صفحة 1
الكتاب: الإيمان مفهومه وتطبيقاته لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) محاضرة عن :
الإيمان مفهومه وتطبيقاته
لسماحة الشيخ : أحمد بن حمد الخليلي
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، أحمده واستعينه واستهديه ، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى صحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ... أما بعد ...
الإيمان هو جوهر العقيدة الإسلامية
فقد كان حديثنا في الدرس الماضي تمهيداً لهذه الدورة في الحديث عن العقيدة الإسلامية وتبيان أهمية هذه العقيدة في حياة الإنسان ... وننتقل في هذا الدرس إلى الحديث عن الإيمان الذي هو جوهر هذه العقيدة ... فإن العقيدة إنما هي في حقيقتها إيمان ، إذ إن كانت هذه العقيدة على الإيمان فمعنى ذلك أنها غير مبنية على شئ يمكن أن يسمى عقيدة . (1/1)
صفحة 2
الإيمان بالغيب هو الإيمان وهو الفرق بين حزب الله وحزب الشيطان والإيمان إنما هو إيمان بالغيب ، فالإيمان بالشيء الذي يقع تحت الحواس ويدركه الإنسان بحواسه إنما هو أمر ضروري إذ أن الإنسان لا يمكن بحال من الأحوال أن يكابر حسه فينكر ما وقع عليه ولكن الإيمان هو بالغيب وهو نقطة الاقتراف بين حزب الله وحزب الشيطان . فحزب الله سبحانه وتعالى يؤمن بالغيب ولذلك عندما وصف الله تبارك وتعالى المثقفين الذين أخبر عن القرآن الكريم بأنه هدى لهم ... وصفهم بالإيمان بالغيب عندما قال " هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب " (1) . أما الذين لا يؤمنون بالغيب فهم قوم لا يعرفون حياة إلا هذه الحياة والوفاة فلا يرون وجود للإنسان إلا هذا الوجود المحدود القصير ، ولا يعرفون وجود للإنسان إلا هذا الموجود المحسوس الذي يشاهدونه بأبصارهم ويقع تحت حواسهم ، وإن تجاوز هذه الأبصار أو تجاوز الحس فإنهم لا يتجاوزونه إلا إلى ما هو امتداد له وهي آلات الاكتشاف ... فهولاء انغلقت أذهانهم وانحصروا في هذا المضيق من هذا الكون فلم يفسحوا لأفكارهم أن تسبح في خضم هذا الوجود الذي إن دل على شئ إنما يدل على موجد ، بل قصر أبصارهم على ظاهر هذا الكون من غير أن ينفذوا إلى حقيقته .
(1) البقرة 2
( مصير الحضارات المبنية على الفكر المادي )
الانهيارات والتصدع والزوال (1/2)
صفحة 3
ومن أجل ذلك فإن الحضارات التي تنبني على هذا الفكر المادي والفكر الضيق الفكر المتوقع في مضيق المادة ، حضارات لا يكاد يكون لها قرار فما تلبث أن تتهاوى تحت أعاصير الفطرة التي فطر الله تبارك وتعالى البشر عليها بأن هذه الحضارات تكون خاوية الروح ، إذا الحياة ليست مادة فحسب فالإنسان ليس جسماً فحسب ولكنه جسم وروح ولذلك ترون أن الحضارات المبنية على هذا الفكر المادي ، الفكر المنغلق المنحبس في هذا المضيق لا تلبث أن تتهاوى لأدنى مؤثر وفي عصرنا نحن شهدنا فترة من الزمن كان الإلحاد فيه رمز التقدم وشارة الرقي ودليل التحضر . وكان الاستمساك بالفكر الديني في نظر الكثير من هؤلاء استمساك بأمور وهمية لا تلبث حسب نظرهم أن تتلاشى فقد غشيت الناس غاشية من الإلحاد ، هذه الغاشية لم تلبث أن بددت أفكارهم وتركتهم يهيمون في هذه الحياة لا يعرفون قبيلها من دبيرها ولا يفرقون بين ماضيها وحاضرها ، إنما مقياس النفع والضرر عندهم ما يكسبونه أو يكسبونه أو يخسرونه من شهوات هذه الحياة الدنيا ، ولكن ما لبثت هذه الحضارة أن تزلزلت أركانها وتصدع بنيانها ... وكما ترون أن الفكر الشيوعي الإلحادي أصبح يتهاوى اليوم ساعة بعد ساعة بل لحظة بعد لحظة حتى أننا نرجو بمشيئة الله أن لا تبقى له باقية قط ...
( أساطيل الفكر الشيوعي يفسرون بانهياره وبعدم صلاحيته )
وقد حدث بهذا أساطيل هذا الفكر أنفسهم فأصبحوا هم الذين يحملون المعاول لهدم بنيانه ، بل بعدما كانوا سرنثة المحافظين عليه في فترة غير قصيرة من الزمن وليس الوضع في الفكر الرأسمالي الإلحادي المادي الغربي بأحسن منه في الفكر الشيوعي الإلحادي فإنهما جميعاً يصدران عن أصل واحد وينهلان من مورد واحد ، ولذلك فإن هذا الفكر المادي الرأسمالي العلماني لن يلبث حتى يتهاوى أيضا ...
الإنسان جسم وروح (1/3)
صفحة 4
والناس الذين ما كانوا يؤمنون بالروح ويزعمون أن العلم يتنافى كل التنافي مع ما يقال عن الروح ومع ما يقال عن عالم الغيب . أصبحوا الآن ينقضون ما كانوا أسسوه من قبل من نظريات مادية تتعلق بوجود الإنسان في هذه الحياة ... فأصبحوا يثبتون ما يخطونه بأيديهم وما ترسمه أقلامهم أن الإنسان لا يعني أنه جسم فحسب ، بل هو جسم وروح والجانب الروحي منه أهم من الجانب الجسماني .
الإيمان ... معانيه ومدلولاته
إذن ما هو الإيمان الذي هو طاقة روحية والذي هو المعبر الذي يعبر عليه الإنسان إلى أن يصل بعالم الغيب وإلى أن يتصل بحياة أخرى غير هذه الحياة بحيث يستجلي حقائق غيبية تتعلق بما عدا هذا العالم المشاهد المسوس ويتعلق بحياة هذه الحياة كلمة الإيمان من حيث " مدلولها اللغوي " هي مأخوذة من الأمن ، فإن الإيمان مصدر أمن وإنما أخذت من الأمن الآن لأن الإيمان بمعنى التصدق ... كما يدل على ذلك قول الله تعالى فيما يحكيه عن عبادة بني يعقوب عليه السلام من قولهم لأبيهم " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " (1) وإنما كان الإيمان من الأمان لأن المصدق عندما يصدق محدثه فقد أمنه أن يكذبه وهذا المدلول اللغوي هو منظور إليه في نقل هذه الكلمة إلى مدلول آخر شرعي كما أن بقية الكلمات التي نقلها الشرع عن معانيها اللغوية إلى مدلولات أخرى ليست هي تلك المدلولات السابقة ، روعي في هذا النقل في تلك الكلمات أيضاً ما كان لها من معاني من قبل في اللغة .. ( " نقل مدلول الصلاة اللغوي إلى المدلول الشرعي " ) فالصلاة مثلاً هي لغة بمعنى الدعاء ، كما يدل على ذلك قول الشاعر /
تقول وقد قربت مرتحلاً ... يا رب جنب أبي الأوصاب الوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... عيناً فإن لجنب المرء مضطجعا (1/4)
صفحة 5
فإن قوله " عليك مثل الذي صليت " أي عليك مثل الذي دعوت ... أي لك من الدعاء مثل ما قصدت به ، فما وجهته إلى من خالص الدعاء أردت به إصلاحي وأردت به حفظي يغشاك مثله ، وقد سبق ذلك أن سبق قوله " عليك مثل الذي صليت " قوله فيما يحكيه عن بنته ، يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا " فهذا دعاء وهو الذي قصده بقوله " عليك مثل الذي صليت " .
ونحو هذا أيضاً نقل الشرع معنى الزكاة عن المدلول اللغوي إلى مدلول آخر فالصلاة نقلت إلى هذه العبادة المخصوصة وهي عبادة منفتحة بالتكبير مختمة بالتسليم ، ولكنها بطبيعة الحال تشمل على الدعاء ، والمصلى عندما يتجه إلى القبلة قاصداً وجه الله تبارك وتعالى بصلاته إنما هو في حكم الداعي الله عز وجل بان ينفذه مما يخشاه وأن يوصله إلى ما يحبه ويتمناه .
(1) يوسف 17
( نقل المدلول اللغوي للزكاة إلى المدلول الشرعي ) (1/5)
صفحة 6
وكذلك الزكاة نقلت عن معناها اللغوي ... والمعنى اللغوي للزكاة يمكن أن يكون من معاني الألفاظ المتعددة ... فغن الزكاة تكون بمعنى الطهارة أخذاً من زكا الشيء يزكو زكاءً بمعنى طهر ... ويمكن أن يكون معنى الزكاة النماء ، كما يقال زكا الزرع بمعنى نما وهذا المعنى نفسه مراعى في نقل هذه الكلمة من هذا المدلول اللغوي إلى المدلول الشرعي فإن الزكاة هي هذه الفريضة التي فرضها الله تبارك وتعالى في الأموال " وقد جمعت كلا الأصلي ، أصلي معنييها في اللغة ، فلو نظرنا إلى هذه الزكاة من حيث معنى الطهارة ، لوجدناها طهارة .. فهي تظهر النفوس قبل كل شئ من حب الأثرة والاستبداد بالثروات ، وهي تطهر المال من ادرانه . وهي بجانب ذلك نماء باعتبار جانب النفس وباعتبار جانب المال .. فهي نماء باعتبار جانب النفس نظراً إلى أن المركز ينمي ماله لأن الله تعالى جعل هذه الزكاة لنماء المال لما يحصل فيه من البركات فالله تعالى يقول " يمحق الله الربا ويربي الصدقات " (1) وثروة أن التزكية ذكرت بجانب الطهارة عندما أمر الله سبحانه وتعالى أخذ الصدقة من أموال الأغنياء فقد قال لنبيه عليه الصلاة والسلام ( خذ من أموالهم صدقة وتطهرهم وتزكيهم بها ) (2) فإذن هي طهارة للنفس وتنمية لفضائلها ، لأن هذه الزكاة تبعث الإنسان على أن يحافظ على أمور الخير كلها وتجنبه جميع نزعات الشر في نفسه فهي قربى الضمير الإنساني فتحصل بذلك البركة وبحصل بذلك النماء .
( نقل المدلول اللغوي للحج إلى المدلول الشرعي )
وكذلك الحج .. فالحج من حيث المعنى الشرعي هو القصد أو أنه القصد إلى معظم .. كما يقول الشاعر /
فأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجوب سب الزبر كان مزعفرا
فالمقصود بالحج هنا القصد إلى غير معظم ... كما قول الشاعر أيضاً /
يحج مأمومة في قعرها نجف (1/6)
صفحة 7
ولكن الله سبحانه وتعالى نقل هذا اللفظ من معناه اللغوي إلى معنى آخر شرعي يلاحظ بجانب هذا المعنى الشرعي أصل مدلول هذا اللفظ اللغوي ... فالحج في الشرع هو القصد إلى البيت الحرام في زمن مخصوص ويكفيه مخصوصة مع أداء أعمال مخصوصة هناك ، فهذا المعنى يشتمل على القصد كما أنه يشتمل على أمور أخرى بجانب مطلق القصد .
(1) البقرة 276
(2) التوبة 103
( نقل المدلول اللغوي للصوم إلى المدلول الشرعي )
وكذلك الصيام ، فالصيام في اللغة بمعنى الإمساك ، ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى فيما يحكيه من الأمر الموجه إلى مريم عليها السلام ( فقولي إلى نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا )(1) هذا الصوم ليس هو هذا الصوم الشرعي المعهود وإنما هو صوم عن الكلام ( إني نذرت للرحمن صوماً ) (2) وقد نقل الحق سبحانه وتعالى هذا اللفظ من مدلوله اللغوي المعروف عند العرب إلى نوع آخر من الإمساك ... وهو الإمساك عن الأكل والشرب ومباشرة النساء إلى سائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .
( نقل المدلول اللغوي للإيمان إلى المدلول الشرعي )
وكذلك الإيمان روعي فيه أيضاً أصل المعنى اللغوي في معناه الشرعي الذي نقل إليه اللفظ ، فالإيمان هو التصديق وهذا التصديق إنما هو التصديق بأمور معينة ، التصديق بها يؤدي إلى التفاعل مع مقتضياتها بل هذا التصديق يؤدي إلى التفاعل مع كل جريئة من جزيئات ما يقصد بالإيمان ... . فالمؤمن لا بد من أن يتفاعل تفاعلاً تاماً مع بصديقه الذي لم يتردد فيه بما أوجب الله تبارك وتعالى عليه التصديق به ، فنحن لو نظرنا إلى المعنى الشرعي للإيمان وجدنا أنه تصديق جازم لا تردد فيه ولا ريب حوله بكليات معنية ، هذه الكليات تنطوي على الجزئيات .
(رسول الهدى يخبر جبريل عليه السلام بكليات الإيمان ) (1/7)
صفحة 8
وقد أعرب الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الكليات عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن يسأله وهو جبريل عليه السلام عندما سأله عن الإيمان فقال له " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله " فهذا تصديق بشيء معين ، والتصديق بالله تبارك وتعالى ويعني ذلك الإيمان القاطع بوجود الله عز وجل ... الإيمان القاطع بكل صفة من صفاته وبكل فعل من أفعاله وبكل حكم من أحكامه ، وكذلك الإيمان بملائكة الله سبحانه وتعالى يعني التصديق بهذا الصنف من مخلوقات الله عز وجل وهو مما يدخل في عالم الغيب ، إذ نحن لا نشهد هؤلاء الملائكة ولا يمكننا أن نتوصل إلى أماكنهم وإلى إدراك طبائعهم بمجرد حواسنا ، وإنما نصدق بما ورد من النصوص
(1) مريم 26
(2) مريم 26
الدالة على صفاتهم سوءاً كانت هذه النصوص في الكتاب العزيز أو نصوصا في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا أيضاً مما يدخل في باب التصديق .ز وكذلك أيضاً الإيمان بكتب الله والإيمان برسل الله والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره من الله سبحانه ، كل ذلك تصديق فإذن التصديق موجود في عنصر الإيمان بل الإيمان نفسه هو عين التصديق ولكنه بجانب ذلك أيضاً يقتضي أن يكون هذا المؤمن متفاعلاً تاماً مع الحقائق التي صدق بها مع إيمانه بهذه الحقائق .
