صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - عقيدة
------------------------------------------
العنوان: الاستقامة
المؤلف: محمد بن سعيد الكدمي أبو سعيد
تحقيق: محمد أبو الحسن
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1405ه/ 1985م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 3
الكلمات الدالة: أحكام فقهية، فقه الإباضية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=546&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/218
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 08 صفر 1447ه/ 03 - شهر 08 - 2025م. سلطنة عُمان
وزارة التراث القوي والثقافة
الاستقامة
*
تأليف العلامة المحقق
الشيخ إلى سعيد محمد بن سعيد الكرمي
الجزء الأول
51405 - 1985 م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
?
الاستقامة
تأليف العلامة المحقق
الشيخ أبى سعيد محمد بن سعيد الكرمي
الجزء الاول
1405 هـ - 1985 م (1/2)
صفحة 3
بسم
الله الرحمن الرحيم
كلمة التحقيق
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن
سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد
فهذا كتاب الاستقامة للعلامة الجليل أبي سعيد محمد بن سعيد بن محمد الكدمي، الذي يعتبر بحق من أجل العلماء بلا منازع، فإذا قيل المتبحر في مجال العلم فهو أبو سعيد، وكتابه «الاستقامة» هو الجامع لأحكام الولاية والبراءة، وقد قال عنه العلامة السالمي في كتابه «جوهر النظام» في الجزء الرابع في مقام المقارنة بينه وبين كتاب «إحياء علوم الدين» للغزالي:
ولم يكن إحياء علوم الدين بجامع لنا علوم الدين نعم حوى كشف عيوب النفس كشفا بليغا قد خلا من لبس فبين المهلك من خصالها وذكر العلاج من أحوالها ولم يكن كتاب الاستقامة يجمع ديننا ولا أحكامه
-- (1/3)
صفحة 4
لأنما صنفه المصنف لرد بدعة ناك تُعرَفُ بالغ في إنكارها وأطنبا مستطردا في العلم حيث انقلبا فعدّ ما يخص تلك المسألة قواعدا لم تبق قط مشكلة فحصل المطلوب منه فاستحقا حسن الثنا بما به فيها نطقا
وقد قسمنا كتاب الاستقامة إلى ثلاثة أجزاء:
جعلنا الجزء الأول خاصا بقواعد الولاية والبراءة
والجزء الثاني خاصا بأحكام الولاية والبراءة
والجزء الثالث خاصا بتطبيقات الولاية والبراءة
ونقدم اليوم الجزء الأول بعد أن اقتفينا فيه مناهج التحقيق التي اتبعناها
في مثيله المعتبر» لنفس المؤلف وكذلك المنهج الذي اتبعناه في جامع
البسيوي، من قبل (1/4)
صفحة 5
من
التعريف بالمؤلف
سبق أن عرفنا بالمؤلف في مقدمة كتابه «المعتبر» الجزء الأول. ولا بأس أن نعيد التعريف به هنا لزيادة الفائدة؛ فأمثال هذا الزاهد الورع لا يمل ذكرهم، ولا يثقل على الناس تكرار الحديث عن سيرتهم العطرة، فهم مصابيح النور الالهي في دياجير ظلام الجهالة، بهم يجلو الله صفاء القلوب، ويتأسى الناس بسيرتهم ويقتدون بهداهم.
كان أبو سعيد على جانب عظيم من الزهد، عظيم الزهد في الدنيا وخصاله إذا أطلنا فيها لا تنتهي - على حد تعبير فضيلة الشيخ سالم بن حمود السيابي - وإن الله في خلقه ضنائن، ولكل درجات مما عملوا
أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد الكدمي، كان فقيرا لا مال له، وكان يملك الشيء الضئيل من القوت.
كان قريبا للعلامة ابن بركة في بهلا، وكان ابن بركة غنيا اشتهر بغناه، وكان غناه ظهيرا للعلم، ولذلك يقصده الطلبة من عمان وغيرها، حتى قيل إن الطلبة المغاربة لا يُفْقَدُون من مقامه، فلمع اسمه وشاع ذكره.
وأما من ناحية العلم فكل العلماء يعترفون لأبي سعيد بالمنزلة العلمية
وعليه يُعَوِّلُون، وعلى أقواله يعتمدون، ولقد اشتهر أبو سعيد بعد وفاته،
6
أكثر من شهرته في حياته، لأنهم اطَّلَعُوا على مؤلفاته فأكبروها. وخصاله (1/5)
صفحة 6
عديمة النظير، ولهذا أطلق عليه العلامة السالمي أنه إمام المذهب وأما نسبه فناعبي، ونسب النعب من قضاعة، واختلف العلماء في
قضاعة؛ فمن قائل:
قضاعة.
هما قضاعتان؛ إحداهما قضاعة بن معد بن عدنان، مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان
بن
وعليه قول قائلهم:
والثانية
نحن بني الشيخ الهجان الأكبر قضاعة بن مالك بن حمير النسب المعروف غير المنكر في الحجر المنقوش تحت المنبر رحم الله أبا سعيد رحمة واسعة، فلقد. . حسم الموقف عند ما ترامت إليه الخلافات التي كانت سائدة بين الصلت بن مالك وراشد بن النضر، قال فيها ما رآه، فكان فصل الخطاب
ومن مؤلفاته القيمة، كتابه «الاستقامة» - الذي نحن بصدده الآن - وهو يقع في ثلاثة أجزاء، وكتابه المعتبر» الذي أفردنا له تقديما خاصا به، و «الجامع» المشهور بجامع أبي سعيد، المحتوي على فتاواه، وكلها لها مقام عظيم عند أهل الفضل والعلم.
كما ذكر فضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي أن أبا سعيد - رضي الله عنه - معدود من أجلة علماء المذهب الأباضي بعمان، حتى إنه لقب بإمام المذهب، وقد عاش في القرن الرابع الهجري، وعاصر الامامين العادلين سعيد بن عبدالله وراشد بن الوليد - رحمهما الله - كما عاصر الإمام ابن بركة البهلوي .. وقد أخذ عن عالمين جليلين من علماء نزوى، هما: العلامة الشيخ محمد بن روح الكندي، والعلامة الشيخ أبو الحسن النزوي. وتتلمذ
عليه جماعة من العلماء
-1 - (1/6)
صفحة 7
خطة وأسلوب تحقيق الكتاب
تقع نسخة وزارة التراث القومي والثقافة من كتاب «الاستقامة» في حوالي ألف صفحة من الحجم المتوسط، وقد أفادنا في ذلك مقابلتها على ما جاء من الكتاب في قاموس الشريعة، وإن كان ذلك قد استغرق وقتا
وجهدا.
وقد اتبعنا الأسلوب التالي:
أولا: استعرضنا جميع الموضوعات الواردة في الكتاب، فاستخلصنا
منها كل موضوع يتصل بقواعد وأسس الولاية والبراءة عند أبي سعيد في كتابه
هذا الأساس، فوضعنا كل موضوع يتصل بالقواعد في هذا الجزء الأول
"
وفي داخل هذا التقسيم توخينا - قدر الطاقة - اختيار القواعد العامة التي تفرد بها هذا الامام الجليل فقعد بها القواعد للناس في الولاية والبراءة؛ من
أمثال:
أحكام الحقيقة وأحكام ولاية الحقيقة.
وجوه الولاية والبراءة.
الولايات والبراءات
ولاية الشريطة وبراءة الشريطة.
- Y. (1/7)
صفحة 8
ولاية الحكم بالظاهر وبراءة الحكم بالظاهر
- صفة من يكون عالما بالولاية والبراءة
وغير ذلك كثير مما ورد في بابه
ثانيا: أننا خصصنا الجزء الثاني لأحكام الولاية والبراءة، وكيفية
ربطها بالقواعد، وفي داخل هذا الجزء ربطنا كل قاعدة من قواعد الولاية
والبراءة بأحكامها؛ من أمثال
:
ما يسع جهله وما لا
يسع جهله من
التدين
- الجملة ولوازمها.
-
أحكام الدور وأحكام ولاية الظاهر
المعارضات على الضعفاء
البيعة لإمام الدفاع
الإمامة والقول فيها
وغير ذلك كثير مما ورد في مناسباته.
ثالثا: أننا جعلنا الجزء الثالث في تطبيقات الولاية والبراءة
وقد ألحقنا في هذا الجزء التطبيقي ما أورده المؤلف ـ رحمه الله ـ من
تطبيق لقواعده وأحكامه في كل الأمور المتصلة بالولاية والبراءة؛ من مثل:
ذکر ضمان الخطأ وضمان الفتيا
تصنيف المحللات والمحرمات
- A- (1/8)
صفحة 9
اختلاف الرجلين في التحليل والتحريم.
ما جاء في الصيد والدماء والأشربة.
وغير هذا كثير مما ورد في مواضعه
ولقد بذلنا - قدر الطاقة - ما وفقنا الله إليه من استطاعة، ويبقى قصور الإنسان نسان وضعفه، وافتقاره - دائما - إلى حول الله وقوته وإلى عون الله في كل عمل، وقد أدبنا ربنا سبحانه فعلمنا وهدانا للاستعانة به في كل أمر من أمورنا. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
وقد تأدب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق الكريم، فكان يستعين بالله في
أمره كله، ثم أرشدنا إلى ذلك فقال: «وإذا استعنت فاستعن بالله. فاللهم
أكرمنا بفيض عونك
وفي نهاية كلمتي لا بد لي من تقديم الشكر لكل من ساعدني وساهم في نشر هذا التراث الفقهي الفريد، الذي أصبحنا اليوم في أشد الحاجة إليه لتستنير به الأجيال المؤمنة وتنطلق به إلى ما يحبه الله ويرضاه
•
وأسأل الله أن ينفع به، وأن يجعله في أعمال صاحبه الصالحة، وأن
يأجره عليه ويثيبه، إنه نعم المولى ونعم النصير.
في الاثنين 19 من محرم الحرام سنة 1405 هـ موافق 15 من أكتوبر سنة 1984
-4 -
محققه
محمد أبو الحسن (1/9)
صفحة 10
[صفحة فارغة] (1/10)
صفحة 11
مقدمة المؤلف
الله -
بسم الله الرحمن الرحيم وبالله أستعين
الحمد لله الحميد المجيد، القائم على خلقه الشهيد، الرقيب على أمورهم العتيد، الرحيم بهم - على ظلمهم - الودود، الجواد عليهم بفضله الموجود، العالم بجميع خلقه الخبير، العالي عليهم القدير، فإياه نستهدي ونحمد، وبذلك نعترف له ونشهد، وله نؤمن وإياه نعبد، وعليه نتوكل و به نستعين، و به نؤمن وله ندين، وهو في جميع الأمور حسبنا، وعليه
اعتمادنا
و به عصمتنا
ونشهد أن لا إله إلا هو إلها واحدا، لم يزل بالوحدانية منفردا وبالألوهية والملكوت متوحدا، وأنه لا يزال كما لم يزل أبدا، لا غاية له في
ذلك ولا مدا
،
ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله، وشاهد على جميع الخلائق مقبول، أرسله الله - تعالى - بلسان عربي صادق، وكتاب مهيمن على جميع الكتب ناطق، ودين الإسلام الحقيقي الطاهر، والعالي على جميع الأديان الظاهر، وعلى أخلاق طاهرة كريمة، وشريعة عادلة مستقيمة، ونبوة لجميع النبوات خاتمة، وسنن مصدقة للكتاب محكمة
ونشهد أنه قد بلغ عن الله الرسالة، وصدق أمته في جميع رسالته المقالة، واجتهد الله في بذل النصيحة، بالقول البالغ والبيئة الصحيحة،
-11 - (1/11)
صفحة 12
وكان كما وصفه الله؛ بالمؤمنين رءوفا رحيما، غليظا على الكفار والمنافقين، شديدا عظيما، وسبح بحمد ربه كما أمره، وكان له من الساجدين، وعبده بطاعته في جميع ما أمره حتى أتاه اليقين، وصلى الله على سيدنا محمد؛ خاتم النبيين والمرسلين، وسيد المتقين من الأولين والآخرين، وعلى جميع أوليائه وحزبه في الدين، من ملائكة الله الكرام المقربين، وأنبياء الله ورسله وصفوته أجمعين، وعلى جميع أولياء الله من جميع العالمين، وسلم تسليما
وبعد: فإنه لما امتحن الضعفاء من المسلمين لفقد علمائهم في
6
الدين، عظمت عند ذلك المحنة، وانفتحت عليهم أبواب الفتنة وانطلقت عليهم ألسنة كانت محجوزة، وظهرت صغائر كانت مستورة، وانتصبت رءوس كانت منكوسة، ومشت أرجل كانت مكبلة، وانبسطت أيد كانت مغلولة، وكثر المدعون للعلم بعد أن كان أهل العلم قليلا، واستجد في الادعاء للعلم من كان لسانه عن النطق به كليلا، وعز مع أهل العمى بادعاء العلم من كان عند العلماء ذليلا، وظهر من بعض من ينحل
نفسه العلم، ولعهم في الحكم والحلم، على ما يدل عليه بذلك لحن المقال ويبين عليه في ذلك في عام الأحوال، بأنه يُحب لنفسه في ذلك الإظهار
ويطلب لها الرفعة والإشهار، ويذهب بها في ذلك إلى العلو والاستكبار ولا يجوز في ذلك على أحد من أهل الإسلام؛ تحقيق الظنون.
C
"
،
والله ـ سبحانه ـ هو الشاهد على الضمائر والمكنون. غير أننا نكني عن ذكر كثير من تلك الأسباب التي يكثر بذكرها الخطاب، ويطول بوصفها الكتاب، ويورث بيننا الاحن والأعتاب، ولا يبلغ بها إلى فائدة ولا شفاء
وفي بعض ما قد ذكرنا منها، وأوضحنا من أحوالها دليل ومُكتفى. ونأخذ في ذكر ما فيه الفائدة والمحصول، وما تجرى عليه عامة تلك الأسباب من الأصول.
- 12 - (1/12)
صفحة 13
هو
باب
أحكام الحقيقة وأحكام ولاية الحقيقة
6
ما جاء في كتاب الله؛ من صفة موصوف فيها، أو مسمّى أهل ولاية الله، مثل النبيين والمرسلين، والمؤمنين والصالحين والأتقياء والأبرار، وجميع أهل هذه الأسماء، وأهل هذه الصفات، لا يجوز أن يشك في هذه الأسماء وهذه الصفات الموصوفات، إذا صحت مع أحد من كتاب الله، أو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كتاب من كتب الله، أو رسول من رسل الله، لمن
عن
صحت فيه ومنه
لا يجوز الشك في ذلك كله، ولو لم يعرف ذلك بعينه؛ الموصوف به، مثل أصحاب الكهف، وأبوي الغلام الذي قتله العبد؛ الذي استصحبه موسى ـ عليه السلام -، وأمثال ذلك، على أن يُعَلِّمه مما عُلم رشدا، وأبوي الغلامين صاحبي الجدار، الذي أقامه العبد الذي استصحبه موسى ـ عليه السلام -، وأمثال هؤلاء، كذلك العبد أيضا الذي استصحبه موسى.
-
عليه
السلام -، فكل هؤلاء لم يصح في الكتاب، في ظاهر صحة أسمائهم، وإن
كانت سعادتهم وولايتهم، قد ثبتت بالحقيقة في الصفة
فصل: وكذلك قوم نوح وعاد وثمود، وأصحاب الرس، وأمثال
هؤلاء ممن صح شقوته في الحقيقة، وإن لم تصح في ناطق الكتاب تسمية أحد
- Ir- (1/13)
صفحة 14
من هؤلاء بعينه، فإنه قد صح شقاء الشقي منهم في الجملة والصفة، وسعادة السعيد منهم في الجملة والصفة، وهو لاحق بأحكام الحقيقة في الشهادة والمعرفة، ولا يجوز الشك في هؤلاء بجملتهم وصفاتهم، كما لا يجوز الشك في هؤلاء بأسمائهم وأعيانهم، ولا يجوز أن يحكم في أحد من هؤلاء باسم وعين، إلا أن. يصح ذلك في أحد منهم أنه منهم؛ باسمه وعينه أنه من أهل هذه الجملة، وأهل هذه الصفة، بما لا يشك فيه من العلم والمعرفة من طريق الشهرة، فإذا صح ذلك؛ كان الحكم فيمن صح فيه ذلك علم حقيقة التعيين، وزال الحكم فيه عن الجملة والصفة، ولزوم من لزمه ذلك علم اليقين لذلك؛ بالمعرفة وولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، على ما وصفنا
خصه
علم
كافة المسلمين المؤمنين؛ إلا من وعلم ذلك موضوع عن ذلك أو علم شيء منه، فمن خصه علم ذلك، ونزلت به بليته، فعليه أن لا يشك في علم ذلك ولا يرتاب فيه، وليس له أن يتعاطى من علم ذلك ما لا يبلغ إليه، ولا وقف عليه تقليد لأحد، من غير من يجوز له التقليد، من قول
مالم
الله - تبارك وتعالى -، وقول أنبيائه ورسله، وما صح عندهم بسماع أو شهرة، ولا يشك فيها عالمها، وليس له أن يعنف ولا يخطئ من ادَّعَى جهل ذلك، أو جهل شيء منه، إلا ما كان منه من ذلك، ولا يسعه جهله في حال الحال، إذا بلغ إليه علمه، فخطر بباله، أو سمع ذكره، أو دُعِيَ إليه، وهو أن يتولى الله - تبارك وتعالى - على كل حال، ولا يسعه الشك في ذلك
من
ومن عرف أن الله ولي جميع الأمور، ومقدر جميع المقدور، وعرفه مما ألزمه أن يعرفوه، فقد تولاه، فولاية الله - تبارك وتعالى ـ واجبة على كل حال، وولاية النبي ومعرفته من جميع الخلائق واجبة، والإيمان به
واجب
وإذا تولى المؤمن الله - تبارك وتعالى -، وتولى رسوله وتولى المؤمنين
-12 - (1/14)
صفحة 15
في الجملة على الحقيقة، فقد تولى من يجب عليه ولايته. وذلك قول الله
- تبارك وتعالى -:
: إِنما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)
فلا يجب على أحد (1) ولاية أحد بعينه على كل حال؛ إلا ولاية الله تبارك وتعالى ـ، وولاية رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وولاية من أطاعهما في الجملة، وهم المؤمنون، فولاية الله ورسوله خالصة على الحقيقة، وولاية أهل طاعة الله في الجملة على الحقيقة، لأهل الصفة، لأنهم هم أهل ولاية الله ومرضاة
الله
وكذلك على كل أهل زمان، ولاية الله - تبارك وتعالى ـ، لا يسع جهل أحده أو ولاية الرسول لأهل زمانهم الواجب عليهم الإيمان به في جملة الإيمان، والذي لا يكونون مؤمنين إلا بالإقرار به، وليس على الجميع ولاية أنبياء الله - تبارك وتعالى - ورسله في الجملة، ولا في التعيين في أحد منهم بعينه؛ إلا من علم ذلك وعرفه، وإلا فلا يضيق على أحد جهل علم أنبياء الله، والإيمان بهم وولايتهم، إذا أقر بالجملة، لأن في إقراره بالجملة التي أقر بها، ودان بها، الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله وملائكته، وجميع ما خاطبه الله به في الجملة أن يدين به، من قول أو عمل أو نية، فإذا أقر بذلك؛ كان ذلك كاف له عن تفسير ما هو داخل في الجملة، حتى يبلغ إلى علم ذلك. أو يمتحن بشيء من ذلك وتنزل به بليته
6
وجميع
فصل: فإذا أقر بالجملة فقد تولى بذلك جميع أولياء الله المؤمنين من ملائكة الله وأنبيائه ورسله، وجميع أوليائه، وآمن بجميع ما عليه أن يؤمن به، فليس عليه علم أحد من أولياء الله، ولا ولاية أحد من أولياء الله بعينه ولا بصفته، من ملائكة الله ورسله وأنبيائه والمؤمنين بأعيانهم وصفتهم، حتى يبلغه علم ذلك، ولو خطر بباله، أو سمع بذكره، أو دُعِيَ
1 - في نسخة «العبد»
-10 - (1/15)
صفحة 16
إليه، لم يضق عليه علم جهل ذلك، الم يبلغ إليه علم ذلك، أو تقم عليه الحجة بعلم ذلك، وشكه في ذلك واسع له، ما لم تقم عليه الحجة بذلك بعلمه.، من وجه ما يجب عليه من علم ذلك
الله
وأما أعداء الله؛ فلا يجب عليه علم عداوة أحد منهم بعينه، إذا خطر بباله أو سمع ذكره، إلا على صفة ما يأتي من عداوة أعداء الله، لأنه ليس في ذلك موضع علم تقوم به الحجة من علم العقل، وإنما يجب عليه من علم ذلك؛ ما تقوم عليه به الحجة من علم العقول، فلا نعلم أن أحدا من أعداء يجب على أحد من المؤمنين في أصل دين الله عداوته باسمه وعينه، إلا حتى يبلغ إليه علم ذلك، بما لا يشك فيه من معانيه لذلك، أو صحت من تواتر الأخبار بذلك، في عداوة الحقيقة، وعداوة حكم الظاهر، وإنما يجب على الجاهل عداوة أعداء الله في الشريطة، في جملة أعداء الله، وجملة أعداء الله العاصين لله، لا غير ذلك، حتى تقوم عليه الحجة بعلم أحد من أعداء الله بما لا يشك فيه
فصل: وجميع المؤمنين والمسلمين مؤتمنون في ذلك على دينهم، إذا ادعوا جهل شيء من ذلك، ولو علمه غيرهم من المسلمين والمؤمنين، عليه علم شيء من ذلك، بما لا يسعه الشك فيه، أو يقر
إلا من صح بذلك، ثم لا يقوم بما يجب عليه من ذلك، من ولاية أو عداوة، فهنالك يضيق عليه بما ضاق عليه في دين الله، وإلا فليس عليه في ذلك ضيق، ولا يهلك بجهل شيء من ذلك كله من طريق حجة العقل، إلا بعد العلم بصفة من طريق حجة العقل، يدرك بها علم أهل معصية الله، أو أهل عداوة الله، ونحو هذا، أو قيام الحجة من طريق السماع، ولا تكون الحجة من طريق السماع في الحقيقة، إلا من تواتر الأخبار، لا من طريق الشهادة، أو من علم العالم بذلك من سماع أذنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو وقوفه على علم ذلك من كتاب الله، أو من الشهرة من صحة ذلك من كتاب الله، أو عن الأخبار
-11 - (1/16)
صفحة 17
بحقيقة، لما
المتواترة عن رسول من رسل الله، أو نبي من أنبياء الله، ولو صح كفر أحد ممن قد صحت شِقْوَتُه في كتاب الله، أو عن لسان رسول الله، أو عن أحد من رسل الله أو أنبيائه، مع جميع العالمين؛ إلا رجلا واحدا من المسلمين، لم يصح معه ذلك فيه من علم الحقيقة، ولكنه صح كفره من طريق صحة الأخبار المتواترة، من صحة حدثه في ظاهر الأمور، ما جاز له أن يبرأ منه صح مع غيره، ولما قال غيره أنه قد صح معه من حقيقة شقوته، أو حقيقة كفره، ولكن كان عليه أن يبرأ منه بحكم الظاهر، لما صح من كفره في حكم الظاهر، وليس له أن يحكم عليه بحكم الحقيقة، ولو عاين من ركوبه عبادة الأصنام، والكفر بالإسلام، وجميع المعاصي الظاهرة الشاهرة، ولم يعلم منه توبة إلى أن مات على ذلك، وكان على رأسه، إلى أن مات أو قتله بيده، ولم يسمعه تاب من ذلك، فليس له أن يشهد عليه بالحقيقة أنه كافر، ولا أنه شقي، ولا أنه من أهل النار؛ حكم حقيقة، فإن شهد له
ويرجع
6
،
بالنار على ذلك، كان في شهادته تلك شاهدا بالغيب، قائلا لما لا يعلم كافرا بذلك كفر نعمة لا كفر شرك، إلا أن يتوب من شهادته تلك وهذا من تعاطي علم الغيب، والشهادة على الغيب، ومن شهد على غائب فقد كذب، ولو كانت شهادته تلك عند الله في علمه؛ قد وافقت الحق في علم الله، فإنه مبطل في حكم دين الله، والله معاقبه ومعذبه على تلك الشهادة
إلا أن يتوب.
فصل: وكذلك من صحت معه شهادة على الحقيقة من أحد الوجوه التي وصفناها أنها تؤدي إلى علم الحقيقة، أو شهادة الحقيقة فشك في ذلك، بعد علمه بذلك، ولم يشهد بتلك الشهادة على من قد صحت عليه بعينه، من أجل أنه رأى ذلك المشهود عليه، وقد شهد عليه بالنار، فرآه بعد ذلك مؤديا لجميع ما ألزمه الله، تائبا من جميع ما لزمه فيه التوبة، مستحقا لولاية الله في حكم الظاهر، فشك في تلك الشهادة وارتاب، كان بذلك هالكا، إلا أن يتوب، فحكم الظاهر لا يزيل حكم الحقيقة، وحكم الحقيقة لا يوجبه حكم
- IV- (1/17)
صفحة 18
الظاهر، وليس لأحد أن يخالف الحق في هذين الحكمين، بعلم ولا بجهل
برأي ولا بدين، فمن خالف حكم ذلك؛ كان من الهالكين إلا أن يتوب
فصل: فإن قال قائل: فيسع جهل معرفة إبليس عدو الله، وفرعون
وهامان وقارون، وامرأة نوح وامرأة لوط، وأبي لهب وأمثالهم، ممن قد نزل بأخبارهم الكتاب، وصح كفرهم بالحقيقة وشقوتهم، وكذلك يسع جهل
معرفة
6
فة أبينا آدم، وأبينا نوح، وأبينا إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وعيسى والنبيين، والرسل والصالحين الذين نزل بهم وبأخبارهم الكتاب، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت ذلك رسوله، ويجوز أن يقال إن ذلك يسع جهله؟
عن
الله وعن
قلنا له: نعم؛ يجوز أن يقال إنه يسع جهلهم إلى أن يبلغ خبرهم من بلغ إليه ذلك، أو خبر أحد منهم، فإذا صح ذلك مع من بلغ إليه علم ذلك، لم يسعه جهل ذلك، ولا الشك فيه، ولا الريب، كما قد وصفنا وبينا، وما لم يمتحن بذلك ويبلغ إليه علم ذلك، فهو سالم بجهل ذلك، وغير مسئول عن ذلك أبدا، حتى يبلغه علم ذلك
فإن قال قائل: أفليس قد قيل: إنه لا يسع جهل ما جاء في كتاب الله، وقد جاء هذا في كتاب الله، فكيف قلتم يسع جهل ذلك، وقلتم: إنه
لا يسع جهل ما جاء في كتاب الله، فكيف اختلف القول في هذا؟
قلنا له: إنما قيل؛ لا يسع جهل ما جاء في كتاب الله من أحكام الشريعة، والأمر والنهي والحلال والحرام، فلا يسع ذلك حتى يضع الجاهل اللازم من ذلك لازما، أو يركب منه محرّما قد لزمه أداء ذلك اللازم.
جهل
ولزمه الانتهاء عن تلك المحازم، وإلا فقد كان واسعا له جهل جميع ذلك
،
ما لم يضيّع فريضة لزمته، أو يركب محرّما أبدا، لا غاية له في جهل ذلك، أو تقوم عليه الحجة بمعرفة ذلك بوجه من الوجوه، التي تقوم بها الحجة عليه من
- IA- (1/18)
صفحة 19
معر
فة ذلك،
كل ما يكون الحكم فيه، أنه من أحكام الشريعة، ومن
أحكام الأمر والنهي، والذي يعتبر العباد به متعبدون.
مع
معه أن
وأما الحكم في هؤلاء أن معرفتهم ليس من طريق معرفة الشريعة، وإنما يقع الحكم في معرفتهم، حكم الأخبار وصحة الأخبار، فالعلم بالأخبار واسع أبدا، ما لم يصح مع أحد خبر من لا يشك فيه، وغير متعبد في صحة الأخبار أحد، ما لم يصح معه الخبر، وإنما متعبد فيه، إذا يصدقه ويشهد على صحته، وينفذ الله حكم الشهادة عليه، وإلا فليس لذلك غاية يلزمه فيه عمل ولا قول، بمنزلة الصلاة والزكاة والحج، وغير ذلك من الفرائض. ومما يخرج فيه الأحكام من أحكام الشريعة، فكل ما خرج فيه القول، من أحكام الأخبار لم يصح فيه القول إلا من طريق الشهرة، لا من طريق الفتيا، إلا أن تقوم الحجة بمعرفة الكتاب، فإذا قامت الحجة بمعرفة الكتاب، صح منه جميع ما صح فيه من حكم الشريعة، وخبر ووعد ووعيد وأمثال، وجميع ذلك من صحة الكتاب، ولا يسع الشك في جميع ذلك من
الكتاب
فصل: وكلما كان الحكم يخرج فيه من طريق الأخبار في الكتاب فلا تقوم الحجة فيه، ما لم تصح معه معرفة الكتاب، إلا من طريق نقل الشهادة من الشاهدين عليه، ولا يصح من طريق الفتيا، وإنما يصح من طريق الفتيا؛ من الكتاب والسنة والإجماع، ما كان مخرجه مخرج الدين من الشريعة، فإن جميع ما يخرج من الكتاب والسنة والإجماع، مخرج الدين ونقل الشريعة، في الحلال والحرام من أحكام الولاية والبراءة، والصلاة والزكاة والصوم والحج، والأمر والنهي، فكل ذلك يقع موقع الفتيا، وتقوم به الحجة في الفتيا، ويهلك جاهله بركوبه وتركه، ولو جهله إذا ضيّع لازما أو ركب محرما، وذلك من الكتاب والسنة والإجماع ما خرج مخرج الأمر والنهي، والناسخ والمنسوخ، والوعد والوعيد، فكل هذا يخرج مخرج الفتيا؛ من
"
- 19 - (1/19)
صفحة 20
الكتاب والسنة والإجماع، وأما ما خرج مخرج الأمثال والأخبار، فلا تقوم به الحجة، بغير صحة الكتاب الذي ثبت منه ذلك، إلا من طريق الشهادة عليه أنه كذلك من الكتاب، ولا تقوم الحجة فيه بواحد
وأحكام الحقيقة في الولاية والبراءة، وجميع من صحت ولايته وعداوته
(
بالحقيقة، وإنما يخرج مخرج الأخبار، لا يخرج مخرج الأمر والنهي ولا الناسخ والمنسوخ، ولا الوعد والوعيد على صحة الموعود عليه، والمواعد عليه من الطاعة والمعصية، فذلك حكمه أحكام الأخبار، ولا تصح الأخبار من طريق الفتيا، إلا أن يكون الإخبار يصح منها، ما يكون مخرجه مخرج الشريعة ونقل الشريعة، فكل ما كان مخرجه مخرج الشريعة ونقل الشريعة، فذلك تقوم به الحجة في الفتيا من الواحد، كائنا من كان، فيما لا يسع، ومن العالم الثقة المسلم المأمون، فيما يسع جهله، وكل ما خرج مخرج الأخبار والأمثال؛ فلا يصح من طريق الفتيا، ولا تقوم به الحجة، إلا من طريق صحة الكتاب، الذي صح منه ذلك الخبر، أو من طريق صحة الخبر عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالشهرة التي لا تناكر فيها ولا يشك فيها ولا يرتاب، أو من طريق الشهادة على غير صحة أحكام الحقيقة، وإنما تقوم في الشهادة مقام أحكام الظاهر من الأحكام في الولاية والبراءة، والسعادة والشقاء والجنة والنار.
جهله
فإن قال قائل: فيسع الناس جهل من جاء خبره في كتاب الله؛ من أولياء الله وأنبيائه ورسله، وأعداء الله؛ من إبليس وفرعون وهامان وقارون وأبي لهب وأمثالهم، ويكون مسلما أبدا إذا بجهلهم؟
قلنا له: نعم؛ يكون أبدا مسلما مؤمنا بجهل أنبياء الله؛ آدم ونوح
"
وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، والنبيين من بعدهم ومن قبلهم، وجميع المرسلين، إذا آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وتولاه وعرفه، فغير مسئول عن سائر الرسل والنبيين مجملا، ولا مفسّرا بأسمائهم وأعيانهم ولا بجملتهم، إلى أن
- Y. - (1/20)
صفحة 21
تبلغ معرفته إلى ذلك، أو إلى شيء منه، فإذا بلغت معرفته إلى جملة ذلك، أو شيء منه، كان عليه علم ذلك، الذي بلغ إليه معرفته، كان مجملا أو مفسرا معينا أو موصوفا، ولم يسعه الشك في ذلك ولا الريب، وضاق عليه هنالك الشك في الكتاب، إذا بلغ إليه علم شيء منه، أن يشك فيه أو يرتاب فيه فصل: وكذلك يُسلم ويكون مؤمنا بجهل معرفة إبليس عدو الله، ومعرفة فرعون وهامان وقارون وأبي لهب، وجميع من صحت سعادته أو شقاوته في كتاب الله، ويكون الجاهل بذلك عند الإقرار بالجملة مسلما أبدا، ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة شيء من ذلك، أو ينكر شيئا من ذلك بجهله، أو يتولى عدوا الله بجهله، أو يعادي وليا لله بجهله، فمتى فعل شيئا من ذلك على غير ما يسعه، هلك بفعله ذلك؛ كان عالما أو جاهلا
،
فصل: فإن قال قائل: لا يسع جهل هؤلاء أو أحد منهم، غير ما قد قلنا، واستثنينا من ذلك الإيمان والإقرار بالجملة، وهو أن يؤمن بالله - تبارك وتعالى ـ، أنه إله واحد لا إله إلا هو، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن جميع ما جاء به محمد عن الله، فهو الحق، فإن ادعى مدع أنه لا يسع أحدا جهل
شيء غير هذا
قيل له: فما تقول فيمن أقرّ بهذا الذي وصفناه، أن يكون مسلما به عن
علم ما سواه من الإقرار؟
فإن قال: نعم
قيل له: فإذا كان مسلما فكيف يكون مسلما لا يسعه جهل ما يكون مسلّما بجهله، إن هذا هو المناقضة في الأصول؟
وإن قال: يكون مسلما حتى يضيّع لازما، ويركب محرّما.
