صفحة 1
الكتاب: الاستقامة - الجزء 3
المؤلف: الإمام/ أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي
تحقيق: محمد أبو الحسن
كان تمام تحقيقه: بمعهد القضاء في الخميس 5 مِن ربيع الأنور سنة 1405هـ يوافقه 29 مِن نوفمبر سنة 1984م.
مصدر الكتاب: شبكة الدرة الإسلامية
تنسيق للشاملة: هلال بن مصبح الكلباني
hilalmusabah@gmail.com
[مبوب]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) كتاب الاستقامة الجزء الثالث
باب ضمان الخطأ وضمتن الفتيا وتصنيف ذلك
باب الفرق بين الرفيعة والفتيا والحُجَج في الدين والفرق في حكم الايمان والكفر
باب تصنيف المحللات والمحرمات من الأملاك
باب اختلاف الرجلين في التحليل والتحريم
باب القول في تحريم الخنزير
باب القول في الميتة والتذكية والذبائح وغير ذلك
باب القول في الصيد وغيره من الدواب والطير
باب ما جاء تحليله من البهائم والأنعام والطير والصيد وما حرم من ذلك بالكتاب والسنة
باب القول في الدماء وتصنيفها
باب في الأشربة وتصنيفها
باب القول في حرمة الخمر من العنب والبسر والنية فيه وقبول قول الواحد والاثنين في أصل الإرادة
باب ذكر النبيذ
باب ذكر الطلاء
باب ذكر الفروج وتحريمها وتحليلها بالنكاح
باب ذكر الفروج والنكاح والقذف
باب ذكر الوطء والفرق بين الفروج والأموال
باب ذكر القذف
باب في الربا وغيره من المحرمات والمحللات
باب الصغائر والكبائر من الذنوب والإصرار وأعمال العباد وأحوالهم فيها
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
خاتمة (3/1)
صفحة 2
باب: ضمان الخطأ وضمان الفتيا وتصنيف ذلك
لا بد من إثبات الحق، وموافقة الحق به الجميع ، ومخالفة العلماء في هذا وأمثاله لا يخرج إلا على وجهين :
وجه منه أنه خطأ أخطأ به ، وهو عالم في الأصل أنه مخالف لما عَلِم ، وهو عالم بالحكم بالحق في ذلك ، مثل مَن علِم أن للزوجة مع الولد الثُمُن ، ولها مع غير الولد الربع ، وللزوج مع الولد الربع ، وله مع غير الولد النصف ، وهذا مذهبه ودينه فأفتى في ذلك بالخطأ ، فأراد أن يقول : لها الثمن مع الولد ، فقال : لها الربع مع الولد . وكذلك الزوج ، وكذلك الأم أراد أن يقول : لها السدُس مع الولد والثلُث إذا لم يكن له ولد ولا إخوة ، فخالف في ذلك من طريق اللفظ ، فعُمِل بذلك من قوله ، فهو سالم في ذلك ، غير هالك ولا ظالم ولا ضامن .
والعامل بذلك، القابل له، والدائن به، أو العامل به، أو الحاكم به خلاف الحق هو الظالم الهالك الضامن لمن أخذ له ذلك، وهو هالك بقليل ذلك و كثيره ، مما يكون له قيمة في الأملاك ، إذا حازه على ذلك .
وقبول ذلك، و الدينونة منه، وقبوله منه على هذا أنه حق وصواب في دين الله، فباطل في ذلك.
وأما ولايته على هذا على الجهالة، فذلك مما هو واسع، لأن العاِلم في هذا سالم في دين الله، لأنه إنما هو أخطأ خطأ مرفوعا عنه.
وهذا ومثله هو خطأ العاِلم المرفوع عنه الذي جاء به الأثر، أن العالم إن أصاب أجِر، وإن أخطأ لم يأثم إذا اجتهد في الصواب وموافقة الصواب. وهذا من اجتهاد العاِلم في الصواب.
فصل: وأما إن لم يكن معه علم في هذا الحكم، فاجتهد في ذلك فأخطأ، فهذا ليس بعالم، وهذا جاهل والجاهل كل من دخل في الأحكام أو الفتيا في الإسلام بالرأي والاجتهاد، بغير علم بالأصول في ذلك الوجه، من وجوه الأحكام التي قد دخل فيها. (3/2)
صفحة 3
وكذلك لو كان عالما بان ذلك من كتاب (لله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم الوجه فيه، وظن أن ذلك جائز له أن يحكم بما شاء من ذلك، ويفتي بما شاء من ذلك، في الزوج بحكم الزوجة، وفي الأم بحكم الأب، وفي الأب بحكم الأم، أو ظن أن له أن يقول فيما قد جاء في حكم الله في دينه، إذ قد علم ذلك، أن يقول برأيه فيما يخالف ذلك، فقال في ذلك برأيه، أو بعمايته أو بجهله، أو باعتماده لمخالفة الحق، ولم يكن ذلك منه خطأ على الوجه الذي ذكرنا، فهو بذلك هالك ظالم، لا يسع قبول ذلك منه ، ولا ولايته على ذلك بدين ، ولا البراءة ممن برىء منه على ذلك ، برأي ولا بدين من العلماء ، ولا الوقوف من العلماء ، إذا برئوا منه برأي ولا بدين ، فافهموا خطأ العالم الذي لا يسع الناس اتباعه فيه ، ولا العمل به من قوله ، ولا ولايته عليه بجهل ولا بعلم ، وخطابه الذي لا يسع قبوله منه ، ولا العمل به ، من قوله بجهل ولا بعلم ، وتسع ولايته عليه بجهل ولا يسع ولايته على من علم خطأه في ذلك ، حتى يعرف معناه ، فإذا عرف معناه وذكره إياه ، فأقام على خطئه ذلك ، بعد العلم والتذكرة ، لم تسع ولايته ، وان قال : إنه إنما قال ذلك بخطأ ، على ما وصفنا من ذلك الخطأ ، كان في ذلك مصدَّقا، إذا رجع عن قول الخطأ، وقال بالحق والهدى، والإجماع من قول أهل العدل، أنه ليس عليه في هذا الخطأ ضمان، فيما أتلف بفُتْياه هذه. (3/3)
صفحة 4
وكذلك الحاكم إذا حكم بهذا الخطأ، الذي وصفنا، على هذه الصفة ، فليس عليه هلكة ولا ضمان ، والقول في الحكم في هذا ، كالقول في العالم ، وكل عالم يحكم من كتاب الله -تبارك وتعالى - ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع المسلمين ، أو شيء مما أشبه ذلك من الدين علم بذلك ، القول به على وجهه وأصله ، فأخطأ ، فقال بغير ذلك من خطأ لسانه ، فيما يلقيه الشيطان على لسانه ، فليس ذلك من الخطأ المهلك له ، ولا يلزمه في ذلك ضمان ولا تبعة ، ولا معصية في ذلك ، إذا عرف ذلك أنه قد أخطأ فيه ، ولو لم يعرف ذلك حتى مات ، ما كان عليه في ذلك ذنب ، ولا تبعة ولا ضمان .
وكذلك الحاكم ، فهو بمنزلة هذا العالم ، إدْا أراد الحق الذي هو يعرفه ، وعالم به ، فاخطأ بغيره من الخطأ في الأحكام ، فهو مرفوع عنه ، ولو كان ذلك المفتي أو الحاكم من غير العلماء في فنون العلم وأصول الدين ، إلا أنه قد عرف ذلك الشيء بعينه ، من أي وجه كان ذلك الصواب ، الذي قد عرفه من أصول الدين أو الرأي ، فأراد ذلك فأخطأ بغيره ، مما أخطأ به لسانه ، وهذا من الخطأ الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم إنه مغفور لأمته في قوله صلى الله عليه وسلم: "عفي لأمتي الخطأ والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما حدّثوا به أنفسهم ". (3/4)
صفحة 5
فكل خطأ في القول، أراد العبد غيره فأخطأ به ، في طلاق أو عتاق أو فُتْيا ، أو قول بكفر أو شرك أو نفاق ، فكل ما أخطأ بغير ما أراد من القول فهو مغفور له، وغير مسئول عنه ، وإذا عرف كان عليه إِظهار ذلك ، إن كان قد أثبت بذلك حكما ، أو ارتكب أخذ بذلك إثما ، فعليه أن يعرف ذلك ، إن قدر على ذلك ، ولو كان ذلك المفتي وذلك الحاكم ، لم يعرف من دين الله غير ما يلزمه في ذات نفسه ، إِلا تلك المسالة بعينها ، فقال بها فأخطأ بغيرها ، مما هو مخالف لدين الله -تبارك وتعالى - ، كان خطؤه في ذلك بمنزلة خطأ ابن عباس ، فيما له فيه الخطأ ، وبمنزلة خطأ أبي الشعثاء جابر بن زيد -رحمه الله - في الفتيا ، وله من العذر في ذلك ما لهما ، وعليه من الحق ما عليهما ، وعليهما ما عليه في هذا .
وإذا تعمد الحاكم أو المفتي إلى الحكم أو القول في نفس الكلمة ، واليها قصد على أنها صواب معه ، فيما ألقى الشيطان على لسانه ، وكان معه أن نفس الكلمة ، التي قال بها أو حكم بها هي الحق فيما قد عرف ، من وساوس الشيطان ، أو أخذ ذلك عن أحد من أهل الأديان ، أو كانت تلك معه زلة من خطأ مخطىء قد أخطأ ، على سبيل ذلك الخطأ الذي وصفنا ، فحكم بذلك أو أفتى به ، فلا عذر له في ذلك بجهل ولا علم ولا خطأ ، فيما يتوهم ويظن ، ولا فيما قد حفظ وعرف من الخطأ والفتن ، وهو بذلك ظالم آثم.
فإن كان أفتى بذلك رواية عن غيره ممن قد عرف عنه، فقبل ذلك من روايته ، فلا ضمان عليه في ذلك في الفتيا ، وأما في الحكم إذا حكم به ، فعليه الضمان في ذلك ، لأنه أتلف مالا ، بذلك الخطأ المخالف للدين ، وليس له أن يحكم بخلاف الحق .
فصل : وأما المفتى فقد قيل فيه باختلاف :
فقال من قال : عليه إِذا أخطأ في الدين ، ولم يتعمد لإتلاف المال التوبة ، ولا ضمان عليه ، والضمان على من ركب ذلك .
وقال من قال : عليه الضمان إذا أحل حراما ، أو حرم حلالا مجمعا عليه . (3/5)
صفحة 6
وأما الحاكم فإذا خالف الحق المجمع عليه ، فهو ضامن ، ولا يسعه ذلك معنا ، وليس الجبر على الآمر ، كالقول على غير الجبر ، وإنما المستفْتَى غير في أن يقبل أو يدع ، ولم يكن له أن يقبل الباطل ، ولا يجبره المفتي له على قبول الباطل ، فهو الذي قبل الباطل ، عليه الخروج عن الباطل الذي قبله ، و الخروج مما دخل فيه ، وليس ذلك على القائل المجبر فيْ قوله القائل والفاعل والحاكم إذا حكم ، فإنما الحكم فيه حتما على من حكم عليه ، وقطعا لحجته عن خصمه ، وليس ذلك كما رأي المحكوم عليه ، ولا يسمع ذلك أيضا المحكوم له ، إذا عرف الأصل الذي به حكم له الحاكم من الباطل ، فهو هالك ظالم ضامن ، والحاكم هالك ظالم ضامن ، والخيار للمحكوم عليه في ذلك في المتلف ، لماله والآخذ له ، ومن أيهما شاء أخذ ماله الذي أتلف من يده .
والحاكم الأول إذا أخطأ الخطأ الذي رفع عنه ، وأجبر على ذلك بالخطأ ، وأتلف به مالا ، ولم يدرك ذلك المال ، فلا يضيع المال في أحكام الإسلام ، ويكون خطأ ذلك الحاكم في بيت مال الله وعلى الإمام إن صدقه في ذلك ، وائتمنه على ذلك ، أن يؤدي عنه من بيت مال الله ، فإن لم يكن لله بيت مال في ذلك الحين ، أو كان قد زال بيت مال الله ، لزوال الإسلام ، ثم عرف الحاكم ذلك الخطأ ، وقد أجبر الحاكم على ذلك ، كان ذلك بمنزلة قتل الخطأ الذي أراد غيره ، فإن خطأه لا يتعدى إتلاف المال من الضمان ، ولا يعقل العواقل ذلك عنه ، فيما معنا ، ولكن له أن ياخذ من الزكاة في ذلك ، ويغرم ولو كان غنيا ، فإن لم يقدر على ذلك ، فلا يبين لنا تلف مال المحكوم عليه ، وان صح ذلك على المحكوم له ، فهو في ماله ولا شيء على الحاكم . (3/6)
صفحة 7
وأما العالم فليس معنا بهذه المنزلة ، لأن العالم غير جائز على قوله ، الا أن يجبر على قوله ، أو يامر بالجبر على قوله ، ويكون مطاعا مع من أمره بذلك ، فيكون حينئذ بمنزلة الحاكم الجابر على حكمه في الوجهين جميعا ، وإنما الاختلاف معنا في المفتي إذا لم يامر بالجبر على قوله ، أو يفتي بذلك ويطاع فيه ، إذا قال ذلك عن نفسه ، أو قال إنه عن فلان العالم ، وهو قوله أو هو يقول بذلك ، أو هو يامر بذلك ، أو يقول إن ذلك هو الحق أو الدين أو الصواب .
وأما إذا قال ذلك أنه مما يروى عن فلان ، أو مما قد قاله فلان ، أو مما قد جاء في الأثر ، أو مما قد وجد في الأثر أو سمع به في الخبر ، ولم يحقق ذلك ولم يصوبه ، ولا قال إنه يقول به ، ولا يامر به ولا ياخذ به ، فليس في ذلك عليه ضمان فيما قد قال ، إذا كان كما قال ، ولم يكذب في ذلك ، ولم يقصد بذلك إلى تحقيق الباطل ليؤخذ به ويدل عليه ، لأنه في ذلك صادق كما قال ، إذا كان صادقا فيما قال ، ولم يصوّب ما قال ، وإنما روى رواية هو صادق فيها غير كاذب ، وضمان ذلك على من عمل به ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، أنه ليس عليه في هذا ومثله ضمان .
فصل : وإذا قال ذلك أيضا بدين يدين به ، وتأويل باطل ، فاتلف بذلك مالا أو شيئا من الدماء أو الفروج ، ثم تاب من ذلك واستغفر ربه ورجع إلى الصواب ، فليس عليه في ذلك ضمان إذا فعل ذلك بدينونة .
و إنما الضمان عليه ، فيما قد قيل في الاختلاف ، إذا قال ذلك على تحرّي الصواب ، بغير قصد إلى دينونة بذلك بتأويل ضلال ، فأخطأ الخطأ الذي لا يعذر فيه ، على نحو ما وصفنا ، وكذب في ذلك وأخطأ في قوله ، فقد قال من قال : عليه التوبة ولا ضمان عليه ، وقد مضى القول في ذلك والحجة فيه.
وقال من قال : عليه الضمان على ما وصفنا ، وقد مضى القول فيه .
وقول من لا يرى عليه الضمان معنا أصح في الأحكام .
وقول من يرى عليه الضمان أحوط له . (3/7)
صفحة 8
وأما الهلاك في الإثم فالاختلاف فيه معنا ، أنه إذا أخطأ الخطأ الذي لا يعذر فيه أنه آثم ظالم هالك بذلك ، إذا أحل ما هو حرام بالإجماع ، أو حرم ما هو حلال بالإجماع .
فصل : وإذا قال ذلك بدين أو تأويل ضلال ، فاتلف بذلك مالا أو دما ، بقوله ودينه ذلك ، ثم أراد التوبة وقد تلف ذلك ، فلا ضمان عليه في ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، في قول أهل العدل ، وكذلك الحاكم إذا حكم في ذلك بدين وتأويل ضلال برأي يدين به ، ثم تاب ورجع فلا ضمان عليه في ذلك ، فإن أدرك المال بعينه ، أو أدرك من هو في يده ، وكان ممن يحرم ذلك فيما يدين بتحريمه ، فهو ضامن لذلك إذا صح عليه في ماله ، ولو تلف المال ، وأما إذا كان يدين باستحلال ذلك أيضا ، فإذا تلف فلا ضمان عليه في ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
وإذا أفتى المفتي بشيء من الصواب ، على قصد منه للصواب ، فوافق الصواب في الدين أو الرأي ، فقد وافق الصواب ووفقه الله ، ولا إثم عليه ولا تبعة ، إذا كان ذلك على ما يبين له من صواب ذلك في الوقت ، بعلم ذلك من وجه من الوجوه ، أو بيان ذلك له من وجه من الوجوه .
وإذا أفتى بشيء من الصواب على قصد منه للخطأ والباطل ، فوافى الصواب ، فهو هالك آثم في نيته التي قصد بها إلى ذلك ، ولا غُرم عليه ولا تبعة ، وعليه التوبة من إِرادته .
وإن أفتى بشيء من الصواب على القصد منه إلى ما أفتى به ، ولا يعلم أذلك صواب أم لا فإن قصد إلى ذلك على أنه باطل ، أو أنه لا يبالي قال الباطل أو الحق أو الكذب أو الصدق، فهو آثم بنيته وإرادته ، ولا تبعة عليه في ذلك .
وإن أفتى بشيء من الحق ، وهو يقصد إلى غيره من الحق ، فأخطأ بغيره من وجوه الحق التي تجوز ، وإنما أراد شيئا غير هذا الذي أفتى به من الحق ، فهذا مصيب في نيته موافق من الحق بغير إرادته ، ولا توبة عليه ولا تبعة . (3/8)
صفحة 9
وإن أفتى بشيء من الحق ، وهو لا يقصد إلى باطل ، ولا إلى أن ذلك حق ، وقد تقدم له علم ذلك بوجه من الوجوه ، بها يبين له مما يحسن في عقله ، أو يبين في رأيه ونظره ، إلا أنه لا يقصد إلى الباطل ، ولا أنه لا يبالي قال الحق أو الباطل ، وإنما قال ذلك على نسيان منه ، أو هفوة أو غلط ، أو أنه لا يقول في جميع الأمور إلا الحق ، فقال ذلك على أحد هذه الوجوه ، فهذا قد قيل فيه باختلاف إذا قال ذلك على غير غلط ولا نسيان ، فقال من قال : عليه التوبة من قصده إلى القول بما لا يعلم ولا إثم عليه غير ذلك ولا تبعة .
وقال من قال : قد وافق الحق ، وهو على نية الحق في جملته ، وقد قال الحق فوافق ذلك في علانيته ، فقد أصاب في جملته ما هو دائن به في إرادته ، وقد وافق الحق في سريرته و علانيته . وهذا القول هو أصح القولين .
فصل : وإذا قصد إلى الصواب في الحق فأخطأ بغيره من الباطل ولم يرد ذلك ، وإنما أخطأ بغيره ، والمراد الحق في نيته ، وهو عالم بضد ذلك الباطل من الصواب ، من أي الوجوه كان قد علم ذلك ، على أي الأحوال كان من المنازل من العلم ، إلا أنه قد علم ذلك بأي وجه علمه منه ، فهذا مصيب في نيته ، موافق لغير إرادته من الباطل ، مرفوع عنه خطؤه ذلك في الإثم والحرام والضمان ، ولا تبعة عليه في ذلك .
واذا قصد إلى الباطل ومعه أنه صواب ، وإلى ذلك قصد بعينه على أنه صواب ، من أي الوجوه قصد إليه على أنه صواب ، وهو يحرّم ذلك في دينه ،
ولا يتأول استحلال ما قال في ذلك ، وإنما يستحل ضد ذلك وستصوبه ، فهذا هو المخطىء الدائن بالتحريم ، وهو هالك في قوله مخالف لنيته وإرادته ، ولا تنفعه نيته إذا خالفها في علانيته ، وهذا موضع الاختلاف في ضمانه . (3/9)
صفحة 10
فصل : واذا قصد إلى شيء من الباطل ، وهو يعلم أنه باطل ، فهو هالك بقوله ونيته ، وموافق لارادته ، والقول فيه إذا قصد إلى إتلاف المال والدم بقوله ونيته ، وأطيع في ذلك ، وكان ممن يطاع في ذلك ، فهو عليه الضمان صاغرا لما أتلف من الأموال والدماء ، بذلك الباطل الذي قد قصد إليه ، بقوله ونيته ، ولا يبين لنا في ذلك اختلاف ، إذا كان مطاعا في ذلك الأمر ، الذي دل عليه ودعا إليه ، وهو قاصد إلى إتلافه ، متمرد على الله ، أو على دينه بخلافه ، فالضمان عليه صاغرا راغما ، ولا يبين لنا خلاف ذلك والله أعلم .
واذا قصد إلى الخطأ ، وهو يرى أنه صواب ، أو إلى الباطل وهو يرى أنه حق ، وهو مما يتأول فيه التاويل المخالف للحق ، وهو يذهب في أصل ذلك إلى أنه صواب ، يصوبه ويصوّب الأصول التي يشتق منها ذلك ، وإنما يذهب في ذلك كله أن لو وقف عليه أنه كان يصوبه ، في حين يبطل ضده من الحق ، فإذا كان على هذا ، فهذا هو الدائن بالباطل ، وهو هالك بذلك ، وظالم في حين ذلك ، وعليه الخلاص منه ، فيما تعبده الله به .
وإن قُدِر عليه قبل التوبة أخذه منه المسلمون صاغرا في حين ذلك ، وحين دينونته بالباطل ، في قول من يرى ذلك ، فإذا حكم به إمام العدل ، أو حكام العدل ، وجب ذلك ، فإن تاب من قبل أن يقدر عليه ، أهدر عنه جميع ذلك ، إلا أن يوجد بعينه في يد من كان يدين بذلك أيضا ، أو يكون ذلك قد صار إلى من لا يدين به وأتلفه ، فهو ضامن كذلك في ماله ، إذا كان ممن يحرّم أصل ذلك في دين المسلمين ، والقول في الحكام كالقول في المفتي ، في أمر الهلاك والظلم ، وأما الضمان فالحاكم أوجب ضمانا فيما يلزمه فيه الضمان ، من مخالفة الحق ، وقد مضى في هذا ما فيه كفاية . (3/10)
صفحة 11
وقد يخطىء القابل للباطل ، ولا يخطىء القائل للباطل ، إذا قصد إلى الحق ، فأخطأ بالباطل وهو لا يقصد إلى نفس ما قال به ، ،وإنما قصد إلى القول بنفس الحق فأخطأ في القول ، فزلّت لسانه فقال بالباطل ، فقَبِلَ منه الجاهل وصوّب ذلك الباطل فهلك القابل ولم يهلك القائل .
وقد يسلم الراوي ويهلك القابل والقائل المفتي بالباطل ، إذا لم يعلم القائل الراوي أن ذلك باطل ، ولا صوبه ، ولا قال إنه يقول به ، ولا يدين به ولا يراه صوابا ، وإنما روى ذلك على ما سمعه ووجده ، أو رآه أو أخبر به ، فذلك لا ضمان عليه معنا ولا إثم ، لأنه لم يكذب ولم يقل باطلا .
ولا سلامة من الهلاك لعامل عمل بباطل ، قَبل ذلك الباطل من قائل مصيب ، أو راوٍ مصيب سالم أو من قائل هالك أو رَاوٍ كاذب متكلف ، فهو أحق بالهلاك ولا سلامة له معنا العامل بالباطل ، والدائن بالباطل ولو جهل ذلك ، ولو قَبِل ذلك من عالم أو مائة ألف عالم أو يزيدون . يروي ذلك بعض عن بعض ، ويشهد بذلك بعض لبعض ، وبعض على بعض ، إلى أن يسندوه إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى أفاضل الصحابة -رضوان الله عليهم - ، أو إلى حكم الله وحكم كتابه ، فلا عذر لذلك القائل الدائن بذلك الباطل ، أو المصوب لذلك الباطل ، أو المصدق لذلك الكاذب ، أو العامل بتلك المعصية أو لتلك السيئة .
فافهموا - رحمكم الله - هذه الأصول ، وميزوا هذه الدقائق وهذه الفصول ، وهذا يأتي في الفتيا على جميع الأمور ، في دين الله - تبارك وتعالى - ، وفي جميع الأحكام ، وجميع أمور الإسلام ، والقول فيه من جميع القائلين ، والحكم فيه من جميع الحكام . (3/11)
صفحة 12
باب: الفرق بين الرفيعة والفتيا والحُجَج في الدين والفرق في حكم الإيمان والكفر
الفرق بين الرفيعة والفتيا والحُجَج في الدين
والفرق في حكم الايمان والكفر
الفتيا في الولاية والبراءة ، يقع الحكم فيهما مواقع سائر الفتيا في الدين ، فما كان من الفتيا في أمر الولاية والبراءة ، مما لا يسع جهله ، كان جميع المعبرين لذلك حجة على من عبروا له ذلك ، واذا كان ذلك مما يسع جهله ما لم يركبه ، أو يتولى راكبه أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه ، أو يقف عنهم برأي أو بدين ، فلا يكون الحجة في هذا إِلا العالم الثقة الأمين ، بما قد صح له علمه ، وتظاهر له علمه من جميع أصول الولاية والبراءة ، ولو لم يكن عالما بجميع أصول الولاية والبراءة ، فإذا صح له علم في شيء من أصول الولاية والبراءة ، وظهر ذلك وصح منه ، كان حجة في الفتيا في ذلك الأصل . (3/12)
صفحة 13
وذلك الباب من أبواب الولاية والبراءة من جميع ما وصففا ، من أصول الولاية والبراءة ، ولو لم يصح له العلم إلا في أصل واحد ، وكان أمينا من المسلمين فقيها في الدين كان حجة في الفتيا في ذلك الذي قد صح له اسم به ، من أصول الولاية والبراءة ، وليس الحجة في العلم في الفتيا كالحجة في العلم في الرفيعة لأن الرفيعة لا يكون فيها حجة إلا من خصه ذلك بعلم الولاية والبراءة ، فاذا كان لا يكون حجة حتى يكون عالما بالولاية والبراءة ، فمحال أن يكون عالما بالولاية والبراءة حتى يكون عالما بجميع أصولها ، والفتيا ليست كذلك لأن كل عالم بشيء من العلم وبفن من العلم ، وباصل من العلم ، فهو حجة فيه في الفتيا ، واقامة حجة الله على عباده وفي عباده ولعباده ، والولاية والبراءة أصول كثيرة وفنون كثيرة وأبواب كثيرة ،ولا يستحق أحد العلم للولاية والبراءة حتى يكون عالما بجميعها ، ولا يكون حجة في الولاية والبراءة إِلا من كان عالما بها ، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا في قول أهل العلم من أهل الاستقامة .
فصل : فإن قال قائل : أليس قد قال من قال من العلماء إِنه من عرف ما يسع جهله مما لا يسع جهله ، فهو حجة في الرفيعة في الولاية والبراءة ، وهو عالم بالولاية والبراءة ؟
قلنا له : نعم هذا من المختصر من الكلام ، والخاص من الأحكام ، لأنه قد قلنا إِنه راجع جميع أصول الولاية والبراءة ، إلى أصل ما يسع جهله وأصل ما لا يسع جهله ، وأخص من ذلك معنا أنه إذا كان يبصر الولاية والبراءة ، وعالما بالولاية والبراءة كان حجة في الرفيعة وحجة في الفتيا ، وكان هذا كافيا من الجواب عن قولك ، إذا أبصر ما يسع جهله وما لا يسع جهله . (3/13)
صفحة 14
ولا يحتاج أحد أن يفسر عندك على مذهبك ، فوق قوله من أبصر الولاية والبراءة كان حجة في الرفيعة ، وجازت رفيعته ، ولا يحتاج إلى أن يقول بعلم ما يسع جهله وما لا يسع جهله ، وأنجز من هذا جوابا ، وأعلم منه خطابا ، أن يقول القائل : من أبصر الجملة وأحكام الجملة ، كان عالما بحميع دين الله ، وحجة في جميع دين الله بصيرا بالولاية والبراءة ، وكان في ذلك صادقا ، ولجميع أهل القبلة موافقا ، في جميع أديانهم ومذابهم وآرائهم .
كذلك قول من قال : من أبصر ما يسع جهله وما لا يسع جهله ، كان عالما بالولاية والبراءة ، لأن الولاية والبراءة كلها راجعة إلى أصل ما يسع جهله ، وأصل ما لا يسع جهله ، كما كانت الولاية والبراءة كلها ولاية وبراءة كافية في المعنى ، أن يقال بما يسع جهله وما لا يسع جهله منها ، وكما كانت الولاية والبراءة وجميع دين الله من الصلاة والزكاة والحج والصيام ، وجميع أحكام الإسلام ، كافيا في المعنى في جميع ذلك الإقرار بالجملة ، فيما يكتفى به ، وكانت الجملة جامعة لجميع دين الله .
كذلك قول القائل :من أبصر من الولاية والبراءة حكم الخاص والعام ، فقد أبصر الولاية والبراءة ، كان بذلك صادقا ،لأنه لا يخرج جميع الأحكام من الخاص والعام في أمر الولاية والبراءة .
كذلك من قال : من أبصر أهل الحقيقة والشريطة والظاهر من الولاية والبراءة فقد أبصر الولاية والبراءة ، وكان ذلك كافيا عن ذكر أصول الولاية والبراءة في حكم الخاص من ذلك . (3/14)
صفحة 15
وأنجز من ذلك جوابا أن يقول : العالم حجة في الفتيا وفي الرفيعة ، ولا يذكر سوى ذلك من تفسير ، فقد قال أهل العلم إن العالم بجميع الأشياء عالم ، وأنه عالم يسمى عالم بذلك الذي هو عالم به ، وقد اكتفى من عقل أنه لم يرد القائل : العالم حجة ، إلا أن هذا العالم عالم بجميع ما يكون به حجة الله في خاص ذلك الأمر، الذي كان فيه حجة ، وفي عام الأمور التي هو فيها حجة ، والكلام في هذا يتسع من الألفاظ الخاصةو العامة.
فصل : فلا يجوز عندنا أن تكون الولاية بالرفية إلا من العلماء بالولاية والبراءة ، ولا يكون العلماء بالولاية والبراءة إلا من علم أحكام أصول الولاية والبراءة ، ووقف على خاص ذللك وعامه ، من جميع أصول الولاية والبراءة ، ثم هنالك يكون حجة في الرفيعة لمن رفع إليه ، وعلى من رفع إليه ، فالحجة للمرفوع إليه الولاية أن يتولى بقول الواحد من علماء المسلمين بأحكام أصول الولاية والبراءة ، والمرفوع إليه ذلك ، فخير إن شاء تولى المرفوع إليه ولايته والرافع ، وان شاء تولى الرافع ، ووقف عن ولاية المرفوع ولايته ، الواحد حجة للمرفوع إليه ، أن يتولى بقوله و ولايته إن شاء ، وليس بحجة فيْ الإجماع عليه أن يتولى بولايته فإذا تولى الاثنان من علماء المسلمين بأصول الولاية والبراءة ، كانا حجة على من رفعا إليه ذلك ، وكان عليه أن يتولى من رفعا إليه ذلك ، وكان عليه أن يتولى من رفعا ولايته ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
فصل : وسواء كان المرفوع ولايته حاضرا أو غائبا ، أوحيا أو ميتا ، متقدما أو مسأخرا ، فذلك كله سواء ، ولم نعلم في ذلك فرقا ولا اختلافا ، حتى يعلم كذب ما قاله الرافعون ، وشهد به الشاهدون من أهل العلم والبصر بالولاية والبراءة . (3/15)
صفحة 16
ولا تجوز الولاية إلا بالبصر للولاية والبراءة ، ولا يتولى الانسان برأيه وبصره حتى يكون بصيرا بالولاية والبراءة ، كما لا يجوز له أن يتولى إلا بولاية من يبصر الولاية والبراءة ، كما أن الحاكم لا يجيز شهادة الشهود إلا أن يكون يبصر العدالة ، أو يسأل المعدلين ، إن لم يكن يبصر العدالة ، ولا يجيز شهادة الشهود وعدلهم إلا ببصر منه ، أو يبصر من يبصر العدالة ، كذلك لا يتولى الانسان ببصره إلا أن يكون ممن يبصر الولاية والبراءة ، ولا فرق في ذلك معنا ، فيمن يتولى برأيه وبصره ، أو يرفع ولاية غيره ويتولى غيره ببصره .
ومن لم يجز أن يتولى ببصره في الرفيعة ، لم يجز أن يعتقد هو الولاية ، إلا بالمعرفة منه التي تجوز لغيره أن يتولى بها من قوله ، أو برفيعة ممن يبصر الولاية والبراءة ، أو بشهرة فضل واستقامة ، وظهور عدل لا شك فيه ، أنه على سبيل الحق والسلامة ممن تقدم أمره أو استأخر ، فهذا سبيل الولاية بالرفيعة معنا من أحكام الظاهر في الولاية .
وإذا رفع العالم من العلماء بالولاية والبراءة ، ولاية رجل أو امرأة باسمه وعينه أو بصفته ، بما يستدل عليه كان ذلك حجة لمن تولاه بقوله ، من عالم من علماء المسلمين ، أو ضعيف من ضعفاء المسلمين ، والولاية بالرفيعة ممن هو حجة للرفيعة ، جائزة للعالم والضعيف ، وحجة للعالم والضعيف ، ما لم يعلم العالم أو الضعيف كذب ما قال الرافع ، في ولايته أو باطله ، إدا كان العالم بأصول الولاية والبراءة ، من أهل الاستقامة من المسلمين في حكم الظاهر ، وليس على الناس علم ما غاب عنهم من أحكام السرائر . (3/16)
صفحة 17
فصل : وكذلك إذا رفع اثنان ، من علماء المسلمين بالولاية والبراءة ، ولاية رجل أو امرأة على هذا السبيل ، كانا حجة على من رفعا إليه ولاية ذلك الإنسان ، ولا اختيار له في ذلك ، إذا علم بمنزلة ما يكونان فيه حجة من الفضل والعلم والاستقامة ، ولو لم يعلم أنهما حجة إذا جهل الحجة بمعرفة الحجة ، ومما يكونان به حجة ، لأنه لا يسع جهل الحجة من علم الحجة أو جهل الحجة ، إذا قامت عليه الحجة بمعرفة الحجة ، وبما يكون به حجة ، وأنه نازل بمنزلة الحجة بما يكون به حجة ، ولو جهل هو في علمه منه معرفة لزوم الحجة ، وما يكون حجة ، والولاية بالرفيعة من علماء المسلمين بالواحد جائزة ، وحجة لمن تولى بقوله ، ولا يكون ذلك عليه حجة ينقطع بما عذره وهو مخير ، فإذا قامت عليه الحجة بالاثنين من علماء المسلمين ، كانا حجة عليه ولزمته الحجة ، ولم يكن له أن يجهل الحجة ولا يخالف الححة ، ولا يضيع ما قد لزمه بقيام الحجة ، وكل هذه الولاية بالواحد من العلماء وبالاثنين من العلماء ، إنما هو بقصديق الواحد ، وبالتزام الحجة بالاثنين. (3/17)
صفحة 18
كما قامت الحجة على الحاكم بقبول شهادة الشاهدين في الأحكام ، ولو كانا فيما شهدا عليه من شهادتهما تلك عند الله من الكاذبين ، ولله في دينه من المحاربين ، فعلى الحاكم أن يقبل شهادتهما ويحكم بها لمن شهدا عليه ، وهو بذلك عند الله من السالمين والمسلمين ، ولو كانا هما بشهاتهما تلك عند الله من الظالمين ، وليس للحاكم لان كان عليه قبول شهادتهما والحكم بها أن يشهد على المشهود عليه ، بمثل ما شهد عليه الشاهدان ، ولا يعتقد صدق ما قاله الشاهدان على المشهود عليه ، من الظلم والجحود ، ولا للمشهود له من الصدق ني ادعائه على المدعى عليه ، بل ليس للحاكم من جميع ذلك ، ولا عليه إلا أن يلتزم ها قد لزمه من قبول الشهادة ، والحكم لله بذلك في عباده ، ولا يتعاطى غير ذلك ، فإن تعاطى غير ذلك من الشهادة للشاهدين بالصدق ، والمشهود عليه بحقيقة الكذب والظلم ، كان بذلك الحاكم من الشاهدين بالزور والحاكمين بالجواز ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
فصل : وان رد الحاكم شهادة الحجة من العدول بعد قيامها ، لموضع ما قد غاب عنه ، من صدقها وكذبها ، واحتمل عنده من ذلك بالحق ، كان بذلك للحق من المعطلين ، وكان بذلك عند الله في دينه من المبطلين ، ولو كان الشاهدان عند الله في سريرتهما قد شهدا باطلا وكذبا ، فلا يجوز للحاكم أن يترك الحجة بعد قيامها عليه ، ولا يشهد بمثل ما شهدت به الحجة على المشهود عليه ، ولا يعتقد صدق الشهود ولا حقيقة ذلك ، وإنما تقبل الحجة إذ هي في دين الله حجة . (3/18)
صفحة 19
كذلك على الحاكم أن يقبل تعديل المعدل ، إذا كان يبصر العدالة ، وقت إقامته للتعديل ، وجعله معدلا في أحكامه ، فعليه أن يقبل تعديله ، ولو كان المعدل قد خان الله في سريرته ، يرفع عدالة الخائنين عنده والكاذبين في دين الله ، فعليه أن يقبل ذلك من المعدل ، ما لم يعلم كذب قوله وباطله ، و ليس له أن يشهد له ولا يعتقد تصديق المعدل ، فيما رفع إليه من عدالة الشهود ، ولو كان المعدل في ذلك عند الله من الصادقين ، وكان الحاكم في اعتقاد صدقه في ذلك عند الله من الفاسقين ، وإنما عليه أن يقبل الحجة ، ويرد ما ليس هو بحجة ، إذ هو في دين الله حجة ، وليس حجة إذا لم يكن في دين الله حجة .
فصل : وكذلك الولاية برفيعة الواحد ، إنما هو قبول التصديق ،لا على حقيقة الصدق من الرافعين ، ولا على المرفوع ولايته بالواحد من علماء المسلمين ، والتزام الحجة بالاثنين من علماء المسلمين ، إذا رفعا ذلك وشهدا ، والقيام به من غير أن يشهد بما شهدا به ، ولا يعتقد صدق ما رفعاه أنه كذلك ، ولو كانا عند الله من الصادقين في قولهما ، فليس له أن يشهد بصدقهما ، ولا يعتقد ذلك ، لأن ذلك من التقليد لهما ، ولا يجوز التقليد في الدين .
فصل : وكذلك التصديق للواحد بمنزلة الحجة من الاثنين ، لا يجوز تكذيب الواحد ولا تصديقه ، وإنما يجوز تصديقه على الأمانة ، لما جاء أنه حجة لمن صدقه ، كما كان المعدل حجة لمن صدقه من الحكام في إنفاذ الأحكام لتعديله . (3/19)
صفحة 20
كذلك الولاية بالرفيعة من الواحد ، ولا نعلم أن أحدا قال إن الولاية لا تجوز بالواحد ، وإنما تجوز بالاثنين من علماء المسلمين، ، وإنما قيل بالاختلاف في الحجة بقول الواحد ، أنه حجة في الولاية ، وأنه يلزم تصديقه والولاية بقوله ، لأن الحق في الولاية لله - تبارك وتعالى - ، ولأن ولاية الرفيعة بالواحد تقع موقع الرفيعة من الاثنين ، لأنه إنما هو يقبل قول الرافعين ، ولا يتعدى قول الرافعين ، كما قد كان الحاكم الواحد حجة في دين الله ، إذا كان قد نزل بمنزلة الحاكم ، وكان الحاكم حجة على الرعية بمعونته على ما هو حجة ، وتصديقه فيما هو حجة على غيره ولغيره ، كما جاء الأثر أن المعدل الواحد حجة في رفع العدالة ، إذا كان قد جعل معدلا لذلك الحاكم ، وعليه إذا كان هو الذي جعله معدلا أو جعله له معدلا ، ممن يبصر العدالة من العلماء من المسلمين ، بأمر ذلك الحاكم ، كذلك العالم إذا نزل بمنزلة الحجة في الولاية والبراءة ، كان حجة في رفع الولاية ، كما كان حجة على غيره في الفتيا في دينه ، إذا قال ما هو في أصل دين الله حق ، وموافق لأصل دين الله من قول الحق في الدين ، فهو حجة في ذلك فيما يسع جهله وفيما لا يسع جهله .
كذلك الولاية بالواحد ، وكما كا قول الواحد من الثقاة في الأهلة في شهر رمضان ، وما يلزم في الحقوق في ذلك يقوم الواحد ، ويكون حجة ، كذلك الولاية ، قد قال من قال : إنها تقوم بها الحجة على المرفوع إليه بقول الواحد من علماء المسلمين ، وليس له أن يلوي عنقه عن الحجة ، وعليه أن يتولى المرفوع ولايته بقول الواحد ، للعلل التي دكرناهما ، وأكثر من هذا من العلل فيما تقوم به الححة من حقوق الله بالواحد ، فالولاية أولى أن تقوم بها الحجة بالواحد . (3/20)
صفحة 21
وقد قال من قال : هو مخير في رفع الواحد ، وعليه أن يتولى الرافع من علماء المسلمين ، وليس له ترك ولاية الرافع من علماء المسلمين ، من أجل ولايته لمن تولاه ، وان وقف عنه فيلزمه ولاية الرافع ، فإن لم يتول الرافع من أجل ولايته المرفوع ولايته ، هلك بذلك ، إذا وقف عنه برأي أو بدين من أجل ولايته لمن تولاه ، إلا أن يعلم أنه تولاه بغير حق ، فإن لم يعلم ذلك ثم ترك ولايته من أجل ولايته لهذا ، كان هالكا ، وان وقف عن المرفوع ولايته وتولى الرافع من علماء المسلمين ، فقد أجاز له ذلك من أجاز من المسلمين ، ما لم تقم عليه الحجة بالإثنين ، فإذا قامت عليه الحجة بالإثنين لزمه بذلك الحجة.
وقال من قال : إن سال العالم عن ولاية المرفوع ولايته ، فرفع إليه ولايته ، كان ذلك عليه حجة ، وإن رفع إليه ولايته من غير أن يسأله كان له الخيار في ذلك ، كما كان الحاكم إذا سأل المعدل عن تعديل الشاهد ، فرفع إليه عدالته ، لزمته الحجة بذلك ، وإذا رفع المعدل تعديل الشاهد من غير أن يسأله الحاكم ، كان له الخيار في ذلك وفي قبوله ، كذلك السائل إذا سال العالم عن ولاية المرفوع ولايته ، فرفع إليه ولايته ، كان عليه حجة ، وان لم يساله كان مخيرا في ذلك ، فإن تولاه وسعه ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، وإن لم يتوله وتولى العالم وسعه ذلك في بعض القول ، ولايسعه ذلك في بعض القول ، إلا أن يتولى المرفوع ولايته إذا سال عنه .
فصل : وقال من قال : هو مخير في ذلك في قول الواحد ، سال العالم أو لم يساله فهو مخير في ذلك ، وليس له على كل حال ترك ولاية العالم المحق من أجل ولايته لمن تولاه ، ساله عن ذلك أو لم يساله ، وعليه ولاية العالم المحق على كل حال . (3/21)
صفحة 22
وقال من قال : لا تقوم عليه الحجة إلا بقول الاثنين من العلماء ، سالهما أو لم يسالهما ، فإذا قام عليه الإثنان من علماء المسلمين بالولاية والبراءة في الرفيعة بولاية رجل أو امرأة بعينه ، كان ذلك عليه حجة ، وكان عليه قبول ذلك كما وصفنا ، من غير اعتقاد صدق ذلك للمرفوع ولايته ، ولا صدق الرافعين لذلك ، ولكن لقبول الحجة ، ولو كان الرافعون للولاية كاذبين في ذلك ، خائنين لله في دينه في ذلك ، فالاثنان حجة على من قاما عليه ، والواحد حجة لمن صدقه في ذلك ، وقبل ذلك منه ، ولا نعلم في ذلك اختلافا في قول أهل العلم .
ولو رفع عالم من علماء المسلمين من البصراء بالولاية والبراءة ولاية من علم الله شقاءه ، وأوجب علم شقائه على من علم ذلك منه في كتاب الله -تبارك وتعالى - ، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولزم فيه بعص المسلمين براءة الحقيقة بالقطع ، فرفع هذا العالم ولايته خائنا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه ، إلى من لا يعرف ذلك من المسلمين ، فتولاه بذلك على تصديق الحجة له في ذلك ، وكان المتولي لذلك المرفوع ولايته في ذلك من المسلمين والسالمين ، وكان الرافع لولايته من العلماء من الهالكين والظالمين ، ولا يضر ذلك من صدق الحجة في (3/22)
صفحة 23
وصلناموضع ما يكون حجة ، ولو كانت الحجة كاذبة عند الله في سريرتها ، كذلك لو تولاه اثنان من علماء المسلمين في حكم الظاهر ، العلماء بالولاية والبراءة لكانا حجة على من قاما عليه بذلك في حكم الظاهر ، وكان عليه ولايته وولايتهما على ذلك ، و كان سالما بذلك ، ولو ترك ولاية المحق الواحد العالم لذلك من أجل ولايته لهذا الذي في علم الله أنه ظالم ، ولم يعلم ذلك المرفوع إليه ، كان بذلك عند الله من الهالكين في دينه ، وعذبه الله على ذلك بنار جهنم إذا ترك ما هو عليه حجة لموضع ما ليس له حجة ، ولو كان هذا العالم قد تولاه ورفع ولاية أبي جهل عمرو بن هشام أو نمرود بن كنعان أو فرعون وقارون وهامان ، ولا نعلم المسلم المرفوع إليه ولايتهم ، ما هم وما منزلتهم في الأحكام عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم وأهل دينه كان بولايتهم بالرفيعة سالما ، وكان بترك ولاية المحق العالم ، من أجل ولايتهم بغير علم ظالما لأنه لا يجوز له أن يترك ما ألزمه الله من ولاية المحق العالم من أجل ولايته لجميع من تولاه باسمه وعينه ، إلا أن يعلم أنه تولى أحدا بغير الحق ، والا فهو لازم له ولاية المحق العالم . (3/23)
صفحة 24
وكذلك إدا قام عليه الاثنان بولاية أحد من هؤلاء وأمثالهم أو غيرهم ، من لم تصح شقوته في الكتاب ، إلا أنه قد استحق العداوة مع أحد من المسلمين في الدين في حكم الظاهر ، من الأئمة أو في الأئمة ، ممن لم يصح مع هذا المرفوع إليه ولايته ، ما قد نزل به من منزلة الضلال والكفر والشقاء في حكم الحقيقة ، ولا الكفر في حكم الظاهر ، فعليه أن يلتزم ولاية العالمين ، وولاية المرفوع ولايته بحكم التصديق ، وقبول الحجة ، فإن ترك ولاية المحقين العالمين وترك ما يلزمه من التزام الحجة بولاية المرفوع ولايته ، كان بذلك من الهالكين ، ولا يساله الله عن ولاية أبي جهل عمرو بن هشام ولا نمرود بن كنعان ، ولا قارون وفرعون وهامان ، إذا لم يعلم كذب ما قاله العالمان .
ولا حقيقة ما نطق به القرآن في هؤلاء الذين صح شصاؤهم في القرآن ، ولا شهد بصدق ما قاله العالمان ، وإنما التزم ولاية من لزمته ولايته بالحجة بقول العالمين ، إذا كان العالمان حجة في حكم دين الله في الله ، ولو شهد بصدق ما قالاه ، وكان ممن رفعا ولايته ذا القرنين وامرأة فوعون ومريم ابنة عمران ، وموسى بن عمران وعيسى ابن مريم -صلوات الله على أنبيائه - ، ولم يعلم صدق ما قالاه إلا من طريق قولهما ، فشهد بصدق قولهما ، وقد وافقا في ذلك تصديق القرآن ، وولاية من ثبتت ولايته في القرآن ، لكان بذلك من الهالكين ، إذ شهد بغير علم وقال بغير علم ، ولو ترك ولاية فرعون وهامان ونمرود بن كنعان وأبي جهل عمرو بن هشام لموضع ، إذ غاب عنه صدق العالمين من كذبهما ، ولم يأمن أن يكونا قد قالا ورفعا مما هما فيه كاذبان ، لكان بذلك قد ترك ما يجب عليه ، وترك الحجة في الدين ، وكان بذلك من الهالكين . (3/24)
صفحة 25
كذلك لو رفع العالم من علماء المسلمين ، البصر بأصول الولاية والبراءة ، ولاية أحد من المحدثين الذين قد صح حدثهم مع أحد من المسلمين ، وصح مع أحد من المسلمين خلافه في الدين من الأئمة السالفين ، مثل نافع بن الأزرق ونجدة وعطية ، وأئمة الخوارج الفاسقين المبتدعين ، فرفع أحد من علماء المسلمين ولاية أحد من هؤلاء خائنا لله في دينه إلى من لا يعرف ذلك منهم ، ولا نعلم أن الرافع خائنا لله في دينه فتولاهم المرفوع إليه ولايتهم ، كان لله بذلك سالما في الدين ، أو لم يكن له أن يشهد بصدق ما قاله الرافع من علماء المسلمين ، ولكن بصدق الحجة في الدين ، ولوكانت الحجة في دين الله من الخائنين.
كذلك لو رفع ولاية أحد من هؤلاء اثنان من علماء المسلمين العلماء بأصو ل الولاية والبراءة ، ولم نعلم من رفعوا ذلك إليه كذب ما قالوه من صدقهم ، كان عليه ولاية المرفوع ولايته ، وكانا عليه حجة وله حجة ،
ولا يجوز له أن يشهد بما شهدت به الحجة ولا يشهد بصدق الحجة ، ولا يرد الحجة ، ولا يضيع ماقامت به عليه الحجة ، وما لزمه من الولاية بقيام الحجة. (3/25)
صفحة 26
فصل : كذلك لو رفعا ولاية عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ، وطلحة بن عبدالله ، والزبير بن العوام ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والقول في ذلك واحد ، والأمر في ذلك واحد ، من الواحد والاثنين والتصديق والشهادة ، وقبول الحجة ولزوم الحجة ممن هي لازمة منه وفيه ، ولا يختلف القول في هذا ولا الحكم فيه ، والمرفوع إليه الولاية ، مخير في قول الواحد ، ويلزمه قبول قول الاثنين من علماء المسلمين البصراء بالولاية والبراءة ، والحجة له في ذلك وعليه ما ظهر من الرافعين ، وعلمهم في حكم الدين ولو كانوا عند الله في أحكام السريرة من الكاذبين ، ولله في دينه من الخائنين ، وعليه وله أن يتولى بالحجة جميع من رفع إليه ولايته ، وقامت عليه الحجة بولايته ، ولو كان الرافع إليه في سريرته زنديقا خائنا لله ، بغير أن يظهر منه في ظاهر الأمر عنده ، ما يكون حجة به في حكم الظاهر من العلم والاستقامة ، ولو كان المرفوع ولايته أيضا من الزنادقة وعبدة الأوثان والأصنام والنيران ، وهو لا يعلم ذلك ولا يدري ما هو ، فإن الحجة له في قبول الولاية في هذا ، والحجة عليه في قبول ذلك من الإثنين في هذا ، فإن ضيع شيئا من ذلك بعد قيام الحجة عليه في حكم الظاهركان هالكا ، لأنه لا يجوز أن يضيع ما لزمه في حكم الظاهر ، لما غاب عنه من الأحكام ، واحتمل عنده باطلها وحقها ، ولا يجوز له أن يضيع حكم الظاهر ، ولا شيئا من لازمه ، لموضع ما اعتقده من حكم الشريطة ، وقد مضى في هذا من القول ما في بعضه كفاية لمن من الله عليه بالبصر والهداية . (3/26)
صفحة 27
فاذا ثبت معه أو عليه ولاية أحد بالرفيعة ، من جميع من قد ذكرنا فلن يتحول عن ذلك ، ولا يجوز له ترك ما لزمه من ذلك ، حتى يصح معه ضدما رفعا إليه من ولاية هذا الولي من حكم الحقيقة ، فيمن صحت فيه أحكام الحقيقة أو في حكم الظاهر بما لا يشك فيه ، وما لم يصح معه صدق ما يثبت له وعليه من ولاية وليه ، فكل هذا من برىء من وليه هذا الذي قد صحت معه ولايته بحكم الحق ، فإنه مباح له البراءة ، ممن برىء من وليه هذا ، من بعد أن يعلم المتبرىء من وليه أنه يتولاه ، ولا يعلم أنه تولاه بغير الحق ، واحتمل ولايته بوجه من وجوه الحق ، وهذا مما قد أكدنا فيه وبينا فيه ، أنه يحتمل فيه بالولاية بالحق . (3/27)
صفحة 28
ويلزم فيه الولاية بالحق ، ويكون المتولي بالرفيعة سالما ، والرافع للولاية في هذا خائنا لله في دينه ظالما ، وعليه أن يتولى الرافع والمرفوع ولايته ، وهو سالم مسلم ما لم يعلم ويصح معه كذب ما قاله الرافع بوجه لا يجوز ، ولا يكون له مخرج في الدين من الهلكة ، ثم هنالك يبرأ من الرافع بالحق ، ويبرأ من المرفوع ولايته بالحق ، و إلا فكل من برىء من وليه هذا ، ولو برىء منه مائة ألف فقيه من علماء المسلمين أو يزيدون من غير أن يوضحوا عليه حجة ، يقطعوا به عذره في ولايه وليه ، وهو مباح له أن يبرأ من هؤلاء الفقهاء ، لبراءتهم من هؤلاء الأعداء الذين قد وجبت عليهم عند الله في حكم دينه عداوتهم والبراءة منهم ، إذا لم يعلموا أن هذا المتولي قد تولى هذا العدو الذي وصفناه بغير حق ، ولوكان هذا المتولي قد تولى هؤلاء الأعداء ، أو أحدا منهم بغير حق ولا برفيعة ، ولكن خائنا لله في دينه ، إلا أنه قد احتمل له هذا الحق الذي وصفناه ، ولم يصح مع الفقهاء من المسلمين إن تولاهم بغير حق ، فعليهم أن يتوبوا إلى الله من براءتهم عند هذا المتولي لهذا العدو ، الذي قد صح في كتاب الله عداوته ، ما لم يقيموا عليه الحجة بعداوته ، من طريق حكم الحقيقة ، أو طريق حكم الظاهر ، إذا علموا أنه يتولاه ، واحتمل عندهم في ولايته أنه تولاه بحق ، في وجه من الوجوه أو معنى من المعاني مما وصفناه ، أو غير ذلك إذا احتمل عذره في وجه من الوجوه ، أو معنى من المعاني ، فالعذر قائم والحجة قائمة لمن أمكن عذره في دين الله في الولاية حتى يعلم أنه تولاه بغير حق ، ولا يكون له حجة في الإسلام ، ثم هنالك يقطع عذره إن لم يتب ويرجع إلى الحق عن ولاية هذا العدو .
فإن قال قائل : فيجوز ولاية أعداء الله ، الذين قد صحت عداوتهم في حكم الحقيقة وحكم الظاهر ، عند عامة المسلمين بقول واحد من الجانيين المتمردين على الله في الدين ؟ (3/28)
صفحة 29
قلنا له : نعم يجوز ولاية العدو بالحجة ، كما تجوز عداوة الولي الذي قد صحت ولايته عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو في كتاب الله ، أو في كتاب من كتب الله ، إذا لم يعلم ذلك من علم هذا الولي ما تجب به البراءة من الأحداث ، لأن هذه براءة الحكم بالظاهر يلزم من لم يعلم ما صح من حكم ولاية الحقيقة ، وهذه ولاية حكم الظاهر يلزم من لم يصح معه براءة الحقيقة ممن صح فيه ذلك .
فصل : ولو كان لا تجوز الولاية بالرفيعة إلا لمن علم المرفوع اليه أنه ولي ، ما كان يحتاج إلى رفيعة ، وكان علمه أولى به من الرفيعة ، ولو كان لا يجوز قبول الولاية إلا لمن علم بالحقيقة أنه ولي إذا ما كان يجوز أبدا رفع الولاية ، وما كان الرافع يكون مأمونا أبدا حتى يعلم صدقه هذا ، ما لا يذهب إليه أحد من أهل العلم بحال ، ولا يحسن هذا المذهب في عقل عاقل ، بل الصحيح الذي لا شك فيه أن الولاية بالرفيعة حجة لمن قبلها ولزمته ، ولو كان الرافع خائنا في سريرته ، وسواء كان خائنا في سريرته في أحد ، علم غيره كفره أو علم هو كفره وحده ، فهو حجة إن كان حجة أبدا ، ولو علم هو وجميع الخلائق كفر من رفع ولايته إلا هذا المرفوع إليه الولاية ، فلا يكون علم الرافع ولا علم جميع الخلائق حجة على المرفوع إليه ولاية هذا العدو ، مع جميع الخلائق ، وإذا جاز أن يكون علم جميع الخلائق حجة على من لم يعلم ذلك دون علمه ، جاز أن يكون ما علمه بعض الخلائق حجة على جميع الخلائق ، ومتى ثبت هذا ثبت أن الله كلف العباد من التعبد في هذا ما لا يطيقونه ، ومتى ثبت هذا بطلت صفة الله أنه حكيم ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وقامت الحجة ببطلان هذا القول من حجة العقل واكتفى به عن الإكثار . (3/29)
صفحة 30
فصل : ومتى ثبتت الولاية بالرفيعة ثبتت من أهلها الذين هم حجة فيها في حكم الظاهر ، ولو كانوا زنادقة في سريرتهم ممن رفعوا ولايته ، ولو كان الذين رفعوا ولايته من الزنادقة في سريرته وعلانيته ، إلا مع هدا المرفوع إليه ولايته ، ما لم يعلم المرفوع إليه الولاية ضد ذلك وكذبه وباطله .
فصل : فإن قال قائل : فما بال الفتيا معكم فيما قلتم إنه إذا كان العالم حجة في الفتيا ، لم يجز أن تقبل منه إلا ما كان عند الله حقا في دينه ، وما كان عند المسلمين حقا في دينهم ، فإن خالف ما هو حق في علم الله ودينه ، لم يسمع قبول ذلك منه ، وكان ذلك القائل هالكا بهلاكه ومبطلا ببطلانه .
قلنا له : كذلك استحق عليه في دين الله ألا يقبل من دين الله في أحكام الدين ، إلا ما وافق في علم الله الحق في دينه ، وما خالف علم الله في الحق في دينه فلن يجور قبوله ، ولا يكون حجة في الفتيا إلا في موافقة الحق ، الذي هو في علم الله حق في دينه بعينه .
وكذلك استحق عليه أن يقبل من الحجة الولاية في حكم دين الله ، إذا كان حجة في دين الله ، وظهر منه ما يكون حجة في دين الله ، ولو كان في دين الله هالكا في قيامه بتلك الولاية .
وهكذا تعبده الله في قبول الحجة الظاهرة ، ولولا هذا هكذا لفسدت الأرض ، ولكن الله ذو فضل على المؤمنين .
ولوكانت هكذا جميع الحجج التي هي حجج في الدين ، لا يسلم من اتبع الحجة في الدي ، حتى تكون الحجة في الدين محقة عند رب العالمين ، ما جاز أن يعلم هذا أحدا أبدا ، وإذا لبطلت الحجج التي تعبد الله بها عباده وهلك من اتبع الحجة المبطلة في السريرة ، ولا نعلم أن حجة من الحجج إذا نزلت بمنزلة الحجة في حكم الظاهر فاتبعها متبع على ما هي حجة في حكم الظاهر . (3/30)
صفحة 31
وكانت حجة مبطلة في حكم السرائر إلا أصاب المتبع لها وهلكت الحجة إلا حجة الفتيا فإنه ولو نزل العالم بمنزلة الحجة التي هي حجة في الفتيا فيما لا يسع جهله وكان علم العلماء في حكم الظاهر فإنه إنما يكون حجة في الفتيا في ما يوافق الحق عند الله في دينه وعلم العلماء بدينه في ذلك الذي قاله وأفتى به ولا يخالف ذلك الذي قاله حكم الكتاب ولا حكم السنة ولا حكم الإجماع ، فإذا أفتى العالم كائنا ما كان من العلم والفقه لشيء خالف حكم الكتاب أو حكم السنة أو حكم الإجماع وما أشبه ذلك فالحجة في دين الله ألا يقبل ذلك منه وذلك ميثاق الله على عباده ، ألا يقولوا على الله إلا الحق ولا تطع كل كفار أثيم ولا تطع منهم آثما أو كفورا ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ، وهذه معصية الله في حكم دينه الذي تعبد به عباده ، ومعصية الله في حكم دينه الذي تعبد به عباده تضييع ما وجب في دينه من الحجة في الولاية والبراءة في مواضع الحجة في حكم الظاهر، أو في حكم الحقيقة وفي حكم الشريطة وأن يضيع شيئا من ذلك في موضع لزومه فإن فعل ذلك كان عاصيا آثما .
فصل : فإن قال قائل فإن الولاية والفتيا واحد لأن الولاية تقوم الحجة بها بالواحد ،و الفتيا تقوم بها الحجة بواحد ، فإذا كان المفتي محقا في الفتيا سلم المفتي والقابل ، وإن كان المفتي مبطلا هلك المفتي و القابل .
كذلك إذا كان المتولي محقا وهو حجة في الولاية سلم المتولي بولايته وإذا كان مبطلا هلك المتولي بولايته لأنه تقوم الحجة فيه بواحد فكل ذلك سواء .
قلنا له : لا تقوم الحجة في الولاية بواحد في الدين ويكون دينا وإنما هو على ما يختلف فيه لإن تولاه وسعه وإن لم يتوله لم يضق عليه ذلك ، إذا تولى من تولاه من العلماء في الدين ، والواحد حجة في الفتيا في الدين إذا أفتى بما لا يسع جهله . (3/31)
صفحة 32
وكذلك هو حجة على من قام عليه بذلك في الدين ألا يخالفه في دينه ذلك ولا قوله ذلك فيما يقول فيمن تولى مبطلا في سريرته من العلماء المحقين فعلم بذلك من علم منه ذلك من علماء المسلمين أيسعه أن يتولاه على ولاية من تولاه حتى يعلم أنه تولى مبطلا في سريرته أو لا يسعه أن يتولى العالم المحق معه إذ قد سمعه يتولى هذا الرجل الذي قد علم الله منه أنه تولاه بغير حق ؟
قلنا له : يجوز أن يتولى العالم الذي قد تولى هذا المبطل في علم الله أنه يتولاه مبطلا في ولايته حتى يعلم أنه تولاه مبطلا.
قلنا له : وهو الحق الذي أردناه منك فما تقول في العالم الذي أفتى في دين الله بما خالف فيه حكم الكتاب أو السنة أو الإجماع ، وعلم ذلك منه عالم من ضعفاء المسلمين ، ولم يعلم فرق ما قاله العالم ، ولا أنه مبطل أو محق ، أيسعه أن يتولى المفتي بالباطل الذي هو عند الله باطل ؟
فإن قال : لا .
قلنا له : فقد أقررت أن الفتيا غير الولاية وأنه محجور عليه ولاية المبطل في الفتيا ولو لم يعلم باطله الضعيف وقد أتيحت له ولاية المتولي بالباطل إذا غاب عنه علم الباطل فما أنكرت على من قال إنه كما جاز أن يتولاه حتى يعلم باطله في الولاية أن يتولى بولايته إذا كان حجة حتى يعلم باطل ولايته ، والمتولي زعمت حجة في الولاية ، والمفتي حجة في الفتيا ، فمحجور على الضعيف أن يتولى المفتي بالباطل ولو جهل ذلك ، ولم يحجر علىالضعيف أن يتولى المتولي ولو جهل علم ذلك أحق أم باطل . (3/32)
صفحة 33
كذلك كان المتولي حجة في رفع الولاية حتى يعلم باطل ما تولاه عليه ، فكان المبطل في الفتيا غير حجة في قبول الباطل منه حتى يوافق في علم الله الحق لأن الكتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين حجة على المختلفين في أصول الدين فمن حكمت له الحجة بالحق فهو المحق ومن حكمت عليه بالباطل فهو المبطل وسائر الحجج غير حجة في الفتيا فإذا نزلت الحجة بمنزلة تكون حجة فهي حجة في ظاهر الحكم ولو كانت مبطلة في السريرة ، ومن اتبع الحجة فهو محق ولو بطلت الحجة في السريرة .
فصل : وإن قال هذا القائل : فإنه إذا لم يعلم باطل ما قاله المفتي من ذلك وهو عالم جاز له أن يتولاه حتى يعلم باطل ما قاله العالم ؟
قلنا له : فأين الأثر المجمع عليه من قول المسلمين يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرؤوا من العلماء إذا برئوا من راكبه أو يقفوا عنهم أليس قد تولى هذا مبطلا مما يدين بتحريمه أنه باطل ؟ فأين يسعه هذا في ولاية الدين في المبطلين ؟
وإن قال : لا يكون المفتي والقائل بالباطل مبطلا فالقول بالباطل حتى يعلم أنه باطله من الذي قال به .
قيل له : فإذا سمعت من يقول بالباطل ويخالف الحق بالباطل من الدين أيبرأ منه ويخطئه أو حتى يعلم أنه يعلم أنه قال باطلا ؟
فإن قال : لا أبرأ منه حتى أعلم أنه يعلم أن الذي قال باطل. (3/33)
صفحة 34
قلنا له :من أين لك هذه الضلالة كلها والبدعة التي لا نعلم أن أحدا من أهل الضلالات قال بها ، بل كل من علم من خصمه في دينه ما يخالفه في دينه كان عليه في قياد قوله ودينه ومذهبه أن يخطئ من خالفه في دينه وأنه مبطل في دينه ، ومن أبطل في دينه فهو ضال في الدين ، لا نعلم في هذا اختلافا بين أهل المذاهب ، وإلا فلا فرق في الاختلاف بين المختلفين في الدين ، وكل خلاف فلا فرق فيه بين المختلفين إذا كان من خالف في الدين غير مخطئ حتى يعلم أنه عالم أنه مخالف فهذا إذا علم أنه مخالف بعلم ، فليس هذا من المتدينين ، وهذا من المنتهكين الذين قد خالفوا الدين بعلم اليقين ، وليس هاهنا مخالفة بدين .