( ثمرات التصديق والإيمان بهذه الكليات الست ) (1/8)
صفحة 9
والإيمان الشرعي قد يطلق مراد به هذا التصديق نفسه بدون النظر إلى ما يترتب عليه من التفاعل التام مع مقتضياته .. وقد يطلقها مراد به التصديق وما يتبعه من صالح العمل وزاكي القول .. فالإيمان إذا إطار عام يشمل الأقوال والأفعال ويشمل أيضاً أعمال القلب والراد بذلك التصديق بما فرض الله تبارك وتعالى التصديق به فقد يأتي الإيمان كثيراً في كتاب الله تعالى معطوفاً عليه العمل الصالح والأصل في العطف أن يكون هناك تغاير بين المعطوف والمعطوف عليه أو قد يأتي الإيمان مراد به نفس العقيدة الحقة وما يتبع هذه العقيدة من صلاح العمل وصف القول واستقامة الأخلاق وكل ذلك لأن هذه ثمرات للتصديق كما قلت ، فالقول الصادق والعمل الصالح والخلق الفاضل كل منها ثمرات لهذا التصديق الذي يستولي على النفس الإنسانية لأنه لا يراد به الإيمان الطافي على السطح الذي لا يلبث أن يزلزل ويتلاشى لأي سبب من الأسباب يطرأ عليه ، ولكن يراد به التصديق المكين الراسخ في النفس الذي يستولي على شعاب النفس بأسرها فيقدر الفكر ويضبط الوجدان إذ هو مستول على العقل والقلب معاً وبسبب ذلك يهيمن على الجسم والروح فتكون كل حركة من حركات هذا الجسم لا تخرج عن إطار هذا الإيمان ، وفي كتاب الله سبحانه وفي أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أن مفهوم الإيمان الشرعي يتناول هذا الإطار الواسع الذي يشتمل على العقيدة ويشتمل على الأعمال ويشتمل على الأقوال ويشتمل على صادق الأقوال ويشتمل على الأخلاق
( صفات المؤمنين في كتاب والسنة )
ففي كتاب الله تعالى وصف للمؤمنين الذين هم حقاً مما يدل على ذلك ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون ، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم (1/9)
صفحة 10
المؤمنون حقاً ) (1) الله سبحانه وتعالى حصر المؤمنين في هذا الصنف من الناس في بداية وصفهم وفي أخره فقد جئ بأداة الحصر في أول وصف في قوله ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) (2) نعم بعد ذلك بعد وصفوا به ( أولئك هم المؤمنون حقاً ) (1) فقوله ( إنما المؤمنون ) (1) إنما من أدوات الحصر فهي تقتضي إنما المؤمنون منحصرون في هذا الصنف من الناس وأن ما عداهم لم يصلوا إلى حقيقة الإيمان ودرجة الإيمان وكذلك جاء هذا الحصر في قوله سبحانه وتعالى من بعد "( أولئك هم المؤمنون حقاً )(2) حيث عرف المسند والمسند إليه ووسط ضمير الفصل بينهما وتعريف المسند والمسند إليه يقتضي الحصر ويؤكد ذلك أيضاً توسيط ضمير الفصل بين المسند والمسند عليه وهو هم في قوله ( أولئك هم المؤمنون حقاً )(2) أما تعريف المسند إليه في قوله " أولئك " فإن "أولئك " من أقسام المعارف وإن أولئك اسم إشارة واسم الإشارة من أقسام المعارف و" المؤمنون " معرفة بأداة التعريف وهي " أل" وضمير الفصل وهو " هم " موسط بين المسند والمسند إليه إذن المؤمنون منحصرون في هذا الصنف من الناس .. وبين الله سبحانه وتعالى " صفات المؤمنون الذين وعدهم بالفلاح في يوم الدين وبين أن صفاتهم تتناول جوانب العمل كما تتناول جوانب العقيدة .. فالله تعالى يقول في سورة المؤمنين ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ، والذين هم عن اللغو معرضون ، والذين هم للزكاة فاعلون ، والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون ، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) (3) فالله سبحانه وصف المؤمنين الذين وعدهم الفردوس بهذه الصفات التي تتناول جوانب الأقوال والأعمال كما تتناول جوانب العقيدة ... (1/10)
صفحة 11
وصفهم الله سبحانه وتعالى بأنهم في صلاتهم خاشعون ، وبأنهم عن اللغو معرضون ومعنى ذلك أنهم يهجرون كل هجر من المقال ، فهم ينأون بأنفسهم من أن تنقلت من ألسنتهم كلمات غير طيبة ، فهم يعرضون عن اللغو أي ينأون بأنفسهم عنه ( والذين هم للزكاة فاعلون ) يؤدون الزكاة التي فرضها الله .. هذا هو التفسير أيضاً يتبين دخول الأخلاق في عنصر الإيمان إلى آخر ما وصفهم الله تعالى به ، ويقول الله تبارك وتعالى ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، أولئك هم الصادقون ) (4) فعد الجهاد من
(1) الأنفال 2-4
(2) الأنفال 2
(3) المؤمنون 1-11
(4) الحجرات 15
مقتضيات الإيمان ، من أعمال الإيمان ويدل على ذلك أيضاً أن الله سبحانه وتعالى سمى العمل إيماناً فالصلاة سماها إيماناً في قوله ( وما كان الله ليضيع إيمانهم ) (1) (1/11)
صفحة 12
أي ليضع صلاتهم التي صليتموها إلى بيت المقدس ، فالصلاة سميت إيماناً مع أنها عمل ، والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤكد هذا المعنى فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول ( الإيمان يضع وستون شعبه أعلاها كلمة لا إله الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ) فترون أن النبي صلى الله عليه وسلم ينص هنا على دخول العمل والخلق الفاضل في مدلول الإيمان كما تدخل في ذلك العقيدة فقد نبه على العقيدة بذكر " لا إله إلا الله " فهذه الكلمة هي أساس العقيدة الحقة ، ولذلك كان رسول- صلى الله عليه وسلم - وكان الرسل من قبل يدعون إليها فمن آمن بها آمن برسالات المرسلين ومن لم يؤمن بها لم يؤمن برسالات المرسلين لأن هذه الكلمة تترجم العقيدة الصحيحة وهو نوع من الأنواع الأعمال الصالحة التي يتقرب بها الناس إلى ربهم عز وجل وذكر الخلق وقال " الحياء شعبة من الإيمان " بذكره الحياء أشاد إلى الخلق ودخوله في الإيمان ، وبين عليه الصلاة والسلام أن الإيمان أكثر من ستون شعبة " بضع وستون شعبة " هذه هي روايات الشيخين البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وفي رواية لمسلم " الإيمان بضع وسبعون شعبة " وفي اختلاف الروايتين ما يدل على أن العدد غير مقصود وإنما ذكر العدد للتنبيه على كثرة شعب الإيمان ، فالإيمان لا ينحصر في بضع وستين شعبة ، بل الإيمان يشمل على أكثر من ذلك ولذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى بضعا وسبعين شعبة ، وبهذا نستدل على أن الأعمال الصالحة كلها من الإيمان ، وعلى أن الأخلاق الفاضلة كلها من الإيمان ، وعلى أن كل جزئية من جزئيات العقيدة داخلة أيضاً في حيز الإيمان ، فكل من ذلك يعد إيماناً ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه أيضا الشيخان من طريق أنس رضي الله عنه ، أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام قال " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ، أن يكون الله ورسول أحب (1/12)
صفحة 13
إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار " النبي صلى عليه وسلم ذكر في هذا الحديث علامات كون المسلم وصل إلى مرتبة الإيمان ، كون الإنسان رقي إلى ذروة الإيمان ... هذه العلامات أولها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وذلك بأن يستولي حب على نفسه إستيلاءً تاماً وأن يستولي بعده حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نفسه إستيلاءً تاماً ، فلا يزاحم هذين الحبين حب أخر ولو كان المحبون الأخر أقرب قريب فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول أيضاً " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " وفي رواية أخرى " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون
(1) البقرة 143
أحب إليه من والده وولده " هذا الحب لله سبحانه وتعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يعني به الحب العاطفي الذي لا يلبث إذ يثور حتى يفور ، إنما هو حب عقيدة مكتبة راسخة في النفس مسؤلية على جميع شعابها ، إذ لو كان هذا الحب حب عاطفي لأمكن أن يحب الإنسان ربه سبحانه وأن يحي نبيه صلى الله عليه وسلم وهو بجانب ذلك يمنع عن السلوك الذي يؤدي إلى ثواب الله سبحانه الذي يجسد طاعة هذا الإنسان لربه وطاعته لرسوله عليه الصلاة والسلام ولكن هذا الحب ليس حباً عاطفياً وإنما هو حب عقيدة .
( الله عز وجل هو أولى بالمحبة من كل أحد .. النبي صلى الله عليه هو أولى بالحب من جميع الناس ) (1/13)
صفحة 14
ولا ريب أن العاقل يدرك من أول وهلة أن الله سبحانه وتعالى هو أولى بالمحبة من كل أحد ، وأن النبي- صلى الله عليه وسلم - هو أولى بالحب من جميع الناس ، فإن الحب منشأه أمران إما أن يحب أحد غيره من أجل عظيه أي عظمة ذلك المحبون بحيث يرى فيه صفات العظمة وتستهويه هذه الصفات وتشد انتباهه إليه وتحوز على إعجاب نفسه به ، وإما أن يكون منشأ هذا الحب إكرام المحبون لمن أحبه بحيث يسدي إليه معروفاً ويصنع في حقه جميلاً ، فيستهويه ذلك ويستولي على عواطفه وعلى أحاسيسه فيدفعه ذلك إلى أن يحبه هذا يحبه هذا الحب إن كان ناشئاً عن أي سبب من السببين فالله سبحانه وتعالى أولى به ومن ثم من بعده الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولى به من سائر الناس .
(الصفات الكمالية لله عز وجل مطلقة لا حدود لها ) (1/14)
صفحة 15
أما كون الله عز وجل سبحانه وتعالى أولى بهذا الحب على كلا الاعتبارين " على اعتباره أي واحد من السببين " فإن عظمة الله سبحانه وتعالى عظمة لا يمكن أن يقدر أحد قدرها ، إذ عظمة الله عظمة مطلقة لا حدود لها ، فأي أحد اتصف بأي صفة من صفات الكمال فإن ذلك كمال بشرى محدود وكمال الله سبحانه وتعالى مطلق لا حدود له ، فلو نظرنا إلى الصفات الكمالية في البشر من القدرة والعلم والكرم وغير ذلك من الصفات الكمالية التي توجد في البشر ، نجد بجانب أن الله سبحانه وتعالى اتصف بتلك الصفات اتصافا لا يمكن أ يقارن باتصاف أي أحد من خلقه بها ، فإن اتصاف الإنسان كما قلت اتصاف محدود ، لنا مثلاً صفة العلم ، الإنسان مهما أوتي من العلم فإن كلمة علم نسبي محدود إذ الذي يجهله من الحقائق أكثر مما يعلمه بكثير ، بل الذي يعلمه لا يوازي شيئاً بجانب ما يجهله ، ثم الذي يعلمه لا يعلمه من جميع جهاته ، فلربما استطاع أن يتوصل إلى معرفة بعض الجهات دون بعض ، لربما علم الظواهر منه دون الظواهر دون البواطن ، فإن الإنسان لا ينفذ علمه إلى بواطن الأشياء ، إذن الله تبارك وتعالى وحده هو العليم بكل شئ علماً ، كل ذرة من ذرات الكون إنما هي في حيطة علمه سبحانه بل علم الله عز وجل بجانب إحاطته بها نافذ إلى أقصى دخائلها ، فما من شئ يمكن أن يعبر عنه أو لا يقع حتى تحت مقاييس التعبير إلا وعلم الله سبحانه وتعالى محيط به من تلك الذرة نفسها هذا مع كون الحق عز وجل قد أحاط بهذا الوجود بأسره علماً مع أن علم المخلوق أيضاً علم حادث وعلم الله تبارك وتعالى لم يحدث فهو أزلي فهو يعلم بل هو سبحانه وتعالى علمه على ما كان من قبل ولا يتجدد لأن المتجدد هو حادث وعلم الله تبارك يعلم شئ قبل حدوثه كما سيحدث ويعلم أيضاً في الأزل ماذا سيكون بعد حدوث ذلك الشيء وكيف تكون نهايته وماذا يترتب على هذه النهاية .. (1/15)
صفحة 16
إذ قدرة الخالق قدرة مطلقة لا حدود لها وقدرة الإنسان قدرة نسبية محدودة جداً مهما أوتي سواء في ذلك الإنسان وغير الإنسان ، كل مخلوق من مخلوقات الله قدرته نسبية محدودة ، فهو يقدر على بعض الأشياء ولا يقدر على جميع الأشياء والذي يقدر عليه إنما يقدر على جانب منه ولا يقدر على الجوانب الأخرى ... كذلك لو جئنا إلى ناحية الكرم فإن كرم الإنسان كرم نسبي محدود جداً وكرم الله تبارك وتعالى كرم لا حدود له فالكون كله هبه من الله تبارك وتعالى لمخلوقاته سخر لهم هذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف ورتبة هذا الترتيب ونسقه هذا التنسيق .
الجانب النفع للمحب من قبل محبوبة
ثم إن جئنا أيضاً إلى الجانب الأخر هو جانب النفع لهذا المحب من قبل محبوبة ، فإن الله تبارك وتعالى وحده هو الذي سخر للناس ما ينفعهم يعني ذلك عندما يذكر الله تبارك وتعالى صفاته لهم ، ويذكرها بطريقة التشويق إلى عبادته والترغيب في هذه العبادة بسبب ءالائه الواسعة التي لا يمكن أن تحيط بها عقول البشر ، فالله تعالى يعرفنا نفسه بقوله ( الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماءً ، فأخرج من الثمرات رزقاً لكم ، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر كلم الأنهار ، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ، وسخر لكم الليل والنهار ، وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، إن الإنسان لظلوم كفار ) (1) وعندما يأمرنا الله بعبادته يذكرنا أيضاً بهذه النعم العظيمة إذ يقول ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماءً فأخرج من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) (2) ويقول الحق سبحانه وتعالى عندما يقيم علينا الحجة بأنه إله واحد وينعي على المشركين الذين اتخذوا ألهة أخرى من دون الله سبحانه يقول (1/16)
صفحة 17
الله عز وجل ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الله خير أما يشركون، أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به
(1) إبراهيم 32-34
(2) البقرة 20-21
حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ءإله مع الله بل هم قوم يعدلون أو من جعل الأرض قراراً ، وجعل خلالها أنهاراً ، وجعل النهار رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً ءإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون ، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ، ءإله مع الله قليلاً ما تذكرون ، أمن يهد لكم في ظلمات البر والبحر ، ومن يرسل الرياح بشرا ًبين يدي رحمته ، ءإله مع الله تعالى الله عما يشركون ، أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض ءإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) (1) فترون أن الله سبحانه وتعالى هو أولى بأن تكون محبته محبة لا تدانيها محبة أحد من خلقه بسبب عظمته عز وجل وبسبب نعمة التي بسطها لخلقه .