قلنا له: وأي لازم في هذا، وأي محرّم في هذا؟ إذا آمن بالجملة، وأقر
- 21 - (1/21)
صفحة 22
بها، وشهر له اسم الإقرار بها، والتدين بها، أليس قد خرج من أحكام الشرك بجملته، ودخل في أحكام الإقرار بجملته، ولم يبق شيء من الشرك، إلا وقد برئ منه في الحكم من عبدة الأوثان، واليهودية والنصرانية المحنة والصابئين، وكل الجاحدين، وصح له الإقرار بالإيمان، وبرئ من عن جميع فنون الشرك بجملته، وإذا برئ من الشرك بجملته، لم يبق عليه محنة من الرد على أحد من النبيين والرسل والملائكة، والإنكار لأحد منهم، ولا أحد ممن عليه الإيمان به في الجملة، وممن يخرج أنه يخالف الإيمان في إنكار النبيين والمرسلين والملائكة، والادعاء في أمرهم بغير الحق، فقد برئ المقر بالجملة، من جميع ذلك في حكم الظاهر، ولم يبق عليه محنة إلا بما يخالف فيه أهل الإقرار، من صنوف أهل القبلة، فقد برئ المقر بالجملة من الشرك، ومن التهمة بشيء من الشرك، ومن التهمة بالإنكار لشيء من رسل الله وأنبيائه وملائكته، ومع ذلك فإنه في الجملة مقر مؤمن بجميع ذلك، إذا أقر بالجملة، ولا نعلم في هذا اختلافا بين أحد من أهل القبلة
ولو كان المقر بالجملة لا يكون سالما في الحكم، في مخالفة الجملة، حتى يقر بكل شيء من الإيمان، باسمه أو بعينه أو بصفته، ما جاز أن يكون مسلما بالجملة، ولكان مشكوكا، وما جاز أن يتولى أهل الإسلام، مشكوكا فيه، ولما وضع عنه أحكام الشرك، حتى يعرف منه الإقرار بكل القرائن، لأنه إذا أنكر شيئا من القرائن، ولو آية واحدة، أو معنى واحدا مما قد جاء في الكتاب، كان بذلك مشركا، فلو كان لا يكون الإقرار بالجملة كافيا للمقر بذلك، كان يكون أبدا مشركا، حتى يقر بجميع ما يكون، وإذا أنكره كان مشركا، وكان في الشرك أبدا، حتى يعلم منه الخروج من الشرك بالإقرار، ما إذا أنكره، كان مشركا، وإذا كان لا يصح لأحد إيمان ولا إقرار أبدا، ولا. يصح ذلك أيضا لنبي مرسل، ولا لأحد من الملائكة، ولا كان يصح أيضا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولكان هذا خارجا في حكم الله - تبارك وتعالى -، - من أحكام المعقولات، وأن الله - تبارك وتعالى ـ يكلف العباد
وبجميع
ذلك
- YY- (1/22)
صفحة 23
هذا
ما لا يطيقونه، وإذا ثبت هذا بطل حكم الحكمة، من صفة الله - تبارك وتعالى ـ، ودخل في صفة الله أنه غير حكيم، تعالى الله - عز وجل - عن علوا كبيرا، وهذا باطل لا يدعيه أحد فيهما علمنا من أهل القبلة
فصل: فإن قال: يكون مقرا بإقراره بالجملة، ولكن لا يكون مستكمل الإيمان، إلا بمعرفة من جاء خبره في كتاب الله؛ من سعيد أو شقي، أو عدو أو ولي.
قيل له: فإذاً لا تثبت الولاية لأحد إلا بالدعوة له، إلى علم أولئك كلهم، فمن لم يعرف ذلك منهم، فما يكون حاله عندك بأحكام الإسلام؟ فإن قال: يكون وليا إذا دُعِي إلى ذلك وعرف قوله فيه، فإن عرفه كان ذلك أفضل في إيمانه، وأكد لولايته، وإن لم يعرف ذلك وجهله، كان ذلك واسعا له، وثبتت ولايته على ذلك
قيل له: فهذا من هذا الداعي عيب في دينه وباطل، وكان الاشتغال بالدعوة إلى غير هذا، أكد وأبلغ (1) إلى الدعوة إلى هذا، والمحنة فيه والكشف عنه، لأنه سواء في قولك، عرفه أو لم يعرفه، فهو مُسلم مستحق
للولاية، وهذا نقض لقولك إنه لا يستكمل الإيمان إلا بمعرفة هؤلاء
وإن قال: إنه إن لم يعرف كل من جاء خبره في كتاب الله - تبارك وتعالى -، من رسول أو نبي، أو سعيد أو شقي، أو عدو أو ولي، كان بذلك
منتقض الإيمان والإسلام
فصل
قيل له: فإذا كان على هذا
1 - في نسخة «أنفع من»
،
فلا
يصح
له الإيمان، إلا بمعرفة ذلك
- 23 - (1/23)
صفحة 24
منه، فمتى لم يُعرف منه ذلك، لم يستكمل الإيمان، دُعِي إلى ذلك أو لم يُدع، عُرف ذلك منه أو لم يُعرف، هذه جملة يحتاج كل واحد من العباد أن يُدعى إليها، ويعرف منه القول فيها، وهذا ما لا يدعيه أحد، ولا تحتمله العقول، الا يكون مؤمنا حتى يكون عالما بجميع كتاب الله، وبأحكام كتاب الله، وتنزيل كتاب الله، لأنه؛ على قياد قولك، أنه لو جهل واحد مما قد صح في كتاب الله باسمه وعينه، لم يثبت له الإيمان إلا به،، لأنه لا. ا يصح له الإيمان إلا بمعرفة ما لا يثبت به الإيمان إلا بمعرفة، وهو غير مؤمن حتى
يعلم جميع ذلك، وإذاً لا يكون وليا إلا عالما، ولا يكون مسلما إلا عالما بكتاب الله كله، وهذا باطل من القول لا يدعيه أحد من الأمة، ولا يجوز في حكم الشريعة ولا في صفة الله - تبارك وتعالى - أن يكلف العباد هذا، تعالى الله - سبحانه ـ عن هذه الصفة عُلُواً كبيرا، وهذا خارج من أحكام الكتاب والسنة والإجماع، ومن حجج العقول، وهو هدر من الكلام، لا يُساغ القول به ولا فيه، ولكن لم يكن بد من أن يُجري فيه قولا يبني عليه من عورض فيه من المتمسكين، ويكون حجة للمسلمين على من ألزم معرفة أحد من الخليقة؛ من بار وفاجر، بغير ما يلزمه فيه الحجة، ممن لم يصح ذلك فيه من الكتاب، ويكون الحجة لمن احتج أنه يلزمه معرفة من جاء في الكتاب خَبَرُه، وصحت فيه سعادته، أو شقاؤه آكد، ولا ممن لم يأت في الكتاب خبر سعادته ولا شقائه، من الأئمة الجبارين أو العادلين، وأنه إذا ثبت أنه لا يلزم معرفة من ثبتت سعادته أو شقاؤه في كتاب الله، ومن كتاب الله، فأحرى وأجدر أن لا يلزم معرفة من ثبت كفره أو إيمانه أو ولايته أو عداوته، أحد من المسلمين في أحكام الدين الظاهر. وهذا ما لا يحتاج العاقل فيه إلى كلام، لأن عليه أهل الاستقامة من أهل الإسلام، ولا نعلم أن أحدا يدعيه في شيء من الأحكام، إلا باتباع الهوى، ومخالفة آثار التقوى، نعوذ بالله من ذلك، ومن جميع المهالك
- YE - (1/24)
صفحة 25
باب
وجوه الولاية والبراءة
وتصنيف ذلك
إن الولاية والبراءة على كل حال من الأحوال كانت؛ مما
مما لا يسع جهله
يسع جهله أو
وهذان الأصلان هما أصلا جميع دين الله، لأن جميع دين الله - تبارك
وتعالى ـ، لا يخرج في حال من الأحوال، من أحد هذين الأصلين، وهذين الأمرين؛ أصل يسع جهله، وأصل لا. جهله. كذلك يسع جميع دين الله في خاصه وعامه لا يخرج من أحد هذين الأصلين؛ أصل يسع جهله في حال،
وأصل لا يسع جهله في حال، كذلك الولاية والبراءة؛ أصلهما في دين الله أصلان؛ فأصل يسع العبد جهله، وأصل لا يسع العبد جهله، وقد بينا في ذلك، وفي مجمل ما ذكرنا؛ من حمل ما لا يسع جهله، ومن حمل ما يسع جهله، خارجة من جميع أحكام الولاية والبراءة، من ثلاثة وجوه:
وجه من ذلك براءة الحقيقة وولاية الحقيقة
والوجه الثاني ولاية شريطة وبراءة شريطة
والوجه الثالث براءة الحكم بالظاهر، وولاية الحكم بالظاهر، ولا تعدو الولاية والبراءة على كل حال من الأحوال، أحد هذه الوجوه الثلاثة
التي ذكرناها.
- Yo- (1/25)
صفحة 26
باب
في الولايات والبراءات
وتصنيف ذلك
أكثر ما تجرى فيه المعارضات من أهل التلبيس المتكلفين؛ لضعفاء المسلمين المتمسكين في ذكر الولاية والبراءة، بضلال التأويل لأصول الولاية والبراءة، بغير بصيرة ولا علم
وذلك أنه يلقى الواحد منهم المتسمي بالفقه والعلم ممن قد اتزر بالجفوة، وارتدى بالعمى، وأنزل نفسه على الضعفاء منازل الفقهاء والعلماء على الواحد من الضعفاء المسلمين، فيقول له: إن الولاية والبراءة فريضتان، ولا يسع العبد دون أن يوالي في الله، أو يعادي في الله، ويتولى ويبرأ، وعليه أن يتولى من تولاه المسلمون، ويبرأ ممن برئ منه المسلمون، ولا يسعه دون ذلك، والمسلمون قد برثوا من فلان بن فلان، وفلان بن
فلان؛ يعني بذلك عليا وعثمان، ومن تقدم ذكره من المحدثين في ذلك العصر والزمان، وقد تولوا فلان بن فلان، وفلان بن فلان، من أهل ذلك العصر والزمان، ولا يسعك إلا أن تبرأ ممن قد برئ منه المسلمون من هؤلاء، وتتولى من تولاه المسلمون من هؤلاء الموصوفين المذكورين، وإلا فأنت هالك بدون ذلك، فإن لم تعرف ذلك فعليك السؤال، والبحث عن ذلك، ولا يسعك دون ذلك.
ولو سئلوا عما برئ به المسلمون من فلان بن فلان، لما أتوا على ذلك ببرهان، وما كان قولهم في ذلك إلا ما شاء الله، إلا كما قال المشركون: (إنا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ) (1).
1 - جزء الآية (23) سورة الزخرف
- 26 - (1/26)
صفحة 27
كذلك قولهم إنا برثنا من فلان بن فلان ببراءة المسلمين منهم، ولأجل براءة المسلمين منهم، ولأنهم برئ منهم المسلمون.
ولا نعلم مع الملبسة في الولاية والبراءة شيئا يزيد على هذه البدعة وهذه الضلالة، فلو لم يتولوا ولم يبرأوا على هذا الوجه، لكان خيرا لهم، ولكانوا قد وافقوا الولاية والبراءة من حيث لا يعلمون، وهم قد خالفوا أحكام الولاية والبراءة؛ من حيث ظنوا أنهم لها موافقون، وكذبوا على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين في دينهم، من حيث ظنوا أنهم في ذلك صادقون.
وكذلك قولهم في موسى بن موسى وراشد بن النضر، نحو من قولهم في علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، وإن لم يكن قولهم في موسى بن موسى وراشد بن النضر أشنع وأقبح، والحكم في ذلك واحد، والقول فيه واحد، من خاص ذلك وعامه، لمن لم يمتحن بأمر ذلك وشأنه، ولم يكن من أهل عصره وزمانه، ولم تقم عليه الحجة ببلوغ علم ذلك إليه، بما لا شك معه فيه ولا ريب، من بعيد عن ذلك العصر والزمان أو قريب، ولو كان من أهل ذلك العصر، إذا لم يصح عنده علم ذلك، ولم تقم عليه الحجة بذلك، من أي الوجوه قامت
والعجب العجيب كيف خص الحكم في علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، وموسى بن موسى وراشد بن النضر، والبراءة منهم دون غيرهم من المحدثين والجبابرة، والمفسدين وأهل البدع والخلاف في الدين، من المقرين من أهل القبلة والجاحدين، وغيرهم ممن لا يحصى عدده، ولا يبلغ أمده، ولا ينقضي عدده، إلا ما شاء الله. والمعنى في الجميع من أولياء الله وأعداء الله واحد، والقول فيهم واحد، والحكم فيهم واحد، قد أوجب الله وفرض وأمر بعداوة جميع أعدائه، وأوجب وفرض وأمر بولاية جميع أوليائه، فهل يقدر أحد من الخليقة أن يقول: إن الله - تبارك وتعالى ـ قد كلف عبدا من عبيده؛ من الأولين والآخرين أن يوالي جميع أولياء الله؛ من الأولين
- TV- (1/27)
صفحة 28
والآخرين بأسمائهم وأعيانهم، أو يعادي جميع أعداء الله بأسمائهم وأعيانهم. أو هل حكم بذلك كتاب الله المستبين، أو ادعى ذلك يُحق أو مبطل على رسول من رسل رب العالمين - صلى الله وسلم عليهم أجمعين.، أو في إجماع المسلمين، أو يقوم ذلك في حجج العقول من العاقلين، أن يكون الله - تبارك وتعالى ـ قد كلّف العباد في الولاية والبراءة؛ أن يعادوا له جميع أعدائه بأسمائهم وأعيانهم، أو يوالوا له جميع أوليائه بأسمائهم وأعيانهم،
هذا ما لا تحتمله العقول، ويتنافى عن الله - تبارك وتعالى - في أحكام
الأصول، وليس له أساس، ولا منه محصول، والله وكيل على ما نقول
- YA- (1/28)
صفحة 29
باب
ولاية الشريطة وبراءة الشريطة
الهلكة عن
6
اعلموا أن ولاية الشريطة وبراءة الشريطة هما أصلان من أصول دين الله تبارك وتعالى ـ وحكمان من أحكام دين الله - تبارك وتعالى ـ وبهما يسلم العباد من تضييع ما لزمهم من أحكام الولاية والبراءة، وبهما يسلم العباد من ولاية أعداء الله في الحكم بالظاهر وفي الحقيقة، وبهما يسلم العباد عن عداوة أولياء الله، في حكم الظاهر وحكم الحقيقة، وبهما من الله على عباده بالسلامة، من كلفة ولاية أولياء الله بأسمائهم وأعيانهم، ومن عداوة أعداء الله بأسمائهم وأعيانهم، وهو أن يوالي العباد الله جميع أوليائه ويعادوا له جميع أعدائه في الجملة، أو يوالوا له جميع أهل طاعته، ويعادوا له جميع أهل معصيته في الجملة، أو يوالوا له جميع المؤمنين، ويعادوا له جميع الكافرين في الجملة
كلفة
6
فإذا كان من العبد هذه الولاية الله، والعداوة الله في عباده ولعباده، فقد تولى الله جميع من كلّفه ولايته، وقد عادى الله جميع من كلفه عداوته في جملته، وكانت هذه الجملة كافية للعبد؛ عن جميع تفسير الولاية والبراءة فيما سوى ذلك، من ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، وولاية حكم الظاهر، والبراءة بحكم الظاهر، وكانت هذه الجملة كافية في أحكام الولاية والبراءة، كما كانت الجملة في الإقرار بالجملة؛ كافية للعبد عن جميع تفسير دين الله، حتى تنزل بليّة العبد في شيء من أمرٍ ما، يلزمه فيه علمه من دين الله، والعمل به أو الشهادة به، أو الانتهاء عنه، فكانت الجملة كافية له ـ في أحكام الولاية والبراءة - كما كانت الجملة في الاقرار بالجملة كافية عن ولاية جميع أولياء الله،
- 29 - (1/29)
صفحة 30
الله أولياءه من
وعداوة جميع أعداء الله، في جملة الولاية والبراءة، حتى يخطر ذلك بباله أو يسمع بذكر ذلك، أو يُدْعَى إليه أو يعرف معاني ذلك والمراد به، فإذا عرف معاني ذلك والمراد به، لم يسعه في تفسير الجملة التي أقر بها؛ إلا الولاية لجميع أولياء الله، والعداوة لجميع أعداء الله، أو يوالي جميع أولياء الله باسم يستحقونه؛ من طاعة أو إيمان أو إصلاح، أو برّ أو تقوى، فبأي الأسماء تولى هذه الأسماء التي يستحقونها في الجملة، فقد تولى جميع أولياء الله، وبأي الأسماء عادى جميع أعداء الله من الأسماء التي يستحقونها في الجملة، كان ذلك كافٍ له عن معرفة جميع الأسماء في أولياء الله وأعدائه، ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة أسماء جميع أولياء الله، أو شيء منها، أو معرفة أسماء أعداء الله أو شيء منها، فإذا بلغ إلى معرفة ذلك، وقامت عليه الحجة بمعرفة ذلك، فعليه أن يعادي جميع أعداء الله بجميع أسمائهم المستحقين لها، وبالبراءة من جميع أهل تلك الأسماء المسمين بها، الموصوف بها أعداء
الله، ويتولى جميع
أولياء الله
،
وجميع صفات أهل ولاية الله، من المؤمنين والصالحين والمتقين والأبرار والأخيار وجميع من بلغ إليه معرفته، ومعرفة اسمه، فعليه أن يتولى أهل تلك الصفة من أولياء الله، ويتولى جميع أهل تلك الأسماء من أولياء الله، ويعادي جميع أعداء الله، بجميع ما بلغ إليه علمه من صفاتهم وأسمائهم في شريطته، وقد كان في جملة الولاية والبراءة في شريطته تكفيه أن يوالي جميع أولياء الله باسم واحد، وصفة واحدة، ومعنى واحد، وكذلك يعادي جميع أعداء الله باسم واحد، وصفة واحدة ومعنى واحد. فكل ما. صح معه، من أسماء أعداء الله، وصفات أعداء الله، ومعاني وجوب عداوة أعداء الله، بمعنى من المعاني التي بلغ إليها علمه، وقامت عليه الحجة بمعرفتها، كان عليه أن يعادي الله جميع أهل تلك الأسماء والصفات، وأهل تلك المعاني.
ولا يكفيه بلوغ علمه إلى شيء من الأسماء إلا أن يعادي أهل عداوة الله من أهلها، وكلما بلغه وعرفه من أسماء أولياء الله وصفاتهم، ومعاني طاعة الله
- r. - (1/30)
صفحة 31
فلا
ا يسعه إلا أن يوالي جميع أهل تلك الأسماء والصفات والمعاني الله، فكل ما صح معه في ذلك شيء، لزمه حكم التعبد به في شريطته، وكان ذلك كافيا له عن جميع الولاية والبراءة، في حكم الظاهر وفي الحقيقة، حتى يصح معه في من الناس باسمه وعينه حكم حقيقة ما وصفنا، فيحكم فيه بعينه من ولاية أو براءة، أو سعادة أو شقاء
أحد
6
6
فإذا صح معه في أحد من الناس باسمه وعينه، كان ذلك من نزول بليته في ذلك، وزال عنه حكم السعة في أحكام الشريطة وبأحكام الشريطة، وكان عليه في ذلك العبد بعينه؛ أن يحكم فيه بحكم ما استحقه من أحكام الحقيقة، فإن ضيّع ذلك الذي قد امتحِنَ به؛ في هذا العبد، من أحكام الحقيقة لموضع ما قد دان به في الجملة من أحكام الشريطة، ولأن هذا الذي قد صحت فيه أحكام الحقيقة، داخل في جملة ما دان به من أحكام الشريطة. في أولياء الله وأعدائه، وحكم بحكم الشريطة واجتزأ به عن حكم الحقيقة وكان بذلك ناقضا لجملة ما دان به؛ من شريطة الولاية والبراءة، وخارجا من حكم ما قد استحق عليه في جملته من حكم الشريطة، لأنه إنما كانت الجملة له في أحكام الشريطة؛ كافية له عن أحكام الحقيقة وأحكام الظاهر، ما لم يمتحن بشيء من أحكام الحقيقة وأحكام الظاهر، فإذا امتحن بشيء من ذلك، ولزمته الحجة في ذلك، لم تكن الجملة كافية له عن تفسير ما لزمه من تفسيرها، كما أنه لم تكن الجملة كافية له، عند نزول بليته في حكم الشريطة من الولاية والبراءة، وكان بتضييعه ما قد نزلت به بليته، من المحنة بأحكام الشريطة، ناقضا لجملته التي أقر بها، وكانت أحكام الولاية والبراءة بأجمعها داخلة فيها، حتى يمتحن العبد بشيء منها أو بجملتها، فإذا امتحن بشيء منها أو بجملتها؛ فضيعه أو جهله في غير موضعه الذي هو متعبد فيه به، فقد نقض الجملة التي أقر بها، وكان خارجا منها بأحد معنيين؛ إما بإنكار لشيء من الجملة، أو تضييع شيء من الجملة، أو إنكار شيء من تفسير الجملة، غير أنه كيفما كان، فهو مخالف لما أقر به من الجملة، وغير مستكمل ما أقر به
- ri- (1/31)
صفحة 32
من الجملة، إذا ضيع شيئا منها أو من تفسيرها، أو ردّ شيئا منها أو من تفسيرها، والولاية والبراءة من تفسير الجملة، ومن تأويل لتفسير الجملة، وكانت الشريطة كافية عن الحقيقة، حتى نزلت بليته، فلما نزلت بلية الحقيقة؛ لم تكن الشريطة كافية في موضع الحقيقة، ولم تكن الحقيقة في أحد بعينه مزيلة لجملة الشريطة، التي اعتصم بها من دان بها واعتقدها في عباد الله، ولكن كان عليه أن يحكم بأحكام الحقيقة في موضع الحقيقة، وعليه الاعتقاد لجملة الشريطة؛ لا يزول عنها أبدا، فمتى ترك الشريطة وأحكام الشريطة لموضع ما صح معه من أحكام الحقيقة، فيمن لم يصح معه فيه الحقيقة من جميع أولياء الله وأعدائه، وجميع عباد الله، فقد ترك حكم الجملة التي اعتصم بها في الشريطة، وهلك بذلك، إلا أن يتوب، ويرجع إلى جملته التي اعتصم بها من الهلكة، من ولاية أعداء الله، وعداوة أولياء الله، أو يضيع ما أوجب الله عليه؛ من أحكام ولاية أوليائه، وعداوة أعدائه، لأنه لا يصح في حكم العقول إلا أن جميع من تعبد الله من عباده، ممن رأى أو سمع من متقدم أو مستأخر أو مشاهد أو غائب، من جميع ما تعبد الله من المكلفين، إلا أن يكون نازلا بأحد منزلتين، إما مطيع الله فيما أمره ونهاه، وإما عاص الله فيما أمره ونهاه، أو عدو الله أو ولي الله، أو كافر أو مؤمن، لا يعدو أحدا من المتعبدين من الخليقة، أحد هاتين المنزلتين
وقد صح في العقول، أنه لا يجوز في صفة الله - سبحانه وتعالى ـ أن يساوي بين أوليائه وأعدائه، وأهل طاعته وأهل معصيته، في الرضا والمحبة والثواب والعقاب، والعداوة والولاية، فهذا من المحال
فصح الأصل، أنه على العبد أن يعادي جميع أعداء الله، ويوالي جميع
أولياء الله، لأنه لا يصح في العقول؛ أن يرضى الله - تبارك وتعالى ـ من أحد من عباده، أن يجمع بين أوليائه وأعدائه، وأهل طاعته وأهل معصيته، المحبة والبغضة، والعداوة والولاية، والرضى والغضب، ولا يجوز إلا أن
في
- 32 - (1/32)
صفحة 33
يلزم العبد أو يرضى الله عمن رضي الله عنه، ويسخط الله على من سخط الله عليه، ويعادي الله جميع من. عاداه، ويوالي لله جميع من والاه، هذا مما تقوم به الحجة من حجة العقل.
فلما أن ثبت هذا؛ ثبت أن لا أحد من عباد الله، يقدر على ولاية جميع أولياء الله، على سبيل ما والاهم بأسمائهم وأعيانهم، ولا يقدر على عداوة جميع أعداء الله، على سبيل ما عاداهم الله بأسمائهم وأعيانهم، ولم يجز في
العقول أن يتولاهم جميعا، فيكون قد جمع بين أولياء الله وأعدائه في الولاية ولم يجز في العقول أن يعاديهم جميعا، فيكون قد جمع بين أولياء الله وأعدائه في
العداوة.
،
وقد صح في العقول أنه لا يبلغ إلى معرفة كل منهم، من أولياء الله فيواليه، وأعداء الله فيعاديه، فيلزم هنالك حكم الولاية والبراءة في حكم الشريطة لجميع أوليائه وأعدائه، ولزم هنالك في حكم العقول، الوقوف بالدينونة عن جميع الأولين والآخرين، أن يُعادَى أحدٌ منهم أو يُوالى باسمه وعينه، إلا بعد أن يَصِحٌ له ذلك باسمه وعينه، بأحد حكمين: حكم الحقيقة من سعادة أو شقاء، فيحكم فيه بما يستحقه من ذلك، أو بحكم الظاهر فيما ظهر من أمره، فينتقل عن حكم الشريطة إلى حكم الظاهر، ويعادي أو يوالي بما ظهر منه، مع من صح معه ذلك منه ولاية أو عداوة، وزال. ذلك حكم الشريطة فيه، ولم يكن كاف فيه حكم الشريطة، وإن كانت غير منتقلة عنه، كما انتقلت عمن صحت حقيقته من سعادة أو شقاء، لأن من صحت فيه الحقيقة بسعادة أو شقاء، لم يجز أن يحكم فيه بغير ذلك من الولاية والبراءة. وقد تقدم ذكر ذلك بما في بعضه كفاية.
ومن صحت ولايته أو عداوته في حكم الظاهر، بأعماله وأفعاله المحكوم عليه بها وله، فغير محكوم عليه بذلك، ولا له بالحقيقة، بل لا يجوز أن يحكم فيه بالحقيقة إلا على الشريطة، إن مات على ذلك الذي أظهره وثبت
- rr- (1/33)
صفحة 34
ذلك
6
له في حكم الظاهر، وكان كذلك في العلانية والسرائر، فهو كذلك، وهو من أهل الحقيقة على هذه الشريطة، وأما على غير هذه الشريطة إن مات على، من العداوة فلا يجوز أن يحكم بحكم الظاهر بأحكام الحقيقة والولاية، والسعادة والشقاء، ولو كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه ـ وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ ما جاز لأحد من الخليقة أن يشهد لهما بالسعادة، ولا أنهما من أهل الجنة في حكم الحقيقة، إلا أن يصح معه ذلك عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من صحيح التأويل عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نزل فيهما شيء من كتاب الله، وإلا فلا يجوز أن يحكم لهما قطعا بالسعادة لما ظهر منهما من أمرهما، من الخير وحسن الإرادة أمرهما من
ومن حكم لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب بالسعادة أو بالجنة، من أجل ما صح منهما من موافقة الحق في حكم الظاهر، من غير علم حقيقة على ما وصفنا، كان بذلك هالكا، كافرا كفر نعمة إلا أن يتوب
فصل: وكذلك لو شهد أحد لأبي جهل عمرو بن هشام؛ عدو الله وعدو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرعون عدو الله، وعدو رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم الظاهر؛ بالنار أو بالشقاء من غير أن يصح عنده فيه عن ا لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من صحيح تأويل كتاب الله، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل النار، لكان بتلك الشهادة عند الله من الكاذبين؛ إلا أن يتوب
ولو كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما ـ قد صحت سعادتهما من تأويل الكتاب، أو عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند جماعة المهاجرين والأنصار، وصح ذلك في جميع الأمصار؛ إلا مع رجل واحد، لم معه ذلك، إلا أنه قد. معه من طريق الشهرة فضلهما، وموافقتهما ما جاز له أن يحكم لهما بالحقيقة بالسعادة ولا بالجنة، فإن فعل ذلك
يصح
للحق،
صح
اتباعا لغيره، أو لما صح. معه من حكم الظاهر فيهما، كان. من الهالكين.
- TE- (1/34)
صفحة 35
وكذلك غيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار. وغيرهم من التابعين من أفاضل أهل الأمصار. وكل الحكم واحد في
الجميع.
6
فصل: وكذلك لو كان أبو جهل عمرو بن هشام قد صح شقاؤه، مع جميع المهاجرين والأنصار وجميع أهل الأمصار، إلا رجلا واحدا لم يصح معه ذلك من طريق الشهرة، أو من سماع عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما جاز له أن يحكم في أبي جهل بحكم الحقيقة بشقائه، ولا أنه من أهل النار، ولكن على من صح معه أمره، ومحاربته للنبي صلى الله عليه وسلم وكفره، أن يبرأ منه ويعاديه الله براءة حكم الظاهر، ولا يسع جهل عداوة أهل صفة أبي جهل عمرو بن هشام من بلغ إليه معرفة ذلك منه
وليس على أحد من الخليقة؛ ولاية أبي بكر وعمر بن الخطاب ولا غيرهما، من الأولين ولا من الآخرين، إلا ما صح. معه ما يستحقان به الولاية منهما، وتقوم عليه الحجة بذلك، فعليه حينئذ أن يتولاهما وغيرهما ممن قد وجبت عليه ولايته، ولا يسعه إلا ولايته، ولو لم يلزمه ذلك بالدينونة والإجماع.، فقد تجوز الولاية بقول الواحد، ممن يبصر الولاية والبراءة في حكم الظاهر، ولا يقع ذلك موقع الدينونة بالإجماع، وإنما ذلك على بعض قول المسلمين، فمن لزمه ولاية أحد من الأولين والآخرين باسمه وعينه بحكم حقيقة له، وبحكم الظاهر، فليس له أن يُلزم غيره ما قد لزمه، ولا يعنفه في جهله لما قد عَلِمَه، إذ قد بلغ إليه علم ذلك، وقامت عليه الحجة بذلك؛ وسعه ذلك، ولو لم يلزمه ذلك بالدينونة.
ولو أن متوليا تولى أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب، أو أحدا من المهاجرين والأنصار ممن صحت سعادته عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في كتاب الله، أو ممن لم تصح سعادته، إلا أنه قد وجبت على بعض المسلمين في الدين، بوجه حكم الظاهر، فتولى متولي ذلك العبد، بغير حجة تثبت له في
ولايته
- ro_ (1/35)
صفحة 36
الإسلام من حجج الحق، بخبرة أو برفيعة أو بشهرة، فوافق في ذلك ولاية من قد وجبت ولايته في دين الله، إلا أنه قد تولاه هو بغير حجة، فتولاء ولاية حكم الظاهر أو ولاية الحقيقة بغير حجة له في الإسلام، إلا اتباعا لمن لا يجوز له اتباعه، ولا يكون اتباعه له حجة، ولا في ولاية من تولى، أو لغير اتباع لأحد أنه تولاه بوجه من الوجوه بغير حجة، ولو وافق في ذلك ولاية أبينا آدم - صلوات الله وسلامه عليه ـ أو ولاية نوح رسول الله، أو ولاية الخليل صلوات الله عليهم - بغير حجة، لكان بذلك عند الله في دينه من الهالكين، وكان الله معذبه ومعاقبه على ولايته لابراهيم الخليل وميكائيل وجبريل عليهم صلوات الله ورحمته وبركاته -، إذا كان ذلك بغير حجة تثبت له في الإسلام من حجج الحق، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا، بين أهل العلم من أهل الاستقامة من المسلمين، ولا يجهل هذا إلا جاهل بدين رب العالمين فصل: كذلك لو برئ أحدٌ من الناس، من أحدٍ من الناس من
6
من
الأولين والآخرين، بغير حجة في الإسلام، إلا من أجل براءة أحد. المسلمين منه، أو لقبول دعوى عليه أو لغير حجة ثابتة في الإسلام، فوافق في ذلك البراءة من إبليس اللعين، الشيطان الرجيم، أو قابيل بن آدم قاتل أخيه هابيل بغير حق، وهو أول سافك الدم على الأرض بغير الحق، فيما قيل، أو وافق في ذلك البراءة من فرعون وهامان وقارون، أو من أبي لهب، الذي قد صحت شقوته في كتاب الله، أو من أبي جهل عمرو بن هشام، الذي صح
مع كثير من أهل القبلة شقوته، من تأويل الكتاب فيما قيل؛ عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيري أحد من من هؤلاء بغير حجة تقوم له في الإسلام، أو حكم بما صح معه من أحد من هؤلاء، من طريق حكم الظاهر بحكم الحقيقة، أو ترك الحكم في أحد من هؤلاء بما لزمه فيه، من أحد هذين الحكمين من أحكام الحقيقة أو أحكام الظاهر، لما قد دان في الجملة من حكم الشريطة. كان بذلك كله من الهالكين، وكان بذلك في دين الله
من
الفاسقين
- 36 - (1/36)
صفحة 37
- J
ثم إن أحكام الولاية والبراءة في الشريطة تقع على ضربين: فضرب منها هذا الذي وصفنا، أن يوالي العبد الله كل ولي له، أو كل مسلم أو كل مطيع، أو كل بار، أو كل مؤمن، وكذلك يعادي الله كل عدو أو كل عاص، أو كل فاجر أو كل كافر أو كل ظالم، ويكفي الواحد من هذه الأسماء عن الآخر، حتى تأتي الحجة بمعرفة ما جهله من هذه الأسماء المجملة، فإذا أتى العالم بغيره من الأسماء، كان عليه أن يلحق الأسماء بأهلها في الجملة، ولا يسع ترك ذلك لغيره، ولا بعض ذلك إذا بلغ إليه علم ذلك، وهذا الضرب هو أكثر ما عليه العامة من الخلق، وبه اعتصموا وبه
"
نجوا أو سلموا. فصل: والضرب الثاني من أحكام الشريطة في الولاية والبراءة، مثل - ما يسع العبد من صفة أهل المعاصي والمكفرات، أن يجد ذلك مكتوبا في کتاب من الكتب، يضاف ذلك إلى أحد من الناس بعينه، أو إلى فرقة من الناس؛ مثل ما قد سمع ورأى في الكتب؛ يضاف وينسب إلى الروافض والشيعة، والشكاك والمرجئة والمعتزلة والخوارج وصنوفهم، والشعبية والطريفية، وجميع المشبهة والقدرية وأهل الإلحاد بالله، وأهل الانكار، فيسمع بصفة من الصفات، مما لا يسع جهل ضلالة أهله، أو مما يسع جهل ضلالة أهله، وقد بلغ هو إلى علم ذلك من ضلالة أهله، ولا يصح معه أن ذلك من هؤلاء الموصوفين ولا المسمين من جملة الروافض وغيرهم، ممن يضاف إليه الكفر والمعاصي والأحداث، من الجحود والانكار والنفاق والفسوق، من جميع أهل الاقرار، فليس له ولا عليه أن يبرأ من الروافض ولا الشيع، إذا لم يصح. معه ذلك أنه منهم بالشهرة أو السماع، ولكن عليه أن يبرأ من أهل تلك الصفة الموصوفة، أو من أهل ذلك الحدث المذكور، أو من أهل ذلك الحدث وأهل تلك الصفة الخاطر بقلبه، ولا يسعه ترك ذلك ولا إهماله ولا الشك فيه، فإن ترك الحكم في ذلك والاعتقاد فيه، والدينونة به
- rv- (1/37)
صفحة 38
في شريطته، وقد بلغ إليه علم ذلك، وعرف معناه والمراد به، فهو هالك
إلا أن يتوب
فصل: وليس عليه ولا له أن يبرأ من الموصوفين، ولا من المسلمين
يصح
في الجملة، ولا في التعيين لأحد من الموصوفين، إلا أن معه ذلك أنه من الموصوفين، أو من المسمين المعينين بذلك، بما لا يشك فيه من علم ذلك، من خبرة أو شهادة بينة أو شهرة، على ما يجب في حكم الإسلام من ذلك، فإن اعتقد على الموصوفين بذلك أو المسمين بذلك، بصفة أو اسم ما قد وصفوا به، أو نسب إليهم بغير علم ولا معرفة، كان بذلك هالكا إلا أن يتوب. وإن ترك الحكم فيما قد لزمه في حكم الشريطة، كان بذلك هالكا إلا أن يتوب
وأحكام الشريطة في هذا الضرب، تنقسم على معان: فمنها ما يسع جهله، ومنها ما لا يسع جهله، فكل صفة أو حدث كان، مما لا يسع جهله فسمع بذلك العبد، أو خطر بباله، أو دُعِيَ إليه وعرف معناه والمراد به، لزمه معرفة ضلال أهل الصفة الموصوفين بتلك الصفة، من غير أن يحكم على أهل ذلك معه، فكل ما يسع
الصفة، أن تلك الصفة
منهم
كائنة، إلا أن يصح
جهله فواسع جهله، من سمع بذكره أو خطر بباله أو دُعِي إلى معرفته، حتى يبلغ إلى علم ذلك، أو تقوم عليه الحجة بمعرفة ذلك، وغير مضيق عليه في ذلك أبدا، حتى تقوم عليه الحجة، ويبلغ إليه العلم بالحكم بما لا يشك فيه، فهنالك يضيق عليه في الصفات من أحكام الشريطة، ما يضيق عليه في أحكام الجملة من أحكام الشريطة، ويضيق عليه من أحكام الصفات، ما يضيق عليه في أحكام الحقيقة، إذا بلغ إليه علم ذلك، ويضيق عليه في أحكام الصفات في أحكام الشريطة، ما يضيق عليه في أحكام الظاهر، من المعاينات والمشاهدات في المسمين بأعيانهم وأسمائهم، والصحيح منهم.، فكل ما لا يسع جهله من الأحداث والأعمال والأفعال، فيلزم في
معه،
ذلك
- TA- (1/38)
صفحة 39
الصفات فيه ما يلزم في المعاينة، ولا يجوز أن يحكم في الصفات على الموصوفين، بما يحكم على المعاينين المسمين بأسمائهم وأعيانهم، الصحيح منهم ذلك، إلا بعد الصحة في ذلك، والعلم بما تقوم به الحجة له وعليه.