فصل : ويقال له : إذا زعمت أنه لا يجوز ذلك ، أن يخطئ من خالفك في الدين حتى يعلم أنه عالم مخالف في الدين أتتولاه وتصوبه في مخالفة الدين ؟ أو تتولاه ولا تصوبه ولا تفارقه ولا تخطئه ويكون عندك لا مخالف ولا موافق ؟ ولا مخطئ ولا مصيب ؟
هذا ما لا نعلمه في قول أحد من المتدينين ولا من المستحلين ، ولا يدعيه أحد من العاقلين .
فإن قال : يكون معه لا مصيبا ولا مخطئا ولا ضالا ولا مهتديا ، حتى يعلم أنه عالم أنه مخطئ ، فإذا علم أنه عالم مخطئ فحينئذ يخطئه وإذا لم يعلم أنه مخطئ وإنما أخطأ بجهل أعلمه أنه مخطئ فإن قبل منه ذلك و إلا برئ منه حينئذ وخطأه. (3/34)
صفحة 35
فصل:قلنا له :أجعلت نفسك أثبت حجة في الدين من حجة رب العالمين، إذ أخذ على عباده الميثاق ألا يقولوا عليه إلا الحق فقال هذا عليه الباطل فلم يكن من المبطلين عندك بحجة الله عليه في الدين وقوله بالباطل على رب العالمين ، فلما قمت أنت عليه بالحجة زعمت ، كان حينئذ محجوجا ، إن هذا لهو الضلال البعيد والخلاف الشديد ، ولا بد لك إما أن تثبت ما قلناه من الحجة في ولاية الرفيعة لمن تولى بالرفيعة على وجه الحق ، كان الرافع مبطلا في سريرته أو محقا ، كاذبا أو صادقا ، أو تبطل ولاية الرفيعة التي قد أجمع على إجازتها أهل الدين ، واختلف في لزومها بقول الواحد ، ولا تجوز مخالفة ذلك بالدين ، لأنه ما اختلف فيه فلا يجوز أن يكون دينا . فإما أن تبطل الولاية بالرفيعة من الواحد والاثنين وتنقض هذا الأصل من الولاية ، وإما أن ترجع إلى قول العدل والصواب ، أن الولاية بالرفيعة إنما هي بحكم الظاهر ، ولو كان الرافع مبطلا قي حكم السراائر .
فصل : فإن قال : إن العالم إذا تولى أحدا من الناس لا يعلم هذا السامع له ولولايته ذلك الرجل ، ولا يعلم أن ذلك المتولي محق ولا مبطل ، أنه لا يجوز له ولاية المتولي من أجل ولايته لمن تولاه ، ويجوز أن يقف عن المسلمين في ولاية من تولوه ، حى يعلم أنهم تولوه بحق ، فقد تعاطى علم الغيب ، وأبطل حكم الولاية كلها في الظاهر بأسرها ، وكان في قياد قوله أنه كلما رأى من أحد من المسلمين ، عملا بطاعة فيما يمكن فيه الحق والباطل ، والهدى والضلال ، من المغيبات والمعينات ، أن تبطل ولايته حتى يعلم أنه يأتي ذلك بحق لا باطل فيه ، حتى أنه يقف عمن راه يصلي ويصوم ويتصدق ويجاهد ، حتى يعلم أنه يأتي ذلك خالصا لله -عز وجل - ، بلا رياء ولا طلب عرض الحياة ، وأنه عند الله صادق من الأولياء ، ولا يستقيم هذا أبدا أبدا ، إلا على حسب ما وصفنا وذكرنا إن شاء الله . (3/35)
صفحة 36
ويقال له فما تقول في الحاكم إذا نصب معدلا ؟ أو كان بحضرته من ينصر العدالة من المسلمين الأولياء ، فسأل المعدل عن عدالة شاهد ، شهد معه بشهادة في الأحكام والحدود ، فرفع إليه المعدل عدالة الشاهد ، أيقبل عدالة المعدل ؟ أو لا يقبلها حتى يعلم أنه عدله بحق وعدل ؟
فصل : فإن قال : لا يقبل عدالته حتى يعلم أنه عدله بحق وعدل .
قيل : فما كان أحوجه إلى السؤال للمعدل ، وهو لا ينفعه السؤال له ، ولا يزيد في عمله ولا ينقص ، وإنما له وعليه في زعمك أن يعدل بقوله من يبصر عدالته ، فهذا باطل من القول وخلف .
وإن قال يجوز أن يقبل عدالة الشاهد من المعدل ، ويقبل شهادة الشاهد من المعدل ، ويقبل شهادة الشاهد بقول المعدل ، وينفذ الأحكام بشهادة الشاهد ، ويقيم الحد لذلك .
قيل له عند ذلك : أرأيت إن كان المعدل قد خان الله في سريرته ، فعدل هذا الشاهد وهو يعلم أنه عند الله في دينه من الزنادقة ، أو من عبدة الأوثان والقرامطة ، ما القول في الحاكم الذي قبل العدالة وأنفذ الحكم بالشهادة ؟
فإن قال : محق حتى يعلم الباطل من المعدل .
قيل له : فما الفرق بين الحاكم في قبول العدالة من المعدل ، والمتولي في قبول الولاية من الرافع ، فلن يجد إلى الفرق في ذلك أبدا سبيلا ، ولا بد أن يقول بهذا الذي قلناه ، أو يبطل التعديل ، فإن أبطله أبطل ما قد أجمعت الأمة على إجازته ، ولن يقدر على هذا أبدا إن شاء الله .
فصل : ويقال له : أرأيت الشاهدين إذا شهدا بشهادة عند الحاكم ، وهو يعلم عدالتهما وفضلهما ، فشهدا على ولي من المسلمين بحق لرجل من أهل الذمة أو من المسلمين ، فأنكر ذلك الولي أنه ليس عليه ذلك الحق ، وجحد ذلك جحودا ، وشهد عليه بذلك في وجهه وفي حضرة المدعي ، وهو ينكر ذلك ، ما القول فيه ؟ أيجيز شهادة الشاهدين ، أو يرد شهادتهما ؟
فإن قال : أجيز شهادتهما ولا يقدر أحد على غير هذا . (3/36)
صفحة 37
قلنا له : أرأيت لو كانا شاهدين عليه بالزور والكذب ما كان عندك الحاكم في ذلك ؟ سالما أم ظالما ؟
فإن قال : يكون سالما ، قلنا له : يكون سالما ، وقد قبل شهادة الزور في قولك لأن الشاهدين شهدا زورا ، وعلى قياد قولك إن الحجة إنما تكون حجة لمن اتبعها ، إذا كانت في حكم السريرة حجة في الولاية ، فمثله في العدالة ومثله في الشهادة ، ومثله في الحكم ، إذا حكم الحاكم العدل للخصم ، بحكم لا يعلم ما الوجه فيه ، وكيف حكم له و عليه ، فلا يكون معك حجة أبدا ، حجة لمن اتبعهما إلا أن يكون حجة في السريرة عند الله ومعنا في حكم دين الله ، ولا نعلم في ذلك اختلافا في دين الله ، أن كل حجة تثبت في الإسلام من الحجج التي تجرى مجراها على وجه الشهادة والأحكام ، واتباع الأمناء من أهل الإسلام ، فإلى كل حجة تثبت في الحق ، وكان حكم الظاهر منها حقا وعدلا ، وكانت حجة على من كانت حجة عليه أو له ، أن المخالف للحجة في حكم دين الله مخالف للحق ، ولو كانت الحجة مبطلة في السريرة ، وأن المتبع للحجة في ظاهر الأمر ، محق متبع للحق ، ولو كانت الحجة في دين الله عنده ، مبطلة في السريرة . (3/37)
صفحة 38
وهذا في كل حجة في الإسلام من رفع ولاية من واحد أو اثنين ، أو رفع عدالة أو قبول شهادة من العدول ، أو قبول قول حاكم قوله مقبول ، قد حكم على أحد من رعيته ، بحكم لا يعلم أنه اعتدى عطيه فيه ولا جار ، فهو حجة فيه ، وقوله فيه مقبول ومعونته لازمة لأهل العدل على قوله ذلك ، ولو كان مبطلا في سريرته ، والجماعة إذا عقدوا للإمام على الإمامة ، فيما يظهر من الأمر أنهم على الحق ، فهم حجة على الرعية وللرعية ، ولوكانوا قد عقدوا لمن لا يعلمون أنه زنديق في سريرته وسريرتهم ، ولو بايعوه في السريرة على بيعة الخوارج وبيعة الروافض في الإمامة ، أنهم يشركون أهل القبلة ، ويغتنمون أموالهم ويسبون ذراريهم ، وينتحلون الهجرة ، وأنهم يسمعون له ويطيعون ولو كفروا ، يقلدونه دينهم ، ولو كفروا هم أهل عدل فيما ظهر وشهر ، ثم أظهروا بيعتهم له على الإمامة ، وأنه إمامهم وامام العامة ، كانوا حجة للمسلمين ، وعليهم في حكم الدين ، وكان عليهم السمع والطاعة لذلك الإمام وتلك الجماعة .
وكذلك الإمام إذا ثبتت إمامته ، كان قوله حجة فيما جعل الله له من تصديق الأقوال في الأحكام والحدود والأحداث والقتال ، حجة إذا أمكن صدق ما يقوله وأمكن كذبه وحقه وباطله ، فقوله حجة في ذلك ، والمتبع له في ذلك محق باتباعه ، ولو كان في سريرته مبطلا وفي أحكامه ظالما جاهلا ، فالمعين له على ذلك ، والمتولي له على ذلك ، الذي قد علمه فيما يحتمل حقه وباطله، سالم .
فصل : كذلك كل حجة في الإسلام ثبتت ، فهي حجة و لو كانت مبطلة في السريرة . (3/38)
صفحة 39
و كذلك حجة الفتيا حجة إذا قامت مقام الحجة ، ولو كانت الحجة في سريرتها مبطلة ، وذلك مثل من صحت له الاستقامة والعلم ، بما يكون به حجة فيما يسع جهله في الدين ، وفيما يكون العالم فيه حجة ، فكان في حكم الظاهر حجة في الفتيا، وهو في سريرته عند الله من الزنادقة والمعطلين او القرامطة ، فهو في ظاهر الأمرحجة على من عرف منه ما يكون به حجة ، فإذا قام على من علم منه ما يكون به حجة فيما يسع جهله من الدين ، وعلم هو ذلك منه بتظاهر فضله وعدله وعلمه ، كان عليه حجة في ذلك ، وهلك بالشك في قوله ، إذا قام بالحق عليه ، فيما يكون عليه حجة في ظاهر الامر ، ولا حجة له عند الله ، إذا ضيع حجته التي قامت عليه في الظاهر ، إذا كان العالم عند الله مبطلا في حكم السرائر .
ولو جهل الجاهل مواضع الحجة ، بعد علمه بما يكون العالم به حجة ، فلا يسعه جهل علم الحجة ، إذا علم ما تكون به الحجة حجة ، ولو جهل مواضع الحجة ، وأما إذا لم يعلم منه ما يكون به حجة من العلم والفضل والاستقامة في ظاهر الأمر ، وعلم ذلك منه غيره من الناس ، فلا يكون حجة على من لم يعرفه ، وإنما يكون حجة على من عرفه ، ولا نعلم في هذا اختلافا ، إذا كان ما قاله وقام به مما يسع الجاهل جهله ، ما لم يركبه أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه ، أو يقف عنهم . (3/39)
صفحة 40
فصل : وأما إذا قال العالم الذي هو في حكم الظاهر ححة في العلم ، ما هو باطل في دين الله ، وهو من دين الله الذي لا يجوز فيه الاختلاف ، وإنما هو مما يخالف أصول الدين ، فلا حجة منه في ذلك ، وهو محجوج مبطل عند الله وعند المسلمين بدين الله ، فإذا كان العلماء بذلك الباطل شاهدين عليه بالباطل ، وقد أعلمه الله أهل دينه ، وجعلهم حجة على من خالف ذلك من دينه ، فغير معذور من جهل ما هو عند الله وعند أهل دينه باطل ، لأنه يدرك علم ذلك ولو جهله ، ولو كان ذلك لا يدرك معرفته ضد العلماء به غيره ، لكان غير مسئول عن علم الله فيه ، إذا لم يعلمه الله أهل دينه ، في شريعة دين نبيهصلى الله عليه وسلم . (3/40)
صفحة 41
كما أن العالم أو الجاهل لو تزوج أمه أو أخته أو ابنته من النسب أو الرضاع ، وهو لا يعلم نسبهن ولا رضاعهن ، فتزوجهن على سنة النكاح في دين الله ، ووطئهن على ذلك ، وجمع بينهن كلهن إلى يوم الممات وما على ذلك ، والله يعلم منه ذلك ، وبعلم منهن من ذلك ، وهم لا يعلمون بانساب بعضهم بعضا ، كانوا بذلك عند الله مسلمين سالمين ، ولو كان أهل البلد كلهم عالمين بانساب هؤلاء ، غير أنهم كاتمون ذلك ، أو جاهلون ذلك ، ما كان علم من علم ذلك من الناس حجة على هؤلاء ، حتى يقوموا بالحجة في ذلك ، ويشهدوا عليهم بذلك ، ويكونوا في موضع الحجة من العدالة ، فإذا قاموا بذلك عليهم ، وكانوا في موضع الحجة من العدالة ، لزمتهم الحجة في ذلك ، ولو كانوا غير عالمين بحرمة النسب الذي ركبوه ، إذا قامت عليهم الحجة بمعرفة النسب أو الرضاع الذي ركبوه ، لأن هذا الشخص الذي ركبه هذا الراكب غير معروف ولا معلوم بلونه ولا صفته من المحللات ، ولا قائمة فيه حرمة بعينها ، فيكون محجورا على من علمه بعلمه الحرمة القائمة فيه ، وإنما يعرف حرمة هذا النسب عند أهل العلم بدين الله ، وأهل العلم بالحرمة إذا علموا النسب ، لا يقدر أحد فرق ما بين الأم والأخت والابنة والعمة والخالة باللون ولا بالشخص ولا بالصفة ، حتى يقف على معرفة النسب ، وكل من لم يعرف أصل النسب ولا يصح معه ذلك ، بما يقوم عليه به الحجة ، فلا يعرف ذلك أبدا إلا بالتشبيه والظنون ، ولا تقوم بالتشبيه والظنون حجة في دين الله ، فلما وقف الواقف على معرفة النسب الذي قد أعلم الله حرمته أهل دينه وتعبدهم بذلك ، كان ذلك حجة على من جهل حرمته إذا قامت عليه الحجة بعلم ما لو سال عنه وطلب علمه ، وقف على معرفه ذلك في دين الله ، ومع أهل دين الله . (3/41)
صفحة 42
كذلك القول بالباطل لا يعرف في دين الله ، إلا نفس القول أو نفس اللفظ بالباطل ونفس الكلمة بالباطل ، لا يعرف بغير ذلك مع أهل العلم بدين الله ، فلما كانت نفس اللفظة ونفس الكلمة معروفا باطلها أو صوابها ، بنفسها لا بغير ذلك في دين الله ، كانت نفس الكلمة ونفس اللفظة محجورة على من علمها أو جهلها ، أن يركبها أو يقولها أو يقبلها ، أو يقول قائلها أو قابلها أو مصوبها ، لأنه لا يعرف فرق ما بين الحق والباطل من الكلام إلا بنفس الكلام ، فلما أن كان هذا هكذا ، كان الكلام حجة بنفسه ، أوكان من وافق نفس الحجة التي تقوم في دين الله حجة على من قام عليه ، بالحجة التي هي في دين الله حجة ، ممن نزل بمنزلة الحجة في موضع الحجة ، وكان من خالف الكلمة التي هي حجة وهي شاهدة على من قال بغيرها بالحجة ، ولمن قال بها ، كانت حقا بالحجة أنه هو الحجة ، ولا حجة على الكلمة من غيرهابدا ، إلا من قال ووافقها ، و الا فمن خالف نفس الكلمة ، والله عليه شاهد في دينه لمخالفة الحجة ولموافقة الحجة ، وكل من عالم الحجة في دين الله فهو عليه شاهد بمخالفة الحجة إذا خالفها ، وبموافقة الحجة إذا وافقها .
وكل شاهد له عند مخالفة الحجة بأنه حجة بعد علمه بمخالفة الحجة ، ولو جهل مخالفته للحجة فهو محجوج ، ولا حجة منه لأن عليه الحجة أن يتبعها نفسها ولا يخالفها بوجه من الوجوه وكل من حجة ما سوى دين الله ، والقول بدين الله بالحق والباطل ، فإنما يكون حجة بغيره من الحجج ، وكلمة الحق من دين الله حجة بنفسها ، وكلمة الباطل حجة على نفسها لا تقوم بغيرها إلا بموافقتها في حال من الاحوال . (3/42)
صفحة 43
فصل : وسائر الحجج سوى هذه الحجة ، فإذا قامت الحجة في موضع ما هي حجة ، بما يمكن أن تكون حجة محقة في ظاهر الأمر ، من جميع الحجج من شاهد زور أو حاكم جور ، أو جماعة مبطلين ، أو إمام جائر في السريرة ، أو سائر الحجج ،التي هي حجة في دين الله ، فهي حجة في حكم الظاهر للعالم والجاهل ، حتى يعلم باطل ذلك بما تقوم عليه به الحجة ، ويدرك معرفته في دين الله ، مع العلماء بدين الله ، فإذا وقف من الحجة على ما يدرك معرفة باطله في دين الله ، فجهل ذلك من الحجة ، وجعل الباطل الذي جعله حجة لموضع جهله بالباطل ، كان بذلك هالكا وظالما ، ولو جهل الحق في ذلك . وذلك مما يطول القول فيه ويكثر . (3/43)
صفحة 44
ومن ذلك مثل الحاكم ، يشهد معه شاهدا عدل بشهادة على مسلم ليهودي أو لمسلم بحق ، فانكر ذلك الشهود عليه ، وهما في ذلك كاذبان عليه في شهادتهما ، والحاكم لا يعلم بكذبهما ، وهما عدلان تجوز شهادتهما في الأحكام ، وقد عرف عدالتهما الحاكم ، فإن قبل الحاكم شهادتهما على هذا الذي كانا فيه عند الله كاذبين ، وحكم به ، كان سالما ، وكان بالحق حاكما ، وكانا هما عند الله شاهدي زور ، وراكبين للمحرم والمحجور ، وإن ردشهادتهما ، وأبطل الحكم بعد أن قامت عليه الحجة بشهادتهما كان بذلك آثما ظالما ، وكانا هما ظالمين آثمين أيضا ، إلا أنهما إذا تابا من ذلك ، ولم يحكم بشهادتهما ، أجزأتهما التوبة ولا غرم عليهما . ولو أجاز شهادتهما وحكم بها ، كان هو سالما وكانا هما اثمين وظالمين ، وان تابا كانا لذلك ضامنين غارمين ، ولوكانا غير عدلين في حكم الدين في علم الحاكم ، ولو شهدا بهذه الشهادة فلم يقبل الحاكم شهادتهما ، ولو كانا قد شهدا في علم الله بالصدق وكانا صادقين ، كان الحاكم سالما بتركه الحكم بشهادتههما ، إذا لم يكونا حجة في الإسلام ، وكانا عند الله صادقين في السريرة ، وكان الحاكم بترك شهادة الصادقين سالما ، وبرد شهادة المبطلين الكاذبين ظالما ، فهكذا حجج الله تبارك وتعالى . (3/44)
صفحة 45
فصل : ولو علم الحاكم من الشاهدين ما يكونان به كاذبين ، ويكونان به مزورين على المشهود عليه ، وهما في ظاهر الأمر عدلان عنده في الإسلام ، فجهل ما يكونان به قد كذبا وقبل قولهما ، فيما لا يجوز له أن يقبله في دين الله لموضع جهله ، لما قد زورا في شهادتهما في موضع ما يكونان غير مقبول شهادتهما من وجه من الوجوه ، فجهل الحكم في ذلك وقبل شهادتهما إذ كانا عنده عدلين ، كان بذلك هالكا في دين الله ، ولا يسعه جهل ذلك في دين الله ولو جهله ، فكل حجة في إلاسلام من حجج الله -تبارك وتعالى - قامت في موضع ما يكون حجة كانت محقة في سرييرتها أو مبطلة ، فهى حجة لمن اتبعها ، وقبلها وتولاها وأعانها ، حتى يعلم باطل الحجة التي إذا علمها كان قد علم بطلان الحجة ، فإذا علم من الحجة باطل الحجة ، فلا يسعه جهل ذلك الباطل الذي تبطل به الحجة ، جهل الباطل أو علمه ، وكانت حجة الفتيا داخلة في جميع الحجج التي إذا وقف الواقف المبطل على باطل الحجة ، لم يسعه جهل باطل الحجة ، ولو جهل الحجة وباطلها فلا فرق في ذلك عند أهل العلم ، وإنما افترق ذلك عند أهل الجهل من وجه أن سائر الحجج يحتل لهاالحق والباطل مع من عاين ذلك منها ، وسمع ذلك منها ، فما احتمل من باطل الحجة وحقها وكانت في دين الله حجة فهي حجة ، حتى يعلم باطلها . (3/45)
صفحة 46
وإذا كانت غير حجة في دين الله فهي غير حجة حتى يعلم أنها حجة ، ثم تكون حجة علم العالم حجتها أو جهلها ، ولأن الحجة في الفتيا لا تكون إلا بنفس الكلمة ، التي يكون المفتي بها حجة إذا نزل بمنزلة ما يكون حجة ، وقام بما يكون به حجة ، ولا يكون حجة حتى ينزل بمنزلة الحجة ، ولا يكون حجة ولو نزل بمنزلة الحجة حتى يقوم بما يكون به حجة ، ولا يكون حجة في الفتيا أبدا في حكم الظاهر ، مبطلا بذلك في السريرة ، ولامبطلا في حكم الظاهر ، محقا بذلك في السريرة أبدا ، ولا نعلم بين أهل الاستقامة على الحق في هذا اختلافا ولا مخالفة ولا منازعة ، وإنما يخوض أهل العمى والضعف في هذا ، من طريق قلة العلم وقلة الفطنة باصول الدين وأصول الحجج في الدين وسائر الحجج في الدين ، قد يحتمل أن يكون محقا في العلانية مبطلا في السريرة بنفس هذا القول ، أو نفس ذلك العمل الذي قاله وعمله وقام به ، ويمكن أن يكون محقا في السريرة مبطلا في العلانية بنفس ذلك ، وممكن إن يكون مبطلا في السريرة والعلانيه ، ويمكن أن يكون محقا في السريرة والعلانية ، ولا يحتمل ذلك أبدا في الفتيا بالحق والباطل . (3/46)
صفحة 47
ومن كان مبطلا بالفتيا في السريرة كان مبطلا بها في العلانية ، ومن كان محقا بها في السريرة كان محقا بها في العلانية ، إلا من وجه واحد أن يريد المفتي شيئا من الحق ، قد قصد إليه وأراده واعتمده ، فزل لسانه فقال بغيره من الباطل وصح ذلك عليه ، فقد صح منه في حكم الظاهر الباطل ، إذا ظهر منه القول به على ما يكون محجوجا ، وكان ذلك مما يبطل به في الظاهر ، فإن هذا يكون قائلا بالباطل ، محقا في دينه وسريرته وارادته ، وغير هالك بالخطأ الذي أخطأه ، والقابل منه ذلك والمتولي له على ذلك إذا ظهر منه على سبيل التدين مبطل ، لأنه لا تجوز مخالفة الحق برأي ولا بدين ، وكان القابل منه الباطل ،و لو جهله ، والمتولي له على الباطل كل الظاهر منه ولو جهله ، والعامل بالباطل من قوله ولو جهله هالكا بذلك ، وكان هو سالما مسلما ، لأنه معفي عنه من الخطأ في ذلك أبدا ، ما لم يذكر ذلك ويعرفه .
قال الناسخ : ولعله يوجد في كتاب "منهج الطالبين " تأليف الشيخ الأجل خميس بن سعيد الرستاقي ، عن الشيخ أبي سعيد -رحمه الله - والمعنى إذا أفتاه هذا العالم بالأصول فخالف الحق المجمع عليه ، فلا يجوز له أن يعمل بالباطل ، ولو اعتقد السؤال عما يلزمه . وان هو عمل بما يفتي وهو معتقد السؤال فلم يزل على ذلك يعمل بما يفتي فيسال حتى مات قبل أن يصيب الحق ، فإذا دان باداء ما يلزمه في ذلك وتاب في الجملة من جميع ما خالف فيه رضاء الله ، أو من جميع ذنوبه ، وهو دائن بالسؤال عن جميع ما يلزمه في جملة دين الله ، وعمل بما يفتي به على غير قصد منه إلى ركوب الباطل إلا لسبب الفتيا ، والظن أنه عسى أن يكون كذلك وهومعتقد السؤال عما يلزمه فلا أقول إنه هالك .
ويقال لهذا القائل : أتجوز عندك الولاية بالرفيعه وتلزم ، او لا تجوز ولا تلزم ؟
فإن قال : لا تجوز ولا تلزم أبطل ما عليه جملة المسلمين من اهل الاستقامة . (3/47)
صفحة 48
وان قال : يجوز ولا يلزم بقول الواحد والاثنين ، وإنما يجوز بقول الواحد والاثنين ولا يلزم .
قيل له : فاي حجة من الحجج يكون العبد فيها مخيرا ، إن شاء قبلها وان شاء التزمها ، إذا قامت البينة بذلك عليه من حكم في حق أو حد ، حتى يكون في الولاية عندك العبد مخيرا فيها ، دون غيرها من الأحكام الظاهرة ،بل قد وجب في الولاية ما لم يجب في غيرها من الأحكام ، من ثبوت الولاية بقول الواحد ولم يثبت ذلك في غيرها من الأحكام ؟
وقال من قال : إن ذلك يكون حجة ، ولا تخيير فيه .
وقال من قال : يكون مخيرا ما لم يقم بذلك الإثنان ممن هو حجة في ذلك ، فإذا قام الاثنان فلم يكن تخيير ، وذلك لحق المسلم ولحق الإسلام ، وعلو حق الإسلام على غيوه ، ولحق أهل الإسلام على غيرهم ، ويعلو الإسلام على غيره ، ولم نعلم أن أحدا قال ببطلان الولاية بحجة الرفيق ، إذا قامت من جميع أهل الاستقامه ، ولا يقدر هذا ان يقول هكذا إن شاء الله .
فإن قال هذا ثبت له على هذه الحجة ، وطولب بذلك من أين كانت الولاية وحدها من سائر الأحكام هكذا ، فلن يأت على ذلك بدليل إلا لالمكابرة ، أو يرجع إلى إثبات حجة الولاية بالرفيعة . (3/48)
صفحة 49
فصل : فإن قال : فهو مخير في قول الواحد والحجة عليه اثنان ، فإذا تولى بقول الواحد المخير فيه ، أتكون ولايته مثل ولايته بقول الإثنين ؟
قلنا له : إذا قبل الحجة من قول المسلمين بقول الواحد ، كانت ولايته لهذا الولي بما قد جازت له من الولاية وجاز له ، وكان هذا وليا له بالواحد في جميع الأحكام ، وجميع ما يقوم به وعليه من حقوق الإسلام ، كما كان الولي بقول الاثنين والفرق في ذاك أنه مخير أن يتولى أو لا يتولى ، فإذا تولى لزمته أحكام الولاية بجملتها ، ووجبت له أحكام الولاية بجملتها .
فإن قال : فيجوز له ويلزمه يا قاذف وليه هذا إذا تولاه بقول الواحد ، ما يلزمه ويجوز له في قاذف وليه إذا تولاه بقول الاثنين ؟
قلنا له : نعم ذلك جائز له و ثابت عليه في وليه ، إذا ثبتت الولاية
بوجه من الوجوه ولا تختلف أحكام الولي وإن اختلفت أحكام ما تجب به الولاية فإذا ثبتت الولاية لم يكن في الولي اختلاف في أحكامه وكان الولي بالخيرة أو بعلم الشهرة والرفيعة من الاثنين أو من الواحد بمنزلة في وجوب حقوق الولاية ، من إثبات الحكم له وقيام الحجة به ودفع المعارضات عنه وتحريم قذفه وشتمه ولا فرق في ذلك في هذا الوجه كما أن الإمام إذا عقد له الأعلام وثبتت حجته بعقدهم على أهل الإسلام كان وليا مستكملا لحقوق الولاية وكانوا هم العاقدون له تلك الإمامة سواء في ولايته وحرمته ونصرته ولا فرق في ذلك وقد ثبت ذلك في حكم الظاهر على الرعية ويكون ذلك موضوعا عن الأعلام العاقدين للإمام لما قد خانوا الله هو وهم في سريرتهم في حكم الإسلام ، وهم يعلمون أنه ليس بإمام وأنه لاحق له ولا عليهم ولا على أهل الإسلام ، وأهل الإسلام يدينون أنه إمام ، ولا يسعهم إلا أن يتولوه بحق ما ظهر له من حق الإسلام . (3/49)
صفحة 50
فإن قال : إنه لا يلزم سائر الرعية في الإمام من تحريم قذفه والقيام بحقه وولايته ما يلزم الأعلام الذين عقدوا للإمام ، أخذ في ذلك بالحجة وطولب في ذلك بالدليل ، ولن يجد بين ذلك سبيلا.
وإن قال : إنه يلزم ارعية في الإمام ويجوز لهم فيه ما يجوز لمن عقد له من الأعلام في سائر الأحكام قيل له : فمثله فيمن يتولى بالرفيعة عن الأعلام كمن يتولى الإمام بعقد الأعلام ولا فرق في ذلك وإن دام على قوله أنه لا يكون المتولي لأحد من أعداء الله في حكم الدين سالما بالرفيعة ، حتى يكون المرفوع ولايته مؤمنا .
قيل له : فهل في ذلك فرق بين الحي والميت والحاضر والغائب؟
فإن قال : يجوز ذلك في الحاضر دون الغائب وفي الحي دون الميت .
قيل له : أرأيت لو كان رجلا حاضرا حيا ، قائم العين بشخصه ، لايعلم رجل من المسلمين حاله ، فرفع رجل من علماء المسلمين بالولاية والبراءة ، أو اثنان من المسلمين من علمائهم ولايته ، أكانت ولايته عندك لازمة بقول الاثنين أو غير لازمة ؟
فإن قال : لازمة .
قيل له : أرأيت لوكان المرفوع ولايته في سريرته زنديقيا ، لا نعلم ذلك الرافع ولا المرفوع إليه ، ما كان حال الرافع والمرفوع ، إذا رفع الرافع ما هو عنده صواب في حكم الظاهر ، وقبل المرفوع إليه ما هو حجة في حكم الظاهر ، سالمين في ذلك أم غير سالمين ؟
فإن قال : هما سالمان .
قيل له : فإن كان الرافعان لولايته قد خانا الله في دينه ، وعلما أنه من الزنادقة ، ورفعا ولايته خائنين لله في دينه ، فما حال المرفوع إليه ولايته ؟
فإن قال : سالم بذلك المرفوع إليه ، والرافعان هالكان .
فصل : قيل له : ذلك في الواحد أيضا كما في الإثنين ؟
فإن قال : نعم .
قيل له : فإن كان ذلك حيا ، غير أنه غائب ، ما القول في ذلك ؟
فإن قال : القول واحد في الحي ، حاضرا كان أو غائبا .
قيل له : فما الفرق في الولاية بين الحي والميت ؟
فإن قال : من أجل إذا غابت حجته بالموت . (3/50)
صفحة 51
قيل له : فالحجة له أو عليه ، فاكد ذلك أن يكون الميت أقوى حجة في هذا ، وقد قيل ذلك إن الميت أقوى من الولاية حجة ، لأنه بعد أن يموت لا تتحول أحكامه ، لثبوت حجته ، وقد يختلف القول في الذي يجب له حكم الولاية في الموافقة في الظاهر باقاويل ، ما لم يمت على ذلك ، فإذا مات على ذلك ، ولم يعلم منه تحول إلى غير ذلك ، ثبتت بالإجماع ولايته ، ولن يقدر أحد من أهل العلم أن يتكلم بهذا ، فإنما يتكلم بهذا الجهال بأحكام الهدى من الضلال ، والحي والميت لا فرق بينهما معنا ، في إثبات ولايتهما بالرفيعة ، بل الميت عندنا أولى بان يكون أولى بإثبات ذلك .
فإن قال : إن الحي والميت في ذلك سواء ، غير أنه من أثبتت الشهرة ضلالته ، من الأئمة المحدثين ، لم تجز ولايته ني الرفيعة ممن تولاه ، وأما سائر الناس فيجوز هذا فيهم ، وتجوز ولايتهم بالرفيعة إلا الأئمة من أهل الضلال ، فإنه لا تجوز فيهم الشهادة بما تجب به الولاية ، إذا أجمع على ضلالهم المسلمون المتقدمون من الأمة .
قلنا له : فما السبيل إلى علم الفرق في ذلك ، بين الأئمة المبطلين من السالفين وبين غيرهم ، من الرعايا المبطلين من السالفين ، وهل إلى علم ذلك سبيل في ذوق الكلام في الأسماع المذكورة بالأسماء والآباء ؟ وهل تقوم الحجة ني ذلك بذكر المذكورين من الأئمة ، دون علم حدثهم وصحة ذلك منهم عند من تعبده الله بدينه ؟
فإن قال : لا سبيل إلى علم ذلك ، دون أن يقف على علم أحداث المحدثين ، وأخبار السالفين من المحقين المهتدين أو المبطلين المفسدين .
قيل له : فما القول والسبيل لمن لم يعرف ذلك ، من المتعبدين بحجة
الولاية بالرفيعة إذا قلت إنها حجة في سائر الناس ، إلا في المحدثين من الأئمة السالفين ، إذا قامت عليه الحجة بالولاية ، لهذا الاسم المرفوع المذكور ، أيسعه ولايته حتى يعلم أنه من الأئمة الضالين ، أو لا تجوز له ولايته ، حتى يعلم أنه ليس من الأئمة المبطلين ؟ (3/51)
صفحة 52
فصل : فإن قال : تسع ولايته بالرفيعة حتى يعلم أنه من الائمة المبطلين .
قلنا له : فهذا هو ما أريد منك ، والحمد لله رب العالمين .
وإن قال : لا يجوز أن يتولى بالرفيعة ، حتى يعلم أن المرفوع ولايته ليس من الأئمة المبطلين .
قلنا له : فقد وضعت عن الجميع ولاية الرفيعة ، وأبطلتها أبدا ، لأنه إذا علم أنه من الأئمة المبطلين ، فقد علم أن الرافع له غير محق في الدين ، ولا حجة في دين رب العالمين ، إذ يرفع ولاية المبطلين ، الذين هم عنده في الدين مبطلون ، ولا حجة عليه هو في ذلك ، وكان الرافع للولاية في ذلك خصما له في الدين ، إذا أقام عليه الحجة بباطل وليه ذلك الذي تولاه ، والا فكان عليه هو أن يبرأ من هذا المرفوع ولايته ، إذا صح معه باطله سريرة ، إذا احتمل أن يكون الرافع لولايته ، رفعها بحق وعدل في الدين ، فللرافع ما للمتولي بالرفيعة ، والحق في ذلك واحد ما لم يعلم من الرافع أو المتولي بالرفيعة باطل ، ما دخلوا فيه بوجه لا عذر لهم فيه .
فصل : فإن قال : فما الحجة للرافع وما عذره في ذلك ، في هؤلاء الأئمة الذين ذكرتهم ووصفتهم ؟
قيل له : العذر له في ذلك مبسوط ، من وجه أنه يمكن أن يقبل ذلك من
غيره ، من المحقين بالرفيعة أيضسا ، فيكون الرافع للمتولي حجة ، والرافع للرافع حجة ، وكذلك الرافع للرافع ، مجاز هذا من وجه طريق الرفيعة ، فهذا هو القول في هذا أبدا ، إلى ما لا غاية له ، حتى يعلم أن أحدا من المتولين أو الرافعين ، أتى ما لا عذر له فيه إذا كان من المسلمين ، أو تنقطع حجته بحجة حق يبطل بها حجته في الدين ، في ولاية أحد ممن ذكرنا ولايته في الدين .
فإن قال قائل : فلم أتيتم هذه الحجة في ولاية المبطلين ، الذين قد صح باطلهم في حكم الحقيقة وفى حكم الظاهر مع عامه المسلمين ، وما الذي حملكم على هذا ، وما الذي أردتم به ؟ (3/52)
صفحة 53
قلنا له : أردنا في هذا أن يكون الحق في الجميع بالسواء ، وأن لا يمال إلى أحد من الناس بهوى ممن يخالف في الأصل أحكام التقوى ، وكما ثبتت معنا ولاية أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب بالرفيعة لا غيرها ، كذلك ثبتت معنا عداوة أبي عمرو بن هشام بالرفيعة لا غيرها ، إذا لم يعرف كذب الرافعين ولا صدقهم من كذبهم لأنا لا تختلف معنا الأحكام في وجه من الوجوه ، في أحد من الناس ، فيما يجتمع فيه في وجه آخر ، و إذا اجتمعت الأحكام في أحد الوجوه من الناس ، اجتمعت فيهم في سائر الوجوه ، إلا في حكم الخاص الذي يخص بعضا دون بعض ، ولا يكون ذلك إلا بمخصوصات العلم من المتعبدين في أحكام الدين .
ويقال له أيضا : ومما أردنا إثباته من الحق ، أن يكون المحق الذي يتولى أبا بكر الصديق بالرفيعة لا غيرها ، لا تختلف أحكامه وأحكام من يتولى أبا جهل عمرو بن هشام بالرفيعة لا غيرها ، فتكون الأحكام تختلف في ولاية المرفوع ولايته ، وفي ولاية المتولي ، وفي ولاية الرافع من علماء المسلمين ، وتختلف الأحكام في الرفيعة ، وتتناقض الأصول ، وهذا ما لا يجوز في الأصول في الدين ، فكما يجوز لمن علم ممن يبرأ من أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - البراءة ، أن ينكر عليه ولم يتول أبا بكر الصديق إلا بالرفيعة لا غير ذلك من العلم ، كذلك يجوز لمن علم من أبي جهل عمرو بن هشام البراءة ، وقد تولاه بمثل ما تولى به أبا بكر ، أن ينكر عليه براءته إذا علم منه أنه يتولاه ، أو أعلمه بذلك ، كما كان المتولى لأبي بكر أن ينكر على من برىء من أبي بكر إذا أعلمه أنه يتولاه أو علم منه ذلك ، وإلا فقد اختلفت إذا الأحكام ، ووقع التناقض في أحكام الإسلام ، ولن يجوز هذا أبدا جمع أهل العلم بالدين من المسلمين .
وكذلك سائر من ذكرنا ومن لم نذكره من الأئمة في الضلال والأئمة في الهدى ، القول فيهم واحد ، والأصل فيهم واحد ، لا تختلف ولا تتناقض والحمد لله رب العالمين . (3/53)
صفحة 54
وكذلك غير الأئمة من المحقين ، والأئمة من المبطلين من سائر الخليقة من جميع العالمين ، فإذا ثبتت حجة الولاية بالرفيعة ، ثبتت في جميع الخليقة ، إذا نزل بمنزلة الحجة في الولاية مع جميع الخليقه ، ممن نزل معه بمنزلة الحجة في الرفيعة في الولاية والبراءة ، ولا اختلاف في ذلك معنا في أصول الدين ولأحكام دين المسلمين ، ولو أن مائة ألف أو يزيدون من عامة أهل الدعوة وأهل الخلاف ، أو من ضعفاء المسلمين اجتمعوا على ولاية أبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، أو أحد من الصحابة ، أو مريم ابنة عمران أو آسية ابنة مزاحم ، أو خديجة بنت خويلد ، أو فاطمة ابنة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو عائشة ابنة أبي بكر ، أو كائنا من كان من الأولياء الأتقياء الأرضياء ، الذين ثبتت ولايتهم عن الله ني الكتاب أو عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بفصل الخطاب وسماع الجواب ، أو في ظاهر المشهور من إجماع المتقدمين والمستاخرين إلى يوم الدين ، ولا نعلم ذلك من علم من هذه الألوف ، الولاية لهذا الولي لله في حكم دينه من أي وجه قد ثبتت ولايته ، فتولى هذا الذي سمع هؤلاء الألوف يتولون هذا الرجل باسمه وعينه ، فتولاه بولايتهم وهم من ضعفاء المسلمين ، الذين لا تقوم بهم حجة في الولاية في حكم الدين بالواحد منهم ولا بالاثنين . (3/54)
صفحة 55
فإذا لم يجز في الحكم بالواحد ولا بالاثنين ، فمثل ذلك في العشرة والمائة والألف والألوف ، وكان المتولي لهذا الولي الذي هو عند الله ولي ، وعند عامة المسلمين مرضي ، ضالا بولايته على هذا السبيل ، إذ تولاه بغير حجة تقوم له في حكم الدين ، لأنه لا تقوم الحجة في الولاية في حكم الظاهر إلا بالخبرة أو بصحيح الشهرة بصحة تقوم مقام الخبرة ، ولا تكون الشهرة دعوى ولا ممن تقوم مقام الدعوى ممن هو في قوله تقوم مقام الدعوى ، أو برفيعة على ما يكون حجة ممن هو حجة من علماء المسلمين من أهل الاستقامة في الدين ، العلماء باصول الولاية والبراءة من الواحد فصاعدا من العلماء وما سوى ذلك ، فلا تقوم الحجة به وهو باطل لا أصل له في الولاية ، فكما كان المتولي لعدو الله في علم الله بالحجة محقا ، كذلك يكون المتولي لولي الله بغير الحجة مبطلا ، وهذا مما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل العلم .
فصل : وقد قيل : إن الضعيف من المسلمين إذا رفع ولاية أحد عن فقيه من فقهاء المسلمين ، أن ذلك يكون حجة في الولاية ، وتجوز الولاية بولايته بالرفيعة عمن هو حجة في الرفيعة ، وقد قيل : لا يكون حجة في الرفيعة إلا العلماء ، ومن كان حجة في الرفيعة عن نفسه إذا لم يرفع عن غيره ، فإذا رفع العالم المشهور ممن يكون حجة في الولاية عن عالم مثله ، كان ذلك حجة وكان بمنزلة الرفيعة عن نفسه وبغير رفيعة ، والواحد من العلماء إذا رفع ولاية رجل واحد عن عالمين ، قام ذلك مقام الواحد ولا يقوم مقام الاثنين ، وإذا رفع الاثنان من الواحد ولاية الواحد ، قام ذلك مقام ولاية الواحد ، ولا يقوم مقام ولاية الاثنين . وإذا رفع الاثنان من العلماء ولاية الواحد عن الاثنين من العلماء ، قام ذلك مقام الاثنين ، والشهادة عن الشهادة في الولاية جائزة ، والرفيعة عن الرفيعة جائزة. (3/55)
صفحة 56
فصل : والذي يجيز قول الضعيف إذا رفع عن العالم ، فالقول فيه واحد في الاثنين عن أحد ، والواحد عن الإثنين والإثنين عن الإثنين ، والواحد عن الواحد ، إذا كان الأصل إنما يرفع عن الحجة في الولاية ، فذلك جائز على مذهبا من يجيز ذلك .
ولا تجوز الولاية بولاية الضعيف من المسلمين ولو ثبتت ولايته فلا يكون حجة في الولاية إلا العلماء ، فإذا لم تجز ولاية الواحد في الإجماع لم يكن الاثنان حجة في الولاية فيما لا يكون فيه الواحد حجة في الولاية ، والواحد والإثنان والثلاثة والأربعة ، إلى ما فوق ذلك إلى ما لا نهاية له في الولاية ، إذا كان على غير رفيعة من العلماء فلا يجوز بذلك الولاية من الضعفاء من المسلمين ، ولا يكون الضعفاء من المسلمين حجة في الولاية ، ولا تكون ولايتهم حجة إلا أن يرفعوا شهادة تقوم برفيعتها الحجة عن أحد من العلماء ، أو عن صفة يكتفى بها عن التفسير، يشهدون لأحد باسم يستوجب ذلك الإسم ، الولاية ، فإذا شهد بذلك الضعفاء من المسلمين المامونين على نقل ذلك بصفة يستوجب بها الموصوف الولاية ، كانت الولاية بشهادتهم جائزة ، وكانوا حجة فيما شهدوا . (3/56)
صفحة 57
وأما الولاية فلا تكون حجة إلا من العلماء من المسلمين بالولاية والبراءة ، واذا شهد الضعيف من المسلمين بشهادة مفسرة ، من صفة أحد بعينه ، ونقل ذلك عن تفسير من صفة الموصوف ، وهو من أهل الولاية ، وعرف معنى تلك الصفة من الموصوف ، أنه مستحق للولاية ، وأنه من أهل تلك الصفة الموصوف بها من القول والعمل والاستقامة ، وفسر ذلك من صفته ، كان ذلك يقوم مقام الرفيعة للولاية ، إذا فسر ذلك لمن يعرف الولاية ويتولى بمعرفته وبصيرته ، ولا يتولى بولاية الضعيف ، ولكن يتولى العالم باحكام الولاية والبراءة بصفة الضعيف ، إذا شهد ووصف أحدا من الناس باسمه وعينه ، بصفة يستحق أهل تلك الصفة الولاية من القول والعمل ، والواحد في ذلك يقوم مقام الواحد من العلماء في رفع الولاية ، ولا يكون حجة الا مع العلماء بالولاية والبراءة ، والبصراء بأحكام الولاية والبراءة ، فيصف هذا الضعيف المسلم ، ويشهد لهذا بصفة يرى العالم أن تلك الصفة تجب بها الولاية باسمه وعينه ، فتكون شهادة الضعيف بالصفة مع العالم ذي المعرفة ، فتجب الولاية بقول الواحد ، ويكون مخيرا من عرف ذلك وصح معه ، ويكون الاثنان حجة في تلك الشهادة إذا شهدا على صفة يصفان بها رجلا بعينه ، تجب بتلك الصفة مع أهل العلم والمعرفة الولاية وجبت ولايته . (3/57)
صفحة 58
فصل : و إن رفع تلك الصفة ضعيفان من المسلمين ، إلى ضعيف لا يعرف ما تجب به الولاية ، لم يجب له أن يتولاه بالصفة بمعرفته ، حتى يرفع ذلك إلى من يبصر الولاية والبراءة ، فيوقفه على عالم ذلك أن ذلك مما تجب به الولاية فتكون شهادة الضعيفين لمن بالصفة مع تفسير العالم بالمعرفة حجة هنالك على الضعيف المرفوع إليه تلك الصفة ، والصفة هاهنا التي تجب بها الولاية غير الولاية ، لأن الولاية لا يؤمن عليها ولا يكون حجة فيها إلا العلماء بالولاية والبراءة ، لأنه لا يدري علام تولى الضعيف ، والضعيف لا يؤمن على اختلاف أحكام الولاية والبراءة أن يحكم بحكم من الأحكام في غير موضعه من تلك الأصول التي وصفناها وعرفناها وشرحناها .
وإذا شهد الضعيف على شهادة موصوفة وهو من المسلمين ، لم يجز تكذيبه ولا الشك في قوله ، وكان حجة فيما قال من الموصوفات المعروفات التي يستغنى بتفسيره لها عن تفسير غيره ، في نقلها ورفعها ، فمن هنالك اختلف أحكام الشهادة من الضعيف والولاية من الضعيف ، فكانت الشهادة منه حجة والولاية منه ليست بحجة ، وكانت الولاية من العالم حجة لأنه حجة في الولاية والبراءة ، ولأنه مأمون على الولاية والبراءة ، وكانت منه الولاية كالشهادة ، فإن شهد العالم على الصفة التي تقول إنه يستوجب بها الموصوف الولاية كان حجة ، وان تولاه ولم يفسر الشهادة كان حجة في الولاية .
والضعيف إذا شهد بالصفة المفسرة ، ثم قال إنها توجب الولاية للموصوف بها ، لم يكن ذلك حجة ، لأنه ليس بحجة في الولاية ، ولو كانت مع العلماء حجة توجب الولاية لا يكن من الضعيف ححة ، فافهموا هذا الفصل . (3/58)
صفحة 59
والضعيف في الشهادة على الصفة الموجبة للولاية الواحد يقوم في الشهادة ، مع صحة ذلك بالمعرفة من تفسير الفقيه ، أن تلك الصفة توجب الولاية حجة في الولاية ، وهو بالخيار ، كما كان في الرفيعه من الواحد بالخيار ، والشهادة من الاثنين على الصفة من ضعفاء المسلمين ، مع صحة ذلك من تفسير العلم ، أنه يوجب الولاية في الصفة حجة ، وليس فيه تخيير ، وتلزم به الولاية بالشهادة في الحجة .
فصل : وشهادة العالم أو العالمين ، أو ما فوق ذلك من العلماء بالصفة التي توجب الولاية ، ولا يقولون إن ذلك يوجب الولاية ليس بحجة ، ولا تجوز الولاية فيه إلا بالتفسير ، وأن ذلك يوجب الولاية من بصراء أهل العلم بما يستوجب الولاية .
وإن شهد اثنان من الضعفاء أو العلماء على صفة توجب الولاية في حكم الدين ، وقال من يبصر الولاية والبراءة إن هذه الصفة مستوجب أهلها الولاية ، ثبت ذلك في حكم الرفيعة والشهادة ، فكانت الولاية من العالم أوجب من الشهادة منه ، إذا لم يفسر ذلك ، وكانت الشهادة من الضعيف إذا فسرها العالم أولى من الولاية منه ، وكانت شهادة العالم وشهادة الضعيف سواء ما لم يفسرها العالم أو غيره من العلماء ، ولا تقوم بها الحجة ، ولا يلزم بها الحجة إلا بتفسير من أهل العلم لذلك ، أو بصيرة ممن يشهد عنده بذلك ،
أن أهل تلك الصفة مستوجبا للولاية ، فهنالك تقوم له الحجة وعليه بمعرفته مع شهادة الشهود عنده على الصفة . (3/59)
صفحة 60
والشهادة على الصفة مثل الرفيعة في الولاية ، كان المتولي أو الشاهد على الصفة ، إذا نزلا بمنزلة الحجة صادقين أو كاذبين ، فهما حجة على من قاما عليه ولمن اتبعهما ، ، ولا يضر باطلهما حجة الله التى تقوم بها ، أو التي تقوم لمن اتبعهما ، ولوكانا خائنين في سريرتهما ، وقد مضى القول في هذا على ما وصفنا في الرفيعة ، والشهاده على الصفة كان الشاهد كاذبا أو صادقا ، والمتولي خائنا أو صادقا ، بارا في ولايته أمينا في دينه ، فلن يضر ذلك إذا غاب أمر صدقهما وكذبهما وأمانتهما وخيانتهما ، إذا قامت في ظاهر الأمر مقام الحجة في دين الله ، والقول والوصف في هذا يطول ، وقد مضى في هذا ما في بعضه كفاية إن شاء الله .
فصل : ولو شهد الضعيف من المسلمين أن فلانا من المسلمين ، أو من الصالحين أو من المتقين أو من الأبرار ، أو سماه باسم من الأسماء التي يستوجب بها الولاية ، أن لو كان كذلك لم يكن في ذلك حجة ، ولا قبل قوله في ذلك ، حتى يكون ممن يبصر الولاية من العلماء من المسلمين ، ثم يكون قوله هذا كله حجة ، إذا سمى أحدا بعينه باسم يستوجب به الولاية ، أو تولاه قطعا ، كان ذلك كله حجة منه ، لأنه مأمون على ذلك كله ، شاهد فيه بعلمه ، وهو حجة في ذلك كله لأمانته على ذلك وفضله وعمله وعدله
فصل : وإنما يكون الضعيف حجة في الشهادة على الصفة ، التي إذا وقف عليها العالم ، عرف أن أهل تلك الصفة مستوجبون الولاية ، من صحة المقال والموافقة للحق بالفعال ، وصحة النحلة التي يدين بها الموصوف ، أنه بريء بها من الضلالات والاختلاط والتهم ، فبذلك كله يستوجب الولاية ، كما يستوجب الولاية بأقواله وأعماله ، فإذا شهد الضعيف على تلك الصفة ،كان بذلك حجة كما وصفنا . (3/60)
صفحة 61
وولاية العالم البصير وشهادته بالأسماء الجامعة المستحق المتسمي بها الولاية ، مما قد وصفنا وغير ذلك مما تركنا ، مما لم يحضرنا أو حضرنا ، وكل اسم سنى الله به أولياءه وأهل طاعته ، فسمى العالم الفقيه بالولاية والبواءة ، المستقيم على دين المسلمين أحدا بذلك الاسم كان ذلك منه حجة بمنزلة الولاية ، ولا يكلف تفسيرا ولا صفة ولا شهادة ، والضعيفـ لا يقبل منه ذلك ولا ولايته بغير تفسير ، حتى يفسر ويصف ما يجب به من تلك الصفه ، الولاية على أهل العلم بالولاية والبراءة.
فإن قال قائل : فما بال الضعيف إذا عرف من الإنسان صفة تجب بها الولاية ، عن العلماء بالولاية والبراءة من الصفات التي تجتمع لأهل الولاية يعلمها الضعيف من المسلمين ، كما يعلمها العالم من المسلمين ، فيكون ذلك حجة على العالم ، وعليه الولاية لذلك الانسان ، وتكون له الحجة في ولاية ذلك الانسان ، والضعيف قد علم من هذا الانسان مثل ما علم منه العالم ، فكان على العالم الولاية وعلى الضعيف الوقوف عن الولاية ، حتى يعلم أن تلك الصفة تجب بها الولاية من معرفته أو تفسير العلماء بالولاية والبراءة ؟
فصل : قلنا له : لأن العالم بالصفة أنها موجبة للولاية ، مستحق علمه فيما آتاه الله من العلم أن يعمل بعلمه ، وينفذ الأحكام بعلمه ، إذ قد علم مواضع الأحكام ، والضعيف مستحق عليه في أصل دينه ألا يتولى في حكم الظاهر ، إلا من اجتمعت له الخصال التي بها تجب الولاية ، ولا يكون عالما بالخصال التي تجب بها الولاية ، حتى يكون عالما باحكام الولاية والبراءة ، فلما أن كانت الولاية لا تجب إلا بخصال تجتمع في العبد ، احتاج من أراد أن يتولى إلى علم تلك الخصال ، التى بها تجب الولاية ، وتفسير ما لا بد من تفسيره من تلك الخصال التي بها تجب الولاية . (3/61)
صفحة 62
فإن قال قائل : فما بال البراءة تجب على العبد في العبد إذا عاين ذلك بخصلة واحدة ، إذا علمها في العبد كان بها محجوجا في أن يتولاه ، وكان مخاطبا بالبراءة منه ؟
قلنا له : لأن الكفر يجب بخصلة واحدة من خصال الكفر ، ينقض بها الايمان ، والايمان لا يجب إلا بخصال في أحكام الظاهر من الايمان ، والضعيف والعالم فالمخاطبة بهما في الولاية في حكم الظاهر واحدة ، إلا أن العالم مسئول عما أتاه الله من العلم لتلك الخصال ، التي بها يجب الايمان في حكم الظاهر ، والضعيف مخاطب بترك الولاية في حكم الظاهر ، إذا تولى بولاية الشريطة ، حتى يعلم ما تجب به الولاية من الخصال التى يجب بها الايمان في حكم الظاهر وفي الشريطة ، فهو متول لأهل تلك الصفة التي قد وقف عليها وجهل الحكم فيها ، فلم يكن له أن يقدم على الأحكام بانفاذ الأحكام إلا بعلم ما تجب به الأحكام ، ما لم يبرأ من أهل الصفة التي جهل فيهم المعرفة ، التي تجب بتلك الصفة الايمان عند الله في دينه ، الذي جهله هذا الجاهل ، أو يبرأ من أحد من العلماء إذا تولوا أهل تلك الصفة ، أو يقف عنه برأى أو بدين من أجل ولايتهم لأهل تلك الصفة التي عرفها الجاهل منهم ، وقصرت معرفته عنهم ، فلا يكون لأحد الإقدام على إنفاذ الأحكام حتى يعلم حكم الأحكام . (3/62)
صفحة 63
ومما تقوم به الحجة في عقل الجاهل أن الإيمان والولاية لا تستوجب إلا باحوال تجتمع من طاعة الله ، من ذلك أن الإيمان وهو الإقرار بالجملة التي لا يختلف فيها ، أنه لا يكون الإيمان إلا بها ، لم يتفق ويصح إلا بمعان مختلفة يقر بها العبد ، والكفر قد يكون ويصح بالمعنى الواحد ، فلم يكن المقر مقرا بالجملة على الإجماع إلا بالإقرار بالله ، أنه واحد لا شريك له في الإلهية ولا الربوبية ، عند علم ذلك ومعرفة معانيه ، والإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن جميع ما جاء به محمد فهو الحق المبين ، فلم يكن الإيمان إلا بالإقرار بهؤلاء المعاني ، والعلم بهن وبمعانيهن والمراد بهن وفيهن ، وكان الكفر بترك الإقرار باحدهن عند قدرته على الإقرار بهن بلسانه ، إذا لزمه ذلك وكان الكفر أيضا بالشك في أحدهن إذا شك في ذلك بقلبه ، ولو أقر بذلك بلسانه ، وكان الكفر أيضا بجهل معاني أحدهن ، أو جهل المراد باحدهن ، فيرد أحدهن بلسانه لانكاره ، ولو أقر بذلك بقلبه فهو كافر بإنكار ذلك بلسانه ، إذا كان على غير الاكراه على ذلك ، وكان الكفر أيضا بالانكار لأحدهن بقلبه ، ولو أقرهن بلسانه ، فصح في الجملة فيما يلزم فيه التعبد بالجملة ، أن الايمان لا يكون إلا بخصال وبمعاني ، وأن الكفر قد يكون بالمعنى الواحد والخصلة الواحدة ، وعلى هذا اجتمعت الأمة لا نعلم بينهم اختلافا ، ثم اختلفوا فيما سوى ذلك ، غير أن اختلافهم يقارب بعضه بعضا في هذا ، أن الايمان بالخصال والكفر بالخصلة ، وأن الطاعة بالخصال والمعصية بالخصلة ، والولاية بالخصال والبراءة بالخصلة ، فهذا مما تقوم به الحجة في حجج العقول ، فمن ذلك كانت الولاية غير البراءة ، ووجوب الولاية غير وجوب البراءة ، والحجة في الولاية غير الحجة في البراءة . (3/63)
صفحة 64
فصل : كذلك البراءة في كل حال من الأحوال ، وفي كل عصر ومصر ، تقوم وتجب بالخصلة الواحدة ، والمعنى الواحد ، والولاية تختلف أحكامها في الأمصار والأزمنة والأحوال في المقال والفعال ، وتفسير ذلك يطول به الكتاب ، فالولاية أحكامها في لزومها وثبوتها غير البراءة في أحكامها ولزومها وثبوتها ، وذلك معروف عند العلماء من المسلمين ، ولا يجهل معاني ذلك إلا الجاهلون باحكام دين المسلمين .
ومن ذلك أن الإيمان وصفة الإيمان في أحوال الإنسان ، تنقلب وتختلف ، فيكون في حين إيمانا ولا يكون في حين إيمانا ، في حال الإقرار (3/64)
صفحة 65
بما يكون الإيمان بذلك الإقرار ، ويكون ذلك الإقرار هو الإقرار الذي لا يحتاج فيه إلى محنة بالإقرار بالمقال ، وإن كانت الأعمال لا تتحول صفاتها ولا تتناقض أحوالها ، ولا تختلف أعمالها مثل الصلوات والزكوات والحجج والعمرات والصيام ، وسائر ذلك من أعمال الإسلام ، فالعمل فيه لا يختلف والأحوال فيه لا تختلف من مخالفة ذلك ونقضه ، ولكن صفة ما يجبط به الإقرار الذي يبرأ به المقر كل من أسماء الضلال ، والأسماء المشتركة لأهل الهدى والضلال ، والحق والباطل والإيمان والكفر والشرك والنفاق ، والأحوال تختلف في ذلك ، فيكون الإقرار بشيء من ذلك في وقت من الأوقات ، وحال من الأحوال ، مجزيا للمقر به والمنتحل عن تفسير ما سواه من الأسماء ، ثم يأتي حال لا يكون ذلك الإسم ولا ذلك الإقرار ، مجزيا للمقر به ولا للتسمي به في وجوب الولاية في الظاهر ، حتى يعلم منه البراءة من ضلالة أهل الضلال ، الذي قد أحدث في جملة أهل هذا الإسم ، وأهل هذه النحلة وخالفوا فيهم ، واختلط ذلك الاسم باهل الضلال والهدى ، فلا ينفعه التسمي بذلك الإسم ، ولا الإقرار بتلك الجملة ، حتى يعلم منه البراءة من تلك الضلالات ، وأسماء المكفرات الشاهرة والضلالات الظاهرة ، التي لا تتحول إيمانا أبدا ، من ظهر عليه اسم من أسماء الكفر والأسماء الموجبه للكفر ، فلا يكون بذلك الاسم أبدا مؤمنا ، فاسماء الكفر لا تتحول بها الأحكام إلى الإيمان . (3/65)
صفحة 66
وقد تتحول الأسماء المعروفة بها جملة الإيمان إلى أحوال تختلف فيها الأحكام ، والى أحوال تخلص ذلك الإسم وأهله من الإيمان ، ويصير باهله إلى الكفر ، مثل اسم الشراة والمحكمة التي كان مخيرا بمن عرف منه التسمي بذلك الاسم قبل أن يقع باهله إلى الفرقة عن المحنة بالموافقة في القول ، وإنما ينتظر به العمل ، ثم صار اسم الشراة والتحكيم مشتركا لصنوف من أهل الضلال ، وفيهم أهل الهدى فلم يكن ذلك الإسم بمجرى في بعض الأحوال عن المحنة كما كان مجربا في بعض الأحوال ، وكذلك اسم الإباضية بعد مفارقة الطريفية والشعبية ، لا يصح باسم الإباضية صحة محنة حتى يعلم من المتسمي بذلك ، البراءة من مذهب الطريفية والشعبية ، وكثير من هذا وأمثاله ، وقد تختلف أحكام الولاية في الأحوال والأزمنة والمقالات والكفر ، لا يتحول أبدا من ثبت عليه اسم القدرية والمرجئة والروافض والمعتزلة ، وغير ذلك من أسبماء أهل الضلال فلن يتحول ذلك الاسم أبدا إلى هدى ، حتى يرجع عن ذلك في أحكام يعرف بذلك وببرأ منه .
فصل : فمن ذلك اختلف القول في وجوب الولاية ووجوب البراءة ، والأحكام في ذلك مما لا يحصى ، إلا ما شاء الله من اختلاف ذلك واختلاف معانيه وعلله وسبله . (3/66)
صفحة 67
ومن ذلك أن الولاية إنما يستوجبها العبد بكمال الإيمان باستكمال خصال الإيمان ، التي يعرف بها أهل الإيمان من أهل النفاق وأهل الشرك ، وأن الإيمان يزيد ولا ينقص ، وأنه إذا داخله النقصان بطل كله ، فلا يكون إيمانا إلا بكماله ، فمتى داخله شيء غيره من خصال الشرك أو النفاق بطل كله ، فيحتاج الذي يعتمد الولاية لأهلها في أحكام الظاهر ، إلى معرفة الخصال التي يثبت بها الايمان والولاية ، والخصال التي يبطل بها الإيمان والولاية ، وينقص بها الايمان والولاية ، والا فكان جاهلا بذلك غير عالم به ، واذا كان غير عالم به كان محجورا عليه أن يقدم على ولاية الشخص بعينه أو باسمه أو بصفته ، إلا بمعرفة أنه من أهل الولاية ، ولا يصل إلى معرفة ذلك إلا بعلم ولا حجة في ذلك إلا بعلم ، فكانت البراءة لازمة في حكم الظاهر للعالم والجاهل والقوي والضعيف ، بالخصلة الواحدة والمعنى الواحد والمكفرة الواحدة ، لقيام ذلك في حجج العقول ، وللعرف في ذلك والعادة من أحوال المتعبدين بذلك ، فاختلف وجوب الولاية ووجوب البراءة لهذه المعاني ولهذه الخصال ، مع أنه لا يجوز ، وان جهل المعنى الذي يجب به البراءة مما يسعه جهله ، أن يثبت لمن استحق ذلك الولاية بالدين ولا يجوز ، وإن جهل ما تجب به الولاية أن يبرأ منه إذا جهل ذلك ، فمتى فعل ذلك فتولى من استحق عنده في حكم دين الله البراءة بدين ، أو برىء ممن برىء منه برأي من المسلمين بدين من ضعيف أو عالم ، أو وقف عمن برىء بدين من ضعيف أو عالم ، أو وقف عمن برىء منه برأي أو بدين من عالم من علماء المسلمين ، فهو بذلك هالك لا يسعه جهل ذلك ولا شيء منه . (3/67)
صفحة 68
وكذلك إذا جهل ما يلزم به الولاية ، وتجب به الولاية ووقف على صفة ذلك وجهل لزومه فهو معذور ، ما لم تقم عليه الحجة كما وصفنا بولاية الشريطة ، ما لم يبرأ ممن استحق الولاية في حكم دين الله بجهله ، أو يبرأ ممن تولاه من المسلمين بدين من ضعيف أو عالم ، أو يقف عمن تولاه بدين من ضعيف أو عالم ، أو يقف عمن تولاه بدين من ضعيف أو برأي أو بدين من عالم من علماء المسلمين ، فإذا فعل ذلك كان هالكا ، ولا يسعه جهل ذلك ولا شيء منه .
فصل : فإن قال قائل : فإذا تولى أحدا من هؤلاء الأعداء والمحدثين رجل من ضعاف المسلمين ، فسئل عن ولايته له بأي وجه ، فقال إنه رفع إليه ولايته رجل معروف من علماء المسلمين ، وقال إنه كان يتولاه فلان ، لرجل من المسلمين من البصراء في الدين ، أيكون ذلك قذفا منه للعالم ، أو لا يكون قاذفا للعالم بولاية هذا المحدث ، مع من علم حدث هذا المحدث وعداوة هذا العدو ، من أولياء هذا العالم المدعى عليه ولاية هذا المحدث ، وأنه رفع ولايته ؟
قلنا له : لا يكون هذا الضعيف قاذفا لهذا العالم في حكم الدين ، بما رواه عنه من ولاية هذا المحدث عند من علم حدثه ، لأنه يحتمل أن يكون
العالم أيضا رفع إليه غيره من العلماء ، ويكون قد تولاه بوجه حق أو رفيعة حق ، ولا يكون المدعي للولاية قاذفا ، ولا يكون القذف في أحكام الولاية ، لأنه لا يكون قاذفا من تولى ظالما ، لا يكون قاذفا له كما يكون المتبرىء قاذفا لمن برىء منه ، وحكم المتبرىء غير حكم المتولي .
