صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: فلسفة - أصول الدين
------------------------------------------
العنوان: الإمام ضياء الدين عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني وكتابه معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين
المؤلف: عمر إسماعيل آل حكيم
تقديم: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الناشر: جمعية التراث
مكان النشر: القرارة - غرداية - الجزائر
تاريخ النشر: 1428ه/ 2007م
الطبعة: 1
أصله: رسالة ماجستير
سلسلة البحوث المنهجية المختارة (13)
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1213&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/744
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 17 رجب 1446ه/ 17 - شهر 01 - 2025م. 13 سلسلة البحوث المنهجية المختارة
الإمام ضياء الدين
عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني
وكتابه
معالم الدين
في الفلسفة وأصول الدين
تأليف: أ. عمر إسماعيل آل حكيم
نشر جمعية التراث (1/1)
صفحة 2
الإمام عبد العزيز الثميني
وكتابه:
معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين
تأليف:
عمر إسماعيل آل حكيم
نشر: جمعية التراث
1428 ه/ 2007 م (1/2)
صفحة 3
الطبعة الأولى
1428 هـ / 2007 م
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
نشر: جمعية التراث - ص. ب. 19 - القرارة
غرداية - الجزائر
الموقع الإلكتروني: http://www.tourath.org
أصل هذا الكتاب دراسة مقدمة لنيل درجة الماجستير في العلوم الإسلامية بالمعهد الوطنى العالي الأصول الدين الخروبة - جامعة الجزائر.
– (1/3)
صفحة 4
الإهداء
إلى روح الشيخ عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني، أحد العلماء الأعلام الجزائريين الذين لم ينالوا بعد حقهم من الدراسة.
إلى روح والدتي التي أرضعتني حب العلم، وعاشت تبجل العلم والعلماء.
إلى روح والدي الذي ربَّاني يافعا على الاستقامة،
وأوصاني راشدا على العزم والحزم لنيل المراد.
إلى زوجتي التي رافقتني، وتحملت معي كل المعاناة لميلاد هذه الدراسة الباكورة.
إلى أولادي ... إلى إخوتي .... ، إلى أخواتي ......
إلى كل باحث عن الحقيقة التي مسلكها عسير،
والوصول إليها عزيز
إلى كلِّ مسلم غيور على دينه وأمته.
إلى هؤلاء أهدي، ثمرة جهدي PS
جهديه (1/4)
صفحة 5
شكر وتقدير
* إلى الله عز وجل وحده لا شريك له، حمدنا وثناؤنا، لما وفقنا إليه من إتمام هذه الدراسة الباكورة، ثم شكرنا وتقديرنا من بعد ذلك إلى كل من أسهم في إعدادها، سواء أكانت مساهمة قريبة أم بعيدة، معنوية أم مادية، في بلادي الجزائر أم خارجه.
* على أنَّ الشكر الوفير الجزيل إلى أستاذي الفاضل الدكتور: الربيع ميمون، الذي دفع بي إلى هذه الدراسة دفعا ورعاني بروحه العلمية الرحبة، وفتح لي صدره وبيته، وأعطاني من وقته الثمين نصيبا، فاستفدت منه الكثير، وشعرت حقا بمجالستي الرجل العالم، والوطني الغيور، رعاه الله وحفظه. (1/5)
صفحة 6
قائمة الرموز المستعملة
المخطوط الأم: ما وجدناه من مؤلفات الثميني مكتوبا بيده.
(أ)
(ب)
من
م - س
: المخطوط الأم من مخطوطات (المعالم).
: مخطوط (المعالم) ناقل عن المخطوط الأم مباشرة.
: المصدر أو المرجع نفسه.
: المصدر أو المرجع السابق.
: مخطوط.
: صفحة.
: مجلد.
مج
?
: جزء.
تر
ظ
د ـ م ـ ط
سط
: ترجمة.
: طباعة.
: دون مكان الطبع.
: ت ط: دون تاريخ الطبع. (1/6)
صفحة 7
بسم الله الحر الجن
تقديم
التراث الإسلامي في حاجة إلى مزيد من العمل والدراسة؛ لما يتمتع به من غناء، ولما يتميز به من خصوصيات تؤهله أن يقوم بدور كبير وفعال في تنوير المجتمعات البشرية بمختلف مشاركا وألوانها، ولما له من قدرة على خدمة الفكـ الإنساني وتصحيح مساره وتطويره. التراث الإسلامي في حاجة إلى إبرازه لتصحيح نظرة العالم إليه، وإحلاله مكانه الحقيقي الذي سُلبه وأزيح عـ
عنه.
أبناء هذا التراث في حاجة ملحة إلى التعرّف عليه، وتشربه، ليزدادوا به ارتباطا وتعلقا، فيتمثلوه في حياتهم، ويستلهموه في مسيرتهم، ويلوذوا إليه في المحافظة على كيانهم وشخصياتهم، وينزعوا عن أنفسهم عقد التذلل لمن يبدو لهم أنه أحسن منهم وأكبر وأفضل وأخير ... التعرف عليه يبعث الثقة في نفوسهم، ويحررهم من رذيلة الانهزامية والتبعية والاستسلام لمخططات من يريد أن يقهرهم
ويذلهم، وينجو بهم من مؤامرات من يكيد لهم ويجعلهم جزءاً من تخطيطهم. بشرط أن يقدَّم هذا التراث بطريقة سليمة صحيحة، تتوخى البحث
الموضوعي، وتتبنى الدراسة المنهجية، وتنأى عن العاطفة الجامحة، التي تبالغ في التقديس، وتسكت عن السلبيات القاتلة لهذا التراث والمضرة ببناء مستقبل أبنائه، الذين يسعون ويأملون في الإضافة إليه بمواصلة المسيرة على نتائج ما وصل إليه من سبقوهم، فإذا كان طريق التقديم غير سليم، وإذا كان البحث فيه غير سوي، فإن ما يبنى عليه سيكون غير آمن من السقوط والانهيار؛ لأنه سيؤسس على شفا (1/7)
صفحة 8
8
تقديم
جرف هار. إنّ الدّراسة المبنية على المنهجية الصحيحة والخطة المحكمة، والأساس المتين تعين على تحقيق ما أشرنا إليه.
إن الدراسة التي قام بها الأستاذ عمر بن إسماعيل آل حكيم الموسومة بـ " الإمام عبد العزيز الثميني وكتابه: معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين" تنتظم في المسار الصحيح في خدمة التراث الإسلامي، وتندرج ضمن الجهود المبذولة في صيانة الموروث وبعثه واستثماره بالكشف عن حقيقة تراث طائفة من الأمة الإسلامية، والتعريف بخصوصيّة مدرسة من المدارس الفكرية الإسلامية؛ بغية التقريب بين هذه المدارس بتوفير عناصر ثلاثة؛ تحقق هذا الهدف الأسمى، وهي: المعرفة والتعارف والاعتراف كما يدعو إلى ذلك الشيخ علي يحيى معمّر.
الشيخ عبد العزيز الثميني أحد العلماء الأعلام، الذين كان لهم فضل التجديد الفكري، في إطار المذهب الإباضي، ومن ثم تعدّت جهوده في ذلك إلى الفكر الإسلامي، بصفة الفكر الإباضي أحد الروافد لهذا الفكر» (1).
عبد العزيز الثميني عالم متضلّع ومتعمّق في مختلف العلوم، ومعروف بتوجهه الفكري الأصيل، من هنا كانت شخصيّته قوية ومؤلّفاته قيمة، وكتاباته متميزة، ومناقشاته عميقة وتحليلاته دقيقة واستنتاجاته، بديعة وتجديداته جريئة. فهو يعد من علماء المذهب الإباضي الكبار، الذين يرجع إليهم فضل التجديد الفكري في هذا المذهب، من ناحية المنهجية والأسلوب في الكتابة وفي تناول القضايا، وتأصيل الفكر الإباضي. لذا فإن كتبه تعدّ مصادر ومراجع في هذا الفكر.
عالما
(1) محمد بن قاسم ناصر بوحجام التواصل الثقافي بين عمان والجزائر، ط 1، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عمان، 1423 هـ / 2003، ص: 95. (1/8)
صفحة 9
تقديم
9
قال عنه الباحث في هذه الدراسة المهمة: «وجاء الثميني في القرن الثاني عشر للهجرة، فاطلع على مؤلفات مذهبه، وغير مذهبه، وأعطى نَفْسًا جديدًا، وطابعا متميزا المؤلّفات العقيدة الإسلامية؛ لما أوتي من سعة الاطلاع، ولما استفاده خاصة ــــ من آخر ما أنتجته المدرسة الإباضية والمدرسة الأشعرية في الموضوع». (ص: 140)
يكفي الشيخ قدرًا ومكانة وفضلاً أن تكون كنبه محل تأثر واقتباس واستلهام، وعناية: شرحًا ونظما واختصارًا وتعليقا ... مثلاً إن معظم من ألف من المتأخرين في عمان تأثر بكتابه: «النيل وشفاء العليل»، وكتابه: «معالم الدين»، الذي يعد من أهم المؤلفات التي أقبل عليها العمانيون؛ لكونه في العقيدة وأصول الدين، ولأسلوبه وطريقته المتميزة في تناول المسائل ... حسبما يرى الشيخ
سعود السيابي (2).
أحمد
بن
كتاب المعالم جليل القدر، كبير النفع، متميّز بمضمونه ومنهجه، من هنا كان من أهم مؤلفات الشيخ عبد العزيز الثميني، هو نفسه يقر بذلك، ويعتد به مؤلفا، لا يمكن أن يستغني عنه إلا من حرم اللذة والنفع الجليل: «لا حرم الله من الانتفاع به من طابت سريرته، وخلصت في طلبه نيّته وصدقت في الجدّ فيه عزيمته، وجادت عليه بإدراكه، قريخته، فإن من حرم استطلاع، أنواره وعدم استشمام طيب أزهاره، فلعمري إنه لهو من اللذات محروم و ممنوع، وعن الكمالات مصروم ومقطوع، فإنّه كتاب جامعة معالمه دائرة بين النفي والإثبات، مقاسمه بينة، مراصده نيرة مقاصده مقرّرة مسائله محرّرة، دلائله ساطعة براهينه لامعة، قوانينه واضحة فوائده، لائحة فرائده ظاهرة عوائده، باهرة زوائده». مخطوط معالم الدين، ص: 3).
(2) ذكر لنا هذا في لقائنا معه في منزله بمسقط (سلطنة عمان يوم 02 من صفر 1420 هـ/ 18 من ماي 1999 م. (1/9)
صفحة 10
10
عمر آن حكيم عن
تقدييم
الأهمية هذا الكتاب، وهذه المميزات التي عددها المؤلّف نفسه، شمر الأستاذ: ساعد الجد، وقرّر دراسته والكشف عن الكنوز الذي يحويها، لإبراز شخصية ضياء الدين عبد العزيز الثميني. فبسط فيها القول، وتحدّث عن حياة الشيخ وعصره، بشيء من التفصيل والتحليل، والنقد للمصادر، وتسجيل الأحداث وتأويل الواقعات وعرض الإشكالات، دفعًا لعجلة البحث في حياة
الشيخ عبد العزيز الثميني، خطوات، ورغبة في تصحيح بعض المفهومات ... بذل جهدًا كبيرًا، وبحث بحثا دقيقا في حياة الشيخ عبد العزيز التميني؛ متحريا الحقيقة في آثاره ومؤلّفاته، وضبط أسمائها، ونسبتها إليه، ومناقشة بعض التأويلات والاجتهادات حول هذه المؤلّفات، معتمدا على وثائق وعلى أقوال للمؤلّف نفسه. هذه الأمانة العلمية، والدقة في البحث، والموضوعية
في الدراسة.
مقدما
سي
كما عرض بطريقة واعية، وبفكر تحليلي نقدي أغلب محاور الكتاب، وآراء الشيخ الثّميني، ومن خلالها فكر المدرسة الإباضية في مجال العقيدة وأصول الدين، بمنهج المتكلمين المعتدل. وتمكن بذلك الكشف عن أحد معالم الفكر الإباضي، الذي أبرز غناء هذا الفكر وتميّزه، وأصالته وتفتحه. قال الباحث: ه حسبنا في هذه الدّراسة أننا قد نبهنا وأشرنا إلى شخصيّة علمية، كانت مغمورة، وإلى كتاب كان في طي النسيان، وقربناه ما في وسعنا إلى القارئ، أملاً أن تلحق هذه الدراسة دراسات متعدّدة الجوانب». (ص: 28)
سجل الباحث ملاحظة مهمة عن الفكر الإباضي، بعد أن تتبع تطوّر التأليف عند الإباضية في مجال علم الكلام، وثَمَّن الجهود التي سبقت الثميني فيه: و الذي يظهر لنا مما سبق عرضه من المؤلّفات، وقد أشرفنا على القرن السادس الهجري أن القضايا المطروحة نابعة من الفكر الإسلامي الصافي الأصيل، ومتميزة (1/10)
صفحة 11
تقديم
11
ببساطتها، وانشغالها بمعالجة الجانب العملي في العقيدة، المتعلق بالفرد والمجتمع، بعيدا
عن الطرح النظري البحت». (ص: 131)
كتاب المعالم) تميّز بمميزات عديدة، حسبما أورد الباحث:
1 - «فما جئنا به في هذه البسطة، هو القدر الذي يساعدنا على فهـ الكتاب (معالم الدين)، الذي جاء الثميني به، والذي يتميز عن جميع المؤلّفات السابقة لاعتماده على المنطق والفلسفة، دون تخل عن أهم القضايا التي كان الإباضية تعتني كما منذ كتاباتها الأولى». (ص: 133)
2 - «إن المقارنة في الكتاب ظاهرة بين ما يذهب إليه الإباضية والمعتزلة والأشاعرة والفلاسفة وغيرهم، إذ في المناسبات العديدة يقارن ويحلل ويناقش، مبينا أحيانًا وجه الصواب حسبما يراه في المسألة بعد أن يحدّد مواطن الاختلاف والاتفاق، وهو في تحليله كان هادئا، خلافا لما وجدناه عند بعض من سبقوه، كالوار جلاني مثلاً، مثلاً، وهـ وهو في الخط العام لمصنفه يرجح مذهبه». (ص: 401) 3 - «إن كتاب الثّميني (المعالم) كان نموذجًا من نماذج مؤلفات الإباضية العديدة، التي لم تتهيب الاحتكاك والاستفادة من نتاج علماء المسلمين عامة، فما رأته منه صوابا أقرته وقالت به، وما بدا منه بعيدا بعيدا عن الصواب أشارت إليه،
وبينت الأصوب فيه ... ». (ص: 400)
أما دراسة الباحث فتميزت بما يأتي:
1 - عرض نظرات مهمّة حول التراث وطريقة التعامل معه؛ بما يعين على الإفادة منه، والتقريب بين أبناء الأمة الإسلامية.
2 - اتسمت بالعرض المعمّق الذي ينطلق من الفكر ليصل إليه، ويتواصل معه، ومن هنا كان هذا العرض انعكاسا لما يحمله كتاب (المعالم) من المعالم (1/11)
صفحة 12
12
تقديم
الفكرية. تلحظ ذلك من متابعة الدراسة، ومن مسايرة المنهجية المتبعة فيها، ونقف على ذلك في المقدّمة التي وضعها الباحث معالم لرحلته مع الكتاب. من ذلك قوله، وهو يعرض الصراع الذي يحصل بين أهل الخير، ويعني بمم مختلف الفرق الإسلامية، هذا الصراع يتطلب حَكَمًا يقضي بينها: «وقد يقال: إنّ الحَكَمَ هو القرآن الكريم والسنة المطهرة، وقد يقال: إنه العقل، وقد يقال: إنهما معا، وقد يقال: إنه غيرهما، إلا أنّ الضرورة تقتضي الحكم، فمن يكون الحكم؟
إن ذا محلّ الإشكال، وبداية حله تكون في العناية بالدراسات المعرفية، التي تسلّط الضوء على المعرفة الإنسانية عامة لإدراك أبعادها وأسسها المشتركة بين الناس، مهما اختلفت مشاركم، عساهم يبلغون الحق والصواب فيها، وبالتي تسلّط الضوء على الأسس المعرفية المشتركة بين المسلمين خاصة، لإدراك مكامن أسباب الاختلاف عندهم، المؤدّي إلى التضليل، فالتصارع، فالتقاتل، وبالتالي تكشف عن القواعد والأسس المساعدة على العمل للتصالح والتراحم والحياة.
إن كل ذلك جعلنا نرجّح مطمئنين أن الإشكالية في المسألة، إنما هي إشكالية معرفية تقتضي السعي الجاد لإيجاد السبل الموصلة إلى الصواب في المعرفة الإنسانية، والوصول إلى التأثيرات المؤدية إلى اليقين فيها، وإن كانت وهما، ثم إدراك أوجه الصواب والخطأ في هذه المعرفة، إذا كانت منطلقا لاكتساب معارف أخرى». (ص: 18 - 19)
3 - شخصية الباحث في الدّراسة كانت بارزة، وقد نأى عن التبعية
والإمعيّة، وترديد رأي غيره من غير وعي، وقبل الاقتناع به.
4 - اتسمت الدراسة بالعرض الجيد، والتحليل المعمق، والنقد الواعي العاطفة الجامحة، والتعصب المقيت المفلس في البحث العلمي.
والبعد عن (1/12)
صفحة 13
تقديم
13
5 - تميز الباحث بالتواضع في الكتابة واحترام آراء غيره، وتثمين جهود من
سبقه في الموضوع ...
-6 - تميزت الدراسة بالتنوع في المصادر والمراجع، وكثرتها وقيمتها.
-
لقد استمتعنا برحلة فكرية جميلة ومفيدة، من خلال قراءتنا لهذه الدراسة القيمة، لفكر معلم كبير من معالم الفكر الإباضي بخاصة، والفكر الإسلامي بعامة. لقد أوقفنا الباحث ـ فعلا على معالم شخصيّة الثميني، بدراسة كتابه: (المعالم). هذا يؤكد ما طالب به الباحث الدارسين، من مواصلة البحث في فكر هذا العلم الكبير؛ لأن هناك جوانب كثيرة لم تدرس فيه، بل هناك قضايا في الكتاب نفسه لم يتعرض ها، تنتظر دراسات أخرى من الباحث ومن غيره. كما أشار إلى ذلك في ختام دراسته، أعانه الله للقيام بهذا العمل، ووفق غيره إلى الاشتراك في الجهد، إنه الهادي والموفق والمسدد والمعين والنصير.
الجزائر يوم
الجمعة 21 من محرم الحرام 1428 هـ
09 من فيفري 2007 م
الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام
أستاذ محاضر بجامعة (باتنة) ورئيس جمعية (التراث) (1/13)
صفحة 14
المقدمة
15
بسم الله الحر الجميع
مقدمة
لقد أوجد الفكر الإسلامي إنتاجا غزيرا في مختلف الفنون، وأثرى المكتبة الإسلامية والعالمية بما تركه من التراث البالغ الأثر في كثير من الحضارات التي قامت بعده. فكان محط الأنظار من قبل القاصي والداني مسلما ومستشرقا وذلك من أمد بعيد، وفي العصر الحديث بشكل جديد.
ولذا فعودة المسلم إلى دراسة تراثه بداية الانطلاق في إعادة مجده، وبناء حضارته، لأن أمة تجهل ماضيها هي! أمة محتلة من فوق الأرض ما لها من قرار. ومن الواجب ألا تكون هذه العودة إلى التراث انحباسا فيه، وإنما يجب
أن تكون من قبيل المرآة العاكسة للسائق ما في الخلف حتى يمضي قدما في
سيره بالسلامة.
إن التراث المتراكم عندنا في الجزائر كثير ولا يمكن أن يظهر إلى الوجود، بل وأن يستفاد منه إذا لم تكن من أبناء الجزائر في سبيله جهود، وفي هذا التراث من المعارف الإسلامية الشيء العظيم فيما نعلم، فهو دفين لم يجد بعد الأيدي التي بمكن أن تستخرجه، وتكشف عن حقيقته، اللهم إلا بعض الجهود الضئيلة التي لا تشفي الغليل، فهو لم ينل بعد حظه من الدراسة كما نال حظه في الدول الأخرى كالمجاورة لنا، ونخص بالذكر تونس والمغرب.
وإن من التراث الإسلامي الجزائري التراث الإباضي الذي هو جزء لا يتجزأ وعلى أبنائه على الخصوص خدمته والإسهام به في دفع عجلة الحضارة المعاصرة وهو ما نقوم به بكل تواضع في هذه الدراسة:
منه، (1/15)
صفحة 15
المقدمة
ضياء الدين عبد العزيز الثميني وكتابه (المعالم) في الفلسفة وأصول الدين». لقد كانت دراستنا في مقام اللفتة إلى الماضي لبناء الحاضر، لأن تحول الماضي إلى الحاضر كما يقول زكي نجيب محمود في كتابه: (قصة العقل) -: مثله مثل ترجمة النص إلى صورة جديدة مع احتفاظها بمعنى النص كاملا، فكذلك عملية التحول هذه.
و بالفعل فترجمة الماضي إلى الحاضر يشبه النص الذي نتشبث به عند الترجمة ليظل لبه مصونا من العبث وفي الوقت نفسه نجعل منه صورة جديدة مقروءة لمن يعجز عن قراءته في صورته الأصلية.
وفي هذا المضمار يذكر صاحب (المعاجم اللغوية في ضوء دراسات علم اللغة الحديث) أنه ازداد يقينا من الدعوة التي كان يسمعها كثيرا من أساتذته بمصـ وأوروبا بأن أول التجديد قتل القديم دراسة، هذا جانب.
بمصر
ومن جانب آخر، فإن دراستنا قد تكون لبنة من لبنات التقارب بين آراء الأمة الإسلامية الواحدة التي لا يمكن أن يتماسك بنيانها ويصمد أمام العواصف الهوجاء القادمة من الأعداء إلا إذا تقربت كل فرقة مسلمة إلى الأخرى، وعملت التعريف بما لديها، وتعرفت على ما عند الأخرى من المعارف والطروحات المختلفة، وبذلك تتم أول خطوة للاقتراب.
فأول خطوة كما يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي -: هي «تعرف بعضنا ببعض تعرفا حقيقيا مستمدا من نتاج علمائنا المجتهدين وآرائهم السديدة التي لا يختلف غالبها في الغاية، لكن في ملحظ المجتهد فحسب، وكل مجتهد مصيب، وليكن هذا التفهم في جو مشبع بروح التسامح والأخوة والرحمة تحقيقا لقوله تعالى: أَشَدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} (الفتح: 29). (1/16)
صفحة 16
المقدمة
17
ولقد كان ضياء الدين عبد العزيز الثميني أحد السالكين لهذا النهج في كتابه (معالم الدين) ولقد كانت دراستنا للثميني وكتابه (المعالم) محاولة من
هذا القبيل.
إن الأمة الإسلامية في حاجة ماسة إلى دراسة تراثها، واستخلاص الجيد منه مع تجنب التقديس له والانحباس فيه - كما أشرنا - حتى تكون الدراسة ذات نفع في حاضرها ومستقبلها.
والتراث الإسلامي الجزائري جزء من التراث العالمي وهو ثروة كامنة في حاجة إلى تثمين في ظروف كان الطغيان والغلبة للتغريب وقيمه منهجا وسلوكا. ففي دراسة هذا التراث سبيل الاطلاع على جذور الماضي، وفهم الحاضر، وإدراك أبعاد المستقبل. وبقراءته بمنظور الحاضر تضفي عليه الجدة وتعده للانتفاع
به في المستقبل. ولعل أول الثمرات التي تجنيها ونحن نقرؤه بمنظور الحاضر أن التراث
هو
عامة الإسلامي وصلت إليه، مادامت تستمد أصونها من القرآن الكريم والسنة المطهرة.
ملك للأمة قاطبة، ولابد من قبول وجهات النظر المختلفة فيما
وقد تترتب عن دراسته بهذا المنطلق تغيرات في المفاهيم، وفي الأحكام، و في المنهج، وفي الواقع، وبذلك تكون النجاة من الجمود المفني، وتكون الحياة بمفهومها الواسع، حياة الدنيا والأخرى، وحياة الأنفس والأفكار.
وبذلك تكون الأمة خير أمة أخرجت للناس تصنع مستقبل البشرية كما أراد خالقها أن تكون، لا كما هي عليه اليوم لا تحرك ساكنا، ولا تفقه واقعا. فالتراث الحقيقي يمتد من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل، يرافقه الفكر النقدي
البناء، الذي يخرجه من التراث ليدخله الحداثة. (1/17)
صفحة 17
سبب اختيار الموضوع
نقد كان سبب اختيارنا للموضوع من بين المواضيع المتعددة المتزاحمة سببا هاما رجحه على غيره، هو أننا وجدنا في مراحل دراستنا للعلوم الإسلامية اختلافا في كثير القضايا في العلوم الشرعية، بين علماء المجتمع الواحد والبلدة الواحدة بل والمذهب الواحد، ثم ازداد انشغالنا بالقضية في الدراسات الجامعية أيام كنا بالمدينة المنورة، حيث وجدنا تضليل وتبديع فرق إسلامية قائمة ومنقرضة يشتد أوجه.
من
ووجدنا ذلك كذلك بجامعة الجزائر، ولكن أخف من ذلك بكثير، فحز ذلك في نفس الطالب وفي نفس زملائه الطلبة وهم في الدراسات العليا ومن برنامجهم فيها: دراستهم مادة الفرق المنحرفة)، وفي هذه المادة كانت الإباضية تعد من بينها، وهي ليست منها، وما كنا نعتقد أنها منها، وكنا نتألم لهذه النظرة الخاطئة، بعد أن تألّمنا عما من بعض الأساتذة عنها، وقرأناه في بعض الكتب حولها.
سمعناه
إن الصراع القائم بين مختلف الفرق الإسلامية محير لكل راغب في أن
يجمع شملها، وستبقى الحيرة قائمة مادامت هذه الفرقة أو تلك ترى أنها هـ المسماة بأهل السنة والجماعة أو أنها المحقة بالتسمية أو أنها المقربة من الله أو أنها على الحق والاستقامة.
إن الصراع إذا كان بين الخير والشر فهو من سنن الله في الكون، أما أن يكون بين أهل الخير جميعا فهو الأمر العجاب وموقع الحيرة، وهو الأمر الذي يقتضي البحث عن حكم يقضي بينهم، وهم جميعا المؤمنون برسالة واحدة منبعا،
ومنهجا، وعاقبة.
وقد يقال: إن الحكم هو القرآن الكريم والسنة المطهرة، وقد يقال: إنه العقل، وقد يقال: إنهما معا، وقد يقال: إنه غيرهما، إلا أن الضرورة تقتضي الحكم، فمن يكون هذا الحكم؟ (1/18)
صفحة 18
المقدمة
19
إن ذا محل الإشكال، وبداية حله تكون في العناية بالدراسات المعرفية الي تسلط الضوء على المعرفة الإنسانية عامة لإدراك أبعادها، وأسسها المشتركة بين الناس مهما اختلفت مشاركم عساهم يبلغون الحق والصواب فيها. وبالتي تسلط الضوء على الأسس المعرفية المشتركة عند المسلمين خاصة لإدراك مكامن أسباب الاختلاف عندهم المؤدي إلى التضليل، فالتصارع، فالتقاتل، وبالتالي تكشف عن القواعد والأسس المساعدة على العمل للتصالح والتراحم والحياة.
إن كل ذلك جعلنا نرجّح مطمئنين أن الإشكالية في المسألة إنما هي إشكالية معرفية تقتضي السعي الجاد لإيجاد السبل الموصلة إلى الصواب في المعرفة الإنسانية، والوصول إلى التأثيرات المؤدية إلى اليقين فيها وإن كانت وهما، ثم إدراك أوجه الصواب والخطا في هذه المعرفة إذا كانت منطلقا لاكتساب معارف أخرى.
ولقد وجدنا كتب المتكلمين من بين الدراسات التي اشتغلت بهذه الإشكالية في مبحث تسميه المقدمات أو التمهيدات أو ما يقرب من ذلك، وكان كتاب ضياء الدين عبد العزيز الثميني: (المعالم) أحد تلك الكتب التي اشتغلت بما، إذ كان المعلم الأول منه في هذا الشأن.
ومحاولة منا للانطلاق في دراسة تجمع الجانبين:
(1 تدرس المشكلة المعرفية عند الإنسان.
(2) وتدرس جانبا من تراثنا الثري.
اخترنا المعلم الأول من كتاب: معالم الدين) للتحقيق، وهو معلم يس الثميني: (المقدمات)، ولقد اخترناه للتحقيق لكون كتاب (المعالم)، قد طبع طباعة محققة، ولكون المعلم الأول منه يمتاز بإمكان تناوله مستقلا منه يمتاز بإمكان تناوله مستقلا عن المعالم الثلاثة
غير
الباقية وهي: (الممكنات) و (الألوهية) و (النبوات). (1/19)
صفحة 19
20
المقدمة
وبتحقيق هذا المعلم (المقدمات تكون دراستنا خطوة أولى في خدمة الكتاب.
ولاسيما وأن الثميني من الشخصيات الجزائرية التي لم تنل بعد حظها مـ الدراسة، وما كتب عنه يعتبر قليلا جدا، ولا يزال محتاجا إلى الدرس والفحص حيث إن الكتابات التي جاءت حوله يمكن اعتبارها مادة خاما تتطلب المعالجة.
وأهم ما كتب عن الثميني وهو منشور:
- ترجمة حفيده محمد بن صالح الثميني وهو يحقق كتاب: (التكميل لبعض
ما أخل به النيل).
- ترجمة أبي إسحاق اطفيش وهو يطبع شرح (النيل).
وحديث عبد الرحمن بكلي عنه وهو يصدر (النيل).
- وتأريخ محمد علي دبوز حياة الثميني في كتابه (نهضة الجزائر الحديثة). - والمحاولة العاجلة لزيقمونت زوموقور زوفسكي (Zygmunt Smogor Zewski في مقاله: دراسة عن الثميني وكتاباته (Etude sur Abd-al-aziz et
(sur ses écrits
وللمساهمة في الكتابة حوله اخترنا كتاب (معالم الدين) لتحقيق معلم منه، ولكن أستاذنا المشرف وهو الحريص على الدراسات الجامعية الجادة لما عرضنا عليه الكتاب والمعلم واطلع عليهما، عارض التحقيق، وزج بنا في دراسة الكتاب دراسة شاملة، دفعنا إلى دراسته لسببين اثنين:
الحكماء
أولا: لكون الكتاب من عيون كتب علم الكلام حسب طريقة الحكم
المحدثين التي ظهرت بوادرها مع أبي حامد الغزالي، وأرسى قواعدها الفخر الرازي. (1/20)
صفحة 20
المقدمة
21
ثانيا: لكون دراسته تجعل الطالب يستفيد من جهده المبذول فيه، وتجعله
يحيط بقضايا علم الكلام إحاطة تسمح له – فيما بعد فيما بعد – بالغوص في أعماقه والرقي إلى أعاليه.
ولقد أوصانا ألا كتاب الميدان، وألا نستصعب الأمر مهما كانت المشاكل، وكان نعم الأستاذ في الرحلة الشاقة، إذ كان دائما يسدد خطانا ويوجهنا إلى
سواحل النجاة.
صعوبات البحث:
اعترضتنا صعوبات جمة في دراسة هذا الكتاب نذكر منها على الخصوص: كونه غير محقق على الرغم من أنه مطبوع، فحتم علينا ذلك أن نبحث المخطوط الأم أولا وقبل كل شيء.
وكنا ونحن نبحث عنه - وخوفا من عدم العثور عليه –، نجمع مخطوطات شتى، حتى نتمكن فيما بعد من انتقاء النسخة التي تتوفر فيها الشروط، والتي ستساعدنا على معرفة أفكار الثميني يقينا.
وهي صعوبة بذلنا جهودا كثيرة لتذليلها، فاطلعنا على نسخ منه مخطوطة بمنطقة واد مزاب، وجمعنا منها ما راقنا، و لم يكن من بينها المخطوط الأم.
وانتقلنا من ولقد استعملنا من بين المخطوطات التي جمعناها ولما نتحصل على المخطوط الأم مخطوطا منقولا من المخطوط الأم، شهد له بذلك شيخان درسا بتونس: الشيخ بكير بن محمد أرشوم (معاصر)، والشيخ بكير بن محمد الشيخ بلحاج، المعروف بباشا عادل (معاصر)، وهو الناسخ والمالك للمخطوط الذي نرمز له باحرف (ب).
أجله إلى تونس ثم جربة، وإلى دمشق، ثم إلى سلطنة عمان. (1/21)
صفحة 21
ونما كانت طبيعة البحث وهي دراسة آراء الثميني من كتابه (المعالم)، تستوجب قراءة الكتاب مرات ومرات اغتنمنا هذه القراءة الضرورية مقابلين المضوع بالمخطوط (ب).
وما إن بدأنا المقابلة حتى اكتشفنا الكثير والكثير من الأخطاء، فدفعنا ذلك إلى تكثيف الجهود بمعية الأستاذ: محمد بن أيوب الحاج سعيد البحاثة في التراث، علنا نعثر على المخطوط الأم، خاصة وأن بصيص الأمل بدأ يراودنا، إذ كانت
مخطوطات ضياء الدين في مرحلة الانتقال من تونس إلى الجزائر.
وبالفعل، فلقد تحصلنا على المخطوط الأم، وصرت أمام خيارين:
أ - إما التعامل مع صورة المخطوط المخطوط (الأم) وهذا عمل مجهـ مضن، لا يخفى على كل عليم في التعامل مع المخطوطات ما فيه من الجهد والعنت، وخاصة مع مخطوط كـ (المعالم) الذي يحتوى على مادة مركزة موزعة على (300) صفحة في كل صفحة حوالي (300) كلمة إذ في الصفحة الواحدة أزيد من (30) ثلاثين سطرا، وفي السطر الواحد حوالي (10) عشر كلمات. ب - وإما القيام بمقابلة المطبوع ثانية على المخطوط الأم، وبذلك نقدم للمطبوع خدمة ونوفر لدراستنا جهدا نحن في أشد الحاجة إليه، فاخترنا الثاني على الأول. ويرجع كثير من الفضل في هذا الاختيار - إلى وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان التي أعدت النص مكتوبا كتابة حديثة مطبعية.
بهذا الاختيار تحصلنا على مطبوع وفق ما أراده مصنفه بعد أن اقتطعنا زمنا من البحث في مقابلته على المخطوط الأم الذي نرمز له بالحرف (أ)، ووضعنا بذلك لبنة أولى نحو تحقيق الكتاب، وهو جهد لا بد منه في الدراسة خاصة وأنه أسها. (1/22)
صفحة 22
المقدمة
23
وإنه لاستلزام كتاب (المعالم) قراءات متكررة فضلنا التأكد جيدا من تصحيحنا فقارنا المطبوع ثانية - والمخطوط الأم (أ) بجنبنا صفحة صفحة – بالمخطوطة التي تأكدنا أنما أخذت من الأم، وهي المخطوطة (ب)، وكنا عند أدنى إشكال بين المخطوط (ب) والمطبوع نرجع إلى (الأم) لاستجلاء المشكل وترجيح المسألة.
لقد صححنا. المطبوع وفق ما في المخطوط الأم، وثبتنا الفوارق باخامش آملين أن نكمل جهد التحقيق والتعليق مستقبلا وصححنا نسخة لأستاذنا الفاضل حتى يتأتى له أن يتابع دراستنا عن قرب وكتب.
منهج البحث
لقد اقتضت منا المنهجية أولا التحقق مما كتبه الثميني في كتابه (المعالم) وفق ما أراده وابتغاه، وقد أتممنا ذلك بفضل الله وعونه كما بيناه أنفا.
ووجدنا دراستنا من بعد ذلك تقتضي عدة مناهج كالمنهج الوصفي والمنهج التاريخي والمنهج التحليلي والمنهج النقدي والمنهج المقارن، وهي مناهج قد بدها متداخلة في دراستنا، ولكن المنهج التاريخي هو الغالب على الباب الأول والثاني منها، والمنهج الوصفي هو الغالب على الباب الثالث، وهو المنهج الذي اعتمدناه في دراسة الكتاب، لكبر أولا، ولقلة بضاعتنا ثانيا، وهو الأنسب لدراستنا من بعد هذا، إذ من خلاله نظهر صورة مصغرة عن أغلب تفاصيل الكتاب، وعن آراء
الثميني فيه.
حجمه
ولقد حاولنا ونحن في الدراسة أن نوظف - ما أمكننا - عبارة الثميني
واضعين إياها بين علامتي التنصيص.
و استعنا بمصادر ومراجع عدة أثبتناها في آخر الدراسة، نذكر منها على وجه الخصوص تلك الوثائق التاريخية والأدبية التي ساعدتنا على دراسة جوانب من (1/23)
صفحة 23
24
المقدمة
شخصية الثميني المغمورة والتي لم تنل بعد حظها من الدراسة كقصيدته إلى شيخه عمره بن رمضان التلاتي وهو بمصر، وغيرها من الآثار التي خلفها والتي خلفها تلميذه الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن المعروف ببن بيحمان)، وسنلتقي ببعضها في ثنايا هذا البحث.
و من المصادر التي اعتمدناها مصنفات الثميني التي بذلنا ما في وسعنا لنقرأها
بخط يده.
وقد كان مصدر الدراسة الأساسي هو مخطوط (معالم الدين)، وكذا أصوله التي تحدثنا عنها بشيء من التفصيل في الفصل الثاني من الباب الثاني، كالمواقف
الإنجي، وشرحه للجرجاني، ومقدمة التوحيد لابن جميع، وشرحها للشماخي.
وقد استعنا بمراجع عديدة ساعدتنا على فهم الكتاب، نذكر منها على الخصوص کتاب البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية للدكتور فرحات بن علي الجعبيري، وهي دراسة جامعية قيمة شاملة حول الفكر الإباضي بالمغرب في القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر بذل فيها مصنفها جهودا جبارة، وكتاب مشارق) أنوار العقول للشيخ عبد الله بن حميد السالمي أحد أعلام إباضية المشرق وإليه انتهت الإمامة العلمية في القرن الرابع عشر الهجري، ويمتاز مؤلفه بوضوح الفكرة لتمكنه منها. ولقد استعنا كذلك بمصنفات عديدة معاصرة في علم الكلام وفي
الكـ
الفلسفة الإسلامية نذكر منها على الخصوص كتاب في علم المدكتور أحمد محمود صبحي. وكتاب (فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية) للويس غاردي وقنواتي. ومنها مقالات لأستاذنا الدكتور الربيع ميمون منها: أولا: (الإمام السنوسي عالم تلمسان، وثانيا: (طريقة الحكماء المحدثين في فكر الإمام السنوسي). (1/24)
صفحة 24
هيكل البحث:
المقدمة
25
قسمنا البحث ثلاثة أبواب:
الباب الأول منه خصصناه (الحياة الثميني وآثاره).
وقد ضم فصلين:
الفصل الأول: حول حياة الثميني وعصره)، تحدثنا فيه عن الظروف الطبيعية والاجتماعية التي لها أثرها في نشأة الثميني، وحققنا ما لزم تحقيقه عن النسب والمولد والوفاة سواء عن الثميني أو عن شيخه أبي زكرياء الأفضلي، وأثبتنا أن أبا حفص عمرو بن رمضان التلاتي شيخ الثميني كذلك، وتحدثنا عن جهود الثميني التي كان لها أثرها في المجتمع.
أما الفصل الثاني: فكان لـ آثار الثميني العلمية)، وقد بينا ما أمكننا بيانه حول هذه الآثار التي عثرنا عليها سواء كانت مراسلة أو نظما أو غير ذلك وتحدثنا مصنفاته مرتبين إياها ما أمكننا ترتيبا زمنيا حسب تاريخ نهاية تأليفها، وتحدثنا عن منهجه في التأليف وغايته منه.
عن
ولقد جعلنا الباب الثاني: (للثميني وعلم الكلام فخصصنا الفصل الأول منه: لـ (نشأة علم الكلام وتطوره وتعرضنا فيه لأهمية علم الكلام عند الثميني، ولعوامل نشأة هذا العلم، ومراحل تطوره سواء قبل سنة 505 هـ. أم بعدها،
وأعطينا للمدرسة الإباضية نصيبها في هذا البحث نظرا إلى أن الثميني منها.
وبعد ذلك جعلنا الفصل الثاني للحديث عما خلفه الثميني في هذا العلـ وأعطينا له هذا العنوان كتاب الثميني: معالم الدين حيث كان الكتاب موضوع الدراسة في هذا الفصل بصفة إجمالية، تعرضنا فيه للكتاب وهو يتكون أفكارا قبل التأليف، ثم تناولناه مؤلفا، متحدثين عن أماكن وجوده، وعن أصوله، وعن محتوياته، ومنهج الثميني فيه. (1/25)
صفحة 25
26
المقدمة
وأما الباب الثانت فسميناه: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)،
و درسنا فيه طريقة الثميني في تناوله تلك المباحث وآرائه فيها.
وقد قسمناه أربعة فصول:
الفصل الأول كان في (نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام) وقد تعرضنا فيه لطريقة المتكلمين في تناول هذا المبحث ولأهم الجوانب التي تعرضوا لها، مبرزين مسلك الثميني في تناولها وآراءه فيها، ولقد تعرضنا لقوى النفس في تحصيل العلوم وللحديث عن العلم الضروري والكسبي، وعن النظر وعن الحجة والبرهان.
وتعرضنا في الفصل الثاني: إلى نظرية الوجود وعالم الممكنات، ومن خلالها رأينا كيف تناولها الثميني وكيف أثبت من خلالها وجود مبدإ للعالم المشاهد، وكيف أثبت أنه الفاعل المختار، وخلال ذلك تحدثنا عن حدوث العالم مستدلين: بالنظر إلى الإنسان، وبمماثلة العالم له، وبحدوث أحد المتلازمين، وبإبطال حوادث لا أول لها، وتعرضنا لمسائل أخرى جاء بها الثميني في هذا الباب.
أن
هذا وكان الفصل الثالث من الباب الثالث: في (الألوهية وصفاتها)، إذ بعد برهنا على وجود خالق للكون قادر مريد مختار هو الإله الواحد الأحد، جئنا بما جاء به المتكلمون حول صفاته جل وعلا، ويعنينا منهم الثميني وكتابه المعالم. ولقد تعرضنا لكون العالم دليلا على وجوده جل شأنه، وجئنا بطريقة الثميني
في حديثه عن الذات والصفات، وبرأيه فيها. أما الفصل الرابع من القسم الثالث فكان للنبوة وغاياتها)، ولقد تحدثنا فيه عن معنى النبوة وحقيقتها وعن المعجزة، والعصمة، وعن ثبوت رسالة محمد الله وعما جاء به من ربه عز وجل من التكاليف، لعباده وتعرضنا للحديث عن مسؤولية المكلف وفق ما جاء به الثميني مبرزين ما تتميز به المدرسة الإباضية حول غايات النبوة. (1/26)
صفحة 26
وقد
المقدمة
أتممنا بحثنا بخاتمة أجملنا فيها ما استخلصناه من
مع الثميني وكتابه المعالم.
27
الدراسة ونحن في رحلتنا
وألحقنا بآخر البحث صورا عن المخطوط الأم المعتمد للاطلاع، وصورا أخرى للاطلاع والمقارنة، أما التي للمقارنة فقد اخترنا مضمونا لها: «المقصد الثالث: إعادة المعدوم من المرصد الخامس: في أحوال الآخرة، من المعلم الرابع: النبوات»، ليكون نموذجا وعينة للاطلاع وإدراك ضرورة تصحيح الكتاب المطبوع الذي لا يمكن أن يكون عليه الاعتماد على أي حال.
ولقد أخذنا هذا المقصد نموذجا لوسطيته بين القصر والطول، ولما يستوجبه من الدقة في فهم المعنى، وهي دقة في ضبط المعنى لازمة أساسا في كل الكتاب. ولقد جئنا بالمقصد في المطبوع قبل التصحيح مشيرين إلى موقع الخطأ بخط،
وأعقبناه بالنص نفسه كما يوجد في المخطوط الأم.
ولقد أثبتنا في الأخير فهارس مختلفة، وطعمنا البحث بأشكال توضيحية تسهيلا لمهمة الدارس.
أملنا أن يكون ما جئنا به قادرا على تقريب فكر الثميني للقارئ الكريم وللدارس المتخصص، وأن يكون لديه صورة حول الثميني وكتابه قريبة من الحقيقة، وأن يكون دافعا لغيرنا للغوص في أعماق الفكر الإسلامي وفتح مغلقاته.
وبالفعل، فقد أدركنا، ونحن نغوصُ في أعماق الكتاب بعض أبعاده، وما يحتويه من الكنوز، وقد اكتشفنا نصيباً منها، وتيقنا عين اليقين أن ذلك إنما هو الترر اليسير بالنسبة لما هو موجود حقا في أعماق الكتاب وفي الفلسفة الإسلامية عامة وفي الفكر الإسلامي النابض الثري بصفة أعم.
أملنا أن نوفق لاحقا لاستجلاب ما لم نستطع في هذه الدراسة حمله معنا من أعماق الكتاب من الدرر والجواهر والنفائس، وأن نوفق لفتح ما عسر علينا فتحه (1/27)
صفحة 27
28
من
المقدمة
المغلقات في الفكر الإسلامي التي ما تمكنا من فعله ونحن في هذه المهمة
الاستكشافية ملازمين الثميني.
وحسبنا في هذه الدراسة أنا قد نبهنا وأشرنا إلى شخصية علمية كان مغمورة، وإلى كتاب كان في طي النسيان، وقربناه ما في وسعنا إلى القارئ أملا أن تلحق هذه الدراسة دراسات متعددة الجوانب. ولاشك فإن تحقيق هذا الكتاب هو من أهم تلك الدراسات التي تتطلب التعجيل بما لتكون لأي دراسة بعدها أهميتها
وجدواها. (1/28)
صفحة 28
الباب الأول
الإمام الثميني: حياته وآثاره
الفصل الأول حياة الثميني وعصره.
الفصل الثاني: آثار الثميني العلمية. (1/29)
صفحة 29
الفصل الأول حياة الثميني وعصره
(1) البيئة الطبيعي
ــة
(2) الأوضاع السياسية
3) الأوضاع الاجتماعية
(4) نسبـ
(5) مولـ
ـده
أ) التاريخ
ب) المكان
(6) نشأته ودراسته
(7) شيوخ
(8) تلامي
أ) أبو زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي
ب أبو حفص عمرو بن رمضان الثلاثي
ـذه
أ) الحاج يوسف بن حمو بن عدون
ب الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن
9) جهوده مع الأفضلي (10) إصلاحه ذات البين
(11) رئاسته الدينية
(12) وفـ
اته (1/31)
صفحة 30
توطئة
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
الفصل الأول
حياة الثميني وعصره
33
إن الغوص في دراسة شخصية ما يقتضي التعرض لعدة جوانب منها، تتجلى كما صورتها وتتضح معالمها.
وفي دراستنا للإمام ضياء الدين عبد العزيز الثميني سنحاول أن نعرف عصره ولو باقتضاب وكذا حياته، وأهم المؤثرات فيها لأنها لم تنل بعد حظها من الدراسة، ونظرا إلى هذا فلقد خصصنا بعضها بالتفصيل، كما فعلنا في حديثنا عن شيوخه
لماهم من الأثر البالغ في نضجه العلمي، وفي فتق المواهب التي من الله بما عليه. لقد كان للعاملين: المعلم الكفء، والموهبة، أثرهما في شخصية الثميني: فهما اللذان جعلاه قادرا على النجاح في دراسته وعلى القيام بجهوده الإصلاحية، وعلى تأليف كتب علمية كان لها أثرها من بعده.
فمن هو الثميني؟ وكيف عاش؟ وما هو حال عصره؟ وما هـ
جهوده و آثاره؟
ففي هذا الباب سنجيب عن هذه الأسئلة مبتدئين بحال عصره.
- 1 - البيئة الطبيعية
إنه لمن الصواب ونحن نعرف بالثميني أن نلقي الضوء أولا على بيئته الطبيعية الأهمية في حياة الأفراد والمجتمعات. وإن هذه الأهمية لتتضاعف إذا علمنا
لما لها من
أنها البيئة الوحيدة التي عاش فيها طوال عمره. (1/33)
صفحة 31
34
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
لقد كانت بيئته الطبيعية وارجلان)، و (بَنِي يَزْجَن) بوادي مزاب، وهما مكانان يقعان جنوب الأطلس الصحراوي الجزائري، بعيدا عن العاصمة بحوالي 700 كلم كان الناس يقطعونها على الدواب مسيرة شهر.
إنها منطقة شديدة البرودة شتاء شديدة الحرارة صيفا، نادرة الأمطار، أراضيها مترامية الأطراف، وهي إما فياف رملية، أو جبال صخرية، كانت تقطنها
قبائل متنقلة، وأخرى مستقرة، تعتمد في معيشتهما على التجارة والزراعة التي من الحيوانات القادرة على تحمل ذلك المناخ،
الله لها
قوامها النخلة، وعلى ما سخر وهي تشرب من المياه الجوفية المستخرجة من الآبار بوسائل بدائية.
ونظرا إلى هذا فلقد كانت حياة الناس بالمنطقة جد صعبة، وكانت جهادا
مستمرا ضد الطبيعة وقساوتها.
إن هذا هو المحيط الطبيعي الذي عاش فيه الثميني.
- 2 - الأوضاع السياسية
وأما محيطه السياسي فانه كان محيطا متأثرا بتطورات سياسة الدولة العثمانية، التي كانت تبسط نفوذها على العالم الإسلامي لانتهاء الخلافة الإسلامية إليها من جهة، ومتأثرا أيضا بالعلاقات التي كانت للجزائر بهذه الدولة، والتي كانت تمتاز بمقومات سياسية مستقلة لاستقلال حكم الدايات فيها عن الدولة العثمانية ما بين سنة 1671 م - وسنة: 1830 م) من جهة أخرى.
–
هذا ويرى الدارسون في هيمنة الأتراك على الحكم في هذه الفترة بالجزائر خلافة إسلامية شرعية تحظى بالمؤازرة والتأييد، بينما يراها بعضهم إدارة مستحوذة
(1) ناصر الدين سعيدوني (الجزائر) في التاريخ العهد العثماني، ص 14. (1/34)
صفحة 32
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
35
على الحكم، وأن حكمها لا يتجاوز مدينة الجزائر ذات الحكم العسكري المرتبط بالخارج دون اهتمام بأمور البلاد، ولا تأثر بأوضاع السكان (1).
وسواء كان هذا أو ذاك فإن المواطنين قد انسجموا مع الحكام كما توضحه المصادر المحلية التي تعكس الوضع الداخلي و التي تعطي صورة حقيقية عن مدى انسجام الشعب الجزائري وطبيعة اهتمامات حكامه، على الرغم من التجاوزات والمظالم التي أحدثها بعض البايات والتي أدت في بعض الأحيان إلى
الثورة ضدهم
(3)
إن هذا هو الجو السياسي العام الذي عاش فيه الإمام الثميني، والذي عاصر أحداثا تاريخية هامة كان لها أثر كبير في البلاد وفي العالم الإسلامي كله: منها: تعاقب حملات الأوروبيين من دنماركيين وإسبان بأساطيلهم على
السواحل الجزائرية.
وهي
ومنها: ظهور الدعوة الوهابية في الحجاز.
ومنها: الحملة الفرنسية على مصر
(4)
ومنها: بوادر الاحتلال الفرنسي للجزائر (5).
أحداث لا تمر من غير أن تكون لها أصداء في البلدان الإسلامية كلها.
(1) سعيدوني، (الجزائر في التاريخ) ص: 11.
(2) مس، ص: 11.
(3) راجع مس، أيضا: أحمد توفيق المدني، مذكرات الحاج احمد الشريف الزهار)، ص: 35 أيضا: إبراهيم بجاز، (الإباضية عند الجغرافيين وأصحاب الرحلات)، مخ، مكتبته الخاصة. (4) حسن مؤنس الشرق الإسلامي والعصر الحديث)، ص: ... ، أيضا: أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي)، ج 2، ص: 391.
(5) محمد العربي الزبيري (مقاومة الجنوب للاحتلال الفرنسي)، ص: 8 وما بعدها. (1/35)
صفحة 33
36
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
ولقد كان أهل وادي مزاب يهتمون بها، على الرغم من أن هذا الوادي كان يظهر كغيره من المدن الجزائرية الصحراوية النائية، والمناطق الجبلية البعيدة منفصلا
عن غيره من البلدان ومستقلا بنفسه، وإن لم يكن كذلك.
وبالفعل فلقد كان نظام العزابة (1) قائما فيه، وبيده الحل والعقد في القضايا الاجتماعية والقضائية والسياسية، ولكن مع ولاء لدار الجهاد ومقر الإمامة العلية بالجزائر.
لقد كان الناس يعيشون في ظل هذا النظام مواكبين لتطورات الأحداث في العالم الإسلامي، فهم وإن كانوا بعيدين عنها لما يواجهونه من صعوبات الحياة، كانوا قريبين منها لما كان يصل إليهم من أخبار عن البلاد قد يفرحون با، يحزنون لها، وقد يؤثرون فيها.
- 3 - الأوضاع الاجتماعية
وقد
هذا وأما الوضع الاجتماعي الذي كان يسود تلك المنطقة فإنه كان وض تمزق ومعاناة، إذ كان الفقر وسوء المعيشة سائدين آنذاك، وكان الجهل فاش فاشيا، والأوبئة منتشرة، والصراعات القبائلية، والعشائرية مستفحلة.
يقول شاهد عيان تلك الأوضاع: «كثر الظلم والجور و ... تلاطمت فيه أمواج الفتن وعساكرها واستسادت (2) ذياب وعسابرها (3)، فاستولى على الحكمة
(1) نظام أسسه أبو عبد الله محمد بن بكر بن أبي بكر الفرسطائي النفوسي سنة 408 هـ 10181017 م راجع: فرحات الجعبيري، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة دراسة للإحراز على شهادة
الكفاءة في البحث العلمي، كلية الآداب الجامعة التونسية، المطبعة العصرية، تونس، 1975. (2) هكذا في الأصل: فهي بمعنى: طلبت السيادة، أو هي تحريف لاستأسدت: والتي تعنى أنها جعلت نفسها في مرتبة الأسود. (3) العسابرة: ج عسبارة ولد الضبع من الذئب المذكر والأنثى فيه سواء. (الصحاح للجوهري) (1/36)
صفحة 34
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
37
اجمال، وغيرها حدود الله وبدلوا حرامه خلاله واخذوا في السلب والقتل، وجون على الكفر والعناد، فلم يزالوا على ذلك إلى أن سعوا في الأرض الفساد» (1). وإنه لَوْلا ما كان يبذله العلماء، وأولو النهى من الجهود في سبيل إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، لضاع كل شيء، لاسيما وأن الأرياف الجزائرية عموما كانت عرضة للآفات الطبيعية وغيرها من أوبئة ومجاعة وقحط وجراد، وزلازل وانعدام أمن، وتكرار الحملات العسكرية، وثقل المطالب المالية، ولقد ازدادت أوضاع هذه الأرياف سوءا وتدهوراً في أواسط القرن الثامن عشر (2) واستمرت على هذه الحال إلى أن سقطت البلاد في أيدي الغزاة وفقدت استقلالها.
ولعل هذه الوضعية هي التي جعلت المحيط العلمي الذي عاش فيه الثمـ خافتا جدا، حتى أنه لم يشف غليل الثميني نفسه، وأرغمه على أن ينقطع إلى أملاك والده، وأن يعينه في إدارتها.
ولا شك أنَّ هذه الحال لم تدم بوادي مزاب بعد أن حل بما أبو زكرياء الأفضلى الذي تتلمذ على علماء بالمشرق، وتتلمذ عليه كثيرون، منهم الثميني الذي سار على خطاه فأرسى قواعد الحركة التنويرية من بعده.
(1) رسالة من احاج إبراهيم بن عبد الرحمن إلى أهل جربة ونفوسه وعمان، مخطوطة، مكتبة الشيخ
بلحاج، القرارة.
وله أيضا: قصيدة في الظلم الواقع في عصره بوادي مزاب مطلعها:
الحمد الله العلي الشان الملك المهيمن الديان
تقع في (63) بيتا مخطوطة، مكتبة الاستقامة، بني يزجن.
(2) سعيدوني، (الجزائر في التاريخ)، ص: 54.
أيضا: حمدان بن عثمان خوجه (المرآة) ترجمة محمد العربي الزبيري، الشركة الوطنية للنشـ
والتوزيع، الجزائر، ط: 1975، ص: 83 وما بعدها. (1/37)
صفحة 35
38
سي
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
هذه بيئة الثميني، يميزها واد ناء غير ذي زرع، وجو سياسي مضطرب، و وسط اجتماعي منهار، ونشاط علمي فاتر. في هذه الأجواء عاش الثميني وخلّف
تراثه الفكري. فمن هو الثميني؟
- 4 - نسبه:
بن
لقد اشتهر الثميني بضياء الدين، وينتسب إلى «الحاج بن إبراهيم بن عب العزيز بن الحاج عبد الله الثمين (1) بن عبد العزيز بن عبد العزيز بن عبد الله بكر بن موسى بن امحمد بن عبد العزيز بن يحيى بـ بن عبد العزيز بن يحيى بن موسى الحفصي قبيلة اليا جراني (2) بلدة» (3).
ويظهر أن الذين كتبوا عن الثميني وقعوا في اضطراب كبير لتحديد اسـ والده، فمنهم من يسميه (إبراهيم)، ومنهم من يسميه: (الحاج)، ومنهم من يسميه: (الحاج إبراهيم).
وعلى هذا فلنا أن نتساءل عما هو الصحيح منها، ولنا أن نتساءل أيضا ألا تكون قد أطلقت كلها على والده حقا، ولم يكن ذلك خطأ من النساخ والمؤرخين؟
(1) هكذا في مخ (شرح) معالم الدين للحاج امحمد بن يوسف اطفيش، وفي مخ (الرسالة الشافية) له أيضاء مكتبة الشيخ اطفيش، بن يزجن.
(2) ياجران يرى أبو إسحاق اطفيش أنها مدينة من مدن إقليم وارجلان ظهر بـ (ها) فحول الرجال وأئمة العلم» وهي الآن غير عامرة». انظر: شرح النيل، المطبعة السلفية، القاهرة، 1343، ج: 10، ترجمة ضياء الدين. ويرى محمد علي دبوز أنها في جنوب المغرب الأقصى، انظر: (نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة)، المطبعة التعاونية، 1965،ج 1، ص 263، و لم نتمكن من الفصل في المسألة فيما بذلناه من الجهد. ويقول مصطفى صالح باجو الذي فهرس كتاب طبقات الدرجيني): لعل الصواب ما ذهب إليه أبو إسحاق اطفيش أنها من قرى وارجلان.
(3) الحاج امحمد بن يوسف اطفيش، مخ (شرح) معالم الدين ص 1، ومخ (الرسالة الشافية) ص 48. (1/38)
صفحة 36
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
39
فإذا افترضنا أن هذه الأسماء قد أطلقت جميعها على والده فيكون ذلك إما بناء على أنها من الألفاظ التي ينوب بعضها عن بعض كما هو مشهور في المجتمع الميزابي عرفا أن كلمة (إبراهيم) قد تستعمل عوضا عنها كلمات مثل (الحاج وبمون وبلحاج وباهي وباله و بابه)) وإما أن يكون اسم والده (إبراهيم)، وكان قد حج إلى بيت الله الحرام فاقترنت لفظة (الحاج) باسمه فصار الحاج إبراهيم، وهذا أيضا مشهور متداول بالمغرب العربي الكبير، إذ يقرن الاسم بلفظة (الحاج) تبركا وتذكيرا بقدسية الحدث.
وإنا قد عثرنا على أن اسم والده الحاج إبراهيم) في مخطوطتين
لناسخ واحد (2).
إحداهما: رسالة من الثميني موجهة إلى بدر الدين عمرو بن
رمضان التلاتي بمصر.
وثانيتهما: رسالة من الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن إلى أهل
جربة ونفوسه وعمان.
(3)
وما هو موجود في هاتين المخطوطتين من أن (الحاج إبراهيم) اسمه هو ما يذهب إليه المستشرق زيقمونت موقورزوفسكي (Zygmunt Smogorzewski) أما الذين يذهبون إلى أن اسم والده (إبراهيم) فهم كثيرون (4)، ويعنينا منهم الشيخ
(1) لقاء مع الشيخ الحاج صالح برملال والشيخ الحاج سليمان بكاي، جوان 1992. (2) الرسالتان مخ، بمكتبة الشيخ بلحاج، القرارة.
Zygmunt, (Etude sur Abd al Aziz et sur ses écrits), p:4
(3)
مرقون بمكتبة الحاج سيعد محمد بن أيوب: غرداية.
(4) محمد علي دبوز، (نهضة الجزائر الحديثة) ج:1، ص: 263. وأحمد توفيق المدني، (الجزائر)، ص: 42. وأيضا: 46: 1886 zeys, Legislation mozabite) ,Alger. وغيرهم. (1/39)
صفحة 37
40
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
أبو إسحاق اطفيش)، والشيخ محمد بن صالح الثميني، لعدة عوامل نذكر منها: 1 - قركما الاجتماعي والثقافي من ضياء الدين عبد العزيز الثميني.
2 - وكونهما مرجعا هاما في مثل هذا الإشكال.
-3 - واجتهادهما الملموس في إحياء تراث الإمام.
-4 - وكونهما عمدة لكثير من الكتاب والمؤلفين.
والذي نراه هو أنّ اسم والد الثميني هو (الحاج) وأن اسم جده هو (إبراهيم) كما ذكرناه في سلسلة نسبه والذي يدلنا على هذا هو:
أولا: أن الشيخ الحاج امحمد بن يوسف اطفيش قد أثبته كذلك مرتين.
وثانيا: أن ابن ا أخته الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن قد خط بيده «الحاج بن إبراهيم» في مذكراته) وفي جواب بعثه إلى الشيخ سليمان ناصر بن سليمان بن الإسماعيلي بعمان (4).
وثالثا: أن القول الفصل ما قاله الثميني عن نفسه إذ كتب مرات بخط يده «عبد العزيز بن الحاج») و «عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم») وهو ما يذهب
(1) أبو إسحاق اطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين) المطبعة السلفية القاهرة 1923، ص: 29. له أيضا: ترجمة المصنف (شرح النيل الحاج احمد اطفيش (شرح النيل)، المطبعة السلفية، القاهرة، 1343 هـ ج: 10 ص: أ.
(2) محمد بن صالح الثميني تحقيقه كتاب: التكميل لبعض ما أخل به النيل) للثميني، مطبعة العرب،
تونس، 1344 هـ، صفحة الغلاف، وغيره من كتب الثميني التي حققها.
(3) الحاج إبراهيم بن بيحمان، مذكراته مخ مكتبة الاستقامة، بن يزجن.
(4) رسالة مؤرخة 13 شوال،1206 مخ مكتبة الشيخ بلحاج، القرارة.
(3) (مختصر حواشي الترتيب للثميني مخ مكتبة الاستقامة بن يزجن، صفحة الغلاف. (()) (مختصر إعراب المنظومة (الخزرجية للشيخ عمرو بن رمضان التلاتي، الناسخ: عبد العزيز الثميني، مخ، مكتبة الاستقامة بن يزجن. ويوجد كذلك في غير هذين المختصرين. (1/40)
صفحة 38
الفصل الأول: حياة التميني وعصره
41
إليه الشيخ عبد الرحمن بكلي إذ يقول: «الشيخ ضياء الدين عبد العزيز بن الحاج بن
إبراهيم
كما يوجد بخطه لا عبد العزيز بن إبراهيم كما هو مشهور» (1).
وبهذا يزول ما كان مشكلا في حق اسم والده واسم جده.
أما ما يتعلق بلقبه (الثميني) فيذهب المؤرخون إلى أن الثمينيين «من ولد موسى الحفصي» (2)، ولكنهم لم يتركوا لنا معلومات دقيقة عن موسى الحفصي هذا، فمنهم من يقول: إنه «أبو حفص عمر بن حفص الهنتاتي جد الأسرة الحفصية التي خلفت الموحدين في الحكم، وهو من قبيلة مصمودة البربرية»، ومنهم من يرى أن أصل النسبة: «الحفصيون ... من بني عدي رهط الفاروق» (4)، ومنهم من يرى أن: «أولاد عبد العزيز وأولاد ثمينة ... يتصل نسبهم إلى سيدنا عمر بن
الخطاب» (3).
ولعل الذين ذهبوا إلى نسبته إلى عمر بن الخطاب يعتمدون على ما يقوله الحاج امحمد بن يوسف اطفيش الذي رفع نسب الثميني إلى موسى الحفصي وعلل النسبة بقوله: «نسبته إلى موسى الحفصي إذ لعله نسبة إلى أبي حفص عمر بن
الله
??
عنه الخطاب رضي
(1) (النيل وشفاء العليل للثميني، ط: 2 سنة 1967، التصدير، ص: 9.
(2) الحاج احمد، اطفيش (الرسالة الشافية)، مخ، ص: 48.
(3) محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة)، المطبعة البارونية، 1965، ج 1، ص: 263. (4) أبو إسحاق اطفيش، ترجمة ضياء الدين عبد العزيز الثميني، في (شرح النيل) للحاج محمد بن يوسف اطفيش، المطبعة السلفية، 1343 هـ.
(5) أعزام الحاج إبراهيم بن صالح (ت 1965/ 1384) (غصن البان في تاريخ وارجلان)، مخ، بخط المؤلف، مكتبة الحاج عمر بابزيز، وارجلان، ص: 92.
(()) الرسالة الشافية، مخ، ص: 48. (1/41)
صفحة 39
42
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
ومهما يكن من الأمر، فإن (الثميني) من عائلة مشهورة مستوطنة بيني يَرْجَن، وهي مشهورة بوارجلان أيضا، ومعروفة بـ (ثمينة) أو (آت ثمينه) ولها إلى يومنا كما جنان ونخيل كثير (1).
- 5 - مولده
أ - التاريخ:
ولد الشيخ عبد العزيز الثميني كما هو مجمع عليه سنة 1130 هـ ووقع ذلك إما في شهر المحرم منها فيكون مولده سنة 1717 من التقويم الميلادي أو في غيره من شهورها فيكون سنة 1718 منه (2).
هذا وان ما يذكره (زايس) من أن ميلاده كان بالثلث الأول من رجب» (3) فلم نجد له سندا.
وأما ما نص عليه الزركلي من أن مولده كان سنة 1133 هـ / 1720 م (4)، خطأ، أوقع الزركلي فيه اعتماده قول أحمد توفيق المدني: «توفي رحمه الله ورضي عنه عن تسعين سنة ... سنة 1223 (5).
فهو
ومن المعلوم أنه إذا كانت هذه سنة، وفاته فان سنة مولده بناء على عبارة سنة: 1133 هـ أو سنة 1720 م.
المدني هي
(1) الحاج عمر بالبزيز المشهور بـ (بو معقل) أمام مسجد لاله عزه وارجلان، لقاء بداره يوم
1992/ 11/16
(2) العجيري صالح محمد، (تقويم القرون المقابلة التواريخ الهجرية والميلادية)،
الكويت، ط: 2، 1984 م.
E.ZEYS. (Législation Mozabite) Imprimeur de l'académie,Alger 1886,p:46. (3)
(4) خير الدين الزركلي، (الأعلام).
(5) أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر)، ط: سنة 1350 ص: 93. (1/42)
صفحة 40
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
43
ولقد اعتمد الزركلي أيضا على الدعاية إلى سبيل المؤمنين) لأبي إسحاق اطفيش، ولكنه لم ينتبه إلى أن أبا إسحاق قال: «مات ... وهو ابن نيف وتسعين
(1)
سنة»، وبذلك حاد عن الجادة.
وهو الذي كان مرجعا للدكتور صالح خرفي حين حدد سنة 1720 م تاريخا لميلاد الثميني (2)، وهو في هذا بعيد عن الحقيقة. ومثله (زايس) الذي يرى أن ميلاده كان سنة 1167 هـ، و (موراند) صاحب كتاب مدخل إلى دراسة القانون الإسلامي الجزائري الذي يرى أن الميلاد كان سنة 1176 هـ (4).
ب
-
المكان:
(3)
إذا كان الذي نعرفه عن تاريخ مولد الإمام الثميني يمكن الاطمئنان إليه، فإنه في مقابل ذلك لا نعرف شيئا يطمئن له القلب عن مكان مولده.
ونظرا إلى ذلك فإن زيقمونت يتردد في تعيينه بين وارجلان وبني يزجن، ويشير إلى أن الشيخ اطفيش لم يذكر فيه شيئا وسكت عنه (5). والذي يراه آخرون: وهم كثيرون أن مولده كان في بني يزجن (6)، إلا أننا لا نستطيع أن نميل إليه لأن الوثائق التي بين أيدينا غير كافية للفصل في المسألة، وهو أمر يفترض علينا أن نعتبره من مواليد سنة 1130 للهجرة بوارجلان أو ببني يزجن.
(1) أبو إسحاق اطفيش الدعاية) إلى سبيل المؤمنين)، المطبعة السلفية، القاهرة، 1923، ص: 29. (2) صالح خرفي، من أعماق الصحراء)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1991، ص: 54.
E.Zeys (Législation Mozabite) P:46. (3)
Zygmunt, (Etude sur Abd al Aziz et sur ses écrits) p:4. (†)
Zygmunt, (Etude sur Abd-al-aziz) p:4. (5)
(0) بكلى عبد الرحمن بن عمر، تصديره لكتاب (النيل) للثميني ط 2، 1967، ص: 12. محمد علي دبوز، نهضة الجزائر (الحديثة ص: 263. أبو القاسم سعد الله تاريخ الجزائر الثقافي)، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985، ج 2، ص 79. محمد الثميني، ترجمة مؤلف التكميل، التكميل لما اخل به النيل للثميني، ص: د، وغير هؤلاء. (1/43)
صفحة 41
44
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
- 6 - نشأته ودراسته
لقد نشأ ضياء الدين رحمه الله في عائلة كريمة ذات نعمة ورخاء في أملاك والده، بوار جلان، فلما ختم القرآن الكريم في صباه، اشتغل فيها بالتجارة والفلاحة، ولقد اشتهر عنه أنه كان مولعا بركوب الخيل شابا وكهلا.
لقد كان مشغوفا بالعلم، ولكنه لم يتح له منه حظ إلا من بعد تجاوز السابعة والعشرين من عمره (1).
لقد كان حبه للعلم عظيما، وظل زمنا مكتمن الفؤاد، حتى صار هذا الحب يستحوذ عليه بعد رؤيا مشهورة قصها بنفسه قائلا: «قد كنت في بلاد وارجلان ... خاليا من نيل حظ من العلم، غير أني مشغوف به من قبل اليوم، فكنت نحو سنة، قبل طلوع ذلك البدر (2) كلما سرى النوم إلى أجفاني أصادف مرآة في يدي انظر فيها وجهي وشأني، فلا تنفك مني في غالب الأحوال في المنام وكنت أتعجب من تلك الرؤيا ومن تعبيرها، حتى بزغ البدر على الأنام، فزاد فرط الشغف بي، واستولت جنود الشوق وعساكر الوجد على التنقل إليه والإقامة لديه، إذ سمعت بنهوض الأفاضل إليه من القرى وممن وفق لذلك من الورى، حتى جرى
لي معه في المنام ما كنت قاطعا به من نيل المراد، والبشارات المشيرة إلي به من بين العباد، فحقق الله رجائي إليه بالانتقال ...
(3) « ..
فانتقل إلى شيخه حوالي سنة 1160 هـ، وعمره قد تجاوز السابعة والعشرين سنة، وكانت المبادئ التي «أخذها في الكتاب، وما
(1) محمد الثميني ترجمة مؤلف التكميل، التكميل لما أخل به کتاب النيل)، ص: د ـ ز. (2) يريد به شيخه أبا زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي الذي عاد إلى وادي مزاب) بالجزائر بعد إتمام
دراسته بالمشرق.
(3) عبد العزيز الثميني (تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين)، مخ، مكتبة الاستقامة، الديباجة. (1/44)
صفحة 42
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
45
استطاع أن يلتقطه من أفواه العلماء القليلين، قد هيأته للتعلم، وجعلت أبواب العلم سهلة لديه» (1).
إن الرؤيا المذكورة تعبر بوضوح عن شغف الإمام الثميني بالعلم، وعن استعداده لطلبه بكل، قواد وللتبحر فيه وفي فنونه بما يجعله من
أعلامه.
ولقد ساعده في ذلك اكتسابه عدة مميزات منها المواهب العقلية القوية
والصفات النفسية العظيمة، وأنه لم يكن من ذوى الخصاصة لما كان عليه أهله الغنى وسعة العيش، فاستطاع أن يدرس مطمئن البال وأن يأخذ عن شيخه الأفضلي وعن غيره أعز ما لديهم من فنون العلم، واستطاع أن يصير العبقري الذي شيخه أسس النهضة العلمية والإصلاحية في جنوب الجزائر
وفقه الله لير الله ليرسي مع عامة، وفي ربوع مزاب خاصة بعد ظلام من الجهل والفتن، ومهد السبيل لمن أتى
بعدد من العلماء المؤلفين والمرشدين.
- 7 - شيوخه:
يكاد يجمع الذين كتبوا عن الثميني أو تحدثوا عنه أن أبا زكرياء يحى بن
صالح الأفضلي هو شيخه.
لقد صار الثميني تلميذا له بعد أن رجع من جربة إلى بني يزجن
حوالي سنة 1157 هـ
(2)
ولقد اضطر الثميني لأجل هذا، وإثر الرؤيا المشهورة أن يغادر وارجلان إلى بني يزجن بعد ثلاث سنوات من قدوم شيخه إليها، ليلازمه مستقراً كما.
فمن هو شيخه أبو زكرياء؟ وهل للثميني شيوخ غيره؟.
(1) محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة)، ص: 266. (2) (نهضة الجزائر الحديثة)، ص: 258. (1/45)
صفحة 43
46
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
أ - أبو زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي:
يقول الشيخ عبد الرحمن بكلي: ولد أبو زكرياء في الخمسين الأولى من القرن الثاني عشر في بلدة بني يزجن (مزاب)» (1) و قد قصر عمره على ستة وسبعين من الأعوام» (2) كما يذكره الحاج إبراهيم بن بيحمان.
وإنه وإن لم يقع إجماع في تحديد تاريخ ميلاده فإنه يمكننا أن نحدده بدقة بناء على أن الراجح كما سيتضح جليا في الحديث عن وفاته أنا كانت سنة 1202 هـ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن عمره عند الوفاة كان ستة وسبعين من الأعوام كما ذكره صراحة (بيحمان) أحد المعاصرين له والمقربين إليه. فيكون ميلاده بناء على ذلك سنة 1126 هـ، وهو ما يذهب إليه يوسف بن بكير الحاج سعيد (3)، أما مذهب يحيى بن صالح بوتردين في أن ميلاد الأفضلي كان سنة 1120 هـ) فلم نجد له سندا.
- رحلة أبي زكرياء إلى جربة:
إننا قد ندرك مستقبلا العوامل الحقيقية التي دفعت شيخ الثميني إلى الرحيل لمزاولة التعلّم مغتربا، وبجربة على الخصوص، والعوامل التي منعت الثميني من التعلّم
وهو الشغوف بالعلم وله بسطة في المال.
(1) تصديره كتاب (النيل) للثميني، ص: 10.
(2) مقدمة لقصيدة يرثي فيها أبا زكرياء مطلعها:
حمد جليلا لذي العزة والكرم شكرا جميلا لذي الآلاء والنعم»
بما 54 بيتا، مخطوطة، بمكتبة الاستقامة ببني يزجن.
(3) (تاريخ بني مزاب) المطبعة العربية، غرداية، 1992 ص: 81.
(4) (الشيخ اطفيش ومذهبه في التفسير)، رسالة ماجيستر، إشراف مصطفى الشكعه، جامعة: عين
شمس، مصر 1989، ص: 32. (1/46)
صفحة 44
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
47
وما توصلنا إليه الآن أن الباعث للشيخ يحيى أن يسافر إلى جربة دون سواها من الأقطار أمران:
الأول: الأوقاف المرصودة هناك لكافة الطلبة (ما يشبه المنحة اليوم).
فقد
والثاني: وجود الشيخ يوسف المصعبي بما (1)، لأن كليهما من بني ويرو» (2) فقـ رحل في سن تتجاوز الخمس عشرة سنة، قاصدا جزيرة جربة بتونس
-
ليمكث مغتربا أكثر من 12 سنة (3)
،
ثم رجع إلى مسقط رأسه مع بداية
العقد الأربعين من عمره «حوالي سنة 1157 هـ» (4).
جهوده ومكانته:
لقد كان حضور الأفضلي إلى مسقط رأسه بداية لشروعه في إعداد الأجيال، ونشر الأخلاق والآداب الإسلامية، ومحاربة البدع بالحكمة البالغة، ويبدو أنه بذل جهودا ضخمة في خدمة المجتمع، وبما أن خدمة المجتمع تأخذ الكثير من وقت صاحبها، ولا تسمح له بالتفرغ إلى غيرها، فإنه «لم يُؤثر عنه أنه ألف
الله
(1) يقول أبو اليقظان إبراهيم في كتابه ملحق سير الشماخي): «الشيخ يوسف بن محمد المصعبي المليكي من آل ويرو بمليكة ولاية غرداية. تعلم عنده كثير من إخواننا المالكية، وتوفي رحمه في صفر ضحوة الأحد عام 1187 هـ»، مخ، ص: 52 - 53. ويقول ابن تعاريت في مخطوطه ص: 100 وما بعدها: «للشيخ يوسف رحمه الله مؤلفات كثيرة يصح أن يكون محشيا ثانيا بعد المحشي الشيخ محمد أبي ستة».
وللمصعبي رسالة يرد فيها على أهل تونس إلى الباي علي باشا، وإلى القضاة بتونس لأجل شتم
وطعن حل بالإباضيين آنذاك.
(2) بكلي عبد الرحمن، تصديره كتاب (النيل)، ص: 10.
(3) (محضة الجزائر الحديثة)، ص: 258، أيضا: (النيل) التصدير ص: 10.
(4) (نحضة الجزائر الحديثة)، ص: 258. (1/47)
صفحة 45
48
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
كتابا) إلا ما عثرنا عليه من الإشارات إلى أنه قد كتب رسائل وحر أجوبة ومسائل، نذكر منها على سبيل المثال:
جوابه لأحد المالكية من ناحية البيض في قضية الرهن (2).
ومنها قول الثميني في كتابه (النور): «وكتب شيخنا رحمه الله
على قول التلاتي ..
(3)
ومنها ما يذكره أبو اليقظان إبراهيم أنه كانت بين الأفضلي والشيخ الحاج سليمان بن عبد الله بن الحاج أحمد مراسلات وأسئلة وأنه وقف على رسالة تحتوي على حكم أصدره في حل مشكل زوجي يدل على ما قيل فيه من غزارة العلم ونزاهة الضمير)
(4)
ويظهر أن قدرته على التصدي للأوضاع الاجتماعية المتردية كانت بفضل ما حباه الله من الصفات الجليلة التي لا يمكننا أن نعبر عنها مع وجود من وصفه أبلغ وصف بعد أن تمرّس به وخبر حاله ونعني به الثميني الذي يقول فيه:
«شيخنا الأستاذ الناشر للعلوم في الإخوان من سائر البلاد، قاضي القضاة، ضياء الملة والدين الآتي في بلادنا بالفتح المبين الرافع لواء العلم في المدارس، الغائص على مكنون الجواهر في بحر المجالس، فارس ميدان الأقضية والأحكام، وفخر القضاة الحلال من الحرام، مشيد قواعد الإسلام، عمنا يحيى بن صالح أصلح
الحكام، مميز الله أحوال الجميع»
(5)
(1) کتاب (النيل)، التصدير، ص: 11.
(2) مخ بخط الثميني، يقع في صفحتين، مكتبة الاستقامة، بني يزج
(3) (النور)، المطبعة العربية غرداية، الجزائر 1981، ص: 208
(4) ملحق سير الشماخي)، مخ، ص: 55 وص: 88.
(3) رسالة من عبد العزيز الثميني إلى عمرو بن رمضان الثلاثي بمصر، مخ، مكتبة الشيخ
بلحاج، القرارة. (1/48)
صفحة 46
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
49
وهذه الفقرة التي وصف فيها الثميني شيخه نستغني عن غيرها من الفقرات التي
وجدناها سواء كانت منه أو من أشخاص آخرين ممن عاصروه، كالتلاتي () أو جاؤوا بعده كالقطب اطفيش (2)، وذلك لأن الثميني مثال واف في الموضوع.
فالأفضلي صاحب مكانة هامة بين الناس، ولدى طلبته، وصاحب مكانة
علمية تدعو إلى مزيد من البحث في شخصيته الفذة التي لا زالت مجهولة، ولا
يعرف عنها إلا القليل.
- وفاته:
هذا، ويذهب البعض عند الحديث عن وفاة أبي زكرياء الأفضلي أنها كانت في نفس الشهر والسنة التي توفي فيها الثميني شهر رجب، عام 1223 هـ) وهو وهم يبدو أن سببه يرجع إلى قول القطب اطفيش في وفاة الثميني أنها كانت في العشرة الوسطى من رجب عام 1223 هـ كشيخه يحيى بن صالح، غير أنه ممات العشرة الأخيرة منه (4).
فكان التشبيه الذي جاء به الحاج امحمد اطفيش في هذا النص لا يقصد به تشبيه وفاة الثميني بوفاة شيخه من حيث الشهر والسنة، وإنما يريد به الشهر فقط،
(1) رسالة من الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن إلى أهل جربة ونفوسة وعمان، مخ، مكتبة الشيخ بلحاج، القرارة.
أيضا: قصيدة من عمرو بن رمضان التلاتي إلى وادي مزاب في ديوان الثلاثي، مخ، مكتبة معهد عمى سعيد، غرداية.
(2) (شرح النيل)، ص: 26، أيضا: (نهضة الجزائر الحديثة)، ص: 254 إلى ص: 262. (3) (غضة الجزائر الحديثة)، ص: 262. أيضا: الحاج امحمد مطهري، تقديمه لكتاب (النور) للثميني، المطبعة العربية 1981 م، ص: 8. (4) احاج احمد اطفيش الرسالة الشافية)، مخ، ص: 48، وله أيضا: (شرح معالم الدين)، مخ، ص: 1. (1/49)
صفحة 47
50
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
ودليلنا على ذلك أن الشيخ الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن وهو كذلك تلميذ الأفضلي قد قال فيه مرثية مؤرخة بـ «أواخر ب الأصم من سنة 1202 هـ وقدمها بقطعة منثورة جاء فيها:» (1)
وقد قصر عمره على ستة وسبعين من الأعوام ثلاثة منها قد لبثها ... مقعدا بعلة مزمنة في ركبته حتى لم يبق إلا صورة الدم واللحم في مهجته إلا أن حواسه الظاهرة والباطنة سالمة من الخبل في جسمه
)) (2)
إن هذه الشهادة للشيخ الحاج إبراهيم وقد عاصره وخالطه لا يقوى أمامها دليل، ومع ذلك فإننا نضيف إليها المعلومات التالية لتأكيدها، وليزداد القلب اطمئنانا.
أولا: إنه في سنة 1206 هـ بعث الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن جوابا إلى الشيخ سليمان بن ناصر بن سليمان الإسماعيلي، وذكر فيه عددا كبيرا من المشايخ وقد صدره بالشيخ عبد العزيز الثميني، و لم يرد فيه ذكر لأبي زكرياء الأفضلي. ثانيا: إن الثميني بكتابه (النور) الذي انتهى من تأليفه سنة: 1209 هـ، يقول فيه في معرض الحديث عن التوفيق والخذلان: «وكتب شيخنا رحمه الله ... » (3). ثالثا: إن الثميني كذلك بكتابه الأسرار) (النورانية الذي انتهى من تأليفه سنة - أشار إلى أن الأفضلي قد توفي وذلك بقوله: «وكان شيخنا يحيى رحمه الله تعالى ... » (4).
(1) المرئية، مخ تقع في (54) بيتا معها مقدمة نثرية. مطلعها:
حمدا جليلا لذي العزة والكرم
الله
ربي اخي سيدي سندي
(2) من المقدمة.
شكرا جميلا لذي الآلاء والنعم.
في أمر مزيج الر والنقم.
(3) (النور) شرح النونية المطبعة العربية، 1981 م، ص: 208.
(4) الأسرار النورانية على المنظومة الرائية)، مخ، مكتبة الاستقامة، بن يزجن. (1/50)
صفحة 48
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
51
إن هذه الإشارات الثلاثة تدل على أن وفاة الأفضلي كانت قبل سنة 1223 هـ، وهي تؤكد أنها كانت – وفق ما ذكره بن بيحمان – في العشرة الأخيرة من رجب سنة 1202 هـ بمدينة يزجن ودفن بها. وهو ما نراه صحيحا ومطمئنا.
إن كون أبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي هو شيح الثميني المباشر متأكد بطرق عديدة كما يذكر ذلك أكثر من كتب عنهما، وأما أن يكون له شيخ آخر ككون أبي حفص عمرو بن رمضان التلاتي شيخا له فهو أمر لم يرد إطلاقا، ومع هذا فان معالجتنا لكثير من الوثائق أثناء دراستنا هذه أقنعتنا أنه شيخ الثميني عن بعد ومن غير لقاء بينهما، وما سنعرضه من المعلومات فيما يلي حول العلاقة بين الثميني التلميذ والتلاتي الشيخ سيزيل الكثير من الغموض.
-
أبو حفص عمرو بن رمضان التلاتي:
إنه «أبو حفص عمرو بن رمضان بن مسعود بن أبي بكر التلاتي»)، ولد في جربة بحومة ثلات، وإليها تنسب أسرة التلاتي.
يعرف عنه أنه سافر إلى مصر واستقر بالقاهره ودرس في المدرسة الإباضية بطولون، وتطوع بدروس (2) في الجامع الأزهر [حيث كانت] له سارية مختصة به لا يدرس فيها غيره ... وكان علماء الأزهر يهابونه ويحسبون له حسابه» (3).
عند شرحه لقول المصنف:
ومن شك هل فدا أو طلق لم يضرر هنا الشك فاسمع ما أقول وكبر.
(1) عمرو بن رمضان الثلاثي الدرر الثلاثيات على نظم الموجهات)، مخ، مكتبة الاستقامة، بن يزجن، ص: 1.
(2) فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية)، جمعية التراث، ص: 160.
(3) سعيد بن علي بن تعاريت رسالة في تواريخ جزيرة جربة صورة عند الباحث، مخ، ص: 112. (1/51)
صفحة 49
52
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
وهو صاحب مؤلفات تزيد على العشرين في كل فن وقد امتاز بالتبريز في
(1)
سائر العلوم التي تدرس في ذلك الوقت، وظهر كعبه في اللغة وفنونها ... وكان آية في المنطق والتفسير والحديث والتوحيد والفقه)، وله نظم من الشعر يزيد على العشرين ألف بيت منها ديوانان أحدهما كبير والآخر صغير (2)، «وهو الذي ينقل عنه العلامة البناني في حاشيته على السعد إذ يقول انتهى الجربي» (3).
إن هذا هو التلاتي الذي نراه شيخا للثميني.
والذي يراه الحاج امحمد اطفيش وهو يحلل النص الذي جاء في النيل حين دعا الثميني فيه بالخير لأشياخه: أن كلمة (أشياخنا) الواردة في النص تدل على من قرئ عنده ثلاث مرات فأكثر، وبناء على هذا فإنه ذهب إلى أن الثميني لا يخلو من أشياخ، لكن المعتبر هو شيخه أبو زكرياء (4).
ويرى اطفيش أيضا أن الثميني قد يريد بالشيخ الشيخ بالواسطة، وعليه يكون الشيخ يوسف المصعبي نزيل جربة شيخا له بواسطة شيخه أبي زكرياء. والذي نذهب إليه أن واسطة أبي زكرياء في مشيخة التلاتي للثميني كانت أكد؛ وذلك أولا لأن أبا زكرياء في غربته لم يبق نجربة وحدها هو مشهور، بل بلغ مصر على ما يظهر (3)، خاصة إذا علمنا أن
كما
(1) مس، ص: 111 - 112.
(2) مس، ص: 111. وإن أحد الديوانين، مخ، بمكتبة معهد عمي سعيد، غرداية. (3) محمد بن صالح الثميني فاتحة كتاب (التكميل) للثميني، المطبعة التونسية، 1345، ص: د. (4) شرح النيل) ط 2، 1973، ج: 1، ص: 41.
(5) يذكر يوسف بن بكير الحاج سعيد أن أبا زكرياء تعلم بمصر. وقد صادق الثلاثي، انظر: (تاريخ بني مزاب المطبعة العربية غرداية، الجزائر، ص: 81.
ويذكر يحيى بن صالح بوتردين أن رحلته العلمية كانت إلى كل من مصر وعمان وتونس وفاس.
انظر: (الشيخ اطفيش ومذهبه في التفسير). (1/52)
صفحة 50
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
53
المصعبي شيخ أبي زكرياء قد أقام بطرابلس وقتا معتبر ا (1) يصادف الفترة التي
كان أبو زكرياء مغتربا فيها.
ثانيا: إن الثميني – حين اشتاق إلى لقاء التلاتي - قال أبياتا يطمئن فيها نفسه بملازمته أبا زكرياء الذي كل من التلاتي جاء فيها:
«فقد حالت الأشجان بيني وبينه
تر شفت أياما قلائل عذبة
أضاء ضياء الدين يحيى بن صالح
وإن كان حولي منهل منه صافيا
فلله
من عذب فرات حواليا
بلاد المصعب حوت منه كافيا» (2)
والذي ظهر لنا من خلال البحث أن الثميني قد تتلمذ على التلاتي، وأعجب به كثيرا، فاستفاد من مؤلفاته وهو حديث العهد بالدراسة، واشتغل بما أيضا بعد أن اكتسب قدرة وخبرة في التأليف وأنه قد كاتبه بكل تقدير وإجلال.
اشتغال الثميني بكتب التلاتي:
إن الثميني من بعد هذا كله قد اشتغل بكتب التلاتي المختلفة، بكتب جاءته من قبله أول عهده بالتفرغ للعلم والمعرفة وفي آخر عمره بعد أن اشتد عوده في
التأليف والكتابة.
وبالفعل، فلقد عثرنا له على كتب الشيخه نسخها بيده للاستفادة منها،
نذكر منها على سبيل المثال:
وشرحه
أولا: كتاب (اللآلئ المنثورات على نظم الموجهات) (3) الذي نظمه أحمد المجيري الملوي شيخ أبي حفص عمرو بن رمضان التلاتي، ويبدو أن الثميني قد
(1) رسالة بن تعاريت، مخ انظر فيها: يوسف المصعبي.
(2) رسالة مخطوطة من الثميني إلى التلاتي مرفقة بقصيدة تقع في (90) بيتا، ليست بخط الثميني،
ويبدو اضطراب في الشطر الثاني من البيت الأخير، فهو كذلك في الأصل.
(3) مخ، بمكتبة الاستقامة، بني يزجن. (1/53)
صفحة 51
54
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
نسخه قبل سنة 1177 هـ، وهي السنة التي نسخ فيها هذا الكتاب تلميذ الثميني الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن) (1).
وثانيا: كتاب الدرر التلاتيات على نظم الموجهات) (2) لمؤلفه أبي حفص عمرو بن رمضان التلاتي، وهو شرح نظم مصطفى الزواوي الشافعي لشرح التهذيب الذي ألفه الله عبيد الخبيصي، وقد بين التلاتي في مقدمة الكتاب دوافع نظم شرح التهذيب، ودوافع شرحه لهذا النظم.
ثم إن الثميني من بعد ذلك قد أهتم وعمره حوالي 80 سنة، وبعد أن اكتسب خبرة كبيرة في التأليف بكتابين للتلاتي فاختصرهما وهما:
كتاب اللآلئ الميمونة على المنظومة النونية في التوحيد.
- وكتاب الأزهار الرياضية على المنظومة الرائية في الصلاة.
و هما كتابان سيأتينا مزيد بيان عنهما في تأليف الثميني.
مراسلة الثميني لشيخه التلاتي: إن الثميني قد راسل شيخه التلاتي الذي كانت له وهو بمصر مكاتبات بينه وبين أهل وادي مزاب وجدنا من بينها رسالة وجهها الثميني إليه (3)، وقد صدرها بمقدمة بليغة ترشح بمعان استفادها من الكتب التي جاءته من التلاتي، منها التي نسخها الثميني بيده. وبما أن الثميني قد درس كتبا للتلاتي أو لشيوخه، ونسخ بعضا منها، وراسله وأنه بالتالي تلميذ له أمور لم يقع الحديث عنها، فإننا سنعرض فقرات من الرسالة التي تحدثنا عنها حتى يزداد الأمر وضوحا.
(1) مخ، بمكتبة الاستقامة، بني يزجن.
(2) مخ، بمكتبة الاستقامة، بني يزجن.
(3) رسالة، مخ، بمكتبة الشيخ بلحاج، القرارة. (1/54)
صفحة 52
الفصل الأول: حياة التميني وعصره
55
يقول الثميني واصفا شيخه: «إلى من رفع الله مقامه حتى انخفض بالإضافة إليه كل مقام ونصب له أعلام السعادة والسيادة حتى جزم كل أحد بأنه علم الأفراد ومعرفة الأعلام، المتميز بلفظه عن مضارع له في ماضي الأيام، المنعوت بعطفه على جميع الأنام، الذي تنطبق جزئيات كماله وكليته على القضايا الموجهة بالضرورة والدوام، وتنتج أشكال مقدمات وصفه ما يفوت الحصر بالحد والرسم على ممر الليالي والأيام المسند إليه كل مسند من الخيرات، المنزل من العلماء منزل الفعل من المتعلقات، البالغ في كمالاته تصريحا لا كناية مبلغا لا يكون مجازا، ولا تشبيها، ولا استعارة، مولانا وأستاذنا ... » (1).
ثم إنه بعد هذه الفقرة التي يصف فيها شيخه ويبرهن فيها على ما استوعبه من المعارف النحوية والبلاغية والمنطقية وهو يدرس كتبه، يضيف إلى الفقرة نعوتا لشيخه تعيننا على تقدير متزلته لديه، فهو يقول:
«أبو السعادات بدر الدين ... المشهور في الديار المصرية ... لا زال مجده على
عوائق العلم محمولا ومرفوعا. ورايات إقباله علينا منشورة، وأمارات إكرامه لدينا منثورة .. وكلامه مقبولا عند الجموع والوفود» (2).
درحمي
وقد أرفق رسالته هذه بتسعين بيتا مطلعها:
الله
من عانى وحاز المعاليا ونال أمورا لم تنلها العواليا»
ويظهر أن رسالته هذه إليه تزامنت مع باكورة تآليفه (النيل) نظرا لمقارنته بين
التلاتي ونهر النيل بهذه الأبيات الرائعة:
(1) م -س.
(2) رسالة، مخ، مكتبة الشيخ بلحاج، القرارة. (1/55)
صفحة 53
56
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
«إذا ما بدا عمره به قام واستوى لدى الدرس خلت النيل في مصر طاميا
کني مصر فضلا كون عمرو ونيلها
لها الأخوين الحائزين المعاليا هنيئا لكم يا آل مصر بأن غدا لكم منهالين العمرو والنيل جاريا وان لكم بدرين [بدرا] (2) بأرضكم وبدرا علاكم في السماوات عاليا
وقد كان يعلو النيل
الأنه
به كان عمرو في المدارس عاليـ
(3)
وقد اعتبر الثميني شيخه التلاتي مجتهدا حيث يقول:
فحق له دعوى اجتهاد لأنه هو البحر علما زاخرا للج طاميا
عليم بآيات اجتهاد ذوي النهى أيمة
دين الله، قد كان زاكيا (4)
ثم إنه مرة أخرى ليطلب منه كتبا موجهة ترفع شأنه، وتزيده معرفة بكنوز
علم شيخه الغزير، فيقول:
«أعنا ببعض الكتب ترفعنا با
ولا تجعل الحرمان منك جزائيا»
ولا يفوته أن يدعو له بالدوام والبقاء فيقول:
«أدامه المولى فيشفي صدورنا
ويحيي علومنا ويمحو المساويا»
ويقول في آخر بيت من القصيدة ومن الرسالة ذاهبا معنا إلى ما أثبتناه أن
التلاتي شيخه فيقول:
و ما قائل عبد العزيز لشيخه حمى الله من عانى وحاز المعاليا»
(1) يعني: جامع الأزهر بمصر.
(2) لا توجد في الأصل.
(3) رسالة، مخ، مكتبة الشيخ بلحاج، القرارة.
(4) م - ن. (1/56)
صفحة 54
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
57
إن هذا هو التلاتي شيخ الثميني كما ظهر لنا من خلال الوثائق التي تحصلنا
عليها، ورجاؤنا أن نكون قد فتحنا بما عرضناه عنه مجالا لمزيد من البحث في
العلاقة بينه وبين الثميني خاصة، وبينه وبين وادي مزاب عامة.
(2)
لقد كان قريبا من الثميني ومن وادي مزاب، وهو بعيد عنهما، وكانت له حياة علمية غنية في مصر طوال عمره، ولما بدأت السن تتقدم به مرض بعينيه ونظم في ذلك قصائد يتوسل بها إلى الله) ولقد توفي سنة 1187 هـ/1773 م 2، وهو على ما يظهر الشيخ الثاني الذي درس عليه الإمام الثميني بعد الإمام الأفضلي، ويظهر أنه لم يدرس على غيرهما.
- 8 - تلاميذ الثميني تلاميذ الثميني يصعب علينا أن نحصر عددهم إلا بدراسة متأنية مركزة،
وهذا الذي يميل إليه الشيخ أبو إسحاق اطفيش حين يقول:
لا نستطيع أن نذكر تلاميذه على سبيل التحديد إلا ما بلغنا عن بعض الشيوخ الذين أدركوا طبقة من أخذوا عنه فإنهم قالوا: إن مجلسه كان يجمع جما
غفيرا من
التلاميذ» (3).
وهم على كل حال غير معروفين بالتفصيل، ولقد عثرنا على بعض منهم، ولكننا لم نجد تفصيلا إلا على اثنين من بينهم برزا في الساحة العلمية بتلك الفترة وهما: أ - الشيخ الحاج يوسف بن حمو بن عدون.
ب
والشيخ الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن المشهور بـ (الحاج
إبراهيم بن بيحمان).
(1) اين تعاريت (رسالة في تواريخ جربة)، مخ، ص: 113.
(2) (البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية)، ص: 160.