- ra- (1/39)
صفحة 40
باب
ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة
والفرق بين شهرة الحدث وشهرة الدعوى في الحدث
والحجج في الإسلام
وجه الحقيقة من أحكام الولاية والبراءة؛ هو جميع ما صح بالحقيقة التي لا يجوز تكذيبها، ولا الشك فيها ولا الريب، ولا احتمال الانتقال عنها من حال إلى حال.
وذلك ما صح في كتاب الله - تبارك وتعالى - في أحد من الناس بعينه أو باسمه أو بصفته، أنه عدو الله، أو ولي الله، أو أنه مؤمن أو كافر، أو من أهل
الجنة، أو من أهل النار، أو صح له من كتاب الله ـ تبارك وتعالى ـ اسم يستحق به الولاية أو العداوة، والثواب أو العقاب، وكل من صح معه في أحد من الناس باسمه وعينه، أو باسمه أو بصفته من كتاب الله - تبارك وتعالى، أو من كتاب من كتب الله - تبارك وتعالى -، أو عن لسان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أو عن لسان رسول من رسل الله - صلوات الله عليهم - شيء مما وصفنا، فقد وجب عليه أن يعلم أن ذلك كذلك، ولا محال عن ذلك، لأنه لا يجوز له الشك في قول الله - تبارك وتعالى -، ولا الشك في قول رسل الله - صلوات الله عليهم - ولا أنبياء الله - صلوات الله عليهم - وكل ما صح هذا السبيل، فالعلم له واجب على الحقيقة، والعلم أنه لا يتبدل ولا يتغير، ولا يتحول واجب على من علم ذلك وبلغ إليه علمه،
من
هذه الجهة ومن
- {- (1/40)
صفحة 41
وكل من خصه علم ذلك فليس له الشك فيه، ولا الريب فيه، وليس يلزم
ذلك إلا من علمه
معه،، وصح
وبلغ إلى علمه
ذلك لمن لم يعلمه بصحة، كعلم من علمه، وليس لمن علم
وواسع
ذلك أو شيئا منه، أن يحمل على من لم يعلم ذلك كعلمه من ذلك، ما لم تقم عليه الحجة ببلوغ علم ذلك إليه، مما يكون حجة عليه ببلوغ علم ذلك إليه، وليس كل ما قال الله - تبارك وتعالى - وعلمه وأنزله من ذلك، كان على جميع المسلمين أن يعلموه كعلم الله، ولا على الملائكة والأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - أن يعلموا من علم ذلك، جميع ما علم الله من عداوة أعدائه بالحقيقة، وولاية أوليائه بالحقيقة، ولا على جميع الملائكة أن يعلموا علم ما علمه أحد من الملائكة مما علمه الله من علم ذلك الذي خصه بعلمه. ولا على جميع الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم -، أن يعلموا من جميع ذلك ولا من شيء منه، جميع ما علمته الملائكة - عليهم السلام -، معالم يُعْلِمْهُ الله الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم -، ولا على جميع النبيين والمرسلين أن يعلموا من جميع ذلك، ولا من شيء منه جميع ما علمه البعض منهم، إلا ما قامت عليهم الحجة بعلمه، بوجه من وجوه علم ذلك ولا على كل أهل عصر وزمان من المؤمنين والمسلمين، أن يعلموا من جميع ذلك، ولا من شيء منه جميع ما علمه نبيهم أو رسولهم، مما تقدم ذكره من ذلك أو تأخر، إلا ما أعلمهم نبيهم أو رسولهم من ذلك، أو نزل في كتابهم الله - تبارك وتعالى ـ، أو صح في كتاب من كتب الله الخالية قبلهم، أو عن رسول من رسل الله الخالية قبلهم، وليس على من لم يعلم جميع ذلك من المؤمنين والمسلمين من أهل ذلك العصر، ولا ذلك الزمان، أن يعلموا جميع ما علمه الله أحدا من المؤمنين والمسلمين، إلا ما خصه من لزوم ذلك، ولا شيئا منه، إلا ما علمه عبد من عباد الله في ذات نفسه، ونزلت به بليه ذلك بمعرفته وعلمه، وإلا فهو موضوع عنه علم ذلك كله، وعَلِمَ ما علمه
عن
منهم،
- {1 - (1/41)
صفحة 42
غيره من المؤمنين والمسلمين، إلا ما خصه من لزوم ذلك ونزلت به بليته، ولو علم شيئا من ذلك جميع المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات إلا عبدا واحدا، لم يعلم ذلك الشيء من أحد هذه الوجوه التي وصفناها، ولم يتضح معه ذلك من طريق صحة الأخبار من صحة ذلك، من أفواه المخبرين والناقلين لذلك، عن وجه من الوجوه التي وصفناها، ولم يصح ذلك معه بأحد الوجوه التي وصفناها، أنها يصح بها ذلك عنده ويوجبه ما وجب عليه من ذلك، علم ما علمه غيره من علم الحقيقة وما وجب عليه، ولو شهد معه على ذلك مائة ألف أو يزيدون، على وجه الشهادة عن لسان رسول من رسل الله، أنه قال ذلك في أحد من عباد الله؛ أنه من أهل الجنة، أو أنه من أهل النار، أو بشيء يحكم عليه به قطعا، ما كانوا عليه في ذلك حجة، ولا له في ذلك حجة، أن يشهد بما شهدت به الحجة على المشهود عليه، بذلك الأمر بعينه،، إلا أن: ذلك يسمع من لسان الرسول، أو تصح بذلك الأخبار وتقضي به الشهرة عنده من طريق علم الشهرة، فإن ذلك مما يقضي عليه ويصح وينادي إليه علم ذلك، ويلزمه علم ذلك علم حقيقة، لأن علم
معه،
الشهرة وصحتها غير الشهادة في هذا، لأنه لا يجوز على الشهرة تنافي الأخبار
"
ولا الكذب، ولا يسع الشك فيها أدته الشهرة مما لا يشك فيه العالم لذلك من الحق الذي لا يكون دعوى في الأصل، فإذا كان الأمر الذي تظاهرت به الأخبار بالشهرة واضحة، مع من بلغ إليه صحيحا في الأصل، قام ذلك مقام
العيان للشيء والسماع له والمشاهدة له، وكان الحكم فيه في حين ذلك
حكم المشاهدة والعيان والسماع، فافهموا هذا الفصل إن شاء الله.
6
فصل: ولو كان الشهود على مثل هذا في العدد، وأضعاف ذلك أضعافا مضاعفة، في منزلة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب من الصحابة، ومنزلة جابر بن زيد وجعفر بن السمان من التابعين، ومنزلة موسى بن علي ومحمد بن محبوب من علماء المسلمين، ما كانوا بذلك حجة للمشهود معه، ولا عليه أن يشهد لمن شهدوا عليه، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم
- EY- (1/42)
صفحة 43
أنه من أهل النار، ولا جاز أن يشهد على ما شهدوا عليه، ولا بمثل ما شهدوا به، فإن شهد بمثل ما شهدوا به من ذلك، وعلى مثل ما شهدوا عليه من ذلك، من غير أن يصح معه ذلك، بسماع أذن عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يتضح معه ذلك من طريق صحة الأخبار ووجوب الشهرة، وإنما قصد إلى الشهادة بذلك، على ما شهدت به هذه الجماعة الموصوفون، تقليدا لهم وتصديقا لأقوالهم، كان بذلك عند الله من الكاذبين، وكان بذلك للجماعة من المقلدين، ولا يجوز التقليد لأحد من خليقة الله، قلوا أو كثروا، في شيء شهدوا به، أن يقلدوا في ذلك تصديق ما قالوا، إلا النبيين والمرسلين - صلوات الله عليهم أجمعين -، من الملائكة والأدميين، فإن رسل الله - صلوات الله عليهم -، حجة فيما قالوه، ويجوز تصديق قولهم، ويلزم تصديق أقوالهم؛ لأنهم حجة الله، ولا يجوز الشك في ذلك من قولهم ولا الريب من جميع ما قالوه وشهدوا به، أنه كما أنهم قالوه وشهدوا به،
ذلك
من هذا الوجه، لا يحول ولا يتحول عما قالوه وشهدوا به.
"
وأن
ولا يجوز في مثل هذا من قول الله - تبارك وتعالى ـ، ولا من قول أنبيائه ورسله، تبديل ولا تحويل، ولا يجري عليه ناسخ ولا منسوخ، لأن هذا ومثله إنما يخرج على وجه الاخبار والوعد والوعيد، ولا يجري على الاخبار من قول الله - تبارك وتعالى -، وقول رسله وأنبيائه ولا الوعد والوعيد ناسخ ولا منسوخ، وكل ما قالوه من ذلك فهو ثابت كما قالوه، لا شك في ذلك
ولا ريب. ولكن إذا شهد على ذلك من علماء المسلمين اثنان فصاعدا، على أحد بعينه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنه من أهل النار أو إنه من الكافرين أو بما يكون به عدوا الله في شهادة النبي في الحقيقة لمن سمع ذلك أو صح معه ذلك عن
من
لسان رسول الله له من طريق صحة الشهرة، فإذا شهد بذلك شاهدان. علماء المسلمين، قطعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قاله، وسمعاه يقول ذلك؛
- Er- (1/43)
صفحة 44
وجب على من شهدا عنده
6
عداوة ذلك المشهود عليه، من طريق قبول
الشهادة بصحة كفره في حكم الظاهر، لا على حكم الحقيقة أنه كذلك، وأنه كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن يكون هذا عندنا بمنزلة من شهد عليه شاهدان
من
من علماء المسلمين، بأنه ركب كبيرة من المعاصي؛ فيعادي على ذلك طريق قبول الشهادة، ولزوم حجة الحكم بشهادة الشاهدين، لا على وجه تصديق الشاهدين وحقيقة أمرهما، أن المشهود عليه أتي تلك الكبيرة، ولا ركب ذلك الحدث الذي شهد عليه، ولو كان الشاهدان في الأصل على ذلك شهدا زورا وحكمها جورا، كانا حجة في الشهادة على المشهود عليه، فيما يكونان في ذلك حجة، ولا يجوز للمشهود معه أن يصدق قول الشاهدين، ويعتقد حقيقة ما قالاه، وصحة ما نقلاه من هذه الشهادة، فإن حكم بذلك واعتقد ودان بذلك واعتمده، كان بذلك من الهالكين، وكان للشاهدين من المقلدين، ولكن إنما يقبل شهادتهما على هذا، كما يقبل الحاكم شهادة الشهود على الحقوق والدماء والحدود، فينفذ الحقوق ويسفك الدماء ويقيم الحدود، لما قد جعل الله له من الحجة، وعليه في شهادة الشهود ولو كان الشاهدان عند من الكاذبين، وكانا في شهادتهما من المعتدين، لكان الحاكم بترك إقامة الحدود وتعطيل الحقوق، بعد قيام الحجة عليه؛ من الهالكين، إذا كان على إنفاذ ذلك من القادرين، وكان ذلك لازما له في أحكام الدين
الله
فصل: ولو كان الشاهدان في ذلك. من الصادقين، ثم اعتقد تصديق الشاهدين، وحقيقة ما قالاه من شهادتهما تلك، في جميع ما شهدا عليه، مما يكون الحكم فيه أنهما شاهدان في ذلك، فاعتقد الحاكم تصديق ما قالاه ودان به، وحققه على المشهود عليه، وهو كـ كذلك عند الله - تبارك وتعالى -، إلا أنه لم يعلم هو ذلك بسماع أذنه ولا رأي عينه، ولا صح معه ذلك.
من
طريق صحة الأخبار وتحقيق الشهرة، كان بذلك من الهالكين، وكان في
حكمه ذلك جائرا، وفي شهادته تلك مزورا
•
- {{- (1/44)
صفحة 45
وما قاله
6
أو نبي من الأنبياء ذلك وأخبر به رسول من الرسل من صلوات الله عليهم وسلامه - عن الله - تبارك وتعالى - في كتاب من كتبه أو وحي من وحيه، أو عن رسول من رسله، أو نبي من أنبيائه السالفين، أو عن كتاب من كتب الله الخالية، فهو حجة فيها قال على من سمع ذلك منه، يرفعه ويرويه عن أحد هذه الوجوه التي وصفناها،
ولمن سمع
ذلك منه،
ولا يجوز الشك في قوله في ذلك، ولو لم يأت بذلك في كتابه الذي جاء به من الله، ولم يقل إنه أوحي إليه هو، وإنما قاله إنه أوحي إلى غيره من النبيين أو الرسل، أو في كتاب من الكتب التي أنزلها الله، فذلك كله سواء، والقول في ذلك أنه حجة على من علم ذلك منه، وسمعه أو صح معه ذلك، من طريق صحة الأخبار عنه، أن يشهد بذلك وبصحته، ولا يشك في ذلك
دين
وكذلك إذا صح بالتظاهر كتاب من كتب الله، أو شيء من كتاب من كتب الله، ولم يرتب في ذلك من عرفه أنه من كتب الله، ولم يرتب أنه زائد فيه أهل ذلك العصر من أعداء الله، أو منقصون منه، فجاء في ذلك الكتاب شيء من هذا الباب، فهو حجة أيضا على من عرفه منهم، ولا يجوز له الشك في ذلك، كما قد أجمع أهل القبلة وأهل الصلاة على كتابهم، أنهم لا يزيدون في تنزيله، ولا ينقصون منه، وإن كانوا غير مأمونين ولا مأمون أكثرهم على الله - تبارك وتعالى ـ، وعلى تحريف تأويل كتاب الله - تبارك وتعالى ـ، فإنه لا يجوز عليهم، ولا يتهمون أنهم يقصدون إلى الزيادة والنقصان، ولا إلى الابطال ولا إلى الكتمان لتنزيله، ولم يصح منهم ذلك، إلا من خرج من حد الإقرار إلى حد الإنكار، وعرف بذلك في الإظهار والإشهار، فذلك خرج من حد أهل الإقرار؛ إلى حد أهل الإنكار، ولا يؤمن حينئذ على تنزيل ولا تأويل، إلا من عرف شيئا من التنزيل والتأويل من كتابنا هذا، ويأن له عدل ذلك وصوابه، وإلا فلا يكون المتهم في شيء حجة، ولا يؤمن عليه إذا كان خائنا له أو متهما فيه
قد
- {o - (1/45)
صفحة 46
كذلك ما ادعت اليهود والنصارى والصابئون مما في أيديهم، أنه من التوراة والانجيل والزبور، وقد عُرفوا بالنقض له وكتمانه، والزيادة فيه ونقصانه، فلا يكون قولهم حجة في ذلك، حتى يعلم علم ذلك بما لا يشك فيه ولا يرتاب، أو يكون شيئا مما لا يخالف السنة والكتاب، فهنالك يجوز قبول قولهم في ذلك، إلا أن يأتوا بما لا يسع جهله في صفة الله - تبارك وتعالى -، أو وعده ووعيده، وإثبات أسمائه وتوحيده، فإن ذلك حجة من
"
جميع من جاء به، ونطق به، وغيره من المعبرين، ولا نعلم إلى وقتنا هذا أن أحدا من أهل قبلتنا أنكر شيئا من التنزيل، ولا زاد في الكتاب شيئا، على الادعاء أنه منه، ولا أنقص منه على وجه الادعاء أنه ليس منه، وإنما ضلوا في جميع ما ضلوا فيه، من طريق الخاص والعام، ومن طريق ضلالات التأويل، وأما التنزيل فهم على ما معنا، أنهم مجمعون عليه، فجميع أهل الإقرار مأمونون على التنزيل، مقبول منهم التنزيل، يتعلم منهم التنزيل، ويعلمون التنزيل، وهم أهل التنزيل، وأهل الإقرار بالتنزيل، ولا يجوز أن يمنعوا شيئا من التنزيل، ولا يتهمون في شيء من التنزيل، إلا أن يصح من أحد من أهل الإقرار، من حيث لا يعلم منزلة ينزل بها منازل أهل الكتب الخالية، في تحريف التنزيل أو كتمان التنزيل، أو الزيادة فيه أو النقصان، فكل من نزل بمنزلة أخرى، عليه حكم ما يستحقه من منزلته التي نزل بها، وأنزله حدثه منزلته التي أنزلها نفسه، واتهموا في التنزيل، واسْتَخِينُوا فيه، كما أنهم أهل الكتاب، فيما يدعون أنه من الكتاب، إلا ما صح أنه من التنزيل، لأنه لا تقوم حجة أبدا بمتهم ولا خائن، إلا فيما لا يسع جهله، وإنما تقوم الحجة وتكون حجة المأمونين المصدقين، فيما قالوه مما هو حق في حكم دين الله، كما قالوه وشهدوا به ونقلوه، وكل من خالف شيئا من أصول الدين، بضلال التأويل وبجحود التنزيل، كان متهما في ذلك مستخانا فيه، وكان تعليم ذلك الشيء الذي خالفه من الحق له، غير مباح على وجه المعونة له على معصية الله، لأنه يستعين بذلك على معصية الله، التي خالف فيها أصل دين
- ET- (1/46)
صفحة 47
الله - تبارك وتعالى. -، ويتقوى على الوصول إلى معصية الله، ويتقوّى بها على
من
هذا
إثبات أصول دينه، الذي خالف به أصول دين الله، فكل ما كان الوجه على هذا الوجه، فلا يجوز أن يعلم. ذلك من الحكمة ولا من الدين،
،
إلا أن ينزل ذلك بمنزلة لا بد منها، أن يسأل عن الأصل الذي يُدْعَى إليه، ويُحتج به عليه، فيوصف له ذلك فقط، ولا يراد ذلك إلا من طريق أن يسأل على ذلك دليلا، يكون عليه حجة، ولا يكون له حجة في ضلالته، فكما سأل عنه وطلبه مما يكون عليه للحق حجة، ولا يكون له في أصل مذهبه وباطله بذلك حجة على أصول الحق، فذلك مباح بذله له، وذلك من اللازم أن يؤمر بالمعروف من ذلك، وينهى عن المنكر.
وكذلك إن أتت حالة لا يكون فيها بدا؛ من أن يبين له على وجه الإنكار عليه، والأمر له مما يخاف أن يخالفه، ويستدل بذلك الوصف على الباطل، ولا بد من أن ينكر ذلك عليه، وينتهي علم ذلك إليه، وذلك في المثل، مثل أن يسأل عن الخمر وصفتها المحرمة وما الخمر، وهو ممن يركبه ولا يؤمن عليه أو يستحله، وسأل عن الخمر، فلا بد أن يوقف على الخمر وصفتها، وينهى عن تلك الصفة، ويقال إن هذه هي صفة الخمر، فاتق الله
،
فيها ولا تأتيها ولا تركبها، فإن وقع في ذلك بذلك دلالة له على صفة الخمر فعمل بذلك وركبه بتلك الصفة، ولو كان جاهلا بها قبل ذلك، ذلك، لم يقع. موقع تضييع الحكمة، بل كان ذلك موقع الحكمة، لأنا وجدنا الله - تبارك وتعالى - أحكم الحكماء، وأعلم العلماء يصف في كتابه وتنزيله الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، وقد علم الله - تبارك وتعالى ـ أن ذلك التنزيل الذي أنزله، كثير من عباده يكفرون به ويحتجون به على أنبيائه ورسله، وقد كان ذلك من فعالهم غير مجهول ولا متناكر، فلم يكن ذلك من الله - تبارك وتعالى - يقع موقع الإعانة للكافرين على كفرهم، ولا لأعدائه على عداوتهم، وإن كان قد كان ذلك في علمه، وقد كان ذلك من فعالهم، فإن ذلك حجة منه عليهم وإعذار منه إليهم، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وبعد
- {V_ (1/47)
صفحة 48
إقامة الحجة بالتنزيل، وإيضاح السبيل وإبانة الدليل، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وقلِ الْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ
نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَانُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ
4110
الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) (1)
كذلك وجدنا السنن الخالية وسنن رسول الله، وعلى جميع النبيين والمرسلين، دالة على شرح الكفر والإيمان والطاعة والمعصية، ولا يوجب كتمان المعصية والكفر لئلا يعصى من عصى، ولا كتمان الكفر لئلا يكفر من
کفر، ويزداد بذلك قوة على الكفر. وقد قال الله - تبارك وتعالى -: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (2)
وكثير من كتاب الله يدل على هذا مما لا يحصى إلا ما شاء الله
فصل: وكذلك وجدنا آثار أهل العلم وسيرهم، دالة على تبيان الطاعة والمعصية، والكفر والإيمان، والحسن والقبيح، لأنه لا يستدل على شيء أبدا إلا بمعرفة ضده، فمن لم يعرف ضد الشيء لم يعرف الشيء، فإنما يوصف الإيمان وضده والطاعة وضدها والحلال وضده، فعلى هذا توكيد الإجماع، ولا يجوز أن يقال أن هذا من إضاعة الحكمة ولا ظلمها، ولا إعانة أهل المعصية على المعصية، ولا أهل الكفر على الكفر، فافهموا هذا الفصل فإن الكلام فيه يتسع، وفي بعض ما مضى كفاية إن شاء الله
فصل: والشهرة في هذا ومثله وجميع الشهرة، يصح من الأخبار من أهل الإقرار وأهل الإنكار من الأبرار، من أهل القبلة والفجار، ولا فرق في صحة الشهرة من أين صحت، إلا أن تكون الشهرة شهرة دعوى، فإن شهرة
1 - الآية (29) سورة الكهف 2 - الآية (82) سورة الاسراء
- EA- (1/48)
صفحة 49
الدعوى لا تصح ولا تكون حجة من مدع، ولا شهرة من طريق أصول الدعوى، فإذا كانت الشهرة أصلها حق ليس بدعوى، وصحت من غير أهل دعوى، وهي حجة لمن بلغته وحجة على من بلغته، وإذا كانت الشهرة أصلها دعوى وكذب، ثم تظاهرت تلك الدعوى وشهرت، حتى قامت مقام الشهرة للفعل والقول والحدث، لكثرة شهرة تلك الدعوى، فليس تلك بشهرة تكون حجة لمن بلغته، ولا حجة على من بلغته، وذلك باطل وزور، وقابل تلك الشهرة ولو جهلها، والحاكم بها ضال غير مهتد، ولو جهل ذلك، وتظاهرت تلك الشهرة من الأبرار والفجار، على ما تظاهر من تواتر الأخبار كان ذلك في الأصل باطلا، والقابل له قابل لباطل، والقائل له قائل
6
بالباطل، والعامل له عامل الباطل و باطل، والشاهد به شاهد بباطل، لأن الأصل باطل، فكلما كثر الباطل كان باطلا، ولا فرق في قليله وكثيره وصغيره وكبيره، ومحال أن يكون الباطل حقا أبدا، لأن الباطل قلّ أهله أو كثروا فهو باطل، والحق حققل أهله أو كثروا فهو حق
فصل: كذلك شهرة كل دعوى إذا كان أصلها، تخرج مخرج
الدعوى فهي شهرة دعوى، وقول دعوى، ولو كان المدعى عليه تلك
الدعوى مبطلا، وكان المدعي لتلك الدعوى عليه صادقا عند الله في ادعائه
،
6
موافقا لطاعة الله ورضائه، كان المدعي لتلك الدعوى النازل بمنزلة المدعي بارا تقيا صادقا في دينه مرضيا، أو مقرا منافقا، أو جاحدا منكرا، فالمدعي النازل بمنزلة الدعوى مدع، ولا يجوز قوله في ادعائه، كانوا قليلا أو كثيرا، كانت دعواهم علانية أو سريرة، قليلة أو كثيرة أو صغيرة أو كبيرة، أو خفية
أو شاهرة، فلا فرق في ذلك، وليس لأحد أن يقبل قول مدع في ادعائه
6
ولا يقول قولا بشهرة دعوى إذا صحت من المدعين، ولو كانت عند الله صحيحة ممن ادعاها وعمل بها وأتاها، فكما لا يجوز قبول دعواه سماعا، كذلك لا يجوز قبول شهرة دعواه تصديقا واتباعا، ولو جهل الجاهل شهرة الدعوى، بعد أن يكون في حكم الحق شهرة دعوى، فهو هالك بقبول شهرة
- {9 - (1/49)
صفحة 50
الدعوى، جهل ذلك أو علمه، كما أنه هالك بقبول قول المدعي، ولوجهل المدعي من المدى عليه، أو جهل باطل قبول قول المدعي على المدعى عليه، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا من دين المسلمين.
فصل: وكل نازل بمنزلة الخصم فهو مدع، لأن الخصوم في الأشياء كلها مدعون على خصمائهم، في ذات الدين والدنيا، فكل خصم فهو مدع؛ كان الخصوم قليلا أو كثيرا، أبرارا أو فجارا، أمناء أو خونة، وكل خصم فهو مدع، وكل مدع لا يقبل قوله في ادعائه، ولا يجوز قبول قول
المدعي في الإسلام، بذلك جاءت السنة وأجمعت على ذلك الأمة
من
فإذا وقعت الشهرة في مثل هذا في أحد من السالفين، من الصحابة والأمم السابقين، من أحد ممن يخالف في ذلك الوجه الذي يدعي فيه قول النبي أنه من أهل الجنة أو من أهل النار، فإنه ينظر في أولئك المدعين ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم في دينهم الذي يذهبون إليه في ذلك، فإن كانوا موافقين للمسلمين ولأهل الاستقامة من أهل الدين في هذا الوجه، الذي صحت الأخبار من قولهم في ذلك، أنه كذلك عن النبي كانوا في ذلك حجة على علمه من المسلمين، ولو كانوا مخالفين في الدين في غير ذلك الأمر الذي قالوه، وصح قولهم في ذلك المشهود له أو عليه، لأن الشهرة تصح من الأبرار والفجار، وأهل الإقرار وأهل الإنكار، إلا أن ينزل بمنزلة شهرة الدعوى، أو يكون أهلها أهل دعوى في ذلك الشيء، على أهل الاستقامة من المسلمين، فإنه إذا كانت الشهرة أصلها كذبا وزورا، فلا تكون شهرة ولا تصح في الحق، لأنها دعوى في الأصل، ولو صحت في الأخبار من الأبرار الصالحين الصادقين الأخيار، لأنها في الأصل باطل، فمحال أن يرجع الباطل حقا والحق باطلا، والصدق كذبا أو الكذب صدقا، من طريق القائلين لذلك. طريق كثرة القائل لذلك، لأن الشهرة إنما تؤدي إلى علم الشيء نفسه،
من
ولا يكون ذلك بمنزلة قبول الشهادة، لأن الشهرة توجب العلم بالشيء (1/50)
صفحة 51
نفسه، لا يلزم الحجة بقول من قال ذلك، فإذا كان الأصل باطلا فلا تكون الشهرة به حجة، ولا يرجع أبدا حقا من جميع من قال ذلك، ولو أجمع على ذلك أهل منى وعرفات، وأضعاف ذلك أضعافا مضاعفات، من العلماء الأخيار والصادقين الأخيار، وكل ذلك دعوى من قولهم، لا يوجب تصديق الكذب، ولا تكذيب الصدق لقولهم.
وكذلك لو كان الشيء الذي قد شهر صحيحا، إلا أنه إنما وجبت الشهرة به من طريق الأخبار، ممن هو خصم لأهل الحق في ذلك الشيء، الذي يدعونه أنه كذلك، حتى أوجبت تلك الشهرة في نفس من بلغ إليه علم ذلك، علم ما قاله أولئك الخصماء في الدين، ما جاز لامرئ أن يقبل تلك الشهرة، ولا كانت تلك الشهرة أبدا، ولو كانت في الأصل حقا عند الله في علمه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وقاله الله - تبارك وتعالى ـ وأنزله على نبيه وحيا وكتابا، إلا أن يصح ذلك من طريق ما لا يكون دعوى من المدعين، وكفى حجة من إبطال صحة شهرة الدعوى، ما أبطله الله من قول اليهود والنصارى، على ما ادعوا وأجمعوا عليه، وهم مختلفون في دينهم يتعادون في دينهم، فأجمعوا - إلا من شاء الله منهم - على قتل عيسى بن مريم رسول الله صلى الله عليه وسلم
فمن قبل تلك الشهرة، وصدّق تلك الأخبار المتواترة، ما كان ذلك له حجة، ولا كان إلا هالكا بذلك، لأنه باطل ما قالوا وأجمعوا عليه، وإنما قصدوا في ذلك إلى ما كان عندهم أنه صدق، ولم يقصدوا إلى كذب، لأن الله يخبر عنهم أنهم قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم، فقال - تعالى -: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ هُمْ}. {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ
وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (1)
1 - جزء الآية (157) والآية (158) سورة النساء
-01 - (1/51)
صفحة 52
وقال تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ:
إِلَّا اتَّبَاعَ الظن .. ) (1).
فلما أن كان الأصل إنما هو اتباع الظن، ولم يكن يقينا بل كان باطلا،
ولم يكن إقرارهم على أنفسهم حجة، إذ كانوا كاذبين في الأصل عند الله وإن كانوا محجوجين في الدين بكذبهم وزورهم، لأن ذلك كان باطلا، فلا يجوز قبول الشهادة لدعوى الباطل، ولو أجمع على ذلك جميع أهل الأرض في ذلك العصر والزمان، من تصادق الأخبار في ذلك
،
وكفى حجة أيضا في ذلك؛ ما ألقته الشياطين في أمر سليمان بن داود نبي الله، إذ ألقت الشياطين على الإنس من أوليائهم، أن سليمان كان ساحرا، ودلوهم على ما اتخذه الشيطان على ملك سليمان من كتب السحر. وظهر وشهر على ما قيل ذلك على سليمان، عند أهل ذلك العصر والزمان، وذلك قول الله - تبارك وتعالى -: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إنما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُهَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بضَارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا
يعْلَمُونَ) (2)
فأنزل الله براءة نبيه سليمان على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الاخبار العامة مع من الناس، حتى أنزل الله براءته على لسان
أنه لم يبرأ من ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 - جزء الآية (157) سورة النساء
2 - الآية (102) سورة البقرة.
- 52 - (1/52)
صفحة 53
فلو أن قابلا قبل ذلك الموضع تظاهر الأخبار، ما وسعه ذلك، ولكان
بذلك من الكافرين والهالكين. كذلك كل دعوى في الأصل مزورة مكذوب فيها على الله، أو على أحد من أنبيائه أو رسله، أو أحد من المسلمين، أو في شيء من جميع الأشياء كائنا ما كان، فهو في الأصل كذب وزور، ولا يجوز قبوله من قابله، ولا تقوم به الصحة بالشهرة، ولو قامت في الصحة تلك الدعوى مقام الصحة لشهرة الحق والصدق، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا مع أهل العلم، البصراء بأحكام الدين من أهل الاستقامة
من المسلمين
وكفى حجة من إبطال شهرة الدعوى ولو كانت في الأصل حقا عند. الله، ما أجمع عليه صنوف الروافض والشيع، من القول على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - لأنهم خالفوا أهل الإقرار سواهم في أمرهما، في ذلك الأمر الذي ادعوه عليهما، وكان ذلك دعوى منهم | عليهما، ولا يجوز قبول قول المدعي ولو كان صادقا في ادعائه، لأن أحكام الحق مع جميع أهل الاقرار في الظاهر صواب أبي بكر وعمر،، واستقامتهما على الحق في دينهما، فمن صح له في ظاهر الأمر الاستقامة، حتى مات على ذلك من الأئمة في الدين، لم يقبل قول مدع عليه بعد ذلك، وكانت دعواه عليه باطلا وزورا لا يلتفت إليه، ولا يدعى بالبينة عليه، وكلما أكثر من دعواه تلك، كان أبطل حجته وأضعف طلبته، فلا يجوز لأحد من الخليقة قبول قول مدع في الأصل، ولو كان صادقا في ادعائه، ولا نقول إن أهل الروافض والشيعة؛ صادقون في قولهم على أبي بكر وعمر، ولا نقول إنهم كاذبون عليهما بالحقيقة، ولكنا نقول: إنهم مدعون عليهما غير ما كان صحيحا منهما عند المسلمين، لأنهما كانا مأمونين حتى ماتا، فلا يجوز استخانتها بعد موتهما، وقد قامت حجتهما في ذلك على الأمانة، فمن ادعى عليهما الخيانة؛ كان مدعيا عليهما ذلك في أمر الديانة، وكان خصما لجميع أهل الاستقامة ما قاذفا لأهل الأمانة بالخيانة مدعيا في ذلك، فلا يجوز قبول قول المدعي على ادعائه، ولا يقبل قول القاذف في قذفه بغير حقيقة، ولا حقيقة تقوم على
- or - (1/53)
صفحة 54
الخائن بالأمانة بعد الموت، ولا على الأمين بالخيانة، ولا يجوز قبول المدعي في
الإسلام، ولو كان صادقا في ادعائه، وكل قابل منه ما هو مدع له في قوله. جهل موضع دعواه أو علمها، فهو ضال بذلك هالك
6
فلو أن ناشئا نشأ في بعض الأمصار، التي قد غلبت عليها كلمة الأشرار.، من أهل الرفض والشيعة من أهل الإقرار، فاستقام في جميع أموره؛ على المنهاج في الاستقامة على التوحيد، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والولاية والبراءة، وجميع حقوق الإسلام، إلا أنه صح معه في مصره وعصره من توكيد الكلمة، وتظاهر الأخبار، دعوى أهل مصره على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، التي قد شُهرت وظهرت من السنتهم، ولا يدفع ذلك أحد من أهل الإقرار أنهم على ذلك مجمعون، ممن يعرف الأخبار في السلف من الأخيار والأشرار، والأبرار والفجار، وصح مع تلك الشهرة فيها بتوكيد الكلمة عليهما أنهما كذلك، من دعوى من ادعى عليهما، ولم يعرف هو في الأصل، أن تلك دعوى من أهل ذلك المصر كله، ووجد ذلك شاهرا ظاهرا، لا تناكر فيه ولا تدافع، كما وجد خبر السماء بأنها سماء، والأرض بأنها أرض، وأنه ابن أبيه وأمه، ولم يرتب في تلك الأخبار. في ذلك المصر من الأمصار، فقبل تلك الشهرة الظاهرة والأخبار المتواترة، ودان بذلك في أمر أبي بكر وعمر، لكان بذلك عندنا في الإجماع، من قول أهل الاستقامة. من المسلمين هالكا، لا يجوز له ذلك ولا يسعه، وإن مات على ذلك؛ مات هالكا إلى النار، ولو كان الله يعلم أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما ـ قد فعلا ذلك الذي ادعته عليهما الرافضة والشيع يقينا عند الله، وعند من علم ذلك منهما وكانت الروافض والشيع قد قالوا ذلك صدقا، على أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما ـ ما كان يجوز لأحد أن يقبل ذلك من قول الرافضة والشيع بشهادة، ولا كان يجوز له أن يقبل شهرة دعوى أخبارهم في ذلك، ولو أجمع على ذلك أهل الأرض كلهم، وحاشا أهل الأرض كلهم من ذلك أن يجمعوا عليه، إلا أنهم إن أجمعوا عليه كانوا مبطلين في ذلك، من
6
6
102 - (1/54)
صفحة 55
"
قبول الدعوى من المدعين في الدين، ولو جهلوا موضع دعوى المدعي من موضع قول الحجة، وجهلوا شهرة الحق من شهرة دعوى الحق، وجهلوا شهرة الباطل من شهرة دعوى الباطل، فلا عذر الجاهل جهل الحق بوجه من الوجوه، إذا ركبه بجهله، ولو ظن أن ذلك حق في الدين فافهموا هذه الأصول من شهرة الحق والباطل، إذا. صحت من طريق ما لا يكون دعوى في صحتها وبين صحتها إذا صحت، مما يكون قوله فيها دعوى، وتقوم فيها مقام المدعي، وبين صحة الحق والباطل، إذا صحت من طريق الأخبار، ممن لا يكون مدعيا فيها، وبين صحة الدعوى للحق أو الباطل إذا كان في الأصل باطلا في علم الله - تبارك وتعالى -، وادعاه مدع وكان فيه كاذبا، ثم تواترت به الأخبار وصح في الآفاق - ذلك الكذب ـ والأمصار، حتى قام مقام صحة الخبر للشيء، وصار ذلك الكذب دعوى صحيحة، فلا يجوز تصديق ذلك الكذب، ولا تحقيق ذلك الباطل، ولا تصويب ذلك الخطأ ولو أجمع عليه، فإنها أصول بينة مع من عرف الحق من أهل العلم
فصل: كذلك ما ادعت الروافض والشيع لعلي بن أبي طالب من الدعاوى ما خالفوا فيه جميع أهل القبلة، ونحلوه ما كان الاجماع على غيره من الأمة، من دعواهم له عن النبي الا الله و أنه جعل له مثل الوصاية في الإمامة وغير
6
ذلك، فمن دعوى الروافض والشيع من ذلك، ما يحتمل صدقه وكذبه وهم فيه مدعون على الأمة، لأنهم كانوا على غيره في حكم ما دخل فيه علي بن أبي طالب مع الأمة، من إمامة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما ـ وعثمان وغير ذلك مما ادعوه له، وخالفوا فيه، فكانوا فيه مدعين، ومنه ما لا يجوز على كل حال؛ مثل قولهم إنه كان الوحي إليه وغلط جبريل، وأمثال هذه الموحشات، فأفرطت الروافض والشيع في حب علي بن أبي طالب إفراطا خالفوا فيه الأمة، وأفرطوا على أبي بكر وعمر بن الخطاب إفراطا خالفوا فيه الأمة، فصاروا مدعين على الأمة هذه الدعاوى كلها، في أبي بكر وعمر وعلي بن أبي طالب، فلا يجوز قبول قولهم في ذلك، ولو كان شيئا من
،
ذلك
100_ (1/55)
صفحة 56
يحتمل صدقه، وكانوا فيه من الصادقين، إلا أنهم في ذلك مدعون، وما جاز أن يقبل قول مدع في ادعائه، على غير ما أجمع عليه أهل الاستقامة في ظاهر أمر دينهم، ولا يجوز أن تجمع الأمة على ضلال من أمرهم، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي بالإمامة، وعلم بذلك المسلمون من الصحابة، ما جاز أن يخالفوا قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أوصى في أمر الإمامة إليه، وإن كان علي قد علم ذلك وحده، ولم يصدقه المسلمون في ذلك، إذا ادعى ذلك لنفسه وحده، فكان عَلَى على إن لم يُصدَّق؛ أن يخرج من الباطل الذي يعلم أن المسلمين قد دخلوا فيه بحق، إذ لم تكن حجة عليهم في دعواه لنفسه، ولا نعلم أن أحدا قال إن عليا ادعى ذلك، ولا قال ذلك أيضا الروافض؛ إن عليا قال ذلك فكذبته الأمة في ذلك، وقولهم في ذلك يخرج على وجهين:
إما أن يكون قد كفر بكتمانه ما أوصي إليه، ولم يقبله ولم يقاتل عليه بنفسه، حتى يُقتل على دين الله على سبيل الوسيلة.
