتفريق صف المسلمين كلما سنحت الفرصة كما فعلت قبل ذلك في حادثة رفع المصاحف على السيوف في وقعة صفين سنة (37) هـ)، وفي محنة خلق القرآن عام (218) هـ) التي اكتوى بنارها كثير من علماء المسلمين وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، يقول الشيخ الخليلي متحدثا عن هذه المجنة: "وقد أشعل نار هذه الفتنة بعض الدخلاء في الأمة
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 99/ 1 ظ.
2 المصدر نفسه وما بعدها.
- 163 - (1/163)
صفحة 164
الذين تقمّصوا الإسلام لحاجات في نفوسهم أرادوا قضاءها، أهمها إذكاء نار الفتنة بين طوائف الأمة، وتقسيمها إلى شيع وأحزاب وكل حزب بما لديهم فرحون (1) ولعلّ على رأس هؤلاء أبا شاكر الديصاني الذي قيل عنه إنه يهودي تظاهر
بالإسلام
(2) 11
لم يسلم الإباضية من الاختلاف فيما بينهم في شأن هذه المعضلة الكلامية فتعددت أقوالهم من أجل ذلك إلى خمسة وهي:
-
الاكتفاء بالإجمال دون تفصيل: إن الله خالق كل شيء، وما سوى الله مخلوق، وإنّ القرآن كلام الله، ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد.
- القرآن كلام الله وليس صفة لا فعلية ولا ذاتية.
- القرآن غير مخلوق.
- القرآن مخلوق.
- الوقوف في القضية دون قطع عذر القائلين بالقدم أو بالخلق. (3)
فما هو الموقف الذي اختاره الجيطالي؟
تبسيطا للإشكال، وتوضيحا للمسألة قسم الجيطالي كلام الله إلى وجهين: - الكلام الذي هو صفة له على نفي الخرس فذلك صفة له في ذاته لم يزل
موصوفا به.
- كلامه الذي هو القرآن وسائر كتبه المتركة فذلك فعل من
أفعاله لقوله
1 - سورة المومنون، الآية 53
-2 - أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ النهضة مسقط عمان 1989 م: 105 106. راجع عن محنة خلق القرآن / مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب الدار المصرية اللبنانية، ط 7، 1989 م: 449 وما بعدها.
3 - الجعبيري: البعد الحضاري: ج 353/ 1 - 354.
- 164 - (1/164)
صفحة 165
تعالى: فأجره حتى يسمع كلام الله به (1) ولا يسمع الإنسان كلامه إلا بأذنيه، وهذا المسموع محدث، وقد وصف الله تعالى كلامه الذي هو القرآن بالتشابه والتماثل، والاتصال، والانفصال، وأخبر أنه في اللوح المحفوظ، وفي صدور الذين أوتوا العلم، ووصفه بالذهاب والحدوث، والنزول، وغير ذلك من دلائل الحدث ومعنى المخلوق. (2)
ويظهر من هذا التقسيم أنّ الجيطالي أزال الالتباس بتفريقه بين الكلام الإلهي الذي هو صفة ذاتية قديمة كالعلم والسمع والبصر .. ويراد كما نفي الخرس، وهو ما اصطلحت الأشعرية على تسميته بالكلام النفسي (3)، وبين القرآن وسائر الكتب المنزلة التي هي كلام حال في صدور الذين أوتوا العلم، تسمعه الآذان، وتتلوه الألسن، وتخطّه الأقلام هذا الكلام يضاف إلى الله على أنه فعل من أفعاله سبحانه،
وخلق من خلقه، وليس صفة ذاتية.
و السمع والبصر
ثبت بأدلة النقل أنّ الله سميع بصير. فما مدلول هاتين الصفتين عند الجيطالي؟
ذكر الجيطالي أن للسمع ثلاثة معان هي:
-
سميع ليس بأصم، ولا يجري عليه الصمم.
سميع لا تخفى عليه الأصوات.
-
سميع بمعنى قابل ومنه سمع الله لمن حمده" ويقول الشاعر:
دعوت الله حتى خلت
أن الله سميع ما أقول. (أي يقبل).
1 - سورة التوبة، الآية: 6.
2 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي القسم 299/ 1. شرح النونية: ج 100/ 1 ظ. 3 الباقلاني: الإنصاف 106 وما بعدها، الإيجي: المواقف: 294.
- 165 - (1/165)
صفحة 166
11
ويجوز على الله يسمع كل شيء" بمعنى يعلمه، قال الصديق:
يذوذوننا عن ديننا وتذوذهم عن الكفر والرحمان راء وسامع. وبين الفرق بين سمع الله وسمع الإنسان هو أن الله سميع ليس بأصم، ولا
يجري عليه الصّمم، ولا يسمع بحاسة السمع، وهو يسمع لم يزل، ولا يزال، والإنسان إنما يسمع بحاسة السمع ويجري عليه الصمم.
وأمّا البصر صفة الله عزّ وجلّ أي ليس بأعمى ومن معنى البصير:
- لا تخفى عليه الألوان.
وبمعنى العالم قال الله تعالى: والله بصير بما تعملون (1) أي عالم
(2)
بأعمالكم لأنّ الأعمال أعراض ليست بألوان فترى ويجوز أبصر الألوان، وأبصر كلّ شيء. بمعنى علم. وقد اختلفت المدارس الكلامية في تحديد المراد من السمع والبصر. فأما المعتزلة البصريون فيرون أن الله تعالى سميع بصير مدرك للمدركات، وأن كونه مدركا صفة زائدة على كونه حيا، وأما المعتزلة البغداديون فذهبت أن وصفنا الله سميع بصير بصير على معنى أنه عالم (3) وقد اعترض الأشعري على هذا القول الأخير بقوله: "لو كان معنى سميع بصير معنى عالم لكان كلّ معلوم مسموعا وإذا لم يجز ذلك بطل قونكم". وأما الأشعرية فقد ذهبت أنّ السمع والبصر أمران زائدان على كونه حيا فلما ثبت أن الحي في الشاهد يصح أن يتصف بالسّمع والبصر فكذلك الله تعالى ويعرضه الجويني في قوله: إذا قد ثبت كونه حيّا، والحي لا يخلو عن الاتصاف بالسمع والبصر والكلام وأضدادها. وأضداد هذه الصفات نقائص والرب سبحانه يتقدّس عن سمات النقص".
1 - سورة الحجرات، الآية: 18.
(5) 11
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 101/ 1 ظ.
-3 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 107/ 1.
4 - الأشعري: الإبانة في أصول الديانة، دار القادري، بيروت، ط 1، 1991 م: 72.
(4) 11
-5 - أبو المعالي الجويني: لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة تحقيق د/ فوقية حسين محمود، عالم الكتب، بيروت، ط 2، 1987 م: 97
- 166 - (1/166)
صفحة 167
وبالمقارنة بين هذه الأقوال المتقاربة يتبين لنا أن الجيطالي سلك مسلكا توفيقيا فلم يمنع أن يكون السمع والبصر صفتين تتعلقان بالإدراك حال وجود المسموعات والمبصرات لقوله تعالى ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار (1) وقوله: وإن ربي لسميع الدعاء مع تأكيده على نفي المماثلة بين سمع الله وسمع الله وبصر الإنسان، إذ لا مجال لقياس الغائب على الشاهد. كما أنه جوز أن يتعلّق السمع والبصر بالعلم فالله سميع بصير كما تدلّ عليه الآيات القرآنية كقوله: واعملوا صالحا إنّي بما تعملون بصير (3) هكذا أثبت الجيطالي أنّ الله تعالى حي، عالم، قادر، مريد، متكلم، سميع، بصير، سير، وأن وأن صفاته هي قائمة بالذات، غير متغايرة.
الإنسان، وبصر
هو، وأنها غير
وقد اشتمل القرآن الكريم والحديث الشريف على نصوص متشابهة كاليد، والوجه والعين، والساق، وغير ذلك مما جعل الناس يختلفون في منهج قراءتها، وهل تلحق بالصفات الإلهية أم لا؟ فذهبت الماتريدية)، الأشعرية (5) والكرامية (6)
1 - سورة الأنعام، الآية: 103.
-2 سورة إبراهيم، الآية: 39
-3 - سورة سبأ، الآية: 11.
4 - ر. أبو منصور الماتريدي: شرح الفقه الأكبر، المكتبة العصرية، بيروت، (د. ت): 113 - 114.
الشهرستاني: الملل والنحل تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل دار الفكر، بيروت (د. ت): 112. اختلفت الأشعرية في التعامل مع هذه الصفات فأما السلف منهم فيرون إثباتها بلا كيف كما أنهم أنكروا على المؤولة، وأما الخلف منهم فقد أولوها اتباعا لمدرسة التأويل. ر. الأشعري: الإبانة في أصول الديانة: 55 - 56. الإيجي: المواقف: 296 - 297، الجويني: لمع الأدلة، تحقيق فرقية حسين محمود: 108. الغزالي: الإحياء: ج 140/ 1 - 141. 6 - الكرامية نسبة إلى زعيمها أبي عبد الله محمد بن كرام السجستاني الزاهد (ت 255 هـ / 868 م) وله أتباع في خراسان وفلسطين. ر. الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، 1990 م: ج 223/ 1. عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد المكتبة العصرية، بيروت، 1990 م 215. الرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1986 م: 87.
- 167 - (1/167)
صفحة 168
إلى أنها صفات قديمة، قائمة بالذات دلّ عليها الخبر، وسمتها الصفات الخبرية. وفي المقابل يرى المعتزلة (1) والإباضية (2) والإمامية (3) والزيدية (4) وبعض المحققين (5)
أنها ألفاظ مجازية لها تأويلها في اللغة. تُرى ما هو موقف الجيطالي من
تعامله
مع
هذه النصوص؟
4 - المتشابه من النصوص وكيف فسره الجيطالي؟
شاء الله تعالى أن يورد في كتابه نصوصا متشابة تحمل دلالات مختلفة اختبارا لإيمان الناس ولمدى رسوخهم في العلم فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنًا
1 - الأشعري: مقالات الإسلاميين تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد: ج 271/ 1. عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 156/ 1 وما بعدها، د/ أحمد محمود صبحي: في علم الكلام (المعتزلة)، دار النهضة
العربية، بيروت، ط 5، 1985 م: ج 125/ 1 وما بعدها.
2 الربيع بن حبيب الجامع الصحيح: ج 222/ 3 وما بعدها.
3 - محمد بن الحسن الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد، دار الأضواء، بيروت، ط 2، 1986 م: 31 وما بعدها. 4 - د/ أحمد محمود صبحي: الإمام المجتهد يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية منشورات العصر الحديث، بيروت، ط 1، 1990 م: 82. وقد رفض الدكتور أحمد محمود صبحي أن تسمى صفات بل هي جوارح لأن ذلك معارض لأبسط قواعد اللغة فالوجه ليس صفة إنما الصفة هي (وجيه)، والنفس ليست صفة وإنما الصفة هي (نفيس) وليست اليد والوجه والعين والساق إلا جوارح، إنما أطلقوا على أنفسهم مثبتي الصفات الخبرية حتى يتهم خصومهم من مؤولة هذه الجوارح بأنهم منكرون معطلون لصفات الله تعالى. ر. المرجع نفسه، الهامش.
5 - الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1988 م: 35 وما بعدها. ابن الجوزي: تلبيس إبليس، دار الجيل، بيروت (د. ت): 124 125. عبد القاهر البغدادي: أصول الدين، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 1، 1981 م 110 ويقول: "زعم بعض الصفاتيه أن الوجه والعين المضافين إلى الله تعالى صفات له، والصحيح عندنا أن وعينه رؤيته للأشياء" ذاته المرجع نفسه.
وجهه
- 168 - (1/168)
صفحة 169
كل
من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب (1) ويتين صاحب بيان الشرع أن "لو كان القرآن كله محكما لا يحتمل التأويل ولا يمكن الاختلاف فيه لسقطت المحنة، وتبلدت العقول، وبطل التفاضل والاجتهاد في السبق إلى الفضل، واستوت منازل العباد، تعالى الله أن يفعل ما هذا سبيله" (2) وقد تصدى الجيطالي للردّ على المشبهة (3) لما تعسفوا في فهم المتشابه إذ أجروه على طاهره فوصفوا الله تعالى بما لا يليق به من صفات الخلق والحدوث. ويذكر ابن الجوزي أن إبليس لبس على هؤلاء لتركهم البحث عن التأويل المطابق لأدلة الشرع والعقل. (4)
أما
عن منهج الجيطالي في المتشابهات من الآيات والأحاديث فقد سبقت الإشارة إليه (ة)، وسنكتفي بذكر جملة من النصوص المتشائمة التي فسرها وهي فيما يأتي:
أ- اليد
يذكر الجيطالي أن اليد في كلام العرب تخرج على وجوه فقد تكون بمعنى
1 - سورة آل عمران الآية: 7.
-2 - محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، تحقيق لجنة من علماء عمان، وزارة التراث القومي والثقافة،
عمان، 1984 م: ج 210/ 1.
3 - يقسم الجيطالي المشبهة إلى ثلاث فرق هي:
-
الأولى: الذين قالوا بالتشبيه على حقيقته، وبالتجسيم على حقيقته فهؤلاء الذين يزعمون أن
معبودهم على ما يعقلونه من أنفسهم ويجمعون معني التجسيم وغيرها.
الثانية: القائلون بمجرد التجسيم دون معاني الأجسام، وزعموا أنه جسم لا كالأشياء ونور لا كالأنوار. الثالثة: الغالطون في متشابه القرآن المحرفون لكلام الله تعالى، المتعلقون بالأحاديث وهؤلاء مع ما فيه من التشبيه فإنهم حائدون عن التسمية بالجسم بزعمهم وهذا الصنف هم الذين يسمون الحشوية وأصحاب الحديث. ر. الجيطالي: شرح النونية، ج 52/ 1 ظ، 53 و، وهو نفس التقسيم الذي أورده أبو عمار عبد الكافي في الموجز، تحقيق د/ عمار طالبي: ج 351/ 1 وما بعدها.
ابن الجوزي: تلبيس إبليس: 125.
5 - ر: 103 من البحث.
- 169 - (1/169)
صفحة 170
القوة نحو قوله تعالى والسماء بنيناها بأييد (1) وبمعنى النعمة نحو قوله تعالى: {وبل يداه مبسوطتان (2) أراد نعمتاه، وبمعنى المنة نحو قوله تعالى: ويد الله فوق أيديهم (3) وتدخل اليد على التوكيد للفعل نحو قوله تعالى: تما عملت أيدينا أنعا مات (4) أراد تما عملناه، وتكون اليد بمعنى الملك نحو قوله تعالى: تبارك الذي بيده الملك (5) ومثال ذلك قول القائل: هذه الدار في يدي أي في ملكي، واليد في إطلاق كلام العرب هي اليد المركبة (6). وبالنظر إلى القرائن والصلات نتمكن من تحديد المعنى المقصود يقول الجيطالي: "فبالقرائن والصلات يتبين المراد، فلما نطق القرآن بما قدمنا من الآي، وقارَنَت كلّ آية منها قرينة تبيّن معناها حملنا اليد على ذلك المعنى (7) وأما أن تكون اليد الجارحة المركبة في البدن المؤلّفة فهذا منفي عن الله عزّ وجلّ بالعقل والنقل. (8)
ب اليمين والقبضة
ورد قوله تعالى: لأخذنا منه باليمين (9) وقوله تعالى: {والسموات مطويات بيمينه (10) فاليمين محمول على القوة والقدرة، والملك لا هيئة قبض، أو إمساك الشيء بالجوارح. والقبضة بمعنى الملك كقول القائل: قد قبضت هذه الدار، وربما
1 - سورة الذاريات، الآية: 47.
2 - سورة المائدة، الآية: 64.
3 - سورة الفتح، الآية: 10.
4 - سورة يس، الآية: 71.
5 - سورة الملك، الآية: 1.
6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 62/ 1 و.
7 - المصدر نفسه.
8 - المصدر نفسه.
9 - سورة الحاقة، الآية: 45.
10 - سورة الزمر، الآية: 67.
170 (1/170)
صفحة 171
يكون في الشرق والدار في المغرب، ويسوغ له هذا القول لأنه لما اشتراها وجرى عليها
ملكه كان بمنزلة من قبض عليها بكفه مجاز ذلك في اللغة تشبيها وتمثيلا. (1) ج- العين
ساق الجيطالي معاني العين في اللغة فقد تكون بمعنى الجارحة كعين الإنسان، وتكون عين الترعة التي تخرج منها الماء وتجمع على عيون، والعين: الحاضر من الأشياء، والعين الخاص من النّاس ويجمع على أعيان، والعين: الجاسوس، والعين الثقل في الميزان والعين الدينار وعين الشيء: نفسه، والعين: العقوبة، والعين عين الشمس، والعين الحفظ كقول امرئ القيس: وبات عليه سرجه ولجامه
وبات بعيني قائما غير مرسل
(2)
وأما قوله تعالى: وتجري بأعيننا (3) تجري بحفظنا وهو منا بالمكان المحفوظ بالكلاء والعين والحفظ والرعاية، يقال: إن فلانا بمرأى من كلام الملك ومسمعه إذا
كان بحيث تحوطه عنايته وتكتنفه رعايته، وقوله تعالى واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) أي بحفظنا، وكذلك قوله لموسى عليه السلام ولتصنع على عيني)
(4)
(5)
أي لترباً بأمري. (6) وأنكر الجيطالي على المشبهة تفسيرها العين المذكورة في القرآن بالجارحة دون غيرها من المعاني، يقول: أولا يعلمون أن عين الجارحة لابد لها من وجه ولابد للوجه من رأس، ولابد للرأس من بدن، والبدن محدود ومؤلف يحتاج إلى محدد ومؤلّف، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا". (7)
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 62/ 1 ظ.
2 - المصدر نفسه: ج 6/ 1 و. وقد أيد الجيطالي كلّ هذه المعاني بشواهد من كلام العرب.
3 - سورة القمر، الآية: 14.
4 - سورة الطور، الآية: 48.
5 - سورة طه، الآية: 39.
6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 63/ 1 و. ابن منظور: لسان العرب: ج 301/ 13.
7 - الجيطالي: شرح النونية: ج 6/ 1 و.
171 (1/171)
صفحة 172
د الوجه
يردّ الجيطالي على المشبهة التي حملت الوجه على الجارحة دون الوجود في الآية الكريمة: وكلّ شيء هالك إلا وجهه (1) فألزمهم على قياد قولهم أن يهلك
(2)
معبودهم ويفنى دون وجهه وهو إلزام شنيع لا يرتضيه الخصم.
يرجع الجيطالي إلى اللغة ليحدّد لنا معاني الوجه، ويحصرها فيما يأتي:
- وجه الشيء نفسه نحو قوله تعالى: ويبقى وجه ربك) وقوله تعالى: كلّ شيء هالك إلا وجه (4) أراد ويبقى ربّك، وكذلك قوله تعالى: إنما نطعمكم لوجه الله (5) أي أي الله.
- الوجه: المنظور إليه من القوم، يقال هذا من وجوه القوم أي من عظمائهم. - الوجه: الجاه، يقال لفلان في الناس وجه أي جاه ومكانة، قال الله تعالى: وكان عند الله وجيها (6) أي ذا قدر ومكانة.
-
- الوجه الحيلة والسبيل إلى شيء، يقال: كيف وجه هذا الأمر؟ كيف
الحيلة إلى فعله.
- الوجه الجارحة 7
على ضوء هذه المعاني التي تستسيغها اللغة لكلمة "الوجه" اختار الجيطالي المعنى اللائق بحلاله تعالى، وعنف القول على الشبهة التي وقعت في التشبيه والتحسيم.
1 - سورة القصص، الآية: 88.
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 63/ 1 و. 3 - سورة الرحمن، الآية: 27.
4 - سورة القصص الآية: 88
5 - سورة الإنسان الآية 9
6 - سورة الأحزاب، الآية: 69.
7 - الجيطالي: شرح النونية: ج 63/ 1 وظ. ابن منظور، لسان العرب: ج 555/ 13.
172 (1/172)
صفحة 173
هـ - الساق
فسر الجيطالي الساق في قوله تعالى: ويوم يكشف عن ساق (1) بالأمر الشديد ويعلل ذلك بأن سياق الآية في الإنباء عن أهوال القيامة وصعوبة أحوالها وما يصل إلى المجرمين من أنكالها ولأن العرب تقول إذا جد الأمر في الحرب، واستعدت الصدور بالغيظ وحدجت الأعين بالبغضاء، وشمخت الأنوف، والتحمت المصارع قيل: قامت الحرب على ساق، قال الشاعر: أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمر ا (2)
و - المجيء
قال الله تعالى: وجاء ربك والملك صفا صفا (3) وقال: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام (4) فبين أن المراد أمر ربك، وقضاؤه الفصل، وحكمه العدل. إذ إن من شائع كلام العرب التعبير عن الأمر بذي الأمر في إرادة التعظيم يقول قائلهم: إذا جاء الأمير بطل من سواه، وليس الغرض انتقاله بل المراد
اتصال أوامره وزواجره. (5)
صورته
ز - الصورة
ورد في حديث رواه أبو هريرة الله أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله آدم على
(6) 11
قال ابن عباس صدق أبو هريرة خلق الله آدم على صورته التي في علمه
1 - سورة القلم، الآية: 42.
:
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 63/ 1 ظ. ابن منظور لسان العرب: ج 166/ 10.
3 - سورة الفجر، الآية: 22.
4 - سورة البقرة، الآية: 210.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 64/ 1 و.
6 - أخرجه الربيع بن حبيب الجامع الصحيح: ج 222/ 3، رقم: 844
173 (1/173)
صفحة 174
أن يخلقه عليها، لم يحوله منها إلى غيرها. ويذكر الجيطالي معنى آخر نقله عن الربيع (1) وهو أن الله كان لا شيء معه وقد علم ما يخلق من الصور والبقاع والأرواح والرسل، واصطفى الله آدم على صورته أي الصورة المعلومة المصطفاة، واتخذ من البقاع الحرام وجعله نسكا لعباده، وجعل فيه بيتا تعبد خلقه بالطواف حوله والحج إليه، وقيل بيت الله أي اصطفاه، واصطفى من الأرواح روحا وقيل روح الله أي اصطفاه 2. فالإضافة إضافة تشريف وتكريم، وينفي الجيطالي أن يكون الله صورة (3) لأن الصورة تدلّ على مصوّر صوّرها، ومخطط خططها فما كان على ذلك فأعلام التدبير فيه قائمة، وكلّ ما كان فيه دليل الحدث فهو حادث (4). وقد استدل أبو حامد الغزالي بهذا الحديث لإثبات أن المشاكلة والمناسبة بين الله وبين الإنسان من أسباب المحبة لكنها مناسبة لا ترجع إلى المشابة في الصور والأشكال بل إلى معان باطنة (5) كما أنه أنكر على المشبهة الذين فهموا الحديث فهما خاطئا في قوله: "ظن القاصرون أن لا صورة
هنا
هي
إلا الصورة الظاهرة المدركة بالحواس فشبهوا، وجسّموا، وصوّروا، تعالى الله عما يقول
الجاهلون علوا كبيرا".
(6)
ح- الاستواء
وقف فريق من السلف (7) ومتقدمو الأشاعرة (8) من مسألة الاستواء موقفا
1 - أخرجه الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: ج 223/ 3.
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 65/ 1 ظ.
3 - أصحاب هذه المقالة هم: مقاتل بن سليمان، ونعيم بن حماد، وداود الحواري كما يحكي ذلك النوبختي.
ر. ابن الجوزي: تلبيس إبليس: 123.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 65/ 1 ظ.
5 - أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين: ج 195/ 5.
6 - المصدر نفسه.
7 - يذكر الدكتور عبد الحليم محمود أنّ الجدل حول تحديد مذهب السلف لا يزال مستمرا إلى الآن بين مدرسة الأشعري ومدرسة ابن تيمية كلّ منهم يزعم انتسابه للسلف ومتابعته لمالك بن أنس وأحمد بن حنبل. ر. عبد الحليم محمود: التفكير الفلسفي في الإسلام، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1985 م: 135.
8 - أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد: ج 345/ 1. الإبانة في
174 (1/174)
صفحة 175
تفويضيا يمثل هذا الموقف مالك بن أنس في جوابه حينما سئل عن الاستواء فقال: "الاستواء معقول وكيفيته مجهولة والسؤال عنه، بدعة والإيمان به واجب. وأما الإباضية (2) والمعتزلة (3) والإمامية (4) والزيدية (5) ومتأخرو الأشاعرة (6) فقد اتفقوا على تأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء والقهر والغلبة.
تبنى الجيطالي مسلك أسلافه الإباضية فتناول قضية الاستواء من جميع جوانبها معتمدا على منهج التحليل اللغوي للألفاظ الواردة في آية الاستواء التي هي مدار الإشكال والاختلاف، يقول: "اعلموا أن احتجاج المشبهة في الاستواء
أصول الديانة: 55 وما بعدها يقول: "إن الله عزّ وجلّ مستو على عرشه استواء يليق به من غير طول الاستقرار .. فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو عزّ وجلّ مستو على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى الماء وعلى الحشوش والأقذار لأنه قادر على الأشياء مسئول عليها". ر. المصدر نفسه.
1 - عبد القاهر البغدادي: أصول الدين: 113. يعلّق أبو حامد الغزالي على هذه المقولة بقوله: "وهذا لأنّ عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات ولا إحاطتهم باللغات ولا تتسع لفهم توسيعات العرب في الاستعارات، أما العلماء فاللائق بهم تعريف ذلك وتفهمه ولست أقول إن ذلك فرض عين إذ لم يرد به تكليف بل التكليف التتريه عن كل ما تشبهه بغيرد، فأما معاني القرآن فلم يكلف الأعيان فهم جميعها أصلا ولكن لسنا نرتضي قول من يقول إن ذلك من المتشابهات كحروف أوائل السور .. " ر. أبو حامد الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد: 36.
2 - الربيع بن حبيب الجامع الصحيح: ج 243/ 3، رقم: 880.
3 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 156/ 1 - 157. 4 - محمد الحسن الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 71 - 72.
5 - د/أحمد محمود صبحي: الإمام المجتهد يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية: 83 - 84.
6 - أمثال الجويني لمع الأدلة: 108 الغزالي: الإحياء ج 141/ 1، الاقتصاد في الاعتقاد 35 الإيجي
المواقف: 297.
7 - قال تعالى: والله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش) (سورة السجدة، الآية (04) وقد تكرّرت في القرآن سبع مرات.
175
12 (1/175)
صفحة 176
يدور على هذه الأربع كلمات ثم واستوى وعلى والعرش فهم يطالبوننا بتأويل
هذه الكلمات". (1)
أوّل الجيطالي هذه الكلمات حسب ما تحتمله اللغة، فأما كلمة "ثم" تكون للتراخي والمهلة، نحو: دخل زيد ثم عمر، وتكون بمعنى الواو نحو قول الشاعر:
إن من ساد ثم ساد أبوه ثم من بعد ذلك قد ساد جده
وقد أكثر الجيطالي من سوق آيات قرآنية تفيد فيها "ثم" معنى "الواو" ومنها: قوله تعالى: ثم لنترعن من كلّ شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بما صليات (2) فثم (الثانية) بمعنى الواو لأن الله تعالى لم يزل عالما بالذين هم أولى بما صليا، وقوله تعالى: الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (3) فالإحكام هنا جامع للتفصيل وغير التفصيل لأنه تعالى يفصله بعدما أحكمه، فكانت "م" هاهنا بمعنى الواو. وقوله تعالى: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (4) "م" هاهنا بمعنى الواو لأنه لا يكون من تاب وآمن وعمل صالحا لا يهتدي.
من خلال هذه الآيات رجّح الجيطالي أن تكون "ثم" في آية الاستواء بمعنى
"الواو" لا بمعنى التراخي والاستئناف وبالتالي رفض أن يكون الله تعالى استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض)
(5)
أما كلمة "الاستواء" فقد بيّن أن معانيها في لغة العرب مختلفة فهي:
بمعنى الانتهاء والكمال، نحو قوله تعالى: ولما بلغ أشده واستوى أتيناه
1 الجيطالي: شرح النونية: ج 79/ 1 و.
2 - سورة مريم، الآيتان: 69 - 70. 3 - سورة هود، الآية: 1.
-4 - سورة طه الآية 82.
الجيطالي: شرح النونية: ج 79/ 1 - 80 و.
- 176 - (1/176)
صفحة 177
حكما وعلما (1) أي انتهى وكمل، وقال الشاعر يرثي ابنه:
حين استوى وعلا الشباب به وبدا منير الوجه كالب
-
-
-
بمعنى الاستقرار نحو قوله تعالى: واستوت على الجودي (2) أي استقرت.
بمعنى القهر والغلبة والاستيلاء نحو قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
فالحمد للمهيمن الرزاق
وقال آخر: فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعي لناب و کاسر
بمعنى
المساعدة نحو قول العرب: استوت لفلان دنياه أي ساعدته، ومنه
قولهم: احذر الدنيا عند استوائها.
- بمعنى الاعتدال نحو قولنا: استوى فلان على سريره، أي اعتدل وتمكّن، واستوى لفلان أمره اعتدل وأوضح.
-
بمعنى القصد للتدبير نحو قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء (3) أي قصد إلى السماء بتدبيره وعجائب تقديره. (4)
وقد تقرر لدى الجيطالي أن استواء الله عزّ وجلّ على عرشه إنما هو استيلاؤه عليه بالملك والسلطان، فالله لم يزل مستوليا على عرشه قبل خلقه إياه واختراعه له بأن يوجده في أي وقت شاء ومستوليا عليه في حال إيجاده إياه، وأيد
1 - سورة القصص، الآية: 14.
-2 سورة هود، الآية: 44.
-3 - سورة فصلت الآية: 11. 4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 80/ 1 و. ظ.
- 177 - (1/177)
صفحة 178
كلامه بتفسير ابن عباس صاحب التأويل للآية: الرحمن على العرش استوى (1) بمعنى استولى (2) كما أنه
نعى على المشبهة عدم اختيارها من معاني الاستواء
وضروبه أرفعها منزلة وأعلاها درجة وأبعدها تتريها وألزمهم بقوله: "لو كان استواؤه على المعقول لكان تصويره ما في الأرحام على المفهوم، وإتيانه على بنيانهم على المعقول تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا" (3)
وأما كلمة "على" فيرى الجيطالي أن معناها في آية الاستواء يفيد القهر والغلبة لا بمعنى الفوقية والاستعلاء وأما قو تعالى وهو القاهر فوق عباده (4) وقوله: وإنا فوقهم قاهرون (5) وقوله: ويخافون ربهم من فوقهم (6) أي بالقهر والغلبة دون ما ذهبت إليه المشبهة من الالتزاق والفوقية. (7)
يقول الجيطالي: "إن الله تعالى على العرش وجميع الخلق بالغلبة والسلطان، فالعرش خلقه في تدبيره عزّ وجلّ وتقديره، ألا ترى إلى النّاس يقولون فلان على بني
وجميع
(8) 11
فلان إذا كان يلي أمرهم ومصالحهم". وأما كلمة "العرش" فقد اختلف المتكلمون في معناها إلى فريقين: (9)
1 - سورة طه، الآية: 05.
2 - المصدر نفسه قناطر الخيرات تحقيق عمر النامي: القسم 294/ 1 - 295. لكن وجدت رأي ابن عباس في تفسيره: الرحمن على العرش استوى بمعنى استقر، وامتلأ به، ويقال هو من المكتوم الذي لا يفسر. ر. ابن عباس: تنوير المقباس في تفسير ابن عبّاس دار الكتب العلمية، بيروت، (د. ت): 260. وهذا الاختلاف يطرح إشكالية النقل عن ابن عباس ومدى صحته.
3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 80/ 1 ظ.
4 - سورة الأنعام، الآية: 18.
5 - سورة الأعراف الآية: 127.
6 - سورة النحل، الآية: 50.
7 - الجيطالي: شرح النونية: ج 80/ 1 - 81 و.
8 - المصدر نفسه: ج 81/ 1 و.
9 - المصدر نفسه البغدادي: أصول الدين: 113 - 114.
178 (1/178)
صفحة 179
منهم من يرى أن ذكر الله للعرش على المجاز والمثل المضروب فليس عنده في السماء عرش، إنما ذلك كقول العرب قد ثل عرش فلان إذا انحط ذل، كقول الشاعر:
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم بعتبة بن الحارث بن شهاب.
من عز إلى
الآيات
- ويرى الآخرون أنه جسم من الأجسام كما تشير إلى ذلك بعض والأحاديث مثل قوله تعالى: ويحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية (1) وقوله: وترى الملائكة حافين من حول العرش (2)، وكان عرشه على الماء (3)، وعن الرسول الله أنه قال: "اهتز العرش لموت سعد بن معاذا (4) فهذه النصوص تدلّ أن
العرش جسم يهتز، ويدار به، ويطاف حوله.
الله لا
يعلّق الجيطالي على أن العرش وإن كان جسما من الأجسام فليس في ذلك ما يوجب الجلسة عليه، كما يقال: بيت الله لا على معنى يسكنها، ومساجد أنَّه يصلّي فيها، وسماؤه وأرضه وبحاره لا على أنه يسكن شيئا من ذلك
على معنى
تعالى الله ذلك (3) عن
لكن إذا كان الاستواء بمعنى الاستيلاء والذي هو عام في المخلوقات كلّها، فلماذا اختص العرش بالاستواء دون غيره؟ يجيب الجيطالي عن هذا الإشكال مبينا أن الله تعالى خص العرش بالذكر إذ كان مخصوصا عنده بالشرف والتعظيم، وأنه فوق جميع الخلق لأنه من قدر على أعالي الأشياء فهو قادر على أسافلها وليس من قدر على أسافلها أن يكون موجبا له القدرة على أعاليها، فمتى ما ذكر الله أنَّه عال
1 - سورة الحاقة، الآية: 17.
2 - سورة الزمر، الآية: 75.
- سورة هود، الآية 7
4 - أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب سعد بن معاذ: ج 1384/ 3، رقم: 3592.
-5 - الجيطالي: شرح النونية ج 81/ 1 ظ.
- 179 - (1/179)
صفحة 180
على العرش ظاهر عليه فهو دليل أنه عال على كلّ شيء فمرة يذكر الكرسي دون العرش، ومرّة يذكر السّماء دون الأرض، ومرة يذكرهما جميعا كما أن ذكر العرش والكرسي بالتخصيص والتفخيم لهما أشبه بتخصيص بعض الأنبياء والملائكة دون من سواهم. كقوله تعالى: وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوح (1) فخص هؤلاء من جملة الأنبياء، وقوله: ومن كان عدوا الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائل (2) فأبانهما بأسمائهما تقديما وتعظيما على من سواهما من الملائكة، وكذلك العرش والكرسي فإنهما من جملة الخلق عندنا وعلو قدرهما فمرة يذكر معاظم الأمور وجلائل الخلق وكبار الأجسام وأعالي الأجرام، ومرة يذكر الشخص حيث كان وأين كان في قوله: وهو معكم أينما كنتم الله (3) لأنه تعالى ذكر هذا في سورة الحديد بعدما أخبر عن نفسه أنه استوى على العرش.
(4)
ويخلص الجيطالي بعد هذا الشرح الموسع لقضية الاستواء إلى أن الله تعالى مستو على العرش كاستواء الأمير على الإمارة والخليفة على الخلافة وعلى الاستيلاء والقدرة والله المثل الأعلى فحمل الاستواء على القهر والعلم والحفظ والإحاطة أمر سائغ في اللغة وهو الأليق بصفات المتفرد بالربوبية.
5 - مسألة الرؤية
اختلف المتكلمون في مسألة الرؤية بين مثبت لها وناف، ويؤول.
تنازعهم إلى ثلاث مسائل في المنهج هي:
1 - سورة الأحزاب، الآية: 7.
2 - سورة البقرة، الآية: 98.
3 - الآية: وهو الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير سورة
الحديد، الآية: 4.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 81/ 1 ظ، 82 و.
180 (1/180)
صفحة 181
- الأقيسة العقلية وتطبيقاتها على عالم
- طريقة التعامل مع المتشابه: هل التفويض أم التأويل؟
حجية الأحاديث الأحادية الواردة في الموضوع.
لقد ذهبت المعتزلة (1) والإباضية (2) والإمامية (3) والزيدية (4) وطائفة من المرجئة (5) إلى نفي رؤية الباري تعالى بالأبصار في الدنيا والآخرة، بيد أن الأشاعرة) والسلفية والمشبهة (3) أثبتوها في الآخرة مع اختلافهم في الكيفية. فمنهم من قال يرى بالأبصار في جهة دون جهة، ومنهم من قال هي رؤية بلا كيف ولا جهة. وذهب ضرار بن عمرو (9) وحفص الفرد (10) أن الله تعالى لا يرى
بالأبصار ولكن
يخلق لنا يوم القيامة حاسة سادسة غير حواسنا هذه فندركه بما، وندرك ما
هو بتلك الحاسة. (11)
هذه حصيلة أبرز الأقوال في قضية الرؤية فما هو رأي الجيطالي في المسألة؟
وكيف ناقش أدلة مخالفيه؟
1 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 161/ 1 وما بعدها.
2 الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: ج 224/ 3 وما بعدها.
3 - محمد بن الحسن الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 74 وما بعدها.
4 - د/ أحمد محمود صبحي: الإمام المجتهد، يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية: 87 وما بعدها. 5 - الأشعري: مقالات الإسلاميين، تحقيق محمد محيي الدين عبد المجيد: ج 289/ 1. 6 - الأشعري: الإبانة 30 وما بعدها الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد 41 وما بعدها. 7 - ابن تيمية متن العقيدة الواسطية، دار الصوميعي، الرياض، ط 1، 1996: 22. ابن قيم الجوزية طريق الهجرتين وباب السعادتين دار الضياء قسنطينة (د. ت): 63.
-8 الشهرستاني: الملل والنحل، تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل: 105.
9 - ضرار بن عمرو الغطفاني (ت 190 هـ / 805 م) قاض من كبار المعتزلة خالفهم فكفروه وطردوه، وإليه
تنسب فرقة الضرارية. ر. الزركلي: الأعلام: ج 215/ 3.
10 - لم أعثر على ترجمته.
11 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 289/ 1.
- 181 - (1/181)
صفحة 182
وافق الجيطالي أسلافه الإباضية في نفي الرؤية فأثبت أن الله تعالى "يرانا
(1) "
بالمشاهدة ولا نراه لأنه لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس وقد استقصى في كتابه "شرح "النونية من إيراد الحجج إثباتا لرأي مذهبه ودفاعا عنه، ولا يخلو أسلوبه من نزعة جدلية: "فإن قلتم ... قلنا" تشتد حينا لا سيما عند التعويل على طرق الإلزام، وتمدأ حينا آخر لتتجلى روح الموضوعية في الحوار وقوة الاحتجاج، ومما أذكى جذوة هذا الجدل الكلامي الوسط الذي عاش فيه الجيطالي واحتكاكه بأشاعرة المغرب خصوصا.
وقبل أن نعرض هذه الحجج نتعرف على مفهوم الرؤية عند الجيطالي وما هي معانيها؟ يبين الجيطالي أن الرؤية تخرج على معنى العلامة، والرؤية الدلالة، وقد يقول الرجل لصاحبه: أرني على ما قلت برهانا. قال الله تعالى: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل وقال عز وجل: ألم تر كيف فعل ربك (3) يريد ألم تعلم، وكثيرا ما يستعمل فيما بينهم عبارة الرؤية على العلم كقولهم: رأيت لفلان فهما وعلما وأدبا، فأما الجهرة فلا تذكر إلا عند الملاقاة بالأبصار)
(2)
(4)
يتضح من خلال هذه التعريفات أن الجيطالي ركز على المدلول اللغوي للرؤية الذي لم يرد فيه خلاف، فالرؤية قد يراد كما النظر بالعين أو بالقلب. لكن موطن الإشكال بين المثبتين والنافين يكمن في تحديد معنى الرؤية علميا الذي لم يشر إليه الجيطالي. فقد عوّل الإباضية في تحديد المعنى العلمي للرؤية على النظريات اليونانية القديمة (5) التي مفادها أن الإبصار يتمثل في انطلاق الشعاع من العين ليتصل
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 68/ 1 و.
2 - سورة الفرقان، الآية: 45.
3 - سورة الفيل، الآية: 1.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 73/ 1 و.
راجع على سبيل المثال تعريف أحمد الشماخي: "حملتها (أي الرؤية) على ما حققه أرسطو طاليس، وأبو نصر الفارابي من أنها انطباع مثل صورة المدرك في العين أو على اتصال الأشعة، ومن قال بغير ارتسام واتصال
=
- 182 - (1/182)
صفحة 183
بالمرئي ولينعكس على الحدقة بينما يرى ابن الهيثم عكس ذلك إذ الأشعة تنطلق من المبصر لا من المبصر (1)، ويرى الجعبيري أن النظرية اليونانية تعزز موقف الإباضية في
نفي الرؤية وعدم جوازها عقلا لأنها تفرض المواجهة بين الرائي والمرئي والإحاطة به، وهذا مستحيل في حق الله تعالى (2)
انطلاقا
من هذا المفهوم للرؤية أقام الجيطالي أدلته العقلية على نفي رؤية
الباري تعالى بالأبصار.
-
أولا الأدلة العقلية على نفي الرؤية
تتمثل فيما يأتي:
أ- إن العقول تقتضي أن لا يدرك الله بالبصر في الدنيا والآخرة ولا شيء من الحواس لأن كل شيء أدرك جهرة لا يخلو أن يدرك كله أو بعضه ففي تناقض الوصف له بالكل وبالبعض ما يدل على أنه لا يدرك جهرة.
-
ب لو جاز أن يدرك جهرة كان المدرك لا يعدو متزلتين: إما أن يدركه في كل مكان أو مكان دون مكان، وإدراك الخلق له في كل مكان يستحيل وذلك أنه ليس في خلقتهم إدراك الأشياء في جميع الأمكنة في حالة واحدة لا يدركون إلا ما لاقى أبصارهم وحاذى حواسهم وذلك لأنهم يحجبون بخلقتهم عن إدراك ما وراءهم، وإن كان الخلق يدركون في مكان دون مكان فالحاسة إنما وقعت على
الأشعة فهو عين نفي الرؤية إذ لا يكون الانكشاف بالعين إلا مع اتصال شعاعها وارتسام مثله في العين" .. الجعبيري: البعد الحضاري: ج 1/ 298 نقلا عن الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 25. وتعريف السامي للرؤية هي: اتصال شعاع الباصرة بالمرئي وانطباع صورة المرئي في الحدقة." ر. السالمي: المشارق: 186. 1 - الجعبيري: البعد اخضاري: ج 299/ 1.
2 - المرجع نفسه.
3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 72/ 1 و.
- 183 - (1/183)
صفحة 184
شيء دون شيء فلا وجه لتبعيض الشيء إلا إدراكه في بعض أماكنه التي هو هو فيها دون بعض ومن كان هذا فهو متحيز ومتبعض تعالى الله عن جميع ما وصفوه.
(1)
ج- نفي اللون عن الله تعالى يستلزم نفي إدراكه بالبصر ويصيغ هذا الدليل
على النحو الآتي:
يوم
إنما سبيل البصر إلى اللون خاصة
الله تعالى ليس بلون
البصر ليس إليه سبيل ولا يدرك الرب تعالى بها. (2)
وما يمكن أن نلاحظه على الأدلة العقلية في باب نفي الرؤية أنها أقيمت على أساس نظرية علمية يونانية تضبط مدلول الرؤية التي قد تعتريها النسبية والتغير في ما. وقد احترز الجعبيري من هذا الموقف احترازا كبيرا يوضح ذلك في العبارة: "ولهذا لم يكتف هذا التراث بقناعته الذاتية وإنما انبرى يدافع عنها، فالتمس منطلقا علميا خلال النظريات المتعلقة بعلم المبصرات، كما التمس غيره منطلقات أخرى، لكن رأينا ضحالة هذه المنطلقات، وعدم جدواها في البحوث العقائدية لأن الحقائق العلمية نسبية، والحقائق العقدية ثابتة والثابت لا يمكن أن يبنى على النسبي الذي يمكن أن يتحول من موقف إلى آخر مناقض من لحظة إلى أخرى"
(3) 11
كما يلاحظ على طبيعة الدليل العقلي عجزه المطلق على إثبات مسألة غيبية أو نفيها لكون هذه المسائل فوق قدرة العقل الإنساني المحدود (ميتا عقل) أضف إلى ذلك أن طرق الاستدلال التي يسلكها العقل عند إثبات هذه المسائل أو نفيها لا
-1 الجيطالي: شرح النونية: ج 72/ 1 و.
2 المصدر نفسه: ج 65/ 1 ظ.
3 - الجعبيري: البعد الحضاري: ج 339/ 1.
- 184 - (1/184)
صفحة 185
تسلم من النقد والضعف غالبا، وقد عبر أبو محمد السدويكشي (1) عن هذا الموقف بكل جرأة في بداية مناقشته لقضية الرؤية يقول: فاستدل أصحابنا ومن وافقهم
على عدم جواز الرؤية بالعقل والنقل، وكذلك الأشاعرة استدلوا بالعقل والنقل، وقد ضعف دليل العقل من الجانبين و لم يبق إلا دليل "النقل"
(2) 11
إذا لا يمكن التعويل كثيرا على الدليل العقلي في قضية الرؤية بل ربما يورد استئناسا لما جاءت به الأدلة النقلية التي هي المعتمد والأساس في إثبات المسألة أو نفيها. فما هي الأدلة النقلية التي ساقها الجيطالي في نفي رؤية الباري تعالى؟
ثانيا - الأدلة النقلية على نفي رؤية الباري
يؤكد الجيطالي أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه استنادا على ما نطق به
القرآن الكريم وما ورد في صحيح الآثار.
أ- من القرآن
الدليل الأول: قوله تعالى: ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهـ اللطيف الخبير (3) يرى الجيطالي أن الآية الكريمة تنفي رؤية الباري بالأبصار نفيا مطلقا في الدنيا والآخرة، ويعلل ذلك أن الأبصار لو أدركته لكان قد ساواها لأن كل مدرك محاط به، وكل محاط به محدود موصوف تعالى الله عن ذلك. (4) وهذه مدحة امتدح الله تعالى بها عن الإدراك بالبصر كما امتدح بقوله تعالى: ولا تأخذه
1 - هو أبو محمد عبد الله السدو يكشي (ت 1068 هـ / 1658 من علماء الإباضية بجزيرة جربة كان فقيها مفتيا ورئيسا لحلقة العزابة. ر. جمعية التراث معجم أعلام الإباضية قسم المغرب: ج 561/ 3 ترجمة: 586. 2 - الجعبيري: البعد الحضاري: ج 310/ 1 - 311 نقلا عن عبد الله السدو يكشي: حاشية على كتاب
الديانات: 2.
-3 - سورة الأنعام، الآية 103.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 69/ 1 و. وهو نفس تعليل الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: ج 229/ 3.
185 (1/185)
صفحة 186
بينهمال
(2) ,
سنة ولا نوم له (1) من الغفلة وحلول الآفة به من النوم والسنة، وقد ألزم من قال: لا تدركه الأبصار في الدنيا بأن يكون الله لا تأخذه سنة ولا نوم في الدنيا ولا فرق، إذ لا ينبغي أن تكون مدحة ناقصة في جميع ما امتدح الله به عز وجل فتكون للدنيا دون الآخرة أو للآخرة دون الدنيا (3)، ويصيغ الجيطالي هذه الفكرة بطريقة جدلية يقول: يقال" لهم أخبرونا لأي علة صار معبودكم يرى في دار المعاد، ولا يرى في الدنيا للذات ذلك أم للخبر؟ فإن قلتم للذات فالذات لا تتغير، وإن قلتم للخبر فما ذلك الخبر؟ فإن قلتم: وجوه يومئذ ناظرة (4) قلنا هذا الخبر عندكم للرؤية في المعاد، فأين الخبر الذي يرى به في الدنيا فلستم تجدونه إلا أن تقولوا قوله لا تدركه الأبصار) (5) فإذا قالوا ذلك، قيل لهم هذا الخبر خبر عن الذات قلنا لهم قد قلتم إن الذات لا تتغير إذا كان في ذلك تغيير صفة القديم إلى صفة المحدث، فإن قلتم عن وقت دون وقت فيلزمكم أن تقولوا بمثل ذلك في جميع ما أخبر الله به عن نفسه في القرآن من قوله ولا تأخذه سنة ولا نوم ... ولا يؤوده حفظهما)، ولا يعزب عنه مثقال ذرة) فكون هذه الأخبار من كتاب الله وما شاكلها في صفات الله تعالى إنما هي لوقت دون وقت فإن قالوا قد استثنى في قوله: ولا تدركه الأبصار له بقوله: ووجوه يومئذ ناضرة إلى ربّها ناظرة (8) قلنا: وكذلك
(6)
(10)
على قولكم استثنى في قوله: ولا يجليها لوقتها إلا هو م (9) و ولا يعلمها إلا هو (1)
1 - سورة البقرة الآية: 255
2 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 295/ 1.
3 الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 1 و.
4 - سورة القيامة، الآية: 22 - 23
- سورة الأنعام، الآية 103. 6 - سورة البقرة، الآية: 255. 7 - سورة سبأ، الآية: 3. 8 - سورة القيامة، الآية: 22 - 23. 9 - سورة الأعراف، الآية: 187. 10 - سورة الأنعام، الآية 59.
186 (1/186)
صفحة 187
وطولا يعزب عنه مثقال ذرة (1) وفي جميع ما أخبر به عن نفسه أنه يعلمه بقوله: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم (2) وبقوله: حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين (3) وفي أمثالها، فيكون على هذا الوجه لا يعلم شيئا مما يكون حتى يكون فإن قالوا: إن هذا وصف له بالجهل واستحداث العلم، وذلك من صفات المحدث المخلوق تعالى الله عن ذلك قلنا: وكذلك الوصف له بأنه يرى بالأبصار ويدرك بالعيان وصف له بأنه لون من الألوان المركبة في الأجسام المحدثة في مكان دون مكان وذلك من صفات المحدث المخلوق تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا" (4). وقد تطابقت آراء المعتزلة والإباضية والإمامية في كون نفي رؤية الباري
بالبصر تمدحا، وكل تمدح تعلق بنفي فإثباته لا يكون إلا نقصا. (5)
الدليل الثاني: قوله تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال ربِّ أرني انظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرّ موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت
(6)
إليك وأنا أول المؤمنين وقف الجيطالي في هذا الدليل عند خمس قضايا عليها مدار الجدل بين مثبتي
الرؤية والنافين لها وتتمثل فيما يأتي:
الإشكال الأول: لماذا سأل النبي موسى عليه السلام رؤية ربه؟ يجيب الجيطالي عن هذا الإشكال مكتفيا بما رواه جابر بن زيد عن ابن
1 - سورة سبأ، الآية: 03. 2 - سورة الأنفال، الآية 23.
3 - سورة محمد، الآية: 31. 4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 73/ 1 ظ.
5 - ر. عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 162/ 1. محمد بن الحسن الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد 75.
-6 - سورة الأعراف الآية: 143
187 (1/187)
صفحة 188
يريهم
عباس الله أن ذلك كان على وجه الاعتذار لقومه (1) إلا أن الجيطالي يعرض المسألة على شكل محاورة ذات مقدمات ليصل إلى النتيجة ذاتها يقول: "فإن قال: أوليس أشرك اليهود بجحودهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبسؤالهم موسى عليه السلام أن ركهم جهرة، قيل: نعم، فإن قال: أليس كل من سأل مثل ما سألت اليهود فقد أشرك؟ قلنا: نعم، فإن قال: وقد سأل أن عليه يري ربه؟ قلنا: إن موسى موسي السلام لم يسأل أن يرى ربه عيانا مثل ما سألت اليهود، وإنما قال: رب أرني أنظر إليك فقال: هذا على وجه الاعتذار إلى قومه ليريهم آية من آياته فييئسوا من رؤيته عزّ وجلّ. (2) فسؤال موسى عليه السلام الرؤية إنما كان سؤالا عن قومه الذين حملوه على أن يسأل وهو ما يوضحه قوله تعالى: وإذ قلتم يا موسى لن نومن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون (3) وقوله أيضا: فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة) وبين الجيطالي أن الله تعالى عظم قول من سأله ذلك فجعل لهم الصواعق عقوبة على ذلك فلو كانت الرؤية جائزة عليه لما استطعتم ذلك وعاقب عليه فإن قال لتعجيلهم الرؤية في دار الدنيا قيل له: جاء بنفي الرؤية على العموم في الدنيا والآخرة (5) بيد أن المثبتين للرؤية يرون أن عليه السلام سأل الرؤية لاعتقاده أنها جائزة عليه سبحانه وتعالى لأن من المحال أن يسأل النبي الكريم ربه ما يستحيل في حقه.
موسي
(6)
وسبب الخلاف بين المثبتين والنافين حول هذا الطلب يرجع " إلى اختلافهم
حول علم الرسول فالنافون يرون أن الرسول يعرف كل المستحيلات لذلك لم
1 - الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: ج 237/ 3.
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 72/ 1 و. ظ.
3 - سورة البقرة، الآية: 54.
4 - سورة النساء، الآية: 152.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 72/ 1 و.
-6 أبو الحسن الأشعري الإبانة 31 32 الباقلاني: الإنصاف: 177.
- 188 - (1/188)
صفحة 189
يطلب الرؤية لنفسه بينما يرى المثبتون لعلمه بالجائزات فمن الأنبياء من طلب ما لا علم له به كما قال الله تعالى لنوح عليه السلام فلا تسألني ما ليس لك به علم أعظك أن تكون من الجاهلين (1) (2) ويظهر جليا أن موسي عليه السلام ما سأل الرؤية لنفسه طامعا في حصولها وإنما سألها ليكون سؤاله وسيلة من وسائل الإقناع الذي يحرص عليه، وأسلوبا من أساليب الدعوة التي يقوم بها. (3)
إني
الإشكال الثاني: ما هو أثر النفي بـ "الن"؟
ينقل الجيطالي عن الربيع بن حبيب أن "لن" من حروف الإياس عند النحويين وأهل اللغة أي لن يراه أحد في الدنيا ولا في الآخرة)، وهو ما ذهب إليه النافون للرؤية حيث إن "الن" موضوعة عندهم للتأييد (5). ويمنع المثبتون كون "لن" للتأبيد بل هو للنفي للمستقبل فقط كقوله تعالى حكاية عن اليهود ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم () يعني: الموت، ويتمنونه في الآخرة وذلك في قوله: يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون) أي يتمنون الموت في النار)، ويرد القاضي عبد الجبار على هذا الاعتراض مؤكدا أن "لن" موضوعة للتأييد، ثم ليس يجب أن لا استعماله إلا حقيقة، بل لا يمتنع أن يستعمل مجازا، وصار الحال يصح فيه كالحال في قولهم أسد، وخترير وحمار، فكما أن موضعها وحقيقتها لحيوانات مخصوصات ثم تستعمل في غيرها على سبيل المجاز والتوسع، واستعمالهم في غيرها
1 - سورة هود، الآية: 46.
2 - مصطفى ونتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية، المطبعة العربية، غرداية، 1998: 137 138. -3 - وهي الخلاصة التي توصل إليها الشيخ أحمد الخليلي في بحثه للمسألة. ر. الحق الدامغ: 36. 4 - الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: ج 237/ 3. الجيطالي: شرح النونية: ج 68/ 1 ظ. -5 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 188/ 1.
6 - سورة البقرة الآية: 95
7 - سورة الزخرف، الآية: 77.
8 - الباقلاني: الإنصاف: 179. الإيجي: المواقف: 310.
- 189 - (1/189)
صفحة 190
لا يقدح في حقيقتها كذلك ههنا (1). بينما اختار القطب بينما اختار القطب من الإباضية أن حرف "لن" ليس للتأبيد المطلق بل لمجرد النفى لكنه لم يترك رأيه هذا مطلقا بل قال في آية سورة الأعراف إنما تفيد النفي المؤبد لكن بقرائن خارجية ليس لذاتها ففي موضوع نفي الرؤية يكون النفي مؤبدا لا لوجود "لن" ولكن باعتبار أن الرؤية نقص ومستحيلة في حق الله تعالى لما يلزم عنها فكان النفي في هذه الآية للتأبيد. (2) الإشكال الثالث: لماذا علق الله الرؤية باستقرار الجبل؟
يذهب المثبتون أن ذلك الجوازها، فقد علق الرؤية على استقرار الجبل واستقرار الجبل أمر ممكن وما علق على الممكن فهو ممكن فالرؤية جائزة ولو كانت مستحيلة لما علقها على أمر يجوز (3) يعترض الجيطالي على هذا الرأي عند تفسيره الآية: ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانيه يقول: "فهذا على قطع الرجاء فكما أن الجبل لا يستقر كذلك لا تراني نظيره ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط (4) أي ثقب الإبرة". (5)
الإشكال الرابع: ما هي حقيقة التجلي؟
يوضح الجيطالي معنى التجلي مرجحا المعنى اللائق بجلال الله تعالى ومترها إياه عن صفات النقص يقول: "فإن قال قائل وفلما تجلى ربه للجبل يدل على أنه محتجب فتجلى قيل له: إن التجلي في اللغة على وجهين:
الله عما أحدهما: ظهور الشيء حتى يدرك بالحواس جهرة وذلك منفي عن
قدمنا قيل هذا.
والثاني: وضوح الشيء بآياته ودلائله الدالة عليه كقوله تعالى: فلما تجلى
1 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 189/ 1.
2 مصطفى ونتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 139.
- الإنجي: المواقف 300 الباقلاني: الإنصاف: 179.
-4 - سورة الأعراف الآية: 40. - الجيطالي: شرح النونية: ج 72/ 1 ظ.
-190 - (1/190)
صفحة 191
ربه للجبل أي بآياته فلم يحتمله الجبل فصار دكا، فلو كان الأمر على ما توهمته المشبهة لكان الذي عليه الحجاب الذي كان بينه وبين الجبل في زعمهم فترل به ما نزل بالجبل حتى صار دكا، فلما صح ما ذكرنا أن الحجاب لم يترل به ما نزل بالجبل، تبث أن التجلي ليس هو على ما توهموا به وإنما صار الجبل دكا بما ظهر له من آياته، والله أعلم بما أظهر له من ذلك، فلو كان التجلي على ما يعقل لكان قبل ذلك مسترا غائبا عن خلقه تعالى الله عن ذلك، وقد وقد قال الله تعالى: وما كنا غائبين (1) وقال: هو الأول والآخر والظاهر والباطن (2) (3)
الإشكال الخامس: ما سبب توبة موسى عليه السلام؟ قال تعالى: فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ينقل الجيطالي عن ابن عباس الله أن معنى الآية تبت إليك من مسألتي أني أنظر إليك، وأنا أول المؤمنين المصدقين بأنك لا يراك أحد، وقال مجاهد مثل ذلك). ويبين الجيطالي أن سبب توبة موسى عليه السلام لتقدمه بين يدي الله تعالى للمسألة قبل أن يستأذن له فيها، ويوضح ذلك فيما يلي: "فإن قال قائل: فإن كان موسى عندكم غير مخطئ فمم إذا تاب؟ ومماذا أخذته الصاعقة؟ قيل له: إن أهل التفسير قالوا: إن ذلك لتقدمه للمسألة قبل أن يؤمر بذلك (5)، فإن زعموا أن الصاعقة وأن التوبة إنما كانت من أجل طلبه الرؤية قيل له: إن الصاعقة لا تصيب أحدا إلا على أمر لا يجوز، ولا يحل فكذلك التوبة لا تكون من صاحبها إلا على أمر غير جائز
له، فهذا داخل عليكم أجمع.
(6) 11
1 - سورة الأعراف الآية 7
2 سورة الحديد، الآية 3
3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 74/ 1 و.
-4 - الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: ج 3/ 237.
-5 وهو ما ذهب إليه أبو بكر الباقلاني في أحد أوجه التوبة التي أوردها، ر. الإنصاف: 180
6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 72/ 1 ظ.
- 191 -
13 (1/191)
صفحة 192
هذه هي
أبرز الأدلة القرآنية التي أوردها الجيطالي لاستحالة الرؤية،
ونلاحظ أنها نفس هي الطرفين من أقوى الأدلة في إثبات موقفهما المختلف تماما مما يطرح وبصورة أكيدة إشكالية معقدة في أمس الحاجة إلى البحث فيها وهي: هل يمكن إيجاد منهج متفق عليه لقراءة، ص القرآني الذي أمرنا بالاحتكام إليه عند التراع؟ وما هي قواعد فهم آيات القرآن التي دعينا إلى تدبرها بعيدا عن الشطط والغلو؟.
الأدلة التي اعتمد عليها القائلون بجوازها، وقد تعتبر عند
ب من
السنة
استدل الجيطالي بحديثين هما:
قال الربيع أخبرنا بشر بن إسماعيل بن علية عن داود بن أبي عقيل عن أبي هند عن
الشعبي عن مسروق قال: كنت عند عائشة رضي الله عنها - فقالت: ثلاث من: بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال - وكنت متكنا فجلست - وقلت: يا أم المؤمنين أنظري ولا تعجلي ألم يقل
(2)
الله
الله: ولقد رآه نزلة أخرى به (1) ولقد رآه بالأفق المبين فقالت عائشة -رضي عنها: أنا أول هذه الأمة سألت النبي عن ذلك فقال: ذلك جبريل عليه السلام ولم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين رأيته قد هبط من السماء فسد جسمه ما بين السماء والأرض، ألم تسمع لقوله تعالى: ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) قال مسروق: تفسير هذه الآية دليل على ما روت عائشة رضي النبي يقول: ما كذب الفؤاد ما رأى ... لقد رأى من آيات ربه الكبرى ... (4) وقد روي أن محمد بن الشيباني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل هل رأى ربه؟ قال:
سبحان الله وأنى أراه أي كيف أراه (5).
و
-1 سورة النجم الآية: 13.
-2 سورة التكوير، الآية: 23.
-3 - سورة الأنعام، الآية: 103.
الله عنها- عن
4 - المصدر نفسه: ج 69/ 1، 70 و. أخرجه الربيع بن حبيب الجامع الصحيح: ج 212/ 3 - 213، رقم:
824، أخرجه الشيخان وغيرهما. الجيطالي: شرح النونية: ج 70/ 1 و.
192 (1/192)
صفحة 193
ج- من الآثار
دعم الجيطالي موقفه بذكر طائفة من الصحابة والتابعين وغيرهم من السلف الذين نقل عنهم أنهم ينفون رؤية الباري في الدنيا والآخرة ومن بينهم: عائشة أم الله عنها، وعبد بن عباس، ومعاذ بن جبل، وعلي بن أبي
المؤمنين رضي
الله
طالب، ومجاهد (1) وإبراهيم النخعي (2)، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير
والضحاك بن مزاحم
(5)
،
(7)
(+) '
وعكرمة (6)، وابن شهاب الزهري وقد ذكر الجيطالي
نقولا عن بعضهم نكتفي بإيراد نموذج واحد:
- قال الربيع بن حبيب بلغني عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه خرج ذات يوم فإذا هو برجل يدعو ربه شاخصا بصره إلى السماء رافعا يده فوق رأسه فقال له ابن عباس: ادع ربك بإصبعك اليمنى، واسأل بكفك اليسرى، واغضض بصرك، وكف يدك فإنك لن تراه ولن تناله. فقال الرجل: ولا في الآخرة قال: ولا في الآخرة. فقال الرجل: فما وجه قول الله تعالى: وجوه يومئذ
1 - مجاهد بن جبير أبو الحجاج المكي (21 هـ - 104 هـ / 642 م - 722 م) تابعي مفسر. ر. الزركلي، الأعلام ج 278/ 3
2 - إبراهيم بن يزيد بن قيس بن أبو عمران النخعي (46 هـ - 96 هـ / 666 م 815 م) من أكابر التابعين صلاحا وصدق رواية وحفظا للحديث. ر. الزركلي: الأعلام: ج 80/ 1.
3 - سعيد بن المسيب بن حزن القرشي أبو محمد (13 هـ - 94 هـ /634 م - 713 م) سيد التابعين وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة. ر. الزركلي الأعلام: ج 102/ 3.
4 - سعيد بن جبير الكوفي أبو عبد الله (45 - 95 هـ / 714665 م) تابعي كان من أعلمهم أخذ العلم عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، قتله الحجاج. ر. الزركلي الأعلام: ج 93/ 3.
5 - الضحاك بن مزاحم البلخي الخرساني أبو القاسم (105 هـ / 723 م) مفسر كان يؤدب الأطفال. ر.
الزركلي الأعلام: ج 215/ 3
-6 سبقت ترجمته: 29 من البحث.
7 - محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري (58 هـ - 124 هـ / 678 م - 742 م) تابعي أول من دون الحديث تدوينا رسميا. ر. الزركلي الأعلام: ج 97/ 7.
- 193 - (1/193)
صفحة 194
ناضرة إلى ربما ناظرة؟ فقال ابن عباس: ألست تقرأ قوله تعالى: ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ثم قال ابن عباس: إن أولياء الله تنضر وجوههم يوم القيامة وهو الإشراق ثم ينظرون إلى ربهم متى يأذن لهم في دخول الجنة بعد الفراغ من الحساب ثم قال: وجوه يومئذ باسرة -يعني تظن أن يفه، كما فاقرة قال يتوقعون العذاب بعد العذاب وكذلك قوله: إلى ربما ناظرة ينظر اهل الجنة الثواب بعد الثواب والكرامة بعد الكرامة. (1)
كالحة
وإن كان الجيطالي أورد هذه الروايات عن هؤلاء الصحابة والتابعين من السلف الأول ليؤيد موقفه في نفي الرؤية فإننا نجد في الجهة المقابلة أن المثبتين ينقلون الإجماع عن الصحابة في جواز الرؤية، يقول أبو بكر الباقلاتي: "ويدل على صحة جواز الرؤية إجماع الصحابة على جوازها في الجملة وإنما اختلفوا هل عجلها لنبيه ليلة المعراج أم لا؟ على قولين ولو لم يقع الاتفاق منهم على جوازها لما صح هذا الاختلاف فلما وقع هذا الاختلاف قال بعضهم: عجل ذلك له في الدنيا قبل الآخرة وقال البعض: لم يرد دليل على الجواز في الجملة وأنه متفق عليه، وإلا كان يقول لمن قال بأنها لم تعجل فكيف تجوز الرؤية وهي مستحيلة عليه فلما لم يقل ذلك أحد منهم دلّ على إجماعهم على جوازها (2)
خلال
أضف إلى ذلك لو تتبعنا أقوال ابن عباس في موضوع الرؤية من تفسيره تنوير "المقباس" وقارناها بما نقله الجيطالي عنه لوجدنا البون شاسعا، والخلاف قائما بينهما، فعلى سبيل المثال يقول ابن عباس في المقباس: "ولا تدركه الأبصار في الدنيا ولا يرى الخلق ما يرى هو وتنقطع دونه الأبصار بالكيفية في الآخرة وبالرؤية في الدنيا (3) وقوله وجوه يومئذ ناضرة له حسنة جميلة ناعمة وإلى
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 68/ 1 ظ. أخرجه الربيع بن حبيب الجامع الصحيح: ج 226/ 3، رقم: 853.