فصل : فإن قال : فإن الذي روى عليه الولاية لهذا المحدث يعلم منه من يعلم من المسلمين ، أنه كان يبرأ من المحدث ، وكل منه ذلك ، فما يكون حالة هذا المتولي الضعيف أو العالم عند من قد علم منه ولايته هذه ، وقوله إن فلانا العالم كان يتولاه ، و إنما تولاه بولايته ، وقد علم هو من فلان العالم أنه كان يبرأ منه ، ما تكون حالته عند هذا العالم بهذا العلم كله ؟ (3/68)
صفحة 69
فصل : قلنا له : يكون هذا على ولايته ، ويكون الأول على ولايته ، ولا يتحول الأول عن ولايته ولا هذا ، حتى يعلم من أحدهما باطل ، وهذا مما يمكن أن يكون تحدث للعالم الأول ولاية هذا المحدث بوجه من الوجوه ، فيتولاه ويرفع ولايته ، فيكون محقا في ولايته ، ويمكن أن يكون قد خان الله في ولايته ، فليس ذلك على المتولي بولايته وذلك على الخائن ، وممكن أن يكون هذا بولايته خائنا ، وقذف العالم بذلك خائنة منه لدين الله ، ودعوى منه ، فإذا احتمل لذلك وجه من الحق ، فلا يقطع على أحدهما ولا عليهما بتخطئة ولابتعنيف حتى يعلم باطله .
فإن قال : وعلى أولياء هذا المتولي أن يسالوه بماذا تولى هذا المحدث ، الذي هو عندهم محدث ، أو ليس عليهم ذلك ، ويسعهم أن يمسكوا عن السؤال له ويتولوه ؟
قلنا : ليس عليهم ذلك ويسعهم موافقته إذا احتمل لهم الحق بوجه من الوجوه ، وليس لهم أن يسالوه عن ذلك ، قصدا منهم إلى البحث لعيبه
والتجسس لعورته ، ولكن إن سالوه عن ذلك وسيلة ، قصدا منهم إلى أن يدلوه على الحق الذي يخافون أن يكون قد أخطأه ، في وليه هذا الذي قد تولاه من غير أن يعنفوه قبل أن تبين لهم تعنيفه ، ولا يبيحوا من أنفسهم براءة عنده من وليه ، حتى يأتوا بالأمر من على وجهه ، جاز ذلك إن شاء الله ، وان لم يسالوه جاز ذلك ، وهو على ولايته أبدا ما لم يعلموا باطله وخطأه في ولايته لمن قد تولاه.
فصل : فإن قال قائل : فإن هذا المتولي لهذا المحدث الذي قد ذكرتموه ، لما سئل عن ولايته له ، قال إن فلانا العالم رفع إليه ولايته ، فحضر فلان العالم فقال إنه لم يرفع إلى هذا المتولي ولاية هذا المحدث ، وإنه هو لم يزل على البراءة من هذا المحدث ، ولم يتعد من قوله أكثر من هذا في المتولي ، ما تكون حالة المتولي وما تكون حالة الفقيه العالم ، الذى قد روى عنه المتولي أنه رفع إليه ولايته وأنكر ذلك العالم ؟ (3/69)
صفحة 70
قلنا : يكونون جميعا على الولاية ، إذا كانوا على الولاية من قبل ، ولا يخطىء المتولي ولا العالم ما لم يكذب بعضهم بعضا أو يقذف بعضهم بعضا ، بشيء من المكفرات التي لا مخرج لها من الباطل ، ولا مخرج للمقذوف بذلك من الباطل فإذا تكاذبوا أو برىء بعضهم من بعض ، أو قذف بعضهم بعضا ، فهنالك يبرأ من القاذف أو المتبرىء من صاحبه فيهم ، أو المكذب لصاحبه ، أو المخطىء له ، و إلا فلو داما على هذا القول هذا يقول أنت رفعت إلي ولاية فلان ، والآخر يقول لم أرفع إليك ولايته ، كان هذا بينهما يخرج على حكم الدعاوى ، ولا نخطىء أحدهما في ذلك ما لم يكذب صاحبه بالتكذيب والتخطئة ، وما كانا يتداعيان شيئا يحتمل فيه صوابهما أو صواب أحدهما فهما على الولاية .
وهذا من أحكام الدعاوى بين الناس ، لأنه يحتمل أن يكون الرافع قد رفع إليه ذلك ، ثم أنكر ذلك على الكذب والجحود ،ويمكن أن يكون ذلك منه على السهو والنسيان ، ويحتمل أن يكون المتولي كاذبا عليه ، ويمكن أن يكون صادقا عليه ولم يقذفه بشيء يكون فيه قاذفا يكفر في أحكام الدين ، وإنما هو مدع عليه ، ما يكون حكمه حكم الدعاوى ، فهما جميعا في الولاية ما لم يعلم خطؤهما أو خطأ أحدهما ، أو يكذب أحدهما الآخر أو يبرأ منه على ذلك ، فأيهما كذب صاحبه أو برىء منه ، فهو في حكم الحق مخطىء ، وببرأ منه مع من يتولاهما ، إذا كان بحضرته بعد علم من القاذف أو المتبرىء بولاية المتولي للمقذوف أو المتبرىء منه ، ولو كان القاذف أو المتبرىء هو الصادق عند الله - تبارك وتعالى - في ذلك . (3/70)
صفحة 71
باب: تصنيف المحللات والمحرمات من الأملاك
ومما ثبت تحليله من الأموال ، ولو لم يستحقه الثابت له ذلك بعوض من ماله ولا ميراث الوصايا لغير وارث الموصي ، و الإقرار بالحقوق ولو لم يعلم المقر له أن ذلك الحق له ، على ما يوجبه الحق في قول المسلمين من أهل العدل للوارث وغير الوارث . فالإقرار للوارث وغير الوارث ثابت في الحقوق والديون ، وكائن ما كان من رأس المال فهو ثابت للوارث وغير الوارث ، وكل ما كان من الثلث فلا يصح ذلك للوارث ولا لغير الوارث .
والبيوع الحلال منها ثابت لمن صارت إليه من أموال الناس عن تراض منهم لذلك ، والشراء من البيوع والقروض مما يثبت تحليله من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول أهل العدل وليس هو من البيوع ولا يدخل ذلك في التجارة ، والعطية والهبات مما قد ثبت تحليله في إجماع أهل العدل ، وفي السنة مما يدل على تحليل ذلك ، و الإجارات والأكرية ضرب من الحلال إذا كان ذلك على وجهه ، ومن ذلك صدقات النساء على أزواجهن فهو ضرب من الأجر ، وما يخرج حكمه من الأجر والعوض على البضع ، والزكاة مما قد ثبت حلاله للفقراء وأهل السهام فيها المسلمين من أهلها ، فذلك ثابت حلاله لمن خصه ذلك دون العامة.
وكذلك الفقراء قد يخصهم من الحلال أشياء لا تجوز للأغنياء مثل الوصية للفقراء ، وكفارات الأيمان ، وكفارات الصيد وغير ذلك مما هو خاص تحليله للفقراء دون الأغنياء ، ولا يدخل فيه ما يدخل في الزكاة من الرقاب والغارمين وفي سبيل الله ، فلا يدخل في ذلك ما يدخل في الزكاة .
والدواوين من السلطان فضرب من الحلال ، قد عمل به أهل العدل من الأئمة والخلفاء الصادقين ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، وقد يخرج ذلك على سبيل الإجارات ويخرج على غير سبيل الاجارات ، وكل ذلك حلال جائز . (3/71)
صفحة 72
وكذلك الصوافي مباحة لمن خصه ذلك من أهلها بغير بيع ولا عوض ، هبة من الله جعلها لعباده على وجه ما يخص حلال ذلك ، وهو من الحلال الذي لا يشك فيه أهل العلم .
وكذلك المباحات من غير المربوبات من الموات فثابت تحليل ذلك ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "الأرض لله ، فمن أحيا مواتا منها فهو له " .
وكذلك المباحات من أشجار الأرض و الموات التي لا يقع عليها ملك مما أنبتت الأرض المباحة ، فهو حلال مباح بغير عوض ولا بيع ، هذه هبة الله لعباده ورحمة منه عليهم .
فصل : وكذلك ما وقع عليه الإجماع بالاباحة من الأملاك ، حتى يصير إلى التراضي من أهل الأموال بترك أموالهم ، فذلك ضرب من المباح ، الذي أباحه الله لعباده ، لقوله - تعالى - : ( عن تراض منكم ) ، فكما كانت التجارة لا تجوز إلا بالتراضي وتجوز بالتراضي ، كذلك الحل والهبات وغير ذلك ، من تراضى الناس بإباحة أموالهم خارج في حكم الحلال عن التراضي منهم ، لا فرق في ذلك في تراض بشيء بعينه ، أو تراض بمجملات من المباحات الخارجات على سبيل التراضي .
فهده الأصول التي ذكرناها من وجوه الحلال في دين الله -تبارك وتعالى " ، تاتي على جميع الحلال ، ولا نعلم شيئا س الحلال إلا وهو داخل في هذه الوجوه التي وصفناها أو منها بنص أو ما أشبهها ، لا غير ذلك نعلم ،
فالحلال شيء معروف موصوف ، والحرام شيء معروف مثله موصوف ، وما أشبه الحرام فهو حرام ، وما أشبه الحلال فهو حلال ، وما أشكل أمره فالوقوف أولى به حتى يصح حلاله من حرامه ، وكذلك يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك شبهات فيها هلك كثير من الناس ، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، ألا وإن لكل شيء حمى ، وحمى الله محارمه (1) . (3/72)
صفحة 73
ومن الحرام البين ما ذكره الله من الربا وتحريمه له ، فهو بصنوفه حرام . وضد الحلال من البيوع الحرام من الربا أو ما أشبهه من الخديعة في البيوع والكذب على الناس في بيوعهم حتى يجر بالكذب أموالهم ، فكل مال أخذ بالخديعة والغش والكذب في المبايعات ، فذلك لاحق بالحرام على فاعله دون المفعول به ذلك ، وللمفعول به ذلك الخيار إذا وقف على ذلك في إتمام البيع ، على ما قد خدع وغش وكذب به عليه ، فإن أتم ذلك البيع على ذلك فقد قال أكثر أهل العلم : إن ذلك له ولا خيار للبائع الغاش في ذلك .
وقد قيل : للبائع أيضا في مثل هذا ما للمشتري .
والقول الأول أبين إذا كان من طريق الغش والكذب والخدائع والمدالسات وما أشبه ذلك ، والخيار في ذلك للمشتري معنا .
فصل : وما كان من طريق الجهالات والمغيبات من غير الربا مما يعرفه البائع ولا يعرفه المشتري ، وليس من العيوب والغش وإنما هو من طريق غيبوبة الشيء أو شيء منه ، فذلك قد قيل فيه باختلاف أيضا :
فقال من قال : الخيار في ذلك للمشتري دون البائع .
وقال من قال : للبائع ما للمشتري ، وهذا القول أكثر وأحب إلينا .
وما كان في البيوع من الربا فلا خيار في إثبات ذلك للبائع ولا للمشتري ، وذلك باطل فاسد وعليهم التوبة من الدخول في ذلك ، والرجعة إلى رؤوس أموالهم ، لا يقيمون على ذلك البيع ولا يتتامون عليه أبدا ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، فلا تخرج البيوع باجمعها من أحد هذه الوجوه وما يدخل فيها وما يشبهها .
ولا يجوز لجاهل ولا عالم أن يركب من ذلك مجمعا على باطله في دين الله ، وما وافق من جميع ذلك مختلفا فيه من قول أهل العدل ، ولم تقم عليه حجة من حجج الله من حاكم عدل ، أو حجة حق تزيل عنه التوسع بالمختلف فيه فهو سالم ، ولا يضره جهله بذلك ، ما لم يخالف أصول الدين وما يشبهها من حكم المسلمين الثابت على أهل الدين. (3/73)
صفحة 74
فصل : ومن أكل أموال الناس بالباطل ، ولو تراضوا بالبيع والشراء وسلموا لبعضهم بعضا البخس في المكيال والميزان في الزيادة فيه والنقصان على التعمد ، والقصد إلى الأصل المحرم في دين الله والعصيان ، ولو جهل ذلك الإنسان وظن أن ذلك له من الحلال ، فلا يسع ذلك العلماء به ولا الجهال ، وذلك كفر من فاعله وضلال ، وفي بخس حبة من أرز أو ذرة أو بر ، أو ما أشبه ذلك من المملوكات المحجورات في المكيال ، بنقصان ذلك وزيادته على مستحق ذلك ، عليه من أهل الإسلام أو من أهل الشرك ، وجميع من حرم الله عليه ماله ألا يحله ، وكذلك إن بخس في الميزان مثقال ذرة أو مثقال حبة خردل من الذهب أو الفضة أو ما كان من جميع ما يوزن ، فهو بذلك راكب للنهي ، وقليل ذلك وكثيره كبير ، لموضع ارتكاب المحجور من البخس في الميزان والمكيال ، ولا يسع جهل ذلك ، ولا ركوبه على العلم ، وهو مما يسع جهله ما لم يركبه ، أو يتولى راكبه على العلم منه بذلك ، أويقف عن العلماء إذا برئوا من راكبه برأي أو بدين ، أو يبرأ منهم من أجل ذلك .
ومن أكل أموال الناس بالباطل وان تراضوا بذلك كالقمار وأنواع السحت ، والمخاطرات بالأموال على غير أصل من البيوع ، ولا أصل من وجوه الطاعة فذلك كله من أكل أموال الناس بالباطل .
ومن أكل من جميع أنواع السحت قليلا أو كثيرا أو ملكه أو عقده على نفسه بالقمار فهو هالك ، وقد قال من قال : لا توبة لمن أخذ شيئا من الربا أو شيئا من السحت إلا برد ذلك إلى أهله ، ولا يجوز الحل من ذلك لأهله ولا من أهله ، ولا يجوز أن يؤخذ بذلك غيره من العروض ولو تراضوا بذلك ، وهو أكثر القول عندنا .
وقد قيل : يجوز أن يؤخذ عروض بذلك عند عدمه .
فصل : وقال من قال : يجوز الحل من ذلك عند التوبة ، وليس ذلك مما يجتمع عليه في هذا . (3/74)
صفحة 75
ومن السحت أخذ الأجور على شيء من المعاصي ، قلت أو كثرت ، صغرت أو كبرت ، فمن أخذ أجرا على معصية فهو من السحت ، وقليل ذلك وكثيره من السحت ، وهو كبيرة إذا أخذ أجرا على معصية الله ، وكذلك الأجر على طاعة الله ، فقال من قال : إن كل أجر على طاعة الله فهو حرام ومن السحت .
وقال من قال : إنما السحت من الأجر على طاعة الله ما كان من ذلك سن اللازم أخذ الأجر عليه ، فإذا أخذ أجرا على ما هو لازم له ، وعليه القيام به في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع أهل العدل ، فأخذ على ذلك أجرا فهو من السحت ، وقليل ذلك و كثيره حرام ، وهو نازل بمنزلة الربا والسحت ، وقد مضى القول في ذلك عند التوبة من ذلك والخلاص .
ومن الكبائر كتمان الشهادة من حيث لا يختلف أن على الشاهد أن يؤديها من الحكام وأهل الإسلام ، من جميع الشهادات التي يجب عليه أداؤها في الأحكام في الأموال والفروج وغير ذلك من أحكام الإسلام ، فمن كتم شهادة عنده حتى أتلف بكتمانه مالا لأحد ، فذلك الذي قد تلف بذلك الكتمان عليه فيه الضمان ، كان ذلك قليلا أو كثيرا ، وذلك من أكل أموال الناس بالباطل فإن أراد التوبة فعليه أداء ذلك إلى أهله ، وتجزئه في ذلك التوبة مع الحل ، إن أحله أربابه وأبرؤوه من ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا أن الحل في ذلك يجوز ويجزىء .
وكذلك من أكل أموال الناس بالباطل الشهادة بالزور على ذلك ، حتى يتلفوا من المال قليلا أو كثيرا ، أو جميع ما أتلف بشهادته فهو هالك بذلك ، وعليه ضمان ذلك إذا لم يدرك ذلك وتلف ، والتوبة من ذلك والحل يجزىء من أهله ، ولا نعلم في ذلك اختلافا أنه إذا أحل من ذلك أنه يجزئه .
فصل : وكذلك حاكم الجور إذا حكم بحكم باطل لا يختلف فيه فهو من أكل أموال الناس بالباطل ، وعليه مع التوبة الضمان لذلك والتوبة من ذلك ، والحل يجزىء عن الأداء إذا أحله رب المال من ذلك . (3/75)
صفحة 76
وأما ما أخذ الحاكم من الرشا على حكم الجور ، وأخذ الشاهد من الرشا على شهادة الزور ، وعلى تأدية الشهادة التي يلزمه أداؤها فكتم ذلك حتى أخذ على ذلك أجرا ، وكذلك الحاكم إذا لم يحكم بالحق الذي يلزمه الحكم به ، حتى أخذ على ذلك أجرا ورشوه ، فذلك من السحت ، والقول فيه أنه هالك بجميع ذلك ، قليل ذلك وكثيره ، وأما التوبة من ذلك مع الحل ، فقد مضى فيه القول ، وهو ما قد بينا القول فيه من الاختلاف في السحت والربا .
فصل : ومن أعان ظالما على ظلمه من الجبابرة أو غيرهم من الظالمين الظاهر ظلمهم ، بكلمة أو مدة من دواة أو معونة على باطل ، من قليل أو كثير، فذلك كله من الكبائر ، والحكم جار على من ثبت له اسم في المعونة ، من البراءة والظلم والضمان يخص من خصه ذلك ، وهو وإن لم يلزمه ضمان ، فبالمعونة يلزمه الإثم ، والظلم والبراءة والضمان ثابت منهم على من أخذ أو دل أو رسم أو أخذ برسمه ، أو أمر وهو مطاع فعمل بامره ، فكل هؤلاء ضامنون .
-----------------------------
1- متفق عليه . (3/76)
صفحة 77
باب: اختلاف الرجلين في التحليل والتحريم
و إذا كان الاختلاف بين الرجلين في الدين ، فاحل أحدهما ما هو حرام في أصل دين الله وحرمه الآخر ، وتنازعا في ذلك وعلم ذلك منهما من علم ممن يجهل ما سمع منهما من الاختلاف في الدين ، فإن كان لهما معه متقدم ولاية واختلفا في هذا ، وهو من الدين في علم الله ، وعلم من علم ذلك من علماء المسلمين ، فلا يسع الجاهل بذلك منهما أن يتولى المبطل نهما على كل حال ولاية الدين ، ولا عذر له في ولايته بدين على حال ، ولا يجوز له أن يقف عن المحق منهما وقوف دين في أصل ما تعبده الله به .
فإن كانا من الفقهاء الذين تقوم بهم الحجة في الفتيا فيما يسع جهله ، أو كان المحق منهما ممن تقوم به الحجة في الفتيا في الدين فيما يسع جهله ، وكان بتلك المنزلة مع من عرف ذلك منه من صحة علمه وفضله ، فقد قامت الحجة على من علم ذلك منه ، وعليه أن يصدقه في ذلك ، لأنه هو الحجة التي ليس له أن يلوي عنقه عنها إلى غيرها ، وعليه من حينه أن يتولى المحق على حالته ويبرأ من المبطل من حينه ، ولا يسعه بعد قيام الحجة أن يترك ما لزمه من ولاية المحق والبراءة من المبطل ، ولا يجوز له أن يقف عن العالم المحق من أجل براءته من المبطل ، وقد أقام على الجاهل الحجة ، بقوله الحق الذي قال به وبينه ، من باطل المبطل ، ولا بد من قبول ذلك منه ، في أكثر ما قد قيل من قول أهل العلم ، غير أنه على كل حال إن ضاق عن قبول ذلك ، فوقف عن العالم المحق برأي أو بدين ، من أجل قوله الحق الذي هو فيه حجة ، أو من أجل براءته من المحدث الذي قد استحق البراءة في حكم دين الله -تعالى وجهل ذلك الجاهل ، فلا شك أنه إن وقف عن العالم المحق برأي أو بدين ، أو برىء منه برأي أو بدين ، من أجل ذلك أنه محدث هالك بذلك ، ولا اختلاف معنا في ذلك . (3/77)
صفحة 78
وأما إن ضاق عن قبول ذلك في المحدث ، وتولى العالم المحق ، ووقف عن ولاية المبطل ، فلم يتوله بالدين ، ولم يثبت على ولايته بالدين ، ففي أكثر القول أنه هالك وأنه محدث بتركه للحجة وشكه فيها .
وقد قيل : إنه لا يهلك ما لم يقف عن العالم برأي أو بدين ، أو يبرأ منه برأي أو بدين من أجل قوله بالحق ، وبراءته من المبطل بالحق ، ولو برىء كل واحد منهما من صاحبه ، فلا يتحول حق المحق ولا حجة العالم ، ولو كان خصمه في ذلك مائة ألف أو يزيدون ، من نظرائه وأمثاله في العلم ، أو كان خصمه في ذلك جميع أهل الأرض ، كان هو الحجة على من خصمه في ذلك ، وخالفه على من سمعه من السامعين له ممن جهل حقه أو علمه ، فلا تتحول حجة الله لمخالفة من خالفها ، ولا تتحول بجهل من جهلها ، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا من قول أهل العلم .
واذا تولى الجاهل المحدث بدين ، أو وقف عن العالم بدين أو برأي من أجل قوله الحق ، أو براءته من المحدث ، فلا نعلم في ذلك اختلافا أنه هالك محدث ، لا يسعه جهل ذلك ، ولازم له الدينونة بالسؤال في الإجماع ، واذا صار إلى هذه المنزلة كان كل من عبر له الحق في ذلك ، كان عليه حجة كائنا من كان ذلك المعبر من المعبرين ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، وما لم يتول المحدث بدين أو يقف عن العالم المحق ، من أجل قوله بالحق وبراءته من المبطل بالحق ، ولو جهل هو ذلك الحق ، فلا يحكم عليه بهلاك بالدينونة إلا على ما ذكرنا من الاختلاف .
وأما إذا لم تقم عليه الحجة بالفتيا ، فإنما هو بريء منه على ما عاين هذا منه من الباطل ، فبرىء منه العالم المحق من أجل باطله ذلك وحدثه ، فما لم يتول المحدث بدين أو يبرأ من العالم من أجل براءته من المحدث ، أو يقف عفه برأي أو بدين فهو سالم ، ولا نعلم في ذلك اختلافا . (3/78)
صفحة 79
وأما إذا سمعه وهو يقيم عليه الحجة بباطل الحدث ، وعرف ذلك من عبارة العالم ، فقد قامت عليه الحجة بالعلم في حكم الحدث الذي قد عاينه من المحدث وسمعه ، والعالم حجة في الفتيا فيما يسعه جهله ، فهنالك ضاق عليه الشك في أكثر القول ، كما قد قلنا ووصفنا وذكرنا ، لقيام الحجة عليه من قول العالم الذي هو حجة .
فإذا لم يعرف ضلالة المحدث من حينه ، أو يقبل من العالم الفتيا فيما أقام عليه من حجة الله ، فهو محدث بذلك ، ولو لم يتول المحدث بدين ، ولا برىء من العالم ولا وقف عنه بدين ولا برأي ، فبشكه في ضلالة المحدث بعد قيام الحجة عليه من قول الفقيه ، كان محدثا هالكا في ذلك في أكثر القول . (3/79)
صفحة 80
فصل : وكذلك إن كان المحق هو العالم ، والمبطل هو الضعيف ، في أصل ما اختلفا فيه من أصل الدين ، الذي لا يجوز فيه الاختلاف ، فالقول فيه واحد ، والمعنى فيه واحد ، والعالم المحق حجة على كل من قام عليه في الفتيا من العلماء والضعفاء ، ولا فرق في ذلك على من علم ذلك من المختلفين ما قد وصفنا ، فإن قام عليه العالم الحجة في الفتيا بضلالة المحدث ، كمائنا من كان المحدث عالما أو ضعيفا ، وليا أو غير ولي ، وهو حجة عليه على ما قد وصفنا ، وعليه قبول ذلك منه والبراءة من المحدث من حينه ، ولا يسعه الشك في ذلك طرفة عين ، وان لم يقم العالم عليه الحجة بالفتيا ، وإنما هو برىء منه بحدثه ذلك ، فلا تقوم عليه حجة ببراءة العالم منه ، ولكن إذا علم الحدث الذي برىء منه العالم به ، فليس له أن يبرأ من العالم من أجل براءته من المحدث ، ولا يقف عنه برأي ولا بدين ، فإذا لم تقم عليه الحجة من فتياالعالم بذلك ، ولم يبصر هو حكم الحدث الذي عاينه من المحدث ، ولو كان بحضرة العالم ولم يسائله عن ذلك ، فواسع له ذلك في أكثر القول ، فإن سلم من ولاية المحدث بدين ، ومن البراءة من العالم من أجل براءته من المحدث ، ومن الوقوف عن العالم برأي أو بدين من أجل براءته من المحدث ، فهو سالم . (3/80)
صفحة 81
ولا نعلم في ذلك اختلافا ، فإن برىء من العالم من أجل براءته من المحدث ، أو وقف عنه برأي أو بدين أو تولى المحدث بدين ، كان بذلك محدثا هالكا ، وكان عليه الدينونة بالسؤال عن ذلك ، وكان كل من عبر له ذلك الحق هو حجة عليه من جميع المعبرين ، وإذا أقام عليه الحجة بالفتيا بضلالة المحدث أو بكفره ، كان المحدث عالما أو ضعيفا وليا في متقدم الأمر أو غير ولي ، فالقول فيه واحد ، والحجة قائمة من قول الفقيه ، غير أنه قد مضى القول أن ذلك ليس بالإجماع وكل ما عدا الإجماع إلى الاختلاف ، خرج من حكم الدينونة إلى الرأي ، ولم تكن براءة العالم من المحدث ، مع معاينة الحدث من المحدث ، وعلمه بالحدث مقيما عليه حجة في البراءة من المحدث ، ولا قائما بذلك مقام الحجة في الفتيا ، وإنما تقوم في ذلك مقام الحاكم بالحق الذي جهله الجاهل .
وليس للجاهل ولا عليه أن يحكم بما يحكم به العالم ، حتى يعلم كعلم العالم ، فإذا أقام عليه الحجة بالعلم ، كان عليه مع ذلك إقامة الحكم ، فهذا فرق ما بين حكم العالم وبين فتيا العالم ، ولا يجوز لأحد أن يحكم بما حكم به الحاكم ، على مما علمه الحاكم ، إلا إن استشهده الحاكم ، شهد بما استشهده الحاكم من الحكم ، و لو علم من المحدث الحدث الذي قد عاينه منه العالم ، وكان علمهما جميعا في الحدث سواء ، فقال العالم إن حدثه هذا الذي أحدثه وعمل به أو قال به ، مما يكفر به أو يضل به وهو باطل في الأصل ، وكان العالم في ذلك صادقا في دين الله على المحدث ، كان ذلك عليه حجة في الفتيا ، وكان على الجاهل أن يقبل منه ذلك ويبرأ من المحدث . (3/81)
صفحة 82
فصل : واذا برىء العالم من المحدث من غير عبارة للجاهل بحكم الحدث ، لم يكن ذلك حجة على الجاهل من فتيا العالم ، وكان على الجاهل أ لا يتولى المحدث بدين ، ولا يبرأ من العالم من أحد ذلك ، ولا يقف عنه برأي ولا بدين ، فان فعل ذلك أو أحد ذلك ، كان محدثا هالكا . وكان عليه الدينونة بالسؤال ، أو قبول الحق في ذلك من جميع من عبر له ذلك من المعبرين .
فإن قال قائل : فكيف السبيل إلى علم ذلك من الجاهل ، إذا كان المختلفان في الدين فقيهين ، ممن شهر فضلهما وعلمهما واستقامتهما فيما مضى من أهل خحلتهما ودينهما ، من أهل المعرفة بهما من أهل الاستقامة من المسلمين ؟
قلنا له : السبيل إلى ذلك واضح ، ينطق به المحق منهما على المبطل منهما ، وليس أوضح من ذلك سبيلا عند من عرف الحق ، إذ ينطق بالحق عالم فقيه أمين ، على ما حمله من علم ما يسع جهل ، إذا نزل العالم مع الجاهل بمنزلة يكون عليه حجة ، فسواء جهل الحجة أو علمها ، فلا يسعه جهل حجة الله .
وإذا لم يكن العالم مع من سمعه ينطق بالحق فيما يسع جهله من دين الله ، وكان جاهلا بمنزلته ، فلا يكون عليه حجة ، ولو كان مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- ، إذا لم يعلم منزلمهما في الإسلام ، وصفتهما التي يعرفها العلماء بهما ، فإذا عرف الجاهل من العالم صفة العلم التي يكون عليه حجة بها مع أهل العلم ، كان ذلك حجة عليه ، ولو جهل حكم الصفة التي يكون العالم بها حجة .
واذا جهل الجاهل الصفة من العالم ، وكان جاهلا بمنزلته التي يكون بها حجة عليه مع العلماء بالحجة ، زال عنه بذلك الحجة فيما يسعه جهله . (3/82)
صفحة 83
ولو أن رجلا من أهل مكة و المدينة أو غيرهما ، قد شهر معه منزلة أبي بكر وعمر في فضلهما وعلمهما ومنزلتهما ، وقامت عليه الحجة بأنها حجة عليه فيما يسع جهله ، دخل المدينة ليسأل عن شيء مما يسع جهله ، ولا يعرف أبا بكر وعمر باعيانهما فلقيهما جميعا في موضع واحد ، فسالهما وهو جاهل بهما عن شيء مما يسع جهله من دين الله ،فأفتياه جميعا بذلك ولم يبصرا عدله ، ولا بان له صوابه ، وقد صح معه بالشهرة حجة أبي بكر وعمر في العلم ، ما كانا بذلك حجة عليه فيما يسع جهله ، ولا يهلك بالشك في قولهما إلا أن يبرأ منهما من أجل الحق الذي قالاه أو يرده عليهما ، فإنه يكون بذلك هالكا ببراءته من المحق بغير حجة ، كائنا من كان من المحقين ، إذا برىء منه على ما جاء به من الحق والقول بالحق من الفتيا ، فبرىء منه بجهله ، فهو بذلك محدث هالك .
ولو وقف عن أبي بكر وعمر من شخصيهما وعينهما ، من أجل ذلك الذي قالاه ، ولم يكن تقدم له فيهما معرفة فلم يتولهما بعينهما ووقف عنهما ، وهو يتولى في الأصل أبا بكر وعمر على الشهرة ، ما ضاق عليه ذلك ، لأن حكم هذين الشخصين معه في الوقوف ، فهو واقف عنهما حتى يصح معه في أمرهما بعينهما ، ما تجب عليه به الولاية وهما معه في الولاية ، وإنما قصد بالسؤال إلى أبي بكر وعمر ، وخرج ليسال أبا بكر وعمر غير أنه لم يعلم أنهما هما ، وإنما ظن أنه لقي غيرهما من الناس ، فعارضعهما بالسؤال أو اعترضاه هما بالمقال ، لم يكونا عليه حجة في الفتيا فيما يسع جهله . (3/83)
صفحة 84
ولو صح معه الصفة التي نزل بها أبو بكر وعمر-رضي الله عنهما-من الفضل والعدل والعلم ، وجهل أن العالم حجة ، ولم يعلم أن أهل تلك الصفة هم حجة الله على عباده في الفتيا ، وهو يعرفهما باعيانهما فسال أحدهما بالنكير في شيء مما يسعه جهله ، فاقاما عليه بذلك الحجة بالقول بالحق في شيء من الدين ، كان ذلك حجة عليه ولو جهل ذلك الأمر ، الذي يكون به العالم حجة ، إذا علم منزلة العالم التي هي منزلة الحجة ، وعلم العالم الذي هو نازل بالمنزلة التي هي حجة عليه فيهما يسعه جهله .
وكذلك لو خرج أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما - ، إلى بعض القرى من مملكتهما متكتمين أو أحدهما ، ولم يعلم عاملهما بقدومهما إلى ذلك البلد ، ولا كان يعرفهما باعيانهما ، وهو يدين بطاعتهما وولايتهما ، ويامنهما على أن يسفك الدماء بأمرهما تقليدا لهما لما ائتمنهما الله عليه من الأحكام وحقوق الإسلام ، فاستشهدهما مسلم بحق على يهودي عدو للاسلام ، بقيراط من فضة من بيع لحقه له ، أو إقرار له به ، أو من وجه من الوجوه ، فشهدا على ذلك اليهودي لذلك المسلم الولي ، مع ذلك العامل أو القاضي الذي هو لهما ، ومن تحت أيديهما ، فقبل شهادتهما على ذلك ، وهو جاهل بهما ، وحكم بذلك القيراط لذلك المسلم على ذلك اليهودي ، كان بذلك حاكما بالجور ، ضامنا لذلك الذي حكم عليه بما حكم عليه ، وكان معهما مخلوعا ، وعليهما أن يعزلاه كل عن عمل المسلمين ، إذا علما منه أنه أجاز شهادتهما على غير علم منه بهما ، وبما يجوز من أمرهما . هذا ما لا نعلم فيه اختلافا . (3/84)
صفحة 85
ولو كان بحضرة الحاكم من هو دون أبي بكر وعمر في العلم والفضل ، ممن يبصر العدالة فساله الحاكم عن أبي بكر وعمر لما شهدا عنده بذلك القيراط ، فعدلهما ذلك المعدل وهو بهما غير عالم ، إلا أنه لما رأى من هيئتهما ومنزلتهما ، وحكم الحاكم بعدل المعدل ، كان الحاكم سالما والمعدل آثما ظالما ، لأن المعدل حجة للحاكم والمعدل في أمره ذلك ظالم آثم .
وإنما ضربنا بابي بكر وعمر المثل ، لأنهما تضرب بهما الأمثال فيما كان من الأحوال ، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم .
فصل : وكذلك كل من كان من العلماء ، الذين قد نزلوا بمنزلة الحجة في دين الله ، على من قاموا عليه فيه ، مع من علم منزلتهم في الإسلام ، ولو جهل حكم منزلتهم في الإسلام ، فلا يسع جهل العالم كما لا يسع جهل الظالم إذا شهر ظلمه ، إلا أن يحكم عليه فيه بحكم الظالم .
كذلك العالم لا يسع جهله ، إلا أن يحكم فيه بحكم العالم ، مع من عرف أنه عالم ولو جهل منزلة العالم في حكم منزلته ، كما جهل الجاهل حكم الظالم إذا علم ظلمه ، وهذا ما لا يغيب على أهل العقل ، ولا يجهل هذا إلا أهل العمى والجهل . (3/85)
صفحة 86
ولو كانت حجة الله لا تقوم إلا على من عرف أنها حجة الله ، ما قامت حجة أبدا على أحد من خلق الله من المشركين ولا من الموحدين ، ولا كانت تقوم حجة لنبي من الأنبياء ولا لرسول من الرسل ، ولا لامام من الأئمة ، إلا من علم أن ذلك الرسول رسول ، وذلك النبي نبي وذلك الإمام إمام ، وهذا من الجهل والمحال ، بل إذا قامت شواهد الحجة التي هي حجة ، مع من عرف أنها حجة من العالمين بحكم الحجة ، فإنها تقوم على من عرف ذلك من الحجة ، جهل حكم الحجة أو علم حكم الحجة ، فلا يسع جهل الحجة وإذا لم تقم شواهد الحجة للحجة ، فغير مقطوع العذر من جهل الحجة ، ولوكان ذلك كذلك ، لكان كل من ادعى النبوة من الخليقة جاز له ذلك وكان حجة ، لأنه يمكن أن يكون نبيا فيما مضى قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيما يمكن من رسالة الرسل ونبوة الأنبياء ، وكان كل من قال إنه نبي كان حجة ، بل لا يكون النبي حجة في حكم كتاب الله -تبارك وتعالى - ، فيما حكم وقضى به حتى يرسله ويجعل له الآيات والدلائل التي تكون بها له الحجة من المعجزات ومن الدلائل والآيات التي لا يأتي بها غيره من الأمة .
وكذلك حكم الله في عباده لطفا منه بهم ، ومنا منه عليهم وذلك إذا كانوا على دين نبي من الأنبياء مسلمين فهم عليه وحجة الله لهم ذلك النبي وذلك الدين ، الذي هم به سالمون ، حتى يأتيهم نبي ورسول آخر من قبل الله بدلالة وعلامات ومعجزات ، يعقلون أنها لا تكون إلا من الأنبياء والرسل ، ولا يكون لظالم حجة وهو محجوج في حال ظلمه وشركه ، و إنما تكون الحجة والسلامة للمتمسكين بالحق ، الذي لم يأت بما ينقضه بما يقيم الله به الحجة عليه .
كذلك قد قال الله - تبارك وتعالى - : (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ) (1). (3/86)
صفحة 87
وقال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )(2).
وقال تعالى : ( قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً ) .(3).
ولا نعلم أن رسولا من الرسل ولا نبيا من الأنبياء إلا وقد أعطاه الله من الآيات والعلامات ، ما لم يأت به النبي الذي كان قبله ، والرسول الذي كان قبله ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، وكان الله عزيزا حكيما .
------------------------------
1- جزء الآية (115) من سورة التوبة.
2- الآية (4) من سورة إبراهيم.
3- الآية (95) من سورة الإسراء. (3/87)
صفحة 88
باب: القول في تحريم الخنزير
وأما حجر العين في ذلك ، فإنه إذا رأى الخنزير بعينه ، وأمسكه عليه مذكى أو غير مذكى ، فذلك عينه التي يعرف بها عند من يعرفه ، ولو جهله الجاهل به ، فإذا غاب عينه التي يعرف بها عند من عرفه ، حتى يصير إذا وقف عليه من يعرفه في الأصل أنه خنزير ، غاب عنه علم ذلك أنه خنزير أم لا ، فإذا صار الخنزير إلى ذلك الحد ، الذي إذا وقف عليه من يعرفه بعينه أو عاينه ، ولم يجهله بعينه أن لو كانت قائمة وجهله ، إذا كانت تلك العين غير قائمة ، فإذا صار بتلك المنزلة صار مباحا لمن علمه في الأصل أو جهله إذا غابت عنهم في الأصل حالته ، ولم يدركوا العلم من هذا المعاين ، إلا وقد غابت عينه التي يعرف بها ، وبها يوصف .
فذلك حد الاباحة له إذا كان في يد من تجوز ذبيحته من المقرين أو أهل الكتاب ، إلا أن يدرك وقد زالت عينه ، وهو متصل جسده غير مذكي ، وعرف ذلك من وقف عليه أنه بهيمة غير مذكاة ، وعاين ذلك أنه غير مذكي ولا مذبوح ، فإن ذلك محجور أيضا ولو لم تكن له عين يعرف بها ، لأن هذا من أسباب الحجر لأنه ميتة قائمة ، إذا كان غير مذكى ، وأما إذا كان فيه أثر الذبح والذكاة ، وقد غابت عينه التي يستدل بها على معرفته عند من عرفه ، أو صار لحما طوائف متقطعا زايل العين التي يعرف بها . (3/88)
صفحة 89
فذلك مباح لمن كان يعرف بعينه في الأصل ، أو يجهله لأنه قد صار بحد لا يعرفه من يعرفه ، فأبيح لمن لا يعرفه ، وإذا صار بهذه المنزلة صار بحد المباحات في حكم الظاهر حتى يعرف أصله أنه خنزير ، فإذا علم أنه لحم خنزير ولو كان طوائف مطبوخا أو مشويا ، فهو محجور محرم على من جهل حرمة الخنزير أو علمها ، إذا علم أنه لحم خنزير فهو محرم على من علم حرمة الخنزير أو جهلها ، فإذا رأى الجاهل لعين الخنزير أو لحرمة الخنزير ولو كان عالما بحرمة الخنزير غير أنه جاهل بعين الخنزير وجنسه من الدواب والبهائم ، والخنزير في حال يعرفه في الأصل من كان عارفا بجنسه أو لونه ، أو بصفته التي يدرك بها معرفته ممن يعرفه ، كان جاهلا بحرمته أو عالما بحرمته ، فلا يسعه جهل ركوبه ولا أكله ولا شراؤه ولا بيعه ، ولا ولاية من أكله أو اشتراه أو باعه ، لأنه محرم في الأصل على من جهله أو علمه ، إذا كان قائم العين التي يستدل بها على معرفته من هو عارف به .
فصل : وكذلك إن كان متصلا قد زالت عين جنسه ، إلا أنه قائم الجثة وهو غير مذكى ولا مذبوح ، فلا يسعه أيضا جهل ركوبه بأكل ولا بيع ولا شراء ، ولا تسعه ولاية من ركب ذلك بأكل أو بيع أو شراء ، إلا أن يكون في حال يمكن أن يكون الأكل له في حال الضرورة إليه إذا أمكن ذلك ، ولا يعلم من أكله أنه أكله على غير ضرورة ، وإذا أمكن له الضرورة إليه بوجه من الوجوه ، فالأكل له عنده بحاله ويجوز ولايته ، ولو كان في الأصل قد أكله بغير اضطرار متعمدا على الإثم والعدوان ، فإذا أمكن ذلك أن يكون أتى ذلك باضطرار فهو في ذلك سالم عند من عرف ذلك منه ، وهو مسلم في الولاية إن كانت له ولاية ، وإن لم تكن له ولاية من قبل ، فهو على حالته التي كأن عليها من وقوف أو براءة ، لا يزيد ذلك الأكل فيه شيئا . (3/89)
صفحة 90
وأما بيعه فلا يجوز على كل حال ، في اضطرار ولا غيره ، وبيعه باطل ، ولا يجوز إلا أن لا يقدر أن يأكل منه ما يحيي به نفسه ويقدر على شيء منه ذلك بالدينونة ، أنه إذا قدر على رد ذلك رده فباع منه لمن يعرف أنه خنزير ، أو يعلمه أو يأخذ من ثمنه بقدر ما يحيي به نفسه من المأكولات ، ويرد على المشتري منه ما أخذ منه إذا قدر على ذلك أو قيمته ، إذا قدر على ذلك ، فعلى هذا الوجه يجوز أن يباع منه على هذا السبيل ، فإن احتمل لبائعه أيضا وجه يخرج إلى العذر ، فهو على حالته وولايته أو حالته الأولى ، وإن لم يحتمل مخرجا فلا يجوز بيعه ، وإذا لم يشهد عليه ظواهر الأمور بالاستغناء عن ذلك ، فلا يجوز أن يخلق عليه بباطل ، وهذه الحجة له واضحة ، وغير ذلك من الاحتمال في البيع له ، فإذا لم يدخل في حال لا مخرج له من الكفر والباطل ، لم يخلق عليه بالكفر ولا بالباطل حتى لا يكون له مخرج ، ولا يجوز الحكم بالغيب ولا بالباطل إلا بعد انقطاع عذر المحكوم عليه .
وكذلك شراؤه إن لم يقدر المضطر على ما يحمي به نفسه من الحلال المذكى ولا غيره من الأطعمة ، أو منع ذلك ولم يقدر على الوصول إلى ذلك من الأملاك لمنع أهلها إلا بالقتال والقتل لأهلها ، جاز له أن يشتري منهم بقدر ما يحيي به نفسه من الخنزير الذي في أيديهم ، فإن كانوا ممن يحرم عليه في الأصل ثمن ذلك وقدر على أن لا يؤدي ذلك إليهم ، فليس له أن يؤدي ذلك إليهم ، وذلك جميع أهل القبلة فإنه حرام عليهم ثمن ذلك ، وإن كان من أهل الكتاب واشتراه منهم كان عليه أن يعطيهم قيمة ذلك معهم بعدل السعر ، إذا كان البيع عند الاضطرار ، وإذا احتمل عذر المشتري له ولو لم يظهر عليه شواهد الاستغناء عن ذلك ، واحتمل له عذر فهو على حالته أيضا الأولى . (3/90)
صفحة 91
وكذلك للأكل في نفسه بجهل لحرمته أو بعلم لحرمته بجهل لجنسه أو بعلم لجنسه ، فإذا كان إنما يأكل ذلك من اضطرار في الأصل ، وإنما يشتري من ذلك في حال الاضطرار ، الذي يسع فيه العذر لمن علم بذلك ، فذلك جائز له في أصل ما دخل فيه ، لأن ذلك مباح له في جملته التي دان بها أنه مباح له أكل الخنزير على حال الاضطرار ، إن علم بذلك أو جهل ، وهو مطلق له ذلك فيما تعبد به ودان به من دين الله -تبارك وتعالى - ، فإن جهل ذلك كله ونزل بمنزلة لا عذر له فيها من حال الاضطرار ولا غيبة العين ، ولا معرفة الأصل أنه خنزير ، ولو كان قد غابت عينه وأدرك لحما مطبوخا أو مشويا فعلم أنه خنزير بما لا يشك فيه وبما تقوم عليه فيه الحجة ، فجهل ذلك فأكله أو باعه أو اشتراه على غير ما يجوز له ، أو تولى فاعل ذلك على غير احتمال له في الحق ، أو برىء من أحد من العلماء إذا برىء ممن فعل ذلك ، أو وقف عنه برأي أو بدين ، كان بذلك هالكا محدثا ، وعليه في ذلك الحجة لجميع من عبر له ذلك في حاله تلك ، وإذا صار لحما طوائف زائل العين أو الجثة التي يستدل بها على ذكاته ، أو غير ذكاته إذا كان قائم الجثة زائل العين وهو مذكى في يد أهل القبلة أو أهل الكتاب على هذا فهو مباح في الأصل ، أن يؤكل منه ويشتريه ويبيعه ، إلا أن يؤمر هو في يده أنه لحم خنزير قبل أن يشتريه أو يهبه له أو يأكله من عنده . (3/91)
صفحة 92
فإذا أقر بذلك من هو في يده فقد حرم عليه ذلك منه كله ، من شرائه وأكله وبيعه ، وقامت عليه الحجة بذلك ، وكان هالكا بأكل ذلك وشرائه وبيعه ، ولو كان جاهلا لحرمة الخنزير وجاهلا لحرمة لحم الخنزير ، فإن أكله على هذا ممن هو في يده واشتراه منه على غير اضطرار ، أو تولى من اشترى ذلك ممن هو في يده بعد أن أعلمه أنه لحم خنزير ، فاشتراه منه بعد ذلك ، وقد علم هذا أنه أعلمه أنه لحم خنزير قبل أن يشتريه ، أو تولى آكله على هذا ، أو برىء من أحد من العلماء إذا برئوا من آكله على هذا ، أو وقف عنهم برأي أو بدين ، كان بذلك هالكا و لو كان الذي في يده ذلك يهوديا أو نصرانيا ، أو من فساق أهل القبلة ، كان له في الأصل مباحا ، وليس عليه أن يسأله عن ذكاة ذلك اللحم ، ولا ما هو من البهائم إذا كان لحما زائل العين ، طوائف ليس فيه ما يستدل به على أنه لحم خنزير ولا ميتة ، ويجوز له أكل ذلك ، ولو كان في الأصل عند الله لحم خنزير أو ميتة ، وقد خان من هو في يده نفسه في ذلك ، ولا يحرم من هذا الآكل والمشتري ما أكل ولا ما اشترى ، ولا نعلم في ذلك اختلافا من قول أهل العدل . (3/92)
صفحة 93
وكذلك لا نعلم في حجره إذا كان قائم العين فيه ، ما يستدل به على أنه خنزير ، مع من يعرف الخنزير في الأصل ، فإذا كان كذلك فلا نعلم في حجره اختلافا على من جهله أو علمه أو جهل حرمته أو علمها ، ولو كان ذلك في يد فقيه من فقهاء المسلمين ، وشهد على ذلك للآكل له أو المشتري له على ذلك ، مائة ألف أو يزيدون من أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجابر بن زيد وموسى بن علي ومحمد بن محبوب -رحمهم الله - ، وأمثالهم ونظراؤهم ، فلو شهد لذلك الآكل على ذلك مائة ألف أو يزيدون ، من أمثال هؤلاء الفقهاء أن ذلك جنس من الضأن ، وأن ذلك حلال أحله الله في كتابه ، ما كان ذلك له حجة ، و لكان بذلك أولئك الشهود كلهم باطلي الشهادة مخلوعين ، لا حجة للمشهود عنده عند الله - تبارك وتعالى - في دينه ، و لكانوا كلهم بذلك هالكين العلماء والبائع والآكل والمطعم ، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أهل العلم بأصول الدين فيما يسع جهله وما لا يسع جهله ، ولو كان ذلك اللحم الذي زالت عينه في يد يهودي من أهل الكتاب ، أو نصراني من أهل الكتاب ، أو فاسق من فساق أهل القبلة ، ممن ينتهك ما يدين بتحريمه أو من مخالفي المسلمين في دينهم ، ولم يقل إن ذلك لحم خنزير ولا أقر فيه بشيء وقد صار لحما زائل العين ، لا يستدل فيه بشيء مما يجحده بالعين ، ثم شهد على ذلك مائة ألف أو يزيدون من اليهود والنصارى أومن فساق أهل القبلة ، أومن ثقاة اليهود والنصارى ، ما حرم ذلك على المسلم أن يأكله ويشتريه من يد اليهودي والنصراني والمقر من أهل القبلة الذي هو في يده ، ولو شهد أيضا بذلك مثل محمد بن محبوب - رحمه الله -أنه لحم خنزير ، فلا يحرم عليه ذلك ولا حجر عليه ذلك ، وجاز له أن يأكله ويشتريه من يد من هو في يده ، وعلى محمد بن محبوب - رحمه الله -أن يتولى ذلك الآكل له على هذا السبيل ، ولا يجوز له أن يترك ولايته ولا يشك فيها ، فإن ترك ولايته من أجل ذلك كان هالكا بترك (3/93)
صفحة 94
ولايته حتى يشهد معه ثقتان عدلان من المسلمين ، أن ذلك لحم خنزير أو ميتة ، أو من لحم لا يجوز له أكله ، فإذا شهد معه شاهدان عدلان ممن تجوز شهادتهما في الإسلام على ذلك ، فقد قامت عليه الحجة بذلك ، إذا عرف منهما من المنزلة ما يكونان بها عنده حجة ، ولو جهل أنها ليست بحجة .
فإذا كانا بمنزلة الحجة في علمه عند علماء المسلمين بالحجة في ذلك ، ممن تجوز شهادته فيه مع علماء المسلمين ، فجهل ذلك وأكل ذلك أو اشتراه بعد علمه بذلك ، كان بذلك هالكا ، ولو شهد عنده مائة ألف أو يزيدون من أمثال موسى بن علي ومحمد بن محبوب - رحمهما الله - ، أن ذلك حرام أو لحم خنزير ، وهؤلاء يعرفهم بأعيانهم ، ولو كان قد صح معه بالشهرة أسماؤهم وفضلهم ، فلا يكون ذلك عليه حجة ، ولا يحرم عليه ذلك اللحم الذي هو مباح له في الأصل إلا بحجة ، ولا يكونون عليه حجة حتى يعرفهم بمنازلهم التي يكونون بها حجة وبأعيانهم ، فإذا عرف المشهود عنده بذلك بمنازلهم وأعيانهم ، فشهد معه على ذلك منهم اثنان كانا عليه حجة ، علم أنها حجة أو جهل أنها حجة في الأصل في دين الله ، ولا نعلم في هذا اختلافا . (3/94)
صفحة 95
فصل : وكذلك لو جهل منازل الشهود وأعيانهم ، وصح معه عدالتهم عمن يكون حجة عليه في العدالة في دين الله من المعدلين ، فهم حجة عليه في ذلك جهل حجة المعدلين ، أو عالم ذلك إذا علم منازل المعدلين في الإسلام التي يكونون بها حجة في العدالة وأعيانهم ، جهل ما يلزمه في ذلك أو علمه فهو حجة عليه ، لأنه لا يجوز له أن يجهل الحجة إذا قامت عليه في موضعها ، وليس عليه أن يصدق غير الحجة عليه إذا جهلها وزال عنه عالم ما يكون به حجة عليه ، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا ولا يجوز له ، وإن جهل الحجة وأكل ذلك اللحم أن يبرأ من تلك الحجة ولا يكذبها فيما قالت وشهدت عليه بذلك ، فإن برىء منهم أو من أحد منهم أو من الواحد منهم ، من أجل ذلك فقد هلك بذلك ولو أعلمه بذلك يهودي أو نصراني أو أحد من فساق أهل القبلة ، فكذبه في ذلك وقصد إلى تكذيبه في ذلك ، أن ذلك ليس كما يقول كان بتكذيبه في ذلك هالكا .
و إنما يجوز له أن لا يرد الحجة ولا يقبلها إلا أن يعلم أنها حجة ، وليس له إذا لم يعلم أنها حجة أن يردها بالتكذيب لها ، كائنا من كانت في ذلك .
فان قال قائل : فيجوز له ولاء العلماء الذين هم حجة في دين الله ، وقد قاموا على هذا بهذه الشهادة ، وهم الحجة في دين الله ، لا نعلم أكثر من اثنين ، والحجة تقوم في ذلك باثنين ممن هو مثلهم ، فيجوز لهم أن يتولوه على ذلك ، إن لم يصدقهم في ذلك وهم حجة ، أو يبرؤوا منه أو يقفوا عنه .
قلنا له : عليهم أن يتولوه ولو كانوا مائة ألف أو يزيدون ، إلا أن يعلموا أنه يعلم منهم ما يكونون به حجة عليه ، فإذا علموا أنه قد علم منهم من المنزلة ما يكونون بذلك حجة عليه في الشهادة بذلك ، فلم يلتزم ما هو عليه حجة من ذلك وشك في الحجة التي يعلمون أنها عليه في علمه حجة ولو جهل الحجة ، فحينئذ يبرؤون منه بمخالفة الحق وترك الحجة ، وذلك إذا علموا أنه عالم بأعيانهم وبمنزلتهم في الإسلام التي يكونون بها عليه حجة . (3/95)
صفحة 96
فإن قال : فيجوز لأحد أن ينزل نفسه في وجه من الوجوه أو حجة يحكم بها بأنها حجة على غيره .
قلنا له : نعم إذا كان في ظاهر أمره عند من تعبده الله فيه من عباده أنه حجة بصفته ، كان عليه أن يحكم على من قامت عليه حجة الله منه ، كما عليه أن يحكم على من قامت عليه حجة الله من غيره ، ولو كان هذا لا يجوز لم يكن يجوز للحاكم أن يحكم على من هو عليه حجة في دين الله ، ولا يجوز للإمام أن يقيم الحدود على من جعله الله حجة عليه ، حتى يعلم أنه زاكي النفس عند الله في علم الغيب ، بل عليه التوبة مما يعلم من نفسه من الذنوب والمعاصي والكبائر ، ويقوم بحجة الله فيمن قامت عليه وبمن قامت عليه ، ولو كان يعلم في سريرته أنه زنديقي ، وقد ظهر على هذا منه ما قد صار عليه حجة فليس له أن يضيع حجة الله التي قد قامت به على هذا ، إذ هو عاص لله في سريرته ، فيكون قد ضيع فريضة من فرائض الله ، لمعصية من معاصي الله ، وقد ركب ما نهاه الله عنه -تبارك وتعالى - إذ قال : (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (1) .
فتأول ذلك أهل العلم بأصح التأويل ، أن ذلك العبد تكون منه المعصية والسيئة ، ثم تعرض له المعصية ، ثم يمضي على ذلك قدما بترك الطاعات للمعصية ، ويركب المعاصي للمعصية ، فكان ذلك هو إلقاؤه بيده إلى التهلكة ، وحثه مع ذلك وأمره فقال تعالى : وأحسنوا ، أي وتوبوا من المعصية كلها ، الأولى والآخرة ، ولا تتركوا شيئا من الطاعة لمعصية ، ، ولا تركبوا شيئا من المعصية لمعصية . (3/96)
صفحة 97
فصل : وليس على العبد في جميع ما تعبده الله به من جميع أموره من السرائر من الذنوب ، أن يظهرها على نفسه للعباد ، ولا يجوز له أن يترك نفسه في حكم الظاهر بمنزلة أهل الفساد ، وإنما عليه أن يحكم على نفسه بالطاعة كلها لنفسه ولغيره لله وحده ، وهذا ما لا يختلف فيه ولا يشك فيه أحد ، من أهل العلم بدين الله - تبارك وتعالى - ، وليس لأحد أن ينزل نفسه ولا غيره في دين الله غير ما أنزله الله -تبارك وتعالى ، وليس لأحد أن يخالف أمر الله في نفسه ولا في غيره ، فيترك حقا لله قام به من أجل أنه إنما يقوم به ، هذا ما لا يعتل به أحد من أهل القبلة فيما علمنا ، ولا يجهل هذا إلا أهل الجهل بأصول الدين .
فإن قال : فله أن يرد في هذا قول الواحد من الفقهاء ، وقد قام عليه بالحجة أنه حرام ، وقد قلتم إن الفقيه الواحد حجة ، فلم لم يكن محمد بن محبوب إذا عرف منزلته كما قلتم حجة عليه ، إذا شهد معه أن ذلك لحم خنزير حجة عليه ، ويكون ركوبه بعد الشهادة عليه حدثا منه يكفر به إذا شك في الحجة .
قلنا له : لأن محمد بن محبوب وغيره في الأحكام سواء ، وقد قلنا ذلك ، وإنما كان مثل محمد بن محبوب -رحمه الله - حجة فيما قام به ، مما يكون فيه مفتيا ناقلا لأحكام الشريعة ، لا فيما يكون فيه شاهدا على تحريم ما هو مباح في الأصل لمن يركبه . (3/97)
صفحة 98
وإنما قلنا إن الفقيه الواحد حجة ، فيما لا يجوز فيه للراكب له أن يركبه بجهله ، فلما أن ركبه الراكب له بجهله و لو لم يعلمه بذلك محمد بن محبوب ، كان بذلك هالكا ، ونحن نقول لك إن هذا إذا صار بهذه المنزلة صار مباحا لراكبه ، حتى تقوم عليه الحجة بما يحرم المباح ، ولا يحرم المباح إلا شاهدان ممن تقوم بهما الحجة على المشهود عليه ، وذلك في جميع الأحكام ، إلا فيما قد قيل فيه من الرضاعة وأمثال ذلك ، مما يختلف فيه الناس ، وهذا مباح لا يحرمه على من أبيح له إلا بشهادة ذوي عدل ممن تقوم بهما الحجة ، على من شهدا عليه ، لاذا كان قائم العين كان محجورا على من يركبه ، ولو جهله وجهل حرمته ولو شهد له على ذلك مائة ألف شاهد ممن يعرفهم بأنهم حجة في الفتيا ، فيما يسع جهله أن ذلك حلال أو أنه جنس من الضأن الذي لا يعرفه هو ، وهو عند الله - تبارك وتعالى - خنزير ، وعند من يعرفه من العارفين به ، ولو كان الشهود أيضا يظنون أنه كما شهدوا فهم عند الله كاذبون وهالكون ، ولا حجة للمشهود عند ذلك من الهلاك ، ولو لم يركبه بشهادتهم ، غير أنه تولاهم على ذلك ، كان بذلك هالكا عند الله - تبارك وتعالى - ، راكبا لما لا يسعه جهله ،هذا ما لا نعلم فيه اختلافا عند أهل العلم من المسلمين ، ولا يجوز غير هذا في أصول دين الله -تبارك وتعالى - . (3/98)
صفحة 99
فصل : وليس لأحد أن يجهل الحجة إذا قامت عليه ، ألا ترون أن اليهودي أو النصراني أو الفاسق من أهل القبلة ، الذي كان في يده اللحم الذي هو أعضاء مقطعة ، ولحم مطبوخ أو مشوي من المعز والضأن الحلال ، إدا خانوا الله ورسوله وقالوا له إن هذا اللحم خنزير ، كاذبين على الله وعليه في ذلك ، وهو في أيديهم وفي ملكهم ، فأكله بعد ذلك وهو لحم في الأصل من المعز والضأن ، أنه يهلك بذلك ويكون كافرا لأنهم حجة على ما في أيديهم من المباحات ، التي يحتمل فيها صدق ما يقولون ، ويحتمل كذب ما يقولون ، فهم حجة على ما في أيديهم ، ولو اشترى ذلك اللحم من مائة ألف مسلم شركاء في ذلك اللحم ، أو وهبوه له وهو أعضاء مقطعة فاشتراه منهم أو وهبوه له ، ثم قالوا بعد ذلك إن ذلك لحم خنزير ، أو لحم حرام مسروق أو ميتة ، ما كان قولهم في ذلك حجة ، ولو كانوا صادقين وأرادوا التوبة من ذلك ، ما كانوا عليه حجة ، ولو كانوا أمثال محمد بن محبوب وموسى بن علي -رحمهما الله - ، وكان عليهم هم أن يردوا عليه ما أخذوا منه من الثمن ، ويتوبوا إلى الله مما فعلوا ، ونحب له هو أن يتصدق بذلك على الفقراء ويصدقهم فيما يقولون ، ويسلمه إليهم حتى يردوه حيث يجوز لهم ، فإن لم يفعل كان له ذلك ، أن يتمسك بما اشترى من اللحم ، وليس عليه أن يقبض ما أعطوه من الثمن ، ولا نحكم عليه بذلك ، ولكن يحكم عليه أن يقبضه منهم أو يبرئهم من ذلك فهو مخير في ذلك .
ثم يقال لهم : إن كان هذا اللحم الذي بعتموه لحم خنزير ، وقد أبرأكم هذا من ماله الذي له ، وأحلكم منه من بعد أن أعلمتموه وأقمتم عليه الحجة في ماله أنه له وأحلكم منه ، فنحب لكم أن تروقوه على الفقراء ، فإن لم تفعلوا وأمسكتموه فإنما أمسكتم مالكم الذي من ماله له جعله لكم .
ونحب له أن يقبض منهم هذا المال حتى يصير من ملكه بلا اختلاف . (3/99)
صفحة 100
ثم نقول لهم : عليكم أن تقبضوه منه ، وأنتم أولى به منه إذا طب أن تقبضوه منه ، لأنه ليس عليه في الأصل أن يقبضه . وإنما أحببنا له ذلك لئلا يبرؤوا منه بالإجماع ، ويصير ماله إليه ، ثم إن رده عليكم طيبة بذلك نفسه فهو لكم ، وليس عليه على كل حال أن يصدقهم فيما يقولون ، لأنهم مدعون عليه ، والمدعي لا يقبل قوله ولو كان من الصادقين في ادعائه ، وليس لهم أن يتركوا ولايته على ذلك ويعنفوه ، إذا لم يقبل منهم ذلك ، وهم بهذه المنزلة معه من المسلمين ومع المسلمين .
وإن شهد منهم اثنان عليه ، وهو في يده من يد غيره ، أو هو في يد غيره ثم اشتراه بعد ذلك أو صار إليه بوجه من الوجوه ، وقد شهدا على حرمته وهو بالحجة فيهما عارف ، كان ذلك حجة عليه ، ولم يسعه إلا قبول ذلك منهما ، وكان محجوجا إذا كان في موضع الشاهدين ، ولما أن كانوا كلهم في موضع المدعين ، كانوا كلهم حجة في الدين مع الله - تبارك وتعالى - ، ولا في ظاهر الأمر مع المسلمين ، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من علماء المسلمين .
فإن قال قائل من المتعنتين أو من العماة أو من الملبسين : فكيف اختلف الحكم في الحرام وهو في الأصل عند الله حرام ؟ فكان مباحا إذا صار لحما طوائف ، ولو كان في الأصل جاهله ممن يعرف عينه ويعرف حرمته ، فلما أن جهله وسعه جهله ، والجاهل له ولجنسه وبعينه وحرمته لا يسعه ذلك إذا جهل عينه إذا كان قائم العين والجنس ؟
قلنا له : لأن الله -تبارك وتعالى-حرم ذلك بعينه على من علمه وعلى من جهله ، ولو كان الجاهل للحرام يسعه ركوبه لجهله لكان الجهل أوسع من العلم ، ومحال ذلك أن يكون الجهل أوسع من العلم ، فلما أن كان محجورا على من علم جنسه وعينه ، كان محجورا على من جهل جنسه وعينه .
ويقال له : أتقول إن الله إنما حرمه على من علمه أو جهله ؟
فإن قال : حرمه الله على من علمه أو جهله فقد أقر بالصواب في ذلك ولا مخرج له في ذلك . (3/100)
صفحة 101
فصل : فإن قال : إنما حرمه الله على من عالم جنسه ، ولم يحرمه على من جهل جنسه .
قيل له : فهات على ذلك دليلا من غيره من المحرمات ، أنه إنما حرمها الله على من علمها ، ولم يحرمها على من جهلها .
فإن قال : لا شيء إلا هو أنه دائن بحرمته ويعلم أن الله حرمه فيما تعبده الله به ، ولكنه لا يعرف جنسه ، وقد أحل الله بهيمة الأنعام ، والأشياء له مباحة لموضع علمه بالحرمة ، حتى يعلم أنه محرم .
قيل له : فإن كان جاهلا بالحرمة أيحل له أيضا الجنس إذا قلت إنه مباح له في الأصل ، لأنه دائن في الجملة بحرمته أو غير مباح إلا لمن علم الحرمة ؟
فإن قال : إنه مباح لمن علم الحرمة في الأصل ولمن لم يعرفها ، فقد نقض قوله وأباح ما حرمه الله حيث يقول تبارك وتعالى : (أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ )(2) . (3/101)
صفحة 102
ثم أخذ في تلاوة ما حرم عليهم إذ قال : (إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ). فقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) .(3).
فكان هذا مما يتلى عليهم إلا ما استثناه أنه حرمه من الأنعام ، وصح عن الله - تبارك وتعالى - أيضا أن الخنزير خارج من الأنعام حيث قال الله - تعالى - : (وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ). (3/102)
صفحة 103
ثم وصف الأنعام وسماها فقال : (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (4) .
