صفحة 1
الكتاب: الاستقامة - الجزء 2
المؤلف: الإمام/ أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي
مصدر الكتاب: شبكة الدرة الإسلامية
تنسيق للشاملة: هلال بن مصبح الكلباني
hilalmusabah@gmail.com
[مبوب]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) باب: الجملة ولزومها والحجة في ذلك
الجملة المجمع عليها المسماة وهي شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ، وأن جميع ما جاء به محمد رسوله صلى الله عليه وسلم عن الله ، فهو الحق المبين .
فان هذه الجملة كلها بلفظها و تسميتها ، لا تقوم فيها الحجة من خاطر القلب ، ولا من خاطر البال ، لأنها أسماء ، والأسماء لا تقوم من حجج العقول ، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا أن الأسماء لا تقوم بها الحجة من حجة العقول ، ولكن تقوم من حجج العقول معرفة الصفات ، وتدرك بالعقول ، فما أدرك بالعقول من المكلفات للمتعبِّد فغير معذور بتضييع ما كلفه ، فما هو قادر عليه بمشاهدته له ، وغير مكلف ما لا تحتمله طاقته إن شاهده ، مما لا يعرف ولا يبين إِلا بالمذكورات ، ولا يكلف علم ما لا يعرف إلا بالمذكورات ، حتى يذكر معه ذلك المذكور .
وكذلك ما لا يعقل إلا بالمتطورات ، فغير مكلف علم ذلك ، حتى يشاهد ذلك بمنظور ، فليس في العقل موضع دلالة على الفرق بين الأسماء ، إلا أن تكون الأسماء تدل على معنى ، فيعقل العقل المعنى الذي به ثبت الاسم ، وعليه وله كان ذلك ، وله عرف وبه عرف ، إذا عرف العقل معنى ما أريد بالاسم ، ليس أنه يثبت عليه معرفة الأسماء ، لأن العقل لا يجوز أن (2/5)
صفحة 2
يحتمل تمييز ما بين موسى و محمد ، وعيسى وداود وسليمان -صلى الله عليهم وسلم أجمعين - ولا غيرهم من الأسماء ، فيعقل هذه الأسماء أو شيئا منها ، إلا أن يبلغ إليه علم ذلك ، حجة سماع أو ما يشبهه ، من نظر عين للاسم المكتوب ، ولا يدرك بالعيان أيضا معرفة الأسماء ، وإنما يدرك معرفة الأسماء بالمسموعات ، والمنظورات المشبهة للمسموعات ، وهو نظر في كتاب يقوم مقام الكلام والسماع ، وما أشبه هذا .
فصل : وكذلك ليس يقوم في حجة العقل ، فرق ما بين أسماء الله -تبارك وتعالى - ، المتسمّي بها بنفس الاسم غير المراد بالاسم من الصفة ، فيعقل العقل معرفة الله - تبارك وتعالى - بهذا الاسم ، إلا لمعنى الإلهية لا لمعنى الاسم المسمى ، إلا بذكر يذكر حتى يعرفه بسماع ، أو ما يقوم مقام السماع ، وإن خطر بالبال معرفة اسم الله -تبارك وتعالى - بهذا الاسم ، فعرف معنى الاسم أنه الإلهية ، وأن الإله هو المالك لما سواه ، ثبت في حجة العقل معرفة الاسم ، لمعرفة المراد بالاسم ، لا بنفس الاسم ، وكذلك الرحمن الرحيم ، لا يصح ذلك ولا يقوم بالاسم نفسه حجة من حجة العقل ، إلا بمعرفة المراد بالاسم من صفته ، وما هو موصوف به ، فإنه إذا عرف معنى ذلك ، قامت الحجة بذلك من طريق حجة العقل من الصفات ، لا من الأسماء ، وكذلك ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو اسم كما قلنا عن الله -تبارك وتعالى- ، وهو اسم كما قلنا فهو الحق ، لا تقوم بهذا الحجة من طريق العقل ، إلا من طريق معرفة ذلك والمراد به ، على ما يدرك معرفة ذلك بالعقل ، من ثبوت صفة الله -تبارك وتعالى - في ذلك ، على معاني ما يدرك ذلك بحجة العقل من الصفات ، في الصفات لا من الأسماء ، فإنما يدرك معرفة الجملة التي هي الجملة ، من حجة العقل ، على معنى معرفة المراد بها والصفة لها ، لا من طريق معرفتها بغير معرفة صفتها ، وإنما تقوم الحجة بها من طريق السمع ، ومن ذلك أنهم قالوا : ولا نعلم بينهم اختلافا ، أن المنقطع في جزيرة من جزائر البحر ، وبأرض فلاة ، لا تتصل به الأخبار ، (2/6)
صفحة 3
فتتناهى إليه الأخبار ، بما يذكر معه معرفة الجملة التي قد لزمت كُلْفَتُها بإجماعهم ، على معنى إِطلاق لزومها على مخصوص ذلك ، من تفسير من لزمه ذلك فيها ، وأن هذا المنقطع الذي لا تبلغه الأخبار ، أنه معذور عن الإقرار بهذه الجملة ، على وجه ما لزمت غيره من المتصلين بالأخبار ، فكفى بهذا حجة ، أنه إذا نزل بمنزلة يقدم فيها اتصال الأخبار ، أنه زائل عنه الإقرار بهذه الجملة ، على معنى ما هي لازمة ، من اتصلت به الأخبار ، فصح أن التعبد بها لا يصح على معنى ما هي مسماة به ، من طريق حجة العقل ، وإنما هي بالأخبار ، فكذلك لو كان في موضع تتصل به الأخبار ، إِلا أنه لم يبلغه خبر هذه الجملة ولا ذكرت له ولا سمع بها ، فالمعنى فيه واحد ، لأنه غير متعبد فيها بحال يفوت ويبطل ، وليس هي مما تقوم به الحجة في العقول ، فيكون بالخاطر تقوم بها الحجة إلا بالمعنى فيها ، والصفة التي ذكرناها ، فإذا جاز أن تأتي عليه ساعة من عمره ، معذورا بذلك في دين الله ، جاز له في ذلك الساعة والساعتين ، واليوم واليومين ، والشهر والشهرين ، والسنة والسنتين و المائة ، وما لم ينكر ذلك أو يجهل معاني ما يلزمه معرفته من صفته من صفة ذلك ، أو يبلغ إليه خبر ذلك ويسمع به ، فيكون الإقرار به والمعرفة له بالتسمية ، التي لا يجهل عند أهل المعرفة بها من أهل الدين ، إذا بلغ من ذلك إلى ما بلغوا من سماع ذلك وذكره .
كذلك كل ما كان من الأسماء من تفسير الجملة ، التي هي من أسماء الله وصفاته ، بعد الإقرار بالجملة بالتسمية ، أو قبل ذلك ، فلا يلزمه من حجة العقل في ذلك معرفة الأسماء ، إلا أن يعرف معنى الأسماء من صفة الله ، فإنه حينئذ يلزمه ذلك من حجة العقل ، و إلا فلا يهلك في ذلك إلا بالسماع والعبارات ، للأخبار الواردة عليه ، من معرفة أسماء الله - تبارك وتعالى - في صفاته ، فالصفات في هذا غير الأسماء المسماة ، إلا أن تقوم في العقل معرفة الصفة ، التي بها يثبت الاسم ، وبها يثبت الاسم في المعقولات ، فإذا ثبت ذلك في العقل ، الوارد عليه خاطر القلب بالاسم ، كان عليه معرفة الاسم ، (2/7)
صفحة 4
والصفة من خاطر القلب ، ولو لم يسمع بذلك ، ولم يعاين نظر ذلك من كتاب ، ولا سمع فيه خطابا ولا دُعِيَ إليه .
فصل : فإن قال قائل : أيكون أحد معكم مسلما مؤمنا ، وهو لم يقر بهذه الجملة ، ولا بشيء منها ، ولا يخرج من الشرك إلا بها وبالإقرار بها ؟
كذلك قال : أهل القبلة أجمع ، لا نعلم بينهْم اختلافا.
قلنا له : نعم يكون مسلما مؤمنا ما لم يكَفر، ومطيعا ما لم يَعصَ ، ومقرا ما لم ينكر ، يأخذ الله عليه الميثاق ، وقبوله عن الله الميثاق في أصل ما تعبده الله به في دينه ، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أهل زمانه ، ما لم ينسخ ذلك الدين على لسان نبي آخر من الأنبياء ، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته ، ناسخ لشرائع جميع النبيين ، وهو ثابت إلى يوم القيامة ، فكل مولود ولد بعد أن قامت حجة الله - تبارك وتعالى - على العباد ، بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ، فله تلك الحجة عند الله -تعارك وتعالى- ، وله ذلك العهد عند الله وذلك الميثاق ، وعليه مثله ، ولا عذر له في مخالفة تلك الحجة ، بوجه يكون مخالفا لها ، ولا ينقض ذلك العهد وذلك الميثاق الذي ثبت في دين الله لعباده عليه ، فكل مولود من الثقلين من المتعبدين بالطاعة والمعصية ، ممن تقوم عليه الحجة لله بالإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبدينه الذي بعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ، فهو مولود على تلك الفطرة ، وله ذلك العهد على الله ، وذلك الميثاق ، وعليه ذلك العهد لله ، وذلك الميثاق ، إِلى يوم القمامة ، من جميع المولودين وجميع من لم يبلغ الحلم و يدخل في المعصية ، فإذا بلغ كان على ذلك العهد وذلك الميثاق ، إلى أن ينقضه بشيء يكون ناقضا له ، من جهل شيء مما لا يسعه جهله ، بعد قيام الحجة عليه ، بعلم ذلك بوجه يكون مطيقا لعمله ، أو بترك شيء مما ألزمه ذلك العهد وذلك الميثاق ، لله العمل به ، أو بركوب شيء ألزمه ذلك العهد وذلك الميثاق ، ترك ذلك لله في دينه ، الذي قد لزمه ، فهو أبدا على هذا إلى يوم القيامة ، ولو مات على ذلك قبل أن يخطر بباله (2/8)
صفحة 5
شيء من علم ما لا يسعه جهله ، ولم يلزمه تأدية شيء من طاعة الله ، مما تقوم به الحجة إلا بالعبارات والسماع ، ولا ركب لله محرما قط ، بعد قيام الحجة عليه بمعرفته من السماع ، إذا كان لا يطيق علم ذلك ، ولا يقدر عليه ، ولا يقدر على التماس ذلك بطاقته ، إذا أتى من جميع ذلك الميثاق والعهد ، بما تحتمله طاقته ، ولم يضيع شيئا تحتمل طاقته ألا يضيعه ولم يركب شيئا تحتمل طاقته الانتهاء عنه ، وتقوم عليه الحجة بذلك ، بما لا تحتمله طاقته ألا يركبه ، وهذا مما يطول فيه الكلام ، وقد مضى في هذا الكتاب من تفسير هذا ، ما أرجو أنه يأتي على ما فيه الكفاية ، وبعضه مفسر وكل شيء مذكور في موضعه .
فصل : ولا يجوز أن يكون في دين الله - تبارك وتعالى - ، أن يكون على العباد الميثاق والعهد ، بجميع ما لزم في دينه ، محلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن لا يخالفوه ولا ينقضوه ، وهو عليهم ثابت كما ثبتا في شريعة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأنه قد قامت عليهم بذلك الحجة ، ولا يعذرون بمخالفته ، ولا يكون لهم الحجة بما هو حجة لهم في دين الله - تبارك وتعالى - على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم شريعة دينه ، فان ادعى هذا مدع ، فقد ادعى غير الحق ، ولا تجوز له دعواه هذه في حكم الكتاب ، ولا حكم السنة ، ولا الإجماع ، ولا حجة العقل ، وكل ما كان في دين الله حجة ، فهو لجميع عباده حجة ، ما لم ينقض أحد منهم الميثاق الذي ثبت به الحجة ، وكل ما كان في دين الله حجة على عباده ، في شريعة دين الله ، ودين نبيه ، وبما أخذ عليهم به الميثاق ، فهو حجه على جميع عباده ، ولا يجوز لهم مخالفة دلك ولا نقضه ، وكلما نقضوه أو خالفوه ، ازدادت حجج الله عليهم بالسخط منه والغضب ، لإثبات الوعيد عليهم في أحكام دينه ، في الدنيا والآخرة ، جهلوا ذلك أو علموه ، وكذلك لهم الحجة في جميع ما كان في دين الله حجة ، في شريعة دين الله ، ودين نبيه ، علموا الحجة أو جهلوها ، فهي حجة لهم حتى يحالفوا ذلك ، بنقض ذلك العهد والميثاق ، الذي ثبت لهم في دين الله ، على لسان نبيه . (2/9)
صفحة 6
ولا يجوز أن تختلف الأحكام في هذا ، من أجل البقاع ولا من أجل المواليد ، ولا من أجل الآباء ولا الأمصار ، والمولود في الروم والزنج والهند ، و يأجوج و مأجوج ، وجميع الأمصار في جميع البر والبحار ، في حكم دين الله ، سواء على كل منهم من حجج اللّه ما احتملته طاقته ، إذا بلغت إليه قدرته ، ولزمته كلفته ، فإذا ضيعه بعد ذلك كان ناقضا لذلك العهد والميثاق ، الذي ثبت له في دين الله - تبارك وتعالى - ، و إلا فهو على ذلك الميثاق ، ولن يضره علم غيره ، إذا بلغ سنه وصح عقله ، تعبد بحكم نفسه وهو على عهد الله وميثاقه له ما لأهل العهد ، وعليه ما على أهل العهد والميثاق من الثواب ، والإيمان والإسلام و الرضى ، حتى ينقض عهد الله وميثاقه ، بوجه من الوجوه التي يكون بها ناقضا لعهد الله وميثاقه ، الذي ثبت له وعليه ، فإذا نقض العبد عهد الله وميثاقه ، الذي قد ثبت على العباد له ولهم عليه ، فلا عذر لناقض العهد والميثاق ، إذا نقضه بعد القدرة منه على أن لا ينقضه فنقضه ، كان ناقضا للعهد ، علم بذلك أو جهل ، فلا عذر له بجهل ذلك ، ومتى لم ينقض ذلك العهد وذلك الميثاق ، فهو على العهد والميثاق أبدا مستحق ما يستحقه ، من لم ينقض العهد والميثاق من الإثم أو الثواب و الرضى والمحبة ، علم ذلك أو جهله ، وليس على العبد أن يعلم أنه لم ينقض العهد والميثاق ، وأنه قد أطاع ما لم يبلغ علم ذلك إِليه ، بوجه يطيق علم ذلك ، وله الحجة في تلك الطاعة إذا أطاع بها ، ولو جهل أنه مطيع بها ، كما كان غيره معذورا بالمعصية إذا عصى بها ، ونقض بها العهد أو تلك المعصية أو لم يعلم .
فصل : وكما لم يكن له الحجة في المعصية إذا عصى ، و لو لم يعلم أنه عصى للعهد والميثاق المأخوذ عليه أن لا يعصى ، كذلك ليس عليه أن يعلم أنه أطاع ، إلى أن يبلغ إليه علم ذلك ، وتحتمله طاقته ، ويكون مطيقا لذلك ، ولو جهله ما وسعه ، ولم يحتمل ذلك أن يسعه طاقته .
فصل : ومن العجب العجيب أن يجوز أن يهلك العبد بالمعصية لله (2/10)
صفحة 7
- تبارك وتعالى - للميثاق الثابت عليه ، ولو جهل ذلك والأصل الذي بني عليه ، ولا تثبت له هو السلامة والإيمان والطاعة ، والنقض والمعصية منه حادثان بعد أن لم يكونا ، ولا يسعه جهل ذلك ، ولا يجوز أن يكون مطيعا بموافقة الطاعة ، مؤمنا بموافقة الإيمان ، ولو جهل ذلك ، أفتكون حجة الكفر أولى من حجة الإيمان ، وحجة المعصية في دين الله أولى من حجة الطاعة ، وحجة نقض العهد والميثاق أولى من حجة الوفاء بالعهد والميثاق ؟ إن هذا لهو الزور ، والكذب على الله وعلى رسوله وعلى دينه . فإما أن يكون من أطاع فلا طاعة منه حتى يُعلم أنه أطاع ، ومن عصى فلا معصية منه حتى يُعلم أنه عصى ، وإما أن يكون من أطاع فهو مطيع علم أو لم يعلم ، ومن عصى فهو عاص علم أولم يعلم .
فصل : فإن قال قائل : فلا يكون عاصيا بمعصية الله ، حتى يعلم أنه عاص ، فقد أتى بما لا يوافقه عليه أحد ، ومن عصى فهو عاص ، علم ذلك أو جهله ، على هذا أجمع المسلمون .
وكذلك من أطاع فقد أطاع ، علم بالطاعة أو لم يعلم ، إذا وافق الطاعة بوجهها وكمالها ، وجهل علم ذلك أنها طاعة ، فذلك مما يسع جهله أبدا ، ما لم يبلغ إليه علم ذلك ، أو يعرف المراد به مما لا يسعه جهله .
وإن قال : يكون هالكا بالمعصية إذا عصى ، علم أو لم يعلم ، ولا يكون سالما بالطاعة إذا أطاع ، حتى يعلم أنه أطاع ؟
قلنا له : قد اختلف عندك حكم الطاعة والمعصية ، فكانت عندك أحكام المعصية أولى وأوجب من أحكام الطاعة ، والمراد من المطيع أن يطيع ، والمراد من العاصي ألا يعص ، فقد عصى العاصي حيث أريد منه ألا يعصى ، فقلت إنه هالك ، وأطاع المطيع بما أريد منه أن يطيع ، فقلت إنه لا ينفعه وهو هالك ، وسواء أطاع أو لم يطع فهو عندك هالك حتى يعلم أنه (2/11)
صفحة 8
أطاع ، فمن أين لك هذا القول ؟ إن أحكام الطاعة أضيق من أحكام المعصية . فإن قال ذلك أتى بما لا تحتمله العقول .
فإن ثبت على ذلك ، قيل له : أفرأيت إِن لم يعص ، أفعليه أن يعلم أنه لم يعص ، إذ كان بتركه للمعصية طاعة ، فيما أخذ عليه من الميثاق ، فإذا ترك المعصية كان ذلك منه طاعة أو لا يكون منه طاعة ، فيما تعبده الله به ؟
فإن قال : يكون منه طاعة ، وعليه أن يعلم أن المعصية معصية ، ويتركها بعلم .
قيل له : فليس يسعه معك دون العلم بالأشياء كلها من دين الله في وقت واحد ، فهذا ما لا يجوز ، وليس المدار والحاصل إلا على ما قد قلنا إنه سالم ، بالميثاق الذي أخذ له وعليه في دين الله ، ما لم يعص الله وهو مؤمن مسلم بذلك أبدا ، ولو لم يقر بالجملة ولا بشيء منها بلسانه ولا بقلبه ، فهو مقر بها في جملة العهد والميثاق ، الني ثبت له وعليه في دين الله -تبارك وتعالى- ، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما لم تقم عليه الحجة بها ، أو بشيء منها بسماع أو نظر أو خاطر ، يوجب علم معانيها ومعاني التسمية لها .
وسواء ذلك عندنا في أية بقعة كان من البقاع ، ما لم يبلغه علم ذلك والخبر به ومعرفته ، ولو كان ذلك في مكة والمدينة أو غيرهما ، من أمصار أهل الإقرار ، فإذا سمع بذكر ذلك وخبره ، أو جرى عليه ذلك مرسوم في كتاب ، أو خطر بباله من ذلك ، ما تقوم عليه الحجة بمعرفة صفة ذلك والمراد به ، فقد لزمه علم ذلك والتصديق به وله ، وضاق عليه الشك فيه والريب ، فإن كان قد خرج من حال الإقرار ، بالميثاق الذي كان مجزيا له إلى حد الإنكار بوجه من الوجوه ، وكان منكرا بوجه من الوجوه ، فلا يسعه دون أن يقر من ذلك بما أنكره من لسانه ، ويصدق من ذلك بما كذبه بلسانه وبقلبه ، ويعلم من ذلك ما قد شك فيه بقلبه ، ويرجع من حال الخروج من الإنكار بلسانه ، إلى (2/12)
صفحة 9
الإقرار بلسانه ، ولا يجزيه إِلا ذلك ، وهو معنى الحكم في الذنوب ، السريرة بالسريرة و العلانية بالعلانية ، لان كان لم يأت عليه حال يكون منكرا ، ولم يزل على حال الإقرار ولو لم يبلغه خبر الجملة ولا صفتها ، حتى مضى عليه سنون كثيرة على ذلك ، فهو مسلم وعليه أن لا يشك في الجملة ، ولا في شيء منها ، ولا من تفسيرها ، إذا بلغ إليه علم ذلك وخبره ، أو خطر ذلك بباله ، على وجه ما ثبت عليه علم ذلك في الخاطر ، وإنما عليه علم ذلك والإقرار بمعرفته ، ويحقق علم ذلك بلا شك ولا ريب فيه ، ولو لم يقر بذلك بلسانه ، ولم يكن قبل ذلك قد نقض ذلك الميثاق الذي له ، بوجه يكون منكرا أو جاحدا ، فليس عليه بذلك إقرار باللسان ، لأن الإقرار باللسان لا يكون إلا على عقب الإنكار باللسان ، و إلا فهو على جملة الإقرار في الدينونة ، وإنما أريد تصديق ذلك وعلمه ، والإقرار به منه ، فإن علم ذلك وصدّقه ، ولم يشك فيه وعلمه ، فقد أتى بما يجزئه من ذلك ، ما لم ينكر منكرا قبل ذلك ، فيجب عليه الإقرار باللسان لمعنى الإنكار باللسان ، ولو أقر بذلك بلسانه ، وشك في ذلك بقلبه ، لم يجزه ذلك ، ولو أقر بذلك بقلبه وعلم ذلك ولم يشك فيه ، كان ذلك مجزيا له عون الإقرار باللسان ، إذا لم يكن قبل ذلك منكرا بلسانه .
وإنما وجبت الدعوة إلى الجملة لأهل الإنكار من جميع المنكرين الجاحدين ، ولم يسعهم دون الإقرار بذلك باللسان ، لأنه خروج منهم مما أنكروا باللسان ، وكذلك إذا كان إنكار المنكر باللسان وذنبه باللسان ، لم تصح له توبة ولا رجعة إلا بالتوبة باللسان ، و الإقرار باللسان ، فإن شك بقلبه في شيء مما يكون به مشركا في اعتقاده ، كان إقراره في الاعتقاد مجزيا له عن الإقرار باللسان ، لأن السريرة بالسريرة و العلانية بالعلانية ، وإنما تأويل قول أهل العلم إذا بلغ سنه وصح عقله ، لم يسعه جهل علم هذه الجملة والإقرار بها ، إنما يخرج ذلك معنا إقرار بالتصديق ، لأن الإقرار يكون بالقلب ، والإنكار يكون بالقلب ، وللقلوب مقال و للألسنة مقال وللقلوب . (2/13)
صفحة 10
إيمان و للألسنة إيمان ، فإيمان القلوب هو أصح الإيمان ، بإقرار القلوب هو أصح الإقرار ، وإنكار القلوب هو أعظم الإنكار ، إلا أن المنكر بقلبه يجزيه الإقرار بقلبه ، و الشاك بقلبه يجزيه اليقين بقلبه ، والمنكر بلسانه لا يجزيه إلا الإقرار بلسانه ، ولا يكون مؤمنا بدون الإقرار بلسانه ، فإذا كان قد بلغ إلى حد الإنكار بلسانه ، أو جاحدا بوجه من الوجوه ، وثبت عليه حكم الإنكار ، لم يجزه إلا الإقرار باللسان ، إذا بلغ إلى ذلك طوله ، ووصل إليه حوله ، وإن منع ذلك بعذر من أسباب العذر أجزأ ذلك بقلبه ، ولو أنكر ذلك بلسانه وآمن به قلبه للعذر الواجب له ، وذلك قول الله - تعالى - (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ )(1) فقد صح له الإيمان بالقلب ، ولو أنكر ذلك باللسان ، وجحد ذلك باللسان ، للعذر القائم .
وكذلك إن عدم الكلام بعاهة في اللسان ، وقد كان جاحدا قبل ذلك فرجع إلى تصديق ما أنكر بقلبه ، أجزأه ذلك دون اللسان ، للعذر الذي نزل به في حكم الإيمان ، وإنما يصح معنا هذا القول في أهل الإنكار ، ألا ترى أنه يقول إذا أقر بهذا ، خرج من الشرك بجملته ، ودخل في الإيمان بجملته ، و إلا فلا يخرج من الشرك ، ألا ترى أنه إنما ذلك على من وجب عليه اسم الشرك .
وأما من وجب له اسم الإيمان ، في أصل ما أخذ له وعليه من العهد والميثاق ، فلا يلحقه معنا حكم الأثر ، ولا حكم القول والخبر ، ولو كان ذلك كذلك ما صح له إقرار ولا أحكام الإقرار ، ولو كان في دار الإقرار حتى يعلم منه ذلك بلسانه ، ولكان في حال ما يجهل منه ذلك بعد بلوغ سنه ، وصحة عقله في حال الشرك ، لا تجوز منه مناكحة ولا موارثة ولا أكل ذبيحته ، حتى يعلم منه ما يخرج به من الإنكار إلى الإقرار ، ومن الشرك إلى الإيمان ، وهذا ما لا يجوز في أصل الحق في إجماع الأمة ، بل الأمة بأسرها إلا ما شاء
__________
(1) - جزء الآية (06 ا) من سورة النحل. (2/14)
صفحة 11
الله ، مما يغيب عنا أمره على الإجماع على هذا في حكم الظاهر ، من وجوب الإقرار لجميع أهل الإقرار ، وذلك في الأحكام الظاهرة ، ما لم يثبت منه ما يجب به الإنكار في الأحكام الظاهرة ، كذلك مثله في أحكام السريرة ، ما لم يخالف ذلك في أحكام السريرة ، ولا يجوز أن يكون ذلك في أهل أمصار الشرك ، مخالفا لأحكام الله في التعبد في عباده ، ولكن إنما ثبت ذلك في أهل الإنكار ، وفي دور أهل الإنكار إذا ثبت عليهم حكم الإنكار ، ولو كانوا في السريرة على الاقتدار لثبوت حكم الظاهر عليهم بحكم الدار ، لا بحكم التعبد في الأسرار ، وهذا ما لا يجوز معنا فيه الاختلاف ، ولا نعلمه إلا وهو مجمع عليه من قول المسلمين .
فصل : فإن قال قائل : فإنا لم نسمع بهذا الذي ذكرتموه من السعة في علم الجملة ، إلا لمن انقطع عن الأرض المتصلة بأرض أهل الإقرار ، مثل جزيرة في بحر من البحار ، أو فلاة في قفرة من القفار ، أو في أرض غالب على أهلها الإنكار ، ولا يدرك فيها معرفة الإقرار بهذه الجملة ولا صحة الأخبار .
فصل : قلنا له : ليس المعنى ما لم يبلغه علم ذلك ولا خبره ولا ذكره ، كان معذورا عندنا عن علم ذلك ، أو البقعة الحالّ فيها والنازل بها.
فإن قال : البقعة الحالّ بها والنازل بها .
قلنا له : فإنه إذا أتاه خبر ذلك في تلك البقعة من زنديق من الزنادقة ، أقام عليه تلك الحجة ، أو من مشرك أو صبي أو معتوه ، أو أتاه كتاب في فم طائر حتى ألقاه إليه ، فقرأه فإذا فيه خبر هذه الجملة التي ذكرناها ، ما القول فيه عند ذلك ، وهو في البقعة التي عذرناه فيها ، بجهل ذلك بالإجماع منا لعدم الخبر ، فما القول فيه بعد هذا الذي قد علمه ، وهو في هذه البقعة ؟
فصل : فإن قال : فإنه تقوم عليه الحجة بذلك ، ويلزمه الإقرار (2/15)
صفحة 12
بمعرفة ذلك على وجه ما يجب عليه من علم ذلك ، ويتحول عن حال العذر إلى حال الضيق، ويلزمه علم ذلك والإقرار بمعرفته .
قلنا له : فلن ينفعه البقعة ولا الدار التي كان فيها ، إذ خصه حكم الإقرار ولو كان في أرض أهل الإقرار ، أو وحده في بحر من البحار ، أو فلاة من أو قفر من القفار ، ويلزمه علم ذلك بكتاب من فم طائر ألقاه إليه ، وأقام لله الحجة عليه ، أو رأى ذلك مرسوما في أثر في رق أو حجر ، كان عليه علم ذلك ومعرفته ولا يسعه جهل ذلك .
فماذا تقول فيمن لم يبلغه خبر هذا ، ولا خطر بباله ولا سمع بذكره ، بعد أن بلغ ولا قبل أن يبلغ ، وهو في مكة المكرمة أو المدينة المنورة ، ولم يضيع لله فرضا ، ولا ركب لله محرما ومضى على ذلك ؟
فإن قال : يلزمه علم ذلك على حال لأنه في أرض الاتصال .
فصل : قلنا له : وما المراد منك بأرض الاتصال ؟ وقد علم في أرض الاتصال وأرض الإقرار في حاله ذلك معرفة الإقرار ويقول إن البقاع يتحول فيها الأحكام إذا لزمت وثبتت فيها الأحكام إذا عدمت فلم لم تعذره بحال البقعة التي قد اجتمعا عليها أنها موضع عذر لمن نزلها عن علم هذه الجملة والإقرار بها فلما خص ذلك أحدا من أهلها ألزمته ذلك الخصوص الحكم له دون غيره من أهل البقعة حتى يعلم كعلمه فعلى حد قولك الضعيف ومذهبك العنيف أنه حين ما بلغ ذلك إلى ذلك الإنسان في ذلك المكان فقد لزمت الحجة جميع من كان في البقعة والمكان ببلوغ الخبر إلى ذلك الإنسان إذا كان الحكم بالبعض يعم الجميع الحكم الخاص للبعض دون البعض قبل بلوغ ذلك إليه وقيام الحجة به عليه.
فإن قال: لا يلزم ذلك من أهل البقعة علم ذلك الواصل إلى واحد (2/16)
صفحة 13
منهم ، حتى يعلمهم بذلك الذي قد بلغه ، فإذا أخبرهم بذلك وبلغهم ، كان ذلك حجة عليهم .
…فصل : قيل له : فإن في ذلك المكان من الأرض ثلاثة أنفس فعلم اثنان بذلك ولم يعلم الواحد ، أيسعه ذلك أم لا حتى يعلم ؟
فإن قال : يسعه .
قيل له . فإن كان في ذلك المكان عشرة أنفس ، فعلم بذلك تسعة ، ولم يعلم واحد ؟
فإن قال : لا حجة عليه حتى يعلم .
قيل له : فكانوا ألف رجل قي ذلك المكان ، فعلم بذلك تسعمائة وتسعة وتسعون ، ولم يعلم واحد ؟
فإن قال : لا يلزمه ولا يجوز له إِلا هذا .
قيل له : فما مرادك في إلزام من كان في الأمصار ما لم يلزمه من علم الإقرار ، وأما الحجة في الأمصار غير الجزائر في البحار والفيافي والقفار ، أليس إنما هو عدم الأخبار ووجود الأخبار وأن كلا من المتعبدين قي ذلك مأخوذ بما لزمه ، وساقط عنه ما عدمه ، ولا يجوز في حكم الإسلام إلا هكذا ؟
فإن قال : هكذا جاء الأثر ، وليس لنا ولا لكم إلا اتباع الآثار ، وليس لنا أن نخالف الآثار ، ولا نحدث من عند أنفسنا أشياء تخالف الآثار .
قلنا له : ما اتبعنا في هذا إلا الآثار ، وإنما هذا هو معنى الآثار ، مع أهل العلم والأبصار ، والعلماء بالأحاديث والأخبار ، وليس من قلد الرجال والآثار دينه ، على غير صحة تأويل بعالم ، ولا ناج عن الهلكة ولا سالم ، ولو كان ذلك كذلك ، كان من تأول الكتاب والسنة بظاهر الأمر منهما سالما ، (2/17)
صفحة 14
وسلمت الأمة بأسرها بتأويل الكتاب بالكتاب ، والسنة بالكتاب والسنة بالسنة ، والآثار بالآثار والسنة بالآثار ، ولكن لا يجوز ذلك إلا على معنى تأويل الحق في الخاص والعام ، والمجمل والمفصل ، والمحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ، ولا يجوز إلا هكذا .
فصل : وإنما أصل ما عذر به العبد عن التقيد في الجملة ، عدم خبرها وعلمها لا غير ذلك ولا يجوز غير ذلك ، ففي أي بقعة علمها وبلغه حكمها ، لزمت الحجة فيها بما يجب عليه في ذلك ، وفي أي بقعة عدم خبرها وعلمها ، وجب له من العذر ما لمعدمها في أي بقعة ، ولا يجوز غير هذا .
فإن قال قائل : فعلى المتصل بالأرض أن يطلب علم ذلك ويسأل عنه ، حتى لا يأتي عليه حال يجهله ، وهو في بقعة يدرك معرفة ذلك فيها .
قلنا له : لأي علة يلزمه ذلك ، وهو دائن في الأصل بجميع دين الله ، فيما أخذ عليه من الميثاق والعهد ، وله في ذلك ما عليه ، فهو مقر بالجملة ما لم ينكرها ، وعالم بها ما لم يجهلها ، بعد قيام الحجة عليه بعلمها وبلوغ ذلك إليه ، ومؤدي في أحواله كلها ما لزمه في جملته ، في دين الله - تبارك وتعالى - عليه ، من الصلاة والزكاة والحج والعمرة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما الذي يضيق عليه من هذا ، وهو على جملة الإقرار ، حتى يأتي عليه علم يخصه كما خص غيره ، ممن كان معذورا .
فصل : فإن أن هذا الجاهل بجهله وتماديه في باطله.
قيل له : فحيث ألزمت هذا المعدم لعلم الجملة بسماع أو ذكر ، أو فكرة تؤديه إلى ذلك ، فمما يلزمه أن يسأل عن شيء معروف أو مجهول ، وهو لا يعرفه بذكره ، ولا خطر له ذلك ببال ، أن هذا لهو العمى والضلال ، إذ يلزمه أن يسأل عما لا يعرف ولا يعقل ، ولا أدركته معرفته بنظر ولا سماع ولا فكرة ، فعن ماذا يسأل ؟ (2/18)
صفحة 15
فإن قال : عن الجملة ، كما جاء الأثر.
قيل له : يكفي العاقل من بعض هذا الذي قد ظهر منك ، وقد كفى خصمك مؤنتك إن شاء الله ، فلو كان المتعبد يعرف معنى الجملة حتى يصفها ، لكان علم ذلك يلزمه من غير سؤال يهلكه بجهل ذلك ، إِذا بلغه علمه وسمع به على حال ، ولم ينفس في ذلك في سؤال ، فكان عليه علم ذلك معا كلمح البصر ، ولو لم يكن في حضرته أخذ من البشر ، إذا خصه ذلك وعلمه بخبر أو قراءة من رسم كتاب أو أثر ، أو غيّر له ذلك جميع من كان ممن غيّر ، ولو امتحنه الله بذلك بلسان طائر ، عقل عن لسانه ذلك ، أومن بهيمة من البهائم ، أومن نعمة من النعم ، لا يعرف من نطق بها ولا من تكلم بها ، فهذا كله حجة عليه ، إذ قد بلغ علم ذلك وخبره إليه ، فكيف تقول أن عليه السؤال ، فعن ماذا يسأل ، وكيف يبلغ من لا يتولاهم شيئا ، ولا يعيره أن يسأل عنه ، فكيف يسأل عنه ؟
فصل : فإن قال : يسأل عن دينه .
قلنا له : وعلى الجاهل بالشيء ، المعذور عنه ، أن يسأل عنه ، وله الإقامة عليه ، أو لا تسعه الإقامة عليه ؟
فإن قال : لا تسعه الإقامة عليه ، وهو هالك بجهله .
قلنا له : فقد كلفته ما لا يطيق ، والله -تبارك وتعالى -لم يكلف العباد من دينه ما لا يطيقونه ، إنما كلفهم ما أطاقوه من جميع الأشياء كلها ، من العلم والعمل والترك ، فإن كان تسعه الإقامة على ذلك فلا سؤال عليه فيه ، وإن كان لا تسعه الإقامة عليه ، فقد كلف ما لا يطيقه ، مع أنه إذا أعطيت القياد في قولك هذا ، إذ قلت إذا لم يعرف الجملة ليسأل عنها ، فعليه أن يسأل عن دينه . (2/19)
صفحة 16
فإذا سالك أحد عن دينه على المبتدى ، ما يكون جوابك له ، إذا سالك عن دينه ؟
فإن قال : فإن دينه الإسلام وأدلة على الجملة التي ثبت له بها الإسلام .
قلنا له : ليسس الإسلام دين كل سائل عن دينه ، ولكل سؤال جواب ، وليس يلزمنا أن نجيب كل من سال عن دينه ممن لا نعرفه ، أن دينه الإسلام ، وإنما الإسلام دين أهل الإسلام ، ولو سال السائل عن الدين ، لزمنا أن نجيبه أن الدين هو الإسلام ، وأما دينه فلا يلزمنا له جواب ، لأنا لا نعرفه ولا نعرف دينه ، وإذا أجبناه بان دينه الإسلام كنا قد أثبتنا له ما لا نعلم ، أهو ثابت له أم لا ، وهذا أيضا من تخليطك قليل ، لأن جهلك عظيم جليل .
فصل : ولا بد لهذا الجاهل إما أن يلزمه فوق طاقته ، فيكون قد خرج من المعقول ، وإما أن يرجع إلى الحق فليس له إلا ما يقول ، وثبت له خصمه على ما قد بينا من ذلك إن شاء الله .
فصل : والأصل في هذه الجملة على القسم فيها ، أنها على حالين : إما أن يسع جهلها على كل من بلغه خبرها وشانها وذكرها ، في أية بقعة من البقاع من الجزائر في البحار والفيافي والقفار ، وأهل الشرك والإنكار ، وغير ذلك من الأمصار ، من أمصار أهل الإسلام والإقرار ، فمن خصه ذلك لزمه كله التعبد به دون غيره ، ممن هو في بقعته وموضعه أو مدينته ، ويسع جهل دذلك من لم يبلغه بيان ذلك ولا خبره ولا ذكره ، في جميع هذه البقاع ، ولا فرق في ذلك في الدين ، وهذا الحق الني لا يجوز سواه ، وإما أن لا يسع جهل ذلك من بلغه ذلك ومن لم يبلغه ، فلا معنى في عذر من انقطع في ذلك عن الأخبار ، في البحار والقفار ، يجوز غير هذا في دين الله - تبارك وتعالى - ، وهذا باطل من القول ، وفيه التكليف فوق الطاقة ، وذلك باطل من صفة الله في دينه ، أن يكلف العباد فوق الطاقة في شيء من دينه . (2/20)
صفحة 17
فصل : وحال ثالث أن يكون الحاكم فيها بحكم البقاع ، فمن كان في بقعة لزمه حكم أهلها من ذلك ، وهذا باطل أيضا ، لأنه قد يكون في البقعة ، التي أهلها على الإنكار والجهل للإقرار ، فيخصه ذلك في نفسه ، فباطل أن يضع عنه حكم ما لزمه ، أهل بقعته وأهل بلده وموضعه فهذا باطل ، وكذلك قد يكون في البقعة التي قد بلغ أهلها إلى علم ذلك ، وعافاه الله هو مِن علم ذلك ، وقيام الحجة عليه ، فلا يجوز أن يكون يكلف علم غيره ، ولا يحط عنه علمه لجهل غيره ، وهذا باطل لا يحتمل إلا ما قلناه ، هن خاص ذلك وعامه ، ولا معنى للبقاع ، غير أنه لا بد للخصم أن يثبت عليه الإقرار بأحد هذه الأصول ، فيما زعم أن الأصل عليه بُنِيَ له وعليه ، حتى يقطع حجته إن شاء الله .
فصل : فإن قال : فما الفرق فيمن هو متصل بأرض أهل الإقرار ، ومن هو منقطع عن أرض أهل الإقرار في الجملة وغير الجهلة ؟
فصل : قلنا له : لا فرق في الدين ، بين أحد ممن تعبده الله بكلفة التعبد في البقاع ، ولا من أجل البقاع ، ولا من أجل الاتصال ، ولا من أجل الانفصال ، وكل من خصه حكم ، لزمه ذلك في أي البقاع كان ، وكل من عافاه الله من حكم وضعه عنه ، وعذره فيه في أي البقاع كان ، ولا سلامة في البقاع لمن قامت عليه حجة الله في شيء من دينه ، ولا هلكة في البقاع على من عذره بشيء من دينه ، لعدمه ذلك الذي تعبده به ، وهذا هو الأصل الذي عليه مدار الأمور ، وإنما قال أهل العلم بالسلامة للمنقطع عن أرض أهل الإقرار ، في جهل الجملة ، لأن ذلك أحكامه معهم أحكام عدم معرفة ذلك ، فلما أن كان ظاهر أمر المنقطع عدم علم الجملة ، حكم له بظاهر أمره ، وعموم أمره ، حتى يخص أحدا من أهل الانقطاع ، حكم علم ذلك ، فإذا خصم علم ذلك زال عذره ، وحكم العموم للموضوع عنه ، وقالوا في جملة من كان بأرض أهل الإقرار ، أن عليه علم ذلك ، لعموم علم ذلك لأهل الإقرار (2/21)
صفحة 18
والأمصار ، حتى يخص أحدا من أهل الأمصار والإقرار ، حكم عدم ذلك ، فإذا خصه ذلك لم يلزمه حكم العموم عند وجوب المخصوص له ، ولزم كلا حكمه في ذات نفسه ، ولم يلزمه حكم غيره من العالمين لما جهله ، والقادرين على ما عجز عنه .
فإن قال : فما يكون جميع أحوال هذا الذي وصفتموه في جميع صلاته وصومه وزكاته وحجه وعمرته ، وجميع أموره ، قبل أن يبلغه هذا من أمر الجملة ، وقبل أن تقوم عليه الحجة بذلك .
فصل : قلنا له : تكون جميع أحواله في جميع دينه ، الذي تعبده الله به ، حال من قد بلغ إلى علم الجملة ، وأقر بالجملة ، وعلم الجملة في أحكام تفسير الجملة ، والأعمال الواجبة في الجملة ، والمحرمات في الجملة ، وعليه أداء الفرائض التي يخصه حكمها ، ويشر على علمها ، وعليه الانتهاء عن المحارم إِذا خصه ذلك ، وقدر على العلم الذي يكون عليه حجة في ترك ذلك ، والانتهاء عنه بما يحسن في عقله ، أو بلغ إِلى علمه من عبارة المعبرين له ، وعليه في ذلك السؤال لجميع من قدر عليه إذا خصه ذلك ، من عمل بلازم ، أو ركب من ذلك محرما ، ولا فرق في ذلك بين من هو في الأمصار ، ولا في جزائر البحار ، فالخاص له من جميع الخليقة حكم من أحكام الدين ، فهو له لازم ، والمعذور من جميع الخليقة عن شيء من الدين ، فغير مكلف ما لا يطيقه ، وما خصه العذر فيه بوجه أو بحال ، وعليه في جميع دين الله طاقته وقدرته ، وليس له أن يقصر دون طاقته ، ولا عليه أن يحتمل فوق طاقته في دين الله ، وذلك الميثاق والعهد الذي أخذ له ، وعليه في دين الله علمه أو جهله .
وجميع ما كان في دين الله تقوم به الحجة من طريق حجة العقل ، فذلك مكلف فيه المنقطع وغير المنقطع علم ذلك ،ولا له جهل ذلك ، لان جهل ذلك على معاني ما يعقل من ذلك ، ويعرف المراد به ولا يسعه ذلك ، (2/22)
صفحة 19
ولا يكون العبد في حال جهله المنصوص من علم تلك الجملة أبدا مضيعا لفرض ، راكبا لمحرم ، ما لم يركب ذلك بإنكار لها أو لشيء منها ، أو تقوم عليه الحجة بعلمها بسماع أو نظر ، أو صحيح فكرة ، أو خاطر يدله على معاني ذلك ، فإذا كان كذلك ، لزمته كلفة التعبد للعلم لذلك ، و إلا فهو أبدا على سبيل العهد والميثاق ، والإيمان والإسلام والطاعة ، وقد تكون الفرائض الداخلة في الجملة من الفرائض اللازمة التي ينقضي وقتها ، مثل الوضوء للصلاة والصلاة ، والغسل من الجنابة عند حضور الصلاة ، والصوم لشهر رمضان ، أضيق حالا الجاهل لها ، لأنه يخصه فرض ذلك ، ويلزم القيام به بعينه ، إذا قدر على تأدية ذلك بعلم خاطر يحسن في عقله ، أو قدر على طلب علم ذلك من أحد من الخليقة ، ممن هو بحضرته ، أو ممن يقدر على إلقائه ، وإن عدم ذلك كله ، وحسن في عقله حضور عمل في دين خالقه ، أو ما يلزمه لخالقه ومحدثه من طاعته له ، أنه قد حضر له وقت عمل بطاعته ، أداء ذلك بقدرته ومبلغ معرفته ، و إلا فكان عليه اعتقاد السؤال لمن قدر عليه ، ممن نرجو معه دلالة على تأدية ما قد لزمه بعلم خاطره ، وما حسن في عقله ، وإن لم يحسن في عقله ذلك ولا بلغه علم ذلك فهو سالم ، باعتقاد الطاعة لخالقه علم ذلك أو جهله ، واعتقاد السؤال عما جهله من طاعة خالقه بما قدر عليه .
وقد مضى القول في مثل هذا ، إلا أن المنقطع ومن لم يبلغه حكم علم الجملة لم يذكرا بعينهما ، وهما سواء في هذا . ومن بلغته الجملة من المنقطع أو غير المنقطع في دار الإقرار وفي دار الإنكار ، فكل من خصه حكم في جملة أو غيرها ، لم يعذر بترك ذلك ولا بإضاعته ، وكل من خصه عذر في شيء من جملة أو غيرها ، فغير مكلف ذلك لكلفة غيره له ، ولو قامت الحجة على المنقطع عن أرض الإقرار لعبارة جميع دين الله من الفرائض والمحارم بما يبلغ إلى علم ذلك ، ويكون عليه حجة ولم يبلغه علم الجملة ، كان بذلك مأخوذا بحكم ما قد لزمه ، وغير مكلف حكم ما قد خصه العذر فيه . وكذلك ما لو قامت عليه الحجة بعلم شيء من دين الله ، كان ذلك كله سواء ، والمعنى (2/23)
صفحة 20
واحد حكمه ، كالمعاني حكمها كلها كالواحد .
فصل : وكذلك المتصل بأرض الإقرار والنازل في الأمصار ، الحكم في ذلك واحد ، كل ما لزمه وخصه فغير معذور عنه ، وكل ما لزمه وخصه فغير معذور فيه ، فغير مكلف له لكلفة غيره ، وهذه جملة كافية ومعرفة شافية إن شاء الله في جميع هذا ، وتفسيره يطول به الكتاب ، وقد مضى القول بما فيه وفي بعضه مكتفى لمن صح ذهنه وصفا إِن شاء الله تعالى. (2/24)
صفحة 21
باب: تصنيف ولاية الظاهر والبراءة بالظاهر، وأحكام الدور وغير ذلك
ولاية الحكم بالظاهر تصح بأحد وجوه : بالموافقة بالخبرة أو الرفيعة ، ممن يبصر الولاية والبراءة من المسلمين من أهل الاستقامة ، وبالشهرة بصحة الموافقة في القول والعمل ، وذلك أن يصح للعبد اسم ، يبرأ بذلك الاسم في ظاهر الحكم من الأسماء الواقعة على المتدينين ، من أسماء أهل الخلاف والبدع في الدين ، ويبرأ بذلك الاسم من الأسماء المشتركة ، التي تجمع أهل الاستقامة وأهل البدع والخلاف في الدين ، ويبرأ مع براءته من هذين الاسمين ، وخلوص الاسم الذي يخلص له ، لانفراده باسم يوجب له الاستقامة ، والتسمي بأسماء أهل الاستقامة من المسلمين ، فإذا صح للعبد هذا الاسم الذي يصح له وفيه ، بشهرة أو بخبرة ، وعرف منه الصلاح والأعمال الصالحة في ظاهر أمره ، ولم يلزمه مع ذلك تهمة في دين بضلالة ولا خيانة ، فيما يدين بتحريمه ولا تهمة بخيانة لما يدين بتحريمه ، فإذا صح للعبد هذا الاسم واؤتمن في دينه ، وفيما يدين بتحريمه ، ولا يجوز عليه عداوة الحقيقة ، وإنما يبرأ من عداوة الحكم بالظاهر وعداوة الشريطة من وجبت في دينه ذلك ، وهو دين أهل الاستقامة فيما غاب من أمره في دينه ، وظهر شه فيما عرف منه من دينه الموافقة لله من أهل الاستقامة ، في أعماله ومما ظهر من (2/25)
صفحة 22
أحواله ، ولم يتهم بتهمة فيما يدين به من دين أهل الاستقامة ، وجبت ولايته في حكم الظاهر ، وثبتت ولايته في حكم الظاهر ، فقال من قال : إنه من حين ما يعلم منه ذلك ، فلا يسع إلا ولايته ، ولا ينتظر به شيئا ، ويتولى من حينه ، ولا يسع ترك ولايته من حين ما يعرف منه الموافقة ، وما يجب له به الولاية ، فإن استقام على ذلك استقيم له ، وإن لم يستقم على ذلك حكم فيه في كل حال من أحواله ، بما يلزم فيه من ولاية أو براءة ، ولا تترك ولايته طرفة عين بعد أن وجبت ، ولا يسع ذلك .
فصل : وقال من قال : إِنه ينظر به الشهر والشهرين ، حتى ينظر حرصه واستقامته ، فإن تم على ما هو عليه ، اعتقد له الولاية ، وإن حال إلى حال ريب أو تهمة أو تخليط ، وقف عن ولايته حتى يعرف بالاستقامة ، على ما قد صح له من الاسم الظاهر ، فإن هو مات قبل أن يعتقد له ولاية في المحيا ، من غير أن يعلم منه ما يرتب من أمره اعتقد ولايته بعد الموت ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، أنه إِذا مات على غير نكث ولا تغيير ولا ريب ، يدخل في أمره من تهمة ولا تخليط ، أنه تجب ولايته ولاية الحكم بالظاهر .
وقال من قال : ما لم تطب به النفس ويزول منه الريب والشك ، ولا يبقى في القلب منه خوف ولا سبب ، فيجوز الإمساك عن ولايته ، ولو صح له ما تجب له به الولاية خوف الدخول في الفتنة والشبهة ، فإذا طابت نفسه بولاية ، ولا يدافع نفسه فيه بحال ، من حال وجبت ولايته ، وقد وسع له من وسع أن يمسك عن ولايته خوف الفتنة والريب ، حتى يموت ، فإذا مات لم تجز إِلا ولايته ، ما لم يصح منه تغير ولا نكث ولا تبديل ولا ريب ولا تخليط ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، أنه إذا مات على ما تجب ولايته في الحكم بالظاهر ، أنه يتولى إِذا مات على حاله تلك ، لأنه ليس بعد الموت خوف أن يدخل في فتنة ، ولا يدخل عليه ريب ولا شبهة .
وإذا صح له الاسم الذي يبرأ به في ظاهر الأحكام ، من التدين (2/26)
صفحة 23
بالضلال ، من الدخول في الأسماء المشتركة لأهل الضلال وأهل الاستقامة ، وبرىء من اللهمة بالتدين بالضلال ، وصح له الاسم الذي يجب له به اسم أهل الاستقامة بشهرة أو بخبرة ، ولم يعلم منه بعد ذلك خير ولا شر ، ولا عمل بخير ولا بشر ، إلا أنه قد صح منه ما يوافق به أهل الاستقامة بالقول ، ولم يعرف منه تصديق القول بالعمل ، فقد قال من قال إنه بذلك تجب ولايته بالحكم بالظاهر ، وليس على الناس الموافقة ، فيما غاب عنهم من الأعمال ، وبالقول تجب الولاية في الظاهر ، ما لم تصح منه مخالفة لما يدين به من قول أو عمل ، بركوب كبيرة ، أو إصرار على صغيرة ، أو تلحقه خيانة في دينه ، أو تهمة فيما يدين بتحريمه في دينه ، فإذا صح منه الموافقة بالقول ، ولم تصح منه مخالفة في الفعل ، ولا تهمة ولا خيانة وجبت ولايته ، فإن صح منه بعد ذلك أمر ، من مخالفته للقول بالعمل أو خيانة أو تهمة ، أنزله حدثه حيث نزل ، ولا ينتظر به العمل لأن العمل لا غاية له ولا نهاية ، والأعمال تتفاضل ، وليس على الناس أن يظهر منهم أعمالهم وأفعالهم ، والله ولي بسرائرهم وأحوالهم ، وحسابهم على الله .
واحتجوا في ذلك بقول الله - تعالى - : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )(1)
فقالوا : فقد أوجب الله الولاية بالاستغفار ، لمن عرف منه الإقرار ، قبل أن يعرف منه الأعمال ، ولو كان لا يثبت الولاية إلا بموافقة الأعمال ، ما كان ذلك يظهر كله على كل حال ، وقد ثبتت الولاية بالإقرار .
وقال من قال : إذا ثبت له اسم أهل الاستقامة بشهرة أو بخبرة ، بما وافق به المسلمين بالقول ، ولم يصح له ذلك بالعمل ، انتظر به حتى يصدق
__________
(1) - الآية (12) سورة الممتحنة. (2/27)
صفحة 24
القول بالعمل ، ويظهر منه موافقة ذلك بالعمل ، والأمانة في أعماله ، والبراءة من اللهمة والخيانة ، فإن ظهر منه ذلك وجبت ولايته ،وإن لم يصدق ذلك بالعمل ، ولم يظهر منه تهمة ولا خيانة ، فيما أقر به من تضييع اللازم ، أو ركوب المحرم حتى مات على ذلك ، فقال من قال : إنه يتولى إذا مات على ذلك ، وقال من قال : لا يتولى ، ولو مات على ذلك حتى يصح منه الأعمال الصالحة ، التي أقر بها ودان بها ، لأن الإيمان قول وعمل ، فيما ظهر من التعبد ، وأما النية في من الإيمان ، إِلا أنها لا يكلف العباد في بعضهم بعضا ، وأجمعوا على ذلك ، أن ذلك لا يكلف العباد ، وأما العمل فقد اختلف فيه على ما وصفنا ، وأما إذا صح من العبد الأعمال الصالحة ، والتعبد بالأعمال الصالحة ، ولم تعرف منه خيانة ظاهرة فيما يدين به ، غير أنه لم تعرف منه الموافقة لأهل الاستقامة ، بما يستوجب به الاسم الذي يبرأ به ، المتسمى من أسماء أهل البدع والضلال ، ومن الأسماء المشتركة التي تجمع أهل الاستقامة وأهل الضلال ، ويبرأ به من اللهم بالتدين بالضلال ، وكان في دار متظاهر فيها الأديان ، من دين أهل الاستقامة ودين أهل الضلال ، أو واقع عليها اللهمة بالاختلاط في الأديان المختلفة ، من دين أهل الاستقامة وأهل الضلال ، أو غالب عليها دين أهل الضلال فإذا كان العبد بهذه الدار وهذه المنزلة ، لم يصح له اسم أهل الاستقامة ، إلا حتى يمتحن بجملة يبرأ بها من جميع ذلك ، أو يصح له البراءة من ذلك بالشهوة ، ولا يحتاج إلى محنة ، ولو كان وحده في دار من الدور ، أو مصر من الأمصار ، فصح له ذلك بخبرة أو شهرة ، وعرف منه ذلك ، فقد صحت موافقته لأهل الاستقامة بالقول ، وثبتت له الموافقة بالقول ، ولو لم يمتحن بالجراءة من أصول الضلال كلها ، التي خالف بها المتدينون دين أهل الاستقامة ، فانه إذا كانت جملة يعرف بها الدخول بالإقرار بها ، والتسمي بها في دين أهل الاستقامة ، لم يحتج إلى محنة في جميع أصول الضلال ، والبراءة منها ، وأما إذا لم يصح منه جملة يخرج بها من هذه الأسماء التي وصفناها ، ومن اللهمة بالدخول فيها والتدين بها ، فلا يصح (2/28)
صفحة 25
له الموافقة لدين أهل الاستقامة ، حتى يصح له البراءة من جميع ما خالف فيه أهل القبلة ، دين أهل الاستقامة ، أو يصح له البراءة بالشهرة أو بالخبرة ، من شيء من أديان أهل الضلال ، فإذا صح له البراءة من أحد الأديان ، لم يلزمه فيها محنة ولزمته المحنة في سائر الأديان ، الواقع عليه الريب فيها ، والتي لم يصح له البراءة منها بشهرة أو خبرة أو رفيعة ، ممن يصح منه الرفيعة من علماء المسلمين من أهل الاستقامة ، فإذا صح للعبد الموافقة لدين أهل الاستقامة بخبرة أو بشهرة على ما وصفنا ، فالقول في ولايته ما ذكرنا من الاختلاف ، وما لم يصح له الموافقة بالقول والبراءة من التدين بالضلال ، فلا يوجب له العمل بالصالحات التي تظهر منه ، مما يوافق فيه أهل القبلة أهل الاستقامة من الصلاة والزكاة والحج والعمرة ، وأشباه ذلك من الأعمال المجمع عليها أهل القبلة ، والتي يدين بها جميع أهل القبلة ، ولا يصح للعامل بها خروج من أديان أهل الضلال وأهل البدع ، ولا تجب له به الولاية ، ولا تصح له به الموافقة بالعمل ، ولو ظهر منه المحافظة على تلك الأعمال ، وحسُنت أحواله في تلك الأعمال ، وظهر عليه حسن الثناء في تلك الأعمال ، فهو مشكوك أمره موقوف ، حتى يصح منه باطل فيعادى عليه ، أو موافقة في الدين فيوالى عليها ، ولو صلى هذا العبد فلم يفتُر ، وصام فلم يُفطِر ، وحج كل عام ، وطاف كل يوم ألف أسبوع بالبيت الحرام ، واعتكف ليله ونهاره خلف المقام ، واعتمر كل يوم عمرة من يلملم ، وطاف بالبيت الحرام ، واستلم وسعى بين الصفا والمروة ، وهرول وأدبر على ذلك عمره ، و أقبل وأعتق كل يوم ألف ألف غلام ، من ولد إسماعيل و إسحق - عليهما السلام - ، و تصدق كل يوم بألف ألف بذرة ، وجهز كل يوم ألف ألف جيش ، من أمثال جيش العسرة ، ودان بالإقرار بالجملة من الإسلام ، وداوم على مواصلة الجيران والأرحام ، وحضور الجمع والجماعات ، والفطرة و الزكوات ، وصلوات الجنائز والأعياد ، وتجهيز الموتى والأشهاد ، وبكى من عينه الدموع والصديد ، وكبل نفسه بالأصفاد والحديد ، ووعى التوراة (2/29)
صفحة 26
والإنجيل ، وحفظ التنزيل والتأويل ، وعقد حياته لجميع الأمة و عقد عليهم في جميع الأديان قاضيا وحاكما ، يرشد كلا منهم على أصل مذهبه ، ويفتي كلا منهم على رأيه ومطلبه ، فلم يوجب له ذلك موافقة في الدين ، ولا يصح له بذلك استقامة ، على سبيل المهتدين ، ولا تثبت له بذلك ولاية في حكم الظاهر ، ولا يستحق بذلك في الدين مذهب ظاهر ، حتى يصح له في تعبده ذلك سبيل السلامة ، والموافقة لدين أهل الاستقامة ، بامتحان له في ذلك وخبرة ، وإنما وجب في ذلك من صحيح الشهرة ، أو بشهادة صحيحة أو رفيعة ، من ذوي علوم واضحة وسيعة ، في الولايات و البراءات ، بظواهر حكمه في ذلك بينات ، وفرق في ذلك بين علم الضيق من الواسعات وبين الحكم في المحللات من المحرمات ، وبين المخصوصات من العمومات ، وأحكام الصغائر في ذلك من الكبائر ، وأحكام الجهر في ذلك من أحكام السرائر ، وأحكام الحقائق في ذلك من أحكام الشرائط ، وبين أحكام الظاهر في ذلك التي لا يشهد لمستحقها بنجاة ولا مهالك إلا على شرائط الموافقة ، والنية الظاهرة الصادقة ، والموت على سبيل ما منه ظهر وصدق ، فيما دان به وأسر والعلم بجميع أصول الولاية والبراءة ، والاستقامة على سبيل أهل النجاة ، فإذا صح له هذا من أحد هذه الوجوه ، مع أعماله الموافقة ، وأقواله الصادقة ، وجبت هنالك ولايته ، وحرم في حكم الظاهر عداوته .
فصل : وإن اشتهر للعبد وعليه اسم أهل الاستقامة ، على ما وصفنا ، في أي أرض كان ، وأي دار كان ، من دار إقرار أو دار إنكار ، أو أبرار أو فجار ، في أي مصر كان من الأمصار ، فقد وجبت له الموافقة بالقول ، ولو لم يعلم منه موافقة للقول بالعمل . وقد قال من قال : إنه يتولى بما صح له من اسم الموافقة لأهل الاستقامة ، حتى يعلم منه مخالفة لما ظهر منه من التدين بقول أو عمل.
فصل: وقال من قال : تثبت له الموافقة بالقول ، يتولى حتى تظهر منه الموافقة للقول بالعمل ، ثم هنالك تجب ولايته ، فان مات على ذلك قبل (2/30)
صفحة 27
أن يعلم منه الموافقة بالعمل ، فقد قيل بولايته وقيل بالوقوف عنه أيضا ، ولو مات قبل أن يعلم منه ذلك .
فصل : وإذا كانت الدار كلها أو المصر كله أو القرية كلها ، ظاهر عليها وعلى أهلها التدين بدين أهل الاستقامة ني ظاهر الأمور ، تتظاهر فيهم الأديان ولا يتهم أهله ، بدخول في دين ضلال ولا تعبد بضلال ، فكل من ظهرت منه الأعمال الصالحة والأمانة في دينه ، ولم تلحقه خيانة في دينه ، ولا تهمة في دينه ، وجبت ولايته ، وكان ذلك حد الاستقامة منه .
وقد قال من قال :إن أهل الدار كلهم ،مَن صح منهم باسمه وعينه ممن لم تصح منه خيانة ، ولا اتُّهم في دينه بخيانة ، وجبت ولايته وجميع أهل الدار في الولاية ، إلا من ظهرت منه خيانة في دينه ، أو اتهِم بذلك في ذات نفسه ، و إلا فأهل الدار كلهم في الولاية ، ومحكوم لهم بالاستقامة ولو لم يعرف من أحد منهم عمل ، ولا يحتاجون إلى محنة في قول ولا عمل ، والولاية لهم واجبة .
وقد اختلف أهل العلم في أحكام الدور في الولاية :
فقال من قال : إن الدار دار المالك لها ، المستولي عليها من سلطانها ، فإن كان المالك للدار محقا عادلا ، كانت الدار دار عدل واستقامة ، وكان القول في أهلها ما وصفنا في دار أهل العدل ، ووجبت الولاية في أهل الدار بغير محنة ، وإن كان المالك للدار جائرا فالدار دار جور ، ولا تثبت فيها الولاية لأهلها إلا بالمحنة ، أو ظهور استقامة لهم أو لأحد منهم ، فهنالك يكون القول فيها ما قد وصفناه .
وقال من قال : إن الدار تبع للأحكام فيها ، فإن كانت الدار جارية أحكامها على أحكام أهل الاستقامة من المسلمين ، كانت الدار دار أهل الاستقامة ، ولا ينظر في مالك الجور ولا سلطان الجور ، وإنما الدار (2/31)
صفحة 28
بالأحكام ، فإن كانت الأحكام أحكام أهل العدل كانت دار عدل ، ولم يكن على أهلها محنة على ما وصفنا ، وإن كانت الأحكام جارية بأحكام أهل الجور وأحكام أهل الخلاف ، فهي دار جور ودار خلاف ، ولا تصح فيها الموافقة لأهلها إِلا بالخبر والموافقة بالشهرة لأحد منهم بعينه .
فصل : وقال من قال : إن الدار دار أهل النحلة والتدين ، وإذا كانت الدار أهلها أهل نحلة الحق ، والاستقامة على طريق الحق ، ولا تتظاهر فيها الأديان بالضلال ، يغلب عليها دين ضلال ، ولا يضاهي فيها دين ضلال دين أهل الاستقامة ، ولا يتهمون بذلك في الديانة ، فالدار دار عدل واستقامة ، ولا ينظر في مالكها وسلطانها الغالب لأهل العدل على الملك ، ولا يهدم حكم أهل العدل جور أهل الباطل ، ولا يد لمبطل على محق ، ولا لجائر على عادل إذا كان ، إنما هو متغلب على الملك جائر على أهل العدل ، ولا ينظر أيضا في أحكام الجائرين ، إذا تغلبوا عليها دون المسلمين ، ولا حكم لمن حكم بغير ما أنزل الله ، ولا يكون ذلك منهم حكما ، ولا يكونون على أهل العدل حكما ، وإنما هم متغلبون على الأحكام ، كما أنهم متغلبون على سائر أهل الملك بالجور والقهر لأهل الإسلام ، فإذا كانت النحلة من أهل الدار صحيحة جارية على مذاهب أهل الاستقامة ، فلا يضر أهلها في دينهم ، وفيما يستحقونه من ولاية وموافقة ، بما غلط عليه أهل الجور من الملك ولا من الأحكام ، وهذا هو الأصل الذي عليه المدار ، وهو قولنا إن شاء الله ولا يجوز معنا غيره .
فصل : فإن قال قائل : أ فتريدون القولين الأولين اللذين زعمتم أنهما من قول أهل العلم ، أن الدار دار المالك لها والدار دار الحاكم فيها ؟
فصل : قلنا له : لا نريد ذلك ، وذلك صحيح خارج على تأويل ما قلناه ، من هذا الأصل الثالث ، ولا يخرج معنا تأويل ذلك إلا على هذا .
فأماق من قال : إن الدار دار المالك لها ، فإن ذلك يخرج معنا على (2/32)
صفحة 29
الصواب ، أن يكون المالك لها يتدين بالضلال ، فيظهر دين الضلال ، ويدعي الملك بتأويل الضلال ، والإمامة بتأويل الضلال ، فإذا كان ذلك كذلك والسلطان والمالك غالب على الدار أو على المصر ، فقد غلب أهل الضلال على أهل المصر ، وأهل المصر وأهل الدار والمصر له وأنصاره أهل ضلال ، بالتدين أو بغير التدين ، إلا أن المالك إنما سيرته وملكه يجري على سبيل التدين بالضلال ، فإذا كان هكذا صح هذا القول معنا ، وكان المصر خارجا من الصحة لمذهب أهل العدل لأن الظاهر فيه دين أهل الضلال ، ومحال أن يكون سلطان يدين بضلال يضاهيه ويضاهى دينه الذي يدين به من الضلال غيره من الأديان ، وهو القادر القاهر على أهل المصر وأهل الدار فإذا صح منه ذلك ، لم يصح أنه متدين في دينه ، وصح خيانته لدينه الذي يدين به . فلما أن كان المالك للدار أو الإمام الذي في الدار مبتدعا ، صارت الدار دار كفر ، لأن الكفر فيها هو الغالب عليها وعلى أهلها ، والكفر الغالب هو ضد الإيمان ، وهذا الكفر إنما هو كفر نفاق لا كفر شرك .