وإما أن يكون قد وسعه ما لم يعلم أنه تقوم له بذلك الحجة أن يسكت عن ذلك، ويسع المسلمين أن يجمعوا على ما لم يأت فيه نص عن الله في كتابه ولا عن الرسول، وكانوا في ذلك محقين، وكان واسع لعلي موافقة المحقين وجه آخر؛ وهو أن يكون النبي أوصى إلى علي، ولم يعلمه بذلك، فذلك من العجب العجيب، أن تكون وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي بغير علم منه، ولا مخرج للروافض في وجه من الوجوه؛ في تخطئة أبي بكر وعمر وعثمان في الإمامة التي دخلوا فيها، على ما أجمعت عليه الأمة من أمورهم، ومن كذب الروافض والشيع شهادة النبي الله والتي لا نعلم اختلافا فيها أنه قال: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلال. وقد أجمعت الأمة ـ لا نعلم بينهم اختلافا - وهم خيار الأمة، وهم المهاجرون والأنصار، على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، كانت واحدة من الإمامات وقعت على وجه من الوجوه، أجمعوا جميعا على الدخول فيها على ذلك الوجه، ولم يتنازعوا، ولو
-97 - (1/56)
صفحة 57
كان قد كره ذلك من كره في نفسه، وأنكر ذلك من أنكر في سريرته، فلا يجوز الإنكار سريرة، ولا يكون الإنكار إلا علانية فيما يجوز فيه الانكار، ويكون المنكر حجة في إنكاره على من أنكر عليه، أن لو أنكر عليه، فإذا لم يظهر النكير لا ينفعه إنكاره سريرة، ولا تكون له حجة ولا لغيره ولا على غيره، هذا لا نعلم فيه اختلافا
كذلك مخالفة سائر الأئمة غير أهل الاستقامة للحق وأهله، في الأحداث الواقعة بين عثمان وقتلة يوم الدار، وبين علي وطلحة والزبير وعائشة يوم الجمل، وأيام صفين بين علي بن أبي طالب ومعاوية، ويوم النهروان بين علي وأهل النهروان، وسائر الحروب، القول في ذلك واحد والمعنى واحد، ومَن مضى على ما مضى عليه الأول من المسلمين، وعلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أبي بكر وعمر، والجماعة من أهل العدل والاستقامة الدار في قتل عثمان، وعلى سبيل علي بن أبي طالب يوم الجمل، وعلى سبيل عمار بن ياسر وعلي بن أبي طالب أيام صفين، وعلى سبيل أهل فهؤلاء بعضهم من بعض، وبعضهم أولياء
يوم
6
النهروان يوم النهروان لبعضهم، وبعضهم على سبيل بعض، وبعضهم على منهج بعض، وكل من خالف سبيل هؤلاء؛ فقد خالف النبي وسبيل أبي بكر وعمر وعمار بن ياسر وعلي بن أبي طالب في حرب صفين لمعاوية، ولو كان المخالف لسبيل علي في أيام صفين هو علي بن أبي طالب؛ فسواء ذلك، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما، وكان دعوى من ادعى على الجماعة من أهل العدل ما ادعى، كسبيل ما ادعت الروافض على أبي بكر وعمر وعثمان في جميع هذه الحروب التي ذكرناها، وإن كانوا قد أجمعوا في أمر أبي بكر وعمر، وخالفوا الروافض فيهما ادعوا عليهم في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فإن السبيل الذي مضى عليه أبو بكر وعمر بإجماع الأمة، هو السبيل الذي قُتِل عليه عثمان وخلف عليه علي بن أبي طالب، وعلى ذلك أجمعت الأمة الذين هم حجة الله في إجماعهم لمن كان في عصرهم
- 57 - (1/57)
صفحة 58
ومصرهم، ولمن جاء من بعدهم إلى يوم القيامة، والأمة بأسرها هم القاتلون
العثمان
هم
أمة
بن عفان، وقد صح. معنا أنهم لم يجمعهم الله في دينه على ضلال، فيما هم فيه دائنون، فإن كانت الأمة قد خانوا الله في سريرتهم، في قتل عثمان بن عفان، فلا حجة على من اتبع الحجة، والحجة هم قتلة عثمان بن عفان على محاربة أهل الإيمان، والحجة لمن عقد لعلي بن أبي طالب على سبيل ما مضى عليه عقد عثمان، فالعاقدون لعثمان عفان بن القاتلون له، والعاقدون لعلي بن أبي طالب هم المنكرون عليه، بما هو ثابت على سبيل ما مضى عليه أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -، وما حارب عليه الجماعة عثمان بن عفان، وما حارب عليه علي بن أبي طالب والجماعة طلحة والزبير، وما حارب عليه علي بن أبي طالب والجماعة معاوية بن أبي سفيان، وعلى ذلك السبيل حارب أهل النهروان علي بن أبي طالب في ظاهر الأمر، على ما قاتل عليه علي بن أبي طالب والجماعة طلحة والزبير، والله لا يجمع محمد صلى الله عليه وسلم على ضلال، وتلك الجماعة كانوا هم الأمة والحجة التامة، الذين مضوا على سبيل النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى سبيل أبي بكر وعمر، وعلى سبيل المهاجرين والأنصار في يوم الدار، في محاربة عثمان بن عفان في ظاهر الأمر، وما يقضي به الحق على الامتناع منه عن الحق والاستكبار، لأنه قتل محاربا للجماعة الذين هم حجة الله في أرضه، الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يجمعهم على ضلال، فمن المحال أن يجمع الله أهل يثرب يوم حرب عثمان بن عفان في ظاهر أمر الدين على ضلال، والصحيح معنا فيما قضى لهم به حكم الحق، أنهم محقون في قتل عثمان بن عفان، وأن عثمان بن قتل على محاربة للحق وأهله، ومحال أن يكون من قُتِل محاربا للحق وأهله وقتلته حجة الله محاربا، أن يكون محقا في ظاهر دين الله - تبارك وتعالى -، لا أننا نقول كما قال أهل الإرجاء والشكاك، وأهل الحشو والسواد من الناس، أن القاتل والمقتول في الجنة، على سبيل ما ذهبوا إليه من ضلالهم وعمايتهم، وتأويلهم وخطئهم، بل نقول إن الحجة هي حجة الله في أرضه
عفان
- 58 - (1/58)
صفحة 59
من شهدت له بالحق فهو في ظاهر الأمر محق، ومن شهدت عليه بالباطل فهو في ظاهر الأمر مبطل، ولو كان في سريرته محقا، وكانت الحجة في سريرتها مبطلة، فالباطل في حكم الظاهر على من شهدت عليه الحجة بالباطل، ولو كانت الحجة مبطلة، والحق لمن شهدت له الحجة بالحق، ولو كانت الحجة مبطلة في سريرتها، مما يحتمل ذلك ويجوز.
وحاشا الحجة التي جعلها الله حجة، أن تبطل في سريرة ولا علانية، ولكن لا يتقلد من الأمور كلها، إلا ما علمنا الله إياه، وتعبدنا به في ظاهر أمر دينه، مما يصح معنا في أمر دينه، وعلي بن أبي طالب والجماعة الذين قتلوا
عثمان
الجمل
بن عفان، على سبيل ما قتلوه عليه، قاتلوا طلحة والزبير وعائشة يوم
،
، وهو سبيل أبي بكر وعمر، والحجة التي قتلت عثمان بن عفان فمن قتل يوم الجمل محاربا لحجة الله الظاهر حجتها، فهو مبطل في حكم الظاهر، حاكمة عليه الحجة التامة بالباطل مجمعة على باطله، ولو كان في سريرته محقا، كما أجمعت الحجة على باطل عثمان بن عفان، ولو كان في سريرته محقا، وحاشا حجة الله من ذلك، ومن قُتِل يوم الجمل من أنصار علي بن أبي طالب والجماعة الذين قاتلوا معه، فهو محق على سبيل أبي بكر وعمر، وعلى سبيل قتلة عثمان يوم الدار، لأنهم مضوا على سبيل ذلك
بن
عفان،
فصل: وعلي بن أبي طالب والجماعة الذين قتلوا عثمان وقاتلوا طلحة والزبير، وعائشة ومن قاتل معهم يوم الجمل، هم الذين قاتلوا معاوية بن أبي سفيان، ومن قاتل معه من أعوان الشيطان، على سبيل ما قتلوا عليه عثمان، وقاتلوا عليه يوم الجمل، فمن قتل على محاربة الحجة التي هي حجة الله في دينه، فهو بمنزلة عثمان بن عفان، ومن قتل يوم الجمل ممن قاتل علي بن أبي طالب، والجماعة الذين كانوا حجة الله في ذلك على عباده
ولعباده.
ومن قتل من الجماعة من أعوان علي بن أبي طالب ومن الجماعة الذين
- 09 - (1/59)
صفحة 60
هم حجة الله في دينه على عباده ولعباده، فهم على سبيل أبي بكر وعمر والجماعة الذين قتلوا عثمان، والجماعة الذين قاتلوا طلحة والزبير وعائشة يوم الجمل، وعلى سبيل هذا قتل عمار بن ياسر، وعليه وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة، وبشر قاتله وسالبه بالنار، لا يرد ذلك أحد من الأمة إلا أهل الرفض والبيع، وعلى سبيل ما قاتل عليه علي بن أبي طالب والجماعة الذين هم حجة الله في أرضه على عباده ولعباده، فارق أهل النهروان علي بن أبي طالب، وتمسكوا بالسبيل الذي مضى عليه عمار بن ياسر، ومضى عليه الجماعة يوم الجمل ويوم الدار، ولم يرضوا من علي بن أبي طالب بترك محاربة أهل البغي، الذين قد سُفكت عليه دماء المسلمين، وقد سفك علي بن أبي طالب والجماعة الذين هم حجة الله على ذلك، دماء كثيرة من أنصار معاوية بن أبي سفيان، وعلى ذلك السبيل قاتلوه، وقتلوا من قاتل معه، وعلى ذلك كان إجماع الأمة أنهم كانوا محقين إلى هذا الوضع، إلا الروافض والشيع فقد مضى القول فيهم، وفي ادعائهم على المسلمين، وعلى الأمة كلها، ما لا يجوز قبوله منهم، وما يسعنا عن القول فيه إلا عليهم، ولا نعلم أن الأمة ممن ينكر على أهل النهروان، ويصوب عليا بكلم يدفع هذا القول الذي قلناه، وأجمعوا أن عليا وأنصاره كانوا محقين في قتال معاوية بن أبي سفيان وأنصاره، ولا يجوز إلا ذلك في أحكام إجماع الأمة، لأنهم كانوا الجماعة الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظاهر الأمر، أن الله لا يجمع أمتي على ضلال، وقد أجمعوا على قتال معاوية بن أبي سفيان، كما أجمعوا على قتال عثمان وطلحة والزبير، إذ قاتل علي بن أبي طالب وجماعة الأمة معاوية بن أبي سفيان، على حكم الكتاب والسنة، وكفى بإجماعهم على قتاله الحجة التامة الذين لا حجة عليهم، ولو لم يصح على ما قاتلوه عليه؛ لكان الحق اللازم لأهل زمانهم ولأهل عصرهم ولمن جاء بعدهم، أن يشهد لهم بما شهد لهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله لم يكن ليجمعهم على سفك الدماء على ضلال، هذا من أشد المحال وأبين الضلال، ولا نهاية لأمر لزم إلا إتمامه، أو
أحدا
من
"
وهم
- 7.- (1/60)
صفحة 61
انتقاله
حاله عن، كما قال الله - تبارك وتعالى -: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي
تفيء إلى أمر الله) (1).
وقد أجمعت الأمة ممن ينكر على أهل النهروان وتصوّب عليا إلا من شاء الله، وممن ينكر على علي ويصوّب أهل النهروان؛ أن معاوية بن أبي سفيان لم التي قاتل عليها علي بن أبي طالب، والجماعة الذين قاتلوا وأنه كان مقيما على حالته تلك، لم يفيء عنها ولم يتحول، فانحازت
ينتقل عن حاله
معه،
6
الجماعة الذين هم حجة الله في قتال معاوية والفئة الباغية، على سبيل
ذَلُّوا
6
ما مضى عليه سلفهم من الجماعة، وثبتوا على قتال معاوية بن أبي سفيان وبذلوا أنفسهم في ذلك وإن قلوا، وأعزوا سبيل ما مضى عليه الجماعة وإن، ولم يرضوا لعلي بن أبي طالب ولأمته بترك ما مضى عليه سلفهم وأنصارهم وأعوانهم، مثل عمار بن ياسر وأمثاله ونظراؤه وأشكاله، وكانوا هم الحجة التامة باتباعهم سبيل الحجة التامة قبلهم، في يوم الدار ويوم الجمل وأيام صفين، ممن قد مات على ذلك أو قتل، وأظهروا الإنكار على من خالف سبيل المهاجرين والأنصار، وما قاتلوا عليه يوم الدار ويوم الجمل وأيام صفين، وكانت توبتهم على ذلك السبيل، شاهرة لهم بأنهم أقوى الدليل أنهم هم الحجة التامة، لاتباعهم سبيل الحجة التامة، ولقيامهم على أهل حرب علي بما قام به معهم علي بن أبي طالب، وبقيامهم على علي بن أبي طالب في تركه سبيل الجماعة في الثبوت على ما ثبت عليه الجماعة، والحجة التامة التي كانت في الأصل هي الحجة، وكانت على السبيل والمحجة. والحجة من كان الحق في يده، ومن كان الحق في يده فهو في يده، لا يصح زواله عنه إلا بدليل لا شبهة فيه، وكل من عارضه في ذلك بدعوى فهو مدع، ولا يجوز قول المدعي على المدعى عليه، فمن قتلته الحجة في محاربة، فهو قتيل للحق ومحكوم عليه بالباطل، ولو كان في سريرته في دعواه به محقا، ومن قاتل الحجة
1 - جزء الآية (9) سورة الحجرات
-71 - (1/61)
صفحة 62
على ادعائه بغير حجة، فهو مبطل في قتاله الحجة، ولو كانت الحجة مبطلة في سريرتها، وحاشا الحجة التامة من الباطل، والحق الواضح، والأصل القادح، واليد العليا، من ثبت على سبيل من مضى ولم يغير ولم يبدل، ولم يحكم لنفسه بدعوى يدعيها على خصمه، ويأخذ لنفسه ويده وبحكمه، فالحجة تقضي فيها أجمعت عليه الكلمة على علي عند ترك المكاثرة والإنصاف في النظر والمناظرة، أن أهل النهروان لم يزالوا على ما مضى عليه عمار بن ياسر - رحمه الله -، وما قاتل عليه علي بن أبي طالب، وسفك عليه دماء أهل حزبه، وحمل على ذلك أهل حزبه، ولا شك في ذلك ولا ريب مع من أنصف، لأن من كان على أصل وثبت له في شيء حكم، فهو عليه حتى يصح عنه رجع بمثل ما صح أنه عليه، ولا شك أن علي بن أبي طالب والجماعة في حكم الظاهر، كانوا على حق في قتال معاوية، وأن معاوية وحزبه كانوا حربا للحق وأهله، كذلك لا شك في حكم الظاهر أن أهل النهروان ثبتوا على ذلك السبيل، الذي قاتلوا عليه معاوية بن أبي سفيان في حكم الظاهر، وليس ترك أحد من الناس سبيل الحق من إمام أو غيره، بضار لمن ثبت على الحق، ولو كان الثابت على سبيل الحق الذي صح أنه حق في الإجماع واحدا فما فوقه، ولو كانت أمة مملوكة ثبتت على سبيل الحق؛ كانت الحجة على جميع أهل الأرض، وكل من خالف سبيل من ثبت على الحق
أنه
الذي وقع عليه الإجماع أنه حق، فهو في ذلك نازل بأحد منزلين:
هي
،
إما مدع لا يقبل ادعاؤه إلا بالحق، ولا يجوز له محاربته على ادعائه وإما منتهك لما يدين بتحريمه، مكابر متغلب على غير سبيل الحق، ولو كانت الحجة التي هي حجة، وقد ثبتت على سبيل الحجة، مبطلة في سريرتها، وقد علمت صحة ما يُدعَى عليها ممن هو في حكم الحق مدع، لما لا يصح له إلا بادعائه أو لغير مدع، وإنما يريد أن ينتصر لنفسه والله ولدينه بغير
دعوى، لكانت الحجة في حكم الحق هي المحقة، والمخالف لها هو المبطل
"
- 62 - (1/62)
صفحة 63
ولو كانوا جميع أهل الأرض إلا تلك الأمة، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل العلم من الأمة
فإن كان علي بن أبي طالب محقا في قتال أهل النهروان، فيما قد. صح معه من إقامة الحجة عليهم، فإنه مبطل في الحكم بالظاهر، لأنه قاتل الحجة التي كانت في الأصل حجة، قبل أن يصح زوالها عن الحجة، ولا يجوز أن تتحول الحجة إلا بحجة مثلها أو تعلوها، وعلى كل حجة حجة، ولكل حجة حجة، فلا تزول حجة أبدا إلا بحجة، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين المسلمين، في دين أهل الاستقامة من المسلمين
فصل: وكذلك كل من مضى من المسلمين على سبيل أهل النهروان، - رضي الله عنهم - إلى يوم القيامة من خارج أو قاعد أو مسالم أو القيامة، ولم يغير عن سبيل أهل النهروان ولم يبدل إلى يوم
محارب إلى
يوم
القيامة، فهو الحجة التامة على سبيل ما مضى عليه النبي وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما ـ والجماعة الذين هم حجة الله يوم الدار في قتل عثمان بن عفان، وما قاتل عليه علي بن أبي طالب والجماعة الذين هم حجة الله في قتال طلحة والزبير يوم الجمل وما مضى عليه، وما قاتل عليه علي بن أبي طالب والجماعة، الذين هم حجة الله معاوية بن أبي سفيان أيام صفين، وما قاتل عليه أهل النهروان - رحمهم الله ورضي عنهم -، وهم عبدالله بن وهب الراسبي الشاري، فالحجة قاضية والأحكام جارية في حكم الظاهر على غير قبول دعوى مدع، ولا مكابرة لعقل، أن هذا كله سبيل واحد بعضه من بعض، وبعضه دليل بعض، لا تتناقض أحكامه ولا تتفرق أقسامه، وأن
6
من خالف هذا السبيل فهو مخالف للحق، بأعظم شاهد عليه وأوجب دليل وكفى بالاجماع على هذا من توكيد الكلمة وصحة الشهرة، باستقامة هذا السبيل بعضها على بعض، وبعضها البعض، واتفاق هذه الروايات في القتال والمحاربات، وليس علينا أن نحكم في شيء من الأمور، ولا أحد من الخليقة
- 63 - (1/63)
صفحة 64
*
أن يحكم في شيء من الأمور، إلا بما ظهر من المظهور، وليس على الناس علم ما غاب من السرائر والمستور، وعلى الناس أن يحكموا بما يلزمهم في ظاهر الأمور، ويصدقوا الحجة في ظاهر الأمور، ويبطلوا الدعوى في ظاهر الأمور، حتى تزول حجة الحجة بحجة مثلها لا وتصح دعوى المدعي بحجة تزيل دعواه، وإلا فهم مبطلون بقبول قول المدعي على الحجة، وعلى المدعى عليه، ولو كان المدعى عليه في علم الله من الخائنين لحجة الله، وكان المدعي في ادعائه عند الله من الصادقين، حتى يعلم أن ذلك القابل منه، والحاكم له بدعواه من صدق ما يدعيه باليقين، وإلا فهو في ذلك وفي قبول قول المدعي، وحكمه للمدعي بادعائه، في ذات المال أو ذات الدين من الفاسقين
فصل: والعجب كيف لا يجوز قول مدع في ادعائه عند حاكم، ولا عند شاهد ولا عند أحد من الخليقة إلا بإقرار من المدعى عليه، أو لقيام الحجة عليه في قيمة قيراط، قد ادعاه أبو بكر الصديق أو عمر بن الخطاب وأمثالهما، وإن كنا لا نعلم لهما مثلا على عبد الله بن أبي رأس المنافقين، أو على أبي جهل عمر بن هشام فرعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو على أعرابي جاف من المشركين من عبدة الأوثان، أو عبدة الحجارة والنيران، أو نصراني ينصب الصلبان، أو كائن من أهل العهد والذمة ممن كان، حتى يصح للمدعي على المدعى عليه ما يدعي عليه من ذلك، قيمة القيراط أو قيمة ذلك أو أقل من ذلك أو أكثر، مما تقع عليه الأملاك بين الناس بعضهم لبعض أو يقر له بذلك، على هذا أجمعت الأمة لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك، وكيف يجوز قبول قول مدع في ادعائه على ما يبطل به حجة من حجج الإسلام، وينقض به ما مضى في ثابتات الأحكام، إن هذا لهو الزور المفترى، والكذب على الله وعلى دينه والاجتراء، نعوذ بالله من الضلال، ومن العمى في الدين
والجهل
فصل: فمن خالف هذه الأصول بجهله، في هذه الروايات وهذه
-12 - (1/64)
صفحة 65
هذه
الأصول، فهو خصم لأهل الاستقامة من المسلمين، فيما خالف فيه من الأصول، ولو وافق في بعضها أو وافق الحق في غيرها، وكل مخالف لشيء في
شيء للحق، فهو خصم فيه لأهل الحق، وكل ما ادعى فيه من شيء غير ما صح في حكم الظاهر، كان للحق وأهله بالباطل في ذلك مكابرا، وللباطل وأهله على الحق وأهله مظاهرا مناصرا، ولا يقبل عند الاختلاف إلا ما أجمع
عليه الخصوم من الأمور، وأطبقت عليه الكلمة في تصحيح المشهور.
ولا يجوز قبول قول المدعي على المدعى عليه، ولو كان موافقا في جميع دين الله حتى يصح ما يدعي من دعواه على من ادعى عليه في مال أو دين، ولو كان المدعى عليه مخالفا لجميع دين هذا الله من أصول دين الله - تبارك
وتعالى -.
6 (1/65)
صفحة 66
باب
ولاية الحكم بالظاهر وبراءة الحكم بالظاهر
اعلموا أن الولاية بالحكم بالظاهر والبراءة بالحكم بالظاهر أصلان من
6
وحكمان من أحكام دين الله في أمر الولاية والبراءة
،
الله أصول دين ولا يجوز مخالفتهما في شيء من أحكامهما، والولاية والبراءة بأحكام الشريطة كافيتان للعبد كما وصفنا، ما لم يمتحن العبد بلزوم ولاية الحكم بالظاهر أو براءة الحكم بالظاهر، إذا لزمت الولاية بالحكم بالظاهر والبراءة بالحكم بالظاهر، وإذا لزم ذلك وجب الحكم فيه بولاية الظاهر باسمه وعينه، والبراءة بالحكم بالظاهر باسمه وعينه، ولم يجزئه فيه إذا وجبت الولاية فيه أو البراءة، وما كان كاف له من ولاية الشريطة وبراءة الشريطة، وكان عليه أن يحكم به فيه وعليه مما وجب فيه من ولاية وبراءة بالحكم بالظاهر، ولا يزيل عنه أيضا أن يعتقد فيه على حال ما وجب فيه من أحكام الظاهر، ولاية الشريطة وبراءة الشريطة، لأنه يحتمل أن يكون الولي بالحكم بالظاهر عدوا في الشريطة، والعدو في الحكم بالظاهر وليا في الشريطة، ويمكن أن يكون الولي في الحكم بالظاهر وليا في الشريطة، والعدو في الحكم بالظاهر عدوا في الشريطة، وغير محكوم على من صحت فيه عداوة الحكم بالظاهر بعداوة الحقيقة ولا بولاية الحقيقة، لمن يصح فيه حكم ولاية حكم الظاهر، فلما لم يكن كذلك كان الولي في الحكم بالظاهر عدوا في الشريطة فيما يمكن، ولا يجوز أن يبرأ من ذلك براءة الحقيقة. فإذا لم يبرأ الولي في الظاهر من أحكام عداوة الحقيقة، لزم فيه عداوة الشريطة، وإذا لم يبرأ العدو في الحكم بالظاهر من أحكام ولاية الحقيقة، وجب فيه أحكام الشريطة، ولم يخرج من أحكام الشريطة في الولاية والبراءة، وإنما يبرأ من ولاية الشريطة وولاية الحكم بالظاهر وعداوة الشريطة من وجبت عليه عداوة الحقيقة، وإنما يبرأ من عداوة
-77 - (1/66)
صفحة 67
الحكم بالظاهر وعداوة الشريطة، من وجبت فيه ولاية الحقيقة
فافهموا هذا الفصل من الأحكام في الولاية والبراءة، فإنه أصل
وثيق، وفصل دقيق ولا يبصره إلا من هداه الله إليه.
- TV- (1/67)
صفحة 68
باب
صفة من يكون عالما بالولاية والبراءة
هذا باب يستوعب جميع أصول الولاية والبراءة، وهو تسع وثلاثون أصلا، ولا يكون العالم عندنا عالما بالولاية والبراءة؛ حتى يعلم فرق ما بين أحكام ما يسع جهله مما لا. يسع جهله من أحكام الولاية والبراءة، ويعلم منه تظاهر العلم بذلك، لأن أحكام ما يسع جهله مما لا: يسع جهله؛ من أحكام الولاية والبراءة، غير أحكام ما لا يسع جهله من أحكام الولاية والبراءة، ولأن ذلك لا يجوز مخالفة الحكم فيه برأي ولا بدين، بجهل ولا بعلم.
وكذلك حتى يعلم فرق ما بين الخاص والعام من أحكام الولاية والبراءة، فيما يسع جهله وفيما لا. يسع جهله، لأن أحكام الخاص من الولاية والبراءة؛ غير أحكام العام من الولاية والبراءة، لا تجوز مخالفة ذلك برأي ولا بدين ولا بجهل ولا بعلم، فإذا كان كذلك لم يكن العالم عالما بالولاية والبراءة، حتى يعلم فرق ما بين الحكم في ذلك، ويظهر منه العلم في ذلك
وبذلك
•
وفرق الخاص والعام من أحكام الولاية والبراءة، داخل في جميع أصول الولاية والبراءة بجملتها، لأن كل أصل من أصول الولاية والبراءة فداخل عليه وفيه أحكام الخاص والعام، ولا يجوز مخالفة أحكام أصول الخاص والعام في جميع أصول الولاية والبراءة، كان الأصل مما يسع جهله ومما لا يسع
فصل: وكذلك حتى يعلم فرق ما بين أحكام ولاية الحقيقة التي يجب العلم بها والشهادة عليها بالقطع، ولا يجوز الشك فيها ولا التحول عنها ممن
- 14 - (1/68)
صفحة 69
صحت له، وما بين أحكام الشريطة التي تكون كافية للعبد عن ولاية الحقيقة وولاية حكم الظاهر وبراءة حكم الحقيقة وبراءة الحكم بالظاهر، وما بين أحكام الولاية والبراءة بأحكام الظاهر التي إذا وجبت لم تنفع فيها أحكام ولاية الشريطة وبراءة الشريطة، ومعرفة أحكام الخاص والعام من ذلك وفي ذلك، لأن أحكام هذه الأصول من أصل الولاية والبراءة بالحقيقة والشريطة وحكم الظاهر مختلفة أحكامها، لا يجوز مخالفة ذلك برأي ولا بدين، بعلم ولا بجهل، ولا يجوز أن يحكم بحكم من أحكام هذه الأصول في أصل آخر غيره، ولا يجوز إلا وضع هذه الأصول في مواضعها والحكم بأحكامها، فمن خالف ذلك برأي أو بدين بجهل أو بعلم، لم يسعه ذلك وكان هالكا فصل: وعلم خاص ذلك لمن خصه، وعام ذلك في حكم العموم فذلك أصل أيضا في ذلك، لا تجوز مخالفته برأي ولا بدين ولا بجهل ولا بعلم، وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام الاستحلال لما حرم الله من دينه، والتحريم لما أحل الله من دينه، وما يجب في ذلك من الأحكام في
منه،
الولاية والبراءة، وبين أحكام التحريم لما يأتي من المحدث ذلك
من
6
وما يدين بتحريمه مما يرتكبه، ووضع ذلك في موضعه والحكم فيه بحكمه، فيما يجب من ذلك بالدينونة فيه، لأن الحكم في ذلك لا يجوز بالدينونة، ولا يجوز أن يحكم بأحكام الاستحلال في موضع أحكام التحريم، ولا بأحكام التحريم في موضع أحكام الاستحلال بالدينونة، ولا يجوز إلا وضع كل حكم من ذلك في موضعه، فمن خالف ذلك بدين فقد هلك وصل في أحكام الولاية والبراءة، وقد قال أكثر أهل العلم أنه لا يسع. جهل المستحلين؛ إذا علم الجاهل أن المستحل مستحل لما حرم الله فيما يدين به
وقد قال من قال: إن ذلك واسع جهله ما لم يتوله الجاهل بدين، أو يبرأ من العلماء إذا برثوا منه على ذلك، أو يقف عنهم برأي أو بدين. وكذلك حتى يعلم فرق ما بين أحكام الصغائر من أحكام الكبائر، في أحكام الولاية
-79 - (1/69)
صفحة 70
والبراءة، فإن الفرق في ذلك وفي أحكامه لا ارتکابه بدين ولا برأي، أن يسع يجعل أحكام الكبائر كأحكام الصغائر، ولا أحكام الصغائر كأحكام الكبائر في أهل الولاية من المسلمين
وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام التوبة والإصرار، والفرق بين الإصرار على الصغائر والإقامة على الكبائر، وفرق ما بين أحكام الخاص
ذلك والعام من جميع
وكذلك حتى يعلم الفرق ما بين المصرّ على دقيق الذنوب وجليلها، وصغيرها وكبيرها، وبين الحكم فيمن ركب ذلك ولم يصر عليه، وجهله أو علمه وعلم الفرق في ذلك في أحكام الولاية والبراءة، فإن جهل ذلك ووضعه على غير معانيه، لا يسع ذلك بالدينونة، فإذا لم يسع مخالفة ذلك، كان من الأصول التي لا يصح العلم للعالم إلا بعلمه ويعلم أحكامه
فصل: وكذلك حتى يعلم فرق ما بين ما يجب فيه السؤال من أحكام الولاية والبراءة، وبين ما لا يجب فيه السؤال، فإنه لا يجوز أن يحكم بالسؤال في غير موضع وجوب السؤال، ولا يجوز إلا أن ينزل كل شيء من ذلك منزلته، ويحكم بكل حكم من ذلك في موضعه، ولا يجوز مخالفة ذلك بعلم ولا بجهل، في جميع ما لا يجوز فيه المخالفة لذلك
وكذلك حتى يعلم فرق ما بين أحكام الدين مما جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما أجمع عليه أهل العلم من أهل الاستقامة؛ في كل عصر وزمان إلى يوم القيامة، وبين أحكام الرأي وما يجوز فيه الرأي من كل ما لم
وفي جميع
أصول
دين الولاية
يأت فيه حكم من هذه الأصول في الدين، والبراءة، وفي جميع أحكام الولاية والبراءة وعلم ذلك ووضعه في مواضعه.
فصل: لأن ذلك لا تجوز فيه المخالفة برأي ولا بدين ولا بجهل ولا بعلم، في جميع ما جاء فيه أحكام الدين من جميع أحكام الولاية والبراءة.