فهذه بهيمة الأنعام التي أحلها الله تعالى في قوله: (أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ) ثم استثنى من الأنعام قوله : (إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) ، ثم تلا عليهم فقال : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ . . ) فكان هذا مستثنى من بهيمة الأنعام مع اتفاق أهل اللغة وإجماع الكلمة أن الخنزير ليس من الأنعام التي سماها الله -سبحانه وتعالى في قوله (أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ) ولو كان من الأنعام على المكابرة فقد استثناه فيما تلا عليهم من الحرام ، فلا بد أن لا يقول إن الله حرم ذلك على من جهله وعلمه ، أو أحله لمن جهله أو علمه أو حرمه على من علمه وأحله لمن جهله ولا يقدر أن يقول ذلك لأنه لا يحتمل ذلك في العقول أن يكون الجاهل أعذر في الحرام من العالم ، وأن يكون الجهل أوسع من العلم والله تبارك وتعالى فرضه ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ).
والخطاب واقع على جميع المتعبدين من العالمين و الجاهلين .
فإن قال : فإذا كان الجنس محجورا لموضع أنه في الأصل عند الله محرم على من علمه أو جهله ، فلم لم يكن اللحم إذا كان أعضاء وزائل العين محرما على من علمه أو جهله إذ هو عند الله في علمه محرم ؟ (3/103)
صفحة 104
فصل : قلنا له: فلم يتعبد الله تبارك وتعالى العباد فيما ألزمهم من الكلفة بم يعلمه من المغيبات من علمه وإنما تعبدهم بما يدركون علمه بالدلالة من غيره فيه وبما تكون الحرمة متعلقة فيه ، وغير مفارقة له من دلائله بالعين أو الصفة من المحرمات وقال تبارك وتعالى ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامهم حل لهم )، فأجمعت الأمة بأسرها لا نعلم بينهم اختلافا أن الطعام هاهنا هو اللحوم من أيدي أهل الكتاب ومن ذبائحهم وأنهم مأمونون على ذلك وجائز من عندهم شراء اللحوم وهم يستحلون الخنزير في أصل ما يدينون به ، وأجمعت على ذلك الأمة أن اللحوم من يدي أهل الصلاة ، وأيدي أهل الكتاب مباحة غير محجورة ، وأنه لا دليل فيها على الحرمة منها ، لمن علم الخنزير والميتة أو لم يعلمها ، فلما أن وقعت الإباحة من الله -تبارك وتعالى - من كتابه ، على إحلال اللحوم من أيدي أهل الكتاب .
وأجمعت على ذلك الأمة بأسرها ، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا ، وثبت تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير ، وجميع ما تلا الله عليهم إلى قوله : ( ذلكم فسق )، بالإجماع من الأمة وحكم الكتاب والسنة ، وأن ذلك ثابت غير منسوخ ، صح في العقول مع ثبوت السنن جميعا أن الحرمة إنما وقعت متعلقة على من جهلها أو علمها في نجس المحرم ، لا في المباح الذي لا يدرك بصفة يفرق فيه عن غيره ، لأنه لو وقف العالمون بالخنزير على لحم الخنزير لم يعرفوا ذلك بالعين فيميزوا ذلك بالعلم بين ذلك من الخنزير والأنعام ، فلما لم يستطع ذلك ووقع بالإجماع على تحريم الخنزير بالتسمية ، ووقعت الإباحة للحوم بالكتاب والسنة والإجماع من أيدي أهل القبلة وأهل الإقرار من الموحدين ، صح بأن الحجر إنما وقع على الصفة ، وأن الصفة لا تدرك إلا بالعين ، وأن العين محجورة على من جهل أو علم ، ولا يجوز أن تباح لمن لم يعلم إذا كان يدرك العلم فيها من غيره . (3/104)
صفحة 105
ولو كان الخنزير غير معروف وغير موصوف ما جاز أن يحرمه الله مطلقا لغير معنى ، بل الخنزير شاهر معروف موصوف مع من يعرفه ، فلا يجوز أن يباح ما حرمه الله لمن جهله ولا لمن علمه ، إذا أبعد الحجر الذي هو متعلق به الحرمة ، وعلى هذا أجمع أهل العلم من المسلمين لا نعلم بينهم اختلافا في هذا .
فإن قال قائل : فإذا كان هذا اللحم المباح في يد أحد ممن يحل من يده ، وهو مباح وكان في علم الله أنه حلال من المعز والضأن ، فقال إنه لحم خنزير أو ميتة أو أنه مسروق ، وهو حلال في الأصل من أي وجه حرم ذلك ، أيحرم الحلال بقوله ، أ فيجوز أن يحرم هو الحلال ، وقد قلتم إن الحرام لا يحل بقول أحد ، والحلال لا يحرم بقول أحد؟ (3/105)
صفحة 106
قلنا له : نعم إذا لم تكن العين تشهد بالحلال على ذاتها ، وتشهد بالحرام على ذاتها ، وكان ذلك قد غابت عنه العين التي يعرف بها إلى حال لا يعرف بها من غيره من المباحات ، كان قول من هو في يده حجة على من قال له ذلك ، وكان المقدم على ذلك مقدما على الباطل هالك بذلك ، وكان السائل لذلك هالكا بكذبه ، فإن أكله أكل حلالا ، لا يحرم عليه ذلك بقوله إنه لحم خنزير ولا ميتة ولا مسروق ، ولكن يحرم عليه الكذب الذي كذبه بغير الحق والحجة منه تقوم على ما في يده على من أقر بذلك معه ممن غاب عنه عالم ذلك ، وأما من علم كذبه وعلم أن ذلك لحم ذكي من الحلال المباحات من الأنعام أو غيرها من الصيد الحلال ، فلا يكون ذلك حجة عليه وهو له حلال ، إذا وصل إليه من يده بوجه حلال ، من البيع أو الهبة أو غير ذلك ، وذلك لا يحرمه على من عرف أصله كما لا يحله ، وإن كانت العين قد غابت منه قوله إنه حلال ، إذا كان الذي قد قال له ذلك ، قد علم أنه حرام في الأصل ، فقوله إنه حرام عند من عرف أنه حلال لا يحرم ذلك عليه ، وقوله إنه حلال عند من عرف أنه حرام لا ينفعه ذلك ، وهو على أصل الحرام الذي قد عرف العارف بذلك ، وإنما يكون حجة في قوله إنه حرام على من لم يعرف أصل ذلك ما هو ، وهو غائب العين التي تشهد عليه بالحلال وبالحرام .
فإن قال : فلم قلتم إنه إذا قال إنه حرام من لحم خنزير أو ميتة أو غير ذلك من الحرام فأكله أكلا وتولى من أكله أو اشتراه ، كان هالكا بولايته لمن أكله ولمن اشتراه ولا نعلم ، فلعله عالم الذي أكله أنه حلال ، فلا يكون قوله إنه حرام حجة عليه ، وقد يحتمل صوابه فيما زعمتم أنه لا يبرأ ممن يحتمل صوابه ، وأن ولايته جائزة ما دام له مخرجا من مخارج الحق .
وقد يحتمل أن يكون هذا الذي أكله واشتراه منه بعد أن أقر أنه حرام يعلم أنه حلال . (3/106)
صفحة 107
فصل : قلنا له : لا نرد عليك ما جئت به من الحق ، وهو كما قلت إنه يحتمل صوابه ، ولم نقل إنه يبرأ منه على هذا الوجه ، فلا تحرم عليه ولايته على هذا الوجه ، ومن تحرم عليه ولايته ويلزمه البراءة منه إذا علم أنه إنما أتى ذلك بجهله للحجة التي قامت عليه ، من قول من هو في يده ، وأنه لا تقوم الحجة عليه ، ولا يضره قول من هو في يده أنه حرام ، إذ هو مباح في الأصل حتى تقوم عليه البينة بذلك ، فإذا علم أنه إنما أتى ذلك على هذا الوجه ، وأنه جاهل الحجة ، وقائل أنه لا تقوم عليه الحجة ممن هو في يده بقوله ، حتى يشهد عليه بذلك شاهدا عدل لأنه مباح ، وأما إذا لم يعلم كيف ركب ذلك ، ولا كيف أكله ولا اشتراه ، ويحتمل له مخرج من مخارج الحق ، فهو على ولايته ولا تحل البراءة منه ، ولا يجوز ترك ولايته على هذا ، وأنت على الصواب في هذا ونحن على الصواب فيما قلنا وأردنا إن شاء الله .
فإن قال قائل : فإذا كانت العين قائمة ، فكيف قلتم إنه لا يجوز أن يكون قول من في يده ذلك حجة على من قال له ذلك أنه حرام ، كيف الوجه في ذلك . (3/107)
صفحة 108
فصل : قلنا له : لو كان في يد رجل من المسلمين مثل محمد بن محبوب أو غيره وأمثاله بهيمة من المعز والضأن أو من البهائم المباحة في الأصل ، فجاء رجل يشتري ذلك منه أو يسأله إياه ، فقال له : إن هذا خنزير حرام حرمه الله لأنه خنزير ، وأتاه على ذلك بألف شاهد من أمثاله ، فشهدوا أن هذه الدابة هي الخنزير الذي حرمه الله في كتابه ، وهي حرام عليك شواؤها وأكلها ، كان ذلك حجة على من جهل ذلك ، ويكون ذلك عليه حرام ، أو لا يكون ذلك حجة عليه ، فنقول لا حجة عليه منهم في ذلك ، وجائز له في الأصل أن يشتري تلك البهيمة ويأكلها و يبيعها ولا يحل له ، ولأنه قائل ذلك ، ولوكانوا مائة ألف أو يزيدون من أمثال موسى بن علي ومحمد بن محبوب في العلم والفضل ، فلا تضره اليد في ذلك ولا قول من هو في يده ، ولا شهادة من شهد عليه بذلك أنها خنزير ، ولو اجتمع على ذلك أهل الأرض كلهم ، بارهم و فاجرهم ، ما كانوا عليه حجة في ذلك ، ومحال أن يجمع أهل الأرض على ذلك إن شاء الله ، وإنما ضربنا في ذلك مثلا يعقله أهل العلم ، ولا يجهله إلا أهل الجهل بالأحكام والحلال والحرام ، مما يسع جهله وما لا يسع جهله . (3/108)
صفحة 109
ولو قال من في يده تلك البهيمة وتلك الدابة التي قد وقف على عينها وجهل جنسها ، وهي في الأصل من البهائم التي هي حلال في دين الله ، فقال له من هي في يده إنه اغتصبها ، أو إنها مغتصبة أو مسروقة ، وإنها إنما هي في يده لغيره على وجه الغصب والسرق وليست له ، وهو كاذب في الأصل في ذلك ، وهي له حلال من ملكه أو أنه ورثها من والده ، أو أنتجها من بهائمه وهو يهودي أو نصراني أو من فساق أهل القبلة ، كان ذلك عليه حجة وحرم عليه تلك البهيمة أن يشتريها أو يأكلها إلا في حال الاضطرار على الدينونة ، بأداء ما يلزمه في ذلك إلى أهله ، لأن ذلك يمكن أن يكون كما قال ، وهو الحجة على ما في يده ، وهو كاذب في سريرته ، والبهيمة له حلال وهو ظالم بكذبه الذي كذبه وزوره على هذا ، ومحال أن يكون صادقا في إزالة الأجناس عن مواضعها ولو كان صادقا في ذلك لكان قول القائل في ذلك من العلماء يجوز إذا أحل الحرام أو حرم الحلال ، وهذا من أعظم المحال وأشد الضلال ، ولا يجهل هذا إلا أجهل الجهال .
--------------------------------------
1- جزء الآية ( 195 ) من سورة البقرة.
2- جزء الآية الأولى من سورة المائدة.
3- الآيتان 2 و 3 من سورة المائدة.
4- الآيتان 142 و 143 من سورة الأنعام. (3/109)
صفحة 110
باب: القول في الميتة والتذكية والذبائح وغير ذلك
وأما ما تكون الحرمة فيه بالصفة من غير عين الصفة الموصوفة بها الحرمة ، ولو كان الجنس من الحلال المباح ، فذلك الميتة و الموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ، وكل ما وقع عليه أسباب الموت بغير ذكاة كل تمن جميع الأشياء من ذوات الأرواح البرية التي تعيش في البر من ذوات الأرواح والدماء الأصلية فيها من جنسها وذاتها ، فكل ميتة من ذوات الأرواح مما تعيش و تحيا في البر ولا تعيش في الماء ، وإذا وقع في الماء هلك فيه ، فهو حرام حرمه الله في قوله عز وجل : ( حرمت عليكم الميتة) . والدم المسفوح من جميع ما ذكرنا من ذوات الأرواح البرية ، وذوات الدماء الأصلية التي غير مجتلبة للدماء ، وليس الدم فيها أصليا ، فكل دم أصلي مسفوح من ذوات روح برية لا تعيش في الماء ، فهي حرام ورجس في قول الله - تعالى - : ( جرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزيز ) . الآية.
فصل : وأما الميتة فما مات من غير أن يحدث له شيء يقتله ، فذلك كان هو المعقول من الميتة ، فكذلك هو المعقول أن الميت ما مات من غير حدث يحدث له من الدواب غير الموت المعروف من غير اعتراض ، فحرم الله الميتة المعقولة المعروفة التي لا يختلف فيها أنها ميتة ، واتبع مع ذلك ما هو ميت إلا أن فيه الاعتلال بأنه مقتول ، وليس هو ميتة في كلام العرب المعروف ، فقال : ( والموقوذة ) وهي التي تضرب بالخشب أو غيره من الحجارة والحديد وغير ذلك ، فغير ما يقع عليه اسم الذكاة ، وإنما هو يقتل البهيمة من المحللات من جميع الأنعام ، فدل على أن الموقوذة من المقتولات من فعل بني آدم بهن ، غير الذكاة التي سماها الله به .
فهذه الموقوذة المقتولة وهي لاحقة بالميتة من غير قتل. (3/110)
صفحة 111
ثم قال : ( والمتردية ) وهي التي تهدف أو تسقط من على جبل أو بيت أو جدار أو في بئر أو شيء من الأشياء ، أو من على شيء من الأشياء فتموت ، ولو لم يحدث بها ذلك الحدث أحد من بني آدم ولا غيرهم من الدواب ، فكان هذا هو المعقول المعروف من المتردية ولحقت بالميتة .
ثم قال : ( والنطيحة) وهي البهيمة من جميع البهائم تنطح الأخرى ، أو تنتطحان حتى تقتل واحدة منهما الأخرى ، أو يقتلان بعضهما بعضا فدل على أن النطيحة هي هذه وضروبها من الركض لبعضهما بعضا ، ولو لم يكن ينطح فذلك مما هو يتولد من النطيحة .
ثم قال : ( وما اكل السبع ) وهو ما أكلت السباع من البهائم من الأنعام ، وكذلك ما أكل السبع من الصيد أو من بعضه بعضا من المحللات صنه ، مثل الضبع والثعلب وغيره مما هو صيد فهو لاحق بذلك ، وكذلك لو أكل حمل حملا فقتله ، أو بهيمة بهيمة فماتت ، كان ذلك لاحقا بالمأكولات ، وكان ذلك سبعا له في هذا ، فدل بهذا على أن جميع الميتات بأي ميتة كانت حرام ، ثم استثنى من ذلك فقال : ( إلا ما ذكيتم ) فقد صح في العقول على ظاهر الأمر أن الميتة لا ترجع تذكى ، ولا تكون بذكاتها بعد الموت ذكية ، ولكن إنما أراد بهذا في المريضة التي قد حضرها الموت ، من غير ما وصف من سائر المحرمات قبل أن تموت ، وكذلك المتردية قبل أن تموت ، والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم يعني إلا ما أدرك ذكاته من ذلك فنحر مما يجوز فيه النحر ، أو ذبح مما لا يجوز فيه إلا الذبح ، والبقر والابل يجري فيه النحر والذبح ويجزي أحدهما عن الاخر . (3/111)
صفحة 112
وكذلك جاءت السنة ، وأما المعز والضأن فلا يجزىء فيه الحر ولا يجزىء فيه إلا الذبح ، وكل هذا الذي وصفناه الذي قد عارضته العلل ، المزيلة له من أحوال ما كان عليه من الحياة والصحة إلى الموت بهذه الأسباب ، فإذا ذبح على حاله تلك أو نحر فلم يتحرك بعد الذبح أو النحر ، وقد كان عرض له هذه العلل التي في العقول أنها تموت منها البهيمة قبل أن تذبح ، ويخاف عليها الموت من ذلك قبل الذبح والنحر ، فإذا لم تتحرك البهيمة بعد أن يستكمل ذبحها أو نحرها ، الذي به تنحر أو تكون ذكية به ، فإذا لم تتحرك بعد صحة الذكاة لها فلا تصح لها الذكاة ، وقد صارت مشكلا أمرها لا تصح لها ذكاة ، ولو أجرى عليها السكين أو الشفرة وهي حية ، لأنه يمكن أن تموت بالعلة التي عارضتها قبل أن يفرغ من ذبحها الذي به تصير مذكاة ، وأما إذا تحركت فبانت حيويتها بشيء من الأشياء بطرف عين أو حركة أذن أو ذنب أو شيء من الجوارح الأربع ، فإذا بان حيويتها بأحد هذه الأشياء فهي ذكية ، كانت الحركة قليلة أو كثيرة صغيرة أو كبيرة ، وما لم يتحرك منها شيء من هذه الأعضاء التي وصفناها إلا حركة شيء من بدنها فذلك لا يصح به حيويتها ، لأن ذلك قد يكون فيها وهي ميتة ، قد سكنت جوارحها ، فذلك لا تكون به ذكية بل هي ميتة .
وإذا نحرت أو ذبحت وهي صحيحة ، وهذه العلل التي ذكرناها من المرض أو غيره من أسباب الموت ، وكانت حية صحيحة حتى أجري عليها السكين أو الشفرة للذبح ، فنحرها النحر الذي تحل به ، أو ذبحها الذبح الذي تحل به ، ولم يعلم أنها ماتت قبل ذلك فهي ذكية ، ولو لم يتحرك بعد فراغه من الذبح أو النحر . (3/112)
صفحة 113
فإن قال قائل : فما الفرق في هذا وهو قد وضع السكين أو الشفرة عليها للنحر أو الذبح وهي حية ، ولم يعلم أنها ماتت قبل ذلك إلا أنها لم تتحرك بعد النحر أو الذبح وهي حية ، وكذلك هذه الصحيحة ، وكذلك إنما علمه بحياتها كعلمه بحياة هذه ، فما الفرق بينهما فينبغي أن يكونا كلاهما في الحياة والموت سواء ، بما تكون به هذه ميتة تكون به هذه مثلها ، وما تكون به هذه حية تكون هذه مثلها.
قلنا له : ليستا سواء معنا ، لأن هذه قد تقدم إليها أسباب الموت ، الذي قد خيف منه عليها ، وإنما ذبحت ليدرك ذكاتها ، والأغلب من أمورها - أنها لو تركت لماتت في المتعارف منها ، وإن كان الله - تبارك وتعالى - يحيي الموتى و يفعل ما يشاء ، لا يسأل عما يفعل ، فالأمور بالأغلب منها والعام منها حتى يصح مخصوصها ، وهذه الأغلب منها إنما تموت بغير ذبح ، وهذه الأغلب من أمورها والعام أنها لا تموت إلا بالذبح ، في حال صحتها تلك وسلامتها وهذا ما لا تنكره العقول .
ولسنا نحكم عليها بموت أنها ماتت قبل فراغ الذكاة للأغلب من أمورها أنها تموت قبل الذكاة ، والأشياء معنا كلهن بالأغلب منها ، وهو المحكوم به فيها حتى يصح المخصوص من ذلك ، فحكمنا للصحيحة الذكاة ، لأن ذلك الأغلب ، من أحوالها وأمورها ، والمعقول أنها إنما ماتت بذلك الذبح أو ذلك النحر ، ولم نوسع لأنفسنا أن نحكم لهذه بذكاة للأغلب من أحوالها وأمورها ، أنها تموت في عامة أحوالها من تلك العلل بغير ذكاة ، وإنما بتدارك ذكاتها تلافيا من الأحوال ، وإلا فعامة أحوالها الذهاب بغير ذكاة ، والخاص من الأمور أن تموت الصحيحة من البهائم بغير علة تتقدم لها ، مما ذكرنا أو غيره بغير ذبح ، فمن هنالك لم نوسع لأنفسنا بالحكم عليها بالموت للأغلب من أمورها وأحوالها . (3/113)
صفحة 114
فصل : ويقال له : الأشياء كلها في هذه ثلاثة : أمر تتبين به الذكاة لا محالة ، وهو معرفة الحياة بعد استفراغ الذبح والنحر ، الذي لا تصح الذكاة إلا بهما ، فذلك لا محالة أنه حلال وأنه ذكاة على كل حال .
وأما أن يصح أن البهيمة ماتت قبل أن يجرى السكين على المنحر والمذبح ، كانت صحيحة أومعلولة فذلك ما لا شبهة فيه أنه غير مذكى وأنه ميت.
و حال قد أشكل أمره باجتماع حكم الذكاة وحكم الموت ، وهو أن تصح الحياة حتى جرت السكين أو الشفرة على المنحر أو المذبح وهي في الحياة ثم لا تصح حياة بعد فراغه من ذلك ، فيزول الشك باليقين من الحياة ووقع الاشكال من الأمور والأمور عند الأغلب عند الإشكال ، فإذا كان الأغلب من الأمرين يصح للمشكل حكم له بالأغلب ، و إذا عمي عنه الأغلب ووقع الاشكال ، فهو مشكوك والمشكوك موقوف لا يحكم له بصحة ، ولا عليه بسقم ، هذا ما لا يختلف فيه من الأمور ، وقد صح في الأغلب من الأمور أن ذوات العلل المعارضة لها مما يتعارف بها أنها تموت من أجله في أغلب أحوالها ، وإنما التلاقي من ذلك أن يدرك ذكاتها على الخصوص من أمورها ، والأغلب من ذات الصحة من العلل المعارضة ، أنها لا تكاد تموت من غير علة إلا بذلك الذبح الذي وقع بها ، والنحر الذي صح لها ، وان كان الله يفعل ما يشاء إلا أن الأحكام تجري على الأغلب من الأمور .
ويقال له : ما تقول في رجل طرح على قوم أصحاء أحياء جدارا ، فشهد الشهود أنه وقع الجدار وزال من موضعه من طرح هذا ، وهؤلاء القوم أحياء لا نعلم أنهم ماتوا قبل أن يقع الجدار عليهم ، ثم وقع الجدار فأخرجوا من تحته أمواتا ، ما كنت تحكم عليه في ذلك ؟ بقود أو دية ؟ أو لا يحكم عليه بقود ولا دية ؟
فإن قال : إذا تعمد لطرحه عليهم وصح ذلك حكم عليه بالقود ، لأنهم أصحاء لا علة فيهم ، حتى قتلهم بذلك الجدار الذي وقع عليهم ، فعليه في ذلك القود . (3/114)
صفحة 115
قلنا له : فهل يمكن أن يكونوا في قدرة الله - تبارك وتعالى - أن يموتوا قبل أن يقع عليهم ذلك الجدار ، ولم يشهد الشهود أنه قتلهم بذلك الجدار ، وقد يمكن أن يكون ذلك الجدار إنما وقع عليهم ، وهم قد ماتوا في علم الله ، فلا يجوز على حد قولك أن يحكم عليه بقود في ذلك بالشبهة التي عارضت في ذلك .
فإن قال : ليس في هذا شبهة ، وهذا هو المتعارف أنهم إنما ماتوا بذلك الجدار ، وهذا مما لا تنكره العقول .
قلنا له : كذلك أيضا هذه الصحيحة لا تنكر العقول أنها إنما ماتت بذلك الذبح ، وإن لم تصح حياتها بعد الذبح ، وإنما الذبح تلاقى من أمرها ، فهي على الأغلب مع ما عارض فيها من الاشكال مع الإجماع على التحريم إلا بصحة الذكاة ، وإلا فأحكامها ميته كما كانت ، ولا تصح الأمور إلا بزوال الريب باليقين أو بالأغلب من الأمرين المشكلين .
فصل : فأما ركوب الحجر في هذا بالقول ، فهو أن يحل ذلك على الاطلاق أن الميتة والدم ولحم الخنزير والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع والمتردية ، اللواتي أطلق الله فيهن التحريم على العموم ، فلا يجوز على جهله بذلك أن يحل ذلك على العموم بالقول أو بالاعتقاد ، ولا يتولى من أجل ذلك على الاطلاق ، وما أشبه ذلك من المحرمات على العموم ، فلا يجوز على الجهل بذلك أن يحل محرما ، ولا يتولى من أجل ذلك يدين ، ولا يقف عن العلماء إذا برئوا ممن أحل ذلك برأي ولا بدين .وهذا حجره وتحريمه بالتسمية والقول .
وكذلك جميع المحرم على النص والمعلوم ، فلا يجوز على الجهل استحلال ذلك بالقول ، ولا بالاعتقاد ، ولا ولاية من أجل ذلك بدين ، ولا البراءة من العلماء إذا برئوا ممن أحل ذلك برأي ولا بدين ، ولا يقف عن العلماء إذا برئوا ممن أحل بذلك برأي ولا بدين . (3/115)
صفحة 116
فصل : وكذلك جميع من أحل ما حرم الله في دينه برأي أو بدين ، أو حرم جميع ما أحل الله في دينه ، أو شيئا من الحلال ، فمن حرم شيئا من حلال الله في دينه مما أحله الله في كتابه أو في سنة نبيه ، أو إجماع المسلمين على ذلك من الأولين والاخرين ، وما أشبه ذلك ، أو أحل شيئا مما حرم الله في كتابه وفي سنه رسوله ، أو إجماع المسلمين أو ما أشبه ذلك على النص في ذلك ، فلا يجوز ذلك لمن ركبه بجهل ولا به بعلم برأي ولا بدين ، ولا تجوز ولاية من ركب ذلك ولا شيئا منه بدين ، ولا تجوز البراءة من العلماء إذا برئوا ممن ركب ذلك بعلم برأي ولا بدين ، بجهل من الراكب أو بعلم بجهل من الواقف عن العلماء أو بعلم ، فكذلك البراءة منهم لما برئوا ممن ركب ذلك أو شيئا منه بجهل أو بعلم .
وأما تحريم ذلك بالعين فإنه من عاين شيئا من البهائم مما أحل الله بعد الذكاه ، فوقف على شيء من ذلك ، من صنوف ما سمى الله من الميتة والمنخنقه والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ، فما عاين من ذلك وهو بحاله تلك عاين الفعل أو لم يعاين ، إلا أنه قد راه بحاله تلك ميتا غير مذبوح ولا مذكى ، وهو زائل عنه جلده أو غير زائل إلا أنه ليس فيه أثر الذكاة ، وهو متصل الجثة والأعضاء ، وليس فيه أثر الذكاة ، فذلك هو الميتة عينها التي يحجر بها على من عاينها ، إذا لم يعلم الأصل فيها كيف كانت ميتتها ، وكل ذلك سواء فإذا عاين ذلك بهذه الصفة من جميع البهائم وجميع الطير من المأكولات المباحات ، من ذوات الأرواح التي تعيش في البر ،ولا تعيش في الماء ، أو تعيش في البر والماء جميعا . (3/116)
صفحة 117
فما كانت تعيش في البر من ذوات الأرواح من الدواب والطير من المباحات ، من ذوات الدم من الأملاك ، فوقف عليه هذا الواقف ، وليس فيه أثر ذكاة تصح بها ذكاته معه ، فذلك حد الحجر في ذلك ، وليس له وإن جهل ذلك أن يقدم عليه بأكل من غير اضطرار ولا شراء ولا بيع ، وهو في هذا كما وصفنا في الخنزير ، إلا أن الخنزير ولو صحت فيه الذكاة والجنس قائم العين ، فلا ينفعه ذلك ، وهو حرام ذكي أو لم يذك ، والميتة من جميع ما وصفنا ولوكانت في الأصل ميتة إلا أنه عاينها مذكاة ، في يد من يجوز له أكلها من يده من أهل الإقرار وأهل الكتاب ، فإذا كانت مذكاة ، فذلك جائز له أكلها أو شواؤها وبيعها ما لم يعلم أنها في الأصل ميتة ، وإذا عاينها غير مذكاة فلا يسعه جهل ذلك ، ولا يحل له الإقدام على ذلك ، وهي في هذه الحالة بمنزلة ما وصفنا به الخنزير في الشهاده عليها ، وهي قائمة العين غير مذكاة ، والشهادة على لحمها والإقرار ممن هي في يده بأنها ميتة ، والشهادة عليها وهي مذكاة بمنزلة الشهادة على لحمها أعضاء ، والشهادة على لحمها أعضاء بمنزلة الشهادة على لحم الخنزير زائل العين .
فصل : والشهادة عليها وهي مذكاة أنها خنزير ، فهي من البهائم الحلال وهي قائمة العين ، والجنس الذي يعرف به من الأجناس ، لا يجوز له ذلك ممن هي في يده ولا من غيره ، قلوا أوكثروا ، وقد مضى القول في ذلك في الخنزير والحجة فيها ، من قيام العين وعند زوال العين ، كالحجة في الخنزير ، وكل ذلك سواء ، وقد وصفنا ما تقوم به الحجة فيها إن شاء الله . (3/117)
صفحة 118
وقد قال - تعالى - : أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) ، وصح في الإجماع وفي قوله -تعالى - أن الأنعام هي التي قال - تعالى - فيها : ( ومن الأنعام حمولة وفرشا ) الآية . فهذه الأنعام هي المباحة المحللة بالنص والسنة ، إلا ما استثنى الله منها من الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية ،والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ، وقد مضى القول في ذلك .
وقد قال تعالى : ( قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ) (1)
وقال في موضع اخر : ( وما ذبح على النصب ) ، فأجمع أهل التأويل أنه ما ذبح من الأنعام الحلال أصلها ، ولم يذكر اسم الله عليها بشيء من الآلهة غير الله ، انها حرام وأنها لاحقة بقوله ، وما ذبح على النصب ، وما أهل به لغير الله وأجمعوا أنه ما ذكاه المشركون من المجوس ، والذين أشركوا من غير أهل الكتاب ، كان للآلهة أو لغير الآلهة ، فذكر اسم الله عليه ولم يذكر اسم الله عليه ، أنه حرام وفسق ، لاحق بتحريم الكتاب لقول الله : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ) ، وسائر ذلك من الذبائح حرام لاحق بالميتة.
فصل : وأجموا أنه ما لم يذكر اسم الله عليه عند الذبح كائنا من كان ذابحه من المشركين أو من أهل الكتاب أو من أهل الإقرار ، أنه حرام وفسق لقول الله - تبارك وتعالى - : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اله عليه وإنه لفسق ). (3/118)
صفحة 119
فأجمعوا أن ذلك في الذبائح خاصة عما سواها من المأكولات ، وكذلك في الصيد هو لاحق بذلك في التسمية ، واختلف المسلمون فيما ذبح أهل الإقرار وأهل الكتاب لشيء من الأصنام والالهة ج بأمر أهل الأصنام والمال ، وذكروا اسم الله عليه فقال من قال منهم : إن ذلك لا يحرم لأن ذلك لا يقع للأصنام ، وقد صح له التذكية ممن تجوز تذكيته ، وذكر اسم الله
عليه ، ولا شريك لله في الحلال ، ولا يحرم الحلال بهذه النية ، .(2)
وقال من قال : إن ذلك فاسد إذا ذبح قاصدا به لشيء من الالهة ، ولو ذكر اسم الله عليه ، والقول الأول أصح إن شاء الله .
---------------------------------
1- جزء الآية 145 من سورة الأنعام.
2- في هذا القول نظر ، لأنه من شروط أن يكون طعام أهل الكتاب حل لنا ، أن يكون مستوفيا لشروط الذبح عندنا ، وأن يكون الذابح من أهل الكتاب مستظلا براية الإسلام وخاضعا لتصوراته وقواعده ، ذلك لأن شرع من قبلنا شرع لنا مما وافق شرعنا ، والذبح للألهة والأصنام يخالف شرعنا كائنا من كان فاعله. محققه . (3/119)
صفحة 120
باب: القول في الصيد وغيره من الدواب والطير
قال تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) (1)، فأجمعوا - لا نعلم بينهم اختلافا - أن ما كان من أجناس الصيد المعروف بصيد البحر ولا يشبه صيد البر ولا دواب البر ، أن ذلك حلال وأن حيه وميته سواء ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك : "أحل لكم ميتتان ودمان " فأما الميتتان فميتة السمك وميتة الجراد ، وأما الدمان فدم اللحم ودم السمك .
كذلك جاء الأثر وعرفناه عن قول أهل البصر ، ولا نعلم أن أحدا يختلف في الميتتين ، وأما الدمان ففي ذلك أقاويل ، ولا يخرج ذلك من قولهم إن ذلك مما يجتمع عليه أنه حلال وإن اختلفوا فيه وفي صفاته .
واختلفوا فيما يشتبه فيه من دواب البحر ودواب البر وأسمائه . فقال من قال : إن ذلك حلال ولكن يذكى .
وقال من قال : ليس عليه تذكية ، وهو حلال في الأصل ، وذلك ما يشبه أجناس الأنعام والمباحات من الدواب ، وأما ما يسمى خنزيرا وما يشبهه من دواب البحر فقال من قال : إن ذلك حرام .
وقال من قا ل: إن ذلك ليس بحرام ، وهو أصح القولين .
وقد قيل : إنه ليس في البر دابة إلا وفي البحر مثلها أو ما يشبهها مثل الكلب وغيره ، ويسمى ذلك كلب البحر وغول البحر وما أشبه ذلك ،
فما كان من الدواب التي في البحر خارجة من أجناس صيد البحر إلى شبه دواب البر وصيد البر ، فذلك الذي يختلف فيه في تذكيته وكراهيته ، فما كره من دواب البر فمثله قد قيل بالكراهية فيه من دواب البحر ، وقد قيل بتذكيته . (3/120)
صفحة 121
وقال من قال : كل صيد البحر جائز لأن الله لم يستثن منه شيئا ، وهو أصح القول لقول الله -تعالى - : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ) فكل ما صح أنه من دواب البحر وأنه لا يعيش في البر ، ولو أشبه الخنزير والدواب التي في البر ، فغير محكوم على ذلك بتحريم ما حرم الله مثله في البر ، لأن الله أباح صيد البحركله مجملا ، ولم يستثن منه شيئا ، فهو مباح إلا بدليل على ذلك ، وما اختلف الناس فيه بغير دينونة فليس ذلك مما يمنع المباح ، ولا يخطئوا في ذلك إذا اعتلوا فيه بعلة ، ولم يدينوا بذلك .
وأما ما كان يعيش في البر والماء من الطير وغيره من الدواب ، المشبهة بدواب البر أو غير مشبهة من ذوات الدم ، فلا يصح حلاله إلا بالذكاة ، لدخول سبب البر عليه ، فإن كان الأغلب من أموره أنه يعيش في البر أكثر فهو من دواب البر ، وحكمه حكم دواب البر وصيد البر ، إن كان صيدا ودمه مفسد ، والأغلب من أموره أنه يعيش في البر أكثر زمانه وأكثر شأنه أنه من ذوات البر .
فصل : وأما ما كان الأغلب من زمانه وعيشته في البحر والماء ، إلا أنه قد يعيش في البر عيشة يفارق بها دواب الماء التي لا تعيش في البر ، وأنها متى فارقت الماء هلكت ، فإذا كان كذلك فلايصح حلاله أيضا إلا بالتذكية ، لدخول سبب البرية عليه ، ويحكم له وعليه بالأغلب من أموره في شان تسمية الصيد ، ويكون على هذا من صيد البحر ، وكان دمه دم صيد البحر للأغلب من أموره ، ونحب على كل حال أن يذكى كذكاة صيد البر ،لأنه قد يعيش في البر ، وما كان الأغلب من أموره وعيشته في البر كان حكمه حكم صيد البر ، وكان دمه دم صيد الحر مسفوحا ، للأغلب من أموره ، فإن صح له أنه يعيش في البر والبحر أو الماء ، ولم يعرف له الأغلب من ذلك ، لم يصح حلاله إلا بالذكاة على حال ، وكان على الاحتياط والتنزه (2) أن دمه فاسد ، ولا يصح له الحلال إلا بالذكاة ، ولا يأكله المحرم للخروج من الشبهة والإشكال . (3/121)
صفحة 122
وأهل المعرفة بذلك هم الحجة فيه وعليه ، وعلمهم في ذلك إذا كان معروفا في شيء ، فهو على سبيل المعروف مع من عرفه ، ولا يجوز الإقدام على محجور في الأصل حتى يعلم حله .
فصل : وما كان في أيدي المشركين من غير أهل الكتاب ، من اللحوم والذبائح الهالكة التي لا تدرك ذكاتها وقد ماتت ، فهي في الأصل محجورة لا تحل إلا أن يصح أنها مذكاة ، لأن ذلك منهم حرام ، فما في أيديهم من ذلك فهو حرام على من علم حرمته أو جهلها ، ولا يقبل قولهم في ذلك أنه من ذبائح المسلمين ، ولا من ذبائح أهل الكتاب ، ولا يصح ما في أيديهم أنه حلال من اللحوم ، إلا أن يصح أنه من ذبائح أهل الكتاب أو أهل الإقرار ، وأقل ما يجوز من ذلك بقول ثقة مأمون على ما يقول من أهل الإقرار ، وأما في الحكم فبقول شاهدين من أهل الثقة من أهل القبلة والإقرار .
ولا يبين لنا أن قول أهل الكتاب في هذا حجة للمسلمين ، أن ذلك من ذبائح أهل الكتاب أو ذبائح أهل الإقرار ، إذا كان في أيدي المشركين من غير أهل الكقاب .
وان قال قائل : بقبول قول أهل الثقة منهم في ذلك ، وكان اللحم أعضاء أو دابة قائمة مذكاة من الأجناس الحلال من الأنعام وغيرها من الحلال فلا يكون ذلك حجة .
فإن قال قائل : بقبول قول أهل الثقة من أهل الكتاب مع التسليم له ممن ذلك في يده وتصديقه له ، لم نقل أن في ذلك خلافا للدين إن شاء الله ، لأنهم في الأصل مصدقون في ذلك ، مأمونون عليه ، إذا كان في أيديهم ، وكذلك إذا كان في يد من يصدقهم على ذلك وقالوا ذلك ، لم يبن لنا خلاف ذلك في الأصول إن شاء الله . (3/122)
صفحة 123
فصل : ولا يجوز جهل ذلك لمن جهله إذا كان في يد المشركين من غير أهل الكتاب ، ولم يعلم ذكاته الذي وقف عليه ، وليس له الإقدام عليه حتى يصح له السبب الذي يجوز له به ركوبه ، فإن جهل ذلك وركبه على هذا فلا يسعه ذلك ، وهو هالك ، وأما إن رأى من يركب ذلك ولا يعلم كيف أصله ، وقد عاينه لحما أعضاء ، أو مذكى من المباحات من البهائم فلا تحرم عليه ولايته على ذلك ، ولا يجوز له البراءة منه على ذلك ولا ترك ولايته ، إلا أن يعلم أنه غير مذكى من ذكاه من تجوز ذكاته ، أو يعلم أن الذي ركب ليس له من العلم فيه إلا كعلمه في أيدي المشركين ، فيه عين التذكية أو لحما مقطعا زائل العين فإذا علم أنه لا علم له في ذلك إلا على هذا فلا يجوز له في الأصل الإقدام عليه ، ولا تجوز ولايته في الدين في الإقدام عليه ولا يجوز ترك ولاية من برئ منه من العلماء على ذلك إذا كان على هذا الوجه .
فصل : ولو عاين هذا المعاين لهذا اللحم في أيدي المشركين ، ولم يعلم أحلال هو في الأصل أم غير حلال ، فليس له إلاقدام عليه ، فإن قدم عليه غيره ولم يعلم الأصل فيه فليس له ولا عليه ترك ولايته ولا البراءة منه ، لأنه يمكن باطله ويمكن حقه في ذلك ، فإن برىء منه على ذلك عالم من العلماء أو غير عالم ، فبرىء منه على ذلك ولا نعلم هذا كيف برىء هذا منه ، إلا أنه لما رآه يأكل ذلك اللحم الذي هو في الأصل محجور إلا بعلة ، برىء منه وليه على هذا ، ولا يعلم من الذي برىء منه من أوليائه ، أيعلم أنه علم أنه ذكي أم لا ، ولا نعلم أنه يعلم أنه ذكي ، فوليه الاكل على ولايته ، ووليه المتبرىء منه على ما عاين منه على ولايته ، فإن كان عالما فليس له أن يقف عنه ، ولايبرأ منه على ما عاين بدين ولا برأي ، وإن كان ضعيفا وقد برىء من وليه ، ولا يعرف على ما يرى منه وقد عاين ما قد برىء منه عليه مما يحتمل ولم يعرف الحكم في ذلك ، ما يلزمه في الاكل والمتبرىء . (3/123)
صفحة 124
فإن برىء من المتبرىء برأي على هذا الوجه ، جاز له ذلك على الرأي والاعتقاد ، أنه إن كان برىء من وليه هذا ، مما لا يستحق البراءة فهو يبرأ منه ، فإن فعل ذلك لم يضق عليه ذلك في الضعيف ، لأنه قد برىء من وليه ، فحكمه عنده على حالة ضعفه حكم القاذف لوليه ، ولا يجوز له على هذا أن يبرأ منه بدين ، فإن برىء منه بدين من أجل براءته من وليه على هذا الوجه فقد هلك ، لأن وليه الراكب لذلك قد ركب عنده ما يحتمل أن يكون فيه محقا ، من أجل أنه علم أنه مذكى ، وليس ذلك بالمباح في الأصل للاكل ، فهو في الأصل قد أن محجورا ، إلا أن يبرئه من ذلك سبب علمه أن ذلك حلال ، فلما أن كان له في ذلك عذر يحتمل لزمته ولايته ، فلما أن برىء منه وليه على سبب يحتمل أن يكون فيه محقا في براءته منه لأنه أتى محجورا في الأصل ، فله أن يتولى وليه الراكب وعليه ذلك ، ولو أن يتولى وليه المتبرىء من وليه على هذا ، لأنه يحتمل أن يكون أنه قد علم أنه أتى المحجور على علم منه بحجره ، أو على غير علم منه بأنه حلال في علم ذلك ، وسواء كان المتبرىء منه عالما من العلماء ، أو ضعيفا من ضعفاء المسلمين ، فلا يجوز له أن يبرأ ممن برىء من وليه في هذا بدين ، من ضعيف أو عالم ، ولا يجوز له أن يقف عن عالم برأي ولا بدين من أجل براءته من وليه هذا بما قام عليه من العدل . (3/124)
صفحة 125
فصل : وذلك إذا علم أن العالم إنما برىء منه على جهله بحكم ذلك ، وأنه إنما أتى ذلك جهله بحكمه ، وأما إذا لم يعلم كيف برىء منه العالم والضعيف في هذا ، وضاق عن البراءة منه ، جاز له أن يتولاه بدين ، ويتولى العالم بدين ، وكذلك الضعيف ، وهذا موضع تجوز فيه الولاية ، باصل ما كانت عليه حتى يعلم أنه أتى باطلا ، وتجوز البراءة منه بما ارتكب من المحجور الذي هو في الحكم محجور ، لأن الحق فيه لله وحده في أكل ذلك ، وليس فيه حقوق للعباد ، ولكن إنما يتولى من برىء منه ، لما احتمل عنده أنه برىء منه بحق قد علمه منه ، لما يحتمل من حقه وباطله ، فاحتمل أن يكون وليه الذي برىء منه قد علم منه ، ما تجوز له به البراءة في السبب الذي قد عاينه منه ، مما يحتمل أنه قد أكله بباطل ، وذلك الأصل حجره عليه في حكم الظاهر .
وليس ذلك من المتعارف ، فإنه يأتي ذلك على الأمانات من أحوال الصلوات والصوم ، وغيره من الأمانات التي هو أمين فيها ، ولا هو من الحقوق المحجورة المتعلق فيها حقوق العباد ، ولا يصح منهم زوال حجة ، ولا يصح عليهم ثبوت حجة ، فيكون فيه الاختلاف بأصل الركوب ، فيجوز بذلك الولاية على أصل ما كانت عليه ، وتجوز البراءة لما أتى من المحجور ، ويجوز الوقوف للشبهة ، ولكن كما احتمل لوليه الراكب العذر منه ، وان كان الأصل معه محجور عليه إلا بعلم ، فكذك أنزل بوليه المتبرىء من وليه على السبب الذي قد عاينه منه واحتمل باطلا لما قد يمكن أن يكون قد علم أنه أتى ذلك على الباطل ، لأنه غير مباح في الأصل ممن هو يده إلا بصحة وحجة فكما يلزمه أن ينزل لوليه المتبرىء من هذا الراكب بما قد عايناه منه جميعا . لما يمكن أنه قد علم أنه أن ذلك على سبيل المحجور بعلم منه بذلك لا علم ظاهر فعله جاز البراءة منه فيما يكون فيه الحق لله وحده والله أعلم ، وينظر في هذا الفصل فإنه من المحجورات وليس من الأمانات المتعارفات . (3/125)
صفحة 126
فصل : ويقول : إنه إذا رأى من وليه شيئا ، مما هو مؤتمن فيه عليه من الفرائض ، التي يكون الحق فيها لله ، ولا تجتمع فيها حقوق العباد مع حق الله ، فإنه لا يجوز له أن يترك ولايته ولا يبرأ منه على كل حال ، ولا يتولى من برىء منه على ذلك ، إذا احتمل له المخرج فيما هو مؤتمن عليه ، وذلك أنه راه يمشي ويحيي ويذهب ، ثم أتى إلى المصلى عند حضور الصلاة ، فصلى الفريضة قاعدا أو نائما ، ولم يعرف أهو معذور في ذلك أم غير معذور ، وكذلك رآه يأكل في شهر رمضان وهو صحيح البدن ، ولا يعلم أمسافر هو أم مقيم ، ولو علم أنه مقيم فلم يعلم أذاكر هو أم ناس ، وكذلك إذا رأى امرأة من أوليائه تأكل في شهر رمضان ولا يعلم أمسافرة هي أم حاضرة ، أو حائض أو طاهر أو نفساء أو غير نفساء ، وغير ذلك من الفرائض المتعارف فيها أن المتعبد مؤتمن فيها وفي أدائها ، على ما هو مكلف في ذات نفسه ، ولا يطلع العباد على ما غاب عنهم من أمره ، فهذا وأشباهه من الفرائض المتعلقة على العبد في ذات نفسه ، فكل أمر احتمل له فيه المخرج من الباطل ، ولم يصح أنه تركه لغير حق ، ولا ركبه بغير حق ، والأمر في ذلك الذي يظهر منه مما يحتمل أن يكون حقا ، ويحتمل أن يكون باطلا مهلكا ، فهذا ما لا نعلم فيه اختلافا ، أن من أتى ذلك فهو على ولايته ، ولا تجوز البراءة منه بذلك حتى يعلم أنه أتى ذلك بغير حق من الباطلات ، ولا تجوز الولاية لمن برىء منه على ذلك من عالم أو ضعيف في ظاهر الأمر ، والمتبرىء منه بذلك قاذف في ظاهر الأمر ، لا تصح له براءة من القذف في هذا ومثله ، ولا يقرب إلى البراءة من الناس على هذا ، فإن ادعى ذلك على مسلم كان قاذفا له بذلك . (3/126)
صفحة 127
فصل : ولكن إذا أتى هذا الراكب من الأولياء المتقدمة لهم الولاية شيئا من المحجورات ، مما يتعلق فيها الحق لته وللعباد ، من غير أن تقوم حجة الراكب على ذي الحق فيصح حقه أو تقوم حجة ذي الحق في حين ذلك ، فيصح باطله ، فإذا كان على هذه ، ولم تصح إحدى الحجتين من الراكب أو ذي الحق ، وكان الأصل محجورا إلا بحله واحتمل حله وحرامه ، فهنالك يقع الاختلاف فيما عرفنا :
فقال من قال : تجوز البراءة بما ظهر من ركوب المحجور ، حتى تصح أنه أتى من ذلك حقا ، لأن الحجة متعلقة عليه في ظاهر الأمر ، ولا يجوز له دعوى على ذي الحجة ، فمتى قام عليه باخجة قطع عذره فهو محجوج ، مظهر على نفسه ما هو به مخلوع .
وقال من قال : يكون على ولايته في الأصل ، إذا كانت قد تقدمت له ولاية حتى تقوم عليه الحجة ، أو يعلم أنه أن باطلا ولايتوب منه .
وقال من قال في هذا بالوقوف ، لما أشكل من أمره ، واذا جاز ذلك فيه كله في المعنى الذي قد لزم فيه ، كان التظاهر بالولاية والبراءة فيه والوقوف جائز ، ما لم يقع القذف بالباطل والدعوى عليه بالباطل فلا يجوز ، وان برىء منه بما قد ظهر من أمره في هذا الباب فلا يدعي عليه فيه الباطل ، ولا يعتقد عليه فيه الباطل ، ولا يشهد عليه بذلك ، ولا يقذف به ، وكل ذلك محجور محرم والقاذف له بالباطل من ذلك أو من غيره قاذف ، ويبرأ منه من يتولاه على أصل ولايته ، لأنه متعبد إلى ما لم ياذن الله له به ، وإنما جازت البراءة منه في ظاهر الأمر بغير قذف ، كما يحكم الحاكم بقطع يد السارق ورجم المحصن ، إذا شهد عليه بذلك من تقوم عليه به الحجة . (3/127)
صفحة 128
ولا يجوز للحاكم ولا لغيره من المسلمين أن يضيعوا ما قد قام عليكم به الحجة في ذلك بشهادة الشهود ، أو بإقرار المقر بذلك ، إذا لم يرجع عن ذلك ، ولا يجوز لهم أن يشهدوا ولا يعتقدوا صحة ما شهد به الشهود ، ولا ما أقر به المقر على نفسه ، فإن فعلوا ذلك تعدوا إلى علم ما لم ياذن الله لهم به ، وهذا من تعاطي علم الغيب ، لأنه يمكن أن يكون الشهود يشهدون بالزور ، ويمكن أن يكون المقر أقر بالكذب والفجور ، ولو كان ذلك صحيحا ما جاز أن يعتقد صحة ذلك بعينه ، إلا أن يصح ذلك بالعيان أو بشهرة بيان لا يرتاب فيها من العلم ، ثم هنالك يشهد بذلك قطعا .
فصل : وكذلك هذا الذي قد ظهرمنه ما يحتمل أن يكون فيه محقا ، ويحتمل أن يكون فيه مبطلا ، فإنما يبرأ منه من يبرأ بما ظهر عليه من الدخول في ظاهر المحجور ، ولا يجوز له أن يشهد عليه أنه داخل في ذلك بالجور ، فإن فعل ذلك كان حاكما وشاهدا بالكذب والزور ، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل العلم . (3/128)
صفحة 129
وأصح القول في هذا المختلف فيه ، في أمر من يظهر منه أهو يحتمل أن يكون فيه محقا ، ويحتمل أن يكون فيه مبطلا ، ولم تقم عليه الحجة بالباطل من أولي الحق في ذلك ، ولم تقم له حجة على أولي الحق في ذلك ، وتكافات عند ذلك حججهم بترك النكير ممن له النكير ني ذلك ، ومن يكون نكيره في ذلك حجة ، فإذا لم تقم لأولي الحجة حجة بالنكير حتى غابت حجتهم ، فاصح الأصول في هذا أن يكون من كانت له ولاية ، فهو على ولايته على كل حال ، لأن ولايته كانت في الأصل بالدين واليقين ، والبراءة منه في هذا إنما تكون بظاهر أمر يحتمل حقه وباطله ، إلا أنه فيه عليه الحجة للغير ، ولا يخطىء من قال بذلك ، بل له فيه الحجة ، وأصح القول في ذلك الولاية ثم الوقوف للإشكال ، والبراءة جائزة على ما قد جاء من القول في ذلك ، والحجة أنه محجوج لذي الحجة إذا لم تقم عليه له حجة في حين ما يايى ذلك ولا بعد ذلك ، فإن قامت له حجة بزوال الباطل من أمره ثبتت بذلك حجته بالحق ، والله أعلم .
ولا نعلم هذا يخرج في وجه من الوجوه إلا فيما يتعلق فيه الحق لله وللعباد ولا نعلم غير ذلك . (3/129)
صفحة 130
فصل : فإن قال قائل : فلم قلتم إنه إذا ركب أمر اللحم الذي في يد المشرك ، ولم يعلموا كيف أمره في ذلك ، وتوليتموه على ذلك ، وبرىء منه أحد من أوليائكم ، على ذلك توليتم من برىء منه على ذلك ، ولم يكن عندكم قاذفا له ، إذ لا تقولون إن هذا لا يجوز إلا فيما يتعلق فيه الحق لله وللعباد واللحم الذي في يد المشرك مباح له في يد المشرك ، ولا يحجره عليه وهو مبيح له ذلك ، وإنما يتعلق عليه الحق في هذا المحجور لله لا حق فيه للعباد ، فقلتم إنكم تتولون الراكب وتحسنون به الظن في هذا ، وتتولون المتبرىء من أوليائكم على ذلك ، وتحسنون به الظن ، وقلتم إنه لا يجوز عندكم البراءة في هذا من طريق ما أتى من المحجور في ظاهر الأمر ، إلا أنكم أحسنتم بوليكم المتبرىء منه الظن ، أنه قد علم أنه أتى ذلك على المحجور ، ولم تحسنوا بوليكم المتبرىء الظن في براءته ، ممن رأيتم من أوليائكم ياكل في شهر رمضان نهارا ، أويترك الصلاة متعمدا قياما ، وأشباه هذا من أمر دينه الخاص به في ذاته ، فلم لم تحسنوا بوليكم الظن في هذا ، كما أحسنتم به الظن في الأخر ، ولم يكن في هذا قاذفا له ، كما كان في البراءة من وليكم في الصيام والصلاة ونحوهما قاذفا .؟ (3/130)
صفحة 131
فصل : قلنا له : لأن ولينا في ركوبه لهذا المحجور ومثله من المحجورات ، التي يمكن أن يكون يدرك فيها بالحجة من غيره ، وتقوم عليه الحجة بقطع عذره من غيره ، مع علم من برىء منه وايانا من ذلك جميعا ، واحتمال علم ولينا المتبرىء بخطأ ولينا هذا الذي قد ركب محجورا في الأصل ، لا مخرج له من الكفر فيه إلا بإحسان العذر له أنه قد علم أن أصله حلال ، وكذلك يمكن أن يكون علم ولينا من المتبرىء منه ، أن أصل ذلك حرام ، وهو محجور على راكبه ، فتكافات معنى الدعاوى من الراكب والمتبرىء منه على ما قد علمنا نحن منه ، مما يمكن صوابهما فيه جميعا ، وتكافىء علمهما فيه جميعا ، ومما يمكن أن يقوم على ولينا الراكب لذلك في ذلك الحجة من غيره ، ويكون خصما في ذلك لغيره ، وتقوم عليه الحجة بقطع عذره من غيره ، فانزلنا لوليها المتبرىء من العذر ما أنزلنا لولينا القادف في هذا ومثله ، مما يكون محجورا في الأصل لا براءه له من حجره إلا بعذر يخصه هو ، مما يمكن أن يكون غيره يعلم فيه كذبه ، وينقطع فيه حجته بغيره ، فاحببنا أن نجعل لولينا المتبرىء في هذا من العذر في الانكار مع تركه للقذف لولينا ، مع ترك النكير من ولينا الراكب على المتبرىء منه ، وايضاح حجته التي يدعيها . (3/131)
صفحة 132
ولو أنكر على ولينا المتبرىء ، وادعى حجته التي جعلناها له ، من الإنكار عليه لأمرنا ولينا بالتوبة من ذلك ، ونهيناه عن البراءة من ولينا حينئذ ، فإن تاب وانتهى والا برئنا منه لبراءته من ولينا ، وان كان في الأصل مدعيا على ولينا المتبرىء منه ، ولم يجعل ذلك في ولينا الذى قد رأيناه ياكل في شهر رمضان ، أو يترك الصلاة قائما أو يصلي ركعتين في موضع لا نعلم أنه مقيم فيه أو مسافر أو أشباه هذا وأمثاله ، مما يكون هو مؤتمنا فيه ، ويكون قوله حجة عنه في ذلك ، ولا تقوم عليه حجة في مثل هذا إلا ومنه حجة يدفعها بها من عباره لسانه وقوله ، فهو فيه مامون على كل حال على ما يؤدي من الفرائض من ذات نفسه ، ولا يغير عن نفسه في ذلك إلا هو من العذر ، ومن النيات التي له فيها الحجة والعذر .
فصل : فوجدنا إقدامه على المحجورات من غير المباحات له إلا بسبب عذر يدعيه تقوم عليه فيه الحجة من غيره تقطع عذره ، وينقطع فيه على كل حال عذره ، إذا قامت عليه به الحجة ، فوجدناه فيما هو مامون فيه على تاديته ، والعذر فيه يقوم منه ومن عبارته ، ولا يطلع على صحة ذلك عنه إلا بإقرار منه ، حجة على خصمه في ذلك والقاذف له والمدعي عليه ، ووجدناه في إقدامه على المحجورات غير المباحات خصما فيما يدعي ويدس ععليه ، بالغ في ذلك به إلى قطع العذر ، فالخصم غير الحجة والخصم عند ترك النكير على المدعى عليه ، ربما انقطع عذره في موضع ما ينقطع فيه عذره .
والحاكم فيما هو فيه حجة ، فلا ينقطع عذره فيما هو فيه حجة . (3/132)
صفحة 133
وان قال قائل : إنه لا تجوز البراءة منه على هذا ، ولا تجوز ولاية من برىء منه على هذا ، حتى يصح قطع عذره والمتبرىء منه على هذا قاذف ، لأنه في الأصل مامون على دينه ، وهذا لا حجة فيه عليه من أحد ، ولا يكون في فعله ذلك محجوجا لأحد ، وكل من ادعى عليه سببا من ذلك ، فإنما هوخصم فيه والخصم فلا يصح له الدعوى بادعائه ، ومن لم يصح له دعوى بقوله ولا كان حجة بقوله ، فهو قاذف .
قلنا له : لا يخرج هذا من معنى الصواب ، وهو الأصل في هذا إلا أنا أحببنا أن ينزل للمتبرىء في هذا الوجه العذر لموضع تقدم ولايته ، فإن صح ذلك في حكم الآثار ، والا فالأصل أنه كما تقول إنه خصم ، وهو المتبرىء ، وان الراكب ليس هو محجوجا في هذا من أحد بعينه ، ولم يدخل فيما يكون فيه محجوجا لو قام عليه ذو الحجة ، كما كان الداخل في المحجورات التي فيها الحجة لله وللعباد محجوجا ، ممن تكون الحجة له في ذلك ، فلو قام بالحجة عليه كان مقطوع العذر في حالته تلك ، فلما أن دخل فيما هو فيه محجوج ممن له عليه الحجة ، ما لو قام عليه بالحجة كان ذلك عليه حجة ، ولم يكن له في ذلك خصما ، كان قد دخل في محجور محجوج فيه . ومن هذه العلة :
قال من قال بالبراءة منه في ظاهر الأمر ، لا لغير ذلك بعلمه من العلل ، لأن كل ما لم يكن فيه حجة لغيره عليه ، وإنما هو فيه خصم لكل من خصمه ، لا تصح عليه حجة لغيره إلا بالبينة ، فهو مامون على ما أن في الأصل خصم لخصمه في ذلك ، ليس بمحجوج حتى تصح البينة على ما يدعي مما له به العذر ، فكل من دخل في أمر محجور في الأصل ، لا يصح له الخروج منه إلا بعذر ، لا تخرج له فيه الحجة إلا بدعواه أن لو ادعاه ، أو بما يكون فيه مدعيا ، ويكون المنكر عليه في ذلك هو الحجة عليه ، وعليه هو البينة فيما يدعى فهذا هو الباب المختلفـ فيه . (3/133)
صفحة 134
فصل : وذلك لو ركب دما في حكم الظاهر محجورا ومالا محجورا ، على المنازعة منه في ذلك ، والأخذ بيده ، فقتل على ذلك ، وأخذ المال ولم ينكر عليه ذلك من له الحجة في ذلك ، ، ولم يوضح هو على ذي الحجة في ذلك ما يزيل حجته ، كان قد أتى محجورا يحتمل أن يكون له في الأصل ذلك على ذي الحجة ، ويمكن أن يكون قد أتى ذلك بحلال له في الأصل ، إلا أنه لو ادعى ذلك بعد الفعل أن ذلك كان له في الأصل لم يقبل منه ذلك ، وكان مدعيا ، وكان قول ذي الحجة عليه في الدم والمال هي المقبولة ، فكان محرما محجورا داخلا في أمر هو فيه محجوج ، فمن هنالك اختلف في هذا ومثله ، والأصل فيه أنه كل من دخل في أمر يكون علمه فيه أحد من الناس حجة أن لو قام عليه في ذلك بالحجة ، كان فيها محجوجا من دم أو مال أو أمر إمامة ، يكون المسلمون فيها حجة ، أو وجه من الوجوه يكون فيه الحق لله وللعباد ، ويكون أحد من العباد في المحجورات حجة على الداخل فيه ، ويكون الداخل في ذلك ، لا يصح له قول ولا سلامة له من الحجة إلا بحجة يقيمها من غير دعواه ، فهو في هذا محجوج ، والمحجوج لا عدو له أن يبيح من نفسه البراءة ، مما لا يكون له فيه سلامة إلا بحجة من غيره . (3/134)
صفحة 135
فصل : واذا أتى شيئا من المحجورات المحرمات التي له فيها العذر ، فيما يحتمل من جميع الأمور التي لو خصمه فيهما خصم من الناس بار أو فاجر أو قليل أو كثير أو صغير أو كبير ، كان خصما له ، وكان قوله ودعواه حجة له يدرأ بها عن نفسه ، و على خصمه في ذلك البينة عليه ، فهذا هو الحال الذي لا يجوز فيه البراءة منه بظاهر الأمور التي تحتمل الخطأ والصواب ، ولا يجوز الا ولايته ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، ومنه الفرق بين هذين الأمرين عند من أبصر الأحكام في ذلك مع أن الأصل في الولاية في الوجهين جميعا أقوى وأصح ، والعجب كيف جازت البراءة فيما لا يصح به قطع عذر الواكب ، وفيما يحتمل صوابه قبل أن تقوم عليه الحجة فيه بقطع عذره ، ولكن لا يخالف أهل العلم فيما قالوه ، ونحن لهم تبع إن شاء الله تعالى .
------------------------------------
1- الآية 96 من سورة المائدة.
2- يقصد من باب الورع وترك الشبهات ، وهكذا أبو سعيد -كأبي الحسن البسيوي الذي حققت جامعه- يحبان البعد عن الشبهات تورعا وتقوى ، من باب "دع ما يرببك إلى ما لا يريبك" ومن باب "ألا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع -وفي رواية يذر- ما لا بأس به حذرا مما به بأس". اهـ. محققه. (3/135)
صفحة 136
باب: ما جاء تحليله من البهائم والأنعام والطير والصيد، وما حرم من ذلك بالكتاب والسنة
قال الله - تعالى - في كتابه الكريم ، مع ما قد قص من تحريم الميتة والدم وأحل بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ، وتلا ما حرم من الأنعام المباحة في الأصل من الميتة والمنخنقة إلى آخر الآية ، فقال مع ذلك : (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )( 1). (3/136)
صفحة 137
فصح في اللغة والمعنى أنه إنما أراد بذلك البهائم غير المحجورات من المحارم من البيوع والمناكح والمطاعم والمشارب ، من غير اللحوم ، ولا يقدر أحد أن يقول غير ذلك إن شاء الله ، إن الله لم يحرم في كتابه إلا هذا ، فيجوز أنه عني به إياه ، بل الكتاب والسنة والإجماع على غير هذا ، أن الله قد حرم في كتابه وسنة نبيه من المحارم ، وحد من الحدود وبين من الماثم المحجورات غير هذا ، ولكن صح في العقول والمعنى مع إلاجماع على خلافه بتحريم المحرمات ، أن ذلك إنما هو خاص يراد به البهائم ، غير ما قد اسثنى الله من الميتة وصنوفها ، ولحم الخنزير في غير هذا الموضع ، فقال : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه 00 ) الأية وتمام القصة ، فقال بعض أهل القبلة مع عامة المسلمين إنه ليس وراء هذا شيء من البهائم محرما ،وما سوى هذا المحجور فهو مباح من جميع الدواب والطير ، لأن الله قد أباحه مجملا بعد هذا الذي قد قال : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه) ثم قص القصة إلى تمامها فقال : فهذا هو المحرم وما سوى ذلك مباح محلل ، إلا أن يخصه شيء من السنة أو إلاجماع ، بدليل يدل على معنى لا يخالف كتاب الله في مراده هذا ، وما أتى مما يضاف إلى السنة أو الإجماع مضاد للكتاب ، فلا يصح من السنة ما يخالف الكتاب أبدا ، ولا يصح من إلاجماع ما يخالف الكتاب والسنة وهذا من المحال .
ومما اجتمع عليه أهل القبلة ، ولا نعلم بينهم اختلافا ، أنهم قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي مخلب من الطير ، وعن كل ذي ناب من السباع ، فوقع الإجماع على النهي عن هذا مجملا ، ثم اختلف ني ذلك النهي . (3/137)
صفحة 138
فقال من قال منهم : إن ذلك النهى يوجب الحجر بظاهر النهي ، للإجماع على الخبر بالنهي ، ولا يكون ذلك ردا للكتاب والسنة ، كما قال الله -تبارك وتعالى- في المناكح إذ حرمها فقال : ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم ) ..إلى قوله : ( محصنين غير مسافحين )( 2).
ثم جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مجمع عليه من أهل القبلة أنه لاحق بالكتاب قوله صلى الله عليه وسلم : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " . وقوله : ( لاتنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ، لا الكبيرة على الصغيرة ولا الصغيرة على الكبيرة" ، ، ولم يكن ذلك مخالفا للكتاب في إجماعهم ، ولم يعتل في ذلك أحد من أهل القبلة ببعض الدفع ، إلا بإدخال الحكم به على مخالفته في غيره ، فربما اعتل في ذلك معتل في قوله صلى الله عليه وسلم : (ما من رسول ولا نبي قبلي إلا وقد كذب عليه ، ألا وسيكذب علي من بعدي ، فاعرضوا ما أتاكم
عني على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فهو عني ، قلته أو لم أقله ، وما خالف كتاب الله فليس عني قلته أو لم أقله ".