2 - الباقلاني: الإنصاف: 181. ابن عباس: تنوير المقباس: 116.
- 194 - (1/194)
صفحة 195
ربما ناظرة ينظرون إلى وجه ربكم لا يحجبون عنه (1) وقوله ولن تراني لن تقدر أن تراني في الدنيا يا موسى وقال سبحانك تبت إليك من مسألتي الرؤية وأنا أول المؤمنين المقرين بأنك لن ترى في الدنيا، وقوله وما كذب الفؤاد فؤاد محمد لما رأى الذي رأى ربه بقلبه، ويقال: رأى ربه بفؤاده، ويقال: ببصره، ولقد رآه يعني رأى محمد عليه السلام جبريل، ويقال: رأى ربه بفؤاده،
(3) 11
ويقال ببصره. وإن كنا نرجّح ما رواه الربيع بن حبيب عن ابن عباس والذي اعتمده الجيطالي على ما ورد في تنوير المقباس نظرا لقوة السند عند الربيع إلا أن إشكالية النقل عن الصحابة والتابعين في مثل هذه المسائل تبقى قائمة لكون كل فريق يسعى ليلتمس سندا لموقفه من السلف الأول مما نجم عنه هذا التضارب البين في الرواية عن الصحابة، وفتح باب الاحتمال والتشكيك في صحة ما ينسب إليهم. هذا مجمل الأدلة النقلية والعقلية التي بني عليها الجيطالي موقفه في نفي الرؤية
وسنتعرف فيما يلي عن كيفية مناقشته لأدلة المثبتين.
ثالثا- مناقشة الجيطالي لأدلة المثبتين
استدل المثبتون بأدلة نقلية وعقلية على جواز الرؤية ووقوعها. ومن بين ما
ذكره الجيطالي ما يلي:
أ- الأدلة النقلية
سبقت الإشارة إلى الأدلة النقلية التي هي مشتركة بين المثبتين والنافين،
وسنضيف أدلة أخرى:
1 ابن عباس: تنوير المقباس: 494.
2 - المصدر نفسه: 137.
3 - المصدر نفسه: 446.
- 195 - (1/195)
صفحة 196
قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربما ناظرة (1) يرى المثبتون أن النظر
(2)
إذا عدي بإلى فمعناه المعاينة بالبصر كقوله تعالى: وانظروا إلى عمره إذا أثمر 2 فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟ (3) ويعترض الجيطالي بأن ليس للمثبتين في هذا الدليل حجة لكون النظر يخرج على وجوه كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، (4) وكل دليل محتمل فهو ساقط بين يدي المحتج به (5). ويتفق الجيطالي القائلين بأن النظر إذا وصل بإلى أريد به الرؤية لكنه يرى أيضا أن النظر الذي مع هو بمعنى الانتظار تارة يوصل بإلى، وتارة يستعمل بغير وصلة، وهو في هذه الآية موصول بإلى واستدل بقول الشاعر حسان بن ثابت:
وجوه يوم بدر ناظرات إلى الرحمن يأتي بالخلاص
كما أن ذلك موجود في لغة العرب ألا ترى إلى قول القائل "إنما أنظر إلى
الله ثم إليك" ولا يذهب وَهُمُ أحد إلى قوله إنما أنظر إلى الله إنما أراد نظر رؤية وإنما
معنى النظر إلى ما يأتي من قبله من الرزق والرحمة. (6)
كما أن تفسير النظر الوارد في الآية بالانتظار يتوافق مع الانسجام المعهود في
آي القرآن وارتباط بعضها مع بعض فإن الآيات قسمت الناس يومئذ إلى قسمين: وجوه ناضرة مشرقة تنتظر رحمة الله ودخول الجنة تقابلها وجوه باسرة كالحة تتوقع
العذاب، ولو فسر النظر هنا بالرؤية لتقطع هذا الوصل بين الآيات وتفكك رباطها
وذهب انسجامها.
(7)
1 - سورة القيامة، الآية: 22 - 23. -2 سورة الأنعام، الآية: 99.
-3 - ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق جماعة من العلماء الملكية للطباعة الحراش، الجزائر ط 10،
190:1996
4 - ر. معاني النظر: 64 وما بعدها من البحث.
- الجيطالي: شرح النونية: ج 70/ 1 و.
6 الجيطالي: شرح النونية: ج 70/ 1 ظ. 7 - أحمد الخليلي: الحق الدامغ 43.
196 (1/196)
صفحة 197
قوله تعالى: واللذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (1) فالح
الجنة
والزيادة هي تلا رسول الله اللذين أحسنوا الحسن وزيادة قال: إذا دخل أهل الجنة الجنّة، وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يحب أن ينجز كموه فيقولون وما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر وقد روى جرير ذلك عن جماعة منهم أبو بكر الصديق، حذيفة، أبو موسى
النظر إلى وجهه الكريم كما روى ابن حبان في صحيحه عن صهيب قال:
إليه
(2) 11
الله (3). واعترض الجيطالي على هذا الاستدلال الأشعري، وابن عباس رضي
عنهم
بلهجة دفاعية عنيفة ينتقد فيها أنهم لم يعتبروا في الآية معنى الزيادة المذكورة في غيره من القرآن كقوله تعالى وليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله مي کنيد وقوله ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله (5) (6) واستند إلى ما روي عن السلف معتمدا على ما أخرجه الربيع في تفسير معنى "الزيادة" بأنها غير الرؤية ومن ذلك قال ابن عباس والحسن البصري فيما بلغنا الحسن بالحسنة والزيادة
(7)
بالتسع قال الله تعالى: ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وقوله: ... فله خير منها ... (3) وقال مجاهد: الحسنى الحسنة والزيادة مغفرة الله ورضوانه، وقال علي بن أبي طالب: "الزيادة غرفة من اللؤلؤ لما أربعة أبواب"، وقال الربيع بن حبي
1 - سورة يونس، الآية: 26.
2 - أخرجه ابن حبان في صحيحه: ج 471/ 16، رقم: 7441. وقد ضعف الشيخ أحمد الخليلي (معاصر) دلالة هذا الحديث على الرؤية و الحق الدامغ: 49 - 50
3 - الأشعري: الإبانة: 33 ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: 190 - 191.
4 - سورة النور، الآية 38
5 - سورة فاطر، الآية: 30. 6 الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 1 ء.
-7 - سورة الأنعام، الآية: 160.
8 - سورة النمل، الآية: 89.
197 (1/197)
صفحة 198
روى أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله إن أهل الجنة لا يزالون متعجبين مما هم فيه حتى يفتح الله لهم باب المزيد، فإذا فتح كان لا يأتيهم منه شيء إلا وهو أفضل مما في جنتهم قال الله تعالى: ولدينا مزيد مکي (21)
تعالى حجب
قوله تعالى: وكلا إنهم عن ربهم يومئذ المحجوبون (3) يرى المثبتون أن الله الكفار عن رؤيته، ولا يحجب عنها المؤمنين (4). وأما الجيطالي فينطلق في تفسير هذه الآية من لفظة الحجاب في لغة العرب التي هي المنع، ومنه الحجب في الميراث، ومنه قوله تعالى: وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون (5) والحجب في اللغة قد يقع على معروف السلطان وخيره، وقد يراه ويحجب عن خيره بل يأمر بضرب رقبته، وقد لا يراه ويناله خيره، ومنع حجاب الرؤية لقوله تعالى: ولا تدركه الأبصار (6) ويؤيد الجيطالي تفسيره بما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس في ذلك لم يزل يحجبهم عن رحمته وثوابه و لم ينظر إليهم برحمته وروي عن مجاهد مثله (7). مثله (7). ويضيف السالمي أن هذا استدلال بمفهوم المخالفة وقد اختلف في ثبوت الاستدلال به على
العمليات الظنيات. فكيف يصح الاستدلال به على الاعتقاديات القطعيات؟ (8) أما الأحاديث التي استدل بها المثبتون فيرى ابن أبي العز الحنفي (ت
1 - الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: ج 232/ 3 - 233، رقم: 760 - 761 - 762. الجيطالي: شرح النونية: ج 70/ 1 و.
-2 سورة ق الآية 35 3 - سورة المطففين، الآية: 15.
4 - الأشعري: الإبانة: 33.
5 - سورة فصلت الآية 5. 6 - الجيطالي: شرح النونية، ج 70/ 1 و.
7 - المصدر نفسه. ولو رجعنا إلى تنوير المقباس لابن عباس في تفسير هذه الآية لوجدنا خلاف ذلك.، تنوير
المقباس: 505.
8 - السالمي: المشارق تصحيح وتعليق أحمد الخليلي: 194.
198 (1/198)
صفحة 199
الله عبد
722 هـ/1322 م) أنها متواترة رواها نحو ثلاثين صحابيا (1) منها حديث جرير بن البجلي قال: "كنا جلوسا مع النبي الله فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته (2) لكن الجيطالي لم يقف عند دراسة أسانيد هذه الأحاديث ليثبت صحتها أو ضعفها،
ولعل ذلك لقلة اشتغاله بهذا العلم إلا أن اهتمامه بدراسة المتن كان أكبر فقد قرر مبدأ وهو أنه "لا يجوز أن يكون تأويل الحديث على معنى غير القرآن" (3) لذا فقد أوّل الأحاديث التي يفيد ظاهرها الرؤية بالعلم إن صحت. ويعلل ذلك في العبارة: فإن قال قائل لم حملتم الرؤية المذكورة في الحديث على معنى العلم، والمسلمون يعلمون في الدنيا أن لهم ربا موجودا لا يشكون، والحديث إنما جاء على معنى الرؤية في الآخرة، قيل له: إن المسلمين يعرفون ربهم في الدنيا كما قلت، ولكن إذا كان يوم القيامة ورأوا ما فيه من الآيات الظاهرة والدلائل المعجبة والأهوال الفظيعة تأكد عند ذلك علمهم وقوي يقينهم، وزالت الوساوس عن قلوبهم علموا بحقيقة المعرفة أن الله حق، ووعده ووعيده صدق، وهذا موجود في لغة الناس يقول القائل: هذا الأمر أبين من الشمس، وأوضح من النهار إذا تبين له الأمر على حقيقته ...
ب- الأدلة العقلية
(4) 11
استدل المثبتون على جواز الرؤية بأدلة عقلية منها:
-
الله تعالى، موجود، وكل موجود مرئي، فالله تعالى يصح أن يرى (5).
1 - ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: 193 - 194.
2 - أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة باب فضل صلاة العصر: ج 203/ 1، رقم: 529. قال الألباني:
في ثبوت كلمة "عيانا" نظر عندي، ينظر هامش شرح العقيدة الطحاوية: 193.
-3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 1 و. ر. منهج الاستدلال الكلامي عند الجيطالي: 78 وما بعدها من البحث +.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 1 و، ظ. الأشعري الإبانة: 35 الجويني اللمع: 115 البغدادي: أصول الدين: 99.
- 199 - (1/199)
صفحة 200
وقد انتقد المعتزلة (1) والإباضية (2) هذا الدليل لأن المقدمة الكبرى فيه غير صحيحة إذ إن الكثير من الموجودات لا ترى كما أن الإمام الرازي (600 هـ/ 1209 م) اعتبره دليلا ضعيف (3). لكن الجيطالي لم يشر إلى هذا الدليل رغم كونه أبرز دليل عقلي اعتمد عليه المثبتون.
زيادة
الله
تعالى في أبصار أوليائه ليدركوه (4): يرد الجيطالي على القائلين
معناها
بهذه الفكرة قائلا: "لا تخلو هذه الزيادة من أن تكون مخرجة للأبصار عن فتعود حينئذ غير أبصار، فإذا خرجت الأبصار عن معناها بطل عنها أن تكون ترى وتبصر، أو تكون القوة الزائدة غير مخرجة للأبصار عن معناها فإذا كانت كذلك، فالأبصار لو قويت بكل قوة فهي مطبوعة لا تدرك إلا لونا من الألوان وشخصا من الأشخاص، ألا ترون أن الأسد إنما كان يرى ويبصر في ظلمة الليل ما لا يراه غيره من الحيوان لقوة بصره، وشدة، نظره، وكذلك النار لو زادت حرارتها لا تخرجها تلك الزيادة من أن تكون محرقة، وكذلك الثلج لو زاد برودة وجمودا لا تخرجه تلك الزيادة عن معنى ما هو فيه، وكذلك كل خلق طبعه الله على ما هو فيه لو زاد في معناه ما عسى أن يزيده لما أخرجته هذه الزيادة عن صفته التي هو بها، ولا نقلته عن طبعه الذي طبع عليه، والقول في سائر الحواس غير البصر كالقول في البصر. (5)
- الحاسة السادسة: يرد الجيطالي على القائلين بالحاسة السادسة مبينا أنها لا
1 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 196/ 1.
2 - السالمي: المشارق، تصحيح وتعليق أحمد الخليلي: 187. أحمد الخليلي: الحق الدامغ: 33. الثميني: معالم الدين: ج 42/ 2.
-3 الرازي: معالم أصول الدين مكتبة الكليات الأزهرية، (د. ت): 68 - 69.
4 - حسب اطلاعي على كتب المقالات وآراء الفرق لم أعثر على صاحب هذه الفكرة ولعل ذلك افتراض
احتمله الجيطالي فرد عليه.
- الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 1 ظ، 72 و.
-200 - (1/200)
صفحة 201
تخلو أن تكون في معنى البصر، أو في غير معناه. فأبطل هذه الفكرة بنفس المنهج
الذي سلكه في إبطال مسألة الزيادة في البصر
(1)
من خلال ما سبق يظهر لنا أن الجيطالي تمسك بموقفه في استحالة الرؤية في الدنيا والآخرة بالأبصار، وانتهج في الاستدلال على ذلك طريق النقل معتمدا على ما ذكره علماء الإباضية المتقدمون لاسيما الإمام الربيع بن حبيب محاولا التوفيق بين النصوص التي قد يبدو في ظاهرها التعارض، وتأويلها وفق ما يقتضيه المحكم. وإلى جانب النقل سلك طريق العقل مستخدما أساليب وآليات الاستدلال المستعملة عصره، وقوله باستحالة الرؤية كان بدافع التتريه المطلق الله تعالى والاحتراز من
الوقوع في التشبيه.
1 - الجيطالي: شرخ النونية: ج 71/ 1 ظ، 72 و.
-201 - (1/201)
صفحة 202
تمهيد
الفصل الرابع
النبوات
المبحث الأول: الإيمان بالأنبياء والرسل.
المبحث الثاني: صفات الأنبياء والرسل.
المبحث الثالث: في نبوة سيدنا محمد. (1/202)
صفحة 203
تمهيد
خلق الله الإنسان على أحسن صورة، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، وأنعم عليه أعظم نعمة ألا وهي العقل فتميز به عن سائر الحيوانات، فبفضله يفرز الإنسان بين النافع والضار، ويدبر أمور معاشه، ويحل العويص من مشكلاته لكن قد يبقى العقل عاجزا قاصرا عن إدراك أسباب سعادته فيحتاج حينئذ إلى نور الوحي ليهتدي به يقول الإمام محمد عبده (ت 1323 هـ/1905 م): "إنما الذي سبق تقريره هو أن العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي، كما لا يستقل الحيوان في درك جميع المحسوسات بحاسة البصر وحدها، بل لابد معها من السمع لإدراك المسموعات مثلا، كذلك الدين هو حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادات
فالرسالة ضرورة للبشر لتلبي احتياجهم وتتمم وجودهم، وتحفظ بقاءهم، وقد اشتهر لدى علماء العقيدة تشبيه الرسل بالأطباء، يقول الجيطالي: "فحاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء فكما يعرف صدق الطبيب بالتجربة كذلك يعرف صدق الرسول بالمعجزة (2) ويبين السالمي ذلك بعبارة أوضح قائلا: فالرسول كالطبيب الحاذق الذي يعرف الداء والدواء وطبائع الأدوية فيخبر الناس أن هذا لكذا وهذا لكذا وذا لكذا فإنه إن أمن أن الناس يدركون طبائع تلك الأدوية وأسرارها بمحض التجربة فلربما وقعوا في مدة تجربتهم لها في الدواء القاتل لهم فظهرت حكمة وجود الطبيب لهم (3) فلا يمكن أن تستغني المجتمعات البشرية عن بعث الرسل والأنبياء كما يوضح ذلك الإمام محمد عبده مبينا أن متزلة النبوات
1 - محمد عبده: رسالة التوحيد: 115. 2 الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 311/ 1. 3 - السالمي: مشارق أنوار العقول: 216.
-203 - (1/203)
صفحة 204
من الاجتماع هي منزلة العقل من الشخص، أو منزلة العلم المنصوب على الطريق المسلوك بل نصعد إلى ما فوق ذلك ونقول متزلة السمع والبصر. (1)
ولما لموضوع النبوة من الأهمية المذكورة فقد اشتغل الفكر الإنساني ولا يزال بالبحث في مسائله ولعل أبرزها محاولة إيجاد تفسير مقنع لظاهرة الوحي إلا أن تصورات الدارسين للموضوع مختلفة ومواقفهم متباينة مما دفع علماء العقيدة ومن بينهم الجيطالي إلى الخوض في مسائل النبوة ليبينوا المعتقد الصحيح ويبطلوا الشبهات المثارة، وهو ما سنوضحه في هذا الفصل.
1 - محمد عبده: رسالة التوحيدة. 114.
-204 - (1/204)
صفحة 205
1 - بعث الرسل
المبحث الأول
الإيمان بالأنبياء والرسل
يذكر الجيطالي أنه على العبد أن يعتقد أن الله جملة من الأنبياء والرسل أرسلهم إلى عباده وجعلهم الأسناء على خلفه، والحكام في بلاده، وأنزل عليهم كتبه وآياته وكلماته، وجعل أولهم آدم أبا البشر رسولا إلى أولاده، وآخرهم نبينا محمدا عليه السلام ختم به أنبياءه ورسله (1). وقد استدل على وجوب الايمان بالأنبياء والرسل بقوله تعالى: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيثون من ربكم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) وقد انتقد صاحب "حاشية "القواعد" الجيطالي على هذا الاستدلال لكونه ليس في محله حيث يرى: "أن هذه الآية تدل صريحا على الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء، وليس هو المقصود هنا أي في هذا القسم " (3) لكن قد يحتمل أن يكون الجيطالي قصد بالاستدلال بالآية دلالتها الضمنية على الإيمان بالرسل والأنبياء جميعا.
(2)
أما حكم بعث الرسل فيرى الجيطالي أنه ليس بمستحيل بعثه تعالى للأنبياء إذ
من
يشاء
إن إرسال الرسل من الجائز في حق الله تعالى الذي يصطفي لحمل رسالته وهو مذهب الإباضية (1) والأشاعرة (2) وقد خالفهم في ذلك المعتزلة
من عباده)
- الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 23/ 1.
2 - سورة البقرة، الآية: 136.
3 - أبو عبد
الله محمد بن عمر بن أبي ستة حاشية على كتاب قواعد الإسلام، طبعة حجرية (د. ت): 29 - 30.
4 - الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 302/ 1، 311.
-205 - (1/205)
صفحة 206
الذين قالوا بوجوب بعث الرسل انطلاقا من أصلهم الفاسد في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح على الله تعالى (3). .
لم يشتغل الجيطالي بمناقشة المعتزلة بل وجّه رده إلى نقض مقالة البراهمة التي أنكرت النبوة بالاستحالة العقلية حيث قالوا: "لا" فائدة في بعثهم إذ لا يخلو ما جاءوا به أن يكون موافقا للعقل أو مخالفا له، فمحال أن يخالف الشرع العقل، وإن كان موافقا لما
(4) 11
في العقل ففي العقل كفاية عنهم ويرد الجيطالي عليهم بقوله: "فالحجة عليهم أن العقل لا يهدي إلى الأفعال المنجية في الآخرة كما يهدي إلى الأدوية المفيدة للصحة في الدنيا، فحاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء، فكما يعرف صدق الطبيب
(5) 11
(6)
بالتجربة كذلك يعرف صدق الرسول بالمعجزة. وقد تصدى أبو عمار عبد الكافي) لدحض حجج البراهمة وتفنيدها حجة بعد أخرى حيث خصص في كتابه الموجز فصلا كاملا لاستعراض آرائهم والرد عليها بمسلك عقلي رصين. (7)
لكن الإشكال الوارد هو ما مدى صحة نسبة هذه الآراء في إنكار النبوة للبراهمة؟
1 - عبد العزيز الثميني: معالم الدين، وزارة التراث القومي، عمان، 1407 هـ/1986 م: ج 51/ 2. السالمي: مشارق أنوار العقول: 215. وقد بين أبو يعقوب الوارجلاني أن الواجب يكون في مقتضى الحكمة يقول: "ليس على الله أن يرسل إلى الناس الرسل إلا في موجب الحكمة، وليس على الله من واجب إلا في مقتضى الحكمة وله الفضل في ذلك" ر. أبو يعقوب الوار جلاني: الدليل والبرهان: ج 311/ 3.
2 عبد القاهر البغدادي: أصول الدين: 154 - 155
-3 - عبد العزيز الثميني: معالم الدين: ج 52/ 2.
-4 - الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 311/ 1.
5 - المصدر نفسه.
-6 أبو عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب الوارجلاني (ت قبل 570 هـ/1174 م) عالم من علماء عصر الازدهار العلمي بوارجلان له مؤلفات منها: كتاب "الموجز"، وكتاب "شرح الجهالات". ر. جمعية
التراث: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب: ج 539/ 3، ترجمة: 562.
7 - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، تحقيق د/عمار طالبي: ج 297/ 1 وما بعدها.
-206 - (1/206)
صفحة 207
اشتهر لدى المتكلمين وكتاب المقالات إنكار البراهمة للنبوة وكادوا أن يجمعوا على ذلك إلا أن الدكتور عمار طالبي يعترض عليهم ويذهب إلى أن البراهمة لا ينكرون النبوات، وأما ما نسب إليهم من آراء في الموضوع فهي لابن الرواندي (1) الذي خدع الناس حين عبّر عن آرائه الخاصة في إنكار النبوة، واستر بنسبتها للبراهمة، وأيد الدكتور وجهة نظره بما ذكره أبو محمد النوبختي في كتابه "الآراء والديانات بأن البراهمة أثبتوا الخالق والرسل والجنة والنار، ووافقه البيروني
على ذلك في كتابه "تحقيق ما للهند من مقالة مقبولة في العقل أو مرذولة" (2) وإذا كانت النبوة والرسالة جائزتين عقلا، وقد حصل وقوعهما في التاريخ الإنساني عيانا فما هي حقيقتهما عند الجيطالي؟ وما الفرق بينهما؟
2 - حقيقة النبوة والرسالة
أورد الجيطالي الاشتقاق اللغوي لكلمة النبوة وقد اختلف الناس فيه: (3) - فمنهم من ذهب إلى أنها مأخوذة من الإنباء وهو الإخبار: أنبأ، ينبئ، إنباء، فهو منبئ، وهو قول أبي الربيع) واستدل بقول الله عز وجل: وعمّ يتساءلون عن النبا العظيم (5) أي الخبر، قيل: إنه القيامة، وقيل: النبي عليه السلام،
1 - ابن الرواندي هو أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق (ت 245 هـ / 859 م)، سكن بغداد وكان من متكلمي المعتزلة ثم فارقهم وصار ملحدا زنديقا، وله كتاب في الردّ على أهل الاعتزال سماه "فضيحة المعتزلة" وقد ردّ عليه الخياط في كتابه "الانتصار". ر. ابن خلكان وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان تحقيق د/ إحسان عباس دار الثقافة، بيروت، (د. ت): ج 94/ 1، ترجمة: 35.
-2 عمار طالبي آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر (د. ت): ج 269/ 1.
- الجيطالي: شرح النونية: ج 34/ 1 و. ابن منظور: لسان العرب: ج 162/ 1.
-4 - أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت 471 هـ / 1049 م) أصولي بارع، وفقيه نبيه، وله مؤلفات. ر. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية: ج 444/ 3، ترجمة: 472.
5 - سورة النبأ، الآية: 1 - 2.
-207 -
14 (1/207)
صفحة 208
وقال الجيطالي: "وأحسب أنه القرآن في بعض الأقوال، قال الله تعالى: {قل هو نبأ عظيم مي کي (1) (2)
(2) n(1)
وقال آخرون إن النبي مشتق من نبا، ينبو، نبوءة: إذا ارتفع، وقال الرسول: "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد (3) أي رفيع القدر (4) ويقول الثميني: "فالمعنى على هذا أن النبي المرتفع على طور البشر باختصاصه بالوحي وخطاب "الله تعالى تعالى (5)، وقيل في النبوة أيضا إنها علامة في أجساد الأنبياء عليهم السلام)
(6)
ويعرف الجيطالي النبيء بالهمز) اصطلاحا: هو المخبر عن الله عز وجل،
والمؤيد بالمعجزة الدالة على صدقه الظاهرة "بالدلائل"
وأما الرسالة في اللغة تنصرف على وجهين (8):
- على معنى الإرسال من الله عز وجل.
- وعلى معنى التبليغ من الرسل.
وقد بحث الجيطالي في الفرق بين الرسول والنبي والعلاقة بينهما، وهل يجوز
إطلاق أحدهما على الآخر؟
ذهب أكثر العلماء إلى أن كل رسول من بني آدم نبي وليس كل نبي
1 - سورة ص، الآية: 67.
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 34/ 1 و.
3 - أخرجه الحاكم في المستدرك: ج 665/ 2، رقم: 4209.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 34/ 1 و.
5 - عبد العزيز الثميني: معالم الدين: ج 46/ 2.
6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 34/ 1 ظ.
7 - المصدر نفسه.
8 - الجيطالي: شرح النونية: ج 34/ 1. ابن منظور: لسان العرب: ج 281/ 11.
-208 - (1/208)
صفحة 209
رسولا (1)
وبين الجيطالي أن الأنبياء أعم من الرسل لأن الأنبياء أنبياء مرسلون وأنبياء غير مرسلين، فالرسول هو الذي نبئ بالوحي، وأرسل إلى غيره، والنبيء من نبئ بالوحي، ولم يرسل إلى غيره.
(2)
ويرى بعضهم ومن بينهم القاضي عبد الجبار المعتزلي (3) أنهم جملة واحدة فكل نبي رسول وكل رسول نبي، ولا فرق بينهما في الاصطلاح. (4)
وقال بعضهم جملتان على الناس معرفتهما كل واحدة منهما على حدة واستدل هؤلاء بقول الله عز وجل: وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيئون من ربهم لا نفرق بين أحد ونحن له مسلمون (5) قال الجيطالي:
منهم
"وهذا القول هو الصحيح عند أصحابنا" (6)
يتجلى لنا أن الخلاف في ضبط هذين المصطلحين والفرق بينهما محتمل تجيزه اللغة، ولا ينجم عنه أي أثر اعتقادي أو عملي إلا أن غاية علماء الكلام هي وضع الحدود، وضبط التعريفات قدر الإمكان، ويرى الدكتور البوطي أن البحث في هذه المسألة فرعي اجتهادي لا يتعلق بشيء من قواطع الدين وضرورياته.
(7)
ويتعرض الجيطالي إلى خاصية النبوة والرسالة هل تحصلان بالاضطرار أم بالاكتساب؟
1 - عبد العزيز الثميني: معالم الدين: ج 50/ 2. محمد سعيد رمضان البوطي: كبرى اليقينيات الكونية، الملكية للإعلام والنشر، الجزائر، ط 1402/ 8 هـ: 184.
2 - الجيطالي: قواعد الإسلام ج 22/ 1. القناطر: القسم 324/ 1.
3 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 228/ 2. عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلامين، دار العلم
للملايين، بيروت، ط 2، 1979: ج 475/ 1.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 34/ 1 ظ.
5 - سورة البقرة: الآية: 136.
6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 34/ 1 ظ. القناطر، تحقيق النامي: القسم 324/ 1.
-7 - محمد سعيد رمضان البوطي كبرى اليقينيات الكونية: 184.
-209 - (1/209)
صفحة 210
3 - خاصية النبوة والرسالة
تصرح آي القرآن الكريم أن النبوة صفة راجعة إلى اصطفاء الله تعالى (1) إذ
يجتبي من يشاء من عباده لتحمل الرسالة وتبليغ الأمانة كما أراد رب العزة. وهذا
ما اجتمع
عمليه جمهور المسلمين إلا أن واقع الفكر الإسلامي لم يسلم من تيارات أجنبية دخيا: أثرت عليه في بعض مناحيه ومن بينها قضية النبوة، فقد زعم بعض فلاسفة الإسلام أمثال الفارابي (2) وابن سينا (3) أن النبوة صفة يكتسبها الإنسان بمجاهدات صوفية، أو تأملات عقلية تمكنه من الاتصال بالله الذي يوحي إليه بتوسط العقل الفعال)، وزعمت الكرامية أن الرسالة والنبوة معنيان قائمان
(4)
بالرسول فمن كان فيه ذلك المعنى كان رسولا، ووجب على الله إرساله (5).
وقد عرض الجيطالي نظرية الإباضية في النبوة مع ذكر الخلاف الوارد في المسألة (6) فينقل عن أبي الربيع سليمان بن يخلف أن النبوة والرسالة صفات الأنبياء والرسل وهما اضطرار، حالتان من الأنبياء والرسل كحلول الاستطاعة في المستطيع والزمانة في الزمن لأنهما لو كانتا اكتسابا لجاز على العباد أن يختاروه فمن أراد أن
1 - مثل قوله تعالى: والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) (الحج: (75) وقوله تعالى: والله أعلم حيث يجعل رسالاته (الأنعام (124) وقوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) (آل عمران: 33).
2 - محمد بن محمد أبو نصر الفارابي (260 هـ - 339 هـ / 874 م-950 م) المعلم الثاني، اكبر فلاسفة المسلمين. ر. خير الدين الزركلي: الأعلام: ج 20/ 7.
3 - الحسين بن عبد الله بن سينا أبو علي (370 هـ - 428 هـ / 980 م-1037 م) الفيلسوف الرئيس. ر. الزركلي: الأعلام: ج 241/ 2.
4 - ر. الثميني: معالم الدين، ج 49/ 2. محمد عبد الرحيم الزيني: مشكلة الفيض عند فلاسفة الإسلام، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1993 م: 277 وما بعدها. (فصل النبوة والفيض)
5 - عبد القاهر البغدادي: أصول الدين: 154
6 - الجيطالي: قواعد الإسلام ج 23/ 1. شرح النونية: ج 34/ 1 و.
210 (1/210)
صفحة 211
يكون نبيئا كان نبيئا، ومن أراد أن يكون رسولا كان رسولا. قال: وفي عجزهم أن يكونوا أنبياء بإرادتهم، ورسلا بإرادتهم ما يثبت بأن النبوءة والرسالة ليستا بأفعالهم، وهما فعل الله ليس للعباد فيه فعل (1) ويذهب البعض أن النبوة اضطرار، والرسالة اكتساب (2).
ويبين الشيخ أبو يحيى زكرياء بن أبي بكر (3) أن سبب تنازعهم يرجع إلى اختلافهم في تحديد معنى الرسالة يقول: "إن الرسالة تنصرف في اللغة على وجهين على معنى الإرسال الله من عز وجل والثاني على معنى التبليغ من الرسل فمن قال إن الرسالة اضطرار ذهب بالرسالة إلى الإرسال من الله عز وجل للرسل ومن إن الرسالة اكتساب ذهب بمعنى الرسالة إلى التبليغ من الرسل. ثم قال الشيخ أبو عمار هذا أحسن ما سمعناه في هذا الوجه"
(4) 11
قال
والخلاصة أن الخلاف السابق هو خلاف لفظي في المصطلح فالإباضية متفقون أن النبوة والرسالة التي هي بمعنى بمعنى الإرسال عند من الله ضروريتان وليستا مكتسبتين تحصلان بالاتصال أو الخيال كما زعم الفلاسفة.
"
وإذا بعث الله رسولا فلزاما عليه أن يدعي النبوة ويظهر المعجزة التي تدل على صدقه إذ يعرف صدق النبي بالمعجزة (5) فكيف عرف الجيطالي المعجزة؟ وما هي دلالتها؟ 4 - المعجزة ودلالتها
يعرف الجيطالي المعجزة اصطلاحا هي: كل" أمر ناقض للعادة يظهر على
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 34/ 1 و.
2 المصدر نفسه. ر. قواعد الإسلام: ج 23/ 1.
-3 - زكرياء بن أبي بكر بن سعيد الميراسني أبو يحيى (طبقة 11: 500 هـ - 550 هـ/1106 م-1155 م) له باع في علم النظر، وفتاوى ومأثورات جمعية الثرات: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب: ج 322/ 2، ترجمة: 339.
-4 - أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي: السؤالات: 179.
5 - الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 311/ 1.
-211 - (1/211)
صفحة 212
يدي مدعي النبوة زمان التكليف مقترنا بالتحدي من دعوى النبوة على جهة الابتداء متضمنا لتصديقه" (1)
ونستخلص من هذا التعريف جملة من الشروط قيد بما الجيطالي حقيقة المعجزة، وإن لم يوف حقها من البيان وهي شروط اتفق عليها جل المتكلمين (2) نوردها فيما يأتي:
- أن تكون من فعل الله تعالى، ويؤكد أن كل ما عجز عنه البشر لم يكن إلا فعلا الله تعالى (3) ويعلل الإيجي ذلك "لأن التصديق منه لا يحصل بما ليس من قبله (4)
- أن تكون ناقضة للعادة، ويخرج بذلك غير الخارق.
- أن تكون على يدي مدعي النبوة، وتخرج الأمور الخارقة للعادة التي تظهر
على يدي غيره، كالكرامة على يد الولي، والاستدراج على يد الفاسق ... - أن تكون زمان التكليف، فيخرج الإرهاص وهو ما كان قبل النبوة. - أن تكون مقترنة بالتحدي حيث تتعذر معارضتها.
- أن تتضمن صدقه.
أن تكون موافقة لدعواه.
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 34/ 1 و. ونلاحظ أنه نفس التعريف الذي ساقه أبو عمرو عثمان بن خليفة
السوفي في "السؤالات". ر. السؤالات: 178177.
2 ر. الإيجي: المواقف: 339 - 340. محمد بن الحسن الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 250. البغدادي: أصول الدين: 171. أبو المعين النسفي التمهيد في أصول الدين تحقيق عبد الحي قابيل دار
الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1407 هـ / 1987 م: 46. السالمي: المشارق: 217.
3 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 312/ 1.
-4 - الإيجي: المواقف: 339
-212 - (1/212)
صفحة 213
أما عن دلالة المعجزة فقد اختلف المتكلمون فيها وهي على ثلاثة مذاهب: (1) الأول: أن تدل المعجزة على صدق النبوة دلالة عقلية كدلالة الفعل على
وجود الفاعل، وهو ما ذهب إليه ابن حزم الظاهري والآمدي إذ يقول: العلم بصدق التحدي بالنبوة عند اقتران المعجز الخارق للعادة بدعواه واقع لكل عاقل بالضرورة (2) وهو ما اختاره عبد العزيز الثميني وشيخه أبو زكرياء يحيى بن صالح
الأفضلي.
(4) (3)
الثاني: أن تدل المعجزة على صدق النبوة دلالة عادية "كدلالة قرائن الأحوال على خجل الخجل ووجل الوجل، فإن خلق الله تعالى لهذا الخارق على هذا الوجه المفروض تدل عادته على صدقه بالضرورة (5) وهو ما ذهب إليه أبو المعين النسفي (ت 508 هـ / 1114 م) (6) من الماتريدية والإيجي) من الأشاعرة إذ إن اقتران المعجزة 508 هـ/1114 م) بالصدق هو اقتران عادي، وجوزوا عقلا ظهور المعجزة على يد الكاذب وإن كانت العادة تقضي بامتناع ذلك أي ممكن، عقلا ومستحيل وقوعا)
الثالث: أن تدل المعجزة على صدق النبوة دلالة مواضعة كدلالة الألفاظ بالوضع على معانيها لأن المواضعة قد تعرف بصريح يدل على التواضع) وقد
1 - الثميني: معالم الدين: ج 56/ 2 - 57 ر. عبد المجيد النجار: المهدي بن تومرت، حياته وآراؤه: 230 - 231. 2 عبد المجيد النجار: المهدي بن تومرت 230 نقلا عن الآمدي: غاية المرام: 329. 3 - أبو زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي (1126 هـ - 1202 هـ / 1714 م-1788 م) من العلماء الأعلام وكبار المشائخ في وادي مزاب و. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية: ج 965/ 4، ترجمة رقم: 1004. -4 - الثميني: معالم الدين: 57/ 2. عمر قلاع الضروس: الإمام عبد العزيز الثميني وكتابه المعالم في الفلسفة وأصول الدين، رسالة ماجستير (خطوطة)، المعهد الوطني العالي لأصول الدين، جامعة الجزائر، 1997 م: 241.
5 - الثميني: معالم الدين: ج 57/ 2.
6 أبو المعين النسفي: التمهيد: 44 - 45.
7 - الإيجي: المواقف: 341. 8 الثميني: معالم الدين: ج 2/ 56.
-213 - (1/213)
صفحة 214
ذهب إلى هذا القول القاضي عبد الجبار، يقول: "فلا بد من أن يدل على ذلك (أي يدل الله تعالى على صدق النبي بالوجه الثالث وهو ما طريقه المواضعة فيصير بما يظهر من الرسول من التماس المعجز فإنما يريد تصديق المدعي ولو لم يحل هذا المحل لم يكن ليدل (1) وقد أرجع الثميني دلالة المواضعة إلى الدلالة العقلية حيث يرى أنها قريبة منها (2) بيد أن الدكتور عبد المجيد النجار يذهب إلى أنها تؤول إلى الدلالة العادية إذ العادة ضرب من المواضعة (3)، وهو ما نرجححه.
نصا (4)
ويقول الثميني - عقب دراسته لدلالة المعجزة -: "ولم أر لأصحابنا في ذلك وهذا ما يؤكد أن الثميني لم يطلع على رأي الجيطالي في
سنبينه فيما يأتي.
المسألة
وهو ما
يستدل الجيطالي على صدق نبوة الرسل بما يظهر على أيديهم من الآيات الخارقات للعادات وتحديهم بما على وفق دعواهم، وهذه المعجزات تدل عنده على صدق النبي بالضرورة، ويبين أن طبيعة الأفعال التي يأتي بها مدعي النبوة لا تخلو من أحد ثلاثة أقسام (5): أ- إما أن يأتي بالأفعال المعتادة كان كل والشراب واللباس وما شاكلها أنها معجزة بطل دعواه لعدم الأمارة على صدقه إذ لا أحد يعجز عن الإتيان بتلك الأفعال التي ادعى أنها معجزة. ب أن يأتي بالأفعال التي يتوصل إلى تعليمها كالكتابة والخياطة وغير ذلك
وادعى
1 - عبد المجيد النجار: المهدي بن تومرت حياته وآراؤه 231 نقلا عن القاضي عبد الجبار المغني:
ج 164/ 15.
2 - عبد العزيز الثميني: معالم الدين: ج 57/ 2.
-3 عبد المجيد النجار: المهدي بن تومرت حياته وآراؤه: 231
4 - الثميني: معالم الدين: ج 57/ 2.
- الجيطالي: شرح النونية: ج 12/ 1 اظ.
-214 - (1/214)
صفحة 215
من الصنائع التي يتوصل إليها بالحيل والتعليم فيدعي أنها معجزة فتبطل أيضا دعواه
إذ كل ما يتوصل إليه بالاحتيال لا يكون معجزة.
ج- أن يأتي بالأفعال الخارقة للعادة كانفلاق البحر، وانقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، وانشقاق القمر، وما شاكلها من الأفعال التي انفرد الباري، سبحانه
باختراعها وإظهارها على وفق دعواه وليس في مقدور الخلق الإتيان بها.
فيثبت حينئذ صدق مدعي الرسالة وتلزم حجته كل من أرسل إليه ضرورة. ويضرب الجيطالي لنا مثلا كثر استعماله لدى العلماء) وهو مثل الملك ورسوله إلى الرعية ليؤكد من خلاله أن دلالة المعجزة على الصدق دلالة ضرورية، وأنها تتزل منزلة التصديق بالقول يقول: "ووجه دلالة المعجزة على صدق الرسول عليه السلام نزل بمنزلة قول الله تعالى: صدق رسولي، وذلك مثل القائم بين يدي الملك المدعي على رعيته أنه رسول الملك فإنه مهما قال للملك إن كنت صادقا فقم على سريرك ثلاثا واقعد على خلاف عادتك ففعل ذلك حصل للحاضرين علم ضروري بأن ذلك نازل منزلة قوله: صدقت (2) فمثل الملك مثل الله سبحانه وله المثل الأعلى، ورسول الملك هو النبي، وخرق الملك لعادته: ونجد هذا المثال الذي ساقه الجيطالي قد ضربه أيضا القائلون بالدلالة العادية (3). مما
هي
-
المعجزة.
1 - ر. الجويني: لمع الأدلة: 124 - 125. أبو حامد الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد: 123 - 124. الإيجي:.
المواقف: 341.
2 - الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 312/ 1. وهو مذهب أبي حامد الغزالي حيث يرى أن المعجزة تدل بالضرورة على صدق النبي، لكن الإشكال المطروح هو أن الغزالي إذا كان يرى اقتران المعجزة بالصدق هو اقتران ضروري ألا يتنافى هذا مع نظريته في جريان العادة ومذهبه في نقض مبدا الضرورة أم هو استثناء خاص؟ ر. أبو حامد الغزالي: الإحياء: ج 151/ 1. الاقتصاد في الاعتقاد: 124 - 125. تهافت الفلاسفة، تعليق وشرح د/ علي بوملحم دار مكتبة الهلال، بيروت، ط 1، 1994 م: 189.
3 - الإنجي: المواقف: 341. يقول عقيب ضربه هذا المثل: وليس" هذا من باب قياس الغائب على الشاهد، بل ندعي في إفادته العلم الضرورة العادية ونذكر هذا للتفهيم وزيادة التقرير " المصدر نفسه.
- 215 - (1/215)
صفحة 216
يدل على أن الآراء الكلامية لا يمكن أن تبنى على نحو هذه الأمثال المحتملة. وإذا كانت المعجزة دليل صدق على بعثة الرسول عند الجيطالي فهل يجوز
أن يرسل الله رسلا بغير معجزة تدل على صدقهم؟
اختلف المتكلمون في هذه المسألة فذهبت طائفة من الإباضية أن "ذلك لا
وهو
يجوز حتى تكون معه علامة يتبين بها من غيره مما لا يقدر مخلوق أن يأتي بها (1) مذهب الأشاعرة كما يعرضه البغدادي حيث يقول: "النبي لابد له من إظهار معجزة تدل على صدقه والمعجزة الواحدة كافية في الدلالة على صدقه ومن لم يؤمن به
بعدها استحق العقاب" (2) بيد أن الجيطالي وأصحابه من الإباضية يرون أن ذلك جائز في حكمة الله تعالى أن يرسل رسله إلى خلقه بلا معجزة ولا دلالة، فإن أعطاهم ذلك الله فهي نعمة من وفضل، وإن أمسكها منهم فهو عدل منه، وصواب فليس لهم على الله أن يعطيهم ذلك إذ كان ذلك مناً منه وفضلا، واستدلوا على ذلك بقول الأنبياء عليهم السلام لأممها فيما حكى الله عنهم في كتابه وقالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين (3) وقوله تعالى: وإن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله (54) وهذا يتسق مع مذهبهم بأنه لا يجب على الله تعالى شيء فيجوز له أن يرسل من يشاء بغير معجزة ولا دليل إذ إن صدق النبي أنه رسول قد يكفي وحده.
وذهبت الكرامية أن كل من سمع قول الرسول، أو سمع الخبر عن ظهور
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 112/ 1 ظ. الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 186/ 1.
-2 البغدادي: أصول الدين: 173
3 - سورة يس: الآية: 16 - 17.
4 - سورة إبراهيم، الآية: 11. الجيطالي: شرح النونية: ج 113/ 1.
216 (1/216)
صفحة 217
دعوته لزمه الإقرار والتصديق به سواء علم برهانه وحجته أو لم يعلمها (1) وقالت طائفة من المعتزلة: "لا يحتاج النبي في الحجة على نبوته إلى أكثر من سلامة شرعه وما يأتي به من التناقض فيه ويبدو لنا أن سبب خلافهم في المسألة
(2) 11
هو: هل المعجزة وحدها فقط تدل على صدق النبي أم هناك دلائل أخرى؟ فمقتضى كلام الجيطالي السابق ومن وافقه من الإباضية يرون أن المعجزة ليست وحدها فقط تدل على صدق النبوة بل قد يكون للصدق طرق أخرى لأن الغرض إنما هو صدق المدعي وليس هو المعجزة في حد ذاتها فكثيرا ما تعرب قرائن النبوة أو كذبه قبل أن يظهر المعجزة وهو ما عبر عنه
الأحوال عن صدق مدعي شاعر الرسول حسان ثابت بن
لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر
الطريق
وأما البغدادي وغيره من الأشاعرة فقد ذهبوا إلى أن المعجزة هي الوحيد للدلالة على الصدق لذلك أو جبوا ظهورها على يد مدعي النبوة. (3) ونرجح رأي الفريق الأول لأن تصديق النبي يتحقق بالمعجزة وبغيرها، وهو ما يتوافق مع المنطق وواقع دعوات الرسل فلا داعي لحصر طريق صدق النبي في المعجزة، ويعلل أحد المعاصرين ذلك بقوله: "إذ لو لم يعلم صدق النبوة إلا بالمعجزة لاحتاج إلى أن يكرر معجزاته أمام كل قوم يأتونه إذ إن الحجة تلزم من رأى دون من لم ير حتى وإن كان قد سمع وماذا تكون حجة النبي على من أتوا بعد وفاته و لم يشهدوا معجزاته؟ " (4) وهو ما اختاره بعض المحققين أمثال ابن أبي العز الحنفي (5)،
1 - البغدادي: أصول الدين: 176.
2 - المصدر نفسه.
3 - المصدر نفسه: 173.
4 - د/ أحمد محمود صبحي: في علم الكلام، الأشاعرة: ج 133/ 2.
- ابن أبي العزة شرح العقيدة الطحاوية: 150.
-217 - (1/217)
صفحة 218
وابن تيمية حيث يقول: "ومنهم من يجعل المعجزة دليلا ويجعل أدلة أخرى غير المعجزة وهذا أصح الطرق ومن لم يجعل طريقها إلا المعجزة اضطر لهذه الأمور التي
فيها تكذيب لحق أو تصديق لباطل.
(1)
1 - ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، دار القلم، بيروت، ط 1، 1407 هـ/1987 م: ج 522/ 5.
-218 - (1/218)
صفحة 219
1 - العلم بالرسول
اختص
المبحث الثاني صفات الأنبياء والرسل
الله أنبياءه ورسله الكرام عن سائر الخلق بصفات مثلى، فكانوا أنقى
الناس جوهرا، وأطيبهم خلقا وأصفاهم عنصرا، وأكملهم فطرة ... صفات سامية، الله تعالى. وقد اعتبر الجيطالي
يستدعيها جلال الرسالة، ويقتضيها مقام التبليغ عن
(1)
العلم بالرسول عليه السلام أحد الفروع الثلاثة لعلم الدين الذي يجب على العبد
معرفته. ويقسم العلم بالرسول إلى ثلاثة أقسام هي:
أولا - العلم بما يجب إثباته للرسول وهو ثلاث صفات:
- الصدق.
- الأمانة.
-
اتباع الحق في أفعاله وأقواله.
ثانيا - العلم بما يجب نفيه عنه وهو ثلاث صفات:
- الكذب.
- الخيانة.
-
اتباع الباطل في أقواله وأفعاله.
ثالثا - العلم بما يجوز عليه وهو ما يجوز على البشر من الانتفاع والاستضرار
1 - ر. تقسيم الجيطالي لعلوم الدين: 94 من البحث.
-219 - (1/219)
صفحة 220
أو هو بلفظ آخر: السراء والضراء والسهو الذي لا ينافي التكليف.
(2) (1)
وقد اقتصر الجيطالي على ذكر مجمل لهذه الصفات دون أن يفي حقها من التحليل كما أن هذا التقسيم الثلاثي لعلم الرسول نجده واردا عند ابن تومرد مما يدل على تأثر الجيطالي به.
اختص
ومما يتعلق بصفات الرسل عليهم السلام مسألة العصمة التي هي
أهم صفة
بها المرسلون، لكونها السند المعين على تبليغ شرائعهم، واحتضان الناس لها
بالتصديق والقبول.
2 - مسألة العصمة
قبل
اختلفت المدارس الكلامية في مسألة العصمة في زمن وقوعها: هل هي النبوة أم بعدها؟ ومن أي الذنوب يعصمون أمن الكبائر والصغائر أم من الكبائر فقط؟ وأبرز الأقوال نوردها فيما يأتي: - ذهبت الشيعة الإمامية إلى أن النبي يجب أن يكون معصوما من القبائح صغيرها وكبيرها قبل النبوة وبعدها على طرق العمد والنسيان وعلى كل حال. (3) أما الأشاعرة فيرون أن الأنبياء معصومون بعد النبوة عن الذنوب كلها، وأما السهو والخطأ فليستا من الذنوب فلذلك ساغا عليهم، وأجازوا عليهم الذنوب قبل النبوة. (4)
1 - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي الملقب بالمهدي (485 هـ - 524 هـ/1092 م- 1130 م) مؤسس دولة الموحدين. ر. الزركلي: الأعلام: ج 228/ 6 - 229. 2 محمد بن تومرت أعز ما يطلب تقديم وتحقيق عمار طالبي: 182. أحمد محمود صبحي: في علم الكلام، (الأشاعرة): ج 227/ 2.
3 - محمد بن الحسن الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 260.
-4 - البغدادي: أصول الدين: 167 - 168 وقد نقل البغدادي عنهم الإجماع في المسألة) ر. الرازي: معالم
أصول الدين: 102 - 103.
- 220 - (1/220)
صفحة 221
- وذهب أبو حنيفة إلى أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر (1)، وقد
قيد أصحابه هذه العصمة بما بعد الوحي.
-
-
(2)
أما المعتزلة فيرون أن الأنبياء معصومون من الكبائر قبل البعثة وبعدها ولا
يصح عليهم شيء من المنفرات، وأما الصغائر التي لا حظ لها إلا في تقليل الثواب
دون التنفير فإنها مجوزة عليهم.
(3)
ويذكر الجيطالي قولين للإباضية في المسألة فمنهم من يرى أن الأنبياء الكبائر لا يفعلونها بعد النبوة، وأما الصغائر من الذنوب فإنهم عن
عصمهم
الله
يفعلونها بعد النبوة والرسالة ولا يسمون بذلك عاصين ولا مذنبين وهو رأي أبي الربيع سليمان بن يخلف (4). وأما الفريق الثاني وهو مذهب الجيطالي وأصحابه فيرون أن الأنبياء لا يوصفون بشيء من الكبائر في حال من الأحوال لا قبل النبوة
ولا بعدها.
(5)
ولقد استدل الجيطالي على ثبوت العصمة للأنبياء، وتتريههم من جميع
الكبائر لاسيما الشرك قبل النبوة وبعدها بأدلة نوردها كالآتي:
1 - إن ما رمى المشركون به النبي من جميع ما لا يليق به من السحر والكهنة والكذب وغيرها ولم يبلغنا أحد منهم عيّره بعبادة الأصنام فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 - أبو منصور الماتريدي: شرح الفقه الأكبر: 39.
على
لأن
2 بلقاسم الغالي: أبو منصور الماتريدي حياته وآراؤه العقدية، المطابع الموحدة، تونس، 1989 م: 203. 3 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 234/ 2. - الجيطالي: شرح النونية: ج 35/ 1. وهذا الرأي قد اختاره السالمي إذ يرى أنه لا يوجد دليل سمعي. عصمتهم قبل النبوة، يقول: "أعلم أن تجويزنا عليهم الكبائر قبل النبوة لا يستلزم وقوعها منهم الجواز أخص من الوقوع ر. السالمي: المشارق: 224 - 225. 5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 35/ 1 و. وهوما ذهب إليه الثميني في المعالم حيث يرى أن السمع دل بعد وروده على أنهم كانوا معصومين قبل البعثة. ر. الثميني: المعالم: ج 61/ 2.
-221 - (1/221)
صفحة 222
مثل ما كان عليه أربعين سنة لكان للمشركين في ذلك عليه أعظم حجة فيقول قائلهم تعبد ما نعبد أربعين سنة فلما كبرت أصبحت تنهانا عن عبادتها، وكان صلى الله عليه وسلم يسمونه قبل النبوة محمدا الأمين. (1)
-2 - تأويله الآيات والأحاديث التي تفيد ظواهرها نسبة المعصية للرسل،
واختياره المعنى اللائق بمقام الرسول ومنها:
- i
الضلالة في قوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى (2) وقوله تعالى معني حكاية عن موسى عليه السلام قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (3) ذكر الجيالي وجوها، واختار أن يكون معنى الضلالة هو الجهل. يقول ألم يجدك جاهلا بالنبوة والشرائع فهداك أي بصرك وأنزل عليك، وكذلك قوله: وأنا من الضالين يعني الجاهلين أن هذه الوكزة يكون منها القتل، ويؤيد الجيطالي كلامه بما تقول العرب: فلان ضال عن الطريق يعنون أنه جاهل بالطريق، ولا يعنون أنه كافر. 4)
(4)
ب معنى قوله تعالى: وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان حمل الجيطالي معنى الإيمان على الفرائض أي ما كنت تدري أتفرض عليك
الفرائض أم لا؟
ويعلل الجيطالي اختياره مبينا أن الإيمان على وجهين: إيمان توحيد، وإيمان
الفرائض، فإن قال الإيمان جميعا التوحيد والفرائض فيقال له هل يجوز في اللغة أن يسمى الخاص باسم العام ويسمى العام باسم الخاص وذلك موجود في كتاب الله
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 37/ 1 ظ، 38 و.
-2 سورة الضحى الآية 7
-3 - سورة الشعراء، الآية: 20. -4 الجيطالي: شرح النونية: ج 38/ 1 و.
5 - سورة الشورى، الآية: 52.
222 (1/222)
صفحة 223
عز وجل (1) وقد نفى الجيطالي أن يكون المراد بالإيمان في الآية هو إيمان التوحيد يقول: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليجهل الله طرفة عين من حين بلغ وهذا أحسن الصفات به لأن من كان مشركا كان دمه مباحا لمن كان على دين عيسى عليه السلام فلم يكن الله تعالى يصف نبيه محمدا له بالموقوف الذي يكون فيه حلال الدم مباح وذكر الجيطالي وجها آخر لبعض المفسرين مؤداه أن المضاف في الآية. محذوف وما كنت تدري ما الكتاب تقديره أهل الكتاب ولا الإيمان تقديره أهل الإيمان. نظير قوله تعالى: واسأل القرية (3) تقديره أهل القرية)، وهذا وجه مقبول تحتمله الآية لائق بمقام النبي ع الا الله.
القتل"
(2) 11
ج- معنى الغفلة في قوله تعالى: وإن كنت من قبله لمن الغافلين (5) ينقل الجيطالي عن بعض التفاسير أن المراد من الآية هو الغفلة عن الأخبار
والقصص وغيره.
(6)
هكذا نجد الجيطالي يؤول كل الأخبار والقصص التي قد يتوهم منها نسبة المعاصي إلى الرسل الكرام ويختار المعاني اللائقة بمقامهم الشريف لكون الرسل هم أصفياء الله قبل أن يخلقهم، ويخص الجيطالي بالتتريه نبينا محمدا الذي كانت بعثته استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام وربنا وابعث فيهم رسولا منهم 2. وقد بشر به عيسي عليه السلام فقال: ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 38/ 1 و.
2 - المصدر نفسه.
-3 - سورة يوسف، الآية: 82.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 38/ 1 و.
5 - سورة يوسف، الآية: 3.
6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 38/ 1 و.
-7 - سورة البقرة، الآية: 129.
223
151 (1/223)
صفحة 224
أحمد (1) يقول الجيطالي: فسماه رسولا قبل أن يكون فكيف لا يكون معصوما في جميع الأحوال من هذه صفته، وقد ألهم الله معرفته وتوحيده من هو دونه في الدرجة كزيد بن عمرو (2) وقس بن ساعدة (3) وأمثالهما في زمان جاهلية جهلاء الله فكيف بالأنبياء والرسل الذين هم صفوة خلقه كما قال تعالى: إن الله من اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (4) فالأنبياء عليهم السلام أحق بالتتريه من جميع الكبائر ولاسيما الشرك قبل النبوة وبعدها" (5)
الأخبار
أما القائلون بعصمة الأنبياء من الكبائر بعد البعثة فإن موقفهم من التي قد توهم صدور الذنب عن الأنبياء يلخصه الإيجي فيما يلي: "أن ما كان منها منقولا بالآحاد وجب ردها لأن نسبة الخطأ إلى الرواة أهون من نسبة المعاصي إلى الأنبياء، وما ثبت منها تواترا فما دام له محمل آخر حملناه عليه، ونصرفه عن ظاهره لدلائل العصمة وما لم نجد له محيصا حملناه على أنه كان قبل البعثة أو من قبيل
(6) n
ترك الأولى، أو صغائر صدرت عنهم سهوا ولا ينفيه تسميته ذنبا ولا الاستغفار منه ولا الاعتراف بكونه ظلما منهم" استدل الجيطالي على عصمة النبي الا الله قبل مبعثه بحادثتين وردتا في السيرة النبوية: (7)
أولاها - حادثة شق الصدر: عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو
1 - سورة الصف الآية: 6.
2 - زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي (ت 17 ق هـ / 606 م) أحد الحكماء كان على دين إبراهيم. ر. الزركلي: الأعلام: ج 60/ 3.
قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي (ت نحو 323 هـ / 600 م أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم في الجاهلية. ر. الزركلي، الأعلام: ج 196/ 5.
-4 - سورة آل عمران الآية: 33. الجيطالي: شرح النونية: ج 38/ 1 ظ.
6 - الإنبي: المواقف: 361 7 - الجيطالي: شرح النونية: ج 39/ 1 و.
- 224 - (1/224)
صفحة 225
يلعب مع
الغلمان فأخذه
وصرعه فشق عن قلبه فاستخرجه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك: ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه، ثم أعاده إلى مكانه وجاء الغلمان الغلمان يسعون إلى أمه يعني مرضعته- أن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون (1) يقول الجيطالي: "فكيف يجهل ربه من حُشي إيمانا في طفولته؟ " (2) ويعلق الشيخ محمد الغزالي على أحاديث شق الصدر قائلا: "ولعل أحاديث شق الصدر تشير إلى هذه الحصانات التي أضفاها الله على محمد صلى الله عليه وسلم فجعلته من طفولته بنجوة قصية عن مزالق الطبع الإنساني ومفاتن الحياة الأرضية (3)
ثانيها - خروج النبي الله إلى غار حراء قبل نبوته فيقعد فيه أياما يعبد الله تعالى فهناك وجده جبريل عليه السلام حين جاءه بالنبوة.
خلاصة القول
(4)
إن طبيعة الأدلة التي أوردها الجيطالي في الاستدلال على العصمة تتسم بميزتين:
-
ميزة الاستقراء: حيث حاول جمع الشواهد التاريخية من سيرة الرسل لاسيما سيرة سيدنا محمد الله ليثبت من خلالها عصمتهم قبل النبوة وبعدها إلا أن الاستدلال بهذا الطريق يجعل العصمة ثابتة من حيث الوقوع لكن لا يرقى حكم إثبانها إلى حكم عقلي قاطع مادام الاستقراء ناقصا.
- ميزة النقد: حيث ردّ الجيطالي على من توهم في فهم الأخبار والنصوص التي تقتضي ظواهرها وقوع المعصية من الأنبياء، وأولها تأويلا يتناسب مع مقام
1 - أخرجه ابن حبان في صحيحه كتاب التاريخ باب من صفته الله وأخباره: ج 242/ 14، رقم: 6334. 2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 39/ 1 و.
-3 - محمد الغزالي: فقه السيرة النبوية، خرج أحاديثه محمد ناصر الألباني رحاب الجزائر، 1987 م: 63. 4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 39/ 1 و.
- 225 - (1/225)
صفحة 226
الرسل انطلاقا من مبدإ الاصطفاء إذ إن الله تعالى اصطفى أنبياءه قبل أن يخلقهم
اصطفاء خلقيا وخُلقيا كاملا.
وإن أردنا الموازنة بين القائلين بعصمة الأنبياء من الكبائر بعد البعثة الذي هو محل اتفاق المسلمين، ومذهب القائلين بعصمتهم قبل البعثة وبعدها نجد أن القول الثاني أرجح لكونه أبلغ في التتريه، وأليق بمنصب الرسل وهو ما اختاره الجيطالي. وإذا كان أهم ما يميز الأنبياء والرسل عن غيرهم من الناس العاديين هو "الوحي" فما هو تفسيره عند الجيطالي؟
3 - الوحي
اهتم الجيطالي بتفسير ظاهرة الوحي وتبيين كيفياتها انطلاقا مما ورد به النقل لتتجلى للمؤمن حقيقة هذه الظاهرة فيتلقى بصدق ما يأتي به الرسول من تشريعات وأحكام معتقدا أنه مبلّغ عن ربه تعالى من غير تلفيق أو تكذيب.
أولا - تعريف الوحي
(2).
عرف الجيطالي الوحي لغة بأنه الكلام الخفي (1)، وقد تتبع مواطن كلمة "الوحي" في القرآن الكريم فاستخلص أنها تنصرف على ثمانية وجوه هي: - الإرسال: نحو قوله تعالى: وإنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من
-
بعدہ کي (3)
الإلهام نحو قوله تعالى: و أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي بوتان (4) أي ألهمها.
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 79/ 1 و.
2 - المصدر نفسه.
3 - سورة النساء، الآية: 163.
4 - سورة النحل، الآية: 68.
الجبال
-226 - (1/226)
صفحة 227
الأمر: نحو قوله تعالى: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي
وبرسولي (1) أي أمرتهم.
- البيان: نحو قوله تعالى: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) (2) أي بيانه.
- الوسوسة: نحو قوله تعالى: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورانه (3) أي يوسوس.
- القرآن: نحو قوله تعالى: قل إنما أنذركم بالوحي (4) أي بالقرآن. - الإيماء والإشارة: نحو قوله تعالى: فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (5) أي أشار إليهم.
- الاستقرار: نحو قوله تعالى: ويومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها (6) أتي أقرها فاستقرت وهدأت وسكنت من الزلزلة التي أصابتها. أما في الاصطلاح فيعرفه بأنه: "علم الأنبياء والرسل (7) ونلاحظ أن الجيطالي في هذا التعريف اعتبر الوحي علما وفي هذا دلالة على أنه ليس هو محرد خواطر أو هواجس، أو أفكار مبعثرة لا يربطها شيء بل هو علم قائم بذاته له موضوعاته ومنهجه ومقاصده اختص الله به أنبياءه ورسله إذ لا يتسنى لأحد من الناس أن يناله بالاكتساب.
1 - سورة المائدة، الآية: 111.
2 - سورة طه، الآية: 114.
-3 - سورة الأنعام، الآية: 112.
-4 - سورة الأنبياء، الآية: 45.
5 - سورة مريم، الآية: 11.
6 - سورة الزلزلة الآية: 4 - 5. 7 - الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 23/ 1.
227 (1/227)
صفحة 228
ويصنف الجيطالي العلم بالوحي الذي هو العلم بأمر الله ونحميه وخبره (1) وخبره (1) ضمن علوم الدين التي ينبغي على المسلم تحصيلها.
ثانيا- كيفيات الوحي
(2)
انطلق الجيطالي في تحديد كيفيات الوحي من الآية الكريمة قوله تعالى: وما
كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (3) وتتمثل في ثلاث صور هي:
(4).
هم
الأنبياء الذين يوحى
أ- الوحي: "إلا وحيا" ينقل الجيطالي قولا بأن معناه إليهم (5). لكن هذا تفسير عام لا يضبط صورة الوحي ويبدو أن المراد بالوحي هنا هو المعنى اللغوي ومنه الإلهام في حالة اليقظة أو ما يسمى بالنفث في الروع، ومنه الرؤيا الصادقة في المنام.
(6)
ب- التكليم من وراء حجاب يرد الجيطالي على القائلين بأن الله احتجب
عن خلقه بكذا وكذا حجابا من نور وكذا وكذا حجابا من ظلمة وكذا وكذا
حجابا
(7)
من غمام كما تحتجب ملوك الدنيا في قصورهم، ويعلل نفيه لهذه المشاكية بأن الله لو احتجب بحجاب ثالث بينه وبين الخلق لما احتجب ذلك الحجاب لأن الحجاب خلق من خلقه ولو جاز أن يحتجب بخلقه لكان ما احتجب به لا يخلو أن يكون فوقه أو تحته أو أمامه أو خلفه أو يحيط به فهذه الجهات من صفات الأجسام
1 - يقسم الجيطالي الوحي إلى ثلاثة: الأمر والنهي والخبر. ر. القناطر: القسم 129/ 1.
2 ر. أقسام العلم: 94 من البحث.
-3 - سورة الشورى، الآية: 51.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 40/ 1 ظ،41 و.
