صفحة 1
الكتاب: الاستقامة - الجزء 1
المؤلف: الإمام/ أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي
تحقيق: محمد أبو الحسن
كتب مقدمة تحقيقه: في الاثنين 19 مِن محرم الحرام سنة 1405هـ يوافقه 15 مِن أكتوبر سنة 1984م.
مصدر الكتاب: شبكة الدرة الإسلامية
تنسيق للشاملة: هلال بن مصبح الكلباني
hilalmusabah@gmail.com
[مبوب]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) الاسْتِقَامَة الجزء الأول
كلمة التحقيق
التعريف بالمؤلف
خطة وأسلوب تحقيق الكتاب
مقدمة المؤلف رحمه الله
باب: أحكام الحقيقة وأحكام ولاية الحقيقة
باب: وجوه الولاية والبراءة، وتصنيف ذلك
باب في: الولايات والبراءات، وتصنيف ذلك
باب: ولاية الشريطة وبراءة الشريطة
باب: ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة
باب: ولاية الحكم بالظاهر وبراءة الحكم بالظاهر
صفة من يكون عالما بالولاية والبراءة
باب: الفرق بين أحكام الدعاوى والبدع والقذف
باب: السعيد والشقي وأحكامهما في الولاية والبراءة
باب: الوجوه الجامعة للولاية في الظاهر، ومعرفة من هو حجة في الرفيعة في الولاية وصفته
باب: صفة من تجب له الولاية بسلامته من التدين بدين أهل الضلال، واستحقاق الولي الولاية من أهل الاقرار
باب: أحكام البراءة والشهرة ومعانيها وأحكامها والفرق فى ذلك بين شهرة الحدث والدعوى للحدث
باب: البراءة في الظاهر ووجوه الأحداث والشاك في ذلك والمتولى عليه والحكم في المصر والأسماء
باب: معرفة أحداث المحدثين وولاية الرأي وبراءة الشريطة ومعرفة وقوف الرأي والسؤال في جميع المحدثين ومعرفة أحداث المحدثين ومايلزم في ذلك من الأحكام
باب: الشهادة على الأحداث في وجوب البراءة
باب: التوحيد والشاك فيه وغير ذلك
باب: ذكر الإمامين سعيد بن عبداللّه وراشد بن الوليد
باب: الفرق في حكم الإمام في الأحداث وشهادته وما كان من التعزير والحبس بحكم الإمام وما يجب كفر من أقر بذلك ومن أنكر أو لم يصح عليه الإمام الحدث
باب: ذكر السلف ومذاهبهم في الحدث وذكر أهل العلم من أئمتنا من المسلمين ومذاهبهم في الحدث الواقع وولايتهم
باب: اختلاف أهل الدعوة والأحداث الواقعة في عُمان (1/1)
صفحة 2
كلمة التحقيق
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين .
وبعد :
فهذا كتاب الاستقامة للعلامة الجليل أبي سعيد محمد بن سعيد بن محمد الكدمي الذي يعتبر بحق من أجل العلماء بلا منازع ، فإذا قيل المتبحر فهو أبو سعيد ، وكتاب الاستقامة هو الجامع لأحكام الولاية والبراءة ، وقد قال عنه العلامة السالمي في كتابه "جوهر النظام " في الجزء الرابع في مقام المقارنة بينه وبين كتاب إحياء علوم الدين للغزالي:
ولم يكن كتاب الاستقامة يجمع ديننا ولا أحكامه
وقد قسمنا كتاب الاستقامة إلى ثلاثة أجزاء
جعلنا الجزء الأول خاصا بقواعد الولاية والبراءة .
والجزء الثاني خاصا بأحكام الولاية والبراءة .
والجزء الثالث خاصا بتطبيقات الولاية والبراءة
ونقدم اليوم الجزء الأول بعد أن اقتفينا فيه مناهج التحقيق التي اتبعناها في مثيله "المعتبر" لنفس المؤلف وكذلك المنهج الذي اتبعناه في "جامع أبي الحسن" من قبل. (1/2)
صفحة 3
التعريف بالمؤلف
سبق أن عرفنا بالمؤلف في مقدمة كتابه "المعتبر" الجزء الأول، ولا بأس من أن نعيد التعريف به هنا لزيادة الفائدة ، فأمثال هذا الزاهد الورع لا يمل ذكرهم ، ولا يثقل على الناس تكرار الحديث عن سيرتهم العطرة ، فهم مصابيح النور الإلهي في دياجير ظلام الجهالة ، بهم يجلو الله صفاء القلوب ، ويتأسى الناس بسيرتهم ويقتدون بهداهم.
كان أبو سعيد على جانب عظيم من الزهد ، عظيم الزهد في الدنيا ، وخصاله إذا أطلنا فيها لا تنتهي -على حد تعبير فضيلة الشيخ سالم بن حمود السيابي- وإن لله في خلقه ضنائن ، ولكل درجات مما عملوا.
أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد الكدمي، كان فقيرا لا مال له ، وكان يملك الشيء الضئيل من القوت .
كان قريبا للعلامة ابن بركة في بهلا ، وكان ابن بركة غنيا اشتهر بغناه ، وكان غناه ظهيرا للعلم ، ولذلك يقصده الطلبة من عمان وغيرها ، حتى قيل إن الطلبة المغاربة لا يفقدون من مقامه، فلمع اسمه وشاع ذكره.
وأما من ناحية العلم فكل العلماء يعترفون لأبي سعيد بالمنزلة العلمية ، وعليه يعولون ، وعلى أقواله يعتمدون ، ولقد اشتهر أبو سعيد بعد وفاته ، أكثر من شهرته في حياته ، لأنهم اطلعوا على مؤلفاته فأكبروها ،
وخصاله عديمة النظير ، ولهذا أطلق عليه العلامة السالمي أنه إمام المذهب .
وأما نسبه فناعبي ، ونسب النعب من قضاعة ، واختلف العلماء في قضاعة ، فمن قائل :
هما قضاعتان ، إحداهما قضاعة بن معد بن عدنان، والثانية قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان .
وعليه قولهم :
رحم الله أبا سعيد رحمة واسعة ، فلقد حسم الموقف عندما ترامت إليه الخلافات التي كانت سائدة بين الصلت بن مالك وراشد بن النضر ، قال فيها ما رآه ، فكان فصل الخطاب . (1/3)
صفحة 4
ومن مؤلفاته القيمة ، كتابه "الاستقامة" ، - الذي نحن بصدده الآن - وهو يقع في ثلاثة أجزاء ، وكتابه (المعتبر، الذي أفردنا له تقديما خاصا به ، و "الجامع " المشهور بحامع أبي محمد ، المحتوي على فتاواه ، وكلها لها مقام عظيم عند أهل الفضل والعلم .
كما ذكر فضيلة الشيح أحمد بن حمد الخليلي أن أبا سعيد -رضي الله عنه - معدود من أجلة علماء المذهب الإباضي بعمان ، حتى إنه لقب بإمام المذهب ، ولد عاش في القرن الرابع الهجري ، وعاصر الإمامين العادلين سعيد بن عبدالله وراشد بن الوليد - رحمهما الله - كما عاصر الإمام ابن بركة البهلوي ..
وقد أخذ عن عالمين جليلين من علماء نزوى ، هما : العلامة الشيخ محمد بن روح الكندي ، والعلامة الشيخ أبو الحسن النزوي . وتتلمذ عليه جماعة من العلماء . (1/4)
صفحة 5
خطة وأسلوب تحقيق الكتاب
تقع نسخة وزارة التراث القومي والثقافة من كتاب الاستقامة في حوالي ألف صفحة من الحجم المتوسط ، وقد أفادنا في ذلك مقابلتها على ما جاء من الكتاب في "قاموس الشريعة" ، وإن كان ذلك قد استغرق وقتا وجهدا .
وقد اتبعنا الأسلوب التالي :
أولا : استعرضنا جميع الموضوعات الواردة في الكتاب ، فاستخلصنا منها كل موضوع يتصل بقواعد وأسس الولاية والبراءة عند أبي سعيد في كتابه هذا الأساس ، فوضعنا كل موضوع يتصل بالقواعد في هذا الجزء الأول ، وفي داخل هذا التقسيم توخينا - قدر الطاقة - اختيار القواعد العامة التي تفرد بها هذا الإمام الجليل فقعد بها القواعد للناس في الولاية والبراءة ، من أمثال :
- أحكام الحقيقة وأحكام ولاية الحقيقة .
- وجوه الولاية والبراءة .
- الولايات والبراء ات .
- ولاية الشريطة وبراءة الشريطة.
- ولاية الحكم بالظاهر وبراءة الحكم بالظاهر .
- صفة من يكون عالما بالولاية والبراءة. وغير ذلك كثير مما ورد في بابه .
ثانيا : أننا خصصنا الجزء الثاني لأحكام الولاية والبراءة ، وكيفية ربطها بالقواعد ، وفي داخل هذا الجزء ربطنا كل قاعدة من قواعد الولاية والبراءة بأحكامها، من أمثال :
-ما يسع جهله وما لا يسع جهله من التدين .
- الجملة ولوازمها .
- أحكام الدور وأحكام ولاية الظاهر .
- المعارضات على الضعفاء.
- البيعة لإمام الدفاع .
- الإمامة والقول فيها.
وغير ذلك كثير مما ورد في مناسباته .
ثالثا : أننا جعلنا الجزء الثالث في تطبيقات الولايه والبراءة . وقد ألحقنا في هذا الجزء التطبيقي ما أورده المؤلف -رحمه الله - من تطبيق لقواعده وأحكامه في كل الأمور المتصلة بالولاية والبراءة ، من مثل :
- ذكر ضمان الخطأ وضمان الفتيا .
- تصنيف المحللات والمحرمات .
- اختلاف الرجلين في التحليل والتحريم . (1/5)
صفحة 6
- ما جاء في الصيد والدماء و الأشربة .
وغير هذا كثير مما ورد في مواضعه .
ولقد بذلنا - قدر الطاقة - ما وفقنا الله إليه من استطاعة ، ويبقى قصور الإنسان وضعفه ، وافتقاره - دائما -،إلى حول الله وقوته وإلى عون الله في كل عمل ، وقد أدبنا ربنا سبحانه فعلمنا وهدانا للاستعانة به في كل أمر من أمورنا . (إياك نبد وإياك نستعين) . وقد تأدب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق الكريم ،فكان يستعين بالله في أمره كله ، ثم أرشدنا إلى ذلك فقال : "وإذا استعنت فاستعن بالله " . فاللهم أكرمنا بفيض عونك .
وفي نهاية كلمتي لا بد لي من تقديم الشكر لكل من ساعدني وساهم في نشر هذا التراث الفقهي الفريد ، الذي أصبحنا اليوم في أشد الحاجة إليه لتستنير به الأجيال المؤمنة وتنطلق به إلى ما يحبه الله ويرضاه .
وأسال الله أن ينفع به ، وأن يجعله في أعمال صاحبه الصالحة ، وأن يأجره عليه ويثيبه ، إنه نعم المولى ونعم النصير .
في الاثنين 19 من محرم الحرام سنة 1405 هـ
موافق 15 من أكتوبر سنة 1984 م
محققه محمد أبو الحسن (1/6)
صفحة 7
مقدمة المؤلف رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
وبالله أستعين
الحمد لله الحميد المجيد ، القائم على خلقه الشهيد ، الرقيب على أمورهم العتيد ، الرحيم بهم - على ظلمهم - الودود ، الجواد عليهم بفضله الموجود ، العالم بجميع خلقه الخبير ، العالي عليهم القدير ، فإياه نستهدي ونحمد ، وبذلك نعترف له ونشهد ، وله نؤمن وإياه نعبد ، وعليه نتوكل وبه نستعين ، وبه نؤمن وله ندين ، وهو في جميع الأمور حسبنا ، وعليه اعتمادنا وبه عصمتنا .
ونشهد أن لا إله إلا هو إلها واحدا ، لم يزل بالوحدانية منفردا ، وبالألوهية والملكوت متوحدا ، وأنه لا يزال كما لم يزل أبدا ، لا غاية له في ذلك ولا مدا .
ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبدالله ورسوله ، وشاهد على جميع الخلائق مقبول ، أرسله الله - تعالى - بلسان عربي صادق ، وكتاب مهيمن على جميع الكتب ناطق ، ودين الإسلام الحقيقي الطاهر ، والعالي على جميع الأديان الظاهر ، وعلى أخلاق طاهرة كريمة ، وشريعة عادلة مستقيمة ، ونبوة لجميع النبوات خاتمة ، وسنن مصدقة للكتاب محكمة .
ونشهد أنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ عن الله الرسالة ، وصدق أمته في جميع رسالته المقالة ، واجتهد لله في بذل النصيحة ، بالقول البالغ والبينة الصحيحة ،
وكان كما وصفه الله ، بالمؤمنين رؤوفا رحيما ، غليظا على الكفار والمنافقين ، شديدا عظيما ، وسبح بحمد ربه كما أمره ، وكان له من الساجدين ، وعبده بطاعته في جميع ما أمره حتى أتاه اليقين ، وصلى الله على سيدنا محمد ، خاتم النبيين والمرسلين ، وسيد المتقين من الأولين والآخرين ، وعلى جميع أوليائه وحزبه في الدين ، من ملاثكة الله الكرام المقربين ، وأنبياء الله ورسله وصفوته أجمعين ، وعلى جميع أولياء الله من جميع العالمين ، وسلم تسليما . (1/7)
صفحة 8
وبعد : فانه لما امتحن الضعفاء من المسلمين لفقد علمائهم في الدين ، عظمت عند ذلك المحنة ، وانفتحت عليهم أبواب الفتنة ، وانطلقت عليهم ألسنة كانت محجوزة ، وظهرت صغائر كانت مستورة ، وانتصبت رؤوس كانت منكوسة ، ومشت أرجل كانت مكبلة ، وانبسطت أيد كانت مغلولة ، وكثر المدعون للعلم بعد أن كان أهل العلم قليلا ، واستجد في الادعاء للعلم من كان لسانه عن النطق به كليلا ، وعز مع أهل العمى بادعاء العلم من كان عند العلماء ذليلا ، وظهر من بعض من ينحل نفسه العلم ولعهم في الحكم والحلم ، على ما يدل عليه بذلك لحن المقال ، ويبين عليه في ذلك في عائم الأحوال ، بأنه يحب لنفسه في ذلك الإظهار ، ويطلب لها الرفعة والإشهار ، ويذهب بها في ذلك إلى العلو والاستكبار ، ولا يجوز في ذلك على أحد من أهل الإسلام تحقيق الظنون .
والله - سبحانه - هو الشاهد على الضمائر والمكنون . غير أننا نكني عن ذكر كثير من تلك الأسباب التي يكثر بذكرها الخطاب ، ويطول بوصفها الكتاب ، ويورث بيننا الإحن والأعتاب ، ولا يبلغ بها إلى فائدة ولا شفاء .
وفي بعض ما قد ذكرنا منها ، وأوضحنا من أحوالها دليل ومكتفى ، ونأخذ في ذكر ما فيه الفائدة والمحصول ، وما تجرى عليه عامة تلك الأسباب من الأصول . (1/8)
صفحة 9
باب: أحكام الحقيقة وأحكام ولاية الحقيقة
هو ما جاء في كتاب الله من صفة موصوف فيها ، أو مسمى أهل ولاية الله ، مثل النبيين والمرسلين ، والمؤمنين والصالحين ، والأتقياء والأبرار ، وجميع أهل هذه الأسماء ، وأهل هذه الصفات ، لا يجوز أن يشك في هذه الأسماء وهذه الصفات الموصوفات ، لماذا صحت مع أحد من كتاب الله ، أو عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كتاب من كتب الله ، أو رسول من رسل الله ، لمن صحت فيه ومنه .
لا يجوز الشك في ذلك كله ، ولو لم يعرف ذلك بعينه الموصوف به ، مثل أصحاب الكهف ، وأبوي الغلام الذي قتله العبد الذي استصحبه موسى - عليه السلام - ، وأمثال ذلك ، على أن يعلمه مما علم رشدا ، وأبوي الغلامين صاحبي الجدار ، الذي أقامه العبد الذي استصحبه موسى - عليه السلام - ، وأمثال هؤلاء ، كذلك العبد أيضا الذي استصحبه موسى - عليه السلام - ، فكل هؤلاء لم يصح في الكتاب ، في ظاهر صحة أسمائهم ، وإن كانت سعادتهم وولايتهم قد ثبتت بالحقيقة في الصفة .
فصل : وكذلك قوم نوح وعاد وثمود ، وأصحاب الرس ، وأمثال هؤلاء ممن صح شقوته في الحقيقة ، وإن لم تصح في ناطق الكتاب تسمية أحد (1/9)
صفحة 10
من هؤلاء بعينه ، فإنه قد صح شقاء الشقي منهم في الجملة والصفة ، وسعادة السعيد منهم في الجملة والصفة ، وهو لاحق بأحكام الحقيقة في الشهادة والمعرفة ، ولا يجوز الشك في هؤلاء بجملتهم وصفاتهم ، كما لا يجوز الشك في هؤلاء بأسمائهم وأعيانهم ، ولا يجوز أن يحكم في أحد من هؤلاء باسم وعين ، إلا أن يصح ذلك في أحد منهم أنه منهم باسمه وعينه أنه من أهل هذه الجملة ، وأهل هذه الصفة ، بما لا يشك فيه من العلم والمعرفة من طريق الشهرة ، فإذا صح ذلك كان الحكم فيمن صح فيه ذلك علم حقيقة التعيين ، وزال الحكم فيه عن الجملة والصفة ، ولزوم من لزمه ذلك علم اليقين لذلك بالمعرفة وولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة ، على ما وصفنا .
وعلم ذلك موضوع عن كافة المسلمين المؤمنين إلا من خصه علم ذلك أو علم شيء منه ، فمن خصه علم ذلك ، ونزلت به بليته ، فعليه أن لا يشك في علم ذلك ولا يرتاب فيه ، وليس له أن يتعاطى من علم ذلك ما لم يبلغ إليه ، ولا وقف عليه تقليد لأحد ، من غير من يجوز له التقليد ، من قول الله -تبارك وتعالى - ، وقول أنبيائه ورسله ، وما صح عندهم بسماع أو شهرة ، ولا يشك فيها عالمها ، وليس له أن يعنف ولا يخطىء من ادعى جهل ذلك ، أو جهل شيء منه ، إلا ما كان منه من ذلك ، ولا يسعه جهله في حال من الحال ، إذا بلغ إليه علمه ، فخطر بباله ، أو سمع ذكره ، أو دعي إليه ، وهو أن يتولى الله - تبارك وتعالى - على كل حال ، ولا يسعه الشك في ذلك .
ومن عرف أن الله ولي جميع الأمور ، ومقدر جميع المقدور ، وعرفه مما ألزمه أن يعرفوه ، فقد تولاه ، فولاية الله - تبارك وتعالى - واجبة على كل حال ، وولاية النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته من جميع الخلائق واجبة ، والإيمان به واجب . (1/10)
صفحة 11
وإذا تولى المؤمن الله - تبارك وتعالى - ، وتولى رسوله صلى الله عليه وسلم وتولى المؤمنين في الجملة على الحقيقة ، فقد تولى من يجب عليه ولايته . وذلك قول الله - تبارك وتعالى - : (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) .
فلا يجب على أحد(1 ) ولاية أحد بعينه على كل حال إلا ولاية الله - تبارك وتعالى - ، وولاية رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وولاية من أطاعهما في الجملة ، وهم المؤمنون ، فولاية الله ورسوله خالصة على الحقيقة ، وولاية أهل طاعة الله في الجملة على الحقيقة ، لأهل الصفة ، لأنهم هم أهل ولاية الله ومرضاة الله .
وكذلك على كل أهل زمان ، ولاية الله -تبارك وتعالى- ، لا يسع جهل أحد،أو ولاية الرسول لأهل زمانهم الواجب عليهم الإيمان به في جملة الإيمان ، والذي لا يكونون مؤمنين إلا بالإقرار به ، وليس على الجميع ولاية أنبياء الله -تبارك وتعالى- ورسله في الجملة ، ولا في التعيين في أحد منهم بعينه إلا من علم ذلك وعرفه ، و إلا فلا فلا يضيق على أحد جهل علم أنبياء الله ، والإيمان بهم وولايتهم ، إذا أقر بالجملة ، لأن في إقراره بالجملة التي أقر بها ، ودان بها الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله وملائكته ، وجميع ما خاطبه الله به في الجملة أن يدين به ، من قول أو عمل أو نية ، فإذا أقر بذلك كان ذلك كاف له عن تفسير ما هو داخل في الجملة ، حتى يبلغ إلى علم ذلك . أو يمتحن بشيء من ذلك وتنزل به بليته. (1/11)
صفحة 12
فصل : فإذا أقر بالجملة فقد تولى بذلك جميع أولياء الله ، و جميع المؤمنين من ملائكة الله وأنبيائه ورسله ، وجميع أوليائه ، وآمن بجميع ما عليه أن يؤمن به ، فليس عليه علم أحد من أولياء الله ، ولا ولاية أحد من أولياء الله بعينه ولا بصفته ، من ملائكة الله ورسله وأنبيائه والمؤمنين بأعيانهم وصفتهم حتى يبلغه علم ذلك ، ولو خطر بباله ، أو سمع بذكره ، أودعي إليه ، لم يضق عليه علم جهل ذلك ، ما لم يبلغ إليه علم ذلك ، أو تقم عليه الحجة بعلم ذلك ، وشكه في ذلك واسع له ، ما لم تقم عليه الحجة بذلك بعلمه ، من وجه ما يجب عليه من علم ذلك .
وأما أعداء الله فلا يجب عليه علم عداوة أحد منهم بعينه ، إذا خطر بباله أو سمع ذكره ، إلا على صفة ما يأتي من عداوة أعداء الله ، لأنه ليس ني ذلك موضع علم تقوم به الحجة من علم العقل ، لأنما يجب عليه من علم ذلك ما تقوم عليه به الحجة من علم العقول ، فلا نعلم أن أحدا من أعداء الله ، يجب على أحد من المؤمنين في أصل دين الله عداوته باسمه وعينه ، إلا حتى يبلغ إليه علم ذلك ، بما لا يشك فيه من معانيه لذلك ، أو صحت من تواتر الأخبار بذلك ، في عداوة الحقيقة ، وعداوة حكم الظاهر ، لأنما يجب على الجاهل عداوة أعداء الله في الشريطة ، في جمله أعداء الله ، وجملة أعداء الله العاصين له ، لا غير ذلك ، حتى تقوم عليه الحجة بعلم أحد من أعداء الله بما لا يشك فيه . (1/12)
صفحة 13
فصل : وجميع المؤمنين والمسلمين مؤتمنون في ذلك على دينهم ، إذا ادعوا جهل شيء من ذلك ، ولو علمه غيرهم من المسلمين والمؤمنين ، إلا من صح عليه علم شيء من ذلك ، بما لا يسعه الشك فيه ، أو يقر بذلك ، ثم لا يقوم بما يجب عليه من ذلك ، من ولاية أو عداوة ، فهنالك يضيق عليه بما ضاق عليه في دين الله ،وإلا فليس عليه في ذلك ضيق ، ولا كلك بجهل شيء من ذلك كله من طريق حجة العقل ، إلا بعد العلم بصفة من طريق حجة العقل ، يدرك بها علم أهل معصية الله ، أو أهل عداوة الله ، ونحو هذا ، أو قيام الحجة من طريق السماع ، ولا تكون الحجة من طريق السماع في الحقيقة ، إلا من تواتر الأخبار ، لا من طريق الشهادة ، أو من علم العالم بذلك من سماع أذنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو وقوفه على علم ذلك من كتاب الله ، أو من الشهرة من صحة ذلك من كتاب الله ، أو عن الأخبارالمتواترة عن رسول، من رسل الله ، أو نبي من أنبياء الله ، ولو صح كفر أحد ممن قد صحت شقوته في كتاب الله ، أو عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم،أو عن أحد من رسل الله أو أنبيائه ، مع جميع العالمين إلا رجلا واحدا من المسلمين ، لم يصح معه ذلك فيه من علم الحقيقة ، ولكنه صح كفره من طريق صحة الأخبار المتواترة ، من صحة حدثه في ظاهر الأمور ، ما جاز له أن يبرأ منه بحقيقة ، لما صح مع غيره . (1/13)
صفحة 14
ولما قال غيره أنه قد صح معه من حقيقة شقوته ، أو حقيقة كفره ، ولكن كان عليه أن يبوأ منه بحكم الظاهر ، لما صح من كفره في حكم الظاهر ، وليس له أن يحكم عليه بحكم الحقيقة ، ولو عاين من ركوبه عبادة الأصنام ، والكفر بالإسلام ، وجميع المعاصي الظاهرة الشاهرة ، ولم يعلم منه توبة إلى أن مات على ذلك ، وكان على رأسه ، إلى أن مات أو قتله بيده ، ولم يسمعه تاب من ذلك ، فليس له أن يشهد عليه بالحقيقة أنه كافر ، ولا أنه شقي ، ولا أنه من أهل النار حكم حقيقة ، فإن شهد له بالنار على ذلك ، كان في شهادته تلك شاهدا بالغيب ، قائلا لما لا يعلم ، كافرا بذلك كفر نعمة لا كفر شرك ، إلا أن يتوب من شهادته تلك ويرجع ، وهذا من تعاطي علم الغيب ، والشهادة على الغيب ، ومن شهد على غائب فقد كذب ، ولو كانت شهادته تلك عند الله في علمه قد وافقت الحق في علم الله ، فإنه مبطل في حكم دين الله ، والله معاقبه ومعذبه على تلك الشهادة إلا أن يتوب .
فصل : وكذلك من صحت معه شهادة على الحقيقة من أحد الوجوه التي وصفناها أنها تؤدي إلى علم الحقيقة ، أو شهادة الحقيقة فشك في ذلك ، بعد علمه بذلك ، ولم يشهد بتلك الشهادة على من قد صحت عليه بعينه ، من أجل أنه رأى ذلك المشهود عليه ، وقد شهد عليه بالنار ، فرآه بعد ذلك مؤديا لجميع ما ألزمه الله ، تائبا من جميع ما لزمه فيه التوبة ، مستحقا لولاية الله في حكم الظاهر ، فشك في تلك الشهادة وارتاب ، كان بذلك هالكا ، إلا أن يتوب ، فحكم الظاهر لا يزيل حكم الحقيقة ، وحكم الحقيقة لا يوجبه حكم الظاهر ، وليس لأحد أن يخالف الحق في هذين الحكمين ، بعلم ولا بجهل برأي ولا بدين ، فمن خالف حكم ذلك كان من الهالكين إلا أن يتوب .
-----------------------
1- في نسخة "العبد". (1/14)
صفحة 15
فصل : فإن قال قائل : فيسع جهل معرفة إبليس عدو الله ، وفرعون وهامان وقارون ، وامرأة نوح وامرأة لوط ، وأبي لهب وأمثالهم ، ممن قد نزل بأخبارهم الكتاب ، وصح كفرهم بالحقيقة وشقوتهم ، وكذلك يسع جهل معرفة أبينا آدم صلى الله عليه وسلم ، وأبينا نوح ، وأبينا إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، ويعقوب وموسى وهارون وعيسى والنبيين ، والرسل والصالحين الذين نزل بهم وبأخبارهم الكتاب ، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت ذلك عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويجوز أن يقال إن ذلك يسع جهله ؟
قلنا له : نعم يجوز أن يقال إنه يسع جهلهم إلى أن يبلغ خبرهم من بلغ إليه ذلك ، أو خبر أحد منهم ، فإذا صح ذلك مع من بلغ إليه علم ذلك ، لم يسعه جهل ذلك ، ولا الشك فيه ، ولا الريب ، كما قد وصفنا وبينا ، وما لم يمتحن بذلك ويبلغ إليه علم ذلك ، فهو سالم بجهل ذلك ، وغير مسؤول عن ذلك أبدا ، حتى يبلغه علم ذلك .
فإن قال قائل : أفليس قد قيل : إنه لا يسع جهل ما جاء في كتاب الله ، وقد جاء هذا في كتاب الله ، فكيف قلتم يسع جهل ذلك ، وقلتم : إنه لا يسع جهل ما جاء في كتاب الله ، فكيف اختلف القول في هذا ؟ (1/15)
صفحة 16
قلنا له : إنما قيل لا يسع جهل ما جاء في كتاب الله من أحكام الشريعة ، والأمر والنهي والحلال والحرام ، فلا يسع جهل ذلك حتى يضع الجاهل اللازم من ذلك لازما ، أو يركب منه محرما قد لزمه أداء ذلك اللازم ، ولزمه الانتهاء عن تلك المحارم ، وإلا فقد كان واسعا له جهل جميع ذلك ، ما لم يضيع فريضة لزمته ، أو يركب محرما أبدا ، لا غاية له قي جهل ذلك ، أو تقوم عليه الحجة بمعرفة ذلك بوجه من الوجوه ، التي تقوم بها الحجة عليه من معرفة ذلك ، فهذا في كل ما يكون الحكم فيه أنه من أحكام الشريعة ، ومن أحكام الأمر والنهي ، والذي يعتبر العباد به متعبدون .
وأما الحكم في هؤلاء أن معوفتهم ليس من طريق معرفة الشريعة ، لأنما يقع الحكم في معرفتهم ، حكم الأخبار وصحة الأخبار ، فالعلم بالأخبار واسع أبدا ، ما لم يصح مع أحد خبر من لا يشك فيه ، وغير متعبد في صحة الأخبار أحد ، ما لم يصح معه الخبر ، وإنما متعبد فيه ، إذا صح معه أن يصدقه ويشهد على صحته ، وينفذ لله حكم الشهادة عليه ، وإلا فليس لذلك غاية يلزمه فيه عمل ولا قول ، بمنزلة الصلاة والزكاة والحج ، وغير ذلك من الفرائض . ومما يخرج فيه الأحكام من أحكام الشريعة ، فكل ما خرج فيه القول ، من أحكام الأخبار لم يصح فيه القول إلا من طريق الشهرة ، لا من طريق الفتيا ، إلا أن تقوم الحجة بمعرفة الكتاب ، فإذا قامت الحجة بمعرفة الكتاب ، صح منه جميع ها صح فيه من حكم الشريعة ، وخبر ووعد ووعيد وأمثال ، وجميع ذلك من صحة الكتاب ، ولا يسع الشك في جميع ذلك من الكتاب . (1/16)
صفحة 17
فصل : وكلما كان الحكم يخرج فيه هن طريق الأخبار في الكتاب ، فلا تقوم الحجة فيه ، ما لم تصح معه معرفة الكتاب ، إلا من طريق نقل الشهادة من الشاهدين عليه ، ولا يصح من طريق الفتيا ، وإنما يصح من طريق الفتيا من الكتاب والسنة والإجماع ، ما كان مخرجه مخرج الدين من الشريعة ، فإن جميع ما يخرج من الكتاب والسنة والإجماع ، مخرج الدين ونقل الشريعة ، في الحلال والحرام من أحكام الولاية والبراءة ، والصلاة والزكاة والصوم والحج ، والأمر والنهي ، فكل ذلك يقع موقع الفتيا ، وتقوم به الحجة في الفتيا ، ويهلك جاهله بركوبه وتركه ، ولو جهله إذا ضيع لازما أو ركب محرما ، وذلك من الكتاب والسنة والإجماع ، ما خرج مخرج الأمر والنهي ، والناسخ والمنسوخ ، والوعد والوعيد ، فكل هذا يخرج مخرج الفتيا من الكتاب والسنة والإجماع ، وأما ما خرج مخرج الأمثال والأخبار ، فلا تقوم به الحجة ، بغير صحة الكتاب الذي ثبت منه ذلك ، إلا من طريق الشهادة عليه أنه كذلك من الكتاب ، ولا تقوم الحجة فيه بواحد . (1/17)
صفحة 18
وأحكام الحقيقة في الولاية والبراءة ، وجميع من صحت ولايته وعداوته بالحقيقة ، وإنما يخرج مخرج الأخبار ، لا يخرج مخرج الأمر والنهي ، ولا الناسخ والمنسوخ ، ولا الوعد والوعيد على صحة الموعود عليه ، والمواعد عليه من الطاعة والمعصية ، فذلك حكمه أحكام الأخبار ، ولا تصح الأخبار من طريق الفتيا ، إلا أن يكون الإخبار يصح منها ، ما يكون مخرجه مخرج الشريعة ونقل الشريعة ، فكل ما كان مخرجه مخرج الشريعة ونقل الشريعة ، فذلك تقوم به الحجة في الفتيا من الواحد ، كائنا من كان ، فيما لا يسع جهله ، ومن العالم الثقة المسلم المأمون ، فيما يسع جهله ، وكل ما خرج مخرج الأخبار والأمثال ، فلا يصح من طريق الفتيا ، ولا تقوم به الحجة ، إلا من طريق صحة الكتاب الذي صح منه ذلك الخبر ، أومن طريق صحة الخبر عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالشهرة التي لا تناكر فيها ولا يشك فيها ولا يرتاب ، أو من طريق الشهادة على غير صحة أحكام الحقيقة ، وإنما تقوم ني الشهادة مقام أحكام الظاهر من الأحكام في الولاية والبراءة ، والسعادة والشقاء والجنة والنار . (1/18)
صفحة 19
فإن قال قائل : يسع الناس جهل من جاء خبره في كتاب الله من أولياء الله وأنبيائه ورسله ، وأعداء الله من إبليس وفرعون وهامان وقارون وأبي لهب وأمثالهم ، ويكون مسلما أبدا إذا بجهلهم ؟ قلنا له : نعم يكون أبدا مسلما مؤمنا بجهل أنبياء الله آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، والنبيين من بعدهم ومن قبلهم ، وجميع المرسلين ، إذا آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وتولاه وعرفه ، فغير مسؤول عن سائر الرسل والنبيين مجملا ، ولا مفسرا بأسمائهم وأعيانهم ولا بجملتهم ، إلى أن تبلغ معرفته إلى ذلك ، أو إلى شيء منه ، فإذا بلغت معرفته إلى جملة ذلك ، أو شيء منه ، كان عليه علم ذلك ، الذي بلغ إليه معرفته ، كان مجملا أو مفسرا معينا أو موصوفا ، ولم يسعه الشك في ذلك ولا الريب ، وضاق عليه هنالك الشك في الكتاب ، إذا بلغ إليه علم شيء منه ، أن يشك فيه أو يرتاب فيه .
فصل : وكذلك يسلم ويكون مؤمنا بجهل معرفة إبليس عدو الله ، ومعرفة فرعون وهامان وقارون وأبي لهب ، وجميع من صحت سعادته أو شقاوته في كتاب الله ، ويكون الجاهل بذلك عند الإقرار بالجملة مسلما أبدا ، ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة شيء من ذلك ، أو ينكرشيئا من ذلك بجهله ، أو يتولى عدوا لله بجهله ، أو يعادي وليا لله بجهله ، فمتى فعل شيئا من ذلك على غير ما يسعه ، هلك بفعله ذلك كان عالما أو جاهلا .
فصل : فإن قال قائل : لا يسع جهل هؤلاء أو أحد منهم ، غير ما قد قلنا ، واسثنينا من ذلك الإيمان والإقرار بالجملة ، وهو أن يؤمن بالله - تبارك وتعالى - ، أنه إله واحد لا إله إلا هو ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن جميع ما جاء به محمد عن الله ، فهو الحق ، فإن ادعى مدع أنه لا يسع أحدا جهل شيء غير هذا .
قيل له : فما تقول فيمن أقر بهذا الذي وصفناه ، أن يكون مسلما به عن علم ما سواه من الإقرار ؟ فإن قال : نعم . (1/19)
صفحة 20
قيل له : فإذا كان مسلما فكيف يكون مسلما لا يسعه جهل ما يكون مسلما بجهله ، إن هذا هو المناقضة في الأصول ؟
وإن قال : يكون مسلما حتى يضيع لازما ، ويركب محرما .
قلنا له : وأي لازم في هذا ، وأي محرم في هذا ؟ إذا آمن بالجملة ، وأقر بها ، وشهر له اسم الإقرار بها ، والتدين بها ، أليس قد خرج من أحكام الشرك بجملته ، ودخل في أحكام الإقرار بجملته ، ولم يبق شيء من الشرك ، إلا وقد برىء منه في الحكم من عبدة الأوثان ، واليهودية والنصرانية والصابئين ، وكل الجاحدين ، وصح له الإقرار بالإيمان ، وبرىء من المحنة عن جميع فنون الشرك بجملته ، وإذا برىء من الشرك بجملته ، لم يبق عليه محنة من الرد على أحد من النبيين والرسل والملائكة ، والإنكار لأحد منهم ، ولا أحد ممن عليه الإيمان به في الجهلة ، وممن يخرج أنه يخالف الإيمان فى إنكار النبيين والمرسلين والملائكة ، والادعاء في أمرهم بعير الحق ، فقد برىء المقر بالجملة ، من جميع ذلك في حكم الظاهر ، ولم يبق عليه محنة إلا بما يخالف فيه أهل الإقرار ، من صنوف أهل القبلة ، فقد برىء المقر بالجملة من الشرك ، ومن التهمة بشيء من الشرك ، ومن التهمة بالإنكار لشى من رسل الله وأنبيائه وملائكته ، ومع ذلك فإنه في الجملة مقر مؤمن بجميع ذلك ، إذا أقر بالجملة ، ولا نعلم في هذا اختلافا بين أحد من أهل القبلة . (1/20)
صفحة 21
ولو كان المقر بالجملة لا يكون سالما في الحكم ، في مخالفة الجملة ، حتى يقر بكل شيء من الإيمان ، باسمه أو بعينه أو بصفته ، ما جاز أن يكون مسلما بالجملة ، ولكان مشكوكا ، وما جاز أن يتولى أهل الإسلام ، مشكوكا فيه ، ولما وضع عنه أحكام الشرك ، حتى يعرف منه الإقرار بكل القرائن ، لأنه إذا أنكر شيئا من القرائن ، ولو آية واحدة ، أو معنى واحدا مما قد جاء في الكتاب ، كان بذلك مشركا ، فلو كان لا يكون الإقرار بالجهلة كافيا للمقر بذلك ، كان يكون أبدا مشركا ، حتى يقر بجميع ما يكون ، وإذا أنكره كان مشركا ، وكان في الشرك أبدا ، حتى يعلم منه الخروج من الشرك بالإقرار ، وبجميع ما إذا أنكره ، كان مشركا ،وإذا كان لا يصح لأحد إيمان ولا إقرار أبدا ، ولا يصح ذلك أيضا لنبي مرسل ، ولا لأحد من الملائكة ، ولا كان ذلك يصح أيضا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولكان هذا خارج في حكم الله -تبارك وتعالى - ، من أحكام المعقولات ، وأن الله - تبارك وتعالى - يكلف العباد ما لايطيقونه ، وإذا ثبت هذا بطل حكم الحكمة ، من صفة الله -تبارك وتعالى - ، ودخل في صفة الله أنه غير حكيم ، تعالى الله - عز وجل - عن هذا علوا كبيرا ، وهذا باطل لا يدعيه أحد فيما علمنا من أهل القبلة .
فصل : فإن قال : يكون مقرا بإقراره بالجملة ، ولكن لا يكون مستكمل الإيمان ، إلا بمعرفة من جاء خبره في كتاب الله من سعيد أو شقي ، أو عدو أو ولي .
قيل له : فإذا لا تثبت الولاية لأحد إلا بالدعوة له ، إلى علم أولئك كلهم ، فمن لم يعرف ذلك منهم ، فما يكون حاله عندك بأحكام الإسلام ؟
فإن قال : يكون وليا إذا دعي إلى ذلك وعرف قوله فيه ، فإن عرفه كان ذلك أفضل في إيمانه ، وآكد لولايته ، وإن لم يعرف ذلك وجهله ، كان ذلك واسعا له ، وثبتت ولايته على ذلك . (1/21)
صفحة 22
قيل له : فهذا من هذا الداعي عيب في دينه وباطل ، وكان الاشتغال بالدعوة إلى غير هذا ، آكد وأبلغ( 1 ) إلى الدعوة إلى هذا ، والمحنة فيه والكشف عنه ، لأنه سواء في قولك ، عرفه أو لم يعرفه ، فهو مسلم مستحق للولاية ، وهذا نقض لقولك إنه لا يستكمل الإيمان إلا بمعرفة هؤلاء .
وإن قال : إنه إن لم يعرف كل من جاء خبره قي كتاب الله -تبارك وتعالى - ، من رسول أو نبي ، أو سعيد أو شقي ، أو عدو أو ولي ، كان بذلك منتقض الإيمان والإسلام .
فصل
قيل له : فإذا كان على هذا ، فلا يصح له الإيمان ، إلا بمعرفة ذلك (1/22)
صفحة 23
منه ، فمتى لم يعرف منه ذلك ، لم يستكمل الإيمان ، دعي إلى ذلك أو لم يدع ، عرف ذلك منه أو لم يعرف ، هذه جملة يحتاج كل واحد من العباد أن يدعى إليها ، ويعرف منه القول فيها ، وهذا ما لا يدعيه أحد ، ولا تحتمله العقول ، ألا يكون مؤمنا حتى يكون عالما بجميع كتاب الله ، وبأحكام كتاب الله ، وتنزيل كتاب الله ، لأنه على قياد قولك ، أنه لو جهل واحد مما قد صح في كتاب الله باسمه وعينه ، لم يثبت له الإيمان إلا به ، لأنه لا يصح له الإيمان إلا بمعرفة ما لا يثبت به الإيمان إلا بمعرفة ، وهو غير مؤمن حتى بعلم جميع ذلك ، وإذا لا يكون وليا إلا عالما ، ولا يكون مسلما إلا عالما بكتاب الله كله ، وهذا باطل من القول لا يدعيه أحله من الأمة ، ولا يجوز في حكم الشريعة ولا في صفة الله - تبارك وتعالى - أن يكلف العباد هذا ، تعالى الله - سبحانه - عن هذه الصفة علوا كبيرا ، وهذا خارج من أحكام الكتاب والسنة والإجماع ، ومن حجج العقول ، وهو هدر من الكلام ، لا يساغ القول به ولا فيه ، ولكن لم يكن بد من أن يجري فيه قولا يبني عليه من عورض فيه من المتمسكين ، ويكون حجة للمسلمين على من ألزم معرفة أحد من الخليقة من بار وفاجر ، بغير ما يلزمه فيه الحجة ، ممن لم يصح ذلك فيه من الكتاب ، ويكون الحجة لمن احتج أنه يلزمه معرفة من جاء في الكتاب خبره ، وصحت فيه سعادته ، أو شقاؤه آكد ، ولا ممن لم يأت في الكتاب خبر سعادته ولا شقائه ، من الأئمة الجبارين أو العادلين ، وأنه إذا ثبت أنه لا يلزم معرفة من ثبتت سعادته أو شقاؤه في كتاب الله ، ومن كتاب الله ، فأحرى وأجدر أن لا يلزم معرفة من ثبت كفره أو إيمانه أو ولايته أو عداوته ، مع أحد من المسلمين في أحكام الدين الظاهر . وهذا ما لا يحتاج العاقل فيه إلى كلام ، لأن عليه أهل الاستقامة من أهل الإسلام ، ولا نعلم أن أحدا يدعيه في شيء من الأحكام ، إلا باتباع الهوى ، ومخالفة آثار التقوى ، نعوذ (1/23)
صفحة 24
بالله من ذلك ، ومن جميع المهالك .
-------------------------------------
1 - في نسخة "أنفع من". (1/24)
صفحة 25
باب: وجوه الولاية والبراءة، وتصنيف ذلك
إن الولاية والبراءة على كل حال من الأحوال كانت مما يسع جهله أو مما لا يسع جهله .
وهذان الأصلان هما أصلا جميع دين الله ، لأن جميع دين الله - تبارك وتعالى - ، لا يخرج في حال من الأحوال ، من أحد هذين الأصلين ، وهذين الأمرين أصل يسع جهله ، وأصل لا يسع جهله . كذلك جميع دين الله في خاصه وعامه لا يخرج من أحد هذين الأصلين أصل يسع جهله في حال ، وأصل لا يسع جهله في حال ، كذلك الولاية والبراءة أصلهما في دين الله أصلان فأصل يسع العبد جهله ، وأصل لا يسع العبد جهله ، وقد بينا في ذلك ، وفي مجمل ما ذكرنا من حمل ما لا يسع جهله ، ومن حمل ما يسع جهله ، خارجة من جميع أحكام الولاية والبراءة ، من ثلاثة وجوه :
وجه من ذلك براءة الحقيقة وولاية الحقيقة .
والوجه الثاني ولاية شريطة وبراءة شريطة .
والوجه الثالث براءة الحكم بالظاهر ، وولاية الحكم بالظاهر ، ولا تعدو الولاية والبراءة على كل حال من الأحوال ، أحد هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها . (1/25)
صفحة 26
باب في: الولايات والبراءات، وتصنيف ذلك
أكثر ما تجرى فيه المعارضات من أهل التلبيس المتكلفين لضعفاء المسلمين المتمسكين في ذكر الولاية والبراءة ، بضلال التأويل لأصول الولاية والبراءة ، بغير بصيرة ولا علم .
وذلك أنه يلقى الواحد منهم المتسمي بالفقه والعلم ممن قد اتزر بالجفوة ، وارتدى بالعمى ، وأنزل نفسه على الضعفاء منازل الفقهاء والعلماء على الواحد من الضعفاء المسلمين ، فيقول له : إن الولاية والبراءة فريضتان ، ولا يسع العبد دون أن يوالي في الله ، أو يعادي في الله ، ويتولى ويبرأ ، وعليه أن يتولى من تولاه المسلمون ، ويبرأ ممن برىء منه المسلمون ، ولا يسعه دون ذلك ، والمسلمون قد برئوا من فلان بن فلان ، وفلان بن فلان يعني بذلك عليا وعثمان ، ومن تقدم ذكره من المحدثين في ذلك العصر والزمان ، وقد تولوا فلان بن فلان ، وفلان بن فلان ، من أهل ذلك العصر والزمان ، ولا يسعك إلا أن تبرأ ممن قد برىء منه المسلمون من هؤلاء ، وتتولى من تولاه المسلمون من هؤلاء الموصوفين المذكورين ، وإلا فأنت هالك بدون ذلك ، فإن لم تعرف ذلك فعليك السؤال ، والبحث عن ذلك ، ولا يسعك دون ذلك .
ولوسئلوا عما برىء به المسلمون من فلان بن فلان ، لما أتوا على ذلك ببرهان ، وما كان قولهم في ذلك إلا ما شاء الله ، إلا كما قال المشركون إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون "_( 1 ) .
كذلك قولهم إنا برئنا من فلان بن فلان ببراءة المسلمين منهم ، ولأجل براءة المسلمين منهم ، ولأنهم برىء منهم المسلمون . (1/26)
صفحة 27
ولا نعلم مع الملبسة في الولاية والبراءة شيئا يزيد على هذه البدعة وهذه الضلالة ، فلو لم يتولوا ولم يبرأوا على هذا الوجه ، لكان خيرا لهم ، و لكانوا قد وافقوا الولاية والبراءة من حيث لا يعلمون ، وهم قد خالفوا أحكام الولاية والبراءة من حيث ظنوا أنهم لها موافقون ، وكذبوا على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين ني دينهم ، من حيث ظنوا أنهم في ذلك صادقون .
وكذلك قولهم في موسى بن موسى وراشد بن النضر ، نحو من قولهم في علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ، وإن لم يكن قولهم في موسى بن موسى وراشد بن النضر أشنع وأقبح ، والحكم في ذلك واحد ، والقول فيه واحد ، من خاص ذلك وعامه ، لمن لم يمتحن بأمر ذلك وشأنه ، ولم يكن من أهل عصره وزمانه ، ولم تقم عليه الحجة ببلوغ علم ذلك إليه ، بما لا شك معه فيه ولا ريب ، من بعيد عن ذلك العصر والزمان أو قريب ، ولو كان من أهل ذلك العصر ، إذا لم يصح عنده علم ذلك ، ولم تقم عليه الحجة بذلك ، من أي الوجوه قامت . (1/27)
صفحة 28
والعجب العجيب كيف خص الحكم في علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ، وموسى بن موسى وراشد بن النضر ، والبراءة منهم دون غيرهم من المحدثين والجبابرة ، والمفسدين وأهل البدع والخلاف في الدين ، من المقرين من أهل القبلة والجاحدين ، وغيرهم ممن لا يحصى عدده ، ولا يبلغ أمده ، ولا ينقضي عدده ، إلا ما شاء الله . والمعنى في الجميع من أولياء الله وأعداء الله واحد ، والقول فيهم واحد ، والحكم فيهم واحد ، قد أوجب الله وفرض وأمر بعداوة جميع أعدائه ، وأوجب وفرض وأمر بولاية جميع أوليائه ، فهل يقدر أحد من الخليقة أن يقول : إن الله -تبارك وتعالى - قد كلف عبدا من عبيده من الأولين والآخرين أن يوالي جميع أولياء الله من الأولين والآخرين بأسمائهم وأعيانهم ، أو يعادي جميع أعداء الله بأسمائهم وأعيانهم . أو هل حكم بذلك كتاب الله المستبين ، أو ادعى ذلك محق أو مبطل على رسول من رسل رب العالمين - صلى الله وسلم عليهم أجمعين - ، أو في إجماع المسلمين ، أو يقوم ذلك في حجج العقول من العاقلين ، أن يكون الله -تبارك وتعالى - قد كلف العباد في الولاية والبراءة ج أن يعادوا له جميع أعدائه بأسمائهم وأعيانهم ، أو يوالوا له جميع أوليائه بأسمائهم وأعيانهم ، هذا ها لا تحتمله العقول ، ويتنافى عن الله -تبارك وتعالى- في أحكام الأصول ، وليس له أساس ، ولا منه محصول ، والله وكيل على ما نقول .
---------------------------------
1- جزء الآية (23) سورة الزخرف . (1/28)
صفحة 29
باب: ولاية الشريطة وبراءة الشريطة
اعلموا أن ولاية الشريطة وبراءة الشريطة هما أصلان من أصول دين الله - تبارك وتعالى - وحكمان من أحكام دين الله - تبارك وتعالى - وبهما يسلم العباد عن الهلكة ، من تضييع ما لزمهم من أحكام الولاية والبراءة ، وبهما يسلم العباد من ولاية أعداء الله في الحكم بالظاهر وفي الحقيقة ، وبهما يسلم العباد عن عداوة أولياء الله ، في حكم الظاهر وحكم الحقيقة ، وبهما من الله على عباده بالسلامة ، من كلفة ولاية أولياء الله بأسمائهم وأعيانهم ، ومن كلفة عداوة أعداء الله بأسمائهم وأعيانهم ، وهو أن يوالي العباد لله جميع أوليائه ، ويعادوا له جميع أعدائه في الجملة ، أو يوالوا له جميع أهل طاعته ، ويعادوا له جميع أهل معصيته في الجملة ، أو يوالوا له جميع المؤمنين ، ويعادوا له جميع الكافرين ني الجملة .
فإذا كان من العبد هذه الولاية لله ، والعداوة لله في عباده ولعباده ، فقد تولى لله جميع من كلفه ولايته ، وقد عادى لله جميع من كلفه عداوته في جملته ، وكانت هذه الجملة كافية للعبد عن جميع تفسير الولاية والبراءة فيما سوى ذلك ، من ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة ، وولاية حكم الظاهر ، والبراءة بحكم الظاهر ، وكانت هذه الجملة كافية في أحكام الولاية والبراءة ، كما كانت الجملة في الإقرار بالجملة كافية للعبد عن جميع تفسير دين الله ، حتى تنزل بلية العبد في شيء من أمر ما يلزمه فيه علمه من دين الله ، والعمل به أو الشهادة به ، أو الانتهاء عنه ، فكانت الجملة كافية له - في أحكام الولاية والبراءة -كما كانت الجملة في الإقرار بالجملة كافية عن ولاية جميع أولياء الله ، (1/29)
صفحة 30
وعداوة جميغ أعداء الله ، في جملة الولاية والبراءة ، حتى يخطر ذلك بباله أو يسمع بذكر ذلك ، أو يدعى إليه أو يعرف معاني ذلك والمراد به ، فإذا عرف معاني ذلك والمراد به ، لم يسعه في تفسير الجملة التي أقر بها إلا الولاية لجميع أولياء الله ، والعداوة لجميع أعداء الله ، أو يوالي جميع أولياء الله باسم يستحقونه من طاعة أو إيمان أو إصلاح ، أو بر أو تقوى ، فبأي الأسماء تولى لله أولياءه من هذه الأسماء التي يستحقونها في الجملة ، فقد تولى جميع أولياء الله ، وبأي الأسماء عادى جميع أعداء الله من الأسماء التي يستحقونها في الجملة ، كان ذلك كاف له عن معرفة جميع الأسماء ني أولياء الله وأعدائه ، ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة أسماء جميع أولياء الله ، أو شيء منها ، أو معرفة أسماء أعداء الله أو شيء منها ، فإذا بلغ إلى معرفة ذلك ، وقامت عليه الحجة بمعرفة ذلك ، فعليه أن يعادي جميع أعداء الله بجميع أسمائهم المستحقين لها ، وبالبراءة من جميع أهل تلك الأسماء المسمين بها ، الموصوف بها أعداء الله ، ويتولى جميع أولياء الله .
وجميع صفات أهل ولاية الله ، من المؤمنين والصالحين والمتقين والأبرار والأخيار ، وجميع من بلغ إليه معرفته ، ومعرفة اسمه ، فعليه أن يتولى أهل تلك الصفة من أولياء الله ، ويتولى جميع أهل تلك الأسماء من أولياء الله ، ويعادي جميع أعداء الله ، بجميع ما بلغ إليه علمه من صفاتهم وأسمائهم في شريطته ، وقد كان في جملة الولاية والبراءة في شريطته تكفيه أن يوالي جميع أولياء الله باسم واحد ، وصفة واحدة ، ومعنى واحد ، وكذلك يعادي جميع أعداء الله باسم واحد ، وصفة واحدة ومعنى واحد . فكل ما صح معه ، من أسماء أعداء الله ، وصفات أعداء الله ، ومعاني وجوب عداوة أعداء الله ، بمعنى من المعاني التي بلغ إليها علمه ، وقامت عليه الحجة بمعرفتها ، كان عليه أن يعادي لله جميع أهل تلك الأسماء والصفات ، وأهل تلك المعاني . (1/30)
صفحة 31
ولا يكفيه بلوغ علمه إلى شيء من الأسماء إلا أن يعادي أهل عداوة الله من أهلها ، وكلما بلغه وعرفه من أسماء أولياء الله وصفاتهم ، ومعاني طاعة الله فلا يسعه إلا أن يوالي جميع أهل تلك الأسماء والصفات والمعاني لله ، فكل ما صح معه في ذلك شيء ، لزمه حكم التعبد به في شريطته ، وكان ذلك كافيا له عن جميع الولاية والبراءة ، في حكم الظاهر وفي الحقيقة ، حتى يصح معه في أحد من الناس باسمه وعينه حكم حقيقة ما وصفنا ، فيحكم فيه بعينه من ولاية أو براءة ، أو سعادة أو شقاء .
فإذا صح معه في أحد من الناس باسمه وعينه ، كان ذلك من نزول بليته في ذلك ، وزال عنه حكم السعة في أحكام الشريطة وبأحكام الشريطة ، وكان عليه في ذلك العبد بعينه أن يحكم فيه بحكم ما استحقه من أحكام الحقيقة ، فإن ضيع ذلك الذي قد امتحن به في هذا العبد ، من أحكام الحقيقة لموضع ما قد دان به في الجملة من أحكام الشريطة ، ولأن هذا الذي قد صحت فيه أحكام الحقيقة ، داخل في جملة ما دان به من أحكام الشريطة ، في أولياء الله وأعدائه ، وحكم بحكم الشريطة واجتزأ به عن حكم الحقيقة ، وكان بذلك ناقضا لجملة ما دان به من شريطة الولاية والبراءة ، وخارجا من حكم ها قد استحق عليه في جملته من حكم الشريطة ، لأنه إنما كانت الجملة له في أحكام الشريطة كافية له عن أحكام الحقيقة وأحكام الظاهر ، ما لم يمتحن بشيء من أحكام الحقيقة وأحكام الظاهر ، فإذا امتحن بشيء من ذلك ، ولزمته الحجة في ذلك ، لم تكن الجملة كافية له عن تفسير ما لزمه من تفسيرها ، كما أنه لم تكن الجملة كافية له ، عند نزول بليته في حكم الشريطة من الولاية والبراءة ، وكالت بتضييعه ما قد نزلت به بليته ، من المحنة بأحكام الشريطة ، ناقضا لجملته التي أقر بها ، وكانت أحكام الولاية والبراءة بأجمعها داخلة فيها ، حتى يمتحن العبد بشيء منها أو بجملتها . (1/31)
صفحة 32
فإذا امتحن بشيء منها أو بجملتها فضيعه أو جهله قي غير موضعه الذي هو متعبد فيه به ، فقد نقض الجملة التي أقر بها ، وكان خارجا منها بأحد معنيين إما بإنكار لشيء من الجملة ، أو تضييع شيء من الجملة ، أو إنكار شيء من تفسير الجملة ، غير أنه كيفما كان ، فهو مخالف لما أقر به من الجملة ، وغير مستكمل ما أقر به من الجملة ، إذا ضيع شيئا منها أو من تفسيرها ، أو رد شيئا منها أو من تفسيرها ، والولاية والبراءة من تفسير الجملة ، ومن تأويل لتفسير الجملة ، وكانت الشريطة كافية عن الحقيقة ، حتى نزلت بليته ، فلما نزلت بلية الحقيقة لم تكن الشريطة كافية في موضع الحقيقة ، ولم تكن الحقيقة في أحد بعينه مزيلة لجملة الشريطة ، التي اعتصم بها من دان بها واعتقدها في عباد الله ، ولكن كان عليه أن يحكم بأحكام الحقيقة في موضع الحقيقة ، وعليه الاعتقاد لجملة الشريطة لا يزول عنها أبدا ، فمتى ترك الشريطة وأحكام الشريطة لموضع ما صح معه من أحكام الحقيقة ، فيمن لم يصح معه فيه الحقيقة من جميع أولياء الله وأعدائه ، وجميع عباد الله ، فقد ترك حكم الجملة التي اعتصم بها في الشريطة ، وهلك بذلك ، إلا أن يتوب ، ويرجع إلى جملته التي اعتصم بها من الهلكة ، من ولاية أعداء الله ، وعداوة أولياء الله ، أو يضيع ما أوجب الله عليه من أحكام ولاية أوليائه ، وعداوة أعدائه ، لأنه لا يصح في حكم العقول إلا أن جميع من تعبد الله من عباده ، ممن رأى أو سمع من متقدم أو مستأخر أو مشاهد أو غائب ، من جميع ما تعبد الله من المكلفين ، إلا أن يكون نازلا بأحد منزلتين ، إما مطيع لله فيما أمره ونهاه ، ،ط ما عاص لله فيما أمره ونهاه ، أو عدو لله أو ولي لله ، أو كافر أو مؤمن ، لا يعدو أحدا من المتعبدين من الخليقة ، أحد هاتين لمنزلتين . (1/32)
صفحة 33
وقد صح في العقول ، أنه لا يجوز في صفة الله -سبحانه وتعالى - أن يساوي بين أوليائه وأعدائه ، وأهل طاعته وأهل معصيته ، في الرضا والمحبة والثواب والعقاب ، والعداوة والولاية ، فهذا من المحال . فصح الأصل ، أنه على العبد أن يعادي جميع أعداء الله ، ويوالي جميع أولياء الله ، لأنه لا يصح في العقول أن يرضى الله - تبارك وتعالى -من أحد من عباده ، أن يجمع بين أوليائه وأعدائه ، وأهل طاعته وأهل معصيته ، في المحبة والبغضة ، والعداوة والولاية ، والرضى والغضب ، ولا يجوز إلا أن
يلزم العبد أو يرضى لله عمن رضي الله عنه ، ويسخط لله على من سخط الله عليه ، ويعادى لله جميع من عاداه ، ويوالي لله جميع من والاه ، هذا مما تقوم به الحجة من حجة العقل .
فلما أن ثبت هذا ثبت أن لا أحد من عباد الله ، يقدر على ولاية جميع أولياء الله ، على سبيل ما والاهم بأسمائهم وأعيانهم ، ولا يقدر على عداوة جميع أعداء الله ، على سبيل ما عاداهم الله بأسمائهم وأعيانهم ، ولم يجز في العقول أن يتولاهم جميعا ، فيكون قد جمع بين أولياء الله وأعدائه في الولاية ، ولم يجز في العقول أن يعاديهم جميعا ، فيكون قد جمع بين أولياء الله وأعدائه في العداوة . (1/33)
صفحة 34
وقد صح في العقول أنه لا يبلغ إلى معرفة كل منهم ، من أولياء الله فيواليه ، وأعداء الله فيعاديه ، فيلزم هنالك حكم الولاية والبراءة في حكم الشريطة لجميع أوليائه وأعدائه ، ولزم هنالك في حكم العقول ، الوقوف بالدينونة عن جميع الأولين والآخرين ، أن يعادى أحد منهم أو يوالى باسمه وعينه ، إلا بعد أن يصح له ذلك باسمه وعينه ، بأحد حكمين : حكم الحقيقة من سعادة أو شقاء ، فيحكم فيه بما يستحقه من ذلك ، أو بحكم الظاهر فيما ظهر من أمره ، فينتقل عن حكم الشريطة إلى حكم الظاهر ، ويعادي أو يوالي بما ظهر منه ، مع من صح معه ذلك منه ولاية أو عداوة ، وزال مع ذلك حكم الشريطة فيه ، ولم يكن كاف فيه حكم الشريطة ، وإن كانت غير منتقلة عنه ، كما انتقلت عمن صحت حقيقته من سعادة أو شقاء ، لأن من صحت فيه الحقيقة بسعادة أو شقاء ، لم يجز أن يحكم فيه بغير ذلك من الولاية والبراءة . وقد تقدم ذكر ذلك بما في بعضه كفاية . (1/34)
صفحة 35
ومن صحت ولايته أو عداوته في حكم الظاهر ، بأعماله وأفعاله المحكوم عليه بها وله ، فغير محكوم عليه بذلك ، ولا له بالحقيقة ، بل لا يجوز أن يحكم فيه بالحقيقة إلا على الشريطة ، إن مات على ذلك الذي أظهره وثبت له في حكم الظاهر ، وكان كذلك في العلانية والسرائر ، فهوكذلك ، وهو من أهل الحقيقة على هذه الشريطة ، وأما على غير هذه الشريطة إن مات على ذلك ، فلا يجوز أن يحكم بحكم الظاهر بأحكام الحقيقة ، من العداوة والولاية ، والسعادة والشقاء ، ولو كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه - ما جاز لأحد من الخليقة أن يشهد لهما بالسعادة ، ولا أنهما من أهل الجنة في حكم الحقيقة ، إلا كان يصح معه ذلك عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو من صحيح التأويل على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نزل فيهما شيء من كتاب الله ، وإلا فلا يجوز أن يحكم لهما قطعا بالسعادة لما ظهر منهما من أمرهما ، من الخير وحسن الإرادة من أمرهما .
ومن حكم لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب بالسعادة أو بالجنة ، من أجل ما صح منهما من موافقة الحق في حكم الهظاهر ، من غير علم حقيقة على ما وصفنا ، كان بذلك هالكا ، كافرا كفر نعمة إلا أن يتوب .
فصل : وكذلك لو شهد حد لأبي جهل عمرو بن هشام عدو الله وعدو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرعون عدو الله ، وعدو رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم الظاهر بالنار أو بالشقاء من غير أن يصح عنده فيه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من صحيح تأويل كتاب الله ، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار ، لكان بتلك الشهادة عند الله من الكاذبين إلا أن يتوب . (1/35)
صفحة 36
ولو كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما- قد صحت سعادتهما من تأويل الكتاب ، أو عن لسان رسول الله في صلى الله عليه وسلم عند جماعة المهاجرين والأنصار ، وصح ذلك في جميع الأمصار إلا مع رجل واحد ، لم يصح معه ذلك ، إلا أنه قد صح معه من طريق الشهرة فضلهما ، وموافقتما للحق ، ما جاز له أن يحكم لهما بالحقيقة بالسعادة ولا بالجنة ، فإن فعل ذلك اتباعا لغيره ، أو لما صح معه من حكم الظاهر فيهما ، كان من الهالكين .
وكذلك غيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار ، وغيرهم من التابعين من أفاضل أهل الأمصار . وكل الحكم واحد ني الجميع .
فصل : وكذلك لو كان أبو جهل عمرو بن هشام قد صح شقاؤه ، مع جميع المهاجرين والأنصار وجميع أهل الأمصار ، إلا رجلا واحدا لم يصح معه ذلك من طريق الشهرة ، أومن سماع عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاز له أن يحكم في أبي جهل بحكم الحقيقة بشقائه ، ولا أنه من أهل النار ، ولكن على من صح معه أمره ، ومحاربته للنبي صلى الله عليه وسلم وكفره ، أن يبرأ منه ويعاديه لله ، براءة حكم الظاهر ، ولا يسمع جهل عداوة أهل صفة أبي جهل عمرو بن هشام من بلغ إليه معرفة ذلك منه . (1/36)
صفحة 37
وليس على أحد من الخليقة ولاية أبي بكر وعمر بن الخطاب ولا غيرهما ، من الأولين ولا من الآخرين ، إلا ما صح معه ما يستحقان به الولاية منهما ، وتقوم عليه الحجة بذلك ، فعليه حينئذ أن يتولاهما وغيرهما ممن قد وجبت عليه ولايته ، ولا يسعه إلا ولايته ، ولو لم يلزمه ذلك بالدينونة والإجماع ، فقد تجوز الولاية بقول الواحد ، ممن يبصر الولاية والبراءة في حكم الظاهر ، ولا يقع ذلك موقع الدينونة بالإجماع ، وإنما ذلك على بعض قول المسلمين ، فمن لزمه ولاية أحد من الأولين والآخرين باسمه وعينه بحكم حقيقة له ، وبحكم الظاهر ، فليس له أن يلزم غيره ما قد لزمه ، ولا يعنفه في جهله لما قد علمه ، إذ قد بلغ إليه علم ذلك ، وقامت عليه الحجة بذلك وسعه ذلك ، ولو لم يلزمه ذلك بالدينونة . (1/37)
صفحة 38
ولو أن متوليا تولى أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب ، أو أحدا من المهاجرين والأنصار ممن صحت سعادته عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في كتاب الله ، أو ممن لم تصح سعادته ، إلا أنه قد وجبت على بعض المسلمين في الدين ولايته ، بوجه حكم الظاهر ، فتولى متولي ذلك العبد ، بغير حجة تثبت له في الإسلام من حجج الحق ، بخبرة أو برفيعة أو بشهرة ، فوافق في ذلك ولاية من قد وجبت ولايته في دين الله ، إلا أنه قد تولاه هو بغير حجة ، فتولاه ولاية حكم الظاهر أو ولاية الحقيقة بغير حجة له في الإسلام ، إلا اتباعا لمن لا يجوز له اتباعه ، ولا يكون اتباعه له حجة ، ولا في ولاية من تولى ، أو لغير اتباع لأحد أنه تولاه بوجه من الوجوه بغير حجة ، ولو وافق في ذلك ولاية أبينا آدم - صلوات الله وسلامه عليه - أو ولاية نوح رسول الله ، أو ولاية الخليل - صلوات الله عليهم - بغير حجة ، لكان بذلك عند الله في دينه من الهالكين ، وكان الله معذبه ومعاقبه على ولايته لإبراهيم الخليل ، وميكائيل وجبريل - عليهم صلوات الله ورحمته وبركاته - ، إذا كان ذلك بغير حجة تثبت له في الإسلام من حجج الحق ، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا ، بين أهل العلم من أهل الاستقامة من المسلمين ، ولا يجهل هذا إلا جاهل بدين رب العالمين . (1/38)
صفحة 39
فصل : كذلك لو برىء أحد من الناس ، من أحد من الناس من الأولين والآخرين ، بغير حجة في الإسلام ، إلا من أجل براءة أحد من المسلمين منه ، أو لقبول دعوى عليه أو لغير حجة ثابتة في الإسلام ، فوافق في ذلك البراءة من إبليس اللعين ، الشيطان الرجيم ، أو قابيل بن آدم قاتل أخيه هابيل بغير حق ، وهو أول سافك الدم على الأرض بغير الحق ، فيما قيل ، أو وافق في ذلك البراءة من فرعون وهامان وقارون ، أو من أبي لهب ، الذي قد صحت شقوته في كتاب الله ، أو من أبي جهل عمرو بن هشام ، الذي صح مع كثير من أهل القبلة شقوته ، من تأويل الكتاب فيما قيل عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرى من أحد من هؤلاء بغير حجة تقوم له في الإسلام ، أو حكم بما صح معه من أحد من هؤلاء ، من طريق حكم الظاهر بحكم الحقيقة ، أو ترك الحكم في أحد من هؤلاء بما لزمه فيه ، من أحد هذين الحكمين من أحكام الحقيقة أو أحكام الظاهر ، لما قد دان في الجملة من حكم الشريطة ، كان بذلك كله من الهالكين ، وكان بذلك في دين الله من الفاسقين .