(3) ترجمة مصنف النيل، شرح النيل المطبعة السلفية 1343، ج 10، ص: ز. (1/57)
صفحة 55
58
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
أ - الحاج يوسف بن حمو بن عدون:
فهو احاج يوسف بن حمو بن عدون بن يوسف المولود عام
(1)
1158 هـ ببني يزجن، وهو من المخضرمين في دراسته، إذ تتلمذ على الشيخ
أبي زكرياء الأفضلي شيخ الثميني، وعلى الثميني نفسه، وتولى مشيخة بني يز جن بعد هذا الأخير (2).
سافر إلى المشرق عام 1205 هـ، ولبث بمصر طالبا للعلم، وناسخا لنفائس من الكتب من بينها (نزهة الأديب وريحانة (اللبيب للشيخ عمرو بن رمضان التلاتي، وهو کتاب بذل الثميني جهودا جبارة من أجل الحصول عليه (3).
وقد عاد إلى مسقط رأسه بعد سنة 1209 هـ. مارا بالجزائر حيث عمل كما جزارا من جهة، وقدم خدمات علمية لأمين الميزابيين هناك وللحكومة التركية من جهة أخرى.
و من آثاره قصيدته الحجازية (1) التى نظمها بعد سفره إلى المشرق والتي خلد فيها رحلته وهي تقع في أكثر من (345) ثلاثمائة وخمسة وأربعين بيتا مطلعها:
حمدت الهي غير محص لذكره فسبحان من هو لا مرد لأمره وصليت ثانيا على خير خلقه محمد المبعوث من أهل فخره
وصحب له وتابعيهم ومن غدا
مقيما لدين ربه طول
(1) أبو اليقظان إبراهيم - ملحق سير الشماخي)، مخ، ص: 84.
(2) م - س، ص: 81 وما بعدها.
(3) الثميني، (النور)، ص: 18. (4) مخ، بمكتبة الشيخ بلحاج، القرارة.
ره» (1/58)
صفحة 56
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
59
و من آثاره أيضا ترتيب القط أبي عزيز في الفقه وكتاب في معجزات الرسول عليه السلام، وأرجوزة في الفقه في بضعة آلاف بيت، وشرح على
(الدعائم) إلى الرضاع، وتقاييد موجزة لحوادث وقعت في عصره) .. ولأبي اليقظان في ملحقه بعض مما عثر عليه من أجوبة له عن أسئلة
فقهية متنوعة.
هذا
بعض الذي أمكننا قوله عن تلميذ الثميني: الحاج يوسف بن حمو بن عدون.
ب - الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن
وأما ما يمكننا قوله عن الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن فإنه على ما توصلنا إليه هو الآخر ممن تتلمذ على الأفضلي وعلى الثميني وهو خاله غير أنه يصرح عن نفسه أن شيخه هو الثميني، وأن الأفضلي هو شيخ شيخه (2).
لقد كان كاتبا وأديبا وشاعرا، له مراسلات إلى المشرق وإلى بايات الترك بالجزائر في أغراض تفيد وطنه، إذ كان اللسان الناطق عن مشاعر أمته، وعن رغبات العلماء في عصره وفي المنطقة خاصة.
وله أيضا ديوان شعر مخطوط، يحتوى على قصائد من مختلف الأغراض الشعرية من مدح وهجاء ورثاء وشكوى وغيرها، وما بيدنا منه أكثر من عشرين قصيدة، نذكر
منها قصيدته الحجازية التي كتبها سنة 1197 هـ، تقع في 221 بيتا مطلعها:
فنحمدك اللهم حمدا موافيا
على نعم منها بلوغي مراديا
ونشكر مولانا كثيرا مسلما
على سيد خير الخلائق هاديا
(1) ملحق) سير الشماخي)، ص: 82 - 83.
(2) رسالة وجهها قبل سنة 1202 هـ إلى أهل جربه ونفوسة وعمان، مخ، مكتبة الشيخ
بلحاج، القرارة. (1/59)
صفحة 57
60
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
ومنها قصيدة وجهها إلى حاكم الجزائر (الحسن باشا الدولاتلى) سنة 1206
في أمر (صالح باي حين أراد أن يضم منطقة وادي مزاب إلى الولاية الشرقية. وله بعد هذا من المؤلفات كتاب (الجواهر الثمينية)، وكتاب: (تلخيص عقائد الوهبية في نكتة توحيد خالق البرية)، وقد ألفه في حياة شيخه الثميني، إذ يقول أثناء حديثه عن الملائكة وأنها أجسام نورانية: «و محل بسط الكلام على هذه المسألة المطولات كمعالم شيخنا قدس الله سره وحماه من الله سره وحماه من العاهات» (1).
وله تفسير على سورة العصر مع أبحاث جليلة، وشرح على (موازين القسط) (2). وقد تولى الرئاسة الدينية بالمنطقة بعد الشيخ يوسف بن حمو بن عدون (3) وتوفي رحمه الله عام 1232 هـ ببني يزجن، ودفن بما بمقبرة بامحمد (4).
- 9 - جهود الثميني مع الأفضلي إنه من الواجب علينا الآن أن نرجع إلى الإمام عبد العزيز الثميني لنعرف الجهود التي قام بما مع شيخه الأفضلي، أو بمفرده لنشر تعاليم الدين في حياته الطويلة المليئة بالكفاح.
لقد اشتهر الثميني بحبه الشديد للعلم والمعرفة فكان التحاقه بشيخه الأفضلي بمثابة تلقيح للنهضة العلمية بوادي مزاب وهي النهضة التي لا زالت ثمارها مباركة عنى إلى اليوم، ونورها يشع على كثير من بقاع الأرض وذلك بعد فترة كان فيها
وادي مزاب يجلب العلماء إليه لينيروا له السبيل
(5)
(ا) (تلخيص عقائد الوهبية)، جاء ضمن (مذكراته) ص: 43.
(2) (ملحق سير الشماخي)، ص: 81.
(3) أبو إسحاق اطفيش، ترجمة ملحقة بشرح النيل، المطبعة السلفية، 1343، ج 10، ص: ز. (4) أبو اليقظان إبراهيم، أفذاذ) علماء الإباضية)، مخ، مكتبته الخاصة، ص: 53.
(3) تذكر على سبيل المثال: الشيخ عمي سعيد. (1/60)
صفحة 58
القصف الأول: حياة التميني وعصره
61
إن العلاقة التي كانت بين الثميني وأستاذه الأفضلي علاقة تكامل، إذ كان الأستاذ يقدم ما استوعبه طوال سنين من علماء المشرق بكل اجتهاد، وكان التلميذ
يعينه على ذلك بما الله وهبه من الثروة العظيمة بدون حساب.
بمثالير:
ومن الممكن أن نبرز دور الثميني في قيام هذه النهضة العلمية على يد شيخه
أولهما: فتحه دارا لشيخه (1) قرب المسجد ليعطي بما دروسا تعليمية وتوجيهية لمن رغب في ذلك.
وثانيهما: شراؤه للكتب المهمة أو استئجاره من يستنسخها (2)، حتى يستفيد
منها من جهة، ويجعلها في متناول غيره من جهة ثانية. إن هذه صورة صغيرة عما قام به الإمام الثميني في سبيل نشر العلم في وادي مزاب. - 10 - إصلاحه ذات البين وأما ما قام به في المجتمع من المساعدة للناس وإصلاح ذات ذات بينهم فإنه موضوع لأخبار عدة تفيد كلها أنه كان خير ملجإ يُؤوى إليه للحد من القائمة أو لحماية المظلوم أو المواساة المحتاجين.
الفتن
ومما روي عنه أنه اعتزل محيطه مدة من الزمن بعد قتال وقع بين طائفتين، غلبت فيه إحداهما فلجأت إلى بلدته وقبلهم أهل الحل والعقد فيها، ولكنهم لم يحموهم كما
طلب الثميني منهم، وخانوا جوارهم إذ سلموهم إلى محتالين قضوا عليهم.
(1) الحاج احمد مطهري، القاضي سابقا، أستاذ بمعهد عمي سعيد، لقاء معه بداره يوم
1992/ 08/25
أيضا: محمد علي دبوز، (نهضة الجزائر الحديثة)، ص: 266.
(2) (نهضة الجزائر الحديثة)، ص: 266 (1/61)
صفحة 59
62
الباب الأول: الإمام التميني، حياته وآثاره
لقد أثرت هذه الحادثة على الثميني فاعتزل الناس والتزم داره مدة لا تقل عن (7) سبع سنين كان لا يفتح فيها بابه إلا لمن شاء.
ويظهر أن
خبرا بلغه هو الذي أخرجه من بيته وفحواه: أن شخصا يعرفه
جيدا وقع أسيرا في قبضة قطاع الطرق بعد فتنة وقعت بين فريقين، وأنه لم يصبر لذلك فامتطى فرسه وخرج إليه ففك إسار الشخص، ثم جمع الناس بالمسجد، وخطب فيهم بما يذيب الأكباد لإصلاح ذات بينهم
- 11 - رئاسته الدينية
(1)
هذه نماذج من جهوده وكفاحه، وأما المسؤوليات التي كانت على عاتقه
فأهم ما اشتهر عنه:
أنه تولى مشيخة (2) بلدته.
وأنه تولى رئاسة مجلس عمي
سعيد
(3)
(1) أبو اليقظان إبراهيم، الثميني كما أعرفه مخ مكتبة الشيخ أبي اليقظان الورقة، 6 و 7. أيضا الشيخ بكير بن محمد أرشوم، حدثه بذلك: محمد بن صالح الثميني. لقاء بداره، يوم
الأحد: 1992/ 06/14.
(2) صار شيخا بحلقة العزابة، وإليه ترجع الفتوى.
(3) مجلس عمي سعيد: نسبة إلى عمي سعيد بن علي بن يحيى بن يدر بن سليمان بن عثمان الجربي المتوفى سنة 898 هـ/1492 م، وفد من جربه واستقر بمزاب لنشر العلم وبث سيرة السلف الصالح. ومجلس عمي سعيد مجلس يضم قضاة وعلماء في مجالس العزابة بقرى وادي مزاب يرأسهم أحد العلماء الأفذاذ. والمجلس يضع القوانين والأحكام في الجرائم والجنايات والمعاملات طبق الفقه الإسلامي، ولوائح
داخلية تخص الحياة العامة.
للمزيد انظر: (1) بشير بن موسى الحاج موسى، الشيخ سعيد بن علي بن يحيى الخيري الجربي) حياته ودوره في نهضة وادي ميزاب.
(2) حمو عيسى النوري (نبذة من حياة المزابيين) (1/62)
صفحة 60
المراجع
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
63
وقد اشتهر عنه أنه تولاهما دون شيخه أبي زكرياء وهو ما تؤكده كثير من
(1) التي تذكر أيضا أن مشيخة البلدة أسندت إليه سنة 1201 هـ وأن مشيخته بمجلس عمي سعيد كانت بعد ذلك (2).
1786/
ولقد اختلفت المصادر والمراجع اختلافا كبيرا في كونه تولى الرئاسة الدينية قبل عزلته بيئته أم بعدها؟ واختلفت أيضا في مدة عزلته من سبع (7) سنين (3) إلى ثمانية عشر
(5) -.
(() -
(18) سنة (4) وما بينهما كاثنتي عشر (12) سنة وخمسة عشرة (15) سنة. والذي
يثير الاهتمام مؤلفاته، وخاصة منها (النيل)، هل كتبها في مدة العزلة أم في غيرها؟. ولعل ما سنجيء به لدى حديثنا عن إنتاجه العلمي سيساعد في رفع اللبس هذه القضايا لمن يتناولها فيما بعد.
عن
ولا يسعنا في هذه الحال إلا أن نضيف إلى ما قلناه مما يقتضي البحث: تحديد الذي تولى المشيخة قبله، وبعده، لأن ذلك في حاجة لمزيد البحث لم تسمح لنا الفرصة به هذه المرة.
هذا، وأما رئاسته مجلس عمي سعيد، فإن أغلب المراجع تؤكدها، ولكننا لم نعثر – فيما تصفحناه من المصادر والمراجع كالجلسات التي انعقدت
(3) يوسف بن بكير الحاج سعيد (تاريخ بني مزاب)
(4) علي يحيى أمعمر (الإباضية في الجزائر) ... وغيرهم.
(1) (النيل) التصدير، ص: 16. - (نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 269 270، - موسى لقبال، (احسبة المذهبية في بلاد المغرب). ص: 111 وغيرهم.
-
(2) (البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية .. نشر جمعية التراث، ص: 162. (3) الشيخ بكير بن محمد أرشوم لقاء معه يوم: 1992/ 06/14 م يقول: (من 7 سنين إلى 17 سنة). (4) أبو اليقظان (الثميني كما أعرفه مخ ورقة: 8. بكلي عبد الرحمن، تصديره للنيل، ص: 15. (5) الحاج احمد مطهري، لقاء معه يوم: 1992/ 08/25 م. محمد الثميني، ترجمة عبد العزيز الثميني في كتابه (التكميل).
(()) (1/63)
صفحة 61
64
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
آنذاك - ما يثبتها (1). وإن كان البعض لا يستبعدها مادامت الإمامة العلمية في
المنطقة قد انتهت إليه
(2)
وإنا لنأمل أن تجد هذه القضايا عناية من الباحثين إذ لا شك أن تناولها
سيفيد كثيرا في كل دراسة هامة.
- 12 - وفاة الثميني
هذه
هي حياة الثميني في خطوطها الكبرى، وهذا هو كفاحه الإصلاح أحوال الناس في عصره، وهي حياة سخرها لتنوير العقول، وكفاح قام به ليخدم المجتمع، ويرشد إلى سواء السبيل.
لقد عاش طويلا، وغادر هذه الحياة إلى دار الحيوان)، ببني يزجن يوم السبت وقت أصيل» (4) في 11 رجب [من] سنة 1223 هـ (5) الموافق لـ: 3
(1) انظر: (1) كراس في بعض تواريخ وادي مزاب، مخ د. ت - د. نا.
(2) أبو اليقظان: (ملحق السير)، مخ.
(3) باعماره عيسي اتفاقيات المجالس العامة لميزاب) 1405 هـ 1928 م، دار الشهاب، باتنه.
(4) يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ) بني مزاب)، المطبعة العربية 1992. (2) الحاج إبراهيم بن محمد طلاي جوابا على رسالة وجهها الباحث إلى عدد من الأساتذة والباحثين المختصين في المسألة.
(3) قال تعالى: {وَما هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يعْلَمُونَ (العنكبوت-64).
(4) رسالة من الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن إلى السيد الحاج عبد القادر بن السيد الحاج احمد يعزيه في وفاة الشيخ مؤرخة أواخر العشرة الأولى من شعبان سنة 1223 هـ، مخ، مكتبة الحاج سعيد
محمد بن أيوب، غرداية.
(5) كراس في بعض تواريخ وادي مزاب، مخ، مكتبة الاستقامة، بني يزجن. (1/64)
صفحة 62
الفصل الأول: حياة الثميني وعصره
65
سبتمبر سنة 1808 م)، وقد بقيت له سبع سنين ليستكمل القرن من العمر. فرشاه بعد شهر من وفاته، ابن أخته الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن بمرثية تتكون من (53)
جاني
بيتا (2) مطلعها:
إن خطبا بمصعب قد شجاني
إذ رميت بفقد شيخ جليل
وأذاني فليته مـ قد رماني بنعيه من رماني
ومنها:
فيهذا عنيت عبد العزيز يا إلهي أجره من حر آن كان لي عمدتي وشيخ وخال وفؤادي وناظري ولساني (3) ويلاحظ مما عرضه محمد الثميني في تصديره لكتاب التكميل (4) الذي أورد
فيه أبياتا من هذه القصيدة: أن الشاعر قد راجعها فنقحها وزاد عليها.
(5).
وهو يقول فيه كذلك إن ابن أخته قد رثاه بقصيدتين)
تلك
في
حياة الثميني، وذلك عصره، وأما ما خلّفه من الآثار العلمية، فإننا
سنتحدث عنه في الفصل التالي من دراستنا.
(1) صالح محمد العجيري، تقويم القرون لمقابلة التواريخ الهجرية والميلادية.
(2) رسالة من الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن إلى السيد الحاج عبد القادر بن السيد الحاج امحمد
مكتبة: الحاج سعيد محمد.
(3) لعل الصواب في الشطر الأول من البيت الثاني: (كان) لي عمدتي وشيخي وخالي)
(4) محمد الثميني، ترجمته لمؤلف كتاب (التكميل)، ص: ز.
(5) م - ن.
مخ (1/65)
صفحة 63
مراسلاته
نظمه.
الفصل الثاني آثار الثميني العلمية
مؤلفاته وطريقته في الكتابة:
أ) منهجه وطريقته في الكتابة.
ب) مؤلفاته:
1) النيل
(2) التكميل لبعض ما أخل به النيل
(3) تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين
(4) معالم الدين
(5) الورد البسام في رياض الأحكام
(6) التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم.
(7) مختصر حواشي الترتيب
(8) مختصر في أمور الأزواج
و النـ
(9
ـور
(10) الأسرار النورانية على المنظومة الرائية
11) عقد الجواهر المأخوذ من بحر القناطر
(12) المصباح المقتبس من أبي مسألة وكتاب الألواح (1/67)
صفحة 64
الفصل الثاني: آثار الثميني العلمية
الفصل الثاني آثار الثميني العلمية
69
إن الثميني عاش طويلا وخلّف آثاراً علمية رفيعة المستوى، فلقد راسل، ونظم، وألف، وما سنأتي به هنا هو الذي أسعفنا الحظ بعد الجهد للعثور عليه، متناولين - على الخصوص - مؤلفاته بنصيب من الدقة في تعريفها ومرتبيها ترتيبا زمنيا دفعنا إليه عاملان:
أحدهما: الاختلاف الواقع في بعض مؤلفاته من حيث التأريخ بصفة خاصة.
وثانيهما: عدم وجود دراسة دقيقة شافية حول الموضوع.
أما الذي تركه من المراسلات والنظم فإنه وإن كان الذي عثرنا عليه قليلا فهو نموذج حي يقرب إلينا شخصيته.
مراسلاته
إن مراسلات الثميني نادرة، إذ كان الذي يقوم بما في حياته نيابة عنه وعن العلماء وأولي النهى تلميذه وابن أخته الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن، سواء كانت مراسلات أخوية أو علمية أو سياسية، أو كانت مراسلات موجهة إلى المناطق القريبة لوادي مزاب بجنوب الجزائر أو كانت موجهة إلى العاصمة حيث السلطة التركية أو موجهة إلى الخارج كجربة بتونس، ونفوسه بليبيا، وطولون بالقاهرة، وإلى عمان ومثال لذلك إشرافه حوالي سنة 1205 هـ على عدة أجوبة بعثت مع ركب الحجيج إلى الشيخ سليمان بن ناصر بن بن عبد د الله بن علي
سليمان (1/69)
صفحة 65
70
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
الإسماعيلي الأنزوي (1) العماني كانت ردا على قصيدة بعثها الشيخ إلى أهل مزاب واستقبلها بمكة الشيخ يوسف بن محمد بن سعيد
(2)
وأما المراسلات التي عثرنا عليها للثميني: فمنها رسالته التي تحدثنا عنها سابقا، وهي إلى شيخه عمرو بن رمضان التلاتي بمصر، ومنها رسالة موجهة إلى السلطان التركي بالجزائر يمدحه فيها لانتصاره على النصارى، ويبين فيها فضله وقيامه بشرع الله ويحمد الله على نصره المبين، وقد أرفقها بقصيدة تقع في خمس وتسعين (95) بيتا (3) مطلعها:
إن طيفا زارني في المنام من رشيق القد بدر التمام
ثم يقول:
ذلك الباشا الرضي محمد ذُو الهَى والعلم والاهتمام يا نظام الملك بَحْرَ النَّدَايَا مَنْ إِذَا جَاء على النَّاسِ دَام يَا مُسَمَّى حَسَنا يا غلايا خزن دار الملك والاحتكام يا على لاع تاج الورى يا معصماً للملك نعم العصام
هذا والذي جاء في القصيدة من الوصف المقدمات المعركة، وأحوال الانتصار قريب في معلوماته مما جاء في كتاب محمد عثمان باشا) (4) حين وصف محاولة الإسبان غزو الجزائر، ولكن القصيدة تختلف معه في تأريخ الحادثة، إذ أرّخ لها المدني بسنة 1184 هـ، وأرّخ لها الثميني بقوله:
(1) هكذا وجدته، ولعل الصواب (التروي)، نسبة إلى مدينة (نزوى) الواقعة في المنطقة الداخلية
بسلطنة عمان.
(2) الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن (مذكراته) مخ، ص: 81 وما بعدها.
(3) رسالة تقع في عشر صفحات بخط المؤلف، مكتبة الاستقامة، بني يزجن.
(4) أحمد توفيق المدني، (محمد عثمان باشا، داي الجزائر)، المكتبة المصرية، الجزائر، د، تا، ص: 114. (1/70)
صفحة 66
الفصل الثاني: آثار الثميني العلمية
71
قَدْ أَنَاكُمْ عَسْكَرُ الرُّومِ رَوْمًا للجزائر بالجواري العظام حاملات للنصارى الوفا مائة أو هي تزيد التمام
عام تسع والثمانين بعد مائة والألف جاء اللهـ وكذلك أرخ لها غيره".
ومن المراسلات بين عمان والجزائر في زمن الثميني ما يذكره الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتى سلطنة عمان من أن للشيخ أبي النبهان جاعد بن خميس الذي عاش بين سنة 1147 هـ وسنة: 1237 هـ مراسلات إلى المغرب (2)، وأن لابنه ناصر بن أبي النبهان الذي عاش بين سنة 1191 هـ وسنة 1263 هـ مراسلات مع الجزائر، إذ قد كتب بخط يده على أسئلة بأنه سيجيب عنها، وقد جاءته من بني يزجن، عددها سبعة وعشرون سؤالا (3).
ونحن نأسف على عدم حصولنا على شيء منها حتى نحدد موقع
الثميني منها.
نظم
ه
وللثميني نظم في فنون شتى، زيادة على ما ذكرناه في مراسلاته من الشعر،
والذي وجدناه منه:
(1) عبد الرحمن محمد الجيلالي، تاريخ) الجزائر (العام) دار الثقافة بيروت، ط (6)، سنة:
1983، ص: 593.
فهي
بهذا المعنى.
(2) المغرب ويراد به الجزائر وتونس وليبيا، وإذا استعملناها في هذه الرسالة مطلقة. (3) لقاء مع الشيخ أحمد بن حمد الخليلي يوم الجمعة 1412/ 5/2 هـ 1989/ 12/1 م وأعلمنا أن مجموعة الأسئلة قد ضاعت منه وأنها عند الشيخ الناصر المرمورى، بالقرارة، ولأسباب وضعية نتمكن من الحصول عليها.
تم (1/71)
صفحة 67
72
الباب الأول: الإمام الثمين، حياته وآثاره
منظومة، في بيان نزول القرآن من المكي المتفق عليه، والمدني المتفق عليه أيضا، والمختلف فيه منهما، ومعاني القرآن وعدد آيات الأحكام المذكورة فيه .. وغير ذلك» (1)، عدد أبياتها ست وثلاثون (36) بيتا، مطلعها:
ألا إن ذا القرآن جاء نُزُوله ثلاة أقسام روتا عدوله فما كان بعد الهجرة النبوية فهو مَدَنيه القوي متونه
ومقطوعة في عدد بناة الكعبة المشرفة في سبعة أبيات بخطه، مطلعها:
عشر فهاك عدها مرتبة
إن بناة الكعبة المش ة المشرفة
محمد بن الشيخ بلحاج القراري تقع في خمسين بيتا
ومرثية في إبراهيم بن
بخطه سماها: (الباترات الوجدية)، مطلعها:
بكت عيني وحق لها البكاء وقد ظعن الدواء وحل الداء
وواحد وعشرون بيتا في أهمية علم النحو، مطلعها:
النحو خير مطلوب فاطلبه
لأنه من كلام الله مكتسب (2)
وثمانية عشر بيتا في الحساب الفلكي، ومواقع البروج، مطلعها:
ألا ناظم في العقد در الثواقب يقول ويجلى سائرات الكواكب وثلاثون بيتا في الجمع على توالي الأعداد فيما يبدو – هي بخط ابن أخته
الحاج إبراهيم بن بيحمان، مطلعها:
وإن ترد جمعا على التوالي توالي الأعداد وهو عال
فزد لمنتهـ إليه واحدا
واضربه في نصف له يا راشدا
(1) مخ بخط المؤلف، مكتب الاستقامة، بني يزجن.
(2) هكذا في الأصل، وهي ليست بخط المؤلف، ولعل الاضطراب في البيت تصحيف من الناسخ. (1/72)
صفحة 68
الفصل الثاني: آثار الثميني العلمية
73
وله أبيات بخطه في استخراج اليوم المجهول، عددها ثلاثة، يقول فيها: وَخُذْ إِذَا جَهِلْتَ يَوْماً مَا مَضَى مِنْ عَجَمِي أنت فيه فُرضَا
ورد عَلَيْهِ حَرْفَه وأسقطَنْ
ه بسَبْعَة وابتدين
بالباقي أو بسبعة من مدخل الـ يير في السنة فاقْفُ مَا عُمَل
وأبيات شعرية متفرقة هنا وهناك، منها:
- حصر أولاد يعقوب عليهم السلام (في بيتين) (1).
- ومدحه نسب المصطفى (في (بيتين
(2)
- وحديثه عن مكانة أجداد الرسول (في بيتين) (3). الله
مؤلفاته وطريقته في الكتابة:
وأما تآليفه، فإنه يحق لنا قبل الحديث عن كل واحد منها بالتفصيل، أن
نذكر لمحة إجمالية عن منهجه، وطريقته في الكتابة.
أ - منهجه وطريقته في الكتابة
إن الثميني في تأليفه كان ينطلق بالاختصار، ويهدف إلى الاختصار. كان الاختصار الفكرة الراسخة في ذهنه، وهو عنده حجر الزاوية للنهضة العلمية، لأن الوصول إلى المحتوى العلمي المكنون في بطون عشرات الكتب يعتمد عليه، ولا يمكن أن يكون إلا عن طريقه، كما أنه لا يمكن أن يكون الاختصار هو ذاته، إلا إذا أَلَم
(1) كل ما ذكر هنا من نظمه مخ، بمكتبة الاستقامة، ببني يزجن.
(2) معالم الدين، مخ، ص: 197.
(3) الحاج محمد بن يوسف اطفيش (شرح عقيدة التوحيد)، طباعة حجرية، ص: 41. (1/73)
صفحة 69
74
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
القائم به إلماما واسعا بكثير من المؤلفات في الموضوع الذي يود الكتابة فيه، ويستوعبها،
ثم يحولها وفق ما يريد موجزة حسنة السبك، لا يفوت معها المقصود.
ولهذا فما إن حل القرن الثالث عشر الهجري على علماء الإباضية بالمغرب، كان الثميني قد تخلص من مسلك الشرح، وأقدم على منهج الاختصار، ليعطي المدرسة الإباضية نفسا جديدا (1).
حتى
فكان كتابه (النيل) باكورة تأليفه أول مختصر عند الإباضية يجمع أبواب
الفقه في مجلد واحد، ويُؤلِّفُ في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري. وأما في العقيدة فإن الشيخ فرحات الجعبيري يشير إلى أن نصيب المختصرات كان دون نصيب المؤلفات الذاتية في القرن 12 هـ، ويفسر ذلك بقوله: «لعلّ ذلك يرجع إلى توفر عدد طيب من المتون التي تقرب العقيدة من المبتدئين» (2)، ويذكر أنه عثر على مختصر واحد وهو (نخبة المتين في أصول تبغورين لعمرو بن رمضان التلاتي.
وهكذا فإن وفرة المتون المخصصة للمبتدئين كانت حائلا في القرن الثاني عشر دون تأليف مختصرات أخرى، ومع ذلك، فإن الثميني الذي عاش هذا القن والذي كان الاختصار منهجه، قد كان له اختصار من نوع آخر، هو ابتكار جديد في المذهب، ومنهج اقتضته الظروف الثقافية والاجتماعية المحيطة به.
فمختصراته لا تهتم بالعامة من الناس بقدر ما تعنى بالخاصة، إنما أسس للنهضة العلمية، ودفع للحركة الفكرية إلى غايتها المنشودة، إنها مسلك ممهد لأولي
(1) فرحات علي الجعبيري، دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية)، ندوة الفقه الإسلامي، جامعة السلطان قابوس سلطنة عمان، 1408 هـ - 1988 م.
(2) الجعبيري (البعد الحضاري، ص: 174 (1/74)
صفحة 70
الفصل الثاني: آثار الثميني العلمية
75
الألباب المجتهدين والمبتدئين في الاجتهاد - على حد سواء – للقبض على المهمات
من القضايا في كل فن كتب فيه.
ويؤكد هذا قصة تلميذه أبي يعقوب يوسف بن حمو بن عدون الذي كان يلقي درسا بالمسجد الجامع فأشكلت عليه مسألة في «النيل» فاستنكر على مصنفه: عبد العزيز الثميني، وصادف أن كان الثميني حاضرا فأجابه: راجعوا الأمهات. إن الثميني بين صراحة الغاية من تأليفه، ونص عليها بكل وضوح عدة مرات. فهو يقول في كتابه (التكميل):
لا يستغني فقيه عن واحد منها [يعني من أبوابه] تعلما وخطابا، و لم أضعه لمبتدئ خال من القواعد والأصول، محروم من الموارد بعيد من الوصول، وهو وإن أحوج الناظر فيه إلى إمعان النظر ومعاودته، فقد أغناه عن البحث عن مراجعة الكثير ومطالعته، إذ قلما تجتمع مواده عند فقيه في بلادنا، ولاسيما في زماننا الخالي عن الاهتمام بالعلم وخصوصا في أيامنا» (1).
ويقول في كتابه (الورد البسام:
فإني ما رمته [يعني (الورد (البسام] إلا عونا لي، ولمن كان من المحتاجين إليه مثلي، ورغبة في إحياء العلوم لاندراسها لقلة الاهتمام بما وكثرة الهموم» (2).
ويقول في مقدمة كتابه: (المصباح):
وقد طال ما كنت مؤملا لاختصار الكتابين، يعنى كتاب أبي مسألة و كتاب الألواح جمعا للمهمات وتقريبا للأفهام عند مسيس الحاجات، وهما
(1) (التكميل)، مخ، بخط المؤلف، المقدمة، ص: 2.
(2) (الورد البسام)، تحقيق: محمد الثميني، المطبعة التونسية 1345 هـ، ص: 3. (1/75)
صفحة 71
76
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
قابلان للاختصار لما فيهما من التطويل وبعض التعقيد المانعين للأفكار» (1). ويقول في مقدمة كتابه (عقد الجواهر المأخوذ من بحر القناطر)، بعد أن تألم
وتحسر من عصره وما فيه من الظلم والجهل:
يريد،
إنما تصديت لإحيائه [يعني كتاب قناطر الخيرات) للجيطالي] بالكتابة، مع علمي بأن الطباع مطبقة عليه بالإماتة رجاء من المدبر الحكيم الفعّال لما أن يرشد به بعض الناظرين فيه بعين الرضى والقبول، وأن يثيبنا به وبغيره بحسن النية فيه وذلك غاية المأمول ولما تضمنه قوله تعالى: {إِنْ يَّشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جديد وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بعزيزي (فاطر: 16 - 17» (2).
إن هذه النصوص تبين صراحة أسباب اختيار الثميني منهج الاختصار،
والأهداف البعيدة فيه.
أما عن منهجه في الاختصار، فهناك من يرى أن الثميني لم يتقيد في اختصاره
معينة (3)
بطريقة معينة (3)، غير أنه بعد تصفحنا مصنفاته
طريقتان ظاهرتان يتميز كيما منهجه
مع مقارنة بعضها بأصولها، بدت لنا
أولاهما: أنه يجمع من عدة كتب في كتاب أهم ما ينتقيه منها باختصار
وترتيب وتبويب مغاير، وقد يحذف أو يضيف، حسب ما يقتضيه المقام، ومثال لذلك كتابه (النيل)، وكتابه (معالم الدين)، وكتابه (المصباح).
وثانيهما: أنه يختصر كتابا، سبقه فيحذف منه ما يراه غير ذي نفع كبير، وقد يضيف إلى الكتاب إضافات حيث يناسب المقام، وكثيرا ما يذكر في المقدمة
(1) (المصباح)، مخ، بخط المؤلف، المقدمة.
(2) (عقد الجواهر)، مخ، بخط المؤلف، المقدمة.
(3) محمد الثميني، (التكميل)، الترجمة. (1/76)
صفحة 72
الفصل الثاني: آثار الثميني العلمية
77
المنهج الذي سلكه في الكتاب. ومثال ذلك: كتابه (النور)، و (الأسرار النوارنية)،
و (مختصر حواشي الترتيب)، و (عقد الجواهر).
وهنا يمكننا أن نضيف سمة أخرى تمتاز بما مؤلفاته، وهي أنها في علم الكلام وفي الفقه علمية لا، صوفية مع أن روح التصوف قد طغى على بعض الفقهاء
الجزائريين في عصره (1).
هذا
عن منهجه، أما عن طريقة كتابته، فقد تميز – رحمه الله - بطريقة خاصة كان يتبعها عند التأليف ويبدو أن الذي أملاها عليه هو عزة الورق وغلاؤه في عصره، لقد كان يتخذ ألواحا يسود فيها ما يكتبه، وكلما حرز لوحا عطف عليه تنقيحا وتحقيقا، ثم يبيضه في لوح آخر إلى أن يستقر على النص النهائي فينقله إلى الورق (2)، وقد يختصر بعد ذلك مؤلفه ثانية، فثالثة كما فعل مع كتاب: (2)) (النيل). أو يعيد كتابة مؤلفه بعد أن أتمه منقحا إياه معلنا عدم التعويل على النسخة
كتابا، وهي
السابقة، كما فعل مع كتاب (تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين). وهكذا، وبهذا المنهج، وبهذه الطريقة ترك مؤلفات حصرنا منها اثني عشر لا تتعدى العلوم الشرعية، ولم نعثر على شيء غيرها، ويبدو أنه لم يؤلف في غيرها من الفنون لا لعدم قدرته على التأليف فيها، لأن أمارات قدرته بادية في آثاره وقد أظهرنا جانبا منها في دراستنا هذه، ولكن لاهتمامه الكبير بإحياء علوم الدين أولا وأخيرا من جهة، ولأن ظروف محيطه لم تسعفه للكتابة أكثر مما تركه من جهة أخرى.
(1) أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي)، ج: 2، ص: 80.
(2) عبد الرحمن بكلي تصديره لكتاب (النيل)، ط: 2 سنة 1967 ص: 6 أيضا: محمد الثم
(التكميل)، الترجمة. (1/77)
صفحة 73
78
ب - مؤلفاته:
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
أما المؤلفات التي تركها فهي جميعها موجودة، منها المخطوط ومنها المطبوع، وهي التي ذكرت عنه، و لم يبلغ مسامعنا شيء غيرها إلا ما جاء من الإشارة إلى أنه ترك بعد توليه رئاسة مجلس عمي سعيد، أحكاما ووثائق تاريخية يستشهد بما، وتعد عند من جاء بعده أعلاقا نفيسة تجب صيانتها (1).
وهي رئاسة أكدنا في الفصل السابق أنه لم تثبت عندنا بناء على ما تحصلنا عليه من الوثائق، ولم نجد بعد شيئا من الوثائق له أثناء هذه الرئاسة (2) وأملنا كبير أن نتحصل عليها مادامت نفيسة.
هذا، ولقد وجدنا، بعضا من آثاره العلمية لم يرد لها ذكر عند الذين أحصوا إنتاجه العلمي، وهي تنحصر في رسالتين:
- رسالة في ميراث المولى ألحقها بكتابه الأسرار النورانية) بخطه، وطبعت مع الكتاب في ست صفحات بآخره طباعة حجرية سنة 1306 هـ - ورسالة في عدة المتوفى عنها زوجها قبل أن يدخل بها، ألحقها كذلك بكتابه المذكور بخط يده، وقد طبعت في صفحتين مع نفس الكتاب. أما مؤلفاته فتنحصر في اثني عشر كتابا، وهي قابلة للارتفاع كما يرى زيقمونت سموقورزوفسكي)، ولقد اجتهدنا في ترتيبها حسب التسلسل الزمني، وأوردنا في الأخير ما لم نستطع تحديد مكانه في هذا التسلسل، وحاولنا الدقة في اسم كل كتاب لوجود الخلط في بعضها مبتدئين بأول كتاب له (النيل).
(1) عبد الرحمن بكلي، تصديره للنيل، ص: 15. (2) جوابا على رسالة وجهها الباحث إلى عدد من الأساتذة والمشائخ حول المسألة يقول الحاج أحمد بن الشيخ عبد الرحمن بكلي وقيم مكتبته أن شيئا من هذه الوثائق لا يوجد بحوزته.
Zygmunt, (Etude sur Abd-al-aziz),p:ll. (3) (1/78)
صفحة 74
1 - النيل:
الفصل الثاني: آثار الثميني العلمية
79
(النيل) هو أول تأليفه وهو كتاب جامع في الفقه ألفه استجابة لطلـ
أستاذه أبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي، ولقد جمع اثنين وعشرين كتابا مـ كتب الفقه كانت مفردة بمصنفات تربو على العشرة، وهو يعتبر اليوم، مع شرحه للقطب اطفيش معتمد الإباضية بالمشرق والمغرب.
توجد لكتاب (النيل) نسختان بخط المؤلف بمكتبة الاستقامة ببني يزجن، لأن المؤلف قد نسخه ثلاث مرات في كل مرة يوجز ويختصر، والنسخة المتداولة منها هي الموجزة المختصرة، وقد طبعت أول طباعة لها سنة 1305 هـ بالمطبعة البارونية بمصر. ولقد اشتهر بالنيل وشفاء العليل، ويبدو أن الناشرين هم الذين أطلقوا عليه هذا الاسم، وأما المؤلف فقد اكتفى بكلمة (النيل) (1) فهو يقول: «وسميته بالنيل رجاء من الله سبحانه وتعالى أن ينفع به كل من قرأه» (2).
ونظرا إلى أهمية كتاب (النيل)، فقد اشتغل به كثير من العلماء من بعده، وقد نظمه الشيخ امحمد بن سليمان بن صالح بن أدريسو اليزجني المتوفى سنة 1313 هـ/1895 م في «ثلاثة آلاف وثلاثين بيتا» (3).
مطلعها:
«أحمد حمدا ربنا وتعالى لدحم
أشكر شكرا فضله توالى
محمد ثم على من أرسلا» (4).
ثم أصلي وأسلم علـ
(1) أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي)، ص: 81.
(2) (النيل)، مخ، بخط المؤلف، المقدمة. (3) (ملحق السير)، مخ، ص: 106 - 107. (4) القصيدة، مخ بمكتبة آل يدر، بني يزجن. (1/79)
صفحة 75
80
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
ونظمه كذلك الشيخ خلفان بن جميل العماني ... مع بعض زيادات في سفرين تبلغ أبياته زهاء ثمانية وعشرين ألف بيت (28000)، وسماه: (سلك الدرر الحاوي غرر الأثر) طبع بمصر ... سنة 1961 م.» (1).
وقد شرحه الشيخ الحاج امحمد بن يوسف اطفيش (ت: 1332 هـ / 1914 م)، وقال فيه: إنه لا نظير له في هذه البلاد قديما وحديثا، وكتابه هذا لم يوجد مثله في المذهب» (2).
عمر
وقد شرحه أبو الفضل قاسم بن الشيخ سليمان بن محمد بـ (3) المتوفى بعد سنة 1265 هـ بقليل، وشرحه كذلك الشيخ عمر الباروني، وإن أبا إسحاق اطفيش يذكر أنه اطلع على بعض كراريس هذا الشرح
الشماخي
من أول النيل (4).
هذه هي شروح النيل، ويعتبر شرح الشيخ اطفيش هو المعتمد في مجمع
الإسلامي بالقاهرة.
الفقه
أما الحواشي فهناك واحدة قام بها الشيخ الحاج صالح بن عمر لعلي (ت: 1347 هـ / 1928 م)، وهي حاشية على بعض أجزائه لا تزال محفوظة في خزانته ضمن مخطوطاته (53).
وإنه قد ترجم أكثر النيل إلى اللغة الفرنسية، ويعود الفضل في التعريف به رسميا بمجلس الجزائر أيام الاستعمار الفرنسي إلى الحاج صالح بن
محمد بو معقل
(1) عبد الرحمن بكلي، تصديره لـ (النيل)، ص: 5. (2) الشيخ الحاج امحمد بن يوسف، اطفيش (شرح النيل)، ط: (2)، سنة: 1973 م، ص: 22. (3) رسالة ابن تعريت مخ، ص: 117.
(4) أبو إستحاق اطفيش، ترجمة (شرح النيل)، المطبعة السلفية، القاهرة، 1343 هـ، ص: و. (5) عبد الرحمن بكلي، تصدير (النيل)، ص: 5. (1/80)
صفحة 76
الفصل الثاني: آثار الثميني العلمية
81
وأول رئيس للمجلس طلب ترجمته هو سوتايرا Sautayra، ولقد استجاب لطلبه
كثير من المترجمين (1).
2
-
التكميل لبعض ما أخل به كتاب النيل:
فما إن أتم الثميني كتابه (النيل) حتى بدا له أنه لم يحقق به مراده، فأتمه على الفور بـ (التكميل) الذي يقول فيه: «لما تم بعون الله ما قدر لي جمعه من المسائل في (النيل)، رأيت أن لا بد لي من تكميله ببعض ما أخل به من ورود المناهل باللفظ القليل ليتم الغرض» (2) وقد حصله على الفور في ثمانية كتب على نحو ما أسسه في (النيل)، وسماه: «التكميل لبعض ما أخل به كتاب النيل» ويعتبر التكميل اختصارا لكتاب أصول) (الأرضين) في أحكام العمران المدني
والريفي، لأبي العباس أحمد
بن
(3)
محمد بكر المتوفى سنة: 504 هـ.
بن
توجد نسخة منه بخط المؤلف بمكتبة الاستقامة ببني يزجن، وقد طبع سنة
1925 م بتحقيق: محمد بن صالح الثميني.
3 – تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين
إن (تعاظم الموجين) هو شرح لكتاب مرج البحرين الذي هو جزء. كتاب الدليل والبرهان لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني من القرن السادس الهجري. وقد سماه الشيخ عبد الرحمن الجيلالي خطأ: (مروج الذهب) (4). ولقد طبع الدليل والبرهان طباعة حجرية قبل أن تطبعه سنة 1983 م وزارة
التراث القومى والثقافة بسلطنة عمان.
(1) للمزيد انظر: 47: ey, Législation, mozabite) p - : أيضا عبد الـ ن بكلي، تصدير
(النيل)، ص: 5.
(2) المخطوط الأم، ص: 1.
(3) المخطوط الأم، ص: 1.
(4) تاريخ الجزائر العام)، ج 1، ص: 318. (1/81)
صفحة 77
82
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
وترجم جزؤه (مرج البحرين) إلى كثير من اللغات الأجنبية)، وشرحه قبل الثميني، بدر الدين أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي، المتوفى سنة 928 هـ، ولقد كانت أمنية الثميني كبيرة في الحصول عليه، إنه يقول:
«سمعت أن البدر الشماخي علق عليه شرحا عجيبا، فضاع و لم يوجد، يا ليتني كنت له مصيبا .. » (2) وهو اليوم موجود مخطوطا بمكتبة سالم بن يعقوب، بغيزن في تونس (3).
ولقد تصدى الثميني لشرحه وشيخه على قيد الحياة (4) وسماه: «تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين (5) ويسميه المستشرق (زاييس): «ذو النورين على مرج البحرين» تبعا للحاج امحمد بن يوسف اطفيش.
توجد منه اليوم نسختان بخط المؤلف بمكتبة الاستقامة، كتب على واحدة منهما «لا يعول على هذه النسخة». وهو لم ير نور الطباعة بعد.
ويتناول أصله – ونعنى به مرج) (البحرين) - ثلاثة علوم ضرورية: المنطق، والعدد والهندسة ولأن الثميني قد اكتفى في شرحه بقسم المنطق وتناوله تناولا فلسفيا موسعا وأعرض عن الباقي، الأمر الذي جعل البعض يذهب إلى أن المنية أدركته فحالت دون إتمامه).
(1) م - ن. أيضا: أبو إسحاق اطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين)، ص: 28. (2) (تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين)، مخ، ص: 1.
(3) فرحات الجعبيري، البعد الحضاري) نشر جمعية التراث، ص: 127.
(4) إشارة إلى ذلك في تعاظم الموجين)، عند الحديث عن البنية وهل هي شرط الحياة؟ (المخطوط
الأم): ص: 29. وعند الحديث عن معنى (بخ، بخ)، ص: 41.
(3) المخطوط الأم، ص: 2.
(6) عبد الرحمن بكلي، تصديره للنيل، ص: 16.
أيضا: محمد الثميني، ترجمة منصف التكميل، ص: ط. (1/82)
صفحة 78
الفصل الثاني: آثار الثميني العلمية
والواقع غير ذلك، فتوقفه توقف مقصود، ويكفي برهانا على ذلك:
(1
أنه ألفه في حياة شيخه كما سبقت الإشارة إليه وشيخه قد توفي قبله.
(2 وأنه ألفه قبل كتابيه معالم الدين) و (النور) إذ فيهما إشارة إليه.
83
(3) وأنه توجد نسختان من تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين) بخط يده كلتاهما تنتهيان بنفس العبارة التالية: «وفي تفصيلها طول يطلب في محله» عند حديثه عن القياس الاقتراني.
ونظرا إلى هذا فإنه يحق لنا أن نتساءل عن الذي جعل الثميني ينهي شرحه هنا قبيل قول الوارجلاني اعلم أن الأمور العقلية ثلاثة ضرورية: المنطق والهندسة والعدد، أما المنطق فقد فرغنا منه، وسنقول في العدد بما يُمكننا إن شاء الله». والذي اتضح لنا هو أن توقفه هذا كان قبل أن يشرح الفصول الأخيرة من المنطق. والتي كانت أمثلة في أنواع القياس، وهو أمر يمكننا الاعتماد عليه لنقول بأنه اكتفى بما شرحه من المسائل المنطقية في كتابه عن النزر الباقي من مسائل القياس، وكذلك
اكتفي بمسائل المنطق عن مسائل العدد والهندسة، لأنه لم ير لها كبير أهمية آنذاك.
ويمكن القول أيضا إن كتابه (تعاظم (الموجين) فتح له الشهية، ودفع به إلى تحرير مؤلف شبيه بالنيل)، يختصر فيه أهم مسائل علم الكلام بعد تجربة اكتسبها في (النيل) تحت رعاية شيخه أبي زكرياء، فاستغنى عن شرح المباحث الباقية في (مرج البحرين)، وأولى عنايته لمباحث كتابه (معالم الدين) فجاء كما يشتهيه
(1)
والذي يؤكد ما ذهبنا إليه كونه في كتابه (معالم الدين) يُحيل كثيرا إلى
(تعاظم الموجين) بينما إشارته إليه في كتابه (النور) - وكلاهما في العقيدة -
(1) معالم الدين، المخطوط الأم، ص: 3. (1/83)
صفحة 79
84
الباب الأول: الإمام التميني، حياته وآثاره
أقل بكثير. وهذا أيضا يساعدنا على اعتبار (معالم الدين) بعيد (تعاظم
الموجين) في التأليف.
4 - معالم الدين:
معالم الدين هو كتاب جامع المباحث علم الكلام، ولقد ألفه الثميني بعـ مطالعته كتبا مصنفة في هذا الشأن، خاصة حين كان يؤلف كتابه (تعاظم الموجين)، وقد أفرغه كما يقول: «في قالب اعتاد المتكلم والحكيم الإفراغ فيه تاركا للإنجاز المخل والإطناب الممل» (1)، وهو كتاب اشتهر: بـ (معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين) (2) لسلوك الثميني نهج المتكلمين، والحكماء فيه ويه (زاييس) مختصر معالم الدين، ولقد شطب الثميني على هذه العبارة وأبدلها بخطه جنها: هذا مختصر سمّيته: معالم الدين). توجد منه نسخة بخط المؤلف في مكتبة الاستقامة ببني يزجن على هامشها بعض التعليقات لم نطمئن في كونها للمؤلف،
وجاء بآخرها:
الثاني من
ميه
قد فرغت من إكماله عند الزوال من يوم الأحد لأربع بقيت من ربيع
سنة 1184 هـ».
وقد طبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان سنة 1986، ولكن بدون تحقيق وبأخطاء كثيرة جدا جعلت منه كتابا لا نفع منه بتاتا، وسنرى عنه مزيدا من التفصيل في الباب الثاني من دراستنا.
هذا، وقد شرح الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش نصيبا يسيرا منه، وسماه: فتح الباب للطلاب بإذن الملك الوهاب، وبلغ به الشرح إلى (المرصد
(1) من.
(2) طباعة وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان، سنة 1986 م. (1/84)
صفحة 80
الفصل الثاني: آثار الثمين العلمية
85
الثالث في أقسام العلم) دون أن يشرحه (1) وتزامن هذا الشرح مع أحد
تفاسيره (2) لعله آخرها.
5 - الورد البسام في رياض الأحكام
إن هذا الكتاب كمّل به كتابين سبق ذكرهما هما (النيل) و (التكميل)، ولهذا فهو يقول فيه: «سنح لي في خاطري - بعد حين - أن أثلثهما بمختصر يحوي على بعض ما فيهما ويزيد بالكثير الذي لا بد منه عليهما ... فسميته: الورد البسام في رياض الأحكام» (3).
فهو كتاب في أحكام القضاء مختصر من كتاب ديوان المشايخ)، وبه أبواب في الأخير ليست من الديوان كما أنه لم يلتزم طريقتهم في الترتيـ والتبويب (5) وهو كتاب لم نعثر على نسخة منه بخط المؤلف، ولكنه طب 1345 هـ بالمطبعة التونسية بتحقيق محمد بن صالح الثميني.
ـنه
ولقد اتفقت جميع النسخ المخطوطة والمطبوعة على أن الشيخ عبد العزيز قد من سنة 1186 هـ وفيه يشير إلى المعالم بقوله:
أتم مقصوده منه في: ذي القعدة
(1) مخ، مكتبة الاستقامة، بني يزجن.
(2) رسالة منه موجهة إلى عيسى بن صالح الحارثي بعمان توجد في مخطوط بعنوان: (أجوبة الشيخ اطفيش
المغربي إلى أهل عُمان مكتبة الشيخ السالمي البدية - المنطقة الشرقية، سلطنة عُمان، ص: 289.
،
(3) (الورد البسام)، تحقيق محمد بن صالح الثميني، المطبعة التونسية، سنة 1345 هـ، ص: 3. (4) نسبة إلى الشيوخ السبعة الذين ألفوه في غار مجماج بجربة، وهم:
- أبو عمران موسى بن زكرياء. - وأبو زكرياء، يحيى بن جرنان النفوسي. - وأبو محمد عبد الله بن مانوج - وأبو عمرو النميلي. - وجابر بن سدرمام.
وأبو محبر توزين.
- وكباب بن مصلح. راجع الشماخي كتاب (السير)، ج: 2، ص 73 - 74. (3) محمد صالح الثميني، تقديمه للورد البسام، ص: ب. (1/85)
صفحة 81
86
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
فالبيعة عندنا أربعة كما ذكرنا في (المعالم) بيعة الظهور، وبيعة الشراء، وبيعة الدفاع، وبيعة الكتمان» (1).
ولقد نظمه قاضي القضاة سيف بن حمد بن شيخان الأغبري العماني، المتوفى سنة 1380 هـ، والذي عاش في سلك القضاة السنين الطوال، فسماه: (فتح الأكمام عن الورد البسام في رياض الأحكام)، وطبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان سنة: 1401 هـ / 1981 م. يقول في مطلع نظمه:
حمدا لمن قضى لأهل العدل
في حكم بالفوز يوم الفصل
ثم يقول:
فلم أجد في كتب هذا المذهب كالورد عن عبد العزيز المغربي حوى جواهر من الأحكام کالورد إذ يبدو من ن الأكمام.
6 - التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم
إن كتاب (التاج) اختصار لكتاب (منهاج الطالبين) يقول الثميني فيه: «فإني لما ظفرت به من أجزاء منهاج الطالبين وبلاغ الراغبين) للشيخ ... خميس بن سعيد [الشقصي] العماني ... صرفت عنان العناية نحو تحصيله، وشمرت عن ساق الجد في تلخيصه .... مسميا له بالتاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم. مضيفا إليه من غيره بعض الفوائد، موشحا بغرر فرائد» (2).
ويسميه (زاييس): السراج مختصر المنهاج (3).
(1) الورد البسام المطبعة التونسية، ص: 151.
(2) المخطوط الأم، ص: 1.
Zeys, (Législation mozabite) P: (3) (1/86)
صفحة 82
الفصل الثاني: آثار الثميني العلمية
87
وهو من أجل كتب الثميني المعتمدة في التوحيد والفقه، وينحصر في ست وعشرين جزءا، وهو لا يزال مخطوطا، ويقع في مجلدين بخط المؤلف، سبعة منها في المجلد الأول، والباقي في المجلد الثاني، وهو كتاب توجد نسخة منه بمكتبة الاستقامة ببني يزجن، ونسخة منه بمكتبة الشيخ السالمي بالبدية بسلطنة عمان، وهي ثلاثة مجلدات بخط مغربي جميل كتبها في سنتين سنة: 1371 هـ وسنة: 1372 هـ الله بن محمد بوراس، المدرس بـ (قالمة) (1). عبد
كاملة في
وقد ختمه الثميني بقوله: «هذا آخر ما قصدت من اختصار ما انتهى إلي من أجزاء المنهاج ... عند الظهر من يوم الخميس لأربع عشرة خلت من جمادى الأخرى من سنة 1192 هـ».
وحول هذا الكتاب يروي الحاج امحمد مطهري (2) عن والده أنه كان يذكر له أن الشيخ اطفيش قد ترك مواصلة تأليف كتابه (شامل الأصل والفرع)، وتزوج امرأة لامتلاكها كتاب (التاج) الذي كان بحثه عنه حثيثا، لأن منهجه هو منهجه هو المنهج الذي أراد أن يسلكه في كتاب (شامل الأصل والفرع).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن منهاج الطالبين قد أنهت طبعته وزارة التراث
القومي والثقافة بعمان على نفقة سلطانها: قابوس بن سعيد.
7 - مختصر حواشي الترتيب
إن مختصر حواشي الترتيب كتاب في علم الحديث، اختصر فيه الثم حواشي أبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة القصبي الجربي المشهور بالمحش والمتوفى سنة: 1087 هـ، على كتاب ترتيب مسند الربـ
يعقوب بن إبراهيم الوارجلاني (ق: 6 هـ).
(1) هي مدينة من المدن الجزائرية الواقعة في الشمال الشرقي. (2) لقاء معه بداره يوم 25/ 08 / 1992.
لأبي (1/87)
صفحة 83
88
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
وهو كتاب يوجد من يسميه: مختصر شرح مسند الربيع)، لكن الثميني قد عنونه بخطه: «مختصر حواشي الترتيب» (1).
ولقد قدمه ببيان المنهج الذي سار عليه فيه، وحدد مصطلحاته التي استعملها، وهو كتاب في مجلد واحد مازال مخطوطا، منه نسخة بخط المؤلف بمكتبة ببني يزجن، يقول في آخرها: «هذا آخر ما قصدناه من نقل تلك الحواشي على الوجه الذي أشرنا إليه في صدرها وقت الزوال من يوم الاثنين
الاستقامة
لخمس بقين من شعبان من سنة 1204 هـ».
8
-
عقد الجواهر المأخوذ من بحر القناطر
وهو كتاب في الفلسفة الشرعية والأخلاق والآداب الإسلامية اختصر فيه کتاب قناطر الخيرات للشيخ إسماعيل الجيطالي المتوفى ستة 750 هـ، وهو عالم جليل يصفه الثميني، ويصف كتابه معه فيقول:
إن الكتاب الذي صنفه الإمام أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي المسمى بالقناطر كتاب جامعا لعلوم الدين والدنيا والآخرة، ومهذبا للخواطر، دالة على علو درجة مؤلفه في العلوم، سالما من الطعن فيه بأدنى خدش أو كلوم، شاهدا له بالفوز بالحظ الوافر من علم اليقين والكشف كما نطق به فحوى كلامه، وذكر به من مناقبه من الوصف ولا أظن أن من علمائنا المغاربة ناسجا على منواله في هذا الشأن» (3).
(1) المخطوط الأم، صفحة العنوان.
(2) لقد كان قبل (النور). راجع: «النور» الطبعة الحجرية، ص: 350 351.
(3) المخطوط الأم، المقدمة. (1/88)
صفحة 84
الفصل الثاني: آثار التميني العلمية
89
هذه الأهمية التي يمتاز بما الكتاب، وصاحبه جعلت الثميني يقرر
اختصاره قائلا: إني «لما تصفحته وأمعنت النظر فيه رأيته قابلا لبعض الاختصار والإيجاز» (1).
ويبين بالتفصيل المنهج الذي اتبعه وهو يختصره، وقد سماه: «عقد الجواهر المأخوذة من بحر القناطر» (2).
يقع الكتاب في مجلد واحد لا زال مخطوطا، منه نسخة بخط المؤلف بمكتبة الاستقامة ببني يزجن. يقول المؤلف في تأريخ تأليفها: «وقد تم بحمد الله ما قصدت هذا الكتاب عشية يوم الجمعة لخمس عشرة خلت من شوال من سنة 1208 هـ والحمد لله رب العالمين» (3).
جمعه
من
و بآخره قيد نسخه بيده أوله بعد البسملة والحمدلة: «قال الشيخ الفاضل: عمنا محمد بن زكرياء الباروني رحمه الله ... »، موضوعه يتعلق بنجوم النصارى على وهران وبجاية وكيفية وقاية جزيرة جربة منهم يقع في خمس صفحات، من صفحة: 580 إلى صفحة 584، بآخره: «فليفرغ إلى الله تعالى بالتصفية واليقين فيريه ذلك بالخبر اليقين، والحمد لله رب العالمين» (4).
وقد طبع الأصل (قناطر الخيرات طباعة حجرية سنة 1307 هـ في ثلاثة مجلدات. ثم أعيد طبع المجلد الأول منه بتحقيق د. عمرو خليفة النامي
سنة: 1965 م.
(1) عقد الجواهر، المخطوط الأم، المقدمة.
(2) من.
(3) المخطوط الأم، ص: 580.
(4) م - ن ص 584. (1/89)
صفحة 85
90
-
9
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
مختصر في أمور الأزواج
وهو كتاب يعرفه الثميني بقوله: «هذا مختصر جامع لأبواب في أمور الأزواج، ومقتبس موجز من كتاب المنهاج» (1) الذي سبق ذكره والذي هو الخميس بن سعيد الشقصي العماني، ولعل هذا الذي جعل البعض يسميه: «التاج في حقوق الأزواج». إن هذا العنوان وهو عنوان حسن، له لكن المصنف لم يطلقه عليه، ولهذا
فالأفضل تركه، لأن وجود تاجين لمؤلف واحد قد يؤدي إلى الخلط بينهما. لقد جمع الثميني في مختصره هذا من المنهاج ما يتعلق بالأحوال الزوجية، حتى أبو إسحاق اطفيش أعظم كتاب جمع من النظام العائلي والحقوق الزوجية مالا يفتقر إلى سواه» (2).
بني
وهو مازال مخطوطا، وتوجد منه نسخة بخط المؤلف بمكتبة الاستقامة يزجن، يقول في آخرها: «وقد تم عند الزوال لأربع عشرة خلت من المحرم فاتح
سنة 1209».
-
10
النور:
وأما كتاب (النور) فهو في التوحيد، اختصر فيه شرح التلاتي للقصيدة المشهورة بالنونية للشيخ أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي (ق: 7)، وهي قصيدة لها شروح، منها شرح عمرو بن رمضان التلاتي الذي سماه: (اللآلئ الميمونة على المنظومة النونية، والذي هو «شرح تشدّ إليه الرحال وتقصد موارده فحول
الرجال» كما يصفه الشيخ يوسف المصعبي
(ا) المخطوط الأم، ص: 1.
(2) الدعاية إلى سبيل المؤمنين، ص: 30.
(3) اين تعاريت، تاريخ جربة، مخ، ص: 113.
(3) (1/90)
صفحة 86
الفصل الثاني: آثار الثميني العلمية
91
ولَمَّا تحصل عليه الثميني واستوعبه بدا له اختصاره، وفي ذلك يقول: «لَما جلت بصري، وأمعنت نظري، في شرح العلامة البدر التلاتي ... سنح لي أن أتطفل على وليمته، وأجمع من فوائده ما مست الحاجة إليه، وأقبلت النفس عليه، تاركا لبعض تكراره، ومقتصرا على المهم منه دون إكثاره ومضيافا إليه زوائد مناسبة، لمحلها مما هو محتاج إليه .... مسمّيا له بالنور»).
ويفسر (زيقمونت) (2) تسمية الثميني كتابه بالنور، بقوله: إنه اختصار لشرح التلاتي، والاختصار من قبيل نور يلقى على الموضوع فيستجلي مضمونه ولكن الثميني يعترض على هذا التبسيط البسيط بقوله: إنما كنت «مسمّيا له بالنور رجاء من الله ... أن يجعله لنا نورا في قبرنا ونورا في محشرنا، ونورا يسعى بين أيدينا، ونورا نفوز به عند لقاء مولانا، ولكل من تعاطاه بعين الرضى، وإخلاص العمل بما فيه» (3).
1981، وهو
ولقد طبع بمصر طباعة حجرية سنة: 1306 هـ، وأعيد تصويره بالجزائر سنة: كتاب لم تعثر على المخطوط الأم له، وينتهي صاحبه بقوله في آخره: «وقد فرغت منه عشية يوم الأحد لسبع بقين من شعبان من سنة تسع ومائتين بعد تمام الألف» (4).
11 - الأسرار النورانية على المنظومة الرائية:
وهو كتاب في أهمية الصلاة وأحكامها وأصله قصيدة مشهورة بالرائية، ألفها أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي، وقام عمرو بن رمضان التلاتي بوضع شرح لها سماه الأزهار الرياضية على المنظومة الرائية)، ثم جاء الثميني من بعد فاختصر
(1) النور، طباعة حجرية، ص: 3.
(Etude sur Abd- al Aziz) P 25. (2)
(3) النور، ص: 3.
(4) م - س ص 536. (1/91)
صفحة 87
92
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
شرحه وأضاف إليه ما يناسب المقام، قائلا في تواضع: إني معذور «لدى الفاضل العزيز في ما عساه أن
هذا
يوجد مني في الشرح الوجيز الذي قصدت به به نفعي
وأمثالي القاصرين دون العلماء الراسخين والطلبة المحصلين» (1).
ولقد كتب على صفحة الغلاف بيده: «هذا مختصر سَمّيته: (بالأسرار النورانية
على المنظومة الرائية»، توجد نسخة منه بخطه بمكتبة الاستقامة ببني يزجن، انتهى من تأليفها على الراجح عندنا – لخمس خلون من شوال سنة 1212 هـ.
وقد طبع الكتاب بمصر طباعة حجرية سنة 1306 هـ
هذه
ترتيبها زمنيا، أما التي لم نجد لها تأريخا، كتب الثميني التي تمكنا هي
من
أو لم نستطع تقدير تاريخ تأليفها في محاولتنا هذه، فلم يبق إلا واحد هو (المصباح).
12 – المصباح المقتبس من أبي مسألة وكتاب الألواح
لهما:
هو كتاب في مختلف أبواب الفقه، اختصر الثميني فيه كتابين مشهورين منسوبين لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر المتوفى سنة 504 هـ، «وهما: كتاب أبي مسألة وكتاب الألواح [ويعتبران من أعظم مصنفات المذهب من علماء أهل المغرب» (2) كما يصفهما الثميني نفسه، ثم يقول بأنه سمى ره ب المصباح المقتبس من أبي مسألة وكتاب الألواح، راجيا من الله أن يجعله لنا ولمن شاءه مصباحا في الظلم» (3). وهو كتاب وقع الخلط في تحديد اسمه ف (زايس) قد عده كتابين للثميني: أحدهما اسمه: مختصر المصباح لأبي مسألة.
(1) المخطوط الأم، ص: 1.
(2) المصباح، المخطوط الأم، المقدمة.
(3) المصباح، المخطوط الأم، المقدمة. (1/92)
صفحة 88
الفصل الثاني: آثار الثميني العلمية
وثانيهما: اسمه: الألواح).
93
وأمّا (زيقمونت) الذي جاء من بعده فحاول أن الخطأ مبينا أنه يصحح كتاب واحد، ولكنه تجنّب الصواب فسماه: مختصر المصباح، وقد بينا: أن المصباح هو اختصار للكتابين المذكورين أعلاه. ولعله أخذ هذه التسمية للكتاب من الشيخ اطفيش في شرحه لمعالم الدين
(3)
إن كتاب (المصباح) مازال مخطوطا، وتوجد منه نسخة بخط المؤلف بمكتبة
الاستقامة
مقدمته أنه ببني يزجن، ويبدو من
من مؤلفاته المتأخرة، وهو غير مؤرخ، بنا ونعـ
ويقول بآخره: (وأما الحمد فهو الثناء على الله تعالى بالجميل وهو
(4)
الوكيل والحمد لله رب العالمين).
هذه
هي كتب الإمام عبد العزيز الثميني وبعض آثاره التي تمكنا من حصرها (5)، والتي بقيت محفوظة إلى يومنا ()، وهي تكمل ما قلناه عن
(Legislation mozabite, p: 46) . (1)
(Abdel Aziz et ses écrits, p: 11). (2)
(3) المخطوط الأم، ص: 1.
(4) (المصباح)، المخطوط الأم، ص: 104.
(5) يذكر (زيفمونت) أن من مشائخ مزاب من ذكر له وجود كتاب للثميني في الفلك
كتاب (الفلق) انظر: 11: Abdel Aziz et ses cris).
الكثير
من الفضل في المحافظة على مصنفات الثميني إلى جهود أحفاده، خاصة منهم الحاج (()) يرجع محمد بن صالح بن يحيى بن عبد العزيز الثميني، وعبد العزيز بن يوسف بن يحيى بن عبد العزيز الثميني، فقد نقلا جل مخطوطات الإمام إلى تونس حيث كانا يقيمان، وأولاها عناية فائقة، واستفاد منها كثيرون، ومع تقلبات الدهر ووفاة الأول منهما في أكتوبر 1970، وبعده بحولين كاملين توفي الثاني في شهر جانفي 1973 بذلت الجهود لرد هذه المخطوطات إلى الجزائر، فكانت صائفة سنة 1990 تاريخ فتح مكتبة (الاستقامة) ببني يزجن، لتضم مصنفات بعض الأعلام، منها مصنفات ضياء الدين عبد العزيز الثميني تحت أمانة الحاج صالح بن عيسى بزملال (1/93)
صفحة 89
94
الباب الأول: الإمام الثميني، حياته وآثاره
حياته وعصره، وتقربنا إلى حد ما منه، وتصور لنا موقعه بين أهل عصره. وإنه ليحق لنا من بعد هذا أن نتفرغ لدراسة كتابه: (معالم الدين) لنفصل الحديث حوله، ونستبين أهم المباحث التي انشغل بما الثميني فيه، ومنهجه في معالجتها، وآراءه فيها، ومقامه بين علماء الإسلام من قبله ومن بعده.
والحاج سليمان بن الحاج سعيد بكاي اللذين كانا من قبل أمينين لمكتبة الشيخ امحمد بر
يوسف اطفيش.
حول الموضوع: لقاء الباحث مع الشيخ بكير أرشوم يوم: 1992/ 06/14.
ولقاء مع الحاج صالح بزملال، والحاج سليمان بكاي يوم 1992/ 06/10. (1/94)
صفحة 90
الباب الثاني الإمام الثميني وعلم الكلام
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره.
الفصل الثاني: كتاب الثميني: (معالم الدين). (1/95)
صفحة 91
الفصل الأول نشأة علم الكلام وتطوره
أهمية علم الكلام عند الثميني
تسميته بعلم الكلام
نشأة علم الكلام
- أولا: العوامل الداخلية
أ) القرآن والسنة
ب) الأوضاع السياسية
- ثانيا: العوامل الخارجية وتطور علم الكلام
علم الكلام بعد القرن الخامس الهجري
المدرسة الإباضية (1/97)
صفحة 92
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
الفصل الأول
نشأة علم الكلام وتطوره
أهمية علم الكلام
عند
الثميني
99
يجدر بنا ونحن نخصص هذا الفصل لعلم الكلام نشأة وتطورا، أن نبين أولا أن لعلم الكلام أهمية معتبرة عند الثميني، دفعته لتأليف كتابه (معالم الدين). وبالفعل فإنه يرى أن هذا العلم هو «أرفع العلوم وأعلاها منارا، وأنفعها وأجداها ثمارا، وأحراها بعقد الهمة بها، وإلقاء الشراشر عليها، وإتعاب النفس فيها، و صرف الزمان إليها» (1).
لقد راقته عبارة الإيجي (2) في بيان أهميته، وهو يرى كما يرى الإيجي أن هذه الأهمية كانت له لأن غايته أشرف الغايات وأنفعها، ودلائله يقينية يحكـ صريح العقل وقد تأيدت بالنقل» (3).
وهو حين يقارن دلائله بدلائل المباحث الفلسفية في الإلهيات يرى أن دلائل علم الكلام «شي الغاية في الوثاقة بخلاف الإلهي فإن مخالفة النقل لدلائله شهادة عليها بأن أحكام عقول أصحابه كما مأخوذة من أوهامهم لا من صرائحها، فلا وثوق بها أصلا» (4).
(1) مخطوط (معالم الدين)، ص: 2.
(2) سنشير إلى عضد الدين الإيجي كلما اقتضى الأمر ذلك نظرا إلى أن الثميني قد استفاد من المواقف كما سيأتي مزيد بيان في الفصل اللاحق.
(3) خطوط (معالم الدين)، ص: 6.
(4) م - ن. (1/99)
صفحة 93
100
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
إن علم الكلام، وإن اختلط بالفلسفة عند المتكلمين المتأخرين، «حتى كاد لا يتميز عن الفلسفة لولا اشتماله على السمعيات» (1) هو في نظر الثميني «أشرف العلوم لكونه أساس الأحكام الشرعية، ورئيس العلوم الدينية، وكون معلوماته العقائد الإسلامية، وغايته الفوز بالسعادات الدينية والدنيوية» (2).
وإنه علم، له عند الثميني خمس فوائد أخرى هي:
- الترقي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان.
وإرشاد المسترشدين بإيضاح المحجة وإلزام المعاندين بإقامة الحجة.
وحفظ قواعد الدين أن تزلزلها شبه المبطلين.
وبناء العلوم الشرعية عليه فإنه أساسها وإليه يؤول أخذها واقتباسها.
و صحة الاعتقاد والنية إذ بما يرجى قبول العمل وغاية ذلك الفوز بسعادة الدارين» (3).
وهي
فوائد توجه معرفتها إلى دفع العبث وازدياد الرغبة فيه إذ كان مُهمّا (4) وهذه الأهمية لعلم الكلام عند الثميني هي التي جعلته يبذل أقصى جهده فيه،
رغم ما يحيط به من نكبات الدهر، وتتابع المحن واستيلاء الظلم والعدوان.
لقد مضت عليه سنون وهو على هذه الحال، وكان عمره يمر سبهللا وهو
لا يمتثل للمهمات، إلى أن تذكر العهود حيث يقول:
(1) مخطوط (معالم الدين)، ص: 7.
(2) م - ن.
(3) م - ن ص: 5
(4) م - ن. (1/100)
صفحة 94
الفصل الأول: نشأة
علم
الكلام وتطوره
101
«عند ذلك تذكرت العهود على اشتغال البال وقهر الزمان، واختلال
الحال، وكثرة الصوارف وقصور الهمة، وقلة الدواعي، وفتور الرغبة».
فتغلب على نفسه معربا عن ذلك قائلا:
«حاولت مع
ذلك نفسي إلى أن أجمع مما حصلت مختصرا يكون تذكرة لي
ولمن شاءه من أبناء انتظاما في سلك الراغبين، فقوى عزمي في ذلك ونشط خاطري إلى ما أرجو أن يكون لي ذخرا عند مولاي هناك ... » (1).
جنسي، مقتفيا في ذلك آثار المحصلين راجيا من الله بفضله
إن هذه المكانة لعلم الكلام وشعور الثميني الحاد بما هو الذي جعله يسهم
في
هذا الفن بكتابه (معالم الدين).
وهو إذ يكتب فيه يصرح بأن العلوم الشرعية لم تكن واضحة في بدايتها،
ولا يعرف الصحابة والتابعون تقسيمات لها:
(1) لصفاء عقائدهم ببركة صحبة الرسول أو لقرب العهد به.
(2) ولقلة الوقائع والاختلاف.
3 ولتيسر مراجعة الثقات في الملمات (2).
ولقد صارت من بعد ذلك قسمين:
«منها ما يتعلق بكيفية العمل وتسمى فرعية وعملية.
ومنها ما يتعلق بالاعتقاد وتسمى أصلية، واعتقادية، فالأولى هـ الشرائع، والثانية هي علم التوحيد» (3).
(1) مخطوط (معالم الدين)، ص: 3.
(2) م - س، ص: 4
(3) م - ن.
علم (1/101)
صفحة 95
102
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
وعلم الشرائع قسمان:
1) يفيد أولهما «معرفة الأحكام العملية عن أدلتها التفصيلية [ويسمى] بالفقه» (2) ويفيد ثانيهما «معرفة أحوال الأدلة إجمالا في إفادتها الأحكام [ويسمى]
بأصول الفقه»
(1)
وأما علم التوحيد فإنه يتعلق بالاعتقاد، ويسمى أيضا بعلم الكلام. ويختار الثميني من بين تعريفاته تعريف الإيجي له بأنه: «علم بأمور يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه عنها
(2)
والمقصود بالعقائد: ذات الاعتقاد لا العمل، وبالدينية العقائد الخاصة بدين، ويعني هذا أن الخصم الذي على دين الإسلام، وإن خطى فهو من
محمد ال
علماء الكلام (3).
:موضوعه
إن موضوع علم الكلام كما يراه الثميني هو:
المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية تعلقا قريبا أو بعيدا» (4). وهذه العبارة هي التي يرجحها الثميني ويعتمدهما عند تحليله المسائل علم الكلام. وهو إن وصف علم الكلام بأنه المتكفل بإثبات الصانع وتتزيهه عن مشاكة الأجسام، وإثبات النبوة التي هي أساس الإسلام وعليه مبني الشرائع والأحكام، وبه
(1) مخطوط (معالم الدين)، ص: 4.
(2) م - ن.
(3) م - ن.
(4) م - ن. (1/102)
صفحة 96
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
103
يرتقي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان)، فإنه يردّ كما يردّ الإيجي قول القائلين بأن موضوعه هو: «ذات الله تعالى»، وبأنه يبحث فيه عن أفعاله في الدنيا كحدوث العالم، وفي الآخرة كالحشر للأجساد، وعن أحكامه فيهما كبعث الرسل ونصب الأيمة والثواب والعقاب» (2).
رده هذا التحديد الموضوع علم الكلام أمران:
كونه قد يبحث فيه عن غير ما ذكروه، كالجوهر والعرض.
وكونه قد يبحث فيه عن إثبات وجود الله وهو أيضا لم يرد في عبارتهم). وكذلك يرد تبعا للإيجي قول القائلين: بأن موضوع علم الكلام هو (الموجود من حيث هو غير مقيد بشيء)، وقولهم بأنه وإن شابه الفلسفة الإلهية في كون موضوعها أيضا الموجود مطلقا، فهو يتميز عنها بالتقيد بقانون الإسلام). وردّه عن ذلك هو الآتي:
إنه قد يبحث في علم الكلام عن المعدوم وعن غير الموجود في الخارج كالنظر والدليل، هذا من جهة.
وإن المسائل الحقة في علم الكلام هي التي على قانون الإسلام، هذه جهة أخرى. حتى ولو أنه لا يتميز في علم الكلام صاحب الحق من الباطل لأن الكل
يدعي أنه على الحق (3)
(1) مخطوط (معالم الدين)، ص: 2.
(2) م - س، ص: 5
(3) م - ن.
(4) م - ن.
(5) م - ن. (1/103)
صفحة 97
104
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
هذا، ويذهب المتكلمون ويعنينا منهم الإيجي والجرجاني والثميني- إلى أن موضوع علم الكلام أعلى العلوم، وأن ثبوت علم شرعي أعلى منه باطل اتفاقا» (1). ولهذا فهم لم يقبلوا رأي الأرموي الذي جوز أن يكون ذاته تعالى مسلم
الإنية (2) في الكلام، مبينا في العلم الإلهي الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود، المنقسم إلى الواجب وإلى غيره فيكون موضوع علم الكلام بذلك أدنى وأخص وقسما من علم أعلى وأعم وهو العلم الإلهي (الفلسفة)، بل ويستنكرون عليه ذلك كما جاء في عبارة الثميني تبعا للإيجي: كيف يكون أعلى العلوم الشرعية أدنى من علم غير شرعي» (3).
وفي هذا السياق فإن لأبي حامد الغزالي عبارة صريحة في أن (الموجود) مـ مباحث علم الكلام ... [الذي يبتدئ نظره في أعم الأشياء أولا وهو الموجود، ثم يترل بالتدريج إلى التفصيل ... فيثبت سائر العلوم الدينية» (4).
والذي يذهب الثميني إليه هو أبعد مما سبق، إنه يذهب إلى أن موضوع علم الكلام ليس هو الموجود فحسب ولكنه المعدوم وغير الموجود في الخارج كذلك (5) فبناء على المسلمة القائلة إن علم الكلام أعلى العلوم من حيث إنه تستمد منه العلوم وهو لا يستمد من غيره فإننا نتساءل عن موقع العلم المعياري (علم) المنطق الذي نجد بصماته بارزة في علم الكلام والذي تتنازعه كل من
وعلم الكلام.
(1) م ن أيضا (المواقف)، ص،7، شرح المواقف، ص: 46.
(2) «هو تحقق الوجود «العيني»، المعجم الفلسفي، جميل صليبا.
(3) مخطوط (معالم الدين)، ص: 5. المواقف، ص: 7. شرح المواقف ص: 46.
(4) المستصفى، ص: 6 - 7.
(5) مخطوط (معالم الدين)، ص: ص: 5.
الفلسفة (1/104)
صفحة 98
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
105
والذي يذهب إليه بعض المنطقيين المسلمين أنه من مسائل علم الكلام، يقول (الصاوي) صاحب البصائر النصيرية في تحديد مفهومه:
بأنه قانون صناعي عاصم للذهن عن الزلل مميز لصواب الرأي عن الخطا في العقائد بحيث تتوافق العقول السليمة على صحته وإنما احتيج إلى تمييز الصواب عن الخطأ في العقائد للتوصل بها إلى السعادة الأبدية لأن سعادة الإنسان، من حيث هو إنسان عاقل، في أن يعلم الخير والحق، أما الحق فلذاته، وأما الخير فللعمل به» (1). والذي يظهر من هذا أن المسألة في حاجة إلى مزيد البحث لطرافتها،
والجواب على السؤال التالي الذي يفرض نفسه لأنه ينبني عليها: وهي: هل هناك علوم مستقلة تماما عن علم الكلام؟ أم أنه حقا هو
أصلها ومنبعها؟
والذي يفيده التقييد في عبارة الغزالي (بالدينية)، وفي عبارة الإيجي والثميني (بالشرعية) هو أن علم الكلام هو أعلى العلوم الشرعية لا مطلقا.
ويشير الحاج امحمد اطفيش إلى: أن علم الكلام به مسائل من العلم الإلهي (2) بينما الأخضري يشير إلى أن المنطق نظير النحو، وبناء عليه فالأول ميزان للجنان، والثاني ميزان للسان (3).
(1) محمد فتحي الشنقيطي، أسس المنطق والمنهج العلمي، ص: 16، عن الصاوي (البصائر
النصيرية) ص: 3.
(2) مخ شرح معالم الدين، ص 28 وما بعدها وص: 35 وما بعدها.
(3) قول الشيخ عبد الرحمن الأخضري:
وبعد فالمنطق للجنان فيعصم الأفكار عن غي الخطا
نسبته كالنحو للسان. وعن دقيق الفهم يكشف الغطاً. (1/105)
صفحة 99
106
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
ومرة أخرى فإنه بناء على المسلّمة السابقة قال المتكلمون والعبارة من (المعالم) -: علم الكلام هو «الأعلى، وأنه ليست له مباد تبين في علم آخر، نـ مبادئه إما بينة بنفسها أو مبنية فيه، فهي مسائل من الحيثية، ومباد لمسائل أخر، لا تتوقف تلك المبادئ عليها، ... [إن علم الكلام]. منه تستمد العلوم الشرعية، وهو لا يستمد من غيره، فكان رئيسها على الإطلاق» (1).
وهكذا، فالتعبير المختار عند الثميني والإيجي لتعريف علم الكلام وتحديد موضوعه ومسائله، فضفاض من حيث ماصَدَقُه، وغايته لديهما هي: إثبات عقيدة دين الإسلام، وتناول كل ما يتعلق بما من القريب أو البعيد.
فهو لديهما علم بأمور يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه عنها» أو «هو المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية تعلقا
قريبا أو بعيدا»
هذا
عن موضوع علم الكلام، فما وجه تسميته بذلك؟
تسميته
وأما عن تسميته فالمقارنة طريفة جدا بين ما جاء به الثميني فيما يتعلق با، وما جاء به الإيجي، إن صاحب (المواقف) قد أثبت أربعة أوجه في تفسيرها، نختار
تعبيره قائلين:
أول الأوجه: «بأنه بإزاء المنطق للفلسفة»
ثانيها أو أن أبوابه عنونت بالكلام.
(1) مخطوط (معالم الدين)، ص: 6. (1/106)
صفحة 100
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
107
ثالثها أو أن مسألة الكلام أشهر مباحثه.
رابعها أو «أنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات مع الخصم (1)
وأما الثميني فإنه يرى أنه سمي بعلم الكلام
أولا: لأن الكلام عنوان مباحثه.
وثانيا: لأن مسألة الكلام كانت أشهرها.
وثالثا: «لأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصـ
كالمنطق للفلسفة».
ورابعا: «لأنه أول ما يجب من العلوم التي إنما تعلم وتتعلم بالكلام ... ». و خامسا: لأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام بين المعلم والمتعلم، وغيره قد يتحقق بغير ذلك.
وسادسا: لأنه أكثر العلوم خلافا ونزاعا فيشتد افتقاره إلى الكلام. وسابعا: لأنه لقوة أدلته صار هو الكلام بين العلوم باعتباره هو الأقوى. وثامنا: لأنه لا بتنائه على الأدلة القطعية الأدلة السمعية كان أشد العلوم تأثيرا على القلب موطن الدم فسمي بالكلام المشتق من الكلم وهو الجرح.
ويشير الثميني في النهاية - إلى أن هذا هو كلام القدماء (2).
وعند ملاحظة ما جاء به الإيجي وما جاء به الثميني، نجد الثميني قد اختلف
مع الإيجي في جانبين:
(1) (المواقف)، ص: 8.
(2) مخطوط (معالم الدين)، ص: 6 .. (1/107)
صفحة 101
108
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
الأول: أنه رجّح وجوز أن تكون الأوجه التي وردت في تسمية هذا العلم بالكلام، لها جميعا نصيب من الأثر في التسمية، لأنه لم يتأكد له أحدها بعينه ولذلك استعمل حرف العطف (و)، أما الإنجي فإنه استعمل حرف العطف (أو)، على أن كل وجه ذكره له وحده التأثير في التسمية.
الثاني: أنه لم يتفق مع الإيجي في تسمية العلم بالكلام «لأنه بإزاء المنطق
للفلسفة» (1).
ولعلّ الذي لم يرضه هنا، هو أن يكون علم الكلام كالمنطق، مع أنما متباعدان في نظره، فالمنطق جزء من الفلسفة وعلم الكلام أعلى العلوم ورئيسها، ولهذا نجده، قد جاء بعبارة أخرى قائلا:
للفلسفة»
لأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصم كالمنطق
والذي يستفاد منها: أن علم الكلام في المرتبة العليا وأنه يورث قدرة على الكلام وهذه القدرة كالمنطق في الفلسفة.
فهل هذه القدرة على الكلام الموروثة من علم الكلام، هي المنطق نفسه، أم
هي أمر آخر غيره؟
يبدو
أنه المنطق نفسه، ولكن بعد ترعرعه في البيئة الإسلامية والاستغناء به
عن المنطق الأرسطي في بعض جوانبه.
هذا عن موضوع علم الكلام وأوجه تسميته بالكلام، والآن يمكننا أن
نبحث في نشأته وتطوره.
(1) المواقف، ص 8. (1/108)
صفحة 102
نشأة علم الكلام:
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
109
يتفق كثير من الباحثين في علم الكلام والفلسفة الإسلامية على أن علم الكلام قد نشأ في بيئة إسلامية وبروح إسلامية بعيدا عن كل تيار أجنبي، وأن ما کان به من التأثر بالثقافات الأجنبية فهو في لاحق الأيام، وهو تأثر لم يكن بارتمائه أحضان تلك الثقافات دون وعي أو تمحيص، ولكن باستفادته منها وهو متشبع
في
بروح الدين الإسلامي.
ويذهبون إلى أن عوامل نشأته تتمثل في جانبين:
تطورها).
عوامل داخلية دفعت به إلى البروز والتشخص.
وعوامل خارجية ساعدت أيضا على بروزه و ساهمت في
و من الباحثين الذين كتبوا في نشأته وتطوره صاحبا كتاب: (فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية، اللذان قسما بحثهما في الموضوع إلى سبعة مراحل
(1) عهد ما قبل النشأة.
و (2) عهد التخمير: (أو التلاقي مع علم اللاهوت المسيحي)
و (3) عهد النضال أو الصراع بين المعتزلة وأصحاب النقل (أو) التلاقي مـ
الفلسفة اليونانية)
(1) للمزيد انظر: أحمد محمود صبحي في علم الكلام). أيضا: محمد صالح محمد السيد، (أصالة
علم الكلام). (1/109)
صفحة 103
110
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
و (4) انتصار الأشعرية.
و (5) (الانتقائية) الغزالية والطريقة المعروفة بطريقة (المتأخرين)
و (6) عهد التقليد والجمود.
و (7) عهد العصرية كما سماها]- أو حركة التجديد: (السلفية)» (1)
وقد جئنا بما كاملة مرتبة كما جاءا بما لنتبين من خلالها، ومن خلال قراءة تحليلهما وطرحهما أنهما أكثر ميلا إلى أن العوامل الخارجية هي المؤثرة في نشأة هذا العلم إن لم تكن عوامل نشأته، وهما يقران مع ذلك بأن هناك بوادر للنشأة قبل عهد التخمير كما يسميانه ويطلقان عليه عهد ما قبل النشأة)، وهو إقرار ضمني
لا لفظي من طرفهما بأهمية العوامل الداخلية.
العوامل الداخلية في نشأة علم الكلام
إن للعوامل الداخلية مكانه هامة في نشأة هذا العلم، وفي تطوره، ففي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بذور محفوظة، وفي التطور الاجتماعي مناخ ملائم
للبذر والظهور والنمو.
القرآن والسنة
إن في القرآن والسنة الكثير من القضايا التى تناولها علماء الكلام كإثبات وجود الله والحديث عن صفاته جل وعلا، وطلب النظر إلى مخلوقاته وعظيم ملكوته، وإلى الإنسان في وجوده ومصيره وما شابه ذلك.
(1) لويس غردية وج. قنواتي فلسفة الفكر الديني)، نقله إلى العربية د. صبحي الصالح ود. فريد جبر، دار العلم للملايين، بيروت، ط: 2، ج:1، ص: 35، وهو في الأصل دراسة باللغة الفرنسية عنوانها: (. Introduction à la théologie musulmane, essai de théologie comparee). (1/110)
صفحة 104
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
111
ولَرُبَّمَا كان العمود الفقري لتلك القضايا هو الاختلاف في ما مدى استعمال
العقل فيها، ذلك العقل الذي احتل مكانة هامة في القرآن الكريم الذي حث على النظر،
ومدح الذين يعقلون وأولي الألباب، وذمّ الذين لا يفقهون ولا يتفكرون.
في
لقد أحال القرآن الخلق على آثار الخالق، وأحالهم على النظر العقلي الكون والحياة ليكتسبوا منطقا إنسانيا أصيلا، يضم إلى صفاء الفطرة سلامة النظرة، وإلى رسوخ الإيمان قوة التفكير (1).
فالقرآن كان ذا أثر حاسم في توجيه نظرة المتكلمين إلى دراسة العالم، والبحث فيه بما أمدهم به من حقائق تتعلق به كقدرته تعالى على الخلق، وأنه لم يشرك معه أحدا في ذلك، وأشار في أكثر من موضع إلى قصة الخلق، وغيرها من القضايا التي تستدعي التأمل والتفكير.
الأوضاع السياسية:
فإذا كان القرآن والسنة في العهد الأول هما المرجع الوحيد في المسائل العقدية، كما فسره الثميني: لوجود النبي بين أظهر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، أو لقرب العهد به، ولقلة الوقائع، ولتيسر مراجعة الثقات (3) فالأمر لم يق على هذه الحال إذ «حين حدثت الفتن بين المسلمين والبغي على أئمة الدين، وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء، وكثرت الفتاوى والواقعات، والرجوع إلى العلماء في المهمات» صار الناس يشتغلون في النظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط (4).
(1) صبحي الصالح، تعقيبات على كتاب (فلسفة الفكر الديني)، ج 3، ص: 327.
(2) أصالة علم الكلام، ص: 93 - 94
(3) مخطوط (المعالم)، ص: 4.
(4) م - ن. (1/111)
صفحة 105
112
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
إن المسلمين كانوا «عند وفاة النبي الله على عقيدة واحدة وطريقة واحدة، ثم أولا في أمور اجتهادية لا توجب إيمانا ولا كفرا، وكان غرضهم
بينهم
نشأ الخلاف منها إقامة مراسيم الدين وإدامة مناهج الشرع «القويم» وهذه مثل «اختلافهم في موته، وفي موضع دفنه، وفي إرثه، وفي الإمامة، ونحو ذلك مما يكثر الكلام عليه، وكان الخلاف يتدرج ويترقى شيئا فشيئا إلى آخر أيام الصحابة» (1).
ثم جابت هؤلاء مستجدات دفعت بكم إلى إيجاد الحلول لها، ولزوم الفصل فيها، ونذكر منها على الخصوص: قضية، الإمامة والتطورات السياسية التي بدت أكثر اضطرابا بعد الخليفتين أبي بكر وعمر وقد رويت عن (عثمان) تصرفات استنكرها بعض الصحابة حتى كان مآله القتل، فبويع (علي) كرم الله وجهه من بعده، ولكن (معاوية) رفض بيعته، فكانت النتيجة التحكيم المرفق بالحيلة، وخروج أصحاب (علي) عليه وكان لتعاقب تلك الأحداث أثره في تبلور مباحث عرفها علم الكلام فيما بعد. ومن ذلك أنه نتجت عن قبول (علي) للتحكيم، ومقتله من بعد ذلك، وعن الحكم (لمعاوية) على غير حق بدلا عنه و وحلول الأمويين في بلاطهم بدمشق، سلوكيات أقلقت ضمائر كثير من الصحابة والتابعين، وترتب عن ذلك تسـ تساؤل خطير هو: هل هؤلاء الخلفاء الأمويون بتصرفاتهم تلك مسلمون حقا تجب طاعتهم أم هم غير ذلك فينبغي تحطيم شوكتهم ولو بالسيف والدم؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل أبرزت اتجاهات أربعة هي: سياسية – عقائدية: أولها: فريق أهل الشام الذي أحسن الظن بهم والتمس المسوغات الخلافتهم. وثانيها: اتجاه فريق الخوارج الذي كنَّ لهم العداء، وقام في وجههم
لاغتصابهم الحكم ورأى أن المقاومة أمر لا بد منه.
(1) مخطوط (المعالم)، ص: 277. (1/112)
صفحة 106
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
113.
وثالثها: اتجاه فريق الشيعة الذي كنّ لهم العداء، وقام في وجههم لكنه أباح
التقية فرارا من الاضطهاد.
ورابعها: اتجاه فريق المرجئة الذي توقف ورآهم مسلمين، لهم على الأمة حق
الطاعة، وحكمهم يرجأ إلى الله الذي يعلم السر وأخفى).
وهي
اتجاهات تبلورت عنها قضايا كثيرة في العقيدة، كقضية الإيمان والأعمال وشرعية الحكم والسلطة، ومرتكب الكبيرة وما يتعلق بما من المسائل (2).
ومع
نهاية القرن الأول الهجري يقول الثميني:
«كان الخلاف يتدرج ويترقى شيئا فشيئا إلى آخر أيام الصحابة، حتى ظهر معبد الجهيني، وغيلان الدمشقي، ويونس الأسواري، وخالفوا في القدر وإسناد جميع الأشياء إلى تقدير الله عز وجل، و لم يزل الخلاف يتشعب والآراء تتفرق» (3). واستمر الأمر على هذه الحال، إلى أن تبلور الفكر الاعتزالي مع واصل بن عطاء المتوفى سنة 131 هـ، وعولجت مشكلات هامة في عصره، والفلسفة اليونانية لم تتغلغل بعدُ في الفكر الإسلامي (4).
ولئن كان هناك من يذهب إلى أن أساليب الجدال والمنطق لم تلحق الفكر الإسلامي إلا بعد ردح من الزمن، كابن رشد الذي يرى «أن النظر ... في القياس الفقهي هو شيء استنبط بعد الصدر الأول» (3)، وكالجويني وابن حنبل، فإن
(1) للمزيد انظر: (فلسفة الفكر (الديني) ج 1 ص 52 وما بعدها. في علم الكلام) - المعتزلة - ص 30 وما بعدها.
(2) مصطفى عبد الرازق تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية)، ص: 283 وما بعدها
(3) مخطوط (المعالم)، ص: 278
•
(4) (في علم الكلام) - المعتزلة -، ص: 186.
(5) ابن رشد (فصل المقال)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر سنة 1982، ص: 26 - 27.
(6) علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام)، ص: 80 (1/113)
صفحة 107
114
هناك
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
من الباحثين من يرى أن فكرة قياس الأشباه بالنظائر والأمثال بالأمثال ووضع قواعد للقياس وشرائط العلة إنما كان من عهد الصحابة (1).
ولقد ظهرت منذ السنين الأولى نزعتان نجدهما طوال التطور الذي صاحب
الفكر الإسلامي عامة وعلم الكلام خاصة:
أولاهما: نزعة التمسك بظاهر النص.
وثانيهما: نزعة الاحتكام إلى العقل بالاجتهاد والاستنباط، وهي نزعة من جهة، لها دور حاسم في توجيه علم الكلام، وفي قيام المناظرات الكبرى بين المدارس الإسلامية المختلفة على المعنى الذي يجب أن تفهم بمقتضاه بعض النصوص القرآنية (2)، وهي نزعة من جهة أخرى، تيسرت بما السبيل، لمجابمة الثقافات الي احتك كما المسلمون بعد الفتوحات فاستطاعوا أن يدافعوا بما عن عقيدتهم، وهي من جهة ثالثة نزعة كما تطوّر فكرهم وأثرى حضارقم (3).
العوامل الخارجية وتطور علم الكلام
إن العوامل الخارجية التي استطاعت أن تؤثر في نشأة علم الكلام وتطوره هي عوامل جاءت نتيجة حتمية للعوامل الداخلية التي سبقت الإشارة إليها إجمالا.
وللاطلاع على نماذج مفصلة من اجتهادات النبي، وصحابته بمنظور فلسفي، انظر: (التمهيد لتاريخ الفلسفة (الإسلامية ص: 139 وما بعدها.
(1) مناهج البحث عند مفكري الإسلام)، ص: 81. (2) فلسفة الفكر الديني، ج 1، ص: 47.
(3) للاطلاع على أثر هذه الترعة في التطور الفكري راجع مثلا:
1) علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام)
•
(2) الربيع ميمون الإمام) السنوسي وطريقة الحكماء المحدثين في علم الكلام)، مخ، آملين أن
يرى نور الطاعة في القريب العاجل. (1/114)
صفحة 108
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
115
ولعل أول طريق إلى تطور علم الكلام على ضوء العوامل الخارجية، هو انتقال العاصمة الإسلامية من المدينة إلى دمشق سنة 41 هـ، إذ سهل هذا الحدث التواصل بين خليط من الديانات كان لبعضها أسلحتها الفكرية، وعلماؤها القوامون عليها والمدافعون عنها، وخاصة منها المسيحية.
لقد كانت المحاورات والمحادثات بين علماء هذه الديانات والثقافات وبين علماء الإسلام، قائمة وكان أقدر الناس عليها آنذاك
هم المعتزلة.
فلقد أثار كتاب (1) يحيى (يوحنا الدمشقي الذي اشتغل عند الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك وكان أبوه وكيلا ماليا ثم وزيرا لمعاوية، أثار مشكلتين (2):
الأولى: كون المسيح كلمة الله، فنتجت عنها قضية (خلق القرآن)
وهو
والثانية: كون الإسلام دين الجبر، فنتجت عنها قضية الجبرية والقدرية) كتاب يمكننا أن نعتبره أهم أثر أشارت إليه المصنفات، ويمكننا أيضا أن نفسر من خلاله منطلقات المدرسة الاعتزالية على أنها ردّ فعل لتلك الشبهات العقدية المثارة، وعلى أنها قامت الحماية ديانتها بالاستدلال على أن للإنسان حريته ومسؤوليته، وعلى أن القرآن مخلوق تفنيدا لعقيدة النصارى في المسيح، ودفعا لمقولتهم حتى لا تنال الفكر الإسلامي، وتبعا لذلك وضعت أصولها الخمسة في التوحيد والأخلاق.
هذا
أحمد ويعتبر
محمود صبحي أن المعتزلة – بعد عرض لنشأتهم وتحليل لآراء أهم زعمائهم - قد قدموا مفهوما نقيا خالصا لتوحيد الله مترهين إياه تتريها لم
تبلغه فرقة من فرق المسلمين إلا من اخد عنهم.
(1) (حوار بين مسيحي وشرقي).