5 - المصدر نفسه: ج 40/ 1 ظ.
6 - غازي عناية هدى الفرقان في علوم القرآن، دار الشهاب، باتنة، الجزائر، 1408 هـ/1988 م: ج 56/ 1. 7 - الجيطالي: شرح النونية: ج 40/ 1 ظ.
-228 - (1/228)
صفحة 229
بالتحدد فتعالى الله ذلك (1)
•
ويبين الجيطالي أن الله احتجب عن الخلق كله
عن
بنفس الخلق لا بحجاب ثالث يكون بينه وبين الخلق كما حجب الأبصار عند درك الأصوات، والأسماع عنه درك الألوان وسائر محسوسات الحواس نظيره قوله تعالى: كلا إنهم عن ركم يومئذ المحجوبون (2) أي عن رحمته وفضله. (3)
ويذكر الجيطالي أن سيدنا موسى عليه السلام كلمه الله بلا واسطة وهو محجوب عن الرؤية. (4)
ج- إرسال الرسول: وهو جبريل عليه السلام فقد نزل القرآن على سيدنا محمد الله كله بهذه الكيفية، يقول الله تعالى: {وإنه لتتريل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين (5)
ولتزول الوحي هيئات أخرى جاءت كما السنة النبوية، وقد أورد الجيطالي
الله
الحديث الذي يبين هذه الهيئات وهو فيما يأتي (6): عن عائشة أم المؤمنين رضي عنها قالت سأل الحارث ابن هشام رسول الله له كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال: "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول." قالت عنها ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد
الله
عائشة -رضي ويفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. (7)
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 41/ 1 و.
2 - سورة المطففين، الآية: 15. 3 - الجيطالي: شرح التونية: ج 41/ 1 و.
4 - المصدر نفسه.
5 - سورة الشعراء، الآيات: 192 - 195.
6 الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 23/ 1.
7 - أخرجه الربيع بن حبيب الجامع الصحيح ج 6/ 1 - 7 رقم 2 البخاري كتاب بدء الوحي، باب:
كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله: رقم: 2.
-229 - (1/229)
صفحة 230
ويلخص الجيطالي بعض كيفيات الوحي في قوله: "والأنبياء عليهم السلام منهم من يأتيه الوحي عيانا ومنهم من يلهمه، إلهاما، ومنهم من يراه في النوم فيحفظه". (1)
وما يلاحظ هو أن الجيطالي لم يوسع القول في شرح هذه الكيفيات بل تقيد بما جاء به القرآن والسنة في الموضوع دون أن يزيد شيئا إذ فيهما البيان الكافي لمن استفهم عن كيفيات الوحي كما سأل الحارث بن هشام.
1 - الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 23/ 1.
-230 - (1/230)
صفحة 231
1 - دليل نبوته
المبحث الثالث
نبوة سيدنا محمد الله
بين الجيطالي أن النبي محمد ا عل الله قد ادعى النبوة، وأيد دعواه بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة، وفي هذا أكبر دليل على صدق نبوته إذ إن كلّ ما عجز نه البشر لم يكن إلا فعلا الله تعالى)
فأما
(1)
عن معجزاته صلى الله عليه وسلم فيمكن لنا أن نصنفها حسبما وردت
في مؤلفات الجيطالي إلى نوعين هما:
أ- معجزة القرآن
يذكر الجيطالي أن القرآن كلام الله ووحيه وفرقانه، تنريل من حكيم حميد، معجزة للرسول عليه السلام ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، أنزله إليه من اللوح المحفوظ في ليلة القدر جملة إلى السماء الدنيا، ثم يتزل به جبريل الأمين بعد ذلك نجوما نجوما على قدر ما أدّت إليه الحاجة حتى أكمل الله نزوله في عشرين سنة عشر بمكة وعشر بالمدينة. (2)
وقد أورد الجيطالي بعض وجوه الإعجاز في القرآن وهي فيما يأتي:
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 311/ 1–312.
2 الجيطالي: قواعد الإسلام ج 27،23/ 1. وفي مدة نزول القرآن قولان: الأول ثلاث وعشرون سنة، والثاني عشرون إلا أن القول الأول أرجح لأنه يعضده ما ثبت في السيرة النبوية، وهو ما اختاره
مصحح القواعد الشيخ بكلي. ر. المصدر نفسه، ج 27/ 1، الهامش.
-231 - (1/231)
صفحة 232
أولا - الإعجاز البلاغي ويتمثل في جزالة نظمه فقد تحدى القرآن الكريم
كافة العرب فرغم تميزهم بالفصاحة والبلاغة لم يقدروا على معارضته بمثله. (1) ومن الآيات التي تعلن صريح التحدي قوله تعالى: وقل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيران (2)، وقوله تعالى: أم يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (3) وقوله تعالى: وإن كنتم. في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (4) فحين عجزت العرب عن الإتيان بمثله تعرضوا لسب الرسول ونهيه وقتله (5).
ثانيا- اشتماله على أخبار الأولين مع كون الرسول صلى الله عليه وسلم أمياً غير ممارس
للكتب. (5)
ثالثا- إنباؤه عن الغيب في أمور تحقق صدقه فيها في الاستقبال (7)، كقوله تعالى: التدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم ومقصرين) وقوله تعالى: الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين (9) يتضح لنا أن ما ذهب إليه الجيطالي في إعجاز القرآن الكريم هو مذهب أهل
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 311/ 1.
-2 سورة الإسراء، الآية: 88
- سورة هود، الآية 13.
4 - سورة البقرة، الآية 23
الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 311/ 1. 6 - المصدر نفسه: القسم 312/ 1.
7 - المصدر نفسه.
-8 - سورة الفتح، الآية: 27. - سورة الروم، الآيات: 1 - 4
-232 - (1/232)
صفحة 233
اللغة والبيان وعلماء التفسير حيث يرون أن إعجاز القرآن يرجع إلى بلاغته، وروعة بيانه، وجمال، نظمه وغير ذلك من وجوه الإعجاز التي تميز بما فهو معجز بذاته خلافا لما ذهب إليه أبو إسحاق إبراهيم النظام المعتزلي (1) بأن "الإعجاز كان لصرفة، أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها فكان هذا الصرف خارقا للعادة وقد تبعه المرتضى علي بن الحسين (3) وابن حزم الظاهري.
وهي
(2) ||-
ب- المعجزات الحسية
(5) (4)
رفض بعض المعتزلة وعلى رأسهم النظام دلالة المعجزات الحسية على النبوة، وشكك فيما صح من الروايات في الموضوع ومن بينها ما رواه ابن مسعود له في انشقاق القمر يقول النظام وزعم أن القمر انشق، وأنه رآه، وهذا من الكذب الذي لا خفاء به لأن الله تعالى لا يشق له القمر، وحده، ولا لآخر معه وإنما يشقه ليكون آية للعالمين، وحجة للمرسلين ومزجرة للعباد، وبرهانا في جميع البلاد، فكيف لم تعرف بذلك العامة ولم يؤرخ الناس بذلك العام، ولم يذكره، شاعر، ولم يسلم عنده كافر ولم يحتج به مسلم على ملحد؟ (6) بيد أن الجيطالي وغالبية علماء العقيدة أثبتوا دلالة هذه المعجزات على صدق النبوة كما رواها
1 - إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري أبو إسحاق النظام (ت 231 هـ / 845 م) من أئمة المعتزلة. ر. الزركلي: الأعلام: ج 43/ 1.
2 ر. مصطفى صادق الرافعي: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مكتبة رحاب الجزائر، ط 8 (د. ت): 144. -3 - المرتضى علي بن الحسين بن موسى أبو القاسم (355 هـ - 436 هـ / 966 م - 1044 م) أحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر. ر. الزركلي: الأعلام: ج 278/ 4.
-4 - علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري أبو محمد (384 هـ - 456 هـ / 994 م-1064 م) عالم الأندلس في عصره وأحد أئمة الإسلام ... الزركلي: الأعلام: ج 254/ 4 - 255.
5 - محمد بن الحسين الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد 277. الرافعي: إعجاز القرآن: 144، 146. -6 ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، صححه محمد زهري النجار، دار الجيل، بيروت، 1393 هـ / 1972 م: 21. وقد رد عليه كل من: ابن قتيبة المصدر نفسه 25 ابن بركة: الجامع: ج 43/ 1. محمد بن الحسين الطوسي: الاقتصاد
فيما يتعلق بالاعتقاد: 292 - 293. الإنجي: المواقف: 355. وغيرهم.
-233 - (1/233)
صفحة 234
أصحاب السنن وكتاب السير، ويعدّد الجيطالي بعضا منها: "كانشقاق القمر، وتسبيح
الحصى، وإنطاق العجماء وما تفجّر من بين أصابعه من الماء. " (1)
يظهر أن غاية المعجزات الحسية هي إقناع من إقناع من شاهدها بصفة خاصة ليحصل له الاطمئنان بصدق النبي فيتبعه، أما من لم يشاهدها فإنه يؤمن بما عن طريق السماع لكن إيمانه لا يرقى إلى مستوى إيمان المشاهد لها لاحتمال ما يعتري الروايات من آفات إلا ما ثبت منها تواترا.
فمهما بلغ تشكيك بعض الناس في المعجزات الحسية ودلالتها فإن القرآن الكريم يبقى أعظم آية، وأظهرها على صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم في كل زمان ومكان فهو المعجز في ألفاظه وتراكيبه، ونظمه وتشريعاته وعلومه إذ لا انقضاء لإعجازه. وهناك وجوه أخرى تدل على نبوته (2) لم يقف عندها الجيطالي كاجتماع الأخلاق الفاضلة والأوصاف الحميدة فيه، واشتمال رسالته على عقائد، وعبادات، وتشريعات سامية تؤكد أنها ليست من وضع البشر وأنها وحي إلهي، واحتياج العالم إلى بعثة نبي ينقذ البشرية من براثين الضلالة والفساد، وإخبار الكتب السماوية المتقدمة بمبعثه.
-2 - وجوب معرفة النبي
يعتبر الجيطالي معرفة الرسول الله واجبة على كل بالغ عاقل، فهي مما لا يسع جهله يقول: اعلم أنه يجب على كل عاقل سلم عقله الآفات عند حال من البلوغ من الذكور والإناث أن يؤمن بالله عزّ وجلّ معرفة ونطقا ... ويعرف أن
1 الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 311/ 1. 2 - راجع عن هذه الوجوه الإيجي: المواقف: +356 - 357. جمال الدين بوقلي حسن: الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، 1983 م: 334 وما بعدها. د/ محمد هشام سلطان: العقيدة والفكر الإسلامي: 115.
- 234 - (1/234)
صفحة 235
محمدا بن عبد
الله
بن عبد المطلب عبده الأمين ورسوله المبين إلى الثقلين أجمعين
وأنه خاتم النبيئين، وأن ما جاء به حق من عند رب العالمين وقد بلغ ما أرسل به إلى
الأنام. " (1) كما عليه أن يعلم أن دعوة الرسول مع ثلاث جمل لا يستغني بعضها عن بعض، ولا يسع جهلها كل عاقل عند بلوغه طرفة عين، ولا يخرج من الشرك ما لم يأت بها، معرفة، واعتقادا، ولفظا، وإقرارا، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وما جاء به حق من عند ربه لقول الله تعالى فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا (2) (3) ويتناول الجيطالي بعض المسائل التي تتعلق بمعرفة الرسول نوجزها فيما يأتي:
أ- معرفة نسب الرسول وقبيلته
سئل عمن قال أعرف أن محمدا رسول الله ولا أدري من أبوه ولا قبيلته؟ أجاب الجيطالي عن هذه المسألة هذه المسألة موضحا أن من عرفه بعينه فقال أنا أعرف محمدا رسول الله وهو يراه ولا يدري ما قبيلته؟ ولا نسله؟ فهذا ثابت له المعرفة بمحمد رسول، ولا يضره ما جهل من نسبه. وإذا قال عرفت محمدا رسول الله، ولم أعرف أنه ابن عبد الله فإذا كان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضرا فلا بأس عليه، وإن لم يعرفه بعينه فلا يكون عارفا به حين جهل أباه. وإن قال لا أدري لعل محمدا من الملائكة، أو من الجن فإن هذا لا يعرفه بمنزلة من قال لا أدري أرجل هو أم امرأة. (4)
ويخلص الجيطالي بعد هذا التحليل إلى نتيجة مفادها أنه "علينا أن نعلم أن
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 17/ 1 و، ظ.
2 - سورة التغابن الآية: 8.
3 - الجيطالي: قواعد الإسلام ج 13/ 1. قناطر الخيرات: القسم 313/ 1.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 27/ 1 و.
235 (1/235)
صفحة 236
محمدا رسول الله آدمي، وأما أن نعلم أنه عربي، وأنه ابن عبد الله، قُرَشَيِّ فلا" وهذا
ما يتناسب بساطة العقيدة ويسر الإسلام.
ب- معرفة أخلاقه
يرى الجيطالي أنه يجب على المكلف أن يعرف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ليتأسى بها في
الله
حياته عملا بقوله تعالى: ولقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (1) ولقد لخص جملة من هذه الشمائل الفاضلة منها: كان الرسول ناصحا لأمته، حريصا على هداية الخلق أجمعين، رؤوفا بالمؤمنين رحيما بالمتقين آخذا بالعفو، آمرا بالمعروف، معرضا عن الجاهلين، كاظما لغيظه، شاكرا لأنعم ربه ليس بفظ ولا غليظ ولا صحاب في الأسواق، لا يجزئ بالسيئة السيئة لكن يعفو ويصفح أشد الناس تواضعا في غير ذلة، وأسكتهم من غير تكبر، وأبلغهم من غير تطويل اكلا ما وجد، ولا يسأل عما فقد يلبس ما تيسر له ويركب ما أمكنه ويردف خلفه، يجيب دعوة العبد والأمة، ويجالس أهل الضعف والمسكنة لا يحتقر الفقير لفقره، ولا يهاب ملكا الله له السيرة الفاضلة والسياسة الكاملة، والأخلاق التامة. (2)
لملكه، قد جمع
ج- معرفة أنه رسول إلى الثقلين
أجمعت الأمة الإسلامية أن سيدنا محمدا لله أرسل إلى الإنس والجن كافة،
وقد استدل الجيطالي على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة (3).
-
من الكتاب: قول الله عز وجل: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم
1 - سورة الأحزاب، الآية: 21. 2 - الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 9/ 1. 3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 27/ 1 و.
-236 - (1/236)
صفحة 237
جميعان (1) وفي هذا دلالة على أن رسالته عامة للبشر جميعا وما يؤكد ذلك عمليا أن الرسول صلى الله عليه وسلم "قام في السنة السادسة من الهجرة بإرسال كتب مختلفة إلى عظماء وملوك ذلك العصر، فأرسل كتابا إلى هرقل قيصر الروم، وكتابا إلى كسرى
فارس، وكتابا إلى حاكم، اليمن، وكتابا إلى حاكم مصر، وكتابا إلى النجاشي ملك الحبشة وذلك حتى تتم عالمية الدعوة
(2) 11 -
وأما ما يدل على أنه أرسل إلى الجن كافة قوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (3) وقوله عز وجل: يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (4)
- من السنة: قول النبي عليه الصلاة والسلام: "بعثت إلى الأحمر والأسود (5). الأحمر هم الجن، والأسود هم الإنس، وقيل الأحمر هم العجم، والأسود هم العرب. (6) ويثبت الجيطالي من خلال هذه النصوص أن الرسل من الإنس، ورسل الإنس هم أنفسهم رسل إلى الجن ويفسر قوله تعالى: يا معشر الجن والإنس ألم ياتكم رسل
1 - سورة الأعراف الآية: 158.
2 - د/ هشام سلطان العقيدة والفكر الإسلامي: 121.
3 سورة الأحقاف، الآيات 29 - 32
4 - سورة الأنعام، الآية: 130.
5 - أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضيع الصلاة: ج 370/ 1، رقم: 521.
6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 27/ 1 ظ.
-237 - (1/237)
صفحة 238
منكم الله) أي من الإنس كما قال ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجاني (2) أي من البحر المالح دون الحلو، ولكن لما شملهم الخطاب فيما مضى شملهم في غير ذلك، وقال غيلان: عينا مطحلبة الأرجاء طامية فيها الضفادع والحيتان تصطحب
فجعلهما يصطخبان جميعا والصخب إنما يكون للضفادع وهو كثرة الصوت، والحيتان لا صخب لها (3). يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي: "و لم يقم دليل على أن الله أرسل من الجن رسلا، ولا كانوا في وقت من الأوقات غير مكلفين فتعين أن يكون رسل الإنس هم أنفسهم رسلا للجن.
د- معرفة أنه خاتم النبيئين
(4) 11
استدل الجيطالي على ذلك بأحاديث شريفة منها: (5)
:
(6) - قول النبي: "لا نبي بعدي ولا أمة "بعدكم" - وقوله: "أرسلت إلى الناس كافة وختم بي "النبوة" (7)
(8) 11
- وقوله: "بعثت حين بعث إلى إسرافيل" ويذهب يزيد بن أنيسة الذي يزعم أنه من الإباضية إلى أن الله سيبعث
1 - سورة الأنعام، الآية: 130.
-2 سورة الرحمن الآية 22
- الجيطالي: شرح النونية: ج 27/ 1 ظ.
4 - الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح تبد الرحمن بكلي: ج 24/ 1 (الهامش).
- الجيطالي: شرح النونية: ج 27/ 1 ظ.
6 - أخرجه ابن حبان في صحيحه باب أخباره الله عما يكون في أمته من الفتن والحوادث:
ج 195/ 15، رقم: 6788.
7 - أخرجه مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة: ج 371/ 1، رقم: 523. (مع اختلاف في اللفظ)
8 - لم أعثر عليه.
-238 - (1/238)
صفحة 239
:
رسولا من العجم يترل عليه كتابا ينسخ به شريعة محمد (2) وقد اعتبر
ما
الجيطالي صاحب هذه المقالة الباطلة منافقا متأولا متزلته كسائر المتأولين (3) وهو حكم به مشايخ أهل جبل نفوسة لكون صاحب هذه المقالة أوّل قول الله عزّ
(5)
وجل وما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين (4) بأن خاتم النبيئين سيجيء بعده لكن الواو هنا هي واو النسق. بينما يرى أبو خزر (6) وصاحب كتاب الجهالات) أن
من قال إن محمدا
ليس بخاتم النبيئين هو مشرك. (3)
1 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 184/ 1. الجيطالي: شرح النونية: 29.
-2 - إن قول الجيطالي: "يزيد بن أنيسة الذي يزعم أنه من الإباضية فيه دلالة واضحة أن فرقة اليزيدية التي ألحقها كتاب المقالات بفرق الإباضية هي ليست منهم في شيء يقول الشيخ علي يحيى معمر: والغريب في الأمر أن القارئ الكريم إذا رجع إلى مصادر الإباضية من كتب وأسماء علماء منذ أوائل القرن الثاني الهجري إلى هذا العصر فإنه لن يجد عند الإباضية هذا الإمام الذي سماه أبو الحسن الأشعري يزيد بن أنيسة ولا يجد عندهم ذكرا لفرقته ولا لآرائه بل إنهم يحكمون على من يدين بمثل هذه المقالات بأنه مشرك خارج عن الملة، ومن كان مشركا خارجا عن ملة الإسلام لا يمكن أن يحسب في فرق المسلمين" ر. علي يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث،
المطبعة العربية، غرداية، 1987: 26.
- الجيطالي: شرح النونية: ج 29/ 1 و. -4 - سورة الأحزاب، الآية: 40. الجيطالي: شرح النونية: ج 29/ 1 و.
6 أبو خزر يغلا بن زلتاف الوسياني (ت 380 هـ / 990 م) من كبار علماء الإباضية برع في علم الكلام وانفرد فيه بآراء متميزة. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب: ج 1001/ 4 وما بعدها،
ترجمة: 1039.
7 ينسب هذا الكتاب إلى العالم تبغورين بن عيسى بن داود الملشوطي (63 هـ / 12 م)، وقيل إنه اشترك في تأليفه عدد من الشيوخ. ر. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب: ج 2/ 208 وما
بعدها، ترجمة: 221.
- الجيطالي: شرح النونية: ج 29/ 1 و.
-239 - (1/239)
صفحة 240
هـ- معرفة أنه بلغ الرسالة
اجتمعت الأمة الإسلامية أن رسول الله الا الله بلغ الرسالة التي أرسل بها، واستدل الجيطالي على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: (1)
من الكتاب: - قال الله تعالى و أوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به و من بلغ (2) أي ومن بلغ الحلم، وقيل من بلغه القرآن.
من السنة:
- وقال تعالى: {فتول عنهم فما أنت بملوم (3)
- قال له في حجة الوداع وخطب الناس بالمشعر الحرام فقال: أي يوم هذا وأي شهر هذا وأي بلد هذا؟ فقالوا يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام فقال له: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت فقالوا نعم قال اللهم فاشهد ألا ليبلغ
الشاهد الغائب. " (4)
-
- قالت عائشة رضي الله عنها: "من زعم عنها: "من زعم أن محمدا لم
:
يبلغ ما أرسل به فقد أعظم على به فقد أعظم على الله الفرية" (5)
و - معرفة أن شريعته ناسخة لما قبلها من الشرائع
يبين الجيطالي أن الله أرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتما للنبيئين، وناسخا لما قبله من
1 الجيطالي: شرح النونية: ج 29/ 1 و. 2 - سورة الأنعام، الآية: 19 - 3 - سورة الذاريات الآية: 54
-4 أخرجه أحمد: كتاب مسند عبد الله بن العباس، باب مسند عبد الله بن العباس: ج 381/ 1، رقم: 2037. - أخرجه مسلم باب قوله تعالى ولقد رآه نزلة أخرى: ج 159/ 1، رقم: 177. (مع اختلاف في اللفظ). الربيع ابن حبيب الجامع الصحيح: ج 212/ 3 - 213، رقم: 824.
-240 - (1/240)
صفحة 241
شرائع اليهود والنصارى والصابين إلا ما لا يجوز نسخه كالتوحيد ومحاسن الأخلاق (1) وقد أشار إلى اختلاف علماء التشريع في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ وهل كان نبينا عليه السلام وأمته متعبدين بعد البعثة بشريعة من قبلهم أم لا؟ لكن الجيطالي اكتفى بذكر الأقوال دون تفصيل (2) لكون هذه المسائل قد تناولها الأصوليون بالتحليل أثناء حديثهم عن المصادر التبعية للأحكام.
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 311/ 1. شرح النونية: ج 35/ 1 و. 2 الجيطالي: شرح النونية: ج 34/ 1 - 35 و.
-241 - (1/241)
صفحة 242
تمهيد
الفصل الخامس
الأسماء والأحكام
المبحث الأول: الإيمان.
المبحث الثاني: الكفر. (1/242)
صفحة 243
تمهيد
إن الأحداث السياسية التي ظهرت في صدر الإسلام تسببت في اختلاف المسلمين إلى فرق اصطبغت مواقفها السياسة بالصبغة الدينية وذلك لتمكن الدين في نفوس عامة الناس.
فانطلاقا من الواقع الاجتماعي والصراع السياسي الذي شهده المسلمون خاضت الفرق الإسلامية منذ عهد مبكر في قضية الأسماء والأحكام فتفردت كل فرقة بتصورات خاصة حول معنى الإيمان؟ وهل يزيد أو ينقص؟ وما هو حكم فاعل الكبيرة؟ وما هو مدلول الكفر والنفاق والشرك؟ مما يتعين على دارس أية فرقة أول وهلة أن يقف عند هذه المصطلحات والمفاهيم قبل كل شيء. يقول الجعبيري: "لا سبيل إلى ولوج البناء الفكري لكل فرقة دون امتلاكها (أي هذه المصطلحات) ومعرفة استعمالها بدقة
(1)
تناول سلف الإباضية هذه المسألة أول مرة عندما رفض الإمام عبد
الله
بن
إباض الخروج من البصرة مع المتطرفين من الخوارج وعلى رأسهم نافع بن الأزرق (2) وذلك سنة 65 هـ / 685 م الذين غالوا في أحكامهم، وتطرفوا حين حكموا على مرتكبي الكبائر من الموحدين بكفر الشرك فاستحلوا دماءهم وأموالهم، حينئذ أبدى الإمام عبد الله بن إباض موقفه الصريح من هؤلاء الغلاة المتشددين، واعتبرهم مرتدين عن الإسلام فتبرأ منهم، وانفصل عن جماعتهم، يقول في رسالته إلى الخليفة عبد الملك بن مروان: "وإنا نبرأ من ابن الأزرق وأتباعه
(3)
1 - الجعبيري: البعد الحضاري: ج 489/ 2. 2 نافع بن الأزرق بن قيس (ت 65 هـ/ 685 م) رأس الأزارقة وإليه نسبتهم وهم من الخوارج. ر. الزركلي: الأعلام: ج 351/ 7 - 352.
3 - كانت هذه الحادثة سيرا في ظهور الإباضية كفرقة مستقلة بآرائها وأعلامها عن بقية المذاهب. ر. عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية: 34.
-243 - (1/243)
صفحة 244
من الناس، لقد كانوا على الإسلام فيما ظهر لنا حين خرجوا، ولكنهم ارتدوا عنه،
وكفروا بعد إسلامهم فنبرأ إلى الله منهم.
(1) ||
فاستقر رأي الإباضية منذ ذلك العهد على أن فاعل الكبيرة يحكم عليه بكفر النعمة وتجري عليه أحكام الموحدين، وبذلك تميزت الإباضية عن الخوارج
(2)
هذه
وبقية المذاهب. وسنتعرض في هذا الفصل إلى موقف الجيطالي من المصطلحات الإيمان والكفر والشرك ... وكيف تعامل مع الخلاف الوارد في هذه
المسائل؟ وقد يبدو تحديد هذه المصطلحات أمرا هينا كما هو الحال في بعض العلوم
إلا أن خطورته تتجلى عندما ندرك ما لها من ارتباط وثيق الصلة بواقع حياة الناس، وعلاقاتهم، ومصائرهم، إذ إن الخطأ في ضبط مدلول الاسم ينجم عنه خطأ في إجراء الحكم لأن الأسماء تابعة للأحكام كما يقرر علماء العقيدة.
1 - أبو الربيع سليمان الباروني: مختصر تاريخ الإباضية (د. ت): 25. أعوشت بكير: دراسات إسلامية في
الأصول الإباضية: 23 - 24
2 - الخوارج في نظر الإباضية هم الأزارقة والصفرية والنجدية.
-244 - (1/244)
صفحة 245
المبحث الأول الإيمان
تمهيد
خصص الجيطالي القنطرة الثانية من كتاب قناطر الخيرات للحديث عن الإيمان موضحا حقيقته، مبينا درجاته ومقاماته. ويرى أن الإيمان ينبغي أن يقوم على أساس من العلم وذلك احترازا منه من إيمان أهل التقليد ليترسخ في نفس الإنسان، ولا تزعزعه رياح التشكيك، وبالتالي يثمر سلوكا طيبا، ويسعد صاحبه دنيا وأخرى، يقول في بدء قنطرة الإيمان: "وهذه القنطرة التي للإيمان مرتبة على قنطرة العلم، وذلك أن سعادة الآخرة العلم، ثم الإيمان، ثم العمل، ثم التوفيق، ثم حسن الخاتمة" (1). وقد قيد الجيطالي التوحيد الذي هو أعظم أصول الإيمان بأن يكون صادرا من المكلف عن علم محقق لا عن جهل، إدراكا منه أن المتدين الذي يستند إيمانه إلى العلم والعقل يكون أثبت دينا، وأجدى نفعا من المؤمن المقلد الجاهل. وبالاعتماد على ما ورد في قنطرة الإيمان وسائر تأليفه يمكن لنا أن نتعرف على رأي الجيطالي في الإيمان وبماذا ينعقد؟ هل بالقلب؟ أم باللسان؟ أم بالقلب واللسان؟ أم بالقلب واللسان وعمل الجوارح؟
1 - حقيقة الإيمان وأقسامه
ورد في قنطرة الإيمان تعريف الإيمان لغة وشرعا يقول الجيطالي: "فأصله في اللغة التصديق بالشيء يقال آمن فلان بكذا أي صدق به، وآمن بالوثن والسحر
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 1/ 285.
2 المصدر نفسه: القسم 327/ 1.
- 245 - (1/245)
صفحة 246
أي صدق بهما، قال الله سبحانه حكاية عن أولاد يعقوب عليه السلام: وما أنت بمؤمن لنانية (1) أي بمصدق، ثم إن الشرع خصص هذا الاسم وقصره على الذي يؤمن بالله وملائكته ورسله وبما جاءت به فمن لم يؤمن بهذه الأشياء فلا يسمى
~~) 11
مؤمنا بالشرع. ويعرفه في مواطن أخرى: "الإيمان هو جميع ما أمر الله به من طاعة، وترك جميع ما في عنه من معصية، فكل ذلك إيمان ودين وإسلام وبعضه إيمان، فمن أتى بجميع ذلك فهو مؤمن مسلم، ومن اقتصر على التوحيد دون الفرائض فليس بمؤمن ولا مسلم.
(3)
وجاء في موضع آخر: "الإيمان" هو جميع ما قارنه الثواب وهو على وجهين: إيمان توحيد وإيمان الفرائض فكل توحيد إيمان وليس كل إيمان توحيدا، وكل طاعة الله إيمان وكل إيمان، طاعة، وكل إسلام إيمان وكل إيمان إسلام، وكذلك كل خصلة من خصال الإيمان يقال لها إيمان بالتنكير، ولا يقال الإيمان بالتعريف إلا للوفاء يجميع الدين لأن الله تعالى ذكر الصلاة فسماها إيمانا فقال: وما كان الله ليضيع إيمانكم (4) وقال في الإيمان الذي هو الوفاء بجميع الدين: ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) (6)
ويمكن أن نستخلص جملة من الملاحظات بعد التأمل في هذه التعريفات هي كالآتي: أ- أظهر الجيطالي في التعريف الأول البعد التصديقي للإيمان الذي هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءت به دون الإشارة إلى الجانب العملي
1 - سورة يوسف: الآية: 17.
2 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 337/ 1.
-3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 55/ 2 و.
4 - سورة البقرة، الآية: 143.
- سورة المائدة الآية 5 6 الجيطالي: شرح النونية: ج 57/ 2 و.
-246 - (1/246)
صفحة 247
منه الذي يتمثل في إتيان الواجبات وترك المقبحات وبذلك يقترب الجيطالي في هذا التعريف من مذهب الأشاعرة (1). لكنه بين في مواضع أخرى أن الإيمان وإن أريد به شرعا التصديق بما يجب التصديق به إلا أنه قد يطلق على أعمال البر أيضا
فهو مجموع عناصر ثلاثة لا ينفك بعضها عن بعض قول باللسان، وتصديق بالجنان وعمل بالأركان.
(2)
ب في التعريف الثاني والثالث وسع الجيطالي من مفهوم الإيمان ليشمل الامتثال بجميع الطاعات فرضها، ونفلها، وترك جميع المعاصي، فهو جميع ما قارنه الثواب، وبذلك يتوافق مع المعتزلة والشيعة والخوارج وأصحاب الحديث وسائر الفقهاء (3). وذهب بعض الإباضية وأكثر معتزلة البصرة والجبائيان (4) إلى أن الإيمان أداء الطاعات الواجبة دون النوافل، واجتناب المقبحات (5)، ويبدو أن
عبارة عن
القول الأول أصوب لموافقته المنصوص من أحاديث الرسول.
ج- إن تقسيم الجيطالي الإيمان إلى إيمان توحيد وإيمان فرائض هو تقسيم لا
1 - الإيمان عند أكثر الأشاعرة هو: "التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، فتفصيلا فيما علم تفصيلا، وإجمالا فيما علم إجمالا" ر. الإيجي: المواقف: 384.
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 109/ 2 و. قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 337/ 1 وما بعدها. -3 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 345/ 2. أبو عمار عبد الكافي: الموجز، تحقيق عمار طالبي: ج 91/ 2. الجيطالي: شرح النونية: ج 108/ 2 ظ، 109 و. قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 364/ 1. ابن تيمية: كتاب الإيمان، مطبوعات ميموني للنشر والتوزيع الجزائر 198: 124. الجعبيري: البعد الحضاري: ج 491/ 2 .. عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين: ج 174/ 1.
4 - الجبائيان هما:
- أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي (303235 هـ/916849 م) من أئمة المعتزلة، ورئيس علماء الكلام في عصره. ر. الزركلي: الأعلام: ج 256/ 6.
- أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي (274 - 321 هـ / 861 - 933 م) عالم بالكلام من كبار المعتزلة. ر. الزركلي: الأعلام: ج 7/ 4. 5 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 345/ 2. الإيجي: المواقف: 385. السالمي: المشارق: 329 - 330، 334.
-247 - (1/247)
صفحة 248
يفي بكل الطاعات التي تندرج ضمن الإيمان فأين موقع النوافل في هذا التقسيم؟ ويظهر أن هذا التقسيم يكون مناسبا حالة تعريف الإيمان بأنه إتيان الواجبات دون
النوافل وترك المقبحات. ولعل تقسيم بعض علماء الإباضية الإيمان إلى إيمان توحيد،
(1)
وإيمان غير توحيد الذي يشمل الفرائض والنوافل هو التقسيم الذي يتوافق مع التعريف الذي ساقه الجيطالي للإيمان.
د الإيمان عند الجيطالي يتبعض ويتجزأ إلى أجزاء فيقال للخصلة الواحدة
(2)
إيمان بالتنكير) وهو خلاف ما ذهب إليه غيلان الدمشقي) الذي رفض تبعض الإيمان إذ لا يقال للصفة الواحدة إذا انفردت بنفسها (3) لكن رأي غيلان يتنافى مع الآيات والأحاديث التي تطلق الإيمان على أعمال البر والطاعات كقوله
عليه الصلاة والسلام: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (4).
الله
انطلاقا من تعريف الإيمان بين الجيطالي أن المؤمن يطلق على وجهين: لغوي وشرعي. فاللغوي بمعنى المقر، والشرعي بمعنى الموفّي بالدين قولا واعتقادا جملة من الآيات والأحاديث ليستدل بها على هذا التقسيم
وعملا (5)، وقد جمع وهي فيما يأتي:
- المؤمن لغة بمعنى المقر: كقوله تعالى: ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها
1 - ابن جميع مقدمة التوحيد وشروحها لأبي العباس الشماخي وأبي سليمان الثلاثي، تعليق أبي إسحاق
اطفيش (د. ت): 95 - 96.
2 غيلان بن مسلم الدمشقي أبو مروان (ت 105 هـ / 723 م) تنسب إليه فرقة الغيلانية من القدرية. الزركلي: الأعلام: ج 124/ 5 ر. د/:الزيني شهداء الفكر في الإسلام: 54.
3 - د/ محمد عبد الرحيم الزيني: شهداء الفكر في الإسلام -83 - 84 الجيطالي شرح النونية: ج 54/ 2 ظ. 4 - أخرجه ابن حبان: كتاب الإيمان، باب فرض الإيمان: ج 42/ 1، رقم: 191. 5 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 337/ 1 - 338 شرح النونية: ج 60/ 2 ظ.
6 - المصدر نفسه.
- 248 - (1/248)
صفحة 249
وهو مومن (1) وقوله تعالى: وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة (2) وقوله تعالى: ومن يقتل مومنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها (3) وقوله تعالى: ومن يعمل من الصالحات وهو مومن فلا كفران لسعيه (4) ويرى الجيطالي أن البار والفاجر يدخلان في هذه الآيات. (5)
- أما المؤمن شرعا هو الموفّي بالدِّين كقوله تعالى: وإنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المومنون حقانية (6) وغيرهم المؤمنون باطلا، وقوله تعالى: وقد افلح المومنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ... ) وقول
(8)
الرسول: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق
(9) 11
(10) n
وهو مؤمن وقوله: "ليس المؤمن من بات شبعان وجاره جائع وقوله:
"المؤمن منْ أمِن النّاس من لسانه ويده
(11)
فمن خلال هذا التفريق بين المؤمن المقر والمؤمن الموفي تمكن الجيطالي من
التوفيق والجمع بين النصوص التي قد يتوهم منها التعارض ووضح الإشكال القائم
حول مصطلح الإيمان.
1 - سورة الإسراء، الآية 19
2 - سورة الأحزاب، الآية: 36.
3 - سورة النساء، الآية: 93.
4 - سورة الأنبياء، الآية: 94.
5 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 1/ 388.
6 - سورة الأنفال، الآيات: 2 - 4.
7 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 1/ 388.
8 - سورة المومنون، الآيات: 1 - 11. 9 -
أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب النهي بغير إذن صاحبه: ج 875/ 2، رقم: 2343.
10 - أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب البيوع: ج 15/ 2، رقم: 2166. (مع اختلاف في اللفظ) 11 - أخرجه البخاري باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده: ج 13/ 1، رقم: 10. (مع اختلاف في اللفظ)
249 (1/249)
صفحة 250
2 - نقد الجيطالي للمرجئة
ردّ الجيطالي على تصور المرجئة لمفهوم الإيمان بأنه قول بلا عمل، مبينا النتائج الخطيرة التي تترتب عن هذا التصور، وهي فيما يأتي (1):
- هدم قواعد الشرع.
-
- إبطال فائدة الخوف والرجاء وقد مدح الله تعالى المؤمنين في كتابه فقال:
ويدعون ربهم خوفا وطمعاني (2)
-
أقر
- إبطال فائدة التقوى وإطلاق عقال المعصية والبلوى، إذا كان من بالإسلام، وانتهك المعاصي، وجميع الآثام، وضيع الفرائض، والعمل اللازم، أن يكون هذا ومن عبد ربه بجميع حقوقه سرا وجهارا واجتنب المعاصي فعلا وقولا واعتقادا، وتمادى على ذلك حتى أتاه اليقين أن يكون هذا والأول سواء وقد قال الله تعالى: وأم نجعل المتقين كالفجار (3) وفي أمثالها من القرآن.
كما أن الجيطالي اعترض على هذا المفهوم القاصر للإيمان، وحاول تفنيده مؤيدا نقده بأدلة من العقل والنقل، وقد صاغ محاورته للمرجئة على النحو الآتي: "يقال للمرجئة أخبرونا عن الإيمان ما هو؟ فإن قالوا هو الإقرار بالله أنه واحد، وأن محمدا عبده ورسوله وما جاء به حق قيل لهم هذه ثلاث خصال بعضها غير بعض الإقرار بالله غير الإقرار برسوله، الإقرار برسوله غير الإقرار بما جاء به لأنه لا يكون موحدا من أنكر خصلة منها يقر بجميعها فإذا جاز لكم أن تجعلوا الإيمان ثلاث خصال فلم لا يجوز لغيركم أن يجعلها عشرا وأكثر فيجعل الصلاة والزكاة وغيرهما من جميع الفرائض إيمانا؟ ويقال لهم أيضا: المعرفة بالله هي الإقرار أو غيره؟ فإن قالوا: المعرفة غير
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 54/ 2 وظ.
2 - سورة السجدة، الآية: 16.
- سورة ص، الآية 28
- 250 - (1/250)
صفحة 251
الإقرار لزمهم أن يكون من أخرس الله لسانه، وعرف الله بقلبه أن يكون ليس بمؤمن. فإن زعموا الإقرار هو المعرفة. قيل لهم: فإن كان إنما كانت المعرفة إيمانا بالله من أجل أنها معرفة بطل أن يكون الإقرار إيمانا لأنها غير الإقرار فكما بطل هذا لم يصح أن يكون الإيمان إيمانا إلا لعلة وجوب الثواب عليه فثبت أن جميع ما قارنه الثواب من طاعة الله عز وجل يكون إيمانا لأن الله يقول: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويوتوا الزكاة وذلك دين القيمة (1) فسمى صلاتهم وزكاتهم دينا. وقال الله تعالى: وما كان الله ليضيع إيمانكم (2) يريد صلاتكم نحو بيت المقدس ... وقال: فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون أي يعملون بما في السورة من الفرائض فيزدادون بذلك إيمانا وقال: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المومنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم (4) فهؤلاء قوم مستكملون الإيمان أخبر عنهم أنهم يزدادون إيمانا مع إيمانهم فدل هذا أن الإيمان خصال كثيرة
يزداد وينقص
(5) 11
(3)
ويتابع الجيطالي نقده لمذهب المرجئة موضحا أن الإيمان لو كان يكمل بالقول بالإقرار دون العمل بالأركان لم يكن لقول الله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم (6) معنى لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أتوا بالإسلام كاملا في بدء أمرهم فكيف يكمل شيء قد استوعب وأوتي على آخره؟ (7)
ويجمع جملة من النصوص ليثبت أن الإيمان يكون عملا من جميع الوجوه من
1 - سورة البينة، الآية: 5.
2 - سورة البقرة، الآية: 143.
-3 - سورة التوبة، الآية: 124.
4 - سورة الفتح، الآية: 4.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 55/ 2 ظ، 56 و.
6 - سورة المائدة، الآية: 3.
7 - الجيطالي: شرح النونية: ج 55/ 2 و.
251 (1/251)
صفحة 252
اعتقاد الجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان يقول في شرح النونية: "فمما
يدل على أن الأفعال من الإيمان قوله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم (1) له - ومما يدل أيضا أن للقلب عملا قوله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان له (2) وقوله: فقد صغت قلوبكمان (3) وقوله: " في الجسد مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا انفسدت انفسد بما سائر الجسد وهي: القلب (4) فإذا كان القلب يطمئن مرة، ويصغى أخرى، ويوجل، ويكون منه
الصلاح والفساد، فأي عمل أكثر من هذا؟
-
- ومما يدل على نطق اللسان أنه عمل أيضا قوله تعالى: وإذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطات (5) فذكر القول وسماه عملا عند إحاطته به. وقوله تعالى: وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم) فهل كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الكفار إلا دعاؤه إياهم إلى الله؟ وعملهم معه ردهم قوله بالتكذيب فسماه عملا وكذلك في الحديث المأثور: "من عد كلامه عمله قل إلا فيما يعنيه وينفعه (7) وفي مستفيض كلام العرب وسائر الناس يسمى الكلام عملا أيضا" (8). وختم الجيطالي نقده بقوله: "يا ليت الذي قالوه حقا فنكون من السعداء ولا يضرنا اختلافهم."
من
(9) 11
1 - سورة البقرة، الآية: 143.
2 - سورة النحل، الآية: 106
3 - سورة التحريم، الآية: 4
-4 - أخرجه البيهقي في السنن تكبرى: باب طلب الحلال واجتناب الشبهات ج 87/ 8، رقم: 10537
5 - سورة النساء الآية 108
6 - سورة يونس، الآية: 41.
7 - أخرجه الداريني باب من قال العلم الخشية وتقوى الله: ج 96/ 1، رقم: 310.
8 - الجيطالي: ميرج النونية: ج 55/ 2 و.
9 - المصدر نفسه: ج 54/ 2 ظ.
252 (1/252)
صفحة 253
ومن خلال هذا العرض نجد الجيطالي قد تصدى لنقد فكر الإرجاء بمختلف مذاهبه، ورفض أن يكون مفهوم الإيمان قاصرا على الإقرار باللسان وحده كما ذهب غيلان (1)، أو يكون معرفة بالقلب دون إقرار وعمل كما زعم الجهم بن صفوان (2)، أو يكون إقرارا باللسان ومعرفة بالجنان كما يرى أبو حنيفة وأصحابه (3)
(3)
وقد اتخذ الجيطالي وسط هذا التزاع الفكري موقفا معتدلا يجمع فيه بين عناصر الإيمان الثلاثة: الإقرار والتصديق والعمل. ولا شك أن هذا التصور الصحيح للإيمان هو الذي يرفع المسلمين من كبوتهم الحضارية، ومن دركة الانحلال الديني، والفساد الخلقي الذي شهده عصر الجيطالي والعصور التي تلته إلى مستوى الأمانة التي حملوها ليكونوا شهداء على الناس بالقسط.
وبين صاحب كتاب الجهالات (4) مواطن الخطأ الذي وقعت فيه مذاهب المرجئة يقول: "أما أصحاب المعرفة احتجوا على مقالتهم، فحجتهم في أن المعرفة إيمان صحيحة، وإنما أوتوا في غلطهم أن ليس الإيمان إلا معرفة كما أن الذين احتجوا على الإقرار قد أصابوا في الحجة على الإقرار، وأوتوا في قولهم أن ليس إيمان إلا الإقرار، فكلا الفريقين قد غلط في نفي حجة صاحبه وكذلك أبو حنيفة وأصحابه في زعمهم أن الإقرار والمعرفة إيمان فقد أصابوا فيما قالوا، وأخطأوا في نفيهم عما سوى ذلك من أعمال البر أن يكون إيمانا ... ويدعو الإمام الرازي إلى الجمع بين الحجج التي استدل بها كل فريق إذ لا تعارض بينها يقول: يجب" التوفيق بين هذه الدلائل بقدر الإمكان فنقول: الإيمان له أصل وله ثمرات والأصل هو الاعتقاد، وأما هذه الأعمال فقد يطلق لفظ الإيمان عليها كما
(5) 11
1 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 217/ 1.
2 - المصدر نفسه: ج 214/ 1. جهم بن صفوان السمرقندي أبو محرز (128 هـ/845 م) من موالي بني راسب، رأس الجهمية، ر. الزركلي: الأعلام: ج 141/ 2.
3 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 219/ 1 وما بعدها.
4 - تبغورين بن عيسى الملشوطي (ق 6 هـ / 12 م) وقد شرحه أبو عمار عبد الكافي. 5 - أبو عمار عبد الكافي: شرح كتاب الجهالات: 73 (مخطوط).
-253 - (1/253)
صفحة 254
(1)
يطلق اسم أصل الشيء على ثمراته. وهو ما ذهب إليه أبو حامد الغزالي (2)
-3 - زيادة الإيمان ونقصانه
اتساقا
مع تعريف الإيمان أنه قول وعمل وأنه خصال كثيرة قال الجيطالي بزيادة الإيمان ونقصانه: يزداد بتأثير الطاعات، وينقص بالمعاصي (3). ويرى أن الإيمان بمنزلة العقدة على القلب من غير كشف ولا انشراح يشتد ويقوى تارة، ويضعف، ويسترخي تارة، كالعقدة على الخيط مثلا، والعمل يؤثر في نماء هذا الاعتقاد وزيادته كما يؤثر سقي الماء في نماء الأشجار علوا وفي رسوخ أصولها سفولا. (4)
وقد استدل على ذلك بأدلة تتمثل فيما يأتي: (5)
أ- من القرآن
قوله تعالى: والذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم
فزادهم إيمانا يا (6)
وقوله تعالى: والذين اهتدوا زادهم هدي وآتاهم تقواهم (7) وقوله تعالى: وهو الذي أنزل السكينة في قلوب المومنين ليزدادوا
إيمانا مع إيمانهم كي (8)
وقوله تعالى: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا (9)
-1 الرازي: معالم أصول الدين: 128.
2 أبو حامد الغزالي: الإحياء: ج 156/ 1.
-3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 50/ 1 و، ج 55/ 2. قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 344/ 1. -4 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 344/ 1.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 55/ 2 و. قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 344/ 1 - 345.
6 - سورة آل عمران الآية: 173.
7 - سورة محمد، الآية: 17.
8 - سورة الفتح، الآية: 4. 9 - سورة المدثر، الآية: 31.
254 (1/254)
صفحة 255
ب- من
السنة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان نيف وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله. إلا الله وأدناها إماطة الأذى" (1)
وقوله: "الحياء من الإيمان" (2)
وقوله: "وحسن العهد من الإيمان" (3)
وقوله: "الصبر والسماحة من الإيمان" (4)
وقوله: "الصبر" نصف الإيمان والوضوء نصف "الصبر"
(5)
(6)
وقوله: "الإيمان يزيد وينقص
ج- من الآثار
قول علي بن أبي طالب: "إن الإيمان ليبدو لمعة بيضاء في القلب فإذا عمل العبد الصالحات نمت وزادت حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق ليبدو نكتة سوداء فإذا انتهك الحزمات نمت وزادت حتى يسود القلب كله فيطبع عليه فذلك هو الختم وتلا كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (7) (8)
ونلاحظ أن الجيطالي قد استقصى في جمع أدلة زيادة الإيمان ونقصانه ليرد
1 - أخرجه ابن حبان: كتاب الإيمان، باب فرض الإيمان: ج 42/ 1، رقم: 191. 2 - أخرجه النسائي: باب: الحياء: ج 121/ 8، رقم: 5033.
3 - أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الإيمان، باب: كتاب الإيمان: ج 62/ 1، رقم: 40. -4 - أخرجه أبو يعلى باب مسند جابر: ج 380/ 3، رقم: 1854. 5 - أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب التفسير باب تفسير حم عسق ج 484/ 2، رقم: 3666.
6 - أخرجه ابن ماجه: ج 28/ 1، رقم: 74.
7 - سورة المطففين، الآية: 14.
8 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 344/ 1 - 345.
- 255 -
17 (1/255)
صفحة 256
(1)
بذلك على من نفى الزيادة فيه كالمرجئة وغيرهم أن الإيمان لو كان لا ويري يزداد ولا ينقص لبطل التفاضل بين المسلمين فيه، قال الله تعالى: {ويوت كل ذي فضل فضله (2) وقال الله تعالى: وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيمان (3) وقال تعالى: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض (4) وقال تعالى: وانظر كيا، فضلنا بعضهم على بعض (5) فالإيمان عند الجيطالي مقامات، والمؤمنون فيه درجات، يتفاضلون في الإيمان على قدر ترقيهم في درجاته. (6)
4 مقامات الإيمان ودرجاته
-
فأما مقامات الإيمان فثلاثة هي:
-
(7).
المقام الأول: الاعتقاد بالقلب، ومما يدل على أن الإيمان هو انطواء
القلوب على التوحيد قوله تعالى: ومن كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان (8) وسئل النبي الله عن الإيمان فقال: "إن الإيمان ها هنا وأشار إلى صدره (9) كما أن القرآن في كثير من آياته ذمّ المنافقين الذين آمنوا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم.
- المقام الثاني: الإقرار باللسان نطقا وإقراره عبارة عن التصديق الذي حصل
1 - نقل الجيطالي أقوال المرجئة في زيادة الإيمان ونقصانه وردّ عنها. ر. شرح النونية: ج 55/ 2 وظ.
-2 سورة هود، الآية 3 - 3 - سورة النساء، الآية: 95. -4 سورة البقرة، الآية 253
5 - سورة الإسراء، الآية 21
6 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 340/ 1 - 343.
7 - المصدر نفسه: القسم 1/ 340 - 341.
- سورة النحل، الآية: 106
9 - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: ج 507/ 7، رقم: 11151.
-256 - (1/256)
صفحة 257
في القلب، قال الله تعالى: قالوا آمنا بأفواههم و لم تومن قلوبهم لله (1) ففي ذم الله تعالى المنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم دليل على أن الإيمان فيهما جميعا بإثباث من الله إياه في الأفواه، وذمهم إذ لم يكتسبوه بالقلوب قال الله تعالى: قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم 2
- المقام الثالث: الإيمان هو العمل بالأركان وتحقيقه بالأفعال شرعا وسمعا.
=
وبين الجيطالي حكم من انعرى من هذه المقامات الثلاثة أنه ينطبق عليه
قول الله تبارك وتعالى: أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (3)
و من كان الإيمان في قلبه وانعرى منه لسانه فهو من الذين قال الله فيهم من
قوم فرعون وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة كان الإيمان في قلبه ولسانه وانعرى منه العمل فهم من الذين
المفسدين (4) ومن قال الله عز وجل فيهم: ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (5)
فهذا من الكاذبين والأوسط من المفسدين، والثالث من
الخاسرين.
(6)
وأما درجات الإيمان فهي خمس
1 - سورة المائدة، الآية: 41.
2 - سورة الحجرات، الآية: 14.
3 - سورة النحل، الآية: 108 - 109.
-4 - سورة النمل، الآية: 14.
5 - سورة العنكبوت، الآية: 1 - 3.
6 - الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 343/ 1.
7 - المصدر نفسه.
(7).
257 (1/257)
صفحة 258
- درجة الإيمان
وهو المعنى الذي كلّف الله تعالى عباده المؤمنين ثم رضيه منهم وذلك قوله تعالى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمومنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه وهو الإيمان الذي أشار إليه الرسول حيث قال: "عليكم بإيمان العجائز) هذا الإيمان هو تصديق عامة المسلمين واعتقادهم.
(1)
(2) 11
- درجة الظن
فإذا تحقق العبد الإيمان ورسا في قلبه انتقل إلى درجة هي أقوى مما فيه وهي الظن الذي مدح الله به المؤمنين حيث قال الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون (3) ودرجة الظن أعلى من درجة الإيمان المتقدم.
- درجة العلم
فإذا قوي الظن الذي مدح الله به المؤمنين صار علما، وهذا العلم نور يقذف في قلب المؤمن فيتسع القلب به وينشرح قال سبحانه وتعالى: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا (4) فالعلم درجة في القلب أعلى من درجة الإيمان ولذلك فرق الله تعالى بين درجة الإيمان ودرجة العلم فقال: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات (5) فلحن الخطاب: يرفع الذين آمنوا منكم درجة والذين أوتوا العلم درجات.
الله
1 - سورة البقرة، الآية: 285.
2 لم أعثر عليه، والظاهر أنه ليس حديثا، وينسب إلى الإمام الجويني والله أعلم.
3 - سورة البقرة، الآية: 46.
-4 سورة الشورى الآية 52 5 - سورة المجادلة، الآية: 11.
258 (1/258)
صفحة 259
- درجة اليقين
وهو علم راسخ في القلب زايلته الشكوك، وفارقه الاضطراب، واستحكم في النفس حتى كاد أن يكون عن مشاهدة، قال الله تعالى في صفة المؤمنين: و بالآخرة هم يوقنون (1) وقال: وفي الارض آيات للموقنين (2) وقال:
وكلا لو تعلمون علم اليقين (3)
- درجة المعرفة
وذلك إذا قوي يقين العبد ترقى إلى درجة المعرفة، ومعنى المعرفة بالله تعالى أن تعرفه بأياديه الكاملة، وصفاته البالغة وقدرته التامة وأفعاله الجارية في خلقه أصناف النعم وضروب النقم، فإذا عرفه العبد بهذه المعرفة لزمت قلبه الرهبة
من
منه والرغبة إليه، وامتلأ قلبه له عظمة وحياء. وهذه المعرفة إذا قويت في قل العارف واستحكمت لاح له من ربه اللطف الخفي، والنور الجلي، واستولى على قلبه حب ربه واستأنس بذكره في الخلوات ووثق بإسعافه في المهمات، وغلب نور قلبه على نور بصره فأبصر الدنيا خيالا والآخرة مثالا)
من
(4)
خلال عرض الجيطالي لدرجات الإيمان تتجلى لنا قوة حاسته الروحية، ودعوته إلى العناية بأعمال القلب، وتزكية النفس، ومجاهدتها في الله ليهديها سبله فتذوق حلاوة الإيمان، وتنكشف لها الأمور، وتعرف الحق من الباطل. فكلما قوي إيمان العبد قوي كشفه للحقائق، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف. ومما يمكن أن نستخلصه مما سبق أن الإيمان عند الجيطالي نوعان:
1 - سورة البقرة، الآية: 4.
-2 سورة الذاريات، الآية: 20.
3 - سورة التكاثر، الآية: 5.
4 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 1/ 357.
259 (1/259)
صفحة 260
- إيمان عامة المسلمين الذين لا يعدو إيمانهم الدرجة الأولى.
-
- إيمان الخاصة الذين يترقون في الدرجات حتى يبلغوا مقام الكشف الذي
هو الغاية القصوى من العلم، ولا يتسنى لهم ذلك إلا بالمجاهدة ورياضة النفس. وإن كان الإباضية (1) وجلّ علماء الإسلام يرون أن حصول الكشف ووقوعه أمر ممكن لبعض الناس استنادا إلى بعض النصوص كقوله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا (2) إلا أن الإشكال يكمن: هل الكشف هبة من عند الله أم اكتساب؟ وهل هو الغاية من الإيمان؟ وهل الطريقة التي يسلكها مريدو الكشف سليمة من المزالق؟ وهل تتفق مع منهج الإسلام الذي يتميز بالوسطية والتوازن والشمول؟
ونتفق في جوابنا عن هذه الإشكالات مع ما ذهب إليه الشيخ القرضاوي
في اعتراضه على طلاب الكشف ونوجز ذلك في النقاط الآتية: (3)
كثير
أ- انتقد طريقهم للكشف باعتباره طريقا شديد الوعورة، عظيم الخطورة، المنعطفات والمنحدرات قلما يجد فيه سالكه منارات تهديه، وعلامات تدله، لأن المنارات في علم الشرع، وقد تركوه والعلامات في ميراث النبوة وقد أهملوه، أثناء هذه المجاهدة قد يفسد المزاج، ويختلط العقل، ويمرض البدن، وتنشب خيالات في القلب وينقضي العمر قبل النجاح.
وفي
1 - أبو سعيد الكدمي: المعتبر وزارة التراث القومي، سلطنة عمان 1405 هـ/1984 م: ج 58/ 1 - 59. أبو حفص عمرو بن جميع مقدمة التوحيد وشروحها لابن العباس الشماخي وأبي سليمان الثلاثي تعليق أبي إسحاق اطفيش: 106. أبو يعقوب الوارجلاني: العدل والإنصاف: ج 26/ 1. حميس بن سعيد الرستاقي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين تحقيق سالم بن حمد الحارثي: ج 573/ 1.
2 سورة العنكبوت الآية: 69.
3 د يوسف القرضاوي: موقف الإسلام من الإلهام والكشف مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1417 هـ / 1996 م: 107 وما بعدها.
-260 - (1/260)
صفحة 261
ب يخالف القرضاوي أبا حامد الغزالي - ومن نحا نحوه كالجيطالي - في اعتبار الكشف أمرا يطلب، والحقيقة أنه أمر يوهب ونحن المسلمين لم نؤمر بطلب الكشف وإنما أمرنا بطلب العلم.
ج- اعتبر من جعل الغاية من عبادته حصول الكشف لم يخلص في العبادة لله تعالى وابتغاء وجهه وإنما يخلصون للكشف.
-
د لو سلك الصحابة والتابعون هذه الطريقة للوصول إلى الكشف لما فتحوا الفتوح، ولا نشروا رسالة الإسلام في العالمين ولا نقلوا لنا القرآن، ولا رووا لنا السنن، ولا فقهوا الناس.
هـ- تتنافى طريقة الكشف مع خصائص دعوة الإسلام التي توازن بين
الروح والمادة، وبين العلم والإيمان وبين العقل والقلب، وبين حق
النفس، وتجمع بين الدنيا والآخرة.
الله وحظ
5 - العلاقة بين الإيمان والإسلام
بحث الجيطالي العلاقة بين الإسلام والإيمان في جانبيها اللغوي والشرعي هل هما شيء واحد أو كل منهما غير الآخر؟
فمن حيث اللغة: فالإيمان عبارة عن التصديق لقوله تعالى: {وما أنت بمومن (1) أى بمصدق، وللتصديق محل خاص هو القلب واللسان ترجمانه)
(2)
وأما الإسلام فمعناه في اللغة الخضوع والاستسلام والانقياد وترك للإباء والعناد والجحود، والتسليم عام في القلب واللسان والجوارح. (3) قال الله تعالى:
1 - سورة يوسف، الآية: 17.
2 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 361/ 1.
3 - المصدر نفسه: القسم 358/ 1، 361.
-261 - (1/261)
صفحة 262
حكاية عن بلقيس صاحبة سليمان: وأسلمت مع سليمان الله رب العالمين بيكيني (1) فاللغة توجب أن الإسلام أعم والإيمان، أخص فكأن الإيمان عبارة عن أشرف
أجزاء الإسلام فإذن كل تصديق تسليم، وليس كل تسليم تصديقا.
(2)
وأما من حيث الشرع: فقد ورد باستعمالها على سبيل الترادف والتوارد، وورد على سبيل الاختلاف وورد على سبيل التداخل
-
(3)
فأما الترادف ففي قوله تعالى: فأخرجنا من كان فيها من المومنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) و لم يكن بالاتفاق إلا بيت واحد. وقال الله
تعالى: يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (5)
- وأما الاختلاف فقوله تعالى: وقالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا () ومعناه استسلمنا في الظاهر، وأراد بالإيمان هاهنا تصديق القلب فقط، وبالإسلام الاستسلام ظاهرا باللسان والجوارح وقوله عليه السلام في حديث جبريل عليه السلام المشهور حين جاءه في صورة أعرابي فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ فقال عليه السلام: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وبالحساب وبالقدر خيره وشره. فقال: صدقت فما الإسلام؟ فقال عليه السلام: شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان والحج إلى بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، والغسل من الجنابة قال: صدقت ...
1 - سورة النمل، الآية: 44.
2 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 361/ 1. 3 - المصدر نفسه. أبو حامد الغزالي: الإحياء: ج 155/ 1.
4 - سورة الذاريات، الآيتان: 3635.
5 - سورة يونس، الآية: 84. -6 - سورة الحجرات، الآية: 14.
(7)
7 - قد ورد بصيغ مختلفة منها ما أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب: إن الله عنده علم الساعة: ج 3/ 4،
رقم: 4499.
-262 - (1/262)
صفحة 263
فذكر عليه السلام الخصال الخمس فعبر بالإسلام عن تسليم الظاهر بالقول والعمل.
وأما التداخل فما روي عنه عليه السلام أنه سئل فقيل له: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الإسلام، فقيل له: أي الإسلام أفضل؟ فقال: الإيمان
(1)
ويرى الجيطالي أن الأدلة التي تثبت الاختلاف والتداخل بين الإسلام والإيمان توافق اللغة ولا تخرج عن استعمالاتها (2)، وهذا رأي معقول وإن كان الأستاذ عبد الرحمن أبو بكر المصلح يذهب إلى أن رأي الجيطالي فيه تعارض وهو
(3)
مخالف لما ذكره في أول بحثه لهذا الموضوع أن الإطلاق هاهنا شرعي لا لغوي إلا
أن المراد من رأي الجيطالي في استعمال الإيمان والإسلام على سبيل الاختلاف أنه في حالة الاختلاف يكون معنى الإيمان هو التصديق
والتداخل مما تجيزه اللغة
فقط
وهو
ما يتفق مع
هو
اللغة
ومعنى الإسلام هو التسليم ظاهرا وهو أيضا يتفق مع اللغة. وأما في حالة التداخل فالإسلام عبارة عن التسليم بالقلب والقول والعمل جميعا، والإيمان عبارة عن التصديق بالقلب فقط، وهذا ما توجبه اللغة في كون الإسلام أعم، والإيمان أخص، إذ الإيمان جزء من الإسلام وهو المقصود بالتداخل. هكذا يذهب الجيطالي إلى أن الإيمان والإسلام والدين أسماء مختلفة لمسمى واحد وهو طاعة الله (4) وهذا ما قرره علماء الإباضية (5) وهذا ما قرره علماء الإباضية (5)، ويعترض على من حصر الإيمان في الاعتقادات وجعل الإسلام فيما يتعلق بالجوارح من العبادات فيقول: اعلم أن الإيمان أصله التصديق كما ذكرنا، وأن الإسلام أصله الاستسلام والخضوع، وأن الإسلام كله من قبل التصديق إيمان، وأن الإيمان كله من قبل
1 - لم أجده بهذا اللفظ.
2 الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 362/ 1.
-3 - عبد الرحمن أبو بكر المصلح: الإباضية عقيدة وفكرا، رسالة ماجستير (مخطوطة)، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية كلية أصول الدين الرياض 1402 هـ / 1982: 143.
-4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 2/ 63 و.
-- أبو عمار عبد الكافي شرح الجهالات: 169 - 170. الوارجلاني: العدل والإنصاف: ج 2/ 100.
-263 - (1/263)
صفحة 264
الاستسلام والخضوع إسلام والدين من قبل الاستسلام إسلام، وكل خصلة من الإيمان فهي إسلام، ودين وكل خصلة من الإسلام فهي إيمان ودين، وكل خصلة الدين إيمان وإسلام وإلى هذا القول ذهب أصحابنا رحمهم من الله وهو الصواب إن شاء الله، إذ لا يسعك أن تنفي الإيمان عن الصلاة وأخواتها، فإن اتسع لك فلا تنفي الإسلام عن الإيمان الذي هو الاعتقاد فيكون الواحد مؤمنا غير مسلم ومسلما غير مؤمن، قال الله عزَّ وجلّ: وذلك دين القيمة (1) وقال:
يسعك أن
وإن الدين عند الله الإسلام (2) وقال: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل
(4) (3)
منه در يک (3) (4)
1 - سورة البينة، الآية: 5. -2 سورة آل عمران الآية: 19.
3 - سورة آل عمران الآية: 85.
- الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 363/ 1 - 364. شرح النونية: ج 63/ 2 و.
-264 - (1/264)
صفحة 265
المبحث الثاني
الكفر
-1 - تعريف الكفر لغة واصطلاحا
بين الجيطالي أن أصل الكفر في اللغة هو الستر والتغطية قال لبيد:
يعلو طريقة متنها متواتر في ليلة كفر النجوم غمامها (1)
الكفر (بفتح الكاف كفرت الشيء إذا غطيته وسترته، ويقال: رماد مكفور إذا سفت عليه الريح التراب فوارته ومنه رجل كافر إذا كفر درعه بثوب لبسها عليه وسمي الحارث كافرا لأنه يستر البذر أي يغطيه قال تعالى: كمثل غيث أعجب الكفار نباته في (2) أي الزراع (3). وقد يراد به جحود المنعم نعمته وهو
(5) (4)
المعهود في كلام العرب. قال تعالى: ليبلوني اشكر أم أكفر ي ك) فكل من ستر جميلك ومعروفك فقد كفرك (6).
العقاب
أما في الاصطلاح فالكفر نقيض الإيمان) وهو: "كل ما أوجب الله عليه
(8) 11
، ويعرفه في موضع آخر هو: "الاستفساد إلى ولي النعمة فمن استفسد
1 - الجيطالي: شرح قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 367/ 1. أبو عبد الله الحسين: شرح المعلقات السبع، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 2، 1405 هـ/1985 م: 97.