ثم إن أحكام الولاية والبراءة في الشريطة تقع على ضربين :
فضرب منها هذا الذي وصفنا ، أن يوالي العبد لله كل ولي له ، أوكل مسلم أو كل مطيع ، أو كل بار ، أو كل مؤمن ، وكذلك يعادي لله كل عدو أوكل عاص ، أو كل فاجر أو كل كافر أو كل ظالم ، ويكفي الواحد من هذه الأسماء عن الآخر، حتى تأتي الحجة بمعرفة ما جهله من هذه الأسماء المجملة ، فإذا أن العالم بغيره من الأسماء ، كان عليه أن يلحق الأسماء بأهلها في الجملة ، ولا يسع ترك ذلك لغيره ، ولا بعض ذلك إذا بلغ إليه علم ذلك ، وهذا الضرب هو أكثر ما عليه العامة من الخلق ، وبه اعتصموا وبه نجوا أو سلموا . (1/39)
صفحة 40
فصل : والضرب الثاني من أحكام الشريطة في الولاية والبراءة ، مثل ما يسع العبد من صفة أهل المعاصي والمكفرات ، أن يجد ذلك مكتوبا في كتاب من الكتب ، يضاف ذلك إلى أحد من الناس بعينه ، أو إلى فرقة من الناس مثل ما قد سمع ورأى في الكتب يضاف وينسب إلى الروافض والشيعة ، والشكاك والمرجئة والمعتزلة والخوارج وصنوفهم ، والشعبية والطريفية ، وجميع المشبهة والقدرية ، وأهل الإلحاد بالله ، وأهل الإنكار ، فيسمع بصفة من الصفات ، مما لا يسع جهل ضلالة أهله ، أو مما يسع جهل ضلالة أهله ، وقد بلغ هو إلى علم ذلك من ضلالة أهله ، ولا يصح معه أن ذلك من هؤلاء الموصوفين ولا المسمين من جملة الروافض وغيرهم ، ممن يضاف إليه الكفر والمعاصي والأحداث ، من الجحود والإنكار والنفاق والفسوق ، من جميع أهل الإقرار ، فليس له ولا عليه أن يبرأ من الروافض ولا الشيع ه إذا لم يصح معه ذلك أنه منهم بالشهرة أو السماع ، ولكن عليه أن يبرأ من أهل تلك الصفة الموصوفة ، أومن أهل ذلك الحدث المذكور ، أومن أهل ذلك الحدث وأهل تلك الصفة الخاطر بقلبه ، ولا يسعه ترك ذلك ولا إهماله ولا الشك فيه ، فإن ترك الحكم في ذلك والاعتقاد فيه ، والدينونة به
في شريطته ، وقد بلغ إليه علم ذللك ، وعرف معناه والمراد به ، فهو هالك إلا أن يتوب .
فصل : وليس عليه ولا له أن يبرأ من الموصوفين ، ولا من المسلمين في الجملة ، ولا في التعيين لأحد من الموصوفين ، إلا أن يصح معه ذلك أنه من الموصوفين ، أو من المسمين المعينين بذلك ، بما لا يشك فيه من علم ذلك ، من خبرة أو شهادة بينة أو شهرة ، على ما يجب في حكم الإسلام من ذلك ، فإن اعتقد على الموصوفين بذلك أو المسمين بذلك ، بصفة أو اسم ما قد وصفوا به ، أو نسب إليهم بغير علم ولا معرفة ، كان بذلك هالكا إلا أن يتوب . وإن ترك الحكم فيما قد لزمه في حكم الشريطة ، كان بذلك هالكا إلا أن يتوب . (1/40)
صفحة 41
وأحكام الشريطة في هذا الضرب ، تنقسم على معان : فمنها ما يسع جهله ، ومنها ما لا يسع جهله ، فكل صفة أو حدث كان مما لا يسع جهله فسمع بذلك العبد ، أو خطر بباله ، أو دعي إليه وعرف معناه والمراد به ، لزمه معرفة ضلال أهل الصفة الموصوفين بتلك الصفة ، من غير أن يحكم على أهل الصفة ، أن تلك الصفة منهم كائنة ، إلا أن يصح ذلك معه ، فكل ما يسع جهله فواسع جهله ، من سمع بذكره أو خطر بباله أو دعي إلى معرفته ، حتى يبلغ إلى علم ذلك ، أو تقوم عليه الحجة بمعرفة ذلك ، وغير مضيق عليه في ذلك أبدا ، حتى تقوم عليه الحجة ، ويبلغ إليه العلم بالحكم بما لا يشك فيه ، فهنالك يضيق عليه في الصفات من أحكام الشريطة ، ما يضيق عليه في أحكام الجملة من أحكام الشريطة ، ويضيق عليه من أحكام الصفات ، ما يضيق عليه في أحكام الحقيقة ، إذا بلغ إليه علم ذلك ، ويضيق عليه في أحكام الصفات في أحكام الشريطة ، ما يضيق عليه في أحكام الظاهر ، من المعاينات والمشاهدات في المسمين بأعيانهم وأسمائهم ، والصحيح منهم ذلك معه ، فكل ما لا يسع جهله من الأحداث والأعمال والأفعال ، فيلزم في الصفات فيه ما يلزم في المعاينة ، ولا يجوز أن يحكم في الصفات على الموصوفين ، بما يحكم على المعاينين المسمين بأسمائهم وأعيانهم ، الصحيح منهم ذلك ، إلا بعد الصحة في ذلك ، والعلم بما تقوم به الحجة له وعليه . (1/41)
صفحة 42
باب: ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة
الفرق بين شهرة الحدث وشهرة الدعوى في الحدث
والحجج في الإسلام
وجه الحقيقة من أحكام الولاية والبراءة هو جميع ما صح بالحقيقة التي لا يجوز تكذيبها ، ولا الشك فيها ولا الريب ، ولا احتمال الانتقال عنها من حال إلى حال .
وذلك ما صح في كتاب الله - تبارك وتعالى - في أحد من الناس بعينه أو باسمه أو بصفته ، أنه عدو لله ، أو ولي للله ، أو أنه مؤمن أو كافر ، أو من أهل الجنة ، أو من أهل النار ، أو صح له من كتاب الله - تبارك وتعالى - اسم ، يستحق به الولاية أو العداوة ، والثواب أو العقاب ، وكل من صح معه في أحد من الناس باسمه وعينه ، أو باسمه أو بصفته من كتاب الله -تبارك وتعالى - ، أو من كتاب من كتب الله - تبارك وتعالى - ، أو عن لسان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أو عن لسان رسول من رسل الله -صلوات الله عليهم - شيء مما وصفنا ، فقد وجب عليه أن يعلم أن ذلك كذلك ، ولا محال عن ذلك ، لأنه لا يجوز له الشك في قول الله -تبارك وتعالى - ، ولا الشك في قول رسل الله -صلوات الله عليهم -ولا أنبياء الله -صلوات الله عليهم -وكل ما صح من هذه الجهة ومن هذا السبيل ، فالعلم له واجب على الحقيقة ، والعلم أنه لا يتبدل ولا يتغير ، ولا يتحول واجب على من علم ذلك وبلغ إليه علمه .
وكل من خصه علم ذلك فليس له الشك فيه ، ولا الريب فيه ، وليس يلزم ذلك إلا من علمه ، وصح معه ، وبلغ إلى علمه . (1/42)
صفحة 43
وواسع ذلك لمن لم يعلمه بصحة ، كعلم من علمه ، وليس لمن علم ذلك أو شيئا منه ، أن يحمل على من لم يعلم ذلك كعلمه من ذلك ، ما لم تقم عليه الحجة ببلوغ علم ذلك إليه ، مما يكون حجة عليه ببلوغ علم ذلك إليه ، وليس كل ما قال الله -تبارك وتعالى - وعلمه وأنزله من ذلك ، كان على جميع المسلمين أن يعلموه كعلم الله ، ولا على الملائكة والأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - أن يعلموا من علم ذلك ، جميع ما علم الله من عداوة أعدائه بالحقيقة ، وولاية أوليائه بالحقيقة ، ولا على جميع الملائكة أن يعلموا علم ما علمه أحد من الملائكة مما علمه الله من علم ذلك الذي خصه بعلمه ، ولا على جميع الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - ، أن يعلموا من جميع ذلك ولا من شيء منه ، جميع ما علمته الملائكة -عليهم السلام -، ممال م يعلمه الله الأنبياء والرسل -صلوات الله عليهم .
ولا على جميع النبيين والمرسلين أن يعلموا من جميع ذلك ، ولا من شيء منه جميع ما علمه البعض منهم ، إلا ما قامت عليهم الحجة بعلمه ، بوجه من وجوه علم ذلك منهم ، ولا على كل أهل عصر وزمان من المؤمنين والمسلمين ، أن يعلموا من جميع ذلك ، ولا من شيء منه جميع ما علمه نبيهم أو رسولهم ، مما تقدم ذكره من ذلك أو تأخر ، إلا ما أعلمهم نبيهم أو رسولهم من ذلك ،أو نزل في كتابهم عن الله -تبارك وتعالى - ، أو صح في كتاب من كتب الله الخالية قبلهم ، أو عن رسول من رسل الله الخالية قبلهم ، وليس على من لم يعلم جميع ذلك من المؤمنين والمسلمين من أهل ذلك العصر ، ولا ذلك الزمان ، أن يعلموا جميع ما علمه الله أحدا من المؤمنين والمسلمين ، إلا ما خصه من لزوم ذلك ، ولا شيئا منه . (1/43)
صفحة 44
إلا ما علمه عبد من عباد الله في ذات نفسه ، ونزلت به بلية ذلك بمعرفته وعلمه ،وإلا فهو موضوع عنه علم ذلك كله ، وعلم ما علمه غيره من المؤمنين والمسلمين ، إلا ما خصه من لزوم ذلك ونزلت به بليته ، ولو علم شيئا من ذلك جميع المؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات إلا عبدا واحدا ، لم يعلم ذلك الشيء من أحد هذه الوجوه التي وصفناها ، ولم يتضح معه ذلك من طريق صحة الأخبار من صحة ذلك ، من أفواه المخبرين والناقلين لذلك ، عن وجه من الوجوه التي وصفناها ، ولم يصح ذلك معه بأحد الوجوه التي وصفناها ، أنها يصح بها ذلك عنده ويوجبه ما وجب عليه من ذلك ، علم ما علمه غيره من علم الحقيقة وما وجب عليه ، ولو شهد معه على ذلك مائة ألف أو يزيدون ، على وجه الشهادة عن لسان رسول من رسل الله ، أنه قال ذلك في أحد من عباد الله أنه من أهل الجنة ، أو أنه من أهل النار ، أو بشيء يحكم عليه به قطعا ، ما كانوا عليه في ذلك حجة ، ولا له في ذلك حجة ، أن يشهد بما شهدت به الحجة على المشهود عليه ، بذلك الأمر بعينه ، إلا أن يسمع ذلك من لسان الرسول ، أو تصح بذلك الأخبار وتقضي به الشهرة عنده من طريق علم الشهرة ، فإن ذلك مما يقضي عليه ويصح معه ، وينادي إليه علم ذلك ، ويلزمه علم ذلك علم حقيقة ، لأن علم الشهرة وصحتها غير الشهادة في هذا ، لأنه لا يجوز على الشهرة تنافي الأخبار ولا الكذب ، ولا يسع الشك فيما أدته الشهرة مما لا يشك فيه العالم لذلك ، من الحق الذي لا يكون دعوى في الأصل ، فإذا كان الأمر الذي تظاهرت به الأخبار بالشهرة واضحة ، مع من بلغ إليه صحيحا في الأصل ، قام ذلك مقام العيان للشيء والسماع له والمشاهدة له ، وكان الحكم فيه في حين ذلك ، حكم المشاهدة والعيان والسماع ، فافهموا هذا الفصل إن شاء الله . (1/44)
صفحة 45
فصل : ولو كان الشهود على مثل هذا في العدد ، وأضعاف ذلك أضعافا مضاعفة ، في منزلة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب من الصحابة ، ومنزلة جابر بن زيد وجعفر بن السمان من التابعين ، ومنزلة موسى بن علي ومحمد بن محبوب من علماء المسلمين ، ما كانوا بذلك حجة للمشهود معه ، ولا عليه أن يشهد لمن شهدوا عليه ، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار ، ولا جاز أن يشهد على ما شهدوا عليه ، ولا بمثل ما شهدوا به ، فإن شهد بمثل ما شهدوا به من ذلك ، وعلى مثل ما شهدوا عليه من ذلك ، من غير أن يصح معه ذلك ، بسماع أذن عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو يتضح معه ذلك من طريق صحة الأخبار ووجوب الشهرة ، وإنما قصد إلى الشهادة بذلك ، على ما شهدت به هذه الجماعة الموصوفون ، تقليدا لهم وتصديقا لأقوالهم ، كان بذلك عند الله من الكاذبين ، وكان بذلك للجماعة من المقلدين ، ولا يجوز التقليد لأحد من خليقة الله ، قلوا أم كثروا ، في شيء شهدوا به ، أن يقلدوا في ذلك تصديق ما قالوا ، إلا النبيين والمرسلين - صلوات الله عليهم أجمعين - ، من الملائكة والآدميين .
فإن رسل الله -صلوات الله عليهم - ، حجة فيما قالوه ، ويجوز تصديق قولهم ، ويلزم تصديق أقوالهم لأنهم حجة الله ، ولا يجوز الشك في ذلك من قولهم ، ولا الريب من جميع ما قالوه وشهدوا به ، أنه كما أنهم قالوه وشهدوا به ، وأن ذلك من هذا الوجه ، لا يحول ولا يتحول عما قالوه وشهدوا به . ولا يجوز في مثل هذا من قول الله - تبارك وتعالى - ، ولا من قول أنبيائه ورسله ، تبديل ولا تحويل ، ولا يجري عليه ناسخ ولا منسوخ ، لأن هذا ومثله إنما يخرج على وجه الإخبار والوعد والوعيد ، ولا يجري على الإخبار من قول الله -تبارك وتعالى - ، وقول رسله وأنبيائه ولا الوعد والوعيد ناسخ ولا منسوخ ، وكل ما قالوه من ذلك فهو ثابت كما قالوه ، لا شك في ذلك ولا ريب . (1/45)
صفحة 46
ولكن إذا شهد على ذلك من علماء المسلمين اثنان فصاعدا ، على أحد بعينه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنه من أهل النار أو إنه من الكافرين أو بما يكون به عدوا لله في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم في الحقيقة لمن سمع ذلك أو صح معه ذلك عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق صحة الشهرة ، فإذا شهد بذلك شاهدان من علماء المسلمين ، قطعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قاله ، وسمعاه يقول ذلك وجب على من شهدا عنده ، عداوة ذلك المشهود عليه ، من طريق قبول الشهادة بصحة كفره في حكم الظاهر ، لا على حكم الحقيقة أنه كذلك .
وأنه كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن يكون هذا عندنا بمنزلة من شهد عليه شاهدان من علماء المسلمين ، بأنه ركب كبيرة من المعاصي فيعادي على ذلك من طريق قبول الشهادة ، ولزوم حجة الحكم بشهادة الشاهدين ، لا على وجه تصديق الشاهدين وحقيقة أمرهما ، أن المشهود عليه أتى تلك الكبيرة ، ولا ركب ذلك الحدث الذي شهد عليه ، ولو كان الشاهدان في الأصل على ذلك شهدا زورا وحكما جورا ، كانا حجة في الشهادة على المشهود عليه ، فيما يكونان في ذلك حجة ، ولا يجوز للمشهود معه أن يصدق قول الشاهدين ، ويعتقد حقيقة ما قالاه ، وصحة ما نقلاه من هذه الشهادة ، فإن حكم بذلك واعتقد ودان بذلك واعتمده ، كان بذلك من الهالكين ، وكان للشاهدين من المقلدين ، ولكن إنما يقبل شهادتهما على هذا ، كما يقبل الحاكم شهادة الشهود على الحقوق والدماء والحدود ، فينفذ الحقوق ويسفك الدماء ويقيم الحدود ، لما قد جعل الله له من الحجة ، وعليه في شهادة الشهود ولو كان الشاهدان عند الله من الكاذبين ، وكانا في شهادتهما من المعتدين ، لكان الحاكم بترك إقامة الحدود وتعطيل الحقوق ، بعد قيام الحجة عليه من الهالكين ، إذا كان على إنفاذ ذلك من القادرين ، وكان ذلك لازما له في أحكام الدين . (1/46)
صفحة 47
فصل : ولو كان الشاهدان في ذلك من الصادقين ، ثم اعتقد تصديق الشاهدين ، وحقيقة ما قالاه من شهادتهما تلك ، في جميع ما شهدا عليه ، مما يكون الحكم فيه أنهما شاهدان في ذلك ، فاعتقد الحاكم تصديق ما قالاه ودان به ، وحققه على المشهود عليه ، وهو كذلك عند الله - تبارك وتعالى - ، إلا أنه لم يعلم هو ذلك بسماع أذنه ولا رأي عينه ، ولا صح معه ذلك من طريق صحة الأخبار وتحقيق الشهرة ، كان بذلك من الهالكين ، وكان في حكمه ذلك جائرا ، وفي شهادته تلك مزورا .
وما قاله من ذلك وأخبر به رسول من الرسل ، أو نبي من الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - ، عن الله - تبارك وتعالى - في كتاب من كتبه ، أو وحي من وحيه ، أو عن رسول من رسله ، أو نبي من أنبيائه السالفين ، أو عن كتاب من كتب الله الخالية ، فهو حجة فيما قال على من سمع ذلك منه ، ولمن سمع ذلك منه ، يرفعه ويرويه عن أحد هذه الوجوه التي وصفناها ، ولا يجوز الشك في قوله في ذلك ، ولو لم يأت بذلك ني كتابه الذي جاء به من الله ، ولم يقل إنه أوحي إليه هو ، لأنما قاله إنه أوحي إلى غيره من النبيين أو الرسل ، أو في كتاب من الكتب التي أنزلها الله ، فذلك كله سواء ، والقول في ذلك أنه حجة على من علم ذلك منه ، وسمعه أو صح معه ذلك ، من طريق صحة الأخبار عنه ، أن يشهد بذلك وبصحته ، ولا يشك في ذلك . (1/47)
صفحة 48
وكذلك إذا صح بالتظاهر كتاب من كتب الله ، أو شيء من كتاب من كتب الله ، ولم يرتب في ذلك من عرفه أنه من كتب الله ، ولم يرتب أنه زائد فيه أهل ذلك العصر من أعداء الله ، أو منقصون منه ، فجاء في ذلك الكتاب شيء من هذا الباب ، فهو حجة أيضا على من عرفه منهم ، ولا يجوز له الشك في ذلك ، كما قد أجمع أهل القبلة وأهل الصلاة على كتابهم ، أنهم لا يزيدون في تنزيله ، ولا ينقصون منه ، وإن كانوا غير مأمونين ولا مأمون أكثرهم على دين الله - تبارك وتعالى - ، وعلى تحريف تأويل كتاب الله - تبارك وتعالى - ، فإنه لا يجوز عليهم ، ولا يتهمون أنهم يقصدون إلى الزيادة والنقصان ، ولا إلى الإبطال ولا إلى الكتمان لتنزيله ، ولم يصح منهم ذلك ، إلا من خرج من حد الإقرار إلى حد الإنكار ، وعرف بذلك في الإظهار والإشهار ، فذلك قد خرج من حد أهل الإقرار إلى حد أهل الإنكار ، ولا يؤمن حينئذ على تنزيل ولا تأويل ، إلا من عرف شيئا من التنزيل والتأويل من كتابنا هذا ، وبان له عدل ذلك وصوابه ، وإلا فلا يكون المتهم في شيء حجة ، ولا يؤمن عليه إذا كان خائنا له أو متهما فيه . (1/48)
صفحة 49
كذلك ما ادعت اليهود والنصارى والصابئون مما في أيديهم ، أنه من التوراة والإنجيل والزبور ، وقد عرفوا بالنقض له وكتمانه ، والزيادة فيه ونقصانه ، فلا يكون قولهم حجة في ذلك ، حتى يعلم علم ذلك بما لا يشك فيه ولا يرتاب ، أو يكون شيئا مما لا يخالف السنة والكتاب ، فهنالك يجوز قبول قولهم فى ذلك ، إلا أن يأتوا بما لا يسيع جهله في صفة الله -تبارك وتعالى - ، أو وعده ووعيده ، وإثبات أسمائه وتوحيده ، فإن ذلك حجة من جميع من جاء به ، ونطق به ، وغيره من المعبرين ، ولا نعلم إلى وقتنا هذا ، أن أحدا من أهل قبلتنا أنكر شيئا من التنزيل ، ولا زاد في الكتاب شيئا ، على الادعاء أنه منه ، ولا أنقص منه على وجه الادعاء أنه ليس منه ، لأنما ضلوا في جميع ما ضلوا فيه ، من طريق الخاص والعام ، ومن طريق ضلالات التأويل ، وأما التنزيل فهم على ما معنا ، أنهم مجمعون عليه ، فجميع أهل الإقرار مأمونون على التنزيل ، مقبول منهم التنزيل ، يتعلم منهم التنزيل ، ويعلمون التنزيل ، وهم أهل التنزيل ، وأهل الإقرار بالتنزيل ، ولا يجوز أن يمنعوا شيئا من التنزيل ، ولا يتهمون في شيء من التنزيل ، إلا أن يصح من أحد من أهل الإقرار ، من حيث لا يعلم منزلة ينزل بها منازل أهل الكتب الخالية ، في تحريف التنزيل أو كتمان التنزيل ، أو الزيادة فيه أو النقصان ، فكل من نزل بمنزلة أخرى ، عليه حكم ما يستحقه من منزلته التي نزل بها ، وأنزله حدثه منزلته التي أنزلها نفسه . (1/49)
صفحة 50
واتهموا في التنزيل ، واستخينوا فيه ، كما أنهم أهل الكتاب ، فيما يدعون أنه من الكتاب ، إلا ما صح أنه من التنزيل ، لأنه لا تقوم حجة أبدا بمتهم ولا خائن ، إلا فيما لا يسع جهله ، لأنما تقوم الحجة وتكون حجة المأمونين المصدقين ، فيما قالوه مما هو حق في حكم دين الله ، كما قالوه وشهدوا به ونقلوه ، وكل من خالف شيئا من أصول الدين ، بضلال التأويل وبجحود التنزيل ، كان متهما في ذلك مستخانا فيه ، وكان تعليم ذلك الشيء الذي خالفه من الحق له ، غير مباح على وجه المعونة له على معصية الله ، لأنه يستعين بذلك على معصية الله ، التي خالف فيها أصل دين الله -تبارك وتعالى - ، ويتقوى على الوصول إلى معصية الله ، ويتقوى بها على إثبات أصول دينه ، الذي خالف به أصول دين الله ، فكل ما كان من هذا الوجه على هذا الوجه ، فلا يجوز أن يعلم ذلك من الحكمة ولا من الدين ، إلا أن ينزل ذلك بمنزلة لا بد منها ، أن يسأل عن الأصل الذي يدعى إليه ، ويحتج به عليه ، فيوصف له ذلك فقط ، ولا يراد ذلك إلا من طريق أن يسأل على ذلك دليلا ، يكون عليه حجة ، ولا يكون له حجة في ضلالته ، فكما سأل عنه وطلبه مما يكون عليه للحق حجة ، ولا يكون له في أصل مذهبه وباطله بذلك حجة على أصول الحق ، فذلك مباح بذله له ، وذلك من اللازم أن يؤمر بالمعروف من ذلك ، وينهى عن المنكر . (1/50)
صفحة 51
وكذلك إن أتت حالة لا يكون فيها بدا من أن يبين له على وجه الإنكار عليه ، والأمر له مما يخاف أن يخالفه ، ويستدل بذلك الوصف على الباطل ، ولا بد من أن ينكر ذلك عليه ، وينتهي علم ذلك إليه ، وذلك في المثل ، مثل أن يسال عن الخمر وصفتها المحرمة وما الخمر ، وهو ممن يركبه ولا يؤمن عليه أو يستحله ، وسال عن الخمر ، فلا بد أن يوقف على الخمر وصفتها ، وينهى عن تلك الصفة ، ويقال إن هذه هي صفة الخمر ، فاتق الله فيها ولا تأتيها ولا تركبها ، فإن وقع في ذلك بذلك دلالة له على صفة الخمر ، فعمل بذلك وركبه بتلك الصفة ، ولو كان جاهلا بها قبل ذلك ، لم يقع ذلك موقع تضييع الحكمة ، بل كان ذلك موقع الحكمة ، لأنا وجدنا الله -تبارك وتعالى - أحكم الحكماء ، وأعلم العلماء يصف في كتابه وتنزيله الإيمان والكفر والطاعة والمعصية ، وقد علم الله - تبارك وتعالى - أن ذلك التنزيل الذي أنزله ، كثير من عباده يكفرون به ويحتجون به على أنبيائه ورسله ، ولقد كان ذلك من فعالهم غير مجهول ولا متناكر ، فلم يكن ذلك من الله - تبارك وتعالى - يقع موقع الإعانة للكافرين على كفرهم ، ولا لأعدائه على عداوتهم ، وإن كان قد كان ذلك في علمه ، وقد كان ذلك من فعالهم ، فإن ذلك حجة منه عليهم وإعذار منه إليهم ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، وبعدإقامة الحجة بالتنزيل ، بإيضاح السبيل لإبانة الدليل ، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا)( 1 ). (1/51)
صفحة 52
كذلك وجدنا السنن الخالية وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى جميع النبيين والمرسلين ، دالة على شرح الكفر والإيمان والطاعة والمعصية ، ولا يوجب كتمان المعصية والكفر لئلا يعصى من عصى ، ولا كتمان الكفر لئلا يكفر من كفر ، ويزداد بذلك قوة على الكفر . وقد قال الله - تبارك وتعالى - : وننزل من القران ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" (2 ) . وكثير من كتاب الله يدل على هذا مما لا يحصى إلا ما شاء الله .
فصل : وكذلك وجدنا آثار أهل العلم وسيرهم ، دالة على تبيان الطاعة والمعصية ، والكفر والإيمان ، والحسن والقبيح ، لأنه لا يستدل على شيء أبدا إلا بمعرفة ضده ، فمن لم يعرف ضد الشيء لم يعرف الشيء ، فإنما يوصف الإيمان وضده والطاعة وضدها والحلال وضده ، فعلى هذا توكيد الإجماع ، ولا يجوز أن يقال أن هذا من إضاعة الحكمة ولا ظلمها ، ولا إعانة أهل المعصية على المعصية ، ولا أهل الكفر على الكفر ، فافهموا هذا الفصل فإن الكلام فيه يتسع ، وفي بعض ما مضى كفاية إن شاء الله . (1/52)
صفحة 53
فصل : والشهرة في هذا ومثله وجميع الشهوة ، يصح من الأخبار من أهل الإقرار وأهل الإنكار من الأبرار ، من أهل القبلة والفجار ، ولا فرق في صحة الشهرة من أين صحت ، إلا أن لكون الشهوة شهرة دعوى ، فإن شهرة الدعوى لا تصح ولا تكون حجة من مدع ، ولا شهرة من طريق أصول الدعوى ، فإذا كانت الشهرة أصلها حق ليس بدعوى ، وصحت من غير أهل دعوى ، وهي حجة لمن بلغته وحجة على من بلغته ، وإذا كانت الشهرة أصلها دعوى وكذب ، ثم تظاهرت تلك الدعوى وشهرت ، حتى قامت مقام الشهرة للفعل والقول والحدث ، لكثرة شهرة تلك الدعوى ، فليس تلك بشهرة تكون حجة لمن بلغته ، ولا حجة على من بلغته ، وذلك باطل وزور ، وقابل تلك الشهرة ولو جهلها ، والحاكم بها ضال غير مهتد ، ولو جهل ذلك ، وتظاهرت تلك الشهرة من الأبرار والفجار ، على ما تظاهر من تواتر الأخبار ، كان ذلك في الأصل باطلا ، والقابل له قابل لباطل ، والقائل له قائل بالباطل ، والعامل له عامل لباطل وبباطل ، والشاهد به شاهد بباطل ، لأن الأصل باطل ، فكلما كثر الباطل كان باطلا ، ولا فرق في قليله وكثيره وصغيره وكبيره ، ومحال أن يكون الباطل حقا أبدا ، لأن الباطل قل أهله أو كثروا"فهو باطل ، والحق حق -قل أهله أو كثروا-فهو حق . (1/53)
صفحة 54
فصل : كذلك شهرة كل دعوى إذا كان أصلها ، تخرج مخرج الدعوى فهي شهرة دعوى ، وقول دعوى ، ولو كان المدعى عليه تهلك الدعوى مبطلا ، وكان المدعي لتلك الدعوى عليه صادقا عند الله في ادعائه ، موافقا لطاعة الله ورضائه ، كان المدعي لتلك الدعوى النازل بمنزلة المدعي ، بارا تقيا صادقا في دينه مرضيا ، أو مقرا منافقا ، أو جاحدا منكرا ، فالمدعي النازل بمنزلة الدعوى مدع ، ولا يجوز قوله في ادعائه ، كانوا قليلا أو كثيرا ، كانت دعواهم علانية أو سريرة ، قليلة أو كثيرة أو صغيرة أو كبيرة ، أو خفية أو شاهرة ، فلا فرق في ذلك ، وليس لأحد أن يقبل قول مدع في ادعائه ، ولا يقول قولا بشهرة دعوى إذا صحت من المدعين ، ولو كانت عند الله صحيحة ممن ادعاها وعمل بها وأتاها ، فكما لا يجوز قبول دعواه سماعا ، كذلك لا يجوز قبول شهرة دعواه تصديقا واتباعا ، ولو جهل الجاهل شهرة الدعوى ، بعد أن يكون في حكم الحق شهرة دعوى ، فهو هالك بقبول شهرة الدعوى ، جهل ذلك أو علمه ، ى أنه هالك بقبول قول المدعي ، ولو جهل المدعي من المدعى عليه ، أو جهل باطل قبول قول المدعي على المدعى عليه ، هذا مالا نعلم فيه اختلافا من دين المسلمين .
فصل : وكل نازل بمنزلة الخصم فهو مدع ، لأن الخصوم في الأشياء كلها مدعون على خصمائهم ، في ذات الدين والدنيا ، فكل خصم فهو مدع كان الخصوم قليلا أو كثيرا ، أبرارا أو فجارا ، أمناء أو خونة ، وكل خصم فهو مدع ، وكل مدع لا يقبل قوله في ادعائه ، ولا يجوز قبول قول المدعي في الإسلام ، بذلك جاءت السنة وأجمعت على ذلك الأمة . (1/54)
صفحة 55
فإذا وقعت الشهرة في مثل هذا في أحد من السالفين ، من الصحابة والأمم السابقين ، من أحد ممن يخالف في ذلك الوجه الذي يدعي فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة أو من أهل النار ، فإنه ينظر في أولئك المدعين ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم في دينهم الذي يذهبون إليه في ذلك ، فإن كانوا موافقين للمسلمين ولأهل الاستقامة من أهل الدين في هذا الوجه ، الذي صحت الأخبار من قولهم في ذلك ، أنه كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في ذلك حجة على من علمه من المسلمين ، ولو كانوا مخالفين في الدين في غير ذلك الأمر الذي قالوه ، وصح قولهم في ذلك المشهود له أو عليه ، لأن الشهرة تصح من الأبرار والفجار ، وأهل الإقرار وأهل الإنكار ، إلا أن ينزل بمنزلة شهرة الدعوى ، أو يكون أهلها أهل دعوى في ذلك الشيء ، على أهل الاستقامة من المسلمين ، فإنه إذا كانت الشهرة أصلها كذبا وزورا ، فلا تكون شهرة ولا تصح في الحق ، لأنها دعوى في الأصل ، ولو صحت في الأخبار من الأبرار الصالحين الصادقين الأخيار ، لأنها في الأصل باطل ، فمحال أن يرجع الباطل حقا والحق باطلا ، والصدق كذبا أو الكذب صدقا ، من طريق المائلين لذلك من طريق كثرة القائل لذلك ، لأن الشهوة إنما تؤدي إلى علم الشيء نفسه ، ولا يكون ذلك بمنزلة قبوله الشهادة ، لأن الشهرة توجب العلم بالشيء نفسه ، لا يلزم الحجة بقول من قال ذلك ، فإذا كان الأصل باطلا فلا تكون الشهرة به حجة ، ولا يرجع أبدا حقا من جميع من قال ذلك ، ولو أجمع على ذلك أهل منى وعرفات ، وأضعاف ذلك أضعافا مضاعفات ، من العلماء الأخيار والصادقين الأخيار ، وكل ذلك دعوى من قولهم ، لا يوجب تصديق الكذب ، ولا تكذيب الصدق لقولهم . (1/55)
صفحة 56
وكذلك لو كان الشيء الذي قد شهر صحيحا ، إلا أنه إنما وجبت الشهرة به من طريق الأخبار ، ممن هو خصم لأهل الحق في ذلك الشيء ، الذي يدعونه أنة كذلك ، حتى أوجب تلك الشهرة في نفس من بلغ إليه علم ذلك ، علم ما قاله أولئك الخصماء في الدين ، ما جاز لامرىء أن يقبل تلك الشهرة ، ولا كانت تلك الشهرة أبدا ، ولو كانت في الأصل حقا عند الله في علمه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، وقاله الله - تبارك وتعالى - وأنزله على نبيه وحيا وكتابا ، إلا أن يصح ذلك من طريق مالا يكون دعوى من المدعين ، وكفى حجة من إبطال صحة شهرة الدعوى ، ما أبطله الله من قول اليهود والنصارى ، على ما ادعوا وأجمعوا عليه ، وهم مختلفون في دينهم يتعادون في دينهم ، فاجمعوا -إلا من شاء الله منهم - على قتل عيسى بن مريم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فمن قبل تلك الشهرة ، وصدق تلك الأخبار المتواترة ، ما كان ذلك له حجة ، ولا كان إلا هالكا بذلك ، لأنه باطل ما قالوا وأجمعوا عليه ، وإنما قصدوا في ذلك إلى ما كان عندهم أنه صدق ، ولم يقصدوا إلى كذب ، لأن الله يخبر عنهم أنهم قالوا : إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم ، فقال -تعالى- : (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ). (وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما)( 3 ).
وقال تعالى : (وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن )( 4).
فلما أن كان الأصل إنما هو اتباع الظن ، ولم يكن يقينا بل كان باطلا ، ولم يكن إقرارهم على أنفسهم حجة ، إذ كانوا كاذبين في الأصل عند الله ، وان كانوا محجوجين في الدين بكذبهم وزورهم ، لأن ذلك كان باطلا ، فلا يجوز قبول الشهادة لدعوى الباطل ، ولو أجمع على ذلك جميع أهل الأرض في ذلك العصر والزمان ، من تصادق الأخبار في ذلك . (1/56)
صفحة 57
وكفى حجة أيضا في ذلك ما ألقته الشياطين في أمر سليمان بن داود نبي الله صلى الله عليه وسلم إذ ألقت الشياطين على الإنس من أوليائهم ، أن سليمان كان ساحرا ، ودلوهم على ما اتخذه الشيطان على ملك سليمان من كتب السحر ، وظهر وشهر على ما قيل ذلك على سليمان ، عند أهل ذلك العصر والزمان ، وذلك قول الله -تبارك وتعالى - : (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وماكفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراة ما له في الاخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون )(5 ). فأنزل الله براءة نبيه سليمان صلى الله عليه وسلم على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي الأخبار أنه لم يبرأ من ذلك مع العامة من الناس ، حتى أنزل الله براءته على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو أن قابلا قبل ذلك لموضع تظاهر الأخبار ، ما وسعه ذلك ، ولكان بذلك من الكافرين والهالكين . كذلك كل دعوى في الأصل مزورة مكذوب فيها على الله ، أو على أحد من أنبيائه أو رسله ، أو أحد من المسلمين ، أوفي شيء من جميع الأشياء كائنا ما كان ، فهو في الأصل كذب وزور ، ولا يجوز قبوله من قابله ، ولا تقوم به الصحة بالشهرة ، ولو قامت في الصحة تلك الدعوى مقام الصحة لشهرة الحق والصدق ، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا مع أهل العلم ، البصراء بأحكام الدين من أهل الاستقامة من المسلمين .
----------------------------------------
1- ( 29) من سورة الكهف.
2- (82) الإسراء.
3- جزء من الآية (157) والآية ( 158) من النساء.
4- جزء من الآية (157) من سورة النساء.
5- البقرة (102). (1/57)
صفحة 58
وكفى حجة من إبطال شهوة الدعوى ولو كانت في الأصل حقا عند الله ، ما أجمع عليه صنوف الروافض والشيع ، من القول على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما - لأنهم خالفوا أهل الإقرار سواهم في أمرهما ، في ذلك الأمر الذي ادعوه عليهما ، وكان ذلك دعوى منهم عليهما ، ولا يجوز قبول قول المدعي ولو كان صادقا في ادعائه ، لأن أحكام الحق مع جميع أهل الإقرار في الظاهر صواب أبب بكر وعمر ، واستقامتهما على الحق في دينهما ، فمن صح له في ظاهر الأمر الاستقامة ، حتى مات على ذلك من الأئمة في الدين ، لم يقبل قول مدع عليه بعد ذلك ، وكانت دعواه عليه باطلا وزورا لا يلتفت إليه ، ولا يدعى بالبينة عليه ، وكلما أكثر من دعواه تلك ، كان أبطل حجته وأضعف طلبته ، فلا يجوز لأحد من الخليقة قبول قول مدع في الأصل ، ولو كان صادقا في ادعائه .
ولا نقول إن أهل الروافض والشيعة صادقون في قولهم على أبي بكر و عمر ، ولا نقول إنهم كاذبون عليهما بالحقيقة ، ولكنا نقول : إنهم مدعون عليهما غير ما كان صحيحا منهما عند المسلمين ، لأنهما كانا مأمونين حتى ماتا ، فلا يجوز استخانتهما بعد موتهما ، وقد قامت حجتهما في ذلك على الأمانة ، فمن ادعى عليهما الخيانة كان مدعيا عليهما ذلك في أمر الديانة ، وكان خصما لجميع أهل الاستقامة ، قاذفا لأهل الأمانة بالخيانة مدعيا في ذلك ، فلا يجوز قبول قول المدعي على ادعائه ، ولا يقبل قول القاذف في قذفه بغير حقيقة ، ولا حقيقة تقوم علىالخائن بالأمانة بعد الموت ، ولا على الأمين بالخيانة ، ولا يجوز قبول المدعي في الإسلام ، ولو كان صادقا في ادعائه ، وكل قابل منه ما هو مدع له في قوله ، جهل موضع دعواه أو علمها ، فهو ضال بذلك هالك . (1/58)
صفحة 59
فلو أن ناشئا نشأ في بعض الأمصار، التي قد غلبت عليها كلمة الأشرار ، من أهل الرفض والشيعة من أهل الإقرار ، فاستقام في جميع أموره على المنهاج في الاستقامة على التوحيد ،و إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والولاية والبراءة ، وجميع حقوق الإسلام ، إلا أنه صح معه في مصره وعصره من توكيد الكلمة ، وتظاهر الأخبار ، دعوى أهل مصره على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-، التي قد شهرت وظهرت من ألسنتهم ، ولا يدفع ذلك أحد من أهل الإقرار أنهم على ذلك مجمعون ، ممن يعرف ا لأخبار في السلف من الأخيار والأشرار ، والأبرار والفجار ، وصح مع تلك الشهرة فيها بتوكيد الكلمة عليهما أنهما كذلك ، من دعوى من ادعى عليهما ، ولم يعرف هو في الأصل ، أن تلك دعوى من أهل ذلك المصر كله ، ووجد ذلك شاهوا ظاهرا ، لا تناكر فيه ولا تدافع . (1/59)
صفحة 60
كما وجد خبر السماء بأنها سماء ، والأرض بأنها أرض ، وأنه ابن أبيه وأمه ، ولم يرتب في تلك الأخبار ، في ذلك المصر من الأمصار ، فقبل تلك الشهوة الظاهرة والأخبار المتواترة ، ودان بذلك في أمر أبي بكر وعمر ، لكان بذلك عندنا في الإجماع ، من قول أهل الاستقامة من المسلمين هالكا ، لا يجوز له ذلك ولا يسعه ، وإن مات على ذلك مات هالكا إلى النار ، ولو كان الله يعلم أن أبا بكر وعمر- رضي الله عنهما- قد فعلا ذلك الذي ادعته عليهما الرافضة والشيع يقينا عند الله ، وعند من عالم ذلك منهما ، وكانت الروافض والشيع قد قالوا ذلك صدقا ، على أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما -ما كان يجوز لأحد أن يقبل ذلك من قول الرافضة والشيع بشهادة ، ولا كان يجوز له أن يقبل شهوة دعوى أخبارهم في ذلك ، ولو أجمع على ذلك أهل الأرض كلهم ، وحاشا أهل الأرض كلهم من ذلك أن يجمعوا عليه ، إلا أنهم إن أجمعوا عليه كانوا مبطلين في ذلك ، من قبول الدعوى من المدعين في الدين ، ولو جهلوا موضع دعوى المدعي من موضع قول الحجة ، وجهلوا شهرة الحق من شهره دعوى الحق ، وجهلوا شهرة الباطل من شهرة دعوى الباطل ، فلا عذر لجاهل جهل الحق بوجه من الوجوه ، إذا ركبه بجهله ، ولو ظن أن ذلك حق في الدين ، فافهموا هذه الأصول من شهرة الحق والباطل ، إذا صحت من طريق ما لا يكون دعوى في صحتها وبين صحتها إذا صحت ، مما يكون قوله فيها دعوى ، وتقوم في مقام المدعي ، وبين صحة الحق والباطل ، إذا صحت من طريق الأخبار ، ممن لا يكون مدعيا فيها ، وبين صحة الدعوى للحق أو الباطل إذا كان في الأصل باطلا في علم الله - تبارك وتعالى - ، وادعاه مدع وكان فيه كاذبا ، ثم تواترت به الأخبار وصح في الآفاق - ذلك الكذب - والأمصار ، حتى قام مقام صحة الخبر للشيء ، وصار ذلك الكذب دعوى صحيحة ، فلا يجوز تصديق ذلك الكذب ، ولا تحقيق ذلك الباطل ، ولا تصويب ذلك الخطأ ولو أجمع عليه ، فإنها أصول بينة مع من (1/60)
صفحة 61
عرف الحق من أهل العلم .
فصل : كذلك ما ادعت الروافض والشيع لعلي بن أبي طالب من الدعاوى ما خالفوا فيه جميع أهل القبلة ، ونحلوه ما كان الاجماع على غيره من الأمة ، من دعواهم له عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل له مثل الوصاية في الإمامة وغير ذلك ، فمن دعوى الروافض والشيع من ذلك ، ما يحتمل صدقه وكذبه ، وهم فيه مدعون على الأمة ، لأنهم كانوا على غيره في حكم ما دخل فيه علي بن أبي طالب مع الأمة ، من إمامة أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما - وعثمان وغير ذلك مما ادعوه له ، وخالفوا فيه ، فكانوا فيه مدعين ، ومنه ما لا يجوز على كل حال مثل قولهم إنه كان الوحي إليه وغلط جبريل ، وأمثال هذه الموحشات ، فأفرطت الروافض والشيع في حب علي بن أبي طالب ، إفراطا خالفوا فيه الأمة ، وأفرطوا على أبي بكر وعمر بن الخطاب إفراطا خالفوا فيه الأمة ، فصاروا مدعين على الأمة هذه الدعاوى كلها ، في أبي بكر وعمر ومحلي بن أبي طالب ، فلا يجوز قبول قولهم في ذلك ، ولو كان شيئا من ذلك يحتمل صدقه ، وكانوا فيه من الصادقين ، إلا أنهم في ذلك مدعون ، وما جاز أن يقبل قول مدع في ادعائه ، على غير ما أجمع عليه أهل الاستقامة في ظاهر أمر دينهم ، ولا يجوز أن تجمع الأمة على ضلال من أمرهم ، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي بالإمامة ، وعلم بذلك المسلمون من الصحابة ، ما جاز أن يخالفوا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أوصى في أمر الإمامة إليه ، وإن كان علي قد علم ذلك وحده ، ولم يصدقه المسلمون في ذلك ، إذا ادعى ذلك لنفسه وحده ، فكان على علي إن لم يصدق أن يخرج من الباطل الذي يعلم أن المسلمين قد دخلوا فيه بحق ، إذ لم تكن حجة عليهم في دعواه لنفسه ، ولا نعلم أن أحدا قال إن عليا ادعى ذلك ، ولا قال ذلك أيضا الروافض إن عليا قال ذلك فكذبته الأمة في ذلك .
وقولهم في ذلك يخرج على وجهين : (1/61)
صفحة 62
إما أن يكون قد كفر بكتمانه ما أوصي إليه ، ولم يقبله ولم يقاتل عليه بنفسه ، حتى يقتل على دين الله على سبيل الوسيلة .
وإما أن يكون قد وسعه ما لم يعلم أنه تقوم له بذلك الحجة أن يسكت عن ذلك ، ويسع المسلمين أن يجمعوا على ما لم يأت فيه نص عن الله في كتابه ولا عن الرسول ، وكانوا في ذلك محقين ، وكان واسع لعلي موافقة المحقين .
ووجه آخر وهو أن يكون النبي أوصى إلى علي ، ولم يعلمه بذلك ، فذلك من العجب العجيب ، أن تكون وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي بغير علم منه ، ولا مخرج للروافض في وجه من الوجوه في تخطئة أبي بكر وعمر وعثمان في الإمامة التي دخلوا فيها ، على ما أجمعت عليه الأمة من أمورهم ، ومن كذب الروافض والشيع شهادة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا نعلم اختلافا فيها أنه قال : "إن الله لا يجمع أمتي على ضلال " . وقد أجمعت الأمة - لا نعلم بينهم اختلافا - وهم خيار الأمة ، وهم المهاجرون والأنصار ، على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، كانت واحدة من الإمامات وقعت على وجه من الوجوه ، أجمعوا جميعا على الدخول فيها على ذلك الوجه ، ولم يتنازعوا ، ولوكان قد كره ذلك من كره في نفسه ، وأنكر ذلك من أنكر في سريرته ، فلا يجوز الإنكار سريرة ، ولا يكون الإنكار إلا علانية فيما يجوز فيه الإنكار ، ويكون المنكر حجة في إنكاره على من أنكر عليه ، أن لو أنكر عليه ، فإذا لم يظهر النكير لا ينفعه إنكاره سريرة ، ولا تكون له حجة ولا لغيره ولا على غيره ، هذا لانعلم فيه اختلافا . (1/62)
صفحة 63
كذلك مخالفة سائر الأئمة غير أهل الاستقامة للحق وأهله ، في الأحداث الواقعة بين عثمان وقتلة يوم الدار ، وبين علي وطلحة والزبير وعائشة يوم الجمل ، وأيام صفين بين علي بن أبي طالب ومعاوية ، ويوم النهروان بين علي وأهل النهروان ، وسائر الحروب ، القول في ذلك واحد والمعنى واحد ، ومن مضى على ما مضى عليه الأول من المسلمين ، وعلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أبي بكر وعمر ، والجماعة من أهل العدل والاستقامة يوم الدار في قتل عثمان ، وعلى سبيل علي بن أبي طالب يوم الجمل ، وعلى سبيل عمار بن ياسر وعلي بن أبي طالب أيام صفين ، وعلى سبيل أهل النهروان يوم النهروان ، فهؤلاء بعضهم من بعض ، وبعضهم أولياء لبعضهم ، وبعضهم على سبيل بعض ، وبعضهم على منهج بعض، وكل من خالف سبيل هؤلاء فقد خالف النبي صلى الله عليه وسلم وسبيل أبي بكر وعمر وعمار بن ياسر وعلي بن أبي طالب في حرب صفين لمعاوية .
ولو كان المخالف لسبيل علي في أيام صفين هو علي بن أبي طالب فسواء ذلك ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ، وكان دعوى من ادعى على الجماعة من أهل العدل ما ادعى ، كسبيل ما ادعت الروافض على أبي بكر وعمر وعثمان في جميع هذه الحروب التي ذكرناهما ، وإن كانوا قد أجمعوا في أمر أبي بكر وعمر ، وخالفوا الروافض فيما ادعوا عليهم في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، فإن السبيل الذي مضى عليه أبو بكر وعمر بإجماع الأمة ، هو السبيل الذي قتل عليه عثمان وخلف عليه علي بن أبي طالب ، وعلى ذلك أجمعت الأمة الذين هم حجة الله في إجماعهم لمن كان في عصرهم ومصرهم ، ولمن جاء من بعدهم إلى يوم القيامة ، والأمة بأسرها هم القاتلون لعثمان بن عفان ، وقد صح معنا أنهم لم يجمعهم الله في دينه على ضلال ، فيما هم فيه دائنون . (1/63)
صفحة 64
فإن كانت الأمة قد خانوا الله في سريرتهم ، في قتل عثمان بن عفان ، فلا حجة على من اتبع الحجة ، والحجة هم قتلة عثمان بن عفان على محاربة أهل الإيمان ، والحجة لمن عقد لعلي بن أبي طالب على سبيل ما مضى عليه عقد عثمان ، فالعاقدون لعثمان بن عفان هم القاتلون له ، والعاقدون لعلي بن أبي طالب هم المنكرون عليه ، بما هو ثابت على سبيل ما مضى عليه أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- ، وما حارب عليه الجماعة عثمان بن عفان ، وما حارب عليه علي بن أبي طالب والجماعة طلحة والزبير ، وما حارب عليه علي بن أبي طالب والجماعة معاوية بن أبي سفيان ، وعلى ذلك السبيل حارب أهل النهروان علي بن أبي طالب في ظاهر الأمر ، على ما قاتل عليه علي بن أبي طالب والجماعة طلحة والزبير ، والله لا يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلال ، وتلك الجماعة كانوا هم الأمة والحجة التامة ، الذين مضوا على سبيل النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى سبيل أبي بكر وعمر، وعلى سبيل المهاجرين والأنصار في يوم الدار ، في محاربة عثمان بن عفان في ظاهر الأمر ، وما يقضي به الحق على الامتناع منه عن الحق والاستكبار . (1/64)
صفحة 65
لأنه قتل محاربا للجماعة الذين هم حجة الله في أرضه ، الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يجمعهم على ضلال ، فمن المحال أن يجمع الله أهل يثرب يوم حرب عثمان بن عفان في ظاهر أمر الدين على ضلال ، والصحيح معنا فيما قضى لهم به حكم الحق ، أنهم محقون في قتل عثمان بن عفان ، وأن عثمان بن عفان قتل على محاربة للحق وأهله ، ومحال أن يكون من قتل محاربا للحق وأهله وقتلته حجة الله محاربا ، أن يكون محقا في ظاهر دين الله -تبارك وتعالى - ، لا أننا نقول كما قال أهل الإرجاء والشكاك ، وأهل الحشو والسواد من الناس ، أن القاتل والمقتول في الجنة ، على سبيل ما ذهبوا إليه من ضلالهم وعمايتهم ، وتأويلهم وخطئهم ، بل نقول إن الحجة هي حجة الله في أرضه ، من شهدت له بالحق فهو في ظاهر الأمر محق ، ومن شهدت عليه بالباطل فهو في ظاهر الأمر مبطل ، ولو كان في سريرته محقا ، وكانت الحجة في سريرتها مبطلة ، فالباطل في حكم الظاهر على من شهدت عليه الحجة بالباطل ، ولو كانت الحجة مبطلة ، والحق لمن شهدت له الحجة بالحق ، ولو كانت الحجة مبطلة في سريرتها ، مما يحتمل ذلك ويجوز . (1/65)
صفحة 66
وحاشا الحجة التي جعلها الله حجة ، أن تبطل في سريرة ولا علانية ، ولكن لا يتقلد من الأمور كلها ، إلا ما علمنا الله إياه ، وتعبدنا به في ظاهر أمر دينه ، مما يصح معنا في أمر دينه ، وعلي بن أبي طالب والجماعة الذين قتلوا عثمان بن عفان ، على سبيل ما قتلوه عليه ، قاتلوا طلحة والزبير وعائشة يوم الجمل ، وهو سبيل أبي بكر وعمر ، والحجة التي قتلت عثمان بن عفان ، فمن قتل يوم الجمل محاربا لحجة الله الظاهر حجتها ، فهو مبطل في حكم الظاهر ، حاكمة عليه الحجة التامة بالباطل مجمعة على باطله ، ولو كان في سريرته محقا ، كما أجمعت الحجة على باطل عثمان بن عفان ، ولو كان في سريرته محقا ، وحاشا حجة الله من ذلك ، ومن قتل يوم الجمل من أنصار علي بن أبي طالب والجماعة الذين قاتلوا معه ، فهو محق على سبيل كأبي بكر وعمر ، وعلى سبيل قتلة عثمان يوم الدار ، لأنهم مضوا على سبيل ذلك .
فصل : وعلي بن أبي طالب والجماعة الذين قتلوا عثمان بن عفان ، وقاتلوا طلحة والزبير ، وعائشة ومن قاتل معهم يوم الجمل ، هم الذين قاتلوا معاوية بن أبي سفيان ، ومن قاتل معه من أعوان الشيطان ، على سبيل ما قتلوا عليه عثمان ، وقاتلوا عليه يوم الجمل ، فمن قتل على محاربة الحجة التي هي حجة الله في دينه ، فهو بمنزلة عثمان بن عفان ، ومن قتل يوم الجمل ممن قاتل علي بن أبي طالب ، والجماعة الذين كانوا حجة الله في ذلك على عباده ولعباده . (1/66)
صفحة 67
ومن قتل من الجماعة من أعوان علي بن أبي طالب ومن الجماعة الذين هم حجة الله في دينه على عباده ولعباده ، فهم على سبيل أبى بكر وعمر والجماعة الذين قتلوا عثمان ، والجماعة الذين قاتلوا طلحة والزبير وعائشة يوم الجمل ، وعلى سبيل هذا قتل عمار بن ياسر ، وعليه وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة ، وبشر قاتله وسالبه بالنار ، لا يرد ذلك أحد من الأمة إلا أهل الرفض والشيع ، وعلى سبيل ما قاتل عليه علي بن أبي طالب والجماعة الذين هم حجة الله في أرضه على عباده ولعباده ، فارق أهل النهروان علي بن أبي طالب ، وتمسكوا بالسبيل الذي مضى عليه عمار بن ياسر ، ومضى عليه الجماعة يوم الجمل ويوم الدار ، ولم يرضوا من علي بن أبي طالب بترك محاربة أهل البغي ، الذين قد سفكت عليه دماء المسلمين ، وقد سفك علي بن أبي طالب والجماعة الذين هم حجة الله على ذلك ، دماء كثيرة من أنصار معاوية بن أبي سفيان ، وعلى ذلك السبيل قاتلوه ، وقتلوا من قاتل معه ، وعلى ذلك كان إجماع الأمة أنهم كانوا محقين إلى هذا الوضع ، إلا الروافض والشيع فقد مضى القول فيهم ، وفي ادعائهم على المسلمين ، وعلى الأمة كلها ، ما لا يجوز قبوله منهم ، وما يسعنا عن القول فيه إلا عليهم ، ولا نعلم أن أحدا من الأمة ممن ينكر على أهل النهروان . (1/67)
صفحة 68
ويصوب عليا بكلم يدفع هذا القول الذي قلناه ، وأجمعوا أن عليا وأنصاره كانوا محقين في قتال معاوية بن أبي سفيان وأنصاره ، ولا يجوز إلا ذلك في أحكام إجماع الأمة ، لأنهم كانوا الجماعة الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظاهر الأمر ، أن الله لا يجمع أمتي على ضلال ، وقد أجمعوا على قتال معاوية بن أبي سفيان ، كما أجمعوا على قتال عثمان وطلحة والزبير ، إذ قاتل علي بن أبي طالب وجماعة الأمة معاوية بن أبي سفيان ، على حكم الكتاب والسنة ، وكفى بإجماعهم على قتاله ، وهم الحجة التامة الذين لا حجة عليهم ، ولو لم يصح على ما قاتلوه عليه لكان الحق اللازم لأهل زمانهم ولأهل عصرهم ولمن جاء بعدهم ، أن يشهد لهم بما شهد لهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن الله لم يكن ليجمعهم على سفك الدماء على ضلال ، هذا من أشد المحال وأبين الضلال ، ولا نهاية لأمر لزم إلا إتمامه ، أوانتقاله عن حاله ، كما قال الله - تبارك وتعالى - : ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله )( 1 ). (1/68)
صفحة 69
وقد أجمعت الأمة ممن ينكر على أهل النهروان وتصوب عليا إلا من شاء الله ، وممن ينكر على علي ويصوب أهل النهروان أن معاوبة بن أبي سفيان لم ينتقل عن حاله ، التي قاتل عليها علي بن أبي طالب ، والجماعة الذين قاتلوا معه ، وأنه كان مقيما على حالته تلك ، لم يفىء عنها ولم يتحول ، فانحازت الجماعة الذين هم حجة الله في قتال معاوية والفئة الباغية ، على سبيل ما مضى عليه سلفهم من الجماعة ، وثبتوا على قتال معاوية بن أبي سفيان ، وبذلوا أنفسهم في ذلك وإن قلوا ، وأعزوا سبيل ما مضى عليه الجماعة وإن ذلوا ، ولم يرضوا لعلي بن أبي طالب ولأمته بترك ما مضى عليه سلفهم وأنصارهم وأعوانهم ، مثل عمار بن ياسر وأمثاله ونظراؤ5وأشكاله ، وكانوا هم الحجة التامة باتباعهم سبيل الحجة التامة قبلهم ، في يوم الدار ويوم الجمل وأيام صفين ، ممن قد مات على ذلك أو قتل ، وأظهروا الإنكار على من خالف سبيل المهاجرين والأنصار ، وما قاتلوا عليه يوم الدار ويوم الجمل وأيام صفين ، وكانت توبتهم على ذلك السبيل ، شاهرة لهم بأنهم أقوى الدليل أنهم هم الحجة التامة ، لاتباعهم سبيل الحجة التامة ، ولقيامهم على أهل حرب علي بما قام به معهم علي بن أبي طالب ، وبقيامهم على علي بن أبي طالب في تركه سبيل الجماعة في الثبوت على ما ثبت عليه الجماعة . (1/69)
صفحة 70
والحجة التامة التي كانت في الأصل هي الحجة ، وكانت على السبيل والمحجة . والحجة من كان الحق في يده ، ومن كان الحق في يده فهو في يده ، لا يصح زواله عنه إلا بدليل لا شبهة فيه ، وكل من عارضه في ذلك بدعوى فهو مدع ، ولا يجوز قول المدعي على المدعى عليه ، فمن قتلته الحجة في محاربة ، فهو قتيل للحق ومحكوم عليه بالباطل ، ولو كان في سريرته في دعواه به محقا ، ومن قاتل الحجة على ادعائه بغير حجة ، فهو مبطل في قتاله الحجة ، ولو كانت الحجة مبطلة في سريرتها ، وحاشا الحجة التامة من الباطل ، والحق الواضح ، والأصل القادح ، واليد العليا ، من ثبت على سبيل من مضى ولم يغير ولم يبدل ، ولم يحكم لنفسه بدعوى يدعيها على خصمه ، ويأخذ لنفسه ويده وبحكمه ، فالحجة تقضي فيما أجمعت عليه الكلمة على علي ،عند ترك المكاثرة والإنصات في النظر والمناظرة ، أن أهل النهروان لم يزالوا على ما مضى عليه عمار بن ياسر -رحمه الله- ، وما قاتل عليه علي بن أبي طالب ، وسفك عليه دماء أهل حزبه ، وحمل على ذلك أهل حزبه ، ولا شك في ذلك ولا ريب مع من أنصف ، لأن من كان على أصل وثبت له في شيء حكم ، فهو عليه حتى يصح أنه رجع عنه ، بمثل ما صح أنه عليه ، ولاشك أن علي بن أبي طالب والجماعة في حكم الظاهر ، كانوا على حق في قتال معاوية ، وأن معاوية وحزبه كانوا حربا للحق وأهله ، كذلك لا شك في حكم الظاهر أن أهل النهروان ثبتوا على ذلك السبيل ، الذي قاتلوا عليه معاوية بن أبي سفيان في حكم الظاهر ، وليس ترك أحد من الناس سبيل الحق من إمام أو غيره ، بضار لمن ثبت على الحق ، ولو كان الثابت على سبيل الحق الذي صح أنه حق في الإجماع واحدا فما فوقه ، ولو كانت أمة مملوكة ثبتت على سبيل الحق كانت هي الحجة على جميع أهل الأرض ، وكل من خالف سبيل من ثبت على الحق ،- الذي وقع عليه الإجماع أنه حق ،
فهو في ذلك نازل بأحد منزلين : (1/70)
صفحة 71
إما مدع لا يقبل ادعاؤه إلا بالحق ، ولا يجوز له محاربته على ادعائه .
وإما منتهك لما يدين بتحريمه ، مكابر متغلب على غير سبيل الحق ، ولو كانت الحجة التي هي حجة، وقد ثبتت على سبيل الحجة، مبطلة في سريرتها ، وقد علمت صحة ما يدعى عليها ممن هو في حكم الحق مدع ، لما لا يصح له إلا بادعائه أو لغير مدع ، وإنما يريد أن ينتصر لنفسه ولله ولدينه بغير دعوى ، لكانت الحجة في حكم الحق هي المحقة ، والمخالف لها هو المبطل ، ولو كانوا جميع أهل الأرض إلا تلك الأمة ، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل العلم من الأمة .
فإن كان علي بن أبي طالب محقا في قتال أهل النهروان ، فيما قد صح معه من إقامة الحجة عليهم ، فإنه مبطل في الحكم بالظاهر ، لأنه قاتل الحجة التي كانت في الأصل حجة ، قبل أن يصح زوالها عن الحجة ، ولا يجوز أن تتحول الحجة إلا بحجة مثلها أو تعلوها ، وعلى كل حجة حجة ، ولكل حجة حجة ، فلا تزول حجة أبدا إلا بحجة ، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين المسلمين ، في دين أهل الاستقامة من المسلمين . (1/71)
صفحة 72
فصل : وكذلك كل من مضى من المسلمين على سبيل أهل النهروان ، - رضي الله عنهم - إلى يوم القيامة من خارج أو قاعد أو مسالم أو محارب إلى يوم القيامة ، ولم يغير عن سبيل أهل النهروان ولم يبدل إلى يوم القيامة ، فهو الحجة التامة على سبيل ما مضى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبوبكر وعمر - رضي الله عنهما - والجماعة الذين هم حجة الله يوم الدار في قتل عثمان بن عفان ، وما قاتل عليه علي بن أبي طالب والجماعة الذين هم حجة الله في قتال طلحة والزبيريوم الجمل وما مضى عليه ، وما قاتل عليه يئ بن أبي طالب والجماعة ، الذين هم حجة الله معاوية بن أبي سفيان أيام صفين ، وما قاتل عليه أهل النهروان -رحمهم الله ورضي عنهم - ، وهم عبدالله بن وهب الراسبي الشاري ، فالحجة قاضية والأحكام جارية في حكم الظاهر على غير قبول دعوى مدع ، ولا مكابرة لعقل ، أن هذا كله سبيل واحد بعضه من بعض ، وبعضه دليل بعض ، لا تتناقض أحكامه ولا تتفرق أقسامه . (1/72)
صفحة 73
وأن من خالف هذا السبيل فهو مخالف للحق ، بأعظم شاهد عليه وأوجب دليل ، وكفى بالإجماع على هذا من توكيد الكلمة وصحة الشهرة ، باستقامة هذا السبيل بعضها على بعض ، وبعضها لبعض ، واتفاق هذه الروايات في القتال والمحاربات ، وليس علينا أن نحكم في شيء من الأمور ، ولا أسد من الخليقةأن يحكم في شيء من الأمور ، إلا بما ظهر من المظهور ، وليس على الناس علم ما غاب من السرائر والمستور ، وعلى الناس أن يحكموا بما يلزمهم في ظاهر الأمور ، ويصدقوا الحجة في ظاهر الأمور ، ويبطلوا الدعوى في ظاهر الأمور ، حتى تزول حجة الحجة بحجة مثلها ، وتصح دعوى المدعي بحجة تزيل دعواه ، وإلا فهم مبطلون بقبول قول المدعي على الحجة ، وعلى المدعى عليه ، ولو كان المدعى عليه في علم الله من الخائنين لحجة الله ، وكان المدعي في ادعائه غد الله من الصادقين ، حتى يعلم أن ذلك القابل منه ، والحاكم له بدعواه من صدق ما يدعيه باليقين ، وإلا فهو في ذلك وفي قبول قول المدعي ، وحكمه للمدعي بادعائه ، في ذات المال أو ذات الدين من الفاسقين. (1/73)
صفحة 74
فصل : والعجب كيف لا يجوز قول مدع في ادعائه عند حاكم ، ولا عند شاهد ولا عند أحد من الخليقة إلا بإقرار من المدعى عليه ، أو لقيام الحجة عليه في قيمة قيراط ، قد ادعاه أبو بكر الصديق أو عمر بن الخطاب وأمثالهما ، وإن كنا لا نعلم لهما مثلا على عبدالله بن أبي رأس المنافقين ، أو على أبي جهل عمرو بن هشام فرعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو على أعرابي جاف من المشركين من عبدة الأوثان ، أو عبدة الحجارة والنيران ، أو نصراني ينصب الصلبان ، أو كائن من أهل العهد والذمة ممن كان ، حتى يصح للمدعي على المدعى عليه ما يدعي عليه من ذلك ، قيمة القيراط أو قيمة ذلك أو أقل من ذلك أو أكثر ، مما تقع عليه الأملاك بين الناس بعضهم لبعض أو يقر له بذلك ، على هذا أجمعت الأمة لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك ، وكيف يجوز قبول تول مدع في ادعائه على ما يبطل به حجة من حجج الإسلام ، وينقض به ما مض في ثابتات الأحكام ، إن هذا لهو الزور المفترى ، والكذب على الله وعلى دينه والاجتراء ، نعوذ بالله من الضلال ، ومن العمى في الدين والجهل .