(صفات الرسول صلى الله عليه وسلم بلغت ذروة الكمال البشرى فهو أولى بالإعجاب من غيره ) (1/17)
صفحة 18
أما الرسول صلى الله عليه وسلم فهو أكمل البشر خلقاً ، وبلغ ذروة الكمال البشرى واجتمعت فيه الصفات الكمالية المتفرقة في غيره من الناس فإذن هو عليه أفضل الصلاة والسلام من هذه الناحية أولى بالإعجاب به ، ملئ محبته قلوب جميع الناس ، فإن الذين يعجبون بمن يعجبون بهم فإنهم قد يعجبون بصفات حميدة ولكنها لا تداني صفات الرسول عليه الصلاة والسلام وهذا إذا كانوا يعجبون بأهل الخير ، إذا كانوا يعجبون برسل الله من غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعجبون أيضاً بأولياء الله الصالحين من أهل الفضل والتقوى والعفاف والنزاهة ، وقد يكون هؤلاء معجبين بصفات هي أوهام ، كالذين يعجبون بالأشقياء يعجبون بدعاة الشيء ، فيعجبون برادة الفساد ، وقادة الإلحاد ورواد المجون والخلاعة ، هؤلاء يتشبثون بأوهام لا يتشبثون بشيء من الحقيقة ، يعجبون بنقائص ليست هي في شئ من الكمال أبداً ، بل هي نقائص دينية ولكن هذا الحب الأعمى هو الذي استولى على أفئدة هؤلاء وإلا فأين هؤلاء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
( حب الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - من قبل المؤمنين هو إسداء للجميل الذي قدمه لهم )
وإن جئنا إلى الناحية الأخرى وهي كون الحب ناشئاً عن إسداء الجميل ، فإن الجميل الذي أسداه النبي صلى الله عليه وسلم إلى البشرية جميعاً جميل لم يسده أحد من الناس كيف والله تبارك وتعالى بين لنا عظم رسالته وجسامة الأمر الذي قام به عليه أفضل الصلاة والسلام والذي بعث من عند الله عندما يقول تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (2) فماذا عسى أن يكون الإنسان بجانب هذا الوصف
(1) النمل 59-6 (2) الأنبياء 107 (1/18)
صفحة 19
الرباني لهذا النبي الأمين وعلى أله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فالله سبحانه وتعالى يقول لنا بأن رسالته رحمة للعالمين ، تشمل العالمين بأسرهم ، أي تشمل الكون بأسره ، هذا وهذه المحبة التي يجب أن تكون لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم هي كما قلت محبة عقيدة راسخة في النفس ، فمحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إن كانت أيضاً محبة عاطفة ومحبة عقيدة ، فالإنسان يعتقد في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم .. أن الخير كل الخير في إتباعه ، وأن الشر كل الشر في البعد عن منهاجه .
( عباد الرحمن يجسدون محبتهم لله ولرسوله بالطاعة والإذعان لهما ) (1/19)
صفحة 20
هذا بجانب الاعتقاد في أن الخير بأسره ، بكل حذافيره ،إنما هو طاعة الله ـ والشر بأسره إنما هو معصيته عز وجل ، فما من طاعة من طباعات الله إلا وهي خير ، وما من معصية ضد معاصيه إلا وهي شئ ولئن كانت طاعة الله تبارك وتعالى خير للإنسان بجانب كون الحق عز وجل جدير بأن يطاع لعظمته وكبريائه وجديراً أن يطاع أيضاً لأجل فضله وإحسانه وجديراً أن يطاع من اجل وعده ووعيده ، فهو القدير سبحانه على كل شئ وقد وعد وهو صادق في وعده وميعاده ، إذ لا خلاف لميعاده كما أخبر عز وجل بذلك في كتابه ، فإذن على هذا العبد أن يجسد هذه المحبة بالطاعة لله تبارك وتعالى ومن أولى بان يطاع من الله الذي خلق السموات والأرض وأحاط بكل شئ علماً وأحصى كل شئ عدداً ، وأحاطت بكل ذرة من ذرات هذا الكون أحاطت قدرته بالصغير والكبير ، أحاطت قدرته بالظاهر والباطن من أجزاء هذا الكون فما من شئ إلا أحيط بقدرته سبحانه وتعالى .. ومن أولى بأن يطاع بعد الله سبحانه وتعالى من رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي دعا إلى هذا الخير العظيم وجاهد في ذات الله وحرص على ابتغاء البشر مما كانوا فيه وعليه من الضلالة العمياء التي كانوا ير تكسون في مهاويها كما أخبر تعالى بقوله ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) (1) نعم كانوا في ضلال مبين ، فإن محبة الله ومحبة رسوله -صلى الله عليه وسلم - يجب أن تتجسد فالطاعة المطلقة من العبد لله ولرسوله الأمين صلوات الله وسلامه عليه .
( والتواد بين المؤمنين علامة من علامات الإيمان ) (1/20)
صفحة 21
ثم إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذكر بجانب ذلك أيضاً من علامات الإيمان التواد بين المؤمنين لا لأجل قرابة حميمة تشد بعضهم إلى بعض ولا لأجل منفعة عاجلة ينالها المحب من محبوبة إنما هي مودة في ذات الله وأنه يحب المرء لا يحبه إلا لله ، فالعلاقة الإيمانية بين المؤمن التي تطغى على كل علاقة وتجعل المؤمن مشدوداً إلى المؤمن يحبه ويحرص على مصلحته ويسهر من أجل دفع الضرر عنه ، هذه العلاقة هي من مقتضيات الإيمان ومن دلائل هذا الإيمان وبدون هذا الترابط بين المؤمنين لا يصل المؤمنون إلى ذروة الإيمان ، كيف والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) روي ذلك الإمام مسلم في صحيحه عن طريق أنس رضي الله عنه ، أيضاً فالمؤمن يحب المؤمن حباً جماً كما يجب نفسه ولا ريب أن الإنسان بطبعه لا بد أن يحب نفسه حباً عظيماً ، ولذلك كثيراً من الناس من أجل حب النفس يريدون أن يستأثروا بالخير دون الآخرين ، إلا أن المؤمن من شأنه أن يحس أمنه ، أحاسيس إخوانه في الإيمان فلذلك يحب لهم ما يحبه لنفسه من الخير ، وقد يفدي المؤمن أخاه بنفسه وهذا حصل عندما كان الإيمان ساكناً راسخاً ، فالمؤمنون كان أحدهم يؤثر مصلحة أخيه على مصلحة نفسه بل ربما كان المؤمن أحرص على حياة أخيه من حياة نفسه ، قد استقصى في أولئك النفر الذين أصيبوا في غزوة من الغزوات وعطشوا عطشاً شديداً فجئ إليهم بالماء فلما كاد أحدهم يطفئ سعار ظمأه بقطرات من الماء سمع أخاً له يطلب الماء ، فأمر بأن يقدم إليه ، وسمع الثاني بالثالث يطلب الماء فـ وأخيراً مات الثلاثة قبل أن يبلوا لهواتهم بذلك الماء على حالة/
لو أن في القوم حاتما على جوده لظن بالماء حاتم
هكذا كان السلف الصالح يحرص أحدهم على مصلحة أخيه أكثر مما يحرص على مصلحته ويؤثر أخاه على نفسه .
( خوف الرجوع إلى الكفر من علامات الإيمان ) (1/21)
صفحة 22
ويذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - علامة ثالثة لوجود حلاوة الإيمان فبالنفس ( أن يكون هذا المؤمن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) فالنار تتلف جسده وروحه ، والنار الدنيوية تتلف دنياه وأخرته فلذلك يحرص هذا المؤمن على أن لا يعود إلى الكفر كما يحرص على أن لا يقذف في النار .
( المؤمن ينأي بنفسه عن النعمة كما ينأى عن كفر الملة ) (1/22)
صفحة 23
سواء كان هذا الكفر كفر ملة أو كان كفر نعمة فالمؤمن ينأى عن كفر الملة ، لأن كفر النعمة يتنافى مع الإيمان إذ لا يجتمع الكفر والإيمان ، ومن أجل ذلك جاء بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أن الذي يغشى معاصي الله سبحانه وتعالى يخلع عن نفسه رداء الإيمان في حال غشيانها فقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) فالزاني خلع عن نفسه ثوب الإيمان بزناه وكذلك السارق وكذلك شارب الخمر هؤلاء أعمالهم تتنافى مع الإيمان . هذا وقد يطلق الإيمان كما قلت شرعاً على النفس التصديق ولكن ثمرة هذا الإيمان إنما هي مع التكليف مقتض هذا التصديق فالله تعالى يقول ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) (1) وفي هذا ما يدل على أن الإنسان عندما يؤمن إيماناً تصديقا فقط ولكن يلتبس بجانب ذلك بالظلم لا يكون بالغاً إلى مرتبة الإيمان الحق الذي وعد الله سبحانه وتعالى أصحابه بالفوز والسعادة في الدار الآخرة ، إلا انه بجانب ذلك هو متلبس بالتصديق الذي خرج به عن حيز الإشراك فلا يعد من المشركين ولا يحكم عليه بحكم كفر الملة وإنما هو في حيز العصاة المتمردين على ما يقتضيه إيمانهم ، إلا أن هذا الإيمان عندما يقوى على جانب المعصية بجر صاحبه عما هو فيه من المعصية وينأى به عنها شيئاً فشيئاً إلى أن يلحق بالمؤمنين الذين هم مستمسكون بهدى الله تبارك وتعالى بالعبادة .. (1/23)
صفحة 24
وقد وقع إشكال على كثير من الناس بسبب ما وجدوه في آيات الكتاب العزيز بوصف المؤمنين أحياناً بما يدل على أن إيمانهم لا يكون متلبساً بالأعمال الصالحة وقد يكون بالظلم ومع هذا أيضاً ما جاء من الآيات الكثيرة التي تعطف العمل الصالح على الإيمان والكتاب العزيز مع هذه الدلائل التي دلت على أن الإيمان يشمل الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأقوال الصادقة بجانب شموله للعقيدة .. فنجد أن جانب من العلماء ترددوا في هذا الأمر ومما أشكل عليهم قول الله تبارك وتعالى ( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفس إيمانهم لم تكن أمنت من قبل أو كسبت في إيمانهم خيراً )(2) وكذلك ما جاء في وصف المؤمنين بالتقاتل في قول الله عز وجل ( وإن طائفتك من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) (3) وكذلك العطف ،عطف العمل الصالح على الإيمان مع أن العمل الصالح حسب ما تقتضيه الأحاديث التي ذكرت بعضها منها ذكرت بعضا منها الآيات الصريحة داخل في ضمن الإيمان وقد أجاب عن هذا ابن تميمة على أن الإيمان عندما يعطف على العمل الصالح يكون بمعنى التصديق وعندما يذكر مستقلا عن العمل " لا يذكر معه العمل" فهو معنى التصديق مع العمل الذي يجسد هذا التصديق الذي يترجمه ترجمة دقيقة على أن الشيء قد يذكر في كتاب الله سبحانه وتعالى ( إني نذرت للرحمن صوما) (4) فإن المقصود بالصوم هنا ليس إلا بمعنى مطلق الإمساك وليس هو الصوم الشرعي وكذلك قول الله تعالى ( أيعجب الكفار نباته ) (5) مع أن الكفار هنا بمعنى الزراع فقد لوحظ فيه معنى اللغوي وهو الستر لأن أصل الشر كما يقول الشاعر :
يعلو طريقة متنها متواترا في ليلة كفر النجوم غمامها
أي غطى النجوم غمامها ... وكما يقول الشاعر الأخر /
ألقت ذكاء يمنينها في كافر (1/24)
صفحة 25
ذكاء الشمس والمقصود بالكافر هنا الأفق الذي يحجبها عن الأبصار ، فإذن لا يتعجب بأن يذكر الإيمان بمعنى مطلق التصديق بما فرض الله سبحانه وتعالى عليه ، الآن هذا التصديق قد يكون قوياً وقد يكون هذا التصديق ضعيفاً .
(1) الأنعام 82 (4) مريم 26
(2) الأنعام 158 (5) الحديد 20
(3) الحجرات 9
( بتفاوت درجات التصديق عند الناس .. يتفاوت أثره في حياتهم )
فالناس يتفاوتون فيه ويقدر تفاوتهم فيه يتفاوت أثره في حياتهم فعندما يكون هذا التصديق متمكناً في النفس راسخاً في العقل والقلب مستولياً على الفكر والجدان مهيمناً على الجوارح والأركان ، يكون الإنسان متفاعلاً مع ما يقتضيه تفاعلاً تاماً ... بحيث لا تخرج أفعاله عما يقتضيه هذا التصديق من الاستقامة في الأعمال والأقوال والأخلاق ، والقول بأن الإيمان يشمل هذه الجوانب التي ذكرتها وهي العمال بجانب الأقوال أيضاً وبجانب الأخلاق ، والقول بأن الإيمان يشمل هذه الجوانب التي ذكرتها وهي الأعمال بجانب الأقوال أيضاً وبجانب الأخلاق والعقيدة هو قول السلف بل حكي الإجماع عليه ، وقد أطبق أصحابنا عليه بدون خلاف بينهم فهم جميعاً يقولون بأن الإيمان عقيدة يتبعها العمل الصالح ومع عدم الاستقامة على العمل الصالح لا يعتبر ذلك الإيمان إيماناً صحيحاً يبلغ به الإنسان إلى أن يكون من المؤدين بالفوز يوم القيامة ...
( الإيمان قول وعمل ) (1/25)
صفحة 26
وقد أخرج عبد الرزاق عن طائفة من العلماء منهم سفيان الثوري والأوزاعي ومالك وغيرهم أنهم كانوا يقولون الإيمان قول وعمل والمقصود بالقول هنا ما يترجم العقيدة ، فليس المقصود مجرد قول بالسان من غير أن نكون معناه راسخ في النفس .. وإنما المراد بالقول ما يترجم العقيدة الراسخة في النفس وكذلك روي نحو ذلك عن الإمام الشافعي وأخراج أبو القاسم اللالكائي عن الإمام البخاري أنه قال أدركت نحو ألف من علماء السلف كلهم كانوا يعتقدون أن الإيمان قول وعمل ولم يكونوا يحصرون الإيمان في مجرد الاعتقاد فحسب من غير التفات إلى جانب العمل ، وذكر الحافظ عن كثير في تفسيره عن جماعة من علماء السلف أنهم حكوا الإجماع على هذا القول فإذن السلف كانوا يعتبرون الإيمان قول وعمل ومعنى ذلك الإيمان عقيدة يترتب عليها العمل ، ولم يكونوا يعتبرون الإيمان مجرد تصديق بأمور من غير أن يتفاعل الإنسان ومن غير أن يترجم هذا التصديق إلى واقع محسوس في سلوكه ومعاملاته مع الناس وعبادته لربه سبحانه وتعالى وإنما كانوا يعتبرون الإيمان ما رسخ في النفس من الاعتقاد الحق الذي يؤدي إلى الاستمساك بحبل الله تعالى المتين وعدم التفريط فيما أمر به أو فيما نهى عنه ... وهكذا يجب أن يرسخ في نفوس الناس بخلاف ما يقول بعض الناس الذين لا تهمهم الاستقامة كنت حضرت في هذا العام في أحد المؤتمرات وحضرت شخص من دولة علمانية في ذلك المؤتمر وتحدث عن مشكلات ما يسمى بالتطرف في وقتنا هذا وقال إن ذلك منشؤه أن الناس أخذوا بعقيدة المعتزلة في الإيمان ، كأن هذه العقيدة ما كانت موجودة إلا عند المعتزلة ، أي أن الإيمان قول وعمل ، وان العمل لا بد أن يكون مقترناً بالاعتقاد وإلا كان الاعتقاد نفسه اعتقادا هيتا خاويا ، ودعا إلى فصل العمل عن الإيمان بحيث لا يعد العمل من الإيمان ، هكذا اختلال العقول وطيش الأفكار وهيام هذه الأوهام في هذه المتاهات ، وهكذا يستفز الشيطان والعياذ بالله (1/26)
صفحة 27
أتباعه فنعوذ بالله من الخذلان .