فصل : وقد قيل : إنه ما دام أهل العدل يقدرون أن يظهروا دينهم في الدار ، ولو كان الغالب على أهل الضلال ، فالدار دار عدل إذا كانتْ النحلة نحلة أهل العدل ، فإذا لم يقدروا أن يظهروا دينهم ، وتوسعوا بالتقية ، وانحطت عنهم الفرائض بالتقية ، ووسعتهم التقية ، ولزموا التقية ، ولم يظهر على الغالب منهم نكير لما يدين به فيهم بقول ولا عمل ، فقد زالت الدار من أيديهم إلى يد المالك لها من أهل الضلال والدائن بالضلال وصارت الدار دار المالك هاهنا .
وما داموا ينكرون عليه ما يدين به من الضلال ، ويظهر منهم عليه النكير بقول أو فعل ، ويضاهون أمره بقول أو فعل ، فالدار دارهم وهي دار العدل ، ولو كان غالبا عليهم بالدينونة بالضلال ، إلا أنهم معروفون في الدار بمفارقته ومفارقة نحلته ، والإنكار لها بالتدين فالدار دار العدل وأهل العدل ، (2/33)
صفحة 30
ولا يضرهم غلبة أهل الضلال على دارهم حتى يظهر عليهم وفيهم الدخول في طاعته والدينونة بطاعته على ضلالله ، والدخول في بدعته ونحلته ، فإذا غلب عليهم أولم يغلب عليهم ، وظهر منهم أومن بعضهم الدينونة بطاعته ، على ضلالله ومعصيته ، والدخول في بدعته ، وطاعته على بدعته فقد صارت الدار دار اختلاط ، وتظاهر فيها من أهلها التدين بالباطل والضلال ، من غير أن ينكروا عليهم ذلك ظاهرا ، ولا يتميزوا بدعوتهم ، ويعرفون بالإنكار على من أظهر مخالفتهم ، فإذا لم يقدروا على الإنكار على من أظهر غير الحق بالتدين ، فقد زالت الدار عنهم ، وصارت دار اختلاط ، وبطل حكم أهل العدل منها ، ودار العدل منها ، وما أنكروا ذلك على من يدين بالباطل في دارهم ، ولو أنكر ذلك البعض منهم وأظهر البدعة عليهم ، وعرفوا بدعتهم ، وأظهر عليهم الإنكار ، فالدار دار عدل ، وأهلها أهل عدل ، إذا كانوا منكرين لتلك البدعة ، وعرفت البدعة فيهم ، وثبت أهل الدار على العدل .
وقال من قال : إن الدار دار عدل ، إذا كان أهلها أهل عدل حتى يغلب عليها المتدينون بالضلال ، ولا يقدرون أن يظهروا دينهم ، فإذا لم يقدروا أن يظهروا دينهم ، وكان دينهم دينا مكتوما ، كانت الدار حينئذ دار اختلاط ، لأفه معروف فيها أهل العدل مكتتمون ، وفيها أهل الباطل ظاهرون ، ولا يحكم على أهل الدار بالكفر ، ما كان المسلم يسعه أن يقعد على دينه ، ويُؤمر أن يقعد على كتمان دينه ، فإذا كانت الدار لا يقدر المسلم أن يكتم تدينه ، ولم يقدر إلا أن يظهر دين الضلال ، والسمع والطاعة لدين أهل الضلال ، ولأهل الضلال ، ولا يمكنه إلا أن يظهر دين الضلال ، ولا يمكنه إلا إِظهار طاعة أهل الضلال ، أو موافقة أهل الضلال على ضلالهم ، فإذا صاروا بهذه المنزلة ، كانت الدار حينئذ دار كفر ، فإذا كان ذلك الكفر فيها شركا كانت دار شرك ، وإن كان الكفر الظاهر عليها بالتدين كفر نعمة ، كانت دار كفر نفاق حينئذ ، ولا يكون على هذا القول دار كفر ، حتى لا يسع (2/34)
صفحة 31
المسلم أن يقيم على دينه مكتتما ، ولا يقدر على القعود في الدار إلا بإظهار الدينونة بالضلال ، أو الدينونة بطاعة أهل الضلال ، ما كان المسلم يقدر في هذه الدار على أن يكتتم بدينه ، فلا تكون الدار دار كفر ، ولكن دار اختلاط ، الغالب عليها من قد غلب عليها ، من أهل الشرك أو أهل النفاق ، فإذا صارت الدار لا يقدر المسلم فيها إلا أن يظهر التدين بالضلال ، وطاعة أهل الضلال على الضلال بالتدين ، كانت الدار حينئذ دار كفر إما شرك وإما نفاق .
فصل : وأما إذا كان السلطان أو المالك ، إنما هو متغلب على الملك ، مقر بحرمة ما يأتي ، منتهك لما يدين بتحريمه ، مجامع لأهل الدار على مخالفتهم لأمره ، يعترف لهم بصوابهم ، وعلى نفسه بالخطأ ، فهذا لا يكون ملكه للدار مزيلا لها ولا ضارا لها ، و لو غلب عليها ، ولم يقدروا على إنكار عليه على كل حال ، لتقيتهم له بالباطل الذي يعتريه ويقربه على نفسه .
فصل : وكذلك الحكم ، إنما يكون الحكم بالحاكم ، وإنما الحاكم هو المالك ، وكل القولين بمعنى واحد ، فإذا كان الحاكم هو المالك لأهل الدار أو من تحت المالك لأهل الدار ، وكانت الأحكام جارية بالدينونة بالباطل ، لا يقدر أهل الدار أن ينكروا ذلك من الدينونة بالباطل ، ولا يعرف في الدار باطل تلك الأحكام إلا مكتوما ، فإذا كان كذلك ، قام الحكم معنا مقام الملك ، وكان الحاكم كالمالك ، ولو كان من تحت يدي المالك ، ولو كان المالك مقرا بحرمة ما يأتي ، فإذا كانت أحكام حكامه الذين قد سلطهم ني الدار تجري على الدينونة بالضلال ، ولا ينكر ذلك أهل العدل ، ولا يقدرون عليه ، فالحاكم كالمالك ، لأن الحكم من الدين ، وهو عماد الدين ، فإذا كانت الأحكام من النكاح والطلاق ، والأحكام من الحلال و الحرام من المواريث وغيرها ، تجري في الدار على مخالفة العدل بالدينونة ، وانتحال الدينونة ، فذلك هو المالك لها والغالب عليها ، وقام ذلك مقام المالك لها ، والقول في ذلك ما قد قلنا في المالك ، فإذا أنكر أهل العدل وظهر منهم الإنكار (2/35)
صفحة 32
بقول أو فعل ، وعرف في الدار خطا الحاكم بالنكير ، فالدار دار عدل وأهلها أهل العدل بإظهار النكير ، فإذا لم ينكروا ذلك ، وجرت الأحكام عليهم بالدينونة لمخالفة النكير ، فقد مضى القول أن الدار تكون دار الحاكم في بعض القول ، وفي بعض القول أنها دار اختلاط ، ما دام أهل العدل يقدرون على الإقامة على دينهم ، فإذا لم يقدروا على الإقامة والأعمال بأحكامهم في ذات أنفسهم ، ولم يقدر المسلم على أن يقيم على ذلك إلا بإظهار الدينونة بالباطل ، أو تصويب الباطل ، فهنالك تتحول الدار إلى الحاكم وإلى المالك على ما وصفنا ، وكانت الدار دار المالك ، والحاكم عليها وعلى أهلها بالغلبة لهم ، ويتحول أمرهم إلى ظاهر أمره .
فصل : وقد قال من قال : إنه لا يكون دار أهل الإقرار دار كفر ، ولا يحكم عليها بالكفر ما دام فيها أهل عدل يُعرفون ، ولو كانوا بهذه المنزلة ، لأن دار الكفر إنما هي دار الحرب ، وأما دار أهل الإقرار فلا تكون أبدا دار كفر ، ولا تسمى بدار الكفر بشرك ولا نفاق ، حتى يتحول أهلها كلهم إلى حال واحد من شرك أو نفاق ، وما دام فيهم أحد يُعرف من أهل العدل ، فلا تسمى دار كفر ونفاق ، ولو لم يقدر أهل العدل إلا أن يظهروا دين أهل الضلال من النفاق فإنهم على كل حال مسلمون ، وإذا كان في الدار مسلمون ، لم يجز أن يجري عليهم اسم النفاق في الجملة ، حتى لا يكون في الدار أحد يدين بالعدل ، فإذا صح ذلك ، وعُرف أنه لم يبق في الدار أحد من أهل العدل ، ولا أحد ممن يسعه إظهار الباطل وهو مقيم على العدل ، فإذا لم يظهر أنه باق في الدار من أحد يتمسك بالعدل من أهل العدل ، وظهر الإقرار بالباطل ، ولم يشر أحد أن يقيم على العدل ولا عُرف أحد بالعدل ، في سريرة ولا علانية في الدار ، كانت الدار حينئذ دار أهلها ، وكانوا الحقيقين باسمهم المتخلين له فيها ، والراضين به فيها ، وأما ما دام أحد تسعه التقية في إِظهار الباطل في الدار ، ولزمه إظهار الباطل للتقية ، وهو معروف أنه إنما يظهر ذلك (2/36)
صفحة 33
بالتقية ، فالدار دار اختلاط لحق الإسلام وأهله ، لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى.
فصل : وكذلك ما كان بالتقية في الدار أحد يتمسك بالإقرار ، ولو غلب عليها أهل الإنكار ، ولم يقدر المقر أن يقيم في الدار ، إلا بإظهار الإنكار والإقرار بالإنكار ، غير أنه معروف في الدار أهل الإقرار على هذه الصفة ، فالدار دار اختلاط بالإنكار والإقرار ، كما كانت دار اختلاط بالحق والباطل ، والعدل والضلال .
فصل : وهذا إذا كانت الدار دار عدل ، ثم غلب عليها أهل الجور ، وكانت دار إقرار ثم غلب عليها أهل الإنكار ، أو إذا كانت الدار دار جور كلها ونفاق ، ثم وقع فيها أحكام أهل العدل والإسلام ، ونزولهم بها وحلولهم فيها على هذه الصفة ، أو كانت دار إنكار ثم خالطهم مَن خالطهم مِن أهل الإقرار، مِن أهل الأمان ، فقد خالطهم أهل الإقرار و كانوا مختلطين وكانت الدار دار اختلاط ، وكل ذلك معنا سواء ، وهذا القول معنا هو الأكثر ، والأصح ألا تُسمى الدار دار كفر وشرك ، حتى لا يُعلم أن فيها أهل إقرار في جملة البراءات ، والحكم في المحاربات والسبي والغنائم ، فإذا صح أن في الدار أهل الإقرار بالإسلام ، لم يصح معنا السبي والغنيمة في الجملة إلا بعد البيان .
وكذلك البراءة لا تصح في الجملة إذا علم أن في الدار أهل عدل يسعهم التقية بإظهار الجور أو الإنكار ، وأما إذا لم يصح ذلك وكانت الدار لا يقدر أحد أن يقيم فيها إلا بإظهار الجور ، فمن ظهر منه الجور ولم يعلم منه سريرة في ذلك فالجاري عليه حكم ما ظهر حتى يعلم منه أنه يسره غير ذلك ، فإذا علم منه أنه يسره غير ذلك في مثل هذا ، وثبت له ذلك ، ثم عرف منه هذا واحتمل له ذلك ، الأول حتى يعلم منه تحول إلى الذي ظهر منه ، بغير حجة له في الإسلام ولا تقية .
وإذا صحت الدار أنها دار كفر على هذا الوجه ، كانت البراءة من جملة (2/37)
صفحة 34
أهل الدار المشتمل عليها اسم الكفر من الشرك والنفاق واجبة جائزة .
ولا يجوز أن يبرأ من أحد بعينه منهم ، حتى يعرف منه بعينه ما قد جرى على حكم أهل الدار ، والجملة تجزيء عن التفسير في هذا ، إذا برىء من جملة أهل الدار ولا يجوز أن يبرأ من أحد من أهل الدار إلا بعد لزوم ذلك فيه ووجوبه عليه ، كذلك كل من جرى عليه حكم الدخول في جملة يجوز فيها وفي أهلها البراءة منهم جملة ، ثم عوين في تلك الجملة من لا يدري إذا دخل في الجملة في الكفر أم لا؟ فلا يجوز أن يبرأ منه بعينه ويبرأ من الجملة ، ولا تجوز البراءة بالشبهة وذلك ضد سلطان جائر قد وجب فيه اسم الكفر هو وأعوانه ، فإذا كان في جملة هذا السلطان من لا يعرف أهو منهم في الكفر أم إنما هو فيهم ، لغير ذلك من عذر ، أو لوجه يسعه من وجوه التقية والعذر ، فلا تجوز البراءة منه باسمه وعينه حتى يصح منه أنه من تلك الطبقة ، ولكن تقع البراءة على أهل الطبقة ، كذلك أهل الدار .
فصل : ولو ظهر على هذا الشخص في هذه الجملة من السلطان الجائر ، ما يشبه به السلطان الجائر من الملبوس والسلاح إذا كان يمكن أن يكون له ذلك بوجه من الوجوه ، فإذا خطر ببال من عاين ذلك منه كانت البراءة من هذا الشخص بعينه براءة شريطة ، إن كان من طبقة أهل الكفر والنفاق كائنا من كان من أهل دار أو جملة من أهل الأحداث الظاهرة أحداثهم في الدار .
كذلك من كان في جملة أهل العدل ، ممن لا يعرف بالعدل إلا أنه في جماعة أهل العدل ، تجوز الولاية فيه بعينه حتى يعلم منه ما تجب به الولاية له ، لأنه قد يكون في سلطان أهل العدل وأعوانهم من لا تجب ولايته ، ولكن يتولى طبقة أهل العدل وحملة سلطان أهل العدل. وكذلك يتولى جميع أهل دار العدل في الجملة إذا ظهر لهم اسم عدل يقضي عليهم ، وأما إذا صحت لهم دار أهل العدل ، ولم يعرف من أحد منهم بعينه شيء ، فهو في جملة الولاية في (2/38)
صفحة 35
الشريطة وفي البراءة في الشريطة ، ويتولى جملة وطبقة أهل العدل .
فصل : وأما الواحد بعينه فلا تجب له ولاية ، ولو كان في جملة من وجبت له الولاية في حكم الظاهر حتى يعرف منه ما تجب به الولاية ، وكذلك العدالة ، فإن كانت الدار دار عدل وفيها إمام عادل فقد قال من قال من المسلمين بالولاية في أهل هذه الدار ، أنه من ظهرت منه طاعة لهذا الإمام واستقبل القبلة وعمل بالصالحات ، كان في الولاية وليس عليه محنة .
وقال من قال : من عرف منه العمل بالصالحات والخيرات ، وقد كانت الدار دار عدل وجبت له الولاية ، ولم يمتحن بمعرفة طاعة الإمام ، لأن أهل الدار في حكم الطاعة للإمام حتى يعلم منهم خروج من طاعة الإمام ، والناس أهل قبلة حتى يعلم منهم غير ذلك من الإنكار .
فصل : وقال من قال : إنه يمتحن بطاعة الإمام ، ولا يمتحن بالقبلة ولا بالأعمال الصالحات والخيرات.
والذي معنا ونحبه أنه إذا كانت الدار دار عدل غالب عليها إمام ، ولم يعلم من أهل الدار اختلاط في الأديان ، فمن عُرِف منه طاعة للإمام وعمل بالصالحات وجبت ولايته في حكم الظاهر ، وإن تولاه متول على ظهور الأعمال بالخيرات فذلك قول ، ولو لم يعلم منه طاعة للإمام إذا كانت الدار دار عدل ، والغالب عليها إمام عدل ، ولا يجوز أن يظهر إِمام عدل على دار فيدع أهلها على دين ضلال فلا ينكره ولا يغيره ، يجوز أن يكون هذا في (2/39)
صفحة 36
يكن هكذا فقد ثبتت الولاية لمن عرف منه العمل بالخيرات ، ولم يعرف منه شيء من الخيانات ، ولا جرى عليه في ذلك شيء من الاتهامات ، بعد المعرفة له من أهل الخبرة له بذلك منه .
فصل : وقد قيل أيضا : إنه إِذا صح له أنه من طبقة أهل العدل ، أو من دار أهل العدل ولم يظهر منه باسمه وعينه شيء من الخيانات ،ولا اتهم بشيء من الاتهامات ، فهو في الولاية ، لأنه في دار الخير وأهل الخبرة ، ولا تستوي دار أهل العدل ودار أهل الجور ، فمن لم يُعرَف منه شر في دار الخير فهو من أهل الخير حتى يُعلم منه شر ، لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى ، ولأن أحكامه داخلة في بعضها بعض . كما أن أهل الأمصار في حكم الظاهر أهل إقرار وأهل قبلة ، ويجوز منهم وفيهم المناكحة والموارثة وأكل الذبائح ، وسائر حقوق أهل القبلة حتى يُعلم منهم غير ذلك من الإنكار .
كذلك دار أهل العدل تجوز منهم الولاية لأنهم أهل عدل ، وشامل لهم العدل فيهم ، كما كانت أهل الأمصار كلها من أمصار أهل الإقرار واجب فيهم ذلك ،وحرام منهم السبي والغنيمة في الذرية والأموال ، وواجب الصلاة على جنائزهم ، ودفنهم قي مقابر أهل القبلة حتى نعلم أنهم من أهل الإنكار ، ولو لم يعرف أهو من أهل الإنكار أو من أهل الإقرار ، وكذلك الولاية بوجوب الاسم لأهل الدار ، والأحكام كلها بعضها من بعض ، وهذا قول لا يخرج من قول أهل الحق ، وهو جائز على قول من يقول إنه إذا عرف من أحد الإقرار بالعدل ، وقول أهل الاستقامة لم ينتظر به الأعمال ، وكان إقراره بذلك موجبا له الولاية ، كذلك كانت الدار موجبة له وجوب المحنة بالقول ، ولا تلزمه محنة الأعمال إذا وجبت له الموافقة بالقول ، والدار من دور أهل العدل مزيلة عن أهلها المحنة بالقول ، لا نعلم في ذلك اختلافا ، إذا صحت لهم أحكام الدار بأنها دار عدل ، وكل هذه الأقوال التي وصفناها في أحكام الدور وفي أحكام أهل الدور قي الولاية والبراءة ، خارج معنا على مذاهب أهل الاستقامة من المسلمين على أصولهم ، على ما يصح من تفسير أهل العدل ، وحكم خاص (2/40)
صفحة 37
ذلك وعامه على ما يوجبه الحق إن شاء الله تعالى .
فصل : ولا نعلم أن أحدا قال من أهل الاستقامة من المسلمين بان يبرأ من أحد باسمه وعينه بغير حجة تلزمه ، للزوم الحجة بغيره في البواء ت ، فيبرأ من أحد بعينه من أجل حكم الدار عليه ، ومن أجل حكم الجملة عليه ، في حالة المعاين فيها في تلك الدار ، والموجود فيها بغير حكم يلزمه به الدخول في الكفر الحاكم عليها وعلى أهلها ، فالولاية هاهنا غير البراءة في قول المسلمين .
ثم إِن ولاية الحكم بالظاهر تقع على ضربين :
أحدهما : ولاية بالخبرة والعلم .
والآخر على وجه التصديق والحكم .
ثم إن العلم في ذلك يقع على ضربين : أحدهما علم خبرة ومشاهدة لما يجب به ولايته ، بمعاينة لأعماله وسماع لأقواله .
والآخر : بشهرة في ذلك في داره ومصره بما لا يشكل عليه من أمره ، ويصح له ذلك معه ، بما لا يشك فيه بمنزلة السماع للأقوال والمعاينة للأفعال ، فذلك قاض له وعليه منه وفيه بذلك .
كذلك الحكم في ذلك والتصديق يقع على وجهين :
أحدهما على التخيير ، والآخر على الوجوب .
فأما التخيير : فرفع الواحد ممن يقبل قوله في رفع الولاية ، ممن يبصر الولاية والبراءة من أهل الاستقامة من المسلمين ، فالمرفوع إليه ذلك مخير ، إن (2/41)
صفحة 38
شاء صدق وتولى المرفوع ولايته ، وإن شاء تولى الرافع ووقف عن المرفوع ولايته .
فصل : والواجب في ذلك رفع الاثنين فصاعدا ممن يبصر ذلك ، فإذا رفع ذلك ذهب التخيير ووجب التصديق ، وإنفاذ الحكم بالولاية .
وكل ذلك يقع على تصديق الرافعين وقبول قولهم في حجة الدين ، واختيار الرأي ، لا على وجه الشهادة لهم بصدق أقوالهم ، والشهادة للمرفوع أمره والمشهود له أنه كذلك على سبيل قطع العلم .
وأما الخبرة وصحة الشهرة فيوجب صحة علم الظاهر من ذلك ، والشهادة له وعليه بذلك ، والفرق في ذلك بين عند أهل العلم إن شاء الله تعالى.
وقد مضى القول فيمن استحق ولاية حكم الظاهر بوجه من وجوه ولاية الظاهر التي وصفناها ، وهي ثلاثة وجوه : خبرة وشهرة ورفيعة ، فكل من استحق الولاية بأحد هذه الوجوه في حكم الظاهر ، فلا يستحق ولاية حكم الحقيقة أنه مؤمن ، أو أنه من أهل الجنة ، إلا على الشريطة أنه إن كان في سريرته كعلانيته فيما قد صح من أمره في الخبرة أو صحيح الشهرة ، ومات على ذلك ، فهو لا محال من أهل الجنة ، لأنه لا تجوز ولاية في حكم الظاهر إلا لمن كان على سبيل أهل الجنة ، إن كان صادقا في سريرته ومات على ذلك ، ولا يحكم له قطعا على كل حال بالجنة إلا على الشريطة ، ولو كان بمنزلة أبي بكر الصديق وأبي حفص عمر بن الخطاب ، -رضي الله عنهما- ، فلا نعلم أن أحدا من أهل القبلة مثلهما ، فلا يجوز الشهادة لهما بالجنة بما قد شهر من فضلهما ، إلا أن يصح مع أحد من الناس فيهما حكم الحقيقة عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صحيح تأويل في كتاب الله ، يصح معه ذلك من طريق الشهرة ، كما صح معه التنزيل من كتاب الله أن تلك الآية نزلت فيهما أوفي أحدهما ، فإذا صح معه ذلك لزمه فيهما ، أو فيمن صح معه فيه منهما حكم (2/42)
صفحة 39
الحقيقة ذلك ، وزال فيه حكم الشريطة فهذا فيمن صح فيه مع أحد من الناس ما يستحق به الولاية بخبرة أو بصحيح شهرة . وأما من لم يصح منه ذلك ، وإنما كانت ولايته بشهادة أو برفيعة ، فلا تكون الشهادة له بالقطع أنه ولي في الحكم بالظاهر أنه من المسلمين ولا من الصالحين ، كما يشهد لمن علم منه ذلك بالخبرة والمشاهدة ، أو ما يصح من طريق صحة الشهرة ، وإنما يتولى بالشهادة والرفيعة على ما قامت فيه من حجة الشهود ، وتصديق الرافعين على ما تقوم به الحجة من شهادة الشهود في ذلك ، وتصديق الرافعين من الواحد الذي يجوز قبول قوله ، ورفعه لولاية المتولي له ، سواء ذلك كان المرفوع ولايته والمشهود له بما تجب به ولايته ، ويتولاه حيا وميتا شاهدا أو غائبا ، فذلك جائز فيه ولازم فيه قيام الحجة من ولاية الاثنين من علماء المسلمين فصاعدا له ، ولا نعلم أن أحدا قال إن في ذلك فرق بين الحي والميت ، ولا الغائب ولا الحاضر ولا المتقدم ولا المستأخر ، ولا يجوز-مع ذلك كله -أن يشهد له بما شهدت له به الحجة ولا يعتقد له صحة ذلك أنه كذلك ، ولكن يتولى بقيام الحجة وتصديق الرافع ، بلا قطع للشهادة له بذلك ، ولا اعتقاد تصديق الشاهدين وولاية المتولي أنها كذلك بالحقيقة ، فإن اعتقد ذلك المرفوع إليه من تصديق الشاهدين وحقيقة صدق المتولي أنهما كذلك ، فذلك من شهادة الزور وتعاطي علم الغيب ، ولا يجوز ذلك ، فإن فعل ذلك كان بذلك هالكا إلا أن يتوب ، كما كان علم الظاهر مما يصح من طريق الخبرة أو صحة الشهرة ، لا تجوز فيه شهادة الحقيقة وولاية الحقيقة قطعا أنه كذلك مؤمن ، أو من أهل الجنة إِلا على الشريطة ، إن كانت سريرته كعلانيته ومات على ذلك ، فهو مؤمن من أهل الجنة .
وكلما كانت ولاية الحقيقة موجبة لعلم الحقيقة ، ولا تجوز فيه البراءة بالحكم بالظاهر ، ولا الولاية بحكم الظاهر ، وإنما يتولى ولاية الحقيقة بصحة (2/43)
صفحة 40
سعادته ، فمن حكم بحكم الحقيقة في موضع حكم الظاهر في ولاية أو براءة كان بذلك هالكا ، وكذلك إن حكم بأحكام الظاهر في مواضع أحكام الحقيقة كان بذلك هالكا ، وكذلك من حكم بأحكام قبول حجة الشاهدين وتصديق المتولِّين في موضع حكم ولاية العلم بالخبرة أو بصحيح الشهرة ، كان بذلك هالكا ، وكذلك من حكم بحكم علم الخبرة أو صحيح الشهرة في موضع ولاية قبول شهادة الشاهدين وتصديق المتولين ، كان بذلك هالكا إلا أن يتوب من ذلك . فافهموا ذلك إن شاء الله . (2/44)
صفحة 41
باب: الدور وأحكامها والقول في ذلك
جملة ذلك أن الناس لا يخلون من أحد ثلاثة منازل :
معروف بخير لا يعرف منه شر وهو في دار حق جار عليها أحكام العدل ، ودعوة أهل العدل ، لا اختلاط في تلك الدار من الأديان الظاهرة فيها إِلا دين أهل العدل ، فتلك دار عدل لا يحتاج فيها إلى خبرة ، حتى يشهر عليه مخالفة للحق بدين أو بما يدين بتحريمه ، فإذا عرف منه الخير ولم يعرف منه شر ، وهو في دار أهل العدل وجبت ولايته ، وإذا عرف منه شر أنزله شره حيث أنزله ، والحكم فيه كان في دار أهل العدل أو دار أهل الجور أو دار الاختلاط من الأديان ، وإذا لم يعرف منه خير يوجب له البراءة من الناس ، أو شر يوجب عليه أحكام الشر ، فهو مجهول والوقوف أولى به كان في دار عدل أو دار جور ، أو دار اختلاط تتظاهر فيها الأديان من دين أهل العدل وأهل الجور ، وأهل الحق وأهل الباطل ، وأهل الهدى وأهل الضلال ، وإذا كانت الدار كلها دار عدل وأهل نحلة العدل ، لا تتظاهر في تلك الدار الأديان بالباطل ، وإنما جملة أهل الدار على نحلة أهل العدل ، كانت دار حق ، ولو كانت في أيدي الجبابرة الذين ينتهكون ما يدينون بتحريمه ، ولو كان فيهم من الرعية من هو ينتهك ما يدين بتحريمه ، وإذا كان دين أهلها لا يجوز فيها إلا دين أهل العدل ، ولا يظهر فيها متدين بدين بدعة باطل ، فهي دار حق وعدل ولو لم يكن لأهلها إمام عدل يملك الدار ، وكان من ظهر منه خير من (2/45)
صفحة 42
أهل الدار ، ما يستوجب بذلك العمل الولاية إلا الخيرة بالقول ، فلا خيرة عليه ولا فيه ، وظهور العمل منه بالصالحات ولزوم الطاعات والخيرات ، موجب لموافقته في الدار ، حتى يصح أن ذلك منه على غير دين الحق ، ولو كان في دار الغالب على أهلها الفساق من أهل دعوة الحق الذين يدينون بدين الحق ، وإنما ينتهكون بما يدينون بتحريمه ، ولا يقضي بذلك على أهل الدار ، بل الدار دار أهل النحلة وأهل الدين ، وإذا كانت الدار وأهلها على دعوة الحق وأهل العدل فهو على ذلك .
ومن ظهر منه تعبد بخير وعمل بالصالحات وجبت ولايته ، ولم يكلف في ذلك محنة بقول ، حتى يظهر في الدار من يدين بالضلال ، ويتعبد على سبيل الضلال ، ويعمل بالصالحات على دين الضلال ، فإذا ظهر ذلك في الدار فإن غلب عليها دين أهل الضلال أو تكافأت فيها الأديان ، فالقول في ذلك واحد، ولا تجب الولاية حتى تقع الخبرة أو المحنة ، أو شهر على المعتدي بالصالحات في الدار التدين بدين أهل العدل ، الني يفارق أهل الضلال في التدين ، فإذا ظهر على المتعبد بالصالحات والخيرات اسم التدين بدين أهل الاستقامة ، كما ظهر على المتدين بدين أهل الضلال في ذلك ، وجبت ولاية هذا وعداوة هذا بالشهرة ، فكل من أشكل أمره في دار اختلاط أو دار غالب عليها أهل الضلال ، أنه ليس من أهل الضلال بعينه ، ولا من أهل العدل فهو موقوف عنه ، ولو ظهر منه العمل بالصالحات والمسارعة إِلى الخيرات ، وكل من شهر له اسم التدين بدين أهل الاستقامة ، ولم يشهر له الفضل والعمل بالخيرات ، ولم يعلم منه شر ظاهر ففيه قولان :
أحدهما : أنه يتولى شهرة اسم الموافقة إذا لم يعلم منه مع ذلك شر يظهر كما ظهر له اسم الخير.
وقال من قال : لا يتولى على شهرة التدين منه بدين أهل الاستقامة حتى (2/46)
صفحة 43
يظهر منه ما يصدق به القول بالعمل الشاهر ، كما عرف منه التدين بالقول الشاهر ، وهذا هو أكثر القول فيما عرفنا والله الموفق للصواب .
والأحكام في ظاهر الأمور فيما تعبد الله عباده في الولاية والبراءة في ظاهر الأمور لا على السرائر ، ولا يكلف العباد حكم السرائر في شيء من الأمور ، فلو أن مصرا من الأمصار غلب عليه أهل الضلال وتظاهرت فيه الأديان بالضلال باستيلاء عليه ، أو تكافأت فيه تظاهر الأديان بدين أهل الاستقامة وأديان الضلال ، إلا موضعا واحدا معروفا ذلك الموضع وتلك البقعة وذلك البلد ، بالتمسك بدين أهل الاستقامة ، لا يعرف من أحد منهم تدين بدين ضلال ، كان ذلك الموضع وذلك البلد حكمه حكم أهل العدل ، وقضي له وعليه بأحكام أهل العدل ، وكان مَن ظهر منه في ذلك الموضع من أهله الجاري عليهم اسمه ، والنافذ عليهم حكمه صالحات الأعمال ، وظهر منه الخير، ولم يظهر منه شيء من الشر من تدين بضلال ولا انتهاك لما يدين بتحريمه ، كان ذلك داخلا في جملة من شهر عليه التسمي بدين أهل العدل ، ووجبت ولايته بغير محنة ، والشهرة لأهل بلد بالعدل ، والتسمي بالعدل في دينهم ، أصح من الشهرة لرجل بعينه في بلد ، فكما جازت الشهرة وقضت لرجل بعينه إذا شهر له ذلك ، وكان ذلك قاضيا له وعليه ، ولم تلزم فيه محنة إذا صح له التسمي بالعدل وعلم منه الصلاح في الأعمال ، ولم يعلم منه شر ظاهر ، ولو كان في دار مسئول عليها أهل الضلال ، أو في دار اختلاط أو في دار لا يصح له فيها حكم عدل ، فكذلك إذا صح بالشهرة لجميع أهل البلد ، كان البلد دارا لهم ، ولو كانت مسفاة من المسافي المتعلقة في بعض رؤوس الجبال ، أو منقطعة في فيافي من الأرض ، أو بلد معروف من مصر من الأمصار وسائر البلدان من المصر يشتمل عليها الاختلاط في التدين ، أو يغلب على أهلها التدين بالضلال ، ولو كان ذلك البلد الذي قد صح أن أهلها ينتحلون في دينهم نحلة أهل العدل والاستقامة من الأمة لم يكن يعرف فيه (2/47)
صفحة 44
رجل واحد ممن تجب له الولاية ، إلا أنهم كلهم فسّاق ينتهكون ما يدينون بتحريمه ، فكل من ظهر له منهم توبة وعملا صالح على ما قد ظهر لهم من صحة المذهب في الدين ، فهو في الولاية ولا محنة عليه ، وهذا ما لا يرتاب فيه مع من أبصر أحكام الدور وتمييز الأمور والله العالم بما تكنه الصدور ، وإنما الأحكام في العباد بالظاهر المشهور .
فصل : وكل ما عدا السر فهو جهر ، وكل ما صار إلى الجهر فهو من أحكام المشهور .
وأما إذا كانت الدار دار اختلاط أو دار فساد ، فاستولى عليها حاكم عدل حتى ظهرت عليها أحكامه ، وأنفذت فيها أقسامه ، وعلت يده وأخمد ظهور الباطل وأظهر الحق ، فإن الدار تتحول إليه ، ويرجع الناس إلى العدل ، فتكون الدار دار عدل بظهور العدل على أهلها ، وخمود الباطل من أهلها ، فمن لم يعرف منه شر وعرف منه خير وعمل بالصالحات ، ولم تظهر منه مخالفة للإمام ، والحاكم الظاهر عليها من الحكام ، صح له بذلك حكم الإسلام بغير محنة ، إذا تحولت الدار إِلى العدل .
وأما إذا كان في الدار من يتهم بالتدين بالضلال وإنما ترك ما كان عليه في حال التقية ، وهو يظهر منه أسباب اللهمة بذلك ، وقد تحولت الدار في الظاهر إلى العدل ، فإنما يقطع الريب على من اتهم بعينه ، لا يقع على جملة أهل الدار تهمة ، إذا تحولت في ظاهر الأمر إلى العدل .
والعدل أولى بها وبأهلها والأغلب من الأمور هو القاضي على جملة الأمور ، حتى يصح على أحد حكم الخاص ، ولا يسالم أحد من أهل الدار إِذا كانت في أيدي أهل العدل ، إلا على إظهار التسليم للعدل بالقول الظاهر ، إذا كان قد عرف منهم التدين بالضلال ، فلا توبة لهم ولا مسالمة إِلا بإظهار قبول الحق ، والشهادة على خطا الذي كانوا عليه بالخطأ والضلال ، وكذلك كل متهم بشيء من ذلك ، أنه (2/48)
صفحة 45
يقبل ذلك في العلانية ، ويقول بغير ذلك ويعمل به في السريرة ، وتظاهرت عليه بذلك اللهم ، لم يقبل منه ذلك وأودع الحبس حتى ينتهي عن ذلك ، وتبرأ القلوب من تهمته على دين الإسلام وأهله ، وعلى هذا تكون الدار دار حق وعدل بالمالك لما ، فافهموا ذلك و بالله التوفيق . (2/49)
صفحة 46
باب: الموافقة في الدين في معاني الاختلاف في أحداث أهل عُمان
لا تصح معنا - بعد يومنا هذا -موافقة لمن انتحل دين الإباضية من أهل عمان ، مع ولايته لمحبوب بن الرحيل ، أحد من علماء المسلمين إلى عزان بن الصقر - رحمه الله- ، إلا بالموافقة في أحداث أهل عمان ، أن كلا من أهل الدار مخصوص فيها بعلمه ، إلا من تظاهرت منه شواهد السلامة من الحكم في هذه الأحداث ، بأحكام البدع فيها وفي أهلها وفي المتدينين فيها وفي أهلها ، من أهل الدين من أهل الاستقامة ، فمن تظاهرت براءته من ذلك ، وبرىء من اللهمة في ذلك فهو على جملة من مضى من السلف الصالح ، لا فرق في ذلك الإمام خفي أمره ولم يظهر منه له براءة من الشبهة في ذلك ، برىء من اللهمة بالدخول في ذلك بجهل أو بعلم ، لأن هذه الأحداث ، وان كانت لم تقع على أحكام البدع ، فيكون الحكم فيها في واحد ، وتجب المحنة فيها ، وكان كل من أهلها ومن المتدينين فيها مخصوص فيها بعلمها ، وجار عليها حكمه ونازل به اسمه ، وكان كل من أهلها ومن المتدينين فيها مخصوص فيها بعلمه وجار عليها حكمه ، ونازل به اسمه ، وكان من مضى من المسلمين قد تظاهرت عليه فيها وفي أهلها وني المتدينين فيها ، وفي أهلها أحكام السلامة من الفتنة و الهلكة ، عن وقوع أحكام البدع به والدخول فيها منه إلى انقراض (2/50)
صفحة 47
أهل العلم من المسلمين ، فإنه قد خلف من بعد السلف الصالح خلف ، أنزلوا أنفسهم منازل ورثة السنة والكتاب ، وادعوا لأنفسهم أن في أيديهم الحكمة ، وفصل الخطاب ، وقضوا لأنفسهم دون غيرهم بالصواب ، وأظهروا الفرقة في موضع التوحد ، وحكموا بحكم الإجماع فيها فيما قد صح فيه حكم الاختلاف ، وأدخلوا في ذلك الطعن على من مضى من العلماء والأسلاف ، وفرقوا في أهل هذه الأحداث التي ذكرنا ، أو في كثير منها بين المجتمعات ، وجمعوا في كثير من أمورها بين المفترقات ، ثم قالوا للناس كونوا لنا من دون الله عبادا ، واسمعوا لنا وأطيعوا ، كان أمرنا صلاحا أو فسادا .
(يريدون ليطفئوا نُوَر اللّهِ بأفواههم وَاللّهُ مُتُِم نُوره وَلَو كَرَه الكافرون ) (1).
وهم أهل الصفة التي ذكرناها ، وقعدنا لها قواعد الأصول التي أ صلناها .
ونحن -مع ذلك -إن شاء الله - عز وجل - ، عن تسمية أهل هذه الصفة واقفون ، ولهم بمقالهم المعروف وصفاتهم التي أوضحناها واصفون .
ونحن إن شاء الله -تعالى- نبين أحوالهم ، ونستعرض أوصافهم وأقوالهم ، وفي هذا المقام نحن إن شاء الله بالتلويح فيهم دون التصريح مكتفون ، وحسابهم على الله يوم القيامة ، والله نسأله التوفيق في جميع ا لأمور .
__________
(1) - الآية (8) سورة الصف . (2/51)
صفحة 48
باب: العلماء ومن هو حجة منهم على غيرهم
لا حجة للمخلوق على خالقه في وجه من الوجوه ، ولو كان في سابق علم الله أن يعذب من عصاه ، وعلم أنه يعصيه بغير حجة يقيمها عليه ، ما كان ذلك في حكمه ظلما ولا جورا ، بل كان في ذلك عادلا ، ولكن الله - تبارك وتعالى -شاء أن يتعبد بمعرفة وحجة يقيمها على عباده ، بما يعلمون أنه من الحجج التي ينكرونها من بعضهم بعض ، ولا يأتي بها بعضهم لبعض من ذات أنفسهم ، إلا بأمر من قبل الله ، وهداية من قبل الله ، والعالم على أهل زمانه لله -تبارك وتعالى- حجة وشاهد عليهم ، كما كانت الأنبياء والرسل حجة لله على عباده ، بما أقام عليهم الحجة من معرفة حججه وواضحات براهينه ، التي ألهمها العاِلم منهم دون غيره من العامة ، على نحو ما أقام عليهم الحجة بالدلائل والآيات التي آتاها الرسل ، وإن كان العاِلم لا يؤتى المعجزات فإنه يختص من الله بعظيم الهبات ، ويظهر له من لسانه ما يخالف به غيره من العامة ، من الواضحات والبراهين والبينات ، التي تشابه في زمانه ومع أهل زمانه معجزات الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - فيكون في المصر من الأمصار العظام الكبار ، رجل أو رجلان قد انطلقت الألسن فيهما ، بما قد فاقا به غيرهما ومدت الأعين بالإجماع إليهما ، وانفتحت القلوب لهما ، لما قد ظهر منهما من مخالفتهما لغيرهما من العلم والفضل والصدق والعدل ، حتى لا يقدر العالم أن يدفع ذلك عن نفسه ، ولو أنكر ذلك ونفاه عن نفسه (2/53)
صفحة 49
ما أقبلت القلوب إلى ذلك ، ولا اطمأنت النفوس إلى ذلك منه ، وحتى لا يقدر عدوه في الدين ولا في غير الدين أن ينكر منزلته ولا مكانه ، وتنطق الألسنة باسمه في المصر ، وكفاه بهذا حجة قاهرة وبينة شاهرة .
وشهرة العاِلم في البلد أو المصر أو المحلة من البلد بمنزلة شهرة الحجام والمتطبب والنساج والحداد ، والصانع من الصناع ، قد قامت الحجة في العقول من الصغير والكبر والخاصة والعامة ، أن لكل من هؤلاء منزلة ، واليه للناس حاجة ليست إلى الآخر ، ولا يوجد مع الآخر كذلك شهرة التجار في البلد من يكون منهم معروفا بالبر ومن يكون منهم معروفا بالعِطْر ، ومنهم من يكون معروفا بالصندل ، ومن يكون متهم معروفا بالادام ويبيع سائر الطعام ، لا تنكر العقول ذلك ، وقد يشهر التاجر في المصر كله لكثرة ما معه من المال والجهازات ، وجملة القول أنه موجود عنده كل ما أراد الناس من التجارات من النيروز والعطور وغيرها من الأشياء .
فصل : وربما ظهر له الاسم وشهر في المصر كله ، في فن من فنون التجارة دون الفن الآخر من فنون التجارة ، وكان شاهرا ذكره مع جميع أهل المصر في ذلك الفن من فنون التجارة فلا ينكره أحد من أهل المصر أنه بتلك المنزلة ، إلا من يبلغ إليه علمه وقل ذلك .
ولعله يشهر مع الصغير والكبير حتى تقوم في العقول صحة ذلك ، ولا يرونه ولا يصلون إِليه ولا يشترون من عنده شيئا ، وربما شهر اسم التاجر في فنون التجارات في قطر من المصر وطرف منه ، ولم يشهر في المصر كله ، مثل الشرق والغرب والسر والجوف من عمان ، وقد يشهر للتاجر اسمه في الجوف بأجمعه ، ولا يشهر في الغرب ولا في الشرق ولا في السر ، وكذلك قد يشهر للتاجر اسمه في التجارة جميعها ، وأنه موجود عنده كل ما احتاج الناس إليه ، إلا ما شاء الله ، ولا يكاد أن يعدم من عنده إلا نوادر تقدم من أقطار عمان كلها ، إِلا من قصبة صحار ، إذا كانت هي الفرضة لفنون التجارة بعمان ، من سائر التجارات غير الأطعمة المعروفة بغير (2/54)
صفحة 50
الفرضة .
وقد يشهر للتاجر الاسم بتجارته في البلد من البلدان ، ومع أهل بلده دون غيره من البلدان ، فيكون ذلك التاجر معروفا عندهم بالتجارة ، وأنه يوجد عنده من فنون التجارة ما لا يوجد من غيره من أهل البلد الذي هو فيه ، ولا ينكر ذلك أهل العقول ، ولا تشك فيه القلوب .
ومنازل التجارة مختلفة في قلوب الناس .
كذلك قد يشهر في كل بللا من البلدان أحسن صناعهم في البلد صناعة ، وأحكمهم عملا ، فيكون في البلد واحد من النساج ، مجمع على عمله بالرضا ، أو مجمع على عمله بالرداءة ، وسائرهم كذلك كل واحد قد نزل بمنزلة ، قد كادت لا تخفى على جميع أهل بلده إلا ما شاء الله ، وكذلك الأطباء والحجامون وسائر الصناع ، قد يوجد الطبيب قد شهر له اسم في المصر كله ، والعلة في الأمصار غير مصره الذي هو فيه ، ويوجد مع هذه الشهرة في التجارة والأطباء والصناع شاهدا مع كل منهم من شهوة اسمه في تجارته وصناعته ، وإن اختلفت أسماؤهم ومنازلهم وكثرت فلا تجد أكثرهم إلا وقد شهر عليه مع ما شهر له من اسم تجارته وصناعته حسن الثناء عليه من ذلك ، أو قبح الثناء عليه ، وحتى نكاد أن نقف على جميع أموره ، في صدقه في تجارته أو كذبه ، وأمانته أو خيانته ، وبره من فجوره ، فقد قامت في العقول شواهد ما يوجد عنده من التجارات والصناعات وقضاء الحوائج ، من فن أو فنون منها ، وحسن الثناء عليه أو سوء الثناء ، واللهم فيه والأمانة والخيانة . ولا يشهر اسم تخلفه في شيء من الأمور التي يحتاج إِليها الناس ، وتمد إليه الأعين وتطبق فيه الألسن ، إلا وانكشف حاله مع ذلك فيما قد نزل به من المنازل ، من أمانة أو خيانة أو تهمة ، ولا يكون غير هذا ، وإنما تجهل حالة المجهول الذي لا يحتاج إليه ، فلا تنطبق الألسن له ولا عليه ، هذا ما لا ينكر من أمور الناس وأحوالهم .
والناس في جميع الأمور باجمعهم ، على أربعة أحوال وأربع منازل ممن (2/55)
صفحة 51
عرف ووقعت عليه الألحاظ من الأبصار والمعقولات من الأسماع والقلوب ، ولا ينفك كل معاين أر مسموع به أو معقول أمره من أربعة أحوال :
إما ظاهر الأمانة فيما ظهر له فيه الاسم ، ووجب له فيه الحكم ، فقد زالت عنه الخيانة بصحة الأمانة .
وإما ظاهر عليه الخيانة ، فقد زالت الأمانة بتظاهر الخيانة .
وإما مشكل الأمر لا تصح له أمانة ولا تصح منه خيانة ، وهو غير مجهول الحال ، غير أنه متناقض الأحوال ، فذلك حكمه حكم اللهمة ، لا يحكم له بالأمانة ولا عليه بالخيانة ، فهو مشكل مشتبه الحال ، وربما كان هذا ترجى فيه الأمانة أكثر مما يُخاف منه الخيانة ، وربما كانت تخاف منه الخيانة أكثر مما ترجى منه الأمانة ، وعلى كل حال فلا يصح له أمر فيما ظهر من أمره الذي قد صح له .
ورابع مجهول لا يعرف حاله ، فذلك لا يسمى ولا يوصف ، لأن المجهول لا يعرف والمعدوم لا يوصف .
ومثل العلماء ي اختلاف منازلهم مع صحة مذاهبهم بالشهرة ، التي تجمعهم بها نحلة الاستقامة ، وان اختلفت منازلهم في علمهم مع تواطىء أماناتهم فيما حمل كل واحد منهم من العلم ، كمثل منازل التجار الشاهر لهم اسم التجارة في البلدان والأمصار على نحو ما وصفنا ، وشهرة كل تاجر من التجار مع من شهرة اسمه معه ، وسعة تجارته وضيق تجارته وصدقه وكذبه في تجارته ، وأمانته وخيانته في تجارته ، وبراءته وتهمته في تجارته ، وذلك مما لا تتكلفه العقول بل ذلك يحل في العقول محل العيان وأوضح من العيان ، ولو كان ذلك لا يصح إلا بالخبرة والمشاهدة ، ما حل ذلك أبدا محل الشهرة ، والشهرة قاضية في ذلك على المشاهدة والخبرة ، كذلك العالم المأمون فيما حمل من العلم ، وعلى ما حمل من العلم المتظاهر له ني ذلك الأمانة ، البريء في (2/56)
صفحة 52
ذلك من اللهمة والخيانة ، حجة على من صح معه علمه وفضله ، ولو كان ذلك إنما صح في محلة من محال بلدر الذي يسكن فيه ، ولم يشهر ذلك ولم يصح مع جميع أهله في بلده ، وحجة كل من صحت له حجة في الإسلام ، فهي على من قامت عليه بمعرفته ، بقيام الحجة هن الحجة ، ولا يسع من عرف ذلك من هذا العالم المأمون ، أن يشك في الحجة منه إذا لم يصح ذلك مع غيره من أهل البلد ، أو من أهل الطرف من المصر ، والكورة من المصر ، ولا تقوم حجة ذلك العالم على غيره ممن جهله وجهل منزلته ، كما أن العدالة في أمر الشهادة لا تقوم الحجة فيها وبهاا إلا على من عرف عدالة الشاهد ، ولا تقوم على الحاكم الحجة ، ولا له قبول شهادة العدل في علم غيره ، في علم الله -تبارك وتعالى-، إلا حتى يصح معه فيه ما تقوم له به الحجة وعليه .
ولورد الحاكم شهادة موسى بن علي ومحمد بن محبوب إذا لم تصح معه عداللهما ، لما كانا في بلد لم يعرفهما الحاكم الذي شهدا معه فيه فرد شهادتهما ، كان بذلك مصيبا ولو قبل شهادتهما بغير علم ، إذ هما عند غيره من أهل الخبرة بهما ، حجة في جميع دين الله ، في جميع ما شهدا به على وجه ما تجوز شهادتهما فيه ، كان بذلك محدثا هالكا ، وكذلك قد يشهر علم العالم في بلده الذي هو فيه ، وتصح أمانته وصدقه في علمه الذي جهله ، فيكون حجة في الفتيا ، فيما يسع جهله ، على من صح معه علمه ، وشهر معه فضله وصدته ، ولا يكون حجة على غير أهل بلده ممن عرف منهم وصح معه ذلك منه ، إذا كان بالحق الذي لا يختلف فيه.
وكذلك يصح للعالم علمه في طرف من المصر ، دون غيره من أطراف المصر ، ويشهر فضله في ذلك الطرف ولا يشهر له ذلك في غير الطرف من المصر، فتقوم حجته على من صح معه علمه وفضله وعدله .
وقد يكون العالم شاهر العلم والفضل والأمانة والعدل في جميع المصر ، ولا يختلف فيه أهل المصر في علمه وفضله وأمانته وصدقه وعدله ، فيكون ذلك العالم حجة على جميع أهل المصر ، الذين صح معهم علمه وفضله وصدقه (2/57)
صفحة 53
وعدله ،ولا يكون حجة على سائر الأمصار الذين لم يصح معهم علمه ولا فضله وأمانته وعدله .
فصل : وقد يكون العالم حجة بشهرة علمه وفضله وعدله ، على جميع أهل الأمصار ، إذا شهر له ذلك في جميع الأمصار ، كنحو عبدالله بن عباس وجابر بن زيد - رحمهما الله - ، و غيرهما من علماء المسلمين ، المشهورين في الأمصار والآفاق ، إذا صح بالشاهر له صحة علمه وفضله وأمانته وعدله ، ولو صح معه علمه وفضله وعدله ، وعرفه الجاهل الني تقوم عليه الحجة ، فيما يسعه جهله بعينه ، مع شهرة علمه وفضله ، وأمانته وعدله ، ولو صح معه علمه وفضله وعدله بالشهرة ولا يعرفه بالعيان ، فلقيه في بعض سكك الأمصار ، أو في بعض الفيافي والقفار ، أو في المسجد الحرام ، أو في موضع من المواضع ، وقد صح معه فضله ، وعلمه بشهرة منزلته واسمه ، إلا أنه لا يعرفه بعينه فأفتاه ، بما لا تقوم له به الحجة إلا من العالم ، لم يكن ذلك عليه حجة ، ولا يهلك بذلك حتى يعلم المنزلة التي يكون العالم بها حجة ، ويعرفه بعينه إذا لقيه ، وكذلك لو كان العالم عالما مع غيره من العالمين به ، أنه قد قامت الحجة به على من علمه ، ولم يعلم منه هذا الجاهل هشم المنزلة كنحو ما وصفنا ، من اختلاف شهرة العلماء واختلاف علم العامة فيهم ، فعلم من هذا العالم من قد علم من العلم والفضل والعدل ، ما يكون به حجة عليه ولم يعلم منه هذا ذلك ، فلا يكون ذلك عليه حجة فيما يسعه جهله ، إلا أن يعرف عدل ذلك ويبين له صوابه ، فعلمه حينئذ حجة عليه ، من أين كان ذلك العلم ومن أين ورد عليه ذلك الخبر ، ومن أين وطىء ذلك الأثر فبان له صوابه وأبصر عدله ، لزمته الحجة فيه ، ولم يكن له أن يرجع بعد ذلك إلى الشك بعد اليقين ، فإن رجع إلى الشك بعد ذلك عن الحق الذي ورد عليه واطمأن قلبه إليه ، كان بذلك من الهالكين ، ولا نعلم في هذا اختلافا ، وعلم المرء من أي وجه ورد عليه علمه ، وأبصر عدله ، وبان له صوابه ، وانشرح له واطمأن إليه قلبه ، وذهب عنه الريب من جهله ، وبان له طرائق (2/58)
صفحة 54
عدله ، وهو في الأصل من دين الله الني لا يختلف فيه ، فليس له أن يرجح بعد ذلك العلم إلى الجهل ، ولا بعد اليقين إلى الشك ، ولا بعد ذلك الهدى إلى الضلال ، وقد قال الله - تبارك وتعالى - : ( فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون)(1) . ، فعلم المرء عليه أوجب حجة من علم العالم الذي يقوم عليه بما يسعه جهله ، لأن العالم فيما يسعه جهله قد جاء فيه الاختلاف ، وما جاء فيه الاختلاف فلا يحكم قيه بأحكام الدين ، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا ، ولو كان علم ذلك من لسان صبي أو معتوه أو مشرك أو أعرابي جلف ، أومن أثر مرسوم بلفظ معلوم مفهوم ، فعرف ذلك وعقله كما عقل المتعلم الأشعار ، كسبعية امرؤ القيس من سبعية طرفة بن العبد من غيرهما من السبعيات وغيرها من الأشعار ، أنها ليست بسبعية امرؤ القيس ، فيسمع من يقول إن سبعية طرفة بن العبد هي من قول امرىء القيس ، أو يقول إن سبعية امرىء القيس هي من قول طرفة بن العبد لم يجز لهذا السامع بعد أن قد صح معه وعرف بما لا يشك فيه ، أن هذا القائل كاذب في قوله ، إلا أن يشهد عليه أنه كاذب ، لأنه يعلم أن جميع العلماء بالأشعار والأخبار يشهدون معه على كذب هذا القائل ، ويشهدون معه على صدق نفسه ، وهذا ليس من أمر الدين ، وأمثال هذا مما يطول وصفه كثير، مثل أنه يسمع من يقول إن أبا جهل عمرو بن هشام وعتبة و شيبة ابني ربيعة قُتِلوا يوم حنين في محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقتلوا يوم بدر وإنما قتلوا بحنين ، وليس ذلك من أصول الدين ، ولكنه قد علم أن هذا كاذب فيما قد صح معه باليقين
أن هؤلاء كلهم لم يقتلوا يوم حنين ، وإنما قتلوا يوم بدر قبل يوم حنين ، هل كان يجوز لهذا أن يشك في كذب هذا القائل ، في مخالفته للحق الذي عرفه و الصدق الذي عرفه ، ولا يجوز له ذلك ولا يسعه ، فكيف إذا علم شيئا من أحكام الدين والحق من أحد من العالمين ، فعرف ذلك ولم يشك فيه ، فكيف يجوز له أن
__________
(1) - الآية ( 32) من سورة يونس. (2/59)
صفحة 55
يرجع إلى الشك بعد اليقين ، وإلى الجهل بعد العلم المبين ، هذا ما لا يجوز ولا يختلف فيه أحد من العالمين من المسلمين ولا غيرهم من المبتدعين ، وقد أجمع جميع الأمة بأسرها ، لا نعلم بينهم اختلافا أن بلوغ الحجة إليه ، وقيامها عليه علمه بها ، وأجمعوا أنه ليس بعد أن يعلم الحق بأي وجه كان ، أن له بعد ذلك شك في علمه ، وهذا ما يخرج أيضا من حجة العقل .
وقد يكون العالم مشهور العلم في فن من فنون العلم بالدين ، متظاهرا له في ذلك صحة العلم وغيره ، مشهور العلم في غير ذلك من الفنون ، وكلاهما في الفضل و الصدق والأمانة سواء ، ويكون هذا حجة في الفتيا فيما يسمع جهله ، في ذلك الفن الذي هو فيه عالم ، ولا يكون حجة فيما يسع جهله فيما لم تصح له فيه شهرة العلم ، ويكون الآخر حجة فيما صح له من شهرة العلم ، في ذلك الفن الذي صح له العلم فيه ، على هذا العالم وعلى غيره من العامة ، فيما يسع جهله من الدين ، ولو ظهر لهذا العالم العلم في فنون كثيرة من العلم والفقه ، وصح علمه في ذلك بالشهرة ، إلا أنه لم يشهر له في فن من الفنون ، من أصول الدين علم شاهر ، وشهر لغيره في ذلك الفن ، الذي لم يشهر له فيه علم أنه عالم به ، وشهر له في ذلك ، فإنه يكون حجة في ذلك الفن من العلم في الدين ، على هذا العالم الذي قد صح له العلم ، في فنون عدة ، ولم يصح لهذا العالم العلم إلا في الفن الواحد من الفرائض والمواريث ، أو الولاية والبراءة أو ما يسع جهله أو ما لا يسع جهله ، أو البيوع والربا ، أو ما أشبه هذا من الأصول والفنون ، وكل عالم في فن فهو حجة فيه على غيره من العلماء ، بغيره من الفنون ، وعلى العامة ممن عرف علمه بذلك ، أو صحت معه منزلته ، وقد مضى صفة المنازل من العلماء .
ومن المحال أن يأتي العالم على جميع الأصول في الدين فيكون محكما لجميع الدين والعلم في الدين ، وقد قيل عن أبي الشعثاء جابر بن زيد - رحمه الله -أنه قال : لقيت سبعين عالما من علماء بدر ، فتعلمت معهم حتى حطوا (2/60)
صفحة 56
حلقي في الماء ، حتى لقيت البحر يعني ابن عباس فيما قيل ، فقيل إنه خرج ذات يوم على أصحابه يتكىء على عكاز ، ابن سبعين سنة ، فقالوا له أو قيل له : أين تمضي يا أبا الشعثاء ؟ قال : أتعلم ديني ، ولم يقل أتعلم العلم ، فيخرج أنه يتعلم العلم ، وقد يكون من العلم ما يكون من الرأي فلا يسمى دينا ، ولكنه قال : أتعلم ديني ، وهذا ما لا ينكره أهل العقول ، وإنما المنكر على من قال إنه قد أحاط بعلم دينه ، أو تعلم العلم ، أو أحاط أو ظن ذلك في نفسه .
وقد قيل في الحكمة - وهو صحيح - : إنه مِن جهلك أن ترى في نفسك عالما ، ومن علمك أن ترى في نفسك جاهلا ، ولولا أنه كذلك ما كان كذلك قول جابر بن زيد - رحمه الله - ، والعالم يرى نفسه أنه جاهل ويخاف أنه جاهل ، والجاهل يرى نفسه عالما ويظن أنه عالم ، ومن أبصر العلم وسعته وكثرته واختلافه ، لم يجز في عقله إلا أنه جاهل عن الإحاطة باكثر العلم ، ويخاف على نفسه الهلاك بجهله بأمر دينه ، إن لم يهده الله ويرشده ويوفقه للعلم ويسدده ، وهذا ما لا شك فيه مع أهل العلم والفهم ، وإذا كان العالم مشهورا له صحة العلم بالفن الواحد ، من فنون العلم في أصول الدين ، وغيره من العلماء متظاهر له العلم في فنون من العلم غير فن هذا ، ومتظاهر له أيضا العلم بهذا الفن الذي قد صح معه لهذا العالم ، أنه عالم به وأنه ذو فن فيه ، فقد جاء الأثر والخبر أن ذا الفن أعلم من في الفنين ،وذو الفنين أعلم من ذي الثلاثة فنون ، وكذلك ما زاد إلى ما لا يحصى من الفنون ، إلى أن يكون جامعا لظواهر فنون العلم ، المعروفة المشهورة في الدين ، حتى يتظاهر له اسم العلم والفقه بجميع الفنون ، التي تنسب وتضاف إِلى العلماء ، من علم ما يسع جهله وما لا يسع جهله ، والولاية والبراءة والأحكام والأقسام والدماء والفروج ، حتى يظهر له أنه ناقد في جميع ما احتج إليه فيه ، وهو موجود عنده من فنون العلم ، جميع ما سئل عنه ، وإن كان لا يحصي العلم إلا الله ، ولكن يظهر له الشواهد من لسانه ، أنه يبصر فنون العلم الظاهرة ، (2/61)
صفحة 57
المحتاج إليه فيها ، المطلوبة من عنده ، المعارض بها من أعدائه ، المحتاج إليه فيها من أصحابه و أوليائه ، فإذا تظاهر للعالم في زمانه ومع أهل زمانه هذه الصفة ، وهذه المعرفة مع الأمانة ، وحسن الثناء في علمه ، وزالت في ظاهر الأمر تهمته وخيانته ، أنه لا يحرف العلم عن موضعه ، ولا يتكلف فيه ما لا يخرج على أصوله من رأيه وقوله ، فهو حجة على من جهل الحق من أمور الدين في زمانه ، ومع أهل زمانه ، ولو اختلفت الأحوال من العلماء ، كما اختلفت الأحوال من العدول والثقاة ، وكلهم حجة على المشهود عليه ، وعلى الحاكم أن يقبل شهادتهم إذا نزلوا بمنزلة العدالة والثقة ، ولو كان غيرهم أفضل منهم ، وأعدل منهم وأدين منهم ، فكما لا يجوز شهادة محمد بن محبوب أو موسى بن علي - رحمهما الله - في الأحكام إلا عن واحد ، ولو كان على قيمة قيراط لمسلم على يهودي ، ولا يكون حجة حتى يكون معه غيره ، وإذا كان معه غيره ممن نزل بمنزلة العدالة والثقة ، ولو كان دونه في المنزلة في العلم والفضل ، ودونه بالضعف أضافا مضاعفة ، فإنهما حينئذ يكونان حجة في الشهادة ، ولو كان محمد بن محبوب -رحمه الله - يشهد لمسلم على يهودي بقيراط ، ورجلان ثقتان دونه في الثقة ، والعدالة ممن يؤتمن على الأمانة ، ولا يعلم أنه مصر على شيء من الخيانة فيما يدين بتحريمه ، يشهد أن على ذلك المسلم لذلك اليهودي عشرة آلاف درهم ، ما-جاز أن يقبل قول محمد بن محبوب وحده ولوجب أن يقبل قول هذين الثقتين على ما شهدا عليه ، إذا كانا حجة في الإسلام فيما شهدا عليه ، ولو كانت الحجة إذا تفاضلت في الشيء سقط في الحجة من كان دون الأفضل ، لما جازت شهادة المهاجرين والأنصار بأجمع ، لأنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو أفضل منهم ، وكذلك لا يكونون حجة في الدين ولا حجة في العلم في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا من المحال ، ولكن الحجج تتفاضل وتفوق بعضها على بعض ، وهي حجة بحالها
وتقوم كل حجة بحالها ، ولو كان بعض الحجة أعلى من بعض ، وبعضها أفضل من بعض ي الشهرة ، ولا تزول حجج الله -تبارك وتعالى - لتفاضلها ، ولكن تقوم كل (2/62)
صفحة 58
حجة في موضعها على من علمها أو جهلها .
فصل : ولو صح لعالم من العلماء جميع فنون العلم المتظاهرة على ما وصفنا ، وصح لرجل في زمانه العلم في فن واحد أو فنين كانا كلاهما في العلم سواء ، في ذلك الذي قد صح لهذا العالم فيه من الفنون في العلم .
وقال من قال : إن هذا أعلم ، فإذا كان أعلم فهو أفضل ، ولكنا نقول إنه عالم لا شك في ذلك ، فيما قد شهر له من العلم في ذلك الفن ، كعلم العالم الجامع للعلم ، لا شك في ذلك ولا ريب ولا اختلاف ، وأنه حجة ي ذلك الفن ، كما كان هذا الجامع حجة فيما اجتمع له من الفنون من العلم في الدين ، ولا يكون العالم حجة إلا فيما تظاهرت له الأخبار وأنه عالم فيه ، وصح ذلك في ظاهر الأمور وصحة علم أمر العالم بما صح من علمه وفضله وصدقه وعدله في الشاهر ، لا اختلاف في ذلك أنه يصح ذلك فيه من طريق علم الشهرة ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
وأما إن قال رجل عالم ممن قد شهر له اسم في شيء من فنون العلم ، وأنه عالم فيه إن فلانا كغيره عالم فيه ، وأنه حجة فيه وعالم به ، فقيه فيه ، والذي قال ذلك حجة في ذلك الفن في الفتيا على من جهل ذلك ، فإذا قال في غيره إنه عالم ، أو إنه حجة ، أو إنه يبصر الولاية والبراءة ، وهو ممن يبصر الولاية والبراءة ، فقد اختلف في قوله ذلك .
فقال من قال : إن ذلك قوله حجة ، ويصح ذلك من قوله ، ويجوز ويلزم قبول قوله فيما قد قال فيه إنه حجة فيه ، لمن قام عليه وعلى من قام عليه بذلك ، ويكون حجة في جميع ذلك ، كما يكون حجة في رفع الولاية .
وقال من قال : لا يكون ذلك حجة ولا يصح ذلك إلا بالشهرة ، أو يرفع ذلك من أمره اثنان من أهل ذلك ، ولعل في بعض القول إنه لا يصح ذلك بقول الاثنين ، ولا يصح إلا بالشهرة ، ويجب في ذلك أن يقبل قول (2/63)
صفحة 59
الواحد الحجة في ذلك من طريق الأمانة ، كما يقبل قوله في الولاية من طريق التصديق والأمانة .
…وأما قول الضعيف من المسلمين والضعاف ، قلوا أو كثروا فلا يكون ذلك حجة منهم ، ولا يقوم بقولهم في ذلك حجة أن فلانا فقيه أو عالم أو يبصر الولاية والبراءة ، أو شيئا من فنون العلم إلا أن يصح ذلك بما لا يشك فيه العالم بذلك منه ، ولا يرتاب فيه أو يقول ذلك العلماء بذلك ، ومن تقوم به الحجة في ذلك ، على قول من قال بذلك .
ولكنا نقول : إن قال اثنان من المسلمين من ضعفائهم والأمناء على ما قالا إن فلانا الفقيه المشهور قال : إن فلانا كغيره عالم بكذا وكذا ، أو يبصر الولاية والبراءة ، أو شهدا بشيء من قوله ، يعبرانه عنه عبارة كافية عن تفسير ذلك من قوله ، فإن ذلك حجة منهما على قول من يقول إن ذلك حجة من الواحد من الفقهاء ، ولا يخرج ذلك على الإجماع ، وقد بينا ذلك ، ولا يقيم العلم محلى العالم إلا بالشهرة ، كذلك الحجة فيما يسع جهله لا تقوم إلا بما لا يسع فيه الجاهل الجهل ، مما لا يرتاب فيه .