فصل : فمن خالف هذه الأصول بجهله ، في هذه الروايات وهذه الأصول ، فهو خصم لأهل الاستقامة من المسلمين ، فيما خالف فيه من هذه الأصول ، ولو وافق في بعضها أو وافق الحق في غيرها ، وكل مخالف لشيء في شيء للحق ، فهو خصم فيه لأهل الحق ، وكل ما ادعى فيه من شيء غير ما صح في حكم الظاهر ، كان للحق وأهله بالباطل في ذلك مكابرا ، وللباطل وأهله على الحق وأهله مظاهرا مناصرا ، ولا يقبل عند الاختلاف إلا ما أجمع عليه الخصوم من الأمور ، وأطبقت عليه الكلمة في تصحيح المشهور .
ولا يجوز قبول قول المدعي على المدعى عليه ، ولو كان موافقا في جميع دين الله حتى يصح ما يدعي من دعواه على من ادعى عليه في مال أودين ، ولو كان المدعى عليه مخالفا لجميع دين الله ، هذا من أصول دين الله -تبارك وتعالى-. (1/74)
صفحة 75
------------------------------
1- (9) الحجرات. (1/75)
صفحة 76
باب: ولاية الحكم بالظاهر وبراءة الحكم بالظاهر
اعلموا أن الولاية بالحكم بالظاهر والبراءة بالحكم بالظاهر أصلان من أصول دين الله ، وحكمان من أحكام دين الله في أمر الولاية والبراءة ، ولا يجوز مخالفتهما في شيء من أحكامهما ، والولاية والبراءة بأحكام الشريطة كافيتان للعبد كما وصفنا ، ما لم يمتحن العبد بلزوم ولاية الحكم بالظاهر أو براءة الحكم بالظاهر ، إذا لزمت الولاية بالحكم بالظاهر والبراءة بالحكم بالظاهر ، وإذا لزم ذلك وجب الحكم فيه بولاية الظاهر باسمه وعينه ، والبراءة بالحكم بالظاهر باسمه وعينه ، ولم يجزئه فيه إذا وجبت الولاية فيه أو البراءة . (1/76)
صفحة 77
وما كان كاف له من ولاية الشريطة وبراءة الشريطة ، وكان عليه أن يحكم به فيه وعليه مما وجب فيه من ولاية وبراءة بالحكم بالظاهر ، ولا يزيل عنه أيضا أن يعتقد فيه على حال ما وجب فيه من أحكام الظاهر ، ولاية الشريطة وبراءة الشريطة ، لأنه يحتمل أن يكون الولي بالحكم بالظاهر عدوا في الشريطة ، والعدو في الحكم بالظاهر وليا في الشريطة ، ويمكن أن يكون الولي في الحكم بالظاهر وليا في الشريطة ، والعدو في الحكم بالظاهر عدوا في الشريطة ، وغير محكوم على من صحت فيه عداوة الحكم بالظاهر بعداوة الحقيقة ولا بولاية الحقيقة ، لمن يصح فيه حكم ولاية حكم الظاهر ، فلما لم يكن كذلك كان الولي في الحكم بالظاهر عدوا في الشريطة فيما يمكن ، ولا يجوز أن يبرأ من ذلك براءة الحقيقة . فإذا لم يبرأ الولي في الظاهر من أحكام عداوة الحقيقة ، لزم فيه عداوة الشريطة ، وإذا لم يبرأ العدو قي الحكم بالظاهر من أحكام ولاية الحقيقة ، وجب فيه أحكام الشريطة ، ولم يخرج من أحكام الشريطة في الولاية والبراءة ، وإنما يبرأ من ولاية الشريطة وولاية الحكم بالظاهر وعداوة الشريطة من وجبت عليه عداوة الحقيقة ، وإنما يبرأ من عداوة
الحكم بالظاهر وعداوة الشريطة ، من وجبت فيه ولاية الحقيقة .
فافهموا هذا الفصل من الأحكام في الولاية والبراءة ، فإنه أصل وثيق ، وفصل دقيق ولا يبصره إلا من هداه الله إليه . (1/77)
صفحة 78
صفة من يكون عالما بالولاية والبراءة
هذا باب يستوعب جميع أصول الولاية والبراءة ، وهو تسع وثلاثون أصلا ، ولا يكون العالم عندنا عالما بالولاية والبراءة حتى يعلم فرق ما بين أحكام ما يسع جهله مما لا يسع جهله من أحكام الولاية والجراءة ، ويعلم منه تظاهر العلم بذلك ، لأن أحكام ما يسع جهله مما لا يسع جهله من أحكام الولاية والبراءة ، غير أحكام ما لا يسع جهله من أحكام الولاية والبراءة ، ولأن ذلك لا يجوز مخالفة الحكم فيه برأي ولا بدين ، بجهل ولا بعلم .
وكذلك حتى يعلم فرق ما بين الخاص والعام من أحكام الولاية والبراءة ، فيما يسع جهله وفيما لا يسع جهله ، لأن أحكام الخاص من الولاية والبراءة غير أحكام العام من الولاية والبراءة ، لا تجوز مخالفة ذلك برأي ولا بدين ولا بجهل ولا بعلم ، فإذا كان كذلك لم يكن العالم عالما بالولاية والبراءة ، حتى يعلم فرق ما بين الحكم في ذلك ، ويظهر منه العلم في ذلك وبذلك.
وفرق الخاص والعام من أحكام الولاية والبراءة ، داخل في جميع أصول الولاية والبراءة بجملتها ، لأن كل أصل من أصول الولاية والبراءة فداخل عليه وفيه أحكام الخاص والعام ، ولا يجوز مخالفة أحكام أصول الخاص والعام في جميع أصول الولاية والبراءة ، كان الأصل مما يسع جهله ومما لا يسع جهله .
فصل : وكذلك حتى يعلم فرق ما بين أحكام ولاية الحقيقة التي يجب العلم بها والشهادة عليها بالقطع ، ولا يجوز الشك فيها ولا التحول عنها ممن (1/78)
صفحة 79
صحت له ، وما بين أحكام الشريطة التي تكون كافية للعبد عن ولاية الحقيقة وولاية حكم الظاهر وبراءة حكم الحقيقة وبراءة الحكم بالظاهر ، وما بين أحكام الولاية والبراءة بأحكام الظاهر التي إذا وجبت لم تنفع فيها حكام ولاية الشريطة وبراءة الشريطة ، ومعرفة أحكام الخاص والعام من ذلك وفي ذلك ، لأن أحكام هذه الأصول من أصل الولاية والبراءة بالحقيقة و الشريطة وحكم الظاهر محتلفة أحكامها ، لا يجوز مخالفة ذلك برأي ولا بدين ، بعلم ولا بجهل ، ولا يجوز أن يحكم بحكم من أحكام هذه الأصول في أصل آخر غيره ، ولا يجوز إلا وضع هذه الأصول في مواضعها والحكم بأحكامها ، فمن خالف ذلك برأي أو بدين بجهل أو بعلم ، لم يسعه ذلك وكان هالكا . (1/79)
صفحة 80
فصل : وعلم خاص ذلك لمن خصه ، وعام ذلك في حكم العموم منه ، فذلك أصل أيضا في ذلك ، لا تجوز مخالفته برأي ولا بدين ولا بجهل ولا بعلم ، وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام الاستحلال لما حرم الله من دينه ، والتحريم لما أحل الله من دينه ، وما يجب في ذلك من الأحكام في الولاية والبراءة ، وبين أحكام التحريم لما يأتي من المحدث من ذلك ، وما يدين بتحريمه مما يرتكبه ، ووضع ذلك في موضعه والحكم فيه بحكمه ، فيما يجب من ذلك بالدينونة فيه ، لأن الحكم في ذلك لا يجوز بالدينونة ، ولا يجوز أن يحكم بأحكام الاستحلال في موضع أحكام التحريم ، ولا بأحكام التحريم في موضع أحكام الاستحلال بالدينونة ، ولا يجوز إلا وضع كل حكم من ذلك في موضعه ، فمن خالف ذلك بدين فقد هلك وضل في أحكام الولاية والبراءة ، وقد قال أكثر أهل العلم أنه لا يسع جهل المستحلين إذا علم الجاهل أن المستحل مستحل لما حرم الله فيما يدين به . وقد قال من قال : إن ذلك واسع جهله ما لم يتوله الجاهل بدين ، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا منه على ذلك ،أو يقف عنهم برأي أو بدين . وكذلك حتى يعلم فرق ما بين أحكام الصغائر من أحكام الكبائر في أحكام الولايةوالبراءة ، فإن الفرق في ذلك وفي أحكامه لا يسع ارتكابه بدين ولا برأي ، أن يجعل أحكام الكبائر كأحكام الصغائر ، ولا أحكام الصغائر كأحكام الكبائر في أهل الولاية من المسلمين .
وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام التوبة والإصرار ، والفرق بين الإصرار على الصغائر والإقامة على الكبائر ، وفرق ما بين أحكام الخاص والعام من جميع ذلك. (1/80)
صفحة 81
وكذلك حتى يعلم الفرق ما بين المصر على دقيق الذنوب وجليلها ، وصغيرها وكبيرها ، وبين الحكم فيمن ركب ذلك ولم يصر عليه ، وجهله أو علمه وعلم الفرق في ذلك في أحكام الولاية والبراءة ، فإن جهل ذلك ووضعه على غير معانيه ، لا يسع ذلك بالدينونة ، فإذا لم يسع مخالفة ذلك ، كان من الأصول التي لا يصح العلم للعالم إلا بعلمه وبعلم أحكامه .
فصل : وكذلك حتى يعلم فرق ما بين ما يجب فيه السؤال من أحكام الولاية والبراءة ، وبين ما لا يجب فيه السؤال ، فإنه لا يجوز أن يحكم بالسؤال في غير موضع وجوب السؤال ، ولا يجوز إلا أن ينزل كل شيء من ذلك منزلته ، بحكم بكل حكم من ذلك في موضعه ، ولا يجوز مخالفة ذلك بعلم ولا بجهل ، في جميع مالا يجوز فيه المخالفة لذلك .
وكذلك حتى يعلم فرق ما بين أحكام الدين مما جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو ما أجمع عليه أهل العلم من أهل الاستقامة في كل عصر وزمان إلى يوم القيامة ، وبين أحكام الرأي وما يجوز فيه الرأي من كل ما لم يأت فيه حكم من هذه الأصول في الدين ، وفي جميع أصول دين الولاية والبراءة ، وفي جميع أحكام الولاية والبراءة وعلم ذلك و وضعه في مواضعه .
فصل : لأن ذلك لا تجوز فيه المخالفة برأي ولا بدين ولا بجهل ولا بعلم ، في جميع ما جاء فيه أحكام الدين من جميع أحكام الولاية والبراءة . (1/81)
صفحة 82
وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام الدعاوى التي تخرج أحكامها ، أنه إن كان المدعي صادقا في دعواه في سريرته كان محقا ، وإن كان مبطلا في دعواه في سريرته كان مبطلا ، وإلزام المدعي ما لزمه من حكم الدعاوى ، والالتزام للمدعى عليه إثبات حجة المدعى عليه ، والفرق في ذلك بين أحكام الدعاوى من أحكام البدع ، التي من وقف عليها وعلى أحكامها ، لم يسعه إلا أن يصدق المحق فيها ويكذب المبطل فيها والكاذب فيها إن كان يقف على علم ذلك ، أو كان ذلك مما لا يسع جهله أو قامت عليه الحجة بعلم ذلك من أحد وجوه العلم ، والفرق في ذلك بين تحريم ولاية المبتدع ، ولو لم يعلم الجاهل بدعته ، وإباحة ولاية المدعي إذا كان في ظاهر الحكم لا يعلم كذبه ، ولو كان في ادعائه في سريرته مبطلا ما لم يحكم لنفسه بدعواه ، أو تزول حجته بوجه من الوجوه .
وكذلك حتى يعلم الفرق بين حجة الشهادة من حجة الفتيا في أحكام الولاية والبراءة ، وأنزل ذلك منزلته ، لأن بين حجة الشهادة وحجة الفتيا في أمر الولاية والبراءة ، وفي جميع أحكام الدين فرق بين لا يجوز في الدين أن يحكم بأحكام الشهادة في موضع أحكام الفتيا في أمر الولاية والبراءة ، ولا يحكم بأحكام الفتيا في موضع أحكام الشهادة في أمر الولاية والبراءة ، ومن حكم بذلك في غير مواضعه فقد جهل ، وكان بذلك هالكا .
وكذلك حتى يعلم الفرق بين حجة الشهود في البراءات من المكفرات ، إذا وقعت الشهادة في موضع ما تجوز الشهادة فيه من المكفرات في الولاية والبراءة ، وبين براءة المتبرئين من العلماء في الدين ، وإنزال كل من ذلك منزلته من إجازة الشهادة من الشهود على المحدثين بحدثهم ، على ما جاء به الأثر من إجازتها في مواضع إجازتها ، وإبطال حجة المتبرئين قبل الشهادة على المحدثين ، وإنزالهم في ذلك منازلهم في الدين ، لأن منزلة المتبرئين قبل الشهادة على المحدثين من المحدثين . (1/82)
صفحة 83
ولو كانوا أئمة في الدين من علماءالمسلمين ، لا يخلو من أحد أمرين :
إما أن يكون المتبرىء بإظهار البراءة منه متبرىء من ولي لمن برىء عنده منه في الدين فيكون ببراءته تلك عدوا قاذفا مخلوعا ، كائنا من كان من أهل العلم والفقه والفضل والورع والعدل ، ولو كانوا مائة ألف أو يزيدون من علماء المسلمين ، فلا يقبل قولهم في ذلك ، لأنه لا يقبل قول قاذف ، ولا تجوز شهادة خليع في الإسلام . وإما أن يكونوا ببراءتهم من ذلك المتبرىء منه قبل الشهادة عليه برئوا من غير ولي في الدين ، لمن برئوا منه معه ، فيكونون بذلك مدعين ، لأنهم خصماء ببراءتهم من ذلك المتبرىء منه قبل الشهادة من هذا الذي برئوا منه ، ولجميع أهل الدين لأن كل خصم في الدين فهو مدع ، وكل مدع فلا تقبل دعواه في جميع أحكام الدين ، والشهادة في الدين في أمر البراءة عند إظهار البراءة قبل إظهار الشهادة على المكفرات .
فصل : وكذلك حتى يعلم الفرق بين حجة الفتيا من الفقيه الواحد في الدين ، فيما يقوم فيه مقام الفتيا من الدين ، وبين قول الفقيه الواحد فيما يكون فيه شاهدا في أمر الدين في البراءات ، وفي إيجاب المكفرات ، وإنزال ذلك منزلته في الدين والولاية والبراءة ، وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام براءة الجهر وإجازة ذلك وإطلاقه ، وبين أحكام براءة السر ومعرفة جهر ذلك وكتمانه ، وإنزال ذلك منازله ومعرفة القول فيه ، وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام الولاية والبراءة في الأئمة العادلين والجائرين ، وبين الفرق ني الولاية والبراءة في سائر الرعايا ، ممن لم ينزل منازل الأئمة من العادلين والجائرين .
فصل : وكذلك حتى يعلم الفرق بين الأئمة المشاهدين والحاضرين من العادلين والجائرين في الولاية والبراءة ، وبين الأئمة الغائبين والسالفين في الولاية والبراءة من العادلين والجائرين ، فإن ذلك لا تجوز جميع أحكامه ني الدين في الولاية والبراءة في حكم دين المسلمين. (1/83)
صفحة 84
وكذلك حتى يعلم الفرق بين وقوف الدين الذي به يسلم المسلمون من ولاية المبطلين ، ومن البراءة من المسلمين والمحقين ، وكان وقوف الدين جنة وسلامة للمسلمين ، وجاز ولزم العالم والجاهل والضيف والقوي من المسلمين ، أن يدينوا بالوقوف عن كافة الخليقة من العالمين بأسمائهم وأعيانهم ، على شريطة ولاية المحقين والبراءة من المبطلين في جملة الدين ، حتى يعلم من أحد بعينه ما تجب به ولايته أو عداوته ، بوجه من وجوه الولاية والبراءة من حقيقة أو حكم ظاهر ، وكان ذلك فرضا واجبا على جميع المسلمين ، وبين وقوف الرأي الذي يخص الواحد من المسلمين ، في الواحد بعينه من المحدثين ، ممن سبقت له ولاية متقدمة من المسلمين ، ولمجمعه الإقامة على ذلك الوقوف بالرأي ، بغير دينونة بالسؤال عن ذلك المحدث ، الذي قد امتحن بولايته ، وعاين منه ما لزمه فيه حكم وقوف الرأي ، من غير أن تلزمه دينونة بسؤال ، وبين وقوف السؤال الذي يلزم فيه السؤال ، ولا يجتزىء بالرأي فيه دون اعتقاد السؤال عما قد لزمه في وليه هذا المحدث الممتحن به وفيه ، بما قد عاين منه هذا المحدث أو علمه منه . (1/84)
صفحة 85
فصل : وبين وقوف الشك الذي هو خارج من وقوف الدين ، ومن وقوف الرأي ومن وقوف السؤال ، إلى الشك والحيرة بعد قيام الحجة عليه ، فشك فيما لا يسعه الشك فيه من كفر المحدث ، أو من ترك ولاية المحق من أجل براءته من المحدث ، بغير حجة في الإسلام بدين عن ضعيف من المسلمين ، أو برأي عن عالم من علماء المسلمين ، أو بدين من أجل براءته ممن برىء منه من المحدثين ، أو من أجل ولايته ممن تولاه في الدين بغير حجة تقوم عليه بباطل ولايته ، فكل واقف عن محدث قد علم بحدثه أو لم يعلم بحدثه فوقف عنه من أجل ، إذ لم يصح عنده ما تقوم عليه به الحجة في البراءة ،فوقف عنه ووقف عمن برىء منه من المحقين من أجل براءتهم منه برأي أو بدين ، عن عالم من علماء المسلمين ، أو بدين عن ضعيف من ضعفاء المسلمين ، فهو هالك شاك ، وبين وقوف الإشكال الذي هو خارج من وقوف الدين ، ووقوف الرأي ووقوف السؤال ووقوف الشك ، من غير جهل من الواقف بحكم الحدث ، ولا بجهل منه بحدث المحدث مثل الوقوف عن المتلاعنين ، والفئتين المقتتلتين والمتبرئتين من بعضهما بعضا ، إذا لم يعلم الأصل كيف حالهما ، ولا المحق منهما من المبطل ، وغاب ذلك عن علمه عنه . (1/85)
صفحة 86
فصل : وكل واقف عن محق من أجل ما غاب عنه من صحة حقه ، فوقف عنه وعمن تولاه من المسلمين ، برأي أو بدين عن عالم من علماء المسلمين ، أو بدين عن ضعيف من ضعفاء المسلمين ، فهو هالك بذلك الشك ، واقف وقوف الشك ، ولا يجوز أن يحكم بحكم وقوف الدين ، في موضع حكم وقوف الرأي ووقوف السؤال ووقوف الشك ، ولا يجوز أن يحكم بحكم وقوف الرأي والسؤال والشك ، في موضع وقوف الدين ، ولا يجوز أن يحكم بحكم وقوف الرأي في موضع حكم وقوف السؤال ، ولا بحكم وقوف السؤال في موضع وقوف الرأي ، ولا بحكم وقوف الشك في موضع حكم وقوف الرأي والسؤال ، فمن حكم بشيء من أحكام هذه الثلاث في غير موضعه ، كان بذلك من الهالكين . وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام ولاية الدين ، وبين أحكام ولاية الرأي ، وبين أحكام براءة الدين وبين أحكام براءة الرأي ، ووضع الأحكام في ذلك على وجوهها .
وكذلك حتى يعلم الفرق بين الاختلاف في الرأي بين المسلمين العلماء منهم ، وبين الخلاف في الدين من المخالفين في أصول الدين ، الذي لا يجوز في الاختلاف بالرأي من المسلمين ، في أحكام الولاية والبراءة ،
ووضع ذلك في مواضعه التي لا يجوز لأحد أن يخالفها .
فصل : وكذلك حتى يعلم الفرق بين الاختلاف بين المسلمين في أحكام الدعاوى في الولاية والبراءة ، وبين الخلاف في الدين الذي هو خارج من أحكام الاختلاف في الرأي ، والاختلاف في الدعاوى النازل أهلها بمنزلة المبتدعين إذا أظهروا حكمه ، ولو كانوا في سرائرهم صادقين ، وبين اختلاف المسلمين في الدعاوى ، التي إن كانوا فيها صادقين ، فهم للحق موافقون في ظاهر الأمر ، ويلزم في ظاهر الأمر موافقتهم وإجماعهم على ما ظهر من أمرهم في الدعاوى ، ولو كانوا في سرائرهم خائنين ، حتى يعلم ذلك منهم من أجمع عليه من أهل الدين . (1/86)
صفحة 87
وكذلك حتى يعلم الفرق بين قيام الحجة من المعبرين ، لما لا يسع جهله من غير ذلك من المعبرين ، وبين قيام الحجة فيما يسع جهله في الدين من علماء المسلمين ، وإنزال ذلك منازله في أحكام الرأي والدين ، وأن لا يتعدى ذلك إلى غيره برأي ولا بدين .
فصل : فهذه الأصول التي ذكرناها هي معنا جمل الأصول ، التي لا تخرج منها أحكام الولاية والبراءة ، ولا نعلم أنه في الولاية والبراءة أصل يزيد على ما وصفنا من هذه الأصول ، وما عدا هذه الأصول من القول في الولاية والبراءة ، فهو فرع راجع إلى هذه الأصول التي وصفناها وذكرناها ، من لدن أصل ما يسع جهله وأصل ما لا يسع جهله ، وكل هذه الأصول راجعة بأسرها وجملتها إلى ثلاثة أصول من هذه الأصول وهن أصل ولاية الشريطة وبراءة الشريطة ، وأصل ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة ، وأصل ولاية حكم الظاهر وبراءة حكم الظاهر ، ولا يقف الواقف على جملة هذه الأصول الثلاثة ، حتى يقف على هذه الأصول التي وصفناها ، التي هي تفسير لها وعائدة إليها ، ولا يسمى عالما بها حتى يكون عالما بالأصول منها ، كما ذكرنافي الفرائض ، وغير ذلك من فنون العلم وأصول الدين .
وهذه الأصول الثلاثة ، التي هي أصول لهذه الأصول التي وصفناها راجعة إلى أصلين أصل يسع جهله وأصل لا يسع جهله ، وهما أصلا جميع الولاية والبراءة ، وأصلا جميع دين الله -تبارك وتعالى - ، فمن علم هذه الأصول التي وصفناها وذكرناها ، في أمر الولاية والبراءة من أهل الاستقامة من المسلمين ، كان معنا حجة في الفتيا في أحكام الولاية والبراءة ، مما يسع جهله ومما لا يسع جهله من أحكام الولاية والبراءة ، وكان معنا ممن يؤخذ عنه الولاية والبراءة بالرفيعة ، وكان حجة لمن قبل عنه الرفيعة في الولاية معنا ، ما لم يعلم كذبه فيما رفع إليه من ولاية من غاب عنه أمره ، من الأولين والآخرين ، ما لم يعلم المرفوع إليه أنه خائن لله ، فيما رفعه إليه في أمر الدين . (1/87)
صفحة 88
فإن قال قائل : فليس يكون معكم أحد من المسلمين حجة في الولاية والبراءة في الفتيا ، ولا في الرفيعة في الولاية ، إلا حتى تكون بهذه المنزلة؟
فصل : قلنا له : أما الرفيعة فلا تكون معنا حجة في الرفيعة ، إلا العالم بأصول الولاية والبراءة ، ولا يكون عالما بأصول الولاية والبراءة إلا من علم هذه الأصول التي وصفناها ، لأنه لا يجوز أن يحكم بشيء من أحكام هذه الأصول كلها في غير مواضعها ، ومن كان جاهلا بالأصول التي لا تجوز مخالفتها في الفن الذي هو منه وفيه ، ولم يكن عالما به علم من يكون حجة على من قام عليه ولمن قام له ، كما أنه لو كان العالم عالما بجميع فنون العلم ، وبصفة جميع الحكم إلا أنه لا يبصر القضاء في الصدقات ولا في القسم في الأموال ، ما جاز للحاكم ولا للمسلمين أن يجعلوه أمينا في ذلك ، ولا يجوز أن يولوه القسم في أموال الغائبين والأيتام ، ولا في قضاء الصدقات من أموالهم ، ولا يكون حجة في ذلك في قيمة ولا نظر ، ولو يعلو أهل زمانه في العلم والبصر .
كذلك كل أهل صنعة البصراء فيها ، فهم حجة على من قاموا عليه وله ، في النظر فيما جرى من الأحكام في ذلك ، ولا يجوز أن يولي أهل صنعة وأهل معرفة بشيء من الأشياء ، في غير ما هو أهله ، وما قد عرف به من جميع الأشياء ولم يكن أمينا في ذلك لموضع أمانته وعلمه وثقته ، إذا لم يكن بصيرا بتلك الصنعة ، وبذلك الشيء الذي دخل فيه ، وكيف يجوز أن يقلد رجلا ثقة أمينا عالما بالأحكام ،ثقة في الإسلام نظرا وحكما في مال الغائبين والأيتام في قضاء ولا أقسام ،وهو بصير بالحلال والحرام ،نافذ في صفة الأحكام ، بصير بالولاية والبراءة ، إلا أنه لا يبصر القضاء ولا الأقسام . (1/88)
صفحة 89
فلما لم يكن في ذلك عالما ولذلك عارفا وله مداوما ، لم يجب أن يكون فيه أمينا ، ولا حجة لمن ائتمنه ، وكان من ائتمنه على ذلك كله لته ولدينه خائنا ، ولا يجوز أن يقلد الولاية والبراءة ، غير أهل العلم بها وأهل الفقه فيها . وكيف يكون العالم بالشيء والفقيه فيه من لا يعلم أصوله ؟ وكيف يكون من يجهل أصل شيء من الأشياء يكون عالما به ، وكما لا يجوز أن يكون عالما بالشيء حتى يعلم أصله ، كذلك لا يكون عالما به حتى يعلم جميع أصوله ، وما جهل من أصوله ، وأحكام أصوله ، فغير واقع عليه اسم العلم بجميعه ، ولا يكون عالما بالشيء حتى يكون عالما بجميع أصوله .
ولا تجوز الرفيعة إلا من العلماء بأصول الولاية والبراءة التي لا يجوز أن يحمل أحكام بعضها على بعض ، ولا نخبر بالعام منها عند لزوم الخاص ، ولا يحمل الخاص منها على حكم العام ، وليس هذا معنا فيه اختلاف . (1/89)
صفحة 90
باب: الفرق بين أحكام الدعاوى والبدع والقذف
حيث يجوز التظاهر بالولاية والبراءة والوقوف وحيث لا يجوز ، وإبانة موضع القذف في الولي مع من يتولاه
لقد فرق بين أحكام القذف والدعاوى والبدع من قال إن من بغى من أهل القبلة فهو مؤمن ، وموسى وراشد مؤمنان على بغيهما على الصلت بن مالك ، أو على أحد من الناس . وهذا حكم المبدع المتأول فيه أهل القبلة تأويل الضلالة ، لأن الباغي كافر كفر نعمة منافق ، لا مؤمن ولا مشرك ، إلا أنه يلحقه اسم الإيمان من طريق الإقرار ، ولا يلحقه اسم الإيمان من طريق الطاعة والولاية ، فمن قال إن موسى وراشد مؤمنان مستحقان الولاية واسم الطاعة على بغيهما على الصلت بن مالك أو غيره فهو مبتدع ، ولا يجوز لمن علم منه ذلك أن يتولاه كان موسى وراشد باغيين أو لم يكونا باغيين ، وهذا مبتدع مرتكب للبدعة .
ومن قال : موسى وراشد باغيان على الصلت بن مالك في خروجهما ذلك ، وتقدم راشد إماما لموسى على الصلت ، فهو مدع على موسى وراشد ، نازل بذلك منازل المدعين فإذا قال ذلك مع من يتولى موسى وراشد فهو قاذف لهما معه ، وقد أباح البراءة من نفسه عند من يتولاهما ، ولو علم هو أنهما باغيان في أصل فعلهما ، ولو كان الذي يتولاهما قد علم بخروجهما إلا أنه لم يعلم أكانا باغيين أو لم يكونا باغيين ، لأن حدثهما يخرج على سبيل الدعوى والاحتمال للحق والباطل ، فيما ظهر من أمرهما ، فالقاذف لهما بالبغي مع المتولي لهما قاذف مستحق البراءة ، والمتبرىء منهما مع من علم بخروجهما الذي يحتمل البغي ، ولا تصلح لهما سلامة منه إلا بالاحتمال ويحتمل الصواب ، ولا يصح عليهما الباطل إلا بما يحتمل على ما وصفنا . (1/90)
صفحة 91
فإذا كان الحدث يحتمل الباطل ويحتمل الحق ، ولا يصح باطله ولا حقه ، وكان فيه الحكم لله وللعباد ، ففيه الاختلاف في الولاية والبراءة والوقوف ، وليس لأحد من أهل المنازل أن يخطىء صاحبه ، ولا يدعي على المحدث ذلك الحدث بغيا ولا قذفا ، وإنما يبرأ منه بما ظهر منه مما هو محجور عليه ، وليس له أن يقذفه بما غاب من أمره مع وليه الذي يتولاه ، ولا للمتولي أن يعنف المتبرىء إذا حكم بما قد ظهر فيه معه ، ما لم يدعي عليه أو على وليه ما لا يسعه ، ولا للواقف أن يعنف المتبرىء ببراءته ولا المتولي بولايته إلا أن يبرأ منه أحدهما على ذلك أو يخطئه ، فإن قذف المتبرىء المحدث للشبهة مع الواقف ، فإنه لا يجوز له ولايته ، أي ولاية الواقف للمتبرىء على هذا ، إذا قذف من لزمته ولايته في الأصل ، ولم يصح عليه ما يخرج به من حد الولاية ، وإنما وقف عنه للشبهة ، وإنما برىء منه هذا بالحكم وغير مجوز له القذف ، مع من لم يصح معه منه من أوليائه ، ما صح معه منه ، ولو كان قد صح معه منه أنه في الأصل باغ كافر ظالم ، إذا كان يحتمل صوابه في وجه من الوجوه ، فالقاذف له مع أوليائه قاذف ويبرأ منه ، والقاذف له مع من يقف عنه للشبهة أقل ما يكون يقف عن ولاية القاذف للشبهة ، كما وقف عن ولايته للشبهة لأنه لم يقف عن ولايته بحقيقة ، فيتولى من قذفه ، ويزول عنه أمر ولايته في الأول ، وليس هذا الوقوف وقوف دين بجهل ، بمنزلة من لا يعلم منه خيرا يتولاه عليه ، ولكنه قد وجبت ولايته في الأصل ، ثم أشكل أمره ، فوقف للشبهة عنه ، وهو في الأصل يتولاه إن كان محقا .
كذلك من قذفه من أوليائه فقد دخل في الإشكال معه ، ويقف عن ولايته ، وولاية من قذفه ، ولا يقف عن ولاية من تبركا منه بما ظهر من أمره ، الذي جاز له أن يحكم عليه فيه بالبراءة في الظاهر ، مع من صح معه الحدث (1/91)
صفحة 92
من أوليائه المحتمل الذي يجوز منه الاختلاف ، وأما مع من لم يصح معه الحدث من أوليائه فلا يجوز له أن يبرأ منه معه ولا يقذفه ، فإن برىء منه معه بعد علمه أن يتولاه ، أو بعد أن أعلمه أنه يتولاه ، واحتمل بوجه من الوجوه له أن يتولاه بحق ، فأقام المتبرىء على البراءة منه ، بعد علمه بولاية المتولي له ، ولم يتب من قذفه بعد أن يعلم أنه يتولاه ، وأعلمه بذلك أن يدعي أنه يتولاه ، فإذا أعلمه أنه يتولاه ، واحتمل بوجه من الوجوه ولايته ، حرم عليه الإقامة على قذفه والبراءة منه ، وكان عليه التوبة منه ، فإن لم يتب من ذلك كفر ، ولو كان صادقا في سريرته ، محقا عند الله في براءته منه أن لو برىء منه سريرة . (1/92)
صفحة 93
فصل : وأما إذا كان القائل لذلك في موسى وراشد مع من يتولاهما ، أو في أحدهما مع من يتولاه بوجه تجوز له ولايته ، ولو بدعواه على ما يمكن في وجه من الوجوه صدقه ، مع من لم يصح معه خروجهما الذي يحتمل الحق والباطل ، فإنه يكون بذلك قاذفا لهما . وكذلك البراءة منهما مع من يتولاهما ، ممن لا يعلم أنه علم كعلمه ، من ذلك الحدث الذي علمه فيهما ، وادعى أنه يتولاهما أو يتولى أحدهما ، ولم يصح معه أنه مبطل في ولايتهما ، وأمكن معه ولايتهما بوجه من الوجوه ، فهو قاذف لهما أو لأحدهما ولا يسع المتبرىء منهما إلا التوبة من ذلك ، وإذا احتمل ولاية موسى وراشد بوجه من الوجوه مع من ادعى ولايتهما ، ضاق على المتبرىء منهما إلا التوبة من ذلك معه ، ما لم يصح أنه صح معه الحدث المحتمل فيهما ، فإذا صح ذلك وأقر بذلك ، كان الحكم فيه على ما قد مضى من الاختلاف ، وحرم القذف وأبيحت البراءة في الحكم على المسالمة في الاختلاف ، وإذا أنكر المدعي للولاية صحة الحدث معه ، واحتمل بوجه من الوجوه أنه لا يبلغ إليه علم ذلك ، وقال إنه يتولى بما يحتمل في وجه من الوجوه ولايته ولمجمع ولايته ، حرمت البراءة على المتبرىء ، فالقذف على القاذف لموسى وراشد مع من ادعى ولايتهما أو ولاية أحدهما .
وإذا ادعى المتولي الولاية ، وادعى المتبرىء البراءة ولم يصح في الدار ما يحرم به ولاية المتولي بما لا يختلف فيه ، ويعلم بذلك المتولي ، ظ لولاية أولى في الحكم ، لأن الإسلام وأحكامه أولى من الكفر وأحكامه ، إذا أمكن الإسلام بوجه من الوجوه ، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى . (1/93)
صفحة 94
ومن ادعى ما تجب به البراءة في رجل ، وادعى اخرما تجب به الولاية فيه ، وتنازعا في ذلك وتناكرا ، ولم يصح مع من سمعهما صدق أحدهما ، فالمدعي لما تجب به الولاية أولى ، ويأمر القاذف المتبرىء من ولي المتولي بالتوبة ، إذا أنكر عليه ذلك المتولي ، فإن تاب من ذلك و إلا كان قاذفا في حكم الظاهر ، إذا ادعى على وليه كفرا أو برىء منه بشيء أنكره المتولي على المتبرىء ، ومن ينزل بمنزلة القذف للمسلمين فقد كفر ، وإن ادعى أحدهما الولاية بما يحتمل ولاية من ادعاه بوجه من الوجوه ، ثم قذفه هذا بمكفرة معه ، وهذا يدعي ولايته فهو قاذف ، ويستتاب من إظهار القذف وإباحته البراءة من نفسه ، فإن تاب وإلا برىء منه .
وإن ادعى ما تجب به الولاية عليه ، وبرىء منه الآخر ولم يقذفه بمكفرة ولا ادعى عليه كفرا ، وإنما هو برىء منه ، ولم ينكر عليه المتولي ذلك ، ولا أقام عليه حجة باطل إلا براءته ممن ادعى أنه يتولاه ، فكلاما سالمان من الكفر عند من سمعهما من أوليائهما ، وكلاهما في الولاية ، لأنه يحتمل في الحق ولاية هذا له ، وبراءة هذا منه على التظاهر للحدث المحتمل منه ذلك ، والوجه أنه يمكن أن يكونا علما منه جميعا بمكفرة فبرئا منه عليها ، ثم علم هذا بتوبته منه فتولاه على ذلك ، والآخر على البراءة منه ، فليس للمتولي أن ينكر على المتبرىء البراءة ، وهو معه سالم وليس بقاذف ، ولا للمتبرىء أن ينكر على المتولى ما يدعي من توبة المحدث ، ولا نعلم في ذلك اختلافا أنه إذا ادعى أنه تاب من حدثه الذي علماه منه ، أنه سالم مصدق في ذلك على دعواه ، غير معنف في ولايته .
وقال من قال : إنه حجة له في التوبة ويتولى بذلك . (1/94)
صفحة 95
وقال من قال : حتى يشهد له على ذلك اثنان ممن تجوز شهادتهما ، وهو قول أكثر حيطة من القول السابق ، لأننا كما سبق أن أوضحنا أن شهادة اثنين في أمر تترتب عليه آثار ممن تجوز شهادتهما ، وأما ولاية المتولي له ، بالدعوى منه أنه تاب من حدثه ، فيما يمكن منه أنه يعلم منه ذلك ، ولا تكون شهادته بذلك من المحال ، فقوله في ذلك مقبول منه ، لولايته هو له ، ومأمون على ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا . وأما إن تولاه قبل أن يشهد له بالتوبة من ذلك .
فقال من قال : إنه مأمون على ذلك في الولاية له ، ولا يتولى بولايته .
وقال من قال : هو حجة في ذلك ويتولى بولايته إذا كان ممن يبصر الولاية والبراءة .
وقال من قال : إنه في حال الولاية له مبطل وهو مخلوع ، لأنه يتولى محدثا فيما يقر به على نفسه ويعلم بحدثه ، ولم يدع توبة وإنما أظهر الولاية لمن هو على جملة الحدث ، فهو محدث بولاية المحدث حتى يشهد له بالتوبة قبل إظهار الولاية ، وأما إذا شهد بالتوبة قبل إظهار الولاية ، فلا نعلم في ذلك اختلافا أنه مأمون على ذلك وهو على ولايته ، والاختلاف في قبول شهادته وزوال البراءة عمن شهد له بالتوبة ، فمن أجل هذه العلل وغيرها جازت الولاية للمتظاهرين بالولاية والبراءة والوقوف ، حتى يعلم أنهم مبطلون ، أو أن أحدا منهم مبطل ، بما يصح به باطله ، بما لا يحتمل له من مخرج من مخارج الحق .
والمتولي على كل حال هو حاكم بحكم ومحدث حدثا ، وهو أولى حجة من المتبرىء عند التنازع ، حتى يصح ما تجب به البراءة ، والواقف المظهر للوقوف غير محدث في ظاهر الأمر ، لأن الناس كلهم في حال الوقوف حتى يصح لهم ما تجب به الولاية ، أو ما تجب عليهم به البراءة ، ثم بعد الوقوف (1/95)
صفحة 96
فالمدعي لما تجب به الولاية أولى حجة من المدعي لما تجب به البراءة ، وقد مضى القول في ذلك ولا نعلم في ذلك اختلافا ، وذلك أن لو أجمعا على ما تجب معهما به الولاية ، ثم ادعى أحدهما أنه ركب ما تجب عليه به البراءة ، وبرىء منه ، كان بذلك قاذفا مخلوعا ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، وإذا أجمعا على ما تجب به منه البراءة ثم ادعى أحدهما توبته من ذلك ، كان بذلك محقا مصدقا ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، وإذا لم يتفقا على ما تجب له فيه الولاية والبراءة ، وتولاه هذا وبرىء منه هذا ، وبان على المتبرىء ما يكون به خالعا ، أو قذفه مع من يدعي ولايته بما يحتمل أنه تجوز ولايته بوجه من الوجوه ، فهو مبطل قاذف مخلوع ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
فصل : وإذا وقعت المسالمة في الولاية والبراءة ، ولو تظاهروا بذلك ما لم يقع قذف أو إنكار يجب به حكم القذف مع المتولي ، فالمتولي والمتبرىء سالمان جميعا ، والمتولي لهما على ذلك سالم ، والواقف عن المتولي والمتبرىء منه سالم حتى يصح على أحد منهم ما يجب به حكم البراءة بوجه من الوجوه ، ولا نعلم في هذا اختلافا بين أحد من أهل العلم ، ولا نعلم أن أحدا من المتدينين من أهل الدار في هذه الأحداث في شيء من الأمور يدعي في شيء منهما على أحد من أهلها ، ولا على أحد من المتدينين فيها أنه ينتحل في شيء من أموره بدعة ولا دينونة ببدعة ، ولا ولاية على ما يصح على المتولي له بدعة ، وإنما ذلك كله دعاوى من المحدثين في ظاهر الأمور ، ومن المتولين للمحدثين ومن المتبوئين من المحدثين .
وكذلك المتدينون من أهل النحلة ، لا نعلم أن أحدا من أهل الاستقامة منهم من أهل العلم يدعي على أحد منهم في جميع ما ذكرنا في جميع الأمور إلا دعاوى لا تخرج إلى حال القذف ولا ينتحل البدعة . والله على ذلك محمود. (1/96)
صفحة 97
باب: السعيد والشقي وأحكامهما في الولاية والبراءة
من صحت سعادته أوشقاؤه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار ، من أحد سالف أو من المهاجرين والأنصار ، فلا يجوز لمن علم ذلك وصح معه في أحد ، إلا أن يشهد بذلك كما علم ، إذا سمع ذلك أو صحت معه بالشهرة الصحيحة ، التي لا يرتاب فيها ولا يشك فيها ، وعليه -مع صحة سعادة السعيد معه - أن يواليه لله ويشهد له بأنه سعيد ، ويعلم أنه لن يتحول عن السعادة إلى الشقاء ، ولا إلى النار عن الجنة أبدا ، لأنه لا يجوز هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على أحد من رسل الله - صلوات الله عليهم -وعلى من صحت معه سعادة هذا السعيد ، أن يتولى بنفسه ولو رآه بعد ذلك يكفر بالإسلام ويعبد الأصنام . (1/97)
صفحة 98
وعليه مع ذلك أن يبرأ لله مع معصيته التي صحت معه من هذا السعيد ، ويتولى نفس السعيد ، وعليه مع ذلك في حكم دين الله أن يقيم على هذا السعيد في أحكام الحق في ظاهر الأمور ، بما يحكم به على الشقي ، وعلى من لم تصح معه سعادته ولا شقاؤه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينزل هذا السعيد في جميع الأحكام منازل سائر أهل الإسلام ، ولا يجوز له أن يقبل دعوى هذا السعيد الذي قد صحت معه سعادته على أحد في قيمة قيراط فما دونه أو فوقه ، إلا أن تصح له دعواه على من ادعى عليه ذلك ، وعليه أن يحكم على السعيد بما لزمه من الحقوق لغيره من أهل الإسلام من حق أو دم أو حد ، وعليه أن يرد على هذا السعيد جميع ما جاء به من الباطل ، ولا يجوز له أن يقبل منه شيئا من الباطل ، لموضع إذ صحت معه سعادته ، كما لا يجوز له أن يقبل من أبينا آدم -صلوات الله عليه - ، ما جاء من المعصية ولا يصوبه فيما جاء به من المعصية لله -تبارك وتعالى - ، وعلينا أن نتولى أبانا آدم - صلوات الله عليه - ، ونبرأ من معصيته لله التي عصاه بها وتاب منها . (1/98)
صفحة 99
كذلك نرد على جميع الناس الباطل من بار أو فاجر أو متقدم أو مستأخر ، سعيدا كان أو شقيا ، قد صحت سعادة السعيد أو شقاوة الشقي ، أو لم تصح سعادته ولا شقاؤه ، فعلينا أن نرد الباطل على من جاء به ، ونقبل الحق من جميع من جاء به ، وعلينا أن نقيم الحق على جميع من لزمه قيام الحق من مال أو حد أو دم ، ولا يجوز لمن صحت معه سعادة سعيد أن يخالف فيه حكم الحق في وجه من الوجوه ، لموضع سعادته التي قد صحت معه ، بل يجري عليه جميع ما لزمه من أحكام الحق في الظاهر ، ويبرأ من جميع معاصيه ، ويتولى نفسه خاصة ، لما قد صح معه من سعادته عن الله ، أو عن رسول من رسل الله ، وعليه أن يقاتله على ارتداده وبغيه ، ويقتله على ذلك ويقيم عليه جميع الحدود التي قد صحت معه ، وينفذ عليه جميع الحقوق ، فإن ضيع في السعيد حدا ، أو أبطل فيه حقا ، من أجل ما صح معه من سعادته ج كان بذلك مبطلا معطلا لحدود الله . (1/99)
صفحة 100
فصل : وكفى حجة في ذلك في إقامة الحدود على من صحت سعادته ، ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ابنة خلف ، وإقامة حد الزنا عليها بالرجم حتى قتلها ، وشهد لها بالجنة بعد رجه إياها ، وكان ذلك من إقرارها بالزنا ، وكذلك لو قامت عليها البينة ، ما كان في ذلك فرق في حكم السعيد ، ولو قامت على السعيد بينة بالزنا وأنكر ذلك ، ما جاز تعطيل حق الله فيه من الحد ، ولا جاز الشك في ولايته ، ولا يجوز أن يكون سعيدا يموت على باطل أبدا ، ولكن يجوز أن يتوب فيما بينه وبين الله ، ولو قتل على محاربته على جحوده أو بغيه ، ما جاز أن يشك في ولاية نفسه ، وما جاز أن يترك إقامة الحق عليه في المحاربة ، وكفى من الحجة في إقامة الحد على السعيد ، ما أمر الله به في الحكم ، ما فعل أبونا إبراهيم - صلوات الله عليه - ، من إرادته ذبح نبي من أنبياء الله ، وولي من أولياء الله ، وذلك أنه مضى في ذلك الأمر لله ، الذي أمره به ، ولم يشك في ذلك لموضع نبوة الله ، ولا لموضعه منه ، فهذا هو الحق عند الله في حكم دينه ، أن لا يتعطى أحد فوق ما أمره الله به ، ولا يضيع ما أمره الله به ، لموضع حكم آخر أمره الله به ، والولاية للسعيد عند إقامة الحد عليه ، وعند محاربته وعند الحكم عليه ، وعند رد الباطل عليه ، وكل هذه فرائض من الله ، ولا يجوز أن تعطل فريضة من فرائض الله ، إلا أن يزيلها شيء من الفرائض غيرها ، فليس القتل بمزيل لولاية السعيد ، ولا الولاية للسعيد بمزيلة لقتله في حكم الظاهر ، فيما يجوز في دين الله - تبارك وتعالى . (1/100)
صفحة 101
وكفى من الحجة في محاربة من صحت سعادته عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أجمعت عليه الأمة من محاربة طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين على ذلك الذي حاربوهم عليه ، وسفكوا على ذلك دماء أنصارهم وأعوانهم ، وما شهر وصح من قول عمار بن ياسر- رحمه الله - ، أنه قال في عائشة - رضي الله عنها- والله إنا لنعلم أنها زوج نبينا صلى الله عليه وسلم في الجنة ، ولكن لا ندع الله يعصى ، ثم كان رمحه - على ما قيل - رابع أربعة أرماح من أصحاب علي بن أبي طالب من الجماعة الذين هم حجة الله ، اختلفت على هودج عائشة -عليها السلام - ، ولا يجوز أن يكون صاحب الرمح يصوب برمحه إلى الهودج ، إلا وقد أراد قتل من أهدى رمحه إليه ، ومن المحال غير هذا في ذلك الوقت ، فقد صح أن الإجماع من المسلمين وقع على محاربة أهل البغي من المحدثين ، ولو كانت قد صحت سعادة المحدثين عند رب العالمين ، وعند من صحت سعادته من المحاربين أو عند غير المحاربين ، ولا فرق في ذلك عندنا في الدين ، ولا عند أحد من علماء المسلمين ، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل الاستقامة في الدين من المسلمين . (1/101)
صفحة 102
وعلى من علم سعادة هذا السعيد ، أن ينزله في جميع المنازل حيث أنزل نفسه ، وأنزله حدثه في جميع الأمور ، إلا في ولاية نفسه فقط ، فإنه لا تزول ولايته أبدا عنه ، وهو يتولى نفسه ويشهد له بالجنة ، ولا يدخل الجنة أبدا مصر على معصية ، هذا مما لا يجوز الشك فيه ولا الريب ، وعليه أن يعلم أن السعيد لا يموت إلا على سبيل السعادة وعلى التوبة من المعصية ، ولو غاب ذلك عن علمه هو وعن علم جميع العالمين ، وأنه لا محال تائب من تلك المعصية التي علمها منه ، هذا مما لا نعلم فيه اختلافا بين المسلمين ، وعلى من علم سعادة هذا السعيد ، أن يصوب من برىء من هذا السعيد بما رأي من الأحداث ،التي يجب بمثلها البراءة من المحدث لها ، ممن لم يعلم أنه قد علم في هذا السعيد كعلمه ، إذا علم هو من ذلك السعيد ذلك الحدث الذي بحب به البراءة من المحدث ، وليس له ولا عليه أن ينكر على المتبرىء من هذا السعيد براءته بحدثه ذلك ، حتى يصح معه أنه صح معه ما قد صح معه هو، من سعادة هذا السعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قد علم هو منه ، فإن أعلم هو ذلك المتبرىء ، بما قد صح معه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، في هذا المحدث أشه من السعداء ، فليس عليه أن يصدقه في ذلك ويدع حكم الله -تبارك وتعالى - ، في لزوم البراءة منه ، بما لا يختلف فيه في حكم الظاهر ، ويرجع إلى ولايته لا إلى الوقوف عنه ، لقول هذا وحده في قول عامة المسلمين ، إلا أن يكون مأمونا على ذلك ، فيأخذ ذلك عنه من طريق التصديق ، لا من طريق الحجة بالإجماع ، لأنه قد قال من قال : إنه إذا صح منه ما تجب له به الولاية بقول واحد أنه يتولى . (1/102)
صفحة 103
وقال من قال : لا يتولى حتى يصح ذلك بقول اثنين من أهل العلم بالولاية والبراءة من المسلمين ، وهذا هو أقوى الأقوال في هذا ، فإن لم يقبل منه ذلك ويقف عن ولايته ، كان عليه أن يتولى من برىء من هذا المحدث السعيد ، بما قد ظهر له من الحدث الذي تجب به البراءة من المحدث ، وليس على المتبرىء من المحدث بهذا الحدث علم ما غاب عنه ، مما يدعيه عليه هذا المدعي من سعادة هذا السعيد عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الحجة في يد من حكم بالحكم الصحيح ، والمدعي للحكم الغائب هو مدع حتى يصح ادعاؤه ، ومن حمل على الناس أن يقبلوا دعواه ، فقد حكم في ذلك بالجور ، فخالف أحكام الحق بالفجور ، وهذا من أحكام الحقيقة في الولاية ، وأحكام الحقيقة لا يحكم بها في أحكام الظاهر ، فمن حكم بأحكام الحقيقة في أحكام الظاهر فقد حكم بغير الحق ، ومن حكم بأحكام الظاهر في أحكام الحقيقة فقد حكم بغير الحق وخالفه .
ولو نزل من صحت سعادته بمنزلة من لا يجوز فيها شهادته في الدماء والأموال والدين ، لم يجز لمن صحت معه سعادته أن يجيز شهادته على قيمة قيراط فما فوقه ، ولا على شيء من الشهادة ، إذا نزل في حكم الظاهر بمنزلة من لا تجوز شهادته ، فإن فعل ذلك كان قد خالف أحكام الظاهر من أجل أحكام الحقيقة ، وكما لا يجوز أن يخالف أحكام الحقيقة لموضع وجوب أحكام الظاهر ، كذلك لا يجوز أن يخالف أحكام الظاهر لموضع وجوب أحكام الحقيقة. (1/103)
صفحة 104
فصل : وليس من العجب أن يرد شهادة السعيد بأحكام الظاهر ، وهو يسفك دمه على ما نزل به من قود أو حد أو محاربة بأحكام الظاهر ، لا يزيل ذلك أحكام الحقيقة عنه من ولاية نفسه على كل حال ، لأنه إذا ترك أحكام الظاهر التي تعبد الله بها عباده ، لموضع ما صح من أحكام الحقيقة مع العباد ، لغير ما صحت به الحقيقة ، كان علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم الله في هذا أولى ، ولم يجز في الأصل على هذا المذهب الفاسد ، إلا أن لا يرد شهادة شاهد حتى يعلم شقاءه ، وأن الله يعلم أنه سعيد ، وإلا فليس علم من علم ذلك من سعادة هذا السعيد أولى من علم الله في عباده : السعيد منهم والشقي ، وقد تعبد الله عباده بأحكام الظاهر ، فلا يزيلها عنهم أحكام الحقائق ، إلا أن يصح في الحقيقة ضد ما صح في أحكام الظاهر ، فإذا صح في أحكام الحقيقة ضد ما صح في أحكام الظاهر ، كان حكم الحقيقة أولى من حكم الظاهر ، وليست صحة السعادة ضد لرد الشهادة ، لأن الشهادة إنما تصح في الظاهر ولا تجوز إلا أن ينزل العبد فيها بمنزلة تجوز شهادته في حكم الظاهر ، وليست السعادة عند الله بمزيلة لأحكام الظاهر ، وإنما تزيل أحكام البراءة في الظاهر لا غير ذلك ، وسائر الأحكام في هذا السعيد كحكم الظاهر . (1/104)
صفحة 105
فصل : فإن قال قائل : إن السعيد لا ترد شهادته لموضع ما نزل به ، كما لا تترك ولايته لمنزلة ما نزل به ؟ قلنا له : إن الشهادة غير الولاية ، لأنه قد يكون وليا من لا تجوز شهادته للعلة التي قد ثبتت فيه من أحكام الإسلام ، من شهادة المدعي وشهادة الوالد للمدعي وشهادة سيد المدعي ، وشهادة الشريك للمدعي فيما ادعاه ، وشهادة النساء بغير رجال ، وشهادة العبيد والعميان ، وهم أولياء في الإسلام في حكم الظاهر وفي حكم الحقائق ، وإنما السنة والكتاب وإجماع أهل الصواب ، على أن لا تقبل شهادة الرضى في دينه ، ومن لم تصح منه خيانة ولا اتهم في أمانة ، فكيف يجوز أن يخالف حكم الله المجمع عليه ، لغير علة تثبت ذلك .
فصل : ويقال له أيضا : أرأيت لوكان السعيد مدعيا ، أكنت تقبل دعواه لموضع سعادته ، أو كان والد المدعي أو عبدا أو أعمى أو امرأة لا رجل معها ، أكنت تجيز شهادة السعيد عندك فيما شهد به ، مما يرد به شهادته من أجل أنه سعيد ؟
فإن قال لا لأن هذا قد جاء به الأثر ، أن هؤلاء لا تجوز شهادتهم من أجل هذه العلل .
قلنا : كذلك جاءت أحكام الكتاب والسنة ، وأجمع عليه أهل الصواب أنه لا تجوز شهادة غير مرضي ، ومحال أن يكون مرضيا محدثا ومحاربا في ذلك ، إلا أن تنزل أحكام الظاهر كلها في السعيد لموضع سعادته ، فتنتقض الأحكام السالفة في ذلك ويبطل الحق ، وليس إلى ذلك سبيل أبدا إن شاء الله .
فصل : ويقال له : أرأيت لو أن هذا السعيد ، الذي قد صحت معك سعادته ارتد عن الإسلام ، ولحق بالروم محاربا لكافة أهل الإقرار بالإسلام ، أكنت تجيز شهادته على أحد في شيء من الأحكام ، إذا شهد بشهادة مما تثبت في أحكام أهل الإسلام ؟ فإن قال : نعم فقد أتى بما لا يجوز مع جميع أهل القبلة ، ومحال أن يكون هذا . وإن قال : لا لأنه حرب بلاسلام . (1/105)
صفحة 106
قيل له : فإن لم يحارب في جملة أهل الارتداد ، ولكنه لما ارتد أراد عصمة دمه من أحكام أهل الاسلام ، بالالتجاء إلى الروم كما فعل غيره من المعتصمين ، ولم يحارب المسلمين ، أكنت تجيز شهادته على أحد من أهل الذمة أو أهل الإسلام ؟
فإن قال : لا لأن المرتد لا تجوز شهادته ، لأنه يطالب بالرجوع إلى الإسلام ، ولا يقر على الارتداد حتى يرجع إلى الحق في دين الله، فهو لا تجوز شهادته إذ تعلق عليه أحكام القتل ، إذ هو غير مقارر على الإقامة على ا لردة .
قيل له : فإن أذنب ذنبا صغيرا أو كبيرا ، ثم أقام عليه ولم يتب ، أهو سلم للإسلام وأهله ، أو هو حرب حتى يتوب من حدثه ذلك ، وهو مطالب بالتوبة من ذلك ، فإن لم يتب كان عليه الحبس حتى يتوب ، فإن امتنع من الحبس قوتل على ذلك حتى يفيء إلى أمر الله أو يقتل ، وكان باغيا .
فإن قال : يترك ولا يعاقب على ذلك ولا يحارب .
فصل : قلنا له : فيبطل قتال أهل البغي على بغيهم ، وما البغي الذي يستحق به الباغي اسم البغي وحكم البغي ، وهل ذلك شيء من المعاصي دون شيء .
فإن قال : ذلك إنما يكون في حقوق العباد ، ولا يكون في حقوق الله ، وإنما التوبة من حقوق الله . (1/106)
صفحة 107
قلنا له : فالارتداد إلى الشرك من حقوق الله أو حقوق العباد ، وترك الصلاة والصوم في شهر رمضان من حق الله أو حقوق العباد ، وهذا ما لا يدعيه أحد من أهل القبلة فيما علمنا ، ولا يرجع قول هذا على مذهبه هذا ، إلا إلى الإقرار بأنه لا تجوز شهادة السعيد على قيمة قيراط ، ويخرج في القول من جميع أحكام أهل الإقرار ومذاهبهم ، أو يجيز شهادة أهل الحرب في حربهم ، ولا نعلم أن أحدا قال ذلك ، إن شهادة أهل البغي ولا أهل الردة ولا أهل الحرب جائزة عليهم ، ولا على أحد من الملل من أهل الشرك ، ولا أحد من أهل الإقرار ، ولا على أهل الاستقامة ، والأمة كلها بأسرها مجمعون أن الشهادة لا تقبل إلا من المرضي ، وإنما اختلف تأويلهم في المرضي بضلال التأويل ، لا نعلم أن أحدا ذهب إلى الخلاف في هذا الباب ، برد التنزيل ولا السنة ولا الإجماع ، فلا يجوز أن يخالف حكم الله في وجه من الوجوه ، في أحد من الخليقة لثبوت شيء فيه من الأحكام ، من وجه من الوجوه إلا ولاية الحقيقة ، فإنها لا يزيلها أحكام الظاهر ، لأن أحكام الظاهر لاتقضي علىأحكام الحقيقة فيما صح منها .
فصل : كما أنه لو صح في السنة أو الكتاب ، أو من وجه من الوجوه في أحد من الناس ، أنه لا تقبل شهادته ثابتا في ذلك على غير تأويل ولا مخصوص أمر، لما جاز أن تقبل شهادته ، ولو لم يصح فيه ما يوجب عليه كفرا ولا شقاء ، في حكم السنة أو الكتاب أو الإجماع ، وكفى من ذلك ما ذكرنا من إبطال شهادة المدعي وإبطال شهادة والد المدعي فيما يدعي ، مما يجر إلى نفسه مغنما أو يدفع عنها مغرما ، وشهادة الشريك فيما يشهد به لشريكه فيما يجمعه وشريكه ، وهو في ذلك بمنزلة المدعي ، وشهادة سيد المدعي .
وأكثر من ذلك أليس قد أجمعنا بأنا لا نقبل شهادة هؤلاء ولو صحت سعادتهم من جميع الخليقة إلا الأنبياء ، فإن الأنبياء - صلوات الله عليم - لا يجري عليهم تكذيب في شيء من الأمور ، ولا يكونون مدعين في شيء من (1/107)
صفحة 108
الأمور ، ولا يكون عليهم حاكما غيرهم من غير الأنبياء أو الرسل ، إلا ما أنزل الله عليهم من الوحي ، ولا تكون أمورهم في سائر الأحكام كسائر أهل الإسلام في شيء من الأشياء ، وإنما قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بن ثابت وحده ، إذ شهد في موضع لم يكن في الإسلام دعوى ، وإنما كان في الحكم أن تلك الدعوى مقبولة ، إلا أنها نازلة منزلة الدعوى ، ولو كانت لمنزلة الدعوى ما جاز فيها إلا شهادة شاهدي عدل ، كما جاءت السنة ، ولكن شاء الله - سبحانه -أن يبين ذلك نصا من أحكام النبيين ، كما أن به نصا من أحكام سائر الخليقة عن غير النبيين - صلوات الله عليهم - ، ولو أن خزيمة بن ثابت شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة أخرى ، على ما يكون الحكم فيها أنها دعوى ، لما جاز أن تقبل شهادته في ذلك ، إلا أن يكون ذلك يبين فيه خاص الحكم .
ولو أجاز النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده ، لثبت ذلك في الجميع ، إلا أن يأتي فيه حكم يخص تلك الشهادة بعينها ، أنها إنما تجوز في ذلك وحده ، لأن الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم غير الشهادة لغيره ، ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قول غيره من الناس كلهم ، وقد صح عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أجمع عليه عامة أهل القبلة ، ولا نعلم في الأخبار في ذلك مناكرة ولا مدافعة ، أنه قال في أبي ذر الغفاري -رحمه الله - ، أنه ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر الغفاري - رحمه الله - . فلو أن قائلا قال : لما ثبت هذا في أبي ذر الغفاري جاز أن يكون تصدق دعواه لأنه صادق ، ولأنه قد صح صدقه وتجوز شهادته وحده ، بصدق دعواه لأنه صادق ، إذ قد صح عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقه ، هل كان ذلك يجوز من قوله وفي مذهبه . (1/108)
صفحة 109
فصل : فإن قال قائل : نعم يجوز ذلك في الأحكام .
قلنا له : الكتاب والسنة والإجماع على غير ما تقول ، ولا يجوز أن يكون شيء من المخصوصات ينقض شيئا من العموميات ، وقد ثبتت السنة أن قول المدعي غير مقبول ، وأنه لا يجوز في الإسلام إلا قول شاهدين ، فيما يكونان فيه شاهدين ، وإنما يجوز أن يجري له التصديق في الأخبار التي أريد بها ذلك المراد ، أن تكون أخباره صادقة مصدقة ، لما قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ومن تجاربه له ، كما قال صلى الله عليه وسلم في أصحابه من أفاضل أمته في مناقبهم التي يعرفها منهم ، فقال صلى الله عليه وسلم: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر الصديق ، وأشدهم في الحق عمر بن الخطاب ، والأمين عليهم أبو عبيدة بن الجراح ، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، إنما هوعلم منهم ذلك على مجاز الكلام والصفة التي يصفها في مناقبهم ، ولم يثبت في ذلك سنة ، أن ماخالف ما قال زيد بن ثابت في الفرائض فهو باطل ، وقد اختلف الناس في الفرائض وخالف عامتهم قول زيد في الفرائض . (1/109)
صفحة 110
ولو كان كما قلت لما جاز أن يخالف قول زيد أحد من الناس ، ولكان قد هلك من خالف قول زيد بن ثابت في الفرائض ، فكيف والصحابة قد اختلفوا في أمر الفرائض ، فكان منهم المخالف لقول زيد ، ولو كان كما يقال إن قول النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا يوجب ثبوت ما صح من مثله ما جاز أن يقرأ القرآن إلا على قراءة أبي بن كعب ، وعلى مصحف أبي بن كعب ، وكفى حجة أن عامة أهل الاستقامة من المسلمين على غير ما قال زيد بن ثابت في الفرائض ، مما يجري فيه الاختلاف ، وما خالفه في ذلك أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس وعامة العلماء . وكفى حجة في ذلك ماعليه اكالاجماع من أهل القبلة على ترك القراءة بحرف أبي بن كعب ، والإجماع على غيره في القراءة إلا الشاذ من حروفه ، وكفى أن مصحفه - رحمه الله - غير مثبوت في القرآن ، في زماننا هذا وقبل زماننا هذا ، فلو كان كما تقول ، ما جاز أن يقرأ القرآن الكريم إلا على ما قرأه أبي بن كعب ، إذ ثبت بالإجماع أنه أقرأ الصحابة للقرآن الكريم ولكتاب الله - تعالى - ، وإذ صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوحي أن يقرأ عليه ، وأنه قد أشد إليه وقرأ عليه ، وكفى بهذا دليلا على تصديق قولنا وإبطال قولك .
فصل : ولو كان كما تقول ما جاز أن يخالف أحد في الحلال والحرام ما صح عن معاذ بن جبل ، ولكان ما صح عنه من الرأي ، كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في أبي ذر الغفاري ، إنما هي منقبة من هذه المناقب أنه صادق في إخباره ، أمين في إسراره و إظهاره ، ولو كان قوله مصدقا لما جاز إلا أن يصدى كما قال ، كما لزم قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى من القول ما فيه كفاية ، وهذا إنما يجري على وجه المدح والمناقب ، وهذا جائز في كلام العرب مع أهل اللغات ، ولعل الإجماع على هذا من اللغة أن هذا يراد به المدح لا الحكم ، فافهموا ذلك إن شاء الله . (1/110)
صفحة 111
فصل : فكما لا تجوز دعوى المدعي ولا شهادته ، ولوكان صادقا في ادعائه ، مصدقا مأمونا مسلما بارا تقيا نقيا ، إذ هو مدعي ، وكذلك لا تجوز دعواه ولا قوله ، ولو صحت سعادته وكان سعيدا ، وكما لا تجوز دعواه ولو كان سعيدا كذلك لا تجوز شهادته ولوكان سعيدا ، إذا صح معه منه في حكم الإسلام ما يكون غير مقبول الشهادة فيه ، لأنه لا تجوز مخالفة أحكام الإسلام ، لما يأتي من أحكام الخاص والعام ، ولكن يحكم بحكم العام في موضعه ، ويحكم بحكم ألخاص في موضعه ولا يجوز إلا هذا إن شاء الله .
ولو أن ألسعيد أرتد عن الإسلام وقد صحت سعادته ، فنزل بمنزلة أهل الردة ، كان حربا أو لم يكن حربا ، ما جاز مناكحته ولا ذبائحه في حال ارتداده ، ولا كان وليا ، لحرمته من أهل الإسلام في النكاح ، ولا كانت تجوز موارثته لأهل القبلة ، وكان لا يرث من مات في حال ارتداده من أهل القبلة ، وكان ميراثه على سبيل ما قيل في ميراث المرتدين ، وإن قتل على محاربته كان ماله غنيمة وفيئا للمسلمين ، ولو قتل على حال ردته ما جاز أن يصلى عليه كصلاة أهل القبلة ، ولا يقبر في مقابر أهل القبلة ، وكني لك لو مات على ردته ما صلى عليه ولا قبر في مقابر المسلمين من أهل القبلة ، وكان يقبر وحده ، أو في مقابر أهل ملته ودينه الذين ارتد إليهم ، ولا تتحول ولايته ولا الاستغفار له بولاية نفسه على حال في المحيا ولا الممات ، ولا يخالف فيه حكم من أحكام الحق ، في المرتدين في شيء غير الولاية نفسها فقط ، فانظروا - رحمكم الله -كيف ثبتت الولاية لهذا السعيد في نفس الولاية ، وتغيرت أحكامه في جميع أحكام الظاهر كلها إلا نفس الولاية ، وإنما يحكم بحكم الخاص في الخاص نفسه ، ولا يحمل الخاص على العام ولا العام على الخاص .