(2) (في علم الكلام) ج 1 ص: 30. أيضا فلسفة الفكر الديني: ج: 1، ص: 56 إلى ص: 63. (1/115)
صفحة 109
116
ويعتبر
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
أن تصور الألوهية لدى البشرية منذ القبائل الأولى حتى الأديان
السماوية» (1) لم يبلغ ما بلغه من النضج في الإسلام دين التوحيد الخالص، و لم يبلغ
من التصور ما بلغ من تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين بين فرق المسلمين ما بلغه لدى المعتزلة مذهب التتريه الخالص
(2)
وهكذا فإن التقاء المسلمين باليهودية المحرفة، المشبهة في الصفات، الناكرة
النسخ المدنسة لأخلاق الأنبياء، والتقاءهم بديانات الفرس المانوية والمزدكية المنشقة
عن الزرادشتية، والتقاءهم بديانات الهند دين
القضايا التي تناولها علم الكلام.
البراهمة ودين البوذية، أثار كثيرا من
وما كان تناول علم الكلام لقضايا لم ترد من قبل إلا مجابة لتلك الديانات بكل قوة، وبمختلف الوسائل فكان التبلور والتطور لهذا العلم.
وقد ازداد هذا التطور وضوحا على الخصوص عند إنشاء دار الحكمة (3) وترجمة الكثير من المخطوطات في الثقافات المجاورة، وكان منها منطق أرسطو ومقالاته في الطبيعة.
ولقد نص الثميني أن الفلسفة نقلت من اليونانية إلى العربية على يد الفارابي (257) - 339 هـ)، وخاض فيها الإسلاميون، وحاولوا الرد على الفلاسفة فيما
(ا) (في علم الكلام)، ج 1، ص: 140.
إن كان يقول بفكرة التطور في الدين فالعبارة سليمة، وإن كان يرى أن الدعوة السماوية واحدة، فالأسلم أن يقال: (عند القبائل الأولى وحتى عند أصحاب الأديان السماوية)، هذا إذا
سلمنا فرضا أن هناك من القبائل الأولى التي لم يبلغها دين السماء.
(2) (في علم الكلام)، ج: 1، ص: 140. أيضا أصالة علم الكلام)، ص: 140. (3) أنشئت دار الحكمة في عهد المأمون وكان رئيسها حنين بن إسحاق العبادي (194 - 260 هـ)، وقد أجاد الفارسية واليونانية والسريانية والعربية. انظر: معالم الحضارة الإسلامية)، ص: 141
وما بعدها. والمرشد في الفلسفة العربية، ص: 34 وما بعدها. (1/116)
صفحة 110
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
117
خالفوا الشريعة، فخلطوا بالكلام كثيرا من الفلسفة ليتحققوا مقاصدها، فيتمكنوا من إبطاها، واستمروا على ذلك إلى أن أدرجوا فيه معظم الطبيعيات والإخيات وخاضوا في الرياضيات حتى كاد لا يتميز عن الفلسفة لولا اشتماله على السمعيات و هذا هو كلام المتأخرين» (1)، وقد سلك الثميني مسلكهم.
ويبدو من الإنتاج الكلامي أن الفلسفة قد وجدت طريقها إلى الفكر الإسلامي قبل الفارابي، ولا مانع من ذلك ما دام الاحتكاك قد تم مع الثقافات انجاورة، ويظهر ذلك جليا في الفكر المعتزلي من بعد واصل بن عطاء. بل إنما عرفت قبل إنشاء دار الحكمة.
لقد نقل أن حكيم آل مروان خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى سنة 85 هـ/ 704 م هو الذي قام بأول نقل في الإسلام إذ أمر جماعة من فلاسفة اليونان كانت تنزل مصر وتفصح العربية أن تنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي
(2)
إلى العربي ولعل الذين قالوا إن الفارابي هو المعلم الثاني (3) وهو الناقل للفلسفة من اليونانية إلى العربية، قالوا ذلك لأن ما نقله كان أشمل وأعمق في الفكر الفلسفي اليوناني، وكان من نتائج نقله وجود الإلهيات والرياضيات مختلطة بالكلام فيما بعد.
(1) مخطوط (المعالم)، ص: 7.
(2) ابن النديم الفهرست، بمقدمة لأحد أساتذة الجامعة المصرية (هكذا)، المطبعة، الرحمانية، مصر.
1348 هـ، ص: 338
للمزيد انظر: (تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية)، الفصل الثاني من م الأول. ومصطفى الشكعة، (معالم الحضارة الإسلامية)، ص: 140 وما بعدها.
(3) يقال لقب بذلك لكتاب له سماه (التعليم الثاني) انظر: محمد عبد الهادي أبو ريدة تعليقه على الكتاب تاريخ الفلسفة في الإسلام) لمؤلفه: ج. دي بور، دار النهضة العربية، بيروت، ط: 5 سنة 1981 ص: 198، 199. (1/117)
صفحة 111
118
ويجدر بنا أن
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
نشير دليلا على وجود تطور في علم الكلام قبل الفارابي -
إلى أن العلاف المتوفى سنة 235 هـ هو الذي ابتدع نظرية الجزء الذي لا يتجزأ وكان فيها أستاذ جميع من صحبه ومن أتى بعده من المعتزلة كانوا عيالا عليه بل
إنه أستاذ خصومه من الأشاعرة إذ تبنوا نظريته في الجزء الذي لا يتجزأ» (1).
-
هذا جانب، ومن جانب آخر فإن علم الكلام لم يُطَوّع علم أصول الدين سواء قبل الفارابي أو بعده - لآراء ونظريات فلاسفة اليونان، لآراء ونظريات فلاسفة اليونان حتى وإن استخدم مصطلحات الفلسفة اليونانية كالجوهر والعرض.
لقد منحها مفهوما مباينا لمفهومها اليوناني، وهكذا فما قدّم في النظرية السابقة (نظرية الجزء الذي لا يتجزأ) -مثلا- من دقيق الكلام مخالف تماما لنظرية ديمقراطس أو أبيقور (2).
ومن ثم فإن الأبحاث التي حرصت على تتبع المصادر الأجنبية لكل رأي للمعتزلة، خاصة حول نظرية الجزء الذي لا يتجزأ، أبحاث قد شابها عدم الدقة، فضلا عن التضارب في تحديد المصادر وخير مثال لذلك: كتاب (بينس) في (مذهب الذرة عند المسلمين) (3).
إن مباحث المتكلمين في مسائل الطبيعة ليست لتفسر الكون على طريقة الفلاسفة، لأنهم لا يقصدون التفلسف والنظر المجرد لذاته، وإنما بيان القدرة الإلهية
(1) (في علم الكلام)، ج 1، ص: 216.
(2) عند أبيقور وديمقريطس: الأزلية والمصادفة والآلية.
وعند العلاف ومن بعده: الحدوث والقدرة الإلهية. راجع: م- س، ص: 190.
(3) (في علم الكلام)، ج 1 ص: 215
أيضا: محمد عبد الهادي أبو ريدة، تعليقه على كتاب: (تاريخ الفلسفة في الإسلام)،
لمؤلفه: ج. دي بور، ص: 119 و 151. (1/118)
صفحة 112
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
119
في أهم مقدور لها وهو العالم، فنظرية الجزء عند المعتزلة مثلا، هي فرع عن تصور القدرة الإلهية، ونظرهم إلى العالم ليس تفسيرا فلسفيا خالصا للكون في ذاته، وإنما هو فهم للعالم بوصفه مخلوقا الله) وفعلا له.
وأفعاله عز وجل بحر لا ساحل له، تغترف منه جميع العلوم، وأهمها على
الكلام المتكفل بإثبات مبادئ العلوم.
فالعلماء حين يبحثون عن أسرار هذا الكون أو غيرها، يبحثون عنها إمـ للاقتراب منه جل وعلا، كما هو شأن العلماء المؤمنين، وإما لتأكيد ذواتهم والابتعاد عنه كما هو شأن العلماء الوضعيين جهلا منهم بحقيقة وضعهم في سلم الوجود، وجهلا منهم بأن لا قيمة للإنسان مهما كان، إلا بتوجهه إلى الله، والاقتراب منه، وطلب رضاه، وجهلا منهم في نهاية الأمر بأن العلم لا تكون له حقيقة قائمة، ولا يكون في خدمة الإنسان ورقيه إلا إذا كان صـ احبه يعي أن أساسه في بحر أفعاله تعالى» (2).
وإلى هذا أشار ابن خلدون حين ميز بين المتكلم والفيلسوف قائلا:
إن «الجسم الطبيعي الذي ينظر فيه الفيلسوف في الطبيعيات هو بعض من هذه الكائنات، إلا أن نظره فيها مخالف لنظر المتكلم، وهو ينظر في الجسم من حيث يتحرك ويسكن والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل، وكذا نظر الفيلسوف في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته، ونظر المتكلم في الوجود من حيث إنه يدل على الموجود ... » (3).
(1) (في علم الكلام)، ج 1، ص: 208 وما بعدها.
(2) الربيع ميمون (الإمام السنوسي عالم تلمسان) ص 24 مطبوع ضمن (حوليات جامعة الجزائر) عدد: 7 سنة: 1993 م.
(13) ابن خلدون (المقدمة)، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني، بيروت، ط: 3 سنة 1967 ص: 836. (1/119)
صفحة 113
120
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
وعلى هذا فعلم الكلام في تطوره، وفي معالجته لما خلفته الحضارات المجاورة كان يستوعب مضامينها، ويمحص منتوجها في مخبر الفكر الإسلامي، فتنوعت مدارسه متصارعة أحيانا، ومستفيدة بعضها من بعض أحيانا أخرى.
ولقد تطورت الأوضاع فيه، إلى أن كانت السيادة للمدرسة الأشعرية في الساحة الفكرية والاجتماعية آنذاك، وكان ذلك لعوامل عدة (1) نلخصها في
نقاط ثلاث:
أولاها: أنه تم في العهد الأموي إقصاء الشيعة والخوارج من
الساحة
السياسية باضطهادهم وقمعهم، مما جعل أفكارهم تتبلور في الخفاء. ثانيها: ظهور المعتزلة كمدرسة عقدية فكرية تتعامل بالعقل في ذروة تو قده، وتمتاز بصراعها مع النصيين، وبتأييد السلطة لها في قضية (كلام الله) فتألبت العامة ضدها.
ثالثها: انفصال أبي الحسن الأشعري عن أبي علي الجبائي في مسألة مراعاة الصلاح والأصلح، وبروز مدرسته المتوازنة بين العقل والنقل.
وينص الثميني على هذه الحادثة قائلا: كان الأشعري: «تلميذا عند أبي علي الجبائي منهم [أي من المعتزلة] فقال ... يوما عند مباحثته في وجوب الصلاح والأصلح على الله تعالى: ما تقول في ثلاثة إخوة ... ؟»، وذكر القصة وأسئلة الأشعري للجبائي، وكان الجبائي يجيب عنها إلى أن توقف محرجا، «فقال له الأشعري عند ذلك: وقف حمار الشيخ في العقبة. وترك مذهب الجبائي واشتغل هو ومن تبعه بإبطاله وإثبات ما ذهب إليه» (2).
(1) للمزيد راجع (في علم الكلام)، ج (2)، ص: 21 وما بعدها.
(2) مخطوط (المعالم)، ص: 7. (1/120)
صفحة 114
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
121
علم الكلام بعد القرن الخامس الهجري
ومن أتباع الأشعري الإمام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505 هـ
وهو
الذي تطورت. معه طريقة علم الكلام إلى ما يسمى بطريقة المتأخرين، التي سار
على منوالها كثير من المتكلمين لاحقا.
وهي
التي يقول عنها ابن خلدون إن أول من كتب في طريقة الكلام على
هذا المنحى هو الغزالي» (1).
وهي تتميز عن سابقتها بالإقبال على المنطق واعتباره من العلوم الضرورية في التعلم، ولأنه هو معيار العلم كما يسميه الغزالي، ولأنه كما يراه: «مقدمة العلوم ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا» (2) ويذكر ابن خلدون أن علوم المنطق قد انتشرت من بعد الجويني [ت: 478 هـ] ... في الملة وقرأه الناس،
كلّها،
وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار للأدلة فقط» (3).
ويشير إلى أن المتكلمين لما سبروا الأدلة بمعيار المنطق، لم يعتقدوا بطلان
المدلول من
بطلان دليله كما صار إليه القاضي الباقلاني، ويشير إلى أن هذه الطريقة
في مصطلحهم مباينة للطريقة الأولى، ولهذا فهي تسمى طريقة المتأخرين)
وقد عبر عنها الزركشي بقوله: «ما» لا دليل عليه يجب نفيه» (5).
(4)
(1) ابن خلدون (المقدمة)، ص: 836
(2) الغزالي (المستصفى)، ص: 10.
(3) (المقدمة)، ص: 835.
(4) م - ن.
(3) مناهج البحث عند مفكري الإسلام ص: 139، عن الزركشي (البحر المحيط)، مخ، ج: 6
ص: 31. (1/121)
صفحة 115
122
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
لقد كان هذا المبدأ هو الفارق بين طريقة المتقدمين وطريقة المتأخرين، وقد ردّ
هذا المبدأ من المتأخرين كل من الإنجي والجرجاني في تحليل ونقد وافيين
(1)
وهنا لا بد من التنويه إلى أن الفضل الكبير في هذا التطور كان للغزالي، إذ استطاع أن يلج كل العلوم الشرعية، ويعلو كعبه فيها، واستطاع أن يحدد معالمها وحدودها الروحية والعقلية، فكتب في الفقه وأصوله وفي الأخلاق والتصوف، وفي العقيدة والفلسفة وبلغت مؤلفاته المشرق والمغرب.
ولهذا فإنتاجه يعتبر حجر الزاوية في إثراء الفكر الإسلامي إذ قد أثار العقليين کابن، رشد والنقليين كابن تيمية، فتركوا ثروة فكرية عظيمة حسب تصوراتهم وهم من عقيدة واحدة، وهي ثروة لها أهميتها في الدراسات الإسلامية الحديثة.
والذي يعنينا هنا من مؤلفات الغزالي هو أثرها في علم الكلام وتصدي العلماء له حين أولى عنايته بالمنطق، ومن هؤلاء: ابن الصلاح (643 هـ) والنووي (631 هـ) بفتاويهما، وابن تيمية (621 هـ) بالنقد المنهجي لرأيه فيه، في كتابيه: الرد على المنطقيين) و (نقض المنطق)، ويبدو أن تبلور أفكار المدرسة السلفية المعاصرة كان في هذه الفترة.
جاء الرازي المتوفى سنة 606 هـ من بعد الغزالي ليدعم طريقة هذا الأخير بكتابه محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين)، وهو كتاب يقول فيه بعض الباحثين إنه قد شايع الفلاسفة فيه إلى حد بعيد معالجا موضوعات الفلسفة بنفس طريقتهم ملتزما في أغلب الأحيان بحججهم» (2) فاستفاد منه المتأخرون من علماء الكلام «حتى أخذوا عنه اصطلاحاته ذاتها، ولا سيما
(1) (شرح المواقف)، ج 2، ص 21 إلى 27 أيضا فلسفة الفكر الديني): ج: 1، ص: 128 وما
بعدها، ج 3، ص: 147 وما بعدها.
(2) (في علم الكلام)، ج: 2، ص: 330. (1/122)
صفحة 116
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
الإيجي والجرجاني والتفتزاني» (1) واحتفظوا بتخطيطه وتوسعوا في المادة الفلسفية.
123
وفي هذا الصدد يرى محسن فضل الله أن علماء الكلام ابتداء من الرازي أصبحوا فلاسفة الأمة (2).
و بالفعل فإن الرازي استطاع أن يتناول أعقد المسائل الفلسفية، فمنها مثلا: أنه استطاع أن يوضح بكل اقتدار الدليل الأنطلوجي عند ابن سينا، ذلك الدليل الذي لم يستطع -كما يذكر الربيع ميمون في تحليل عميق له - أن يكتشفه عنده كثير من المختصين واعتقدوا أنه حكر على سانت آنسالم) و (ديكارت)، بينما هو عند ابن سينا أكثر طرافة، وجدة، ويتأكد ذلك كما يقول - بمراجعة ما جاء به الرازي في كتابه (المباحث المشرقية) الذي جمع فيه ما تشتت من عبارات ابن سينا حول الدليل ووضحها بكل قوة وتمكن (3).
لعل
ذلك، فإنّ عبد الأمير الأعسم يذهب إلى أن التطور الفلسفي الكلام إنما كان على يد نصير الدين الطوسي المتشبع بالفلسفة السينوية حين عالج (محصل) الرازي بكتابه الذي سماه: (تلخيص المحصل).
وهو
كتاب يعتبره الأعسم عسم مرحلة سابقة لكتابه التجريد))، ويرى كما
يرى الشيبي أن (التجريد هو الكتاب الفاصل في تحويل مجرى الأبحاث الكلامية إلى الطابع الفلسفي ابتداء من القرن السابع الهجري [أو] الثالث عشر الميلادي» (5).
(1) (فلسفة الفكر الديني)، ج: 1 ص: 299.
(2) عبد الأمير الأعسم، الفيلسوف نصير الدين الطوسي)، ص: 147.
RABIA MIMOUNE, CRITIQUE ET INTERCULTURALITE DANS LA FORMULATION ET LA REFUTATION DE LA PREUVE ONTOLOGIQUE
(3)
راجع حوليات جامعية الجزائر من صفحة 7 إلى 22 العدد:7 سنة: 1993.
(4) الفيلسوف نصير الدين الطوسي)، ص: 147.
(5) م س، ص: 153، عن كامل الشيبي (الفكر الشيعي)، ص: 97. (1/123)
صفحة 117
124
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
ففي هذا القرن مزجت الفلسفة مزجا تاما بعلم الكلام لأول مرة في
الإسلام، وصار الكتاب نموذجا يترسمه المؤلفون في هذا العلم.
وقد ألفت على منواله من بعده كتب معتمدة عند الباحثين مثل كتاب (المواقف) لعضد الدين الإنجي (ت: 756 هـ)، وكتاب المقاصد) لسعد الدين التفتزاني (ت: 792 هـ)، وكتاب (المجلي) لابن أبي جمهور الأحسائي (ت: بعد سنة 901 هـ) (1).
هنا
ومهما يكن، فإنّ الرازي هو الخطوة الهامة في هذا التطور، وإنما الذي يعنينا أن الفلسفة قد امتزجت بعلم الكلام، وبلغت ذروتها مع كتاب (المواقف) للإيجي، وهو الكتاب الذي أطراه الباحثون فقالوا عنه:
هو
• إنه «ذروة ما بلغه علم الكلام عند الأشاعرة» (2).
وإنه يكاد يكون دائرة معارف إسلامية كبرى» (3).
وهو كتاب سنفرد له مزيد بيان في الفصل اللاحق نظرا لكونه من الكت الكتب التي تأثر كما الثميني عند تأليفه لكتابه (معالم الدين) موضوع دراستنا.
عن
وهو كتاب يذكر الباحثون أنه من بعده أخذ علم الكلام منحى آخر بعيدا التدقيق والفهم، ميالا إلى الحفظ والترديد، فكانت المتون والأراجيز، وكثر
الحشو والعناية بالغيبيات
(4)
(1) م س، ص: 154 عن (الفكر الشيعي)، ص: 99 المزيد انظر: الفيلسوف الطوسي، ص: 139 وما بعدها. (2) (في علم الكلام)، ج 2، ص 357. (3) فيصل بدير عون علم الكلام ومدارسه)، ص: 16.
(4) راجع مثلا: (في علم الكلام)، ج: 2، ص: 376. (1/124)
صفحة 118
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
125
ولقد بدأت البحوث العلمية اليوم في تطور في مجال علم الكلام بفضل توفر
الجامعات والمعاهد العلمية، وخرجت إلى النور دراسات أكاديمية لها شأنها في الواقع
العلمي، نأمل أن يكون لها شأن في الواقع العملي.
هذه نظرة عامة عن تطور المباحث العقدية التي اصطلح على تسميتها بعلم الكلام، وهو تطور يبدو أنه قد شمل بين قليل أو كثير كل المدارس الكلامية الموجودة اليوم في الفكر الإسلامي المعاصر بحكم انتسابها إلى الإسلام، وحرصها على العمل به والدفاع عنه، وبحكم مصيرها المشترك في الأوضاع الاجتماعية والسياسية العالمية، وبحكم التأثر والتأثير بالفكر الإنساني وفيه.
المدرسة الإباضية:
لقد سبق القول بأن أهم المباحث العقدية التي عرفت في علم الكلام، قد نوقشت أصولها وتعددت وجهات النظر حولها، قبل نهاية القرن الأول من الهجرة. ولقد كانت المدرسة الإباضية في الفكر الإسلامي من بين المدارس التي عاشت الأحداث الأولى في عمقها، إذ قد كانت من بين المحكمة (1) في نظرتهما إلى
(1) نذهب مذهب الجعبيري، ومحمد قرقش ونختار مصطلح (المحكمة) على الصحابة الذين رفضوا التحكيم للحيلة التي جاء بما عمرو بن العاص أمام أبي موسى الأشعري، وقالو (لا حكم إلا الله) نظرا إلى أن الآية صريحة في ذلك، قال تعالى: (وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله). وإنا وإن استعملنا مصطلح (الخوارج) قبل قليل لشهرته، فإنا لنبعده هنا حيث الحديث عن الإباضية، نظرا إلى أن الإباضية منذ العصور الأولى تتبرأ من الخوارج، وتسمي نفسها جماعة المسلمين) أو (أهل الدعوة) أو (أهل الاستقامة، ونظرا إلى ما لحق اللفظ من التدنيس لصدور سلوكات متطرفة فيما بعد ممن كان مع المحكمة كالأزارقة. يقول أبو الحسن الأشعري: «وجمهور الإباضية يتولى
المحكمة إلا من خرج»، مقالات الإسلاميين)، دار الحداثة ط: 2 1985، ج 1، ص: 171. (1/125)
صفحة 119
126
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
الأوضاع السياسية التي ترتب عنها كثير من القضايا العقدية، كالقول بعدم انحصار الإمامة في قريش وكالحكم على مرتكب الكبيرة دون التوبة بالخلود، وعدم الشفاعة، وكالولاية، والبراءة، ومثل ذلك من المسائل التي تطورت وعرفت فيما بعد ضمن الأصول الخمسة عند المعتزلة، وتعرف عند الإباضية بالأصول التسعة، كما في (متن الديانات لعامر الشماخي (ت: 792 هـ)
و (الإباضية) نسبة إلى عبد الله بن إباض التميمي المتوفى قبل سنة 86 هـ وهو عالم كان بارزا في الساحة السياسية، وله رسالة مشهورة) إلى عبد الملك بن مروان (65 هـ - 86 هـ)، وأما عمله فكان برأي التابعي جابر بن زيد الأزدي
العماني المتوفى سنة (93 هـ).
والتابعي جابر بن زيد يعتبره الإباضية إمامهم الحقيقي والمنظر الرسمي عندهم في المسائل الشرعية والسياسية. وهو صاحب عبد الله بن عباس، وكان من أشهر صحبه، وقرأ عليه، وهو أول من جمع الحديث في ديوان مفقود تروي المصادر أنه
وقر بعير.
ولقد التزم مسلك الكتمان بعد مقتل واحد من أبرز رجال المحكمة، وهو أبو بلال مرداس بن حدير سنة 61 هـ، الذي تورده المصادر الإباضية مثلا في مسلك الشراء
(2)
للمزيد انظر: علي يحيى معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية). أيضا - فرحات الجعبيري (البعد الحضاري للعقيدة ص: 31 الى 89 - محمد قرقش، عمان والحركة (الإباضية)، ص: 61 وما بعدها. – يحيى بن صالح بوتردين، الشيخ اطفيش ومنهجه في التفسير)، ص: 89 وما بعدها. (1) البرادي (الجواهر)، ص: 165. (2) تقسم الإباضية مسالك الدين أربعة أقسام، وهي الطرق التي يمكن بسلوكها أن تُحمّي الدعوة لتصل إلى الخلق دون أن تتضرر. وهذه المسالك هي: مسلك الظهور مسلك الدفاع – مسلك (1/126)
صفحة 120
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
127
ويذكر عن أبي بلال أنه بعد أن هرب في أيام عبيد الله بن زياد من الظلم هو وأربعون رجلا، أذاع في الناس أنه لم يخرج ليفسد في الأرض ولا ليروع أحدا، وأنه لا يقاتل إلا من قاتله، ولكن شاء الله أن يُقتل من طرف جيش عبيد الله الذي أرسله إليه للمرة الثانية تحت قيادة عباد بن علقمة المازني، فقتل (مرداس) وحمل رأسه إلى ابن زياد.
وإنه نظرا لتطور الأحداث اجتمعت المحكمة سنة (64 هـ) بالبصرة لدراسة الوضع، ولكنها انقسمت إلى اتجاهين:
1) اتجاه الأزارقة (نسبة إلى نافع بن الأزرق) الذين رأوا أن الأوضاع تتطلب الاعتماد على مبدإ ردّ القوة بالقوة.
(2 واتجاه الإباضية الذين رأوا أن الأمر يقتضي توجيه العمل إلى الدعوة والتعليم).
ولهذا فإنهم تبرأوا من عمل ابن الأزرق كما جاء في رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان يقول له فيها: «إنا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه
=
الشراء - مسلك الكتمان.
راجع في الموضوع:
- مهدي طالب هاشم الحركة الإباضية في المشرق العربي، نشأتها وتطورها حتى نهاية القرن
الثالث الهجري).
- نايف عيد جابر السهيل، الإباضية في الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين) - جهلان، عدون الفكر السياسي عند الإباضية)
-
ناصر المرشد البريك، الإباضية في الفكر السياسي الإسلامي، وأثرها في قيام الدول). (1) راجع البعد الحضاري) ص: 49 وما بعدها أيضا محمد، قرقش عمان والحركة الإباضية)،
ص: 75 وما بعدها. (1/127)
صفحة 121
128
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
وأتباعه، لقد كان حين خرج على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنه أحدث وارتد
(1)
وكفر بعد إسلامه قنبرأ إلى الله منهم 1
ومن النصوص الإباضية التي بلغتنا من العصر الأول، بعض أقوال جابر بن زيد، وبعض كتابات أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة المتوفى حوالي سنة 145 هـ وهي نصوص حرص كل من الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي المتوفى حوالي سنة 170 هـ، وأبي غانم بشر بن غانم الخراساني الذي عاش في زمن الدولة الرستمية، حرصاً حرصاً كبيرا على جمع روايات هذين الإمامين.
ومنها رسالة عبد الله بن إباض السابقة الذكر إلى عبد الملك بن مروان. ومنها خطبتان إحداهما في مكة والأخرى في المدينة لأبي حمزة المختار بن عوف، المعروف بالشاري، المتوفى سنة: 130 هـ.
فمن خلال هذه النصوص يتبين لنا تبلور وجهة نظرهم في الأحداث الأولى، ويتضح لنا ذلك أكثر من خلال سيرتهم العملية عندما تحملوا أعباء الإمامة في حضرموت باليمن، وفي تمرت بالجزائر، إذ يتأكد لنا أن لهم سلوكا غير السلوك الذي يوصف به الخوارج. فهي نصوص تحتوي على النواة الأولى للمباحث العقدية عند الإباضية، إذ فيها تصريح عبدإ نفي الوراثة عن الإمامة، وتلميح إلى الولاية والبراءة، وإلى رفض قضية المهدي المنتظر.
وبفضلها علمنا أن قضية القدر (2) أثيرت في مجلس أبي عبيدة، ومجلس الربيع،
وأن الرأي مستمر على أن الله خالق الخير والشر (3)
(1) البرادي (الجواهر)، ص: 165.
(2) (الإباضية بين الفرق الإسلامية)، المطبعة العربية، غرداية ط 2، 1987، ص: 292 وما بعدها.
(3) راجع (البعد الحضاري)، ص: 106. (1/128)
صفحة 122
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
ومن الكتابات الأولى التي ورد ذكرها في هذا الشأن:
• رسالة جابر بن زيد إلى شيعي.
ورسالة أبي بلال مرداس إلى المسلمين.
129
ورسالة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ومعاصره حاجب الطائي إلى أهل المغرب. . ورسالة الربيع بن حبيب في عبد الله بن عبد العزيز وأبي المؤرج وشعيب حول مسألة القدر التي أثاروها في زمنه وقد أثاروها من قبل في مجلس أبي عبيدة. و في القرن الثاني كان لأبي سفيان محبوب بن الرحيل المتوفى في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري رسالة هامة تحتوي على القضايا التالية:
• التعريف بعبد الله بن إباض وعصره.
• الإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته.
الإسلام والإيمان.
المفروضات والسنن.
الحلال والحرام.
• الولاية والبراءة.
• البراءة من الفرق الضالة الصفاتية والشيعة والأزارقة، وأصناف الخوارج، والمعتزلة والجهمية وفي كل ذلك يذكر سبب البراءة (1).
ومن كتابات القرن الثالث الهجري كتاب التوحيد الكبير) لعيسى بن علقمة المصري، ولأبي اليقظان محمد بن أفلح الرستمي (240 هـ - 283 هـ
(1) (البعد الحضاري) ص: 107 - 108. (1/129)
صفحة 123
130
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
رسالة في خلق القرآن والعمروس بن فتح (ت: 280 هـ) (الدنيوية الصافية) (1) وهي رسالة تحليلية أبرزت ثلاث قضايا:
1) موقف الإباضية من المؤمنين والمشركين والمنافقين.
(2) موطن الخلاف بين الفرق التالية:
المرجئة، والصفرية والمعتزلة، وأهل الحديث مع ذكر للأدلة باختصار.
(3) تحليل ما لا يسع جهله طرفة عين وما يسع جهله من الإيمان والعمل حتى يحل وقته (2).
إن المسائل التي وردت سواء في الدنيوية الصافية) أو في رسالة أبي سفيان محبوب بن الرحيل نراها بقيت متداولة في التآليف اللاحقة وتعتبر من أهم المسائل فيها.
ومما وصل إلينا من تراث القرن الرابع الهجري كتاب: (الرد على جميع المخالفين) (3) لأبي خزر يغلا بن زلتاف الوسياني المتوفى سنة: 380 هـ، وفيه كان الأسماء والصفات، وعما يسع جهله، وعن الاستطاعة واختلاف
الحديث عن
المتكلمين فيها، وفيه الرد على المعتزلة في مسألة خلق الأفعال، وفيه بسط القول في الوقوف عن الولاية والبراءة.
وهو يمتاز بكونه جاء في جميع المسائل بحديث مستفيض وبتحليل عميق، وبأسلوب جدلي هادئ.
(1) للباحث صورة منها أصلها بمكتبة البكري - العطف - الجزائر، تحت رقم: 08 / د/ 764 تقع
في: 24 ورقة.
(2) (البعد الحضاري): ص: 109 - 110.
(3) حققه وقدم له عمرو خليفة النامي، مرقون 77 ص عند الباحث صورة منه. (1/130)
صفحة 124
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
131
يذكر الجعبيري أن الإباضية في المغرب الإسلامي ظهرت لديهم عناية أكبر
بالتأليف مع حلول القرن الخامس الهجري (1).
ويظهر أن عنايتهم
كانت منصبة على التطبيق العملي فهو الذي نلمسه
لديهم من قبل، وهو الذي نلمسه أيضا إلى يومنا.
ولعل ذلك لأن شغلهم الشاغل قبل القرن الخامس كان إقامة الدولة الإسلامية العادلة حسب تصورهم بعد أن سقطت الدولة الرستمية، ثم إنهم بعد عجزهم عن بعثها تصارعوا من أجل الحفاظ على البقاء، فكانت الثمرة تكون نظام العزابة القائم إلى اليوم.
لقد كانت مؤلفاتهم إلى تلك الفترة وثيقة الصلة بأصولها الإسلامية و لم تمتزج
بالثقافات الوافدة.
فلقد كانت عقيدة (نفوسة لأبي زكرياء يحيى الجناوي (ق: 5 هـ) التي بقيت متداولة إلى عهد قريب في نفوسة ومثلها في جربة ووادي مزاب (نكتة التوحيد أو عقيدة (التوحيد وكانت بالبربرية والتي يذهب الباحثون إلى أنها لا تتجاوز القرن الخامس الهجري، ويذكرون أن ابن جميع ترجمها في القرن الثامن الهجري، وهي رسالة سنعود إليها، ونفصل القول حولها نظرا إلى أنها من أصول کتاب دراستنا (معالم الدين).
ومن مؤلفات القرن الخامس الهجري (5 هـ) كتاب أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي القابسي المتوفى سنة 471 هـ والذي سماه: (التحف المخزونة في إجماع
الأصول الشرعية)، وقد قسمه جزأين:
(1) (البعد الحضاري)، ص: 109 - 110. (1/131)
صفحة 125
132
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
الأول: عالج فيه ما يسع الناس جهله والولاية والبراءة، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وحقيقة الإيمان وحقيقة الكفر، وقضية خلق القرآن. والثاني: عالج فيه: الحكمة الإلهية والصفات ونفي الأشباه والمساواة عن الله
عز وجل (1).
ولأبي العباس أحمد بن بكر الفرسطائي المتوفى سنة 504 هـ كتابا سماه: (مسائل التوحيد مما لا يسع الناس جهله وغير ذلك من مسائل الكلام، تكلم فيه عما لا يسع الناس جهله وقسمه قسمين:
(1 ما بين المسلم والناس وذلك مثل الإقرار بالشهادة وما يتبعها حتى تجرى عليه أحكام المسلمين.
(2 ما بين المسلم والله ويتمثل في الإقرار والإضمار وعلم الجملة، وأشار إلى ما ينبغي أن يعرف عن الأنبياء، وعن الآخرة، كما أفرد فصولا طويلة للولاية والبراءة، ولم
يغفل عن مسالك الدين والإمامة معتبرا إياها قسما من أقسام أصول الدين (2).
والذي يظهر لنا مما سبق عرضه من المؤلفات وقد أشرفنا على القرن السادس الهجري أن القضايا المطروحة نابعة من الفكر الإسلامي الصافي الأصيل، ومتميزة بساطتها وانشغالها بمعالجة الجانب العملي في العقيدة المتعلق بالفرد أو المجتمع، بعيدا عن الطرح النظري البحت.
ومع بداية القرن السادس الهجري بدأ التطور في التأليف الإباضية، فكان
التلاقي مع مؤلفات الأشاعرة التي بسطت نفوذها في العالم الإسلامي.
(1) البعد الحضاري، ص: 114. عند الباحث صورة منه بما بعض الخرومات، نسخها عمي سعيد الجربي. (2) م - س، ص: 116. للباحث صورة منه، استخرجها من أصله الموجود بالمكتبة البارونية، في حومة الحشان بجربة تونس. (1/132)
صفحة 126
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
133
لقد ظهر أبو عثمان عمرو بن خليفة السوفي (ق: 6 هـ) بكتابه (السؤالات) (1) الذي أجاب فيه عن 95 سؤالا في جميع مسائل الأصول، وظهر أبو
على
عمار عبد الكافي الوارجلاني المتوفى سنة 570 هـ بكتابه (الموجز) (2) ليرد علـ الفلسفات القديمة وعلى أهل الكتاب ويقرر أصول العقيدة الإسلامية عند الإباضية ويرد حجج الفرق الأخرى في أسلوب جدلي متين.
ثم ظهر بعد أبي عمار أبو يعقوب الوارجلاني بكتابه (الدليل والبرهان) (3) وبمؤلفاته التي تعتبر مكملة ومركزة لما جاء به أبو عمار، والتي تكشف عن الغليان الفكري الذي ساد، زمانهما، وقد ضم كتابه ضميمة في المنطق سماها: (مرج البحرين). وفي القرن السابع كتب أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي قصيدته النونية والتي
ضمت أصول العقيدة، ونالت الاهتمام من بعده بحفظها وتدريسها وشرحها. ومن الشروح التي كانت عليها شرح الجيطالي المتوفى سنة 750 هـ، والذي هو إمام تلتقي معه في جميع كتبه بالغزالي والماوردي والمحاسبي والشافعي وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل ومالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي وغيرهم من الأئمة [الذين] يورد آراءهم فيما يعرض له من المباحث في دقة وأمانة، فإذا رأى خلافا أبان عن أصله وأوضح أسبابه ثم اختار ما يبلغ عقله من الحق في ذلك» (4).
(1) للباحث صورة لمخطوطة وجدها بالمكتبة البارونية، بجربة، تونس. (2) مطبوع وقد نال بدراسته وتحقيقه عمار طالبي درجة دكتوراه الدولة، معنونا عمله: (آراء الخوارج الكلامية وكان تحت إشراف: د. على سامي النشار. (3) طبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان سنة 1983 م بتحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي. وقد طبع من قبل طباعة حجرية.
وهو موضوع دراسة وتحقيق في دكتوراه الحلقة الثالثة من الطالب: صالح بوسعيد، تحت إشراف: عبد المجيد بن حدة، بالمعهد الأعلى لأصول الدين، بجامعة الزيتونة.
(4) عمرو خليفة النامي، تمهيده لكتاب: قناطر الخيرات لأبي طاهر إسماعيل الجيطالي، د - م - ط
ود ـت - ط، ص 16. (1/133)
صفحة 127
134
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
ومن شروح النونية أيضا شرح التلاتي (ت: 1187 هـ)، وشرح الثميني الذي كان اختصارا لشرح التلاتي كما سبق بيانه في الفصل الثاني من الباب الأول عند الحديث عن مؤلفات الثميني.
وإذا كان للتلاتي أثره في تأليف الإباضية لاحقا، وفي الثميني على الخصوص، فإن لأبي العباس أحمد الشماخي الذي كان قبل التلاتي، والمتوفى سنة 928 هـ - أثره كذلك، إذ إن الثميني قد انتقى من بين المؤلفات السابقة شرح الشماخي لعقيدة ابن جميع لتكون المادة الخام في كتابه (المعالم) كما سنوضحه في الفصل اللاحق.
أملنا أن تكون هذه البسطة في بيان تطور علم الكلام عند الإباضية، وعند المغاربة
منهم على الخصوص، كافية عما أغفلناه من المعلومات التي لم يرد لها ذكر هنا (1). فما جئنا به في هذه البسطة، هو القدر الذي يساعدنا على فهم الكتاب (معالم الدين الذي جاء الثميني، به والذي يتميز عن جميع المؤلفات السابقة لاعتماده فيه على المنطق والفلسفة، دون تخل عن أهم القضايا التي كانت الإباضية تعتني بما منذ كتاباتها الأولى.
وهو كتاب يتميز أيضا بتخليه عن حدة الجدال المشحون بالعاطفة، والتي
كانت بعض المؤلفات السابقة مليئة بها، كما في الدليل والبرهان للوار جلاني. لقد كان الثميني يعرض المسألة مجردة، باستدلال منطقي رزين، مقررا ومفندا، ولذلك كان كتابه فريدا من نوعه بين مؤلفات الإباضية، ويظهر أنه اتجاه لم يمل إليه كثيرا علماء الإباضية من بعده، إلا الحاج امحمد بن يوسف اطفيش، ولعل ذلك إن لم يكن لعدم استساغته فلاقتضائه جهدا خاصا في
المعالجة والتحليل.
(1) للمزيد راجع (البعد الحضاري الباب الأول، من ص: 31 إلى ص 187. (1/134)
صفحة 128
الفصل الأول: نشأة علم الكلام وتطوره
135
ومن الذين جاؤوا من بعده و لم يسلكوا نهجه في استعمال المصطلحات
الفلسفية والأقيسة المنطقية:
عبد
الله بن حميد السالمي الذي عاش بين سنتي: 1286 هـ و 1332 هـ وإليه انتهت الإمامة العلمية عند الإباضية بالمشرق في عصره، ولقد خلف مؤلفات
جمة، يقول في أحدها، وهو (مشارق أنوار العقول) في موضوع الملائكة:
«واستدلوا على ذلك بوجوه عقلية ونقلية فأما العقلية فمبنية على قواعد الفلسفة التي لا يسلمها الإسلاميون فلا نذكرها، وأما النقلية فمنها ... »، وجاء بأدلته في الموضوع). وقد استفاد من كتاب (معالم الدين) من جاء بعده، منهم: الحاج امحمد بن يوسف اطفيش على الخصوص، وهو الذي حاول شرحه لكنه لم يأت منه إلا بالقليل. وقد رجع إليه الشيخ نور الدين السالمي في كتابيه: (بهجة الأنوار) و (مشارق
أنوار العقول) وهما كتابان شرح فيهما قصيدتيه: أنوار العقول في الأصول.
وقد
بن
رجع إليه كذلك، الشيخ سليمان محمد الكندي، في كتابه (بداية الإمداد) (2)، الإمداد (2)، ورجع إليه الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في كتابه (الحق) الدامغ) (3).
ولا يفوتنا قبل أن ننهي الفصل أن نشير إلى أن الجعبيري صاحب الدراسة القيمة في ما أنتجته المدرسة الإباضية بالمغرب في العقيدة الإسلامية، وفي القرون
حمد بن
(1) نور الدين السالمي (مشارق أنوار العقول)، علق عليه وصححه الشيخ أحمد مطابع العقيدة، روى سلطنة عمان، ط: 2، 1978، ص: 235. (2) سليمان بن محمد بن أحمد الكندي، بداية الإمداد على غاية نهاية المراد في نظم الاعتقاد)، وهو شرح القصيدة غاية المراد) للسالمي تحقيق محمد علي صليبا، مطابع العقيدة، مسقط، ط: 1،
1986، ص: 31 ص: 34.
(3) (الحق الدامغ)، مطابع النهضة، مسقط، ط: 1409، ص: 103. (1/135)
صفحة 129
136
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
الثلاثة: العاشر والحادي عشر والثاني عشر، لم يذكر كتاب (معالم الدين) للثميني، و لم يتناوله بالتحليل كما فعل مع غيره، مع أنه كتاب من نفس الفترة، ومع أنه استعمل من كتبه كتابه (النور).
والذي يبدو هو أن للنور وضعا خاصا في دراسته لكونه شرحا من شروح
النونية للملوشائي.
ومن المحتمل أن يكون الذي أبعد الثمنيني عن هذه الدراسة، هو تاريخ وفاته
التي كانت بعد نهاية القرن الثاني عشر بثلاث وعشرين سنة.
وبهذه الملاحظة يمكننا أن ننهي الفصل بعد أن رأينا بعض أهم التراث الكلامي الذي كان قبل (المعالم) منذ النشأة، والذي قد يكون له التأثير البالغ في
كتابنا (المعالم).
وبالعرض الذي أتممناه نكون أقدر على تحديد موقع كتابنا بين ذلك المنتوج الكلامي، ويمكننا أن ندرسه ونحن في وضعية أكثر قربا منه، وهو ما سنفعله في
الفصل التالي.
*** (1/136)
صفحة 130
الفصل الثاني كتاب الثميني (معالم (الدين
قبيل تأليفه
أماكن وجوده
محتويات
أصول
ه
أ) (المواقف للإيجي، وشرحه للجرجاني.
ب) (مقدمة التوحيد) لابن جميع، وشرحها للشماخي.
ج) (کش ف الغم
منهجـ
ه
- الاختص
-
ـــار.
تأثره بما كتبه السابقون.
- مسلكه في الكتاب.
- - الماخ
ــذ.
ـــة). (1/137)
صفحة 131
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
الفصل الثاني
كتاب الثمينى: معالم (الدين
قبيل تأليفه:
139
إننا اعتمدنا في دراسة آراء الثميني الكلامية كتابه (معالم الدين) لأنه أهم كتاب له في العقيدة الإسلامية وعلم الكلام، أو لأنه كما يقول عنه البعض كتاب في الفلسفة وأصول الدين، ولقد اشتهر بذلك، وليس هناك كبير فرق نظرا للتداخل الحاصل بين هذه المصطلحات، وإن كان مصطلح الفلسفة منها أشمل لغير مباحث الكتاب. ويظهر أن الثميني قد اطمأن إلى هذا الكتاب ورضي به، وذلك فيم
يبدو - لسببين:
(1 للمكانة التي يراها لعلم الكلام، ولأهميته بين العلوم الإسلامية.
(1
(2) وللجهد الذي بذله فيه فأتمه على وفق ما أراد أن يكون.
ولا بأس أن نشير هنا إلى أن كتاب (معالم الدين للثميني - فيما يدو - بعيد كل البعد عن كتاب (معالم الدين) لأحمد حميد الدين الكرماني الإسماعيلي المولود قبل سنة 331 هـ - المتوفى بعد سنة 408 هـ، ويبدو أن لا علاقة له به وأن التسمية قد اتفقت من قبيل الصدقة وتوارد المعاني (1).
وإنه ليجمل بنا قبل أن نتحدث عن مضمون الكتاب مفصلا، أن نتحدث عنه إجمالا شكلا ومضمونا لنأخذ فكرة عنه بعد أن أتممنا الحديث عن
صاحبه.
(1) أحمد حميد الدين الكرماني (راحة العقل)، تحقيق: مصطفى غالب، ص: 41، 53، 109. (1/139)
صفحة 132
140
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
ولهذا فإنه ليجدر بنا أن نشير في هذا المقام إلى أن الثميني قبل كتابته (المعالم)، كان قد ألم بكثير من المصنفات في العقيدة الإسلامية، خاصة بعد أن تبلورت
وتباينت مدارسها من حيث اعتمادها العقل أو النقل في منهجها.
إن الثميني من المدرسة الإباضية والمدرسة الإباضية من المدارس الإسلامية المعتمدة على الكتاب والسنة في معالجتها القضايا العقدية جاعلة للعقل مكانته وحدوده، وللنص قداسته وحرمته فتنوعت مؤلفاتها مشرقا ومغربا.
وجاء الثميني في القرن الثاني عشر للهجرة، فاطلع على مؤلفات مذهبه وغير مذهبه وأعطى نفسا جديدا وطابعا متميزا لمؤلفات العقيدة الإسلامية لما أوتي
-
من سعة الاطلاع، ولما استفاده - خاصة ـ من آخر ما أنتجته المدرسة الإباضية ـــ والمدرسة الأشعرية في الموضوع.
فهو قبل أن يؤلّف كتابه (المعالم)، كان قد ألف من قبل أول كتاب له في المنطق، وهو كتاب (تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين)، الذي عالج فيه هذا الفن معالجة وثيقة الصلة بالفلسفة وعلم الكلام، إذ دفعه هذا الكتاب التعاظم) للإطلاع على أشهر المؤلفات الإسلامية -ـ آنذاك ــ في كل من
--
العقيدة والمنطق واللغة وقد أشار إلى كثير منها فيه نذكر منها على سبيل المثال: (طوالع الأنوار للبيضاوي (ت: 685 هـ)، وشرحه للأصفهاني (ت: 749 هـ)، و (مطالع الأنوار) للأرموي (ت: 689 هـ)، وشرحه لقطب الدين الرازي التحتاني (ت: 766 هـ).
«العلامة
واطلع على (الشمسية) للقزويني (ت: 693 هـ) وشروحها، كشرح القطب الرازي الذي هو في نظره قطب التحقيق وعلم التدقيق» وهو القطب»، وكشرح التفتزاني (ت: 793 هـ). (1/140)
صفحة 133
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
141
ومن كتب التفتزاني التي اطلع عليها (المطول) و (التهذيب)، واطلع كذلك
، (
على (المواقف) للإيجي (ت: 756 هـ) وشرحه للسيد الجرجاني (ت: 816 هـ ولنا عودة إليهما بمزيد من التفصيل لما لهما من الأهمية في دراستنا. وقد أشار وأحال في كتابه: (التعاظم) إلى كتب عديدة لغوية وفلسفية لم نذكرها. وقصد إبراز أهمية هذه المصادر التي استقى منها معارفه نذكر منها كتابين في
المنطق هما:
(الرسالة الشمسية) لنجم الدين عمر بن علي القزويني المكابي، و (مطالع الأنوار) لسراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي، وهما كتابان يقول عنهما أحد المختصين يمكن أن نعتبرهما الصورة الأكمل للمنطق عند العرب» (1).
ونلاحظ أن المؤلفات التي ذكرناها، ومنها التي لم نذكرها، هي مؤلفات من المدرسة الأشعرية، ونلاحظ أن مؤلفات عديدة من المدرسة الإباضية عاد إليها في كتابه (التعاظم) ـ نذكرها جميعا ــــ وهي:
-
أولا مصنفات الوارجلاني (ت ق 6 هـ وقد نص منها على كتابين: الدليل
والبرهان) (2) في العقيدة، والعدل والإنصاف) (3) في أصول الفقه، وأشار إلى غيرها. وثانيا: مصنفات أبي عمار عبد الكافي (ت: ق 6 هـ) منها (الموجز) في علم الكلام)، وشرح الجهالات)، علما بأن الجهالات) (5) لتبغورين بن عيس الملشوطي المتوفى في النصف الأول من (ق: 6 هـ)
عيسى
(1) عادل فاخوري (منطق العرب من وجهة نظر المنطق الحديث)، دار الطليعة بيروت، ط: 2،
1981، ص: 32.
(2) كان موضوع الدراسة والتحقيق من طرف: صالح بو سعيد.
(3) لقد حققه وعلق عليه د. عمرو خليفة النامي. انظر البعد الحضاري) ص: 823.
(4) من أبرز مؤلفاته، وهو موضوع دراسة الدكتور عمار طالبي.
(5) يذكر فرحات الجعبيري: أن عامر ونيس قد حققه. لقاء معه بجربة يوم 1989/ 09/20. (1/141)
صفحة 134
142
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
وثالثا: كتاب (السؤالات) لأبي عمرو عثمان بن خليفة السوفي (ت: ق: 6 هـ).
وقد أشار إلى حاشية أبي ستة (ت: 1087 هـ) على (القواعد)، وكتاب (القواعد) هذا لأبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت: 750 هـ)، من أجزائه جزء مهم في أصول الدين (1)، حققه النامي في أطروحته (2)، واعتمده كذلك في أطروحته كوبرلي (Cuperly)(3).
وأشار أيضا إلى شرح العدل والإنصاف) لأبي القاسم البرادي (ق: 9 هـ)، وإلى آراء للشماخي، ولكننا لم نتمكن من تحقيق الذي يريده بهذا الاسم، لأن هناك أبا ساكن عامر الشماخي (ت: 792 هـ) الذي شرح مقدمة التوحيد، وهناك أبا العباس أحمد الشماخي (ت: 928 هـ) الذي اختصر وشرح العدل والإنصاف. ومما يلاحظ أن أغلب هذه المراجع من مؤلفات القرن السادس الهجري، وهو قرن يمثل في نظر الجعبيري مرحلة النضج في المؤلفات العقدية عند الإباضية (4). ويدعم قوله هذا وصف عمار طالبي كتاب (الموجز) - أحد الكتب المهمة التي كانت في تلك الفترة، والتي عاد إليها الثميني بأنه كتاب يمثل مرحلة نضـ
-
علم الكلام، وبأنه يمدنا بصورة متكاملة لمذهب الإباضية الكلامي (5).
(1) الاسم الكامل: (قواعد الإسلام)، حققه عبد الرحمن بن عمر بكلي في مجلدين، وطبع سنة 1976
بالمطبعة العربية - غرداية - الجزائر.
(2) الجعبيري (البعد الحضاري، ص: 123.
Pierre Cuperly, (Introduction à l'étude de l'Ibadisme et de sa théologie.) O.P.U.
Alger, 1984 du P: 121 au P:144.
(3)
(4) لقاء معه بجربة يوم 1989/ 09/20.
(5) عمار طالبي (أراء الخوارج الكلامية)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978،
ج: 1، ص: 225. (1/142)
صفحة 135
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
143
ولا شك
من بعد هذا، أن هذا الكشف البسيط لكتاب الثميني (تعاظم
الموجين)، يساعدنا كثيرا في الاطلاع على الخلفية المعرفية للثميني في مجال العقيدة، نظرا لانقطاعه عن إتمام ذلك الكتاب كما سبق ذكره (1)، وتفرغه للكتاب الذي
يعنينا وهو (معالم الدين).
أماكن وجوده:
قبل الحديث عن أماكن وجوده، يتعين علينا أن نثبت هنا أنه من خلال استطلاعنا الميداني وقراءاتنا حوله لم نجد أي شك في نسبته إلى الشيخ عبد العزيز الثميني، وإنما وجدنا اتفاق المصادر مغربا ومشرقا على أنه له.
وتوجد منه نسخ مخطوطة في كثير من المكتبات داخل الجزائر وخارجها.
ففي خارج الجزائر توجد منه نسخ في سلطنة عمان منها: نسخة مجلدة بمسقط عند المفتي العام للسلطنة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، وهي نسخة كانت بيد الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، الذي كان قبل أن ينتقل إلى رحمة الله واعظا ومرشدا بالإذاعة الوطنية بسلطنة عمان وكان المفتي العام وهي نسخة كتبت بخطين مشرقيين جميلين، غير أن الأول أبهى، وينتهي عند قوله: ( ... ولا يتخصص إلا بالقصد إليه وجب هكذا، وهذا بعد: (المقصد الثامن: إنا نستدل على كونه تعالى عالما).
الثلاثاء وعشر
يوجد بآخرها: «وافق الفراغ من نسخ هذا الكتاب ... يوم ليال بقين من شهر شعبان المكرم من شهور سنة 1324 من الهجرة ... وقد ابتدأ بنسخه الشيخ ... عبد الله (حوالي كلمتين غير واضحتين) العبري قصده لنفسه
(كلمة غير واضحة) وأراد تمامه مني ... سليمان بن محمد بن مطر الوائلي».
(1) انظر: دراستنا هذه الفصل الثاني من الباب الأول، مؤلفاته. (1/143)
صفحة 136
144
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
وتوجد من كتاب (المعالم) نسخة بمكتبة الشيخ عبد الله بن حميد السالمي، بالبدية، في المنطقة الشرقية، بسلطنة عمان، وهي مجلدة، وخطها واضح، وهي أسبق من التي ذكرناها آنفا، فبآخرها: «هو لعبد الله بن حميد بن سلوم السالمي ... وكان تمام هذا الكتاب صباح الثلاثاء يوم 21 جمادى الأولى سنة سبع وثلاثمائة وألف الهجرية النبوية».
وبآخر صفحة منها، أيضا، ما يلي:
«وقد نظم بعض الإخوان مديحا لهذا الكتاب فقال:
ولقد بدت شمس المعا
لا تعجين يا ذا ف
لم واختفت منه البور ن النور قد يعلوه نور
ومنه نسخ بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة في قسم المخطوطات، نذكر
منها اثنتين:
الأولى: النسخة التي تحت الرقم: (3385)، وقد كانت ملكا لعبد الله بن عامر العزري وانتقلت بالشراء إلى محمد بن سالم الرقيبي، ولقد نسخها عامر بن سالم الشماخي البهلوي ورغم كون كتابتها واضحة فتاريخ نسخها غير معقول، فهو يوم حادي من شهر جمادى الأولى من شهور سنة واحد وسبعين سنة وألف سنة من الهجرة.
والثانية: النسخة التي تحت الرقم: (3199)، وهي ذات خط واضح، ومن
:نسخ سالم بن حمد بن راشد العامري سنة 1292 هـ.
والنسخ السابقة الذكر كلها تنسب الكتاب إلى عبد العزيز المصعبي اليزجني)، وبآخرها كلها جملة التتريه: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وبآخرها أيضا مباشرة بعد جملة التنزيه فقرة نقتبس منها ما يلي: (1/144)
صفحة 137
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
145
قال الناسخ الفقير إلى ربه القدير لنؤثر [من الإيثار ختام نسخ الكتاب ... قائلين: إن هذا السفر الكريم الموسوم بمعالم الدين كتاب جليل القدر، عظيم الخطر، قد احتوى على جواهر فوائد وزواهر، فرائد من لآلئ بحر علم التوحيد للملك المجيد، لكن غوص الفهم على غالب دقائق مبانيه حتى يعثر على حقائق درر معانيه، متعذر على ذي الرياضة زمانا بالعلم العقلي، لإفراغه في قالب نوع العلم الفلسفي، فلله در مصنفه من فارس كرار في ميادين المناظرات العقلية والمحاورات الكلامية، والله الحمد على ما يسر من كون وصوله إلى عُمان بلاد المغرب تحفة من لشيخ المسلمين وقدوتهم في الدين الرئيس العالم سعيد بن خلفان بن أحمد الخليا العماني من بقية من هناك من الفرقة المرضية المدعوة بالناجية الإباضية أصلح الله قلوبنا ببركاته وأعاد علينا من مصالح كراماته آمين».
ويذكر الشيخ أحمد بن حمد الخليلي أن لسعيد
بن خلفان الخليلي رسالة
وجهها إلى أهل المغرب في موسم حج يخبرهم فيها، أن الكتاب (معالم الدين) قد وصله وجزي الله خيرا من أرسله (1).
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: من الناسخ الذي أضاف فقرة في آخر
المخطوطة، فعمت نسخ السلطنة التي عثرنا عليها؟
ففي حدود جهدنا، لم نمتد إليه بعد، ومن المحتمل جدا أن يكون الناسخ الأول من المخطوطة المغربية التي وصلت الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، ولكن هذا غير كاف ويبقى السؤال واردا دائما أين هي المخطوطة التي جاءت من
الجزائر؟ و لم لم يتم النسخ منها؟
(1) لقاء بداره بمسقط
يوم
1989/ 12/1
أين هو نص الرسالة؟ وفي أي سنة كانت؟ فهذا لم نجد له جوابا بعد. (1/145)
صفحة 138
146
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
وقد طبعت وزارة التراث القومي والثقافة بالسلطنة كتاب (المعالم) في مجلدين سنة: 1407 هـ/1986 م. مطابع سجل العرب، وأصلها مخطوطة نسخها عبد الرحمن بن محمد بن سالم الرواحي في محرم سنة 1315 هـ. ولكنها مع الأسف الكبير طباعة في حاجة ماسة إلى التحقيق والتنقيح.
ويكفي أن نشير إلى أنه عند كل صفحة من صفحات المخطوط الأم يوجد ما معدله 17 خطأ في المطبوع، من نقطة زائدة أو ناقصة قد تغير المعنى، إلى جملة وفقرة ساقطة أو زائدة، وبين ذا وذاك الكثير مما يستوجب التصحيح والتحقيق (1).
هذا، وتوجد نسخة من المعالم مخطوطة بالهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة، وتحمل طابع دار الكتب المصرية، رقمها 19600 ب وتحمل الأوصاف السابقة الذكر في المخطوطات العمانية، ولا عجب في ذلك لأن المخطوطة كانت وقفا لمسجد الخور بمسقط (سلطنة عمان من طرف هلال بن أحمد بن سيف البوسعيدي، نسخها عامر بن سالم الشماخي البهلوي، وأرخ النسخ بسنة لعلها سنة (1069 هـ)، وهذا وقع فيه الناسخ كما وقع هو نفسه في نسخة سابقة ذكرناها.
خطاً
-
ومن الأماكن التي فتشنا فيها عن (المعالم) مكتبة الأسد بدمشق سوريا،
ولكننا لم نجد له أثرا فيها ولا بالمكتبات الملحقة بها كالمكتبة الظاهرية.
وتوجد منه نسخة بالمكتبة البارونية بجربة بالجمهورية التونسية، بآخرها فقرة أصغر من التي ذكرناها في المخطوطات العمانية، وبعيدة كل البعد في مضمونها
(1) الخطأ الواحد الذي نعنيه قد يكون نقطة، وقد يكون فقرة كاملة، وقد تكون كلمة وما أكثر الكلمات الخاطئة والناقصة في المطبوع.
ولقد اخترنا لهذا الإحصاء عينة عشوائية منظمة تنتقل بثلاثين صفحة، العينة الأولى: ص: 30 - 60 90 إلى ص: 270 والعينة الثانية: ص: 17 - 47 - 77 إلى ص: 287. وبمجموع معدل كل منهما مقسوما على اثنين تحصلنا على المعدل أعلاه. (1/146)
صفحة 139
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
147
عنها، وهي نسخة مجلدة بخط مغربي واضح نسخها محمد بن علي الباروني،
وبآخرها: «وافق الفراغ من نسخه يوم الأحد بعد صلاة الظهر لسبعة عشر يوما خلون من شهر رمضان المعظم سنة 1276 هـ وذلك بالديار المصرية بوكالة
الجاموس عمرها الله بالإسلام».
وتوجد بالجزائر نسخ عديدة منه نذكر منها فقط بعض التي ببني يزجن
ونختار منها:
• نسخة بمكتبة الشيخ الحاج محمد بن عيسى أزبار مؤرخة سنة 1289 هـ. ونسخة بمكتبة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش مؤرخة سنة: 1320 هـ. . ونسخة بمكتبة الشيخ الحاج صالح بن عمر لعلي مؤرخة سنة: 1327 هـ. وأما النسختان التي اعتمدناهما في دراستنا، وعلى ضوئهما صححنا المطبوعة: فالأولى منهما رمزنا لها يالحرف -أ- وهي المخطوط الأم التي كانت في رعاية محمد بن صالح الثميني بتونس والتي نقلتها عائلته بعد وفاته مع غيرها من مخطوطات مترجمنا إلى الجزائر، وهي اليوم بمكتبة الاستقامة ببني يزجن، وهي المؤلف، ومجلدة تقع في (299) صفحة وبكل صفحة 35 سطرا، ومقاسات الصفحة: 27/ 19 سم، ويوجد في آخرها: «قد فرغت من إكماله عند الزوال من يوم الأحد لأربع بقيت من ربيع الثاني من سنة 1184 هـ».
بخط
والثانية: رمزنا لها بالحرف -ب- فهي مخطوطة الأستاذ: بكير بن محمد الشيخ بلحاج المشهور بباش عادل (1)، وهي اليوم بحوزته، وقد نسخها بتونس من
(1) أستاذ بمعهد الحياة بالقرارة، وعضو بهيئة العزابة بالقرارة، وهو أيضا عضو في اللجنة الوطنية الجزائرية المكلفة بتصحيح المصحف الشريف، وقد نسخ (معالم الدين) في أيامه الأخيرة من (1/147)
صفحة 140
148
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
المخطوطة الأم، وعند مقابلتنا للمخطوطتين تأكدنا يقينا أنها من المخطوطة الأم منقولة، كتبها في كراستين مجموع صفحاتهما (396) صفحة وفي كل منها 23 سطرا ومقاساتها 22/ 17 سم.
تنتهي
الكراسة الأولى في صفحة (283)، وتبدأ الكراسة الثانية بقول
المصنف: «المقصد الثاني: قد علمت أن أول الواجبات معرفة الله سبحانه ... » و بآخرها: «فرغت من نسخ هذا الكتاب الجليل على الرابعة صباحا يوم الخميس الثامن من شهر رمضان المعظم الموافق لـ 19 أفريل سنة 1375 هجري، 1956
مسيحي
فالحمد الله رب العالمين».
محتوياته
، يحتوي الكتاب في هيكله العام على أربعة معالم وكل معلم مقسم إلى مراصد، وكل مرصد إلى مقاصد، وقد يكون المقصد مقسم إلى مطالب.
فأول المعالم خصه لـ (المقدمات)، على طريقة علماء الكلام المتأخرين، وهو يشبه في مباحثه ما يسمى اليوم مباحث نظرية المعرفة، وهي مباحث أولية تمهيدية لمباحث العقيدة، ومقسمة إلى ستة مراصد
المرصد الأول: فيما يجب تقديمه في كل علم، وبه مقاصد ستة: تناول فيها موضوع علم الكلام، وفائدته ومرتبته بين العلوم ومسائله، ووجه تسميته بالكلام. والمرصد الثاني: في تعريف مطلق العلم، وبه ثلاثة مقاصد: بين فيها أن العلم علم ضروري، وعلم نظري يعسر تحديده، وعلم نظري لا يعسر
تحديده.
الدراسة بتونس، والتي كانت من أكتوبر 1953 م إلى نهاية السنة الدراسية 1956 م، والنسخ عنده ملكة من أيام الدراسة بمعهد الحياة. لقاء معه بداره، يوم: 1992/ 06/13 م. (1/148)
صفحة 141
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
149
والمرصد الثالث: في أقسام العلم، ويتناول فيه مقاصد أربعة يعالج فيها مبحث
التصور والتصديق، والضروري والكسبي، وضرورة الوجدان في التصور والتصديق، والمذاهب الضعيفة في أقسام العلم.
والمرصد الرابع: جَعَله في إثبات العلوم الضرورية.
والمرصد الخامس في النظر و به خمسة مقاصد تبحث في حقيقته، وفي منع السمنية إفادة النظر، وفي العلم بالنتيجة والعلم، بالدليل، وفي النظر الفاسد، وفي أنـ للنظر أضداد تخصه وأضداد تعمه.
والمرصد السادس والأخير من المعلم الأول: في البرهان والحجة، ومقاصده: أقسام الحجة والجدل وأسباب العلم الحاصلة للخلق، والنفس كقابلة للعلوم، والخبر الصادق، والعقل كقوة للنفس.
وأما ثاني المعالم فعنوانه: (الممكنات وأحوالها) و به ستة.
مراصد
المرصد الأول: في الحكم الحادث وفي الاستدلال وفي بيان احتياج الحادث إلى الصانع، وفيه مقاصد سبعة هي: الحكم الحادث، والاستدلال، ومنشأ احتياج الحادث إلى الصانع، والفرق بين الاستدلال بطريق الإمكان وغيره من الطرق، وحصر جهات التأثير، وحدوث الزائد من الذات والاستدلال بحدوث أحد المتلازمين (الأعراض والجواهر).
وأما المرصد الثاني فهو: في إبطال حوادث لا أول لها، وبه أربعة مقاصد: أولها في أن وجود حوادث لا أول لها يستلزم فراغ ما لا نهاية له. والثاني: في أن وجود حوادث لا أول لها يستلزم مقارنة الوجود الأزلي عدمه، والثالث: في برهان القطع والتطبيق، والرابع في إبطال حوادث لا أول لها.
وأما المرضد الثالث: فقد بين فيه أجناس العالم. (1/149)
صفحة 142
150
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
وقسمه أيضا إلى مقاصد أربعة: يعالج فيها حدوث العالم وهو ما سوى الله تعالى، وحدوث الأعراض والأعيان وكون المركبات لا مزاج لها، وجواز وجود
عالم آخر.
ولقد خصص المرصد الرابع: المباحث النفس و به مقاصد أربعة هي: في النفوس الفلكية المجردة، وفي النفوس الإنسانية المجردة، وفي أن النفس الناطقة حادثة، وفي تعلق النفس بالبدن.
وخصص المرصد الخامس: للعقل والجن والشياطين وقسمه هو الآخر إلى مقاصد أربعة للبحث في إثبات العقل، وفي ترتيب الموجودات، وفي أحكام العقول، وفي الجن والشياطين.
وأما المرصد السادس فهو في ذكر مذاهب بعض المعطلة تفصيلا وبيان فسادها استدلالا وتعليلا وفيه مقاصد» ستة يدور الحديث فيها على إنكار فريق السفسطائية حقائق الأشياء، وإنكار فريق الدهرية حدوث الأجسام، وقول المنجمين أن العالم العلوي هو المؤثر، وزعم السمنية تسفل الأرض، وزعم المنانية تكون الأشياء من أصلين ثم التثنوية التي هي فرق كالمجوس.
ويأتي ثالث المعالم الذي يعالج فيه الإلهيات)، وبه مراصد ستة: أولاها: في ذات الباري، وهو مقصدان: الأول: في وجوب وجوده، والثاني:
في ذاته والذوات.
وأما المرصد الثاني منه فهو فيما يجب للباري تعالى من الكمالات، وفيه
مقاصد عددها ستة عشر هي:
في وجوب كونه قديما، وفي وجوب كونه قادرا، وفي وجوب كونه مريدا، وفي استحالة كون الطبيعة أو العلة صانعة، وفي وجوب كونه سميعا بصيرا متكلما، (1/150)
صفحة 143
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
151
وفي الاختلاف في السمع والبصر، وفي الصفات هل هي عين الذات؟، وفي وجوب كون صفاته، قديمة، وفي وجوب الاعتقاد بوحدة الصفات، في أسمائه تعالى. وأما المرصد الثالث: فهو في وجوب الوحدانية الله تعالى مطلقا، وهو سبعة مقاصد هي: في معنى الوحدانية وأقسامها، وفي وجوب كونه تعالى واحدا، وفي أن اتفاق الإلهين يستلزم العجز، وفي القول بأن وجود إله ثان يستلزم العجز، وفي أن عقود التوحيد ثلاثة وفي استدلال آخر على الوحدانية وفي دليل التمانع، وفي الدليل على إيجاد الله لأفعال عباده.
ويتناول في المرصد الرابع بالبحث ما يجوز في حقه تعالى، في مقاصد تسعة: خلقه سبحانه العباد وأعمالهم، ووجود قدرة للعبد، وتعلق الكسب بالقدرة الحادثة، ولزوم محذورين عن عجز القدرة القديمة ومتعلق القدرة الحادثة، وإسناد الحوادث كلها إلى الباري سبحانه، وعدم وجوب مراعاة الصلاح والأصلح عليه، وكون الأفعال كلها مستندة إليه تعالى وإدراك العقل حكم الشرع.
ويتناول في المرصد الخامس أربعة مقاصد يتعرض فيها للكلام كصفة ذات وصفة فعل، ولاختلاف القائلين بالكلام النفسي، ولقول الأشاعرة في القرآن، ولاختلاف العلماء في القرآن.
ويتناول في المرصد السادس الرؤية، وفيه مقصدان:
الأول: في الاستدلال على امتناع رؤيته نقلا، والثاني: عقلا.
وأما رابع المعالم فهو: «في النبوات وما يتعلق بها وفيه مراصد وخاتمة»
و مجموع مراصده خمسة.
المرصد الأول: في خصوص النبوات، ويحتوي على عشرة مقاصد: في معنى
النبوة والرسالة، وفي حكم الرسالة، وفي فائدة بعثة الرسل، وفي تأييد الرسل (1/151)
صفحة 144
152
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
بالمعجزات، وفي دلالة المعجزة (مقصدان)، وفي وجوب تصديق الرسل، وفي ثبوت
رسالة محمد الا الله، وفي، معجزاته، وفي الدليل على نبوته.
والمرصد الثاني: فيما جاء به نبينا محمد، وفيه مقاصد عددها ثلاثة عشر: هي وجوب الإيمان به، وأول الواجبات وأحكام المنكر والمستحل وغيرهما، وولاية من جاء بالجملة، وقواعد الإسلام وقواعد الكفر، وأسهم الإسلام، وفرز
الدين وحرزه، وتحديده، ومسالكه، وما يجب على المكلف علمه، وما ندين به تعالى من الصلاة فرضا وسنة.
والمرصد الثالث: في الولاية والبراءة وفيه خمسة مقاصد هي:
الله
أولا: الناس ثلاثة مسلم ومنافق ومشرك. وثانيا: الولاية وحقيقتها، وثالثا: أسباب وجوب الولاية، ورابعا ولاية الأشخاص، وخامسا: البراءة وحقيقتها. ويبحث المرصد الرابع: في أحكام الملل والشرائع وما يتعلق بذلك، وهو في
ستة عشر مقصدا:
ومعنى
وجوب معرفة الملل، وأحكامها وجملة الكتب المنزلة، وجملة الأنبياء، السنة، ومعاني الكفر، ومعنى الإيمان، ومعنى الإلزام وفي الملائكة، وفي معرفة جملة المسلمين وملائكة تستحب معرفتهم، والأشهر الحرم (مقصدان)، وأشهر الحج، وفي معرفة الكبائر، وكفر من لم يأت بخمس، وفي الاستطاعة.
وأما المرصد الخامس: فهو في أحوال الآخرة، وفيه اثنا عشر مقصدا: أشراط الساعة، وعذاب القبر، وإعادة المعدوم، وجواز حشر الأجساد، والأجزاء البدنية هل تفرق أم تعدم؟، والحكماء وحشر الأجساد، وفي الصراط، وفي الميزان، وفي شفاعة الرسول والإيمان بما أخبر به الشرع وجوازه في العقل، ونفوذ الوعيد، والجنة والنار.
وتأتي الخاتمة من بعد هذا وهي في ذكر الفرق. (1/152)
صفحة 145
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
أصوله
153
فبعد أن رأينا بصورة عامة خطة الثميني في إنجازه كتابه، فإنه ينبغي لنا الآن أن نحدد أصوله، وهي كما تبينت لنا بعد فحصنا لمادته ومقارنتها مع ما في كتب
أخرى أهمها ثلاثة كتب:
أولا: (المواقف) للإيجي، وشرحه للجرجاني.
وثانيا: شرح (مقدمة التوحيد) للشماخي.
وثالثا: (كشف الغمة).
هذه أهم الكتب التي ظهرت جليا في كتابه، ويوجد مع هذه غيرها م الكتب، إباضية وغير إباضية لم نتمكن بعد من مقارنتها به.
والذي يظهر لنا أن مباحث المعلم الأول والثاني والثالث لها أصل في (المواقف) وشرحه، وأما المعلم الرابع فإن أصل المرصد الثاني والثالث والرابع منه هو شرح (مقدمة التوحيد)، وأما الخاتمة فهي من شرح المواقف) ومن (كشف الغمة).
ونلاحظ هنا أن الترتيب والتبويب قد يكون موافقا لما في الأصول، ولكنه
غالبا ما يكون مغايرا له تمام المغايرة.
وإذا جاء الثميني بمسألة تقتضي المناقشة ناقشها وأبدى رأيه فيها، وهو ما سنظهره بعد أن نلقي نظرة مبسطة على أصول الكتاب التي تأكدنا من استفادته منها استفادة معتبرة، وأولها كما قلنا:
أ- (المواقف) لعضد الدين عبد الرحمن الإيجي، وشرحه للسيد الشريف الجرجاني
إن (المواقف) كتاب مشهور في علم الكلام وهو لعضد الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الإيجي نسبة إلى (إيج) من نواحي (شيراز)، (1/153)
صفحة 146
154
والمعروف
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
عنه أنه فقيه شافعي، ومتكلم أشعري له مؤلفات جمة، ويلقب بضياء
الدين، وقاضي القضاة، وشيخ العلماء، سجن سنة 756 هـ /1355 م في قلعة
(در ميان) بـ (إيج) وتوفي كما في نفس السنة.
وأما شارح (المواقف) الجرجاني، فيعرف بالسيد الشريف الجرجاني نسبة إلى (جرجان) مدينة بين طبرستان و خراسان وهو: علي بن محمد بن علي السيد الزين أبو الحسن الحسيني الجرجاني الحنفي (ت: 793 هـ) ويصفه الشوكاني (ت: 1250 هـ): «بأنه صار إماما في جميع العلوم العقلية وغيرها، وبأنه كان] متفردا كما، ومصنفا في جميع أنواعها، ومتبحرا في دقائقها وجليلها» (1).
ولقد اشتهر بشرحه للمواقف الذي ألفه (الإيجي) (لغياث الدين) وزير (خذانبدة)
قبل سنة (730 هـ / 1330 م) والذي به اشتهر الإيجي كذلك وهو على قيد الحياة. فهو كتاب يعتبر مع شرحه للجرجاني النتاج الأعظم في الفكر النظري الإسلامي السني ... والنتاج الأشد إحكاما من حيث الضبط المذهبي، والعمدة لسنوات الاختصاص في جامعتي الأزهر وتونس، ومن الواجب أن نعترف له بمذه الفضائل ولاسيما إذا قارناه بالمؤلفات السابقة، وبما ناله من شهرة واسعة» (2). ويصفه الدكتور أحمد صبحي بشرح الجرجاني: أنه «متاز ... بنسق متكامل شامل في عرض الموضوعات، وترتيب محكم، لم يتمكن متكلم أشعري من بعده أن يزيد عليه فضلا عن أن يجاريه» (3).
(1) انظر: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، تخريج أحاديث شرح المواقف في علم الكلام الجلال الدين السيوطي، تحقيق المرعشلي، دار المعرفة، بيروت، ط 1، سنة: 1986 م، ص: 41. (2) لويس غارديه وج. قنوتي (فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية)، ج 1، ص: 302. أحمد محمود صبحي، (في) علم الكلام) دراسة فلسفية لأراء الفرق الإسلامية في أصول الدين الأشاعرة - دار النهضة العربية، بيروت، ط: 5، 1985، ج 2، ص 357.
(3) (1/154)
صفحة 147
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
155
وتوجد نسخة مخطوطة مجلدة منه بالمكتبة الوطنية بالجزائر في قسم المخطوطات، ذات خط مغربي جميل تحت رقم 625 وله عدة طبعات منها طبعة سنة 1325 هـ/ 1907 م بمطبعة السعادة بمصر على نفقة الحاج امحمد أفندي ساسي التونسي، م
حاشية عبد الحكيم السيالكوتي، وحاشية لحسن جلبي بن محمد شاه الفناري. هذا عن الكتاب الأول، وأما الكتاب الثاني الذي اعتمد الثميني عليه فهو:
ب - شرح مقدمة التوحيد للشماخي
إن أصل هذا الشرح هو (مقدمة (التوحيد لأبي حفص عمرو بن جميع (ق: 8 هـ)، وهي عقيدة موجزة مختصرة خالية من المصطلحات الفلسفية، تعرض العقيدة عرضا تعليميا يفيد المبتدئ، ويحيط بأهم القضايا العقدية المتعلقة بالمعرفة والعمل والمتعلقة بالفرد والمجتمع تقع في (18) صفحة من المقاس الصغير، وتحفظ حفظا في الماضي القريب بمدن وادي مزاب بالجزائر، وبجربة بتونس، كانت بالبربرية، وعربها ابن جميع فصارت تنسب إليه، وهي في محتواها وهيكلها قريبة من العقيدة المشهورة بعقيدة نفوسة، وهي عند أبي إسحاق اطفيش، وبيار كوبرلي (P. Cuperly) من إنتاج ما قبل القرن الخامس الهجري). وتسمى: مقدمة التوحيد، وعقيدة العزابة، وتوحيد العزابة وعقيدة التوحيد وعقيدة الإباضية كما يسميها موتلنسكي (Motlinski)(2).
لقد شرحها سنة 904 هـ أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي، صاحب التأليف العديدة (3)، (ت: 928 هـ /1522 م). وشرحها أبو
راجع: أبو إسحاق اطفيَّش (مقدمة التوحيد وشروحها، مسقط د. ت، ص:9
P. Cuperly; Introduction à l'étude de l'Ibadisme et de sa théologie p:50.
(1)
Introduction à l'étude de l'Ibadisme P: 50. (2)
(3) للمزيد انظر رسالة بن، تعاريت، ص: 1 وما بعدها. (1/155)
صفحة 148
156
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
سليمان داود بن إبراهيم التلاتي (ت: 967 هـ /1560 م). واشتغل بما عمرو بن
رمضان التلاتي شيخ الثميني- عدة مرات:
إذْ شَرَح شرح الشماخي وسماه: (نظم التحقيق في عقود التعليق))، وشرح المتن مرة وسماه اللؤلؤة المضيئة على متن العقيدة (2)، وله اختصار على شرحه لها – لعله للؤلؤة سماه: (العقد النقيد (3) على نكتة التوحيد) (*) وكان ذلك بتاريخ 11 - ذي القعدة سنة 1179 هـ. وله شرح آخر لنفس المتن شديد الاختصار، وهو فتح للمغلقات عند المبتدئين سماه: (عمدة المريد لنكتة الوحيد) (5)، وهو ثالث شروحه على متن العقيدة كما ينص على ذلك، وهو بتاريخ 26 ذي القعدة من سنة
1176 هـ.
ومن شرّاح (مقدمة (التوحيد الحاج امحمد بن يوسف اطفيش الذي شرحها شرحا مطولا، توجد من شرحه نسخ بمكتبات وادي مزاب بالجزائر (6).
فمقدمة (التوحيد كما نرى كتاب له شأنه عند العلماء الإباضيين، وله أهميته في العقيدة عندهم. وقريب من مكانة هذا الكتاب كتاب آخر، اسمه: (كشف الغمة، وقد اعتمد الثميني عليه في كتابه (المعالم).
(1) (البعد الحضاري) جمعية التراث، ص: 50.
(2) الثلاثي، (نخبة المتين على أصول تبغورين ضمن مجموعة بعنوان: كتب مختارة)، المطبعة العربية،
غرداية - ص: 178.
(3) هكذا في الأصل لعلها (النضيد)، وحتى (النقيد) صالحة.
(4) توجد منه نسخة مخطوطة بمكتبة معهد الإصلاح، غرداية. (5) مطبوع في كتاب واحد يضم معه المتن وشرح داود الثلاتي، المطبعة الإدارية، قسنطينة، سنة 1333 هـ، وهو من صفحة 30 إلى صفحة: 124.
(6) منه نسخة مجلدة مع كتاب آخر في الحديث بخزانة الحاج داود بن أحمد لقاف بغرداية، يقع هذا الشرح في 458 صفحة من القطاع الكبير. (1/156)
صفحة 149
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
157
ج - كشف الغمة:
كان
إن الثميني هو الذي ساعدنا في معرفتنا استعماله هذا الكتاب، إذ قد ذكر أنه مرجعا له في مبحث الفرق، وقد قال حين علل اختياره تقسيم الفرق على نهج الإيجي: «إني لم أر من تعرض له مثله، وإن تعرض له صاحب (كشف الغمة) فيما تشاجرت فيه الأمة، ولقد شفى وكفى ... لكن لا على ذلك الوجه، وقد نقلت بعض كلامه منبها عليه» (1).
إلا أن الثميني لم يسم مؤلف كتاب (كشف الغمة) عند ذكره له، وهو محل الإشكال، ويا ليته ساهم في حل الإشكالية القائمة حوله من حيث التسمية، حيث المؤلف (بكسر اللام)، ومن حيث التأريخ.
أما من حيث التسمية فقد ورد باسم (كشف الغمة لما تشاجرت به الأمة) (2) وورد باسم كشف الغمة لأخبار الأمة (3)، وباسم: (كشف الغمة في اختلاف الأمة))، وجاء باسم: كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة) (5).
(1) مخطوط المعالم، ص: 278.
Goudja Monsif;(La Théologie Ibadite) Histoire, Genèse, Formation et Formulation p : VII
(2)
هي رسالة دكتوراه الحلقة الثالثة بإشراف: دومنيك سوردال جامعة السريون، باريس، 1986 م.
(3) م -ن.
(4) البرادي (الجواهر) المنتقاة في إتمام ما انخل به كتاب الطبقات)، طبعه محمد بن يوسف الباروني،
د. ت، ص: 219.
أيضا، عمار طالبي: (أراء الخوارج الكلامية)، ج: 2، ص: 287. (5) - د. هدفيش اكلاين. إخبار أهل عمان من أول إسلامهم إلى اختلاف كلمتهم)، وهو الباب الثالث والثلاثون من الكتاب العربي المشهور بكشف الغمة، بالألمانية تعليقاته وفهارسه، وهو جزء من رسالة دكتوراه بالألمانية من جامعة هومبورغ، تحت إشراف د. شتغوت مان وبمساعدة: د. شاد. نوقشت سنة 1937 ونشرت سنة 1938. ساعدنا على أخذ فكرة عنها (1/157)
صفحة 150
158
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
وأما من حيث المؤلف فإن العديد ممن تكلم عنه يرى أن مؤلفه مجهول، ومع
ذلك
فإن منهم من يجيز نسبته إلى الأزكوي، ولعل ذلك لشهرة الكتاب به. وهو سرحان بن سعيد بن سرحان بن محمد بن بلحسن بن سرحان الأزكوي، نسبة إلى مدينة إز بالمنطقة الداخلية في سلطنة عمان، ولقد عاش في القرن -11 - 12 هـ /17 – 18 م. وهو كتاب ينسبه قوجة منصف في رأي انفرد به - إلى أبي بكر أحمد بن سليمان المشهور بابن النظر العماني (ق: (5 هـ)، الذي له قصيدة في التاريخ (2) شرحها الحاج امحمد بن يوسف اطفيش (ت: 1332 هـ / 1914 م)، وسمى شرحه هذا (كشف الغمة في شرح لامية بن النظر) (3)، ولكنه غير الكتاب الذي وقع الاختلاف في نسبته وغير الذي استفاد منه الثميني.
إن كشف الغمة) الذي يعنينا هنا، والذي وقع الاختلاف في نسبته إلى الأزكوي، هو كتاب يبدأ بمقدمة وينقسم إلى أربعين بابا، الباب الثامن والعشرون منه هو
الأخ المترجم: مصطفى بامون، المتعاون مع مكتب الإرشاد السياحي بولاية غرداية. - د. فاروق عمر (مقدمة في دراسة مصادر التاريخ العماني)، كلية الآداب، جامعة بغداد، سنة 1979، ص: 109.
- إبراهيم بحاز، (الدولة الرستمية) د. م. ط 1985 م، ص: 33
- فرحات الجعبيري البعد الحضاري، جمعية التراث، ص: 786.
د. رجب محمد عبد الحليم (العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام منذ ظهوره إلى قدوم
البرتغاليين)، مكتبة العلوم، مسقط 1989، ص: 342.
Goujda Mounsif, La Théologie ibadite P: VII. (1)
(2) لامية ابن النظر العماني السمائلي في التاريخ الإباضي تقع في 162 بيتا مطلعها: آمنت بالله الوهوب المفضل الواحد الفرد القديم الأول.
مخطوطة بمكتبة معهد عمي سعيد رقم: 70.
(3) جهلان عدون الفكر السياسي عند الإباضية، من خلال آراء الحاج امحمد بن يوس
اطفيش) مرقون ص: 153 (1/158)
صفحة 151
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
159
الذي يعنينا في بحثنا، لأنه يتكلم عن الفرق الإسلامية وأنها ثلاث وسبعون فرقة، ويذكر اعتقاد كل فرقة. ولقد وصف الثميني صاحبه بقوله: «ولقد شفى وكفى رحمه الله». توجد من هذا الكتاب مخطوطات في مختلف المكتبات العالمية، مثل المكتبة البارونية بجربة في تونس وبالمكتبة الظاهرية بدمشق، وبمكتبة الدراسات العليا بجامعة بغداد، وبمكتبات بسلطنة عمان كمكتبة المخطوطات بوزارة التراث، ومكتبة المستشار محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي)، وتوجد بالمتحف البريطاني بلندن، وبمكتبة برلين بألمانيا وغيرها (2).
ولقد نال اهتماما من الباحثين في الغرب والشرق نظرا لجمعه معلومات عُمانية متسلسلة زمنيا من فترة ما قبل الإسلام إلى سنة 1140 هـ/1728 م، ومن الاهتمام به محاولة (روس) ROSS راعي الكنيسة في بومباي بالهند تحقيقه سنة 1874 م، فنسبه إلى الأزكوي وترجمه إلى الأنكليزية، ونشره في مجلة الجمعية الآسيوية الصادرة بالبنغال سنة 1974 م.
ومن الاهتمام به أيضا، دراسة (هدفيش اكلاين) له بالألمانية، وتحقيقها للباب الثالث والثلاثين منه سنة 1937 م بجامعة هو مبرغ كما سبق ذكره، ثم محاولة أحمد عبيدلي تحقيقه ضمن رسالة للماجستير حصل عليها من المعهد العالي للدراسات الإسلامية، ببيروت، ونشرها بنيقوسيا بقبرص سنة 1985 م
(3)
(1) نسخة واحدة خطها مقروء مُستَعْمَلُ فيها لونان عنوانها (كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة)، نسخها: عامر بن مسعود بن محمد بن خلف بن عمر بن عبد الله الأزكوي سنة 1208 هـ رقمها في المكتبة: 571 /ك.
(2) انظر: المراجع التي استعملناها حول الكتاب للحصول على معلومات أدق. مثلا: راجع أحمد عبيدلي، (كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة)، المصنف مجهول، دراسة وتحقيق، للون للنشر،
نيقوسيا - قبرص سنة 1985 م من ص: 179 إلى: 183.
(3) للمزيد راجع: (1/159)
صفحة 152
160
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
هذه بعض البحوث التي تناولت كشف الغمة الذي اعتمده الثميني، تناولته وهي غير مطمئنة في نسبته إلى الأزكوي.
وإن الذي يحث على المزيد من البحث والتحقيق في هذه القضية، هو أن الكتاب ينسب إلى عصر متأخر، هو القرن الثاني عشر الهجري (ق: 12 هـ)، ومع ذلك فقد ورد له ذكر في القرن الثامن الهجري.
لقد سبق لنا أن عرفنا أن الأزكوي (ت: ق 12 هـ / 18 م)، وأن الأحداث التي وردت في المخطوط المنسوب إليه نهايتها سنة 1140 هـ/1728 م. ونعرف أيضا أن أبا القاسم إبراهيم البرادي كانت حياته في القرن ذلك فقد كتب تقييدين لتآليف الإباضية، تقييدا
8 و 9 هـ/14 و 15 م، ومع (1) وآخر مطولا (2) يذكر فيهما (كشف الغمة).
مختصرا
- عمر فاروق، (مقدمة في دراسة مصادر التاريخ العماني)، ص: 110 - 116. - محمد قرقش، عمان والحركة الإباضية)، ص: 22 - 23
- رجب محمد عبد الحليم (العمانيون والملاحة)، ص: 342. فرحات الجعبيري البعد الحضاري) جمعية التراث، ص: 786
- مهدي طالب هاشم الحركة الإباضية في المشرق العربي، نشأتها وتطورها حتى نهاية القن
الثالث الهجري) ص: 16 وما بعدها
- وغيرها.
(1) البرادي (الجواهر المنتقاة)، طباعة حجرية، ص: 219.
(2) عمار طالبي (آراء الخوارج الكلامية، ج 1، ص 197 - 198، أيضا: ج: 2، تحقيق التقييدين، ص: 281 وما بعدها.
(•)
أحمد،
اطلعت على نسختين لـ (الجواهر المنتقاة) للبرادي، في مكتبة معالي المستشار: محمد بن وكانت الأولى مطبوعة طباعة حجرية على ذمة الشيخ محمد بن يوسف الباروني وشريكه، (د. ت. م. ط.)، وكانت الثانية مخطوطة لم يذكر ناسخها ولا تاريخ نسخها، رقمها: 420/ج، (1/160)
صفحة 153
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
161
[يعني
فإلى أي قرن إذن- سننسبه؟
يقول البرادي في المطول ما يلي: «ويذكرون من تأليف أهل العصر عندهم عند أهل عمان كتابا يعرف بـ (كشف الغمة في اختلاف الأمة) لم ير لأهل الدعوة مثله في فنه، وكنت كلفت بعض أصحابنا من مكة على استنساخه فأتى به من قابل: فلم يصادف هناك من له اهتبال بشيء، فطلب المحتمل أجرته فلم يجدها، فرده من هناك، فلا قوة إلا بالله».
إن هذا التقييد إذا صحت نسبته إلى البرادي، تقييد يؤكد وجود كتاب باسم (کشف الغمة، وعليه فالسؤال الحتمي هنا هو: ما علاقة هذا الكتاب بالكتاب الذي ينسب إلى الأزكوي؟
والذي يراه (ولكلنسون أن الأزكوي ناسخ فقط لمخطوطة قديمة مؤلفها مجهول، وأنه أضاف إليها فقرات جديدة، وهي بعنوان (كشف الغمة في اختلاف الأمة)، وهي من مخطوطات القرن الثامن الهجري كما ذكره البرادي (1).
ذلك سيبقى السؤال مطروحا من هو مؤلف (كشف الغمة) الذي
ومع ذكره البرادي؟
وهل النسخ الموجودة والتي قيل إن مؤلفها مجهول تختلف عن التي تنسب
إلى الأزكوي؟
فوجدت أن التقييد المختصر ورد له ذكر فيهما. ووجدت أن النسخة المخطوطة وردت فيها قبل العنوان: (خاتمة: ذكر الموت)، إضافةً لم توجد في النسخة المطبوعة عنوانها: (فصل في معرفة
هذا
كتب أهل عمان رحمهم الله وذكر من بينها كشف الغمة في بيان فرق الأمة مرة ثانية. يدفع إلى مزيد من الدراسة حول التقييدين، والتحقق منهما في نسبتهما إلى البرادي، ويزداد هذا الدافع توقدا إذا علمنا أن أحمد عبيدلي يميل إلى أن الأزكوي ليس مؤلفا لكشف الغمة بعد نقده للمخطوط من الداخل وتمحيصه لمحتواه.
(1) فاروق عمر، (مقدمة في دراسة مصادر التاريخ العماني)، ص: 110. (1/161)
صفحة 154
162
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
إن الجواب عن هذا غير وارد، الآن لأن أول خطوة هي حصر جميع النسخ الموجودة والتي تحمل اسم (كشف الغمة حتى تسهل دراستها والبت في حل إشكالية هذا الكتاب.
إن هذه بعض الكتب التي استعملها الثميني واستفاد منها حين كان يؤلف
كتابه (المعالم)، وهناك غيرها، ولكن هذه الثلاثة أهمها، إذ هي التي تمنح هذا
الكتاب مادته.
هي
وبعد أن عرفنا، أصوله، يمكننا أن ننتقل إلى الحديث عن منهجه.
منهجـ
ه:
لقد رأينا أن الثميني كان قد استفاد عند تأليفه (المعالم) استفادة كبيرة من مؤلفات سابقيه سواء كانوا من مذهبه أو من غير مذهبه، على الرغم من تأكيده على أنه على الإباضية يحيا ويموت، إذ يقول:
وأنت إذا تتبعت كتابنا لا يخفى عليك اعتقاد الإباضية ... الذي عليه نحيا
عليها رسول الله
وعليه نموت بتوفيق الله، وهذه هي الفرقة التي وصـ والخليفتان من بعده، وعلى طريقتهم مات أكثر الصحابة» (1).
لقد استفاد من غير، مذهبه واستفادته تلك تدل على سمو فكره، وسعة اطلاعه وتقبله ما يراه صوابا.
ولقد جعلته يسلك نهج الذين سبقوه من المتكلمين الحكماء في كتابه، إنه يقول: «فأفرغته في قالب اعتاد للمتكلم والحكيم الإفراغ فيه، تاركا للإيجاز المخل
(1) مخ العالم، ص: 297. (1/162)
صفحة 155
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
163
والإطناب الممل ... فها هو ذا لمن يبتغي نقض مباني الخلاف، والسلامة من
مضلات الفلسفة، وتشييد معالي فن الكلام من أهل العدل والإنصاف» (1).
ويعني
هذا أنه قد نهج منهج المتكلمين الحكماء غير أنه كان بعيدا كما
صرح عن مضلات الفلسفة والمباحث الميتافيزيقية والطبيعية، وقد استعمل منها فقط ما رآه ذا أهمية وقريب الصلة بمباحث علم الكلام، كاستعماله الأقيسة المنطقية في البرهان معتبرا ذلك من علم الكلام، أو استقرائه بعض المظاهر الجزئية من واقع الحياة مستدلا بما على أمر يود إثباته، كتأمله في الإنسان لاستخراج حكمة الخالق العليم، أو استعراضه لأمثلة من الطبيعة تثبت خطأ الحواس، وما شابه ذلك. ومن الطبيعي أن يكون هذا منهجه بعد تفسيره لمذهب الطاعنين في علم الكلام والناهين عنه من المتقدمين كالإمام الشافعي، بحمله على:
ده القاصر عن تحصيل اليقين.
والقاصد إلى إفساد عقائد المسلمين.
والخائض فيما لا يحتاج إليه من غوامض الفلسفة» (2).
وهكذا، فهو وإن اختار منهج المتكلمين الحكماء، فهو لم يخض فيما لا يحتاج إليه من غوامض الفلسفة، و لم يتناول كل القضايا التي أثاروها، وجميع الجزئيات التي طرحوها، ولم يرتم في أحضان الفلسفة ارتماءهم فيها، فقد تحفظ تحفظا كبيرا في استعمال مادتها، وقد انتقى انتقاء دقيقا ما يناسب مؤلفه.
وهو لم يفعل مثل ذلك مع المنطق، بل استعمله بكل ارتياح واطمئنان، فبنى الهيكل العام لكتابه على أساس منطقي متسلسل، إذ ابتدأه بمباحث تخص العقل
(1) مخطوط المعالم، ص: 3.
(2) مخطوط المعالم، ص: 7. (1/163)
صفحة 156
164
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
البشري مناط التكليف مبينا فيها مدى قدرته على اكتساب المعرفة بطرقها الخاصة، وهي مباحث يسميها بالمقدمات وهي تكوّن المعلم الأول.
ثم إنه من بعد ذلك يُجيل هذا العقل بالموجودات الممكنة عقلا، وتتمثل في
الإنسان ذاته، وما يحيط به، وهي تكون المعلم الثاني من كتابه.
وبجولة العقل في الممكنات والنظر فيها، يدرك أن لها موجدا مختارا أوجدها،
يتصف بصفات الكمال، وليس كمثله شيء فيتحدث عنه في المعلم الثالث. وبما أنه الجائز في حقه تعالى أن يبعث رسلا إلى عباده ببينات، وأنه يجب من على هؤلاء تصديقهم في كل ما أتوا به من الأخبار والتكاليف، حتى يكونوا في حياتهم في الدنيا وفق ما يريده تعالى منهم اعتقادا وإتيانا وتركا، لنيل السعادة في الدنيا وفي الأخرى، كان المعلم الرابع، ويسميه النبوات، وهو آخر معالم الكتاب. هذه هي المعالم الأربعة التي يضمها الكتاب وينقسم كل منها إلى مراصد،
وكل مرصد إلى مقاصد قد تقسم إلى مطالب.
ويظهر أن الثميني يريد من خلال هذا التقسيم أن يجعل كتابه طريقا إلى
الآخرة، على المسلم أن يتبع خطواته ليصل إليها بسلام.
وبالفعل، فهو ينتقل فيه من المعالم والمعلم هو الأثر الذي يستدل به على الطريق (1)، إلى ما في هذه الطريق الواضحة الأثر من مراصد وهي مواضع المراقبة والترقب (2)، ومنها إلى المقاصد، والقصد هو إتيان الشيء» (3) والتوجه إليه.
(1) الجوهري، (الصحاح)، مادة: علم.
(2) م - س، مادة: رصد.
(3) م - س، مادة: قصد. (1/164)
صفحة 157
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
165
الاختصار
إن سمة الاختصار الظاهرة في تأليفه لم تفارقه في كتابه (المعالم)، وهي التي حملته على أن يصرح في مقدمته بأنه حاول جهده أن يجمع مختصرا مما تحصل عليه من الكتب التي اطلع عليها، وهي مصنفة في علم الكلام (1)، وجعلته كذلك يؤكد مرات متكررة: أن كتابه مختصر، ونذكر من
ذلك:
أنه في مبحث الذات والصفات من موضوع الألوهية يقول: «و مختصرنا لا
يفي باستيعاب مباحث هذا المرام، ولكن فيما ذكرناه كفاية لذوي الأفهام» (2). ويقول في وجوب ولاية الأشخاص: وأدلة وجوبها كثيرة، وغرضنا
الاختصار» (3).