(( الخاتمة ))
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من حزبه المؤمنين المفلحين العاملين بكتابه والمتبعين لسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - .
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه اللهم أنا على الاستمساك بالحق وإتباعه ، واشرح صدورنا بالعلم والإيمان ، ونور بصائرنا بالعلم والإيمان ، وظهر سرائرنا بالعلم والإيمان ، وأصلح أعمالنا بالعلم والإيمان ، وأصلح أقوالنا بالعلم والإيمان وحصن أخلاقنا بالعلم والإيمان .. إنك ربنا على كل شئ قدير وإنك بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير - صلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبة أجمعين سبحانك ربي رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
( الأسئلة )
س1 ) على ماذا يستدل القائلون بأن الإيمان يزيد وينقص ؟
جـ1 ) زيادة الإيمان ونقصان الإيمان سنتحدث عنه إن شاء الله في الدرس المقبل ..
س 2) هل تطلق لفظتا مسلم ومؤمن على من يشرب الخمر وهل من فرق بين الإسلام والإيمان ؟
جـ2) على أي حال في الإطار العام ، إطار الإسلام يدخل في الإطار العام ، ولكن ليس معنى ذلك أنه مستمسك بحبل الإسلام هو الاستسلام لأمر الله وانقياد لحكمه والإذعان لطاعته ويغلب على جانب الظاهر وهو رديف الإيمان من حيث المعنى الشرعي ، ولكن الإيمان يغلب على الجانب الباطن ، والإسلام يغلب على الجانب الحقيقي اللذين يترتب عليهما ما يترتب من وعد الله لعبادة المؤمنين فلا .
س3) ما الفرق بين الآيات التي تقترن بالإيمان والعمل الصالح وبين الآيات التي تقترب بالإيمان فقط ؟
جـ3) نحن ذكرنا هذا ، بأن الحديث عندما يكون عن الإيمان والعمل الصالح فإذن المراد الإيمان والتصديق ولذلك عطف عليه العمل الصالح ، وعندما يذكر الإيمان وحده فالمراد به التصديق مع ما يتبعه من الأعمال الصالحة . (1/27)
صفحة 28
س4 ) ذكرتم أن محبة الرسول محبة عقيدة وتدخل فيها محبة العاطفة فهل ينطبق ذلك على محبة الله ؟
جـ4 ) أما الجانب العاطفي في حب الله تعالى فمنم حيث أن الإنسان يشعر بأن نعمة الله تغمره وبإحسانه يحيط به من كل جانب فمن أجل ذلك يدخل الجانب العاطفي هنا ولكن من حيث أن يكون حب الله تبارك وتعالى كحب الشيء المحسوس فلا لأن الله تعالى لا تكتنه العقول فهو سبحانه وتعالى أجل وأعظم من أن تحيط به عقول البشر .
س5) نرى كثير من الناس يقولون إذا نصحوا الإيمان في القلب فماذا نرد عليهم ؟
جـ 5) هؤلاء كاذبون بأنهم مؤمنون بقلوبهم ، لو كانوا حقاً مؤمنين بقلوبهم لصدقوا هذه الأقوال بأعمالهم ، فجـ 5 هؤلاء كاذبون بأنهم مؤمنون بقلوبهم ، لو كانوا حقاً مؤمنين بقلوبهم لصدقوا هذه الأقوال بأعمالهم ، فإن الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " فالإيمان -نعم - الإيمان بالقلب لأن القلب منبع الجدان ، ومنشأ العواطف ومرتكز صلاح الإنسان ولكن لا بد من أن يتجسد هذا الصلاح في الاستقامة فهؤلاء ليسوا مؤمنين بقلوبهم ولو كانوا مؤمنين بقلوبهم لصدقوا هذا الإيمان أعمالهم الله تبارك وتعالى يقول (أحسب الناس أن يتركوا أن أمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم ، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) (1) الإيمان ليس دعوة الإيمان لا بد أن يصدقه العمل.
س6) ذكرتم الرد على من استدل بعطف العمل الصالح على الإيمان ، فما الرد على من استدل بقوله تعالى ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) (2) ؟ (1/28)
صفحة 29
جـ 6) نعم الإيمان قلت قبل قليل بأن هناك إطار عام للإيمان أو إطار أوسع لمدلول الإيمان وهناك إطار خاص ، ففي الإطار العام يدخل هؤلاء ، أما في الإطار الخاص فإن لم يتوبوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى ربهم لا يمكن أن يدخلوا في هذا الإطار الخاص وهو إطار المؤمنين المفلحين الذين وعدهم الله تعالى الفوز والفلاح في يوم الدين وقد يكون أيضاً ذلك باعتبار ما كان فإن ألفاظها تطلق ويراد بها ما سبق على ذلك العهد ومن ذلك قول الله تعالى ( وأتوا اليتامى أموالهم )(3) ففي حال لا يؤتون أموالهم ، هؤلاء قد يكون إطلاق الإيمان عليهم باعتبار حالتهم قبل التقاتل بينهم .
(1) العنكبوت 2-3
(2) الحجرات 9
(3) النساء 2
س7) هل هناك علاقة بين حب العاطفة وحب العقيدة ؟
جـ7) نعم إن استولت هذه العقيدة على النفس فإننا نفخر هذه العواطف الايمانيه تتفجر هذه العواطف الايمانيه بسبب رسوخ العقيدة في النفس .
س8) هذا سؤال لا يتعلق بهذا الموضوع يعني سؤالا عن رموز قالها بعض السالفين لا تتعلق إلا اللهم من حيث مدلول الصلاة ومدلول الحج ومدلول الزكاة ومدلول الصيام
يسأل السائل عن معاني هذه الأبيات التي قالها الشيخ / سعيد بن خلفان رحمه الله تعالى إذ قال
ذكائي أجرها علي وبذلها إلي به نص الكتاب حباني
وأشرب في شهر الصيام تعمداً نهاراً بأوطاني ولست بجافي
وقد صمت أعيادي ولبثيث محرماً بحجة وشهر الحج لي رمضان (1/29)
صفحة 30
جـ8 ) نعم هذه رموز [زكاتي بمعنى تزكيتي لنفسي فأنا أجريها عليّ ، معنى أعني بنفسي أزكى نفسي أهذبها بالأخلاق الفاضلة والكتاب العزيز أمر بذلك فإن كل ما في الكتاب العزيز توصية للإنسان بأوامر صالحة أو نهى عن فساد ، إنما في ذلك أمر بتزكية النفس [ وأشرب في شهر الصيام تعمدا ] هذا المقصود أنه يرد مواد الذكر يذكر الله تبارك وتعالى في شهر الصيام وهو متعمد بذكر الله ويرى في ذكر الله تبارك وتعالى رباً له ، رياً لحسه ، رياً لوجدانه ، وكذلك [ وقد صمت أعيادي ] أي أمسكت عن المعاصي ، المقصود بالصيام هناك الإمساك ] وليست محرماً وشهر الحج لي رمضان ] أي شهر القصد فإنه يقصد إلى الله في الشهر الكريم في التقرب إلى الله تبارك وتعالى بالطاعات .
س9) قال تعالى ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم )(1) الآية - تصف الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم بالإيمان وقال تعالى ( ألم بأن للذين آمنوا مع أنهم لم تخشع قلوبهم لذكر الله ) (2) فلماذا خاطبهم الله تعالى بالذين آمنوا مع أنهم لم تخشع قلوبهم لذكر الله سبحانه بعد ؟
جـ9) هذا مزيد الخشية ، لا أنهم لم تخشع قلوبهم ، ولكن يراد بذلك مزيد الخشية رسوخ الخشية في النفس ، فالله تعالى حكى عن المؤمنين الذين فيما يحكيه الله ( الحمد الله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نستعين ) (3)
(1) الأنعام 2
(2) الحديد 16
(3) الفاتحة 1-5
الله تعالى حكى عنهم أو وجههم إلى أن يقولوا بعد هذا ( إياك نعبد وإياك نستعين ، اهدنا الصراط المستقيم ) (1) أمرهم بأن يقولوا أو وجههم بان، يقولوا ( اهدنا الصراط المستقيم ) (1) أي ذدنا هدى إلى الصراط المستقيم فالذي حمد الله بهذه المحامد ووصفه بهذه الأوصاف ، ووجه إليه العبادة وحده دون غيره ، ووجه دون غيره ، ووجه إليه الاستعانة به سبحانه دون غيره هو أحرى بأن يكون من المهتدين ولكن هنا مزيد الهداية فكذلك مزيد الخشية . (1/30)
صفحة 31
س10) قلتم أن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتضي الإثبات بكل ما أمر به الرسول وفعل - كاتب معاصر يسمى الدكتور المهندس - محمد شحرور - في كتاب له مكون من ثلاثمائة صفحة ذكر أن السنة تنقسم قسمين ، قسم ذكر في القرآن الكريم مشفوعاً بذكر الرسالة فهو القسم والجانب الوحيد الذي يجب علينا الأخذ به فما تعليقكم على ذلك ؟ (1/31)
صفحة 32
جـ10) هذا محمد شحرور ضال زائغ عن النهج السوي ، محمد شحرور نشر مقال قبل أقل من شهر الآن .. يقول بان طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هي في حياته لا بعد موته لأن طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - التي أمر بها في القرآن لأنه حاكم ولأنه قاضي ولأنه قائد وقد انتهى حكمه ، وانتهى قضاؤه وانتهت قيادته . بموته فأمرنا بطاعته في حياته كما أمرنا بطاعة ولاه الأمر فجعل الرسول الذي لا ينطق عن الهوى والذي يبلغ عن الله سبحانه وتعالى رسالته والذي هو معصوم عن أي خطأ وعن أي انحراف في الفكر والسلوك جعله كغيره من الناس نص على ذلك في مقال نشره ، وهذا الكتاب مؤامرة من المؤامرات على الإسلام كتاب شحرور ( الكتاب والقرآن ) أو كما سماه هو هذا مؤامرة من المؤامرات الناس يستترون بالإسلام ويتظاهرون به ويتظاهرون بالدعوة إليه ، وهم مع ذلك يكنون له الحقد ... قبل فتره من الزمن فتره غير بعيده جاء أحد من الناس بفكرة غريبة استهوت كثيراً من الناس حتى أهل هذا البلد ، زعم بأنه أطلع على الاكتشاف ، اكتشاف نوع من الإعجاز في القرآن وهو إعجاز الأرقام ، يسمى هذا المدعي للاكتشاف " رشاد خليفة " ادعى أنه اكتشف نوع من الإعجاز القرآني وأن الكمبيوتر جاء ليدل على هذا النوع من الإعجاز ونشر هذا الفكر في الناس ، واعجب به الناس إعجاباً بالغا ، ثم إذا بهذا الرجل يهدم سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحتى الذي تحدث به إعجاز القرآن هو أيضاً فيه ما فيه من الدرسائس لأنه حصر كل ما في القرآن في الرقم التاسع عشر والرقم " التاسع عشر " هذا رقم مقدس عند البهائيين ، والرجل اكتشف من بعد أنه بهائي ما سةني بجمع بين البهائية والماسونية ... أنا شخصياً التقت به في مؤتمر في الجزائر وتحدث هناك بما ينقض السنة النبوية وحاول بأسلوب أو بأخر أن يغرر بالناس وأن يستثير فيهم العواطف من حيث .
(1) الفاتحة 5-6 (1/32)
صفحة 33
الاستمساك بحسب دعواه بالقرآن الكريم وقال بان المسلمين أصيبوا بما أصيبوا به من النكبات بسبب أنهم كفروا بالقرآن الكريم ، والقرآن يقول ( سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون ) (1) فقال عن هذه السورة بأنها سورة مبينة وإنها مفروضة وإنها منزلة فيها آيات مبينات والمسلون كفروا بذلك عندما عطلوا وكما من الأحكام الموجودة في هذه السورة فادعوا أن هناك رجماً والرجم هو كفر بهذه هو كفر بهذه السورة وبما فيها ، وحاول أن يستفز مشاعر الناس بمثل هذه الترهات ، ثم أخيراً نكشف ما وراء الستر ، الرجل جاهر بما ينطوي عليه إذ وجه رسالة أنا واطلعت عليها بعيني ، وجه رسالة إلى الناس زعم فيها أنه وسول من الله وكتب بهذا النص ( من رشاد خليفة رسول الله ) وزعم هو المعنى يقول الله تعالى ( وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم لرسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرن ) (2) فقال أنا الرسول المصدق لما مع أولئك النبيين والدليل على تصديق لهم هذه الأرقام التي اكتشفتها من إعجاز القرآن الكريم ، هذا نشره رسالة وجهها ، ولكن قطع دابره ، قضى عليه والحمد وأراح الله المسلمين من شره ، فانطوى مع من انطوى ، فمحمد شحرور لا يختلف عن رشاد خليفة ويستبين ذلك في المستقبل ، ومن كان على طريقها ونسأل الله أن يجنبنا مسالك الضالين جميعاً وأن كثيرنا مع المهتدين المتقين إنه سبحانه على كل شئ قدير - صلى الله على سيدنا محمد وعلى آلة وصحبه أجمعين ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
(1) النور 1
(2) آل عمران 81
الجزء الثاني من محاضرة : - " الإيمان مفهومه وتطبيقاته "
? آراء علماء الإسلام على معنى الإيمان شرعاً :-
بسم الله الرحمن الرحيم (1/33)
صفحة 34
أما بعد فحديثنا في الدرس الماضي كان حول حقيقة الإيمان لغة واصطلاحاً ، وبعد أن ذكرنا أن الإيمان لغة بمعنى التصديق تحدثنا عن الإيمان شرعاً وبينا أنه يتناول بجانب التصديق جميع القضايا العلمية وجميع الأسس الخلقية ، أي يتناول فضائل الأعمال والأخلاق فهي داخلية في مدلول الإيمان شرعاً ، وذكرنا أن علماء الإسلام ذكروا بأن الإيمان قد يطلق شرعاً على معنى التصديق، كما يطلق على التصديق المقصود عندما يطلق التصديق على الإيمان شرعاً هو التصديق بقضايا معينة هي التي جاء بها حديث جبريل عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جواباً عن سؤاله ما الإيمان (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله )) (1) فقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم المطلوب من الإيمان الشرعي هنا وهو التصديق بهذه الأسس التي تقوم عليها العقيدة الصحيحة وهي الإيمان بالله وملائكته ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله .
* الإتيان بأركان الإيمان يوصل الإنسان إلى طريق الحق :-
ونحن عندما ننظر إلى هذه الأركان الستة التي يشمخ الإيمان نجد أن هذه الأركان بأسرها تقتضي استقامة الإنسان على طريق الحق ، عندما يأتي بها على الوجه الشرعي ، بحيث لا يكون إيمانه طاغياً على السطح ، وإنما يكون إيماناً عميقاً متغلغلاً في شعاب النفس ، مستولياً على العقل والقلب ، والفكر والوجدان والإحساس والمشاعر ، بحيث يتمازج هذا الإيمان مع الدم الذي يسري في عروق الإنسان ، فإنه عندما يكون بهذه الحالة لا بد من أن يتفاعل مع المؤمن مع هذه الحقائق التي آمن بها إيماناً تاماً ، وذلك يؤدي بطبيعة الحال إلى استقامة على طريقه الحق ، ونأيه عن مسالك الباطل وترفعه عما يشينه من رذائل الأعمال وأقوال سفاسف الأخلاق .
? الإيمان بالله حقيقة عظمى يستوجب التفاعل المطلق مع هذه الحقيقة :- (1/34)
صفحة 35
كيف وأول ما يجب الإيمان به الإيمان بالله والإيمان بالله يعني الإيمان بذاته وصفاته وافعاله ، فالإيمان بالله يقتضي أن يؤمن الإنسان إيماناً تاماً بكل ما قامت عليه الحجة بمعرفة من صفاته عز وجل ، وبجميع ما قامت الحجة بمعرفته عليه من أفعاله .
فمعنى ذلك إذاً أن يؤمن هذا الإنسان بوجود الخالق العظيم الذي اتصف بجميع الصفات الجلالية والكملية والذي تنزه عن جميع صفات النقص والذي لا يصدر عنه إلا الحق ، والذي يهيمن على هذا الكون بأسره بحيث لا تخرج ذرة من ذرات الكون عن حيطة هيمنته ، بل كل ما في الوجود من صغير وكبير ، وساكن ومتحرك وجسم وعرض ، إنما هو واقع تحت قدرته وتصرفه سبحانه ، فهو يصرف هذا الكون من أقصاه إلى أقصاه كما يريد تبارك وتعالى . (1/35)
صفحة 36
والإيمان بذلك إنما هو إيمان هو إيمان بحقيقة كبرى يتضاءل معها جميع الحقائق فالإيمان بذلك هو إيمان بمبدأ هذا الوجود بأسره ، بحيث يؤمن هذا الإنسان أن هذا المبدع للوجود كان قبل وجود أي شيء ، وإنما كل شئ هو مسبوق بوجوده سبحانه وتعالى ، وكل ما كان هو مراد له عز وجل ، وكل ما يحدث إنما هو تدبيره تبارك وتعالى ، وكل ما يلامس الإنسان في حياته هذه وفيما بعد هذه الحياة من خير إنما هو من عنده سبحانه ( وما بكم من نعمة فمن الله ) (1) فإيمانه بذلك يستوجب طاعنه سبحانه وتعالى ، لأن الإنسان إن صدق بوجود أحد من جنسه يفوقه قوة وسيطرة ويسيطر عليه في أحواله ،ـ بحيث يتمكن من الأضرار به متى أراد ، ويتمكن من نفعه متى أراد لا بد من أن يدفعه هذا التصديق إلى أن يحاول جهده بأن يتودد إليه يتودد إليه وأن يحاول جهده بأن لا يعمل إلا ما يرضيه . فكيف إذا كان المؤمن به هو الله العظيم الذي خلق هذا الوجود بأسره ، وهو القادر على كل شئ ، فالإيمان به يقتضي الإيمان بأنه قدير ، وبأنه عظيم سبحانه وتعالى متصف بالحياة الأبدية الأزلية ، ومتصف بالسمع المطلق وبالبصر المطلق ، ومتصف بالإدارة المطلقة ومتصف بكل ما هو جدير أن يتصف به من صفات الكمال ، وبأنه هو الذي أخرج هذا الكون بأسره من العدم إلى الوجود وهو الذي طبعه بما طبعه فما كان في هذا الكون أو ما سوف يكون إنما كان بإدارته ولا يمكن أن يكون إلا بما هو مراد له فإيمانه بهذه الحقيقة العظمى يستوجب التفاعل المطلق مع هذه الحقيقة التي آمن بها فيؤدي ذلك إلى أن يطيع الله سبحانه وتعالى ، وإلى أن يتودد إليه هذا مع أن الإنسان كما قلت من قبل من طبعه أن يسارع إلى رغبة محبوبة وقد تتلاشى رغبته مع رغبة محبوبة ، ويغني هواه في هواه ولكن كان ذلك في إنسان مثله . فكيف إذا كان هذا المحبوب هو هذا الخالق العظيم ؟ (1/36)
صفحة 37
ومن المعلوم أن محبة الإنسان لغيره إنما تكون باعتقاده تفوق ذلك الغير واتصافه بصفات العظيمة وأما أن يكون بسبب ما يمن من فيض خيره عليه من قبل ذلك الغير ، وعلى كلا الحالين فإن الله تبارك وتعالى هو أولى من أي شئ بالمحبة المطلقة ، فإذن جدير بهذا الإنسان أن يتفاعل مع هذا الحب الإلهي تفاعلاً مطلقاً بحيث لا يتصرف في حياته هذه إلا وفق أمر الله ، مع أنه بجانب ذلك يدرك أن الله تعالى قد أوعده وأتعده ولا تبديل لوعد الله ولا لميعاده ، لا تبديل لكلمات الله ( ما يبدل القول لدي ، وما أنا بظلام للعبيد ) (2) فإذن يجدد بهذا الإنسان أن يشفق على نفسه من وعيد الله ، وان يرغب في الفوز بوعده وهذا بطبيعة يدفعه إلى التعرض لرضاه ، والنبأ بنفسه عن الوقوع في سخطه .
(1) الإسراء 53
(2) ق 29
*الإيمان بالملائكة إيمان بحقيقة غيبية :-
وأما الإيمان بملائكة الله سبحانه فهو أيضاً إيمان بحقيقة غيبية إيمان بما لا يقع تحت حس الإنسان ، إذ هو إيمان بعالم غير هذا العالم المحسوس الذي تشاهده ، والذي نعيش بين أكنافه وإنما هو إيمان بعالم يختلف عن هذا العالم ، وهؤلاء الملائكة هم خلق الله تبارك وتعالى .
? ذكر بعض صفات الملائكة :- (1/37)
صفحة 38
وهم موصوفون بصفات نص عليها القرآن الكريم ، عندما قال تبارك وتعالى فيهم ( بل مكرمون ، لا يسبغونه بالقول ، وهم بأمره يعملون ، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفقون إلا لمن ارتضى ، وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ، كذلك نجزي الظالمين )(1) فإن الله تبارك وتعالى وصفهم بصفات الطاعة في هذه الآيات فهم مكرمون من قبل الله عز وجل ، إذا برأهم الله عز وجل من الطائع التي تدفعهم إلى الوقوع في معاصي الله لا يسبقونه بالقول من طاعتهم الله تبارك وتعالى ، لا يتقدمون بين يديه ، وهم بأمره يعملون ، يعملون بما أمر ، كما أنهم يزدجرون عما نهى ، ومن طاعتهم لله سبحانه لا يشفقون إلا لمن ارتضى وبجانب هذه الطاعة هم مشفقون من عقاب الله خائفون من جلال الله ، هذا وهؤلاء الملائكة قد وصفوا أيضاً بما يدل على قوتهم ، وعلى أن لهم طبائع تمكنهم مما يتمكن منه الطبع البشري القاصر المحدود ، هؤلاء الملائكة دل القرآن الكريم أنهم قد يتحولون من حالة إلى حالة كما ذكر الله تبارك وتعالى في سورة مريم ( فتمثل لها بشيراً سوياً )(3) أنه تمثل بشراً ؟ أي تحول من صورته التي خلقه الله سبحانه وتعالى إلى صورة أخرى بقدرة الله وقد مكنه الله عز وجل من ذلك وجاء أيضاً في حديث الوحي ، حديث الحارث بن هشام عندما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يأتيك الوحي يا رسول الله ؟ قال " يأتيني أحياناً مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحياناً يتمثل إلى الملك رجلاً فيكلمني ، فأعي ما يقول " (4) فتون أن الحديث أيضاً يدل على نفس ما دلت عليه الآية الكريمة من كون الملك يتمثل بصورة الإنسان ، بينما الإنسان لا يمكن أن يتحول من صورته إلى خلقه الله عليها إلى نوع آخر من مخلوقات الله ، بل تبقى هذه الصورة ملازمة له وفي هذا ما يدل على أن قدرة الإنسان قدرة معدودة وكذلك دلت السنة النبوية على عظم خلق (1/38)
صفحة 39
هؤلاء الملائكة ، فقد جاء في حديث عائشة الصحيح الذي ثبت عند الإمام الربيع وعند الشيخين وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ذلك جبريل لم أراه في صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين ، رأيته مهبطا من السماء ، ساذاً عظيم خلقه ما بين السماء والأرض ) (5) فخلقه جبريل الطبيعية خلقه عظيمة بحيث أنه يسد بهذه الخلقة ما بين السماء والأرض بحيث لا تمكن من رؤية السماء من كان على الأرض ، عندما يكون جبريل عليه السلام بين السماء والأرض هذا وقد جاء ما يدل على أن جبريل عليه السلام بقدرة الله تبارك وتعالى من إبادة أمم بأسرها ، بأسرع من طرفة عين ، وما ذلك إلا لأن الله تبارك وتعالى أتاه من القوة ما يفوق تصور الإنسان وهؤلاء الملائكة مع هذه الكيفية التي خلقوا عليها والطاقات التي وهبوها والملكات التي اتصفوا بها خاضعون لله سبحانه وتعالى يسبغونه بالقول من هيبة الله تبارك وتعالى ، ولا يتقدمون بين يديه ، مشغقون وقد وصفهم الله تبارك وتعالى أيضاً بقوله ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) (1) وذكر الله تعالى ملائكته النار - والعياذ بالله من النار - فقال ( عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) (2) هم على ما طبعوا عليه من الشدة والغلظة بجانب الله تبارك وتعالى مشفقون ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ولئن كان هؤلاء الذين أعطوا هذه القوى وتمكنوا بما أوتوه من فعل ما لا يتصوره الإنسان بحيث يتمكن أحدهم من نسف جانب من الأرض في أسرع من طرفة عين فكيف بالإنسان الضعيف الذي يتعثر بالعبرة ، ويتقدد بالشعرة ؟ أليس هذه الإنسان أولى بان يشقق على نفسه من عذاب الله هؤلاء الملائكة الكرام المقربون الذين أوتوا ما أوتوه من القوى والطاقات واتصفوا بما اتصفوا به من الملكات لم تغرهم أنفسهم فيتجرءوا على الله تبارك وتعالى بمعصيته وانما هم ملازمون لطاعته سبحانه وتعالى لا يفتأون عن هذه الطاعة (1/39)
صفحة 40
يسبحون الليل والنهار لا يفترون فكيف والإنسان الذي يشعر بضعف سبحان الله ما أجرأ هذا الإنسان على معصية الله تبارك وتعالى مع هذا الذي الضعف
الإنسان الذي يتردد إلى دورة المياه ( الحمام ) ليقضي كل حاجته كل يوم من المرات والذي يتأذى من البعوضة ، والذي يتأذى من النملة ، والذي يتأذى من أتفه الأشياء كيف يجرا على الله تبارك وتعالى ويعصيه بينما هؤلاء الملائكة الذين أوتوا هذه القوة العظيمة وتمكنوا بإدارة الله سبحانه وتعالى ، وبقدرة سبحانه وبتمكين الله إياهم من ما يفعلونه في لمحة عين مما لا يتصوره العقل البشري ، هؤلاء الملائكة مع هذا كله هم لا يفتأون عن ذكر الله ولا يفترون عن طاعته ن يسبحونه سبحانه وتعالى بالليل والنهار ويدأبون على طاعته .
* ثمرة الإيمان بالملائكة :-
فعندما تخالط هذه الحقيقة فكر المؤمن ، ويتلبس بها المؤمن تمام التلبيس لا بد أن يتفاعل معها فيحرص أيضاً على أن يكون مطيعاً لله سبحانه وتعالى مشغفااً على نفسه من عقاب الله راجياً لثواب الله متعرضاً لنفحات الله تعالى بالتزامه ذكر الله آناء الليل كما هو شان الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون .
? من وظائف الملائكة المراقبة لأعمال الإنسان وتسجيلها :-
كذلك هؤلاء الملائكة الكرام لهم وظائف متعددة من بين هذه الوظائف أنهم يراقبون الإنسان في حركاته وسكناته في ليلة وفي نهاره في ذكره وفي غفلته، في نومه وفي يقظته، فهم يسجلون كل ما يصدر من الإنسان فالله تبارك وتعالى يقول "كلا بل تكذبون بالدين، وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعملون ما تفعلون"(1) ويقول تعالى" ما يلفظ من فول إلا لديه رقيب عتيد".(2) فمعنى ذلك أن حركاتنا كلها
(1) الانفطار : 9 – 12 (2) ق : 18 (1/40)
صفحة 41
محسوبة بل كل ما يجري منا إنما هو مقيد ومضبوط في دواوين لا تقصير فيها، هذه الدواوين بأيدي هؤلاء الكرام الكاتبين الذين يعملون ما تفعل فإذن ونحن نشفى بذلك ما الذي يجب علينا تجاه الأمر هل يكفينا أن نعتقد هذا الاعتقاد فحسب من غير أن نتفاعل معه وأن هذا الاعتقاد يقتضي منا أن نتفاعل معه تفاعلاً تاماً بحيث نراقب هؤلاء الملائكة الكرام الكاتبين ونحرص كل الحرص على أن لا تصدر منا هفوة وألا تصدر منا زلة لئن لا يسجلوا علينا ما لا نحمد عقباه ولا نرغب في قراءته في صحائفنا يوم القيامة. (1/41)
صفحة 42
إن هذا الإيمان ليقضتي بطبيعة الحال بأن تجسده في سلوكنا بحيث نحرص كل الحرص على طاعة الله تبارك وتعالى حتى لا تعثر هذه الملائكة على أية زلة منا ولئن لا تلحظ إساءة منا فيجب علينا أن نحرص كل الحرص على تبيض صحائفنا التي هي بأيدي الملائكة الكرام الكاتبين، ولئن كان من طبع الإنسان عندما يشعر بمراقبة من لإنسان مثله تطرأ عليه الغفلة ويلابسه النسيان، ويقصر في أعماله ووظيفته، وعندما يشعر بمراقبة أحد مثله، لا بد أن يحرص على ألا تصدر منه فلته من الفلتات التي يسجلها عليه ذلك المراقب، فلو أدرك أي أحد أنه مراقب من قبل مخابرات دولة من الدول التي تتمكن من إيذائه وتتمكن من عقوبته فإنه يحرص على ألا تتطلع تلك المراقبة على أي عمل من الأعمال التي يمكن أن يسأل عنها أو يعاقب عليها، فكيف إذا كانت هذه الرقابة من قبل الله سبحانه وتعالى وقد هيأ الله عز وجل هؤلاء الملائكة لا لأجل تكليفهم حتى يختبر الله تبارك وتعالى طاعتهم وحتى يدرك الناس طاعتهم لله تبارك وتعالى فيحرصوا أيضاً أن يطيعوا الله تبارك وتعالى كما يطيعونه، ولأجل أن تمتلئ قلوب العباد خشية من الله تبارك وتعالى بالشعور بهذه المراقبة من قبل هؤلاء والملائكة الكرام الكاتبين، بجانب مراقبة الله، فكيف إذا الرقيب هو الله وقد هيأ الله تبارك وتعالى هؤلاء الرقباء الذين لا ينسون بأي حال من أحوال وإنما يزم هواه بزمام التقوى ويفيد جميع حاجات نفسه وجميع خواصر صدره وجميع ما يصدر منه من أعمال وأقوال بقيد التقوى، ويلتزم بلوازم التقوى التي فرضها تبارك وتعالى.
* الإيمان بالكتب السماوية يوحي الله تعالى إلى رسله:- (1/42)
صفحة 43
كذلك يأتي بعد الإيمان بالملائكة الإيمان بكتب الله سبحانه وتعالى والإيمان يكتب الله هو إيمان بأن الله تبارك وتعالى أوحى إلى رسله ما أوحاه من كلامه لأجل إبلاغ رسالة الله إلى الناس حتى يهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة، بحيث لا يهلك أحد إلا بعد أن تقوم الحجة عليه وقد قامت الحجة على الناس جميعاً من خلال هذه الرسالة العظمى التي بعث الله تبارك وتعالى بها صفوته من خلقه إلى من شاء من عباده، فإذن الإيمان بهذه الكتب إنما هو يوحي الله تبارك وتعالى هذا الوحي لم ينزل لأجل التسلي به بين الناس لأجل أن يكون أدب يدرس ويتسلى به المتسلون وينقله الناقلون ويبحث فيه الباحثون وإنما أنزل لأجل أن تتحول حياة الناس جميعاً إلى واقع يجسد هذا الوحي الذي أوحاه الله تبارك وتعالى، فإذن على هذا المؤمن الذي آمن بوحي الله أن يكون في أعماله وأفعاله، لا يصدر إلا عن تعاليم الله فلا يقدم على شيء إلا ببينة من ربه ولا يحجم عن شيء إلا ببينة من ربه فيؤثر ما أمره الله تبارك وتعالى به على هوى نفسه وهوى الناس أجمعين ويقدم طاعة الله سبحانه وتعالى على كل مصلحة يتخيلها إذ لا مصلحة في الحقيقة إلا في إطار هذه الطاعة والمفسدة كل المفسدة إنما هي في مخالفتها والنزوح عنها فإذا آمن الإنسان بهذا الوحي لزمه أن يتفاعل تفاعلاً تاماً مع تعاليم هذا الوحي ومع هداية هذا الوحي، كيف ونجد في كتاب الله سبحانه ما يدل إلى أن الذين لا يلتزمون تعاليم الله وإنما يختارون ما يختارون ممن وحي الله فيعلمون به ويرفضون ما يرفضون من وحي الله فيعملونه، إنهم ليسوا من الإيمان في شيء، فالله تعالى عند ما ذكر قصة بني إسرائيل وما كان منهم في فك أساراهم مع ما يحصل فيما بينهم من التقاتل وسفك بعضهم دماء بعض وإخراج بعضهم بعضاً من ديارهم، عندما ذكر الله تبارك وتعالى ذلك عنهم أتبعه بقوله " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفر ببعض" (1) وهل بنو إسرائيل هم أولى بالتقريع (1/43)
صفحة 44
عندما يتلبسون بهذه الحالة من غيرهم، لا والله إنما هم وغيرهم سواء فالوحي الذي أوحاه الله إلى أي أمة من الأمم لم يوحه لأجل أن تتفكه تلك الأمة بتلاوته وأن تستمع بأنغام صوته عندما يتلى، لا وإنما أوحاه الله تبارك وتعالى لأجل أن يكون حياة للناس فالله تعالى يقول " أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها"(2) ويقول الله تعالى في هذا القرآن الكريم " وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نهدي من نشاء من عبادنا"(3) فالله تعالى سماه روحاً وسماه نوراً فإذن علينا أن نحيا بهذه الروح وعلينا أن نقتبس من هذا النور فلا نتسكع في الظلمات ونحن بين أيدينا النور ولا نؤثر الموت على الحياة ونحن بين أيدينا الروح التي نحيايها فمعنى ذلك أن يجسد هذا الذي أنزله الله تبارك وتعلى تجسيدا تاماً في الأعمال كلها بحيث لا يحكم الإنسان إلى حكم الله سبحانه في وحيه ولا يحكم إلا بحكمة ولا يتصرف إلا بحسب أمره وجميع هذه الكتب التي أنزلها الله عز وجل تتمثل الهداية التي فيها فيما أنزله الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فقد أنزل عليه الكتاب ليكون مهيمناً على ما قبله من الكتب فالقرآن الكريم هو مهمين على كل ما تقدمه من كتاب.
* الخير كل الخير في تطبيق القرآن الكريم والاعتصام به:-
فمعنى ذلك أننا عندما نعمل بهذا القرآن الكريم نكون قد آمنا حقاً بما أوحاه الله تبارك وتعالى من كتب إلى رسله لأن ما تفرق في تلك الكتب اجتمع في هذا القرآن الكريم، فالخير كل الخير إذن في الإعتصام بهذا القرآن الكريم وفي اتباعه والله تعالى يقول" ونتنزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين"(4) فهو شفاء من كل ناحية من النواحي، هو شفاء من حيث العقيدة لأنه بين ما لم نكن نعلمه من صفات الله
(1) البقرة : 85 (2) الأنعام : 122
(3) الشورى: 52 (4) الإسراء :82 (1/44)
صفحة 45
سبحانه وتعالى ومن أفعاله ومن أحوال هذا الكون وطبائع هذا الوجود والمنقلب الذي سينقلب إليه الإنسان وماذا سيجد الإنسان في ذلك المنقلب، كما إنه بين ماذا يجب على الإنسان أن يعمل لحياة المنقلب، كيف يكون سلوكه في دنياه سلوكاً سليماً يؤدي به إلى السلامة في منقلبه في الدار الآخرة، ولأن كان بنو إسرائيل الذين حملوه هذه الأمانة، أمانة الوحي الرباني ولم يتحملوه كما فرض الله، ضرب الله تعالى فيهم مثلاً عندما قال" مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً، بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، والله لا يهدي القوم الظالمين"(1)، فهذه الأمة عندما تنعى عن هداية القرآن الكريم وعندما تستجدي الحلول من جهات شتي من الغرب والشرق وتعرض عن هذا الكتاب الكريم يصدق عليها هذا المثل نفسه فلا تكون منتفعة بهذا القرآن مهما حافظت على تلاوته بأحسن الأنغام مع المحافظة على أداء حقوق التلاوة كما أمر بترتيله، فإن ذلك لا يجدي شيئاً مع إهمال العمل به، وماذا عسى أن يجدي افتتاح اللقاءات والحفلات واختتامها بهذا القرآن الكريم مع أن ما يجري بين الافتتاح والاختتام كثيراً ما يمون نقضاً لهداية تطبعه أحسن الطبع وهي بجانب ذلك رافضة للعمل به وكيف والله تعالى يقول " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً، ونحشره يوم القيامة أعمى" (2) ويقول عز وجل "وآتيناك من لدنا ذكراً، من أعرض عنه فإن يحمل يوم القيامة وزراً، خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة جملاً"(3) فهذا وعيد شديد للذين يعرضون عن القران الكريم، وليس الإعراض عن القران الكريم بمجرد اعتقاد عدم صدقه وإنما الإعراض عن القران الكريم يكون أيضاً بالإعراض عن اتباع أمره والازدجار عن نهيه، فان القران الكريم لم ينزل ليكون نظريات تتلى هكذا من غير تطبيق ولا عمل وإنما انزل ليكون منهجاً ربانيا تعيش على هداه هذه الإنسانية بأسرها، والسلف الصالح كانوا مدركين تمام الإدراك لهذا (1/45)
صفحة 46
الأمر، ولذلك كانوا يحرصون على ان يتعلموا العمل بالقران كما يتعلمون نفس تلاوة القران ونفس أداء القراًن بالطريقة السليمة كانوا يحرصون على تعلم ما في القراًن من علم وتطبيق ذلك في جميع أعمالهم كما روى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنة انهم كانوا يتعلمون عشر آيات من القران لا يتجاوزونهن إلى غيرهن إلا بعد ان يتقنوا ما فيهن من العلم والعلم فكانوا يتعلمون العمل كما يتعلمون العلم ، وعندما أبصرت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها امرأة وعليها ثياب رقاق قالت : ما آمنت بسورة النور امرأة تلبس هذه الثياب فهذا يدل على الحس المرهق عند السلف الصالح تجاه الإيمان بما أنزله الله سبحانه وتعالى؛ ما كان إيمانهم إيماناً شكلياً وإنما إيماناً جوهرياً عميقاً يهيمن على النفس هيمنة تامة فيتفاعلون مع هذا الإيمان تفاعلاً تاماً بحيث لا يغادرون جزئية من جزئيات ما آمنوا به إلا وهم يجسدون الإيمان بها في سلوكهم وفي أقوالهم وفي حالاتهم كلها.
(1) الجمعة : 5 (2) طه: 124 (3) طه: 100 - 101
* الرسل وعاء للنور الرباني . . هداية للأمم الضالة:- (1/46)
صفحة 47
كذلك الإيمان بالرسل إنما هو إيمان بصفوة خلق الله الذين هيأهم الله عز وجل لحمل أمانته إلى خلقة فهم أعدوا بفطرتهم التي فطرهم الله تعالى عليها لأن يكونوا وعاء لهذا النور الذي بعثهم الله تعالى به وأن يكونوا هداة للأمم التي بعثوا إليها مثالاً في الكلمالات البشرية فإنهم قد احتووا على جميع صفات الخير التي يمكن أن تكون في البشر، فرسل الله سبحانه وتعالى صنعوا على عين الله من أجل الاضطلاع بأمانة الله والقيام بأمره والدعوة إلى دينه وهداية عباده إلى مسالك الرشد وقد قُلتُ بأن الإنسان من طبعه أن يحب تقليد الناس الذين يفوقونه في مواهبهم التي اختصهم الله عز وجل بها سواء كانت هذه المواهب فطرية أو كسبية وسواء كانت المواهب ذاتية أو غير ذاتية وعلى هذا فرسل الله هم أولى بالاتباع ثم هؤلاء الرسل بسبب جهادهم الكبير وجهادهم المتواصل من أجل هداية البشر ودؤوبهم على إبلاغ دعوة الله، هم أحق الناس بالإجلال والإكبار وأحق الناس بالإعظام والاحترام وأحق الناس بأن تترسم خطوتهم وأن تتبع آثارهم، هم بسبب ... ذلك وبسبب تفوقهم على الناس فيما طبعهم الله تعالى عليه من قطرة الخير وما كساهم إياه من ثوب التفضل هم أحق الناس بأن يكونوا محبوبين محبة تمتلك شعاب النفوس، فبسبب ذلك لا بد أن يتفاعل الإنسان مع هذا الإيمان بهؤلاء الرسل ومع هذا الحب الذي تقتضيه هذه الفطرة السليمة ويقتضيه الإيمان بهم.