فصل : فإن قال قائل : أليست الصلاة على الميت ولاية ، فكيف يجوز أن يتولى من لا يصلى عليه ؟ وكيف يجوز أن يترك الصلاة على من ثبتت ولايته ويتولى نفسه ؟ (1/111)
صفحة 112
فصل : قلنا : لأن الصلاة إنما تعبد الله بها المسلمين في السنة على أهل القبلة ، وحجرها في حكم الظاهر على أهل الشرك ، وثبت ذلك في السنة ، ولم يتعبد الله الناس بما استتر عنهم في شيء من الأمور، ولا في شيء من المعاني ، إلا إلى ما بلغهم إلى علمه ، فكما ثبتت الصلاة على أهل القبلة ممن ثبتت ولايته ومن لم تثبت ولايته في حكم الظاهر ، ولو كان المصلى عليه من أهل القبلة في سريرته مشركا في علم الله ، وعلم من علم منه ذلك ، فلا يزيل ذلك عن المسلمين حكم ما تعبدهم الله به من الصلاة على هذا الميت ، حتى يصح معهم ذلك ، أنه مشرك في حكم ما ظهر إليهم منه ، ولو علم ذلك من علمه منهم ، ما كان علم من علم ذلك منهم موضعا ، عمن لم يعلم ذلك منهم حكم ما تعبدهم الله به من أمر الصلاة على هذا الميت .
فقد ثبتت الصلاة في أحكام الظاهر لمن ثبتت له ، ولو كان في علم الله وعلم من علم ذلك من غير من تعبده الله بالصلاة على هذا الميت من الناس ، غير ذلك في حكم شركه ، إذا كان في حكم الظاهر ممن يلزم الصلاة عليه من أهل القبلة حتى يصح ذلك ، ولو ترك تارك الصلاة على أهل القبلة بغير عذر ولا وجه حق يذهب إليه ، ولا يعلم لعل ذلك الميت مشركا أو مرتدا في سريرته ، ولو كان ذلك الذي من أهل القبلة ليس من أهل الولاية في حكم الظاهر ، ولعله من أهل العداوة أو أهل الولاية عند الله ، أو عند من علم ذلك من العباد ، فلا يزيل الأحكام عن العباد فيما تعبد بعضهم فيه ببعض إلا لحجة لازمة ،و إنما هي أحكام تخص وتعم ، وليس للعباد في ذلك اختيار من أمورهم ، وكذلك قال الله - تبارك وتعالى - : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم )(1 ) ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا به من قضائهما ، فقد ضل ضلالا مبينا . (1/112)
صفحة 113
وقال -تعالى- :( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة"( 2 ) ، يقول : ما كان لهم الخيرة فيما اختاره الله وقضاه لهم وعليهم ، فكذلك حكم الله -تبارك وتعالى - لا يحمل كله على معنى واحد ، ولا على أصل واحد ، ولا خاصه على عامه ، ولا عامه على خاصه ، وليس إلا التسليم لحكم الله وقضائه ، تبارك الله وتعالى في كل أمر قضاه ، وفي كل أمر أمر به أو نهى عنه ، لا مبدل لحكم الله ، ولا راد لقضائه ، ولا منازع لأمره تبارك وتعالى .
فصل : فهذا فيمن صحت سعادته أو أنه من أهل الجنة ، أو صح أنه مؤمن أو تقي ، فالمعنى فيه واحد ، والقول فيه واحد ، لأنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، ولا يكون سعيدا إلا مؤمن ، وليست الصحة بأنه مؤمن عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بأثبت في الإيمان ممن صح أنه سعيد ، أو أنه من أهل الجنة ، لأن المعنى فيه واحد ، والقول فيه واحد ، إلا من خصه أو من غير الأسماء في شيء بعينه ، وكل ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل هذا ، فإنما هو معناه واحد ، والعلم به لازم ، والقيام على أهله بأحكام الحق في جميع الأمور لازم ، والقول فيه واحد ، والكلام يتسع في القول في القول في هذا في تبيانه ، والحجة عليه وفيه ومنه ، وقد مضى ما في بعضه كفاية إن شاء الله . (1/113)
صفحة 114
فصل : كذلك أحكام براءة الحقيقة ، من صح عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار ، أو أنه شقي فهو شقي وهو من أهل النار ، وكذلك ما صح عنه فيه من الأسماء ، فهو ثابت عليه اسمه في التسمية ، وهو يبرأ منه من علم منه ذلك ، وصح معه فيه براءة حقيقة لا شك في ذلك ، ولا يحكم فيه في أحكام الظاهر بما ظهر منه ، ولا يحكم عليه بأحكام غير مما نزل به من الأحداث والأحكام ، وهو بمنزلة غيره من الناس في أحكام الظاهر ، إلا الشهادة عليه بما صح فيه وعليه ، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بسماع من سمع ذلك عنه ، أو بصحة شهرة على ما وصفنا في أحكام الشهرة ، ممن يكون شهرة وكيف يكون شهرة ، ولا يجوز في ذلك الشهادة عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الشهرة ولا على الشهرة في ذلك ، وكذلك لا يجوز في السعيد عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة ، ولا عن الشهرة عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يصح ذلك على من سمع ذلك ، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو صح عنده عالم ذلك من طريق الشهرة ، لأن الشهادة على الشهرة ليست بمنزلة علم الشهرة ، ولو كانت الشهرة صحيحة مؤدية للعلم ، فإن الشهادة عليها وعنها فيما صح بها ومنها ومن طريقها ، إنما هو شاهد لا مقلد لعلم ما شهد به ، ولا يجوز التقليد في الدين إلا على ما جاءت به السنة ، من قبول شهادة الشهود فيما يجوز قبول قولهم فيه ، لا على التقليد لهم والتصديق لمقالاتهم بالحقيقة ، فيما شهدوا أنه كذلك . (1/114)
صفحة 115
فصل : وإذا شهد شاهدان من علماء المسلمين على أحد بعينه أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنه من أهل النار ، أو إنه شقي أو على ما يجب به اسم من الأسماء الثابتة فيه ، فلا يجوز أن يحكم عليه بذلك قطعا ولا حقيقة ، ولكن يجوز أن يقبل ذلك من الشاهدين على وجه قبول الحكم بالظاهر ، ويكون ذلك بمنزلة من ركب كبيرة ، والقول في هذه الشهادة معنا ، أنها تقع موقع صحة كفره في حكم الظاهر ، إذا قامت بذلك البينة قطعا عن لسان رسول الله ج صلى الله عليه وسلم سماعا عنه ، وأما إذا شهدا على الشهرة عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك معنا مما لا يجوز في قبول الشهادة فيه على أحكام المكفرات ، وقداختلف في ذلك ، فقال بعض أهل الاستقامة يجوز قبول الشهادة فيه على الشهرة في ثبوت ما يثبت بها من الحكم في البراء ات .
وقال من قال : لا يجوز ذلك ، وقولنا أن ذلك لا يجوز على وجه الاختيار لا على وجه الدينونة ، فإذا لم تثبت الشهادة عك الشهرة في أحكام البراءات في الأحداث ، فكذلك لا يثبت في هذا في أحكام البراء ات في الأحداث ، وإذا ثبت قي ذلك ثبت في هذا ، ويكون قبول شهادة الشاهدين في هذا بمنزلة قبول شهادتهما على الأحداث في الحكم الظاهر ، والقول في ذلك واحد إن شاء الله . (1/115)
صفحة 116
وإذا صح مع أحد أن هذا بعينه من أهل النار أو شقي ، على بعض ما يثبت ذلك فهو كذلك معه ، وعليه أن يسير فيه في جميع أحكام الظاهر ، بأحكام الناس إلا في العلم بشقائه وأنه من أهل النار ، كما صح معه ، فإن نزل هذا ألشقي بمنزلة كان فيها مدعيا ، أنزل منزلة المدعي ، وكذلك إن نزل بمنزلة يكون فيها مدعيا عليه في الإسلام في المال أو الدين ، فهو بمنزلة المدعى عليه ، وإن نزل بمنزلة يكون فيها حجة من حاكم أو عالم أو إمام ، أو حجة من حجج الله فهو بتلك المنزلة ، مع من قد علم منه ذلك ، وصح معه ذلك من أمره ، ولا يبدل ذلك حاله عنده ، وعليه أن يلزم نفسه في هذا الشقي جميع ما لزمه من أمره ، ويجيز شهادته إن كان حاكما ، ويقبل قوله إن كان عالما فيما يكون العالم فيه حجة ، إذا نزل في حكم الظاهر بمنزلة الحجة ، من العلم والأمانة والاستقامة على سبيل السلامة في حكم الظاهر ، وأحكامه أحكام ما نزل به في أحداثه وسيرته ، وأقواله وأعماله ، في حال ما هو نازل به . (1/116)
صفحة 117
وإن نزل بمنزلة يجوز أن يكون فيها إماما ، جاز أن يؤتم به ويولى أمر الإمامة ، وينصر على الحق وتنفذ له أحكامه ، ويعان في الإسلام على حربه ، ويكون من صح عنده شقاؤه من أعوانه على الحق وحزبه ، وينفذ له الأحكام وتصلي خلفه الجماعات ، ويتولى له الأمانات ، إذا نزل بمنزلة يستحق ذلك في ص الظاهر ، وهو يعادي نفسه في ذلك ولا يشك فيه ، والقول في الشقي في أحكامه إلا الولاية لنفسه خاصة ، كالقول في السعيد في جميع ما مضى في أحكامه في أحكام الظاهر ، إلا البراءة من نفسه ، والعداوة لنفسه في حال الحدود ، والحقوق والشهادات والدعوى والأمانات ، والصلاة عليه إذا مات ، ثابتة في حكم ا الإسلام إذا نزل بتلك المنزلة في حال موته ، إذا كان على أحكام أهل القبلة بتلك المنزلة ، وفي المناكحة والموارثة منزلة ما هو عليه في حكم الظاهر وفي جميع الأحكام ، إلا ولاية نفسه ، فإنه لا يجوز أن يتولى نفسه على حال من الحال ، ولا يشك فيما قال النبي فيه صلوات الله عليه وسلامه .
فصل : فإن قال قائل : يكون أمينا لا يتولى وإماما لا يتولى وعالما لا يتولى ؟
قيل له : نعم يكون ذلك كذلك في أحكام الله - تبارك وتعالى - ، في خاص ذلك وعامه ، كما كان وليا لله لا تجوز ذبيحته ، ولا تجوز شهادته ولا تجوز مناكحته ، إذا نزل بتلك المنزلة كان كذلك إماما إذا نزل بمنزلة من يستحق ذلك في حكم الظاهر ، ولو كان عدوا لله في حكم الحقيقة ، لأن حكم الحقيقة لا يحكم به في حكم الظاهر ، وحكم الظاهر لا يحكم به في حكم الحقيقة ، هذان أصلان مختلفان وحكمان مختلفان ، لا يحمل أحدهما على الآخر ، فمن حمل أحدهما على الآخر فقد حكم بغير ما أنزل الله ، وخالف الحق والعدل وكان من الجاهلين . (1/117)
صفحة 118
والقول في أحكام الشقي في أحكام الظاهر له ومنه ، كالقول في أحكام السعيد في القول فيما صح منه في أحكام الظاهر ، والحجة في هذا كالحجة في ذلك ، وقد مضى القول في ذلك ، ولا حجة فيه ولا اختلاف ، والقول في هذا والكلام يتسع ويطول ، ويكفي العاقل في هذا بعض ما قد مضى إن شاء الله ، وبالله التوفيق .
فصل : ثم إن أحكام الحقيقة تنقسم على ضربين: ضرب منها في الأسماء المعينة ، وذلك مثل ما صح في كتاب الله -تبارك وتعالى- من شقاءامرأة نوح وامرأة لوط ، وإبليس وقارون وفرعون وهامان ، وأمثال هؤلاء بأسمائهم وأعيانهم ، كذلك ما صح عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد بعينه ، فهو مثل ما صح عن الله في كتابه ، لا فرق في صحة ذلك ولا علمه ، كذلك أحكام السعادة في السعداء ، مثل ما قد صح عن الله -تبارك وتعالى - في سعادة امرأة فرعون و مريم ابنة عمران ، وما صح في النبيين والمرسلين المسمين في كتاب الله ، وصحة ذلك فيهم بأسمائهم وأعيانهم ، فكل هذا من أحكام الحقيقة بسعادة هؤلاء ، ولا يجوز لمن علم ذلك من كتاب الله ، وصح معه ذلك من طريق العلم من كتاب الله بذلك ، بما لا يرتاب في ذلك أنه من قول الله - تبارك وتعالى- ، بأي وجه بلغ إليه علم ذلك من كتاب الله ، ولم يشك في ذلك ولم يرتب ، فعليه علم سعادة هؤلاء ، ولا يشك فيهم ، فإن صح معه في أحد من هؤلاء صحة سعادته في كتاب الله ، أو في علم الشهرة وصحة الأخبار معصية أو خطيئة أو ذلة أو سيئة ، فعليه أن يعادي لله تلك المعصية ويبغضها ، ولا يصوب خطيئتهم ولاسيئتهم ، ولا يجوز له الشك في ولايتهم ولا في سعادتهم ، من أجل ما صح منهم من خطيئة أو سيئة ، ولا يجوز تصويب ما صح فيهم من معصية الله ، من أجل ما صح من سعادتهم وتوبتهم . (1/118)
صفحة 119
كذلك من صح فيه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما وصفنا في أحد بعينه واسمه ، فهو كما صح عن الله ، لا فرق في صحة ذلك ولا علمه ، ولا يجوز الشك في ذلك ممن علم ذلك وصح معه .
فصل : وكذلك جميع ما صح في أحد بعينه هن كتاب من كتب الله الخالية ، أو عن أنبياء الله ورسله الخالية ، فالقول في تحقيق ذلك باسمه وعينه كالقول فيمن صح فيه من كتاب الله هذا الذي في أيدينا ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نقل عنه إلينا ، لا فرق في ذلك ولا شك في علم ذلك ، والقول في جميع السعداء بالولاية لهم والبراءة مرت معاصيهم ، والقول في جميع الأشقياء بالبراءة منهم ، وقبول ما كان منهم من طاعة الله ، وموالاة ذلك منهم والرضى به ، فهذا ضرب من أحكام ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة ، وهو حكم المعين المسمى بعينه .
----------------------------
1- ( 36) الأحزاب.
2- (68 ) القصص. (1/119)
صفحة 120
باب: الوجوه الجامعة للولاية في الظاهر، ومعرفة من هو حجة في الرفيعة في الولاية وصفته
جميع ما ثبتت به الولاية لأحد من الخليقة بعينه في حكم الظاهر ، هو بأحد هذه الوجوه ، وهو علم الخبرة أو صحيح الشهرة ، أو بشهادة الشاهدين ورفع المتولين لا غير ذلك ، تقع به الولاية في هذا الباب .
وجميع من ثبتت ولايته في حكم الشريعة في دين محمد صلى الله عليه وسلم وولاية دين أهل الاستقامة من أمته ، فهي ولاية الله - تبارك وتعالى - وولاية رسول محمد صلى الله عليه وسلم وولاية جميع أهل طاعته من المؤمنين ، وولاية العبد لنفسه ، فهذه الولايات الأربع لا بد للعبد منهن في حال ما تقوم عليه به الحجة من علم ذلك ، ولا يعدو ولايته أحد هذه الوجوه الأربعة : ولاية الله وولاية رسوله وولاية المؤمنين وولاية العبد لنفسه ، كذلك قال الله - تبارك وتعالى - : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)( 1) وقال - تعالى - : ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون )(2 ) . فولاية المؤمنين في الجملة داخل ولاية جميع أهل طاعة الله من ملائكته وأنبيائه ورسله وأوليائه ، حتى تقوم عليه الحجة لعلم أحد منهم بوجه من الوجوه في ولاية حقيقة أو ولاية حكم الظاهر .
فصل : ولا يجوز أن يأتي على العبد حالة لا يتولى فيها نفسه ، وعلى العبد أن يتوب إلى الله من جميع المعاصي والذنوب ، ويتولى نفسه على كل حال . (1/120)
صفحة 121
وقد قال الله - تبارك وتعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه (3 ) فأوجب مع عبادته على جميع من خاطب بالتعبد،أن يستغفر لذنبه ويتوب إلى الله من ذنوبه والاستغفار ولاية ، فأوجب الاستغفار ثم التوبة،والاستغفار باللسان والتوبة بالقلب والندم ، فوجب الاستغفار قبل التوبة ، لأنه قال : ثم توبوا ، ولا تنفع التوبة بغير استغفار ، ولا ندم بالقلب بغير استغفار باللسان ، فيما تجب به التوبة باللسان ، ولو كان لا يجوز الاستغفار للإنسان لنفسه ، حتى يعلم أن الله قد تم تاب عليه ما جاز أن يستغفر لذنبه أبدا ، ولا يجوز هذا ، ولو كان لا يجوز أن يتولى العبد نفسه ما جاز أن يستغفر لذنبه ، وأوجب ما أوجب الله على العبد الاستغفار لذنبه ، وولاية نفسه بعد ولاية الله ورسوله ، ثم ولاية المؤمنين وذلك قوله - تعالى - : فاعلم أنه لا إله إلا الله واشتغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات )( 4) . وليس كما قال أهل الغلو في الدين أن العبد لا يتولى نفسه ، حتى يكون في منزلة يرضي فيها نفسه ، كما لا يتولى غيره من المؤمنين في حكم الظاهر حتى يعلم منه ما يرضى به ، لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره ، ولأنه مخاطب بالاستغفار لنفسه على كل حال ولذنبه ، ومحجور عليه الاستغفار لغيره إلا للمؤمنين والمؤمنات ، كما قال الله - تبارك وتعالى - . (1/121)
صفحة 122
ولأن الاستغفار ولاية لا نعلم في ذلك اختلافا أن الاستغفار للذنوب ولاية ، لا اختلاف في ذلك بين أحد من المسلمين من أهل الاستقامة ، فلا يجوز أن يأتي على العبدحالة يقيم عليها ، لا يكون يتولى فيها نفسه ، فمتى فعل ذلك كان هالكا لأنه متى لم يستغفر ربه من ذنوبه التي ركبها في علمه أو جهله كان هالكا ، ومتى استغفر ربه وتاب إليه من ذنوبه ، كان لنفسه متوليا ولربه في دينه مرضيا في حكم الظاهر من نفسه ، وعلى العبد أن يتولى نفسه ولاية حكم الظاهر ما لم يصح معه من نفسه ولاية حكم الحقيقة عن الله وعن رسول الله أو عن لسان رسول من رسل الله ، أو في كتاب الله أو في كتاب من كتب الله ، فمتى صح معه في نفسه من أحد هذه الوجوه ، أنه ولي الله أو أنه سعيد أو أنه من أهل الجنة ، فعليه أن يتولى نفسه ولاية الحقيقة ، وعليه أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات .
ولا يجوز له أن يقيم على معصية الله ، ولا يضيع شيئا من حقوق الله ، ولا يركب شيئا من معصية الله ، لموضع ما قد صح معه في نفسه من ولاية الحقيقة ، وعليه أن يتولى من أنكر عليه ما ظهر منه من معصية الله ، ويتولى من برىء منه على ما ظهر منه من معصية الله ، ممن لم يعلم أنه قد علم منه مثل ما علم في نفسه ، من علم ولاية الحقيقة ، وعليه أن يؤدي جميع ما أوجب الله عليه في نفسه وماله ، من حق أو قود أو قصاص أوحد ، أو جميع ما أوجب الله عليه من حقوق الإسلام ، فإذا ضيع شيئا من ذلك اللازم ، أو ركب شيئا من تلك المحارم ، كان بدلك عاصيا وكان عليه الاستغفار من ذلك والتوبة ، وعليه أن يتولى نفسه ولاية الحقيقة التي قد صحت معه في نفسه ، ويؤدي ما أوجب الله عليه من الاستغفار والتوبة والحقوق ، ولا يضيع ذلك ، فإن ضيع ذلك كان عند نفسه في ذلك عاصيا ، وكان على كل حال لنفسه عند نفسه مواليا ، ولما أتى من معصية الله معاديا . (1/122)
صفحة 123
فصل : ولا تجب الولاية بالرفيعة إلا من أهل العلم والبصر بأحكام الولاية والبراءة ، والفقهاء بأحكام الولاية والبراءة ، لأنه لا يكون حجة في شيء من الأشياء على غيره ، إلا أهل العدل من أهل ذلك وأهل العلم به ، في جميع الأشياء من أحكام الحق ، ولا يكون العالم معنا عالما بأحكام الشيء حتى يكون عالما بأصوله ، فإذا كان كذلك وجب له العلم به ، ولو لم يكن واعيا لفروعه ، لأن العالم بالأصول مستوجب للعلم بالشيء الذي علم أصوله ، وما لم يعلم أصوله فلا يكون عالما به ، ولا يجوز هذا في أحكام الكتاب ولا في أحكام السنة ولا في الإجماع ، ولا في حجة العقل ، ومحال أن يكون عالما بالشيء جاهلا بأصله . وكما لم يكن المصلي عالما بالصلاة حتى يكون عالما بحدودها ، فإذا كان عالما بها كذلك ، لا يكون عالما بشيء مجمع عليه من فنون العلم حتى يكون عالما بأصوله ، ولا يكون عالما بفروعه بغير علم بالأصول ، ولا يقتضي أن يكون عالما بشيء مجمع فيه حتى يكون عالما بجميع الأصل الذي تم فيه الإجماع ، ولو علم ببعض الأصول في ذلك الفن من العلم لم يكن ذلك موجبا له أن يكون عالما به كله ، حتى يكون عالما بجميع الأصول من ذلك الفن في الدين والعلم . (1/123)
صفحة 124
كما أنه لا يكون العالم بالفرائض مستوجبا لعلم الفرائض حتى يكون عالما بأصول الفرائض ، من فرائض الكتاب والسنة والإجماع وأصول الفرائض من فرائض الأصلاب والأجداد والأنساب ، وفرائض الكلالات من غيرها من الفرائض التي لا تدخل فيها الكلالة ، وفرائض العول من غيرها مما لا يدخل فيه العول ، وفرائض العصبات التي لا تستحق إلا ما أبقت الفرائض المفروضات ، وما تستحق كل درجة من العصبة قبل الأخرى ، وفرائض العصبات من فرائض الأرحام التي لا تدخل على العصبات ولا على الفرائض ، وأصول ذلك كله ، فمتى لم يكن عالما بذلك لم يستحق العلم للفرائض ، وإنما يستحق العلم لما علم من تلك الأصول من الفرائض ، كذلك كل فن من العلم ، وكل أصل من أصول الدين ، فله أصول يجتمع فيها ويعترف في أحكامه وأقسامه ، فلا يكون العالم عالما بذلك الأصل ، ولا بذلك الفن ، حتى يكون عالما بجميع أصوله التي تدخل فيه وتدخل عليه ، ويكون داخلا فيها وخارجا منها ، وإلا فلم يستحق اسم العلم بذلك الفن ، وذلك الأصل . (1/124)
صفحة 125
ولو وعى العالم فروع العلم ، من فن من فنون العلم ، ولم يعلم الأصول التي عليها المدار من ذلك الفن من العلم ، ما كان يجوز أن يكون عالما بذلك الفن ، ولا يستحق العلم بذلك الفن ولو علم ذلك العالم بالأصول ، إلا الأصول وحدها ، وما يكون عليه مدار الأمر من ذلك الفن من تلك الأصول ، ولم يعلم شيئا من تفسير تلك الأصول ، ولا من فروع تلك الأصول التي تخرج منه وترجع إليه ، لكان مستحقا للعلم بذلك الفن ، وكان عالما به وفقيها فيه ، وكان حجة فيه ، على من سواه من العلماء بغيره من الفنون من العلم ، فلا يكون العالم عندنا عالما بالولاية والبراءة ، ولا فقيها في الولاية والبراءة حتى يعلم أصول الولاية والبراءة التي لا تجوز مخالفتها بجهل ولا بعلم ، برأي ولا بدين ، فإذا علم العالم أصول الولاية والبراءة التي لا تجوز مخالفتها بجهل ولا بعلم ، برأي ولا بدين ، كان حينئذ عالما فقيها في الولاية والبراءة ، وكان حجة في رفع الولاية لمن تولى بولايته ، وجاز له حينئذ ووجب عليه أن يتولى ببصره ونظره ومعرفته ، وكان حجة على من قام عليه في أمر حجج الولاية والبراءة ، فيما يكون فيه العالم حجة ، في أمر رفع الولاية والشهادة على أحكام البراءة ، وما لم يكن العالم عالما بأصول الولاية والبراءة ، التي لا تجوز مخالفتها بعلم ولا بجهل ولا برأي ولا بدين ، فليس ذلك بعالم ولا بحجة معنا ، في أحكام وجوب اسم العلم للعلماء ، والفقه للفقهاء ، ومحال أن يكون عالما جاهلا فقيها ضيفا ، هذا ما لا يستقيم ولا يستساغ ولا يجوز .
------------------------------
1- (55) المائدة.
2- (56) المائدة.
3- (1-3) هود.
4- (19) محمد. (1/125)
صفحة 126
باب: صفة من تجب له الولاية بسلامته من التدين بدين أهل الضلال، واستحقاق الولي الولاية من أهل الاقرار
وأما الاسم الذي يستحق به المتسمي الولاية ، فاسم يختص به أهل الاستقامة من الأمة ، في دار يخصهم حكم ذلك الاسم ، أو في جميع الدور حيثما كانوا ، والذي لا يشك فيه ولا يرتاب أن من شهر له اسم الإقرار بالجملة من التوحيد ، والتدين بدين النبي محمد صلى الله عليه وسلم وظهر منه العمل بالصالحات ، ولم يظهر منه شر بدين ، ولا بما يدين بتحريمه ، وإنما شهر له الإقرار بجملة الإسلام ، والتدين بدين النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، أنه لم يصح له بذلك اسم أهل الاستقامة ، لأن جميع أهل القبلة يقرون بالجملة ، ويدينون بدعواهم بدين محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا يرده أحد من الأمة من المقرين ، وقد يدخل في اسم الإقرار بالإسلام والتدين بدين محمد النبي صلى الله عليه وسلم الروافض والقدرية والمرجئة والمعتزلة والخوارج ، وجميع أديان أهل الضلال ، ويدخل في ذلك أيضا أهل الاستقامة من الأمة .
وكذلك من عالم منه الإقرار بالجملة ، والتدين بدين النبي صلى الله عليه وسلم، والولاية لأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- ، فإنه لا يصح له دين أهل الاستقامة ولا يبرأ بذلك من الاختلاط والاشتراك في الأديان ، إلا أنه يبرأ بالإقرار والتدين بدين النبي صلى الله عليه وسلم والولاية لأبي بكر وعمر- رضي الله عنهما - من الدخول في جملة الروافض والقدرية وجميع الشيع ، بولاية أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ولا يبرأ من الاشتراك في دين المرجئة والمعتزلة والقدرية والشكاك والخوارج ، وجميع أديان أهل الضلال من أهل القبلة ، لأن سائر أهل القبلة ينتحلون دين النبي صلى الله عليه وسلم، ويتولون أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما-. (1/126)
صفحة 127
فصل : وكذلك لو صح من أحد المتدينين بدين المحكمة والشراة ، وولاية أهل النهروان ومفارقة من فارقهم ، ومفارقة أحداثهم على الحق من صدر الأمة ، ودان بدين الشراة والمحكمة ، فظهر منه العمل بالصالحات والتعبد بالخيرات ، ما يرى بذلك من الاشتراك والاختلاط لأن الخوارج بصنوفها والطريفية والشعبية ، يدينون بدين المحكمة والشراة ، ويتولون أهل النهروان ، فلا يصح لمن ظهر منه تدين بدين الشراة والمحكمة ، وولاية عمار بن ياسر وعبدالله بن وهب ، وجميع من مضى على سبيل الصدق من صدر الأمة ، فلا تصح له موافقة لدين أهل الاستقامة ، ولا براءة من الأسماء المشتركة التي يجمعها اسم الشراة والمحكمة. وكذلك لو صح له التسمي بدين الإباضية ، وأنه من الإباضية ، ما برىء بذلك من الاختلاط ، لأن الطريفية والشعبية يتسمون بدين الإباضية ، ويتولون جابر بن زيد وأبا عبيدة وعبدالله بن إباض ، وأئمة المسلمين .
ولكنه إذا صح منه التدين بدين الإباضية ، والولاية لمحبوب بن الرحيل ، أو لأحد من علماء المسلمين ، من لدن محبوب بن الرحيل إلى محمد بن محبوب - رحمه الله -وعزان بن الصقر- رحمة الله عليهم جميعا - ، فإذا ظهر من المتدين بدين الإباضية الشاهر عليه اسم الإباضية العمل بالصالحات والمسارعة إلى الخيرات ، مع ولاية محبوب بن الرحيل ، أو أحد من علماء المسلمين من بعده إلى عزان بن الصقر ، ولم تدخل عليه تهمة في قول ولا عمل من لدن عزان بن الصقرفصاعدا إلى محبوب بن الرحيل - رحمهما الله - ، من علماء المسلمين ومن جملة من صح له الاسم منهم ، بما تجب به الولاية ، فقد صح له اسم أهل الاستقامة من الأمة ، ووجبت ولايته بذلك . (1/127)
صفحة 128
وكذلك من حدث من بعد عزان بن الصقر ، ومن كان في زمانه ، ومضوا على سبيل السلامة من الدخول في أحكام البدع والبراءة من الاختلاط أو من التهم ، بالتدين بالضلال من المسلمين ، فأولئك سبيلهم سبيل كل من مضى قبلهم من المسلمين ، من لدن محبوب بن الرحيل إلى عزان بن الصقر ، ممن كان من أهل عصره ، ممن لم تلحقه أحكام الأحداث الواقعة بعمان ، من لدن الصلت بن مالك واعتزاله ، وتقدم راشد بن النضر إماما في حياته ، إلى الحواري بن عبدالله ، فمن مضى قبل وقوع هذه الأحداث من المسلمين ، ولم يصح منه دخول فيها ، ولا تدين في أهلها ، فهو لاحق بأحكام من مضى من المسلمين ، والجملة فيه بالموافقة أن يصح منه التسمي بدين الإباضية ، مع الولاية لأحد من علماء المسلمين من لدن محبوب بن الرحيل إلى عزان بن الصقر -رحمهم الله - . (1/128)
صفحة 129
وكذلك من صحت له السلامة في الظاهر من الحكم في أحداث أهل عمان بأحكام أهل البدع ، ولم ينزلها بمنزلة أحكام أهل البدع ، ولم يسر فيها ولا في أهلها ولا في المتدينين فيها وفي أهلها ، بالسيرة في أحكام أهل البدع ، ولم ينزلها منازل أحكام البدع ، لأن أحكام أحداث أهل عمان من لدن الصلت بن مالك إلى عزان بن تميم ، والحواري بن عبدالله القاضي عليها من صحيح الأخبار ، والمشتمل عليها من الأحكام أنها خارجة على سبيل الدعاوى لا على سبيل البدع ، وفي الأحكام في الدعاوى إذا لم يصح باطل أهل الدعاوى فكل من أهلها ومن المتدينين في أهلها مخصوص بعلمه ، فمن لم يصح منه من أهل الدعوة من أهل عمان في أحداث أهل عمان انتحال فيهم بحكم من أحكام أهل البدع ، أو ينزل أهلها منزلة أهل البدع ، أو يقضي في المتدينين فيها بأحكام البدع ، ويلزمهم فيها أحكام البدع ، ومضى على السلامة من ذلك فهو على جملة من مضى ، والجملة فيه أن يصح منه التدين بدين الإباضية ، مع ولايته لأحد من علماء المسلمين من أهل الاستقامة والتدين بدينه ، من لدن محبوب بن الرحيل إلى عزان بن الصقر ، مع موافقته في هذه الأحداث ، أن كلا من أهل الدار مخصوص فيها بعلمه ، أو يظهر منه تسليم للمتدينين فيها ، بالاختلاف في الولاية والبراءة والوقوف ، ولا ينحلهم في ذلك بدعة ولا تخطئة ، فإذا مضت على ذلك سبيله صحّت موافقته . (1/129)
صفحة 130
فصل : وإن ألزم في أهل الأحداث من أهل الدعاوى ، ما يلزم في أهل البدع ، وأنزل الأحداث التي تحتمل الصواب والخطأ ، منزلة الأحداث التي لا مخرج لها من الصواب ، وحكم على المتدينين في الأحداث المحتملة للصواب والخطأ بحكم ما لا يحتمل ولم يجز إِلا الولاية فيهم أو البراءة أو الوقوف ودان بذلك ، فقد خالف في ذلك الحق ، وكان هو بذلك من أهل البدع ، وكذلك إن لحقته بظاهر التهمة بذلك ، أنه ترك ولاية من برىء من أوليائه من المسلمين في الحدث الواقع المحتمل للحق والباطل ، والخطأ والصواب ، ولم يجز إلا الولاية فيه ، أو برىء ممن تولى ولم يجز إلا البراءة ، أو برىء ممن وقف ولم ير إلا الولاية أو الوقوف أو البراءة ، أو برىء ممن تولى وبرىء ، ولم يجز إلا الوقوف ، فإذا صح منه ذلك حكم عليه بالبدعة والخطأ وبرىء منه بذلك صاغرا ، لأنه خالف في ذلك حكم الحق المجمع عليه ، لأنهم أجمعوا على ولاية المتولي والمتبرىء والواقف ، في الأحداث الواقعة المحتملة للخطأ والصواب ، إلا أن تقضي عليها الشهرة بأنها خطا ، كما قضت الشهرة بوقوعها ، أو تقضي الشهرة بصوابها كما قضت بوقوعها ، فإذا قضت الشهرة بخطأ الحدث أو بصوابه ، وأجمعت على ذلك الأخبار ولم يتنازع في ذلك ، فقد زال حكم الاحتمال والحق فيه في واحد .
وكذلك لو قضت الشهرة من إجماع الحاكمين عليه من المسلمين ، بأن الحدث وقع على الخطأ ، زالت أحكام الاحتمال ولم يكن إلا التسليم للإجماع من الحكام على باطل الحدث . وكذلك لو أجمع الحكام من الأعلام على تصوب الحدث المحتمل ، لم يجز بعد صحة الإجماع على صواب الحدث ، أن يحكم في ذلك الحدث بحكم الاحتمال . (1/130)
صفحة 131
فإذا صح من أحد مخالفة بحكم في مجتمع عليه ، فانزله منزلة الأحكام المختلف فيها ، أو حكم مختلف فيه ، فدان فيه بحكم المجمع عليه فذلك خطا وبدعة ، يبرأ منه على ذلك ، فإن لم يصح منه ذلك ولم تجز عليه تهمة بذلك تظاهر عليه ، فهو في حكم الظاهر محق ، لَاحِقٌ بأحكام السلامة في الأحداث ، وإن لحقته التهمة بترك ولاية محق من أجل حكمه في ذلك ، بوجه يسعه في ذلك ، فترك ولاية محق في ذلك ، ولحقته التهمة في ذلك ، زالت ولايته ولم تصح موافقته حتى يبرأ من التهمة بالموافقة في تلك الأحداث ، أن كلا فيها مخصوص بعلمه ، إِذا كانت الأحكام فيها تخرج على سبيل أحكام الدعاوى لا أحكام البدع ، ولا يحكم فيمن مضى من أهل العلم ، ممن صح له اسم الموافقة في جملة أهل الأحداث بتسليم المتدينين فيها من أهل الدعوة من الولاية والبراءة والوقوف ، ألا يحسن الظن ، وأحكام الظاهر لهم أحكام السلامة ، فمن لزمته ولاية أحد منهم ، قد مضى على ذلك ، فهو على ولايته حتى يعلم منه مخالفة في حكم ذلك ، بغير شك ولا ريب . (1/131)
صفحة 132
باب: أحكام البراءة والشهرة ومعانيها وأحكامها والفرق في ذلك بين شهرة الحدث والدعوى للحدث
اعلموا - رحمكم الله -أنه لا تصلح البراءة ولا تجب ولا تجوز ولا تلزم ، في أحكام الظاهر في أحد من الناس بعينه ، في متقدم من الناس أو مستأخر ، أو منافق من أهل الاقرار ، أو جاحد كافر ، إلا بأحد معان أربعة لا يعدو ذلك إِلى خامس إما بمعاينة من المتبرىء لأحداث المحدِث وأعماله من جميع ما كان من حدثه وأفعاله . وإما سماع منه بإذنه لما يخالف به الحق من أقواله .
وإما صحة أحد ذلك منه بتواتر الأخبار ، التي لا يعارضها في حين ذلك اختلاف ولا إنكار ، حتى يتناهى صحة ذلك إِليه ، وتقوم به الحجة عليه ، ويعلم ذلك بصحة اليقين ، إلى غير حد في ذلك ولا غاية من المخبرين والقائلين ، سواء علم اليقين ونزوله ، و مزايلة الريب ودخوله ، من غير أن تكون صحة الشهرة للحدث من مدع نازل بمنزلة الدعوى ، ولو كان أعظم منزلة من أهل البر والتقوى ، أو تكون الشهرة في الأصل دعوى على المدعى عليه ، وزورا وكذبا عليه وجورا ، فإن علم الشهرة بالحق تقوم مقام المعاينة للأفعال والسماع للأقوال ويجب بذلك العلم والشهادة ، كما يجب بالمعاينة والمشاهدة .
والرابع من المعاني شهادة الشاهدين من أهل الاستقامة والولاية على المحدث بحدثه المكفر ، الذي به يجب خلعه وفراقه ، والبراءة منه لله ، ولا نعلم أن أحدا قال غير هذا أنه تجب البراءة ويصح الكفر بغير هذه المعاني الأربعة إلى معنى خامس ، وعلى هذا إجماع أهل العلم من أهل الاستقامة من المسلمين . (1/132)
صفحة 133
فأما السماع والمعاينة لهذه المعاني الأربعة لحدث المحدث ، فلا يختلفان ولا يختلف القول فيهما من العلم ، ولا يتأول فيهما أحد من المتأولين شيئا يخالف به الحق ، ولا يحتاجان إلى كلام ولا تأكيد ، غير أنه من سمع فقد قامت عليه حجة السمع ، ومن عاين فقد قامت عليه حجة العيان .
فصل : وأما الشهرة فقد تختلف معانيها ، في قلتها وكثرتها وصغرها وكبرها ، ولا تختلف أحكامها وإن اختلفت معانيها ، لأن من الشهرة ما يشهر في الآفاق والأمصار ، والبر والبحار ، وعامة الفجاج والأقطار ، ومن الشهرة ما شهر في مصر دون مصر ، و إقليم دون إقليم ، وقطر دون قطر ، لاذا شهرت في المصر شهرت في جميع بلدانه وفجاجه ، وأوطانه وأقطاره ، ومن الشهرة ما يشهر في بلد من المصر دون بلد ، ولا يشهر في كل بلد من تلك البلدان ، ولا جميع الفجاج منه والأقطار والأوطان ، ومن الشهرة ما يشهر في مصر دون مصر ، وإقليم دون إقليم ، وقطر دون قطر ، وإذا شهرت في المصر شهرت في جميع بلدانه وفجاجه ، وأوطانه وأقطاره ، ومن الشهرة ما يشهر ني محلة من البلد دون غيرها من المحال ، ويصح مع بعض من أهل ذلك البلد دون بعض من النساء والرجال ، ومن الشهرة ما يشهر في دار من محال البلد دون غيرها من الدور ، وفي قصر من البلد دون غيره من القصور ، وتقوم الحجة على أهله دون غيرهم بذلك الخبر المشهور ، مما تجب به أحكام المشهورات ، من صحة المسموعات والمذكورات ، ومدار أحكام ذلك كله واحد عند من خصه حكم ذلك . (1/133)
صفحة 134
فصل : وغاية وجوب ذلك أن يصح عند من صح معه من أهل الآفاق ، ولو لم يجب على أحد من أهل الآفاق علم ذلك وغيره ، وغاية زوال الحكم في ذلك عمن خصه جهل ذلك ، إلا أن يصح معه علم ذلك بما لا يرتاب فيه ولا يشك ، ولو صح ذلك مع عامة أهل زمانه ، من الآفاق والأمصار ، والفجاج والأقطار ، والبر والبحار . وكذلك إذا كانت الشهرة في مصر دون مصر ، فلو علم ذلك وصح مع عامة أهل المصر ، إلا رجلا واحدا أو امرأة واحدة من أهل ذلك الزمان ، وذلك العصر والأوان والمصر والمكان ، ما كان علم جميع أهل المصر عليه حجة ، ولا له في اتباعهم في علم ذلك حجة . (1/134)
صفحة 135
كذلك لو كانت الشهرة في بلد دون بلد ، فشهرت مع جميع أهل ذلك البلد إلا رجلا واحدا لم يبلغه علم ذلك ولم يصح ذلك معه ، ما كان علم غيره عليه حجة ولا له حجة ، وكذلك لو لم يعلم بذلك الذي قد شهر مع من شهر معه في بعض ما قد خصه علم الشهرة فيه ، مما قد تواترت به الأخبار فأدّته إليه من الأفاق والأمصار والفجاج والأقطار ، إلى بلده وأوطانه وموضعه ومكانه ، كان ذلك في عصره وزمانه ، أو في غيره من الأزمان مما لم يدرك وقته بعيان ، ولا أدركه في زمانه إنسان ، ولو كان ذلك في أيام الغرق والطوفان في عصر نوح -صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم -وهود، وعصر عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الأخدود ، أو عصر إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم -وعدو الله نمرود ، أو قبل ذلك من العصر والأزمان مثل عصر ادم -صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم - ، وعصر ولد الجان قبل أن يخلق الله آدم - عليه السلام - ، فكل من خصه علم شهرة من الشهر ، فأدت إِليه علم شيء من الخير في أي عصر وزمان ، وأي مصر ومكان ، وأي وقت وأوان ، فقد وجب عليه علم ذلك كما يجب عليه علم العيان ، وعلم ما قد وعته الأذنان ، وكل من لم يخصه علم شيء من الشهر ، ولو وجب علم ذلك على جميع الخلق والبشر ، وكل أنثى وكل ذكر ، من كل زمن وعصر ، في كل بلد وسعر ، وكل دار وقصر ، إلا ذلك الشخص وذلك الإنسان من ولد آدم أو من ولد الجان ، فغير مسئول عن علم غيره من العالمين ، ولا هوادة له في تقليد أحد من الخليقة ، في علم ذلك في شيء من الدين ، ولو كان ذلك الحدث في بلده وقراره ، وسكنه وداره ، وعصره ودهوه ، ويومه وشهره ،
فلا حجة عليه فيما لم يبلغ من ذلك علمه إليه ، ولا حجة له في اتباع العالمين لذلك على التقليد لهم ، كائنا من كانوا من الناس من المتقين الأخيار ، أو العلماء الأحبار ، ما خلا النبيين والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين . (1/135)
صفحة 136
فصل : ولا يجوز قبول شهرة الدعوى ولو صحت عند من صحت عنده على وجه صحة الشهرة ، إذا كانت في الأصل شهرة دعوى ، ولو جهل القابل لها حكم شهرة الدعوى ، لأنه لا يجوز في الأحكام ولا في شيء من أحكام الإسلام قول المدعي ولا شهادة المدعي ، ولا يجوز قبول ذلك لحاكم ولا لجاهل ولا لعالم ، ولو جهل أصل ذلك ، فقبِلَه على ما قد صح منه ، فهو بقبول ذلك ظالم هالك ، ولا يسعه جهل ذلك ولا ركوبه بعلم ، ولا بجهل برأي ولا بدين ، لأن ذلك حكمه من أحكام الدين ، ومما قد جاء فيه الإجماع من المسلمين أنه لا يجوز قبول قول المدعي فيما يدعيه ، ولا شهادته على ما يدعيه ، فإذا ثبت أنه لا يجوز قبول قوله ، ولو سمعه السامع له بأذنيه وعاينه ، يدعي ذلك برأي عينه ، فأحرى وأجدر أن لا يقبل قوله فيما عنه شهر ، ولو كثر ذلك منه وظهر ، وتواتر به الخبر وانتشر ، وهذا مما لا نعلم فيه اختلافا ، ولا ينساغ في عقول أهل العلم غير هذا إن شاء الله .
فصل : ثم إن أحكام شهرة الأفعال من الأعمال الحادثة والمقال ، من جميع الشهر الصحيحة ، في جميع الأحوال ، لا تختلف أحكامها ، وإن اختلفت معانيها ، وهي أن يكون ذلك في الأصل صحيحا في علم الله ، وعلم من شُهِر عنه ذلك ومنه وعليه ، ويبلغ علم ذلك ويصح علمه عند من قد علمه وتأدى إليه ، وعلمه علم اليقين ، وارتفع عنه في ذلك الشك والريب ، كائنا ما كان ذلك من الأحداث ، فقد وجب عليه علم ذلك ووسعه ، وجاز له الحكم بذلك على حسب ما يجب عليه من علم ذلك .
وأما شهرة الدعوى فتنقسم على وجوه كلها باطل لا يجوز الحكم بها ، ولا العمل بها ، من ذلك أن يكون أصل الشهرة دعوى ممن قالها وجهلا ممن (1/136)
صفحة 137
قبِلَها ، وكذبا على من ادُّعِيَت عليه وأضيفت إليه ، ثم تناقلتها الأخبار حتى قامت مقام شهرة الأحداث ، في الدار والآفاق والأقطار ، وكل ذلك باطل لا يجوز قبوله لمن قبله والعمل عليه ولا به ، ولو لم يعلم ذلك القابل له أنه كذلك ، وصح ذلك معه من تواتر الأخبار للكذب المزوّر ، على من ادعى عليه ولو كان شهرة ذلك ، جرت على أذنه من أخبار الأبرار والعلماء والأحبار ، والثقاة والأخيار لما قد نقله إليهم ، فالقابل لذلك والعامل به كافر هالك .
فصل : ومن ذلك أن يكون الحدث صحيحا ممن أحدثه ، والعمل الذي كان منه ، ثم يصح ذلك عند من صح عنده من طريق دعوى ، وممن هو نازل بمنزلة الدعوى ، فلا يجوز ذلك له ولا يسعه قبوله من طريق الدعوى ، ولو كان الحدث في الأصل غير دعوى إلا أنه صح معه هو من طريق الدعوى ، فسواء ذلك ، وهو بذلك بمنزلة الدعوى ، ولا يجوز له قبول ذلك ولا العمل به .
وكل نازل بمنزلة الخلاف في الدين ، في ذلك الأمر الذي يشهد به ويقوله في أمر الدين والدنيا ، ونازل بمنزلة اختصام في الدين لمن صح معه ذلك عنه ، فهو عنده بمنزلة الدعوى ، ولا يجوز قبول قوله عنده في دعواه عليه ، ولو كان الذي يدعيه عليه صحيحا في الأصل ، لأن جميع الخصوم مدعون .
وكل مدع لا يقبل قوله ولا شهادته ، وكل من لم يقبل قوله ولا شهادته ، فهو خصم فيما ادعاه وقاله ، فلا يجوز مثل ذلك منه من طريق الشهرة عنه ، وهذا الباب يتسع فيه القول ، ويطول فيه الوصف ، وقد مضى في هذا الكتاب من تفسير هذا الفصل وهذا الباب ، مما فيه كفاية من دعوى أهل الخلاف في الدين ، على أهل الاستقامة من المسلمين في صدر الأمة ، مما قد أجمع أهل الاستقامة من المسلمين ، على إبطال قولهم فيه ، وأنه ليس (1/137)
صفحة 138
بحجة على من لم يصح ذلك عنده ، إلا من أهل الخلاف له في الدين ، مما لم يصح باطلهم فيه بحكم اليقين ، على لسان رسول رب العالمين ، ولا في الكتاب المستبين ، غير أنه قد صحت حجة المدعى عليه في الدين ، بخلاف ما ادعاه عليه المدعون ، فكان قولهم في ذلك دعوى منهم ، مع من علم ذلك الحق من المدعى عليه ، ومن لم يعلم ذلك وكان قبول ذلك ممن ادعاه ، ولو شهد ذلك وظهر باطلا ، لا يجوز قبوله لأحد من العالمين ، إذ كانوا في الأصل مدعين في حكم دين اللّه رب العالمين ، ولو لم يعلم العالم بذلك من قولهم أنهم نازلون بمنزلة المدعين ، فلا يجوز قبول ذلك منهم لعالم ولا لجاهل من غير أن يصح في حكم اليقين باطلهم ، مع من علم ذلك منهم ، إلا أنهم في الأصل في علم اللّه ، وعلم أهل دينه المتقين ، خصما للدين وأهله ، في ذلك الأمر الذي ادعوه وقالوه ، على من كان في ظاهر الأمر محقا ج في حكم دين اللهّ ودين المسلمين . كذلك كل نازل بهذه المنزلة في حكم الدين ، فقوله باطل وهو من المدعين ، ولو كان المدعى عليه من المبطلين في الدين ، في غير هذه الدعوى من المدعين ، فلا يجوز قبول المدعى عليه كائنا من كان من المدعين ، لأن أحكام الله - تبارك وتعالى - لا تختلف في العالمين ، وما لم يجز في حكم دين اللّه من قبل طريق الأحكام في المحقين ، لم يجز في المبطلين ، وما جاز في المبطلين جاز في المحقين من طريق الأحكام في الدين . (1/138)
صفحة 139
فصل : ولو أن مبطلا في الدين ادعى على مبطل في الدين دعوى من جميع الدعاوى ، وهو في علم اللّه صادق ، غير أنه في حكم الدين من المدعين ، لم يجز قبول قوله لعالم ولا لجاهل ، إلا لمن علم كعلمه ، من جميع وجوه الدعاوى ، في ذات الدين والدنيا ، على ذلك أجمع أهل القبلة ، وجاءت بذلك السنة وصحيح التأويل ، وإنما خالف أهل الضعف والعمى ذلك من طريق خطأ التأويل ، لأنه من المحال أن يكون أحد لا يجوز قوله ولا شهادته في أمر ، وهو يعاين ويسمع ويقبل من تظاهر خبره ذلك .
فصل : وإذا كانت الشهرة في الأصل في دين الله وفي علم الله وفي حكم دينه شهرة دعوى ، لم يجز قبولها والعمل بها ، جهلها الجاهل لها أو علمها ، وهي باطل لا يجوز ، ولا حجة لمن قبلها بجهله ولا بعلمه ، علم الأصل الذي يكون به دعوى ، أو جهله ، فذلك كله سواء ، والقول فيه واحد ، وإذا كانت الشهرة شهرة حق في أصل دين الله ، وفي حكم دين الله ، ولم يكن باطلا ولا دعوى ، ولا من أهل الدعوى ، فلا يسع جهل العمل بها ، ولا جهل قبولها من قامت عليه الحجة بها ، ولوكان ذلك إنما صح من حيث يرى أنه دعوى وأنه لا يقبل ممن جاء به ، وممن شهد به وقال به وشهِرَ عنه. (1/139)
صفحة 140
فصل : ولو نشأ ناشىء في العراق أو في غيره من الأمصار ، فتظاهرت منه الأخبار من جميع أهل المصر أن عليا بن أبي طالب قتل أهل النهروان على الحق ، وأنهم مبطلون في محاربته وفي اعتزاله ، ولم تبلغه الأخبار في أصل ما يحاربوا عليه ، ولا على أصل ما اعتزلوا عنه فيه ، إلا أنه شُهِر هذا في جميع أهل المصر ، وأن عليا هو المحق في قتل أهل النهروان وهم المبطلون ، فقَبِلَ هذه الشهادة وبرىء من أهل النهروان على هذه الشهرة ، كان عندنا بذلك قابلا لما لا يجوز له قبوله ، وهالكا بذلك ، ولو لم يعلم غير ذلك ، وظن أن ذلك جائز له ، إذ قد أجمع على ذلك جميع من سمعه ولم يسمع لما سمعه من ذلك مغيرا ولا منكرا ما وسعه ذلك ، ولا كان ذلك له حجة ، لأن أصل الحكم فيما قضت به الشهرة ، وقامت به الحجة من إجماع أهل الحق وهم الأمة ، أن علي بن أبي طالب حاد عن سبيل ما كان عليه من حجة الله ، وأن أهل النهروان ثبتوا على الأصل الذي كان عليه وتقدم عليه وحارب عليه ، وسُفِكت عليه دماء المسلمين ، وأهل الحق والمجمع على ولايتهم وحقهم ، ومن كان على سبيل الحجة في ظاهر أمره فهو المحق في ظاهر أمره ، ولو كان مبطلا في سريرته ، ومن حاد عن سبيل الحجة كان مبطلا في حكمه ، إذا حكمت عليه الحجة بذلك أو فارقته على ذلك ، أو قتلته على ذلك أو حاربته (1/140)
صفحة 141
على ذلك ، فكل ذلك مما يقيم عليه الحجة ومما يثبت عليه النكير ، لأن إظهار النكير حجة وتركه حجة ، وقد أظهرت الحجة علي بن أبي طالب بالنكير بمفارقتهم له ، واعتزالهم عنه ، ومحاربتهم له ، إذ أراد حربهم على ذلك ، وبالواحدة من ذلك تقوم عليه الحجة ، ولو كان محقا واحتمل حقه وباطله ، فإنكار الحجة عليه مزيل لعذره ، موجب لضلاله وكفره ، موجب لحق المنكر عليه إذا أنكر عليه ما هو له في حكم الظاهر أن ينكره عليه ، ولو كان إنكاره ذلك عليه باطلا في السريرة ، ولو علم بذاك من علم ، أن ذلك كان باطلا ، فإن ذلك عليه أن يحكم به في السريرة ، ولا يجوز له أن يشي به في حكم العلانية ، فإن دعا ذلك على الحجة كان مبطلا على الحجة ، ولا يقبل منه ذلك أبدا ، كان المدعي لذلك مائة ألف ألف وواحد ، ولو شهدوا بذلك قطعا ، وسمع ذلك من سمع سماعا ، كان ذلك باطلا في الحكم ، ولم يجزله أن يقبل منهم ذلك ، ولو جهل حكم قبول ذلك ورده وجهل حكم الحجة من الدعوى ، وكذلك الشهرة بذلك خارجة على حكم الشهادة والسماع ، ولا ينتفع بكثرة عدد المدعين ، والواحد منهم والألف سواء ، فلا تقبل دعواه ولا تجوز شهادته ، كائنا ما كان ، وكائنا من كان ، وكلما كثر ذلك منه أو من القائلين كقوله والراوين لقوله ، والشاهدين على قوله أو على مثل قوله ، فكل ذلك سواء ، ولا ثبوت لقول مدع في دعواه بوجه من الوجوه ، ولا في معنى من المعاني ، والمحق عند اللّه هو المحق عنده في علمه ، ولا يكلف العباد علمه في عباده ، ولا يوسع لهم بحكم علمه في عباده ، وأن يتعاطوا في عباده حكم علمه وهذا من المحال . (1/141)
صفحة 142
فصل : والمحق في حكم دين اللّه وعند اللهّ ، هو المحق في حكم دين اللّه ، بما قامت به الحجة في دين اللهّ له أنه محق ، وكذلك من قامت عليه الحجة في حكم دين اللّه أنه مبطل ، فهو مبطل لا يتحول إلى حكم الحق إلا عند من علم كذب الحجة التي قامت عليه ، ولن يكون محقا أبدا بتكذيب الحجة في ظاهر الأمر ، الذي قد حكم لها الحق بالحجة ، هذا من المحال والكذب والضلال .
فلا بد من أحد أمرين في أمر علي بن أبي طالب وأهل النهروان ، في علم اللّه - تبارك وتعالى - ، ولسنا نتعاطى ذلك ، ولن نقول بالحكم فيه أنه إن كان علي بن أبي طالب هو المحق فيما دخل فيه ، مما حاد فيه عن سبيل ما اجتمع عليه هو والمسلمون ، مما يحتمل له في ذلك مخرج من مخارج الحق في سريرته ، ولم نعلم بذلك المنكرين عليه ، مما توسع به من العذر ، فليس له أن يقيم على ما يكون به مبطلا ، بعد إقامة الحجة عليه ، ولا حجة لمبطل في حكم الحق على من أنكر عليه باطله ، لما خصه هو علم من ذلك ، فهو المبطل على حال في حكم الحق في السريرة والعلانية ، ولا تنفعه سريرته عند إبطال حكمها بالقيام من المنكرين عليه لضدها ، فالحجة حجة على كل حال ، وقبولها هو الحجة وتصويبها هو الحجة ، وإما أن يكون علي بن أبي طالب مبطلا في سريرته وعلانيته في مفارقة سبيل الحجة ، فالقول واحد والحجة عليه أثبت ، والحجة القائمة عليه هي الحجة وليس عليها حجة ، ولا يجوز قبول من ادعى غير ذلك ،ولا يصح ذلك أبدا بقول ولا شهادة قلّ أو كثر ، ولا حجة لمن قبل ذلك من قابله . (1/142)
صفحة 143
فصل : وإما أن يكون علي بن أبي طالب محقا فيما دخل فيه ، مما يحتمل فيه حق ، ما دخل فيه عند من عرف ذلك منه ، والمنكرون عليه عالمون بعذره ، خائنون لله في قطع حجته ، وهم يعلمون ثبوتها ووجوبها في أحكام السريرة له ، وخانوا الله في ذلك ، وقاموا بالحجة في موضعها ، وهم يعلمون باطل ما قاموا به ، فيكون علي بن أبي طالب في حكم السريرة عند اللهّ محقا ، وعند الحجة التي قامت عليه بذلك محقا ، وعند من صدق الحجة ، وحكم بأحكام الحجة ، وأثبت أحكام الحجة مبطلا ، ومن ضادّ الحجة وحكم بإبطالها أوعاداها ، أو قبل من المدعين عليها أو فيها غير ما قامت لها به الحجة في الدين كان مبطلا ، كائنا من كان وكائنا ما كان ، إلا من علم باطل الحجة وحق المحجوج ، فعليه أن يحكم بذلك للهّ في سريرته ، ولا يظهر ذلك في علانيته ، فمتى أظهر ذلك كان مدعيا في حكم دين اللّه عند جميع من تعبده اللّه بدينه ، كائنا من كان وكائنا ما كان ، إذا كان مدعيا في أصل دين اللّه ، في تعبد اللّه به عباده في الحجة وللحجة .
فصل : وكل حجة لله في دينه نزلت بمنزلة الحجة في وقت ما يكون فيه حجة ، وهي حجة في موضعها لله في دينه ، وعلى جميع من تعبده اللّه من عباده بدينه ذلك وشريعة دينه ذلك ، ولا تتحول إلى غير ذلك عند من أدركها أو لم يدركها ، عرفها أو جهلها ، فليس له أبدا مخالفة حجة الله بعلم ولا بجهل ، برأي ولا بدين ، ولن تتحول أحكام الشهرة بثبوت الحجة في أمر من الأمور إلى إبطال حكم الشهرة فيه ولا إبطاله ومحال ذلك ، ولن يجوز أن تجري عليه أحكام السريرة ، أو يضاد أحكام السريرة ولا أحكام الشهادة على إبطاله في حكم صحته . (1/143)
صفحة 144
كذلك القول في عثمان بن عفان وطلحة والزبير ومعاوية بن أي سفيان ، القول فيهم واحد ، وفيما قضت لهم الشهرة وعليهم ، وما قامت به الحجة لهم وعليهم في حكم دين الله ، وأجمع على ذلك حجة اللهّ فلن يتحول ذلك إلى غيره ، ولو أجمع أهل مصر أو أمصار على خلاف ذلك ، ولم يعلم من صح معه ذلك الإجماع غير ذلك ، ولن يجوز حكم الشهرة على الدعوى ولا بالدعوى ولا من المدعين بما تكون الشهرة نازلة بمنزلة الدعوى ، أو دعوى على أهل الحق فيما قامت به حجتهم على خصمهم ولو سلف ذلك فيما مضى من حكمهم .
فكل شهرة جرت تخرج مخرج الدعوى ، فأصبحت دعوى كفر أحد أو إيمانه ، على سبيل ما يخرج في أحكام دين الله مخرج الدعوى ، فليس لأحد قبولها ولا العمل بها ، من جميع من جرت ومن جميع من شهرت ، والقابل لها والعامل بها هالك بذلك ، جهل ذلك أو علمه ، ولا يسعه جهل قبول الباطل في ولاية ولا براءة ، فالحجة التامة في حكم الظاهر الثابتة على سبيل النبي صلى الله عليه وسلم وسبيل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي اللهّ عنهما- ، هم قتلة عثمان بن عفان يوم الدار ومحاربو طلحة والزبير يوم الجمل ، ومحاربو معاوية بن أبي سفيان وحزبه أيام صفين ، ومحاربو علي بن أبي طالب يوم النهروان ، فجميع من مضى على هذا السبيل ، ولم يغير ذلك السبيل ولم يبدله ولم يزغ عنه بقول أو عمل ، أو رأي أو دين أو محاربة أو مسالمة إلى يوم القيامة ، فهو الحجة التامة القائمة للهّ بالحق والقسط والعدل ، وكل من خالف أهل هذا السبيل مذ خلق اللهّ - تبارك وتعالى - السماوات والأرض إلى يوم القيامة ، برأي أو بدين ، بقول أو عمل ، في محاربة أو مسالمة ، فهو مدع محجوج لا حجة منه ولا له في دين اللّه ، على حجة الله التامة إلا فيما خصه من حكم المخصوصات دون حكم جملة العام . (1/144)
صفحة 145
فصل : فكل خارج أو قاعد أو محارب أو مسالم ، أو إمام أو حاكم أو ضعيف أو عالم ، صحت له الاستقامة على سبيل حجة اللّه في أرضه على عباده ، فهو الحجة التامة فيما جعل اللهّ له من ذلك في دينه ، وكل مخالف للحجة فهو محجوج مقطوع العذر في حكم الظاهر فيما تعبد اللهّ به عباده إلى يوم القيامة ، فالحجة الماضية هي حجة باقية ليس لمن جهلها أو علمها مخالفتها ، ولا التقدم بين يديها بنقضها ، ولا بمخالفتها ولا إبطال ما أوجب اللهّ لأهلها من حقها في دينه ، علم ذلك المتعبد بذلك أو جهله ، إذا خصه حكم مخصوصها أو عمه حكم معمومها .
فصل : فلو نشأ ناشىء يقدم من أرض اليمن ، فوجد إجماع الكلمة من أهل العلم والخاصة والعامة ج على أن هارون بن اليمان هو المحق ، وأن محبوب بن الرحيل هو المبطل فيما اختلفا فيه في الدين ، وظهر من اختلافهما في الدين ، ووقف هو على ما اختلفا فيه أو لم يقف ، غير أنه وجد تأكيد الكلمة ، وتظاهر الشهرة من الخاصة والعامة على هذا ، فبرىء من محبوب بن الرحيل على هذا ، كان بذلك هالكا ، ولم يسعه جهل ذلك ولو لم يعلم أن ذلك باطل ، ولا أن تلك الشهرة شهرة دعوى من مدعيها في الإسلام وعلى أهل الإسلام ، ولو لم نسمع قط من ينكر ما سمعه من تأكيد الكلمة في زمانه ، من أهل مصره وعصره ، فلا يسعه ذلك ، وهو هالك بذلك ، ولو لم يكن له عند اللهّ -تبارك وتعالى - ذنب إلا براءته من محبوب بن الرحيل -رحمه اللّه - صلى هذا .
فصل : وكذلك لو نشأ ناشىء بخراسان أو غيرها من أرض الخوارج ، فوجد تأكيد الكلمة من أهل مصره وعصوه على تصويب نافع بن الأزرق وحزبه ، وعلى إبطال أمر عبداللّه بن إباض وحزبه ، ولم يعلم غير ذلك ولا سمع لذلك مغيرا ولا دافعا ولا منكرا ، فيرى من عبداللهّ بن إباض على هذا السبيل ، كان هالكا ، ووقف على ما اختلف فيه نافع بن الأزرق و عبداللّه بن إباض ، أو لم يقف على الحكم في ذلك ، أو جهله . (1/145)
صفحة 146
كذلك كل مخالف لإمام من أئمة المسلمين في الدين ، اتبعه على ذلك من اتبعه ، فشهدوا له بالصواب ، وعلى إمام المسلمين المحق بالباطل ، فقبل ذلك قابل من عالم بذلك أو جاهل ، وبرىء من المحق بذلك ، فهو هالك ، وكل هذا الباب يجري مجرى شهرة الدعوة ، وهذا الباب يطول وصفه ، وقد مضى منه ما في بعضه كفاية ، مجملا ومفسرا إن شاء اللّه .
فصل : ومن شهرة الدعوى أن يكون الحدث في الأصل حق ممن أحدثه وهو كفر مما يكفر به محدثه من الإنكار ، فما دون ذلك من أحداث أهل الإقرار من ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر ، فيتعلم ذلك منه من علمه من الخواص والعوام ، أو الضعاف أو الأعلام ، فيبرؤون منه على ما قد علموا منه من حدثه الخاص لهم علمه ، دون أن يشهر حدثه عند من شهر عنده براءتهم منه ، وإنما بلغ إليه شهرة براءة المتبرئين منه على حدثه الذي قد أحدثه في علمهم ، فلو شهرت البراءة منه من جميع أهل الأمصار ، من أهل الإقرار والإنكار والأبرار والفجار والضعاف من أهل الاستقامة والأخيار ، ما كانت تلك الشهرة بموجبة على من علمها البراءة من هذا المتبرأ منه ، ولا بموجبة له البراءة منه ، فإن برىء منه على هذا متبرىء ، وقبل هذه الشهرة وحكم بها ، كان هالكا مقطوع العذر إلا أن يتوب . (1/146)
صفحة 147
فشهرة الخلع من الخالعين والبراءة من المتبرئين ، لا توجب علم كفر المتبرأ منه ، ولا تجيز للعالم بتلك الشهرة البراءة منه ، وتكون البراءة منه على هذا تقليدا للمتبرئين منه ، قلوا أو كثروا ، من واحد أو مائة ألف أو يزيدون ، إلى ما لا غاية له ولا نهاية ، كائنا من كانوا وكائنا ما كانوا . كذلك لو برىء منه على حدثه ذلك ، الذي لم يصح مع العالم بالبراءة منه من المتبرئين ، مائة ألف فقيه أو يزيدون ، مثل أبي بكر وعمر من ألصحابة -رضي اللّه عنهم -، ومثل موسى بن علي ومحمد بن محبوب -رحمة الله عليهما- من العلماء ، ما جاز له ولا وسعه أن يبرأ منه كبراءة المتبرىء منه من غير علم منه بحدثه ، ولا بموجب علم حدثه من معاينة لحدثه ، أو سماع منه لحدثه أو شهرة تصح حدثه ، أو شهادة توجب الحكم بصحة حدثه ، فإن برىء منه متبرىء على هذا ، كان هالكا إلا أن يتوب . (1/147)
صفحة 148
وهذا هو حكم براءة التقليد إذا برىء كبراءة المتبرىء ، وشهد كشهادة الشاهدين ، ولا يجوز التقليد ولا يحل في الدين إلا لأنبياء اللهّ ورسله - صلوات اللهّ عليهم - ، فيما يجوز فيه التقليد لهم من المحكم غير المتشابه ، والناسخ غير المنسوخ ، مما لا يجري على وجه الغلط منهم ، ولا مما يلقيه الشيطان على ألسنتهم ، فإنه قل! قال اللهّ -تبارك وتعالى -: ( وَمَا أرْسَلْناَ من قَبْلِكَ مِن رَّسُولَِ وَلا نِبي إلّا إذَا تمنى ألْقَى الشيْطَانُ فِي أمْنِيَّتهٍ فينْسَخُ اللّهُ مَا يلقِيِ الشَّيْطَانُ ثُمَ يحكِم اللّه آيَاتِهِ وَاللّه عَليمٌ حَكِيمُ ليجعل مَا يلُتقِي الشيطان فتنةً للّذِينَ فِي قلوُبهِم مرَض وَالْقَاسَيةِ قلوبهم وَإنَ الظَاِلمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد ويعلمَ الّذينَ أوتوُا- العِلمَ أنَه الْحَقً من ربكَ فَيُؤَمِنوا بِه فَتُخِبت لَه قلوُبهُمْ وَإن اللّهَ لهادِ الَذِّين آمَنواِ إلىَ صِراطٍ مستقيمٍ )(1 ). ونحن على تصديق قول اللهّ من الشاهدين ولو كره الكافرون والمنافقون ، وتأول في ذلك المتأولون ، فنحن نؤمن بهذا من قول اللهّ - تبارك وتعالى - أنه كذلك ، وأن ذلك لا يجوز أن يقتدى به من الأنبياء والرسل ، وأن ذلك فتنة لمن اقتدى به وقَبِلَه ، وأن اللهّ ناسخ لذلك كما قد وعد -تبارك وتعالى - ، وليعلم الذين أوتوا العلم أن ذلك الحق على ما قد ابتلى اللهّ به خلقه وعباده ، فيؤمنوا بذلك فتخبت له قلوبهم ولا ينكرونه ، ولا يتأولونه على غير تأويل الحق ، وإن اللهّ لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ، في جميع ما اختلف فيه المختلفون ، وفي جميع ما افتتن به المفتونون . (1/148)
صفحة 149
فصل : ومن شهرة الدعوى أن يشهر ويظهر على ألسن العوام من أهل الإقرار وأهل الإنكار ، والضعاف من المسلمين كفر المحدث ، والشهادة منهم عليه بالكفر والنفاق والبغي والشرك ، أو شيء من الأسماء ، من غير أن يشهر حدثه الذي يكفره ، أو يوجب عليه البغي والفسق والنفاق .