وفي البراءة يقول: «إنما حكمنا على المصرّ على ذنب، ولو صغيرا، بالكفر والبراءة، لكثرة الأدلة وقوتها، ومختصرنا لا يفي بالاستيعاب» (4).
وهكذا، فالثميني لا يذكر فقط أن مختصره لا يفي بالاستيعاب، وإنما يشير إلى أن المسألة بيانها وتفصيلها يتطلب مباحث في البلاغة أو في أصول الفقه، أو
يكتفي بالقول إن محلها المطولات.
وإذا كان قد بحثها من قبل في أحد كتبه فإنه يحيل إليه. وقد أحال إلى كتابه
(النيل)، وكتابه (تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين، هذا الكتاب الذي يكثر من الإشارة إليه، ويكتفي بتسميته بـ (الشرح) أو (شرح مرج البحرين).
(1) مخطوط المعالم، ص: 3. (2) مخطوط المعالم، ص: 117. (3) مخطوط المعالم، ص: 230. (4) مخطوط المعالم، ص: 234. (1/165)
صفحة 158
166
ومن
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
أمثلة ذلك أنه في حديثه عن إبطال حوادث لا أول لها، أو بالتدقيق عن القائلين بأن الأجسام كلها قديمة بذواتها، محدثة بصورها الجنسية والنوعية وبصفاتها، يقول: «ثم اختلفوا في الذوات وليس غرضنا في ذلك، فمن أراد الاطلاع عليه بما يحيط علما بمذهبهم، فعليه بالشرح، وقد بسطت الكلام فيه» (1).
وهو مع تأكيده على الاختصار والإيجاز، يصرح في المقدمة أنه اختصار «وإيجاز غير مخل»، ولهذا فلا عجب إذا وجدناه يبسط القول في بعض المسائل
تبسيطا وإطنابا غير ممل، كما سبق وأن صرح به في تقديمه للكتاب.
غير
أنه أحيانا ينتابه عند الإطناب شعور بالإطالة يدفعه إلى تبرير دوافع ذلك الإطناب، ومثاله قوله في رأي الفلاسفة في صفة العلم: «وإنما أعدت ذكر هذا أنه تقدم لاشتماله على زيادة لم تتقدم ولتسلقوا بالتمرين على اكتساب القوة
لمناظر قسم بعبارتهم» (2).
وهكذا فالاختصار منهج الثميني في كتابه (المعالم) وهو اختصار على الطريقة
الأولى كما سبق بيانه (3).
تأثره بما كتبه السابقون:
لقد استفاد الثميني كثيرا من كتب الذين سبقوه، من حيث المنهج، ومن حيث المضمون، فهو قد تأثر بطريقة المتأخرين من علماء الكلام كالغزالي والرازي والبيضاوي والايجي، وقد استفاد من منهجهم في وضع هيكل كتابه، ومزج في مضمونه بين نتاج الفكر الإباضي والفكر الأشعري في معالجتهما لأهم القضايا
(1) مخطوط المعالم، ص: 49.
(2) مخطوط المعالم، ص: 102.
(3) عند الحديث عن آثاره في الفصل الثاني من الباب الأول. (1/166)
صفحة 159
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
167
العقدية، مبينا أوجه الاختلاف في طرحهما للمسائل التي ظلت موضوع الصراع كالرؤية والكلام، ومبرزا أهم المسائل التي تتميز بها الإباضية عن غيرهم كالولاية والبراءة، والمنزلة بين المتزلتين.
وهو لم يسلك مسلك المواقف) كما يذهب إلى ذلك البعض (1)، وإنما سلك طريقة المتأخرين من علماء الكلام مصر. علماء الكلام مصرحا بذلك في قوله: «وقد سلكنا طريقتهم» (2) كما بيناه فيما مضى.
وهو على الرغم من تصريحه بأنه سلك طريقة المتأخرين، لم يدمج الكثير من المواضيع الفلسفية في مؤلفه كما أدرجوها، ويبدو أنه أخذ منهم ما به
الحاجة
من المسائل.
وهو - أيضا على الرغم من أنه أخذ من سابقيه كثيرا من النصوص والفقرات بل وحتى الفصول قد استخرج شيئا آخر غير الذي كان في أصلها، ولعلّ مردّ ذلك إلى أنه الأمر الشائع عند الذين كتبوا في هذا الفن، إذ إننا نجد عند المؤلفين السابقين في علم الكلام نقولاً جمة تتسم بما مصنفاتهم.
ومن
الأمثلة التي يمكن ذكرها في هذا المقام أن التفتزاني في كتابه شرح (المقاصد): قد أخذ نصوصا كثيرة من كتاب (المواقف)» (3)، وأخذ نصوصا جمة من كتب الرازي خاصة منها: (المحصل) و (المطالب العالية)، و (نهاية العقول) و اعتقادات فرق المسلمين والمشركين)، وأخذ أيضا من كتب نصر الدين الطوسي، وخاصة منها: كتاب المتوسطات، وكتاب الكرة والأسطوانة، وتربيع
(1) بكلي عبد الرحمن، تصديره لكتاب (النيل) للثميني، ط: 2. 1967، ص: 16. (2) مخطوط المعالم، ص: 7.
(3) عبد الرحمن عميرة، تحقيقه لـ (شرح المقاصد) للتفتزاني ص: 146. (1/167)
صفحة 160
168
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
الدائرة، والمخروطات، كما أخذ من مؤلفات ابن سينا، وخاصة منها: الشفاء، والإشارات، والقانون، والنجاة (1).
والمعروف عن ابن سينا (980 م) - (1037 م) أنه اقتبس مادة منطق الشفاء
عن الفارابي، ويكفي أن نقابل بين شروح الفارابي، وكتب ابن سينا الموافقة لها ليتأكد لنا الشبه الكبير، في الأفكار والتركيب (2)
ومثل ذلك، فإنّ صاحب (المواقف) يستخدم بصفة خاصة (أبكار الأفكار)
للآمدي (ت: 631 هـ)، وكتب الرازي: المحصل، ونهاية العقول، والملخص
ويورد حججا عند حديثه عن عصمة الأنبياء، وعن الكبائر مطلقا، الصغائر عمداء نفسها الرازي في كتابه عصمة الأنبياء (4).
هي
حجج
(3)
وعن
ويُرجع ابن تيمية في كتابه بغية المرتاد) المادة الكلامية عند الرازي إلى أبي المعالي والشهرستاني، والمادة الفلسفية عنده إلى ابن سينا (5).
ومثل ذلك حصل من قبل عند الجويني، حيث كرّر في الحديث عن مثلا: «نفس عبارات أسلافه من الأشاعرة بل ونفس أدلتهم» (6).
الصفات
ومثل ذلك كثير في الفكر الإسلامي، فعند المعتزلة نجد المسعودي وابن المرتضى ينقلان عن البلخي، وعند الظاهرية نجد أفكار ابن حزم تتشابه مع أفكار
(1) م - س، ص: 147 - 148.
(2) عادل فاخوري، منطق العرب من وجهة نظر المنطق الحديث) ص: 25. (3) (فلسفة الفكر الديني، ج 1، ص: 302 عن: «ريتر، مجلة (الإسلام) 18، 53» (4) (في علم الكلام)، ج 2، ص: 371.
(5) م - س ص: 282 عن كتاب (بغية المرتاد) ص: 107.
(6) م - س، ص: 156.
(7) فؤاد سيد تحقيقه (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة الدار التونسية للنشر، تونس، سنة 1974، (1/168)
صفحة 161
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
داود الظاهري، ونجد الأول يتبنى مواقف مماثلة لمواقف الثاني)، وهكذا.
169
والذي نود أن نذهب إليه هو ما يراه من يقول: إن تلك النقول لا
تبخس من شأن أولئك الأفذاذ (2)، ولا يمكن اعتبارهم في تبعية آلية واستمرار واقتفاء مطلقين (3).
ومن
هنا، فإن الثميني الذي تميز بهذا المنهج عند الإباضية هو منهم وأنه من أعلامهم. لقد تمثل مادة سابقيه واستوعبها، وفقه مذهبه وانطلق بمنظوره في دراسته الفكر الإسلامي آنذاك، الذي كان أشعريا في جملته، وأدرك أوجه الاتفاق والاختلاف بين العلماء، فأداه ذلك إلى تأليف هذا الكتاب الذي جاء كما يشتهيه، والذي لا غنى عنه لراغب في هذا الفن» (4).
مسلكه في الكتاب:
لقد تبين لنا بعد مقارنة هذا الكتاب بأصوله - أن الثميني كان متحكما في مضمون كتابه متناسقا في عرض آرائه، وأن الذي جاء في الكتاب إجمالا هو
لعدة عوامل:
أولها: لتصميمه المباين لمؤلفات غيره فيما توصلنا إليه.
وثانيها: لتنوع الكتب التي استقى منها مادته.
29 - 28
(1) سالم يفوت ابن حزم والفكر الفلسفي بالمغرب والأندلس، ط: 1، سنة 1986، ص: 8.
(2) (في علم الكلام)، ج 2، ص: 282.
(3) ابن حزم والفكر الفلسفي)، ص: 8. (4) مخطوط المعالم، ص: 3. (1/169)
صفحة 162
170
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
وثالثها: لتفاعله مع تلك النصوص، وتحكمه فيها بتصرفات مختلفة: كأن يوجز أو يحوصل، أو يوضح أو يضيف أو يحذف ما لا يرى موجبا لذكره، أو
يضع فقرات من الفصل في موضع غير الموضع الذي جاءت فيه في الأصل. فمثلا ما أخذه من شرح الشماخي لعقيدة التوحيد لابن جميع سار في خطته العامة على منوال كامل الشرح، غير أنه كثيرا ما يعيد صياغة العبارة، ويعيد ترتيب المادة للمسألة الواحدة، فيجعلها متناسقة منطقيا، حتى إذا جئت تقرأ المعالم، وتقرأ شرح الشماخي، ولم تمعن النظر في المقارنة، فقد لا تتفطن لما استقاه منه. أما ما أخذه من المواقف وشرحه، فإنه أيضا يتصرف فيه تصرفا كبيرا،
بتنقيحات، وتغييرات.
فما أخذه قد هذبه وصاغه بأسلوب متماسك متين، ليس بمتن المواقف المركز في معناه، ولا بالشرح المطول المفكك، لقد جعل ما استفاده منهما مختصرا واضحا بينا، وقد تكون الجملة التي يأخذها من المتن أو تكون من الشرح أو تكون مركبة منهما، وقد تكون بصياغة مغايرة تمام المغايرة. والذي يظهر لنا أن الذي جاء به الثميني في كتابه (المعالم) قد تبناه ووافق
عليه، حتى ولو لم ينسبه إلى أصله.
لقد تميّز منهجه في المعالم بالاختصار على الطريقة الأولى كما سبق بيانه ولهذا فجمعه لعدة كتب ومباحث في مؤلف واحد، لا يعني أنه كان ناقلا، وأي كان قادراً على مثل ذلك في زمانه.
إن الثميني حين يُقدِم على مؤلّف يفتح اللام) بالاختصار، لا يريد إلا أن
يدفع بعجلة المعرفة إلى الأمام، بأقل السطور والصفحات، وبكثير الدلالات في ظروف محتاجة إلى المعرفة ولا أداة لها للنشر إلا هذه الاختصار)، بل هي الناجعة في كل العصور.
الوسيلة (1/170)
صفحة 163
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
171
والثميني حين يؤلف كتبه، فهو يؤلفها بعد إلمام بأهم الكتب السابقة في
الموضوع، في ظروف لم تتوفر فيها تقنيات النشر، وأن الذي يأتي به في كتاب
يكون قد تفاعل معه وصار جزءا منه ودليلنا على هذا من (المعالم):
أن خطته فيه تغاير كل المغايرة تصميم الكتب التي استفاد منها.
و أن ما أخذه من هذه الكتب قليل جدا بالنسبة لما تركه.
وأنه إن أخذ جل ما في كتاب منها وضمّه إلى مؤلفه، فإن أهمية ما أخذه تظهر بهذا الجمع ضمن المادة والخطة التي وضعها. وهو قليل بالنسبة لمادة الكتاب كلّها.
ولا ريب في أن قدرته على هذا الجهد دليل على سعة اطلاعه، وتمكنه من
المادة التي يريد صياغتها، وتحكمه في اختيار تصميم مؤلفه.
فهو يجمع، بعد اطلاعه على الموضوع، أهم ما يتعلق به مختصرا لينتفع منه الطالب والمتخصص. يشير إلى المتخصص بقوله: «وانظر الأصح من الروايتين» (1) وإلى الطالب بمثل قوله: (ونعيده الآن بالقياس الاستثنائي تمرينا للطالب» (2). وهكذا، فالذي يأتي به الثميني من المادة إنما هو المنتقى من بين المؤلفات التي عالجت الموضوع، ويعني أن ذلك الذي أتى به قد راقه واستحسنه، وكان بعد إطلاع على غيره، والدليل في ذلك أنه في دلالة المعجزة، يقول: «هذا بيان ما قرره القوم في وجه دلالة المعجزة، ولم أر لأصحابنا في ذلك نصا، غير أن شيخنا لمـ عرضت عليه هذا المقام استظهر الوجه الأول وهو الذي وقع في نفسي اختياره» (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 293. (2) مخطوط المعالم، ص: 91.
(3) مخطوط المعالم، ص: 191. (1/171)
صفحة 164
172
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
ذلك
وإذا كان له استدلال في المسألة التي يتحدث عنها و لم يسبق إليه، أشار إلى ذلك، وجاء به، كما فعل وهو يبرهن على عدم رؤيته تعالى قائلا: «ونوضح إن شاء الله بما لا يبقى معه اشتباه لمنصف مما لم نره (لغيرنا» (1).
ثم إنه قد يجمع ما به الحاجة من الآراء في مسألة ما، ولو كانت متطرفة، وقد
يكون استعراضا للزوم الاطلاع عليها، وقد تكون مصحوبة بالرد والتفنيد. وإذا كانت القضية محل خلاف وكان للمذهب الإباضي فيها رأي خاص، فإنه قد يبسط القول في عرض الأدلة وبيان الأصوب فيها، كما فعل في عدم رؤية الباري عز وجل. وأما المباحث التي تقتضي البرهان العقلي، فإنه يستعمل فيها القواعد المنطقية، مرتبا المقدمات، متعرضا لبيان وجه إفادتها العلم بالضرورة أو بالنظر، وإذا كان في ذلك أوجده (2).
اختلاف جاء بآراء المتكلمين، كما فعل وهو يبرهن أن للحادث موجدا أو جده (2).
وإذا ركب القضية الحملية فإنه في غالب الأحيان ييّن صدق المقدمة
الصغرى والمقدمة الكبرى وجهة معلوميتها، ليؤكد بذلك صدق النتيجة، وقد يؤكد النتيجة أولا ثم يعود إلى البيان والتحليل.
وقد يبرهن على المسألة الواحدة بطرق شتى فمثلا يأتي بالقضية، ويؤكد ثبوتها (3) بالعكس المستوي (4)، وبعكس النقيض الموافق (5)، وبعكس النقيض
(1) مخطوط المعالم، ص: 183.
(2) مخطوط المعالم ص: 38.
(3) مخطوط المعالم، ص: 36.
' (+) '
(4) العكس المستوي: هو تبديل كل واحد من طرفي القضية بعين الآخر مع بقاء الصدق والكيف
على وجه اللزوم وهو أشهر العكوس ... وهو المراد عند الإطلاق» المعالم، ص 36.
(5) عكس النقيض الموافق: «هو تبديل كل من طرفي القضية ذات الترتيب الطبيعي بنقيض الآخر بقاء الصدق والكيف على ما أختاره المتقدمون». المعالم ص 36. (1/172)
صفحة 165
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
173
كلا
المخالف (1)، كما فعل وهو يؤكد أن العقيدة إذا أخذت على بصيرة فذاك الأسلم كما تنص عليه الآية الكريمة: قُلْ هَذه سَبيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (يوسف: 108). وإذا كان القياس استثنائيا فإنه يُبيّن الملازمة بين المقدم والتالي، ويوضح من اللازم والملزوم، وقد يستدرك الأمر إن فاته هذا التوضيح بوضعه عنوانا فرعيا يسميه: تنبيه، أو تنبيهان، أو تنبيهات، فيستدرك ما فاته، وقد يقحم به مسائل أخرى يقتضي المقام تناولها.
وقد يقرر الدليل بالقياس الاقتراني، ثم يعيده بالقياس الاستثنائي، كما فعل في
تقرير صفة الإرادة الله عز وجل (2).
وقد يستدل على قضية بالشكل الأول، ثم يعيد الاستدلال بالشكل الثاني
مع بيان دليل الصغرى، ودليل الكبرى فيهما، كما فعل في رده على الطبائعيين على أن خالق الإنسان ليس نطفة بل هو خالق مختار)
(3)
ومن طرق الاستدلال، عند المتكلمين: البرهان بقياس الخلف (4)، وقد جاء به
الثميني في كثير من المواضع.
(1) عكس النقيض المخالف: «على ما اختاره المتأخرون وهو تبديل الموضوع بنقيض المحمول والمحمول بعين الموضوع مع الاختلاف في الكيف وبقاء «الصدق» مخطوط المعالم ص: 36 وكل قضية يلزمها عكسها وعكس نقيضها أعنى عكسها المستوى وعكس نقيضها الموافق
والمخالف بمعنى أنه يلزم من صدق الأصل صدق «العكس مخطوط المعالم، ص: 36 ويسمى الأول موافقا لتوافق الأصل والعكس في الكيف والثاني مخالفا لتخالفهما فيه».
مخطوط المعالم، ص: 36.
(2) مخطوط المعالم، ص: 90 - 91.
(3) مخطوط المعالم، ص: 41.
(4) قياس الخلف: «قياس مركب يثبت الموضوع المطلوب باثبات بطلان نقيضه أو [بعبارة أخرى] يثبت كذب نقيض المطلوب لإثبات صدق المطلوب». مهدى فضل الله مدخل إلى علم المنطق) ص: 223. (1/173)
صفحة 166
174
الثميني
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
ومن طرق الاستدلال عندهم أيضا: القسمة الثنائية)، ومثالنا لاستعمال لها، أنه جاء بما ليبين جهة تأثير الصانع في العالم على أنه الاختيار، لا العلة
ولا الطبيعة (2).
هذا، وإذا كان للثميني رأي في مسألة منطقية فإنه لا يتردد في توضيحها، كما فعل وهو يبين معنى قول علماء الميزان: (المفهوم غير منتج)، وأنهم إنما يريدون به نفي لزوم الإنتاج، لا نفي الإنتاج مطلقا، والأول خاص، والثاني عام، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم (3).
وكما فعل وهو يبين رأيه في سلب العموم (4) وعموم السلب (5) في الآية. الكريمة: ولا تُدْرِكُه الابصار (الأنعام: (103) فيقول: إن النفي مقدّر الدخول على الجميع، لا مقدّر الدخول على المجموع، وهي نظير قوله تعالى: {ولاً يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} (الأنفال: (58)، ولا يُحِبُّ كُلِّ مُختَالٍ فَخُورٍ} (الحديد: 23)، «إذ لا يسوغ لعاقل أن يقول إن الله تعالى يحب بعض من ذكر حتى تكون سالبة جزئية» (6).
(1) «القسمة الثنائية: تقوم على تقسيم الكلي إلى نوعين أحدهما له صفة من الصفات، والآخر ليست له هذه الصفة». ماهر عبد القادر محمد علي المنطق ومناهج البحث) ص: 34.
(2) مخطوط المعالم، ص: 39.
(3) مخطوط المعالم، ص: 174.
(4) سلب العموم: نفي الإسناد إلى الكل بأن يعتبر العموم أولا، ثم ورود النفي عليه فتكون سالبة جزئية». مخطوط المعالم، ص: 178
مثالنا لذلك: ليس كل إنسان بكاتب - بعض الناس ليس بكاتب.
(5) عموم السلب: إسناد النفي إلى الكلّ، بأن يلاحظ أولا دخول النفي، ثم ورود العموم عليه، فتكون سالبة كلية». مخطوط المعالم، ص: 177، مثالنا لذلك: كل إنسان ليس بجماد.
(6) مخطوط المعالم، ص: 178. (1/174)
صفحة 167
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
175
فالعموم هنا يبقى على عمومه ولا يتأثر بالسلب والنفي المسلط على
الإدراك والحب هو في قوة قولنا: كل مختال فخور لا يحبه الله، ولهذا فهي عموم السلب لا من سلب العموم» (1).
هذا
عن رأيه في بعض المسائل المنطقية، وقد يكتفي بالتعريف فقط، كما فعل وهو يعرف العكس المستوي، وعكس النقيض الموافق، وعكس النقيض المخالف (2). وإنه كثيرا ما يحدد معنى المصطلحات التي يستعملها، كتحديده حقيقة الحدوث على أنها «الوجود بعد العدم» (3)، وتحديده أن المحل له ثلاثة معان: (1) محل الصفات والأعراض.
(2) والحيز الذي يعمره الجوهر. 3) والمكان (4).
وأن «البسيط في اصطلاح الحكماء هو الذي لا يتألف من أجزاء مختلفة الطبائع كالماء والعسل، وأن المركب ما يقابله كالحيوان» (5).
و أن القدم يطلق بإزاء معنيين:
أحدهما .... ما توالت على وجوده الأزمنة.
والثاني: ... ما لا أول لوجوده» (6).
وغير ذلك كثير.
(1) عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال)، ص: 73. (2) مخطوط المعالم، ص: 36، وقد جئنا بتعريفه له قبل قليل.
(3) مخطوط المعالم، ص: 38.
(4) مخطوط المعالم، ص: 87 - 88
(5) مخطوط المعالم، ص: 128.
(6) مخطوط المعالم، ص: 78 – 79. (1/175)
صفحة 168
176
المآخـ
ـذ
الباب الثاني: الإمام الثميني وعلم الكلام
ونظرا إلى أن أي جهد بشري لا يخلو من النقائص والثغرات، فقد شدّت انتباهنا ملاحظات في عمل الثميني، وكانت التي سجلناها في المنهج ترجع إلى: أنه قد يورد قول غيره، ويذكر صاحبه، ولكنه لا يحدد أطراف ذلك القول، فيتعذر ضبطه. وإلى أنه لا يشير أحيانا كثيرة إلى المنقول ومصدره، ولعل ذلك مما جاء به
وفق مذهبه فتبناه كما سبق بيانه.
وإلى أنه استعمل مرات عديدة رمز (هف) دون أن يحدد معناه كما
عادته في بعض مؤلفاته، وقد اكتشفنا
أنه
من بعد يريد بما (هذا خلف).
وإلى أنه أحيانا يأتي بقول للعضد فينسبه إلى السيد (1) دون العكس، ولعل
السبب في ذلك، هو
أنه استعمل شرحا للمواقف ناسخه لم يتبع طريقة منهجية بما
يتبين بوضوح قول كل منهما، فكان التداخل بين المتن والشرح.
يظهر أن الثميني قد تنبه إلى أنا سنلتقط له بعض الزلات فقال: «إن كل مصنف، وإن تطاول مصنفه لا يخلو عن نكبة وقصور، وإن تعاطى كل كمال فيه صاحبه ... » ويؤكد في تواضع قيمة تأليفه فيقول عنه:
ومع ما اشتمل عليه من القصور والوهن والبتور لا غنى عنه لراغب في الفن
لما فيه من مثلجات الصدور ومحصلات السرور» (2).
هو
ذا كتاب الثميني: (معالم الدين كتاب ألفه وأتمه وهو مطمئن به إذ
يصفه بقوله:
(1) مثالنا لذلك: (المعالم) ص: (10) المواقف) ص: 12 - (المعالم) ص: 13، (المواقف) ص: 15.
(2) مخطوط المعالم، ص: 3. (1/176)
صفحة 169
الفصل الثاني: كتاب الثميني (معالم الدين)
177
«لا
حرم
الله من الانتفاع به من طابت، سريرته وخلصت في طلبه نيته
من
اللذات
وصدقت في الجد فيه عزيمته، وجادت عليه بإدراكه قريحته، فإن من حرم استطلاع، أنواره، وعدم استشمام طيب أزهاره، فلعمري إنه لهو محروم وممنوع، وعن الكمالات مصروم ومقطوع، فإنه كتاب جامعة معالمه، دائرة بين النفي والإثبات، مقاسمه بينة، مراصده نيرة مقاصده، مقررة مسائله محررة دلائله ساطعة براهينه لامعة قوانينه واضحة، فوائده، لائحة فرائده، ظاهرة عوائده، باهرة زوائده» (1).
وهو بعمله هذا
يرجو
الثواب
من مولاه قائلا: «وإني أرغب إلى الله سبحانه
وتعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يثيبنا به، وبغيره بجزيل الثواب، إنه هو التواب الرحيم، فإن ذلك هو المقصود، لا طلب منزلة من الهوى المعبود» (2).
ونحن بدورنا لنرجو بنده البسطة حول كتاب (معالم الدين) أن نكون قد غصنا أكثر إلى أعماقه، ونرجو أن نكون بما أقدر على استخراج أهم المسائل الكلامية التي تناولها الثميني فيه وعلى استجلاء طريقته في معالجتها مفصلة ورأيه
فيها، وهو ما سنقوم به في الفصول اللاحقة بإذن الله.
(1) مخطوط المعالم، ص: 3.
(2) مخطوط المعالم، ص: 3. (1/177)
صفحة 170
الباب الثالث
مباحث علم الكلام في كتاب
(معالم الدين)
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام. الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات. الفصل الثالث: الألوهيـ ة وصفاته
الفصل الرابع: النبـ ـوة وغاياته (1/179)
صفحة 171
الفصل الأوَّل نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
مباحث علم الكلام
وجوب معرفة الله عز وجل
العقل والمعرفة
على
المعرفة
حول المنط
ـق
مقدمات علم الكلام
مطلب
ـق العلم
قوى النفس في تحصيل العلوم:
أ) القوى المدركة.
ب) القوى المحركة
أقسام المعلوم:
أولا: العلم الضروري:
أ) أقسام الضروريات.
ب آراء حول البديهيات والحسيات
ثانيا: العلم الكسبي:
أ) أسباب العلم
ب) أقسام العلم
ج)
النظر
د) الحجة (1/181)
صفحة 172
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
الفصل الأوَّل
نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
مباحث علم الكلام:
183
ومنهم
الثميني
تحدثنا عن موضوع علم الكلام ومباحثه عند المتكلمين الحكماء، في الفصل السابق بالتفصيل، ورأينا فيه أن الثميني يذهب إلى أن علم الكلام علم بأمور يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع
الشبه عنها».
-
وإلى أنه: «المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية تعلقا قريبا أو بعيدا». فالثميني ـ في هاتين العبارتين ــــ ينص على (الإثبات)، والمثبت وهي: (العقائد الدينية)، ووسائل الإثبات وهي: (أمور معلومة قريبة أو بعيدة في تعلقها بهذه العقائد المُثبتة.
ويبين
•
أن هذا (الإثبات) يتحقق بالنظر إذ به يحصل المطلوب الذي هو إثبات العقائد الدينية» (1)، كما نص على ذلك في مرصد خصصه له.
و (الثابت) عنده يعني عدم احتمال النقيض والزوال بتشكيك مشكك فهو علم بمعنى الاعتقاد المطابق الجازم الثابت) (2) وليس جهلا أو ظنا أو تقليدا. ولقد رأينا أن من المباحث التي يتناولها الثميني في إثبات العقائد الدينية سواء أكانت قريبة أم بعيدة ـ مبحث المقدمات، ومبحث الممكنات،
-
(1) مخطوط المعالم، ص: 23.
(2) مخطوط المعالم، ص: 33.
و مبحث (1/183)
صفحة 173
184
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين) الألوهية، ومبحث النبوة أو السمعيات وكان محورها مسألة الألوهية، إذ هناك المباحث ما يتعلق بما من حيث إنها معلومات، ومقدمات يؤدي توظيفها إلى معرفة
من
الله، وهناك من المباحث ما يتعلق بما من حيث إنما مباحث تابعة لها وتلزم العبد
معرفتها أو إتيانها بعد معرفة الله.
وجوب معرفة الله:
إن مبحث الألوهية هو العمود الفقري في المباحث الكلامية، إذ إن الوصول إلى معرفة الله وصفاته يقتضي من العبد قدره حق القدر، وإجلاله
وحسن عبادته.
والحق إن معرفة الله إنما هي بمعرفة أثره تأملا وتسخيرا، ولذلك فند الثميني ما ذهب إليه السمنية والمهندسون من عدم القدرة على معرفته جل وعلا، فالله كرم آدم كما يقول: «بالعقل الغريزي والعلم الضروري، وأهلهم للنظر والاستدلال والارتقاء، في مدارج الكمال، ثم أمرهم بالتفكر في مخلوقاته والتدبر في مصنوعاته ليوصلهم ذلك [إلى] أن لهذا العالم صانعا ... » (1).
بني
فمعرفتهم الله عز وجل إنما هي بالتأمل في آثاره وإدراك وجوده، ووصفه بصفات التتريه، وهي واجبة عند المسلمين سواء كان وجوبا عقليا أم وجوبا
شرعيا، يقول الثميني:
هي واجبة إما «شرعا عند الجمهور من أصحابنا والأشاعرة وغيرهم ممن
قال بذلك ... أو عقلا كما عليه المعتزلة وبعض المحققين (منا
(1) مخطوط المعالم، ص: 1.
(2) مخطوط المعالم، ص: 12.
(2) (1/184)
صفحة 174
العقل والمعرفة:
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام 185
إن المعرفة هذه مناطها العقل على كل حال لأنه وحده الذي يدرك ويعلم
ويثبت، وهو الجوهر الوحيد في الإنسان القادر على ذلك، ولهذا فإن اختل كان الإنسان معذورا غير محاسب عند الخالق وعند الخلق.
والإنسان
عند الثميني - يتميز به عن سائر المخلوقات لأن
«الإنسان مشارك لسائر الأجسام في الحيز والفضاء، وللنبات في التغذي والنشوء والنماء، وللحيوانات العجم في الحياة بالرطوبة والأنفاس، وفي الحركة بالإرادة والإحساس.
وإنما يمتاز بما أعطي من القوة المنطقية، وبما يتبعها من العقل والعلوم
الضرورية، فإذ كماله بتعقل المعقولات، واكتساب مجهولات» (1).
ولقد تنوعت تعريفات الفلاسفة قديما وحديثا الجوهره، واختلف تصورهم له، وافترقوا في تحديد ماهيته ومصدر استمداده مبادئه، وفي كونها قبلية أم بعدية، وفي أقسامه، ومراتبه، ووظائفه (2).
ولقد اختار الثميني له من بين التعريفات كونه «قوة للنفس بما تستعد للعلوم والإدراكات، وهو المراد بقولهم غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات» (3).
الله
(1) مخطوط المعالم، ص: 2. راجع مثلا: عبد بن حميد السالمي (مشارق أنوار العقول)، تعليق وتصحيح أحمد بن حمد الخليلي، مطابع العقيدة، ط: 2 سنة 1978، ص: 42 وما بعدها.
(2) راجع جميل صليبا (المعجم الفلسفي)، دار الكتاب اللبناني، ط سنة 1982 ج: 2، مادة: العقل،
ص: 84 إلى ص: 91.
(3) مخطوط المعالم، ص: 34. (1/185)
صفحة 175
186
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
والعقل موضوع ظل محل الدراسة بعدة علوم كالفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع. ولقد اختلفت وجهات النظر في تناوله تبعا لطبيعة كل علم، وأثمرت
مذاهب شتى في دراسته.
علم المعرفة:
وإنه بتطور البحوث والدراسات في مختلف العلوم حول العقل وطبيعته، نشأ علم لم يحظ بعد بالاستقلالية الكلية، وهو وإن وجد من قال عنه: إنه علم المعرفة فإنه لما يصطلح عليه بعد بتسمية معينة متفق عليها لاختلاف مشارب الدراسات المهتمة به، وتضارب منطلقاتها ونتائجها.
وهي دراسات عرفت في علم المناهج بالإبستمولوجيا، وفي علم الاجتماع: بعلم اجتماع المعرفة، وفي الفلسفة: بنظرية المعرفة، وفي علم الكلام بمطلق العلم. ولقد وجدت عدة محاولات (1) للتمييز بين هذه المصطلحات على اعتبار أن كلا منها مستقل عن الآخر، ولكن الذي يبدو هو أنها لم ترق إلى ذلك بعد، فهي متداخلة في مضمونها، وحسبها أنها متباينة في طرحها، وفي منهجها.
ولهذا اخترنا منها في بحثنا هذا مصطلح: (نظرية المعرفة)، وذلك لشموليته لما البحث في طبيعة
سواه، ولشهرة إطلاقه على هذه البحوث فنظرية المعرفة: «هي " المعرفة، وأصلها وقيمتها، ووسائلها، وحدودها» (2).
(1) راجع جميل صليبا، المعجم الفلسفي)، ج: 1، ص: 33
أيضا:
ج: 2، ص: 478
62:€
أيضا: قباري محمد إسماعيل، علم الاجتماع والفلسفة)، ج 2، - نظرية المعرفة – ص: ل،
و: م، و: 110.
أيضا: محمد عبد الرحمن بيصار الفلسفة اليونانية مقدمات و مذاهب)، ص: 29 وما بعدها.
(2) المعجم الفلسفي، ج 2، ص: 478. (1/186)
صفحة 176
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
187
وأقدم صورة لها نجدها في بحث الفلاسفة عن درجة التشابه بين التصور
الذهني والشيء الخارجي لمعرفة حقيقة المطابقة بينهما» (1).
وهي صورة لا تزال محل البحث والإثراء إلى يومنا لأهميتها (2) ..
فمشكلة المعرفة إذا من أكثر المشكلات والمسائل اتصالا بالإنسان، وأشدها تعلقا بالفكر الميتافيزيقي، بل ولعلها مفتاح المشكلات الميتافيزيقية، ولذلك اتسع البحث في ميدانها (3)، وتطور إلى أن صار مذاهب شتى.
المذاهب المختلفة في نظرية المعرفة
ويمكن حصر
هذه المذاهب في أربعة:
أولها: مذهب العقليين أو المثاليين ويتلخص مذهبهم في أمرين هما:
•
أن القوة العاقلة هي
أصل كل علم حقيقي.
وأن هذه القوة نظرية ذات مبادئ أولية.
وثانيها: مذهب التجريبيين أو الحسيين.
(1) م - ن.
(2) نذكر على سبيل المثال:
الغزالي (المستصفى)، ص: 22 وما بعدها
الثمنيني، تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين)، ص: 103
سالم يفوت (فلسفة العلم المعاصرة ومفهومها للواقع، دار الطليعة بيروت، ط 1، سنة 1986،
مثلا: ص: 47، ص: 274.
جودت سعيد، (اقرأ وربك)، المطبعة العربية - غرداية، الجزائر - ط: 19901، ص: 85 وما بعدها. (3) (علم الاجتماع والفلسفة ج 2 - نظرية المعرفة، ص: 4.
راجع حول المشكلة، مثلا: سليمان دنيا (التفكير الفلسفي الإسلامي). (1/187)
صفحة 177
188 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ويعرفون أيضا بالوضعيين والاختباريين والظاهراتيين والواقعيين)، وذلك لاعتبارات ترجع إلى ما يوجد بينهم من فروق على الرغم من أن وجهة نظرهم واحدة. ويتلخص مذهبهم في أمرين هما:
•
أن العقل قبل التجربة صحيفة بيضاء وخالية من العلم.
وأن كل علم مرجعه التجربة ومصدره العالم المحسوس.
وثالثها: مذهب النقديين ويقوم على التوفيق بين المذهبين، فالعلم عندهم
نتيجة اجتماع عاملين:
-
عامل صوري، ويرجع إلى طبيعة العقل ذاته.
- وعامل مادي ويتكون من الإدراكات الحسية، ويعتبرون أن هذين العاملين ضروريان في تكوين المعرفة، فإذا وجد أحدهما دون الآخر لم تتحقق المعرفة (2).
ورابعها: مذهب الحدسنين الذين يرون أنّ من المعرفة ما يكون بالإشراق
والإلهام والفيض.
هذه
هي
مذاهب نظرية المعرفة في الدراسات المعاصرة، وهي مذاهب نجد قدرا مهما من مباحثها عند الفلاسفة السابقين، ومنهم المتكلمون الحكماء، وهي مذاهب لن نتوقف فيها مع تلك الدارسات الثرية حول المعرفة، فمنها مثلا: هل الأسس المعرفية مع النزعة المثالية أم أنها مع الترعة المادية؟ وهل المادية هي المولدة للمثالية؟ (3).
(1) راجع مثلا سالم يفوت (فلسفة العلم المعاصرة)، ص: 51. (2) محمد عبد الرحمن بيصار الفلسفة اليونانية مقدمات ومذاهب منشورات المكتبة العصرية، بيروت، 1981، ص: 36.
(3) ر: روجية غارودي (النظرية المادية في المعرفة تعريب إبراهيم، قريط دار دمشق، (د. م. ط)،
د. ت. ط. (1/188)
صفحة 178
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
189
ومنها أيضا ما أحدثته الفيزياء الكوانطية (1) من تغيير في النظرية من واقعية مادية إلى واقعية رياضية، أو ما أصبح يسمى بالعقلانية الواقعية (2)، وما يذهب إليه علم الاجتماع من أن للمجتمع وبنيته أثرا في صدور المعرفة (3)، وما جاء عن (بياجيه) من أن علم النفس أيضا يستطيع أن يزود الفلسفة بالكثير من المعطيات في طبيعة الفكر الإنساني وأسسه المنطقية عبر دراسة تطور التفكير عند الطفل (4).
ولن نتوقف فيها كذلك، مع تناول ابن خلدون لها وموقفه من علم الكلام ومذهبه الاجتماعي في المعرفة، وكونه واضع حجز الزاوية في علم اجتماع المعرفة، والذي أعطى للمعرفة طابعا بنيويا تراكميا، وتأثره بابن رشد
(5)
العقلاني الواقعي إن كل ذلك سنتجاوزه إلى تقرير المذهب النقدي الذي كان المتكلمون من أهله، وكان الثميني أحد مقرريه كما سنبينه بعد قليل مستخلصين أهم ما جاء به في الموضوع.
(1) نسبة إلى (كوانطا جمع (كوانطوم تسمية من ماكس بلانك، الذي اعتبر أن الأجسام إذا امتصت أو أصدرت شعاعا فإن امتصاصها أو إصدارها يقعان بشكل منفصل، كأن الطاقة حبات أو وحدات سماها كوانطا. بعد أن كانت الفيزياء الكلاسيكية تعتبر صدور الشعاع أو امتصاصه يكون بشكل متصل». (فلسفة العلم المعاصرة)، ص: 66.
(2) ر: (فلسفة العلم المعاصرة)، ص: 86 - 216 وغيرها.
(3) و علم الاجتماع والفلسفة)، ج: 2 نظرية المعرفة.
(4) مريم سليم (علم تكوين المعرفة - ابتستمولوجيا بياجية)، معهد الإنماء العربي، بيروت، ط: 1،
1985، ص: 13.
(5) فاطمة بلهوى، (علم) اجتماع المعرفة بين الفكر الخلدوني والفكر الغربي)، منشورات جروس برس د. ت. ط. ص 26 و 52 وما بعدها. (1/189)
صفحة 179
190
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
حول المنطق:
ثم إنه لا يفوتنا هنا أن نبين أن الثميني والمتكلمين الحكماء الذين يقرون بالجانب الصوري والجانب الحسي في المعرفة كان مذهبهم المنطقي في الاستدلال مزدوجا إذ كان استنباطيا واستقرائيا ويذهب البعض إلى أن بين الاستدلالين علاقة هامة، وأنه لا غنى للواحد عن الآخر 1
(ا)
فالثميني كغيره من المتكلمين الحكماء كثير الاستعمال للمنهج الاستنباطي (القياس) كما بيناه، وهذا لا يعني أنه أو أنهم كانوا عن المنهج الاستقرائي مبتعـ لأن هذا المنهج كان له أثر بين في استدلالاتهم.
مبتعدين
و في هذا الصدد يفرق علي سامي النشار في كتابه (مناهج البحث) بين فترة ما قبل الغزالي (القرن الخامس الهجري، وفترة ما بعد الغزالي، على أن الأولى كانت فترة تحفظ من المنطق الأرسطي، وكانت الثانية فترة الارتماء في أحضانه غير أنها كان بعقلية إسلامية مغايرة للعقلية اليونانية، مما جعل المسلمين المتكلمون ينقدون المنطق الصوري، ويعدلون فيه، فوضعوا أولى قواعد
ومنهم
المنهج التجريبي.
ويأتي محمد باقر الصدر من بعده فينقد حتى الضروريات واليقينيات المعتمدة في المنطق الأرسطي، والتي استعملها كثير من المتكلمين ويردها جميعا إلى المنطق الاستقرائي (2)، ويؤكد أن المنطق الاستقرائي هو الأساس المشترك في علوم الطبيعة
وفي الإيمان بالله.
(1) حسن ملحم التفكير العلمي والمنهجية، مطبعة دحلب الجزائر: 1993، ص: 242. (2) محمد باقر الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت ط: 5، 1986، ص: 375 وما بعدها. (1/190)
صفحة 180
الفصل الأوَّل: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
191
وإذا رجعنا إلى الثميني تيقناً بتأثره بالمنطق الصوري، وبتسليمه وجود أوليات
عقلية، ووجود قوى للنفس تدرك الحسي مما في الخارج، وكذلك تسليمه أنه باجتماع الكل تحصل المعرفة، وهو بهذا يكون من النقديين في نظرية المعرفة.
مقدمات علم الكلام:
لقد تعرض الثميني لأهم القضايا في نظرية المعرفة عندما صدر كتابه بمعلم للمقدمات كما هو حال كثير من المتكلمين المتأخرين وهي مقدمات يسميها
بعضهم المدخل، وبعضهم التمهيد أو التميهيدات أو المبادئ .. وغير ذلك.
فالمتكلمون يكونون سبّاقين إلى تناول هذا الموضوع، وإن قيل إن الفيلسوف الإنكليزي جون لوك) هو أول من بحث في المعرفة بحثا علميا منظما، وفي صورة علم مستقل في كتابه مقالة في التفكير الإنساني) أو (مقالة في العقل البشري) الذي صدر عام 1690 م والذي يحتوي على مباحث أربعة:
أصل المعرفة وماهيتها، وحدودها، ودرجة اليقين فيها (1).
وإنه وإن اعتبر المؤسس الحقيقي لنظرية المعرفة في العصر الحديث، فإن مصطلح (نظرية (المعرفة لم يظهر إلا بعد ذلك بمدة طويلة، ولعل أول من أشار إلى هذا المصطلح هو الفيلسوف راينهولد) في كتابه (نظرية المعرفة الإنسانية والميتافيزيقيا) الذي صدر عام 1832 م 2.
هذا، ويذكر صاحب كتاب الاتجاه العقلي في التفسير): أن كتاب (العقل) للحارث المحاسبي (ت: 243 هـ) أول مؤلف يتناول تعريف العقل، ويعين حدوده
(1) محمد عبد الرحمن بيصار الفلسفة اليونانية مقدمات و مذاهب، ص 32 (2) راجع عبد الحميد الكردي، نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة)، ص: 9. (1/191)
صفحة 181
192
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وشروطه، وأن الباقلاني (ت: 403 هـ) أول متكلم أفرد في مؤلفاته مقدمات عن المعرفة ووسائلها وشروطها (1).
بينما يذكر صاحبا فلسفة الفكر الديني (2): أنّ عبد القادر البغدادي المتوفى (سنة 429 هـ) هو أول من عرض أسباب العلم والوسائط التي يُلجأ إليها لإدراك المعلومات في كتابه (أصول الدين)، ويذكران: أن البحث عن العلم في بعض وجوهه ومشكلاته قد صار جزءا لا يتجزأ من مؤلّفات علم الكلام منذ ذلك الحين.
والذي يراه علي عبد الفتاح المغربي: أن أبا منصور الماتريدي المتوفى سنة (333 هـ) هو من أوائل المتكلمين الذين تحدثوا في المعرفة بطريقة علمية منظمة، وأنه استهل بما كتابه (التوحيد وكتابه (تأويلات أهل السنة)، وكان أسبق من الباقلاني، ومن البغدادي في معالجتها (3).
والمهم في الأمر أن الحديث عنها أو عن العلم ومشكلاته - قد صار جزءا
من مؤلفات المتكلمين فيما بعد.
العلم
ولعل الذي جعل المتكلمين يصدّرون كتبهم بالمقدمات، ويدافعون عن النظري متعرضين لدراسة العلاقة بين العلم والمعلوم وجود خصوم لعلم الكلام، على شاكلة السفسطائيين المنكرين لما للعلم البشري من قدر وقيمة، وأمثال السمنية الذين
يزعمون أنه لا يعلم شيء إلا من طريق الحواس الخمس، ويبطلون العلوم النظرية (4).
(1) نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير) دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة،
ص: 52 - 54.
(2) فلسفة الفكر الديني، ج: 1، ص: 116.
(3) علي عبد الفتاح المغربي (إمام أهل السنة والجماعة أبو منصور الماتريدي وآراؤه الكلامية)، مكتبة
وهبة، القاهرة، ط: 1 سنة 1985، ص: 35.
(4) فلسفة الفكر الديني)، ج 3، ص: 149 – 150. (1/192)
صفحة 182
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
193
لقد كتب المتكلمون بكل تفصيل حول نظرية المعرفة لما لها من الأهمية في
مباحثهم، ولما لها من الأهمية في الفكر البشري على وجه العموم، وفي بحوث ما بعد الطبيعة على وجه الخصوص.
وكلها مباحث جاء كما الثميني في كتابه معالم الدين وبمباحث حول وسائل الإدراك، وما تحويه النفس من القوى الظاهرة والباطنة في عملية المعرفة، وجاء بمبحث التصور والتصديق، وتحدث عن أصول المعرفة، وقيمتها نوجز دراستها في قسمين وهما: (العلم الضروري والعلم الكسبي)، وندخل إليهما كما فعل
الثميني - بدراسة (مطلق العلم).
مطلق العلم: لقد استهل الثميني المبحثين العلم الضروري والعلم الكسبي بتعري
(مطلق العلم)، وبتحديد طرق إدراك هذا العلم: أهي الضرورة أم النظر؟
وقبل الإجابة عن السؤال، فالذي يراه الشيخ بيصار: أن مطلق العلم والمنطق يمثلان علم المعرفة في بحوث المتكلمين، ويمثل (مطلق العلم) نظرية المعرفة، بمعناها
الأعم، وهي تبحث في جانبين:
الأول منهما: مادة العلم الإنساني.
الثاني منهما مبادئ العلم الصورية.
وهي بمعناها الأخص المعرفة من حيث مبادئها المادية فحسب.
ويذكر أن مطلق العلم يراد به أيضا المنطق بمعناه الأعم، وهو يشمل البحث في العلم من حيث المبادئ المادية، والمبادئ الصورية. وبمعناه الأخص: يراد العلم الذي يبحث في المعرفة من حيث مبادئها الصورية فقط (1).
به
(1) (الفلسفة اليونانية مقدمات ومذاهب)، ص: 30. (1/193)
صفحة 183
194 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
فنظرية المعرفة والمنطق بمفهومهما العام متطابقان في نظر الشيخ بيصار، وأمّا
مطلق العلم فإنه يساوي مجموع نظرية المعرفة والمنطق بمفهومهما الخاص. والذي يراه الثميني أن هناك ثلاثة مذاهب في تعريف مطلق العلم من حيث كونه ضروريا أو نظريا:
أما المذهب الأول: فهو مذهب القائلين بأن معرفة مطلق العلم ضرورية وذلك لسببين:
أولهما: أن الواحد منا يعلم وجوده بعلم، ضروري، هو علم خاص، وبما أن العلم المطلق جزء منه، والعلم بالجزء سابق على العلم بالكل، فالعلم المطلق إذن هو ضروري.
وثانيهما: أن غير العلم إنما يعلم بالعلم، ولو علم العلم بغيره للزم الدور
لتوقف معلومية كل منهما على معلومية الآخر» (1).
وهما سببان قد ردّهما الثميني كما ردّهما الإيجي والجرجاني، أولا: لأن حصول العلم المتعلق بالوجود ليس هو تصور مطلق العلم ولا يستلزمه فضلا عن أن يكون ضروريا.
وثانيا: لوجود فرق بين تصور ماهية العلم وبين حصول العلم الجزئي «فإن
(2)
غير العلم إنما يعلم بحصول [علم] جزئي متعلق به، لا بتصور حقيقة المطلق» 2 وفرّق الثميني بين العلم بالشيء، وتصوّر ذلك العلم نفسه، وبين ذلك بتشبيه حصول العلم بالشيء من غير تصوره بحصول الشجاعة للنفس الموجب اتصافها بها
من غير أن تتصورها.
(1) مخطوط المعالم، ص: 8.
(2) مخطوط المعالم، ص: 8. (1/194)
صفحة 184
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
195
فتصور الشجاعة الذي لا يوجب اتصاف النفس بما هو كتصور مطلق العلم
(1)
لا العلم بالشيء"
وأما المذهب الثاني: فهو مذهب القائلين بأن تعريف مطلق العلم نظري، وأن
(2)
طريقه القسمة، والمثال وأنه عسير التحديد في النهاية، وقد نسبه إلى الجويني والغزالي) والمذهب الثالث: هو مذهب القائلين بأن تعريف مطلق العلم نظري أيضا، ولكنه
لا
تحديده، وقد جاء فيه بسبعة تعريفات ردّ ستا منها، وبين المختار فيها.
لقد ردّ تعريف الرازي الشبيه بتعريف المعتزلة القائل: إنه اعتقاد الشيء على ما هو به»، لأنه غير جامع لخروج التصور عنه، وغير مانع لشموله التقليد إذا طابق الواقع. وردّ القول بخروج المستحيل عن العلم في تعريف المعتزلة، لكونه ليس شيئا اتفاقا، وذلك لأنه لا يخرج العلم به [يعني بالمستحيل] عن تعريفه» لأن «كونه
ليس شيئا معناه أنه غير ثابت في نفسه، وهو لا يمنع كونه شيئا لغة» (3).
ورد تعريف الباقلاني القائل: «إنّه معرفة المعلوم على ما هو به»، وتعريف
الأشعري القائل: إنه «إدراك المعلوم على ما هو به»، لما كما من الدور.
ورد تعريف ابن فورك القائل: «إنّه ما يصح ممن قام به إتقان الفعل»، لأنّ إتقان الفعل كما يقول الثميني: تدخل فيه القدرة، ويخرج عنه علمنا، إذ لا دخل له في الإتقان عندنا وعند الأشاعرة ومن قال بقولنا، خلافا للمعتزلة» (4).
(1) مخطوط المعالم، ص: 8.
(2) ر: الغزالي (الاقتصاد في الاعتقاد تقديم عادل العوا، دار الأمانة بيروت، ط، 1، 1969، ص:
78 وما بعدها.
(3) مخطوط المعالم، ص: 9.
(4) م - ن. (1/195)
صفحة 185
196 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
هذا، وقد اعتبر تعريف الحكماء القائل: «إنه حصول صورة الشيء في العقل» أو «هو تمثيل ماهية المدرك في نفس المدرك» مبنيا على الوجود الذهني،
الذي يتناول الظن والجهل المركب والتقليد والشك والوهم.
واختار في النهاية تعريفه: «أنه صفة يتجلى بما المذكور لمن قامت به، لأنه التعريف الجامع المانع. فالمذكور [فيه]: يتناول الموجود والمعدوم، والممكن والمستحيل، والمفرد والمركب، والكلي والجزئي» (1).
وأما معنى (التجلّي): فهو الانكشاف التام وهو: «صفة ينكشف كما لمن قامت به ما من شأنه أن يذكر انكشافا تاما لا اشتباه فيه فيخرج الظن والجهل المركب واعتقاد المقلد «المصيب» (2)
وبهذا يكون الثميني قد شمل بتعريفه، الذي رجحه كذلك كثير من المتكلمين (3) من قبل كلا من المدرك الذي تقوم به الصفة، والمدرك الذي يذكر ويتجلى، وابتعد بذلك عما وقع فيه الفلاسفة من كون تعريفهم مبنيا على ما في الذهن فقط، ومن كونه ينطبق على كل من الظن والجهل المركب، والتقليد والشك، والوهم.
وقد أبرز تحليله للتعريف أنه كان تعريفا شمل أهم الجوانب في نظرية المعرفة بمفهومها العام، وبناء على هذا فإنه يمكننا أن ننتقل لنرى ما جاء به حول الذات المذركة وما تحويه من قوى بما تتحصل على العلوم.
(1) م - س، ص: 10. -
(2) مخطوط المعالم، ص: 10.
(3) مثلا: الماتريدي، الإيجي، الجرجاني. (1/196)
صفحة 186
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
197
قوى النفس في تحصيل العلوم:
إن الإمام الثميني بين حين تعرض لقوى النفس في تحصيل العلوم، تلك التي للإنسان وتحتك بالعالم الخارجي، وتلك التي أعدت بداخله، ولها فضل كبير في معالجة ما يأتيها من الخارج.
وبيّن أيضا، أن العقل البشري يمتاز بأوليات وبديهيات، بما وبقوى النفس تتحصل العلوم، لأنها وإياها قوى متكاملة.
وهو وإن استعمل العبارة القائلة: «إن نفس الإنسان في مبدإ الفطرة عارية عن العلوم قابلة لها متمكنة من تحصيلها بآلات وقوى بدنية» (1)، لا يعني إلى المذهب الحسي، وإنما يؤكد أنه يؤمن بأن للعالم الخارجي أثره في
أنه ينتمي
تحصيل العلوم.
وهي
لقد شبه بدن الإنسان بالمدينة، والنفس بالمالك لها، والقوى المسخرة لها - كثيرة لا تحصى- بالجنود والأعوان.
والنفس المالكة هذه عنده تختلف عن الروح، إنه في معناها على رأي
الفلاسفة الذين يفرقون بينهما.
إن معناها عند الفلاسفة كما يحدده (المعجم الفلسفي)، يتضمن معنى الجوهرية الفردية أولا، وأن مفهومها أغنى من مفهوم الروح ثانيا، وأن مجالها أوسع من مجال الشعور ثالثا (2).
ولهذا نجد الثميني يقول: وهو يتحدث عن قوى النفس في تحصيل العلوم-:
(1) مخطوط المعالم، ص: 29.
(2) جميل صليبا، (المعجم الفلسفي)، ج: 2، ص: 482. (1/197)
صفحة 187
198 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
إن النفس تتعلق أولا بالروح والروح هو الجسم اللطيف البخاري المنبعث عن القلب المتكون من ألطف أجزاء الأغذية».
ويرى أن النفس الناطقة تفيض منها على الروح قوى تسري بسريان الروح إلى أجزاء البدن، وأعماقه، فتثير تلك القوة في كل عضو من أعضاء البدن ظاهرة وباطنة قوى تليق بذلك العضو، ويكمل بالقوى المثارة في ذلك العضو نفعه،
كل ذلك بإرادة العليم» الحكيم).
وهو يقسم تلك القوى المسخّرة للنفس، والتي يقول عنها: أنه لا يحصي
عددها إلا الله ـ، إلى قسمين (2):
-
1 - مدركة.
2 - ومحركة.
ويقسم المدركة إلى مدركة ظاهرة، وإلى مدركة باطنة. أما المدركة الظاهرة فهي الحواس الخمس:
البصر والسمع، والشم والذوق، واللمس. وأما المدركة الباطنة فهي أيضا خمس:
- الحس المشترك: المدرك للصور.
- والخيال: المعين للحس المشترك بالحفظ.
-
والواهمة: وهي قوة تدرك بها النفس في المحسوسات الجزئية المعاني الجزئية
التي ليست محسوسة.
(1) مخطوط المعالم، ص: 29. (2) انظر الشكل التوضيحي التالي. (1/198)
صفحة 188
به
-
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
والحافظة: وهي
199
قوة تحفظ بما المعاني التي يدركها الوهم، ويفرق بين هذه
القوة الحافظة والخيال والوهم على أن القبول بقوة الوهم، وما به القبول غير ما الحفظ، وهي مغايرة للخيال الحافظ للصور، والحافظ للصور غير الحافظ للمعاني. - والمتصرفة: وهي قوة تحلل الصور وتركبها وتحلل المعاني وتركبها، وهي قادرة على المزج بينهما، أي بين الصور والمعاني. وتسمى إن استأمرها العقل مفكرة، وإن استعملها الوهم دون تصرف عقلي متخيلة.
ولقد حدد موطن كل قوة من القوى الموجودة في الإنسان، سواء منها المدركات الظاهرة (الحواس)، أو المدركات الباطنة معتمدا في ذلك على البيضاوي وعلى الوارجلاني.
وقد كان المنهج التجريبي معتمده في إثبات أماكن تلك القوى في جس الإنسان إنه يقول: «ويدل على اختصاص هذه القوى بهذه المواضع اختلال فعلها بخلل هذه المواضع، فإن الفساد إذا اختص بموضع أورث الآفة في فعل القوة المختصة
بذلك الموضع».
وبين
أن الإدراكات الباطنة الخمسة إنما هي اثنتان فقط، على الرغم من أن الإدراكات الباطنة لا تتم إلا بجميعها»، ويعني بهذا أن منها المدركة ومنها المعينة على الإدراك، ولذا فهما اثنتان.
ثم حلّل حقيقة المدركات الكلية والجزئية، وأشار إلى أن الأصفهاني قد فعل ذلك.
لقد بين في تحليله أن المدرك للكليات والجزئيات إنما هي!
الكليات بالذات والجزئيات بتوسط قواها.
النفس، على أن
ومعنى إدراكها للكليات بذاتها أن الصورة الكلية المعقولة ترتسم في النفس
لا في القوى الجسمانية التي هي آلاتها، ومعنى إدراكها للجزئيات بتوسط هذه (1/199)
صفحة 189
200
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
القوى: أن المحسوسة والمتخيلة والمعاني الجزئية الموهومة ترتسم وتنطبع في آلاتها، وأن إدراك النفس إياها بواسطة تلك القوى وانطباعها فيها» (1).
هذا عن المدركات الباطنة، وهو مبحث حديث عالج علم النفس بعض جوانبه في موضوع الذاكرة بتقسيمها إلى ذاكرة قصيرة الأجل، وذاكرة طويلة الأجل، وبحث ما يتعلق بها من وسائل في معالجة صور المدركات، كالانتباه والخيال المساعدين على المحافظة بصورها (2).
وهو مبحث به ننهي حديثنا عن قوى النفس المدركة.
أما قوى النفس المحركة فإن الثميني لم يفصلها (3) وقد أجمل القول فيها قائلا:
«أما المحركة فتنقسم إلى محركة اختيارية، ومحركة طبيعية.
أما الاختيارية فتنقسم إلى باعثة على جلب النفع وتسمى الشهوانية، وإلى باعثة على دفع الضر وتسمى الغضبية، وتحت كل منهما أنواع»
وأما الطبيعية فهي سبع منها أربعة هي: الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة
التي تخدم البواقي وهي: الغاذية والنامية والمصوّرة (4).
ولقد اعتبر الثميني عدد هذه القوى سبعا تبعا للوارجلاني، وبين أن هذا لا يتنافى مع ما ذهب إليه الإيجي والبيضاوي، لأنهم عدوا القوى المحركة ثمانية،
(1) مخطوط المعالم، ص: 32. أيضا: الأصفهاني، شرح مطالع الأنظار) على (طوالع الأنوار) للبيضاوي، المطبعة الخيرية، ط: 1، 1323 ص: 147.
(2) عماد إبراهيم عبده ولميس فؤاد اليحيى ذاكرتك كيف تعمل؟)، دار النبراس للنشر والتوزيع، عمان، ط: 1 سنة: 1990
(3) للتفصيل راجع (شرح) مطالع الأنظار على طوالع الأنوار)، ص: 148 وما بعدها.
(4) مخطوط المعالم، ص: 32. (1/200)
صفحة 190
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
201
لاعتبارهم المولدة قسمين:
• مولّدة تفضل جزءا من الغذاء بعد الهضم التام، وتعده مبدأ ومادة
لشخص آخر.
ومصوّرة تحيل تلك المادة في الرحم وتفيدها الصور والقوى والأعراض
الحاصلة للنوع.
هذه
هي
تحصيل العلوم.
القوى المدركة والمحركة التي للنفس والتي تمنحها قدرتها على
وهي قوى يزيدها بيانا وتوضيحا ترتيبها حسب الشكل التالي: (1/201)
صفحة 191
202 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
قوى النفس في تحصيل العلوم
وتحتهما أنواع
القوى المدركة الباطنة * (1/202)
صفحة 192
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
أقسام المعلوم
هذاء
203
وبعد أن تحدثنا عن الذات المدركة وقواها في تحصيل العلوم، فإنه ينبغي
لنا أن نأتي بما جاء به الثميني حول المعلوم حتى يكتمل ما نحن فيه، لا سيما وأننا بعد دراستنا لكتابه (معالم الدين أمكننا أن نقسم المعلوم عنده إلى قسمين:
- معلوم بعلم ضروري.
- ومعلوم بعلم كسبي.
فما هو العلم الضروري؟ وما هو العلم الكسبي؟
أولا: العلم الضروري:
لقد قسم الثميني العلم الحادث إلى قسمين:
علم ضروري، ومنه
البديهي.
و علم كسبي، ومنه النظري.
يقول الثميني: إن الضروري ما لا يكون تحصيله مقدورا للخلق، والبديهي ما يثبته مجرد العقل، فهو أخص من الضروري».
والكسبي يقابله، فهو العلم المقدور تحصيله بالقدرة الحادثة» (1).
من
ويرى أن العلم النظري المتضمن للنظر الصحيح يلازم الكسبي عادة، هذا جهة، ومن جهة أخرى فإن من يفرق بين الكسبي والنظري فهو يجوز حصول
الكسبي بغير النظر.
(1) مخطوط المعالم، ص: 15. (1/203)
صفحة 193
204
من
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ولقد أكد وهو يثبت العلوم الضرورية أن إليها المنتهى: «وأن العلوم الكسبية العقائد الدينية وغيرها، تنتهي إليها، وهي المبادئ الأول، ولولاها لم يتحصل علم أصلا»)، على أن الضروري قد تخلو النفس عنه بفقدان الشرط والاستعداد عند المعتزلة، أو «لأنه لا يخلقه الله تعالى في العبد حينا ثم يخلقه فيه، بلا قدرة من العبد متعلقة بذلك العلم عند الأشاعرة والإباضية كما يقول الثميني (2).
أ- أقسام الضروريات
إن أقسام العلوم الضرورية كما يحصيها الثميني- هي:
(1) الوجدانيات وهي قليلة النفع في العلوم لأنها غير معلومة الاشتراك
الغير» (3).
يقينا، فلا تقوم حجة على الغير» (3).
(2) والحسيات والمراد منها ما يتناول التجريبيات والمتواترات، وأحكام الوهم في المحسوسات والحدسيات والمشاهدات» (4).
(3) والبديهيات: «وهي الأوليات وما في حكمها من القضايا الفطرية القياس» (5)، وهي مثل الحسيات عمدة في العلوم إذ بهما تقوم الحجة على الغير، «أما البديهيات فعلى الإطلاق، وأما الحسيات فلثبوت الاشتراك في أسبابها من تجربة أو من تواتر أو حدس أو مشاهدة» (6).
(1) مخطوط المعالم، ص: 12.
(2) مخطوط المعالم، ص: 12.
(3) مخطوط المعالم، ص: 12.
(4) مخطوط المعالم، ص: 13. (5) مخطوط المعالم، ص: 13. (0) مخطوط المعالم، ص: 13. (1/204)
صفحة 194
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
205
فهذه هي الأقسام الثلاثة للعلوم الضرورية، وإذا كان القسم الأول منها غير
يقيني ولا يقوم حجة على الغير، فهناك ستة أقسام يقينية أصلها: الحسيات والبديهيات، وتعتبر مقدمات يقينية يعتمد عليها البرهان كما سيأتي.
وهذه الأقسام الستة هي:
1 الأوليات التي تدرك بأول توجه للعقل وتسمى أيضا البديهيات، وهو ما يجزم به العقل بمجرد تصور طرفيه» (1).
2 والقضايا التي قياساتها معها، والتي هناك من يسميها بالفطريات: «وهـ ما يجزم به العقل بواسطة وسط يتصور [ه] معها كقولنا: الأربعة زوج» (2). (3) والحسيات وتسمى المشاهدات وهي ما يجزم به العقل بواسطة حس». (4) والتجريبيات: «وهي ما يجزم به العقل بواسطة التجربة مرارا بحيث يجزم العقل بأنه ليس على سبيل الاتفاق»
(5) والحدسيات: (وهي ما يجزم به العقل لترتب دون ترتب التجريبيات مع مصاحبة القرائن والحدس هنا هو بالمعنى الذي عند العقليين لا الذي عند الإشراقيين. (6) والمتواترات: «و هي ما يجزم به ما يجزم به العقل بواسطة حس السمع ووسط
حاضر في الذهن» (3).
ب آراء حول البديهيات والحسيات
وهنا ينبغي لنا أن نلاحظ هذه الأقسام فنجدها جميعا تعود إلى القسمين
الأساسيين اللذين هما:
(1) مخطوط المعالم، ص: 27. (2) مخطوط المعالم، ص: 27. (3) مخطوط المعالم، ص: 27. (1/205)
صفحة 195
206
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
- 1 - البديهيات.
- 2 - والحسيات.
وهما قسمان، للباحثين في إفادتهما العلم آراء أربعة: ينسب كل رأي منها لفرقة. وهي آراء يذكرها الثميني، ونجد قريبا منها عند الإيجي (1) والرازي (2). وهي: أولا، رأي المعترفين بهما وهم الأكثرون، وهؤلاء هم على مذهب النقديين في نظرية المعرفة.
وثانيا: رأي المنكرين لهما وهم السفسطائيون الذين قالوا إن دليل المبطلين للبديهيات يبطل البديهيات ودليل المبطلين للحسيات يبطل الحسيات، وبما أن النظر فرع البديهيات والحسيات فهو باطل مثلهما ولا طريق إلى العلم غيرهما. ومثل السفسطائيين اللاأدرية الشاكون دوما والشاكون حتى في أ
شاكون. و ثالثا: رأي القادحين في الحسيات فقط، وهم على مذهب العقليين في نظرية المعرفة، وينتسبون إلى أفلاطون وأرسطو وبطليموس وجالينوس، فيما يذهبون إليه. ويورد الثميني تعليلا لما يذهبون إليه وينسبه إلى السيد، وهو في الأصل قول
للعضد جاء فيه:
إنهم إن أرادوا أن الحسيات غير يقينية، وأن جزم العقل بها ليس بمجرد الحس، بل لا بد له من الإحساس بأمور تنضم إليه فتضطره إلى الجزم، ولا نعلم
(1) (المواقف)، ص: 14 وما بعدها.
(2) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين) بذيله: (تلخيص المحصل) للعلامة نصر الدين الطوسي، راجعه وقدم له طه عبد الرؤوف سعد، ط: 1، 1984، ص: 30
وما بعدها. (1/206)
صفحة 196
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
207
ما هي؟ ومتى حصلت؟ وكيف حصلت؟، فذاك أمر مقبول منهم] وإن لم يريدوا ما ذكرناه من التأويل فإلى الحسيات تنتهي علومهم» (1).
الإدراك.
والذي يراه الثميني أن علم كل واحد من هؤلاء ينتهي إلى الحسي من
ولقد جاء بقول المنكرين للحسيات وكون الحكم باطلا سواء في الكليات أو في الجزئيات لعاملين:
- الأول: لكون الحس لا يدرك جميع النيران الموجودة في الحال كما هو ظاهر.
والثاني: لكون حكم الحس في الجزئيات يغلط كثيرا (2).
وإن أمثلة المنكرين للحسيات عديدة في إثبات ما ذهبوا إليه، ولقد استعرض الثميني نصيبا منها، وأجاب عنها بقوله: «إن مقتضى ما ذكروه: أن لا يجزم العقل بحكم كلي أو جزئي بمجرد الحس والإحساس به - ونحن نقول به - فإن جزم العقل ليس يحصل في الكليات ولا في الجزئيات لمجرد الإحساس بالحواس، بل لا بد مع ذلك من. أمور أخرى توجب الجزم ... فإذا لم توجد في بعض الصور لم يكن من العقل جزم وكان احتمال الخطإ هناك قائما، لا أنه لا يوثق بجزمه بما جزم به من الأحكام على المحسوسات بحصول تلك الأمور مع الإحساس في هذه الصور، وكيف لا يوثق لجزمه هاهنا مع أن بديهته شاهدة بصحته وبانتفاء الغلط عنه، كما في قولنا: الشمس مضيئة، والنار حارة» (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 13. أيضا (المواقف): ص: 14. أيضا: شرح (المواقف)، ص: 124
وما بعدها.
(2) مخطوط المعالم، ص: 13.
(3) مخطوط المعالم، ص: 18. (1/207)
صفحة 197
208
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
فالعقل لا يعتمد على الحس وحده في حكمه الكلي والجزئي، ولكنه يعتمد على أمور أخرى توجب الجزم، فإذا لم توجد في بعض الصور لم يكن من العقل
جزم، وكان احتمال الخطا، وإذا وجدت كان الوثوق بجزمه.
أما الرأي الرابع في المسألة، فهو رأي القادحين في البديهيات، وهؤلاء هم على مذهب الحسيين في نظرية المعرفة، إذ «قالوا: هي أضعف من الحسيات لأنها فرعها، وذلك لأن الإنسان في مبدأ الفطرة خال من الإدراكات كلها، فإذا استعمل الحواس في الجزئيات تنبه لمشاركات بينها ومباينات وانتزع منها صورا كلية يحكم على بعضها ببعض إيجابا أو سلبا، إما ببديهة عقلية كما في البديهيات، أو بمعاونة شيء آخر كما في سائر الضروريات والنظريات» (1).
فيفضل إحساس الإنسان بالمحسوسات حصل له ما حصل من التصورات والتصديقات، هكذا مذهبهم.
اعترض الثميني عليهم بأنه ليس يلزم من كون الإحساس شرطا في حصول حكم عقلي أن يكون الإحساس أقوى من التعقل، فإن الاستعداد شرط في حصول الكمال، وليس بأقوى منه» (2).
ولقد استعرض الكثير من شبههم القادحة في البديهيات، منها:
أن أجلى البديهيات وأقواها في الجزم هي قولنا الشيء إما أن يكون أو لا يكون لأن الطرفين هنا لا يجتمعان ولا يرتفعان ومع هذا فإننا قد نجد في بعض البديهيات هذا الاجتماع كما في البديهة القائلة: الكل أعظم من لأن أحد الأجزاء هنا كما يقولون قد اعتبر مرة، واستغني عنه مرة أخرى،
(1) مخطوط المعالم، ص: 18.
-
الجزء،
(2) مخطوط المعالم، ص: 19. (1/208)
صفحة 198
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
209
في طرفي المتأرجحة، وفي ذلك تردد بين النفي والإثبات، فكان الشيء، وما
كان، في آن واحد.
وهي شبهة ردها بقوله: «هذه الاستدلالات ... ملحوظة للعقلاء، وإن عجز
البعض عن تلخيصها في التعبير عنها» (1).
ومن شبههم قولهم: أنا نجزم بالعاديات كجزمنا بالأوليات من غير فرق
بينهما، ومن الجائز أن نجد نقائض لما جزمنا به.
ولقد رد هذه الشبهة بقوله: «إن إمكان نقائض ما جزمنا به من العاديات لا ينافي الجزم بوقوع تلك الأمور العادية جزما محققا مطابقا للواقع لا يزول بالتشكيك أصلا» (2)، ومثله جزمنا في المحسوسات بأن جسما ما شاغل الحيز معين في وقت معين جزما لا يتطرق إليه شبهة، مع أن نقيضه هو الآخر ممكن في ذاته.
فظهر أن الجزم واقع موقعه وليس في ما جزمنا به من العاديات احتمال النقيض القادح في الجزم، لأن احتمال النقيض بمعنى إمكانه الذاتي ليس بقادح فيها كما في المحسوسات اليقينية (3).
هذا، وإن للقادحين في البديهيات شبها أخرى عديدة جاء بها الثميني، نوجز
بعضا منها فيما يلي:
أولها أن للأمزجة والعادات تأثيرًا في الاعتقادات.
وثانيها: أن مزاولة العلوم العقلية دلت على أنه قد يتعارض قاطعان يعجز عن
القدح فيهما.
(1) مخطوط المعالم، ص: 19. (2) مخطوط المعالم، ص: 21.
(3) مخطوط المعالم، ص: 21. (1/209)
صفحة 199
210
وثالثها:
لنا خطوه
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
أنه قد يجزم بصحة دليل أزمنة وبما يلازمه من النتيجة، ثم يظهر
ورابعها: أن في كثير من المذاهب قضايا يدعي كل مذهب أنه هو على
البداهة والصواب فيها، ومخالفوه ينكرونها.
ولقد رد الثميني على القول بأن للأمزجة والعادات تأثيرا في الاعتقادات بقوله: «ذلك لفساد في المزاج، فلا يقدح في كونها يقينية» (1).
ورد قولهم بوجود تعارض في الأدلة واختلاف في المسائل عبر العصور وبين
منها
المذاهب، وقولهم بأن ذلك لم يكن إلا للجزم بالمقدمات أن الخطأ قطعا
مع
وإلا اجتمع النقيضان ردَّ قولهم هذا بقوله: «إنا لا نسلم أنه يعجز عن القدح في أحدها، إذ نشأ عن الوهم في صورة العقل ضرورة أن مقدماته أو بعضها خطاً قطعا» (2)، والوهم هنا هي القوة المدركة للمعاني الجزئية كما سبق بيانه.
ثم إن الثميني قد أورد أن المنكرين للبديهيات قالوا بعد تقرير شبههم- الخصومهم، إن أجبتم عنها فقد ألزمتم أن البديهيات لا تصفو عن الشوائب إلا بالجواب عنها، وهو لا يحصل إلا بالنظر الدقيق الذي لا تبقى البديهيات ضرورة معه، وهو المراد. ويلزم الدور أيضا. وإن لم تجيبوا عنها تمت ونفت الجزم بالبديهيات. و أجيب [و] عن ذلك بأنا لا نشغل بالجواب عنها، لأن الأوليات
مستغنية عن
أنها فاسيدة.»
أن يذب عنها، وليس يتطرق إلينا شك فيها بتلك الشبه التي نعلم قطعا
(3)
(1) مخطوط المعالم، ص: 22.
(2) مخطوط المعالم، ص: 22.
(3) مخطوط المعالم، ص: 22 - 23. (1/210)
صفحة 200
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
211
وهو جواب وإن كان ذا طبع جدلي - فله، قوته و به نختم ما جاء به الثميني
عن العلم الضروري.
ثانيا: العلم الكسبي:
لقد أثبت الثميني حصول العلم الضروري، وأنه يتمثل في الوجدانيات والأوليات والحسيات وأثبت أن طبيعة المعلوم الوجداني ذاتي، لا يتعدى إدراكه ذات الإنسان إلى الآخرين، وأن طبيعة المعلوم الأولي والحسي يشترك فيه الإنس، وهما المعتمدان في الاستدلال وأثبت أن المعلومات كلها حاصلة بقوى وقدرات كامنة في النفس أودعها الله فيها، بفضلها يستطيع الإنسان الحصول على المعرفة.
أ- أسباب العلم
إن العلم الضروري، غير مقدور للخلق، أما الكسبي فهو المقدور لهم، بمعنى
أنه نظري يعتمد المقدمات للحصول على نتائج حسبما يذهب إليه الثميني. ومن الكسبي ما يتحصل عليه بسبب غير النظر حتى عُدَّ من الضروري كما سبق ذكره، ولقد أشار الثميني إلى القائلين به (1) حين رد على السمنية المانعين للنظر مطلقا، وذكر أن العلم الضروري قسمان:
(1) ضروري بغير سبب كالكل أعظم من الجزء.
(2 وضروري بسبب كمعرفة حلاوة الطعام بسبب الذوق. فالحس هنا هو السبب للعلم بالحلاوة وقد اكتسبناه بغير النظر. إن السبب في العلم عند الثميني وعند كثير من المتكلمين، ثلاثة أقسام:
الحس السليم، والخبر الصادق، والعقل الصريح.
(1) مخطوط المعالم، ص: 24. (1/211)
صفحة 201
212
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
«فالسبب إن كان من خارج عن ذات المدرك فالخبر، وإلا فإن كان آلة غير
(1)
المدرك فالحواس ... وإلا فالعقل» 1
الله
والذي يراه الثميني أن السبب الحقيقي المؤثر في تحصيل العلوم إنما هو لأن الأسباب الثلاثة المذكورة إنما هي أسباب بمحض خلق الله وإيجاده، من غير تأثير لها وأنّ السبب الظاهري إنما هو العقل لا غير.
وأما الحواس والأخبار فهي آلات وطرق للإدراك، «والسبب المفضي في الجملة بأن يخلق الله تعالى مع العقل] بطريق جري العادة» كما سيأتي، ويشمل الوجدانيات والحدس والتجربة ونظر العقل (2).
إنّ هذه الأسباب الثلاثة يسميها الثميني أحيانا أسبابا وأحيانا طرقا، والأولى فيما يبدو لنا أن تسمى طرقا، وأن يفرق بينها وبين السبب الذي يأخذ بعداً
-
آخر والذي يعني: «العثور على النظر الصحيح المطلع على وجه الدليل الذي هو الحد الأوسط في المقدمتين» (3) والذي يكون بالاستعداد وتوفر الشروط أو بخلق الله له كما سيأتي مزيد البيان حول المسألة في مبحث النظر.
ولنسمها إذن طرقا، وهي هذه مفصلة:
(1) الحواس السليمة
لقد كانت السلامة شرطا في حصول الحواس على العلم، وقد أشرنا إلى بعض مما جاء به الثميني حول التي منها لها دور في إثبات العلوم الضرورية.
(1) مخطوط المعالم، ص: 28.
(2) مخطوط المعالم، ص: 28.
(3) مخطوط المعالم، ص: 24. (1/212)
صفحة 202
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
213
وهي تعتبر
أحد الأسباب على حد تعبير الثميني - في حصول العلم «لأنهم
لما وجدوا بعض الإدراكات حاصلة عقب استعمال الحواس الظاهرة، التي لا شك
فيها من ذوي العقول أو من غيرهم جعلوا الحواس أحد الأسباب». (1)
(2) الخبر الصادق:
ويأتي بعدها الخبر الصادق الذي يقول فيه الثميني: «ولما كان معظ المعلومات الدينية مستفادا من الخبر الصادق جعلوه سببا آخر» (2).
ويُعرف بأنه: الخبر المطابق للواقع، وهو نوعان:
النوع الأول: الخبر المتواتر، وهو ما يجزم به العقل بواسطة حس السمع، ووسط حاضر في الذهن، وذلك بأن يخبر، عن محسوس يمكن وقوعه، جمع كثير يجزم العقل بامتناع توافقهم على الكذب»، (3) وهو موجب للعلم الضروري كمـ سبق ذكره في اليقينيات.
ويورد الثميني فيه قول السعد: إن في المسألة أمرين:
أحدهما: «أنّ التواتر موجب للعلم ... بالضرورة» (4).
بمعنى أنا نجد بأنفسنا، علوما، منها ما يكون سببه الخبر فقط.
وثانيهما: أن العلم الحاصل به [يعني بالتواتر] ضروري»، فالمتواترات من العلوم الضرورية، وهي من اليقينيات الست وعليها مبنى العلم النظري البرهاني.
(1) مخطوط المعالم، ص: 28.
(2) مخطوط المعالم، ص: 28.
(3) مخطوط المعالم، ص: 27. (t) مخطوط المعالم، ص: 33. (1/213)
صفحة 203
214
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وما يمكن أن يقال: من أن الخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وضم الظن إلى
مثله لا يوجب اليقين، فهو مردود لدى الثميني، لأنه من الجائز أن يكون مع الاجتماع ما لا يكون على الانفراد» (1).
ومن المردود عنده أيضا القول القائل: بأن الضروريات قد يقع فيها التفاوت والاختلاف، والأصل أن لا يكون فيها ذلك، لأن التفاوت إذا كان في أنواع الضروري فهو غير ذاتي، ولكنه بواسطة التفاوت في الألف والعادة والممارسة والإخطار بالبال، وتصوّرات أطراف الأحكام. وقد يُختلف فيه مكابرة وعنادا (2).
وهكذا، فالتفاوت إنما هو لأسباب أخرى تحيط به، لا لكونه ضروريا.
هذا، وإن النوع الثاني من الخبر الصادق: هو خبر الرسول المؤيد بالمعجزة، وهو يوجب العلم الاستدلالي» (3) على القطع لتصديقه بالمعجزة كما سيأتي في
فصل النبوات.
أنه
خبر من ثبتت له
وهو علم استدلالي التوقفه على الاستدلال واستحضار الرسالة بالمعجزات»، وكل خبر هذا شأنه فالعلم الثابت به يضاهي الثابت بالضرورة في اليقين (4).
ولقد أبعد الثميني رأي من يقول بأن لا حاجة في الفصل بين خبر الرسول والأخبار المتواترة لأن خبر الرسول موجب الرسول موجب للعلم الثابت، ولأن الحديث عن المتواتر كاف لرجوع خبر الرسول إليه، حيث يقول: «فإن قلت إنما يكون [العلم الثابت]
(1) مخطوط المعالم، ص: 33.
(2) مخطوط المعالم، ص: 33. (3) مخطوط المعالم، ص: 33. (4) مخطوط المعالم، ص: 33. (1/214)
صفحة 204
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
215
في المتواتر فقط، فيرجع ... [خبر الرسول إليه]، قلت: الكلام إنما هو فيما علم أنه خبر الرسول بأن سمع من فيه، - أو تواتر عنه ذلك، أو بغير ذلك إن أمكن» (1).
فخبر الرسول إنما قد يعلم بالتواتر وقد يعلم بغيره فاستوجب الفصل بينهما لتميز الأول عن الثاني.
ثم فصل القول في كون خبر الرسول ضروريا أو استدلاليا فبين:
أن الضروري: هو ما تواتر بكونه خبر الرسول وما سمع من فيه من الألفاظ هذا من جهة، وأنه خبر يحصل العلم الضروري، به، كما يحصل في سائر المتواترات والحسيات من جهة ثانية.
ذلك
وبين أن العلم الاستدلالي: هو العلم بمضمون ثبوت مدلوله»، ومعنى كما مثل له بحديث الرسول له: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (3)، أن الحديث هنا ثابت بالتواتر على أنه خبر الرسول، وعليه فهو ضروري، هذا أولا، ثم إنه ثانيا: علم استدلالي لأنه يعلم منه وجوب البينة على من ادعى.
وإننا في التفريق بين العلمين الضروري والاستدلالي، وجدنا أبا المعين النسفي يقول: «إنما الاختلاف بينهما أن الضروري يثبت بدون الاشتغال باكتسابه والاستدلالي لا يثبت ما لم يوجد استدلال» (4).
(1) مخطوط المعالم، ص: 33.
(2) مخطوط المعالم، ص: 34.
(3) الربيع بن حبيب، (الجامع الصحيح)، الأحكام، باب: 35، رقم: 592.
علاء الدين علي المتقي الهندي (كتر العمال في سنن الأقوال والأفعال، كتاب الدعوى، ج:
15282/ 6
(4) (التمهيد في أصول الدين تحقيق عبد الحي قابيل دار الثقافة للنشر، القاهرة، سنة:
1987، ص: 3. (1/215)
صفحة 205
216 الباب الثالث الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وإلى هذا المعنى يذهب الثميني أيضا كما بيناه آنفا بما صدرنا به (النوع الثاني من الخبر الصادق)
وخلاصة القول: إن خبر الرسول عند الثميني من حيث كونه علما استدلاليا يحمل معنيين: فهو من جهة يوجب العلم الاستدلالي بمعنى يستدل به للحصول على مجهول، وهو من جهة أخرى علم استدلالي لتوقفه على الاستدلال واستحضار أنه خبر الرسول.
ثم بين السبب في كونه لم يعدّد مع الخبر الصادق خبر الله وخبر الملك ومـ جاء عن الإجماع، وذلك لأن المراد من الخبر الذي يكون سببا للعلم لعامة الخلق
بمجرد كونه خبراء، مع قطع النظر عن القرائن المفيدة لليقين بدلالة العقل» (1)
وخبر الملك إنما يصل إلى الخلق من جهة الرسول، ولأن خبر
الله ولأن خبر أهل الإجماع في حكم المتواتر.
(3) العقل:
لقد سبق بعض الحديث عن العقل من حيث التعريف والاهتمامات التي أحاطت به، وسنتحدث هنا عنه على أنه والحواس السليمة والخبر الصادق أسباب
بل طرق العلم.
وهو كما يصفه الثميني وبقطع النظر عن طبيعته وعلاقته بالنفس (2) «هو قوة للنفس بما تستعد للعلوم والإدراكات، وقد سماه (غريزة)، كما في قوله: (وهو المراد بقولهم غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة
(1) مخطوط المعالم، ص: 34.
(2) انظر مثلا محمد المصباحي، إشكالية العقل عند ابن رشد المركز الثقافي العربي، بيروت، ط:
1 سنة 1988. (1/216)
صفحة 206
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
217
الآلات»، ويشير أخيرا إلى القائلين بأنه: «جوهر يدرك به الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة» (1)
والمهم في الأمر أنه طريق للعلم، ويفيده بنظر صحيح منه، خلافا للسمنية في
النظريات والمهندسين في الإلهيات.
هذا، وللحكماء أقسام له تابعة لمراتبه يذكرها الثميني، ونوجزها فيما يلي:
العقل الهيولاني: وهو استعداد النفس لفيض العلوم عليها.
والعقل بالملكة: وهو استعدادها لاكتساب النظريات بعد استعمالها لآلاتا
الظاهرة والباطنة وحصولها على الأوليات، وبه مناط التكليف.
والعقل بالفعل، أو العقل الفعّال: وهو كون النفس ترتب العلوم الأولية
وتدرك النظريات.
بذلك
والعقل المستفاد: وهو حصول النفس على علوم مخزونة، وحصولها على قدرة باستحضارها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد غير تحشم كسب جديد، ويسمى لاستفادته من العقل الفعّال (2). ولا بد في هذا المقام أن ننبه على أن هذه الأقسام للعقل لها ترتيب وتفسير
غير الذي يراه الثمين لها (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 34.
(2) مخطوط المعالم، ص: 34.
(3) لقد وجدنا اضطرابا في ترتيبها وتفسيرها فيما استعملناه من المراجع:
•
الإيجي (المواقف): ص: 145
جميل صليبا، (المعجم الفلسفي)، ج (2)، ص: 84
محمود جلال شرف الله والعالم والإنسان في الفكر الإسلامي)، ص: 230، 236، 237. دي بور، (تاريخ الفلسفة في الإسلام، ترجمة: محمد عبد الهادي أبو ريده، ص: 217
وما بعدها. (1/217)
صفحة 207
218
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وهكذا، ومرة أخرى، نؤكد أن الثميني باعتباره الطرق الثلاثة في الحصول
على العلم من النقديين لأنه يعترف بدور العقل وأهميته في التحصيل المعرفي، ويعتبره هو السبب الظاهري فيها، ويعتبر الحس والخبر طرقا وآلات له، لأنه لا يثبت شيء عن طريقهما الحس والخبر إلا إذا كان حاضرا، ويعني هذا أن العقل يحصل على الأوليات باستعمال الآلات الظاهرة والباطنة، وهو ما يسمى: العقل بالمكلة مناط التكليف.
وإنه لا علم عن طريق الحدس بالمفهوم الإشراقي في نظر الثميني، وعليه فهو يختلف مع أبي يعقوب الوارجلاني ومع الصوفية المعتبرين أن الإلهام حجة)، إذ يقول: «أما الإلهام المفسر بإلقاء معنى في القلب بطريق الفيض فليس من أسباب العلم بالشيء» (2).
فإلقاء معنى في القلب بطريق الفيض ليس من أسباب العلم وليس حجة عند الثميني، فهو وإن أقرّ به ورأى أنّ الفرد إذا تخلى عن الأخلاق الذميمة وتحلى بالأخلاق الحميدة بالرياضة صار في حالة يتهيأ لإدراك ما لا يتهيأ غيره لإدراكه (3)
إلا أن إدراكه هذا لا يرقى إلى مرتبة الحجة.
ويرى كذلك:
(1) أن. خبر
العدل الواحد.
2 وتقليد المجتهد ليسا من أسباب العلم، وإن كانا يفيدان الظن والاعتقاد
الجازم الذي يقبل الزوال (4).
(1) مخطوط المعالم، ص: 34.
(2) مخطوط المعالم، ص: 34. (3) مخطوط المعالم، ص: 185. (4) مخطوط المعالم، ص: 34. (1/218)
صفحة 208
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
219
ب أقسام العلم:
إن تقسيم الثميني العلم إلى تصور وتصديق، هو ألصق بمباحث المنطق في مفهومه الخاص، وهو تقسيم مشهور عند المتكلمين، وعند اليونان قبل الإسلام، وعند اللاتين بعد الإسلام، ومفاده أن الطريق التي نتوصل بها إلى التصور هو وإلى التصديق هو القياس وما المنطق إلا هذان المبحثان (1).
ولقد ميز بين القسمين بأمرين:
1) إدراك النسبة في التصديق، وانعدامها في التصور.
الحد،
(2) ووجود اللازم المشهور: الصدق أو الكذب في التصديق، وانعدامه في التصور. يقول الثميني: «العلم إن كان حُكماً أي إدراكا، بأن النسبة واقعة أو ليست بواقعة فهو تصديق، وإلا فهو تصور وهما نوعان متميزان بالذات، وباعتبار اللازم المشهور، وهو احتمال الصدق والكذب في التصديق، وعَدَمُه في التصور» (2). وكل منهما - في نظر الثميني - بعضه ضروري بالوجدان، إذ لولاه لزم
الدور أو التسلسل ... وبعضه نظري بضرورة الوجدان أيضا» (3). وليس الأمر كذلك في نظر أصحاب بعض المذاهب التي أوردها، وعرض
حججها، وفندها.
ج - النظر:
1) حقيقته
ولا شك من بعد هذا، أن العمليات الذهنية عند تحصيل العلوم بالنظر ترتكز على التصور والتصديق، فبهما يتحقق النظر الذي هو ترتيب أمور معلومة على
(1) على سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام)، ص: 41 – 42.
(2) مخطوط المعالم، ص: 10.
(3) مخطوط المعالم، ص: 10. (1/219)
صفحة 209
220
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم»، أو هو كما يرجحه الثميني-: «و
معلوم أو ترتيب معلومين فصاعدا على وجه يتوصل به إلى المطلوب» (1).
و «إذا وصلت تلك الأمور إلى معرفة المفرد سميت معرفا وقولا شارحا، وإن وصلت إلى تصديق وهو العلم بنسبة أمر إلى أمر آخر على جهة الثبوت أو النفي سميت حجة ودليلا» (2).
فبالنظر يحصل المطلوب في كل العلوم، والمطلوب في علم الكلام هو إثباء
العقائد الدينية (3).
(2) المانعون للنظر:
والذي تراه بعضُ الفرق أنّ النظر لا يفيد العلم فالسمنية يرون أنه لا يفيده مطلقا، والمهندسون يرون أنه لا يفيده في الإلهيات وهي آراء يؤكد الثميني فسادها ويردها بدون كبير عناء، وذلك:
أولا: لأن السمنية لا يشاركوننا في السبب المؤدي إلى «العثور على النظر الصحيح المطلع على وجه الدليل الذي هو الحد الأوسط في المقدمتين ككون العالم دليلا على وجود الصانع» (4)، وهو وجه يوصل إلى العلم به لا من لم ينظر فيه، ولكن من نظر فيه من حيث الحدوث أو الإمكان الخاص لا من حيث أن فيه
ذاتا قائمة بنفسها» (5).
(1) مخطوط المعالم، ص: 24.
(2) مخطوط المعالم، ص: 24.
(3) مخطوط المعالم، ص: 23 (4) مخطوط المعالم، ص: 24. (5) مخطوط المعالم، ص: 24. (1/220)
صفحة 210
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
221
وثانيا: لأن المهندسين يقولون: إن الحكم على الشيء فرع تصوره
وحقيقة الإله يستحيل تصورها، فلا يدرك بالنظر الحكم عليها»، وهذا ممنوع «لأن الحكم إنما يتوقف على تصور ما وهو موجود لا على كمال التصور». ولأنّ استحالة التصور غير مسلّم، بل المسلّم عسره، فهو لا شك فيه إذ الوهم يلابس العقل في مأخذه والباطل يشاكل الحق في مباحثه» (1).
(3) الدليل والنتيجة:
جاء الثميني بتحليلات هامة أثناء حديثه عن النظر - تتعلق بأسئلة ثلاثة قد
شغلت بال المتكلمين والمنطقيين والفلاسفة وهي التالية:
(1) هل العلم بالنتيجة يعقب العلم بوجه الدليل؟
(2 وهل الربط بين الدليل والنتيجة عادي أم عقلي أم توليدي أم وجوبي؟ (3) وما الذي يستلزمه النظر الفاسد؟
ولقد أجاب عنها بقوله: إنَّه ذهب إلى كل من ذلك فريق»، ولم يين
المختار منها.
ولقد أشار إلى أن ابن سينا يرى أن حصول العلمين بالمقدمتين ليس كافيا في حصول النتيجة، بل لا بد من علم ثالث وهو التفطّن لاندراج الصغرى تحت الكبرى» (2).
وهو رأي يبين الثميني أن هناك من وافق ابن سينا عليه واعتبره حقا: إذ لا
بد من التفطن، لكنه تفطن يكون معلوما ضمن العلم بأن هذا الترتيب منتج فلا
(1) مخطوط المعالم، ص: 24.
(2) مخطوط المعالم، ص: 24. (1/221)
صفحة 211
222
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
يكاد يخلو الذهن عن ذلك عند ذكر المقدمتين على هذا الوجه، ثم لا بد من استحضار المقدمتين ملاحظة الترتيب والهيئة العارضين لهما، وإلا لما تفاوتت الأشكال في جلاء الإنتاج وخفائه» (1).
فهو تفطّن عندهم يعلم بعلم واحد مع المقدمتين، وعند ابن سينا يعلم بعلم ثالث. والتفطّن هو اكتشاف الحد الأوسط الذي لا توجد قواعد لاكتشافه، وهو العاصم للقياس من الوقوع في أنواع الغلط المختلفة، كالمصادرة على المطلوب، أو الدور، الذي يميز المنطق القياسي عن المنطق الاستقرائي الذي يمجده (جون ستوارت (ميل معتبرا القياس مصادرة على المطلوب أو تحصيل حاصل، ولذلك عليكم الفائدة، وهاجمه في كتبه (2).
جعله
ولعلّ الغزالي هو خير من بين مسألة التفطن للحد الأوسط، فهو يعتبر النتيجة موجودة في إحدى المقدمتين بالقوة القريبة وهذا لا يعني أنها موجودة بالفعل، وأن النتيجة تخرج من القوة إلى الفعل بمجرد العلم بالمقدمتين، بل يعني: أنها لا تخرج إلى الفعل
بدون إحضار المقدمتين في الذهن من جهة.
وبدون أن يخطر بالبال وجه وجود النتيجة في المقدمتين من جهة أخرى.
وإذا تم تأمل ذلك صارت النتيجة بالفعل، والسبب الخاص لحصول النتيجة
في الذهن إنما هو التفطن لوجود النتيجة بالقوة في المقدمة (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 25.
(2) الربيع ميمون مشكلة الدور الديكارتي)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط: 1،
1982 ص: 61 وما بعدها.
(3) (المستصفى المطبعة الأميرية، ط: 1، ص: 53. (1/222)
صفحة 212
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
223
وأما الجواب عن السؤال الثاني، والذي هو حول الرابط بين الدليل والنتيجة،
فإن الثميني يذكر في المسألة أربعة مذاهب:
الأول: أن الربط بين الدليل والنتيجة عادي يمكن تخلفه.
والثاني: أنه عقلي لا يمكن تخلفه عند نفي الآفات العامة كالموت والنوم ونحوهما. وهذان المذهبان هما كما يقول الثميني: «لأصحابنا والأشعرية» (1).
والثالث: أنه بالتوليد، وهو للمعتزلة.
والتوليد كما يشرحه الثميني: «هو أن يوجب فعل لفاعله فعلا آخر ... والمراد بالفعل الأثر الحاصل، ولذا يقال هو وجود حادث عن مقدور بقدرة حادثة، [هذا] أن للقدرة الحادثة أثرا في وجود النتيجة، ولا [يعني] أن القدرة الحادثة أثرت في وجود النتيجة بواسطة تأثيرها في النظر» (2).
ويعني
وقد وضح: «أنّ الفعل هو الأثر الحاصل» حتى يبعد الشبهة القائلة: بأن
العلم ليس فعلا فلا يصح اعتبار التوليد فيه.
ويبدو
أنه يريد أن يقول: إن النظر في الدليل على رأي المعتزلة - تنتج عنه النتيجة تولّدا. هو بمعنى أن القدرة الحادثة تستطيع أن تنظر في الدليل، والنظر في الدليل هو وحده الذي يستطيع أن يعطي النتيجة، ولكن الفضل في وجود النتيجة إنما هو للقدرة الحادثة.
ولقد بين الفرْق بَيْن كَوْنها (أثرًا) وبَيْن كَوْنها (أثرت) على أن الثاني أقوى من الأول. والذي يؤكد هذا، تعبير الثميني في جهة أخرى بلفظة (أثرا)
(1) مخطوط المعالم، ص: 23.
(2) مخطوط المعالم، ص: 23. (1/223)
صفحة 213
224
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
بدلا عن (أثرت) حيث يقول: «فجعلوا نتيجته أثرا للقدرة الحادثة، بواسطة
تأثيرها في النظر» (1).
هذا، وأما الرابع من المذاهب فهو للحكماء، والربط فيه بين الدليل والنتيجة إنما هو «بالإيجاب بمعنى أن النظر علة تؤثر في وجود المعلول» (2)، وهو مذهب لا
يأخذ به الثميني كما لا يأخذ بالذي قبله.
والذي يراه من بعد هذا هو أن للنظر ثلاثة أقسام:
(1) النظر الابتدائي.
(2) والنظر الذكري الضروري.
3) والنظر التذكري.
فالنظر الابتدائي: هو الذي «لم يتقدم للناظر علم [به] البتة».
والنظر «الذكري الضروري: هو الذي نسيه ثم ذكره من غير إعمال فكر» وأما النظر التذكري: فهو الذي نسيه الناظر ثم استعمل فكره حتى تذكره».