وقد قيل ، : إنه إذا قال الضعيف من المسلمين الأمناء أنه يتولى فلانا ، أو رفع ولايته ، لم يكن ذلك حجة ولا جازت ولايته بذلك .
فإن قال بأن فلانا العالم بالولاية والبراءة كان يتولاه ، أو تولاه معه وشهد بذلك ورفعه ، نقلا عن العالم المعروف ببصر الولاية والبراءة ، جازت الولاية بولايته تلك على بعض القول ، ولا يجوز ذلك على الإجماع ، وإنما يكون جميع ذلك على التصديق والأمانة ، وقبول قول أهل العلم بما يشهدوا به وقالوا به على الشهادة بما شهدوا ، والقول بما قالوا على وجه التقليد والعلم بأنه كذلك كلا قال العالم أو الشاهد ، لأنه لا يجوز ذلك ، وإنما ذلك على الأمانة والتصديق ، وقبول القول منهم في الحجة الظاهرة من تصديق مقالاتهم ، وزوال الريب في أماناتهم ، وكذلك إن قال واحد من ضعاف المسلمين الأمناء يرفع ذلك إلى (2/64)
صفحة 60
فقيه مشهور عالم صحيح العلم ، أن فلانا يبصر الولاية والبراءة ، وعالم فقيه في ، كان ذلك معنا مقبولا على وجه الاختلاف لا على وجه الإجماع ، وإنما ذلك من تصديق القول ، وكذلك لو قال ضعيف من ضعفاء المسلمين ، عن معدل من المعدلين أنه عدل رجلا ممن احتيج إلى عدالله في موضع ما تجوز عدالله ، كان ذلك حجة على الاختلاف لا على الإجماع . (2/65)
صفحة 61
باب: المعارضات من الملبسة على الضعفاء المتمسكين
قال : فلما انقرض من أهل عمان أهل العلم من السلف ، وأهل البصائر والتمسك من الخلف ، والطبقة التالية منهم ، ممن أقر بفضل السابقين واعترف ، وآخر من بُلي من الضعفاء من المسلمين بفقده على حاجة منهم إليه ، ومعول منهم عَليه أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر ، وأبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر ، وأبو مالك غسان بن محمد بن الخضر- رحمهم الله - ، فلما نزل بالضعفاء المحنة لفقد أهل العلم منهم بأحكام الكتاب والسنة ، وخلف فيهم الخلف الرابع من الخلوف ، أصبحوا في أمورهم على منازل وصنوف ، وأمر موحش من أمورهم مخوف ، من ظهور الضغائن والإحن والتحريض على كشف الستور وهتك العورات .
فاعدم منهم مذاهب الحقائق الواضحات والمصانعات ، وصار المتمسكون بالنحلة صنوفا كثيرة وطبقات ، وصار الأغلب من أمورهم ما يشبه التقليد للرجال ، في جميع ما أمروا به من هداية أو ضلال ، وتركوا ما مضى عليه السلف الصالح ، من الاجتهاد في بذل النصائح ، بقبول الحق ممن جاء به ولو كان بغيضا بعيدا ، ورد الباطل على من جاء به ولو كان حبيبا قريبا ، وهم أهل الصفة التي ذكرناها ، والمنزلة التي أوردناها ، وسنذكر من أمورهم إن شاء الله ما نرجو أن في ذكره نفعا واحتسابا ، وأجرا من الله وثوابا ، وما نخاف على ترك ذكره العقاب ، والسخط من الله وسوء الحساب ، والله نسأله التوفيق ، في (2/67)
صفحة 62
جميع أمورنا بالعدل والصواب .
فصل : وإنما دعانا إلى هذا الذي قصدناه ، و اجتهدنا فيه وبيناه ، كثرة ما يظهر من المعارضات من أهل هذا الزمان ، لضعفاء المسلمين من هؤلاء العماة المتكلفين ، وإذ لم يرضوا بالذي هم عليه من التيه في أمورهم والتعسف والاغتشام لعامة أمورهم بالجهل والتكلف ، حتى يعارضوا الضعفاء من المسلمين المتمسكن ، المتبعين لسبيل من مضى من المهتدين ، فيأتوهم بالتماويه والملبًسات ، والمخصوصات من الآثار والمتشابهات ، ثم يطلبون منهم على ذلك بزعمهم الجدل والمناظرات ، ابتغاء الفتنة لهم والزلات ، واغتنام الهفوات والعثرات ، والحرص على إظهار العيوب والعورات ، فإن جاء الضعيف من المتمسكين على ذلك بحق حرفوه وعللوه ، وإن توجهت له حجة حق دفعوه عن ذلك واستنزلوه ، وإن لم تحضره حجة على ما قد تمسك به من الصواب ، اغتنموا منه ذلك وادعوا عليه وجهلوه ، وإن زل معهم فيما قد كلفوه من المناظر بزلة لم يردوه عنها ولم ينصروه وفارقوه على ذلك وضللوه ، وإن سألهم عما قد عمِي عليه من ذلك الأمر الذي اضطروه إليه وكان معهم فيه علم كتموه ، وإن أشرفوا منه على بصيرة لذلك لبسوا عليه من الأمر في ذلك وعموه ، فيظهرون أنهم يأمرون بالمعروف وهم عنه ناهون ، وأنهم ينهون عن المنكر وهم به آمرون وله آتون ، ويزعمون أنهم دعاة إلى دين الله وهم عنه ينأون ويدفعون ، وإن يهلكون بذلك إلا أنفسهم وما يشعرون ، في قلوبهم مرض وشك مما دخلوا فيه و التزموه ، فهم في ريبهم يترددون وفي حيرتهم وشكوكهم يعمهون ، ودوا لو عمي المسلمون المبصرون من المتمسكين كما عموا ، وقدموا من مشكلات الأمور على مثل الذي عليه قدموا ، ودخلوا معهم في مشبهات الأمور التي دخلوا فيها وأقحموا ، فكانوا معهم في جميع ذلك بالسواء ، واشتركوا جميعا في الضلالة و الغواء ، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق والهدى ، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ، ويعز الله دينه بتأييده ونصره ،ولا تتخذوا من أهل هذه الصفة في الدين وليا (2/68)
صفحة 63
ولا نصيرا ، ولا مُشارا عليه ولا مشيرا ، ولا تكونوا لأحد منهم على مذهبه عونا ولا ظهيرا ، واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، واعلموا أن الله شديد العقاب ، فاحذروا هذه البدعة وأهلها ، وأصل هذه الصفة وضلالها وجهلها ، واعرفوا أهل هذه المنزلة بالصفة ، واحترزوا منهم دقائق العلم والمعرفة ، ولا تتبعوا أهواءهم عما عرفتم من الحق عن علمائكم السالفة ، واحذروهم أن يفتنوكم عن بعض ما هداكم الله إليه من الدين ، وأن يلبسوا عليكم شيئا من حكم الكتاب المستبين ، وأن يصدوكم عن الصراط المستقيم .
فكونوا من خدائعهم وتلبيسهم على حذر ، واجتهدوا لأنفسكم في النظر ، والزموا حكم الكتاب والسنة والأثر ، ولا تقلدوا دينكم أحدا من الرجال ولا من البشر ، ودوروا مع الحق حيث دار ، وصِيروا معه حيث صار ، وأنزلوا الناس في منازلهم فاجرا كان أو بارا ، كان ذلك محزنا لكم أو سارا ، أو نافعا بكم في دار الدنيا أو ضارا ، واعلموا أنها فتنة صماء ، وبدعة مظلمة دهماء ، قد عموا فيها أهلها وصموا ، ثم ازدادوا بها عمى ، وازدادوا بفتنتها جهلا وصمما ، ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون ، وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ، وأنهم في ذلك مهتدون ، فلا وربك لا يهتدون ولا يوفقون للسبيل ، ولا يرشدون حتى يحكموا فيما شجر بينهم ، محكمات السنن والآثار ، ويقتدوا في ذلك بهدى السابقين الأخيار ، من السالفين الأولين من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان من ذوي العلم والأبصار ، وتابع التابعين لهم إلى يوم القيامة من العلماء والأخيار ، ويعزلوا فيما بين ذلك الميل إلى الأهواء والإيثار ، والعلو على أهل الحق والاستكبار ، والذهاب بأنفسهم إِلى الرفعة والاستكثار ، ويضعوا خدودهم في الحق للصغار والكبار ، والعبيد من الناس والأحرار ، ويساووا في حكم الحق بين الجميع من الصغار والكبار ، ويساووا في حكم الحق بين أهل المسافي من رجال الجوف ، وأهل العلالي من قصبة صحار ، وبين الأحورين وبين سكان هجار ، وبن أهل السيب وبين ساكني جرفار ، وحتى يكون جميع (2/69)
صفحة 64
الناس معهم في أحكام الحق بالعدل والقسط مستوين ، لا فرق بينهم مثل أسنان المشط ، ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا من ذلك ولا تأثيما ، ولا نكيرا عن ذلك لأنفسهم ولا تعظيما ، وحتى يرضوا في جميع ذلك ويسلموا تسليما ، بل قلوبهم في غفلة هذا و غمرات ، وشغل عن هذا و سكرات ، وعلى قلوبهم من هذا أقفال محكمات ، وأمواج متلاطمات ، وظلمات مدلهمات ، إذا أخرج أحدهم يده لم يكد يراها ، فلا يبصر لنفسه ضلالها من هداها ، ولا بصيرتها من عمالها ولهم أعمال من دون ذلك بضده هم لها عاملون ، وأقوال غير هذا بضده لها قائلون ، ولله الحجة البالغة التامة ، والنعمة السابغة العامة ، فمن ضل فعليه لله الحجة القائمة ، ومن اهتدى فلا منة له ولا سبيل عليه ولا لائمة ، ولا نعلم على ضعفاء المسلمين أدهى مضرة في دينهم من هذه الفتنة ، ولا أشد آفة عليهم في دينهم من هذه المحنة ، ولا أعظم رزية عليهم في دينهم من هذه البدعة ، ولا أقبح عاقبة لهم وتنافي ذات الدين من هذه الشنعة ، إذا أصبحت آثار الحق بينهم ميتة دريسة ، وأحوال المتسمين بالعدل بزعمهم قبيحة خسيسة، إذا جاءهم ملهوف ضعيف يسأل عن الدين أضلوه ، وإن سمعوا بمستبصر ضعيف من المتمسكين ، احتالوا عليه بتلبيسهم وأذلوه . وإن رأوا مستعفا عن المحارم ولسبيل الخيرات ملازما ، وبأمور دينه قائما ، تجمّعوا عليه وأرسلوا شياطينهم إليه ، فاظهروا له ضد النصائح ، وأوقفوه على ما هم عليه من تلك الفضائح ، وقلبوا له في ذلك عجائب الأمور ، ومنوه من الله على ذلك عظيم الأجور ، وأوجبوا عليه في مخالفة ذلك الفسق والفجور ، فإن عصمه الله عن فتنتهم ، وبصره ضلال بدعتهم فانكمش عنهم ومضى ، وولى عن بدعتهم معرضا ، ولو لم يرد شيئا من أقوالهم ، إِذ لم يضره مع الهداية شيء من أفعالهم ، تركهم في تندم وحسرات ، وتلهف إذ فاتهم وعبرات ، وأظهروا عليه فنون القذف بالمكفرات ، وقالوا هذا من المرجئة والشكاك ، وأكثروا فيه من قيل وقال ، وذاك و ذاك ، من غير أن يظهروا عليه قولا ،ولا يضينوا إليه فعلا ، إلا افتراء (2/70)
صفحة 65
عليه بالكذب ، قذفا ورميا له بالدعاوى لا يدحض حجتهم بمقاله ، ويخالف دعواهم بفعاله ، فيشهد له الحق بالصواب عليهم ، أنهم عليه بذلك من الكذب .
وإن رأوا منه إلى قولهم مقاربة ، و استوهنوا موضعه وجانبه ، أوردوه حياض المنايا والمهالك ، ويمموه أضيق الطرق والمسالك ، وذبحوه مع ذلك بغير شفرة ولا سكين ، إِذ أعطوه بأمانيهم له أنهم قد هدوه لصحيح الدين ، وأبصروه بزعمهم سبيل المهتدين ، فهو في ضلالله أبدا يهرع ، وفي ظلماته وعمايته يتسكع ، كلما ذهب شيء من أيامه ، وخاف نزول منيته وحمامه ، ازداد في تمسكه بذلك حرصا ، وأمر بذلك من قدر عليه من الناس وأوصى ، وكلما ازداد في تقربه إلى الله بذلك اجتهادا ازداد عن الله ورضائه بذلك إبعادا ، حتى تفجؤه قضيته ، وينزل به أجله ومنيته ، فيحصد من ذلك الويل والخسار ، ويصلَى بذلك دار البَوار ، ويكب على وجهه بذلك في النار ، إِلا أن يتوب من ذلك وُيقلع ، ويستغفر ربه من ذلك ويرجع ، وإن رأوا منه عن أمرهم تحرقا ، و إمساكا عن طاعتهم وتوفقا ، استشهدوا عليه بمن حضر من أكابرهم ، وتألبوا عليه من صياصيهم وحذافيرهم ، وأرعدوا عليه بأراجيفهم وأبرقوا ، وموهوا عليه من دقائق كذبهم وخرفوا ، ولطفوا له لطائف خدعهم ورفقوا ، وحذروه مخالفة بدعتهم ، وأغلظوا عليه في ذلك و أفرقوا ، فإن تبعهم على ضلالهم وغوايتهم ، وأعطاهم في ذلك منيتهم وهواهم ، قدموا في ذلك أمره وشانه ، وأجلوه قدره ومكانه ، وأوجبوا على أنفسهم ولايته من حين ما استوجبوا بغضه وعداوته ، وإن عصمه الله منهم ونجاه بفضله عنهم ، وكان بما آتاه الله من الهداية متمسكا ، ولسبيل المهتدين سالكا ، قذفوه بالحيرة والشكوك ، وقالوا هذا المبتدع الأفوك (1)، والمتمرد على الله المهتوك ، وان لم يقطعهم منه بالإياس ، ولم يطعهم فيما يدعونه إليه من الظلم والالتباس ، رجعوا هنالك على أنفسهم فقالوا إنا نحن لسنا بحجة عليه ، ولكنا نأمره بمن
__________
(1) - الأفوك : من قول الإفك أي الأفاك : (الكذاب ). (2/71)
صفحة 66
يخرج إليه ، وألزموه هنالك بخروج في البحث والسؤال ، وقالوا له لا بد لك من الخروج على كل حال ، حتى تخرج من الهداية والنور إلى الظلم والضلال ، فان اعتذر عن ذلك بضعف أو بفقر ، أمروه بالتجشم لذلك والصبر ، ومنوه على ذلك عظيم الثواب والأجر ، ولم يكن للمسكين عندهم في ذلك عذر ، إلا الخروج في ذلك أو الضلال والكفر ، وقالوا له فإنا نحن لسنا عليك بحجة ، ولكنا بذلك على الصواب والمحجة ، وما ينقطع به عند الله عذرك ، وينكشف به حالك وأمرك ، لأنه لا يسعد عند الله درن أن تكون محجوجا ، ومقاما عليك بالحجة عند الله ومفلوجا ، فيقول لهم المسكين عند ذلك فأين أخرج وأين أتوجه ، والى من أقصد وإلى من أتجه ؟ فيقولون له : أخرج إلى فلان بن فلان ببلد كذا وكذا ، وفلان ببلد كذا وكذا ، فإنهما عليك حجة ولك حجة ، فيا سبحان الله ما أعظم هذه المحنة ، وما أبين هذه الضلالة وهذه الفتنة ، فكيف تكون شهادة الشهود عليه بما قد شهدوا عليه ليس بحجة ، ويكون قولهم إن فلانا وفلانا حجة عليه لقولهم ؟ وكيف لا يكون قول القائل من ذات نفسه حجة ، وقوله إن فلانا حجة ؟ ما سمعنا بهذا ي الملة الآخرة ، ولا يجوز هذا في أحكام ذات الدنيا ولا أحكام ذات الآخرة ، فان كان قولهم عليه حجة فقد كذبوا ، إنهم ليسوا بحجة ، وان لم يكن عليه حجة ، فكذلك قولهم إن فلانا وفلانا حجة عليه ليس بحجة عليه ، وقد ألزموه ما لا يجوز لهم أن يلزموه ، إن كان معذورا عن قيام الحجة ، وان كان غير معذور عن الخروج في التماس الحجة ففيمن حضر حجة ، ولا يجوز معنا غير هذا في حكم الحق ، وكل ما لم تقم به الحجة بعبارة الواحد من الحاضرين من المقربين بحكم ذلك الشيء ، فالجاهل له معذور عن طلبه في الدين (2/72)
صفحة 67
، وواسع له الإقامة على جهله أبدا حتى تصل إليه الحجة ، وليس عليه أن يطلب على نفسه الحجة فيما هو معذور عنه ، فإن كان ما قد ألزموه الخروج فيه ، وهو مما لا يسعه جهله ، فبعبارتهم له ذلك قامت عليه الحجة ، وقولهم إنهم ليسوا عليه بحجة ، هم كاذبون في ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا . (2/73)
صفحة 68
فصل : فإن يكن الذي ألزموه السؤال عنه من الدين والحلال والحرام وأحكام الإسلام ، وما نطقت به الشريعة ، فالحكم فيه في ذلك على وجوه .
فصل : فيما لا يسع جهله من الاعتقاد والعمل بالأبدان :
وكل ما لا يسع جهله من معرفة التوحيد وتصديق الوعد والوعيد ، وأمثال هذا مما يتولد منه ، فالحجة تقوم فيه عند ذكر ذلك ممن ذكره ، أو إذا خطر ذلك بباله إذا عرف معاني ذلك وأحواله ، فعليه علم ذلك معا ولو لم يعبر له ذلك معبر ، فإن لم يعلم ذلك من حين ما يذكر له أو يخطر بباله ويعرف معناه هلك بذلك ، ولم ينفس في السؤال عن ذلك لعالم ولا لجاهل .
وما عدا ذلك من علم الفرائض اللازمة ، فإذا حضر وقت ذلك ولزم العمل به ، ضاق جهله على جاهله إذا وجد من يعبر له علم ذلك ، وكان بأرض متصلة لمن يعبر له علم ذلك ، فان لم يحضره من يعبر له علم ذلك ، وقد علم وجوب ذلك في وقت وجوبه ولا يعلم تفسير ذلك ، ولزمته الدينونة بالسؤال عن علم عبارة ذلك ، حتى يؤديه على وجهه ، فإذا لقي من يعبر له ذلك كان عليه حجة ، ولم يجز له أن يجهل ذلك بعد علمه ولا يرجع إلى الشك ، وان لم يعرف وقت حضور ذلك الفرض فعليه اعتقاد الدينونة بالسؤال عن وقت حضوره وتفسيره معا ، وعليه أن يؤدي ذلك إذا علم بفرضه ، بما يحسن في عقله أنه وقته الذي يجب فيه ، ويسأل عن ذلك كل من قدر عليه ، فإذا لقيه من يدله على ذلك ، كائنا من كان من الناس ، فأوقفه على ذلك لزمته الحجة ، وذلك مثل أوقات الصلاة ، وأوقات الصيام ، والعمل في ذلك ، وان جهل وجوب الصلاة والصيام ، وجهل وقتهما ، وجهل تفسير العمل بهما ، ولم يجد من يخبره بذلك ويعبره له ،ولم يكن تقدم علم ذلك إليه ، فإن حسن في عقله أن عليه في دين الله - تبارك وتعالى - ، ودين رسوله صلى الله عليه وسلم ، الذي أرسله إلى خلقه فيما تعبده الله به عملا بالأبدان ، ذلك على ما يحسن في عقله ، ولم يكن هالكا بجهل ذلك ، إذا لم يتقدم إليه علم ذلك ، ولم يسمع بذلك حتى وجب وقته ، وحضر (2/74)
صفحة 69
وقت العمل به ، فإن حسن في عقله أن عليه عملا في دين الله -تبارك وتعالى - ، في وقت من الأوقات ، فعمل ذلك بما يحسن في عقله ، فليس عليه غير ذلك إلا أنه يدين بالسؤال عما يلزمه في دين خالقه ، من جميع ما تعبده به ، وان قدر على الخروج في طلب علم ذلك ، وحسن في عقله أنه يجد من يدله على ذلك ، وكان قادرا على الخروج ، بأمان من الطريق ، وصحة من البدن ، وزاد يأمن به على نفسه من العطب ، وراحلة يأمن بها على نفسه من التعب ، وما يدع لمن يعوله وما يقوم بهم إلى رجعته ، كان عليه الخروج فيما لا يسعه جهله ، ولا يسلم إلا بعلمه من دينه ، ولا يكون سالما إلا باعتقاد السؤال عنه ، إذا لم يجد من يعبره له بحضرته ، فإذا وجد من يعبر له كائنا من كان قامت عليه به الحجة .
فصل : فإنما عليه الخروج في التماس الدين ، في الواجبات التي يهلك بها إذا لم يدن بالسؤال عنها عند عدم المعبرين لها ، وأما كل ما لم يكن عليه عبارة الواحد فيه حجة ، فغير مقطوع العذر عن الخروج فيه ، فكل ما لم تقم به الحجة من عبارة الواحد البار والفاجر ، والمؤمن والكافر ، فالسائل عنه منفس في السؤال أبدا ، وليس عليه خروج فيه ولا إليه ، ومن ألزمه الخروج فيما لا يلزمه الخروج فيه فقد ألزمه ما لا يلزمه ، ومن ألزم الناس ما لا يلزمهم فقد كفر ، فإذا أدى ما قد حسن في عقله لزومه في وقت ما لو حسن في عقله وجوبه ، على ما يحسن من تفسير ذلك في عقله ، ودان بالسؤال عن ذلك في ذلك الوقت ، ولم يكن تقدم إليه علم ذلك من أثر ولا من خبر ، من بار ولا من فاجر ، ولا متقدم ولا مستاخر فهو سالم ، وعليه التماس علم ذلك بالخروج ، لتأدية ذلك على وجهه ، فإذا علم ذلك فإن كان قد أدى ذلك على وجهه ، فلا بدل عليه ولا عاقبة وقد وفقه الله ، وان كان قد أدى ذلك على غير وجهه ، فهو سالم من الهلكة في ذلك على كل حال ، وعليه تأدية ذلك على وجهه ، إذا وجد علم ذلك بعبارة المعبرين له ، فيما يستقبل من أمره ، وبدل ذلك الذي مضى في أكثر قول أهل العلم وليس بالمجمع عليه (2/75)
صفحة 70
وذلك في البدل ، وأما تأدية ذلك في المستقبل بعد علم ذلك على وجهه فلازم ، وليس له أن يرجع عن علم ذلك من حيث ما علمه ، من بار أو فاجر أو مؤمن أو كافر ، وان لم يحسن في عقله في دين خالقه أن عليه عملا بالأبدان ، وأقر له بالربوبية ، ودان ووحد الله بصحيح ما خطر بباله من صحيح التوحيد ، وأقر بما خطر بباله من أحكام الوعد والوعيد ، لأهل الطاعة والمعصية ، فعليه اعتقاد الدينونة ، بالتماس جميع ما يلزمه في دين خالقه ، وما يجب عليه في دين خالقه الوعد ليؤديه ، فإن دان بهذا الدين ، واعتقد هذا الاعتقاد ، ولم يجد معبرا له شيئا تقوم عليه به الحجة ، فهو سالم ولو لم يؤد لله فريضة ، ولم يترك لله محرما قط ، وكذلك عليه أن يترك من الأشياء ما حسن في عقله ، أنه محجور عليه ني دين خالقه ، الني تعبده به خالقه ، وعليه في اعتقاده أنه راجع إلى الله من جميع ما ترك من دينه ، الني تعبده بالعمل به ، أو جميع ما تعبده بتركه فارتكبه بجهله هذا ، فإن دان الجاهل في هذا ومثله بالسؤال ، ولم يدن مع ذلك في شيء من أموره بدين ضلال ، ولم يصر في اعتقاده على معصية الله ولو جهلها ، فهو سالم في هذا الباب الذي لا يسعه جهله ، من الأعمال بالأبدان أبدا ، ولو مات على ذلك من غير أن يؤدي لله فريضة ، أوترك لله محرما ، ولو عاش على ذلك مائة ألف سنة ، بالغ السن صحيح ، جامعا لجميع الفرائض الواجبة من الله ، المتعبد بها عباده بالأبدان ، وقد تختلف في معانيها ومعاني وجوبها ووجوب علمها ، وإن وجب وقتها ، ووجوب فرضها وان وجب علمها ، وتفسير ذلك يطول ، غير أن كل حال لزمه العمل به بفرضه من فرائض الأبدان ، وأتى حالا لا يسعه جهل علمه ، مع العمل له في ذلك الوقت ، فجهل ذلك بوجه من وجوه الجهل ، الني لا يكون به مؤديا لذلك الفرض ، ويكون بجهله مضيعا لذلك الفرض ، فجهل ذلك العلم ، وعدم المعبرين له ذلك العلم من أعمال الأبدان ، فهذا حاله وسبيله ، وقد مضى تفسير ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا من علماء المسلمين ، البصراء بأحكام ما يسع جهله وما لا يسع جهله من الدين . (2/76)
صفحة 71
فصل : مما يسع جهله من الانتهاك بالترك عن المحارم وارتكابها ، وصفة قيام الحجة في ذلك من المعبرين ما عدا الفرائض اللازمة بالأبدان من الأعمال إلى الانتهاء عن المحارم من الارتكاب لها بالأبدان فواسع له جهل علم ذلك ما لم يركبه بعد العلم بتحريمه أو يكن مصرا في اعتقاده في حال جهله بالحرام على ما ارتكب فإذا لم يصر على ما أتى من المحارم ، ولم يتقدم إلى علم ذلك من أحد من الناس ، كائنا ما كان ، ولم يدع على الله فيه كذبا ، ولم يدن فيه بباطل ، فهو سالم وإن ركب الحرام ، إذا عدم المعبرين له ذلك ، وما يفرق فيه من الحلال والحرام، فإذا لقيته الحجة فأخبرته بذلك كائنا ما كان ، وقد أتى شيئا من الحرام على الجهل بقول أو عمل ، وكان في ذلك غير معذور إلا من طريق عدم العبارة له ، فهو سالم ما لم يلق المعبر له ، ولو كان مرتكبا لما لا يسعه في الأصل ، إذ وجد المعبرين له ، مما لا تكون فيه الحجة إلا بالسماع، فإذا لقيته الحجة ، فعبر له ذلك كائنا من كان من المعبرين ، من صبي أو مشرك أو معتوه ، أو وجد ذلك في أثر مرسوم ، فإذا وجد علم ذلك من أحد هذه الوجوه ، فعليه علم ذلك في حين ذلك ، وعليه التوبة منه بعينه فيما مضى ، وقد قامت عليه الحجة فيما ركب لله من المحارم أن يرجع عنها بعينها ، وكان هذا الموضع عليه فيه في التوبة منه ، مما قد تقدم من ارتكاب ما ركب من ا لمحارم والمآثم ، لاحقا بالحجة في تأدية الفرائض الواجبة بلأبدان في الوقت وعلى المكان ، وأما فيما يستقبل فلا يكون عليه علم ذلك حجة في علم تحريمه في الاعتقاد ، وعليه الانتهاء عنه فيما يستقبل ، وقد قامت عليه الحجة في العبارة في الترك ، وإن كانت لا تقوم عليه حجة العلم فيما يسعه جهله ، ما لم يركبه ، فلما أن ركبه في الجهل له وعدم المعبرين له تحريم ذلك ، كانت التوبة في الجملة من جميع المعصية مجزية له مع الدينونة بالسؤال في الجملة عما يلزمه ، يجزئه عن ذلك الذي قد ركبه بعينه من الحرام حتى ولو لم يخرج منه بالتوبة بعينه ، فإذا عبر له ذلك معبر كائنا من كان لزمته الحجة ، بذلك فيما قد لزمه من ذلك الركوب الذي قد ركبه ، وإن لم (2/76)
صفحة 72
تقم عليه الحجة بعلم ذلك ، الذي كان في الأصل واسعا له جهله ، مال لم تقم عليه الحجة من المسلمين ، لأن حجة الإنكار والانتهاء غير حجة العلم واعتقاد العلم ، وعليه فيما يستقبل ألا يرتكب ذلك بعينه ، فإن ركبه بعينه كان عليه التوبة منه بعينه ، ولا تجزئه التوبة منه في الجملة ، كما قد كان واسعا له في التوبة في الجملة ، عند عدم علم ذلك من غيره له ، وليس عليه هلكة في الشك في علم ذلك فيما يستقبل ، ما لم يركبه بعد ذلك ، أو يصح معه علم ذلك، أو تقوم عليه الحجة من قول الميسلمين ، ممن هو حجة عليه فيما يسعه جهله في الدين ، وعلم ما يسعه جهله في الدين ، يقوم بالواحد من علماء المسلمين الظاهر لهم العلم بالشهرة والصدق والأمانة ، فيما هم فيه من العلم ، والقيام بحجة الله على هذا أكثر القول من المسلمين ، وليس بالمجمع عليه في الدين ، وما لم تقم عليه به حجة العبارة ، ممن كان من المعبرين ، ولم يرتكب شيئا مما يسعه جهل علمه مما دان بتحريمه في إقراره بجملته ، مما يدخل في جملته التي دان بها أو أقر بها أوسلم بها من الهلكة ، فلا يقع عليه ضيق بجهل شيء من ذلك ، ولا يلزنه دينونة بسؤال عنه بعينه ، إلا ما لزمه من الدينونة بالسؤال ، عن جميه ما يلزمه علمه ، فذلك حارج منه هذا الذي جهله مما لا يلزمه علمه على الانفراد أبدا ، إلا إذا دان بالجملة ، ما لم تقم عليه حجة أهل العلم من المسلمين ، أو يصح معه علم ذلك بوجه من وجوه صحة العلم ، فإذا بلغ أن علم ذلك بأي وجه ، أو قامت عليه حجة المسلمين ، لزمه علم ذلك ولم يسعه الرجوع إلى الشك بعد العلم ، أو بعد قيام
الحجة التي هي حجة من علماء المسلمين.
فصل : ولا يلزمه دينونة سؤال عن هذا الوجه كله ولا عن شيء منه بعينه فإن ألزم نفسه الدينونة بالسؤال عن هذا باعتقاد الدين منه بذلك ، كان بذلك هالكا ، إذا دان بغير ما تجوز له الدينونة ، وكذلك إن ألزم أحد الدينونة بالسؤال عن هذا الوجه كله ، أو عن شيء منه كان بذلك هالكا ، وكذلك إن ألزمه أحد السؤال عن ذلك، ولم يوسع له إلا أن يسأل (2/77)
صفحة 73
عن ذلك ، فقد ألزمه ما لا يسعه أن يلزمه ، وكان بذلك هالكا ، وان أمره آمر بالسؤال عن شيء من هذا الوجه الذي يسعه جهله ، ما يركبه أو يتولى راكبه ، فان أمره آمر بالسؤال عن ذلك على وجه الفضيلة والوسيلة ، لا على وجه الواجب والفريضة ، وسعه ذلك ، وكان ذلك جائزا له ، وكذلك إن سال هو عن ذلك وطلب السؤال عنه ، واجتهد في السؤال عما يسعه جهله من الدين ، من غير أن يلزم نفسه الدينونة بذلك ، فذلك جائز له ، وهو مأجور في ذلك ، وله الفضل في ذلك والأجر ، ولا تقوم عليه الحجة في كل شيء يسعه جهله ، بأحد من ضعفاء المسلمين ، قلوا أو كثروا ، وإنما تقوم عليه الحجة بالعلماء في الدين من المسلمين ، فيما يسعه جهله من جميع الدين ، لا بضعفاء المسلمين ، إلا أن يعبر الضعيف من المسلمين عن الفقهاء المشهورين في الدين ، الذين تقوم بهم الحجة فيما يسع جهله ، فإذا عثر الضعيف من المسلمين شيئا مما يسع جهله في الدين ، عن أحد من الفقهاء المسلمين ، شيئا من الدين بعبارة كافية عن التفسير، لا يفسر ذلك شيء من عنده ، و انما يقص ذلك قصصا عن العالم ، وهو ثقة مأمون على ذلك الذي رفعه .
فقال من قال : إنه حجة في ذلك على من عبره له ، وتقوم بذلك الحجة.
وقال من قال : إنه لا يكون بذلك حجة ، ولا يلزم الأخذ بقوله في ذلك إلا أن يبصر المرفوع إليه ذلك ، عدل ما قال ، فإذا أبصر عدل ما قال ، لزمه ذلك وجاز له قبول ذلك منه .
وقال من قال : إنه لا يكون حجة ولا يلزم قبول قوله ولو كان ثقة من المسلمين مأمونا ، حتى يكون مأمونا على نقل العلم والدين ، لأنه ليس كل من كان ثقة من المسلمين ، كان له بصر في نقل الدين ، والحفظ له عن علماء المسلمين ، ولكن إذا كان ثقة من المسلمين مأمونا على ما حمل أنه لا يتهم في (2/78)
صفحة 74
ذلك بتكليف من عنده ، إلا لا صلاح ما يرونه من حفظ ولا يتهم بتحريف لما يرويه ويحفظه ، فإن لم يتهم بتحريف في ذلك ولا تكليف كان في ذلك حجة بمنزلة العالم الفقيه ، إذا روى عن الفقيه المعروف الذي هو حجة .
فصل : وقال من قال: لا يكون حجة ولا يلزم قبول قوله إلا من أبصر عدل قوله حتى يكون مأمونا ثقة من المسلمين ويكون له حجة من ذات نفسه يفرق بذلك النظر من ذات نفسه ، من الزلل عن نقصان الحروف التي يدفعها والزيادة فيها ، ويكون له رأي من نفسه يحجزه عن الزيادة و النقصان في ذلك ويفرق به بين الحق والباطل ، وهذا هو بمنزلة العالم فهذا الذي عرفناه من الحجة فيما يسع جهله وفيما لا يسع جهله في الفتيا في هذه الوجوه من المعبرين ، وأما فيما يكون الفرض فيه بالعمل والانتهاء بالأبدان أو التقول على الله فيه بالكذب والباطل باللسان فيما يسعه جهله ما لم يضيع لازما أو يركب محرما أو تقم عليه الحجة بعلم ذلك أو يتول راكب ذلك أو مضيعه أو يقف عن أهل العلم من المسلمين ، إذا برئوا من راكبه من ذلك أو مضيعه ، فلا يلزم في هذا الوجه سؤال بالدينونة ولا باللازم ، ولا يلزم خروج في هذا الوجه على كل حال في التماس علمه بالدينونة ولا بغير دينونة ولا يسع أحدا أن يلزمه ذلك ، إلا أن يأمره بذلك بوجه الفضيلة والوسيلة ، فلم يجد لهذه البدعة ولا لهذه الفتنة مخرجا من مخارج الحق ، من هلكة الآمر بها وضلال الأمر بها لأنه إن كان يأمره في ذلك بالخروج فيما لا يسع الخارج جهله ، فهو كاذب بقوله أنه ليس بحجة عليه ، وهو حجة عليه قد أقام الحجة عليه ، وإن كان يأمره بالخروج فيما يسعه جهله ، فلا يكون عليه في ذلك سؤال لازم ولا خروج لازم ، ولا يجوز أن يلزم ما لا يلزمه ، وهو هالك بذلك إذا ألزمه ما لا يلزمه ، وإن كان مما لا يسعه جهله ، وكتمه علم ما لا يسعه جهله ، وأمره بالخروج إلى من يقيم عليه الحجة ، فهو هالك بكتمانه لعلم ما لا يسعه جهله ، وما تقوم عليه الحجة من قوله ، لأنه حجة لله عليه ، فهو هالك بترك ذلك من عبارته من جهله وإقامة الحجة لله عليه ، وإن (2/79)
صفحة 75
كان هذا الذي يأمره بالخروج فيما لا يسعه جهله ، فهو حجة عليه فيما لا يسعه جهله ، وإذا قال له أنه ليس عليه حجة فقد كذب ، إذ قال إنه ليس عليه بحجة وهو حجة ، فلا مخرج لصاحب منه البدعة ، وصاحب هذه الفتنة عندنا من الهلكة ، فلذلك لم نجز لأنفسنا عليها سكوتا ، وألزمنا أنفسنا إنكارها على صاحبها ابتغاء لوجه الله فيمن ألزمه ذلك إقامة الحجة لله عليه ، وصارت هذه البدعة معنا فيما صار الأغلب من أهل الزمان ، وعليها من أهل الفتنة تضاهي فتنة نافع بن الأزرق ، وجميع من انتحل الهجرة من الخوارج من أهل دينه ونحلته ، ولم يعذرهم دون الهجرة إليه إلى موضعه ، وإن كانت الهجرة لعلها أوضح غلة ، لأنها كانت لازمة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، غير أنها منسوخة ولا عذر لمن جهل نسخها ، ولا لمن تعمد على انتحالها على علمه بنسخها ، فهذه البدعة وهذه الفتنة أشد ضررا وأشد رزية على المسلمين من انتحال الهجرة ، لأن هذا يؤتى من باب تأويل الضلال ، لآثار المسلمين ويتأول عليه أن يخرج بطلب معرفة دينه ، وأن عليه الخروج في طلب معرفة دينه ، والأثر الصحيح أن عليه الخروج في طلب دينه ، مما قد لزمته معرفته ، مما لا يسعه دون علمه ، وعدم المعبرين الذين يعبرون له ذلك ، فإذا عدم المعبرين له ذلك لزمه الخروج على القدرة ، على حد ما وصفنا في وجه ما ذكرنا ، مما لا يسعه جهله ، إلا بالدينونة بالسؤال عند عدم المعبرين له على كل حال ، مما يكون فيه مضيعا لفريضة ، أو مرتكبا لكبيرة ، على الجهل منه بلزومها وتحريمها ، وقد مضى تفسير ذلك ، ولا نعلم فيه اختلافا .
والأثر الصحيح عن أبي الشعثاء جابر بن زيد -رضي الله عنه - ، أنه قال : يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه ، أو يبرؤوا من العلماء إذا برئوا من راكبه ، ويقفوا عن العلماء إذا برئوا من راكبه .
والأثر المجمع عليه من قول أهل العلم ، أن كل ما عدا التوحيد والوعد والوعيد ، وما يتولد في ذلك من تفسيره ، وما هو لاحق به ، فإن الحجة لا تقوم فيه إلا بالسماع ، ولا يدرك العلم فيه إلا بالسماع ، ولا يقطع الله (2/80)
صفحة 76
عذر الجاهل فيه وله إلا بعد قيام الحجة عليه بالسماع ولهذا تفسير يطول .
وإن قال قائل : فقد لحق حكم الاستحلال بحكم مالا يسع جهله وتقوم به الحجة من العقل ، دون السؤال والتعبير .
قلنا له : إنما لحق ذلك بحكم ما لا يسع جهله ، بعد السماع من العالم بذلك ، أن الحرام الذي استحل بالدينونة حرام ، وأن الحلال الذي حرم بالدينونة حلال من طريق الدين ، فلم تقم عليه الحجة فيه إلا بالسماع والعلم ، أن المستحل حراما في الدين والمحرم حلالا في الدين ، مع أن ذلك ليس مما يجمع عليه في الدين ، أن الجاهل له هالك ، ما لم يبلغ إليه علم دْلك ، فلم يلحق ذلك إِلا بالسماع وبعد العلم ، ولم يلحق ذلك أيضا بالإجماع في الدين ، وأما التوحيد والوعد والوعيد فلاحق بصفة الله - تبارك وتعالى - ، ولا يجوز جهل توحيد الله ولا صفته إذا خطر ذلك بالبال ، أو سمع بذكر ذلك وعرف معاني ذلك الخاطر بباله أو السامع بذكره .
ولقال له : فإن كان الذي يأمرونه به من الخروج فيما قد قامت عليه الحجة به من طريق حكم الاستحلال من المحدثين بالدينونة ، فإن كان قد قامت عليه الحجة ، فهم كاذبون أنهم ليسوا عليه بحجة ، وهم يزعمون أن الحجة تقوم عليه من طريق العقل ، فإذا قامت عليه الحجة في ذلك من طريق العقل ، فالعبارة من المعبرين أولى وأجدر أن يقوم بها عليه الحجة ، وهم بذلك كاذبون أنهم ليسوا بحجة ، وأن يخرج يطلب الحجة ، فهذا مما ينقض بعضه بعضا أن يكون محجوجا يطلب الحجة ، وهو هالك بالحجة ، والحجة قد قامت عليه .
ومع ذلك لا يجوز في العقول أن يلزم أحدا في دين الله ، أن يطلب على نفسه قيام الحجة حتى يكون محجوجا على كل حال ، وإنما عليه أن يطلب علم ما يسلم به من الحجة التي قد لزمته لله ، ويخرج من الحجة إلى السلامة من الحجة لا يخرج من السلامة من الحجة ، إلى ما تقوم عليه به الحجة ، هذا (2/81)
صفحة 77
باطل لا يجوز في حكم الحق ولا في أحكام حجج العقول ، وهذا أيضا من تأويل الضلال الذي يتأولونه على ضعفاء المسلمين ، نعوذ بالله من الفتنة ومن الضلال ، يكون حجة عليه قول الفقيه العالم من المسلمين ، فيما يكون فيه سالما عند الله ، بجهل ما يسعه جهله من دين الله ، حتى تقوم عليه الحجة ، فإذا قامت عليه الحجة كان عليه أن يصدق الحجة ، وخرج من باب السعة إلى الضيق ، فإن يصدق الحجة وقبل الحق فقد خرج من الضيق إلى السعة بقبول الحجة ، وإن شك في الحجة بعد أن تقوم عليه هلك ودخل في الضيق ، فكيف يقوم في العقول أو في دين اللّه - تبارك وتعالى - أن يلزمه ، أن يطلب لنفسه مما يخاف على نفسه به الهلكة ، مع الوصول إليه إذا لم يقم به ، وقد كان له السعة في دين الله ما لم يصل إليه ، والله - تبارك وتعالىِ - قال : (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(1) . وقال -تعالى - : ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)(2).
فصل : ومثل من يلزم الناس الخروج في طلب ما يسعهم جهله ، ويكلفهم ذلك ، من المتعبدين البالغين الأصحاء العقول ، بمنزلة من كلف الناس الخروج إلى الحج إلى بيت الله الحرام من غير استطاعة ، وقال لهم : إن الله - تعالى - أوجب على الناس حج بيت الله الحرام ، وعليكم أن تخرجوا إلى حج بيت الله الحرام ، ولم يذكر لهم الاستطاعة ، وإنما فرض الله حج البيت من استطاع إليه سبيلا ، كذلك ألزم الله - تبارك وتعالى - العباد علم ما لزمهم علمه من دينه ، الذي قد ألزمهم تأديته إليه ، ولا يجوز في العقول غير هذا ، ولولا ذلك كذلك لم تجز ولاية أحد بحال ولا وجب له اسم الإيمان حتى يعلم أنه قد علم جميع دين الله ، من أحكام الكتاب والسنة والإجماع ، وهذا هو الصحيح من المحال ، ومن قال هذا فقد قال بالزور والضلال بل الإجماع من أهل العلم من المسلمين أنه ينفس الإقرار بالجملة من التوحيد مسلم مؤمن مستحق لولاية الله ، ما لم يأت منه ما ينقض ذلك بشك ، فيما لا يسعه الشك فيه ، أو بارتكاب ما لا يسعه ارتكابه من قول أو عمل أو نية ، أو بتضييع
__________
(1) - 78 من سورة الحج .
(2) - 286 من سورة البقرة. (2/82)
صفحة 78
ما لا يجوز له تضييعه من قول أو عمل أو نية ، فإذا وقع الإجماع على سلامته وإيمانه وولايته ، بنفس الإقرار بالجملة ، انتقض بحمد الله هذا القول من أهل هذه الضلالة وهذه البدعة ، وكانت هذه السياقة فيه على ما قد ذكرنا ووصفنا ، وجاءت به آثار أهل العلم ، فيما يسع جهله مما لا يسع جهله ، وهذا الذي ذكرنا لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل العلم من المسلمين .
وقد جاء الأثر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تعليم العلم فريضة . وفي موضع آخر أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ، وذلك صحيح لا شك فيه ، غير أن ذلك في موضع ما يلزم العلم له ، ولا يلزم العلم له إلا في موضع ما يلزم التعبد به من قول أو عمل أو نية أو اعتقاد .
ومثل هذا في التأويل ما جاء به الأثر من قول أهل البصر : إن الحج فريضة ، والصلاة فريضة ، والزكاة فريضة ، والصيام فريضة ، وكان ذلك صحيحا ، وأن من رد ذلك رد الحق وقال الباطل ، ولكن ذلك خاص وعام ففرض الحج يخص من استطاع إليه سبيلا ، وليس فريضة على من لم يستطع ذلك ، والصلاة فريضة على الرجال والنساء الطواهر ، حرام على الحوائض في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرام على النفساء من النساء ، وكذلك الصيام فريضة على المسلمين الحاضرين ، ومخير فيه المسافرون من أصحاء الأبدان ، وكذلك المريض الحاضر والمسافر مخير في الإفطار والصيام ، وحرام على الحائض و النفساء .
والزكاة فريضة على من وجبت عليه في ماله ، وقد جاء في الإطلاق من الأثر والإجماع أن يقال : إن ذلك كله فريضة . وإنما هو فريضة على من خصه ذلك في حين ما يخصه . ولا نعلم في ذلك اختلافا .
فصل : وكل فريضة في الإسلام من جميع الفرائض ، فقد يجري فيها حكم الخاص والعام ، وإنما هلك جميع أهل الأديان من الأولين والآخرين . (2/83)
صفحة 79
وكذلك من يهلك منهم إلى يوم الدين بتأويل الضلالات ، من طريق حكم الخاص من العام ، لا غير ذلك ، لأنا لا نعلم أن أحدا من المتدينين إلا وهو يتعلق بأصل يوافقه عليه العدل ، بوجه من الوجوه الخاصة له ، ثم يحمله المتأول تأويل الضلال على أحكام العموم ، ولا يجوز أن تحمل أحكام المخصوصات على أحكام العموم ، ولا يجوز أن تحمل أحكام العموم على أحكام المخصوصات إلا في موضع ما يوافق ، ولا نعلم في هذا اختلافا من قول أحد من أهل العلم بالدين والحق .
وكذلك تأول أهل التلبيس من هؤلاء المتكلفين في هذا الأثر الصحيح المجمع عليه ، أن على الإنسان أن يخرج في طلب تعليم دينه خاصا مجملا ، وتأويل ذلك في الحق من لزمه ذلك العلم بعينه ، وذلك عليه فريضة لازمة .
وكذلك عليه فريضة لازمة أن يتعلم علم ما لزمه علمه من دينه ، ولا يلزمه أن يتعلم العلم كله ، ولا يسأل عن الدين كله ، وقد حصل له في الإجماع اسم دينه الذي ثبت له به اسم دينه مجملا ، في الإقرار بالتوحيد ، فذلك في موضع ما يلزمه علمه وطلب علمه في الإجماع ، والخروج في طلبه عند القدرة عليه ، كما يقدر الخارج إلى بيت الله الحرام ، ويلزمه الحج إلى بيت الله الحرام من الصحة والأمان والزاد والراحلة ، وما يجوز له من السعة في شيء من دين الله جاز له في غيره .
ولا يجوز غير هذا في دين الله أن يكون الفرض مختلفا ، فلما أن ثبت عليه أن يسأل عن دينه ، وثبت عليه أن يتعلم دينه .
وكذلك قد ثبت له اسم دينه في جملة التوحيد ، وثبت له اسم علم دينه في علمه بالتوحيد ، وكان بذلك عالما بالعلم الذي أوجب الله عليه علمه من دينه ، وكذلك كان بذلك عالما ني مجاز اللغة ، لا نعلم في ذلك اختلافا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : "العلم فريضة على كل مسلم " ، فقد صح معنا بنفس الرواية ، أنه قد صار عالما ، ولو لم يكن عالما ما كان مسلما ، وهو مضيع لفرض العلم الذي قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه فريضة عليه ، ولكنه لعلمه (2/84)
صفحة 80
للتوحيد ، وإقراره به ، كان عالما ومسلما ، وكان مؤديا لعلم ما فرض عليه من جميع العلم ، بنفس علمه بالتوحيد ، ولو كان الموحد باللسان غير عالم بمعاني ما يلزمه علمه من التوحيد ، ما كان بذلك عالما ولا مسلما ، وكان معطلا لما فرض الله عليه من العلم ، والمضيع للفرض لا يكون مسلما أبدا ، والمسلم لا يكون جاهلا للعلم الذي أوجب الله عليه علمه في دينه ، فصح بالإجماع الذي لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل القبلة ، أنه بنفس الإقرار بالجملة ، كان مؤديا لجميع ما أوجب الله عليه في دينه ، من علم أو عمل أو نية أو قول ، وأنه بذلك ولي الله في ذلك الحين بذلك الإقرار ، ولو مات على ذلك كان وليا للمسلمين في أحكام الدين ، ولو مات على ذلك كان عند الله في حكم دين المسلمين من أهل الجنة ، وكيف يجوز أن يكون من أهل الولاية وأهل الجنة من يجوز أن يكون مضيعا لعلم أوجبه الله عليه ، أو لعمل أوجبه الله عليه ، أو نية أوجبها الله عليه ، أو قول أوجبه الله عليه ، فبنفس الإقرار مع العلم منه بمعنى ما يلزمه في حين ذلك من عه لم التوحيد ، كان مؤديا لجميع ما تعبده الله به من العلم ، كما كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب - رحمهما الله - ، وجميع العلماء وجميع أهل طاعة الله ، مؤدين لما لعبدهم الله به من العلم والعمل ، من الجهاد والحج والصدقات وجميع الطاعات ، لأنه مطيع مسلم مستحق من الاسم ما استحقوه ، ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ، فهو بالإقرار مؤمن مسلم تقي عالم صادق صديق سعيد ، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، في ثواب الجنة ، وحسن أولئك رفيقا ، ولا يزول عنه ذلك الاسم ، ولا ينقص عنه ذلك الحكم إلا أن ينقص ذلك بشك ، فيما لا يسعه الشك فيه ، ولا يسعه جهل علمه أو بتضييع مالا يجوز له تضييعه ، أو بركوب ما لا يجوز له ركوبه بقول أو عمل أو نية ، فإذا كان منه ذلك ، زال عنه اسم الإيمان والتقوى والبر والعلم ، وجميع ما كان قد ثبت له بالجملة .
فكذلك الإجماع من القول أنه كل منزلة كان فيها في دينه سالما ، كان (2/85)
صفحة 81
لجميع ما أوجب الله عليه من العلم في دينه في ذلك الحين عالما ، ولا يلحقه اسم جهل لما أوجب الله عليه من العلم في دينه ، في ذلك الحين عالما ، ولا يلحقه اسم جهل لما أوجب الله عليه من علم دينه ، في حال ما يكون به سالما مؤمنا في دينه ، ولا يجوز أن يلزمه علم ما قد أوجب الله له ، أنه عالم به ني دينه ، وأنه مسلم به وعليه ، ولو كان يلزمه علم ذلك في دين الله لما كان من أهل دين الله ، حتى يعلم ما يلزمه علمه ، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل العلم ، العلماء بالدين من المسلمين ، ومخالفة هذا يخرج من حجة العقول ، لأنه وإن كان قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "العلم أوسع من أن يحصى ، فخذوا من كل قول بأحسنه " ، فإن كان على ظاهر الرواية أن العلم كله فريضة على كل مسلم ، فالمعنى أن عليه أن يتعلم العلم كله ، والدين كله ، بفنونه ومعانيه ، فهذا ما لا يجوز في العقل ، ولا يحيط بذلك أحد من خلق الله ، كما قال الله -تبارك وتعالى - : ( ولا يحيطون بشي من علمه إلا بما شاء) .
وكان هذا باطلا من القول ، مضادا لكتاب الله - تبارك وتعالى - ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :" العلم أوسع من أن يحصى" ، وهذا باطل لا يذهب إليه أحد من الأمة فيما علمنا ، ولو كان ذلك فريضة عليه ، ما جاز أن يكون مسلما إلا بأداء ما فرض الله عليه ، وإذا لم يكن مسلما إلا بأداء ما فرض الله عليه ، ولم يقدر أن يؤدي ما فرض الله عليه ، كان في حكم الله - تبارك وتعالى - باطلا أن يجوز أن يكلف عباده ما لا يطيقون ، وإذا لم يجز في المعاني كلها من فنون العلم من دين الله ، لم يجز في معنى واحد فوق ما كلفه الله ، من علم ما تعبده الله به في حينه ذلك ، وإذا لم يجز إلا فيما أوجب الله عليه علمه ، كان ما أوجب الله عليه علمه تقوم عليه به الحجة ، من جميع المعبرين له ، ولا تطلب له حجة من علماء المسلمين ، وتقوم عليه الحجة بذلك من الصبي والمعتوه والمشرك ، والكتاب المكنون المسطور ، ولو كان مطروحا مدثورا ، ولا نعلم في هذا اختلافا من قول أهل العلم بالدين من المسلمين .
فصل : ألا ترى أنه إذا أقر بالجملة ، كان من أهل الصلاة ، وكان (2/86)
صفحة 82
من المسلمين في أحكام أهل الصلاة ، من المواريث والشهادة والذبائح و المناكحة ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، أنه يستحق بالإقرار اسم أهل الصلاة ، وأنه من المصلين ، ولو لم يصل صلاة حتى مات ، ولو كانت مسلمة ثم أقرت بالتوحيد ثم ماتت حائضا لم تصل قط صلاة ، كانت من أهل الصلاة ، ومن المصلين ، وكذلك الأسماء التي تخص أهلها .
وكذلك المقر بالتوحيد وبالإسلام عالم ، ولو لم يكن يعلم غير ذلك ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( العلم فريضة على كل مسلم " ، فلم يكن مسلما حتى كان عالما ، ولم يكن عالما حتى كان مسلما ، ولا يكون عالما وهو غير مسلم ، ولا يكون مسلما وهو غير عالم ، هذا من المحال ، لأن الإسلام ضده الكفر ، والعلم ضده الجهل ، ولا يكون المسلم جاهلا ، ولا يكون العالم كافرا ، هذا من المحال ومن طلب المحال فقد صح عليه الضلال ، فلا تحملوا - رحمكم الله - الآثار الخاصة على المعموم ، ولا تحملوا الآثار العامة على المخصوص .
كذلك جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة " ، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من علماء المسلمين ، ثم جاء الأثر عنه صلى الله عليه وسلم المجمع عليه مع المسلمين ، ومع أهل القبلة ، أنه نهى الحائض و النفساء عن الصلاة ، و نهاهما أن يبدلا صلاتهما إذا طهرتا ، والمجمع عليه أن الحائض معنا ، إذا صلت في أيام حيضها لغير احتياط من أمرها ، قصدا منها إلى الصلاة في أيام الحيض بغير عذر ، أنها عاصية بالصلاة للفرائض ، التي قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في العموم ، أنه ما بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة ، ولم يقل صلى الله عليه وسلم مع ذلك إلا الحائض و النفساء ، فكان ذلك معقولا منه أن ذلك على التعمد من غير عذر ، وقد يترك العبد الصلاة على النسيان ، وضياع العقل من الرجال ، ولا يكون بذلك كافرا ، ولم يقل صلى الله عليه وسلم مع قوله : ما بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة على التعمد ، وإنما قال وجاءت الرواية عنه الصحيحة أنه قال مجملا : ما بين العبد وبين الكفر (2/87)
صفحة 83
إلا ترك الصلاة .
كذلك جميع المخصوص لا يخرج على حكم المعموم ، وجميع المعموم لا يخرج في المخصوص ، ولكن يحكم بالمخصوص في موضعه و المعموم في موضعه ، وإلا وقع الضلال وبان الجهال ، ألا ترون إلى قول الله - تبارك وتعالى - : (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا )(1) .
فهل قال أحد من الناس بجهله ، إن الله لا يغفر الشرك إذا تاب منه المشرك ، وادعى ذلك أحد من الناس ، وقد قال الله مجملا : (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ )، ففي ظاهر الآية أنه لا يغفر الشرك به ، وأجمعت الأمة أنه إذا تاب من شركه أنه يتوب الله عليه . وقد قال - تعالى -في غير هذا الموضع في غير آية.
ومن ذلك أيضا قوله - تعالى - : (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا )(2)
فاستثنى في هذه الآية وفي غيرها ، ولم يستثن في قوله - تعالى - : (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ )، لم يستثن فيها للمشركين نصا أنهم يغفر لهم ، فأجمعت الأمة أن هذا خاص لمن لم يتب من شركه ، لا نعلم في ذلك منهم اختلافا .
واختلفت الأمة في قوله - تعالى - : (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ) فكان أصح القول في ذلك قول المسلمين : إنه يغفر لمن يشاء ، وأهل مشيئته من تاب .
__________
(1) - الآية (16 ا ) سورة النساء .
(2) - الآيات ( 68- 70 ) سورة الفرقان . (2/88)
صفحة 84
كذلك قال الله - تعالى - : (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى )(1).
وكذلك قال الله - تعالى - : (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا )(2).
قيل : المؤمن التائب من الذنب ومن شركه وغير ذلك من المعاصي .
لقول الله - تعالى - : ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون )(3) .
وقال - تعالى - : (والكافرون هم الظالمون)(4) .
فكان قوله - تعالى - : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به) خاصا لمن مات على شركه ولم يتب منه ، ولا اختلاف في ذلك ، لأنه قد صح أن أخيار أمة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مشركين ، مثل أبي بكر وعمر و غيرهما من خيار المسلمين ، لا ينكر ذلك أحد من الأمة ، ولا يختلف في ذلك وكان قوله -تعالى - : ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ، كان خاصا لمن تاب أيضا ، وكان الغفران خاصا لمن تاب ، والعذاب على من مات مصرا على الشرك .
كذلك قوله -تعالى - : (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ )(5) إنما ذلك لمن مات على شركه ، ولم يستثن الله في هذه الآية لمن مات على شركه ، ولا نعلم في دين الله شيئا من أحكام الكتاب ولا من السنن ولا من الإجماع ولا من الأخبار ، ولا من رأي
__________
(1) - الآية ( 82 ) من سورة طه .
(2) - الآية (73) سورة الأحزاب.
(3) - الآية 11 من سورة الحجرات.
(4) - جزء الآية 254 من سورة البقرة .
(5) - الآية 72 من المائدة. (2/89)
صفحة 85
الفقهاء إلا ويدخله الخاص والعام ولا نعلم شيئا إلا وفيه حكم الخاص والعام ألا ترون إلى قول الله تبارك وتعالى : ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض )(1) .
فقد كان فرعون وهامان وقارون وجميع المشركين في الأرض وكذلك إبليس فهو في الأرض أفيجوز أن يستغفر الملائكة لهؤلاء ؟ كذلك لا يجوز أن يستغفروا للمنافقين لقول الله تعالى : ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) (2).
وقوله - تبارك وتعالى - : (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ )(3) .
فكان قوله ذلك يدل على كرامة من في الأرض من المؤمنين ، أن الملائكة يستغفرون لهم ، كذلك جميع الخاص والعام ، والوصف في هذا يطول وفي بعض ما مضى من الحجة في نفس المسألة كفاية وهذه شواهد تدل على تحقيق الخاص والعام في نفس المسألة وفي نفس الأثر أن على المسلم أن يسأل عن دينه وعليه أن يتعلم دينه والعلم فريضة على كل مسلم وكل ذلك خاص وعام فيما قد قلنا وبينا فيه الحجج واستشهدنا عليه الشواهد ومخالفة هذا ضلالة وبدعة لا نعلم في ذلك اختلافا .
فاتقوا الله معاشر المسلمين من الضلال من أحكام الخاص والعام فإن بذلك هلاك الأغلب من الخلائق والعوام وما التوفيق إلا بالله عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير ، فيا معاشر المسلمين ويا معاشر أهل الدين ويا
__________
(1) - الآية 5 من الشورى.
(2) - الآية 7 من سورة غافر .
(3) - الآية 28 من الأنبياء . (2/90)
صفحة 86
المتمسكين ، اتقوا الله واحذروا بدعة هؤلاء الملبسين ، وضلالة هؤلاء المتكلفين ، و إلا فليأتوا على بدعتهم هذه ببرهان مبين ، من كتاب مستبين ، أو سنة من سنن الرسول الأمين ، أو من إجماع عن أحد من المهتدين ، أو عن رأي يصح عن أحد من علماء المسلمين ، ولن يجدوا على ذلك إن شاء الله دليلا ، ولن يجدوا إليه سبيلا .
فهل سمعتم يا معاشر المسلمين فيمن مضى من السلف ، أنهم كانوا يلزمون الخروج العامة من المسلمين ، وقد صح معنا أن أهل عمان كانوا على غير الاستقامة ، وأحسب أنهم كانوا على دين الصفرية (1)، وكان العلم فيهم قليلا ميتا ، لا توجد الآثار فيها ولا العلماء ، وكان الفقهاء والعلماء يخرجون في التماس العلم إلى العراق ، ويأتون فيعلمون الناس ما جهلوا من دينهم ، ولم يلزموا أحدا من الناس خروجا إلى البصرة ، وكان ذلك في عدم من أهل العلم .
وقد قالوا : إن نقلة العلم من البصرة إلى عمان أربعة : موسى بن أبي جابر ، وبشير بن المنذر ، ومنير بن النير ، ومحمد بن المعلا ، ولم نسمع أن أحدا من المسلمين قال إنه أولئك ، إلا الخروج في طلب ما تعلموه من العلم ، ولا كان يلزم الخروج أهل الزمان ، فكيف وإن دعوة المسلمين بعمان بحمد الله المعروفة بهم مستقيمة ، وأصولها صحيحة سليمة إلا من خالفها من يدعيها بجهل أو بضلال تأويل ، وليس ذلك على النحلة بعيب ، وينزل كل من نزل بمنزلة منزلته ، ويسمى باسمه ، بحكم عليه بحكمه ، ولن ينقض ذلك أصول الحق ولا أصول الدين ، بل الرجوع إلى الأصول وذلك هو الواجب وعليه المحصول ، فمن صح مذهبه على الكتاب والسنة و الآثار ، الخاص من ذلك في مواضعه ، والعام من ذلك في مواضعه ، كان على أصول
__________
(1) - هكذا وجدنا في النسخة التي بين أيدينا ص 55رقم 2514 عام و 97 ب خاص ، وأحسب أنه رأي البعض ، والمؤلف يدحضه . (2/91)
صفحة 87
أهل جملة الاستقامة ، ومن خالف ذلك ولو بحرف واحد فلن يخطىء إلا حظه ، ولن يضر إلا نفسه ، وأنزله الحق حيث نزل ، وحكم عليه بما قال وفعل ، كذلك دين المسلمين وهو دين المحقين المهتدين ، ودين محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين ، ولا يلتفت إلى من كان له في الإسلام سابق اسم ، ولا ما مضى حكم ، إذا بذل وغير، ونكث وتحير.
كذلك قول الله - تبارك وتعالى - : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )(1) .
وليس الناكث من الآخرين بأعجب من الناكث من الأولين ، ولا الضال من الآخرين بأعجب من الناكث من الأولين ، ولا الضال من الآخرين بأوجب حقا من الضال من المتقدمين ، ولا يجوز إلا اتباع الحق في كل عصر وزمان هو فيه ، ولا يلتفت إلى كثرة علم الضلال ، ولا إلى هذيان الجهال ، وإنما يتبع الكتاب والسنة ، والأثر المحكم من ذلك غير المتشابه .
قال الناظر : لعله أراد ، ولا يلتفت إلى كثرة علم أهل الضلال ، إذا لم يكن موافقا للكتاب المحكم والسنن المحكمة ، والأثر المحكم من ذلك غير المتشابه ، والناسخ من ذلك غير المنسوخ ، والخاص من ذلك في موضعه ، والعام من ذلك في موضعه ، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
فإن قال أحد من الملبسة المتكلفين ، أو أحد منهم ممن يقوم بحجتهم من العماة المتعسفين ، فإنا لا نعلم أن أحدا أمر بالخروج في طلب تعليم علم ما يسع جهله ، ولا مما لا يسع جهله ، لأن ما لا يسع جهله لا يعدم المعبرين له ذلك في موضعه ، وما يسعه جهله فليس عليه فيه خروج ولا طلب .
__________
(1) - الآية ( 10 ) سورة الفتح . (2/92)
صفحة 88
فإن قالوا : إنا لم نأمره بالخروج في طلب علم ذلك ، إلا أن يتوسل في دلك إلى الله وطلب الفضيلة ، ولكنا إنما نأمر من نأمر بالخروج في طلب صحة الأحداث الواقعة بعمان السالفة ، من أمر الصلت بن مالك وراشد بن النضر وموسى بن موسى ، حتى يسأل عن ما يلزمه من أمر أولئك الذين مضوا ، ويعرف الحق فيهم والباطل.
قلنا له : فلا يخرج أيضا أمر الصلت بن مالك ، وموسى بن موسى وراشد بن النضر عند هذا الشخص الذي قد وقعت عليه أعينكم من أحد أمرين :
إما أنه قد وقعتم من أمره فيهم على ما لا يسعه فيه جهله ، فقد قامت عليه الحجة بعلمه فيهم ، الذي قد عرفتموه منه ، فهو هالك محجوج ولا ينفعه الخروج ، وهو على نفسه حجة ، فكيف إذا أردتموه أنتم من حججكم ، فيقطعون عذره و يبرؤوا منه إذ قد هلك ، وترسلونه يسأل عن دينه ولا يبرؤون منه ، وقد هلك حتى يخرج ، فيهلك في طريقه أو يسلم ، وتقولون : إنكم لستم عليه بحجة ، وإنما الحجة عليه في خروجه الذي تأمرون به ، فانتم في هذا كاذبون ، إذا كان قد قامت عليه الحجة بعلمه ، وأنتم تقولون أنكم لستم عليه بحجة ، وإنما ترسلونه إلى الحجة ، وعلمه قد علمتم أنه حجه عليه ، وأنه قد هلك بعلمه فيهم ، فانتم كاذبون ، وهو هالك وأنتم له مسالمون .