ولا يصح في الشهرة حدثه ذلك الذي يوجب عليه ذلك ، فلو شهر هذا على أحد في جميع الأمصار والآفاق على هذا الوجه ، ما كان ذلك موجبا عليه البراءة ، ولا جاز لمن علم ذلك أن يبرأ منه ولا يحل ذلك ، فإن هذا يخرج مخرج الدعوى وشهرة الدعوى ، لأن ذلك لا تجوز الشهادة فيه ممن شهر منه ، وإنما يصح كفره وتجب البراءة منه ، ويحل إذا شهر ذلك من حكم الإعلام عليه والإجماع منهم في ذلك عليه ، فإذا شهر ذلك من الإعلام بالشهادة عليه ، وشهر الحكم منهم بذلك عليه ، وأجمعوا على ذلك ، ولم يختلفوا وصحت الشهرة بذلك من إجماعهم وحكمهم بذلك عليه ، كان ذلك مما يصح به كفره . (1/149)
صفحة 150
ومما تصح به الشهرة لكفره وبغيه ، فإن جاءت الشهرة بالاختلاف من أهل العلم ، من أهل الاستقامة فيه بالاختلاف ، ولم يجتمع على تلك الكلمة من المسلمين واختلفوا كان ذلك مما يزيل حكم الإجماع على صحة كفره وبغيه وفسقه ونفاقه ، وإذا صحت الشهرة من الأعلام والعلماء من أهل الاستقامة والإسلام بالشهادة والحكم ، على أحد من الناس بعينه بالكفر ، أو الفسق أو النفاق أو البغي ، كان ذلك مصحا لكفره ونفاقه ، ووجب علم ذلك على من علمه ، ووجبت البراءة بذلك ، ولو لم يصح حدثه الذي أكفره وأوجب عليه البغي ، لأن الحكم من العلماء حجة ، إذا أجمعوا على ذلك ولم يختلفوا ، وليس هذا بتقليد ، وإنما يخرج هذا مخرج الشهادة ، فقد شهرت صحة الشهادة عليه من الأعلام بكفره وبغيه ونفاقه وفسقه ، وهم الحجة في ذلك ، ولو شهدوا به ، وسمع ذلك منهم كانوا حجة بذلك ، وكذلك شهرة ذلك عنهم إذا صحت ، تقوم مقام الشهادة وسماع الشهادة ، لأن ذلك إجماع منهم على الحكم في الأحداث وهم الحجة .
فصل : وإذا لم يصح الحدث الذي عليه حكموا به بالغِي والكفر والنفاق ، وصح الإجماع بغير مناكرة ، على الحكم عليه بالبغي في حدثه ، كان ذلك حجة من الإجماع من المسلمين ، وإن اختلفوا كان ذلك مزيلا لعلم الإجماع وصحة الشهرة ، وكانت الجماعة من المسلمين في اختلافهم في ذلك الحدث المحكوم عليه والمختلف فيه ، محقين جميعا وفي الولاية ، ولا يكون ذلك من الجماعة والعلماء اختلافا في الدين ، وإنما ذلك اختلاف في الدعاوى إذا كانوا في ظاهر الأمر محقين جميعا في سائر الأحكام ، فيما اختلفوا فيه من حق هذا المحدث وباطله ، لأنهم أهل حق ، وتتكافأ شهادتهم فيما تكون فيه متكافئة في الشهادات ، ويكونون جميعا محقين عند من علم اختلافهم في الشهادة ، ولم يعلم الحدث الذي عليه ، وفيه اختلفوا ولا يصح معه ذلك . (1/150)
صفحة 151
فصل : ولو كان أحد الفريقين المختلفين قد أبطل في الدين بغير هذا الوجه قبل ذلك ، وكان خصما للمسلمين في الدين ، أو منخلعا عن الدين بوجه من الوجوه ، وعلم بذلك من علم اختلافهم ، إلا أنه جهل مخالفة من
خالف من الفريقين ، وانخلاع من انخلع من الفريقين بجهله ، ولم يعلم الحدث المختلف فيه من الفريقين ، كانت الحجة حجة المحقين من المختلفين ، ولا حجة لمخلوع ولا لمخالف في الدين بوجه من الوجوه ، على محق في الدين ، ولا فيما قام به من الشهادة والحكم في الأحداث ولا في الدين ، ولو كان المحق في حكم الظاهر خائنا للهّ في سريرته ، وشاهدا بالزور على من شهد عليه وحكم عليه ، فالإجماع من المحقين على الحكم بالحق الظاهر فيما يحتمل فيه صوابهم حجة ، والمدعى عليهم من خصمائهم في الدين زائل الحجة ، ولا حجة له ولا منه ، ولو كان هو المحق في سريرته ، فهو المدعي في علانيته ، وإذا اختلف في ألحكم في الحدث والنكير على المحدث ، العلماء المحقون والعلماء المبطلون المدعون على المحقين ، ولم يعلم من علم منهم ذلك أصل الحدث الذي اختلفوا فيه ، فالحجة هم العلماء المحقون ، والحكم ما أجمعوا عليه وحكموا به ، وأثبتوه حكما على المحدث . وإذا اختلفوا كان ذلك اختلافا ، وزال عمن علم ذلك من اختلافهم حكم الإجماع ، وكان مختلفا فيه ، ولن يصح في ذلك على الاختلاف كفر المختلف فيه ولا بغيه ، إلا عند من خصه علم حدث المحدث ، أو علم صواب أحد الفريقين وخطا الآخر ، و إلا فليس يصح بذلك حكم كفر المحدث لاختلاف العلماء في حكم حدثه . (1/151)
صفحة 152
فصل : وإنما يكون الاختلاف من العلماء مزيلا لأحكام الشهرة ، إذا لم يصح الحدث الذي لا مخرج لمحدثه من الباطل ولا من الكفر ، أو إذا صح الحدث من المحدث ، وهو مما يحتمل الحق والباطل ، فإذا احتمل الحدث الحق والباطل ، فاختلف في حكمه العلماء ، ولم يتفقوا على صوابه ولا خطئه ، بطل حكم الإجماع فيه ، وزالت صحة الكفر والبغي بحكم العلماء ، ولم يكن ذلك موجبا للشهرة لأن أحكام الشهرة ما لا يختلف فيه ، وكان الحكم فيه بالمخصوص ممن خصه علم الحدث أو علم صدق المختلفين .
وإذا لم يصح الحدث أو صح الحدث مما يمكن ، فهذا حكمه ، والكل فيه مخصوص بعلمه ، ولا تقوم بصحة شهرة حكم أحد الفريقين من العلماء بكفره وبغيه ، حجة لمن بلغه ذلك ولا عليه ، وليس الحكم فيه إلا بمخصوص علمه ، كائنا من كان من أهل العصر والزمان ، وممن حدث بعد ذلك في جميع ا لأزمان .
فصل : وإذا لم يصح الحدث ، أو صح محتملا للحق والباطل والخطأ والصواب ، فاختلف في ذلك علماء المسلمين وضعافهم ، فصح الإجماع من العلماء على بغيه أو كفره بحدثه ، الذي لم يصح مع من صح معه الإجماع من العلماء على كفره ، وحكمهم عليه بذلك ، وصح من ضعاف المسلمين خلاف ذلك ، كان الضعفاء مدعين على العلماء لأن العلماء هم الحجة في الأحكام فيما يحدث من أحكام الإسلام .
فصل : ولو اختلف أهل الخلاف وضعفاء المسلمين الذين لا يكونون حجة في الدين والحدث ، مما يحتمل الحق والباطل أو مجهوله ، فلا يصح بإجماع العوام والضعفاء من المسلمين في ذلك حكم ، ولا يكون اختلافهم اختلافا ، والحدث بحاله مع من بلغ إليه علم الحدث محتملا للحق والباطل والخطأ والصواب ، كان هو الحاكم فيه لما يلزمه ، ومسئولا فيه عما علمه ، وليس حكم الضعفاء والعوام مما يثبت الأحكام إذا كان الحدث محتملا للحق والباطل ، ولم يصح مع من صح معه الإجماع . (1/152)
صفحة 153
وليس اختلاف الضعفاء والعوام اختلاف ، ولا إجماعهم بإجماع ، إذا اختلفوا فيما لا يكونون فيه حجة وأجمعوا على مثل ذلك .
والإجماع من العوام والضعفاء على صحة الحدث موجبا ذلك لصحته ، لأنهم الحجة في الأخبار ، لأن الأخبار الواقعة لا تحتاج إلى تفسير ولا حكم ، فالشهرة من العوام تصح ، ذلك ما لم يختلف فيه وليست الأحكام مثل ذلك .
---------------------------
1-(52-54) الحج. (1/153)
صفحة 154
باب: البراءة في الظاهر ووجوه الأحداث والشاك في ذلك والمتولى عليه والحكم في المصر والأسماء
وأما البراءة في الحكم بالظاهر ، فإن براءة الشريطة كافية للعبد في جملة دينه ، وبراءته في الشريطة على ما وصفنا ، عما يلزمه من البراءة في حكم الظاهر ، حتى تقوم عليه الحجة بمعرفة كفر أحد من الناس بعينه ، في حكم الحقيقة على ما وصفنا من حكم الحقيقة ، أو يصح معه كفر أحد من الناس بعينه في حكم الحقيقة ، على ما وصفنا من حكم الحقيقة ، أو يصح معه كفر أحد من الناس بعينه في حكم الظاهر ، وإلا فهو سالم أبدا ببراءة الشريطة في جملته من الهلكة ، في ترك براءة الحكم بالظاهر، وليس له ولا عليه بحث ولا سؤال عن أحد من الناس ، ما لم يعاين من أحد أو يصح معه فيه ما يصح به حدثه ، الذي يستحق به كفره .
والبراءة منه بما لا يسعه جهل معرفة كفره ، أو تقوم عليه الحجة مع علمه بحدثه ، بعلمه بحكم الحدث الذي ركبه ، من وجه ما تقوم عليه الحجة ، وإلا فهو سالم أبدا ببراءة الشريطة ، ما لم يتول في حال جهله بذلك ، أو شيء منه في جملة الخليقة عدوا لله ، قد استحق عنده البراءة في حكم دين الله بوجه يخرجه ذلك الحدث من الإيمان إلى الكفر فيتولاه ، بجهل أو بعلم أو بدين يدين به من ولايته ، أو يبرأ من أحد من المسلمين برأي أو بدين ، أو ممن لا يستحق البراءة من الخليقة ، من أجل براءة المتبرىء من ذلك المحدث ، فبرىء منه بدين أو برأي من أحد من العلماء برأي أو بدين ، أو وقف عن أحد من المسلمين ضعيف أو عالم بدين ، أو وقف (1/154)
صفحة 155
عن عالم من علماء المسلمين برأي أو بدين ، من أجل براءته من ذلك المحدث ، فإذا فعل ذلك الضعيف المسلم ، لم يسعه ذلك وكان هالكا بذلك ، ولو لم يتول المحدث ، فإذا برىء ممن برىء منه ممن لا يستحق البراءة من الخليقة ، من أجل براءة المتبرىء من ذلك المحدث بدين ، أو وقف عن مسلم قد استحق معه الولاية ضعيف أو عالم بدين ، أو وقف عن عالم من علماء المسلمين برأي أو بدين ، من أجل براءتهم من ذلك المحدث فقد هلك .
فصل : وكذلك إن كان الحدث الذي ركبه المحدث مما لا يسعه جهل معرفته ، وكان مما تقوم الحجة به من حجج العقل من جميع الأحداث ، التي لا يسع جهل معرفتها ، فإن البراءة من راكب ذلك الحدث الذي لا يسع جهل معرفته ، ويقوم علم معرفته من حجة العقل من أي الأحداث كان ذلك الحدث ، فعاين ذلك معاين من محدثه بعينه ، فقد قامت عليه الحجة بمعرفة ضلال راكبه ، إذا كانت تقوم عليه الحجة بمعرفة ذلك الحدث من حجج العقول دون العبارة ، فلا يسع المعاين لمحدثه أو السامع لمحدثه بحدثه ، أن يجهل علم ضلاله وعلم حدثه ، وخروجه من حال الطاعة إلى المعصية أو الإيمان إلى الكفر في دين اللهّ ، أو الرضى إلى السخط في دين اللهّ ، أو الثواب إلى العقاب . (1/155)
صفحة 156
فإذا علم ذلك بأحد هذه الوجوه ، فأخرج ذلك المحدث من حال ولاية اللهّ ، إلى عداوته أو من حال رضاه إلى سخطه ، أو ثوابه إلى عقابه ، أو من حال الهدى إلى الضلال ، أو من حال الإيمان إلى الكفر ، أو من حال الطاعة إلى المعصية ، ولم يثبت لذلك المحدث الذي عاينه بحدث ذلك الحدث ، ولم يشك في ضلاله أو كفره أو معصيته ، أو سماه أو نحله شيئا من الأسماء لمستحقها المحدث ، فقد فعل ما يجزئه من ذلك ويسلم به ، ولو لم يبرأ من المحدث ولم يعرف حكم البراءة بعينها ، ما لم يعرف المراد من اسم البراءة والخلع والفراق ، أنه إنما يراد به حال السخط من الرضا ، والبغض من الحب ، والعقوبة من الثواب ، فإذا سمع بذلك أو خطر بباله ، أو دعي إليه في هذا المحدث ، الذي قد عاين منه ما لا يسعه معرفته ، كان عليه علم ما خطر بباله من ذلك ، أو سمع ذكره أو دعي إليه ، فإذا كان قد علم من المحدث ذلك الحدث ، الذي وصفنا من الأحداث ، وهذا مما يجري في أحكام مالا يسع جهله في موضعه إن شاء الله ، أو بما فتح الله منه. (1/156)
صفحة 157
باب: معرفة أحداث المحدثين وولاية الرأي وبراءة الشريطة ومعرفة وقوف الرأي والسؤال في جميع المحدثين ومعرفة أحداث المحدثين وما يلزم في ذلك من الأحكام
هذا الأمر على وجوه ، فأما ما كان من الأحداث التي لا يسع جهلها ، من إنكار الجملة أو شيء منها أو الشك فيها ، أو في شيء منها من الجملة ، فإذا كان الحدث من المحدث في إنكار الجملة أو شيء منها أو الشك فيها أوفي شيء منها ، أو الإنكار لشيء من تفسيرها مما يخرج من تفسير الجملة اللاحق بها ، من التوحيد أو الوعد والوعيد ، فإذا أنكر شيئا أو شك في شيء من ذلك ، مما لا يسعه الشك فيه ولا الجهل له ، إذا خطر بباله أو سمع بذكره وعرف معناه ، فكذلك إذا أن المحدث شيئا من ذلك ، فلا يسعه جهل معرفة ضلاله ولا الشك فيه ، وغير منفس في السؤال عنه ، وعلمه واجب عليه من حين ما يعرف ذلك منه ، ويعرف معنى ذلك ، وكذلك إذا خطر بباله أو سمع بذكر من يجحد شيئا من ذلك أو ينكره أو يشك فيه أوفي شيء منه ، فلا يسعه جهل معرفة ضلاله وخطئه ، فهذا وجه من وجوه معرفة الأحداث . (1/157)
صفحة 158
وأما ما أتى المحدث مما يسع جهله ، أو ما تقوم الحجة فيه من السماع ، فيما استحل المحدث من ذلك من المحرمات ، وحرم من المحللات من دين الله ، والعالم بحدثه ذلك علم بحرمة ما استحل المحدث من الحرام ، وحلال ما حرم المحدث من الحلال في دين الله ، مما لا يختلف فيه أنه من دين الله من كتابه ، أو سنة نبيه ، أو إجماع المسلمين ، فإذا علم ذلك العالم ضاق عليه الشك في المحدث ولم يسعه إلا المعرفة لضلالته ، لأنه لا يسعه جهل من شهد عليه بالضلال في دينه ، ويحادد الله - تبارك وتعالى - في استحلال مما حرم ، وتحريم ما أحل ، وإذا وسعه الشك في هذا وسعه إلا أن يعرف أهو مصيب في الدين الذي هو عليه ويدين به ، أو غير مصيب ، ولا يسعه ذلك أن يدين بما يشك فيه أهو صواب أم لا ، وإذا لم يسعه أن يدين بالشك لم يسعه أن يشك فيمن جحد دينه الذي لا يسعه إلا أن يعلم أنه صواب ولا يشك فيه . (1/158)
صفحة 159
وقد قال من قال : إنه لا يضيق عليه الشك في هذا ، ما لم يتضح له علم ذلك ، وبين له صواب ما يحكم به من علمه ، والقول الأول هو الأكثر ، وعليه أكثر العمل من علماء المسلمين ، فإذا وسعه الشك في ذلك بعد أن علم الحدث من المحدث مما لا يشك فيه من علمه ، وعلم أنه محرم لحلال من دين الله ، أم مستحل لحرام من دين الله ، فلا يجوز معنا له على شكه هذا، إلا اعتقاد السؤال عما قد لزمه من الحجة في ذلك من عقله ، فإذا لم يشك في العلماء المتبرئين من المحدث ، أو يقف عن العلماء إذا برئوا من المحدث على حدثه ذلك ، أو يترك الاعتقاد للسؤال عما يلزمه في ذلك ، وسلم للمسلمين ، فهذا من موضع ما قال المسلمون أن السائل سالم و الشاك هالك ، وإذا لزمه السؤال في الأحداث الماضية التي ليست واقعة ، وقوعا يجب عليه إزالتها وصرفها فيما تعبده الله من ذلك ، فيكون تركه لطلب علم ذلك ، يعطل به حقا من حقوق الله ، وإنما يلزمه علم حكم الحدث ، الذي قد علمه واعتقد السؤال عن هذا ، ولم يتول المحدث على حدثه ، ولا برىء من العلماء إذا برئوا من المحدث على حدثه ولا وقف عنهم . (1/159)
صفحة 160
وكانت له سلامة في الوقوف ، فلا يلزمه خروج في طلب علم مثل هذا ، لأنه ليس من الفرائض الفائتة عن وقتها ، ولا متعلقة في ماله ولا في بدنه ، وإنما عليه اعتقاد السؤال ليصل إلى الشهادة بهذه الأحداث ، التي قد لزمته فيما لزمه من علم ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، أنه إنما يكون هالكا بشكه في ذلك ، إذا كان في حكم الاستحلال ، أو بولايته للمحدث ، أو ببراءته من العلماء إذا برئوا من المحدث ، أو يقف عنهم إذا برئوا من المحدث في حينه . فأما ولايته للمحدث على غير اعتقاد براءة الشريطة ، فلا نعلم في هلاكه اختلافا ، وكذلك إذا برىء من العلماء إذا برئوا من المحدث ، أو وقف عنهم من أجل براءتهم من المحدث ، وأما شكه في الحدث على غير إثبات ولاية المحدث ، ولا البراءة من العلماء من أجل براءتهم منه ، أو وقف عنهم ، فذلك الذي لا يختلف فيه.
فقال من قال : لا يسعه جهل ذلك ، إذا كان على الاستحلال ، وعلم هو حرمة الحدث . وقال من قال : لا يضيق عليه الشك في ذلك ، إذا لم يتبين له حكم الحدث ويصح معه ذلك ، وكذلك لا نعلم بالإجماع أن عليه اعتقاد السؤال عن هذا ، إذا كان قد وسعه الشك في ذلك على قول من يرى له السعة في ذلك ، وأما على قول من لا يعذره في ذلك ، فهو هالك من حينه ، وغير متنفس في السؤال عن ذلك طرفة عين ، وعلى هذا القول فالمعبر له علم ذلك إذا قام عليه لعلم ذلك ، تقوم عليه الحجة في إبانة ذلك من جميع المعبرين ، لأنه راكب للحدث بشكه في المحدث ، وكل راكب لحدث لا يسعه ركوبه ، فجميع المعبرين له حكم ذلك الحدث حجة عليه في العبارة له ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
وأما ولايته للمحدث على اعتقاد براءة الشريطة منه في أصل ما يدين به ، أو يعتقد ذلك فيه بعينه إن كان محدثا . (1/160)
صفحة 161
فقد قال من قال : إنه سالم بذلك ، ما لم يبرأ من العلماء إذا برئوا منه ، أو يقف عنهم من أجل ذلك ، وإذا برىء من العلماء أومن أحد منهم من أجل براءتهم من المحدث ، أو وقف عنهم فهو بذلك هالك محدث ، لا يسعه جهل ذلك من حينه ، كان ذلك الحدث على التحريم أو على الاستحلال ، وعليه مع ذلك الدينونة بالسؤال عما ركب ، وعبارة الجميع عليه في ذلك حجة ، ولا يسعه ذلك لأنه محدث ببراءته من العلماء ، أو وقوفه عنهم من أجل براءتهم من المحدث ، تولى المحدث أو لم يتوله ، ووقف عنه أو تولاه بشريطة ، أو لم يتوله ، أو تولاه بغير شريطة ، فإذا تولاه بغير شريطة فهو محدث بولايته بغير شريطة ، كان الحدث على الاستحلال أو التحريم ومحدث بوقوفه عن العلماء أو براءته منهم ، وأيما فعل من ذلك فهو محدث ، وكل من عبر له علم ذلك من بعد أن يكون محدثا ، فهو عليه حجة ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
وأما إذا تولى المحدث بشريطة ، ولم يقف عن العلماء أو يبرأ منهم من أجل ذلك .
فقال من قال : إنه غير محدث بذلك ، كان على وجه التحريم أو على وجه التحليل .
وقال من قال : لا يسعه ذلك على وجه التحليل ولا التحريم ، وليس له أن يثبت ولايته على أصل ما كانت عليه ، ولا يسعه إلا ترك ولايته إن شك فيه ، أو البراءة منه إذا علم بحدثه ذلك ، ولو لم يعلم بحكم الحدث .
وقال من قال : يسعه الشك فيه ، ولمجمعه أن يتولاه برأي إن كان ذلك الحدث لم يخرجه من الولاية ، وإن كان قد أخرجه من الولاية إلى البراءة ، فهو بريء منه في الاستحلال والتحريم ، ما لم يبرأ من العلماء أو يقف عنهم . (1/161)
صفحة 162
وقال من قال : إنما ذلك له في الأحداث المحرمة ، وأما على الاستحلال إذا علم بالحدث وحرمة الحدث إلا أنه لم يعلم حكم ما يوجب الحدث فله أن يتولاه برأي على ما وصفنا ، وأما في الاستحلال فلا ، وليس إلا البراءة منه أو الوقوف عنه ، ولا يسعه على كل حال من الحال أن يبرأ من العلماء إذا برئوا من المحدث ، ولا يقف عنهم من أجل ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، كان المحدث مستحلا أو محرما ، برىء منه أو تولاه على براءة الشريطة أو وقف عنه ، أو تولاه برأي أو وقف عنه برأي ، أو وقف عنه على اعتماد السؤال ، فلا يسعه على كل حال وهو محدث بذلك .
وكل حال لزمه السؤال فيه عن أمر قد ركبه ، وهو حال فيه غير خارج منه ، بانتقال منه عنه ، أو بزوال وقت ذلك عنه إلى غيره من الأوقات ، وكان كل من عبر له علم ذلك حجة عليه ، وإلا فلا براءة له من الخروج في طلب علم ذلك بالقدرة ، حتى يخرج من حال ما قد ركب من ذلك ، أو يتوب هو من ذلك بعينه أو في جملته ، ما لم تقم عليه حجة العبارة التي توجب عليه علم ذلك بعينه ، فإذا تاب منه بعينه بما حسن في عقله التوبة منه ، فوافق الصواب في ذلك أو عدم العبارة في ذلك ، فتاب من حدثه في الجملة ، أو عبر له ذلك معبر فتاب منه بعينه ، أو تاب منه بعينه في الشريطة ، إن كان ذلك مخرجا له من أحكام جملته ، التي دان بها لخالقه فتاب من ذلك على شريطته ، فكل ذلك مجز له إذا خرج بالتوبة ولم يكن فيه عمل مؤبد عليه في جملته ، فإذا تاب من ذلك في جملته ثم علم بذلك من المعبرين له فعليه التوبة منه بعينه ، وأما إذا تاب منه في شريطته إن كان يلزمه منه التوبة ني جملته ، فقد تاب من ذلك ، ويجزئه ذلك عن توبته منه بعينه إذا علم ذلك ، ما لم يكن مقيما عليه بدين في نيته وإرادته . (1/162)
صفحة 163
فصل : وولايته للمحدث بجهل أو علم ، كان الحدث باستحلال أو تحريم ، فهو من الحدث الحال فيه ، وعليه طلب علم ذلك ، واعتقاد السؤال والخروج في طلب علم ذلك ، على ما وصفنا ، من قدرته على ذلك إلى أن تلقاه الحجة ، والحجة عليه في ذلك جميع المعبرين ، وعليه السؤال في ذلك لجميع المعبرين ، ولا مخرج له من ذلك إلا بتوبة منه بعينه ، أو عدم من المعبرين فيتوب في جملته ، أو بتوبة من ذلك ني شريطته ، مع عدم المعبرين له علم ذلك ، ما لم تكن ولايته للمحدث على اعتقاد الشريطة في البراءة منه ،فإذا كان على الشريطة خرج من حد الضيق إلى السعة ، وكاد مسلما بذلك في بعض قول أهل العلم ، وقد وصفنا ذلك ، وكذلك براءته من العلماء على براءتهم من المحدث بأي حدث كان بالتحليل أو التحريم ، أو وقوفه عن العلماء من أجل ذلك حدث حال فيه لا مخرج له منه إلا بالتوبة منه ، وعليه طلب علم ذلك بالخروج مما يقدر عليه . (1/163)
صفحة 164
وقد وصفنا في جملة ذلك ، ولا غاية له في ذلك بعد القدرة ، حتى يخرج من ذلك بتوبة ، على ما وصفنا في جملة أو شريطة عند عدم المعبرين ، أو بتوبة منه بعينه باستحسان ، ولم تقم عليه الحجة بالعبارة فيه ، فإن ذلك يجزئه ويخرج من حال الضيق إلى السعة ، إذا تاب من ذلك في شريطته ، إن كانت تلزم منه التوبة ، أو تاب من ذلك بعينه ، بما استحسن من ذلك وخطر بباله ، ولو لم يسمع بذكر ذلك ، فذلك مجزىء له عن التوبة . وأما توبته في الجملة فغير مجز له ذلك إذا علم بالعبارة ، إلا أن يتوب من ذلك بعينه ، وأما شكه في المحدثين بوجه يسعه فيه الشك في قول المسلمين في الرأي أو في الدين ، فهو سالم من الهلكة ، ولا يلزمه في الإجماع في ذلك السؤال ، ولا الخروج في طلب علم ذلك ، ولو لزمه السؤال ، ولم يكن حالا في حدث مرتكبا له ، يهلك به ، فلزمه السؤال في بعض قول المسلمين ، فلا يلزمه في ذلك خروج ، لأنه سالم من دخول الضيق إلى السعة ، وإنما يلزمه السؤال بالإجماع والخروج فيما يكون فيه حالا من المهلكات ، فيكون عليه الخروج من تلك الهلكة باعتقاد السؤال ، والخروج فيه إذا قدر على ذلك ، وقد مضى تفسير ذلك بما في بعضه كفاية .
ولا يقع الإجماع على الدينونة بالسؤال ، فيما يكون فيه العبد سالما من الهلكة ، في حينه ذلك وساعته تلك ، لاذا وسعته الإقامة على شيء طرفة عين ، وسعه ذلك إلى أن يموت ، ما لم يخرج من حال السعة بقيام الحجة ، وبحال يجب عليه فيه عمل حاضر يفوت وقته ، وقد بينا ذلك في أول هذا الباب في هذا الكتاب مما يجتزىء به أهل العقول .
-فإن قال قائل : فلم لم يلزموا الشاك في المحدث المستحل الخروج في طلب علم ذلك الذي شك فيه ؟ وألزمتموه اعتقاد السؤال وقلتم : إذا لقيته الحجة ، وقامت عليه ، لم يسعه إلا قبولها ؟ (1/164)
صفحة 165
قلنا : إنما ألزمناه اعتقاد السؤال ، على غير الدينونة بذلك ، ولا يلزمه ذلك بدين ، وإنما أحببنا له ذلك لأنه في حال ضيق ، فلم تجب له الإقامة على شكه ذلك ، الذي قد قال أكثر أهل العلم أنه يهلك به من حينه ، ولا ينفس له في السؤال عنه . وإن كان قد قال من قال : إنه لا يهلك بذلك ما لم تقم عليه شواهد الدينونة بذلك ، فأحببنا له أن يعتقد السؤ ال عن ذلك، ، وجعلنا عليه العالم الواحد من المسلمين حجة ، والعالم الثقة من قومنا إذا كان موافقا لقول المسلمين في ذلك حجة ، وعبارة الضعيف من المسلمين عن الفقيه من المسلمين ، أو من كتاب الله حجة ، لأنه لا تستوي الحجج ، فيما يكون يسعه جهله في الإجماع ، وفيما لا يسعه جهله في الإجماع ، وفيما يختلف فيه في السعة والضيق ، وليس ذلك معنا سواء ، والحجة فيما لا يسع جهله على كل حال من الحالة التي يكون صاحبها بها هالكا ، إلا باعتقاد السؤال بالإجماع فالحجة فيه تقوم من جميع المعبرين . (1/165)
صفحة 166
ولو لم يبلغ هو إلى علم ذلك ، وليس له الشك في ذلك ، إذا علم معناه ، ولو لم يتضح له صوابه من خطئه ، والحجة فيما يسع جهله أبدا ، ما لم يركبه بتضييع أو ارتكاب ، بقول أو عمل أو نية ، فلا تقوم الحجة فيه ، وينقطع به العذر ، إلا من العلم منه بذلك ، من أي وجه كان ، واتضح له صوابه وحسن في عقله ، ولو علم ذلك من فطيم وهو فطيم ، أو من يهودي أو نصراني أو مشرك وثني أو أعرابي جاف ، أو زنجي مشرط الوجه ، وإذا علم شيئا من الدين ، من أي وجه من الوجوه ، وحسن في عقله ، وأبصر عدله ، وصح معه أنه الحق بما لا يشك فيه ، وارتفع الريب عنه في ذلك ، فلا يسعه الشك في ذلك أبدا ، ومتى ما شك في ذلك بعد علمه هذا من أي وجه كان ذلك العلم ، فهو هالك ، فإن كان شكه في ذلك في تنزيل كان مشركا ، وإن كان في تأويل كان كافرا منافقا ، فإذا لم يتقدم إليه في ذلك علم يصح معه علمه ، فلا يكون عليه في ذلك حجة معنا ، إلا العالم الفقيه من علماء المسلمين ، المشهود لهم ذلك في الدين ، مع أهل الخبرة بهم من أهل الدين ، ويصح مع الجاهل لذلك من العالم ما تقوم به عليه الحجة من علمه ، ولو جهل ذلك من صفة العالم ، وجهل الحق من قوله ، فقوله عليه حجة إذا بلغ إلى علم صفته التي بها تكون حجة عليه ولو جهل ذلك في ا لدين . (1/166)
صفحة 167
وأما ما لم يصح مع الجاهل ، لما يسعه جهله صفة علم العالم ، الذي تقوم به الحجة عليه ، بعلم منه هو بذلك ، ولقيه وهو به غير عالم أنه عالم ، وهو في الأصل عالم ، وقد علم غيره أنه عالم ، فلا يكون ذلك حجة على الجاهل ، فيما يسعه جهله ، ويكون سالما بجهله ، وإذا شهر مع الجاهل لما يسعه جهله ، صفة هذا العالم من المسلمين بشهرة علمه ، وصدقه في علمه وفضله وشهرته ، أنه من أهل الاستقامة على دين أهل العدل من المسلمين ، ولو جهل هو الصفة التي تقوم بها الحجة عليه ، ثم لقيه هذا العالم على هذه الصفة ، فأفتاه بشيء مما يسعه جهله من الدين ، مما لا يجوز فيه الاختلاف في الرأي ، كان ذلك عليه حجة ، وكان عليه علم ذلك ، ولا يسعه الشك فيه في أكثر القول .
وقد قال من قال : إنه ما لم يتضح له علم ذلك ، ولم يبرأ من العالم من أجل قوله ذلك بالحق ، أو يقف عنه ، فلا يضيق عليه الشك في ذلك ، فإن شك في ذلك ، الذي قال العالم من العدل ، فبرىء منه من أجل ذلك ، أو وقف عنه برأي أو بدين ، كان بذلك هالكا محدثا حدثا في الهلكة ، لا مخرج له من ذلك إلا بالدينونة بالسؤال عن ذلك والتوبة منه ، فإذا حل بهذه الحالة ، كان جميع المعبرين له ذلك حجة عليه ، لأنه محدث بذلك . (1/167)
صفحة 168
وأما ما يكون فيه الاختلاف ، فيقول بعض إنه يهلك به ، ولا يسعه الشك فيه ، ويقول بعض إنه لا يهلك بشكه فيه ، فنحب له أن يكون يعتقد السؤال عن ذلك ، ولا يلزمه في ذلك كلفة خروج ، لأن الخروج عمل يعطل به الفرائض غيره ، ويلزم فيه الاشتغال عن غيره ، واعتقاد السؤال مع الاقامة ، ليس بعمل يشغل عن الفرائض ، ولا توجب كلفة ، فيجب له في هذا ومثله السؤال ، لأنه لا يقيم على شك نخاف عليه فيه الهلكة ، ولأنه لا يلزمه الدينونة بالسؤال ، فيخرج من حال الاختلاف إلى حال الدينونة ، ولا نجعل عليه في ذلك الحجة جميع المعبرين ، فتنزله بمنزلة ما لا يسعه جهله بالإجماع ، ولا نعذره في ذلك ، ولا نقيم عليه حجة إلا من العلماء من المسلمين ، ولكنا نحب أن تكون عليه عبارة العالم من المسلمين ، والعالم من فقهاء قومنا ، إذا كان من الثقاة في دينه ، وكان موافقا للمسلمين في ذلك الذي أفتى فيه ، وفي أصول ذلك من الدين ، وعبادة الضعيف من المسلمين عن الفقيه المشهور من علماء المسلمين ، أومن كتاب الله حجة في ذلك ، ونقول إنه ليس له بعد ذلك أن يلوي عنقه بعد قيام هذه الحجة عليه ، فإذا قامت عليه الحجة من أحد هذه الوجوه ، ضاق عليه الشك في ذلك معنا ، وكان بذلك محدثا حالا في محل مالا يسعه جهله ، لأن ذلك معنا من البينونة له من المعبرين ، فإذا قامت عليه تلك الحجة فشك فيها ، كان هالكا ، وحل محل الهلاك ، وكان هنالك اعتقاد الدينونة بالسؤ ال ، حتى يخرج من ذلك الضيق الذي دخله ، وكان جميع المعبرين له في ذلك حجة عليه ، فهذا الذي معنا في هذا ، وهو قولنا وبالله التوفيق لمراشد الأمور .
فصل : فإن قال قائل : وكيف ألزمتم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال ، ولم تلزموا فيه الخروج ولم تلزموا السؤال في علم الأحداث والأحكام فيها ، من قد صحت معه الأحداث وجهل حكمها ، إذا لم يكن ذلك مما لا يهلك بركوبه له ؟ (1/168)
صفحة 169
قلنا له : لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة قائمة ، متعبد
بإزالتها ، وإزالتها واجب عليه ، إذا قدر على ذلك ، وفي تركه لذلك تضييع لفرائض الله ، وانتهاك لمحارمه ، فهو حال في فرض إزالتها ، وطالب علم أحكام الأحداث ، غير متعبد بإزالة شيء من المعاصي ، ولا بإثبات شيء من الطاعة لمخالفة حال فيه ، وإنما عليه من ذلك إذا بلغ إليه علمه ، أن يعرف ضلالة الضال من المحدثين ، وهداية المهتدين من المحدثين ، وغير عاص لله معه وفي قدرته ، وإنما ذلك شيء زائل قد انقضى ومضى إلا أن يكون ذلك قائما بعينه ، ينتهك حُرَم الله ، ويضيع فرائض اللهّ ، قائما بحضرته ، فإن ذلك يخرج مخرج الأمر بالمعَروف ، والنهي عن المنكر ، ونقول إن القول الحق فيه واحد . (1/169)
صفحة 170
فصل : ومع ذلك إنا لم نلزم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند جهل ذلك ، ما لم يكن الجاهل لذلك داخلا في معونة على ذلك ، أو متوليا لمحدث لما لا يسعه ركوبه ، أو معينا على من أنكر ذلك من العالمين به ، أو رادا حجة اللّه في ذلك ، م و متبرئا من العلماء إذا برئوا من محدث ذلك ، أو يقف عنهم ، فإذا لم يكن معه هذا ، وإنما كان قادرا على إزالة ذلك بالقول والأمر ، فلا يلزمه السؤال عن ذلك بالدينونة ، ولا نأمره باعتقاد الدينونة بالسؤال عن ذلك ، وإنما اختار له ذلك من اختار للعلة التي وصفناها ، أنه حالّ في فريضة لا غاية لها ، فما لم يكن منه شيء مما ذكرنا ، أو يضيع من ذلك حقا يلزمه القيام به في قدرته للهّ ، أو يعطل حدا ويبطل حكما ، وهو خاص له ذلك دون غيره ، إذا كان حاكما فيه وعليه متقلدا ذلك فهو سالم ، والسؤال له عن بحث ذلك في بعض قول المسلمين لازم للعلة التي ذكرناها خارجة ، وأما حال علم الأحداث الماضية الغائبة ، كان فوتها قريبا أو بعيدا ، ولو كان في يومه ذلك إلا أنها قد انقضت فالحكم في ذلك يختلف مع أهل العلم ، ولسنا نقول إن ذلك من الدين أيضا والمجمع عليه ، ما لم يضيع حكما أو يعطل حدا ، أو يبطل حقا يلزمه القيام بذلك على الإهمال أو على الجهالة ، وتضييع الأحوال ، فإذا نزل بهذه المنزلة كان هالكا ، ولزمته الدينونة بالسؤال عن ذلك ، والبحث عنه لإقامة ذلك ، وكان عليه قبول ذلك من جميع المعبرين . (1/170)
صفحة 171
وما لم يَصِرْ إلى هذه الحالة ، فلا نقول إن جميع المعبرين عليه حجة ، ولكنا نقول إن عليه أن يقبل ذلك من علماء المسلمين ، وفقهاء قومنا الثقاة منهم في دينهم ، فيما يوافقون فيه في أصول الدين ، ومن ضعفاء المسلمين المعبرين عن علماء المسلمين ، وعن كتاب اللهّ - تبارك وتعالى - ، ولو لم يقبل ذلك إلا من العلماء من المسلمين ، وما لم يبن له ذلك ، و يتضح له علم ذلك ، لم يضيق عليه ذلك معنا ، ما لم يحل فيما لا يسعه جهله ويصير معطلا أو مضيعا أو مبطلا لما لا يسعه من ذلك كما وصفنا ، فهدا الذي فرّق معنا بين الأحداث الماضية ولزوم علمها ، وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحاضر القائم ، والأفعال الدائمة معه وبحضرته ، وفي ذلك فرق بينّ مع من عرف ذلك من علماء المسلمين .
وأرجو أن لا يغيب ذلك عن أهل العقل إن شاء اللهّ ، وإذا كان الراكب للحدث على وجه الاستحلال بالدينونة ، لما حرم اللهّ في دينه ، أو التحريم لما أحل اللهّ في دينه ، وكان العالم بحدثه والمعاين له والشاهد له والصحيح معه ذلك بالشهرة أو بغير ذلك ، مما يتولد من وجوه صحة علم حدثه ، وكان العالم بحدث المحدث جاهلا بحرمة ما استحل المحدث من الحرام ، وحلال ما حرّم المحدث من الحلال ، فذلك الاختلاف بين المسلمين فيما علمنا ، أنه واسع له جهل ذلك في المحدث ، لا يهلك بالشك في ضلالة المحدث ، وذلك لاحق بحكم الأحداث على وجه التحريم ، لمن جهل ذلك وعلى من جهل ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا أنه ما لم يتول الراكب لذلك بغير شريطه البراءة فيه ، على ما قد وصفنا في بعض القول ، أو يقف عن العلماء من أجل براءتهم من المحدث ، أو يبرأ منهم أنه سالم مسلم بذلك ، وكذلك المحدث الذي لا يستحل ما حرّم الله ، ولا يصح له حكم الاستحلال بالشهرة ، أو بالمعاينة لما حرم اللهّ ، والتحريم لما أحل اللهّ ، فالشك فيه واسع ، ولو علم بحرمة الحدث ، ما لم يعلم ما يبلغ بالمحدث حدثه من (1/171)
صفحة 172
الضلال والهلاك ، وإذا جهل حرمة ما أحدث المحدث ، فذلك واسع له في ذلك ، ولا يسعه على كل حال أن يثبت على ولاية المحدث ، ولو تقدمت له ولاية ، ولا تجوز ولايته ما لم يعلم منه خروجا من حدثه ذلك بالتوبة ، إلا أنه قد قال من قال : إنه إن تولاه برأي إن كانت له ولاية متقدمة ، وإن كان ذلك غير مخرج له من الولاية ، وسعة ذلك ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة ذلك ، والحكم فيه من أي الطرق صح معه علم ذلك ، وبان صوابه ، وما لم يبن له صواب ذلك ، فلا تقوم عليه في ذلك حجة ، إلا من عبارة العلماء من المسلمين ، على ما وصفنا في علم الدين ، فإن الفقهاء من المسلمين حجة معنا فيما نقول به ، وقد مضى القول بالاختلاف في ذلك ، ولسنا ندين بمختلف فيه ، وإنما نقول به لأنه أكثر ما عرفنا من قول المسلمين وأبين حجة في أصول ا لدين. (1/172)
صفحة 173
فصل : وقد قال من قال من المسلمين : إنه إن كانت للمحدث ولاية متقدمة ، فإذا ركب حدثا جهله من يتولاه ، ولم تثبت ولايته على ما لا يسعه من ولاية الدين ، بغير اعتقاد الشريطة في البراءة منه في الأصل ، وغير ولاية الرأي ، إن كان لم يخرجه حدثه من الولاية ، فهو ولي له ، فإذا سلم أن يتولاه قطعا بغير شريطة ولا رأي ، فهو سالم ، وغير محدث ولا هالك بذلك ، إذ تولاه بأحد هذين المعنيين ، ولم يبلغ علمه إلى معرفة ضلاله فيما ركب من الحدث المهلك ، المحرم له أو المستحل له ، وهو جاهل حرمة ذلك ، قالوا : فواسع له علم ضلاله ، ولكن عليه السؤال عما يلزمه من أمر هذا الحدث من وليه ، الذي قد تقدمت له ولاية معه بدين ، وقد انتقل عن ولاية الدين معه ، إلى ولاية بشريطة ، أو ولاية برأي ، فيلزمه السؤال عن علم ذلك ، ليزول عنه الريب في أمر وليه ، فيتولاه بدين أو يخرج من ولايته إن كان محدثا حدثا يهلك به ، فيخرج من ولايته إذ هو محدث ، ولهذه العلة ألزمه من ألزمه السؤال عن علم ذلك والحكم فيه .
وقال من قال : لا سؤال عليه أيضا في ذلك ، لأنه غير هالك بذلك ، وكل ما لم يكن به هالكا لا يلزمه السؤال عنه ، وهو بغيره سالم ، فإذا تولاه بدين بغير رأي ولا اعتقاد شريطة ، كان محدثا حينئذ ، ولزمه السؤال بالدينونة ، عما دخل فيه من ولاية المحدث بالدين ، ولم يسعه جهل ذلك ، وكان جميع من عبر له علم ذلك ، كائنا من كان عليه حجة في ذلك ، وهنالك وقع الهلاك به والحدث عليه . (1/173)
صفحة 174
والقول الآخر هو أصح في أحكام الدين ، والأول ينساغ على الاحتياط والخروج من الشبهة ، من غير أن يلزم ذلك نفسه بدين ، فإن ألزم نفسه ذلك بدين ، أو ألزمه ذلك أحد بدين ، لم يسعه ذلك ، وكان محدثا ، إلا أن يعتقد الدينونة بالسؤال ، عما يلزمه في ذلك ، ويلتزم السؤال بغير دينونة ، بالسؤال عنه قطعا ، إلا على شريطة ما يلزمه في ذلك ، فذلك طهارة وسلامة من الريب ، وإذا ألزمناه ذلك على أحد القولين ، مع الإجماع من القول أنه سالم بذلك ، فلا نقول إِن عليه في ذلك حجة ، ولا تقوم عليه الحجة في ذلك ، إلا من العلماء في الدين من المسلمين ، ولا يصح ولا ينساغ أن يلزمه في ذلك خروج ، لأن الخروج عمل يتعطل به غيره من الفرائض للاشتغال به ، ولا يجوز معنا ذلك على كل حال في هذا الباب ولا غيره . (1/174)
صفحة 175
إلا فيما يكون فيه السائل هالكا إلا باعتقاد السؤال عنه في الدينونة في الإجماع ، وأما ولاية الرأي في مثل هذا في وليه المتقدم ، فلا نعلم في ذلك اختلافا أنه تسعه ولاية الرأي في هذا ، إذا لم نعلم ما نزل بوليه من ذلك الذي عاينه ، لأنه محجور عليه أن يقف عن وليه وقوف دين ، فينتقض أصل ما دان به من ولاية وليه بالدين ، على الشبهة بغير بيّنة . وأما إثبات ولايته على ما كانت عليه ، إذ هو في اعتقاده أنه يبرأ منه في الشريطة ، إن كان قد أتى بما يلزمه فيه البراءة ، فلا نعلم ذلك مجمعا عليه ، وإن كانت العلة فيه واضحة ، ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة الحدث وحكمه ، أو يكون الحدث مما لا يسعه جهل معرفة حكمه وولاية الدين ، محلى الحالة التي كان محليها الولي ، على غي شريطة يعتقدها فيه بعينه ، إذا تولاه وأثبت ولايته ، إذ هو في الأصل يبرأ من كل عدو ، وكل عاص وكل محدث في شريطته ، من غير أن يعتقد فيه بعينه شيئا ، فقد يخرج ذلك على بعض القول ، وذلك أبعد من القول بولايته بدين على اعتقاده فيه براءة الشريطة بعينه ، ولا يخرج ذلك معنا على الصواب ، لأن المؤمن على صدق إرادته ودينه ، لكنا لا نحب ذلك ونقول أن عليه في هذا أن يتولاه برأي ، ولا يثبت له ولايته ، التي كانت على الحالة التي كانت براءته منه في الشريطة بعينه ، إن كان عاصيا ، وذلك ما لا يختلف فيه معنا في الأصل ، للعلة التي ذكرناها . (1/175)
صفحة 176
فصل : فإن تولاه على ما كان عليه على اعتقاد براءته منه في الشريطة بعينه ، إن ى ن عاصيا في الشريطة ، فهو أفضل من الأول ، وهو معنا واسع ، لألْه كما لا يلزمه أن يبرأ منه بعينه ، كذلك لا يلزمه أن يترك ما كان عليه ، من الولاية له بعينه ، إذا اشترط فيه براءة الشريطة ، إن كان محدثا حدثا يخرجه من الولاية التي قد ثبتت له ، فإن تولاه على ما كان عليه من الولاية ، حتى يعلم أنه خرج من الولاية بالحقيقة من علمه ومعرفة حكمه ، إذ هو في اعتقاده في أصل الشريطة ، أنه يبرأ لله من كل عاص ومحدث ، ولو لم يعتقد فيه بعينه شيئا إلا في الجملة ، إذا اعتقد ذلك في الجملة حتى تثبت ولايته ، هذا لم نقل أن ذلك منه خروج من أصل الدين ، وأنه قد تعلق بأصل من أصول الدين ، لأنه قد صح له الولاية بالبينة ، ولا تزول عنه الولاية إلا بالبينة ، والمؤمن على صحة اعتقاده في ذلك ، وليس كل ما اختُلِف فيه حُكِم فيه بحكم التدين ، ولكن يختار من الاختلاف ما يحسن ويرى أنه أصوب وإلى السلامة والحق أقرب ، من غير أن يضيق على الناس ما كان في أحد السعة بالدينونة فيخطئوا بذلك ، إن شاء الله .
فصل : وما لم يهلك بالشك في المحدث فلا يخرج في الأصول المثبتة ،في أحكام الولاية والبراءة ، ما قد ذكرنا من ولاية الرأي وولاية الشريطة ، للبراءة على إثبات الولاية ، إذا اشترط البراءة فيه بعينه ، وإثبات الولاية على اشتراط منه في أصل دينه ، البراءة من جميع المحدثين والعاصين من الكافرين والمنافقين ، لأن أصل دين اللّه - تبارك وتعالى - واسع ، لا يكلف فيه عباده فوق ما يطيقون ، ما لم يركبوا له نهيا أو يتركوا له فرضا ، قد أوجبه عليهم في وقت موقت ، أو يردوا حجته أو يشكوا فيها ، فإذا قامت عليهم على هذا أجمع المسلمون . (1/176)
صفحة 177
فإن قال قائل : وكيف تزعمون أن ولاية الرأي لا يعلمون فيها اختلافا ، وأنتم تقولون إن الأثر الصحيح عن أبي الشعثاء جابر بن زيد - رحمه اللهّ - ، أنه قال : يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه ، أو يبرؤوا من العلماء إذا برئوا من راكبه ، أو يقفوا عنهم ؟
قلنا لهم : نعم نقول ذلك أنه كذلك في ولاية الدينونة ، خاص على إثبات ما كان له من الولاية المتقدمة ، بغير اعتقاد بحدثه مع ذلك ، من ولاية رأي له ، إن لم يكن حدثه ذلك مخرجا له من حال ولايته التي كان عليها ، أو يتولاه على الحالة التي كان عليها ، ويعتقد فيه براءة الشريطة التي يسلم بها من ولايته في أصل ما دان به ، أو يعتقد مع ولايته براءة الشريطة في جملة العاصين والمحدثين ، ولا يلزمه في العقول أن يقصد إلى ترك ولايته بالدين ، على غير حجة ولا علّة ، وقد ثبتت ولايته في الأصل بالدين ، وهولا يعلم أيخرجه ذلك الحدث الذي رآه من الولاية ، أو يزيده إثباتا في الولاية ، وهو من الطاعات التي تراد بها ولاية ، لأنه هو لا يعلم أحكام الأحداث ولا أصول الدين التي يجب بها الكفر من الإيمان ، ولا الإساءة من الإحسان ، فكيف يلزمه أن يترك ولايته على الدينونة ، بغير علة ولا حجة يعتقدها فيه ، إلا أن يعلم أن ولايته قد زالت بالحجة الواضحة التي تصح معه ، كما يصح معه ثبوت ولايته بالحجة الواضحة التي تولاه بها .
فصل : ويقال له : أيلزمه على قولك أن يكون كلما رأى من وليه أمرا ، لا يعرف ما بلغ به الأمر فيه ، أهو من الطاعة أو المعصية ، أو من الصغائر أو من الكبائر أو من الإساءة أو من الإحسان ، أن يترك ولاية وليه ويلزمه ذلك ؟
فإن قال : نعم . (1/177)
صفحة 178
قيل له : فقد أطلقت وأوجبت عليه أن يكون يترك ولاية وليه ، على العمل بالطاعات والمسارعة إلى الخيرات ، إلا ما علم هو أن ذلك من الطاعة ومن الخير ، في فكل ما لم يعلم أنه من الطاعة في علمه هو ،أفله أن يترك ولاية وليه عليه بالدينونة في قولك ؟
فإن قال : نعم فقد زعم أنه لا يجوز له أن يثبت أبدا على ولاية ولي له طرفة عين ، إلا أن يغيب عنه أمره ، أو يكون عالما جميع أحكام الإسلام .
فإن قال ذلك أتى بضد الصواب ، وما يخالف السنة والكتاب ، وألزم الناس أن يعلموا جميع العلم من دين الله ، وألزمهم أن يتركوا ولاية أوليائهم ، وألزمهم أن لا يتولوا أحدا أبدا ، إلا أن يعلموا جميع دين اللّه ، وهذا من المحال الذي لا يقدر عليه أحد ، في حال من الحال ، أن يكون عالما بجميع دين الله في وقمت واحد ، وإلا كان هالكا في ولاية أوليائه ، وهذا أصل باطل لا يستساغ ، ولا يخرج في أحكام الكتاب ولا في أحكام السنة ، ولا في آثار المسلمين ، في أصل ما دانوا به من أصول الدين ، ولا من حجة العقل .
فإن قال : فعليه معكم في وليه الذي قد تقدمت ولايته له في الأصل ، أن يعتقد فيه ولاية الرأي في كل ما رأى منه من الأفعال ، وسمع منه من الأقوال ، التي لا يعلم أنها صواب ، وإنما عليه ذلك فيه ، إذا أتى شيئا في الأصل باطلا علمه أو لم يعلمه هذا ؟ (1/178)
صفحة 179
قلنا له : أما في اللازم فإنه مباح له ولاية وليه باعتقاد الشريطة في الجميع ، بالبراءة من جمع المحدثين والعاصين ، ولن يسلم إلا بذلك ، وبتلك الشريطة ، ولولا ذلك لما جاز له أن يتولى أحدا من الخليقة في حكم الظاهر ، ولا جاز له أن يتولى من صح له السعادة من النبيين والمرسلين والمؤمنين ، الذين صح لهم ذلك بالشهادة من الله في كتابه ، أو على لسان أحد من أنبيائه ، ولكن إنما سَلِم الناس عن الهلكة من ولاية الظالمين والهالكين ، باعتقاد براءة الشريطة من كل عدو للّه ، ومن كل عاص للهّ ومن كل محدث ، وأحد هذه المعاني يجزىء إذا اعتقد البراءة من كل عدو لله ، فقد أجزأه عن تفسير ذلك في الجملة ، ما لم يلزمه ذلك في غيره من الصفات بعينها ، فباعتقاده براءة الشريطة ، من جميع أعداء الله - تبارك وتعالى - ، جاز له ولاية من صح معه في حكم الظاهر ، ما يستحق به الولاية ، ما لم يعلم منه بعد ذلك ما تزول به ولايته في حكم الظاهر ، وبولايته لجميع أولياء الله في الشريطة ، جاز له أن يبرأ من جميع من علم منه ما يستحق به البراءة في حكم الظاهر ، ما لم يصح معه منه بعد ذلك ، ما يزول عنه به حكم البراءة في الظاهر ، فإذا تولى وليه بحكم الظاهر بما يستحق به الولاية ، أطلق له ولايته أبدا على كل حال رآه فيه . (1/179)
صفحة 180
ولو جهل ذلك إذا لم ير منه ما يخرجه من الإيمان والولاية في حكم الظاهر ، وهو في حكم الشريطة يبرأ منه إن كان عاصيا في سريرته فيما غاب عنه ، فإذا رأى منه ما يخرجه من الإيمان في حكم الظاهر ، فهنالك تعبده الله بالحكم فيه بالظاهر ، ولم يكن بد له أن يحكم فيه بعينه ، بحكم من أحكام الظاهر ، لئلا يتولاه على الكفر ، كما تولاه على الإيمان ، ولئلا يبرأ منه على الإيمان كما برىء منه على الكفر ، فإن وفقه اللهّ لعلم حكم الحدث الذي عاينه من وليه ، وكان مكفرا بما ألهمه اللهّ من صواب ذلك ، وزينه في قلبه وحسّنه في عقله ، وبان له صوابه وصح معه عدله ، من غير معبر ولا متكلم ، ولا أثر ولا نقمة أحد من البشر ، كائنا ذلك في الحدث ما كان من الأحداث المحرمة أو المستحلة وحكم فيه بالصواب ، وبرىء من المحدث بما ألهمه اللهّ من (1/180)
صفحة 181
صواب ذلك ، فقد حاز الفضل وقام بالحق والعدل ، وبلغ إلى ما بلغ إليه العلماء والحكماء ، فإن شك في ذلك من بعد هذا العلم ، الذي علمه اللّه إياه ، وألهمه إياه وبان صوابه معه ولم يشك فيه ، كان بذلك هالكا كان ذلك مما يسعه جهله ، أو مما لا يسعه جهله في الأصل ، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل العلم بالدين ، وإن كان ذلك مما يسعه جهله ، ما لم يركبه أو يتولى راكبه ، كان عليه حين ذلك إذا قصد علمه ، عن معرفة الحكم عليه في ذلك ، أن لا يثبت على ولايته بالظاهر ، المتقدمة لما قد صح معه من ضد الولاية بالحكم بالظاهر ، ولا يدركه معنا في هذا الحال إلا ولاية الشريطة وبراءة الشريطة ، فإما أن يتولاه برأي ، على أنه إن كان مرتكبا لضد الولاية ، فهو يبرأ بذلك منه في الشريطة ، وإما أن يثبت على ولايته بالظاهر ، على أنه يبرأ منه في الشريطة ، إن كان قد أتى ضد الولاية التي صحت له ، وولاية الرأي أحب إلينا . فإن تولاه بالدين على حكم ما كان عليه الاعتقاد الأول ، من الدينونة بولايته على غير شريطة ، كان قد أتى بذلك ضد ما دان به ، لأنه إنما تعبده الله ببراءة الشريطة ، فيمن لم يظهر له منه حكم تجب عليه به البراءة ، وتعبده الله بالولاية بالشريطة ، فيمن لم يصح معه منه ما تجب به الولاية في حكم الظاهر . (1/181)
صفحة 182
فهذا قد أتى ضد ما تعبده اللّه به إلا أن يتولاه ، ويعتقد براءة الشريطة في جميع المحدثين مع ذلك ، ويدخله في جملته مع هذا التعبد الحادث ، لم يضيق عليه ذلك في أصول الولاية والبراءة ، فكان بولاية وليه سالما ، ولو رأى منه ما لا يعلم أحق أم باطل ، أخطأ أم صواب ببراءة الشريطة ، الذي قد عذره الله بها ، عن علم جميع الصواب والخطأ ، ما لم يركب خَطَأً أو يتولى راكبه ، أو يضيع صوابا أو يتولى مضيعه ، فلما أن وجب عليه في دين اللهّ في حكم الظاهر في هذا بعينه ، لم ينفعه حكم الشريطة ، إلا أن يحدثها في حال ما تعبده الله به في ذلك ، ولم يكلفه اللهّ أن يقصد إلى ضد ما تعبده اللهّ به بغير علم يوصله إليه ، أو تقوم به الحجة عليه ، من معرفة حدث المحدث ، ولم يجز في أصل الدين أن يكلف هذا الذي قد كان وسعا
له ، ما لم يحدث حدثا يخرجه من حال السعة بولايته له بالدين ، كما كان عليه من ولايته . (1/182)
صفحة 183
فصل : فإن وقف عن هذا المحدث وقوف دين ، كما هو واقف عن سائر الناس ، لم يعلم منهم حدثا يتعبده الله فيه بالبراءة من محدثه إذا علم ذلك ، كما تعبده الله بولايته قبل ذلك ، فلا يقوم هذا في العقول ولا في حكم المعقول ، أن ينتقل عن ولايته بحجة بدين ، إلى وقوف بدين بغير حجة ، إلا بعلم يزيل عنه حكم ولايته له بالحجة بالدين ، ولا معنى للوقوف بالدين في هذا الموضع ، وإنما يصح معنا في هذا الموضع أن يتولى وليه برأي على ما قد وصفنا من ولاية الرأي ، أو يتولاه على شريطة البراءة منه ، في أصل الشريطة أو يقف عنه برأي لا بدين ، حتى يتبين له صواب ولايته بالحجة فيه ، فيتولاه على ما كان عليه ، أو يتبين له الحجة في كفره ، فيبرأ منه أو يلهمه الله صواب ذلك ، فيحكم فيه من حينه ، بما أراه الله من العدل والصواب ، لي ن الوقوف بالدين لا يصح إلا ممن لم يمتحن بولاية من قبل ، فكان في جملة وقوفه في الجميع من العالمين ، وهو في جميع العالمين واقف وقوف دين ، على اعتقاد الولاية لجميع أولياء الله ، والعداوة لجميع أعداء الله ، فلا يلزمه في أحد بعينه ولاية ولا براءة ، حتى يصح معه ذلك بالحجة الواضحة ، فإذا تولاه بالحجة الواضحة لم يرجع عن ولاية من تولاه بحجة إلى البراءة منه ، إلا بحجة واضحة ، و إلا فهو فيه بين البراءة بالدين فيه ، والولاية بالدين فيه بعينه ، ولا يكون مع ذلك وقوف بدين إلا أن تزول عنه أحكام الحجة ، ويدخل في حال الريب والتهمة والشبهة والإشكال ، فيترك ولايته للريب المشكل عليه ، لا من طريق جهل أحكام الأحداث التي أتاها ، ولا جهل فضله لقلة علم المتولي ، وهذا خارج من أحكام جهل الأحداث والقول فيها .
ومن هاهنا قال من قال : إن عليه في وليه السؤال ، إذا جهل حكم ما أن من الحدث ، ولو تولاه برأي لئلا يكون على شبهة من أمر وليه ، (1/183)
صفحة 184
ويتحول عنه حكم الولاية بالحجة إلى غير ولاية بالحجة ، ويقيم على ذلك لمجر اعتقاد منه للسؤال عن ذلك ، لأنه لو وقف وقوف الدين في هذا الموضع كان قد حكم بغير الصواب وليس هذا موضع وقوف دين ، ومن وقف هذا الوقوف في هذا الموضع ، فقد وقف في غير موضع وقوف الدين ، وقد ضل بذلك إذ حكم بوقوف الدين ، في موضع وقوف الرأي ، ووقوف الرأي غير وقوف السؤال المجمع عليه ، ووقوف الدين غير وقوف الرأي ، ووقوف السؤال المجمع عليه . (1/184)
صفحة 185
وقد قال من قال : إن في هذا الموضع أيضا ، وقوف السؤال مع ولاية الرأي ، مكان ولاية الرأي ، لما تقدم من ولاية المحدث ووقوف الرأي عن إثبات ولاية الدين ، ولم يجز وقوف الدين الذي هو في جميع العالمين ، ممن لم يلزم فيهم تعبد من اللّه ، بولاية في أحد بعينه ولا براءة في أحد بعينه ، يهلك المتعبد بتركها وجهلها ، لأنه إذا وقف وقوف الدين في هذا الموضع ترك ما تعبده الله به ، من ولاية وليه بغير علم ولا حجة ، وترك علم ما تعبده اللهّ به في الحدث الواقع من وليه ، رجع إلى الإقامة على الوقوف بترك ذلك كله بجهله ، فلا يجوز له ذلك لأنه لا بد له في أحكام العقول من أحد أمرين : إما أن يكون وليه على ولايته ، فوقوفه عنه بدين خطأ ، وإما أن يكون وليه قد أتى ما يخرجه من الولاية إلى العداوة ، فلا يترك ما ألزمه الله من اعتقاد التعبد له ، في الولاية والعداوة في هذا المحدث ، إلى الوقوف على الإقامة على ترك ذلك كله ، وكل من لم يتعبده اللهّ فيه بشيء من أمر دينه بعينه ، وليس ذلك سواء ، بل في ذلك الفرق البعيد والخلاف الشديد ، لأن ترك ولاية الولي بغير حجة إلى الوقوف بالدين ، برجوع عن حال العلم إلى الجهل ، وترك لما ألزمه الله له في حكم تعبد الظاهر من الولاية إلى ولاية الشريطة ، ولن يجوز ذلك أبدا ، كما لا يجوز براءة من ولي والوقوف بالدين كالبراءة بالدين والولاية بالدين ، وهن أضداد لا يجوز أن يبرأ بالدين في موضع وقوف الدين ولا يتولى بالدين في موضع وقوف الدين ، ولا يقف بالدين في موضع براءة الدين .
ولا ولاية الدين ، وهذا ما لا يختلف فيه من قول المسلمين .
فإن قال قائل : وكيف جاز له أن يتولى برأي بعد أن كانت ولايته بدين ولا يعلم ذلك ، يبلغ بوليه إلى ترك ولاية الدين أم لا يبلغ به ذلك إلى خروج من ولاية الدين ؟ (1/185)
صفحة 186
قلنا له : لأن الرأي ليس بضد الدين ، وإنما الرأي من الدين وداخل في الدين ، وهو ضرب من ضروب الدين ليس بضد الدين ، فولايته لوليه بالرأي إثبات لولايته له بالدين ، وخروج من ولايته له بالدين إن كان خارجا من ولاية الدين ، وليس بخارج من ولاية الدين إن لم يكن خارجا من ولاية الدين ، لأنه ليس بضد للدين وإنما هو من الدين ، ووقوفه بالدين لا يجوز ، إِلا أن يكون ضدا لولايته بالدين ، كذلك براءته بالدين لا تجوز إلا أن تكون ضدا لولايته بالدين ووقوفه بالدين ، لأن الدين لا يكون أبدا إلا في واحد إما في ولاية وإما في براءة وإما في وقوف ، لا يختلف ذلك أبدا ، فيكون وقوف دين وولاية دين في شخص واحد ، ولا وقوف دين وبراءة بدين في شخص واحد ، ولا براءة بدين وولاية بدين في شخص واحد ، في حكم الظاهر ولا في حكم الحقيقة ، وأما في حكم الشريطة فقد يجوز ذلك ، لأنه إذا وقع نظره على شخص أن يكون معه في وقوف الدين ما لم يعلم منه حدثا في شريطته ، ولكون معه ذلك الشخص بعينه في الولاية إن كان وليا لله ، وفي البراءة إن كمان عدوا لله ، فهذا في الشريطة ، مع أن عليه في اعتقاده أنه لا يجمعه في حال واحد ولاية لله وعداوة لله أبدا ، ولو غاب أمره عنه فإنه لا محال في اعتقاده ، أنه كل من وقع عليه نظره من المتعبدين المكلفين أنه لا محال ، إما عدو لله وإما ولي لله ولا يجوز في شريطته أن يكون وليا لله عدوا لله في الشريطة ، ولا في حكم الظاهر ، ولا في حكم الحقيقة .