* الرسل هم قدوة البشر:- (1/47)
صفحة 48
وعلى هذا فإذن الرسل الله تبارك وتعالى هم أولى الناس لأن يكونوا قدوة للبشر وأن تكون طاعتهم فوق طاعة البشر أجمعين وأن تحتذي جميع خطواتهم، اللهم إلا في الأشياء التي خصوا بها وكانت لهم دون سائر أممهم وقد بين الله عز وجل أن طاعة هؤلاء الرسل مقرونة بطاعة الله فقد قال سبحانه "من يطع الرسول فقد أطاع الله"(1) فقد جاء في الكتاب الأمر بطاعته وطاعة رسوله في آيات عديدة لا يمكن أن تحصيها بالأرقام يقول الله تعالى"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، وإن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً"(2) فطاعة الله مقدسة على كل طاعة ثم طاعة الرسول ولذلك أتبع الله ذلك قوله"فإن تنازعتم في شيء فردوه على الله والرسول"(3) فعندما يقع تنازع ما بين ولي الأمر وبين الأتباع ويقع خلاف بينهم عليهم أن يحتكموا إلى الله تعالى وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم وليس الرد إلى الله إلا بالرد إلى كتابه وليس الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بالرد إلى سنته، فإذن طاعة الله تعالى مطلقة وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة وطاعة غيرهم طاعة مقيدة ويقول الله تعالى"قل أطيعوا الله والرسول"(4)
(1) النساء : 80 (2) النساء: 59 (3) النساء: 59 (4) آل عمران: 32 (1/48)
صفحة 49
ويقول"قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم، وإن تطيعوه تهتدوا، وما على الرسول إلا البلاغ المبين"(1) فطاعة الله سبحانه وتعالى واجبة من غير أن يتردد فيها الإنسان، ليس من شأن المؤمن أن يتردد في طاعة الله ورسوله "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قصى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، من يعصى الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً"(2) "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً"(3) والله سبحانه وتعالى ناط بطاعته وطاعة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام كل خير في الدنيا والآخرة، فخير الدنيا أيضاً إنما يناط بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه و سلم، كيف و الله عز وجل وعد المؤمنين بالتمكين والإستخلاف في هذه الأرض بعد أن أخص بطاعته وطاعة رسوله في قوله"قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وأن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين"(4) اتبع الله سبحانه ذلك قوله "وعد الله الدين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعيدونني لا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون"(5) ثم الله سبحانه وتعالى أتبع ذلك الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول فقال مرة أخرى:"وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون"(6) فجميع هذه الوجوه يجب على الإنسان أن يطيع الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة تتجسد في جميع تصرفاته، طاعة تتمثل في كل ما يأتيه وما يذره، على أن الإقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم من مقتضيات الإيمان بالله واليوم الآخر فالله تعالى يقول:"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر"(6) ومعنى ذلك أنه من لم يتأسى (1/49)
صفحة 50
بالرسول صلى الله عليه وسلم فليس هو من الذين يرجون الله واليوم الآخر، والتأسي بالرسل والإقتداء بهم وطاعتهم، كل ذلك يتمثل في طاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأن الرسالات السابقة كانت مبشرة بهذه الرسالة وأدعية إلى الاعتصام بحبلها والاستمساك بهداها فالله تعالى أخذ ميثاق النبيين قبل ميثاق النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتبعوه مع عز وجل بأن أولئك النبيين لا يمكن أن يلحقوا عهده صلوات الله وسلامه عليه مع ما قضاه الله سبحانه وتعالى من طي حياتهم قبل وصول صلوات الله وسلامه عليه، إلا أن ذلك أخذ الميثاق على جميع الأمم التي بعث فيها أولئك النبيون فالله تعالي يقول"وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى، قالوا أقررنا، قال فأشهدوا وأنا معكم من الشاهدين"(8) فهذا ميثاق في رقاب جميع الأمم بأن يتبعوا
(1) النور:54 (2) الأحزاب: 36 (3) النساء: 65 (4) النور: 54
(5): النور: 55 (6) النور: 56 (7) الأحزاب: 21 (8) آل عمران: 81
النبي صلى الله عليه وسلم عندما يبعث ولا يحل لأحد التخلف عن ذلك، ولان كان ذلك ميثاقاً في رقاب جميع الأمم فإذن هذه الأمة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكرمت بالهداية فاعترفت برسالته، وصدقت بنوته وآمنت بدينه يجب عليها أن تستمسك بهذا الخير وأن تطيع الرسول صلى الله عليه وسلم وأن تتمثل هذه الطاعة في خلال تصرفاتها وأعمالها بأسرها سواء كان ذلك فيما بين العبد وبين ربه أو كان فيما بين العبد ونفسه أو كان ذلك فيما بينه وبين أهله أو كان ذلك فيما بينه وبين جاره وبين رحمه أو بينه وبين بني جنسه أو كان ذلك فيما بينه وبين مجتمعه أو بينه وبين أمته، هذه الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن تتمثل في سلوك المسلم في كل جزئية من الجزئيات فضلاً عن الكليات. (1/50)
صفحة 51
* الإيمان باليوم الآخر إيمان بالمبدأ وإيمان بالمعاد:-
كذلك من أركان الإيمان التي يقوم عليها صرحه ويشمخ بها بناءه الإيمان باليوم الآخر وهو ركن مهم جداً لأنه إيمان بالمبدأ أي إيمان بالمعاد بعد إيمان بالمبدأ، هذا إيمان بالمعاد، الإيمان باليوم الآخر هو إيمان بالمعاد، ولذلك كثيراً ما يذكر الإيمان بالله واليوم الآخر وحدهما في كتاب الله عز وجل لأن في ذلك ما يدل على أن الذي آمن بالله واليوم الآخر كأنما أمسك بحبل الإيمان من طرفيه وجمع هذا الخير من قطريه، فجميع أركان الإيمان كأنما هي تنضوي تحت الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وذكر الإيمان باليوم الآخر بجانب الإيمان بالله لأهمية الإيمان باليوم الآخر لأن الإيمان باليوم الآخر كما قلت هو إيمان بالمنقلب الذي ينتظره كل إنسان، والإنسان يعلم علم اليقين أن له بداية، هذه البداية دلت أدلة العقل والنقل أنها لم تأتي هكذا عفوية، أو كما يقول الطبيعيون الآن من خلال الطبيعة، وإنما جاءت بإرادة الله سبحانه وتعالى، هو الذي ألبسه لبوس النعم، هو الذي سخر ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، فإذن هذا الإيمان يقتضي من الإنسان كما قلت من قبل أن يطع الله تبارك وتعالى طاعة مطلقة، وهذا هو التفاعل الصحيح مع هذا الإيمان بالمبدأ، ولكن الإنسان تؤثر عليه مؤثرات مختلفة، مؤثرات نفسية، مؤثرات إجتماعية، مؤثرات قد تكون أحياناً عارضة ومؤثرات غير عارضة فتبعده عما يقتضيه إيمانه بالله من الطاعة المطلقة لله سبحانه وتعالى إلا أنه بجانب إيمانه بالله عندما يؤمن باليوم الآخر، يكون إيمانه باليوم بالآخر واقياله من الانزلاق والاندفاع وراء الشهوات والرغبات، فالإنسان تؤثر عليه مؤثرات شتلا، تؤثر عليه كما قلت الشهوة ويؤثر عليه الغضب ويؤثر عليه الفقر والحاجة إلى أن يحاول بأن يتجاوز الحدود، ولمن عندما يكون مؤمناً بالله ومؤمناً باليوم الآخر، إيمانه بالله ثم إيمانه باليوم ينهيانه عن (1/51)
صفحة 52
الوقوع في هذه المنزلقات ويصونانه عن التردي في هذه المهالك، بحيث يكون مؤمناً لمنقلبه يوم القيامة، فإن ذلك المنقلب لا منقلب بعده، إذ عندما ينقلب الإنسان إلى يوم الدين ويعطى كتابه إما بيمينه وإما بشماله، ثم يبوأ بعد ذلك إحدى الدارين إما الجنة أو النار والعياذ بالله من النار فإنه ولا ريب وصل إلى الغاية التي ليست بعدها غاية فلا يمكن أن ينقلب إلى منقلب آخر، فلينتظر الإنسان أي المنقلبين يريده لنفسه، هل يريد أن يكون منقلبه إلى دار السعادة أو يريد أن يكون منقلبه دار الشقاء.
* الماضي والحاضر والمستقبل بيد الله تبارك وتعالى:-
في دنياه هذه يحرص على تأمين مستقبله فيها مع أن مستقبله وهي فالإنسان يدخر المال فيكدح و يتعب من أدل تأمين هذا المستقبل مع أنه لا يدري هل يكون له مستقبل في هذه الدنيا أو تكون نهايته قريبة فلا يكون له مستقبل إلا المنقلب إلى الدار الآخرة، فكيف وهو يوقن يقيناً جازماً بذلك المنقلب إلى الدار الآخرة، مع أن الإنسان لو خيل إليه أنه سيعمر في دنياه هذه عمراً مديداً فهو عمر محدود وهو عمر لا يكاد يذكر بجانب العمر الأبدي الذي يحياه في الدار الآخرة، فكيف يحرص الإنسان على تأمين مستقبله الدنيوي الوهمي الذي لا يعرفه، ويترك تأمين مستقبله الأبدي في الدار الآخرة كيف يحرص على جمع هذا الرصيد من أجل الحياة الآخرة، فالإنسان عندما يؤمن هذا الإيمان ويخالط هذا الإيمان بشاشة قلبه لا بد من أن يتفاعل معه تفاعلاً عميقاً ويكون هذا الإيمان مؤثراً على سلوكه، مؤثراً على تفاعلاته في هذه الحياة، مؤثراً على جميع حالاته بحيث يحرص كل الحرص على رضي الله تبارك وتعالى وعلى سلامته في الدار الآخرة.
* كل ما يجري في هذا الوجود بقضاء الله تعالى وقدرته:- (1/52)
صفحة 53
كذلك إيمانه بالقضاء والقدر، إنما إيمان بأن الله تبارك وتعالى الذي خلق هذا الوجود وأبدع هذا الكون هو الذي يصرفه كما يشاء فلا تتحرك حركة في هذا الكون إلا بمقتضى قد الله عز وجل، بمقتضى قضاء الله سبحانه وتعالى، لولا يخرج شيء من ذلك عن تدبير الله فإن الله تعالى عندما خلق هذا الكون لم يتخل عنه، بل كل ما يجري في هذا الكون إنما يجري بقضاء وقدر وبهذا تهون على الإنسان المصائب ويتمن الإنسان بإيمانه هذا من تحدي الشدائد والمصائب لأنه يحس أنه لا يمكن أن يصيبه أي خير إلا وقد كتبه الله له، ولا يمكن أن يصيبه أي شر إلا وقد كتبه الله عليه وبهذا يكون الإنسان متعلق بالله وحده، قاطعاً علائقه بالخلق، تلك العلائق التي تجعله أن الناس كلهم، بل أن الخلق كلهم لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء كتبه الله عليه، فلا يبالي بمواجهة التحديات في سبيل طاعة الله لأنه يعلم أن الله تبارك وتعالى وحده هو الذي يصرف الوجودات وأن كل ما يجري في هذا الكون إنما هو بقضاء وقدر من الله، فما له والتعلق بالبشر، وما له ولمداهنة البشر في أمر الله والله وتعالى وحده هو الذي يصرف هذا الوجود فعندما يؤمن الإنسان بهذه الأسس الإيمانية التي دل عليها حديث جبريل عليه السلام إيماناً جازماً، إيمان عميقاً، إيمان جوهرياً لا بد من أن يتفاعل مع هذا الإيمان تفاعلاً تاماً، تفاعلاً يؤدي به إلى مراقبة الله في سريرته وعلانيته وامتثال أمره في سره وجهره في مكرهه ومنشطة، في جميع أحوالهن وكذلك لا بد أن يكون هذا الإنسان مؤثراً آخرته على دنياه على دنياه، مشفقاً على نفسه من عقاب ربه وجلاً من مخالفته سبحانه وتعالى في أي دقيقة وجليلة، حريصاً على أن ينسجم مع الملأ الأعلى في طاعة الله عز وجل بحيث تكون حياته تجسداً الطاعة الله كما هو شأن الملأ الأعلى الذين يسبحون (1/53)
صفحة 54
الليل والنهار لا يفترون.
فنسأل الله سبحانه أن يجعلنا من أوليائه المتقين، إنه سبحانه على كل شيء قدير، وإنه بالإجابة جدير، نعم المولى ونعم النصير، نبرأ إليه من الحول والطول، فلا حول لنا ولا قوق إلا به نستغفره ونتوب إليه ونعود في إجابة دعائنا إليه صلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
* أسئلة حول هذا الموضوع:-
س: ما قولكم فيمن يقول أن الإنسان لا يلزمه أن يتعمق في معرفة عقيدته وإنما يكفيه معرفة بعض جوانبها فحسب؟
جـ: الإنسان لا يتعبد بشيء لم تقم عليه الحجة به وإنما يتعبد بما يتعبد به بعد أن تقوم عليه الحجة به، إنما يتعبد بما يتعبد به بعد أن تقوم عليه الحجة فعندما تقوم الحجة على الإنسان بشيء ما، لا ينفس له بأن يغمض عينيه ويسد أذنيه ويتعامى ويتصابى مع تلك الحجة، وإنما عليه أن يؤمن بما قامت عليه الحجة بمعرفته وعلى أي حال يطالب الإنسان أول ما يطالب بالشهادتين اللتين كان الرسول صلى الله عليه وسلم يطالب بهما الناس لأجل الخروج من مأزق الكفر إلى رحاب الإيمان، فعندما يأتي الإنسان بهاتين الشهادتين يكون مؤمناً وفياً ويكون إيمانه إيماناً تاماً من غير منقوص ولكن هاتان الشهادتان تشملان على أشياء في مدلولهما، هذه الأشياء عندما يكون الإنسان لم تتضح له بحيث لم تقوم حجتها عليه يكون في فسيح القدر، أما عندما تقوم حجتها عليه لا ينفس له أبداً وهو الذي يعبر عنه علماؤنا رحمهم الله بالجملة وتفسيرها، فإنهم عبروا عن الشهادتان بالجملة وعبروا عن سائر المعتقدات التي توضح معاني تلك المجملات التي انطوت عليها الشهادتان بالتفسير، والتفسير عندهم اعتقادي وعملي ونحن سوف نتحدث عن ذلك في درس مقبل أن شاء الله ونترك التفاصيل للحديث عن ذلك إلى أن يأتي الدرس القادم إن شاء الله. (1/54)
صفحة 55
س: هل ما ينسب إلى المعتزلة من القول بأن العبد خالق لأفعاله صحيح؟ وكيف الرد عليهم؟
جـ: نعم ذلك صحيح عنهم، هم يقولون ذلك وهو قول باطل لا يصح أبداً، وهو قول مردود الحديث في ذلك فيما يأتي إن شاء الله فسوف نتحدث عن ذلك عند حديثينا عن الإيمان بالقضاء والقدر بمشيئة الله.
س: السائل يسأل عن الجسم والعرض، ما الفرق بينهما؟
جـ: الفرق بين الجسم والعرض، أن الجسم يقوم بنفسه وأن العرض لا يقوم بنفسه فهذه اليد هي الجسم وحركتها عرض، فحركتها لا تكون إلا بمتحرك، وإذ لو لم يكن هناك متحرك لما كانت حركة، هذا الكوب هو الجسم ولكن لونه هو عرض، السراج هو جسم وضوءه هو عرض، فكل شيء لا يقوم بنفسه هو عرض، وما يقوم بنفسه هو جسم، هذا الفرق بين الجسم والعرض .
س: يرد في كتب العقيدة أن الإيمان باليوم الآخر ضرورة عقلية ويجب على الإنسان الإيمان به فكيف يكون الإيمان ضرورة عقلية؟ (1/55)
صفحة 56
جـ: على أي حال، نحن لا نقوى على القول بأن اليوم الآخر مما يدرك بالعقل عند كل أحد فالناس يتفاوتون في ذلك، هذه أمور بعضها يدرك بالسمع وبعضها يدرك بالعقل، بعضها تقوم الحجة به من طريق السماع وبعضها تقوم الحجة به من طريق العقل، أما عندما يفكر الإنسان ويتعمق فإنه قد يتوصل عندما ينور الله سبحانه وتعالى بصيرته إلى الإيمان بالمنقلب، الإيمان باليوم الآخر قد يدرك الإنسان ذلك بعقله عندما يلهمه الله سبحانه وتعالى ذلك، وذلك قد لا يتسر لكل أحد، فالإنسان يعلم بفطرته أن الله الذي خلق هذا الوجود والذي أحسن خلق كل شيء وأعطى كل شيء خلقه وهدى الإنسان إلى النجدين يدرك أن الإله سبحانه عادل في ملكه ولا يمكن أن يكون هناك حيف في ملكه مع أننا نشاهد في حياتنا الدنيا هذه بأن أحوال الناس ليست هي وفق أعمالهم فقد يكون هناك من هو محسن ولكنه بجانب ذلك مضيق عليه في حياته الدنيا بجانب إحسانه وقد يكون هناك مسيء ويكون بعكس ذلك، هناك مسيء ولكنه موسع عليه في حياته الدنيا فإذن ما يناله الناس في هذه الدنيا من خير وشر ليس ذلك هو الجزاء الذي يترتب على أعمالهم، فلا بد إذن من جزاء آخر متى يكون هذا الجزاء، لا بد أن يكون هذا الجزاء في الجزاء في حياة غير هذه الحياة، ودار غير هذه الدار لأن أوضاع الناس في هذه الدار ليست هي وفق ما هم عليه من خير أو شر أو استقامة أو انحراف، هذا أمر قد يلهمه الله تبارك وتعالى إلى بعض الناس فيفكر في اليوم الآخر من غير أن تقوم ما عليهم به حجة من طريق السمع، ولكن ليس ذلك قاسماً مشتركاً بين جميع الناس وإنما هو قد يوجد مع القلة مع الصفوة من الناس.