وإما أن يكون أنه قد علمتم منه أنه لم يعلم منهم ما لا يسعه جهله ، وأنه سالم بجهل ذلك منهم فهو مما يسعه جهله في أحكام الدين ، وإلزامهم له الخروج اللازم لما لا يلزمه في دين المسلمين وأنتم بذلك من الهالكين المتكلفين ، بخلاف ما مضى عليه المسلمون ، وأما أن تعرفوا منه من علمه فيهم ما يسعه جهل الحكم فيه ، ويكون به سالما ، ما لم تقم به عليه الحجة من المسلمين العلماء ، فإن كنتم علماء وقد أقمتم عليه الحجة بالفتيا ، فقد (2/93)
صفحة 89
كذبتم ، إذ قلتم أنكم ليسوا بحجة معكم ، وأن الحجة في الخروج ، وان كنتم علماء تقوم بكم الحجة ، فقد هلكتم بكتمان ما أنتم فيه حجة لله ، وقد كان عليكم أن تقيموا عليه لله الحجة ولا تدعوه طرفة عين ، فإذا قامت عليه الحجة لله ، برئتم منه ثم استتبتموه ، إن كان لكم وليا و إلا فلا عليكم ، ولم يكن لكم أن تلزموه ما لا يلزمه ، مما تعتبر حجته حاضرة معكم ، وهذا تضييع منكم للحجة ، التي عليكم أن تقيموها لله ، وهذه حجة حاضرة وتدعونه إلى حجة غائبة ، فليس لكم ذلك لأن الفريضة الحاضرة أوجب من الفريضة الغائبة ، ولا تدرون أيصل إلى الحجة أو لا يصل ويموت دون ذلك ، فإن مات دون ذلك فما تقولون ؟ أهو سالم أم هالك ؟
فإن قلتم : إنه سالم فقد ألزمتموه ما لا يلزمه وما كان بدونه سالما ، وهذا هو التخليط بعينه ، وهنا إلزام ما لا يلزم .
فصل : وإن قلتم : إنه هالك دون أن يصل إلى حيث أمرتموه ، فكيف تركتموه وأنتم حجة له ، ويسلم بكم من الهلاك ، وتركتموه إلى أن مات على هلاكه ، فانتم بذلك هالكون أيضا إذ ضيعتم الفريضة .
وان كنتم في ذلك الذي أعلمتموه به لستم بحجة عليه ، وهو مما يسعه جهل علمه ، ما لم تقم عليه الحجة من علماء المسلمين ، والذي يخرج إليهم ممن تقوم بهم الحجة عليه من الفقهاء ، وهو سالم بقولهم ، فقد ألزمتموه ، أيضا ما لا يلزمه ، وهو بدونه سالم و بدونه عالم ، وهذا هو ما أنكرناه بعينه ، ولو علم هو أن الذي يصل إليه حجة في الفتيا ، ما كان عليه الخروج إليه فيما يسعه جهله بدونه ولا يلزمه ذلك ، وقد مضى القول فيه والقول في الولاية والبراءة وأحكام الأحداث ، وسائر أحكام الدين من الأقوال والأعمال سواء ، لا فرق في ذلك في حكم الدين مع أحد من علماء المسلمين ، وان كنتم لا تعلمون منه شيئا من علمه فيهم ، ولم يعلموا منه أمرا يصح به أنه عالم بأحداثهم التي أمرتموه أن يسأل عن الحكم فيها . (2/94)
صفحة 90
باب: أصل الموافقة في الحدث الواقع بعمان
حدث أن دعا بعضهم بعضا إلى الاجتماع على سبب يعرفونه ، من الموافقة في أمر موسى بن موسى وراشد بن النضر ، فاجتمع من شاء الله من أهل النحلة والدعوة ، وكان في الجماعة في ذلك جميع من ذكرنا ، أنه حضر العقدة لراشد بن الوليد ، إلا أبا مسعود النعمان بن عبد الحميد فإنه لم يحضر ذلك قبل العقدة ، ولكن سائر من ذكرنا ، وأكثر من ذلك من أهل الدعوة ، ومن المنظور إليهم منهم ، وأهل الفضل والعفاف منهم ، فاجتمعوا في بيت كان ينزل فيه راشد بن الوليد بنزوى ، وكان المقدم فيهم والمسموع منه فيهم ، هو أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر .
فاجتمعوا جميعا على أن الواقف عن موسى بن موسى و راشد بن النضر ، و المتبرىء منهما جميعا في الولاية ، و أنهما جميعا مؤتمنان على دينهما في ذلك ، ما لم يعلم من أحد منهم أنه يرى بغير حق ، أو وقف بغير حق ، وجرت الأمور بينهم على هذا النحو ، إلا ما زاد من اللفظ أو نقص إلا أن هذا هو المعنى الذي أجمعوا عليه . (2/95)
صفحة 91
باب: البيعة لإمام الدفاع
…ثم من بعد ذلك بايعوا الإمام راشد بن الوليد إماما ، على طاعة الله وطاعة رسوله ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى الجهاد في سبيل الله على سبيل الدفاع ، وعلى اتباع سبيل أئمة العدل قبله ، قسطا وعدلا .
وعلى هذا بايعه أبو محمد عبدالله بن محمد ، في المنزل الذي كان ينزل فيه من نزوى ، ثم بايع بعده أبو مسعود على نحو ما بايعه أبو محمد ، وبايعت الجماعة على نحو من ذلك ، وقبل منهم البيعة ، وخرجوا إلى الناس بالبطحاء من نزوى في جماعة من الناس من أهل العلم من نزوى ومن سائر أهل القرى ، وشرقي عمان وغربها ، من أهل العفاف مهم والجاه ، والفضل منهم والرياسة ، مستمعون لذلك مطيعون ، لا يظهر من أحد منهم كراهية ولا نكير .
ثم قام أبو محمد عبدالله بن محمد بن شيخة خطيبا على رأسه بين الجماعة ، فخطب له بالإمامة ، وأخبر الناس أن الجماعة قد بايعت له على الإمامة ، وأمر الناس بالبيعة له ، فبايع الناس له شاهرا ظاهرا ، لا ينكر ذلك من الناس منكر ولا يغير ذلك منهم مغير، وكان ممن بايع له ذلك اليوم بحضرته عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر ، و عبدالله بن محمد بن شيخة يبايع ناحية ، وأرجو أن أبا مسعود كان يبايع له ناحية من الناس ، وغيرهم من (2/97)
صفحة 92
الناس ، ودخل الناس في بيعته أفواجا ، ووفدت إليه على ذلك الوفود ، وأخذ عليهم المواثيق والعهود ، وأظهر كل منهم من أهل المصر به الرضى ، فبين مبايع له على ذلك ، وبين من يخطب له عند قدومه عليه بالإمامة ، وبين من يظهر التسليم بالرضى الظاهر ، وليس يحكم على الناس ولا فيهم بحكم السرائر ، وبعث العمال والولاة في القرى والبلدان ، فلم يعترض عليهم أحد من أهل المصر بتغيير ، ولا ظهر من أحد من أهل المصر كواهية ولا نكير ، فصلى بنزوى الجمعات ، وقبض هو وعماله الصدقات ، وجهز الجيوش وعقد الرايات ، وأنفذ الأحكام ، وجرت له فيما شاء الله في المصر الأقسام ، ولم يبق بلد من بلدان عمان لم يغلب عليه السلطان ، أو نأى عنه في تلك الأيام وذلك الزمان ، إلا جرت فيه أحكامه ، وثبتت عليهم أقسامه ، وأقر في ظاهر الأمر أنه إمامه ، من غير أن يظهر منه في شيء من سريرته ولا علانيته شدة ولا غلظة يخاف بها ويتقي ، ولا هوادة ولا ميل يطمع منه بذلك ويرتجي ، فيصانع عن تقية ، أو يخدع لمطمع ورجية ، بل كان - رحمه الله - لرعيته هينا رفيقا ، بارا بهم شفيقا ، غضيضا عن عوراتهم مقيلا لعثراتهم ، بعيد الغضب عن مشينهم ، قريب الرضى عن محسنهم ، مساويا في الحق بين شريفهم ودنيهم ، و فقيرهم و غنيهم وبعيدهم وعشيرتهم ، منزلا لهم منازلهم ، متفقدا لأمورهم وأحوالهم ، ومشاورا منهم لمن هو دونه ، قابلا من مشاورتهم ما يأمرونه ، فلم يزل - رحمه الله - على ذلك ، يتجشم من رعيته الصبر على الكروب ، ومفارقة الشرور والمحبوب ، ولصبر منهم على الشتم والأذى ، ويسمع منهم الخنا والقذى ، وهو يتأنى في ذلك الأمور ، ويرجو الدائرة من الله أن تدور ، وكثير من أهل مصره ومملكته لعله يتربص به الدوائر ، ويستر له قبح السرائر ، تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر ، وما تخفي صدورهم من الغل والحسد أعظم وأكبر ، قد استحوذ عليهم الشيطان ، وغلب عليهم العدو والشنآن ، ومنهم من يتربص به الدائرة ، ويظهر المودة في الأمور الظاهرة ، فإن فتح الله عليه فتحا أظهر إليه السرور و الشرى ، وان كان للعدو نصيب ، ظهرت منه (2/98)
صفحة 93
أمور قبيحة أخرى ، لا يقدر من عداوته أن يعين على طاعة الله بلسانه ، ولا بجاهه ومكانه ، لو يرجو أن يقبل منه الخذلان لخذله ، ولو كان به طاقه - على قتال أهل الحق لقاتل ، ومنهم من يعين بلسانه في الظاهر ، ويخذل في السرائر ، ومنهم من يعين لطلب الدنيا والسمع فيها والرياء ، فإن أصابه خير اطمان به ، وان أصابته فتنة انقلب على وجهه ، وأعدادهم وصنوفهم في السير لا تحصى ، إلا قليلا من الضعفاء ممن يعجز عن النصرة له بالوفاء ، ولا يرجى به بلوغ إلى شفاء ، ولا عناية فى الأمر ولا مكتفى ، حتى آلت به الأمور ، وجرى عليه من الله المقدور، أن يطهر من عامة رعيته التخلف عنه والخذلان ، وظهر من عامة خواصه المعاندة له والعصيان ، والمداهنة عليه للسلطان ، والمباشرة له لذلك بالقول باللسان ، وخرجوا إلى السلطان مظاهرين ، وتالبوا إلى ذلك متناظرين ، فمنعهم عن ذلك خيرا ، وقهرهم عن التخلف عن ذلك قسرا ، فوقع بينهم وبين عامتهم في ذلك العداوة والشحناء ، وفارقوه على دلك من قريته بهلا متعصبين ، معاندين له على ذلك ومحاربين ، متوجدين عليه فى ذلك متعنتين ، وقد صار السلطان بالشر مقبلا ، وهو في نفر من الضعاف أقلا ، قد انقضت عنه جماعتهم ، وصحت معه عداوتهم ، وإنما خرج من نزوى في ردهم عن خروجهم ذلك ، وفى حرب العدو المقبل إليه ، فلما رأى ما قد نزل به من الخذلان ، وبان له من العداوة والعصيان ، واستضعف نفسه ومن معه عن لقاء السلطان ، وخاف أن يدهموه على المكان ، فتحيز بمن معه من بهلا إلى كدم ، ورجا أن يكون قد استوثق لنفسه في ذلك وحزم ، فلم يزل بكدم إلى أن صح معه أنهم قد دخلوا الجوف من نزوى ، فداخله ومن معه من الضعفاء لقلتهم الخوف،فانحازوا من هنالك إلى وادي التجر، استبقاء منه لضعفاء المسلمين ، رجاء المعونة والنصر ، فنزل بوادي التجر(1).
__________
(1) - ذكر الناسخ هذه العبارة على هامش الصفحة : "وادي التجر هو واد معروف بقرب بلد العبريين من عمان والله أعلم ، وجدته مفسرا أن الجوف هي نزوى . ولا نعلم هل هذا من قول المؤلف أو أنه من عند نفسه . ا. هـ محققه . (2/99)
صفحة 94
ودعا إلى حرب السلطان من حضره ، واستنصر عليه من قدر عليه ونصره ، واجتهد في ذلك وصبر ، ودعا إلى ذلك واستنصر ، وراح في ذلك وبكر ، وأقبل في ذلك وأدبر ، فامده الله بمن مده ، فابلى بهم طاقته وجهده ، فجيش إليهم أنصاره وأعوانه ، إلا من لا عناية له عنه من خاصته واخوانه ، وقعد لهم في مكانه ، وكان السلطان وجنده بنزوى نازلين ، وكان تخلفه عن الحرب عن رأي من بحضرته من إخوانه ، وأهل الشفقة من أعوانه ، ورجاء أن يكون في تخلفه تخلف عن الاسلام وأهله ، وقوة لنصره وعدله ، وكان تخلفه عن الجيش الذي بعثه إلى السلطان بنزوى ، قريبا من المجازة إلى عقبة منح لم يكن عليهم ببعيد ، فاتى الله المقدور ، وما قد علم الله -تبارك وتعالى - أنه تصير إليه تلك الأمور ، فهزموا أنصاره مع ذلك وغلبوا ، وولوا عنه مع ذلك وهربوا ، فانقضت هنالك جماعتهم ، وزالت هنالك رايتهم ، وخرج من هنالك مخذولا مغلوبا خائفا يترقب مطلوبا ، وكان ذلك ضحوة النهار ، فلم يكن عشيا من يومه ذلك حتى انفض عنه جميع من كان معه ، ووقعت الغلبة والاياس ، وأيس مع ذلك من نصرة الناس ، فاستولى السلطان الجائر على جميع عمان من جميع النواحي والبلدان ، وأقبل الناس في المصانعات ، وأقبل إليهم السلطان الجائر بالسخريات والمداهنات ، حتى دانت لهم جميع النواحي ، وهو خائف في رؤوس الجبال والمسافي ، مشفق من السلطان والرعية ، يترقب في كل موضع نزول المنية ، وأن يدهمه عن مرقده من مامنه ببلية ، وأصبح خائفا على نفسه وماله ، هاربا من داره وعياله ، وأصبح جميع أهل المصر قد أمنوا واطمانوا في منارلهم ، وسكنوا وصانعوا سلطانهم وداهنوا ، فلم يكن له من الاستسلام بدا ، إذ لم يجد إلى غيره سبيلا ولا جهدا ، فطالع في أمره واستشار ، واستشير له ذوي الأبصار ، واتبع في أمره فيما ظهر منه حكم الأبرار ، وأخذ بالرخصة من قول الأخيار .
فصل : ومما لا نعلم فيه اختلافا أن الإمام المدافع يسعه التقية ، إذا خذلته الرعية ، ولم يكن معنا أصح من ذلك الخذلان ، ولا أبين من تلك (2/100)
صفحة 95
العداوة وذلك العصيان ، والله هو الرؤوف بعباده المنان ، وما جعل الله على عباده في الدين من حرج ، بل الصحيح معنا أنه قد جعل لكل مدخل من أمر دينه بابا ومخرجا ، ولكل عاجز عن أداء فرض من فرائضه عذرا وباب فرج ، ولا فرق بين الامام والرعية ، وكل منهم جار عليه حكم القضية ، فالقى بيده إلى منزله ، واستسلم برجاء أن يستتر فيه وأن يسلم ، فوصل إليه رسول السلطان إلى مكانه ، يعطيه منه الميثاق بامانه ، فبلغنا أنه أعطاه ذلك بلسانه ، ولم يبلغنا بحمد الله أنه عرضه ليمين ، ولاكان إلى باب السلطان من الوافدين ، ولا من القادمين إليه الواصلين ، فإنما السلطان الذي وصل إليه ، واضطره إلى ذلك وخبره عليه ، فزالت معنا هنالك إمامته ، وثبتت للعذر الواضح له ولايته ، ولا نعلم في الأحكام ، ولا فيما اختلف فيه من أمر الامام راشد بن الوليد -رحمه الله - ، يلحقه في إمامته مقال ، ولا طعن ولا عيب في حال من الحال ، فلبث بعد ذلك قليلا مخمولا ، ومات عن قريب من ذلك الحين مفقودا .
وكان راشد بن الوليد في أيامه وزمانه وموضعه ومكانه ، ومع أنصاره وأعوانه ، العاقدين له من أصحابه وإخوانه ، وفي عامة أموره ، كان غريبا معدوما ، ولم يكن عند أحد من أهل الخبرة به في أموره ملوما ولا مذموما ، فجزاه الله عن الاسلام وأهله ، لما قد قام فيه من حقه وعدله - عنا وعن جميع المسلمين - من عرف صحيح فضله ، أفضل ما جزى إماما عن رعيته ، وأخا بصحيح أخوته .
فصل : وإنما ذكرنا من أمور راشد بن الوليد ، لما قد ظهر وما نرجو أنه لن يدفع ولن ينكر ، والا ففضائله كانت معنا أكثر من هذا وأكبر ، وكان أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر قد قتل في وقعة الغشب من الرستاق في سيرة الامام راشد بن الوليد وفي طاعته ، وكان زوال أمر الإمام راشد بن الوليد في وقعة نزوى ، وعنها زالت رايته ، وانقضت جماعته ، وبان خذلان (2/101)
صفحة 96
رعيته له ، ولزمته التقيه ، وخاف على نفسه هنالك من السلطان والرعية ، أن يقصدوه بالقتل رضا للسلطان ، ولم يرج لنفسه مستقرا في موضع من عمان من حد حرفار(1) إلى حد رعوان(2) ، ولا في جبال عطالة ولا في أرض الحدان والرستاق ، فادهى عليه وأمر ، وأعدى عليه من كل عدو وأشر ، والله - تبارك وتعالى - أولى بالعذر من البشر ، وكل من عذره الله في دينه ، فواجب أن يعذر ويعان في ذات الله ، فيما قد نزل به وينصر ، وكان راشد بن الوليد -رحمه الله - ، فيما ظهر إلينا من أمره ظاهر الايمان ، ظاهرا عليه شواهد الفضل والإحسان ، ناهيا عن الشر والبهتان ، صادق اللسان والفعال ، ورعا عن المحارم ، مجتنبا عن المآثم عاملا بما علم ، سائلا عما نزل به ولزم ، متواضعا لمن هو فوقه ، متعطفا على من هو دونه ، كاظما للغيظ ، بعيد الغضب ، سريع الرضى ، محتملا للأئمه ، حريصا على إصلاح المسلمين ، رؤوفا رحيما بالمؤمنين ، متوشحا بكرائم الأخلاق ، مستقيما على الحقيقة ، قاصدا للطريقه ، يضرب به الأمثال ، ويعجز الواصفون عن وصفه بالمقال ، فرحم الله تلك المهجة وتلك الأوصال ، وتفضل علينا وعليه بالمن منه والإفضال ، وعرف بيننا وبينه في مستقر من رحمته ، وجمعنا واياه على جزيل من ثوابه وكرامته ، وفعل ذلك لكل مؤمن ومؤمنة ، إنه أرحم الراحمين .
__________
(1) - في نسخة "حرفان " .
(2) - في نسخة "رعوال " . وهما موضعان . (2/102)
صفحة 97
باب: المختلفان الضعيفان في أمر الدين الذي لا يجوز فيه الاختلاف
إذا كان المختلفان من أهل الولاية في أمر الدين ، الذي لا يجوز فيه الاختلاف ضعيفين ، ممن لا تقوم به حجة الفتيا فيما يسع جهله من الدين ، وكلاهما يدعي الحق ، وهو مما لا يجوز فيه الاختلاف من الدين ، وعلم منهما ذلك من يتولاهما ، ومن قد تقدمت لهما ولاية عنده ، فإن الولاية فيهما بالرأي والوقوف عثهما بالرأي على اعتقاد الولاية للمحق منهما ، والبراءة من المبطل منهما في الشريطة ، ولا يجوز الوقوف عنهما ، ولا عن المحق منهما بالدين ، ولا يجوز الوقوف عنهما بالدين ، وإنما الوقوف عنهما بالرأي والولاية لهما بالرأي ، أو ولايتهما على اعتقاد البراءة من المبطل منهما في الشريطة ، وولاية المحق منهما في الشريطة ، ولا تقوم الحجة من قول أحدهما في اختلافهما كما تقوم من العالم في اختلاف العالمين ، وقد مضى القول في ذلك في اختلاف العالمين بما فيه كفاية .
وأما السؤال عن هذين الضعيفين ولزوم السؤال فيهما إذا كانت لهما ولايته متقدمة ، فقد اختلف في ذلك ؟ فقال من قال : يلزمه اعتقاد السؤال عما يلزمه في أمرهما حتى يخرج من ولاية المبطل منهما إلى البراءة منه بالدين ، ويتولى المحق منهما بالدين ، ولا يقف عن ولاية ووقوف الرأي . (2/103)
صفحة 98
وقال من قال : لا يلزمه في هذا سؤال ، لأنه واسع له الوقوف غنهما بالرأي ، فيخرج ذلك عن ولاية المبطل ويتولى المحق ، ولا يكون بذلك مضيعا للازم ، ولا راكبا لمحرم ولا واقفا عن عالم ، وانما لا يسع ذلك في العالمين ، إذ لا يجوز الوقوف عن العالم برأي ولا بدين من أجل قوله بالحق ، ولا من أجل براءته من المبطل بالحق ، وهذا القول هو أصح على أصول مايسع جهله ومالايسع جهله .
والقول الأول جائز على الاحتياط .
وإذا لزمه السؤال على هذا القول ني الوليين الضعيفين ، أو الولي إذا ركب ما يجهله من الباطل ، أو في غير الولي إذا كان لا يبرأ منه في الأصل ، وعلم منه باطلا يسعه جهله ، فلزمه السؤال على الاختلاف ، فإن هذا الموضع يكون الوقوف فيه وقوف رأي وسؤال ، ويسمى وقوف رأي ، ويسمى وقوف سؤال إذا لزمه السؤال فيه ، على بعض القول ، ويلحقه اسم وقوف السؤال ، وإذا لم يلزمه السؤال لحقه اسم وقوف الرأي .
ووقوف السؤال لا يكون إلا بالرأي ، ولا يكون بدين ولا يجوز أن يقف وقوف الدين في موضع وقوف الرأي والسؤال ، وقد يجزئه وقوف الرأي في هذا الموضع عن وقوف السؤال ، ويجزئه وقوف السؤال على قول من يلزمه ذلك عن وقوف الرأي . (2/104)
صفحة 99
باب: الاختلاف في الدين من الضعيف والعالم إذا كان العالم هو المبطل
وإذا كان الاختلاف في الدين بين ضعيف وعالم ، وكان المحق في الأصل هو الضعيف ، والمبطل هو العالم فهو في هذا بمنزلة اختلاف الضعيفين ، لأنه لا تقوم الحجة بالحق فيمايسع جهله من قول الضعيف والعالم فهو المبطل ، ولاحجة للمبطل في الباطل ، وهو خصم محجوج لاحجة له ولا منه في الباطل ، ولا تجوز ولايته على حال بالدين ، ويجوز فيه الوقوف بالرأي على هذا ، والوقوف بالسؤال ، وهو في هذا خصم ليس بحجة ، وإنما لا يجوز الوقوف عنه برأى ولا بدين ، في براءته من المبطل بالحق ، وفي قوله بالحق الذي لا يكون فيه مبطلا في أصل الدين ، فإن جهل الجاهل باطل العالم ، إذا لم يقم عليه حجة من قول الفقيه ، وإذا جهل حكم العالم في الخصومة ، وظن أنه لا يجوز فيه وقوف الرأي ، إذا كان عالما في الأصل معه فتولاه بدين ، وثبت على ولايته بغير رأي ولا اعتقاد براءة الشريطة ، كان بذلك هالكا ، ولا يسعه جهل ذلك ، والعالم في هذا الموضع خصم يجوز عليه وفيه ما يجوز على الضيف وما يجوز في الضعيف ، لأن حجته قد زالت وبطلت ، وإنما يكون حجة إذا صح له الحجة ، ومنه الحجة بالعلم الظاهر الشاهر ، ثم دام عليه ولم يتحول عنه إلى باطل ، فإذا تحول عن الحق إلى الباطل ، زال عنه في علم العلماء بالدين ، اسم ماكان قد صح له من الحجة والعلم ، وصار في علم الله ني أصل دين الله ، وفي علم العلماء بالدين إلى حالة الخصم ، ولم يجز للجاهل وان جهل منزلة ما قد نزل به من الباطل والخصومة وزال عنه من حكم الحجة والعلم أن ينزل بغيرمنزلته التي نزل بها (2/105)
صفحة 100
وان جهلها ، إذا علم بذلك منه ، كما لا يجوز له أن يجهل منزلته التي نزل بها إذا علمها من الحجة في العلم ، وهكذا الحق لا شبهة فيه ولا اختلاف ، لأنه إنما كان العالم حجة في العلم بالحق ، فلما أن زال عن حكم الحق كان خصما في الحق ، وزال عنه حجة الحق ، ولا يجوز أن يكون خصما في شيء حجة فيه أبدا ، ولا يقوم هذا في حجة الدين ولا حجة العقل ، ولا يجوز أن يكون يجهل الجاهل للخصم من الحجة نزول في حكم الإسلام ، حجة الحجة إلى منزلة الخصم ، وينزل الخصم في منزلة الحجة ، ويكون حجة على الحجة ، ومحال أن يكون الخصم في حال من الحال حجة على البينة ولا على الحكم ، هذا من المحال ، ولو جهل ذلك العماة والجهال .
وإنما زال عن هذا الجاهل البراءة من هذا العالم من حينه بقول خصمه هذا الضعيف ، إذا قام عليه بالحق من طريق أن الضعيف لا تقوم بقوله الحجة في الفتيا ، فيما يسع جهله ، ولما أن كان خصمه في أول المسالة عالما تقوم بقوله الحجة في الفتيا ، وجب على الجاهل قبول قول العالم فيه من حينه ، ولزمته البراءة بذلك ، لأنه الحجة التامة التي لا يوجد لها إلا مثلها ، وخصمها مبطل في أصل الدين لاحجة منه ولا له .
ولا تعدو الحجة معنا في الفتيا أحد أمرين :
إما أن تقوم الحجة في الفتيا من العالم الواحد المحق فيما يسع جهله .
واما ألا تقوم الحجة فيما يسع جهله إلا أن يبصر الجاهل عدل ذلك ويبين له صوابه ، ولا معنى بعد ذلك الواحد من العلماء في الإثنين ولا الثلاثة (2/106)
صفحة 101
ولا الأربعة ولا ما فوق ذلك ، إلى ما لا يحصى إلا أن يخرج ذلك إلى إيضاح العلم معه لذلك عن حجة الفتيا .
وقد قيل ذلك ، ولا يخطىء من قال بذلك ، وقد مضى القول في ذلك ، وذلك قول من قول أهل العدل وله ، فيما يسع جهله وما لا يسع جهله قوي من الأصل ، لأنه قد جاء الأثر بانه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرأوا من العلماء ، إذا برئوا من راكبه ، وكذلك يسعهم جهله ما لم يركبوه ، أويبرأوا من العلماء إذا قالوا به ، أويقفوا عنهم ، وذلك من ركوبهم له ترك ولاية المحق العالم من أجل ما قال من الحق ، إذا كانوا جاهلين به ، فلايسعهم جهله مع تصييع ولاية أهله القائمين بحقه وعدله ، وترك ولاية المحق العالم من أجل ما قال من الحق وما قال به من العدل برأي أو بدين ، مما لا يسعهم جهله ، وترك ولاية المحق الضعيف ، من أجل ما قال من الحق ، وقام به من العدل بالدين نقض منهم للدين ، ومما لا يسعهم جهله ولاركوبه ، وذلك أيضا ممالا يسعهم جهله .
فصل : فإن برىء الضعيف المحق من الخصمين في الدين من العالم المبطل ، ولم يعلم الجاهل أنه مبطل وبرىء العالم من الضعيف على ما قال من الحق والعدل ، ولم يعلم المحق منهما من المبطل ، فإن كان العالم بدءا بالبراءة من الضعيف ، فللجاهل فيهما العالم بأمرهما ، أن يبرأ من المبتدىء منهما بالبراءة من صاحبه ، بما برىء من وليه في الأصل ، براءة رأي لا براءة دين .
وإنما جاز له أن يبرأ براءة رأي ، من أجل أنه برىء من وليه ، وقذفه وهو يتولاه برأي ، حين أحدث ذلك ، فإذا كان يتولى وليه برأي ، ثم برىء منه متبرىء من أوليائه أو من غيرهم ، فإنه يبرأ ممن قذف وليه برأي ، وإنما يكون اعتقاده أنه يبرأ منه برأي ، إن كان يبرأ منه بغير حق ، وإن كان وليه هذا المتبرىء منه على ولايته ، فهو يبرأ من هذا الذي قذفه عنده ، وبدءا بالبراءة منه ، فصار قاذفا لأنه لم تقم عليه بقوله الحجة في الفتيا ، ولم يكن له إذا لم يكن (2/107)
صفحة 102
حجة أن يبرأ من ولي هذا الذي يتولاه ، حتى يكون حجة عليه ، فلما قذف وليه وهو لم يصح معه ما تزول به ولايته ، كان في حكم الظاهر قد قذف وليا له ، وبرىء من ولي له ، وكان له أن يبرأ بالرأي ممن برىء من وليه ، الذي يتولاه برأي في الأصل ، ولا تجوز براءة الرأي إلا فى هذا الموضع .
وكذلك لوبرىء المتبرىء منه ممن برىء منه ، لما برىء منه ، فإنه في ظاهر الأمر يبرأ ممن بدأ بالبراءة ، لأنه قاذف في حكم الظاهر لوليه ، لا يبرأ بالرأي من الآخر إلا في الاعتقاد ، وأما المبتدىء بالبراءة منهما ، إذا لم يكونا حجة فيما اختلفا فيه ، فإنه يبرأ بالرأي من المبتدىء بالبراءة .
كذلك الضعيفان إذا اختلفا في الدين ، فبرىء أحدهما من صاحبه ، ولم يعلم المحق منهما من المبطل ، فإنه يبرأ من المبتدىء بالبراءة منهما ، لأنه قاذف في ظاهر الأمر لوليه ، ولأنه لاتقوم به الحجة في الفتيا ، ولأنه يتولى وليه المقذوف بالرأي لا بالدين ، ولا يجوز أن يبرأ من المحق بالدين ، ولا يبصر العدل فيبرأ من المبطل بالدين ، ولا يجوز أن يتولى وليه برأي ويبرأ ممن قذفه بدين ، وإنما يتولى وليه برأي ، ولا يكون القاذف أشد حقا من الولي ، لأنه لو كانت الولاية بالدين ، كانت البراءة من القاذف له بالدين.
وهذا في الضعيفين ، وفي الضعيف والعالم إذا كان العالم هو المبطل في الأصل ، ولم يعلم العالم بحدثهما الحكم في ذلك ، ولا أبصر باطل المبطل ولا حق المحق .
فصل : ولو كان الخصمان عالما وضعيفا من أهل الولاية ، وكان المحق هو العالم ، ثم برىء من المبطل ، وقد علم الجاهل بحدثهما جميعا لم يجز للجاهل أن يبرأ من العالم برأي ولا بدين ، من أجل براءته من الضعيف ، ولو كان هو المبتدىء بالبراءة من الضعيف ، ولوبرىء منه الضعيف ، قبل أن يبرأ العالم من الضعيف ، كانت البراءة من الضعيف هاهنا بدين لا برأي ، (2/108)
صفحة 103
لأن الحجة قد قامت من العالم ، ولأن الضعيف هاهنا قاذف مبطل بالقذف .
ولو بدأ العالم من الضعيف بالبراءة على باطله ، لم يجز للجاهل أن يبرأ من العالم المحق من أجل ذلك برأي ولابدين ، ولايقف عنه برأي ولا بدين ، والعالم في هذا غير الضعيف لأنه حجة ، ولأن البراءة منه بالرأى أو بالدين ، والوقوف عنه بالرأي أو بالدين نقض للدين ، لأنه الحجة وليس لأحد أن يجهل الحجة بعد قيامها بتضييع حقها وتبديل حكمها .
ولوكان الخصمان عالمين جميعا ، لم يجز فى العالم المحق منهما أيضا براءة برأي ولا بدين ، ولا وقوف برأي ولا بدين ، ولو بدأ بالبراءة من المبطل ، وجهل ذلك الجاهل لأن الحجة تقوم من العالم على العالم ، كما تقوم من العالم على الجاهل وعلى الضعيف ، وحجج الله - تبارك وتعالى - لا تتحول ، لجهل من جهلها وضعف من ضعف عنها.
ولا تجوز البراءة بالرأي في وجه من الوجوه ، إلا في هذا الموضع من طريق البراءة للقذف للولي الموقوف عنه ، وقوف رأي أو وقوف سؤال ، حتى يعلم أمحق فيما وقف عنه أم مبطل ، فإذا كان الولي بهده المنزلة ثم قذفه قاذف ، فلا يجوز إهمال أمره كغيره من الموقوف عنهم ، ولا يجوز أن يبرأ من قاذفه بدين وهو لا يعلم أهو على ولايته بدين أم لا ، ولكن يبرأ من قاذفه في هذا الموضع بالرأي ، إن كان وليه الذي برىء منه على ولايته معه ، في أصل دينه بالدين ، وان كان وليه الذي قذفه هذا القاذف قد زال عنه حكم الولاية معه في الدين ، فالقاذف له من المحقين هذا ، يكون اعتقاده عند براءته من قاذف وليه ، الذي هو واقف عنه وقوف رأي أو وقوف سؤال ، ما لم يكن القاذت القائم بالحق في ذلك عالما محقا ، ويكون الجاهل قد وقف على ما يرى به العالم من وليه هذا الذي تولاه برأي .
فإذا علم الجاهل الحدث الذي أحدثه و ليه ، الذي هو واقف عنه (2/109)
صفحة 104
برأي ، فبرىء منه على ذلك عالم ممن تقوم به الحجه في الفتيا فيما يسع جهله ، فلا يجوز للجاهل أن يبرأ من العالم في هذا الموضع برأي ولا بدين ، وعليه قبول قوله إن أفتاه بالحق فى ذلك ، وعليه التسليم له بولايته له على ما كان عليه ، ولاينقض ذلك عنه بجهله ، ولايسعه جهل ذلك .
ولو أن جاهلا بالأحكام رأى من ولى له مما يجب عليه فيه الوقوف بالرأي ، فوقف عنه برأي ، أو وقوف سؤال ، ثم علم من فقيه عالم بصير ، أنه يبرأ من وليه هذا الذي قد وقف عنه ، بذلك الحدث برأى ، ولم يعلم أن هذا العالم قد علم من وليه ، هذا الذي وقف عنه هذا الوقوف ، ذلك الحدث الذي قد رآه من وليه وعلمه منه ، كان العالم في هذا الباب خصيما ، وكان الوقوف عنه في هذا الموضع برأي جائز ، من أجل براءته من وليه هذا الذي وقف عنه برأي ، إذا لم يعلم أن العالم قد علم من وليه ذلك الحدث ولا شيئا من الأحداث التى يجهلها أو يجهل الحكم فيها أو يعلمها أنها باطل ، والعالم في هذا وغيره من الناس سواء ، إذا كان بمنزلة القاذف ، لأنه لا حجة له فيما يكون فيه خصما ، وإنما الحجة له فيما يكون فيه حاكما إذا كان باحكامه عالما .
ولوكان لرجل ولي ضعيف من ضعفاء المسلمين ولم يعلم منه حدثا يجب عليه به وقوف برأي ، ولا علم منه ما تجب به البراءة منه ، ثم سمع مائة ألف عالم أو يزيدون من أمثال موسى بن علي ومحمد بن محبوب -رحمهما الله - ، يبرأون من وليه ذلك الضعيف الذي قد تولاه بحق ، كانوا بذلك عنده مخلوعين محجوجين ، ولوكانوا قد برئوا من ذلك الضعيف بالحق ، فيما غاب عنه من أمرهم ، ولا يجوز له أن يحسن فيهم الظن فى هذا الوجه ، فإن أحسن بهم الظن إذ معه أنهم لا يبرأون من وليه ذلك إلا بالحق ، كان بذلك هالكا محدثا ، وذلك إذا علم أنهم يعلمون أنه يتولاه ، أو أعلمهم أنه يتولى ذللك الذي برئوا منه ، أو كان الذي برئوا منه قد لزمت ولايته أهل الدار فى عصره ، فإذا كان على أحد هذه المنازل ، فلا يجور له أن يحسن فيهم الظن على هذا (2/110)
صفحة 105
أنهم قاذفون لوليه مخلوعون محجوجون ، لاحجة لهم على غيرهم ، وهم وغيرهم في ذلك بالسواء من الحكومة ، ولايجوزله أن يضع فيهم ، ماقد لزمهم من الحق في دين الله ، لحسن ظنه فيهم ، لأنه لا يجوز الحكم بحسن الظن ولا بسوء الظن ، وكما لا يجوز الحكم بسوء الظن ، فكذلك لا يجوز الحكم بحسن الظن ، وإنما يجوز ويلزم الحكم بالحق ، على مخالفة أحكام الظن .
والعلماء وغيرهم في الأحكام بالحق سواء ، ولايكون للعلماء حجة يخالفون فيها منازل غيرهم في وجه من الوجوه كلها من الأحكام ، ولا من منازل الاسلام ، إلا في موضع قولهم بالحق ، إذا لم يخالفوا الحق في قولهم في الفتيا وغيره ، من القول بالحق في الدين ، الذي هو من الشريعة ولا يخرج مخرج الحكم بين الناس .
وكذلك في براءتهم من المبطل على الباطل الذي جهله الجاهل ، فلا تجوز البراءة من العلماء ، ولا الوقوف عنهم برأي ولا بدين في هذين الموضعين ، في موضع ما قالوا به من الحق والعدل الذي جهله غيرهم من الجهال ، ولا في براءتهم من المبطل الذي قد علم الجاهل بحدثه ، وجهل حرمة حدثه ، وهذان هما الموضعان اللذان للعالم فيهما ، ما ليس للجاهل ولا للضعيف من المسلمين ، وسائر ذلك من الأحكام والخصومات بين أهل الإسلام ، فالحكم فيها بين العالم والجاهل والضعيف سواء ، لا اختلاف بينهم في ذلك .
فصل : وكذلك لو برىء هؤلاء العلماء وأضعافهم من ولي له قد علم منه حدثا ، لزمه الوقوف عنه بالرأي أو بالسؤال ، ولم يعلم أن العلماء علموا منه بذلك الحدث ولا بحدث غيره ، فبرئوا منه على هذا معه ، وقد علموا أنه يتولاه ، أو أعلمهم بذلك ، أو كانت ولايته لازمة أهل الدار وأهل الموضع (2/111)
صفحة 106
كان عليه أن يبرأ منهم كلهم بالرأي ، وكانوا كغيرهم من الخصماء ، وزالت عنهم حجة الفقهاء والعلماء ، ولوكانوا في أصل براءتهم محقين ، من هذا الذي برئوا منه ، ولا نعلم في هذا اختلافا بين أهل العلم باحكام الولاية والبراءة .
وكذلك لو رأى هؤلاء العلماء كلهم وأضعافهم ، وقد أجمعوا على هذا القول بحرف من حروف الباطل ، مما يخالف ذلك الحرف ، حكم كتاب الله أو سنة نبيه أو إجماع المحقين من الأمة ، فقالوا بذلك الحرف بأنه باطل ، وهو حرف حق أو أنه حق وهو باطل .
وقالت أمة مملوكة بخلافهم في ذلك بمايوافق الحق ، ولم يقل أحد بخلافهم ، فلا يحل لهذا الجاهل أن يتولى هؤلاء العلماء ، الذين هم عنده أمناء علماء حكماء. فإن تولى هؤلاء العلماء بدين ، أوتولى أحدا منهم بدين على ذلك ، بغير شريطة البراءة منهم في الجملة ، ولغير عذر يجوز له في الإسلام إلا موضع أمانته بهم ، وحسن ظنه فيهم أنهم علماء وأنهم حجة ، كان بذلك من الهالكين ، الضعالين عن سواء السبيل ، وإذا كانوا أولياءه فيما مضى ، لزمه فيهم أن يبرأ منهم بدين من حين ما سمع منهم ذلك ، أن وفقه الله لعلم ذلك من أي الوجوه علم ذلك ، فإن قصر نظره عن ذلك ، كان عليه أن يقف عنهم وقوف رأي أو وقوف سؤال ، ولا يجوز أن يقف في هذا الموضع وقوف دين ، فهم كغيرهم من الناس في هذا الموضع ، كانوا بذلك مفتين لغيرهم أومتقولين بغير فتيا ، كان لهم في ذلك خصم ، أو لم يكن لهم في ذلك خصم ، ولا فرق في ذلك بين الخصماء وغيرهم ، إذا كانوا مختصمين بالاختلاف في أصول الدين .
ولوكان خصم هؤلاء العلماء كلهم أمة مملوكة ، قد قالت بالحق ، فإن كانت قد نزلت بمنزلة العلماء الذين يكونون حجة في الفتيا ، كانت حجة على (2/112)
صفحة 107
الجاهل ، وكان عليه أن يقبل منها الحق بالبراءة من العلماء في وقته وحينه ، أو يقف عن العلماء كلهم برأي أو سؤال ، ويتولى الأمة المملوكة أقل ذلك على الاختلاف ، وقولنا أن عليه قبول قول الأمة بالحق ، والبراءة من العلماء كلهم من حينه وساعته ، وإلا كان محجوجا هالكا ، شاكا في حجة الله ، وهذه الأمة في هذا الموضع حجة الله على هذا الجاهل ، وعلى جميع أهل الأرض في أمر هؤلاء العلماء الذين قامت عليهم بالحق في ذلك .…
ولا ينفك جميع أهل الأرض فى هذه الأمة وهؤلاء العلماء من أحد أمرين :
إما أن يتولوا هذه الأمة ولا يقفوا عنها بدين ولا برأي .
أو يقبلوا منها قولها في هؤلاء العلماء ، ويبرأون منهم في حينهم وساعتهم معا كلمح البصر ، والا هلكوا جميعا ، ولوكان جميع أهل الأرض من أهل المشارق والمغارب .
كذلك لو رأى من عالم من العلماء ، أو من جماعة من العلماء ، عملا قد أجمعوا عليه من الباطل الذي يخالف الحق في دين الله ، ولا يختلف فيه في دين الله ، ولا مخرج لذلك الذي رأى منهم من الباطل ، ولا يحتمل مخرجا من مخارج الحق ، فهم كغيرهم من الناس في الأحكام ، ولا يحل له أن يتولاهم ولاية دينونة بغير شريطة ، فإن تولاهم على ذلك أو أحدا منهم بدين بغير شريطة البراءة ، كان بذلك هالكا محدثا ، فإن أبصر حدثهم وهداه الله إلى ذلك باي وجه من الوجوه ، ولو من طريق ما ألهمه الله صواب ذلك وزينه في قلبه ، كان عليه البراءة مهم معا ، ولم يجز له الشك فيهم بعد العلم ، وان لم يبصر حدثهم ولا ضلاللهم ، فلا يجوز له أن يتولاهم بدين ، ولكن له أن يقف عنهم برأي ، أو يتولاهم برأي ، على اعتقاد السؤال على قول من يقول بذلك ، وليس بالمجمع عليه ، وقد بينا الموضع الذي يكون العلماء فيه حجة بالقول بالحق ، وفي البراءة بالحق من أهل الباطل فقط لا غيرذلك ، وقد بينا (2/113)
صفحة 108
ما الحجة لهم في ذلك ، وما يلزمهم لهم وفيهم ، وهو أن يقبل منهم الحق الذي قالوه ، وأقل ذلك أن لا يبرأ منهم عليه برأي ولا دين ، ولا يوقف عنهم عليه برأي ولا دين .
…وقيل في براءتهم من المبطل بالحق الذي قد عرف منه من المبطل ، وجهل الجاهل حكم الحدث الذي علمه من المبطل ، وقصر نظره عن علمه ، وضاق عن قبول قول العالم في ذلك ، فاقل ذلك ألا يبرأ من العالم في ذلك برأي ولابدين ، ولايوقف عنه برأي ولا بدين .
وأما سائر الأحكام كلها في الولاية والبراءة ، في جميع فنون أحكامها ، فهم كغيرهم من الناس ، وفي جميع الأحكام ، وجميع حقوق الاسلام ، في موضع ما يكونون مدعين فهم مدعون ، وفي موضع ما يكونون قاذفين ، فهم قاذفون كغيرهم ، وفي موضع ما يكونون حكاما ، فهم حكام كغيرهم ، وفي موضع ما يكونون خصما فهم خصم كغيرهم ، وفي موضع ما يكونون شهودا فهم شهود كغيرهم ، فلا فرق بين الناس في ذلك ، لاختلاف منازلهم في العلم ، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين المسلمين أهل العلم منهم .
وسواء عصى الله العالم بما يكون فيه مفتيا ، أو عصاه بما يكون فيه مدعيا ، أو عصاه بما يكون فيه متعبدا ، أو بما يكون فيه قاذفا ، فإذا بلغ إلى حال ما يكون فيه عاصيا لله ، وخالف الحق من طريق القول ، بما يزعم أنه حق وبما يزعم أنه دين ، وبما يرى الجاهل أنه فيه عالم ، وبما يجهل الجاهل منزلة العالم في ذلك من غير العالم ، وبما يجهل الجاهل منزلة العالم في ذلك من غير العالم ، وهذا موضع عظيم من عظيمات المهالك ، وهو أضيق ما يكون من المسالك ، سلمنا الله وجميع المسلمين من ذلك ، ومن جميع الفتن والمهالك .
فصل : وجاء الأثر مجملا أنه لا يجوز الوقوف عن العلماء برأي ولا بدين ، وإنما هو خاص فيما وصفنا مما يكون فيه حجة ، وفيما يكون فيه (2/114)
صفحة 109
عالما بالحق ، ولو تاول ذلك متاول ، أنه لا يجوز الوقوف عن العالم برأي ولا بدين في جميع الأمور ، كان ذلك ضلالا وبدعة عظيمة ، وفتنة جسيمة ، ولوكان ذلك كذلك ، لكان أهل الأديان يجوز لهم ولاية أئمتهم في الدين ، إذ لا يحل لهم الوقوف عنهم لما كانوا معهم في منازل أهل العلم ، في جهلهم بالعلماء وأسماء العلماء إذا ظنوا أنهم علماء ، و ظهر عليهم اسم العلم أنهم علماء بذلك أبدا ، وذلك ضلال ومحال ، ولا يكون العاصي لله أبدا من العلماء في هذا الاسم ، وإنما خاص هذا الاسم للعلماء المحقين المستقيمين على سبيل الحق فيما قالوه من الحق ، وقاموا به من العدل على ما وصفنا لا غيرذلك .
وذلك هو الأصل الذي قال به المسلمون ، وأجمعوا على أن يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه ، فإذا تولوا العلماء على ركوب الباطل ، لحقهم في ذلك حكم الولاية لأهل الباطل ، وسواء علموا بذلك وجهلوا ، وسواء علموا أن ذلك لهم أو جهلوا ، لأنهم قد ركبوا الجهل بولايتهم للمبطل ، وهذا مما لا يختلف فيه ولا يشك فيه مع أهل العلم .
وفي نفس القول كفاية عن تفسير أمر أهل الضلال باعيانهم وأسمائهم ، وولاية من اتبعهم على ذلك من الاتباع ، على ما يظنون أن ذلك منهم حق وعدل ، ويتقربون إلى الله بذلك ويدينون به ، وكم من أهل هذه الصفة من الهالكين بولاية علمائهم ، بتقليدهم لهم الباطل وقبوله منهم وولايتهم عليه ، فبولايتهم عليه كانوا له قابلين ، وبولايتهم عليه كانوا به قابلين ، وبولايتهم عليه يسمون له فاعلين .
وكفى بقول الله - تبارك وتعالى -حجة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )(1).
__________
(1) - الآية ( 51) سورة المائدة . (2/115)
صفحة 110
فقد حكم الله عليهم بانه منهم ، وبالولاية لهم فادخلهم في الجملة بالولاية ، وقال رسول الله في صلى الله عليه وسلم : "من أحب قوما فهو منهم " والمعنى أنه من أحبهم على الحق فهو منهم ، ومن أحبهم على الباطل فهو منهم ، ولا يجوز في تاويل الحق ، أن يكون اليهودي إذا أحب ولده المسلم لمحبة القرابة كان منه من المسلمين ، ولأن المسلم إذا أحب رحمه ووالده وزوجته محبة القرابة والرأفة ، كان منه في دينه هذا من المحال والضلال .
فصل : وقد قال الله -تبارك وتعالى- لنبيه في أمر أهل الكتاب ليخاطبهم ، وقد قالوا : (إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ) ، فقال الله - تبارك وتعالى - : (قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )(1).
وقد صح معنا في العقول أن هؤلاء المخاطبين باعيانهم لم يقتلوا نبيا ولا رسولا ، وإنما قتله أسلافهم من الذين يدعون دينهم ويسلكون سبيلهم ويتولونهم على ذلك ، فسماهم الله قاتلين للرسل ، إن تولوا قتلة الرسل -صلوات الله على نبينا محمد وعلى جميع النبيين والمرسلين - ، فمن يدعي ويقول إن هؤلاء المخاطبين يقتلون الرسل مذ خمسمائة سنة أو أكثر أو أقل ، هذا ما لا تعقله العقول ، ومن يقل إنهم لم يقتلوا وقد سماهم الله -تبارك وتعالى - قتلة ، وإنما قال أهل العلم إنهم لولايتهم للقتلة ، وتصويبهم لهم في دينهم ، فكانوا قاتلين ، وان لم يقتلوا بايديهم ولم يأمروا بالسنتهم ، ولم يرضوا بالقتل ، إلا أنهم تولوا القتلة في دينهم ، فهم بذلك قاتلون لا محال ، في دين الله -تبارك وتعالى - في التسمية بقوله : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) في دينهم ، ومن كان منهم في دينهم لحقه ما لحقهم من السخط من الله والعقوبة ، وان لم يلحق المتولي ما يلحق القاتل من الدية والقود والعقوبة في الدنيا ،
__________
(1) - الاية (183) من سورة ال عمران . (2/116)
صفحة 111
فافهموا - رحمكم الله - تاويل الآثار والأخبار والسنة والكتاب ، ولا تحملوا الخاص من ذلك على أحكام العام ، ولا العام على الخاص ، فإن في ذلك الهلاك في الدين ، والخلاف الشديد لدين المسلمين . (2/117)
صفحة 112
باب: الإمامة والقول فيها
ومما أوجب الله - تبارك وتعالى - ، فرضا ثابتا على عباده في كتابه ، طاعة أولي الأمر منهم ، حيث يقول - سبحانه وتعالى - :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأمر مِنكُمْ ) (1)، فاجمع أهل الاقرار من جميع أهل القبلة ، لا نعلم بينهم اختلافا ، أن أولي الأمر في هذا الموضع هم الأئمة ، وإن اختلفوا في لزوم طاعة الأئمة على اختلاف أحوالهم بما يطول وصفه ، ويكتفي بدونه للمراد به بثبوت ذلك .
وأجمع أهل الاستقامة من الأئمة على طاعة إمام العدل ، ما أطاع الله ورسوله ، وعمل بكتاب الله وسنة نبيه ، لاجماع المحقين من الأمة ، ولم نعلم منهم خلافا لأحد في ذلك بقول أو عمل من ارتكاب لكبيرة أو إصرار على صغيرة من الذنوب من أحكام الكتاب والسنة أو إجماع المحقين من الأمة .
فصل : وثبت عن النبي في أنه قال : (لو وليكم حبشي مجذع فاقام فيكم كتاب الله وسنتي فاسمعوا له وأطيعوا" ، وقال الله -تبارك وتعالى - :
__________
(1) - الآية (59) سورة النساء . (2/119)
صفحة 113
( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) ، وقال - تعالى - : ( ولا تطع كل حلاف مهين )(1)
والمعنى في دلك أنه لا يطاع آثم فى الاثم ، ولا كافر في الكفر .
وجاء عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه -أنه قال في خطبته : (إني وليت عليكم ولست بخيركم ، فأطيعونى ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ) ،
فصل : وأجمع أهل العلم من المسلمين ، أن الامام إذا ثبتت إمامته بوجه من وجوه الحق ، أن طاعته لازمه واجبة ما لم يخالف كتاب الله أوسنة نبيه ، أو إجماع المسلمين قبله ، أو إجماع أهل العلم ممن في عصره فيما أجمعوا عليه مما يكون حكمه إجماعا ، فما لم يات باحد هذه المعاني فطاعته ثابتة ، فثبتت طاعة الامام العادل من حكم كتاب الله وسنة نبيه وإجماع المسلمين .
واختلف الناس سواء أهل الاستقامة في طاعة الأئمة والأمراء الجبابرة والسلطان ، وذلك مما يطول وصفه وتعديده ، ولا يحتاج إلى ذكره لاجماع المسلمين على غيره ، ومخالفته الكتاب والسنة والاجماع ، غير أنه مما يثبت إجماع المسلمين على طاعة الامام العادل .
فصل : وإنما تثب عن الله -تبارك وتعالى - ، فرض طاعة الله على المؤمنين لأولي الأمر منهم ، فلما أن كانت الطاعه لأولي الأمر من المؤمنين ، لا لأولي الأمر من غير المؤمنين ، لقوله - تبارك وتعالى - : ( وأولي الأمر منكم) ، فهم أولو الأمر من المؤمنين .
فإن قال قائل : فإذا كان هكذا فإنما أوجب الله الطاعة لأولي الأمر من المؤمنين على المؤمنين لا على غير المؤمنين ، وكل من كان كافرا أو عاصيا
__________
(1) - الآية 10 من سورة القلم. (2/120)
صفحة 114
فلا طاعة للإمام عليه ، إذ قلتم أنتم إنما خاطب الله بطامحة ألمؤمنين من أولي الأمر ؟
قلنا له : كذلك إنما خاطب الله المؤمنين بطاعة أولي الأمر منهم ، وخاطب الناس كافة أن يكونوا مؤمنين ، وفرض عليهم الإيمان ، وأن لا يقيموا على غير الإيمان طرفة عين ، في غير آي من كتاب الله ، ولن ينكر ذلك أحد من أهل القبلة ، ولن يعتل فيه بعلة ، وإنما يخاطب الله المؤمنين لأنه قد خاطب الجميع أن يكونوا مؤمنين ، فمن الخطاب ما يكون عاما ومنه ما يكون خاصا ، وهذا معنا خطاب عام ، على ذلك أجمعت الأمة ، فخوطب الجميع من المتعبدين بطاعة أولي الأمر من المؤمنين ، بقوله - تعالى - : ( أولي الأمر منكم ) .
ولوكان ذلك الخطاب إنما خوطب به المؤمنون بمن فيهم من أولي الأمر ، من ذلك الحين وذلك العصر ، لكان ذلك قد انقضى ومضى لنفاذ أولئك المخاطبين ، ولكن الأمر على غير ذلك ، وإنما هو خطاب للعامه بطاعة أولي الأمر من المؤمنين ، في جميع ما جعل الله لأولي الأمر من الطاعة في الطاعة لا في المعصية ، ولا على المعصية ، ثبتت الطاعة لأولي الأمر ، لأن المعصية ليست معها إيمان ، فثبت الإيمان والمعصية ، فيكون من أولي الأمر من المؤمنين.
فصل : ووجدنا الله - تبارك وتعالى - لا يخاطب بالأمور الجامعة إلا المؤمنين ، لثبوت الايمان على الكافة ، مثل قوله - تعالى - : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ (2/121)
صفحة 115
تَشْكُرُونَ )(1)
وما خاطب الله به المؤمنين فهو خطاب المتعبدين وعليهم الايمان ، وأن يكونوا من المخاطبين ، وهذا لا نحتاج فيه إلى الاكثار لأنه لا يعارض فيه من تهم معارضته من أهل الإقرار ، ولا من ذوي الأبصار .
فصل : وأما ولاية الامام ، فإن لم يكن نصا من كتاب الله في الإمام خاصة كما كانت طاعته نصا من كتاب الله ، فإنها داخلة في جملة من ثبتت ولايته من المسلمين المؤمنين .
قال غيره : لعله أراد من ثبتت ولايته من المؤمنين ، حيث ثبتت طاعته ، وحرمت طاعة كل كافر أثيم ، وإذا ثبتت طاعته مع طاعة الله - تبارك وتعالى- مع طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم مقرونة ثابتة معهما ، من فرائض الله -تبارك وتعالى - ، وإذا ثبتت مع ذلك ولاية الله وولاية رسوله نصا ، وولاية المؤمنين بقوله - تعالى - : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ )(2).
وقال - تعالى - : (وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ )(1).
وقال - تعالى - : (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(2)
فثبتت ولاية الامام في جملة ولاية المؤمنين ، وخصت ولايته لخصوص طاعته دون المؤمنين لثبوت ولاية الله ورسوله خاصا ذلك دون شريطة
__________
(1) - الآية (6) سورة المائدة.
(2) - جزء من الآية (55) من المائدة. (2/122)
صفحة 116
المؤمنين ، وثبوت طاعة الامام مع طاعة الله وطاعة رسوله ، فلا يستقيم إلا أن يكون من لزمت طاعته فخاطب بها الجملة من المؤمنين مع طاعة الله وطاعة رسوله ، ولا تثبت على ذلك ولايته ، ومحال أن يكون مطاعا غير متولي ، إذا كانت طاعته مخاطبا بها جملة المخاطمين من المؤمنين .
فصل : فإن قال قائل : فقد ثبتت طاعة المرأة لزوجها والعبد لسيده ، ولا يلزمهم هنالك ولاية ، فقد ثبتت الطاعة بغير وللاية .
قيل له : ليست تلك طاعة عامة ، وإنما هي طاعة خاصة للسيد على عبده ، وللزوج على زوجته دون سائر المؤمنين من الأحرار والعبيد والنساء والرجال ، والحاضر والبادي ، وا لغني والفقير ، والمسافر والمقيم ، من جميع من اشتمل عليه حمايته ، وبلغت إليه دعوته ، فقد تثبت عليه طاعته من جميع المكلفين ، كل منهم ما يخصمه من طاعته ، فمن هنالك افترقت طاعة الزوج والسيد وطاعة الامام ، ولأن هذا إنما كان إماما ووجبت له الطاعة في جملة المؤمنين ، وما كان من المؤمنين ، والسيد تجب طاعته على العبد في جميع الأحوال كان من النساء أو الرجال ، أو أهل الهدى أو أهل الضلال ، أو الصغار أو الكبار ، أو أهل الإنكار فيمن ثبتت عليه له من العبودية قي حال ما يلزمه له ، مالم يكن دلك معصية لله ، أمره بها ، أو ما لا يطيق من الأعمال ، ويملك إزالة رقبته ، واخراجه من الرق إلى الحرية ، ولأن المرأة إنما طاعة زوجها عليها فيما جعله الله له عليها من إباحة نفسها له بغيرمعصية الله إن أراد منها في دبر أو حيض ، أو يقع عليها ضرر في ذلك.
فصل : ولأن الامام إنما وجبت طاعته فى الطاعة لله ، التي تخرج على طاعة الله ، فيما جعل الله له على رعيته ، من طاعته في طاعة الله ، وفيما يلزمه لله من الأحكام والحدود والأقسام ، وجميع أحكام الاسلام ، التي تخص ذلك طاعة الله في نفس المطيع مما يلزمه في نفسه أو لمعونة منه ، فيما يقوم به من حق الله ويقدر عليه من نصرة دين الله وطاعته ، من غير تقية على دين أو نفس أو
__________
(1) - جزء الآية (56) من المائدة.
(2) - جزء الآية (13 ) من المجادلة. (2/123)
صفحة 117
مال أو ضرر يدخل عليه في أحد ذلك ، من نحو ما يزول بذلك الضرر ، لزوم الفرائض الواجبة ، يدخل عذر ذلك الضرر على الممتحن بملك الفريضة من ترك الوضوء إلى التيمم ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لموضع العذر الداخل للمخاطب بذلك ، فمن خصه عذر من قبل الله في ذلك الأمر عن القيام مما خصه من فرائض الله نصا ، فاجدر أن يكون له ذلك عذرا عن طاعة الامام ، وما كان ذلك يقوم بغيره ، ولم يظهر خروجا من طاعة الامام ، وكان الرجاء في غيره كالذي فيه ، فغير مقطوع العذر في ذلك في الممانعة ، أو المدافعة من غير تصريح للخروج من طاعة الامام ، وليس للامام التحامل في ذلك ، على من نخاف الضرر عليه إذا وجد غيره ، ما لم يكن ذلك خاصا له في نفسه أو ماله من حق أو حد ، وإنما هو معونة على غيره ، مما يرجى القيام بغيره ، ولوكان لا عذر له في ذلك من قبل الله خاصا له ، إلا أنه هو وغيره في ذلك سواء ، وقد تقدم لغيره ، فإنما تثبت طاعة الامام فيما هو طاعة لله في ذاته وذات دينه ، ومصالح دينه ومصالح عباده ، ولا يكون ذلك خاصا نفعه للامام ، دون سائر أهل الاسلام كما كانت طاعة الزوج ، إنما هي خاصة في نفعه دون غيره .
فصل : وكذلك السيد ، فافهموا فرق ما بين طاعة الإمام في طاعة الله وطاعة الزوج والسيد ، فيما يخصه نفعهما ، ما لم تكن معصية الله وطاعة الله - تبارك وتعالى - ، وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من المؤمنين ، كلها فى طاعة الله ، وإنما هي طاعة الله ، ومشتقة من طاعة الله في مصالح دين الله ، ودين المسلمين ، وعامة المسلمين وخاصتهم ، فيمن يخص ذلك ويعمه ، وطاعة الزوج والسيد ، إنما هما خاصتان من المرأة لزوجها والعبد لسيده ، في خاصة حصول النفع له ، ما لم يكن معصيه لله فيما خص المرأة من طاعة زوجها ، وخص العبد من طاعة سيده .
فلخاص طاعة الامام ، دون سائر المؤمنين غير ما يثبت ولاية المؤمنين (2/124)
صفحة 118
لعامة المؤمنين ، في طاعة الله ورسوله ، تثبت ولاية الإمام على عامة المؤمنين ، على غير ما تثبت ولاية المؤمنين لبعضهم على بعض من خاص ذلك وعامه ، ، فلذلك قيل إن الإمام لا يسع جهله ، وذلك خاص فيما جاء به الأثر لمن امتحن بحضرته ، لمن عرف عدله بخبرته أو بتظاهر شهرته ، فإذا قامت على العبد الحجة بشواهد معرفة عدل الإمام ، لم يسعه جهل معرفة عدله ولا ولايته ، لثبوت عدله إذا كان من أهل عصره وأهل مملكته ومصره ، فإن جهل ذلك جاهل ممن لم يعرف الحكم في ذلك ، فلم يتول الإمام نفسه لضعفه عن معرفة من يلزمه ولايته ، وتولى العلماء على ولايتهم للإمام ، ولم يضيع شيئا مما يلزمه من طاعة الإمام ، من أجل جهله بواجب حقه وطاعته ، على من ترك نصرته ، فيما يلزمه نصرته ، أو التولي عن الرضا بحكمه ، فيما خصه ذلك في نفسه أو غيره ، أو يعين على الإمام فيما قد قام قام به من الحق ، أو يبرأ من الامام أو من العلماء إذا تولوه ونصروه ، أو يقف عن العلماء الذين قد صحت معه شواهد الحجة بعلمهم ، أو يبرأ منهم برأي أو بدين ، من أجل ولايتهم له ونصرتهم له ، فيما يكونون حجة في القيام بذلك من ولايته ونصر له ، فلا يضيق ذلك على الضعيف ، فإن أعان على الإمام أو ترك ما يلزمه من نصرته ، أو امتنع من طاعته فيما قد لزمه له من الطاعة ، فيما قد قام به من العدل على من قام به من نصرته ، أو برىء من الإمام أو وقف عنه بدين من أجل ما قام به من العدل ، أو برىء من العلماء إذا تولوه ونصروه ، أو وقف عنهم برأي أو بدين ، أو وقف عن ضعيف ممن قد ثبتت عليه الحجة بولايته بدين ، فقد هلك .
وكذلك إمام الجور ، فقد قيل : إنه لايسع جهله من كان لحضرته وعصره ، وشاهد جوره ، فإن جهل ذلك جاهل من الضعفاء بالأحكام في الأئمة ، وثبوت الولاية والبراءة في الأئمة الذين قد قامت شواهد الحجة بمعرفتهم عليه بعلمه ، فجهل ما يلزمه في ذلك ، فإذا جهل الضعيف ذلك ، لا على التسليم لعلماء المسلمبن فيما قاموا به على المبطل من باطله ، والمحق من (2/125)
صفحة 119
حقه ، وعلى ولايتهم للمحق ، وبراءتهم من المبطل ، ولم يمتنع من ما يلزمه من الحق في المحق والمبطل ، من النصرة على المبطل إذا قدر على ذلك ، ومن النصرة للمحق إلا أنه لم يبلغ علمه إلى معرفة الحكم ، في ولاية الإمام العادل ، والبراءة من الامام الجائر في عصره ومصره وزمانه ومكانه ، وتولى المسلمين على قيامهم بالحق في المحق والمبطل ، في محاربة أو نصرة أو ولاية أو براءة ، فيقف عن ضعيف ممن قد وجبت ولايته عليه بدين ، أو يبرأ منه بدين أو يبرأ من عالم من علماء المسلمين من أجل ذلك برأي أو بدين ، من أجل قيامهم بالحق فهو سالم .
فصل : وقد جاء الأثر أنه يسع الناس جهل مادانوا بتحريمه مالم يركبوه أو يتولوا راكبه ، أو يبرأوا من العلماء إذا برئوا من راكبه ، أو يقفوا عنهم .
وجاء الأثر أنه من وقف وتولى من تولى ، ممن وجبت ولايته فقد تولى ، ومن وقف وتولى من برىء فقد برىء ، إذا ضعف عن الحكم ولم يبصر ما أبصره العلماء من ولاية من لزم ولايته ، وبراءه من لزم البراءة منه .
فإن قال قائل : فكيف قلتم : لا يسع الناس جهل الإمام العادل ؟ وما الموضع الذي لايسع معكم من جهله ؟
قلنا له : معنا أنه لا يسع الضعيف من الامام عند جهله ، لما يلزم فيه من ولايته ، وطاعته أن يجهل فيمتنع عما قد لزمه من حكم الامام ، إذا ظن أن ذلك لا يلزمه ، أو يمتنع عن نصرته في موضع ما يقدر على ذلك ، إذا كان يلزمه بالاجماع أو بجهل ، فيعين على الامام في أمر مما جعله الله له من الحق ، ممن قد حاربه وبغى عليه ، فهذا موضع ما لا يسع من جهل الإمام العادل ، أو يمتنع من أداء الزكاة إليه ، إذا وجبت عليه بالإجماع ، أو يمتنع مما قد قامت عليه به الحجة ، من لزوم حد له أو حق في ماله أو نفسه ، فإذا امتنع من (2/126)
صفحة 120
ذلك ، أو خرج منه بجهل الإمام وجهل طاعته هلك ، وكان قد جهل طاعته .
وإذا وقف عن الإمام بدين ، وأجراه على ما قد كانت حالله من قبل ، بعد ظهور عدله واستحقاق معرفة منزلة عدله عليه ، أو وقف عن العلماء أو برىء منهم الدين ، قد صحت منزلتهم عنده ، ولزمته ولايتهم بما لا يسعه من جهلها برأي أو بدين أو وقوف عن ضعيف من ضعفاء المسلمين بدين ، أو برىء منه برأى أو بدين من أجل ولايته للامام ، فقد هلك وجهل الإمام ، وإلا فلم يجهل ولاية الإمام ، وقد قام بما يلزمه من أمر الإمام إذا لم يعلم الحكم في الإمام .
وهذا من حال ما عذر فيه الضعفاء ، بالوقوف عن المتولي والمتبرىء منه بولايتهم للعلماء ، إذا شاهدوا وعاينوا المتولى والمتبرأ منه ، أو شهر ذلك عندهم بما لا يشكون فيه ، فيمن مضى من الأئمة العادلين والجائرين ، فالولاية فيهم والبراءة للعلماء إذا ضعفوا عن قطع الأحكام في المتولى والمتبرأ منه ، يسعهم ذلك ويجوز لهم .