فقال بعض من يعتل في ذلك : فأين موضع هذا لموافقة كتاب الله ، وقد قال الله - تبارك وتعالى - :( وأحل لكم ما وراء ذلكم)( 3 )من بعد أن قص عليهم ما حرم عليهم ، فاين موافقة هذا من كتاب الله ولكتاب الله ، وقد أجمع أهل القبلة على ذلك أنه عنه ، ولم يختلفوا في الأحكام فيه مع إجماعهم على الخيرية والرواية له ، وكذلك كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير فهو محرم بظاهر النهي ، لقول الله " تعالى - : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )( 4)، فالنهي على التحريم حتى يصح غير ذلك من الخصوص له . (3/138)
صفحة 139
وقال من قال منهم : إنه ما عدا هذه الآيه فهو مباح بالكتاب وإنما معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم في جميع ذلك ، أدبا أدب به أمته صلى الله عليه وسلم لموضع ما احل الله لهم من الأنعام المملوكة الواسعة والصيد الصحيح المجتمع عليه من غير النواهش والنواسر من الطير والبهائم ، لأن كل ذي مخلب من الطير فهو ناسرة ، للميتة والأنجاس المفارقة للحلال ، وكذلك كل ذي ناب من السباع والوحوش فهو ما نهش من الميتة ، فادب النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يدع الواحد منهم سعة الحلال الطيب السائغ في الأنفس المجمع عليه معهم أنه من طعامهم ، غنيهم وفقيرهم ، باديهم وحاضرهم ، ويتبع السباع التي لا تقع عليها الأملاك ولا الاستبقاء نحيلة ، فيجعله معاشه وغذاءه ، وقد يجد ما هو أطيب منه ، كما قد نهاهم صلى الله عليه وسلم عن أكل الثوم والبصل لرائحته ، وقال : من أكل هاتين الشجرتين فلا يدخلن مسجدنا" فكان ذلك من الأدب منه لهم صلى الله عليه وسلم ، وكما نهاهم عن أكل لحوم الحمر الأهلية استبقاء عليهم ، وخوفا منه أن تفنى حمولتهم ، وكذلك الخيل والبغال ، والأصل في ذلك أنه مباح لأنه خارج من المحرم المحجور ، في قوله -تعالى - : ( قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ) . وليس ذلك أيضا من ذوات المخالب ولا من ذوات الانياب ، مع الإجماع منهم ، بأنه قد يجوز أن يكون في سنته صلى الله عليه وسلم فرض ونفل وتحريم وأدب ، فلما أجمعوا على هذا ، كان هذا مما هو خارج على الأدب لا على التحريم . (3/139)
صفحة 140
وقال من قال : إن كل ما عدا هذه الأية المحجورة فهو مباح من البهائم بالكتاب ، إلا ما أشبه ما حرم الله في كتابه ، فما أشبه ما حرم الله في كتابه بصفه أو بمعنى أو بلون ، ما لم يأت فيه إباحه بالنص ، فهو لاحق بالتحريم بالمثل والشبه ، فإلاجماع على أن الدين ما جاء في الكتاب تحريمه أو تحليله أو ما أشبه ذلك ، أو جاء في السنة تحليله أو تحريمه أو ما أشبه ذلك ، أو أجمع على تحريمه من الأمة أو تحليله أو ما أشبه ذلك ، ولا يجوز أن يحرم الله -تبارك وتعالى- شيئا ويقف عن تحريم مثله لمعنى أنه حلال وهو مثله وشبهه ، ولا يحل شيئا ويقف عن تحليل مثله لمعنى أنه حرام ، هذا ما لا يخرج في حجة العقل ، ولا يشبه ذلك حكم الكتاب ولا حكم السنه ولا الإجماع ، و كذلك ما صح تحريمه من ذلك بالنص في دين الله ، ولم يصلح إباحة مثله بالنص لمعنى يصح أن الله أراده بذلك ، ويخرج ذلك على معنى الحق ، فالمثل من ذلك حرام ، وما صح تحليله في دين الله من الأشياء ولم يصح تحريمه مثله بالنص من دين الله ، فالمثل من ذلك حلال ، على هذا أجمع القول في الأصل ، وهذا القول هو أصح ما قيل في هذا ، ولعل عليه أكثر قول أهل العدل من أهل القبلة ، ولعله عليه عامة قول أصحابنا وهو قولنا إن شاء الله . (3/140)
صفحة 141
فصل : فكل ما خرج من التحريم بالنص من البهائم ، وخرج من التحليل بالنص من البهائم ، مما عدا هذه الآية فهو مباح في الحكم ، إلا ما خصه شيء من دين الله بضد ذلك ، أو أشبه الحلال من المحلل بالنص ، فهو حلال بالسنه ، وما أشبه المحرم بالنص فهو محرم بالسنة ، وما لم يصح فيه نص بتحريم في دين الله ، ولم يشبه المحرمات بالنص في دين الله ، فهو مباح من البهائم ، بقوله - تعالى - : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ) إلى آخر الأية والقصة ، وما لم يخرج على صحة التحليل بالنص ، وعلى صحة التحريم بالنص ، ولا خرج على صحة الشبه للمحلل ولا للمحرم ، فالآية مطلقة لجميع البهائم والطير ، لأن ذلك هو المعنى به والمراد به ، وهو الذي وقع فيه الاشكال والاختلاف ، من قول أهل القبلة .
فصل : وقد قال الله -تبارك وتعالى - فيما أباح من البهائم مستثنيا من ذلك ، فقال : ( غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يفعل ما يريد )(5 ) . ثم أباح فقال : ( وإذا حللتم فاصطادوا )( 6 )فكان ذلك منه إباحة لما حجر من الصيد في الإحرام ، فقال -تعالى - : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم )( 7 ) وقال - تعالى - : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما" ( 8) .
فاجمع أهل القبلة على أن الصيد المحرم قتله ولحمه ما عدا المملوكات المربوبات من الأنعام ، وأجمعوا أن المحرم في الحرم والحل ياكل ، وحلال له ذبح الأنعام من المعز والضان والبقر والإبل الأهليات المربويات ، لا اختلاف بينهم في ذلك فيما علمنا ، واختلفوا في الصيد يؤهله الانسان حتى يكون ملكا له ، متأهلا به في ملكه :
فقال من قال : إن ذلك من الصيد ، ولا يحل للمحرم.
وقال من قال : قد خرج ذلك من حكم الصيد إلى حكم الملك ، كما خرج من حد الاباحة إلى حد الحجر على غير مالكه ، بإباحة الملك ، والقول الأول أصح . (3/141)
صفحة 142
فصل : وأجمعوا أن الصيد ما عدا الأنعام من الوحوش ، غير المربوبات المملوكات وما عدا المحرمات المحجورات بالنص على جملة التحريم على المحل والمحرم ، مما هو خارج من ذوات المخالب من الطير وذوات الناب من السباع ، فما عدا هذا فالإجماع من أهل القبلة أن جميع ذلك مما يخرج له مثل في المحللات من الأنعام المربوبات فهو من الصيد ، وتصديق ذلك من كتاب الله - تعالى - قوله : ( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم )( 9 ).
فما كان له مثل من النعم وخارج من ذوات المخالب من الطير ، ومن ذوات الناب من السباع وذوات المخالب ، فالاجماع أنه صيد حلال إذا أدرك ذكاته بوجه من وجوه الذكاة للمحل ، وحرام على المحرم حتى يحل ، واختلفوا في أشياء من ذوات الناب من السباع ، وذوات المخالب من الطير :
فقال من قال : إنه صيد حلال مباح للمحل وحرام على المحرم حتى يحل ، وذلك كمثل الضبع والثعلب والسنور الوحشي وما أشبه ذلك.
وقال من قال : كل ناشزة من ذوات الناب فليس من الصيد ، وهو من
المحجورات بجملة القول في النهي عن كل ذى ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير وكذلك من الطير.
وقال من قال : إن الضبع والثعلب والسنور الوحشي من الصيد ، وهو مباح حلال للمحل حرام على المحرم ، وقد جاء الأثر عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، أنه حكم في الضبع بكبش أملح ، وقال : هو أشبه الأنعام بها أو نحو هذا ، وأحسب أن ذلك يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم في الضبع بكبش وجعلها من الصيد .
وجاء الأثر أنه كان على مائدة ابن عباس لحم ضبع ، ولا نعلم بين أهل العدل من أهل القبلة اختلافا ، أن الضبع والثعلب من الصيد ، و كرهوا ما سوى ذلك من السباع ، ولا نعلم أن أحدا من أهل العدل من أهل القبلة ذهب إلى تحريم شيء من ذوات المخالب من الطير ، ولا من ذوات الناب من السباع ، لموضع الرواية بالنهي عن ذلك : (3/142)
صفحة 143
وقال من قال : لا باس به إلا أنهم ذهبوا إلى كراهية ذلك ، وأن ذلك من الأدب .
وكذلك الكلب قد أجمع أهل العدل - لا نعلم بينهم اختلافا -أنه نجس الجلد وسؤره نجس ، وقد يروى ذلك أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفسد سؤر الكلب وأنه نجسه ، ولا يكون نجس السؤر إلا لمعنى أنه حرام ، أو أن بشرته نجسة ، وقد أجمع أهل العدل من أهل المقرين على أن بشرته نجسة وهو جلده ، وأن سؤره نجس ، وكرهوا لحمه إذا كان ذكيا ، ولا نعلم أن أحدا منهم قال إنه حرام ، ولا نعلم بين أهل القبلة اختلافا في نجاسة سؤر الكلب ، إلا أن يكون غاب عنا ذلك فالله أعلم ، وهو معنا نجس البشرة والسؤر مكروه اللحم ، لا نقول إنه حرام إلا ما اختلفوا في كلب الصيد المعلم :
فقال من قال : إنه نجس مفسد سؤره .
وقال من قال : لا باس به .
وأما النمور والأسود والذئاب وما خلا الضبع والثعلب من ذوات الأنياب من السباع فذهب أهل العدل إلى كراهيه لحوم ذلك ، وكراهية أسوارها ، وكذلك كرهوا سؤر الضبع والثعلب .
وقال من قال : بنجاسة أسوار ذلك كله من أهل العدل . وذلك مما يختلف فيه .
فصل : وأما الظباء والأوعال والأرانب ، وكل ذي ظلف من الوحوش فذلك من الصيد بالاجماع عليه من أهل القبلة ، وهو حلال للمحل وحرام على المحرم .
وأما الضب فقد جاء فيه الأثر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فيه : إنه لا ياكله ولا ينهى عنه ، لأنه ليس من طعام قومه ، وهذا مما يدل على حسن أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه ترك الحرام والمكروه معه ومع العرب من ذوي العقول ، وأنه لا يتخلق بخلاف أخلاق العرب الحسنة منها .
ثم إن الله تبارك وتعالى بعد أن حرم الميتة من البهائم المحللة من الصيد والأنعام ، استثنى بفضله أشياء أحلها لعباده . (3/143)
صفحة 144
من ذلك ما كان محرما في دينه من ذبائح أهل الشرك جملة ، ثم أحل من ذلك ذبائح أهل الكتاب على إقامتهم على الشرك ، كما كان محرما نكاح المشركات على المسلمين جملة ، ثم استثنى نساء أهل الكتاب وطعامهم في آية ، تفضلا منه بذلك .
-130-
ومن ذلك -أيضا- ما أحل الله من الصيد مما قتل الكلب المكلب ولم تدرك ذكاته إذا جرحه جرحا يموت مثله بذلك الجرح وأما إذا لم يجرحه فلا يجوز ذلك ، إلا أن يدرك ذكاته ، وما قتل بالرماح والسيوف والنبل مما ذكر اسم الله عليه ، وجرح أو قتل ولم تدرك ذكاته ، أو أدرك ميتا ، فذلك كله حلال مباح من الميتة ، وهو لاحق باحكام الميتة في المعنى ، وتصديق ذلك قول الله - تبارك وتعالى - : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ )( 10 ).
وقال - تعالى - : يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب )(11 ).
وذلك مما نهاهم عن الصيد في الاحرام ، فكان دليلا على أنه مباح لهم في الاحلال ، وذلك مما يجتمع عليه أهل القبلة فيما معنا والله أعلم .
وأما ما استقر من المملوكات من الأنعام مثل المعز والضان والإبل والبقر ، فلم يقدر عليه إلا بالقتل بغير ذكاة بنحر ولا بذبح ، فقتل على ذلك وذكر اسم الله عليه ولم يدرك ذكاته ، فقد اختلف في ذلك أهل القبلة ، وكذلك أهل العدل يختلفون في ذلك :
فقال من قال : إن ذكاة ذلك تجري مجرى ذكاة الصيد ، إذا لم يقدر عليه إلا كما يقدر على الصيد المتوحش بالاستنفار .
وقال من قال : إنما ذلك في الصيد . (3/144)
صفحة 145
وقول من يجيز ذلك أحب إلينا ، لأن ذلك إذا أطلق في الصيد لعدم الذكاة وحجر فيه إذا قدر على الذكاة فيه ، وكذلك مثاله في المستنفرات من المربوبات المملوكات من الأنعام ، ولا فرق في ذلك معنا .
فصل : وأجمع أهل القبلة أن الحمر الوحشية والبقر الوحشية من الصيد ، وأن ذلك حرام على المحرم حلال على المحل ، يجوز فيه ما يجوز قي الصيد ويحرم فيه ما يحرم في الصيد ، وأما الابل والمعز والضان ، فلا نعلم أن فيها صيدا ولا فيها وحشيا ، فإن كان فيها شيء من الوحشية في موضع من المواضع ، وعرف ذلك بما لا يشك فيه فلا فرق في ذلك ، وهو من الصيد كما كانت البقر الوحشية من الصيد وأمثالها من الأنعام المربوبات من البقر خارجة من الصيد حلال للمحرم والمحل .
وأما السنور فإذا كان وحشيا فهو من الصيد إذا عرف ذلك ، وما كان مربوبا آهلا فهو حلال للمحرم والمحل وهو من المربوبات ، والصيد على المحرم حرام كحرمة الميتة ، ولحم الخنزير على المحل والمحرم ، وقد قبل إنه إذا اضطر المحرم الى الصيد أو الميتة أو لحم الخنزير ، وكل ما كان من المحرمات أكل الميتة أو لحم خنزير ولم ياكل الصيد لأن عليه الجزاء في أكل الصيد ، ولا جزاء عليه في الميتة ولحم الخنزير ، وكل ما كان من المحرمات بالسنة أو الإجماع من البهائم ، فالقول فيه كالقول في الخنزير في الجنس المعين واللحم والأعضاء ، والقول في ذلك كله واحد وقد مضى القول في ذلك .
--------------------------------------------
1- جزء الآية 145 من سورة الأنعام.
2- جزء الآية 23 من سورة النساء.
3- جزء الآية 24 من سورة النساء.
4- جزء الآية 7 من سورة الحشر.
5- جزء الآية الأولى من سورة المائدة.
6- جزء الآية 2 من سورة المائدة.
7- جزء الآية 95 من سورة المائدة.
8- جزء الآية 96 من سورة المائدة.
9- جزء الآية 95 من سورة المائدة.
10- جزء الآية 4 من سورة المائدة.
11- جزء الآية 94 من سورة المائدة. (3/145)
صفحة 146
فصل : وكذلك الميتة من جميع البهائم المحللة والمحرمة ، هي بمنزلة الميتة ، والقول فيها واحد ، غير أنه إذا اضطر إلى لحم الميتة من الأنعام ولحم الميتة من المحرمات ، كانت الميتة من الأنعام معنا أولى ، لأن ذلك محجور إذ ليست الميتة حلالا في الأصل عند الذكاة ، والمحرم في الأصل ولوكان ذكيا قد دخله الحجر بسبب الميتة ، ولا يبين لي أنه إن أكل من لحم الخنزير ميتا ، وترك ميتة الأنعام أن يكون بذلك آثما على وجه الدينونة ، ولا يلزمه في ذلك براءة ولا ترك ولاية ، لأن الأصل كله محرم رجس ، ولو كان محرما طاهرا من المعصوبات ومحرما رجسا مثل الميتة ، فقد اختلف في ذلك :
فقال من قال : ياكل الميتة ولا ياكل المحجورات من المغصوب والسرقة لأن ذلك محجور وعليه فيه الضمان . (3/146)
صفحة 147
وقال من قال : ياكل من المغصوب ويدين بالضمان ولا ياكل من الميتة ، لأن هذا موضع ما لو قدر عليه بشراء من ربه ، كان عليه أن يشتري ذلك ويدين بادائه ، ولا يجوز له على الإجماع إذا وجد مسئول ذلك ، أو شراءه من الحلال ، أن ياكل المحرم من الميتة والخنزير ، وما أشبه ذلك من المحرمات ، فلما أن عدم الشراء لذلك لعدم ربه ، إذا كان ذلك في يد غاصبه ، أو في مامن صاحبه أو مستنفر عن ربه ، فكل ذلك سواء ، وقد أجيز له أن يدين بالضمان وياكل من ذلك لأنه ليس هناك علة تحجر عليه الضمان ، أن لو قدر على ذلك ، وليس هو بمغتصب فياثم بالغصب ، وهو مباح له وهو حلال طاهر ، والميتة ولحم الخنزير مباح عند الاضطرار رجس ، فلعلة الضمان وحجر أموال الناس أباح من أباح له الميتة ، وترك أموال الناس ، ولعلة الرجس من المحجورات على غير الاضطرار أن أباح له من أباح أكل أموال الناس بالدينونة وترك المحجورات من الرجس في الأصل ، وهذا القول أحب إلينا أن ياكل من الحلال الطاهر من أموال الناس ، ولا ياكل من الميتة ولا من لحم الخنزير ، ولوكان ذكيا لأن هذه أصلها مباح ، وإن أكل من لحم الخنزير المذش جاز له ذلك ، ولا نعلم في ذلك اختلافا(1) .
ولا نعلم أن أحدا من أهل العدل قال بتحريم شيء من ذوات المخالب من الطير ، ولا من ذوات الناب من السباع ، على وجه التحريم بالدينونة ، لموضع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، كما ذهب من ذهب إلى ذلك من سائر أهل القبلة ، وإنما ذهب من ذهب منهم إلى ذلك للكراهيه . (3/147)
صفحة 148
ولا نعلم أن شيئا من البهائم وقع عليه تحريم بدينونة ، وكذلك لا نعلم أن شيئا من الدواب البرية إذا كانت من ذوات الدماء الأصلية يقع عليها حجر تحريم بدينونة ، ولا ينساغ ذلك في مذاهب أهل العدل ، لاجماعهم أن الضبع والثعلب من ذوات الأنياب من السباع من الصيد ، وأن في ذلك الجزاء في قتل ذلك من المحرم ، فإذا ثبت الإجماع منهم على شيء من ذلك أنه من الصيد ، وفيه العلة التي بها كرهوا غيره من السباع ، فلا يصح في ذلك دينونة ، والدينونة بتحريم ذلك محجورة حرام ، ومن دان بذلك معنا فقد دان بخلاف الحق ، لأنه لا يثبت فيه علة بالمثل من محجور بالنص بكتاب أو سنة أو إجماع بل قد ثبت فيه الشبه للحلال من البهائم من النعم ، إذا كان جزاء الضبع في قتلها كبش أملح ، وشبه ذلك إليها ومثله بها فيما أحسب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يصح ذلك معنا في الرواية ، كما يصح ذلك معنا عن عمر بن الخطاب - رحمه الله - ، وكفى بما صح عن عمر بن الخطاب في ذلك ، وكفى بإطلاق ذلك في الآية ، في قوله -تعالى - : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه .. الآية . (3/148)
صفحة 149
وكذلك الثعلب هو من ذوات الناب من السباع ، ولا نعلم بين أهل العدل من المسلمين في ذلك اختلافا أنه من الصيد ، فإذا صح في ذوات الناب من الجملة ، ما يدخل عليه المثل من المحللات من الأنعام في تشبيه الحلال ، فقد صح أنه إنما كان النهي عن ذلك على وجه الأدب ، لا على وجه التحريم ، ولا يجوز في الاطلاق بحل برواية بعينها لمعنى بعينه يعترض في شيء بعينه ، وإنما هو بصفة الناب ، فلا يجوز معنا أن تقع الدينونة بتحريم بعض السباع من ذوات الناب ، لمعنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع ، وقد صح في النص تحليل بعض ذوات الناب ، بل إذا صح بالنهى تحليل بعض ذوات الناب من السباع ، كان التحليل لذوات الناب من السباع له ، فقد صح التحليل بالنص لبعض ذوات الناب من السباع على وجود الصفة التي عليها وقع تحليل الحلال من ذلك ، وتحريم الحرام من ذلك مع من حرمه ، مثل ذلك الطير من ذوات المخالب ، فخارج ذلك على معنى ما يخرج عليه ذوات الناب من السباع ، لا فرق في ذلك معنا إن شاء الله .
فصل : ولا نعلم أن أحدا من أهل العدل من المسلمين قال بتحريم شيء من البهائم غير ما استثنى الله في كتابه من تحريم ما حرم ، إلا أنه قد قال من قال من أهل العدل من المسلمين : بان القرد حرام كحرمة الخنزير .
وقال من قال : إن من أكله فلا نقول إنه ارتكب كبيرة ، بمنزلة من أكل لحم الخنزير ، ولا نعلم مع ذلك أن أحدا قال إنه حلال ، ولا أنزله بمنزلة غيره من البهائم ، ولا هو من السباع ولا غير ذلك من الدواب.
وأقل ما عرفنا فيه من قول بعض أهل العدل أنه قال : لا نقول إن من أكله أتى كبيرة ، ويمكن أن يكون قال ذلك توقفا عنه لموضع ، إذ لم يقف على ما وقف عليه غيره من أهل العلم من موضع التحريم فيه .
والذي عرفنا فيه أن من أخذ بتحريمه فإنما أخذه من النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . (3/149)
صفحة 150
وكذلك وجدنا ني كتاب المناهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي معنا معروضة صحيحة أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحم القرد ، وعن بيع القرد ، وعن شراء القرد ، وعن أكل ثمن القرد ، وعن التجارة بالقرد ، كنحو ما نهى عن الخنزير وعن الخمر في كتاب المناهي ، وألحق القرد فيما معنا بالخنزير ، فثبت تحريم القرد فيما نهى عنه صلى الله عليه وسلم ولم يعلم أن أحدا من أهل القبلة قال فيه بغير ذلك من تحليله على النص له وفيه .
وان كان بعض أهل العدل قد قال : إنه لا يقول إنه من أكله أتى
كبيرة ، فقد قال عامة أهل العلم في الذي يطا امرأته في الحيض متعمدا أنه لا يحلها له ولا يحرمها عليه ، وهذا موضع توقف عن القول فيها ، لا موضع فقه وزيادة في القول ، وليس عليهم أن يحلوا ما لا علم لهم به ، ولا يحرموا ما لا علم لهم به .
وقد قال من قال من أهل العلم بتحريم ذلك عليهما ، والفراق بينهما ، والذي يقول لا تحل ولا تحرم يقول : والفراق أحب إلينا .
فقد تواطات الأقاويل على تحريمها عليه ، لأن الواقف عن تحريمها علمه يتولى من حرمة عليه ، ولا نعلم أن أحدا من أهل العدل أحلها له ، ولا تولى من أحلها له .
وقد قال من قال من أهل العدل ممن حرم ذلك عليه أنه إن أقام على ذلك منها ولم يفارقها ، لم نتوله على ذلك ولم نبرأ منه على ذلك ، مالم يخطىء من حرمها عليه ، فإذا خطأ من حرمها عليه وقعت به البراءة وبرء منه على ذلك .
فالقول من أهل القبلة ومن أهل العدل متواطىء على تحريم القرد ، وان لم يكن الإجماع على تحريمه ، فالاجماع على أنه لم يأت فيه نص بعينه بتحليل ، فإذا أتى فيه القول بالتحريم من البعض ، والتوقف من البعض عن تحليله وتحريمه فهو محرم في التواطىء من القول ، ومتى وقع التحريم للشيء من بعض المسلمين ، ما لم يأت فيه نص من باب التحليل في الدين أو ما أشبه ذلك . (3/150)
صفحة 151
والتوقيف عن تحريمه من البعض وولاية من حرمه ، فقد وقع التحريم ، وكذلك إذا وقع التحليل للشيء من بعض أهل العدل من المسلمين فيما لم يأت فيه نص بالتحريم من الدين أو ما أشبه ذلك ، ووقف عنه من سائر أهل العلم من المسلمين ، وتولوا من حلله فقد وقع التواطؤ على تحليله ، وقد أثبت الله -تبارك وتعالى - في القرد سبب التحريم في كتابه الكريم ، وان لم يحرمه بعينه نصا ، إذ قال في كتاب الله - تبارك وتعالى - : وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت )( 2) .
فالقرد لاحق بالخنزير في كتاب الله - تبارك وتعالى - في مواطأة المعنى ، وان لم يكن منصوصا معه في التحريم ، فإنه مواطأ به اسمه في هذا الموضع ، ولاحق به في النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والاجماع .
ولا نعلم أن أحدا من أهل القبلة ولا غيرهم يأكل لحم القرد ، ولا يتخذه تملكا إلا للملاهي والملاعبه لا غير ذلك ، والخنزير قد يملكه أهل الكتاب من النصارى ويأكلونه ، ولعكه ياكله غيرهم من المشركين . (3/151)
صفحة 152
فخرج القرد معنا من بهيمة الأنعام في الإجماع أنه ليس من الأنعام ، وخرج من حد ما أجمع عليه أنه من الصيد ، من أنواع الصيد ، وخرج من حد ما أجمع عليه أنه من ذوات الناب من السباع ، فتواطأت الأقاويل أنه خارج من هذا كله ، وأنه لاحق بالخنزير مع هذا كله ، مع أن العدل فيما قد قالوا في من الدواب التي تقطع الصلاة في قولهم ، فقالوا إنه مما يقطع الصلاة في قولهم من الدواب الكلب والخنزير والقرد ، وهذا ما لا نعلم فيه من قولهم اختلافا ، وأنه يقول بعض إنه لا يقطع الصلاة ، بل الأكثر من قولهم ممن يقول : إن الصلاة يفسدها الممرات من الكلب والخنزير والحائض والجنب ، فاكثر قولهم نصا أن القرد مثل الخنزير يقطع الصلاة ، ولا نعلم أن أحدا منهم قال في القرد نصا أنه لا يقطع الصلاة ممن يذهب أن الصلاة تقطعها الممرات النجسات ، فهم بين قائل إنه يقطع الصلاة وبين من لا يقول بقطعه للصلاة ،ولا نقول إنه لا يقطع الصملاة فوجدنا القرد من الدواب لاحقا باحكام الخنزير من الدواب في عامة أموره ، ونقول بقول من يقول إنه حرام ، ولا يصح معنا فيه موضع اختلاف .
فصل : وأقل ما يلزم من أكله معنا على غير اضطرار ولا علة من علل زوال العين ، أو عذر بين ، أنا لا نتولاه ، ومن برىء منه على ذلك توليناه على براءته منه ، ومن تولاه على ذلك لم نتوله على ولايته إياه ، ومن لم يذهب إلى تحريمه لموضع أنه جهل تحريمه ، ووقف عن تحليله نصا وتحريمه نصا ، ولم يتول من ركبه توليناه على ذلك ما لم يتول راكبه ، ومن برىء من راكبه على ركوبه إياه توليناه على براءته منه ، ومن أحله نصا لم نقدم على ولايته على ذلك ، لأنه معنا في المثل بمنزلة الخنزير في التسمية والمنزلة قي الكتاب والسنة التي عرفناها .
وقد قال الله - تبارك وتعالى - : وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ) . (3/152)
صفحة 153
فصل : فإن قال قائل : إن تلك القردة والخنازير متن بعد ثلاثة أيام ، وإنما هذه القردة والخنازير غير تلك القردة والخنازير.
قلنا له : إن كان ذلك قد مات كله ، فهذه القردة التي حدثت مثل الخنازير التي حدثت ، كما كانت القردة التي ماتت مثل الخنازير التي ماتت ، ولا فرق في ذلك ، ومعنى ذلك واحد ومنزلته واحدة ، لا فرق في ذلك وقد يقع التحريم بالمثل ولولم يكن هنالك نص بعينه ، ولا يلحق الخنزير معنا شيء من الدواب في المنزله والمعنى مثل القرد ، فإنه لاحق معنا في المعنى والمنزلة.
فصل : والقول في القرد في جهالته وجهالة جنسه وعينه ، مع من جهله أو علمه كالقول في الخنزير ، وقد مضى القول فيه ، ولا يسع ركوبه معنا بعلم ولا بجهل برأي ولا بدين ، لأنه مثل الخنزير معنا في المعنى والمنزلة ، فالقول فيه في الحجة والفتيا واباحة اللحم وقيام الجنس والعين وزوال العين وغيبوبة الجنس مثل الخنزير ، لأنه معروف مع من علمه من العالمين به ، ولا يسع ركوبه من علمه ولا من جهله على حساب ما ذكرنا ، والله أعلم .
-------------------------------------
1- علق المؤلف -رحمه الله- على هذا القول في الهامش بهذه الكلمة الطيبة، قال: "ونحب أن يأكل من الميتة إن قبلتها ، ولا يأكل من لحم الخنزير ولو كان ذكيا" وهو أولى وأحوط، والله أعلم. اهـ. محققه.
2- جزء الآية 60 من سورة المائدة. (3/153)
صفحة 154
باب: القول في الدماء وتصنيفها
ومما حرمه الله -تبارك وتعالى- في كتابه نصا في غير اية في جملة التحريم من الماكولات والمشروبات : الدم ، ففي غير اية جاء تحريم ذلك مجملا،كقوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير)(1) ، فقد جاء تحريم الدم مجملا غير مستثنى منه شيء ، ثم قال تعالى في اية الاستثناء : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمة إل أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير.
فثبت التحريم في الدماء المسفوحة ، خاصة دون غيرها من الدماء في الماكولات ، وهو المجمع عليه في المحرمات من الدماء ، وما سوى ذلك فمختلف فيه في الكثير منه والقليل فالأرجاس منه ، فالمجمع عليه من الدم المسفوح من الذبيحة ، والذي لا اختلاف فيه أن الدم المسفوح منها من الأنعام المباحة المحللة الذكية ، فالمجمع عليه من قول أهل القبلة - لا نعلم بينهم اختلافا - أن الدم المسفوح المحرم من ذلك مع الذكاة هو دم المذبحة من الأنعام ، وما تبع ذلك منها من الدماء ما لم تغسل المذبحة ، وكل دم خالط دم المذبحة من الأنعام الذكية المحللة المذبوحة أو المنحورة ، فهو رجس قليله وكثيره في البدن والثياب ، حرام قليله وكثيره من الماكولات والمشروبات ، من جميع الدواب والطير الحلال من ذلك من ذوات الدماء الأصلية التي هي غير مجتلبة من غيرها .
فكل دم حرام رجس قليله وكثيره -ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أهل القبلة ولا أهل العدل - واذا طهرت المذابح والمناجر من الدواب الذكيات الحلال من الطير المذكى الحلال ، فما سوى ذلك من الدم فيها مختلف فيه من قول أهل العدل :
فقال من قال : إن دم الاوداج من المسفوح الحرام الرجس قليله وكثيره ، مفسد حرام في الماكولات والمشروبات . (3/154)
صفحة 155
وقال من قال : إنه حرام في الماكولات والمشروبات ، ولا تفسد منه الثياب في الأنجاس إلا ما زاد على قدر الظفر ، على النسيان ، وأما على الجهل والعمد والعلم بذلك فمفسد للصلاة ، وما خالط منه الطهارات من قليل وكثير فهو رجس مفسد ، إذا ماع في الطهارات من الأطعمة والأشربة .
وقال من قال : إنه من دماء اللحوم ولا يفسد قليله ولا كثيره ، وهو من دم اللحم لأنه قد زال عن المذبحة دم ما كانت عليه من نجاسة الدم التي كانت حية به ، فإذا صارت إلى حد الذكاة من الموت على الذكاة ، وزال ذلك الدم الذي كانت به حية ، ووقع عليه أحكام الحياة ، فذلك هو المفسد المسفوح منها ، فإذا صارت لحما ذكيا ثم زال عنها ما صارت بخروجه ذكية ، وما كانت به حية وما تبعه وخالطه إلى أن تطهر المذبحة أو المنحرة ، فقد صار ما سوى ذلك دم لحم ولا فساد فيه في قليل ذلك ولا كثيره ، في أمر الصلاة في الثياب ولا في البدن ، ولا يفسد ما مس وهو حلال في الأكل ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "أحل لكم ميتتان ودمان فاما الميتتان فميتة السمك وميتة الجراد ، وأما الدمان فدم اللحم ودم السمك " (2).
فهذا دم لحم قد حصل في اللحم وفي أحكام اللحم فهو حلال بالسنة طاهر ، لأن الحلال لا يكون رجسا أبدا ، وإنما سمى الله من الأشياء رجسا ما حرمه ، وهو قوله فيما حرم ( فإنه رجس )، ما حرم الله في كتابه أو سنة نبيه أو إجماع أهل العدل من عباده .
وقال من قال : إنما دم اللحم ماخالط اللحم من العلق المخالط للحم ، وأما ما كان من دم العروق فليس من دم اللحم ، وذلك دم كان قائما في البهيمة في حين حياتها ، فكل ماكان دما في حياتها فهو لا يتحول إلى الطهارة بذكاتها ، وإنما يتحول إلى الطهاره ما كان من الدم الداخل في اللحم من غير عروق ، وأما دم العروق فهو مفسد حرام في المآكل والمشارب ، ومفسد ما خالطه من الطهارات ، وفي الصلاة قليله وكثيره مفسد . (3/155)
صفحة 156
وقال من قال : لا يفسد الصلاة على النسيان من ذلك ، إلا ما زاد على الظفر في الثوب والبدن ، وعلى العمد في الجهل والعلم يفسد قليله وكثيره .
وقال من قال : في دم الرئة والفؤاد إن ذلك أيضا من الدماء المفسدة ، لأن ذلك دم على الانفراد في البهيمة في حياتها ، وليس ذلك من الدم المشتمل عليه أحكام اللحم ، من سائرلحوم البهيمة ، وكان ما كان من الدماء مفسد قليله وكثيره في الصلاة ، فهو حرام في الماكولات والمشروبات ، ومفسد لما خالطه من الطهارات ، ولا نعلم في ذلك اختلافا من أهل العدل من المسلمين ، فإذا صح أن ذلك الدم يفسد ما مسه من الطهارات ، لم يجز إلا أن يكون حراما في الماكولات والمشروبات .
وأما ما سوى هذا من دماء الدواب الحلال ، المذكاة بالذبح أو النحر أو ما صح لها من الذكاة ، فما سوى هذا من دم لحومها ما عدا دم المذبح والمنحر والأوداج والعروق والرئة والفؤ اد ، فما عدا هذه الدماء من دماء اللحوم الذكية الحلال ، فهو طاهر حلال أكله ، غير مفسد قليله ولا كثيره في الصلاة ،ولا مفسد لما خالطه من الطهارات ، ولا محرم لما خالطه ذلك من الماكولات ولا من المشروبات ، وهو حلال من الطعام الذي أحله الله في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
فصل : وما عدا دماء المذابح والمناحر إذا طهر أو ترك ، فمختلف فيه ، وقد مضى القول في ذلك . (3/156)
صفحة 157
وأما دماء المناحر والمذابح ، من جميع الدواب والطير البرية من ذوات الدماء الأصلية ، فهو حرام مسفوح مفسد قليله وكثيره في الصلاة ، على العمد والنسيان في البدن والثياب ، مفسد لما مسه من الطهارات ، قليل ذلك وكثيره ، إلا ما اختلف فيه من أمر المياه إذا خالطتها النجاسات المفسدات ، وكل رجس صح رجسه في كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أو إجماع أهل العدل من المسلمين ، فهو حرام في الماكولات والمشروبات وما خالط ذلك منها ، وكل ما صح فساده من الدماء في قليله وكثيره ، فلا يصح إلا أنه محرم في الماكولات وا لمشروبات.
والعجب من قول بعض أهل العدل في الدم المسفوح واجماعهم ، أنه يفسد الصلاة قليله وكثيره على العمد والنسيان والعلم والجهل ، وما سوى ذلك من الدماء المفسدة ، لا يفسد منها الصلاة على النسيان إلا مقدار الظفر أو الدينار ، واختلافهم فيه في البدن :
فقال من قال : يفسد قليله وكثيره في البدن على الخطأ والعمد ، على النسيان والعلم والجهل ، وفي الثياب فلا يفسد على النسيان والجهل إلا ما كان مقدار ظفر في الثوب أو دينار ، ولا نعلم بينهم اختلافا أنه إذا صلى وهو يعلم أن في ثوبه أو بدنه دما مفسدا من أحد الدماء ، مسفوحا أو غير مسفوح أنه يفسد صلاته ويخرج ذلك في قولهم ، على معان يطول وصفها وتكثر عللها ، والمراد غير ذلك من إثبات الحجة في المحرمات إن شاء الله . (3/157)
صفحة 158
فصل : ففد مضى القول في دم الأنعام المذكاة الحلال غير الحرام ، وما يحرم من ذلك بالاجماع ، وما يحرم بالاختلاف فيه ويحل بالاختلاف ، وما لا يحرم بالاجماع ويحل بالاجماع ، من جميع المذكيات من الحلال المباحات من البهائم والدواب والطير ، من ذوات الدماء الأصليات ، وكل دم من محجور بالتحريم لجنسه مثل الخنزير والقرد وما لحقه التحريم من المحرمات من البهائم ، فدمه حرام مسفوح رجس ، كان ذكيا أو غير ذكي إذا كان لحمه حراما ، فكل ما كان لحمه حلالا مباحا إذا ذكي مما وصفنا وصحت ذكاته ، من صيد أو غيره من المذكيات ، فدمه الذي بلغ إلى ذكاته به من جميع الذكاة هو الرجس الحرام المسفوح ، وما سوى ذلك من الدماء فيه فهو مختلف فيه ، وقد مضى القول فيه .
واذا لم يدرك ذكاة الصدقة فقتله كلب معلم ، أو قتله الصائد له بسهم أو سيف أو رمح أو غير ذلك ، وبلغ إلى ذكاته وصار ذكيا حلالا بذلك ، فهو مذكى ودمه ذلك الذي مات به وما خالطه إلى أن يطهر ، فذلك دم مسفوح حرام مفسد لما خالطه من الطهارات ، مفسد للصلاة قليله وكثيره .
وما سوى ذلك االدم من دم الرقبة ، ومواضع المنحر والمذبحة والأوداج ، فكل ذلك مختلف فيه ، وهو بمنزلة دم الأوداج من المذكى المذبوح ، وبالنحر من الأنعام ، وقد مضى فيه القول . فقد تحول موضع الدم المسفوح بالإجماع عند الذبح والنحر ، إلى حال دم الأوداج عند ذكاة الصيد بغير الذبح له .
وكذلك ما كان من الأنعام المستنفرة ، التي لم يبلغ إلى ذكاتها إلا بالقتل فهو بمنزلة الصيد .
فالذي يقول إن ذلك ذكاتها ، فالقول في دمائها كالقول في دم الصيد ،والمسفوح منه الحرام المجمع عليه ، ما صار ذكيا به وبلغ به إلى ذكاته ، وما خالطه من الدماء إلى أن يعزل أو يغسل ، فهو بمنزلة المذبحة والمنحر عند النحر والذبح .
ودم العروق من الصيد المذكى ، ودم الرئة والفؤاد كدم المذكى من الأنعام بالذبح والنحر ، وقد مضى القول في ذلك . (3/158)
صفحة 159
وما خالط اللحم من دم الصيد والأنعام المذكاه بغير الذبح والنحر ، إذا صحت ذكاة ذلك ، فهو بمنزلة دم اللحم ، وقد مضى القول في ذلك في دم الميتة من جميع الدواب ، والطير من الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية ، فهو حرام في الماكولات والمشروبات مفسد لما خالط من الطهارات ، مفسد قليله وكثيره في البدن والثوب على كل حال في الصلاة ، في قول أهل العدل ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
وسواء ذلك الدم من الميتة من أين كان وكيف كان ؟ فكل شيء من الميتة المحرمة مما هو مثلها أو حال فيها ، قد لحقه حكمها مستهلكة له فهو لاحق بها في التحريم والرجس ، ولو كان من غير ذاتها مما احتملته في أكراشها أو أمعائها ومباعرها ، فكل شيء من الميتة وفيها فهو لاحق بها في أحكامها ، إلا أن يكون فيها نتاج تموت وتدرك ذكاته حيا ، فلا يكون تبعا لها ، وما سوى ذلك منها فهو حرام رجس مفسد قليله وكثيره .
فصل : والدماء الخالصة الغليظة المخالطة ، فتبع للحومها الحالة فيها والخارجة منها في التحريم ، إذا فارقتها بوجه من الوجوه ، وهو لا يحل أكله من الدواب الحلال ، فكل دم خرج من ذات روح حية من الله الدواب ، والطير البرية من ذوات الدماء الأصلية ، فسفح وفارق مواضعه ، وذوات الأرواح حية من أي موضع كان ذلك الدم مها ، فذلك الدم حرام محجور في الماكولات والمشروبات ، مفسد محرم لما خالطه من الطهارات الماكولات ، قليل ذلك وكثيره . (3/159)
صفحة 160
والمشروبات من غير المياه المختلف فيها في نجاساتها ، وسواء ذلك كانت ذات الروح من الحيات البريات ، من المباحات المحللات من الأنعام المباحات ، إذا ذكيت بوجه من الذكاة ، أو كانت من المحرمات من البهائم أو الطير أو الثقلين من الجن والانس ، أو غير ذلك من ذوات الأرواح البريه ، أو من ذوات الدماء الأصلية ، فكل دم عبيط خالص خرج من ذات روح برية ، من ذوات الدماء الأصلية ، وهي قائمة حية غير متحول إلى ما يخرج به من اسم الدم ، فاسد من القبح واليبس وما أشبه ذلك ، مما يخرج به في التسمية في حال الدم ، أو غالب على ما خرج فيه من ذاته ، مما يخالطه من الطهارات ، فهو حرام في الماكولات والمشروبات مفسد لما مسه من الطهارات ، قليل ذلك وكثيره الا ما اختلف فيه من الماء ، وما حد ما ينجسه من قلته وكثرته . (3/160)
صفحة 161
فإذا وقف المتعبد على الأصل الخارج منه الدم المسفوح الفاسد المفسد ، لم يسعه جهل ذلك وركوبه فيما لا يسعه ركوبه ، ولا ولايه من ركب ما لا يسعه ركوبه ، علم بحرمة ذلك أو لم يعلم ، فإن ركبه بجهل في أكل أو شرب أو مما لا يسعه في أداء الفرائض من الصلاة ، فلا يسعه جهل ذلك على جهالته لما لا يسعه ركوبه في الأصل ، ولا يسعه ولايه من ركبه ولايه دين ، ولا البراءة من العلماء إذا برئوا من راكبه ، ولا الوقوف عنهم برأي ولا بدين ، وذلك إذا عاين الأصل الذي خرج منه الدم الحرام المسفوح ، وعاين من ركبه بعلم منه باصله الذي خرج منه ، وهو حرام في الأصل مما لا يختلف فيه ، فإذا ركب ذلك بعلمه ، فعله الذي خرج منه ، ولو جهل حرمته أو تولى من ركبه لعلمه باصله ، ولو جهل حرمته أو برىء من العلماء ، إذا برئوا ممن ركبه أو وقف عنهم ، أو عن أحد منهم برأي أو بدين ، إذا برئوا ممن ركبه أو وقف عنهم ، أوعن أحد منهم بعلمه باصله ، ولو جهل حرمته فقد هلك ، وحل فيما لا يسعه جهله ، وكان عليه الدينونة بالمسؤال عما دخل فيه ، وكان كل من عبر له ذلك من المعبرين حجة عليه في دينه في ذلك . (3/161)
صفحة 162
واذا واقع شيئا من الدماء المختلف فيها ، بجهله بحرمتها من حلها ، مع علمه باصلها الذي حرمت منه ، فقد واقع ما هو سالم فيه من الهلاك ، وهو مسلم به ما لم يدن باستحلال ، أو يبرأ ممن حرمه برأيه من المسلمين ، أو يترك ولاية أحد من العلماء برأي أو بدين ، على تحريمه لذلك برأيه ، وهو في أصل ذلك دائن بما يلزمه في جملته ، إلا أن يواقع ذلك على القصد منه ، إلى موافقة الحرام وارتكاب الحرام فإنه يهلك بنيته في ذلك ، ولو ركب على ذلك حلالا من كتاب الله أو سنه نبيه ، واجماع العلماء ، وأما إذا لم يقصد إلى ارتكاب الحرام ، وإنما ركب ما لا يعلم أحلال أم حرام ، وهو دائن بتحريم ما حرم الله في جملته ، وتحليل ما أحل الله في جملته ، وأنه إنما يواقع من الأشياء ما أحل الله له ، وينتهي عن الأشياء عما نهاه الله عنه ، فواقع على هذا حلالا لا يختلف فيه أو حلالا مختلفا فيه ، وهو لا يعلم ذلك بعينه ، ففي بعض القول إنه لا يسعه أن يركب إلا ما يعلم أنه حلال بعلمه ، فإذا أقدم على ما لا يعلم ، وقد علم أن الأشياء حلال وحرام ، فأقدم على ما لا يعلم ، إلا أنه لم يقدم على ذلك على أن الذي ركبه حرام ، ولا على أنه يركبه كان حلالا أو حراما :
فقد قال من قال : إنه قد أساء في ذلك و عليه التوبة من إقدامه على ذلك ، وليس عليه توبة من ركوبه لذلك الحلال ، وإمما عليه التوبة في اعتقاده مما ركب من ذلك بغير علم ، إذا علم أن ذلك إما حلال واما حرام ، ولم يعلم أهو حلال أم حرام فلم يتعر بنيته هذه من مواقعة الآثام ، إذا أقدم على ما لا يدري أحلال أم حرام . (3/162)
صفحة 163
فصل : وقال من قال : ليس عليه في ذلك إثم ولا توبة ، ما لم يركب ذلك الحلال على أنه حرام أو على أنه لا يبالي كان حلالا أو حراما ، فإذا ركبه على أنه حلال ولم يركبه على أنه لا يبالي كان حلالا أو حراما فلا إثم عليه ولا توبة إلا في اعتقاده ، أنه تائب من جميع ما لزمه فيه التوبة في جملته ، ودائن لله بالانتهاء عما يلزمه الانتهاء عنه في جملته ، وإنما يتجرأ في جميع ما يأتي أنه يأتي ما أحله الله له في جملته ، واذا كان على هذا فوافق حلالا في دين الله ، أو فيما اختلف فيه فهو سالم ، وهذا القول هو أصح القولين في هذا والله أعلم بالصواب .
وولايته لمن ركب مختلفا فيه من الأشياء كلها مباحة واسع له ذلك ما لم يتوله على اعتقاده أنه يتولاه ، على أن ذلك الذي أتاه حراما مكفرا ، أو على أنه يتولاه على ركوبه ، لذلك كان حلالا أو حراما مكفرا أو غير مكفر ، فإذا تولى راكب شيئا من الحلال المباح في الدين ، أو مختلفا فيه على هذه النية ، فهو هالك بذلك بنيته لا بولايته لوليه ذلك ، وعليه أن يتولاه بحكم الظاهر على أنه يبرأ منه في الشريطة ، إن كان فيما غاب عليه عدو الله ، أو مرتكبا لما يلزمه فيه البراءة .
فكذلك ركوبه لما أحل الله بدين أو أحل في دينه برأي أحد من أهل الرأي من المسلمين ، فذلك جائز ، ما لم يدن في ذلك أنه حلال بغير علم ويشهد بذلك قطعا ، بغير علم يبين له ذلك العلم من أحد الوجوه التي يكون بها عالما ، فليس له أن يقول بغير علم ، ولا يعتمد ما لا يعلم من تحليل شيء من الحلال بدين ، ولكن إن رأى شيئا من الحلال ، من جميع المباحات ، فقال في نفسه أرى في نفسي وما يقع لى أن هذا حلال مباح ، وفيما يحسن معي أن هذا حلال ، ولم يدن بذلك ، ولم يقطع به شهادة بالقول ولا بالاعتقاد ، فذلك جائز له .
وكذلك إن قال ذلك بما يحسن في عقله فوافق شيئا من المحللات بالاختلاف ، فذلك جائز في جميع الحلال . (3/163)
صفحة 164
وكذلك إن قال ذلك بما يحسن في عقله فوافق الحرام ، وقال : أرى أن هذا حلال فيما يقع في نفسي ، ولم يدن بذلك ولم يفت به ولم يركبه ، ولا يكون بذلك هالكا حتى يركبه ، أو يحله بالقطع منه برأي أو بدين ، أو يري بعلم أو بجهل .
وأما إذا قال : الذي أرى أنه حرام فوافق الحلال ، ولم يقل أقول إنه حرام ولا قطع بذلك ، وإنما قال : أرى أنه حرام ولم يقل أقول إنه حرام ، أو قال : أرى أنه حرام ، ولا أقول إنه حرام ، فقد أجازوا له ذلك في بعض المذاهب من أقوال أهل العدل ، وكذلك في تحليل الحرام على هذا ، ولو كان ذلك الحرام من الدين ، فافهم ذلك والله أعلم بالصواب . (3/164)
صفحة 165
فصل : وأما إذا غاب عنه الأصل الذي جاء منه ذلك الدم الذي وقف عليه وبلي به ، ولم يعرف ذلك الدم ما هو من الدماء ، أهي من الدماء المحرمة بالدين بلا اختلاف ، أو من الدماء المختلف فيها بالتحليل والتحريم ، أو من الدماء المباحة المحللة من دم اللحم الخالص ، ودم السمك ولم يعرف ذلك ، ولا وقف على أصله الذي خرج منه وجاء منه ، وإنما وجده دما قائم العين ، لا يعرف ما هو، ففي الأصل أن الدم محرم محجور ، إلا ما استثني منه وخرج منه ، إذا كان قائما بعينه في ذاته ، وأما التعبد به هو في ذات نفسه ، فالدم محجور لا يجوز الإقدام عليه في الأصل ، حتى يعلم أنه من الدماء المحللة بالاجماع ، والمختلف فيها بالتحليل والتحريم ، ولا يبين لنا أنه لاحتمال الحلال من ذلك والحرام ، إذا وقف عليه فلم يعلم أحلال هو أم حرام ، أن يجوز الإقدام عليه بغير حجة أنه مشكوك ، والتعبد في المشكوكات الوقوف عنها ، حتى يعلم صوابها من خطئها ، وحقها من باطلها وحلالها من حرامها ، ثم يقدم على علم بعد ذلك ، وهذا هو الأصل في دماء الدواب القائمة منها ، التي لا يحل في غيرها من الطاهرات والمطهرات ، لأن الدماء أصلها حرام محجورة حتى يصح إباحة المباح ، وحلال المحلل منها ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، ولا يبين لنا موضع اختلاف في هدا المعنى والله أعلم .
فصل : فإن ركبه راكب على الجهل بأصله والجهل بالحكم فيه ، على أنه يأتي في ذلك ما أحله الله في دينه في الجملة ، ولم يدن في هذا بعينه بما لا يسعه الدينونة به ، ولا يعتقد فيه ما لا يسعه الاعتقاد له ، فوافق في ذلك دما مباحا بالاجماع أو بالاختلاف ، فقد وافق السلامة ، ولا يبلغ به إلى هلاك في الأصل وهو مقصر في بعض القول ، وعليه التوبة . (3/165)
صفحة 166
وفي بعض القول إنه لا توبة عليه من ذلك بعينه ، إلا مما يلزمه من التوبة من مخالفة دين الله في جملته ، أو مخالفة شيء من دين الله في جملته ، فالتوبة في الجملة تاتي على هذا الركوب ، ولو كان أقدم علمه بغير حجة .
وكذلك إن علم أن الدماء منها حلال وحرام ومختلف فيه ، ولم يعلم هذا الدم من أي الدماء ، ولم يقف على أصله ، فحسن في عقله أن ذلك في رأي حلال مباح ، فركبه على ذلك من غير علم متقدم إليه فذلك جائز له ، ولا نعلم ني ذلك اختلافا إذا وافق المباح من الحلال .
فصل : وأما إذا أقدم على ذلك وهو يعلم أن هنالك حلال وحرام ، فأقدم عليه على أنه حرام فوافق الحلال منه في الجملة بالإجماع أو بالمختلف فيه ، فهو آثم عاص بنيته لا بركوبه للمباح بجهله ، وعليه التوبة من ذلك الاعتقاد بعينه ، ولا يسعه إلا ذلك ولو وافق حلالا مباحا .
وكذلك إن اعتقد أنه يركبه على كل حال ، كان حلالا أو حراما وكان هذا اعتقاده وهذه نيته فهو عاص بذلك ، هالك بذلك الاعتقاد ، ولو ركب حلالا مباحا لأنه ليس له أن يركب إلا صحيحا من القول والعمل والنية .
فصل : وكذلك إن علم أن الدماء منها حلال وحرام ، ولا يعلم المختلف فيه ، فركب هذا على هذا الوجه على ما يحسن في عقله أنه حلال ، أو على أنه لا يركب من الأمور إلا جائزا له في رأيه فوافق الحلال ، فهو سالم ولو وافق ما يختلف فيه من الدماء ، فهو سالم في ذلك إن شاء الله على هذه النية . (3/166)
صفحة 167
و إن وافق في جميع أموره هذه على هذه الصفة من الدماء محجورا محرما ، لا يختلف فيه وهو قائم العين إلا أنه لا يعرف من غيره من الدماء المباحة عند من يعرف أنه محرم في الأصل لأنه لا يعرف المحرم منه إلا بالوقوف على أصله من أين خرج ، ومن أين كان خروجه ، فإذا ركب هذا الراكب لهذا الدم على غير نية فاسدة واعتقاد باطل ، إلا أنه ركبه بجهل أو اعتقاد أنه يراه حلالا ولا يركب إلا حلالا ، خفنا أن يكون بذلك هالكا ولا يسعه معنا الاقامة على ذلك وعليه معنا التوبة من ذلك بعينه ، وإن كان لا يعرفه من يعرف حلاله من حرامه ، حتى يقف على الأصل الذي يكون الحرام منه حراما ، أو يكون الحلال منه حلالا ، فليس يغنيه ذلك عن الممتحن به والمبتلى به .
وهو قائم العين التي بها يعرفه من عرفه إذا وقف على أصله ، ولا يعرفه بها إذا لم يقف على أصله فهو معنا محجور الأصل غير مباح ، حتى يقف الواقف على الأصل الذي كان به يعرف الحلال منه من الحرام إذا كان الأصل مجهولا ، لأن الحجر قد وقع بقيام العين وبتحريم الأصل إلا ما استثنى منه فهو محجور العين معنا حتى يعلم ما أبيح منه وما استثني منه بوقوفه على الأصل الذي كان منه ذلك ، ولا سلامة له من ذلك ، ولا سؤال عليه في ذلك معنا ، لأنه يدرك العين بالمحلل منها من المحرم ، فيسال عن ذلك وإنما من واقع ما هو محجور عليه بعينه ، ولا يدرك بصفه يعرف بها من غيره ، من الدماء المحللة ، فإذا كان لا يعرف من غيره من الدماء المحللة بالاجماع أو المختلف فيها ، فكل دم مختلف فيه فهو بمنزلة ما ذكرنا من دم اللحم المختلف فيه ، وكل دم لا يختلف فيه وهو حرام فهو بمنزلة ما ذكرنا من الدماء الفاسدة المحرمة ، وكل دم مباح (3/167)
صفحة 168
غير ما ذكرنا فهو بمنزلة ما ذكرنا مق دم اللحم والسمك ، ولا يبين لنا في راكب الدماء المحجورة المحرمة مع جهله بأصلها ، وموافقة لمحجورها لسلامه من الهلاك إذا كان ذلك الدم قائما بعينه ، ليس بحال في غيره من الطهارات أو المطهرات ، ولا يبين لنا وجه يجوز فيه الاختلاف لزوال معرفة الأصل أن يكون يخرج في الاحتمال له السلامة مع ركوبه له ، فإذا جاز ذلك جاز ركوب الحرام بالجهل ، إذ لا يعلم أصله من أين هو إذ لم يؤت من باب من أبواب الحلال المبنية عليه .
فصل : ومثل ذلك معنا المحجورات من الأموال المعمورات إذا وقف عليها الواقف الممتحن بها المبتلى بها ، وهي محجورة في أصل دين الله بالعمارة المتعلقة عليها ، فهي محجوره على من علم حجرها أو جهل حجرها ، وفي الأصل أن في المعمورات من الأموال المباحات بوجوه الحلال من الأملاك للواقف عليها ، والجائز الانتفاع بها من الصوافي الأصلية وهو من أهل ذلك ، وكذلك الأموال المباح له الانتفاع بها من أهلها ، وهو لا يعلم أن هذا المال المعمور بعينه من تلك الأموال التي هي محجورة عليه في الأصل أو مباحه له في الأصل بملك له ، فيما غاب عنه أو بملك لمن قد أجاز له ذلك في ماله ، أو بإباحة صالحة ، أو غير ذلك من وجوه الحلال التي يمكن له السلامة بركوبها ، فهذا معنا هو مثل الدماء المجهول أصلها ، لا يلحق له مثل معنا فيما يبين لنا إلا هذا الأصل . (3/168)
صفحة 169
فهذا مما لا نعلم فيه اختلافا أنه محجور على راكبه ، فإن ركب ذلك على اعتقاد فاسد في ذلك المال المعمور المحجور ، أنه يركبه على كل حال حرام أو حلال ، أو على أنه حرام عليه فهو هالك بالنية وافق حلالا أو حراما وكذلك الأموال من العروض والحيوان ، وغير ذلك من الأملاك في الأصل ، فهي على هذا ، وان ركب ذلك الجاهل لأصله على نسيان للتعبد فيه ، أو خطأ أو على ما يرى أنه حلال له في الأصل ، أو ما يحسن في عقله أنه حلال له في الأصل ، فوافق الحلال من ذلك مما يجوز له الانتفاع بذلك والتملك له ، فهو سالم إذا صح له ذلك ومعه وعليه عن هذا السؤال ، حتى يخرج من حكم ما دخل فيه من المحجورات ، لأن هذا يدرك بعينه وبصفته ، إذا كان يدرك بالصفة ومعرفة العين دون غيره من العيون والصفات ، ولأنه متعلق عليه حكم الضمان لرب ذلك ، في حكم ما تعبد به في حكم الظاهر ، فإذا صح معه أن ذلك الذي أتاه ، كان له في الأصل مباحا ، فهو سالم من الضمان و الإثم بهذه النية ، إذا كان على نية فاسدة ، ووافق مما هو له مباح في الأصل ، فلا ضمان عليه ، وعليه التوبة من نيته. (3/169)
صفحة 170
فالدماء التي يغيب معرفة أصولها مع قيام العين التي لا تعرف الحرمة فيها إلا بتلك العين ، ويقع الحجر بالعين عند عدم معرفة زوال الأصل ، الذي به تعرف الحلال من الحرام ، والحق من الباطل ، وهو قائم بمنزلة الأموال التي يصح لها الأملاك ، ويحجر في حكم دين الله بقيام الحجة أن لها الأملاك في الأصل في دين الله ، وأنها محجورة حتى يعلم وجه إباحتها ، إذا كان الحكم في الحجر ، والأصل فيها من المحجورات ، واذا كان الأصل فيها من المحللات مباحا في الأصل فهو على الاباحة حتى يصح له الأملاك ، وذلك مثل الصيد وغيره من المباحات إذا واقعه صاحب في حال المباحات ، وقد كان له في الأصل مالك فلا يلزم فيه الحجة بالتحريم والملك حتى يعلم ذلك ، وما كان من الأنعام وغيره مما هو محجور في دين الله بالأملاك ، فذلك محجور على من ركبه حتى يعلم أنه حلال وكذلك الدماء معنا ، إذا كانت قائمة العين التي بها يعرف العارف بها وبالحكم فيها ، أن بتلك العين صار الدم دما ولو لم يكن يعرف بالعين الواقعة الموافقة ، أصل ما يقع به معرفة الحلال من ذلك من الحرام ، إلا أنه قد عرف أنه بتلك العين هي الدالة على الحرام الذي لا يعرف الحرمة فيه والحلال منه ، إلا بمعرفة أصل ذلك ، من أين هو؟ وكيف كان الأصل ، مع شهادة العقول من العارفين للدماء ولأعيان الدماء ، وأنها لا تعرف من بعضها بعضا بالأعيان ، فإنما تعرف بمعرفة الأصول مع من عرف الحرمة ، ومع من لم يعرف الحرمة ، فهو محجور على من عرف الحرمة أو جهل الحرمة إذا وقع المحرم أو ركبه . (3/170)
صفحة 171
فصل : ومع ذلك فإن المعقول ممن علم الحلال من ذلك من الحرام شاهد أن يشهد أن في تلك العين القائمة حلال وحرام ، لا شك فيه ، وأنه لا يبلغ إلى معرفة الحلال من ذلك الحال إلا بمعرفة الأصل في ذلك ، ولا يبلغ إلى معرفة الحرام من ذلك إلا بمعرفة الأصل في ذلك ، الذي منه الحلال ومنه الحرام ، فيلزم في ذلك من علم أو جهل أن لا يركب محرما في دين الله ، بغير حجة تقوم له في دين الله ، أو عذر يسعه في دين الله ، وهذا الذي يبين لنا في هذا ، وقولنا فيه قول المسلمين ، وديننا فيه دينهم إن شاء الله .
فصل : وأما إذا كان هذا الدم القائمة عينه ، المجهول أصله الذي به تقوم الحجة على عارفه ، وبه يعرف حلاله من حرامه ، فعاب ذلك على من جهل حرمته أو علم حرمته ، وجهل الأصل الذي به يعرف حرمته حالا في شيء ، من الطهارات من المأكولات والمشروبات ، أو المطهرات من الكسوة وغير ذلك ، مما أصله طاهر، حتى يعلم أنه نجس بوجه من وجوه النجاسات ، فإن ذلك مما يختلف فيه :
فقال من قال : إن الطهارات الصحيحة طهارتها في الأصل الذي لا يشك فيه ، وتعرف طهارته باليقين طاهرة ، حتى يعلم أنها نجسة فاسدة بما لا يشك فيه ، لأن اليقين أنها طاهرة ، والحال فيها إنما يلزم التعبد فيه بتركه بعينه ، فإذا حل في غيره من اليقين أنه طاهر ، فلا يزيل اليقين إلا اليقين ، واليقين الطهارة حتى يعلم أن ذلك الحال فيه نجس بما لا شك فيه ولا ريب ، ولأنه ليس بالعين القائمة في الطهارات ، فيلزم اجتنابه دون الطهارات والتعبد به دون الطهارات . (3/171)
صفحة 172
وقال من قال : إن ذلك إذا لم يعلم أنه من الدماء المباحة ، وكان على أصل محجور الإقدام عليه والارتكاب له ، وكان الحكم فيه أن لو كان متفردا ، لم يجز ارتكابه إلا بالعلم ، أنه خارج من الحجر من أصل المحجور ، فكذلك ما خالط مما يفسده ويلزمه أحكام الاختلاط به ، فهو وما خالطه مما يلزمه حكم الاختلاط به ويفسده ، أن لو كان صحيحا أنه فاسد ، فهو على حاله هذا محجور ، ومفسد ما خالطه ، حتى يعلم أنه طاهر مباح ، لأنه لا تصح طهارته باليقين .
وكذلك ما خالطه فقد نزل بمنزلته ، ولا تصح طهارته إلا باليقين أن الحال المخالط طاهر لا باس به ، والقول الأول أصح في الأحكام ، والقول الاخر أحوط من الشبهة ، وكل ذلك جائز .
فصل : فأما في الأبدان والثياب في أمر الصلوات ، فذلك على ذلك الأصل المختلف فيه إلا أنه يجري فيه الاختلاف الآخر في الدماء غير المسفوحة وهي نجسة ، والدماء المسفوحة والدماء الطاهرة ، فالطاهرة لا يفسد قليلها ولا كثيرها في البدن ولا في الثياب ، علم بذلك قبل الصلاة أو بعد الصلاة .
والدماء المسفوحة مفسدة للصلوات في البدن والثياب ، قليلا كان أو كثيرا ، علم بذلك قبل الصلاة أو بعد الصلاة على العلم والنسيان .
فصل : والدماء المفسدة وليست بمسفوحة وهي تفسد في أمر الصلاة ، إذا علم بذلك بعد الصلاة أو قبل الصلاة ، إذا كان ذلك الدم ليس بمسفوح وهو مفسد ، فإذا كان ذلك الدم في البدن أو الثوب بقدر ظفر الإبهام أو الدينار فهو مفسد للصلاة ، إذا علم بذلك قبل الصلاة أو بعد الصلاة ، كان على العلم أو على النسيان .
وقد قال من قال : إذا كان ذلك الدم في البدن ، فكان أقل من ظفر أو من دينار ، فلا يفسد إذا صلى به ثم عالم بعد الصلاة أنه صلى به وهو في بدنه أقل من ظفر .
وقال من قال : إنه يفسد صلاته ولو كان أقل من ظفر في البدن ، إذا علم أنه صلى به وهو في بدنه . (3/172)
صفحة 173
وأما إذا رأى في ثوبه أو بدنه شيئا من هذا الدم ، وهو أقل من ظفر ، كان مجتمعا أو شائعا إذا جمع كان كالظفر ثم نسي ذلك الدم وصلى به على النسيان .
فقال من قال : يفسد ذلك صلاته .
وقال من قال : لا يفسد ذلك صلاته ، وأما إذا كان مقدار الظفر في البدن أو الثوب ، وأبصره قبل الصلاة ، ثم نسيه وصلى به ، فلا نعلم بينهم اختلافا أنه يفسد صلاته من قول أهل العدل .
وأما إذا لم يبصر ذلك الدم في ثوبه قبل أن يصلي حتى صلى وهو من غير المسفوحات ، ولم يكن مقدار الظفر ، فلا نعلم اختلافا أنه لا يفسد صلاته ، إذا لم يبصره قبل الصلاة .