وهو نظر يقول الثميني في العلم بنتيجته ونتيجة ما قبله: «وقد أسندنا العلم بنتيجة الثلاثة إلى محض خلق الله تعالى، ولا أثر لغيره في شيء منها لما أن ذلك حكم سائر الكائنات عندنا، ووافقنا المعتزلة في الأخيرين دون الأول» (3)، والمراد به:
النظر الابتدائي، لأنهم جعلوا نتيجته أثرا للقدرة الحادثة بواسطة تأثيرها في النظر،
ويعني
هذا أنها
عندهم- توليدية.
(1) مخطوط المعالم، ص: 24. (2) مخطوط المعالم، ص: 23. (3) مخطوط المعالم، ص: 24. (1/224)
صفحة 214
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
225
إن القول عندهم فيه بالتوليد يلزمهم أيضا في التذكري كما يرى الثميني-
لأنه لا فارق بينه وبين الابتدائي، إذ حصول العلم عقب التذكري المقدور كحصوله عقب النظر المقدور» (1).
وإذا كان الثميني هنا يسند أنواع الأنظار الثلاثة: الابتدائي والذكري والتذكري إلى محض الله ولا أثر لغيره في شيء منها، فإنه كذلك فعل من قبل في العلم الضروري وفي أسباب العلم الثلاثة: الحواس والخبر والعقل.
ويعني منه هذا: أنّ ما بالإنسان من قوى واستعدادات، وما تحققه هذه القوى من الإنجازات إنما هو من الله الخالق، وهو القادر على أن يحدث غير ذلك. وأخيرا، وللجواب عن السؤال الثالث: ما الذي يستلزمه النظر الفاسد؟ يجدر بنا أن نشير بداية أن الثميني قد خصص مقصدا حول أضداد النظر وقسمها: إلى أضداد خاصة، وأضداد عامة. «فالخاصة هو كل ما يوجب إخطار المنظور فيه بالبال کالعلم به والجهل به». والمراد بالجهل به أو بالمنظور فيه هنا، هو الجهل المركب لأن الجهل البسيط الذي هو عدم إدراك الأمر، سلب (3).
وتشمل الأضداد الخاصة كذلك كلا من الظن والشك والوهم.
أما الأضداد العامة فهي ما لا يخطر معها المنظور فيه بالبال كالموت والنوم
والنسيان وما في معناها (4).
(1) مخطوط المعالم، ص: 24.
(2) مخطوط المعالم، ص: 26.
(3) مخطوط المعالم، ص: 27. (4) مخطوط المعالم، ص: 26. (1/225)
صفحة 215
226 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
والفرق بينها وبين الأضداد الخاصة
مي
أن الأضداد العامة تزيد بالإرادة
فهي كما تضاد النظر والعلم وجملة أضداده تضاد الإرادة، فلا يكون القاص للشيء نائما أو ميتا» (1) أو ما شابهما.
ونظرا إلى هذا فهي ليست كالأضداد الخاصة التي هي خاصة بالنظر
مقصورة عليه لا تتجاوزه إلى الإرادة» (2).
ويجدر بنا في هذا المجال أن نشير أيضا إلى أنّ الموت يتميز من بين الأضداد
العامة بكونه مضادا كذلك للقدرة.
ويقسم الثميني النظر الفاسد إلى قسمين:
القسم الأول: يقول فيه: «فإن كان لعدم تمامه لم يستلزم شيئا اتفاقا، وكذا إذا كان لفساد نظمه كالاستدلال بجزئيتين أو سالبتين
(3)
والقسم الثاني: يقول فيه: إن كان لخلل في مادته وهي مقدماته فقولان»
سواء كان الخلل بكذب جميعها أو بعضها. أما القول الأول: فإنه يستلزم الجهل (4) «وهو الصحيح ... وهو رأي المنطقيين» كما يقول الثميني، ورأي لبعض المتكلمين كالرازي وأما القول الثاني: فإنه لا يستلزم الجهل وهو أشهر الأقوال، وهو رأي
المتكلمين كما يقول أيضا.
(1) مخطوط المعالم، ص: 26.
(2) مخطوط المعالم، ص: 26.
(3) مخطوط المعالم، ص: 25.
(5)
(4) وحيث أنا لم نجد تعريفا من الثميني للجهل المراد هنا، فانا نختار تعريف الجرجاني، الجهل: «هو
الاعتقاد الذي لا يطابق المنظور فيه. شرح المواقف)، ص 281
(5) (المحصل)، ص: 67. (1/226)
صفحة 216
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
227
ويتساءل مرة أخرى، وبعبارة أدق هل النظر المختل في مادته له نتيجة
ترتبط به؟»
إن الجواب كما يراه: هو أن له نتيجة ترتبط به، ولذلك عرف المنطقيون
(2)
التي
القياس بأنه: قول مؤلّف من أقوال متى سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر. فقولهم (متى سلمت هو لإدخال الشبهة فيه، ويرى الثميني أن الشبهة هي أوقعت الأشاعرة في القول برؤية الله، وذلك بقياس كبراه كاذبة (1) كما سيأتي بيانه. إن هذه الشبهة التي اعتبرها المتكلمون لا ارتباط لها بشيء يقول الثميني فيها: «إنا نقول إن لازمها على الحقيقة الجهل، وإنّما انتفى عن العالم اعتقاد صدق نتيجتها في نفسها للعلم بضدها، لا لعدم العلم للربط بينهما وقد ردّ الثميني قول المتكلمين: «إنّ الشبهة لو كان لها ارتباط بعقد معين لكانت دليلا» (3)، بقوله: إن «التالي باطل هنا لأن حقيقة الشبهة ما اشتبه أمرها على الناظر فاعتقدها دليلا وليست بدليل فلا يلزم لجواز اشتراك المختلفات في بعض اللوازم، فإن الدليل يفارق الشبهة، وإن اشتركا في صورة النظم، فإن مقدمات الدليل ضرورية، أو تنتهي إليه إذا ركب الدليل من مقدمات نظرية أو بعضها، فإنه يُحتج عليها ويبين صدقها بقياس آخر حتى تنتهي إلى الضرورية» (4).
وبذلك يكون الثميني قد اعتقد أنّ الشبهة منتجة، وهي مشاركة للدليل في
نظمه، ولكن مقدماته غير ضرورية ولا تنتهي إلى الضروري، وهي منتجة للجهل،
بمعنى الاعتقاد الذي لا يطابق المنظور فيه.
(1) مخطوط المعالم، ص: 25.
(2) م - ن.
(3) م - س ص 26
(4) م-ن. (1/227)
صفحة 217
228
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ولعلّ هذا الذي جعله يرجع دوما عبر كتابه (المعالم) إلى المقدمات لبيانا
وتوضيح ارتباطها، كما سبق بيانه في منهجه.
د الحجة:
يقسم الثميني الحجة بحسب مادتها قسمين:
حجة عقلية، وحجة نقلية.
أما الحجة النقلية: فإنه يبدو أنها لا تخرج عن الذي جئنا به في أسباب العلم، إذ قد فصلنا فيها القول وبينا الفرق بين الخبر الضروري والخبر الاستدلالي من جهة، وبينا أن الحجة النقلية وثيقة الصلة بالحجة العقلية من جهة أخرى.
لأن النقلية تثبت بالعقل والعقلية ترتكز على النقلية بعد ثبوت هذه بالعقل، كما هو الحال في الحجة البرهانية التي ترتكز على اليقينيات الست ومنها المتواترات. وبناء على هذا يكون في مقدورنا تركيز الحديث حول الحجة العقلية
موضحين ما جاء به الثميني.
لقد قسم كغيره - الحجة العقلية إلى خمسة أقسام:
البرهان، والجدل والخطابة، والشعر، والمغالطة.
فالبرهان، ويعرف بالحجّة البرهانية: «هو ما تركب من مقدمات كلّها
يقينية» (1)، واليقينيات هي الست التي سبق بيانها.
والجدل، ويعرف بالحجة الجدلية، هو ما تألف من مقدمات مشهورة، وهي ما اعترف به الجمهور لمصلحة عامة أو لسبب رقة أو حمية» (2).
(1) مخطوط المعالم، ص: 27.
(2) مخطوط المعالم، ص: 27. (1/228)
صفحة 218
الفصل الأول: نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام
229
والغرض منه كما يقول الثميني: إما إقناع قاصر عن البرهان، لأنه لا
يغمض [يخفى مأخذه] عن فهم الخصم، فينتقل عنه عن البرهان] إلى الجدل. أو إلزام الخصم ودفعه» (1).
والخطابة، أو الحجة الخطابية: ما تألف
هي
من مقدمات مقبولة من شخص
معتقد فيها لسر لا يطلع عليه، أو لصفة جميلة، أو من مقدمات مظنونة، والغرض
من الخطابة كما يقول الثميني- ترغيب السامعين.
والشعر، أو الحجة الشعرية: «وهو ما تألف من مقدمات متخيلة لترغي
لترغيب
النفس في الشيء، أو لتنفيرها عنه» (2).
والمغالطة، أو الحجة الباطلة: «هي "
من
ما تألف مقدمات شبيهة بالحق
وليست حقا، وتسمى سفسطة ... أو شبيهة بالمقدمات المشهورة وتسمى مشاغبة ... أو من مقدمات وهمية كاذبة» (3).
هذه أقسام الحجة العقلية التي جاء بها الثميني، وبها يمكننا أن نختم هذا الفصل، بعد أن تبين لنا جليا أن الثميني قد طرح جميع المباحث حول نظرية المعرفة بمفهومها العام، وتعرض لجميع جوانبها، مؤكدًا إمكانية وصول العقل إلى معرفة الله معرفة الله عز وجل، وإمكانية البحث فيما يتعلق بالألوهية من قريب أو بعيد، وفي كل مواضيع علم الكلام التي قد تعرضنا لبعضها فيما مرّ، وسنكمل الحديث بحول الله عن بعضها المتبقية في الفصول اللاحقة، مستخرجين زبدة ما جاء به الثميني مبتدئين بعالم الممكنات وأحوالها، وفي الممكنات دليل على وجوده جل وعلا.
(1) م - ن.
(2) من.
(3) م - س، ص: 28. (1/229)
صفحة 219
الممكن
الفصل الثاني نظرية الوجود وعالم الممكنات
نظرية الوجود
أضرب الاستدلال
النظر في الإنسان
الاستدلال بطريق الإمكان المجرد
الفاعل المختار
حدوث العالـ
أ) مماثلة العالم للإنسان
ب الاستدلال لحدوث احد المتلازمين
ج) إبطال حوادث لا أول لها
1) فراغ ما لا نهاية له
(2) مقارنة الوجود الأزلي عدمه
(3) برهان القطع والتطبيق
(4) الفراغ المحكوم به قبل كل حادث
النفوس الفلكية والإنسانية حدوث النف
بطلان التناسخ
وجود العالم الا
تأثير العالم العلوي في العالم السفلي. (1/231)
صفحة 220
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
الفصل الثاني
نظرية الوجود وعالم الممكنات
233
إن الحديث عن الوجود وعن الموجود، وعن العدم والمعدوم، في الطبيعة وما وراءها، حديث شيّق تناوله كل من الفلاسفة والمتكلمين (1)، وهو شديد الصلة بدراستنا هذه، وسنأتي منه – كما جئنا سابقا - ببعض ما نحتاج إليه ونحن نعالج مسائل هذا الفصل والذي يليه.
وسنبدأ ببيان معنى الممكنات - ولو بإيجاز - ومعنى نظرية الوجود حتى
نتمكن من بسط ما جاء به الثميني في وضوح.
الممكنات:
إن لفظة (الممكنات) جمع لكلمة (ممكن)، وهو مصطلح يطلق ويراد به: «تساوي الوجود والعدم، وهو إحدى مقولات الجهة (Modalite) حسب تقسيم (كانت)]، ويقابله الممتنع (Impossible)، والضروري (Necessaire)»(2).
(1) راجع مثلا:
ابن سينا، (الإشارات والتنبيهات معه شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق: د. سليمان دنيا، دار، المعارف، مصر، ط: 2 د. ت. ط، ج 3، الوجود وعلله، ص: 7 وما بعدها. دي بور، (تاريخ الفلسفة في الإسلام)، ترجمة أبوريده، مثلا ص: 194 - 195. • (في علم الكلام)، ج:2، ص: 155 وما بعدها.
RABIA Mimoune, Critique et Interculturalité dans la Formulation et la Réfutation
de la Preuve Ontologique.
(2) (المعجم الفلسفي)، دار الكتاب اللبناني، 1982، ج 2، (الممكن)، ص: 424. (1/233)
صفحة 221
234
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
فممكن الوجود هو الذي متى فرض غير موجود أو موجود، لم يعرض منه
محال، ويقابله واجب الوجود، وهو الوجود الذي متى فرض غير موجود، عرض
عنه محال (1).
هذا وللممكن معنيان:
المعنى الأول: سلب الضرورة، وهو:
- إما سلب في نفس الأمر، ويسمى الإمكان الذاتي أو الخارجي.
- وإما سلب بحسب الذهن، إذ يكون الذهن مترددا في تصوره بين طرفيه الذين هما الوجود والعدم، ويسمى الإمكان الذهني (2).
والمعنى الثاني: هو وجوده بالقوة، أو كونه من شأنه أن يكون، ولكنه ليس بكائن، وبهذه الصفة لا ينتقل من حال الوجود بالقوة إلى حال الوجود بالفعل إلا بعد استيفائه شروطا، ولهذا يسمى إمكانه بالإمكان الاستعدادي (3).
إن هذه المعاني هي
التي هي موضوع للدرس.
التي تستفاد من الممكن تبعا لتصور الدارس له، ولطبيعته
فالإمكان هو الحالة الوسطى بين الوجود والعدم، إذ القابل للاتصاف بأحدهما بدل الآخر يسمى ممكنا، وهو الذي خصص له المتكلمون، مباحث جمة في مؤلفاتهم لما له عندهم من الأهمية في الاستدلال على وجود الباري عز وعلا.
(1) (المعجم الفلسفي، عن ابن سينا، (النجاة)، ص: 366.
(2) (المعجم الفلسفي)، عن التهانوي (كشف اصطلاحات الفنون).
(3) (المعجم الفلسفي). وللمزيد راجع مثلا: مشكلة الصراع بين الفلسفة والدين) من الغزالي وابن رشد إلى الطوسي والخواجة زاده للدكتور رضا سعادة الدار العالمية، بيروت ط: 1، 1981،
ص: 54 وما بعدها. (1/234)
صفحة 222
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
235
نظرية الوجود:
والممكنات مباحث لها علاقة وطيدة بنظرية الوجود، فيمكن رؤيتها رؤية الفلاسفة، ويكون البحث فيها عندئذ من حيث إمكان الوجود ووجوبه ومن حيث الوجوب بالذات والوجوب بالغير وما يترتب على ذلك من المباحث. ويشمل مجال البحث في نظرية الوجود ثلاثة مباحث رئيسية: الأول: الأمور
الكلية أو العامة، والثاني الأعراض، والثالث: الجواهر.
ويكون المبحثان الأخيران - كما يقول الأستاذ: (حسن حنفي) – أكثر من نصف علم أصول الدين، مما يدل على أهمية المعلوم وعلى إمكانية تحويل (الثيولوجيا) إلى (الانطولوجيا) (1).
وهذا القول لا ينطبق على ما جاء به الثميني في كتابه، فهو قد تخلى عن كثير من مباحث المتكلمين في نظرية الوجود، ولم يستعمل منها إلا ما رآه ضروريا في إثبات وجود الخالق لهذا الكون، وهو قليل مقارنة بما جاءوا به، وهو قليل أيضا مقارنة بمادة كتابه.
إن الثميني، أو إن المتكلمين عامة حين تحدثوا عن الممكنات لم يريدوا إلا أن
يثبتوا حدوثها، وحدوث العالم الذي يقول فيه الفلاسفة بالقدم.
هم في إثباتهم الحدوث للممكنات - وللعالم الذي هو جزء منها، وفي نفيهم
القدم عنها، إنما هم يثبتون واجب الوجود الموجد غيره، بالاختيار لا بالضرورة. أما الفلاسفة القائلون بالقدم وبالضرورة في حدوث العالم فقد اكتفوا في إثبات واجب الوجود بإثبات الإمكان العقلي لممكن الوجود بدلا عن إنبات الحدوث له (2).
(1) حسن حنفي (موسوعة الحضارة العربية الإسلامية)، ص: 16 - 17. (2) يذكر عبد الهادي أبوريده أن الفارابي والكندي يقولان بالاختيار. انظر: دي بور (تاريخ الفلسفة في الإسلام، ترجمة وتعليق عبد الهادي أبو ريده، ص: 234 (1/235)
صفحة 223
236 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
والذي يميل إليه أغلب المتكلمين هو إثبات واجد الوجود بدليل الحدوث على اعتبار أن الحدوث هو إيجاد من العدم المحض، وهم بعيدون في هذا عن ابن سينا الذي يعتبر أن الإمكان أعم من الحدوث لأنه يشمل الممكن الدائم الوجود، ولأن الإمكان عنده هو علة الاحتياج إلى الغير
(1)
ولقد نشأت في هذا المجال - مجال إثبات حدوث العالم - نظرية الجزء الذي
لا يتجزأ والتي تعرف أيضا بنظرية الجوهر الفرد، والغاية من هذا الكون، وتأكيد إرادة الله واختياره في إيجاده.
نشأتها تأكيد تناهي
وهي نظرية قد أخذ بما كثير من المتكلمين خاصة منهم الأشاعرة ردّا على قول الفلاسفة بالهيولى القديمة (2)، ورفضها من المتكلمين آخرون لم يستسيغوها
كالنظام (3) وابن حزم (4) والثميني
(5)
والمهم، أن الفلاسفة الإسلاميين والمتكلمين وإن اختلفوا في تفسيراتهم، تبعا لاقتراب فكرهم أو بعده من تراث الفلسفة اليونانية واقترابه أو بعده من معاني النصوص الإسلامية، فإنهم قد حاولوا جميعا فهم حقيقة الوجود، وكيفية وجوده منطلقين منه في الاستدلال والبرهنة على وجود خالق له وهو الله عز وجل.
أضرب الاستدلال
يذكر الثميني للبرهنة على وجوده عز وجل أضربا أربعة هي:
وما بعدها.
(1) محمد جلال شرف الله والعالم والإنسان)، ص: 64.
(2) م - س، الفصل الثاني: نظرية الجوهر الفرد، ص: 175 وما بعدها. (3) (في علم الكلام)، ج 1، ص: 236 وما بعدها.
(4) ابن حزم والفكر الفلسفي بالمغرب والأندلس)، ص: 338 وما بعدها. (5) مخطوط المعالم، ص: 45 وص: 55 وص: 84. (1/236)
صفحة 224
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
237
(1) الاستدلال بالسبب على المسبب.
(2) الاستدلال بالمسبب على السبب.
(3) الاستدلال بأحد مسبي سبب واحد على السبب الآخر.
(4) الاستدلال بأحد المتلازمين على الآخر.
ويبين أن المعتمد منها في الاستدلال على وجود الله عز وجل إنما يكون بالثاني والرابع، وأما الأول والثالث فمحالان لوجوب وجوده، ومن المعلوم أن
واجب الوجود لا يحتاج إلى سبب.
أما مسببات الله عز وجل فكثيرة، والكون كله شاهد عليه.
وأقرب شيء يخرجك عن التقليد - كما يرى الثميني – أن تنظر إلى أقرب
نفسك التي يوجهنا الله إليها بقوله: {وَف أَنفُسِكُمْ أَفَلَا
الأشياء إليك، وهي تُبْصِرُونَ (الذاريات: 21).
النظر في الإنسان:
يعتمد الثميني في إثبات وجود الله بالرجوع إلى نفس الإنسان، ويعتمد على مقدمة علمها يحصل لكل إنسان ضرورة وهو كونه لم يكن ثم كان)، ويرتبها
كما يلي: (1).
أنا لم أكن ثم كنت، أو أنا موجود بعد عدم، أو أنا حادث.
وكل من هو كذلك فله موجد أوجده.
إذن أنا لي موجد أوجدني.
(1) مخطوط المعالم، ص: 37. (1/237)
صفحة 225
238
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وفي رأي الثميني: إن المقدمة الصغرى هنا ضرورية، وإنما نظرية في الكبرى، ولذلك رد قول الفخر بأنها ضرورية، وعلل ذهابه إلى أنها ضرورية بكونها تحصل بنظر قريب فاشتبه عليه الأمر.
وفي رأيه أن طريقة الاستدلال على افتقار الحادث إلى سبب طريقة من يشرب الحدوث بالإمكان بأن تكون العلة مجموعهما، أو الإمكان بشرط الحدوث» (1).
ولقد فصل القول في بيان كل مقدمة، وردّ قول غير المسلمين بأن المقدمة القائلة: (أنا لم أكن ثم كنت ضرورية، وبأنها تفيد حدوث الإنسان، لاستنادهم إلى أن المادة التي تكون منها الإنسان كانت في صلب الأب ومادة الأب كانت في صلب أبيه وهلم جرا ومن الممكن أن يكون الأمر هكذا إلى غير نهاية، ومن المعلوم أنه إذا لاح الاحتمال سقط الاستدلال، وتكون غاية الأمر أن المعلوم ضرورة هو تبدل الصور على الإنسان لا سبق العدم الذاتي على وجوده.
وهو ما لم ينتبه إليه مثبتو حدوث الإنسان حين بنوا دليلهم على أن نفس الذات لم تكون ثم كانت لا على أن صورتها لم تكن ثم كانت.
والذي يراه الثميني وهو يرد عليهم: أن الذات من قبيل الكل المجموعي، وأن الماهية المركبة من لازمها انعدامها بانعدام جزئها، وأن الإنسان هيكل مخصوص من عنده (2) روح وبدن، كما هو مرجح
وإذا ثبت أن بعضا من الذات لم يكن ثم كان فالذات كلها لم تكن ثم كانت وهكذا فإنه يتعين أن الذات محتاجة إلى موجد لها غير ذاتها، ولا يمكن أن
(1) مخطوط المعالم، ص: 38.
(2) مخطوط المعالم، ص: 40. (1/238)
صفحة 226
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
239
يكون الذات نفسها لما في ذلك من التهافت لتقدمها على نفسها وتأخرها عنها (1)، ولا يمكن أن تكون ذاتا مثلها لما وجدناه منها من التعذر على إيجاد مثلها (2). وإذا قيل: إنها النطفة لأنها مغايرة لمجموع الذات، ولأنه يحتمل أن تكون هي
المؤثر في فعل البعض الزائد عليها.
ردّ الثميني قائلا: إنه إذا كانت الذات مشتملة على ذلك الجزء المؤثر (وهو النطفة) فلتكن الذات قادرة على إيجاد غيرها من الممكنات لاشتمالها على ذلك الجزء الذي يصح منه الاختراع، وقد ثبت بالضرورة عدم قدرة الذات على ذلك. وإذا قيل: إن ذلك الجزء (وهو (النطفة يؤثر بالطبع بشرط الاتصال والكينونة في الرحم، فإن الجواب أنه يلزم أن ينقطع التأثير بعد الانفصال، والواقع يؤكد غير ذلك، إذ معظم الذات وجد بعد الانفصال.
فيتعين أن للذات موجدا أوجدها، وأن الموجد ليس هو الذات نفسها ولا جزءا منها، وأن ما زاد منها كان معدوما ثم كان فالمؤثر في الذات وفي الممكنات جميعها إنما هو الفاعل المختار (3) كما سيأتي مزيد بيان لذلك.
منشأ احتياج الحادث إلى الصانع
يبين الثميني أن المتكلمين مختلفون في منشا احتياج الحادث إلى الصانع
فمنهم من يقول: إنه الإمكان، لأن الممكن قابل لصفات متقابلات، ومحال أن
يختص بأحدها دون مخصص).
(1) مخطوط المعالم، ص: 37.
(2) مخطوط المعالم، ص: 39.
(3) مخطوط المعالم، ص: 39 - 40.
(4) مخطوط المعالم، ص: 38. (1/239)
صفحة 227
240
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ومنهم من يقول: هو الحدوث وهو عمدة أعلامهم، على أن الحدوث هو الوجود بعد العدم)، وهو الذي استدل به إبراهيم عليه السلام على وجود الصانع في احتجاجه على أبيه، حسبما يذكر الثميني.
ومنهم من يقول: إنه الإمكان والحدوث معا، وآخرون يرون أنه الإمكان
بشرط الحدوث.
ويبين الثميني الفرق بينهما، بقوله: إنّ الحدوث إن كان جزء الوجود الطرد
الدليل، وإن كان شرطا، لم يطرد (2).
الاستدلال بطريقة الإمكان المجرد
هذا،
ويتميز الاستدلال بطريقة الإمكان المجرد عن غيره من الطرق - كما يبين الثميني- بكون العلم بحدوث العالم يتأخر عن العلم بالصانع، وأما في غيره من الطرق فانّ العلم بحدوث العالم يتقدم عن العلم بالصانع.
يقول الثميني: «إذا حققنا أنّ العالم ممكن وجوده وعدمه، لا أرجحية لأحدهما على الآخر بذاته، لأن كل ممكن بذاته قابل للوجود والعدم، فالوجود له ليس من ذاته، وكل ما ليس له الوجود من ذاته فالوجود له من غيره، على أن ذلك الغير لا بد وأن يكون واجب الوجود لذاته، وإلا لكان مفتقرا إلى ما افتقر إليه العالم ودار أو تسلسل على أن كلا من الدور والتسلسل محال، وبذلك يثبت العلم بوجود مؤثر واجب لذاته صانع لهذا العالم».
بيد
أن هذا المؤثر الصانع للعالم قد يكون مؤثرا باللزوم الذاتي، كما هو رأي الفلاسفة، ونظرا لهذا فإنه يجب على المتكلمين الانفراد عن هؤلاء بنظر آخر لإثبات أن تأثيره تعالى إنما كان باختيار لا بلزوم.
(1) مخطوط المعالم، ص: 55.
(2) مخطوط المعالم، ص: 38. (1/240)
صفحة 228
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
241
والدليل الذي يراه الثميني لإثبات التأثير بالاختيار لصانع العالم كما يلي: وهو عينه الذي كان عند كثير من المتكلمين -: «صانع العالم إما أن يكون أوجبه لذاته أو اقتضاه بطبعه أو أوجبه باختياره وجهات التأثير منحصرة في هذه الأوجه الثلاثة» (1). هذا أنه اعتمد القسمة الثنائية لإثبات الاختيار، وحصرها بهذه الأوجه الثلاثة في التأثير، معتبرا أن كل مؤثر لا يخلو إما أن يصح ه الترك، أو لا، والأول: هو الفاعل المختار، والثاني: إما أن يتوقف اقتضاؤه على شرط وانتفاء مانع، أو لا، والأول: هو الطبيعة، والثاني: هو العلة» (2).
ويعني
وليبعد الطبيعة والعلة اعتمد على استحالة تخصيص مثل عن مثل بأمر يغاير
المثل الآخر، واعتمد على استحالة الاختلاف في معلول العلة الواحدة ومطبوع الطبيعة الواحدة، وهكذا تعيّن له أن يكون الفاعل موجدا بالاختيار.
ولقد بنى برهانه للوصول إلى أن العالم حادث كما يلي:
العالم موقع بالاختيار.
وكل موقع بالاختيار حادث.
إذن فالعالم حادث.
وبناء على هذا فعلمنا بحدوث العالم هو بعد علمنا بوجود بوجود صانع للعالم،
وكل ذلك باستعمال طريق الإمكان المجرد.
وهكذا فإن تأكيد الثميني على أن الحدوث بمعنى سبق العدم يخرجه عن مذهب الفلاسفة القائلين بأن العالم، محدث، وبأن حدوثه يعني أن وقوعه كان من
الغير وليس من ذاته (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 39.
(2) مخطوط المعالم، ص: 39.
(3) محمد البهي (الجانب الإلهى من التفكير الإسلامي)، ص: 332 (1/241)
صفحة 229
242
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
إنه يقول: «فلا يشتبه عليك إطلاق الفلاسفة القول بأن ما سوى الله تعالى
محدث، فإنه على معنى الاحتياج إلى الغير، لا على معنى سبق العدم.» (1).
ويقول لتبيين معنى الاختيار: إن اختيار وجوده يستلزم سبق عدمه، وإلا لكان تحصيل الحاصل في الوجود، وثبوت الممكن مما لا يصح كونه في العدم» (2). الفاعل المختار:
لقد سبق القول بأن الثميني قد أشار إلى أن العلم بحدوث العالم يتقدم العلم بالصانع في طريقة الاستدلال بغير الإمكان المجرد، وسبق لنا القول بأنه حين أراد أن يبرهن على أن صانع العالم فاعل مختار، انطلق من ذات الإنسان الممكنة المتصفة بكونها تختص بجائز بدلا عن جائز.
ولقد برهن على ذلك بالشكل الأول قائلا:
«ذاتك قد اختصت بجائز بدلا عن جائز باعتبار مجموعها، وباعتبار مجموع أجزائها، وكل من هو كذلك ففاعله مختار لفعله فينتج ذاتك فاعلها مختار لفعله» (3). وبرهن على ذلك، أيضا، بالشكل الثاني قائلا:
صانع ذاتك فاعل مختار، ولا شيء من النطفة أو الطبيعة أو العلة بفاعل مختار، إذن صانع ذاتك ليس بنطفة ولا طبيعة ولا علة.» (4).
ولقد عمد إلى كلّ مقدمة في الشكل الأول فبرهن على صحتها، وأطنب في
البيان لنفي الاختيار عن النطفة والطبيعة والعلة.
(1) مخطوط المعالم، ص: 55
(2) مخطوط المعالم، ص: 39.
(3) مخطوط المعالم، ص: 41. (4) مخطوط المعالم، ص: 42. (1/242)
صفحة 230
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
حدوث العالم:
243
أ - مماثلة العالم للإنسان:
لقد استغل الثميني البرهان على حدوث الإنسان، وأن له فاعلا مختارا،
ليبرهن به على حدوث العالم كله وأن له فاعلا مختارا كذلك.
فبين - كما سبق ذكره – أن ما زاد على النطفة من الذات حادث، وأن
الزائد من ذات الإنسان يدلّ على حدوث النطفة وعلى سائر العالم كله.
والذي جعله يفعل ذلك كما يقول: «تحقق المماثلة بين هذا الزائد والعالم كله، إذ هذا الزائد أجرام متحيّزة، وأعراض قائمة بها، وسائر العالم كذلك، والمثلان يجب استواؤهما فيما يجب، وفيما يجوز، وفيما يستحيل، وقد وجب الحدوث لذلك الزائد قطعا فكذلك يجب لسائر العالم لمماثلته إياه» (1).
إن النطفة والإنسان جزء من هذا العالم وهما حادثان، ومن المعلوم أنه إذا اعتبرناهما هكذا فإنه يلزمنا، لو افترضنا أن بعضا من العالم قديم، أن يكون العالم مختلفا فيما يجب، وأن يكون بعضه قديما وبعضه حادثا، مع أن القديم لا يكون إلا
واجبا للقديم.
لقد استعمل الثميني برهان الخلف ليؤكد وجوب القدم للقديم، وذلك حين قال: إن القدم لو كان جائزا للقديم الجاز عليه سبق العدم، فيحتاج إلى مخصص يخصصه بالوجود بدلا عن العدم الجائز، وهو نقيض القدم المفروض، فيلزم أن
يكون قديما غير قديم، وهذا (خلف
(1) مخطوط المعالم، ص: 42.
(2) مخطوط المعالم، ص: 42. (1/243)
صفحة 231
244
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
فجواز القدم يستلزم سبق العدم وهو نقيض القدم مما يستلزم وجوب القدم
وهي
النطفة
لا جوازه، ومن المعلوم أنه إذا ثبت أن بعضا من العالم، حادث، وهـ والإنسان الزائد على النطفة، وثبت أنهما والعالم مثلان فإنه يجب أن يشتركا في
صفات النفس.
ولعله لأجل هذا، يرى الثميني أنه قد خرج لك بالنظر في ذاتك وانعقاد التماثل بينك وبين سائر الممكنات البرهان القاطع على حدوث العالم كله، علويه وسفلية، عرشه وكرسيه أصله وفرعه وأنّ الجميع عاجز عن إيجاد نفسه، وعن إيجاد غيره كعجزك، وأن الجميع مفتقر إلى الفاعل المختار، كافتقارك إليه وإن من شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» (الإسراء: 44) (1).
فهو حين عقد المماثلة بين العالم والزائد على النطفة على أنهما أجرام متحيزة وأعراض قائمة كما استدرك الأمر باحثا في مفهوم العالم، والذي معناه: «علم على الخلق ... »
لقد جاء بالآراء المتضاربة حول حقيقته التي ينحصر أمرها في السؤال التالي: هل العالم أجرام وأعراض كما يذهب إليه المتكلمون، أم هو أمر أعم من ذلك كما يذهب إليه الفلاسفة؟
إن الفلاسفة كما يقول الثميني: يذهبون إلى أن العالم أجرام وأعراض ومجردات. فالأجرام أو الجواهر متحيزات والأعراض قائمة بها. وأما المجردات فهي
المجردة عن الصورة والتحيز، ومن ذلك النفوس والأرواح والملائكة في رأيهم.
هذا، ويذكر الثميني أن الغزالي وبعض الصوفية تبعوا الفلاسفة في المسألة، أعني في النفوس والأرواح والملائكة فقالوا: إنها لا تتقدر ولا تتشكل ولا تعمر فراغا ولا
(1) مخطوط المعالم، ص: 43. (1/244)
صفحة 232
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
245
يلزم من ذلك - قالوا - مماثلتها للباري عز وعلا لأنها إنما شاركته في سلب وهو التقدّس عن المقدار والشكل والتحيّز والمماثلة إنما تكون بالمشاركة في صفات النفس» (1). والذي يراه الثميني أنه لهذه المسألة كفّر بعضهم الغزالي، وجعلوه مشبها،
ومن هؤلاء ابن حبيب من المالكية.
ويذكر من بعد هذا أنّ المتكلمين قد أبطلوا قسما زائدا على القسمين
الجواهر والأعراض، وسلكوا في ذلك طريقة التقسيم الثنائي. إنه يقول: «كل موجود إما أن يكون متحيزا، أو لا، والثاني: إما أن يقوم بمتحيز
أو لا، فالمتحيز هو الجوهر، والقائمة به هو العرض، وغيرهما هو الله تعالى» (2). ولقد أورد أن من الأشاعرة المتأخرين من ضعف هذه القسمة لأنّ ما انتهى إليه التقسيم وهو ما ليس بمتحيز ولا قائم متحيز، ليس نفس حقيقته عز وعلا، ولا نفس حقيقة صفاته لأنه انتهى إلى سلب، وهو سلب التحيز والقيام بالمتحيز. هذا، ويذكر أن من المتكلمين من رأي أن مسلك الفريقين، مسلك المثبتين للقسم الثالث، وهم الفلاسفة، ومسلك النافين له، وهم المتكلمون مسلك ضعيف. وذلك لأنهم لم يتوصلوا إلى إثبات حقيقة الموجود الثالث المفروض حى يحكم عليه باعتبارها هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم قالوا:
ليس فيما علمناه متوقف عليه فيدل عليه فتعذر العلم به، بخلاف ما نقول
في الصانع، فإنه وإن لم نعلم حقيقته، إلا أنّ ما علمناه متوقف وجوده عليه، فاستند
العلم بوجوده إليه» (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 43. (2) مخطوط المعالم، ص: 43. (3) مخطوط المعالم، ص: 44. (1/245)
صفحة 233
246
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم المدين)
وخلاصة ما جاء به الثميني في المسألة: أنه وإن وُجد متكلمون اثبتوا بالعقل حدوث هذا الزائد فإنه لا يصح أن يكون هذا الزائد إلها، أو شبيها بالإله، لثبوت الوحدانية الله عزّ وجلّ كما سيأتي، ولعدم توقف وجود العالم على هذا الزائد، فلا يجب وجوده، لأنه لا محال من عدمه، وعليه فهو ممكن، وكلّ ممكن إن وُجد فهو حادث، وهو المطلوب.
والذي يراه آخرون أن هذا المسلك ضعيف - في إثبات كون هذا الزائد ممكنا، وذلك لأنه برهان بعكس الدليل وهو لا يلزم عكسه، وإنما يلزم طرده، بمعنى: أن توقف وجود العالم على وجود فاعل له يقتضي وجوب وجوده لئلا يلزم التسلسل أو الدور لو قدر جواز وجوده، ولا يلزم من عدم توقف العالم على شيء عدم الوجوب لذلك الشيء، إذ لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. وقد كان عزّ وجلّ واجب الوجود لذاته في الأزل قبل أن يوجد العالم وتوجد دلالته» (1)
فبطلان الدليل لا يؤذن ببطلان المدلول كما مرّ في الفصل الأول من هذا الباب. وعلى هذا، فإن ما لم تعلم حقيقته ولم يمكن الحكم عليه من جهة نفسه وحقيقته، ومن جهة فعله، فإنه لا يبقى فيه إلا التوقف واللجوء إلى السمع في رأيهم. وقد ثبت بالبرهان القاطع أنّ الله كان و لم يكن معه شيء، وأنه لا قديم إلاّ عز وجل، وهو ما يزول به المشكل الذي قد يرد من كون هذا الزائد له شبه بالإله كما ذهب إلى ذلك البعض.
الله
هذا، ويثبت الثميني أن الأجرام كلها متماثلة، عند جمهور المتكلمين لا فرق بين نورانيها وظلمانيها، لأنها مشتركة في صفات النفس من التحيز
وقبول الأعراض.
(1) مخطوط المعالم، ص: 44. (1/246)
صفحة 234
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
247
وهو يرى من بعد هذا أن كلا من الماء والإنسان والأرض والنار عندهم يماثل غيره من الأجرام الحيوانية والجمادية، وأنها إنما تتغاير بأمور عرضية. فهي متحدة الحقيقة مختلفة العوارض كما هو مذهب جمهور المتكلمين، ويرى أنه على هذا الأصل ينبني الكثير من قواعد الإسلام وينبني إثبات القادر المختار، وكثير من أحوال النبوة والمعاد. ومبنى ذلك عندهم هو أن أجزاء الجسم ليست إلا (جواهر فردة، وأنها متماثلة لا يتصوّر فيها الاختلاف، وإنما الذي يخصصها بجائز بدلا عن جائز آخر إنما هو المرجح المختار.
ثم إن الثميني يضعف قولهم بالجوهر الفرد فيقول: «إنه ضعيف لم يقم عليه برهان قاطع - أعني على ثبوت الجوهر الفرد، بل الحق أن ذلك بل الحق أن ذلك مبني على أن أجزاء الجسم ممكنة قابلة للاتصاف بكل ما ذكر» (1) من العوارض.
ويرى بناء على هذا أن المماثلة ليست لكونها جواهر فردة، إنما هي في
قبولها هذا الجائز بدلا عن الجائز الآخر، وفي اتصافها بالإمكان.
فهو فيما يبدو لم يختلف في هذا مع القائلين بالجواهر الفردة، لأنهم هم أيضا يذهبون إلى أنها ممكنة وقابلة للاتصاف بما تتميز به من الأوصاف، ومن المعلوم أنه إذا كان هذا هو الأمر فجوهر اختلافه معهم يكون في أجزاء الجسم هل. هي (جواهر (فردة كما فسرها القائلون بما أم هي شيء آخر؟.
والظاهر أن كل جسم - في نظره - لا يتفق مع الأجسام الأخرى في تكونه من الجواهر الفردة، وإنما يختلف عنها في أجزائه تبعا لطبيعته التي أمكن أن يوجد عليها، والتي قبلت الاتصاف بما وصفت به.
فمحل الاختلاف بينه وبينهم في هذه النقطة، فهم قد اعتبروا الجواهر الفردة أصلاً لجميع الكائنات القابلة للاتصاف بما يجوز عليها من الأوصاف، وأما هو،
(1) مخطوط المعالم، ص: 45. أيضا، تعاظم الموجين شرح مرج (البحرين) للثميني، مخ الأم، ص:29. (1/247)
صفحة 235
248
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
فيرى أن كل الممكنات أجزاؤها قابلة للاتصاف بما يجوز عليها من الأوصاف، فهي من الممكن أن تكون جواهر فردة، ومن الممكن أن تكون غيرها، فهو لم يحدد أصلا ماهية هذه الأجزاء.
وهو مع كونه نص على أن الدليل القاطع لم يقم في إثبات الجوهر الفرد، فإنه قد جوّز لنفسه استعمال مصطلح الجوهر وتوظيفه في كثير من استدلالاته، وهو – فيما يبدو – لا يفرق بينه وبين مصطلح الأعيان والجسم والجرم مع علمه بمدلول كل مصطلح كما جاء عند المتكلمين وعند الفلاسفة.
وهكذا، فهو وإن استعمله فإنه سيكون بعيدا عن النقد الذي وجهه ابن
رشد للمتكلمين حين برهنوا على حدوت العالم بحدوث الجواهر (1).
ب - الاستدلال بحدوث أحد المتلازمين (الأعراض والجواهر): لقد جاء الثميني أيضا بالاستدلال المشهور عند المتكلمين في إثبات حدوث العالم، وهو الاستدلال بحدوث أحد المتلازمين: الأعراض والجواهر، على حدوث الأخر، أو بالاعتماد على المسلّمة التي كانت أسسها الأولى عند الجويني في (الإرشاد) و (الشامل)، والتي تقول: ما لازم المتناهي لا بد أن يكون متناهيا. أو بعبارة أخرى كل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث.
إن الاستدلال بها، وبحدوث أحد المتلازمين على حدوث العالم، يستلزم الحديث أولا عن مسائل عدة يتعرض لها المتكلمون - ومنهم الثميني -وهي الآتية:
(1) علي عبد الفتاح المغربي الماتريدى وآراؤه الكلامية)، ص: 123. عن ابن رشد مناهج الأدلة)، ص: 139. 141. وعن: عاطف العراقي، المنهج النقدي في فلسفة ابن رشد)، ص:59،
60
أيضا: محمد جلال، شرف الله والعالم والإنسان)، ص: 215. عن مناهج الأدلة) لابن رشد،
ص: 137 - 139. (1/248)
صفحة 236
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
إثبات أعراض زائدة على الجوهر.
إثبات تناهي الأعراض وحدوثها.
إثبات التلازم واستحالة عرو الجواهر منها.
إثبات تناهي جملتها، ويعبر عنها بإبطال حوادث لا أول لها.
249
فبهذه المسائل التي تناولها الثميني بالبحث، أثبت انطلاقا منها حدوث الأعراض، وحدوث الجواهر.
وهو قبل ذلك تناول الاستدلال على حدوث الأعراض بالبحث في الطرو
والعدم، الذي يقتضي إبطال أربعة أمور:
إبطال الكمون والظهور.
إبطال قيام الأعراض بنفسها.
إبطال انتقالها.
إبطال عدم القديم.
إن هذه الأمور الثمانية هي التي يتوقف عليها الاستدلال بحدوث أحد المتلازمين (الأعراض والجواهر) على حدوث الآخر، وقد جاء بها الثميني كاملة. ونأخذ منها الاستدلال بالطرو والعدم، إذ قد جاءت عبارة الثميني كما يلي: إن جهة الاستدلال ... على الحدوث بالطرق والعدم لما سبق وجوده قبل الطارئ وتحقق الطرو، يستدعي ثلاثة أمور ويلزم الحدوث. والعدم يستدعي تلك الأمور الثلاثة ويتحقق العدم، وليس العدم هو الحدوث فلابد من بيان استحالة عدم القدوم» (1)
(1) مخطوط المعالم، ص: 45. (1/249)
صفحة 237
250
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
مو بيان ذلك أن العرض المشاهد طارئا لو لم يكن طارئا لكان موجودا قبل هذه الحالة، ولو كان موجودا قبل هذه الحالة لم يخل إما أن يكون في محل، أو لا، فإن كان في محل فهو إما هذا المشاهد فيه طريانه عليه، أو غيره، فإن كان هذا فقد كان كامنا، وإن كان غيره فلا يصل إليه إلا بالانتقال وإن كان في غير محل فقد قام بنفسه» (1).
إنّ هذه الأمور الثلاثة التي يستوجبها النظر بالطرو، وهي: الكمون، والانتقال، والقيام بالنفس يستوجبها النظر بالعدم أيضا، فالعرض المشاهد معدوما: «لو لم يكن قد عدم لكان باقيا، وهو إما أن يبقى في محل، أو لا، فإن كان في محل فهو إما في هذا المحل، أو في غيره فإن كان في هذا المحل فهو كامن، وإن كان في غيره فلا يصل إليه إلا بالانتقال هذا، فيتحقق أنه من عدم» (2)، هذا على اعتبار أنه في محل، وعلى اعتبار قيامه بنفسه فهو كذلك لأنا قد فرضناه معدوما.
وإذا كان قد عدم فهو إذن حادث لأن القديم لا يجوز عدمه، وهذا يستلزم
الحديث بالتفصيل عن عدم القديم وهو ما فعله الثميني.
ولا بأس في الأخير أن نضع الاستدلال بالطرو والعدم في الشكل التالي حتى
يزداد وضوحا:
(1) م - ن.
(2) م - س، ص: 46. (1/250)
صفحة 238
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
الأعراض
طارئة (الطرو)
أحد الاحتمالات الثلاثة
إما
معدومة (العدم)
251
أحد الاحتمالات الثلاثة
الظهور بعد الكمون
أو الانتقال
أو القيام بالنفس
الكمون أو الانتقال أو القيام بالنفس
الحدوث
لكنه عدم
استحالة
عدم القديم
إبطال عدم القديم (1/251)
صفحة 239
252
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ولا بأس إن زدنا بيانا لبعض أجزاء الاستدلال بأحد المتلازمين عن الآخر بما يجعله قريب الإدراك، وسنحرص لأن يكون عاكسا ما جاء به ضياء الدين في المسألة.
ولهذا فإننا أيضا- لا نرى بأسا في أن نلفت الانتباه هنا، أولا، إلى أن أدلة المتكلمين، حين أخذت هذه المنطلقات لإثبات حدوث العالم لم تكن سوى ردّ فعل على مذهب الفلاسفة الإسلاميين ومذهب الأفلاطونية المحدثة في القول بقدم العالم، وذلك لأن هؤلاء، وإن قالوا بالحدوث فحدوثهم أزلي، ويعني هذا أن الموجود الأول قد اتصف بالوجود وهو كمال، فأسبغ كماله على الموجودات الأخرى فأخرجها من العدم إلى الوجود، ولما كان الأول قديما، وكان كماله أزليا كان صدور الموجودات عنه أزليا أيضا.
والذي يراه بعض المتكلمين هو أن هذه الفكرة تسربت إلى الفكر الإسلامي، وهي فكرة مناقضة للعقيدة الإسلامية فهي من جهة تناقضها لأنها تنطوي على نفي الإرادة الإلهية، ومن جهة أخرى تختلف معها لأن العقيدة الإسلامية تؤكد أن خلق الله للأشياء وإيجادها من العدم يكون متى شاءها سبحانه وتعالى.
والذي يذكره ماجد فخري في تقديمه لكتاب تهافت الفلاسفة أنه «قبل الغزالي بأكثر من قرن كانت مشكلة أزلية العالم من المشاكل الفلسفية الكبرى التي دار حولها التراع الحاد بين الفلاسفة والمتكلمين»
ويذكر أن أول كتاب نجد فيه هذا الدليل من بين الكتب التي وصلتنا في «الأصول» هو كتاب (التمهيد لأبي بكر الباقلاني، وأنّ أهم مناقشة وصلتنا
لمشكلة قدم العالم قبل الغزالي هي المناقشة الواردة في كتاب (الفصل في الملل
والأهواء والنحل) لابن حزم
الظاهري. (1/252)
صفحة 240
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
253
وهو وإن اعتبر محاولة الغزالي في تفنيد أزلية العالم لا تضارعها محاولة في الدقة والعمق، فإنه لا يعتبره المبتكر لهذا التفنيد لوجود عدد من الفلاسفة والمتكلمين العرب كالكندي وابن حزم والبغدادي والجويني تطرقوا المثل في الرد على القائلين بقدم العالم).
بمعنى
ولقد ذهب المتكلمون يقررون حدوث العالم كما يفهم من القرآن الكريم،
ولكنهم استعملوا نفس سلاح الفلاسفة ليفصحوا أمامهم بنتائجهم. إنهم، ومنهم الثميني، أرادوا أن يصلوا إلى النتيجة التي هي: «العالم محدث» أنه كان مسبوقا بعدم، فانطلقوا يستعملون البراهين العقلية، وينظرون إلى الواقع المشهود، فوجدوا به أعراضا حادثة لا ينكر حدوثها العقلاء، وهي أعراض برهنوا بحدوثها على حدوث الجواهر الحالة بما هذه الأعراض، واستعملوا في الاستدلال بحدوث أحد المتلازمين المنطلقات الثمانية السابقة الذكر وهي منطلقات يعدها الثميني سبعا لاعتباره ثبوت الأعراض وحدوثها أمرا واحدا، وهو لا ينسى أن يضع المقدمات اللازمة في بيان كل مسألة وأن يدلل على صحة كل مقدمة.
التغير حاصل للعالم
لقد كان دليله على التغير الحاصل في الأجرام هو المشاهدة، إذ هناك أجرام شاهدنا عليها صفات طارئة بعد عدم ومنها التي شاهدنا عليها صفات معدومة بعد طرو، وما لم نشاهد منها فإن التغير جائز عليها لحصول التغير في مثلها من الأجرام، ولأنه يستحيل أن يجوز في بعضها ما لا يجوز في الآخر من حيث ذات فصفات العالم كلها تتغير إما بالحصول، وإما بالقبول، في نظره.
ويذهب إلى أنها تتغير جميعا بالحصول إذا نظرنا إلى استحالة بقاء الأعراض.
(1) أبو حامد الغزالي (تهافت الفلاسفة)، تقديم ماجد فخري المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ط: 2،
سنة 1962، ص: 13 - 14. (1/253)
صفحة 241
254
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
التغير يستلزم الحدوث:
إنه بعد برهانه على إثبات التغير للأجرام برهن على أن التغير يستلزم الحدوث، وقد سلك في ذلك برهان الخلف، وصاغه كما يلي:
إن التغير مطلقا يستحيل على القديم، لأنه إن كان من عدم إلى وجود، كان وجوده طارئا بعد عدم، وهو عين الحدوث، وقد فُرض قديما، هذا خلف. وإن كان من وجود إلى عدم كان وجوده جائزا بدليل قبوله العدم، وكل جائز فهو لا يقع بنفسه، فيلزم أن يكون وجوده وقع بمقتض، والفرض أنه قديم،
هذا خلف» (1).
هذا، ويؤكد أنه لا يمكن أن يتقرر في العقل جرم ليس متحرك ولا ساكن
ولا مجتمع ولا مفترق والمراد به جرم خال تماما من الأكوان الأربعة. وبهذا فهو يقرر أن العالم صفاته متغيرة، وكل من هو كذلك فهو حادث. أيضا يستدل باستحالة عروّ الأجرام عن الأكوان، على استحالة عروها من أجناس الأعراض، معتمدا في ذلك على أن قبول الموصوف لجميع صفاته نفسي لذاته، لا يختلف، ولا يتخلّف.
وهو
لها
وقد ردّ بناء على هذا قول القائلين: بعدم حدوث الصفات، وأنها لا عدم أصلا، وأنها دائمة الوجود، غير أنها إما هي في موصوفها لكن تارة تكمن فيه بظهور حكم ضدها، وتارة تظهر فيه بانتفائه، وإما هي مع الانتقال من محل إلى محل، أو من قيام بنفسها إلى قيام بالمحل، والعكس.
(1) مخطوط المعالم، ص: 46.
(2) مخطوط المعالم، ص: 47. (1/254)
صفحة 242
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
255
وإذا كانت صفات زائدة على الأجرام فذلك لا يستلزم في نظرهم أنها
موجودة لاحتمال كونها واسطة بين الوجود والعدم.
والذي يراه الثميني هو ردّ قولهم لأنّ المحققين يذهبون إلى أن الحال محال، ولأنه لا واسطة بين الوجود والعدم، ولأن ثبوتها يستلزم حدوثها، والحدوث لازم بعد أن برهنا على حدوث العالم).
وهو يورد من أدلة المتكلمين على ثبوت الأعراض تعاقب الأحكام الجائزة على الجرم فتحركه بعد السكون يستلزم زوال اختصاصه بالحيّز، واشتغاله للحيز الأول بعد الثاني دليل على كونهما جائزين له، وكل جائز فلابد له من مقتض، هو الفاعل المختار (2) كما بينه بعد التحليل.
والمقتضي أنما
ج - إبطال حوادث لا أول لها:
يجدر بنا قبل أن نعرض ما جاء به الثميني من البراهين في إبطال حوادث لا أول لها أن نلفت الانتباه إلى أنه قد ذكر كما ذكر الرازي (3) من
من قبل الأقوال
المحتملة في حدوث العالم، وقدمه وهي أربعة حسب القسمة العقلية:
- حدوث الذات والصفات.
- قدم الذات والصفات.
- قدم الذات وحدوث الصفات.
- حدوث الذات وقدم الصفات.
(1) مخطوط المعالم، ص: 48.
(2) مخطوط المعالم، ص: 48.
(3) (المحصل)، ص: 171. (1/255)
صفحة 243
256
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
والأول يقول به المليون من الديانات الثلاث وهي الإسلام والمسيحية
واليهودية.
وأما الثاني فيقول به المعلّم الأول ومن تبعه من اليونان ومن المسلمين
كالفارابي وابن سينا.
ويقول بالثالث قدماء اليونان كأنكشاغوراس وفيتاغورس وغيرهم.
وأما القول الرابع فلم يقل أحدبه.
ولقد أشرنا فيما سبق إلى أن المتكلمين قد عالجوا هذه المسألة بكل عناية لقول الفلاسفة الإسلاميين بقدم المادة وصفاتها، ولكونهم لا يقبلون استدلال المتكلمين على حدوث المادة بعدم عروّها من الصفات الحادثة، أولا، وبكون كل صفاته حادثة حادثا، ثانيا. فهم لا يقبلون هذا، ويقولون: «إنما يلزم ذلك أن لو كانت الحوادث التي لازمت الأجرام لها مبدأ يفتتح به عددها» (1) به عددها» (1) وهو عندهم غير
من
ممكن لأنهم يعتبرون أنه ما من حادث إلا وقبله حادث لا إلى أول.
1 - فراغ ما لا نهاية له:
يقول الثميني إن جوابهم هو أنه يلزم على وجود حوادث لا أول لها، أن يكون دخل في الوجود وفرغ من حركات الأفلاك، وأشخاص الحيوانات ونحوها على الترتيب واحدا بعد واحد عدد لا نهاية له والجمع بين الفراغ وعدم النهاية جمع بين متنافيين فيكون محالا بالضرورة» (2)، ويكون وجودنا وسائر الحوادث محالا لتوقفه على محال، وهو فراغ ما لا نهاية له.
(1) مخطوط المعالم، ص: 50.
(2) مخطوط المعالم، ص: 50. (1/256)
صفحة 244
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
257
لقد استدل بهذه الركيزة العقلية التي تؤدي إلى المحال، فالجمع في هذا الدليل
بين الفراغ وعدم النهاية جمع بين متنافيين لأن الفراغ يستلزم الحدوث، وعدم النهاية يستلزم الأزلية.
وقد جاء بالقياس الاستثنائي المتصل قائلا: «لو وجدت حوادث لا أول لها، لفرغ ما لا نهاية له عددا قبل ما وجد منها الآن.
لكن لا يفرغ ما لا نهاية له عددا، لأن فراغ العدد يستلزم انتهاء طرفيه.
فينتج: لا توجد حوادث لا أول لها» (1).
والذي نجده لدى الفلاسفة أنفسهم هو أنهم لا يقرون هذا الفراغ، فراغ ما لا نهاية له فهذا ابن سينا يقول:
«كل سلسلة مترتبة من علل ومعلولات كانت متناهية أو غير متناهية فقد ظهر أنها إذا لم يكن فيها إلا معلول احتاجت إلى علة خارجة، لكنها تتصل بما لا محالة طرفا، وظهر أنه إن كان فيها ما ليس بمعلول، فهو طرف ونهاية.
فكل سلسلة تنتهي إلى واجب الوجود بذاته»
(2)
فالسلسلة عند ابن سينا تنتهي بالضرورة، ويلزم أن تنتهي.
الوجود بذاتها.
إلى علة أولى واجبة
ويعلق الطوسي على قوله فيقول: وعلى التقديرين -[يعني (العلة الخارجة عن السلسلة) و (العلة المتصلة بها]- لا بد من طرف والطرف واجب ... فإذن كل سلسلة إلى واجب الوجود بذاته، وهو المطلوب» (3).
تنتهي
(1) مخطوط المعالم، ص: 49.
(2) (الإشارات والتنبيهات)، ج 3، ص: 27.
(3) م - ن. (1/257)
صفحة 245
258
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
إن الفلاسفة وإن قالوا بعدم الفراغ وقالوا بالحدوث، فهم يريدون الفراغ الذي يفصل عن العلة الأولى، والحدوث الذي بمعنى الإبداع الذي هو أعلى مرتبة من التكوين والحدوث (1). لأن التكوين هو الوجود من غير مادة، والحدوث هو الوجود من غير سبق زمان.
وهو ما دفع المتكلمين إلى الاعتراض عليهم والتأكيد على أن الحدوث يعنى الوجود من العدم المادي والزماني، وهو فعل الله القادر على ذلك.
وهم وإن اختلفوا مع الفلاسفة في مضمون المصطلح فإنهم لم يلتفتوا إلى قولهم بالعلة: أي بأن الله القديم هو علة هذا العالم، وبأن قدم المعلول مكتسب من قدم العلة، بل قد طرحوا هذا جانبا، وأولوا عنايتهم لبيان معنى الحدوث كما فهموه مع ما يستلزمه من النتائج.
فانطلقوا يفنّدون مذهب الفلاسفة في المسألة معتمدين على القاعدة الهامة
التي تؤكد الحدوث للعالم، وهي إبطال حوادث لا أول لها. لقد أبطلوا حوادث لا أول لها بعدة طرق منها التي أتممنا ذكرها وهي: (إبطال ما لا نهاية له وأبطلوها كذلك بإبطال مقارنة الوجود الأزلي لعدمه).
فراغ
2 - مقارنة الوجود الأزلي لعدمه
إن الثميني قد اعتمد لإبطال حوادث لا أوّل لها مقدمة أخرى عقلية تقول: إنه لو كانت الحوادث لا أول لها للزم اجتماع الوجود الأزلي مع
عدمه.
وين الملازمة بين المقدمة والتالي موضحا أن الحادث إذا كان مسبوقا بعدم
وبين
لا أول له، فإنه يقتضي، من جهة اجتماع مجموع عدمات الحوادث في الأزل،
(1) الإشارات والتنبيهات)، ج 3، ص: 95. (1/258)
صفحة 246
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
259
ويقتضي من جهة أخرى، أن جنس الحوادث أزلي باعتبار أن لا أول لها، ولا
تتحقق تلك الحوادث إلا بأفرادها فيكون الحادث أزليا.
ولكون الحادث أزليا، وله عدم أزلي، فإنه يستلزم ثلاثة أمور:
(1) اقتران وجوده وعدمه في الأزل وهو محال بالضرورة.
(2) اقتران العدم والوجود، ومن المعقول أن يكون العدم سابقا على الوجود الحادث.
(3) اجتماع متناقضين وهو الحدوث والعدم، والمتناقضان لا يجتمعان.
3 - برهان القطع والتطبيق:
لقد برهن الثميني ثالثة لإبطال حوادث لا أول لها، بهذا البرهان فقال: «لو وجدت حوادث لا أول لها للزم أن يوجد عددان متغايران ليس أحدهما أكثر من الآخر ولا مساويا له والتالي باطل ضرورة لما علم من وجوب زيادة إحدى النسبتين بين كل عددين، فيكون ملزومه وهو وجود حوادث لا أول لها باطلا» (1).
ويبين التلازم الواقع بين المقدم والتالي بالنظر إلى الأحداث بمنظور عددي، ومثاله لذلك حدثان تاريخيان يمتد ماضيهما إلى الأزل، عاقدا المقارنة بين العددين الممثلين لتأريخ هذين الحدثين، على اعتبار أن الأقل من العددين هو الفاني قبل الآخر، والأكثر هو الذي يقابله.
لكن الذي يحدث أن الأزلية السابقة للحدثين تجعل إمكانية المقارنة بين العددين غير ممكنة لعدم تناهي تلك الإعداد من حيث أزليتها، فينتج عند ذلك
(1) مخطوط المعالم، ص: 52. (1/259)
صفحة 247
260
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين) وجود عددين لا توجد بينهما مساواة ولا مفاضلة على تقدير حوادث لا أول لها،
وهذا محال.
وعلى هذا المنوال استعمل السنوسي من قبل هذا البرهان (1).
ويشير الثميني إلى أن السعد والبيضاوي والعضد والفخر وغيرهم قد قرروا برهان القطع والتطبيق بطريقة غير التي جاء بما، وأن طريقتهم تعتمد على تطابق الدورات المتناهية وغير المتناهية.
4 - الفراغ المحكوم به قبل كل حادث
ويبطل مرة أخرى وجود حوادث لا أوّل لها فيقول: «لو وجدت حوادث لا أوّل لها للزم أن يصح عند كل حادث وجود حكم بفراغ ما لا نهاية له. والملازمة ظاهرة، لأن صحة الحكم تتبع صحة المحكوم به
والمحكوم به، وهو فراغ ما لا نهاية له قبل كل حادث صحيح على أصلهم (2)، فوجود الحكم عند كل حادث صحيح ضرورة، ولكن الحكم مستحيل
لما سنذكره الآن من «البرهان
(3)
وجود الحكم مستحيل على اعتبار حوادث لا أول لها، وبالتالي فالحوادث
التي لا أول لها مستحيلة أيضا وباطلة.
وبيان هذا أن وجود الحكم يستلزم إما أن يكون لا أول له أو يكون له
أول، والتالي باطل بقسميه في هذا البرهان.
(1) جمال الدين بوقلي، حسن الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد)، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، ط سنة 1985. ص: 181.
(2) فيما نعلم فإن الفلاسفة لا يقرون هذا الفراغ، انظر ما مرّ آنفا في فراغ) ما لانهاية (له.
(3) مخطوط المعالم، ص: 53. (1/260)
صفحة 248
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
261
أما القسم الأول فلأن من ضروريات الحكم أن يسبق جنس المحكوم عليه،
والمراد به الحوادث التي لا أول لها وهو أزلي، جنس الحكم وهو أيضا أزلي، وسبق الأزلي على الأزلي محال ضرورة.
وأما القسم الثاني: وهو اعتبار الحكم له أول فباطل لأنه يلزم عليه وجود عدد متناه في نفسه وزدنا عليه، واحدا، وهو عدد متناه، فصار الجميع غير متناه،
وهو باطل.
غير
لأن زيادة الحدث الواحد يجعل الحوادث غير متناهية، وإذا صارت غـ أن الحكم ليس له أوّل، وهو باطل ضرورة إذ قد فرضنا له أولا.
متناهية فإنه يعني ولقد دحض الثميني القول بوجود حوادث لا أوّل لها، ورتب قياساته ووضح صحة مقدماتها، بتفصيل كبير والذي جئنا به - فيما يبدو - كاف لإعطاء
القارئ فكرة عنها.
ويمكننا من بعد ذلك أن نأتي بالذي جاء به من المسائل الأخرى في
معلم الممكنات:
النفوس الفلكية والإنسانية
(1) النفوس الفلكية
تعرض الثميني لمباحث النفس الفلكية تعرّض الحكماء لها، وناقش أدلتهم التي جاؤوا بما في تأكيد كونها مجردة عن المادة وتوابعها، لاعتقادهم أن حر كاتها إرادية
وإبطالهم كونها طبيعة أو قسرية.
ولقد سبق
لنا أن بينا أنه يقول بقول المتكلمين أن العالم أعيان وأعراض، وأن
لا ثالث لهما من وجود المجردات غير المتحيزة ولا القائمة بالمتحيز، وبينا أنه يرى أنّ
ما استدلوا به مدخول. (1/261)
صفحة 249
262
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
(2) النفوس الإنسانية:
وأما النفوس الإنسانية فهي أيضا مجردة عند الفلاسفة وهو المذهب المشهور
عن «المتقدمين والمتأخرين منهم، ووافقهم [عليه] من المسلمين الغزالي والراغب
وجمع من الصوفية» (1).
فالنفس عندهم ليست قوة جسمانية حالة في المادة، ولا جسما، بل هي
تقبل إشارة حسية وإنما تعلقها بالبدن تعلق التدبير والتصرف» (2).
وحججهم التي جاء بها الثميني متنوعة نذكر منها:
لا
أولا - كونها تعقل البسيط الذي لا ينقسم، فهي من جهة: تعقل المعاني، والمعاني لا تنقسم ومن جهة أخرى لا تتعلق بالجسماني لانقسامه.
وثانيا – كونها تعقل الوجود وهو بسيط.
وثالثا - كونها تعقل الكلي، ومحل التعلق الكلي المجرد.
ورابعا - كونها تعقل الضدين.
وقد جاء الثميني بمذاهب عددها عشرة تنكر كلها تجرد النفس الناطقة. ورد جميع أقوال تلك المذاهب قائلا: إن العضد يقول: «إنّ شيئا من ذلك الذي رويناه لم يقم عليه دليل، وما ذكروه لا يصلح للتعويل عليه» (3).
وهكذا، فهو قد بين آراء القائلين بالتجريد وآراء المنكرين له واكتفى
بعرضها دون ترجيح لبعض على بعض.
(1) مخطوط المعالم، ص: 62.
(2) مخطوط المعالم، ص: 62. (3) مخطوط المعالم، ص: 64. (1/262)
صفحة 250
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
حدوث النفس
263
تحدث الثميني عن حدوث النفس فَبَيّن أن المليين متفقون على أنها حادثة، إذ لا قديم سوى الله تعالى وبين أنهم مختلفون في حدوثها هل كان قبل البدن أم بعده؟.
وذكر أن فريقا منهم ذهب إلى أنها بعد البدن لقوله تعالى: ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا اخر (المؤمنون (14) وذهب آخرون إلى أنها قبل البدن لقوله: «خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ... » (1).
-
والذي يراه الثميني هو ما يراه العضد من أن أدلة الطرفين متقاومة لأنها ظنية وأنه لا رجحان لأحدهما على الآخر. أما الآية الكريمة فيجوز أن تفيد حدوث التعلق بالبدن، مما يجعلها لا تستلزم إفادة حدوث ذات النفس، وأما الحديث الشريف فهو خبر آحاد وتعارضه الآية في أحد مفهومات دلالتها.
فالآية هنا مقطوعة المتن مظنونة الدلالة والحديث الشريف مقطوع الدلالة
مظنون المتن (2).
ولقد أورد أقوال الفلاسفة في النفس مبينا أن منهم القائلين بحدوثها كأرسطو ومن تبعه، ومنهم القائلين بقدمها.
وبين أن أرسطو قد نهج القسمة الثنائية في بيان حدوثها، وأنه قسم النفس إلى حالتها قبل التعلق بالبدن وحالتها بعد التعلق به وخلص في كلتا الحالتين إلى النفوس المتعلقة بالأبدان حادثة.
(1) مخطوط المعالم، ص: 65. لم نجده بهذا اللفظ، وورد في (كتر العمّال): «خلق الله الأرواح قبل أن يخلق الأجساد فأخذ ميثاقهم». کتاب خلق العالم باب خلق الأرواح، ج: 15226/ 6.
(2) مخطوط المعالم: 65، المواقف، ص: 260. (1/263)
صفحة 251
264
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
بطلان التناسخ
ولقد جره الحديث عن النفس إلى الحديث عن الأرواح وتناسخها، لاحتلالها
مكانة هامة في الدراسات الفلسفية القديمة والدراسات الروحانية المعاصرة. إن الثميني قد تناولها تناول الأقدمين من الفلاسفة الإسلاميين والمتكلمين الحكماء وتعرّض لها تعرض الإيجي) والجرجاني في إبطال تناسخها، وأكد حدوثها
بفعل القادر المختار (2).
وجود عالم آخر:
بين الثميني أن المتكلمين جوزوا وجود عالم آخر مماثل لهذا العالم وذلك بناء على قوله عزّ وجل: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ (يس: 81).
وزيادة على ذلك، ردّ بكل تفصيل قول الحكماء بأن لا عالم غير هذا
العالم المشهود (3).
تأثير العالم العلوي في العالم السفلي
ومن بعد ذلك فنّد أقوال القائلين بأن هناك مدبرا غير الله الحكيم، كقول المنجمين بأنّ العالم العلوي هو المؤثر في العالم السفلي والمدبر له، وقول الطبائعيين بأن الأشياء تتكون عن الطبائع الأربع: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وقول القائلين بأن الهيولى القابلة للصور لم تزل قديمة، ومعها قوة قديمة هي القابلية للصور،
(1) المواقف، ص: 260 - 261.
(2) مخطوط المعالم، ص: 66. (3) مخطوط المعالم، ص: 60. (1/264)
صفحة 252
الفصل الثاني: نظرية الوجود وعالم الممكنات
265
كما أنه تعرّض للقائلين بأصلين للكون قديمين، وجاء بآراء أهم الفرق في ذلك
ودحض
حجة مذهبهم
(1)
وإن الذي جئنا به – فيما بدا لنا يغني عما تركناه مما جاء به، كحديثه عن الجن والشياطين وعن العقل وفق ما تحدثت به الفلاسفة، آملين أن نكون قد استطعنا، في عرضنا أن نقرب إلى القارئ أهم ما تناوله من من القضايا الخاصة بعالم الممكنات).
وإنه ليمكننا في ختام هذا الفصل أن نقول بأن الثميني قد تجاوز تلك المباحث التي جاء بها المتكلمون حول الطبيعة ليفسح المجال لأبحاث أخرى امتازت بما مصنفات الإباضية منذ نشأة التأليف عندهم، وهي تلك التي سنورد نصيبا منها في فصل: (النبوات وغاياتها).
إن دراسة دقائق مسائل الطبيعة مفصلة تقتضي اليوم عودة إلى العلوم الطبيعية والكيميائية والفيزيائية والفلكية، وغيرها لأنها أكثر التصاقا بها، وهي مسائل: علم الكلام، ويمكنه أن يستفيد - لا محالة - مما تتوصل إليه من النتائج.
ثم إنه بعد أن أتممنا الحديث عن (الممكنات) التي وجدنا الثميني من خلالها قد أثبت أنّ للإنسان وللكون موجدا أوجده بالاختيار، وهو الله عز وجل، واجب الوجود، فإنّه ينبغي علينا الآن أن نصل إلى إدراك صفاته، فنقترب منه تعالى بمعرفته.
فما هي
صفاته تعالى وتقدّس؟ وما الذي جاء به الثميني في الموضوع؟.
(1) مخطوط المعالم، ص: 74 وما بعدها. (1/265)
صفحة 253
وطن
الفصل الثالث الألوهية وصفاتها
- حدوث العالم دليل على وجود المولى عز وجل
- الذات والصفات
- الاسم والمسمى والتسمية
قدمه عز وجل وبقاؤه
- نفي الجرمية عنه تعالى
- صفة الوحداني
ــة
- صفة القـ
ــــــدرة
سفة الإرادة
- صفة العلـ
- صفة الحي
ــاة
- صفة السمع والبصر والكلام
- نفي رؤية الباري جل وعلا (1/267)
صفحة 254
توطئة:
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
الفصل الثالث الألوهية وصفاتها
269
مما سبق بيانه في فصل: نظرية الوجود وعالم الممكنات، تيقنا من وجود الإله
الخالق الفعّال لما يريد.
ومنه
ولفظة الإله لغويا مشتقة من المادة (أَلَهُ) إِلاهَةٌ، أي: عَبَدَ عِبَادَةٌ ... لفظ الجلالة (الله) التي أصلها إلاه على وزن فعّال، بمعنى: مفعول لأنه مألوه
أي: معبود (1). فالألوهية مشتقة من الإله، وهي صفة المؤله، أو هي: ماهية كنه الذات الإلهية، وعلمها (الله) «وهو الله الذي لا إله إلا هو، وإن قدر البعض في النفي نفي وجود الإله، فإن الأقوى في التوحيد نفي الماهية
(3) (2) -
للألوهية في الفلسفة معان أخرى تتحملها كالمعنى الاجتماعي: على أن الإله معبود الجماعة، والمعنى الأخلاقي: على أن الإله مصدر جميع القيم الأخلاقية، وعلى أنه إذا فرض غير موجود فلن ينبني لها نظام على أساس ثابت، والمعنى المنطقي: على أنه نظام العالم ومبدأ العقل والمعنى الوجودي: على أنه مبدأ العالم وغايته (4).
(1) الجوهري، (الصحاح) مادة: أله.
(2) (العقيدة الطحاوية)، ص: 52
(3) إن الوجود أو الهوية غير الذات أو الماهية، فليست الماهية متضمنة في معنى الوجود، ولا الوجود متضمنا في معنى الماهية، وإنما لكل منهما شأنه الخاص وطبيعته الخاصة.
(4) المعجم الفلسفي، ج 1، مادة: (الله)، ص: 127، 128، 129. (1/269)
صفحة 255
270
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وللألوهية في الإسلام مفهومها الخاص، و «هو أنها القوة الخالقة المبدعة للأشياء وعللها، والمقدرة لها، ولما ينتظمها من القوانين لا أنها قوة كامنة غير عاقلة، أو علة نهائية، أو غير ذلك» (1).
ولا حرج أو لا تناقض من وجود الإله الخالق الفعّال لما يريد، مع وجود أسباب تتعلق بما مسبباتها مادام الارتباط بين الشيء وغيره – يعني مبدأ السببية - جزءا من عالم الطبيعة، ويحتاج إلى قوة عاقلة تقدّره على هذه الصورة أو تلك، وتكون محل مفهوم الألوهية (2).
وإن الفرق الإسلامية حين تناولت موضوع الألوهية وصفاتها كانت غايتها تتريهه عز وجل من كل نقص، معتمدة في ذلك على النقل والعقل، منطلقة من النقل المؤكد تتريهه جل وعلا.
ومن
هذه الفرق: الإباضية التي كان محور دراستها للصفات – على
تعبير قوجه (3) - هو الدفاع عن تتريه المولى عز وجل.
وبما أن الثميني سيكون لنا نموذجا في هذا المضمار، فإنه ينبغي لنا أن نعرف
كيف تناول موضوع الألوهية وصفاتها؟
حدوث العالم دليل على وجود المولى عز وجل:
لا شك أن الحديث عن الممكنات يشمل جانبا هاما من موضوع الألوهية، إذ في مبحثها أتبت المتكلمون أن العالم محدث، وأن كل محدث هو بالبرهان يحتاج إلى محدث يتصف بصفات الكمال.
(1) عبد العزيز المجذوب أفعال العباد في القرآن الدار العربية للكتاب، والمؤسسة الوطنية للكتاب،
ط: سنة 1985. ص: 67.
(2) أفعال العباد في القرآن) ص: 67.
Gouja Moncef, (La Théologie Ibadite) p:154. (3) (1/270)
صفحة 256
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
271
والذي يراه الثميني: أن البرهان الذي ثبت به حدوث العالم هو برهان لا
يشك فيه عاقل منصف، ويرى أن محدث هذا العالم هو الله سبحانه وتعالى، وأنّ
(العالم) اسم لما يصلح أن يكون عَلَمًا على وجود مبدئ له).
ووجود المبدئ واجب، وهو عين ذاته العلية المخالفة لسائر الذوات فهو تعالى متره عن المثل، أي: المشارك في تمام الماهية، وعن الند الذي هو المساوي، يتعالى مولانا عن ذلك» وإلى هذا - يقول الثميني -: «ذهب أصحابنا والأشاعرة والمعتزلة» (2).
ولقد ذكر آراء بعض المتكلمين في الذات وأشار إلى أهمية البرهان يبطلان التسلسل، والدور وبرهان القطع والتطبيق السالفي الذكر في إثبات
وجوب وجوده.
الذات والصفات:
إن موضوع الذات والصفات مبحث من أشهر المباحث الكلامية في علم أصول الدين، ولقد وقع خلاف كبير بين المدارس الكلامية في كون الصفات عين
الذات أم هي زائدة عليها؟
يقول الثميني:
ذهب أصحابنا والمعتزلة والحكماء ومن حذا حذوهم إلى الأول، وذهب
الأشاعرة إلى الثاني» (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 77. (2) مخطوط المعالم، ص: 75. (3) مخطوط المعالم، ص: 112. (1/271)
صفحة 257
272
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وسبب ذهابهم إلى أنها زائدة لأنهم أوجبوا أن تكون عللا، بمعنى أن وصفه بكونه عالما، قادرا، مريدا حيا، وغيرها من الصفات التي سنذكرها إنما كان لأجل ملازمته معاني أخرى هي علل لها وتسمى هذه صفات معنوية، وأحوالا معنوية فكونه تعالى عالما علّته العلم، وكونه قادرا علّته القدرة، وهكذا، وتسمى العلل الملازمة للمعنوية صفات المعاني.
معللة بمعنى
فالمعنوية صفات ثابتة للذات لا تتصف بوجود ولا بعدم، وهي قائم بالذات وعللها صفات موجودة قائمة بالذات موجبة لها حكما، وهو الصفات المعنوية» (1).
تلك
يبين الثميني أن أصل هذا القول إنّما هو نتيجة للقول بصحة الواسطة بين الوجود والعدم كما يذهب إلى ذلك الباقلاني وإمام الحرمين والإمام (2)، وأما عند القول بنفيها كما يذهب إليه الأشعري وكثير من المحققين (3) فليس ثم إلا الذات وصفات المعاني الوجودية، ولا معنى لكونه قادرا وعالما ونحوهما، إلا قيام القدرة والعلم ونحوهما به فلا حال عند هؤلاء لا
السنوسي
معنوية ولا نفسية (4).
(1) مخطوط المعالم، ص: 113.
(2) جمال الدين بوقلي حسن الإمام) السنوسي وعلم التوحيد)، ص: 227 وما بعدها، عن (التمهيد) للباقلاني، ص: 26، 200، وعن: (الإرشاد) للجويني ص: 48، وعن: (عقيدة أهل التوحيد للسنوسي ص: 66 والعقيدة الصغرى له ص: 4 و 6. يرى د. عبد الرحمن بدوي أن أول من قال بالأحوال من الأشعرية هو الجويني، وأن الباقلاني والأشعري قد نفاها.
انظر: (مذاهب الإسلاميين)، دار العلم للملايين، ط: 3، 1983، ج 1، ص: 732.
(3) م-ن.
(4) مخطوط المعالم، ص: 113. (1/272)
صفحة 258
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
273
يقول الثميني «فالمتكلمون من الأشعرية فريقان ناف للأحوال، ومثبت لها (1)، فالنافي ليس عنده إلا صفات المعاني، والمثبت يقول الصفات ثلاثة أقسام: نفسية، ومعنوية ومعان لأن المتحقق إما أن يتحقق باعتبار نفسه، أو باعتبار غيره، والأول الموجود وهو المعاني، والثاني الحال، وهو إما أن يكون ذلك الغير الذي تحقق به ذاتا، موصوفة أو معنى يقوم بموصوفه، الأول: الحال النفسية، والثاني: الحال المعنوية» (2).
ويشير إلى أن هناك
من
متأخري الأشاعرة من ضم إلى التقسيمات الثلاثة
الآنفة الذكر تقسيمات ثلاثة أخرى وهي السلبية والفعلية، والجامعة لها
فالأقسام على هذا الاعتبار ستة.
ويشير أيضا إلى أنّ منهم من قسم الصفات قسمين:
باعتبار كونها إضافات لا وجود لها في الأعيان كتعلق القدرة والإرادة
والعلم، وهذه متغيرة، ومتبدلة.
وباعتبار كونها حقيقية كنفس العلم، ونحوه، وهذه قديمة، لا تتبدل
ولا تتغير (3).
وبعد أن جاء بالأقسام التي كانت في تصنيف صفاته عزّ وجلّ، عرج إلى
بيان معانيها:
ف السلبية): عبارة عن نفي كل ما يمتنع أن يوصف به تعالى».
(1) للمزيد حول مسألة الأحوال انظر مثلا:
عبد الرحمن بدوى مذاهب الاسلاميين الجزء الأول من ص: 342 إلى 364.
(2) مخطوط المعالم ص: 113.
(3) مخطوط المعالم، ص: 113. (1/273)
صفحة 259
274
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
«و (النفسية): عبارة عن كل حال ثبتت للذات غير معللة بعلة» أو كل صفة ثبوتية زائدة على الذات لا يصح توهم انتفائها مع بقاء الذات الموصوفة كما»، ويرى الثميني أنها «في الحقيقة راجعة إلى شيء واحد» وأنها في التحقيق ترجع إلى السلب (1)
و المعنوية): عبارة عن كل حال ثبتت للذات معللة بمعنى قائم بها».
و صفات (المعاني: عبارة عن كل صفة قائمة بموصوف موجبة له حكما» أو «هي المعاني الموجبة للأحوال [وهكذا] فبين صفات المعاني والمعنوية تلازم بالعلية والمعلولية».
وصفات الأفعال: عبارة عن صدور الآثار عن قدرته وإرادته تعالى».
و (الصفة الجامعة): عبارة عن كل صفة تدل على معنى يندرج فيه سائر الأقسام كالعزة والعظمة والكبرياء، ونحو ذلك» (2).
ولقد حوصل القضيّة فأورد قول القائل: إن حول المسألة في العقل أربعة أمور ذات وصفات، وأحوال، وتعلقات، وذكر أن الذي أثبتها جميعا هو القاضي الباقلاني، وأن الذي أثبتها كذلك إلا الأحوال هو الأشعري والإسفراييني، وأما المعتزلة فقد أثبتوا الذات بدون الصفات وأثبت البصري (3) منهم الذات والتعلقات كما صار إليه الفخر الرازي
(1) مخطوط المعالم، ص: 113.
(2) مخطوط المعالم، ص: 113.
(4)
(3) لعله أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب المعروف بابي الحسين البصري المتوفى سنة: 436 هـ وهو الذي أحدث تطورا في الفكر الاعتزالي حتى نفرت منه المدرسة الجبائية، وهو صاحب
كتاب (المعتمد).
(4) مخطوط المعالم، ص: 114. (1/274)
صفحة 260
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
275
والظاهر أن مذهب البصري هو مذهب الثميني، بل هو مذهب المعتزلة عموما، ولهذا يرى الثميني: أن ما نسب إلى المعتزلة من نفي الصفات هو شهادة زور وإفك، وأنّ الذي نفوه إنما هو زيادتها، ولا فرق في المعنى بين ما نسبوه إليهم وما نسبوه إلى البصري منهم، غاية ما في الباب أن البصري صرح بما عندهم، وهو التحقيق، فلا خلاف إذا» (1).
ويرى الثميني أن ما نسب إلى المعتزلة إنما هو قول للفلاسفة النافين الفاعل
المختار، القائلين بالعلة والطبيعة.
ويرى أنّ ما جاء به الأشاعرة من التقسيمات ومن كثرة الاعتبارات، وجعل المعاني قائمة بالذات المقدسة، دعوى لم يقم عليها برهان، ولأن تلك الاعتبارات إنما هي انعكاس لما يثبت لذات الإنسان من حلول المعاني بها، وأن القول بأنها قائمة بذات الله لا حالة لا يغني من الحق شيئا، فإن القائمة حالة، والحالة قائمة، والتفرقة تحكم» (2).
و بيَّن أن معتمدهم في إثبات ذلك إنما هي وجوه ثلاثة:
(الو-
جه
الأول): اعتماد القدماء منهم على قياس الغائب على الشاهد لاعتبار العلة والحدّ والشرط لا تختلف غائبا وشاهدا.
وهو قياس فاسد كما يراه الثميني، لأنّ قياس الغائب على الشاهد، بل القياس مطلقا لا بد فيه من إثبات علّة مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، وهذا الإثبات بطريق اليقين مشكل جدا الجواز كون خصوصية الفرع، وهو المقيس، مانعة من وجوده فيه وعلى التقديرين وهما: إثبات العلة باليقين، وجواز خصوصية الفرع المانعة لا تثبت بينهما علة مشتركة، فلا يصح القياس» (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 114. (2) مخطوط المعالم، ص: 114.
(3) مخطوط المعالم، ص: 114. (1/275)
صفحة 261
276
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ولتأكيد مذهبه هذا يبين: أنّ القائلين بأنّ العلة والحدّ والشرط لا تختلف غائبا
و شاهدا يعترفون بأن مقتضى الصفات غائبا يختلف عن مقتضاها شاهدا، كما هو الحال بالنسبة للقدرة والإرادة مثلا.
أما (الوجه الثاني): فهو اعتمادهم على أنّ حَمْل مفهوم كونه عالما قادرا حيا، على ذاته لا يفيد لو كانت نفس ذاته. فقولنا على طريقة الإخبار: الله عالم أو قادر أو نحوهما بمثابة حمل الشيء على نفسه، باطل، لأن حمل هذه الصفات يفيد فائدة صحيحة بخلاف قولنا ذاته ذاته».
وإذا كانت تفيد فائدة صحيحة فيلزم أن كونها نفس الذات باطل «ولا مجال للجزئية [هنا] قطعا [ولذلك] تعينت الزيادة عليها وهو المطلوب».
يقول الثميني: «إن هذه مغالطة، لأنه لا يفيد إلا زيادة هذا المفهوم، أعني: مفهوم العالم والقادر ونحوهما على مفهوم الذات ولا نزاع في ذلك، وأما زيادة ماصدق عليه هذا المفهوم على حقيقة فلا يفيده هذا الدليل» (1).
و (الوجه الثالث): هو اعتمادهم على أن العلم يكون نفس القدرة لو كان
العلم والقدرة ونحوهما نفس الذات، وكونهما أمرا واحدا ضروري البطلان. يجيب الثميني: «هذا إنما يدل على تغاير مفهومي العلم والقدرة مثلا، ومغايرتهما للذات لا على تغاير حقيقتهما ومغايرتهما للذات والمتنازع فيه هو الثاني دون الأول، وعليه فمنشأ هذين الوجهين عدم الفرق بين مفهوم الشيء وحقيقته»
(2)
فمفهوم العلم ومفهوم الإرادة يتفق عليه القائلون بالصفات الزائدة على الذات، والنافون لزيادتها، ولذا فإن محل التراع كما يوضحه الثميني: إنما هو في الحديث عن حقيقتهما، هو نزاع يزول بوضوح الفرق بين المفهوم والحقيقة.
(1) مخطوط المعالم، ص: 115.
(2) مخطوط المعالم، ص: 115. (1/276)
صفحة 262
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
277
وقد ردّ – وبكل تأكيد قول من يستنكر تصوّر كون صفة الشيء
عين حقيقته، على الرغم من أن كلاً من الموصوف والصفة يشهد بمغايرة صاحبه، فيقول:
ليس معنى ما ذكرناه أن هناك ذاتا لها صفة وهما متحدان حقيقة كما توهموه، بل معناه أن ذاته تعالى يترتب عليها ما يترتب على ذات وصفة معا» (1) (1). ويعطى لذلك مثالا قائلا: «ذاتنا ليست كافية في انكشاف الأشياء لنا، بل نحتاج في ذلك إلى صفة العلم الذي يقوم بنا، بخلاف ذاته تعالى، فإنه لا يحتاج في انکشاف الأشياء له وظهورها، إلى صفة تقوم به، بل المفهومات بأسرها منكشفة لذاته، فذاته تعالى بهذا الاعتبار حقيقة العلم (2).
ويدعم قوله هذا بكلام لشيخه البدر التلاتي، ومما جاء به عنه: «أن كون ذاته (تعالى) العلية منكشفة له جميع المعلومات انكشافا تاما من غير قيام شيء أزلي بذاته تعالى زائد عليه مقتض لذلك الانكشاف، فإنا لا نقول بأن وجوده زائد عليه قائم به بل هو عين ذاته، بمعنى أن وجوده تعالى كاف أن وجوده تعالى كاف في انكشاف له، فالمنفي عندنا زيادة العلم مثلا على الذات لا نفسه وكيف ننفيه عنه تعالى، وهو فاعل فعلا محكما متقنا، وهو لا يصدر إلا من عالم» (3).
جميع
الكائنات
والصفات الأخرى مثل ذلك عنده، فالمراد من كونها عين الذات كونها صفات اعتبارية. ولهذا فهو يستنكر القول بأن المعاني القائمة بذاته تعالى أغيار لها ويشتد استنكاره خصوصا على السعد والفخر لقولهما بأنها صفات ممكنة في نفسها إمكانا خاصا، وواجبة بذات الواجب.
(1) م - ن.
(2) م - ن.
(3) مخطوط المعالم، ص: 115. (1/277)
صفحة 263
278
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
فهو من جهة يقبل ردّ الفخر الصفات إلى الإضافات، ومن جهة أخرى يستعيذ بالله من قوله: إن الذات قابلة لصفاتها وفاعلة لها (1).
إن الثميني لم يكن غير موافق للقائل بأنّ الصفات زائدة على الذات فحسب، بل هو لا يوافق كذلك المتوقف من القول بأنها عين الذات خوف الوقوع في فلك مذهب الحكماء النافين للصفات، حيث يقول: «بأنا وإن قلنا بما قالوا به من نفيها، فهناك فرق بيننا وبينهم وهو أنه إنما نفاها الحكماء لقولهم: إنه موجب بالعلة والطبيعة ... ونحن نقول: إنه فاعل بالاختيار ... فإذا لم تكن السلامة فيما قلنا من كونه الغني على الإطلاق، لم تكن فيما قالوا به لاستلزامه كونه متكاملا بغيره، ومحلا له، ويلزمهم أيضا على ذلك تعليل الواجب تعالى» (2). وهو يرد معنى التعليل المفيد اللزوم لا التأثير (3) بقوله: «وما أجابوا به من رجوع التعليل إلى معنى التلازم و [إلى أنه] لا يلزم منه تأثير العلة في معلولها لأنه كما يعقل بين ممكنين كالجوهر والعرض من غير تأثير، كذلك يعقل بين واجبين أيضا بدونه، كما نقول: إرادته تعالى تلازم علمه مثلا، ففيه إخراج التعليل عن المعنى المتعارف، له وأيضا فقد صرّح كثير منهم بإفادة العلة معلولها الثبوت في هذا المقام، وإن أوله بعضهم بتأويل بعيد جدا» (4).
إن مبحث الصفات مبحث شائك، شغل كثيرا عقول فلاسفة المسلمين ومتكلميهم، وذهبوا فيه مذاهب شتى، ولكنه لا يخلو من الفائدة، إذ مهما كان اختلافهم فإن النتيجة التي قد يصلون إليها تتلخص في ما جاء به محمد جواد
(1) مخطوط المعالم، ص: 116. (2) مخطوط المعالم، ص: 117.
(3) انظر مثلا: جمال الدين بوقلي حسن الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد)، ص: 229.
(4) مخطوط المعالم، ص: 117. (1/278)
صفحة 264
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
279
مغنية) عن ابن رشد) من أن البحث في صفات الله وأنها عين ذاته أو زائدة عليها من البدع التي حدثت، وأن الله لم يكلفنا من أمر صفاته إلا الاعتراف بوجودها دون تفصيل، وأن العقول مهما سمت فهي أعجز من أن تحيط بحقيقة الله وعظمته وكيفية اتصافه بصفاته (1).
وإن الثميني نفسه يؤكد هذه الحقيقة بطريق غير مباشر إذ في حديثه عن وحدة الصفات يقول: «إنّ كيفية تعلّق المتعلقات بمتعلقاتها ليس من مدارك العقول، سواء قلنا: إن التعلق نفسي أو نسبة وإضافة وكذا التنجيزي والصلاحي، وسواء كانت المتعلقات من المؤثرات أو لا».
«ولو سئل عاقل عن كيفية تعلق القدرة القديمة بمقدورها لم يمكنه عن ذلك جواب إلا العجز وامتناع معقولية ذلك ... فهو طلب كيفية فيما لا تدرك له كيفية، وقد قامت الأدلة العقلية والنقلية وشهدت الأفعال الحسية على إثبات مفهومات الصفات واعتباراتها، وتعلق المتعلق منها، فلا يجب علينا علم بأن لها تعلقا، ولا بكيفيته. في الأزل، ولا فيما لا يزال فإن الجهل بأمثال هذا غير مضر في العقائد. وكذا: لا يجب علينا أن نعلم أن التعلقات هل تعددت أو اتحدت. ولا أنها تجددت باعتبار أنها نسبة وإضافة أو لا تتجدد باعتبار أن التعلق نفسي. ولا أنها تتعلق بالمعدوم في الأزل على تقدير وجوده فيما لا يزال ضرورة أنه لم يتنجز، أو تتجدد في وقت وجوده. فإن ذلك كله من مواقف العقول غير مضر أيضا» (2).
والمهم هو أن الجميع، إباضية ومنهم الثميني، ومعتزلة وأشعرية وسلفية، قد أثبتوا للمولى عزّ وجلّ الصفات التي أثبتها لنفسه، ومعانيها، ومتعلقاتها، غير
أن
(1) محمد جواد مغنية (معالم الفلسفة الإسلامية)، دار مكتبة الهلال ودار الجواد، بيروت، ط: 5 سنة
1986. ص: 117. (2) مخطوط المعالم، ص: 123. (1/279)
صفحة 265
280
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
الإباضية والمعتزلة نظروا إلى الذات الإلهية نظرة ماصدقية متصلة بالكم، فاستبعدوا أي تصوّر يترتب عليه إثبات صفات مغايرة للذات مفارقة لها، بينما قصد الأشعري والأشعرية عموما إثبات معاني الصفات فنظروا إليها نظرة تتعلق بالمفهوم وتتصل بالكيف، فالذات تتعلق بالوجود العيني بينما الصفات تتعلق بالوجود الذهني حسب ما يفهم من تناولهم للمسألة.
يقول شارح العقيدة الطحاوية صدر الدين الحنفي: «فإن أريد به الصفات غير الذات] أن هناك ذاتا مجردة قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها فهذا غير صحيح، وإن أريد به أن الصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها، لا تنفصل عنها، وإنما يفرض الذهن ذاتا، وصفة كلا وحده، ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة فإن هذا محال.» (1).
الاسم والمسمى والتسمية:
بعد أن تناولنا موضوع الصفات وفق ما جاء به الثميني، فإنه يجدر بنا أن نعقبه بالحديث عن قضية الاسم والمسمى والتسمية وهي قضية من القضايا التي لها علاقة بالذات والصفات وقد أثارت خلافا بين المتكلمين وكثيرا ما ترد تحت عنوان: الأسماء والصفات وهي قضية أولى الإباضية بما عناية، جاء الثميني بأهم ما
يتعلق بها.
(1) (شرح العقيدة الطحاوية)، لأبي جعفر الطحاوي، حققها وراجعها جماعة من العلماء، وخرج أحاديثها: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي بيروت ط 5 1399،ص: 130 129. (1/280)
صفحة 266
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
281
لقد جاء بما أورده الشماخي من الأقوال في الموضوع وبين أنهم اختلفوا في أن الاسم هو المسمى، أو أن الاسم هو التسمية أو أنه غير واحد منهما، أو أنه تارة يكون
هو المسمى، وتارة يكون هو التسمية، وقرّر أنه إلى كل قد ذهب فريق.
بداية، بين أن الأشياء لها عدة وجودات وجود في الأعيان وهو الأصلي والحقيقي، كذات زيد مثلا. ووجود في الأذهان، وهو الوجود العلمي والصوري. ووجود في اللسان، وهو اللفظي الدليلي. وهذا دالّ على ما في الذهن، وما في الذهن دال على ما في الخارج، وما في الخارج هو الحقيقة.
فاللفظ موضوع للدلالة وله، واضع، ووضع وموضوع له. فالواضع: هو المسمي بلا خلاف والوضع هو التسمية والموضوع له: هو المسمى. فإذا قلت: سمى فلان ابنه زيدا، ففلان هو الواضع والمسمي، وفعله هو التسمية، وذات زيد هو المسمى. ولفظ زيد وهو الحروف المقطعة، هل يطلق عليه الاسم أم لا؟» (1).
يقول الثميني إنه يطلق على الأصح، والأدلة في ذلك:
1) أنك إذا نظرت إلى شخص فإنك تقول ما اسمه؟ إذا جهلت اللفظ الدال
على ذاته»
(2) وأنك تقول أأعجمي هذا الاسم أم عربي؟ وإن كان صاحبه على
خلاف ذلك.
(3) و «أنك إذا جهلت ذات (زيد قلت من هو؟ وإذا جهلت الدال عليه قلت:
ما هو؟»
(4 وأنك تقول: اسم قبيح ولو كان صاحبه جميلا، واسم ثقيل إذا كانت
حروفه كثيرة.
(1) مخطوط المعالم، ص: 124. (1/281)
صفحة 267
282 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
بن
(5) و «أنك إذا نظرت إلى حدّ الاسم وحقيقته وجدته راجعا إلى اللفظ، ولم يحده أحد بما يدلّ على المسمّى، وهذا كما قال [الشماخي، أبو العباس أحمد سعيد كاف لمن كان بصيرا. ونظيره: «الحركة والمحرك والتحريك والمحرك (1). وفسر الثميني تبعا للشماخي سبب توجّه من يقول: الاسم هو المسمى، بما يلي: لأنك إذا قلت رأيت اليوم (زيدا) تصوّر المخاطب بهذا صورة ذاته، فصارت بهذا] حقيقة، في نفوس السامعين» (2).
وذكر من بعد ذلك أن العلماء اختلفوا في إطلاق الاسم على المسمى بهذا المعنى هل هو على الحقيقة أم على المجاز؟، وجاء بآراء للمعتزلة، والمتأخري الأشاعرة، وللآمدي وابن فورك وللسدو يكشي والشماخي.
وقد تساءل مرة أخرى عن الخلاف في الاسم والمسمّى هل هو خلاف لفظي أم خلاف معنوي؟ وذلك لـ «أنك إذا سميت شيئا باسم فالنظر فيه في ثلاثة أشياء: ذلك الاسم وهو اللفظ، ومعناه قبل التسمية، ومعناه بعدها وهو الذات التي أطلق عليها اللفظ. والذات واللفظ متغايران قطعا، والنحاة إنما يطلقون الاسم على اللفظ، لأنهم إنما يتكلمون في الألفاظ، وهي غير المسمّى قطعا عند الفريقين فريق النحاة وفريق المتكلمين، والذات هي المسمّى عند الفريقين، وليس اللفظ قطعا، والخلاف في الأمر الثاني، وهو معنى اللفظ قبل التسمية، فالمتكلمون يطلقون الاسم ويختلفون في أنه الثالث أم لا؟ والخلاف عندهم في الاسم المعنوي هل هو المسمى أم لا؟ لا في الاسم اللفظي؟» (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 124.