- V- (1/70)
صفحة 71
وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام الدعاوى التي تخرج أحكامها، أنه
إن كان المدعي صادقا في دعواه في سريرته؛ كان محقا، وإن كان مبطلا في دعواه في سريرته كان مبطلا، وإلزام المدعي ما لزمه من حكم الدعاوى، والالتزام للمدعى عليه إثبات حجة المدعى عليه، والفرق في ذلك بين أحكام الدعاوى من أحكام البدع، التي من وقف عليها وعلى أحكامها، لم يسعه إلا أن يصدق المحق فيها ويكذب المبطل فيها والكاذب فيها إن كان يقف على ذلك، أو كان ذلك مما لا يسع جهله أو قامت عليه الحجة بعلم ذلك من وجوه العلم، والفرق في ذلك بين تحريم ولاية المبتدع، ولو لم يعلم الجاهل بدعته، وإباحة ولاية المدعي إذا كان في ظاهر الحكم لا يعلم كذبه، ولو كان في ادعائه في سريرته مبطلا ما لم يحكم لنفسه بدعواه، أو تزول حجته بوجه من الوجوه
علم
أحد
وكذلك حتى يعلم الفرق بين حجة الشهادة من حجة الفتيا في أحكام الولاية والبراءة، وأنزل ذلك منزلته، لأن بين حجة الشهادة وحجة الفتيا في أمر الولاية والبراءة، وفي جميع أحكام الدين فرق بين لا يجوز في الدين أن
يحكم بأحكام الشهادة في موضع أحكام الفتيا في أمر الولاية والبراءة.
6
ولا يحكم بأحكام الفتيا في موضع أحكام الشهادة في أمر الولاية والبراءة، ومن حكم بذلك في غير مواضعه فقد جهل، وكان بذلك هالكا
وكذلك حتى يعلم الفرق بين حجة الشهود في البراءات من المكفرات، إذا وقعت الشهادة في موضع ما تجوز الشهادة فيه من المكفرات في الولاية والبراءة، وبين براءة المتبرئين من العلماء في الدين، وإنزال كل من ذلك منزلته من إجازة الشهادة من الشهود على المحدثين بحدثهم، على ما جاء به الأثر من إجازتها في مواضع إجازتها، وإبطال حجة المتبرئين قبل الشهادة على المحدثين، وإنزالهم في ذلك منازلهم في الدين، لأن منزلة المتبرئين قبل الشهادة على المحدثين من المحدثين، ولو كانوا أئمة في الدين من علماء
- VI- (1/71)
صفحة 72
المسلمين، لا يخلو من أحد أمرين:
كان؛ من
إما أن يكون المتبرئ بإظهار البراءة منه متبرئ من ولي لمن برئ عنده منه في الدين، فيكون ببراءته تلك عدوا قاذفا مخلوعا، كائنا. من أهل العلم والفقه والفضل والورع والعدل، ولو كانوا مائة ألف أو يزيدون من
علماء المسلمين، فلا يقبل قولهم في ذلك، لأنه لا يقبل قول قاذف، ولا تجوز شهادة خليع في الإسلام.
وإما أن يكونوا ببراءتهم من ذلك المتبرئ منه قبل الشهادة عليه برئوا من غير ولي في الدين، لمن برئوا منه منه معه، فيكونون بذلك مدعين، لأنهم خصماء ببراءتهم من ذلك المتبرئ منه قبل الشهادة من هذا الذي برئوا منه، ولجميع أهل الدين لأن كل خصم في الدين فهو مدع، وكل مدع فلا تقبل دعواه في جميع أحكام الدين، والشهادة في الدين في أمر البراءة عند إظهار البراءة قبل إظهار الشهادة على المكفرات
فصل: وكذلك حتى يعلم الفرق بين حجة الفتيا من الفقيه الواحد في الدين، فيما يقوم فيه مقام الفتيا من الدين، وبين قول الفقيه الواحد فيما يكون فيه شاهدا في أمر الدين في البراءات، وفي إيجاب المكفرات، وإنزال ذلك منزلته في الدين والولاية والبراءة، وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام براءة الجهر وإجازة ذلك وإطلاقه، وبين أحكام براءة السر ومعرفة جهر وكتمانه، وإنزال ذلك منازله ومعرفة القول فيه، وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام الولاية والبراءة في الأئمة العادلين والجائرين، وبين الفرق في الولاية والبراءة في سائر الرعايا، ممن لم ينزل منازل الأئمة من العادلين
والجائرين.
ذلك
فصل: وكذلك حتى يعلم الفرق بين الأئمة المشاهدين والحاضرين من العادلين والجائرين في الولاية والبراءة، وبين الأئمة الغائبين والسالفين في
- VY- (1/72)
صفحة 73
الولاية والبراءة من العادلين والجائرين، فإن ذلك لا تجوز جميع أحكامه في
الدين في الولاية والبراءة في حكم دين المسلمين.
وكذلك حتى يعلم الفرق بين وقوف الدين الذي به يسلم المسلمون من ولاية المبطلين، ومن البراءة من المسلمين والمحقين، وكان وقوف الدين جنّة وسلامة للمسلمين، وجاز ولزم العالم والجاهل والضعيف والقوي من المسلمين، أن يدينوا بالوقوف عن كافة الخليقة؛ من العالمين بأسمائهم وأعيانهم، على شريطة ولاية المحقين والبراءة من المبطلين في جملة الدين، حتى يعلم من أحد بعينه؛ ما تجب به ولايته أو عداوته، بوجه من وجوه الولاية والبراءة من حقيقة أو حكم ظاهر، وكان ذلك فرضا واجبا على جميع المسلمين، وبين وقوف الرأي الذي يخص الواحد من المسلمين، في الواحد بعينه من المحدثين، ممن سبقت له ولاية متقدمة من المسلمين، ويسعه الإقامة على ذلك الوقوف بالرأي، بغير دينونة بالسؤال عن ذلك المحدث، الذي قد امتحن بولايته، وعاين منه ما لزمه فيه حكم وقوف الرأي، من غير أن تلزمه دينونة بسؤال، وبين وقوف السؤال الذي يلزم فيه السؤال، ولا يجتزئ بالرأي فيه دون اعتقاد السؤال عما قد لزمه في وليه هذا المحدث الممتحن به وفيه، بما قد عاين منه هذا المحدث أو علمه منه
فصل: وبين وقوف الشك الذي.
6
هو
خارج من وقوف الدين، ومن
وقوف الرأي ومن وقوف السؤال، إلى الشك والحيرة بعد قيام الحجة عليه، فشك فيما لا يسعه الشك فيه من كفر المحدث، أو من ترك ولاية المحق من أجل براءته من المحدث بغير حجة في الإسلام بدين عن ضعيف من المسلمين، أو برأي عن عالم من علماء المسلمين، أو بدين من أجل براءته من برئ منه من المحدثين، أو من أجل ولايته ممن تولاه في الدين بغير حجة تقوم عليه بباطل ولايته فكل واقف عن محدث قد علم بحدثه أو لم يعلم بحدثه فوقف عنه من أجل، إذ لم يصح عنده ما تقوم عليه به الحجة في البراءة،
"
- 73 - (1/73)
صفحة 74
فوقف عنه ووقف عمن برئ منه من المحقين من أجل براءتهم منه برأي أو بدين، عن عالم من علماء المسلمين، أو بدين عن ضعيف من ضعفاء المسلمين، فهو هالك شاك، وبين وقوف الإشكال الذي هو خارج من وقوف الدين، ووقوف الرأي ووقوف السؤال ووقوف الشك، من غير جهل من الواقف بحكم الحدث، ولا يجهل منه بحدث المحدث مثل الوقوف عن المتلاعنين، والفئتين المقتتلتين والمتبرئتين من بعضها بعضا، إذا لم يعلم الأصل كيف حالهما، ولا المحق منهما من المبطل، وغاب ذلك علمه عن
عنه
فصل: وكل واقف عن محق من أجل ما غاب عنه من صحة حقه، فوقف عنه وعمن تولاه من المسلمين، برأي أو بدين عن عالم من علماء المسلمين، أو بدين عن ضعيف من ضعفاء المسلمين، فهو هالك بذلك الشك، واقف وقوف الشك، ولا يجوز أن يحكم بحكم وقوف الدين، في موضع حكم وقوف الرأي ووقوف السؤال ووقوف الشك، ولا يجوز أن يحكم بحكم وقوف الرأي والسؤال والشك، في موضع وقوف الدين، ولا يجوز أن يحكم بحكم وقوف الرأي في موضع حكم وقوف السؤال، ولا بحكم وقوف السؤال في موضع وقوف الرأي، ولا بحكم وقوف الشك في موضع حكم وقوف الرأي والسؤال، فمن حكم بشيء من أحكام هذه الثلاث في غير موضعه، كان بذلك من الهالكين
وكذلك حتى يعلم الفرق بين أحكام ولاية الدين، وبين أحكام ولاية الرأي، وبين أحكام براءة الدين وبين أحكام براءة الرأي، ووضع الأحكام في ذلك على وجوهها.
وكذلك حتى يعلم الفرق بين الاختلاف في الرأي بين المسلمين؛ العلماء منهم، وبين الخلاف في الدين من المخالفين في أصول الدين، الذي لا يجوز فيه الاختلاف بالرأي من المسلمين، في أحكام الولاية والبراءة،
- V? - (1/74)
صفحة 75
ووضع ذلك في مواضعه التي لا يجوز لأحد أن يخالفها
فصل: وكذلك حتى يعلم الفرق بين الاختلاف بين المسلمين في أحكام الدعاوى في الولاية والبراءة، وبين الخلاف في الدين الذي هو خارج من أحكام الاختلاف في الرأي، والاختلاف في الدعاوى النازل أهلها بمنزلة المبتدعين؛ إذا أظهروا حكمه، ولو كانوا في سرائرهم صادقين، وبين اختلاف المسلمين في الدعاوى، التي إن كانوا فيها صادقين، فهم للحق موافقون في ظاهر الأمر، ويلزم في ظاهر الأمر موافقتهم وإجماعهم على ما ظهر من أمرهم في الدعاوى، ولو كانوا في سرائرهم خائنين، حتى يعلم ذلك منهم من أجمع عليه من أهل الدين.
وكذلك حتى يعلم الفرق بين قيام الحجة من المعبرين، لما لا يسع جهله من غير ذلك من المعبرين، وبين قيام الحجة فيما يسع جهله في الدين من علماء المسلمين، وإنزال ذلك منازله في أحكام الرأي والدين، وأن لا يتعدى ذلك إلى غيره برأي ولا بدين
فصل: فهذه الأصول التي ذكرناها هي معنا جمل الأصول، التي لا تخرج منها أحكام الولاية والبراءة، ولا نعلم أنه في الولاية والبراءة أصل يزيد على ما وصفنا من هذه الأصول، وما عدا هذه الأصول من القول في
من
،
الولاية والبراءة، فهو فرع راجع إلى هذه الأصول التي وصفناها وذكرناها لدن أصل ما يسع جهله وأصل ما لا يسع جهله، وكل هذه الأصول راجعة بأسرها وجملتها إلى ثلاثة أصول من هذه الأصول؛ وهن أصل ولاية الشريطة وبراءة الشريطة، وأصل ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، وأصل ولاية حكم الظاهر وبراءة حكم الظاهر، ولا يقف الواقف على جملة هذه الأصول الثلاثة، حتى يقف على هذه الأصول التي وصفناها، التي هي تفسير لها وعائدة إليها، ولا يسمى عالما بها حتى يكون عالما بالأصول منها، كما ذكرنا
- Vo_ (1/75)
صفحة 76
في الفرائض، وغير ذلك من فنون العلم وأصول الدين
من
المسلمين
وهذه الأصول الثلاثة، التي هي أصول لهذه الأصول التي وصفناها راجعة إلى أصلين؛ أصل يسع جهله وأصل لا يسع جهله، وهما أصلا جميع الولاية والبراءة، وأصلا جميع دين الله - تبارك وتعالى ـ، فمن علم هذه الأصول التي وصفناها وذكرناها، في أمر الولاية والبراءة من أهل الاستقامة، كان معنا حجة في الفتيا في أحكام الولاية والبراءة، مما يسع جهله ومما لا يسع جهله من أحكام الولاية والبراءة، وكان معنا ممن يؤخذ عنه الولاية والبراءة بالرفيعة، وكان حجة لمن قبل عنه الرفيعة في الولاية معنا، ما لم يعلم كذبه فيها رفع إليه من ولاية من غاب عنه أمره، من الأولين والآخرين، ما لم يعلم المرفوع إليه أنه خائن الله، فيما رفعه إليه في أمر الدين. فإن قال قائل: فليس يكون معكم أحد من المسلمين حجة في الولاية والبراءة في الفتيا، ولا في الرفيعة في الولاية، إلا حتى تكون بهذه المنزلة؟ فصل: قلنا له: أما الرفيعة فلا تكون معنا حجة في الرفيعة، إلا العالم بأصول الولاية والبراءة، ولا يكون عالما بأصول الولاية والبراءة إلا من علم هذه الأصول التي وصفناها، لأنه لا يجوز أن يحكم بشيء من أحكام هذه الأصول كلها في غير مواضعها، ومن كان جاهلا بالأصول التي لا تجوز مخالفتها في الفن الذي هو منه وفيه، ولم يكن عالما به علم من يكون حجة على
6
من قام عليه ولمن قام له، كما أنه لو كان العالم عالما فنون العلم بجميع وبصفة جميع الحكم إلا أنه لا القضاء يبصر في الصدقات ولا في القسم في الأموال، ما جاز للحاكم ولا للمسلمين أن يجعلوه أمينا في ذلك، ولا يجوز أن يولوه القسم في أموال الغائبين والأيتام، ولا في قضاء الصدقات من أموالهم، ولا يكون حجة في ذلك في قيمة ولا نظر، ولو يعلو أهل زمانه في العلم
والبصر.
- 76 - (1/76)
صفحة 77
كذلك كل أهل صنعة البصراء فيها، فهم حجة على من قاموا عليه
وله، في النظر فيما جرى من الأحكام في ذلك، ولا يجوز أن يولي أهل صنعة وأهل معرفة بشيء من الأشياء، في غير ما هو أهله، وما قد عرف به من جميع الأشياء ولم يكن أمينا في ذلك لموضع أمانته وعلمه وثقته، إذا لم يكن بصيرا بتلك الصنعة، وبذلك الشيء الذي دخل فيه، وكيف يجوز أن يقلد رجلا ثقة أمينا عالما بالأحكام، ثقة في الإسلام نظرا وحكما في مال الغائبين والأيتام في قضاء ولا أقسام، وهو بصير بالحلال والحرام، نافذ في صفة الأحكام، بصير بالولاية والبراءة، إلا أنه لا يبصر القضاء ولا الأقسام
فلما لم يكن في ذلك عالما ولذلك عارفا وله مداوما، لم يجب أن يكون فيه أمينا، ولا حجة لمن ائتمنه، وكان من ائتمنه على ذلك كله الله ولدينه خائنا، ولا يجوز أن يقلد الولاية والبراءة، غير أهل العلم بها وأهل الفقه فيها. وكيف يكون العالم بالشيء والفقيه فيه من لا يعلم أصوله؟ وكيف يكون من يجهل أصل شيء من الأشياء يكون عالما به، وكما لا يجوز أن يكون عالما بالشيء حتى يعلم أصله، كذلك لا يكون عالما به حتى يعلم جميع أصوله، وما جهل من أصوله، وأحكام أصوله، فغير واقع عليه اسم العلم بجميعه، ولا يكون عالما بالشيء حتى يكون عالما بجميع أصوله
ولا تجوز الرفيعة إلا من العلماء بأصول الولاية والبراءة التي لا يجوز أن
يحمل أحكام بعضها على بعض، ولا نخبر بالعام منها عند لزوم الخاص،
ولا يحمل الخاص منها على حكم العام، وليس هذا معنا فيه اختلاف
•
- VV- (1/77)
صفحة 78
باب
الفرق بين أحكام الدعاوى والبدع والقذف
حيث يجوز التظاهر بالولاية والبراءة والوقوف وحيث لا يجوز، وإبانة موضع القذف في الولي مع من يتولاه
لقد فرّق بين أحكام القذف والدعاوى والبدع؛ من قال إن من بغى من أهل القبلة فهو مؤمن، وموسى وراشد مؤمنان على بغيهما على الصلت بن مالك، أو على أحد من الناس. وهذا حكم المبدع المتأول فيه أهل القبلة
6
تأويل الضلالة، لأن الباغي كافر كفر نعمة منافق، لا مؤمن ولا مشرك. إلا أنه يلحقه اسم الإيمان من طريق الإقرار، ولا يلحقه اسم الإيمان من - طريق الطاعة والولاية، فمن قال إن موسى وراشد مؤمنان مستحقان الولاية واسم الطاعة على بغيهما على الصلت بن مالك أو غيره فهو مبتدع، ولا يجوز لمن علم منه ذلك أن يتولاه؛ كان موسى وراشد باغيين أو لم يكونا باغيين، وهذا مبتدع مرتكب للبدعة
ومن قال: موسى وراشد باغيان على الصلت بن مالك في خروجهما
6
ذلك، وتقدم راشد إماما لموسى على الصلت، فهو مدّع على موسى ورا وراشد نازل بذلك منازل المدعين؛ فإذا قال ذلك مع من يتولى موسى وراشد فهو قاذف لهما معه، وقد أباح البراءة من نفسه عند من يتولاهما، ولو علم هو أنهما باغيان في أصل فعلهما، ولو كان الذي يتولاهما قد علم بخروجهما إلا أنه لم يعلم أكانا باغيين أو لم يكونا باغيين، لأن حدثهما يخرج على سبيل الدعوى والاحتمال للحق والباطل، فيما ظهر من أمرهما، فالقاذف لهما بالبغي مع المتولي لهما قاذف مستحق البراءة، والمتبرئ منهما مع من علم بخروجهما الذي
- VA - (1/78)
صفحة 79
يحتمل البغي
6
ولا تصلح لهما سلامة منه إلا بالاحتمال ويحتمل الصواب،
ولا يصح عليهما الباطل إلا بما يحتمل على ما وصفنا
•
فإذا كان الحدث يحتمل الباطل ويحتمل الحق، ولا يصح باطله ولا حقه، وكان فيه الحكم لله وللعباد، ففيه الاختلاف في الولاية والبراءة والوقوف، وليس لأحد من أهل المنازل أن يخطئ صاحبه، ولا يدعي على المحدث ذلك الحدث بغيا ولا قذفا، وإنما يبرأ منه بما ظهر منه مما هو محجور عليه، وليس له أن يقذفه بما غاب من أمره مع وليه الذي يتولاه، ولا للمتولي أن يعنف المتبرئ إذا حكم بما قد ظهر فيه معه، ما لم يدعي عليه أو على وليه ما لا يسعه، ولا للواقف أن يعنف المتبرئ ببراءته ولا المتولي بولايته إلا أن يبرأ منه أحدهما على ذلك أو يخطئه، فإن قذف المتبرئ المحدث للشبهة مع الواقف، فإنه لا يجوز له ولايته، أي ولاية الواقف للمتبرئ على هذا، إذا قذف من لزمته ولايته في الأصل، ولم يصح عليه ما يخرج به من حد الولاية.
6
وإنما وقف عنه للشبهة، وإنما برئ منه هذا بالحكم وغير مجوز له القذف، مع
من لم يصح. معه منه من أوليائه، ما معه منه، ولو كان قد معه منه
فالقاذف له
صح
صح
أنه في الأصل باغ كافر ظالم، إذا كان يحتمل صوابه في وجه من الوجوه، مع أوليائه؛ قاذف ويبرأ منه، والقاذف له مع من يقف عنه للشبهة؛ أقل ما يكون يقف عن ولاية القاذف للشبهة، كما وقف عن ولايته للشبهة؛ لأنه لم يقف عن ولايته بحقيقة، فيتولى من قذفه، ويزول عنه أمر ولايته في الأول، وليس هذا الوقوف وقوف دين بجهل، بمنزلة من لا يعلم منه خيرا يتولاه عليه، ولكنه قد وجبت ولايته في الأصل، ثم أشكل أمره، فوقف للشبهة عنه، وهو في الأصل يتولاه إن كان محقا
كذلك
قذفه
من من أوليائه؛ فقد دخل في الاشكال.
معه، ويقف عن ولايته، وولاية من قذفه، ولا يقف عن ولاية من تبرأ منه بما ظهر من أمره، الذي جاز له أن يحكم عليه فيه بالبراءة في الظاهر، مع من صح معه الحدث
- VA - (1/79)
صفحة 80
من
أوليائه المحتمل الذي يجوز منه الاختلاف، وأما مع من لم يصح معه الحدث من أوليائه؛ فلا يجوز له أن يبرأ منه معه ولا يقذفه، فإن برئ منه معه بعد علمه أن يتولاه، أو بعد أن أعلمه أنه يتولاه، واحتمل بوجه من الوجوه له أن يتولاه بحق، فأقام المتبرئ على البراءة منه، بعد علمه بولاية المتولي له، ولم يتب من قذفه بعد أن يعلم أنه يتولاه، وأعلمه بذلك أن يدعي أنه يتولاه، فإذا أعلمه أنه يتولاه، واحتمل بوجه من الوجوه ولايته، حرم عليه الإقامة على قذفه والبراءة منه، وكان عليه التوبة منه، فإن لم يتب من ذلك كفر، ولو كان صادقا في سريرته، محقا عند الله في براءته منه أن لو برئ منه
سريرة.
فصل: وأما إذا كان القائل لذلك في موسى وراشد مع من يتولاهما، أو في أحدهما مع من يتولاه بوجه تجوز له ولايته، ولو بدعواه على ما يمكن في وجه من الوجوه صدقه، مع من لم يصح معه خروجهما الذي يحتمل الحق، فإنه يكون بذلك قاذفا لهما. وكذلك البراءة منهما مع من يتولاهما كعلمه، من ذلك الحدث الذي علمه فيهما، وادعى أنه
والباطل
'
ممن لا يعلم: أنه علم يتولاهما أو يتولى أحدهما، ولم يصح معه أنه مبطل في ولايتهما، وأمكن معه ولايتهما بوجه من الوجوه، فهو قاذف لهما أو لأحدهما ولا. يسع المتبرئ منهما إلا التوبة من ذلك، وإذا احتمل ولاية موسى وراشد بوجه من الوجوه مع من ادعى ولايتهما، ضاق على المتبرئ منهما إلا التوبة من ذلك معه،، ما لم يصح أنه صح معه الحدث المحتمل فيهما، فإذا صح ذلك وأقر بذلك، كان الحكم فيه على ما قد مضى من الاختلاف، وحرم القذف وأبيحت البراءة في الحكم على المسالمة في الاختلاف، وإذا أنكر المدعي للولاية صحة الحدث معه، واحتمل بوجه من الوجوه أنه لا يبلغ إليه علم ذلك، وقال إنه يتولى بما يحتمل في وجه من الوجوه ولايته ويسع ولايته، حرمت البراءة على المتبرئ، فالقذف على القاذف لموسى وراشد مع من ادعى ولايتهما أو ولاية أحدهما
-^- (1/80)
صفحة 81
وإذا ادعى المتولي الولاية، وادعى المتبرئ البراءة ولم يصح في الدار ما يحرم به ولاية المتولي بما لا يختلف فيه، ويعلم بذلك المتولي، فالولاية أولى. في الحكم، لأن الاسلام وأحكامه أولى من الكفر وأحكامه، إذا أمكن
الإسلام بوجه من الوجوه، لأن الإسلام يعلو ولا يُعلَى.
ومن
ادعى ما تجب به البراءة في رجل، وادعى آخر ما تجب به الولاية
فيه، وتنازعا في ذلك وتناكرا، ولم يصح مع من سمعها صدق أحدهما، فالمدعي لما تجب به الولاية أولى، ويأمر القاذف المتبرئ من ولي المتولي بالتوبة، إذا أنكر عليه ذلك المتولي، فإن تاب من ذلك وإلا كان قاذفا في حكم الظاهر، إذا ادعى على وليه كفرا أو برئ منه بشيء أنكره المتولي على المتبرئ، ومن ينزل بمنزلة القذف للمسلمين فقد كفر، وإن ادعى أحدهما الولاية بما يحتمل ولاية من ادعاه بوجه من الوجوه، ثم قذفه هذا بمكفرة معه، وهذا يدعي ولايته فهو قاذف، ويستتاب من إظهار القذف وإباحته البراءة من نفسه، فإن تاب وإلا برئ منه
وإن ادعى ما تجب به الولاية عليه، وبرئ منه الآخر ولم يقذفه بمكفرة ولا ادعى عليه كفرا، وإنما هو برئ منه، ولم ينكر عليه المتولي ذلك، ولا أقام عليه حجة باطل إلا براءته ممن ادعى أنه يتولاه، فكلاهما سالمان من الكفر عند من سمعهما من أوليائهما، وكلاهما في الولاية، لأنه يحتمل في الحق ولاية هذا له، وبراءة هذا منه على التظاهر للحدث المحتمل منه ذلك، والوجه أنه يمكن أن يكونا علما منه جميعا بمكفرة فبرئا منه عليها، ثم علم هذا. بتوبته منه؛ فتولاه على ذلك، والآخر على البراءة منه، فليس للمتولي أن ينكر على المتبرئ البراءة، وهو معه سالم وليس بقاذف، ولا للمتبرئ أن ينكر على المتولى ما يدعي من توبة المحدث، ولا نعلم في ذلك اختلافا؛ أنه إذا ادعى أنه تاب من حدثه الذي علماه منه، أنه سالم مصدق في ذلك على | دعواه، غير معنف في ولايته
- AI- (1/81)
صفحة 82
وقال
من قال: إنه حجة له في التوبة ويتولى بذلك
وقال من قال: حتى يشهد له على ذلك اثنان ممن تجوز شهادتهما، وهو قول أكثر حيطة من القول السابق، لأننا كما سبق أن أوضحنا أن شهادة اثنين في أمر تترتب عليه آثار ممن تجوز شهادتهما، وأما ولاية المتولي له، بالدعوى منه أنه تاب من حدثه، فيما يمكن منه أنه يعلم منه ذلك، ولا تكون شهادته بذلك
من المحال، فقوله في ذلك مقبول منه، لولايته هو له، ومأمون على ذلك
ولا نعلم في ذلك اختلافا. وأما إن تولاه قبل أن يشهد له بالتوبة من
والبراءة
فقال
ذلك
من قال: إنه مأمون على ذلك في الولاية له، ولا يتولى بولايته
6
وقال من قال: هو حجة في ذلك ويتولى بولايته إذا كان ممن يبصر الولاية
وقال من قال: إنه في حال الولاية له مبطل وهو مخلوع، لأنه يتولى محدثا فيما يقر به على نفسه ويعلم بحدثه، ولم يدع توبة وإنما أظهر الولاية لمن هو على جملة الحدث، فهو محدث بولاية المحدث حتى يشهد له بالتوبة قبل إظهار الولاية، وأما إذا شهد بالتوبة قبل إظهار الولاية، فلا نعلم في ذلك اختلافا أنه مأمون على ذلك وهو على ولايته، والاختلاف في قبول شهادته وزوال البراءة عمن شهد له بالتوبة، فمن أجل هذه العلل وغيرها جازت الولاية للمتظاهرين بالولاية والبراءة والوقوف، حتى يعلم أنهم مبطلون، أو أن أحدا منهم مبطل، بما يصح به باطله، بما لا يحتمل له من مخرج من مخارج
الحق
والمتولي على كل حال هو حاكم بحكم ومحدث حدثا، وهو أولى حجة من المتبرئ عند التنازع، حتى يصح ما تجب به البراءة، والواقف المظهر للوقوف غير محدث في ظاهر الأمر، لأن الناس كلهم في حال الوقوف حتى يصح لهم ما تجب به الولاية، أو ما تجب عليهم به البراءة، ثم بعد الوقوف
- AY- (1/82)
صفحة 83
فالمدعي لما تجب به الولاية أولى حجة من المدعي لما تجب به البراءة، وقد مضى القول في ذلك ولا نعلم في ذلك اختلافا، وذلك أن لو أجمعا على ما تجب معهما به الولاية، ثم ادّعى أحدهما أنه ركب ما تجب عليه به البراءة، وبرئ منه، كان بذلك قاذفا مخلوعا، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وإذا أجمعا على ما تجب به منه البراءة؛ ثم ادعى أحدهما توبته من ذلك، كان بذلك محقا مصدقا، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وإذا لم يتفقا على ما تجب له فيه الولاية والبراءة، وتولاه هذا وبرئ منه هذا، وبان على المتبرئ ما يكون به خالعا، أو قذفه مع من يدعي ولايته بما يحتمل أنه تجوز ولايته بوجه من الوجوه، فهو مبطل قاذف مخلوع، ولا نعلم في ذلك اختلافا
فصل: وإذا وقعت المسالمة في الولاية والبراءة، ولو تظاهروا بذلك ما لم يقع قذف أو إنكار يجب به حكم القذف مع المتولي، فالمتولي والمتبرئ
سالمان جميعا، والمتولي لهما على ذلك سالم، والواقف عن المتولي والمتبرئ منه
يصح
على أحد
منهم
سالم حتى ما يجب به حكم البراءة بوجه من الوجوه، ولا نعلم في هذا اختلافا بين أحد من أهل العلم، ولا نعلم أن أحدا المتدينين من أهل الدار في هذه الأحداث في شيء من الأمور يدعي في شيء
من
منهما على أحد من أهلها، ولا على أحد من المتدينين فيها أنه ينتحل في شيء من أموره بدعة ولا دينونة ببدعة، ولا ولاية على ما يصح على المتولي له بدعة، وإنما ذلك كله دعاوى من المحدثين في ظاهر الأمور، ومن المتولين للمحدثين ومن المتبرئين من المحدثين
وكذلك المتدينون من أهل النحلة، لا نعلم أن أحدا من أهل أهل العلم يدعي على أحد منهم في جميع ما ذكرنا في جميع
الاستقامة
منهم من
الأمور إلا دعاوى لا تخرج إلى حال القذف ولا ينتحل البدعة. والله على ذلك
محمود.
- Ar- (1/83)
صفحة 84
باب
السعيد والشقي وأحكامهما في الولاية والبراءة
من صحت سعادته أو شقاؤه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار، من أحد سالف أو من المهاجرين والأنصار، فلا يجوز، في أحد، إلا أن يشهد بذلك كما علم، إذا سمع
وعليه
معه وصح
معصيته
لمن علم ذلك. ذلك أو صحت معه بالشهرة الصحيحة، التي لا يرتاب فيها ولا يشك فيها، صحة سعادة السعيد معه - أن يواليه الله ويشهد له بأنه سعيد، - مع ويعلم أنه لن يتحول عن السعادة إلى الشقاء، ولا إلى النار عن الجنة أبدا، لأنه لا يجوز هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على أحد من رسل الله - صلوات الله عليهم - وعلى من صحت معه سعادة هذا السعيد، أن يتولى بنفسه ولو رآه بعد ذلك يكفر بالإسلام ويعبد الأصنام، وعليه مع ذلك أن يبرأ الله التي صحت معه من هذا السعيد، ويتولى نفس السعيد، وعليه مع ذلك في حكم دين الله أن يقيم على هذا السعيد في أحكام الحق في ظاهر الأمور، بما يحكم به على الشقي، وعلى من لم تصح معه سعادته ولا شقاؤه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينزل هذا السعيد في جميع الأحكام منازل سائر أهل الإسلام، ولا يجوز له أن يقبل دعوى هذا السعيد الذي قد صحت معه سعادته على أحد في قيمة قيراط فما دونه أو فوقه، إلا أن تصح له دعواه على من ادعى عليه ذلك، وعليه أن يحكم على السعيد بما لزمه من الحقوق لغيره من أهل الإسلام؛ من حق أو دم أو حد، وعليه أن يرد على هذا السعيد جميع ما جاء به من الباطل، ولا يجوز له أن يقبل منه شيئا من الباطل، لموضع إذ صحت معه سعادته، كما لا يجوز له أن يقبل من أبينا آدم - صلوات الله عليه ـ، ما جاء من المعصية ولا يصوبه فيما جاء به من المعصية الله - تبارك
- 84 - (1/84)
صفحة 85
وتعالى. وعلينا أن نتولى أبانا آدم - صلوات الله عليه. ونبرأ من معصيته الله التي عصاه بها وتاب منها، كذلك نرد على جميع الناس الباطل؛ من بار أو فاجر أو متقدم أو مستأخر، سعيدا كان أو شقيا، قد صحت سعادة السعيد أو شقاوة الشقي، أو لم تصح سعادته ولا شقاؤه، فعلينا أن نرد الباطل على من جاء به، ونقبل الحق من جميع من جاء به، وعلينا أن نقيم الحق على جميع من لزمه قيام الحق؛ من مال أو حد أو دم، ولا يجوز لمن صحت معه سعادة سعيد؛ أن يخالف فيه حكم الحق في وجه من الوجوه، لموضع سعادته التي قد صحت معه، بل يجري عليه جميع ما لزمه من أحكام الحق في الظاهر، ويبرأ من جميع معاصيه، ويتولى نفسه خاصة، لما قد ص الله، أو عن رسول من رسل الله، وعليه أن يقاتله على ارتداده وبغيه، ويقتله على ذلك ويقيم عليه جميع الحدود التي قد صحت معه، وينفذ عليه جميع الحقوق، فإن ضيع في السعيد حدا، أو أبطل فيه حقا، من أجل ما صح معه
من سعادته؛ كان بذلك مبطلا معطلا لحدود الله
صح
معه من
سعادته
عن
فصل: وكفى حجة في ذلك في إقامة الحدود على من صحت سعادته، ما فعل النبي لي في ابنة خلف، وإقامة حد الزنا عليها بالرجم حتى
6
قتلها، وشهد لها بالجنة بعد رجمه إياها، وكان ذلك من إقرارها بالزنا وكذلك لو قامت عليها البينة، ما كان في ذلك فرق في حكم السعيد، ولو قامت على السعيد بينة بالزنا وأنكر ذلك، ما جاز تعطيل حق الله فيه من الحد، ولا جاز الشك في ولايته، ولا يجوز أن يكون سعيدا يموت على باطل أبدا، ولكن يجوز أن يتوب فيما بينه وبين الله، ولو قتل على محاربته على جحوده أو بغيه، ما جاز أن يشك في ولاية نفسه، وما جاز أن يترك إقامة الحق عليه في المحاربة، وكفى من الحجة في إقامة الحد على السعيد، ما أمر الله به في الحكم، ما فعل أبونا إبراهيم - صلوات الله عليه ـ، من إرادته ذبح نبي من أنبياء الله، وولي من أولياء الله، وذلك أنه مضى في ذلك الأمر لله، الذي أمره به، ولم يشك في ذلك لموضع نبوة الله، ولا لموضعه منه، فهذا هو الحق
- Ao - (1/85)
صفحة 86
عليه.
عند الله في حكم دينه، أن لا يتعطى أحد فوق ما أمره الله به، ولا يضيع ما أمره الله به، لموضع حكم آخر أمره الله به، والولاية للسعيد عند إقامة الحد، وعند محاربته وعند الحكم عليه، وعند رد الباطل عليه، وكل هذه الله، ولا يجوز أن تعطل فريضة من فرائض الله، إلا أن يزيلها شيء من الفرائض غيرها، فليس القتل بمزيل لولاية السعيد، ولا الولاية للسعيد بمزيلة لقتله في حكم الظاهر، فيما يجوز في دين الله - تبارك وتعالى -.
فرائض من
الله
6 -
وكفى من الحجة في محاربة من صحت سعادته عن لسان رسول الله، ما أجمعت عليه الأمة من محاربة طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين؛ على ذلك الذي حاربوهم عليه، وسفكوا على ذلك دماء أنصارهم وأعوانهم، وما شهر وصح من قول عمار بن ياسر ـ رحمه الله أنه قال في عائشة - رضي عنها ـ؛ والله إنا لنعلم أنها زوج نبينا و في الجنة، ولكن لا ندع الله يُعصَى، ثم كان رمحه - على ما قيل - رابع أربعة أرماح من أصحاب علي بن أبي طالب من الجماعة الذين هم حجة الله، اختلفت على هودج عائشة عليها السلام ـ، ولا يجوز أن يكون صاحب الرمح يصوب برمحه إلى الهودج، إلا وقد أراد قتل من أهدى رمحه إليه، ومن المحال غير هذا في ذلك الوقت، فقد صح أن الإجماع من المسلمين وقع على محاربة أهل البغي من المحدثين، ولو كانت قد صحت سعادة المحدثين عند رب العالمين، وعند من صحت سعادته من المحاربين أو عند غير المحاربين، ولا فرق في ذلك عندنا في الدين، ولا عند أحد من علماء المسلمين، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل الاستقامة في الدين من المسلمين.