وكذلك إذا لم يبصر غير المسفوح وهو في البدن ، وهو أقل من ظفر ، حتى صلى ثم علم أنه صلى وفيه ذلك الدم ففي ذلك اختلاف .
وأما إذا كان مقدار ظفر أو دينار فذلك مفسد ، ولا نعلم في ذلك اختلافا في أمر الصلاة ، وأما إذا خالط الدماء النجسة من الطهارات وهو نجس ، فسواء كان مسفوحا من جرح طري أوكان من الدماء النجسة من غير الجروح الطرية ، أو من غير المذبحة والمنحر ، فكل ما خالط الطهارات من الدماء النجسة في الدين ، أو التي يختلف فيها أهل الدين ، فما خالط الطهارة من النجاسة - قليلا كان أو كثيرا - فهو مفسد له ، لا نعلم في ذلك اختلافا ، إلا ما اختلف في الأصل في نجاسة الدماء وطهارتها ، فأما إذا كان حكم الدم نجسا بوجه ينجس ، وخالط النجس شيئا من الطهارات ، في غير البدن والثياب في أمر الصلاة ، فلا فرق في ذلك في القليل ولا في الكثير ، وقليل ذلك و كثيره في المأكولات والمشروبات وغير ذلك من الطهارات ، غير هذين الوجهين في أمر الصلاة ، فهو مفسد لما خالطه إلا ما قد اختلف فيه من أمر المياه والقول في نجاستها وقلتها وكثرتها .
فإذا وجد الدم في البدن أو الثوب ولا نعلم ما ذلك الدم مسفوح أو نجس ليس بمسفوح ، أو ليس بنجس ، فيخرج ذلك على أقاويل : (3/173)
صفحة 174
فقول : إن ذلك الله طاهر لطهارة البدن والثوب حتى يعلم أنه نجس ، بوجه من الوجوه مسفوح وغير مسفوح .
وقول : إنه دم مسفوح يغسل ، قليله و كثيره ، لأنه لا يتعرى من ذلك في الأحكام على ما وصفنا ، حتى يعلم أنه غير ذلك من الدماء ، التي هي غير مسفوحة أو طاهرة .
وقول : إنه دم نجس غير مسفوح ولا طاهر ، حتى يعلم أنه مسفوح لما يستدل عليه من وجوه ذلك ، أو طاهر بما يستدل بوحه يبين ذلك .
وقول : إن ذلك الدم في البدن والثوب على الأغلب ، من أمور الدماء في ذلك الوقت الذي يجده المبتلى به والمتعبد به ، فإن كان الأغلب من أمر ذلك الدم يصح على أحد الأمور أنه منه من الدماء ، فهو على الأغلب من أموره ، فإن لم يكن له أغلب ، فقد مضى الاختلاف فيه ، وهذا هو أصح ما قيل في هذا معنا ، وهو على الأغلب من أموره ، فإن لم يكن له أغلب ولا بان ذلك بامر تطمئن القلوب إليه ، فيجب في هذا أن يستعمل فيه التوسط ، من ذلك أن يكون دما غير مسفوح وهو من النجاسات .
ومن قال فيه بالقولين الآخرين فلكل واحد منهما أصل بين لا شبهة فيه مع من أبصر ذلك .
فصل : والذي نحبه أن الدم النجس في البدن مفسد قليله وكثيره في أمر الصلاة ، كان ذلك مسفوحا أو غير مسفوح من الدماء النجسة ، إلا مما يختلف فيه من الدماء ، مما جاء فيه الاختلاف ، فاخذ فيه بقول أحد من أهل العلم ، فيما يجوز فيه الاختلاف ، فذلك واسع إن شاء الله ، وانما يختلف في المسفوح وغير المسفوح من الجروح الطرية في أمر الصلاة ، في الدماء في الثياب التي يصلى بها ، وأما غير ذلك من الطهارات فقد مضى القول فيه ، ولا نعلم في ذلك اختلافا . (3/174)
صفحة 175
واختلف أهل العلم من المسلمين من أهل العدل ، فيما يأتي من الدماء من غير جرح ولا قطع حادث طري ، مثل دم الرعاف والدماء التي تخرج من الفم والضروس ، الخالص من ذلك من غير جراحة ، وكذلك دم الحيض والنفاس ، والدماء التي تخرج بغير جراحة حادثة من كل ذات روح من ذوات الدماء الأصلية ، من الدواب والطير البرية :
فقال من قال : إن ذلك كله مسفوح ، وقليل ذلك وكثيره في الثوب والبدن في أمر الصلاة بمنزلة الدم المسفوح ، والذي يخرج من الجرح العقر الطري ، وانما الدم غير المسفوح كلما خرج من جرح قديم ، من دم عبيط أو شفة قديمة ، لم يخرج الآن حادثا ، فكل ما جرح من جرح قديم من دم عبيط خالص ، فذلك الذي ليس بمسفوح ولا يفسد في الثوب في أمر الصلاة ، إلا ما كان مقدار ظفر على غير العلم .
وقد مضى القول في ذلك ، ولا نعلم بينهم في ذلك اختلافا أن تلك الدماء التي ذكرنا ، وان كان قد اختلف فيها في الذي يكون منها مسفوحا وغير مسفوح ، والإجماع من أهل العدل أن ذلك كله دم مفسد حرام ، قليله وكثيره في الماكولات والمشروبات ، ومفسد ما خالطه من الطهارات قليلا كان أو كثيرا ، وانما اختلافهم في المسفوح وغير المسفوح في أمر الصلاة وإنما استثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدماء دمين في الاباحة من ذلك : دم اللحم ودم السمك ، وقد بينا دم اللحم كيف اختلف فيه أيضا وأما دم السمك فكله لا باس به في أكثر القول ، وقد ذكرنا اختلاف ذلك فيما مضى من هذا الكتاب ، مما في بعضه كفاية إن شاء الله .
فصل : فهذان الدمان مباحان بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز فيهما التدين بتحريم شيء منهما .
وإنما قال من قال في ذلك بعلل يدخلها على شيء من ذلك ، إلا بالإجماع من أهل العلم يدخل في ذلك.
كذلك اختلف أهل العدل من المسلمين في كل ذي دم مخلب في ذات روح ، من دابة أو طائر من البريات : (3/175)
صفحة 176
فقال من قال : إن كل دم مختلب ليس بأصل في ذات الروح من الدواب والطير من البريات فهو طاهر ، لأنه معهم بمنزلة الدم الميت المتحول عن حاله إلى حال غيره ، ولو كان في أصله فاسدا ، فقد تحول عن أصله إلى غيره باحتماله في ذات غيره مما لا دم فيه .
وقال من قال منهم : إن ذلك كله فاسد لأنه دم بعينه ، وحيثما تحول فهو دم فاسد . وكل ذلك جائز ، والقول الأول أوسع ، والقول الآخر أحوط .
وقد قيل في ذلك قول ثالث : إنه لا يفسد عند الضرورة إليه ويفسد به عند السعة بغيره وإلى غيره ، وهذا قول حسن .
وأجمع أهل العلم من أهل العدل ، لا نعلم بينهم اختلافا أن كل ذي روح من الدواب والطير البرية مما لا دم فيه كائنا ما كان من الدواب والطير ، أنه لا يفسد ميتته وأن ذلك حلال ، وذلك خارج على أصل الجراد من سنة النبي صلى الله عليه وسلم والجراد من ذوات الأرواح من البرية ، وقد حلت ميتته بالسنة ، وما سوى ذلك من الدواب والطير البريات من غير ذوات الدماء ، فمثله وشبهه في إجماع أهل العدل ، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك .
واختلف أهل العلم من أهل العدل ، في كل ذات روح من ذوات الدماء المختلبة ، التي ليست بأصلية من جميع الدواب والطير البرية :
فقال من قال : إن ذلك كله لا يفسد ميتته ، وهو بمنزلة دمه .
وقال من قال : إن ذلك كله مفسد وحرام ميتته ، وكل ما لم يفسد من الميتة ، فهو حلال مباح بمنزلة الجراد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال من قال : إن ذلك مفسد على السعة والغنية عنه ، ولا يفسد على الضرورة إليه والحاجة إليه ، وليس بمنزلة المجمع على حرمتها وفسادها .
---------------------------------
1- جزء الآية 3 من سورة المائدة.
2- المشهور في هذا الحديث الشريف: "...وأما الدمان فالكبد والطحال". (3/176)
صفحة 177
باب: في الأشربة وتصنيفها
ومما حرمه الله -سبحانه و تعالى - في كتابه ، وصح تحريمه في السنة ، وأجمع أهل القبلة على تحريمه نبيذ الخمر المسكر منه ، فلا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من أهل القبلة ، أن نبيذ الخمر حرام ، وأن الخمر المجمع عليه ولا يختلف فيه أنه نبيذ البسر ، الذي يعتبر غير مرطب من النخل والعنب الرطب الذي لم يصر نبيذا ، و هذان النوعان نبيذهما المسكر منه منهما ، حرام قليله وكثيره ، في جميع ما عملا فيه من الآنية والأوعية ، وهما حرام رجس ، واجب على من شرب منهما قليلا أو كثيرا الحد والكفر والبراءة ، و يكفر بشرب ذلك كفر نعمة لا كفر شرك ، وذلك إذا أريد به النبيذ حين ذلك من الإرادة فيه .
وتحريم الخمر في كتاب الله في غير موضع منه . من ذلك :
قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )( 1 ).
فحرمه ونهى عنه في آية واحدة ، وحرمته هاهنا من وجهين : وجه أنه من عمل الشيطان حرام ، كما قال الله - تبارك وتعالى - : إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )( 2).
فكل ما أمر به الشيطان أو عمله فهو من السوء والفحشاء ، لأنه معصية الرحمن ورضاء الشيطان .
ووجه آخر أنه سماه الله رجسا ، وقد حرم الله الرجس في قوله تعالى : ( قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )( 3 ). (3/177)
صفحة 178
فالرجس حرام قد حرمه الله ، وقد سمى الله الخمر رجسا فقال تعالى في موضع آخر يسالونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) فسماهما الله إثما .
وقال تعالى في موضع آخر : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق) . فالخمر إثم والإثم حرام ، ولا نعلم أن أحدا يتكلم في تحريم الخمر أنه ليس بحرام ، بل الخمر حرام بالكتاب والسنة والإجماع .
ولا نعلم أيضا أن أحدا من أهل الشك من أهل الأديان تأول فيه تأويلا ، يخالف في تحريمه ، ما أجمع عليه أهل العدل .
و الخمرة معروفة بعينها مع من عرفها من العارفين بها ، من وقف على نبيذ الخمر ممن عرفه وعرفه أنه نبيذ خمر ، ولو لم يعرف أصله ، ومعروف مع من عرفه من العارفين بعينه ولونه ، فإذا كانت الخمر معروفة بعينها فهي حرام بعينها ، إذا كانت قائمة العين التي بها يعرفها من يعرفها .
واذا زالت الخمر عن حال النبيذ المسكر ، الذي يعرفه من عرفه بأنه نبيذ خمر ، وهو الحرام المجمع عليه ، والذي لا يسع جهل ركوبه ، فإذا زالت عن تلك الحال ، إلى حال تعرف عند العارفين به ، أنه قد زال عن حال النبيذ المحرم في الأصل بالاجماع ، إلى حال الخل ، وكانت الخمرة خلا ، عند من يعرفها من العارفين بها ، إذا صارت خلا من حال ، يكون نبيذا حراما مسكرا ، فقد أبيحت في الأصل إذا صارت خلا لمن علمها أو جهلها ، لأنها قد حالت عن حال غير المحرم إلى حال المباح ، وصارت في الأصل حلالا ، فالحلال مباح لمن عرف عينه أو لم يعرفه ، إذا صار مع من يعرفه بعينه من العارفين به أنه حلال فهو حلال ، واذا صار مع من يعرفه من العارفين به حراما ، فهو على من عرفه أو لم يعرفه حرام . (3/178)
صفحة 179
فإذا كان الخمر نبيذا وكان في حد المسكر ، قد أريد به النبيذ المسكر والشراب ، وعلى ذلك غلا فصار نبيذا سكرا ، إذا غلا على ذلك ، وتغير عن حاله إلى السكر ، فقد صار خمرا فيما كان من الآنية والأوعية ، فكان من العنب الرطب أو البسر من النخل ، فذلك النبيذ الخمر الحرام ، المجمع عليه أن راكبه على ذلك هالك وعليه الحد ، سكر من ذلك أو لم يسكر ، ويكفر بذلك كفر نعمة ما لم يرد تحريم الخمر جحدا.
ولا يسع الجاهل جهل ركوب ذلك على حال من الحال ، ما كان قائم العين ، التي يعرف بها عند أهل الخبرة به والمعرفة له أنه نبينه خمر ، ولم يتغير عن حاله تلك ، فلا يسع الجاهل بمعرفة عينه ركوبه على علم منه بحرمته ، أو جهل من لحرمته .
والخمر حرام على من جهلها أو علهها ، علم حرمتها أو جهل حرمتها ، وقد يسع جهل معرفة حرمة الخمر ، ولو عاينها وعاين من يركبها ، ما لم يركبها الجاهل لعينها ، علم بحرمتها أو لم يعلم ، إذا كانت بالحال التي تحرم بها عند العالمين بعينها ، ولو جهلها الجاهل بها ، فما لم يركبها في حال جهله بها ، وهي في الحال المعروفة فيها بعينها ، أو يتولى راكبها أو يبرأ من العلماء ، أو من أحدمتهم إذا برئوا من راكبها برأي أو بدين ، أو يقف عنهم إذا برئوا من راكبها برأي أو بدين ، فمتى فعل شيئا من هذا الذي وصفنا فقد هلك في دينه ، وحل محل الهلاك ، وكان عليه الدينونة بالسؤال عن ذلك إذا كان عارفا بالعين التي وقف عليها أو الصفة ، فيسيل عنها حتى يخرج منها ، وان كان لا يعرف صفة العين التي عاين ، فيسيل عنها فهو هالك وعليه الدينونة بالتوبة من ذلك ، والسؤال مما يلزمه في ذلك ، وهو هالك ما لم يخرج من ذلك بتوبة منه بعينه . (3/179)
صفحة 180
أو بما يخرج به في الجملة عند عدم علم ذلك ، ومعرفة صفته التي يعرفها أهل العلم بها ، ويعلم العلماء حرمتها إذا عبر له أهل الخبرة بها أنها الخمر وأنها حرام ، كائنا من كان من المعبرين ذلك ، كان عليه حجة ، إذا كان قد ركب ذلك بركوب أو ولاية راكب ، أو براءة من عالم لبراءته من الراكب ، أو وقف عن العالم برأي أو بدين لبراءته من الراكب .
وإذا كانت الخمرة قائمة العين ، على هذه الصفة مع أهل الخبرة بها والعلم بها ، فلا يسع جهلها على ما وصفنا ، ولا تجوز شهادة على تحليلها ولا عن إزالتها عن عينها ، التي تعرف بها مع أهل الخبرة بها ، ولو شهد على تحليلها أو على زوال أصلها مائة ألف شاهد من أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ما جاز ذلك من قولهم ، ولا وسع المشهود معه على ذلك أن يقبل منهم ، وهم هالكون ومن قبل منهم ذلك واتبعهم عليه ، أو تولاهم على ذلك بدين فهو هالك لا يسعه جهل ذلك كله ، إذا كان قائم العين ، والقول ني ذلك كالقول في الخنزير في قيام عينه وجنسه والحجة فيها كالحجة في الخنزير إذا غابت لونها وتغيرت ، وانتقلت إلى حال حلال غالب عليها ، تكون أحكامها مستهلكة في حكم الحلال ، فإذا كانت كذلك وسع جهلها ، وكانت بمنزلة لحم الخنزير والميتة إذا كان لحما أعضاء ، والقول في ذلك من الإقرار ، ممن هو في يده ، والشهادة عليه من الثقة الواحد و الثقتين في جميع ذلك ، كما قلنا في اللحم إذا صار أعضاء من الخنزير والميتة ، لأنه مباح في المشاهدة ، ولو كان في الأصل محجورا على من عرف الأصل في ذلك . (3/180)
صفحة 181
فصل : وكذلك الدم المحرم في الإجماع ، إذا عاين الجاهل له الأصل الذي يحرم به ، ثم جهل حرمة ذلك فركبه على ذلك ، فهو بمنزلة الخمر في هذا ، ولو شهد له على ذلك مائة ألف شاهد أو يزيدون ، وهو قد وقف على الأصل الذي به يبلغ إلى علم حرمته ، فلا تجوز شهادتهم على تحليل ذلك ، ولا على تحويل اسم ذلك إلى غيره ، وهم هالكون بذلك عند من سمعهم ، ولا يحل له ركوب ذلك بجهله لموضع فتياهم وشهادتهم على ذلك ، ولو كانوا أهل الأرض كلهم جميعا ، ولا يسع ولايتهم على ذلك ، ولو لم يركبه ، فلا يسعه ولاية من أجله بدين أبدا ، فافهموا ذلك .
والدم المحرم إذا وقف الجاهل له ولحرمته على الأصل الذي به يعرف حرمته وتعرف صفته ، فهو بمنزلة الخنزير والخمر على من جهله أو علمه والقول فيه واحد .
وكذلك لا يسعه على جهله به وبحرمته إذا وقف على الأصل الذي يعرف به أنه محرم ، فلا يسعه جهل ركوبه ، ولا ولاية من ركبه بدين ولا الوقوف عن العلماء إذا برئوا من راكبه برأي ولا بدين ، ولا البراءة منهم على ذلك برأي ولا بدين .
والدم في حال الاضطرار يسع فيه ما يسع في الميتة ولحم الخنزير ، فإذا ركب راكب يحتمل أن يركبه بوجه اضطرار ، فالقول في الميتة والدم في جميع ذلك كالقول في لحم الخنزير فيما يشبه فيه ، فالقول ني ذلك كله كالقول في لحم الخنزير ،وقد مضى القول في ذلك.
وأما الخمر :
فقد قال من قال : إنه لا تجوز في الاضطرار ، لأنه يجب فيها الحد ،
ولأنه لم يستثن الله -تبارك وتعالى - فيه للمضطر ، كما استثنى في الميتة والدم ولحم الخنزير .
وقال من قال : إنه إن كان الخمر يعصم من الهلكة ، فهو مثل ما حرم الله من ذلك ، وهذا القول معنا أصح إن شاء الله . (3/181)
صفحة 182
واذا لم يقف على الأصل من الدم الذي به يعرفه أهل العلم به أنه حرام منه بالصفة ، فإذا لم يقف على ذلك وعاين من يركب ذلك ، ولا يعرف في الأصل أذلك من الدماء المباحة الحلال أو المختلف فيها أو المحرمة ، فهذا لا يسعه ولاية من ركب ذلك ، لأن ذلك مما يحتمل الحق فيه والباطل ، والأصل فيه أنه إذا أمكن فيه الحق والباطل ولم يركبه هو على حال جهله ، وتولى راكبه في أصل يحتمل عند العلماء بالحق فيه أنه محق ، ويحتمل أن يكون فيه مبطلا عند العلماء بذلك ولو لم يعاين ذلك الأصل ، فهو على ولايته ، وولايته على هذا الوجه جائزة ، ولو لم يسعه هو بركوب ذلك ، لأن فعله في ذلك غير فعل وليه .
وكذلك إذا رأى وليه يأكل ما لا يعرف أنه لغير وليه ، أو لا يعرف ما حال ذلك المال في حال لا يسعه هو أن يأكل من ذلك المال شيئا ، فرأى وليه يأكل ذلك المال ، فوليه على ولايته ، ولو كان فيما غاب عنه يأكل حراما في علمه أو بجهله ، فإذا كان المعاين منه يحتمل عند العلماء باطله وحقه ، فتولاه - على ذلك وسعه ، ولا يسعه أن يبرأ منه لوجه يكون عند أهل العلم له في ذلك العذر ، إذا لم يعلم له هو في ذلك عذرا بجهله في الأصول التي يحتمل فيها العذر عند العلماء ، لأن ذلك هو الحق والدين عند الله وعند المسلمين ، فليس له هو أن يتعدى بجهله إلى شيء يخالف دين الله ودين المسلمين ، وركوبه لهذا الدم غير ركوب وليه له للأصل الذي غاب عنه واحتمل في الدين عند العلماء أن يكون ذلك الدم مباحا ، لا يختلف فيه ، وأن يكون مختلفا فيه ، وأن يكون حراما محجورا ولا يعرفون على حال من الحال ذلك ، إلا باصله الذي منه يخرج ، وقد مضى القول في ذلك . (3/182)
صفحة 183
فإن وافق الولي على هذا الوجه دما محجورا في الأصل ، فتولاه على ذلك هذا الجاهل ، فهو واسع له ، لأن الأصل يحتمل فيه الحق والباطل ، واذا وقف على الأصل الذي به يعرف الحرمة مع أهل المعرفة ، فركب ذلك الدم بعد معرفته باصله ، أو تولى راكبه أو برىء من العلماء إذا برئوا من راكبه ، أو وقف عنهم هلك بذلك ، وكان عليه التوبة من ذلك ، والدينونة بالسؤال عن ذلك بالصفة حتى يخرج من ذلك بعينه بالتوبة ، وولاية أهل العدل من العلماء على ما قد قاموا به من العدل في دين الله -تبارك وتعالى - فافهموا هذا الفرق في الدماء والأموال واختلاف ذلك في الأصول والأحوال .
فصل : ومعرفة أصل الدم في هذا ، أضيق من معرفة أصل الأموال ، لأنه لو وقف على مال يقع عليه أحكام الأملاك ، ولا يعلم لمن هو ، فرأى وليا له يأكل ذلك المال ، ولا يدعيه لنفسه أو يدعيه ، كان ذلك على ولايته بدين ، ولو كان قد أكل ذلك في سريرته غصبا حراما ، والمتولي له سالم بذلك .
وكذلك الدم ، إذا لم يعرف الأصل الذي خرج منه ، فهو على هذا السبيل . (3/183)
صفحة 184
وأما إذا علم الأصل في الدم ، أنه خرج من الأصول التي قد وقف عليها ، التي بها يعرف حرمته وحجره ، فتولى راكبه على ذلك ، فلا يسعه إلا أن يكون يحتمل له عذر ، من طريق الاضطرار إليه ، فإذا نزل بتلك الحال عند العلماء بالدين ، فكل ما احتمل للراكب عند العلماء بالدين من العذر ، فمثله ضد الجاهل واجب ولا يجوز للجاهل أن يحكم بغير حكم الحق ، عند العلماء بالدين في الدين ، ولو رأى وليه يأكل ما لا يعلم أنه لغير وليه ، ولا يعلم أنه مباح له ، بوجه يعلمه هو، وقد علم أن ذلك المال ليتيم أو غائب ، أو لأحد من الناس ، يحتمل في حال من الحال في الدين ، أن يأتي ذلك بحق في الدين عند علماء المسلمين ، فلا يجوز له أن يبرأ منه على هذا ، ولا يقف عن ولايته بدين ، كان وليه ذلك ضعيفا أو عالما ، فهذا فرق ما بين الأموال والدماء ، في علم الأصول من الأموال والدماء .
----------------------------------
1- الآية 90 من سورة المائدة.
2- الآية 169 من سورة البقرة.
3- الآية 145 من سورة الأنعام. (3/184)
صفحة 185
باب: القول في حرمة الخمر من العنب والبسر والنية فيه وقبول قول الواحد والاثنين في أصل الإرادة
اختلف أهل العلم من أهل العدل في حل الخمر من العنب والبسر من النخل :
فقال من قال : إن ذلك جائز حلال ، حيثما وضع من الآنية والأوعية ، ولا يحرم ذلك إلا إذا أريد به للشراب والمسكر ، وذلك قول الله -تبارك وتعالى - : ( ومن ثمرا ت النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) ، فالسكر ما أريد به واتخذ للشراب من الخمر من العنب الرطبة ، والبسر من النخل ما لم يرطب ، فذلك هو الخمر الحرام المجمع عليه ، وما سوى ذلك ففيه الاختلاف .
وقال من قال : إنما يجوز الخل من التمر والزبيب اليابس ، الذي يجوز منه النبيذ في الآنيه الجائز فيها الأنبذة من التمر والزبيب ، فكما لا يجوز النبيذ المسكر من العنب والبسر في جميع الآنية والأوعية ، فكذلك لا يجوز الخل من حيث لا يجوز الشراب ، والقول الأول معنا أصح وأكثر إن شاء الله ، وعليه أكثر العمل من المسلمين ، وعليه عامة أكثر أهل القبلة معنا على ذلك ، إلاما غاب عنا علمه .
فأصل الحل من العنب والبسر على أكثر القول معنا مطلق مباح إذا صار خلا إذا كان أريد به في الأصل الحل ، ولم يرد به النبيذ للشراب فهو على كل حال على أكثر القول جائز .
وكل ما كان جائزا في الأصل عند أهل العلم به في ذاته ولونه ، وجهله الراكب له وهو مع أهل الخبرة به والعلم له في حال المباح في دين الله ، فالراكب له على كل حال سالم مؤمن من حيث ركبه ، ما لم يركبه على أنه يركب حراما في نيته ، أو على أنه يركبه ، حلالا كان أو حراما ، فأصل الخل مباح في دين الله من التمر والزبيب ، لا نعلم في ذلك اختلافا ، وفي أكثر القول من العنب والبسر فهو مباح حلال . (3/185)
صفحة 186
وكل ما كان حلالا في الأصل عند العارفين به في ذاته وصفته ، وفي علم من علمه من المسلمين ، فلا يصر الجاهل من المسلمين جهل عينه ، لأن عينه ولو عرفها إذا وقف عليها عرف مباحا في الأصل مع العلماء بها ، ومع العلماء بالدين ، وإنما يهلك الجاهل في ركوبه لما هو في الأصل حرام ، محجور على من عرفه ، ومن عرف أنه حرام ، ومن جهله فليس له أن يقدم على ما جهل من الحرام ، فالخل من الخمر إذا صار بحد النبيذ من الخمر إن كان ينزل بمنزلة الشراب في حال من الحال ، نازل به في حال الحجر ، وفي بعض القول وهو محجور الشرب ، في حال ما يكون مسكرا قليله وكثيره ، لأن الخمر بعينه المراد منه منع الشرب ، إذا كان في حد المسكر .
وقال من قال : إنه حلال في الأصل ولا يحجر الشراب منه ما لم يسكر ، فإذا سكر الشارب منه ، حرم عليه السكر في الأصل ، وسواء ذلك على هذا في أي الآنية والأوعية كان ، وهذا القول الآخر هو أصح وأحب إلينا ، أنه إنما يفسد الشراب بالنية ، وصلح للخل بالنية ، فهو على حد النية التي يراد بها الخل ، وهو حلال مباح ، ولا حجر في شراب مباح في الأصل ، ما لم يأت عليه حجر يسكر .
فلو أن مريدا أراد الخل من الخمر ، فصار ذلك الحل في حد النبيذ ، وهو عالم بذلك في الأصل ، وهو قائم العين خمر مع من عرف أنه خمر بصفته وعينه ، وهو معه في الأصل حلال لعلمه ، كان ذلك محجورا على من عاينه غيره ، حتى يعلم فيه كعلمه هو ، ولا يجوز أن يركب ذلك راكب بجهل أصله الذي بني عليه ، حتى يعلم منه كعلم من علم ذلك في الأصل ، لأن الأصل هاهنا محجور ، لأنه قائم العين والصفة بأنه خمر ، إنما أصلحته النية التي غابت على من وقف عليه ، وهذا بمنزلة الدماء إذا لم يعرف من أي وجه هي ، فلا ينبغي له الإقدام على ذلك ، وذلك محجور عليه حتى يعلم الأصل فيه . (3/186)
صفحة 187
فصل : فإن كان في يد ثقة مامون في دينه ، فقال إن تلك الخمر التي عاينها إنما هي أصلها خل أريد به ، ولم يرد به الشراب ، فأرجو أن يجوز له ذلك إن شاء الله ، بقول الواحد الثقة المأمون ، لأنه يحتمل صدق ما يقول ، والثقة في مثل هدا يجوز لموله ، إذا كان الأصل يحتمل ما يقول ، ولم يكن قوله في الأصل كذبا وزورا .
فإن ركبه راكب على هذا ، وهو لا يعلم أصله خمرا أو خلا وكان في الأصل يراد به الخل ، فتولاه على ذلك جاز له ذلك إن شاء الله ، وكذلك إن صدقه أنه أراد به الخل وهو في يده أو في حال يجوز قوله فيه ، ويشهد فيه بعلم منه بذلك أنه أصله خل ، و هو ممن يجوز قوله فيه ، جاز ذلك إن شاء الله فيما يصح من الحلال ، بقول الواحد ، وأما الحجة في ذلك فالاثنان إن شاء الله ، إذا شهدا بما يكون في الأصل يحتمل صدق شهادتهما في دين الله ، فيما غاب من أمرهما ، وهذا مما يحتمل صدقهما في أصل دين الله ، على قول من يقول أن الخل يجوز من العنب الرطب ، والبسر من النخل ، وأن شربه في حين ما يصير نبيذا في حاله تلك جائز ، فهو جائر إن شاء الله ، ومقبول قولهما في هذا ، وهو حجة لمن قبل قولهما في ذلك ، إذا شهدا بما في صدقهما فيه ، وغاب ذلك عن المشهود عنده في ذلك ، ولم يعلم أكاذبان في ذلك أو صادقان ، فاهل الثقة من المسلمين مصدقون في ذلك إن شاء الله .
فصل : ولو شهد الشاهدان الثقتان فيما يحتمل صدقهما على خمرة أريد بها الشراب والنبيذ ، فخانا الله في دينهما ، وقالا إن هذا إنما أريد به الخل في الأصل ، واحتمل صدقهما في ذلك ، كان ذلك حجة لمن شهدا معه بذلك ، وكذلك الواحد إذا اطمأن قلب المشهود معه إلى صدقه ، واحتمل في دين الله ، فهو حجة له في هذا الوجه ، وهو جائز في دين الله لنفسه ، وأرجو أن يسع ذلك المصدق له لأنه أخذه عنه من وجه يحتمل صدقه وكذبه فصدقه ، وكان مصدقا عنده في قوله هذا ، وهذا مما تجوز فيه الشهادة معنا على هذا الوجه . (3/187)
صفحة 188
وأما إذا شهد الشاهدان أو أكثر على خمر أريد بها الشراب في الأصل أنها لبن ، أو أنها ماء ، أو أنها حلال قطعا ، ولا يشهدان على ما يحتمل صدق شهادتهما ، فهما كاذبان في الأصل بغير حجة تقوم لهما في قولهما ، ولا يحتمل صدقهما في ذلك ، عند من وقف على الخمرة المحرمة في دين الله ، على من عرفها بعينها بشهادتهما هذه أبدا ، لأنها غير مما قالا ، ولأنهما لم يشهدا بشيء يحتمل فيه صدقهما عند من عرف الخمر بعينها من العلماء بها ، وعند من علم الحكم فيها ، لأن العلماء بالحكم فيها يشهدون في الأصل على كذبهما ، لأنهم يشهدون أنها حرام ، والله يشهد بذلك ، فهما كاذبان على من شهدا معه بذلك ، وكاذبان عند الله وعند العلماء بحكم الخمر ، أنها ليست بحلال ، فلا حجة من الشهود في هذا على هذا الوجه ، ولوكانوا مائة ألف أو يزيدون. (3/188)
صفحة 189
وكذلك لا حجة منهم في قولهم إن هذا لبن أو ماء أو خل أو خمر ، أو شيء مما هم فيه كاذبون ، عند من وقف على أعين ذلك ممن يشهد أنه خمر نبيذ مسكر ، وليس بخل عند أهل المعرفة بالعين من الخل ومن الخمر ، وأنه كاذب عند كل من عرف عين الخمر ، فإذا شهد الشهود على تحويل العين عن أصلها أو تحليلها وهي محرمة في الأصل بغير حجة ولا بسبب يشهدون به مما يمكن ويحتمل صدقهم عند من وقف على العين وعرفها ، لأنه إذا شهدوا على هذه الخمرة بأنها خل في الأصل ، وإنما أريد به الخل في الأصل ، ووقف عليها أهل العلم والمعرفة بعين الخمر وصفتها ، لم يشهدوا على كذبهم في أصل ما يشهدون به ، بل يحتمل ذلك عندهم إذ ذلك ممكن عندهم ، أن يكون خلا في الأصل ، ويحول في حال ما يصير إليه من حد النبيذ إلى حاله ، وهي على نية الخمر ، فهي في الأصل محرمة عند الله على من علمها إلا أنها كذلك وهي ، يقول من قال إنها أريد بها الخل ، مع من غاب عنه كذبه من صدقه ، واحتمل في دين الله صدقه حجة له في ذلك ، وهو هالك يكذبه في ذلك ، فانظروا مواقع الحجة من الشهادات على إزالة الأصل بما يحتمل صدق القائل : كيف كان حجة .
واذا لم يحتمل صدق القائل في علم من علم ذلك ، لم يكن قول القائلين في ذلك ، قلوا أو كثروا حجة في ذلك ، ولا وسع تصديقهم ولا اتباعهم ، وكانوا كاذبين عند الله وعند من شهدوا عليه ومعه ، ولم يسعهم مع ذلك أن يصدقهم ، ولا يتولاهم في دين الله بدين ولو جهل مواضع ما يكونون فيه حجة ، من مواضع ما لا يكونون فيه حجة، ومواضع ما يكونون فيه مصدقين ، من مواضع ما لا يكونون فيه مصدقين ، وليس لأحد يجهل أن يجعل غير الحجة حجة ، ولا يبطل موضع الحجة إذا لم يعلم أنها حجة ، ولا يصدق من لا يجوز تصديقه إذا جهل موضع ما لا يجوز تصديقه ، وكل ذلك لا يجوز إلا بموافقة الحق ، في دين الله ودين أهل العدل من المسلمين ، ولو عاين الجاهل أو العالم لعين الخمر خمرا في علمه . (3/189)
صفحة 190
إلا أنه لا يعرف هي الأصل ، كانت يراد بها خلا أو شرابا ، قلنا له : لا يقدم على ذلك حتى يعلم الأصل في ذلك ، و إلا فهو محجور عليه حتى يعلم الأصل في ذلك ، فإن ركبه على ذلك على نية أنه يركب ما معه حلالا ، أو على غير نية أنه يركب الحرام ، كان في ذلك مسيئا بإقدامه على محجور العين ، مع من علمها أو جهلها ، ولا يعرف الواقف عليها ممن يعلم أنها خمر وأنها حرام ، إن كانت أريد بها الشراب ، وأنها حلال إن كانت أريد بها الخل ، ولا يكون ذلك معنا هالكا إن كانت في الأصل أريد بها الخل ، لأنه قل واقع في حال جهله مباحا في دين الله - تبارك وتعالى - في دين المسلمين ، غير أنه عليه التوبة معنا ، من إقدامه على جهله بأصل الخمر التي وقف عليها ، على أي الأصول كانت ، ولأنها على كل حال لو وقف عليهما الواقف الذي يعرف عينها ، ويعرف صفتها ، لم يبلغ إلى علم تحريمها من تحليلها إلا بعلمه بأصل ما بنيت وأسست له .
فصل : وان وافق على ذلك خمرا أريد بها الشراب في الأصل ، وكانت عند الله وعند المسلمين في دينهم محرمة ، وعند العلماء بها وبعينها ، لا يعرفون فرق ما بين المحرم منها والمحلل إلا بمعرفة الأصل ، فقد ينبغي له في الأصل ألا يقدم إلا على معرفة الأصل ، الذي به صارت مباحة في دين الله ودين المسلمين ، فإذا أقدم على محجور بغير علم فهو هالك ، ولا يسعه ركوبه لجهله لأصله ، ولو علم أن في أصل دين الله شيثا مباحا من هذه العين ، إذا كانت في الأصل يراد بها الحلال من الخل ، فلا يغنيه علمه هذا إذا وافق في الأصل محرما في دين الله . (3/190)
صفحة 191
وإذا وافق في الأصل محللا في دين الله على هذه الصفة ، علم أن في دين الله محللا من هذه الصفة وهذه العين أو لم يعلم ، أو عرف هذه العين مما هي أو لم يعرف ، وكان جاهلا بعيها وبأصل حرمتها وبأصل المححور منها والمباح ، فإدا وافق مباحا في أصل دين الله فهو سالم ، ما لم يركبه بنية استباحة المحرم من دين الله ، أو على أنه يركبه ، كان محرما أو محللا ، فإذا ركبا على هذه النية الفاسدة كان هالكا ، ولو وافق في الأصل محللا مباحا .
فصل : ولو تولى على هذه الصفة راكبا لمحجور ، وكان في الأصل مع العالمين بعين هذا المحجور ، أنهم لا يفرقون بين معرفة المحجور ولا المباح ، إلا بمعرفة الأصل الذي أريد له ، واحتمل عند العلماء في دين الله أن يكون من تلك العين التى وقف عليها مباح ومحجور، فتولى من وكب تلك العين على جهله ، بمعرفة الأصل الذي هو محرم ، وبه يعلم العلماء بالعين حرمته ، فهو سالم بولاية من تولاه على هذه الصفة ، لاحتمال الصواب والباطل للراكب مع علماء المسلمين ، ومع العلماء بعين الخمر ، لأنهم لا يبلغون إلى معرفة تحريمها بوقوفهم على العين إذ كان في الأصل في تلك العين ما هو مباح ، واختلاف الحكم قي الراكب والمتولي للراكب في ذلك بين عند علماء المسلمين في الدين ، إذ كان فعل المتولي غير فعل المتولى ، لأن المتولى على فعله مامون ما احتمل له في حكم الدين ، وجه حق يسلم به من الوجوه ، ولأن الراكب للشيء ليس كالمتولي للراكب ، إذا كان مما يحتمل فيه المخرج ، ولا نعلم في هذا اختلافا ، إلا أن يكون الأصل الذي ركبه الراكب من المحجورات في ظاهر الأمور ، مما يكون الحق فيه لله وللعباد ، والحكم فيه لله وللعباد ، وقد مضى القول في هذا الكتاب . (3/191)
صفحة 192
وكذلك الدم لو وقف الواقف على دم لم يقف على أصله ، ولا علم ما هو من الدماء ، أمحجور ذلك الدم بالاجماع أم مباح بالاجماع ، أم مختلف فيه ، وهو لا يبلغ إلى علم ذلك إلا بمعرفة الأصل فقال له الثقة من المسلمين إن ذلك الدم من الدماء المباحة وهو في يده ، أو فيما يجور فيه قوله ، وكان في الأصل يحتمل ذلك ، كان قول الثقة في هذا حجة في قبول ذلك منه في بعض القول ، والثقتين من المسلمين حجة في ذلك ، فيما لا نعلم فيه اختلافا لأن شهادات المسلمين فيما يمكن صدقهم بوجه من الوجوه ، ولا يبلغ إلى معرفة كذبهم بالوقوف على العين التي شهدوا على تحليلها ، أو على إزالتها في دين الله - تبارك وتعالى - ، فإذا شهد الشاهدان على ذلك ، كانا حجة في هذا الوجه ، وكانا هما متقلدين ذلك ، فإن كانا صادقين فلهما صدق ذلك ، وان خانا الله في ذلك فيما هما حجة لمن أخذ ذلك عنهما فهما هالكان بكذبهما ، ولو كان الدم في ذلك حراما مجمعا عليه ، وشهدا أنه حلال ، ولم يشهدا أنه من الدماء التي هي حلال مثل دم السمك أو دم اللحم أو الدماء التي يختلف فيها ، وإنما قصدا إلى أن قولهما أنه حلال لم يكونا بذلك حجة ، وكانا كاذبين لأنهما أحلا في الأصل حراما ، من غير أن يشهدا أنه دم بصفاته متنقلا بها عن الدم المحرم.
وكذلك لو قالا إن هذا ليس بدم ، ولكن هذا شيء من الأشربة أو من الأطعمة الحلال التي ينقلان بها اسم الدم عن موضعه ، لم يكونا بذلك حجة ، ولو كانوا في ذلك مائة ألف أو يزيدون فافهموا هذا الفصل . (3/192)
صفحة 193
باب: ذكر النبيذ
وكذلك ما جاءت به السنة تحريم نبيذ الجر والدبا والنقير والمزفت ، وححر النبيذ مجملا ، وإباحته مطلقا في الأديم الملاث على أفواهه من المعز والضان ، وعلى ذلك أجمع كثير من أهل القبلة ، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أهل العدل من علماء المسلمين .
فصل : ومما جاءت به السنة في هذا فهو معنا حرام لاحق بتحريم الخمر في الحجر ، قليله وكثيره .
وأما الحد فيه فلا نعلم أنه واجب فيه إلا التعزير ما لم يسكر شاربه ، فإذا سكر شاربه من الشراب الحرام من الأنبذة وجب عليه الحد حد الخمر وهو ثمانون جلدة .
وأما الكفر فإنه يكفر معنا بشرب نبيذ الجر و الدبا والمزفت والنقير ، وما كان من الأنبذة في غير الأديم الملاث ، على أفواهه من المعز والظأن ، وما أشبه ذلك فقد قيل إن مما يشبه ذلك فهو لاحق به .
وقد قالوا : إن الظباء جائز في أديمها شرب النبيذ ، وليس بالمجمع عليه من القول ، وهو معنا يشبه ما قيل فيه إنه جائز ، لأنه مثل الأنعام المباح في أديمه شرب النبيذ ، وما أشبه الشيء ولم يأت فيه نص بتحريم ، وهو مشبه للشيء المحلل بالنص فهو لاحق بالتحليل .
فإذا وقف الواقف على الأنبذة المحرمة في الآنية المسماة المحجورة فيها الأنبذة ، فشربها بجهله أو بعلمه ، فهو هالك ولا يسعه جهل ذلك ، وكذلك لا يسعه جهل ولاية من ركب ذلك على علمه بركوبه له ، ووقوفه على الأصل الذي قد علم به حرمة ما ركب .
وأما إذا وقف الجاهل لحرمة نبيذ الجر ، أو العالم بذلك ، أو على شيء في حد النبيذ ليس من الخمر من العنب الرطب والبسر ، فذلك ما قد جاء فيه الاختلاف ، إذا زايل الآنية التي بها وقع الحجر . (3/193)
صفحة 194
فقال من قال : إنه لا يجوز ذلك ، وليس للجاهل بذلك أن يقدم عليه ، إلا حتى يعلم أنه من الآنية المحلل فيها الشراب ، أو أنه من الأشربة المباحة بوجه من الوجوه ، لأن العين التي وقف عليها لايبلغ بها إلى علم الحلال من الحرام ، وقد وقع الإشكال عليه ، لأن في دين الله - تبارك وتعالى - ودين المسلمين ، أن في الشراب من النبيذ ما هو حرام محجور ، وفيه ما هو حلال مباح ، وفيه ما هو مختلف فيه ، فلما أن كان ذلك لم يجز الإقدام عليه ، حتى يعلم أنه من الأديم الملاث على أفواهه من المعز والضان ، وما أشبه ذلك ، ويقف الواقف على ذلك ، أو يكون من عند ثقة مأمون في دينه .
فصل : وقال من قال : ليس له ذلك إلا حتى يقف على الإناء المباح فيه الشراب ، أو يكون في يده من يامنه على ذلك ، ولو كان غير ثقة ، أنه لا يركب ولا يركبه محرما ، فإذا كان مامونا على ذلك جاز له ذلك .
وقال من قال : إذا لم يعلم أنه حرام ، ولا وقف على الإناء الذي هو منبذ فيه ومستعمل فيه ، وهو مما لا يجوز فيه الشراب ، فهو جائز حتى يعلم أنه منبذ أو مستعمل في المحرم من الآنية ، ولو كان غير ثقة ولا مامون ، لأن الأصل فيه الحلال المباح الواسع ، والعين لا يبلغ بها أبدا إلى معرفة المحجور من المباح ، والأصل فيه المباح ، والغالب هو المباح من أمور الناس مع صاحب هذا القول ، ومامونون فيه على دينهم ، بمنزلة الأطعمة من الأشياء التي يتهمون الناس فيها في إدخال المحارم . فمتى كان ذلك كذلك ، كان كل من الناس مامونا على ما في يده ، ولم يحجر على العين منه ما هو مامون عليه ، وهدا القول معنا أصح في الحكم ، لأنا وجدناه لا يبلغ أبدا به إلى معرفه تحريم ، بوقوفه على العين . (3/194)
صفحة 195
ووجدنا إجماعهم أن المأمون عليه ، من هو في يده إذا كان ثقة ، ولم نجدهم على الإجماع يحجرونه إذا ركبه الراكب على الأمانة ، ولو وافق محجورا على من أركبه إياه ، ما لم يعلم الأصل المحجور ، ولا نعلم في هذا اختلافا .
فصل : فلما أن كان من هو في يده مامونا عليه ، إذا كان ثقة بالاجماع ، وليس عليه سؤال ، و إن كان عليه سؤال وسال فإنما يسال عن شيء لا يبلغ إلى معرفة صدقه ، إلا بادعاء من قال ذلك ، ممن هو في يده ، لم يتعر معنا في الأصل أن تكون العين مباحة ، إذا عدم معرفة الأصل الذي به حجر .
وأما إذا وقف على الآنية التي فيها النبيذ ، الذي هو معروف عند أهل العلم به ، أنه نبيذ مسكر ، وليس بخارج من حد النبيذ إلى حد الخل ، الذي هو عند أهل المعرفة بالخل بأنه خل وعند أهل المعرفة بالنبيذ أنه ليس نبيذا ، فإذا وقف على عين النبيذ الذي هو عند أهل المعرفة أنه نبيذ ، في الآنية المحجور فيها شرب النبيذ ، وقد علم أنه نبذ فيها ذلك النبيذ ، فقد وقع عليه سبيل الحجر ، إذا علم ذلك الأصل الذي به حرم ذلك ، ولو شهد على تحليله على ذلك مائة ألف أو يزيدون ، من علماء المسلمين ، فلا يجوز له ذلك أبدا ولا يجوز له ولايتهم على ذلك أيضا . (3/195)
صفحة 196
فصل : واذا وقف على النبيذ الذي هو مع أهل المعرفة به أنه نبيذ ، في الآنية المباح فيها الشرب في دين الله ودين المسلمين ، ولو جهل هو ذلك أنه حلال أو حرام ، وقد علم أنه أنبذ في تلك الآنية أو لم يعلم ، إلا أنه وجده في تلك الآنيه وفي تلك الأوعية ، مع ما كان من الناس ولم يعلم أنه حرام بوجه من الوجوه فيما غاب عنه ، وهو مباح له ذلك ، ولوكان في الأصل عمل في آنية محجورة ، ثم حول إلى الآنية المباحة ، من بعد أن صار نبيذا ، إلا أن يقول من هو في يده أنه نبذ في آنية محجور فيها شراب النبيذ ، فإذا أقر لذلك وهو بعد في ملكه فهو حجة على من أقر معه بذلك ، ولا يسعه الإقدام على ذلك ولو جهل حرمة ذلك وجهل حجة من قال بذلك من أهله ، فلا يسعه جهل ذلك كله .
فصل : وأما إذا وقف على النبيذ الذي هو مع أهل المعرفة به أنه نبيذ في الآنية المعروفة ، بأنها لا نبيذ فيها ، وأنه إنما ينتقل فيها من غيرها من الآنية التي يشرب منها في الوقت متعارف ذلك ، فهذا الموضع معنا موضع الاختلاف ، ويحسن فيه الاختلاف ، لأنه قد وقف على النبيذ ، ولم يقف على معنى ما كان فيه أصل النبيذ ، ونحب في هذا على السبيل أن لا يقدم على شرب النبيذ إلا من عند ثقة ومامون على هذه الصفة .
فصل : وان كان من عند غير ثقة ولا مامون ، وقد زال عنه معرفة الأصل في الإناء المنبذ فيه ذلك النبيذ ، ولم يقف عليه بعينه وأصله ، فشرب هذا النبيذ على هذه الصفة ، كان معنا قد شرب مباحا ، إلا ما قد ذكرنا من الاختلاف وقد بينا ذلك . (3/196)
صفحة 197
وأما إذا وقف على النبيذ في الإناء ، المحجور فيه شرب النبيذ ، ولم يعلم أنه نبيذ في ذلك الإناء ، وانما وقف عليه نبيذا في ذلك الإناء ، فاما هو فمحجور عليه شربه من ذلك الإناء في الأصل ، حتى يعلم أنه أنبذ في غيره وحول إليه ، من بعد ما وقف ، ولم يعلم أنه زاد فيه من بعد أن حول إليه ، فإن أخبره مخبر ممن هو في يده ، أو ممن يجور قوله عليه وفيه ، أنه أنبذ في غير ذلك الإناء من الآنية التي يجوز فيها الشراب ، لم يكن معنا في ذلك حجة ولا مصدقا فيه إلا أن يكون ثقة ، لأن الأصل الذي وقف عليه فيه فهو محجور حتى يعلم أنه غير حرام ، كما أنه إذا وقف عليه في الآنية الحلال الشرب فيها ، كان مباحا من أيدي الكل من أهل القبلة ، إلا أن يعلم أنه حرام ، وقول من هو في يده حجة ، إذا قال إنه حرام لوجوب الملك عليه فيه كائنا ممن كان .
وأما هذا إذا وقف على ما يوجب حجره ، فلا يطلقه له من سبيل الحجر ، إلا من قول ثقه مامون لا شك في صدقه أنه أنبذ في غير هذا الإناء من الآنية المباحة ، وأنه إنما حول إلى هذا الإناء من بعد أن أدرك ، وان لم يرد في هذا الإناء زيادة توجب تحريمه .
فإن رأى من يشرب هذا النبيذ وشربه ، وقد وقف عليه في الآنية المحجورة الشرب فيها ، إلا أنه لم يعلم أنه أنبذ في تلك الآنية أو لم ينبذ فيها ، وهو نبيذ قائم العين مع من يعرف أنه نبيذ ومعه هو ، إلا أنه غاب عنه من هذا النبيذ ، كيف كان أصل نيته فرأى وليا له يركب ذلك ويشربه ، على هذه الصفة لم يكن له ترك ولايته ، ولا جاز له البراءة منه ، وهو مامون في دينه على ذلك .
وكذلك ليس له أن يبرأ من غير وليه على هذه الصفة ، إلا أن يعلم أن هذا النبيذ أنبذ في هذا الإناء ، أو في إناء حرام فيه الشرب ، لأن هذا مما يحتمل حلاله وحرامه ، ومن وجه أنه أنبذ في غير هذا الإناء من الآنية التي يحل الشرب فيها. (3/197)
صفحة 198
فإذا أدرك تحولها في هذا الإناء ، وشربه هذا الشارب وهوحلال ، وكلما أمكن عذر الراكب بوجه من وجوه الحق ، فلا تحل البراءة منه على هذا الوجه ولا على هذا المعنى ، مما هو فيه مامون عليه في دينه ، كل من كان الحق فيه لله -تبارك وتعالى- ، وليس فيه حق للعباد ولا حجة للعباد ، فإذا وقف على النبيذ المعروف بعينه أنه نبيذ ، وقد علم أنه منبذ في ذلك الإناء الفاسد فيها الشراب ، فهذا هو الموضع الذي لا يسعه جهله ولا جهل ولاية من ركبه ، إذا علم الأصل الذى به يعلم الواقف على عين النبيذ حرمة النبيذ من تحليله ، لأنه ليس بالوقوف على العين ، ممن يعرف عين النبيذ ، ووقوف على تحريم النبميذ من تحليله ، فمن هنالك لم تكن الحجة تقوم على من وقف على عين النبيذ أنه حرام أو حلال ، و أنه لو وقف عليه العالم به أنه حرام مع العلماء بتحريمه ، لم يعرفه أنه حلال أو حرام ، حتى يقف على الأصل الذي به يكون حراما بعينه ، وانما اختلف معنا الدم والنبيذ ، فكان النبيذ مباحا في الأصل ، إذا لم يقف على الأصل الذي يكون به حراما مع العالمين به والعارفين بعينه .
ولا يبلغ من وقف عليهما جميعا إلا بمعرفة الأصل الذي يعرف الحلال منهما من الحرام ، والمباح من المحجور ، لأن الدم في الأصل حرام غير منتقل بفعل من أفعال المخلوقين ، إلى حال غيره ، ولأنه إنما هو حرام بنفسه لا بنية غيره ولا بفعل غيره ، ولأنه لا يقع على الحرام منه أبدا ملك ولا يكون ملكا بيمين ، إلا ما كان قائما في الأنعام المباحة الحلال ، وهو فيها ، فالملك واقع على الأنعام ، لا على ملك الحرام ، فهذا حرام في الأصل ، إلا بعله تلحقه من أفعال الغيرر ، فهو محجور في الأصل لا يحل الإقدام عليه والمقدم عليه ، إذا وافق الحرام المجمع عليه بغير حجة يسعه ، مما ذكرنا من الشهادة ممن يصح بشهادته التصديق على ما يمكن صدقه في دين الله ، فلا مخرج له عندنا من الهلاك وهو معنا هالك . (3/198)
صفحة 199
وأما النبيذ ,فإن الأصل فيه الحلال للأملاك مما يحرج هو منه ، ومما يأتي منهه ، ولأنه لا يقع عليه الحجر من المشروبات ، إلا أن يراد به النبيذ في الآنية المحجور فيها الأشربة .
وليس كل العين يقع عليها الحجر ، ولا يقع عليهما الحجر بالذات والعين ، وانما يقع عليها عند القصد بها إلى الاراده للنبيذ في الآنية المحجور فيها الشراب . ثم هنالك يقع عليها الحجر والأصل أملاك لما هو في يده ، فإذا كان في يد الغير كان ملكا له ، وهو حلال لزوال علم الواقف عليه عن الأصل الذي به يقف على تحريمه ، ولوجوب الملك عليه ممن هو في يده ، فلذلك اختلف القول في النبيذ ، وقد بينا ذلك فيما مضى من الفصل فاختلف معنا في ذلك معنى النبيذ من معنى الدم ، وان كان هنالك وقوع الشبهة فيه ، فقد جاء فيه الاختلاف على ما وصفنا ، والله الموفق للصواب . (3/199)
صفحة 200
فصل : فإن كان الأصل يراد به النبيذ في الأواني المحجور فيها استعمال النبيذ ، فاريد بذلك النبيذ في تلك الآنية وصار نبيذا ، فهو حرام لمعنى السكر الحال فيه والنازل له ، ولموضع معنى الشراب منه ، فما دام السكر قائما فيه وكان مسكرا ، فالمسكر حرام على هذا الوجه من هذا النبيذ لا محال ، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أهل العدل أنه كان مسكرا ، وقد بني على الأصول الفاسدة في الآنية المحجورة ، أن ذلك حرام فاسد رجس لا ينتفع به في شراب ولا طعام ، ورجس ما مس النبيذ من الطهارات من الأطعمة والأشربة وغير ذلك من الطهارات ، إلا ما اختلف فيه من الماء ، فقد مضى القول في استثناء ذلك على اختلاف أهل العدل في قليله وكثيره ، الذي تحتمل فيه النجاسات ويفسده أو لا يفسده ، وسائر ذلك ، فهو مفسد له في حاله هذه التي وصفناها ، فإذا أريد به الخل بعد أن صار في حد المسكر في هذه الآنية ، فتحول عن حال المسكر إلى حال الخل ، وزال عنه عين المسكر وحكم المسكر ، المحجور لعلته ولمعناه ، وصار خلا في العين مع من وقف عليه من العارفين أنه خل وأنه ليس بمسكر ولا نبيذ ، فقد اختلف في ذلك من قول أهل العلم من أهل العدل : (3/200)
صفحة 201
فقال من قال : إن ذلك يتحول إلى الخل ، ويصير حلالا طاهرا بالنية التى أوقعت عليه ، وأريد بها فيه وأريده لها إذا زال عنه حكم المسكر المحجورة لمعناه لعلته ، وتحول إلى حد الحلال المباح في الإجماع أن لو أريد به في الأصل لكان مباحا حلالا ، لا اختلاف في ذلك ، فلما أن حصل السبب الذي به أبيح زال المسبب الذي به حجر وهو المسكر ، وانما تحول إلى حال الخل بالنية ، كما تحول إلى النبيذ المسكر بالنية ، وليس هو في الأصل حراما من التمر والزبيب ، إلا أن يراد به النبيذ بالنية ، في الآنية المحجور فيها النبيذ ، والا فالأصل ملك حلال ولم يحل فيه نجاسة أفسدته من ذوات النجاسات المائعة فيه ، إلا ما عارضه من النية الفاسدة ، فكل ما أفسدته النية الفاسدة بعد أن كان ملكا حلالا ، وهو قائم العين التي لم يأت عليه من الآفات غير النية التي أفسدته ، فكذلك إن حال عن حال تلك النية ، كان حلالا وكذلك إذا حال عن حال المحجور المسكر ، إلى حال الخل بالنية المراد بها للخل تحول إلى الخل ، وقد قيل : يعالج بالشمس أو الماء أو الملح. وانما يراد بمعالجته تحوله عن حال المسكر إلى حال الخل ، فإن تحول إلى حال الخل بغير معالجة مع النية له بذلك ، فقد زال عنه حد المحجور وصار إلى حد المباح وهو حلال .
وقال من قال : إنه إذا صار إلى حد النبيذ في الآنية الفاسدة فيها استعمال النبيذ فهو حرام ، لا يتحول إلى الحلال ، والقول الأول أصح معنا وهو قولنا إن شاء الله .
لأن المحجور منه المحرم المسكر والمراد به للشرب والنبيذ. (3/201)
صفحة 202
ولو أن ذلك المجعول في الآنية من الجرار وغيرها من الآنية التي لا يجوز استعمال النبيذ فيها ، ولم يرد به الشراب ولا الخل ، وجعل على غير نية في تلك الآنية ، كان ذلك حلالا مباحا ، لا نعلم في ذلك اختلافا ، فكذلك إذا أريد به الخل فهو حلال مباح ، وإنما حجر بنية الحرام مع حلول السكر فيه ، وانما منع لمعنى السكر وحرم السكر منه . وقد قال تعالى : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) ، فإنما المحجور السكر ، وليس الأصل بمحجور .
وكذلك إذا حال إلى غير الحال الذي حجر به فليس بمسكر ولا محجور ،
وليس هنالك ذات محرمة في الأصل إلا بالنية ، فإذا زالت عن حال ما أريد به من المحجورات زالت أحكام النية عنه .
فصل : ومعنا أنه إذا حال عن حال المسكر وصار خلا مزيلا للحرام المحجور ، نازلا بمنزلة المحلل من المملوكات ، فهو من الخل ، والخل ليس بمحرم ، ونقول إنه إذا فارق حال ما صار به محجورا مما أريد به وقصد إليه به واتخذ له ، فزال عن ذلك الحجر ، فقد صار إلى حد المباح الحلال ، لأنه أملاك ليس بحرام في الأصل ، والله أعلم ، وذلك معنا على هذا ، ولو لم يعالج ولم يرد به الحل ، إلا أنه قد صار خلا ، فعلى من أراده للنبيذ التوبة من تلك النية ، وأن يتوب إلى الله من تلك المعصية ، وقد فارق هذا الخل معنا حال المسكر المحجور ، وهذا الذي يبين لنا في هذا ، والله أعلم بالصواب ، وقولنا فيه قول المسلمين .
فصل : فإذا صار المسكر من التمر والنبيذ والخمر خلا ، ونزل بمنزلة الخل ، وعين الخل مع من يعرفه ، فهو مباح له معنا من عند كل أهل القبلة ، إلا أن يعلم أن الأصل كان فيه محجورا ، فإذا علم ذلك فهنالك يقع الاختلاف :
فقال من قال : إذا رجع إلى حال الحل من جميع ذلك من الخمر وغيره من الأنبذة ، ولو لم يرد به الخل ، فقد رجع إلى حال المباح .
وقال من قال : غير ذلك . (3/202)
صفحة 203
فصل : فإن ركبه راكب على جهله بالأصل ، وقد صار خلا فهو معنا مسلم مباح له ذلك ، ولو كان الأصل في هذا الخل ، فقد كان خمرا حراما ، ثم صار خلا على غير نية ، أو على نية ، فذلك كله معنا سواء في حال جهل المرتكب بأصل ذلك .
وأما على علمه بأصل ذلك ، وتحول ذلك إلى الخل بعد أن كان خمرا أو نبيذا فاسدا ، فقد يجري في ذلك الاختلاف ، وقد بينا ذلك .
وقولنا إنه مباح إذا صار إلى حد الخل ، وزائل حكم المسكر لمعناه المحجور لسببه ، فإن أقدم على ذلك بعلم من أصله ، فقد أقدم على مختلف فيه وهو سالم ، وقد مضى قولنا في المختلف فيه إذا أقدم عليه الجاهل به في غير موضع ، وهذا مثله إن شاء الله . (3/203)
صفحة 204
باب: ذكر الطلاء
والطلاء من جميع الأشياء : من الزبيب والتمر والعنب ، وجميع ما يسكر إذا جعل نبيذا ، ويكون خمرا إذا اختمر ، فقد جاء الأثر المجمع عليه أنه إذا تحول عن حال الخل وحال النبيذ ، بالتسمية والصفة والعين فقد صار مباحا بمنزلة الأطعمة والأدوية من غير الأشربة ، وذلك أنه يغلى العصير من ذلك كله ، الذي يراد به الطلا ، ويطبخ بالنار حتى يرجع إلى الثلث ويذهب الثلثان في الوزن أو الكيل ، وانما قيل حتى يرجع إلى الثلث :
وقد قال من قال : حتى يرجع العشرة إلى ثلاثة ، فإذا رجع العشرة من ذلك إلى ثلاثة ، فلا نعلم اختلافا بعد ذلك أن هذا حلال مباح ، حيث ما جعل من الآنية ، وأنه لا يكون مسكرا بعد هذا ، وقد خرج منه الأخبثان وبقي الطيب ، وكذلك جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولعل ذلك مما يجمع عليه من القول مع أهل القبلة ، وأما أهل العدل فلا نعلم بينهم اختلافا .
فصل : وجميع ما كان من الأشربة من غير العنب والرطب والبسر من النخل ، أريد به النبيذ في الآنية المباح فيها الأشربة من البر والشعير والذرة والعسل والسكر ، وغير ذلك من أنواع الحلال فهو لاحق في الاباحة معنا بالنبيذ من التمر والزبيب ، وما كان من ذلك في الآنية المحجورة فيها الأشربة ، واتخاذ الأشربة فيها فهو لاحق نبيذ التمر والزبيب فيها ، فقد مضى القول في ذلك ، وقد يختلف الناس في أشياء من ذلك ، وكل ذلك الاختلاف لا يخرج من وجه الاباحة والحجر على ما وصفنا ، لا على غير ذلك ، وان اختلف معاني ذلك ، فاصله واحد والقول فيه واحد إن شاء الله . (3/204)
صفحة 205
باب: ذكر الفروج وتحريمها وتحليلها بالنكاح
ومما حرمه الله في كتابه وسنة نبيه وأجمع على تحريمه أهل القبلة لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك، الفروج من النساء والدواب وغير ذلك من الفروج على الرجال ، إلا من الأزواج وما ملكت اليمين من النساء للرجال، وليس ذلك للنساء من الرجال ما ملكت أيمانهن ، من ذلك قول الله - تبارك وتعالى - : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ )( 1).
وقال ذلك في موضع آخر مثل هذا أيضا فقال تعالى : ( وليستعفف الذين لا يجدون يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا )( 2 ).
ففرض على من لم يجد نكاحا ولا ملك يمين أن يصبر ويستعفف عن جميع المحارم والمآثم ، حتى يغنيه الله من فضله إنه واسع علم.
ثم دلهم على ما هو جائز لهم في النكاح عند القدرة عليه منهم،ولم يجعل لهم الخيرة من أمرهم ، وحد لهم في ذلك حدودا لا يسع مجاوزتها إلى غيرها لا بجهل ولا بعلم ، فقال تعالى : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا )(3 ).
فأطلق لهم عند الرغبة للتزويج حدا معروفا لا يجاوزونه وهو الأربع نسوة . ثم قال : فإن خفتم ألا تعدلوا على الأربع ، فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ، إن خفتم ألا تعدلوا على الواحدة من النساء ، فيما يجب لها عليكم من الحقوق الواجبة . (3/205)
صفحة 206
ثم دلهم على ما يجوز لهم من حل النساء في التزويج والملك ، وما يحرم عليهم في التزويج والملك ، فدلهم على ذلك كله حتى يعرفوا مواضع ذلك . فقال تعالى : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف ) ، ففي التاويل المعنى في هذا ما قد سلف فهو حرام أيضا لا تفعلونه ، لا تنكحوا ما نكح آباؤكم ، ولا ما ينكح آباؤكم فيما يستقبل ، ويخرج هذا أيضا على المعنى أنه إلا من قد سلف فقد عفا الله عما قد سلف ، والمعنى الأول هو أصح ، لأنه إنما المخاطبة في المستأنف من نكاحهم .
فصل : ثم قال تعالى :( حرمت عليكم أمهاتكم ) ، فاجمع أهل العلم أن الأم وأمهاتها ما كن وعلون ، حرام كحرمة الأم .
( وبناتكم ) فكذلك البنات وبنات البنات وبنات البنين ما كانوا وتناسلوا ، حرام في الإجماع من المسلمين .
(وأخواتكم ) فجميع الأخوات من قبل الأب والأم ، ومن قبل الأب ، ومن قبل الأم فحرام بالكتاب .
( وعماتكم وخالاتكم) فمن أين كن فهن حرام ، وعمات آبائك عماتك ، وخالات أمهاتك خالاتك ، وما يحرم عليهم في التزويج و الملك ، فدلهم على ذلك كله لأن يعرفوا مواضع ذلك .
( و بنات الأخ وبنات الأخت ) فهن وبنوهن وبنو بنيهن ما كانوا وتناسلوا فهم حرام بالكتاب والإجماع .
( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) فالأم من الرضاعة التي أرضعتك ، فهي حرام عليك بالنكاح بالكتاب ، وأمهاتها أمهاتك ما كن وعلون بالسنة والاجماع . (3/206)
صفحة 207
فصل : (وأخواتكم من الرضاعة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أجمع عليه أهل القبلة من قوله : "إنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ، فلحق ذلك بحكم الكتاب ، وكان ذلك موافقا للكتاب ، ولا يحسن في العقول ولا في المعاني إلا تحريم ذلك في الرضاع ، من سائر النساء المحرمات بالنسب ، لأنه لما حرم الأمهات والبنات ، والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت من النسب نصا ، ثم ألحق الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة ، بذوات النسب من الأمهات والأخوات ، لم يجز إلا أن يكون سائر ذوات الأنساب لاحقات بذلك في التحريم من الرضاع ، لأنهن مثلهن ومشبهات لهن ، وإذا صح التحريم نصا في الأم والأخت المحرمتين في جملة المحرمات في النسب ، ولم يأت في سائر لمحرمات بالرضاع نص بالتحليل ، لحق ذلك حكم التحريم ، ولما أشبه ذلك من المحرم بالنص وسائر المحرمات بالنص في النسب ، مثل الأمهات والأخوات من الرضاع لا فرق في ذلك ، فلما صح التحريم بالرضاع في الأمهات لحق ذلك جميع المحرمات بالنسب وأشبه ذلك بعضه بعضا ، فكان ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، تفسرا لما هو لاحق بحكم الكتاب في الإجماع أنه ما أشبه المحرم بالنص فهو محرم . (3/207)
صفحة 208
فصل : فالتحريم بالرضاع داخل بحكم الكتاب على سائر المحرمات بالنسب والصهر إذا جاز في الأمهات والأخوات في الرضاع ، وهما مستويان في جملة المحرمات من ذوات النسب والصهر في قوله تعالى : ( أمهاتكم) ( وأخواتكم ) (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ) ، وكان النسب والصهر متساويين في المحرمات ، وكان حكم الكتاب داخلا في الأخوات من الرضاع جميع المشبهات المحرمات بالكتاب من ذوات الأنساب والصهر ، باحكام الرضاع بالسنة ، كما ثبت في الكتاب تحريم الأم من الرضاعة والأخت من الرضاعة ، وكان ذلك كله في التحريم سواء ، لا فرق في ذلك ، فاثبت النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ما هو ثابت في حكم الكتاب أن لو لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه نص ، فالاجماع من أهل العلم على أن التحريم داخل على المشبه للمحرمات بالنص ، ما لم يأت في السنة لذلك نص بتحليل ، فثبت ذلك بحكم الكتاب والسنة والاجماع بما هو ثابت في أحكام ذلك جميعا .
ثم قال : (وأمهات نسائكم ) فذلك محرم من الأم ولو لم يدخل بالابنة ، لأن ذلك مبهم ، فإذا تزوج بالابنة ورضيت به زوجا حرم عليه أمهاتها ، وأمهات أمهاتها من النسب و الرضاع . (3/208)
صفحة 209
وقال : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ). فكان ذلك على الشريطة بعد الدخول ، فإذا تزوج الرجل بالمرأة ، ورضيت به زوجا ثم طلقها قبل الدخول وقبل أن ينظر إلى فرجها ، أو يمسه بيده أو بفرجه ، فلا يحرم ذلك عليه بناتها ولا بنات بناتها ما كن ، فإذا كان منه أحد ذلك ، فوطىء أو نظر إلى فرجها على الاستحلال للنظر إليه بالتزويج ، أو مس بفرجه أو بيده فرجها ، فقد حرم عليه بناتها وبنات بناتها وبنات بنيها من النسب والرضاع ، ما كانوا وتناسلوا كانوا في حجره أو لم يكونوا في حجره ، وكانوا عنه معتزلين خارجين من حجره ، وانما خاطب الله بذلك على ما يستدل به أن الربائب كن في الحجور ، وقد يكن في غير الحجور ، وقد تكون الربيبة قد تزوجت وبانت ، وقد يكون يولد للمرأة بعد أن طلقها وتزوجت بعد ذلك ، وربيت في غير حجره ، وكان ذلك في حجر أبيها ، فقد حرم عليه ما ولدت قبل ذلك التزويج ، وما ولدت بعده من النسب و الرضاع ، بالكتاب والسنة والإجماع ، لا نعلم بين أهل
العلم في ذلك اختلافا .
ثم قال : (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) فكان هذا خاصا في حلائل الأبناء من الأصلاب ، ردا من الله - تبارك وتعالى - ، لقول من عاب على النبي صلى الله عليه وسلم تزويج امرأة زيد لما قضى زيد منها وطرا ، وكان زيد من النبي صلى الله عليه وسلم بالموضع المكين ، حتى كان يسمى ابنه في الادعاء من الألفاظ من الناس ، ولم يكن ابنه لصلبه ، فبين الله ذلك في غير موضع من حكمه ، فقال تعالى : ( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل )( 4 ). (3/209)
صفحة 210
فأباح - سبحانه - أزواج الأدعياء ، وحرم أزواج الأبناء من الأصلاب ، ولم يكن استثناؤه هذا في أزواج الأبناء من الأصلاب موضعا للإباحة لنساء الأبناء من الرضاع ، و إنما كان هذا نفيا منه للزوم الأبناء من الأدعياء ، في الأحكام في شيء من الحلال والحرام ، فلو لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة في التحريم من الرضاع ما يحرم من الأنساب ، ما حسن إلا أن يكون الابن من الرضاع لاحق بالابن من النسب ، إذا كانت الابنة من الرضاع لاحقة في التحريم بالابنة من النسب .
كذلك زوجة الابن من الرضاع محرمة ، كما محرم زوجة الابن من النسب ، إذا كان ابنا مسمى مشبها للابنة وللابن من النسب في المحرمات ، وفي الاسم ، فزوجة الابن من الرضاع والنسب ، إذا تزوجها ابنه من الرضاع أو النسب ، فرضيتا به زوجا ، فلو لم يدخل بها فقد حرمت على أبيه من الرضاع أو النسب ، إذا تزوجها ابنه من النسب في المحرمات وفي الاسم ، وعلى أبي أبيه وأجداده ما كانوا وعلوا من الرضاع أو النسب ، ولو لم يدخل بها الزوج ، لأنها مرسلة مبهمة .
وكذلك قوله تعالى . : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) فإذا تزوج الرجل امرأة ، دخل بها أولم يدخل بها ، فقد حرمت على بنيه من النسب والرضاع ، وعلى بني بنيه وبني بناته ، ما كانوا وتناسلوا من الرضاع والنسب ، لأن ذلك مطلق مبهم قوله : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) فالنكاح هاهنا التزوبج ، وهو عقدة النكاح مع رضاء المرأة ، فإذا حصل ذلك فقد وقع الملك والحجر في الأحكام والمواريث ، أن لو ماتت أو مات عنها ، وكما أن الصداق ونصف الصداق أن لو طلق فقد وقع حكم الزوجية والملك ، وعلى ذلك أجمع أهل القبلة ، لا نعلم بينهم اختلافا ، أنه إذا تزوج الرجل بالمرأة ، ورضيت به زوجا تزويجا جائزا ، ثم مات أو ماتت أن لها منه الميراث . (3/210)
صفحة 211
وقد قال الله - تبارك وتعالى - : ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم ) فلا يستحق الميراث إلا زوجة ، والنكاح مع الرضاء يوجب الزوجية ، وهو عقدة التزويج .
فصل :- وقد قال الله -تعالى - : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) ( 5 )فقد صح الوجوب للنكاح ، واسم النكاح بغير دخول من الزوج ، وقد صارت منكوحة لمن نكحها ، ولا نعلم في هذا اختلافا .
ثم قال تعالى : ( وأن تجموا بين الأختين إلا ما قد سلف ) يعني وأن تجمعوا في النكاح بين الأختين ، على نسق قوله تعالى : ( و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ) وقوله تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) فكان هذا نسقا لقوله بالنكاح ، فإن النكاح هو العقد بالتزويج ، وحرم عليهم أن ينكحوا ما نكح اباؤهم ، أي أن لا يتزوجوا ما تزوج اباؤهم ، فكان حجر النكاح هاهنا تحريم العقدة منهم لما حرم عليكم نكاحه ، إذ قال تعالى : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) فكان النكاح هو التزويج ، والعقد عليه ، فكان ذلك محجورا ممن حرم الله نكاحه ، ولو لم يطا الناكح المتزوج ، فإن كان العقد نفسه يقع به الحجر ، كما وقع به عقد الحلال . (3/211)
صفحة 212
كذلك يقع به وجوب الضلال ، لأنه لوكان حلالا كان يجب به الزوجية من الحجر والوطء والمواريث والصدقات . وكذلك بنفس العقد والقصد إليه بالنكاح ، محجورا على العلم بما حجر عليه من المحرمات عليه من ذوات النسب والصهر والرضاع بقوله تعالى : ( أن تجمعوا بين الأختين ) فالجمع يقع بنفس العقدة للتزويج ، لا نعلم في ذلك اختلافا ، أنه لو عقد له التزويج معا باختين لبطل نكاح الجميعتين ، ولو رضيتا أو رضيت به إحداهما ، فكان الحكم واقعا بالعقد في التحريم ، والتحليل كذلك واقع بالعاقد والمعقود عليه ، على ما لا يجوز ولا يحل من الإثم ، والتعدي لحدود الله ، إذا فعلوا ذلك على العلم ، وكان قوله تعالى : (وأن تجمعوا بين الأختين ) مطلقا في الأختين ، من جميع الأخوات من النسب من أي وجه كان ، ومن الرضاع ، لقوله تعالى : (وأخواتكم من الرضاعة) وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، مع الإجماع على التحريم بالسنة ، والصحيح أنه لا يخرج الرضاع في هذا من النسب.
وقوله تعالى : ( إلا ما قد سلف ) يعني وما قد سلف ، فهو محرم عليكم أيضا ، ولو كان في حين نزول الآية أحد جامع بين أختين ما جاز له أن يقر على ذلك ، ولا يجوز هذا في الأحكام بعد نزول الحكم في الحرام على التابيد إلى غير غاية ، ولا نعلم أن للنكاح غاية إلا الموت أو الطلاق ، فهذا باطل أن يجوز هذا إلا أن يكون وما قد سلف . كذلك قال بعض أهل التاويل وهو جائز صحيح .
وقد يجوز في المعنى أن يكون قد عفا عنهم عما قد سلف من أمرهم ، من غير أن يجوز أن يثبت لهم حكما قد حرمه على الفاعل في المستقبل ، لما قد سبق من فعله ، هذا ما لا نعلمه يجوز في أحكام كتاب الله ، ولا سنة رسوله ولا في الإجماع في الدين ، والله أعلم . (3/212)
صفحة 213
ولا يخرج هذا معنا إلا أن يكون عفوا عنهم مما مضى أن لا يعاقبهم عليه ، أو على المعنى في الاعراب أن إلا تقوم مقام ما ، كما قد قال الله - تبارك وتعالى - : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) المعنى على ما قيل في التأويل ، وهو صحيح ، إلا من ظلم يعني ومن ظلم أيضا فلا يحب الله منه الجهر بالسوء من القول ولو ظلم ، فهذا وأمثاله مما قد قيل فيه في التاويل إن ما يقوم مقام إلا ، ومن تقوم مقام إلا .
وقوله تعالى : إن الله كان غفورا رحيما) عما كان منهم مما كانوا يأتونه في جهلهم وفي بعض أيام الإسلام ، قبل أن ينزل التحريم في النكاح والتحليل ، فكان الله لهم عن ذلك غفورا رحيما .
فصل : ثم قال تعالى : ( والمحصنات من النساء) يعني وحرم عليكم المحصنات من النساء في النكاح ، والمحصنات من النساء هاهنا ، هن ذوات الأزواج المتروجات ، فكل امرأه منكوحة متزوجه قد وقع عليها حكم الزوجية ورضيت بزوجها ، ووجب عليها حكم نكاحه ، فهي حرام على غيره من الرجال بالنكاح ، أو بما ملكت اليمين ، فلا يجوز نكاح ذات بعل متزوجة من أمة أو حرة ، ولا وطؤها بملك يمين ما دامت في ملك زوجها ، وهي حرام على سيدها أن يطاها بملك اليمين ، ومحرم عليها النكاح غير نكاح بعلها ، التي هي زوجة له وهو زوج لها ، فنكاح ذوات البعولة من النساء حرام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واجماع أهل العدل من المسلمين .
وأما قوله تعالى : ( إلا ما ملكت أيمانكم) فقد قيل في ذلك باختلاف : (3/213)
صفحة 214
فقال من قال : ( والمحصنات من النساء) أي ذوات البعولة إلا ما ملكت أيمانكم أي وما ملكت أيمانكم أيضا من ذوات البعولة ، فهو حرام عليكم وهو صحيح في التاويل ، وهذا مثله قوله تعالى : ( إلا ما قد سلف ) فقوله ( إلا ما ملكت أيمانكم ) يعني وما ملكت أيمانكم أيضا من ذوات البعولات ، فهو محرم عليكم بوطء اليمين ، حتى يحل فرجها بموت زوجها أو بطلاق ، وهذا تاويل يخرج على الانفراد في حجر الفروج من الاماء على السيد ما كانت ذات بعل ، ثابت نكاحه عليها في الإجماع ، من أهل العدل من جميع أهل القبلة.
فصل : وقال من قال : في قوله تعالى : (إلا ما ملكت أيمانكم ) يعني في ذلك مما قد حرم ، مما نصه عليهم كله ، ثم عطف على قوله تعالى : ( و المحصنات من النساء) تماما لما حرم من المحرمات ، في جمل قد أكملها من التحريم في النكاح ، وكان هذا آخر ما حرم من المحرمات في النكاح والتزويج ، ثم أطلق بعد هذا التحريم ، وما قد قص عليهم من الحجر فوق الأربع في النكاح ، وفي نكاح الواحدة في الإثم إن خافوا ألا يعدلوا ، فاطلق لهم مع خوفهم ألا يعدلوا في التزويج ما ملكت أيمانهم ، كذلك أطلق لهم ما ملكت أيمانهم من غيرما حرم الله عليهم ، من هذه المحرمات من النكاح والمملوكات ، فاراد بقوله تعالى : إلا ما ملكت أيمانكم) أي أنه أحل لهم ما ملكت أيمانهم ، ولو لم يكن هناك نكاح منهم بعد ما حرم عليهم ، وبين لهم أنه حرام عليهم في النكاح . (3/214)
صفحة 215
كذلك بين لهم أنه حرام عليهم فيما ملكت اليمين ، فأراد بذلك تبارك وتعالى أنه حرام عليهم في ملك اليمين ، جميع ما حرم عليهم في النكاح من ذوات النسب والصهر والرضاع والجمع بين الأختين ، وذوات البعولة مما ملكت أيمانهم ، فكل ذلك محرم عليهم في الوطء بملك اليمين ، كما هو محرم عليهم في النكاح ، فاحل لهم ما ملكت أيمانهم ، ولو لم يكن نكاحا ، قام لهم الملك لما ملكت أيمانهم مقام النكاح والتزويج ، وانما بين لهم أنه حرم عليهم في الأملاك من المحرمات ، مثل ما حرم عليهم في النكاح والتزويج ، وهذا قول يخرج على صحيح من التاويل ، يجتمع عليه جميع أهل العدل ، أنه يحرم من الملك في الوطء مما يحرم من النكاح من النسب والصهر والرضاع والجمع .
وقال من قال : ( إلا ما ملكت أيمانكم ) يقول : وحرم عليكم من النساء بالنكاح والوطء بملك اليمين ، جميع ما حرم عليكم ، والمحصنات من النساء مما ملكت أيمانكم وغيره ، إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا ، من مشركين من ذوات البعولة في الشرك ، لأنه إذا صارت للمسلمين وحلت للمسلمين بملك اليمين انقطعت عنها محصنة التزويج من أهل الشرك ، وحرم عليها زوجها المشرك ، وكانت حلالا للمسلمين بملك اليمين ، وهذا قول يصح أيضا على الوجه مع أهل العدل ، وفي إجماعهم أن المشرك إذا أسلمت زوجته أو صارت في حكم ملك المسلمين ، انقطعت عصمة زوجها من أهل الشرك عنها ، وحلت للمسلمين ، فكل هذه الأقاويل جائزة خارج كل منها على الصواب ، على الانفراد بقوله ، وتحت كل قول من هذه الأقاويل فائدة ، يخرج في الإجماع في معناها على الانفراد بحكمها إن شاء الله . (3/215)
صفحة 216
فصل : وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها لا الصغيرة على الكبيرة ولا الكبيرة على الصغيرة" وذلك محرم مفرق بينهم ، وذلك مما يصح حكمه في كتاب الله بالسنة ، بمعنى تحريم الجمع بين الأختين ،ومعنى تحريم الأخت ، فلما أن صح تحريم الأخت نصا من النسب والرضاع ، وصح تحريم العمة والخالة نصا من النسب والرضاع كذلك ، لا يجوز أن يجمع بين النساء ما يحرم عليه هو ، من ذوات محارمه من النسب والرضاع ، بمعنى تحريم الجمع بين الأختين ، ولمعنى تحريم أمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم من طريق الصهر ، فلما أن صح هذا كله صح أنه لا يجور له الجمع بين ذوات المحارم ، كما لا يجوز له أن يتزوج ذوات المحارم ، بالدلالة من كتاب الله على شبه ذلك في معناه ، والمراد به ، مع تصديق ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الإجماع على ذلك من أهل القبلة ، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا .
فلما أن صح هذا بالاجماع عليه من أصول الدين ، بالاطلاق والنص ، في أن لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ، صح في الإجماع أن عمة أبيها وعمة جدها ، وما كان من عمات ابائها ، فهي عمة لها كما كانت أمهاتها ، ما كن وعلون أمهات لها ، كذلك عمات ابائها وعمات أمهاتها وخالات آبائها وخالات أمهاتها على هذا النحو ، فهن عمات لها وخالات لهما ، كما أن عمات آبائه وعمات أمهاته وخالات آبائه وخالات أمهاته عمات له وخالات ، ومحرمات عليه من النسب والصهر و الرضاع ، وكل ذلك حرام بالإجماع والسنة والكتاب ، والسنة والإجماع لاحقان بالكتاب ، ولا نعلم في ذلك اختلافا . (3/216)
صفحة 217
وقوله تعالى: (إلاما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ) المعنى في ذلك كتب الله عليكم هدا الذي قص عليكم ، من تحريم المحرمات في النكاح ، وقد بين ما حرم عليهم من استباحة الفروج ، وفرض عليهم في حفظ فروجهم ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ، ثم كتب عليهم أن هذا الذي قصه عليهم محرم عليهم ، ولو كان ذلك بالتزويج وملك اليمين ، فهو محرم عليهم لا يحل لهم ذلك ، بنكاح ولا ملك يمين ولا في غيره .
فصل : ثم قال تبارك وتعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا باموالكم محصنين غير مسافحين ) ، فالاحصان هو التزويج مما أحل الله ، مما عدا هذا الذي قد بينه وقصه ، وحجره عليهم بالملك وغير الملك .
والسفاح كل ما عدا النكاح والملك باليمين ، مما أحله الله بالنكاح والملك ، فما يأتي بغير نكاح ولا ملك فهو سفاح ، والسفاح هو الرنا ، والزنا هو موجب للحد في الدنيا ، والوعيد والعذاب في الآخرة .
وقال الله - تبارك وتعالى - : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) وقال تعالى : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) .
وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( أو امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج )(6 ) ، فلم يحل الله - تبارك وتعالى - الفروج من الحرائر ، بالهبات منهن لأنفسهن في شريعة دين نبينا صلى الله عليه وسلم إلا له في امرأة واحدة لا نعلم غيرها ، وسائر ذلك فإنما كان صلى الله عليه وسلم يتزوج بالولي والصداق والشهود ، وكانت سنته صلى الله عليه وسلم ذلك في التزويج . (3/217)
صفحة 218
فصل : وقد قال أهل العلم في قول الله - تبارك وتعالى -لا نعلم بينهم اختلافا ، قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم : إن الفريضة عليهم التي فرضها الله عليهم في النكاح إذن الولي في التزويج أو تزويحه بنفسه بحضرة الزوج المتزوج ، أو وكيل من قبله ، أو من يتزوج عليه ، ويقبل ذلك له بعقد التزويج ، بلفظ يعرفه المزوج والشهود والمتزوج ويعقلونه ، مما يراد به التزويج ، ويثبت به معاني التزويج ، وان اتسعت ألفاظ الخلق في ذلك ، بفريضة من الصداق ، تكون عوضا للمرأة ، ولا يقع على غير عوض من الفرائض ، بشاهدين من أهل الإقرار بالدين ، الذي يثبت حكمه على الزوج والمرأة ، وأقله في ذلك رجلان منهم أو رجل وامرأتان ، أقل ذلك ، ولا يجوز أقل من هذه القواعد الأربع في التزويج ، ورضاء المرأة ، مع هذه القواعد الأربع بالتزويج ، بعد التزويج في أكثر القول .
فصل : وقال من قال : ولو رضيت قبل التزويج ، ثبت عليها ذلك وجاز ، والقول الأول أصح معنا ، وكله يجوز ويخرج .
كذلك التزويج مع شاهدين واحدا بعد واحد ، ولا يحضر الشاهدان جميعا ، فقد اختلف في ذلك :
فقال من قال : يجوز ذلك . (3/218)
صفحة 219
وقال من قال : لا يجوز إلا أن يكون التزويج مع الشاهدين جميعا في حضرتهما ، وكل ذلك جائر ، والأربع اللواتي لا يجوز التزويج إلا بهن ، تزويج الولي أو عن إذنه ، ومتزوج أو من يقوم مقامه ، ولفظ في ما يراد به التزويج ويعقد به ، مما يعقل لمعنى ذلك ، ويثبت به ، وحضرة الشاهدين كذلك التزويج على الانفراد أو الاجتماع ، وأجمعوا أن هبة الفرج نفسه حرام ، لا يجوز من حرة ولا مملوكة ، وأما إذا صار له ملك المملوكة باي وجه يقع به الاملاك ، من ميراث أو شراء أو هبة أو سبي أو وجه من الوجوه التي يقع بها الاملاك ، وكانت خارجة من جملة ما حرم الله عليه ، من النساء اللواتي سمى الله - تبارك وتعالى - ، في مجملات المحرمات ، ولم يعلم أنها من المحرمات عليه ، فإنها له حلال بملك اليمين ، بعد كمال سنه الاستبراء لفرجها ، فيما يجب عليه فيه الاستبراء ، مما لا يختلف فيه من الدين ، فهذا ما فرض الله عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم .
ولا نعلم في هذا اختلافا من قول أهل العدل ، فإذا أتى فرجا على غير هذه الشرائط ، بملك أو بنكاح ، فلا يجوز ذلك معنا ، فيما عليه إجماع أهل العلم معنا من أهل العدل .
وان وقع التزويج وعقد التزويج على غير عوض ، ولا فريضة مسماة ، فإنه لا يثبت أحكامه إلا بثبوت العوض ، فإن طلق قبل الدخول وجب العوض عليه بالمتعه ، وان وطىء قبل الانفاق على الفريضة ، ثبت العوض في الإجماع وان اختلف فيما ثبت من العوض ، فإن الإجماع على ثبوت العوض ، وان مات ثبت العوض بالميراث في الإجماع ، وقد اختلف في العوض بعد الميراث ، وان ماتت هي فلا عوض للورثة ، وللزوج الميراث ، ولا نعلم في ذلك اختلافا .
-------------------------------------
1- الآيات 5 و 6 و 7 من المؤمنون.
2- جزء الآية 33 من سورة النور.
3- الآية 3 من سورة النساء.
4- الآية 4 من سورة الأحزاب.
5- جزء الآية 49 من سورة الأحزاب.
6- الآية 50 من سورة الأحزاب. (3/219)
صفحة 220
باب: ذكر الفروج والنكاح والقذف
وجاء الأثر المجمع عليه من قول أهل العدل من المسلمين ، أن الفروج مباحة مطلقة بالنكاح الحلال ، والملك الثابت الجائز لها بالملك به ، ما لم يعلم الراكب لها أو يصح معه أن ذلك الفرج الذي قد استحقه بالنكاح أو صح بالملك ، حرام بوجه من الوجوه التي حرمها الله في كتابه أو سنة نبيه ، أو إجماع المسلمين من أهل العدل ، لأن الله -تبارك وتعالى - ما حرم من المحرمات بانسابهن وصفتهن من الصهر والرضاع وذات البعل .
ثم قال تعالى : (وأحل لكم ما وراء ذلكم ) بالنكاح والملك ، لا بغير ذلك من السفاح والزنا والغصب ، ولا يجوز ذلك في محرم النكاح والملك ولا في مطلق بالملك والنكاح أبدا ، والمرتكب المحرم بالملك في النكاح في دين الله بالزنا والسفاح مرتكب لحجرين محرمين ، كلاهما ارتكاب المحرم بالنكاح والملك ، أن لو كان ملكا صحيحا ونكاحا صحيحا ، ما حل به المحرمات ، فركب ما لا يحل بالنكاح ولا بالملك بغير ملك ولا نكاح ، على التعمد للعلم بذلك .
والزاني بذوات المحارم التي حرمها الله في النكاح ، إذا زنى بذات محرم منه ، بعلم منه بذلك أنها ذات محرم منه ، ولو جهل ما يلزمه في ذلك أو علم بذلك ، فحده في ذلك في قول أهل العلم ، لا نعلم بينهم اختلافا ، أن يقتل بالسيف محصنا كان أو بكرا ، لأنه ركب ما لا يحتمل ولا يحل له على حال من الحال .
والزاني بغير ذات محرم منه ، قد يحل له ذلك بالملك ، والتزويج أن لو كان ذلك .
وكذلك إذا تزوج ذات محرم منه مما يجمع عليه ، فإذا تزوجها ووطئها وهو يعلم بذلك أنها ذات محرم منه بمعرفة النسب والصهر ، وما به تحرم عليه ، فإذا وطىء على ذلك ، وهو جاهل أو عالم بالحرمة ، إذا علم بالحرمة إذا علم ما تجب به الحرمة فركب على ذلك ووطئها ، فالحد عليه في ذلك القتل بالسيف . (3/220)
صفحة 221
كذلك جاء الأثر المجمع عليه من قول أهل العدل ، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك . واذا عقد على نفسه التزويج بذات محرم منه ، وهو يعلم بذلك بالنسب أو الصهر أو الرضاع أو البعولة ، وجهل ذلك أو علم ذلك ، فهو هالك بالدخول في عقد النكاح ، ظالم بذلك ، لا يسعه جهل ذلك ولو لم يطأ الفرج ، ولا نظر إليه ولا مسه بيده ولا بفرجه ، فبنفس العقد على نفسه ، قد وقع في المحجور الحرام .
وكذلك المنكح إذا علم بذلك من المحرمات من النسب والصهر و الرضاع ، وذوات البعولة ، وجميع ما حرم الله في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، أو إجماع أهل العلم من المسلمين ، فإذا علم المتزوج أو المزوج والشهود على التزويج ، باصل ما يحرم به النكاح ، فدخلوا في عقد التزويج ، بعلم منهم بحرمه النكاح ، أو بجهل منهم بحرمة النكاح ، فهم هالكون بذلك من حين ما يدخلون فيه .
وكذلك المرأة إذا علمت باصل ما يحرم به النكاح فرضيت بالتزويج على ذلك بعلم منها بحرمة النكاح ، أو بجهل منها بحرمة النكاح ، إذا علمت الأصل ، فلا عذر لها في ذلك ، وهي هالكة بذلك من حينها ، ولو لم يدخل بها الزوج إذا رضيت بالنكاح ، وأثبتته على نفسها ، والرضى منها بذلك مهلك لها ، ولا نعلم في هذا اختلافا ، لأن العقد الذي قد دخلوا فيه هو الأصل المحل للحلال ، الموجب لأحكام النكاح ، من إباحة الفرج ووجوب الصداق أو المتعة أو المواريث ، فلما أن كان هذا العقد حراما ، ما لم يحل أن لعقد في دين الله عقدا حراما بجهل لحرمته ولا بعلم لحرمته ، والجاهل والعالم لذلك سواء ، وكل ذلك جائز بائن ، والعالم أشد إثما وأعظم جرما ، إذا تعدى على معاصى الله بعلم ويقين . (3/221)
صفحة 222
فصل : وكل من جهل الأصل الذي به تقع الحرمة من زوج ومزوج أو شهود أو امرأة ، فدخل في عقد صحيح ، في حكم دين الله في حكم الظاهر ، وغاب عنه علم ما تقع به الحرمة من الأنساب والأصهار والرضاع ، وغير ذلك من المحرمات ، ولو كان سائر الداخلين ، عالمين بذلك ، فلا يضر الجاهل بذلك علم العالمين من زوج أو زوجة أو مزوج أو شهود ، وكل مسئول في هذا عن علمه ، وهالك بجهله بما لا يسعه جهله إذا وقف على علم ما لا يسعه جهله .
فصل : ولو دخل في مباح في ظاهر الحكم في دين الله مع أهل العدل من المسلمين ، وهو لا يعلم أحلال ذلك أم لا ، فوافق حلالا لموضع ما غاب عنه من علم ما تجب به الحرمة فهو سالم محق ، لأنه وافق ما هو له مباح من زوج أو مزوج أو زوجة أو شهود ، لأن علم ذلك من المحرمات والمحللات من جميع المناكح مما يسع جهله ما لم يركبه بعد علمه بالأصل الذي يجب به التحريم ، أو يتولي راكبه بعد علمه بالأصل الذي يجب به التحريم ، وبعد علمه بان راكبه الذي ركبه عالم بالأصل الذي يجب به التحريم ، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه على هذه الصفة أو يقف عنهم برأي أو بدين على هذه الصفة ، فإذا كان منه أحد ذلك ، كان هالكا وحل محل الهلاك ، وكان عليه الدينونة بالسؤال ، للخروج مما قد دخل فيه من الهلاك ، وكان جميع من عبر له ذلك حجة عليه وقبل ذلك لم يكن حجة عليه علم ذلك ولاشيء منه ، ما لم يبلغ إلى علم ذلك باي الوجوه بلغ إلى علمه ، أو تقوم عليه الحجة بعلم ذلك من علماء المسلمين الذين تقوم بهم الحجة فيما يسع جهله ، و لا كان عليه الدينونة بالسؤال عن شيء من ذلك مجملا ولا مفسرا إلا ما يلزمه من الدينونة بالسؤال مجملا ، عما يلزمه السؤال عنه من أمر دينه . (3/222)
صفحة 223
فإن اعتقاده للسؤال في جملته عن جميع ما يلزمه السؤال عنه داخل فيه جميع الدينونة بالسؤال عما دخل في الجملة من دينه ، كما كان إقراره بالجملة إقرارا بجميع دين الله ، وكما كان علمه بما يلزمه في الجملة ، علما منه بجميع دين الله الذي تعبده بعلمه ، ما لم يلزمه شيء من ذلك بعينه ، يلزمه العمل به والانتهاء عنه ، فيضيع ذلك اللازم ، أو يركب شيئا من تلك المآثم والمحارم ، فهنالك يخصه السؤال عن ذلك بعينه بالدينونة حتى يخرج منه بعينه ، وحتى يؤديه بعينه ، وقد مضى في هذا الوصف ما في بعضه كفاية إن شاء الله .
فصل : ولو رأى مثل محمد بن محبوب أو موسى بن علي رجلا قد جمع بين امرأة وأمها وابنتها بعقدة واحده ، وأقام عندهن ، وهو عنده قبل ذلك في الولاية ، أو في حد الوقوف ما جاز له أن يبرأ منه ، على ذلك ، ولا يقف عن ولايته حتى يعلم أنه عالم بذلك وبنسبهن ، فإذا علم ذلك أنه عالم بالنسب الذي تقع به الحرمة في ذلك ، ثم أقام بعد ذلك على هذا النكاح ، أو شيء منه ولم يفارقهن من حينه كلهن ، فإنه يلزمه هنالك أن يبرأ منه ، كانت له ولاية متقدمة أو لم تكن له ولاية ولو أن موسى بن على أو محمد بن محبوب لما عاينا ذلك من الراكب لذلك ، برءا منه ، أو علم هو أنه مرتكب لما حرمه الله عليه في علمه ، كان قد أتى بذلك كبيرة ، ولو كان الراكب لذلك في علم الله قد أتاه وهو يعلم أنه حرام عليه ، لكان الراكب لذلك هالكا في دين الله ، و المتبرىء منه على في هالكا ، وكذلك الواقف عن ولايته بدين على ذلك ، يكون هالكا في دين الله . (3/223)
صفحة 224
ولو أن موسى بر علي أو محمد بن محبوب لما أن عاين ذلك من راكبه ، و أعلمه بذلك أنه جامع بين امرأة وأمها وابنتها ، فلم يصدقه على ذلك ، وأقام على نكاح نسائه ، وهو ممن يعلم منزلة موسى بن علي ومحمد بن محبوب إلا أنه لم يصدق الواحد منهما ، إذ لا تقوم بالواحد في الشهادة الحجة ، ما جاز لموسى بن علي ولا لمحمد في محبوب ، أن يقف عن ولاية وليه ذلك ، ولا يبرأ منه على ذلك ، وان وقف عن ولايته أو برىء منه على ذلك بدين فهو هالك .
فصل : ولو أنه إذا أعلمه بذلك قال أنا عالم بذلك ولكني لم أعلم أن ذلك علي حرام ، لكان قد أقر بما يجب به عليه البراءة ، لأنه قد أقر أنه راكب محرما بجهله بحرمته ، فافهموا الفرق في ذلك .
ولا تقوم في هذا الحجة في الشهادة ، إلا شهادة شاهدين ذوى عدل ممن تجوز شهادته ، على ذلك الراكب من أهل دينه أو من المسلمين ، ولو عاينه يأتي بالوطء عيانا أمه أو أخته ، ولا نعلم أمتزوج بها أو ليس بمتزوج بها عالم بنسبها ، أو ليس بعالم ما جاز له أن يقف عن ولايته ، ولا يبرأ منه حتى يعلم أنه يأتي ذلك بعلم منه بنسبها ، فإذا علم ذلك فقد قامت عليه الحجة بأنه قد ركب ما لا يحل له بنكاح أو بغير نكاح ، وقد لزمه هنالك البراءة منه ، إذا علم أن ذلك يلزمه فيه البراءة ، وذلك مما يسع جهل كفره في جميع المناكح ، ما لم يركبه أو يتولى راكبه كما وصفنا بعد العلم ، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه بدين أو برأي ، بعد العلم منهم بذلك منه . (3/224)
صفحة 225
فصل : ولو عاينه يطا امرأة في الطريق ، أو في موضع ليس بمنزله ولا موضع منه ، واستبرأ به في ذلك ، وهو لا يعلم أن تلك المرأة امرأته ولا جاريته ، وهو يعرف المرأة أو لا يعرفها ، ما حل له أن يقف عنه ولا يبرأ منه على ذلك ، حتى يعلم أنه يأتي ذلك بغير ملك أو تزويج ، فإذا عالم أنه يأتي ذلك منها بغير ملك أو تزويج ، فهنالك تحرم عليه ولايته بالدين ، فما لم يتوله بدين أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه ، أو يقف عنهم من أجل ذلك بعلم منهم بذلك برأي أو بدين فهو سالم مسلم بذلك إن شاء الله .
فصل : وكذلك لو جهل الزنا ومعرفة حرمته ، مما يسع الناس جهله ما لم يركبوه ، أو يتولوا راكبه على علم منهم باصله الذي به يوقف على علم حرمته ، أو يبرأوا من العلماء إذا برئوا من راكبه أو يقفوا عهم برأي أو بدين ، إذا برئوا من راكبه بعد علمهم باصله الذي به يعرف حرمته ، ولو كان الزاني مرتكبا في علم الله لما يعلم أنه حرام ، وعاين ذلك من عاينه منه ، ولو لم يعلم كيف يأتي ذلك ، أبتزويج أم بغير تزويج ولا ملك ، فلا يسع العالم منه ذلك أن يبرأ منه ، ولا يقف عنه بدين ، كان الراكب عالما أو ضعيفا ، كان الواقف على الزاني عالما أو ضعيفا أو جاهلا ، فلا يسع ذلك في دين الله -تبارك وتعالى - ، إلا أن يعلم أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك ، فإذا علم ذلك من أنه يأتي ذلك الفرج ، الذي هو ليس من ذوات المحارم منه بغير نكاح ولا ملك ، لم يسع الجاهل حينئذ أن يتولاه بدين ، ولا يبرأ من العلماء إذا برئوا منه على ذلك بعلم منهم بذلك ، فإذا كان ذلك الفرج من ذوات المحارم منه ، وعلم أنه عالم بأنه عالم من ذوات المحارم منه ، لم يسعه حينئذ أن يتولاه بدين ، ولو لم يعلم أنه يأتيه بغير نكاح ولا ملك ، لأن النكاح في ذلك سواء ، وهو حرام عليه . (3/225)
صفحة 226
فصل : واذا علم العالم بزنا الزاني أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك ، ثم سمع من يبرأ منه على ذلك من العلماء ولا يعلم أنهم يعلمون منه أن يأتي ذلك بغير نكاح ، أو لا يعلمون ، فإذا علم هو منه ذلك ، ولم يعلم أنهم جاهلون بذلك منه ، فبرئوا منه على ذلك فليس له أن ينكر على المتبرىء منه تلك البراءة ، إذا علم هو أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك ، وأنه يأتي ذلك حراما ، إذا عاينوا منه ذلك الذي عاينه منه ، وعرفوا منه مثل الذي عرفه منه ، ولو كان وليا له على ذلك ، لأنه قد علم أنهم قد علموا منه مثل ما علم منه ، ولو برئوا منه على ذلك ، وهم لا يعلمون أيأتي ذلك بنكاح أو ملك ، أو بغير نكاح ولا ملك ، وقد عاين منه هو ذلك ، وعلم أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك ، فعليه أن يتولاهم على ذلك ، وليس له أن يقف عنهم بدين ولا برأي ، إذا كانوا علماء ، وقد خانوا الله في دينهم إذا برئوا منه بغير علم ، وان وقف عنهم في ذلك أو برىء منهم ، وقد علم هو أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك ، ولا يعلم منهم أيعلمون مثل علمه أو لا يعلمون ، فهم مامونون على ذلك ، لأنه يمكن أن يعلموا منه مثل الذي قد علم ، وقد صح معه هو ما تجب به البراءة منه ، وقد قامت عليه الحجة بعلمه ذلك ، لأنه مخلوع عنده في الحكم فيما يدين له ، ولا حجة له على من عالم كعلمه في الظاهر . (3/226)
صفحة 227
فصل : وليس له هو إذا علم أنه يأتي ذلك حراما بغير نكاح ولا ملك ، أن يبرأ منه مع من قد علم أنه يتولاه ، أو مع من ادعى ولايته ممن يمكن أن يتولاه بحق بوجه من الوجوه ، فليس له أن يبرأ منه مع من قد علم أنه يتولاه ، فهنالك يجوز له أن يبرأ منه معهم ، ولو علم أنهم قد علموا منه ذلك الذي قد عاينه حتى يعلم أنهم قله علموا أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك ، وأنه يأتي ذلك حراما ، أو مع من ادعى ولايته ، فإن برىء منه معهم على غير ذلك ، فهو هالك في حكم دين الله ، حتى يعلم أنهم قد علموا منه كعلمه في الوجهين جميعا ، من معاينة الركوب ، وعلم الأصل الذي به تجب البراءة .
وكذلك إن علم أن المتبرئين منه الواقفين على معاينة الركوب ، غير عالمين باصل الحرمة التي بها يجب الكفر ، ولو عاينوا الركوب ، فإذا علم أنهم غير عالمين باصل الحرمة ، التي بها يجب الكفر ، لم يسعه أن يتولاهم على ذلك بدين ، كانوا علماء أو ضعفاء أو جهالا ، لأنهم إذا برئوا منه بوقوفهم على ارتكابه لما لا يعلمون حرمته بعلم ممن علم منه وبحرمته ، فقد علم أنهم أتوا محجورا في الأصل وكفرا ، وقالوا كذبا وزورا ، ولا يسعه أن يحملهم على علمه فيما لا حجة لهم فيه ، وقد علم أنهم قد انخلعوا في دين الله ببراءتهم منه بغير حق . (3/227)
صفحة 228
وان كان هو غير عالم بأنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك ، أو بنكاح أو ملك إلا أنه جاهل بذلك ، ثم عاين منه ذلك ، وعاين منه ذلك معه أحد من أوليائه الذين يتولاهم المعاين من العلماء ، أو الضعفاء من المسلمين أو من غير المسلمين ممن لا يستحق عنده ولاية ، فعاينوا ذلك منه جميعا ، وهو لا يعلم أنه يأتي ذلك بالوجه الحرام ، وقد غاب عنه علم ذلك ، فلا يجوز له أن يبرأ منه على ذلك ، فإن برىء منه أولياؤه على ذلك ، وهو ولي له - أعني الراكب - وقد علموا أنه يتولاه ، أو هو ممن تجب ولايته في حينه على أهل الدار ، فعليه أن يبرأ منهم على ذلك لأنهم حاكمون في ذلك بغير حجة لهم ، ولأنهم أتوا محجورا في ظاهر الأمر ، مما لا حجة لهم فيه مع من يتولاه ، لأنهم لو قالوا بعد ذلك ، وهم مائة ألف أو يزيدون ، من بعد أن برئوا منه على ذلك ، أيأتي ذلك بغير حق بوجه من الوجوه ، ما قبل منهم ذلك ، وكانوا مخلوعين مع من يتولاه على ذلك ، ولو كانوا في علم الله في ذلك من الصادقين ، لكانوا عند الله في دينه بذلك من الفاسقين ، إذ حكموا بغير حجة تصح في دين الله ، وحكموا لأنفسهم بدعواهم على خصمهم . (3/228)
صفحة 229
ولا يجوز ذلك في حكم الإسلام ، لأن هذا مما هو مؤتمن عليه في دينه ولا حجة لأحد عليه فيه ، إلا أن يعاينوا ذلك منه ،على وجه التغلب منه على الفروج ، والقسر منه للمرأة وهي تنازعه وتنكر عليه ، وتمتنع منه ذلك ، وتدعي عليه أنه يأتي ذلك منها بغير حجة ، بلا ملك ولا نكاح ، فإذا ادعت عليه ذلك ، وأنكرت عليه ذلك ، ولم يعلم هو أنها كاذبة في ذلك أو صادقة ، فقد قامت الحجة عليه بإظهار النكير منها عليه ، إذا كانت ممن له الانكار ، وممن ينكر عن نفسه من البالغين الذين ينكرون الأحكام على أنفسهم ، ويغيرون ذلك ، فإذا كان كذلك ولم يعلم كذب المدعي من صدقه ، ولم يوضح وليه على ذلك حجة ، أو ينته عن ذلك ، بعد قيام الحجة عليه من المرأة ، فقد أتى محجورا في الأصل ، وعليه البراءة منه حتى يأتي في ذلك ما يخرجه من البراءة ، لأنه قد ركب بعد النكير عليه ما لا حجة له فيه . (3/229)
صفحة 230
فصل : فإن انتهى بعد أن قامت عليه الحجة بالنكير ، وقامت عليه الحجة في ذلك ، فلم يأت بعد قيام الحجة عليه ، ما هو محجور عليه في الأصل ، إلا ما كان يأتي قبل ذلك فلا يكفر بذلك عند من عاين منه ذلك بالفعل الأول ، قبل أن تقوم عليه الحجة من المرأة بالنكير ، الذي هو حجة لأن إظهار النكير من المرأة في ذلك حجة عليه ، إذا ركب بعد قيام الحجة ، وترك النكير حجة ، ولو كانت تمانعه على ذلك وتدافعه ، ولا تدعي عليه في ذلك حراما ولا مأثما ، إلا أنها تمتنع عنه في ذلك ، لم تقم عليه بذلك حجة في الحكم ، لأنه يمكن أن تكون امرأته أو جاريته ، وتمنعه ما هو له ، ولا حجة في ذلك تقوم عليه إلا أن تقول لا حق له علي في هذا بملك ولا نكاح ، أو تمتنع منه وتطلب المنع منه ، فتحتج عليه في ذلك بحجة حق ، فيدفع حجة الحق ، ويركب ما ليس له حجة في دين الله ، بعد قيام الحجة عليه ، أو بعد أن تدحض حجته ، فإنه يكون بذلك كاذبا هالكا في حكم الظاهر ، ولو كان محقا في السرائر ، ولو كانت هذه المرأة في علم الله أنها زوجته أو جاريته ، وقد أقامت عليه الحجة بما لا حجة له فيه ، ثم تعدى بعد قيام الحجة عليه ، أو بعد أن بطلت حجته عند أهل الحجة القائمين عليه بذلك ، ممن قام عليه بذلك من حجج الله عليه ، فإنه يكون بذلك هالكا في حكم دين الله . (3/230)
صفحة 231
فصل : ولو ادعى عليها الزوجية أو الملك ، وأنكرت ذلك وامتنعت منه عن ذلك ، فغلبها على نفسها ، ووطئها على ذلك ، ولم تطلب منه الحجة في ذلك إلى من حضرهما ممن تقوم عليه لله الحجة أن ينصرها عليه ، إلا أنه ادعى عليها ذلك ، وأنكرته ، فلم تمتنع ذلك ولم تنتصر منه ، ثم وطئها على ذلك ، كان قد أتى محجورا في الأصل مما يكون فيه محجوجا في دين الله بقولها ، إذا ادعت عليه ذلك ، وكان قوله باطلا ، وكان المدعي الزوجية أو الملك ، فلا يصح في الإجماع البراءة منه ، لأنه يمكن ما يقول هو ، بمكن ما تقول هي ، وقد ادعى ما يمكن وأنكرت هي ما يمكن كذبها فيه ، ولم تدع أنه يغصبها نفسها ، ولا يأتي ذلك منها حراما ، وإنما تمنعه ذلك وتدعي أنها ليست زوجته ، وهو يدعي الزوجية أو الملك ، وهي تنكر ذلك ، فقد قامت عليه الحجة منها بالدفع بدعواه ، ويحتمل في هذا معنا ولايته والبراءة منه ، والوقوف عنه حتى يمتنع ما يجب عليه من الحجة ، عند القائمين عليه بالحجة لله قي ذلك الأمر ، الذي قد ظهر منه .
ولو قام بذلك الأمر عليه لله من الناصرين لدين الله في ذلك الأمر الذي قد ظهر منه يهودي أو نصراني ، أو أحد من المتعبدين بدين الله أن ينصروه ، فأقام عليه الحجة لله في ذلك ، فامتنع أن يترك ذلك حتى يصح له في دين الله دعواه ، وحكم نفسه في ذلك ، وامتنعت حجة الله عليه في ذلك لمن قامت عليه ، كان بذلك هالكا معنا في حكم الظاهر ، إذا أتى ذلك بعد قيام الحجة عليه ممن احتج عليه من المحتجين من المتعبدين بدين الله ، ولو كان في سريرته صادقا ، كان في دين الله في حكم الظاهر منافقا فاسقا . (3/231)
صفحة 232
فصل : ولو قام عليه بذلك صبي غير متعبد بدين الله ، ولم تقم عليه الحجة من إنكار المرأة إلا ما يدفع من دعواه ، لم يبن لنا أن يكون بذلك محجوجا في حكم الظاهر ، وكان على الحكم الأول معنا من الولاية له والبراءة والوقوف ، لأنه محجوج في قوله المرأة ، متى قامت عليه الحجة عند الحاكم وعند أهل الإسلام ، كان مدعيا ، وكانت هي المصدقة عليه ، فصار في الأصل مدعيا لما يأتي من ظواهر الأمر المحجورة عليه ، حتى يصح ما يدعي .
وإذا ارتكب محجورا في ظاهر الأمر ، لا يكون فيه مؤتمنا على قوله ، ويكون محجوجا في أصل ما دخل فيه ، وأمكن صدقه وكذبه ، لحقه حكم الاختلاف من الولاية والبراءة والوقوف معنا بمنزلة القتل المحجور ، والأمور المحجورة والفروج المحجورة التي يمكن فيها الحق والباطل والكذب والصدق ، فإذا أتى شيئا محجورا يمكن فيه كذبه وصدقه وحقه وباطله ، وهو في الحكم مؤتمن على ما يدعي لا يكون على ما يدعي ، لا يكون أحد في ذلك عليه حجة ، وإنما كل من عارضه في ذلك الأمر ، وادعى عليه أنه فيه مبطل أو مخصوم ، كان خصما له في ذلك مدعيا عليه ، وكان هو المدعى عليه ، وفي جميع ما كان من الأمور على هذا الوجه ، فهو مؤتمن عليه أبدا ، ما لم يعلم باطله ، أو تقوم عليه الحجة ممن ادعى عليه ، ولا يلحقه في ذلك حجة مدع ممن ادعى عليه ، ولو عاينه يطأ هذه المرأة ، وهي لا تغير عليه ذلك ولا تنكر ، ومطاوعة له على ذلك ، ثم ادعت بعد ذلك أنه غصبها نفسها ، وقد وطئها على ذلك كانت مدعية عليه في الحكم ، لأنه رآها مطاوعة له في ذلك ، فليس لها حجة في النكير بعد المطاوعة في حكم الظاهر ، ولا يلحقه لها حجة من طريق الصداق في حكم الحق ، مع من عاين ذلك منه ، فإن ادعت ذلك عليه بعد ذلك الوطء ، فجحد ذلك ووطئها بعد ذلك الانكار ، والدعوى التي ادعتها عليه وأظهرتها إليه ، فإنه يكون بهذا الوطء الآخر هالكا ، ولو كان عند الله صادقا . (3/232)
صفحة 233
ولو كان على القول الأول كاذبا ، ولم ينكر عليه ذلك في حين ما يجوز النكير ، وإنما أنكرت بعد أن بطلت الحجة بترك النكير ، كان بذلك سالما في حكم الظاهر ، ولو كان عند الله كاذبا ظالما . (3/233)
صفحة 234
باب: ذكر الوطء والفرق بين الفروج والأموال
وأما الفروج فإذا وطىء فرجا في موضع ما هو معه أنه حلال له من ملك أو تزويج على فراشه ، وفي مواضع ما يذهب إليه أنه ملك له ، ولا نعلم غير ذلك ، فقد اختلف في ذلك :
فقال من قال : إنه لا يسعه من الفروج في مثل هذا ، ما يسعه في الأموال وهو هالك بموافقة تلك الجثة ، لأن تلك الجثة عليه حرام ، لأنها معروفة عنده وعند غيره أنها عليه حرام ، والأملاك ليست كذلك ، فهو وإن وطىء تلك الجثة على فراشه وفي موضع فراشه ومنزله ، وخانت الله تلك الجثة أو لم تخن ، أو كانت ناعسة أو مجنونة ، ولم يعلم هو بذلك فهو غير معذور ، وهو هالك ، وليس له أن يواقع تلك الجثة التي هي عند الله وعند من عرفها ، وعنده هو أن لو وقف عليها بعينها حرام عليه ، ولا ينفعه في هذا مواضع الأملاك ، لأنها لو امتنعت وأنكرت ، كانت في الأصل لا حجة له عليها ، وعلى هذا القول فما لم يتب من ذلك بعينه ، أو ينساه فيتوب في الجملة فهو هالك ، وما ذكر ذلك ولو كان في حكم دين الله ، دائنا بالتوبة من جميع معاصيه ، فلن يجزئه ذلك حتى يتوب من ذلك بعينه ، أو ينسى ذلك فيتوب في الجملة .
وقال من قال : إنه لا يسعه ذلك في تلك الموافقة ، إلا أنه لم يأت ما هو محجور عليه في الأصول ، وإنما هو أصل فراش له ، فتجزئه التوبة في الجملة ، إذا كان ذلك عنده داخلا في جملة حلاله ، و اذ هو دائن بأنه لا يأتي ذلك إلا حلالا والقول الأول أصح عندنا في أحكام الفروج ، والله أعلم . (3/234)
صفحة 235
ولا نعلم أن أحدا قال : إن مواقعة ذلك الفرج له حلال ، إذا سكن قلبه إلى ذلك أنه ملك له ، أو زوجة له ، وإذ هي على فراشه ، لأن أحكام الفروج في هذا ليس بمنزلة أحكام الأملاك الداخلة حكمها في أملاكه ، وغير معروفة العين من أملاكه بأنها غير أملاكه ، فافهموا هذا الباب في الفروج والأملاك ، فإن الفروج في هذا غير الأموال .
فصل : وقد قال الله - تبارك وتعالى - : ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون )( 1). وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا قتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (2 ).
وأكل أموال الناس بالباطل من الكبائر ، وأكل الربا ولو كان عن تراض من المتبايعين من الكبائر ، وأكل أموال الناس بالباطل على وجوه مختلفة ، فما عدا وجوه الحلال من المحللات في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فهو باطل .
ووجوه الحلال من أموال الناس ، قد ثبت حكمها في دين الله - تبارك وتعالى - ، من كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين ، ورأي أهل العلم من الصادقين الذين لا يكونون في رأيهم للدين مفارقين ، بل يكونون لأحكامه موافقين . (3/235)
صفحة 236
فمن ذلك المواريث الواجبة في أحكام كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين ، ورأي أهل العدل ، كل ذلك قد ثبت في أحكام المواريث ، وهو وجه من وجوه الحلال في دين الله ، وواسع في دين الله ، وعلم المواريث بأجمعها مما يسع الناس جهله ما لم يركبوا من ذلك مخالفا لكتاب الله أو سنة وسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع المسلمين في حيازة ميراث يخالف هذه الوجوه من أحكام المواريث ، أو حكم حاكم من حكام العدل في ذلك ، ولو كان الحكم فيما يختلف فيه من رأي المسلمين ، فحكم الحاكم مختلف فيه ، وهو ممن يجب حكمه على الرعية ، من أئمة العدل الثابتة لهم الإمامة في أعناق المسلمين ، وحكامهم الذين يحكمون بالرأي من ولاة أمورهم ، فما لم يخالف أحد بجهله أحد هذه الوجوه في المواريث ، فهو سالم إذا جاز ما لا يخالف أحد هذه الوجوه ، ما لم يأت حال يكون فيه خصمه منازعا له يطلب منه الانصاف ، في اختلاف المسلمين إلى أحكام أهل العدل ، فليس له أن يحوز مالا بميراث ، يختلف فيه على غيره ، ولغيره فيه في بعض رأي المسلمين ، ما له في الاختلاف ، فيكون في ذلك حاكما على خصمه لنفسه إذا دعاه في ذلك إلى حكم أهل العدل . (3/236)
صفحة 237
فصل : وكذلك إذا مانعه ذلك وحال بينه وبين ذلك بالمنع ، لم يكن له أن يقاتل على مختلف فيه في رأي المسلمين ، إلا أن يكون المال في يده ، وحيازة في حكم هذا أن يمانع بغير محاربة يسفك فيها دما ، أو ينتهك فيها محرما ، إذا علم أن خصمه يجوز له في الأصل مما يجوز له ، فإذا سلم العبد من مخالفة دين الله في أحكام المواريث ، فهو واسع له جهل ذلك ، ما لم يركب محرما في دين الله ، على علم منه بأصل حرمته التي بها يعرف حرمته مع العلماء به وبدين الله ، أو يتولى راكبا لذلك ، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكب ذلك بدين أو برأي ، أو يقف عنهم أ برأي أو بدين ، من أجل ذلك ، أو بتقول على الله في حين جهله ذلك ، ما يخالف أحكام دين الله ، أو يحكم على أحد في ذلك بمخالفة دين الله ، أو يعين على ذلك على علم منه بأصل ذلك ، فإذا كان منه أحد هذه الوجوه كان هالكا . (3/237)
صفحة 238
وكان عليه الدينونة بالسؤال عما يلزمه في ذلك ، وكان كل من عبر له ذلك من المعبرين ، حجة عليه في ذلك ، فإذا وافق العدل من ذلك ، فأخذ ما هو له من المواريث ، الثابتة في أحكام دين الله ، ورأي العلماء بوجه ما هو جائز له في حكم دين الله ، كان له ذلك واسعا ، وله أخذه برأي نفسه ، وبما حسن في عقله ، أو أخبره بذلك صبي من الأطفال ، أو جاهل من الجهال ، أو مشرك من أهل الانكار ، أو فاسق من أهل الإقرار ، فأخذ حقه الذي قد فرضه الله له ، وأوجبه له في هذا الميراث ، برأي نفسه ، أو بقول أحد من هؤلاء الذين وصفنا ، كان ذلك حجة له في دين الله ، وكان على جميع الخلائق السمع له والطاعة ، وليس لأحد أن يخالفه من عالم أو حاكم أو خصم إذا أخذ بما لا اختلاف في ذلك ، ولو لم يفته بذلك مفتي من أهل العلم ، وأفتى بخلاف ذلك ممن ينسب إلى العلم ، وهو من العلماء المشهورين مع أهل زمانهم في العدل ، ما كانوا في ذلك حجة ، وكان قولهم في ذلك باطلا لا يجوز ، وكان من اتبعهم على باطلهم ذلك هالكا ، ضامنا لما أخذ بقولهم في ذلك ، مخالفا لأحكام دين الله ، ولو كانوا مائة ألف أو يزيدون ، من أمثال موسى بن علي ومحمد بن محبوب ، وحاشاهم من ذلك
-----------------------------
1- الآية 188 من سورة البقرة.
2- الآيتان 29 و 30 من سورة النساء. (3/238)
صفحة 239
باب: ذكر القذف
وكذلك القذف لأهل القبلة من الرجال والنساء بالزنا ، حرام من الكبائر ، وجهل ذلك واسع ما لم يركب ذلك الجاهل ، أو يتولى راكبا أو يبرأ من العلماء ، إذا برئوا من راكب ذلك أو يقف عنهم برأي أو بدين .
فمن قذف بالغا من الرجال والنساء بالزنا ، فهو كافر بذلك ، ولو لم يكن للمقذف ولاية فالقذف بالزنا محجور مع كل أهل القبله ، لجميع أهل القبلة ، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا ، أن قاذف المحصن من الأحرار البالغين من أهل القبلة أنه هالك ، مع جميع من قذفه إلا مع من قد علم كعلمه فيه من أهل القبلة .
فصل : ولو كان القاذف للحر من أهل القبلة ، إنما قذف عند من لم يعلم كعلمه فيه من العبيد ، أو جميع من تعبده الله بدينه من أهل الإقرار بالجملة ، بتحريم القذف للمحصنات من الرجال والنساء الأحرار من أهل الإقرار .
وأما قذف العبيد من أهل الإقرار مع أهل الإقرار ، فقد قيل في ذلك باختلاف :
فقال من قال : إنه يهلك بذلك ويبرأ منه من حينه .
وقال من قال : يستتاب من ذلك ، فإن تاب و إلا برىء منه .
وأما إذا قذف العبد من أهل الإقرار الحر من أهل الإقرار ، ففي ذلك أيضا اختلاف :
فقال من قال : يبرأ منه من حينه .
وقال من قال : يستتاب ، فان تاب و إلا برىء منه .
وإذا قذف الحر أو العبد الحر أو العبد ، من أهل الولاية بالزنا ، فهو هالك بذلك مع من يتولاه ، ولا اختلاف في ذلك إذا علم أنه يتولاه ، أو كانت ولايته واجبة في حينه ذلك على أهل الدار .
وإذا قذف العبد أو الحر من أهل الإقرار الحر أو العبد من أهل الشرك :
فقد قيل في ذلك باختلاف :
فقال من قال : يبرأ منه من حينه .
وقال من قال : يستتاب ، فإن لم يتب برىء منه . (3/239)
صفحة 240
وأرض أهل الإقرار هم أهل الإقرار في الحكم ، حتى يصح أن أحدا منهم أهل إنكار ، ولا يحل قذفهم ، والقاذف لهم مع نفسه ، من أهل الدار مخطىء ، وعليه التوبة من ذلك بعينه ، ولا يسعه غير ذلك .
وأما إذا سمع من يقذفه من لا يعرف ، أهو من أهل الإقرار الأحرار ، أم من العبيد أم من أهل الانكار ، فلا يجوز أن يحكم عليه بحكم الكفار المفارقين لأهل الإقرار ، حتى يصح معه ذلك بما لا يشك فيه ، لأنه يحتمل أن يكون المقذوف عبدا أو يهوديا أو نصرانيا ، أو من أهل الذمة من سائر أهل الشرك ، ولا يجوز أن يحكم على غيره في مثل هذا ، إنما يحكم على نفسه من الكفر ، إذا احتمل له مخرجا من الكفر إلا بعد الاصرار ، وحتى يدخل فيما يختلف فيه ، ولا يجوز القذف بالزنا في أحد من المحصنات ، ولا المحصنين من الرجال والنساء ، مق جميع المتعبدين بدين الله - تبارك وتعالى - .
فصل : وإذا قذف الصبيان من أولاد أهل الولاية ، فهو كافر من حينه ، إذا علم أن لهم ولاية عند من قذفهم ، أو كانت ولاية آبائهم واجبة في حينه على أهل الدار ، كان الصبي حرا أو عبدا ، كان القاذف حرا أو عبدا ، إذا كانت للصبي ولاية من قبل أبيه . وأما أمه فقله اختلف في ذلك :
فقال من قال : يثبت له الولاية بولاية أمه ، كما تثبت له الولاية بولاية أبيه .
وقال من قال : لا يثبت له ولاية بولاية أمه ، ولا يحمل المختلف فيه على حكم الإجماع . وولاية الصبي بولايه أبيه ، لا نعلم في ذلك اختلافا من أهل ا لعدل .
وأما قاذف الصبي بالزنا ، إذا لم تكن له ولاية من قبل أبيه ، من أولاد أهل الإقرار وأهل الإنكار فذلك مما يختلف فيه :
فقال من قال : إنه كافر بذلك من حينه لأنه كاذب لا محال .
وقال من قال : حتى يصر على ذلك ، ولا يتوب .
والقول الأول أحب إلينا . (3/240)
صفحة 241
فصل : وقذف أهل الإقرار بالزنا ، مع العبيد من أهل الإقرار ، أو مع الأحرار البالغين من أهل الإقرار ممن لا يعلم من المقذوف كعلم القاذف ، ولو كان صادقا في سريرته ، فإنه بذلك كاذب ، مخلوع في دين الله في علانية حتى يتوب .
وكذلك الاختلاف معنا في القذف في العبيد والصبيان وأهل الشرك ، إنما يبين لنا هذا إذا قذف القاذف لذلك ، مع من يدين بتحريم ذلك من أهل القبلة ، وأما إذا كان القذف مع أهل الذمة ، ممن لا يدين بتحريم ذلك ، أو مع الصبيان الذين لا يتعبدون بذلك في دين الله ، وكان القاذف بذلك صادقا في سريرته ، فلا يبين لنا أنه يكفر بذلك ، لأنه لم ينزل بمنزلة يخلع بها من الإسلام مع المحرمين لذلك ، ولا هو كاذب في الأصل فيكفر بكذبه ، وإنما يكفر بالقذف معنا مع من يدين بتحريم ذلك ، من أهل الإقرار ، ولو لم يكن المقذوف عنده يعلم حرمة ذلك ، إلا أنه في الأصل يدين بتحريم ذلك في جملته ، لأن جميع أهل القبلة يدينون بتحريم ذلك ، ولا يحله أحد منهم فيما علمنا والله أعلم.
فصل : وإنما يكون كاذبا في العلانية ولوكان صادقا في السريرة ، إذا قذف بالزنا مع من يحرم القذف بالزنا من الدائنين بذلك ، ولو جهل ذلك المقذوف عنده ، لأن أصل ما تعبده الله به مما أقر بالدينونة به بتحريم ذلك وإنكاره ، فليس بجهله لما يلزمه في دينه تزول أحكام تحريم القذف عنده ، وأهل الانكار لا ينكرون ذلك ، ولا يدينون بتحريمه ، فيما يتعبدون به ، وأما إذا كان كاذبا هو في سريرته ، فهو كاذب بذلك على كل حال ، ويكفر بذلك من حينه ، في جميع من قذف بذلك من الخليقة ، لأنه كاذب على كل حال ، كذبا يحقق به الباطل ، وليس ذلك من الكذب الذي لا يهلك فيه حتى يصر ، ولا نعلم في ذلك اختلافا . (3/241)
صفحة 242
وأما من قذف أحدا من أهل الإقرار ، ممن لا يعادي ولا يوالي بمكفرة من المكفرات غير الزنا ، مما يمكن أن يكون صادقا في ذلك ، ويمكن أن يكون كاذبا في ذلك ، ولا يعلم القاذف معه كذبه من صدقه :
فقال من قال : إن ذلك من صغائر ذنوبه ويستتاب من ذلك ، فإن تاب وإلا برىء منه ، لأنه أقدم على البراءة ممن لا يصح كفره مع القاذف معه ، وليس له الاطلاق بالبراءة ولا بالقذف ، لمن لا يصح كفره مع المتبرىء منه ،أو القاذف له بالكفر ، وإنما يطلق البراءة والقذف ممن استحق ذلك ، مع من علم كعلمه في المقذوف .
وقال من قال : إذا لم يكن المقذوف تجب ولايته على أهل الدار في حينه ذلك كافة ، ولا يسع جهل ولايته في ذلك الموضع الذي قذف فيه أو برىء منه ، فلا يلحق المتبرىء ولا القاذف في ذلك تبعة ، إلا أن يعلم القاذف والمتبرىء أن الذي يبرأ منه معه ، أو يقذفه معه يتولى المقذوف والمتبرأ منه ، فإذا علم ذلك فبرىء منه معه ، أو قذفه بكفر معه ، فقد هلك في دين الله ، ولو كان صادقا في سريرته ، ولو جهل ذلك المقذوف عنده والمتبرىء منه عنده ، في حكم القذف والبراءة ، ولا يزيل جهل الجاهل المتولي لحكم ما يجب في دين الله ، ما قد وجب ، والقاذف لذلك كافر ، ولا المتبرىء منه كافر عند الله في حكم دينه .