فإن قال قائل : فالعلماء عندكم أوجب حقا من الأئمة ؟ إذ قلتم إن ولايته للعلماء تجزئه عن ولايته للإمام العادل وعن براءته من الإمام الجائر؟
فصل : قلنا له : كذلك جاء الأثر أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه ، أو يتولوا راكبه ، أو يبرأوا من العلماء إذا برئوا من راكبه ، أو يقفوا عنهم من أجل ذلك ، فالعلماء حجة على الأئمة ولهم ، فيما قاموا عليهم فيه من الحجة في دين الله ، والقيام بدين الله ، فكانوا حجة لهم فيما أثبتوا لهم من الإمامة في دين الله ، وعلى عباده ، ألا يمتنعوا عن طاعتهم بعد قيام الحجة عليهم بالعلماء ، وإنما كان الإمام حجة من حجج العلماء على العامة ، والعلماء هم الحجة على الإمام والعامة ، لأن الإمام قد يفسد في (2/127)
صفحة 121
أموره ، وينكره عليه العلماء فلا يفسد في الدار ولا في الدعوة ، ما قام الأعلام على الإمام بالنكير فيما ظهر منه ، فإذا فسد العلماء فسدت الدعوة وبطل حكم الدار ، إلا أن ينكر عليهم ذلك البعض من العلماء ومن أهل الدار ، ويغلبوا على المبتدعين من العلماء ، وتستقر الدعوة في يد المنكرين من العلماء .
وان اختلف الدعوة من العلماء والاتباع ، ودان كل من أهل الدار بشيء من الضلالات فسدت الدار وصارت دار اختلاط ، بفساد العلماء وبعض العلماء ، فالعلماء هم حجة الله في أرضه على الإمام والعامة ، وهم أثبت حجة من الإمام في هذا الباب ، فيما جعل الله لهم من الحجة ، والإمام أثبت حجة من الأعلام ، فيما جعل الله له من ثبوت الأحكام ، والنصرة على مصالح أمور المسلمين ، فإذا لم يجهل من الامام ما جعل الله له من الحجة في الحق لم يجهل الإمام .
وإذا لم يجهل في الإمام ما جعل الله للأعلام من الحجة في جميع مصالح الإسلام ، والقيام بجميع حجج الإسملام فيترك ولايتهم من أجل عقد الإمام أو ولايته أو نصرته ، أو شيء من أمور ما هم حجة لله فيه على العوام ، فقد تولى الامام بولاية العلماء ، لأنه من وقف وتولى العلماء فقد تولى إذا ضاق عن الولاية ، وكذلك إذا وقف عن المتبرأ منه ، وتولى العلماء على ذلك فقد برىء ممن برىء منه العلماء ، وتولى من تولوه ، ولا يضيف على الضعيف في هذا مالم يضيع ما يلزمه من الحقوق ، أو يقف عن العلماء أو يبرأ منهم ، على ما وصفنا ، والله أعلم .
فصل : وقد قيل : إن الإمام العادل لايسع جهل ولايته ، وامام الجور لايسع جهل البراءة منه من شاهدهما وحضر جورهما وعدلهما ، ولا يبين لنا إلا على هذا التاويل ، لموضع ما تقدم من الإجماع ، على أن المتولي الضعيف على البراءة براءة . والمتولي الضعيف على الولاية ولاية ، ولا نعلم في هذا الأثر اختلافا . (2/128)
صفحة 122
فصل : فإن قال قائل : فإنما هذا للضعفاء ، فيمن لم يصح معهم جوره ولا عدله من الأئمة ، وأما من صح معهم عدله وجوره فلا يجوز لهم ، ذلك ، وعليهم الولاية والبراءة .
قيل له : إذا لم تصح حجة الجور من الجائر والعدل من العادل ، وسع الوقوف عنه ، ولو كان أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وموسى بن على ومحمد بن محبوب ، وجميع العلماء والفقهاء ، ولم يسعهم إلا الوقوف عنه ، والعلماء والضعفاء إذا لم يصح منهم العدل والجور في ذلك سواء ، ولا فرق في حكم الضعيف والعالم في الولاية والبراءة إذا لم يصح معهم العدل ولا الجور ، فإذا صح مع العالم ما تجب به العداوة من الجور ، لزمته العداوة بعلمه ، وإدا صح معه ما تجب به الولاية لزمته الولاية بعلمه ، وهلك بترك ذلك .
وإذا لم يصح معه ذلك فهو واسع له أبدا ، حتى تقوم عليه الحجة بمعرفة ما يجب له الولاية والبراءة والعداوة ، ثم عليه حينئذ الحكم ، بالمعرفة التى خصه الله بها ، دون الضعيف في الأحكام من الولاية والبراءة ، وهو والضعيف عند جهل ما تجب به الولاية والعداوة سواء ، ولا فرق بينهما فيهما ولا نعلم فى ذلك اختلافا ، وإنما الاختلاف بين الحكم في الضعيف والعالم فى الولاية والبراءة ، إذا صح ما تجب به الولاية من الموالاة ، وما تجب به العداوة من المعاداة ، وما لايسع إلا الحكم به إذا بلغ إلى علمه ، وجب على العالم أن يحكم ، ووجب على الضعيف أن يستسلم ، واستسلامه أن لايبرأ من العلماء ، ولايقف عنهم برأي ولا بدين من أجل ولايتهم وبراءتهم ، ولايقف عن ضعيف بدين ولايبرأ منه برأي ولا بدين ، من أجل ولايته وبراءته .
فإذا فعل ذلك كان سالما ، وسواء شاهد ذلك أو غاب عنه ، لأنه لا فرق في قيام الحجة في المشاهدة وما أوضحته الشهرة من السالف فيما بحب به الولاية والبراءة .
وإنما قيل إنه لا يسع جهل العلماء الحاضرين دون الغائبين ، والأحياء دون الأموات ، لأن الأحياء تلزم طاعتهم ، والانسان متعبد في دينه (2/129)
صفحة 123
بطاعتهم ونصرتهم ، والأموات قد غاب عنهم ذلك وبعد ، ولا طاعة قي على حي إلا ما قد وجب من إنفاذ طاعته ، والتمسك باحكامه النافذة .
فالمتعبد بالشيء في حينه غير السالم منه ، وحكمهما مختلف في لزوم الطاعة والولاية والبراءة ، ولا فرق بين ولاية الحي والميت ، والبراءة من الحي والميت .
وعلى ذلك أجمع المسلمون أن البراءة والولاية تلزم في الأحياء والأموات ، وأن الطاعة تلزم في الأحياء دون الأموات ، والمشاهد دون الغائب .
ومن ذلك أنهم قد أجمعوا أن على المسلمين أن يتولوا الأئمة في الأمصار وفي مواضعها إذا صح عدلها ، ويبرأوا من الأئمة في الأمصار إذا صح جورها ، ولو لم يكونوا في مملكة الامام العادل ، ولا الامام الجائر في الأحياء منهم .
وأجمعوا أنه لا طاعة للإمام على من لم يحمه ويمنعه من الجور والعدوان إلا أن يخص ذلك أحد ألزم نفسه طاعة الإمام بالبيعة له وألزم نفسه ذلك له ، وإنما تلزم طاعة الإمام أهل مصره المستولي عليه ، أو الموضع المستولي عليه المانع له من الجرر والعدوان ، فهنالك يلزم طاعة الامام في جميع ما أنفذ في رعيته من القصاص والأحكام والحدود ، وانفاذ جميع الأحكام وقبض الصدقات ، والنصرة له على أموره الواجبة عليه .
فصح أن الولاية غير الطاعة ، وأن الولاية أثبت من الطاعة ، وأن الطاعة إنما هي بالمشاهدة والمخاطبة من حجة الامام . ولو أن أحدا من رعية الإمام ، ممن يقدر على نصرة الإمام ، ويقدر على إنفاذ جميع الأحكام من الرؤساء والأعلام ، جامع لما يحتاج إليه الإمام من أمر منافع الاسلام ، سلمه الله من الامام أن يعرضه لشيء من أمره ، وقام الإمام بمن حضره من المسلمين ، بأمر دولة المسلمين ومصالح الحق ، إلى أن مات ذلك الرجل ولم يجز عليه الإمام حكما ، ولا أمره بأمر ، لكان بذلك سالما ، ولم نقل إنه لزمه (2/130)
صفحة 124
طاعة لهذا الامام في خاص أمره ، إلا ما أوجب الله عليه في جملة الإسلام ، أن عليه طاعة الإمام فيما جعل الله عليه من الطاعة له ، فكان هذا العالم الغني ، الرئيس الذي قد اجتمعت فيه خصال النفع قد عافاه الله من محنة الطاعة للإمام ، ولم يعافه الله من ولاية الإمام إذا بلغ إلى علم ذلك .
والمسلم في جملته يتولى الإمام ويدين بطاعة الإمام ، فهو فى طاعة الإمام في الجملة ، معافى منها في الخاص له ، وإذا علم ما تجب به الولاية لم يسعه إلا الولاية ، ولو لم يوله الإمام عاملا قط ، ولا نفذ عليه له حكم قط ، ولا سمع لأحد من قبله من سعاته ولا ولاته ولا قضاته حجة قط ، فهو في طاعته في الجملة ، وسالم منها في الخصوص ، وعليه ولايته في مخصوص نفسه اذا صح معه ذلك فيه ، فالولاية والبراءة في المحيا والممات سواء ، والمشاهدة والمغيب سواء ، والطاعة إنما تكون بالمشاهدة والحضرة ، من خصه ذلك من أهل المملكة والمصر ، فالاختلاف في الحي والميت من طريق الطاعة والموافقة في الحي والميت ، مع صحة ما تجب به الولاية والعداوة في الحي والميت .
وهذا الذي يصح معنا في تاويل القول في الأئمة ، وما يمع منهم وما لا يسع من طاعتهم وولايتهم ، والحي والميت ، والله أعلم بالصواب .
فصل : وأما تقديم الامام إماما على المسلمين عند المكنة منهم على ذلك ، والقدرة وزوال العذر من التقية ، وحضرة من تقوم به الامامة ، وتقوم به مصالح الأمر في الإمامة ، من الأعلام والقواسم والأنصار والأعوان على الأحكام ، فقد قيل إن ذلك لازم للمسلمين ، ولا يسعهم تركه بعد القدرة عليه ، على ما وصفنا من بلوغهم إلى القيام بذلك ، واعتلوا في ذلك بعلل من ولاية النبي صلى الله عليه وسلم على الأمصار ، وتنفيذ القادة على الجيوش ، وعقد الرايات لبعض دون بعض ، ولبعض بعد بعض ، لقول الله -تبارك وتعالى- : ( ويدرأ عنها العذاب )(1) أي الامام لأنه واحد مذكر ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : "الحدود والجمعة والزكاة إلى الامام ) والأشياء يطول وصفها ، فقالوا إنه يجب
__________
(1) - الآية (7) من سورة النور. (2/131)
صفحة 125
الدخول في الإمامة والقيام بذلك لتمام الأحكام ، ومصالح أمور الإسلام .
وعلى المسلمين النظر في ذلك والاجتهاد لله ولكافة المسلمين ، وذلك إلى العلماء البصراء ، الذين هم حجة الله على عباده في بلاده ، فعلى ما أجمعوا عليه ولم يختلفوا ، كان على جميع العامة من الرعية السمع لهم والطاعة والنصرة لتلك الجماعة ، ولا يجوز للحاضر من الجميع عند إجماع العلماء أن ينكر ذلك ، ولا يخرج منه ، ولا للغائب عن الجماعة أن يغير ذلك ولا ينكره ، فقد لزمت الجماعة من الخاصة والعامة ما أجمع عليه من شاهد ذلك من الأعلام ، من عقد دلك الإمام ، وليس لمن حضر ذلك من الأعلام أن يترك ذلك إذا قدر عليه وهو له لازم .
وقال من قال : إن ذلك ليس بواجب الدخول فيه ، ولا العقد له ، وإنما هم مخيرون في ذلك ، فإن دخلوا في ذلك كان عليهم القيام به ، وكانوا حجة للامام وعليه ، فيما قد ألزموا أنفسهم من ذلك ، وكان ذلك فريضة إذا قاموا به ، وإذا لم يقوموا به لم يكن ذلك فرض ، ولا لازم لهم أن يدخلوا أنفسهم فيما يجب عليهم فيه فريضة ، قبل أن يلزمهم ، فإذا لزم الفرض بقيام غيرهم أو بثبوت ذلك بالغير ، لزمهم الدخول في الفرض ، والوفاء به والقيام به ، وهذا القول هو معنا أشبه باحكام كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لا يجب فرض باختيار ، وأن كل اختيار هو نقل من جميع الأحكام في جميع أمور الاسلام ، ولأن هذا لا يقع ، فإذا وقع الاختياركان فرضا ، وما لم يقع لم يكن فرضا.
فإن قال قائل : فكيف يكون وسيلة في الأصل ، فإذا كان فرضا ، وما الحجة في ذلك ؟ وما الدليل عليه ؟ قلنا له : الدليل على ذلك منه ومن نفسه وغيره ، أنه لو اجتمع المسلمون في حال لا يكونون فيه قادرين على ذلك ، وكانوا في حال التقية والضعف ، فاجتمع جماعة من المسلمين من الأربعين فصاعدا ، وفيهم من (2/132)
صفحة 126
يقوم به عقد الامامة ، فاظهروا أمرهم وعقدوا الإمام منهم ، في حال يجمع عليه أن ذلك منهم ، كان وسيلة ، وأنهم لم يكونوا مخاطبين بذلك ، وهم في حد العجز عنه ، أن ذلك الامام في إجماع أهل العلم من أهل الاستقامة إماما ، وأن له من الطاعة والحق ما للإمام ، الذي عقد له في حال القدرة لمن خصه ذلك من الناس ، وأن هذه الامامة على هذه الصفة فريضة ، وطاعة هذا الإمام لمن خصه ذلك فريضة ، وولايته فريضة واجبة ، وقد كان الاجماع أن أمره كان في حد الوسيلة والفضيلة ، وهذا مما لا نعلم فيه اختلافا من قول أهل العلم ، أن العقد له ، كان في حد الوسيلة والفضيلة ، وأنه لما عقد له كان ذلك فريضة ، فهذا قد كان بالإجماع أوله وسيلة وآحره فريضة ، فكذلك لا يتعرى ولا ينكر أن يكون الأولى أوله وسيلة وآخره فريضة ، ولأنه لو كان العقد فريضة لم يكن يجعل فيه اختيار ، ولأن أحكام الاختيار لا يكون فرضا إلا من سبب قد دخل فيه المتعبد وأراد الخروج منه ، وأما لشيء يريد الدخول فيه ، فلا نعلم ذلك في أحكام أصول الدين .
فصل : فإن قال قائل : فقد جعل الله في كفارة الأيمان الاختيار في العتق والإطعام والكسوة لمن يجد ، ولم يجزه سوى ذلك .
فصل : قلنا له :هذا مما قد قلنا إنه مما قد دخل فيه ويريد الخروج منه ، وذلك مما لم يدخل فيه ، فليس عليه الدخول في باب هو فيه مخير، يدخل أو لا يدخل ، لأن له النظر في ذلك ، فإن شاء لم يقع نظره على شيء مما يراه صلاحا ، وكان ذلك مزيلا عنه الفرض ، فإن شاء وقع نظره على شيء ، وكان ذلك النظر هو سبب الفرض ، ومتى يكون النظر فرضا ، وهل لذلك غاية ، فلا يجد بدا من أن يكون النظر له غاية ، ولا غاية له ، فيبطل حكم النظر .
ويقال له : أرأيت إن لم يقع النظر في ذلك ني يوم أو يومين ، أوساعة أو (2/133)
صفحة 127
ساعتين ، أيكونون سالمين ، وغير فرض عليهم ذلك أو غير سالمين ، لأن عليهم فرض النظر؟
فإن قال : سالمين أبدا ما لم تقع الإشارة على أحد من المسلمين ، ممن يرونه أهلا لذلك ، ويروا وجه ذلك وصلاحه .
قيل له : فإن مضى لذلك شهر أو شهران ، ما القول في ذلك ؟
فإن قال : هم سالمون بذلك ما لم يقع بذلك اختيار .
قلنا له : فلا غاية لذلك أبدا عندك ؟
فإن قال : نعم لا غاية لذلك .
قيل له : فاين في الإسلام فريضة لا غاية لها ، ولايدرك لما غايه إلا الاختيار من المتعبد بها ، فهذا لا يصح في أحكام الفرض .
وإن قال : لها غاية ، ولا يسعهم دون أن يرضوا ويختاروا .
قيل له : فما مضى من أيامهم هم فيه سالمون أو غير سالمين ؟
فإن قال : سالمون .
قيل له : فإن لم يقع اختيارهم على شيء يسلمون أم لا؟
فإن قال : لا يسلمون .
قيل له : نقضت أصلك وجئت بما لا يصح في العقول أن المخير في شيء يهلك ، قبل أن يقع اختياره عليه .
ويقال له : فما تقول إن ماتوا أو مات أحدهم في ذلك الحال ، ما يكونون ، أمتعلق عليهم فرض أم لا ؟ فلا يجد بدا من أن يقول إنه من (2/134)
صفحة 128
مات وعليه فريضة ، أنها لازمة له في الإجماع ومقصر دونها .
ويقال له : أرأيت ما احتججت به من كفارة الأيمان والتخيير فيها ، إن مات المخير في ذلك قبل أن يختار في ذلك شيئا وينفذه ، أيكون خارجا من حكم الاختيار ، أم عليه أحد ذلك متعلقا ، فاين ما ذكرته من هذا ؟
فصل : فإن قال : فالحج فريضة والزكاة فريضة ، فإذا وجبتا فللعبد فيهما الخيار ، متى شاء أداؤهما إذا كان دائنا بذلك ، فمتى أدى ذلك كان ذلك فرضا ، وقد كان مخيرا في ذلك ؟
قيل له : هوكذلك ، ولكن لا يشبه هذا ما اعتللت به ، ولكن هذا مما أكد ما قلنا ، أنه قد دخل فيه وعليه الخروج ، أفرأيت إن مات قبل أن يزكي أو يحج أو يخرج من ذلك ؟ أم هو متعلق عليه ولا يشبه هذا ذلك ؟
فصل : فإن قال : فإذا عارضتم قول المسلمين بالعلل لتضعفوه ، فاتوا على قولكم هذا بدليل ، من غير ما استدللتم به منه ، لأنه إنما يستدل على الشيء بغيره ، ولايستدل عليه به .
قيل له : لا لسنا نضعف قول المسلمين ، وإنما يزيد تقوية قول المسلمين بما يصح له الأصول في الدين والاستدلال بالشيء منه ومن شبهه ، إذا وجد ذلك ، فهو أصلح الأدلة على الشيء ، لأنه إذا لم يوجد في الشيء بعينه حجة ، استدل عليه باشبه الأشياء ، فإن لم يوجد شيء يشبهه خرج من الشبهة ، ورجع إلى القياس على الأشياء في غيره ، والشبه في الإجماع لاحق بالشيء بعينه ، وما أشبه شيء فهو منه ، لا نعلم في ذلك اختلافا ، فكفى من قلة علمه بهذا .
فصل : ومع هذا فإنا نوجد لك إن شاء الله دليلا من غيره ، ماهو خارج قياسا عليه في حكم الاجماع ، ومما لا نعلم فيه اختلافا ، وهو أيضا أشبه (2/135)
صفحة 129
الأشياء بحكمه ، وهو أحكام النكاح فالإجماع من أهل القبلة ، لا نعلم بينهم اختلافا أنه ليس على العبد من ذكر أو أنثى من الأحرار الأصحاء العقول البالغين الحلوم ، أن يتزوج ، وأنه مخير في التزويج في حكم الإجماع ، وأنه إذا أراد التزويج فهو مخير فيما أحل الله من النساء ، وأنه ليس محجورا عليه شيء من النساء ، إلا ما قد حرم الله عليه من ذوات الأنساب منه ، والرضاع والأصهار وذوات البعولة ومما سوى ذلك ، فهو مطلق مباح له وللمرأة في ذلك مثل الرجال ، وأنه لا غاية له في اختياره ذلك ، وأنه إن عصى الله بشيء من الزنا ، أو مد النظر ، فإنما هو هالك بذلك الذي أتاه ، لا يتركه التزويج ، فإذا تزوج وعقد على نفسه التزويج ، ورضيت المرأة به ، ثبت ذلك في الإجماع ، وكان ذلك فرضا في كتاب الله ، ووقع موقع الفرض ، ووجبت بدلك أحكام الفرض ، من أنه لا ينحل إلا بطلاق وما أشبهه ، أو حرمة أو موت ، وحكم به في الفرائض والعدد وأصناف الأحكام فهذا ما لا نعلم فيه اختلافا
فصل : فإن قال : الإمامة فريضة على المسلمين ، والنكاح إنما هو فريضة على الزوج والزوجة .
قيل له : فسواء ذلك الفريضة على الكل والفريضة على البعض في مخصوص ذلك ومعمومه ، فإذا كانت الفرائض تنعقد إذا عقدت بما يكون أوله اختيارا من العاقد والمعقود عليه ، فسواء كانت على الكل أو على البعض ، لأن الإمامة وان كانت عامة ، فقد تكون أحكامها خاصة بالعاقدين لها والمعقود عليه ، كنحو النكاح ، بل الامامة تنعقد باقل ما ينعقد النكاح ، لأن الإمامة تنعقد بالولي والمعقود عليه ، ولا يحتاج إلى غيرهم ، والنكاح لاينعقد إلا بالولي والزوج وهم اثنان فصاعدا شهود النكاح ، لا ينعقد النكاح باقل من ذلك ، ولا نعلم شيئا من الفرائض ولا من كتاب الله - تبارك ونعالى -ولا من سنة رسوله ، ولا من الإجماع أشبه بالإمامة وأشباهها من النكاح وأسبابه ، لأن (2/136)
صفحة 130
النكاح لا يثبت إلا بالولي ، وكذلك الإمامة لا تثبت إلا بالولي ، وولي الإمامة من المسلمين ، وان كثر المسلمون وكثر علماؤهم ، وهم اثنان فصاعدا ، وقد قيل بالواحد وقد قيل بالثلاثة وقيل بالستة وقيل بالخمسة ، ولا نعلم أن أحدا قال بأكثر من الستة في جماعة المسلمين ، ولوكان العلماء مائة ألف أو يزيدون ، فولي ذلك منهم من قد وليه على بعض قول أهل العلم ، ثبت ذلك على جملة المسلمين ، ولا يحتاجون إلى شهود ، إلا أن الجماعة هم بمنزلة الشهود معنا ، ولا تكون الإمامة إلا فى ظهور من العاقدين ، وفي جماعة من المسلمين ، كذلك الأولياء للمرأة ولوكانوا ألف ولي ، كلهم في الولاء واحد ، فولي ذلك من المرأة وعقد نكاحها واحد ، من أدناهم منزلة وأضعفهم قوة وحيلة ، فجعل ذلك في موضعه ورضيت المرأة بذلك ، ثبت ذلك على جميع الأولياء ، وان كرهوا كلهم ، كذلك الجماعة ولو كرهوا كلهم بعد العقدة للامام ووضع دلك في موضعه ، ما كان لأحد منهم للراضي منهم أن يرجع ، ولا للغائب منهم أن يكره ، ولانعلم فى ذلك اختلافا ، فليس شيء من أحكام كتاب الله أشبه بالإمامة ولا أقيس بها من النكاح .
فإن قال : ليست الإمامة بمنزلة النكاح ، ولا تشبه الإمامة بالنكاح ، لأن الإمامة فريضة لازمة ، والنكاح إنما يدخل العبد فيه لموضع شهواته ولذاته .
قيل له : النكاح أشبه بوجوب الفرض من الإمامة ، لعلامات ذلك في كتاب الله ، من غير أن نقول إن ذلك على الفرض ، بل هو على الإطلاق قوله - تعالى - : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ )(1).
وأشباه هذا . ثبت ذلك بعد العقد والإجماع عليه ، أنه فرض ،
__________
(1) - الاية (3) من سورة النساء . (2/137)
صفحة 131
والامامة ليس لعقدها علامة في كتاب الله ولا ذكر ، فالإمامة أشبه أن تشبه بالنكاح ، أولى من أن يشبه النكاح بالإمامة ، ولأن النكاح عليه الإجماع من الأمة من أهل القبلة ، وكان ذلك ثابتا في الجاهلية ، وعليه جميع الملك وجميع أهل الشرك ، ولا يختلف فى إجازة النكاح أحد من الخلق فيما عرفنا ، ولا يختلف في فساد السفاح أحد ، وأنه لا يقع إلا على النكاح وان اختلفوا في ألفاظ النكاح وأسباب ثبوته ، فلا يختلفون في أنه ما عدا النكاح فهو فاسد ولا يجوز.
فصل : وقد اختلفت الأمة في الإمامة والأمرة ، فأجاز بعض الناس غصب الأمرة والامامة ، واستبداده بهما لنفسه دون غيره ، وأثبتوا لهم على ذلك الطاعة ، وقالوا : إنهم أولوا الأمر على ذلك ، ولا نعلم أن ذلك قال به أحد في النكاح من أهل القبلة ولا غيرهم .
فإن قال : فإن النكاح إنما هو اختيار يوجب فرضا ، والفرض يراد به بلوغا إلى شهوة ولذة ، والإمامة باختيار توجب فرضا لأداء فرائض الله ، لإزالة محارم الله ، وبلوغ إلى إقامة حدود الله .
قيل له : كذلك عقد النكاح يوجب حقوقا للزوج على زوجته ، ولا يحل له من غيرها وحقوق لها عليه ، لا يبلغ ذلك إلا بعقد ذلك الفرض الذي وقع على الاختيار ، من الكسوة والنفقات وحسن الصحبة والمعاشرات ، إن قام بها قام بفرض ، وان خالفها ركب محجورا .
والإجماع أن الذي يدركه الزوج من الزوجة لا يصح من الأحرار له إلا بالنكاح ، إجماع ثابت لا اختلاف فيه ، في حال نكاحه وفي غير حال نكاحه .
فصل : وأجمع المسلمون أنه عند عدم تلك العقدة من الامامة ، تجوز لولي العقدة من علماء المسلمين ، أن يقوموا بما يجوز أن يقوم به الامام ، إذا (2/138)
صفحة 132
عقدت له تلك العقدة ، وأنهم أولياء للأمور التي تقوم بالإمام ، إذا لم يكن إماما معقودا له الامامة ، ولا نعلم أنهم اختلفوا في شيء من الأشياء إلا وقالوا إن للجماعة أن يقوموا به إذا لم يكن إماما ، وساروا بذلك وعملوا به ، من المحاربات وعقد الرايات ، وإنفاذ الأحكام من الأقسام ، وفرائض النساء والأيتام ، وتزويج من لا ولي له من النساء ، والأمر بالمعووف والنهي عن المنكر ، وإنصاف الناس من جميع دعاويهم ، إلا أنهم اختلفوا في الحدود .
فقال من قال : لا يقيمها إلا الامام .
وقال من قال : إن الحدود هي ضرب من الأحكام ، وما جاز في الأحكام جاز في الحدود ، ولا يجوز غيرذلك ، لأنه لا يجوز تعطيل الحدود ، كما لا يجوز تبطيل الحقوق . وقد خاطب الله المسلمين بذلك فقال -تعالى - : (إِنَّ اللّهَ يَأمركُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وإذا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)(1) . وقال -تعالى- : (وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ )(2) ، فهذا في الأحكام في الحقوق .
وقال - تعالى - في الحدود : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ )(3) وقال في القاذف : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً )(4)
فقد خاطب الله الجماعة بالحدود والأحكام ، فإن ثبت في الأحكام
__________
(1) - جزء من الآية 58 من النساء.
(2) - جزء الآية 127 سورة النساء.
(3) - جزء الآية 2 من النور.
(4) - جزء الآية 4 من النور. (2/139)
صفحة 133
بالخطاب العام ثبت مثله في الحدود ، دون أن يبطل ذلك في الحدود ، فمثله في سائر الأحكام ، والله الموفق للصواب . (2/140)
صفحة 134
باب: الإمامة والفرق بين ما يجوز فيه قول الإمام ودعواه وحكمه وما لا يجوز
ومن حجج الله على عباده في أرضه وبلاده ، من صحت له الاستقامة من الفقهاء والأعلام ، فيما أوجبه على الكافة من عقدهم للإمام ، علم ذلك من علمه أو جهله ، فإذا ظهر منهم في الدار ما تقوم به الحجة على الكافة ، ممن بلغه أمر العقدة وصحة الامامة في المصر ، الذين هم غالبون عليه في أمر الدينونة ، أو في الموضع الذي هم غالبون عليه في الدينونة ، ممن ظهر له بدين بعقد الامامة وانتحال لها ، فإذا شهرت العقدة أو صحت من أهل الاستقامة ، أو شهرت إمامة الإمام في دار أهل الاستقامة ، وفي وضع ما لا يكافئهم فيه أحد بالتدين ، ممن ينتحل الإمامة ، فيوقع في الإمام الإشكال في أمر العاقدين له ، فقد قامت حجه الإمام لموضع ثبوت ذلك عن الأعلام ، وكان الأعلام حجة على الكافة في عقد الإمامة للإمام ، وتثبت هنالك حجة الامام على الكافة والأعلام ، وكان حجة على الكافة والأعلام ، فيما جعل الله له من الحجة في الأحكام ، وفيما جعله الله أمينا فيه في أمر الخواص والعوام ، ولو كانت الحجة خائنة لله في السريرة في عقد الإمام ، وكان الإمام خائنا لله ، في كل ما ظهر منه من الأحكام على أحد من الكافة ، أو أحد من الأعلام ، أو أحد من أهل الذمة ، أو أحد من أهل الاسلام ، فالحجة حجة ، ودافعها أو (2/141)
صفحة 135
مخالفها بخلاف فعلها أو المدعي عليها باطلها ، أو المدعي باطلها على غيرها من المسلمين ، هو المدعي والمبطل في ادعائه وفي مخالفته ، ولوكان عند الله في سريرته صادقا ، وكان لحكم الحق فى سريرته موافقا .
فصل : فإذا ثبتت إمامة الإمام ، فكل ما ظهر منه في الدار في رعيته في الخاصة أو العامة ، خارجا على طريق الأحكام فى مال أو فرج أو عتق أو قتل أو حد أو قصاص ، فكل ما خرج من أفعاله على سبيل ما ائتمنه الله عليه من الأحكام ، فهو الحجة في ذلك على من ادعاه عليه أو فعله فيه ، فاما الحقوق كلها في غير الأبدان من القتل والحدود وما أشبه ذلك ، مما هو متعلق في أحكام الأبدان ، فقول الامام مقبول على رعيته فى ذلك ، ولو أنكر دلك المحكوم عليه إذا قال الإمام إنه أقر معه بذلك ، أو صح معه ذلك بسماع البينة عليه بحضرته ، فانكر ذلك المحكوم عليه ، فإن الحكم ثابت عليه ولا حجة له في ذلك تدفع حجة الإمام ، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أهل العدل من المسلمين.
فصل : وسواء ذلك في الحقوق ، وكان قد أنفذ الحكم على المحكوم عليه أو لم ينفذه فقوله مقبول على المحكوم عليه ، والقول في ثبوت أحكام المواريث والموت والعتق والطلاق والديون والإقرارات والوصايا ، وجميع ما يخرج حكمه من غير الأبدان من الحدود والقتل والقصاص ، فكل ذلك ثابت قول الإمام فيه ، على المحكوم عليه بعد الحكم وقبله ، ولا حجة في ذلك لخصم عليه إلا أن يصح عليه في ذلك أنه مبطل بالبينة ، فإذا صحت البينة عليه ني ذلك بالباطل ، كان خصما وكان محدثا بذلك ، وكان الحكم في ذلك إلى الأعلام ، وكانوا هم الحكام عليه والقوام ، كان قد أنفذ الحكم أولم ينفذه ، ومنعوه من إنفاذ الباطل ، وقاموا عليه بالحكم ، فيما قد أنفذ من الباطل ، من ضمان ما يلزمه في ذلك في ماله أو مال المسلمين على ما يوجبه الحق . (2/142)
صفحة 136
وكذلك كل حكم يخرج من فعله مخرج الأحكام ، أنفذه من غير إنكار ممن قد أنفذه عليه ، في حين ما يحكم به عليه من قصاص أو قتل أوحد ، ثم أنكر ذلك المحكوم عليه بعد إنفاذ الحكم عليه ، فلا قول له في ذلك ، وهو مدع ، وورثة المقتول في ذلك مدعون ، إلا أن يصح ذلك بالبينة أنه مبطل في أحكامه ، فإذا صح ذلك بالبينة ثبت عليه في ذلك حكم غيره من الخصماء ، وكان الحاكم عليه في ذلك أهل الحق من المسلمين ، وكان محدثا وحكمه حكم المحدث ولن يجب عليه في ذلك حكم الخطا والباطل ، إلا أن يصح أنه قد حكم بما يخالف أحكام الكتاب أو السنة أو الإجماع أو ما أشبه ذلك .
فصل : وإذا دعا الإمام على أحد من رعيته ، أنه أقر معه بحد من الحدود ، وبما يجب عليه فيه القصاص أو القتل في القود ، وأراد إنفاذ ذلك عليه فجحد ذلك وأنكره ، كان الإمام في ذلك مصدقا فيما يجب من ولاية الإمام ، ولا يحكم عليه بذلك ، وإن طلب الإنصاف في ذلك من الإمام ، كان الإمام في ذلك مدعيا في أكثر قول المسلمين .
وقد قيل : إنه لا يجوز إنكاره بعد أمراره في جميع ذلك ، في الحدود والقصاص والقود ، ويثبت إقراره عليه ولا رجعة له ، فإذا ثبت إقراره بذلك وقال الإمام إنه أقر معه بذلك الحد ، وجحد هو أنه لم يقر بذلك ، ثبت عليه قول الإمام ، وأنفذ عليه جميع الحكم ، وكان الإمام حاكما عليه بذلك ، ولاحجة له إلا البينة .
وأما على قول من يقول : إن له الرجعة في إقراره ، ويزول عنه حكم ذلك ، فإذا أنكر ذلك بطل حكم الإقرار ، ولا تهمة على الإمام في ذلك ، ولا عليه هو في ذلك ، ولا يثبت عليه الحكم بذلك ، ولا يلزم الامام في ذلك تبعة ، ولا توبة عليه إلا أن يقذفه بما يكون قاذفا له بمكفرة عند من يتولاه ، فإنه يلزمه في ذلك التوية والبراءة ، وهو كغيره من الخصماء في ذلك ، إذا صرح (2/143)
صفحة 137
القذف بما يكون به المقذوف كافرا من جميع الكبائر .
فصل : والإمام في جميع ما خرج من سبيل الأحكام مدع فيما يقول على رعيته ، من ادعائه لنفسه ما يجر إلى نفسه مغنما أو يدفع عنها مغرما ، فهو في ذلك مدع . فإن قال على أحد من رعيته أنه قتل أباه أو أخاه أو أحدا ممن يكون هو ولي دمه أو وارثه . أو قال إنه أقر معه بذلك . أو قال إن عليه له ألف درهم أو أقر له بالف درهم ، أو ادعى تزويجا أو شيئا من الأشياء التي لا يكون حاكما فيها على من يدعي عليه لغيره ، ويكون الحكم في ذلك لنفسه أو لأحد من أولاده ، فيما يجر إليه بذلك مغنما ، أو يدفع عنه مغرما أو لعبده ، فذلك كله يكون فيه مدعيا ، ولا يجوز أن يجبر في ذلك رعيته على ما يدعي ، وإذا حكم لنفسه على رعيته ، فيما يقع عليه حكم الإجماع أنه مدع فيه ، فذلك لا يجوز له ، ويكون بذلك محدثا ، فإن أراد إنفاذ ذلك على خصمه ، فطلب منه خصمه الانصاف منع من ذلك ، وكان عليه الامتناع عن ذلك ، ولوكان صادقا في قوله عند الله ، فإن خرج من حكم المسلمين في ذلك وامتنع ، كان حربا على ذلك .
فصل : وكذلك إن ادعى على أحد من رعيته أنه قذفه بالزنا ، أو قذف من هو ولي ذلك ممن قد مات ، كان بذلك مدعيا ولا يصدق في ذلك ، وعليه البينة وهو خصم في ذلك .
وان قال على أحد من رعيته ما يكون به مستحقا للعقوبة غير الحدود في القذف والزنا ، وعاقبه على ذلك من تسور عليه في داره ، أو اعتراض له بما يلزمه فيه العقوبة ، بغير إقامة حد ولا إنفاذ حكم ، إلا ما يجب على رعيته من الأدب في الأفعال ، التي يستحقون بها الأدب في غير إنفاذ حكم ولا إثبات حد ، كان بذلك مصدقا ، لأن ذلك مما لا يخرج فيه مخرج الدعوى ، ولا يثبت فيه حكم مخالفا الاجماع ، وذلك مما له فيه النظر والخيار ، وإنما يكون مدعيا على من ادعى عليه من خصمائه من رعيته ، فيما لا يكون له فيه عذر في (2/144)
صفحة 138
إنفاذه إذا صح على أحد من رعيته من إقامة حد أو إنفاذ حكم ثابت .
فصل : وكذلك ما ادعى على رعيته ، بما يجب عليهم فيه السجن والعقوبة له أو لغيره ، كان في ذلك مصدقا ، والاعتراص عليه في ذلك ، إذا قال فيمن يثبت عليه ذلك ، ويحتمل صدقه في قوله عليه .
وكذلك إد ادعى على أحد من رعيته ، مما يلحقه ذلك ما يجب عليه فيه القتل على غير سبيل القود ، مما يكون قتله إلى الإمام دون حقوق العباد من القود وأشباهه ، مما يكون الحق فيه للأولياء ، فإذا ادعى عليه ما يكون الحكم فيه إليه من القتل من غير القود والحقوق ، فقول الإمام فى ذلك مقبول ، ولا حجة عليه ولا ينفعه امتناعه عن ذلك ولا إنكاره ، إلا أن تصح على ذلك البينة أن الإمام يحكم عليه في ذلك بوجه باطل يبينون ذلك ويشهدون به مينا ، وإلا فالإمام ثابت القول في ذلك مما يكون من مصالح الإسلام والحياطة به على دولة الحق ، وعلى أهل الإسلام ودين الإسلام ، إلا أن يظهر المدعى عليه ذلك ، ما يخرجه من القتل من التوبة أو أشباه ذلك ، إذا لفته عن الباطل إلى الحق .
وكل حال كادنالإمام فيه ححة ومصددقا كان على رعيته له في ذلك السمع والطاعة ، ولا يجوز لهم الامتناع عن أمره في ذلك ، ولوكان باغيا على من ادعى عليه ذلك ، وأراد منه ذلك في سريرته وعلى سائر رعيته النصرة له ، على من خرج من طاعته ، فيما هو عليه فيه حجة لهم تصديق قولهم في ذلك ، وإنفاذ ما أمر به في رعيته ، فإن امتنع ممتنع عنه في ذلك مما هو حجة عليه فيه ، كان بذلك حربا ، وكان على أهل رعيته نصرته على من حاربه ، وكان كافرا بذلك ، ولو كان صادقا في سريرته .
فصل : وكل حال كان الإمام فيه مدعيا على أحد من رعيته ، فحمل على خصمه أن يكون حاكما لنفسه عليه ، فامتنع عنه بذلك ، كان خصمه هو (2/145)
صفحة 139
الحجة عليه ، وعلى المسلمين نصرة خصمه بالحق ، والحكم عليه بالحق ، والأعلام هم الحكام عليه لرعيته ، ما لم يحمل على خصمه الخير لنفسه ، وصدقه خصمه له بحق من الحقوق التي يكون فيها حاكما لغيره عليه ، أن لو أقر بذلك له ، أو قامت له البينة عليه ، لم يكن للإمام أن يجبر خصمه على ذلك ، ولكن يولي الحكم غيره من أهل الثقة والعلم من أهل مملكته ، أو ممن يجوز حكمه ويكون خصما لخصمه ، ويكون الحاكم هو المبتلى لسماع البينة له على خصمه ، ولا يصدق الإمام في سماع البينة لنفسه ولا في قوله ، أنه أقر له بحقه ، ولايجوز ذلك للحاكم أن يقبل منه ذلك ، ولكن يدعوه إلى المحاكمة ، وينزله منزلة الخصم ، ويسمع منه البينة وينفذ عليه وله الحكم بالعدل ، من غيرأن يقلده في ذلك قولا ، ولا ينفذ له في ذلك فعلا ، ولوكان ذلك الحكم مما يجوز قول الامام فيه لغيره من رعيته من الحقوق .
فصل : وكل حال كان الإمام فيها مدعيا على أحد من رعيته ، ولم يخرج إلى حال القذف للمدعي بما يكفر به ، ويكون قاذفا فهو مدع والحكم إليه ، ويولى الحكم غيره ، ولا يخرج الحكم منه إلى الأعلام ، ولكن يولى من يحكم بينه وبين خصمه في ذلك الذي يدعيه عليه ، ويجوز ذلك لمن ولاه ، ولايخرج الحكم من يده في هذا الوجه إلى الأعلام وإلى غيره من أهل الإسلام ، ولا يخرج في هذه المنزلة إلى حال الخروج من الحكم ، ولكن الحكم في يده يوليه من يستحقه ، ويكون حاكما عليه وله ، ويكون ذلك واجبا على خصمه له فيه السمع والطاعة ، إذا ولى على الحكم من يجوز حكمه ، ولا يولي الإمام في ذلك الحكم والده ، ولا من لا يجوز له حكمه .
فصل : وان طلب خصم الإمام أن يكون الحاكم بينهما غير من أمره الإمام ومن ولاه الحكم ، لم يكن ذلك لخصم الامام عليه إذا ولى من يستحق ذلك من المسلمين ، والمسلمون مؤتمنون على دينهم ، ولا يلحق الحاكم تهمة تحيف للإمام ولا بالتقية له في الأحكام ، ولا في غير ذلك من حقوق الإسلام ، (2/146)
صفحة 140
وهذا من أحكام الله التي يكون حكم الإمام فيها وحكم غيره سواء . والإمام حجة على خصمه في هذا الفصل .
وإن اتبع الإمام خصمه إلى من دعاه إليه ، كان ذلك أحب إلينا ، وأبر لساحة الإمام وللحاكم الداخل بينهما ، من غير أن يلحق الإمام ولا أحد من الحكام تهمة في الأحكام ، إلا أن يجب في ذلك على أحد ، وينزل تلك المنزلة من اللهمة ، فالحق أن ينزل بحيث أنزل نفسه ، ويحكم عليه بحكمه .
فصل : وكذلك لو ادعى الإمام على أحد من رعيته حدا ، من قذف له أو لمن يكون وليه في ذلك ، كان القول فيه في ذلك واحد ، وعليه البينة ، ويولي سماع البينة بينهما والحكم بينهما غيره ، وينزل منزلة الخصم ، ويجعل الحاكم بينهما لإقامة ما صح على خصمه من الحد ، فإذا صح الحد أمر الإمام بإقامة الحد على خصمه غيره ، وكان الحكم وإقامة الحد إلى الإمام ، وإلى من أمر الإمام ، إلا أنه لا يقيم الحد بيده ، ولا يأمر به بنفسه ، ولكن إذا أقام بينهما حاكما في ذلك ، وصح الحد على خصمه ، فأحب إلينا أن يكون يقيم الحد في ذلك اثنان فصاعدا من أعلام المسلمين ، لأنهم الحكام للإمام وعلى الإمام ، ولأن الامام لا تزول إمامته ، ولأن الحد لا يعطل في الإمام ، فإذا ثبت الحد ولم يثبت أن الإمام ينفذه ، وثبت أن الحد لا يقيمه إلا الامام كان الحاكم على الإمام ، هو يقوم مقام الإمام ، ويكون ذلك برأي الإمام ، فإن أقام عليه الحد رجل من المسلمين ، وقد أقامه الامام لانفاذ ذلك الحكم بينه وبين خصمه ، كان ذلك صوابا ، وكان ذلك حكما جائرا إن شاء الله ممن قذفه الإمام .
فصل : وذلك أنه قد ثبت في الإجماع أنه لو أمر الإمام القاضي أو غيره من الحكام بإقامة الحدود بين رعيته ، أن ذلك جائز ، وفعل ذلك الأئمة ، ولعل ذلك قد ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه أمر بإقامة الحدود غيره (2/147)
صفحة 141
من ولاته ، وأما أهل العلم فلا نعلم بينهم اختلافا أن الإمام يجوز له أن يأمر بإقامة الحدود لانفاذ الأحكام ، ولولا ذلك كذلك لعطلت الحدود في الأمصار ، وكان على الأمراء أو العمال في الأمصار ، رفع أهل الحدود إلى الامام وإلى أمير المؤمنين الأكثر على الأمصار ، ولكن إذا أقام الإمام واليا ، وأمره بإنفاذ الأحكام وإقامة الحدود ، جاز ذلك للوالي ولزمه ما أمره به الإمام ، من إقامة الحدود وإنفاذ الأحكام ، إذا صح معه ذلك وأبصر الحكم فيه .
والحدود والأحكام في هذا الفصل سواء ، غير أنا نحب في الحدود في هذا الفصل ، أن يتولى ذلك بحكم له به اثنان فصاعدا من الأعلام ، مع أمر الإمام إن أمكن ذلك ، وكانوا بحضرة الامام ولم يخف أن تتعطل الحدود .
وان أنفذه من يجوز حكمها من الامام ثبت ذلك كما ثبت في سائر الأحكام .
وإذا قذف الإمام أحدا من أهل الإقرار بالزنا ، ممن يلزم من قذفه الحد ، كان في ذلك خصما ، وانخلع عن الدين وكان كافرا ، وعليه التوبة من ذلك .
وقد قيل : إنه تزول إمامته ولو تاب ، وبقيم الأعلام إماما يقيم الحد عليه ، ويكون هو الإمام ، ولا يرجع الإمام الأول إلى إمامته ، ولو تاب من قذفه .
وكذلك ما يثبت عليه من الحدود باقرار منه أو ببينة ، فان إمامته تزول ويقيم المسلمون إماما يقيم عليه حد ما أتى من ذلك وما لزمه ، ويكون الإمام الآخر هو الإمام ، ولو تاب من ذلك وأصلح فقد قيل : إنه لا يرجع إلى الإمامة ، وهو صحيح ، لأنه لا يجوز أن يكون امامان في مصر واحد ، فإذا (2/148)
صفحة 142
ثبت أنه لا يقيم الحدود إلا الإمام ، أو بأمر من الإمام ، ثبت أنه لا يرجع الى الإمامة ما كان الإمام إماما ، ولا يثبت في العدل أن يقام إمام لانفاذ حد واحد ، ثم تزول إمامته ، ولا يشترط عليه ذلك . ولا يستقيم هذا في نظر أهل العلم ، والله أعلم .
وأما إذا زال أمر الإمام ، ولم يكن في المصر إمام ، فإن أراد الأعلام إقامة هذا الإمام ، الذي قد أقيم عليه الحد وتاب وأصلح :
فقد قيل في ذلك باختلاف ، فقال من قال : لا يجوز أن يكون إماما من أقيم عليه حد من الحدود ، لأنه لا يقيم الحدود محدود .
وقال من قال : يجوز ذلك لأنه تجوز ولايته وشهادته ، فما الذي يمنع من إجازة إمامته ، وإنما زالت إمامته في الوقت .
وإن كان لثبوت إقامة الحد عليه في ذلك الوقت ، إذا ثبت أنه لا يقيم الحد إلا إمام أو بأمر إمام ، فلم يكن بد من زوال الإمامة عنه لهذه العلة في الوقت الحال النازلة به ، فلما أن زال عنه زالت عنه العلة وثبت له ما للمسلمين وعليه ما عليهم . وهذا القول أحب إلينا ، والله أعلم بالصواب .
فصل : ولولا كراهة المخالفة لما قد جاء به الأثر ، من أنه تزول إمامته ولو تاب ، إذا أتى حدا ، لما كان بين ما ياتي من الكفر وبين الحد فرق ، ولما كان الأصل أن يكون الأعلام حكاما عليه في الحدود ، ويقيمون عليه الحد ويرجع الى الإمامة ، لأنه يرجع الى الولاية ، وقد أجمعوا -لا نعلم بين اختلافا - أنه لو أن شيئا من الكبائر أنه تزول بذلك امامته في حكم الظاهر ويستتاب من ذلك ، فان تاب رجع إلى إمامته وولايته ، وإن لم يتب برىء منه وزالت إمامته ، وأمره المسلمون باعتزال أمرهم حتى يقدموا من يقوم بأمرهم ، فان لم يقدموا من يقوم بأمرهم من الأئمة حتى تاب الإمام من ذلك ويرجع ، أنه يرجع إلى إمامته وولايته ما لم يعقد لامام غيره . (2/149)
صفحة 143
وكذلك لوحارب الإمام الأول فقاتله المسلمون بغير إمام باغيا عليهم ، فسفك على ذلك الدماء على البغي ، ولم يقيموا إماما عليه ثم تاب من الذي بغى به على المسلمين ،وأنصف فيما يلزمه كان يرجع إلى إمامته ، لأنه هو الإمام ، ما لم يعقد المسلمون لإمام غيره .
وإنما أخرجه من حد ثبوت الإمامة الإصرار على المعصية ، ويرده إليه التوبة ، كما أخرجته المعصية . وقد ثبت أن الأعلام حجة على الإمام في جميع ما لزمه من الأحكام ، وثبت أن الحدود يقيمها غير الإمام إذا أمره الإمام ، ولا نعلم في ذلك اختلافا إذا كان الإمام ثابت الإمامة .
فلو قال قائل : إنه إذا أتى الإمام حدا وتاب مما أتى من الحدود ، وأقام عليه الأعلام الحدود ، رجع إلى إمامته بعد ذلك ، ما لم يكن فيه قتله أو يموت منه ، ما خرج ذلك عن أصول الحق عندنا ، والله أعلم .
ويجب التسليم للأثر ، فان فعل هذا فاعل من أهل العلم والبصر من أوليائنا لم نقدم على البراءة منه ، ولا على ترك ولايته لما قد بينا من العلل في إقامة الحدود من غير فعل الإمام ، ومن ثبوت حجة الأعلام على الإمام .
فصل : وإذا اختلف أهل الدار من أهل العلم ، فارادوا عزل الإمام على هذا لابطال إمامته بعض أهل العلم ، ولو تاب وأراد بعض إقامة الحد عليه وإثبات إمامته اذا تاب ، أحببنا عند اختلافهم اتباع الأثر ، وزوال إمامة الإمام ، لأن عليه قول أكثر أهل العلم ، ولا نحب منازعة من أراد إثبات ذلك الإمام على هذا ، لمن أراد عزله وزوال إمامته . (2/150)
صفحة 144
باب: صفة التجسس والنهي عنه
إن التجسس أدهى وأمر ، وأقبح وأشر ، فلا يؤمر المرء بان يخرج ليسأل عن علم الأحداث ، وعن علم العلماء فيها ، فيؤمر بالتجسس عن عيوب الناس وعوراتهم ، وما هو محرم في الدين حتى يطلع عليه ويشرف عليه ، وفد نهاه الله عنه .
وألزمتموه الخروج في المنكر ولو أمرتموه بمعروف غير لازم وألزمتموه ذلك ، لكان ذلك خطأ منكم ، فكيف إذا ألزمتموه الخروج في المعاصي والمآثم ، فهذا خطا من وجهين وبدعة من وجهين :
وجه أنكم ألزمتموه ما لا يلزمه من الخروج أن لوكان في مباح ، غير أنه لا يلزمه وكنتم بذلك هالكين .
ووجه ثان : أنكم أمرتموه بالخروج في تجسس العورات ، وطلب معرفة العثرات ، فنعوذ بالله من هذه الفتن وهذه الظلمات ومن هذه البدع وهذه الضلالات .
فصل : فان قال قائل من الملبسة على المتمسكين ، إنما أمرنا بالخروج من أمرنا على وجه الفضيلة والوسيلة ، ولم نلزمه ذلك بالزام ، وذلك لم يلزم أحدا ، وليس ذلك من الدين .
قيل لهم : فهذا الذي أردناه منكم وهو الحق ، ألا تأمروا بالتجسس (2/151)
صفحة 145
عن عروات الناس من لم يطلع عليها ، والبلوغ إلى معرفة عثراتهم ، وليس ذلك من الوسيلة ولا من الفضيلة ، إنما ذلك من المحجور ، وإنما الوسائل أن يبلغ إلى شيء من أداء الفرائض التي لم تلزمه إذا خوج فيها بغير دينونة ، ولا ملتمسا لعثرة ولامتجسسا لعورة ، فذلك في الفرائض ، ولا يقصد بنيته على كل حال ، إلى أن يعلم كفر هذا االمحدث ليبرأ منه على ذلك ، ويخلعه عليه ، وإنما يخرج في طلب الثواب من تعليم الآثار ، والبلوغ سريعا إلى صحيحات الأخبار ، من السلف الماضين من الأبرار والفجار ، ليتبع سبيل الأبرار ويحذر سبيل الفجار ، فان لزمه في حال ذلك أمرؤ ، وقامت عليه به حجة ، من كفر كافر أو إيمان مؤمن ، حكم على نفسه ، بما ألزمه الله من البراءة من أعدائه والولاية لأوليائه ، ولا يجوز أن يقصد إلى علم كفر أحد من الخليقة ليبرأ منه ويعوف ضلاله ليخلعه ، كذلك قال الله -تبارك وتعالى - : ( ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ) ، ومحجور أن يتجسس الانسان عورة أحد من الخليقة ، بارا كان أو فاجرا ، والغيبة محجورة على المؤمنين خاصة ، ومن لم يعلم كفره فلا يجوز غيبته ، لأن المغتاب له واقع له على سبيل الجهل ، وإنما لا غيبة له إذا قال فيه بما هو فيه ، وشهد عليه بما هو فيه في المشركين والمنافقين ، وأما التجسس فمحجور من الكل ، أن يتجسس له عورة غائبة عنك ، هذا مالا نعلم فيه اختلافا .
كذلك قال المسلمون في دينهم ، المجمعون عليه : ولا يتجسس العورة ولا يغتنم العثرة ، ولا يرد المعذرة ، فكما لا يجوز أن يغتنم عثرة بار ولا فاجر ، كذلك لا يجوز أن يتجسس عورة بار ولا فاجر ، ولا مؤمن ولا كافر .
وقد قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم : "ليس منا من رد المعذرة ، كان المعتذر صادقا أو كاذبا" ، وكذلك العورات محرمات من البار والفاجر ، ولا نعلم عورة من العورات أشد في العبد من المكفرات ، كما أنه ليس من العيوب أشد عيبا من الكفر. (2/152)
صفحة 146
فان قال قائل : ليس للكافر عورة ، وقد أباح من نفسه بارتكابه الكفر كل عورة فيه .
قلنا : ليست العورات الى صاحبها ، فاذا أباحها من نفسه أبيحت للغير منه ، وإنما ذلك إلى حكم الله - تبارك وتعالى - ، وقد نهى الله - تبارك وتعالى - عن تجسس العورات ، فذلك من المحجورات المحومات .
ويقال له : أرأيت إلى من قصد الى إبداء عورته فابداها ، أيجوز لأحد أن يتعمد للنظر إلى عورته ، إذا عرف أن صاحبها قد أبداها متعمدا أو أباحها بجهله ؟
فان قال : نعم .
قلنا : هذا هو الخطا بعينه ، والرد على الله -تبارك وتعالى - ، إذ يقول : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم " فبتضييع المبدي فرجه يضيع الناظر فرض النظر ؟
فان قال : نعم .
قلنا : كذلك أيضا ، إذا أباحت الزانية فرجها ، جاز لمن أباحت له ذلك ، الزنا بها ، لأنها مبيحة لفرجها ؟ فلا عورة لها ولا حرمة ؟ وإنما عليه أن يمتنع عن ذلك ؟
فان قال : نعم .خرج من المعقول ، وصح ضلاله في حجة العقول .
وان قال : لا .
قلنا : كذلك النظر مثل الوطء فكله سواء .
فان قال : نعم كله سواء . (2/153)
صفحة 147
قلنا : لقد زعمت أن المبدي لعورته ليس للغير أن ينتهك منها ما حجره الله عليه من التجسس لها والنظر إليها ، بالقصد منه إليها .
فان قال : إنما يريد بذلك أن يؤدي فريضة البراءة من المحدث ، وإنما يريد القصد إلى الفريضة .
قلنا له : لم يبلغ به ذلك بعد إلى فريضة ، وليس له أن يقصد إلى محجور في الأمور ، ليبلغ بذلك إلى فرض يصل إليه ، فيضيع فرضا بوصوله إلى فرض ، وهو بتضييع الفرض كافر ، فان تاب من ذلك التضييع والدخول في المحجور ، فالتائب كمن لا ذنب له ، وبؤدي الفرض الذي وصل إليه بما ارتكب من المحجور .
وقد أجمعنا بانه ليس عورة باشد من عورة الكفر ، ولا عيب أشد منه ، وعلى ذلك أجمع المسلمون ، فكما لا يجوز التجسس لعورات المسلمين ، كذلك لا يجوز التجسس لعورات الظالمين .
ويقال له : أرأيت عورات المسلمين والكافرين ، وما الفرق فيها إلا بما قد صح منها ، فاذا صح فقد قامت الحجة ، وقد أبيح ذلك بالعلم ، ولم يكن هنالك تجسس وزال التجسس ووقع الحكم بالعلم ، ولا نعلم فرقا بين عورات المسلمين ، وبين عورات من لا يعلم منه إيمان ولا كفر وعورات من علم كفره ، فيتجسس منه عورة حجرها الله ، فان ادعى مدع فرقا فليات به ، ولن يقدر على ذلك إن شاء الله الا بالمكابرة وليست المكابرة من أمور الدين في شيء ولا من أمر المحتجين ، وإنما الحجة باقامة الحجة من الكتاب والسنة والآثار المجمع عليها أو الرأي الصحيح أو حجة العقل ، وقد أقمنا الحجة أن التجسس محجور عن الجميع ، فكما كان العذر مقبولا من الجميع ، وكما أن العثرة مقالة للجميع ، وكما أن التوية مقبولة من الجميع ، وكما أن الحق في الجميع بالسواء ، إلا ما خصه لوجه حجة ، وقد خص بالغيبة المسلمين ، (2/154)
صفحة 148
فقال : ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا" ، وكانت الغيبة للمسلمين فيما بينهم محجورة ، والتجسس محجور في الجملة والغيبة ، فانما حجرت من المسلمين ، ومن لم يستحق العداوة أن يقال فيه ما يعاب به من الأخلاق التي تذم بها ، ولو كانت فيه ومنه ، وإذا قيل فيه ذلك يراد به شتمه فقد اغتابه ، وذلك منه حرام . وإذا قيل فيه ما ليس بصحيح منه فقد بهته ، وهو من الكذب أيضا ، ولا يجوز الكذب على مؤمن ولا كافر ، بذلك صح الإجماع أن الكذب من الزور ، وأن الزور محجور .
فان قال : فمن لم يصح إيمانه فما بال غيبته لا تجوز؟
قيل له : إذا جازت غيبته جاز شتمه ، ولا يجوز الشتم الا لمبطل بباطله بغير كذب ، وإنما وقف هذا عن البراءة منه ، لما لم يصح من كفره ولا إيمانه ، فلا بد في الحكم إما أن يكون مؤمنا أو كافرا ، فالفرض عليه الوقوف عنه ، وعن شتمه وعن مدحه حتى يعلم منه ما يجوز له منه أحدهما ، فكذلك لا تجوز غيبته منه ، وهو مجهول لا يجوز شتمه ولا البراءة منه ، فان أقدم على ذلك أقدم على ما لا يسعه ، ولا علم له به أمباح أم محجور ، ومن أقدم على الغيب وحكم بالغيب فلا مخرج له من الكفر معنا ، والله أعلم .
ويقال له : أرأيت إذ زعمت أن مقصده إلى البراءة منه ، ليؤدي فريضته فهو مباح له التجسس لعورته ، والبحث عن عثرته لقصده لأداء الفريضة ، أليس هو داخلا في محجور ؟
فان قال : لا . أبطل ما أقر به في الأصل من تحريم التجسس .
وإن قال : نعم يجوز له أن يدخل في تضييع الفريضة ، ليؤدي فريضته .
قلنا له : لم نعلم أن هذا من قول أحد من أهل العلم ، وهذا باطل ، (2/155)
صفحة 149
فلا يؤدي الفرائض بترك الفرائض ، والإجماع من المسلمين أن الفريضة الحاضرة أوجب من الفريضة الغائبة ، والإجماع أنه لا يعطل فرض لفرض .
فان أقر بذلك فهو الحق ، وان أبطل ذلك وقال : بل تعطل الفرائض للفرائض ، خرج من حجة العقل ، لأنه لا معنى في تعطيل شيء من اللازم ، ليقام بذلك شىء لا يلزم إلا بتعطيل هذا الواجب القيام به والمحجور تعطيله ، فهذا قد أبطل حجة العقل وحجة الإجماع .
وإن قال : نعم لا تعطل الفوائض للفرائض ولكن إنما يقصد بذلك إلى الفريضة ليؤديها .
قلنا له : إن كانت قد لزمته الفريضمة بعلم الكفر فلا معنى للتجسس ، وقد وجب الحكم وزال العذر ووجب الحق .
وإن كان قد علم الحدث المكفر وهو مما لا يسعه جهله ، فقد لزمته الحجة وزال عذره ، ووقعت الهلكة .
وإن كان قد علم الحدث المكفر وهو مما يسعه جهله ، فقد وجب العذر بسعة الجهالة ، وقد حرم أن يلزم ما لا يلزمه من الخروج ، والمسؤال عما لا يلزمه .
وإن أمر بذلك على سبيل الوسيلة ، فمضى بغير قصد إلى تجسس عورة واغتنام عثرة ، إنما يسأل عن حكم ما قد علمه ليؤدي فرض ما لزمه ، إذا بلغ من ذلك إلى الفصل الذي قد جهله ، يصير بذلك إلى جواز الفصل ، ولا يقصد إلى تجسس عورة ولا اغتنام عثرة ، وذلك محرم محجور على كل حال ، لأن ذلك إنما هي فريضة تقام على البعض ، والكراهية للوصول إليها ، كما يكره الحاكم قطع يد السارق ورجم الزاني ، ولولا لزومه ذلك لم يقمه ، ولا يجوز له على كل حال أن يحب ذلك ، وأن يكون من فاعليه وهو له مبغض ولتركه محب ، ولا يجوز غير هذا ، وليس هناك تلذذ ببراءة ولا بلوغ إلى (2/156)
صفحة 150
مسرة من علم كفر الكافر ، ولا يجوز ذلك في دين الله ، والله قد فرض بغض ذلك وأبغضه ، وإنما وجب بغض فاعله لبغضه على الله ، وفي دين الله ، فافهموا ذلك .
فان كان على غير تجسس وكان على غير الزام ما لا يلزم فهو مباح في السؤال عنه غير لازم ، فاذا بلغ إلى ذلك لغير قصد منه إلى التجسس جازله ذلك ولزمه البراءة ، وليس عليه أن يطلب لنفسه ما تقوم عليه به الحجة ، وقد مضى من ذلك ما فيه كفاية .
وان كان لم يعلم الحدث ، وإنما يقصد بذلك إلى البحث عن علم الحدث ، فهذا هو التجسس بعينه ، وهو محجور إلا أن يقصد إلى علم ما يلزمه في هذه الأحداث إذا جهل بذلك ، أيلزمه فيها شيء أم لا ؟ فقصد الى علم ما يلزمه من ذلك ، فهذا قاصد إلى غير التجسس ، ولا يقصد إلى بحث الحدث وإنما يقصد إلى السؤال عما يلزمه في ذلك الحدث ، إن اشتبه عليه أمره ، فاذا بلغ إلى ذلك على اعتقاد براءته من القصد إلى التجسس ، ومن إلزام نفسه ما لا يلزمه ، فقد صار إلى علم ما يجب عليه إذا وجب عليه ، ووجب الحق وزال الريب ، ووجبت الحجة وزال مع ذلك حكم التجسس بقصده ، إلى ما يلزمه من ذلك الذي اشتبه عليه ، إلى معرفة ضلال أهل الحدث ليجتنبه ، وصواب المصيب ليأتيه ، ولا يقصد على كل حال إلى علم كفره ليبرأ منه ، فان ذلك هو المحجور .
وكذلك لو قصد إلى علم بعينه ، والبحث عنه لغير اعتقاد براءة ، كان قد أتى محجورا ، ولا يجوز ذلك على حال ، ومع ذلك إذا كان الأمر إنما يأمر به على الوسيلة فالأعمال لا تلزم على الوسيلة إلا أن يبين ذلك ، وينبغي أن يعلم من يأمر بالخروج أن ذلك ليس عليه ، وإنما هو وسيلة .
فإن أردت أن تخرج في طلب الوسيلة ، فذلك إليك ، والا فلا يلزمك ذلك ، ولا يجوز أن يؤمر أن يخرج في الأسفار يتخطى الفيافي والقفار ، ويتحمل المشاق والمضار ، ويقاسي (2/157)
صفحة 151
الخوف والأخطار ، ويلزم نفسه ذلك في البر والبحار ويخرج من الخوف وشرق عمان وأطرافها إلى سمائل وصحار ، ولعله يلزم نفسه ذلك ويخاف على نفسه في تخلفه المهالك ، ولا نعلم أن ذلك وسيلة ، ووجه من وجوه الفضيلة ، إن شاء فعل وان شاء لم يفعل ، ولا يجوز معنا ذلك على العام من الأمر بالخروج ، وإنما يراد به القصد إلى مفسر يخرج فيه بعينه ، فان فعل وسلم من أمر يلزم فيه نفسه ما لا يلزمه ، أو يدخل في تجسس عورة أو اغتنام عثرة ، فقد جاز الفضل اذا لم يضيع ما هو واجب منه من دينه من أمر عيال أو تضييع مال يقوم بالعيال ، ويدخل عليهم في ذلك مضرة في قوتهم ، وكذلك إن كان عثرة في أمر دينه ألزم ، فضيع ذلك وخرج في الوسيلة لم يسعه ذلك ولم تكن تلك وسيلة ، وقد ضيع الوسيلة والفضيلة بتضييع الفريضة .
فان قال قائل : أفليس قد جاء الأثر أنه يؤمر بالخروج في طلب دينه ، وقد جاء الأثر بذلك مجملا أن عليه الخروج في طلب دينه .
قلنا له : جاء الأثر أن على العبد أن يخرج في طلب علم دينه ، في الحال الذي يخص فيه ذلك المخصوص ، ولا يجوز أن يأمر رجل بعينه أن يخرج في طلب دينه ، حتى يعلم أن عليه الخروج ، إذا احتمل أن يكون له مخرجا من الخروج ، فاذا احتمل أن يكون له مخرجا من الخروج ، لم يجز أن يؤمر بالخروج ، والأغلب من الأمر أن ليس عليه الخروج حتى يخصه أمر الخروج ، وإنما يؤمر الناس بالأغلب من أمورهم حتى يخصهم المخصوص ، ولا يؤمروا بالمخصوص حتى يعلم منه حكم ذلك .