فصل : ولكن قد يجوز معه أن يكون معه وليه في حكم الظاهر ، الذي يتولاه في دين الله ، عدوا لله في شريطته التي يدين بها ، وفي الحقيقة عند (1/186)
صفحة 187
الله ، ويجوز أن يكون عدوه الذي يبرأ منه في حكم الظاهر ، وليه في شريطته ، وفي حكم الحقيقة عند الله ، ولا يجوز عنده أن يكون وليه في الشريطة عدوا لله في الحقيقة ، ولا عدوه في الشريطة وليا لله في الحقيقة ، وكذلك لا يجوز أن يكون وليه هو في الحقيقة إذا صح معه سعادته بوجه من الوجوه من كتاب الله ، أو عن لسان رسول من رسل الله ، أنه مؤمن باسمه وعينه ، أو أنه من أهل الجنة ، ولا يجوز أن يكون ذلك الولي عدوا لله في ولايته في حكم الشريطة ولا عدوا لله في حكم الظاهر عنده أبدا ، وقد حرمت عداوته على من صح معه ذلك ، إلا أن يكون منه حدث ، فإنه يشهد لله عليه بحدثه ، ويبرأ من حدثه ويبغضه لله ، ولا يرضى به ، ولا يجوز له إلا أن يعلم أنه معصية لله من السعداء ، كما أنه معصية لله من الشقي ، ولا يجوز غير هذا ، ولا يتحول ولي الحقيقة أبدا ، إلى عداوة في حقيقة ولا شريطة ولا حكم الظاهر ، عند من تعبده الله بذلك فيه .
فصل : وكذلك لا تتحول عداوة الحقيقة في حال من الحال إلى ولاية حقيقة ، ولا شريطة ولا حكم الظاهر ، فإن صح من عدو الحقيقة طاعة لله لم يجز إلا أن يشهد له بذلك الذي كان منه من الطاعة ، كما شهد عليه بالمعصية ، ولا يجوز في حكم الله - تبارك وتعالى - ، إلا أن يكون يحب الطاعة من عدوه كما يحب الطاعة من وليه ، ويأمر بالطاعة عدوه كما يأمر بها وليه ، ولا يجوز على حال من الحال أن يخطىء مطيعا في طاعة الله ، ولا يبغض منه الطاعة ، ولا يرد عليه ما جاء به من الحجة ، وهو على حجة على من قام عليه بالحق لله ، ولو صح في الحقيقة عداوته ، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا في ا لدين .
فإن قال قائل : فكيف قلتم أنه إذا كانت للمحدث ولاية متقدمة ، ثم أحدث حدثا ، لا يهلك بجهله من علم منه ذلك ، ويسعه جهله ، أنه ليس له أن يقف عن ولايته بدين ، ولا يجوز له إلا أن يبرأ منه بدين بعلم منه بذلك ، (1/187)
صفحة 188
أو يتولاه برأي أو شريطة البراءة ، أو يقف عنه برأي على اعتقاده ما يلزمه في ذلك . فإذا لم تكن له ولاية متقدمة وكان في حال الوقوف ثم أحدث حدثا يسعه جهله ، كما يسعه جهله في الولي ما يكون وقوفه عنه ، وما القول فيه ؟
قلنا له : إذا كان المحدث هذا الحدث تجب منه البراءة بغير هذا الحدث مع من علم منه بذلك الحدث ، فلا اختلاف في ذلك أنه على براءته منه بذلك المتقدم من الحدث ولا وقوف عنه في ذلك لذلك الحدث ، إلا أنه لا يجوز أن يحكم عليه في هذا الحدث بتخطئة ، ولا يلزمه في ذلك كُلفة ، وهو سالم من التعبد في ذلك ، لأنه يبرأ منه بغيره من الأحداث المتقدمة ، ولا اختلاف في هذا معنا ، وأما إذا كان المحدث في الأصل مع العالم بحدثه ، في حال وقوف الدين عن الجميع ، ولم يمتحن فيه من متقدم الأمر بولاية ، فإنما هو في الأصل على ما كان عليه من وقوف الدين ، ولا يتحول عن حاله من وقوف الدين ، حتى يصح منه ما يحوله إليه ، من ولاية بدين أو عداوة بدين ، ولا يتعبد فيه بالإجماع بولاية الرأي ولا بوقوف الرأي ، وهو على أصل ما كان عليه حتى يصح من حدثه ما يجب عليه به البراءة ، ويتحول عن وقوف الدين إلى حالة يجب بها له ولاية الدين ، ولو علم العالم بحدثه ذلك المكفر ، إذا جهل حكم ذلك الحدث ، ولا يلزمه في ذلك وقوف رأي ولا وقوف سؤال ، وإنما هو على حالته التي كان عليها ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، لأنه لم تلزمه البراءة منه فيبرأ منه بدين ، ولا تجوز البراءة بالدين إلا على ما يصح منه من علم ذلك من أي الوجوه ، صح معه ذلك ، وبان له عدل ذلك لزمته الحجة في ذلك ، وكان عليه الحكم بما يصح معه من العدل ، أو يتحول ذلك المحدث عن تلك الحال ، إلى ما يجوز له من التوبة ، ويصير في حد الولاية فيتولاه بدين بما يصح معه ، ولا يلزمه غير ذلك في الدينونة . (1/188)
صفحة 189
فإن قال : فهل عليه في ذلك سؤال ، عما قد صح معه من حكم الحدث ، الذي قد علمه من المحدث ، ليؤدي ما قد تعلق عليه من حكم
ذلك الحدث الذي قد علمه في المحدث .
فصل : قلنا له : أما على الدينونة فلا يجب عليه ذلك ولا على الإجماع ، ولا يجوز ذلك ، لأنه سالم من تعبد الولاية فيه ، وجائز له الوقوف عنه ، على حالته المتقدمة ، حتى يصح معه حكم الحدث ، فيبرأ منه على ذلك ، وهو أبدا سالم بذلك ما لم يتوله على حدثه ولاية دين ، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من ذلك المحدث ، أو يقف عنهم من أجل براءتهم منه ، إلا أنه وقع عليه هنالك حال في علمه ذلك الحدث ، الذي قد علمه من المحدث ، فرق بين حكم المجهول والمعلوم ، وصار حدثه معه معلوما ، وصار متعبدا في أصل دينه في هذا المحدث ، بما لم يكن قبل علمه بحدثه متعبدا فيه من تحريم الولاية . (1/189)
صفحة 190
إلا بعد خروجه من حكم ذلك الحدث الذي قد علمه منه ، ولو رأى منه ما تجب به الولاية ، وقد كان قبل ذلك سالما من هذا الفصل فيه ، وكذلك قد صار متعبدا في أصل دينه الذي تعبده اللهّ به ، أنه متى علم حكم ذلك الحدث الذي قد علمه من المحدث ، وجب عليه حكم البراءة منه في حكم الظاهر ، وزال عنه حكم براءة الشريطة ، ووقوف الدين إلى براءة حكم الظاهر ، فقد انتقل حكم هذا المحدث عنده في أصل دينه ، وأن جهله عن حال ما كان عليه من قبل ، من وقوف الدين على الأبد ، وبراءة الشريطة وولاية الشريطة بأحكام قد لزمته في أصل دينه فيه ، متى بلغ إليها ، انتقل هذا المحدث عن حال الحكم الأول معه ، فليسا سواء في أصل ما تعبده اللهّ ، من جهله بالحدث وعلمه للحدث ، إلا لموضع جهله بحكم الحدث ، وهذا قد تعبده اللهّ بالبراءة من هذا المحدث بعينه ، إلا أنه عذره بجهل حكم حدثه ، فمتى ما بلغ إلى علم حكم الحدث ، كان بعلمه هذا للحدث منتقلا عن حكم وقوف الدين ، وعن حكم براءة الشريطة ، إلى حكم براءة الظاهر من هذا المحدث بعينه ، فلهذا اختلف معنى المجهول والمعلوم من وقوف الدين .
فصل : فلأجل هذه العلل قال من قال من أهل العلم : إن على هذا العالم بهذا الحدت من هذا المحدث ، اعتقاد السؤال عما يلزمه في حكم هذا الحدث ، ليخرج من حال ما دخل فيه وحل فيه من هذه الفريضة ، التي هو متعبد بها في أصل دينه ، إذا علم حكم ذلك ، لأنه لا يساوي في وقوفه بين المجهول والمعلوم بوقوف الدين ، ولا نعلم في هذا القول إلا وله أصل في قول المسلمين ، وإن كان القول الأكثر أنه لا يلزمه في ذلك سؤال ، للعذر المبسوط له في الإجماع أنه يسعه جهل ما دان بتحريمه ، ما لم يركبه أو يتولى راكبه ، أو يبرأ من العلماء لبراءتهم منه ، أو وقف عنهم ، كان محدثا وهلك بذلك . (1/190)
صفحة 191
وكان عليه الدينونة بالسؤال عن ذلك والخروج من حدثه ، ولا عذر له في ذلك ، وعليه الخروج في هذا ، بما قدر عليه على ما وصفنا . وكل من عبر له ذلك كان عليه حجة ، إذا غير الحق في ذلك ، كائنا من كان ذلك المعبر من المعبرين ، وهذا القول الآخر هو أصح معنا في هذا الباب في أصول الدين ، وكل قول المسلمين صواب ، وما وقع فيه الاختلاف في الرأي فخارج من أصول الدين ، إلا أنه إنما هو على أصول الدين مبني ، دان لم يكن هو بعينه من أصول الدين ، ولا يجوز أن يحكم بأحكام الرأي على حكم الدين ، ولا يحكم بأحكام الدين على سبيل أحكام الرأي ، ولا أحكام الإجماع على سبيل أحكام الاختلاف ، ولا أحكام الاختلاف على سبيل أحكام الإجماع ، وهذا مختلف الأحكام وإن كان الأصل يجمعه كله أنه من الحق ويرجع إلى الحق ولا مخرج له من الحق . (1/191)
صفحة 192
باب: الشهادة على الأحداث في وجوب البراءة
إن أحد ما تقوم به الحجة في البراءة قي حكم الظاهر قيام البينة على المحدث بحدثه الموجب له اسم الكفر ، الموقع عليه حكم البراءة ، وذلك معنا لثبوت ذلك في جملة الأحكام من الحدود وسائر أحكام الإسلام على ما يخص كل حكم من ذلك من ثبوت حجة البينة فيه ، من الواحد والاثنين والأربعة ، على الإجماع على إجازة ذلك في الأحكام ، وثبوته في مخصوص ذلك و معمومه ، في جميع الأحكام المتعبد بها جميع أهل الإسلام ، في الأحكام الظاهرة الواجبة على المتعبدين من عباد الله ، فيهم ولهم على بعضهم بعض ، حكم جامع ثابت في كتاب الله -عز وجل - ، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين .
فصل : ثم أجمع أهل العلم من أهل الاستقامة أنه لا تجوز شهادة الثقاة العدول من قومنا ، من جميع أهل الخلاف المتعبدين بخلاف ديننا ، على أحد من المسلمين فيما يجب بشهادتهم عليه كفر ، أو خروج من ولاية إلى عداوة أو وقوف ، وأن شهادتهم في ذلك قلوا أو كثروا ولو كانوا بمنزلة الحسن بن أبي الحسن ومحمد بن سيرين في الثقة والعلم والأمانة معارضة ودعوى لا يجوز ولا يقبل فيما يخرج المسلمين من دينهم ، ويجب عليهم به براءة أو وقوف ، لأنهم خصماء للمسلمين في ذلك ، ولا يجوز قبول قول مدع ولا شهادة خصم ، بذلك جاء الإجماع من أهل العلم من المسلمين ، واختلفوا بعد ذلك في شهادتهم على أهل الاستقامة من المسلمين في الحقوق وجميع ما كان متعلقا حكمه في الأموال والأبشار ما سوى الموجبات للكفر . (1/192)
صفحة 193
فقال من قال : لا تجوز شهادتهم عليهم في شيء من الأحكام من الحقوق في الأموال ولا في الأبشار ، ولا في شيء من ذلك ، لأنهم ليسوا ممن خاطب الله بإجزاء شهادتهم ، إذ قال : ممن ترضون من الشهداء ، فليسوا بمرضيين ما كانوا لدين الله خائنين ، وفي شيء من دين الله مخالفين ، بل هم الخائنون لدين الله المستوجبون لعداوته وعداوة المسلمين .
فصل : وقال من قال من أهل العلم : تجوز شهادتهم في الحقوق ، ما كان ذلك متعلقا في الأموال خاصة ، ولم يدخل ذلك في الأبشار ولا الفروج ، مثل الديون والإقرارات والوصايا والمواريث ، ويكونون حجة على المسلمين في ذلك في الأموال ، ولا يلحق المسلمين في ذلك حجة في دينهم ولا تجوز شهادتهم عليهم في مثل الطلاق والعتاق والعدد وما يشبه هذا مما تدخل فيه أحكام الفروج.
وقال من قال : تجوز شهادتهم في كل ما وافقوا فيه المسلمين في أصل ما دانوا به ، وعلم منهم الموافقة بالدينونة فيه للمسلمين ، مما عدا ما يكفّرون به المسلمين .
فصل : وقال من قال : تجوز شهادتهم عليهم في كل ما وافقوهم فيه ولم يدينوا بخلافهم ، حتى أنه قد قيل : إنه تجوز شهادتهم عليهم في القوْد والقصاص ، ويقاد بشهادتهم المسلم ، ويقتص منه وهو على ولايته ، لأنه يخرج ذلك مخرج الحقوق ولا يخرج مخرج الحدود في بعض القول .
وقال من قال : لا تجوز شهادتهم عليهم في جميع ذلك ولا فيما تتعلق به الحدود من الحقوق ، مثل السرق والمحاربة التي يجب بها القطع والغُرم . (1/193)
صفحة 194
وقال من قال : تجوز شهادتهم في ذلك في الحقوق ، ويغرَّمون المال المتعلق به الحد ، ولا تقام عليهم الحدود بشهادتهم ، وذلك ما لا نعلم فيه اختلافا ، أنه لا تجوز شهادتهم على المسلمين ، لأن الحدود من المكفرات ، فلا تجوز شهادتهم على المسلمين في ذلك كله ، من جميع ما يجب به حد في الدنيا ، أو عذاب في الآخرة ، فذلك كله لا تجوز على المسلمين شهادتهم فيما معنا ، ولا نعلم بين أهل الاستقامة في ذلك اختلافا .
فصل : وأجمع المسلمون فيما معنا - لا نعلم بينهم اختلافا - أن شهادة العدول من قومنا جائزة عليهم من بعضهم بعض ، في جميع الحقوق والحدود والقصاص ، وجميع الأحكام الجائزة بين أهل الإقرار بالإسلام ، وكل فرقة منهم تجوز شهادتهم على بعضهم بعض ، وعلى سائر الفرق من أهل القبلة ، من الروافض والشيع والقدرية والمرجئة والخوارج ، وجميع من دان بخلاف المسلمين ومفارقتهم ، فشهادتهم جائزة على بعضهم بعض ، إذ كانوا عدولا لأنهم أهل ملة واحدة ، وأهل كفر ونفاق ، يجمعهم جميعا اسم الملة والكفر والنفاق . وأجمعوا فيما علمنا أن شهادة العدول من قومنا من أهل القبلة جائزة على جميع ملل أهل الشرك ، من عبدة الأوثان والنيران من أهل العهد وأهل الكتاب ، في جميع الحقوق وما ثبت عليهم من الحدود ، إذا كان في ذلك ثبوت حق للهّ وللعباد من حق أو حد . (1/194)
صفحة 195
وكذلك شهادة أهل الاستقامة ، ثابتة جائزة على جميع أهل القبلة من قومنا ، وعلى جميع أهل الشرك ، في جميع الأحكام من الحقوق والحدود ، وجميع أحكام الإسلام ، وشهادة أهل الإقرار بنحلة أهل لاستقامة على ضروب : فأما أهل الفضل منهم من الفقهاء في الدين فشهادتهم جائزة على بعضهم بعض في كل شيء ، وعلى ضعفائهم من المسلمين ، وعلى أهل العدل هن أهل النحلة والثقة ، وعلى الفُسّاق من أهل الدعوة ،المتمسكين بالإقرار بالنحلة ، المنتهكين لما يدينون بتحريمه ، وعلى جميع أهل الخلاف ، وعلى جميع المتعبدين من الخليقة ، المتعبدين من سائر أهل الملل من المشركين ، في جميع ما قاموا به من الشهادة ، ما لم ينزلوا بمنزلة دعوى أو قذف أو خصومة في وجه من الوجوه ، ولا نعلم في هذا اختلافا .
فصل : وأما شهادة الضعفاء من المسلمين ، ممن تثبت ولايته وهو من الضعفاء في الدين وليسوا من العلماء ، فأولئك شهادتهم جائزة على جميع أهل الاستقامة من العلماء وغيرهم من الضعفاء وجميع أهل الإقرار بالنحلة في جميع الأحكام ، ما سوى الشهادة منهم على أهل الولاية ، بما يجب به الكفر منهم عليهم ، فإنه قد قيل في ذلك باختلاف ، ولذلك معان يستدل عليها بتفسير ذلك إن شاء الله .
فصل : وأما أهل الثقة والعدل من المقرين بالنحلة ، ما لم تثبت لهم ولاية ، فقد قيل إن شهادتهم جائزة على نحو ما تجوز شهادة أهل الضعف ، ممن تثبت ولايته في الأحكام ما سوى المكفرات ، وما ينتقل به المشهود عليه عن الإيمان إلى الكفر ، أو عن حال الوقوف إلى البراءة .
وقال من قال : لا تجوز شهادة أحد من أهل الإقرار بنحلة أهل الاستقامة إلا من تثبت ولايته ، وإنما العدل منهم هو الولي وليس دون الولي منهم عدل ، إلا أن تثبت ولايته ، فيلحق بأحد الحالين : إما منزلة أهل العلم وإما منزلة أهل الضعف من المسلمين . (1/195)
صفحة 196
وقال من قال : إن أهل العدل والثقة من أهل النحلة والعدالة دون الولي ، كل من كان معروفا بالأمانات في ظاهر أمره ، من أداء الفرائض والانتهاء عن المحارم ، ولا نعلم أنه مواقع كبيرة ولا مصر على صغيرة ، ولا تتظاهر عليه بتهمة فيما يدينون بتحريمه من دين المسلمين ، وظهرت أخلاقه وسيرته وأعماله ، بموافقة قول أهل النحلة ، غير أنه لم يستحق الولاية بصحة الخبرة بما يقع به حكم الموافقة ، فأهل هذه الصفة تجوز شهادتهم على أهل الاستقامة من العلماء ، وأهل الضعف وأهل منازلهم وأمثالهم من أهل النحلة ، في جميع ما يخرج مخرج الأحكام دون الحدود والمكفرات ، وهذا القول في أهل هذه الصفة أحب إلينا ، لأنه وإن لم يستحقوا الولاية فليسوا بأدنى منزلة من الثقاة في دينهم من قومنا ، والذي يجب في أهل هذه الصفة من أهل النحلة من نحلة أهل الاستقامة ، أن تجوز شهادتهم على أمثالهم من أهل النحلة ، وعلى فساق أهل الدعوة ، وعلى جميع قومنا من علمائهم وغيرهم من ثقاتهم ، وجميع أهل الملك في جميع الأحكام من الحدود والحقوق ، وجميع أحكام أهل الإسلام في الأحداث وغير ذلك ، ونحب أن تجوز شهادتهم على جميع أهل الاستقامة في جميع الحقوق ، وما يخرج مخرج الحكم في الأموال وجميع الحقوق ، دون الحدود والمكفرات من الأحداث ، من ضعفاء المسلمين وغيرهم ، ما دون الحدود والمكفرات . (1/196)
صفحة 197
فصل: ونحب أن تجوز شهادة قومنا ، العدول منهم والثقاة في دينهم ، في جميع ما وافقوا فيه أصول دين المسلمين من جميع الحقوق ، وما يتعلق حكمه في الأموال خاصة ، دون المكفرات والحدود والفروج والعتق ، الذي يتولد منه أحكام الفروج ، ومعنا أن أهل العدل والثقة من أهل نحلة المسلمين ، ولو لم يجب لهم ولاية أعظم منزلة وأعلى درجة في وجوب الشهادة من علماء قومنا وأفاضلهم ، وأهل العدل منهم ، لأن أحكامهم أحكام أهل الاستقامة ، إلا ما اختلفوا من جهل العالم بهم ، بمنزلة ما يجب به الموافقة من القول ، ويثبت به عقد الولاية في الزمان الذي يكون فيه القول ، دالا على معرفة الموافقة ، لاستكمال ما تجب به الولاية لأهل النحلة من أهل الاستقامة .
وقد قال من قال من أهل العلم : إن شهادة العدول من أهل النحلة تجوز على المسلمين في جميع الأحكام ، من الحقوق والحدود والمكفرات ولا يخرج ذلك من أحكام العدل ، لثبوت حكمهم في جملة أهل الاستقامة في التدين ، ونحب القول الأول أنه تجوز شهادتهم عليهم في جميع الأحكام ، ما خلا الحدود بعينها والمكفرات ، ولا تجوز شهادة أهل هذه الصفة معنا على أحد ، ممن تثبت له ولاية من علماء المسلمين ، ولا من ضعفائهم في شيء من الحدود ، ولا شيء من المكفرات ، فيكون اسم قد ثبت له الإيمان ، ينتقل عن حكم الإيمان إلى وقوف أو براءة ، بشهادة من لم يثبت له اسم الإيمان ، ولا حكم الولاية ، لثبوت قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم " ، ولقول اللّه - تبارك وتعالى - : ( مَا عَلىَ المحسنين مِن سبيلٍ ) ، ( وَمَا جَعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلا ) ، فمن لم يصح له الإيمان ، فلا يكون له معنا سبيل على أهل الإيمان ، فيما يزول عنهم به الإيمان ، ويثبت عليهم بشهادته حد في الدنيا ووعيد في الآخرة . (1/197)
صفحة 198
وقال من قال من أهل العلم : إنه لا تجوز شهادة الضعفاء من المسلمين ، على الأحداث المكفرات ولا الأمور الموجبات ، وإنما يجوز في ذلك شهادة العلماء من المسلمين ، كما أنه لا تجوز شهادة الضعفاء من المسلمين في الولاية وفي دفع الولاية ، ولا يجوز في ذلك إلا قول العلماء البصراء بالولاية والبراءة ، وكذلك لا يجوز في البراءة مثله ، والبراءة أعظم خطرا وأشد حذرا ألاّ يُقَلَّد أمرها إلا العلماء البصراء .
فصل : وقال من قال : تجوز شهادتهم على المسلمين في كل شيء ، من جميع الأحكام ، وجميع الحدود والحقوق والمكفرات ، ولكن لا يقبل من الضعفاء الشهادة بالمجمل من الكفر والنفاق والفسق حتى يتبين الشاهدان بماذا كفر المشهود عليه ، ويكون ذلك الذي شهدا عليه به كفرا ، وأنهما قد استتاباه من ذلك فلم يتب ، فهنالك تجوز شهادتهما عليه في ذلك ، وينتقل عن حال الإيمان والوقوف إلى حال الكفروالبراءة .
وقال من قال : إنه تجوز شهادة الضعفاء من المسلمين وذلك على الضعفاء من المسلمين في الأحداث المكفرات ، وعلى من لا تثبت له ولاية من عدول أهل النحلة وثقاتهم وعامتهم ، ممن لم يجب اسم الإيمان والولاية والفقه والعلم من أعلام المسلمين وأئمتهم في الدين ، ولا تجوز شهادة الضعفاء من المسلمين في الموجبات على علماء المسلمين ، ولا على أئمتهم في الدين ، ولو شهدوا بماذا أحدثوا ووصفوه ، وكان ذلك مكفرا في قول المسلمين ، وأنهم استتابوه من ذلك فلم يتب ، فلا يكونون حجة في ذلك على علماء المسلمين وأئمتهم في الدين . (1/198)
صفحة 199
وقال من قال : إذا بينوا ووصفوا على ما ذكرنا جازت شهادتهم على جميع من شهدوا عليه ، ممن تثبت الشهادة عليه في الإسلام ، إذا كانوا من أهل الولاية ، وثبتت لهم الولاية واسم الإيمان . ونحب أن تجوز شهادة أهل الولاية من ضعفاء المسلمين ، على أهل الولاية من الضعفاء ، وعلى جميع أهل النحلة من أهل العدالة والثقة ، وجميع أهل القبلة وأهل الملك ، في جميع الأحكام والحدود وجميع الأحداث ، إذا بين الشاهدان الحدث على ما وصفنا ، وأنهما استتاباه من ذلك فلم يتب ، وأما على الأئمة في الدين وعلماء المسلمين، فلا نحب أن ينهون عليهم حجة في الشهادة إلا العلماء في الدين من المسلمين ، فيما يكفوهم أو ينتقلون به عن ولاية إلى عداوة أو وقوف ، وإنما يكون عليهم معنا في ذلك حجة في حكم الظاهر ، العلماء من أهل الاستقامة في الدين ، ممن يبصر الولاية والبراءة ويكون حجة في رفع الولاية ، فأولئك يكونون حجة معنا في الشهادة على الأحداث ، على الأئمة في الدين وعلماء المسلمين ، إذا قاموا بالشهادة على وجه ما يكونون حجة في ذلك ، وأما العلماء في الدين إذا كانوا على ما وصفنا ، فهم الحجة في الشهادات في الأحداث المكفرات وفي الحدود والحقوق ، وفي جميع ما تجوز فيه الشهادة على العلماء وعلى الأئمة ، وعلى الضعفاء من المسلمين ، وجميع أهل النحلة من أهل العدالة والثقة ، وعلى جميع أهل القبلة ، وعلى جميع أهل الملك في جميع الأحكام من أحكام الإسلام ، مما تكون فيه الشهادة جائزة ، ولا نعلم بين أحد من علماء المسلمين في هذا اختلافا . وأما الأئمة في الدين في هذه الشهادة ، فعلى ضربين : إذا كان الإمام من العلماء في الدين الفقهاء ، لحق له في ذلك ما لحق العلماء ، وجازت شهادته فيما تجوز فيه شهادة العلماء .
وإن كان ليس من العلماء ، وكان من أهل الولاية ثبت فيه وفي شهادته هو ما يثبت في شهادة الضعفاء من المسلمين ، وجازت حيث تجوز شهادة (1/199)
صفحة 200
الضعفاء من المسلمين ، وضعفت حيث ضعفت شهادة الضعفاء من المسلمين ، وأما الشهادة عليه فلاحقة معنا بالشهادة على الأئمة والعلماء ، ولا نحب أن يجوز عليه شهادة في المكفرات ، والأحداث الموجبات إلا من العلماء ، ولو كان هو من الضعفاء ، لأنه قد عظمت منزلته في الإسلام ، ولحق بدرجات الأئمة في الدين ، فالشهادة منه في هذا ليست كالشهادة عليه ، على ما قد بيّنا وهو كذلك معنا إن شاء الله .
فصل : وشهادة النساء مع الرجال في الولاية والبراءة ، مما تجب فيه أحكام البراءة ، جائزة في أكثر قول أهل العلم من المسلمين ، إلا في الزنا فإنه جاء الأثر أنه لا تجوز شهادتهن في الزنا مع الرجال ، ولا نعلم أن أحدا قال إنه تجوز شهادتهن مع الرجال في الزنا . (1/200)
صفحة 201
وقد قال من قال : لا تجوز شهادتهن مع الرجال في شيء من الحدود ، وتجوز في الحقوق ، والأكثر من قول أهل العلم من أهل الاستقامة أنه تجوز شهادتهن في جميع الأحكام مع الرجال إلا في الزنا ، ولا نعلم أنه قال أحد من أهل العلم أن شهادة النساء وحدهن تجوز في شيء من الأحكام ، إلا فيما لا يمكن اطلاع الرجال عليه ، مثل الشهادة في العذرة والرتق والعَفل وفروج النساء . وقد قيل ذلك في الرضاع وشهادة القابلة ، وكل ذلك بمعنى ما لا يطلع عليه الرجال إلا الرضاع ، فإنه جاء فيه الأثر أنه تجوز شهادة المرضعة وحدها على الرضاع ، وعلى فعلها من ذلك ، خاص في ذلك من شهادة النساء والرجال إلا ما شاء الله من ذلك ، مما هو يشبه ذلك ، فلما أن جازت شهادتهن في ذلك الذي وصفنا ، لموضع ما لا يطلع عليه غيرهن من الرجال ، لم تجز شهادتهن في الزنا خاصة ، لموضع ما لا يطَّلِعْن عليه من ذلك والله أعلم . ولأنه ثبت من قول الله -عز وجل - في الأحكام في الشهادة : ( فإن لَّم يكُونَا رجلَيْنِ فَرَجُل وَامْرًأتَانِ ) ، فدل هذا على أنه لا تجوز شهادة النساء في الزنا لموضع أنه لا تجوز فيه إلا شهادة الأربعة ، فإن لم يأتوا بالشهداء كما قال اللّه وهم أربعة ، فأولئك عند الله هم الكاذبون ، ولم يسثن في ذلك نساء ، فلما خص الحكم في الشهادة من الله بالأربعة في الزنا خاصة ، ولم يأت في غير ذلك من الحدود والسرق والخمر والمسكر وغير ذلك من الحدود ، دل معنا أن ذلك ثابت في جملة الأحكام ، ولموضع أن الزنا نفسه ثابت فيه الأربعة الشهداء ، والشهداء مذكورون ، فكان ذلك في الزنا خاصة ثابتا في الزنا خاصة ، مسشنى من سائر الأحكام ، وكانت سائر الحدود ثابتة في سائر الأحكام ، جائزة فيه شهادة الرجلين ( فإن لَّم يكُونَا رجلَيْنِ فَرَجُل وَامْرًأتَانِ ). (1/201)
صفحة 202
فصل : وجاء الأثر عن أهل العلم ، أن شهادة المرأة جائزة وحدها في رفع الولاية ، ولا نعلم أن أحدا قال إن ذلك لا يجوز إلا على وجه الاختلاف في ذلك ، أنه ليس بحجة من الواحد ، وإنما يكون حجة من الاثنين على وجه الشهادة في الأحكام ، وقد مضى بيان ذلك في ذكر الرفيعة في الولاية ، فشهادة النساء معنا جائزة في الأحداث على المكفرات بشهادة رجلين ، فإن لم يكونا وجلين فرجل وامرأتان ، ولا تجوز شهادتهن وحدهن في الأحداث ولا في شيء منها.
وأما شهادة العبيد فجائزة في الولاية خاصة في رفع الولاية ، ولا تجوز في أكثر قول أهل العلم من أهل الاستقامة في شيء غير الولاية ، وقد أجازوا منه رفع الولاية ، ومن الأمة وحدها إذا كانت ممن تبصر الولاية ، ولا نعلم في ذلك اختلافا على الوجه الذي يجيز فيه رفع الولاية من الواحد ، والاختلاف في ذلك من الواحد والاثنين .
فصل : وأما الأعمى فقد اختلف في رفع ولايته .
فقال من قال : لا يجوز منه رفع الولاية .
وقال من قال : يجوز ذلك .
وقال من قال : يجوز رفع ولايته ويجوز قوله في الولاية ، وأما في سائر الأحكام فلا يجوز إلا فيما اختلفت فيه من الشهادة على النسب بالصفة لا على العين وما أشبه ذلك ، ولا تجوز شهادته في شيء من الحدود ، ولا الطلاق ولا العتاق ولا شيء من الأفعال ، وكذلك لا تجوز معنا شهادة العميان على شيء من الأحداث ولا شيء من الحدود ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، أن شهادة الأعمى تجوز في شيء من الحدود ، ولا من الأفعال ، مثل الشواء ولا البيع ولا شيء من الأفعال وهو أعمى ، لأن شهادته في ذلك تخرج مخرج الظنون ، ولا يجوز معنا ذلك على وجه من الوجوه ، فيما علمنا من قول أهل العلم ولو عظمت منزلتهم . (1/202)
صفحة 203
وأما شهادة العبيد والإماء والأصحاء الأبصار ، فتخرج معنا ذلك مخرج الاختلاف ، فالذي يجيز شهادة العبيد في الأحكام يجيز شهادتهم في الأحداث من الزنا وغيره ، والإماء في ذلك مثل النساء الحرائر ، ومن أجاز شهادة العبيد والإماء فلا نعلم دليلا يبطل قوله ، لأنهم داخلون في جملة المتعبدين وفي جملة المسلمين ، ولا علة تبطل شهادتهم في الإجماع .
وأما شهادة العلماء البصراء بالولاية والبراءة .
فقد قال من قال : إن شهادتهم على من تجوز عليه الشهادة جائزة على إيقاع الاسم عليه من الكفر والنفاق والفسق ، وأشباه ذلك من الأسماء الموصوفة المستحق بها المسمى البراءة ، ويكونون حجة ويجوز قبول شهادتهم قي ذلك ، والبراءة ممن شهدوا عليه بذلك ، إذا شهد عليه بذلك اثنان من العالمين فصاعدا ، ولا يكلف العلماء بأحكام الولاية والبراءة تفسير ما يكفر به المشهود عليه ، إذا شهدوا على اتفاق منهم على إيقاع الاسم عليه .
وقال من قال : إن الشهادة على الاسم تقع موقع القذف ، لأنهم يسمونه بالفسق والكفر والنفاق ، فذلك إنما هو اسم لمعنى ما أن ، وليست
الشهادة على ما أتى مما يكفر به ويفسق ، ولكن لا يقبل منهم إلا الشهادة لهم على ما دأبه كفر من المكفرات ، فإذا شهدوا عليه بذلك يكفر به ويفسق ، وقالوا : إن ذلك مما يكفر به أو أنهم يبرؤون منه بذلك الفعل ، وأن المسلمين يبرؤون منه على ذلك الذي قد أتاه ، وشهدوا عليه بذلك ، كانوا بذلك حجة في الشهادة والفتيا ، وهذا القول هو أقوى ، ولا نعلم فيه اختلافا ، إذا وقع في موضع ما تجب به الشهادة فيه . (1/203)
صفحة 204
ومعنا أن القول الأول ليس يوهن في الحق ، إذا كان العالم في شهادته حجة ، وإذا كان لا يلحقه أنه شهد بالكفر ، إلا على أهله المستحقين له ، وإذا لم يكن ذلك براءة منه ، وإنما كان منه شهادة على اسم سماية المشهود عليه ، وهو حجة في ذلك ، لموضع علمه بمواضع الأسماء بماذا يقع من الأحداث إذا ظهر منه العلم بذلك والثقة فيه .
فصل : وأما الضعفاء من المسلمين فلا تجوز شهادتهم على الاسم المسمى به المشهود عليه له ، حتى يسموا ما إذا تأخرت الأحداث ، ويكون ذلك على من شهد عليه في علمه ، أو فيما تقوم به عليه الحجة له ، بما يوجب الكفر أو البراءة ، وأنهما قد استتاباه من ذلك الذي قد أتاه فلم يتب ، فعلى هذا تجوز شهادة الضعفاء على من تجوز شهادتهم عليه في الأحداث ، وقد مضى بيان ذلك فيما ذكرنا .
والشهادة من الضعفاء فيما لا يكون حجة على سبيل القذف ، تخرج لأنه من لم يكن حجة في شيء كان مدعيا فيه أو خصما ، وإذا ظهر ذلك منه ، كان في أحكام الأحداث يقوم مقام القذف ، فإذا لم تقم الحجة على المشهود عليه في الإجماع بتلك الشهادة ، كان ذلك خارجا مخرج القذف لمن شهد عليه ، إذا كان من أهل الولاية عند من يتولاه ، وبمنزلة الدعوى عند من لا يتولاه .
وأما الشهادة من العلماء على الحدث المكفر مما يكفر به المحدث إذا بينواذلك عليه ، وأن ذلك مما يكفره أو يوجب البراءة منه ، أو أن المسلمين يبرؤون منه بذلك أو على ذلك ، أو ما أشبه هذا من الشهادة والفتيا جميعا ، فذلك حجة ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، أنهم لا يقومون في ذلك مقام القاذف ، بل هم في ذلك مقام الشهداء فيما علمنا بالإجماع من أهل العلم . (1/204)
صفحة 205
وأما الضعفاء من المسلمين فإذا شهدوا على الحدث المكفر ولم يبرؤوا مما أتاه على ذلك ولم يفسّقوه ويكفّروه ، فهم حجة على المشهود عليه ، وإن جهل حكم ذلك الحدث ، وليس للمشهود عليه على الشهود هاهنا حجة ، فإن علم كفر المشهود عليه بوجه ما رفعوا إليه من الشهادة عليه ، برىء منه على ذلك وإن لم يعلم ما يجب عليه من ذلك في علمه ، وقامت عليه الحجة بعلم ذلك بعد ذلك من قول الفقهاء أو بوجه من الوجوه ، كان عليه البراءة من المشهود عليه بعد أن تقوم الحجة عليه بالشهادة .
وأما إذا شهدوا عليه بالحدث وبرئوا منه أو فسِّقوه أو كفّروه على ذلك ، فإن علم المشهود عنده حكم ما شهدوا به على المشهود عليه ، وبلغ علمه إليه في حكم ما يستحقه برىء منه ، وإن لم يعرف ما يجب عليه على من أتى ذلك ، وكان المشهود عليه ممن تولاه بعلم من المشهود ، وإنما تقوم عليهم الحجة بعلمه ، كانوا في حد القذفة في براءتهم من وليه وقذفهم له ، مما ليسوا هم حجة فيه ، من التسمية له بما لا تقوم بهم الحجة فيه ، وبالبراءة من وليه قبل أن تقوم الحجة عليه بكفره معه ، وحجة فيما قاموا به من الشهادة أن لو لم يبرؤوا ولم يفسقوا أو يكفروا ، وكان هذا الموضع مبيحا من الشهود ، وللمشهود عنده في وليه حكم براءة الرأي من أجل قذفهم لوليه ، ما لم تقم عليه الحجة في التسمية ، ووقوعها على ما يجب من أحكامها ، لأنهم بالشهادة على وليه معه بما يفسقونه به ، وهم حجة في الشهادة عليه أن لو كان عالما بحكم الحدث ، أو قامت عليه به الحجة بعد ذلك بعلم حكم الحدث ، فلو شهدوا عليه بالحدث ولم يفسقوا وليه ولم يبرؤوا منه ، لكان ذلك حجة عليه ، وليس عليه البراءة من وليه ، ولا له أن يتولاه بدين ، بعد قيام الحجة عليه بالحدث ، ولو لم يعلم حكم الحدث ، ولكن له أن يتولى وليه برأي حتى تقوم عليه الحجة بعلم كفره ، أو بما تجب به البراءة منه في الحكم بذلك الحدث. (1/205)
صفحة 206
فصل : فإن برئوا من وليه وفسّقوه أو كفّروه ، وعلم حكم القذف ، كان له أن يبرأ ممن قذف وليه على هذا برأي ، إن كان ذلك الحدث لا يوجب على واليه البراءة ، أو الكفر أو الفسق أو يتولاه وليه على مثل ذلك من الرأي .
وإذا شهد الضعفاء على الكفر والفسق والنفاق وما أشبه هذا من الأسماء ، من غير تفسير لما أحدث المحدث ، كانوا بذلك في حد القذف وأحكام القذف في الأولياء في حد الدعوى في غير الأولياء ، ولا تجوز شهادة قاذف ولا قول مدع ، ولا حجة منهم في ذلك بوجه من الوجوه ، لأن الضعفاء لا تقوم بهم الحجة في تفسير الأسماء فافهموا ذلك إن شاء الله .
ولقد اختلف القول في ثبوت الشهادة على المشهود عليه من الشهود الجائزة شهادتهم ، في مواضع ما تجوز فيه شهادة الشاهدين ، على من يجوز عليه من المشهود عليهم من أهل المنازل :
فقال من قال : لا تجوز الشهادة على الأحداث في وجوب البراءات إلا بحضرة المشهود عليه ، كائنا من كان المشهود عليه وكائنا من كان الشاهدان ، وتفسير من الشاهدين أنهما عاينا من المحدث ذلك الحدث بأعينهما ، أو سمعا ذلك منه بآذانهما ويفسرا ذلك على ما لا يرتاب فيه ، على ما قد ثبت في الحد في الزنا ، أنه لا تجوز الشهادة فيه ، حتى يشهد الشهداء أنهم رأوا ذلك من الزاني والزانية عيانا يقينا كالميل في المكحلة ، فإن لم يفسروا ذلك على الزاني ، لم يكونوا في ذلك حجة عليه ، ولا جازت شهادتهم في وجوب الحد عليه ، وكذلك في الخمر والقذف حتى يفسر الشهود ذلك ، وأن القاذف المشهود عليه قذف هذا بالزنا ، وأنه سمع ذلك من القاذف يقذف هذا بالزنا بلفظ يصفه الشاهد ، يوجب قذفه للمقذوف بحضرة من المشهود عليه ، ثم يقام الحد بحضرة الشهود ، فلعلهم يرجعون عن شهادتهم قبل أن يقام الحد على المشهود عليه ، ولعل المشهود عليه يأتي بحجة يدرأ عن نفسه حقيقة مما شهد عليه به الشهود ، أو يوجب هنالك شبهة فيُدْرَأ عنه الحد بالشبهة . (1/206)
صفحة 207
وقال من قال : يجوز شهادة الشاهدين على المحدث بحضرته ، إذا علم أنهما أدركا الوقت الذي يشهدان عليه فيه أنه أحدث ذلك الحدث فيه ، وإن لم يفسر الوقت جازت شهادتهما عليه ، إذا شهدا قطعا عليه بالحدث ، ولم يضيفا ذلك إلى شهرة ولا نقل شهادة عن شهادة ، وكان المشهود عليه حاضرا ألا يدرأ عن نفسه بسبب يبطل شهادتهما ، أو يضعفها بقول منه ، أو يوقفهما عن شهادتهما ، لأن الشهود إذا شهدوا على القطع أحسن بهم الظن ، ولم يتهموا في شهادتهم وقُلّدوا ذلك ، واختلفوا في الشهادة على المشهود عليه في غير حضرته .
فقال من قال : لا تجوز الشهادة عليه إلا في حضرته حيا كان أو ميتا ، أو عالما أو ضعيفا إماما أو عاميا من الرعية .
وقال من قال : تجوز على الحي الغائب ولا تجوز على الميت ، كائنا من كان الحي والميت .
وقال من قال : تجوز على الضعيف من المسلمين الحي ، ولا تجوز على العلماء والأئمة إلا بحضرتهم ، كان الشهود علماء أو ضعفاء .
وقال من قال : إذا كان الشهود علماء والمشهود عليهم ضعفاء ، أو ممن لا تثبت له ولاية ولا عداوة ، جازت شهادتهم على الحي ولم تجز شهادتهم على الأموات .
وقال من قال : تجوز الشهادة من الشهود على الحي الغائب ، ولا يبرأ (1/207)
صفحة 208
منه حتى يلقى ويسمع حجته ، فإذا سمعت حجته فلم يدرأها بشيء فه برح ،ء منه هنالك ، كان عالما أو ضعيفا إماما أو عاميا . فصل : وقال من قال : إنما يجوز ذلك في الضعفاء ومن لا يثبت له ولاية ، وأما العلماء والأئمة فلا يجوز ذلك عليه حتى يكون ذلك بحضرتهم ، والذي نختاره من هذا كله الذي ذكرناه لغير رد لقول أحد من المسلمين أنه لا تقبل الشهادة على العلماء ، ومن صحت له حجة العلماء ، ولا على الأئمة العلماء ، ولا على الأئمة المنصوبين ، كانوا علماء أو دون ذلك ، إلا بحضرتهم ، وتفسير ما أتوا من ذلك على شهادة من شهد عليهم في ذلك من العلماء ، على عيان ما أتوا أو سماع ما أتوا إن فحصوا عن ذلك ، وإن لم يفحصوا عن ذلك وشهدوا قطعا بما يكونون فيه حجة في الشهادة على ما وصفنا ، ولم يدرأ عن نفسه في ذلك بحجة تقبل منه ، برىء منه على ذلك ، ولا يقبل على العلماء والأئمة معنا إلا شهادة العلماء فيما يختاره مما قد بيّناه بحضرتهم ولا يقبل في مغيبهم ذلك .
وأما الضعفاء ومن لم تثبت له ولاية من أهل الدعوة ، وممن لم نعرف منه عداوة ، فنختار فيه أن تقبل عليه الشهادة من العلماء ، على ما وصفنا من ضعفاء المسلمين ، إذا فسروا ما أحدث ، وأفهم استتابوه من ذلك فلم يتب ، فإنه يقبل منهم ذلك ، ولا نحب أن يبرأ منه حتى يسمع كلا حجته ، فإذا سمعت حجته على ذلك ولم يدرأ عن نفسه ، برىء منه حينئذ ولو لم يكن الشهود بالحضرة حين ذلك . (1/208)
صفحة 209
فصل : وأما الشهادة على الميت بالأحداث فقد اختلف في ذلك أيضا ، إلا على العلماء من المسلمين والأئمة في الدين ، الذين قضت لهم الشهرة بثبوت الولاية وصحة العقدة حتى ماتوا على ذلك ، لم ينتقل أمرهم عن ذلك بكفر ولا وقوف ولا أمر يدخل عليهم فيه ريب ولا شبهة عند من عرف منهم ذلك ، فإن الإجماع من قول أهل العلم أنه لا تجوز الشهادة على هؤلاء في أسباب الأحداث في البراءات ، ولا فيما تنتقل أحكامهم فيه إلى عداوة ولا وقوف فيما عرفنا ، ولا نعلم في ذلك اختلافا . واختلفوا فيما سوى هؤلاء : (1/209)
صفحة 210
فقال من قال : لا تجوز الشهادة على الأموات في الأحداث الموجبات ولا فيما ينتقل أمرهم عن حال ما هم عليه إلى عداوة ولا وقوف عن ولاية ، وكل من مات فقد ماتت حجته ، والحجة عليه غير قائمة في الأحكام المتعلقة عليه في نفسه ، والبراءة حكم خاص في النفس ، وسواء ذلك كائنا من كان الميت ، فمن لم يصح معه كفره وحدثه بعيان أو سماع أو شهرة بحدثه ، لا يدفع ولا يشك فيها ، فقد أثبت أمره معه على كل حال على ما هو عليه ، لا ينتقل عنده حاله عن حال ما كان عليه بحجة الشهادة ، ويتولى المسلمين على براءتهم ممن برئوا منه ، أو شهدوا عليه بحدث مكفر ، ولو كان من الأئمة الضالين ، الذين صحت ضلالتهم مع غيره ، بعيان أو سماع أو شهرة ممن سلف ومات ، ولم يجب عليه حكم كفره بالبينة بالشهادة في حياته ، وهذا القول هو أصح معنا ، ما علمنا أنه قيل في أمر الشهادة على الأحداث على الأموات ، وسواء ذلك معنا كان الميت ممن شهد عليه بخلاف الدين مما يدين به ، أو بانتهاك لما يدين بتحريمه ، أو كان من الأئمة المبتدعين أو الفاسقين فيما يدينون بتحريمه ، فكل ذلك سواء فمن لم يصح معه حدث هذا الميت قبل موته ، بعيان أو كفر أو سماع له ، أو يصح معه حدثه بشهرة لا يرتاب فيها ولا في صحتها لحدثه ، فهو سواء ، ويلحق فيه القول على ما وصفنا . وصحة شهرة حدثه قبل موته وبعد موته سواء ، ولا فرق في ذلك في صحة الشهرة عليه بحدثه في حياته ولا بعد موته .
وقال من قال : إنما يجوز ذلك في أئمة الضلال من جميع الأئمة في الدين ، والفُسّاق الذين فسقوا في دينهم وهم أئمة ، وكانوا أئمة دعاة إلى دين الضلال ؟ من الأئمة الضُلاّل وفي دين الضلال ، لا يجوز في غير هؤلاء .
فصل : وقال من قال : يجوز ذلك في جميع من لم تثبت له ولاية مع المشهود عليه بذلك الحدث ، ممن تجوز شهادته عليه . (1/210)
صفحة 211
وقال من قال : يجوز ذلك في الجميع ، إلا في الأئمة في الدين وعلماء المسلمين فإنه لا يجوز ذلك في هؤلاء ، ولا نعلم في ذلك اختلافا أنه لا يجوز ذلك في هؤلاء ، فلما أن صح الإجماع أنه لا في الشهادة على هؤلاء في الأئمة في الدين وفي علماء المسلمين الأموات السالفين ، أشكلت الشهادة في الجميع إلا من علم من المشهود عليه أنه ليس من علماء المسلمين ولا من الأئمة في الدين ، فإذا لم يعلم أهو من العلماء في الدين أو ليس من العلماء في الدين ، لم يجز له قبول الشهادة عليه ، حتى يعلم هو أنه ليس من علماء المسلمين ، ولا من الأئمة في الدين ، وإذا لم يعلم هو منهم أو ليس منهم ، حُجر عليه قبول الشهادة عليه في الإجماع حتى يعلم أنه ليس من علماء المسلمين ولا الأئمة في الدين .
فإن قال قائل : فإنه يقبل قول العلماء الشاهدين عليه بحدثه أنه ليس من العلماء ولا من الأئمة في الدين ، وأنه ممن تجوز شهادتهم عليه .
فصل : قلنا له : العلماء هنا مدعون على المشهود عليه أنه ليس من الأئمة لأنهم قد صاروا خصما له حين قالوا عليه بالكفر والحدث ، وادعوا أنهم ممن تجوز شهادتهم عليه ، وليسوا هم ممن لا تجوز شهادتهم عليه .
فإن قال : لا بل هم حجة في ذلك وتقبل شهادتهم على ذلك .
قلنا له : أرأيت لو أن عالمين ممن قد صحت ثقتهما في دين أهل الاستقامة ، وقاما مقام الحجة خانا الله في بعض أحوالهما فشهدا على أبي بكر الصديق أو عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - بحدث مكفر ، وسمياهما باسميهما ، وهو ممن لا يعرف أبا بكر عبدالله بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب ما هما ولا ما منزلتهما ، أكان يجوز له أن يقبل قولهما عليهما حتى يعلم أنهما من الأئمة أو لا يجوز ؟
فإن قال : يجوز إذا لم يعلم أنهما من الأئمة . (1/211)
صفحة 212
قلنا له : فقد أجزت قبول الشهادة على الأئمة بالكفر ، ونقضت الإجماع الذي قلت أنه مجمع عليه أنه لا تقبل فيهم للجهال دون العلماء ، فللجهال معك أن يبرؤوا من العلماء والأئمة ، إذا جهلوا ما يلزمهم في أموهم ، ويكون معك الجهال بالأئمة أعذر في البراءة منهم .
فإن قال : نعم فقد أبطل الإجماع .
فصل : فإن قال : لا يجوز لأنهما إِمامان للمسلمين جميعا ، وليس كغيرهما من الناس .
قلنا له : هما إِمامان للمسلمين من عرفهما ومن لم يعرفهما أو لمن عرفهما دودن من لم يعرفهما .
فصل : فإن قال : هما إمامان لمن عرفهما ولمن لم يعرفهما ، وحكمهما في ذلك على من عرفهما ومن لم يعرفهما ، أنه لا تقبل عليهما شهادة ، فقد أبطل الشهادة على الميت ، إِذا لم يعرف أنه ليس من الأئمة في الدين ، ولا من علماء المسلمين ، إذا أمكن أن يكون من الأئمة في الدين ، أومن علماء المسلمين عند بعض من خصه ذلك من المسلمين ومن نزل بمنزلة ذلك مع أحد من المسلمين في الدين ، وإذا ثبت هذا بالإجماع في الأئمة لم يتعر من كل مجهول من الخليقة أن يكون بأحد هاتين المنزلتين ، ولا تجوز فيه الشهادة عند من جهل أمره ، لإمكان ذلك فيه ، ولثبوت الإجماع أنه لا يجوز فيه ولا عليه الشهادة ، ومحال أن يحيط الإنسان بعلم جميع العلماء والأئمة في الدين . ومن نزل بتلك المنزلة في الدين فقد ثبت له أنه لا يقبل فيه ذلك مع أحد من المسلمين إِلا من علم أنه خارج من المنزلة التي تجوز في دونه قبول الشهادة ولا تجوز الشهادة فيه بالإجماع عليه .
فإن قال : لا يشبه أبا بكر وعمر أحد في هذا ، وإنما قد قامت الحجة لهما على الجميع . (1/212)
صفحة 213
قلنا له : فليس معك لي حد عذر إلا بالعلم أنهما إمامان ، وأنهما لا يجوز قبول ذلك فيهما ، فإذا ألزمت ذلك الجميع ، خرجت من الإجماع إلى الضلال ، لأن عامة المسلمين لا يعلم أبا بكر وعمر ما منزلتهما ، ويسلم الناس بدون معرفتهما في الإجماع ، وأنت قد ادّعيت الباطل على المسلمين .
فإن قال : ليس على الناس كافة أن يعلموهما ولا منزلتهما ، رجع إلى القول الأول ، وأنه قد شهد عليهما الشاهدان ، فلا مخرج معنا في هذا من أن لا تقبل الشهادة على الميت ، إلا عند من علم أنه ليس من الأئمة في الدين ، ولا من علماء المسلمين ، وإذا ادعى ذلك في علم أحد أنه ليس من العلماء ولا من الأئمة ، فقد ادّعى ضربا من الغيب ، لأنه وإن لم يعلم أنه من علماء المسلمين ، فقد يمكن أن يعلم غيره ذلك ، وأن يكون قد نزل بمنزلة ذلك في غير أن يعلم هو ذلك منه من لم يعلم كفره ، فكل من لم يصح كفره بعيان أو سماع أو شهرة من الموتى ، فقد بطلت عنه حجة الشهادة عليه في أمر حدثه على هذا،إلا أن يقول إنه ما لم يعلم أنه من الأئمة ، فقد أجيز له سماع البينة عليه بالحدث ، فإنه يجيز على هذه البراءة من أبي بكر وعمر وجميع الأئمة من الأولين والاخرين . (1/213)
صفحة 214
فصل : فإن قال : فإن العلماء مأمونون أنهم لا يشهدون على أبي بكر وعمر ولا على أئمة الهدى بالضلال .
قيل له : فبحسن الظن جهم أبطلت حكم الإجماع ، أو بحسن الظن بهم أجزت تقليدهم وإن كفروا ، وبحسن الظن بهم شهدت لهم بالعصمة فيما غاب عنك أنهم لن يكذبوا ولن يشهدوا زورا أبدا ، وهذا كله باطل ، بل يجوز
التقليد لهم فيما لا يجوز أن يكونوا فيه حجة ، ولو جهل ذلك من جهله ، ولا تجوز الشهادة لهم بالعصمة أبدا ، وإنما يشهد بالعصمة لمن صحت رسالته أو نبوته أو حقيقة إيمانه ، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يشهدَ لهم بالعصمة على كل حال أنهم لا يعصون أبدا ، ولا يكون منهم خطا أبدا ، وإنما يشهد لهم بالعصمة أنهم لن يموتوا على معصية ولا خطا ولا فتنة .
فصل : فإن قال قائل : ليس الناس كلهم بمنزلة أبي بكر وعمر .
قيل له : ولكن في الناس من تجب حجته على من عرفه من المسلمين أكثر مما يجب عليه حق أبي بكر وعمر في حكم الظاهر إذا لم يعرفهما ، ولكل زمان رجال ، ولكل قوم هاد يهديهم إلى سبيل الرشاد ، بمنعهم عن سبيل الغي والفساد ، ومن نزل بمنزلة تكون حجة فيما قام به الله على أهل زمانه من نقل الشريعة وتظاهرت له شواهد الأمانة والعلم ، كان على من عرفه وقامت عليه حجته بمنزلة أبي بكر وعمر ، فيما قاما به من الحق وثبت لهما من الحق ، ولكل درجات مما عملوا ، ولكل قوم منازل لها قد نزلوا ، وعلى الكافة أن يسيروا بالعدل فيمن عرفوا أو جهلوا ، وليس للجاهل أن يترك حقا قد ثبت عليه قبوله لظنه أنه باطل ، ولا له أن يركب باطلا بجهله لظنه أنه حق ، قد قامت الحجة وانقطع العذر . (1/214)
صفحة 215
ويقال له : أرأيت الأمراء والأئمة في الدين من لدن أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- إلى الإمام سعيد بن عبدالله العماني -رحمهما الله - ، والفقهاء من لدن جابر بن زيد إلى أبي معاوية عزان بن الصقر ، ومن مضى على سبيلهم ممن هو مثلهم أو أعلم منهم أو دونهم ، إلا أنه يلحقه اسم الفقه والعلم ، أهؤلاء هم الأئمة والفقهاء الذين جاء الإجماع فيهم أنه لا يقبل الشهادة عليهم بعد موتهم في الأحداث أو غيرهم وغير صفاتهم .
فإن قال : بل هم هؤلاء .
قيل له : أرأيت من لم يعرف جابر بن زيد ولا محبوب بن الرحيل ولا محمد بن محبوب ولا عزان بن الصقر من ضعفاء المسلمين الذين تعبدهم الله بدينه ، ألهم أن يقبلوا الشهادة على أحد منهم في الأحداث إِذا لم يعلمه من فقهاء المسلمين ولا من الأئمة في الدين ؟
فإن قال : نعم له أن يقبل فيهم الشهادة إذا لم يعلمهم ، رجع إلى المكابرة التي كان عليها في أبي بكر وعمر ، والمغالطة والمكابرة لا تجوز . وإن قال : هؤلاء لا تجوز الشهادة فيهم لأنهم مشهورون عند الخاصة والعامة من المسلمين .
قيل له : فعلى جميع المتعبدين علمهم عندك أو لكل من لم يعرفهم أن يقبل فيهم الشهادة ، وتنفذ فيهم أحكام البراءة بالشهادة ممن نزل عنده بمنزلة العلماء في الدين .
فإن قال : لا ولكن يقبل فيمن سواهم إذا لم يعلم أنه من الفقهاء .
قيل له : سواهم في ماذا ؟
فإن قال : في الاسم والعلم .
قلنا له : يحكم بالأسماء في هذا أو بمنازل العلم ؟
فإن قال : بمنازل العلم .
قيل له : عند الكافة والخاصة .
فإن قال : كل من لحقه اسم العلماء في الدين ، ونزل بمنزلة العلماء في الدين ، فلا يجوز فيه هذا ، عند أحد من المتعبدين .
قيل له : فقد وافقت في أنه لا يجوز قبول الشهادة على الميت في الأحداث (1/215)
صفحة 216
التي يجب بها كفره ، وانتقاله عن منزلته التي تثبت له عند من عرفه وجهل ما قامت به البينة عليه ، إلا بما قامت عليه البينة ، لأنه لا يخلو الشخص الذي علمه أن يكون يعلم أنه ليس من العلماء في الدين ، ويقطع عليه علم ذلك فيتعاطى علم ما غاب عنه في علم غيره ، وفي حكم منازل الناس ، أو يقبل الشهادة فيمن لا يعلم أهو من العلماء أم لا ، ولا مخرج من هذا أبدا ، فإن قال: على أنه من الضعفاء موجبا عليه أنه ليس من العلماء في علم غيري ، ولا يلزمه حكم الفقهاء .
قيل له : قد راجعت قولك في الأول ولا معنى لهذا القول .
ويقال له : أرأيت العلماء من المسلمين من أهل المغرب وهن أهل خراسان ومن أهل عمان في عصر وزمان كل من المسلمين في ذلك المصر ، لا نعلم حكم الفقهاء في هذا المصر أللمسلمين من أهل عمان أن يقبلوا الشهادة على الفقهاء من المسلمين المذكورين إذا لم يعلموا أنهم من الفقهاء في الدين ؟
فإن قال : نعم رجع إلى قوله في أبي بكر وعمر وسائر الأئمة الفقهاء .
وإن قال : لا لأن هؤلاء علماء الأمصار ، في كل مصر علماء لا يجوز قبول الشهادة عليهم ممن جهلهم من أهل الأمصار الأخرى ، لأنهم علماء وفقهاء في الدين عند المسلمين .
قيل له : أفرأيت من جهل منزلتهم من ضعفاء أهل مصرهم وقد ماتوا ، أيجوز له أن يقبل الشهادة عليهم ؟
فإن قال : نعم بطل قوله الأول ، وإن قال : لا .
قيل له : فما الفرق فيمن جهل علمهم وفقههم من أهل المصر وبين من جهل ذلك من أهل بلدهم ، أفرأيت من جهل علم عالم من أهل بلده ممن (1/216)
صفحة 217
خلف من بعد زمانه أو ممن كان في زمانه فجهله ، لموضع جهله بالعلماء ، وقد نزل العالم بمنزلة العلماء في دين الله عند أهل دينه في ذلك البلد ، هل له أن يقبل فيه الشهادة ويبرأ منه فلا يجد مخرجا أبدا من أن يقر أنه يقبل الشهادة في أبي بكر وعمر و جابر بن زيد ومحبوب بن الرحيل ومحمد بن محبوب وعزان بن الصقر ، ممن لم يعرفهم أو لا يجيز الشهادة على ميت حتى يعلم أنه ليس من علماء المسلمين ، أو يدعي علم الغيب أنه يحكم على مالا يعلم بحكم ما يعلم ، لأن حكم ما لا يعلم غير حكم ما يعلم ، وليس كل من لم يعلم أنه من الفقهاء جاز أن يحكم عليه أنه ليس من الفقهاء ، لأنه إذا حكم عليه بذلك حكم بأحكام الغيب ، ومن حكم بأحكام الغيب حكم بالباطل والجور وشهد بالزور .
فصل : فإن قال : إن الناس ليسوا بعلماء حتى يعلم أنهم علماء ، وله أن يحكم فيهم بأحكام ما هم عليه ، حتى يصح أنهم علماء ، لأن العلم حادث والجهل فيهم والضعف أزلي .
قيل له : لا يقال فيهم هكذا ، ولكن يقال إن الناس علماء وضعفاء ، ولا يخلو العلم منهم والضعف ، ومن لم يعلم أنه عالم ، فلا يجوز أن يحكم عليه بحكم الجاهل ، ولا يحكم له بحكم العالم ، ولكن يوقف عنه حتى يعلم أنه عالم ،فيحكم عليه بحكم الحقيقة ، أو يعلم أنه جاهل فيحكم فيه بالحقيقة ، ولا نعلم أنه جاهل حتى يعلم أنه محدث ما يجب به حكم الجهل ، وإذا علم أنه محدث ، ما لم يجب به حكم الجهل ، لزم على حدثه بغير سماع بينة . (1/217)
صفحة 218
وكفى من علم منه ذلك مؤنة سماع البينة عليه وكلفة ذلك ، وإذا لم يعلم أنه جاهل فلا يحكم عليه بحكم الجاهل ، كما أن الناس كافة ، من لم يعرف أمره منهم ، فهو موقوف لا يحكم له بولاية ولا عداوة ، حتى يعلم منه ما يوالى به فيوالى ، أو يعلم منه ما يعادى به فيعادى على علم ، فإن حكم على من لم يعلم منه ما يوالى بحكم العداوة ، فقد حكم بغير الحق وكان من حكام الجور ، ولووافق في حكمه ذلك بالعداوة عداوة عدو الله ، فهو عند اللهّ بذلك من الخاسرين ، ومن الظالمين في حكمه ، ومن الجائرين ، وكذلك من حكم على من لم يعلم أنه عالم بحكم الجاهل ، إذ لم يعلم أنه عالم ، فقد حكم عليه بالجور ، وشهد عليه بالزور على قياد ما عليه الإجماع .
فإن قال : فإنه يجوز له أن يقبل الشهادة على من لم يعلم أنه عالم بحكم الجاهل ، إذا لم يعلم أنه عالم على ما يجوز من قبول الشهادة ، فإن وافق عالما وبرىء منه على ذلك لم يسعه ، وإن لم يوافق عالما كان بذلك سالما .
قلنا له : وكذلك أيضا على قياد قولك أن يعادي على من لم يعلم منه ولاية ، فإن وافق من تجوز عداوته كان سالما ، وإن وافق من لا تجوز عداوته عند الله كان ظالما .
فإن قال : نعم له ذلك ، أتى بما يخالف فيه إجماع المسلمين ، بل إجماع المسلمين أنه لا يعادي من لم يعلم منه ولاية ولا عداوة ، وأنه عليه الوقوف عن الكافة بأسمائهم وأعيانهم ، حتى يصح معه في أحد منهم ما يعادى به ويوالى به ، وأنه إن أقدم على ولاية أحد بغير علم فوافق ولاية ولي الله أنه هالك ، وإن أقدم على براءة من أحد بغير علم فوافق عداوة عدو الله أنه بذلك هالك ، ولا نعلم ني هذا اختلافا .
فإن قال : فإذا يهلك معكم من أكل الأنعام والبهائم فوافق في ذلك الحلال منها . وكذلك من أكل الحلال من المواريث والبيوع والهبات . (1/218)
صفحة 219
قيل له : ليست المباحات الدالات على إباحة نفسها وحجزها نفسها ، كالمحجورات الدال عليها غيرها ، لأن الحلال بعينه مباح بصفته وعينه ، لا يدل عليه غيره ، والحرام مثله دال على نفسه وعن عينه وصفته ، والولاية في الشخص دال عليها غيرها وهو الإيمان ، ولا يبلغ إلى علم ذلك أبدا بغير الشخص ولا بمعرفة الشخص ، وكذلك لا يبلغ إلى معرفة الكفر من الشخص بالشخص ، ولا يبلغ إلى معرفة العداوة من الشخص إلا بالكفر النازل به ، فهذا فرق ما بين الأكل للمباحات إذا وافق الحلال في بغير علم ، والحاكم بالولاية والعداوة في الناس ، إذا وافق العداوة والولاية بغير علم منه بذلك ، فهذا محجور عليه هالك ، للعلة التي لم يبلغ إلى علمها من الإنسان ، والآخر مباح له ما هو دال له على حلال نفسه بعينه ، في حكم دين اللهّ ، وحرام عليه ما هو دال على حرمة نفسه ، في حكم دين الله ، وبذلك يبلغ العالم به إلى علمه .
فصل : وقال له : هل البراءة عندك بقبول الشهادة على الناس من الحقوق أو الحدود ؟
فإن قال : من الحقوق .
قيل له : فقد قال هذا أكثر أهل العلم ، إن شهادة العدول من قومنا تجوز على المسلمين في الحقوق ، وأجمعوا أنه لا تجوز شهادتهم عليهم في البراءة ، فقد خالفت إذاً الإجماع ، إذ قلت إن البراءة من الحقوق .
وإن قال : هي من الحدود .
قيل له : فهل علمت أن الحدود تقبل الشهادة فيها على من غابت حجته ، وتقام عليه الحدود بغير أن يحتج ويسمع حجته ؟
فإن قال : نعم .
قيل له : هذا ما لا نعلمه من قول المسلمين ، ومعنا أن هذا باطل من قولك ، إذ ثبت أن الحدود تدرأ بالشبهات ، وأن الحدود لا تقام إلا بحضرة الشهود والمشهود عليه .
فصل : وأما الشهادة على الشهرة في الأحداث على الأحياء في ذلك والأموات ، فقد قيل في ذلك باختلاف . (1/219)
صفحة 220
فقال من قال : لا تجوز الشهادة على الشهرة في الأحداث لوجوب البراءات ، ولا يكون ذلك إلا على السماع أو العيان أو القطع ، على ما وصفنا ، ولا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من الأحداث في شيء من المكفرات .