(2) مخطوط المعالم، ص: 124.
(3) مخطوط المعالم، ص: 125 - 126.
عليه (1/282)
صفحة 268
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
283
إننا نفهم من خلال هذه الفقرة أن الثميني قد نحى منحى المعتزلة، وقسم
الاسم إلى ثلاثة أجزاء: اللفظ والمعنى قبل التسمية، والمعنى بعد التسمية. فاللفظ عند النحاة وعند المتكلمين يراد به المسمّى (الذات) مع إدراكهـ الفرق بين اللفظ والذات.
- والمعنى بعد التسمية عندهما يراد به المسمى (الذات) لا اللفظ.
- والمعنى قبل التسمية هو المختلف فيه، فالنحاة لا يعنيهم الأمر لكون انشغالهم ينصب على اللفظ، بينما المتكلمون منهم من يعتبره قسما ثالثا، ولذلك قال: بالاسم والمسمّى والتسمية، ومنهم من غاب عنه ذلك فتردد بين كون الاسم هو المسمّى أو كونه هو التسمية، وهنا محل الخلاف وهو
معنوي لا لفظي.
قدمه عزّ وجلّ وبقاؤه:
خلاف
بعد أن رأينا كيف تناول الثميني الأسماء والصفات بصورة إجمالية، فإنه يمكننا الآن أن نتناول بعضا منها بشيء من التفصيل، ولنبدأ بصفتي: القدم والبقاء. فهو قبل أن يثبت للمولى عزّ وجلّ صفة القدم بين – أولا ـ أنه
تحمل معنيين:
-
-
أحدهما: يطلق على ما توالت على وجوده الأزمنة، وكرّ عليه الجديدان». وثانيهما: «يطلق على ما لا أوّل لوجوده، بمعنى أن وجوده أزلي لم يسبقه
عدم، والقدم بهذا الاعتبار هو الثابت له تعالى» (1).
(1) مخطوط المعالم، ص: 79. (1/283)
صفحة 269
284
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
فالوجود الثابت له لو كان بعد عدم لافتقر إلى محدث، والافتقار إلى المحدث يؤدي إلى التسلسل وهو محال لاستحالة وجود حوادث لا أول لها، أو يؤدي إلى الدور وهو محال كذلك لما يلزم عليه من كون الشيء الواحد سابقا على نفسـ
مسبوقا كيا.
وبعد تحليل مستفيض لاستحالة التسلسل والدور، ولمعنى الأزلية، يقول الثميني: ولباهر برهان قدم الصانع وانتفاء الشبهة فيه لم يقل أحد من العقلاء بحدوثه تعالى وتقدس»
ويرى أن صفة القدم صفة سلبية، لا نفسية ولا معنوية، حيث يقول: «اختار المحققون من الأشاعرة، وفاقا لأصحابنا والمعتزلة أن قدمه تعالى صفة سلبية على معنى ما مر بمعنى سلب العدم السابق] لا نفسية»، خلافا للباقلاني والفخر، ولا معنوية خلافا للأشعري (2).
أما كونها لا نفسية فلـ «صحة تعقل الذات بدونه، والوصف النفسي لا
تعقل الذات بدونه.
وأما الثاني وهو كونها لا معنوية] فلما يلزم عليه من التسلسل وقيام
المعنى بالمعنى» (3).
ويبين أن هذه المذاهب المقررة في القدم هي نفسها المقررة في البقاء. والبقاء
يعني: أنه عزّ وعلا لا يلحقه العدم، فهو سلب العدم اللاحق لوجوده.
ولقد استعان في برهانه على بقاء الله عزّ وجلّ بقدمه، معتمدا على المقدمة القائلة: «كل ما ثبت قدمه استحال عدمه»، وقد أكد صحتها بعكس النقيض
(1) مخطوط المعالم، ص: 80.
(2) مخطوط المعالم، ص: 80.
(3) مخطوط المعالم، ص: 80. (1/284)
صفحة 270
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
285
الموافق قائلا: «كل ما لم يستحل عدمه لم يثبت قدمه»، ونبه على أن كل قضية يلزمها عكسها وعكس نقيضها، ويلزم من صدق الأصل صدق العكس.
وهو إذ يوظف برهان الخلف يركب دليله كما يلي:
«إنه لو قدر لحوق العدم له تعالى عن ذلك لكانت ذاته العلية تقبل الوجود والعدم لفرض اتصافه بما، ولا تتصف ذات بصفة حتى تقبلها، لكن قبوله تعالى للعدم محال، إذ لو قبله لكان هو والوجود بالنسبة إلى ذاته سيّان، إذ القبول نفسي لا يختلف ولا يتخلّف، فيلزم افتقار وجوده إلى موجد يرجحه على العدم الجائز، فيكون حادثا، كيف وقد ثبت بالبرهان القطعي وجوب قدمه، فبان لك بهذا البرهان أن وجوب القدم يستلزم وجوب البقاء أبدا» (1).
للذات
وهو حين يبرهن على بقائه عزّ وجلّ بهذا الدليل الذي يراه «مع اختصاره قطعيا لا شبهة في شيء من مقدّماته»، يردّ الدليل المشهور عند المتكلمين في هذه الصفة لما فيه [من] طول وتقسيم لم يُجمَع على بطلان جميع أقسامه» (2).
إنهم يبدأون تقسيمهم بقولهم: لو طراً العدم على القديم لوجب أن يكون له مقتض، إذ طروّ أمر بنفسه لا بمقتض، ولاسيما إن كان مرجوحا كهذا، محال ضرورة، والمقتضي إما بالاختيار أو لا، والمقتضي المختار لا يفعل العدم إذ هو ليس بفعل، وغير المختار إما عدم شرط أو طريان ضدّ ... » وهكذا إلى آخر الدليل. و بين أنه به أيضا يستدلّ على استحالة بقاء الأعراض.
والذي استوقفه طويلا في الدليل، والذي لم يجمع المتكلمون على رأي فيه
هو: هل العدم فعل أم لا؟
(1) مخطوط المعالم، ص: 80.
(2) مخطوط المعالم، ص: 80. (1/285)
صفحة 271
286
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
يقول الثميني في نقضه الدليل: إن المقتضي المختار لا يفعل العدم، إذ ليس بفعل لأنه نفي محض فامتنع أن يكون فعلا. ونزيد في تقرير هذا الاستدلال، فنقول: إنه لا فرق بين قولنا فعل العدم، وبين قولنا لم يفعل شيئا» (1).
لقد جاء برأي الباقلاني في أنّ العدم أثر وفعل يكون بالإرادة، وهو مختار السنوسي، وبين أن الإرادة إنما تتعلق بالإيجاد والإعدام لا بالوجود والعدم، لأن العدم نفي محض ولهذا لا يقال: ما شاء الله كان وما شاء لم يكن، وإنما الصواب أن يقال: وما لم يشأ لم يكن» (2).
إنه في هذه المسألة على رأي الجمهور على أن العدم ليس بالإرادة، وإنما هو واجب للعرض عند عدم صحة بقائه، وواجب للجوهر أيضا عند قطع الله الإمداد له بالأعراض، وخصوصا عرض البقاء، فعند عدم الشرط يجب عدم المشروط.
يقول الثميني: «وهذا مراد من قال منا إذا أراد الله فناءه قطع التدبير عنه» (3).
«فالموجد بالاختيار، هو الذي يصح منه الفعل بدلا عن الترك
وبالعكس، أي يصح منه أن يفعل الشيء أو أن لا يفعله، والمراد بقولنا
يوجد
أن لا يفعله، أن لا يخرج الفعل إلى الوجود بل يبقيه على العدم، لا أن العدم أو يفعل الترك، وهذا بناء على أن الترك ليس بفعل، ولا استبعاد في إسناده إلى الفاعل المختار لفهم المراد، ولا يلزم من كونه مقدورا للفاعل أن
يكون أثرا وجوديا له» (1).
(1) مخطوط المعالم، ص: 82.
(2) مخطوط المعالم، ص: 92.
(3) مخطوط المعالم، ص: 82 (4) مخطوط المعالم، ص: 89. (1/286)
صفحة 272
يلحقه
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
287
هذا، و لم يفت الثميني في هذه المسألة وهو يتحدث عن صفتي القدم والبقاء
عدم
أن يتعرض لعدم الممكن في الأزل، فعدم الممكن في الأزل الذي لم يسبقه عدم قد عند وجود ذلك الممكن، مبينا أنّ القاعدة لا تنطبق عليه بناء على أن المراد من قولنا: كلّ ما ثبت قدمه قدم الأمر الموجود، أو الثابت في الخارج، فهو الذي يستحيل زواله، وفيه يطرد الدليل ... والعدم السابق لا يكون أثرا» (1). نفى الجرمية عنه تعالى:
لينفي الثميني الجرمية عن الله تعالى اعتمد في استدلاله على ذلك بكون الجرم يجب له التناهي وإشغال الحيز لا محالة، وبكونه يقتضي الأكوان الأربعة المقتضية الحدوث، ولكون الحدوث يقتضي القدح في وجوب قدمه عزّ وجل
وبقائه، ويقتضي مخصصا يخصصه بمقدار، وهذه المستلزمات محال في حقه تعالى. وتعرض في حديثه وهو ينفي الجرمية عن المولى عز وجل إلى معتقد النصارى في الأقانيم (2) الثلاثة، فبين كلا منها بالتفصيل، ووضح مواطن الزلل فيها، وردّ القول بما إذ قولهم بالأقانيم الثلاثة أقنوم الوجود وأقنوم العلم، وأقنوم الحياة أو الأب والابن والروح القدس، محال في حقه تعالى لأنه:
- يقتضي التجزئة والتركيب.
- ويقتضي الجمع بين متناقضين الكثرة والوحدة إذ الثلاثة تساوي واحدا. - ويقتضي احتياج كل أقنوم إلى مخصص يخصصه بالصفة التي هو عليها.
(1) مخطوط المعالم، ص: 81 - 82.
(2) الأقانيم الأصول، واحدها (أقنوم)، يقول الجوهري وأحسبها رومية. انظر: الرازي، مختار
الصحاح، مادة: قنم. (1/287)
صفحة 273
288
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
- ويقتضي تركيب الذات بمجرد اعتبارات وأحوال لا وجود لها إلا في الأذهان.
- ويقتضي اتحاد الناسوت باللاهوت ممّا يستلزم قدم الناسوت وهو محال. - ويقتضي الاتحاد وهو محال في حق ذاته تعالى لنفي الجرمية عنه أولا، ثم هو محال ثانيا لأنه اتحاد بين القديم والحادث (1).
الوحدانية:
إن الله سبحانه وتعالى، واحد فرد صمد تحدّث الثميني عن وحدانيته فبين معناها عند البيضاوي والرازي، وبيَّن أقساما لها ثمانية، وهي وإن قيل إنها صفة نفسية، فهو يرى أنها صفة سلبية، وهي عبارة عن سلب الكثرة وهو التحقيق» (2).
ويفسر كونه جل وعلا واحدا بنفي قبوله الانقسام، ونفي نظير له في الألوهية، أي: نفي شريك معه في جميع الممكنات فلا مؤثر فيها سواه. فهو الواحد في ذاته، بمعنى كونه غير مؤلّف من الأجزاء. وهو الواحد في صفاته بمعنى: كونه لا مثل له فيها ولا نظير وكونه الواحد في أفعاله فلا شريك له فيها ولا ضدّ ولا وزير وكونه الواحد في عبادته بمعنى أنه لا مستحق للعبادة سواه (3).
عجز
إنه تعالى «يجب أن يكون واحدا، إذ لو كان معه ثان للزم إما عجزهما أو أحدهما عند الاختلاف، أو قهرهما أو قهر أحدهما عند الاتفاق الواجب، مع
(1) مخطوط المعالم، ص: 83 إلى 88.
(2) مخطوط المعالم، ص: 127.
(3) مخطوط المعالم، ص: 128. (1/288)
صفحة 274
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
289
استحالة ما علم إمكانه لكل واحد منهما للاستغناء بكل منهما عن كل منهما،
فإن لم يجب اتفاقهما بل جاز، اختلافهما لزم قبولهما العجز، وعاد الأول» (1). ولقد فصل الثميني وبين القول مبرهنا على وحدة الذات، وعلى نفي النظير أو القسيم له في الألوهية، ومعنى ذلك انفراده بإيجاد جميع الكائنات ذواتا كانت أو وعدم إسناد التأثير لغيره في شيء من الممكنات.
أفعالا،
ولقد تعرّض كثيرا لمباحث فعل العبد التي تعرف بقضية الكسب، وهدفه منها الردّ على مذهب المعتزلة الجاعل للعبد قدرة وإرادة تزاحم قدرة وإرادة الرب عزّ وعلا، مما جعله يطنب في تأكيد دليل التمانع.
القدرة:
اعتمد الثميني في وصفه عزّ وجل بصفة القدرة على ما سبق من البرهان على أن أن موجد العالم مختار. إنه يقول: «الله تعالى موجد بالاختيار، وكل موجد بالاختيار فهو قادر، فالله قادر على أن دليل الصغرى قد عرفته فيما مرّ من إبطال أن يكون فعله بطبيعة أو علة ... وأما الكبرى فواضحة لأنّ الموجد بالاختيار هو الذي يصح منه الفعل بدلا عن الترك وبالعكس ... [وهو] بعينه معنى القادر» (2).
ثم إن الإيجاد بالاختيار يتميز عن الإيجاد بالذات، لأنّ الأوّل مستلزم للقدرة ولسائر الكمالات، والثاني لا يستلزمها إذ العلّة أو الطبيعة لا يلزم أن تكون قادرة
ولا مريدة ولا حية ولا عالمة.
(1) مخطوط المعالم، ص: 128.
(2) مخطوط المعالم، ص: 88. (1/289)
صفحة 275
290
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وبين كما رأيناه سابقا - أن الترك معناه أن لا يفعل الشيء، أي: أن لا يخرجه إلى الوجود، بل يبقيه على العدم بناء على أن الترك ليس بفعل، وإن كان لا بأس من إسناده إلى الفاعل المختار لفهم المراد.
وبين أنه لا يلزم مَنْ يقول: بأنه فعل، بناء على أنه كف وإمساك عن الفعل، وهو أمر وجودي، القولُ بقدم العالم، ولا يكون قوله تحصيل حاصل، وذلك لأنّ الفعل من حيث هو فعل (بالمعنى الوجودي ينافي الأزل، فهو يتأتى حقيقة فيما لا يزال على أنه ترك متجدد
(1).
وبين أيضا أن القدرة يصح تعلّقها على معنى الصلاحية ... فالقدرة للقادر حالة يحصل بها الإيجاد ... وليس من لوازمها التعلق بل صفة قابلة له بمعنى التعلق التنجيزي، وكذا الإرادة أيضا تتعلق على معنى التأتي، بخلاف العلم فلا يتعلق إلا تنجيزيا، لأن المتأتى منه أن يعلم، ليس بعالم» (2).
وقد أزال الثميني الإشكال عن تعلق السمع والبصر فبين أن تعلقهما تعلّق تنجيزي وتعلّق صلاحي، وأن تعلقهما نسبة وإضافة فلا إشكال في ذلك (3).
الإرادة:
إن صفة الإرادة هي صفة يتأتى بما ترجيح أحد طرفي الممكن، ولقد جاء الثميني ببرهانه لإثباتها للخالق جل وعلا كما يلي:
لو لم يكن الباري تعالى مريدا لما اختص العالم بوجود ولا بمقدار ولا بصفة ولا زمان بدلا عن نقائضها الجائزة، فيلزم إما قدم العالم أو استمرار عدمه ... ولكن
(1) مخطوط المعالم، ص: 89.
(2) مخطوط المعالم، ص: 131 - 132.
(3) مخطوط المعالم، ص: 132. (1/290)
صفحة 276
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
291
بما أن الله تعالى هو الذي خصص الحوادث بأحد الطرفين الجائزين، وكلّ من كان
كذلك فهو مريد فالله تعالي مريد» (1).
وقد بين صحة كلّ من المقدّمة الصغرى والكبرى، وبين الفرق بين الإرادة والقدرة والعلم، وبين أنه إذا كانت القدرة تتعلق بجميع ما يختص به الممكن من الجائزات على السواء، فالإرادة هي ترجيح أحدها عن الباقي.
وإذا كان العلم يتعلق بجميع ما يختص به الممكن من الجائزات دون تأثير، ويعرف بأنّه صفة كاشفة، فالإرادة هي تخصيص الممكن بجائز،
بالتأثير فيه.
على
ولذا فهو ينبه بأنه: «لا يقال لعلّ المرجح لوقوع أحد الجائزين اشتماله المصلحة المعلومة لفاعله تعالى، لأنَّا نقول: هذه مقالة اعتزالية» ولا يجب على الله مراعاة الصلاح والأصلح (2).
وليزيل الثميني اللبس مرة أخرى عن معنى القدرة ومعنى الإرادة، بين أن القدرة تتعلق بجميع الممكنات على حد السواء، فلا يكون الاختصاص والترجيح بما لثبوت التساوي، والإرادة كذلك متعلقة بجميع الممكنات إلا أن الترجيح يكون بما، فإن كانت «الإرادة صالحة للتخصيص في كل وقت كصلاحية القدرة للإيجاد في كل وقت فهي وإن كان ثبوتها إنما هو لنفي الترجيح بلا مرجح فهي كالقدرة نسبتها «إلى ما وجد وإلى ما لم يوجد نسبة واحدة لعموم تعلّقها، فتفتقر إلى صفة
أخرى ويلزم التسلسل» (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 89. (2) مخطوط المعالم، ص: 90. (3) مخطوط المعالم، ص: 92. (1/291)
صفحة 277
292
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
يقول الثميني: «إذا كان أثر القدرة الوقوع، وأثر الإرادة التخصيص، صح أن يقال كل مريد قادر، وليس كل قادر مريدا، فقد تباين ما بين القدرة والإرادة» (1). ثم إن: للإرادة تعلقين أحدهما: عام وهو صحة أن يتخصص بما كلّ ممكن، والآخر خاص، وهو تخصيص كلّ ممكن بها بالحال التي هو عليها من وجود أو عدم وإن صح في العقل أن يكون على خلافه، وهو يعرف ف بالتعلّق الصلاحي والتنجيزي مع اختلاف للمتكلمين حوله (2).
وهكذا، فبرهان الثميني في إثبات صفة الإرادة للمولى عز وجل فيما سلف كان بالقياس الاقتراني، وقد برهن كذلك بالقياس الاستثنائي على النحو التالي: لو لم يكن الله تعالى مريدا لما اختص العالم بما تقدم من الأعراض
الجائزات واللازم باطل فكذا الملزوم».
فبيّن الملازمة: بأن الممكن لا يختص ببعض ما جاز عليه إلا بإرادة الفاعل المختار، وإذا فرض أن الفاعل غير مريد لزم استحالة وجود ممكن بعينه بدلا عن مقابله، ضرورة عدم الاختصاص عند عدم المخصص»، واللازم باطل بوجهين:
أحدهما: مشاهدة الاختصاص في الممكنات».
وثانيهما: لزوم اتصاف ذات الممكن بأحد أمرين: وجوب القدم، أو
استمرار العدم، وكلاهما محال في حقه»
أما الأول: فلما مرّ من البرهان على حدوث الممكنات.
وأما الثاني: فلمشاهدة الوجود فيه
(1) مخطوط المعالم، ص: 92.
(2) مخطوط المعالم، ص: 93. (3) مخطوط المعالم، ص: 91.
(3) (1/292)
صفحة 278
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
293
ثم تعرض مطوّلا لتفنيد كون الصانع غير مريد، وكونه طبيعة أو علة، وبين
أن إضافة الفعل إلى غير الله تنقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: إضافته إلى الأفلاك، وأنها هي "
في العالم السفلي، وهو مذهب
الفلاسفة، ولا خلاف في إشراكهم كما يقول الثميني.
وثانيها: إضافة فعل بعض الحوادث إلى البعض الآخر، كإضافة الإحراق إلى
النار، والإشباع إلى الطعام إلى غير ذلك من ربط المعتادات حتى ظنها البعض واجبة، فمن قال بطبعها تفعل ذلك فلا خلاف في إشراكه (1) حسب قول الثميني. ولقد أشار إلى أن السنوسي اعتبر ابن سينا ضالا لسلوكه منهج الطبائعيين في
أبيات له يرويها الثميني ويقول فيها:
وقول بقراط با صحيح
دليله في ذا بأن الجسما
ماء ونار وثرى وريح
إذا ثوى عاد إليها رغما
ولو يكون الجسم منها واحدا لم تر بالآلام جسما فاسدا ويرى الثميني أنه لا يقال إن ابن سينا بني الملازمة فيها على العادة، ولا يضلّ كذا، بل اللزوم عنده عقلي، بمعنى قد بلغت عنده درجة الوجوب، ولذلك قال بالطبيعة ونفي اختيار الصانع.
وثالثها: إضافة الفعل إلى قوة أودعها الله في الفاعل. يقول الثميني: إن بعض الأشاعرة شاركوا القائل بذلك، «وهو اعتقاد المعتزلة في خلق أفعالهم، والصحيح أنهم به منافقون» (3)، وسيأتينا مزيد بيان حول دلالة معنى النفاق والشرك في مبحث
(فرز الدين).
(1) مخطوط المعالم، ص: 97. (2) م - س، ص: 95 - 96.
(3) م - س، ص: 97 (1/293)
صفحة 279
294
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
والذي يراه الثميني أن من علم أنّ الله سبحانه وتعالى ربط بعض أفعاله ببعض بجري عادته وجعل الطعام مثلا يشبع باختياره وقدرته، ولو شاء لخرق تلك العادة فيجعله لا يشبع مثلا، وكذا في الإرواء بالماء، والستر بالثوب، والذبح بالسكين فعليه أن يقول مثلا: إن الله سبحانه أجرى عادته بحصول الشبع عند الأكل لا به، وبزهوق الروح عند السكين لا به، وما شابه ذلك، فهو بهذا يكون من المؤمنين السالمين (1).
هو ذا بعض قول الثميني في الإرادة وما يتعلق بها، ولننتقل إلى قوله في العلم.
العلم
يقول الثميني: يجب أن يكون الله سبحانه وتعالى عالما بكل شيء، جزئي وكلي، وكل كائن ممكن أو واجب، لأنّ علمه أعم من قدرته التي تختص بالممكن
دون الواجب.
-
فهو يذهب مذهب المعتزلة في الصفات كما سبق ذكره فالله تعالى عالم بذاته العلية لا بعلم زائد على ذاته، ولهذا يقول: «إنما قلنا بأنه عالم بكل شيء لأن الموجب للعلم ذاته العلية والمقتضي للمعلومية ذوات المعلومات ومفهوماتها، ونسبة الذوات إليه سواء، فإذا كان عالما ببعضها كان عالما بكلها والمخالف في هذا الأصل ... فرق» (2).
وقد ذكر خمسة من أقوالها في المسألة:
الأول: القول بأنه لا يعلم شيئا أصلا.
(1) م - س، ص: 97.
(2) مخطوط المعالم، ص: 98. (1/294)
صفحة 280
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
والثاني: القول بأنه لا يعلم غيره مع كونه عالما بذاته.
والثالث: القول بأنه لا يعلم نفسه ويعلم غيره.
والرابع: القول بأنه لا يعلم الجزئيات.
295
والخامس: القول بأنه لا يعلم غير المتناهي)
(1)
وهي أقوال ردّ عليها، وبرهن على إثبات صفة العلم لله عزّ وجلّ، ووظف دليلين دليل الإحكام، ودليل الاختيار مرجحا الأول على الثاني.
أما دليل الإحكام فاستدل به على كونه عزّ وجلّ عالما قائلا: «إنّه لو لم يكن عالما لم تكن أنت في ذاتك متصفا بما أنت عليه من غاية الإحكام والإتقان، ودقائق المحاسن التي لا تنحصر» وهي معلومة بضرورة المشاهدة، ولا يخفى أن عجائب
مصنوعاته تعالى مما لا يحيط بما وصف واصف، ومن جوّز صدور تلك العجائب كثرتها وخروجها عن حد الحصر من جاهل على سبيل الاتفاق، كان معاندا للحق، جاحدا للضرورة، وسقطت مناظرته لخروجه عن حَيّز العقلاء» (2).
ولتأكيد هذا الدليل يعترض على قول القائل: إن ما يصدر من الحيوانات العجماء من التصرفات التي تتطلب ذكاء وعلما، وهي ليست من أهلها، ينقض أن يكون ما يرى من المخلوقات من الدقة والحكمة دالا على علم خالقها، ويرد بقوله: «إنا نعتقد أن الله تعالى منفرد بخلق كل شيء، لا تأثير لغيره في شيء أصلا، وأنّ الأفعال التي تتصف بها العقلاء، وغيرهم كلها مضافة إلى الله سبحانه، خلقا و اختراعا» (3)، وهكذا فعجائب المخلوقات لا تدل إلا على علمه ووجوده جل وعلا.
(1) مخطوط المعالم، ص: 9998.
(2) مخطوط المعالم، ص: 99. (3) مخطوط المعالم، ص: 99. (1/295)
صفحة 281
296
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وأمّا دليل الاختيار فمؤداه أنّ الله تعالى فاعل بالاختيار، والفاعل بالاختيار لا بد وأن يكون قاصدا إلى ما يفعله والقصد إلى الشيء مع الجهل
القصد به محال، ولا يتصور مع العقد والظن والوهم، فلا يتصور من
من الله تعالى إلا مع العلم بالمقصود، وإن كان
يتصور من
الحادث
الله تعالى بناء
على ذلك الاحتمال وقوع ذلك على خلاف ما هو عليه، وهو نقص يتعالى الله عنه فتعيّن أن يكون عالما» (1).
ولقد بين غير مرة أنّ دلالة الإحكام أوضح من دلالة الاختيار، لأنها تدل
على العلم بالضرورة، بينما دلالة الاختيار تدل عليه بالنظر.
ولقد اختلف في هذا الشأن السعد القائل: إن المحققين من المتكلمين مع ذهبوا إلى أن طريقة القدرة والاختيار أكد وأوثق من طريقة الإحكام والإتقان لا بتنائها على السؤال التالي: لم لا يجوز أن يوجد الباري تعالى موجدا تنسب إليه تلك الأفعال المحكمة، ويكون له العلم والقدرة؟، وضعف من بعد هذا ما يراه السعد، واعتبر ما جاء به هو الأنسب على أصول المتكلمين (2).
لقد جاء لترجيح دليل الإحكام على دليل الاختيار، بتفاصيل في الموضوع تؤكد علم الله بالجزئيات وقصده لما خلقه وأوجده جاعلا الإنسان موطنا للتأمل ومؤكدا كثرة عجائب صنعه عز وعلا، وأورد الآيات الدالة على باهر قدرته وكمال علمه، وأنّ ما اطلع عليه البشر في جانب ما غاب عنهم في ملك الله
وملكوته شيء يسير.
(1) مخطوط المعالم، ص: 100.
(2) مخطوط المعالم، ص: 101. (1/296)
صفحة 282
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
الحياة:
297
, (1) ,
وانتقل من بعد ذلك للحديث عن الحياة التي هي «صفة توجب لمن اتصف بها أن يكون فعّالا» (1)، واعتمد في استدلاله على كونه حيا على ثبوت الصفات السابقة له كالقدرة والإرادة والعلم، لأنها صفات من ثبتت له يلزم أن يكون حيا، فهي «مشروطة عقلا بكون المتصف بما حيا، فلو قدر عدمه لوجب عدمها لوجوب انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه، لكن انتفاء تلك الكمالات المشروطة محال لوجوبها على ما مرَّ [قبل قليل]، فنفي شرطها وهو كونه تعالى حيّا محال» (2).
إن صفة الحياة قد قيل عنها: «إنها صفة مصححة للإدراك» (3)، إلا أن الثميني قد وجدناه يعبر عنها بأنها صفة توجب لمن اتصف بها أن يكون ووجدناه قد قابلها بالعدم، ومقابل العدم في الأصل هو الوجود فما
فعالا»، الذي أداه إلى ذلك؟
إن نظام الصفات عند الثميني على الأصح هي الحياة، «وليس تحتها إلا الوجود الذي هو ليس بصفة على الصحيح» (4).
(1) م - س، ص: 105.
(2) م - ن.
كذلك
(3) جمال الدين بوقلي حسن الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد)، ص: 262 – 263. (4) مخطوط المعالم، ص: 106 - 107. 179 - 180. وإلى هذا يذهب الإمام السنوسي انظر: الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد): 294. يفسر د. (حسن حنفي): قول القائلين بأن الوجود زائد على الماهية يعنون به الوجود الإنساني الطبيعي، حيث يتميز الوجود عن الماهية. وأن القائلين بأن الوجود عين الموجود يعنون به الوجود الإلهي حيث يتحد فيه الوجود بالماهية. انظر: (موسوعة الحضارة العربية) ص: 17. (1/297)
صفحة 283
298
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
إنه على مذهب أبي يعقوب الوارجلاني الذي يقول: إن الحي معناه: هو الفاعل، وكلّ حيّ فاعل، وكل فاعل حي، فقد اطّرد وانعكس، وهي لا تتعلّق بشيء، ولذلك كما يقول الثميني، قال بعضهم إنما ليست بصفة، ة، إلا أن الأكثرين يقولون: إنّ الوجود هو الذي ليس بصفة بل هو إثبات محض، فكل حي
موجود، وليس كل موجود حيا (1).
السمع والبصر والكلام:
استعمل الثميني صفة الحياة منطلقا للاستدلال على كون مولانا عز وجل سميعا بصيرا متكلما، فهو يرى أنه يجب أن يكون ... [متصفا بهذه الصفات] وإلا [متصفا لا تصف - لكونه حيا - بأضداد ذلك من الصمم والعمى والخرس، وهي آفات نقص يجب تتريهه عنها» (2).
فهو يثبتها له بالعقل معتمدا على هذه الطريقة، ويثبتها له أيضا بطريقة أخرى، وهي كونه تعالى ملكا، وكلّ مَلك لا يتم ملكه إلا بالأمر والنهي، وبجواز تردد الخلائق بين أمر مطاع ونهي متبع، ولكنه سرعان ما استنجد لإثباتها بالنقل فقال: والتحقيق كما قال بعضهم هو الاعتماد على الدليل السمعي في هذه الثلاثة لأن ذاته تعالى لا تعرف حتى يحكم في حقه بأنه يجب اتصافه بأضدادها عند عدمها، فإنّ الاعتماد على الدليل العقلي في ثبوت تلك الصفات، من كونها كمالات يجب اتصافه بها، وإلا اتصف بأضدادها فيكون ناقصا لفوات الكمال، وفواته نقص ضعيف لأنه إنما ثبت لتلك الصفات الكمال في الشاهد، ولا يلزم من كون الشيء كمالا في الشاهد كونه كمالا
(1) مخطوط المعالم، ص: 107.
(2) مخطوط المعالم، ص: 108. (1/298)
صفحة 284
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
299
في الغائب» فاللذة والألم كمال لِمَن من الأحياء لم تقم به آفة تفسد حسه، وهما ممتنعان في حقه تعالى (1).
لقد بين الثميني أن الله سبحانه وتعالى يعرف بالعقل، إذ من صفاته ما استدل
العقل عليها بأفعاله عزّ وجل، ومنها التي لا يستطيع العقل أن يدلّ عليها، فيج اللجوء إلى السمع، وإن لم يرد فيجب الوقف.
لقد أكد أن
السمع وارد في الصفات الثلاثة: السمع، والبصر، والكلام، ولا
ذلك يلزم من دور، لما سنثبته بالبرهان في فصل: النبوات وغاياتها)، على أن المولى
جل وعلا قد بعث رسلا بمعجزات تصدقهم.
ولبيان معنى السمع والبصر تعرض لأقوال بعض رجال المعتزلة ولأقوال بعض الفلاسفة، كما جاء بأقوال الأشاعرة خاصة منهم الرازي.
وللحصول على صورة حول طبيعة الموضوع، وجب علينا أن نفحص رأي
الثميني في المسألة. ورأيه الذي أثبته هو الآتي:
«نحن نقول: إن السمع والبصر إدراكان لا يتوقفان إلا على وجود محل يقومان به، واختصاص بعض الأشياء بالإدراك في حقنا إنما هو بإجراء الله تعالى عادته بخلق ذلك فيه وعنده. وتوضيح ذلك أن نقول: إن الله سبحانه أجرى عادته بخلق الإدراك في بعض المحال، كالعين والأذن، مثلا، وعند وجود الشرائط العادية فيهما، كالمقابلة ونفي القرب والبعد المفرطين، وكثافة الحجاب في البصر ونحو ذلك في السمع، فكوننا لا نرى أو لا نسمع إلا عند ذلك إنما هو بإجراء الله تعالى عادته، أيضا، فالقرب والبعد المفرطان والحجاب الكثيف مجرد علامة نصبت على المنع عادة، ولا يذهب عليك
مرادنا بالأشياء ما هو شامل لمحل الإدراك وشرطه العادي» (2).
(1) مخطوط المعالم، ص: 109.
(2) مخطوط المعالم، ص: 110. (1/299)
صفحة 285
300
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
فإذا كان هذا هو معنى السمع والبصر، فما معناهما في حقه عزّ وجل؟ وما الفرق بينهما وبين العلم؟
إن الثميني بعد عرضه لآراء الحكماء والرازي والكعبي والبصري يحوصل
المسألة قائلا:
وبالجملة، فقد تحصل للمشايخ هنا قولان: أحدهما: أنهما إدراكان مخالفان للعلم بجنسهما، مع مشاركتهما له في أنهما صفتان، كاشفتان، يتعلقان بالشيء على ما هو عليه. والثاني: أنهما من جنس العلم إلا أنهما لا يتعلقان إلا بالموجود المعين، والعلم يتعلق بالموجود والمعدوم وبالمطلق وهو الحقيقة الكلية، والمقيدة: وكلاهما مع ذلك صفتان زائدتان على علمه تعالى، ومن قال: إنه سميع لنفسه، فهو يردّهما إلى العلم.» (1).
المعين،
بصير
وهو
ولقد رجح قول الجمهور في أنّ الإدراكات المتعلقة بالمذوقات والمشمومات والملموسات إنما هي الإحاطة بمتعلقاتها، وهي داخلة في علمه تعالى «لأنّ الاعتماد في مثل ذلك الالتجاء إلى السمع، ولم يَرِدْ به والاستغناء عنه بالعلم كاف في دفع النقائص عنه في حقه»
(2)
صفة الكلام
هذا عن صفتي السمع والبصر، وأمّا عن صفة الكلام، فهي صفة ترتّـ ترتب عليها أبرز مشكلة في الفكر الإسلامي وهي قضية القرآن أمخلوق هو أم غير
وهي
مخلوق؟
قضية أسالت الحبر وشغلت بال كثير من العلماء المسلمين، وهي وإن تضاءلت العناية بها في عصورنا الراهنة لما توالت على الأمة الإسلامية من الخطوب
(1) مخطوط المعالم، ص: 112.
(2) مخطوط المعالم، ص: 112. (1/300)
صفحة 286
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
301
التي شغلتها عن هذه الإشكالات الفلسفية التي قد يراها البعض من الترف الفكري، فإنه لا يمنع ذلك الدارس المتخصص في أصول الدين وفي الفلسفة الإسلامية أن يستجلي أبعاد القضية ليكون على بينة من حقيقتها وموقعها في الحضارة الإسلامية، وبالتالي يكون أقدر على المساهمة في البناء بإزالة ما يشدّها إلى الركون والتخلف وإقامة ما يدفعها إلى التطور والازدهار.
طرحها؟
ولذا ونحن مع الثميني - فإننا سنحاول أن نتبين موقفه من المسألة، وكيف
إن الثميني -كما ذكرنا – قد أثبت صفة الكلام بطريقة السمع أصلا، وبطريقة العقل تأكيدا حيث قرر أن «الدليل على ثبوت كونه متكلما إجماع الأنبياء، وإجماع المسلمين» (1) وأنّ الشبهة القائمة في كون الرسول صادقا فيما يخبر به عن مرسله عز وجل ومنها كونه متكلما يلزم أولا أن يصدقه مرسله، وتصديقه إخبار وهو كلام ففي المسالة، دور، وفيها يقول الثميني تبعا للإيجي والجرجاني: «لا نسلم أن تصديقه له كلام، بل هو إظهار للمعجزة على وفق دعواه»، فقد تكون المعجزة كلاما كالقرآن الكريم الذي يعلم أنه معجزة خارجة عن طرق البشر، ثم يعلم به صدق الدعوى، وقد تكون المعجزة شيئا آخر (2).
لقد بين الثميني أن صفة الكلام تارة تضاف إلى الله تعالى بمعنى نفي الخرس، فتكون صفة ذات وتارة تضاف إليه بمعنى أنه فعل له، فيكون فعلا أفعاله سبحانه، فعلى الأول هو ليس بأخرس، وعلى الثاني: هو خلق للكلام
ويشرح الثميني المسألة فيبين أن «هناك قياسين متعارضين:
(1) مخطوط المعالم، ص: 160.
(2) مخطوط المعالم، ص: 160.
من (1/301)
صفحة 287
302
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
أحدهما: أن كلام الله تعالى صفة له.
وكل ما هو صفة له فهو قديم.
فكلامه قديم.
وثانيهما: أنّ كلامه مؤلف من أجزاء مترتبة متعاقبة في الوجود.
وكل ما هو كذلك فهو حادث.
فكلامه تعالى حادث» (1).
ويتيّن أنّ الموحدين في ذلك أربع فرق فرقتان منهم ذهبوا إلى صحة القياس الأول، وقدحت واحدة منهما في صغرى الثاني، وقدحت الأخرى في كبراه، وفرقتان أخريان ذهبوا إلى صحة الثاني، وقدحوا في إحدى مقدمتي الأول» (2).
ثم بعد أن أتم عرض رأي الحنابلة والكرامية يقول: «قلنا نحن والمعتزلة ومن وافقنا كلامه كلامه حروف وأصوات لكنها ليست قائمة بذاته تعالى، بل يخلقها الله سبحانه في غيره كاللوح المحفوظ أو جبرائيل ... فنحن أيضا صححنا القياس الثاني [مثل الكرامية لكن قدحنا في صغرى الأول وهي أنّ كلامه تعالى لا بمعنى نفـ الخرس صفة له) (3).
ويرى أن الأشاعرة لا ينكرون هذا، حيث يقول: «وهذا الذي قلناه لا تنكره الأشاعرة، بل يقولون به ويسمونه كلاما لفظيا ونظما مخيلا ... ويعترفون بحدوثه» (4)، فهم يقولون بعدم قيامه بذاته تعالى ويثبتون زائدا وراء ذلك، هو المعنى القائم بالنفس، وأنه غير العبارة الدالة عليه، وأثبتوا ذلك بوجهين:
(1) م - ن.
(2) م - ن.
(3) مخطوط المعالم، ص: 160.
(4) م - ن انظر: المواقف: ص: 294. (1/302)
صفحة 288
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
أولا: أن المتكلم من قام به الكلام، لا من أوجده في محل آخر.
وثانيا: أنّ الله تعالى لا يسمى بخلق الأصوات مصوّتا.
303
وقد أدّى به هذا التوجيه إلى نقاش طويل في بيان معنى الخلق وتعلقاته
عارضا لأراء الأشاعرة في ذلك، ومجيبا عليها، مستشهدا أحيانا بآراء للشماخي،
وللوار جلاني، ولقد دفعه ذلك إلى بيان معنى العلم وقيام المعنى بالنفس (1).
وليحدّد محل التراع يقول:
فإذا عرفت ما قرّرناه لك فاعلم أن ما نقوله في كلام الله تعالى وهو خلق الأصوات والحروف الدالة على المعاني المقصودة، وكونها حادثة غير قائمة بذاته، لا تنكره الأشاعرة ... بل يقولون به ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك ... وما يقولونه من كلام النفس المغاير لسائر الصفات فنحن ننكره، فصار محل النزاع بيننا وبينهم في نفي المعنى النفسي وإثباته، فإذن الأدلة الدالة على حدوث الألفاظ إنما تفيدنا بالنسبة إلى الحنابلة القائلين بقدم الألفاظ، وأما بالنسبة إليهم [الأشاعرة] فيكون نصب للدليل في غير محل النزاع» (2).
وقد جاء باستدلال المعتزلة على نفي الكلام النفسي، وجاء بأدلة أخرى للنافي، كذلك نجدها عند الإيجي، وهي أدلة أخذ منها تسعا بدلا عن عشر، بإلغائه ثانيها (3)، وبين تقسيمات الأشعرية للكلام النفسي باعتبار الأزل، ونص على أن «التحقيق عندهم أنّ كلام الله تعالى اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم، ومعنى الإضافة كونه صفة الله تعالى، وبين
(1) مخطوط المعالم، ص: 160 – 163. (2) مخطوط المعالم، ص: 162 – 163. (3) (المواقف)، ص: 295.
اللفظ (1/303)
صفحة 289
304
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
الحادث المؤلف في السور والآيات، ومعنى الإضافة: أنه مخلوق الله تعالى ليس من تأليف المخلوقين» (1).
وهو لا يوافق على هذا الاشتراك حيث يرى أنه «لا يخفى أن الأصل عدم الاشتراك، وأن جعل القرآن صفة الله تعالى يحتاج إلى برهان عقلي أو نقلي، ولا ثبوت لواحد منهما» (2).
ويتجلّى رأيه هنا بوضوح على أنه عزّ وجل ثبت بالإجماع أنه متكلم في قوله، فذاك مما لا ينكر، وإنما أنكرنا كونه كلاما نفسيا، وهو محل التراع» (3) وعلى أنه إن اعتبر التكلّم صفة كمال، فإنّه يكفي فيها «مجرد نفي الخرس عنه تعالى كسائر الصفات التى هى كمالات له من حيث إنها توجب نفى أضدادها عنه تعالى من غير إثبات معنى زائد على ذلك، وإلا لكان محلا للمعاني).
وليزيد رأيه وضوحا، فإنّه يبين أن القرآن يطلق ويراد به النظم المؤلف المتزل، وبه يقر المثبت للكلام النفسي، إنّه يقول: «والخصم يقرّ بثبوت إطلاق القرآن على النظم المؤلّف المنزل بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب والسنة فظاهر، وأما الإجماع: فقد فقد ذكره كثير من الأشاعرة الذين هم حجة على أحزابهم» (5).
وقد جاء بقول القاضي عياض، وقول ابن حزم وابن الحاجب، مؤكدا أنه: «لا يبقى لإثبات كلام النفس دليل لا عقلي ولا نقلي اللهم إلا بقياس الغائب على الشاهد، بعد تسليم أنه ثابت فيه» (6).
(1) مخطوط المعالم، ص: 164.
(2) م - ن.
(3) م - ن.
(4) م - ن.
(5) م - ن.
(6) م - س، ص: 165. (1/304)
صفحة 290
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
305
وأكد أن دليل الأحكام الشرعية التي جاءت في القرآن إنما هو اللفظ دون المعنى القديم، ولهذا عرفه أيمة الأصول: بالمكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر، وجعلوه اسما
للنظم والمعنى معا، أي للنظم من حيث الدلالة على المعنى، لا لمجرد المعنى» (1). وأخذ في مناقشة مسألة الكلام القديم الذي هو صفة الله من حيث سماعه، فذكر أن الأشعري جوزه، ومنعه الإسفراييني وأبو منصور الماتريدي، وخلص في النهاية إلى أن «جواز سماع الكلام القديم ... بين الاستحالة ضرورة أنه المعنى، ولا سماع لمجرد المعنى، وإنما هو من ضروريات الصوت، وإلا لجاز سماع علمه أيضا، واللازم باطل، ولذلك أوّله بعضهم بما يدل عليه» (2).
إن الثميني بعد غوصه في أعماق هذه المسألة مبينا مختلف جهاتها وموقعه منها، يخرج إلى شاطئها مستسلما معترفا بضعف عقول البشر عن إدراك حقيقة كلام الله مفوضا الأمر في ذلك إليه جل وعلا بقوله: «والحق أن سماع موسى عليه السلام كسماع الملائكة الكرام كيف شاء الله تعالى أن يسمع، والتدقيق في مثل هذه المضائق مما لا ينبغي ... ولو لم يأذن الشرع أن نصفه بالصفات العلية ما فعلنا» (3).
إن ذا ملجؤه الأخير: «التضييق في مثل هذه المضائق مما لا ينبغي لولا أن الشرع أذن لنا أن نصفه بالصفات العلية، وهو في الأخير يتبنى رأي أبي حامد الغزالي الذي يبدو أنه قد وجده (4) بكتابه (المعارف)، والذي يرى أن صفة الكلام
(1) م - س، ص: 166.
(2) م - س، ص: 168. (3) مخطوط المعالم، ص: 168.
(4) مخطوط المعالم، ص: 171، قد أشار إلى الكتاب في هذه الصفحة دون أن تكون العبارة صريحة أن الأقوال التي ذكرناها منه وهو كتاب يذكر مصطفى غالب أنه مخطوط اسمه الكامل:
المعارف العقلية والحكمة (الإلهية توجد منه نسخ مكتبتي باريس وأكسفورد. (1/305)
صفحة 291
306
مي
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
إفاضة المعاني على العقول، وأنها فعل مخلوق.
فالثميني بعد حصره لعدد كبير من الآراء حول القرآن الكريم، وحول كلام
الله عز وجل اقتبس عبارات للغزالي، ووافق عليها، ورآها صوابا، وهي: قوله: «أما قول الله فليس إلا الإفاضة على العقول بحسب قوتها وعلى قدرها»
وقوله: «يكون علمه تعالى كلاما وإفاضته قولا»
، وقوله: «أمّا كلام الباري تعالى فليس إلا إفاضة مكنونات علمه على من يريد إكرامه من خلقه، فالإفاضة، فعل، وكل فعل مخلوق» (1).
ثم إنه لكونه قد نقل أقوالا شتى في المسألة وناقشها و لم يطمئن إليها فإنّه بحثه فيها بقوله: «وإنما نقلت هذه الأقوال لتعلم
لم يكن منه إلا أن
ختم
اضطرابها وعدم انضباطها، وذلك دليل عدم الإصابة حاشا قول الغزالي، والله الموفق للصواب» (2).
نفي رؤية الباري جلّ وعلا:
إن قضية رؤية الباري عز وجل هي -كذلك- من القضايا التي شغلت بال علماء المسلمين قديما ونالت نصيبا من البحوث المستقلة المتخصصة في الدراسات الإسلامية المعاصرة (3).
انظر: في سبيل موسوعة فلسفية دار الهلال ط: 1981/ 3 ص: 38.
(1) مخطوط المعالم، ص: 171. (2) م - ن.
(3) تذكر على سبيل المثال:
- رؤية الله تعالى بين المثبتين، والنافين) عزة محمد عبد المنعم زايد ماجيستر في العقيدة
= (1/306)
صفحة 292
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
307
وهي من المسائل التي لها حساسيتها في الدراسات العقدية لما لها من العلاقة بذات الله سبحانه وتعالى.
ومذهب الثميني فيها مذهب النافين لها، وحين تحدث عنها، ذهب يقرر امتناعها بطريقين بطريق العقل وبطريق النقل، فكيف عالجها، وما الذي جاء به؟
أ - امتناع الرؤية
إن الثميني حين تناول المسألة ذهب ليؤكد امتناع الرؤية أولاً، فذكر أهم الفرق القائلة بالرؤية واختلافها في حقيقتها، وذكر أن من محققي الأشاعرة من يذهب إلى امتناعها، ذاكرا في ذلك الفخر والغزالي، مستشهدا بقول هذا الأخير «واللفظ له: الرؤية أن يحصل للبشر إدراك بالنسبة إلى ذات الله سبحانه وتعالى كنسبة الإبصار إلى المبصرات في قوة الجلاء والظهور، ولا نقول محلها العين ولا غير العين» (1).
وذكر أن الفخر قال: «هذا هو المراد من قولنا، تصح رؤية الله تعالى» (2) وذكر أنّ للغزالي عبارة في هذا السياق يقول فيها: «لم يفهم الخصم ما نريد بالرؤية، وظن أنا نريد بما حالة تساوي الحالة التي يدركها الرائي عند النظر إلى الأجسام والألوان، هيهات فنحن نعترف باستحالة ذلك في حقه» (3).
والفلسفة الإسلامية، الناشر: مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان. - (روية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها)، أحمد الناصر المحمد الحمد، رسالة ماجيستر من
جامعة أم القرى.
- رؤية الله بين السلف والاعتزال)، مريم عبد الرحمن زامل رسالة ماجيستر جامعة أم القرى.
(1) مخطوط المعالم، ص: 172. (2) مخطوط المعالم، ص: 172.
(3) مخطوط المعالم، ص: 172. (1/307)
صفحة 293
308
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ومما يرويه عنه أيضا: «أما المحل يعني العين - فليس بركن في صحة الرؤية» (1). واستشهد بأقوال أخرى للغزالي في هذا المقام، معلقا على جميع ما أتى به من الأقوال قائلا: «وفي جميع ما ذكر كما ترى نفي للرؤية المعتادة بل استحالتها، وتصريح بأن ذلك ازدياد علم لا إحساس بالعين» (2).
ويذكر أن الشماخي يرى أن مذهب الغزالي هذا لا ينكره نافي الرؤية بل
يسمّيه علما يقينيا، والخلاف بينهما لفظي
ب - امتناع الرؤية بدليل النقل
(3)
اعتمد على الدليل النقلي كلّ من المثبت للرؤية والنافي لها، ولذا نجد الثميني قد اعتنى به عناية كبيرة ولعل اهتمامه به بما لمكانة النقل في الاستدلال العقدي. فهو قد حلّل الأدلة ما أمكن له ذلك، وبين موقف كل من المثبت والنافي، منها.
-
ويمكننا قبل أن نستعرض طريقته في عرضه لهذه الأدلة أن نذكر هنا أنه - وهو ينفي الرؤية- يعقب عرضه لأدلة المثبتين بأنهم قالوا: إن «الأدلة السمعية ... وإن كان كل واحد منها ظاهرا، فليس بنص [ولكنها] لكثرتها وتواطئها على معنى واحد تفيد القطع بالرؤية» (4).
إن الأدلة التي جاء بها الثميني وهي للإثبات هي: قوله تعالى: {رَبِّ أَرني أنظر اليك قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِن انظر إلى الحَبْل فَإِن اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تراني (الأعراف: (143) فهذه الآية دالة على صحتها.
(1) م - ن.
(2) م - ن.
(3) م - ن.
(4) مخطوط المعالم، ص: 173. (1/308)
صفحة 294
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
309
والتي تدل على وقوعها هي: قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا
ناظرة القيامة: 22 (23). وقوله: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا - القمر لا تضامون في رؤيته .... » (1).
إن الآيتين الكريمتين السابقتين يرى المثبتون في أولاهما أنها لإثبات الرؤية
من وجهين
الأول: أنّ الإراءة لو لم تكن ممكنة لما سألها النبي موسى عليه السلام. والثاني: «أنه علّق فيها الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه، والمتعلق إلى الممكن ممكن، وإلا لزم صدق الملزوم بدون اللازم، وهو محال» (2). ويرون في ثانيهما أنّ النظر الموصول بإلى رؤية «خاصة وأنه اسند إلى
الوجه وقيد بـ (يومئذ».
وأما رأيهم في الحديث فهو: أن التشبيه فيه إنما هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي، وبدون جهة وجسمية ولوازمها، إذ كل ذلك مستحيل في حقه تعالى» (3).
ثم إنه من بعد ذلك، بين وجهة نظر النافين للرؤية في الدلالة التي ساقها المثبتون، ففي الآية الأولى يقول: إنّ مبنى بيان الشرطية فيه جواز سؤال الأخص، وهو الرؤية، عند فرض جواز سؤال الأعم، وهو العلم، وبما أن الرؤية بالعين جزئية من جزئيات العلم» فالآية لا تفيد الرؤية العينية لأن «جواز سؤال الأخص عند فرض جواز سؤال
الأعم غير مسلّم، وذلك لأن وجود الأعم لا يستدعي وجود الأخص» (4).
(1) صحيح البخاري، كتاب: مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، رقم: 529.
(2) مخطوط المعالم، ص: 172. (3) مخطوط المعالم، ص: 172. (4) مخطوط المعالم، ص: 173. (1/309)
صفحة 295
310
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ويؤكد الثميني أن الكل متفق على أن الإراءة بالعين المجردة ممتنعة، ويذكر
«أنّ المثبت يقول: إن الله تعالى يخلق لهم قدرة في أبصارهم فيرونه ... لا أنه تعالى يريهم ذاته فيرونه» (1).
ويذكر أن قولهم: لو لم تكن ممكنة لما سألها، موسى، قول لا يستلزم ملازمة بين امتناعها وسؤاله إياها، «الجواز أن يكون عالما بامتناعها»، ويكون سؤاله لإبكات قومه وإلقامهم الحجر كما يفهم من الآيات الكريمات، كقوله تعالى: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بظلمهم (النساء: 153).
قد أكد
وإنهم لو طلبوا مباحا لما سماهم ظالمين ولا اقتضى ذلك صاعقة، لأن المولى عدم الرؤية بقوله: ولن تراني (الأعراف: (143) بعد تعنت وعناد بني
إسرائيل، وما إضافة موسى الرؤية إلى نفسه إلا ليتأكد امتناعها في حقهم. وأما قول المثبتين بتعليق الرؤية على استقرار الجبل والمتعلق إلى الممكـ
ممكن، وإلا لزم صدق الملزوم بدون اللازم، فيقول الثميني فيه:
«إن الملزوم وهو استقرار الجبل إن كان إمكانه ذاتيا لا ينافي أن يكون لازمه ممتنعا بالغير كتعلق علمه تعالى بعدم وقوعه»
وفي قولهم: إن تعليق الرؤية باستقرار الجبل الممكن في نفسه، يؤذن بإمكانها،
يقول الثميني:
هذا إن أريد به الإمكان الحقيقي فهو ممنوع، ناحية، ومن ناحية أخرى، من فإن نتيجة مفهوم الشرط تستلزم النفي في الدنيا والآخرة، فقوله تعالى: فَإِن اسْتَقَرَّ
(1) م - ن. (1/310)
صفحة 296
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
311
مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي صريحة في نفيها في المستقبل مطلقا ... ومن ادعى التخصيص بالدنيا فعليه بيانه» (1).
ثم يتعرض لتوضيح مسألة إنتاج المفهوم عند علماء الميزان، ويبين ما قد يرد من الاعتراض على مذهبه قائلا: «فإن قلت: المفهوم - وهو: وإن لم يستقر مكانه فلا تراني - غير منتج عند علماء، الميزان قلت معنى نفي إنتاجه نفي لزومه» (2). فهو يوافق على نفي لزوم إنتاج المفهوم، وهو عدم رؤيته إن لم يستقر، ولا
يوافق على نفي الإنتاج مطلقا، إنه يقول:
ولا مرية في أن نفي الأخص وهو اللزوم لا يستلزم نفي الأعم وهو الإنتاج، فثبت إنتاجه، وإلا لزم العبث في كلامه تعالى، والتالي باطل» (3). هذا بعض ما جاء به الثميني حول الآية الكريمة الأولى، وأما الآية الثانية وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظرة القيامة: 22 ـ 23)، والحديث النبوي الشريف: «إنكم سترون ربكم ... » فقد حلّلهما وفق ما ذهب إليه المثبتون والنافون، وخاصة وفق ما جاء في كلام العرب، وذكر مجموعة من الصحابة والتابعين كابن عباس، وعائشة، وجابر، ومجاهد وغيرهم من الذين يذهبون إلى أن المعنى الذي تفيده الآية الكريمة إنما هو الانتظار، وبين أن معنى الرؤية في الحديث إنما «المعرفة الجلية التي لا لبس فيها وهي في الجلاء والظهور كإبصار القمر إذا
مي
امتلا
واستوى» (4).
(1) مخطوط المعالم، ص: 174.
(2) م - ن.
(3) م - ن.
(4) مخطوط المعالم، ص: 176. (1/311)
صفحة 297
312
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ومن حجج النافين الي جاء بما قوله تعالى: {ولا تُدْرِكُهُ الابصارة (الأنعام: 103) على أنّ الرؤية إدراك البصر» و «أنّ الإدراك المضاف إلى الإبصار إنما هو رؤية»، فكانت الآية محل نقاش بين المثبت والنافي، وهو نقاش يأتي فيه الثميني باعتراضات أربعة للمثبت:
أولاها: أنّ الإدراك هو الرؤية على نعت الإحاطة بجوانب المرئي، إذ حقيقته النيل والوصول، والرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة أخص مطلقا من الرؤية المطلقة، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.
وجواب النافي عليه على لسان الثميني: يمنع أن يكون «الإدراك ملزوما بالإحاطة، لأن الوصول إلى الشيء لا يقتضي الإحاطة به من جميع وجوهه لصدقه عند تعذر ذلك (1).
وثانيها: أنه بعد تسليم كون (ال) للاستغراق، وإذا دخل النفي على (ال) الاستغراقية كان لسلب العموم ورفع الإيجاب، وتلك سالية جزئية وهي لا تنافي الموجبة الجزئية التي هي المدعى.
وزاد بسطا للمسألة حيث قال: وحاصله أن تدركه الإبصار، موجبة
كلية، لأن موضوعه جمع محلى باللام الاستغراقية، وقد دخل عليها النفي فيرفعها، ورفع الموجبة الكلية سالبة جزئية» (2).
ثم يبين ويوضح المستند المنطقي عند المثبتين القائل: بأن الآية الكريمة ولاً تدركه الابصار يحتمل [فيها] إسناد النفي إلى الكل: بأن يلاحظ أولا دخول النفي ثم ورود العموم عليه فتكون سالبة كلية، ويحتمل فيها] نفي الإسناد إلى
(1) مخطوط المعالم، ص: 178.
(2) مخطوط المعالم، ص: 177. (1/312)
صفحة 298
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
313
الكل: بأن يعتبر العموم أولا ثم ورود النفي عليه فتكون سالبة جزئية، ومع احتمال المعنى لم يبق فيه حجة» (1).
مقدر
والذي يجيب به الثميني: هو أن مبنى الاعتراض فيه ما عليه علماء الميزان من أنّ النفى في ذلك مقدّر الدخول على المجموع، وهو غير ملزم، فإن مبنى الاحتجاج في الآية ما ورد على أساليب التتريل الحكيم من أن النفي مق الدخول على الجميع بشهادة قوله تعالى: لا يُحِبُّ كل خوان كفوري (الحج: 38)، لا يُحِبُّ كُلِّ مُختَالٍ فَخُورٍ} (الحديد: 23)، ولا يُحِبُّ الخائنين (الأنفال: (58)، ولا يُحِبُّ الظالمين) (آل عمران: 57)، إذ لا يسوغ لعاقل أن يقول إن الله يجب بعض من ذكر حتى تكون سالبة جزئية» (2).
وثالث اعتراضات المثبت: أن الدال على الاستغراق للأفراد مطلق في الأزمان، فتكون القضية سالبة مطلقة لا دائمة، بمعنى أن الأبصار لا تدركه مادامت في دار الفناء، وستدركه في دار البقاء.
والذي يجيب به الثميني «هو أن مبنى القول في ذلك أن الدال على استغراق الأفراد مطلقا في الأزمان ما عليه بعض أيمة الأصول كالآمدي والقرافي والأصفهاني، وهو بمعزل عن التحقيق، والتحقيق في ذلك ما عليه المحققون، ومنهم الفخر، وابن دقيق العيد، والسبكي وابنه وكثير من المتأخرين من أن استغراق الأزمان لازم لمدلول الدال على استغراق الأفراد» (3).
أما رابع الاعتراضات: أن الآية الكريمة تدل على أن الأبصار لا تراه، ولا
يلزم من ذلك أن المبصرين لا يرونه.
(1) مخطوط المعالم، ص: 177.
(2) مخطوط المعالم، ص: 178.
(3) م - ن. (1/313)
صفحة 299
314 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
والذي يجيب به الثميني هو أنّ التراع إنما هو في الرؤية بحاسة البصر، وأنّ الله تعالى يستعظم في كتابه الكريم - بمختلف المواضع منه – كل سؤال عن الرؤية مما يدل على القطع بالنفي والتعويل على ما مرّ من البيان والتأويل).
ج - الاستدلال بالدليل العقلي
أما عند الاستدلال بالدليل العقلي فيقول الثميني: إن مشهور أدلة المثبت من جهة العقل الاعتماد على الوجود، وهو ضعيف جدا كما اعترف به، لأن الوجود عين الموجود على الصحيح» (2) فلا يصح أن يكون علة.
وتقرير المسألة وفق ما جاء بها الثميني فهو التالي:
الباري تعالى موجود.
وكل موجود يصح أن يرى.
فالباري تعالى يصح أن يرى.
وهو دليل يحلّل الثميني مقدماته وفق ما يذهب إليه المثبت استنادا إلى الأشعري والباقلاني، ويناقشه، ويستدل على نفي الرؤية بطريقة تميز بها – على حد تعبيره - إذ يقول: «فنحن نوضح لك إن شاء الله بما لا يقى مه اشتباه لمنصف مما لم نره لغيرنا
وهي
(3)
طريقة استعمل فيها القسمة الثنائية منطلقا من تتريهه عزّ وجل عن
مشابته غيره، ومن كون الرؤية هي الرؤية الحقيقية، فركب برهانه كما يلي:
(1) مخطوط المعالم، ص: 179.
(2) م - ن، (وهو ليس بصفة على الصحيح) مخطوط المعالم، ص: 106.
(3) مخطوط المعالم، ص: 183. (1/314)
صفحة 300
الفصل الثالث: الألوهية وصفاتها
إن الله تعالى لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء.
ومن هو كذلك استحال في حقه أن يرى.
فالله تعالى يستحيل أن يرى (1).
315
وقد برهن على صدق كلّ مقدمة، وجاء بعدها بجملة من الآراء المضطربة في إثبات الرؤية ليؤكد أن اضطرابها دليل قاطع على عدم إصابة وجه الحق في تتريه الباري سبحانه» (2)، ويرى أنه لو حملت الرؤية على العلم، لكانت السلامة ولزال اللبس واستقام المعنى، وبطل التجسيم والتشبيه وارتكاب التمحل في التأويل (3).
مسألة
فالتتريه كان منطلقه في حديثه عن المولى عز وجل، سواء في تناوله رؤية الباري، أو في مختلف المسائل التي جاءت بهذا الفصل، حيث نجده وهو يثبت الصفات جاعلا نصب عينيه أنه عزّ وجل ولَيْسَ كَمِثْله شيء (الشورى: 11)، حتى إننا لنجده وقد تناول من الصفات فقط تلك التي
يصطلح على تسميتها بالذاتية أو الأزلية لولا حديثه عن نفي الرؤية التي من الأخبار.
نرجو أن يكون الذي جئنا به في الإلهيات يعطي صورة واضحة عن آرائه
حولها، فماذا عن النبوات؟.
(1) مخطوط المعالم، ص: 183 – 184.
(2) مخطوط المعالم، ص: 184.
(3) مخطوط المعالم، ص: 185. (1/315)
صفحة 301
الفصل الرابع النبوة وغاياتها
معنى النبوة وحقيقتها
II المعجزة ودلالتها
III) عصمة الأنبياء
رسالة محمد:
أولا: الأدلة العقلية
ثانيا: الأدلة النقلية
معجزة الرسول
VI) ما جاء به محمد
صلى الله عليه وسلم
أولا: السمعيات
ثانيا: واجبات المكلف
1) ما لا يسع جهله
2) ما لا يسع تركه
(3) الولاية والبراءة والوقوف
4) الخوف والرجاء (1/317)
صفحة 302
318 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
(VII أفعال العبـ
باد
الصلاح والأصلح
التحسين والتقبيح
الكسب والاستطاعة
جبر أم اختيار؟
القدر سر الله
VIII) حديث افتراق الأمة (1/318)
صفحة 303
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
319
الفصل الرابع النبوة وغاياتها
يعَدُّ مبحث النبوة بعد مبحث الألوهية أحد الانشغالات التي لازمت الفكر البشري في مختلف أطواره وإلى يومنا، لأنّ النبوة ظاهرة لها أثرها في حياة البشر أفرادا وجماعات لما يأتيهم منها من القضايا المتميّزة عن عالم الشهادة و وهو الأم الذي جعلها محل دراسة ومباحثة في مختلف الدراسات الإنسانية. وإنّ الدراسات العقدية والفلسفية أكثر الدراسات اهتماما بالنبوة وبالإنسان معا، إذ هما الجزء الذي لا يتجزأ عن مواضيعها، فكان للمتكلمين وللفلاسفة المسلمين كتابات حولها بذلوا فيها جهدهم لتفسيرها وبيان مذهبهم فيها (1). إن المتكلمين والفلاسفة المسلمين - إلا من شدّ عنهم – قد اتفقوا جميعا على وجود ظاهرة النبوة في البشرية، إلا أنهم مختلفون في كونها بالانتقاء أم بالاكتساب. ولعلّ مردّ ذلك الاختلاف لاختلافهم في كون العالم محدثا أم مبدعا (2) - وفق تعبير ابن سينا -؟
فالمتكلمون بقولهم: العالم محدث وإن له موجدا مختارا يكونون قد خطوا خطوة معتبرة نحو إثبات النبوة، ونحو القول بأنها بالانتقاء، بينما الفلاسفة تناسقا مع قولهم بالفيض في صدور العالم عن العلة الأولى قالوا بالاكتساب أو بالفطرة مع الاكتساب (3).
(1) راجع مثلا:
- إبراهيم مدكور في الفلسفة الإسلامية، منهج وتطبيقه، دار المعارف، مصر، ط: 3، 1983
ج: 1، الفصل الثالث، ص: 69 وما بعدها.
(2) ابن سينا، الإشارات والتنبيهات)، ص: 95 وما قبلها. (3) إبراهيم مذكور، في الفلسفة الإسلامية)، ص: 117. (1/319)
صفحة 304
320
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
1) معنى النبوة وحقيقتها:
يقول الثميني): إن الفلاسفة يذهبون إلى أنّ النبوة مكتسبة «وأنها ترجع إلى التخلّي عن الأخلاق الذميمة، والتحلي بالأخلاق الكريمة الحميدة، بالرياضة، إلى أن
يصير إلى حالة
هي صفاء مرآة القلب وجلائه، بحيث يتهيأ لما لا يتهيأ لإدراكه غيره» (2)، فيكسب النبي عقلا قدسيا وهو عبارة عن قوة نظرية به تتحصل وتدرك المعلومات من غير واسطة التعليم والتعلم (3).
فهو لا يمنع وجود هذه الحالة في البشر، بحيث إذا تخلى الفرد عن الأخلاق الذميمة، وتحلّى بالأخلاق الحميدة بالرياضة، صار في حالة يتهيأ لإدراك ما لا يتهيأ غيره لإدراكه ولكن لا يسميه نبوّة، يقول الثميني: ونحن نقول باكتساب هذا المعنى لكن لا نسميه نبوة» (4).
«إنّ النبوة عندنا كما يقول الثميني اصطفاء الله عبدا من عبيده، و اختصاصه بسماع وحي من الله بواسطة مَلَك أو دونه»
دونه» (5).
وتعريفه هذا جاء متناسقا مع تعريفه لكلام الله تعالى الذي ينص على أنه: حروف وأصوات ... لكنّها ليست قائمة بذاته تعالى بل يخلقها الله سبحانه في
(1) سيكون تركيزنا قدر المستطاع على ما جاء به الثميني تبعا للمنهج الذي سلكناه في عرض آرائه. (2) مخطوط المعالم، ص: 185.
(3) أبو الحسن علي بن علي الآمدي المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين)، تحقيق: عمار عنوان: (اصطلاحات) الفلاسفة)، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط: سنة
تحت طالبي،
1983، ص: 63 وص: 77.
(4) مخطوط المعالم، ص: 185.
(5) م - ن. (1/320)
صفحة 305
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
321
غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل وهو حادث ... وهذا ... لا تنكره الأشاعرة بل
يقولون به ... لكنّهم يثبتون أمرا زائدا وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس» (1). وتجنبا للتفصيل في التعريف عن كيفية الإعلام بالاصطفاء نجد الآمدي وهو مِنْ بَيْنِ مَن عَرَّفَ النبوة يقول: هو عبارة عن قول الله لمن اصطفاه إنك رسول» (2)، ومثل ذلك قول الإيجي: «أما في العرف فهو عند أهل الحق من قال له الله أرسلتك أو بلغهم عني أو نحو ذلك» (3).
وإنا وإن قطعنا النظر في تلك الحدود، وفي طريقة الاصطفاء، وفي كيفية ثبوتها، فإنّ الذي يمكن تأكيده هو أنّ المتكلمين مجمعون على أن المولى عز وجل ينتقي من البشر رسلا مصداقا لقوله: اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ
الناس الله (الحج: 75)، ولقوله: واللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاته (الأنعام: 124). ولئن قال الثميني بالاكتساب كما سبق ذكره فقد بين الفارق بين مذهبه ومذهب الفلاسفة فيه حيث يقول: «إننا لم نختلف معهم في الاكتساب وعدمه، فليس الخلاف إذا بخلاف معنوي، إذ من شرطه أن يرد الإثبات والنفي على شيء واحد، وإنما هو اختلاف راجع إلى التسمية ... فنحن لا نسمى ما وصفوه بالنبوة، ولذا لا نقول بالاكتساب وهم لا يسمون ما وصفناه باسم النبوة فلذا لا يقولون بعدم الاكتساب بل هم نافون للوجه الذي نقوله في النبي مخاطبة الملك له حقيقة ... »
من
(1) مخطوط المعالم، ص: 160 - 161.
(4)
(2) الآمدي، المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين)، تحقيق: عمار طالبي، تحت عنوان:
(اصطلاحات الفلاسفة)، ص: 77.
(3) الإيجي (المواقف)، ص: 337.
(4) مخطوط المعالم، ص: 185. (1/321)
صفحة 306
322
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ويرى الثميني أن «ما ذهبوا إليه لا إشكال في أنه كفر وتكذيب» (1).
ولقد بين محللا - المعنى اللغوي للنبوة وأنها من مادة (نبا)، وهي بالهمز من
(النبا) بمعنى الخبر، وبدون الهمز من (النبوة) بمعنى ما ارتفع من الأرض، وبين علاقة كل من المعنيين بالمفهوم الاصطلاحي
وبين الفارق بين معنى النبوة ومعنى الرسالة معتمدا في ذلك على ما ذهب إليه العلماء السابقون من التفريق بينهما على أنه ليس كل نبي رسولا، لأنّ الرسول يوحي إليه ويؤمر بالتبليغ فالمختص بالأول والثاني رسول، وبالأول فقط نبي وهذا رغم ما في الآيات الكريمات من التنصيص على أن النبي كذلك مرسل، كما في قوله عز وجل: {وَكَمَ اَرْسَلْنَا مِن نَّبِيءٍ فِي الأَوَّلِينَ} (الزخرف: 6)، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا في قرية من أبيء الا أخذنا أهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ
(3)
يضَرَّعُونَ} (الأعراف: 94).
ويظهر صريحا تخصيص النبي بالإرسال في قوله جل وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَا قبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أمنيته (الحج: (52)، وهذا يجعل اللبس في التفريق بين النبوة والرسالة عند الاعتبار أن النبي لم يؤمر بالتبليغ وبالتالي فهو غير مرسل، وقد نصت الآيات السابقات على أنه مرسل كذلك.
إن هذا الأمر لم يغفل عنه العلماء قديما وحديثا فهذا – مثلا – أحمد ديدات المختص في علم مقارنة الأديان يفسر ذلك كما فسره من قبل غيره أن النبي هو
(1) مخطوط المعالم، ص: 186.
(2) مخطوط المعالم، ص: 185
(3) مخطوط المعالم، ص: 186. (1/322)
صفحة 307
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
323
المبلغ للرسالة دون أن يلزم بشرع، وبأنه لا حول له ولا قوة في مواجهة المواقف
العسيرة (1)، وهذا المعنى لم يصل إليه الثميني و لم يتعرض له.
والذي يبدو صوابا من وجهة نظر أخرى في الآيات الكريمات هو أن هذه الآيات إنما جاءت لتؤكد أنّ كلّ مرسل نبيء وأن من الأنبياء مرسلين، أما كون النبي هو الذي أوحي إليه دون أن يؤمر بالتبليغ أو أمر بالتبليغ أو أرسل بشرع أو لم يرسل به فهذا ما لم تصرح به الآية، ولا يمكن فهمه إلا بقرائن خارجية، وهو الأمر الذي جعل الثميني وغيره يؤكد أن «الرسول إذا أخص من النبي مطلقا، فكل رسول نبي من غير عكس، وعليه [-يقول الثميني-] أصحابنا والأكثرون» (2).
ولقد تحدث الثميني عن فائدة بعثة الرسل وأنها ليقطع بعثة الرسل وأنها ليقطع الله بهم أعذار الجاحدين، ليرشد العقول إلى الحق بغير تعب وليفطنها إلى دقائق الأنظار التي لا تمتدي العقول إليها لولاهم ... » (3).
وتعرض إلى كون بعثتهم ممكنة عند الإباضية والأكثرين، خلافا للمعتزلة التي أو جبتها عقلا بناء على أصل وجوب الصلاح، والأصلح، وخلافا للبراهمة التي
أنكرتها عقلا كذلك (4).
المعجزة ودلالتها:
إن الحديث عن النبوة يقتضي الحديث عن المعجزة لوثيق ارتباط هذه بتلك،
(1) أحمد ديدات، (ماذا يقول الكتاب المقدس عن محمد (ص))، دار الهدى، عين مليلة، الجزائر، ط
سنة 1991. ص: 23.
(2) مخطوط المعالم، ص: 186.
(3) مخطوط المعالم، ص: 187.
(4) مخطوط المعالم، ص: 186. (1/323)
صفحة 308
324
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وقد فصل الثميني القول حول المعجزة، مبينا أنّ الرسل المبعوثين قد أيدوا بمعجزات تدل على صدقهم تفضّل الله سبحانه كما عليهم، ويعرفها بأنها: «فعل الله سبحانه الخارق للعادة، المقارن لدعوى الرسالة، متحدى به قبل وقوعه، غير مكذب، يعجز من يبغي معارضته عن الإتيان بمثله»
(1)
وتعرض في ذلك لمسائل متنوعة كتحليله ألفاظ الحدّ مبينا معنى الفعل والخارق وكتفنيده رأي البراهمة في المعجزة، وتفريقه بينها وبين السحر والكرامة.
هذا ويذهب الثميني -وهو من الإباضية خلافا لما ذكره عنهم النسفي)
(2)
إلى: «أنّ دلالة المعجزة لا يصح أن تكون من جملة الأدلة السمعية إذ يستحيل أن تثبت صحة الأدلة السمعية قبل ثبوت دلالة المعجزة» (3).
ويذكر في وجه دلالتها ثلاثة أقوال منبها إلى أنه لم ير لأصحابه في ذلك نصا:
أول هذه الأقوال أنها عقلية، وذلك لخلق الله سبحانه «الخارق وفق دعوى الشخص، وتحديه مع العجز عن معارضته، وتخصيصه بذلك يدلّ على إرادته تعالى» (4).
فالتصديق صفة للخارق الحادث الواقع على الوجه المخصوص كسائر صفات الأفعال الحادثة. إذ إن اتصاف الحادث بصفة بدلا عن نقيضها الجائز يدلّ عقلا على إرادة الفاعل» (5). وقد بيّن أنّ الفاعل إنما هو الباري المختار لا العلة ولا الطبيعة.
(1) مخطوط المعالم، ص: 187.
(2) أبو المعين النسفي، التمهيد في أصول الدين)، ص: 45.
(3) مخطوط المعالم، ص: 190.
(4) م - ن.
(5) م - ن. (1/324)
صفحة 309
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
325
وثاني هذه الأقوال: أنها وضعية كدلالة الألفاظ بالوضع على معانيها»، حتى ولو أنّ المواضعة قد تعرف بصريح يدلّ على الوضع، وقد تعرف «بصريح من أحد المتواضعين وبفعل من الثاني من غير أن يسمع كلام يسمع كلام (1) المصرح.
وثالث الأقوال: أنها عادية كدلالة قرائن الأحوال على حَجَل الخجل ووجَلَ الوجل، وإن خلق الله تعالى للخارق على الوجه المفروض يدل عادة على صدقه بالضرورة (2).
والذي اختاره الثميني هو وشيخه أبو زكرياء أنها عقلية اذ يقول: «إن شيخنا لما عرضت عليه هذا المقام استظهر الوجه الأول، وهو الذي وقع في نفسي اختياره» (3). وقد جاء بتحليلات غير هذه في دلالة المعجزة وصدق الآتي بما وامتناع كذبه، نستغني عن ذكرها، ونكتفي بما أوردناه فيها.
III عصمة الأنساء:
يذهب الثميني في حديثه عن العصمة - التي هي لغة المنع والحفظ - إلى أنها للأنبياء «عدم وقوع المكروه منهم، والمباح على الوجه الذي يقع من
غيرهم» (4) كما سيتضح لنا بعد قليل.
لقد جاء بتفصيل لآراء أهم الفرق الإسلامية حولها، وهل هي قبل البعثة أم
بعدها؟ وهل هي عصمة من الكبائر أم من الصغائر؟
(1) م - ن.
(2) م - ن.
(3) مخطوط المعالم، ص: 191.
(4) م - ن، ص: 193. (1/325)
صفحة 310
326
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وبين أن أصحابه ذهبوا إلى عصمتهم من الكبيرة على كل حال دون الصغائر، ولا يقرون عليها بعد النبوة.» (1) بمعنى أنهم يمنعون بعد النبوة صدور
الصغائر منهم.
وإلى هذا الرأي في الصغائر يميل الثميني، وهو رأي الأقلين كما يذكر -
لأنّ الأكثرين قد جوزوا صدور الصغائر التي لا خسة فيها عمدا وسهوا (2). وقرر «عدم جواز وقوع المكروه منهم، فالحق [-كما يصرح-] أنّ أفعالهم دائرة بين الوجوب والندب والإباحة وليس وقوع المباح منهم بحسب مقتضى الشهوة كوقوعه من غيرهم فإنهم لعظم معرفتهم بالله سبحانه وخوفهم منه، وإطلاعهم على ما لم يطلع عليه غيرهم، لا يصدر منهم المباح إلا على وجه يصير في حقهم طاعة، وقربة لقصدهم إما تشريعه أو التقوي به على طاعة الله تعالى، ونحو ذلك مما يليق بمقاماتهم الرفيعة، وإذا كان أهل المراقبة من أولياء الله تعالى بلغوا في الخوف منه تعالى، برسوخ المعرفة ما أن تصدر منهم حركة أو سكون في غير رضاه تعالى، فكيف بأنبيائه ورسله
صلاة الله وسلامه على (جميعهم
IV) رسالة محمد
(3)
منعهم
برهن الثميني على ثبوت رسالة محمد الله بأدلة عقلية ونقلية، وأطنب فيها
القول وفصل، ولإعطاء صورة عنها سنعرضها كما يلي:
(1) م - ن.
(2) م - ن.
(3) مخطوط المعالم، ص: 194. (1/326)
صفحة 311
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
327
الأدلة العقلية
لقد استعمل الثميني العقل في برهانه على ثبوت الرسالة المحمدية (ووظف القياس من الشكل الأول لذلك ورتبه كما يلي:
«قد ادعى سيدنا ومولانا محمد ال النبوة والرسالة، وظهر الخارق على
وفق دعواه، مع العجز عن معارضته.
- وكل من هو كذلك فهو رسول الله.
-
فنبينا ومولانا محمد له رسول الله سبحانه وتعالى» (1).
أما الصغرى فهي معلومة كما يقول بالتواتر، وأما الكبرى فهي معلومة من دلالة المعجزة.
ثم ردّ قول المنكرين لنبوة محمد من اليهود، وخاصة أولئك الذين منعوها لكون شريعته تتضمن نسخ شريعة موسى عليه السلام، والقول بالنسخ يستلزم القول بالبداء، ولأن موسى نص على أن شريعته لا تنسخ لقوله: «تمسكوا بالسبت أبدا»، ولقد فصل القول في حديثه عن البداء وعن النسخ دون أن يعرفهما (2).
(1) مخطوط المعالم، ص: 195.
(2) مخطوط المعالم، ص: 195 – 196.
- البداء في اللغة هو: الظهور بعد الخفاء، بدا له في هذا الأمر يعني: نشأ له فيه رأي. والنسخ لغة هو: الإزالة والتغيير، والنسخ من الله تعالى الحكم سابق ليس فيه معنى الظهور بعد الخفاء، لأنّ هذا المعنى يستلزم أن ينسب إلى الله تعالى العلم بالشيء بعد الجهل به، وهو مستحيل في حق الله. فالنسخ يكون لا من أجل ظهور ما كان خافيا على الله تعالى من أمر المنسوخ، وإنما من أجل تحقيق المأمور به مصلحة خلال فترة محددة من الزمن، وبعدها كان انتهاء الحكم وظهور حكم جديد. راجع - محمد بن أبي بكر الرازي، (مختار الصحاح)
- وهبة الزحيلي أصول الفقه الإسلامي) دار الفكر، الجزائر - دمشق، ج 2 ص: 936
وما بعدها. (1/327)
صفحة 312
328
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
و استدل من بعد هذا على ثبوت رسالته له بأدلة عقلية أخرى، فصل
فيها القول، يمكن حصرها في خمسة عناصر:
أولاها: ثبوت «معجزة بلاغة القرآن».
وثانيها: إخباره الله عن المغيبات.
وثالثها: بلوغه الا الله مرتبة في الحكمة النظرية دون تعلم ومخالطة.
ورابعها: الآيات والمعجزات التي نقلت عنه.
وخامسها سيرته وأوصافه التي بلغتنا عنه (1).
الأدلة النقلية
فبعد الاستدلال العقلي على ثبوت النبوة استعمل الثميني كذلك الاستدلال النقلي وبين أن الكتب السماوية السابقة قد نصت على نبوته وأوصت على اتباعه وهو دليل وحده كاف بدون المعجزة، فإن شهادة من ثبتت نبوته لأحـ بالنبوة دليل قاطع على ثبوت نبوّته، وإن لم تظهر معجزة على يده» (2).
وقد استشهد على ذلك بنصوص وردت بالتوراة والإنجيل والزبور، وبصحف حيقوق، وأشعياء وحزقيال ودانيال (3) حامدا الله أن «لا يزال نص نبوته ... موجودا ... إلى الآن مع مبالغتهم في تبديلها، وذلك يدل على الاعتناء بأمره فيها، وكثرة ترديد ذكره فيها على وجه لا يزيل جميعه التبديل» (4).
(1) مخطوط المعالم، ص: 200 - 201.
(2) مخطوط المعالم، ص: 202.
(3) للاطلاع على تفاصيل العهد القديم راجع مثلا: الفكر الدين اليهودي أطواره ومذاهبه للدكتور
حسن
ظاظا
(4) مخطوط المعالم، ص: 202. (1/328)
صفحة 313
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
329
و بالفعل فقد ورد ذكره في الكتب السماوية السابقة إشارة وتصريحا، أما
تصريحا فكما هو الحال في إنجيل برنابا (1)، وأما إشارة، فقد ساق الثميني نصوصا
جمة شارحا معناها ونسوق من بينها مثالا - قوله:
بالسخطة،
«وفي صحف حزقيال النبي عليه السلام فيقول عن الله عزّ وجل بعد ما ذكر معاصي بني إسرائيل وشبههم بكرمة وقال: (لم تلبث تلك الكرمة أن قلعت ورمي بما على الأرض، وأحرقت السمائم ثمارها، فعند ذلك غرس في البدو غرسا، وفي الأرض المهملة العطشاء، وخرجت من أغصانها الفاضلة نار أكلت تلك الكرمة حتى لم يوجد فيها غصن قوي ولا قضيب) فاعتبر هذا التصريح [تصريحا] به وبصفات بلده كلها» (2).
وإنه ليمكننا أن نقابل هذا النص مع نص مترجم لنجد أن التطابق بينهما في المعنى أمر لا ريب فيه، إذ قد جاء في العهد القديم وبالضبط بصحف (حزقيال 10/ 19 (14): «أمّك مثل كرمة غرست على المياه فصارت كثيرة الثمار والأفنان من غزارة المياه (10) وصارت لها قضبان صلبة صوالحه للسلاطين وارتفع قوامها بين الفروع الملتفة فظهرت في ارتفاعها وكثرة عذباتها (11) ثم إنها قلعت بخنق وطرحت على الأرض فأيست الريح الشرقية ثمرتها وكسرت قضبانها الصلبة وأكلتها النار (12) والآن هي مغروسة في البرية في أرض قاحلة ظمئة (13) فخرج من قضبان شعبها نار أكلت ثمرتها فلم يبق فيها قضيب صلب صولجان للتسلط، هذا رثاء ورثاء سيكون (14)» (3).
149 b-
(1) مثلا إنجيل برنابا (14/ 97) - (18) ترجمة خليل سعادة مطبعة المنار، د -ت- ط، ص: 149.: (2) مخطوط المعالم، ص: 206. (3) محمد الصادقي، رسول الإسلام في الكتب السماوية، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت، ط 1، سنة 1972، ص: 31. (1/329)
صفحة 314
330
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
لقد ذكر الثميني أن محمدا قد ورد ذكره باسم البارقليط في الإنجيل، ووجدنا من الدارسين المعاصرين من ذكر ذلك أيضا، ولكنا لم نجد ترجمة البارقليط إلى محمد في بعض الأناجيل المتداولة، ففي إنجيل يوحنا – مثلا – الإصحاح: 14 الآية 16 المترجم من اليونانية (1) نجد وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد». ونجد فيه ترجم البارقليط بالمعزي.
هذا ولقد جاء صاحب كتاب رسول الإسلام في الكتب السماوية بـ غير عربي وقال إنه بالسريانية: «وأنابت طالبين مِنْ بَنِي وَحَيْن بَارَ قليطا بتْ يَل لُوخُو هَلْ أَبَد»، وترجمه إلى ما يلي: «وأنا أسأل الآب (الخالق) فيعطيكم فارقليطا آخر ليقيم معكم إلى الأبد» (2).
ولنلاحظ هنا أن قوله (فارقليطا آخر يجعل اللفظة فارقليطا) لا تعنى لفظة
(محمد)، وإنما المقصود منها رسولا آخر (3).
ولقد جاء المترجم بأدلة وافية تثبت أن البارقليط هو الرسول أحمد عليه السلام كما ذكر الثميني.
ومن الدراسات المعاصرة التي تؤكد ما ذهب إليه الأقدمون من ورود البشارة برسول الإسلام محمد الله في الكتب السابقة نجد دراسة أحمد ديدات الذي يحلل النص التالي الذي كان بخامس الأسفار في التوراة:
(1) (العهد الجديد والمزامير دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، مصر، طباعة العيد المئوي – 1983.
(2) محمد الصادقي: (رسول الإسلام)، ص: 146.
(3) في المعاجم العبرية التي استعملناها لم نجد فيها لفظة بارقليتا) ولا لفظة بارقليطا) ووجدنا: (برك) بمعنى: بارك ومحد وحمد وحيا وسلم أو بلغ السلام. ولفظة بارق)، بمعنى لمع وتألق وتلألأ. انظر:
كمال، المعجم الحديث عبري (عربي). - ي قوجمان، قاموس (عبري عربي). (1/330)
صفحة 315
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
331
أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به أنا أطالبه تثنية 18:18، 19 (1) ويبين مثبتا أن النبي المماثل لموسى إنما هو
باسمي
محمد، وليس المسيح عليه السلام كما يذهب إلى ذلك النصارى.
إن ذكره والإشارة إليه قد تأكدت في الكتب السماوية، وهذا الأمر هو الذي جعل الثميني يبالغ في القول: إن نصوص الكتب الماضية في إثبات رسالة نبينا محمد، وبشارات الأنبياء عليهم السلام والإخبار به، لا تكاد تنحصر، ويكفي هذا الذي أشرنا إليه منها» (2).
وهو دليل يكفي في إثبات نبوّته كما ذكرنا آنفا – دون الحاجة إلى معجزة ترافق رسالته، فشهادة من ثبتت نبوّته لأحد بالنبوة دليل قاطع على ثبوت نبوته» (3).
معجزة الرسول محمد:
ومن الأدلة على ثبوت نبوته التي بسط الثميني القول فيها، معجزة
الرسول صلى الله عليه وسلم التي هي القرآن الكريم، لقد تناوله عدة من وجوه من حيث تحديه العرب أن يأتوا بمثله وعدم قدرتهم على ذلك، ومن حيث وجود من ادعى النبوة فافتضح أمره، ومن حيث الوجه المعجز الذي كان به التحدي، والآراء المختلفة في ذلك.
(1) أحمد ديدات ماذا يقول الكتاب المقدّس عن محمّد (ص): 13 وما بعدها.
(2) مخطوط المعالم، ص: 207.
(3) مخطوط المعالم، ص: 202. (1/331)
صفحة 316
332
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وتعرّض قبل ذلك إلى الآراء المختلفة في حصر معجزاته، وذكر «أن أفضلها وأعظمها القرآن العظيم الذي لم تزل تقرع أسماع البلغاء بتضليل كل دين غير دين الإسلام، آياته وتحرك بطلب المعارضة على سبيل التعجيز حمية اللسن المتوقدي الفطنة الأقوياء المعارضة نظما ونثرا الخائضين في كل فن من فنون البلاغة طولا وعرضا، بحيث لا تفلت عن معارضتهم أمنع كلمة وإن لم يفرض فيها تعجيزهم» (1).
جاء بآيات من الذكر الحكيم دلّت على التعجيز والتحدّي وعقبها بقوله: ومع ذلك لم تحرك أنفتهم وهم المجبولون عليها، ومن عادتهم أنهم لا يتمالكون معها ضبط أنفسهم عند ورود أدنى عارض يقدح في مناصبهم، وإن كان في ذلك حتف أنفسهم، فكيف بما هو من نوع البلاغة التي هي كلامهم، وتدب فيهم دبيبا، حتى أنهم فيها في كلّ واد يهيمون، لكنّ القوم أخرسهم أنهم أحسوا بأن الأمر الإلهي لا تمكن مقاومته، إما لأنه ليس في طوقهم وهو الأصح، أو للصرفة، وهما قولان للمتكلمين ومن لم يستح منهم (2).
ولقد بين الفرق بين الآية، والمعجزة على أنّ الآية تدل على صحة ما جاء به [الرسول] وإن لم يتحد بما، وأن المعجزة مشروطة مع ذلك بالتحدي» (3). وبين كذلك الآراء في أوجه الإعجاز في القرآن الكريم، مفندا على الخصوص أن يكون بالصرفة عدم إتيان العرب بمثله، ومبينا أن عجزهم إنما هو: لأنه ليس في طوقهم، وهو الأصح» (4).
(1) مخطوط المعالم، ص: 197.
(2) مخطوط المعالم، ص: 197.
(3) مخطوط المعالم، ص: 198. (4) مخطوط المعالم، ص: 197. (1/332)
صفحة 317
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
333
والذي اختاره الثميني في الوجه المعجز المتحدّى به من القرآن، هو أسلوبه مشتملة على
ونظمه وفصاحته وجزالته لأنه عليه السلام تحدى بسورة منه، وهي الأمرين، وهما: الجزالة والأسلوب الخاص» (1).
وهكذا، فالقرآن في نظره - تحدّى ببلاغته لا لوجود غيبيات به، ولا
لموافقته العقول وما شابه ذلك، فإنّ ذلك من أوصافه، إلا أنه لم يقع به التحدي، فالمعجز على المختار المتحدى به البلاغة».
وقد أجاب من ارتاب أن يكون القرآن معجزة لما ورد حوله من الاختلاف في وجه إعجازه قائلا: «إن عجز الخلق عن معارضته بسورة من مثله معلوم بالضرورة لا ريب فيه البتة، ولم يختلف فيه أحد، وبهذا يعرف كونه معجزة،
والاختلاف بعد ذلك في وجه إعجازه لا يقتضي الخلاف في كونه معجزة» (2). فصدق رسالته قد تأكدت بطرق عدة أهمها: نبوات سابقة، ومعجزة خالدة، يقول الثميني: «إنّه إذا علم صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام بدلالة المعجزة، وجب تصديقهم في كل ما أتوا به عن الله سبحانه، إذ يستحيل منهم الكذب عقلا والمعاصي شرعا لأنا مأمورون بالاقتداء بم» (3).
فما الذي جاءنا من قبل رسولنا محمد؟
ما جاء به الرسول محمد:
إنه من المتعذر حصر ما جاء به محمد التعدد سبل الوصول إليه (4)، وإنه الله لمن اليقين أن الله جل وعلا أنزل عليه قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى قوله: اليوم
(1) مخطوط المعالم، ص: 198.
(2) مخطوط المعالم، ص: 200.
(3) مخطوط المعالم، ص: 192.
(4) راجع مثلا: مشارق) أنوار العقول، ص: 27 - 28. (1/333)
صفحة 318
334
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ
دينانة (المائدة: 3).
إن الثميني وهو يتحدث عن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، جاء بمباحث متداخلة: منها ما كان من السمعيات وسماه: (في أحوال الآخرة) لا يتم العلم بما إلا عن طريق الوحي، ومنها ما هو من الاعتقاد ولابد من الإقرار كما، ومنها ما هو من العمل المفروض على المسلم إتيانه أو تركه.
وما سنأتي به هنا سيكون صورة مبسطة لما جاء به الثميني، ولقد فضلنا
تصنيفه إلى قسمين:
أولا: السمعيات) أو أحوال الآخرة.
ثانيا: واجبات المكلف.
لأنا قد وجدنا ما أتى به من المسائل ينطبق على بعضها وصْفُ كونها مر السمعيات، وعلى بعضها وصفُ كونها واجبات المكلف، وهي جميعا لا تخرج عن نطاق كونها مما جاء به المصطفى محمّد (عليه السلام)، وهي في الحقيقة – وفق ما رآه الثميني، ومن قبله من العلماء - الغاية من إرسال الرسل والأنبياء، إذ الغاية من إرسالهم أن يلتزم العباد ويعملوا بما جاءت به الرسل، والرسول محمد الله خاتم النبيين والمرسلين جاء للخلق عامة، فكان شاهدا على أمته، وأتباعه من بعده شهداء على الناس. ولهذا الغرض، اعتبر الثميني، ومن قبله واجبات المكلف مما جاء به محمد من ربه. وحقا هي منه جاءت، ولأمره وجبت، ولنهيه مُنعت أمورٌ وحُرِّمَت، وتفاصيلها في كتب الأمة بينت ونُشرت.
مي
وما نعرضه هنا هو بعض مما جاء به الثميني في كتابه (المعالم)، وهو بعض جاء به المصطفى، لكنّه فيما يبدو لبه ومحمله لأنَّه الغاية من بعثته.
وسنورد فيما يلي أهم ما جاء به من السمعيات وما جاء به من الواجبات.
مما (1/334)
صفحة 319
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
أولا: السمعيات:
الشهادة:
335
إن الإتيان بالجملة (1) الشهادة لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة
يعني
وبأن جميع ما جاء به حق من المأمورات ووظائف الدين التي كلف الله بما عباده. وهو معنى الإيمان، ولا فرق بينه وبين الإسلام والدين فهي تصدق على شيء واحد وإن اختلفت مفهوماتها (2).
هكذا
فالذي يأتي بالشهادة يكون من المؤمنين ومن المسلمين ومن الموحدين - يرى الثميني – دون أن يناقش كون الإتيان بما بالتصديق بالجنان أم به وبالإقرار باللسان أم كما وبالعمل بالأركان؟، ففي ذلك أبحاث (3) وسيتضح لنا
بعض منها لاحقا.
وعلى رأي الإمام أفلح يجزيه اعتقاده فيما بينه وبين الله» (4) إذا كان
تصديقه بالجنان.
لقد بين الثميني معنى كل من الإيمان والإسلام والتوحيد، فالإيمان لغة: التصديق، وشرعا الشهادة بالوحدانية الله وبالرسالة المحمد، وبأن جميع ما
جاء به حق.
والإسلام لغة الخضوع والانقياد وشرعا إعمال الجوارح والقلب
تجميع المأمورات.
(1) المقصود بالجملة: شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن ما جاء به حق من عند الله،
راجع مشارق أنوار العقول، ص: 130.
(2) مخطوط المعالم، ص: 208.
(3) راجع مشارق) أنوار العقول)، ص: 137. وما بعدها.
(4) مخطوط المعالم ص: 215. (1/335)
صفحة 320
336
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
والتوحيد لغة الإفراد وشرعا إثبات الوحدانية الله تعالى (1).
وهو يرى بعد أن حدّد مفهوم كل منها لغة وشرعا - أنها تصدق على ء واحد وإن اختلفت مفهوماتها.
ولقد استشهد على ذلك بآيات عدة من القرآن الكريم، كقوله تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتِ مِّنَ المُسلمين} (الذاريات: 35 36)، «ولولا اتحاد الإيمان والإسلام لم يتم الاستثناء» يقول الثميني: «والتأويل مع كثرة الأدلة تعسف ويذكر أنه المراد من قولهم (3) هي أسماء مختصة لخصال ثلاث متآلفة أي
(4)
(2)
مختلفة المفهوم متحدة (الماصدق وإذا كان الماصدق متحدا شرعا فإن الذي يعنيه قوله تعالى: قُل لَّمْ تُومِنُوا ولكن قُولُوا أَسْلَمْنَان (الحجرات: (14) يجب أن يحمل على المفهوم اللغوي يفسره الثميني تبعا للشماخي.
كم
والذي يراه الثميني أن «الصحيح هو أن الإيمان مجموع المعرفة والإقرار
والعمل، وأن المؤمن هو الموفّي بدين الله سبحانه وأنّ غيره يقال له (آمن). وما ورد مما ظاهره أنه مؤمن وليس بموف فهو مؤوّل بالمقر، وكذا لا يكون مسلما حتى يقر بالتوحيد ويعمل بالفرائض لأنّ الإسلام لا يتم إلا بقول وعمل»).
(1) مخطوط المعالم، ص: 208.
(2) م - ن.
(3) يذكر الشماخي: أنه قول لصاحب كتاب (الجهالات): وهو كتاب مخطوط توجد نسخة منه
بمكتبة الشيخ حمو بغرداية.
(4) مخطوط المعالم، ص: 208.
(5) م - ن.
(6) م - ن. (1/336)
صفحة 321
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
ولقد بين المراد من القول والمراد من العمل:
337
«أما القول فبأن يقرّ [المسلم] الله بالوحدانية ... ويثبت له ما يجب له إثباته وما يجوز، وينفي عنه سبحانه ما يستحيل في حقه.
عند الله
وبأن يقر المحمد الله بالرسالة والصدق والتبليغ ... وبأن ما جاء به حق من
وأما العمل: فهو امتثال جميع الفرائض ... والكف عن جميع المحرمات» (1).