والناس مامونون على دينهم من أهل الإقرار بالدعوة على حكم السلامة، لا يحكم عليهم بجهل ولا بضلالة حتى يعلم منهم ذلك ، ولا يحكم لهم بهداية ولا استقامة ، ما لم يظهر منهم ذلك ، وإنما يوقف عن أمورهم عن الشهادة بالهداية لهم حتى يعلم ذلك . وعن الشهادة عليهم بالجهل والضلال حتى يعلم منهم ذلك ، فهو في حد الوقوف من ذلك كله ، (2/158)
صفحة 152
حتى يعلم منه أحد ما يلزمه الحكم به ، فاذا ألزمه ذلك ألزم ما لزمه ، فاذا صح مع العبد من غيره أنه قد لزمه حق لا مخرج له منه ، وصار في حد من ينكر عليه تركه ، كان عليه أن يأمره بذلك ابتغاء السلامة عند الله من تضييعه الأمر بالمعررف والنهي عن المنكر ، ولا يلزم أحدا ما لا يعلم -يلزمه أو لا يلزمه - فيعترضه باللازم ، هذا من الضلال البين .
ولو اعترض أحد من الناس رجلا ، لا يعلم أنه يجب عليه الحج أو لا يجب عليه ، فقال له : حج إلى بيت الله الحرام ، أو اخرج حج الى بيت الله الحرام ، كان قد أمره بما لا يعلم أنه لازم له ، وقد دخل في محجور عليه ، لأن هذا من حكم الخاص لهذا بعينه ، إذا أمره بعينه بالخروج إلى الحج أو بالحج .
ولو قال له : ان الحج فريضة ، أو قال له : إن على الناس حج البيت ، ولم يعلمه البيان في ذلك ، كان قد أخبره بجملة الفرض ، ولم يكن قد أمره هو نفسه أن يحج أو يخرج إلى الحج ، وهو لا يعلم أنه يلزمه أولا يلزمه وإنما ذلك يخصه ، فان خرج الآخر لقول هذا ان الحج فريضة أو على الناس الحج فريضة ، كان ذلك من تاويل الحج لا من تاويل القائل له ، ولم يكن هذا قد خص الذي يقول له بذلك ، وإنما أعلمه باصل من الحق ومن الفرائض الواقعة على العامة والخاصة ، إذا خصه بذلك ، وقوله له : أخرج إلى الحج أو حج إلى بيت الله الحرام قاصدا بذلك أمرا له بنفسه وإلزاما له ذلك .
كذلك قوله لهذا الذي لا يعلم ، لزمه الخروج أو لم يلزمه ، أخرج سل عن كذا وكذا خاصا بأمره لهذا المامور ، وقد أمره بما لا يلزمه ، وأوجب عليه ما لايلزمه .
فان قال له : على العبد أن يخرج في طلب دينه ، أو على العبد أن يسأل عن دينه ، كان هذا قد أخبره بباب من الحق مجمل ، فان خرج ذلك الخارج على تاويل هذا القول من نفسه خرج ، وبتاويله ألزم نفسه ذلك ، وقد (2/159)
صفحة 153
أخبره هذا بما يجوز له أن يخبره به ، ما لم يقصد بذلك الى كتمان ما أراد منه من المفسر ، لأن يلزم السائل بكتمانه ما لا يلزمه ، أو ما لا يعلم يلزمه أو لا يلزمه .
فان قال قائل : فلم يكون عليه أن يطيع من أمره فيما لا يلزمه أن يخرج فيه ، وقد أمره هذا بالخروج ، فقد كان له ألا يطيعه ؟
قلنا : فقد كان على هذا أيضا ألا يأمره بما لا يعلم أيلزم أو لا يلزم ، إلا على وجه المشورة المعروفة بالتخيير فيما يتشاور الناس فيه من المباحات في الخروج ، في أمر معايشهم والمباحات من خروجهم ، فيشير المشار عليه ، أو المعترض بالنصيحة للذي نصحه من فعل كذا وكذا ، مما لا يلزم عليه في الأغلب من الأمور ، في حال من الحال ، وإنما ذلك كله اختيار ، وأما المشورة والأمر بالخروج في السؤال ، فان السؤال نفسه لا يقع إلا في أمر الأديان ، واللازم من أمرها ، فلا يلزم الناس ما لا يلزمهم إذا كان على حال مما يقبل منه ذلك ، ويخرج بأمره ومناصحته في أمر الدين ، وكان ممن يقبل منه تلك النصيحة ، وإنما يتعارف أنه يقصد إلى الخروج بمناصحته وبقوله ، فاذا ألزم مايقع عليه الإجماع أنه ليس بلازم ، وهو ممن يقبل منه ذلك في الفتيا والمناصحة ، فلا براءة له من ذلك ، وهو بذلك مخطىء آثم ظالم ، ولا نامن عليه ضمان ما أتلف الخارج في ذلك الخروج ، الذي لا يلزمه في الأصل وهو حقيق بذلك .
وهذا أيضا من أعظم المحنة ، أن المسلمين يجتهدون للناس في كشف الكروب ، وستر الذنوب وتغطية العيوب ، وهؤلاء الملبسة يلبسون على الناس بالجهد منهم ، ويلزمونهم الأمر المخصوص في حال المعموم ، والمعموم في حال المخصوص ابتغاء الفتنة لهم ، والتضييق عليهم بغير علم ولا حجة ، نعوذ بالله من هذه الفتنة ومن هذه الضلالة . (2/160)
صفحة 154
والشهرة من أمر هذه الملبسة ، والأغلب من القول عنهم أنهم يلزمون الناس عامة الخروج الى سمائل وصحار من قرى عمان من كان بالجوف وغيرها من أطراف عمان ، ولعلهم لو فحصوا عمن كان بغير عمان لم يكن معهم إلا أن يخرج من كان بغير عمان إلى سمائل وصحار في تجسس العورات وهتك الأستار ، قصدا إلى ذلك منهم بالظاهر والاشهار .
ولا يجوز معنا في الدين إلا أنه إذا كان على من كان بجانب صحار إلى ما يقدر عليه من المشي في أمر من الأمور في الدين إلى الجدالة من صحار ، كان على من كان بمجز أن يمشي إلى صحار في مثل ذلك ، وكان على من كان بقرية بريم من قرى عمان ، اذا قدر على من قدر عليه ، من كان بمجز ، وكذلك من كان بعمان كلها ، فعليهم إذا قدروا ما على من كان ببريم ، وعلى من كان بالصين ما على من كان بعمان ، لا اختلاف في ذلك معنا .
فيا معاشر المسلمين من أين وقع الخصوص على الناس أن يخرجوا من الصين إلى سمائل وصحار ، لأي حال من الحال ، إلا أن الهجرة إلى القريتين جميعا أو إلى من بالقريتين من الخلق جميعا ، أو إلى أحد من الناس بعينه .
فان كان إلى القريتين ، فلأي معنى أن يأمر الناس بالخروج إلى القرى ويلزمهم الخروج إلى القرى ، ولو أن أمرا أمر الناس أن يخرجوا إلى مكة ، كانت تلك سفاهة من الأمر ، إلا على وجه يخصهم الخروج فيه إلى مكة ، وكيف أن يلزم الناس الخروج إلى سمائل وصحار ، فهذا لا يدعونه أبدا وهو باطل ، وان كان الخروج إلى جماعة من كان بسمائل وصحار ، فالقصد في ذلك الى الأبشار أو الى شيء من المنافع والمضار ، وليس هنالك حجة ولايدعون هذا .
ولكن الحاصل أن من ذلك يخرج الناس إلى فلان بن فلان بسمائل ، وفلان بن فلان بصحار حتى يشهدا عليهم بالأحداث التي تقدمت في أمر (2/161)
صفحة 155
الصلت بن مالك وموسى بن موسى وراشد بن النضر ، وحتى تقوم الحجة عليهم بعلم ذلك ، وهذا هو المدار وعليه المستقر والإقرار ، وإنما أردنا إحياء الاثار ، وأن لا يدخل القائل من الملبسة ، أو ممن يقول بقولهم في ذلك حجة بخبر من الأحداث .
فصل : فهل سمعتم -رحمكم الله -يا معاشر المسلمين ، باقبح من هذه البدعة ، وأشنع من هذه الشنعة ، أن يلزم الناس الخروج في الأسفار إلى سمائل وصحار من المنسقب وجعلان ، ومن جميع النواحي من عمان ، لا يسعهم إلا الخروج الى سمائل وصحار، حتى يشهد عليهم ومعهم وبحضرتهم فلان بن فلان ، وفلان بن فلان ويزول عذرهم وتنقطع حجتهم وتلزمهم البراءة من موسى وراشد ، فيقال لهؤلاء الملبسة ، ومن قال بقولهم : أخبرونا ، إذا ألزم هذا الخارج الخروج إلى سمائل وصحار ، أيلزمه الخروج فيما قد لزمه الخروج أو فيما لم يلزمه ؟
فان قالوا : فيما قد لزمه .
قيل لهم : فاذا كان قد لزمه فلم يوسع له الخروج إلى سمائل وصحار ؟ ولا يؤخذ في مامنه ومسكنه ، بما يلزمه من الحق ، ويستتاب إن كانت تلزمه التوبة ، فان لم يتب برىء منه ، أو يبرأ منه إن كانت قد لزمته البراءة ، ثم يستتاب إن كان وليا ، وان لم يكن وليا فليس بالإجماع أن يستتاب ، ولكن أصح القول أن يستتاب على كل حال إذا رجا منه التوبة ، لأنها من أعظم المعروف ، ولا بد من أن يامر بالمعروف من قدرت عليه إذا رجوت أن يطيعك فيما أمرته ، ولم تتظاهر هنالك تقية على نفسك ، ولا يأس من قبول قولك كما يئس المسلم من قبول اليهودي منه الاسلام ، وكما يئس المسلمون من قبول أهل الأديان دين الحق ، وقد أجمعوا عليه ودانوا به ودعوا إليه ، فليس على المسلم أن يامر بمثل هذا ، كل من لقيه بذلك ، لأنه في حد الإياس ، وأما ماكان في حد القدرة ولم يتظاهر الإياس من قبول المعروف والانتهاء عن (2/162)
صفحة 156
المنكر ، فالأمر بذلك لازم في أصل الدينونة ، وذلك الذي نحبه وتختاره لأنفسنا ، ولكل مسلم أن يستتيب كل مذنب أصر على صغير أو ركب كبيرا مما ركبه ، ويامره بالتوبة ، وذلك معنا من أفضل المعروف .
وأما الولي فلا نعلم فيه اختلافا الا أنه يستتاب كان مرتكبا لصغيرة أو كبيرة ، اذا أصر على الصغيرة ، وإذا وقع الاجماع في الولي أن عليه التوبة ، فما الفرق ني ذلك بين الولي وغير الولي ، أليس الولي قد صار بمنزلة غير الولي من الكفر ، واللازم له الاستتابة .
كذلك معنا غير الولي يلزم أن يستتاب من الذنوب إذا قدر على ذلك ورجا منه القبول .
فان قال قائل : فان الولي انما لزمت له الاستتابة ، من طريق ثبوت ولايته في المتقدم ، وهذا لم تثبت له ولاية .
قلنا له : نعم هوكما تقول ، وهذا أيضا قد ثبت في أصل الدين ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا يزول ذلك الا لعذر .
وهذا القول أصح فيما نحن مجمعون عليه ، من التزام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو ليست التوبة من أفضل المعروف ؟ والاصرار من أعظم المناكر ، وكيف لا يؤمر بالرجعة عن الاصرار إلى التوبة ، وهما من أعظم المناكر وأفضل المعروف ، بل نحب ذلك .
وان كان المامور بالخروج إلى سمائل وصحار ، يؤمر بالخروج ، فيما لم يلزمه ، فاي حال يجوز أن يخرج فيه لما لا يلزمه ، وهذا هو الذي أنكرناه بعينه ، وأشنع منه وأقبح من علل كثيرة وسنذكر منها ما فتح الله إن شاء الله .
من ذلك أنه ألزم ما لايلزمه فيه الخروج ، ولا يلزمه في الأصل ، ولا هو من قواد العلم وأصول الدين ، التي إذا بلغ الخارج إليها ، استفاد (2/163)
صفحة 157
علما ، ووقف على أصل من أصول الدين ، في الحكم الذي ألزمه ، فيكون بما قد بلغ اليه مستفيدا لأمر يعود عليه فيه النفع ، فهو وإن كان كذلك ، فباطل الزامه ذلك وبدعة وضلالة ومخالفة لأصول الدين .
ومن وجه أنه يقصد الى الاطلاع على عورات الناس ، والتجسس لعيوبهم ، وذلك محجور إذا قصد إليه .
ومن وجه أنه يخالف في ذلك أحكام أهل العدل فيما أثروا وأبصروا ، وأن المشهود عليه وعنده بالأحداث الواقعة ، إنما هو بمنزلة الحاكم على المحدث ، إذا كانوا عالمين بحكم الحدث غير عالمين بالحدث ، والشهود هم العالمون بالحدث من العلماء بحكم الحدث ، والخصوم العالمون بالحدث الجاهلون بحكم الحدث ، والسالمون من الخصومة والحكم والشهادة ، هم الذين لا يعلمون حكم الحدث ولا يعلمون بوقوع الحدث ، فإن كان هذا المامور بالخروج ممن هو عالم بحكم الحدث ، جاهل بوقوع الحدث ، فلا يلزم الحاكم ولا يجوز في شيء من أمور الحكم ، أن يلزم الحاكم بان يخرج حتى يشهد عنده الشهود ، بما هو حاكم فيه ، وهذا مما لا يختلف فيه .
ومن العجب أن يلزم الحاكم أن يخرج الى بلد الشهود ، حتى يشهدوا عليه ومعه ، حتى يقيم الحكم بشهادتهم عل المحكوم عليه ، وهذا مما يجمع عليه أنه مخالف لأدب الحاكم ولسبيل الحكام .
وان كان الخارج ممن قد علم بالحدث ، وجهل حكم الحدث فيما يلزم فيه في الحق ، وسلم فيه للمسلمين ، فليس يخصم من سلم ، وتسليمه أن يتولى من برىء من المحدث من علماء المسلمين ، وهو بعد ذلك من السالمين المسلمين الذين لا تلزمهم حجة في الدين ، إذا كان المحدث قد أتى بذلك الحدث ، ما تجب عليه به البراءة ، وهو سالم من الخصومة ، وخصومته في ذلك عند جهله بحكم الحدث ، وعلمه بالحدث من المحدث أن يبرأ من علماء المسلمين لبراءتهم من المحدث ، أو يوقف عنهم من أجل براءتهم من (2/164)
صفحة 158
المحدث ، بالحق الذي برئوا منه . فاذا فعل ذلك كان خصما في الدين ، ولزمته البراءة على المقام وفي الحين ، ولا يلزم على حال الخروج ، لأنه قد انقطع عذره وقامت الحجة عليه ، فان تاب من ذلك رجع عل حاله ، وان لم يتب من ذلك مضى على البراءة منه ، اذا كان عالما بعلم المتبرى ، ومنزلته التي تجب له بها صفة الحجة في العلم ، أو يقف عن المتبرىء من ضعفاء المسلمين بدين من أجل براءتهم من المحدث على حدثه ، فاذا برىء من المسلمين من أجل براءتهم من المحدث ، أو وقف عنهم وقوف دين ، فهو خصم للمسلمين بذلك ، لأن الحق لله وللمسلمين في الدين ، ليس أن هنالك خصومة للمحدث ولا عليه ، وإنما هو خصم في الدين والمسلمون هم الحكام والخصوم ، وما لم يبرأوا من أحد من المسلمين من أجل براءتهم من المحدث ، أو يقف عن ضعيف وقوف دين ، أو عن عالم من علماء المسلمين ، برأي أو بدين من أجل براءتهم من هذا المحدث ، فهو سالم من الهلكة ، لا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من المسلمين إذا كان الحدث مما يسع جهل حكمه العالم به ، مالم تقم الحجة من علماء المسلمين فيما يسعه جهله من أحكام ا لأحداث .
وإذا كان المامور بالخروج ممن ليس بعالم بالحدث ، وجاهل بحكم الحدت وهو الخصم ، ولا عالم بالحدث ولا بحكم الحدث فذلك أعجب أمرا من المامور بالخروج وهو حاكم ، من المامور بالخروج وهو خصم ، لأنه قد تنزل حالات يلزم الحاكم الخروج في إصلاح بعض أحكامه إذا لزمه ذلك ، وعدم من يقوم به غيره ، وقد يطلق في اللفظ أن يخرج الحاكم في أحكامه ، وليس ذلك بالذي عليه العادة ، ولا الأغلب من الأمور ، وهو منفصل بذلك في حال ، ولازم له ذلك في حال ، وذلك مما يطول وصفه من صفة الأحكام في الأموال والدماء والمواريث والحدود ، وقد بطل ذلك في الخروج في هذا الباب بالإجماع . (2/165)
صفحة 159
فكذلك الخصم قد تاتي عليه حالة ويحسن أن يخرج في المحاكمة ، أو يوكل من يحاكم في الأحكام غير هذا الحكم ، وقد يكون من الأحكام ما ليس فيه وكالة ، وهو ما يلزم من الحدود والخصومة فيها ، فليس في ذلك وكالة في إقامة الحدود عليه ، وقد بطل ذلك في الخصومة في أحكام الأحداث ، فيما يلزم في الولاية والبراءة بالإجماع ، وقد مضى في ذلك الحجة من قول المسلمين ، وبيناه في الخاص والعام ، ولا يجوز على كل حال أن يلزم الخروج في الأحكام من ليس يقع عليه اسم حاكم في الحكم ، ولا اسم خصم في الحكم ولا اسم شاهد في الحكم ، وإنما يسمى مسلم سالم من الأحداث والأحكام فيها ، هكذا جاء الأثر الذي لا ينكره ولا يجهله أحد من أهل البصر باحكام الولاية والبراءة ، وهذا الأثر في اثار أصحابنا في أمر الولاية والبراءة بالأحداث الواقعة ، صحيح مع أهل العلم بالأحكام بالولاية والبراءة في أحكام الأحداث ، كما أنه صحيح مع القراء للقرآن ، الحفظاء له من السور ، تبث يدا أبي لهب لا ينكر هذا الأثر ، ولا يجهله أحد من علماء المسلمين باحكام الولاية والبراءة بالأحداث الواقعة بين الناس .
فلا مخرج بحمد الله للآمر بهذا الخروج فى أمر الدين أو في أمر الولايات والبراء ات ، ولا في تعليم الدين فيما يسمع جهله ولا فيما لا يسع جهله ، عذر بوجه من الوجوه من وقوع الهلكة ، والدخول في الضلالة ، والبدعة في عصرنا هذا وفي زماننا هذا معنا ، ولا نحلم بذلك في حال من الحال إلا على المخصوص به من جملة التسمية ، أن على الناس أن يخرجوا في طلب دينهم وفي تعليم دينهم ، وقد فسرنا ذلك فيما يجب الخروج ، وما يقع عليه اسم الخروج في الدين ، والخروج في تعليم الدين وفي العلم ، لما فى بعضه كفاية لمن من الله عليه بالهداية ، وفي ما قد ذكرنا وشرحنا وأنكرنا ونظرنا فى هذا الخروج الذي قد صار فتنة على ضعفاء المسلمين ، وآية للخلائق والعالمين أنه لا يخرج في وجه من الوجوه إلا على انتحال الهجرة قصد إليها ، وأنه لا يصح الدين لأحد (2/166)
صفحة 160
ولا يسلم من الكفر الا بالوصول الى سمائل وصحار ، ولا لمعنى من المعاني يراد به ، ولا يخرج في آثار المسلمين إلا على الهجرة ، لأن الهجرة كانت فريضة ، لا ينفع الايمان والإقرار بالدين دون الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم والهجرة إليه الى المدينة ، لا ينكر ذلك أحد ، ولو آمن وأسلم وصلى وقام وتصدق وحج وتبرأ وتولى ، لم يقبل منه ذلك ولا ولاية له ولا حقيقة في الاسلام إلا بالهجرة .
كذلك كان ذلك صحيحا ثم نسخ ذلك عل لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، وأجمع على ذلك أهل القبلة لا نعلم اختلافا بينهم أنها منسوخة ، وأن نسخها إنما جرى عل لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتحل ذلك نافع بن الأزرق أخزاه الله ، ومضى على ذلك يتابع الخوارج عل انتحال الهجرة ، وهم في ذلك مختلفون في ضلاللهم ، وذلك ضلال وبدعة ، ولم نعلم أن أحدا من أهل القبلة قال بقول الخوارج ، في الخروج الى أحد من الخلق ، ولا إلى أحد من البلدان ، ولا الى شيء من القرى ، إلا من لزمه الحج الى بيت الله الحرام ، فانه يخرج في أداء الحج الذي فرضه الله عليه عند الاستطاعة عليه ، ولايلزم ذلك عند العجز .
وكذلك كانت الهجرة الواجبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت واجبة على من قدر على ذلك ، زائلة عمن لم يقدر بمنزلة من لم يقدر على الحج ولم يستطع الخروج إلى الهجرة عذر في ذلك .
وذلك قوله - تعالى - :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا )(1). فوجب الوعيد على من لم يهاجر ، ثم رخص الله -تعالى- فقال :
__________
(1) - الآية 97 من النساء. (2/167)
صفحة 161
( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ) وعسى من الله واجب ، فعفا الله عمن لم يجد حيلة على الخروج الى الهجرة الواجبة على من قدر .
والقدرة أن يقدر على الزاد والراحلة وأمان الطريق وصحة البدن ، والأمان على النفس حتى يخرج إلى الهجرة ، فأوجب الله العذر في الحج والهجرة الواجبة التي كانت فريضة ، للضعفاء الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا للعذر ، ولا اختلاف في ذلك ، وهؤلاء الملبسة المتكلفون لم يروا لمن تخلف عن بدعتهم هذه التي انتحلوها ، أشد من ضلالة نافع بن الأزرق ومن قال بقوله ، فلم يتركوا لأحد عذرا دون الخروج من النساء ولا الرجال من الضعفاء الفقراء البائن فقرهم ، وقد شهر أنهم يحملون النساء ويلزمونهم الخروج إلى ضلالتهم هذه الظاهرة ، التي لا مخرج لهم فيها من الكفر ولا من الضلالة ، فيما علمنا من أحكام الإسلام ، ولا يصح ولا تخرج أحكامها إلا عن انتحال الهجرة ، فان كانت الهجرة إلى سمائل وصحار نفس القرية ، فقد جعل هؤلاء العماة الملبسة سمائل وصحار ، بمنزلة البيت الحرام الذي قد أوجب على الناس حجة ، والقصد إليه على من استطاع ومن لم يستطع ، وزاد في ضلاللهم على انتحال الهجرة أنهم ألزموا ذلك من قدر ومن لم يقدر ، ولا عذر له الا الخروج الى سمائل وصحار ، وان كانت الهجرة إلى فلان بن فلان الذي فى سمائل ، وفلان بن فلان الذي في صحار ، فقد أنزل هؤلاء العماة الملبسة نلانا وفلانا بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل قد كان من الأيام في آخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم وقد يسلم الناس بدون الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم و كان سالما بدون الهجرة إليه في أيام لزوم الهجرة إليه من ضعف عن ذلك ، وهؤلاء لم يعذروا عن الهجرة إلى فلان وفلان ضعيفا ولا قويا ولا فقيرا ، ولا غنيا ولا عالما ولا جاهلا إلا من دخل في فتنتهم ، وتورط في بدعتهم ، كان عالما أو جاهلا أو مؤمنا أو كافرا ، أو أن يهاجر إلى فلان وفلان الى سمائل وصحار ، فهل (2/168)
صفحة 162
سمعتم معاشر المسلمين باعجب من هذا العجب ، وأقبح من هذا الزور وهذا الكذب ، وأشد وحشة من هذا العطب .
ويقال لهؤلاء الملبسة ، ولمن قال بقولهم : إن كان كما تزعمون أنكم تأمرون بالخروج إلى فلان وفلان ، حتى يشهدوا معه وعليه بما تقوم به الحجة وينقطع به عذره ، وألزمتموه ذلك في ضلالتكم بغير لزوم بالإجماع ، فقد كان الواجب عليكم في هذه البدعة وهذه الضلالة إن كنتم صادقين فيها ، وبصراء باحكام بدعتكم هذه أن تلزموا الخروج الشهود إلى الحاكم إلى موضعه ، حتى يشهدوا عنده ويخرجوا إلى الخصم حتى تقيموا عليه الحجة بشهادتهم ، لأن ذلك هو اللازم في الأحكام أن الشهود يحملون في عامة الأحكام إلى الحكام في القرى من القاضي والإمام .
وليس على الخصم الذي يشهدوا عليه أن يخرج حتى يسمع البينة على نفسه ، ويحكم عليه وينقطع عذره ، لا نعلم بهذا في وجه من الوجوه ، ولكنه يخير ان شاء خرج لسماع البينة عليه أو وكل في ذلك ، وان شاء سمع عليه الحاكم البينة وحكم عليه ، إذا انقطع عذره بسماع البينة ، ولا نعلم أن أحدا من العلماء ألزم الخصم المحكوم عليه ولا الحاكم ، الخروج إلى الشهود . والحاكم في الأحداث من علم حكم الحدث ، ولم يعلم بصحة الحدث . والخصم من علم بالحدث ولم يعلم حكم الحدث ، والشهود في هذا من علم الحدث وصحة وقوعه ، وعلم حكم الحدث ومنزلته في الدين ، والسالم من ذلك من لم يعلم الحدث ولم يعلم حكم الحدث ، ولا نعلم في هذا اختلافا ، فقد خالفتم في بدعتكم هذه وضلالتكم أحكام الأصول فيها وفي ضلاللها .
فان قالوا : إنما على الشهود أن يخرجوا إلى القرى في تأدية الشهادة ، اذا حملوا وأنفق عليهم حتى يؤدوا الشهادة ، ولا نجد فى الأحداث خصما يشهد له أو عليه بالحق ، فيلزمه ذلك للشهود ، حتى يخرجوا ، وليس عليهم أن يخرجوا حتى يحملوا وينفق عليهم . (2/169)
صفحة 163
قلنا له : هو كما تقول ، فهل علمت أن على الحاكم أن يخرج فيما لم تصح عليه البينة ، فيكون تركه مضيعا لحق ، فهل علمت أن عليه الخروج الى القرى أو من مجلسه الى الشهود ، حتى يشهدوا معه بشهاده من الأحكام ، وينقطع بها عذره .
فان قال : نعم .
قلنا له : أصح ذلك في أي حكم ، ولن تجد إلى ذلك سبيلا .
وان قال : لا .
قلنا : نحن نوجد لك الموضع الذي فيه الخروج على الشهود ، بغير حمل ولا نفقة ، اذا كان ذلك في القرية ولم يكونوا مسافرين ، فلا اختلاف معنا أنهم اذا قدروا على الوصول إلى الحاكم في البلدان ، عليهم الوصول في تأديه ما لزمهم من الشهادة ولم يلزم ذلك الحاكم بالإجماع في البلد ولا غيره ، ولانعلم في ذلك اختلافا .
وأما اذا كانوا غائبين عن الحاكم في المصر فقد قال من قال : إنه ليس عليهم الخروج حتى يحملوا وينفق عليهم .
وقال من قال : عليهم ذلك ، في تأدية ما عليهم حتى يؤدوا ما يقدرون عليه ، لأن الله أمرهم بتأدية الشهادة كما أمرهم بالحج .
فقال من قال : ان الاستطاعة في الحج بزاد وراحلة .
وقال من قال : بالاحتيال يجب الحج بمال أو احتيال ، كذلك قد قيل في ا لشهاد ة .
وقال من قال : ان الأغنياء ليس لهم حمل على الخصم ، وإنما ذلك للفقراء . (2/170)
صفحة 164
وقال من قال : إن الحمل إنما هو لمن عود الركوب ، وكان أهلا لذلك ، وأما سائر الناس من يقدر على المشي ممن لا يعرف بالركوب ، فإنما له النفقة ، وليس له حمل ، والاختلاف في هذا كثر ، والحجة فيه واسعة على الشهود ، في وصولهم إلى تأدية الشهادة التي قد لزمتهم إلى الحاكم ، وعلى الخصم ، حتى يقيموا الحجة والاجماع أنه لا يلزم الحاكم الوصول إلى موضع الشهود حتى يسمع البينة ، حتى انهم قالوا : إذا كانت البينة في البلد مريضة مرضا لا يقدر على الوصول ، جاز أن يشهد عن شهادتهم غيرهم ، ولم يكلف ذلك الحاكم ، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من علماء المسلمين .
وقد أجمعوا في الخصم أنه إذا شاء خاصم ، وإن شاء ترك الخصومة واستعفى عنها ، اذا كان له الحق ، وإذا كان عليه الحق كان له أن يوكل وكيلا يسمع عليه البينة ، ولا يصل إلى الحكم في القرية ، ولو قدر على ذلك لسماع البينة ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، أن على الشهود في الأحكام الوصول إلى الحاكم في البلد إلى موضع حكمه ، حتى يؤدوا ما لزمهم من الشهادة ، فالحق عليكم في أصول الحكم أن تلزموا الشهود على الأحداث في بدعتكم هذه الخروج ، لأنه قد يلزم ذلك في الأحكام في الاختلاف ، وفي الاجماع في البلد وفي المصر اذا حمل .
وأما إذا كان غائبا عن المصر ، فلا نعلم أن عليه خروجا ، وتقبل عنه الشهادة عن شهادة الاثنين عن الواحد الحي الغائب من المصر أو المريض الذي لا يستطيع كذلك .
وقد اختلف في الغائب في المصر بما قد ذكرنا ، وإنما كانت العلة هنالك أن الحق للخصم ، فان شاء حمل وان شاء لم يحمل وترك الخصومة ، وهذا الحق لله وللمسلمين ، فينبغي في قياد قولكم أن على الشهود أن يخرجوا حتى يؤدوا ما عليهم من الشهادة ، وليس على الحاكم أن يخرج إليهم حتى يشهدوا (2/171)
صفحة 165
معه ، وليس على الخصم بحيلة أن يخرج يسمع البينة له ولا عليه ، وله أن يوكل وله أن لا يوكل ، فيسمع الحاكم عليه البينة ، فالبينة والشهود هم أولى بالخروج حتى يؤدوا ما عليهم من حق الله وحق المسلمين في قولكم ، وليس ذلك بلازم للشهود في حكم الحق فى الأحداث ، في وجه من الوجوه ، ولا على الحاكم ولا على الخصم ، ولا على المسلمين السالمين من ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، ولو كان ذلك على المشهود لما قدروا على ذلك بحيلة ، وما لم يقدروا عليه فلا يلزمهم بحيلة ، لإلزامهم لذلك ضلال وبدعة ، وإنما أردنا بهذا احتجاجا على هذه الملبسة المتكلفين ومن قال بقولهم من المتعسفين .
فصل : فان قال قائل من المتعنتين : إن على الشهود على الأحداث الواقعة في المصر ، الخروج في إقامة الحجج على أهل المصر ، حتى يقيموا على كل واحد في ذات نفسه الحجة .
قلنا له : من أي وجه لزمهم ذلك ولم يسعهم إلا الخروج فيه إذا قدروا عل الخروج فيه .
فان قال : من طريق أنهم عالمون بشهادة الله عليهم ، لا يسعهم كتمانها ، وقد قال - تعالى - : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )(1) .
قلنا له : يجب على الشهود الخروج من الشهادة ، قبل أن يستشهدوا أو حتى يستشهدوا .
فان قال : قبل أن يستشهدوا ، خرج من الإجماع .
وان قال : حتى يستشهدوا .
__________
(1) - جزء الاية (140) سورة البقرة . (2/172)
صفحة 166
قلنا له : ومن يستشهدهم خصم أو غير خصم .
فان قال : حتى يستشهدهم خصم .
قلنا له : فالخصم في الأحداث هو العالم بالأحداث والجاهل بحكم الأحداث ، فاذا وصل الشهود في الأحداث العلماء بالأحداث ، وبأحكام الأحداث ، فاذا سال الخصم الشهود علمهم في أحكام الأحداث ، والشهادة عندهم بعلمهم في ذلك ، فقد أقام عليهم الحجة ، وعليهم أن يعلموه بحكم الأحداث ، ويفتوه بذلك ، وتلك شهادتهم عليه لأنه هو وهم سواء في علم الأحداث ، وإنما هم كانوا شهودا بحكم الأحداث عليه ، فاذا وصل إليهم وأقام عليهم حجة السؤال عن حكم الحدث ، لزمتهم حجة الفتيا له بحكم الحدث ، وليس عليهم أن يفتوه قبل أن يسألهم ، فهذا هو أمر الخصم .
والحاكم سالم من الأحداث ، فلا ينكرون عليه ما هو سالم فيه .
والحاكم في الأحداث هو العالم بحكم الأحداث ، جاهل بالأحداث فهو سالم من أحكام الأحداث ، ما لم يبلغه علمها ، فالشهود سالمون ما لم يعلموا أن الحاكم العالم بحكم الحدث قد صح معه الحدث وهو عالم بحكمه ، فاذا علموا ذلك فهو بين أحد أمرين إما حاكم فيما صح معه بالحق ، فلا حجة عليه ولا عليهم ، وان لم يعلموا ما قوله في ذلك وما حكمه ، فهو مأمون على ذلك معهم ، حتى يعلموا أنه حكم فيما علم بغير الحق ، وهو على حالة من ولاية أو وقوف .
وان علموا أنه حكم بغير ما أنزل الله في هذه الأحداث ، كانوا حينئذ شاهدين عليه بالكفر مفارقين له بالخلع لا غير ذلك ، وهذه ير الشهادة منهم ، وان سالهم سائل عن الأحداث الواقعة واضطرهم إلى ذلك ، وكانت الأحداث واقعة على ما لا يختلف فيه ، أو على غير أحكام الدعوى ، مما يحتمل الحق والباطل في أهل النحلة ، شهدوا بعلمهم من باطل الحدث . (2/173)
صفحة 167
وإن وقعت الأحداث على أحكام الدعاوى وفي الدار ممن يتولى المحدثين بظاهر أحكام الدعاوى ، وجب الكتمان مع ذلك بالشهادة بالباطل ، وكانت الشهادة عل وقوع الحدث ، وعلى تحريم التصريح للقذت للمحدث ، مع من تجب عليه ولايته في الدار ، ومع من ادعى ولايته بوجه يحتمل في الحق ولايته ، ولا تخرج ولايته على الضلال بلا اختلاف ، وإذا سال الشهود الشهادة على الأحداث لزمتهم حينئذ الشهادة من ذلك ، على ما يسعهم في دينهم وفي التقية على دينهم ، ولا يلزمهم فعل ذلك ، وإنما يجوز لهم أن يشهدوا في الأحداث الواقعة عل حكم الدعاوى ، بين أهل الدعوة بصفة الحدث الذي يقع عليه الاجماع ، أنه صحيح وقوعه ، فاذا كان يحتمل الحدث الباطل والحق ، وهو من أهل الدعوة فيما بينهم ، وعلم هو الباطل من المحدث ، حرم عليه التصريح بالباطل الذي علمه ، وجاز له أن يشهد بوقوع الحدث وصفته ، وإنما يحرم عليه ذلك عند من تلزمه ولاية للمحدث ، في ظاهر الحكم ، حتى يعلم أنه علم منه من الباطل مثل الذي علم ، ويحرم ذلك أيضا ، عند من ادعى ولاية المحدث ، للحدث الذي يحتمل الحق والباطل ، إذا جازت ولايته له بوجه من الوجوه ، ولم يصح أنه تولاه بباطل لا يخرج الاحتمال فيه للحق في ذلك ، فقد انقطع قولكم إن الخروج يلزم في الأحداث أو في الدين ، أو في تعليم الدين إلا على المخصوص بذلك بحجة ولا يجوز ذلك ، ولا يلزم ذلك على سبيل ما تلزمونه أنتم الناس في بدعتكم هذه شاهدا ولا حاكما ، وخصما ولا مسلما سالما ، ولا تخرج بدعتكم هذه في أحكام الآثار على أحكام الهجرة ، ولا فرق في ذلك ولا مخرج لكم من ذلك الا بحجة تصح وبينة في الحق تصح .
فان قال قائل منهم : أليس قد يجوز أن يأمر الناس بعضهم بعضا بالطاعة ، ولو لم يكن ذلك فريضة ، وإنما هو وسيلة ، وقد يجوز أن يأمر الواحد غيره بالوسيلة . (2/174)
صفحة 168
قلنا له : لا يجوز له على كل حال أن يلزم أحدا الوسيلة والفضيلة حتى يتبين له ذلك أنه وسيله وفضيلة ، إذا كان على سبيل السؤال عن الدين وعن اللازم ، ولم يكن الأصل على الفضيلة والوسيلة ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، وإذا كان على سبيل السؤال في الفضل جاز ذلك على الأمر في الفضل ، وإذا لم يكن هنالك أساس فلا يجوز إلزام الناس ما لم يلزمهم على الابتداء ولا على السؤال .
فان قال : أليس يجوز للرجل أن يقول لزوجته أو لحرمته من النساء إذا حضرت الصلاة ، أن تقوم تصلي على الاطلاق ، وكذلك يأمرها إذا هل شهر رمضان أن تصوم شهر رمضان ، وهو لا يعلم أحائض هي أم طاهر ، ويجوز له الأمر في ذلك ، ولا يكون أمرا بما لا يلزم .
قلنا له : نعم لأن الصلاة والصوم على النساء واجب إلا لعلة الحيض ، والحكم أن المرأة طاهر حتى يعلم أنها حائض ، في وطية لها وفي غير ذلك من الأحكام ، في ممرها في قبلة المصلى وغير ذلك ، فحكمها أنها طاهر ، والصلاة والصوم على الطاهر حتى يعلم أن الصوم والصلاة قد حرما عليها ، وزالا عنها بعلة الحيض ، فهو يأمرها بما هو الأغلب من أمورها أنها عليه ، ولا يكون بذلك آمرا لها بما لا يلزمها ، لأن الصلاة لازمة لها والصوم ، إلا بحدوث الحيض .
فأمره لها بذلك أمر بلازم في طاهر الأمر ، فان قالت إنها حائض كانت مصدقة فى ذلك في الصوم والصلاة ، ومأمونة على ذلك في دينها ، سواء كانت في الأصل صادقة أو كاذبة ، وهي في الولاية اذا كانت لها ولاية متقدمة حتى تعلم أنها تركت الصلاة والصوم لغير عذر يجوز لها ، في أحكام الإسلام ، وهذان الفرضان متعبد بهما الكل من البالغين من الأغنياء و الفقراء ، والرجال والنساء والصبيان والعبيد والأحرار ، في كل وقت حضر إلا من (2/175)
صفحة 169
خصته علة ، يزول عنه حكمها بتلك العلة ، من مرض أو سفر أو حيض في النساء أو نفاس ، فالأمر بالصلاة والصوم في وقت ذلك ، على وجه التنبيه للغافل ، والحث للمتواني ، والتحريض للعاجز على غالب أمره أنه عليه ، حتى تخصه علة تزيل عنه ذلك .
والوضوء والغسل من الجنابة لا يلزم الأمر بهما في وقت الصلاة ، إلا من علم أنه على غير وضوء وأنه جنب ، لأن الناس على الأغلب من أمورهم لا يصلون إلا بوضوء ، وطهارة من الجنابة ، وبمكن أن يكون ليس جنبا ، ويمكن أن يكون قد توضا قبل ذلك ، وإنما ينبه بالأمر بالصلاة عند حضور وقت الصلاة ، فيقال له قم صل إذا حضر وقت الصلاة ، وكذلك يؤمر بالصوم إذا حضر.
والأمر بالوضوء أقرب من الأمر بالغسل ، وليس بلازم إلا على صفة أمر الدين .
وكذلك الزكاة والحج وغير ذلك من الفرائض المتعلقة في الأموال والأبدان ، ويحتمل لزومها ويحتمل غير لزومها ، فلا يجوز أن يلزم ذلك ، ولا يؤمر به على الابتداء ، وليس ذلك من الدين اللازم ولا من الأمر بالمعروف ولا من النهي عن المنكر ، ومع ذلك فلو علم أنه قد لزمته الزكاة ولم يعلم أداءها ولم يؤدها ، وقد غاب عنه من بعد أن علم منه أنه قد لزمته الزكاة ، فليس له ولا عليه أن يأمره بأداء كذا وكذا من ماله من زكاة ، وإنما يقول له أزكيت مالك الذي قد وجبت عليك زكاته ، إذا وجبت عليه ، أو حج الحج اللازم لك ، أو إذا لزمك الحج فحج ، وذلك من أمر الوسيلة على الأمر ، ولو كان قد لزم المأمور في علمه ، لأنه مأمون على دينه في ذلك بالأداء ، من حيث لا يعلم هذا ، وبالعذر في ذاته ، وإنما يؤمر الناس بالمعروف على وجهين وجه من طريق تعليم المعروف والدلالة عليه بتبيان ذلك ، ووجه على وجه (2/176)
صفحة 170
التنبيه لأداء اللازم الذي قد حضر وعلم بذلك الأمر ، وكذلك ينهون عن المنكر على وجهين: وجه دلالة وتعليم ، ووجه منع لفعل حاضر ، ويقال لمن زعم أن القصد الى البحث عن عيوب المحدثين ، إذا غابت عنه أو غاب عنها ، علم أحكامها فقصد إلى السؤال عن ذلك ليبرأ منه ويخلعه على ذلك ، وزعم أنه إنما يقصذ بذلك ليقيم فرضا ، اذا بلغ إلى ذلك مع ما قد مضى عليه من القول .
أرأيت لو رأى رجل رجلا يزني بامرأة ، وعلم أن ذلك منه زنا لا شك ، غير أنه لم يستيقن أنه يجامعها ولا رآه كالميل في المكحلة ، ما يوجب شهادته الحد ، فاعتمد للنظر إلى فرج الزاني والزانية متعمدا للنظر إليهما ، كان ذلك مباحا أم محجورا عليه ؟
فان قال قائل : إن ذلك مباح له أن ينظر الى الفروج متعمدا .
قيل له : وأين قول الله -تعالى-: ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) ، فما هذا الفرض ، وأين قول النبي صلى الله عليه وسلم في النظر إلى الفروج : "لعن الله الناظر والمنظور إليه " ، لقد فسر ذلك أهل الحق على التعمد ، ولا معنى لقوله هذا إن النظر إلى الفروج مباح بوجه من الوجوه ، إلا من أحل الله له ذلك من الأزواج ، أو لحال لا بد منه ، من خوف تلف النفس ، وكان في ذلك التعارف في استنفاد النفس من الهلكة ، فذلك للضرورة وليس للناظر إلا عن ضرورة لأنها خارجة من أمر الاختيار .
فان قال : إنه لا يجوز له ذلك .
قيل له : فإنما أراد بالنظر إلى فرج الزانية والزاني ليشهد عليهما ويقيم عليهما فرض الشهادة ليقام عليهما الحد ، أيكون ذلك مجيزا له النظر إلى فرج الزاني والزانية ؟ (2/177)
صفحة 171
فان قال : نعم يجوزله ذلك .
قلنا له : فقد نقضت قولك الذي قلت إن النظر إلى الفروج محجورا ، اذا كان على غير ضرررة ، وأي ضرورة في ذلك على ذهاب نفس الزاني والزانية في ذات الدنيا ، أو على دينه هو ، بل الهلكة عليه في النظر إلى الفروج ، ولا يجوز له الاعتماد على النظر لفروج الزاني والزانية ليبرأ منهما ، ولا ليشهد عليهما بالزنا ، لأن في ذلك تعطيل فريضة من فرائض الله حاضرة متعبد بها في حينه ، فلا يجوز تعطيلها بالاجماع ، لفريضة غائبة لا تلزمه إلابتعطيل ا لحاضرة .
فان قال : نعم فلا بد من ذلك ، أو الاقامة على إباحة النظر إلى الفروج المحرمة بالكتاب والسنة والاجماع ، من المسلمين .
فيقال له عند ذلك : وكيف قلت بأنه يجوز القصد إلى تجسس العورات والتماس العيوب والعثرات ، لقصده إلى البراءة ، وذلك محجور في الأصل ، كما هو محجور النظر إلى الفروج بالتعمد ، فأين قولك إنه بالقصد إلى إرادة الفريضة التي يريدها ، لا يكون معطلا للفريضة المضيع لها ، ولا يصل إليها إلا بتضييع هذه ، ولن يجد إلى ذلك سبيلا ، إن شاء الله الا بالمكابرة والجهل .
ويقال له : ما تقول فيمن كان معه من المال ، ما لو خرج إلى الحج في حين وقت خروج أهل بلده ، لأجزأه ذلك المال في التعارف الى أن يرجع إلى بلده ، وله عيال يلزمه عولهم من زوجته وأولاده صغار ، لا يدع لهم ما يجزيهم إلى أن يرجع إليهم ، أكان يجب عليه الخروج إلى الحج ، بما قد وجد من المال الذي قد ملكه ، وصار مالكا له ، أو كان مباحا له أن يخرج إلى الحج ، ويدع عياله بغير شيء ، إذ قد وجد الزاد والراحلة وكان صحيحا آمنا على نفسه . (2/178)
صفحة 172
فان قال : نعم خرج من الإجماع ، في قول أهل العلم ، لأنهم مجمعون أنه لا يعطل فريضة لتأدية فريضة ، إلا بتعطيل هذه الفريضة الحاضرة المتعبد بها في حينه وساعته ولو طرفة عين .
وإن قال : لا يجوز له أن يخرج ويدع عياله حتى يدع لهم ما يكفيهم ، ألا يتعارف أنه يرجع إليهم فيه من الوقت ، ثم حينئذ يلزمه الخروج ، ويجوز له ، وإلا فلا يلزمه ولا يجوز له ذلك .
قيل له : كذلك الحق والعدل ، فأين قولك له إنه لقصده إلى تأدية فريضة تعطل فريضة ، ويدخل في مجحود هذا من المحال والباطل والضلال .
ويقال له : كذلك الجهاد إذا كان فريضة على العباد ، فكان الواجب عل العبد فرض الجهاد ، وكان له عولة لا يقدر لهم على ما يعولهم به إلى أن يقتل أو يرجع اليهم من غزوه أو حربه ذلك في التعارف ، والجهاد فريضة على أهل الزمان ، أيكون عليه وله أن يخرج في الجهاد ويدع عياله بغير قوت ولانفقة .
فان قال : نعم فهذا والحج سواء ولا فرق بينهما ، فليأت بدليل على الفرق في ذلك ، ولن يقدر عليه إلا بالمكابرة .
وإن قال : ليس له ذلك أن يخرج ، ويدع عياله حتى يجعل لهم ما يقوتهم ، بجعلهم في سكن مثلهم في مأمنه عليهم من الآفات التي يلزمه أن يقوم بها عنهم ، بحفظهم عنها ، فذلك هو الحق والعدل .
فيقال له : فأين قولك إنه يجوز له بقصده إلى تأدية الفرض ، يجوز له الدخول في المحجورات ، وتضييع المفروض ، ولن يجد على ذلك إلى أحكام الحق دليلا ، ولن يجد عن المكابرة والرجوع إلى الحق سبيلا ، فإما أن تصح مكابرته ، وإما أن يرجع إلى الحق ، أن تجسس العورات واطلاع العيوب ، (2/179)
صفحة 173
واغتنام العثرات محجور من البار والفاجر ، والمؤمن والكافر والكاذب والصادق .
ويقال له : ذلك مباح فيمن كانت له ولاية متقدمة ، وفيمن لم تكن له ولاية متقدمة .
فان قال : نعم .
قيل له : فان قولك في الحق ، فيمن رأى وليا له يقتل وليا له بالسيف حتى فاضت روحه ، وهو ينظر اليه .
فان قال : إنه يبرأ منه بما أظهرعلى نفسه من المحجور من انتهاك الحرام الظاهر، بما عاين منه لأنه قد علم ذلك منه .
قلنا له : نعم ، قد قيل ذلك ، وليس ذلك داخل في التجسس ، لأن ذلك ظاهر من أمره ، وإنما حكم بالظاهر .
وقد قال من قال : إنه يتولاه ويحسن به الظن ، ولايبرأ منه حتى يعلم أنه انما أتى ذلك حراما بلا شك في ذلك ، وهو أصح القول ، إذا احتمل أن يكون أتى ذلك بحق بوجه من الوجوه .
ويقال له : فان كان الذي أتى ذلك ممن لا ولاية له ، وهو موقوف عنه ، ما القول فيه ؟ فان قال : إنه يبرأ منه بما أظهرعلى نفسه ، ولا يوقف عنه على حالته التي كانت .
قيل له : فان وقف عنه واقف من المسلمين ، ما القول فيه ؟
فان قال : إنه يبرأ منه على ذلك ، فقد خالف الحق ويبرأ منه هو (2/180)
صفحة 174
بالدين ، إذا برىء من المسلمين بالرأي ، لأنه لا فرق في ذلك بين المسلم وغيره ، إلا أن المسلم المتقدم له الولاية ، يكون على ولايته ، والذي ليس له ولاية يكون على حالته ، في قول من يقول ان الولي على ولايته ، ولا اختلاف في ذلك .
ويقال له : ما تقول في هذا العالم بحدث هذا المحدث ، وهو مما يحتمل الحق والباطل ، وهو ولي له في الأصل ، فيبرأ منه بظاهر الحكم الذي ظهر منه ، استشهد عليه بالحقيقة أنه أتى ذلك باطلا؟
فان قال : نعم يجوز له أن يعقد عليه الشهادة ، ويشهد عليه عند الحاكم أنه أتى ذلك باطلا وظلما ، فقد خالف بذلك أحكام الحق المجمع عليها ، وأجاز له أن يشهد على الغيب بالزور والباطل ، والشاهد بهذه الشهادة إذا لم يصح معه باطله ، بما لا يشك فيه شاهد بالزور ، وحاكم في اعتقاده بالجور.
وإنما قيل إنه يبرأ منه بظاهر ما أتى من المجحود ، في كل ما يكون فيه الحق لله وللعباد ، إذا لم تتضح في ذلك له حجة المحدث عليه بحجة حق ، أو تقوم عليه حجته هو على المحدث عليه بحق .
فقال من قال بالبراءة بالظاهر .
وقال من قال بالولاية وهو أصح القول .
وقال من قال بالوقوف وهو أسلم ، وليس في أحد الأقاويل شبهة ، لأن كل واحد منها ، له أصل حق ، والإجماع على كل حال أنه لا يجوز للمتبرى 4 أن يشهد على القاتل أنه أتى باطلا ، وأن فعله ذلك باطل لا محالة ، ولا يعتقد عليه ذلك في اعتقاده ، فان فعل ذلك فقد شهد زورا واعتقد كفرا وجورا ، ولا يجوز للمتولي أن يشهد له أن ذلك كان منه بحق ، إذا لم يصح معه ذلك ولا يعتقد له البراءة من ذلك أنه بريء منه ، ومن الحكم فيه من الباطل ، فإن (2/181)
صفحة 175
شهد له بذلك أو اعتقد له ذلك بحقيقة الاعتقاد ، كان قد شهد زورا واعتقد جائرا وكذبا ، ولا يجوز للواقف أيضا شيء من ذلك .
فان قال غير هذا فهذا مكابر للعقول ، متورط في الضلال والفضول ، إذ يجيز أن يشهد الشاهد بما لايعلم ، ويعتقد المعتقد بما لايعلم ، والله - تعالى - يقول : اإلا من شهد بالخق س وهنم يعتمون "(ا) والاجماع أن من شهد بغير علم فهو شاهد زور ، والاجماع أن من شهد لغائب قطعا أنه قد شهد بغير علم ، ولوكان كذلك ذلك ، لأنه لو حلف عليه ، كان حانثا شهد عليه قطعا كان شاهد زور ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
فان رجع الى الحق فلا بد له من ذلك أو المكابرة والخروج من المعقول .
قيل له : فهذا المتولي والمتبرىء والواقف ، أيجوز له أن يقصد إلى السؤال ، والبحث عن فعل هذا الذي قد رأوه يفعل ذلك الفعل ، ليصح معهم ذلك بالعلم الصحيح من باطله أو حقه ، وليس لهم ذلك .
فان قال : ليس لهم ذلك لأن هذا كانت له ولاية متقدمة ، وإنما برىء من برىء منه بحكم الظاهر بما أتى من المحجورات ، وتولاه من تولاه بما استحق من الولاية المتقدمة في الأصل ، وقف عنه من وقف للشبهة التى أشكلت من أمره ، وهو في جد من أحكامه على الولاية ، فلا يقصد الى تجسس عورته ، لأنها عورة مسلم ، لم يصح زوال اسمه بالحقيقة كما ثبت اسمه بالحقيقة.
قيل له : فان كان الفاعل لذلك ، ليس له ولاية ، أيجوز البحث عن ذلك من أمره ، حتى يشهدوا عليه بالحقيقة .
فان قال : نعم فقد زعم أن الأحكام تختلف ، فيمن له ولاية (1) جزء الأية (86) سورة الزخرف . (2/182)
صفحة 176
وفيمن لا ولاية له ، فيكون على هذا من الحكم ما لا يكون على هذا ، ولهذا من الحكم ما ليس لهذا من قطع الأحكام واختلاف أحكام الإسلام ، فنعوذ بالله من أن نقول إن الحكم مختلف في الولي والعدو والقريب والبعيد ، ولا نعلم في حكم الله -تعالى- في كتابه أو في سنة رسوله ، ولا في الاجماع اختلافا بين الولي والعدو والقريب والبعيد ، بل الحكم في الحق بالسواء . فمن ادعى غي ذلك فليات بدليل على دعواه .
وإن قال : إنه يجوز له البحث عن صحة ذلك الحدث الذي قد أتاه وليه ، وقد أوجب على نفسه ولايته بذلك ، وكان مخيرا في ولايته والبراءة منه بحكم الظاهر ، فاجاز أن يبحث عن ذلك ليبلغ إلى صحة الغيب منه ، فقد أبطل قوله في الولي وغير الولي ، وقد أجاز تجسس العورات من المسلمين .
ويقال له : أرأيت بيت يهودي وبيت مسلم مفتوحين جميعا وأنت متطهر ، وكلاما قد فتح بابه ، أيجوز لك أن تنظر في جوف بيت اليهودي ، ولا يجوز لك أن تنظر في جوف بيت المسلم ، أو كلاهما سواء ؟
فان قال : كلاهما سواء .
قيل له : فيم كانت العورة محجورة ؟ بالبيت أو بالساكن ؟ فان قال : بالبيت والبقعة أتى بما لا يعقله الناس ، وبما يخالف كتاب الله - تعالى - إذ يقول : لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ )(1).
ويقال له : نفس النظر في جوف المنزل محجور أو مباح ، إذا كان مسكونا؟
__________
(1) - الآية 29 من النور. (2/183)
صفحة 177
فان قال : مباح خالف بذلك القول عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ صح عنه أن رجلا نظر من كوة بيت رجل فرماه بسهم فعور عينه ، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم عينه ولو كان مباحا ما أهدر النبي صلى الله عليه وسلم عينه ، وهذا ضلال.
ويقال له : أرأيت إن كان المنزل لمسلم والساكن يهودي ، أو الساكن مسلم والبيت ليهودي ، فلا يجد على ذلك فرقا .
ويقال له : أرأيت من سرق من حصن اليهودي أربعة دراهم ، أيقطع أم لا يقطع ؟
فان قال : يقطع فهو الحق .
وإن قال : لا يقطع فهو قد خالف السنة .
وان قال : يقطع .
قيل له : فيم اذا يقطع ، أليس لحرمة الحصن مع الملك المحجور ، ولن يجد صاحب هذا القول فرقا ولا مخرجا ، درن أن يبطل حجة التجسس ، أو يرجع إلى الحق ، أو يداوم على هذيانه ومكابرته ، فلا يلتفت الى المكابرة والهذيان .
ويقال لهم : أخبرونا ، من أي وجه ثبت على من يلزمه معرفة دينه ، اذا كان يلزمه في حال من الحال ، الخروج في طلب شيء من دينه في أمر السؤ ال ، أو طلب حجة في الذي يلزمه من أمر دينه ، فمن أي وجه ثبت عليه الخروج إلى سمائل وصحار دون غيرهما من القرى والبلدان والأمصار ، هل ثبتت عليه في القريتين ، أو أن أي شخص معروف في البلدين في كل بلد شخص معروف ؟
فان قال : إلى البلدين ، طولب في ذلك بالحجة على ثبوت ذلك ، ولن (2/184)
صفحة 178
يجد إلى ذلك سبيلا .
وإن قال : إلى شخصين في البلدين معروفين .
قيل له : فمن أي وجه ثبت عليه الخروج إلى شخص معروف ، في بلد معروف ، دون غيره من الأشخاص ، ودون غيره من البلدان .
فان قال : إنما يلزمه الخروج إلى فلان وفلان اللذين بسمائل وصحار .
قيل له : فإن خرج هذا الخارج في لازم دينه ، فلقي شخصا من الأشخاص في بلده الذي هو فيه ، فعبر له ما الذي إذا وصل الى سمائل وصحار عبر له من سمائل وصحار مثله من العبارة ، مما قد لزمه السؤال عنه من أمر دينه ، ولم يسعه إلا السؤال عنه ، أتقوم عليه الحجة بمن عبر له من المعبرين ما لا يسعه جهله ، ولا جهل علمه بعبارته من أي المعبرين .
قيل له : فلم يلزمه الخررج إلى سمائل وصحار في شيء ، تقوم له به الحجة وعليه بدونه ومن دونه ، فاذا كانت الحجة تقوم عليه من دون ذلك ، فتعدته الحجة الى غيرها ، قطعا لعتبه وموجبا لكفره ، وأنتم تامرونه بما يقطع عذره وبوجب كفره ، أو بما يوجب له العذر ، ويزيل عنه الكفر .
فان قال : إنما نأمره بذلك فيما يلزمه في ذلك .
قيل له : فكل ما لزمه السؤال عنه ، ولم يكن سالما إلا بالسؤال عنه وكان عاصيا بدونه ، فكل من عبر له ذلك من أمر دينه فهو عليه حجة ، من والد وولد أو صبي أو معتوه أو مشرك ، وكل ما وسعه جهله ، فغير مقطوع العذر بترك السؤال عنه ، ولا بترك الخروج فيه وفي طلبه ، حتى تقوم عليه الحجة بعلمه ، من غير أن يلزمه دينونة بسؤال عنه بعينه ولا خروج في طلبه ، وإذا كان في حد من يلزمه السؤال كان تركه للسؤال من الضلال ، فعليه أن (2/185)
صفحة 179
يسأل عنه كل من وقع عليه نظره من المعبرين ، لأن كل المعبرين عليه حجة فيما لايسعه جهله من دينه ، ولانعلم في ذلك اختلافا .
فان كان يلزمه السؤال فتركه للسؤال إلى أن يصل إلى سمائل وصحار ، وحين ما يطرف طرفة عين ، بعد أن يقدر على أحد من المعبرين ، فهو مضيع لفرض السؤال .
فان كنتم تلزمونه أن يخرج يسأل من طريقه كل من لقي إلى سمائل وصحار ، فذلك معنى اللازم إذا لزمه ذلك ، وقدر على الخروج فيه ، فعليه أن يسأل عن دينه سؤالا عاما مجملا ، إلى أن يلقى الحجة التي قد لزمته ، وعليه أن يخرج منها إلى السعة وإلى الطاعة ولا غاية له في ذلك ولا نهاية إلى سمائل وصحار ولا غيرهما ، وان لقيه من يعبر له ذلك في منزله وأهل بيته ، فتلك حجة الله عليه وله ، وان لم يلق الحجة التي تخرج بها من حد الجهل إلى حد العلم الذي لا يسعه الا علمه ، فلا غاية له في ذلك أبدا ما قدر عليه من الضرر في الأرض ، إلى أن يلقى من يعبر له ما قد جهله مما يلزمه علمه ، فلم يسعه جهل علمه ، فاذا لقيته الحجة فجهلها أو تركها ، لظنه أنها ليست حجة ، حتى يصل إلى سمائل وصحار ، فهو هالك بجهل ذلك ، ولا معنى للخروج الى سمائل وصحار ، في وجه من الوجوه ، إلا أن الهجرة واجبه إلى سمائل وصحار ، أو إلى من بهما من الجثث والأبشار ، وهذا لا محال أنه من قول الفجار ، وأنه سبيل من سبل أهل النار- نعوذ بالله من النار- ومن المصير الى دار البوار .
ويقال له : فإذا كان اللازم له السؤال عن شيء من أمر دينه الذى لا يسعه إلا الخروج في السؤال عنه ، وفي طلب علمه منفسا ، في السؤال عن أمره إلى أن يصل إلى سمائل وصحار ، فما باله لا ينفس إذا وصل إلى سمائل وصحار ، لأي علة تقع عليه هنالك يعذر بها دون ذلك . (2/186)
صفحة 180
فان قال : لأنه يلقى هنالك العلماء من المسلمين من أهل الاستقامة على الدين ، ولا يلقى أحدا من أهل العلم من أهل الاستقامة دون ذلك .
قلنا له : هذه شهادة منك بالزور والكذب ، لا مخرج لك منها ، لأنك لا تعلم ، أتلقى عالما مستقيما دون ذلك أولا تلقى ، ولعل العلماء الذين هم دون سمائل وصحار أعلم من الذين بسمائل وصحار وأصح مذهبا ، أو تعلم أنت جميع من كان بالمصر ، ممن تعبده الله من الخلائق ، وتعلم جميع أهل المصر من غير بلدك ، أو من بلد الخارج إلى سمائل وصحار .
فإن قال : إنه يعلمهم كلهم قلد ذلك ، مع أنه لا يدعي ذلك أبدا عاقل .
وإن قال : إنه لا يعلم دون سمائل وصحار أحدا تقوم به الحجة .
قيل له : فعلى الناس علمك في العلماء ، وعلمهم في العلماء ، وعلمك على الناس حجة في العلماء الذين علمهم ، أو إنما الحجة عليهم في العلماء علمهم ، كما كان علمك أنت حجة عليك في ذلك .
فان قال : إن علمه حجة على من لزمه الخروج الى سمائل وصحار ، أن من بهما من الأبشار ، هم الحجة في العلم ولا حجة دونهم .
قيل له : فكيف كان قولك له إن من سمائل وصحار حجة له وعليه إذا وصل ، وألزمته الخروج لقولك إنهم حجة ، ولم يكن قولك أنت له بما أمرته من قبول قولك من الفتيا والشهادة على قطع عذره حجة ، إن هذا لمن العجب العجيب ، أن تقوم الحجة عليه أن فلان بن فلان فقيه تقوم به الحجة من قول من ليس قوله عليه حجة في الفتيا ولا في الشهادة ، وهل سمعتم بمثل هذا التمويه وهذا التلبيس وهذا العمى ، فإذا كانت تقوم عليه الحجة بقولك إن فلانا حجة ، فقولك أنت أوجب حجة من قولك إن فلانا حجة ، ولا نعلم في (2/187)
صفحة 181
هذا اختلافا .
ولا يجوز هذا في حجج العقول ، في معنى من المعاني في الفتيا .
ويقال له : فإن كان كما نقول إنه حجة ولا حجة دونه ، ولا حجه دون الوصول الى سمائل وصحار ، فان خرج هذا الخارج الذي قد لزمه شيء من السؤال عن أمر دينه ، فلقي فلانا وفلانا اللذين قلت أنهما الحجة بسمائل وصحار ، دون سمائل وصحار ، أو لقيهما في جانب بلده ، أيجوز له أن يسألهم دون أن يصل إلى سمائل وصحار ، أو لا يسعه ذلك دون أن يصل إلى سمائل وصحار .
فان قال : إنه يجوز له أن يسألهما ، وتقوم له وعليه بذلك الحجة ، فليس عليه الوصول إلى سمائل وصحار ، فقد كان أمرك له بالخروج إلى سمائل وصحار باطلا ، في حكم الآثار وقول الأخيار ، لأنك ألزمته الخروج إلى سمائل وصحار بغير حجة تقوم له في سمائل وصحار ولا عليه ، وقد قامت له الحجة وعليه دون سمائل وصحار ، فما باله يلزمه الخروج إلى سمائل وصحار ، وقد انتقضت بحمد الله بدعتهم أن الخروج إلى سمائل وصحار لازم في قولهم ، وصح أن الهجرة إلى فلان وفلان اللذين بسمائل وصحار ، وأنه لا دين يقوم لله إلا بالوصول إلى فلان وفلان.
فيقال له مع ذلك : أرأيت إن خرج خارج إلى سمائل وصحاركما قلت له وألزمته ، فوجد فلانا وفلانا اللذين قلت أنت إنهما الحجة دون غيرهما ، قد خرجا من سمائل وصحار إلى توام أو جلفار ، أعليه الخروج إليهما ، كما كان له أن يسألهما دون سمائل وصحار .
فإن قال : لا ، نقض أصله الذي كان قد بناه له على مذهبه ، حتى ينقطع من ذات نفسه ، ولو دخلنا معه في إثبات ما يدعيه . (2/188)
صفحة 182
وقلنا : ان الذي يدعيه حق ، كما ادعى أن عليه الخروج الى فلان وفلان دون غيرهما ، وأنه لا تقوم حجة الله إلا بهما ومعهما ، وهو من عظيم الزور وصحيح الفجور ، لأنه قد قال إنه إن لقيهما دون بلدهما كان له أن يسألهما ، وتزول عنه حجة الكلفة بالخروج إلى سمائل وصحار ، لأن المعنى في الوصول إلى فلان وفلان ، فكذلك إذا لم يجد فلانا وفلانا بسمائل وصحار ، كان عليه اتباعهما إلى توام وجلفار ، ولا مخرج له من ذلك دون أن يقول إن الخروج إلى سمائل وصحار دون من بهما من الأبشار ، فيكون ذلك إقرارا منه أن الخروج يلزم إلى سمائل وصحار فقط ، وأنها هجرة إلى سمائل وصحار ، لا لمعنى من المنافع ، ولا لدفع شيء من المضار . أو يقر أنه إنما عليه الخروج الى سمائل وصحار إلى فلان وفلان ، إذا كانا بهما ، فيبطل قوله إنه إن لقيهما دون سمائل وصحار أنه لا يسعه ذلك ولا يجزئه ، ويكون عليه الخروج إلى سمائل وصحار حتى يلقاهما بسمائل وصحار ، أو يقر أن هذا باطل ، ولا بد له من ذلك ، ويلزمه أن يخرج على أثرهما إلى توام وجلفار ، فإذا لزمه ذلك وقال إنه يجب عليه أن يتبعهما ويخرج في أثرهما ولا عذر له في ذلك دون أن يلقاهما .
قيل له : مع ذلك فانه لما وصل إلى توام أو جلقار ، صح معه أنهما سلكا قفرة من القفار ، أو بحرا من البحار ، يريدان الحج ، أو مصرا من الأمصار ، وهو منفس عن اللحاق بهما ، أو عليه أن يسلك مسلكهما اذا قدر على ذلك .
فان قال : ليس عليه ذلك .