وقال من قال : يجوز ذلك على سبيل ما تجوز الشهادة على العيان والسماع ، في جميع من تجوز الشهادة عليه .
وقال من قال : لا تجوز الشهادة على الشهرة في جميع الأحداث ، إلا على أئمة الضلال ، أما على العامة فلا يجوز ذلك . (1/220)
صفحة 221
ومعنا أن القول الأول هو الأصح أن الشهادة لا تجوز على الشهرة في جميع الأحداث والحدود والقصاص والقود ، ولا جميع الحقوق إلا ما قد خص من ذلك ،من إجازة الشهادة على الشهرة في النكاح والأنساب والموت ، ولا نعلم وجها رابعا قيل فيه أنه تجوز الشهادةْ على الشهرة فيه ، إلا ما يتولد من أسباب الموت ، مثل الغرق والحرق والهدم والفقد ، وما يخرج مخرج الموت ، فإنه لاحق بأحكام الموت ، وقد قيل إن الشهادة على الشهرة فيه جائزة ، وكذلك ما يكون يخرج مخرج النكاح في شهرة الأصهار والرضاع وما أشبهه ، وكذلك الشهادة على الولاء الشاهر ، فإنه لاحق ملحق الأنساب ، وأشباه هذا مما هو لاحق بما يشبه الموت والنكاح والأنساب ، فالموت وما أشبهه ، والنكاح وما أشبهه ، والأنساب وما أشبهها فقد قيل إنه يجوز فيه الشهادة على الشهرة ، وأما الشهادة على ما يوجب الحدود والقود أو القصاص ، فلا نعلم في ذلك اختلافا ، أنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من ذلك ، وكذلك ما أشبه هذا فهو لاحق به ومثله ، وكذلك الشهادة على الشهوة في القتل والضرب ، وما يتعلق حكمه في الأبشار ، فلا يثبت في ذلك قود ولا قصاص ولا دية ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، وكذلك الشهادة على الحقوق في جميع الأحكام ، من الطلاق والعتاق والإقرار والوصايا والبيوع والشراء ، وما يتولد من جميع الحقوق ، فلا نعلم أن أحدا أجاز الشهادة فيه على الشهرة ، ولا حكم بذلك بالشهادة على الشهرة ، إلا ما خص هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها ، وما أشبهها وما يتولد منها . (1/221)
صفحة 222
والبراءة معنا بالحدود أشبه من النكاح والموت والأنساب ، لأنه قد أجمع أهل العلم أنه لا تجوز شهادة قومنا على أحد من المسلمين في الأحداث الموجبات للكفر ، ولا في شيء من الحدود ، واختلفوا في شهادتهم عليهم في الموت والنسب والنكاح ، فأجاز أكثر أهل العلم شهادة العدول على المسلمين في ذلك ، فكانت الحدود والبراءات بمنزلة واحدة فيما أجمعوا عليه من القول في ذلك .
فصل : وقد جاء الأثر المجمع عليه ، أنه إذا وقع شيء ليس فيه حكم منصوص ثابت ، من كتاب أو سنة أو إجماع ، فاختلف في ذلك أنه ينظر أشبه الأشياء بذلك ، فيلحق به حكمه ، ولا نعلم شيئا يشبه البراءة مثل الحدود ، لأنها خارجة من الحقوق كلها ولا تشبهها في شيء من الأشياء ، وإنما تخرج في جميع أمورها مخرج الحدود ، والإجماع من قول أهل العلم ، أنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من الحدود ولا الحقوق إلا ما خص حكمه ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، فقد خرجت الشهادة على الشهرة وبطلت في جميع الحدود والقود والقصاص وعامة الحقوق ، ولا نعلم شيئا من أحكام الِإسلام يعدو معنيين : إما حدود وإما حق ، فالبراءة بالحدود لاحقة ، وعلى شبهها خارجة ، لا ينكر ذلك أحد فيما علمنا ، إلا أن يكون على المكابرة وشهادة الشهرة معنا ، على الأخبار لهذه العلل وغيرها ضعيفة ، لا يقدر على إجازتها ولا الأخذ بها ، غير أننا لا نخطّىء أحدا من المسلمين فيما قال ، ولا يرد عليه ذلك ، غير أننا نختار أنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في البراءات ؟ فإذا شهد الشاهدان على أحد بحدث ممن تجوز الشهادة عليه بذلك الحدث ، وبيّنا أن ذلك من طريق ما صح معهما من الشهرة لحدثه ، فلا يجوز ذلك معنا على ما قد بيّنا ، ونحب أنه إن لم يفصحا عن ذلك ، فبيّنا أنه عن شهرة أو شهادة ، وكانا ممن تجوز شهادتهما على ما وصفنا ، وكان حيا ، أنه تجوز شهادتهما ، وإن كان ميتا فلا تجوز شهادتهما عليه على أي حال . (1/222)
صفحة 223
فصل : وأما الشهادة عن الشهادة على الأحداث في البراء ات فإن ذلك لا يجوز عمن أخذنا عنه ، ولم نعلم أن أحدا قال : إن ذلك يجوز في البراء ات نصا ، إلا ما يدل على إجازة ذلك من معاني قولهم في بعض القول ، ولا يخرج ذلك معنا من معاني الاختلاف ، لأن الشهادة عن الشهادة معنا أشبه بالشهادة على الشهرة ، لموضع ما قد قيل فيها ، لأنه قد قيل : إن الشهادة عن الشهادة جائز في جميع الحقوق ، ولا نعلم أن أحدا من أهل العلم قال بخلاف هذا.
فصل : وأجمعوا أنه لا تجوز الشهادة عن الشهادة في الحدود كلها ، واختلفوا فيها في القتل الموجب للقود ، والجروح الموجبة للقصاص .
فقال من قال : لا يجوز ذلك.
وقال من قال : إن ذلك جائز ، لأنه يخرج مخرج الحقوق ، ولأنه قد أجاز ذلك بعض ، ولا نعلم إجازة في الشهادة على الشهرة إلا ما وصفنا ، من الوجوه الثلاثة الخاص لها ذلك ، دون الأحكام والشهادات ، وذلك يدل معنا أن الاختلاف فيه أقرب ، والشهادة فيه عن الشهادة أوجب ، على مذهب من أجاز الشهادة على الشهرة في الأحداث . (1/223)
صفحة 224
فصل : واختيارنا وما نحبه من ذلك أنه لا تجوز الشهادة عن الشهادة في الأحداث في الأحياء والأموات ، ولا في أئمة الضلال لأن البراءة حد من الحدود وضرب منها ، وليس معنا لها شبه إلا الحدود ، فما جاز في الحدود من الشهادة ، جاز فيها معنا على ما ذكرنا ، مع أنه قد جاء فيها من التشديد ، إِذاكانت الشهادة فيها على معنى البراءة ، لا لغير ذلك من إقامة الحدود ، لأنه لا تجوز الشهادة في الأحداث إلا من العلماء على الجميع من العلماء وغيرهم ، ولم يقل ذلك في الحدود من الزنا والسرق والخمر وغيرها أو يزيد ، ووجدناها لا تتعلق إلا بمتعلق الحدود ، بل هي أشد من الحدود ، ولم نحب أن يترك فضل ما عرفنا ، وعدل ما أبصرنا ، فيما لزم من التمس ذلك منا أو من مذهبنا ، ويتعلق بالأقاويل التي لا بصر لها أصولا . فلا نحب أن تقبل الشهادة عن الشهادة من أحد من الناس ، في أحد من الناس ، كائنا من كان الشاهد أو المشهود عليه ، من الأحياء ولا الأموات ولا الحاضرين ولا الغائبين .
وكذلك سبيل الشهرة والشهادة عليها معنا ، أضعف وأضيق من الشهادة عن الشهادة ، ولا نحب أن تقبل الشهادة على الشهرة في شيء من الأحداث أيضا في أمر البراءة ، أيا كان المشهود عليه أو الشاهد ، من الأحياء ولا الأموات .
فصل : وأما الشهادة على الإقرار من المحدث بحدثه في مواضع ما وصفنا ، أنه تجوز الشهادة عليه من جميع المقرّين من جميع الناس ، فشهادة المشهود عليه بإقراره أنه أحدث ذلك الحدث فذلك جائز عليه ، ما لم يرجع عن إقراره ، فإذا رجع بطل عنه حكم الحدود ، قبل أن يقع عليه أول الحد ، من جلد أو رجم ، فإذا وقع عليه أول الحد ثم رجع عن إقراره بحدثه ، كان إقراره عند الحاكم ، أو شهدت عليه به البينة ، فذلك لا تنفعه الرجعة بعد ذلك ، وتثبت عليه الحدود .
وكذلك البراءة إذا وجبت عليه بإقراره بالحدث ، ثم رجع وتاب من كذبه ، بطل عنه حكم البراءة . (1/224)
صفحة 225
وأما الحدود فقد قيل : إنه لا تدرأ عنه بعد إقراره ، ولا ينفعه إن كان بعد إقراره أقر بذلك عند الحاكم ، أو شهد به الشهود ، وكذلك البراءة في ذلك سواء شهد عليه بذلك البينة على إقراره ، أو أقر عند من أقر على نفسه عنده ، فإذا رجع عن إقراره وتاب من كذبه ، رجع عن البراءة منه ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
فصل : ولا تجوز الشهادة عليه بإقراره إلا في مواضع ما تجوز عليه الشهادة بالعيان والسماع والقطع .
فإن قال قائل : فما بال البراءة ، قلتم إنه متى رجع عن ذلك أن يرجع عن البراءة منه ، والحدود قلتم إذا رجع عن إقراره ففيه اختلاف ، ما لم يقع عليه أول الحد ، والبراءة حد قد أقيمت عليه ، فإذا رجع عن إقراره وقد برىء منه فلم تكن له رجعة؟ (1/225)
صفحة 226
قلنا له : لأن البراءة إذا تاب من حدثه رجع إلى ولايته وإلى حالته ، ولو صح عليه ذلك بعيان أو سماع أو بينة ، فمتى تاب من ذلك الحدث ، رجع إلى ولايته وإلى حالته ، ولو بعد سنين مذ برىء منه عليه ، ولأن الحد متى وقع عليه أول سوط وأول حجر من الرجم ، ثم رجع عن إقراره بطل ذلك الرجوع ، وثبت عليه الحد ، لأنه لو تاب من ذلك الحدث الذي يوجب عليه الحد لم يزِل ذلك عنه الحد ، ولو تاب ورجع إلى ولايته ، فإذا تاب من ذلك وثبت عليه الحد وزال عنه حكم البراءة ، فإذا كان يزول عنه حكم البراءة بما لا يختلف فيه أنه لو تاب وثبت عليه الحد بما لا يختلف فيه أنه لو تاب لم يدرأ عنه الحد بتوبته ، ولا يجوز معنا أن يثبت عليه الحكم بالبراءة في موضع ما يدرأ عنه الحد بمثله ، وهو مما لا يختلف فيه من ثبوت الحد عليه يدرأ عنه البراءة به إذا تاب من حدثه ، ولو صح عليه ،فأحرى أنه إذا رجع عن إقراره بحدثه وتاب من كذبه على نفسه بإقراره عليها بما يزعم أنه كاذب فيه على نفسه ، أن يرجع إلى الولاية إن كان وليا ، وإلى حالته إن لم يكن من قبل وليا ولا عدوا ، وإن كان عدوا فهو على ما هو عليه حتى يتوب مما به ، وجبت عداوته بما قد عودي عليه قبل ذلك ولا يعادى بما قد صح له الخلاص منه في الحكم .
فصل : فإن قال قائل : فلم لا تقبلون الشهادة عن الشهادة وعلى الشهرة في الأئمة السالفين ،الذين قد أجمع المسلمون على تضليلهم ، وتتابع على ذلك قولهم وسيرهم وأخذوه عن بعضهم بعض ، لأنه لا يدرك الحي أبدا في عصرنا إلا عن الشهادة على الشهرة أو الشهادة عن الشهادة . (1/226)
صفحة 227
قلنا له : لا تقبل الشهادة عن الشهادة ولا على الشهرة فيما لا يصح معنا فيه أصل يبنى عليه ، ما لم يصح معنا في السالفين حكم شهرة أحداثهم ، ولكن نُجامِع المسلمين على الولاية لهم على براءتهم ممن يبرؤون منه من الأئمة السالفين ، ومن جميع العالمين ما لم يصح معنا أن أحدا من المسلمين الذين يلزمنا ولايتهم برىء من أحد ممن قد وجبت علينا ولايته بوجه من وجوه الحق ، وشهد على أوليائنا من المسلمين إذا وافقناهم في ذلك بالولاية أنا قد وافقناهم في أصل الدين ، وإن لم يوافقهم في لفظ البراءة ، ولا في نفس الشهادة بالقطع على من شهدوا عليه وعلى من برئوا منه ، ويشهد على أنفسنا أنا إن وافقنا المسلمين بالبراءة قطعا ممن برئوا منه والشهادة قطعا على من شهدوا عليه بغير حجة تقوم لنا في أصل دين الله ، أنا لهم في أصل دين الله مفارقون ، وإن زعم من زعم من الجاهلين أنا لهم بذلك في الدين موافقون ، للأثر المجمع عليه أنه من وقف عن أحد من المحدثين ، وتولى من برىء منه من المسلمين فقد برىء من ذلك المحدث في أصل الدين ، وأنه من وقف عن أحد ممن وجبت ولايته في أصل الدين وتولى من تولاه من المسلمين ، فقد تولى ذلك المسلم في أصل الدين ، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من أهل العلم من المسلمين ، ولا يصح في هذا اختلاف ولا يستقيم .
فإن قال : فما تقولون فيمن برىء وقبل هذه الشهادة على الأئمة السالفين ممن قد أجمع المسلمون على البراءة منه . (1/227)
صفحة 228
قلنا له : إِن كانت براءة من الأئمة السالفين من أجل أن برىء المسلمون منهم ، فبرىء منهم إذ صح معهم أن المسلمين يبرؤون منهم ، أو إذ قد شهرمعه ذلك وإذ قد شهدت معه على تلك البينة أنهم برئوا منهم ، وأجمعوا على البراءة منهم أو من أحد منهم ، فقد برىء على الباطل ولا يسعه معنا البراءة على هذه الصفة ، ولا يتولاه على هذه الصفة ، وأقل ما يفعل فيه تترك ولايته على ذلك ، وإنه لحقيق بالبراءة ، وقد قيل إنه يبرأ منه على ذلك ، والبراءة منه أشبه من الوقوف ولا ولاية له عندنا على ذلك .
فصل : وأما إن قبل الشهادة على الشهرة على وجه ما جاز ذلك مما أجازه من المسلمين ، أو قبل الشهادة عن الشهادة بعلم وفعل ذلك ، فلا يضيق ذلك معنا عليه ، وإن كانت له معنا ولاية لم تترك ولايته ، وهو معنا على حاله إن شاء الله .
فإن قال : فقد تركتم إجماع المسلمين ، إذ أجمعوا على البراءة ممن أجمعوا عليه وتركتم أنتم ما أجمعوا عليه .
قلنا له : ما أحسنت النظر ولا اهتديت لسبيل أهل البصر لولا ذلك ما قلت هكذا إِذا زعمت أنا تركنا الإجماع ، ونحن على الإجماع من قول المسلمين ،ولو وافقنا المسلمين على البراءة ممن أجمعوا على البراءة منه باسمه وعينه ، من أجل إذ أجمعوا على البراءة منه من غير أن يصح معنا الذي أجمعوا على البراءة منه من أجله ، وإنما صح معنا الإجماع منهم على البراءة منه ، فنحن نشهد على أنفسنا أنا لو وافقناهم في البراءة ممن أجمعوا على البراءة منه أنا ممن أجمعوا على البراءة منه ، ولكنا قد دخلنا في الإجماع من أمر ما يعادونا عليه ، وأنا لهم بذلك مفارقين غير موافقين . (1/228)
صفحة 229
فصل : فكيف وأنك تقول : أناّ من إجماعهم خارجون ، وفي مفارقتهم متوجلون، نعوذ بالله من خبرتك وضعف بصيرتك ، إذ جعلت الإجماع على الدعوى إجماعا على الدين ، وإنما سبيل إجماع المسلمين على البراءة من أحد بعينه ، إذا علم ذلك منهم أحد كإجماعهم ، بدعوى درهم أو دينارفما فوقه وما دونه ، مما يقع عليه الأملاك وهم مائة ألف أو يزيدون من أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ونظرائهما ، وإن كانوا قليلا ولعله ليس لهما نظير في أهل القبلة ، وإنما أردنا بذلك المثل لئلا تثبت الشبهة لهما من الأئمة ولا من يضاهيهما ، وإن كان المسلمون عظيمي الدرجات عند الله وفي دين المسلمين ، والمدعى عليه مثل أبي لهب بن عبدالمطلب وأبي جهل عمرو بن هشام وأمثالهما ونظرائهما ، وإن كان ليس في أهل الزمان لهما نظير فادعى هؤلاء الجماعة على المدعى عليه هذه الدعوى و حضرهما أهل البر والتقوى من الحكام والعدول من أهل الإسلام ، هل كان يجوز للشهود أن يشهدوا لهم على دعواهم بهذه الدعوى ، إذ لا يشكّون في حسن الظن بهم أن يدعوا على هذا المدعى عليه باطلا ، أو هل كان للحاكم أن يقبل منهم هذه الدعوى ، ويحكم لهم بها.
فإن قال : لا . (1/229)
صفحة 230
قلنا له : وكذلك براءتهم من هذا المتبرىء منه دعوى في أحكام الدعوى ، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من المسلمين ، وسواء ذلك سمع المسلمين يبرؤون منه أو شهر معه ذلك من براءتهم ، ولا يقال هذا بإجماع من المسلمين ، ولا تكون البراءة من أحد من المسلمين من أحد من الناس قلّ المتبرئون منه أو كثروا إجماعا ، لأنه دعوى والدعوى لا تكون إجماعا ، إلا أن يصح مع أحد ما به برىء المسلمون من المتبرىء منه ، فإذا علم حدثه الذي برىء المسلمون منه به ، وعلم براءة العلماء منه على حدثه ذلك الذي صح معه منه ، كان هذا خاصا لمن علم ذلك من المحدث ومن براءة المحدث ، ومن براءة المسلمين العلماء منه ، وإلا فالبراءة من العلماء من أحد من الناس بعينه ، بغير أن يصح معنا ما يرونه بمنزلة الدعوى منهم ، فسواء قلوا أو كثروا صغروا أو كبروا ، سمعنا بآذاننا ذلك أو شهر ذلك ، فلا فرق بين شهرة الدعوى وسماعها ، وكلها لا يجوز قبولها ولا التقليد لها لمن ادعاها ،ولا الحكم بها له ، ولا الشهادة معه بها على أهلها . (1/230)
صفحة 231
وإنما الذي يسمى إجماعا من المسلمين إذا ظهر منهم الإجماع على الحكم بالحدث الواقع مع المحدث ، إذا عارضهم في ذلك من ليس عليهم بحجة من الضعفاء أومن علماء أهل الضلال ، فإجماعهم على خطا المحدث المحتمل للحق والباطل مع صحة الحدث مع من صح معه إجماع ، ولا يجوز قول من خالفهم عليهم ، ولو كانوا قد حكموا في ذلك في سريرتهم بالباطل وحاشاهم من ذلك ، ولكن لما قاموا بما كانوا فيه حجة ، كانوا بذلك حجة على من علم الإجماع منهم على الحدث بالخطأ ، ولا يلزم ذلك من لم يعلم كعلمهم إلا أن يشهد الحكم عليهم والإجماع منهم على كفر المحدث ، وهم الحجة في الشهادة على الكفر والخطأ ، فإن ذلك يقوم مقام الحجة في قيامهم بالحكم على المحدث ، لأنهم الحكام والشهداء ، وأما شهرة البراءة والخلع أو المفارقة ، فكل ذلك يخرج مخرج الدعوى ، وعلى من علم منهم ذلك أن يتولاهم على براءتهم وفراقهم وخلعهم لذلك الذي برئوا منه أو خلعوه ، أو فارقوه في دينهم ، فافهموا معاني دقائق الأمور ، فإن الشهرة للبراءة غير الشهرة للشهادة منهم على كفر المحدث وعلى نفاقه ، لأنهم إذا كانوا هم الحجة والعلماء فالشهادة منهم على كفره ونفاقه في مواضع ما يكونون فيه شهودا ، فكذلك شهرة ذلك عنهم في مواضع ما يكونون فيه حجة وحكاما حجة على من علم ذلك وله منهم . (1/231)
صفحة 232
فصل : وكذلك إن شهر حكمهم على محدث بالكفر أو الضلال عن الحق ، ولا نعلم العالم منهم ذلك على ماذا شهدوا ، ولا على ماذا حكموا به عليه ، فإجماعهم على كفره وضلاله حكما ثابتا في أكثر القول معنا ، وهذا الذي وصفناه أن شهادتهم على الاسم الواقع بأهله حجة ولا يحتاجون إلى تفسير ، كذلك إذا شهد منهم إيقاع الاسم بأهله فالشهرة من شهادتهم التي قضت ، وحكمهم الذي نفذ ثابت على من علمه وله ، إذا كانوا هم العلماء ،ولم يختلفوا في تلك الشهادة ولا ذلك الحكم ، وإن تكافأت شهادتهم واختلف حكمهم بطل حكم الإجماع ، وكان الحدث بحاله لا يصححه حكم البعض ولا شهادة البعض ، إذا تكافأت شهادتهم واختلف حكمهم ، والحدث يحتمل للحق والباطل أو مجهول عند من صح معه اختلاف حكمهم ، وتكافؤ شهادتهم بالسماع أو بالشهرة ، فذلك مزيل عنه وله حكم الإجماع .
فصل : وأما إذا صح الحدث الذي لا يحتمل الحق والباطل ، فكان الحدث باطلا لا مخرج لمحدثه من الباطل ، فاختلف العلماء في الحكم في ، فالموفق منهم للصواب هو الحجة ، وقوله هو الإجماع ، ولو كان واحدا والمخالف له هو المدعي والقاذف ، ولا يقبل قول مدع ولا يصدق قاذفا ، وعلى من امتحن بعلم ذلك من المحدث ومن المختلفين أن يتولى المحق منهم ، ولا يجوز له أن يقف عن علماء المحقين من أجل قولهم بالحق ، ولا من أجل حكمهم بالحق ، ولا من أجل قيامهم بالحق ، ولو خالفهم في ذلك من يظن هو أنه نظير لهم وحجة عليهم ممن هو مثلهم في العلم والفضل ، فالمحق هاهنا هو المحق ، والمبطل هو المبطل ، فأما المحق فلا يجوز ترك ولايته ولا الوقوف عنه ولا البراءة منه برأي ولا بدين ، وأما المبطل منهم ففي أكثر القول أن قول المحق المخالف للمبطل من العلماء إذا قام بالفتيا على الجاهل للحكم ، العالم باختلاف المختلفين من العلماء فيما فيه الحق في واحد ولا يجوز الاختلاف فيه حجة على الجاهل . (1/232)
صفحة 233
وعليه أن يعلم من حينه ضلال الضلال وباطل المبطل بحجة الفتيا من العالم المحق ، لأن المحق حجة إذا كان الحق في واحد من الاختلافين .
فصل : وقد قيل : إنه لا يضيق عليه إذا أشكل عليه أمر الاختلاف ، وله أن يقف عن المبطل ولا يتولاه بدين ، وإن تولاه برأي وسعه ذلك ، وأما المحق فلا يجوز له أن يبرأ منه ولا يقف عنه من أجل ذلك برأي ولا بدين ، فإن فعل ذلك فهو هالك ولا عذر له في ذلك .
فصل : وأما إن كان الحدث فيما يحتمل الحق والباطل ، أو كان لا يعرف أصل ما اختلفوا فيه من الحكم على المحدث ، ولا من البراءة منه ، فهم على اختلافهم ذلك أو براءتهم من المختلف فيه ، والمتبرىء منه ، فهم محقون جميعا ، وهم في الولاية عند من ألزمته ولايتهم ، وإن تظاهروا ببراءة المتبرىء منه وولايته ، ما لم يخطّىء بعضهم بعضا على ذلك ، أو يقيم بعضهم بعضا على الآخر حجة تبطل بها حجته وينحل عن الإسلام ، فإن برئوا من بعضهم بعضا على ذلك ، فإن علم المتبرىء بالبراءة من صاحبه ، كان هو المبطل المخلوع القاذف في حكم الظاهر ، ويبرأ منه والمتبرىء منه بعد ذلك ، إذا أظهر البراءة منه في الولاية ، لأن له في الحكم أن يبرأ ممن برىء منه في حكم الظاهر ، وهو ببراءته منه محق عند من غاب عنه أمرهما ، والمبتدىء بالبراءة من صاحبه منهما هو المبطل والضال في حكم الظاهر ، وإن لم يعرف المبتدىء منهم بالبراءة من صاحبه على ذلك ، إلا أنهم تظاهروا بالبراءة من بعضهم لبعض ، وقد كانوا محتلفين في الحدث الذي يحتمل صواب كل واحد منهم لموضع ما غاب من أمره أو لاحتماله أو لا يعلم منهم اختلافا في شيء حتى تظاهروا بالبراءة من بعضهم لبعض ، فإن علم المبتدىء فهو المبطل وإن لم يعلم المتبرىء فالكل بحال واحد . (1/233)
صفحة 234
وقد قيل فيه إنهم جميعا في الولاية حتى يعلم المحق من المبطل منهم بمنزلة المتلاعنين ، وقد قيل إنهم في الوقوف حتى يعلم المحق منهم من المبطل . وقد قيل في البراءة وهو قول ضعيف شاذ من الأقاويل ، وأصح الأقاويل في الحكم تبرئة الجميع ثم الوقوف يصح ذلك ، وأما البراءة منهم جميعا فشاذ عندنا من أصول قول أصحابنا من أهل العلم من المسلمين .
فصل: لاذا كان الاختلاف فيما لا يكون الحق فيه إلا في واحد ، والحدث لا يحتمل المخرج ، وكان المختلفون في ذلك من العلماء كلهم ، والعالم المحق حجة على من خالفه وعلى من علم اختلافهما ، وليس لمبطل حجةعلى محق ولا يتكافأ الحق والباطل ولا حجة لمبطل على محق .
فصل : وكذلك إن كان الحدث لا يحتمل باطلا وإنما هو خارج مخرج الحق ، فاختلف فيه العلماء وفي حكمه ، والمحق من وافق الحق وهو الحجة ، ولا حجة لمبطل على محق من العالم ، وقول العالم حجة في الفتيا ، وعلى من عرف منه ذلك أن يقبل منه الحق ولا يلوي عنقه ، وأقل ما يلزمه أن يتولى المحق العالم ، ولا يجوز له الوقوف عنه ولا البراءة منه برأي ولا بدين ، فإن فعل ذلك هلك وأقل ما يلزمه في المبطل ولو كان عالما ممن كانت تقوم به الحجة ، أن يتولاه برأي ولا بدين ، فإن تولاه بدين بغير شريطة براءة في الجملة هلك بذلك . (1/234)
صفحة 235
وإن كان المبطل ضعيفا والعالم محقا والحكم مما الحق فيه واحد ، فهو أضيق على الجاهل العالم باختلافهما ، ويسعه ذلك في بعض القول ، وإن كان المبطل هو العالم والمحق هو الضعيف من المسلمين والحق في واحد ، والحدث لا يحتمل إلا معنى واحدا ، ولا حجة لمبطل على محق ، ولكن إن لم يبرأ الضعيف من العالم إلا أنهما اختلفا في ذلك فلا تبعة على الضيف ، ولا تجوز ولاية العالم المبطل بدين إلا على اعتقاد براءة الشريطة في بعض القول ، فإن تولاه برأي وسعه ذلك والضيف على ولايته ، فإن وقف عنه بدين أو برىء منه برأي أَو بدين هلك ، ولكن إن وقف عنه برأي وسعه ذلك ، فإن برىء الضعيف من العالم المبطل من أجل باطله ولم يعلم الجاهل صواب ذلك من خطئه جاز له أن يبرأ من الضعيف هاهنا برأي لموضع إذ قذف وليه ولم يقم به عليه حجة بفتياه ولو برىء العالم المبطل من الولي الضعيف المحق ، وقد اختلفا في ذلك الذي الحق فيه واحد والمحق منهما هو الضعيف ، والمبتدىء منهما بالبراءة هو العالم المبطل ثم تخالعا على ذلك ، كان المبطل منهما على حال هو العالم ، وهو القاذف وعليه البراءة لازمة من أجل القذف ، وتكون البراءة منه بدين إن علم وجه صواب ذلك ، وإن برىء منه برأي وسعه ذلك ، وإن ضاق عن ولاية الضعيف على هذا فتولاه برأي و برىء منه برأي من أجل براءته من العالم ، لم يضق عليه ذلك ، وإن برىء منه بدين هلك ، وإن برىء من العالم بدين في الحال الذي يكون فيه مبطلا في جميع الحال فهو سالم ، وإن كان اختلاف العالم والضعيف فيما يجوز فيه الاختلاف ، وقد تقدم فيه الاختلاف ، وهو مما يجوز فيه الاختلاف ، فالقول فيه واحد بين العالم والضعيف والعالمين ، وكلاهما محقان ، فإن برىء العالم من الضيف على ذلك كان مبطلا ، وكانت البراءة منه بدين . (1/235)
صفحة 236
وكذلك إن برىء الضعيف من العالم على ذلك فالمبتدىء منهما بالبراءة من صاحبه هو المبطل ، ولا حجة من أحدهما دون الآخر ، والمخلوع من ابتدأ بالبراءة من صاحبه على الرأي ، فإن جهل ذلك السامع لهما وجهل الحكم فيهما ، وسعه أن يتولى المحق منهما بالدين إن عرف ذلك ، وإن لم يعرف ذلك وكان المحق هو الضعيف وسعه أن يتولاهما برأي ، ويقف عنهما برأي ، وإن تولى العالم بالرأي إذ هو مبطل و برىء منه برأي إذ قذف وليه وسعه ذلك ، وكذلك إن برىء منه بدين وسعه ذلك ، إذ هو مبطل في الأصل ولا حجة لمبطل . وأما إن كان المبطل منهما هو الضعيف ، والمحق هو العالم والمبتدىء بالبراءة منهما هو الضيف فلا يسع الوقوف عن العالم برأي ولا بدين على هذا ، وهو على الولاية ولا يسع الولاية للضعيف على هذا بدين ، ويسع الولاية له على هذا بالرأي فالبراءة منه بالرأي لموضع الخلع لوليه ، وحكم القذف مما يسع جهله ما لم يتول القاذف بدين ، وتجوز ولاية القاذف بالرأي والبراءة منه بالرأي ، إذا كانت له ولاية متقدمة، وإن لم يكن له ولاية متقدمة جاز البراءة منه بالرأي وهو على حال الوقوف بالدين .
فصل : وإن اختلف الضعيفان جميعا في الحدث الذي لا يحتمل مخرجا من الباطل وفيما يكون الحق فيه واحد ، وليس المختلفين من العلماء ولا أحدهما والمحق منهما هو الموافق للحق والمبطل منهما هو الموافق للباطل ، وتجوز الولايةفيهما جميعا بالرأي والوقوف عنهما بالرأي . (1/236)
صفحة 237
وتجوز البراءة من المبطل بالدين إن عرف ذلك ، وإن عمي عليه فالولاية فيهما بالرأي والوقوف عنهما بالرأي ، فإن برىء المحق منهما من المبطل على باطله ، كانت البراءة في المحق لموضع القذف إِذ هو ضعيف بالرأي ولا تجوز بالدين والوقوف عنه بالرأي ، والولاية له بالرأي ، والولاية للمبطل من الضيفين بالرأي ولا تجوز فيه بالدين ، ولا تستقيم فيه البراءة للضيف قطعا بالرأي إلا على الشريطة إن كان مبطلا ، وأما القاذف فيبرأ منه بالرأي إذا كان قاذفا من لم يقم بكفره على وليه الحجة به ولا بغيره من العلماء ، ولأن الضعيف فيما يسع جهله ليس بحجة قي الفتيا ، والعالم فيما يسع جهله حجة في الفتيا .
وإن اختلف الضعيفان في الحدث الذي يحتمل المخرج أو في مجهول ، على ما اختلفا فيه ، أو في الرأي فيما يجوز فيه الاختلاف فبرىء أحدهما من الآخر على ذلك ، فالبراءة من القاذف منهما بالرأي والولاية لهما جميعا بالرأي ، والوقوف عنهما بالرأي واسع ، فإن تولى المقذوف المحق منهما بدين وسعه ، وإن تولى المبطل منهما برأي وسعه ،ط ن تولاه بدين على غير عقد براءة الشريطة لم يسعه ذلك . (1/237)
صفحة 238
فصل : فإن لم يعلم ما اختلفوا ولا كيف كانوا عليه حتى قذف أحدهم الآخر ، وبرىء منه فبرىء المقذوف من القاذف ، وجهل العالم منهم ذلك وحكمه ، فالبراءة من القاذف بالرأي والوقوف عنه بالرأي ، ولا تجوز الولاية له بالدين إلا على عقد البراءة في الشريطة ، ولا يجوز الوقوف من المحق بالدين ، ولا تجوز البراءة منه بالرأي ، ولكن تجوز البراءة منه بالشريطة ، والولاية له بالدين والوقوف عنه بالرأي ، لان لم يعرف حكم الاختلاف ولا على ما اختلفوا ، ولا المبتدىء منهم بالبراءة من صاحبه إلا أنه برىء الضعفاء بعضهم من بعض ، لا يعرف أصل ذلك منهم في ذلك ، بمنزلة العلماء ، والاختلاف فيهم واحد والولاية لهم في بعض القول ، والوقوف في بعض القول ، والبراءة على ما وصفنا ، والولاية لهم أحب إلينا ثم الوقوف ، ولا نقول بالبراءة منهم ، ولا يصح معنا ذلك على مذاهب المسلمين ، وهذا كله إذا كان قد وجب عليه الحكم بولاية العلماء من المسلمين والضعفاء ، وثبت عليه ذلك بحكم الحق ، فالقول فيه على هذا ، وأما إذا لم يقم عليه شواهد الحجة للعلماء بعلمهم ولا بولايتهم ، وكان لا يعرف منهم ما تقوم به شواهد الحجة من العلماء ، وقد ثبتت عليه ولايتهم في حكم الحق ، فحكم العلماء عند هذا العالم باختلافهم حكم الضعفاء من المسلمين الذين قد ثبتت ولايتهم ، وقد بينا ذلك ولو كان العلماء قد صحت منزلة علمهم عند الله وعند عامة الناس إلا هذا الإنسان ، فإذا قامت عليه شواهد الحجة بعلم العالم وفضله وأمانته وموافقته للحق ، فليس له أن يجهل ما لزمه من حجته ، وعليه أن يسير فيه سيرته عند شواهد الحجة عليه في ولايته وقيام الحجة عليه في الفتيا منه ، وما لم تقم عليه شواهد الحجة فليس عليه في ذلك ضيق . (1/238)
صفحة 239
فإذا قامت عليه شواهد الحجة لزمته الحجة ولو جهلها ، ولا عذر له في جهله بها و إلا فهو معذور ، والحكم عليه بعلمه ، وإذا كان الاختلاف في الدين وفيما الحق فيه واحد مما لا يسع جهل علمه ، فكل من غيّر ذلك من المختلفين فوافق الحق ، كان عالما أو ضعيفا من أهل الولاية وممن لا ولاية له أو من المنافقين أو من الجاحدين ، أو كان صبيا أو معتوها ، فكل مَن غير لا يسع جهلُه علمَه في حين ما يلزمه فيه علمه أو مما تعبد الله بعلمه ، فالمعتبر لذلك حجة على من سمعه وعليه قبول ذلك ، فإن شك في ذلك هلك . (1/239)
صفحة 240
وإذا كان الاختلاف فيما يسع جهله علمه من الدين الذي الحق فيه في واحد بين من لا ولاية له ، وبين من قد وجبت عداوته من أهل الخلاف ، أو من فساق أهل الدعوة ، فكل ذلك مما يسعه جهل علمه ، وغير متعبد فيه بعينه بشي ما لم يتول على ذلك مبطلا بدين أو بحدث لمحق في ذلك بعينه ، ممن لم يلزمه له ولاية براءة أو وقوف عنه ، بدين من أجله ،غير وقوفه عنه في الجملة ، أو بحكم فيه على محق فيه بباطل من أجله ، ولو كان في غيره مبطلا فلا يجوز له وإن جهل ذلك أن يخطئه في صواب ما قال من أجل صواب ما قال لم ولا تحدث له تخطئة غير ما كان قد لزمه من أجله ، فهو في هذا كله ما لم يقبل باطلا أو يرد حقا ، أو يخطىء محقا أو يصوّب مبطلا ، أو يتولاه بدين على ذلك في حال جهله بالأشياء كلها التي يسع جهلها وجهل علمها ، فهو في جميع الأشياء من ذلك ما لم يرد حقا أو يقبل باطلا أو يتول مبطلا بدين ، أو يقف عن ضعيف محق بدين ، أو عن عالم محق ،قد وجب عليه معرفة علمه وفضله برأي أو بدين بباطل يجهله ، أو يصوب مبطلا على باطله ، أو يخطِّىء مصيبا على صوابه ، ولو كان قد تقدم خطا المصيب في ذلك بغيره أو تقدم صواب المخطىء قبل ذلك فهو سالم أبدا على هذا إِلى أن تقوم الحجة عليه بعلمه من أي الوجوه بلغ إلى علم ذلك وأبصره ، فإذا أبصره وعرف عدله وخطا ذلك من صواب لم يجز له أن يرجع بعد العلم إلى الجهل ، ولا بعد اليقين إلى الشك وهو برجوعه عن ذلك وشكه غير معذور ، بل مقطوع عذره وحجته في ذلك ، ولو تقدم إليه علم ذلك الذي مما يسع جهله علمه على لسان معتوه أو صبي أو مشرك ، أو من حيث لا يعلم من أين علم ذلك ، ولا من أين اكتسب علمه أو من إِلهام ، فمن أي الوجوه بلغ إليه علم ما يسع جهله من دين الله الذي تعبد به عباده ثم لزمه حكم ذلك ، كان العلم دالا على ذلك الحكم ، فعليه الاستدلال بعلمه ذلك وعليه العمل بعلمه به ذلك ، والولاية به بعلمه ذلك والبراءة بعلمه ذلك (1/240)
صفحة 241
والمحاربة والمسالمة والأمر والنهي .
وجميع ما تعبده الله به في حين ما لزمه التعبد به ، وليس له مع ذلك وإن لم يلزمه تعبد ، يكون ذلك العلم دالا عليه أن يرجع إلى الشك من نفس العلم ، فإن فعل ذلك وضيع ما يلزمه العمل به مما يكون علمه ذلك حجة عليه أن لو علمه من كتاب الله أو سنة نبيه أو عن لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أو عن أفاضل العلماء ، فسواء ذلك العلم ، وعلمه هذا حجة عليه ، في جميع ما يكون العلم حجة له وعليه ، ولا نعلم في هذا الفصل من أهل العلم اختلافا بين أحد من أهل العلم من المسلمين ، ولا يستقيم في الاختلاف في هذا لأن الحكم على هذا العالم يجب خطؤه وتضليله برجوعه عن هذا العلم من حجج العقول ، لأنه متى وسع ترك العلم في شيء من دين الله بعد علمه وقيام الحجة بعلمه ، وسع ذلك في جميع دين الله وبطل العلم في دين الله ، وإذا لم يسع ترك العلم في شيء من دين الله ، كائنا ما كان ، لم يسع في جميع دين اللّه ، إذا علم جميع دين الله أو شيئا من دين الله ، وهذا ما لا يغيب على ذي لب إن شاء الله. (1/241)
صفحة 242
باب: التوحيد والشاك فيه وغير ذلك
إذا صح أن الله - تبارك وتعالى - لم يكلف العباد في ولاية أوليائه وعداوة أعدائه ، مع صحة إلزامه لهم ولاية أوليائه وعداوة م عدائه ولم يعذرهم دون ذلك ، وقد ثبت مع ذلك أن الولاية والعداوة للهّ على عباده في عباده ، عند لزوم المحنة فيها لهم ونزول بليتهم فيها عند الدعاء إلى ذلك أو ذكره أو خطر ذلك بالبال ، على ما يجب من لزوم ذلك عند الخاطر والذكر والدعوة ، وقد يجري ذلك في الجملة ما لم يمتحن بذلك المتعبد به المكلف له ، لأنه بإقراره بالجملة كانت كافية مع الإقرار بها والعلم لمعانيها ، عن جميع ما يلزمه في دين الله من ولاية أو براءة أو صلاة أو زكاة أو أمر أو نهي ، أو قول أو عمل أو نية من طاعة الله في ذلك أو معصية ، وهو سالم بذلك أبدا حتى تنزل بليته بما يوجب الله عليه فيه العمل به أو الانتهاء عنه في دينه ، الذي تعبده الله به في جملته التي أقر بها أنه واجب عليه فيها في جملته ، كان عليه أن يأتي بذلك الذي عليه في جملته ، فإن كانت بليته في ذلك أن ينتهي عن معصية قد ابتلي بها ، لا يسعه إِلا تركها في جملته ، كان عليه ذلك ، فإن لم ينته عنها وركبها بجهل أو بعلم أو بدين أو برأي ، فقد نقض جملته التي كان معتصما بها وخرج منها ونقض عهده الذي أخذ عليه في جملته ألا يركب ذلك الذي قد نهي عنه كان ذلك بقول أو عمل أو نية . (1/242)
صفحة 243
فصل : وإن كانت محنته مما أوجب الله عليه العمل به أو العلم له ، والشهادة به وعليه والدينونة والإقرار به لله في استتمام إقراره بجملته كان عليه أن يعمل بذلك ويقر به ويشهد به له ، ولا يسعه غير ذلك ، فإذا كان ذلك الممتحن به من دين الله وبالعمل به مما يدرك علمه من حجج العقول بغير السماع ، ويمكن درك ذلك بغير عبارة من جميع الشهادة للهّ في دينه على عباده وفي جميع دينه ، على الممتحن بذلك علم ذلك مع ذكر ذلك ، أو خطور ذلك بباله أو الدعوة إلى ذلك والعلم لمعاني ذلك ، فإذا خطر ذلك ببال العبد أو سمع ذكره وعرف معاني ذلك والمراد به ، لم يسعه إلا علم ذلك والشهادة به ، وعليه لله في دينه في ذاته ، وله على عباده من جميع إثبات توحيده في جميع ذاته وجميع أسمائه وصفاته من نفي الأكفاء عنه والأضداد والنظراء والأنداد والصاحبة والأولاد والآباء والأجداد والشركاء والأشكال والوزراء والأمثال ، وإثبات الأزلية له والقدم والربوبية والديمومة ، وأنه لم يزل كائنا بلا تكوين ولا كون ، ولا نصير له في ذلك ولا عون ، ولا كائن قبل ذلك غيره ولا مكوّن ، ولا مكان مكون ولا متكون ، والشهادة له على ما سواه بالحدوث ، وأنه لا يشبه المحدثات في شيء من الأشياء ، ولا في معنى من المعاني ولا في حال من الأحوال ، لأنه هو المحدث للمحدثات والمكوّن للمكونات ، فلا يجوز أن يوصف المكوِّن بصفة المكوَّن ، ولا أن يوصف المحدِث بصفة المحدَث ولا يشبه في شيء من الأشياء ولا في ذات ولا في صفات ، تعالى الله عن شبه خلقه له وشبهه لهم علوا كبيرا . (1/243)
صفحة 244
فصل : كذلك نفي الجور عن الله -سبحانه - والعجز والحاجة وحلول الآفات والنقصان والزيادات والسكون والحركات والزوال والانتقال ، والقيام والقعود والنوم والسمود ، فكل هذا منفي عن الله ، فإذا خطر ببال العبد هذا وعرف معناه من أمر الله وفي الله ، كان عليه أن يثبت لله ما عليه أن يثبته له ، وبنفي عنه ما عليه أن ينفيه عنه ، ويوّحد الله بتوحيده ويعرفه بكرمه وجوده ، وغير منفس للعبد في السؤال عن ذلك إذا خطر بباله أو سمع بذكره دون أن يعلم ذلك من صفة الله ، إذا عرف معناه والمراد به .
كذلك من صفته -تبارك وتعالى- أنه لا تحويه الأقطار ولا تدركه الأبصار ولا يختلف عليه الليل والنهار ، ولا تغيب عنه العلانية والأسرار ، ولا تتضمنه الأماكن ولا يحتاج إلى المواطن والمساكن ، ولا يجري عليه القدر ، ولا يحيط به الفكر ، ولا يدرك بشيء من الحواس ولا برائحة ولا مساس ، ولا يقاس في شيء من أمره بمقدار ولا مقياس ، ولا يشبه في شيء من أمره ولا من ذاته ولا من صفاته إلى شيء من الأشياء ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . (1/244)
صفحة 245
فالقول في هذا كله واحد ، والمعنى فيه واحد وكذلك ما كان من مثله وأشباهه وشكله بما هو لاحق به من صفة الله -تبارك وتعالى- وتوحيده ، كذلك ما كان من علم وعد الله ووعيده وإثبات ذلك له في عبيده ، على ما يصح من ذلك ويحسن من الثبوت ، لا على ما يتنافى ويبطل في صفة الجبروت إثبات وعده ووعيده لأهل الحياة قي الحياة كائنات ، ووعده ووعيده لأوليائه وأعدائه ثوابا وعقابا بعد الوفاة ، ولا فرق في ذلك معنا ولا شك في صفة الله - تبارك وتعالى - ، والعلم بالله - تبارك وتعالى - أنه صادق في جميع مقاله ، حكيم عليم في جميع أموره وأفعاله ، عادل في جميع أحكامه ، بار في جميع أقسامه ، لا يجوز عليه في شيء من أموره العبث ولا اللعب ولا النصب ولا اللغوب . وأسماء الله -تبارك وتعالى -وصفاته لا تخلو من أحد أمرين : إما أن يوصف ويسمى بما لايجوز أن يوصف ويسمى به غيره من الموصوفين والمسمين ، وإما أن يسمى ويوصف بما يجوز أن يسمى به غيره ويوصف به غيره ، فلا يجوز أن يشبهه موصوف فيما وصف به ، ولا مسمى فيما سمي به ، وكل شيء جاز على غيره -تبارك وتعالى -فمنفي عنه أنه مثله في ذات أوصفة أوحال أو معنى ، تبارك الله وتعالى عن شبه المخلوقين وصفات المخلوقين علوا كبيرا . (1/245)
صفحة 246
فصل : فكل ما ثبت علمه من حجة العقول من هذا ومثله فغير منفس فيه للجاهل إلى سؤال ، وعلم ذلك تقوم عليه به الحجة من عقله ، فماكان من ذلك نصا من كتاب اللهّ - تبارك وتعالى - فشك فيه الشاك بعد أن ذكر له وخطر بباله أو دعي إلى معرفة ذلك كائنا من كان الداعي له إلى ذلك ، فشك فيه بعد معرفة ذلك ، وعلم معانيه وعلم المراد به من ذلك فشك في ذلك من التنزيل ، ولو لم يعبر له ذلك معبر ولا يفسر له ذلك مفسر ، فإذا شك في شيء من ذلك التنزيل الذي لا يسعه جهله وهو من كتاب اللهّ فهو بذلك الشك والجهل الذي لا يسعه من ذلك مشرك ، وكل ما شك فيه من تأويل التنزيل الذي لا يشع جهله وهو من التأويل فشك في ذلك فهو بذلك منافق كافر نعمة ، وكل ما شك فيه مما لا يسعه جهله من التنزيل أو رده من نص التنزيل ، وجحده بغير تأويل ولو كان مما يسع جهل علمه ، فإذا شك فيما لا يسعه جهله من التنزيل ولو لم تقم عليه الحجة بعبارة ذلك ، ولا سمعه من معبر فهو بذلك مشرك لاحق بأحكام الجحود ، يقتل على ذلك إن لم يتب . (1/246)
صفحة 247
وكل ما شك فيه من كتاب اللّه من التنزيل مما لا تقوم الحجة فيه ولا يدرك علمه من جميع التنزيل والفرائض إلا بالعبارة والسماع ، فشك فيما لا يسعه تضييع ذلك وضيعه بجهله ،ولم يدن في ذلك بالسؤال ولم يهتد لإقامة اللازم من ذلك حتى ضّيعه بجهله لم فهو بذلك منافق كافر نعمة . وليس بمشرك ولو كان حكم ذلك من كتاب اللّه برما لم تقم عليه الحجة بعلم ذلك من كتاب اللّه ، فإذا قامت عليه الحجة بعلم ذلك من كتاب اللهّ أنه من كتاب اللهّ ، فشك في شيء من التنزيل بعد علمه بذلك ، أو بعد قيام الحجة عليه بذلك التي لا بعدها حجة فهو بذلك مشرك يقتل إن لم يتب ، وكل ما رده من كتاب اللّه من نص أو فرض جحدا بغير تأويل ، ولو كان مما يسعه جهل علمه ما لم تقم عليه الحجة به فردّه ، كان بذلك مشركا برد كتاب اللّه جَهِلَه أو علمه ، ولا يسعه جهل ذلك وهو مشرك بذلك يقتل إن لم يتب .
فصل : وكل ما كان من كتاب اللهّ وتنزيله مما يسع جهله أو مما لا يسع جهله ، فرده راد بجهله أو بعلمه بغير تأويل في ذلك يتأوله ، فهو بذلك مشرك يقتل إن لم يتب .
وكل ما كان من كتاب اللهّ فتأوله متأول وهو مما يسع جهله أو مما لا يسع جهله ، فتأول فيه متأول ، فتأول الكتاب بالكتاب أو الكتاب بالسنة أو السنة بالسنة ، ولم يرد ذلك جحدا بغير تأويل فوافق في ذلك تأويل ضلال عن الحق فهو بذلك منافق كافر نعمة .
وكذلك كل ما رده من تأويل حق من الدين أوشك فيه بعد قيام الحجة عليه به أوشك فيما لا يسعه الشك فيه من تأويل ليس بتنزيل فهو بذلك منافق كافر نعمة .
وما شك فيه أورده من السنة التي لا شك فيها وقد صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فشك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا منه في قوله أوردا منه عليه بغير تأويل فهو بذلك مشرك ، لأنه من شك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد شك في قول الله ، ومن شك في قول اللهّ فهو مشرك . (1/247)
صفحة 248
وأما من شك في ثبوت ذلك عنه ، أو لم يقصد إلى رد قول رسول الله ولا إلى الشك في قوله إلا أنه من طريق الرفع عنه والقول عنه فشك في ذلك فيما لا يسعه الشك فيه ، أو رده على غير الجحد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بذلك منافق كافر نعمة .
فصل : وكل ما ضيع من فرض لازم أو ركب محرما من كتاب الله أو سنة أو إجماع بجهل أو بعلم على غير رد لقول الله ولا لسنة رسول الله ولا شك في قول اللهّ ولا سنة رسوله ، بعد بلوغ علم ذلك إليه من قول رسول الله فهو بذلك منافق كافر نعمة لا مشرك ، ولو ترك الفرائض وركب المحارم على الاعتماد لركوب ذلك ، وتركه بعد علمه بفرض ذلك وسنته ولزومه ، ولو دان بترك ذلك وركوبه على غير جحد منه لفرضه ، ولا شك منه في فرضه ، إلا أنه متأول في ذلك تأويل ضلال بدينونة أو بجهالة أو انتهاك لما يدين بتحريمه ،فكل ذلك يكفر به كفر نعمة لا كفرشرك. وكل دائن مدع في دين اللّه متأول شيئا من أصول دين اللهّ بشيء من أصول دين الله ، أو متعلق بشيء من التدين لا جاحد لما يدين بتحريمه بتركه أو ركوبه ، وإنما يضيف ذلك إلى التدين لله فلم يوافق في ذلك ردا لكتاب الله نصا ، أو قول رسول الله نصا ، فهو بذلك كافر نعمة لا مشرك . (1/248)
صفحة 249
وكل جاحد لقول اللّه -تبارك وتعالى - ، أو لقول رسوله صلى الله عليه وسلم نصا لا يتعلق في ذلك بتأويل ولا مخرج له في ذلك في الدين أنه يخرج قوله في ذلك على تأويل شيء من دين الله فهو بذلك مشرك ، وأما راد الإجماع والشاك فيه ، فإنما رد التأويل لكتاب اللهّ والتأويل لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد الكتاب ولا السنة إلا أن يقول إن رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم لم يقل إن الله لا يجمع أمتي على ضلال ، ولا يتأول في ذلك تأويلا يكون له في ذلك عذر ومخرج من الجحود ، فذلك راد لقول رسول اللهّ نصا ، والراد لقول رسول اللهّ كالراد لقول الله ، إذا لم يتأول في ذلك تأويلا لقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نصا فهو بذلك مشرك .
ومما تقوم به الحجة من علم العقول من دين الله -تبارك وتعالى - ومن صفته ، إذا خطر بالبال أو سمع بذكره علم العبد أن الله يقبل التوبة عن عباده ، من تاب إليه منهم من ذنبه ومعصيته له ، ويعفو عن السيئات لمن تاب إلى الله من الكبائر والإصرار على السيئات ، وأن الله يعلم ما يفعل جميع خلقه ، وأن الله يعلم سرهم وجهرهم ويعلم ما يكسبون . (1/249)
صفحة 250
فصل : وكذلك مما لا يسع جهله إذا خطر بالبال أو سمع بذكره أن يعلم العبد أنه مذ خلقه الله وقد علم أنه كافر وعدو له ، أنه لا يرجع مؤمنا أبدا ولا يرجع وليا له أبدا ، ولا يكون إلا عدوّا لله ، كما قد علم اللهّ أنه عدو له وكافر ، كما قد علم الله أنه كافر في علم الله ، وأن علم الله فيه لا يتحول ولا يقدر هو أن يتحول عن علم الله فيه ، وأنه واصل وبالغ إلى جميع ما قد علم الله أنه بالغه وواصله في ذات الدنيا والدين ، وهذا مما لا يسع جهله وهذا بحر لا يكاد أن يُعبر ولا يستطاع أن يوصف ويذكر ، ولكنه بعضه من بعض وبعضه مصدق لبعض ، وبعضه شاهد على بعض ، وكل ما جاء من دين اللّه مما يخرج فيه المعنى إلى أن يكون من صفة اللّه - تبارك وتعالى - ، فهو مثل هذا ، ولا يسع الجاهل جهله عند خطور ذلك بباله ، أو سماع ذلك بإذنه ، وعلم معاني ذلك والمراد به ، ولو جهل وجوب ذلك فغير معذور في ذلك ولا منفس له في السؤال عنه لبار ولا فاجر ، ولا مؤمن ولا كافر ولا عالم ولا جاهل ، ولا غائب ولا حاضر ، وهو هالك بجهل ذلك في وقته وساعته ولا توبة له ولا مخرج له من الهلكة إلا بعلم ذلك والرجوع إلى علمه مع التوبة من جهل ذلك ومن الشك فيه .
وكلما قامت عليه في ذلك الحجج من المعبرين كان أعظم الحجة عليه ، وكل من عبر له ذلك زاده اللهّ بذلك حجة عليه ، وازداد بذلك جهلا وضلالا كان المعبر له ذلك صغيرا أو كبيرا ، بارا أو فاجرا ، مقرا أو منكرا . (1/250)
صفحة 251
وكذلك من أعظم حجج الله ، ومما تقوم به الحجة في العقل إذا خطر بالبال أو سمع بذكره أو دعي إليه العبد ، علم ثواب الله - تبارك وتعالى - لأهل طاعته على طاعته ، لأنه لا يحسن في العقل أن يكون الله - تبارك وتعالى -خلق خلقا عبثا لا لحاجة منه إليهم ، ولا لينتفع بهم ولا ليقوى بهم على شيء من ذاته ولا من ذواتهم ، ولا لحاجة منه إليهم في معنى من المعاني ، ولا في وجه من الوجوه ، فلما صح هذا أنه هكذا صح أنه -تبارك وتعالى -إنما خلق خلقه لما قد سبق في علمه ومشيئته أنه ينفع بعض خلقه ببعض ، وأن بعضهم مضرة لبعض ، وأن بعضهم حجة لبعض ، وأن بعضهم حجة على بعض ، وأنه لا يكون في العقول بهذه الصفة إلا ملك قادر غني حميد ، وأنه لا يكون الملك الغني القادر إلا مطاعا ، ولا تكون الطاعة للمطاع إلا بأمر ونهي من الآمر الناهي .
ولا يجوز أن يكون الآمر الناهي القادر الغني الحميد يأمر وينهى إلا وقد سبق في علمه -تبارك وتعالى - أنه يطاع في أمره ونهيه ويعصى في ذلك ، ولا يجوز في صفة القادر العزيز أن يعصى في أمره ونهيه ولا يعاقب على معصيته ولا يثيب على طاعته ، وهو غني حميد ، ومتى حَسُن في العقل في صفة اللّه أنه يساوي بين من أطاعه ومن عصاه في ثوابه وعقابه ، لم يصح أنه حليم حكيم ولا قادر ولا كريم ، لأن القادر والكريم من صفته أن يعاقب من عصاه بقدرته ويثيب من أطاعه بجوده وكرمه ، ولا يستقيم هذا إلا هكذا ، وإلا فإذا جاز أن الأمر والنهي كان عبثا لا لمعنى أريد به ، جاز العبث عليه ، والعابث لا يكون حكيما ، فإذا صح الأمر والنهي بغير علم تقدم وسبق من الآمر الناهي لماذا أمر ونهى ، ولماذا يطاع ولماذا يعصى ، جاز أن يكون الآمر الناهي جاهلا لماذا أمر ونهى ، وهذا كله لا يجوز في صفة اللهّ - تبارك وتعالى -إلا على ما وصفنا ، تبارك اللهّ وتعالى علوا كبيرا . (1/251)
صفحة 252
فصل : وإذا ثبت علم الوعد والثواب لأهل طاعة اللّه على طاعته من حجج العقول ، وثبت علم الوعيد والعقاب لأهل معصية الله على معصيته من مثل ذلك ، ثبت أن اللّه - تبارك وتعالى - لا يعاقب على معصية إلا من استحق سخطه وبغضه وعداوته ، وأي ذلك من أحد الأمور علم العالم أن اللّه ساخط أو مبغض أو معادي لأهل معصيته على معصيته ، فقد أثبت عداوة اللّه لأهل معصيته ، وإذا أثبت عداوة اللهّ لأهل معصيته على معصيته ، فقد أثبت حكم البراءة من اللهّ لأهل عداوته ، ولو لم يبرأ بلسانه ، ما لم يجهل ذلك كله وعلم معانيه ، فيشك في ذلك من صفة اللّه - تبارك وتعالى - ، فلا يدري إذا خطر بباله أو سمع بذكره أو دعي إليه ، أيثيب اللّه على معصيته أهل معصيته أو يعاقبهم ، أو يثيب أهل طاعته على طاعته أو يعاقبهم ، أو يعاقب على معصيته أولا يعاقب من عصاه ، أو يثيب على طاعته من أطاعه أولا يثيب ، فإذا شك في هذا فلم يميز علم ذلك ، كان بذلك هالكا . (1/252)
صفحة 253
وكذلك إن جهل أو شك أيثيب اللهّ أولياءه وأهل طاعته أو يعاقبهم ، ويحبهم على معصيته أو يبغضهم ، أو يسخط عليهم في ذلك أو يرضى عنهم ، أو يعاديهم أو يواليهم ، فإذا شك في هذا إذا خطر بباله أو سمع بذكره أو دعي إليه كان بذلك هالكا ، وإذا أثبت وعلم أن اللهّ ساخط ومعادي أو مبغض على معصيته من عصاه ، وموالي أو محب أو راضي على طاعته من أطاعه ، فقد ثبت حكم الولاية والبراءة في الجملة وفي تفسير الجملة ، لأنه بالجملة قد أثبت أحكام دين اللهّ - تبارك وتعالى - ، وكان ذلك كافيا له عن تفسير ذلك ، ما لم يخطر ذلك بباله أو سمع بذكره أو يدعى إليه أو أعلم به وعرف معاني ذلك والمراد به ، فإذا خطر ذلك بباله أو سمع بذكره أو دعي إليه أو علم به وعوف معاني ذلك والمراد به لم يسعه إلا علم ذلك وإثباته على وجه ما يكون مثبتا لوعد اللّه ووعيده على طاعته ومعصيته ، وثوابه وعقابه وعداوته وولايته ومحبته وبغضه ورضاه وسخطه ، ولا يجوز الشك في ذلك ولا الريب فيه ، ولا جهل ذلك ولا وصفه على غير معانيه ، فثبتت أحكام الولاية والبراءة في أصل دين اللهّ في أصول ما لا يسع جهله ، وفي تفسير الجملة ، ومن أحكام صفة اللهّ - تبارك وتعالى - ، ومن حجج العقول ، ولم يجز غير ذلك في صفة الله - تبارك وتعالى- ، وهذا الموضع هو من جملة الولاية والبراءة ومن تفسير جملتها . (1/253)
صفحة 254
فأحكام الولاية والبراءة في دين اللّه تخرج من حكم كتاب اللّه -تبارك وتعالى - ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن إجماع المسلمين ومن حجج العقول على غير ما تأولته الملبِّسة ، وعلى غير ماتكلفته المتكلفة وكلفوه ضعفاء المسلمين . وكما لا يجوز أن يخالف أحكام الدين في الوضوء والصلاة والصوم والزكاة ، كذلك لا يجوز أن يخالف أحكام دين اللّه في الولاية والبراءة ، بل لا يجوز إلا أن ينزل كل فصل من دين اللّه في منزلة ، ويلزم كلا من العباد ما يلزمه منه من قول أو عمل أو نية أو شهادة أو معرفة . فإذا خالف العالم أو الجاهل أصول ذلك بعلم أو بجهل أو بدين أو برأي لم يسعه ذلك ، وكان بذلك هالكا .
فصل : وكذلك كل منزلة من الإيمان لم يسع العبد جهلها وجهل العلم بها ، فعليه أن يعلم إذا خطر بباله ذلك أو سمع ذكره أودعي إلى ذلك وعرف معناه والمراد به أنه لا سلامة له من المعصية لله - تبارك وتعالى - ولا من عداوته وسخطه إلا بالعلم بذلك والإقرار به والدينونة به على ما يقع له من علم ذلك ، وأنه إذا أقر بذلك ودان به لله -تبارك وتعالى - فقد خرج من معصية الله -تبارك وتعالى - ، ومن سخط اللُّه وعداوته ، لأنه لا يصح أن يكون حال واحد يشهد به على نفسه أنه إن أتاه كان عاصيا حتى يكون عليه أن يعلم أنه إذا لم يأته كان مطيعا في ذلك ، وأن الله لا يسخط عليه ولا يعاديه ولا يعاقبه على فعل ذلك وتركه معا جميعا ، فإما أن يعاقبه على تركه إذا تركه ويثيبه على فعله إذا فعله ، وكذلك يواليه ويرضى عنه على فعل ذلك ، الذي يعاقبه ويسخط عليه على تركه . (1/254)
صفحة 255
وعليه كما يشهد لنفسه أن يشهد به على غيره ممن هو مثله من المكلفين بدين الله ، وكذلك كل منزلة من الكفر والمعصية لا يسع العبد جهلها ولا الشك فيها من المعاصي التي لا يسع جهلها ، فكل ما كان عليه أن يدين به من ذلك ، يوجب عليه أن يعلم أنه لا سلامة له من المعصية لله والعداوة إلا بترك تلك المعصية أو العمل بتلك الطاعة مما لا يسع جهله ، وعليه أن يعلم من حجة العقل في كل ما كان عليه العلم فيه ولا يسعه الشك في ذلك ، فعليه أن يعلم أن علم الله في المكلفين كعلمه لنفسه ، وأن يشهد على غيره ممن هو مثله بمثل ما عليه أن يشهد به على نفسه ، ويشهد لغيره فيه من المكلفين ممن هو مثله بمثل ما يشهد لنفسه فيه من إيمان أو كفر أو طاعة أو معصية من قول أو عمل أو نية .
وأصل ذلك كله أنه كل ما لم يسع جهله من الطاعة لم يسمع جهل علم طاعة من أتاه وعمل به وقال به وعلمه واعتقده وشهد به لله - تبارك وتعالى - ، كان القائل له والعامل به والشاهد له وعليه هو الذي يشهد به لنفسه أو لغيره من المكلفين ممن هو مثله من المتعبدين ، وعليه أن يشهد لغيره كما يشهد لنفسه في أداء الطاعة فيما كلفه ، لأنه لا يجهل حال المعصية منه أو من غيره من حال الطاعة ، وحال ما يستحق به السخط أوالعقوبة من حال الرضا والثواب ، وهذا مما تقوم به الحجة في الدين من حجج العقول ، ولا يعذر في ذلك الجاهل ولا الواقف السائل ، وعليه علم ذلك وأحكامه مع وقوفه على معانيه ولو لم تبلغه الحجة من سماع ولا نظر ولا أثر .
فافهموا - رحمكم الله - هذا الفصل الجليل من أحكام الولاية والبراءة فإن له عبارة وتفسيرا طويلا وحكما في دين الله ثابتا أصيلا ، والعالم به حائز كثيرا من العلم غير قليل . (1/255)
صفحة 256
باب: ذكر الإمامين سعيد بن عبداللّه وراشد بن الوليد
لا نعلم من أهل النحلة والدار إجماعا على أحد من الأئمة المنصوبين من أئمة المسلمين من عهد عبدالملك بن حميد إلى يومنا هذا بولاية ، إلا أنا نرجو أنهم مجمعون على ولاية الإمام أبي القاسم سعيد بن عبدالله -رحمه اللهّ - ، ولا نعلم من أهل المنازل الثلاث أن أحدا طعن ولا وهّن ولا ارتاب في فضل وولاية الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب - رحمهما اللهّ - ، وقد عرفنا عن أبي محمد عبداللهّ بن محمد بن أبي المؤثر-رحمه اللّه -أنه قال : لا نعلم في أئمة المسلمين كلهم بعمان أفضل من سعيد بن عبداللّه لأنه كان إمام عدل وعالما ، وقد قُتل شهيدا ، إلا أن يكون الجلندى بن مسعود فإنه لعله مثله ، أو بعض ما قد قال أبو محمد -رحمه الله - في ذلك ، غير أنه لم يضاه به أحدا إلا الجلندى بن مسعود - رحمه الله- . فاللّه أعلم قال إلا الجلندى أفضل منه أو قال : إلا الجلندى فإنه لعله مثله أو يلحق به .
وأما الذي عرفنا عن الشيخ أبي إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر - رحمه الله - أنه قال : إن الإمام -رحمه اللّه - سعيد بن عبداللّه بن محمد بن محبوب أفضل من الإمام الجلندى بن مسعود -رحمه الله - ، وما أحقه بذلك - رحمه الله - ، لأنه كان إماما عادلا صحيح الإمامة من أهل الاستقامة ، يفوق أهل زمانه أو كثيرا منهم في العلم ، ومع ذلك قتل شهيدا في ظاهر أمره - رحمه اللهّ وغفر له وجزاه عنا وعن الإسلام أفضل ما جزى إماما عن رعيته - . (1/256)
صفحة 257
وكان أبو محمد عبداللهّ بن محمد بن أبي المؤثر من بقايا أصحابه العاقدين له الإمامة ، وأولهم فيما صح معنا أبو محمد بن الحواري بن عثمان وأبو محمد عبداللّه بن محمد بن أبي المؤثر وقد قال لنا ابنه محمد إن بيعة الإمام أبي القاسم سعيد بن عبداللهّ جرت على الدفاع لا على الشراء ، فلا نعلم أنه على قبوله لإمامة الدفاع والمحاربة على ذلك والمسير في الأرض ، نقِمَ عليه ناقم في ذلك من أهل الجهل ولا عالم ، فمضى على ذلك -رحمه اللهّ - .