وعلى من علم سعادة هذا السعيد، أن ينزله في جميع المنازل حيث أنزل نفسه، وأنزله حدثه في جميع الأمور، إلا في ولاية نفسه فقط، فإنه لا تزول ولايته أبدا عنه، وهو يتولى نفسه ويشهد له بالجنة، ولا يدخل الجنة أبدا مصر على معصية، هذا مما لا يجوز الشك فيه ولا الريب، وعليه أن يعلم أن
2,
- AT- (1/86)
صفحة 87
السعيد لا يموت إلا على سبيل السعادة وعلى التوبة من المعصية، ولو غاب
ذلك
عن
البراءة من
تلك
علمه هو وعن علم جميع العالمين، وأنه لا محال تائب من المعصية التي علمها منه، هذا مما لا نعلم فيه اختلافا بين المسلمين، وعلى من علم سعادة هذا السعيد، أن يصوّب من برئ من هذا السعيد بما ركب من الأحداث التي يجب بمثلها البراءة من المحدث لها، ممن لم يعلم أنه قد علم في هذا السعيد كعلمه، إذا علم هو من ذلك السعيد ذلك الحدث الذي تجب به المحدث، وليس له ولا عليه أن ينكر على المتبرئ من. هذا السعيد براءته بحدثه ذلك، حتى يصح معه أنه صح معه ما قد صح معه هو، من سعادة هذا السعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قد علم هو منه، فإن أعلم هو ذلك المتبرئ، بما قد صح معه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، في هذا المحدث أنه السعداء، فليس عليه أن يصدقه في ذلك ويدع حكم الله - تبارك وتعالى. 1 - ، في لزوم البراءة منه، بما لا يختلف فيه في حكم الظاهر، ويرجع إلى ولايته لا إلى الوقوف عنه، لقول هذا وحده في قول عامة المسلمين، إلا أن يكون مأمونا على ذلك، فيأخذ ذلك عنه من طريق التصديق، لا من طريق الحجة بالإجماع، لأنه قد قال من قال: إنه إذا صح منه ما تجب له به الولاية بقول واحد أنه يتولى.
من
وقال من قال: لا يتولى حتى يصح ذلك بقول اثنين من أهل العلم بالولاية والبراءة من المسلمين، وهذا هو أقوى الأقوال في هذا، فإن لم يقبل منه ذلك ويقف عن ولايته، كان عليه أن يتولى من برئ من هذا المحدث السعيد، بما قد ظهر له من الحدث الذي تجب به البراءة من المحدث، وليس على المتبرئ من المحدث بهذا الحدث علم ما غاب عنه، مما يدعيه عليه هذا المدعي؛ من سعادة هذا السعيد عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الحجة في يد من حكم بالحكم الصحيح، والمدعي للحكم الغائب هو مدع حتى يصح ادعاؤه، ومن حمل على الناس أن يقبلوا دعواه، فقد حكم في ذلك بالجور، فخالف أحكام الحق بالفجور، وهذا من أحكام الحقيقة في الولاية، وأحكام
- AY - (1/87)
صفحة 88
الحقيقة لا يحكم بها في أحكام الظاهر، فمن حكم بأحكام الحقيقة في أحكام الظاهر فقد حكم بغير الحق، ومن حكم بأحكام الظاهر في أحكام الحقيقة فقد حكم بغير الحق وخالفه.
ولو نزل من صحت سعادته بمنزلة من لا يجوز فيها شهادته في الدماء والأموال والدين، لم يجز لمن صحت معه سعادته أن يجيز شهادته على قيمة قيراط فما فوقه، ولا على شيء من الشهادة، إذا نزل في حكم الظاهر بمنزلة لا تجوز شهادته، فإن فعل ذلك كان قد خالف أحكام الظاهر من أجل من أحكام الحقيقة، وكما لا يجوز أن يخالف أحكام الحقيقة لموضع وجوب أحكام، كذلك لا يجوز أن يخالف أحكام الظاهر لموضع وجوب أحكام
الظاهر
الحقيقة
فصل: وليس من العجب أن يرد شهادة السعيد بأحكام الظاهر، وهو يسفك دمه؛ على ما نزل به من قود أو حد أو محاربة بأحكام الظاهر، لا يزيل ذلك أحكام الحقيقة عنه من ولاية نفسه على كل حال، لأنه إذا ترك أحكام الظاهر التي تعبد الله بها عباده، لموضع ما صح من أحكام الحقيقة مع العباد، لغير ما صحت به الحقيقة، كان علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم الله في هذا أولى، ولم يجز في الأصل على هذا المذهب الفاسد، إلا أن لا يرد شهادة شاهد حتى يعلم شقاءه، وأن الله يعلم أنه سعيد، وإلا فليس عِلْمٍ مِّن عَلِم ذلك من سعادة هذا السعيد أولى من علم الله في عباده: السعيد منهم والشقي
"
وقد تعبد الله عباده بأحكام الظاهر، فلا يزيلها عنهم أحكام الحقائق، إلا أن يصح في الحقيقة ضد ما صح في أحكام الظاهر، فإذا صح في أحكام الحقيقة ضد ما صح في أحكام الظاهر، كان حكم الحقيقة أولى من حكم الظاهر، وليست صحة السعادة ضد لرد الشهادة، لأن الشهادة إنما تصح في الظاهر؛ ولا تجوز إلا أن ينزل العبد فيها بمنزلة تجوز شهادته في حكم الظاهر، وليست السعادة عند الله بمزيلة لأحكام الظاهر، وإنما تزيل أحكام البراءة في الظاهر لا غير ذلك، وسائر الأحكام في هذا السعيد كحكم الظاهر
- 88 - (1/88)
صفحة 89
6
فصل: فإن قال قائل: إن السعيد لا ترد شهادته لموضع ما نزل به. كما لا تترك ولايته المنزلة ما نزل به؟
قلنا له: إن الشهادة غير الولاية، لأنه قد يكون وليا من لا تجوز شهادته للعلة التي قد ثبتت فيه من أحكام الإسلام، من شهادة المدعي وشهادة الوالد للمدعي وشهادة سيد المدعي، وشهادة الشريك للمدعي فيما ادعاه، وشهادة النساء بغير رجال، وشهادة العبيد والعميان، وهم أولياء في الإسلام في حكم الظاهر وفي حكم الحقائق، وإنما السنة والكتاب وإجماع أهل الصواب، على أن لا تقبل شهادة الرضى في دينه، ومن لم تصح منه خيانة ولا اتهم في أمانة فكيف يجوز أن يخالف حكم الله المجمع عليه، لغير علة تثبت ذلك فصل: ويقال له أيضا: أرأيت لو كان السعيد مدعيا، أكنت تقبل دعواه الموضع سعادته، أو كان والد المدعي أو عبدا أو أعمى أو امرأة لا رجل معها، أكنت تجيز شهادة السعيد عندك فيما شهد به، مما يرد به شهادته من
أجل أنه سعيد؟
فإن قال لا؛ لأن هذا قد جاء به الأثر، أن هؤلاء لا تجوز شهادتهم من
أجل هذه العلل.
قلنا: كذلك جاءت أحكام الكتاب والسنة، وأجمع عليه أهل الصواب؛ أنه لا تجوز شهادة غير مرضي، ومحال أن يكون مرضيا محدثا ومحاربا في ذلك، إلا أن تنزل أحكام الظاهر كلها في السعيد لموضع سعادته، فتنتقض الأحكام السالفة في ذلك ويبطل الحق، وليس إلى ذلك سبيل أبدا إن
شاء الله
فصل: ويقال له: أرأيت لو أن هذا السعيد، الذي قد صحت معك سعادته ارتد عن الإسلام، ولحق بالروم محاربا لكافة أهل الاقرار بالإسلام، أكنت تجيز شهادته على أحد في شيء من الأحكام، إذا شهد
- A 4 - (1/89)
صفحة 90
بشهادة مما تثبت في أحكام أهل الإسلام؟
فإن قال: نعم؛ فقد أتى بما لا يجوز مع جميع أهل القبلة، ومحال أن يكون هذا وإن قال: لا؛ لأنه حرب للإسلام.
قيل له فإن لم يحارب في جملة أهل الارتداد، ولكنه لما ارتد أراد عصمة دمه من أحكام أهل الإسلام، بالالتجاء إلى الروم كما فعل غيره من المعتصمين، ولم يحارب المسلمين، أكنت تجيز شهادته على أحد من أهل الذمة أو أهل الإسلام؟ فإن قال: لا؛ لأن المرتد لا تجوز شهادته، لأنه يطالب بالرجوع إلى الإسلام، ولا يقر على الارتداد حتى يرجع إلى الحق في دين الله، فهو لا تجوز شهادته؛ إذ تعلق عليه أحكام القتل، إذ هو غير مقاررٍ على الاقامة على
الردة.
قيل له: فإن أذنب ذنبا صغيرا أو كبيرا، ثم أقام عليه ولم يتب، أهو سلم للإسلام وأهله، أو هو حرب حتى يتوب من حدثه ذلك، وهو مطالب بالتوبة من ذلك، فإن لم يتب كان عليه الحبس حتى يتوب، فإن امتنع من الحبس قوتل على ذلك حتى يفيء إلى أمر الله أو يقتل، وكان باغيا.
فإن قال: يترك ولا يعاقب على ذلك ولا يحارب
فصل: قلنا له: فيبطل قتال أهل البغي على بغيهم، وما البغي الذي يستحق به الباغي اسم البغي وحكم البغي، وهل ذلك شيء من
المعاصي دون شيء
فإن قال: ذلك إنما يكون في حقوق العباد، ولا يكون في حقوق الله
،
وإنما التوبة من حقوق الله
- 4.- (1/90)
صفحة 91
قلنا له: فالارتداد إلى الشرك من حقوق الله أو حقوق العباد، وترك الصلاة والصوم في شهر رمضان من حق الله أو حقوق العباد، وهذا ما لا يدعيه أحد من أهل القبلة فيهما علمنا، ولا يرجع قول هذا على مذهبه هذا، إلا إلى الإقرار بأنه لا تجوز شهادة السعيد على قيمة قيراط، ويخرج في القول من جميع أحكام أهل الإقرار ومذاهبهم، أو يجيز شهادة أهل الحرب في حربهم، ولا نعلم أن أحدا قال ذلك، إن شهادة أهل البغي ولا أهل الردة ولا أهل الحرب جائزة عليهم، ولا على أحد من الملل من أهل الشرك، ولا أحد من أهل الإقرار، ولا على أهل الاستقامة، والأمة كلها بأسرها مجمعون أن الشهادة لا تقبل إلا من المرضي، وإنما اختلف تأويلهم في المرضي بضلال التأويل، لا نعلم أن أحدا ذهب إلى الخلاف في هذا الباب، برد التنزيل ولا السنة ولا الاجماع، فلا يجوز أن يخالف حكم الله في وجه من الوجوه، في أحد من الخليقة لثبوت شيء فيه من الأحكام، من وجه من الوجوه إلا ولاية الحقيقة، فإنها لا يزيلها أحكام الظاهر، لأن أحكام الظاهر لا تقضي على أحكام الحقيقة فيما صح منها
فصل: كما أنه لو صح في السنة أو الكتاب، أو من وجه من الوجوه في أحد من الناس، أنه لا تقبل شهادته ثابتا في ذلك على غير تأويل ولا مخصوص أمر، لما جاز أن تقبل شهادته، ولو لم يصح فيه ما يوجب عليه كفرا ولا شقاء، في حكم السنة أو الكتاب أو الإجماع، وكفى من ذلك ما ذكرنا من إبطال شهادة المدعي وإبطال شهادة والد المدعي فيما يدعي، مما يجر إلى نفسه مغنها أو يدفع عنها مغرما، وشهادة الشريك فيما يشهد به لشريكه فيما يجمعه وشريكه.، وهو في ذلك بمنزلة المدعي، وشهادة سيد المدعي
وأكثر من ذلك أليس قد أجمعنا بأنا لا نقبل شهادة هؤلاء ولو صحت سعادتهم من جميع الخليقة إلا الأنبياء، فإن الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا يجري عليهم تكذيب في شيء من الأمور، ولا يكونون مدعين في شيء من
-41 - (1/91)
صفحة 92
الأمور، ولا يكون عليهم حاكما غيرهم من غير الأنبياء أو الرسل، إلا ما أنزل الله عليهم من الوحي،، ولا تكون أمورهم في سائر الأحكام كسائر أهل الإسلام في شيء من الأشياء، وإنما قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بن ثابت وحده، إذ شهد في موضع لم يكن في الإسلام دعوى، وإنما كان في الحكم أن تلك الدعوى مقبولة، إلا أنها نازلة منزلة الدعوى، ولو كانت لمنزلة الدعوى ما جاز فيها إلا شهادة شاهدي عدل، كما جاءت السنة، ولكن شاء الله - سبحانه ـ أن: يبين ذلك نصا من أحكام النبيين، كما أتى به نصا من أحكام سائر الخليقة عن غير النبيين - صلوات الله عليهم -، ولو أن خزيمة بن ثابت شهد مع النبي بشهادة أخرى، على ما يكون الحكم فيها أنها دعوى، لما جاز أن تقبل شهادته في ذلك، إلا أن يكون ذلك يبين فيه خاص الحكم، ولو أجاز النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة لغير رسول الله وحده، لثبت ذلك في الجميع، إلا أن يأتي فيه حكم يخص تلك الشهادة بعينها، أنها إنما تجوز في ذلك وحده، لأن الشهادة للنبي غير الشهادة لغيره، ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قول غيره من الناس كلهم، وقد صح عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أجمع عليه عامة أهل القبلة، ولا نعلم في الأخبار في ذلك مناكرة ولا مدافعة، أنه قال في أبي ذر الغفاري - رحمه الله -، أنه ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر الغفاري - - رحمه الله فلو أن قائلا قال: لما ثبت هذا في أبي ذر الغفاري جاز أن يكون تصدق دعواه لأنه صادق، ولأنه قد صدقه وتجوز شهادته وحده، بصدق دعواه لأنه صادق، إذ قد صح عن لسان رسول الله صدقه، هل كان ذلك يجوز من قوله وفي مذهبه؟
صح
فصل: فإن قال قائل: نعم؛ يجوز ذلك في الأحكام:
قلنا له: الكتاب والسنة والإجماع على غير ما تقول، ولا يجوز أن يكون شيء من المخصوصات ينقض شيئا من العموميات، وقد ثبتت السنة أن قول المدعي غير مقبول، وأنه لا يجوز في الإسلام إلا قول شاهدين، فيما يكونان
- AY- (1/92)
صفحة 93
فيه شاهدين، وإنما يجوز أن يجري له التصديق في الأخبار التي أريد بها ذلك المراد، أن تكون أخباره صادقة مصدقة، لما قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ومن تجاربه له، كما قال صلى الله عليه وسلم في أصحابه من أفاضل أمته في مناقبهم التي يعرفها منهم، فقال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر الصديق، وأشدهم في الحق عمر بن الخطاب، والأمين عليهم أبو عبيدة بن الجراح، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، إنما هو علم منهم ذلك على مجاز الكلام والصفة التي يصفها في مناقبهم، ولم يثبت في ذلك سنة، أن ما خالف ما قال زيد بن ثابت في الفرائض فهو باطل، وقد اختلف الناس في الفرائض وخالف عامتهم قول زيد في الفرائض، ولو كان كما قلت لما جاز أن يخالف قول زيد أحد من الناس، ولكان قد هلك من خالف قول زيد بن ثابت في الفرائض، فكيف والصحابة قد اختلفوا في أمر الفرائض، فكان منهم المخالف لقول زيد، ولو
!
كان كما يقال إن قول النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا. يوجب ثبوت ما صح من مثله ما جاز أن يقرأ القرآن إلا على قراءة أبي بن كعب، وعلى مصحف أبي بن كعب، وكفى حجة أن عامة أهل الاستقامة من المسلمين على غير ما قال زيد بن ثابت في الفرائض، مما يجري فيه الاختلاف، وما خالفه في ذلك أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس وعامة العلماء. وكفى حجة في ذلك ما عليه الإجماع من أهل القبلة على ترك القراءة بحرف أبي بن كعب، والإجماع على غيره في القراءة إلا الشاذ من حروفه، وكفى أن مصحفه ـ رحمه الله ـ غير مثبوت في القرآن، في زماننا هذا وقبل زماننا هذا، فلو كان كما تقول، ما جاز أن يقرأ القرآن الكريم إلا على ما قرأه أبي بن كعب، إذ ثبت بالإجماع أنه أقرأ الصحابة للقرآن الكريم ولكتاب الله ـ تعالى ـ، وإذ صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوحي أن يقرأ عليه، وأنه قد أسند إليه وقرأ عليه، وكفى بهذا دليلا على تصديق قولنا وإبطال قولك
فصل: ولو كان كما تقول ما جاز أن يخالف أحد في الحلال والحرام
- Ar- (1/93)
صفحة 94
عنه من الرأي، كذلك قول النبي معاذ بن جبل، ولكان ما. صح عن
في أبي ذر الغفاري، إنما هي منقبة من هذه المناقب أنه صادق في إخباره، أمين في إسراره وإظهاره، ولو كان قوله مصدقا لما جاز إلا أن يصدق كما قال، كما لزم قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى من القول ما فيه كفاية، وهذا إنما يجري على وجه المدح والمناقب، وهذا جائز في كلام العرب مع أهل اللغات، ولعل الإجماع على هذا من اللغة أن هذا يراد به المدح لا الحكم، فافهموا ذلك
إن شاء الله
فصل: فكما لا تجوز دعوى المدعي ولا شهادته، ولو كان صادقا في ادعائه، مصدقا مأمونا مسلما باراً تقيا نقيا، إذ هو مدعي، وكذلك لا تجوز دعواه ولا قوله، ولو صحت سعادته وكان سعيدا، وكما لا تجوز دعواه ولو كان سعيدا؛ كذلك لا تجوز شهادته ولو كان سعيدا، إذا صح معه منه في حكم الإسلام ما يكون غير مقبول الشهادة فيه، لأنه لا تجوز مخالفة أحكام الإسلام، لما يأتي من أحكام الخاص والعام، ولكن يحكم بحكم العام في موضعه، ويحكم بحكم الخاص في موضعه ولا يجوز إلا هذا إن شاء الله
-
ولو أن السعيد ارتد عن الإسلام وقد صحت سعادته، فنزل بمنزلة أهل الردة، كان حربا أو لم يكن حربا، ما جاز مناكحته ولا ذبائحه في حال ارتداده، ولا كان وليا، الحرمته من أهل الإسلام في النكاح، ولا كانت تجوز موارثته لأهل القبلة، وكان لا يرث من مات في حال ارتداده من أهل القبلة، وكان ميراثه على سبيل ما قيل في ميراث المرتدين، وإن قتل على محاربته كان ماله غنيمة وفيئا للمسلمين، ولو قتل على حال ردته ما جاز أن يصلى عليه كصلاة أهل القبلة، ولا يقبر في مقابر أهل القبلة، وكذلك لو مات على ردته ما صلى عليه ولا قبر في مقابر المسلمين من أهل القبلة، وكان يقبر وحده،، أو في مقابر أهل ملته ودينه الذين ارتد إليهم، ولا تتحول ولايته ولا الاستغفار له بولاية نفسه على حال في المحيا ولا الممات، ولا يخالف فيه حكم من أحكام الحق، في المرتدين في شيء غير الولاية نفسها فقط، فانظروا ـ رحمكم الله ـ
-12 - (1/94)
صفحة 95
كيف ثبتت الولاية لهذا السعيد في نفس الولاية، وتغيرت أحكامه في جميع أحكام الظاهر كلها إلا نفس الولاية، وإنما يحكم بحكم الخاص في الخاص نفسه، ولا يحمل الخاص على العام ولا العام على الخاص
فصل: فإن قال قائل: أليست الصلاة على الميت ولاية، فكيف يجوز أن يتولى من لا يصلى عليه؟ وكيف يجوز أن يترك الصلاة على من ثبتت ولايته ويتولى نفسه؟
فصل: قلنا: لأن الصلاة إنما تعبد الله بها المسلمين في السنة على أهل القبلة، وحجرها في حكم الظاهر على أهل الشرك، وثبت ذلك في السنة، ولم يتعبد الله الناس بما استتر عنهم في شيء من الأمور، ولا في شيء من المعاني، إلا إلى ما بلغهم إلى علمه، فكما ثبتت الصلاة على أهل القبلة ممن ثبتت ولايته ومن لم تثبت ولايته في حكم الظاهر، ولو كان المصلى عليه من أهل القبلة في سريرته مشركا في علم الله، وعَلم من عَلِم منه ذلك، فلا يزيل ذلك عن المسلمين حكم ما تعبدهم الله به من الصلاة على هذا الميت، حتى يصح ذلك، أنه مشرك في حكم ما ظهر إليهم منه، ولو عَلم ذلك من.
معهم
منهم
،
ذلك
منهم
موضعا
علمه
ذلك
منهم
ما كان علم من علم، عمن لم يعلم الله حكم ما تعبدهم به من أمر الصلاة على هذا الميت، فقد ثبتت الصلاة في أحكام الظاهر لمن ثبتت له، ولو كان في علم الله وعلم من علم ذلك من غير من تعبده الله بالصلاة على هذا الميت من الناس، غير ذلك في حكم شركه، إذا كان في حكم الظاهر ممن يلزم الصلاة عليه من أهل القبلة حتى يصح ذلك، ولو ترك تارك الصلاة على أهل القبلة بغير عذر ولا وجه حق يذهب إليه، ولا يعلم لعل ذلك الميت مشركا أو مرتدا في سريرته، ولو كان ذلك الذي من أهل القبلة ليس من أهل الولاية في حكم الظاهر، ولعله من أهل العداوة أو أهل الولاية عند الله، أو عند من علم ذلك من العباد، فلا يزيل الأحكام عن العباد فيما تعبد بعضهم فيه ببعض إلا لحجة لازمة، وإنما هي
-10 - (1/95)
صفحة 96
أحكام تخص وتعم، وليس للعباد في ذلك اختيار من أمورهم، وكذلك قال الله - تبارك وتعالى -: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ هُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (1) ومن يعص الله ورسوله فيها أمرا به من
قضائهما، فقد ضل ضلالا مبينا
وقال - تعالى -: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختارُ مَا كَانَ لَهُمُ
(
وليس
(2)، يقول: ما كان لهم الخيرة فيها اختاره الله وقضاه لهم وعليهم فكذلك حكم الله - تبارك وتعالى - لا يُحمل كله على معنى واحد، ولا على أصل واحد، ولا خاصه على عامه، ولا عامه على خاصه، إلا التسليم لحكم الله وقضائه، تبارك الله وتعالى في كل أمر قضاه، وفي كل أمر أمر به أو نهى عنه، لا مبدل لحكم الله، ولا راد لقضائه، ولا منازع لأمره
تبارك وتعالى.
فصل: فهذا فيمن صحت سعادته أو أنه من أهل الجنة، أو صح أنه مؤمن أو تقي، فالمعنى فيه واحد، والقول فيه واحد، لأنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يكون سعيدا إلا مؤمن، وليست الصحة بأنه مؤمن عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بأثبت في الإيمان ممن صح أنه سعيد، أو أنه. من أهل الجنة، لأن المعنى فيه واحد، والقول فيه واحد، إلا من خصه أو من غير الأسماء في شيء بعينه، وكل ما ثبت عن رسول الله من مثل هذا، فإنما هو معناه واحد، والعلم به لازم، والقيام على أهله بأحكام الحق في جميع الأمور لازم، والقول فيه واحد، والكلام يتسع في القول في هذا في تبيانه، والحجة عليه وفيه ومنه، وقد مضى ما في بعضه كفاية إن شاء الله
فصل: كذلك أحكام براءة الحقيقة، من صح عن لسان رسول الله
1 - جزء الآية (36) سورة الأحزاب ؤ ثم اقتبس المؤلف في كلامه من الآية الكريمة. 2 - جزء الآية (68) سورة القصص.
-97 - (1/96)
صفحة 97
أنه من أهل النار، أو أنه شقي فهو شقي وهو من أهل النار، وكذلك
ما صح عنه فيه من الأسماء، فهو ثابت عليه اسمه في التسمية، وهو يبرأ منه من علم منه ذلك، وصح معه فيه براءة حقيقة لا شك في ذلك، ولا يحكم فيه في أحكام الظاهر بما ظهر منه، ولا يحكم عليه بأحكام غير ما نزل به من الأحداث والأحكام، وهو بمنزلة غيره من الناس في أحكام الظاهر، إلا الشهادة عليه بما صح فيه وعليه، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بسماع من سمع ذلك عنه، أو بصحة شهرة على ما وصفنا في أحكام الشهرة، ممن يكون شهرة وكيف يكون شهرة، ولا يجوز في ذلك الشهادة عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الشهرة ولا على الشهرة في ذلك، وكذلك لا يجوز في السعيد عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة، ولا عن الشهرة عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يصح ذلك على من سمع ذلك، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو صح عنده علم ذلك من طريق الشهرة، لأن الشهادة على الشهرة ليست بمنزلة علم الشهرة، ولو كانت الشهرة صحيحة مؤدية للعلم، فإن الشهادة عليها وعنها فيما صح بها ومنها ومن طريقها، إنما هو شاهد لا مقلد لعلم ما شهد به، ولا يجوز التقليد في الدين إلا على ما جاءت به السنة، من قبول شهادة الشهود فيما يجوز قبول قولهم فيه، لا على التقليد لهم والتصديق لمقالاتهم بالحقيقة، فيما شهدوا أنه
كذلك
فصل: وإذا شهد شاهدان من علماء المسلمين على أحد بعينه؛ أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه من أهل النار، أو إنه شقي أو على ما يجب به اسم من الأسماء الثابتة فيه، فلا يجوز أن يحكم عليه بذلك قطعا ولا حقيقة، ولكن يجوز أن يقبل ذلك من الشاهدين على وجه قبول الحكم بالظاهر، ويكون ذلك بمنزلة من ركب كبيرة، والقول في هذه الشهادة معنا، أنها تقع موقع صحة كفره في حكم الظاهر، إذا قامت بذلك البينة قطعا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم سماعا عنه، وأما إذا شهدا على الشهرة عن لسان رسول الله فذلك معنا مما لا يجوز قبول الشهادة فيه على أحكام المكفرات، وقد
- AV- (1/97)
صفحة 98
اختلف في ذلك، فقال بعض أهل الاستقامة يجوز قبول الشهادة فيه على
الشهرة في ثبوت ما يثبت بها من الحكم في البراءات.
وقال من قال: لا يجوز ذلك، وقولنا أن ذلك لا يجوز على وجه الاختيار لا على وجه الدينونة، فإذا لم تثبت الشهادة على الشهرة في أحكام البراءات في الأحداث، فكذلك لا يثبت في هذا في أحكام البراءات في الأحداث، وإذا ثبت في ذلك ثبت في هذا، ويكون قبول شهادة الشاهدين في هذا بمنزلة قبول شهادتهما على الأحداث في الحكم الظاهر، والقول في ذلك واحد إن شاء الله أحد أن هذا بعينه من أهل النار أو شقي، على بعض
وإذا صح مع
6
ما يثبت ذلك فهو كذلك معه، وعليه أن يسير فيه في جميع أحكام الظاهر بأحكام الناس إلا في العلم بشقائه وأنه من أهل النار، كما صح معه، فإن نزل هذا الشقي بمنزلة كان فيها مدعيا، أنزل منزلة المدعي، وكذلك إن نزل بمنزلة يكون فيها مدعيا عليه في الإسلام في المال أو الدين، فهو بمنزلة المدعى عليه، وإن نزل بمنزلة يكون فيها حجة من حاكم أو عالم أو إمام، أو حجة من الله فهو بتلك المنزلة، مع من قد علم منه ذلك حجج أمره، ولا يبدل ذلك حاله عنده، وعليه أن يلزم نفسه في هذا الشقي جميع
، وصح
معه ذلك.
من
6
ما لزمه من أمره، ويجيز شهادته إن كان حاكما، ويقبل قوله إن كان عالما فيما يكون العالم فيه حجة، إذا نزل في حكم الظاهر بمنزلة الحجة، من العلم والأمانة والاستقامة على سبيل السلامة في حكم الظاهر، وأحكامه أحكام ما نزل به في أحداثه وسيرته، وأقواله وأعماله، في حال ما هو نازل به، وإن نزل بمنزلة يجوز أن يكون فيها إماما، جاز أن يؤتم به، ويولى أمر الإمامة. ويُنصر على الحق وتنفذ له أحكامه، ويعان في الإسلام على حربه، ويكون من عنده شقاؤه من أعوانه على الحق وحزبه، وينفذ له الأحكام وتصلي خلفه الجماعات، ويتولى له الأمانات، إذا نزل بمنزلة يستحق ذلك في حكم الظاهر، وهو يعادي نفسه في ذلك ولا يشك فيه، والقول في الشقي في
صح.
- 44 - (1/98)
صفحة 99
أحكامه إلا الولاية لنفسه خاصة، كالقول في السعيد في جميع ما مضى في أحكامه في أحكام الظاهر، إلا البراءة من نفسه، والعداوة لنفسه في حال الحدود، والحقوق والشهادات والدعوى والأمانات، والصلاة عليه إذا مات، ثابتة في حكم الإسلام إذا نزل بتلك المنزلة في حال موته، إذا كان على أحكام أهل القبلة بتلك المنزلة، وفي المناكحة والموارثة منزلة ما هو. عليه في حكم الظاهر وفي جميع الأحكام، إلا ولاية نفسه، فإنه لا يجوز أن يتولى نفسه
على حال من الحال، ولا يشك فيما قال النبي فيه صلوات الله عليه وسلامه
فصل: فإن قال قائل: يكون أمينا لا يتولى وإماما لا يتولى وعالما
لا يتولى؟
قيل له: نعم؛ يكون ذلك كذلك في أحكام الله - تبارك وتعالى ـ، في خاص ذلك وعامه، كما كان وليا لله لا تجوز ذبيحته، ولا تجوز شهادته ولا تجوز مناكحته، إذا نزل بتلك المنزلة كان كذلك إماما إذا نزل بمنزلة من يستحق ذلك في حكم الظاهر، ولو كان عدوا الله في حكم الحقيقة، لأن حكم الحقيقة لا يحكم به في حكم الظاهر، وحكم الظاهر لا يحكم به في حكم الحقيقة، هذان أصلان مختلفان وحكمان مختلفان، لا يحمل أحدهما على الآخر، فمن حمل أحدهما على الآخر فقد حكم بغير ما أنزل الله، وخالف الحق والعدل وكان من الجاهلين
والقول في أحكام الشقي في أحكام الظاهر له ومنه، كالقول في أحكام السعيد في القول فيما صح منه في أحكام الظاهر، والحجة في هذا كالحجة في ذلك، وقد مضى القول في ذلك، ولا حجة فيه ولا اختلاف، والقول في هذا والكلام يتسع ويطول، ويكفي العاقل في هذا بعض ما قد مضى إن شاء الله، وبالله التوفيق.
فصل: ثم إن أحكام الحقيقة تنقسم على ضربين: ضرب منها في الأسماء المعينة، وذلك مثل ما صح في كتاب الله - تبارك وتعالى ـ من شقاء
-44 - (1/99)
صفحة 100
امرأة نوح وامرأة لوط، وإبليس وقارون وفرعون وهامان، وأمثال هؤلاء بأسمائهم وأعيانهم، كذلك ما. صح عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد بعينه، فهو مثل ما صح عن الله في كتابه، لا فرق في صحة ذلك ولا علمه، كذلك أحكام السعادة في السعداء، مثل ما قد صح عن الله - تبارك وتعالى ـ في سعادة امرأة فرعون ومريم ابنة عمران، وما صح في النبيين والمرسلين المسمين في كتاب الله، وصحة ذلك فيهم بأسمائهم وأعيانهم، فكل هذا من أحكام الحقيقة بسعادة هؤلاء، ولا يجوز لمن علم. ذلك كتاب الله من ذلك من طريق العلم من كتاب الله بذلك، بما لا يرتاب في ذلك أنه من قول الله - تبارك وتعالى، بأي وجه بلغ إليه علم ذلك من كتاب الله، ولم يشك في ذلك ولم يرتب، فعليه علم سعادة هؤلاء، ولا يشك فيهم، فإن صح معه في أحد من هؤلاء صحة سعادته في كتاب الله، أو في علم الشهرة وصحة الأخبار
6
وصح
معه
معصية أو خطيئة أو ذلة أو سيئة، فعليه أن يعادي الله تلك المعصية ويبغضها ولا يصوّب خطيئتهم ولا سيئتهم، ولا يجوز له الشك في ولايتهم ولا في سعادتهم، من أجل ما صح منهم من خطيئة أو سيئة، ولا يجوز تصويب صح فيهم من معصية الله من أجل ما صح من سعادتهم وتوبتهم.
ما
،
كذلك، من صح فيه عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما وصفنا في أحد بعينه
واسمه، فهو كما
صح عن الله
الشك في ذلك ممن علم ذلك
، لا فرق في صحة ذلك ولا علمه، ولا يجوز
معه وصح
فصل: وكذلك جميع ما صح في أحد بعينه من كتاب من كتب الله الخالية، أو عن أنبياء الله ورسله الخالية، فالقول في تحقيق ذلك باسمه وعينه كالقول فيمن صح فيه من كتاب الله هذا الذي في أيدينا، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نقل عنه إلينا، لا فرق في ذلك ولا شك في علم ذلك، والقول في جميع السعداء بالولاية لهم والبراءة من معاصيهم، والقول في جميع الأشقياء بالبراءة منهم، وقبول ما كان منهم من طاعة الله، وموالاة ذلك منهم والرضى به،
-1 - (1/100)
صفحة 101
فهذا ضرب من أحكام ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، وهو حكم المعين المسمى
بعينه
-1·1 - (1/101)
صفحة 102
باب
الوجوه الجامعة للولاية في الظاهر
ومعرفة من هو حجة في الرفيعة في الولاية وصفته
جميع ما ثبتت به الولاية لأحد من الخليقة بعينه في حكم الظاهر، هو بأحد هذه الوجوه، وهو علم الخبرة أو صحيح الشهرة، أو بشهادة الشاهدين ورفع المتولين لا غير ذلك، تقع به الولاية في هذا الباب
فهذه
وجميع من ثبتت ولايته في حكم الشريعة في دين محمد صلى الله عليه وسلم وولاية دين أهل الاستقامة من أمته، فهي ولاية الله - تبارك وتعالى ـ وولاية رسوله محمد وولاية جميع أهل طاعته من المؤمنين، وولاية العبد لنفسه، الولايات الأربع؛ لا بد للعبد منهن في حال ما تقوم عليه به الحجة من علم ذلك، ولا يعدو ولايته أحد هذه الوجوه الأربعة: ولاية الله وولاية رسوله وولاية المؤمنين وولاية العبد لنفسه، كذلك قال الله - تبارك وتعالى -: إنما وليكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (1). وقال - تعالى -: {وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (2). فولاية المؤمنين في
الجملة داخل ولاية جميع أهل طاعة الله من ملائكته وأنبيائه ورسله وأوليائه
،
حتى تقوم عليه الحجة لعلم أحد منهم بوجه من الوجوه في ولاية حقيقة أو ولاية
حكم الظاهر.
1 - جزء الآية (55) سورة المائدة
2 - الآية (56) سورة المائدة.