قيل له : من أي وجه هو قادر على ذلك كما قدر بالزاد والراحلة و الأمان ، وهو على جملة ما كان عليه من الجهل الذي لزمه أن يلقاهما فيه ، والفريضة بحالها عليه من تعليم ما جهله مما هو له حجة ، ولا حجة له مع الله بزعمك دون أن يلقاهما بغيرهما من الناس ، ولا حجة عليه إلا بهما ، فقد (2/189)
صفحة 183
نقضت أصلك أن الخروج إلى فلان وفلان ورجعت أن الخروج كان إلى سمائل وصحار ، ثم نقضت أصلك أيضا إذ قلت إنه يخرج من صحار إلى توام وجلفار . فلأي وجه وجب عليه الخروج من صحار إلى توام وجلفار ، ولم تلزمه الخروج إلى مكة على إثرهما ، أو إلى غيرهما من الأمصار ؟
فان قال : لما خرجا من المصر ، والمصر عمان زال عنه الخروج إليهما ، وكان منفسا في القعود في عمان حتى يرجعا إلى عمان ، فاذا رجعا الى عمان كان عليه أن يلقاهما .
قيل له : ومن أين لك هذا ، وهو على جملة ما تعبده الله به من علم ما جهله ، ومن هو قادر على تأدية ذلك بالأمان من الطريق والزاد والراحلة وصحة البدن .
فاذا قال لخروجهما من المصر ، وليس على من كان بعمان ، أن يخرج في طلب ما يلزمه علمه في دينه ، إلى غير عمان من الأمصار ، وإنما عليه أن يلتمس دينه من عمان فلتات بدليل على بدعتك هذه ولن تجد إلى ذلك سبيلا ، دون أن يلزمه الخروج في أثرهما إلى مكة وغيرها من الأمصار ، ولا محال ني ذلك ، أو يبطل قوله إن الخروج فى طلب العلم اللازم إلى غير بلد محدود من البلدان ، ولا من الأمصار ولا من الأشخاص ولا من الأبشار ، وليس لذلك حد دون أن يصل إلى علم ما لزمه علمه ، أو يقع له عذر من الله ، من عجز عن التماس ذلك من مرض في بدنه ، أو خوف على نفسه ، أو عدم من الزاد والراحلة ، أو عذر من المعاذير التي يجب له بها العذر ، وأن الخروج إلى رجل بعينه أو بلد بعينه باطل وبدعة وضلالة ، ولا يجوز غير ذلك ، لأنه الحق والعدل والصراط المستقيم .
ويقال له : مع ذلك فإن كان له عذر في لقائهما ، أو قد خرجا من عمان ، فما الذي يسعه من أمره ، أيجوز له أن يرجع إلى بلده ووطنه ومنزله (2/190)
صفحة 184
وسكنه ، حتى يرجعا إلى عمان أو يرابط في نواحي عمان حتى يرجعا إلى عمان ثم يلقاهما .
وإن قال : له أن يرجع إلى وطنه وسكنه حتى يرجعا إلى عمان ، ثم عليه أن يخرج إليهما ويلقاهما .
قيل له : فتراه هو منفس في السؤال معك ، والخروج إلى فلان وفلان الى سمائل وصحار ، لأنه قد يمكن أن يكونا غائبين من سمائل وصحار ، وغائبين من المصر كله إلى غيره من الأمصار ، فلا يلزمه على قياد قولك أن يخرج إلى فلان وفلان فيما يلزمه من علم ما لا يسعه إلا علمه ، حتى يعلم أنهما في المصر علما يقينا ، كما يعلم أن صلاة الظهر ثابتة كل يوم ، لن ينسخ ذلك ولن يتحول إلى يوم القيامة ، بعد زوال الشمس بقليل أو كثر ، إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الزوال ، وهذا من المحال أن يعلم ذلك في ساعة من الساعات ، التي يجب عليه الخروج فيها ، وقد يمكن في كل ساعة من الليل والنهار ، قلتم إنه يجب عليه الخروج فيها أنه لا يعلم أنهما في المصر أم لا ، لأنه قد يحدث لهما الخروج في الوقت الذي لا يعلم هو أما في المصر أم لا ، فلا يلزمه الخروج إليهما حتى يعلم أنهما في المصر أو في سمائل وصحار ، وإلا فعلى قياد قولك إنه لا يسعه أن يرجع إلى وطنه ولا سكنه ، وعليه أن يرابط بأقرب السواحل إلى طريقهما من خروجهما حتى لا يكونا بعمان في وقت من الأوقات إلا وهو معهما ، وقد لقيهما لأنه قد لزمه لقاؤهما ، وإنما زعمت أن العلة في عذره خروجهما من المصر ، فهو على جملة الخروج إليهما حتى يرجعا الى عمان ويلقاهما ، ولا بد له من ذلك ، أو بطلان قوله هذا وهو باطل والحمد لله ، وإنما يريد أن يقطع قوله من فعله ، وإلا فقوله مقطوع دابره ، باطل أوله وآخره .
فصل : فان دام على ذلك ، أو قال إن عليه أن يقعد بنواحي عمان . (2/191)
صفحة 185
قيل له : فاين يقعد ، في شرق عمان أو غربها ، أو من حيث خرجا من عمان يقعد هنالك حتى يرجعا من هنالك ، وليس هذا مما في القول فيه فائدة ، إلا أنه حتى لا يبقى لهم حجة .
ويقال له : أرأيت إن مات فلان وفلان في سفر ما أو أقاما بغير عمان ، أهو منفس في جهله والإقامة على جهله .
فإن قال : نعم فقد أتى بما لا نقبله منه عقلا ، ولا يخرج إلا على المكابرة ، ولا بد من الخروج إليهما حيثما كانا حتى يموتا ، أو يموت الخارج في أثرهما .
فان قال : كذلك.
قيل له : إذا ماتا أيعذر بعد ذلك ، بجهل ما قد لزمه علمه أولا يعذر ، وهو على جملة الجهل وعليه السؤال عن علم مالا يسعه إلا علمه ؟
فان قال : يسعه جهل ما لزمه علمه ، أتى بأشنع من قوله الأول ، لأنه ينزل فلانا وفلانا منزلة أعظم من منزلة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجز على قياد قوله إلا أن يقدمهما على النبي صلى الله عليه وسلم ، أويقول انه لا حجة عليه بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم وهذا ما لا يدعيه أحد من أهل التوحيد .
وإن قال : لا يعذر بعد ذلك بجهله لما لزمه علمه ، وعليه السؤال عما يلزمه .
قيل له : فمن يسأل من الناس من بعد موت فلان وفلان ؟
فان قال : إذا مات فلان وفلان ، فيسأل من شاء وهو له حجة وعليه حجة ، إذا دلوه على علم ما يجهله من دينه ، ووافق الحق.
قيل له : وهذه المنزلة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن يسلم أحد بدون أن (2/192)
صفحة 186
يسأله هو بنفسه ، ويلقاه ويراه ويسأله عن علم كل ما لزمه بعينه .
فان قال : نعم ، ولن يقدر أن يقوله ، وأرجو أن يقطع الله عذره دون هذا ويقطع دابره ، أن في ذلك بما يكني به العالم كلهم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان في عصره وزمانه بعد ما نسخ الهجرة وقبل الهجرة يسلم كل من الناس في مسكنه ووطنه ، ولا يلزمه خروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولو لزمه في الهجرة الخروج ، فانما الهاجرة أن يهاجر من أرض الشرك إلى أرض الاسلام ، ولم يكن أرض إسلام إلا المدينة ، وكانت المدينة هي دار إسلام ، وسائر الدور، والأمصار دار كفر ، الغالب عليها الشرك ، فانما امتحن الله العباد بالهجرة لمعنى الخروج من بين ظهراني أهل الشرك إلى دار الاسلام ، لا لمعنى أن الحجة لا تقوم إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم في الاسلام ، ولو كان ذلك كذلك ، ولا تقوم حجة الا بالنبي صلى الله عليه وسلم لما كانت تقوم لله حجة على من لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، بل قد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يسلموا الناس في المدينة ، وفي مكة وفي الأمصار ، يسلمون على أيدي آبائهم وأرواحهم ، ومن دعاهم إلى الإسلام ويقبل منهم ذلك ، ولا يرون النبي صلى الله عليه وسلم ولا يراهم ، وصح أن العلماء كافوا يفتون في المدينة ، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم يأمرون بالإسلام وبالإيمان ، وكانت الحجة تقوم بغير النبي صلى الله عليه وسلم وان كان الاسلام بالنبي صلى الله عليه وسلم والإيمان به غير سائر المسلمين ، ولا يقرب إلى هذا القول في وجه من الوجوه ، لولا طول الكتاب أكثر مما قد طال ورجاء أنه ألا يعتل في هذا بعلة ، لأوضحنا من الحجج في ذلك ما فتح الله ، ولكن لا يدعي في ذلك إن شاء الله دعوى .
فصل : وان قال : بل قد كان في أيام النبي صلى الله عليه وسلم الحجة تقوم بالحق بغيره من المعبرين من المسلمين .
قيل له : فما أعظم منزلة في الإسلام ، وأجل قدرا في الأحكام النبي صلى الله عليه وسلم أو فلان وفلان فلن يقدر أن يقول الا النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه إن قال غير ذلك خاف على نفسه أن يقتل قبل أن يتكلم . (2/193)
صفحة 187
فان قال : النبي صلى الله عليه وسلم أعظم قدرا من الجميع ومن فلان وفلان .
قيل له : فكيف خص لفلان وفلان أنه لا حجة دونهما تقوم على العبد ولا له ، وهذا أصل باطل لا يتكلم به أحد ممن يعقل ، ولا ينساغ في عقول المجانين ، إلا أن يكون ذلك من وساوس الشيطان ، ولن يكون ذلك من الشيطان أيضا من المجانين ، وإن شاء الله أنه لا يرجو أن يتبع المجانين أحد على بدعة ، وهذه من أعظم البدع وأشنع الشنع ، وإذا كان الأصل باطلا والأساس فاسدا ، فمن حيث جئت بالحق فأفسدت الباطل ، ومن حيث جئت بالصالح أبطلت الفاسد ، والحمد لله على هداية دينه .
ويقال لهم إن أنكروا هذا أو شيئا منه ، ولم يقروا بذلك ويرجعوا إلى الصواب ، أو يلزموا الناس الخروج إلى فلان وفلان في السؤال والبحث عن جميع دين الله - تبارك وتعالى- ، أو في السؤال عن جميع العلم الذي هو من دين الله -تبارك وتعالى - ، وإنما يلزمهم الخروج في السؤال عما يلزمهم عمله ، بما قد لزمهم العمل به ، فجهلوه وضيعوه ، من الفرائض اللوازم ، أو جهلوه وركبوه مما لا يجوز ركويه لهم من المحارم .
…فان قالوا : عليهم أن يخرجوا في السؤال عن جميع دين الله ، وعن جميع العلم الذي هو من دين الله ، كائنا ذلك العلم ما كان ، ولا يسعهم إلا أن يعلموا جميع دين الله ، أتوا بما يشهد على تكذيبهم فيه العقول ، والكتاب والسنة والإجماع ، ولا يقربون إلى ذلك مع أحد من الخليقة ، لأنه لا يمكن أن يلزم الجميع ما يلزم الواحد ، ولو كان الناس لا يسلمون إلا بعلم دين الله كله ، ما سلم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ، وجميع المهاجرين والأنصار ، حتى يعلموا من الدين كعلم النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم متعبدون من دين الله بمثل ما تعبد به من العلم الذي يخصهم علمه ، ولكان النبي صلى الله عليه وسلم يهلك أيضا من حين ما بلغ الحلم ، حتى يعلم في حين ذلك جميع دين الله الذي تعبده به وأمره به ، من جميع ما أمره به ونهاه عنه في كتابه ، قبل أن يعلمه ذلك وبوحيه (2/194)
صفحة 188
اليه وينزله عليه ، لأنه من دين الله الذي تعبده به في أصل دينه ، وكذلك يهلك صلى الله عليه وسلم حتى يعلم جميع ما أتاه به جبريل -عليه السلام - في طول زمانه ومدته وعمره وأيامه ، ولو كان كذلك كان يهلك ، من حين ما أرسله الله واستنبأه وأمره بطاعته ، حتى يعلم جميع ما كان في علم الله أنه من دينه الذي يأمره ويوحيه إليه وينزله عليه ، وهذا أصل باطل لا يدعيه أحد ممن علمناه من أهل القبلة ، ولا ينساغ في العقول أن يكلف الجميع علم الواحد من العلماء ، ولا يكلف كل من الخليقة من العلم إلا ما بلغ إليه علمه ، وصح معه ذلك من أي وجه من وجوه الصحة ، أو ما قامت عليه به الحجة التي لا يسعه الشك فيها ، مما لا يسعه جهله من علم التوحيد ومعرفة معناه ، وعلم معاني الوعد والوعيد ، وما يتولد من ذلك ومثله ، فذلك ما تقوم عليه به الحجة بالخاطر ، أو ذكر الذاكر كائنا من كان ، أو ما يلزمه العمل به من الفرائض اللازمة التي يفوت وقتها ، فجهل علم ذلك حتى يضيعها ولايؤديها في وقتها، على ما أوجب الله عليه من العمل بها في ذلك الوقت ، الذي لا يسعه تأخيره إلى غيره ، كائنا ما كان من اللوازم من دين الله ، أو يجهل شيئا من المحارم التي يركبها بجهله كائنا ما كان من المحارم من دين الله ، وتقوم عليه الحجة التي ما بعدها حجة في الاسلام من قول علماء المسلمين ، فيما يسعه جهل علمه من دين الله ، ما لم يحضره العمل به والانتهاء عنه ، وهر قول الواحد من المسلمين ، الشاهر لهم اسم أهل الاستقامة في الدين من الأمة ، وفي قول أكثر أهل العلم من المسلمين ، أن الفقيه الواحد حجة ، وأن الواحد من العلماء يقوم في الفتيا في الدين مقام الاثنين ، وإذا قام مقام الاثنين قام مقام الأربعة ، وإذا قام مقام الأربعة قام مقام الأربعين ، وإذا قام مقام الأربعين قام مقام مائة ألف أو يزيدون ، وإذا قام مقام مائة ألف أو يزيدون قام مقام أهل الأرض كلهم ، وكان هو الحجة عليهم ، إذا كان الحق ني يده من علم الدين ، ولم تكن لأحد عليه حجة في الدين من جميع العالمين ، ولولا أن الحق على هذا والدين على هذا ما كانت الحجة لله -تبارك وتعالى - ، تقوم وينقطع بها عذر. (2/195)
صفحة 189
الشاك فيها بالرسول الواحد ، إلى أهل الأرض كلهم في العصر الواحد ، فيكون حجة عليهم ، ولو كان لا يقوم ذلك إلا بجماعة من الناس معروفين وعدة معدرودين ، لكان ذلك أولى به النبيون والمرسلون ، ولا نعلم أن الله - تبارك وتعالى - أرسل الى أهل زمان من الأزمنة ووقت من الأوقات رسولين ، إلا أن موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم سأل ربه -تبارك وتعالى - أن يرسل معه أخاه هارون -صلى الله عليهما وعلى نبينا وسلم - وزيرا ، فكأن موسى صلى الله عليه وسلم هو الرسول ، وهارون معه وزيرا له ، وشاهدا معه ، لا أنه لا تقوم الحجة على فرعون وآله الا باثنين ، بل كان موسى صلى الله عليه وسلم هو الرسول إليهم والحجة عليهم ، لا ينكر ذلك أحد ، ولا يعتل به أحد ، فلما أن قامت حجة الحق لله على عباده بالواحد من الرسل في كل عصر وزمان ، وكانوا هم الحجة على غيرهم من جميع العباد ، كان ذلك حجة ثابتة في كل وقت وعصر وزمان ، عدم فيه الرسل من الله إلى خلقه ، أو لم يعدموا بما يقيم عليهم به الحجة من جميع دينه.
ولو اعتل معتل برسالة هارون - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم - مع موسى -عليه السلام - ، ما كان له في ذلك حجة ، لأن الحجة على كل أمة ما جاءهم به نبيهم ورسولهم من الحجة والشريعة ، وقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين ، ناسخا لشرائع جميع الأولين ، ولا ناسخ لدينه إلى يوم الدين ، وكان صلى الله عليه وسلم واحدا أرسله الله الى أهل الأرض كافة من الثقلين من الجن والإنس ، فقامت به صلى الله عليه وسلم الحجة على جميع الثقلين من الجن والانس حاضرهم وغائبهم ومتقدمهم ومستأخرهم إلى يوم القيامة ، وإنما يعبر الواحد من علماء المسلمين من دين الله -تبارك وتعالى-مما يسع جهله ، ما قد جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وقامت به الحجة عنه على أمته من المستأخرين والمتقدمين ، وقد قال الله -تبارك وتعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم : (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ )(1)
__________
(1) - جزء الآية (7) من سورة الرعد . (2/196)
صفحة 190
ففسر ذلك أهل العلم أنه العالم من المسلمين من أهل الاستقامة ، فيما يسع جهله وفيما لا يسع جهله ، من عبارة الذين هم حجة على من قام عليه وقد قال - تعالى - : (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً )(1).
فقال أهل العلم : إنه العالم المحق فالبينة من ربه ما هو عليه من الحق ، ويتلوه شاهد منه لسانه ، فلسان العالم هو الشاهد على علمه له ، وهو الحجة له على من قام عليه بالحق جهله من قام عليه أو علمه ، فالحجة للعالم على العامة بما جعله الله حجة في دينه على عباده ، وليس لأحد أن يجهل حجة الله عليه إلى غيرها ، ولا يعدوها إلى حجة سواها ، فإن كان الواحد حجة فيما يسع جهله فهو الحجة ، وان لم يكن الواحد حجة فالاثنان كذلك ، والأربعة كذلك والجماعة كذلك إلى ما لا يحصى ، لأن الاثنين يقومان مقام الواحد في عبارة الدين ، لأنهما لو اختلفا لم يكونا في اختلافهما سالمين من الهلكة ، ولم يكن بد لواحد منهما أن يكون هالكا في الدين كاذبا ، في حكم الدين على رب العالمين في عقول السامعين لهما من العالمين والجاهلين ، فلا يجوز أن يكون الحق في الدين إلا مع واحد من المعبرين ، وأن المخالف له مخالف في أصل الدين ، فلا يجوز أن يطلب معه غيره ، فيما يقوم في العقول أنه لا بد من أحد أمرين :
إما أن يقول مثل ما قال ، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان .
وإما أن يقول غير ما قال ، فيكون مخالفا له في الدين في عقول العالمين ، لأن الدين أبدا لا يكون إلا مع واحد من المختلفين ، ولا يحتمل في العقول ،
__________
(1) - جزء الآية (7ا ) من سورة هود . (2/197)
صفحة 191
إلا أن يكون أحد المختلفين في الدين كاذبا على الله ، وقد يمكن أن يكونا جميعا كاذبين على الله ، ويمكن أن يكون أحدهما كاذبا والآخر صادقا ، ولا يمكن أن يكونا صادقين جميعا ، هذا من المحال ومن طلب المحال وتعلق به ، وقع في الضلال والدين ما جاء فيه حكم من الكتاب أو من السنة أو من الاجماع من علماء المسلمين ، فاذا كان القول من العالم بأحد هؤلاء أو بما يشبه ذلك وما هو مثله ، فلايجوز القول لغيره بخلافه ، وهو الصادق على جميع من قال بخلافه ، ولوكان مخالفا جميع أهل الأرض ، فهم الكاذبون في أصل الدين ، الذي أجمع عليه معاشر المسلمين ، وجميع أهل الاستقامة من الموحدين . (2/198)
صفحة 192
باب: وجوه التعبد ومعانيه، والحجة في ذلك
جميع ما تعبد الله به عباده في دينه هو معان ثلاثة ، لا يعدو ذلك إلى معنى رابع غير الثلاثة المعاني :
فمعنى من هذه المعاني هو المعنى الذي تعبدهم بعلمه من دينه ، والشهادة به وعليه ، فلا يقبل منهم غير ما تعبدهم به ، ولا يعذرهم بجهل ما أوجب عليهم علمه لمعنى غيره ، فإذا أوجب العلم لم يسع الجهل ، وضاق الشك ووقعت الهلكة بانقطاع العذر .
فصل : ومعنى ثان ، وهو مما تعبد الله به عباده من العمل بطاعته ، من فرائض فرضها عليهم عملا في أبدانهم وأموالهم ، أوجب عليهم العمل بها لا غير ذلك ، وجعل العلم لها ولمعانيها دلالة عليها ، ليؤدا بذلك العلم ، وليس العلم بها يجب لنفس العلم بها ، وإنما يجب العلم بها ، لأن يبلغ بذلك العلم الى أدائها على وجهها ، وعلى ما أوجب الله في دينه من العمل بها ، ثم جعل لذلك العمل في دينه وفرائضه ، أوقاتا مؤقتة في ساعات من الليل والنهار ، لا يجوز أن يؤخر ذلك إلى غيره ، وفي أوقات من الأيام والأشهر ، إذا جاء ذلك الوقت المؤقت ، لم يجز أن يتعدى ، ولا ينفع العمل لذلك الا في الأيام المؤقتة والأيام المعدودة في الأشهر والأيام والساعات ، ثم جعل ذلك (2/199)
صفحة 193
ضروبا منه ، ما هو في أوقات معروفة ، يجوز له العمل فيها ، ولا ينفع العمل بها إلا فيها ، فإذا جاء ذلك الوقت ، لم يجز تأخير ذلك عن ذلك الوقت منها ، وكان على العبد العمل بذلك المخاطب به ، والعلم لذلك للعمل به ، وإنما أريد منه نفس العمل ، لا نفس العلم ، ولا يخاطب بالعلم ، فيكون بنفس الجهل للعلم هالكا ، وإنما خوطب بالعمل في ذلك الوقت ، وكان ذلك العمل لا يصل إليه العبد إلا بعلم غيره ، ولو كان العلم دلالة على غيره ، فلزم العمل ولزم العلم ، لوجوب العمل ، فكان العلم في ذلك لا يقع إلا بتعليم ، لأنه دلالة على غيره من أعمال الأبدان والأموال ، وكل عمل وقع على الأبدان وفي الأموال ، فإنما يبلغ إلى علم ذلك بالسماع والعبارة ، وغير مخاطب العبد فيه بالعلم ، إلا لمعنى العمل اللازم في ذلك الوقت ، في الأموال والأبدان ، فاذا أدى العبد ما خوطب به من العمل ، على ما أوجب الله عليه من العمل ، و لم يضيع من ذلك شيئا من العمل ، فغير مسؤول العلم بذلك ، كما أنه مسؤول عن نفس العلم الذي تعبد به لمعنى العلم ، لا لغيره من الأعمال ، وإنما أوجب العلم في ذلك للعمل لا لغير ذلك ، فاذا حصل العمل ، فغير ثابت علم ما قد حصل من العمل ، غير أنه لا يكون العمل بذلك أبدا إلا بعلم ، والعلم في ذلك حصول العلم من أي وجه حصل ذلك العلم ، وأول العلم يقع بخاطر القلب ، ومعنى الحسن من القبيح ، على معنى علم الالهام من الله - تبارك وتعالى - ، فاذا بلغ العبد إلى علم ذلك من علم الالهام من الله ، لمعرفة ذلك العمل وعلمه بأي وجه وصل إليه ، من العلم بخاطر قلبه أو رأي عينه ، لأثر مرسوم أو سماع أذنه من كلام مفهوم ، أو تأسى بغيره من العالمين ، فكل ذلك علم وحجة إذا بلغ إليه العبد ، وأدى ذلك اللازم به ، فقد بلغ إلى علم ما أريد منه وصح له العمل ، ومحال أن يكون العمل من أهل العقل إلا بعلم ، ولكن العلم على حد ما ذكرنا من خاطر أو سماع أو تأس بغيره ،
أو أثر يطأه أو رأي يراه ، ويحسن في عقله ، فكل ذلك علم ثابت وحجة واجبة ، ومحال أن يقال أن يعمل عامل عملا بعد (2/200)
صفحة 194
أن يصح عقله إلا بعلم ، وبأي العلم ، أدى ما قد لزمه فقد علم ذلك وأحكمه ، وأدى الفرض اللازم من ذلك ، ومتى بلغ إلى علم ذلك بأي وجه فأداه ، فقد أطاع إلهه بذلك وأرضاه ، وصح له ذلك العمل وكفاه ، وهذا معنى من دين الله خوطب العبد فيه بالعمل لا العلم ، غير أن العلم دلالة على العمل ، ولا يكون فيه التعبد بالعلم ، وإنما التعبد فيه بالعمل .
فصل : ومعنى ثالث من دين الله ، وهو جميع ما تعبد الله به عباده ، من ترك معصيته من المحارم والمآثم ، فانما وقع التعبد بنفس الترك والانتهاء وغير ذلك ، فاذا حصل من المتعبد الانتهاء عن محارم الله ، إذا عارضته وامتحن بها في أي الأفات ابتلي بها ، فاذا تركها فلم يركبها بقول أو عمل ، وكانت مما فيه الفرض ألا يقال فيها بالباطل ، أو يعمل فيها بالباطل ، فاذا لم يأت ذلك العبد بقول أو عمل أو نية فلا حجة عليه في علم ذلك ، وإنما وجب عليه العلم لينتهي عن ذلك المحرم عليه ، ويترك ذلك المنهي عنه ، وإنما كان العلم هاهنا ، لأنه لا يجهل ، فيقول على الله بغير الحق ، أو يعمل ، فاذا سلم من ذلك في حال جهله ، فلا يجب عليه العلم لذلك كله أبدا ، وهو سالم بجهله ، ما لم يركبه أو يتولى راكبه ، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه ، أو يقف عنه ، فإذا فعل ذلك ضاق عليه جهل ذلك ، وكان ذلك مما لا يسعه جهله ، لأن الميثاق أخذ عليه ، ألا يركب ذلك بجهل ولا بعلم ، فاذا ركبه لم يسعه ذلك ، وكان ذلك هو موضع ما لا يسع جهله ، فيما كلف تركه إذا لم يتركه ، وكان موضع مالا يسع جهله فيما كلف العمل به إذا لم يعمل به وضيعه ، وكان موضع لا يسع جهله فيما كلف علمه إذا لم يعلمه في موضهع ما كلف علمه ، وكل ذلك في أصل دين الله لا يسع جهله ، إذا وجب له التعبد به وفيه ، وكل ذلك ممايسع جهله من دين الله مما لا يجب التعبد به وفيه ، فافهموا المعاني التي قلنا إنها أصول لجميع دين الله ، وأن جميع دين الله لا يخلو منها ولا يعدوها ، وأنها كلها في أصل دين الله لا يسع جهلها في موضع (2/201)
صفحة 195
خاص ذلك منها ، وكلها في دين الله يسع جهلها ما لم يخص حال التعبد فيها وبها ، وكلها متفقة غير متفرقة ، وليس شيء منها بأضيق من شيء ، ولا شيء منها بأوسع من شيء ، إذا جاء حال ضيقها .
فافهموا هذه المعاني والأصول فجميع ما تعبد الله عباده به أن يعرفوه ، على سبيل ما أوجب عليهم من معرفته ، لا على خلاف ذلك ، فمن خصه شيء من التعبد من معرفة الله وعلمه ، لم يعذره الله بما كلفه من العلم ، ولا ينفعه شيء سوى ما أوجب عليه من معرفته ، فمتى قصر عن ذلك العلم الذي خصه من معرفة الله ، على ما أوجب الله عليه ، لم ينفعه شيء مما قد علمه من معرفة الله ، إذا ضيع وقصر عن شيء مما قد خصه ، من كمال معرفة الله -تبارك وتعالى- ، ولم ينفعه ما عمل من طاعة الله ، ولو أكمل العمل بطاعة الله ، ولم يركب لله محرما قط ، مما نهاه الله عنه من الأفعال ولا من المقال ، بانتفاض ذلك الشيء من علم الله - تبارك وتعالى - ، لأنه أريد منه العلم فلم ينفعه غير العلم ، ولم ينفعه بعض العلم عند المحنة بغيره من العلم ، بما قد علم من العلم والمعرفة . وإذا وجب العمل الذي تعبده الله به في دين الله ، وفي علمه ، مما قد تقدم إليه في أصل دينه بالعمل به ، لم ينفعه إلا العمل بترك ذلك إذا كانت المحنة بالعمل ولم تنفعه المعرفة التي قد عرفها وعلمها ، ولو كان قد أكمل معرفة الله وأحكمها ، فغير معذور بتضييع شيء من العمل الذي ألزمه الله لموضع ما قد علم مما كلفه علمه ، ولا لموضع ما قد علم من بعض ما قد علمه ، حتى يعلم جميع ما كلفه الله علمه على حسب ما كلفه ، وكان بترك ذلك الشيء من العمل ، ناقضا للميثاق الذى أخذ عليه أن يعلمه .
فصل : فإذا ركب العبد شيئا مما قد نهاه الله عنه من معصيته ، لم ينتفع بأدائه لجميع ما كلفه من علمه له والعمل له ، إذا ركب به نهيه أو شيئا من نهيه ، ولو لم يضيع لله قط أمرا فيما تعبده فيه بالمعرفة ، والعمل بطاعته ، فالشيء الواحد من هذه المعاني التي كلفها العبد ، عند لزوم ذلك له ينقض (2/202)
صفحة 196
ميثاق الله الذي أخذه عليه ، ويبطل جميع ما أتى به من سائر دين الله ، من جميع الأشياء من هذه المعاني ، وجميع هذه المعاني كلها معرفة وتأدية لجميع ما ألزم من العمل والقول والنية ، وترك لما نهى عنه من قول أو عمل أوشئ ، لا معدى لدين الله الذي تعبد به عباده من أحد هذه الأصول وهذه المعاني الثلاثة ، وهو العلم به والمعرفة له مجملا ، عند الاجتزاء بالجملة ، ومفسرا عند لزوم المحنة لعلم التفسير ، وقد كان علم الجملة مجزىء عن التفسير حتى تقع المحنة بالتفسير لشيء من الجملة ، وأي ذلك ورد على العبد قبل الآخر من التفسير ، والجملة التي تجزي عن التفسير ، فغير معذور في علم شيء من ذلك على معنى ما أريد منه ، ولا يسعه التقصير عن ذلك من علم الله في أسمائه وصفاته وفعاله وذاته ، وإذا لم يضيع ما وردت عليه المحنة به من التفسير للجملة ، لم يهلك بجهل الجملة مالم يمتحن بالجملة ، وإنما كانت الجملة مجزية له كافية لما تقدم إلى العبد من علمها والمحنة بها ، فإذا ورد عليه علم تفسير الجملة كان عليه أن يعلم التفسير ، ولم ينفعه علم الجملة ، وإذا ررد عليه العلم للتفسير قبل العلم للجملة لم يجرئه أيضا ، إلا أن يعلم ما ورد عليه من علم تفسير الجملة ، فإن بلغ بعلم التفسير إلى الإحاطة بالجملة ، فقد اكتفى عن الجملة بمعرفة تفسير الجملة ، لأن من عرف تفسير الشيء ، فقد أحاط بالشيء في علمه لتفسيره ، إذا كان ذلك بكمال علم التفسير المحيط بمعاني الشيء ، ومن علم تفسير الشيء لم يجز إلا أن يكون قد علم الشيء ، وقد يكون عالما بالشيء ولا نعلم تفسيره ، ولا يجوز أن يعلم تفسير الشيء كله ولايكون عالما به .
فصل : فأي الأشياء من دين الله - تبارك وتعالى - سبقت به المحنة إلى العبد ، بوجه ما يكون ممتحنا به ، كان مخاطبا به في حال ما يمتحن به على حسب ما تجري فيه الكلفة من دين الله ، ولو سبق إلى العبد محنة العمل بطاعة الله -تبارك وتعالى - ، قبل أن يخطر بباله أويسمع بأذنه أو يدعى إلى شيء من (2/203)
صفحة 197
الجملة الي امتحن بها ، ونزلت بليته بها ، لم يسعه إلا العلم لها ولمعانيها ، ولم يكن في حين ما كلف العمل بذلك الشيء من طاعة الله ، الذي قد وجب عليه في وقته ذلك ، مكلفا لعلم الجملة ولا لتفسير الجملة ، إذا لم يمتحن بعد بذلك ، ولا بلغ إليه حكم التكليف له ، وحكم التكليف له حده أن يخطر ذلك بباله ، أو يسمع بذكره أو يدعى إليه أو يراه في كتاب مرسوم ، أو يبلغه ذكر ذلك بحال مفهوم ، فإذا كان ذلك في الجملة أو في شيء منها ، فذلك حد الكلفة له بذلك ، وقد كان قبل ذلك معذورا عن التعبد بذلك ، ولو احتلم قبل ذلك بأي حال من ساعة أو يوم أو شهر أو سنة أو سنين ، فما لم يخطر بباله ذكر ذلك أو سمع بذكره أو يدعى إليه أو يبلغ إليه ذكر ذلك بوجه من الوجوه ، فهو معذور بدلك ، لأن الله لا يكلفه شيئا من دينه إلا بما هو معقول أو مسموع أو منظور ، فإذا نظر أو ذكر ذلك أو سمعه أو خطر بباله ذلك ، وبه عقل سالم من الآفات والعاهات المزيلات لثبوت عقله الذي تعبد به ، وجعل له حجة وعليه حجة ، فهناك يلزمه التعبد بعلم ذلك ، ومحال أن يكون علم بغير هذا أبدا ، لأن المنظورات معقولات والمسموعات معقولات ، والمحسوسات معقولات والمتوهمات معقولات ، وكل مسموع أو منظور أو مذكور فهو معقول ولا يعقل أبدا غير مسموع أو منظور أو مذكور أو خاطر أو محسوس أو متوهم ، وكل هؤلاء معقولات والمتوهمات ، فمن حكم الخاطرات ، ولا يصح معرفه الجملة ولا شيء منها من طريق غير هذا ، ومحال أن يكلف الله العبد في شيء من الأحوال ، أو على شيء من الأحوال فوق ما يطيقه ، فكما أن العبد لا يقدر على عقل المعقولات ألا يعقل الغرائز المخلوقات ، فكذلك لا يقدر على عقل المعقولات إلا بالأسباب المؤديات للمعقولات إلى عقل الغرائز المخلوقات ، فإذا عدم السمع زالت الكلفة عن العبد في علم المسموعات ، ولو وجد السمع ، لأنه لا يسمع السمع إلا بمسموعات ، ولا ينظر المنظور إلا بنظر ، ولا ينظر بالنظر إلا منظورات ، وكل المسموعات والمنظورات والمحسوسات والملموسات والمتوهمات فمعقولات ، وليس كل المعقولات منظورات (2/204)
صفحة 198
مسموعات محسوسات متوهمات ، وكل معقول فخاطر من العقل بقرب المسموعات والمنظورات والمذكورات ، والمحسوسات والمتوهمات ، وليس كل معقول متوهم ، وكل متوهم معقول ، وليس بمعقول ما لا يجري عليه خاطر المعقولات ، فدين الله الذي تعبد به عباده في شريعة نبيه إلى أهل زمانه واحد ، والحكم فيه واحد والقول فيه واحد ، على الأصول الذي ثبتت أحكامه عند الله فيها في علمه -تبارك وتعالى- ، وهو من بعضه بعض ، وبعضه في بعض ، وبعضه ببعض وبعضه إلى بعض ، والعبد مأخوذ عليه الميثاق بجملته مذ لزمته كلفة التعبد ، وبلغ سنه وصح عقله ، ولوكان المتعبد بذلك من أولاد أهل الشرك ، وأولاد أهل التوحيد من أولاد المنافقين ، أو من أولاد الصادقين ، فالحكم عند الله - تبارك وتعالى - في دينه على عباده سواء ، ولا يكلف أحدا منهم من دينه فوق ما يكلف الآخر ، إلا بما قد خصه من الكلفة للحال التي بلغ إليها ، لوبلغ إليها الغير ، لزمه من ذلك ما قد لزمه ، فكل شيء سبق له حكم المحنة إلى العبد ، مذ بلغ وصح عقله ، كلفه الله من ذلك ما قد احتمله من الكلفة في دينه غيره من المكلفين ، وكلما تأخر له حكم المحنة عن العبد مذ بلغ سنه وصح عقله من جميع دين الله ، فغير مسؤول عنه ولا مكلف له من جميع دين الله من علم أو عمل أو ترك ، فان سبق إلى العبد محنة الانتهاء والترك من دين الله ، كلفه الله من التعبد في ذلك ، ما أطاقه وما احتملته طاقته ، ولا يكلفه فوق ذلك ، وكان عليه الانتهاء عنه وتركه ، ولو لم يبلغه محنة العلم من دين الله ، ولامحنة العمل بطاعة الله .
وكذلك إن سبق إلى العبد حكم المحنة بالعمل بطاعة الله في أوقاته اللازم له فيها العمل بتلك الطاعة ، في حكم ما أخذ عليه الميثاق به في دين الله ، كان عليه ذلك ، وكلفه الله من ذلك ما يطيقه ، وتحتمله طاقته ، ولا يكلف فوق ذلك .
فصل : وكذلك إن سبق إلى العبد حكم المحنة بالعلم من دين الله ، (2/205)
صفحة 199
قبل محنة الترك والعمل من دين الله ، كان عليه من ذلك ما احتملته طاقته ، وكلف من ذلك ما قد أخذ عليه الميثاق به .
فان كان ذلك من محنة الجملة أو شيء منها ، كلف من ذلك ما حملته طاقته ، وكذلك إن كان في البعض منها ، ولزمته المحنة بذلك في موضعه ، فغير مكلف لمالم يبلغه محنته من جملته .
وكذلك إن كانت المحنة نزلت به في شيء من تفسير الجملة التي هي لاحقة في الكلفة عند نزولها بحكم الجملة فى العلم بذلك التفسير ، فعليه في ذلك من الكلفة ما احتملته طاقته ، ولا يكلف فوق ذلك ، وكذلك لا يكلف من الجملة إلا ما احتملته طاقته ، ولا يكلف فوق ذلك .
فان قال قائل : فقد أتيتم بما لا نعرفه من قول المسلمين ولا من قول أهل القبلة ، وأهل القبلة مجمعون على أنه لا يسع جهل الجملة ، وأن عليه علم الجملة على حال ولا يسعه جهلها في حال من الحال ، والجاهل لها من الجهال الضلال .
فصل : قلنا له : ما أتينا إلا بما أجمع عليه أهل القبلة ، ولكن أتينا تفسير ما أجمع عليه أهل القبلة ، وتأولنا صحيح التأويل لما أجمع عليه أهل القبلة في حكم الخاص والعام من جميع ما تعبد الله به عباده من ذلك ، وتأولت أنت علينا وعلى أهل القبلة تأويل العموم في الجملة في موضع المخصوص ، ولا يجوز أن يحمل الخاص على العام ، ولا العام على الخاص في الجملة ولا في غير الجملة ، فانظر إلى قولك إن أهل القبلة مجمعون على أنه لا يسع جهل الجملة ، فهل جهل هذا العبد قط الجملة قبل أن يبلغه حال ما يتعبد به في الجملة ، فيجهل ذلك فيكون جاهلا ، أو يعلم ذلك المكلف له ، فيكون لعلم ذلك مؤديا ، وبأي الأشياء يكون عالما أو جاهلا ، وهل يكون العبد معك جاهلا ، وهو مسلم للجهل الذي لا يسعه ويهلك به ، إن هذا لهو الزور (2/206)
صفحة 200
والكذب على الله وعلى رسوله وعلى دينه وأهل دينه من المسلمين .
فان قال قائل : فان حكم الجملة غير حكم تفسير الجملة ، وأن الجملة على العبد علمها ولو لم يسمع بها ولم يخطر بباله ولم يدع إيها ، وقد فطره الله على علمها، فليس له أن يجهلها لأنه قد فطر عليها .
قلنا له : لم يعلم أن الله كلف العباد شيئا من دينه ولا يطيقونه ، ومن زعم هذا فقد خرج من الإجماع ومن حكم الكتاب والسنة وحجج العقل .
فصل : ولا نعلم أن العبد يبلغ إلى علم شيء من الأشياء إلا بعقل صحيح من العاهات ، وسبب يؤدي إلى ذلك العقل الصحيح من الآلات ، ولا يقوم في العقل أن العقل يعقل الأشياء بغير آلة تؤدي إليه علم ما يعقله ، وعلم ما يعرفه أو ينكره ، ولا بد من آلة تؤدي إلى العقل ، من سمع أو نظر أو فكرة ، أو خاطر يخطر بالبال ولا يكسب العلم أبدا إلا بآلة ، لأن المعقولات كلها مكتسبات ولأن المكتسبات لا تجوز أن تكتسب إلا بآلات ، لأن العلم كله لا يخلو من علمين : علم غريزة مخلوقة وهو نور العقل الذي به يعقل المعقولات ، وعلم المادة من المكتسبات ، ولا بد للعلوم المكتسبات من بلوغ إلى العلم الذي هو غريزة مخلوق ، لأنه غيره ، فلما أن كان غيره لم يكن بد من اكتسابه له ، ولما أن صح أنه مكتسب لمكتسب لم يجز إلا أن تكون المكتسبات غير المكتسبات ، ولما أن كان كذلك صح أن المكتسبات محتاجات إلى ما اكتسبن له ، غير مستغنيات بأنفسهن عن المكتسبات ، لأن ذلك لا تفارقه الحاجة إلى غيره ، فمتى عدم ما لا تقوم إلا به لم يكن له صنع ولا حكم ، وصح أن المحتاجات المضرورات لا يقمن بأنفسهن على ما يكتسبن إلا بآلات غيرهن وغير المكتسبات ، هذا ما لا يجوز غيره في حكم الاجماع ، ولا نعلم أن أحدا قال غير هذا من أهل العلم من أهل الاستقامة ، في جميع المخلوقات وهذه صفة لا يصح لمخلوق محدث أن يقوم بنفسه في حال من الحال دون (2/207)
صفحة 201
غيره ، ولا يقوم بنفسه عند غيره إلا بغيرهما من الآلات ، وإنما يصح هذا أن يكون قادرا على غيره ، القادر على جميع الأشياء - تبارك وتعالى - ، وما سواه من الأشياء المحدثات فعاجزات مضرورات غير قادرات إلا بمقدرات غير القادرات وغير المقدورات ، فكل صانع سوى الله - تبارك وتعالى - ، فهو صانع يصنع غيره لمصنوع غيره ، فإذا عدم الصنع الذي به يصنع المصنوع ، كان غير قادر على الصنع ، ولا يكون صانعا أبدا إلا بصنع غيره .
كذلك العقل لا يعقل المعقولات إلا بمادة من غيره ، من بصر أو سمع أو خاطر أو حس أولمس ، أو شيء يؤدي إليه ذلك العقل المكتسب له ، لأن المكتسب أضعف من أن يوصل نفسه إلى المكتسب له بغير الآلة ، والمكتسب أضعف بأن يصل إلى المكتسب إلا بغيره ، وغير المؤدي إليه للمكتسب إلى المكتسب ، فعاجز أن يؤدي المكتسب إلى غير مكتسب ، أو يؤدي إلى المكتسب غير مكتسب فكل الأشياء عاجزة عن القيام بأنفسها وبغيرها الا على ما قد قدر لها من ذلك ، ووصلت إليه من صنع الله لها وبها وفيها .
فصل : فان قال : فإن معرفة الله - تبارك وتعالى -لا يعذر بها العبد في حال من الحال ، وهذا هو المراد من القائل ، ولكنه لتأويل الحق في هذا جاهل .
قيل له : كذلك إذا بلغت معرفة الله الى العقل الصحيح بشيء من المبلغات ، لم يعذر العبد أن يعرف من صفة الله -تبارك وتعالى - الا ما هو قادر ، غير عاجز عنه في حال ما كلف من ذلك ، ولايكلف من ذلك الا ما حملته طاقته ، ما لم تقم عليه حجة ذلك بغيره ، والعقل غير مطيق فيما كلفه الله في دينه ، أن يعلم علم المكتسبات غريزة وخلقا ، وهذا من المحال ، ولا يكون أبدا علم غريزة وخلق مكلفا علم المكتسبات بغير آلات مؤديات ، ولا مكلفا علم نفسه ، هذا من المحال ، ولا يعقل العقل نفس العقل ، وإنما يعقل العقل غيره ، وغير المكتسب ، وقد مضى القول في ذلك ، ولا يتكلم في (2/208)
صفحة 202
هذا إلا قليل العلم والبصر .
فان قال : فان علم الله - تبارك وتعالى - ومعرفته في العقول ، حالة محل الغريزة ليس علم المكتسبات .
قيل له : فعلم الله ومعرفته هو العقل الذي عقل به أو غير العقل الذي عقل به ؟
فان قال : هو العقل الذي عقل به فقد زعم أن العقل الذي قد عقل نفسه ، هذا من المحال وما لا يقال .
وان قال : بل هو غيره ، غير أنه لا يحتمل أن يغيب عنه بحال .
قيل له : فلما أن كان العقل معدما حين لا شيء هو ، فأين كانت معرفة الله من المعدوم الذي لم يكن شيئا ، أكانت معرفة الله معدومة مع عدم العقل ، أو موجودة مع عدم العقل ؟
فإن قال : موجودة مع عدم العقل ، فقد زعم أنها قد كانت ، وهي مزايلة للعقل ، لا محال أنها مكتسبة غير العقل ويؤخذ من هذا الباب .
فان قال : هي مكتسبة للعقل غير أن العقل مكلف لها ، ولا يجوز أن يتعرى منها .
قيل له : هذه مراجعة في القول الأول ، وقد مضى فيه الجواب .
وإن قال : هي مكتسبة وهي غير العقل ، ولكن يجوز فيها خاصة أن يكون يكتسب بغير آلة غير العقل وغيرها .
فصل : فقيل له : هل لها شيء من المعقولات يشبهها في هذا؟
فان قال : لا . (2/209)
صفحة 203
قيل له : فإنك في هذا مدع على الأشياء غير هذا ، أن يكون لا يعقل إلا بآلة غيرها وغير العقل ، والأشياء كلها إذا تعقل بغير آلة ، ولا دليل غير العقل وغيرها ، ولا تصح لك دعواك على الأشياء ، واقرارك لهذا الشيء دون الأشياء ، ولا بذلك أن تقر أن الأشياء كلها لا تعقل إلا بدليل غير العقل ومن غيرها ، أو يدعي أنها كلها تعقل كذلك بغير دليل ولا آلة غيرها وغير العقل ، ولن تجد إلى ذلك سبيلا إن شاء الله ، وصح أن الأشياء كلها المعقولات ، لا نعقل إلا بعقل ، وأن العقل لا يعقل إلا بدليل غيره وآلة غيره ، لثبوت العجز فيه ، والحاجة منه والضرورة إلى غيره ، لأنه كغيره من المصنوعات المحدثات ، فصح أنه متى ما عدم العقل الذي به يعقل المعقولات ، فقد بطل حكم العقل عن المتعبد بعقله ، فيما يضره من الكلفة وينفعه بذلك ، ومتى عدمت المعقولات من العقل فغير مكلف المتعبد بالعقل عقل المعدومات ، ومتى عدمت الآلات التي بها اكتساب العقل للمعقولات ، فقد عجز العقل أن يفعل المعقولات ، وعجزت المعقولات ، أن تصل إلى العقل بغير آلات ، فافهموا هذا الأصل إن شاء الله.
فصل : ومزايلة المعقولات للعقل ، عدم من العقل لها ، وإن كانت غير معدومة في الأصل ، لأنه لا يجوز أن يعقل في الوقت ، معقولين ولا معنيين متنافين ، هذا من المحال ، وإنما يعقل معنى واحدا ، فلعقله هذا المعنى مزايلة منه لعقل الآخر من الأشياء كلها .
فالعقل وإن كان غير مزايل المعقولات كلها في أوقاته ، ولا في وقت ما يكون قائم النور صحيح الطبيعة ، فإنه مزايل في الأوقات ما اشتغل بغيره من المعقولات ، غير هذا المعقول بعينه ، فغير مكلف في الحال الواحد معقولين ، فكيف والمعمولات كلها والمعلومات كلها ، وهذا ما لا يشك فيه أهل العلم والبصائر .
فصل : وان كان العقل لا يخلو من المعقولات ، لأنه إنما صار عقلا بمعقول في حين عقله المعقول ، ولم يصر عقلا بغير معقول ، ولا عقلا لغير (2/210)
صفحة 204
معقول ، ولا يكون العقل مستكملا لاسم العقل إلا بمعقول ، ولا يكون معقولا إلا بعقل ، ولا يجوز أن يكلف العقل معقولين في وقت واحد متنافيين متزايلين عليه ، وإنما يكلف العقل عقل ما عاينه وشاهده لا عقل ما غاب عنه وزايله ، وهذا من المحال .
كما لا يكلف السمع إلا مسموعا ، ولا يكلف النظر إلا منظورا ، ولا يكون ذلك إلا بمشاهدة المسموع للسمع والمنظور للنظر.
كذلك لا يعقل العقل إلا بمشاهدة العقل أو شاهد العمل ، ولا يوصل المعقول إلى العقل إلا بدليل غير المعقول وغير العقل .
وكذلك لا يبلغ العقل إلى المعقول إلا بدليل غير العقل وغير المعقول ، وإلا فكان عاقلا بنفسه لا بغيره ، وهذا مما لا يجوز في صفة المصنوعات ، إنما يجوز هذا في صفة الصانع لجميع المصنوعات تبارك وتعالى . (2/211)
صفحة 205
باب: ما يسع جهله وما لا يسع جهله من التدين
إذا أتت على العبد حالة ، كان فيها مقرا بالجملة من التوحيد عالما بمعانيها ، التي تلزمه في وقته ذلك ، وساعته تلك ، فهو سالم بذلك من الهلكة ، وهو مسلم مؤمن ، عالم واسع له الإقامة ، والقعود عل جهل ما سوى ذلك من العلم بالدين ، ولم يكن له ولا عليه أن يعتقد السؤال بالدينونة لعلم ما سوى ذلك .
ولا عليه أن يخرج في طلب علم ما سوى ذلك ، ولو كان ذلك في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وكان ليله ونهاره عند النبي صلى الله عليه وسلم فما دونه من العلماء الأخيار الصادقين الأبرار ، ما لم يضيع بعد علمه بالجملة ومعانيها وما يدخل فيها ، من معاني التوحيد ، والوعد والوعيد ، شيئا من ذلك بجحد منه لذلك ، أو يشك في علم ذلك ، وعلم معانيه وتضييع فرض ، حتى يفوت وقته الذي تعبده الله به فيه ، لا يسعه تركه إلى غيره بجهل ، ولا بعلم الا بعذر ، أو يرتكب محرما تعبده الله بالانتهاء عنه ، بغير حجة تسعه من زوال عين ، أو ضرورة إلى ذلك فيما يسعه فيه الاضطرار إليه ، أو تقوم عليه الحجة لله بوجه من الوجوه الحجج ، التى تقوم عليه من المعبرين له أمر الدين ، الذي يلزمه العمل به فيضيعه ، أو يلزمه الانتهاء عنه فيرتكبه ، أو تقوم عليه الحجة بعلم شيء من الدين ، فيشك في حجة الله عليه التي ليس بعدها حجة .
وإذا كان منه أحد هذه المعاني ، كان بذلك هالكا ناقضا لحكم ما أقر به (2/213)
صفحة 206
من جملته ، التي كان معتصما بها من الهلكة ، عالما بها من الجهالة ، مهتديا بها من الضلالة ، مهتديا بها من الشرك ، مؤمنا بها من الكفر ، صادقا بها من الكذب ، وصار بما أتاه من ذلك كافرا ، كاذبا جاهلا ضالآ ، وتعبده الله مع ذلك بالتوبة من ذلك ، والرجوع عما دخل فيه من الكفر إلى الإيمان ، ومن الجهل الى العلم ، ومن الكذب إلى الصدق ، ومن الضلال إلى الهدى ، فإذا تاب من ذلك الذي ركب ، وراجع علم ما لزمه علمه ، أو العمل لما لزمه العمل به ، إذا كان ذلك مما يلزمه مراجعة العمل به في دين الله ، رجع إلى حالته التي كان فيها ، وكان على تلك الجملة التي كان عليها بتوبته من مخالفتها ، ورجوعه إليها ، هذا ما لانعلم فيه اختلافا في أصول دين المسلمين ، فيما أجمعوا عليه ، فيما يسع جهله ، وما لا يسع من أصول الدين .
فصل : فان قال قائل : فهل عليه أن يتعلم شيئا من أمور الدين ، الذي يخاف أن يلزمه في وقت من الأوقات ، في طول عمره ، ولا يحضر مع لزومه له من يعبر له ذلك ، فيهلك بذلك ، إذا كان ثابتا عليه في أصل دينه ، إذا بلغ إليه ؟
قلنا له : فكل أمر الدين الذي تعبد الله به نبيه صلى الله عليه وسلم وأرسله به ، وتعبد به المسلمين ، وجميع العلماء في الدين ، وفي الأصل الذي أقر به هذا المقر ، بالجملة التي ذكرنا ، وهو داخل فيه غير خارج منه ، وبإقراره بالجملة قد أقر بالدين كله ، وبعلمه بالجملة قد علم جميع ما تعبده الله به ، من العلم في دينه . فإذا لم تكن الجملة عاصمة له عن الهلكة ، من جميع ما تعبده الله به في الجملة ، لم يجز أن يكون بذلك مسلما مؤمنا فهو مسلم ، وليس عليه تعليم شيء من دين الله ، غير الجملة حتى يلزمه ما سوى ذلك ، وإذا جاز أن يكون عليه تعليم بعض مالم يلزمه تعليمه من دين الله على انفراد ، ولم تجزئه فيه الجملة جاز أن يكون عليه تعليم جميع علم دين الله ، وإذا جاز أن يكون (2/214)
صفحة 207
عليه تعليم جميع دين الله جاز أن لا يكون مؤمنا حتى يعلم جميع دين الله ، وإذا جاز هذا جاز أن يكون في دين الله ما لا يطيقه العباد المكلفون من العباد ، وإذا جاز هذا جاز أن يكون الله غير حكيم في تدبير أمر دينه ، الذى تعبد به عباده ، وخرج هذا من حجة العقل ، إلى أمر النبيين والمرسلين ، والملائكة المقربين ، لأنهم لا يبلغون إلى جميع علم دين الله ، الذي هو في مكنون علمه ، إلا بما شاء أن يعلمهم منه وقتا بعد وقت ، وحينا بعد حين ، ولكان لا يجوز إلا أن يكون كل من تعبده الله بدينه عالما في حين ما تعبده الله به بجميع ما قد علم الله من أمر دينه ، الذي قد سبق في علم الله أن سيعلمه عباده ويتعبدهم به ، وهذا من المحال أن يكون في دين الله -تبارك وتعالى-.
فإن قال قائل : فاذا جاز أن لا يتعلم علم الوضوء للصلاة ، ولا يتعلم حدود الصلاة ولا تفسيرها ، وكان ذلك موضوعا عنه في قولكم ، وموضوعا عنه علم وجويها في وقتها وجميع أمورها، حتى يحضر وقتها ، فإذا حضر وقتها ، فما اللازم له من أمر دينه فيها من العلم لها ؟
قلنا له : إذا حضر وقت الصلاة التي قد تعبده الله بأدائها في وقتها ، ذلك الذي قد علمه الله ، وأعلمه أهل دينه الذين هم حجة على من هو مثلهم من المتعبدين من عباده ، وكان هذا المتعبد بذلك صحيح العقل ، بالغ السن بحضرته أحد من المعبرين ممن يعقل عنه في أمر الصلاة بعبارة ، أو يستدل منه فيها على إيماء أو إشارة كان عليه أن يسأل ذلك الحاضر له ، كائنا من كان ، عما يلزمه في أمر هذه الصلاة الحاضرة ، من حين وقتها ووضوئها وحدودها وإقامتها ، ما لا يسعه جهله ولا تركه في أمرها ، فإن أعلمه ذلك الذي بحضرته ، فعبر له أو أشار إليه ، أو أومأ إليه بشيء من أمر هذه الصلاة الحاضرة مما يعقله عنه ويعقل معانيه فيها من العبارة والإيماء والاشارة ، مما يدله على أمر جميع الصلاة الحاضرة ، أو أمر شيء منها من معرفة وقتها ووقت وجوبها وحدودها والوضوء فيها ولها ، وجميع ما لا يسعه جهله من (2/215)
صفحة 208
حدودها ، كان ذلك عليه حجة ، ولو كان طفلا فطيما ، أو رضيعا ، أو يهوديا ، أو نصرانيا ، أو مشركا ، أو وثنيا ، أو معتوها زائغ العقل ، أو وجد ذلك في حين ذلك في كتاب مكنون في رق ، أو في قرطاس ، أو حجر ، أو غير ذلك من عبارة تلك الصلاة الحاضرة المتعبد بها كان ذلك عليه حجة ، وكان عليه قبول ذلك في وقت ما تعبده الله به من ذلك ، من جميع ما يلزمه في تلك الصلاة الحاضرة . وإن لم يجد من يعبره له بحضرته شيئا من أمر الصلاة الحاضرة ، وحسن في عقله ، وقدر أن يخرج في طلب علم ذلك من بلده الذي هو فيه ، أو غير بلده الذى هو فيه ، ممن يدله على أمر تلك الصلاة الحاضرة ، المتعبد بها في وقته ذلك ، ما دام عليه وقت تلك الصلاة ، إلى وقت فوت وقتها فان حسن في عقله أنه يدرك عبارة ذلك ، ممن هو مثله من المتعبدين بذلك ، أو غيرهم من المعبرين ، كان ملزوما طلب علم ذلك ، وعليه الدينونة بالسؤال عن علم ذلك ، ولو كان بأرض الروم ، أو بأرض الهند أو الزنج المشركين إذا كان ، أو كان في جزيرة من جزائر البحر ، أو في بدو من السباسب والقفار ، أو في مصر من أمصار أهل التوحيد والإقرار فلا فرق في الأحكام على المتعبدين ولهم ، عند وجود علم ذلك ، ولا عند عدم علم ذلك وعدم علم المعبرين له ، ولا يهلك المعذور بعلم شيء مما لم يلزمه علمه ، ولو كان ذلك الجاهل بمكة ، أو بالمدينة ، أو غيرهما من أمصار أهل التوحيد من أهل الإقرار ولو كان بنزوى من مصر عمان ، أو بقصبة صحار أو حيث ما كان من البر والبحار ، فالحكم في ذلك واحد ، والعذر واحد ، والحجة واحدة ، ولا فرق فى ذلك عند عدم علم ذلك مع الدينونة بما يلزمه من السؤال ، عن علم ذلك في وقت ما يلزمه العمل بذلك .
فصل : والاجتهاد في ذلك بالبحث والسؤال ، لكل من وقعت عليه عينه ، أو اطمأن إليه قلبه ، أو سمعته أذنه ممن يرجو أن عنده دلالة على ما قد لزمه ، أو من حيث وقع عليه رجاء علم ذلك من الكتب وغير ذلك . فإذا علم الله منه الاجتهاد في طلب علم ذلك ، فأعدم ذلك حتى فات الوقت وهو دائن (2/216)
صفحة 209
بالسؤال عن ذلك ، والطلب له حتى فات وقت العمل به ، الذي قد تعبده الله به في وقته ، ولا يرجع لذلك الفائت وقتا يؤديه فيه بعينه ، فقد صار في حد العدم للعمل الفائت بعينه ، فإنما هو يعمل في المستأنف بدلا عما مضى ، فإذا صار ذلك بدلا ، وهو على حد الاجتهاد فهو معذور ، وعليه السؤال عما يلزمه من بدل ذلك في بعض قول المسلمين ، لا نقول بأنه على سبيل الإجماع بالدينونة .
وما لم يبلغه علم قبل أن يحين وقت الصلاة التي قد حضرت ، علما يقف على معناه في مبلغه وحفظه ، وحفظ معانيه عند حضورها ولم يجد معبرا له يعلمه ما يلزمه فيها ، من حين وقتها ، ومعرفة حدودها كلها ، أو شيء منها ، أو مما لايسعه إلا العمل به فيها ، ولم يقصر في طلب ذلك بالاجتهاد ، والبحث ، والعمل ، والبذل للمجهود ، كما يطلب الماء للوضوء للصلاة ، ويمشي إليه اذا كان عارفا به من المواضع ، ويبحث عنه من قدر عليه إذا لم يعرف موضعه ، ويبذل فيه ماله واحتياله حتى يتوضا ، ويتطهر للصلاة ، فاذا لم يقضر في طلب العلم لذلك اللازم في أمر هذه الصلاة ، كما لم يقصر المعدم للماء في طلب الماء ، حتى فات وقت ذلك ، ولم يحسن في عقله عند عدم المعبرين شيئا يقوم في حجة عقله من تأدية هذه الفريضة للصلاة الحاضرة ، من تسبيح أو تكبير ، أو قراءة ، أو قيام ، أو قعود ، أو سجود ، أو ركوع ، فما حسن في عقله من تأدية ذلك ، عند عدم المعبرين ، كان عليه تأدية ذلك بما حسن في عقله ، مع الدينونة بالتوبة إلى الله مما ضيع من أمر هذه الصلاة فهو سالم مسلم ، ولا يقع عليه بالاجماع بالدينونة بالسؤال ، عن تأدية بدل ما مضى من الصلوات على هذا .
وقد قيل : إن ذلك يلزمه ، والذين يلزمونه ذلك مختلفون في ذلك .
فقال من قال : ليس لذلك غاية متى شاء أبدل ذلك . (2/217)
صفحة 210
وقال من قال : عليه بدل ذلك في أسرع ما يقدر عليه ، إذا علم ذلك فالبدل لذلك أوسع ، ولا يدخل ذلك في الدين المجتمع عليه ، أنه يلزمه السؤال عن تأدية ذلك .
فصل : وكذلك لا تلزمه الدينونة بالسؤال عما لم يحضر بعد من الصلوات حتى يحضر وقتها ، فاذا حضر كل صلاة لوقتها ، كان عليه من التعبد فيها ما قد وصفنا ، وعليه من الحجة في ذلك ما قد ذكرنا ، ولا سلامة له من الهلاك بدون الاجتهاد في ذلك ، مع عدم ذلك للمعبرين ، كما عدم الأصم السمع ، فعذر عن السمع ، وعن فرائض السمع ، وكما عدم الأعمى البصر فعذر عن فرائض النظر بالعين ، وكما عدم الأعجم الكلام ، فعذر عن فرائض القول باللسان ، وكما عدم المعتوه العقل فعذر عن جميع التعبد والفرائض .
وكذلك لا شك في هذا عند من عرف أحكام الدين ، إن من عدم علم ما لا يبلغ إلى علمه إلا بالعبارة ، فعدم المعبرين أنه غير هالك ، وأنه معذور في دين الله - تبارك وتعالى - وكذلك لا عذر لمن بلغ إليه علم حجة الله ، التي هي لله عليه حجة أن يجهلها لموضع جهله بها ، ولظنه أنها ليست بحجة عليه ، وعليه في عبارة علم هذا الذي وصفنا من أمر الصلوات ، جميع من وقع عليه رجيته بوجه من الوجوه أنه يجد معهم عبارة ذلك ، أو يسمع ذلك من غير سؤال في وقت ما يلزمه ذلك ، فإذا أخبره مخبر بذلك الذي قد لزمه كائنا من كان من المخبرين ، وعبر له ذلك معبر كائنا من كان من المعبرين ، على ما قد وصفنا ، أو غير ذلك مما قد غاب عنا فذلك عليه حجة في علم ما لا يسعه جهله من علم الفرائض الحاضرة ، المطالب بها في الأوقات التي تفوت ، وبعدم وقتها ويفوت العمل بها بعينه.
فصل : وإذا قامت عليه الحجة بعلم ذلك قبل وجوب وقتها ، ثم لم يتبين ذلك العلم الذي قام عليه من المعبرين كائنا من كان منهم حتى حضر وقت العمل بهذه الفريضة التي قد علم العبارة بها لها ، والعلم بها ، من أي (2/218)
صفحة 211
الوجوه كان ، لم يسعه الشك في ذلك ، وكان ذلك عليه حجة . وإذا حضر وقت العمل بها ، ولو لم يكن حين علم ذلك ، كان عليه واجبا علم ذلك ، فإذا لم يتبين ذلك ، ولم يغب عنه علمه حتى حضر وقت ما تعبده الله به ، فقد قامت عليه الحجة بعلم تلك العبارة المتقدمة ، ممن كان من المعبرين على ما وصفنا .
وما لم يجد هذا المعتصم بالجملة ، معبرا ولا وطىء علما ، ولا قصر في اجتهاد في وقت وجوب العمل ، ولم يصر على ما تلزمه التوبة فيه في جملته عن ذلك ، ولم يدن في ذلك بدين ضلال فهو سالم من الهلكة إن شاء الله .
وهذا من المواضع التي جاء فيها الأثر أن السائل فيها سالم ، والشاك فيها هالك ، ولا يكون الشاك في جميع ما لا يبلغ إليه علمه من حجة العقل ، ولا يكون إلا بالسماع هالكا فيما كان من الأشياء التي لا يدرك علمها الا من طريق السماع ما دان بالسؤال ، واجتهد في ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا في قول المسلمين .
وكذلك كل فريضة من فرائض الله ، ولازم من دين الله يفوت وقته إذا لزم العمل به ، وله انقضاء لا يجوز الا في وقت معروف ، مثل الوضوء للصلاة ، والغسل من الجنابة ، فوقت لزوم ذلك وقت الصلاة ، فاذا حضرت الصلاة اللازمة ، وجب التعبد بالوضوء والغسل من الجنابة ، وعليه في ذلك مثل ما عليه في الصلاة ، من الاجتهاد لطلب علم دلك ، والدينونة بالسؤال ، واعتقاد التوبة ، وهو كما وصفنا ، فإذا جاوز وقت الصلاة زال عنه التعبد بذلك حتى يرجع وقت تلك الصلاة ، أو غيرها من الصلوات ، وهو على هذا أبدا كما وصفنا في الصلاة ، وكذلك صيام شهر رمضان لا يجوز أن يصام في غير وقته إلا من عذر ، فإذا أصبح في شهر رمضان ، وانشق عليه الصبح من أول يوم من شهر رمضان ، وهو حاضر غير مسافر ولا مريض ، (2/219)
صفحة 212
فقد لزمه صيام ذلك اليوم من شهر رمضان ، وذلك ما لا يدرك علمه إلا بالسماع ، والقول فيه كالقول في الصلاة من اعتقاد السؤ ال ، والبحث ، وطلب علم ذلك بالاجتهاد ، من حيث ما قدر على السؤال ، وكل من عبر له ذلك ، فهو حجة عليه كما وصفنا من أمر الصلاة ، فإذا جاء الليل فقد زال عنه كلفه التعبد بالصوم في الليل ، وهو موسع في علم غد حتى يطلع عليه الفجر من غد ، ثم هو كذلك في كل يوم حى ينقضي شهر رمضان ، وعليه طلب علم ذلك بالخروج ، والضرب في الأرض بقدرته ، وطاقته والغرض من ذلك أن يخرج عند القدرة في طلب علم ذلك اليوم ، الذي قد تعبده به إلى انقضائه ، لأن يخرج من الضيق الذي قد دخله ، فإذا جاء الليل فليس عليه تعبد بعلم ذلك ، فذلك دأبه مع الدينونة بالسؤال في الأصل ، لجميع ما يلزمه من دين الله في شريطته واعتقاده ، فمتى ما قد قامت عليه الحجة بعلم ذلك ، ولو في ساعة من آخر اليوم كان عليه أن يصوم تلك الساعة ، ولا يسعه جهل ذلك ، ولا يجوز له ولا يسعه في هذا ومثله ، إلا أن يسأل جميع من وقع عليه نظره ، أو سمعه ، أو عقله ، أو وهمه من الأشخاص الذي يعبر له ذلك ، ويعقل عنهم عبارة ذلك ، والإشارة ، والإيماء به ، وكل من أفتاه بذلك فهو حجة عليه ، ولا يسعه إلا قبول ذلك منه ، ولا نعلم في ذلك اختلافا من قول أهل العلم .