وكان أبو محمد عبداللهّ بن محمد يثني عليه في العلم ما لا يبالغ إلى صفة ذلك . وقد أخبرنا مَن لا نتوهم عليه ولا نتهمه بتحريف ولا تكليف أن أبا عبداللهّ محمد بن روح - رحمه اللّه - قال : كان الإمام سعيد بن عبدالله أعلم الجماعة الذين كانوا معه ، وقد كان معه من أصحابه أبو محمد الحواري بن عثمان وعبداللهّ بن محمد بن الحسن ومحمد بن زائدة ، مع نفر لا ينكر في الدار فضلهم ولا يجهل عدلهم ، فبان أنه كان أعلم الجماعة بها ظهر من أمره ، فتظاهرت الأمور معنا من أهل الدار ممن ينتحل نحلة الحق على الإجماع على ولايته فهو ولينا وإمامنا إن شاء اللّه.
فصل : ومضى الإمام سعيد بن عبدالله -رحمه الله - ، ولا نعلم أن أحدا يتكلم له في عقد إمامة بعيب ولا في سير ولا ترك ولاية ، ومعنا أنه مات على إمامته ولم تزل عنه ، فهو إمام لنا وولي لنا -رحمه اللّه - . (1/257)
صفحة 258
وأما الإمام راشد بن الوليد فقد كانت عقدة إمامته ثابتة صحيحة ، وكانت سيرته مستقيمة وأموره كلها بحمد اللّه سليمة ، وكانت بيعته -رحمه اللّه - على الدفاع5وكان أول من بايع له على الإمامة أبو محمد عبداللّه بن محمد بن أبي المؤثر مع جماعة معه هم في زمانهم كأمثال المبايعين لسعيد بن عبدالله في أيامهم ، الظاهر عليهم انتحال نحلة الحق والدينونة بدين أهل الاستقامة ، وكانوا أفاضل من حضر ، لا نعلم من أحدهم دينونة بدعة ولا ارتكابا لكبيرة ولا إصرارا على صغيرة ولا مقيما على ما يدين بتحريمه ، ولم يكن في حضرتهم من هو أعلم منهم في ظاهر الأمر ولا من شاكلهم ، وقدأشاروا على من قدروا على مشورته في وقتهم ، ممن هو أعلم منهم أو مثلهم ، ولم يغير عليهم ذلك ولم ينكره ، ولم يدخلوا في أمر تلك الإمامة على سبيل مكابرة لأحد من علماء المسلمين ولا استبداد برأيهم دون رأي من قدروا على مشورته من أهل العلم والفضل من أهل المصر .
وكان الإمام راشد بن الوليد -فيما بلغنا - أنه يبرأ من موسى بن موسى وراشد بن النضر ، وكان من العاقدين له ممن معنا أنه يبرأ منهما عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر ، وأبو مسعود النعمان بن عبدالحميد وأبو محمد عبدالله بن محمد بن شيخة . (1/258)
صفحة 259
وكان ممن حضر بيعته ممن معنا أنه يقف عن موسى بن موسى وراشد أبو عثمان بن مشقي بن راشد ، وأبو محمد عبدالله بن محمد بن صالح وأبو المنذر أبي محمد بن روح ، وكان هؤلاء في تلك الجماعة التي حضرت ذلك الوقت هم المنظور إليهم والمشار عليهم ، كنحو ما كانت الجماعة التي حضرت بيعة الإمام سعيد بن عبدالله في زمانهم وأيامهم ، مع أهل زمانهم وأهل أيامهم ، ولا ينكر أهل المعرفة بهم فضلهم ولا يجهلون عدلهم ، ولا يجدون في حضرتهم من أهل نحلتهم مثلهم ، ولكل زمان رجال ولكل مقام مقال ، وكل أهل طرف من أهل الأرض مؤتمنون على دينهم ، غير مكلفين فيما لهم فيه الأمانة والحجة حضر أو غاب عنهم من أهل دينهم ، ولا موضوع عنهم فعل ما لزمهم فعله لعدم من هو أفضل منهم من أهل دينهم ، كان المعدوم منهم في ذلك بموت أو غيبة ، فالحجة ممن حضر قائمة على من غاب أو شهد .
وليس للشاهد أن يغيّر ولا للغائب أن ينكر ولا للداخل أن يخرج ولا للقائل أن يرجع ، وقد قامت الحجة على من حضر أو غاب ، بذلك جاء الأثر المجمع عليه ، وقد كانت تلك الجماعة قبل ذلك قد عرفوا من بعضهم لبعض وعلى بعضهم لبعض ،وتعاتبوا في أمر موسى بن موسى وراشد بن النضر فيما عزموا على عقد الإمامة لراشد بن الوليد . (1/259)
صفحة 260
باب: الفرق في حكم الإمام في الأحداث وشهادته وما كان من التعزير والحبس بحكم الإمام وما يجب كفر من أقر بذلك ومن أنكر أو لم يصح عليه الإمام الحدث
لو اختلف الأعلام والإمام في ثبوت الحكم في الحدث وهو مما يحتمل الحق والباطل ولم يصح الحدث، فالأعلام من علماء المسلمين أولى بالحكم في الدين في البراءات والأحكام في الشهادات على المكفرات والولايات، ولا يضاد الإمام الأعلام في هذا الباب ولا يكون خلافه لهم خلافا في ذلك.
فصل : ولو شهد عليه الإمام بالكفر من غير أن يثبت عليه في حكمه ما يكون مكفرا ، لم يكن ذلك بموجب عليه حكم الكفر ، وليس الإمام في هذا بمنزلة الأعلام ، لأن شهادة الإمام من المكفرات بغير ثبوت حكم منه بالكفر ، إنما تكون شهادة واحدة لا تكون حجة .
وإذا ثبت من الإمام العدل الحكم على المحدث بما يكون الحكم على مكفر وكان الإمام عدلا ثبت كفر المحدث ولو لم يصح الكفر بشهرة ولا بشهادة غير فعل الإمام ، وذلك أنه يثبت من الإمام الحد عليه من الزنا والقذف أو الخمر أو المسكر ، فإذا صح الحكم من الإمام بالشهرة أو بالمعاينة ممن عاين ذلك من حكم الإمام ، فذلك مما يثبت كفر المحدث ، ولو لم يصح عليه بينة ولا شهرة بحدثه ولا بسماع ولا بمعاينة ، لأن ثبوت الحدود في حكم دين الله وأهل دين الله من المكفرات ، ولو كان الإمام قد حكم عليه بالحد في سريرة الإمام ، ظالما له ، وكان هو عند الله من المخلصين ، من ذلك الحد وفي جميع أحكام الدين . (1/260)
صفحة 261
فصل : كذلك إذا صح أنه قتل حربا للإمام ولأهل الإسلام ممن كان حجة للهّ في الدين ، فمن صح أنه قتل حربا للإمام أو لأحد من سراياه الذي ثبت حكمه بحكم الإمام ، كان ذلك موجبا لكفره في ذلك الحكم ، وعلى ما صح أنه حجة لله ، ولولم يصح على ما قتل ، ولوكان قتل في سريرته محقا ظالما له من قتله من حجج اللهّ - تبارك وتعالى - ، وهذا من أحكام الإمام جائز وثابت كفر من كان حربا لإمام أو لأهل إلاسلام ممن كان حجة لله فى ذلك الحكم من الأحكام وعلى ما صح أنه حجة للهّ في الإسلام ، وكل من قتلته حجة الله حربا له فقد صح كفره لمحاربته أهل الإسلام ، وكذلك من صح محاربته من حجج الإسلام ولو لم يقتل على ذلك ولم يقتل فهوحرب لله وواجب كفره إذا صح ذلك منه بما لا يحتمل فيه مخرجا من مخارج الحق .
فصل : ولو صح أن الإمام قتله قودا بغيره من أهل الإقرار ، وصح قتله بالقود من الإمام أو من حجة من حجج الإسلام لم يكن ذلك بموجب لكفره ولا فسقه ، ولولم تصح توبته قبل القود ، لأن القود قد يثبت على القاتل وهو محق في القتل ، ولا يصح له ما قد وجب من عذره في قتل من قتله فيجب عليه القود في الحكم ، وهو محق في السريرة فهو محق في الولاية ، ولو كان قد قتل من قتله بغير حق وكان كافرا بقتله باغيا فهو في الولاية ما لم يصح ذلك منه. (1/261)
صفحة 262
ولو شهد الإمام على رجل بالكفر حين أخرجه للقتل وقتله على وجه القود والحكم ، لم يكن ذلك بموجب لكفره ، ولو شهد ذلك عن إلامام أنه شهد على من قتله بالكفر ، لم يكن ذلك موجبا لكفر المقتول ، لأن الإمام حجة في القتل وليس بحجة في الشهادة بالكفر ، فلما أن كان حجة في الحكم كان ما وجب من حجته في حكم ما ، يكون ذلك الحكم موجبا لكفر من قام عليه الحكم ، كان صحة حكم الإمام عليه موجبا لكفره ، ولو لم يدع ذلك عليه الإمام ولم يقل ذلك فيه بلسانه ، ولم يظهر ذلك عليه في إعلانه ، لأن الحكم في ذلك بحكم من الإمام ، ولا يجوز أن يكون المحدود إلا كافرا حتى يتوب من الحد ، والتوبة حادثة وثابتة كان قبل الحد أو بعده ، فهي جائزة ، ولكن الكفر بصيام الحد ثابت حتى تصح التوبة بشهرة أو شهادة أو سماع لذلك .
فصل : وقد يجوز أن يقتل الإمام رعيته على غير الحد ، ويجوز أن يكون المقتول غيركافر ، ولذلك ليس القتل موجبا للكفر ، ولما لم يكن موجبا لكفر المقتول بثبوت الحكم من الامام لم تكن شهادة الإمام على المقتول بموجبة لكفره ولو شهر ذلك من شهادته ، لأن شهادته وحده لا تجوز ولأن الحكم منه بالقتل يجوز ، فافهموا هذا الباب من أحكام الإمام ومن شهادته . (1/262)
صفحة 263
فصل : وصحة التعزير من الإمام وشهرته لمن شهر منه ،ذلك فيه غير موجب لكفر من صح عليه ذلك من الإمام ولا من حكم الإمام ، لأن ذلك قد يجوز في غير الحدود ، لأنه دون الحدود ، ولو ادعى عليه الإمام في إقامة التعزير مكفرا مما قد يجب عليه به الكفو ، وعلى ذلك عزّره فيما يدعي عليه الإمام ، لم يكن الإمام عليه حجة فيما يدعي عليه من المكفرات فيما يجب عليه من الكفر ، وكان حجة عليه وله فيما يزيل عن نفسه من أرش التعزير الذي عزره إياه ، لأنه حجة في ذلك ، لأنه من الأحكام وليس بحجة في الشهادة وحده في المكفرات . ولو صح قتل الإمام له ولم يصح لقود أو غيره من الأسباب ، فهو على حالته الأولى ولا يصح بذلك كفره ولا يوقف عنه ولا يبرأ منه بشيء من هذا كله ، لأن ذلك ليس بحجة من الإمام ، وكذلك حبس الامام له ولو طال وكثر وادعاه عليه في حبسه ما يجب به الكفر ، فليس بموجب عليه بذلك الكفر ما لم يشهر ذلك من طريق الشهرة بما يوجب كفره ، لأن الحبس من أحكام الإمام قد يجوز على غير الكفر وعلى غير أن يكون المسجون كافرا . (1/263)
صفحة 264
فصل : وكذلك جميع أحكام القصاص والعقود فلا يجوز من الإمام وحده فيما يكفر به المشهود عليه ، ولو أظهر ذلك الإمام عليه وحده حتى يصح ذلك عليه بالبينة أو بالشهرة ، وكذلك في جميع ما لا يكون الإمام فيه حجةوحده ، فلا تكون صحة الحكم به منه ولا دعواه منه حجة في كفر المحكم عليه بذلك الحكم حتى يصح ذلك عليه بإقراره أو ببينة أو شهرة لفعله ، ولو شهر إقرار المحدث بحدثه واعترافه به كانت تلك شهرة بحدثه ووجوب كفره ، لأن إقراره فيما يجوز عليه فيه الاقرار موجب لكفر ، فكذلك شهرة إقراره بحدثه وبما يكفره كفرا لاحقا به ، إذا صح ذلك بالشهرة ما لم يرجع عن ذلك الاقرار قبل موته ويصح ذلك عنه وله . ولوأقركاذبا على نفسه كان ذلك مما يجب به كفره على من سمعه يقر بذلك أو صحت عليه البينة بإقراره بما يجب به كفره أو شهر ذلك عنه من إقراره بما يجب به كفره ، لأن إقراره على نفسه جائز ، ولا تكون الشهادة عليه بذلك دعوى ولا الشهرة عنه بذلك دعوى ، بل ذلك موجب عليه حكم ما أقر به على نفسه ومكفرا له ، ولو كان في الأصل غير محدث وكان بريئا من ذلك . (1/264)
صفحة 265
ولو قال الامام إنه أقر عنده بما يجب عليه به الكفر والحكم من الحقوق التي يقر بها ، من مظالم العباد من الغصوب والديون وغيرهما مما يكون بذلك مكفرا له ولو صح عليه ، وحكم عليه الامام بذلك في ماله ، وصح عليه قول الامام ودعوى المدعى عليه ، ولم يصح بذلك بينة منه ولا إقرار ، فإن ذلك كله يجب عليه من حكم الامام فيما يكون فيه حاكما عليه ويكون حجة عليه في الحكم ولو لم يقر بذلك. ولايكون ذلك من قول الامام موجبا لكفره ولا للبراءة منه ولوكان قد ثبت عليه حكم من الامام بالغصب المكفر ، ما لم يصح عليه القطع من الامام ، فإذا صح وجب كفره بذلك ، لأن ذلك من حكم الامام لا يجب إلا على مكفرة ، فإذا صح الحكم على المكفرة صحت المكفرة بصحة الحكم ، وأما لو حكم عليه بالغرم للسرق والغصب والزنا والعقر من الوطء ، ولم يثبت الحد من حكم الامام على المحكوم عليه ، فلا يجب بذلك كفره ولا البراءة منه ، ولو ادعى ذلك المدعي وصدقه على ذلك الحاكم ، وقال إنه صح معه أو عاينه أو أقر معه ولم يكن ذلك كله بموجب لكفر المحكوم عليه ، ما لم يصح ذلك بإقرار أو ببينة أو بشهرة .
فصل : وكل من صح أنه حرب لحجة من حجج الله في الدين ، قتل على محاربة حجة الله أو لم يقتل ، فهومقطوع العذر تلزمه البراءة بذلك ولوكان في سريرته محقا ، إذا لم يأت ما يحتمل أن يكون فيه محقا ، أو يحتمل أن يكون فيه مبطلا ، وأن ما ظهر من أمره أنه حرب للحجة ، ولو كانت الحجة في سريرتها خائنة لله ،في محاربة من جازيتَه على ما يحتمل حق الحجة وباطلها ، ولا يكون متكافئا للحجة في المحاربة وَتضادّ الأمور إلا حجة مثلها في ا لإسلام .
--- (1/265)
صفحة 266
باب: ذكر السلف ومذاهبهم في الحدث وذكر أهل العلم من أئمتنا من المسلمين ومذاهبهم في الحدث الواقع وولايتهم
ذكرنا الأحداث بأسماء أهلها وصفة المتدينين فيها بغير تسمية ، ونحب أن نذكر من يحسن ذكره من أهل العلم والعبارة معنا ، وذلك أنا لا نعلم من أهل عمان من محمد بن محبوب ومن أبي معاوية عزان بن الصقر ، وأبي محمد الفضل بن الحواري ، ولا نعلم أنه كان في زمانهما بعد محمد بن محبوب لهما نظير في عمان ، وقد قيل إنهما كانا في عمان كالعينين في جبين ، فلا نعلم أن أحدا يعرف فرق ما بين العينين في جبين واحد ، وكذلك كانا معنا فيما ظهر من علمهما وفقههما فأما عزان بن الصقر-رحمه اللهّ - فمضى قبل وقوع الفتنة ونزول الحدث والمحنة ، فمضى سالما من هذه الأحداث ومن التدين فيها وفي أهلها ، ولا نعلم أن أحدا من المسلمين يذكر لأبي معاوية عزان بن الصقر عيبا في الدين ، ولا نعلم أن أحدا يرتاب في ولايته ممن عرفناه من المسلمين .
وأما أبو محمد الفضل بن الحواري ، فقد أدركته تلك الأحداث ، وقد ظهر له فيها اسم ومعونة وأقاويل ظاهرة معلنة ، وفيما تواترت به الأخبار عنه وجاءت به الاثار أنه كان يصوّب موسى بن موسى وراشدا في تلك الامامة التي ظهرت لراشد بن النظر عن موسى بن موسى في حياة الصلت بن مالك ، وينقم على الصلت بن مالك أشياء يطول وصفها ، ولا نعلم أنه ظهر منه براءة من الصلت ولاتكفير، واللهّ أعلم .
وقد ثبت للفضل بن الحواري اسم ثابت في إلاسلام جار ، ولا نعلم أنه صح عليه حكم بدعة ولا مخالفة لأحكام الحق بشرعة ، وإنما جملة ما ظهر عليه (1/266)
صفحة 267
من الأمور يخرج على سبيل أحكام الدعاوى في جميع الأمور ، إلى أن قتل في معونة الحواري بن عبداللهّ تحت رايته ، ولا نعلم أنه جرى الحكم في أمر الحواري بن عبداللهّ بأنه سار ببدعة أيضا ، ولا أخذ إلامامة على حكم البدع ، وإنما أخذها على سبيل أحكام الدعاوى ، وكل من ظهر له في الإسلام اسم ، ووجب له فيه حق وقسم ، فلن يزيله عنه إلا حكم مجمع عليه من باطله أو ما يوقع عليه حكم الاشكال والارتياب في بعض القول لا في الإجماع .
ولم نكن قبل ذلك بلينا بولاية للفضل بن الحواري متقدمة ، وإنما صح معنا أمره بسابق فضله مع إشكال أمره ،ولم يوسع لأنفسنا أقداما على ولاية مشكل أمره ، إذ لم تكن تقدمت له قبل ذلك ولاية بالأفعال لمتكافئة والحجج المتساوية . (1/267)
صفحة 268
ولكن قولنا فيه قول المسلمين ، ونحن واقفون عنه وقوف من أشكل عليه أمره ، من غير ترك منا لولاية من تولاه من أوليائنا من المسلمين ، إلا أن يعلم أنه تولاه بما لا يسعه ولايسع ولايته ولا ترك منا لولاية من برىء منه من أوليائنا من المسلمين ،إلا أن يعلم أنه برىء منه بغير حق ، وبعد أبي معاوية عزان بن الصقر والفضل بن الحواري ، لا نعلم أن أحدا من أهل عمان في ذلك الزمان ، كان تقدم في العلم أبا جابر محمد بن جعفر وأبا عبدالله نبهان ين عثمان وأبا المؤثر ، فأما أبو جابر محمد بن جعفر فبلغنا أنه كان يتولى موسى بن موسى ، وعرفنا ذلك عن أبي إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر الأزكوي -رحمه الله - ، أن أبا جابر محمد بن جعفر كان يتولى موسى بن موسى ، ورفع إلينا أبو إبراهيم - رحمه اللهّ - ولاية أبي جابر محمد بن جعفر ، وقال : إنه يتولاه على ولاية لموسى بن موسى ، وأخذنا ولاية محمد بن جعفر عن أبي إبراهيم ، ولو تولينا أبا جابر محمد بن جعفر بظاهر الأمر والخبر لكان ذلك معنا جائزا لأنه لذلك أهل ، وأما أبو عبداللّه نبهان بن عثمان فلا نعلم منه أنه بلغنا عنه قول في أهل الأحداث ، وكانت أموره خاملة مع أهل زماننا الذي أدركناه . (1/268)
صفحة 269
وكذلك لم نعلم أنه كان له كثير أصحاب ، فيضيفون إليه كثرة الخطأ والصواب ، وذلك عندنا من أحسن أحواله ، ولا نعلم أنا أخذنا ولايته عن أحد من المسلمين ، ولا نعلم من أحد أنه يطعن عليه بأمر في الدين ، ولو تولينا بظاهر الأمور لكان ذلك جائزا من طريق صحة المشهور ، ولكنا لم نعتقد له ولاية إلى يومنا ، فمن تولاه على ذلك من أوليائنا توليناه على ذلك ، وأرجو أن لا يبلونا اللهّ بأحد من أوليائنا يبرأ من نبهان بن عثمان ، وأما أبو المؤثر فقد لزمتنا ولايته وهو ولي لنا ، وكان أصل ذلك أنا توليناه بالرفيعة عن كثير ممن هو معنا ، يجوز لنا أن نتولى بولايته ، فنحن نتولى أبا المؤثر وولايته بالشهرة أصح وأظهر ، وكان أبو المؤثر-رحمه اللّه - فيما بلغنا أنه يبرأ من موسى بن موسى وراشد في تلك الامامة ويتولى الصلت بن مالك ، وبلغنا أنه لم يتوله حتى استتابه فتاب ، فالله أعلم بما استتاب أبو المؤثر الصلت بن مالك ، وكان هؤلاء الثلاثة من عمان يضرب بهم المثل أن أمور أهل عمان رجعت في ذلك العصر إلى أصم وأعرج وأعمى ، وكان أبو جابر محمد بن جعفر فيما قيل أنه أصم ، وكان أبو عبدالله نبهان بن عثمان أعرجا ، وكان أبو المؤثر الصلت بن خميس أعمى،ولا نعلم أن أهل الدار من أهل الدعوة مجمعون على ولاية هؤلاء الثلاثة ، ولا على ولاية أحد منهم ، وإنما يتولى محمد بن جعفر أهل منزلة من أهل النحلة ، ولعلها تتباعد عن ولاية أبي المؤثر ويتولى أبا المؤثر أهل منزلة من أهل النحلة ، ولعلها تتباعد عن ولاية محمد بن جعفر ، ثم كان بعد هؤلاء الثلاثة مدار أمور أهل عمان من أهل نحلة الحق في عصر واحد ، يدور بأبي المنذر وأبي محمد بشير، وعبدالله بن محمد بن محبوب -رحمه الله - ، وأبي علي الأزهر بن محمد بن جعفر وأبي الحواري المعروف بالأعمى . (1/269)
صفحة 270
ولعله كان أجمعهم فقها وعلما على ما يظهر من أموره ، وخاصة في الأحكام والحلال والحرام ، وإن كان أبو المنذر يعلوهم في النظر في الأديان ، فكانوا ثلاثتهم مفزع أهل عمان ، فأما أبو المنذر وأبو محمد ابنا محمد بن محبوب فالذي بلغنا عنهما أنهما كانا يبرآن من موسى وراشد ، وأحسب أنهما كانا يذهبان إلى ولاية الصلت بن مالك واللهّ أعلم ، ولا نعلم أنا أخذنا ولايتهما عن أحد تجب عليناولايتهما بولاية ولكنهما معنا في حد من يتولى بالشهرة، فإن تولاهما أحد من المسلمين على ما قد بلغنا من أمرهما وسعه ذلك معنا ، وهو ولي لنا ونحن نتولاهما إن شاء الله على ما قد صح معنا من أمرهما . وأما أبو على الأزهر بن محمد بن جعفر فأخذنا ولا يته بالرفيعة عن أبي إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر رحمه الله ، وثد بلغنا أنه كان يتولى موسى بن موسى ، فلما نظر في الاختلاف من أهل الدار في أمره رأى أن الوقوف أسلم لموضع الاختلاف، ورجع إلى الوقوف ، وكان في ما بلغنا يتولى والده محمد بن جعفر ، وكان والده يتولى موسى بن موسى فتولاه على ذلك ، كذلك عرفنا ونحن نتولى أبا علي اللأزهر بن محمد بن جعفر بما قد عرفنا فبه من الولاية وبما يستحقه بالشهرة معنا . (1/270)
صفحة 271
وأما أبو الحواري محمد بن الحواري المعروف بالأعمى ، فالذي بلغنا عنه أنه كان يقف عن موسى بن موسى وراشد في تلك الإمامة ، ولا يبرأ منهما بتلك الإمامة ، وأما ولايته فأخذناها عن غير واحد ممن تجب علينا الولاية بولايته ، وكان ممن تجوز معنا ولايته بالشهرة فنحن نتولاه على ذلك كله وهو لنا ولي ، وقد كان في أيام هؤلاء من يكافئهم في الفضل والعلم ، مثل أبي إبراهيم وأبي قحطان وأبي خليل ، وقد كانوا في زمان هؤلاء ممن ينتفع به في العلم في أهل الدعوة ، وفي هؤلاء مكتفى لأن منهم من يبرأ ومنهم من يقف ومنهم من كان يتولى ثم رجع إلى الوقوف وتولة من تولى وكلهم أهل فضل وعلم وورع وصدق فيما ظهر من أمرهم و لا نحفظ في أبي الحواري أنه كان يتولى من يبرأ ولا يبرأ ممن تولى إلا أن الأحكام خارجة له على السلامة إن شاء الله من تلك الأحداث من تظاهر حكمه فيها من أحكام البدع .
فصل : ثم كان بعد هؤلاء في الخلف الثالث وهو ممن شاهد السلف الأول والثاني وتكلم فيه وقال فيه وهو أقدم من الخلف الثالث سنا وأعظمهم جاها ، ولعله في بعض الأمور أجمعهم علما وهو أبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر -رحمه الله - ، وكان منهم أبو محمد الحواري بن عثمان وأبو عبدالله محمد بن روح بن عربي وأبو الحسن محمد بن أبي الحسن وأبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر . (1/271)
صفحة 272
فاما أبو إبراهيم محمد بن سعيد فعرفنا فيه أنه كان يقف عن موسى بن موسى وراشد بن النضر ، وأنه كان يتولى محمد بن جعفر والأزهر بن محمد بن جعفر على ولاية محمد بن جعفر لموسى وعلى ولاية الأزهر لأبيه على ولايته لموسى بن موسى ، ولا نعلم أن أبا إبراهيم قال لنا ولا بلغنا عنه أنه كان في حال من الحال يبرأ من موسى بعد تلك الامامة عليها ولا يتولاه على ذلك ، ثم رجع على ولايته لا على البراءة منه إلى الوقوف ، ولكنا أخبرنا أنه كان وقوع السبب بالاعتزال وهوخارج إلى الحج ، فلما قدم إلى الأمور بحالها لا تنيّر فيها ولا نكير ، قال : ثم وقعت بعد تلك الأسباب الاختلاف ، قال : فتداعينا إلى الاجتماع بسعال من نزوى .
وذكر أنه كان في الجماعة هو وأحسب أنه الأزهربن محمد بن جعفر وأبو جليد وعثمان بن محمد بن وائل وهو أبو الحواري بن عثمان ، وذكر جماعة من أهل الزمان أنهم عامة أهل الدعوة من أهل الموضع ، قال فاجتمعنا في سعال فنظرنا وفكرنا واتفقنا على الوقوف في أمر موسى بن موسى وراشد في تلك الإمامة ، ورأينا في ذلك أسلم . قال : وخرجنا على ذلك ثم بلغني كتاب عن أبي جليد الكيس بن الملا أنا قد رجعنا فنظرنا في ذلك الأمر فرأينا أو فاحببنا البراءة ، أو فاتفقنا على البراءة ، قال : فلم ألتفت إلى ذلك ، وعلى ما قال إنه لم يزل على ذلك ، إلا أنه قد عرفنا منه في أول الأمور الكتمان حتى كان في آخر الزمان ، ولعله رأى بعض ما قد نزل باهل عمان من الاختلاف يشبه ما يختلف فيه من الأديان ، ولعله خاف الفرقة والافتتان فأظهر لضعفاء المسلمين رحمه الله وغفر له .
وأما أبو محمد الحواري بن عثمان فبلغنا عنه أنه كان يبرأ من موسى وراشد ، وأحسب أنه كان يذهب إِلى الوقوف عن الصلت والله أعلم .
وأخذنا ولاية الحواري بن عثمان بالرفيعة والظاهر وهو لنا ولي . (1/272)
صفحة 273
وأما أبو عبداللّه محمد بن روح وأبو الحسن محمد بن الحسن ، فشاهدناهما وصحبناهما زمنا طويلا ، وأخذنا عامة أمر ديننا عنهما وعرفنا أنها كانا يبرآن من موسى وراشد ، فلما نظرا في الاختلاف وفكرا رجعا إلى الوقوف رجاء السلامة ، وعرفنا أنهما كانا يتوليان من برىء منهما من أوليائهما ومن وقف عنهما من أوليائهما المسلمين ، ما لم يعلما أن أحدا من أوليائهما أتى باطلا في ولاية أو براءة أو وقوف . ونحن نتولاهما -رحمهما اللهّ - على خبرة ومعرفة .
وأما أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر فعرفنا عنه أنه كان يبرأ من موسى وراشد ويقف عن الصلت بن مالك ، ويتولى من يتولاه من المسلمين ، لتوبة عرفها منه أو لعذر قبله منه ، ولم نعلم من هؤلاء كلهم أمرا يدل ويوجب أن الأحداث كانت تجري بعمان على سبيل البد ع ، وأنه لا اختلاف فيها وأن الحق فيها واحد . فهؤلاء الذين وصففاهم من أهل الفضل والعلم من أهل عمان قولنا فيهم ما قد وصفنا ، وهم إن اختتلف قولهم في هذه الأحداث في الولاية والبراءة والوقوف ، فأصل مذهبهم على الاتفاق في التدين فيهم ، ومن وجبت ولايته منهم علينا فهو ولينا ، لا نفرق بين أحد منهم لافتراق أقوالهم في الولاية والبراءة والوقوف عند ظهور السلامة في أصول الدين من أحكابم أصول البدع في الدعاوى ومن تظاهر التهم عليهم في ذلك ببراءة أو بترك ولاية وباللّه التوفيق . (1/273)
صفحة 274
فصل : وكان فى زمان هؤلاء الذين وصفناهم ، من نرجو أنه كان يناددهم ويشاكلهم من أهل العلم من أهل الدعوة ممن صح له من السلامة مثل ما صح لهم ، ووجب له من الحق نحو ما وجب لهم ، ولكنا اكتفينا بذكر البعض من أهل المنازل ممن يتولى من برىء ويتولى من تولى ، وممن يبرأ ، لأنه لا فرق معنا في أحد منهم ممن صحت له في دينه السلامة ببراءة ولا بوقوف ولا بولاية من برىء ولا بولاية من تولى . وممن تقدم ذكوه ممن مضى عن قرب منهم أبومالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني -رحمه الله - ، وكان فيما بلغنا عنه يبرأ من موسى بن موسى وراشد بن النضر ، ويتولى الصلت ، ونحن نتولى أبا مالك بما صح معنا من أمره بالرفيعة والمعرفة .
وكذلك كل من صحت له أحكام السلامة من الدخول في الفتنة وتظاهر التهمة في دخول في مخالفة في أصول الدين فليس يزيل حقه ما ظهر منه من الدعوى،فيما يحتمل أنه يكون فيه محقا من ولاية أحد أو براءة من أحد أو وقوف من أحد ، لا نفرق بين أحد منهم ، ونحن لجماعتهم تابعون ولقولهم وأمرهم سامعون ، ولفعلهم محتذون وبرأيهم آخذون ولسبيلهم سالكون ولمخالفتهم تاركون وبسابقة فضلهم معترفون ، وبالبعض منهم دون الكل في الحق مكتفون ، ولمن خالفهم أو أحد منهم في الدين مخالفون ، ولوليهم في أصول الدين موالون ، ولعدوهم في أصول الدين معادون . (1/274)
صفحة 275
بذلك نشهد اللهّ على أنفسنا ونشهد على جميع من غاب عنا أو حضرنا ونشهد بذلك جميع من بلغه عنا في متقدم الزمان أو متأخره من أهل الاستقامة أولهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، خاتم النبيين ثم من الصحابة أبو بكر الصد يق وعمر بن الخطاب - رضي اللهّ عنهما -ثم من أهل الحرب من مضى على سبيل عمار بن ياسر- رحمه الله - في حرب يوم الدار وبوم الجهل وأيام صفين ويوم النهروان ، ومن التابعين جابربن زيد وأبو عبيدة مسلم بن أبي كويمة ، ومن الخوارج المرداس بن حدير وعبدالله بن إباض وعبدالله بن يحيى طالب الحق ، ومن العلماء في الدين محبوب بن الرحيل ووائل بن أيوب وموسى بن أبي جابر وهاشم بن غيلان وموسى بن علي ومحمد بن محبوب وعزان بن الصقر-رحمهم الله وغفر لهم ورضي عنهم وجزاهم عن الإسلام وأهله خيرا - .
فصل : وكذلك حمنما ذكوناه في كتابعْا ممن أوسجبنا على أنفسنا وللأيته ، والتزمنا فضله وموافقته ، أولهم عزان بن الصقر وآخرهم غسان بن محمد بن الخضر ، فنحن إلى الله من جميع ما خالفنا فيه دين هؤلاء الذين سميناهم ،تائبون إلى اللهّ من جميع ذلْك ، راجعون ومنيبون من جميع ذلك مستغفرون ، وبدينهم للهّ في جميع أمورنا دائنون ، وبهداهم في جميع الأمور مقتدون ، وبأنوارهم في جميع الأمور مستضيئون ، وبحكمهم فى الدين راضون ولطاعتهم في الدين ملتزمون ، ولجميع من أجابنا داعون ومن دعانا مجيبون ومطيعون ، لا نطلب بذلك بدلا ، ولا نعلم أن أهل الدعوة من المسلمين من أهل هذه المنازل مجمعون على ولاية أحد من أهل العلم منهم ولا من الأئمة المنصوبين منهم ، ولا نعلم انهم تركوا وللاية أحد منهم بحجة عليه في الدين . (1/275)
صفحة 276
وإنما ذلك توحّش وتعاتب من بعضهم على بعض ، أما أصل الدين فجامع وأصل الدعوة فجامعة لههم ،ولا يمكن أن يقول أحد أنهم من أهل الأحداث ولا من المتدينين فيهم ممن مضى يظهر في ذلك حكم بدعة يصح عليه ولايتهم بها ، وإنما ذلك كله أحكام الدعاوى والتوحش في الدعاوى ، والمجمع عليه أن أحكام الدعاوى في جميع الأمور لا تخص إلا المتداعين ولا تعم أهل الدين ولا أصول الدين ، ولايزول بها اسم في الدين إلا من صح عليه ذلك ويخصه ، فيكون ذلك له خاصا دون أهل طاعته ودون أهل نحلته ودون المتسمين باصل دينه الذي لم يقع عليه فيه اسم المخالفة في الدين ، وإنما الذي يظهر منه أنه يدعي شيئا إن كان صادقا في ذلك كان محقا ، فكل ما كان أصله من هذا كان الحكم فيه دعوى ، إلا من خرج من حال الدعوى إلى حال القذف ، فيكون بذلك قاذفا ، فإذا خرج إلى حال القذف كان صادقا فيما يدعي وكاذبا ، فهو في حكم الحق قاذف ومن كان حكمه حكم الدعوى فهو مدع حتى يعلم أنه صادق أو كاذب ، ومن نزل بمنزلة البدع فهوكاذب مبطل ، علم باطله من علمه أوجهله ، إذا علم منه أصل ما ركب من البدعة ، ولو جهل حكم ماركب من البدعة . (1/276)
صفحة 277
باب: اختلاف أهل الدعوة والأحداث الواقعة في عُمان
وجدنا أصل ما اختلف فيه المسلمون من أهل عمان على اتفاق منهم على ما يجب به اسم أهل الاستقامة من الأديان هو الحدث الواقع بأهل عمان من أمر الصلت بن مالك وموسى بن موسى وراشد بن النضر وعزان بن تميم ، فلا نعلم أنه جرى بين المسلمين من لدن محبوب بن الرحيل ووائل بن أيوب إلى محمد بن محبوب وعزان بن الصقر اختلاف في دين ، بل صحيح معنا أن دين هؤلاء - رحمهم الله - دين المسلمين ، وهو دين أهل الاستقامة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ومن دان بدينهم إلى يوم القيامة ، ولم يخالفهم بوجه من الوجوه فهو مستحق لولاية رب العالمين لا شك عندنا في ذلك ولا ريب ، وأن من خالف دين هؤلاء الذين وصفناهم بوجه من وجوه الخلاف لدينهم ، فإنه مخالف بذلك دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم ودين المؤمنين ، وأنه بذلك عدو لرب العالمين ، وأنه من أهل عقوبة الله ، كائنا من كان ممن تعبده الله بطاعته وأعد له الثواب عليها ، وتعبده بترك معصيته وأعد له العقاب عليها .
ثم إنا وجدنا أهل الدار من أهل عمان ممن ينتحل دين الاباضية ولا نعلم منهم مخالفا لدين المسلمين من لدن محبوب بن الرحيل - رحمه الله -إلى عزان بن الصقر- رحمه الله - وممن يظهر له شواهد الدينونة بدين هؤلاء الذين وصفناهم من المسلمين ، ويظهر منهم الإجماع على ولاية هؤلاء الذين وصفناهم من المسلمين . (1/277)
صفحة 278
ولا نعلم بينهم اختلافا في ولايتهم ولا في تصويبهم ولا في تقديمهم إلا من كان من ضعفاء المسلمين الذين لا يبلغ علمهم إلى تمييزذلك ولا إلى معرفته ممن لا يظهر منه مخالفة ولا فرقة في الدين لمن ظهر منه وصح منه ولاية هؤلاء الذين وصفناهم من المسلمين والدينونة بدينهم ، فوجدنا جميع من ينتحل دين الاباضية وأهل الاستقامة من المسلمين في الأحداث التي جرت بعمان في أمر الصلت بن مالك وموسى بن موسى وراشد بن النضر وعزان بن تميم ، منازل ثلاثا من لدن الحدث في ظواهر الأمور إلى يومنا هذا ، كل من كان من أهل هذه المنازل يظهر التوحش من أهل المنزلة الأخرى ، و يظهر منهم العتاب على الأخرى من غير أن يقع من أحد منهم في الأخرى ، خلاف بدينونة في أمر تلك الأحداث التي سلفت ، وإن كانت مقالتهم في ذلك قد اختلفت فإن مذاهبهم في ذلك قد أتلفت .
ووجدنا أهل هذه المنازل الثلاث من أهل نحلة الاستقامة من الأمة ، لا يصح منهم ولا عليهم في منازلهم هذه دينونة بباطل في أمور أهل عمان التي جرت في أمر يخرج في وجه من الوجوه على حكم يدعيه ، ولا على حكم يخرج الإجماع عليه أنه باطل ، ولا يخرج الاجماع عليه أن شيئا من تلك الأحداث باطل ولا أنها صواب على حكم الإجماع . (1/278)
صفحة 279
ولا صح معنا أن تلك الأحداث بجملتها من لدن الصلت بن مالك إلى عزان بن تميم والحواري بن عبدالله خارجة ، ولا شيء منها على حكم البدع ولا على شريعة مخالفة لدين أهل الاستقامة من الشرع ، وإنما خارج حكم كل شيء من هذه الأحداث على الانفراد ، وعلى الاجتماع على وجه الدعاوى للصواب ، وأن كل واحد منهم بيده فصل الخطاب من غير أن تصح منهم له في ذلك حقيقة دعوى ، ولا حكم عليه في ذلك في حكم الظاهر بدعة ، يخالف بها أحكام أهل التقوى ، وكذلك الظاهر من أمور المتدينين فيهم ، إنما تخرج أحكام اختلافهم في تلك الأحداث على سبيل الدعاوى لا على سبيل الدفاع ، فجاءت ظواهر هذه الأمور القاضية في هذه الأحداث بشواهد الاختلاف من أهل الاستقامة من المسلمين على سبيل المسالمة منهم لبعضهم بعضا في أصول الدين والموافقة منهم لبعضهم بعضا في وقوع الحدث الذي اختلفوا فيه من المحدثين من غير أن يظهر منهم إجماع على أنهم عموا عن حكم الأحداث الواقعة بينهم ، ولا على إجماع منهم على تخطئة بعض المحدثين وتصويب بعض المحدثين ولا على تصوب جميع المحدثين ولا على تخطئة جميع المحدثين . (1/279)
صفحة 280
ولا صح على أحد من المحدثين ولا من المتدينين فيهم من أهل الدار ما يكون به خارجا من اسم أهل الاستقامة من المسلمين تقضي عليه بذلك شهرة حدث بباطل لا يحتمل مخرجا من مخارج الحق ولا إجماع من أحكام أهل العدل عليه من المسلمين بذلك ، في حين ما يكونون حكاما عليه بذلك ، فمضى للمتدينين بدين أهل الاستقامة من أهل عمان على هذا في هذه الأحداث قرن وسلف ، وخلف كل سلف منهم على سبيل ما مضى عليه خلف بعد خلف ، فكان فريق من أهل الدار ممن ينتحل نحلة أهل الحق يتولي موسى بن موسى وراشد بن النضر في عقد تلك الامامة ، ويتولى الصلت بن مالك ، ويدعي في ذلك دعاوى يحتمل فيها الصواب لموسى وراشد والصلت جميعا ، ومنهم من يتولى موسى في ذلك وينقم على الصلت أشياء من أسباب تضييع إلامامة قبل الخروج ، ويقول إنه استحق العزل فعزل .
ومنهم من يتولى موسى بن موسى على تلك العقدة ويقول إن الصلت بن مالك اعتزل ولم يعزل . ومنهم من يقول إنه عزل ولم يقل عليه إنه استحق العزل بحدث أحدثه إلا أنه قال إنه عزل ويحتمل في أقوالهم هذه كلها للصلت بن ماللف العذر ، ولا يحتمل له في ذلك عذر فإذا احتمل له العذر فيما قد قيل فيه ، احتمل لموسى ولمن يتولاه في ذلك عذر مثله ، وإذا لم يحتمل للصلت في ذلك عذر لم يحتمل لموسى في ذلك عذر ولا لمن تولاه ، إن كان عزل أو اعتزل لغير عذر ، وإن كان عزل أو اعتزل لعذر فللقائمين بذلك من العذر مثل ما له ، فهؤلاء أهل منزلة من منازل أهل الدعوة من أهل عمان وأقاويلهم واختلافهم في ذلك أكثر مما قد وصفنا . (1/280)
صفحة 281
وقد كان فريق ممن ينتحل نحلة أهل الحق من أهل الدار يبرأ من موسى بن موسى وراشد على تلك العقدة ويقولون إن ذلك الخروج منهما على الصلت بن مالك كان بغيا وعدوانا ، وأنه لا عذر لهما في ذلك ولا لمن تبعهما على ذلك ، كان الصلت بن مالك عزل على ذلك أو اعتزل بعد خروجم عليه ، ويتولى على ذلك الصلت بن مالك وينزل عذره ويعتل له بالغلبة على أمره والخذلان من أهل مملكته له ، ولعله يلحق له العذر من طريق كبر سنه وضعف بدنه ، ولا يشترط في ولاية الصلت شرطا ويقول : إن ولايته واجبة ثابتة حتى يعلم أنه ترك لازما أو ركب محرما ، لما قد تقدم له من الولاية وعقد الإسلام .
ومنهم من يبرأ من موسى بن موسى وراشد بن النضر ويقف عن الصلت بن مالك لموضع ما دخل عليه من الشبهة ، فمن تولاه من المسلمين على ذلك تولاه ، ولا يشترط في ولايته شرطا ، ومنهم من يبرأ من موسى بن موسى وراشد ويقف عن ولاية الصلت ممن تولاه لعذر قبله منه أو لتوبة عرفها منه واشترط ذلك ، تولاه على ذلك .
وقد قيل : إن فريقا ممن كان يبرأ من موسى وراشد كان يضيق على الصلت ولا يعذره ، ويقول : إنه ترك أمانته لأهل البغي وهو شارٍ ولم يجز له إلا أن يقاتل على أمانته حتىَ يقتُل أو يُقتَل ، وليس ذلك بالشاهر الظاهر ممن يقول بذلك ، وقد يخرج ذلك على الصواب إن كان موسى وراشد باغيين عليه ، وكان قادرا على محاربة أهل البغي فترك ذلك فلا عذر له في ذلك إلا أن يتوب . (1/281)
صفحة 282
وكان فريق ممن ينتحل نحلة أهل الاستقامة والحق من أهل الدار يقف عن موسى وراشد في أمر تلك إلامامة ، إذ أشكل عليه أمرهما لترك النكير من الصلت بن مالك ومن أعلام أهل المصر عليهما في حين تقدمهما في ذلك ، وإذ دخلا في ذلك على وجه لم يصح لهما في ذلك حجة ، حق على الصلت أن يزيل الشبهة من أمرهما ، ولم تقم للصلت عليهما حجة تزيل صوابهما ، وإذا لم يقع الإجماع من المسلمين على باطلهما في حين ما جرى منهما ذلك من المشاهدين لهما ، وإذا لم يقع الإجماع منهم على تصويبهما فلما أشكل ذلك من أمرهما توسعوا بالوقوف عنهما من غير أن يبرئوهما من البغي ، ولا يحكموا عليهما به ، ومن غير أن يبطلوا حكم فعلهما ، ولا يجهلوا حكم البغي فيهما على أنهم يتولون أهل الاستقامة من المسلمين من أهل الدار ، على ما خصه من الحكم فيهما من ولاية أو براءة ، ما لم يصح أن المتولي لهما تولاهما بغيرحق .
وأن المتبرىء منهما برىء منهما بغير حق ، وعلى أن كلا مخصوص فيهما بعلمه ، مالم يصح باطله على ذلك بوجه من الوجوه ويخصه ذلك ، فهو خاص لمن صح عليه ذلك فيهما ومنهما ، ويقف عن الصلت لما أشكل من أمره ، إذ لم يظهر منه نكير على موسى وراشد في تقدمهما في الامامة في حياته ، ولا صح منه تبرؤ من الإمامة إليهما على وجه يصح منه ذلك ، على ما يجوز له ويسعه ، وإذا لم يصح معهم بالإجماع صحة إمامة راشد ، فتزول عنه الشبهة والإشكال والشكوك على أنهم يتولون أولياءهم من المسلمين على ولاية الصلت من غير شريطة في ولايته حتى يعلموا منهم ولاية له على غير الحق ، ويصح ذلك على أحد ممن تولاه ومنهم من وقف عن موسى وراشد لإشكال أمرهما . (1/282)
صفحة 283
وإذا لم يصح بالإجماع لهما صحة عقد فيما دخلا فيه من تلك الإمامة وتولى الصلت بصحيح عقدته في إلاسلام بالإجماع ، وأنه لا يزيل ولايته وإن أشكل أمره إلا الإجماع على باطله ، فإذا ثبتت ولايته بالإجماع ، وهو صحة عقدته وإمامته فلن تزول ولايته ، وإن أشكل أمره في الإمامة فقد يحتمل ذلك في أشياء كثيرة ، فولايته لا تزول وإن اشتبه الأمر في إِمامته ، لأنه قد يمكن أن تزول إمامته ولا تزول ولايته لعذر نزل به ، ويمكن أن تزول إمامته وولايته ، أن لا تزول إمامته ولا ولايته ولم يقع على ذلك إجماع ولا شهرة قاضية بإجماع من حكم المسلمين عليه ولا له بذلك ، وقد وقع الإجماع من المسلمين على ما أثبت ولايته ، فلا تزول ولايته على حال حتى يجتمع على زوالها كما اجتمع على ثبوتها . (1/283)
صفحة 284
فهذا ما بلغنا في هذه الأحداث في أهل عمان وفي المتدينين من أهل الدار ممن ينتحل نحلة أهل الاستقامة من القول فيها وفي أهلها ، ولا نعلم من أحد منهم أنه يخطّىء صاحبه فيما يقول بخطئه دينونة ، ولا يشهد عليه في ذلك بباطل ، وإن كان قد أظهر خلافا لما هو عليه في أمر هذه الأحداث ، فمضى من مضى من أسلاف أهل النحلة من المسلمين على هذا ، ممن يجب له اسم الاستقامة ، ولا تصح عليه مخالفة في دينونة تصح عليه فيها أنه يخالف فيها حكم أهل الحق ، وهذا الذي وصفناه في الصلت وموسى وراشد ، وأما عزان بن تميم فبلغنا أن بعضا من أهل نحلة الحق من المسلمين من أهل الدار كان يتولاه ويقول إن عقدة إمامته كانت صحيحة ، وأنه لم يصح منه بعد ذلك ما يجب به خلع عن الإمامة فتولاه على ذلك ، ولا يجوز معنا في حكم الحق أن يتولى متول عزان بن تميم والحواري بن عبداللهّ والفضل بن الحواري في معنى وقت واحد ، لأن إمامتهما لا محال أن إحداهما باطلة ، فلا يجوز معنا على كل حال ولايتهما إلا لمن غاب عنه أمرهما ، ولم يعرف باطلهما من حقهما ، ولم يصح معه ثبوت إمامة أحدهما دون الاخر ، وكان قبل ذلك قد امتحن بولايتهما ولم يعرف أيهما المحق من المبطل ، بوجه حق لا يشك فيه ، فإذا كان على هذا وقد كان قبل ذلك يتولاهما فلا محال أن أحدهما مبطل إذا كانا إمامين في مصر واحد متضادين متحاربين ، فلا شك في باطل أحدهما وقد يحتمل أن يكونا جميعا مبطلين ، ولا يحتمل أن يكونا جميعا محقين ، فإذا كانا على هذا فقد وقع الاختلاف فيهما . (1/284)
صفحة 285
فقال من قال : يتولى ولييه على حسب ما كانا عليه ، لأن أصل ولايته لهما كانت على غير شبهة ، وكانت على بيان وصحة ثم إنه أشكل أمرهما بعد ذلك واشتبه فهو على الولاية باليقين حتى يزيل عنه حكم الولاية لهما أو لأحدهما حكم اليقين في ذلك ، والعلة في ذلك لمن قال بهذا الإجماع من المسلمين أن كل من صح له في الإسلام حكم ، أو وجب له فيه اسم فلن يزول عنه إلا بحق واضح يوجب عليه ضد ذلك الحكم ويلزمه ضد ذلك الاسم .
وقال من قال بالوقوف عن ولايتهما لما أشكل من أمرهما ولا محال أنه يعلم أنه يتولى على الانفراد مبطلا باسمه وعينه ، والعلة في ذلك لمن قال به ، الأثر الصحيح أن كل مشكوك موقوف ، والأثر أن الأمور ثلاثة أمر بان لك رشده فاتبعه ، وأمر بان لك غيه فاجتنبه ، وأمر أشكل عليك فكِلْه إلى الله ، وذلك مما تصح به الرواية ، وكذلك قوله : أترك ما يريبك إِلى ما لا يريبك .
وقال من قال بالبراءة منهما جميعا ، وهذا قول شاذ لاحجة له لأن البراءة لا تقام على الشبهة ، وحسب ذلك وجدنا عن أبي عبدالله محمد بن محبوب -رحمه الله - في هذه الأقاوبل الثلاثة في المتضادين والمتلاعنين والمتحاربين ، ولا نعلم المصيب منهما من المخطىء ، ولا المحق من المبطل ولا الصادق من الكاذب ، فقال : قد قيل في ذلك بالولاية والوقوف والبراءة ، والقول بالبراءة قول شاذ ، وعلى ها وجدنا عنه هو أنه يذهب الى الوقوف في هذا ومثله ، ووجدنا عن أبي علي موسى بن علي - رحمه الله -أنه كان يذهب في مثل هذا إلى الولاية للجميع ، اذا لم يصح المحق منهما من المبطل ، وقد تقدمت لهما ولاية . (1/285)
صفحة 286
وقد حفظنا عمن أخذنا عنه من أهل العلم باحكام الولاية والبراءة أن القول بولايتهما جميعا ، إذا كانت قد تقدمت بالصحيح من الأمر أصح في الحكم من الوقوف عنهما ، لأن الوقوف عنهما إِنما هو بإلاشكال والشبهة والشك ، وكل ذلك ضد اليقين واليقين أولى ، فمتى لم يصح اليقين بالباطل منهما أو من أحدهما باليقين ، فاليقين بصوابه أولى ، لأن اليقين لا يزيله إلا اليقين ، وأما إذا لم يكن تقدم لهما سابق ولاية ولا لأحد ما ، ثم أشكل أمرهما أو أمر أحدهما ، فلا تحدث له ولاية على الإشكال أو الشبهة والشك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا اذا كانا بهذه المنزلة ، والإجماع من القول أن المتولي والواقف في المتلاعنين والمتضادين والمتحاربين ، يتولى المحق منهما في اعتقاده ويبرأ من المبطل منهما في اعتقاده ، ولا يجوز غير ذلك في الشريطة .
وبلغنا عن بعض أهل نحلة الحق من أهل عمان أنه وقف عن ولايةعزان بن تميم لما أشكل من أمره ، وتولى من تولاه من المسلمين ، وذلك مما عرفناه عن الوقوف فى أمر الصلت بن مالك وموسى بن موسى وراشد بن النضر على ولاية أوليائه من المسلمين ، ولو ظهر منهم ولاية في أحد ممن لم تصح فيه عليه باطل أو براءة من أحد منهم مالم يصح منه في ذلك باطل .
وبلغنا عن بعض أهل نحلة الحق أنه وقف عن عزان بن تميم وتولى من برىء منه من المسلمين . وبلغنا نهما بعضهم أنه قال : لا بلانا الله بولي لنا يبرأ من عزان بن تميم يريد أنه وإن برىء منه فلا يحب ذلك .
وبلغنا عن بعضهم أنه قال بالوقوف عن عزان بن تميم ، والولاية لمن وقف عنه ومن تولاه ولا يتولى من برىء منه . (1/286)
صفحة 287
وكذلك بلغنا عن بعضهم في الصلت بن مالك أنه قال بالوقوف عنه ، ويتولى من تولاه ومن وقف عنه ، ولا يتولى من برىء منه ، ولا يتولى من تولى من برىء منه على البواءة منه ، وتخرج هذه الأقاويل كلها فى مخصوصات علم القائل بذلك على علم منه ببراءة المتبوىء على ما تبرأ ، وولاية المتولي للمتبرىء على ماتولاه مما لايسعه في ذلك ، ولا يخرج ذلك في الجملة معنا والله أعلم .
فهذا ما بلغنا فى عزان بن تميم في جملة ذكره ، وأما الحواري بن عبدالله فبلغنا عن بعض أهل نحلة الحق أنه برىء منه بدخوله في أمر راشد بن النضر ومعونته له على الصلت بن مالك وعلى أمره ذلك ، ووقف عن الفضل بن الحواري ، وتولى من برىء منه من المسلمين . وبعض وقف عنهما وأنزلهما منزلة من غاب عنه صحة حدثهما ، ولم يصح معهما صواب أمرهما ، وتولى من برىء منهما من أوليائه ومن تولاهما من أوليائه من المسلمين ، فهذا ما بلغنا من حمل ذكر أهل هذه الأحداث وحمل قول المتدينين فيهم من أهل نحلة الحق ، وتفسير ذلك في كل منهم بعينه ، ولعل ما غاب عنا ولم نقف عليه ولم يبلغنا أكثرمما بلغنا ، ووقفنا عليه من أمر ذكر الاختلاف فيهم والقول فيهم ، غير أن جملة ما ذكرنا وما بلغنا في الأثار ومنه ما تظاهرت به الأخبار . (1/287)
صفحة 288
ومنه ما عرفناه مشافهة ممن أخذنا عنه ذلك من الأخبار ، ولا نعلم في جميع ما بلغنا من الاختلاف في جملة ما ذكرنا ، ومفسره أمر لا يخرج على معنى الصواب في أمر هذه الأحداث ، بل كل قول مما ذكرنا يخرج على معنى الصواب في جملة هذه الأحداث فيما يخرج من أحكاما من دعاوى أهلها ودعاوى المتدينين من أهلها بها ، فمضى من شاء الله من أهل الدار في أيام الأحداث وبعد أيام الأحداث على سبيل هذا الاختلاف ، ولا نعلم أنه في أيام وقوع الأحداث ، وبعد أيام الأحداث أجمع علماء أهل الدار على تصويب أحد ممن ذكرنا ولا على تخطئته ولا قضيت له بذلك شهرة صحيحة لا تنازع فيها ولا اختلاف ، ولا نعلم أن أحدا من بعد القرن الذي مضى من علماء أهل الدار من المسلمين أجمعوا في عصرهم على ما اختلف فيه من مضى من القرن الماضي من سلفهم ، ولا نعلم أنه كان من القرن المشاهد للأحداث من علماء أهل الدار ، تخطئة لبعضهم بعضا في التدين بذلك فيهم ، يجتمع على ذلك من قول المسلمين ، وإنما كانت تجري بينهم في ذلك معاتبات ومعارضات ومراجعات ، وكانوا مع ذلك يتعاهدون بعضمم بعضا بالمذاكرات والنصائح ، ويطلبون الاجتماع على الواضحات الصحائح .
فصل : وكذلك من القرن الذي خلف من بعدهم من أهل الدار من بعض المتدينين فيهم وفي أهل الحدث قبلهم إلا نحو ما بلغنا عنهم في أهل الأحداث قبلهم ، وفي بعضهم بعض .
وفي القرن الذى مضى قبلهم من المتدينين في الأحداث قبلهم ومضوا بحمد الله على سبيل السلامة من الفرق في الدين وأكثر ما عرفنا فيهم التوحش من بعضهم بعضا في ترك ولاية بعضهم بعضا إِلا على سبيل من ذهب مذهب كل واحد منهم ، فى ولاية من تولى أو براءة من برىء منه ، أو وقوف من وقف
عنه ، ومعنا أنهم يتوسعون في ذلك باختلاط أهل الدار ، وأنه لا تصح الموافقة في أهل الدار بعد وقوع الأحداث والاختلاف فيهما وفي أهلها إلا بعد المحنة . (1/288)
صفحة 289
وقد أجاز ذلك من أجازه من المسلمين ، أنه لا تكون الولاية الا بالخبرة ولا تكون بالشهرة الا فيمن لا يختلف فيه من أهل الفضل والموافقة لأهل العدل .
وقال من قال : إنه إذا شهر للمتدينين اسم التدين بدين المسلمين مع العمل بالصالحات وظهور الخيرات ، كما يصح على اليهودي في موضع كذا وكذا أنه يهودي ، وكما يصح على المبتدع في موضع كذا وكذا أنه مبتدع أو أنه محدث يجب عليه به اسم الكفر أنه يبرأ منه بذلك ، ويجب ذلك على من صح معه ذلك بالشهرة ، ولو لم يصح معه ذلك بعيان ولا بخبرة ، ولا رأى بعينه ولا سمع باذنه كفره ، فالولاية في ذلك مثله ، وهي أولى وأوجب وأوسع ، وهذا القول أحب إلينا أن يتولى بالشهرة كما يبرأ بالشهرة ، إذا لم يشك ولم يرتب في تلك الشهرة ، ولو لم تجز منه في ذلك محنة ولا خبرة ، ولو كانت الدار دار اختلاط بالأديان فالشهرة للمتدين بدين المسلمين ، ويصح له اسم الايمان وإلاسلام كالشهرة على المتدين بدين الضلال توجب المفارتة والخلع ووجوب اسم الكفر ، لا فرق في ذلك ولا اختلاف ، بل اسم الإيمان أولى وأوجب أن يعلو ولا يعلى ، وأن يكون المتسمى باسم الإيمان بالشهرة للولاية أهلا ، لأن المجمع عليه من قول أهل القبلة أن الدار إن كانت دار حق والمالك لها امام عدل والغالب عليها أحكامه والظاهر عليها سيرته أنه لا محنة على من ظهر منه عمل تجب به الموافقة والولاية من الصالحات في القول بالتدين ، وأنه كل من ظهر منه عمل بالصالحات ومسارعة إلى الخيرات أنه يجب له اسم الإيمان والولاية ، وكل من لم يعرف منه مخالفة للحق وجب له اسم الإقرار بالحق ولينتظر به موافقة القول بالعمل ، ولا نعلم في ذلك اختلافا . (1/289)
صفحة 290
فصل : وقد قال من قال : إنه كل من كان في دار أهل العدل والحق واستقبل القبلة ودان بطاعة الإمام وجبت ولايته " وقال من قال : كل من استقبل القبلة ولم يعلم منه مخالفة للإمام وهو في دار أهل العدل التي يعتبر الغالب عليها أهل العدل وجبت ولا يته.
والقول الأول هو أصح ، أنه من عرف منه العمل بالصالحات ولم يعلم منه مخالفة للحق بدين ، ولا بما يدين بتحريمه كان من أهل الولاية ولا محنة عليه ، فهذا ما قد قيل في الحكم في أهل الدار إذا كان الغالب عليها أحكام أهل العدل ، والظاهر عليها سيرتهم ودعوتهم وقد أجمعوا لا نعلم بينهم اختلافا أنه ولو الغالب على أهل الدار الحاكم عليها أهل الضلال من أهل الأديان والجبابرة ممن ينتهك ما يدين بتحريمه من المكفرات ، أنه لا تكون البراءة من أحد من الناس من جملة أهل الدار بحكم المالك لها ولا حكم الغالب عليها ولا تكون إلا بالصحة في كل امرئ من أهل الدار بعينه ، ولا يكون الحكم بالكفر على الغالب عليها من الحكام بضار لأحد من أهلها ولا محكوم عليه بشيء من أحكام المالك لها في أمر الكفر والبراءات ، ولا زائد في أحكامه من الكفر كلما زاد المالك للدار في حكم أهل الدار في الإيمان والولاية ، فكذلك أجدر أن يكون الكفر يصح بشيء من الأشياء إلا والإيمان بمثيله أصح ، وكذلك قد اجتمع المسلمون ممن لا نعلم بينهم اختلافا أن الشهادات على المكفرات والأحداث الموجبات فيما عندي عليه العمل لا تصح إلا بشهادة شاهدين ممن تجوز شهادته في ذلك ، ولا يجوز ذلك بشهادة واحد من المسلمين كائنا ما كان ولو كان عالما بأحكام الولاية والبراءة ، إماما في الدين وإماما من المعقود لهم الإمامة على المسلمين .
فلو جمع هذه الخصال كلها ثم شهد على رجل من عوام أهل القبلة بمكفرة ، ما كان بذلك حجة ، ولا جاز أن يقبل قوله في ذلك ويبرأ ممن شهد عليه بذلك. (1/290)
صفحة 291
فصل : وكذلك لو برئ منه ما جاز أن يبرأ منه ببراءته منه ، ولا نعلم في ذلك اختلافا من قول المسلمين .
وقد قال أكثر أهل العلم من المسلمين إنه إذا رفع في رجل ولاية رجل لا يعرف ما هو ، وكان الرافع لولايته ينظر أحكام الولاية والبراءة ، وبما ثبتت به الولاية وبما تجب به البراءه، جازت ولاية ذلك المرفوع ولايته لمن رفع إليه ولايته ، كان من أهل عصره أو من غير أهل عصره ، وكذلك لو تولاه وعرف منه الولاية له جازت ولايته لمن علم أنه يتولاه ، ولو لم يرفع إليه ولايته .
وكذلك لو شهد له بصفة يستحق بها الولاية جازت له ولايته لمن علم منه ذلك ، إذا كان ممن يبصر الولاية والبراءة قد قال من قال : لا يجوز ذلك إلا باثنين ، فإذا تولى اثنان ممن يبصرا الولاية والبراءة لزمت ولايته ، ولا نعلم في ذلك اختلافا أنه بنفس الولاية له من المتولين له تلزم ولايته ، وتجوز ولايته ولو برىء اثنان من علماء المسلمين من رجل بعينه براءة قطعا بغير شهادة عليه بشيء من المكفرات ، وإنما يجب عليه به اسم الكفر ، فكانا فى الفقه والفضل مثل أيى بكر الصديق وأبي حفص الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - ، ما جاز لأحد أن يبرأ من ذلك المتبرأ منه ببراءتهما منه ، ولا نعلم في ذلك اختلافا من قول أهل العلم من المسلمين ، وكان المتبرىء منه ببراءة من برىء منه مقلدا لمن برىء منه ، ولا يجوز التقليد فى البراءات ولا في شيء من الشهادات ، قلت أوكثرت ، صغرت أو كبرت إلا للرسل والنبيين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - ، أو ما جاء في كتب الله - تبارك وتعالى - من الشهادة والبراءة ، فإنه لازم واجب اتباع ذلك والشهادة به كما جاء ، لا شك في ذلك ، ولا ويب . (1/291)
صفحة 292
وقال من قال من المسلمين : إنه إذا سال رجل رجلا ممن يبصر الولاية والبراءة عن ولاية رجل من الناس فيرفع إليه ولايته ، لم يجز إِلا قبول ذلك منه وتصديقه وولاية من تولاه بعد السؤال ، وإن لم يسأله ورفع إليه ولايته على غير سؤال فهو مخير في ولايته إن شاء تولاه وإن شاء لم يتوله حتى يتولاه اثنان ممن يبصرا الولاية والبراءة ، فإن تولاه اثنان على سؤال أو على غير سؤال لم يسعه إِلا الولاية له على ذلك .
وقال من قال : إِذا تولاه واحد ممن يبصر الولاية والبراءة كان مسئولا عن ذلك أو غيرمسؤول ، لزم من علم منه ذلك ولاية المتولي ولو لم يكن له في ذلك تخيير، وعليه ولايته .
وقال من قال : هو مخير في الولاية له ، سال عنه المتولي له أو لم يساله حتى يتولاه اثنان ممن يبصرا الولاية والبراءة ، فإذا تولياه لم تجز إلا ولايته ولم يكن هنالك تخيير، ولانعلم في ذلك اختلافا .
إِذ لانعلم في حكم من الأحكام أن الكفر يصح بشيء لا يصح به الاسلام . وكذلك الولاية بالشهرة أجدر وأولى أن يثبت لأهل الإسلام بالشهرة إذا لم يقع فيهم ريب ولا شبهة من طريق الشهرة ، كما يجب على أهل الكفر بالشهرة به ، وتجب عليهم بذلك البراءة .
ومن المحال أن يكون الكفر يعلو حكمه حكم الإسلام ، أو المعصية يعلوحكمها حكم الطاعة ، أو البراءةُ الولايةَ ، وإنما يخرج عندنا ذلك ممن قال به أن الولاية لا تصح إلا بالخبرة ، ولو صح من أحد العمل بالصالحات لم تجب له الولاية حتى يعلم منه ما يوافق به المسلمين ، إذا لم تصح له بالشهرة مع العمل بالصالحات اسم يبرأ به المتسمى به ، من التدين بالضلال ويبرأ به من الاختلاط في الأسماء التي تجمع أهل العدل وأهل الضلال ، ويبرأ به من التهم بالتدين بالضلال من ذلك ، وأما اذا ظهر له من العمل الصالح بالشهرة اسم أهل الاستقامة من المسلمين لم يحتج إلى محنة وثبت له اسم الإيمان ، ووجبت له الولاية وعرف منه بذلك الموافقة. (1/292)
صفحة 293
وبيان ذلك وشرحه في كتاب الموافقة من لدن أيام النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا ، وذلك شرح يطول به الكتاب.
تم بحمد اللّه الجزء الأول من كتاب الاستقامة ويليه إن شاء الله الجزء الثاني (1/293)