2 سورة الحديد، الآية 20
- الجيطالي: شرح النونية: ج 30/ 2 و.
-4 - سورة النمل، الآية: 40
الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 369/ 1.
6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 61/ 2 و. ابن منظور: لسان العرب: ج 144/ 5.
7 - الجيطالي: شرح النونية: ج 30/ 2 و.
8 - المصدر نفسه: ج 57/ 2 ظ.
-265 - (1/265)
صفحة 266
إليه بالمساواة كان كافرا مشركا ومن استفسد إليه بتضييع حقه، وارتكاب محارمه (1) كان منافقا كافرا كفر نعمة". ويوضح الجيطالي مدلول الاستفساد بأنه: "المحاربة
والقطيعة والخلاف على الله فكأنه نقيض الاستسلام لأمر الله والخضوع له". (2)
الله
فإذا كان الجيطالي وسع من مدلول الإيمان ليشمل القول والعمل فإننا نجده هنا يجعل الكفر ضد الإيمان، فيكون الكفر في القول، ويكون في العمل أيضا، والجامع بينهما هو الاستفساد إلى ولي النعمة، فكل كفر استفساد وكل استفساد كفر، إلا أن الجيطالي يفرق بدقة بين أحكام كل نوع من الكفر كما سيأتي بيان ذلك. وقد افترقت المذاهب في ضبط مصطلح الكفر فاتجهت المعتزلة إلى أن الكافر اسم لمن يستحق العقاب العظيم، ويختص بأحكام مخصوصة نحو: المنع من المناكحة والموارثة والدفن في مقابر المسليمن فإن من هذه حاله صار كأنه جحد نعم تعالى عليه، وأنكرها، ورام سترها. لذلك لم تسم المعتزلة صاحب الكبيرة كافرا لأنه لا تجري عليه هذه الأحكام (3). وذهبت الأشعرية إلى أن الكفر هو: "عدم تصديق الرسول في بعض ما علم مجيئه به ضرورة" (4). بيد أن طائفة من الحديث اتفقت مع الجيطالي في أن الكفر كفران كفر هو جحد بالله وبما قال، فذلك ضده الإقرار بالله والتصديق به وبما قال وكفر هو عمل فهو ضد الإيمان الذي هو عمل). وهو مذهب الزيدية والإباضية. (6)
أصحاب
ولما كانت هذه المذاهب مختلفة في ضبط معنى الإيمان جاء اختلافهم في تحديد
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 57/ 2 ظ، 74 و.
2 المصدر نفسه.
-3 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 349/ 2.
4 - الإيجي: المواقف: 388.
ابن تيمية كتاب الإيمان 235
6 الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 368/ 1. أحمد محمود صبحي، يحيى بن حمزة وآراؤه
الكلامية: 199.
-266 - (1/266)
صفحة 267
فُسّر
معنى الكفر الذي هو ضد الإيمان، يقول الإيجي: "والكفر عند كل طائفة مقابل ما به الإيمان (1) فمن جعل الإيمان متعلقا بالتصديق القلبي فإن الكفر عنده من أفعال القلوب ومن جعله متعلقا بالأقوال فحسب فإن الكفر عنده مقصور على الإقرار،
ومن جعل الإيمان تصديقا بالقلب وإقرارا باللسان وعملا بالجوارح، فإن الكفر عنده يتعلق بالاعتقادات والأقوال والأفعال مع التفريق بين أنواع الكفر.
2 - أنواع الكفر
اتَّبع الجيطالي نهج أسلافه الإباضية في تقسيم الكفر إلى قسمين رئيسيين هما: (2)
-
كفر شرك.
كفر غير شرك وهو كفر النفاق أو كفر النعمة.
وهذا التقسيم يتناسب مع المفهوم الواسع الذي حدّ به الكفر، وهو يشمل كفر الشرك الذي اتفقت في شأنه الأمة، وكفر الأعمال أو النفاق الذي هو محل اختلاف بينها وبالتالي "لا يقال كل كفر شرك لأن النفاق كفر وليس بشرك" (3)
أ- القسم الأول: كفر الشرك
أولا - تعريف الشرك
عرف الجيطالي الشرك في اللغة بأنه التساوي بين الأشياء في الذوات والصفات، فمن شارك بين اثنين فقد ساوى بينهما، كما أن من ساوى بين اثنين فقد أشرك بينهما بوجه من الوجوه كائنا ما كان. (5)
1 - الإيجي: المواقف: 388.
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 57/ 2 ظ، 81 و، 114 و.
3 - المصدر نفسه: ج 58/ 2 و.
4 - الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي عبد الرحمن: ج 34/ 2. ابن منظور لسان العرب: ج 488/ 10.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 80/ 2 و.
-267 - (1/267)
صفحة 268
أما اصطلاحا هو التسوية بين الله وبين خلقه في الذات أو الصفات قال الله
سبحانه وتعالى: وإذ نسويكم برب العالمين (1) أي في العبادة والتعظيم وإثبات الألوهية. ويوضح معنى المساواة الله: أن يوصف الخالق بما يوصف به المخلوق، والمخلوق بصفات الخالق (3). والشرك ضد التوحيد من جميع الوجوه لأن التوحيد معناه الإفراد ومعنى الإفراد ترك المساواة، ومعنى ترك المساواة ألا يوصف الخالق بصفات المخلوق، ولا المخلوق بصفات الخالق. (4)
ويوجب الجيطالي على العبد المؤمن بأن يعرف الشرك، ولا يسعه جهله ولا فعله (5)، لأن معرفة الشرك توحيد، وجهله شرك ومن عرف التوحيد عرف
(6) 11
الشرك، وكذلك الشرك من عرفه فقد عرف التوحيد فالشرك والتوحيد ضدان
لا يجتمعان في قلب واحد
(1)
ثانيا - أقسام الشرك ووجوهه
قسم الجيطالي الشرك إلى قسمين: (8)
- شرك المساواة: وهو مساواة الله بغيره في الذات أو الصفات أو العبادة. (9) - شرك الجحود وهو إنكار وجه من الوجوه التي لا يسع جهلها: كإنكار
1 - سورة الشعراء، الآية: 98
2 الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي عبد الرحمن: ج 34/ 1.
- الجيطالي: شرخ النونية: ج 80/ 2 و.
4 - المصدر نفسه.
5 - المصدر نفسه: ج 28/ 2 ظ.
-6 - المصدر نفسه: ج 50/ 2 وظ.
7 - المصدر نفسه.
الجيطالي: شرح النونية: ج 80/ 2 ظ قواعد الإسلام: ج 34/ 1.
و الجيطالي: شرح النونية: ج 50/ 1 و. قواعد الإسلام: ج 34/ 1.
-268 - (1/268)
صفحة 269
التوحيد، ومعرفة الله عز وجل، والأنبياء والرسل والملائكة، والكتب، والموت،
والحساب والعقاب والجنة والنار، وما أشبه هذا. (1)
وأرجع الجيطالي الشرك كله بمختلف أقسامه ووجوهه إلى المساواة
التي هي أصل الشرك كما سبق ذلك في التعريف لقوله تعالى: وإذ نسويكم
(3) (2)
برب العالمين (2) که در
وللشرك وجوه كثيرة أورد الجيطالي جملة منها في مؤلفاته لغرض معرفتها
والحذر من الوقوع فيها ومن بينها: (4)
أن ينكر وجود الله سبحانه وتعالى.
- أن يقيم غير
الله سبحانه مقامه في الخلق والإنشاء والاختراع كما ذهب الملاحدة. - أن يقيم الخلق في العبادة مقام الله تعالى.
- أن يجهل معرفة وجود الله، وجميع ما لا يسع جهله من وظائف التوحيد. - أن يُكَذِّب الله تعالى بإنكار حرف من كتابه، أو نبي من أنبيائه، أو
رسول من رسله أو ملك من ملائكته أو جهله البعث والميعاد وغيره ... أن يصف ربه بصفات الخلق ومعاني النقص من الجهل، والعجز،
والحدوث، والعدم، والجور والظلم وجميع ما لا يليق به سبحانه. - أن يصف الخلق بصفاته عز وجل من العلم، والقدرة، والوجود، والإحياء والإماتة والاختراع من العدم إلى الوجود، والإرسال، والإنزال من جميع صفاته التي لا يليق أن يوصف الخلق بها.
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 65/ 2 و
2 - سورة الشعراء، الآية: 98.
3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 80/ 2 ظ.
4 - الجيطالي: قواعد الإسلام ج 34/ 1 وما بعدها. شرح النونية: ج 80/ 2 ظ. قناطر الخيرات، تحقيق النامي:
القسم 374/ 1 - 375.
269 (1/269)
صفحة 270
- أن يتقرب العبد إلى الله سبحانه بمعاصيه، ويزعم أنه أمره بما، أو يزعم أنه نهى عن طاعته من التوحيد وغيره مما لا يحتمل التأويل في التتريل.
- أن يتقرب إلى المخلوق بأفعاله من جميع طاعة الله عز وجل من الصلاة،
والذبح، وغيرهما.
-
أن يدعو العباد إلى عبادة نفسه كفعل إبليس اللعين.
ويخلص الجيطالي إلى: "أن كل من أنكر وجها من وجوه التوحيد، أو استحل تركه أو جهل الشرك، أو فعله أو استحل فعله، أو أمر به، أو تقرب بفعل معصية منصوصة إلى الله تعالى أو استحل فعلها، أو أنكر فريضة منصوصة، أو ملكا، أو نبيئا منصوصا، أو حرّم حلالا منصوصا فهو مشرك (1)
وكلّ هذه الوجوه التي ذكرت هي شرك ظاهر صريح، وصاحبها مشرك تلحقه أحكام المشركين، وهناك وجوه أخرى اعتبرها الجيطالي شركا إلا أنها لا تأخذ أحكامه لكونها خفية تلحق العبد في أقل الخطرات منها: (2)
- شرك الرياء وذلك أن يري العبد فعله الناس ويتزين به إليهم رياء وسمعة
وهو الشرك الأصغر.
الله - والشرك المركب في قلوب العباد من الجزع والهلع، وقلة الثقة بموعود عز وجل، وثقتهم بأنفسهم وقولهم وحيلهم.
- وشرك الإكراه، ولكن لا يعاقب عليه لأنه قد أبيح له النطق به في حالة الإكراه بشرط طمأنينة الإيمان في القلب.
وهكذا يظهر لنا اهتمام الجيطالي بقضية الشرك التي شغلت حيزا كبيرا من
1 - الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي عبد الرحمن: ج 38/ 1. 2 المصدر نفسه: ج 35/ 1 - 36. قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 374/ 1. شرح النونية: ج 80/ 2 ظ.
-270 - (1/270)
صفحة 271
مؤلفاته نظرا لخطورتها، فقد تصدى لمقاومة الشرك بمختلف صوره اعتقادا وسلوكا لكونه السبب في شقاء الإنسان دنيا وأخرى كما ألح على ضرورة معرفته لأن التوحيد الخالص لا يعرف إلا بمعرفة ضده وهو الشرك ولا يوجد اختلاف بين مذاهب الأمة في هذه المسألة فقد اتفقت دعوة المسلمين على ترسيخ التوحيد تصورا وعملا، ومحاربة الشرك بمختلف ألوانه وصوره اقتداء برسل الله الكرام.
ب القسم الثاني: كفر النفاق.
أولا - تعريف النفاق وأقسامه.
يحدد الجيطالي معنى النفاق في اللغة بأنه مشتق من نافقاء اليربوع، وهو أحد
عن
أبواب جحره يستعمله مستخفيا يخرج منه عند الضرورة إذا خاف، فأخفاه العيون (1)، وقد يراد به الهلاك مأخوذ من قولهم: نفقت الدابة، تنفق نفوقا إذا
هلكت وماتت. (2) وقد تمسك بعض الإباضية (3) بهذا التعريف اللغوي الأخير (أي النفاق بمعنى الهلاك ورأوا أن التعريف اللغوي الأول زعم لبعض أهل اللغة غير صحيح، وليس من المذهب. لكنهم لم يقيموا دليلا على إثبات رأيهم، ويظهر لنا أن سبب رفضهم للتعريف اللغوي الأول كان بدافع عقدي مذهبي لأنه يجيز لغة إطلاق النفاق على من يضمر خلاف ما يظهر، وهو ما ينطبق بالتمام على نفاق الاعتقاد.
ويذكر الجيطالي تعريف أهل العلم للنفاق شرعا بأنه "اختلاف السريرة
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 369/ 1. شرح النونية: ج 64/ 2 ظ. ابن منظور: لسان
العرب: ج 357/ 10.
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 64/ 2 ظ.
-3 منهم: أبو عمرو عثمان السوفي: السؤالات: 325
-271 -
18 (1/271)
صفحة 272
والعلانية، واختلاف القول والعمل، والمدخل والمخرج (1) ويوضح ذلك في قوله:
"كأن المنافق يدخل في الإسلام قولا ويخرج منه فعلا (2)
وأما تعريف الإباضية للنفاق شرعا يوضحه الجيطالي في قوله: "وعند أصحابنا حدّ النفاق في الشرع الخلف والكذب" (3)
وبالنظر في التعريفين يتجلى لنا التعريف الأول أوسع دلالة فهو يشمل النفاق في الاعتقادات والنفاق في الأفعال بينما التعريف الثاني الذي اختاره الإباضية يقصر دلالة النفاق في نفاق الأفعال باعتبار أن الخلف يكون في الفعل بعد الإقرار بالتوحيد، وذلك بتضييع الفرائض وارتكاب الكبائر.
و لم يبد الجيطالي موقفه عند ذكره لهذين التعريفين، وإن كنا نجده في مواطن أخرى يذهب إلى أن النفاق في الأفعال، يقول معرفاً كفر النفاق: "هو أن يقر بلسانه وقلبه ويخالف ما أقر به، وهو كفر الأفعال" (4)
أما عن أقسام النفاق فقد التزم الجيطالي بالتقسيم المعهود عند الإباضية وهو:
- نفاق التحليل والتحريم: وهو استحلال ما حرمه الله تعالى بتأويل الخطأ من فاعله أو قائله.
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 369/ 1. وتروى هذه المقالة عن الحسن البصري، وحذيفة
بن اليمان وهو قول جل الصحابة رضي
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 64/ 2 ظ.
عنهم.
3 - المصدر نفسه. ر. أبو عمار عبد الكافي: شرح الجهالات: 124 السوفي: السؤالات: 288. تبغورين: أصول الدين، تحقيق عمرو خليفة النامي: 381 ملحق برسالة الأستاذ الشيهاني حمو: حاشية المصعبي
على رسالة أصول الدين لتبغورين)
-4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 30/ 2 و.
- الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي عبد الرحمن: ج 38/ 1 - 39. شرح النونية: ج 65/ 2 و، 68 و. ر. الجعبيري: البعد الحضاري: ج 516/ 2.
-272 - (1/272)
صفحة 273
- نفاق الخيانة: وهو مقارفة جميع ما أوعد الله على فعله النكال في الدنيا والعذاب في الآخرة، أو عذب به أمة من الأمم الماضية كالقتل، والزنا، والربا، والسرقة، وبخس الميزان، وإتيان الرجال، وعقر الناقة والاعتداء في السبت لأهل ذلك الزمان، وجميع ما نهى الله عنه في القرآن، وأوجب عليه النكال.
ويلاحظ أن الجيطالي ساير جمهور الإباضية الذين يرون أن النفاق في الأفعال دون الاعتقادات (1) لذلك لم يعتبروا في هذا التقسيم إضمار الشرك وإظهار التوحيد ضمن النفاق، وإن كان يذهب إلى أنه لا مانع من إطلاق اسم النفاق عليه كما سيتجلى لنا ذلك فيما بعد.
ثانيا - دلالة النفاق في القرآن والسنة
ورد في القرآن الكريم ذكر المنافقين في مواضع كثيرة فاختلف الناس فيهم، وقد تعرض الجيطالي إلى إيراد هذا الاختلاف ومناقشته (2)، فذهب فريق منهم إلى أن المنافقين مشركون خالف قولهم اعتقادهم وقال آخرون بل خالف فعلهم قولهم، واستدل كل فريق بأدلة تتمثل فيما يأتي: (3)
الفريق الأول: استدل على تشريك المنافقين بقوله تعالى: ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (4) قالوا: فلما أخبر عن الوعد باللسان، وعقب النفاق
1 - أبو عمار عبد الكافي شرح الجهالات: 113، 124. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان: ج 47/ 2. السوفي: السؤالات: 325. تبغورين أصول الدين تحقيق عمرو خليفة النامي: 381 (ملحق برسالة
الأستاذ الشيهاني حمو حاشية المصعبي على رسالة أصول الدين لتبغورين).
2 الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 370/ 1 - 371
3 - المصدر نفسه.
4 - سورة التوبة، الآية: 75 - 77.
273 (1/273)
صفحة 274
في القلب علمنا أنما سلبهم الإيمان الذي يكون في القلب عقوبة لهم، ولن يستقيم
الإيمان والنفاق في قلب واحد.
الفريق الثاني: أثبت النفاق في الأفعال لمخالفتها الأقوال، واستدل بظاهر قوله
تعالى: فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا المخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرات)
فأخبر الله أنهم ليسوا بمشركين، ولا بمومنين لكنهم منافقون وأخبر أنهم وأركسهم بما كسبوان ردًا على من سماهم مؤمنين، وسماهم تعالى "منافقين" ردًا على من سماهم مشركين. ثم قال: فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرات فصح أنهم قبل التولي لم يصدر منهم فعل يكونون به منافقين إلا ترك الهجرة، فإن وقع التولي وهو الارتداد كان لهم حكم آخر وهو القتل.
مناقشة وترجيح
(2)
يرى الجيطالي أن الفريق الأول الذين قضوا بأن النفاق في الضمير تعسفوا لأنهم لا يصلون إلى الاعتقادات إلا بنصوص الشارع، كما أنهم أبعدوا عن أنفسهم أسباب الشر لأنهم هونوا قاعدة الخوف، وسهلوا الطريق إلى الجنة، واعتبر عدم
(3)
جعلهم الكبيرة كفرا ونفاقا جنوحا إلى الراحة. وأما الفريق الثاني الذين أثبتوا النفاق في الأفعال فهم في نظر الجيطالي أقرب
إلى الحجة لأنهم عظموا أسباب المخاوف، ورأيهم أحزم وأصح.))
(4)
1 - سورة النساء، الآيتان: 88 - 89.
2 الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 370/ 1.
3 - المصدر نفسه: القسم 371/ 1، 373.
4 - المصدر نفسه: القسم 371/ 1.
-274 - (1/274)
صفحة 275
ويسوق جملة من النصوص ليستدل بها على أن المنافقين الذين كانوا على عهد
رسول الله ليسوا بمشركين بل أنهم كانوا أهل كبائر مصرين عليها من بينها: (1) - قوله تعالى: ويحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في
قلوبهم (2) ولو كانوا غير عارفين بالوحي لما حذروا نزوله.
قوله تعالى: ولا تصلّ على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره (3) نزلت حين هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على عبد الله بن سلول (4) رأس المنافقين ولو كانوا مشركين لعرفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يسوغ على رسول الله أن يجهل الشرك؟ لأن من لم يعرف الشرك فهو مشرك.
- قال تعالى في المنافقين ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة
لأتوهام (5) الفتنة يعني الشرك)، فكيف يدعون إلى الشرك وهم فيه. قال تعالى: ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم (6) لكن لو تأملنا هذه الآيات لوجدناها أنها لا تدل صراحة على كفر الأفعال، وإنما جاءت الكشف للرسول والمؤمنين التواءات المنافقين، وما في قلوبهم من شرك باطن خفي، وتهتك أستارهم حتى يعرفهم الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، ويكونوا منهم على حذر وهم العدو فاحذرهم (7) وهناك آيات قرآنية (8) أخرى تفضح اعتقادات المنافقين الفاسدة ونواياهم الخبيثة لم يوردها الجيطالي.
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 80/ 2 ظ.
2 - سورة التوبة، الآية: 64.
-3 - سورة التوبة، الآية: 84.
-4 - عبد الله بن أبي بن مالك أبو الحباب المشهور بابن سلول ت (9 هـ / 630 م من خزاعة رأس المنافقين في
الإسلام من أهل المدينة. ر. الزركلي: الأعلام: ج 65/ 4.
- سورة الأحزاب، الآية: 14.
6 - سورة التوبة، الآية: 101.
-7 - سورة المنافقون، الآية: 4.
8 - سورة المنافقون الايات: 1 - سورة التوبة، الآيات: 75 - 78.
275 (1/275)
صفحة 276
ويذهب أبو يعقوب الوارجلاني إلى اعتبار المنافقين في عهد الرسول الله مشركين فيقول: "والأصل" من كان على عهد رسول الله له من المنافقين قلما يسلمون من الشرك من مخالفتهم الرسول، ومناقضته، وكراهته بما جاء به، ومحبتهم أن تكون الدائرة بينه وبين عدوه عليه، ويظهر سلطان المشركين عليه، وإرادتهم انفضاض، جمعه ووسيلتهم إلى المشركين وإلى اليهود بإظهار بعضه وما جاء به، واستثقالهم بجميع أموره وقلما يسلم من كان هكذا من الشرك، وإظهار ما وصفهم الله تعالى به في القرآن بالشرك بالله قال الله عز وجل: وإذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين كاذبون (1) من هذا الذي يشهد بأنهم يشهدون بعد شهادة الله عز وجل أنهم كانوا كاذبين، وليس بعد شهادة الله شهادة"
وينتهي
(2)
أبو يعقوب الوارجلاني بعد تحليله لآيات النفاق إلى ما ذهب إليه بعض الإباضية أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله المشركين، والنفاق بعد رسول الله الله في فعل الكبير (3)، يقول: "ومن ادعى معرفة الضمائر والاعتقاد، وعلم ما في الفؤاد من غير تعريف الله عز وجل، فقد جاوز علمه ومعرفته علم العباد، وإن ادعى الاستدلال بالأحكام وعلى أنهم أبرياء من الشرك والارتداد وحسن سلامة الاعتقاد فهو أقرب إلى الخطا والفساد فلو قاس البواطن على الظواهر لكان أعذر من أن يقيس الظواهر على البواطن، ظواهرهم خبيثة وبواطنهم أخبث (4)
بيد أننا نجد الجيطالي في شرح النونية (5) يتقيد برأي جمهور الإباضية أن
-1 سورة المنافقون الآية 1.
-2 أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان: ج 50/ 2.
3 - المصدر نفسه: ج 47/ 2.
-4 - أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان: ج 53/ 2. الجيطالي: شرح النونية: ج 80/ 2 ظ.
-276 - (1/276)
صفحة 277
النفاق في الأفعال دون الاعتقادات سواء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعده (1). ثم نراه
في القناطر يتخذ موقفا توفيقيا بين الفريقين إذ يرى جواز إطلاق النفاق على نفاق الأفعال ونفاق الاعتقاد، يقول عقب مناقشته لهذه المسألة: "ولا يستحيل تصرفه (أي النفاق على الوجهين جميعا (اعتقادا وأفعالا) (2) وهو عين ما ذهب إليه الوار جلاني (3) وأبو حامد الغزالي الذي اضطر -حسب تعبير الجيطالي إلى جعل
النفاق نفاقين: أحدهما يخرج من الدين ويلحق بالكافرين ويسلك في زمرة المخلدين في النار.
والثاني: يفضي بصاحبه إلى النار مدة أو ينقص من درجات عليين (4). وأما دلالة النفاق في السنة فيرى الجيطالي أنّ الأحاديث النبوية قد استفاضت في ذكر النفاق في الأقوال والأفعال منها: قوله: " أربع من كن فيه فهو منافق حقا وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم:
(5)
(6) 11
من إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر قوله: "أكثر مناففي هذه الأمة قراؤها (7). كما استدلّ بجملة من أقوال الصحابة والتابعين على وجود النفاق في كلّ زمان دون أن يختص وجوده في عصر النبوة منها: (8)
1 - أبو عمار عبد الكافي: شرح الجهالات: 113 - 114. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان: ج 47/ 2. 2 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 371/ 1.
-3 أبو يعقوب الوارجلاني: العدل والإنصاف: ج 104/ 2.
4 - أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين: ج 165/ 1. الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 373/ 1. -5 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي القسم 371/ 1 وما بعدها.
6 - أخرجه أبو داود كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه: ج 221/ 4، رقم: 4688. (مع
اختلاف في اللفظ).
7 - أخرجه أحمد: كتاب أول مسند عبد الله بن عمرو بن العاص: ج 367/ 2، رقم: 6596. (مع اختلاف في اللفظ). 8 - الجيطالي: شرح النونية: ج 80/ 2 ظ. قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 372/ 1.
-277 - (1/277)
صفحة 278
- قيل لحذيفة ما النفاق يا أبا عبد الله؟ قال: أن تتكلم بالإسلام ولا تعمل به. قال حذيفة: "كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله الله
يصير بما منافقا وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات"
- وقيل له: المنافقون اليوم أكثر أم إذ كان عهد رسول الله؟ فقال: المنافقون اليوم أكثر منهم على عهد النبي الله فكانوا آنذاك يخفونه وهم اليوم
يظهرونه."
- قال ابن مليكة: أدركت ثلاثين ومائة وفي رواية خمسين ومائة من
أصحاب النبي عليه السلام وكلهم يخافون "النفاق"
- عن الحسن قال الحدود في المنافقين.
- قيل لجابر بن زيد أتخاف النفاق؟ قال: وكيف لا أخافه وقد خافه عمر رضي الله عنه.
وخلاصة مذهب الجيطالي في النفاق نوجزها فيما يأتي:
- النفاق قسم من أقسام الكفر، فكل منافق كافر، وليس كل كافر منافقا لأن الكفر شرك ونفاق.
- كفر النفاق هو أن يقر بالتوحيد بقلبه ولسانه ويخالف ما أقر به بتضييع الفرائض. النفاق في الأفعال وهو الراجح عنده مع جواز تصرفه على نفاق الاعتقاد الذي هو إضمار الشرك وإظهار التوحيد.
- المنافقون في القرآن ليسوا مؤمنين ولا مشركين تقيدا بأسامي الشرع.
- النفاق يوجد في كل زمان دون اختصاصه بعصر النبوة.
خلال هذا التحليل الموسع لموضوع النفاق نصل إلى ثلاث نتائج هي:
-278 - (1/278)
صفحة 279
أولا الذين منعوا النفاق في الأفعال أخطأوا لأنهم لم يأخذوا بالنصوص التي
-
تثبث النفاق في الأقوال والأفعال ولا سيما الحديثية منها.
ثانيا الذين منعوا النفاق في الاعتقاد أخطأوا لأنهم لم يتأملوا الآيات القرآنية التي تكشف ما يضمره المنافقون من عقائد فاسدة وتشهد بشركهم المستخفى به. ثالثا- الذين ذهبوا إلى أن النفاق يتصرف على وجهين: نفاق اعتقاد ونفاق أفعال أصابوا في الجمع بين النصوص، ووافقوا الحق إن شاء الله مع التقيد بأن معرفة ما في الضمائر من اعتقادات لا يكون إلا بنص من الشارع، وإن لم يكن فما علينا إلا بالحكم على الظاهر، والله يتولى السرائر.
بعد أن بينا تعريف الجيطالي لأبرز الأسماء الدينية: الإسلام، الإيمان، الكفر، الشرك، النفاق بقي لنا أن نستخلص رأيه في مسألة فاعل الكبيرة: ما تسميته؟ وما حكمه؟ ولقد كانت هذه المسألة مثار جدل كلامي قديم، حام حوله العلماء،
وتباينت آراؤهم فيها.
3 فاعل الكبيرة تسميته وحكمه
-
أ- تسميته
تبنى الجيطالي في هذه المسألة موقف الإباضية الذي قرروه في بدء نشأتهم التاريخية كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ومفاده كما يعرضه الجيطالي أن فاعل الكبيرة منافق كافر كفر نعمة لا كفر شرك (1)، فهو بريء من الشرك والإيمان، موسوم بالكفر والنفاق كما قال تعالى: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) أي لا إلى المسلمين في الاسم والثواب ولا إلى المشركين في الحكم
(2)
1 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 364/ 1 - 365. شرح النونية: ج 59/ 2 و.
2 سورة النساء: الآية: 143.
-279 - (1/279)
صفحة 280
الكذب
والسيرة، وقال الله تعالى في موضع آخر: وما هم منكم ولا منهم ويحلفون على وهم يعلمون (1) نفاهم من المؤمنين أن يكونوا معهم في التسمية والإيمان والمودة في الدين، ونفاهم من المشركين أن يكونوا معهم في التسمية بالشرك
وأحكامه. (2)
واستدل الجيطالي على إثبات كفر صاحب الكبيرة بأدلة من القرآن والسنة
وهي فيما يأتي: (3)
من القرآن:
قوله تعالى حكاية عن نبيه سليمان عليه السلام: ليبلوني اشكر أم أكفر (4) قوله تعالى في الحج ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (5) يعني ومن
ترك الحج رغبة عنه.
من السنة:
قوله: "ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة (6)
قوله للسائل عن الحج: "لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لم تفعلوا ولو لم
تفعلوا الكفرتم " (7)
وقوله: "من أتى إمرأة في دبرها أو حائضا فقد كفر
1 - سورة المجادلة: الآية: 14.
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 60/ 2 و.
3 - المصدر نفسه.
-4 سورة النمل: الآية: 40
5 - سورة آل عمران الآية: 97.
(8) 11
6 - أخرجه النسائي: كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة: ج 232/ 1، رقم: 464. 7 - أخرجه مسلم كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر: ج 975/ 2، رقم: 1337. 8 - أخرجه الترمذي: كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض: ج 242/ 1، رقم: 135.
-280 - (1/280)
صفحة 281
وقوله الله في نفى الإيمان عن الزاني والسارق: "لا يزني الزاني حين يزني
وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن
(1)
(2) 11
وقوله: ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وقد استعرض الجيطالي آراء المذاهب الأخرى في تعاملها مع هذه النصوص فذهبت المرجئة إلى أن هذه الأحاديث تحمل على التغليظ والترهيب (3)، وانتقد الجيطالي ذلك لكون مذهبهم يؤول إلى إبطال العقاب كله لأنه إذا أمكن في واحدة أمكن في جميع العقوبات (4).
وأما الأشعرية فحملتها على النهي بالتشبه بأفعال الكفار وأخلاقهم (5) ويرى الجيطالي أن هذا ذهاب عن الظاهر بغير دليل ولا برهان ألا ترى إلى قوله: "إذا قال الرجل لصاحبه يا كافر فقد باء أحدهما بالكفر أي استوجب وقال تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (7) و ... هم الظالمون) و ... هم الفاسقون (9) و لم يقل أولئك المتشبهون بهؤلاء وكذلك قوله: "ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" وقوله: "من ترك الصلاة فقد كفر ولم يقل لا تتشبهوا بأفعال الكفار، وكذلك سائر
(8)
(10)
1 - أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب النهي بغير إذن صاحبه: ج 875/ 2، رقم: 2343. 2 - أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء: ج 56/ 1، رقم: 121. 3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 60/ 2 و.
4 - المصدر نفسه.
5 - المصدر نفسه.
-6 - أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب من أكفر أخاد بغير تأويل: ج 2263/ 5، رقم: 5752
7 - سورة المائدة: الآية: 44.
8 - سورة المائدة: الآية: 45.
9 - سورة المائدة: الآية: 47.
10 - أخرجه النسائي: كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة: ج 232/ 1، رقم: 464. (مع
اختلاف في اللفظ)
281 (1/281)
صفحة 282
الأحاديث على هذا الحال (1).
وأما الصفرية والخوارج فقد حملتها على الكفر والشرك (2) وردّ عليهم الجيطالي بأنّ الله تعالى حكم في أهل الكبائر بغير ذلك، وكذب مقالتهم وذلك أنه حكم على السارق بقطع يده وعلى الزاني والقاذف بالجلد وفي أمثاله من أحكام الله تعالى، فلو كانت ذنوب هؤلاء شركا حكم عليهم بالقتل كما قال رسول الله: «من بدل دينه فاقتلوه» (3) وأماً احتجاجهم بقوله تعالى: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (4) بين الجيطالي معناه أي إن أطعتموهم في استحلال الميتة لا في أكلها لأنّ من استحل الميتة مكذب الله، رادّ عليه وذلك أن المشركين قالوا للمؤمنين: لم تأكلون ما قتلتم يعنون ما ذبحتم و لم تأكلوا ما قتل الله لكم (يعنون الميتة)؟. فأنزل الله هذه الآية (5). وقد اتخذ الجيطالي من مدلول الشرك دليلا للرد عليهم صاغه بالشكل الآتي: "ويقال" لهم أخبرونا عن الشرك في اللغة ما هو؟ فإن قالوا هو المساواة بالله غيره، فقد أبطلوا أن يكون ترك الفرائض، وارتكاب الكبائر شركا لأن أهلها لم يساووا بالله أحدا من خلقه، وإنما أتوا ما أتوا شهوة ولذة وهم
(6) 11
مقرون بتحريمه هكذا نجد الجيطالي قد دافع عن رأيه ليؤكد أن فاعل الكبيرة كافر كفر نعمة كما أنه اعتبر كل خصلة كل خصلة من خصال الكفر أنها كفر، وفسق، وضلال، وجور، ومنكر، وظلم، ويقال لفاعلها كافر، وفاسق وظالم وجائر، وعاص، وضال، إذ الكفر يستحق بخصلة واحدة والإيمان لا يُستحق إلا بجميعه لأنه خلاف الكفر
-1 الجيطالي: شرح النونية: ج 60/ 2 ظ. 2 - المصدر نفسه: ج 61/ 2 ظ.
-3 أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير باب: لا يعذب بعذاب الله: ج 1098/ 3، رقم: 2854.
4 - سورة الأنعام: الآية: 121.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 61/ 2 ظ. 6 الجيطالي: شرح النونية: ج 61/ 2 ظ.
-282 - (1/282)
صفحة 283
وضده، فما جاز في شيء جاز في ضدّه خلافه (1). وإن موقف الجيطالي في هذه المسألة ليتوافق مع تعريفه للإيمان بأنه قول وعمل والذي من مقتضياته إتيان الفرائض واجتناب الكبائر، وفاعل الكبيرة مضيّع للعمل، وبالتالي يفقد إيمانه
ويسلب عنه.
ب- حكم فاعل الكبيرة
إن فاعل الكبيرة لدى الجيطالي وعامة الإباضية مقرّ بالتوحيد مضيّع للعمل، وإذا كانت الأحكام تابعة للأسماء، فإن لفاعل الكبيرة حكمين: حكما دنيويا تنطبق عليه أحكام الموحدين حيث يحرم دمه، فلا يقتل بغير حق، ويحرم ماله فلا يغنم ولا يسلب، ولا تسبى ذريته ونسوته، وتجرى عليه سائر المناكحة والموارثة والمدافنة وغير ذلك من أحكامهم، مع تحريم عدالته،
الحقوق من
وإبطال ولايته أي يتبرأ منه وإقامة الحدّ عليه (2). وأكد الجيطالي أن فاعل الكبيرة في الدنيا موحد بظاهر حاله لأن قلبه لا يُطلع عليه وعلينا أن نظن أنه ما قاله بلسانه إلا وهو مصدق به في قلبه. (3) - حكما أخرويا: إن فاعل الكبيرة إذا مات مصرًا على كبيرته و لم يتب منها مخلد في النار، وهذا ما ذهبت إليه الإباضية والمعتزلة والزيدية)، وقالت المرجئة هو مؤمن لا يعرض على النار (3)، وقالت الأشعرية والسلفية هو مؤمن عاص في مشيئة الله إن شاء عذبه، وإن شاء رح
فهو
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 77/ 2 و.
2 المصدر نفسه: ج 60/ 2 و 77 و.
(6)
3 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 366/ 1.
-4 - المصدر نفسه القسم 365/ 1. الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 149/ 1.
5 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 229/ 1 - 230. 6 - الجيطالي: القناطر، تحقيق النامي: القسم 364/ 1. البغدادي: أصول الدين: 242. ابن أبي العز: شرح
العقيدة الطحاوية: 369 - 370
-283 - (1/283)
صفحة 284
هذا مجمل ما ذهب إليه الجيطالي في مسألة فاعل الكبيرة، فما هو موقفه من
راء المذاهب الأخرى؟
ج- مناقشة الجيطالي آراء المذاهب في فاعل الكبيرة
يرى المستشرق نيبرج أن "حالة المجرمين بين الأمة مسألة حيوية اجتماعية وشخصية لم يزل بحر المناظرات والمجادلات فيها زاخرا في ذلك الزمان لأسباب شتى والخلاف مشهورا (1).
لذا فإن اهتمام الفرق الإسلامية منذ نشأتها بمسألة فاعل الكبيرة هو اهتمام بالواقع الاجتماعي ومحاولة إصلاحه، وإن اختلفت دوافعها وطرائقها في ذلك. ولقد استعرض الجيطالي آراء المذاهب في تسمية فاعل الكبيرة وحكمه، وعقب عليها بالنقد (2). فأما المعتزلة فيذكر الجيطالي أنها وافقت الإباضية في جميع ما ذهبوا إليه في مرتكب الكبيرة من إثبات الوعيد، والتخليد في النار، وجميع أسماء الضلال، ونفي التسمية بالإيمان، وخالفوهم في عبارة التسمية بالكفر دون معانيه، وسموا مرتكب الكبيرة فاسقا في منزلة بين المنزلتين لا مؤمنا ولا كافرا (3). ويستدل القاضي عبد الجبار على ذلك في قوله: "فاعلم أن المكلف لا يخلو حاله أمرين: فإما أن يكون مستحقا للثواب، أو يكون مستحقا للعقاب، فإن كان مستحقا للثواب فهو من أولياء الله، وإن كان مستحقا للعقاب فهو من أعداء الله تعالى، ثم إنه إن كان مستحقا للثواب فلا يخلو إما أن يستحق الثواب العظيم، أو يستحق ثوابا دون ذلك، فإن استحق الثواب العظيم فلا يخلو: إما أن يكون من بني
1 - أبو الحسين الخياط: الانتصار تحقيق د، نيبرج دار، قابس، بيروت، 1986: 53 - 54. 2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 60/ 2 ظ القناطر، تحقيق النامي: القسم 365/ 1 - 366. 3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 59/ 2 ظ.
من
أحد
-284 - (1/284)
صفحة 285
آدم أو لا يكون، فإن لم يكن من بني آدم، فإنّه يسمى ملكا مقربا وما يجري هذا المجرى، وإن كان من بني، آدم سمي نبيا ومصطفى مختارا إلى غير ذلك، وإذا استحق ثوابا دون ذلك فإنّه يسمى مؤمنا برا تقيا صالحا سواء كان من الجن أو من الإنس، وإن كان أعداء الله تعالى فلا يخلو إمّا أن يكون مستحقا للعقاب من العظيم، أو لعقاب دون ذلك، فإن كان مستحقا للعقاب العظيم، فإنه يسمى كافرا، والكفر أنواع ... وإن استحق عقابا دون ذلك سمي فاسقا". (1)
ويردّ الجيطالي على المعتزلة متمسكا بالدليل النقلي كقوله تعالى: وإن المنافقين هم الفاسقون (2) وقوله تعالى: {وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (3) وقوله تعالى: فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) ولا يسوغ لأحد أن يجعل قوم نوح وإبليس فساقا ليسوا بكفار. وفي قوله تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين (5) وقوله تعالى: ومن كان عدوا الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائل فإن الله عدو للكافرين (6) فلما كان صاحب الكبيرة عدوا الله علمنا أنه كافر. (7)
وأما الأشعرية فذهبت إلى تسمية صاحب الكبيرة باسم الإيمان واستدلوا بقوله
تعالى: {والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا
1 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 338/ 2.
2 - سورة التوبة: الآية: 67.
-3 سورة الذاريات: الآية: 46.
4 - سورة الكهف: الآية: 50.
-5 سورة آل عمران الآية: 131
6 - سورة البقرة: الآية: 98.
7 الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 365/ 1 - 366
8 - سورة الأنعام: الآية: 82.
285 (1/285)
صفحة 286
كتب عليكم القصاص في القتلى (1) فسمى قاتل النفس عمدا عدوانا بالمؤمن، وقال تعالى: وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما
على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله (2) وسمى الباغي مؤمنا. (3) ويرد الجيطالي على ذلك مبينا أن لفظ المؤمن في القرآن والسنة على وجهين مؤمن مقر، ومؤمن موف (4)، وفسّر الآية: وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا ... أي من المقرين لأنه لم يقل الذين هم المومنون نظيره قوله تعالى: من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه (5) فمن صدق بما عاهد الله عليه فهو مؤمن صادق بالإقرار والفعل جميعا، وإلا فهو مقرّ كاذب ولكن قد يتبادر إلى الذهن إشكال هو: أنّ لفظ المؤمن إذا كان له وجهان
(6)
أحدهما بمعنى المقر فلم لا يسمّى صاحب الكبيرة مؤمنا أي مقرا؟
أجاب الجيطالي عن هذا الإشكال مبينا هذا الإشكال مبينا أن "التسمية بالإيمان متعلقة باستكماله فلما وجدنا الله سمى الوليد بن عقبة (7) فاسقا وإن كان مقرا وقال: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (8) قلنا لا يخلو صاحب الكبيرة
1 - سورة البقرة: الآية: 178.
2 - سورة الحجرات: الآية: 09. 3 الرازي: معالم أصول الدين: 127 4 - انظر: 198 من هذا البحث.
5 - سورة الأحزاب: الآية: 23. 6 الجيطالي: شرح النونية: ج 60/ 2 ظ.
7 - الوليد بن عقبة بن أبي معيط أبو وهب الأموي القريشي (ت 61 هـ /680 م) أسلم يوم فتح مكة. ر.
الزركلي: الأعلام: ج 122/ 8.
- سورة السجدة: الآية 18 وسبب نزولها عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه -: - أنا أحَدٌ منك سنانا، وأبسط منك لسانا، واملأ للكتيبة منك، فقال له علي: اسكت فإنما أنت فاسق، فتزل أفمن كان مومنا كمن كان فاسقا لا يستوون قال يعني بالمؤمن عليا
وبالفاسق الوليد بن عقبة. ر. أبو الحسن النسابوري: أسباب الترول، دار المعرفة، لبنان (د. ت): 263.
286 (1/286)
صفحة 287
أن يسمّى مؤمنا بما معه من الإيمان، أو فاسقا بما معه من الكفر والفسق، أو يسمى بهما جميعا، فبطلت التسمية بما جميعا لما في ذلك من اجتماع الأضداد فيكون مؤمنا متوليا من أهل المودة والعدالة والثواب، ثم هو كافر فاسق من أهل العداوة والبغضاء واللعنة، ووجوب العقاب فلما استحال هذا أن يوصف به في حالة واحدة، بطل أيضا أن يسمى مؤمنا من أجل ما معه من الفعل الذي يستحق به العداوة واللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة لأن الله تعالى قال: وبشر المؤمنين بأنّ لهم من الله فضلا كبيرا (1) فليس هذا منهم حتى يستحق اسمهم فلما بطل هذان الوجهان لم يبق إلا أن كافرا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن فنفى عنه أن فقال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان في قلبه ألا لا تؤذوا المؤمنين ولا تتبعوا عوراتهم ومن يتبع عورة أخيه المسلم تبع الله عورته ومن يتبع ولم يقل يا أيها المؤمنون. ولا يجوز لأحد أن مؤمنا من يسمي فاسقا ونفى عنه رسول الله الإيمان ألا ترون إلى من أتى بالتوحيد بجميعه إلا أنه أنكر خصلة واحدة منه فلا يسمى مؤمنا ولا موحدا عند الجميع حتى يستكمله، وكذلك الإيمان عندنا. " (4)
فضحه (3)
(2) 11
يسمى
يسمى مؤمنا في تلك الحالة وخاطب المنافقين
الله عورته
أسماه الله
ويمكن لنا توضيح صورة هذا الجواب ومناقشتها من خلال المسالك الآتية:
1 - مسلك نقلي
حيث تقيّد الجيطالي بتسمية القرآن الوليد بن عقبة فاسقا رغم إقراره بالإيمان، وينفي الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني وشارب الخمر والسارق وهم
1 - سورة الأحزاب: الآية: 47. 2 - سبق تخريجه.
3 - أخرجه أبو داود في السنن كتاب الأدب، باب في الغيبة: ج 270/ 4، رقم: 4880.
-4 الجيطالي: شرح النونية، ج 61/ 2 و.
-287 -
19 (1/287)
صفحة 288
مقرون بالتوحيد. فنجد الجيطالي في هذا الموقف يضيّق من معنى الإيمان فلا يسمى به إلا من أتى به كاملا تقييدا بتسمية القرآن والسنة، ونراه في موقف آخر (1) يوسع من مدلوله فيذهب إلى أن المؤمن في القرآن والسنة على وجهين مؤمن موف
ومؤمن مقرّ أي موحد سواء كان بارا أو فاجرا كما في قوله تعالى: ومن يقتل
(2)
مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم فرأيه في تسمية المؤمن متردد بين التضييق تارة والتوسيع تارة أخرى، ويبدو أن التوسيع في معنى المؤمن هو الذي يمكننا من التوفيق بين النصوص وإزالة ما قد يُتوهّم فيها من تعارض وقد اختار الشيخ اطفيش مذهب التوسيع حيث يرى جواز تسمية المنافق مؤمنا بمعنى موحدا. (3) ويوافقه السالمي على ذلك في قوله: "ونعني بمنع تسميته (أي المنافق) مسلما مؤمنا أو مسلما فقط التسمية التي ينبني عليها حكم المؤمنين من الولاية، وأتباعها أما إطلاق التسمية من ترتب حكمها عليها فجائز لأنا نقول في حق المخل بالفرائض العمليات هذا مسلم، ولا نريد أنه ولي، لكن أطلقنا عليه اسم مسلم إما باعتبار المعنى اللغوي وهو الانقياد فإنه وإن كان غير منقاد في الكلّ فهو منقاد في البعض، وإما أن يكون استعمالا عرفيا عاما حيث أطلقناه في مقابلة المشرك.
(4) 11
غير
2 - مسلك عقلي
يتلخص في طريقين:
أ- السبر والتقسيم حيث سلك الجيطالي طريقة السبر والتقسيم في تسمية صاحب الكبيرة الذي لا يخلو أن يسمى بأحد ثلاثة أسماء إما: مؤمنا، أو فاسقا، أو مؤمنا فاسقا، فأبطل تسميته مؤمنا لعدم استحقاقه الثواب، وأبطل تسميته مؤمنا
1 - انظر: 248 من البحث.
-2 سورة النساء: الآية: 93
3 - مصطفى ونتن آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: 316.
4 - السالمي: مشارق أنوار العقول: 330.
-288 - (1/288)
صفحة 289
فاسقا لاجتماع الأضداد، وأثبت تسميته فاسقا. ويستقيم هذا المسلك حالة اعتبار
المؤمن هو الموفي بجميع الطاعات دون المعنى الثاني الذي هو بمعنى المقر.
ب القياس: قاس الجيطالي التسمية بالإيمان على التسمية بالتوحيد فإذا كان المرء لا يسمى موحدا إلا إذا استكمل جميع خصال التوحيد دون إنكار إحداها فكذلك الإيمان. ولكن ما يعكر هذا القياس هو ذهاب الجيطالي إلى: "أن خصال التوحيد محدودة، لا يزداد ولا ينتقص وأما الإيمان فهو يزداد "وينتقص (1) فهل يصح قياس الإيمان الذي يقبل الزيادة والنقصان في خصاله بالتوحيد الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان لكون خصاله محدودة؟
هذا ما جعل موقف الجيطالي تعتريه مسحة من غموض ولبس عند
بين جوانب المسألة.
الجمع
3 - مسلك لغوي
فرق الجيطالي بين اللفظتين: "آمن" و"مؤمن" فالمؤمن لا يجوز أن يسمى به إلا الموفي بالدين قولا وعملا، واعتقادا، وأما المنافق المضيع يقال له: آمن ولا يقال له مؤمن (2)، تقيّدا بالنصوص، واعتمادا على أن في لغة العرب من لا يفعل الشيء إلا نادرا لا يسمى به كرجل يبني بيتا واحدا في عمره، أو يصوغ خاتما، أو يخيط ثوبا، أو ما أشبه ذلك، فلا يسمى بانيا، ولا صائغا، ولا خائطا، لقلة استمراره على ذلك الفعل، إنما الاسم للغالب من أفعاله وإنّما يقال لهذا قد بنى، وصاغ، وخاط، في أمثالها كما يقال لمن أقر بالله وارتكب ما نهى عنه، آمن، وأصلح، في أمثالها، ولا يقال له "مؤمن ولا بار، ولا صالح لأنّ هذه أسماء البدن، وآمن وفي أمثاله اسم
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 50/ 1 و.
2 - الخيطالي قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 339/ 1.
-289 - (1/289)
صفحة 290
فعل كما قال تعالى: وإن الذين آمنوا ثم كفروا (1) و لم يقل إن الذين هم المؤمنون والكافرون وقد تبع الجيطالي في هذا المسلك اللغوي أبا عمار عبد الكافي (3) إلا أن
(2) 11
أبا عمار أورد أدلّة نقلية أخرى لتدعيم هذا المسلك كقوله تعالى: إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا (4) وقال تعالى: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض (5) يقول أبو عمار: "فدل على أن كان معه بعض الإيمان وبعض الكفر أنه الكافر حقا وعلى هذا جاءت التسمية من بأسماء الدين وأحكامه (6)
هكذا يتفق الجيطالي مع أبي عمار على أن الاسم في اللغة يطلق للغالب من الأفعال فالذي يستمر على أفعال الإيمان، ويواظب عليها فهو المؤمن، وإذا لم يستمر فلا يستحق اسم المؤمن وإنما يقال له: "آمن" وهو رأي عبّاد من المعتزلة)، وذهـ آخرون إلى أن الاسم في اللغة مشتق من فعله ولو فعله مرّة يسمّى به وهو رأي المرجئة (8)،، وقد اختاره الشيخ اطفيش. (9) ويذهب الجبائي إلى أنه يقال: "آمن" من
(10) أوصاف اللغة ويقال: "مؤمن" من أسماء اللغة.
ولو رجعنا إلى كتب اللغة لوجدنا أن اسم الفاعل هو: اسم مشتق من
1 - سورة النساء: الآية: 137.
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 60/ 2 ظ.
3 أبو عمار عبد الكافي: الموجز، تحقيق عمار طالبي: ج 102/ 2.
4 - سورة النساء: الآية: 150 - 151.
- سورة البقرة: الآية 85
-6 أبو عمار عبد الكافي: الموجز، تحقيق عمار طالبي ج 102/ 2. 7 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 335/ 1.
الجيطالي: شرح النونية: ج 60/ 2 ظ.
9 - مصطفى ونعن آراء الشيخ اطفيش العقدية: 316. 10 الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 335/ 1.
290 (1/290)
صفحة 291
مصدر الفعل المبني للمعلوم للدلالة على من وقع منه الفعل أو قام به على قصد التجدّد والحدوث، وقد يقصد باسم الفاعل الثبوت فيعطى له حكم الصفة المشبهة
في العمل من غير تغيير في الصيغة (1). فاللغة إذن تجيز الوجهين.
من
خلال هذه المناقشة يتجلى لنا أن التقيد بالدليل النقلي في الأسماء هو المسلك الأقوى والأسلم، وأما المسلكان العقلي واللغوي فيوردان للاستئناس، ولا يعوّل عليهما نظرا للأوجه المحتملة في أدلتهما.
1 - أحمد الهاشمي: القواعد الأساسية للغة العربية، دار الكتب العلمية، بيروت (د. ت): 310، 315.
عمر توفيق سفر آغا قواعد اللغة العربية، دار الكتاب المغرب، ط:1، 1966: 131 - 132.
- 291 - (1/291)
صفحة 292
تمهيد
الفصل السادس
القضاء والقدر
المبحث الأول: الإيمان بالقضاء والقدر
المبحث الثاني: القدر وأفعال الإنسان.
المبحث الثالث: البعد الأخلاقي للقضاء والقدر. (1/292)
صفحة 293
تمهيد
إن مسألة "القضاء والقدر" أصل من أصول العقيدة الإسلامية، تندرج ضمن قضايا الغيب التي يسلّم بها المؤمن، وهي مسألة إلهية لتعلقها بجملة الصفات من الإلهية: كالعلم بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)، والإرادة وفعّال لما يريد (2)، والقدرة قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (3)، والعدل
(4) ,
ولا يظلم ربّك أحدا، والوحدانية لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتان (5)
،
كما أن للمسألة ارتباطا وثيقا بالإنسان، وانعكاسا على سلوكه ومصيره. وتحت تأثير الأوضاع السياسية والاجتماعية في العصر الأموي (6) اضطربت عقول الناس في فهم هذا الأصل العقدي فمن قائل بالجبر الخالص، ومن قائل بحرية الإنسان واختياره، وبين هذا وذاك داع إلى التوسط فمن أحسن الفهم من هؤلاء اندفع نحو العمل والكدح، واستنفد ما في وسعه راجيا الله العون، ومن أساء الفهم أخلد إلى الراحة، وركن إلى الاستسلام، معتذرا بالأقدار.
ترى كيف فهم الجيطالي القضاء والقدر؟ وما رأيه في حرية الإرادة؟ وما دعاة الجبر، ودعاة الاختيار؟ وهل يرى بين القدر والطلب تعارضا؟ أو
موقفه من
بين التوكل والكسب تضادا؟
1 - سورة البروج، الآية: 21 - 22.
2 - سورة هود، الآية: 107.
3 - سورة الرعد الآية: 16.
-4 - سورة الكهف، الآية: 49.
5 - سورة الأنبياء، الآية: 22.
6 - يقول د/ عبد الحليم محمود: "رأى إذن بنو أمية أن القول بالجبر يبرر كلّ ما يأترن من مظالم، وعملوا على أن يفسر الناس كل ظلم بقضاء الله وقدره، فكان من الطبيعي أن يكون لذلك ردّ فعل في البيئة الإسلامية، وأن يوجد من ذوي الضمائر من يعلن أن فكرة الجبر خطأ، وأن الإنسان حر مختار فيما يأتي وفيما يدع." ر. د/ عبد الحليم محمود التفكير الفلسفي في الإسلام: 203 - 204.
-293 - (1/293)
صفحة 294
إن بداية البحث في موضوع القدر
إلى عهود قديمة جدا إذ يذكر يرجع الأستاذ العقاد (ت 1383 هـ / 1964 م) (1) أن "الإيمان بالقدر ملازم للمعبود منذ
(2) 11
أقدم العصور" وقد لخص لنا في تسلسل تاريخي آراء الفلاسفة قديما وحديثا في
مسألة القدر، ثم رأي مذاهب الأديان، ثم انتقل إلى عرض مذاهب العلماء الذين تناولوا المسألة من جانب العلوم الطبيعية (3).
ومن
خلال عرض العقاد يتجلى لنا أن المسألة قد شغلت الفكر الإنساني بمختلف ألوانه وعهوده، ولا يزال البحث فيها مستمرا من قبل الفلاسفة والمفكرين والعلماء، ولا يمكن أن نفسر هذا الاهتمام الكبير بكل سهولة بالترف العقلي كما زعم البعض، بل مبعثه هو كون الموضوع مرتبطا بواقع الانسان، ومستقبله، ومصيره، وعلاقاته بالكون المحيط به، وبالقوانين الكونية، والسنن الإلهية التي تخضع لها الطبيعة والأنفس والمجتمعات.
وسنركز الحديث في هذا الفصل عن رأي الجيطالي والإباضية عامة في هذه المسألة.
1 - عباس بن محمود بن إبراهيم بن مصطفى العقاد (1306 - 1383 هـ/1889 - 1964 م) إمام في الأدب، مصري من المكثرين كتابة وتصنيفا مع الإبداع. ر. الزركلي: الأعلام: ج 266/ 3.
-2 - عباس محمود العقاد الفلسفة القرآنية، مطبعة المعارف، الجزائر (د. ت): 117.
-3 - المرجع نفسه: 117 - 149.
-294 - (1/294)
صفحة 295
المبحث الأول
الإيمان بالقضاء والقدر
1 - مفهوم القضاء والقدر
أ- المفهوم اللغوي
فأما
معنى
القضاء فيراد به لغة الحكم قضى يقضي قضاء أي حكم، وانقضاء
الشيء أي ذهابه (1)، ويذكر الجيطالي أنه يخرج في القرآن على وجوه منها: (2) الحكم كقوله تعالى: وإن ربك يقضي بينهم (3) الإعلام كقوله تعالى وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب) أي أعلمناهم.
الفعل كقوله تعالى: فاقض ما أنت قاض.
(5)
الأمر والفرض كقوله تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه
الخلق كقوله تعالى: فقضاهن سبع سموات في يومين (7)
(6)
العهد والوصية كقوله تعالى: وإذ قضينا إلى موسى الأمر (3) أي
وعهدنا إلى موسى وأوصيناه الرسالة.
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 13/ 2 ظ. ابن منظور لسان العرب: ج 186/ 15.
2 المصدر نفسه: ج 14/ 2 و 43 و.
-3 - سورة يونس الآية 93
4 - سورة الاسراء، الآية: 4.
5 - سورة طه، الآية: 72. 6 - سورة الاسراء، الآية: 23.
-7 - سورة فصلت الآية: 12. 8 - سورة القصص الآية: 44.
-295 - (1/295)
صفحة 296
-
-
-
-
الفراغ كقوله تعالى فإذا قضيتم مناسككم)، وقوله تعالى: فإذا
قضيتم الصلاة من (2)
نزول الموت كقوله تعالى: ولا يقضى عليهم فيموتوا (3) الوجوب كقوله تعالى: وقضي الأمر (4) أي وجب العذاب.
الكتاب والقدر كقوله تعالى: وكان أمرا مقضيا (5)
التمام كقوله تعالى: فلما قضى موسى الأجل (6) الفصل كقوله تعالى: وقضي بينهم بالحق (7)
(8).
وأمّا القدر لغة فهو يتصرّف على ثمانية وجوه أوردها الجيطالي هي: الخلق كقوله تعالى: {والذي قدر فهدى (9) أي خلق، وبين لهم ما
-
يأتون، وما يتقون. وقيل قدّر خلق خلق فهدى إلى سبيل التغذية، وهدى الذكر
والأنثى، وقيل هدى الرضيع إلى الثدي.
التقدير كقوله تعالى: وأنزلنا من السماء ماء بقدر (10) أي بتقدير.
التصوير كقوله تعالى: فقدرنا فنعم القادرون (11)
- سورة البقرة الآية 200. 2 - سورة النساء الآية: 103.
-3 - سورة فاطر، الآية: 36
-4 - سورة هود، الآية: 44.
5 - سورة مريم، الآية: 21.
- سورة القصص، الآية: 29.
-7 - سورة الزمر، الآية: 75
8 - الجيطالي: شرح النونية: ج 13/ 2 ظ. ر. ابن منظور: لسان العرب: ج 74/ 5.
9 - سورة الأعلى، الآية: 3.
10 - سورة المومنون، الآية: 18.
11 - سورة المرسلات، الآية 23.
296 (1/296)
صفحة 297
-
-
-
الوجود كقوله تعالى: وإلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (1) أي
وجدناها من الباقين في العقوبة والعذاب.
القضاء كقوله تعالى: فالتقى الماء على أمر قد قدر (2) أي قضي. الضيق: كقوله تعالى: وومن قدر عليه رزقه (3)، وقوله تعالى: {فظن
(4)
أن لن نقدر عليه) أي نضيق عليه.
الملي كقوله تعالى: فسالت أودية بقدرها (5) أي عليها.
- التسوية كقوله تعالى: ونحن قدرنا بينكم الموت (6) أي سوينا.
والقدر، والقَدْر (بإسكان) (الدال) أيضا معناه القضاء.
من خلال ما سبق يتبين لنا أن القضاء والقدر لفظتان واسعتا الدلالة، فقد يتفق معناهما اللغوي فيدلّ أحدهما على الآخر، أو تشتركان في الدلالة على الخلق، وقد يختلف معناهما فيدل كلّ منهما على شيء خاص، وإن هذا الاتساع الكبير في المدلول اللغوي للفظتي القضاء والقدر من جهة واشتراكهما أحيانا في الدلالة من جهة أخرى له أثره الواضح في تحديد تعريفهما الاصطلاحي.
المفهوم الاصطلاحي
يعرف الجيطالي القدر اصطلاحا هو "انتهاء الأمور إلى أوقاتها، وارتجاعها إلى
-1 سورة الحجر، الآية: 60
-2 سورة القمر، الآية: 12.
3 - سورة الطلاق، الآية: 7. 4 - سورة الأنبياء، الآية: 87.
5 - سورة الرعد، الآية: 17.
6 - سورة الواقعة، الآية: 60. 7 الجيطالي: شرح النونية: ج 13/ 2 ظ.
297 (1/297)
صفحة 298
مقدورها (1) ومراده هو بلوغ الأمور ووصولها إلى أوقاتها التي قدرها الله ورجوعها إلى ما قدره لها من سعادة وشقاء ونحو ذلك من المقدورات.
في الأزل،
ولم يُفرد الجيطالي تعريفا خاصا للقضاء، وإن كنا نستروح من تعريفه للقدر أن القضاء هو حكم الله في الأزل على الأشياء، وتسطير ذلك في اللوح المحفوظ. لأن أحدهما يدل على الآخر فإن قضى الله شيئا فسيقدره، وإن قدره قضي به به لأنّ كلّ محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته.
وقد عكس الشيخ عمرو الثلاثي (ت 1187 هـ/1773 م) (2) التعريف الذي ساقه الجيطالي للقدر فجعله للقضاء فقال: "القضاء هو انتهاء الأمور إلى أوقاتها، وارتجاعها إلى مقدوراتها (3). وفي هذا دلالة على التداخل والاشتراك بين مصطلحي القضاء والقدر، فقد يطلق أحدهما على الآخر كما وردت بذلك الأحاديث الشريفة. وهناك من متأخري الإباضية (4) من ضبط هذين المصطلحين، وميز بينهما فجعل القضاء مختصا بالحكم الأزلي، والقدر هو تحقيق وإيجاد ما حكم به الله في الأزل. وقد ذهبت الماتريدية إلى أن القدر على وجهين: (5)
أحدهما - الحد الذي يخرج عليه الشيء، وهو جعل كلّ شيء على ما هو من خير أو شرّ من حسن أو قبح من حكمة أو سفه وهو تأويل الحكمة أن يجعل كل شيء على ما ينبغي أن يكون عليه، ويقدّر كلّ شيء على ما هو الأولى به. والثاني- بيان ما يقع عليه كل شيء من زمان ومكان، وماله من الثواب والعقاب.
والقضاء يراد به الفعل.
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 13/ 2 ظ. 2 سبقت ترجمته: 160 من البحث.
(6)
3 الجعبيري: البعد الحضاري: ج 421/ 2. نقلا عن عمرو الثلاتي: شرح النونية (مخطوط): 53 و. 4 - الثميني: النور: 149 امحمد طفيش الذهب الخالص: 22. السالمي: مشارق أنوار العقول: 311. 5 - النسفي: التمهيد في أصول الدين 82. بلقاسم الغالي: أبو منصور الماتريدي حياته وآراؤه العقدية: 230. 6 - النسفي: التمهيد في أصول الدين: 82 بلقاسم الغالي: أبو منصور الماتريدي حياته وآراؤه العقدية: 230.
-298 - (1/298)
صفحة 299
بيد
أن الإمامية والمعتزلة يرون أنه لا يجوز أن يكون قضاء الله أفعال العباد
بمعنى إحداثها، وخلقها وكذلك القدر، فالإنسان هو الفاعل، والفعل الواحد لا واختارت الإمامية أن يكون قضاء الله أفعال العباد، بمعنى
فاعلين (1)
يكون من أعلمهم، وأخبرهم ما لهم من فعل الطاعة من الثواب وما عليهم في فعل المعصية من العقاب، والقدر بمعنى التقدير أي قدر ما عليها من الثواب والعقاب.
وسبب الاختلاف في ضبط المدلول الشرعي للقضاء والقدر هو تعدد أوجه دلالتهما اللغوية، واشتراكهما أحيانا مما جعل كل فرقة تختار المعنى الذي يتناسب أصولها العقدية. ونجد بين الإباضية والأشعرية والماتريدية توافقا في ضبط هذين مع المصطلحين مع اختلاف لفظي يسير يفضي إلى نفس النتيجة، وهي أن ما يكون من خير أو شرّ، ونفع أو ضر هو من عند الله يجب الإيمان به.
2 حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر
هي:
(4).
بين الجيطالي أن الإيمان بالقضاء والقدر هو ركن من أركان العقيدة الإسلامية، وهو واجب على كلّ مكلّف (3)، واستدل على ذلك بأحاديث - عن علي بن أبي طالب الهلهلهلهله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأنه بعثه بالحق، والبعث بعد الموت، والقدر (5).
-1 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 22/ 2. الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 95 - 96. عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين: ج 449/ 1.
2 الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 96.
3 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 325/ 1 شرح النونية: ج 13/ 2 ظ. قواعد الإسلام: تعليق
وتصحيح بكلي: ج 29/ 1.
4 - المصدر نفسه.
5 - أخرجه الترمذي في السنن: كتاب القدر عن رسول الله، باب ما جاء في الإيمان خيره وشره: ج 452/ 4،
رقم: 2145.
-299 - (1/299)
صفحة 300
- قوله العبادة بن الصامت له: إنك لن تجد، ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله. قال: فقلت يا رسول الله كيف لي أن القدر وشرّه قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك ما كان ليصيبك، فإن مت على غير ذلك دخلت النار" (1).
أعلم
خير
- في حديث جبريل عليه السلام قال: ما الإيمان؟ قال رسول الله: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبلقائه والبعث وبالقدر خيره وشره، قال جبريل: صدقت ... (2)
-
قال جابر بن زيد الله بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل شيء بقضاء الله وقدره حتّى العجز والكيس (3).