وأما ما خطر بباله ، أو سمع بذكره ، وعرف معناه من أمر توحيد الله - تبارك وتعالى - الذي لا يحتاج إلى تفسير ، ولا تأويل ، وهو من المعقولات من صفات الله -تبارك وتعالى - ومن أسمائه ، أو وجوب وعيده لمن عصاه ووعده لمن أطاعه وأرضاه ، وما يخرج من هذا ونحوه ، فإذا خطر ذلك أو شيء منه بباله أو سمع بذكره ، وعرف معاني ذلك ، فلا يسعه جهل ذلك ، ولا الشك فيه ، وهو غير منفس في السؤال عنه لمعبر من الخليقة ، وحجة ذلك ، ومثله تقوم عليه من عقله ، ويهلك بجهلها من حينه ، ولا نعلم بذلك اختلافا ، إذا شك في معنى ذلك . (2/220)
صفحة 213
وأما إذا شك في اسم ذلك ، وعرف معناه ما لم تصح معه أسماء ذلك ، فهو واسع له ، مثل أنه لا يسمع بأسماء الله وصفاته ، وأسمائه المسمي بها نفسه ، فإذا لم يسمع بالله وعرف معنى ذلك أنه مالك له ، ولما برأ من الموجودات ، وقادر عليه وعلى جميع المقدورات ، ومحدثه ومحدث جميع المحادثات ، وأشباه هذا ، فإذا عرف معاني صفات الله وأسمائه ، وسعه أن يسمي الله بأسمائه المسماة معه ، ومع من علمها من أهل العلم بها ، وكذلك إن جهل اسم النار ، وعرف معاني العقاب من الله لمن عصاه ، وأقام على معصيته ، ولم يبلغه علم النار باسمها ، ويعرف ذلك ، وكذلك إن جهل اسم الجنة ، وعرف معنى ثواب الله - جل ثناؤه وتعالى - لأوليائه على طاعتهم له ، وأن ثوابه لأوليائه وأهل طاعته ، لا يشبهه ثواب المحدثين المثيبين لبعضهم بعض ، وكذلك العقاب ، وكذلك جميع ما يتولد من مثل هذا ، مثل أن الله يبعث من في القبور وإليه النشور ، فإذا لم يعرف اسم القبور والنشور ، وعرف معنى أن الله قادر على أن يحي الموتى ، وأنه محييهم لعقابه على معصيته وثوابه على طاعته ، وسعه ذلك حتى يبلغه علم ذلك باسمه .
وأما علم اللوازم عليه في ماله ونفسه ، مثل الحج إذا لزمه ، والزكاة في ماله إذا لزمته ، ووجب عليه ذلك ، فذلك أوسع من الصلاة والصوم وفي ذلك قولان :
أحدهما : أن عليه أن يعلم ذلك ولا يسعه جهل علمه ، وإن وسعه تأحير ذلك لسعة وقته ما لم يدن بتركه ، أو يمت وهو ذاكر له ، قادر على الوصية ، فلا يوصي بذلك .
وقال من قال : إنه لا يلزمه علم ذلك لسعة وقته ، مالم يدن بترك ذلك ، أو يمت ولا يرضي بذلك .
وهذا القول الآخر أصح لسعة ذلك . (2/221)
صفحة 214
فإذا جهل ذلك ولم تقم عليه الحجة بعلم ذلك ، وكان دائنا بما يلزمه ، على حسب ما ذكرنا في أمر الوضوء والصلاة والصوم ، ولم تقم عليه الحجة حتى حضره الموت ، فلم يوص لجهله بذلك قبل أن تقوم عليه الحجة من جميع المعبرين فهو سالم -إن شاء الله - وعلى قول من يقول : إن علم ذلك لا يسعه ، ولو وسعه تأخير ذلك ، فإنه تلزمه الحجة في ذلك من جميع المعبرين ، وعليه السؤال عنه على حسب ما ذكرنا في الصلاة .
وعلى قول من يقول : إنه يسعه جهل علم ذلك ، إلى أن يحضره الموت ، فلا تقوم عليه الحجة بذلك إلا من العلماء الذين تقوم بفتياهم الحجة فيما يسع جهله ، أو يصح معه علم ذلك ، بأي وجه من الوجوه كان ذلك العلم.
وأما إذا أتى على حال لا يسعه جهل علم ذلك ، وهو الموت ، فإن عبارة جميع المعبرين له حجة عليه ، كان ذلك عند الموت ، أو عبر له قبل ذلك ثم لم ينسه ، ولم يغب عليه علم ذلك ، وذلك في الحج والزكاة جميعا ، وكل حال من دينه لا يسعه جهله لفوات وقته ، فالحجة عليه تقوم من عبارة جميع المعبرين كما وصفنا ، كالوضوء والصلاة والوتر والاستنجاء من البول والغائط ، والختان من السنن ، لاحقات بأحكام الفرائض التي تفوت في بدنه ، فوقت الاستنجاء من البول والغائط ، بمنزله الغسل من الجنابة عند حضور وقت الصلاة ، والوتر في وقته لاحق بالفرائض ، والختان فوقته من حين ما يبلغ الحلم إلا أن يكون له عذر ، من خوف على نفسه من برد أو غيره ، ولا يسعه جهل ذلك ، والعبارة عليه من الجميع تقوم بها الحجة عليه بمنزلة الصلاة ، والسؤال فيه ، والعذر عند الاجتهاد فهو بمنزلة الصلاة ، غير أنه عليه التعبد به أبدا ليلا ونهارا ، ولا غاية له في طلب علم ذلك حتى يخرج منه ، أو يموت على ذلك معذورا ، أو تقوم عليه الحجة من جميع من عبر له ، فيجهل الحجة فيموت هالكا . (2/222)
صفحة 215
باب: ما يسع جهله وما لايسع جهله من أحكام الولاية والبراءة
ومما يعذر الناس بجهله من الأحكام في البراءة بعد هذه الأصول التي بها يجب معرفة أحداث المحدثين ، ويخرج منها أحداث المحدثين عند وقوع الضعيف على معرفته عند المحنة به ، بعد معرفة الأسماء الواقعة بالمحدثين ، المستحق المحدث لها عند الله في دينه ، وعند العلماء بدينه ، وهما اسمان يجمعان جميع أهل الأحداث ، ولا يخرج أحد من جميع أهل هذه الأحداث منهما ، وهما الشرك والنفاق ، فجميع المحدثين لا تخرج أسماؤهم من أحد هذين الاسمين ، ولا معدى لهم عنهما ، ولا يجوز أن يسمى أحد من أهل هذين الاسمين بالآخر بجهل ولا بعلم ، برأي ولا بدين ، وهما مما يسع جهله ، ما لم يبلغ إلى علم ذلك ، أو تقوم عليه الحجة بذلك ، أو يسمى أهل النفاق بالشرك من طريق الجحود ، أو يسمى أهل الشرك من أهل الجحود بالنفاق ، فإذا فعل ذلك لم يسعه ذلك وضاق عليه جهل ذلك ، ويجمع جميع أهل الاسمين ويلحقهما جميع الأسماء القبيحة من الكفر والضلال والفسق والظلم والعدوان ، وجميع الأسماء القبيحة ، ما سوى الأسماء المفردة بالشيء بعينه ، من أجل الفعل بعينه ، مثل السرق والزنا والقذف والسكر ، وأشباه هذه الأسماء التي تخص فاعلها باسم فعله ، فإنها من الأسماء القبيحة ، (2/223)
صفحة 216
ولا يجوز أن تلحق إلا بأهلها الفاعلين لها ، وجميع هذه الأسماء راجعة كلها إلى أحد اسمين إما شرك واما نفاق .
والاسمان يلحقهما جميعا الكفر والضلال والفسق والظلم والعدوان ، وجميع الأسماء القبيحة التي تكون غير مشتقة من الأفعال ، لأن الأسماء المشتقة من الأفعال لا يجوز أن تلحق بغير أهلها من أهل الشرك ولا من أهل النفاق ، وكل اسم له حكم منفرد به من جميع الأشياء دون غيره ، فلا يجوز أن يسمى به غيره ، ولو كان من أهل اسمه الجامع له من الشرك والنفاق ، ومن أجل هذا لم يجز أن يسمى أهل الشرك بالنفاق ، ولا أهل النفاق بالشرك ، لأن في كل واحد منهما حكما في دين الله ، لا يجوز في الآخر من السبي والغنيمة والمناكحة والموارثة والشهادات والذبائح ، وغير ذلك مما يجوز من أحدهما أو في أحدهما ما لا يجوز في الآخر ولا منه ، ،وإن كانا جميعا يلحقهما السخط من الله والغضب والعداوة والعقوبة بجميع الفعلين والقولين والنيتين ، فإنهما غير مستحقين لجميع الأشياء كلها ، التي لا يجوز في أحدهما من الأحكام ، ولا يجوز أن تختلف الأحكام في شيء تتفق فيه الأسماء كلها .
وإذا كان كذلك وجاز ذلك ، فلا فرق بين الكفر والنفاق ، بل لقد اختلف الاسمان معنا من أجل اختلاف الأحكام مما وصفنا وغير ذلك ، فلما كانت الأحكام مختلفة لم يجز أن يكون الحكم يخص إلا لمخصوص الاسم الذي به خص الحكم في ذلك المسمى والمحكوم فيه ولوكان لا فرق بين الشرك من الجحود والنفاق ، ما كان هنالك فرق في هذه الأحكام ، ومحال أن تختلف الأحكام وتفترق إلا وخصتها الأسماء التي بها يستدل على المحكوم عليه ، وفيه الذي قد ثبت فيه الحكم في دين الله ، ولم يجز أن يسمى المنافق مشركا ولا المشرك منافقا ، من أجل تبطيل الأحكام الثابتة في الإسلام ، في كل أهل اسم منها دون الآخر ، وجب أن يسمى كل منهما باسمه ، بحكم في كل اسم منها بحكمه الذي قد خص به دون غيره من الاسمين ، فإن جهل ذلك (2/224)
صفحة 217
جاهل ، فسماهما بغير أسمائهما ، ونقلهما عن مواضعهما التي هما ثابتان فيها ، فغير معذور بذلك ، من أجل هذه المعاني وهده الأحكام التي تثبتهما بإثبات الاسم ، لمخالفة دين الله فمهما ، فيما يدين به وهو في جملته ، وكان بذلك ناقضا لما أقر به من الجملة ، التي يثبت فيها خلاف ما ركب بجهله .
فإن جهل جاهل مواضع هذين الاسمين من المحدثين ، وقصر علمه عن ذلك ، وعن تفسيره ووضعه في مواضعه ، فعلم ضلالة المحدثين ، أو كفر المحدثين ، أو فسق المحدثين أو ظلم المحدثين أو عداوتهم ، أو أسماء أهل الأحداث ، بشيء من الأسماء الجامعة غير المشتقة من الأفعال ، كان ذلك كافيا له ولو علم مخالفة المحدث لدين الله ، غير أنه لم يعلم معاني الظلم والكفر والفسق ، وفي هذه الأسماء التي وصفناها ، فعلم خلاف المحدثين لدين الله أو لطاعة الله ، وأنهم قد خرجوا من حال رضاء الله إلى سخطه ، أو من حال ولايته إلى عداوته ، أو من حال موافقة دين الله إلى مخالفته ، جاز ذلك له ووسعه ذلك ، ولو لم يسم المحدث بشيء من الأسماء ، إذا جهل ذلك وقصر علمه عن ذلك ، فإذا علم ذلك ووضعه في مواضعه ، وعرف معاني ذلك ، لم يسعه إلا إثبات ما أثبته الله على أهله من الأسماء والأحكام ، وعلم ذلك ووضعه في مواضعه إذا بلغ إلى علم ذلك .
وكذلك لو يرى من أهل الأحداث كلها ، وجهل الأسماء اللاحقة بأهلها ، فيرى من أهلها ، أو فارقهم أو خلعهم عن الدين الذي به يكونون مطيعين مؤمنين مستحقين لولاية الله ورضاه ، كان قد أتى ما يجزئه في دين الله مالم يبلغ إلى علم ذلك .
فصل : وكذلك لو جهل معنى البراءة والخلع والفراق ، وعلم معنى الخلاف والعداوة والسخط من الله ، ولم يثبت على جهله بجميع الأحكام لأهل الأحداث اسم الإيمان ، ولا الطاعة ولا الرضا من الله ، ولا الموافقة لدين الله ، بقول أو نية أو اعتقاد ، فإذا لم يثبت الضعيف لأهل الأحداث كائنا (2/225)
صفحة 218
ما كانت الأحداث أسماء ، الايمان أو الطاعة أو الرضا من الله ، وتسميتهم بشيء من الأسماء التي تقع عليهم في جميع جملة الأسماء ، أو علم خلافهم لدين الله أو مفارقتهم لدين الله ، أو خروجهم من دين الله ، أو براءتهم من دين الله ، بأي ذلك أخرجهم من جملة الايمان ، أو من جملة طاعة الله ، أو من جملة الإسلام والإحسان ، فقد أتى بما يجزئه ودان بما يلزمه ، ما لم يعلم غير ذلك من الأحكام ، أو يسمي أهل الأحداث بشيء من أسماء أهل الطاعة والإيمان والولاية ، أو بشيء من جميع الأسماء التي يستحقها أهل الطاعة ولا يستحقها أهل المعصية ، أو يسمى أهل الشرك بالنفاق وأهل النفاق بالشرك ، أو أهل الزنا ممن كان من أهل الشرك أو النفاق بالسرق ، أو أهل السرق ممن كان بالزنا ، أو يخالف شيئا من دين الله بجهل أو بعلم أو يثبت أسماء لا تثبت ، أو يحكم حكم لا يلزم ، فإذا فعل ذلك لم يسعه ، وما سلم من هذه الأشياء التي وصفناها في جميع أهل الأحداث ، وأثبت فيهم بعض ما قد وصفنا ، أو غير ذلك مما لم يحضرنا من الأسماء والصفات ، وسعه ذلك وجاز له وكان مسلما بذلك .
فصل : وقد قيل : إنه لا يسعه جهل علم الشرك من النفاق ، ولا يسعه جهل ذلك ، والمعنى معنا في ذلك على التأويل ، أنه لا تسعه تسمية أحدهم بالأخرى ، فركوب ذلك لا يسع كما وسعه على الجهل أن يسمى الظالم فاسقا ، والفاسق ظالما ، وما اجتمع من الأسماء كلها فذلك يسعه جمعه على الجهل ، ولا يسعه جهل جميع هذين الاسمين ، فعلى هذا يخرج تأويل قوله : لا يسع جهل الشرك من النفاق لأنهما ضدان ولا يجوز الجمع للأضداد بجهل ولا بعلم ، وسائر الأسماء متفقة غير متضادة ، فيسع جهلها وتفريقها وجمعها في أهلها وإن كثرت في الأسماء والألفاظ ، فإنها متفقة ني الأصل.
وتفسير هذا القول أنه لا يسع جهل الشرك والنفاق فإنما هو على الركوب لذلك على الجهل ، كما جاء في الأثر أنه كل ماجاء في كتاب الله فلا يسع (2/226)
صفحة 219
جهله ، والمعنى في ذلك أنه لا يسع جهل ركوبه ، على خلاف ما فيه الحكم من كتاب الله .
كذلك لا يسع جهل ما جاءت به السنة ، والاجماع إنما هو لا يسع جهل ركوبه على خلاف ما جاء في دين الله ، ولو كان ذلك كذلك .
ولا يسع جهل علم أهل الشرك من أهل النفاق ، لما كان يجوز أن كون مسلما مؤمنا ، إلا من عرف أحكام ذلك ، ولعل ذلك من أدق الأشياء حكما ، وأخفاها اسما ، وهذا ما لا يجوز أن يكلفه الله العباد .
فصل : فإن قال قائل : ليس عليه أن يعلم دقائق ذلك ، وإنما عليه أن يعلم أن النفاق غير الشرك والشرك غير النفاق .
قلنا له : لا معنى لذلك في حكم دين الله أن يضيق على من جهله ، لأن ذلك مما لا يبلغ إلى علمه من حجه العقل ، وإنما يبلغ إلى معرفته من السماع والعبارة ، فهو من جملة ما يسع جهله أبدا ما لم يركبه على خلافه ، أو يتولى راكبه ، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه ، أو يقف عنهم برأي أوبدين ، أو يبرأ أو يقف بدين عن ضعيف من ضعفاء المسلمين .
ولو قال قائل : لا يسع جهل شيء من دين الله ، ولوكان ذلك صوابا وخاصا من معاني وجوب ما لا يسع جهله ، لأن جميع دين الله لا يسع جهله ، ولكن تحتلف معاني ذلك في وجوب ما لا يسع جهله ، وقد وقع عليه على كل حال اسم ما لا يسع جهله ، لأن جميع دين الله لا يخلو من أحد أمرين :
إما أن يكون شيء من دين الله تقوم به الحجة من العقود دون السماع .
والعبارة من صفة الله - تبارك وتعالى - وتوحيده ، ووعده ووعيده ، فإذا سمع العبد بذلك الشيء من دين الله ، أوخطر بباله أو دعا إليه وعرف معنى ذلك والمراد به ، فعليه علم ذلك وعليه ألا يشك فيه ، وغير منفس في السؤال (2/227)
صفحة 220
عنه ، ولا غاية لهذا الشيء من دين الله ، إلا أن يخطر ذلك الشيء ببال العبد أو سمع بذكره ، أو يدعى إليه ويعرف معناه ، فإذا كان ذلك فقد نزلت بليته ووقعت محنته ، وقد كان قبل ذلك سالما منه في الكلفة لعلمه قبل أن يخطر بباله أو يسمع بذكره أو يدعى إليه ويعرف معناه ، وهذا الأصل هو جميع ما كان من صفة الله - تبارك وتعالى - وتوحيده ووعده ووعيده ، فهو وان كان قد لحقه اسم ما لا يسع جهله في حين خطور البال أو سماع الاذن أو الدعاء إليه ، فقد كان قبل ذلك معذورا بذلك الذي قد امتحن به ، ونزلت به بليته من جميع دين الله ، فقد أتى على العبد حال في جميع هذا الشيء من أصل دين الله ، وهو يسعه جهله في حال مالم يمتحن به العبد ، ويتعبد به في حال الخاص من التعبد ، وان كان أصل ما تعبد الله به العبد ، أنه لا يسع جهل جميع دين الله ، فقد أتى عليه حال وقد وسعه جهل ذلك ، فأصل جميع دين الله أنه يسع جهله في حال ما لا يلزم العبد الكلفة له وفيه ، وأصل جميع دين الله لا يسع جهله ، إذا أن حال ما كلف العبد التعبد به وفيه ، إلا أنه تعبد عباده فيه بأحوال مختلفة ، فمنه ما تعبد عباده فيه بالعلم له والشهادة به ، فكان لزوم التعبد للعبد فيه محي تلك الحال ، التي ألزم الله عبده ، أن يعلمه ويشهد به ، فإذا جاءت به تلك الحال التي كلف الله عبده فيها ، علم ذلك الشيء من دينه على جملة ما أخذ الله عليه من الميثاق ، ألا يعصيه في شيء مما تعبده به من دينه ، وألا يضيع شيئا ألزمه الله إياه في دينه ، إذا جاء وقت المحنة فيه ، أن يعلمه ويشهد به ، وذلك المراد منه والمسؤول إياه في دين الله ، المأخوذ عليه الميثاق في دين الله أن يعلمه ولا يسعه إذا جاء حال التعبد به أن يجهله ، وعليه أن يعلمه يقينا ، على أصل ما تعبده الله به في دينه ، سبق إليه علمه قبل ذلك أولم يسبق ، فهومسؤول عن علم ذلك ومتعبد بعلم ذلك ، ومن كلف العلم لم يسعه الجهل ، ولا كان له عذر في الجهل ، فيما كلف فيه العلم ، لأن أصل ما تعبده الله في هذا ، وأراد منه أن يعلم ذلك ، لا غير ذلك من المرادات ، ولا ليستدل بذلك العلم على ترك شيء من دين الله ، أو العمل لشيء من دين (2/228)
صفحة 221
الله ، وإنما نفس ما تعبد به العبد هو العلم لذلك الشيء ، فلم يتعبده الله بعلم شيء إلا وقد قطع عذره فى جهله ، لأنه هو المراد منه ، المأخوذ عليه الميثاق فيه أصل دين الله ، وكان جميع دين الله واسعا لهذا العبد ، بجهله ما لم يحضر وقت التعبد له فيه ، بأحد معاني التعبد له في دين الله ، فإذا جاء الوقت الذي وجب فيه التعبد له ، لم يسعه مخالفته على ما أخذ فيه من الميثاق ، ولا يسع العبد جهل ا تعبده الله له في دينه إذا جاء وقته . (2/229)
صفحة 222
باب: ما يسع الجاهل جهله من الدين وتصنيفه، وتصنيف ذلك من المحللات والمحرمات
وأما ما يسع الجاهل جهله فى دين الله - تبارك وتعالى - ما عدا الفرائض الواجبة والحقوق اللازمة ، مما ذكرنا ومما لم نذكره مما هو مثله ولاحق به ، مما يلزم العبد التعبد به ، ولولم يكن راكبا له ، فهو جميع ما حرم الله في كتابه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، أو أجمع المهاجرون والأنصار على تحريمه ، أو أجمع على تحريمه من بعدهم التابعون لهم بإحسان ، مما هو لاحق بالدين ، أو أجمع على تحريمه تابعو التابعين بإحسان إلى يوم الدين في كل عصر وزمان ، جعلهم الله حجة فيه على أهله من الصادقين ، فكل ما ثبت تحريمه وحجره من أحد هذه الوجوه ، فليس لأحد أن يركبه بعلم ولا بجهل ، ولا يخالفه بدين ولا برأي .
على هذا أجمع جميع الأمة من أهل القبلة مع اختلافهم في تأويلات ذلك ومخصوصاته ومعموماته ، وهم على هذه الأصول مجمعون أنها من الدين ، وأن الحق منها ، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا ، فأما المسلمون أهل الاستقامة من الأمة ، فلا شك في إجماعهم على هذا ، فكل معتصم بالجهلة التي دان بها لله ، ولم يضيع فرضا أوجب الله عليه العمل به ، من قول أو عمل أو نية ، فهو سالم بجهل جميع المحرمات من دين الله ، ما لم يركب شيئا منها بجهل أو بعلم ، أو يتولى راكبا لشيء منها بجهل أو بعلم ، أو يقف عن العلماء الذين . (2/231)
صفحة 223
هم ححة الله في القول ، فيما يسع جهله برأي أو بدين بجهل أو بعلم ، أو يبرأ منهم بدين أو برأي من أجل قولهم في ذلك بالحق ، أو من أجل براءتهم ممن ركب شيئا من ذلك برأي أو بدين ، أو بجهل أو بعلم ، أو يتقول على الله في حين جهله بذلك ، ما لم يأذن به من الباطل بغير علم برأي منه في ذلك ، أو يدين بجهل منه لذلك ، أو يعلم أو يعتقد في ذلك الدينونة له بالباطل بجهل أو بعلم ،فما سلم من أحد هذه الوجوه فهو سالم بجهل ما دان بتحريمه في الجملة ، وهو عالم بما يلزمه علمه بعلمه للجملة ، حتى ينقض ذلك بشيء مما لا يسعه مما ذكرنا في كتابنا أو لم نذكره ، مما هو مثله وداخل فيه ، ونازل منزلته .
والحجة في تحريم ذلك وحجره ، تقع على وجوه مختلفة ، وان كانت في أصل الحق مخلتفة ، فإنها في أحكامها مختلفة وفي أقسامها منتقضة متصرفة ، وسنذكر من ذلك إن شاء الله ما أذن الله بذكره ، وفتح ويسر بفضله ويسره ، فمن ذلك ما يكون التحريم واقعا فيه بالاسم والعين متعلقا بالعين ، ولا نعرف الحرمة له إلا بمعرفة العين ، فإذا غابت العين لم ندرك علم الحرمة له بالتسمية ، وإذا حضرت العين منه لم يقع النظر منه إلا على محرم ، لأن الحرمة متعلقة في عينه وجنسه ، فلا يسع جهل ذلك في التسمية ولا في العين ، ومن ذلك الخمر والحنزير والميتة والدم ، وما أشبه ذلك مما هو مثله ، فإن يقع الحجر فيه بالتسمية والعين ، فأما التسمية فمحجور على الجاهل أن يحل ذلك ويقول إنه حلال برأي أو بدين ، وذلك محجور عليه ومهلك له ، إذا أحله بالتسمية ، ولو لم ير عين ذلك ، ولم يعرف ما هو ولا ما صفته ، ففي الاطلاق أنه محرم الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير ، فلا يجوز في الاطلاق تحليل ذلك لجاهل ولا عالم برأي ولا بدين ، فإذا أحل ذلك فهو هالك .
وكدلك إن تولى من أجل ذلك برأي أو بدين أو بجهل أو بعلم ، فهو هالك لذلك إذا كانت الولاية له بدين ، والتحريم في هذا على العموم في (2/232)
صفحة 224
التسمية حتى يخص ما أحل من ذلك في حال الاضطرار ، وما أحل من دلك بالعموم والتحريم واقع على العموم ، ولا يجوز أن يحل ذلك على العموم إلا على الخصوص ، لما أحل الله من ذلك الاضطرار والاستثناء في ذلك . (2/233)
صفحة 225
باب: ما لا يسع جهله
كل متول لمحدث على علم من المتولي بحدث المحدث أنه أحدثه ، أو كان منه ذلك الحدث ، كان ذلك الحدث مما يسع جهله أو مما لا يسع جهله ، كائنا ما كان ذلك الحدث من الأحداث المكفرات ، من ركوب لكبيرة مما حكم بتحريمه كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو أجمع على حرمته علماء المسلمين ، ممن مضى أو من أهل العصر الدي قد أجمعوا فيه على حرمته ، وركوب لكبيرة بقول أو عمل أو إصرار على صغيرة بركوبها بقول أو عمل ، فتولاه متول على ذلك بعد علمه بذلك بدين ، فكل متول لمحدث على هذا الوجه ، محدث هالك ، وممكن القول أنه لايسعه جهل ذلك .
فصل : وكل متول لهما أو لأحدهما بعلم منه ، بركوب المحدث للحدث ، وعلم منه بولاية المتولي للمحدث ، بعد علمه بركوبه للحدث على ما وصفنا من هذا ، فهو محدث هالك .
فصل : وكل شاك فيهما أو في أحدهما بعد علمه هذا منهما ، والحدث مالايسع جهله وتقوم به الحجة من حجه العقل ، فهو محدث هالك .
وكل شاك فيهما أو في أحدهما مع تركه لولايتهما بالدينونة والحدث مما يسع جهله ، ما لم يركبه الواكب ، أو يتولى راكبه أو يبرأ من العلماء إذا برئوا (2/235)
صفحة 226
من راكبه ، أو يقف عنهم برأي أو بدين ، فالشاك فيهما على هدا بترك الولاية لهما بالدينونة مسلم بذلك ، ولو كان الحدث المحرم من دين الله ، مما حرمه الكتاب أو السنة أو الإجماع ، ما لم يكن ذلك مما تقوم به الحجة من حجة العقل دون العبارة والسماع .
وكل شاك فيهما أو في أحدهما والحدث ، مما وصفنا مما لا تقوم بمعرفته الحجة من العقل ، بعد علمه هذا منهما ، بترك الولاية لهما بالدينونة ، جهل حرمة ذلك الحدث ، أو علمها من كتاب الله ، أو من سنة رسول الله ، أو من الإجماع ، غير أنه لا يعرف ما يبلغ ذلك بأهله ، والمحدث محرم لذلك ، أو غير مدع فيه تحليلا لحرام في دين الله ، أو تحريما لحلال من دين الله ، فالشاك فيهما على هذا الوجه مسلم .
وكل شاك فيهما أو في أحدهما بعد علمه هذا فيهما مع علمه بحرمة المحدث من دين الله أو استحلال المحدث منهما لحدثه من دين الله بتحريم لحلال من دين الله ، أو استحلال لحرام من دين الله ، فالشاك فيهما أو في أحدهما على هذا محدث في أكثر قول أهل العلم ، لأنه متى جاز أن يجهل ضلال من يدين بنقض ما في يده من دين الله ، جاز أن يشك في دين الله أو في ثواب الله على طاعته ، وفي عقابه على معصيته .
فصل : وقد قال بعض أهل العلم إنه لايضيق عليه الشك ممالم يتضح له علم ذلك ، ما لم يتول المحدث أو المتولي للمحدث أو يبرأ ممن برىء منهما من المسلمين بدين ، أو يقف عمن برىء منهما من علماء المسلمين برأي أو بدين ، أو من ضعفاء المسلمين بدين فهو سالم ، ولا يضيق عليه الشك في المستحلين ، كما لا يضيق عليه الشك في المحرمين ما لم تقم عليه الحجة بذلك من أي وجه قامت عليه الحجة بعلم ذلك ، أو من علماء المسلمين أو الشاك فيهما أو في أحدهما ، بترك الولاية لهما مع جهله بحرمة حدث المحدث منهما من دين الله ، ولو استحل المحدث لحدثه المحرم في دين الله ، وجهل ذلك العالم (2/236)
صفحة 227
بحدثه وبأمرهما مسلم بذلك ، ولو كان المحدث مستحلا لحرام الله في دينه ، أو محرما لحلال الله في دينه ، والاستحلال والتحريم في هذا سواء ، عند جهل العالم لحرمة الحدث .
فصل : وكل شاك فيهما أو في أحدهما بعد علمه ذلك منهما ، وعلمه بحرمة ذلك ، ولا يعلم من أي وجه حرمة ذلك من دين الله أو مما يجوز فيه الرأي ، إلا أنه قد علم حرمة ذلك ، فاستحلها المحدث ولم يعلم منه استحلال ذلك بدين منه بذلك ، ولا ادعاء في ذلك استحلال دينونة منه بذلك ، غير أنه مستحل لما علم تحريمه ، فالشاك فيهما أو في أحدهما على هذا مسلم ، ولو استحل المحدث حراما في دين الله ، أو حرم حلال في دين الله ، غير أنه لم يعلم العالم بذلك أنه من دين الله ، وإنما علم ضد ما عرف منه ، فلا يدري أدائن بذلك أو غير دائن .
وكل شاك فيهما بعد علمه هذا منهما وعلم حرمة ما استحل المحدث منهما ، وعلم منه الدينونة بذلك الاستحلال الذي قد علمه ، ولا يعلم من دين الله أو من طريق الرأي ، فهو شاك في حكم المستحلين المسلمين ، وواقع في هذا الموضع موقع الاستحلال ، والقول فيه ما مضى من الاستحلال إذا علم الدينونة بذلك من المحدث .
وإذا كان الحدث مما يجوز في الرأي فدان به المحدث واتخذه دينا ، بعلم من هذا العالم أنه من الرأى ، أو علم منه بالدينونة من المحدث بالحدث ، فالشاك فيهما في هدا بترك الولاية لهما مسلم لا يضيق عليه الشاك في ذلك .
وكل ما جاز في الرأي ولم يكن من الدين الذي يخالف فيه أحكام الكتاب أو السنة أو الإجماع ، وكل من ركب شيئا من ذلك ، وعلم منه عالم ، قد علم خلاف ما رأى منه ، وعاين منه لراكب لذلك والمتولي له مسلم ، والمتبرىء منه على ذلك ، التارك لولايته بالدينونة ، إذا كانت ولايته قد لزمته ، (2/237)
صفحة 228
هالك محدث ، ولو لم يعلم غير ما علم ، ولم يعلم أنه مما يجوز في الاختلاف ، لأنه لا تجوز البراءة بالرأي ، ولا على الاختلاف بالرأي بما يجوز في الرأي ولو جهل ذلك الجاهل ، ولم يدر ما حكم الدين من حكم الرأي .
فصل : وكل ماكان من الدين فلا تجوز مخالفته برأي ولا بدين ، والمخالف للدين برأي أو بدين هالك ، ولو جهل ذلك الراكب لذلك ، والمتولي له بالدين ، بعد علمه منه ذلك ، فهو هالك ولوجهل ذلك من حكم الرأي والدين .
وقد قال من قال من أهل العلم : لا يهلك أحد بهلاك أحد ، ولا يحدث أحد بحدث محدث ما لم يركب الراكب ذلك الحدث بعينه ، أو يتولى راكب الحدث ، أو يبرأ من العلماء من المسلمين إذا برئوا من راكب الحدث ، أو يقف عنهم برأي أو بدين ، أو يبرؤوا من أحد من ضعفاء المسلمين ، أو يقف عن أحد منهم بدين من أجل براءته من راكب الحدث ، ولا يهلك أحد بالشك في المحدثين ما لم يتولهم على ، هذه الصفة ، أو يبرأ أو يقف عنهم على ما وصفنا ، كائنا ما كان ذلك الحدث ، مما يسع جهله أو مما لا يسع جهله .
قال : وإنما يهلك الهالك بالشك فيما لا يسع جهله من دين الله ، أو بالولاية لراكبه ، أو بالبراءة أو الوقوف من المتبرىء من راكبه ، فإذا لم يكن ذلك فلا يهلك بالشك في المحدثين ، وجهل علم ضلالهم ، ما لم يعلم ذلك ويتضح له علم ذلك ، فإذا علم ذلك لم يجز له أن يجهل ما قد علمه وقامت عليه الحجة بذلك .
فقال : لا يهلك أحد بهلاك غيره ، بغير صنع منه في ذلك أو انتقال منه عن حكم قد حكمه إلى غيره مما لا يسعه ، فمتى شك في الحدث نفسه المهلك ، مما لا يسعه جهله ، أو تولى المحدث له ، أو برىء من العلماء برأي أو بدين ، من أجل براءتهم من المحدث له ، أو وقف وقوفا انتقل فيه عن حال (2/238)
صفحة 229
إلى حال ، من وقوف الدينونة من الضعفاء ، أو وقوف الرأي أو الدينونة من العلماء من المسلمين ، فقد أحدث كائنا من كان من الأحداث .
فصل : قال وكل الأحداث سواء في المحدثين ، وفي علم حدث المحدثين ، لأنه قد جاء الأثر المجمع عليه ، أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرؤوا من العلماء إذا برئوا من راكبه ، أو يقفوا عنهم ، فإذا أقر بالجملة التي بها يدين بتحريم جميع الحرام ، وبتحليل جميع الحلال ، وعلم ضلالة من شك فيها أو في شيء منها ، فقد وسعه جهل ما سوى ذلك ، ما لم يركبه أو يتولى راكبه ، أو يبرأ من العلماء إدا برئوا من راكبه ، أو يقف عنهم ، وما كان من تفسير الجملة التي تقوم من حجة العقل فعليه علمه هو، ولا يضيق عليه الشك فى علم الشاك فيه ، كما يضيق علمه الشك في نفس الشيء من تفسير الجملة ، الذي تقوم له الحجة من العقول ، وهذا قول لا يبعد في مذاهب أهل الاستقامة ، فيما يسع جهله وما لا يسع جهله ، من قول من قال منهم إنه يسع جهل المستحلين ، ما لم يبن له ذلك ، لأن هذا الذي لا يسع جهله من تفسير الجملة ، قد أثبت أهل العلم على وزنه ومثاله حكم المستحلين ، ولا يخرج من حكم المستحلين ولا من القول في المستحلين ، لأن المستحل لما يدين العبد بتحريمه مما تقوم له الحجة من حجة العقل في حكم دين الله ، لأنه لا يستقيم في حجة العقل أن يكون هو و من يخالفه في دينه بالاستحلال جميعا في دين الله ، وهذا يتنافى في دين الله ، وتقوم به الحجة معنا من حجة العقل ، فإذا وسع هذا في المستحلين لما يدين بتحريمه ، ولم يعلم حرمته ما لم يبن له الحق في ذلك ، والحكم فيه وضلالة أهله في الاستحلال ، لم يبعد ذلك من سائر ما لا يسع جهله في معرفة ضلال أهله ، مالم يشك هو فيما لا يسعه الشك فيه من دينه .
وقد قلنا في هذا إنه لا يسعه أن يشك في دينه ، فإن شك في تحليل ما قد دان بتحريمه أنه حلال أم حرام ، وقد علم حرمة من دين الله ، فقد نقض (2/239)
صفحة 230
الجملة في الاجماع ، وشك فيما لا يسعه الشك فيه ، وكان بذلك هالكا .
وأما الشك في محدثه فغير الشك فيه ، لأن المحدث منتقل إلى غير الشك ، والقول في الفاعل غير القول في الفعل .
فصل : ومن ذلك أنهم أجمعوا أن الجاحد للجملة أو لشيء منها ، أو الشاك فيها أو في شيء منها كافر كفر شرك جاحد ، ويلزمه حكم الجحود ، وكدلك المستحل شيئا مما حرم الله في كتابه على الرد منه والجحد مشرك جاحد ، وأن الشاك فيه بعد علمه به وقيام الحجة عليه ، فشك في التنزيل بعد ذلك ، أنه مشرك جاحد .
فصل : ثم أجمعوا -لا نعلم بينهم اختلافا- أن المتولي للجاحد أو الشاك في ضلال الجاحد ، أو الشاك في الشاك في الجاحد ، ولو كان جاحدا للجملة أو شاكا في الجملة ، فالشاك في ضلالته والمتولي له بجهل أو بعلم ، ما لم يرد شيئا من التنزيل أو يشك فيه بعد قيام الحجة عليه به ، وعلمه أنه كافر نعمة لا شرك ، فكل متول لمشرك أو شاك في شركه بأي الوجوه ، أو شاك في ضلاله بأي الشك بعد أن يكون شكه ، إنما هو في المحدث من غير أن يشك في التنزيل أو يجحده ، فهو بذلك كافر نعمة لا كفر شرك .
ثم أجمعوا على اختلاف القول في الأسماء بين الجاحدين وبين ولاية الجاحدين ، وبين الشاكين وبين ولاية الشاكين ، وبين الجاحدين والشاكين ، وبين الولاية لهم والشك فيهم بالأسماء الواقعة بأهلها في الأحداث .
وأجمعوا أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرؤوا من العلماء إذا برئوا من راكبه أو يقفوا عنهم .
وأجمعوا أن المقر بالجملة مقر بتحريم ماحرمته الجملة ، وتحليل ما أحلته الجملة ، وجميع الدين داخل في الجملة . (2/240)
صفحة 231
واختلفوا في تفسير هذا الأثر :
فقال من قال : ذلك فيما لا تقوم الحجة فيه إلا بالسماع والعبارة والآثار .
وأجمعوا على ذلك ، لا نعلم بينهم اختلافا ، أن هذا في هذا الباب واسع .
وأجمعوا على مثل ذلك في الجملة التي بها يكون مقرا ودينا بجميع الدين ، أنها لا تقوم الحجة فيها إلا بالسماع ، وما أشبهه من نظر في كتاب ونحوه ، ولا تقوم الحجة فيها من حجة العقل ، إلا ممن عرف معنى ذلك والمراد به .
فصل : واختلفوا فيما كان من تفسير الجملة ، يخرج مخرج الجملة في العلم ، وفيما لا يسع جهله :
فقال من قال : الحكم في الشاك فيما لا يسع الشك فيه شك فيه ، كالحكم فيما لا يسع الشك فيه ، شك فيه ، فكما لا يسع الشك في الشيء فلا يسع الشك في الشاك فيه .
وقال من قال : لا يسع الشك في الشيء ويسع الشك في الشاك فيه ، لأن الشاك فيه غيره ، ولأنه غير الشيء الذي تعبد به العبد ألا يشك فيه ، ولولا ذلك كذلك كان الشاك في الشاك ، فيما يسع الشك فيه يلزم حكم الشاك من الجحود والشرك ، والإجماع على أنه غير ذلك في الاسم والحكم ، وان كان قد قال من قال : إنه مثله في استكمال الطاعة والثواب ولا يخرج هذا عن قول أهل العدل من المسلمين إن شاء الله .
وأما أكثر القول معنا ، وعليه عامة أهل العلم من أهل الاستقامة ، هو الأول ، أن كل ما لا يسع جهل علمه ، وقامت الحجة فيه من حجة العقل ، (2/241)
صفحة 232
فغير واسع جهل الشاك فيه أو الجاحد له ، وأنه هالك بجهله لذلك ، كما أنه هالك بجهله لما لايسعه جهله من نفس الدين .
فصل : ولا نعلم أن أحدا قال : لا يسع جهل ضلالة المحرمين ، أو الراكبين على غير استحلال للحرام أو التحريم للحلال على وجه التفسير لذلك ، وان كان قد جاء الأثر عن بعض أهل العلم أنه لا يسع جهل الحرام مما جاء في كتاب الله ، فكل ما جاء في كتاب الله فلا يسع جهله ، بهذا جاء الأثر ، ويخرج ذلك في تفسير أهل العلم أنه لا يسع جهل ركوبه على الجهل به ، ولا نعلم أن أحدا قال ذلك ، مفسرا أنه لا يسع جهل علم كل ما جاء في كتاب الله قبل بلوغ علم ذلك إليه ، أو قيام الحجة به عليه ، وإنما لا يسع من ذلك جهله ما قامت الحجة فيه من العقول ، كان من التنزيل أو التأويل ، وما علم العالم حرمته من ذلك ، ثم علم من يستحله ، فلا يسعه أيضا جهل ذلك ، ولا جهل علم ضلالة الجاحدين ، لما يدين به ، والمضاد له في دينه ، في أكثر القول من قول أهل العلم من أهل الاستقامة ، وقد مضى القول فيه .
وأما علم كل ما لا تقوم الحجة فيه إلا بالسماع والعبارة ، فواسع جهل علمه ، ما لم يبلغ علم ذلك إليه ، أو تقوم بعلم ذلك الحجة عليه ، أو يضيع واجب ذلك بجهله ، أو يركب محرم ذلك بجهله ، فإذا كان منه ذلك هلك بالركوب لذلك ، على غير دينونة بسؤال عند عدم المعبرين له ذلك ، وهلك بتضييع لازم ذلك ، وأن عدم المعبرين له إذا لم يدن بالسؤال عن علم ذلك .
فصل : وكان عليه أن لا يرجع إلى الشك بعد اليقين ، ولا إلى الجهل بعد العلم لما قد علم من ذلك ، ولوكان ذلك الذي قد علمه من أصل ما يسع جهله ، وأما إذا عدم المعبرين لذلك الذي قد ضيعه من اللازم ، أو ركبه من المحارم ، ولم يكن بحضرته من يعبر له ذلك ، فقد كان عليه أن لا يقدم على حرام ، ولا يضيع لازما ، وأما إذا فعل ذلك ، فإن دان بالتوبة (2/242)
صفحة 233
من ذلك ، والدينونة بالسؤال عن ذلك ، وعن علم ذلك ، ودان بالتوبة في الجملة ، أو فيما يحسن في عقله من قبيح ذلك على ما يحسن في عقله ، فهو سالم إن شاء الله من الهلكة ، لأن ذلك لا تقوم بعلمه به الحجة من حجج العقول ، ولا تقوم به الحجة إلا بالسماع والعبارة من المعبرين ، أو يقف عن علم ذلك ، بأي وجه صار إلى علمه ، فالعلم حجة عليه إذا علمه ، وليس له أن يضيع ما يلزمه بعلمه ولا يرجع إلى الجهل بعد العلم ، ولا إلى الشك بعد اليقين من أي وجه بلغ إليه علم ذلك .
فصل : فلا تقع بالعبد هلكة في أمر البراءة والولاية إلا من أحد هذه الوجوه ، إما أن يكون محدثا ، راكبا لشيء من دين الله ، أو مصرا على شيء من الصغائر بجهل أو بعلم ، بدين أو برأي ، فيهلك بركوبه للمحجور ، أو يتولى محدثا راكبا لكبيرة من دين الله أو مصرا على صغيرة بعلم منه بركوب الراكب لذلك ، فيتولاه بعد علمه بذلك بجهل أو بعلم ، على الدينونة منه بولايته ، فإذا تولى محدثا بدين بجهل أو بعلم ، وأثبت له الولاية على غير اعتقاد رأي ، ولا اعتقاد براءة الشريطة فيه بعينه ، إن كان ذلك منه حدثا مكفرا ، هلك بذلك ، ولو جهله كان ذلك من المقال أو الفعال ، من جميع دين الله - تبارك وتعالى - ، أو يتولى من تولى محدثا بدين بعلم منه ، بولاية المتولي للمحدث على حدثه ذلك ، وعلم منه بحدث المحدث للحدث ، أو يتولى من تولى المحدث على العلم منه بجميع ذلك من حدث المحدث وولاية المتولي له على علم منه بحدثه ، وولاية المتولي للمتولي للحدث ، على العلم منه بحدث المحدث ، وولاية المتولي له على ذلك ، وولاية المتولي للمتولي على ذلك ، فكل متول لمحدث بعد علمه بحدثه محدث ، وكل متول لمتول لمحدث ، كائنا ما كان . فالمتولي للمتولي بمنزلة المتولي للمحدث بعد علم المتولي بذلك فهو محدث ، ولوكان إلى مائة ألف أو يزيدون ، إلى ما لا غاية له من ذلك ، فالمتولي للمتولي كالمتولي للمحدث ، لأن المتولي محدث بمنزلة (2/243)
صفحة 234
المحدث ، لا فرق في ذلك ، فالمحدث والمتولي للمحدث ، والمتولي لمتولي المحدث ، سواء في المعصية والعداوة لله ، والبراءة في جميع الأحداث مما يسع جهله أو مما لا يسع جهله ، فكل ذلك سواء ، ولا نعلم في ذلك اختلافا في هلكة المحدث ومتولى المحدث ومتولي متولي المحدث .
وأما الشك فى المحدث على غير إثبات الولاية والشاك في متولي المحدث على مثل ذلك ، من ترك الولاية له ، والشاك في متولي متولي المحدث على مثل ذلك ، فيما يسع جهله مما لا تقوم به الحجة إلا من العبارة ما لم يبلغ هو إلى علم ذلك ، أو تقوم عليه الحجة بذلك فهو سالم ، لا نعلم فى ذلك اختلافا أنه سالم بذلك مسلم .
فصل : وأما الشاك في المحدث والمتولي للمحدث ، والمتولي لمتولي المحدث ، فيما لا يسع جهله وما تقوم به الحجة في علمه من حجة العقول ، فركب ذلك الراكب بجحد أو شك أو ركوب بعمل أو قول ، ففي أكثر القول أنه هالك ، وأنه لا يسعه جهل ذلك بعد علمه بذلك ، من حدث المحدث ، وولاية المتولي للمحدث ، بعد العلم منه بحدثه ، وولاية المتولي للمتولي بعد العلم بالحدث ، وولاية المتولي للمحدث بعد علمه بالحدث ، وولاية المتولي للمتولي بعد علمه بالحدث ، وولاية المتولي على مثل ذلك من علم الحدث ، وولاية المتولي للمتولي على علم من جميع ذلك ، وبعد قيام الحجة عليه بعلم ذلك .
وقد قيل : يهلك المحدث والمتولي ومتولي المتولي على هذا ما كانوا بعد العلم ، ولا يهلك الشاك فيهم ولا في أحد منهم ، ما لم يبلغ إلى علم ذلك ، أو تقوم عليه الحجة بعلم ذلك ، فيما خلا الحدث من الجملة ، الذي بها يكون مسلما وبها يكون دائنا بتحريم الحرام وتحليل الحلال ، وولاية الأولياء وعداوة الأعداء ، وهي الإقرار بالله - تبارك وتعالى - ، أنه واحد لا شريك له ، وأن محمدا- صلى الله عليه وسلم -عبده ورسوله ، وأن جميع ما جاء به عن الله فهو (2/244)
صفحة 235
الحق ، فإن هذه الجملة بجملتها وهذه الخصال بعدتها لايسع جهلها ولا الجهل لرادها ولا الجهل للشاك فيها ، ولا للراد لها ولا لشيء منها ، من هذه الخصال الثلاث ، ولا نعلم أن الشاك في المحدث في هذه الجملة أو في شيء منها أنه يسعه ذلك ، في حال من الحال ، كما يسعه عالم ذلك في حال من الحال ، ولا يكون مسلما عند نفسه ، ولا مطيعا لله ولا سالما من سخط الله وغضبه وعقوبته إلا بذلك ، وكذلك لا يكون ولا يجوز أن يكون عنده أحد من المتعبدين سالما إلا بها ، لأن بهذه الجملة يكون دائنا بجميع دين الله ، ويدخل في جملة دين الله ، ولا يكون داخلا في الجملة ولا دائنا بتحريم حرام الجملة وتحليل حلالها إلا بالإقرار بها ، وإنما الاجماع أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه ، أو يبرؤوا من العلماء ، إذا برئوا من راكبه أو يقفوا عنهم من أجل ذلك ، ولا نعلم في هذا اختلافا أن الجملة لايسع الشك فيها ولا الشك في الشاك فيها ولا في شيء منها ولا الشاك في ولاية المتولي للشاك فيها ، ولا في المتولي لمتولي الشاك في ذلك ولا المحدث لذلك ، وأحكام المستحلين لاحقة بأحكام تفسير الجملة التي تقوم الحجة فيها بحجة العقل في أمر الحدث والولاية والبراءة ، والشك والقول في ذلك واحد ، ولو كان المستحل لذلك من دين الله راكبا من ذلك بالاستحلال لما لا تقوم الحجة في علمه من حجة العقل ، ولا تقوم إلا بالعبارة والسماع ، إذا علم الشاك حرمة ذلك من دين الله الذي ركبه المحدث فشك فيه على ذلك والمتولي للشاك في المحدث أو الشاك في الشاك في المحدث ، فيما لا يسع جهله فهو بمنزلة ولاية المتولي للمحدث ، وولاية المتولي للمتولي للحدث ، إذا كان مما لا يسع جهل علمه وتقوم به الحجة من العقل ، أو كان على الاستحلال من المحدث ، وعلم بذلك الشاك فيه أنه حرام من دين الله ، وكذلك الشاك في الشاك في المحدث بعد علمه بذلك ، وعلم حرمة ذلك الحدث من دين الله ، فهو بمنزلة المتولي للمحدث والمتولي للمتولي للمحدث أبدا ، كائنا ما كانوا ، فالقول فيهم واحد ، وفي أكثر القول أنه لا يسع الشك في ذلك ، ويهلك (2/245)
صفحة 236
بذلك المحدث والمتولي للمحدث والشاك في المحدث ، والشاك في الشاك في المحدث أبدا ، إذا كان الحدث في تفسير الجملة أو مستحلا وعلم الشاك في ذلك حرمة الحدث من دين الله ، وأما إذا لم يعلم الشاك في المحدث أو المتولي للمحدث حرمة الحدث من دين الله ، ولوكان مستحلا ، فالشك فيه واسع في المحدث والمتولي للمحدث والشاك في المحدث ما لم تثبت الولاية بالدينونة لمحدث أو المتولي لمتولي المحدث أبدا ، وهو بمنزلة حكم التحريم .
فصل : وكذلك الشاك في المحرمين والراكبين على غير استحلال ، ولا دعوى في ذلك ، فواسع ذلك في المحدث والمتولي للمحدث والمتولي للمتولي للمحدث ، ولا يجوز ولا يسع إثبات الولاية لأحدهم على الدينونة بغير اعتقاد الشريطة .
ويسع الشك في المحرمين والراكبين على غير دعوى الاستحلال ، ولو كان الراكب مستحلا في دينه في اعتقاده ، وعلم الشاك فيه حرمة الحدث الذي ركبه ما لم يظهر استحلال ذلك ، ولو علم الشاك حرمة الحدث وأنه حرام من دين الله ، غير أنه لا يعلم ما يبلغ براكبه في دين الله ، أكفر أم إيمان ، أم ضلال أم هدى ، فما لم تتولد بدين أو يتولى من تولاه أو يتولى من تولى من تولاه بدين بعد علمه بالحدث ، وولاية المتولي له والمتولي للمتولي له على علم منهم بالحدث والولاية لبعضهم بعض ، فهو سالم بذلك ولو علم الحرمة على ذلك .
وقد قيل قي التحريم والمحرمين أنه يسع الشك فيهم من لم يعلم حكم حدثهم ، ولو أثبت له الولاية بالرأي ، وتولاه على ما كان عليه واعتقد فيه براءة الشريطة ، إن كان بحدثه ذلك محدثا جاز له ذلك ، ولا يضيق عليه ذلك في المحرمين ، كما لا يضيق عليه في المستحلين ، ولا يضيق عليه ذلك في المستحلين ، ما لم يعلم حرمة حدثهم في الدين ، وأحكام الاستحلال عند جهل الشاك علم حرمة الحدث من الدين ، لاحقة بأحكام المحرمين ، ولو علم الشاك في المحرمين حرمة الحدث من المحرمين ، فلا يسع على كل حال (2/246)
صفحة 237
إثبات ولاية المحدثين على الاستحلال ولا على التحريم ، ولو جهل المتولي لهم حرمة أحداثهم ، إذا كانت الولاية له بالدين على رأي أو شهود في المحدثين في المستحلين أو المحرمين والمتولي للمحدث محدث في الإجماع إذا كانت الولاية على إثبات الايمان والطاعة ، على غير رأي ولا شريطة ، وكذلك المتولي للمتولي محدث ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
فصل : وإنما الاختلاف في الشك في المحدث والمتولي فيما كان الحدث في غير الجملة من تفسير الجملة التى تقوم الحجة فيها من طريق العقل ، أو في المستحلين بعد علم الشاك بحرمة المستحل في الدين ومن الدين ، وقد مضى في ذلك ما فيه كفاية .
ولا نعلم في الاسلام ولا في أحكام الإسلام ولا في الاحداث حدثا يخرج من غير أحد وجوه :
وجه منه أن يكون الحدث في الجهلة من الرد لها أو لشيء منها أو الشك فيها ، أو في شيء منها ، وهي الخصال التي يكون المقر بها مقرا بها مؤمنا مسلما ، ولا يسلم في حال من الحال بما دونها عند لزومها ، فإذا كان الحدث في ذلك فلا عذر للمحدث في ذلك كائنا من كان ، ولا للمتولي للمحدث فيه ، ولا للمتولي للمتولي للمحدث ولا الشاك فيم بعد علمه ، ولا الشاك فيهم بعد علم المتولي للمتولي ، والشاك بالحدث ، والولاية لهم ، والمحدث والمتولي للمحدث ، والمتولي للمتولي للمحدث ، والشاك في المحدث ، والشاك في المتولي للمحدث ، والشاك في الشاك في المحدث ، والشاك في الشاك في المتولي للمحدث ، والشاك في الشاك في المتولي للمتولي للمحدث ، كلهم محدثون لا عذر لهم في ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
ولا يجوز في حكم الكتاب ولا حكم السنة ولا الإجماع ولا حجة العقل معنا في هذا الفصل من الأحداث غير هذا . (2/247)
صفحة 238
ووجه ثان من الأحداث أن يكون الحدث فيما دون الجملة من تفسير الجملة ، من إثبات التوحيد والوعد والوعيد ، وما كان لاحقا بأسماء الله وصفاته ، مما تقوم الحجة فيه من طريق حجة العقل ، ويهلك الشاك في ذلك .
ولا ينفس في السؤال عنه ، فإذا كان ذلك من هذا الوجه ، فهو لاحق في أكثر القول بأحكام الجملة على ما وصفنا من هلاك المحدث والمتولي له والشاك فيه ، والشاك في المتولي له ، والمتولي للمتولي له ، والشاك في المتولي للمتولي له ، وهو معنا كذلك في تفسير الحملة .
وقد قيل في ذلك باختلاف ، فأنزل ذلك بعض منزلة في البراءة ، ولزوم علم الأحداث منزلة ما يسع جهله من المحدثين ، ما لم يبن للشاك في المحدثين في ذلك ، أو في المتولي للمحدثين في ذلك ، أو المتولي للمتولي للمحدثين في ذلك الحق ، أو يتولى المحدث على حدثه ولاية دين ، أو يتولى من تولى المحدث ، أو يبرأ من أحد من العلماء من أجل براءته من المحدث ، أو ممن تولى المحدث ، كائنا ما كان من بلوغ الغاية ، فيهم بعد العلم ، أو يقف عنهم من أجل شيء من ذلك برأي أو بدين ، أو يبرأ من أحد من ضعاف المسلمين بدين ، من أجل براءته من أحد منهم ، أو يقف عنه بدين .
ووجه آخر من الأحداث ، هو ما كان على وجه الاستحلال لما حرم الله ، والتحريم لما أحل الله في دينه ، مما لا تقوم فيه الحجة بعلمه والبلوغ إليه إلا من السماع والعبارة ، مما هو خارج من صفة الله - تبارك وتعالى - ، ووعده ووعيده ، فإن هدا الوجه منرلة ثالثة من الأحداث ، وهو تختلف أحكامه في العلماء بالحرمة ، وغير العلماء بالحرمة ، فأما من علم حرمة ذلك من دين الله من الكتاب أو السنة أو الاجماع ، ثم علم من يخالف ذلك بتحليل لحرامه والتحريم لحلاله بعلم منه بذلك ، ولم يبلغ علمه إلى ما يستحق من أن ذلك ، إلا أنه قد علم مخالفته لما يدين به للاستحلال للحرام أو التحريم للحلال ، ففي أكثر القول إن هذا الوجه على هذا الوجه لاحق بحكم تفسير الجملة ، (2/248)
صفحة 239
وأن على هذا العالم بذلك أن يعلم ضلالة من أتى ذلك ، ولا يسعه غير ذلك ولا ينفس في السؤال وهو هالك بالشك في ذلك .
فصل : وقال من قال : إنه قد يسعه الشك في ذلك ، ما لم يتضح له علم ذلك ، أو يتولى محدث ذلك ، أو من تولاه على حسب ما مضى من الاختلاف في تفسير الجملة ، التي هي دون الجملة ، والقول الأول هو الأكثر في تفسير الجملة ، وفي حكم الاستحلال لمن بلغ إلى علمه حرمة المستحل من ذلك ، وأما من لم يعلم حرمة ذلك من دين الله ، فواسع له الشك في المحدث والمتولي للمحدث ، والمتولي للمتولي للمحدث ، ما لم يتول أحدا منهم بدين ، أو يبرأ ممن برىء منهم بدين من عالم أو ضعيف ، أو يقف عنهم أو عن أحد ممن برىء منهم بدين من عالم أو ضعيف من أجل براءته منهم ، أو يقف عن عالم من علماء المسلمين برأي أو بدين من أجل ذلك . وهذا لا نعلم فيه اختلافا .
ووجه آخر من الأحداث أن يكون الحدث ، فيما دون الجملة وتفسيرها ، وما يكون علمه لا يجب من حجة العقل على وجه التحريم ، أو على وجه العمل على غير ادعاء الاستحلال ، وإظهار ذلك ولو استحله في دينه وسريرته ، فهذا الوجه من الأحداث يسع الشك في أهله أبدا ممن علم حرمة ذلك ، أو لم يعلمها ما لم يعلم الحكم في الأحداث في ذلك ، أو تقوم عليه الحجة بعلم أحكام الأحداث في ذلك ، أو يتولى المحدث أو من تولاه أو من تولى من تولاه بعلم منه بالحدث ، فإذا فعل ذلك فلا يسعه ذلك على ولاية الدين ، ولو جهل خدمة الحدث ، أو جهل حكم الحدث ، فهو هالك بذلك ، وكذلك إن وقف عن أحد ممن برىء منهم بدين أو برىء منه بدين ، من ضعيف أو عالم أو برىء أو وقف عن عالم من علماء المسلمين برأي أو بدين من أجل ذلك .
وأما الحدث في تفسير الجملة فسواء من علم حرمة ذلك أو لم يعلمها ، فالقول في ذلك واحد في ضيق ذلك على من جهله وشك فيه أو في المحدث (2/249)
صفحة 240
فيه ، أو المتولي للمحدث ، أو المتولي للمتولي للمحدث ، فاختلف القول في تفسير الجملة وفي أحكام الاستحلال بمعرفة ذلك أو جهله ، وأما التفسير في الجملة فلا يختلف ذلك فيه ولا في أمره أو الاستحلال فحتى يعلم حرمة ذلك ، ثم هنالك يلحق بحكم تفسير الجملة .
فصل : ووجه آخر من الأحداث ، أن يكون الحدث فيما يسع جهله ، ومما يسع الشك في أهله من جميع الأحداث المحرمة ، ما لم يتول المحدث أو من تولاه ، على ما وصفنا من أحكام التحريم ، فيصر المحدث على حدثه ولا يتوب من ذلك ، ويعلم منه ذلك من يعلم بحرمة الحدث ، من صغير الذنوب أو كبيرها ، ولا يعلم ما يبلغ له في إصراره ولا في حدثه ذلك .
فقال من قال : لا يسع جهل المصرين على صغير من الذنوب ولا على كبير منه ، إذا علم الشاك حرمة ذلك أنه معصية أو سيئة ، أو محرم في دين الله ، فإذا علم ذلك فعاين من يصر على ذلك ، فلا يسعه الشك في ذلك المصر ، ولا في كل من تولاه ، ولا من تولى من تولاه ، على علم منه ومنهم بذلك من المصر على ذلك ، وأن حكم المصرين لاحق بأحكام ما لا يسع جهله من الاستحلال لمن علم حرمة ذلك.
فصل : وقال من قال : قد يسع جهل المصرين القول في المصر في الأحداث المحرمة ، ونحب في ذلك قول من يرى السعة في ذلك ، وأنه بمنزلة المحرم ، وقد مضى في هذا ما في بعضه كفاية إن شاء الله ، غير أنا نحب أن يكون المصر على الكبائر من دين الله ، المحرمة في دين الله ، ويلحق أهلها الكفر والضلال بغير إصرار بركوب الكبيرة ، دون الاصرار ، فنحب أن يكون المصر على الكبيرة من المحرمات من دين الله ، غير المصر على الصغيرة ، الذي لا يلحقه الكفر بغير إصرار عليه ، ونحب أن يكون المصر على الكبائر بمنزلة أحكام الاستحلال للحرام ، مع من علم حرمة ذلك من دين الله ، ونحب أن يكون المصر على الصغائر ، التي لا يكفر أهلها إلا بإلاصرار عليها ، أن يكون (2/250)
صفحة 241
حكم ذلك مع من عرف صغير ذلك من كبيره ، وجهل ما يلزم في ذلك من الأحكام ، أن يكون الاصرار على الصغائر بمنزلة ارتكاب الحرام بغير استحلال من الكبائر ، ونحب أن يكون الحكم في الإصرار على الصغير في أحكام ما يسع جهله مما لا يسع جهله بمنزلة أحكام التحريم ، والمواقعة للكبائر على التحريم ، ويكون الاصرار على الكبائر من المحرمات بمنزلة أحكام المستحلين ، والشك فيهم والقول فيهم .
وقد قيل في جملة ذلك بالاختلاف ، فأحببنا فرق ما بين ذلك لموضع أن الكبائر يكفر راكبها بغير إصرار ، فيكون المصر عليها زائدا في الارتكاب بحكم ثان يلحق بالاستحلال ، ولأن الصغير لا يصر راكبه إلا بالاصرار عليه ، فيكون بنفس الاصرار ، راكبا للكبائر ، ويتساوى هنالك حكم ارتكاب الكبائر على غير إصرار على الكبائر ، فافهموا ذلك إن شاء الله .
فهذه الوجوه الأربعة والأحكام الأربعة هي أصول أحكام جميع الأحداث ، وعليها مدار جميع أحكام الأحداث ، ولا نعلم أن حكما من الأحكام في الأحداث ، يخرج حكمه إلا من أحد هذه الوجوه ، وهذه الأصول فكل حادث في الاسلام وفي أحكام إلاسلام من الأحداث كلها ، فلا مخرج له من أحد هذه الوجوه التي وصفناها ، مما لا يسع جهله على كل حال من أحكام الجملة والأحداث فيها .
فصل : ومما لا يسع جهله من تفسير الجملة والأحداث فيها ، على علم بتحريمها أو جهل لتحريمها ، وسواء ذلك في حكمها على من ابتلي بذلك فيها وفي الأحكام فيها وفي المحدثين فيها .
ومما لا يسع الناس جهله من أحكام المستحلين لمن علم حرمة ذلك على ما فسرناه ، ووضع ذلك عمن جهله ، ومما لا يسع جهله من أحكام المصرين على التحريم ، لمن وقف على حرمة ذلك ووضع ذلك عمن جهله . (2/251)
صفحة 242
ومما يسع جهله من أحكام التحريم لغير استحلال ولا إصرار على كبار ولا صغار ، ولا تخرج أحكام الأحداث كلها معنا إلا من أحد هذه الوجوه ، وعليها مدار جميع الأحداث ، فمن علم هذه الأصول في أمر الولاية والبراءة فقد وقف على أصول ما يسع جهله مما لا يسع جهله ، وكذلك تفسير مما يسع جهله ومما لا يسع جهله يطول بذلك الكتاب ، وهذه أصولهما من أحكام الولاية والبراءة . (2/252)
صفحة 243
تم بحمد الله الجزء الثاني من كتاب الاستقامة، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث في تطبيقات الولاية والبراءة. (2/253)
صفحة 244
الفهرس
الجملة ولزومها والحجة في ذلك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 5
تصنيف ولاية الظاهر والبراءة بالظاهر، وأحكام الدور وغير ذلك . . . . . . . . . 25
الدور وأحكامها والقول في ذلك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 45
الموافقة في الدين في معاني الاختلاف في أحداث أهل عُمان . . . . . . . . . . . . 50
العلماء ومن هو حجة منهم على غيرهم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 53
المعارضات من الملبسة على الضعفاء المتمسكين . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 67
أصل الموافقة في الحدث الواقع بعمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 95
البيعة لإمام الدفاع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 97
المختلفان الضعيفان في أمر الدين الذي لا يجوز فيه الاختلاف . . . . . . . . . . . . 103
الاختلاف في الدين من الضعيف والعالم إذا كان العالم هو المبطل . . . . . . . . . . . 105
الإمامة والقول فيها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 119
الإمامة والفرق بين ما يجوز فيه قول الإمام ودعواه وحكمه وما لا يجوز . . . . . . 141
صفة التجسس والنهي عنها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 151
وجوه التعبد ومعانيه، والحجة في ذلك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 199
ما يسع جهله وما لا يسع جهله من التدين . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 213
ما يسع جهله وما لا يسع جهله من أحكام الولاية والبراءة . . . . . . . . . . . . . 223
ما يسع الجاهل جهله من الدين وتصنيفه، وتصنيف ذلك من المحللات والمحرمات . . 239
ما لا يسع جهله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 235 (2/255)