الملائكة:
الملائكة
ومما جاء به الثميني من (السمعيات) وتناوله بإسهاب، حديثه عن التي عرفها بأنها «الأجسام النورانية اللطيفة القادرة على التشكل بالأشكال الحسنة المختلفة
وعلى الأفعال الشاقة» (2) وقد تحدّث عن أوصافها وأسمائها ومهامها وفضلها.
الأنبياء: أما الذي جاء به الثميني عن الأنبياء فمتنوعة مسائله، أهمها: تحديد عددهم وعدد المرسلين منهم، رغم كون الآيات الكريمات تصرّح قائلة: {وَلَقَد اَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ
منْهُم مَّن قَصَصَنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ تَقْصُصْ عَلَيْكَ} (غافر: 78)، وتصرح: الوَرُسُلاً قَدْ قَصَصَنَاهُمْ عَلَيْكَ من قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (النساء: 164).
إن الثميني يذكر أن المشهور في جملة الأنبياء – وفق ما جاء في حديث
أبي ذر رضي الله
عنه
(3) مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، فالمرسلون منهم
ثلاثمائة
(1) مخطوط المعالم، ص: 208 - 209.
(2) مخطوط المعالم، ص: 246. وما بعدها، 250 وما بعدها.
(3) المستدرك للحاكم مع التلخيص للذهبي، ج 2، كتاب التاريخ، ص: 597 (1/337)
صفحة 322
338 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وثلاثة عشر أهل الكافة منهم سبعة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وعيسى ومحمد. ويذكر تفصيلات أخرى تتعلق بكنم كتحديد مواطن وجودهم الآن،
(1)
وتحديد أسمائهم ونسبتهم)
الكتب:
ومما جاء به حول الكتب أنّ الله أنزل كتبا على أنبيائه وهي في مجموعها وفق ما جاء في حديث أبي ذرّ السابق الذكر - مائة كتاب وأربعة، وقسمها تقسيما كالذي بالحديث كذلك، وذكر «أنها كلّها نزلت مكتوبة في الألواح
إلا القرآن» (2).
عذاب القبر:
ولقد كان حديثه عن عذاب القبر بيانا على أنه للكافرين، وأن التنعم فيه للمؤمنين، وأن سؤال الملكين منكر ونكير فيه ثابت بالدلائل السمعية لأنها أمور ممكنة، أخبر بما الصادق على ما نطقت به النصوص.
وجاء بجملة من الأدلة في ذلك، وأكد أنّ «الأحاديث في هذا المعنى وفي أحوال الآخرة متواترة المعنى، وإن لم يبلغ آحادها حد التواتر» (3) وأنه لا مانع في العقل من ردّ الحياة ... إلى بعض أجزائه [أجزاء الجسد] أو كلها، ويجعل [الله] له من العقل والفهم ما يفهم به ويجيب ويدركه الملكان منه، وإن لم نسمع نحن كلامهم، وكذا يجوز أن يسمع كلام من يسلّم عليه، وكُلّ ذلك جائز، وقد ورد
(1) مخطوط المعالم، ص: 239 240.
(2) مخطوط المعالم، ص: 238 - جاء مصحح كتاب (القواعد للجيطالي بنص الحديث كاملا وقال رواه ابن حبان في صحيحه. انظر: (قواعد) (الإسلام)، ج 1 ص: 28 29.
(3) مخطوط المعالم، ص: 262. (1/338)
صفحة 323
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
339
السمع به فوجب اعتقاد ظاهره، ولا حاجة إلى تكلف تأويله، والله تعالى على كُلِّ
شيء قدير» (1).
وجاء بآراء المنكرين لعذاب القبر، وردّ الأرواح إلى الأجساد وسؤال
الملكين، وناقش عدة جوانب منها، مبينا بالتفصيل أن ذلك يؤذن من قائله طمأنينته إلى الإيمان وأنه بمثابة استبعاد الكفرة حشر الأجساد (2).
أشراط الساعة:
بعدم
تحدث عن أشراط الساعة وهي كثيرة كما يقول - وذكر منها عشرا، لإخبار الصادق الأمين بما وبتضافر الأحاديث الصحاح عليها، ولكونها ممكنة، فجاء بحديث حذيفة بن أسيد الغفاري (3):
«طلع النبي علينا ونحن نتذاكر فقال: ما تذكرون، قلنا نذكر الساعة، قال: إنما لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، وياجوج وماجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم». ويذكر أنه قد رويت أحاديث وآثار في تفاصيلها، وكيفياتها، فتطلب من كتب التفسير والتواريخ والسير» (4).
يوم البعث:
وتحدث أيضا عن يوم البعث وهو يوم يبعث الله فيه من في القبور ليحاسبوا
على ما عملوه في حياتهم الدنيا.
(1) مخطوط المعالم، ص: 263.
(2) مخطوط المعالم، ص: 263.
(3) رواه مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة باب في الآيات التي تكون قبل الساعة، رقم: 2901.
(4) مخطوط المعالم، ص: 261. (1/339)
صفحة 324
340
تكلم
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
عنه بتفصيل، وتعرض على الخصوص لمسألة المعاد الجسماني،
مؤكدا أن إعادة المعدوم تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل لوجود من يقول بإعدام الأجسام.
أما عند القول بأن إفناءها عبارة عن تفرق أجزائها واختلاط بعضها ببعض، فالمسألة أقل تعقيدا أولا من الناحية العقلية، وثانيا: لكون النقل قد جاء بهذا المعنى في قصة إبراهيم عليه السلام وإحياء الطير.
والذي يذهب الثميني إليه هو القول: بأن الإفناء تفرق الأجزاء، ويصرح
«بأن الإعادة جائزة عندنا وعند الأشاعرة والمعتزلة» (1).
ويبين أن إمكان الإعادة عند المعتزلة إنما هي لكون الموجود إذا أعدم بقيت ذاته المخصوصة، وأما عند الإباضية والأشعرية فإنهم حكموا بإمكان الإعادة وإن انتفى الموجود بالكلية.
فَمَع اتفاقهما في كون إعادة المعدوم ممكنة إمكانا مطلقا، فإنه لم يمنع هذا الاتفاق من اختلافهما في اعتبار المعدوم شيئا. إذ الأشاعرة لا يعتبرونه كذلك خلافا للإباضية (2).
وإن القائلين بإمكان إعادة المعدوم يقولون بإعادته نفسانيا وجسمانيا خلافا للفلاسفة المنكرين للمعاد الجسماني، هذا جانب.
ومن جانب آخر، فإنّ من القائلين بالمعاد الروحاني والجسماني منكرين لإعادة المعدوم لاعتبارهم الإعادة جمعا للأجزاء المتفرقة.
(1) مخطوط المعالم، ص: 264.
(2) مخطوط المعالم، ص: 264. (1/340)
صفحة 325
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
341
وفي هذا جاء الثميني مفصلا ومبينا جواز إعادة المعدوم جسمانيا وروحانيا،
ومناقشا مذهب منكر معاد المعدوم مطلقا، أو معاد الجسد على وجه الخصوص، وسار في مسلكه العام حول المسألة مسلك الإيجي والجرجاني.
يقول الثميني مبينا مذهبه: «لنا في جواز الإعادة أنه لا يمتنع وجوده الثاني لذاته، وإلا لم يوجد ابتداء، وكان من قبيل الممتنعات، لأن مقتضى ذات الشيء أو لازمه لا يختلف بحسب الأزمنة، وإذا لم يمتنع لذاته كان ممكنا لذاته» (1).
يرى أنّ الوقت ليس من العوارض المشخصة التي تستلزم لإعادة المعدوم ضرورة إعادة وقته (2)، خاصة وأن إعادة الوقت لم يرد بما خبر
(3)
وإنه وإن وجد وجد من المتكلمين من يرى أن عدم الشيء ليس عارضا مر عوارض الماهية، ولا مانعا من الموانع الخارجية، وإنما هو وصف لازم لماهية المعدوم
أو
كما يذهب إلى ذلك الطوسي في (التجريد (4)، فإن الثميني لم يختر هذا التفسير مثله، وإن سلك في المسألة مسلكا فلسفيا، بل ذهب مذهب جمهور المتكلمين في
إثبات جواز المعدوم. ومذهبهم: أن الشرع قد أخبر عنه في مواضيع لا تحصى بعبارات لا تقبل التأويل حتى صار معلوما بالضرورة كونه من الدين القويم والصراط المستقيم» (5). وقد ردّ الثميني أدلّة المفرق بين الوجودين للشيء الواحد: الوجود الأول الابتدائي، والوجود الثاني الإعادة، مفندا شبههم التي أوردوها،
(1) مخطوط المعالم، ص: 264.
(2) مخطوط المعالم، ص: 265.
(3) مخطوط المعالم، ص: 269
(4) عن (معالم الفلسفة الإسلامية)، ص: 43.
(5) مخطوط المعالم، ص: 267. (1/341)
صفحة 326
342
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ومؤكدا في آن واحد جواز حشر الأجسام ووقوعه، وأنه «معاد لعين
الأجساد المعدومة لا لمثلها» (1).
ولقد حوصل المسألة بـ «أنّ الله سبحانه وتعالى يحيي الأبدان بعد موتها، والدليل عليه أنّ الإعادة إما أن تكون بمعنى إعادة الجواهر بعد إعدامها، أو جمعها بعد تفريقها وكلاهما، ممكن وكل ممكن أخبر الصادق بوقوعه فهو حق، فالإعادة حق» (2).
وليزيد مذهبه جلاء ووضوحا خاصة فيما يتعلق منه بإعادة المعدوم يقول: وإنما قلنا: إن الإعادة بالمعنى الأول ممكنة لأنّ ماهية الجواهر والأعراض تقبل الوجود والعدم لذاتها، لما عرفت من أنّ القبول لا يكون إلا نفسيا، وإلا للزم التسلسل، وذواتها لا تنقلب بعد عدمها فلما قبلت الوجود والعدم ابتداء لزم
تقبلهما انتهاء.
وإنما قلنا: إنما تقبل الوجود والعدم، لأنهما لو لم تقبل إلا الوجود لكانت قديمة واجبة الوجود، وهو باطل لما سبق من برهان حدوثها، ولو لم تقبل إلا العدم لكانت ممتنعة الوجود، والعيان يكذبه.» (3).
هذا فيما يتعلّق بالإعدام المطلق، وأمّا عند الإعدام بتفريق الأجزاء فلا إشكال
فيه حيث يقول:
«وأما إمكان الإعادة بالمعنى الثاني، وهو جمع الأجزاء بعد تفريقها، وخلق الحياة فيها، فواضح هذا إذا نظرنا إلى الإعادة بحسب قابلها، وإن نظرنا
(1) مخطوط المعالم، ص: 269.
(2) مخطوط المعالم، ص: 268.
•
(3) مخطوط المعالم، ص 268. (1/342)
صفحة 327
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
343
إليها بحسب فاعلها، وهو الله سبحانه وتعالى، فلا خفاء في أن قدرته لا يتعاصى عليها ممكن .. » (1).
وبين أن لا تعذر في هذا المعاد، سواء من جهة القابل أو الفاعل، وجاء بأدلة
من القرآن تبين ذلك.
وقد راقه مذهب الرازي الذي خلاصته أنه لم يثبت بدليل قطعي عقلي أو نقلي أن الله يعدم الأجزاء ثم يعيدها، وأن الهلاك الوارد في الآية الكريمة لا يعني فقط الفناء لأن التفريق أيضا من الهلاك (2).
الصراط:
بين الثميني من بعد هذا معنى الصراط عند من اعتبره أمرا محسوسا، ثم قال: «هو غير ثابت عندنا وعند المعتزلة» (3)، لأن الأحاديث الواردة في ذلك كما يقول - مخالفة لظاهر القرآن ومن الواجب حملها عليه «فالصراط هو ديــن ن الله سبحانه في جميع ما نطق به القرآن» (4).
وقد جاء باستدلالات يثبت با مذهبه ويرد بما مذهب المخالف.
الميزان
إن كلامه في الميزان مثل كلامه في الصراط، فبعد أن بين مذهب من يرى أنه أمر محسوس يقول: «وإنما المراد عندنا وعند المعتزلة من الميزان اعتبار الحسنات وتمييزها من غيرها، والعدل الذي وضعه الله عزّ وعلا بين خلقه» (5) وجاء بالأدلة
النقلية والعقلية لتأكيد ذلك.
(1) مخطوط المعالم، ص: 268.
(2) مخطوط المعالم، ص: 269.
(3) مخطوط المعالم، ص: 272. (4) مخطوط المعالم، ص: 273. (5) مخطوط المعالم، ص: 273. (1/343)
صفحة 328
344
الشفاعة:
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
أما الشفاعة فهي أمر ثابت وفيها يقول: «شفاعة سيدنا محمد حق ثابتة للمسلمين عندنا، وعند المعتزلة - دون من سواهم من أهل الكبائر، قالوا: لا لوجوب ما قد زال ولا لزوال ما قد وجب وهي كرامة من الله سبحانه له المحمد دون من سواه من الأنبياء، وهي الشفاعة العظمى ...
وليست هذه الشفاعة لأهل الكبائر من أمته على ما زعمه القوم، وله شفاعات أخرى سوى تلك» (1) أشار إليها، و لم يذكرها.
الجنة والنار
وفي حديثه عن الجنة والنار تعرض للاختلاف في كونهما مخلوقتين الآن، أم أنهما غير ذلك؟ وما يتعلق بذلك من المسائل وجاء بآراء الكثير من المذاهب وذكر أصحابها وحججها، وذكر أن من أصحابه من ذهب إلى كونهما مخلوقتين ومنهم من ذهب إلى كونهما غير مخلوقتين بعد، كما بين أن أكثرهم توقف في الأمر. وهو وإن ختم هذا المقصد بقوله: «والله أعلم بحقيقة الحال» (2)
الآن،
فهو - فيما يبدو من عرضه للمسألة أميل إلى وجودهما الآن، وفيهما يتم وعد
الله ووعيده للعباد.
نفوذ الوعيد:
إن الثميني يقسم القول في نفوذ الوعيد ثلاثة مذاهب (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 274.
(2) مخطوط المعالم ص: 277.
(3) مخطوط المعالم ص: 275 وما بعدها. (1/344)
صفحة 329
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
345
المذهب الأول: هو أن الوعيد جاء للتخويف فقط، لا لفعل الآلام، ويذكر
أنه قول للباطنية، وحجتهم:
أولا: أن الله تعالى يقول: {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ} (الزمر: 16).
وثانيا: أن أرحم الراحمين لا يعذب العبد، الحيوان الضعيف، لأنه بمعصيته قصر في حق نفسه، ولا نفع الله ولا ضرر في عمل يصدر منه، خاصة وأن الأفعال كلها واقعة بإرادته تعالى، وخلقه، ولا أثر للعبد في شيء منها (1).
والذي يردّ به الثميني الحجة الأولى: هو أن التخويف المذكور في الآية إنما هو في الدنيا ويقع المخوّف به في الآخرة. ويرد الثانية: بأن الكلام فيها «مبني على التحسين العقلي وهو باطل، وعلى طلب الإطلاع على سر القدرة، وهو مما نمينا عن الخوض فيه» (2).
المذهب الثاني: فهو «أنّ العذاب إنما يحسن في حق المشرك دون الموحد وهو قول المرجئة»، وهؤلاء جزموا بنفي عقاب من مات من أهل الكبائر قبل أن يوفق للتوبة»، واحتجوا كما يذكر الثميني- بقوله تعالى: {إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الكافرين (النحل: (27)، ودخول النار خزي بدليل قوله تعالى: إنك من تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدَ اَخزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارِ) (آل عمران: 192). واحتجوا بقوله عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنْ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ
وَتَوَلَّى (طه: 48)، والألف واللام في (العذاب) للعموم.
واحتجوا أيضا بأنه عند التعارض يرجّح آي الوعد على أي الوعيد، لأن
رحمته وفضله أغلب».
(1) مخطوط المعالم ص: 275.
(2) مخطوط المعالم، ص: 275. (1/345)
صفحة 330
346
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
واحتجوا كذلك بقوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله ... (الزمر: 53) والمراد من (عباده): المؤمنون، «لأن الإضافة
تشعر بالتشريف ولا شرف للكافر» (1).
ويجيب الثميني على هذه الحجج كلّها من وجهة نظر من جوز العذاب
للموحد معتمدا في ذلك رأي الأشاعرة والإباضية.
أماً على أصل الأشاعرة: فإن الآيات المخصصة العذاب بالكافر فالمراد بما
عذاب وخزي خاص، وهو الذي يقتضي الخلود، ولا فلاح بعده». وأما على أصل الإباضية فالمراد بالكافر في ذلك القدر المشترك» (2) بكلامه أن العذاب عند الفريقين ينال الموحد كذلك، إلا أن ويعني خصوصية الخزي الذي توعد الله به الكافر تقتضي خلوده في النار ولا فلاح بعده، خلافا للموحد، لأن الكافر عند الأشعرية: هو من جحد رسالة محمد ا أو شيئا مما يعلم منها بالضرورة.
وأما عند الإباضية فهو عذاب بخصوصيته تلك ينال الكافر، سواء كان
كفره كفر نعمة أو كفر جحود، ما لم يتب، كما سنوضحه بعد قليل. ويجيب الثميني مرة أخرى بأن المراد من قوله تعالى يا عبادي: العموم
المراد به الخصوص
(3)
(1) مخطوط المعالم، ص: 275.
(2) مخطوط المعالم، ص: 275.
(3) في أحكام العموم المراد به الخصوص، راجع مثلا: الشيخ نور الدين عبد الله السالمي، شرح (طلعة الشمس على الألفية المسماة شمس الأصول له أيضا المطبعة الشرقية مسقط، 1981 ج: 1، ص: 129 وما بعدها. الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر) للعلامة بن قدامة دار القلم، بيروت (د)،ت، ط، ص: 213 وما بعدها. (1/346)
صفحة 331
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
347
سبحانه
وبأنه يريد من الآية الكريمة وقل يا عبادي الذينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَة الله ... (الزمر: (53) «الحث على التوبة والرجوع إلى وألا يقنطوا بمواقعة الذنب من رحمة الله حتى يصدّهم ذلك عن التوبة» (1). وأما المذهب الثالث: فهو أنّ العذاب ثابت حسن في حق الكافرين وعصاة
المؤمنين عندنا وعند الأشاعرة والمعتزلة» (2).
وينبه الثميني إلى أن حسنه عند المعتزلة من جهة العقل، وعند غيرهم من
جهة الشرع» (3).
:
وحوصل المسألة بقوله:
الناس ضربان مقرّ وجاحد، فالجاحد مخلد في النار بالإجماع، والمقر
ضربان محفوظ من المعاصي عُمْرَه، وغير محفوظ. والأوّل: في الجنة بالإجماع، والثاني: صاحب صغائر، أو صاحبها وصاحب
كبائر تائب منها، وغير تائب.
والأولان أيضا في الجنة بالإجماع، والثالث في المشيئة عند الأشاعرة، وهو الذي لا يخلد في النار وإن دخلها بعدله، وعندنا وعند المعتزلة مقطوع به من أهل النار مخلدا فيها) وكذلك عند الزيدية من الشيعة (5).
ولنصغ هذه الخلاصة بجلاء في الشكل التوضيحي التالي، مع الإشارة إلى أنّ الذي ذهب إليه الأشاعرة هو نفسه الذي ذهب إليه الماتريدية والسلفية:
(1) مخطوط المعالم، ص: 276.
(2) مخطوط المعالم، ص: 276.
(3) مخطوط المعالم، ص: 276. راجع المبحث اللاحق قريبا: (التحسين والتقبيح).
(4) مخطوط المعالم، ص: 276.
(5) أحمد محمود صبحي، (الزيدية)، الزهراء للأعلام العربي، القاهرة ط 2، 1984، ص: 274 وما بعدها. (1/347)
صفحة 332
348 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
خلاصة قول الثميني في نفوذ الوعيد: (1/348)
صفحة 333
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
349
إن قضيّة الشفاعة لأهل الكبائر، وقضية خلودهم في النار من القضايا التي أولاها الإباضية والمعتزلة عنايتهم، وكتبوا فيها طويلا في الماضى (1) والحاضر (2)، ولاشك أنها من القضايا التي لها أثرها في التطبيق العملي وفي السلوك الفردي والاجتماعي وهو ما جعل أبحاث الإباضية فيها تنمو وتتبلور في منحى تحقيق إسلام يتجسد في الواقع العملي للفرد وللمجتمع، وكان سندهم في ذلك القرآن الكريم والسنة المطهرة.
ونتيجة لهذا التوجه جه وجدنا أبحاثا عندهم، انفردوا بها – إن لم يكن تميزاء فعناية وتمحيصا نذكر منها: أبحاثا في الولاية، والبراءة وفي الخوف والرجاء، وفي يسع جهله، وفي ما لا يسع تركه، وفي ما لا يسع
ما لا
فعله.
لقد درسوا مثل هذه المسائل، وحرصوا على تمحيصها، وتعمقوا في مناقشتها، واجتهدوا في إصدار الأحكام لكل قضية منها وفق ما جاء به شرع الله، محاولين أن يحيطوا الفرد بسور يقيه من الزلل، ويحميه باللجوء إليه عند التفلت وبالعيش في حماه عيشة تضمن له السلامة في الدارين.
وإذا استقام الفرد استقام المجموع، وفي استقامتهما تتحقق الغاية من الرسالة، وتتم العبادة الله وحده كما في قوله جل وعلا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا ليَعْبُدُون (الذاريات: 56).
(1) فيما يتعلق بالإنتاج الإباضي، راجع هذه الدراسة: الفصل الأول من الباب الثاني. ومما يوجد بين أيدينا منها تما عثرنا عليه مخطوطا: (الدينونه الصافية)، لعمروس بن فتح: (ت 283 هـ) وقد طبع مؤخرا. - (التحف المخزونة)، لأبي الربيع سليمان بن يخلف (ت 471 هـ). - (مسائل التوحيد)، لأبي العباس أحمد بن بكر (ت 504 هـ). - الرد على جميع المخالفين، لأبي خزر يغلا (ت 380 هـ). (2) - أحمد بن حمد الخليلي: (الحق الدامغ)، ط سنة 1989/ 1409، من ص: 183 إلى ص: 237. - أحمد بن عمر أوبكه، جوانب من العقيدة عند الإباضية)، مرقون في 38 ص، رفضت وزارة الشؤون الدينية طباعته برسالة مؤرخة: 1988/ 03/23. (1/349)
صفحة 334
350
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وسنتناول نصيبا من تلك الأبحاث فيما يلي تحت عنوان: (واجبات المكلف) وذلك بعد أن أتممنا الحديث عن (السمعيات)، وستكون عمدتنا ما جاء به الثميني
في كتابه (المعالم).
:ثانيا واجبات المكلف
(1) معرفة ما لا يسع جهله:
إن معرفة ما لا يسع جهله على المكلف من أمور دينه هو حجر الزاوية ونقطة الانطلاق لمعرفة ما يسع جهله، ولمعرفة ما يسع تركه وما لا يسع، ولمعرفة ما يسع فعله وما لا يسع لأنه بمعرفة ما لا يسع جهله نعرف ما يسع، ومعرفة ما لا يسع تركه هو من باب أولى مما لا يسع جهله، وبمعرفة ما لا يسع تركه نعرف ما يسع، ومعرفة ما لا يسع فعله هو من باب أولى مما لا يسع جهله، وبمعرفة ما لا
يسع
فعله نعرف ما يسع.
يقول السالمي في قصيدته (أنوار العقول):
والعلم منه لازم قد وجب
تعليمه والثاني نفل ندبا
فكل شيء لم يسعنا جهله
فواجب وما عداه نفله
لقادر بترك ذاك يأثم
والبحث للواجب حتما يلزم
ولقد وجدنا أن هذه المسائل قد نقب عنها الإباضية طويلا، فكان أصل ما أتى به الثميني حولها شرحَ الشماخي لعقيدة التوحيد كما ذكرنا في ما مضى، وكان الشماخي في ذلك مستفيدا على الخصوص مما جاء به أبو خزر يغلا بن زلتاف الوسياني (ت 380 هـ)، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي القابسي المتوفى سنة (471 هـ/1078 م)، ومما جاء به أبو عمرو عثمان بن خليفة المرغني السوفي المولود قبل سنة (471 هـ/1078 م)، ومما جاء به صاحب كتاب الدليل والبرهان) أبو يعقوب (1/350)
صفحة 335
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
351
الوارجلاني، وصاحب كتاب (الضياء)) لأبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري
العماني الذي عاش بعد النصف الثاني من القرن الخامس الهجري.
وإذا كان الثميني قد تناول مسألة ما لا يسع جهله) وما يتعلق بما، تناولا موزعا بين مختلف المباحث التي جاء ببا، فإننا نجده أيضا قد ذكرها تحت عنوان
مستقل كما فعل ابن جميع والشماخي سماه:
(تحديد الدين): ويعني تمييزه بإبراز أهم معالمه الأساسية الكبرى، ونحسب أنها مما يعلم من الدين بالضرورة، فمنها التي تكون علما فاعتقادا، ومنها التي تكون
عملا إتيانا أو تركا.
يقول الثميني:
«تحديد الدين وتمييزه:
معرفة ما لا يسع جهله طرفة عين، وهو التوحيد والشرك وما في معناهما.
وفعل ما لا يسع تركه: وهو جميع الفرائض المضيّقة كدخول رمضان على المكلف الحاضر، وآخر الوقت في الصلاة على المكلّف، وهو مما لا يسع جهله
أيضا، [تأمل].
وترك ما لا يسع فعله وهو جميع المعاصي، ويدخل فيه أيضا: ما لا يسع جهله كمعرفة عين الشرك، وما يسع جهله إلى الاقتراف أو قيام الحجة وهو بقية المعاصي» (2)
(1) (الضياء) - يوجد بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان وهو أربعة وعشرون مجلدا
و شرعت الوزارة في طبعه.
(2) مخطوط المعالم، ص: 221.
وتوجد نسخة من كتاب الضياء بمكتبة عشيرة آل خالد
بني يزقن. (1/351)
صفحة 336
352 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ومن خلال هذه الفقرة نتأكد مرة أخرى أن مبحث ما لا يسع جهله) هو أساس المسائل الأخرى وبدايتها، ولذلك اخترناه عنصرا لمعالجته في دراستنا لما ظهر
لنا من أنه الأشمل لعدة مباحث جاء بها الثميني في معلم (النبوات).
فما الذي لا يسع
جهله؟
لا يكون ما نأتي به جوابا عن السؤال بقدر ما يكون عرضا للإشكال على العموم) وتقريبا للذي جاء به الثميني حول المسألة في (المعالم) على الخصوص.
ومن الطرافة أن نشير بادئ الأمر أنّ الذين تحدثوا عن (ما لا يسع جهله) اختلفوا في تحديده مع كونه مما لا يسع وسبب اختلافهم فيما يبدو – ليس بالأمر الجلل، فهو يعود إلى اختلافهم في تحديد مقدار الالتزامات التي يجب على المكلف علمها على الفور والتي يجوز علمها على التراخي ما لم تقم الحجة عليه أو يقارف. وبالفعل فقد وجدنا أبا طاهر إسماعيل الجيطالي مثلا قد اعتبر العلم أساس تناول مسائل ما لا يسع جهله وما يسع، وقد قسم مسائله على هذا الاعتبار ثلاثة أقسام كبرى:
(1) ما لا يسع جهله طرفة عين.
(2) ما يسع جهله إلى الورود.
(3) ما يسع جهله أبدا، ويقصد به ما يعلمه الخاص من علماء الأمة كتقسيم المواريث وما شابها (2).
(1) من الذين كتبوا حول الموضوع بوضوح الشيخ نور الدين السالمي (مشارق أنوار العقول) ص:
92 وما بعدها.
(2) أبو طاهر إسماعيل الجيطالي، (قواعد الإسلام)، تحقيق عبد الرحمن بكلي، المطبعة العربية، غرداية، ط: 1، 1976 ج: (1) ص: 114 وما بعدها. (1/352)
صفحة 337
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
353
وقبل الحديث عن آرائهم فيما لا يسع جهله، فإن الثميني يذكر أن أصحابه قد اختلفوا في أول واجبات المكلف: هل هو معرفة الله أم هو معرفة ما يسع جمله (1)؟
إلى الثاني يذهب أبو الربيع سليمان بن يخلف الذي يعده صالح بو سعيد من المتشددين المضيقين وفي مقابله - في مقابل أبي الربيع - يرى أن أبا يعقوب الوارجلاني من المتساهلين الموسعين، بل ويذهب إلى: أن هناك من بلغ حد التطرف جعله فرز الدين الذي سنتحدث عنه عما قريب مما لا يسع جهله، ولاستعماله تدقيقات فلسفية حول هذه المسألة (ما لا يسع جهله، حتى أذهبت نقاوة الإسلام).
(3)
ولا نخال القضية تأخذ هذا البعد التساهل والتطرف، لأن جميعهم يتفق على أن العمل جزء من الإيمان الذي هو جميع ما أمر الله به من قول واعتقاد و عمل» وهم متفقون جميعا على أن ما ذكر فيما لا يسع جهله مع اختلافهم في طريقة طرحه وإحصائه لأنه لا يعدو عن كونه اجتهادا هم متفقون على أن جله إن لم يكن كله مما يعلم من الدين بالضرورة، وله أثره في اعتقاد المكلف وسلوكه، بدليل أنهم عند نكران شيء مما أدرج فيما لا يسع جهله، عند قيام الحجة يتفقون في الحكم على صاحبه بالنفاق أو الكفر أو الشرك حسب اجتهاداتهم. والذي يبدو لأول وهلة من الاختلاف والنقد لمسائل ما لا يسع جهله ليس في الحقيقة اختلافا بل هو اتفاق على أن الجملة (لا) إله إلا الله) هي. أساس التوحيد، فهذا الوارجلاني يعتبر الجملة التي كان يدعو إليها رسول الله الله تكفى في تأسيس التوحيد، وهذا الثميني يذهب أبعد من ذلك -وهو المجتهد في حصر مسائل ما لا
(ا) مخطوط المعالم، ص: 209.
(2) صاخ بوسعيد (دراسة وتحقيق كتاب الدليل والبرهان)، ص: 154.
(3) الوارجلاني، الدليل والبرهان)، ج: 113/ 3. (1/353)
صفحة 338
354
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
يسع جهله - فيرى أنه لا يجب على المدعو إلى الإسلام بادئ الأمر أن يعرف أن الشطر الثاني من الشهادة توحيد وإنما يكفيه منها وجوب معرفة التوحيد في الشطر الأول وهو قوله: أشهد أن لا إله إلا الله).
هذا، ويوافق الشيخ عبد الرحمن بكلي الوارجلاني في كون الكتب والأنبياء لا تلزم المكلف معرفتهم بالتفصيل، ويكفي الإيمان بما مجملة «فإن الله لم يكلف أحدا بالشهادة إلا قول لا إله الله محمد رسول الله وما جاء به حق، وما سوى هذا فليس عليك فيه من الشهادة شيء إلا الإيمان بما قامت عليك به الحجة» (3). والذي يراه أبو إسحاق اطفيش يوافق ما يراه الوارجلاني من أنّ الملل الست التي جاءت في قوله تعالى: وإن الذينَ ءَامَنُوا وَالذينَ هَادُوا وَالصَّابِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالذِينَ أَشْرَكُوا ... (الحج: (17) ليست من الإيمان، ويفسر حر الحاشرين لها مع مسائل الإيمان بأنهم فعلوا ذلك: «لأنّ الله ذكر لها أحكاما في كتابه العزيز، ولا ينبغي للمسلم أن يجهلها لأنها مشمولة بالدعوة المحمدية» (3).
إن هذا الاختلاف وهذا النقد في حقيقة الأمر هو اتفاق منهم على أن الجملة وحدها تكفي ليكون صاحبها من الموحدين، وأن غيرها مما جاء من المسائل فيما لا يسع جهله هي خصال لها.
يقول الثميني: «فالتوحيد إفراد، وإنّه كلّ، وما يذكر من خصاله أجزاء له أو هو مشروط وتلك الخصال شروط له، وإنما كلّها توحيد، أي: [كل] خصلة خصاله، أي: لا يوجد إلا بما، لكونها شرطا في وجوده أو جزءا منه» (4).
من
(1) الثميني (النور)، ص: 40.
(2) الجيطالي، (قواعد الإسلام)، التعليق، ص: 26.
(3) أبو إسحاق اطفيش (مقدمة التوحيد وشروحها)، ص: 107.
(4) مخطوط المعالم، ص: 210. (1/354)
صفحة 339
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
وبعرضنا للآراء السابقة في مسألة ما لا يسع جهله نصل إلى أن:
- تحديد هذه الخصال محل الاجتهاد.
- ومتى لا يسع جهلها؟ محل عدم الانضباط.
355
- وبالأمرين يظهر الاختلاف فيما لا يسع جهله، أهي الجملة، أم هي الجملة وغيرها؟
يسع
إن الثميني قد جاء بآراء عدة دون أن يدلي برأي صريح في تحديد ما لا جهله، وانتقد الوارجلاني لكون ما جاء به يكاد يجرد التوحيد من خصاله التي يحتويها فقال: «وفي كلام الإمام أبي يعقوب ما يطمع للمتمادي إن خرمته المنية» (1).
إن الثميني لم يصرّح في المسألة برأي، مع علمنا بأن الوارجلاني من قبل قد ناقش هذه المسائل بعمق، وذكر أنّ هذا الأمر المتعلق بالدين شأنه عظيم، وخبره جسيم، ولا يسعنا فيه إلا الحق عند الله تعالى، فإنّ علومنا ضعيفة: وأحوالنا خفيفة، وعقولنا كليلة وأيامنا قليلة مع ظهور الفتنة، وكثرة المحن» (2).
ولقد بين الوارجلاني أن «أمر مسائل ما لا يسع الناس جهله ترجع إلى الديانات والفرق (3)، ولا يرجع أمرها إلى المذاهب، فالقول بين الأديان: بين الشرك والتوحيد وبين الفرق بين الحق والباطل وبين المذاهب بين
الصواب والخطا ... » (4).
(1) مخطوط المعالم، ص: 276.
(2) الوارجلاني، الدليل والبرهان ص 24 (3) في الأصل: الأفراق.
(4) الوارجلاني، الدليل والبرهان)، ص: 24. (1/355)
صفحة 340
356
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
إن الثميني وقد اطلع على ما جاء به الوارجلاني فإنه لم يدفعه ذلك إلى الإدلاء برأي في المسألة، وإنما جمع أهم الآراء في الموضوع، وفق منهجه الأساسي الذي رسمه لكتابه (المعالم)، واعتمد على الذي جاء به الشماخي المستفيد من الوارجلاني وأضاف إليه ما أمكن، ليساعد المختص المجتهد بما وفره له من جهد الجمع والمقارنة، وليطلع الطالب على الآراء المتعددة فتزيد همته - إن كان ذا همة - شحوذا في البحث والدراسة.
لقد ذكر الثميني كما ذكر الشماخي: أن أصحابه اختلفوا في ما لا يسع جهله، فأكثر المشارقة على أنه الجملة التي يدعو إليها رسول الله، وهو مذهب «عمروس بن فتح، وأبي خزر، والإمام عبد الرحمن بن رستم]، وابن زرقون» (1). وقال المتأخرون [منهم] أنه الجملة، وأن الله خالق لجميع الأشياء، وأن له والنبيين والمرسلين والكتب التي أنزلت عليهم ... وأن يقصد إلى جبريل من الملائكة باسمه ويتولاه، ويعلم أنه رسول رب العالمين إلى محمد) بالدين والقرآن، وأن يقصد إلى محمد من بين المرسلين بأنه رسول الله إلى الكافة، الإنس والجن، وأنه خاتم النبيين، وإلى آدم منهم أيضا بأنه أول المرسلين إلى بنيه وإلى القرآن أيضا ويعلم أنه كلام رب العالمين على نعت ما تقدم في أبحاثه إجمالا.
الملائكة
و تما لا يسع جهله أيضا معرفة الموت والبعث والحساب والجنة والنار، وأن الجنة
ثواب الله سبحانه وأنّ النار عقابه للعاصين له، وأن ثوابه لا يشبهه عقاب.
ولا يسع جهل معرفة الخلق، وأنّ الله أخرجه من العدم إلى الوجود، ومعرفة تحريم دماء المسلمين بتوحيدهم لرتم، وتحليل دماء المشركين لشركهم، وولاية المسلمين جملة، وولاية من لا جهله، والبراءة من الكافرين جملة، ومعرفة
يسع
(1) خطوط المعالم، ص: 209. (1/356)
صفحة 341
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
357
الأنبياء أنهم من نسل آدم ومعرفة أن الله أمر بطاعته، ونهى عن معصيته، وأنه يثيب ويعاقب على ذلك ... » (1).
ه معرفة فرز ما بين كبائر الشرك وكبائر النفاق، ومعرفة أن الله مُوال لأوليائه ومعاد لأعدائه» (2).
وهذا نموذج مما جاء به الثميني من بين المسائل التي تناولوها مجملة فيما لا يسع جهله، وهي في مجملها مما يعلم من الدين بالضرورة وأحكامها المفصلة
بكتب الفقه
موجودة.
يسع
جهله
ولزاما علينا هنا أن ننبه إلى أن جميع (3) الذين تحدثوا عما لا متفقون على أن الجملة، التي جاء بها الرسول الله مما لا يسع جهله، وأن من جاء بما تامة حرم دمه وماله وعرضه وسبي ذريته للتوحيد الذي أتى به.
وقد وضعوا قاعدة عامة لتحديد ما لا جهله وهي: «أن الحجة إذا يسع قامت فيما يسع جهله صار بمنزلة ما لا يسع» (1) و «هو معنى قولهم إذا أخذ» (5) أو معنى قولهم: (إلى الورود) (1).
(1) خطوط المعالم، ص: 209 - 210.
(2) خطوط المعالم، ص: 210
(3) مخطوط المعالم، ص: 215.
الوار جلاني، الدليل والبرهان مج: 1 ج 2 ص: 16
السوفي: مخ السؤالات، ص: 81 - 82
النجيطاني، قواعد الإسلام، ج 1، ص: 11
الساني، مشارق أنوار العقول، ص: 137. وغيرهم.
(4) خطوط المعالم، ص: 112.
(5) مخطوط المعالم، ص: 113.
(()) قواعد الإسلام، ص: 114. (1/357)
صفحة 342
358
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
لقد ذكرنا أن ما لا يسع جهله يحتوى على ما لا يسع فعله وعلى ما لا يسع تركه وهما جانبان من القسم العملي الذي يلزم المكلّف، لأنه مسؤول ومحاسب عليه في الدنيا لما صدرت فيه من الأحكام البينات ومسؤول ومحاسب عليه في الآخرة لما يناله من الجزاء الأوفى ثوابا أو عقابا.
فما لا يسع فعليه هي جميع المحرمات التي ثبت النهي عنها، وما لا يسع تركه هي جميع الفرائض التي ثبت الأمر كما، مع العلم أن تلك المنهيات والمأمورات محل تناولها بالتفصيل كتب الفقه كما ذكرنا، وهي في الكتب العقدية التي تناولتها جاءت بالإجمال. والذي وجدناه مما جاء به الثميني في الجانب العملي جله مما لا يسع تركه ولذلك سنأتي به في عرضنا هذا نموذجا آخر للجانب العملي مع التأكيد في آن واحد بأنه إذا قامت الحجة فهو مما لا جهله كما ذكرنا بادئ الأمر،
يسع
وعلى ما لا يسع تركه يقاس ما لا يسع فعله.
(2) ما لا يسع تركه
إن الثميني وهو يتحدث عن واجبات المكلف يقول: «أما العمل:
عليه أن يفعله راجيا فيه الثواب خائفا من تركه العقاب، وذلك في جميع الفرائض عند حضور السبب، ووجود الشرط، وانتفاء المانع، وكفر إن ضيع ولم يبق من الوقت ما يسع الفرض بشروطه» (1).
ثم بين كيف لا يسع ترك ما لزم من الفرض، وبين أن تلك الفروض إنما تثبت من قبل ثلاثة طرق، يسمّيها كما سماها ابن جميع والشماخي: ثلاثة التتريل والسنة والرأي (2) على أن الرأي يشمل
«كمال الدين، وهي
(1) مخطوط المعالم، ص: 215.
(2) مخطوط المعالم، ص: 219. (1/358)
صفحة 343
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
359
كلا من الإجماع والقياس (1)، ونبه أنّ حكم جميع النوازل إنما تؤخذ من
الأصول الثلاثة» (2).
وفصل القول مطولا في بيان الفرائض الواجبة، والطريق الذي ثبتت به كل منها (3)، وجاء بالآراء الواردة في حكم كلّ من الجاهل لتلك الفروض، والمنكر لها والناسي والشاك، سواء قبل قيام الحجة أو بعدها (4)، وفي ذلك تفاصيل دقيقة نستغني عنها في هذا المقام.
ثمانية،
الثميني
،
(6)
وحدد من بين تلك الفروض فروضا اعتبرها بمنزلة أسهم للدين، وهي حصرها ابن جميع في منهج تبسيطي سار عليه وتبعه فيه آخرون (5) منهم والغاية منه فيما يبدو تقريب مسائل العقيدة إلى الأذهان لينجلي منها ما هو للترك وما هو للإتيان، وخير مثال لذلك جعله أسهم الدين ثمانية: وهي الصلاة، والصوم والزكاة والحج والعمرة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يرى الثميني أن صاحب العقيدة (ابن جميع جعل أسهم الإسلام ثمانية لأنه أراد بما أجزاءه التي تركب منها بعد التوحيد الذي هو أشرفها، وإنما جعلها ثمانية
(1) أبو سليمان داود الثلاثي، شرح عقيدة التوحيد)، ضمن (مقدمة التوحيد وشروحها)، ص: 64. و أيضا: الحاج محمد بن يوسف اطفيش (شرح عقيدة التوحيد، طباعة حجرية ص: 93 - 94.
(2) مخطوط المعالم، ص: 219.
(3) خطوط المعالم، ص: 219 – 220.
(4) مخطوط المعالم، ص: 219 220، 224 225
الحاج احمد -
(5) - أبو العباس احمد الشماخي، شرح عقيدة التوحيد) لابن جميع، - أبو سليمان داود بن إبراهيم التلاتي، شرح عقيدة التوحيد لابن جميع بن يوسف اطفيش، شرح عقيدة التوحيد لابن جميع. نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، (غاية المراد في الاعتقاد). - سليمان بن محمد الكندي، بداية الإمداد على غاية المراد). (()) انظر هذه الدراسة: الفصل الثاني من الباب الثاني: محتوياته. (1/359)
صفحة 344
360
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
مع ورود أنّ الإسلام نيف وستون جزءا، أعلاها كلمة التوحيد، وأدناها إماطة الأذى من الطريق للمبالغة والشرف لأنّ الإتيان بما على الوجه المأمور به يستلزم الوفاء بجميع الدين، ولأنّ الجهاد منها شامل لجهاد النفس، ولأن من وجدت فيه شهد له بالإسلام ما لم يظهر غيره» (1).
هذه بعض الفروض التي لا يسع تركها إذا قامت الحجة على المكلف. ومما جاء به الثميني مما لا يسع تركه ما يسمى: فرز الدين، ومعناه: أن
المكلف عليه أن يعرف ثلاثة منازل
1) (المسلم) الموفي بما أقربه.
(2) و (المنافق) المقر الخائن فيما أقربه.
3) و (المشرك) الجاحد.
وبمعرفة هذه المنازل الثلاث يكون المكلّف قادرا على التصرف الصائب إزاء
كل منها.
إن الثميني وهو يبين هذه المنازل الثلاث قد أبطل مذهب النافي للمتزلة بين المنزلتين، معتمدا في إثباتها على آيات من الذكر الحكيم التي تصف فريقا بالفسق، مبينا أن الفاسق عند المرجئة مؤمن، وعند الصفرية مشرك.
وبين أن لا خلاف بين الإباضية والمعتزلة في المسألة وأن ما كان بينهما من
الخلاف في التسمية فهو لفظي لا معنوي (2).
وعليه فحكم الإباضية والمعتزلة على صاحب المنزلة الثالثة في الدنيا وفي
الآخرة، سواء.
(ا) مخطوط المعالم، ص: 218.
(2) مخطوط المعالم، ص: 221. (1/360)
صفحة 345
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
361
وإذا وجدنا ببعض مؤلفات الإباضية من يقول بالمنزلة بين المتزلتين وبلا منزلة
بين المتزلتين (1) فإنه يمكننا فيما يبدو - توجيهه على النحو التالي:
إن إثبات المنزلة بين منزلة الإيمان ومترلة الشرك أو الكفر، يكون من حيث الحكم في الدنيا، وتسميها المعتزلة فسقا، ويسميها الإباضية: فسقا ونفاقا، وكفر نعمة، وكفر نفاق، وحكمها عندهما حكم من جاء بالشهادة مع البراءة منه لما أحدثه حتى يقلع عنه ويتوب.
أما القول بلا منزلة بين المتزلتين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك والكفر فيكون من حيث الحكم في الآخرة، فصاحب المنزلة الثالثة إن لم يتب نفذ فيه الوعيد لقوله تعالى: وَانَا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُوران (الإنسان: 3).
هذا عن فرز الدين والغاية منه كما قلنا الوصول إلى التصرف الصائب إزاء
كل فريق.
وعليه فواجب فرز الدين، يتطلب واجبا آخر يأتيه المكلف، وهو تصرفه إزاء كل فريق، وهو ما يسميه الإباضية بحرز الدين وهو من الواجبات التي على
المكلف، ولا يسع تركها. وقد أطلقوا عليها حرز الدين لأنه بالقيام بما وإتيانها يتم حفظ الدين من الشوائب، وضمان استمراره نقيا في النفوس، وحماية الأفراد من الانزلاق إلى مهاوي المجرمات.
(1) أبو عمار عبد الكافي (الموجز) ضمن (أراء الخوارج الكلامية) لعمار طالبي، ج 2 ص: 123 وما
بعدها.
أبو زكريا الجناوي (الوضع)، ص: 24 - 25.
الثلاثي، (شرح الديانات)، ضمن مجموعة كتب مختارة)، ص: 78.
الثلاثي: نخبة المتين من أصول تبغورين ضمن مجموعة كتب مختارة)، ص: 187. (1/361)
صفحة 346
362
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ذكر الثميني أنه يتم حرز الدين بأربعة أمور:
(1 ولاية من علم منه خير.
(2) البراءة ممن علم منه شر.
(3) الوقوف فيمن جهل حاله حتى يعلم.
4) ترك المعاصي.
فمن عرف حيث يتولى، فتولى وحيث يبرأ فتبرأ، وحيث يتوقف فتوقف، وحيث يترك المعاصي فترك، فقد أحرز دينه» (1).
وللإباضية في ذلك أبحاث كثيرة، كان ما جاء به الثميني بعضا منها، وما سنأتي به صورة مقربة للموضوع، وأغلب مباحث حرز الدين تتناول تحت عنوان:
(الولاية والبراءة.)
(3) الولاية والبراءة والوقوف
إن الولاية والبراءة والوقوف عند الإباضية واجبات على المكلف لا يسعه تركها، لقد جاءت مؤلفاتهم حولها بأبحاث دقيقة جليلة، تبين أنواعها، وأدلة ثبوت
وجوبها من القرآن والسنة، وطرق التولي والتبرؤ، والأحكام المترتبة على ذلك. وهي من المسائل التي شغلت بالهم منذ أمد بعيد (2) من أيام جابر بن زيد
بالمشرق، وقبل قيام الدولة الرستمية بالمغرب.
فمسألة الانتقال من الولاية أو من البراءة إلى الوقوف مثلا قد ثار حولها نقاش ثري ذو أثر على الواقع الاجتماعي آنذاك، وهو نقاش أثارته القضية المعروفة
(ا) مخطوط المعالم، ص: 221.
(2) انظر دراستنا هذه الفصل الأول من الباب الثاني: المدرسة الإباضية. (1/362)
صفحة 347
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
363
بقضية الحارث وعبد الجبار، وقد كانت قبل ولاية أبي الخطاب عبد الأعلى بن
السمح التي كانت على رأس الأربعين ومائة سنة للهجرة (1)
يقول أبو مسلم الرواحي (ت: 1339 هـ): «لم يوجد ... من
جد واجتهد
في إقامة أحكام الولاية والبراءة علما مستقلا قائما بنفسه، وإنما اعتنى به غاية الله، وبالخصوص المشارقة، ذلك لأنه ركن عظيم من
الاعتناء أصحابنا رحمهم أركان الدين، فبهذا ألف العلماء الوهبيون فيه الكتب مابين مطولات ومختصرات، وسيرهم مشحونة بأحكام هذا العلم» (2).
فهو علم في حاجة ماسة إلى دراسة متأنية تقييمية تستخلص منها نتائج تفيد
الأمة الإسلامية في مسيرتها الراهنة.
ويمكننا قبل الحديث عن (الولاية) والبراءة وفق ما جاء به الثميني أن نحاول
الإمساك بزمام الموضوع فنقول:
إن موضوع الولاية والبراءة ينقسم ستة أقسام، وهو في نظرنا أشمل تقسيم للموضوع من بين التقسيمات الأخرى التي سيتضح بعض منها فيما يأتي مع الثميني، والأقسام الستة هي الآتية:
ولاية الجملة، وولاية الحقيقة، وولاية بحكم الظاهر وتسمى ولاية الأشخاص.
وبراءة الجملة،
وبراءة الحقيقة، وبراءة بحكم الظاهر وتسمى براءة الأشخاص.
(1) الدرجيني: طبقات المشائخ بالمغرب)، تحقيق إبراهيم طلاي مطبعة البعث، قسنطينة، د، ت، ط، ج 1، ص: 23 وما بعدها.
(2) أبو مسلم الرواحي، نثار الجوهر)، طبع في عهد السلطان قابوس بن سعيد، سلطنة عمان، مصوراً من خط المؤلف (د) ت ط، (د، م، ط)، ط: 1، ج 1، ص: 13. ومن أهم كتب
المشارقة في الموضوع كتاب (الاستقامة) لأبي سعيد محمد ابن سعيد الكدمي (ق: 4 هـ). (1/363)
صفحة 348
364
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
أما القسمان الأوّلان في كل من الولاية والبراءة فتوحيد، لا يسع جهلها إذا أخذ صاحبه وقامت عليه الحجة.
وأما القسم الثالث في كل منهما فطاعة يلزم المكلف إتيانها ولا يسع تركها
إذا قامت الحجة.
وضم في كل قسم أحكام مفصلة وتدقيقات تفوق دراستنا هذه، ولقد جاء
الثميني بنصيب منها.
ولقد عرف الثميني الولاية بأنها المودة والمصافاة، والبراءة بأنها: العداوة والطرح، والوقوف بأنه: عدم الحكم.
- أ - الولاية:
إن حقيقة الولاية كما يقول الثميني هي: «الحب بالجنان، والذكر باللسان
أو الميل بالقلب والجوارح، إلى مطيع لطاعته» (1).
وقد جاء فيها بالأصناف التالية:
ولاية الجملة:
ولاية الجملة: وهي
ولاية جميع أولياء الله تعالى من المسلمين الأولين
والآخرين، من الجن والإنس والأحرار والعبيد والذكران والإناث، والصغار والكبار عرفتهم أو لم تعرفهم وهي فرض عين مع البلوغ ... وتاركها مشرك، والشاك فيه [بمعنى الشاك في كون التارك مشرك] يسعه البالغ] عدم تشريكه حى تقوم عليه الحجة به، لا عدم تكفيره» (2) على اعتبار أن الكفر أدنى من الشرك (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 226.
(2) مخطوط المعالم، ص: 226.
(3) راجع (قواعد الإسلام) تعليق عبد الرحمن بكلي، ص: 58. (1/364)
صفحة 349
ولاية الحقيقة:
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
365
ويسميها الثميني ولاية المعصومين، وهي في الأصل من ولاية الجملة إلا أن المعصومين أخص من المسلمين» كما يقول، فمنهم الأنبياء والرسل والرهبان المقصودون بقوله تعالى {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ منَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ» (المائدة: (83)، وقومُ يونس، وسحرة فرعون وكل جاء فيه نص من الكتاب، سواء كان تصريحا أو كنية أو إماما، وقد جاء الثميني بأمثلة عديدة لمن تحب ولايته في هذا الصنف رجالا ونساء.
من
ونرجح تسميتها بولاية الحقيقة كما يسميها السالمي، وهي تثبت بالسنة
كذلك، إلا أن لهم في إثباتها بما أحكاما تضبطها (1).
وإنا لا نختلف كثيرا مع الثميني في أنها من ولاية الجملة إلا أنها تميزت لتخصيص الشارع أصحابها بنصوص ظاهرة.
ولاية الأشخاص:
ذكر الثميني أن أدلّة وجوب ولاية الأشخاص كثيرة، وأن منها التي يستدل بما على براءة الأشخاص. ومن الأدلة التي جاء بما قوله تعالى: {انَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالذِينَ عَامَنُوا الذينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ
يَتَوَلُ الله وَرَسُولَهُ وَالذِينَ عَامَنُوا فَإِنْ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ) (المائدة: 55 - 56).
-
فبين أن الأشخاص المتولين منهم المنصوص عليهم، ومنهم غير المنصوص عليهم. وأن الشخص المنصوص عليه ولايته توحيد، وتركها شرك، إذا تعين باسمه على لسان الرسول» (2)، وقد ذكرنا أن هذا النوع هو من ولاية الحقيقة.
(1) راجع مثلا: السالمي، مشارق) أنوار العقول)، ص: 341 وما بعدها.
(2) مخطوط المعالم، ص: 231. (1/365)
صفحة 350
366
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
أما غير المنصوص عليه: فهو الذي ينطبق عليه عند الإطلاق ولاية
الأشخاص، وهي نفسها الولاية بحكم الظاهر.
وسبب وجوب ولايته «الأعمال الصالحة ... فمن استوفى ما افترض الله عليه من علم ما لا يسع جهله وفعل ما لا يسع تركه، وترك ما لا يسع فعله، فقد حسنت هيئته وحالته» (1) وعلينا بالظواهر وحكم السرائر إلى الله كما في نصوص
المشارفة والمغاربة (2).
يقول الثميني: «ومن أخرها بعد استكمال الشروط نافق في غير المنصوص الله عند عليه من وفيه [يعني في المنصوص أشرك، سواء كان الشرك بالتضييع أو بالجهل، ومثله من تولى قبل العلم بالوفاء» (3).
وقد جاء بقول الشماخي: إن جهات الولاية أربع العلم بالوفاء، والشهرة التي لا تدفع وشهادة العدلين وشهادة العدل «الواحد) ولو كان امرأة أو عبدا. وبما أن هذه الولاية طاعة، فقد بين أنه يثاب لأجلها المتولي المائل بقلبه وجوارحه إلى المتولى المستحق الولاية، وقيل يثابان معا:
أما الأوّل: فلأدائه الفرض الواجب. وأمّا الثاني: فلطاعته وإظهار الحالة الحسنة
التي تكون سينا للاقتداء» (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 230.
(2) مخطوط المعالم، ص 234. أيضا: (مقدمة) التوحيد) وشروحها، ص: 105.
(3) مخطوط المعالم، ص 230 231.
(4) مخطوط المعالم، ص: 231 مقدمة (التوحيد وشروحها، ص: 98، الأولى أن يعتبر: جهات الولاية ثلاثة لا أربعة ما دامت شهادة العدل الواحد تكفي.
(5) مخطوط المعالم، ص: 230. (1/366)
صفحة 351
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
367
هذا، ولقد اعتبر من بين ولاية الأشخاص ولاية البيضة، وهي ولاية السلطان العادل ? كان تحت لوائه.
وذكر أن الشماخي يذهب إلى أن ولاية من كان تحت لواء السلطان العادل
من ولاية الجملة، لأن الولاية عنده قسمان ولاية أشخاص وولاية جملة. وجاء برأي المحشي أبي ستة أنّ ولاية الجملة لا قصد فيها إلى حصة في الخارج ولا يدخل فيها إلا المؤمن عند الله، بخلاف المتولى بولاية البيضة فإنما من توالى ولا تزكي، فالأحسن أن تكون قسما برأسه» (1).
ولاية العبد لنفسه:
بعد ولاية الأشخاص تأتي ولاية العبد لنفسه، ويذهب الثميني فيما يتعلق بما إلى أن على المكلف ولاية نفسه بالانقلاع من الذنوب والتوبة من المعاصي موافقا صاحب العقيدة القائل: وتجب علينا ولاية أنفسنا وذلك بالتوبة والانقلاع من الذنوب»، ومختلفا مع شيخه التلاتي الشارح للنص، في توجيه الباء (بالتوبة) إذ يراها التلاتي سببية، بينما يراها الثميني تصويرية، ولعله يريد: أنّ تحقق ولاية العبد لنفسه ليست بسبب توبته وإنما لكونه مواليا لنفسه تحصل له التوبة والانقلاع من الذنوب.
ولاية العباد الله وولاية الله لعباده:
أما ولاية العباد الله وولاية الله لعباده، فإنّ الأولى منهما تتم بـ «قبول جميع
ما أمرهم به امتثالا، وجميع ما نهاهم عنه تركا» (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 231.
(2) مخطوط المعالم، ص: 230.
(3) مخطوط المعالم، ص: 230. (1/367)
صفحة 352
368
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وأما ولاية الله لعباده فتوفيقه لهم وهدايته إياهم لامتثال المأمورات وترك المنهيات»، وهي في نظر الثميني من الصفات التي يتصف بما في الأزل فلا تنقلب على الصحيح» (1). وليس المراد منها إثبات الأفعال في الأزل» (2)، لأنّ «صفات الأفعال هي عندنا [كما يقول التلاتي شيخ الثميني مدلولات المصادر الواقع منها الاشتقاق كإيجاد الرزق الذي هو مدلول لفظ رزق المشتق منه رازق» (3).
إلى
وإذا جوّزوا وصفه تعالى في الأزل بصفات الأفعال، فهو على تقدير ردّها
معنى القدرة (4) بمعنى التعلق الصلاحي
(5)
وأمّا وصفه عزّ وجل بولاية عباده أو براءته فإنما منهم، هو لعلمه بفعلهم، وعلمه تعالى لا محالة سابق على أفعال عباده، لتحقق وقوعه، ولأنّ ما سبق في علمه تعالى لا بد من كونه قطعا، لعدم تبدّل علمه تعالى، ولذا قال الثميني: فهي لا تنقلب على الصحيح».
ويذكر الثميني أن الموحدين اتفقوا على أنّ الله موال ومعاد لم يزل عالما بما كان وما يكون وبأسماء أهل الجنة وعشائرهم وقبائلهم وعددهم، وأنه والى المسلمين بمعنى أنه وفقهم لدينه، ووالوه بمعنى أنهم امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، و عادى الكافرين وعادوه على الضدّ من ذلك، ولا يقال والى الله نفسه، ولا لم يوالها لعدم ورود الشرع بذلك» (7).
(1) مخطوط المعالم، ص: 230.
(2) مخطوط المعالم، ص: 230.
(3) الثلاثي، (نخبة المتين على أصول تبغورين)، ضمن مجموعة مختارة)، ص: 178. (4) الكندي بداية الإمداد على غاية المراد)، ص: 16.
(3) انظر هذه الدراسة، الفصل الثالث من الباب الثالث: القدرة. (6) الكندي، بداية الإمداد على غاية المراد)، ص: 86. (7) مخطوط المعالم، ص: 245 - 246. (1/368)
صفحة 353
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
- ب - البراءة:
369
يعرف الثميني البراءة قائلا: فحقيقتها «البغض بالجنان، والشتم باللسان أو
الميل بالقلب والجوارح عن عاص لعصيانه» (1).
وأصنافها وفق ما جاء به هي:
براءة الجملة
وبراءة الحقيقة
وبراءة السلطان الجائر
وبراءة الأشخاص
يقول الثميني: إن البراءة من الفروض الواجبة على المكلف عند بلوغه، وأدلة وجوبها كثيرة (2) منها قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء ... (الممتحنة: (1)، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالكُفَّارَ أولياء ... (المائدة: 57)، وقوله: يا أيها الذينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليهود وَالنَّصارى أولياء ... (المائدة: 51)، وقوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمُ أَوْلِيَاء ان اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمان ... (التوبة: 23).
ويذكر أن المختار عنده مذهب ابن بركة العماني وغيره من الأئمة أنه كلّما
سمعت في الحديث الشريف: ليس منا) فهو براءة (3).
(1) مخطوط المعالم، ص: 232.
(2) مخطوط المعالم، ص: 233.
(3) مخطوط المعالم، ص: 233. (1/369)
صفحة 354
370
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
براءة الجملة:
فبراءة الجملة مثل ولاية الجملة توحيد، وهي كذلك إذا قامت الحجة ويقصد بما: البراءة من جميع المشركين والفساق ذكرانا أو إناثا، أحرار أو عبيداء
أمواتا أو أحياء، عرفوا أو لم يعرفوا (1).
براءة الحقيقة:
وقد سماها الثميني تبعا للشماخي وابن جميع البراءة «من أهل الوعيد: وهم كل من ذكره الله على لسان رسوله، وذمه بإساءته وعصيانه، وأوجب له النار والهلاك». وجاء بأمثلة عديدة سماها ك: هامان، وقارون، وامرأة نوح وامرأة لوط،
وعاد وثمود، وغيرهم.
ويذكر الثميني دون مناقشة - أنّ الشماخي لا يمنع اعتبار هؤلاء من براءة الأشخاص إذا أُخذ كل واحد منهم بشخصه مفصلا (3).
وإنا لنعجب من ذلك نظرا لاختلاف حكمهم على المتخلي عن ولاية الحقيقة والمتخلي عن ولاية الأشخاص، وقد جاء الشماخي بنصيب منها)، وكذا حكمهم على المتخلي عن براءة الحقيقة والمتخلي عن براءة الأشخاص خاص)، وما
(5)
البراءة إلا ضدّ للولاية. فبراءة الحقيقة هي كبراءة الجملة توحيد لا يسم كبراءة الجملة توحيد لا يسع المكلف
جهلها إذا قامت الحجة.
(1) مخطوط المعالم، ص: 233.
(2) مخطوط المعالم، ص: 233.
(3) م - ن و (مقدمة) التوحيد وشرحها)، ص: 101.
(4) (مقدمة) التوحيد وشروحها)، ص: 95 و 98.
(5) (قواعد الإسلام ص: 58 و 70 و 77. (1/370)
صفحة 355
براءة الأشخاص:
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
371
هي البراءة من كلّ من رأينا منه شرا، أو سمعناه عنه ه بأحكام مخصوصة]) ... فعلينا البراءة منه، والقصد إليه بما» (2).
ولقد بين الثميني أن أدلة وجوب براءة الأشخاص كثيرة، منها قوله تعالى:
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنهُ عَدُوٌّ لله تَبَرَّاً مِنْهُ له (التوبة: 114)، وقوله: مَا كَانَ لِلنَّبِـ والذين عامَنُوا أَنْ يُسْتَغْفَرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُربى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة: 113)، وقوله: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ
أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبرو (التوبة: 84).
إن براءة الأشخاص تجب كما يقول الثميني:
بأحد أمور أربعة:
(1) أن يخبر الله عنه باسمه.
(2 أو أن يقرّ بأنه مصرّ على صغيرة، أو مقترف لكبيرة و لم يتب منها.
(3 أو أن تشاهده يفعلها.
(4) أو أن يخبر عدلان فما فوق أنه فعلها أو أنهما تبرأ منه» (3).
وهي تحب بطرق أخرى أكثر انضباطا، كما في قول السالمي:
براءة الظاهر حكما تجب بواحد من أربع تعتقب
عيان أو إقرار أو ش
هادة عدلين أو حق أتى بشهر
(1) (مشارق أنوار العقول)، ص: 348 وما بعدها.
(2) مخطوط المعالم، ص: 233.
(3) مخطوط المعالم، ص: 234.
(4) السالمي، بحجة الأنوار راجع، مشارق العقول)، ص: 347 وما بعدها.
(+) - (1/371)
صفحة 356
372
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
والذي يظهر، فإن الثميني قد ساير الشماخي في مذهبه دون تمحيص، ومذهب الشماخي في الولاية والبراءة أنّ كلا منهما قسمان: ولاية جملة وولاية أشخاص، وبراءة جملة وبراءة أشخاص (1)، وقد أشرنا قبل قليل إلى أن في ذلك خلالا، حيث إن براءة الأشخاص هي غير براءة الحقيقة.
فقول الثميني: تجب براءة الأشخاص بأمور أربعة منها: (أن يخبر الله عنه باسمه)، قول يؤدي إلى براءة الحقيقة الثابتة التي لا تتحوّل، فهو إخبار لا يؤدي إلى براءة الأشخاص المحكوم عليهم بحكم الظاهر والذي قد يخالف الحقيقة، وما جاء به السالمي أسلم وأوضح. وعلى العموم فإنهم قد شدّدوا في الطرق المؤدية إلى الحكم بالظاهر، لأنّ البراءة خلع كما يقول السالمي، ولهم في ذلك أحكام مفصلة لا يتسع المقام لتناولها قد جاء الثميني ببعضها، نذكر منها: أنه لا يبرأ من المشهور في الخير شهرة أو شهادة (2)، ومن تبرأ من مُتَوَلى برئ منه ولو كان متولّى، ومن تبرأ منه
متوليان برئ منه (3).
البراءة من السلطان الجائر
تحدث الثميني وأثبت البراءة من السلطان الجائر وكاتبه ووزيره وخازنه وجميع من يعينه على ظلمه وأما من كان تحت لوائه فلا، لأنه ربما كان فيه مسلم فلزمه تقية على نفسه أو ماله» (4)، وقد جعله قسما بنفسه دون أن يطيل الحديث فيه.
(1) مخطوط المعالم، ص: 231. راجع (مقدمة التوحيد وشروحها)، ص: 85 وما بعدها.
(2) مخطوط المعالم، ص: 234. (3) خطوط المعالم، ص: 232. (4) مخطوط المعالم، ص: 233. (1/372)
صفحة 357
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
373
ونبه كما فعل الشماخي من قبل إلى أنّ المتولى إذا قارف كبيرة فعلينا
استتابته، فإن أصر تبرأنا منه، وقيل: يبرأ منه ثم يستتاب، وإن تكر منه الفعل والتوبة، فكذلك الحكم إلى ثلاث ثم لا عليك منه».
وذكرا أن أبا عبيدة قال: علينا استتابته دائما حتى يكون الشيطان هو الخاسر». ونبها كذلك إلى أنه لا تبرأ من الفاعل حتى تعلم أن الفعل كبيرة، وإن من عالم واحد أنّ الفعل كبيرة فتبرأ ولا عليك إن سبق الأخذ، وإلا فلا بد من اثنين، وهو على ما كان عليه حتى تسأل إن جهلت ... » (1).
أخذت
ولهم في المسألة تفصيلات أخرى.
- ج – الوقوف:
وإذا انتقلنا إلى الوقوف فإننا نجد غير الثميني قد تحدث عنه بالتفصيل، كالساني (2) والجيطالي (3)، وأما الثميني فمرّ بما عابرا ولذلك فلا يستفاد شيء منه إلا ما يستخلص من ثنايا ما جاء به في الولاية والبراءة.
إن الوقوف كما يعرفه الثميني هو عدم الحكم، ولقد تحدث عنه عندما أورد الاختلاف الخاص بين المسلمين في ولاية أطفال المشركين أو البراءة منهم أو
الوقوف فيهم، وقال: «قال أيمتنا بالوقف فيهم» (4).
وعليه فهذا موطن من مواطن الوقف، ومن مواطنه كذلك حسب تفسير الثميني قول المشايخ لا انتقال من الولاية إلا إلى البراءة، على أنه محمول على
(1) مخطوط المعالم، ص: 234. مقدمة التوحيد وشروحها)، ص: 103 وما بعدها.
(2) السالمي، مشارق أنوار العقول)، ص: 370 وما بعدها. (3) الجيطالي (قواعد) (الإسلام، ج: 1/ص: 92 وما بعدها. (4) مخطوط المعالم، ص: 232. (1/373)
صفحة 358
374
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
الولاية الذاتية، لا على الولاية بالتبع كما هو حاصل في ولاية أطفال المسلمين، فهي
ولاية بالتبع لآبائهم، وهي موطن آخر من مواطن الوقوف.
يقول الثميني: ضدّ الولاية البراءة، فلا يجوز الانتقال من أحدهما إلى الوقوف فيمن كانت ولايته أو براءته لذاته، لا بالتبع لغيره، كأطفال المسلمين الذاهبة ولايتهم ببلوغهم، فإنهم ينتقل فيهم من الولاية إلى الوقوف» (1).
وبالوقوف نختم عرضنا عن بعض ما جاء به الثميني حول الولاية والبراءة
والوقوف، وهي من الواجبات التي تلزم المكلف فيما يذهب إليه الإباضية. ولا يفوتنا ونحن ننهي حديثنا عنها أن ننبه إلى أنها أبحاث مازال الدرس والتنقيح يبغيها، وما جئنا به هنا نرجو أن يكون لبعض مسائلها مجليها، وأن يكون عرضنا لكل مسألة لها أهميتها في الموضوع وجاء بكما الثميني على الخصوص، مستوفيها.
هذا، ومما جاء به الثميني حول واجبات المكلف حديثه عن الخوف والرجاء) وهي من المسائل الهامة التي أولى الإباضية عنايتهم بما، وقد تحدث الثميني
عنها بكثير من العناية.
(4) الخوف والرجاء
تحدّث الثميني عن الخوف والرجاء في عدة كتب له نذكر منها كتابه (عقد الجواهر من بحر (القناطر) وكتابه (النور) وكتابه (النيل) الذي عقد فيه شارحه الحاج امحمد اطفيش بابا سماه باب وجوب الخوف والرجاء.
لقد بين الثميني أن الواجب على المكلف أن يوازن بين الخوف من عذاب
الله والرجاء في رحمته فلا خوف يؤدي إلى القنوط والإياس، ولا رجاء يؤدي إلى
الأمن والخسران، يقول الثميني:
(1) مخطوط المعالم، ص: 230. (1/374)
صفحة 359
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
375
على المكلّف: «أن يخاف من عذاب الله ويشفق منه، بحيث لا يخرجه الإفراط في الخوف إلى الكفر وهو الإياس من رحمة الله، وأن يرجوها ويطمع فيها بحيث لا يخرجه الإفراط في طمعه إلى الخسران وهو الأمن من مكر الله أولَئِكَ الذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيهُمُ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ» (الإسراء: 57» (1).
وليبين الأهمية النفسية لكل منهما في فعل الطاعات وترك المنهيات يقول:
د بل الواجب عليه الخوف الخالي من القنوط، والرجاء الخالي من الغرور، فهما سرطان زاجران الخوف زاجر رادع عن المعاصي والمناهي، والرجاء داع باعث إلى فعل الطاعات والمأمورات، وضدّهما الأمن والإياس، ولا يصح الخوف خاليا من الرجاء، وإلا كان إياسا، ولا الرجاء خاليا من الخوف، وإلا كان أمنا» (2). هذه بعض واجبات المكلّف التي جاء بما الثميني، وحديثنا عن واجبات المكلف يجرنا حتما إلى الحديث عن مسؤولية المكلف، وهي مسألة لها موقعها فيما كتبه المتكلمون والفلاسفة المسلمون، ولها شأنها فلسفيا وعقائديا لآثارها النفسية والاجتماعية والميتافيزيقية، ولذا فلا يمكن أن نتجاوزها دون أن نأتي بشيء حولها وخصوصا حين
كان الثميني قد تعرض لها في ثنايا كتابه، ولتناولها تحت عنوان: (أفعال العباد).
VII أفعال العباد:
إن التعرض في دراستنا لأفعال العباد ينال مسائل شتى، منها تحديد مسؤولية الفرد المكلّف، ومنها ما يتعلق في الفعل بالجانب الإلهي، ومنها ما يتعلق فيه بالجانب
(1) مخطوط المعالم، ص: 224.
(2) مخطوط المعالم، ص: 159. (1/375)
صفحة 360
376
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
الإنساني، ومنها: مسألة الصلاح والأصلح، ومسألة التحسين والتقبيح، ومسألة خلق الأفعال، ونظرية الكسب والاستطاعة، ومسألة الجبر والاختيار. والقدر سرّ الله.
لقد نالت عناية الثميني كلا من هذه المسائل، ولنتابع هذه المسائل، ولنتابع سيرنا معه طبقا
للمنهج الذي قررناه في المقدمة فنتعرف على رأيه فيها.
الصلاح والأصلح:
رفض الثميني مبدأ وجوب مراعاة المولى عز وجل الصلاح والأصلح للعباد، وذلك لأنه عزّ وجل يفعل في ملكه ما يشاء، ولهذا ينكر مبدأهما على المعتزلة، ويرى أنه أصل فاسد لأنه لو وجب مراعاة الصلاح والأص والأصلح لمـ وجدت محنة أصلا ... »
(1)
فالله لا يجب عليه شيء، لأن أفعاله تعالى سواء بالنسبة إليه، ولأنه مختار في جميعها فلا يجب عليه شيء منها وجوبا عقلي (2)، على الرغم من أن لفظة الوجوب قد وردت عند علماء الإباضية كقولهم: وجوب الثواب والعقاب، وقد أوقفت الثميني ليوضح المراد منها:
على أنها أنها
وجوب بمقتضى حكمته، وكذا ما يذكره الفقهاء من علل الأحكام
إنما هو بالجعل الشرعي تفضلا، لا بالحكم العقلي وإيجابه الأحكام (3).
هذا، وإن الثميني لا يمنع صدور ما يصلح الخلق من العليم الحكيم، لكن لا بالوجوب، ولذلك نجده في رده على اليهود القائلين بأن النسخ يؤذن بالبداء، يقول: إن المولى بكل شيء عليم والحكمة مقتضاة كان الحكم ونسخ الحكم، وأنه
(1) مخطوط المعالم، ص: 159.
(2) مخطوط المعالم، ص: 159.
(3) مخطوط المعالم، ص: 159. (1/376)
صفحة 361
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
377
لا يمتنع في الحكمة أن يأمر الحكيم بشيء ثم ينهي عنه في وقت آخر لعلمه بصلاحه في الحالتين: «هذا [كما يقول -] إذا تنازلنا إلى القول بمراعاة الصلاح والأصلح، وإلا فمعتقدنا أن الله سبحانه يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد» (1).
التحسين والتقبيح
بين الثميني أيضا فساد مذهب المعتزلة في أن العقل يدرك حكم الشرع في
الأفعال، وإن لم يبعث نبي، على تقدير أصل التحسين والتقبيح.
وبين أنّ «الأمة اجتمعت ... على أن الله أوجب على العبد العاقل
الإيمان، ثم اختلفوا:» (2).
فقالت الإباضية: «أوجب الله على العباد معرفته، سمعوا أو لم يسمعوا، وكذا ما يدعو إليه الرسول عليه السلام، لأنّ الحجّة فيما لا يسع إلزام الله العبد، وهو موجود في العاقل، فلا عذر لأحد» (3).
وأوجبت المعتزلة والأشعرية عليه الإيمان بوجوب النظر أوّل البلوغ).
وأما الثميني فيرى أن وجوب أصحابه الإيمان يختلف عن وجوب المعتزلة والأشعرية، إذ يقول: «فإذا كانت الأشعرية قد رجعت إلى المعتزلة في التحسين العقلي فحكموا بوجوب الإيمان مع عدم الشرع .. فإن ذلك لا يلزمنا لأن الحجة عندنا الإلزام، فكل من بلغ الحلم فقد أوجب الله عليه المعرفة، سمع أو لم يسمع، نظر أو لم ينظر» (5).
(1) مخطوط المعالم، ص: 195.
(2) خطوط المعالم، ص: 134. (3) م - ن.
(4) مخطوط المعالم، ص: 135.
(5) م - ن. (1/377)
صفحة 362
378 الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ويعني
هذا عنده - فيما يبدو الإلزام عن طريق الشرع لا العقل.
ذلك فإنه يؤكد أن للعقل مكانة حيث يقول: «والأصح أن العقل حجة وسع كما أن الشرع حجّة، وهو مذهب الإمامين أبي يعقوب [الوارجلاني]، وابن بركة العماني، ووافقهما، جماعة، وصوّبه الشماخي، وهو عندهم يحسن ويقبح كالشرع» (1). ولما كانت هذه المقولة شبيهة تماما بمقولة المعتزلة، ذهب يوضح الفارق بين
ما يقوله هو وأصحابه وما يقوله المعتزلة، حيث يقول:
فإن قلت: فررتم من أهل الفكر ثم رجعتم إليه، قلتُ: إن التحسين عند أهل الفكر للعقل مطلقا مع الشرع ومع عدمه ... إلا فيما لا يرجع إلى العقل، وعند أصحابنا أن العقل يحسن ويقبح عند عدم الشرع، فإن ورد الشرع بخلافه، ترك
ورجع
التحسين والتقبيح للشرع، فالحاكم في الحقيقة هو الشرع» (2).
ولذا فإن الشبه بين ما يذهب إليه الأئمة السابق ذكرهم، والثميني منهم، وما يذهب إليه المعتزلة في تحكيم العقل ليس بحاصل، لأنّ «الفرق ظاهر بين المذهبين، فإنّ مذهب المعتزلة: أن الحاكم هو العقل، وأن الشرع تأكيد له ولا يرد بما يخالف العقل، وأما مذهب أولئك الأئمة: فإنّ الحكم قبل ورود الشرع عندهم إنما هو إلى العقل، وبعد وروده فهو الأصل، وقد يرد بما يخالف العقل فحصل الفرق» (3).
ومن. هنا فإن الأفعال لا توصف بالخير والشر لذاتها حسبما يرى الثميني- وأن ذلك مذهب المعتزلة، وأنّ الذي أدّاهم إلى القول بأنّ الله لا يفعل الشر إنما هو
مبدأ التحسين والتقبيح العقلي عندهم.
(1) مخطوط المعالم، ص: 135.
(2) م - ن.
(3) مخطوط المعالم، ص: 159، راجع السالمي، مشارق) أنوار العقول) ص: 42 وما بعدها. (1/378)
صفحة 363
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
379
وذهب به القول إلى وصفهم بأنهم سلكوا مسلك الثنوية القائلين بإخين
حين قالو: فاعل الخير يقال له خير وفاعل الشر يقال له شرير، فالشر قالوا ليس من فعل الله» (1).
والذي أجابهم به المتكلمون ومنهم الثميني «أنّ الأفعال تنسب إلى الله، من حيث تجددها وافتقارها إلى المخصص، وذلك لا يختلف بكونها خيرا وشرا، فإنهما أمران إضافيان ليسا من صفات نفس الأفعال، فإن قتل الشخص المعين قد يكون شرا بالنسبة إلى أوليائه، وخيرا بالنسبة إلى أعدائه، وإذا تحقق أن الحسن والح يرجعان إلى الشرع، فمعنى الحسن هو المقول فيه افعلوه، ومعنى القبيح هو المقول فيه لا تفعلوه، وذلك لا يتحقق إلا بالنسبة إلى العباد فالأفعال كلها بالنسبة إلى الله تعالى حسنة، إذ معنى الحسن ما لفاعله أن يفعله وما ورد الثناء على فاعله والأفعال كلها بالنسبة إلى الله تعالى، كذلك لأنّ له تعالى أن يفعل كل ممكن، وهو المثنى عليه بكل كمال» (2).
هذا بيان الثميني بصريح عبارته، وأما قول المعتزلة أن فاعل الشر شرير فليس بلازم [كما يقول الثميني] لأنّ أسماءه تعالى توقيفية، أو يقال إنما لا يطلق ذلك لما فيه من النقص الذي يجب تتريه الباري تعالى عنه، والله الأسماء الحسنى» (3). وهكذا فالمعتزلة حين أبت أن تنسب فعل الشر إلى الله لأنها قالت: إن العدل الإلهي يقتضي أن تهدف أفعال الله كلها إلى ما هو حسن، ويقتضي الحكم على الفعل حسن أو قبيح الرجوع إلى وجوه عائدة إلى الفعل وليس لمجرد أمر الله به أو نميه عنه، وإن العقل قادر على كشف وجوه الحسن أو القبح في كل فعل بعينه
أنه
(4)
(1) مخطوط المعالم، ص: 133.
(2) م - ن.
(3) م - ن.
(4) احمد محمود صبحي (في علم الكلام)، ج: 1 ص: 153. (1/379)
صفحة 364
380
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
وذهبوا إلى أنّ الأمر يستلزم الإرادة بمعنى أنّ كلّ ما أمر الله به فقد أراده وأن النهي يستلزم عدم الإرادة، فجعلوا إيمان الكافر مرادا الله لكونه مأمورا به وكفره غير مراد له لكونه منهيا عنه» 1
(1)
والذي يقوله الثميني: «نحن نعلم أن الشيء قد لا يكون مرادا ويؤمر به، وقد
يكون مرادا وينهى عنه، الحكم ومصالح يحيط بما علم الله تعالى، ولأنه لا يُسْأَلُ عَمَّا ولاَ يَفْعَلُ (الأنبياء، 21» (2). وهم لقولهم إنّ المعاصي لم يردها الله، وبالتالي لم يأمر بما هم
قادحون في الألوهية لأن ما وقع منها من العباد فهو واقع على غير إرادته عزّ وعلا. إنهم أنكروا إرادة الله تعالى الشرور والقبائح، حتى أنه أراد من الكافر و الفاسق إيمانه وطاعته لا كفره ومعصيته، زعما منهم أن إرادة القبيح قبيحة كخلقه وإيجاده، ... فعندهم يكون أكثر ما يقع من أفعال العباد على خلاف إرادته تعالى، فوقعوا بذلك فيما هو أشنع مما فروا منه» (3).
يقول الثميني: ونحن نمنع ذلك، بل القبيح كسبه [الشر] والاتصاف به» (4). وعلى هذا، فهو يرى أن المشيئة مرادفة للإرادة والحب مرادف للرضا اللذين هما مستلزمان للولاية، وإنّ الأولين أعم مطلقا لاجتماع الكل في إيمان أبي بكر رضي الله عنه مثلا، فإنه أراده وشاءه وأحبه ورضيه، وانفراد الإرادة والمشيئة في كفر أبي لهب فإنه تعالى شاءه وأراده وإلا لما وقع، ولم يحبه و لم يرضه .. بل
سخطه وأبغضه» (5).
(1) مخطوط المعالم، ص: 107.
(2) مخطوط المعالم، ص: 107.
(3) م - ن.
(4) م - ن.
(5) م - ن. (1/380)
صفحة 365
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
381
«فالرضا هو الإرادة مع عدم الاعتراض، بمعنى أنه قد يريد الله سبحانه شيئا، ويعترض عليه ككفر أبي هب مثلا، فإنّه أراده واعترض عليه إقامة للحجة عليه بأنه لم يرضه وأمره بالإيمان الذي لا يقدر أن يأتي به لعجزه عنه بإشغاله
(1)
بالكفر المانع له منه للإلزام وقطع العذر مع ما في ذلك من الخفاء الموجب للحيرة المزالة» (2) بإذن الله.
وحقا هي حيرة؟ وهل حقا هي مزالة؟
لنر ما جاء به الثميني حول المسألة منثورا هنا وهناك في كتابه (المعالم):
خالق الفعل
مرت الإشارة إلى أنّ المعتزلة تقول إن الله لا يفعل الشر ولا يخلقه، وأنّ
خالق الشر والمعاصي إنما هو الإنسان بقدرة أودعها الله فيه.
والذي يراه الثميني شأن المتكلمين وهو يثبت بدليل التمانع وحدانية الله في صفاته وأفعاله: أن الله «هو الموجد لأفعال العباد من غير تأثير لقدرتهم فيها، بل هي موجودة مقارنة لها، خلافا للمعتزلة في دعواهم أنها هي المؤثر في أفعالهم على وفق اختيارهم ولا تأثير للقدرة القديمة أصلا في تلك الأفعال الاختيارية، ولا جريان لها على وفق إرادة الله تعالى» (3).
ووجه استدلاله بدليل التمانع - مع إقراره أنّ «اللازم للمذهب ليس بمذهب على الأصح» (4) - «أنّ اللازم في تعدد الآلهة ثبوت العجز للإله عند عدم نفوذ
(1) هكذا بخط المؤلف، وفي المخطوط (ب): باشتغاله.
(2) مخطوط المعالم، ص: 107.
(3) مخطوط المعالم، ص: 138.
(4) مخطوط المعالم، ص: 292. (1/381)
صفحة 366
382
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
إرادته، وذلك بعينه لازم في مذهب المعتزلة، فإنهم جعلوا تعلق قدرة العبد وإرادته بالفعل، مانعا من تعلق قدرة الله تعالى وإرادته بذلك الفعل، مع القطع بأن ذلك جملة الممكنات التي قام البرهان القطعي على وجوب تعلق قدرة الله تعالى وإرادته بالوصف العام لجميعها» (1).
الفعل من
ونتيجة لذلك، صار الفعل الواحد قد توجهت نحوه قدرة العبد وإرادته، وقدرة مولانا وإرادته ... وإن الذي نفّذ وأثر في الفعل والحالة هذه إنما هو أضعف القدرتين وأوهن الإرادتين وهما قدرة العبد وإرادته» (2).
والذي نعلمه أنّ المعتزلة لا تقول بأنّ المولى عز وجل عاجز عن الفعل الذي أوجده العبد، لأنهم يقولون: «إنّ العباد يفعلون ما أمروا به ونموا عنه بالقدرة التي خلقها الله لهم، وركبها فيهم فيطيعوا ... ويتركوا المعاصي، وأن أحدا لا يقدر على قبض و بسط إلا بالقدرة التي خلقها عزّ وجل، وهو المالك للقدرة التي في العباد، لا يملكها العباد معه ولا دونه جل وعزّ عن ذلك، يبقيها فيهم ما شاء، ويفنيها إذا شاء، إلا أنه إذا أفناها رفع التكليف والأمر والنهي» (3).
والثميني لا يوافقهم على ذلك فهو يرى أنه لا ينفعهم ما يجيبون به من عدم لزوم عجزه تعالى عند ذلك الفعل الذي أوجده عبده، لأنه تعالى قادر أن يوجده بأن يسلب عبده القدرة عليه والإرادة له، ويلجئه إلى الفعل كما يفعل
المرتعش ونحوه» (4).
(1) مخطوط المعالم، ص: 138.
(2) مخطوط المعالم، ص: 138.
(3) فؤاد سيد فضل الاعتزال، ص: 63.
(4) مخطوط المعالم، ص: 138. (1/382)
صفحة 367
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
383
والذي يظهر، هو أنهم لم يقولوا بقدرته عزّ وجل على سلب قدرة العبد
فيفعل كالمرتعش وإنما هو قادر على سلبها مع رفع التكليف عنه.
ومهما يكن، فإنّ الثميني يرى أنّ «عجز الإله وكونه مغلوبا على إيجاد ممكن مستحيل مطلقا» (1)
ويردّ على المعتزلة: بأنّ الذي يؤثر في فعل العبد هو أضعف القدرتين وأوهن الإرادتين فيقتضي أنه تعالى لا يتمكن من إيجاد فعل العبد إلا عند عدم قدرته وإرادته، وأما مع وجودهما فلا، فإنّ ذلك الفعل الممكن يتعاصى عليه، ولا يتمكن من إيجاده، فإنه تغلبه قدرة العبد وإرادته
(2)
ويرد أيضا على قولهم بأنّ إثبات القدرة للعبد لا يقتضي لزوم عجز الله عن ذلك الفعل، فيقول مستندا على مبدإ الصلاح والأصلح: «إنّ جوابكم المذكور لا يستقيم على أصلهم الفاسد من وجوب مراعاة الصلاح والأصلح عليه تعالى، وإنه [حسب مبدئهم هذا] يستحيل في حقه أن يسلب العبد القدرة التي خلق له بعد أن بل يجب أن يمده بما تتيسر عليه به الأفعال» (3).
كلفه
وبالفعل، فإن المعتزلة تقول بالحتمية الطبيعية، والسببية الإنسانية، لأنها فهمت الحتمية على معنى أن الله هو الذي خلق الشيء بطبيعة لها أحكامها من داخلها، وهو الذي أقدر الإنسان أيضا على خلق أفعاله بوضع القدرة فيه، مما جعل العلل عندهم موجبة لمعلولاتها في أفعال الطبيعة، وفي أفعال الإنسان إذا ما تعلق السبب بذات الفاعل مع ارتفاع الموانع والعوائق، ولذا فكل ما يقع من العبد بسبب منه فهو فعل له (4).
(1) مخطوط المعالم، ص: 138.
(2) مخطوط المعالم، ص: 139.
(3) مخطوط المعالم، ص: 139.
(4) سميح غنيم (فلسفة القدر في فكر المعتزلة)، ص: 122 - 125. (1/383)
صفحة 368
384
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
الكسب والاستطاعة
إن القدرة التي تحدثت عنها المعتزلة وجعلت لها قوة إيجاد فعل العبد مستقلة بلغت إلى حدّ الخلق، هي التي لفظتها مختلف الفرق الإسلامية المؤمنة بأنّ الله هو المتفرد بالخلق، الفعال لما يريد، القائل: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى
وكيل (الزمر: 62).
ذلك لأنّ «الاختلاف بين المعتزلة وأهل السنة إنما مرجعه إلى الخلاف في
قاعدة كلامية مهمة، وهي إسناد جميع الممكنات إلى الله تعالى بلا واسطة» (1). وإذا كان الأمر كذلك فما موقع المكلف مما يأتي وما يذر؟
يقول الثميني: «قد اختلف في حد الفعل من حيث هو فعل، وأصح الأقوال فيه على قاعدة أصحابنا، ومن وافقهم فيه أنه عرض يوجد مع عرض يوجد مع الاستطاعة، وهذه المسألة مترجمة بمسألة الكسب، وهي من غوامض مباحث علم الكلام» (2). ومع كونها من غوامض مباحث علم الكلام، وحيث أن الثميني قد تناولها،
فإنه يلزم توضيحها حتى لا يشتبه أمرها على ضعفاء النفوس ومغرضيها. تحدّث الثميني عن الكسب وعن الاستطاعة، وبيّن أنه لكون العبد مكلفا ولأنه لا خالق سوى الله قال المتكلمون بالاكتساب. فهو يقول: إنه «والحق أن العبد لا يخلق أفعاله، وإنما هو مكتسب لها ضرورة تعلق التكليف بما، فإنا نعلم بالبرهان أن لا خالق سوى الله» (3).
(1) عبد العزيز المجذوب أفعال العباد في القرآن ص: 107. عن مصطفى صبري (موقف البشر تحت سلطان القدر) ص: 202 والذي يراه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: فإن المعتزلة من جمهور علماء المسلمين ويأخذون في قضية الجبر والاختيار بمبدأ التوسط بينهما فهم بين الجبرية والقدرية إلا أنهم إلى
طرف القدر أقرب. انظر أصول النظام الاجتماعي في الإسلام) ص: 63 وما بعدها.
(2) مخطوط المعالم، ص: 141.
(3) م - ن. (1/384)
صفحة 369
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
385
فالكسب متعلق التكليف الشرعي، وهو درجة متوسطة بين
مذهب الجبرية، ومذهب القدرية.
هو الذي
كلف
ذهبين:
فمتعلق التكليف كما يقول الثميني] أو وجود المقدور مع القدرة الحادثة به الشرع فيما كلف به، لأنّ وقوع ذلك المقدور عاريا من تلك القدرة ... قد تفضل مولانا سبحانه علينا بإسقاط التكليف بنفيه بأن ينهى عنه، وبإثباته بأن يؤمر به» (1).
(1)
من
والشريعة قد جاءت بإسقاط التكليف بالأفعال التي لا يتمكن العبد فيها عادة الاتصاف بوجودها وعدمها، وبالتكليف بما تيسر منها على العبد عادة فعله وتركه» (2). وهكذا، فإنّه يفهم من قول الثميني أن هناك قدرة، بيد أنها أدنى درجة من القدرة التي أثبتتها المعتزلة وهي أدنى دون شك مادام رفض نظرية المعتزلة في القدرة
الخالقة حاصلا.
ومع دنوها فإنّ الشبه حاصل أيضا بينها وبين التي ذكرها البلخي من المعتزلة). والثميني حين أثبت القدرة الحادثة فإنه لم يكن يعنيه منها جانب التأثير بقدر ما كان يعنيه منها جانب الكسب.
وهو لهذا الاعتبار، ردّ قول المعتزلة: «لو لم يكن لقدرة العبد تأثيره في فعله لما صح أن يثاب عليه أو أن يعاقب»، ردّه بقوله: «جهة الكسب كافية في حصول الثواب والعقاب في فعله دون ما ذكروه» (4).
وجهة الكسب تحصل بالاختيار، ومعنى اختيار العبد: أنه إذا سنح بباله
فعل شيء تردّد في فعله وتركه.
(1) مخطوط المعالم، ص: 144.
(2) من
(3) فؤاد سيد فضل الاعتزال)، ص: 63، راجع ما مر قبل قليل في عنصر: خالق الفعل.
(4) مخطوط المعالم، ص: 144. (1/385)
صفحة 370
386
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
ونشأ عن تردّده الميل إلى أحد الجانبين وترجيحه، فالميل هو المعبر عنه بالإرادة والترجيح هو المعبر عنه بالاختيار، فإذا طفق في محاولة الفعل وترجيح وقوعه، فالمخرج له من العدم إلى الوجود هو الله سبحانه وتعالى» (1). ولعلّ هذا الاختيار هو نفسه القصد عند الماتريدي، لأن القصد عنده عنصر هام من عناصر حرية الإرادة، وهو مناط التكليف وأساس الثواب والعقاب والمدح والذم فالمرء يقصد فعل الخير أو فعل الشر، والله يخلق فيه القدرة على فعله ويستحق المرء الثواب على قصده إن كان خيرا، ويستحق العقاب إن كان شرا.
فالقصد عنده عمل إنساني، خالص، وأنه وإن كان عملا ذهنيا، إلا أنه تترتب عليه أثار خارجية، لأن الفعل في ذاته لا يستوجب ثوابا ولا عقابا، وإنما الذي يستوجبهما هو قصد المرء وإرادته (2).
ولقد مرّ بنا آنفا في حد الفعل: «أنه عرض يوجد عرض يوجد مع الاستطاعة» فما
الاستطاعة هذه؟
هي
قبل الإجابة وفق ما جاء به الثميني، يجدر بنا أن نشير إلى أنها مسألة شغلت بال الإباضية منذ أمد بعيد، إذ نجد وائل بن أيوب الحضرمي في المشرق، وهو من الطبقة الرابعة قد ناظر فيها المعتزلة (3)، ونجد بالمغرب (الجزائر) الإمام أبا اليقظان محمد بن أفلح الرستمي، وهو من الطبقة السادسة، قد «ألف تأليفا مشتملا على
(1) مخطوط المعالم، ص: 142.
(2) راجع إبراهيم مدكور في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه) ج: 2، ص: 123 - 124. أيضا: علي عبد الفتاح المغربي، أبو منصور الماتريدي وآراؤه الكلامية) ص: 432 وما بعدها. (3) الجعبيري، (البعد الحضاري)، ص: 469419. عن الدرجيني الطبقات 273/ 2 وما بعدها - الشماخي (السير)، ص: 105. (1/386)
صفحة 371
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
387
أربعين جزءا في الاستطاعة» (1) لأنها محل الاختلاف بين المتكلمين بعد إجماعهم
على أنها الموجبة للفعل (2).
عندنا يقول الثميني: هي وعند الأشاعرة مع الفعل خلافا للمعتزلة، وهي سبحانه في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية، بمعنى أنه تعالى
عرض يخلقه الله
يخلقها عند قصد اكتساب الفعل بعد سلامة السباب والآلات» (3).
وهو على رأي الجمهور في أنها شرط لاكتساب الفعل، حيث يقول: «والحق
أنها شرط لاكتساب الفعل .. لا علة» له.
ولقد جوّز إطلاق اسم الاستطاعة على سلامة الأسباب والآلات والجوارح، وأثبت أن هذه الاستطاعة المعتمدة في صحة التكليف ولا يكلف العبد بما
ليس في وسعه (4).
تحدث
هي
وإذا كانت الاستطاعة مع الفعل كما يقول الثميني، فإن (تيبغورين) الذي عن الاستطاعة مطولا يقول: «إن الدليل على وجود الاستطاعة مع الفعل عدم الفعل عند الزمانة، إذ لا بد أن يوجد شيء ضدا وخلافا لما يوجبه ضده،
ويعدم
ما
يوجده ضده، وهذا موجود عند كل عاقل» (5).
وحسب الحاج امحمد اطفيش في تعليقه على الضد فإن: «بيان ذلك أن يقال: إن الزمانة ضد الاستطاعة والزمانة توجب عدم الفعل، فتكون الاستطاعة موجبة للفعل الذي هو ضد عدم الفعل الذي توجبه الزمانة» (1)
(1) الدرجيني، (الطبقات)، ج: 2 / ص: 319.
(2) تيبغورين بن عيسى الملشوطي، (أصول الدين)، مخ، ص: 45.
(3) مخطوط المعالم، ص: 260.
(4) م - ن.
(5) تيبغورين (أصول الدين)، مخ، ص: 46.
(()) الحاج احمد اطفيَّش تعليق على أصول الدين) لتبغورين، مخ، ص: 46. (1/387)
صفحة 372
388
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
جبر أم اختيار؟
إننا وإن بينا أن الثميني قد ذكر قدرة حادثة للعبد، وأن له اختيارا للفعل، وأن هناك استطاعة وكسبا، فإننا نجد في مقابل ذلك أنّ القدرة هذه، وهذا الكسب، غير جلي المعالم بمعنى أن الكسب ما هو إلا محاولة للتخلص من القول بالجبر.
لقد ثبت لدينا أن الثميني يؤكد أنّ «المختار منا لا يوجد فعلا أصلا، لا في حق نفسه ولا في حق غيره، وإنما الموجد لذوات الحوادث وجميع أفعالها عموما هو الله تعالى ... فالذوات كالظروف للأفعال المخلوقة فيها، يخلق الله سبحانه منها ما شاء كيف شاء والظرف والمظروف كلاهما فعل الله تعالى لا تأثير لبعض في بعض فتبارك من لا شريك له في ملكه ولا مدبر له معه في تدبيره» (1)
و بسبب تأكيده هذا يكون قد صرّح بمقولة جبرية خالصة، وربما كان ذلك
لانبهاره بعظيم جلاله عزّ وعلا وبمطلق قدرته وإرادته تبارك اسمه وتعالى. ولا ضير في ذلك وهو يفسر الكسب بصرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل، وأما إيجاد الفعل عقب ذلك الصرف فهو خلق من الله.