ويوضح حقيقة القضاء والقدر بأن يعلم العبد أن ما كان من خير أو شر،, نفع وضر، وما يكون من ذلك، فبالله يكون ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن وأنه تعالى خالق لجميع الأشياء، وكانت منه بقضاء وقدر، ويعلم أن ما يصيب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه (4)
ويؤكد الجيطالي في "عقيدة" "التوحيد" أن الله تعالى مريد الكائنات، مدبّر الحادثات، خالق لجميع الموجودات وأفعالها مقدر لأرزاقها وآجالها، لا يقع كفر ولا إيمان، ولا نكر ولا عرفان ولا سهو ولا نسيان إلا بقضائه ومشيئته وحكمه
رقم: 2145.
1 - أخرجه أبو داود في السنن: كتاب السنة، باب في القدر: ج 225/ 4، رقم: 4700. (مع اختلاف في اللفظ وله طرق أخرى
2 - أخرجه البخاري: كتاب التفسير باب: إن الله عنده علم الساعة: 1793/ 4، رقم: 4499. (مع اختلاف في اللفظ)
3 - أخرجه الربيع، الجامع الصحيح، باب في القدر والحذر والتطير، ج 25/ 1، رقم: 71.
-4 - الجيطالي: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي: ج 29/ 1.
-300 - (1/300)
صفحة 301
وإرادته، ولا معقب لحكمه ولا راد لقضائه لم يزل واحدا حيا عالما قادرا مريدا في الأزل لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدّرها لها فوجدت في أوقاتها كما قدرها من غير تقدم ولا تأخر بل وقعت على وفق علمه وإرادته ... وأنه تعالى حكيم في أفعاله، عادل في حكمه، متفضل بالإنعام ممتن، بالإحسان، لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. (1)
ويردّ الجيطالي كل ما هو موجود إلى الله تعالى فقد استندت جميع الموجودات إلى مشيئته، وصدرت عن إرادته فهو تعالى المبدئ المعيد الفعّال لما يريد "وكيف لا يكون مريدا، وكلّ فعل صدر منه أمكن أن يصدر منه ضده مما يجوز عليه، وما لا ضدّ له أمكن أن يصدر منه ذلك بعينه، وكيف يكون إلها قادرا من يكون في ما لا يريد، بل هو مستكره عاجز تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وهو تعالى مريد بذاته، حي عالم بنفسه وبذاتها
وإن مثل هذا الاعتقاد ليترك في قلوب الراضين بالقضاء والقدر خضوعا
مطلقا الله تعالى، وارتباطا دائما به، وطمأنينة لا نظير لها.
ويحذر الجيطالي من الخوض في مسائل القضاء والقدر، وتكلّف البحث فيها، لأنه من مخزون علم الله الذي استأثر به عن الخلق ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون (3)، ويستدل بقوله: " إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ لكم حدودا فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة من ربّكم فاقبلوها (4) وقوله: "إذا ذكر القدر
1 - الجيطالي: عقيدة التوحيد المطبعة العربية، غرداية، 1979: 4. 2 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 298/ 1. - الجيطالي: قناطر الخيرات طبعة سلطنة عمان): ج 318/ 3.
4 - أخرجه الدرا قطني في السنن: كتاب الأشربة وغيرها، باب الصيد والذبائح والأطعمة: ج 297/ 4، رقم: 104.
-301 - (1/301)
صفحة 302
فأمسكوا (1) وقوله: "اعملوا فكل ميس
لما خلق له " (2).
وقال تعالى: ونحن
قسمنا
بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا (3)
وما كان فهي الشرع عن الخوض في القضاء والقدر إلا رحمة بالعقل الإنساني العاجز المحدود الذي لا يطيق البحث في كثير من قضايا عالم الحس
والشهادة فضلا عن تكلفه البحث في مسائل غيبية ما ورائية كالقضاء والقدر. لكن واقع الفكر الإسلامي يؤكد أن المتكلمين والصوفية والفلاسفة لم يقفوا عند هذه التعليمات الشرعية بل خاضوا في موضوع القضاء والقدر وعلاقته بأفعال الإنسان، وقد يكون لبحثهم هذا دوافع وأسباب مختلفة منها ما يرجع إلى الظروف السياسية والاجتماعية التي عرفتها المجتمعات الإسلامية في القرن الأول والثاني للهجرة، ومنه ما يعود إلى انفتاح المجتمع الإسلامي على الثقافات والتيارات الأجنبية، وبعضها يعود إلى الاختلاف في منهج تأويل نصوص الوحي المتعلقة بالموضوع، وآخر يرجع إلى أسباب وجدانية ذاتية كاعتقاد الإنسان بأنه حرّ في انفعالاته وأفكاره وسلوكه من جهة، وشعوره من جهة أخرى أنه محدود الحرية، مغلوب الإرادة. وقد نجم عن هذا البحث ثلاثة اتجاهات رئيسية اتجاه جبري خالص، واتجاه
حر، واتجاه متوسط بينهما.
وسنتعرف في المبحث الثاني عن موقف الجيطالي في المسألة.
1 أخري النظر بن معبد الكامل في الضعفاء: ج 264/ 8. أبو زكرياء يحيى بن سابق: المجروحين: ج 194/ 3. 2 - أخرجه البخاري: كتاب التفسير باب فسنيسره للعسري ج 1891/ 4، رقم: 4666.
3 - سورة الزخرف الآية: 32
-302 - (1/302)
صفحة 303
المبحث الثاني
القدر وأفعال الإنسان
-1 فعل الإنسان واستطاعته
اتساقا
مذهب الإباضية عرف الجيطالي الفعل بأنه: "الموجود بقدرة
فاعل (1) لأنّ القدرة أو الاستطاعة عند الإباضية هي مع الفعل لأنها الدالة عليه (2)، وأما المعتزلة فتعرّف الفعل بأنه هو ما وُجد وكان الغير قادرا عليه (3) لأن القدرة عندهم قبل الفعل لاستحالة تكليف ما لا يطاق. (4)
ويعلل الجيطالي مذهبه في الاستطاعة مع الفعل لأن الله تعالى لم يكلف أحدا إلا مستطيعا على أخذ ما كلّفه إياه، وتركه فأي الفعلين فعل من الأخذ والترك كانت الاستطاعة معه لأنّ الاستطاعة لا تبقى حالين لأنه لو أعطي القوة قبل الفعل فلما كان حال الفعل عدمت القوة بطل أن يوجد الفعل بغير قوة لأن وجود الفعل يدل على الاستطاعة فصح بهذا القول من قال إن الاستطاعة مع الفعل، إذ كان كل واحد منهما دليلا على وجود صاحبه، ولا يبقى أكثر من حال لأنه لما كانت الآفة تمنع الفعل صح أنها إذا زالت وُجد الفعل لأنّ الآفة ضد القوة، والضد ثابت حتى يزيله ضدّه وإلا بطلت الأضداد، ففي هذا إبطال قول من قال إن الاستطاعة قبل الفعل. (5)
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 15/ 2 و. الورجلاني: العدل والإنصاف: ج 33/ 1.
2 - المصدر نفسه.
-3 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 22/ 2.
4 - المصدر نفسه: ج 76/ 2 - 81. عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين: ج 462/ 1.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 30/ 2 ظ.
-303 -
20
20 (1/303)
صفحة 304
استطاعة
ويذكر الجيطالي أن الإباضية ترى أن الاستطاعة واحدة، ولكن هي كثيرة لكل فعل فعله استطاعة محدثة للطاعة، استطاعة، وللمعصية استطاعة، وهي غير استطاعة الإيمان (1) خلافا للمعتزلة التي ذهبت إلى أن استطاعة الكفر هي
استطاعة الإيمان أعطيها المستطيع قبل أن يفعل فأي الفعلين أراد فَعَلَه بها. (2) وقد ناقش الجيطالي مذهب المعتزلة في الاستطاعة وسلك في إثبات الفعل مسلك الإلزام والمحاورة ونلاحظ أنه نفس المسلك الذي مع انتهجته المعتزلة في بناء مذهبهم (3) فرغم سلبية هذا الطريق الاستدلالي إلا أن الطرفين
الاستطاعة
اعتمدا عليه في الاستدلال ونعرض أدلة الجيطالي في المسألة على النحو الآتي:
أ- ينطلق الجيطالي من معنى الاستطاعة ليصل إلى إثباتها مع الفعل لا قبله ولا بعده: "ويقال للمعتزلة أخبرونا عن الاستطاعة ما هي؟ فإن قالوا: هي السلامة في البدن قيل لهم: فما بال الإنسان يستطيع أحيانا، وأحيانا لا يستطيع، والاستطاعة السلامة عندكم وهي موجودة في كلّ وقت فإن قالوا: إن الاستطاعة غير السلامة في البدن قلنا ما هي؟ فإن قالوا: لا توصف ولا تحد. قلنا: فكيف يعرف الإنسان أنه مستطيع أو غير مستطيع؟ ولا بدّ لهم من أن يقولوا: إن الاستطاعة دالة على الفعل في حين وجوده لا قبل ولا بعد
هي
على
(4) 11
ب يجوز الجيطالي حدوث آفة من عند عند الله قبل وقوع الفعل فتعطل القوة أدائه وتفنى يقال لهم أرأيتم الحال الذي زعمتم أنها حال القوة، أرأيتم لو أحدث الله الآفة في الحال الثانية. أليس قد فنيت القوة بحدوث الآفة؟ وإن قالوا: أعطينا القوة قبل الفعل على شريطة ألا تحدث في الحال الثانية آفة. قيل لهم:
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 631/ 2 - 32 و.
2 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 81/ 2. الجيطالي: شرح النونية: ج 30/ 2 ظ.
3 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 76/ 2 - 81.
-4 الجيطالي: شرح النونية: ج 30/ 2 ظ.
-304 - (1/304)
صفحة 305
اتحتمون على ربِّكم ألا يفعل في خلقه ما يشاء، فيفني ما يشاء، ويثبت ما يشاء؟
فإن قالوا: نعم قيل لهم: فاعزموا عليه إذا أعطاكم القوة ألا يميتكم، ولا تصيبكم آفة. وفي بطلان هذا ما يدل على أن الاستطاعة مع الفعل" " (1).
ج- يجيب عن بعض التساؤلات التي تثيرها المعتزلة ويزيل ما فيها من اشتباه: قالت المعتزلة: هل تستطيعون الفعل قبل أن تأخذوا فيه؟ قلنا: لا. فإن قالوا ما تقولون في قوله عز وجل في المظاهرة إذ يقول فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل
أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتومنوا بالله ورسوله ... فلو طاوعكم الحانث فظاهر فقال إنّي لا أستطيع الصوم غير أني آخذ فيه وأنا معذور فيما لا أستطيع. قلنا إذا كان لا يستطيع لآفة نازلة فهو معذور وإلاّ فأخبرونا عن الأكل والشارب هل هما مستطيعان الإمساك في حال ازدراد الطعام واجتراع الشراب فإن قالوا: نعم. فقد قالوا باجتماع الأضداد في حال واحدة. د يبين الجيطالي أن الاستطاعة لا تبقى أكثر من حال الفعل: "فإن قالوا أو
(3) 11
ليس الاستطاعة عندكم لا تبقى أكثر من حال الفعل. قلنا: بلى، فإن قالوا: فما معنى قوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم ده (4) قلنا قد قيل فيها قولان: أحدهما فاتقوا الله ما استطعتم فعل شيء من الأشياء، كما قدّمنا أن الله لا يكلّف أحدا إلا مستطيعا لفعل ما كلّف أو تركه، فأي الفعلين أخذ فيه فهو غير مستطيع لفعل ضده ما دامت قوته مشغولة بذلك الذي أخذ فيه فعلا أو تركا لأن الترك فعل التارك. والقول الثاني ما استطعتم ما دمتم أحياء (5).
-1 الجيطالي: شرح النونية: ج 30/ 2 ظ.
2 - سورة المجادلة، الآيتان: 3 - 4. 3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 31/ 2 و.
4 - سورة التغابن الآية: 16. - الجيطالي: شرح النونية: ج 31/ 2 و.
- 305 - (1/305)
صفحة 306
يجيب عن كيفية تكليف الكافر بالإيمان: "فإن قال قائل هل كلف الله الكافر بالإيمان في حال كفره. قيل له: نعم، فإن قال: كلفه ما لا يستطيع. قيل له: نعم كلّفه ما لا يستطيع فعله لاشتغاله بالكفر لا لعلة آفة، أو زمانة حلّت به. ألا ترى إلى قول الله عزّ وجلّ: وما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (1) وليس المعنى في هذا أنهم لا يستطيعون سمع الأصوات، ولا يبصرون الألوان، ولكن المعنى سمع القبول أي لا يقبلون ما دعاهم إليه النبي إذ شغلوا قوتهم بترك القبول لما دعاهم إليه، وكذلك لا يبصرونه على معنى لا يفعلونه فوصفهم الله أنهم. لا يستطيعون لا لزمانة حلت بهم. كما قال الله تعالى: وما منع الناس أن يومنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا (2) فكان قولهم هو المانع لهم، ومثل هذا في كلام الناس: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان لبغضي إياه، فكان بغضه إياه مشغلا له عن استعمال النظر إليه (3). ويوضح الجيطالي ذلك بصيغة أخرى: فإن قال: هل حال بين المؤمن والكفر؟ قيل له: نعم باكتسابه الإيمان لا حيلولة جبر ولا منع فإن قال: هل حال بين الكافر والإيمان؟ قيل له: نعم باشتغاله بالكفر، وارتكابه إياه لقوله تعالى: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه (4) فإن قال أمنع الكافر من الإيمان والمؤمن من الكفر؟ قيل له: اشتغال كل واحد منهما بفعله هو المانع كما قال تعالى: {وما منع الناس أن يومنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا) (5) فأضاف المنع إليهم" هذه أبرز الأدلة التي ساقها الجيطالي لإثبات الاستطاعة مع الفعل، والملاحظ
1 - سورة هود، الآية 20.
2 سورة الإسراء الآية: 94.
3 الجيطالي: شرح النونية: ج 31/ 2 ظ. -4 - سورة الأنفال، الآية: 24.
5 - سورة الإسراء، الآية: 94. 6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 35/ 2 ظ.
(6) 11
-306 - (1/306)
صفحة 307
أنها ليست أدلة مبتكرة بل هي نفس الأدلة التي اعتمد عليها سلف الإباضية من قبل أمثال أبي خزر (ت 380 هـ / 990 م) (1)، وتبغورين (ت ق 6 هـ/12 م) (2). وتتضح ميزة الجيطالي في حصر أدلة المسألة وحسن عرضها، ويتوافق موقف الجيطالي وعامة الإباضية في مسألة الاستطاعة مع الأشعرية والماتريدية (4)، ويختلف (3) موقف هذه الفرق في مسألة "تكليف ما لا يطاق فجوزت الأشعرية تكليف الله العباد ما لا يطيقونه اطلاقا للمشيئة الإلهية (5)، بيد أن الإباضية والماتريدية والمعتزلة ذهبت إلى أنه لا يكلف الله العبد ما لا يطيقه لمنافاة ذلك للحكمة الإلهية. (6) -2 بروز أفعال العبد إلى الوجود
اختلف المسلمون في تفسير كيفية بروز أفعال العبد إلى الوجود من قائل بالاختيار الحر حيث الإنسان هو الخالق لأفعاله وحده، ويمثل هذا التيار كل من معبد الجهني (ت 80 هـ / 699 م) وغيلان الدمشقي (105 هـ/723 م) (8) والمعتزلة (9)، وقائل بالجبر الخالص الذي ينفي الإرادة الإنسانية بالكلية وما العبد إلا كالريش في مهب
1 - أبو خزر: الردّ على جميع المخالفين، تحقيق عمرو خليفة النامي: 64 وما بعدها. 2 - تبغورين: أصول الدين، تحقيق عمرو خليفة النامي: 404 وما بعدها. (ملحق ضمن رسالة ماجستير- مخطوطة للأستاذ الشيهاني حمو حاشية أبي يعقوب يوسف المصعبي على رسالة أصول الدين)
-3 الأشعري: الإبانة في أصول الديانة 81 وما بعدها. الإيجي: المواقف: 151 - 152.
4 - النسفي: التمهيد في أصول الدين تحقيق عبد الحي قابيل: 53 وما بعدها. 5 - الرازي: أصول الدين 85 - 86 الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد 112 أحمد محمود صبحي في علم الكلام: ج 83/ 2 - 84.
6 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 307/ 1 - 308. النسفي: التمهيد في أصول الدين، تحقيق عبد الحي قابيل: 58 - 59 عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 91/ 2. أبو عذية: الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية، حقيق عبد الرحمن عميرة: 82 وما بعدها.
7 - معبد بن عبد الله بن عليم الجهني البصري (ت 80 هـ / 699 م) أوّل من قال بالقدر. الزركلي: "الأعلام: ج 364/ 7. 8 - غيلان الدمشقي سبقت ترجمته: 197 من البحث، وتعد آراء معبد وغيلان النواة الأولى فكرة الاعتزال. الخياط: الانتصار، تحقيق نيبرج: 127. د/ أحمد محمود صبحي في علم الكلام: ج 178/ 1 - 179.
و د/عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلامين: ج 449/ 1.
-307 - (1/307)
صفحة 308
الريح ويتزعم هذا التيار الجعد بن درهم (ت نحو 118 هـ/736 م))، والجهم بن صفوان (2)، والجبرية (3).
وسط هذين التيارين المتعارضين اللذين ظهرا في البيئة الإسلامية أتخذ أئمة الإباضية الأوائل موقفا وسطيا معتدلا، يقدّس الله تعالى في وحدانية الخلق وسائر صفات الكمال من جهة ويرفع من كرامة الإنسان الذي منح الله له العقل والإرادة والقوة، وميزه عن سائر الحيوانات العجماوات والجمادات الساكنات من جهة أخرى. ونستعرض عينة من مواقف الإباضية الأوائل التي كانت منطلقا سليما
المسألة
لضبط كيفية بروز" فعل العبد إلى الوجود وقاعدة أساسية توجه البحث في نحو الاعتدال والوسطية وتتمثل فيما يأتي: أولا - رسالة الإمام جابر بن زيد إلى الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95 هـ/714 م)) يجيب له عما التبس عليه من أمر القدر الذي وقع في نفسه، فاقتصر جواب جابر على أمر الحجاج بترديد خطبته التي ورد فيها قوله عليه السلام: "من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي فلما ردّدها الحجاج وتفطن لمعنى الكلام
له (5)
قال لكاتبه يزيد (6): "يا يزيد ما أعلم صاحبك (أي جابر) (7).
1 - الجعد بن درهم (ت نحو 118 هـ / 736 م) من الموالي نبغ في العلوم الدينية أصله من خراسان قتله خالد القهري في عهد هشام عبد الملك. الزركلي: الأعلام: ج 120/ 2. د/الزيني: شهداء الفكر في الإسلام:
115 وما بعدها.
2 - الجهم بن صفوان سبقت ترجمته: 201 من البحث.
3 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 338/ 1 البغدادي: الفرق بين الفرق: 211.
4 - الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي أبو محمد 40 - 95 هـ/660 - 714 م) قائد، داهية، سفاك، خطيب.
ر. الزركلي: الأعلام: ج 168/ 2.
- هي مما يفتتح به الرسول خطبه
-6 - يزيد بن أبي مسلم الثقفي أبو العلاء (ت 102 هـ / 720 م) جعله الحجاج كاتبا له فظهرت مزاياه فلما احتضر الحجاج استخلفه على الخراج بالعراق. ر. الزركلي: الأعلام: ج 182/ 8.
7 - الدرجيني: طبقات المشائخ: ج 212/ 2. الشماخي: السير: ج 71/ 1.
308 (1/308)
صفحة 309
ويظهر من خلال هذا الموقف أن جابر بن زيد لم يتكلف الخوض في القدر
بل اكتفى ببيان الرسول الذي هو أبلغ بيان وخير هدي فما على العبد إلا أن يعيه
وعيا سليما.
ثانيا- مواقف الإمام أبي عبيدة مسلم ونلخصها في النقاط الآتية:
(1)
أ محاورته مع ابن الشيخ البصري بمنى موضحا له أن الله تعالى لم يجبر العباد على طاعته ولا على معصيته وأن العلم الإلهي ليس قوة تجبر العباد بل هو انكشاف للمعلومات، وأن انحراف العبد راجع إلى نفسه الأمارة بالسوء وإلى
الشيطان الموسوس في الصدور
(2)
ب- مفارقته لغيلان الدمشقي (3) لما قال بالقدر، والحمزة الكوفي (4) لما تأثر به وقد ناظر أبو عبيدة حمزة، وحاول حاجب الطائي (5) إصلاح رأيه لكن هذا لم يستجب، ولما أخذ حمزة في نشر فكرته في أوساط الناس تبرأ منه أبو عبيدة وجماعة الإباضية (6).
اسمه،
1 - كنيته في طبقات المشايخ ابن الشيخ البصري)، وفي سير الشماخي ابن أبي الشيخ البصري) ولم يذكر ويبدو أنه عاش في عصر أبي عبيدة مسلم (ق 2 هـ / 8 م) وتأثر بالجبر فأقنعه أبو عبيدة بتركه. ر. الدرجيني: طبقات المشايخ: ج 241/ 2. الشماخي: السير: ج 80/ 1.
2 - الدرجيني: طبقات المشايخ: ج 241/ 2. الشماخي: السير: ج 79/ 1.
3 - سبقت ترجمته: 197 من البحث. وفي هذا دليل على ملاقاة أبي عبيدة بغيلان الدمشقي ومناقشته إياه، وقد قال أبو عبيدة الحمزة الكوفي: "يا" حمزة" على هذا القول فارقت غيلان". ر. الدرجيني: طبقات: ج 244/ 2. الشماخي: السير: ج 79/ 1.
4 - حمزة الكوفي (ق 2 هـ / 8 م) تأثر بغيلان الدمشقي في القدر، فتبرأ منه أبو عبيدة ويظهر أنه كان تلميذا له. الدرجيني: طبقات ج 241/ 2. الشماخي: السير: ج 79/ 1 - 80.
سبقت ترجمته: 118 من البحث.
6 - الدرجيني: طبقات المشايخ: ج 241/ 2. الشماخي: السير ج 79/ 1 - 80، 110. وإن تبرؤ أبي عبيدة وأتباعه من القائلين بالقدر كفيل بحفظ معتقدات الناس ومضايقة الفكرة بطريقة عملية. وقد اقتدى أبو عبيدة في هذا الشأن بالمتأخرين من الصحابة كعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وأنس بن مالك وغيرهم حينما تبرؤوا من غيلان ومعبد والجعد بن درهم. ر. البغدادي: الفرق بين الفرق: 18 - 19.
-309 - (1/309)
صفحة 310
الله
ج- مناظرته لواصل بن عطاء (ت 131 هـ /748 م) في المسجد الحرام موضحا له أن الله لا يعذب على القدر بل يعذب على المقدور، وألزمه القول بأنّ بالاستكراه، ويقع في ملكه ما لا يريد لذهاب المعتزلة بأنّ الإنسان خالق يعصى أفعاله، فنكس واصل رأسه، ولم يجب بشيء، وصرّح لأصحابه أن أبا عبيدة هدم ما بناه منذ أربعين سنة. (1)
د-
(2)
رأيه في الاستطاعة: قيل لأبي عبيدة: لا يستطيع الكافر الإيمان. فقال: لا أقول إن من يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من حل إلى حرم لا يستطيع أن يصلي ركعتين ولا أقول إنه يستطيع ذلك إلا أن يوفقه الله تعالى فقد فرق أبو عبيدة بين أداء فعل عادي وبين أداء فعل تعبدي، فالعادي تشترط فيه الاستطاعة والقدرة على أدائه، والتعبدي لا تكفي الاستطاعة وحدها على إنفاذه إلا أن يقارنها التوفيق الإلهي ليفسح مجالا لهداية الله تعالى وخذلانه، وهذا ما جعل خلف الإباضية يذهبون إلى أنّ من شروط حصول الفعل: "العون من إذا كان الفعل طاعة، والخذلان من الله إذا كان الفعل معصية" (3).
ومن
خلال ما سبق نلاحظ أن الإمام أبا عبيدة لم يقف كما وقف شيخه جابر بن زيد في موضوع القدر بل اضطره الواقع الفكري والاجتماعي الذي عايشه في البصرة إلى إبداء رأيه في القدر، وقد صغر أمره ردّا على من كره الكلام فيه، وعظم شأن القدر) قال أبو سفيان (5) كان أبو عبيدة يضعف أمر القدر،
(4)
1 - انظر نص المناظرة الدرجيني طبقات ج 246/ 2. وغالبا ما تنتهي مثل هذه المناظرات بالاستسلام السريع للخصم وإن عرف بالباع الطويلة في الجدل كواصل بن عطاء.
2 - الدرجيني: طبقات المشائخ: ج 241/ 2. -3 الجيطالي: شرح النونية: ج 19/ 2 و. وقد فهم الشيخ اطفيش من مقولة أبي عبيدة أن الاستطاعة قبل الفعل، ولم نعرف من أين استنتج ذلك؟ ر. مصطفى ونتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية: 360.
-4 خميس الرستاقي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين: ج 430/ 1. 5 - أبو سفيان محبوب بن الرحيل العبدي طبقة: 150 - 200 هـ) أحد الأشياخ عالم حافظ، ممن لهم السبق في تدوين تاريخ التابعين وأئمة الإباضية. الترجيني: طبقات المشايخ 278/ 2 - 279. الشماخي: السير: ج 108/ 1.
-310 - (1/310)
صفحة 311
ويقول: والله ما فيه نكاح ذات بعل ولا انتحال، هجرة، ولا حكم بغير ما أنزل الله، إنما هو رأي أحدثه الناس فيما بينهم، فمن أقر بأن الله علم الأشياء قبل أن تكون فقد أقرّ بالقدر. قال أبو سفيان وذلك أن صحار) يقول: كلّموهم (أي
القدرية) في العلم فإن أقروا به نقضوا أقوالهم وإن أنكروه كفروا." (2)
هكذا
يتضح موقف الإباضية في القدر جليًا منذ أوائل القرن الثاني للهجرة على يد الإمام أبي عبيدة مسلم (ت نحو 145 هـ / 762 م) الذي أثبت موقفه الوسطي في المسألة فلا جبر خالص ولا اختيار مطلق وعلى نهجه سارت الإباضية في تفسير كيفية بروز الفعل الإنساني إلى الوجود، ولم ينفرد الإباضية في القرن الثاني للهجرة بهذا الموقف فقد ذهب ضرار بن عمرو (ت 190 هـ/805 م) إلى "أن أعمال العباد مخلوقة، وإن فعلا واحدا لفاعلين: أحدهما خلقه وهو الله، والآخر اكتسبه وهو
العبد (3) ويظهر أنه هو أوّل من استعمل مصطلح الكسب.
وفي القرن الثالث للهجرة تشهد نظرية الكسب رسوخا وتحليلا أوسع على
يد الإمامين أبي الحسن الأشعري (324 هـ / 936 م) (4) وأبي منصور الماتريدي (ت
333 هـ/944 م) (5) وأتباعهما.
اتبع الجيطالي تيار الكسب فذهب إلى أن الأفعال على وجهين حركة الله خلق على نفي الاستكراه ومن العباد كسب على نفي
وسكون وهي من
1 - صحار العبدي (ق 1 هـ/7 م) من طبقة جابر بن زيد، ومن شيوخ أبي عبيدة مسلم، وينسب إليه بحث في القدر. الدرجيني: طبقات ج 223/ 2. الشماخي: السير: ج 75/ 1 - 76. الجعبيري: البعد الحضاري: ج 414/ 2.
2 - الدرجيني: طبقات المشايخ: ج 233/ 2. الشماخي السير: ج 76/ 1.
3 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 339/ 1. البغدادي: الفرق بن الفرق: 213 - 214. -4 - علي بن إسماعيل بن إسحاق أبو الحسن الأشعري (260 - 324 هـ / 874 - 936 م) مؤسس مذهب الأشاعرة، كان من أئمة المتكلمين المجتهدين. الزركلي: الأعلام: ج 263/ 4 5 - محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي (ت (333 هـ/944 م) من أئمة علماء الكلام. الزركلي: الأعلام: ج 17/ 7.
-311 - (1/311)
صفحة 312
الجبر
(1). كما أن الحركة والسكون قد يكونان اضطرارا أو اكتسابا، والفرق بين الاكتساب والاضطرار وجود الإرادة في الاكتساب وعدمها في الاضطرار (2). ويذكر أنه "ليس في إضافة الأفعال إلى العباد بالتحرك والسكون ما يزيل عليه من الله الخلق والتكوين، كما أنه ليس في تكوين الله تعالى وخلقه للأفعال على عليها ما يخرجها من أن تكون كسبا للعباد فهي من الله خلق وجعل، ومن
ما هي
العباد اكتساب وفعل" (3).
واشترط الجيطالي شأن الإباضية لبروز الفعل إلى الوجود خمسة شروط ينبغي
تتوفر وهي
(4)
- إرادة الله تعالى.
- إرادة العبد واكتسابه.
أن
- العون من الله إذا كان الفعل طاعة، والخذلان من الله إذا كان الفعل معصية.
-
الخلق من الله في وقت الفعل.
- اكتساب العبد إياه لا قبل ولا بعد.
الله
تعالى
وإن هذه الشروط لتعطي لنا تصورا دقيقا عن كيفية بروز الفعل إلى الوجود، وقد أثبت الجيطالي من هذه الشروط أن الفعل يوجد عند التقاء القدرتين: قدرة تعالى وقدرة الإنسان واتفاق الإرادتين إرادة الله وإرادة العبد، فأما قدرة الله وإرادته فهما شاملتان، لا قصور فيهما، إذ إنّ كلّ حادث في العالم مخلوق، وقد خلق الخلق وصنعهم، وأوجد قدرتهم، وحركتهم، فجميع أفعال العباد مخلوقة له، ومتعلقة
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 15/ 2 و.
2 المصدر نفسه: ج 32/ 2 ظ.
3 - المصدر نفسه: ج 15/ 2 ظ. 4 - المصدر نفسه: ج 19/ 2 و.
-312 - (1/312)
صفحة 313
بقدرته. واستدل الجيطالي على ذلك بقوله تعالى: والله خالق كل شيء) وقوله:
(2)
و الله خلقكم وما تعملون. وقد وقف عند قوله تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخـ و (3) ليعقد الصلة بين علم الله السابق، وإيجاد الأفعال الإنسانية فالله "أمر العباد بالتحرز في أقوالهم، وأسرارهم وضمائرهم لعلمه موارد، أفعالهم واستدل على العلم بالخلق، وكيف لا يكون لفعل العبد خالقا وهو سبحانه يقول: وقدرنا فيها السير) وقال: وأنه أضحك وأبكى (5) وقدرته تعالى تامة لا قصور فيها" (6)
وإن اعتقاد شمولية القدرة والإرادة الإلهيتين مما يقتضيه التوحيد الخالص، فهو
سبحانه الواحد في ذاته الواحد في صفاته، الواحد في
أفعاله.
وأما قدرة الإنسان فمحدودة قاصرة متعلقة بقدرة الله تعالى، وحريته لا وجود لها إلا في دائرة الكسب، وهذا ما يؤكده الجيطالي: "إن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد وسكناتهم لا يخرجها عن كونها مقدرة للعباد على سبيل الاكتساب فالله سبحانه خلق القدرة والمقدور جميعا والكسب والمكتسب جميعا، فأما القدرة فوصف للعبد، وخلق للرب سبحانه وليست بكسب له، وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له. (7)
"
وقد أنكر على نفاة القدرة الإنسانية، وعلى القائلين بخلق العبد لأفعاله في قوله: وكيف يكون الفعل جبرا محضا وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة
1 - سورة الزمر، الآية: 62
2 - سورة الصافات، الآية: 96.
3 - سورة الملك، الآية: 13 - 14.
-4 - سورة سبأ، الآية: 18. 5 - سورة النجم، الآية: 43.
6 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 303/ 1.
7 - المصدر نفسه: القسم 304/ 1.
313 (1/313)
صفحة 314
الضرورية؟ أو يكون خلقا للعبد وهو لا يحيط علما بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها؟ فإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد في الاعتقاد: وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعا، وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنها بالاكتساب، وقد قال تعالى: وقاتلوهم يعدّهم الله بأيديكم (1) فأضاف القتل إلى العباد، والتعذيب إلى نفسه في فعل واحد، والتعذيب هو عين القتل" (2)
ويتفق الجيطالي مع أبي حامد الغزالي (3) في أن الكسب هو تحقيق مراد الله
الله
سبحانه (4)
تعالى: "إن فعل العبد وإن كان كسبا للعبد فلا يخرج عن كونه مرادا لأنّ علم الله شامل لكلّ شيء، فلا يقع في ملكه ما لا يعلم، ولا يحدث فيه ما لا يريد. "فلا تجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا فلتة خاطر، ولا لفتة ناظر إلا بقضاء الله تعالى وقدره، وبإرادته ومشيئته، فمنه الخير والشر، والنفع والضر، والإسلام والكفر، والعرفان والنكر، والفوز والخسر والغواية والرشد، والطاعة والعصيان، والشرك والإيمان لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (5) واستدل الجيطالي على هذا بدليلين هما: (6)
دليل نقلي: - قول الله سبحانه ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها (7) - وقوله تعالى: أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا (8)
1 - سورة التوبة، الآية: 14.
2 الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 304/ 1. 3 - أبو حامد الغزالي: الإحياء: ج 147/ 1.
4 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 305/ 1.
5 - المصدر نفسه. الغزالي: الإحياء: ج 147/ 1.
6 - المصدران السابقان.
7 - سورة السجدة، الآية: 13.
8 - سورة الرعد، الآية: 31
314 (1/314)
صفحة 315
- وإجماع الأمة على أن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (1)
دليل عقلي يعرضه على النحو الآتي: "إنّ المعاصي والجرائم إن كان الله
يكرهها ولا يريدها وإنما هي جارية على وفق إرادة إبليس لعنه الله مع أنه عدو الله سبحانه والجاري على وفق إرادة العدو أكثر من الجاري على وفق إرادته تعالى، فليت شعري كيف يستجيز المسلم أن يردّ ملك الجبار ذي الجلال والإكرام إلى رتبة لو ردّ إليها سيد ضيعة لاستنكف منها، إذ لو كان ما يستمر لعدوّ السيد في قرية أكثر مما له لاستنكف يستمر من سيادته، وتبرأ عن ولايته، والمعصية هي الغالبة على الخلق، وكلّ ذلك جار على قياد قول المبتدعة (المعتزلة) على خلاف إرادة الخالق وهذا غاية الضعف والعجز تعالى ربِّ العالمين عن قول الظالمين علوا كبيرا. ثم مهما ثبت أن أفعال العباد مخلوقة الله تعالى صح أنها مرادة له. (2) ويذكر الأستاذ عبد العزيز المجدوب أنّ الاختلاف في مفهوم الإرادة الإلهية، وعلاقتها بالعدل الإلهي هو سبب الخلاف بين المدراس الكلامية في مسألة الفعل (3). فحدّدت المعتزلة مفهوم الإرادة بالأمر، فما أمر به الله فهو مراده، وجعلت الإرادة غير المراد (4)، وهي صفة فعلية محدثة. وترى الأشاعرة أن الإرادة الإلهية تتصل بالعلم الإلهي، فكل ما علمه الله فهو مراده، والإرادة صفة ذاتية قديمة (5). ويوضح الجيطالي رأي الإباضية في الإرادة بأنها غير الأمر (6)، فيعرفها بأنها "صفة الله عزّ وجلّ في ذاته، ينفي بها الاستكراه، فالله عز وجل مريد لم يزل، وعين الإرادة ما يتكوّن به
1 - الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد 70. الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 305/ 1. 2 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 305/ 1.
3 - عبد العزيز المجدوب: أفعال العباد في القرآن الكريم، الدار العربية للكتاب، 1985: 111. -4 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 128/ 1. د/ عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين: ج 465/ 1. د/ محمد صبحي في علم الكلام ج 223/ 1.
5 - الأشعري: الإبانة: 73 وما بعدها. د/ عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين: ج 540/ 1. د/ حلال محمد نشأة الأشعرية وتطورها، دار الكتاب بيروت، ط 1، 1395 هـ/1985 م: 230 - 231.
6 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 305/ 1.
-315 - (1/315)
صفحة 316
المراد على ما أراده المريد غير مستكره على شيء من الأفعال. " (1) وقد تتصرف إلى معنى الخلق كما في قوله تعالى: وإن أرادني الله بضرّ هل من كاشفات ضره (2) أي أن يخلق الضُّر (3). وأما إرادة الشيطان الواردة في قوله تعالى: ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (4) فهي. بمعنى يأمرهم بالضلال (5).
فإن قيل: هل أراد الله أن يكون الشيء قبل كونه، أو أراده بعد كونه، أو أراده حال كونه؟ أجاب الجيطالي بأن الله "أراده في حال كونه أي إنما يتكوّن في الأوقات التي جعلها الله وقتا لكونه ووجوده، وأمّا الله عزّ وجل فلم يزل مريدا لكون ذلك الشيء والإرادة منه عزّ وجلّ ليست محدثة، والسؤال والجواب إنما وقع على وجود الإرادة، فإن قال: فهل أراد في الأزل أن تكون الأشياء؟ قيل نعم، لم يزل مريدا لكون الأشياء في أوقاتها التي جعلها الله أوقاتا لكونها (6)
وإذا كانت المعتزلة تعتقد بأن الله لا يريد المعاصي، وتستدل على ذلك بأدلة نقلية وعقلية، فإنّنا نجد الجيطالي يبين بأن الله تعالى أراد الفواحش والمعاصي خلقا لا أمرا، وأما الطاعات فقد أرادها خلقا وأمرا. (8)
ويذهب الجيطالي إلى أن العلاقة بين العلم والإرادة منفصلتان، لأن العلم قد يقع بالفعل وبغير الفعل، وأما الإرادة والقدرة لا يقعان إلا على الأفعال فيقال: يعلم
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 99/ 1.
-2 سورة الزمر، الآية 38
-3 الجيطالي: شرح النونية: ج 36/ 2 و. 4 - سورة النساء، الآية: 60.
ر - الجيطالي: شرح النونية: ج 36/ 2 و. 6 - المصدر نفسه: ج 100/ 1 و.
7 - انظر تفصيل هذه الأدلة: عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 2/ 133 وما بعدها. د/ عبد الرحمن
بدوي: مذاهب الإسلاميين: ج 465/ 1 وما بعدها.
الخيطالي: شرح النونية: ج 100/ 1 و.
-316 - (1/316)
صفحة 317
المؤمن أنّ الله واحد، ولا يجوز أن يقال: يريد المؤمن أن يكون الله واحدا. (1)
أما إرادة العبد فيذكر الجيطالي بأنها على ثلاثة وجوه: (2)
- إرادة العزم أو الفعل: وهي لا تكون إلا مع الفعل لأنها علته.
-
-
إرادة التقرب كإرادتي بالصلاة التقرب إلى الله عزّ وجلّ.
إرادة تمن: تكون ولا يكون المراد لأنها ليست بعلة للفعل، كإرادتي الصحة، والرّزق، والأموال والأولاد ...
ينفي الجيطالي جميع هذه المعاني عن الله تعالى لأنها لا تليق بذاته العلية، وهو متره عن الاتصاف بها. (3)
ويتبع الجيطالي رأي الإباضية في أن الإرادة مع المراد، لا قبله، ولا بعده، لأنّ الإرادة علّة للمراد ومحال أن تفارق العلّة المعلول، والإرادة هنا هي إرادة العزم دون غيرها (4)، خلافا للمعتزلة التي ترى أن الإرادة قبل المراد (5). وقد ردّ عليهم الجيطالي في قوله: "يقال للمعتزلة عمن أراد في الحالة الأولى أن يكفر في الحالة الثانية فلما جاءت الحالة الثانية أراد فيها أن يؤمن، فأيّ الإرادتين أولى به إرادة الكفر أو إرادة الإيمان؟ فليس بين الحالتين فصل فأيما قالوا من ذلك فقد نقضوا قولهم، ويقال لهم أيضا: أخبرونا عن إرادة الإيمان أهي من الإيمان أم لا؟ وعن إرادة الكفر أهي من الكفر أم لا؟ فإن قالوا: نعم فقد أثبتوا أن البالغ في أوّل بلوغه يفعل جزءا من الإيمان أو الكفر باستطاعة، فأثبتوا الاستطاعة مع الفعل ونقضوا قولهم إنها قبل الفعل،
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 100/ 1 و.
2 المصدر نفسه: ج 100/ 1 و -ج 35/ 2 ظ. 3 - المصدر نفسه: ج 100/ 1 و.
4 - المصدر نفسه: ج 35/ 2 ظ.
5 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 103/ 2. الجيطالي: شرح النونية: ج 35/ 2 ظ.
-317 - (1/317)
صفحة 318
وإن قالوا: إرادة الكفر وإرادة الإيمان ليست منهما فقد خرجوا من المعقول لأنّ
إرادة الكفر من الكفر، وإرادة الإيمان من الإيمان.
(1)
هكذا والإرادة والمشيئة من صفات القادر لأن "القادر إذا شاء أن يكون شيء كان، وإذا شاء أن لا يكون لم يكن، كما أن من صفات العاجز إذا شاء أن يكون شيء فلا
يثبت الجيطالي الله تعالى الإرادة والمشيئة لينفي عنه الاستكراه والعجز،
يكون، وإذا شاء أن لا يكون كان فهذا مغلوب والأول غالب
إرادة العبد وقدرته على اكتسابه الفعل واختياره لينفي عنه الجبر.
(2) كما يثبت
وإذا كان التزام الوسطية في موقف ما، وعدم الميل والجنوح إلى أحد الطرفين أمرا صعبا للغاية لا سيما في قضية شائكة كقضية أفعال الإنسان فإنّنا نستبين من خلال نقد الجيطالي لدعاة الاختيار والقائلين بالجبر مدى اعتداله أو ميله إلى أحد التيارين.
3 - نقده للمعتزلة والجبرية
بين الجيطالي أن موطن خطا المعتزلة والجبرية راجع إلى عدم اعتبارهم جهات الإضافة في الأفعال يقول: فعمدوا إلى علّتين مفترقتين فجعلوها علة واحدة، ولم يعتبروا أن جهة الخلق والتقدير والتدبير مضافة إلى الله تعالى، وجهة التحرك والسكون والطاعة والمعصية مضافة إلى العباد (3) وقد أولى أبو عمار عبد الكافي مسألة العلم بالجهات في الأفعال أهمية بالغة واعتبره هو: "عمود هذا الباب الذي يرفع عليه سمكه، وأسسه الذي تقوم عليه دعائمه
بعد أن ضبط الجيطالي علة خطا الفريقين شرع في مناقشتهم.
1 الجيطالي: شرح النونية: ج 35/ 1 ظ-36 و.
2 - المصدر نفسه: ج 99/ 1 ظ.
3 - المصدر نفسه: ج 15/ 2 ظ.
4 أبو عمار عبد الكافي: الموجز، تحقيق عمار طالبي: ج 42/ 2.
-318 - (1/318)
صفحة 319
21
أ- مناقشته للمعتزلة
يقول القاضي عبد الجبار: "اتفق أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم، وقيامهم، وقعودهم حادثة عن جهتهم، وأن الله عزّ وجلّ أقدرهم على ذلك ولا فاعل لها، ولا محدث سواهم، وأن من قال بأن الله سبحانه خالقها ومحدثها فقد عظم خطوه (1)
هكذا يقرر المعتزلة أن العبد حرّ في إرادته، فاعل لأفعاله، لا فاعل لها غيره، ولا محدث لها سواه لاستحالة أن يصدر فعل من فاعلين (2)، ثم وقفوا من الجبر الخالص والمتوسط موقف الرفض، ولقد بلغ ببعض مشايخهم من استعظامهم للجبر أن أكفر المجبر، وأكفر الشاك في كفره والشاك في الشاك، وكل ذلك استعظاما للمجبر، وتتريها الله عن الظلم. (3)
استعرض الجيطالي حجج المعتزلة في إثبات حرية الإرادة، وعقد لها في كتابه "شرح النونية" فصلا خاصا لمناقشتها، والردّ عليها (4). وقد استدل على خلق أفعال العباد بأدلة كثيرة نوجزها فيما يأتي (5):
من القرآن قوله تعالى: والله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل () وقوله تعالى: و خلق كل شيء فقدّره تقديرا ره تقدير ان کي (1)
1 - د/ أحمد صبحي: في علم الكلام ج 149/ 1 نقلا عن القاضي عبد الجبارة المغني في أبواب التوحيد
والعدل: ج 41/ 6.
2 أبو الحسين الخياط: الانتصار، تحقيق د/نيبرج: 29 - 82.
3 - المصدر نفسه: 67. فإذا كانت المعتزلة اتفقت على أن الإنسان هو محدث أفعاله وخالقها بدافع إثبات
العدل الإلهي وتتزيهه عن الظلم، فإننا نجد في الجهة المقابلة أن القائلين بخلق الله لأفعال العباد التوحيد الخالص وتتزيه الله عن الشركاء في الخلق والاختراع والقدرة.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 15/ 2 ظ وما بعدها.
5 - المصدر نفسه. الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 303/ 1.
كان
بدافع
6 - سورة الزمر، الآية: 62
7 - سورة الفرقان الآية: 2.
-319 - (1/319)
صفحة 320
وبين أن فحوى الآيتين يتضمن الامتداح والاختراع لجميع الأشياء، ولو
كان غيره خالقا لساغ أن يقال له خالق كل شيء على الامتداح، فيكون المراد لبعض الأشياء دون بعض، فلما بطل أن يقال له خالق كل شيء، بطل أن يكون خالقا لفعله، ويعلّل الجيطالي ذلك لأنّ الله تعالى يقول: وأم جعلوا الله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كلّ شيء وهو الواحد القهار (1) فأخرجها على المدح والعموم.
(2)
وآيات أخرى - كقوله تعالى: والله خلقكم وما تعملون (3)
- وقوله تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم
بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو
اللطيف الخبير (4)
- وقوله تعالى: وقدرنا فيها السير (5)
- وقوله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكي (6)
- أما من السنة: قول النبي: لو رأيتم الرفق لرأيتم خلقا لم تروا من
خلق الله شيئا أحسن منه، ولو رأيتم الخرق لرأيتم خلقا لم تروا من خلق الله شيئا
أقبح.
منه
(7) 11
فالرفق فعل الرفيق يحمد عليه، والخرق فعل الأخرق يذم عليه.
1 - سورة الرعد، الآية: 16.
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 16/ 2 و.
3 - سورة الصافات، الآية: 96.
-4 - سورة الملك، الآية: 13 - 14.
5 - سورة سبأ، الآية: 18. 6 - سورة النجم، الآية: 43.
-7 - لم أجده في الموسوعة الذهبية الميسرة للحديث النبوي وعلومه.
320 (1/320)
صفحة 321
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو المسعر القابض الباسط" (1)
وذلك حين سئل عن التسعير والتسعير فعل المسعر.
- وقول النبي في دعائه لرجل: "اللهم نقه
من
الذنوب كما تنقي الثوب الأبيض من الدنس (2) والعباد يغسلون الثياب وينقونها
فدل الحديث على أن الغسل والتنقية من العباد عمل، ومن
الله خلق
(3)
- أما من الإجماع: قد اجتمعت الأمة على أن الله خالق وما سواه مخلوق، واجتمعت على أن قوله تعالى: خالق كل شيء (*) يفيد العموم، وقوله تعالى: وأوتيت من كل شيء (5) ونظائر ذلك في القرآن أنها تفيد الخصوص.
(6)
من العقل: أثبت الجيطالي أن الله تعالى هو الذي جعل الفعل على كيفيته التي وجد عليها يقول: "لا يمكن أن يدعي أحد أنه هو الذي جعل الفعل على ما هو به غير محتمل للبقاء، ولا مشاهد بالعيان ولا يوصف يلون من الألوان، ولا يزعم أحد أنه يقدر أن يجعل الكفر إيمانا ولا الطاعة عصيانا، ولا الإساءة إحسانا ولا يقدر أن يجعل الإيمان قبيحا متناقضا مذموما، ولا الكفر حسنا مزيّنا، وأنه لا يقدر على تبديل السكون حركة، ولا الحركة سكونا، فلما بطل هذا صح أن الله هو الذي جعل الفعل على ما هو به في كيفيته، والجعل الله خلق (7). من
ويدعم الجيطالي قوله بأن الجعل من الله خلق بآيات قرآنية:
1 - أخرجه الترمذي: كتاب البيوع عن رسول الله، باب ما جاء في التسعير: ج 605/ 3، رقم: 1314. 2 - أخرجه مسلم كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت في الصلاة: ج 662/ 2، رقم: 963. (مع اختلاف في اللفظ)
الجيطالي: شرح النونية: ج 16/ 2 و.
4 - سورة الأنعام، الآية: 102.
5 - سورة النمل، الآية 23 6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 16/ 2 و.
7 - المصدر نفسه: ج 16/ 2 ظ.
- 321 - (1/321)
صفحة 322
كقوله تعالى: وجعل لكم سرابيل تقيكم الحرية (1) والسرابيل صنعة الخلق. وقوله تعالى: وجعل بينكم مودة ورحمة (2) حيث أضاف الجعل إلى
نفسه في المودة والرحمة وهي أفعال العباد.
وقوله تعالى: وقدرنا فيها السير سيروان (3)
وقوله تعالى: وهو الذي يسيّركم في البر والبحر) والسير فعل العباد فأضافه إليه. وقوله تعالى: فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى (5) وهو جمع بين النفي والإثبات ظاهرا، فكأنه قال: وما رميت بالمعنى ميکي الذي يكون به الرب راميا إذ رميت بالمعنى الذي يكون به العبد راميا، فرد الله تعالى في هذه الآية على المعتزلة والمجبرة. (6)
من القياس: صاغه على الشكل الآتي: "إن الأفعال شيء محدث بإجماع،
فكل محدث مخلوق، فلو جاز أن يكون شيء محدث غير مخلوق لجاز أن يكون قديم غير خالق فلما بطل هذا صح أن كل محدث مخلوق.
(7) 11
و من الآيات التي استدلت بها المعتزلة قوله تعالى: ولا يرضى لعباده
الكفر (8) يؤوّلها الجيطالي بأن الله تعالى صادق، فهو لا يرضى من عباده الكفر ولا يأمرهم به، وأمّا الخلق فقد خلق الكفر وأراده من العباد خلقا لا أمرا، ولم يعمل
-1 سورة النحل، الآية 81.
-2 سورة الروم، الآية: 21.
3 - سورة سبأ، الآية: 18 - 4 - سورة يونس، الآية: 22.
5 - سورة الأنفال، الآية: 17.
-6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 16/ 2 وظ. القناطر: تحقيق النامي: القسم 304/ 2
- الجيطالي: شرح النونية: ج 16/ 2 ظ.
8 - سورة الزمر، الآية: 07.
322 (1/322)
صفحة 323
أحد
العباد عملا من خير أو شرّ، أو طاعة أو معصية إلا وقد شاءها الله، من وأرادها خلقا لا إرادة، ولا مشيئة محبة (1). وأيد تأويله بكلام أبي عبيدة مسلم، قال أبو سفيان محبوب بن الرحيل: "كان أبو عبيدة يقول إن الله أمر بالطاعة، وأحبها، ورضيها، وزينها، فمن عمل بما فبعلم الله والله المنان عليه، ويقول: إن الله نهي عن المعصية، وأبغضها، وكرهها، وقبحها فمن عمل بما فبعلم الله، والله عليه الحجة (2) فمن خلال ما تقدّم ظهر لنا أن الجيطالي لم يقبل برأي المعتزلة لكونه يتعارض مع الإقرار الجازم بالقدرة الإلهية المطلقة في ملكه وملكوته، وبعلمه المحيط بكليات الأشياء وجزئياتها، فللإنسان قدرته وإرادته إلا أنهما محدودتان متعلقتان
بقدرة الله جل علاه.
ب مناقشته للجبرية
عرف الشهرستاني الجبر بأنه هو: نفي الفعل حقيقة عن العبد، وإضافته إلى الرب تعالى (3) وقسم الجبرية إلى قسمين: "الجبرية الخالصة وهي التي لا تثبت للعبد فعلا، ولا قدرة على الفعل أصلا، والجبرية المتوسطة هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلا، فأما أثبت للقدرة الحادثة أثرا ما في الفعل، وسمى ذلك كسبا من
(4) 11
فليس بجبري لقد استعرض الجيطالي مذهب الجهمية التي تنفي الإرادة الإنسانية بالكلية، وترى أن الإنسان مطبوع على أعماله، مجبور على أفعاله، وما ينسب إليه من أفعال
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 16/ 2 ظ.
2 - المصدر نفسه.
3 الشهرستاني: الملل والنحل: 85 وأصل التسمية بالجبرية أو المجبرة كان من إطلاق المعتزلة على الذين يزعمون أن العبد ليس قادرا على فعله وهي فرق الجهمية النجارية الضرارية، البكرية. ر. الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 338/ 1. الرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: 89 وما بعدها. -4 - الشهرستاني: الملل والنحل: 85
- 323 - (1/323)
صفحة 324
ليست على الحقيقة بل هو على المجاز، كقولهم مات الميت نبت الزرع، هبت الريح، سقط الجدار ... فهذه الأشياء سميت فاعلة على المجاز، فالله هو الفاعل الحقيقي وحده: أمات الميت، أنبت الزرع وغير ذلك (1) واستدلت على رأيها بما يأتي: (2)
من القرآن: قوله تعالى: فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء (3) وقوله تعالى: وبل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (4)
وقوله تعالى وختم الله على قلوبهم (5) وفي أمثال هذه الآيات.
من العقل سلكت الجهمية طريق السبر والتقسيم لإثبات أن الله هو الفاعل
الله
يجميعه،
وحده قالت: "لما وجدنا العقل غير متصرّف بهذه الجهات المذكورة ولا يحتمل التجزئة، قلنا لا يخلو أن يكون مضافا إلى العبد بجميعه، أو يكون مضافا إلى فبطل أن يضاف إلى العبد لعجزه أن يجعله على ما هو عليه، فلما بطل هذا صح أ
مضاف إلى الله تعالى بجميعه لأنه خلقه وجعله في قلوب العباد فأضلّهم وهداهم وقد ارتكز نقد الجيطالي للجبرية على النقاط الآتية:
(6) 11
انه
1 - هدم الجهمية لقاعدة إجماع الأمة على أن الله عدل، لا ينسب إليه جور،
(7)
وذلك بتبرئة أنفسهم من الإساءة والإحسان، ووصفهم الله تعالى بالظلم والعدوان. 2 اعتراضه عليهم بقوله: "أخبرونا عن الله تعالى هل يجوز في حكمته أن
يكلّف الأعمى أن يبصر في حالة العمى؟ فإن قالوا: إن ذلك لا يجوز في الحكمة
1 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 338/ 1. الجيطالي شرح النونية: ج 15/ 2 ظ. 2 الجيطالي: شرح النونية: ج 15/ 2 ظ.
3 - سورة فاطر، الآية: 08.
4 - سورة النساء الآية: 155.
5 - سورة البقرة الآية: 07. 6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 15/ 2 ظ.
7 - المصدر نفسه.
324 (1/324)
صفحة 325
لأنه ممنوع البصر. قيل لهم: فما معنى قولكم إن الله أجبركم على أفعالكم، وليست لكم فيها قوة ولا قصد ولا إرادة؟ فإن قالوا: لا افتضحوا وإن قالوا: بلى، كانت لنا في أفعالنا قوة وجعلناها بشهوة وقصد وإرادة فقد نقضوا أصلهم في الجبر، لأن المجبر مضطر ليس له قصد ولا إرادة. (1)
هي
في
-3 إلزامهم بنسبة الظلم إلى الله تعالى يقال لهم: ما معنى قولكم ليست لنا أفعال على الحقيقة، إنما الله نسبت إلينا مجازا؟ هل تزعمون لو أن قائلا قال: الله صاحبة أو ولد، وكذب عليه في صفته أن تلك الأفعال ليست له، وإنما هي الحقيقة الله تعالى، فإن قالوا: نعم. قيل لهم فلم ذمّ الله المشركين في إضافتهم تلك الأشياء الله؟ فإن قالوا: نسب إليهم ما لم يفعلوه ولم يقولوه. فقد وصفوه بالظلم، وخرجوا من الدين -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولابد لهم من الإقرار بأن الله خلق أفعالهم، وعذبهم على اكتسابهم إياها لا على خلق تلك الأفعال (2)
4 - بضرورة العقل والمشاهدة الحسية يفرق الإنسان بين الحركة الاختيارية التي يقوم بها الصحيح ختارا لها دون مانع وبين الرعدة الضرورية التي تقع منه دون اختياره، وإرادته. يقول الجيطالي: كيف يكون الفعل جبرا محضا وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية؟ " (3)
-5 - اتخاذ الجيطالي من الأمر والنهي، والحمد والذم، والعقاب للعاقلين دليلا بينا على اكتساب العباد لأفعالهم، ونفى الجبر عنهم.
(4)
6 - تبيينه مفهوم المشيئة الإلهية بأنها لا تعني إجبار العباد على أفعالهم وإكراههم عليها، ونفي الاكتساب عنهم، كما أن العلم الإلهي والإرادة الإلهية لا يجبران أحدا
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 17/ 2 ظ.
2 - المصدر نفسه.
-3 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 304/ 1.
4 - المصدر نفسه.
-325 - (1/325)
صفحة 326
على فعله، ولا ينفيان عنه ما فعل، فلا تعارض إذن بين علم الله ومشيئته، وبين إرادة الإنسان واختياره. (1) ويوضح الشيخ محمد الغزالي هذا المعنى الخفي بأسلوب جلي عند جوابه عن سؤال: كيف يتفق القول بحرية الإرادة، والقول بأن أعمالنا لن تخرج عن دائرة العلم الإلهي المحيط الشامل؟ يقول: "والجواب" سهل: قف أمام مرآة بحلوة صافية وأنت عابس الوجه، مقطّب الجبين فماذا ترى؟ سترى صورتك كما
هي
قد
عابسة مقطبة. أيُّ ذنب للمرآة في ذلك؟ إن مهمتها أن تصف، وتكشف، وهي صدقت فيما أثبتت لك؟ ولو كنت ضاحك الوجه لأثبتت لك على صفحتها خيالا ضاحكا لا شك فيه، وكذلك صفحات العلم الإلهي، وسرائيه لا تتصل بالأعمال تصال تصريف وتحريك ولكنه اتصال انکشاف، ووضوح، فهي تتبع العمل، ولا يتبعها العمل. غاية ما يمتاز به العلم أنه لا يكشف الحاضر فقط، ولكنه يكشف كذلك الماضي والمستقبل، فيرى الأشياء على ما كانت عليه، وعلى ما ستكون عليه
كما يراها وهي
كائنة سواء بسواء
(2) 11
7 - تأويله للنصوص التي استدلت بها الجبرية، وهي تتمثل فيما يأتي:
معنى قوله تعالى: فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء (3) قسم
الجيطالي شأن الإباضية الهدى من الله إلى ضربين
(+).
أحدهما: على معنى البيان والدعاء كقوله تعالى: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على المدى (5) أي بينا لهم، وقوله تعالى: إنا هديناه السبيل له (1)
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 17/ 2 ظ.
-2 - محمد الغزالي: عقيدة المسلم، ديوان المطبوعات الجامعية بن عكنون الجزائر، (د. ت): 100.
-3 - سورة فاطر، الآية: 08.
-4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 33/ 2 و، 36 وظ.
5 - سورة فصلت الآية: 17.
-6 - سورة الإنسان الآية: 03.
-326 - (1/326)
صفحة 327
وقوله تعالى: وهديناه النجدين (1) وهذا عام لجميع الناس، وقد يكون بمعنى الدعاء كقوله تعالى: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (2) أي وإنك لتدعو. الثاني: على معنى العصمة والتوفيق للمؤمنين خاصة، وإيجاد الله الإيمان في
قلوبهم لقوله تعالى: ومن يهد الله فهو المهتدي) (3)
(7)
ثم بين الجيطالي أن الضلال هو فعل العباد وكذلك الهدى، فالله تعالى أضلهم باكتسابهم الضلال الذي هو فعلهم، وهداهم أي أرشدهم، ووفقهم باكتسابهم الهدى الذي هو فعلهم كما قال تعالى: والذين اهتدوا زادهم هدي) وقوله أيضا: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم (5) ومعنى قولهم أضلهم أي خلق ضلالهم كقوله تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) فالإضلال فعل الله، والضلال فعل العبد معنى قوله تعالى: وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) وقوله أيضا وبل طبع الله عليها بكفر هم () أول الجيطالي معنى الآيتين بأنّ الله جعل الكفر الذي اكتسبوه في نفسه خاتما طابعا على قلوبهم حيث جعله في عينه مخالفا لعين الإيمان مضادا له، فهما لا يجتمعان في قلب ولا سمع ولا جارحة. فكسب الكافر الكفر وفعله إياه هو المانع له والطابع لقلبه، والخاتم على سمعه وبصره حتى لا يقدر أن يفعل الإيمان في حال فعله للكفر، فأضاف ذلك الله
(8)
1 - سورة البلد، الآية: 10.
-2 سورة الشورى الآية: 52 - 3 - سورة الأعراف الآية: 178.
4 - سورة محمد، الآية: 17.
5 - سورة يونس، الآية: 09.
-6 - سورة الصف الآية: 05. - الجيطالي: شرح النونية: ج 33/ 2 و.
8 - سورة البقرة، الآية: 07.
9 - سورة النساء الآية: 155
-327 - (1/327)
صفحة 328
تعالى إلى نفسه، إذ جعل الكفر في عينه مخالفا للإيمان مضادا له، لا يقاومه، ولا
يجتمع معه في قلب ولا سمع ولا بصر ولا جارحة. (1)
- معنى قول الرسول: "لن يدخل الجنة أحد بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته". (2)
الذي هو
الله يعينه
فسره الجيطالي بأن الرسول عليه السلام أراد أن أحدا لن ينال شيئا من الخير طاعة الله، ولا يستعصم عن شيء من معصيته فيدخل بذلك الجنة إلا أن على ذلك، ويوفقه، ويغمده الله برحمته التي لا يخيب من تغمده بها. وعلى هذا المعنى أمر الله المومنين أن يدعوه ويقولوا واهدنا الصراط المستقيم (3) وهذا من باب العون والهداية منه تعالى لأوليائه لا على ما ذهبوا إليه من والاضطرار فيكونون مجبرين مضطرين لا يُحمدون ولا يُذمون (4)
الجبر
ويبرز الجيطالي الدافع الذي ألجأ الجهمية إلى هذا القول وهو "إجلال لربهم ألا ينسب إليهم فعل شيء. فأزالوا بذلك عن أنفسهم ما أضافه إليهم حيث يقول: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ... (5) وقوله تعالى: جزاء بما كانوا يعملون (6) وفي أمثالها من القرآن فوصفوا الله تعالى بالجور والظلم
بهذا النقد تصدّى الجيطالي للفكر الجبري الذي تبناه الجهم، وأظهر تهافته، وهو فكر ردّ عليه جلّ علماء الكلام، وأنكروه نظرا لنتائجه الخطيرة على المجتمع الإسلامي،
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 33/ 2 و.
2 - أخرجه البخاري: كتاب المرض، باب: فهي تمني المريض الموت: ج 2147/ 5، رقم: 5349. (مع اختلاف في اللفظ)
-3 سورة الفاتحة الآية: 06.
-4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 17/ 2 ظ.
5 - سورة التوبة، الآية: 105.
-6 - سورة الواقعة، الآية 24 7 - الجيطالي: شرح النونية: ج 18/ 2 و.
-328 - (1/328)
صفحة 329
وما ينجم عنه من سلبية، وتخلف، وحمود، وتعطيل للقدرات، واستسلام للأوضاع القاهرة، وتبرير كل ذلك بالأقدار والاعتذار بالأقدار من شأن الضعفاء كما يقول د/ محمد إقبال (1877 - 1938 م) في بيت له "المسلم" الضعيف يعتذر دائما بالقضاء والقدر، وأما المؤمن القوي فهو بنفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يردّ ... وإذا أحسن
المؤمن تربية شخصيته، وعرف قيمة نفسه، لم يقع في العالم إلا ما يرضاه ويحبه (1) وإذا كان الجيطالي رفض الجبر بالكلية فإنّنا نراه يستعمل مصطلحا آخر هو "الجبل" فما مدلول هذا المصطلح؟ وما الفرق بينه وبين الجبر؟ وما علاقته بالاختيار؟
-4 مفهوم الجبل ورأي الإباضية فيه
يذكر الجيطالي أن مصطلح "الجبل" قد ورد استعماله في الشرع ومن بين ذلك: (2) قوله تعالى: ولقد أضل منكم جبلاً كثيرا (3) أي خلقا كثيرا. وقوله أيضا: واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (*) أي خلقة الأولين. قول الرسول العبد الله الأشج: فيك خصلتان يحبهما الله تعالى، فقال
عبد الله: ما هاتان يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: الحلم والأناة، فقال عبد الله: يا رسول الله أشيء حدث أم جُبِلتُ عليه؟ فقال: بل جُبِلت عليه
(5)
وقوله عليه السلام: جبلت" هذه القلوب على حب من أحسن إليهـ
وبغض من أساء إليها" (6) فأخبر أن القلوب مجبولة. (7)
1 - أبو الحسن الندوي: روائع إقبال، دار الشهاب للطباعة والنشر، باتنة، الجزائر، 1986 م: 101.
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 18/ 2 و.
3 - سورة يس، الآية: 62. 4 - سورة الشعراء، الآية: 184.
5 - أخرجه أبو يعلى في المسند: ج 245/ 12، رقم: 6350.
6 - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: كتاب العاشر من شعب الإيمان، باب: معنى المحبة: ج 381/ 1، رقم: 466.
7 - الجيطالي: شرح النونية: ج 18/ 2 و.