-1. Y- (1/102)
صفحة 103
فصل: ولا يجوز أن يأتي على العبد حالة لا يتولى فيها نفسه، وعلى العبد أن يتوب إلى الله من جميع المعاصي والذنوب، ويتولى نفسه على كل
حال
وقد قال الله - تبارك وتعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم: الرَ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فصلتْ من لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرُ وَأَنِ اسْتَغْفِرُ وا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ .. ) (1) فأوجب مع عبادته على جميع من خاطبه
6
بالتعبد، أن يستغفر لذنبه ويتوب إلى الله من ذنوبه؛ والاستغفار ولاية. فأوجب الاستغفار ثم التوبة، والاستغفار باللسان والتوبة بالقلب والندم، فوجب الاستغفار قبل التوبة، لأنه قال: ثم توبوا، ولا تنفع التوبة بغير استغفار، ولا ندم بالقلب بغير استغفار باللسان، فيما تجب به التوبة باللسان، ولو كان لا يجوز الاستغفار للإنسان لنفسه، حتى يعلم أن الله قد تاب عليه؛ ما جاز أن يستغفر لذنبه أبدا، ولا يجوز هذا، ولو كان لا يجوز أن يتولى العبد نفسه ما جاز أن يستغفر لذنبه، وأوجب ما أوجب الله على العبد الاستغفار لذنبه، وولاية نفسه بعد ولاية الله ورسوله، ثم ولاية المؤمنين وذلك قوله - تعالى -: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرِ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات) (2). وليس كما قال أهل الغلو في الدين أن العبد لا يتولى نفسه، حتى يكون في منزلة يُرضي فيها نفسه، كما لا يتولى غيره من المؤمنين في حكم الظاهر حتى يعلم منه ما يرضى به، لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره، ولأنه مخاطب بالاستغفار لنفسه على كل حال ولذنبه، ومحجور عليه الاستغفار لغيره إلا للمؤمنين والمؤمنات، كما قال الله - تبارك وتعالى ـ، ولأن الاستغفار ولاية لا نعلم في ذلك اختلافا أن الاستغفار للذنوب ولاية، لا اختلاف في من المسلمين من أهل الاستقامة، فلا يجوز أن يأتي على العبد
بلوه
ذلك بين
أحد
1 - الآيتان الأولى والثانية من صدر سورة هود، وجزء الآية الثالثة منها.
2 - جزء الآية (19) من سورة القتال
- 1. r. (1/103)
صفحة 104
حالة يقيم عليها.
معه
،
يكون يتولى فيها نفسه، فمتى فعل ذلك كان هالكا لأنه
لسان
متى لم يستغفر ربه من ذنوبه التي ركبها في علمه أو جهله كان هالكا، ومتى استغفر ربه وتاب إليه من ذنوبه، كان لنفسه متوليا ولربه في دينه مرضيا في حكم الظاهر من نفسه، وعلى العبد أن يتولى نفسه ولاية حكم الظاهر ما لم يصح معه من نفسه ولاية حكم الحقيقة عن الله وعن رسول الله أو عن رسول من رسل الله، أو في كتاب الله أو في كتاب من كتب الله، فمتى صح في نفسه من أحد هذه الوجوه، أنه ولي الله أو أنه سعيد أو أنه من أهل الجنة، فعليه أن يتولى نفسه ولاية الحقيقة، وعليه أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، ولا يجوز له أن يقيم على معصية الله، ولا يضيع شيئا من حقوق الله، ولا يركب شيئا من معصية الله، لموضع ما قد صح معه صح في نفسه من ولاية الحقيقة، وعليه أن يتولى من أنكر عليه ما ظهر منه من معصية الله، ويتولى من برئ منه على ما ظهر منه من معصية الله، ممن لم يعلم أنه قد علم منه مثل ما علم في نفسه، من علم ولاية الحقيقة، وعليه أن يؤدي جميع ما أوجب الله عليه في نفسه وماله، من حق أو قود أو قصاص أو حد، أو جميع ما أوجب الله عليه من حقوق الإسلام، فإذا ضيع شيئا من ذلك اللازم، أو ركب شيئا من تلك المحارم، كان بذلك عاصيا وكان عليه الاستغفار من والتوبة، وعليه أن يتولى نفسه ولاية الحقيقة التي قد صحت معه في نفسه،
ذلك
ويؤدي ما أوجب الله عليه من الاستغفار والتوبة والحقوق، ولا يضيع ذلك
6
فإن ضيع ذلك كان عند نفسه في ذلك عاصيا، وكان على كل حال لنفسه عند نفسه مواليا، ولما أتى من معصية الله معاديا.
فصل: ولا تجب الولاية بالرفيعة إلا من أهل العلم والبصر بأحكام الولاية والبراءة، والفقهاء بأحكام الولاية والبراءة، لأنه لا يكون حجة في شيء من الأشياء على غيره، إلا أهل العدل من أهل ذلك وأهل العلم به، في الأشياء من أحكام الحق، ولا يكون العالم معنا عالما بأحكام الشيء حتى يكون عالما بأصوله، فإذا كان كذلك وجب له العلم به، ولو لم يكن واعيا
جميع
-1.8 - (1/104)
صفحة 105
6
لفروعه، لأن العالم بالأصول مستوجب للعلم بالشيء الذي علم أصوله. وما لم يعلم أصوله فلا يكون عالما به، ولا يجوز هذا في أحكام الكتاب ولا في
بجميع
أحكام السنة ولا في الإجماع، ولا في حجة العقل، ومحال أن يكون عالما بالشيء جاهلا بأصله. وكما لم يكن المصلي عالما بالصلاة حتى يكون عالما بحدودها، فإذا كان عالما بها كذلك، لا يكون عالما بشيء مجمع عليه من فنون العلم حتى يكون عالما بأصوله، ولا يكون عالما بفروعه بغير علم بالأصول، ولا يقتضي أن يكون عالما بشيء مجمع فيه؛ حتى يكون عالما بجميع الأصل الذي تم فيه الإجماع، ولو علم ببعض الأصول في ذلك الفن من العلم؛ لم يكن ذلك موجبا له أن يكون عالما به کله، حتى يكون عالما الأصول من ذلك الفن في الدين والعلم، كما أنه لا يكون العالم بالفرائض مستوجبا لعلم الفرائض؛ حتى يكون عالما بأصول الفرائض، من فرائض الكتاب والسنة والإجماع وأصول الفرائض؛ من فرائض الأصلاب والأجداد والأنساب، وفرائض الكلالات من غيرها من الفرائض التي لا تدخل فيها الكلالة، وفرائض العَول من غيرها مما لا يدخل فيه العول، وفرائض العصبات التي لا تستحق إلا ما أبقت الفرائض المفروضات، وما تستحق كل درجة من العصبة قبل الأخرى، وفرائض العصبات من فرائض الأرحام التي لا تدخل على العصبات ولا على الفرائض، وأصول ذلك كله، فمتى لم يكن عالما بذلك لم يستحق العلم للفرائض، وإنما يستحق العلم لما علم من تلك الأصول من الفرائض، كذلك كل فن من العلم، وكل أصل من أصول الدين، فله أصول يجتمع فيها ويعترف في أحكامه وأقسامه، فلا يكون العالم عالما بذلك الأصل، ولا بذلك الفن، حتى يكون بجميع أصوله التي تدخل فيه وتدخل عليه، ويكون داخلا فيها وخارجا
عالما
منها، وإلا فلم يستحق اسم العلم بذلك الفن، وذلك الأصل. ولو وعى العالم فروع العلم، من فن من فنون العلم، ولم يعلم
-1.0 - (1/105)
صفحة 106
الأصول التي عليها المدار من ذلك الفن من العلم، ما كان يجوز أن يكون عالما بذلك الفن، ولا يستحق العلم بذلك الفن ولو علم ذلك العالم بالأصول، إلا الأصول وحدها، وما يكون عليه مدار الأمر من ذلك الفن من تلك الأصول، ولم يعلم شيئا من تفسير تلك الأصول، ولا من فروع تلك الأصول التي تخرج منه وترجع إليه، لكان مستحقا للعلم بذلك الفن، وكان عالما به وفقيها فيه، وكان حجة فيه، على مَن سواه من العلماء بغيره من الفنون من العلم، فلا يكون العالم عندنا عالما بالولاية والبراءة، ولا فقيها في الولاية والبراءة حتى يعلم أصول الولاية والبراءة التي لا تجوز مخالفتها بجهل ولا بعلم، برأي ولا بدين، فإذا علم العالم أصول الولاية والبراءة التي لا تجوز مخالفتها بجهل ولا بعلم، برأي ولا بدين، كان حينئذ عالما فقيها في الولاية والبراءة، وكان حجة في رفع الولاية لمن تولى بولايته، وجاز له حينئذ ووجب عليه أن يتولى ببصره ونظره ومعرفته، وكان حجة على من قام عليه في أمر حجج الولاية والبراءة، فيما يكون فيه العالم حجة، في أمر رفع الولاية والشهادة على أحكام البراءة، وما لم يكن العالم عالما بأصول الولاية والبراءة. التي لا تجوز مخالفتها بعلم ولا بجهل ولا برأي ولا بدين، فليس ذلك بعالم ولا بحجة معنا، في أحكام وجوب اسم العلم للعلماء، والفقه للفقهاء، ومحال أن يكون عالما جاهلا فقيها ضعيفا، هذا ما لا يستقيم ولا يستساغ
ولا يجوز.
6
-1.7 - (1/106)
صفحة 107
الاستقامة
باب
صفة من تجب له الولاية بسلامته من التدين
بدين أهل الضلال واستحقاق الولي الولاية من أهل الإقرار
وأما الاسم من الأمة، في دار يخصهم حكم ذلك الاسم، أو في جميع الدور حيثما كانوا، والذي لا يشك فيه ولا يرتاب أن من شهر له اسم الإقرار بالجملة من التوحيد، والتدين بدين النبي محمد و و و و و و وظهر منه العمل بالصالحات، ولم يظهر منه شر بدين، ولا بما يدين بتحريمه، وإنما شهر له الإقرار بجملة الإسلام، والتدين بدين النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أنه لم يصح له بذلك اسم أهل الاستقامة، لأن جميع أهل القبلة يقرون بالجملة، ويدينون بدعواهم بدين محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يرده أحد من الأمة من المقرين، وقد يدخل في اسم الإقرار بالإسلام والتدين بدين محمد النبي و الروافض والقدرية والمرجئة والمعتزلة والخوارج، وجميع أديان أهل الضلال، ويدخل في ذلك أيضا أهل الاستقامة الأمة، وكذلك من علم منه الإقرار بالجملة، والتدين بدين النبي صلى الله عليه وسلم، والولاية لأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، فإنه لا. له يصح دين أهل الاستقامة ولا يبرأ بذلك من الاختلاط والاشتراك في الأديان، إلا أنه يبرأ
الذي يستحق به المتسمي الولاية، فاسم يختص به أهل
من
بالإقرار والتدين بدين النبي والولاية لأبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ من الدخول في جملة الروافض والقدرية وجميع الشيع، بولاية أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ولا يبرأ من الاشتراك في دين المرجئة والمعتزلة والقدرية
- 107 - (1/107)
صفحة 108
والشكاك والخوارج، وجميع أديان أهل الضلال من أهل القبلة، لأن سائر أهل القبلة ينتحلون دين النبي صلى الله عليه وسلم، ويتولون أبا بكر وعمر - رضي الله
عنهما -.
فصل: وكذلك لو صح من أحد المتدينين بدين المحكمة. والشراة، وولاية أهل النهروان ومفارقة من فارقهم، ومفارقة أحداثهم على الحق من صدر الأمة، ودان بدين الشراة والمحكمة، فظهر منه العمل بالصالحات والتعبد بالخيرات، ما يرى بذلك من الاشتراك والاختلاط لأن الخوارج بصنوفها والطريفية والشعبية، يدينون بدين المحكمة والشراة، ويتولون أهل النهروان، فلا يصح لمن ظهر منه تدين بدين الشراة والمحكمة، وولاية عمار بن ياسر وعبدالله بن وهب، وجميع من مضى على سبيل الصدق من الأمة، فلا تصح له موافقة لدين أهل الاستقامة، ولا براءة من الأسماء المشتركة التي يجمعها اسم الشراة والمحكمة.
صدر
وكذلك لو صح له التسمي بدين الإباضية، وأنه من الإباضية، ما برئ بذلك من الاختلاط، لأن الطريفية والشعبية يتسمون بدين الأباضية، ويتولون جابر بن زيد وأبا عبيدة وعبد الله بن إباض، وأئمة المسلمين، ولكنه إذا صح منه التدين بدين الإباضية، والولاية لمحبوب بن الرحيل، أو لأحد من علماء المسلمين، من لدن محبوب بن الرحيل إلى محمد بن محبوب - رحمه الله - وعزان بن الصقر - رحمة الله عليهم جميعا ـ، فإذا ظهر من المتدين بدين الإباضية الشاهر عليه اسم الإباضية العمل بالصالحات والمسارعة إلى الخيرات، مع ولاية محبوب بن الرحيل، أو أحد من علماء المسلمين من بعده إلى عزان بن الصقر، ولم تدخل عليه تهمة في قول ولا عمل لدن عزان بن الصقر فصاعدا؛ إلى محبوب بن الرحيل - رحمهما الله -، من علماء المسلمين ومن جملة من صح له الاسم منهم، بما تجب به الولاية، فقد صح له اسم أهل الاستقامة الأمة من، ووجبت ولايته بذلك
من
-1. A- (1/108)
صفحة 109
حدث وكذلك من ومضوا على سبيل السلامة.
من بعد عزان بن الصقر، ومن كان في زمانه، من الدخول في أحكام البدع والبراءة من الاختلاط أو من التهم، بالتدين بالضلال من المسلمين، فأولئك سبيلهم سبيل من مضى قبلهم من المسلمين، من لدن محبوب بن الرحيل إلى عزان بن الصقر، ممن كان من أهل عصره، ممن لم تلحقه أحكام الأحداث الواقعة بعمان، من لدن الصلت بن مالك واعتزاله، وتقدم راشد بن النضر إماما في حياته، إلى الحواري بن عبدالله، فمن مضى قبل وقوع هذه الأحداث من المسلمين، ولم يصح منه دخول فيها، ولا تدين في أهلها، فهو لاحق بأحكام من مضى من المسلمين، والجملة فيه بالموافقة أن يصح منه التسمي بدين الإباضية، مع الولاية لأحد من علماء المسلمين من لدن محبوب بن الرحيل إلى عزان بن
صحيح
الله -.
لدن
الصقر - رحمهم وكذلك من صحت له السلامة في الظاهر من الحكم في أحداث أهل عمان بأحكام أهل البدع، ولم ينزلها بمنزلة أحكام أهل البدع، ولم يسر فيها ولا في أهلها ولا في المتدينين فيها وفي أهلها، بالسيرة في أحكام أهل البدع، ولم ينزلها منازل أحكام البدع، لأن أحكام أحداث أهل عمان من الصلت بن مالك إلى عزان بن تميم، والحواري بن عبدالله القاضي عليها من الأخبار، والمشتمل عليها من الأحكام أنها خارجة على سبيل الدعاوى لا على سبيل البدع، وفي الأحكام في الدعاوى إذا لم يصح باطل أهل الدعاوى فكل من أهلها ومن المتدينين في أهلها مخصوص بعلمه، فمن لم يصح منه من أهل الدعوة من أهل عمان في أحداث أهل عمان انتحال فيهم بحكم من أحكام أهل البدع، أو ينزل أهلها منزلة أهل البدع، أو يقضي في المتدينين فيها بأحكام البدع، ويلزمهم فيها أحكام البدع، ومضى على من ذلك فهو على جملة من مضى، والجملة فيه أن يصح منه التدين بدين الإباضية، مع ولايته لأحد من علماء المسلمين من أهل الاستقامة والتدين بدينه، من لدن محبوب بن الرحيل إلى عزان بن الصقر، مع موافقته
السلامة
-1.4 - (1/109)
صفحة 110
في هذه الأحداث، أن كلا من أهل الدار مخصوص فيها بعلمه، أو يظهر منه تسليم للمتدينين فيها، بالاختلاف في الولاية والبراءة والوقوف، ولا ينحلهم
في ذلك بدعة ولا تخطئة، فإذا مضت على ذلك سبيله صحت موافقته فصل: وإن ألزم في أهل الأحداث من أهل الدعاوى، ما يلزم في أهل البدع، وأنزل الأحداث التي تحتمل الصواب والخطأ، منزلة الأحداث التي لا مخرج لها من الصواب، وحكم على المتدينين في الأحداث المحتملة للصواب والخطأ بحكم ما لا يحتمل ولم يجز إلا الولاية فيهم أو البراءة أو الوقوف ودان بذلك، فقد خالف في ذلك الحق، وكان هو بذلك من أهل البدع، وكذلك إن لحقته بظاهر التهمة بذلك، أنه ترك ولاية من برئ من أوليائه من المسلمين في الحدث الواقع المحتمل للحق والباطل، والخطأ والصواب، ولم يجز إلا الولاية فيه، أو برئ ممن تولى ولم يجز إلا البراءة، أو برئ ممن وقف ولم ير إلا الولاية أو الوقوف أو البراءة، أو برئ ممن تولى و برئ، ولم يجز إلا الوقوف، فإذا صح منه ذلك حكم عليه بالبدعة والخطأ وبرئ منه بذلك صاغرا، لأنه خالف في ذلك حكم الحق المجمع عليه، لأنهم أجمعوا على ولاية المتولي والمتبرئ والواقف، في الأحداث الواقعة المحتملة للخطأ والصواب، إلا أن تقضي عليها الشهرة بأنها خطأ، كما قضت الشهرة بوقوعها، أو تقضي الشهرة بصوابها كما قضت بوقوعها، فإذا قضت الشهرة بخطأ الحدث أو بصوابه، وأجمعت على ذلك الأخبار ولم يتنازع في ذلك، فقد زال حكم الاحتمال والحق فيه في واحد.
وكذلك لو قضت الشهرة من إجماع الحاكمين عليه من المسلمين، بأن الحدث وقع على الخطأ، زالت أحكام الاحتمال ولم يكن إلا التسليم للاجماع من الحكام على باطل الحدث. وكذلك لو أجمع الحكام من الأعلام على تصويب الحدث المحتمل، لم يجز بعد صحة الإجماع على صواب الحدث، أن
يحكم في ذلك الحدث بحكم الاحتمال.
•
-11 - (1/110)
صفحة 111
فإذا صح من أحد مخالفة بحكم في مجتمع عليه، فأنزله منزلة الأحكام المختلف فيها، أو حكم مختلف فيه، فدان فيه بحكم المجمع عليه فذلك خطأ وبدعة، يبرأ منه على ذلك، فإن لم يصح منه ذلك ولم تجز عليه تهمة بذلك تظاهر عليه، فهو في حكم الظاهر محق، لاحق بأحكام السلامة في الأحداث، وإن لحقته التهمة بترك ولاية محق من أجل حكمه في ذلك، بوجه يسعه في ذلك، فترك ولاية محق في ذلك، ولحقته التهمة في ذلك، زالت ولايته ولم تصح موافقته؛ حتى يبرأ من التهمة بالموافقة في تلك الأحداث، أن كلا فيها مخصوص بعلمه، إذا كانت الأحكام فيها تخرج على سبيل أحكام الدعاوى لا أحكام البدع، ولا يحكم فيمن مضى من أهل العلم، ممن صح له اسم الموافقة في جملة أهل الأحداث بتسليم المتدينين فيها من أهل الدعوة من الولاية والبراءة والوقوف، ألا يحسن الظن، وأحكام الظاهر لهم أحكام السلامة، فمن لزمته ولاية أحد منهم، قد مضى على ذلك، فهو على ولايته حتى يعلم منه مخالفة في حكم ذلك، بغير شك ولا ريب
-111 - (1/111)
صفحة 112
باب
أحكام البراءة والشهرة ومعانيها وأحكامها
والفرق في ذلك بين شهرة الحدث والدعوى للحدث
اعلموا - رحمكم الله - أنه لا تصلح البراءة ولا تجب ولا تجوز ولا تلزم،
6
في أحكام الظاهر في أحد من الناس بعينه، في متقدم من الناس أو مستأخر أو منافق من أهل الإقرار، أو جاحد كافر، إلا بأحد معان أربعة؛ لا يعدو ذلك إلى خامس؛ إما معاينة من المتبرئ لأحداث المحدث وأعماله من جميع
ما كان من حدثه وأفعاله. وإما سماع منه بإذنه لما يخالف به الحق من أقواله وإما صحة أحد ذلك منه بتواتر الأخبار، التي لا يعارضها في حين ذلك اختلاف ولا إنكار، حتى يتناهى صحة ذلك إليه، وتقوم به الحجة عليه، ويعلم ذلك بصحة اليقين، إلى غير حد في ذلك ولا غاية من المخبرين والقائلين، سواء علم اليقين ونزوله، ومزايلة الريب ودخوله، من غير أن تكون صحة الشهرة للحدث من مدع نازل بمنزلة الدعوى، ولو كان أعظم منزلة من أهل البر والتقوى، أو تكون الشهرة في الأصل دعوى على المدعى عليه، وزورا وكذبا عليه وجورا، فإن علم الشهرة بالحق تقوم مقام المعاينة للأفعال والسماع للأقوال ويجب بذلك العلم والشهادة، كما يجب بالمعاينة
والمشاهدة.
والرابع من المعاني شهادة الشاهدين من أهل الاستقامة والولاية على المحدث بحدثه المكفر، الذي به يجب خلعه وفراقه، والبراءة منه الله، ولا نعلم أن أحدا قال غير هذا؛ أنه تجب البراءة ويصح الكفر بغير هذه المعاني
- 112 - (1/112)
صفحة 113
الأربعة إلى معنى خامس، وعلى هذا إجماع أهل العلم من أهل الاستقامة من
المسلمين.
فأما السماع والمعاينة لهذه المعاني الأربعة لحدث المحدث، فلا يختلفان ولا يختلف القول فيهما من العلم، ولا يتأول فيهما أحد من المتأولين شيئا يخالف به الحق، ولا يحتاجان إلى كلام ولا تأكيد، غير أنه من سمع فقد قامت عليه حجة السمع، ومن عاين فقد قامت عليه حجة العيان
فصل: وأما الشهرة فقد تختلف معانيها، في قلتها وكثرتها وصغرها وكبرها، ولا تختلف أحكامها وإن اختلفت معانيها، لأن من الشهرة ما يشهر في الآفاق والأمصار، والبر والبحار، وعامة الفجاج والأقطار، ومن الشهرة ما شهر في مصر دون مصر، وإقليم دون إقليم، وقطر دون قطر، وإذا شهرت في المصر؛ شهرت في جميع بلدانه وفجاجه، وأوطانه وأقطاره، ومن الشهرة ما يشهر في بلد من المصر دون بلد، ولا يشهر في كل بلد من تلك البلدان، ولا جميع الفجاج منه والأقطار والأوطان، ومن الشهرة ما يشهر في مصر دون مصر، وإقليم دون إقليم، وقطر دون قطر، وإذا شهرت في المصر؛ شهرت في جميع بلدانه وفجاجه، وأوطانه وأقطاره الشهرة ما يشهر في محلة من البلد دون غيرها من المحال، ويصح مع بعض من أهل ذلك البلد دون بعض من النساء والرجال، ومن الشهرة ما يشهر في دار من
،
ومن
محال البلد دون غيرها من الدور، وفي قصر من البلد دون غيره من القصور. وتقوم الحجة على أهله دون غيرهم بذلك الخبر المشهور، مما تجب به أحكام المشهورات.، من صحة المسموعات والمذكورات، ومدار أحكام ذلك كله واحد عند من خصه حكم ذلك
فصل: وغاية
ذلك أن وجوب
يصح عند من صح معه من أهل
الآفاق، ولو لم يجب على أحد من أهل الآفاق علم ذلك وغيره، وغاية زوال
الحكم في ذلك عمن خصه جهل ذلك، إلا أن
معه يصح علم ذلك
- 113 - (1/113)
صفحة 114
بما لا يرتاب فيه ولا يشك، ولو صح ذلك
مع
عامة أهل زمانه، من
الآفاق
والأمصار، والفجاج والأقطار، والبر والبحار. وكذلك إذا كانت الشهرة في مصر دون مصر، فلو علم ذلك وصح مع عامة أهل المصر، إلا رجلا واحدا
أو امرأة واحدة من أهل ذلك الزمان، وذلك العصر والأوان والمصر والمكان
معه
،
ما كان علم جميع أهل المصر عليه حجة، ولا له في اتباعهم في علم ذلك حجة، كذلك لو كانت الشهرة في بلد دون بلد، فشهرت مع جميع أهل ذلك البلد إلا رجلا واحدا لم يبلغه علم ذلك ولم يصح ذلك معه، ما كان علم غيره عليه حجة ولا له حجة، وكذلك لو لم يعلم بذلك الذي قد شهر مع من شهر في بعض ما قد خصه علم الشهرة فيه، مما قد تواترت به الأخبار فادته إليه؛ من الأفاق والأمصار والفجاج والأقطار، إلى بلده وأوطانه وموضعه ومكانه، كان ذلك في عصره وزمانه، أو في غيره من الأزمان مما لم يدرك وقته بعيان، ولا أدركه في زمانه إنسان، ولو كان ذلك في أيام الغرق والطوفان في عصر نوح - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم - وهود، وعصر عاد وثمود وأصحاب الأيكة وأصحاب الأخدود، أو. عصر إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم ـ وعدو الله نمرود، أو قبل ذلك من العصر والأزمان مثل آدم - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم -، وعصر ولد الجان؛ قبل أن يخلق الله آدم ـ عليه السلام -، فكل من خصه علم شهرة من الشهر، فأدت إليه علم شيء من الخير في أي عصر وزمان، وأي مصر ومكان، وأي وقت وأوان، فقد وجب عليه علم ذلك كما يجب عليه علم العيان، وعلم ما قد الأذنان، وكل من لم يخصه علم شيء من الشهر، ولو وجب علم ذلك على جميع الخلق والبشر، وكل أنثى وكل ذكر، من كل زمن وعصر، في كل بلد ومصر، وكل دار وقصر، إلا ذلك الشخص وذلك الإنسان من ولد آدم أو من ولد الجان، فغير مسئول عن علم غيره من العالمين، ولا هوادة له في تقليد أحد من الخليقة، في علم ذلك في شيء من الدين، ولو كان ذلك الحدث في بلده وقراره، وسكنه وداره، وعصره و دهره، ويومه وشهره،
عصر
وعته
-118 - (1/114)
صفحة 115
فلا حجة عليه فيما لم يبلغ من ذلك علمه إليه
،
ولا حجة له في اتباع العالمين
لذلك على التقليد لهم، كائنا من كانوا من الناس من المتقين الأخيار، أو
العلماء الأحبار، ما خلا النبيين والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين
•
فصل: ولا يجوز قبول شهرة الدعوى ولو صحت عند من صحت
عنده على وجه صحة الشهرة، إذا كانت في الأصل شهرة دعوى، ولو جهل القابل لها حكم شهرة الدعوى، لأنه لا يجوز في الأحكام ولا في شيء من أحكام الإسلام قول المدعي ولا شهادة المدعي، ولا يجوز قبول ذلك لحاكم ولا لجاهل ولا لعالم، ولو جهل أصل ذلك، فقبله على ما قد صح منه منه، فهو بقبول ذلك ظالم هالك، ولا يسعه جهل ذلك ولا ركوبه بعلم، ولا بجهل برأي ولا بدين، لأن ذلك حكمه من أحكام الدين، ومما قد جاء فيه الإجماع من المسلمين أنه لا يجوز قبول قول المدعي فيما يدعيه، ولا شهادته على ما يدعيه، فإذا ثبت أنه لا يجوز قبول قوله، ولو سمعه السامع له بأذنيه وعاينه، يدعي ذلك برأي عينه، فأحرى وأجدر أن لا يقبل قوله فيما عنه شهر، ولو كثر ذلك منه وظهر، وتواتر به الخبر وانتشر، وهذا مما لا نعلم فيه اختلافا، ولا ينساغ في عقول أهل العلم غير هذا إن شاء الله
6
فصل: ثم إن أحكام شهرة الأفعال من الأعمال الحادثة والمقال، من جميع الشهر الصحيحة، في جميع الأحوال لا تختلف أحكامها، وإن اختلفت معانيها، وهي أن يكون ذلك في الأصل صحيحا في علم الله، وعلم من شهر: عنه ذلك ومنه وعليه، ويبلغ علم ذلك) ويصح علمه عند من قد علمه وتأدى إليه، وعلمه علم اليقين، وارتفع عنه في ذلك الشك والريب، كائنا ما كان ذلك من الأحداث، فقد وجب عليه علم ذلك ووسعه، وجاز له
الحكم بذلك على حسب ما يجب عليه من علم ذلك
وأما شهرة الدعوى فتنقسم على وجوه كلها باطل لا يجوز الحكم بها، ولا العمل بها، من ذلك أن يكون أصل الشهرة دعوى ممن قالها وجهلا ممن
-110 - (1/115)
صفحة 116
قبلها، وكذبا على من ادعيت عليه وأضيفت إليه، ثم تناقلتها الأخبار حتى قامت مقام شهرة الأحداث، في الدار والآفاق والأقطار، وكل ذلك باطل
كذلك
ذلك
لا يجوز قبوله لمن قبله والعمل عليه ولا به، ولو لم يعلم ذلك القابل له أنه وصح معه من تواتر الأخبار للكذب المزوّر، على من ادعى عليه ولو كان شهرة ذلك، جرت على أذنه من أخبار الأبرار والعلماء والأحبار، والثقاة والأخيار لما قد نقله إليهم، فالقابل لذلك والعامل به كافر
هالك
فصل: ومن
ذلك أن يكون الحدث صحيحا ممن أحدثه، والعمل
الذي كان منه، ثم يصح ذلك عند من صح عنده من طريق دعوى، وممن هو نازل بمنزلة الدعوى، فلا يجوز ذلك له ولا يسعه قبوله من طريق الدعوى،
ولو كان الحدث في الأصل غير دعوى؛ إلا أنه معه هو من طريق
صع
الدعوى، فسواء ذلك، وهو بذلك بمنزلة الدعوى، ولا يجوز له قبول ذلك
ولا العمل به.