يقول الثميني وتحقيقه أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل کسب وإيجاد الله تعالى الفعل عقب ذلك الصرف خلق، والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين بجهتين مختلفتين، تحت قدرة الله بجهة الخلق، وتحت قدرة العبد بجهة الكسب» (2).
ولشبهة صدور المقدور الواحد بقدرتين، خاصة وأن إحداهما قدرة الإله،
يقول الثميني:
(1) خطوط المعالم، ص: 91.
(2) مخطوط المعالم، ص: 141. (1/388)
صفحة 373
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
389
«لا يقال قام البرهان على وجوب استقلاله تعالى بخلق الأفعال
والمقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين كما يستلزمه إثباتكم للعبد – مع خلق الله فعله - كسبه.
الأنا نقول: لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله سبحانه، وبالضرورة أن القدرة العبد وإرادته مدخلا ... احتجنا في التخلص عن هذا المضيق إلى القول بأن الله تعالى خالق والعبد كاسب» (1).
ولكنه تخلّص لم يستطع أن يجعل العبد يطمئن لعدم جبر يحيط به، وهو الذي
شعر به الثميني أيضا، فاستدرك قائلا:
«لا يقال: الجبر لازم لكم حيث لم تجعلوا للعبد تأثيرا في أفعاله، لأنا نقول: إن الجبر المحظور هو الحسي، وأمّا العقلي وهو سلب الخالقية عن العبد، فهو متوجه على جميع الفرق، بل هو محض الإيمان. كما أن ما أراده الله من العبد لا بد من وقوعه باختياره، فإن الوجوب بالاختيار محقق للاختيار لا مناف له» (2).
وهو جواب لا يصمد أمام الزامات القاضي عبد الجبار)، وهو في حاجة إلى مزيد الدرس لولا أن الثميني قد نص على أن هذا القدر من المعنى ضروري، وإن لم نقدر على أزيد منه في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد وإيجاده ما للعبد فيه من القدرة والاختيار» (4).
خلق الله
(1) مخطوط المعالم، ص: 141.
(ش) مخطوط المعالم، ص: 142.
(3) القاضي عبد الجبار بن أحمد (شرح) الأصول (الخمسة تعليق الإمام أحمد بن الحسين بن أبي
هاشم تحقيق وتقديم: عبد الكريم، عثمان مكتبة وهبة، ط: 1، 1965، ص: 364.
(4) مخطوط المعالم، ص: 141. (1/389)
صفحة 374
390
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
القدر سر الله عز وجل
يرى الثميني أن الجزء الاختياري وهو المراد بالكسب أدق من الشعر عند الأشعري، لأن كلا من القرآن والسنة قد جاءا بملاحظة أفعال العباد تارة كما في قوله تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل: 32)، وبلغوها تارة أخرى كما في قوله: «لن يدخل الجنة أحدا عمله» (1).
ومع هذا، فإنّه يؤمن ويعتقد بأن الله تعالى منفرد بخلق كل شيء، لا تأثير لغيره في شيء أصلا، وأنّ الأفعال التي تتصف بما العقلاء وغيرهم كلها مضافة إلى سبحانه خلقا واختراعا، وإن كان بعضها ينسب إلى بعض من يتصف بكـ كسبا من غير تأثير ألبته» (2).
الله
وهو في هذا المقام حائر ولكنه يستأنس برأي شيخه أبي زكرياء الذي كثيرا ما قرر له «أنا نضيف إلى الله تعالى ما أضافه إلى نفسه وهو الخلق، وإلى العبد ما أضافه إليه وهو الكسب، ونمسك عن كون ذلك الكسب هو ماذا؟ لكونه إذا حقق يؤدي إلى القول بالجبر، ولقوله تعالى في حديث قدسي: (القدر سري، فلا ينبغي لأحد أن يطلع على سري) (3) (4).))
وخلاصة القول:
إن الثميني جاء بآرائه مختلفة حول مسألة (أفعال العباد)، فأورد رأي الجويني
(1) صحيح البخاري، كتاب المرضى باب فهي تمني المريض الموت، رقم 5349. (2) مخطوط المعالم، ص: 99.
(3) هكذا جاء به الثميني و لم أجده بهذا اللفظ، وجدته: «القدر سرّ الله، من لم يؤمن بالقدر خيره بريء منه». انظر: كتر العمال الكتاب الأول: في الإيمان والإسلام، الفصل
وشره فأنا
السادس: في الإيمان والقدر، ج: 485/ 1.
(4) مخطوط المعالم، ص: 147. (1/390)
صفحة 375
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
391
والباقلاني والإسفراييني، وحلّل، وقارن ويمكننا أن نجمل ماله في المسألة في خمسة
أقوال حسبما وجدنا عنده:
الأول: قول الجمهور: إنّ قدرة العبد لا تأثير لها أصلا، وإنما هي مقارنة
المقدورها فقط.
والثاني: قول الجويني: إن القدرة الحادثة مؤثرة لكن لا على سبيل الاستقلال
كما تقول المعتزلة، فهى مقدرة من الله وأرادها.
والثالث: قول الباقلاني والإسفراييني: إنما تؤثر في أخص وصف للفعل
لا في وجوده.
والرابع: قول المجبرة: إن العبد لا يكون له في فعله اختيار البتة. والخامس: قول المعتزلة: إن قدرة العبد هي المؤثرة في أفعالهم على سبيل
الاستقلال والاختيار.
وبين القول الأول والرابع فيما يبدو - تباين، إذ الأول ينفي التأثير
لا الاختيار.
ولقد صوّب الثميني رأي الجمهور، إذ يراه رأيا يدل عليه ظاهر الكتاب
والسنة، ويجمع عليه السلف قبل ظهور البدع، ويتلخص في الآتي: «أنّ الله تعالى خالق وما سواه مخلوق، وأنه تعالى لا يشاركه في ملكه شيء،
وأن التأثير والإيجاد خاصية من خواصه، يستحيل ثبوتها لغيره» (1). ونبه في آن إلى أن فعل العبد لا يتحقق إلا بخمسة أمور حسبما يذهب
إليه الإباضية:
(1) مخطوط المعالم، ص: 139. (1/391)
صفحة 376
392
>>
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
[أولا] إرادة الله له و [ثانيا] خلقه إياه في حال الفعل لا قبله، ولا بعده
و ثالثا] إرادة العبد، له و رابعا] كسبه إياه، و [خامسا] إعانة الله له عليه إن كان طاعة، وخذلانه إياه إن كان معصية» (1).
هذا الذي أمكننا أن نقوله عن رأي الثميني في هذه المسألة، وسيأتي من
بعدها رأيه في افتراق الأمة.
vi حديث افتراق الأمة:
ختم الثميني كتابه: (المعالم بحديث افتراق الأمة فنص قائلا: قال رسول الله: افترقت المجلوس إلى سبعين فرقة واليهود إلى إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة ناجية،
وهي ما أنا عليه وأصحابي» (2).
(1) مخطوط المعالم، ص: 140.
(2) مخطوط المعالم، ص: 277
-
- لم أجده بهذا اللفظ، وقد رواه الربيع بن حبيب عن ابن عباس عن النبي قال: «ستفترق أمني على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار ما خلا واحدة ناجية وكلهم يدعي تلك الواحدة». (الجامع الصحيح)، باب في الأمة أمة محمد لال رقم الحديث: 41. وقد روي عن أبي هريرة: «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمني على ثلاث وسبعين فرقة». سنن أبي داود كتاب السنة، باب: شرح السنة، رقم الحديث: 4596. يقول صاحب المستدرك على الصحيحين: صحيح على شرط مسلم. وأقرب نص إلى النص الذي جاء به الثميني وجدته هو: «عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ال: ليأتين على أُمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلا بمثل حذو النعل بالنعل حتى لو كان فيهم من نكح أمه علانية كان في أمتي مثله، إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين ملة، وتفترق أُمَّتِي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة فقيل له: ما الواحدة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي». المستدرك للحاكم مع التلخيص للذهبي، ج: 1، كتاب العلم، ص: 128. (1/392)
صفحة 377
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
393
والذي يراه الثميني في هذا الحديث أنه من معجزاته، حيث) حيث وقع ما
أخبر به، وكل فرقة تدعي أنها تلك الناجية. ولقد أخد رحمة الله مثل ما فعل سابقوه ممن كتب في تاريخ الأديان يعدد
تلك الفرق واحدة واحدة محاولا إيجاد العدد كما نص عليه الحديث.
-
ويبين أن «المسلمين كانوا على عقيدة واحدة، ثم نشأ الخلاف بينهم في أمور اجتهادية لا توجب إيمانا ولا كفرا، وكان غرضهم منها إقامة مراسم الدين، وإدامة مناهج الشرع القويم» (1).
ومن بعد ذلك كان الخلاف في الموت والدفن والإرث والإمامة، «وكان يتدرج ويترقى شيئا فشيئا إلى آخر أيام الصحابة» (2) فكان الخلاف في القدر. و لم يزل الخلاف يتشعب والآراء تتفرق حتى تفرق أهل الإسلام، وأرباب
المقالات إلى الثلاث والسبعين» (3).
وبين أن اختلاف الناس – في وجه تفريقها – على طرق، ذكر طريقتين: الأولى: أن الثلاثة والسبعين فرقة تتجزأ إلى عشرين في المرجئة، وأربعة وعشرين في الشيعة وسبعة عشر في المحكمة واثنتي عشرة في المعتزلة، نظمها شيخه في البيت التالي: فكد شيعي ومُحْكَمُ يَز وكاف مُرْحِي، ويب معتز (4)
(+) °
(1) مخطوط المعالم، ص: 277.
(2) مخطوط المعالم، ص: 278.
(3) مخطوط المعالم، ص: 278.
(4) مخطوط المعالم، ص: 278. ويمكن فك رموز البيت كما يلي:
الشيعة - كد – 20 + 4 – 24 (1/393)
صفحة 378
394
الباب الثالث: مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
والثانية: أن كبار الفرق الإسلامية ثمانية وعنها تفرعت الفرق الأخرى نتستكمل الثلاثة والسبعين.
وهذه الثمانية هي: المعتزلة والشيعة والخوارج والمرجئة، والنجارية، والجبرية، والمشبهة، والناجية، وهي التي قررها العضد في المواقف، وسلكها. شارحه السيد» (1).
معه
يقول الثميني: «وإنما ذكرتها مع ما فيها من التطويل في بيانها، لما أني لم أر من تعرض له مثله، وإن تعرّض له صاحب (كشف الغمة فيما تشاجرت فيه الأمة، ولقد شفى وكفى رحمه الله، وإن كان لا على ذلك الوجه، وقد نقلت بعض كلامه منبها عليه، ولتعلم أنك على الحق فيما كنت عليه، وأن الناجية بما حصل لها النجاة، وأن الباقى منها بما استوجب الهلاك» (2).
والحق، إن حديث افتراق الأمة قد اختلفت مواقف العلماء حوله قديما
وحديثا، فهناك المدافع
عنه
المحتج به، وهناك من فصل القول حوله وتحصه في سنده
ومتنه، وهناك الذي تجاهله وأعرض عنه، وهناك الذي طعن في صحته صراحة (3).
المحكمة - يز - 10 + 7 - 17
-
المرجئة - كاف - ك - 20
المعتزلة = يب
12
=
2 + 10
73
=
المجموع ياوي
(1) مخطوط المعالم، ص: 278.
(2) مخطوط المعالم، ص: 278.
(3) راجع صالح بوسعيد دراسة وتحقيق كتاب الدليل والبرهان للوار جلاني ص: 109. - محمد صالح محمد السيد، أصالة علم الكلام)، ص: 98.
- عبد الحليم محمود، (التفكير الفلسفي في الإسلام)، ص: 97 وما بعدها. (1/394)
صفحة 379
الفصل الرابع: النبوة وغاياتها
395
ويظهر أن العبارة التي بالحديث (ثلاثا) وسبعين) إنما للتكثير، وأن العبارة: إلا واحدة ناجية، ما أنا عليه وأصحابي»، عبارة تدل على أن الإسلام دين الوحدة لا التفرق، وتعني أنّ الذي يلزمنا، ليس هو معرفة أسماء الفرق، بقدر ما يلزمنا القصد إلى معرفة ما عليه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وما عليه صحابته رضوان الله عليهم، وهي معرفة يقتضي التوصل إليها طرقا سليمة صحيحة صريحة، كما ندرك حقيقة الإسلام وجوهره، ولهذا فدلالة الحديث في نظرنا مشكلة معرفية أولا وقبل كل شيء.
ولعله من نتائج تجارب الحضارة الإسلامية في مسيرتها الماضية، ومن نتائج ما توصلت إليه الدراسات الجادة السامية، أنّ الإسلام النقي دين الوسطية في أمره، فلا إفراط ولا تفريط. إذ كلا طرفي قصد الأمور ذميم.
فهو دين يوازن بين الروح والمادة، وبين النقل والعقل، وبين الدنيا والآخرة، مصداقا لقوله جل وعلا: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدان (البقرة: 143)، فمن اعتدل في سلوكه فردا أو جماعة، فهو على ما عليه الرسول المصطفى المختار وصحابته الفضلاء الأخيار، وهو الناجي في الأولى وفي الآخرة، والله وحده الأعلم والموفق للهدى والصواب.
=
- محمد بن شامس البطاشي، الكشف عن الإصابة في اختلاف الصحابة)، ص: 76. - يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم)، دراسة في فقه الاختلاف في ضوء النصوص والمقاصد الشرعية. (د. ت. م. ط)، ص: 43 وما بعدها. (1/395)
صفحة 380
الخاتمة (1/397)
صفحة 381
الخاتمة
399
الخاتمة
إننا وبعد أن بسطنا القول في شخصية الثميني، وحياته وعصره، وحول كتابه (المعالم)، وما جاء به في طياته يمكننا أن نختم دراستنا هذه وأن نستخلص منها:
(1) أن الثميني كان أحد أعلام الجزائر المغمورين الذين لم ينالوا بعد حظهم من الكتابة، فقد تُرك طىّ النسيان مثله مثل المغيلي والسوفي والأفضلي والتنس والقرشي وغيرهم ممن تجهلهم البلاد والعباد.
(2) أن الثميني كان واضع أسس النهضة العلمية بوادي مزاب، بعد أن استنار من شيخه أبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي الذي جاء من المشرق مشبعا بنور المعرفة في فترة كان الوادي يغشاه ظلام الجهل الذي حل به.
فكان الشيخ بالوادي مرشدا وموجها ومعلما، والثميني منقبا في المصنفات مستنسخا وملخصا ومؤلّفا، وبتضافر جهودهما كان لبذور حركتهما العلمية ثمار طيبة لا نزال نلمس آثارها إلى يومنا في الجزائر وخارجها.
(3) أنّ الذي خلّفه الثميني من الآثار، وإن كان متواضعا إلا أنه الآثار، وإن كان متواضعا إلا أنه يبرهن على قدرته على التأليف في فنون غير التي كتب فيها، لولا الظروف الاجتماعية الصعبة المحيطة به، والتي فيما يظهر هي إحدى العوامل الموجهة له لأن يؤلف على وجه الخصوص في المعارف الدينية التي هي أول ما ينبغي أن تتعلم، والتي بما تستقيم الحياة.
(4 أن كتاب الثميني (المعالم كان نموذجا من نماذج مؤلفات الإباضية العديدة التي لم تتهيب الاحتكاك والاستفادة من نتاج علماء المسلمين عامة، فما رأته (1/399)
صفحة 382
400
الخاتمة
منه صوابا أقرته وقالت به، وما بدالها منه بعيدا عن الصواب أشارت إليه و بينت الأصوب فيه، ولذلك وجدنا لهم مسائل يتميزون بها، ومسائل يتوافقون فيها مع غير هم كتوافقهم مع المعتزلة والأشاعرة في مسائل عديدة قد أظهرتها دراستنا.
5) أن كتاب الثميني (المعالم) يتميز عن غيره من كتب المتكلمين الحكماء بأنه لم يرتم في أحضان مباحث الانطولوجيا والميتافيزيقا ارتماءهم فيها حتى قال أحد المعاصرين «لقد أصبح مبحث الأعراض والجواهر [وحدها] أكثر من العلم» (يعني علم الكلام)، فالثميني لم يأخذ منها إلا ما إليه الحاجة، وترك ما لم ير فيه ضرورة للإتيان به في مؤلفه.
نصف
ولقد تميز بامتزاج بنيته بالمنطق، وتعرضه لمسائل فلسفية كتعرضه لنظرية المعرفة ولنظرية الوجود كما تميّز باحتوائه مسائل انفرد بما الإباضية
في مؤلفاتهم. (6) أن كتاب (المعالم) مؤلف للمجتهد والمبتدئ في الاجتهاد صرح بذلك، وكان بالفعل كذلك لما جمعه فيه من المسائل دون أن يرجح في غالب الأحيان، لأنه يعتبر جمعه الخطوة الهامة في مسيرة الباحث المتخصص.
(7) أن المشكلة العويصة التي اعترضتنا في منهجه، وهي استعماله نصوصا لغيره قد زالت، وهي نصوص تبين لنا بعد التروي والمقارنة والاستشارة أنها تمون،
أولا: لما جاء به من التصميم وفق تصوّره فكان كتابه شيئا آخر غير الأصول التي أخذ منها، وقد بينا ذلك وأوضحناه في الفصل الثاني من الباب الثاني.:وثانيا لما قام به من التدخل في النص بالإضافة أو الإيجاز أو إعادة الصياغة، ووضوح رأيه في بعض المسائل بصفة جزئية أو كلية، ونقصد بالجزئية مثل: (1/400)
صفحة 383
الخاتمة
401
قوله «والصحيح أن الوجود عين الموجود»، وبالكلية مثل: رأيه الذي أثبتناه في مسائل ما لا يسع جهله.
(8) أن المقارنة في الكتاب كانت ظاهرة بين ما يذهب إليه الإباضية والمعتزلة والأشاعرة والفلاسفة، وغيرهم، إذ في المناسبات العديدة يقارن ويحلل ويناقش، مبينا أحيانا وجه الصواب حسبما يراه في المسألة، بعد أن يحدد مواطن الاختلاف والاتفاق، وهو في تحليله كان هادئا، خلافا لما وجدناه عند بعض من سبقوه كالوار جلاني، مثلا، وهو في الخط العام لمصنفه يرجح مذهبه.
(9) أن كتاب (المعالم فيما توصلنا إليه - يتميز عن غيره من الكتب الإباضية التي ألفت في أصول الدين، فهو في هيكله العام نمط فريد عندهم، فالثميني كان كثير الاطلاع على مؤلفات الأشاعرة كـ (المواقف) و (الطوالع) إلى درجة التأثر بما. وتأثره ه كما، برهان قاطع على سعة الإطلاع ودليل أكيد على حسن النية والبعد التعصب المذهبي مادامت الوجهة واحدة وهي خدمة العقيدة المشتركة. فالتأثر إذا عملية طبيعية، خاصة إذا صاحبها البحث عن الأصوب، واعتبار ما عند الآخر ليس بالضرورة بالأمر المبعد، لأنّ الإلمام بما عند الآخر أمر مطلوب لإدراك الحق من الباطل، والصواب من الخطا، وهو الخطوة الأولية الضرورية للم شتات هذه الأمة الممزقة.
عن
وإنّه بتقليب المسألة الواحدة والفكرة الواحدة بوجهات نظر مختلفة يتضج أمرها، وتنجلي إبعادها وحقيقتها.
إن الإلمام بوجهة نظر الآخر هي الخطوة السليمة في مسيرة خدمة الفكر
الإسلامي بدل المعاداة من منطلق الجهل، حيث إن الإنسان عدو لما جهل.
(10) أن الثميني كان على نهج النقديين في نظرية المعرفة، فالإنسان عنده مهياً بقدرات ذاتية داخلية لها شأنها، وبقدرات ذاتية حسية تتلقى من خارج الذات، (1/401)
صفحة 384
402
الخاتمة
و باجتماع تلك القدرات تحصل المعرفة الإنسانية حسبما قال المولى جل وعلا: اللهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: 78).
صفات المولى عز وجل، فقد انصب حديثه على
11) أن الثميني، وإن تحدث عن وجه الخصوص على الصفات الذاتية، وأنه وإن فعل ذلك، فهو الذي يصرح ويعترف بأن البحث والتدقيق في بعض الصفات يفوق قدرة العقل البشري، ولولا أن المولى أمرنا هتريهه لما خاض فيها محللا ومناقشا ومثبتا للأصوب فيها حسب ما بدا له فيها.
(12) أنه لم يتعرض لمبحث الإمامة تعرض كتاب المقالات لها، مع ماها
في نشأة علم الكلام عامة،
ة، ومع مالها
من
الشأن
من الشأن عند الإباضية خاصة، وه
في
كثير من الأحيان تدرج بين مباحث علم الكلام.
ولعلّ غرضه من عدم تعرضه لها بالتفصيل هو الاختصار، فجاء كما موجزا
أهم أصنافها الأربعة التي تعرف عند الإباضية بمسالك الدين وهي: مسلك
الظهور، ومسلك الدفاع، ومسلك الشراء، ومسلك الكتمان).
وهو
أيضا فيما توصلنا إليه لم ينشغل كما في مصنفاته الأخرى انشغالا موسعا مما يدفعنا إلى تفسير ذلك: بكونه انشغالا بإعداد الفرد أولا، أو لاعتبار الخلافة العثمانية القائمة خلافة إسلامية شرعية، فلم يكن عنده ما يدعو إلى توسيع حيز الكتابة عنها.
13 أن الشفاعة مثل الإمامة لم يتوسع فيها الثميني توسعه في نفي رؤية الباري، وفي كلامه عز وعلا، مع أن مبحث الشفاعة مما تتميز به مؤلفات الإباضية عن
(1) خطوط المعالم، ص: 221 وما بعدها. (1/402)
صفحة 385
الخاتمة
403
مؤلفات جمهرة علماء المسلمين وهو مبحث اعتنى به الإباضية لما كانوا يرون فيه من الأهمية في حياة الفرد والمجتمع.
ولعلّ الثميني لم يتوسع فيه لكون كتابه مختصرا، ولأن ما أتى به كاف في الموضوع، خاصة وأنه قد أتى بما يعاضده في موضوع (نفوذ الوعيد) الذي
يؤكد فيه أنّ علمه مفصل في الكتاب والسنة وكتب علماء الأمة» (1).
إن مسألة الشفاعة والخلود مسألة هامة، وهي لا تقل أهمية عن مسألة نفي رؤية الباري وكلامه عزّ وجل، فهاتان وإن كانتا تتعلقان بتتريهه سبحانه أن يكون له مثل، فإن أهمية تلك أهمية أخلاقية، إذ أثرها لا ينكره
وتعالى من عاقل في بناء الشخصية السويّة المؤهلة لتحمل المسؤولية يوم الجزاء عن كل. ترتب عن أعمالها في دار الفناء.
(14
فالقول بنفوذ الوعيد هو الأحوط، وهو المحقق للسلامة في الدارين، خاصة وأن المستند فيه هو القرآن والسنة، وبعد ذلك إن كان هناك عفو من وغفران على ما اكتسبت أيدي الناس فهو حقا العفو الغفور الرحيم
الله
الفعال لما يريد.
انه
من خلال دراستنا هذه، أدركنا أن مسائل ما لا يسع جهله، ومسائل الولاية والبراءة، وما يتعلق كما، مواضيع مازالت تحتاج إلى العناية والدراسة الجادة، وإلى مزيد الضبط والتقنين، والتبلور والوضوح، إذ التداخل والاضطراب حسبما توصلنا إليه واقع في أبحاثها، خاصة ما جاء به المغاربة سواء عند الثميني أو عند سابقيه وبدراسته مع ما جاء به المشارقة تتضافر الجهود ويُنال المقصود.
(1) مخطوط المعالم، ص: 276. (1/403)
صفحة 386
404
الخاتمة
وهي مع ما فيها من الجهود المخلصة فإن دراستها، تتطلب معالجة جديدة متأنية تتعرض لمختلف جوانبها بالتحليل والنقد على ضوء الدراسات الإسلامية المعاصرة، وعلى ضوء تطورات الأمة الإسلامية في جوانبها النفيسة والاجتماعية والفكرية والسياسية.
وأوّل خطوة هو أن يحقق ذلك التراث المتراكم تحقيقا علميا، يجعل الدارسين من بعد قادرين على استخلاص نتائج في أبحاثهم حولها، فالأمة لا غنى هذا المنتوج الفكري الذي يحدد بعض الجوانب من معالم الطريق نحو بناء الشخصية المسلمة الملتزمة بتعاليم شرع الله جل وعلا.
ها عن
(15) أن بعض الذي جاء به الثميني قد يراه مخالفه في الرأي مصادما مع ما جاء به الكتاب والسنة، إلا أنّ الذي وجدناه أن الثميني من المدرسة الإباضية التي
من ينابيع القرآن والسنة تستقي، وإلى سلطانهما تحتكم، وللتخلص من هذه الرؤية، وللوصول إلى الصواب، فإنه يجب أن تترع عن كثير من القضايا العقدية الدقيقة والفلسفية العميقة صفة الإقصاء والحرمة وعن أخرى صفة القداسة التي نالتها حتى عدت كالتتريل الحكيم، وما التنريل إلا نص يقتضي فهما بعقل مكلّف مؤمن مجتهد، وما كثير من التراث الموروث إلا اجتهاد واستنباط وفهم، وهو يحتمل وصفه بالصواب أو بالخطا، مهما كانت المدرسة التي خلفته، سواء كانت ذات أتباع قليلين أم كثيرين وهذا الأمر يقتضي وضع قواعد جديدة، ومناهج جديدة في الدراسات العقدية ترمي إلى الحفاظ على ينابيع هذا الدين لتبقى صافية متميزة عما خلّفه السلف، ويقتضي وضع قواعد يتسنى من خلالها التفريق بين النص الينبوع، والنص التراث، وبذلك نفسح المجال للعطاء في التطور الحضاري، والتكيف وفق العصور ومستجداتها إلى أن يرث الله الأرض
ومن عليها. (1/404)
صفحة 387
الخاتمة
405
إن واقعنا اليوم ليدعو إلى ذلك، ويتطلب الكثير من الجهد للوصول إلى تحقيق قوله تعالى: لتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ (البقرة: 143).
وإن الذي يبدو تصادما في بعض القضايا بين الفرق الإسلامية لاختلاف وجهات النظر، وبالتالي تصادما مع الكتاب والسنة، فهو يبدو كذلك لأنه غمره الكثير من التعصب والجدل، وفقدان المنطقية والموضوعية.
إن الرغبة في الوصول إلى الحقيقة الناصعة المجردة هو أمر عظيم، وأوّل خطواته تقبل ما عند الآخر، ورؤيته كما يريد أن يراه، ثم من بعد ذلك تمحيصه على أن تكون الغاية: لا الانتصار عليه، وإنما الوصول إلى مواطن الصواب ومواطن
الخطإ عنده.
ولعلّ وجود دراسات كالتي اهتم بها المتكلمون حول المعرفة الإنسانية
أولى الخطوات المبشرة بالخير.
ولقد أحسسنا بهذا المسلك في كتاب (المعالم)، فعرضناه بطريقة نأمل أن
تكون قد حققت المراد، وهو تقريب فكره للقارئ الموافق له والمخالف. ولا يفوتنا أن ننبه إلى أنّ مسائل بالكتاب لا تقل أهمية عما جئنا به في دراستنا، لم نستطع أن نثيرها، وما جئنا به، في تصورنا يمسها إن لم يكن من قريب فمن بعيد، مادام المؤلف الواحد يجمعها.
وَإِنَّا لنأمل أن تنال تلك المسائل حظها فيما يستقبلنا من البحوث والدراسات، وما دراستنا هذه إلا خطوة المبتدئ في طريق البحث العلمي
الشاق الطويل. (1/405)
صفحة 388
ملحق البحث (1/407)
صفحة 389
409
صورة أول مخطوط (المعالم) بخط المؤلف (1/409)
صفحة 390
410
صورة آخر مخطوط (المعالم) بخط المؤلف (1/410)
صفحة 391
نموذج للمقارنة بين كتاب (المعالم) المطبوع والمخطوط
جئنا بهذا النموذج للمقارنة، لكون الكتاب المطبوع لم ينفعنا في الدراسة من حيث المضمون لولا أنه مطبوع طباعة حديثة، الأمر الذي دفعنا إلى السعي الحثيث بحثا عن المخطوطات للتحقق من أقوال المصنف. (1/411)
صفحة 392
الملحق (1/412)
صفحة 393
413
الملحق (1/413)
صفحة 394
الملحق (1/414)
صفحة 395
الملحق
415 (1/415)
صفحة 396
الملحق (1/416)
صفحة 397
417
الملحق (1/417)
صفحة 398
الفهارس (1/419)
صفحة 399
فهرس المصادر والمراجع
فهرس المصادر والمراجع
أولاً: القرآن الكريم.
ثانياً: كتب الحديث الشريف:
البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود فراء (ت: 516 هـ).
1) (شرح السنة).
البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، (ت: 458 هـ).
(2) (السنن الكبرى).
421
الحاكم، أبو عبد الله محمد بن محمد الحاكم النيسابوري (ت: 405 هـ). 3) (المستدرك على الصحيحين وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي. طباعة بإشراف: د. يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي البصري. (4) (الجامع الصحيح، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1388 هـ
مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت: 261 هـ).
5) (صحيح مسلم).
الهندي، علاء الدين على المتقي بن حسام الدين. 6) (كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال).
ثالثاً: المعاجم
ابن الندي
1) (الفهرست المطبعة الرحمانية، مصر، سنة: 1348 هـ. (1/421)
صفحة 400
422
الفهارس
جمعية التراث، لجنة البحث العلمي. 10) (معجم أعلام الإباضية جزء (المغرب منذ نشأة المذهب إلى نهاية ق: 14 هـ / 20 م إشراف د. محمد صالح، ناصر إعداد فرقة جمعية التراث بإشراف بجاز إبراهيم، باجو، مصطفى باباعمي محمد، شريفي
مصطفى سنة 1995 م.
جميل صليبا.
(2) (المعجم الفلسفي) الجزء الأول والثاني، دار الكتاب اللبناني، ومكتبة المدرسة، بيروت، لبنان، سنة 1982 م.
الجوهري، إسماعيل بن
حماد.
3) (الصحاح)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت،
ط: 3، سنة 1934 م.
ربحي كمال.
(4) (المعجم الحديث عبري عربي دار العلم للملايين، بيروت، ط: 1،
سنة 1975 م.
خير
الدين.
الزركلي، (5) (الأعلام)، قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين
والمستشرقين، الجزء الرابع، الطبعة الثانية.
فوجمان، ي.
(6) (قاموس عبري - عربي)، دار الجيل، بيروت، ومكتبة المحتسب
عمان، الأردن.
كحالة عمر رضا.
7) (معجم المؤلفين) الجزء الخامس، دار أحياء التراث العربي، بيروت، لبنان. (1/422)
صفحة 401
ه محمد فؤاد عبد الباقي.
فهرس المصادر والمراجع
423
8) (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، دار المعرفة، بيروت، لبنان،
ط:1، سنة: 1987 م.
مرحباً، محمد عبد الرحمن.
9) (من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية منشورات عويدات،
بيروت وباريس، ط: 2، سنة 1981 م.
رابعا: المصادر والمراجع المخطوطة:
ابن النضر، العماني
1) (قصيدة في التأريخ شرحها الحاج محمد بن يوسف اطفيش، مخطوطة رقمها 70 مكتبة عمي سعيد، غرداية الجزائر.:
ابن بحمان، الحاج إبراهيم
-
(2) (قصيدة في رثاء الشيخ عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني) مكتبة
الاستقامة، بني يزجن.
3) (قصيدة في الظلم الواقع في عصره) تقع في 63 بيتاً، مكتبة
الاستقامة،
بني يزجن.
(4) (رسالة إلى أهل جربة ونفوسة وعمان مكتبة الشيخ بلحاج،
القرارة، الجزائر.
5) (مذكرات الحاج إبراهيم بن بحمان مكتبة الاستقامة، بني يزجن.
ابن تعاريت، سعيد
6 رسالة ابن تعاريت في بعض تواريخ جربة)، صورة عند الباحث (1/423)
صفحة 402
424
الفهارس
أبو العباس أحمد بن بكر الفرسطائي النفوسي (ت: 504 هـ /1110 م). 7) (مسائل التوحيد مما لا يسع الناس جهله صورة عند الباحث استخرجها من الصورة الأصلية الموجودة بالمكتبة البارونية، حومة
الحشان، جربة تونس.
أبو اليقظان، إبراهيم بن عيسى.
8) (ملحق سير الشماخي) مكتبته الخاصة.
9) أفذاذ علماء الإباضية) مكتبته الخاصة. 10) (الثميني كما أعرفه) مكتبته الخاصة.
اطفيش الحاج امحمد بن يوسف.
(11) (أجوبة الشيخ اطفيش المغربي)، مكتبة الشيخ السالمي، ابدية، المنطقة
الشرقية، سلطنة عمان.
(12) شرح معالم الدين)، صورة عند الباحث.
13) (الرسالة الشافية)، مكتبة الشيخ اطفيش، بني يزجن، الجزائر.
(أعزام، الحاج إبراهيم بن صالح (ت: 1384 هـ/1965 م. (14) (غصن البان في تأريخ وارجلان مكتبة الحاج بابزيز، وارجلان،
الجزائر.
ناحية
) الأفضلي، أبو زكرياء يحيى بن صالح. 15) (جواب الشيخ يحيى بن صالح الأفضلي على أحد المالكية من البيض في قضية الرهن يقع بآخر كتاب: (الورد البسام المخطوط بخط الشيخ عبد العزيز الثميني رقمه: (ج-4)، مكتبة الاستقامة، يزجن، الجزائر.
بني (1/424)
صفحة 403
فهرس المصادر والمراجع
أوبكة، أحمد بن عمر.
425
16) (جوانب من العقيدة عند الإباضية: الخلود الشفاعة، الإيمان، نفي رؤية الله، مرقون، مكتبة الشيخ أحمد أوبكة.
بجاز، إبراهيم.
17 (الإباضية عند الجغرافيين وأصحاب الرحلات)، مكتبته الخاصة.
بوتردين، يحيى بن صالح.
18) (الشيخ اطفيش ومذهبه في التفسير)، رسالة للماجستير، بإشراف: مصطفى الشكعة، جامعة عين شمس، مصر، 1989 م، مرقون صورة
عند الباحث.
بوسعيد، صالح.
19) (دراسة وتحقيق لكتاب: الدليل والبرهان للوار جلاني)، دراسة دكتوراه الحلقة الثالثة، بإشراف: عبد المجيد بن حده المعهد الأعلـ الأعلى لأصول الدين جامعة الزيتونة، تونس.
الثلاثي، عمرو بن رمضان.
20) (العقد النضيد على نكتة التوحيد مكتبة معهد الإصلاح، غرداية،
الجزائر.
21) (مختصر إعراب المنظومة الخزرجية)، الناسخ عبد العزيز الثميني، مكتبة الاستقامة، بني يزجن، الجزائر.
(22) (الدار التلاتيات على نظم الموجهات الناسخ: عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني، مكتبة الاستقامة، بني يزجن.
(23) (ديوان التلاتي)، مكتبة عمي سعيد، غرداية، الجزائر. (1/425)
صفحة 404
426
الفهارس
الثميني، عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم.
(24) (الأسرار النورانية على المنظومة الرائية)، مكتبة الاستقامة، بني يزجن،
الجزائر.
25) (رسالة من الثميني إلى الثلاتي)، تضم 90 بيتاً وهي ضمن مجموعة من القصائد، مكتبة الشيخ بلحاج، القرارة، الجزائر.
26) (رسالة من الثميني إلى السلطان التركي بالجزائر) يهنئه على انتصاره على الروم الذين راموا احتلال، الجزائر، تضم 95 بيتاً بخط المؤلف، مكتبة الاستقامة، بني يزجن، الجزائر.
(27) (التكميل لبعض ما أخل به النيل بخط المؤلف، مكتبة الإست قامة
بني يزجن.
(28) (تعاظم الموجين شرح مرج البحرين مكتبة الاستقامة بن يزجن، بخط المؤلف.
29) (عقد الجواهر)، بخط المؤلف، مكتبة الاستقامة، بني يزجن.
30) (المصباح)، بخط المؤلف، مكتبة الاستقامة، بني يزجن. 31) (معالم الدين بخط المؤلف، مكتبة الاستقامة، بني يزجن. - (معالم الدين) وقف على المكتبة البارونية في يد ببانو محمد بن
الحاج يوسف.
- (معالم الدين)، يقال أنه بخط القطب الشيخ اطفيش، مكتبة إروان
بالعطف الجزائر.
- (معالم الدين) نسخة الشيخ بلحاج بكير بن محمد، التي نقلـ
المخطوط الأم.
- (معالم الدين)، نسخة للشيخ إبراهيم بن سعيد بن محسن العبري، بيد الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي سلطنة عمان. (1/426)
صفحة 405
فهرس المصادر والمراجع
427
32) (مختصر حواشي الترتيب، مكتبة الاستقامة بني يزجن. (33) (منظومة يرثي فيها إبراهيم بن محمد الشيخ بلحاج في القرارة)، بخط المؤلف، صورة عند الباحث.
جهلان، عدون.
(34) (الفكر السياسي عند الإباضية مرقون، صورة عند الباحث.
السوفي، أبو عمرو عثمان بن خليفة المرغني (ق: 6 هـ). (35) كتاب السؤالات)، صورة عند الباحث أصلها بالمكتبة البارونية، بجربة.
عمروس بن فتح (ت: 280 هـ).
(36) (الدينونة الصافية)، صورة عند الباحث أصلها بمكتبة البكري، رقمها: 764/ 2/08، تقع في 24 ورقة، العطف، الجزائر.
المزاتي، أبو الربيع سليمان بن يخلف القابسي (ت: 471 هـ). 37) (التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعية)، بما بعض الخرومات، نسخها عمي سعيد الجربي، صورة عن الباحث.
الملشوطي، تبغورين بن عيسى (ت ق: 6 هـ). 38) (أصول الدين على هامشه تعليقات قام بما الحاج امحمد بن يوس بن يوسف اطفيش، توجد نسخة بمكتبة: الحاج سعيد بن محمد بن أيوب. بغرداية.
المنذري، خلفان بن محمد بن خلفان. (39) أحاديث جامع أبي الحسن (البسيوي) تخريج ودراسة، إشراف: رفعت فوزي عبد اللطيف كلية دار العلوم، جامعة القاهرة.
الوسياني، أبو خزر يغلا بن زلتاف (ت: 380 هـ).
النامي
40 (الرد على جميع المخالفين حققه وقدم له د. عمرو خليفة النا مرقون في 77 صفحة صورة عند الباحث. (1/427)
صفحة 406
428
الفهارس
خامسا: المصادر والمراجع المطبوعة
آل ياسين، د. جعفر.
(1) (المدخل إلى الفكر الفلسفي عند العرب دراسة في التراث، دار
الأندلس، بيروت، ط:3، سنة 1983 م.
ابن أبي العز الحنفي.
وراجعها:
(2) (شرح العقيدة الطحاوية)، لأبي جعفر الطحاوي، حققها العلماء، وخرج أحاديثها: محمد ناصر الدين الألباني، المكتـ
جماعة من
الإسلامي، بيروت ودمشق، ط:5، سنة 1399 هـ
ابن جميع، أبو حفص عمرو.
3) (مقدمة) التوحيد)، ضمن كتاب (مقدمة) التوحيد وشروحها)، تحقيق وتعليق: أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، مسقط، سلطنة عمان.
ابن خلدون.
(4) (المقدمة)، مكتبة المدرسة، ودار الفكر اللبناني، بيروت، الطبعة: 3،
سنة 1967 م.
ابن رشد.
5) (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال)، تقديم وتعليق: أبي عمران الشيخ وجلول بدوي، المؤسسة الوطنية للنش والتوزيع، الجزائر، 1982 م.
(6) (مؤتمر ابن رشد الذكرى المئوية الثامنة لوفاته من 4 إلى: 9 نوفمبر 1978 م، الجزء الأول، وزارة الثقافة الجزائر، طباعة المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، 1985 م. (1/428)
صفحة 407
ابن سيناء أبو علي.
فهرس المصادر والمراجع
429
7) (عيون الحكمة)، تحقيق وتقديم: عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات،
الكويت ودار القلم، بيروت، ط:2، 1980 م.
8) (الإشارات والتنبيهات) معه شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق: د. سليمان، دنيا دار المعارف المصرية، مصر.
- القسم الأول: طبعة سنة: 1960 م.
القسم الثاني: طبعة ثانية (د. ت).
- القسم الثالث: طبعة ثانية (د. ت).
- القسم الرابع: طبعة ثانية، سنة: 1968 م.
ابن عاشور، محمد الطاهر.
9) (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام الشركة التونسية للتوزيع، تونس، والمؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط:2، سنة: 1985 م.
أبو زيد، نصر حامد.
(10) الاتجاه العقلي في التفسير)، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، دار التنوير للطباعة والنشر ط 2 سنة 1983 م، بيروت، لبنان.
: أبو ستة، محمد بن عمر. 11) (حاشية الترتيب على الجامع الصحيح ترتيب أبي يعقوب الوارجلاني لمسند الربيع بن حبيب الفراهيدي، إخراج وتحقيق إبراهيم محمد
دار البعث قسنطينة، ط:1، سنة: 1994 م.
أبو سليمان، عبد الحميد أحمد.
طلاي،
(12) (أزمة العقل المسلم)، سلسلة المنهجية الإسلامية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، طباعة دار الهدى عين مليلة، الجزائر، ط:2، سنة 1992 م. (1/429)
صفحة 408
430
أبو الفرج، د. محمد أحمد.
الفهارس
(13) (المعاجم اللغوية في ضوء دراسات علم اللغة الحديث).
الأثري، عبد الكريم بن مراد.
14) (تسهيل المنطق) دار مصر للطباعة (د. ت. ط).
الأحدب، خلدون. (15) (أسباب اختلاف الحدثين) دراسة نقدية مقارنة حول أسباب الاختلاف في قبول الأحاديث وردها الدار السعودية للنشر والتوزيع،
ط:1، سنة 1985 م.
الأخضري، الشيخ عبد الرحمن.
وعليه
16) (متن السلم) في علم المنطق، شرح الشيخ حسن القويس تقارير للشيخ: خطاب عمر الدروي الشافعي المكتبة التجارية الكبرى،
مصر، سنة 1354 هـ.
الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل.
17) (مقالات الإسلاميين)، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار
الحداثة، ط:2، سنة 1985 م.
) الإصفهاني، أبو الثناء شمس الدين محمود عبد الرحمن (ت: 749 هـ). 18) (شرح مطالع الأنظار على متن (طوالع الأنوار) للقاضي عبد الله بن عمر البيضاوي المتوفى سنة 685 هـ، المطبعة الخيرية، ط:1،
سنة: 1323 هـ
اطفيش، أبو إسحاق إبراهيم آل يوسف.
19) (الدعاية إلى سبيل المؤمنين)، المطبعة السلفية، القاهرة، 1923 م. (1/430)
صفحة 409
فهرس المصادر والمراجع
اصفيش، الحاج امحمد بن الحاج يوسف.
20) (شرح عقيدة التوحيد)، طباعة حجرية .. (د. ت)، (د. م).
431
21) (شرح النيل)، اعتنى بطبعه سالم بن محمد بن سالم الرواحي، وأبو إسحاق إبراهيم اطفيش، وختمه هذا الأخير بترجمة مؤلف الأصل: (النيل) المطيعة السلفية، القاهرة، سنة: 1343 هـ.
أعباده، عبد اللطيف.
22) (اجتماعية المعرفة الفلسفية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،
سنة: 1984 م.
الأعسم، د. عبد الأمير.
(23) (الفيلسوف نصير الدين الطوسي)، مؤسس المنهج الفلسفي الكلام الإسلامي، دار الأندلس، بيروت، ط:2، سنة: 1980 م.
الأغبري، سيف بن حمد بن شيخان (ت: 1380 هـ).
(24) فتح الأكمام عن الورد البسام في رياض الأحكام)، طباعة: مطابع سجل العرب نشر وزارة التراث القومى والثقافة سلطنة عمان
سنة: 1981 م.
إقبال، محمد.
25) (تجديد الفكر الديني في الإسلام) ترجمة: عباس محمود راجع مقدمته والفصل الأول منه: عبد العزيز المراعي بك، وراجع بقية الكتاب: د. مهدي
أعلام، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط:2، القاهرة، 1968 م.
ة الألوسي، أبو الفضل شهاب الدين. (26) (روح المعاني في تفسير العظيم والسبع المثاني) ج: 17، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط:4، سنة 1985 م. (1/431)
صفحة 410
432
الفهارس
امعمر، علي يحي.
27) (الإباضية في موكب التأريخ، الحلقة الرابعة، الإباضية في الجزائر، ج:2، تحقيق وتصحيح: أحمد عمر أوبكة.
28) (الإباضية بين الفرق (الإسلامية)، المطبعة العربية غرداية، الطبعة: 2
سنة: 1987 م.
أنطوان، فرح.
29) (ابن رشد و فلسفته تقديم د. طيب تيزيني الناشر: دار الفارابي
الإنجي،
بيروت، ط 1، سنة: 1988 م.
عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي
(30) (المواقف)، عالم الكتب، بيروت، (د. ت).
البادي، محمد محمد.
31) (العلاقات العامة وطبيعة الرأي العام، دار الشروق، جدة، ط:1،
سنة: 1984 م.
باعمارة، عيسى.
32 اتفاقيات المجالس العامة لميزاب)، دار الشهاب، باتنة، الجزائر.
باقر الصدر، محمد.
(33) (الأسس المنطقية للاستقراء)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط:5،
سنة: 1986 م
بجاز، إبراهيم.
34) (الدولة الرستمية)، (د. م)، سنة: 1985 م. (1/432)
صفحة 411
بدوي، عبد الرحمن.
35) (مذاهب الإسلاميين)، ج: 1: المعتزلة والأشاعرة، دار العلم للملايين
:3، سنة: 1983 م.
36) (رسائل فلسفية)، الكندي والفارابي وابن باجه، دار الأندلس، بيروت،
ط:3، سنة 1985 م.
بدوي، فاطمة.
(37) (علم اجتماع المعرفة بين الفكر الخلدوني والفكر الغربي)، تقديم: د. فريد ريك، معتوق، منشورات جروس- برس (د. ت).
البرادي، أبو القاسم إبراهيم، (ت: ق 9 هـ). 38) (الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات) طبعه: محمد بن يوسف الباروني. (د. ت)، (د. م).
• البريك، ناصر المرشد.
39) (الإباضية في الفكر السياسي الإسلامي وأثرها في قيام الدول).
برنابا.
(40) (إنجيل برنابا: ترجمة خليل سعادة مطبعة المنار. (د. ت)
• البطاشي، محمد بن شامس.
41) (الكشف عن الإصابة في اختلاف الصحابة، مكتبة الضامري،
مسقط السيب، ط:1، 1994 م.
بن قنبس، عبد الحليم محمد.
(42) (مسألة القضاء والقدر)، قام بمراجعته والتعليق عليه: خالد عبد الرحمن العك، مكتبة النوري، دمشق، ط: سنة 1980 م. (1/433)
صفحة 412
434
البهي، محمد.
الفهارس
(43) (الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي).
بو لخماير، مختار.
(44) (نظرية الطبيعيات عند ابن سينا دار، الحداثة بيروت، ط 1، لبنان
1981 م.
بيصار، محمد عبد الرحمن.
45) (الفلسفة اليونانية، مقدمات و مذاهب منشورات المكتبة العصرية
صيدا، بيروت، لبنان، 1981 م.
ه تريكو، جول.
46) (المنطق الصوري) ترجمة محمود يعقوبي، ديوان المطبوعات الجامعية،
الجزائر، سنة 1992 م.
التلاتي، أبو سليمان داود بن إبراهيم.
47) (شرح مقدمة التوحيد)، ضمن كتاب: (مقدمة التوحيد وشروحها) تحقيق وتعليق أبي إسحاق إبراهيم اطفيش مسقط،
سلطنة عمان (د. ت).
التلاتي، بدر الدين عمرو بن رمضان.
48) (عمدة المريد لنكتة التوحيد، المطبعة الإدارية، قسنطينة، الجزائر،
سنة: 1333 هـ.
(49) (نخبة المتين من أصول تبغورين ضمن كتب مختارة)، ويحتوي على سبعة كتب المطبعة العربية غرداية، الجزائر، (د. ت).
50) (شرح متن الديانات ضمن (كتب مختارة) ويحتوي على سبعة كتب، المطبعة العربية، غرداية، (د. ت). (1/434)
صفحة 413
فهرس المصادر والمراجع
435
التفتزاني، أبو الفاء.
51) (شرح المقاصد)، تحقيق: عبد الرحمن عميرة.
الثميني، ضياء الدين عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم.
52) (النيل وشفاء العليل)، صححه وعلّق عليه وصدره: بكلي عبد الرحمن بن عمر، ط:2، سنة 1967 م.
(53) (النور)، شرح القصيدة النونية المطبعة العربية، غرداية، الجزائر،
سنة 1981 م.
(54) (معالم الدين) نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، سنة:
1986
(55) (الورد البسام في رياض الأحكام، حققه حفيدة: محمد بن صالح الثميني، المطبعة التونسية، تونس، 1345 هـ.
(56) (التكميل لبعض ما أخل به (النيل صححه ونشره: حفيد المؤلف: محمد بن صالح الثميني، وقدمه بترجمة لحياة المؤلف، مطبعة العرب بتونس، 1344 هـ.
جب، هاملتون. (57) (دراسات في حضارة الإسلام تحرير ستانفورد شو، وليم بولك، ترجمة: إحسان عباس محمد يوسف نجم محمود زايد، دار العلم
للملايين، بيروت، ط 3، 1979 م.
ة الجرجاني، السيد الشريف علي بن محمد (ت: 816 هـ).
58) (شرح المواقف)، مع حاشيتين:
-
الأولى: لعبد الحكيم السيالكوتي.
- الثانية: للمولى حسن جلبي بن محمد شاة الفناري. مطبعة السعادة، الطبعة: الأولى، سنة: 1325 هـ.
مصر، (1/435)
صفحة 414
436
الجعبيري، فرحات علي.
الفهارس
(59) (البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية)، جمعية التراث، القرارة، الجزائر،
1991 م.
(60) (دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية)، ندوة الفقه الإسلامي، جامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان سنة 1408
1988 م.
1
61) (نظام) العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة دراسة الإحراز على شهادة الكفاءة في البحث العلمي بقسم العربية بكلية الآداب، الجامعة
التونسية، الطبعة العصرية، تونس، 1975 م.
الجليند، محمد السيد.
(62) (الإمام ابن تيمية وقضية التأويل دراسة لمنهج ابن تيمية في الإلهيات و موقفه من المتكلمين والفلاسفة، والصوفية شركة مكتبات عكاظ للنشر والتوزيع، جدة، المملكة العربية السعودية، ط:3، 1983 م.
جمال الدين بوقلي حسن. 63) (الإمام ابن يوسف السنوسي وعلم التوحيد)، المؤسسة الوطنية الكتاب الجزائر، ط: سنة 1985 م.
الجناوي، أبو زكريا يحيى بن أبي الخير.
(64) كتاب (الوضع) مختصر في الأصول والفقه، تعليق: أبي إسحاق اطفيش، مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة، ط:1، (د. ت).
الجوزو، الشيخ محمد علي.
(65) (مفهوم العقل والقلب في القرآن والسنة دار العلم للملايين، بيروت،
طح، 1983 م. (1/436)
صفحة 415
فهرس المصادر والمراجع
الجيطالي، أبو طاهر إسماعيل بن موسى. 67) (قواعد الإسلام ج:1، تصحيح وتعليق: بكلي عبد الرحمن بن المطبعة العربية غرداية، الجزائر، ط:1، سنة: 1976 م.
437
عمر،
68) (قناطر الخيرات)، القسم الأول: قنطرتي العلم والإيمان، تحقيق وتعليق وتمهيد: عمرو خليفة النامي، (د. م. ط)، (د. ت).
الجيلالي، عبد الرحمن.
(69) (تاريخ الجزائر (العام) دار الثقافة بيروت، ط:6، سنة 1983 م.
الحاج سعيد، يوسف بن بكير.
70 تاريخ بني مزاب المطبعة العربية غرداية، ط:1، سنة: 1992 م.
سليمان.
في الحارثي، سالم بن حمد بن 71) (العقود الفضية في أصول (الإباضية وزارة التراث القومي والثقافة
سلطنة عمان، سنة 1983 م.
حبنكة الميداني، عبد الرحمن حسن.
(72) (ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال دار القلم، دمشق وبيروت،
ط:2، 1981 م.
حسن علي مصطفى.
(73) نشأة الدين بين التصور الإنساني والتصور الإسلامي)، دراسة في علم الاجتماع الديني، مؤسسة الإسراء للنشر والتوزيع قسنطينة، الجزائر،
ط:1، سنة: 1991 م.
حنفي، حسن.
(74) (موسوعة الحضارة العربية الإسلامية)، المؤسسة العربية للدراسات
والنشر، بيروت، ط 1، سنة: 1986 م. (1/437)
صفحة 416
438
خرفي، صالح.
الفهارس
(75) (من أعماق الصحراء)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، سنة:
1991 م.
ة الخطاب، عبد الحميد.
76) (معالم في الفلسفة الإسلامية)، مطبعة النخلة الجزائر، سنة: 1991 م.
الخليلي، أحمد بن حمد.
(77) (جواهر التفسير أنوار من بيان التتريل)، مكتبة الاستقامة، روي،
عمان، ط:1، سنة 1984 م.
78) (الحق الدامغ)، مطابع النهضة، مسقط، سنة: 1409 هـ.
خوجه حمدان عثمان. بن
سلطنة
79) (المرآة)، ترجمة محمد العربي الزبيري الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،
1975 م. دبوز، محمد علي.
80) (نهضة الجزائر الحديثة، وثورتها المباركة، ج: 1، المطبعة التعاونية،
دمشق، ط:1، سنة: 1385 هـ/1965 م.
الدرجيني، أبو العباس أحمد بن سعيد.
81) (طبقات المشايخ (بالمغرب تحقيق إبراهيم طلاي مطبعة البع
فسنطينة، الجزائر، (د. ت).
دي بور، الأستاذ: ت. ج.
(82) تاريخ الفلسفة في (الإسلام ترجمة وتعليق د. محمد عبد الهادي أبو ريده، دار النهضة العربية، بيروت، ط:5، سنة 1981 م. (1/438)
صفحة 417
ديدات أحمد
فهرس المصادر والمراجع
439
83) (ماذا) يقول الكتاب المقدس عن محمد؟)، دار الهدى، عين مليلة،
،الجزائر، ط: سنة 1991 م.
الرازي، فخر الدين محمد بن عمر الخطيب.
84) (محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين) وبذيله تلخيص المحصل للعلامة نصير الدين الطوسي، راجعه وقدم
له طه عبد الرؤوف سعد، ط:1، سنة: 1984، (د. م). (85) (النبوات وما يتعلق بما، تحقيق: أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، (د. ت).
86) (التفسير الكبير، ج: 23، دار أحياء التراث العربي، بيروت، ط:3. الراوي، عبد الستار
(87) (العقل والحرية، دراسة في فكر القاضي عبد الجبار المعتزلي، المؤس العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 1 سنة: 1400 هـ/ 1980 م،
وقد ساعدت جامعة بغداد على نشره.
• الرواحي، أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم. 88) (نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر)، المجلد الأول، طباعة مصورة من خط المؤلف، الطبعة الأولى في عهد السلطان قابوس، (د. ت. ط)، سلطنة
عمان.
الزبيري، محمد العربي.
(89) (مقاومة الجنوب للاحتلال الفرنسي).
90) (مدخل إلى تاريخ المغرب العربي (الحديث)، الشركة الوطنية والتوزيع، ط:2 جانفي 1985 م.
للنش (1/439)
صفحة 418
440
رحيلي، د. وهبه.
الفهارس
91) (أصول الفقه الإسلامي)، ج 2، دار الفكر، الجزائر، ودار الفكر،
دمشق.
• زكي نجيب محمود.
92) (قصة عقل دار الشروق، بيروت، ط 1، 1983 م.
الزنداني، عبد المجيد عزيز.
93) (توحيد الخالق)، مؤسسة الكتب الثقافية، ط:1، 1988 م.
زيدان، عبد الكريم.
(94) (أصول الدعوة دار عمر بن الخطاب، الإسكندرية، ط:3، 1976 م.
السالمي، نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد. 95) (بهجة الأنوار) شرح أنوار العقول في التوحيد على هامش كتاب: شرح طلعة الشمس على الألفية في أصول الفقه نشر وزارة التراث القومي والثقافة،
سلطنة عمان طباعة المطبعة الشرقية ومكتبتها: سنة 1981 م.
96) (مشارق أنوار العقول) تعليق وتصحيح مفتي عام السلطنة الشيخ: أحمد بن
حمد الخليلي، مطابع العقيدة، سلطنة عمان، ط:2، سنة 1978 م.
السامرائي، د. نعمان عبد الرزاق.
97) (التكفير، جذوره، أسبابه مبرراته المنارة للطباعة والنشر، بيروت،
ط:2، 1986 م.
سعادة، رضا.
98) (مشكلة الصراع بين الفلسفة والدين من الغزالي وابن رشد إلى الطوسي
والخواجه زادة الدار العالمية، بيروت، لبنان، ط:1، 1981 م. (1/440)
صفحة 419
سعد الله، أبو القاسم.
فهرس المصادر والمراجع
441
99) تاريخ الجزائر الثقافي من القرن العاشر إلى الرابع عشر الهجري)، ج:2، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، ط:2، سنة 1985 م.
سعيد، جودت.
100) (اقرأ وربك المطبعة العربية غرداية، ط:1، 1990 م.
سليمان دنيا.
101) (التفكير الفلسفي الإسلامي)، مكتبة الخانجي بمصر، توزيع مكتبة الرشاد، الدار البيضاء، المغرب، ط:1، سنة 1967 م.
سعيدوني، ناصر.
102) (الجزائر في التأريخ)، العهد العثماني.
السهيل، نايف عيد جابر.
103) (الإباضية في الخليج العربي)، في القرنين الثالث والرابع الهجـ مطابع دار الوطن، الكويت، ط:1، سنة: 1994 م.
سيد، فؤاد.
ربين
104) (فضل الإعتزال وطبقات المعتزلة، الدار التونسية للنشر، تونس، ط:
سنة: 1974 م.
السيد، محمد صالح محمد.
105 أصالة علم الكلام، دار الثقافة والنشر والتوزيع، القاهرة، طباعة
سنة 1987.
السيوطي، جلال الدين.
106) (تخريج أحاديث شرح المواقف في علم الكلام)، تحقيق وتقديم:
يوسف عبد الرحمن المرعشلي، دار المعرفة، بيروت، ط 1، 1986 م. (1/441)
صفحة 420
442
الفهارس
الشابي، علي.
107) (مباحث في علم الكلام والفلسفة، دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، ط:2، سنة: 1984 م.
الشابي، علي، وآخرون.
108) (المعتزلة بين الفكر والعمل علي الشابي أبو لبابه حسن، عبد المجيد النجار، الشركة التونسية للتوزيع، ط:2، 1986 م.
شفيق منير.
109) (الإسلام في معركة الحضارة، الطبعة الأولى بتونس، سنة:
1403 هـ / 1983 م.
الشكعة، د. مصطفى.
(110) (معالم الحضارة الإسلامية، دار العلم للملايين، بيروت ط:4،
سنة 1982 م.
أحمد بن سعيد بن عبد الواحد.
الشماخي، 111) (كتاب السير تحقيق أحمد بن سعود السيابي، مطابع النهضة، نشر
وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، سنة: 1987 م.
112) (شرح مقدمة (التوحيد ضمن كتاب (مقدمة التوحيد وشروحها)، تحقيق وتعليق أبي إسحاق إبراهيم، اطفيش، مسقط، سلطنة عمان.
الشنقيطي، محمد الأمين. 113) (مذكرة أصول الفقه على روضة الناضر للعلامة ابن قدامه دار
القلم، بيروت، (د. ت).
الشنقيطي، د. محمد فتحي.
114) (أسس المنطق والمنهج العلمي)، دار النهضة العربية، بيروت، ط:
سنة: 1970 م. (1/442)
صفحة 421
فهرس المصادر والمراجع
ة الصابوني، محمد على.
443
115) (صفوة التفاسير)، دار القرآن الكريم، بيروت، ط:1، سنة: 1981 م.
الصادقي، د. محمد.
116) (رسول الإسلام في الكتب السماوية)، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت لبنان ط:1، سنة 1972 م.
صبحي،
أحمد محمود.
117) (في علم الكلام)، دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية في أصول
الدين، دار النهضة العربية، بيروت، ط: 5، سنة 1985 م.
الصوافي، صالح بن
أحمد.
118) (الإمام جابر بن زيد العماني وآثاره في الدعوة)، دراسة لنيل الماجستير في الدعوة والثقافة الإسلامية من جامعة الأزهر، سنة 1981 م، نشر
وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1983 م.
طالبي، عمار.
(119) (اصطلاحات الفلاسفة)، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، طباعة
سنة: 1983 م. 120) (آراء الخوارج الكلامية)، دراسة وتحقيق لكتاب: الموجز لأبي عمار عبد الكافي الإباضي، وذلك لنيل درجة دكتوراه الدولة، بإشراف: د. علي سامي النشار، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط:1، سنة: 1978 م.
طه عبد الرحمن.
121) (في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المؤسسة الحديثة للنش والتوزيع، ط:1، سنة: 1987 م. (1/443)
صفحة 422
444
الفهارس
ه ظاظا، حسن
(122) (الفكر الديني اليهودي، أطواره ومذاهبه).
ة عبد الجبار أحمد القاضي.
123) (شرح الأصول الخمسة) تعليق الإمام أحمد بن الحسين بن أبي هاشـ حققه وقدم له د. عبد الكريم عثمان مكتبة وهبة، ط:1، سنة: 1965 م.
عبد الرازق، مصطفى.
124) (تمهيد التاريخ الفلسفة الإسلامية)، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة،
ط:3، سنة: 1966 م.
عبده، محمد.
125) (رسالة التوحيد)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1988 م.
عبد الحليم، رجب محمد.
126) (العمانيون والملاحة والتجارة ونشر الإسلام منذ ظهوره إلى قدوم البرتغاليين)، مكتبة العلوم، مسقط، 1989 م.
127) (الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بإباضية عمان والبصرة)، مكتبة العلوم، مسقط، سلطنة عمان، 1410 هـ/ 1990 م.
العلواني، طه جابر.
128) (إصلاح الفكر الإسلامي)، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، طباعة دار
الهدى، عين مليلة الجزائر، (د. ت).
العلواني، عيسى بن عمر.
129) (منهل الدرب على قواعد خط الأدب الدار القومية للطباعة
والنشر، الجزائر، (د. ت). (1/444)
صفحة 423
فهرس المصادر والمراجع
عماد إبراهيم عبده، ولميس فؤاد يحيى.
445
130) (ذاكرتك كيف تعمل وكيف تستخدمها بكفاءة)، دار النبراس للنشر والتوزيع، عمَّان، الأردن، ط:1، سنة: 1990 م.
عون، فيصل بدير.
131) (علم الكلام ومدارسه) مطبوعات كلية الآداب، قسم الدراسات الفلسفية، جامعة عين شمس، 1976 م، 1977 م.
غارودي، روجيه.
(132) (النظرية المادية في المعرفة)، تعريب: إبراهيم، قريط، دار دمشق، (د. ت).
ا غالب، مصطفى.
133) (في سبيل موسوعة فلسفية ابن سينا الغزالي الفارابي، منشورات دار الهلال، بيروت، ط:2، 1981 م.
د الغرابي، علي مصطفى.
134 تاريخ الفرق الإسلامية ونشأة علم الكلام عند المسلمين)، مكتبة
الإنكلو، مصرية، ط:2، سنة 1985 م.
غردية، لويس. و ج. قنواتي.
135) (فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية) نقله من الفرنسية إلى العربية، د. صبحي الصالح ود فريد جبر، دار العلم للملايين، بيروت،
1979
الغزالي، أبو حامد.
136) (الاقتصاد في الاعتقاد، تقديم: د. عادل العوا، دار الأمانة، ط:1، 1969 م.
بيروت، (1/445)
صفحة 424
446
الفهارس
137) (تهافت الفلاسفة)، تقديم ماجد فخري، المطبعة الكاثوليكية، بيروت،
ط:2، 1962 م.
138) (المستصفى من علم الأصول)، مقدمة الجزء الأول، المطبعة الأميرية، بولاق، مصر، ط 1، 1322 هـ
غنيم، د. سميح.
139) (فلسفة القدر في فكر المعتزلة دار التنوير، بيروت، ط 1، 1985 م.
غورفيتش، جورج.
140) (الأطر الاجتماعية للمعرفة، ترجمة: د. خليل أحمد خليل، ديوان
المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1981 م.
فؤاد حسنين علي.
141) (التوراة الهيروغليفية)، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة،
(د. ت. ط). فاخوري، عادل.
(142) (منطق) العرب من وجهة المنطق الحديث دار الطليعة، بيروت،
ط:2، 1981 م.
فاروق عمر.
143) (مقدمة في دراسة مصادر التاريخ العماني)، كلية الآداب، جامعة
بغداد، سنة 1979 م.
فضل الله، د. مهدي.
144) (آراء نقدية في مشكلات الدين والفلسفة والمنطق)، دار الأندلس،
ط:1، 1981 م. (1/446)
صفحة 425
فهرس المصادر والمراجع
447
145) (مدخل إلى علم المنطق)، المنطق التقليدي، دار الطليعة، بيروت،
ط:3، 1985 م.
قباري محمد إسماعيل.
146) (علم الاجتماع والفلسفة)، ج:2، نظرية المعرفة، تقديم: د. محمد ثابت الفندي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ط:2 مزيدة ومنقحة، (د. ت).
قرقش، محمد.
147) (عمان والحركة (الإباضية مؤسسة علوم القرآن، عجمان، مكتبة مسقط، روي، ط 1، 1410 هـ/ 1990 م.
الكتاب المقدس.
(148) (العهد الجديد والمزامير طبعة العيد المئوي، سنة 1983 م، دار
الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، مصر.
الكردي، راجح عبد الحميد.
149) (نظرية المعرفة بين القرآن، والفلسفة رسالة دكتوراه في العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر الشريف، نوقشت سنة: 1979 م، الناشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، أمريكا، ط 1، 1992 م.
الكرماني، أحمد حميد الدين. 150 (راحة العقل)، تحقيق وتقديم: مصطفى غالب، دار الأندلس، بيروت،
ط:2، 1983 م.
کلاين هدفيش
151) أخبار أهل عمان من أول إسلامهم إلى اختلاف كلمتهم، وهو الباب الثالث والثلاثون من الكتاب العربي المشهور (بكشف الغمة)، (1/447)
صفحة 426
448
الفهارس
من
تعليقاته وفهارسه باللغة الألمانية، وهو جزء من رسالة دكتوراه بالألمانية جامعة هومبورغ، تحت إشراف د. شتغوت مان، وبمساعدة: د. شاد، نوقشت سنة 1937 م، ونشرت سنة: 1938 م.، ساعدنا على أخذ فكرة عنها الأستاذ مصطفى بن عبد العزيز بامون.
ة الكندي، سليمان بن محمد بن أحمد بن عبد الله.
152) (بداية الإمداد على غاية المراد في نظم الاعتقاد)، تحقيق: محمد علي صليبا، مطابع العقيدة، روي سلطنة عمان، ط:1، 1986 م.
لجنة من الأساتذة.
153) (المرشد في الفلسفة العربية) دار مارون عبود، طباعة سنة: 1983 م.
لقبال موسى.
154) (الحسبة المذهبية في بلاد المغرب).
ماهر عبد القادر محمد علي.
(155) مناهج ومشكلات العلوم، المشكلات المعرفية، الجزء الثاني، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، سنة: 1982 م.
156) (المنطق ومناهج البحث دار النهضة العربية، بيروت، طباعة
سنة 1985 م.
المجذوب، عبد العزيز.
157) (أفعال العباد في القرآن الكريم، الدار العربية للكتاب، والمؤسسة
الوطنية للكتاب، ط: سنة 1985 م.
محمد جلال شرف.
158) (الله والعالم والإنسان في الفكر الإسلامي)، دار النهضة العربية،
بيروت، 1980 م. (1/448)
صفحة 427
محمد خليفة حسن أحمد.
فهرس المصادر والمراجع
449
159) (علاقة الإسلام باليهودية رؤية إسلامية في مصادر التوراة الحالية)، دار
الثقافة للنشر والإشهار والتوزيع، القاهرة، 1988 م.
محمود، عبد الحليم.
(160) (التفكير الفلسفي في الإسلام).
مخلوف، عبد الرؤوف.
161) (الباقلاني وكتابه أعجاز القرآن، دراسة نقدية تحليلية، دار مكتبة
الحياة، بيروت، 1978 م.
مدكور، د. إبراهيم.
162) في الفلسفة الإسلامية) منهج، وتطبيقه، دار المعارف، ط:3، 1983 م.
المدني، أحمد توفيق.
163) (مذكرات الحاج أحمد الشريف الزهار)، الشركة الوطنية
والتوزيع، الجزائر، ط:2، 1980.
(164) (كتاب الجزائر)، طباعة: محرم سنة: 1350 هـ، (د. م). 165) (محمد عثمان باشاداي الجزائر) 1766 م - 1791 م، سيرته، حروبه أعماله، نظام الدولة والحياة العامة في عهده المكتبة المصرية، الجزائر، (د. ت).
المراكبي، د. عبد الرحمن محمد. 166) (قضية التأويل في الفكر الإسلامي)، المعتزلة والفلاسفة، دار الطباعة المحمدية، القاهرة، ط: 1987 م.
مريم سليم.
167) (علم تكوين المعرفة ابستمولوجيا "بياجيه"، معهد الإنماء العربي،
بيروت، ط 1، سنة 1985 م. (1/449)
صفحة 428
450
الميسر، محمد سيد أحمد.
الفهارس
168) (المجتمع المثالي في الفكر الفلسفي وموقف الإسلام منه، مؤسسة علوم
القرآن، ط 2، 1984 م.
المصباح، د. محمد.
169) (إشكالية العقل عند ابن رشد المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان،
الدار البيضاء، المغرب، ط:1، 1988 م.
المغربي، د. علي عبد الفتاح.
170) (إمام أهل السنة والجماعة: أبو منصور الماتريدي وآراؤه الكلامية)،
مكتبة وهبة، القاهرة، ط:1، 1985 م.
مغنيه، محمد جواد.
171) (معالم الفلسفة الإسلامية)، نظرات في التصوف والكرامات، دار
الهلال ودار، الجواد بيروت الطبعة الخامسة، سنة: 1986 م.
ملحم، د. حسن.
(172) (التفكير العلمي والمنهجية)، مطبعة دحلب الجزائر، سنة: 1993 م.
ميمون، د. الربيع.
173) (مشكلة الدور الديكارتي)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ط:1، سنة 1982 م.، ط:2، (د. ت).
النجار، د. عبد المجيد.
(174) (المهدي بن تومرت حياته وآراؤه وثورته الفكرية والاجتماعية وأثره
بالمغرب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط:1، 1983 م. (1/450)
صفحة 429
451
فهرس المصادر والمراج
النسفي، أبو المعين.
(175) (التمهيد في أصول الدين)، تحقيق وتعليق وتقديم، د. عبد الحي قابيل، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، ط: سنة: 1987 م.
• النشار، د. علي سامي. 176) مناهج البحث عند مفكري الإسلامي، واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي)، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ط:3، 1984 م.
هاشم مهدي طالب.
177) (الحركة الإباضية في المشرق العربي): نشأتها وتطورها حتى نهاية القرن الثالث الهجري، دار الإتحاد العربي، ط:1، 1981 م.
الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم. 178) (الدليل والبرهان وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،
ط:1، 1983 م.
يفوت، د. سالم.
(179) ابن حزم والفكر الفلسفي بالمغرب والأندلس)، المركز الثقافي العربي،
ط:1، 1986 م.
180) (فلسفة العلم المعاصرة ومفهومها للواقع) دار الطليعة، بيروت، ط:1،
1986 م.
سادسا: المصادر والمراجع باللغة الأجنبية
© Cuperly, Pierre.
1) (Introduction a l'étude de l'Ibadisme et de sa théologie), O.P.U. Alger, 1984.
Gouja, Moncef.
2) (La théologie Ibadite: Histoire, Genèse, Formation, Définitive). These de Doctorat de 3 eme Cycle. Directeur d'étude: Dominique Sourdel. La soutenance en 1986. Université du Sorbon, Paris. (1/451)
صفحة 430
452
الفهارس
Mimoune, Rabia
3) (Critique et interculturalité dans la formulation et la réfutation de la preuve ontologique), publie a la revue de l'université d'Alger n° 7, 1993 du p:7 au P: 22.
SMOGORZEWSKI Zygmunt
6) (Etude sur abd alaziz et sur ses écrits), Inédit, Frappé à la machine. Une photocopie au chercheur
Vaness, Ess; Josef
4) (Recherches sur quelques manuscrits Ibadites), Traduites de l'Allemand an Français par: BAMMOUNE mustapha ben abdelaziz. Frappe a la machine.
ZEYS. E
5) Législation Mozabite), son origine, ses sources, son présent, son avenir. Ecol de droit od Alger. 1886.
سابعا: الدوريات
1) حوليات جامعة الجزائر) العدد،7 سنة 1993 م من صفحة 24 إلى 38 الإمام السنوي عالم (تلمسان) مقال للدكتور: الربيع ميمون. 2) (مجلة الاجتهاد) مجلة متخصصة تعني بقضايا الدين والمجتمع والتجديد العربي الإسلامي. ع،13 السنة: 4، 1412 هـ 1992 م.
3) مناهج المستشرقين في الدراسات الإسلامية)، صدر في إطار الاحتفال بالقرن الخامس عشر الهجري. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومكتب التربية العربي لدول الخليج.
ثامناً: المراسلات:
هذه رسائل جوابية على رسالة وجهها الباحث إلى عدد من المعنيين بحياة الثميني وعصره، الذين أجابوه برسالة مكتوبة هم:
(1) الحاج إبراهيم بن محمد طلاي باحث في الدراسات التاريخية والشرعية. (1/452)
صفحة 431
فهرس المصادر والمراجع
453
(2) أحمد بن عبد الرحمن بكلي، أمين مكتبة الشيخ عبد الرحمن بكلي
بالعطف، الجزائر.
(3) محمد بن موسى بابا، عمي أمين جمعية التراث، القرارة، الجزائر.
تاسعا: المقابلات:
(1) لقاء مع الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مسقط، سلطنة عمان، يوم
1989/ 12/1
(2) لقاء مع الشيخ الحاج امحمد
الجزائر، يوم: 1992/ 8/25 م.
بن سليمان مطهري مليكة، غرداية،
(3) لقاء مع الشيخ بكير بن الشيخ بكير بن محمد أرشوم بريان، الجزائر يوم:
1992/ 6/14
(4) لقاء مع الشيخ بكير بن محمد الشيخ بلحاج المعروف بباشا عادل، بداره بالقرارة، الجزائر، صائفة سنة 1992 م
(5) لقاء مع الشيخ الحاج سليمان بن سعيد بكاي بني يزجن، غرداية، الجزائر، يوم: 1992/ 6/10 م.
(6) لقاء مع الشيخ الحاج صالح بن عيسى بزملال بني يزجن، غرداية، الجزائر، يوم: 1992/ 6/10 م.
(7) لقاء مع الشيخ الحاج عمر بابزير المعروف ببو معقل، وارجلان الجزائر، يوم: 1992/ 11/16 م.
(8) لقاء مع الشيخ فرحات بن علي الجعبيري، جربة تونس، يوم شهر أوت 1989 م.
9) لقاء مع الشيخ محمد بن بابه الشيخ بلحاج، القرارة، الجزائر، عدة مرات. 10) لقاء مع الشيخ الناصر بن محمد المرموري غرداية، الجزائر، عدة مرات. (1/453)
صفحة 432
454
فهرس الآيات
السورة ورقم الآية
فهرس الآنات
نص الآية
الصفحات
سورة البقرة: 143 و كذلك جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء 395، 405 النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدان
سورة آل عمران: 57 | ولا يُحِبُّ الظَّالمين
313
سورة آل عمران: 192 إِنَّكَ مَن تُدخل النَّارَ فَقَدَ أَخْزَيْنَهُ وَمَا 345 للظالمين من انصارية
سورة النساء: 153 فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكبر من ذلكَ فَقَالُوا 310 أَرنَا اللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بظُلْمهم لله
و
سورة النساء: 164 وَرُسُلاً قَدْ قَصَصَنَاهُمْ عَلَيْكَ من قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ
337
سورة المائدة: 3 والْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ 334 نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينا
سورة المائدة: 51 الله يا أيها الذين عامَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ 369 وَالنَّصارى أَوْلِيَاء ...
سورة المائدة: 55 - 56 أَنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ 365 يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ
وَمَنْ يَتَوَلُ الله وَرَسُولَهُ وَالذِينَ ءَامَنُوا فَإ حزب الله هم الغالبون به (1/454)
صفحة 433
455
الفهارس
سورة المائدة: 57 يا أيها الذينَ عَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا الذينَ الخَذُوا دِينَكُمْ هُرُوا وَلَعبًا مِّنَ الذينَ أُوتُوا
الكتابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالكُفَّارَ أَوْلِيَاء ..
سورة المائدة: 83 وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى 365
أعينهم تفيض من اللمع ممَّا عَرَفُوا من الحرية
سورة الأنعام: 103 ولا تشركه الأبصارة
سورة الأنعام: 124 اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالانه به
312 174
321
سورة الأعراف: 94 وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيء الا أَخَذْنَا 322 أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَرَّعُونَ
سورة الأعراف: 143 رَبِّ أَرِنِي أَنظُرِ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِن انظُرِ 308، 310، إلَى الْحَبْل فَإِن اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي به
سورة الأنفال: 58 لا يُحِبُّ الْعالين الْخَائِنِينَ لي
311
313 174
إسورة التوبة: 23 يا أيها الذينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا 369 بَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الايمان ...
سورة التوبة: 84 ووَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا 371 | تقُمْ عَلَى قبره له
سورة التوبة: 113 مَا كَانَ للنَّبيء والذينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفَرُوا 371 للمشركين وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا
ينَ لَهُم أَنهُمُ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (1/455)
صفحة 434
456
فهرس الآيات
سورة التوبة: 114 فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنهُ عَدُوٌّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ} سورة يوسف: 108 هذه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصير أنَا وَمَن اتَّبَعَنِي
سورة النحل: 27 إن الخزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ} سورة النحل: 32 ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ سورة النحل: 78 اللهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ
وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
سورة الإسراء: 44 {وَإِن مِّن شَيْءٍ الا يُسَبِّحُ بِحَمْده
نه
371
173
345
390
402
244
سورة الإسراء: 57 أولَئِكَ الذينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى 375 همُ الْوَسيلَةَ أَيهُمُ أَقْرَبُ وَيَرْجُو
حْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ
سورة طه: 48 إنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنْ الْعَذَابَ عَلَى مَن
كَذَّبَ وتولى
سورة الأنبياء، 21 لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
345
380
سورة الحج: 17 إن الذينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِينَ 354 وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالذينَ أَشْرَكُوا ...
سورة الحج: 38 ولا يُحِبُّ كُلِّ حَوَانٍ كَفُورِ
سورة الحج: 52 وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُول وَلاَ نَبِيء الا إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنَيَّتِهِ
313
322 (1/456)
صفحة 435
الفهارس
سورة الحج: 75
درو
اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ له
سورة المؤمنون: 14 ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا اخر
321
263
سورة فاطر: 16 - 17 إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا
ذلكَ عَلَى الله بعزيزية
76
سورة يس: 81 أوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ 264 بقادر عَلَى أَنْ يُخلق مثْلَهُم عَلَى وَهُوَ الْخَلاق
سورة الزمر: 16 ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ
345
457
سورة الزمر: 53 قُلْ يَا عِبَادِي الذينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا 346، 347
تَقْنَطُوا من رحمة الله ...
سورة الزمر: 62 الله خالق كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
384
سورة غافر: 78 {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً من قبلك منهم من 337 قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصَصَ عَلَيْكَ ما
سورة الشورى: 11 لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ
سورة الزخرف: 6 وَكَمَ اَرْسَلْنَا مِن نَّبِيءٍ فِي الأَوَّلِينَ سورة الفتح: 29 أَشَدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ الله سورة الحجرات: 14 قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا
سورة الذاريات: 21 وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}
315
322
16
336
237 (1/457)
صفحة 436
458
فهرس الآيات
سورة الذاريات: 335 فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا 336 وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتَ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهِ
سورة الذاريات: 56 {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانس إلا ليعبدون
سورة الحديد: 23 ا يُحِبُّ كُلِّ مُخْتَالٍ فَخُور
349
313 174
| سورة الممتحنة: 1 الله يا أيها الذين عامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي 369
وعَدُوكُم أولياء ...
سورة القيامة: 22 - 23 وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
311 309
سورة الإنسان: 3 وأَنَا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكرًا وَإِمَّا كَفُورًا | 361 (1/458)
صفحة 437
459
الفهارس
فهرس الأحاديث النبوية
افترقت المجوس الى سبعين فرقة و اليهود الى احدى وسبعين فرقة،
وافترقت النصارى الى اثنتين وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة
ناجية، وهي ما أنا عليه وأصحابي
افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة
392 .....
392
إنَّكم سترون ربَّكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته .... .... 309، 311
215 .........
263 .....
263 ....
392.
339 .....
• البينة على المدعي واليمين على من أنكر
خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ...
خلق الله الأرواح قبل أن يخلق الأجساد فأخذ ميثاقهم
ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار ما خلا واحدة ناجية وكلهم يدعي تلك الواحدة
طلع النبي علينا ونحن نتذاكر فقال: ما تذكرون، قلنا نذكر الساعة، قال: انها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر أيات، فذكر الدخان، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، وياجوج وماجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس الى محشرهم (1/459)
صفحة 438
460
فهرس الأحاديث
• القدر سر الله، من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فأنا بريء منه
القدر سري فلا ينبغي لأحد أن يطلع على سري
لن يدخل الجنة أحدا عمله
إسرائيل
ليأتين على أُمَّتِي ما أتى على بني إسرائيل مثلا بمثل حذو النعل بالنعل حتى لو كان فيهم من نكح أمه علانية كان في أمتى مثله، إن بني افترقوا على احدى وسبعين ملة وتفترق أُمَّتِي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة فقيل له: ما الواحدة؟ قال: ما أنا عليه
اليوم وأصحابي
390 ......
390 ....
390 ......
392 ....
المائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، فالمرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ....... 338 (1/460)
صفحة 439
461
إبراهيم بن سعيد العبري، 143
ابن الصلاح، 122
ابن المرتضى، 168
ابن بركة العماني، 369، 378
ابن تيمية، 122، 168
ابن
الفهارس
فهرس الأعلام
أبو حنيفة، 133
أبو خزر يغلا بن زلتاف الوسياني
أبو زكرياء يحي الجناوي، 131
أبو ستة، القصبي الحشي، 87، 142
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، 128، جميع، 131، 134، 137، 155،
ابن حبيب المالكي، 245
ابن حزم، 168، 236، 252، 253
ابن خلدون، 119، 121، 189 ابن دقيق العيد، 313
اين، رشد،113 122، 189، 248
ابن زرقون، 356
ابن سينا، 123، 168
ابن فورك، 195، 282
أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح،
أبو العباس احمد بن محمد، 81
أبو اليقظان ابراهيم
أبو مسلم الرواحي، 363 أبيقور، 118
الاحسائي، ابن ابي جمهور، 124
أحمد بن حنبل، 113، 133
أحمد حميد الدين الكرماني
الإسماعيلي، 139
أحمد ديدات، 322، 330
أحمد عبيدلي، 159 أرسطو، 116، 206، 263 الأرموي، 104، 140، 141
أزبار، محمد بن عيسي، 147
الأزكوي 153، 158، 159، 160، 161
الإسفراييني، 274، 305، 391
أبو اليقظان محمد بن أفلح، 129، 386 الإسماعيلي، سليمان بن ناصر، 40،
أبو بلال مرداس بن حيدر، 126، 129 (1/461)
صفحة 440
الأسواري، يونس، 113
فهرس الأعلام
الباروني، عمر، 80
الباروني، محمد بن علي، 147 الأشعري، أبو الحسن، 120، 121،
الأصفهاني، 199، 313
اطفيش، أبو إسحاق إبراهيم، 40، 43،
يوسف اطفيش، الحاج امحمد بن يوس
الباقلاني، 272
الباقلاني، القاضي، 121، 122، 168،
البرادي، أبو القاسم إبراهيم، 142،
الأعسم، عبد الأمير، 123 الأغبري، سيف بن حمد، 86
الأفضلي، أبو زكرياء يحي بن صالح،
أفلاطون، 206
الآمدي، 313، 321 الأوزاعي، 133
الإنجي، عضد الدين عبد الرحمن، 99،
برنابا، 329
البصري، 274 275، 300
بطليموس، 206
البغدادي، عبد القادر، 192، 253
بكلي، عبد الرحمن، 41، 46
البلخي، 168، 385
بن ادريسو، امحمد بن سليمان، 79
البناني، 52
بوتردين، يحي بن صالح، 46 بوراس، عبد الله بن محمد، 87
البوسعيدي، محمد بن
سعود، 159
أحمد بن البوسعيدي، هلال بن أحمد بن سيف،
بو معقل، صالح بن محمد، 80 بياجيه، 189 (1/462)
صفحة 441
الفهارس
463
بيصار، 193، 194
البيضاوي، 166، 199
بينس، 118
تبغورين بن عيسي، 141 الثلاثي، 156
الثلاثي، أبو سليمان داود، 156 الثلاثي، عمرو بن رمضان، 48، 49،
جون ستوارت ميل، 222
جون لوك، 191
الجويني، 113، 121، 168، 195، 248،
الجيطالي، أبو طاهر إسماعيل بن
موس
الجيلالي، عبد الرحمن، 81
الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن، 39، 40،
التنسي،
الثميني، محمد بن صالح، 40، 81، 85
جابر بن، زيد،126، 128، 129، 362
جابر
عبد الله بن
جاعد بن خميس، أبو النبهان، 71
جالينوس، 206
الجبائي، أبو علي، 120
الحاج سعيد، يوسف بن بكير، 46 الحاج سليمان الله بن عبد الحارث المحاسبي، 191 حذيفة بن أسيد الغفاري، 339
حسن جلبي بن محمد شاه الفناري،
حسن حنفي، 235
الجرجاني، 104، 122، 123، 141، خالد بن يزيد بن معاوية، 117
341 301 264 194 154 153
الجعبيري، فرحات بن علي، 131،
جميل صليبا، 197
الجهيني، معبد، 113
الله الخبيصي، عبد
الخراساني، أبو غانم بشر بن غانم،
خلفان بن جميل العماني، 80
الخليلي، أحمد بن حمد، 71، 135، (1/463)
صفحة 442
464
اخليلي، سعيد بن خلفان 145 داود الظاهري، 169
الدمشقي، غيلان، 113
الدمشقي، يوحنا، 115
الدو لاتلي، الحسن باشا، 60
ديکارت، 123
ديمقراطس، 118
الرازي، 287
فهرس الأعلام
الرازي الفخر، 122 123 124،
بن حميد، 87، 135، السالمي، عبد الله
سانت آنسالم، 123
السبكي، 313
السدو يكشي، 282
سفيان الثوري، 133
سليمان بن يخلف المزاتي القابس
سوتايرا، 81
السوفي، أبو عمرو عثمان
بن خليفة،
الرازي، القطب، 140
الرازي، القطب، 140
راينهولد، 191
الربيع بن حبيب، 87، 128
الربيع ميمون، 123
الرقيبتي، محمد بن سالم، 144
الرواحي، عبد الرحمن بن محمد، 146
روس، 159
زايس، 42
زيقمونت زوموقور زوفسكي، 39،
السيالكوتي، عبد الحكيم، 155
الشافعي، محمد بن إدريس، 133،
الشقصي، خميس بن سعيد، 86، 90 الشماخي، أبو العباس أحمد بن
عيد،82، 134، 137، 142،
الشماخي، أبو الفضل قاس
سليمان، 80
بن
الشماخي، أبو ساكن عامر، 126،
سالم بن يعقوب، 82 (1/464)
صفحة 443
الفهارس
الشهرستاني، 168
الشوكاني، 154 الشيبي، 123
الشيخ بلحاج، بكير بن محمد، 147 صالح باي، 60
صالح بوسعيد، 353
الصاوي، 105
صبحي، احمد محمود، 115، 154
صدر الدين الحنفي، 280 الطوسي، 206
العلاف، 118
عمار طالبي، 142، 320 عمروس بن فتح، 130، 356 العوتي، سلمة بن مسلم، 351 عيسى بن علقمة المصري 129 الغزالي، أبو حامد، 105، 121، 122،
غياث الدين، 154
الطوسي، نصير الدين، 123، 167، الفارابي، 116، 117، 168
عائشة بني أبي بكر، 311
قابوس بن سعيد، 87
القرافي، 313
العامري، سالم بن حمد بن راشد، القرشي، 399
العباس أحمد، 92، 132، 134
عبد الرحمن بن رستم، 356 عبد الكافي، أبو عمار، 133، 141
عبد الله بن إباض، 126، 127، 128،
عبد الله بن عباس 126، 311
القزويني، 140، 141
كانت 233
الكندي، 253
الكندي، سليمان بن محمد، 135
كوبرلي، 142
لعلي، صالح بن عمر، 80، 147
عبد الملك بن مروان، 126، 127، 128 الماتريدي، أبو منصور، 305، 386
عبيد الله بن زياد، 127
ماجد فخري، 252
العزري، عبد الله بن عامر، 144
مالك بن أنس، 133 (1/465)
صفحة 444
466
الماوردي، 133 الحاسبي، 133
محبوب بن الرحيل 129 130
محسن فضل الله، 123
محمد باقر الصدر، 190
محمد جواد مغنية، 279
محمد عثمان باشا، 70
المزاتي، سليمان بن يخلف، 131
المسعودي، 168
مصطفى الزواوي، 54
المصعبي، يوسف، 90، 144
مطهري، الحاج امحمد، 87
المغربي، علي عبد الفتاح، 192 المغيلي، 399
فهرس الأعلام
ناصر بن أبي النبهان، 71
نافع بن الأزرق، 127 النامي عمرو خليفة، 142 النسفي، أبو المعين، 215، 324
النشار، علي سامي، 190
النظام، 236
النووي، 122
هشام بن عبد الملك، 115 الوائلي، سليمان بن محمد، 143 الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن
إبراهيم 81،83، 87، 133، 141،
واصل بن عطاء، 113، 117
الملوشائي، أبو نصر فتح بن نوح، ولكلنسون، 161
الممختار بن عوف، أبو حمزة، 128
موتلنسكي، 155
يوسف بن حمو بن عدون، 57، 58،
يوسف بن محمد بن سعيد، 70 (1/466)
صفحة 445
467
الفهارس
المحتويات
الإهداء
شكر وتقدير.
قائمة الرموز المستعملة.
تقديم.
مقدمة
سبب اختيار الموضوع.
صعوبات البحث
منهج البحث
هيكل البحث.
الباب الأول الإمام الثميني: حياته وآثاره
الفصل الأول حياة الثميني وعصره
توطئة.
- 1 - البيئة الطبيعية
- 2 - الأوضاع السياسية.
- 3 - الأوضاع الاجتماعية.
- 4 - نسبه.
- 5 - مولده أ - التأريخ
ب- المكان
- 6 - نشأته ودراسته
- 7 - شيوخه (1/467)
صفحة 446
468
امحتويات
أ - أبو زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي - رحلة أبي زكرياء إلى جربة
- جهوده ومكانته
- وفاته
ب - أبو حفص عمرو بن رمضان التلاتي.
اشتغال الثميني بكتب الثلاثي
مراسلة الثميني لشيخه الثلاتي
- 8 - تلاميذ الثميني
أ - الحاج يوسف بن حمو بن عدون. ب - الحاج إبراهيم بن عبد الرحمن - 9 - جهود الثميني مع الأفضلي
- 10 - إصلاحه ذات البين.
- 11 - رئاسته الدينية.
- 12 - وفاة الثميني
الفصل الثاني آثار الثميني العلمية.
مراسلاته
نظمه ...
مؤلفاته وطريقته في الكتابة
أ - منهجه وطريقته في الكتابة.
ب - مؤلفاته
1 - النيل
2 - التكميل لبعض ما أخل به كتاب النيل
3 - تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين ... (1/468)
صفحة 447
469
الفهارس
4 - معالم الدين.
5 - الورد البسام في رياض الأحكام.
6 - التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم.
7 - مختصر حواشي الترتيب.
8 - عقد الجواهر المأخوذ من بحر القناطر.
9 - مختصر في أمور الأزواج
10 - النور
11 - الأسرار النورانية على المنظومة الرائية ..
12 - المصباح المقتبس من أبي مسألة وكتاب الألواح.
الباب الثاني الإمام الثميني وعلم الكلام
الفصل الأول نشأة علم الكلام وتطوره. أهمية علم الكلام عند الثميني
موضوعه ...
تسميته.
نشأة علم الكلام
العوامل الداخلية في نشأة علم الكلام
القرآن والسنة.
الأوضاع السياسية.
العوامل الخارجية وتطور علم الكلام. علم الكلام بعد القرن الخامس الهجري
المدرسة الإباضية. (1/469)
صفحة 448
470
المحتويات
الفصل الثاني كتاب الثميني: (معالم الدين) قبيل تأليفه
أماكن وجوده.
محتوياته ...
أصوله.
-- (المواقف) لعضد الدين الإيجي، وشرحه للجرجاني
ب - شرح مقدمة التوحيد للشماخي.
ج - كشف الغمة.
منهجه.
الاختصار
تأثره بما كتبه السابقون.
مسلكه في الكتاب ..
المآخذ
الباب الثالث مباحث علم الكلام في كتاب (معالم الدين)
الفصل الأول نظرية المعرفة ومباحث علم الكلام.
مباحث علم الكلام
وجوب معرفة الله ..
العقل والمعرفة ..
علم المعرفة
المذاهب المختلفة في نظرية المعرفة
حول المنطق. (1/470)
صفحة 449
471
الفهارس
مقدمات علم الكلام
مطلق العلم ...
قوى النفس في تحصيل العلوم.
أقسام المعلوم.
أ- أقسام الضروريات
ب آراء حول البديهيات والحسيات
ثانيا: العلم الكسبي
أ- أسباب العلم.
1) الحواس السليمة
(2) الخبر الصادق
3) العقل
ب أقسام العلم.
ج - النظر
1) حقيقته
(2) المانعون للنظر.
3) الدليل والنتيجة
د الحجة.
الفصل الثاني نظرية الوجود وعالم الممكنات
الممكنات ...
نظرية الوجود
أضرب الاستدلال
النظر في الإنسان.
منشأ احتياج الحادث إلى الصانع. (1/471)
صفحة 450
امحتويات
الاستدلال بطريقة الإمكان المجرد.
الفاعل المختار
حدوث العالم
أ - مماثلة العالم للإنسان
ب - الاستدلال بحدوث أحد المتلازمين (الأعراض والجواهر)
التغير حاصل للعالم.
التغير يستلزم الحدوث
ج - إبطال حوادث لا أول لها
1 - فراغ ما لا نهاية له
2 - مقارنة الوجود الأزلي لعدمه
3 - برهان القطع والتطبيق
4 - الفراغ المحكوم به قبل كل حادث
النفوس الفلكية والإنسانية.
(1) النفوس الفلكية.
(2) النفوس الإنسانية.
حدوث النفس.
بطلان التناسخ
وجود عالم آخر
تأثير العالم العلوي في العالم السفلي
472
الفصل الثالث الألوهية وصفاتها.
توطئة
حدوث العالم دليل على وجود المولى عز وجل
الذات والصفات (1/472)
صفحة 451
473
الاسم والمسمى والتسمية.
قدمه عزّ وجلّ وبقاؤه.
نفي الجرمية عنه تعالى.
الوحدانية ..
القدرة.
الفهارس
الإرادة.
العلم
الحياة
السمع والبصر والكلام.
صفة الكلام.
نفي رؤية الباري جلّ وعلا
أ - امتناع الرؤية.
ب - امتناع الرؤية بدليل النقل.
ج - الاستدلال بالدليل العقلي.
الفصل الرابع النبوّة وغاياتها. 1) معنى النبوة وحقيقتها // المعجزة ودلالتها
111) عصمة الأنبياء.
(1) رسالة محمد مال
الأدلة العقلية. (1/473)
صفحة 452
المحتويات
الأدلة النقلية
(1) معجزة الرسول محمد.
(11) ما جاء به الرسول محمد.
أولا: السمعيات ..
الشهادة
الملائكة.
الأنبياء
الكتب
عذاب القبر
أشراط الساعة
يوم البعث.
الصراط
الميزان
الشفاعة
الجنة والنار
نفوذ الوعيد
خلاصة قول الثميني في نفوذ الوعيد
ثانيا: واجبات المكلف
(1) معرفة ما لا يسع جهله.
(2) ما لا يسع تركه
(3) الولاية والبراءة والوقوف. - أ - الولاية
ولاية الجملة
ولاية الحقيقة
474 (1/474)
صفحة 453
475
الفهارس
ولاية الأشخاص
ولاية العبد لنفسه
ولاية العباد الله وولاية الله لعباده
-البراءة ب
براءة الجملة
براءة الحقيقة
براءة الأشخاص
البراءة من
السلطان الجائر
– ج – الوقوف
4) الخوف والرجاء
111) أفعال العباد.
الصلاح والأصلح.
التحسين والتقبيح
خالق الفعل.
الكسب والاستطاعة.
جبر أم اختيار؟
القدر سر الله عز وجل.
11) حديث افتراق الأمة.
الخاتمة.
ملحق البحث.
الفهارس
فهرس المصادر والمراجع.
أولا: القرآن الكريم.
:ثانيا: كتب الحديث الشريف (1/475)
صفحة 454
476
المحتويات
ثالثا: المعاجم
رابعا: المصادر والمراجع المخطوطة.
خامسا: المصادر والمراجع المطبوعة.
سادسا: المصادر والمراجع باللغة الأجنبية.
سابعا: الدوريات.
:ثامنا المراسلات
تاسعا: المقابلات
فهرس الآيات.
فهرس الأحاديث.
فهرس الأعلام.
المحتويات. (1/476)