329 (1/329)
صفحة 330
(1)
وقد بين مشايخ جبل نفوسة (1) معنى "الجبل" بأن "الله خلق العباد، وكلّفهم الطاعة، وأمرهم بها، وأوجب لهم عليها الثواب، ونهاهم عن المعصية، وأوجب لهم عليها العقاب. وهو العالم في الأزل بما يعملون، ولا يجاوزون علمه، فأي ما فعلوا طاعة أو معصية بقصد واكتساب فالله خلقه منهم، وخلق قصدهم وحركاتهم واكتسابهم، ولا ينقض علمه فيهم، فخلق العباد على هذا المعنى، وجبلهم عليه فهم مخلوقون، مفطورون، مطبوعون على أن يعملوا ما علم الله منهم قبل أن يعملوه"
من
"
(2) 11
ويرى إباضية المغرب (3) أن القول بالجبل نوع من الجبر ولا فرق بينهما،
فأثبتوا الاختيار والاكتساب، وأبطلوا الجبر والجبل، يقول أبو عمرو عثمان السوفي: ستة أشياء مبطلة للجبل والجبر، مثبتة للاختيار والاكتساب: الأمر والنهي، والمدح والذم والثواب والعقاب
(4) 11
منهم
واستنادا إلى نصوص القرآن والسنة التي ذكرت الجبل اعتبر الجيطالي قول إباضية جبل نفوسة بأن العباد مجبولون أي مخلوقون) أن يعملوا ما علم الله قبل أن يعملوه اعتبره قولا صحيحا شريطة أن لا يذهبوا في معنى الجبل إلى أنه الجبر والاضطرار (5). ويعلّل ذلك لأنّ المجبر" مضطر، وليس له في الحقيقة فعل لأنه أجبر على ذلك كرها بغير قصد ولا اكتساب (6).
هكذا جعل الجيطالي الجبل وسطا بين الاختيار والجبر، وقد ناقش مثبتي
1 - من المشائخ الذين ذكرهم الجيطالي: أبو هارون الجلالمي (عاش ق 3 هـ / 9 م)، أبو يحيى سليمان بن ماطوس (عاش ق 3 هـ (9 م)، أبو عبد الله بن أبي عمرو التندميرتي عاش ق 4 هـ /10 م)، أبو يحيى الفرسطائي (عاش ق 4 هـ / 10 م). ر. الجيطالي: شرح النونية: ج 18/ 2 و.
2 - المصدر نفسه.
3 - يقصد بذلك الجنوب التونسي ومنطقة الجريد وأريغ ووارجلان ومزاب.
-4 السوفي: السؤالات: 176 5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 18/ 2 و.
6 - المصدر نفسه.
-330 - (1/330)
صفحة 331
الاختيار من أهل المغرب في محاورة بنيت على الإلزامات نلخص نتائجها فيما يأتي: (1) - أن الله علم بأعمال العباد قبل أن يعملوها، وشاء وأراد أن يكون ما
علم منهم حال الفعل.
- لا يختار العبد من الأفعال غير ما علم الله منه، وأراده أن يفعله. اختيار العبد هو ما اختاره الله وأراده، لأن الاختيار شيء، وخالق الأشياء هو الله.
- واستدل على إثبات الجبل بأدلة
-
(2).
هي.
قوله تعالى: ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك
الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا، خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (3) ففي هذا بيان أن الله قدر الأمور كلها، وهي تجري على مقاديره.
وقوله تعالى: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا
يومنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم و قران (*) أي لم يستطيعوا الوصول إلى القرآن بالحجاب الذي جعل بينه وبينهم، و لم يجيبوه بما جعل في آذانهم.
- وقوله تعالى: إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا
يومنون (5) فحق عليهم القول قبل أن يخلقهم.
- وقوله تعالى: وفاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا
من سبق عليه القول (6)
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 18/ 2 ظ-19 و.
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 18/ 2 ظ-19 و. -3 - سورة المائدة، الآية: 41.
- سورة الإسراء، الآية: 45 - 46
5 - سورة يونس الآية: 96 - 6 - سورة المومنون، الآية: 27.
331 (1/331)
صفحة 332
وقوله تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله (1)
يتجلى لنا مما سبق أن الجبل أن الجبل عند الجيطالي هو تضييق لمجال اختيار الإنسان
الذي لا يكون إلا في حدود ما اختاره الله وأراده له قبل أن يخلقه. فلا يتوهم
أنه شخص يختار أمرا لم يختره الله، ولم يرده من أجل ذلك رفض الجيطالي أن يكون لمصطلح الاختيار الانساني مفهوم حقيقي أو مطلق في الواقع، يقول: "وليس للاختيار أصل في القرآن ولا في السنة، وقد قال الله تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة (2) فأضاف الاختيار إلى نفسه، ونفاه عن العباد، وقال تعالى: وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم (3) فإن كان معنى الاختيار عندهم على مجاز اللغة كقول الشاعر:
الدار جنة عدن إن عملت بما
هما محلان ما للناس غيرهما
الحقيقة. (4)
يرضي الإله وإن خالفت فالنار
فاختر لنفسك ماذا أنت مختار
فهذا في اللغة سائغ على المجاز لا على من خلق للنار يختار الجنّة على ومن جهة أخرى فقد برأ الجيطالي القائلين بالجبل من الجبر يقول: "وأما من رمى المسلمين بالجبر، فمعاذ الله أن يكون ذلك من قولهم، إنما قول المسلمين إن الله لم يجبر أحدا من خلقه، ولا استكرهه على طاعة ولا على معصية، ولكنه قد علم من يعمل بالطاعة ومن يعمل بالمعصية قبل أن يخلق خلقه، فأراد أن ينفذ ما أحدا فيجبره، إنما يجبر العاجز الذي لا يفعل له ما يريد
علم منه، ولم يمنع منهم تعالى الله عن
ذلك علوا كبيرا (5)
1 - سورة الأعراف، الآية: 188.
2 - سورة القصص، الآية: 68.
-3 - سورة الأحزاب الآية: 36. 4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 18/ 2 ظ.
5 - المصدر نفسه.
-332 - (1/332)
صفحة 333
من
نقد وتعقيب إن الجيطالي تمسك بالجبل لا بالجبر، وحرص على استعمال هذا اللفظ لأنه الألفاظ الشرعية التي وردت في الكتاب والسنة وليس غريبا. وعند تفحص معناه الاصطلاحي يتبين أنه لا يعترض مع القول بالكسب إلا أن دعاة الجبل ركزوا الحديث على جانب العلم الإلهي، والاختيار الإلهي، والإرادة الإلهية، والخلق، ونفوا الاختيار عن الإنسان لأن الأخير الحقيقي هو الله تعالى، ولا ينسب الاختيار إلى الإنسان إلا على سبيل المجاز، وهذا ما جعل نظرية الجبل تتسم بمسحة وإن حاول دعاة الجبل التبرؤ منه بالتفريق بينهما. فإذا كان دعاة الجبل نفوا الاختيار
من الجبر،
الله
عن الإنسان، فإن دعاة الجبر نفوا الفاعلية عنه باعتبار أن الفاعل الحقيقي هو تعالى ولا ينسب الفعل عندهم إلى الإنسان إلا مجازا، وبين القولين تقارب جلي. يقول الجعبيري: "نحس" أن منزلة القائلين بالجبل أقرب إلى الجبر، وإن لم يقل أصحابها به بينما منزلة القائلين بالاختيار أقرب إلى موقف المعتزلة وإن لم تصل إلى درجتهم في تخصيص العبد بالفعل". (1)
ويبدو أن الجيطالي قد بالغ حين ذكر أن الاختيار المنسوب إلى الإنسان لا أصل له في القرآن والسنة بيد أننا نجد فيهما نصوصا تصرح بلفظ الاختيار، وأخرى تشير إلى حقيقته ومفهومه، فالعبرة بالمعاني لا بالألفاظ، ومن بين ذلك:
-
-
قوله تعالى: واختار موسي قومه سبعين رجلا لميقاتنا (2)
وقوله تعالى: فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها (3)
وقوله تعالى: ولا إكراه في الدين (4) فنفي الجبر والإكراه هو إثبات للاختيار.
1 - الجعبيري: البعد الحضاري: ج 452/ 2.
-2 سورة الأعراف الآية: 155.
-3 - سورة يونس الآية: 108. -4 سورة البقرة الآية: 256
-333 - (1/333)
صفحة 334
ومن أساء فعليها دي
- وقوله تعالى: ومن عمل صالحا فلنفسه وقوله تعالى: كل نفس بما كسبت رهينة (2)
-
-
وقوله تعالى: فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر (3)
وقوله: "تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم"
(4) 11
فمحاولة تقيّد الجيطالي باللفظ الوارد في الشرع، وترك ما لم يرد فيه كما
هو حال طريقة السلف ليس أمرا ضروريا لأنّ الأولى اختيار اللفظ الدال على المعنى
المراد سواء ورد به الشرع أو لم يرد لأن المسألة ليست توقيفية.
وجليّة الأمر أن موقف دعاة الجبل الذي انتصر له الجيطالي لم يشهد له
(5)
انتشار لانتقاده من قبل مشايخ المغرب الذين كان موقفهم هو الذين
الفكر الإباضي
(6)
الغالب على
وما يمكن أن نسجله في هذا الموضوع هو استناد كل من دعاة الجبل والجبر، ودعاة الاكتساب والاختيار إلى آيات قرآنية (7)، كما أن الآية الواحدة قد يتناولها كل فريق بقراءة مختلفة، وبتأويلات متضاربة.
1 - سورة فصلت، الآية: 46.
2 - سورة المدثر، الآية: 38.
- سورة الكهف، الآية: 28.
4 - أخرجه ابن ماجه في السنن: كتاب النكاح باب الأكفاء ج 633/ 1، رقم: 1968.
- أبو خزر: الردّ على جميع المخالفين، تحقيق النامي 51 تبغورين أصول الدين: 377 ملحق ضمن رسالة الأستاذ الشيهاني حمو). أبو يعقوب المصعبي: حاشية على أصول الدين لتبغورين، تحقيق الشيهاني حمو: 175. 6 - الجعبيري: البعد الحضاري: ج 452/ 2. 7 - الآيات التي استدل بها دعاة الجبر والجبل هي: [الأنعام: 125] [البقرة: 65] [هود: 36]، [السجدة: 13]، [التوبة: 15]، [الأعراف: 188] [المائدة: 41]. والآيات التي استدل بما دعاة الاكتساب والاختيار هي: [النساء: 110 - 111]، [يونس: 31 108]، [الأنعام: 104] [الكهف: 4628]، [المدثر: 41]، [فصلت: 40]. ر. الخياط: الانتصار، تحقيق نيبرج: 122121، د/ أحمد محمود صبحي: في علم الكلام ج 1/ 150 - 151، جميل. م. منيمنة: مشكلة الحرية في الإسلام دار الكتاب لبنان بيروت ط 1، 1974 م: 25 - 26.
334 (1/334)
صفحة 335
22
هذا الاختلاف قد فتح الباب أمام أعداء القرآن بأن ينعتوه بالتناقض
والتعارض، يقول المستشرق "جولد" "تسهير"
(1) n
عن
مسألة الجبر والاختيار: "وليس
في الإسلام على ما نرجّح مسألة مذهبية يمكن أن نستخلص من شأنها من القرآن
شيء
تعاليم متناقضة كتلك التي نبحثها (2) فحاشا لكتاب الله العزيز أن يوجد فيه شـ
(3)
من التعارض والاختلاف ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثير انه لكن القراءة الجزئية والموضعية لا الموضوعية للآيات القرآنية أدت إلى توهم التعارض فعجزت العقول إلا من رحم ربي عن الإدراك الشامل لمعاني هذه الآيات،
والوصول إلى فهم سليم.
1 - إجناس جولد تسهير (1266 - 1340 هـ /1850 - 1921 م) مستشرق بحري موسوي. ر. الزركلي
الأعلام: ج 84/ 1.
2 جولد تسهير: العقيدة والشريعة في الإسلام، دار الرائد العربي، بيروت، 1946: 79.
3 - سورة النساء، الآية: 82.
335 (1/335)
صفحة 336
المبحث الثالث
البعد الأخلاقي للقضاء والقدر
مزج الجيطالي بين أصول الدين والأخلاق، وجعل منهما حقيقة واحدة، هذا ما يلحظه القارئ خصوصا في مؤلفه قناطر الخيرات"، ولا شك أن هذا المنحى الذوقي في النظر إلى حقائق الدين قد استخلصه الجيطالي ممن سبقه من علماء الإسلام وعلى رأسهم الإمام أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ/1111 م))
الذي ترك أثرا بارزا في الفكر الإسلامي من بعده إلى غاية القرن (9 هـ/15 م).
عند حديث الجيطالي عن "القضاء والقدر" لم يقف عند المسائل التي أثارها المتكلمون وما دار حولها من جدل فحسب بل تجاوز ذلك إلى إبراز ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر في سلوك الإنسان ومعاملاته وهذا ما سنبينه فيما يأتي.
-1 الجمع بين القضاء والقدر وبين الطلب والحذر
تطرق الجيطالي إلى هذه المسألة لغرض ضبط مفهوم "التوكل" الذي له آثاره
العملية على جوانب حياة الإنسان سواء الدينية والفكرية، والاقتصادية. وقد اختلطت أفهام الناس في تحديد هذا المصطلح الأخلاقي فلم تميز بينه وبين "التواكل"، وأي منهما مطلوب اعتقاده؟ فشاع في المجتمعات الإسلامية مفهوم "التوكل" بمعناه السلبي الذي هو ترك الأسباب والتدابير، والاستسلام لما
1 - عن المنحى الذوقي عند الغزالي و. د/ عبد الأمير الأعسم: الفيلسوف الغزالي إعادة تقويم لمنحى تطوره الروحي، دار الأندلس، بيروت، ط 2، 1981 م 83 وما بعدها. د/ أحمد محمود صبحي في علم الكلام ج 2/ 197 وما بعدها.
-336 - (1/336)
صفحة 337
(1)
تجري به المقادير، وقد أسهمت الحركة الصوفية في إذاعة هذا المفهوم. عرف الجيطالي مفهوم التوكل، وبيّن أن معناه مأخوذ من قولك توكل
فلان على فلان وهو أن يتخذه بمنزلة الوكيل القائم بأمره. (2)
وحقيقته هي أخرى: "التوكل هو سكون القلب في ضمان الربِّ
"الثقة بما ضمنه الله, والقطع بكون ما يحكم به (3) أو بعبارة
(4) 11~
وقد أمر الله عباده بالتوكل في نصوص كثيرة (5):
كقوله تعالى: وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده
و کفي به بذنوب عباده خبيران
وقوله تعالى: فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (7)
- وقوله تعالى: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مومنين (38) - وقول الرسول: "لو توكلتم. الله حق توكله لرزقتم كما
يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح
بطانا" (9)
على
فإذا علمنا أن الله تعالى هو ضامن كلّ شيء، يسوق المقادير إلى مواقيتها.
فكيف العمل فيما سبقت به الأقدار؟ وكيف الحذر مما لابد من كونه؟
1 - ابن الجوزي: تلبيس إبليس 355 وما بعدها. (فصل: تلبيس إبليس على الصوفية في ادعاء التوكل وترك
الاحتراز في الأموال)
2 - الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 265/ 3.
-3 - الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 319/ 3. قواعد الإسلام: ج 31/ 1.
4 - الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 265/ 3.
- المصدر نفسه: ج 263/ 3 - 264.
6 - سورة الفرقان، الآية: 58.
- سورة آل عمران 159
8 - سورة المائدة، الآية 23.
9 - أخرجه ابن ماجه في السنن: كتاب الزهد باب التوكل واليقين: ج 1394/ 2، رقم: 4164.
- 337 - (1/337)
صفحة 338
أجاب الجيطالي عن هذا الإشكال مبينا أن القدر والطلب لا يتنافيان، فقد يقدر الله وصول أمر إلى شخص بعد الطلب فلا يصل إليه إلا بعد الطلب، لأنّ الطلب القدر، ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين الطلب، فكلاهما مقدوران من ولا تنافي بينهما. كما أن التوكل والكسب لا يتعارضان، ويعلل ذلك لأن التوكل محله القلب، والكسب محله الجوارح، ولا يتضاد شيئان في محلين مختلفين (1). ويرجع
تضاد
(2) 11
ابن الجوزي سبب اضطراب الناس في هذه المسألة إلى قلة العلم يقول: "قلة العلم أو جبت هذا التخليط، ولو عرفوا ماهية التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب فالتخلي عن الأسباب بدعوى التوكل حسب رأي الجيطالي مراغمة للحكمة، وجهل بسنة الله تعالى. يقول: "فمن ظنّ أن الطلب والاكتساب، والأخذ بالحزم والاحتراز يناقض التوكل فقعد في بيته، وأغلق عليه بابه متوكلا على ربه كان عن العقل خارجا وفي ظلمة الجهل والجا. " (3)
بزعمه،
ويسوق طائفة من النصوص تدعو إلى اتخاذ الأسباب، والأخذ بالحذر منها (4): قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (5)
-
-
وقوله تعالى: وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم (5)
وقوله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) أمر بالطلب، ولم يأمر بالقعود.
1 الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 31/ 1 قناطر الخيرات: ج 318/ 3 - 319.
2 ابن الجوزي: تلبيس إبليس: 355
3 - الجيطالي: قواعد الإسلام ج 32/ 1. قناطر الخيرات: ج 319/ 3.
4 - المصدر نفسه.
-5 - سورة النساء الآية: 71.
6 - سورة النساء الآية: 102.
- سورة الجمعة، الآية: 10.
-338 - (1/338)
صفحة 339
وقوله تعالى: وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيان
(1)
وقول الرسول: "ولو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا (2). فأخبر أنها تروح، وتغدو في طلب أرزاقها من غير أن يحملها لها إلى أو كارها. (3)
وحديث الرجل الذي جاء إلى النبي الله على ناقة له، فقال: يا رسول الله، أدعُها وأتوكل؟ فقال: اعقلها وتوكل
(4) 11
واستدل الجيطالي أيضا من سيرة الرسول الله أنه ظاهر بين درعين، واتخذ خندقا حول المدينة يستظهر به ويحترس من العدو، وأقام الرماة يوم أحد يحتفظ بسم من الكفار، ويلبس لامة الحرب، واسترقى واكتوى، وأمر بالمداواة (5). فالذي أمر
عباده بالتوكل عليه أمرهم بالطلب والحذر وفي هذا دلالة واضحة على ارتفاع
التعارض بينهما.
2 - أركان الدين
جعل الجيطالي أركان الدين أربعة، يتعلق جميعها بالقضاء والقدر وهي:
أ- الاستسلام لأمر الله
(6).
ويراد به الخضوع الله تعالى وحقيقته هي: "أن يلجئ العبد أموره التي يرجوها كأنه إلى الله تعالى، ويستسلم له قبل وقوع الحكم، فإذا وقع رضي به، يريده فيتبع
1 - سورة مريم الآية: 25
2 - تقدم تخريجه: 340 من البحث.
3 - الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 32/ 1.
4 - أخرجه الترمذي في السنن: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع: ج 4/ 698، رقم: 2517.
5 - الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 31/ 1. قناطر الخيرات: ج 319/ 3.
-6 - الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 124/ 1 وما بعدها.
-339 - (1/339)
صفحة 340
أوامره بالامتثال وزواجره بالكفّ والانتهاء وليس مع الله خيار في جميع مقاديره من الأوامر والنواهي في جميع الأحكام، فإذا كان العبد بهذه المنزلة كان مستسلما،
مسلما الله تعالى. " (1)
ب الرضا بقضاء الله
وهو قريب من الاستسلام ومعناه أن يرضى العبد بأوامر الله تعالى، فيمتثلها، ونواهيه ومما قدر عليه من الأمراض والمصائب فيرضى بما، ولا يسخطها، بل يصبر على ذلك محتسبا فيه الأجر والثواب لأن ذلك عدل من
الله وصواب (2) وقد بين الجيطالي أن أفعال الله على وجهين: عدل وفضل، فكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل (3) فعلى العبد أن يعلم ذلك ولا يجور على الله تعالى، ولا يسخط فعله، فإن فعل ذلك فقد هلك وبطل أجره (4). ويعرف أهل العلم الرضا بالقضاء بأنه: "ترك السخط، والسخط ذكر غير ما قضى الله بأنه أولى به, وأصلح له فيما لا يستيقن فساده وصلاحه" (5).
والحكمة من الرضا بالقضاء تتمثل في أمرين: (6)
أحدهما: ليتفرغ العبد للعبادة, لأنه إذا لم يرض بالقضاء يكون مشغول القلب, مهموما أبدا بأنه لم كان كذا وكذا؟ ولم لا يكون كذا وكذا؟ الثاني: خطر ما في السخط من عذاب الله تعالى.
1 - الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 125/ 1.
2 - المصدر نفسه.
-3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 15/ 2 و.
4 - الجيطالي: قواعد الإسلام ج 125/ 1. قناطر الخيرات: ج 341/ 3.
5 - الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 340/ 3.
6 - المصدر نفسه: ج 339/ 3.
-340 - (1/340)
صفحة 341
ج التوكل
سبق
أن بينا معناه آنفا وبقي أن نشير إلى مقاماته، وقد جعلها الجيطالي
ثلاثة هي (1): التوكل بالعلم، والتوكل بالحال، والتوكل بالعمل.
-
أما التوكل بالعلم وهو متعلّق بالتوحيد حيث يجب على الموحد أن يلتزم حال التوكل, وذلك أن يرى الأشياء من مسبب الأسباب، لا يلتفت إلى الوسائط، بل يراها مسخرة لا حكم لها. ويرى الوسائط في قلبه بمنزلة القلم واليد في حق المنعم بالتوقيع، فإنّه لا يشكر القلم ولا اليد ولا يغضب عليها، بل يراهما آليتين وواسطتين,, وكذلك الشمس والقمر والنجوم والجماد، والنبات، والحيوان وكل مخلوق فهي مسخرات بأمره حسب تسخير القلم في يد الكاتب. هكذا يسلب الجيطالي الفاعلية من الأشياء الطبيعية، ويرجع جميع العلل الظاهرة إلى الله عزّ وجلّ لأنّ "القدرة الأزلية هي المصدر للكل (2) فإذا تحقق العبد هذا استولى على قلبه غاية التوكل، وصار موقنا.
(4)
(3)
الله
- أما التوكل بالحال ويكون بسكون قلب العبد، واعتماده على فضل تعالى وحده لا على غيره). ويوضح أبو حامد الغزالي معناه بعبارة أخرى: "أن تكل أمرك إلى الله عزّ وجلّ، ويثق به قلبك، وتطمئن بالتفويض إليه نفسك، ولا تلتفت إلى غير الله أصلا" (5)
1 - الجيطالي: قواعد الإسلام ج 126/ 1 - 127. قناطر الخيرات: ج 266/ 3 - 267.
وقد تحدث عن هذه المقامات أبو حامد الغزالي. ر. الغزالي: الأربعين في أصول الدين، شركة الشهاب للنشر والتوزيع، الجزائر، 1989: 180 وما بعدها. الإحياء في علوم الدين: ج 135/ 5 وما بعدها. 2 الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 254/ 3.
3 - المصدر نفسه.
-4 الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 127/ 2. 5 - الغزالي: الأربعين في أصول الدين: 184.
- 341 - (1/341)
صفحة 342
- وأما التوكل بالعمل فيظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعلمه إلى
مقاصده، وقد حصر الجيطالي حركات العبد وسعيه في وجوه أربعة لا تعدوها هي
جلب نافع مفقود بالكسب.
- حفظ موجود عنده بالادخار.
- دفع ضار لم يتزل به كاللص والسباع.
- إزالة ضار قد نزل به كالتداوي من المرض.
وأما الأسباب التي يجلب بها النافع فعلى ثلاث درجات (2):
(1)
الله الأولى مقطوع به مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بما بتقدير ارتباطا مطردا، لا يتخلف فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلات (3) فمن زعم أن ترك الأسباب والسعي من شرط التوكل فهو موسوم بالجنون, والجهل, والخطا، وحرام عليه ذلك (4)، لأنّ الساعي لا يخرج عن التوكل عند وجود حال التوكل وعلمه، وهو الاتكال على مسبب الأسباب، فالتوكل في هذا المقام بالعلم والحال لا بالعمل. (5)
الثانية: الأسباب التي ليست متيقنة، لكن الغالب أن المسببات لا تحصل إلا دونها, مثل المسافر في البادية بغير زاد، والحقيقة أن هذا ليس توكلا بل هو منهي عنه لأنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وقد اعتبره أبو حامد الغزالي والجيالي
متوكلا بشرطين: (
(6).
1 - الغزالي: الإحياء: ج 143/ 5. الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 126/ 2.
2 - الغزالي: الإحياء: ج 143/ 5 الأربعين في أصول الدين: 186 الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 126/ 2. قناطر
الخيرات: ج 266/ 3 - 267.
3 - سورة فاطر، الآية: 43.
-4 - الغزالي: الأربعين في أصول الدين: 186. الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 126/ 1. ابن الجوزي: تلبيس إبليس: 355. الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 126/ 1.
6 - الغزالي: الإحياء: ج 143/ 5 - 144. الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 267/ 3 قواعد الإسلام: ج 126/ 1.
342 (1/342)
صفحة 343
الأول: أن يكون قد راض نفسه على الصبر على الطعام أسبوعا أو ما
الثاني: أن يقوى على التقوت بالحشيش والأشياء الخسيسة.
ومادامت هذه الأسباب، مظنونة ليست يقينية فتركها ليس شرطا في
التوكل، لأن التوكل في هذا المقام بالحال والعلم والعمل جميعا.
الثالثة: الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ثقة ظاهرة
كالاستقصاء في حيل المعيشة، واستنباط دقائق الأمور فيها، واكتساب بطريق الشبهة، وذلك ثمرة الحرص.
وترك هذه الأسباب الموهومة من شروط التوكل لأنها تناقضه.)
(1)
-
د التفويض
بين الجيطالي أن التفويض إلى الله تعالى فرض واجب، حقيقته: "أن نعلم أنه لا يملك ضرّك، ونفعك، وحياتك، وموتك إلا الله، ولا لك رازق غيره، ولا معط سواه، ولا مانع حاشاه. فإذا استقرّ ذلك في قلبك فقد فوضت الأمور التي تنجو بها، وترجو إلى مالكها، فأُس التفويض، والباعث عليه إنما هو اعتقاد أنه لا يكون من الخير، ولا من الشر إلا ما أراد الله كونه. فإذا كان اعتقاد العبد هكذا فقد استراح قلبه من الخضوع إلا لمولاه عزّ وجلّ. وقد قال سبحانه وتعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (2) (3) وقد عرفه العلماء بعبارات مختلفة منها (4):
"ترك اختيار ما فيه الخطر إلى اختيار المدبّر العالم بمصلحة الخلق" وقيل هو:
1 - الغزالي: الإحياء: ج 145/ 5. الأربعين في أصول الدين 186. ولم يتحدث الجيطالي عن الدرجة الثالثة.
-2 سورة غافر، الآية: 44.
- الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 128/ 1 - 129.
-4 - الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 275/ 3.
-343 - (1/343)
صفحة 344
"ترك الطمع" وقيل هو: "إرادة أن يحفظ الله عليك مصالحك فيما لا تأمن فيه الخطر".
مما
سبق
نجد أن الجيطالي ضمّن عقيدة القضاء والقدر بعدا أخلاقيا، يزكي
النفس، ويدفعها إلى العمل ويزيد في إيمان العبد ويقينه.
-344 - (1/344)
صفحة 345
الفصل السابع اليوم الآخر
المبحث الأول: أطوار اليوم الآخر.
المبحث الثاني: الوعد والوعيد.
المبحث الثالث: الخوف والرجاء. (1/345)
صفحة 346
المبحث الأول
أطوار اليوم الآخر
أجمعت الأمة على أن الإيمان باليوم الآخر وما يجري فيه من بعث، وحساب، وجزاء يعد ركنا من أركان العقيدة الإسلامية، وهو "الذي بعث الله به الرسل عليهم السلام و به يكمل الإيمان بالله تعالى ويكون باعثا على العمل الصالح، وترك الفواحش والمنكرات والبغي والعدوان (1) وقد سماه الله تعالى في القرآن بأسماء كثيرة تدل على عظمة هذا اليوم، وأحواله الكائنة فيه، يقول القرطبي: "كل" ما عظم شأنه تعددت صفاته، وكثرت أسماؤه، وهذا مهيع كلام العرب ... فالقيامة لما عظم أمرها، وكثرت أهوالها، سماها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأسماء كثيرة (2) ولذلك كان الإيمان باليوم الآخر أقوى دافع للإنسان إلى الكمال والرقي في حياته الدنيا ليحوز المكانة السامية عند الله في الآخرة. (3) تطرق الجيطالي في مؤلفاته إلى الحديث عن أطوار اليوم الآخر والتي تتمثل فيما يأتي: 1 - الموت والفناء
سكان من
يجب العلم والتصديق بأن ورود الموت حق على كل مخلوق الأرض والسموات وما بينهما من جميع المخلوقات، وأن كل نفس ذائقة الموت،
وسالكة سبيل الفوت (4).
1 - محمد رشيد رضا الوحي المحمدي، دار الكتب، الجزائر، 1989 م: 175. 2 د عمر سليمان الأشقر: اليوم الآخر القيامة الكبرى، مطبعة موحلى الجزائر: 30.
-3 محمود شلتوت الإسلام عقيدة وشريعة دار الشروق بيروت، ط 12، 1403 هـ/1983 م: 42. 4 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 314/ 1. عقيدة التوحيد: 4.
-346 - (1/346)
صفحة 347
- قال تعالى: كلّ شيء هالك إلا وجهه
- وقال تعالى: كل نفس ذائقة الموت (2)
(1)
- وقال تعالى: كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (3) وقد عرّف الجيطالي الفناء بأنه عدم بعد وجود (4)، أو هو بعبارة أخرى: "قطع التدبير من الله عزّ وجلّ عن الشيء الموجود (5) ويذكر بأن المتكلمين اختلفوا في الفناء فذهب عبد الله ابن يزيد الفزاري (6) وبعض المعتزلة إلى أن الفناء صفة للفاني، يحدث قبل حال الفناء ولا تسمى فناء إلا عند فناء الفاني، فالفناء عند هؤلاء صفة للجسم، وهو عرض حال فيه كالحركة والسكون، وأبطل آخرون ومن بينهم الجيطالي أن يكون هناك شيء يسمى فناء، وإنما الفناء عندهم معلّق لا إلى شيء، غير أن الله عزّ وجلّ إذا قطع تدبيره عن الأشياء الموجودات فنيت
الموجودات، لا على حدوث معنى يسمى
فناء (1)
ويتفق الجيطالي مع أبي عمرو عثمان السوفي أن فناء الأشياء كلّها على التلاشي لا على الانقلاب ما خلا المكلفين وأطفال المسلمين فإن فناءهم على الانقلاب. وأما أطفال غير المسلمين فقد اختلف في فنائهم هل هو على التلاشي
1 - سورة القصص، الآية: 88.
-2 سورة آل عمران الآية: 185.
3 - سورة الرحمن، الآيتان: 26 - 27 4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 43/ 1 و.
5 - المصدر نفسه.
الله 6 - عبد
بن يزيد الفزاري (عاش ق 3 هـ/ 9 م) عالم مغربي، يعد من المتكلمين، وهو إمام النكار من الإباضية، من مؤلفاته الردّ على الروافض" ر. جمعية التراث: أعلام الإباضية: ج 589/ 3، ترجمة: 606.
علي يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية: 300
7 - الجيطالي: شرح النونية: ج 42/ 1 - 43 و. وذهبت الإباضية إلى أن "خمسة أسماء متعلّقة لا إلى شيء،: الفناء، والعدم والأزل، والخذلان والمحال" ر. المصدر نفسه: ج 42/ 1 و.
وهي:
- 347 - (1/347)
صفحة 348
أو على الانقلاب؟ ورجّح الجيطالي أن يكون فناؤهم على الانقلاب لأن الله تعالى قال: وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت (1) أخبر أن الموؤودة سئلت عن قتلها بغير ذنب. (2)
ويدعو الجيطالي العبد إلى التفكر في الموت وتذكره عملا بقوله: "أكثروا ذكر هادم اللذات (3) لأنّ في التفكر فيه ما يهون على العبد مصائب الدنيا، ويدعوه إلى ترك الرغبة كما أن في ذكره ثوابا وفضلا ()، وقد بين أن الناس في ذكر الموت ثلاثة أصناف (5):
- أحدهم: المنهمكون في الدنيا، فلا يزيدهم ذكر الموت من الله إلا بعدا لأنهم بذكره يتأسفون على الدنيا فهم الذين قال الله فيهم: قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم (6).
- الثاني: التائب المخلص يزيده ذكر الموت خوفا وخشية، ربما يكره الموت خوفا أن يفاجئه قبل تمام التوبة والاستعداد للآخرة.
- الثالث: العارف بالله الذي أحبه فاشتاق إليه فهذا يتمنى الموت ضجرا من الدنيا وشوقا إلى لقاء حبيبه، كما قال حذيفة هل الله لما احتضر مرحبا بزائر جاء على
فاقة، لا فرح من ندم.
-2 - إثبات عذاب القبر ونعيمه
عذاب القبر ونعيمه من المسائل السمعية التي اختلفت في شأنها الفرق بين
1 - سورة التكوير، الآيتان: 8 - 9
2 - الجيطالي: شرح النونية ج 44/ 1 و.
-3 أخرجه الترمذي، كتاب صفة يوم القيامة: ج 639/ 4، رقم: 2460.
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 516/ 3 - 517.
5 - المصدر نفسه.
6 - سورة الجمعة، الآية 8.
-348 - (1/348)
صفحة 349
مثبت له وناف. فمن المثبتين الإباضية (1) والأشعرية (2)، والإمامية (3)، والسلفية (4)،
ومن النافين بعض المعتزلة (5) والنكار من الإباضية (6) وقد أورد الجيطالي أدلة المثبتين
وهي فيما يأتي (7):
أ- الدليل النقلي
- قوله تعالى: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب كله (8) فهذا نص في إثبات العذاب قبل الحشر لأنه
قال تعالى: ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب.
قوله تعالى وسنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (9) قالوا:
فأحد العذابين هي الحدود في الدنيا تجرى عليهم على كره منهم، والعذاب الثاني عذاب القبر والعذاب العظيم يوم القيامة بعد الحشر.
- قوله تعالى: فإن له معيشة ضنكا (10) روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنها
نزلت في عذاب الكافر في قبره 1
(11)
- قوله تعالى: ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة (12) فسروا الآخرة بالقبر، يثبتهم الله فيه عند مساءلة منكر ونكير.
1 - الوارجلاني: الدليل والبرهان: ج 318/ 3 وما بعدها. 2 الرازي: معالم أصول الدين: 119.
3 - الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 219.
4 - ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: 396.
- عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد: 201 - 202.
6 - الوارجلاني: الدليل والبرهان: ج 318/ 3.
7 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي القسم 316/ 1. شرح النونية: ج 53/ 3 و. ظ.
8 - سورة غافر، الآية: 46.
9 - سورة التوبة، الآية: 101.
10 - سورة طه، الآية: 124.
11 - صحيح ابن حبان: كتاب الجنائز، باب المريض وما يتعلق به ج 380/ 7، رقم: 3113. الجيطالي: شرح النونية: ج 53/ 3 ظ.
12 - سورة إبراهيم، الآية: 27.
349 (1/349)
صفحة 350
- تواتر الأخبار باستعاذة الرسول صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر بربه مثل قوله له بعد الفراغ من الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات" (1)
- قوله: "لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد ضغطه القبر ضغطة اختلفت منها أضلاعه (2)
- سؤال الملكين منكر ونكير وقد وردت بهما الأخبار.
ب الإمكان العقلي
(3)
بن معاذ ولقد
يجوز في العقل وليس بمستحيل عليه أن يحيي الله الموتى، وهو قادر على كل شيء ويعيد الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به يفهم الخطاب، ولا يدفع ذلك بما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم سماعنا للسؤال، فإن النائم ساكن بظاهره، ويدرك في باطنه الآلام واللذات ما يحس تأثيره عند انتباهه من النوم).
ويعقد الجيطالي مشابهة بين ما يحدث للنائم وما يحدث للميت في قبره ليرد بها على المنكرين، ويوضح ذلك في هذه المحاورة: "فإن قال قائل كيف يعذب الميت ونحن نجد المدفون في قبره على حالته الأولى هامدا، ونعلم بالضرورة كونه ميتا، ولو تركناه على وجه الأرض دهرا طويلا لما حال عما عهدناه عليه؟ قيل له: أخبرنا عن النائم بين
1 - مسند أحمد، باب مسند عبد الله بن عباس عن النبي: ج 401/ 1، رقم: 2169.
بن
معاذ"
2 لم أجده بهذا اللفظ وقد أخرجه ابن حبان بلفظ: "للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد صحيح ابن حبان: كتاب الجنائز، باب المريض وما يتعلّق به: ج 379/ 7، رقم: 3112. 3 منها ما أخرجه الربيع الجامع الصحيح: ج 18/ 3، رقم: 982. وما أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب: ماء في عذاب القبر: ج 462/ 1، رقم: 1308 وما أخرجه مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب: عرض مقعد الميت: ج 1200/ 4، رقم: 2870. ما أخرجه الترمذي السنن كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر: ج 383/ 3، رقم: 1071.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 53/ 3 ظ. قناطر الخيرات: تحقيق النامي: القسم 316/ 1.
-350 - (1/350)
صفحة 351
لنا
من
ذلك
أيدينا، وهو يرى في نومه ذلك غمرات ويوقع في احتلامه أصنافا من اللذات، فهل تبين شيء؟ فإن قال: نعم، فقد نطق بالبهتان وإن قال: نعلم من ذلك شيئا، قلنا صدقت، لأن النوم أخو الموت، واليقظة كالبعث، كما قال الله تعالى: وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى
-
(2) (1)
(3)
وقد أورد الجيطالي بعض أدلة منكري عذاب القبر، وردّ عليها وتتمثل فيما يلي استدلوا بقوله تعالى حكاية عن الكفار وقالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا (4) فقالوا: لو كانوا في عذاب لما قالوا من مرقدنا، لأن العذاب أعظم، وأشدّ من أن يكون صاحبه في رقاد وغفلة ويردّ عليهم الجيطالي معتمدا على أهل التفسير الذين ذكروا أنه إذا نفخ في الصور النفخة الأولى قيل للكافر في قبره أحمد فيخمد فيه فلا عذاب أربعين سنة، ما وهي بين النفختين فإذا نفخ في الصور الثانية للبعث قاموا من قبورهم فقالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. (5)
- واستدلوا بقوله تعالى: ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة نيك (1) فلو كانوا معذبين لما قالوا لبثنا ساعة، أو يوما، أو بعض يوم، لأن صاحب الحزن والعذاب يرى القليل منه كثيرا. ويرد الجيطالي عليهم بأنهم يقولون ذلك لتصاغر الدنيا عندهم في عظيم ما نزل بهم في الآخرة. (0)
فبعد أن ساق الجيطالي أدلة المثبتين لعذاب القبر، وردّ على المنكرين له
-351 -
1 - سورة الأنعام، الآية: 60. 2 الجيطالي: شرح النونية: ج 54/ 3 و.
3 - المصدر نفسه.
-4 - سورة يس الآية 52
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 54/ 3 ظ. 6 - سورة الروم، الآية: 55
7 - الجيطالي: شرح النونية: ج 54/ 3 ظ.
23 (1/351)
صفحة 352
أن عذاب القبر حق، يقول: "ليس في الشرع ما يبطله، ولا في العقل ما يحيله، وقد
روي عن جابر بن زيد بثبوت عذاب القبر، وأنا أقول به به " (1)
أما عن كيفية عذاب القبر فذكر الجيطالي أقوالا هي (2)
-
-
-
قيل: "السؤال للروح دون الجسد"
وقيل: "يكون الروح في الجسم إلى "الصدر"
وقيل: "يكون الروح بين الكفن والجسد"
وقيل: "يمكن أن يعاد إلى الجسد ويمكن أن يؤخر إلى البعث"
ولم يرجح الجيطالي أيا من هذه الأقوال، وإنما فوّض أمر ذلك إلى الله تعالى
العالم بما حكم على عباده.
(3)
3 - قيام الساعة
يجب على العبد اعتقاد أن قيام الساعة حق، وأنها آتية لا ريب فيها، وهي
مما استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليها أحد من
خلقه وهي النفخة الأولى التي يميت
الله بها كل حي)
(4) ~
- قال الله تعالى: إن الله عنده علم الساعة (5)
- وقال تعالى: يسألونك عن الساعة آيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 528/ 3.
2 المصدر نفسه: ج 527/ 3.
3 - المصدر نفسه.
-4 - الجيطالي: قواعد الإسلام ج 16/ 1. قناطر الخيرات: تحقيق النامي: القسم 315/ 1.
5 - سورة لقمان، الآية: 34.
-352 - (1/352)
صفحة 353
يجليها لوقتها إلا هو (1) أي لا يكشف عن وقتها إلا هو.
- وقوله تعالى: {وأن الساعة آتية لا ريب فيها (2)
-
وقوله تعالى: وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب (3)
وأمّا عن أشراطها فقد ذكر الجيطالي جملة منها: كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وظهور الدجال، ونزول المسيح عيسى عليه السلام، و خروج يأجوج ومأجوج والخسف وغيرها. واعتمد في ذلك على بعض الأحاديث والنصوص الواردة في الموضوع. وما يلاحظ غالبا أثناء ذكر هذه العلامات زيادات المفسرين والشراح في
تخيل هذه الأوصاف وعدم تقيدهم بما وردت به النصوص الصحيحة. كما اللاحق منهم ينقل عن السابق دون نقد وتمحيص مما جعل هذه التأويلات المقتبسة من نصوص قد لا تفيد العلم يضفى عليها طابع القداسة والتسليم. هذا ما وقع فيه الجيطالي إذ ساق لنا الأخبار المشهورة والشروح الغريبة في الموضوع، معتمدا في نقوله على ما أورده النقاش (4) في كتابه، وصاحب عيون المعاني (5) وغيرهما. (6)
1 - سورة الأعراف الآية: 187.
-2 سورة الحج، الآية: 07.
3 - سورة النحل، الآية: 77.
4 - ويبدو أنه هو أبو بكر محمد بن الحسن النقاش الأنصاري (ت 351 هـ / 962 م) من أهل الموصل وبها مولده كان أحد القراء مدينة السلام، وله مؤلفات كثيرة منها: الإشارة في غريب القرآن، المناسك، أخبار القصاص، كتاب ذم الحسد ... ر. ابن النديم الفهرست دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة، تونس، 1994 م: 50. 5 - لم يذكر الجيطالي مؤلّفه ولم أعثر عليه.
6 - الجيطالي: قناطر الخيرات ج 530/ 3 وما بعدها. (الفصل الثالث في أشراط الساعة)
-353 - (1/353)
صفحة 354
4 - البعث
(1)
عرف الجيطالي البعث بأنه "الإعادة بعد الإفناء" وهو حق على كل مكلّف أن يعتقده ويكون بعد الموت يوم الحشر والنشر (2)، وقد ورد به الشرع (3) ومن بين ذلك: قوله تعالى: وأن الله يبعث من في القبور، وقوله تعالى: كما بدأنا أول خلق نعيده (5)، وقال: كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة من (6) كما أن البعث في العقل ممكن لأنه مقدور الله تعالى كابتداء الإنشاء (7).
-
-
وقد احتج الله تعالى على منكري البعث بآيات كثيرة منها (8): قوله تعالى: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب کي (9)
وقوله: وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه
على كل شيء قدير
(10)
وقال تعالى حكاية عن منكري البعث أو لم ير الإنسان أنا خلقناه
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات، القسم 315/ 1.
2 المصدر نفسه، قواعد الإسلام: ج 16/ 1.
3 الجيطالي: قناطر الخيرات القسم 315/ 1. 4 - سورة الحج، الآية: 07.
5 - سورة الأنبياء، الآية: 104.
-6 - سورة الأعراف، الآية: 29 - 30.
-7 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 315/ 1
الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 16/ 1 - 17. شرح النونية: ج 44/ 1 ظ.
- سورة الحج، الآية: 05.
10 - سورة الحج، الآيتان: 05 - 06.
نطفة
من
354 (1/354)
صفحة 355
فإذا هو خصيم مبين ... إلى قوله ... قل يحييها الذي أنشاها أول مرة (1) فأخبر الله تعالى أن الذي أنشأهم من ماء مهين بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا قادر أن يعيدهم خلقا جديدا.
(2)
وذهب الجيطالي إلى أن الله تعالى خلق الأشياء لا من شيء، وأفناها لا إلى
(4)
شيء، وأعادها لا من شيء، وبين خطأ من قال ببقاء عجم الذنب (3)، وردّ عليه بدليل البدء والخلق، حيث أجمع الناس على ان الله خلقهم، وأبدأهم لا من شيء، وكذلك الإعادة مثلها. لقوله تعالى: كما بدأنا أول خلق نعيده) وقد أورد الجيطالي حديث الرسول: "كل" ابن آدم تأكله الأرض إلا عجم الذنب منه خلق وفيه يركب (5) إلا أنه لم يتحقق من صحة هذا الحديث لذلك تمسك بدليل البدء لقوته (6).
أما فيما يتعلق بصفة الحشر فيرى الجيطالي أن أجساد المكلفين تحشر مع
أرواحها خلافا للفلاسفة التي زعمت أن الأرواح دون أجسادها (7)
1 - سورة يس الآيات: 77 - 79.
2 - الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 17/ 1. شرح النونية: ج 44/ 1 ظ.
3 المشهور في كتب الحديث "عجب الذنب" وهناك صيغة واحدة - والله أعلم - ورد فيها "عجم الذنب" رواها أحمد وهي قول الرسول: "إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا، فيه يركب يوم القيامة فقالوا: أي عظم هو؟ قال: عجم الذنب ر. مسند أحمد كتاب مسند أبي هريرة، باب: مسند أبي
هريرة: ج 600/ 2، رقم: 8053.
-4 - سورة الأنبياء، الآية: 104.
5 - أخرجه مالك في الموطأ بصيغة: "كل" ابن آدم تأكله الأرض إلا عَجْبُ الذنب منه خلق ومنه يركب" ... الموطأ كتاب الجنائز، باب: جامع الجنائز: ج 239/ 1، رقم: 567. وقد ورد بصيغ كثيرة في
كتب الحديث.
-6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 44/ 1 ظ.
7 - الجيطالي: قناطر الخيرات: القسم 315/ 1 - 316.
355 (1/355)
صفحة 356
5 - الحساب والمساءلة
بين الجيطالي معنى الحساب أنه: "تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم ما قد نسوه كما قال ويوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما
عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كلّ شيء شهيد))
والإيمان بالحساب واجب لقوله تعالى: وإن كان مثقال حبة من خردل
الله
أتينا بها وكفى بنا حاسبين (3) كما ينفي الجيطالي المشابهة بين حساب وحساب الخلق فحسابه تعالى فصل وتمييز لا يشغله حساب أحد عن أحد كما لا
يشغله رزق أحد
عن أحد. (4)
وقد أنكرت فرقة الحساب بزعمها أن ذلك منهم تعظيم لله عزّ وجلّ ألا ينسبوا إليه الجهل بأعمالهم حتى يسألهم عنها (5). وردّ الجيطالي عليهم بقوله: "فيا سبحان الله، ما أعظم عبارة من اعتل بهذا أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، وإنّما يسألهم توبيخا للكفار، وإلزاما للحجة، وقطعا للمعاذير، وتوقيفا لهم على أعمالهم، ومثال ذلك في القرآن كثير
(6) 11
ويسوق الجيطالي قولا بأن الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفان لا يسألان عن الأعمال وهم الأنبياء والمشركون فالأنبياء إلى الجنة بغير حساب،
والمشركون إلى النار بغير حساب، وصنف ثالث يسأل عن الأعمال وهم
1 - سورة المجادلة، الآية: 06.
2 - الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 320/ 1.
3 - سورة الأنبياء، الآية 47.
-4 - الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 47/ 1. قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 319/ 1 شرح النونية:
ج 44/ 1 ظ، 45 و.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 45/ 1 و ...
6 - المصدر نفسه.
-356 - (1/356)
صفحة 357
اما
المؤمنون (1)، إلا أن الجيطالي يرى أن الأصح هو أن الحساب يأتي على الجميع، المسلم فيحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله، مسرورا، وأما المنافق فيناقش في الحساب والمساءلة إلزاما للحجة، وقطعا للمعاذير فيحاسب على النقير والفتيل والقطمير (2) (2). ورأي الجيطالي تؤيده النصوص الصريحة كقوله تعالى: فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي کتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرات (3) وقوله تعالى: فوربك لنسألتهم أجمعين عما كانوا يعملون (4) وقول الرسول: "لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيم أفناه؟، وعن شبابه فيم أبلاه؟، وماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟ " (5)
أما
القيامة فقد اختلفت الأمة الموازين القسط التي يضعها الله تعالى عن
في طبيعتها هل هي حقيقية أو معنوية؟
يوم
يوم
الحساب،
أشار الله سبحانه في القرآن الكريم إلى ثقل الموازين وخفتها يقول تعالى: فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه ها ويه (6) فسر الجيطالي والإباضية معنى الميزان بأنه فصل، وتمييز للأعمال والنيات لقوله تعالى: والوزن يومئذ الحق (7) فيثقل الحق يوم القيامة لصاحبه فينجو به كما ثقل على نفسه في الدنيا فتحمله ويخفّ الباطل عند الوزن لصاحبه
1 - الجيطالي: قواعد الإسلام ج 17/ 1 - 18. شرح النونية: ج 45/ 1 و.
2 الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 18/ 1.
3 - سورة الانشقاق، الآيات: 07 - 12.
4 - سورة الحجر، الآية: 92 - 93.
- أخرجه الترمذي: السنن، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع باب في القيامة، ج 612/ 4 رقم: 2416.
6 - سورة القارعة: الآيات: 06 - 09
7 - سورة الأعراف الآية: 08.
357 (1/357)
صفحة 358
فيهلك به كما خف على نفسه في الدنيا فارتكبه (1). ويعلّل الإباضية ذلك لأنّ الأعمال أعراض ليست بأجسام والأعراض لا يتحقق وزنها بالميزان المعروف، وإنما وزنها تمييزها، وتفصيلها، والمجازاة بها (2). كما أن اللغة تجيز ذلك يقول الرجل
لصاحبه زن كلامك وأمورك، إنما يريد تأمل هذه المعاني. يقول الشاعر: وزن الكلام إذا نطقت وإنما يبدي عيوب ذوي العقول المنطق (3) وذهبت الأشعرية والسلفية ومن وافقهما إلى أن الميزان حقيقي له كفتان ولسان، توزن به أعمال العباد واستدلوا بأحاديث كثيرة يفيد ظاهرها أن الميزان جسم مادي وهو ظاهر القرآن إلا أنهم اختلفوا في الموزون هل هو الأعمال نفسها بعد أن تُجسّم أو هو العامل نفسه، أو صحائف الأعمال؟ (4)
وما يلاحظ هو أن الجيطالي قد اكتفى في مسألة الميزان بذكر رأيه، والإشارة
حكما
إلى رأي من خالفه دون أن يناقش الأدلة التي استدلوا بما، أو يؤوّلها، أو يصدر فيها. ولعلّ سكوته في هذا الموقف دلالة واضحة على عدم جواز التخطئة في هذه المسألة، وقطع عذر المخالف فيها باعتبار رأيه محتملا، وروده، وهذا الموقف قد تبناه السالمي من بعده إذ يقول بعد عرضه الجميع الأقوال في مسألة الميزان: "وبالجملة فهذه المسألة ليست من المسائل الدينية التي لا يجوز الخلاف فيها، فلا يخطأ في دينه من قال: بشيء في ذلك مع تمسكه وإن بشبهة، إذ لا دليل قاطع على ردّ قوله (5)
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 317/ 1.
2 المصدر نفسه الجيطالي: شرح النونية: ج 49/ 3 ظ.
- الجيطالي: شرح النونية: ج 49/ 3 ظ:
4 الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 317/ 1. الجيطالي: شرح النونية: ج 49/ 3 ظ. الغزالي: الإحياء: ج 165/ 6 - 166. ابن أبي العز: العقيدة الطحاوية 417 السالمي: المشارق: 284. د/عمر
سليمان الأشقر: اليوم الآخر القيامة الكبرى: 248 وما بعدها.
-5 - السالمي: المشارق: 284
-358 - (1/358)
صفحة 359
6 - الصراط
(1)
ذهب الجيطالي إلى أن الصراط المذكور في القرآن على وجهين: أحدهما: طريق الإسلام ودليله قوله تعالى: واهدنا الصراط المستقيم (2)
وقوله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (3) وهو ما اختاره الإباضية. - الثاني: أنه الجسر الموضوع على متن جهنم المرتب عليه القناطر السبع التي هي مراصد ومجالس للعباد حتى يسألوا عن السبع السؤالات المشهورة، ويدلّ على هذا قوله تعالى: فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون (4) ويرى الجيطالي أنه يستحيل حمل الصراط المذكور هاهنا على طريق الإسلام كما أن الإمكان العقلي لا يمنع هذا المعنى وليس في الشرع ما يبطله فإن القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على أن يسيّر الإنسان على الصراط والله أعلم بكيفيته (5). وقد اختار هذا الوجه الأشعرية والسلفية (6).
هكذا نجد الجيطالي سلك مسلك التوفيق بين الرأيين المشهورين في هذه
المسألة فخالف جمهور الإباضية الذين حصروا مفهوم الصراط في الإسلام، ولم تعارضا حين الجمع بين معنيي الصراط، وتوظيف كلّ معنى في سياقه المناسب،
ويبدو
أنه
في نظرنا هو المنهج الأسلم حالة انتفاء ما يمنع ذلك سواء كان من
الشرع، أو من العقل، أو من اللغة.
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 318/ 1 - 319.
2 - سورة الفاتحة، الآية: 6.
3 - سورة الشورى، الآية: 52.
4 - سورة الصافات، الآيتان: 23 - 24.
الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 319/ 1.
6 - الغزالي: الإحياء: ج 170/ 6 - 171. ابن أبي العز: شرح العقيدة الطاحوية: 415.
359 (1/359)
صفحة 360
7 - الشفاعة
لم يعرف الجيطالي مفهوم الشفاعة في اللغة والاصطلاح، وإنما بين مكانتها في أصول الدين أنها "حق، فمن كذب بها فقد كذب بالقرآن" (1) ومراده أن شفاعة النبي ثابتة يوم القيامة بإجماع الأمة، لا يمكن لأحد أن يشكك في وقوعها، وهذا ما
جل الله
هو
الأمة
يوضحه القاضي عبد الجبار يقول: "وجملة القول في ذلك أنه لا خلاف بين أن شفاعة النبي علها ثابتة للأمة وإنما الخلاف في أنها تثبت لمن؟ " (2) ويؤكد ذلك
في
الطاهر بن عاشور في قوله: "واتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة يوم القيامة للطائعين والتابعين لرفع الدرجات، ولم يختلف في ذلك الأشاعرة والمعتزلة فهذا اتفاق على تخصيص العموم ابتداء" (3) وهي المقام المحمود قال الله لنبيه عليه السلام: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (4) يحمده فيه الأولون والآخرون: يحمده الأولون بما فتح لهم من الشفاعة، وكانت مخزونة لا يصل إليها أحد حتى يفتحها النبي، ويحمده الآخرون حيث نجاهم من هول المقام، فهي في المحشر قبل دخول الكفار النار.
(5)
للمؤمنين
وقد اختلفت المذاهب الإسلامية فيمن ينال الشفاعة؟ هل هي الموفين أم لمرتكبي الكبائر؟ يرى الجيطالي والإباضية أن الشفاعة هي للمسلمين الذين ماتوا على الطاعة دون أهل الكبائر، وهي زيادة لهم في الثواب وتشريف في المنازل، وليست لمن استوجب العقاب فيصير بها إلى الثواب)، واستدل الجيطالي على ذلك بأدلة منها:
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 320/ 1. 2 عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 328/ 2 - 329.
3 الطاهر بن عاشور التحرير والتنوير، الدار التونسية للطباعة والنشر، تونس، 1984: ج 487/ 1. -4 - سورة الإسراء، الآية: 79.
5 - الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 320/ 1 - 321. ج 551/ 3 - 552. شرح النونية: ج 76/ 2 و، ظ. -6 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 320/ 1 - 321. ج 551/ 3 - 552. شرح النونية: ج 76/ 2 و، ظ. 7 - المصدر نفسه.
-360 - (1/360)
صفحة 361
من القرآن:
-
قوله تعالى ولا يملكون الشفاعة إلا من أتخذ عند الرحمن عهدا (1)
بالعمل الصالح.
يعني
وقوله تعالى مخبرا عن أهل النار: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم (2)
- قوله تعالى: {وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (3)
-
قوله تعالى: يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (4)
قوله تعالى: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى (5)
أخبر الله أن أهل الكبائر يخلدون في النار في:
- قوله تعالى: {وإن الفجّار لفي جحيم (6)
- وقوله تعالى: وما هم عنها بغائبين (7)
- وقوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق (8) فأخبر أنه لا يجزي والد أطاع الله عن ولد ضيّع أمر الله شيئا، ولا مولود أطاع الله عن والد ضيّع أمر الله شيئا.
1 - سورة مريم، الآية: 87.
2 - سورة الشعراء، الآيتان: 100 - 101.
3 - سورة غافر، الآية: 18.
4 - سورة طه، الآية: 109.
- سورة الأنبياء، الآية: 28 - 6 - سورة الإنفطار الآية: 14. -7 - سورة الإنفطار، الآية: 16. 8 - سورة لقمان، الآية 33
361 (1/361)
صفحة 362
ومن السنة:
قوله: "لا ينال شفاعتي سلطان ظلوم غشوم، ورجل لا يراقب الله في اليتيم (1) عن جابر بن زيد قال لما نزلت هذه الآية: وأنذر عشيرتك الأقربين (2) جعل رسول الله له يتفخذ أفخاذ قريش فخذا فخذا، حتى أتى إلى بني عبد المطلب فقال: يا بني عبد المطّلب إن الله أمرني أن أنذركم فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، ألا إن أوليائي منكم المتقون، ألا لا أعرفن ما جاء به الناس غدا بالدين فجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، اشتريا أنفسكما من الله فإنِّي لا أغني عنكما الله شيئا" (3) من
(4) 11
- عن جابر بن زيد عن النبي عل الله: "ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي وكان جابر يحلف ما لأهل الكبائر من شفاعة وكان يقول: والله ما شفاعة الملائكة والنبيئين إلا للتائبين وكان يقول ما نالت دعوة مؤمن منافقا قط.
- وقد وافق الإباضية في أن الشفاعة للمؤمنين التائبين كل من المعتزلة (6) والزيدية (7)، وذهبت الأشعرية (8)، والسلفية (9)، والإمامية (10)، والماتريدية (11) إلى أن شفاعة النبي عل الله إنما هي لإسقاط العقوبة على فساق الأمّة أصحاب الكبائر. يقول أبو الحسن الأشعري: "وإنّما الشفاعة المعقولة فيمن استحق عقابا أن يوضع عنه
1 - أخرجه الربيع: الجامع الصحيح: ج 279/ 4: رقم: 1002. 2 - سورة الشعراء، الآية: 214.
-3 أخرجه الربيع: الجامع الصحيح: ج 281/ 4 - 282. -4 - أخرجه الربيع: الجامع الصحيح: ج 279/ 4، رقم: 1004.
- الجيطالي قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 321/ 1.
-6 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 328/ 2 - 329. فضل الاعتزال: 207 وما بعدها. 7 - د/ أحمد محمود صبحي: في علم الكلام (الزيدية): ج 107/ 3. الإمام المجتهد يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية: 242. الأشعري: الإبانة 101 الإيجي: المواقف 380 الرازي: معالم أصول الدين: 126 - 127.
9 - ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: 233. 10 - الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 206. 11 - النسفي: التمهيد في أصول الدين: 98.
362 (1/362)
صفحة 363
عقابه، أو فيمن لم يعده شيئا أن يتفضل به عليه، فأما إذا كان الوعد بالتفضل سابقا
فلا
لهذا (1). واستدلوا بأدلة تثبت ذلك ومن بينها:
(2) 11
- قوله: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ")
ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإنّي اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا (3) من
شاء الله
بن
مالك
ويعتمد الجيطالي على تعليق جابر بن زيد عن حديث أنس عددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" يقول: "والله ما عنى القتل والزنا والخمر، وما أوعد عليه النار، وذكر عن أنس أنه كان يقول: إنكم لتعملون أعمالا هي في أعينكم من الشعر فما كنا نعدها على عهد رسول الله له إلا من الكبائر
(4) 11
أدق
وما يلاحظ هو أن الجيطالي لم يناقش كل الأحاديث التي استدل بها مثبتو
الشفاعة لمرتكبي الكبيرة والتي تعتبر عندهم من المتواتر (5)، وإنما اكتفى بتأويلها على ضوء الآيات القرآنية التي تفيد خلود صاحب الكبيرة في النار، ومنعه من نيل الشفاعة. وهو نفس المنهج الذي سلكته المعتزلة في أن ال المراد بـ "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" إن صح، فمعناه إذا تابوا وأنابوا. (6)
وقد ردّ الجيطالي على من اعتبر أن المؤمن الذي وعده الله بالجنة هو في غنى
1 - الأشعري: الإبانة: 101.
-2 - أخرجه أبو داود السنن: كتاب السنة باب الشفاعة ج 236/ 4، رقم: 4739. الترمذي: السنن، كتاب صفة القيامة، باب منه، ج 625/ 4، رقم: 2435 - 2436.
3 - أخرجه مسلم کتاب الإيمان، باب: اختباء النبي دعوة الشفاعة لأمته، ج 189/ 1، رقم: 199.
-4 الربيع بن حبيب الجامع الصحيح: ج 279/ 4. الجيطالي: شرح النونية: ج 76/ 2 و. 5 - ابن تيمية الفتاوى الكبرى ج 593/ 5. ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: 232. 6 عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 331/ 2. فضل الاعتزال: 208.
-363 - (1/363)
صفحة 364
الشفاعة بقوله: "إن الشفاعة زيادة في الثواب وتشريف في المنازل، وأيضا فإنّ عن المؤمنين تكون عليهم الذنوب والتبعات من قبل الأرحام، والقرابات، ومن حقوق الجيران، والأولاد والزوجات، وما أشبه ذلك ألا ترى إلى قول الله تعالى حكاية عن المؤمنين: يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (1) فأخبر أنهم يسألونه إتمام نورهم وغفران ذنوبهم وهو يمشون على قناطر جهنم قبل دخول الجنة ويدلّ على ذلك ما روي عن رسول الله أنه قال: "ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح وبرحمة من الله وشفاعتي
خلاصة القول
(3) || (2) 11
مذهبه
إن قول الجيطالي بأنّ الشفاعة حق تخص المؤمن التائب يتسق العقدي بأنّ الإيمان قول وعمل، وأنّ الله صادق في وعده ووعيده، وأن جزاءه نافذ
(4)
لقوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) وإن اعتقاد أن شفاعة النبي الله للمؤمن المطيع له أثره الحميد في سلوك الفرد فيجتهد في إتيان الفضائل واجتناب الرذائل ليحظى بالقبول، وينال شفاعة الرسول تكريما لسعيه. وقد حذر الشيخ محمد الغزالي من تمسك عوام الناس بأحاديث الشفاعة لبعض العصاة، يقول: "وتَعَلَّقُ أولئك العوام بأحاديث الشفاعة يخيل إليك أن قوانين الجزاء بطلت، وأن نيران الجحيم توشك أن تتحول بردا وسلاما على عصاة المومنين .. والقول بأن قوانين الجزاء توقف بالنسبة لأتباع نبي ما سُخفٌ فارغ، وقد كذب القرآن الكريم في مواضع شتى مزاعم الأولين والآخرين لما جمحت بهم أمانيهم إلى هذا الوهم الباطل" (5).
1 - سورة التحريم، الآية: 08.
2 - أخرجه الربيع الجامع الصحيح: ج 278/ 4 - 279: رقم: 1001.
الجيطالي: شرح النونية: ج 76/ 2 ظ.
-4 - سورة الزلزلة الآيتان: 7 - 8
- محمد الغزالي: عقيدة المسلم: 226
-364 - (1/364)
صفحة 365
فلابد إذن من فهم الأحاديث التي صحت في الشفاعة تحت أنوار الآيات
القرآنية إذ لا تعارض بين وحي
الله تعالى.
-365 - (1/365)
صفحة 366
المبحث الثاني
الوعد والوعيد
1 - تعريف الوعد والوعيد
عرّف الجيطالي الوعيد في اللغة بأنه التهديد، تقول: أوعد الرّجل في الشر إيعادا، ولا يجوز أوعدته إلا في الشرّ وقد جاء عن بعض العرب أوعدته في الخير وهو شاذ غير ظاهر وأمّا الوعد فيستعمل للخير أو الشر تقول: وعدته في الخير وعدا وعدة، ووعدته في الخير والشر، قال الله تعالى: ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم (1) وقال تعالى: النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير
وإذا كان الوعد والوعيد" أصلا من أصول الاعتزال فقد عرف القاضي عبد الجبار الوعد بأنه: "كلّ خبر يتضمن إيصال نفع إلى الغير، أو دفع ضرر عنه في المستقبل. ((وأما الوعيد " فهو كلّ خبر يتضمن إيصال ضرر إلى الغير، أو تفويت
نفع
(4)
(5) 11
عنه في المستقبل." وقد عرف صاحب قاموس الشريعة الوعد هو: "ما وعد الله أهل طاعته من الثواب في الآخرة، وهو حق. اب في الآخرة، وهو حق (6) والوعيد هو "ما أوعد الله أهل الكفر والمعاصي من العقاب في الآخرة، وهو حق. "7
1 - سورة الأعراف، الآية: 44.
2 - سورة الحج، الآية: 72.
3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 67/ 2 ظ.
-4 - عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة: ج 78/ 1.
- المصدر نفسه: ج 79/ 1.
(7) ||
6 - جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة، وزارة الثقافة والثرات القومي، سلطنة عمان، 1983: ج 5/ 6.
7 - المرجع نفسه.
-366 - (1/366)
صفحة 367
ولا يوجد فرق بين التعريفين اللغوي والاصطلاحي إلا أن دلالة التعريف
اللغوي أعم، ودلالة التعريف الاصطلاحي أخص.