فصل : وليس لمن سمعه من الجاهلين لذلك أن يتولاه، وقد سمعه يقذف وليه بالكفر ، أو يبرأ منه ، وقد تولاه بالحق في دين الله ، إذا علم ما يجب به كفر القاذف ، وهو أن : يكون الدار محكوما على أهلها بولاية المقذوف في حين ذلك أو يعلم أنه يعلم أنه يتولاه ، ولو لم يكن أهل الدار محكوما عليهم بولايه المقذوف أو المتبرأ منه ، فإذا وقف الجاهل على أصل ما يكفر به القاذف ، من الأحكام التي بها يهلك القاذف في الإسلام ، لم يسع الجاهل ولايته على ذلك ، وكان هو هالكا بذلك في علانيته ، ولو كان صادقا في سريرته . (3/242)
صفحة 243
وكل من نزل بمنزلة ينخلع بها عن الإسلام في دين الله في الظاهر ، فهو عند الله في دينه كافر ، في حكم العلانية والسرائر ، ولا يجوز أن يكون أبدا كافر العلانية مؤمن السريرة ، ولا كاذب العلانية صادق السريرة ، هذا ما لا يجوز أبدا أن يكون مؤمنا كافرا ، و لا صادقا كاذبا ، ولا بارا فاجرا ،فمن حيث لحقه حكم الكفر في دين الله بوجه ، زال عنه حكم الايمان في دين الله من جميع الوجوه ، وكذلك الصدق والكذب والبر والفجور .
فصل : وسواء جهل ذلك من وجب عليه التعبد بذلك في دينه الذي يقر به ، أو علم ذلك ، فأحكام الله لا تتبدل لجهل جاهل ، ولا لعلم عالم ، واذا حرم على الجاهل ولاية المحدث ، بوجه من الوجوه في دين الله ، فقد هلك المحدث في دين الله -تبارك وتعالى - .
والقاذف للمسلمين أهل الولاية في دين الله مع أهل دين الله ، القائمون في ذلك بما يدينون بتحريمه ، ولو كانوا مخالفين في غير ذلك من الحق ، غير أنهم مقرون في ذلك الوجه بما يدينون بتحريمه من الصواب .
والقاذف لأحد من أولياء الله في دين الله ، مع من يتولاه بحق في دين الله بوجه من وجوه الحق ، ولو كان لسائر ما يدين به ، تاركا او مخالفا للحق أو منتهكا في هذا الوجه ، حجة لله على من برىء من وليه ذلك معه ، والمتبرىء هوكافر ببراءته من ولي الله ، مع من يتولاه في دين الله ، ولو كان المتولى له على طاعة الله بوجه من الوجوه ، فاسقا منافقا ممن ينتهك ما يدين بتحريمه ، في غير هذا الوجه الذي قد قام به ، من ولاية هذا الولي في دين الله. (3/243)
صفحة 244
وكذلك لو كان من أهل الخلاف من الروافض أو المرجئة ، وكان في الأصل قد تولى هذا الذي قد تولاه ، بحكم حق في ظاهر الأمر ، الذي يسعه في دين الله ولايته بوجه من الوجوه ، فإذا تولاه بوجه من وجوه الحق ، التي يجوز له ولايته به ، ثبتت عليه ولايته به في دين الله ، فالقاذف لذلك الولي مع من يتولاه من أهل النفاق على هذه الصفة ، وعلى هذا الميثاق ، من الفجار الفساق ، ولو كان في علم الله في سريرته قد اطلع على ما به يدعي ، وصادق مع الله في علمه ، فيما قد قذف به ذلك الولي ، فإنه عند الله بذلك كاذب شقي ، إلا أن يتوب ، ولو جهل ذلك من يتولى الولي ، أنه لا يحكم عليه ببراءة لبراءته ممن قد والاه .
وأما إذا كل القاذف أو المتبرىء من هذا الذي يتولاه هذا المتولي ، أن هذا المتولي يتولاه بغير حق ، بعلم أو بجهل ، بدين أو برأي ، وهو في أصل دينه يتولى هذا الرجل بغير الحق ، وعلم بذلك القاذف والمتبرىء ، فلا حجة لمبطل في دين الله ، وليست تلك ولاية واجبة في دين الله ، وعلى المتولي لذلك المتولي أن يتوب من ولايته تلك ، وكيف يكون حجة على من قام بالحق في دين الله ، وأما إذا قام بالحق قي دين الله في تلك الولاية ، ولو كان في سائر دين الله مبطلا ، ولسائر حقوق الله معطلا ، فهو حجة فيما قد قام به من دين الله في موضعه هذا ، ولا نعلم في ذلك اختلافا . (3/244)
صفحة 245
واذا كانت ولاية هذا المتولي لهذا المتولي يحتمل في دين الله بوجه من وجوه الحق ، أن يكون صوابا في دين الله وفي حكم الحق ، فعلم بذلك المتبرىء أو القاذف وادعى ذلك المتولي مع المتبرىء أو القاذف ، وكانت ولايته له تجوز بوجه من وجوه الحق ، ولم يصح أنه تولاه بباطل ، لا يجوز في حكم الدين ، فما لم يصح في ذلك فالحجة حجة المتولي ، والقول قوله ، والقاذف والمتبرىء محجوج مخلوع في دين الله ، إلا أن يصح مع المتبرىء والقاذف أن المتولي هالك بولاية المتولي ، ومتوليا له على ما يجوز منه البراءة والولاية له ، فبرىء منه المتبرىء ، ولم يقذفه بالكفر بعلم من المتولي لذلك ، من ركوب المحدث لذلك الحدث ، فإذا صح ذلك معه بعلمه ، لم يكن المتولي عليه حجة في بينه وبين الله ، ولا يجوز أن يقذفه مع من يتولاه .
وينكر عليه قذفه مع المسلمين ، الذين يوجبون عليه الانكار لذلك الاظهار ، إذا أنكر عليه حجة الله الظاهرة ، حتى يصح على ما يدعي من ذلك أن المتولي تولاه بغير حق . (3/245)
صفحة 246
ولو كان المسلمون يبرؤون ممن يبرأ منه الذي برىء منه عندهم ، وعند هذا المتولي ، ويعلمون صدق ما يقول ، فلا يجوز له أن يبرأ منه عندهم عند من يدعي ولايته ، ولا يصح عليه أن تولاه بباطل ، فلا يسعه ولايته عليه ، لأنه ينزل بمنزلة ينكر عليه ذلك أولياؤه ، إذا أنكر عليه ذلك المتولي للمقذوف ، لأنه قد أقام عليه حجة الله بالنكير ، وعلى المسلمين أن يقوموا عليه في ذلك بالتغيير ، وليس لهم أن يدعوه فيما يكون به قاذفا في دين الله ، مع أهل دين الله إذا أنكر عليه ذلك أهل دين الله ، فيما يكونون فيه محقين في حكم دين الله ، ويكون لهم الحجة في حكم دين الله لأنه ليس له أن يكون حاكما لنفسه ، فيما يدعي على خصمه وعلى أوليائه ممن يعلم كعلمه أن ينكروا عليه ما يظهر على نفسه ، إذا أنكر عليه ذلك الحجة في دين الله ، إلا أن يقيم الحجة لنفسه فيما يدعي على المتولي ، وليس قوله بعد البراءة أو القذف أن المتولي يتولاه بغير حجة حق على المتولي له ، ولا بمزيل عنه حكم ما قد قام عليه المتولي به ، من النكير لله في براءته من ولي الله ، في حكم دين الله ، فافهموا هذا الباب .
وليس ولاية المبطل بالحق فيما يجوز أن يكون متوليا بالحق ، مما يبطل الباطل المبطل في غير ذلك ، لأن الذي قام به وقاله مما هو مباح له ، واجب عليه في دين الله ، أن يقوم به لله ، وهو حجة فيه لله على من قام عليه به ، وليس هو بمنزلة الشاهد ، فلا يقبل قوله فيما يكفر به المسلم ، وإنما هو حجة مات حجج الله -تبارك وتعالى - على هذا المسلم ، ولو كانت حجة الله هذه خائنة لله وللمسلمين في دينهم ، إلا أنها قد ادعت ما يجوز لها في الإسلام ، وما يكون لها حجة في الأحكام ، ولا يجوز الانكار في الحكم على المتولي ، حتى يصح أنه يتولى بالباطل ، بإقرار منه أو بينة ممن يدعي ذلك عليه ، كائنا من كان من المدعين . (3/246)
صفحة 247
ولو كان المتولي لهذا الرجل رافضيا أو مرجئا قد أظهر ولاية هذا الرجل وادعاها ، وذلك مما يمكن أن يتولى هذا الرجل بحق وبوجه حق في دين الله ، بوجه من الوجوه ، فيما يغيب عن أهل الإسلام وعمن قد صح معه كفر هذا الرجل المتولي من الأعلام ، ثم برىء من هذا الرجل مائة ألف من الفقهاء الأخيار ، الصادقين في دين الله الأخيار ، مثل موسى بن علي ومحمد بن محبوب ومن هو مثلهما ، وأقل ذلك ممن يكون مثلهما ، فلو برىء هؤلاء من هذا الرجل ، مع من يتولاه من الروافض والمرجئة ، وادعى أنه تولاه بوجه حق يمكن له ذلك في الإسلام ، واحتمل ولايته بحق مع أهل الإسلام ، ما جاز لتلك الأعلام إلا أن يتوبوا من براءتهم من ذلك الرجل عند من يتولاه بما يحتمل ولايته بالحق ولا يقر أنه تولاه بغير حق ، فإن أقر أنه تولاه بوجه يكون في ولايته مبطلا ، فلا حجة له في ذلك عند من صح عنده ذلك من أهل الإسلام .
وكل ما كان فيه أهل الإسلام من أهل العدل حجة ، كان فيه جميع من يدين بالإقرار به حجة ، وكل ما فيه أهل الخلاف من أهل الإقرار مدعين في الأحكام ، فأهل العدل في ذلك مثلهم من جميع أهل الإسلام ، والشهادة كذلك ، فالمدعي من جميع الخليقة مدع ، والحاكم من جميع الخليقة حاكم وحجة ، والشاهد من جميع الخليقة شاهد ، ولا تختلف الأحكام في دين الإسلام ، وهكذا العدل والانصاف ألا يجار في دين الله على احد ولا يخاف .
فصل : فإذا لم يكن للمتولي مخرج من مخارج الحق ، كانت دعواه في الأحكام باطلة لا تجوز ، وكان محجوجا ولا حجة له ، وليس له حجة في دعواه ، لأن من نزل بمنزلة المدعي فليس له أن يحكم بدعواه على المدعى عليه ، وليس لمبطل أيضا في دين الله حجة ، ولو ظن أنها حجة وادعى أنها حجة ، فلا يكون حجة حتى يكون في دين الله حجة . (3/247)
صفحة 248
فإذا نزل المحدث منزلة لا يختلف في كفره وضلاله ، مع من نزل عنده من المتعبدين بذلك ، من المقرين بتحريم ذلك ، ولا يضر ذلك جهل الجاهل ، ولا يتحول حكم الله بجهل جاهل ، ولا يتبدل حكم الله لعلم عالم ، ومن كان في شيء حجة فهو في دين الله حجة ، كان عالما أو جاهلا مؤمنا أو كافرا ، وكذلك الشاهد وكذلك المدعي ، فلا تتحول حجج الله لتحول عباد الله ، ولو كان ذلك كذلك لفسدت الأرض ، ولاختلفت الأحكام في أهل الإقرار بالإسلام ، ولكن الله ذو فضل على المؤمنين . (3/248)
صفحة 249
باب: في الربا وغيره من المحرمات والمحللات
ومما حرمه الله في كتابه ، وجاءت بتحريمه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأجمع على ذلك جميع أهل القبلة ، و إن اختلغوا في صنوفه ومعانيه ، فإنهم مجمعون على تحريمه باسمه المسمى به ، وهو الربا .
وقد قيل إنه ثمانون بابا ، ولعله لا يحصى إلا ما فتح الله من عالم ذلك ، أوهن ذلك وأيسر ذلك مثل أن يأتي أمه ، وانما قيل ومثل بالذي يأتي أمه ، لتعظيم حرمة ذلك ، وقد واعد الله على الربا ما لم يواعد على شيء غيره من المواعده ، إذ يقول تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذوا بحرب من الله ورسوله )(1 ).
فواعد على اكل الربا المحاربة منه ورسوله . ومن كان للربا اكلا كان عالما بحرمته أو جاهلا ، فقد صار لله بذلك ولرسوله وللمؤمنين حربا ، وللشيطان ولأعوانه وأوليائه وليا و حزبا .
وجاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه والشاهدين عليه " ، وذلك بعد العلم به ، وللعلم في ذلك في إجماع أهل العدل ، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا ، أنه إذا وقف الآكل له والمطعم له أو (3/249)
صفحة 250
الكاتب له أو الشاهدان عليه ، على صفة الربا التي هي عند الله في دينه ، وفي دين نبيه صلى الله عليه وسلم وفي إجماع المسلمين المحقين أنه ربا حرام مما يحمع عليه أهله ولا يختلفون فيه ، فإذا وقف الواقف عن أحد هؤلاء على صفة الربا التي هي حرام من كتاب الله ، أو من سنة رسول الله ، أو إجماع أهل العلم ، فاشترى ذلك أو باعه أو كتبه أو شهد عليه ، أو أكله ممن اشتراه ، أو أكل ثمنه ممن باعه ، أو تولى من فعل شيئا من ذلك كله ، بعد العلم من الأكل بذلك ، وبعد العلم من المتولي للاكل على ذلك ، أو للشاهد على ذلك ، أو لأحد من هؤلاء كلهم ، بعد العلم منه بذلك وبعد العلم منهم بذلك ، فهو هالك بذلك ولو جهل أنه حرام .
وكذلك إن برىء من أحد من العلماء ، إذا برئوا من راكب ذلك ، بأحد هذه الوجوه التي ذكرناها ، بعد العلم بذلك منهم ومنه ، على ذلك على هذه الصفة ، أو وقف عنهم أو عن أحد منهم بدين أو برأي فهو بذلك هالك ، فإذا فعل شيئا من ذلك ، أو ركب شيئا من ذلك بجهل أو بعلم ، فقد هلك بذلك ، وعليه الدينونة بالسؤال عما قد دخل فيه من ذلك ، حتى يخرج مما دخل فيه ، أو يتوب من ذلك بعينه ويستغفر ربه .
فصل : والربا مما يسع الناس جهله ، ما لم يركبوه بعد العلم بأصله ، الذي به يعرف حرمته ، ويتولوا راكبه أو يبرأ من العلماء إدا برئوا من راكبه على ذلك ، أو يقفوا عنهم من أجل ذلك برأي أو بدين ، فإذا فعل ذلك هلك .
ولو علم الجاهل باصل ذلك الربا ، ثم تداوله مالك بعد مالك ، ببيع صحيح أو هبة أو ميراث ، وهو يعلم أن ذلك هو بعينه ، فهو حرام عليه في الأصل ، ولو صار إليه ذلك بملك من مالك بعد مالك ، ووارث بعد وارث وبائع بعد بائع ، فذلك حرام عليه ، ولا يسعه جهل ذلك على هذه الصفة إذا علم أصله أنه ربا إذا كان قد وقف عليه ، وعرف أصله جهل حرمته أو علمها. (3/250)
صفحة 251
وإذا غاب عنه علم ذلك البيع الفاسد من الربا ، فاشتراه له غيره أو باعه له غيره ، ممن يؤمن على البيع والشراء فأربى عليه وله في ذلك فذلك على من فعل ذلك ، ولا يضر ذلك من غاب عنه ، جهل ذلك المربى أو علمه .
فإن أقر المشتري أو البائع والمال في يده ، بعد أن اشترى شراء فاسدا حراما ، وكان الشراء لغيره قد أمره بذلك أن يشتري له ، أو يبيع له ، فاشتراه له أو باع له ، فقبل أن يسلم الشراء أو الثمن إلى رب المال :
قال : إن البيع كان فاسدا وربا بوجه من الوجوه ، أقر بذلك .
وفي بعض القول : إنه حجة على رب المال في ذلك ، ويضمن السلعة التي باعها أو الثمن الذي اشترى به ذلك المال شراء حراما.
وقال من قال : لا يضمن لأن ذلك مما يفعله الناس ، وإذا لم يتعمد على الحرام ولا تعدى فعل ما يفعله الناس فلا ضمان عليه .
والقول الأول أحب إلينا ، أنه إن صدقه كان عليه ضمان ماله ، وان كذبه لم يكن عليه ضمان ماله ، ويخرج معنا في الحكم أنه لا يصدقه إذا أقر أنه قد اشتراه له أو باعه له ، لأنه مدعي فساد المال وبطلانه ، ويدعي ضمان الممال ، وأنه تلزمه السلعة ، ولعل الثمن أوفر ، فيكون أمينا على الثمن وبرد السلعة ، فيدعي ذلك لنفسه ، وكذلك تكون السلعة أوفر على قول من يضمنه ذلك ، فقد تكون السلعة أوفر من الثمن ، فيكون له الثمن في الحكم ، يفعل فيه ما يشاء ، ويرد السلعة على رب المال ، والقول الأول أحوط والثاني معنا أصح في الحكم ، لأنه يدعي بطلان مال غيره ، ويقر على غيره في ماله ، والله أعلم بالصواب . (3/251)
صفحة 252
وأما إذا اشترى ذلك المال وتلك السلعة من غيره أو ورثها أو وهبت له أو أكلها بوجه من وجوه الحلال ، وحازها بوجه حلال ، وقد غاب عنه علم ذلك البيع وذلك الشراء ، ثم أقر الذي باع له ذلك ، أو وهب له ذلك أنه كان قد أرباه أو أربى عليه فيه ، أو أقر بالصفة التي يكون بها ربا وحراما ، لم يكن ذلك حجة على المشتري والموهوب له ، وهو بالخيار إن شاء صدقه في ذلك ، وأخذ منه رزيته من الثمن ، وإن شاء كذبه وأخذ ماله ، وكذلك في الهبة والصدقة ، إن شاء صدقه وردها عليه يردها على أهلها ويتوب ، وان شاء تمسك بذلك ، وعليه هو ضمان ما لزمه من ذلك لأهله .
فصل : ولو كان الذي باع له ذلك المال أو وهبه له مائة ألف أو يزيدون من علماء المسلمين ما كان قولهم عليه في ذلك حجة ، ولا يجوز عليه ذلك بقولهم كلهم ، ولا بقول أحد منهم ، لأنهم مدعون ولا يقبل قولهم في ذلك قلوا أو كثروا ، ولو تمسك بذلك المال ، وترك قولهم ، ما كان لهم أن يخطئوه في ذلك ولا يقفوا عن ولايته قلوا أو كثروا ، حتى تقوم عليه الحجة من غيرهم بشاهدين ممن تصح عدالته وتجوز شهادته في ذلك ، ولو شهد عليه بذلك من غيرهم وجل واحد ثقة أمين ، مثل موسى بن علي ، أو محمد بن محبوب - رحمهما الله - ، ما كان عليه في ذلك حجة ، حتى يشهد عليه بذلك شاهدا عدل ، ممن تجوز شهادته في الإسلام في ذلك .
فإن أقر من في يده ذلك المال بصفة فيه توجب صفة الربا ، أو أقر أنه ربا وهو في يده ، وهو من أهل الإقرار، أو من اليهود أو النصارى وغيرهم من أهل الإنكار ، قبل أن يصل إلى هذا الذي يستحقه ببيع أو هبة أو صدقة أو ميراث ، أو غير ذلك من وجوه الحق ، فلا يحل له أن يأخذ ذلك المال وهو عليه حرام ، ولا يحل له شيء منه ، وهو محجور عليه حرام ، لا يسعه الإقامة عليه بعد علمه بذلك، وعليه الدينونة بالسؤال عما يلزمه في ذلك، وكل من عبر له ذلك بعد دخوله فيه فهو عليه حجة في ذلك . (3/252)
صفحة 253
ومن دخل في شيء من الربا ، قليلا كان أو كثيرا ، مما يكون له قيمة ، فباع ذلك أو اشتراه أو أكله أو شهد عليه أو كتبه ، فهو هالك بقليل ذلك وكثيره ، في كل ما يكون له قيمة وثمن ، وإنما هلك وكان ذلك كثيرا لدخوله في محجور الربا ، والربا قليله وكثيره سواء ، وهو من الكبائر ، وليس شيء منه من الصغائر .
وكذلك كل ما كان من الحرام ، من المغصوب و السرق والاختلاس وجميع ما هو حرام في أصل دين الله في حكم كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو إجماع أهل العدل من المسلمين ، فإذا وقف الجاهل لحرمة ذلك على أصل ما اكتسب منه ذلك المال بعينه ، الذي هو حرام ، فلا يحل له هو أن يفعل ذلك ، ولا يحل له ارتكاب ذلك ببيع أو لشراء ، أو ميراث أوغير ذلك من أبواب الحلال ، ولا يسعه جهل ركوب ذلك بأي وجه كان ، ووقف على أصل ما يحرم عليه من ذلك ، وإذا غاب عنه أصل ذلك فهو بمنزلة ما وصفنا من أحكام الربا ، أو عينه ذلك عن راكبه ، واذا علم أصل ذلك ، فلا يحل له ذلك ، ولا يسعه جهل ذلك ، علم حرمة ذلك أو جهلها .
فصل : واذا غاب عنه أصل ذلك ، وكانت حيازته له بوجه من وجوه الحق فهو سالم ، ولو كان ذلك حراما كان عالما بحرمة ذلك ، أن لو وقف عليه ، أو جاهلا ، فهو سالم مسلم . (3/253)
صفحة 254
وكل وجه دخل فيه مما هو محجور عليه بالحرام في ظاهر الأحكام ، بربا أو بغصب أو بسرق ، أو غير ذلك من وجوه الحرام ، فوافق في الأصل عند الله أن ذلك المال له ، وهو له حلال في الأصل ، وقد دخل في ذلك على أصل فاسد في حكم دين الله في الظاهر ، من جميع المحجورات إلا بحلها ، وكان في الأصل ذلك له حلال ، من فرج أو ماكول أو مشروب أو ملبوس أو منظور أو مسموع ، أو عقد نية ، فوافق في ذلك أصلا يجوز له في علم الله ، وكان ذلك له حلالا فهو هالك بنيته تلك ، ولا ضمان عليه في ذلك ، ولا تبعة غير التوبة من ذلك والندم عليه ، وإذا وقع في الأصل المحجور في حكم دين الله ، مع علماء المسلمين في دينهم في حكم الشريعة ، فجهل ذلك أو علمه فركبه على ما هو محجور في دين الله في حكم الظاهر ، فوافق ما يجوز له في الأصل من المباحات في علم الله له ، فيما غاب عنه ، فهو هالك بركوبه لذلك ، ولا تبعة عليه في ذلك أكثر من التوبة إذا علم بذلك ، وأما ما لم يعلم بذلك فهو متعبد في حكم الظاهر في دين الله باحكام الظاهر ، وعليه التوبة مع الخلاص من ذلك كله وأدائه ، ولا سلامة له إلا بالدينونة بذلك ، ولو كان في الأصل حلالا له وملكا له ، حيث لا يعلم ، ولو كان في علم الله أن ذلك له حلال ، ولا يخرجه من ذلك إلا عالم حلاله ، وأقل ما يخرجه من ذلك ، إذا علم بذلك من طريق ما يطمئن إليه قلبه ، من خبر الواحد ، وأما في الحكم فلا يصح له ذلك إلا بشهادة ذوي عدل ممن تجوز شهادته في ذلك ، وإلا فعليه التوبة من نيته ، والخروج بالخلاص وتادية ما أتلف وارتكب من مال أو فرج أو غير ذلك من الدماء ، وغير ذلك إذا ركب ذلك على الوجوه المحجورة ، حتى يصح أن ذلك كان له في الأصل حلالا مباحا .
وسواء جهل الحكم في ذلك أو علمه ، فهو هالك بركوب المحجورات المحرمات ، ولا يسع جهل ارتكاب الحرام ، إذا وقف الواقف على الأصول المحرمة ، وركبها على ذلك . (3/254)
صفحة 255
وكل ما ركبه العبد من وجوه المباحات في حكم دين الله فيما أباحه لعباده من وجوه جميع المباحات كلها في دينه من الحلال ، فهو له جائز علم حلال ذلك أو جهله ، ولو كان في علم الله أن ذلك المباح الذي ركبه في حكم الظاهر حرام محجور ، من الربا والمغصوب و السرق و غير ذلك من المحجورات .
وكل ما ركبه العبد بوجه حلال في حكم دين الله من المباحات ، ولا تقوم عليه الحجة في ترك ذلك وتحريمه إلا بشهادة ذوي عدل ، ممن تجوز شهادته عليه في المحرمات ، أو بالخبر الذي لا يشك فيه ولا يرتاب من المشهورات ، والخبر الواحد الذي يصدقه ، وهو مصدق في دين الله في ذلك ، ولو لم يشك في قوله ، فهو في قوله بالخيار إن شاء صدقه وإن شاء مضى على أصل ما أباحه الله له ، حتى تقوم عليه الحجة بذلك من شهادة ذوي عدل ممن تقوم عليه به الحجة في ذلك . (3/255)
صفحة 256
وكل ما كان في حيازة العبد وملكه ومنزله ، وفي أحكام ملكه مما هو في منزله الذي يسكنه ، ويجعل فيه حلاله وأثاثه ومتاعه ، ولم يعلم أن قي تلك الحيازة وذلك المنزل لأحد غيره شيء ، فله أن يأكل ويتمتع بكل ما كان في حيازته وملكه وأحكام ملكه ، وما يشتمل عليه حكم ملكه ، ما لم يعلم أن ذلك لغيره ، أو ينكر ذلك بأنه لا يملك مثله ، فإذا صح معه أنه لغيره ، أو أنكر ذلك أنه لا يملك مثله في أملاكه المعروفة معه في حيازته ، فقد قامت عليه الحجة بان ذلك ليس بملك له ، وعليه ترك ذلك والخروج مما دخل فيه إلى غيره من الطيبات من الحلال من ملكه ، فهذا حكم يشتمل على عامة أمور الناس ، وهو لهم واسع في الحق إن شاء الله ، ما لم يصح معهم حرام ذلك ، ولو وافق الراكب لذلك في حكم دين الله الذي أباحه له ، بالأملاك المتعارفة معه ، ما هو لغيره من الأملاك من المركوب والملبوس والمشروب وأشباه ذلك ، فركب ذلك على هذه النية أنه له بهذا الحكم عنده أنه له وفي ملكه وحيازته ، ما لم يكن عليه في ذلك تبعة حتى يعلم أن ذلك لغيره ، بوجه مما قد وصفنا من شهادة ذوي عدل ، أو ما لا يشك فيه من الخبر الشاهر ، أو قول الواحد الصادق ، وهو بالخيار في الحجر من الواحد الصادق في حكم الظاهر ، فهذا في الأملاك من الأموال ، ولا نعلم في هذا اختلافا في قول أهل العدل من المسلمين .
----------------------------
1- الآية 278 وجزء الآية 279 من سورة البقرة. (3/256)
صفحة 257
باب: الصغائر والكبائر من الذنوب والإصرار وأعمال العباد وأحوالهم فيها
التعاون على الإثم والعدوان من الكبائر ، كائنا ما كان ذلك من الإثم والعدوان ، إذا كان المتعاونون عليه يدينون بذلك ، كان من الصغائر أو الكبائر ، إذا دانوا بذلك ، أو ارتكبوا ذلك بتهاون من إثمه وعقابه .
فمن أتى ذلك على التدين أو على التهاون به وبعقابه فقد أتى كبيرا من الذنوب . وكذلك الأمر المنكر كله على التدين والاستخفاف بعقابه وإثمه هو من الكبائر .
وكذلك النهي عن جميع المعروف من الكبائر إذا كان الآمر بذلك على التدين أو الاستخفاف بثواب ذلك ، وارتكاب جميع الصغائر على الدينونة والاستخفاف بثواب ذلك وعقابه هو من الكبائر ، وارتكاب جميع الكبائر بالعلم والجهل بالدينونة أو الرأي ، هو من المهالك ، إلا أن يتوب من ذلك ، ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون .
فصل : والكبائر من الذنوب التي يهلك راكبها بها على العلم والجهل والرأي والدين ، وبموافقتها يكون هالكا من حينه ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، هو كل ما أوعد الله على ركوبه حدا في الدنيا ، ووعيدا أو عقابا في الآخرة ، أو لعن عليه الله - تبارك وتعالى - ، أو لعن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو برىء الله من أهله عليه ، أو برىء منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك ، وما أشبه ذلك ، وما أجمع عليه أهل العلم أنه من الكبائر ، وما أشبه ذلك ، وما أشبه الكبير فهو كبير في دين الله -تبارك وتعالى- .
والصغير ما لم يشبه الكبير الذي أعد الله على ركوبه حدا في الدنيا ، أو وعيدا في الآخرة ، ما دون الكبائر ومما أشبهها فهو من الصغائر من المعاصي ، وكل ما خرج من الطاعات وما أشبهها من الأشياء المعروفة بالطاعات وما أشبه ذلك ، فقد دخل في المعصية ، الأقوال والنيات والأعمال لا تخلو كلها في أهلها من أحد معان : (3/257)
صفحة 258
إما أن تكون من الطاعة الفريضة .
واما أن يكون مما أشبه الفريضة ، فهو لاحق بالفريضة .
وإما أن يكون طاعة ، ووسيلة مما قد عرف من الوسائل . أو أنه نفل في دين الله ، أو ما أشبه ذلك ، مما لم يأت فيه نص أنه وسيلة ، فهو طاعة ووسيلة إذا أشبه الوسيلة من الطاعات .
وما عدا هذه الأربعة وجوه ، فهو خارج إلى المعصية : فإما أن يكون معصية كبيرة ، قد ثبت حكمها في الكبائر من كتاب الله ، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو إجماع أو ما أشبه ذلك .
وما أشبه الكبائر فهو كبيرة .
وما خرج من حد الكبير وما أشبهه ، ومن حد الطاعات وما أشبهها من الفرائض والنوافل واللوازم والوسائل وما أشبه ذلك ، فهو نازل بمنزلة الصغائر من المعاصي .
فلا يخرج العبد في حال من الحال ، ولا في نية ولا مقال ولا إرادة ولا أفعال ، من أن يكون فيها عاصيا أو مطيعا ، أو مؤمنا أو كافرا ، أو بارا أو فاجرا ، أو أمينا أو خائنا ، أو ناجيا أو هالكا ، ولا تكون له حالة قط ، من أحوال المتعبدين في وقت من الأوقات ، ولا في حال من الحال لا ينزل بأحد هذه المنازل ، ولا يكون ذلك إلا بما كسبت يداه وما قدمت يداه .
كذلك حكم الله - تبارك وتعالى - ، فإذا كان العبد في حال مؤديا فيها الفرائض اللازمة ، وما أشبهها ، ومنتهيا فيها عن الكبائر المحرمة ، وما أشبه ذلك في دين الله ، عفا الله له عما دون الكبائر وما أشبهها ، وذلك من وعد الله إذ يقول: ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) ( 1). (3/258)
صفحة 259
فالمجتنب للكبائر وما أشبهها مغفور له الصغائر التي دون الكبائر من معاصيه ، والمؤدي للفرائض متقبل منه ما أتى من الوسائل معفي عنه ما لم يأت من الوسائل ، إذا أدى الفرائض واللوازم كما كان ، باجتناب الكبائر ، معفي له عن الصعائر كذلك بأداء اللوازم والفرائض ، معفي له عن الوسائل والنوافل ولو لم يأتها ، ومتقبل منه ذلك إذا أتى به ، والمرتكب لشيء من الكبائر مأخوذ بالكبائر والصغائر ، في دين الله - تبارك وتعالى - ، لأنه إنما حكم الله أن يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ، لا بغير ذلك ، والصغير من المقيم على الكبائر لاحق في حكم دين الله بالكبائر في دين الله ، ولأنه غير مطيع ، فلا طاعة منه ، ولأنه عاصي ، فالصغير منه والكبير معصية واجبة ، ما كانت الطاعة منه للفريضة وغيرها ليست بطاعة .
كذلك جميع المعاصي معاصي في حكمه ذلك وحاله ذلك ، فإذا أتى المطيع المؤدي للفرائض ، والمجتنب للكبائر كبيرا من المعاصي ، فقد انتقض عن الطاعة حكمه ، وثبت في المعصية اسمه ، وحبط عمله بالطاعة ، ولم يكن منه طاعة أبدا حتى يرجع عن معصيته تلك ، التي خرج بها من حكم الطاعة ،وثبت بها في حكم المعصية ، وما لم يأت كبيرا وكان مؤديا للوازم ، مجتنبا للكبائر والمحارم ، فهو على حكم الطاعة ، معفي له عن الصغائر من المعاصي في دين الله ، متقبل منه ما أتى من الوسائل ، متجاوز عنه ما ترك من الوسائل ، بأداء الفرائض واللازم ، فإذا أتى صغيرا من المعاصي على الخوف منه لعقوبة الله عليها ، والرجاء منه لتجاوز الله عنه فيها ، ولم يقم عليها مصرا مستكبرا ، فهو في حال الطاعة ، والله -تبارك وتعالى - يكفر عنه ذلك بفضله . (3/259)
صفحة 260
فإذا أتى شيئا من المعاصي أو السيئات على استخفاف منه وتهاون بعقاب ذلك من معصية الله - تبارك وتعالى - فقد واقع الكبير بنقضه الميثاق ، لأنه إنما سلم بالطاعة على الخوف منه ، من معاصيه لله كلها ، والرجاء منه لعفو الله -تبارك وتعالى - له عليها لا لغير ذلك ، وكذلك الدينونة بالمعصية مخالفة للطاعة ، ونقض للميثاق لانه ليس الغفران على أن يدان لله بشيء من العصيان ، وانما يدان لله باجتناب جميع العصيان ، ليس يدان له بشيء من العصيان. (3/260)
صفحة 261
ومن الكبائر التي قد صح بيانها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاصرار على جميع المعاصي ، وكذلك في كتاب الله - تبارك وتعالى - ، وفى إجماع أهل العدل ، ولا يخرج في حجج العقول إلا ذلك ، وأما حكم ذلك في كتاب الله ، ففي غير موضع قوله : (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : "هلك المصرون " وقوله : " لا صغير يصغر مع إصرار ، ولا كبير يكبر مع توبة واستغفار" . واجماع أهل العدل في أصل ما أجمعوا عليه ودانوا به ، ولا يدعي الغفران من الله على الاصرار على الذنوب ، قلت أو كثرت ، صغرت أو كبرت ، بل يدين لله بالتوبة منها ، والتحول عنها والندامة عليها ، واعتماد النية أنه لا يرجع اليها ، فمن ترك ما عليه الدينونة به ، وليس هو مخير فيه ، فقد ترك فرضا لازما ، ومن ترك فرضا لازما فليس هو بمجتنب للكبائر ، بل مواقع لرأس الكبائر ، لأنه قد واقع الكبير بالإقامة على المعصية ، وقد ضيع الفريضة من الدينونة بالتوبة ، وليس بمجتنب للكبائر من أقام على الصغائر مصرا مستكبرا ، هذا من أعظم الكبائر ، وليس بين التوبة والاصرار منزلة ثالثة ، بعد أن يكون المذنب ذاكرا لما قد عصى الله به ، كان صغيرا أوكبيرا ، فإما أن يكون نادما مستغفرا خائفا لما قدمت يداه ، حذرا فيكون الله له بذلك لسيئاته مكفرا ، ولإحسانه شاكرا ، وإما أن يكون في حينه وساعته آمنا من معصيته ، مستحقرا مقيما عليها مستكبرا .
ولا فرق في ذلك معنا بعد أن يأتي ذلك ، ويكون له ذاكرا ، فإذا أقام على معصية الله طرفة عين ، بعد أن يكون لها ذاكرا ، وعلى التوبة منها قادرا ، ولم يكن من ذنبه تائبا مستغفرا ، خائفا حذرا ، كان بذلك من حينه مصرا كافرا ، ولحقته أحكام الكبائر من حينه صاغرا ، وهذا معنى ما لا يختلف فيه مع أهل العدل . (3/261)
صفحة 262
فصل : وقد قال من قال من أهل العدل : كل ما عصى الله به من صغير أو كبير ، فهو كبير من الكبائر ، لأنه لا ينظر في صغر الذنب وكبره ، ولكن ينظر إلى من عصيت ، بقول في ذلك ، وتأويل ذلك يخرج على ما قد وصفنا ، أن يقيم على المعصية ولا يتوب منها من حينه ، فيلحق بحكم الكبائر من الاصرار ، لأن الاصرار على معصية العظيم الجبار ، لا تجوز في حكم العقول ، أو تكون من الصغائر أو يخرج على أن يأتي الصغائر ، في حال ما يكون مرتكبا للكبائر ، ولا يخرج على أن يكون من اجتنب الكبائر وأدى الفرائض ، ووعده الله غفران الصغائر في دينه ، في حال ما لم يركب الكبائر ، فيكون بذلك مرتكبا للكبير، بل الفرق في ذلك بيّن بين أهل العدل ، ولا نقول إن أهل العدل ولا أحدا منهم يخالف حكم الكتاب ، ولكن القول فيه خاص وعام ، وتفسير وتأويل ، ولا يجوز أن يكون مقيما على شيء يسمى عنه منتقلا ، ولا آمنا منه يسمى خائفا ، فمن حين يأتي العبد الذنب الصغير ، ذاكرا لذلك من أمره فعليه التوبة منه ، فإن كان ذلك بالمقال أو الفعال ، أوشيء من التعاون على الأعمال ولم يكن بالنية ، فعليه من حينه أن يندم على ذلك الذي كان منه ، ويعتقد التوبة منه في قلبه ، أنه قد تاب منه إذا كان صحيح العقل ذاكرا ، فإن قدر على الاستغفار باللسان . (3/262)
صفحة 263
وكان ذلك الذنب من الإعلان ، فعليه التوبة من ذلك بالإعلان باللسان ، كما كان الذنب منه بالإعلان باللسان ، أو شيء من أفعال الجوارح والأبدان فلا يجزئه في ذلك التوبة إلا بالإعلان لذلك ، بالكلام بالتوبة باللسان ، إذا كان يقدر على ذلك باللسان ، ولا تجزئه التوبة باللسان عن المعصية بالإعلان ، حتى يكون تائبا من ذلك بالقلب واللسان ، وإن كان ذلك الذنب الذي أن ليس من المقال باللسان ، ولا بشيء من الأعمال بالجوارح والأبدان ، فإن التوبة من ذلك تجزئه بالاعتقاد بالقلب ، فإن تاب من ذلك باعتقاد القلب واللسان ، كان ذلك أفضل ، وقد أتى في ذلك بالفصل .
وقد قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ بن جبل : "يا معاذ بن جبل أحدث لكل ذنب توبة ، السريرة بالسريرة ، والعلانية بالعلانية ، فالسريرة ما أسر القلب ، والعلانية ما أعلن باللسان وما عمل بالأبدان ، لأن ذلك خارج من أحكام السريرة" .
وقد قال الله -تبارك وتعالى - : ( وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون )( 2)، فالسر ما أكنته الصدور ، والجهر ما ظهر من الألسن ، وما تكسبون ما عملته الجوارح ، ويخرج كل ذلك كسبب ، ولكن المعنى في السر غير المعنى في الجهر ، لموضع ما تعبده الله بذلك من التوبة . (3/263)
صفحة 264
فصل : وقد قال الله -تبارك وتعالى -: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى )(3)فقيل : السر ما أكنته الصدور ، وأخفى من السر ما قد علم الله أنها ستكنه منه ، ويأتي بعد ذلك ولم تكنه بعد الصدور ، ولكن يعلم ما أكنته الصدور مما قد مضى ، وما هي تكنه في حين ما أكنت ، وما تكن ولم تكن بعد ذلك كله ، وعلمه بذلك كله سواء ، قبل كونه وفي كونه وبعد كونه لا يتحول علم الله عن حال إلى حال ، إلا ما تنتقل به الأحوال المتحولة بالحال ، لا يتحول علمه تبارك وتعالى لأن علمه في الأشياء قبل ،كونها غبر مكونة ، وعلمه في الأشياء حين كونها مكونة ، وعلمه بها بعد كونها ، وزوالها قد كانت بعد أن لم تكن ، وقد زالت بعد أن كانت ، وقد علم أنها ستكون قبل أن تكون ، كما كانت بعد أن كانت وبعد أن لم تكن ، وقد عالم أنها منتقلة عن كينونتها بعد أن كانت ، وبعد أن لم تكن ، كما انتقلت بعد أن كانت بعد أن لم تكن ، إلى ما قد علم الله أنها منتقلة إليه ، ونازلة عليه من جميع الأشياء المكونة المحدثة ، بعد أن لم تكن .
فالثابت في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم التوبة من الصغير والكبير ، وأن على العبد أن يحدث لكل ذنب توبة منه ، وما عدا الطاعة والإحسان دخل في أحكام الذنوب والعصيان ، لا نعلم في ذلك حدا ثالثا ، ولا يكون مذنبا تائبا ولا مسيئا محسنا ، حتى يتحول عن الإساءة إلى الإحسان ، وعن الذنوب إلى التوب ، لا اختلاف في ذلك ، ولا شك مع أحد من أهل العدل .
فإن قال قائل : فما الفرق بين ارتكاب الصغير والكبير ، من المؤدي للفرائض المجتنب للكبائر ، وهو إذا لم يتب من ذلك كفر من حينه ، وبارتكابه للكبير كفر من حينه ، فليس بين ارتكاب الصغائر والكبائر فرق في قولكم هذا ، والكبائر والصغائر سواء في حكمكم . (3/264)
صفحة 265
فصل : قلنا له : ليس ذلك بالسواء في الأحكام ، بل في ذلك الفرق البعيد والاختلاف الشديد ، إذا كان بنفس الموافقة للكبير على الجهل والعلم والرأي والدين كافر إلا اختلاف في ذلك من حينه ، لا ينفس في ذلك طرفة عين ، دون أن يتوب من ذلك وبرجع ، و إلا فهو كافر في حكم العلانية والسرائر ، محكوم عليه بالخلع والفراق معا ، ما لم يتب من حينه ، وبارتكاب الصغائر من الذنوب على اجتناب الكبائر ، على الجهل للصغائر مع التوبة منه في الجملة سالم بذلك ، لأنه دائن بالتوبة من جميع الكبائر والصغائر ، ولأنه غير كافر ولا هالك ، بمواقعة الصغير حتى يصر ، ولأنه لا يهلك حتى يصر على ذلك بعينه ولأنه مسلم في وقته وحينه ، حتى يقع عليه حكم الاصرار والتولي عن التوبة ، والادبار والاقامة على الذنب والاستكبار .
ولا يكون كذلك من دان في جملته بالتوبة من جميع معاصيه وسيئاته ، وكبيره وصغيره ، ولم يرتكب كبيرا بعلم ولا بجهل ، ولم يصر على صغير عالم به أنه صغير فأقام عليه ، فليسا سواء من كفر بجهل وعلم ، ومن أمن بعلم وسلم بجهل إذا كان في علمه سالما ، كان فيما دون الكبائر الذي قد وعده الله الغفران لها ، ما لم يصر عليها بعينها ، ومن هاهنا سلم المسلم بركوب الصغائر إذا اجتنب الكبائر ، ولم يصر على الكبائر ما علم من الصغائر ، ودان بالتوبة من جميع معاصي الله ، علمها أو جهلها ، فكان بذلك سالما مسلما . (3/265)
صفحة 266
وهلك المواقع للكبائر بالعلم أو بالجهل ، لأنه لا عذر له أن يواقعها بعلم ولا بجهل ، فلما أن كان ليس له أن يواقع الكبائر بعلم ولا بجهل ، وكان إنما وعده الله الغفران للصغائر من السيئات باجتناب الكبائر لا بارتكاب الكبائر فلما لم يجتنب الكبائر ، أخذه الله بالكبائر والصغائر حتى يتوب من الكبائر والصغائر التي قد ركبها ، ثم هنالك يجتنب الكبائر لأن الإصرار على الصغائر لاحق بالكبائر ، ولأن الراكب للصغائر مع الكبائر محكوم عليه في دين الله ، في ركوب الصغائر مع الكبائر أن ذلك كله منه كبائر في حكم دين الله ، لأنه إنما وعده الغفران للصغائر باجتناب الكبائر ، فافهموا هذا الفصل وبالله التوفيق ، فإنه ليس فيه شبهة ولا ريب ولا شك ولا جهل ، مع أهل العلم من أهل الاستقامة والعدل ، فهذا في أحكام الشرائط وأحكام الحقائق من دين الله في عباده والاعتقاد فيهم على هذه الشويطة .
فصل : وأما في أحكام الظاهر المتعبد فيها أهلها بالولاية والبراءة والتوبة والاصرار ، في ارتكاب الكبائر والصغائر فإنه قد قيل إنه إذا ركب العبد كبيرة من الكبائر ، وقد كانت له قبل ذلك ولاية متقدمة في حكم الظاهر ، فإنه عند من علم الحكم في ذلك الكبير أنه كبير ، أو كان ذلك مما لا يسع جهله أن له أن يبرأ من الراكب له من حينه إذا ركب كبيرا أو ما أشبه الكبير ، برىء منه من حينه ثم استتيب من ذلك ، فإن تاب رجع إلى ولايته ، وان أصر بقي المتبرىء منه على البراءة منه .
فصل : وان كان ممن لا ولاية له ، فإنه يبرأ منه من حينه بركوب الكبير .
وقال من قال : يستتاب من ذلك إلا أن يتقي منه تقية .
وقال من قال : لا تجب فيه استتابة . (3/266)
صفحة 267
وأما من له ولاية ، فلا نعلم اختلافا إلا أنه يستتاب ، لا بد من ذلك ، وقد قيل : إنه لا يبرأ منه من حينه من غير شك في ركوبه لما ركب ، ولكن حتى يستتاب ويسال عما أتى ، وقد علم من علم منه أنه أن كبيرا أو أن من أتى الكبير فهو ضال ، وأما هو فلا يبرأ منه بعينه حتى يستتيبه ، لوجوب التوبة فيه ، وأنه لا بد أن يستتاب ، فلما كان لا بد له أن يستتاب ، كانت التوبة قبل وقوع الحكم ، لأن المرتد عن الإسلام قد جاءت السنة عليها فيه أنه لا يقتل حتى يستتاب ، والبراءة في المرء كقتله في مواضع البراءة ، وإذا كان لا بد من التوبة اللازمة ، فقبل الحكم عليه بالبراءة ، ولا يشك في وجوب الكفر من المحدث ، ولكن القطع بالبراءة على المحدث بعينه ، ونقله إلى العداوة حكم ثان ، ولا يحكم الحاكم بحكم إلا بعد أن يحتج على المحكوم عليه بحجة ، إن أن ما حكم عليه بالحكم ، وقد أوقع البراءة من هذا المحدث ، ونقله عن الولاية بعينه إلى البراءة بعينه قبل الحجة ، واحتج عليه قبل أن يقطع حجته في حكم الظاهر ، والقول الأول هو أكثر في آثار المسلمين وأهل العدل ، وهذا القول الآخر موجود في آثارهم ، وله أصل في دين الله وموضع ، وحجة في دين الله وموقع ، لأن الأحكام لا تقع إلا بعد الحجة ، ولثبوت التوبة بالاجماع ممن قال بالبراءة قبل التوبة ، وممن قال بالتوبة قبل البراءة ، فلما ثبتت التوبة بالإجماع ، لم يكن ثبوت ذلك إلا بقطع حكم ، ووجوب الولاية المتقدمة ، ولئلا ينتقل الاسم من الإيمان و يخلق عليه بالكفر ، من قبل أن يحتج عليه بالحجة التي بها يثبت الحكم بالانتقال ، ويستقر الحكم على المحكوم عليه في ذلك الحال . (3/267)
صفحة 268
والذي يقول بالتوبة قبل قطع البراءة ، فغير شاك في كفر المحدث ولا ضلالته ، إلا أن اسمه لا يتقلد بعينه بالتسمية ، إلا بعد الحجة إن قدر على ذلك ، وان لم يقدر على ذلك ، ولم يقدر على الاحتجاج على المحدث ، فحجة الله أولى من حجة المحدث ، فإن مات المحدث ولم يقدر على استتابته وعدم استتابته ، فقد انتقل اسمه بركوب الكبيرة ، وغابت حجته وتعلق توبته ، ويبرأ منه من حين ذلك ، لأن حجته الآن قد غابت عن التوبة ، ولا يتحول إلى التوبة أبدا .
ولا حجة له بعد الموت ، كما أنه لو وجب عليه حكم في ماله ، ولم يحكم عليه فيه حتى يحتج عليه ، إذا قدر على الحجة عليه ، فإن مات قبل أن يحتج عليه ، ثبت الحكم عليه في ماله ، وماتت حجته ، وما دامت الحجة عليه حية فالحجة له حية ، وقد صار الآن بمنزلة من لا حجة له ولا عليه وحكم عليه وله ، بما قد صح له وعليه من الأحكام ، من جميع أحكام الإسلام ، إلا أن المال ينتقل إلى الورثة بعده ، فالحجة على الورثة ولهم بعد موته ، والحجة عليه في البراءات والولايات ، لا تنتقل عنه إلى غيره من الأولياء ولا من الورثة ، فإذا ماتت حجته ، ثبت عليه ما كان قد ثبت في حياته ، ولا يتحول عنه ذلك ، وما لم يكن ثبت عليه في حياته ولا وجب عليه في حيوية في الحكم الظاهر ، فلا يصح عليه ذلك في حكم الظاهر بالشهادات المتقلدات إلا أن يصح ذلك بالأخبار الشاهرات الصحيحات ، التي لا تحتاج إلى حجة ، ولا يشك فيها مع من بلغت إليه ووردت عليه ، ولا يتولاه على هذا القول بدين ، ولا يجوز ذلك ، ولكن يقف عنه حتى يستتيبه مما قد ركب ، لما أن كانت التوبة ثابتة فيه . (3/268)
صفحة 269
فصل : وأما الراكب لشيء من الكبائر ممن لم يتقدم له ولاية ، ولم تتقدم له عداوة ، فإنه يبرأ منه في حينه ، ولم نعلم أن أحدا قال إنه يستتاب من ذلك بعينه ، قبل البراءة منه ، وقد يحسن ذلك أن يوقف عن البراءة منه ، والتخليق عليه بالكفر باسمه وعينه ، قبل الحجة عليه والدعوة له إلى التوبة ، كائنا ممن كان ذلك ، إلا من تقدمت له العداوة ، وآيس من توبته ، وليس ترك التخليق عليه بالكفر شكا في كفره ولا ضلالة ، ولكن لا ينقل اسمه إلى الكفر بعينه إلا بعد الحجة عليه بالتوبة والرجعة ، ولا يخرج ذلك من الاختلاف معنا ، لأن الواقف عنه عالم بضلالته ، ولكن لا يقع عليه الحكم بعينه ، وينقل اسم إلا بعد الحجة ، وهو حسن إن شاء الله وإن برىء منه من حينه فحسن ، لأنه قد قيل إنه لا يستتاب ، وليس على من برىء منه توبة له ، إلا أن يكون له ولاية متقدمة ، والتوبة أحب إلينا إذا أمكن ذلك ، ولم يتق منه تقية في دينه أو نفسه أو ماله .
وأما المتقدم له اسم الكفر والبراءة فذلك لا محنة فيه ، في ركوب هذه الكبيرة ، وهو في حال البراءة والعداوة ، ولا يعتقد عليه في ركوب هذه الكبيرة من العداوة أكثر مما استحق ، لأنه عدو خليع مفارق ، مبرأ منه إلا أنه يشهد عليه بكل ما أتى من الكبائر بالعدل واسع .
وأما من ركب الصغير وما أشبهه ، وما دون الكبائر وما أشبهها ، ممن قد تقدمت له ولاية في حكم الظاهر ، مع من يتولاه في حكم الظاهر ، فقد اختلف القول فيه ، من قول أهل العدل : (3/269)
صفحة 270
فقال من قال : إنه يحسن به الظن ، لأنه في حكم الظاهر مأمون على حكم ما غاب من أمره في السرائر وأنه لا يصر على شيء من الصغائر ، وأنه هو ثابت في الحكم مما ركب من الصغائر ، وقد حكم الله له عند اجتناب الكبائر بتكفير الصغائر ، وهو في حكم الظاهر مجتنب للكبائر ، ففي حكم الظاهر يتولى حتى يعلم أنه أصر على ذلك الذي ركبه ، ولا يسأل عن ذلك ولا يستتاب ، وليس فيه استتابة في الحكم حتى يعلم أنه أصر .
وقد قال من قال : يتولى على حالته التي كانت ، ولا ينقل عن ولايته ما لم يستتب فيصر ، فإذا استتابه وليه ذلك ، أو صح أنه استتيب من ذلك فلم يتب برىء منه على ذلك الاصرار .
فإن لم يستتب حتى مات على ذلك ، ولم يعلم منه توبة ولا إصرار وقف عن ولايته التي كانت أولا ، لما قد أشكل من أمره وركوبه ، لهذا الصغير الذي لا يصح توبته منه فيتولاه ، ولا إصراره عليه فيعادي .
وقال من قال : من حين ما يأتي الصغير يوقف عن ولايته ويستتاب ، فإن تاب رجع إلى ولايته ، وإن أصر برىء منه على الإصرار ، فإن لم يستتبه الذي يتولاه على ذلك حتى مات ، فهو على حد الوقوف الذي كان عليه ، وإن استتابه فتاب رجع إلى الولاية ، وإن لم يتب برىء منه على ذلك.
فصل : وإذا ركب من لم تتقدم له ولاية ولا عداوة شيئا من الصغائر من الذنوب ، فهو على حالة في حكم الظاهر ، لا يبرأ منه ولا يتولى حتى يتوب من ذلك الصغير الذي ركبه ، فيتولى إذا أصلح العمل ، وكان أهلا للولاية ، أو يصر على ذلك فيبرأ منه على ذلك ، ولا نعلم في هذا غير هذا في حكم ا لظاهر .
واختلف فيمن يأتي الصغير من الذنوب وما أشبهه :
فقال من قال : ما لم يتب من حينه فقد أصر. (3/270)
صفحة 271
وقال من قال : إذا عزم على التوبة ولم يعزم على الإصرار ، وأنه لا يتوب ، فلا يحكم عليه بحكم الاصرار حتى يصر أو يعزم على الإصرار بالاظهار بذلك ، فاما في الحكم الظاهر في البراءة والولاية ، فنحب هذا القول ، أنه لا يحكم عليه في حكم الظاهر بإصرار ، حتى يستتاب ، فلا يتوب أو يعرف أنه قد عزم على أن لا يتوب من ذلك ، وأنه يقيم عليه ، أو أنه مقيم عليه ولا يريد التوبة منه ، فإذا علم ذلك فذلك يحكم عليه في الظاهر بالاصرار ، ولا يبين لنا في حكم الظاهر إلا أن يستتاب ، أو يعلم أنه أصر ، وأما في حكم الشريطة وحكم الشهادة في الشريطة ، فإنه إذا لم يتب من حينه ، وهو قادر على التوبة ، لا يمنعه عن ذلك عذر بين ، فإنا نحب في ذلك القول الأول ، أنه ما لم يتب فهو مصر ، لأنه وإن لم يستتب فعليه التوبة ، وليس له أن يقيم على الذنب حتى يستتاب .
فصل : واختلف أهل العدل فيما معنا في المصر :
فقال من قال : لا يسع جهل ضلالة المصر ، أصر على صغير أو كبير ، كان مستحلا لدينه وأصر عليه أو محرما لدينه وأصر عليه ، إذا علم الجاهل له أنه مصر على ذنب من الذنوب ولم يتب منها ، فجهل كفره وضلاله ، فهو هالك ولا يسعه جهل المصر ولاجهل ضلالة .
وقال من قال : لا يضيق على من جهل ضلالة المصر ما لم يعلم الحكم فيه ، إذا لم يتوله ، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا منه ، أو يقف عنهم برأي أو بدين ، وكل ذلك معنا جائز ، إلا أن المصر على الاستحلال للحرام ،والتحريم للحلال معنا لا يسع جهل ضلالته ، من علم حرمة ما استحل من دين الله ، أو حلال ما حرم من دين الله ، فلا يسع جهل ضلالة المستحل المصر على استحلاله . (3/271)
صفحة 272
واذا علم الجاهل أن الذي أتاه المصر سيئة أو معصية أو صغيرة أو كبيرة ، فإذا علم أنها معصية ، ولا يعلم أنها صغيرة أو كبيرة ، ثم علم من أصر على ركوب ذلك ، فهنالك الاختلاف في المصر ، على ذلك الذنب الذي قد علم الجاهل أنه معصية ، وسواء علم أنه كبير أو لم يعلم ، ما لم يعلم الحكم فيه ، أنه مهلك مكفر ، وعلم من أصر على ذلك فهنالك يقع الاختلاف في أمره .
فقال من قال : لا يسعه جهل كفره ولا ضلالته ، فإن جهل معرفة ضلالته ، من علم أنه أصر على معصيه الله صغيرة أو كبيرة فهو هالك .
وقال من قال غير ذلك .
وأما إذا لم يعلم أن الذي أتى معصية ، ولا يعلم الحكم في ذلك أهو طاعة أو معصية ، صغيرة أو كبيرة ، فذلك لا يلحقه الاختلاف معنا ، بل لا يهلك بجهل ذلك المصر ، ولو استحل الحرام من دين الله ، ما لم يعلم حرامه ، فلا يضيق على الجاهل في هذا ما لم يتول المصر بدين ، أو يبرأ من العلماء ، إذا برئوا منه ، أو يقف عنهم برأي أو بدين .
وأما إذا علم أن المصر أصر على معصية صغيرة أو كبيرة ، محرمة أو مستحلة ، فهنالك يجري الاختلاف ، فاما في الاستحلال فيجب ألا يسعه جهل ذلك من الصغير والكبير ، وأما على التحريم أو على غير الاستحلال للحرام والتحريم للحلال ، فحسن معنا ألا يسعه جهل ذلك ، ويحسن أن يسعه جهله ، وكل ذلك معنا جائز إن شاء الله ، وذكر الكبير والصغير من المعاصي والذنوب ، ما يطول وصفه ، وإنما أردنا ذكرا من جملة أحكام ذلك ، وبالله التوفيق .
-------------------------------
1- الآية 31 من سورة النساء.
2- الآية 3 من سورة الأنعام.
3- الآية 7 من سورة طه. (3/272)
صفحة 273
باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهما فريضتان من فرائض الله ، على من قدر على ذلك وحد القدرة أن يأمن على نفسه وماله ، ممن يقوم عليه بذلك ، ومن مواد ما يخاف منه من التولد من ذلك ، فإذا كان بحد القدرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهو معذور بعلم المنكرات والمعروف ، ما كانت الجهالة له واسعة .
فاما ما كان مما لا يسع جهله في حين من الحين ، الذي لا يسعه هو جهله ، فكذلك لا يسعه جهل عمل ذلك في غيره من الأمر له والنهي له ، فريضة عليه فيه ، فإن جهل ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فضيع ذلك بجهله فيما لا يسح جهله ، كان بذلك هالكا ، وإن جهل ذلك فيما يسعه جهله ، ما لم يركبه أو يتول راكبه ، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه ، أو يقف عنهم ، وكان المحدت لذلك يدين بتحريم ما أتى ، أو لا يصح منه استحلال لما أتى من المنكر ، من استحلال ما حرمه الله في دينه ، وتحريم ما أحل الله في دينه ، ولم يكن هو من الحكام الذين تلزمهم إقامة الحدود ، لانفاذ الأحكام ، فيضيع بجهله حكما أو يعطل حدا ، أو يبطل حقا في حكمه ، فهو معذور بجهل ذلك إذا كان على وجه التحريم ، ما لم يركبه أو يتول راكبه أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه ، أو يعطل حدا قد لزمه إقامته ، أو يبطل حقا أو يضيع حكما ، وهو من الحكام اللازم له إنفاذ تلك الأحكام .
وقال من قال : إنه إذا كان على حد القدرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجهل ذلك ، كان عليه اعتقاد السؤال عما يلزمه في ذلك الذي قد جهله ، كان محرما أو مستحلا ، كان هو حاكما أومن الرعية ، لأن ذلك من اللازمات له بالقدرة إزالتها . (3/273)
صفحة 274
وإنما عذره في جهلها وهي من الفرائض عليه ، فعليه السؤال عن ذلك على كل حال في هذا الوجه . فما لم يعطل حدا أو يبطل حقا أو يضيع حكما ، يلزمه ذلك ، فلا تكون الحجة عليه فيما يسعه جهله في علم ذلك ، إلا من طريق ما يصح معه علم ذلك من أي وجه صح معه ، أو من علماء المسلمين ، والعلماء عليه في ذلك حجة من الواحد فصاعدا ، ولا عذر له في ذلك أن يشك قي الحجة إذا قامت عليه ، ولا فيما قد لزمه فيه أداء هذه الفريضة ، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
والثقاة من فقهاء قومنا فيما يوافقون المسلمين فيه من ذلك حجة في مثل هذا ، إذا كانوا ثقة في دينهم ، علماء في ذلك الفن الذي يوافقون المسلمين فيه . وأما إذا صار الجاهل بذلك إلى تعطيل حد أو تضييع حكم أو تبطيل حق بجهله ، فعليه التوبة من ذلك ، وجميع من عبر له الحق فيما قد أتى من الباطل ، أو ركبه حجة عليه في ذلك ، وليس الراكب المعطل كالواقف السالم من التعطيل ، والتبطيل والتضييع ، وعلى المعطل بجهله حدا ، أو المبطل حقا ، أو المضيع حكما ، الدينونة بالسؤال على كل حال ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، والعبارة من الكل تقوم عليه بالحق إذا كان راكبا معطلا غير معذور في ذلك ، وأما ما لم يعطل حدا ، أو يضيع حكما ، أو يبطل حقا ، وكان متوقعا دائنا بما يلزمه في الجملة .
فقد قال من قال : ليس عليه اعتقاد سؤال عن هذا إذا كان الأمر في ذلك ، إنما يقع على وجه الدفع منه ، والمنع والأمر بالقول ، فما لم يتول الراكب المحدث أو يبرأ من العلماء إذا برئوا منه أو يقف عنهم فذلك له واسع ،ولا تقوم الحجة عليه في هذا على حال ، إلا من العلماء من المسلمين ، والثقاة المامونين في دينهم ، من قومنا فيما يوافقون فيه المسلمين . (3/274)
صفحة 275
واذا كان الراكب للمنكر ذلك مستحلا لما ركب من المنكر ، وكان هذا قادرا على إزالة ذلك ، عالما بحرمة ما استحل من دين الله ، أو حلال ما حرم من دين الله بالدينونة ، فغير واسع له جهل ذلك ، بل تقوم عليه الحجة في ذلك من عقله ، ونفسه إذ ذلك مما يخالفه في دينه ، وأنه من المنكرات ، وذلك أكثر القول ، أنه لا يسعه جهل ذلك ، وهو هالك بجهل ذلك ، وأما إذا لم يكن عالما بحرمة ما استحل من دين الله ، أو حلال ما حرم من دين الله ، وكان ذلك من الراكب على سبيل الاستحلال للحرام ، أو التحريم للحلال فالحكم فيه واحد ، والجاهل فيه كالجاهل للحدث المحرم ، فالقول فيه واحد في التعطيل ، أو غير التعطيل ، ولا فرق في ذلك إلا عند من عرف حرمة ما استحل الراكب ، أو حلال ما حرم بالدينونة ، إن كان ذلك من الدين ، فلا يجوز له ذلك على حال ، ويلحق ذلك بحكم الدين ، إذا حرم ما أحل الله من دينه أو استحل ما حرم الله في دينه .
وقد قال من قال : لا يضيق على الشاك في المستحلين ، مالم يبن له صحة باطلهم في علمه ما لم يركب ، أو يتول راكبا أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من الراكب ، أو يقف عنهم ، وأقل ما يلزمه في المستحل إذا عرف حرمة ما استحل ، أو حلال ما حرمه من دين الله ، فجهل ذلك ، وضاق عليه فأقل ما يلزمه الاعتقاد للسؤال عما يلزمه في ذلك ، وإذا لم يضق عليه ذلك على هذا القول ، ولم يصل في ذلك إلى تعطيل حد ، أو تبطيل حق ، أو تضييع حكم ، فلا يبين لي على قياد هذا القول أن تقوم عليه الحجة ، إلا من صحة علمه من أي وجه بان له ذلك ، أو من العلماء من المسلمين ، أو أهل العلم الثقاة في دينهم من قومنا ، فيما يوافقون المسلمين فيه . (3/275)
صفحة 276
و نقول : إن عبارة الضعيف من المسلمين عن أحد من علماء المسلمين ، أو بتلاوة كتاب رب العالمين ، في مثل هذا حجة لأنه إنما وقع له العذر له إذا لم يبن له ، فإذا وقع البيان من المعبرين زال الشك مع ما تقدم عليه من علمه مع ما قد قيل : إنه لا يسعه الشك في ذلك ، وأنه غير منفس في السؤال عن ذلك .
وأما إذا صار الشاك في ذلك إلى تعطيل حد ، أو تضييع حكم ، أو تبطيل حق ، فلا شك في هلاكه ، وعليه الدينونة بالسؤال على كل حال ، وكل من عبر له ذلك في تلك الحال ، كان عليه حجة من جميع المعبرين . (3/276)
صفحة 277
خاتمة :
من بلغه كتابنا هذا فليتدبره تدبر مشفق على نفسه، طالبا رضوان الله، ولا يأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب، وإنا تائبون إلى الله من جميع ما خالف الحق والصواب، والحمد لله كثيرا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين.
في نهاية الكتاب وجد مكتوبا:
تم كتاب الاستقامة في الولاية والبراءة والإمامة تأليف الشيخ الرضي الأجل، الثقة العدل الولي، العالم الفقيه الملي، أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي، رحمه الله وغفر له، وجزاه الله خيرا.
وقع الفراغ من نسخه رواح الاثنين لست ليال خلون من شهر ذي القعدة من شهور سنة تسع ومائة وألف منذ الهجرة النبوية المحمدية، على يد عبيد الله الفقير الحقير المعترف بالتقصير الغريق في بحور ذنوبه، الراجي عفو ربه سليمان بن راشد بن عبدالله بن أحمد بن محمد بن بلحس المعولي بيده الجبراوي آمين له ثم آمين.
بحمد الله وتوفيقٍ ورعايةٍ منه تم بفضله - تعالى - تحقيق وتبويب وتصنيف هذا الكتاب النفيس المفيد.
ونسأل الله سبحانه أن ينفع به وأن يجعله من العمل الصالح المقبول لمؤلفه رضي الله عنه وأجزل له الثواب.
معهد القضاء: الخميس 5 من ربيع الأنور سنة 1405هـ
موافق 29 من نوفمبر سنة 1984م
محققه
محمد أبو الحسن (3/277)