* إذا سألنا أحد الملحدين وقال إذا كان الله تعالى يقدر للإنسان أعماله منذ البداية خلقة فلماذا يحاسبه. كيف نرد عليه؟ (1/56)
صفحة 57
جـ: الله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فالله تعالى لا يحاسب من قبل العبد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً إنما هناك أمر ما مضى، وهذا القدر لا يعنى أن الإنسان سلب الاختيار بل جرى هذا القدر وفق ما علم الله تعالى من عباده من اختيار، فهو يعلم من سوف يختار الخير ومن سوف يختار الشر وقد جرى قدره سبحانه وتعالى وفق ما علم من اختيارهم ولا يعنى ذلك بحال من الأحوال أن يكون هذا الإنسان مجبوراً على فعل أمر ما بحيث لا يمكنه أن يكون له فيه اختيار وإنما جرى قدر الله بحسب ما علم الله من اختيار العباد.
* قد يقول قائل: إن طاعة الملائكة لربهم طاعة مطلقة لا يشو بها شيء من الشهوات فيه إيمان محض بينما الإنسان تتنازعه النوازع والشهوات، فالشيطان هو النفس والهوى والدنيا كلها هواتف شيطانية فالبتالي لا مجال للمقارنة ما هو ردكم علت ذلك؟
جـ: نعم، الإنسان تتجاذبه نوازع الشر بجانب كونه أكرمه الله تبارك وتعالى بالعقل الذي إن استخدمه استخداماً سلمياً صحيحاً تمكن به من ضبط هذه النوازع وقيد هذه المؤثرات فالإنسان أكرم بالعقل مع ابتلائه بالشهوات ولكن بجانب ذلك الإنسان هداه الله النجدين وبين له ما يأتي وما يذر وقامت عليه الحجة من خلال عز وجل مع أن العقل نفسه نور يهديه إلى التمسك بالوحي والاعتصام بحبل الله ولكنه تغطى عليه نوازع الشر وتؤثر عليه جوانب السوء فتدفعه إلى المنزلقات والعياذ بالله، فلا ريب أنه إن اعتصم بحبل الله واستمسك بأمر الله وترك مناهي الله كان كما يقول العلماء أفضل من الملائكة، إلا أنه إن استسلم للشهوات وانقاد لها كان شر من البهائم، إذ البهائم لا عقل لها بينما الإنسان قد أكرمه الله تعالى بالعقل، فالله سبحانه وتعالى هو الذي بحق له أن يطالع ويجب أن ينقاد له ولا يجوز بحال من الأحوال أن يخالف أمره. (1/57)
صفحة 58
س: ما قولكم في قول بعض الدعاة أن الداعية إذا أراد قبول دعوته لا يلزمه أن يطبق سنن الرسول صلى الله عليه وسلم كتوفير اللحية وترك الإسبال وغير ذلك لأنه لو فعل لنفر الناس منه وابتعدوا عنه؟
جـ: هذا الذي يقول ذلك إنما الشيطان سول له وأملي له وزين له وإنما لو كان الأمر كذلك لكان الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بأن ينشئ صحابته رضي الله سبحانه وتعالى على ذلك بينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم شديد على أصحابه تجاه هذه الأمور الجزئية كما كان شديداً عليهم تجاه الأمور الكلية فلا يرضى منهم إلا أن يأخذوا بجميع أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم من غير أن يرفضوا شيئاً منها ما كان يتساهل لهم تجاه هذه الأمور قط، بل كان شديداً عليهم والداعية الحق هو الذي يعتصم بالدين كله من غير أن يفرك في شيء منه.
س: ما نصيحتكم للشباب الذين يعرفون عن الزواج بحجة أنهم لم يؤمنوا مستقبلهم؟ (1/58)
صفحة 59
جـ: يؤمن المستقبل من خلق الماضي والحاضر والمستقبل، وأني للإنسان الضعيف العاجز أن يؤمن المستقبل، إنما المستقبل بيد الله تبارك وتعالى خالق الخلق وباسط الرزق لا يدري الإنسان من أين يأتيه الرزق، الله تعالى على كل شيء قدير وبكل شيء بصير يعلم الله تبارك وتعالى ما يختلج في طوايا الضمير فسبحانه وتعالى يصرف الكون كما يشاء ويدبره كما يريد، لا معقب لحكمه ولا تبديل لكلماته فلا يدري أحد هل المستقبل الحسن له في الإقبال على هذا الشيء أو في الأحجام عنه مع أن الزواج هو من إكمال الدين فمن تزوج فقد صان نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي وعلى هذا فليقدم ببركة الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الزواج من غير أن يفكر في المستقبل لأن المستقبل بيد الله تبارك وتعالى أما يشاع ويذاع من أن الإنسان إن لم يكن مؤمناً لمستقبله من حيث عنده رصيد المال وعنده كيت وعنده كيت وعنده كيت فلا ينبغي أن يقدم على الزواج، هذه وساوس شيطانية وهذا استسلام للشيطان لا يدري الإنسان أين يكون الخير، حدثت قصة في بلاد أوروبا، كان رجل مليونير عنده مبالغ هائلة من الأموال، فتزوج امرأة فصارت له حسب الأنظمة المتبعة لهم شريكة له في ماله وفي ثروته وكانا لا يزالان في مرحلة شبابهما وكانا يريدان حسب خيالهما أن يستمتعان بالحياة الزوجية من غير أن يكون هناك شيء يشغلهما أو يزعجهما ولذلك كانا عازفين عن الرغبة في الأولاد في ذلك الوقت ولكنهما أرادا الاحتياط فأجريت الفحوص الطبية والإجراءات الطبية فأخذت من الرجل خلية منوية ومن المرأة بويضة لأجل التلقيح متى أراد الولد ثم استمرا على حالهما فشاء الله سبحانه وتعالى أن يركبا طائرتهما الخاصة، كان عندهم طائرات خاصة، كان عندهم شيء من كثير من متاع هذه الحياة الدنيا، فتحطمت الطائرة وتلفت أرواحهما وعندما فكر في أمر ما إلى من تعود هذه الثروة وإلى أين تنقلب هذه الثروة، رأى بعض المسؤولين في الجهة (1/59)
صفحة 60
التي هم فيها بأن يتم اللقاح ما بين البويضة والحيوان المنوي الذي من الزوج فإذا بالحيوان المنوي والبويضة قد فسداء وذهبت الثروة وتلفت الأرواح، ذهب الأصل والفرع، ما بقي شيء، الإنسان بقضاء الله تعالى قدرهن عليه أن يستسلم وأن يعتمد على الله في جميع أمره وأن يعتقد أن الله هو الخالق الرازق المدبر لكل شيء يصّرف هذا الوجود كما أراد سبحانه وتعالى، في خلال الأسبوع الذي مضى زراني أسقف وقسيس وكان حديثنا يدور عن العقيدة النصرانية حديث طويل، ثم أراد الأسقف التهرب من هذا الحديث وطرح سؤال:-
س: كيف تعتقد في مشكلة السكان التي يرزح العالم الآن تحت نيرها؟ (1/60)
صفحة 61
فقلت له ليست هناك مشكلة في السكان وإنما في إنحراف الإنسان، الأرزاق هيأها الله تبارك وتعالى وبسطها ولكن عدوان الإنسان على الإنسان هو الذي أدى إلى هذا الضيق الذي يعيشه الناس وقلت له بأن هناك شواهد عدة تشهد بذلك، من بين هذه الشواهد ما هو شائع وذائع الآن من أن آلاف الملايين من أطنان القمح تحرق من أجل المحافظة على السعر فبدلاً من أن ينتفع بها الإنسان يحال بين الإنسان والإنتفاع به مع أنها كلفت مبالغ من الأموال أنفقت في سبيل إنتاجها مبالغ من الأموال، ولكنها تحرق بدل أن ينتفع بها الإنسان فقال وأنا أضيف إلى ذلك بأن هناك بحيرات من اللبن تراق لأجل المحافظة على السعر قلت له هذا شاهد آخر، طيب بجانب هذا أيضاً قلت له بأن الأموال التي يتفق في سباق التسلح، السباق الجنوني من قبل الدول الكبرى وفي إنتاج الأسلحة المدمرة المخربة للدنيا المبيدة للبشر، هذا السباق، ألا يكلف أموال طائلة فلو أن هذه الأموال في سبيل ترفيه الإنسان وإصلاح حال الإنسان في سبيل التنمية الإقتصادية لمصلحة الإنسان كإنفاق ذلك في سبيل الإصلاح الزراعي، أما كانت هناك ثروات طائلة تعود إلى الإنسان فيترفه بها ويعيش بسببها في النعيم، ثم ذكرت له شاهداً آخر وهو أن امرأة أمريكية قيل حوالي عشرين عام قرأت عنها في صحيفة، كتب عنها أنها كانت تملك ثلاثمائة مليون دولار وأوصت بهذه المبالغ كلها لكلابها بدلاً من أن تنفق في مصالح البشر، ينفق فيما لا يعود حتى على تلك الكلاب بالمصلحة لأن ذلك من باب التبذير فالكلب له طبيعة خاصة هو غير محتاج إلى أن ينفق عليه هذه النفقات الطائلة وقلت له شاهد آخر نشر في أحد الصحف في واحدة خبران ينقض تاليهما الأول، الخبر الثاني ينقض الخبر الأول مع الخبرين في صحيفة واحدة، الأول مفاده أن رجلاً إنجليزياً من الباحثين الاجتماعيين يدعو البشر إلى الحذر من هذا المنفجر، بركان السكان المنفجر وأن العاقبة الدمار إن لم يحذر البشر هذا (1/61)
صفحة 62
البركان ودعا إلى أن تحرص كل أسرة إلى أن لا تلد إلا مولوداً واحداً، ومعنى ذلك أن يلد الأبوان ولداً واحداً، وهذا يؤدي إذا كان عدد العالم مثلاً في هذا الوقت أربعة مليارات أن يكون في الجيل الآخر ملياران ثم بعد ذلك مليار ثم بعد ذلك نصف مليار، ثم بعد ذلك وهلم جراً . . . ، هكذا ينقص عدد البشر وفي نقص الصحيفة في عمود مجاور لذلك العمود لذلك يحمل هذا الخبر خبر آخر عن كلب هو أغنى في العامل، كلب مرفه يعيش في قصر فخم وعنده من الخدم عدد هائل خدم لا يعنيهم من خدمته إلا تنظيف أسنانه وخدم يعنون بتغير فراشه وآخرون لتغسيله وتنظيفه وآخرون لطبخ طعامه وتهيأه الطعام وهكذا وعدد من السواقين للكلب بطبيعته هو لا يحتاج إلى هذا كله ولا يرى أن ذلك يزيد شيئناً من راحته، بل راحته لو أطلقت له الحرية فيعيش حسب ما تقتضيه الطبيعة كما أوراد الله تبارك وتعالى من غير أن يوضع له ما يسمى بالبروتين يوضع له هذا البروتين ويقيد بهذه القيود، الكلب غير محتاج إلى ذلك كله، فإذن ما الداعي إلى هذه الضجة من قبل تخفيف عدد تأمين مستقبلهم، ما هم إلا مثل هؤلاء، المستقبل بيد الله تعالى والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر علينا أن نؤمن بذلك.
س: ما معنى أن الإنسان يجب عليه أن يؤمن بصفات الله وأفعاله؟
جـ: نعم، يجب علينا أن نؤمن بما وصف الله تعالى به نفسه فالله قدير سميع بصير حي باق غني إلى آخر الصفات كل الصفات هذه علينا أن نصف الله تعالى بها رؤوف رحيم وأن نصفه بأفعاله أيضاً أنه خلق وبسط الرزق وأنه يبعث يوم القامة من في القبور وأنه ينزّل الغيث وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب إلى آخر ما وجد في القرآن وفي السنة الصحيحة المتواترة من صفات الله عز وجل علنيا أن نصف الله تعالى بذلك.
س: السائل يسأل عن معنى (لا نؤثر الموت على الحياة مع وجود الروح)؟ (1/62)
صفحة 63
جـ: نعم، أي لا نؤثر الضلالة على الهداية فالضلالة موت والهداية حياة" أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي في الظلمات كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها"(1) بما أن الله تعالى أنزل علينا هذا الكتاب ليس لنا أن نتعامى عن هداه وليس أن نتضامم عن دعوته إنما أن نلبي داعية وعلينا أن نسارع إلى الاستمساك به فبذلك نكون قد آثرنا حياة أنفسنا على الموت وهو الضلالة أو البقاء في الضلالة.
س: هل يوجد فرق بين الإيمان الجوهري والإيمان التفصيلي ؟
جـ: الإيمان التفصيلي لا يقابله الإيمان الجوهري، إنما الإيمان الجوهري يقابله الإيمان الشكلي، أي إيمان غير متعمق، الإيمان السطحي الطافي على السطح الذي هو غير عميق، أما الإيمان الجوهري فهو الإيمان العميق الذي يتحكم في حياة المؤمن بحيث تكون حياة المؤمن بكل أبعادها تجسيداً لذلك الإيمان.
س: ما معنى الإيمان الإجمالي مع التوضيح بأمثلة؟
جـ: نعم الإيمان الإجمالي مثال على ذلك أن يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فشهادته أن لا إله إلا الله تقتضي التصديق بجميع صفات الله سبحانه كما سيأتي الحديث في ذلكن وكذلك إيمانه بالرسول يقتضي تصديقه بالرسول في كل ما بلغ به عن الله، هذا إيمان إجمالي، أما الإيمان التفصيلي بأن يفصل بحيث يؤمن بكل الجزئيات أو بكل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور تتعلق بالمبدأ أو أمور تتعلق بالمعاد، ويما في ذلك الإيمان بالدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم فيها من عذاب أليم وأحوال الناس فيهان كل ذلك مما يدخل في الإيمان التفصيلي عندما يدرك الإنسان هذه الدقائق ويؤمن بها.
والآن ننهي هذا الدرس ونسأل الله تبارك وتعالى أن يحفظنا وأن ينفعنا وأن يأخذ بأيدينا إلى جادّة الصواب، إنه على كل شيء قدير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
( (1/63)
صفحة 64
1) الأنعام: 122 (1/64)