-2 - إثبات الوعد والوعيد
وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تعد المؤمنين بالجنة، وأخرى تتوعد الكافرين بالنّار، ويذكر الأستاذ عبد العزيز المجدوب "أن هذه الآيات على وضوح أحكامها، شاءت لها الخلافات المذهبية والمباحث الكلامية أن
دلالتها وصريح
تدخل في قسم المتشابه من الكتاب العريز، فنظرت إليها كل طائفة من بمنظار معتقدها، وأخضعوها إلى أصولهم)
(1) n
المتكلمين
وقد اتفقت الأمة على أن الله تعالى وعد المؤمنين الموفين بالجنة، وأوعد
المشركين بالنّار، واختلفت في وعيد مرتكبي الكبيرة من الموحدين إلى ثلاثة مذاهب أوردها الجيطالي وهي فيما يأتي (2):
—
المرجئة: ذهبت إلى أن الوعيد لا يجري إلا على من قارنه الإشراك، وأما من
ضيع العمل من الموحدين فمصيره إلى الجنّة، ولا يعرض على النيران. (3) الأشعرية والإمامية والسلفية والماتريدية: توقفوا في إنفاذ الوعيد على مرتكب الكبيرة فقالوا: مرجعه إلى مشيئة الله الكبير المتعال إن شاء أوقع عليه العقاب فبعدله، وإن شاء أسقطه عنه فبفضله. (4)
المعتزلة والزيدية والإباضية: قالوا بإنفاذ الوعيد على مرتكب الكبيرة الذي
1 - عبد العزيز المجدوب: أفعال العباد في القرآن الكريم: 459
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 69/ 2 و.
-3 - انظر تفصيل أدلتها: عبد العزيز المجدوب: أفعال العباد في القرآن الكريم: 488 وما بعدها.
4 الماتريدي: شرح الفقه الأكبر: 143. أبو حامد الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد: 116. ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: 369 - 370 محمد بن الحسن الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد: 192.
-367 -
24 (1/367)
صفحة 368
مات مصرا عليها و لم يتب منها، فهو مخلد في النار على الدوام. (1)
وقد ردّ الجيطالي على من أبطل الوعيد لمرتكب الكبيرة بأدلة تتمثل فيما يأتي (2):
-
قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رجيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه ناراضه
(4)
(3)
وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولّهم يومئذ دبره إلا متحرّفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ويثبت الجيطالي أن الوعيد الوارد في الآيتين المذكورتين وأمثالهما من القرآن لا يخص أهل الشرك فقط، بل يشمل أهل الإقرار من الموحدين، ويقول: "أخبرونا عن هذه الآية وأمثالها من القرآن أهي وعيد لأهل الإقرار من هذه الأمة أم هي في أهل الشرك خاصة؟ فإن قالوا في أهل الإقرار بطل ما انتحلوه في الوعيد، فإن قالوا: في أهل الشرك، قلنا: وكذلك النهي عنها إنما هو في أهل الشرك خاصة، فإن حاولوا بينهما فرقا لم يجدوه مع ما في هذا القول
-
الفساد " (5) من
وقوله تعالى: فذكر بالقرآن من يخاف وعيدي (1)
وقوله تعالى: وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون (7)
1 - عبد الجبار: فضل الاعتزال: 350 الوارجلاني الدليل والبرهان: ج 55/ 2 - 56 الجيطالي: شرح النونية ج 2/ 69 و. د/ أحمد محمود صبحي في علم الكلام (الزيدية): ج 106/ 3 - 107.
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 2/ 69 و.
3 - سورة النساء، الآيتان: 29 - 30 - 4 - سورة الأنفال، الآيتان: 15 - 16 الجيطالي: شرح النونية: ج 2/ 69 و.
6 - سورة ق، الآية: 45.
7 - سورة طه، الآية: 113.
-368 - (1/368)
صفحة 369
ويلزم الجيطالي من زعم الوعيد في أهل الشرك خصوصا فإنّه قد أباح الدماء، والحرام، وأسقط الحساب. ويعلّل ذلك "لأنّ المحارم إنما تتقى من أجل العقاب، فمن
أبطل الوعيد فقد أباحها (1) وهذا إلزام شنيع لا ترتضى نتائجه.
-
-
وقال تعالى في نساء النبي الله مع عظيم أخطارهن وتسميتهن بأمهات المؤمنين: يا نساء النبي من يات منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (2) قال الجيطالي: ولا يمكن أن يجعلوها في أهل الشرك. (3)
يرى المتوقفون في الوعيد أن خلف التوعد مما يعد عند العرب من الجود، ويستحق به فاعله المدح وحسن الثناء والله عزّ وجلّ أولى بهذا إذ هو غني عن تعذيب العباد (4).
أجاب الجيطالي على ذلك: "قلنا: أوليس من عفا منا عن الأمر العظيم،
والذنب الجسيم أبلغ له في المدح وحسن الثناء؟ فإن قالوا: بلى، قلنا: فلم أوجبتم سبحانه في أهل الشرك إذن؟ أوليس عفوه عنهم أعظم من المدح له؟
الله الوعيد من فإن حاولوا فصلا بينهما فلا يجدونه فلما أجمع أهل الصلاة جميعا أن الله تعالى لا يعفو عن أحد من أهل الشرك ثبت أن المدح لأجل العفو عن الذنب الكبير أو الصغير، لأنّ الواحد منا قد يعد ويتوعد ولا علم له بعاقبة أمره من الوعد والوعيد، تبين له بعد ذلك إن أمضى وعيده يصير إلى فساد من أمره فيعفو لأجل ذلك. والله سبحانه لا تبدو له البداوات في شيء من الأمور، ولا يتصف بالجهل عند
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 69/ 2 و.
-2 سورة الأحزاب، الآية: 30 - الجيطالي: شرح النونية: ج 69/ 2 و.
4 - المصدر نفسه.
369 (1/369)
صفحة 370
(1) ||
الجميع في شيء من الأشياء، ولا يجتلب بالعفو لنفسه، منفعة، ولا يدفع مضرّة. - سلك الجيطالي مسلك السبر والتقسيم ليصل إلى أن وعيد الله واقع لا يتخلف، يقول: "لا يخلو القول في وعيده لأهل الكبائر من أحد ثلاثة أوجه إما أن يتوعدهم وهو يعلم أنه يوقعه بهم، فذلك ما قلنا، أو يتوعدهم وهو لا يعلم أيوقعه بهم أم لا؟ فهذا هو الجهل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، أو يتوعدهم وهو لا يعلم أنه أن يوقعه بهم - فهذا هو الكذب تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا". (2) - لما ذم الله سبحانه لا من يفي بمواعده فقال: كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) وقال: وإن الله لا يخلف الميعاد (4) وقال في وعيده: ولا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لديّ وما أنا بظلام للعبيدي (5) علمنا أن جميع أخباره عزّ وجلّ- من الوعد والوعيد صادقة، وأنه منجز وعده ووعيده بإتمامهما جميعا فمعاذ الله أن يكون مواعده غرورا كمواعد إبليس اللعين (6).
-
استدل من توقف في الوعيد بقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (7) فدلّت الآية أن مادون الشرك مغفور لمن ارتكبه بلا توبة.
ونجد الجيطالي لم يجر هذه الآية على ظاهرها الذي يفيد العموم، وإنما أتى
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 2/ 69 و.
2 - المصدر نفسه.
3 - سورة الصف، الآية: 3.
-4 - سورة آل عمران الآية: 9.
5 - سورة ق، الآيتان: 28 - 29 - 6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 69/ 2 و.
7 - سورة النساء، الآية: 48.
370 (1/370)
صفحة 371
بما يخصصها من القرآن الكريم الذي يصدّق بعضه بعضا، كما أنه استأنس ببعض الآثار التي وردت في تفسير معنى الآية، ويوضح ذلك أثناء مناقشته لمن قال بخلف الوعيد: "قلنا: هذه الآية أمحمولة على ظاهرها؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: وقد قال الله: ولا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا (1) الشرك وغيره، والقرآن يصدق بعضه بعضا، فلما أجمعوا معنا أن الله لا يغفر الشرك إلا بالتوحيد دلّ على أن الغفران إنما يقع على التائب لأنّ الله قال في موضع آخر: وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء (2) وقال في المنافقين: ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيمان (3) فلما أجمعوا على أن الله تعالى لا يغفر لأهل الشرك والنفاق إلا بالتوبة دلّ على الآية أنها في التائبين أو يغفر الصغائر للمجتنبيين الكبائر (4)
- وينقل الجيطالي ما روي عن جابر بن زيد أن رجلا قال: يا أبا الشعثاء أرأيت قول الله تعالى: وإن الله لا يغفر أن يشرك به (5) الآية، فقال جابر: أو أنبأك الله لمن يشاء أن يغفر؟ قال: وأين أنبأني يا أبا الشعثاء؟ قال: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه () وذكر جابر بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " هلك المصرون" ثلاثا، فقال رجل: يا رسول الله، فأين قوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ته فقال رسول الله: " أفيكم أحد يقرأ سورة طه؟ فقال أبي بن كعب: أنا يا
1 - سورة الزمر، الآية 53
-2 سورة المائدة الآية: 18
- سورة الأحزاب، الآية: 24. 4 - الجيطالي: شرح الونية: ج 70/ 2 و.
5 - سورة النساء، الآية: 48. 6 سورة النساء الآية: 31
-371 - (1/371)
صفحة 372
رسول الله، فقال: اقرأ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (1) فقال رسول الله: لهؤلاء وقعت المشيئة ثلاثا وكان جابر يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم له
يقول: "من أطمع في الجنّة من آيسه الله منها جمع الله بينهما في النار"
خلاصة القول
إن الجيطالي التزم رأي الإباضية في إنفاذ الوعيد على مرتكب الكبيرة معتمدا على ما تناقلته المصادر عن إمام المذهب جابر بن زيد الذي حمل عموم آيات المشيئة على ما يخصصها، وقد انتهج علماء الإباضية من بعد جابر هذا المسلك، واجتهدوا في تحليله وصياغته بطرق كلامية ونذكر من بين هؤلاء أبا خزر يغلا بن زلتاف وأبا عمار عبد الكافي، وأبا يعقوب الورجلاني، وإسماعيل الجيطالي ... كما نلاحظ تقاربا في حججهم وأساليبهم في إثبات الوعيد (3) هكذا يستقر رأي الإباضية منذ نشأتهم على إنفاذ الوعيد في مرتكب الكبيرة إن لم يتب منها، وينقل الخلف عن السلف ذلك دون تغيير في الموقف.
3 - وجود الجنة والنار ودوامهما
بين الجيطالي أنه يجب على المكلّف اعتقاد أن الجنة والنار كائنتان، وأنهما
حق، لا انقطاع لدوامهما. وأن يعلم أن الله ثوابا لا يشبهه ثواب، وثوابه الجنّة، وأنّ
الله عقابا لا يشبهه عقاب وعقابه النار.
(4)
وقد اختلف المتكلمون هل هما مخلوقتان أم لا؟ وهل هما تفنيان؟
1 - سورة طه الآية: 82.
2 - الجيطالي: شرح الونية: ج 70/ 2 و.
3 - راجع هذه الحجج أبو خزر يغلا الردّ على جميع المخالفين، تحقيق د/ عمرو النامي: 76 - 77. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: تحقيق د/ عمار: طالبي ج 104/ 2 وما بعدها. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان: ج 55/ 2 - 56 الجيطالي: شرح النونية: ج 69/ 2 و وما بعدها.
-4 - الجيطالي: قواعد الإسلام ج 18/ 1 - 19 قناطر الخيرات تحقيق النامي القسم 322/ 1 - 323. شرح التونية: ج 45/ 1 و.
-372 - (1/372)
صفحة 373
أ- خلق الجنة والنار
ذهب جمهور الإباضية والأشعرية وأبو علي الجبائي وأبو الحسن البصري إلى
أنهما مخلوقتان وموجودتان اليوم)، واستدلوا على ذلك (2):
بقوله تعالى في الجنة: أعدت للمتقين (3) وقوله تعالى في النار: وأعدت للكافرين (4) فقالوا: المعد لا يكون إلا حاضرا.
وبقصة آدم وحواء وإسكانهما الجنة، وإخراجهما عنها بالزلة، قال
تعالى: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة (5)
(1)
وذهب بعض الإباضية () وجمهور المعتزلة إلى أنهما ليستا مخلوقتين،
وستخلقان يوم الجزاء، إذ لا فائدة من خلقهما قبل يوم الثواب والعقاب. واستدلوا بأدلة منها (3):
قوله تعالى: وكل شيء هالك إلا وجه (1) فلو كانت مخلوقة وجب هلاكها.
(10)
- قوله تعالى: وجنة عرضها السموات والأرض) ولا يتصور ذلك إلا
1 - الباقلاني: الإنصاف 53. الإيجي: المواقف: 274 - 275. الجيطالي: شرح النونية: ج 45/ 1 ظ السالمي: المشارق: 278
2 الإنجي: المواقف: 275 الجيطالي: قناطر الخيرات، تحقيق النامي: القسم 322/ 1. شرح النونية: ج 45/ 1 ظ.
-3 - سورة آل عمران: الآية: 133. -4 - سورة آل عمران الآية: 131 5 - سورة البقرة: الآية: 35.
-6 - منهم: أبو المؤثر، وأبو سهل الفارسي، وابن أبي نبهان .. الجيطالي: شرح النونية: ج 45/ 1 ظ السالمي:
المشارق: 278
ر.
7 - الإيجي: المواقف: 275 الجيطالي: شرح النونية: ج 45/ 1 ظ.
8 - الإيجي: المواقف: 275 الجيطالي قناطر الخيرات: القسم 322/ 1. السالمي: المشارق: 278.
9 - سورة القصص: الآية: 88.
10 - سورة آل عمران الآية: 133.
-373 - (1/373)
صفحة 374
بعد فناء السموات والأرض لامتناع تداخل الأجسام.
وحملوا ما جاء في قصة آدم وحواء على بستان من بساتين الدنيا.
ويرى الجيطالي أن القول بأنهما مخلوقتان هو الأمثل وأقرب إلى الصواب (1) واعتمد في ترجيحه على أدلة منها:
قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى (2) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران" (3).
وقوله: "الجنة مخلوقة وهي في السماء والنار مخلوقة وهي من الأرض" (4).
وقوله: "إن أرواح الشهداء تجعل في حواصل طير خضر تسرح في
الجنّة، وتأوي إلى قناديل معلّقة بالعرش
(5) 11
وغير ذلك
المروية في فضل الجهاد، ونزول حور العين على الشهيد.
(6)
من
الأحاديث
إن رجح الجيطالي القول بخلق الجنّة والنار إلا أنه يرى أن المسألة فرعية، غير مطلوب علمها يقول: وليس" على العبد أن يعلم أن الجنّة موجودة اليوم، وإنما عليه أن يعتقد وجودها ودوامها وهذا ما تقتضيه بساطة العقيدة الإسلامية إذ لا يجدي البحث في مسائل غيبية، العلم بما لا ينفع، والجهل بما لا يضر.
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات القسم 322/ 1. شرح النونية: ج 46/ 1 و.
-2 سورة النجم الآيتان: 13 - 15
-3 - أخرجه النسائي في السنن: كتاب الصيام باب فضل شهر رمضان: ج 126/ 4، رقم: 2098.
4 - لم أعثر عليه.
5 - أخرجه الترمذي في السنن: كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في ثواب الشهداء: ج 176/ 4، رقم: 1641.
-6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 46/ 1 و. 7 - الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 19/ 1.
-374 - (1/374)
صفحة 375
ب- دوام الجنّة والنار
ذهبت الإباضية وجمهور المسلمين إلى أن نعيم الجنة وعقاب النار لا انقطاع لهما، ولا غاية لدوامها (1). وذلك استنادا إلى آيات القرآن وأحاديث الرسول الله
يقول الجيطالي: "فالواجب على المكلف أن يعتقد أن الله سبحانه ثوابا لا يشبهه ثواب، وعقابا لا يشبهه عقاب وهما الجنة والنار، وهما دائمان سكانهما من الأبرار والفجار، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون (2)
وقد خالف جهم بن صفوان المسلمين في هذه المسألة،
وزعم بأن "الجنة
والنار تفنيان وتبيدان، ويفنى أهلها حتى يكون الله موجودا لا شيء معه، كما كان موجودا لا شيء معه، وأنه لا يجوز أن يخلد الله أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في
النار، وهذا ردّ ما اتفق المسلمون عليه، ونقلوه نصا (3) ويعد الجهم أوّل من تكلم في مسألة فناء الجنّة والنّار وتفرد بهذا القول.
(4)
(5)
وقد ردّ الجيطالي على مذهب الجهم المصادمته للآيات القرآنية كقوله تعالى
في وصف الجنة أكلها دائم وظلها (6) وقوله تعالى: ولا يمسهم فيها نصب وما هم يا منها بمخرجين) وقوله تعالى: خالدين فيها حسنت مستقرا و مقامات
(8)
1 - الجيطالي: قواعد الإسلام ج 19/ 1 شرح النونية: ج 70/ 2 و. الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 229/ 1. 2 - الجيطالي: قناطر الخيرات تحقيق النامي: القسم 323/ 1. 3 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 229/ 1.244 عن حجج جهم بن صفوان ينظر: البغدادي: الفرق بين الفرق: 211. الشهرستاني: الملل والنحل: 87 الجيطالي: شرح النونية: ج 70/ 2 و. د/ محمد عبد الرحيم الزيني: شهداء الفكر: 164 وما بعدها.
4 - أبو عمار عبد الكافي: الموجز، تحقيق عمار طالبي: ج 130/ 2 ظ. د/ محمد عبد الرحيم الزيني: شهداء الفكر: 164.
5 - الجيطالي: شرح النونية: ج 45/ 1 ظ، ج 70/ 2 ظ.
6 - سورة الرعد، الآية: 35.
7 - سورة الحجر، الآية: 48.
8 - سورة الفرقان الآية: 76
375 (1/375)
صفحة 376
كما ركز الجيطالي على تبيين الفرق بين ديمومة الله تعالى، ودوام الآخرة وعرض ذلك بالصيغة الآتية: فإن قال الله دائم، فقل: نعم، فإن قال: الآخرة دائمة،
فقل: نعم، فإن قال: ما الفرق بين الدائمين؟ فقل: الله دائم بذاته وبنفسه، لا يجري عليه الفناء، والآخرة باقية لأنّ الله تعالى أبقاها وأدامها (1). وأما قول الجهم بأنه وجدنا القديم لا يحدث، والباقي لا يفنى، فأبطل بهذه العلة البقاء عن الجنة والنار، فإن الجيطالي أجاب على هذه الدعوى في قوله: "ليست العلة في قدم الله تعالى أنه لا يفنى، وإنما العلة في القدم أنه لم يحدث قط، ولا يجري عليه الحدث، والباقي قد يكون باقيا، ولا يفنى، ويمكن أن يجري عليه الفناء، والقديم لا يكون قديما إلا بأنه لم يحدث قط، وأما بقاء الثواب والعقاب ودوامهما، فإنما هو بإبقاء الله إياهما، وإدامته لهما، ولو شاء لأفناهما (2).
بهذا التمييز الدقيق بين القديم، والباقي، واعتمادا على النصوص القرآنية يُظهر الجيطالي تهافت مذهب الجهم الذي تصدى له المتكلمون برفضه ونقضه (3)، يقول أستاذنا د/ محمد عبد الرحيم الزيني: "إن الجهم جمع بعقله في مسالك وعرة، وأطلق له العنان، وقاس عالم الغيب على عالم الشهادة، فصادم النص، وخرج عن مقررات
العقيدة وتعاليم الإسلام
(4) 11
4 - مسألة الخلود
عرف الجيطالي الخلود في اللغة بأنه البقاء، يقال: خلد الله الشيء أي أبقاه، وخلد الشيء، يخلد خلودا وخلدا، إذا بقي في دار لا يخرج منها، واسم المفعول
1 الجيطالي: شرح النونية: ج 45/ 1 ظ. 2 المصدر نفسه: ج 70/ 2 ظ. -3 - يراجع على سبيل المثال: أبو عمار عبد الكافي: الموجز، تحقيق عمار طالبي: (النقض على جهم بن صفوان ج 2/ 129 وما بعدها. د/ محمد عبد الرحيم الزيني: شهداء الفكر في الإسلام: 167 وما بعدها.
4 - د/ محمد عبد الرحيم الزيني: شهداء الفكر في الإسلام: 168.
-376 - (1/376)
صفحة 377
مخلد. قال تعالى: ويطوف عليهم ولدان مخلدون (1) أي مبقون، ولدانا لا يهرمون، ولا يتغيرون.
وذهب ابن منظور إلى أن "الخلد" دوام البقاء في دار لا يخرج منها" (3)
ويلاحظ أن الجيطالي عرف الخلود بمعنى البقاء دون الدوام، وجعل دوام الثواب والعقاب وعدم انقطاعهما لا يستفاد من لفظة الخلود ذاتها، وإنما يفهم من دلائل قطعية صريحة من القرآن والسنة.
وقد اتفقت الأمة على أن الله يخلّد أهل الجنة في الجنة، ويخلد الكفار في النار، واختلفوا في مرتكب الكبيرة من الموحدين (4) ونوجز هذا الاختلاف فيما يأتي: ذهبت الإباضية والمعتزلة والزيدية إلى أن فاعل الكبيرة إن لم يتب منها
-
-
يخلد في النار لا يخرج منها، ولا غاية لتخليده. (5)
وذهبت الأشعرية والسلفية إلى أنه في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن
شاء رحمه (6).
(7)
واختلفت المرجئة فيما بينهم: فقال بشر المريسي (ت 219 هـ / 834 م) "إنه محال أن يخلد الله الفجار من أهل القبلة في النار" وقال أصحاب أبي شمر ومحمد بن شبيب: إنّه" جائز أن يدخلهم الله النار، وجائز أن
1 - سورة الواقعة، الآية: 17.
2 - الجيطالي: شرح النونية: ج 68/ 2 و. ابن منظور: لسان العرب: ج 211/ 11.
-4 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 229/ 1. الجيطالي: شرح النونية: ج 68/ 1 و.
الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 149/ 1. الجيطالي شرح النونية: ج 68/ 2 و. قناطر الخيرات: تحقيق
النامي: القسم 365/ 1.
6 البغدادي: أصول الدين: 242. ابن أبي العزة شرح العقيدة الطحاوية: 369 - 370.
-7 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 229/ 1 - 230.
-377 - (1/377)
صفحة 378
أو
يخلدهم فيها إن أدخلهم، وجائز ألا يخلّدهم (1)، وقالت الفرقة الثالثة: "إن الله عزّ وجلّ يدخل في النار قوما من المسلمين إلا أنهم يخرجون بشفاعة الرسول الله ويصيرون إلى الجنة لا محالة" (2) وقال أصحاب غيلان: "جائز أن يعدكم الله، وجائز أن يعفو عنهم، وجائز ألا يخلدهم، فإن عذب أحدا عذب من ارتكب مثل ما ارتكبه، وكذلك إن خلده، وإن عفا أحد عفا عن كل من كان مثله (3) عن
هذه محصلة أبرز الآراء التي عرفها الفكر الإسلامي في المصير الأخروي الكتب
لمرتكب الكبيرة من أهل القبلة، فإن منها ما بقي مجرد تراث كلامي حبيس لانقراض أتباعه وإن منها ما انتشر في الأوساط الإسلامية، واعتقدها الناس. وسنتناول موقف الجيطالي في هذه المسألة العقدية هذه المسألة العقدية التي اعتبرها رشيد رضا من أكبر مشكلات الدين.
أولا - الاستدلال على خلود صاحب الكبيرة في النار
استدل الجيطالي على خلود صاحب الكبيرة في النّار بأدلّة نعرضها فيما يأتي):
أ من القرآن
قال الله تعالى ردّا على اليهود: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى
الله
قل اتخذتم عند من كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (5)
1 - الأشعري: مقالات الإسلاميين: ج 229/ 1 - 230.
2 - المصدر نفسه.
3 - المصدر نفسه: ج 230/ 1.
4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 70/ 2 ظ.
5 - سورة البقرة، الآيتان 80 - 81
-378 - (1/378)
صفحة 379
فإن كان سياق الآية في دحض ادعاء اليهود أنهم لا يخلدون، فقد اتخذها الجيطالي دليلا على خلود من كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته من أي أمة كان، وفسر الجيطالي السيئة بمعنى الشرك، وأحاطت به خطيئاته" هي الكبائر، وهو رأي الشيخ هود بن محكم الهواري (1). وبذلك يخالف الجيطالي المشهور من مذهب الإباضية في أن السيئة عامة تطلق على الشرك وغيره من الكبائر.
--
-
-
-
قوله تعالى: ويريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم
عذاب مقيم (2)
قوله تعالى: وما هم بخارجين من النارية (3)
وقال الله تعالى: وما هم عنها بغائبين به (4)
وقال تعالى: {خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيران (5)
قال تعالى مخبرا عن أوليائه وربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (6) فمن كان في النار موصوفا بالخزي والإهانة فلا سبيل له إلى الجنّة والكرامة. (7)
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 70/ 2 ظ. هود بن محكم الهواري: تفسير كتاب الله العزيز، تحقيق الشيخ بلحاج اشريفي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1989/ 1: ج 121/ 1.
هود بن محكم الهواري (ق 3 هـ / 9 م) عالم متقن، كان والده قاضيا للإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، اشتهر بمؤلّفه تفسير كتاب الله العزيز. ر. جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب:
ج 926/ 4، ترجمة: 961.
2 - سورة المائدة، الآية: 37. 3 - سورة البقرة، الآية: 167. -4 - سورة الانفطار، الآية: 16. 5 - سورة الأحزاب الآية 65.
-6 سورة آل عمران الآية: 192. - الجيطالي: شرح النونية: ج 56/ 3 ظ.
-379 - (1/379)
صفحة 380
قوله تعالى: ولا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفّف عنهم من عذابها كي (1) وقوله تعالى: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (2)
أي مقيمون.
وقوله تعالى: وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (3)
ويعلّق الجيطالي على هذه الآية مبينا بأنها لا تخص أهل الشرك فحسب
يقول: فإن" قالوا هذه الآية في أهل الشرك خصوصا قيل لهم وكذلك قوله تعالى:
ومن يعص
الله
ورسوله ويتعد حدوده ندخله نارا خالدا فيها وله عذاب
مهمين (4) وقال والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أناما يضاعف له العذاب يوم ويخلد فيه مهانا (5) فإن قالوا: هذه الآيات كلها في أهل الشرك خصوصا، ولا
يجدون في ذلك فرقا " (6)
القيامة
ب من
السنة
وردت أحاديث شريفة تصرّح بوعيد الفساق والعصاة يوم القيامة، وساق لجيطالي جملة منها لكونها موافقة لكتاب الله العزيز (7) وهي:
1 - سورة فاطر، الآية: 36. 2 - سورة الزخرف، الآية: 77.
-3 - سورة التوبة، الآية: 68.
4 - سورة النساء، الآية: 14.
-5 - سورة الفرقان، الآية: 68 - 69.
6 الجيطالي: شرح النونية: ج 70/ 2 ظ.
7 - المصدر نفسه: ج 71/ 2 و.
380 (1/380)
صفحة 381
-
قوله: " من قتل بعد العفو وأخذ الديّة فهو خالد مخلّد في النار "
-. وقوله: "من كذب وأصر فهو مخلّد في النار (2)
-
(1)
وقوله: "من قتل نفسه بحديدة فهو يتوجاً بها في النار خالدا مخلدا، ومن تحسي سما فهو يتحسّاه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، ومن تردّى من جبل فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا" (3)
وذهب الإباضية والمعتزلة أنّ لفظة "من" الواردة في مثل هذه الأحاديث جاءت في معرض الشرط، تفيد العموم، ولا تُخرج المصرين من عصاة المسلمين، بينما يرى الأشاعرة أن لفظة "من" لا تفيد العموم (4) ولم يتعرض الجيطالي إلى هذه
المسألة اللغوية.
ج- من العقل
سلك الجيطالي طرقا عقلية لإثبات الخلود لمرتكب الكبيرة من أهل القبلة
وهي فيما يأتي:
السبر والتقسيم
يعرض صورة الدليل على الشكل الآتي: "إن" أهل الكبائر لا يخلون من أحد ثلاثة أوجه: إما أن يجمع الله لهم الثواب والعقاب معا، فيكونون معذبين في النار، متنعمين في الجنة في حالة واحدة فهذا من أمحل المحال الذي لا يتوهم وجوده، أو يقدّم أحدهما على الآخر، فيكون المقدم منقطعا زائلا، والمؤخر متصلا، فأيهما
1 - أخرجه الربيع: الجامع الصحيح: ج 200/ 3، رقم: 761.
2 - لم أعثر عليه.
3 - أخرجه الترمذي في السنن: كتاب الطب عن رسول الله، باب ما جاء فيمن قتل نفسه بسم: ج 386/ 4، رقم: 2043. -4 - الجعبيري: البعد الحضاري: ج 748/ 2 - 749.
-381 - (1/381)
صفحة 382
المتصل؟ وأيهما المنقطع؟ وكلّ ما أثبثوا من ذلك فهو دعوى من غير دليل. والوجه الثاني: أن يكون أثابكم على بعض الطاعات، وترك العقوبة على بعض المعاصي، فهذا ساقط لأنّ المثاب لا يكون مثابا حتى يسقط عنه جميع ما توعد الله عليه العقاب، وأما إذا كان معه بعض الكبائر فلا، لأنّ ذلك تكذيب لخبر الله عزّ وجلّ. والوجه الثالث: أن يكون المثاب ليس معه كبيرة فيكون حينئذ من المؤمنين المثابين فهو ما قلنا" (1)
نفي اجتماع الأضداد
ويصيغ هذا الدليل على النحو الآتي: "لا يخلو المثاب المعاقب من أن يكون مؤمنا ولي الله من أهل الجنة، سعيدا في علم الله السابق، أو يكون كافرا عدو الله شقيا في علمه من أهل النار، فبطل أن يكون كافرا مؤمنا شقيا سعيدا عند الله من أهل الجنة والنار جميعا لأن ذلك من المحال واجتماع الأضداد، فلما بطل هذا لم يبق إلا أنه مؤمن سعيد من أهل الجنّة، أو شقي من أهل النّار)
(2) 11
ويؤكد الجيطالي على أنه "لا يجتمع رضى الله سبحانه وسخطه، وحبّه وبغضه وولايته وعداوته في جسم عبد واحد فيكون ولياً الله تعالى وعدواً له، بغيضا مسخوطا عليه، حبيبا له مرضيا عنه في حالة واحدة، فيكون معذبا بالنار، مثابا بالجنة في حالة واحدة، هذا هو المحال الذي لا يتوهّم كونه، ولا يستقيم وجوده
قياس الغائب على الشاهد
(3) 11
ويعرضه كالآتي: "إنا وجدنا الله تعالى حكيما، والحكيم لا يزجر عن
معاصيه إلا بأشدّ الزجر لأنه لو زجر عنها بأوهن الزجر لكان غير مؤكد لمناهيه
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 2 و.
2 - المصدر نفسه.
3 - المصدر نفسه: ج 56/ 3 ظ.
-382 - (1/382)
صفحة 383
ألا ترى لو أن رجلا في عبده عن الزنا والقتل وغير ذلك فقال له: لئن فعلت لأضر بنك ضربة، أو لطمة أو مثل ذلك، لكان عندنا موهنا لنهيه، غير زاجر عن معصيته، فلما وجدنا الله تعالى حكيما وقد نهى عن الهجوم على المعاصي والاستخفاف بحقه لم يصح في الحكمة إلا أن ينهى عنها بأشدّ ما يكون من الزجر وأشده عذابا لا نهاية له، وأيضا فإن من استخف بحق الله الإله العظيم الذي لا نهاية لعظمته أوجب عليه عقابا لا نهاية له" (1)
(2) 11
وإن حاول الجيطالي سوق أدلة عقلية تثبت الخلود لمرتكب الكبيرة من أهل القبلة فستظل محاولته قاصرة بحكم عجز العقل البشري عن الوصول إلى حقيقة كاملة ويقينية في مسألة غيبية كهاته كما أن الطرق العقلية التي استخدمها في هذه المسألة لا تسلم من النقد، فعلى سبيل المثال "قياس الغائب على الشاهد"هو قياس انتقده الجيطالي بنفسه في قوله: "إنّ الله لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس" واعترض على الذين استعملوه في إثبات أن تخلف الله وعيد تعالى يعد جودا وكرما قياسا على الشاهد (3). لكننا نرى الجيطالي في هذه المسألة يوظف "قياس الغائب على الشاهد" في مجال الماورائيات فيقيس حكمة الخالق (الغائب) على حكمة المخلوق (الشاهد ليصل إلى حكم مشترك. ولا ندري هل هو تناقض في الموقف أم استثناء خاص؟ ومع كل هذا فهيهات للعقل الإنساني أن يدرك حكم الله تعالى في أفعاله سواء في عالم الشهادة أو عالم الغيب وإن انكشف له شيء يسير منها فأنى له أن يدرك جميعها، فالعجز عن إدراكه إدراك، وبهذا تبقى مسألة الخلود تستمد دلالتها
القوية من النقل لا من العقل.
1 الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 2 وظ.
2 المصدر نفسه: ج 68/ 1 و. ينظر: 115 من البحث.
3 - المصدر نفسه: ج 69/ 2 ظ.
-383 -
25 (1/383)
صفحة 384
ثانيا- مناقشة الجيطالي أدلة القائلين بعدم الخلود لأهل الكبائر استدل القائلون بخلف الوعيد بأدلة أورد الجيطالي بعضا منها وناقشها
وهي فيما يأتي:
-
1 قوله تعالى: فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعّال لما يريد (1). فماذا يفيد الاستثناء الوارد في الآية؟ وما المراد بقوله: ما دامت
السموات والأرضية؟
بعضهم:
بين الجيطالي أن الاستثناء بالمشيئة الوارد في هذه الآية لا يفيد استثناء الموحدين العصاة وخروجهم من النار. وإنّ المعناه وجوها عديدة عند أهل التفسير يقول: " وأما ما احتجوا به في قوله تعالى: وإلا ما شاء ربك له فقالوا: أن يخرج أهل الكبائر من النار، فإن هذا تقول وذهاب عن الظاهر بغير دليل، وأيضا فإنّ أهل التفسير اختلفوا فيها، فقال إلا ما شاء ربك أي من الزيادة في الخلود ونظيره فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (2) وقال آخرون إلا ما شاء ربك من مكثهم في الدنيا، وقيل: في البرزخ، وقيل: ما لبثوا في ظهور آبائهم، وقيل: في أرحام أمهاتهم، وقيل: ما لبثوا في المحشر قبل أن يدخلوها ... فكل ذلك "ما شاء الله" وهو الذي استثناه، فمن زعم غير ذلك فعليه الدليل، ولو كان في هذا ما يدل على خروج أهل الكبائر لكان في هذه الآية ما يدلّ على خروج الإنس والجن أجمعين، وذلك قوله تعالى: يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الانس ربَّنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربّك حكيم عليم
1 - سورة هود، الآية: 106 - 107. -2 سورة النبأ، الآية: 30.
- سورة الأنعام، الآية: 128. 4 - الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 2 ظ.
(4) 11 (3)
384 (1/384)
صفحة 385
وأما قوله تعالى: وما دامت السموات والارض ذكر الجيطالي أن لها معنيين (1): - الأول: "على قطع الرجاء كقوله تعالى: وحتى يلج الجمل في سمّ الخياط (2) ومثله في كلام العرب: "لا أفعل ذلك حتى يؤوب القارظان" و"لا أفعله سنّ "الحسل" أي لا ترجو إتياني كما لا يرجع الموتى إلى الدنيا وحتى تقع أسنان الحسل، وهو ولد الضب وأسنانه لا تقع أبدا فيما ذكر، وقال الشاعر:
وحتى يؤوب القارظان كلاهما ويرجع في القتلى كليب لوائل (البحر الطويل)
وأمثال هذا مما يتكلمون به على اليأس وقطع الطمع
(3) 11
- الثاني: ذكر أهل التفسير أن الجنّة في السماء، والنار في الأرض، فقال خالدين فيها ما دامت السموات والأرض على هذا المعنى.)
(4)
-2 - قوله تعالى: وإن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا لابثين فيها أحقابات (5) ذهب الجيطالي إلى أنه "ليس هذا دليلا على الخروج أيضا لأنه قال: وإن جهنم كانت مرصادا للطاغين ... فهي عامة لجميع من دخلها من أهل الشرك، وأهل الكبائر فمن ادعى التخصيص فعليه الدليل، وأما تفسيرها ولا بثين فيها أحقابات وهو جمع حقب أي زمانا إلى ما غاية له" (6)
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 2 ظ.
-2 سورة الأعراف الآية: 40
-3 - الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 2 ظ.
4 - المصدر نفسه.
5 - سورة النبأ، الآيات: 21 - 23
6 الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 2 ظ.
-385 - (1/385)
صفحة 386
3 - قوله تعالى: ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (1) يقول
الجيطالي: فليس هذا دليل أيضا على الخروج، وإنما ذلك فيما وجدت في التفسير لما رأى الكفار كرامة المسلمين على الله تمنوا أن لو كانوا مسلمين
(2) 11
(6) 11
-4 - وكذلك قوله تعالى: {وما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (3) في الدنيا، كقوله: وإن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (4) فلما دخلوا النار لم يروهم معهم قالوا: وما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار اتخذناهم سخريات فأخطأنا) أم زاغت عنهم الأبصار (5) أي هم فيها و لم يروهم، وهذا تفسير مجاهد، ثم علموا بعد أنهم ليسوا فيها. - وأما الأحاديث النبوية التي استدل بها القائلون بخروج عصاة الموحدين من النار فقد أصدر في شأنها الجيطالي حكما مجملا أنها: "مخالفة لكتاب الله عز وجل، مردودة لأنّ الله تعالى قال: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وجاء عنه عليه السلام: كيف أقول بخلاف القرآن و به هداني الله (8) (9) وقد سبقت الإشارة إلى منهج استدلال الجيطالي بالحديث في مسائل العقيدة. (10)
1 - سورة الحجر، الآية: 2.
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 2 ظ.
3 - سورة ص، الآية: 62.
4 - سورة المطففين، الآية: 29.
- سورة ص، الآية: 63.
6 - الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 2 ظ.
-7 - سورة النجم، الآية 3 - 4
-
لم أجده في الموسوعة الذهبية الميسرة للحديث النبوي وعلومه.
- الجيطالي: شرح النونية: ج 71/ 2 ظ.
10 - ينظر: 107 من البحث.
386 (1/386)
صفحة 387
مجمل القول
إن المدارس الكلامية قد تباينت مواقفها في الوعد والوعيد، فبالغت الأشعرية في العفو وجوزت على الله عقلا أن يعذب المطيع، ويعفو عن العاصي إطلاقا للمشيئة الإلهية وأن الله فعّال لما يريد)، ومن جهة أخرى تطرفت المعتزلة فأوجبت على الله تعالى عقلا أن يثيب الأخيار، ويعاقب الأشرار، ووعده ووعيده استحقاق للمكلفين وأعواض لغيرهم. (2)
وبين هذين الموقفين المتعارضين تماما يتخذ الجيطالي مسلكا وسطا فيؤكد ابتداء أن ثواب الله تعالى لا يشبهه ثواب وعقابه لا يشبهه عقاب، وهذا ما يستدعيه التوحيد الخالص، وأن ثوابه للأبرار فضل وعقابه للفجار عدل، وهو تعالى صادق في وعده ووعيده، فلا يجب عليه شيء بل الحكمة الإلهية تقتضي يثيب المطيع، ويعاقب الكافر.
أن
وإن الأدلة التي ساقها الجيطالي في إثبات الخلود لفاعل الكبيرة قوية الحجة، ساطعة الدلالة إن قارناها بحجج القائلين بخلف الوعيد. كما لا يخفى أن المسألة الوعد والوعيد" بعدا عمليا جليا في سلوك الأفراد والمجتمعات، فلو أخذت الأمة بصدق وعيد الله تعالى وإنفاذه في مرتكب الكبيرة لبادرت إلى إتيان الواجبات وترك المنهيات وتابت إلى ربّها متابا ولو تمسكت بظواهر النصوص التي تفيد خلف الوعيد لصارت الزواجر كضرب في بارد الحديد، وبطلت التكاليف الشرعية، وضاعت الأمانة التي حملها الإنسان.
وقد يتبادر إلى بعض الأفهام أن القول بإنفاذ الوعيد غلو في المعتقد، وتطرّف في الدين، وتيئيس من رحمة الله تعالى، فدفعا لهذا الإيهام الوارد أولى الجيطالي والإباضية عامة لقضية الخوف والرجاء اعتناء بالغا، وجعلوها أصلا عقديا يجب الإيمان به.
1 - أبو عذبة الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية تحقيق د/ عبد الرحمن عميرة: 53 - 54. 2 - د/ أحمد محمود صبحي في علم الكلام (المعتزلة):. ج 157/ 1 - 158.
-387 - (1/387)
صفحة 388
المبحث الثالث
الخوف والرجاء
1 دلالتهما ومكانتهما في الأصول العقدية
اهتم الجيطالي بأصل "الخوف والرجاء"، وفصل القول فيهما في مؤلفاته، ففي كتابه "قناطر الخيرات" جعل القنطرة الثالثة عشرة قنطرة خاصة بالخوف والرجاء، وسماها قنطرة البواعث (1)، وذلك لأنّ نفس العبد فاترة لا تنشط للخير، ولا تنبعث للعبادة كما يجب إلا بمنشط يدفعها إلى الخير، وزاجر يزجرها عن الشر، وهما الخوف من عذاب الله تعالى، والرجاء في ثوابه عزّ وجلّ.
وقد عرف دلالة الخوف والرجاء في اللغة، فأما الخوف هو: مصدر خاف، يخاف، خوفا، إذا فزع، قال الله تعالى: يدعون ربهم خوفا وطمعا (2) والخوف أيضا يخرج على العلم، قال الله تعالى: فمن خاف من موص جنفا أو إثمانية (3) أي علم (). وأما الرجاء هو الطمع، ورجوت الشيء، ورجيته، وارتجيته سواء، ويطلق الرجاء أيضا على الخوف، قال تعالى: ما لكم لا ترجون لله وقارا (5) أي لا تخافون. وعلى التأخير والترك، ومنه قوله تعالى: وقالوا أرجه وأخاه (6) اتركـ
1 - الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 341/ 3 وما بعدها. -2 سورة السجدة، الآية: 16.
3 - سورة البقرة، الآية: 182.
-4 الجيطالي: شرح النونية: ج 5/ 3 ظ ابن منظور: لسان العرب: ج 99/ 9.
5 - سورة نوح، الآية: 13.
-6 - سورة الأعراف الآية: 111.
7 - الجيطالي: شرح النونية: ج 5/ 3. ابن منظور لسان العرب: ج 309/ 14.
-388 - (1/388)
صفحة 389
ويذكر الجيطالي أن الخوف من عذاب الله تعالى، والرجاء في ثوابه فريضتان واجبتان على كلّ بالغ، صحيح العقل (1)، وأن استقامة العبادة لا تصح لطالبها إلا باستشعار الخوف والرجاء والتزامهما (2)، وسنتناول ذلك بالتوضيح.
-
-
-
-
-
2 - فرضية الخوف
ساق الجيطالي نصوصا تدل على أن الله فرض على عباده أن يخافوه منها (3):
قوله تعالى: وخافون إن كنتم مومنين (4)
وقوله تعالى: وإياي فارهبون (5)
وقوله تعالى: فلا تخشوهم واخشوني (6)
وقوله تعالى: وليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به (1)
(8) أي
وقوله تعالى: وإنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبه ده (8)
رقت الله مخافة
من عذابه.
وقوله تعالى: {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (9)
وقال الرسول: "المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما
1 - الجيطالي: شرح النونية: ج 9/ 3 و. 2 الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 344/ 3. 3 - المصدر نفسه: ج 342/ 3 - 345. -4 - سورة آل عمران، الآية: 175.
5 - سورة البقرة، الآية: 40. 6 سورة البقرة الآية 150 7 - سورة النساء، الآية: 123. - سورة الأنفال، الآية 2 9 - سورة المعارج، الآية: 27
389 (1/389)
صفحة 390
(1) I
الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه ودعا الجيطالي إلى تأمل هذه الأخبار والتفكير فيها حتى يتمكن الخوف من القلب. ويجب على العبد التزام الخوف لأمرين (2):
أحدهما: الزجر على المعاصي لأن النفس الأمارة بالسوء ميالة إلى الشر طماحة إلى الفتنة، لا تنتهي عن ذلك إلا بتخويف عظيم، وتهديد بالغ. الثاني: لئلا تعجب بالطاعة فتهلك.
3 - فرضية الرجاء
بين الجيطالي أن الرجاء طمع في الجنة، وأن رحمة الله تعالى واسعة، سبقت غضبه، ووسعت كل شيء، والعبد عاجز عن تصوّر هذه الرحمة، أو وصفها. يقول: "فمن ذا الذي يعرف غاية رحمة الله أو يحسن وصفها؟ إذ يغفر لعبد كُفْرَ مائة سنة أو ما شاء الله بإيمان ساعة واحدة كما قال تعالى: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف (3) وقال: وقولوا حطّة يغفر لكم خطاياكم (4) قيل معناه: احطط عنا الخطايا، وقيل: قولوا: لا إله إلا الله" (5) وقد أورد نصوصا كثيرة تدل على فضل الله تعالى ورحمته، منها (6):
قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من
1 - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: كتاب الحادي والسبعون من شعب الإيمان، باب: الزهد وقصر الأمل:
ج 360/ 7، رقم: 10581.
2 - الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 344/ 3.
- سورة الأنفال، الآية 38
-4 سورة البقرة الآية 58
الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 350/ 3.
6 - المصدر نفسه.
390 (1/390)
صفحة 391
-
-
-
رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (1) وقال تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون (2) وقوله تعالى: وإن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله (3)
وقوله: "إن الله تعالى مائة رحمة فواحدة منها قسمها بين الجن والإنس والبهائم فيها يتعاطفون وبها، يتراحمون، وادّخر منها تسعا
وتسعين لنفسه، يرحم بها عباده بها عباده يوم القيامة" (4)
وقوله: "الله أرحم لعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة لولدها" (5) روي أن النبي دخل من باب بني شيبة فرأى قوما يضحكون فقال لهم لم تضحكون لا أراكم حتى إذا كان عند الحجر رجع إليهم القهقرى فقال: جاءني جبريل فقال يا محمد إن الله تعالى يقول: لا تقنط عبادي من رحمتي نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم دريکي (5) 1 (7)
وأكد الجيطالي على أن الرجاء لا يكون إلا بالعمل، ويوضح ذلك في العبارة: "فإن قيل: أليس قد جاءت الأخبار الكثيرة في حسن الظن بالله تعالى،
1 - سورة الزمر، الآية 53
-2 سورة الأعراف الآية: 156.
-3 - سورة البقرة، الآية: 218.
4 - أخرجه مسلم: كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه: ج 2108/ 4، رقم: 2752. 5 - لم أجده في الموسوعة الذهبية الميسرة للحديث النبوي وعلومه.
6 - سورة الحجر، الآية: 49 - 50.
7 - السيوطي: لباب النقول في أسباب الترول، تقديم وتعليق محمد علي القطب المطبعة العصرية، بيروت 1415 هـ / 1994 م: 126.
391 (1/391)
صفحة 392
شاء" (1)
كقوله: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وفي أمثالها؟ فقيل له: إن من حسن الظن بالله تعالى الحذر من معصيته والخوف من عقابه، والاجتهاد في طاعته، وذلك ثمرة التصديق بوعد الله تعالى ووعيده، وذلك أن الرجاء لا يكون إلا على أصل ثابت صحيح إذا اجتهد العبد في طاعة الله تعالى، وانتهى عن معصيته فيرجو حينئذ أن يقبل الله منه، ويتمّ له تقصيره، ويعظم له الثواب، ويعفو عن الزلل فإن أحسن الظن على هذا فهو الرّجاء قال الله تعالى: وإن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله) (2) وقال: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه (3) وأما إن طمع ورجا بغير عمل فذلك منه أمنية لا أصل لها ولا طائل، سماها رجاء وحسن ظن بل ذلك خطأ وضلال وقد قال الله تعالى مخبرا عن المنافقين وغرتكم الأماني (4) (5)
4 - الموازنة بين الخوف والرجاء
أتح الجيطالي على وجوب اعتدال الخوف والرجاء في قلب المكلف اعتدالا لا يميل أحدهما بالآخر، لأنه إذا مال الخوف به فذلك يدعو إلى الإياس من رحمة الله تعالى، والإياس أعظم الكبائر، وقد قال الله تعالى: إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون (6) وقال: ومن يقنط من رحمة ربّه إلا الضالون (7) وإن مال به الرجاء خشي عليه الأمن من عذاب الله، وهو أيضا كبيرة من الكبائر، قال الله
1 - أخرجه الدارمي في السنن: كتاب الرقائق، باب في حسن الظن بالله: ج 760/ 2، رقم: 2631.
-2 سورة البقرة الآية: 218
3 - سورة الزمر، الآية: 9.
4 - سورة الحديد، الآية: 14.
5 - الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 354/ 3 - 355.
6 - سورة يوسف، الآية: 87.
7 - سورة الحجر، الآية: 57.
392 (1/392)
صفحة 393
تعالى: فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (1) (2).
واستدل الجيطالي بنصوص تفيد الموازنة بين رهبة العقاب ورغبة الثواب، منها (3): - ثناء الله تعالى على المؤمنين في قوله تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا (4) وفي قوله تعالى: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (5)
-
قوله: "لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه بميزان تريص ما زاد أحدهما على الآخر (6)
والاعتدال بين الخوف والرجاء واجب سواء في حالة الطاعة أو المعصية يقول الجيطالي: ويجب على العبد أن يعدل بين الخوف والرجاء في قلبه ولو لم
(7) 11
يعلم من نفسه ذنبا، ويعتدلان أيضا ولو في حالة عمل المعصية فالرجاء الحقيقي
لا ينفك عن الخوف الحقيقي، والخوف الحقيقي لا ينفك عن الرجاء الحقيقي
ومرجع ثبوتهما في قلب العبد إلى أمور منها (9):
أ-
(8)
جهل المصير وعاقبة الخاتمة: لأنّ العبد يرجو أن تكون خاتمة عمله على الإيمان
والوفاء بالدين فيصير بذلك إلى ثواب الله وكرامته فينبعث في قلبه الرجاء، ويخاف أن تكون خاتمة عمله على الكفر فيعذب عليه غدا في النار فينبعث حينئذ الخوف.
1 - سورة الأعراف الآية: 99.
2 الجيطالي: قواعد الإسلام ج 43/ 1. شرح النونية: ج 9/ 3 و.
- الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 352/ 3. قواعد الإسلام: ج 43/ 1. شرح النونية: ج 9/ 3 و.
-4 - سورة السجدة، الآية: 16.
5 - سورة الأنبياء، الآية: 90.
-6 أخرجه البيهقي في شعب الإيمان كتاب الثاني عشر من شعب الإيمان: ج 12/ 2، رقم: 1025.
-7 - الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 43/ 1. شرح النونية: ج 9/ 3 ظ.
- الجيطالي: قناطر الخيرات: ج 353/ 3 و الجيطالي: قواعد الإسلام: ج 44/ 1. شرح النونية: ج 9/ 3 و.
-393 - (1/393)
صفحة 394
ب الشك في باب القبول والردّ: فإذا تاب من كبيرة اقترفها فهو يخاف أن يكون غير ناصح في توبته فيعذب على ذلك، ويرجو أن يكون ناصحا فيها فيعفى عنه، ويثاب على ذلك.
ج فرائض غير محدودة كبر الآباء والندم على سوالف الآثام، وجهالة كبائر الذنوب من صغائرها (1). ويعلّل ذلك لأنّ العبد يخاف إن لم يبلغ إلى الحد الذي يكون به مؤدّيا لما افترض الله عليه في هذه الفرائض أن يعذب على تقصيره يكون قد بلغ الحد الواجب عليه فيثيبه الله تعالى على ذلك في الآخرة، ويخاف من الذنب أن يكون كبيرا فيعذب عليه، ويرجو أن يكون صغيرا
فيها، ويرجو
فيغفر له. (2)
هكذا بين الجيطالي أن الله فرض الخوف والرّجاء على العباد، واستعبدهم بفعلهما من غير أن يحدّ لهم في ذلك حدا يعلمونه لأنّ ذلك أصلح لهم في الاجتهاد
في الطاعة، والابتعاد عن المعصية.
1 - الكبائر معلومة وغير معلومة والصغائر معلومة بالوصف لا بالتعيين وهذا عند إباضية المغرب. ر. الجيطالي: شرح النونية: ج 143/ 2 و. الثميني: معالم الدين: ج 161/ 2.
2 الجيطالي: شرح النونية: ج 9/ 3 و.
-394 - (1/394)
صفحة 395
الخاتمة (1/395)
صفحة 396
الخاتمة
يعد إسماعيل الجيطالي علما من أعلام الفكر الإسلامي في القرن الثامن الهجري، أسهم مساهمة فعّالة في إثراء التراث العقدي، وترك أثرا عميقا في تاريخ
خلال
الحركة الفكرية بالمغرب الإسلامي امتد إلى القرون التالية لعهده، وذلك من إنتاجه العلمي الغزير، وشخصيته الفذة. وقد استخلصت من خلال دارستي للجيطالي وآرائه الكلامية النتائج الآتية:
أولا - حاولت الكشف عن البيئة السياسية والاجتماعية والفكرية التي نشأ في أحضانها الجيطالي، وإن اتسمت أوضاع عصره بالاضطراب والرداءة فإن ذلك لم يثنه عن عزمه بل كان دافعا له إلى المقاومة والتحدي كما قمت بترجمة وافية عن حياته، وضبط مقومات شخصيته وحصر آثاره الفكرية التي يلاحظ أن أغلبها يحتاج إلى تحقيق علمي دقيق ليحصل الانتفاع بها.
ثانيا- وقفت على الجانب المنهجي في آراء الجيطالي، واهتمت بتحديد مرجعية فكره فقد كان رجلا موسوعيا مطلعا على إنتاج العلماء من داخل المدرسة الإباضية وخارجها، وظهر لي تأثره الواضح بمنهج أبي حامد الغزالي في ثلاث نقاط:
-
في نظرية المعرفة.
في آرائه التربوية.
في مزجه بين أصول الدين والأخلاق.
وقد تجلّى لى أيضا وذلك بعد المقارنة بين قواعد الإسلام" و"بداية المجتهد" أن الجيطالي استفاد من عقلانية الوليد بن رشد ومنهجه في عرض الفقه وتصنيفه، ولا عجب من هذا التأثر، فقد مكنته مقوماته الشخصية من تجاوز الحدود المذهبية الضيقة وانطلاقه إلى رحابة الفكر الإسلامي المتعدد المدارس والاتجاهات وبذلك
-396 - (1/396)
صفحة 397
يمثل الجيطالي ذروة الالتقاء والتقارب بين الفكر الإباضي والفكر الأشعري في القرن
الثامن الهجري اللذين ظلا متعايشين في البيئة المغربية.
كما ضبطت منهجه في الاستدلال الكلامي الذي يعتمد على النقل الصحيح والعقل الصريح، وقد كان الجيطالي من دعاة التأويل الذي يتوافق مع المحكم من النصوص وتؤيده شواهد اللغة ودافعه إلى ذلك تتريه الباري تعالى عن صفات المخلوقين، وغلق الباب أمام تيار التجسيم والتشبيه وقد استعمل نفس آليات الاحتجاج المعروفة لدى المتكلمين مما يدل على مقدرته الكلامية.
ثالثا- فضل الجيطالي الطريقة القرآنية في الاستدلال على وجود الله تعالى، ولما كان الجدل موجّها إلى الملحدين أورد أدلّة عقلية أخرى، صاغها صياغة منطقية ليردّ عليهم بنفس المنهج الذي يقرون به. وقد نافح الجيطالي عن التوحيد الإسلامي الخالص بتدليله على وحدانية الخالق في ذاته وصفاته وأفعاله، وتفسيره المتشابه من النصوص تحت أنوار الآية المحكمة: ليس كمثله شيء. وبذل ما في وسعه في تخليص التوحيد من فكر التشبيه والتجسيم والحلول الذي تسرب إلى البيئات الإسلامية، ولم يقف الجيطالي عند المعنى النظري للتوحيد بل تطرق إلى الآثار العملية التي ينبغي أن تظهر في سلوك الموحد.
رابعا تناول الجيطالي مسألة النبوة، وأكد أنها ضرورية لا تستغني عنها المجتمعات البشرية وحاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء، وقد أيدهم الله تعالى بالمعجزات الباهرة الدالة على صدقهم، وذهب إلى أن المعجزة ليست وحدها تدلّ على صدق النبوة بل قد يكون للصدق طرق أخرى لأن الغرض هو صدق المدعي وليس هو المعجزة في حدّ ذاتها. وقد قال بعصمة الرسل الكرام من الكبائر قبل البعثة وبعدها تتريها لمقامهم الشريف.
الذين
خامسا بحث الجيطالي مسألة الأسماء والأحكام فردّ على الخوارج قالوا بتشريك فاعل الكبيرة، كما ردّ على فكر الإرجاء الذي أخر عن الإيمان بعده
- 397 - (1/397)
صفحة 398
العملي، وأثبت أن الإيمان مجموع ثلاثة عناصر: قول وتصديق وعمل، والمضيع
للعمل منافق كافر كفر نعمة أو ما يسمى بكفر دون كفر.
من
سادسا وذهب في قضية أفعال الإنسان إلى أن العبد ليس خالقا لأفعاله ولا هو مجبور عليها بل هو مكتسب إياها مجبول عليها وبالتالي لاحظنا ميل الجيطالي خلال قوله بالجبل إلى الجبرية، والخلاف في هذه المسألة ناشئ بين إباضية المغرب الذين دعوا إلى الاختيار فاقتربوا من الاعتزال وبين إباضية جبل نفوسة الذين دعوا إلى الجبل فاقتربوا من الجبرية، وهذا الميل إلى أحد الطرفين ناتج عن صعوبة التزام الوسطية في هذه المسألة الشائكة.
سابعا اعتمد الجيطالي على النقل في إثبات أطوار اليوم الآخر كعذاب القبر، وقيام الساعة والبعث والحشر والحساب وجواز الصراط، وأكد أن الشفاعة لا ينالها إلا المؤمن الموفّي، وأنّ الخلود في النار ثابت لفاعل الكبيرة المصرّ إن مات ولم يتب منها، كما دعا إلى وجوب الموازنة بين الخوف والرجاء في جميع الأحوال.
وقد أسفرت هذه الدراسة عن جملة من الملاحظات هي:
أ وجود نسق متكامل في آراء الجيطالي، الكلامية، وهذا ما نلمسه بصفة خاصة في مسألة التوحيد والصفات والإيمان، والشفاعة، والخلود.
ب التزامه منهجا استدلاليا واضحا يرتكز على النقل والعقل واللغة، كما أن تمكنه من المنطق واللغة أكسبه مقدرة عالية في الاحتجاج الكلامي.
ج- إعطاؤه الآراء الكلامية بعدا عمليا، وإنزالها إلى مستوى الواقع وذلك من خلال مزجه بين أصول الدين والأخلاق في كثير من القضايا كقضية
التوحيد، ومقامات الإيمان والقضاء والقدر، والخوف والرجاء ...
د قدرته على عرض علم العقيدة بأساليب مختلفة: ففي "شرح النونية"
-398 - (1/398)
صفحة 399
11
بسط القول في عرض المسائل والاستدلال عليها بشكل موسع، وفي قواعد الإسلام" توخى أسلوب الإيجاز في العرض والاستدلال، وفي قناطر الخيرات" ربط القضايا العقدية بالسلوك والأخلاق، وفي: "عقيدة التوحيد" لخص المسائل بأسلوب أدبي موجز فصيح، ووجهها إلى الناشئة، ودعاهم إلى حفظها، ثم فهمها، ثم اعتقادها والتصديق بها، وقد كانت مقررا تعليميا في المدارس الابتدائية بالمغرب.
هـ- مجيئه في زمن متأخر (ق 8 هـ / 14 م) لم يجعله مقلدا وملخصا لأفكار الماضين دون وعي بل استطاع أن يثبت شخصيته العلمية أثناء التعامل
مع هذا التراث ونقده وتحليله، ثم إعادة صياغته وتركيبه.
ختاما نرجو
أن تكون هذه الدراسة قد عرفت بشخصية الجيطالي وآرائه،
ووجهت أنظار الباحثين إلى علم بارز أسهم بشكل فعال في علم الكلام وفي الفكر
-399 -
الإسلامي عموما.
26 (1/399)
صفحة 400
عقيدة التوحيد للجيطالي
ملحق
تحقيق الدكتور عمرو بن خليفة النامي (1/400)
صفحة 401
عقيدة التوحيد للشيخ إسماعيل الجيطالي
إن الله تعالى أوجب على كل عاقل سلم عقله الآفات أن يعتقد أن الله من سبحانه إله واحد لا شريك له منفرد لا ندَّ له مستمر الوجود لا آخر له، ليس بجسم مصور ولا يجوهر مقدَّر، ولا يماثل الأجسام ولا يتجزأ بالانقسام. ولا تحله الجواهر والأعراض، ولا تعتريه الخواطر والأغراض، ولا تحويه الأقطار والجهات، ولا تكتنفه الأرض والسموات متره عن التغيير والانتقال، مقدَّس عن الزوال، حي قادر جبار قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، له الملك والملكوت والعزة والجبروت منفرد بالخلق والاختراع، متوحد بالإيجاد والإبداع. عالم بجميع المعلومات محيط بما يجري من تخوم (1) الأرض إلى أعلى السموات، لا تعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. يعلم حركات الخواطر، وما يختلج في مكنون
(2)
(3)
الضمائر. عالم بما كان وما يكون من ظاهر ومكنون؛ يعلم ذلك بنفسه وبذاته لا بعلم متجدد قائم بالذات، تعالى عن حلول المعاني والآفات.
وهو تعالى مريد للكائنات مدبر للحادثات خالق لجميع الموجودات وأفعالها، مقدر لأرزاقها وآجالها. لا يقع كفر ولا إيمان، ولا نكر ولاعرفان، ولا سهو ولا نسيان إلا بقضائه ومشيئته، وحكمه وإرادته. لا معقب لحكمه، ولا رادّ لقضائه. لم يزل واحدا حيًّا عالما قادرا مريدا في الأزل بوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها لها فوجدت في أوقاتها كما قدرها من غير تقدم ولا تأخير، بل وقعت على
وفق علمه وإرادته.
1 - تخوم الأرض: حدودها.
2 - لا تعزب: لا تغيب.
-3 - ما يختلج في مكنون الضمائر: ما يضطرب في سرائرها.
-401 - (1/401)
صفحة 402
وهو – سبحانه – سميع لا تخفى الأصوات، بصير لا تغيب عنه الألوان، لا
عنه
غير
يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دقّ. يرى من حدقة ولا أجفان ويسمع من غير أصمخة) ولا آذان كما يعلم من غير قلب وجنان (3).
وهو - تعالى - متكلم بلا شفة ولا لسان وآمر بالطاعة والإحسان، ناه عن الإساءة، والعصيان واعد على طاعته ثواب الخلد، والجنان متوعد على معصيته عقابا بين أطباق النيران. وأنه - تعالى- حكيم في أفعاله عادل في أحكامه، متفضل بالإنعام، ممتن بالإحسان
لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. وأنه – تعالى - بعث رسوله النبي الأمين محمد الله عبد بن خاتم النبيين إلى الجن والإنس أجمعين، فنسخ بشريعته جميع الشرائع المتقدمة إلا ما لا ينسخ من التوحيد ومكارم الأخلاق المتممة. فختم به الأنبياء، وفضله عن جميع أوليائه من الأنبياء والأصفياء. ومنع – سبحانه – كمال التوحيد الذي هو قول لا إله إلا الله» ما لم تقترن به الشهادة لرسوله بأنه محمد رسول الله. وألزم الخلق تصديقه في جميع ما قاله وأخبر عنه؛ من الموت حق، وأن البعث حق، وأن الحساب حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق وأنّ الله جملة الأنبياء والرسل، وجملة الملائكة والكتب. والإيمان بالقضاء والقدر، وولاية أولياء الله من الأولين والآخرين. والعداوة لأعدائه من الإنس والجن أجمعين.
أن
ومعرفة التوحيد والشرك، وفرز كبائر الشرك من كبائر النفاق، ومعرفة تحريم دماء المسلمين وأموالهم وسبي ذراريهم بالتوحيد الذي معهم. ومعرفة تحليل دماء المشركين وأموالهم وسبي ذراريهم بالشرك الذي معهم ومعرفة الملل وأحكامها واعتقاد العبودية الله تعالى بجميع أوصافها. وبالله التوفيق.
1 الحلقة: محركة: سواد العين.
2 الصماخ بالكسر: كالأصموخ: خرق الأذن والأذن نفسها والجمع: أصمخة.
3 - الجنان: القلب.
4 نسخ الشيء: أزاله وغيره وأبطله، وأقام شيئا مقامه.
- 402 - (1/402)
صفحة 403
الفهارس
فهرس المصادر والمراجع.
فهرس الآيات القرآنية.
فهرس الأحاديث النبوية.
فهرس الأبيات الشعرية.
فهرس الأعلام.
فهرس الفرق والأديان والقبائل والدول.
فهرس الأماكن.
فهرس المحتويات. (1/403)
صفحة 404
فهرس المصادر والمراجع
المصادر
1) أبو الحسين الخياط:
الانتصار: تحقيق، نيبرج دار قابس بيروت، 1986 م.
(2) أبو القاسم البرادي:
الجواهر المنتقاة: طبعة حجرية، (د. ت).
(3) أبو المعين النسفي:
التمهيد في أصول الدين تحقيق عبد الحي قابيل دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1407 هـ/1987 م. .
4 أبو بكر الباقلاني
الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به تحقيق الكوثري، مكتبة
الخانجي، القاهرة، ط 3، 1993 م.
(5) أبو حامد الغزالي:
إحياء علوم الدين دار الثقافة الجزائر، ط 1، 1991 م.
تهافت الفلاسفة: تقديم وتعليق وشرح د/ علي بوملحم، دار ومكتبة الهلال،
بيروت، ط 1، 1994 م.
المنقذ
من الضلال تحة بق عبد الكريم المراق، الدار التونسية للنشر، ط 3، 1989 م.
تاب الأربعين في أصول الدين شركة الشهاب للنشر والتوزيع الجزائر، 1989 م.
-404 - (1/404)
صفحة 405
الاقتصاد في الاعتقاد دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1988 م.
(6) أبو خزر يغلا بن زلتاف:
الرد على جميع المخالفين: تحقيق د/ عمرو خليفة النامي. قدّم له وعلّق عليه وراجعه الحاج سعيد مسعود بن إبراهيم وكروم الحاج أحمد بن حمو (د. ت) (مخطوط). (7) أبو زكرياء الجناوني:
الوضع مختصر في الأصول والفقه تحقيق أبي إسحاق اطفيش، الفجالة
الجديدة، القاهرة، ط 1، (د. ت).
8 أبو سعيد الكدمي:
المعتبر: وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1405 هـ / 1984 م.
(9) أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة:
حاشية على كتاب قواعد الإسلام طبعة حجرية (د. ت).
10) أبو عذبة
الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية: تحقيق عبد الرحمن عميرة، عالم
الكتب، بيروت، ط 1، 1989 م.
(11) أبو عمار عبد الكافي:
الموجز: تحقيق د/ عمار طالبي الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر،
1978/ 1398 -
شرح الجهالات (مخطوط) توجد نسخ منه في مكتبات وادي مزاب.
(12) أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي:
السؤالات (مخطوط) توجد نسخ منه في مكتبات وادي مزاب.
- 405 - (1/405)
صفحة 406
(13) أبو منصور الماتريدي:
شرح الفقه الأكبر: المكتبة العصرية، بيروت، (د. ت).
(14) أبو يعقوب يوسف الوارجلاني:
العدل والإنصاف وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1409 هـ/ 1989 م. الدليل والبرهان وزرارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1403 هـ / 1983 م. (15) إسماعيل الجيطالي:
تذكرة النسيان وأمان حوادث الزمان ضمن دليل المخطوطات مكتبة العطف، جمعية التراث، 1996 م. القرارة. (مخطوط)
قناطر الخيرات قنطرتا العلم والإيمان تحقيق عمرو حليفة النامي، المطبعة العربية، غرداية، (د. ت).
قناطر الخيرات وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان
1983/_1403
قواعد الإسلام: تصحيح وتعليق بكلي عبد الرحمن، المطبعة العربية، غرداية، 1976 م. شرح النونية: (مخطوط) مكتبة القطب، بني يزقن، نسخة كاملة، تحت رقم 3/هـ.
الفرائض: المطبعة البارونية، 1305 هـ/1887 م.
قياس الجروح المطبعة البارونية، 1305 هـ/1887 م.
عقيد التوحيد المطبعة العربية، غرداية، 1974 م.
قصائد عديدة من نظم الجيطالي وغيره: المطبعة البارونية، مصر، (د. ت).
16) الأشعري
الإبانة في أصول الديانة: دار القادري، بيروت، ط 1، 1991 م.
- 406 - (1/406)
صفحة 407
مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد،
المكتبة العصرية، بيروت، 1990 م.
17) الإيجي:
المواقف في علم الكلام عالم الكتب، بيروت، (د. ت).
18 ابن أبي العز
شرح العقيدة الطحاوية تحقيق جماعة من العلماء، الملكية للطباعة الحراش،
الجزائر، ط 10، 1996.
(19) ابن الأثير:
الكامل في التاريخ، تعليق نخبة من العلماء، دار الكتاب العربي، ط 5، بيروت،
1405 هـ/1985 م.
:
(20) ابن الجوزي:
تلبيس إبليس دار الجيل، بيروت، (د. ت).
21 ابن القيم الجوزية:
طريق الهجرتين وباب السعادتين دار الحياة، قسنطينة (د. ت).
(22) ابن النديم
الفهرست دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة تونس، 1994 م.
(23) ابن بدران
نزهة الخاطر العاطر شرح كتاب روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامه: دار
ابن حزم، بيروت، ط 2، 1995 م.
- 407 - (1/407)
صفحة 408
(24) ابن تيمية
الفتاوى الكبرى دار القلم، بيروت، ط 1، 1407 هـ/1987 م.
كتاب الإيمان: مطبوعات ميموني للنشر والتوزيع الجزائر، 1988 م.
متن العقيدة الواسطية: دار الصوميعي، الرياض، ط 1، 1996 م.
(25) ابن جميع
مقدمة التوحيد وشروحها لأبي العباس الشماخي وأبي سليمان الثلاثي: تعليق
أبي إسحاق اطفيش (د. ت).
(26) ابن حوقل أبو القاسم محمد:
صورة الأرض: منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت (د. ت).
(27) ابن رشد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد: صححها نخبة من العلماء، دار الشريفة،
1409 هـ/1989 م.
28) ابن عيد الحكم:
فتوح إفريقية الأندلس: تحقيق عبد الله أنيس الطباع، دار الكتاب اللبناني
بيروت، 1964 م.
(29) ابن قتيبة:
تأويل مختلف الحديث: صححه محمد زهري النجار، دار الجيل، بيروت،
1393 هـ/1972 م.
30) تبغورين
أصول الدين تحقيق د عمرو بن خليفة النامي (مخطوط).
- 408 - (1/408)
صفحة 409
(31) الجويني:
لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة: تحقيق د/ فوقية حسين
محمود، عالم الكتب، بيروت، ط 2، 1987 م.
(32) الدرجيني أحمد بن سعيد:
طبقات المشايخ بالمغرب: تحقيق إبراهيم طلاي، دار البعث، قسنطينة (د. ت).
(33) الرازي:
معالم أصول الدين: مكتبة الكليات، الأزهرية (د. ت).
34 الربيع بن حبيب:
الجامع الصحيح: المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1981 م.
(35 الشماخي أبو العباس بن سعيد:
السير: تحقيق أحمد بن مسعود السيابي وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة
عمان، 1407 هـ/1987 م.
شرح مقدمة: التوحيد هامش مقدمة التوحيد، تعليق أبي إسحاق اطفيش (د. ت).
(36) الشهرستاني:
الملل والنحل: تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل، دار الفکر، بيروت، (د. ت).
(37) الشوكاني
إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول تحقيق أبي مصعب البدري، مؤسسة
الكتب الثقافية، بيروت ط 1، 1992 م.
38 عبد الجبار
- 409 - (1/409)
صفحة 410
فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة تحقيق فؤاد سيد الدار التونسية للنشر،
تونس، ط 2، 1986 م.
شرح الأصول الخمسة: الأنيس، الجزائر، 1990 م.
(39) عبد الرحمن بن خلدون
العبر وديوان المبتدإ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر: دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1983 م.
المقدمة: دار الجيل، بيروت (د. ت).
(40 عبد القاهر البغدادي:
الفرق بين الفرق: تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية،
بيروت، 1990 م.
أصول الدين: تحقيق لجنة إحياء التراث العربي دار الآفاق الجديدة، بيروت،
ط 1، 1981 م.
1. عبد الله بن عباس:
تنوير المقباس في تفسير ابن عباس: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، (د. ت).
(41) محمد بن الحسن الطوسي
محمد بن الحسن الطوسي الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد، دار الأضواء،
بيروت، ط 2، 1986 م.
(42) محمد بن بركة
¦
الجامع: تحقيق عيسى يحي الباروني وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة
عمان، (د. ت).
-410 - (1/410)
صفحة 411
(43) محمد بن تومرت
أعز ما يطلب، تقديم وتحقيق د/ عمار طالبي، المؤسسة الوطنية للكتاب،
الجزائر، 1985 م.
(44) محمد بن عبد الله التنسي:
نظم الدر والعقيان في بيان شرف بني زيان تحقيق محمود بوعياد، المؤسسة
الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985 م.
(45) محمد بن مرزوق التلمساني:
المسند الصحيح في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن: تحقيق ماريا خيسوس،
الشركة الوطنية للنشر، الجزائر، 1981 م.
(46) المصعبي:
حاشية المصعبي على أصول الدين لتبغورين: دراسة وتحقيق الشيهاني حمو، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإسلامية، جامعة محمد الخامس، المملكة المغربية، 1416 هـ/1995 م (مخطوط).
(47) هود بن محكم الهواري:
تفسير كتاب الله العزيز: تحقيق بالحاج شريفي، دار الغرب الإسلامي
بيروت، لبنان، ط 1: 1989 م.
48 ياقوت الحموي:
معجم البلدان دار صادر، بيروت، 1399 هـ/1979 م.
(49) يحيى بن خلدون
بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد: مطبعة بييرفونطا، الجزائر،
-411 -
1903/ 1321 (1/411)
صفحة 412
50) إبراهيم أبو اليقظان:
المراجع
سليمان الباروني باشا في أطوار حياته المطبعة العربية، الجزائر،
1376 هـ/1965 م.
(51) أبو الحسن الندوي:
روائع إقبال: دار الشهاب للطباعة والنشر، باتنة، الجزائر، 1986 م.
(52) أبو الحسن النسابوري:
أسباب الترول، دار المعرفة، لبنان (د. ت)
(53) أبو الربيع سليمان الباروني:
مختصر تاريخ الإباضية (د. ت).
54) أبو القاسم الكباوي:
الربيع بن حبيب محدثا وفقيها المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1994 م.
(55) أبو عبد الله الحسين:
:
شرح المعلقات السبع دار المعرفة، لبنان (د. ت).
56) أحمد الهاشمي
القواعد الأساسية في اللغة العربية: دار الكتب العربية بيروت، (د. ت).
(57
أحمد بن حمد حمد الخليلي:
الحق الدامغ: مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان، 1989 م.
-412 - (1/412)
صفحة 413
أحمد محمود صبحي:
(58
الإمام المجتهد يحي بن حمزة وآراؤه الكلامية: منشورات العصر الحديث، بيروت، ط 1، 1990.
في علم الكلام دار النهضة العربية، بيروت، ط 5، 1405 هـ/1985 م.
59) أعوشت بكير:
دراسات إسلامية في الأصول الإباضية دار البعث قسنطينة، الجزائر. 1982 م.
(60) آل ياسين
الله
بين الفطرة والدليل: المكتب العالمي، بيروت، ط 6، 1979 م.
(61) ابن منظور
لسان العرب: دار بيروت للطباعة (د. ت).
(62) امحمد بن يوسف اطفيش
الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص تحقيق أبي إسحاق إبراهيم اطفيش،
مطبعة البعث قسنطينة، الجزائر، ط 2، 1400 هـ/1980 م.
(63) بحاز إبراهيم
الدولة الرستمية المطبعة العربية، ط 2، غرداية، 1993 م.
64 بلقاسم الغالي:
أبو منصور الماتريدي حياته وآراؤه العقدية: المطابع الموحدة، تونس، 1989 م.
(65) جلال محمد
نشأة الأشعرية وتطورها دار الكتاب بيروت، ط 1، 1395 هـ/1985 م.
-413 - (1/413)
صفحة 414
(66) جماعة من المستشرقين:
دائرة المعارف الإسلامية.
(67) جمال الدين بوقلي حسن
الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد: المؤسسة الوطنية للكتاب،
الجزائر، 1983 م.
(68) جمعية التراث:
معجم أعلام الإباضية قسم المغرب: المطبعة العربية، غرداية، ط 1،
1420 هـ / 1999 م.
(69) جميل بن خميس السعدي:
قاموس الشريعة: وزارة الثقافة والتراث القومي، سلطنة عمان. 1983 م.
70 جميل م منيمنة:
مشكلة الحرية في الإسلام دار الكتاب، لبنان، بيروت، ط 1، 1974 م.
71 جهلان عدون
الفكر السياسي عند الإباضية: جمعية التراث القرارة، غرداية (د. ت).
(72) جولد تسهير
العقيدة والشريعة في الإسلام: دار الرائد العربي، بيروت، 1946 م.
73 خير الدين الزركلي:
الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء العرب والمستعربين
والمستشرقين دار العلم للملايين بيروت لبنان، ط 10/ 1992.
-414 - (1/414)
صفحة 415
(74) رابح يونار
تاريخ المغرب وثقافته الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1989 م.
(75) الرستاقي:
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين تحقيق الحارثي، القاهرة، 1979 م.
(76) سالم بن يعقوب:
تاريخ جزيرة جربة: دار الجويني للنشر، تونس، 1406 هـ/1986 م.
(77) السالمي:
شرح طلعة الشمس على الألفية: وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة
عمان، ط 2، 1405 هـ/1985 م.
مشارق أنوار العقول: تعليق وتصحيح أحمد الخليلي، مطابع العقيدة، سلطنة
عمان، ط 2، 1378 هـ / 1978 م
78) سليمان الباروني:
الأزهار الرياضية في معرفة أئمة وملوك الإباضية: دار أبي سلامة،
تونس، ط 1، 1986 م.
(79) السيوطي:
لباب النقول في أسباب الترول: المكتبة العصرية، بيروت، 1415 هـ/1994 م.
(80) شارل أندري جوليان
تاريخ إفريقيا الشمالية: تعريب محمد مزالي البشير بن سلامة، الدار التونسية
للنشر، تونس، 1398 هـ/1978 م.
-415 -
27 (1/415)
صفحة 416
81) الصادق بن مرزوق:
أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي حياته ومآثره: (مخطوطة) 12 ص.
82) الطاهر المعموري
الغزالي وعلماء المغرب: دار القلم، تونس، 1988 م.
(83 الطاهر بن عاشور
التحرير والتنوير: الدار التونسية للطباعة والنشر، تونس، 1989 م.
(84) عباس محمود العقاد:
الله جل جلاله: المكتبة العصرية، بيروت، (د. ت).
الفلسفة القرآنية: مطبعة المعارف، الجزائر (د. ت).
(85) عبد الأمير الأعسم:
الفيلسوف الغزالي إعادة تقويم لمنحى تطوره الروحي: دار الأندلس،
بيروت، ط 2، 1989 م.
86) عبد الحليم محمود
التفكير الفلسفي في الإسلام: دار الكتاب اللبناني، بيروت 1975 م.
(87) عبد الحميد النجار
مباحث في منهجية الفكر الإسلامي: دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1992 م. المهدي بن تومرت حياته وآراؤه الكلامية: دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1983 م. (88) عبد الرحمن أبو بكر المصلح:
الإباضية عقيدة وفكرا رسالة ماجستير (مخطوطة)، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية كلية أصول الدين الرياض، 1402 هـ/1982 م.
-416 - (1/416)
صفحة 417
(89) عبد الرحمن الجيلالي
تاريخ الجزائر العام دار الثقافة، بيروت، 1402 هـ/1982 م.
90) عبد الرحمن بدوي:
مذاهب الإسلاميين: دار العلم للملايين، بيروت، ط 2، 1979 م.
(91) عبد العزيز الثميني:
عقد الجواهر المأخوذة من بحر القناطر (مخطوط).
معالم الدين: وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1407 هـ/1987 م.
(92) عبد العزيز المجدوب
أفعال العباد في القرآن الكريم: الدار العربية للكتاب، 1985 م.
(93 عبد العزيز مجدوب
الصراع المذهبي بإفريقيا إلى قيام الدولة الزيدية: الدار التونسية، للنشر تونس،
1975/_1395
(94) علي سامي النشار
مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي: دار النهضة العربية، بيروت، 1404 هـ/1984 م.
95) علي يحي معمر
الإباضية في موكب التاريخ: مطبعة الاستقلال الكبرى، مصر، ط 1،
1964/ 1384
الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم والحديث:
المطبعة العربية، غرداية، 1987 م.
-417 - (1/417)
صفحة 418
96 عمار طالبي:
آراء الخوارج الكلامية: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر،
1978/ 1398
آراء أبي بكر بن العربي الكلامية: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر، (د. ت).
197 عمر توفيق سفر آغا:
قواعد اللغة العربية: دار الكتاب المغرب، ط 1، 1966 م.
(98) عمر سليمان الأشقر:
اليوم الأخر القيامة الكبرى: مطبعة موحلي، الجزائر. (د. ت)
(99) عمر قلاع الضروس
الإمام عبد العزيز الثميني وكتابه المعالم في الفلسفة وأصول الدين: رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، المعهد الوطني العالي لأصول الدين الجزائر، 1997 م. (مخطوط) 100 غازي عناية:
هدى الفرقان في علوم القرآن: دار الشهاب، باتنة، الجزائر،
1408 هـ/1988 م.
(101) فرحات الجعبيري:
نظام العزابة عند الإباضية الوهبية بجربة: المطبعة العصرية، تونس، 1975 م. البعد الحضاري للعقيدة الإباضية: نشر جمعية التراث القرارة، المطبعة العربية، غرداية، 1991 م.
(102) لويس غروديه و ج، قنوائي:
فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية ترجمة صبحي الصالح وفريد
-418 - (1/418)
صفحة 419
الحير دار العلم للملايين، بيروت، ط 2، 1983 م.
103) مبارك بن محمد الميلي:
تاريخ الجزائر بين القديم والحديث دار الغرب الإسلامي، بيروت، (د. ت).
(104) مجموعة من الدكاترة:
الجزائر في التاريخ (العهد الإسلامي): المؤسسة الوطنية للكتاب، 1984 م.
(105) محمد أبوراس
مؤنس الأحبة في تاريخ جربة: تحقيق محمد المرزوقي، المطبعة الرستمية،
تونس، 1960 م.
106) محمد الغزالي:
عقيدة المسلم: ديوان المطبوعات الجامعية، ابن عكنون الجزائر، (د. ت). فقه السيرة النبوية: خرج أحاديثه محمد ناصر الألباني، رحاب، الجزائر، 1987 م.
(107) محمد الهادي حارش
التاريخ المغاربي القديم السياسي والحضاري المؤسسة الجزائرية للطباعة (د. ت).
108) محمد رشيد رضا
الوحي المحمدي: دار الكتب، الجزائر، 1989 م.
(109) محمد سعيد رمضان البوطي
كبرى اليقينات الكونية الملكية للإعلام والنشر، الجزائر، ط 8، 1402 هـ.
110 محمد شلتوت
الإسلام عقيدة وشريعة دار الشروق بيروت، ط 12، 1403 هـ/1983 م.
-419 - (1/419)
صفحة 420
(111) محمد عبد الرحيم الزيني قاسم:
شهداء الفكر في الإسلام رجال ومواقف دار الهدى عين مليلة، الجزائر، 1998 م. مشكلة الفيض عند فلاسفة الإسلام ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1993 م
(112) محمد عبده:
رسالة التوحيد: دار إحياء العلوم، بيروت، ط 6، 1986 م.
113) محمد علي دبوز
تاريخ المغرب الكبير: دار إحياء الكتب العربية، مصر
1963/_1383
نحضة الجزائر الحديثة: التعاونية، مصر، 1385 هـ/1965 م.
114) محمد محفوظ:
تراجم المؤلفين التونسيين: دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 41، 1982 م.
(115) محمد منير مرسي
طا،
التربية الإسلامية أصولها وتطويرها في البلاد العربية: عالم الكتب، القاهرة،
1983/ 1403
1410
(116) محمد ناصر
جمعية التراث القرارة، الجزائر، حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي:
14 هـ 1989 م
(117) محمد هشام سلطان
العقيدة والفكر الإسلامي رحاب، الجزائر، ط 2، 1988.
-420 - (1/420)
صفحة 421
118) مسعود مزهودي:
جبل نفوسة منذ الفتح الإسلامي إلى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب (21 - 422 هـ / 642 - 1053 م) رسالة دكتوراه في التاريخ الإسلامي الوسيط (مخطوطة)،
جامعة الجزائر، 1416 هـ/1996 م
(119) مصطفى أبو ضيف
القبائل العربية بالمغرب في عصر الموحدين وبني مرين: ديوان المطبوعات
الجامعية، الجزائر، 1982 م.
(120) مصطفى السباعي:
من روائع حضارتنا دار الصديقية الجزائر، (د. ت).
(121) مصطفى صادق الرافعي
إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: مكتبة رحاب الجزائر، ط 8، (د. ت).
(122) مصطفى وينتن
آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية: المطبعة العربية، غرداية، 1998 م.
(123) نديم الجسر:
قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن طرابلس بيروت، (د. ت).
(124) وحيد الدين خان
الإسلام يتحدى: تحقيق عبد الصبور شاهين دار البحوث العلمية، ط 6، 1989 م.
(125) وهبه الزحيلي
أصول الفقه الإسلامي: دار الفكر، سورية، 1996 م.
- 421 - (1/421)
صفحة 422
126) يحي بكوش:
فقه جابر بن زيد المطبعة العربية غرداية، 1408 هـ/1988 م.
127) يوسف القرضاوي:
وجود الله: دار البعث، قسنطينة، 1987 م.
موقف الإسلام من الإلهام والكشف مؤسسة الرسالة بيروت، ط 1،
1417 هـ/1986 م.
(128) يوسف بن إبراهيم السرحني
زاد المسلم: مكتبة الضامري، سلطنة عمان (د. ت).
المجلات والدوريات
(129) عالم الفكر: وزارة الإعلام الكويت، عدد 2، 1993 م.
(130) مجلة ابن رشد مارينور للنشر، عدد: 1، 1998 م.
البرامج الإعلامية
(131) الموسوعة الذهبية الميسرة للحديث النبوي وعلومه: إصدار عبد
اللطيف للمعلومات (A.f.I).
-422 - (1/422)
صفحة 423
فهرس الآيات
الآية
الفاتحة
واهدنا الصراط المستقيم
البقرة
وبالآخرة هم يوقنون
وختم الله على قلوبهم
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله
وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين له
وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة من
وقوله تعالى: وإياي فارهبون
الذين يظنون أنهم ملاقو ربكم وأنهم إليه راجعون
وإذ قلتم يا موسى لن نومن لك حتى نرى
الصاعقة وأنتم تنظرون
وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم الله
الله
جهرة فأخذتكم
وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض
ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم
ومن كان عدوا الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائل فإنّ الله
عدو للكافرين من
وربنا وابعث فيهم رسولا منهم
قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي 136
423 (1/423)
صفحة 424
النبيئون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون
ووما كان الله ليضيع إيمانكم
طفلا تخشوهم واخشوني
طوان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل ... وتصريف الرياح والسحاب المسخّر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون الله
ووما هم بخارجين من النار مانه
طويا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى
وفمن خاف من موص جنفا أو إثمانية
و فإذا قضيتم مناسككم
وهل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام الله
إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله 218
تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض الله ولا تأخذه سنة ولا نوم ... ولا يؤوده حفظهما ...
ولا إكراه في الدين
آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمومنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله
آل عمران
هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب
وأخر متشابهات كم
وما يعلم تأويله إلا الله الله
وفأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب تركية
وإن الله لا يخلف الميعاده
وإن الدين عند الله الإسلام له
وإن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين كم
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه الله
424 (1/424)
صفحة 425
وومن كفر فإن الله غني عن العالمين الله
واتقوا النار التي أعدت للكافرين
وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين
فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين الله
الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانامه
ووخافون إن كنتم مومنين
كل نفس ذائقة الموت
وربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصاره النساء
ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ندخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين 14 ويا أيها الذين آمنوا لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه ناراجم ويا نساء النبي من يات منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا
وإن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء
وذلك خير خير وأحسن تأويلات
ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدالله
ويا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا طوقها لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تمدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصير الله ومن يقتل مومنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها و فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيمات (1/425)
صفحة 426
و وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم كيك
فإذا قضيتم الصلاة من وإذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطات
وليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به دي
وإن الذين آمنوا ثم كفروا
مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
وإن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة 152 وبل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاك فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ايه
هو إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده وإنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولديه
المائدة
و ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء 18 وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مومنين له
يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم الله | 37 قالوا آمنا بأفواههم و لم تومن قلوبهم الله
و من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن
يطهر قلوبهم لهم في الدنيا، خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم الله
ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون
وبل يداه مبسوطتان که
وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي له (1/426)
صفحة 427
الأنمام
ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبيرة
هو القاهر فوق عباده
وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغه
وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه
ليقضى أجل مسمى ه
والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمه
وانظروا إلى ثمره إذا أثمرة
و خالق كل شيء
بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وإن أطعتموهم إنكم لمشركون
و الله أعلم حيث يجعل رسالاته الله
و يا معشر الجن قد استكثر تم من الإنس وقال أولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم الله طو يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين
ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها من
الأعراف
وما كنا غائبين دا
والوزن يومئذ الحق
كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة
خذوا زينتكم عند كل مسجد
ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في
سم الخياط
ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا
حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم الله
هو فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون كلمه (1/427)
صفحة 428
وقالوا أرجه وأخاه من
وإنا فوقهم قاهرونه
ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربِّه قال ربِّ أرني انظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرّ موسى صعقا فلما أفاق قال
سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين الله فخذها بقوة وامر قومك يأخذوا بأحسنها
واختار موسي قومه سبعين رجلا لميقاتنامه
ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون
وقل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا
ومن يهد الله فهو المهتدي من
أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرضية
ويسألونك عن الساعة آيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا
يجليها لوقتها إلا هونا
وقل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ده الأنفال
وإنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المومنون حقا
وإنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الله ويا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولّوهم الأدبار ومن يولّهم يومئذ دبره إلا متحرّفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصيره
تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى دامه
ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم مايه واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه الله
وقل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
428 (1/428)
صفحة 429
فأجره حتى يسمع كلام الله الله قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم
التوبة
وإن المنافقين هم
الفاسقون
ويحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم
وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي
حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم
ليه ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من
فضله لنصدقن ولنكونن من
الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه
فأعقبهم
وبما كانوا يكذبونه لولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره و من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله 000 که
فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون
يونس
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم الله
وهو الذي يسيركم في البر والبحر
للذين أحسنوا الحسنى وزيادة كله فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال
وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم هو يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين
له
إن ربك يقضى بينهم الله وإن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يومنون قل انظروا ماذا في السماوات والأرض و فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها مله
هود
كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبيرة
429 (1/429)
صفحة 430
ايو
وويوت كل ذي فضل فضله
وكان عرشه على الماء
وأم يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من
استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين
وما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون واستوت على الجودي
فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين فعال لما يريدك
فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعّال لما يريد 106 - 107
وإنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلونه
وإن كنت من قبل من الغافلين ووما أنت بمؤمن النات
يوسف
إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون الله
واسأل القرية
الرعد
قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار
وأم جعلوا الله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله
خالق كل شيء وهو الواحد القهار
وأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا أكلها دائم وظلها
وا في الله شك فاطر السموات والأرض.
إبراهيم
وإن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله له
ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة 27 (1/430)
صفحة 431
وإن ربي لسميع الدعاء له
الحجر
وربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين به
ولا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين دين
نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم | 49 - 50
ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون كم
وإلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين الله وإن ربك هو الخلاق العليم فوربك لنسألنّهم أجمعين عما كانوا يعملون
النحل
يخافون ربهم من فوقهم
و أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب اليك و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون
ميو و جعل لكم سرابيل تقيكم الحرية بين ومن كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان | 106 و أولئك الذين طبع الله على قلوبكم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون كيك
الإسراء
وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لك وومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مومن به
انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ميكنه
ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا تمام کي
وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يومنون بالآخرة حجابا
مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرام (1/431)
صفحة 432
وعسى أن يبعثك ربِّك مقاما محمود
دا کيا
وقل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا
يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيران
منع الناس أن يومنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله
الكهف
بشرا ر سولات کي
وفمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر ولا يظلم ربك أحدام
و فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه الله
و فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا
وكان أمرا مقضيا له
مريم
و وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيات هل تعلم له سميان
وم لنترعنّ من كلّ شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا ثم لنحن
أعلم بالذين هم أولى بما صليات
ولا يملكون الشفاعة إلا من أتخذ عند الرحمن عهدالله
و الرحمن على العرش استوى مين
ولتصنع على عيني
و فاقض ما أنت قاض الله
طه
وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى
يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ميه وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الموعيد لعلهم يتقون | 113
ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه الله فإن له معيشة ضنكان
432 (1/432)
صفحة 433
الأنبياء
ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا
وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون 25
ولا يشفعون إلا لمن ارتضى
وقل إنما أنذركم بالوحي
وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين الله فظن أن لن نقدر عليه
إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا
لنا خاشعين کے
وفمن يعمل من الصالحات وهو مومن فلا كفران السعيه كيك وكما بدأنا أول خلق نعيده
الحج
ويا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ا ووترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وو أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) وكذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون من
أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بما فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل
النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصيره الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس دي المومنون
وقد افلح المومنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ...
و أنزلنا من السماء ماء بقدر
433 (1/433)
صفحة 434
فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم 27 وكل حزب بما لديهم فرحون
وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض | 91
النور
وليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله
وو من يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون
وومن
ليورو خلق كل شيء فقدره تقديرا
الفرقان
و ألم تر إلى ربك كيف مد الظلم
وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده و کفي به بذنوب
عباده خبيرات
والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له
العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانات
خالدين فيها حسنت مستقرا ومقامات
وقال فعلتها إذا وأنا من الضالين
وإذ نسويكم برب العالمين ما
واذ نسويكم برب العالمين تك
فما لنا من شافعين ولا صديق حميم الله
واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين
الشعراء
وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون
النمل
من المنذرين بلسان عربي مبين
ميکي
وأنذر عشيرتك الأقربين
وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان
عاقبة المفسدين ميه (1/434)
صفحة 435
وأوتيت من كل شيء
وليبلوني اشكر أم أكفركن
وأسلمت مع سليمان الله رب العالمين
و ... فله خير منها ...
من
القصص
ولما بلغ أشده واستوى أتيناه حكما وعلمانية
و فلما قضى موسى الأجل من
و إذ قضينا إلى موسى الأمريكي
ووربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة كم
وكل شيء هالك إلا وجهه كه
العنكبوت
و ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد
فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين | 1 - 3
لي فإياي فاعبدون كريم
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنامه
الروم
هو ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في
بضع سنين کے
هو وجعل بينكم مودة ورحمة كيم
فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم 30
وفانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها كريم
وويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كام
لقمان
وألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منيركية (1/435)
صفحة 436
يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده
ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق
وإن الله عنده علم الساعة
السجدة
وولو شئنا لاتينا كل نفس هداها
ويدعون ربهم خوفا وطمعاك
أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون
وإذ أخذنا من
الأحزاب
النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوحه
ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوهام
ولقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو واليوم الآخر وذكر الله كثيراكي
ومن المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
الله
و يعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيمانه 24
وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى لهم الخيرة من أمر هم دي
الله
ورسوله أمرا أن تكون
وما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيئين
وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيراني
خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا
ويوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا)
سبأ
436
كان عند الله وجيهان
طولا يعزب عنه مثقال ذرة
واعملوا صالحا إنِّي بما تعملون بصير
وقدرنا فيها السير (1/436)
صفحة 437
و فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء
ولا يقضى عليهم فيموتوا ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله
فاطر
بس
قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين
قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنامه
ولقد أضل منكم جبلاً كثيرا
وما عملت أيدينا أنعاماني
هو أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم
مبين ..... قل يحييها الذي أنشاها أول مرة
الصافات
فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون له
فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم الله
و و الله خلقكم وما تعملون
وأم نجعل المتقين كالفجار
ص
ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدّهم من الأشرار اتخذناهم سخريا أم
زاغت عنهم الأبصارية
قل هو نبأ عظيم دا
وقال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
وولا يرضى لعباده الكفر
الزمر
أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو
رحمة ربه ما
وإنك ميت وإنهم ميتونه (1/437)
صفحة 438
وإن أرادني الله بضر هل من كاشفات ضره
وقل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم الله
الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل
والسموات مطويات بيمينه
ووترى الملائكة حافين من حول العرش تكتيكية
وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع دينه
و وأفوض أمري إلى الله إن الله
غافر
بصير بالعبادك من
والنار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب كين
فصلت
وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا
وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون كم
ثم استوى إلى السماء كم
و فقضاهن سبع سموات في يومين كم
و وأما محمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى كيم
ليو من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها
الشورى
وليس كمثله شيء وهو السميع البصيركم روما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو
يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم كله
وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان
الزخرف
وقال: إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلونه
ونحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيامه وونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكنون كم
438 (1/438)
صفحة 439
الجانية
لي وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون
الأحقاف
وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ... فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين الله
والذين اهتدوا زادهم هدي و آتاهم تقواهم و حتى تعلم المجاهدين منكم والصابرين كم
??
الفتح
الذي أنزل السكينة في قلوب المومنين ليزدادوا ايمانا مع إيمانهم له
هويد الله فوق أيديهم له
والتدخل المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم ومقصرين 27
الحجرات
وقالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل
الإيمان في قلوبكم كم
و والله بصير بما تعملون
كنم
ق
لمو ولدينا مزيدكم م
وإن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيدكم فذكر بالقرآن من يخاف وعيدي
الذاريات
طرف أخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من
المسلمين كريم
وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين كريم
والسماء بنيناها بأييدكم المفتول عنهم فما أنت بمعلومه (1/439)
صفحة 440
الطور
و واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا
النجم
وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى
وما كذب الفؤاد ما رأى ... لقد رأى من آيات ربه الكبرى ... | 11 - 18
ولقد رآه نزلة أخرى
ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى
وهو أعلم بمن اتقى الله
وأنه هو أضحك وأبكي
القمر
و فالتقى الماء على أمر قد قدرة
وتجري بأعيننا
الرحمن
و يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان كله
كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرامه
ويبقى وجه ربك
جزاء بما كانوا يعملون
الواقعة
أفرأيتم ما تمنون أأنتم .... أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين
هو نحن قدرنا بينكم الموت بالي
وهو الأول والآخر والظاهر والباطن
الحديد
وهو معكم أينما كنتم نه
انظرونا نقتبس من نوركم
وغرتكم الأماني
وكمثل غيث أعجب الكفار نباته (1/440)
صفحة 441
المجادلة
فتحرير رقبة من قبل أن يتماسًا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتومنوا بالله ورسوله ... يک
ويوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد
طويرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات شوما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون
كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
فلما زاغوا أزاغ الله قلوكم
و مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد
الصف
الجمعة
وقل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله له
المنافقون
وإذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك
لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون
وهم العدو فاحذرهم يا
وومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرونه
التغابن
فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنامه
441
و فاتقوا الله ما استطعتم ما (1/441)
صفحة 442
الطلاق
وومن قدر عليه رزقه که
فقد صنعت قلوبكما كان
التجريم
ويقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير 8
الملك
وتبارك الذي بيده الملك كم
وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم
من خلق وهو اللطيف الخبيركية
و امنتم من في السماء لم يم
وو يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية كمم لو الأخذنا منه باليمين كمية
والذين هم من عذاب ربهم مشفقون كم
هوما لكم لا ترجون الله وقاراك
الحاقة
المعارج
نوع
هو ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخر حكم إخراجاكم يم
المدثر
وليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا
كل نفس بما كسبت رهينة كريم (1/442)
صفحة 443
ووجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة
القيامة
وإنا هديناه السبيل
الانسان
وإنما نطعمكم لوجه الله ك
المرسلات
وفقدرنا فنعم القادرونه
النبأ
وعم يتساءلون عن النبا العظيم
هو ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا ... وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبًا ونباتا وجنات ألفافات طوإن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا لابثين فيها أحقابا
فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابات
وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت ولقد رأه بالأفق المبين
وإن الفجار لفي جحيم الله
وما هم عنها بغائبين دي
التكوير
الانفطار
المطففين
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وكلا إنهم عن ربهم يومئذ المحجوبون
وإن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون الله (1/443)
صفحة 444
الانشقاق
وفأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من اوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلي سعير امين
البروج
وبل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ به
الأعلى
والذي قدر فهدى
الفاشية
أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت ما
الفجر
و وجاء ربك والملك صفا صفاكه
کي
البلد
وهديناه النجدين
الضحى
ور وجدك ضالا فهدى
البينة
فورما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة
ويوتوا الزكاة وذلك دين القيمة
الزلزلة
و يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها مكه
نمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره 7 - 8
444 (1/444)
صفحة 445
القارعة
بلو فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من
موازينه فأمه هاويه که
وكلا لو تعلمون علم اليقين
التكاثر
الفيل
هو ألم تر كيف فعل ربك
الاخلاص
ولم يكن له كفوا أحدم عليه
445 (1/445)
صفحة 446
الصفحة
فهرس الأحاديث النبوية
المتن
إذا دخل أهل الجنة، الجنّة، وأهل النار النار نادى مناد ...... إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران
إذا ذكر القدر فأمسكوا
إذا زاد الماء على قلتين لا يحتمل خبثا
إذا قال الرجل لصاحبه يا كافر فقد باء أحدهما
أربع من كن فيه فهو منافق حقا وإن صلى وصام ........ أرسلت إلى الناس كافة وختم يد النبوة
أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها
اكثروا ذكر هادم اللذات
ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض
أمرت أن آخذها من أغنيائكم
إن أرواح الشهداء تجعل في حواصل طير خضر .. إن الإيمان ها هنا وأشار إلى صدره
إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها .......
إن الله هو هو المسعر القابض الباسط أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ......
أن تؤمن
بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبلقائه .......
إن لله تعالى مائة رحمة فواحدة منها قسمها بين الجن .. أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء
إنك لن تجد، ولن تبلغ حقيقة الإيمان ....... إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته
إني ضرير شاسع النار، لا قائد لي فهل لي من رخصة ....... أي الأعمال أفضل؟ فقال: الإسلام، فقيل له ......
-446 - (1/446)
صفحة 447
أي يوم هذا وأي شهر هذا وأي بلد هذا؟ فق الموا .....
الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاما قول لا إله إلا الله.
الإيمان يزيد وينقص
اعقلها وتوكل
اعملوا فكل ميسر لما خلق أنه
اقبل الحق ممن جاءك به حبيبا كان أو بغيضا ...
اهتز العرش الموت سعد بن معاذ
بعثت إلى الأحمر والأسود
بعثت حين بعث إلى إسرافير
بني الإسلام على نسمة على أن يوحد الله ...
- ت.
تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم
- ج -
جبلت هذه القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها الجنة مخلوقة وهي في السماء، والنار مخلوقة وهي من الأرض
-ح-
الحياء من الإيمان
- خ --
خلق الله آدم على صورته
- ش -
شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي
الصبر نصف الإيمان والوضوء نصف الصبر
السير والساحة من الإيمان
صلاة الجماعة تفضل عن صلاة العذ بخمس وعشرين درجة
-447 - (1/447)
صفحة 448
- ع -
عليكم بإيمان العجائز
- ف -
في الجسد مضغة إذا صلحت صلح بما سائر الجسد ...... فيك خصلتان يحبهما الله تعالى، فقال عبد الله .......
ك -
كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجم الذنب منه خلق وفيه يركب كل شيء بقضاء الله وقدره حتى العجز والكيس
كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد كيف أقول بخلاف القرآن وبه هداني الذين
- ل -
لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه ...... لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم
لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله .... لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق ...... لا ينال شفاعتي سلطان ظلوم غشوم ورجل لا يراقب الله في اليتيم لبيك لا شريك لك
لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته ...... لن يدخل الجنة أحد بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله.
الله أرحم لعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة لولدها نقه من الذنوب كما تنقي الثوب الأبيض من الدنس
اللهم:
لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم ......
لو رأيتم الرفق لرأيتم خلقا لم تروا من خلق الله ...... لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تفعلوا ولو لم تفعلوا الكفرتم لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد بن لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه بميزان تريص ما زاد أحدهما على الآخر
معاذ ......
-448 - (1/448)
صفحة 449
ليس المؤمن من بات شبعان وجاره جائع ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة
ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي
- م -
المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ......
المؤمن مَنْ أَمن الناس من لسانه ويده
ما من كلمة إلا ولها وجهان فاحمل الكلام على أحسن وجوهه
ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح وبرحمة من الله وشفاعتي
من أتى إمرأة في دبرها أو حائضا فقد كفر
من بدل دينه فاقتلوه
من ترك الصلاة فقد كفر
من سأل ومعه أوقية فقد سأل الناس إلحافا من عد كلامه من عمله قل إلا فيما يعنيه وينفعه
من قتل بعد العفو وأخذ الدية فهو خالد مخلد في النار
من قتل نفسه بحديدة فهو يتوجاً بما في النار ....... من كذب وأصر فهو مخلد في النار
-و-
وحسن العهد من الإيمان
وما صنعت في رأس العلم حتى تسأل عن غرائبه .......
يوم القوم أقرؤهم لكتاب الله
- ي -
يا بني عبد المطلب إن الله أمرني أن أنذركم فإني لا أغني .. يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان في قلبه .......
-449 - (1/449)
صفحة 450
فهرس الأبيات الشعرية
البيت
وإذا أراد الله نشر فضيل طويت أتاح لها لسان حسود لا
وما من كاتب إلا سيفنى ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تـ
الشاعر البحر الصفحة
أبو تمام الكامل 67
الجاحظ الوافر
سلام على الإخوان في كل موطن بنجد وخيف والسهولة والحزن أبو نصر
ألا كل من لا يقتدي بأئمة يكن مثل ملش في الدجى ليس يهتدي ويأتي غدا يوم القيامة حائرا فما إن له في دينه من مقلد سلالة إبراهيم أفضل مورد
ولكني قللت ديني ومذهبي رضينا به بين الأنام مقلدا
وإني بأفضل الأئمة مقت
ــدي
وإن كتاب الله في الدين قدوتي رضينا به بعد النبي محمد وأصحابه أولي لقى ثم بعدهم من الناس أسلاف لنا بهم أقتدي ربيع وجابر بن زيد ومسلم وحاجب والمرداس شيخ التمجد فيارب السلكني مسالك قصدهم إلى أن تزرني المنية في غـ وثبت أقدامي على منهج الهدى فلست أبالي بعدد أين ملحد عليهم من الرحمن أسنى تحية وأفضل رضوان يروح ويغتدي
فيا أيها المهدي مقالته جدلا تفهم صريح الحق، وارض به أهلا فهذا امرؤ عندي تزوج أربعا أوانس أمثال الجآذر كحلا فطلق إحداهن فدى وقد بقي من ايلس حيضها عدة مثلا نواة وأستار وفذ. جميعها من النش نيم فاحسبنه تجد عدلا على زوجها إن شاء تزويج غيرها كعدها
حتما يراقبها مهلا متى انقضت يعتد بالأشهر التي ذكرن فذا في نص خالقنا يتلى لأن الأولى في حكمه غير جائز له الخمس نصا في الكتاب مترلا
الملوشائي
الطويل
الجيطالي الطويل
الجيطالي الطويل
-450 - (1/450)
صفحة 451
نظرت إليك في حاجة لم تقضها نظر السقيم إلى الوجوه العود
النابغة الكامل
دعوت الله حتى بلت أن الله سميع ما أقول
الهزج
يلونوننا عن ديننا وتذوذهم عن الكفر والرحمان راء وسامع
الصديق الطويل 166
وبات عليه سرجه ولجامه وبات بعيني قائما غير مرسل امرؤ القيس الطويل
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
إن من ساد ثم ساد أبوه ثم من بعد ذلك قد ساد جده
حين استوى وعلا الشباب به وبدا منير الوجه كالبدر
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
فالحمد للمهيم من الرزاق
فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لناب وكاسر
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم بعتبة بن الحارث بن شهاب
الطويل 173
وجوه يوم بلر ناظرات إلى الرحمن يأتي بالخلاص | حسان
لو لم تكن فيه آيات مين
الخفيف 176
الكامل 177
الرجز 177
الطويل 177
الكامل | 179
بن تابث الطويل 196
كانت بديهته تأتيك بالخير حسان
بن تابث الطويل 217
عينا مطحلية الأرجاء طامية فيها الضفادع والحيتان تصطحب
غيلان | الطويل 238
-451 - (1/451)
صفحة 452
الدار جنة عدن إن عملت بمالله يرضي الإله وإن خالفت فالنار هما محلان ما للناس غيرهما فاختر لنفسك ماذا أنت مختار علي بن
وحتى يؤوب القارظان كلاهما ويرجع في القتلى كليب لوائل
أبي طالب البسيط
؟
وزن الكلام إذا نطقت وإنما يبدي عيوب ذوي العقول المنطق صالح بن
عبد القدوس
الطويل
البسيط
-452 - (1/452)
صفحة 453
فهرس الأعلام
- أ -
آدم
إبراهيم النخعي إبراهيم بن بكير حفار إبراهيم بن يوسف اطفيش
إبراهيم طلابي
إبراهيم عليه السلام
أبو إسحاق اطفيش
أبو إسحاق التسولي
أبو الحسن الشاذلي
أبو الحسن المريني
أبو الحسين البصري
أبو الخطاب عبد الأعلى بن السميح
أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي
أبو العباس أحمد بن محمد النفوسي
أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي
أبو العباس أحمد بن مكي
أبو القاسم الكباوي
أبو المعين النسفي
أبو المنيب محمد بن يانس الدركني
أبو النجاة يونس التملوشايتي
أحمد بن رشد القرطبي أبو الوليد محمد بن
أبو اليقظان إبراهيم
أبو بكر المصلح
أبو بكر الصديق
أبو بكر بن العربي
أبو بكر بن موسى الجيطالي
أبو بلال مرداس بن حدير
أبو تمام
أبو جعفر المنصور
أبو حفص عمر بن يحيى الحساني
أبو حنيفة
أبو خزر يغلا بن زلتاف
أبو داود القبلي
أبو راس محمد
أبو زكريا بن أبي حفص
أبو زكريا يحيى بن أبي بكر
أبو زكريا يحيى بن أبي يحيى الباروني
أبو زكرياء الجناوني
أبو زكرياء بن أبي مسور
أبو زكرياء عبد الواحد الحفصي أبو زكرياء يحيى بن أبي العز أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر الوارجلاني
أبو زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي
أبو زكرياء يحيى بن وجدليش
أبو سعيد الخذري
أبو سلمة بن مسلم الصحاري
أبو شاكر الديحاني
أبو طالب المكي
أبو عبد الله محمد
أبو عبد الله
محمد
بن بكر الفرسطائي
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
أبو عذبة
أبو عزة زكدان بن زيان
-453 - (1/453)
صفحة 454
أحمد محمود صبحي
إسماعيل بن درار الغدامسي
الأشعري
أعوشت بكير أفلح بن عبد الوهاب
آل ياسين
الألباني
الآمدي
أندري جوليان
أنس بن مالك
الأوزاعي
الإيجي
ب -
ابن أبي العز
ابن أبي العز الحنفي
ابن أبي ستة أبو عبد
الله محمد
بن عمر
ابن أبي مسور
ابن الأثير
ابن الجوزي
ابن الرواندي
ابن النظر العماني
ابن الهيثم
ابن بركة
ابن تومرت
ابن تيمية
ابن حبان
ابن حوقل
ابن خلدون
ابن خلكان
أبو عزيز
أبو عمار عبد الكافي
أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي أبو عنان
أبو غالي أبو عزيز بن إبراهيم بن أبي يحي الباروني
أبو محمد السدويكشي
أبو محمد النوبختي.
أبو محمد عبد الله
أبو محمد عبد الله
بن بركة العماني
أبو مصعب البدري
أبو نصر بن نوح الملوشائي
أبو نوح سعيد بن زنغيل
أبو هاشم الجبائي
أبو هريرة
أبو هند
أبو يجى زكرياء بن إبراهيم
أبو يحيى يغمراسن
أبو يعقوب يوسف المريني
أبو يعقوب يوسف بن محمد المصعبي
أبو يعلى
أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق
أبو النجاة يونس التملوشايتي
أبو داود
أبو طالب للكي محمد بن علي بن عطية الحارثي
إحسان عباس
أحمد
أحمد الخليلي
أحمد بن حنبل أحمد بن سعود السيابي
أحمد
بن سعيد بن
طاهر
أحمد بن محمد بن عبد ربه
-454 - (1/454)
صفحة 455
بكلى عبد الرحمن بن عمر
بكوش يحيى
البلخي
بلقاسم الغالي
البيروني
البيهقي
تادوز لفيتسكي
تبغورين بن عيسي
الترمذي
ثابت بن عمار
ثابت بن محمد
الثميني
-ج-
ج قنواتي
جابر بن زيد
الجاحظ
جرير بن عبد الله البجلي الجعبيري
فرحات
جعفر السماك
جلال محمد
جمال الدين بوقلي حسن
الجويني أبو العالي
الجيلالي عبد الرحمن
الحاج سعيد يوسف الحاج صالح بن عمر لعلي
ابن رشد
ابن رشد الحفيد
ابن رشد القرطبي
ابن سينا أبو على
ابن شهاب الزهري
ابن عباس
ابن عبد الحكم ابن قتيبة
ابن قدامة
ابن قيم الجوزية
ابن ماجة
ابن مزني
ابن مسعود
ابن منظور
ابن يوسف السنوسي ادوارد لوثر کسيل بن يوسف اطفيش امحمد
اندري حوليان
باباعمي
الباقلاني أبو بكر
بحاز إبراهيم
البخاري
البدر الثلاثي البرادي أبو القاسم
بشر بن إسماعيل بن علية
البشير بن سلامة عبد القاهر البغدادي
البغطوري
-455 - (1/455)
صفحة 456
الحاج موسى بشير
حاجب الطائي أبو مودود
الحارث بن أسد المحاسبي أبو عبد الله
الحاكم
الحجاج
حذيفة
الحريري
حسان بن ثابث
الحسن البصري
حفص الفرد
-خ-
خواجة بماء الدين نقشبند
الدار قطني
الدارمي
داود الحواري داود بن أبي عقيل
داود (عليه السلام)
الدرجيني ابو العباس أحمد 21، 22، 28، 29، 31، 53،
بن سعيد
رابح بونار
الرازي
الرافعي
الربيع بن -
الرستاقي
رينيه باسيه
- ز -
الزحيلي
الزركلي
الزرنوجي
زكرياء الفرسطائي
زكرياء بن أبي بكر اليراسني
زيان بن ثابت
زيد بن عمرو
سالم بن حمد الحارثي
سالم بن يعقوب السالمي
السجستاني أبو عبد الله محمد بن كرام
سعادة بن رحمن
سعد بن أبي وقاص
سعد بن معاذ
سعيد بن المسيب
سعيد بن جبير
سفيان الثوري
السلطان عبد الحق
سلمة بن سعد
سليمان الباروني باشا
السيوطي محمد علي قطب
الشافعي
الشماخي أبو العباس أحمد بن
سعيد الشهرستاني
الشوكاني
الشيخ الموزون
الشيخ بن إبراهيم بن أبي يحيى الباروني
الشيهاني حمو
ص.
الصادق بن مرزوق (1/456)
صفحة 457
صالح العقاد
صبحي الصالح
صحار العبدي
الضحاك بن مزاحم
ضرار بن عمرو
ط
الطاهر المعموري
الطرطوشي
الطرميسي أبو موسى
عيسي بن عيسي
عائشة أم المؤمنين)
عاصم السدراتي
عباد بن علقمة المازن
عباس محمود العقاد
عبد الجبار
عبد الحليم محمود
عبد الحميد حاجيات
عبد الحي قابيل
عبد الرحمن أيوب
عبد الرحمن بدوي
عبد الرحمن بن رستم الفارسي
عبد الرحمن عميرة
عبد الصبور شاهين
عبد العزيز المجدوب
عبد العزيز محمد الوكيل
عبد القادر الجيلاني
عبد الله أنيس الطباع
عبد الله الحسين
عبد الله السدو يكشي
عبد الله بن إباض
عبد الله بن الحارث
عبد الله بن عباس
عبد الله بن
عبد الله بن عمرو بن العاص
عبد الله بن مسعود
عبد الله بن وهب
عبد المؤمن بن علي الكومي
عبد المجيد النجار
عبد الملك بن مروان
عبد الوهاب بن رستم
عبد الله بن زياد
العبيدي
عدون جهلان
عكرمة
علي بن أبي طالب
علي بن حزم الظاهري علي بن يوسف بن تاشفين
علي بوملحم
علي سامي النشار
على يحيى معمر
عمار طالبي
عمر بن أبي زكرياء
عمر بن الخطاب
عمر بن يوسف عبد الرحمن
عمر قلاع الضروس
عمرو بن العاص
عمرو بن رمضان الثلاثي
عمرو بن يمكنن
عمي سعيد
-457 - (1/457)
صفحة 458
مجاهد بن جبير
المحاسبي
محمد ابن ادريسو
محمد الغزالي
محمد المرزوقي
محمد
لليلي
محمد الهادي حارش
محمد بن إبراهيم الكندي
محمد بن الأشعت
محمد بن الحنيفة محمد بن الشيباني
محمد بن الوليد
محمد بن ثابت بن عمار محمد بن حسن الطوسي
محمد
بن عبد الحميد بن مغطير
محمد بن عبد الله التنسي
محمد بن عبد الله
بن
محمد المعافري
محمد بن مرزوق التلمساني
محمد زهري النجار
محمد سعيد رمضان البوطي
محمد عبد الحميد بن مغيطر
محمد عبد الرحيم الزيني
محمد عبده
محمد علي دبوز
محمد محفوظ
محمد محي الدين عبد الحميد
محمد مزالى
محمد منير مرسي
محمد ناصر
محمد هشام سلطان
محمود بوعياد
مخلوف بن الكماد
عياض بن موسي بن عياض أبو الفضل القاضي
عيسى البابي الحلبي
عيسى عليه السلام
عيسى يحيى الباروني
- غ -
غازي عناية
الغدامسي
الغزالي
غيلان الدمشقي
- ق.
ك
فؤاد سيد
الفارابي
فريد الخير
فصيل بن أبي مسور
فوقية حسين محمود
قاسم بن يحيى الويراني
قس بن ساعدة
الكعبي
كوبرلي
الكوثري
- ل -
لانج
لويس غرديه
-م -
الماتريدي
ماريا خيسوس
المازري مالك بن أنس
الماوردي (1/458)
صفحة 459
المرتضى على بن الحسين
المرزوقي
مسعود مزهودي
مسلم
مصطفى أبو ضيف
مصطفى السباعي
مصطفى صادق الرافعي
مصطفى ونتن
معاذ
بن جبل
مقاتل بن سليمان
موسي (عليه السلام)
الننظر بن معبد
نعيم بن حماد
نفوس بن زحيك بن مادغيس
النوبختي
الوارجلاني أبو يعقوب
يوسف بن إبراهيم
واصل بن عطاء
وحيد الدين خان
ياقوت الحموي أبو عبد الله
يحيى بن حمزة
يدراسن الأزاجي
الليلي
يزيد بن أنيسة
يوسف القرضاوي
النامي
معظم صفحات البحث
يوسف بن إبراهيم السرحني.
النخعي إبراهيم بن يزيد بن قيس
نلتم الجسر النسائي
النظام إبراهيم بن سيار بن هانئ
يوسف بن محمد الصعبي
يونس بن أبي زكرياء
يونس بن فصيل بن أبي مسور
--459 -
ي - (1/459)
صفحة 460
الإباضية
فهرس الفرق والأديان والقبائل والدول
في أغلب الصفحات
الإسبان
الأشاعرة والأشعرية
الإمامية
الأيوبية
بر همية
البصريون
البكرية
بنو عبد المطلب
بنو عبد الواد
بنو هلال
بنو الأحمر
بنو توجين
بنو ثابت
بنو حفص
بنو زيان
بنو مرين
بنو مزاب
التتار
التونسيون
الجبرية
الجهمية
الحفصية
الحفصيون
-460 - (1/460)
صفحة 461
الخوارج
الدواودة
الرستمية
زناتة
زواغة
الزيانية
الزيانيون
الزيدية
سدراتة
السلفية
السمنية
سويد
الشاذلية
الشراة
الشيعة
الصابين
الصفرية
الجلسة
الصوفية
الضرارية
الطحاوية
العثمانيون
القادرية
القدرية
قريش
الكرامية
لماية
لواتة (1/461)
صفحة 462
المؤمنية
الماتريدية
بحريش
المحكمة
المرابطون
المرجئة
المرينية
مزاتة
المسيحية
المشبهة
المعتزلة
مغراوة
مغيلة
المماليك
المهندسون
الموحدون
الموحدية
النصارى
نفزاوة
هوارة
الواصلية
الوهبية
اليحمد العمانية
اليزيدية
اليهود
يونانية
-462 - (1/462)
صفحة 463
فهرس الأماكز
إسبانيا
إفريقية
أمسين
الأندلس
إينر
اجناون
اعمر
باتنة
البصرة
بغداد
بني يزقن
بيروت
تاهرت
تقرت
تلمسان
تملوشايت
تندميرة
تنسلي
تونس
جادو
جبل نفوسة
-463 - (1/463)
صفحة 464
- 464 -
جربة
الجريد
الجزائر
الجنوب التونسي
جيطال
الحجاز
الحشان
خراسان
دمياط
رياح
الرياض
الزاب
زكوجة
السربون
سرد
سورية
سوسة
الشام
شروس
شمال إفريقيا
طرابلس
طرميسة
طولقة
العطف
عمان
عُمان (1/464)
صفحة 465
-465 -
غرداية
غرناطة
غريان
فاس
فرسطاء
فلسطين
قابس
القاهرة
القرارة
قرطبة
قسنطينة
قنطرارة
القيروان
کباو
كمبردج
الكويت
لبنان
ليبيا
مجريش
مراکش
مزاب
مزغورة
مسقط
مصر
المغرب الأقصى
المغرب الأوسط
مغمد اس (1/465)
صفحة 466
-466 -
الموصل
ميري
نالوت
نفزاوة
نفوسة
النهروان
هوارة
وارجلان
ويغو
يفرن (1/466)
صفحة 467
فهرس المحتويات
الإهداء.
شكر وتقدير.
افتتاحية:
تقديم
البرموني
مقدمة.
نقد المصادر والمراجع.
الفصل الأول: الجيطالي عصره وشخصيته واثاره.
تمهيد ملامح عامة عن بيئة جبل نفوسة. المبحث الأول: عصر الجيطالي (8 هـ/14 م)
أولا - الحياة السياسية.
ثانيا - الحياة الاجتماعية.
ثالثا - الحياة الفكرية
المبحث الثاني: شخصية الجيطالي.
1 - نسبه ......
2 مولده ووفاته.
3 - حياته الاجتماعية ..
4 - حياته العلمية ............
أ- تكوينه
ب شيوخه
ج- تدريسه .............
5 - مقومات شخصيته ...........
6 - محن الجيطالي
المبحث الثالث: آثار الجيطالي
-467 - (1/467)
صفحة 468
أولا - تلاميذه .........
ثانيا - مؤلفاته.
ثالثا - الأعمال التي تناولت آثار الجيطالي
الفصل الثاني: الجانب المنهجي في أمرائه
تمهيد.
المبحث الأول: النظر والعلم.
1 - النظر.
أ- تعريفه
ب- أقسامه ....
ج- شروطه.
د - إفادة النظر العلم.
هـ النظر في معرفة الله تعالى.
2 - العلم ...........
أ- تعريفه .........
ب- أقسامه
ج- طرق العلم .....
أولا - الحس .........
ثانيا- العقل ........
ثالثا- السمع ...
رابعا - البديهة خامسا- الذوق
المبحث الثاني: منهج الاستدلال الكلامي عند الجيطالي.
1 - الاستدلال بالنقل.
أ- القرآن .........
لماذا التأويل؟.
ب- السنة .......
2 - الاستدلال بالعقل
أ - إنتاج المقدمات النتائج. ب السبر والتقسيم .....
ج - نفي اجتماع الأضداد ...... (1/468)
صفحة 469
د الإلزام .........
هـ - مكانة العقل عند الجيطالي ..................
أولا - التحسين والتقبيح.
ثانيا- التعليل.
ثالثا - موقف الجيطالي من علم المنطق .................... 114
المبحث الثالث: مرجعية فكر الجيطالي.
1 - المدرسة الإباضية.
2 - التراث الإسلامي.
الفصل الثالث: الإلهيات ...........
أ- بين الجيطالي والغزالي.
ب بين الجيطالي وابن رشد.
المبحث الأول: البرهان على وجود الله تعالى.
1 - طريق القرآن
2 - طريق الفطرة.
3 - طريق العقل ................
أ- دليل الحدوث ........
ب - دليل العلية.
ج - دليل التسخير
المبحث الثاني: وحدانية الله تعالى ........
تمهيد .........
1 - حقيقة التوحيد ..............
2 - كلمة التوحيد واللغة التي تؤدّى بها.
3 - براهين الوحدانية.
أ من القرآن ............
ب من السنة.
ج- من العقل ..
المبحث الثالث: صفات الله تعالى ....
1 - تعريف الصفة ....... 2 - أقسام الصفات ....... 3 - إثبات الصفات الذاتية ........ (1/469)
صفحة 470
-4 - المتشابه من النصوص وكيف فسره الجيطالي؟.
5 - مسألة الرؤية ........
أولا - الأدلة العقلية على نفي الرؤية ..
ثانيا - الأدلة النقلية على نفى رؤية الباري.
أ من القرآن ...
ب من السنة ....
ج- من الآثار.
ثالثا - مناقشة الجيطالي لأدلة المثبتين.
أ- الأدلة النقلية.
ب - الأدلة العقلية
الفصل الرابع: النبوات ...
تمهيد ........
المبحث الأول: الإيمان بالأنبياء والرسل.
1 - بعث الرسل ....................
2 - حقيقة النبوة والرسالة.
3 - خاصية النبوة والرسالة.
4 - المعجزة ودلالتها.
المبحث الثاني: صفات الأنبياء والرسل.
1 - العلم بالرسول ..............
-2 - مسألة العصمة.
3 - الوحي ...
أولا - تعريف الوحي
ثانيا - كيفيات الو.
المبحث الثالث: في نبوة سيدنا محمد الله.
1 - دليل نبوته
أ- معجزة القرآن .... ب - المعجزات الحسية
2 - وجوب معرفة النبي ............
أ- معرفة نسب الرسول وقبيلته. ب معرفة أخلاقه. (1/470)
صفحة 471
ج- معرفة أنه رسول إلى الثقلين. د- معرفة أنه خاتم النبيئين ........
هـ - معرفة أنه بلغ الرسالة.
و - معرفة أن شريعته ناسخة لما قبلها من الشرائع.
الفصل الخامس: الأسماء والأحكام.
تمهيد .........
المبحث الأول: الإيمان ....
تمهيد .........
1 - حقيقة الإيمان وأقسامه
2 - نقد الجيطالي للمرجئة
-3 - زيادة الإيمان ونقصانه
أ من القرآن ..............
ب- من السنة.
ج- من الآثار
4 - مقامات الإيمان ودرجاته ............
5 - العلاقة بين الإيمان والإسلام.
المبحث الثاني: الكفر
1 - تعريف الكفر لغة واصطلاحا
2 - أنواع الكفر
أ- القسم الأول: كفر الشرك ........
أولا - تعريف الشرك.
ثانيا - أقسام الشرك ووجوهه ...
ب - القسم الثاني: كفر .. النفاق.
أولا - تعريف النفاق وأقسامه. .
ثانيا - دلالة النفاق في القرآن والسنة ...................... 273
مناقشة وترجيح .. -3 - فاعل الكبيرة تسميته وحكمه.
أ- تسميته.
ب حكم فاعل الكبيرة.
ج- مناقشة الجيطالي آراء المذاهب في فاعل الكبيرة .................. 284 (1/471)
صفحة 472
الفصل السادس: القضاء والقدر
تمهيد ......
1 - مسلك نقلي ..... 2 مسلك عقلي
3 - مسلك لغوي ..............
المبحث الأول: الإيمان بالقضاء والقدر
1 - مفهوم القضاء والقدر
أ المفهوم اللغوي.
ب المفهوم الاصطلاحي
2 - حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر.
المبحث الثاني: القدر وأفعال الإنسان.
1 - فعل الإنسان واستطاعته .......
2 بروز أفعال العبد إلى الوجود
3 - نقده للمعتزلة والجبرية .....
أ- مناقشته للمعتزلة.
ب مناقشته للجبرية ........
4 - مفهوم الجبل ورأي الإباضية فيه
نقد و تعقيب .................
المبحث الثالث: البعد الأخلاقي للقضاء والقدر
1 - الجمع بين القضاء والقدر وبين الطلب والحذر:
2 - أركان الدين ............
أ- الاستسلام لأمر الله ........
ب- الرضا بقضاء الله.
الفصل السابع: اليوم الآخر ..
ج- التوكل ..............
د التفويض.
المبحث الأول: أطوار اليوم الآخر.
1 - الموت والفناء ..................... -2 - إثبات عذاب القبر ونعيمه.
أ- الدليل النقلي. (1/472)
صفحة 473
ب الإمكان العقلي.
3 - قيام الساعة ..
4 البعث.
-5 - الحساب والمساءلة.
6 - الصراط.
المبحث الثاني: الوعد والوعيد ............
1 - تعريف الوعد والوعيد ............
2 - إثبات الوعد والوعيد .....
-3 - وجود الجنة والنار ودوامهما.
أ- خلق الجنة والنار.
ب دوام الجنة والنار.
4 - مسألة الخلود.
أولا - الاستدلال على خلود صاحب الكبيرة في النار .................. 378
أ من القرآن.
ب من السنة ..............
ج- من العقل.
ثانيا- مناقشة الجيطالي أدلة القائلين بعدم الخلود لأهل الكبائر ........... 384
المبحث الثالث: الخوف والرجاء ............
الخاتمة ....
1 - دلالتهما ومكانتهما في الأصول العقدية ........
2 - فرضية الخوف ...............
-3 - فرضية الرجاء ..........
4 - الموازنة بين الخوف والرجاء.
عقيدة التوحيد للشيخ إسماعيل الجيطالي
الفهامي من
فهرس المصادر والمراجع.
فهرس الآيات ...... (1/473)
صفحة 474
فهرس الأبيات الشعرية فهرس الأعلام ..
فهرس الفرق والأديان والقبائل والدول
فهرس الأماكن.
فهرس المحتويات
-474 - (1/474)