وكل نازل بمنزلة الخلاف في الدين، في ذلك الأمر الذي يشهد به ويقوله في أمر الدين والدنيا، ونازل بمنزلة اختصام في الدين لمن صح معه ذلك عنه، فهو عنده بمنزلة الدعوى، ولا يجوز قبول قوله عنده في دعواه عليه، ولو كان الذي يدعيه عليه صحيحا في الأصل، لأن جميع الخصوم مدعون
وكل مدع لا يقبل قوله ولا شهادته، وكل من لم يقبل قوله ولا شهادته، فهو خصم فيما ادعاه وقاله، فلا يجوز مثل ذلك منه من طريق الشهرة عنه، وهذا الباب يتسع فيه القول، ويطول فيه الوصف، وقد مضى في هذا الكتاب من تفسير هذا الفصل وهذا الباب، مما فيه كفاية من دعوى أهل الخلاف في الدين، على أهل الاستقامة من المسلمين في صدر الأمة، مما قد أجمع أهل الاستقامة من المسلمين، على إبطال قولهم فيه، وأنه ليس
-117 - (1/116)
صفحة 117
بحجة على من لم يص ذلك عنده، إلا من أهل الخلاف له في الدين، مما لم يصح باطلهم فيه بحكم اليقين، على لسان رسول رب العالمين، ولا في الكتاب المستبين، غير أنه قد صحت حجة المدعى عليه في الدين، بخلاف ما ادعاه عليه المدعون، فكان قولهم في ذلك دعوى منهم، مع من علم ذلك الحق من المدعى عليه، ومن لم يعلم ذلك وكان قبول ذلك ممن ادعاه، ولو شهد ذلك وظهر باطلا، لا يجوز قبوله لأحد من العالمين، إذ كانوا في الأصل مدعين في حكم دين! الله رب العالمين، ولو لم يعلم العالم بذلك من قولهم أنهم نازلون بمنزلة المدعين، فلا يجوز قبول ذلك منهم لعالم ولا لجاهل من غير أن يصح في حكم اليقين باطلهم، مع من علم ذلك منهم، إلا أنهم في الأصل في علم الله، وعلم أهل دينه المتقين، خصما للدين وأهله، في ذلك الأمر الذي ادعوه وقالوه، على من كان في ظاهر الأمر محقا؛ في حكم دين الله المسلمين. كذلك كل نازل بهذه المنزلة في حكم الدين، فقوله باطل وهو من المدعين، ولو كان المدعى عليه من المبطلين في الدين، في غير هذه الدعوى من المدعين فلا يجوز قبول المدعى عليه كائنا من كان المدعين، لأن من أحكام الله - تبارك وتعالى - لا تختلف في العالمين، وما لم يجز في حكم دين
،
ودين
الله
من قبل طريق الأحكام في المحقين، لم يجز في المبطلين، وما جاز في المبطلين
جاز في المحقين من طريق الأحكام في الدين
فصل: ولو أن مبطلا في الدين ادعى على مبطل في الدين دعوى من
جميع الدعاوى، وهو في علم الله صادق، غير أنه في حكم الدين من المدعين، لم يجز قبول قوله لعالم ولا لجاهل، إلا لمن علم كعلمه، من جميع وجوه الدعاوى، في ذات الدين والدنيا، على ذلك أجمع أهل القبلة، وجاءت بذلك السنة وصحيح التأويل، وإنما خالف أهل الضعف والعمى من طريق خطأ التأويل، لأنه من المحال أن يكون أحد لا يجوز قوله
ذلك
ولا شهادته في أمر، وهو يعاين ويسمع ويقبل من تظاهر خبره ذلك
- 117 - (1/117)
صفحة 118
فصل: وإذا كانت الشهرة في الأصل في دين الله وفي علم الله وفي
6
والقول فيه
،
حكم دينه شهرة دعوى، لم يجز قبولها والعمل بها، جهلها الجاهل لها أو علمها، وهي باطل لا يجوز، ولا حجة لمن قبلها بجهله ولا بعلمه، علم الأصل الذي يكون به دعوى، أو جهله، فذلك كله سواء واحد، وإذا كانت الشهرة شهرة حق في أصل دين ا الله، وفي حكم دين الله ولم يكن باطلا ولا دعوى، ولا من أهل الدعوى، فلا. يسع جهل العمل بها، ولا جهل قبولها من قامت عليه الحجة بها، ولو كان ذلك إنما صح من حيث يرى أنه دعوى وأنه لا يقبل ممن جاء به، وممن شهد به وقال به وشهر
عنه
•
فصل: ولو نشأ ناشيء في العراق أو في غيره من الأمصار، فتظاهرت منه الأخبار من جميع أهل المصر أن عليا بن أبي طالب قتل أهل النهروان على الحق، وأنهم مبطلون في محاربته وفي اعتزاله، ولم تبلغه الأخبار في أصل ما يحاربوا عليه، ولا على أصل ما اعتزلوا عنه فيه، إلا أنه شُهر هذا في جميع أهل المصر، وأن عليا هو المحق في قتل أهل النهروان وهم المبطلون، فقبل هذه الشهادة وبرئ من أهل النهروان على هذه الشهرة، كان عندنا بذلك قابلا لما لا يجوز له قبوله، وهالكا بذلك، ولو لم يعلم غير ذلك، وظن أن ذلك جائز له، إذ قد أجمع على ذلك جميع من سمعه ولم يسمع لما سمعه من ذلك مغيرا ولا منكرا ما وسعه ذلك، ولا كان ذلك له حجة، لأن أصل الحكم فيما قضت به الشهرة، وقامت به الحجة من إجماع أهل الحق وهم الأمة، أن عليا بن أبي طالب حاد عن سبيل ما كان عليه من حجة الله، وأن أهل النهروان ثبتوا على الأصل الذي كان عليه وتقدم عليه وحارب عليه، وسفكت عليه دماء المسلمين، وأهل الحق والمجمع على ولايتهم وحقهم، كان على سبيل الحجة في ظاهر أمره؛ فهو المحق في ظاهر أمره، ولو كان مبطلا في سريرته، ومن حاد عن سبيل الحجة كان مبطلا في حكمه، إذا حكمت عليه الحجة بذلك أو فارقته على ذلك، أو قتلته على ذلك أو حاربته
ومن
-11 A- (1/118)
صفحة 119
على ذلك، فكل ذلك مما يقيم عليه الحجة ومما يثبت عليه النكير، لأن إظهار النكير حجة وتركه حجة، وقد أظهرت الحجة عليا بن أبي طالب بالنكير بمفارقتهم له، واعتزالهم عنه، ومحاربتهم له، إذ أراد حربهم على ذلك، وبالواحدة من ذلك تقوم عليه الحجة، ولو كان محقا واحتمل حقه وباطله، فإنكار الحجة عليه مزيل لعذره، موجب لضلاله وكفره، موجب لحق المنكر عليه إذا أنكر عليه ما هو له في حكم الظاهر أن ينكره عليه، ولو كان إنكاره ذلك عليه باطلا في السريرة، ولو علم بذلك من علم، أن ذلك كان باطلا، فإن ذلك عليه أن يحكم به في السريرة، ولا يجوز له أن يقضي به في حكم العلانية، فإن دعا ذلك على الحجة كان مبطلا على الحجة، ولا يقبل منه ذلك أبدا، كان المدعي لذلك مائة ألف ألف وواحد، ولو شهدوا بذلك قطعا وسمع ذلك من سمع. سماعا، كان ذلك باطلا في الحكم، ولم يجز له أن يقبل ولو جهل حكم قبول ذلك ورده وجهل حكم الحجة من وكذلك الشهرة بذلك خارجة على حكم الشهادة والسماع،
منهم
ذلك،
الدعوى
،
،
ولا ينتفع بكثرة عدد المدعين، والواحد منهم والألف سواء، فلا تقبل دعواه ولا تجوز شهادته، كائنا ما كان، وكائنا من كان، وكلما كثر ذلك منه أو من القائلين كقوله والراوين لقوله، والشاهدين على قوله أو على مثل قوله، فكل ذلك سواء، ولا ثبوت لقول مدع في دعواه بوجه من الوجوه، ولا في معنى من المعاني، والمحق عند الله هو المحق عنده في علمه، ولا يكلف العباد علمه في عباده، ولا يوسع لهم بحكم علمه في عباده، وأن يتعاطوا في عباده حكم علمه وهذا من المحال
فصل: والمحق في حكم دين الله وعند الله، هو المحق في حكم دين الله، بما قامت به الحجة في دين الله له أنه محق، وكذلك من قامت عليه الحجة في حكم دين الله أنه مبطل، فهو مبطل لا يتحول إلى حكم الحق إلا عند من علم كذب الحجة التي قامت عليه، ولن يكون محقا أبدا بتكذيب الحجة في ظاهر الأمر، الذي قد حكم لها الحق بالحجة هذا من المحال والكذب
،
-114 - (1/119)
صفحة 120
والضلال
فلا بد من أحد أمرين في أمر علي بن أبي طالب وأهل النهروان، في علم الله - تبارك وتعالى -، ولسنا نتعاطى ذلك، ولن نقول بالحكم فيه أنه إن كان علي بن أبي طالب هو المحق فيما دخل فيه، مما حاد فيه عن سبيل ما اجتمع عليه هو والمسلمون، مما يحتمل له في ذلك مخرج من مخارج الحق في سريرته، ولم نعلم بذلك المنكرين عليه، مما توسع به من العذر، فليس له أن يقيم على ما يكون به مبطلا، بعد إقامة الحجة عليه، ولا حجة المبطل في حكم الحق على من أنكر عليه باطله، لما خصه هو علم من ذ ذلك، فهو المبطل على حال في حكم الحق في السريرة والعلانية، ولا تنفعه سريرته عند إبطال حكمها بالقيام من المنكرين عليه لضدها، فالحجة حجة على كل حال، وقبولها هو الحجة وتصويبها هو الحجة، وإما أن يكون علي بن أبي طالب مبطلا في سريرته وعلانيته في مفارقة سبيل الحجة، فالقول واحد والحجة عليه أثبت، والحجة القائمة عليه هي الحجة وليس عليها حجة، ولا يجوز قبول من ادعى ذلك أبدا بقول ولا شهادة قل أو كثر، ولا حجة لمن قبل
غير ذلك، ولا يصح
ذلك
من قابله
فصل: وإما أن يكون علي بن أبي طالب محقا فيما دخل فيه،
مما يحتمل فيه حق، ما دخل فيه عند من عرف ذلك منه، والمنكرون عليه عالمون بعذره، خائنون الله في قطع حجته، وهم يعلمون ثبوتها ووجوبها في أحكام السريرة له، وخانوا الله في ذلك، وقاموا بالحجة في موضعها، وهم يعلمون باطل ما قاموا به، فيكون علي بن أبي طالب في حكم السريرة عند الله، وعند الحجة التي قامت عليه بذلك محقا، وعند من صدق الحجة، وحكم بأحكام الحجة، وأثبت أحكام الحجة مبطلا، ومن ضاد الحجة وحكم بإبطالها أو عاداها، أو قبل من المدعين عليها أو فيها غير ما قامت لها به الحجة في الدين كان مبطلا، كائنا من كان وكائنا ما كان، إلا من علم باطل الحجة
محقا
- 120 - (1/120)
صفحة 121
وحق المحجوج، فعليه أن يحكم بذلك الله في سريرته، ولا يظهر ذلك في علانيته، فمتى أظهر ذلك كان مدعيا في حكم دين الله عند جميع من تعبده الله
بدينه، كائنا من كان وكائنا ما كان، إذا كان مدعيا في أصل. الله دين، فيما به عباده في الحجة وللحجة
تعبد الله
فصل: وكل حجة الله في دينه نزلت بمنزلة الحجة في وقت ما يكون فيه حجة، وهي حجة في موضعها الله في دينه، وعلى جميع من تعبده الله من عباده بدينه ذلك وشريعة دينه ذلك، ولا تتحول إلى غير ذلك عند من أدركها أو لم يدركها، عرفها أو جهلها، فليس له أبدا مخالفة حجة الله بعلم ولا بجهل، برأي ولا بدين، ولن تتحول أحكام الشهرة بثبوت الحجة في أمر من الأمور إلى إبطال حكم الشهرة فيه ولا إبطاله؛ ومحال ذلك، ولن يجوز أن تجري عليه أحكام السريرة، أو يضاد أحكام السريرة ولا أحكام الشهادة على إبطاله في حكم صحته.
كذلك القول في عثمان بن عفان وطلحة والزبير ومعاوية بن أبي سفيان، القول فيهم واحد، وفيما قضت لهم الشهرة وعليهم، وما قامت به الحجة لهم وعليهم في حكم دين الله، وأجمع على ذلك حجة الله فلن يتحول ذلك إلى غيره، ولو أجمع أهل مصر أو أمصار على خلاف ذلك، ولم يعلم من صح معه ذلك الإجماع غير ذلك، ولن يجوز حكم الشهرة على الدعوى ولا بالدعوى ولا من المدعين بما تكون الشهرة نازلة بمنزلة الدعوى، أو دعوى على أهل الحق فيما قامت به حجتهم على خصمهم ولو سلف ذلك فيما مضى من حكمهم
فكل شهرة جرت تخرج مخرج الدعوى، فأصبحت دعوى كفر أحد أو إيمانه، على سبيل ما يخرج في أحكام دين الله مخرج الدعوى، فليس لأحد قبولها ولا العمل بها، من جميع من جرت ومن جميع من شهرت، والقابل لها والعامل بها هالك بذلك، جهل ذلك أو علمه، ولا يسعه جهل قبول الباطل
- ITI- (1/121)
صفحة 122
في ولاية ولا براءة، فالحجة التامة في حكم الظاهر الثابتة على سبيل النبي صلى الله عليه وسلم
قتلة
وسبيل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما ـ، هم عفان الدار ومحاربو طلحة والزبير يوم الجمل، ومحاربو
عثمان
بن
يوم
معاوية بن أبي سفيان وحزبه أيام صفين، ومحاربو علي بن أبي طالب يوم النهروان، فجميع من مضى على هذا السبيل، ولم يغير ذلك السبيل ولم يبدله ولم يزغ عنه بقول أو عمل، أو رأي أو دين أو محاربة أو مسالمة إلى يوم القيامة، فهو الحجة التامة القائمة لله بالحق والقسط والعدل، وكل من خالف أهل هذا السبيل مذ خلق الله - تبارك وتعالى - السماوات والأرض إلى يوم القيامة، برأي أو بدين، بقول أو عمل، في محاربة أو مسالمة، فهو مدع محجوج؛ لا حجة منه ولا له في دين الله، على حجة الله التامة إلا فيما خصه من حكم المخصوصات دون حكم جملة العام
فصل: فكل خارج أو قاعد أو محارب أو مسالم، أو إمام أو حاكم أو ضعيف أو عالم، صحت له الاستقامة على سبيل حجة الله في أرضه على عباده، فهو الحجة التامة فيما جعل الله له ذلك من في دينه، وكل مخالف للحجة فهو محجوج مقطوع العذر في حكم الظاهر فيما تعبد الله به عباده إلى يوم القيامة، فالحجة الماضية هي حجة باقية ليس لمن جهلها أو علمها مخالفتها ولا التقدم بين يديها بنقضها، ولا بمخالفتها ولا إبطال ما أوجب الله لأهلها من حقها في دينه، علم ذلك المتعبد بذلك أو جهله، إذا خصه حكم مخصوصها أو عمه حكم معمومها.
فصل: فلو نشأ ناشيء يقدم من أرض اليمن، فوجد إجماع الكلمة من أهل العلم والخاصة والعامة؛ على أن هارون بن اليمان هو المحق، وأن محبوب بن الرحيل هو المبطل فيما اختلفا فيه في الدين، وظهر من اختلافهما في الدين، ووقف هو على ما اختلفا فيه أو لم يقف، غير أنه وجد تأكيد الكلمة، وتظاهر الشهرة من الخاصة والعامة على هذا، فبرئ من محبوب بن الرحيل
- IYY- (1/122)
صفحة 123
على هذا، كان بذلك هالكا، ولم يسعه جهل ذلك ولو لم يعلم أن ذلك باطل، ولا أن تلك الشهرة شهرة دعوى من مدعيها في الإسلام وعلى أهل الإسلام، ولو لم نسمع قط من ينكر ما سمعه من تأكيد الكلمة في زمانه، من أهل مصره وعصره. فلا يسعه ذلك، وهو هالك بذلك، ولو لم يكن له عند
C
الله - تبارك وتعالى - ذنب إلا براءته من محبوب بن الرحيل - رحمه الله ـ على
هذا
فصل: وكذلك لو نشأ ناشيء بخراسان أو غيرها من أرض الخوارج، فوجد تأكيد الكلمة من أهل مصره وعصره على تصويب نافع بن الأزرق وحزبه، وعلى إبطال أمر عبد الله بن إباض وحزبه، ولم يعلم غير ذلك ولا سمع لذلك مغيرا ولا دافعا ولا منكرا، فيرى من عبدالله بن إباض على هذا السبيل، كان هالكا، ووقف على ما اختلف فيه نافع بن الأزرق وعبد الله بن إباض، أو لم يقف على الحكم في ذلك، أو جهله
كذلك كل مخالف لامام من أئمة المسلمين في الدين، اتبعه على ذلك من اتبعه، فشهدوا له بالصواب، وعلى إمام المسلمين المحق بالباطل، فقبل ذلك قابل من عالم بذلك أو جاهل، وبرئ من المحق بذلك، فهو هالك، وكل هذا الباب يجري مجرى شهرة الدعوة، وهذا الباب يطول وصفه، وقد مضى منه ما في بعضه كفاية، مجملا ومفسرا إن شاء الله
فصل: ومن شهرة الدعوى أن يكون الحدث في الأصل حق ممن أحدثه وهو كفر مما يكفر به محدثه من الإنكار، فما دون ذلك من أحداث أهل الإقرار من ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر، فيتعلم ذلك منه من علمه من الخواص والعوام، أو الضعاف أو الأعلام، فيبرأون منه على ما قد علموا حدثه الخاص لهم علمه، دون أن يشهر. حدثه عند من شهر عنده براءتهم منه، وإنما بلغ إليه شهرة براءة المتبرئين منه على حدثه الذي قد أحدثه في علمهم، فلو شهرت البراءة منه من جميع أهل الأمصار، من أهل الاقرار
منه من
- 123 - (1/123)
صفحة 124
والإنكار والأبرار والفجار والضعاف من أهل الاستقامة والأخيار، ما كانت تلك الشهرة بموجبة على من علمها البراءة من هذا المتبرأ منه، ولا بموجبة له البراءة منه، فإن برئ منه على هذا متبرئ، وقبل هذه الشهرة وحكم بها، كان هالكا مقطوع العذر إلا أن يتوب
•
فشهرة الخلع من الخالعين والبراءة من المتبرئين، لا توجب علم كفر المتبرأ منه، ولا تجيز للعالم بتلك الشهرة البراءة منه، وتكون البراءة منه على هذا تقليدا للمتبرئين منه، قلوا أو كثروا، من واحد أو مائة ألف أو يزيدون. إلى ما لا غاية له ولا نهاية، كائنا من كانوا وكائنا ما كانوا.
،
كذلك لو بريء منه على حدثه ذلك، الذي لم يصح مع العالم بالبراءة منه من المتبرئين، مائة ألف فقيه أو يزيدون، مثل أبي بكر وعمر من الصحابة - رضي الله عنهم -، ومثل موسى بن علي ومحمد بن محبوب ـ رحمة الله عليهما - من العلماء، ما جاز له ولا وسعه أن يبرأ منه كبراءة المتبرئ منه من غير علم منه بحدثه، ولا بموجب علم حدثه من معاينة لحدثه، أو سماع منه لحدثه أو شهرة تصح حدثه، أو شهادة توجب الحكم بصحة حدثه، فإن برئ منه متبرئ على هذا، كان هالكا إلا أن يتوب. وهذا هو حكم براءة التقليد إذا برئ كبراءة المتبرئ، وشهد كشهادة الشاهدين، ولا يجوز التقليد ولا يحل في الدين إلا لأنبياء الله ورسله - صلوات الله عليهم -، فيما والناسخ غير المنسوخ، مما لا يجري على وجه الغلط ولا مما يلقيه الشيطان على ألسنتهم، فإنه قد قال الله - تبارك وتعالى -: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا ـ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَحُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمُ لَيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةَ لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَالْقَاسِيةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أوتُوا العلم أنه الْحَقِّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتَخْبَتَ لَهُ قُلُوهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ
يجوز فيه التقليد لهم من المحكم غير المتشابه
منهم،
6
- IYE - (1/124)
صفحة 125
مستقيم) (1)
،
ونحن على تصديق قول الله من الشاهدين ولو كره الكافرون والمنافقون، وتأول في ذلك المتأولون، فنحن نؤمن بهذا من قول الله - تبارك وتعالى - أنه كذلك، وأن ذلك لا يجوز أن يقتدى به من الأنبياء والرسل، وأن ذلك فتنة لمن اقتدى به وقبله وأن الله ناسخ لذلك كما قد وعد - تبارك وتعالى ـ، وليعلم الذين أوتوا العلم أن ذلك الحق على ما قد ابتلى الله خلقه به وعباده، فيؤمنوا بذلك فتخبت له قلوبهم ولا ينكرونه، ولا يتأولونه على غير تأويل الحق، وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم، في جميع ما اختلف فيه المختلفون، وفي جميع ما افتتن به المفتونون.
فصل: ومن شهرة الدعوى أن يشهر ويظهر على ألسن العوام من أهل الإقرار وأهل الإنكار، والضعاف من المسلمين كفر المحدث، والشهادة منهم عليه بالكفر والنفاق والبغي والشرك، أو شيء من الأسماء، من غير أن يشهر حدثه الذي يكفره، أو يوجب عليه البغي والفسق والنفاق، ولا يصح في الشهرة حدثه ذلك الذي يوجب عليه ذلك، فلو شهر هذا على أحد في جميع الأمصار والآفاق على هذا الوجه، ما كان ذلك موجبا عليه البراءة، ولا جاز لمن علم ذلك أن يبرأ منه ولا يحل ذلك، فإن هذا يخرج مخرج الدعوى وشهرة الدعوى، لأن ذلك لا تجوز الشهادة فيه ممن شهر منه، وإنما يصح كفره وتجب البراءة منه، ويحل إذا شهر ذلك من حكم الاعلام عليه والإجماع منهم في ذلك عليه، فإذا شهر ذلك من الاعلام بالشهادة عليه، وشهر الحكم منهم بذلك عليه، وأجمعوا على ذلك، ولم يختلفوا وصحت الشهرة بذلك من إجماعهم وحكمهم بذلك عليه، كان ذلك مما يصح به كفره، ومما تصح به الشهرة لكفره وبغيه فإن جاءت الشهرة بالاختلاف من أهل العلم، من أهل الاستقامة فيه بالاختلاف، ولم يجتمع على تلك الكلمة من المسلمين واختلفوا
6
1 - الآيات (52، 53، 54 سورة الحج.
- 125 - (1/125)
صفحة 126
كان ذلك مما يزيل حكم الاجماع على صحة كفره وبغيه وفسقه ونفاقه، وإذا صحت الشهرة من الأعلام والعلماء من أهل الاستقامة والإسلام بالشهادة والحكم، على أحد من الناس بعينه بالكفر، أو الفسق أو النفاق أو البغي، كان ذلك مصحا لكفره ونفاقه، ووجب علم ذلك على من. علمه، ووجبت البراءة بذلك، ولو لم يصح حدثه الذي أكفره وأوجب عليه البغي، لأن الحكم من العلماء حجة، إذا أجمعوا على ذلك ولم يختلفوا، وليس هذا بتقليد، وإنما يخرج هذا مخرج الشهادة، فقد شهرت صحة الشهادة عليه من الأعلام بكفره وبغيه ونفاقه وفسقه، وهم الحجة في ذلك، ولو شهدوا به، ذلك منهم كانوا حجة بذلك، وكذلك شهرة ذلك عنهم إذا صحت، تقوم مقام الشهادة وسماع الشهادة، لأن ذلك إجماع منهم على الحكم في
وسمع
الأحداث
وهم
الحجة
فصل: وإذا لم يصح الحدث الذي عليه حكموا به بالغي والكفر والنفاق، وصح الإجماع بغير مناكرة، على الحكم عليه بالبغي في حدثه، كان ذلك حجة من الإجماع من المسلمين، وإن اختلفوا كان ذلك مزيلا لعلم الإجماع وصحة الشهرة، وكانت الجماعة من المسلمين في اختلافهم في ذلك الحدث المحكوم عليه والمختلف فيه، محقين جميعا وفي الولاية، ولا يكون ذلك من الجماعة والعلماء اختلافا في الدين، وإنما ذلك اختلاف في الدعاوى إذا كانوا في ظاهر الأمر محقين جميعا في سائر الأحكام، فيما اختلفوا فيه من حق هذا المحدث وباطله، لأنهم أهل حق، وتتكافأ شهادتهم فيما تكون فيه متكافئة في الشهادات، ويكونون جميعا محقين عند من علم اختلافهم في الشهادة، ولم يعلم الحدث الذي عليه، وفيه اختلفوا ولا يصح معه ذلك فصل: ولو كان أحد الفريقين المختلفين قد أبطل في الدين بغير هذا
الدين
الوجه قبل ذلك، وكان خصما للمسلمين في الدين، أو منخلعا عن بوجه من الوجوه، وعلم بذلك من علم اختلافهم، إلا أنه جهل مخالفة.
من
- 126 - (1/126)
صفحة 127
خالف
من الفريقين، وانخلاع من انخلع من الفريقين بجهله، ولم يعلم الحدث المختلف فيه من الفريقين، كانت الحجة حجة المحقين من المختلفين، ولا حجة لمخلوع ولا لمخالف في الدين بوجه من الوجوه، على محق في الدين، ولا فيما قام به من الشهادة والحكم في الأحداث ولا في الدين، ولو كان المحق في حكم الظاهر خائنا الله في سريرته، وشاهدا بالزور على من شهد عليه وحكم عليه، فالإجماع من المحقين على الحكم بالحق الظاهر فيما يحتمل فيه صوابهم حجة، والمدعى عليهم من خصمائهم في الدين زائل الحجة، ولا حجة له ولا منه، ولو كان هو المحق في سريرته، فهو المدعي في علانيته، وإذا اختلف في الحكم في الحدث والنكير على المحدث، العلماء المحقون والعلماء المبطلون المدعون على المحقين، ولم يعلم من علم ذلك أصل الحدث الذي اختلفوا فيه، فالحجة هم العلماء المحقون، والحكم ما أجمعوا عليه وحكموا به، وأثبتوه حكما على المحدث. وإذا اختلفوا كان ذلك اختلافا، وزال عمن علم ذلك من اختلافهم حكم الإجماع، وكان مختلفا فيه، ولن يصح في ذلك على الاختلاف كفر المختلف فيه ولا بغيه، إلا عند من خصه علم حدث المحدث، أو علم صواب أحد الفريقين وخطأ الآخر، وإلا فليس يصح بذلك حكم كفر المحدث لاختلاف العلماء في حكم
منهم
حدثه
فصل: وإنما يكون الاختلاف من العلماء مزيلا لأحكام الشهرة، إذا لم يصح الحدث الذي لا مخرج لمحدثه من الباطل ولا من الكفر، أو إذا صح من المحدث، وهو مما يحتمل الحق والباطل، فإذا احتمل الحدث
الحدث
الحق والباطل، فاختلف في حكمه العلماء، ولم يتفقوا على صوابه ولا خطئه، بطل حكم الإجماع فيه، وزالت صحة الكفر والبغي بحكم العلماء، ولم يكن ذلك موجبا للشهرة لأن أحكام الشهرة ما لا يختلف فيه، وكان الحكم فيه بالمخصوص ممن خصه علم الحدث أو علم صدق المختلفين.
- 127 - (1/127)
صفحة 128
وإذا لم يصح الحدث أو صح الحدث مما يمكن، فهذا حكمه، والكل فيه مخصوص بعلمه، ولا تقوم بصحة شهرة حكم أحد الفريقين من العلماء بكفره وبغيه، حجة لمن بلغه ذلك ولا عليه، وليس الحكم فيه إلا بمخصوص علمه، كائنا. من كان. من أهل العصر والزمان، وممن حدث بعد ذلك في جميع الأزمان.
فصل: وإذا لم يصح الحدث، أو صح محتملا للحق والباطل والخطأ والصواب، فاختلف في ذلك علماء المسلمين وضعافهم، فصح الإجماع من العلماء على بغيه أو كفره بحدثه، الذي لم يصح مع من صح معه الإجماع من العلماء على كفره، وحكمهم عليه بذلك، وصح من ضعاف المسلمين خلاف ذلك، كان الضعفاء مدعين على العلماء لأن العلماء هم الحجة في الأحكام فيما يحدث من أحكام الإسلام.
نصل: ولو اختلف أهل الخلاف وضعفاء المسلمين الذين لا يكونون حجة في الدين والحدث، مما يحتمل الحق والباطل أو مجهوله، فلا يصح بإجماع العوام والضعفاء من المسلمين في ذلك حكم، ولا يكون اختلافهم اختلافا، والحدث بحاله مع من بلغ إليه علم الحدث محتملا للحق والباطل والخطأ والصواب، كان هو الحاكم فيه لما يلزمه، ومسئولا فيه عما علمه
6
وليس حكم الضعفاء والعوام مما يثبت الأحكام إذا كان الحدث محتملا للحق
والباطل، ولم يصح مع من صح معه الإجماع.
وليس اختلاف الضعفاء والعوام اختلاف، ولا إجماعهم بإجماع، إذا اختلفوا فيما لا يكونون فيه حجة وأجمعوا على مثل ذلك
والاجماع من العوام والضعفاء على صحة الحدث موجبا ذلك لصحته،
لأنهم الحجة في الأخبار، لأن الأخبار الواقعة لا تحتاج إلى تفسير ولا حكم. فالشهرة من العوام تصح، ذلك ما لم يختلف فيه وليست الأحكام مثل ذلك
6
- IYA- (1/128)
صفحة 129
باب
البراءة في الظاهر ووجوه
الأحداث
والشاك في ذلك والمتولي عليه
والحكم في المصر والأسماء
وأما البراءة في الحكم بالظاهر، فإن براءة الشريطة كافية للعبد في جملة دينه، وبراءته في الشريطة على ما وصفنا، عما يلزمه من البراءة في حكم الظاهر، حتى تقوم عليه الحجة بمعرفة كفر أحد من الناس بعينه، في حكم الحقيقة على ما وصفنا من حكم الحقيقة، أو يصح معه كفر أحد من الناس بعينه في حكم الحقيقة، على ما وصفنا من حكم الحقيقة، أو يصح. معه کفر أحد. من الناس بعينه في حكم الظاهر، وإلا فهو سالم أبدا ببراءة الشريطة في جملته من، في ترك براءة الحكم بالظاهر، وليس له ولا عليه بحث
الهلكة
ولا سؤال عن أحد من الناس، ما لم يعاين من أحد أو يصح معه فيه ما يصح به حدثه، الذي يستحق به كفره، والبراءة منه بما لا يسعه جهل معرفة كفره، أو تقوم عليه الحجة مع علمه بحدثه، بعلمه بحكم الحدث الذي ركبه، من وجه ما تقوم عليه الحجة، وإلا فهو سالم أبدا ببراءة الشريطة، ما لم يتول في حال جهله بذلك، أو شيء منه في جملة الخليقة؛ عدوا الله، قد استحق عنده البراءة في حكم دين الله بوجه يخرجه ذلك الحدث من الايمان إلى الكفر فيتولاه، بجهل أو بعلم أو بدين يدين به من ولايته، أو يبرأ من أحد من المسلمين برأي أو بدين، أو ممن لا يستحق البراءة من الخليقة، من أجل براءة المتبرئ من ذلك المحدث، فبرئ منه بدين أو برأي من أحد من العلماء برأي أو بدين، أو وقف عن أحد من المسلمين ضعيف أو عالم بدين، أو وقف
6
- 129 - (1/129)
صفحة 130
عن عالم من علماء المسلمين برأي أو بدين، من أجل براءته من ذلك
المحدث،
فإذا فعل ذلك الضعيف المسلم، لم يسعه ذلك وكان هالكا بذلك، ولو لم يتول المحدث، فإذا برئ ممن برئ منه ممن لا يستحق البراءة، من أجل براءة المتبرئ من ذلك المحدث بدين، أو وقف عن من
الخليقة
مسلم قد استحق معه الولاية ضعيف أو عالم بدين، أو وقف عن عالم من علماء المسلمين برأي أو بدين، من أجل براءتهم من ذلك المحدث؛ فقد هلك فصل: وكذلك إن كان الحدث الذي ركبه المحدث مما لا يسعه جهل معرفته، وكان مما تقوم الحجة به من حجج العقل من جميع الأحداث، التي لا يسع جهل معرفتها، فإن البراءة من راكب ذلك الحدث الذي لا يسع جهل معرفته، ويقوم علم معرفته من حجة العقل من أي الأحداث كان ذلك الحدث، فعاين ذلك معاين من محدثه بعينه، فقد قامت عليه الحجة بمعرفة ضلال راكبه، إذا كانت تقوم عليه الحجة بمعرفة ذلك الحدث من حجج العقول دون العبارة، فلا يسع المعاين لمحدثه أو السامع لمحدثه بحدثه، أن يجهل علم ضلاله وعلم حدثه، وخروجه من حال الطاعة إلى المعصية أو الإيمان إلى الكفر في دين الله، أو الرضى إلى السخط في دين الله، أو الثواب إلى العقاب، فإذا علم ذلك بأحد هذه الوجوه، فأخرج ذلك المحدث من حال ولاية الله، إلى عداوته أو من حال رضاه إلى سخطه، أو ثوابه إلى عقابه، أو من حال الهدى إلى الضلال، أو من حال الإيمان إلى الكفر، أو من حال الطاعة إلى المعصية، ولم يثبت لذلك المحدث الذي عاينه بحدث ذلك الحدث، ولم يشك في ضلاله أو كفره أو معصيته، أو سماه أو نحله شيئا من الأسماء لمستحقها المحدث، فقد فعل ما يجزئه من ذلك ويسلم به، ولو لم يبرأ من المحدث ولم يعرف حكم البراءة بعينها، ما لم يعرف المراد من اسم البراءة والخلع والفراق، أنه إنما يراد به حال السخط من الرضا، والبغض من الحب، والعقوبة من الثواب، فإذا سمع بذلك أو خطر بباله، أو دعي إليه في هذا المحدث، الذي قد عاين منه ما لا يسعه معرفته، كان عليه علم ما خطر
- 130 - (1/130)
صفحة 131
بباله من
المحدث
ذلك، أو سمع ذكره أو دعي إليه، فإذا كان قد علم من وهذا مما يجري في أحكام
ذلك الحدث، الذي وصفنا من الأحداث ما لا يـ جهله في موضعه إن شاء الله، يسع.
6
أو بما فتح الله منه
•
- 131 - (1/131)
صفحة 132
باب
معرفة أحداث المحدثين وولاية الرأي وبراءة الشريطة، ومعرفة وقوف الرأي والسؤال في جميع المحدثين ومعرفة أحداث المحدثين وما يلزم في ذلك من الأحكام
هذا الأمر على وجوه،، فأما ما كان من الأحداث التي لا جهلها،
يسع
من إنكار الجملة أو شيء منها أو الشك فيها، أو في شيء منها من الجملة، فإذا كان الحدث من المحدث في إنكار الجملة أو شيء منها أو الشك فيها أو في شيء منها، أو الانكار لشيء من تفسيرها مما يخرج من تفسير الجملة اللاحق بها، من التوحيد أو الوعد والوعيد، فإذا أنكر شيئا أو شك في شيء من ذلك، مما لا يسعه الشك فيه ولا الجهل له، إذا خطر بباله أو سمع بذكره وعرف معناه، فكذلك إذا أتى المحدث شيئا من ذلك، فلا يسعه جهل معرفة ضلاله ولا الشك فيه، وغير مُنفس في السؤال عنه، وعلمه واجب عليه من حين ما يعرف ذلك منه، ويعرف معنى ذلك، وكذلك إذا خطر بباله أو سمع بذكر من يجحد شيئا من ذلك أو ينكره أو يشك فيه أو في شيء منه، فلا جهل معرفة ضلاله وخطئه، فهذا وجه من وجوه معرفة الأحداث
المحللات
يسعه
من دين
وأما ما أتى المحدث مما يسع جهله، أو ما تقوم الحجة فيه من السماع، فيما استحل المحدث من ذلك من المحرمات، وحرم من الله، والعالم بحدثه ذلك علم بحرمة ما استحل المحدث من الحرام، وحلال ما حرم المحدث من الحلال في دين الله، مما لا يختلف فيه أنه من دين الله من كتابه، أو سنة نبيه، أو إجماع المسلمين، فإذا علم ذلك العالم؛ ضاق عليه
- 132 - (1/132)
صفحة 133
الشك في المحدث ولم يسعه إلا المعرفة لضلالته، لأنه لا يسعه جهل من شهد عليه بالضلال في دينه، ويحادد الله - تبارك وتعالى - في استحلال ما حرم، وتحريم ما أحل وإذا وسعه الشك في هذا؛ وسعه إلا أن يعرف أهو مصيب في الدين الذي هو عليه ويدين به، أو غير مصيب، ولا يسعه ذلك أن يدين
6
بما يشك فيه أهو صواب أم لا، وإذا لم يسعه أن يدين بالشك لم يسعه أن يشك
فيمن جحد دينه الذي لا يسعه؛ إلا أن يعلم أنه صواب ولا يشك فيه
الحدث
•
وقد قال من قال: إنه لا يضيق عليه الشك في هذا، ما لم يتضح له علم ذلك، وبين له صواب ما يحكم به من علمه، والقول الأول هو الأكثر، وعليه أكثر العمل من علماء المسلمين، فإذا وسعه الشك في ذلك بعد أن علم من المحدث مما لا يشك فيه من علمه، وعلم أنه محرم الحلال من دين الله، أم مستحل الحرام من دين الله، فلا يجوز معنا له على شكه هذا، إلا اعتقاد السؤال عما قد لزمه من الحجة في ذلك من عقله، فإذا لم يشك في العلماء المتبرئين من المحدث، أو يقف عن العلماء إذا برئوا من المحدث على حدثه ذلك، أو يترك الاعتقاد للسؤال عما يلزمه في ذلك، وسلم للمسلمين، فهذا من موضع ما قال المسلمون أن السائل سالم والشاك هالك، وإذا لزمه السؤال في الأحداث الماضية التي ليست واقعة، وقوعا يجب عليه إزالتها وصرفها فيما تعبده الله من ذلك، فيكون تركه لطلب علم ذلك، يعطل به حقا من حقوق الله، وإنما يلزمه علم حكم الحدث، الذي قد علمه واعتقد السؤال عن هذا، ولم يتول المحدث على حدثه، ولا برئ من العلماء إذا برئوا من المحدث على حدثه ولا وقف عنهم، وكانت له سلامة في الوقوف، فلا يلزمه خروج في طلب علم مثل هذا، لأنه ليس من الفرائض عن وقتها، ولا متعلقة في ماله ولا في بدنه، وإنما عليه اعتقاد السؤال ليصل إلى الشهادة بهذه الأحداث، التي قد لزمته فيها لزمه من علم ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا، أنه إنما يكون هالكا بشكه في ذلك، إذا كان في
الفائتة
- 133 - (1/133)
صفحة 134
حكم الاستحلال، أو بولايته للمحدث، أو ببراءته من العلماء إذا برئوا من المحدث، أو يقف عنهم إذا برثوا من المحدث في حينه. فأما ولايته للمحدث على غير اعتقاد براءة الشريطة، فلا نعلم في هلاكه اختلافا، وكذلك إذا برئ من العلماء إذا برثوا من المحدث، أو وقف عنهم من أجل براءتهم من المحدث، وأما شكه في الحدث على غير إثبات ولاية المحدث، ولا البراءة من العلماء من أجل براءتهم منه، أو وقف عنهم، فذلك الذي لا يختلف فيه فقال من قال: لا يسعه جهل ذلك، إذا كان على الاستحلال، وعلم هو حرمة الحدث
الحدث
وقال من قال: لا يضيق عليه الشك في ذلك، إذا لم يتبين له حكم ويصح معه ذلك، وكذلك لا نعلم بالإجماع أن عليه اعتقاد السؤال عن هذا، إذا كان قد وسعه الشك في ذلك؛ على قول من يرى له السعة في ذلك، وأما على قول من لا يعذره في ذلك، فهو هالك من حينه، وغير متنفس في السؤال عن ذلك طرفة عين، وعلى هذا القول فالمعبر له علم ذلك إذا قام عليه لعلم ذلك، تقوم عليه الحجة في إبانة ذلك من جميع المعبرين، لأنه راكب للحدث بشكه في المحدث، وكل راكب لحدث لا يسعه ركوبه، فجميع المعبرين له حكم ذلك الحدث؛ حجة عليه في العبارة له، ولا نعلم في
ذلك اختلافا
وأما ولايته للمحدث على اعتقاد براءة الشريطة منه في أصل ما يدين
به، أو يعتقد ذلك فيه بعينه إن كان محدثا.
فقد قال من قال: إنه سالم بذلك، ما لم يبرأ من العلماء إذا برثوا منه، أو يقف عنهم من أجل ذلك، وإذا برئ من العلماء أو من أحد منهم من أجل براءتهم من | المحدث، أو وقف عنهم فهو بذلك هالك محدث، لا يسعه جهل، من حينه، كان ذلك الحدث على التحريم أو على الاستحلال، وعليه
ذلك
- 134 - (1/134)
صفحة 135
ولا: يسعه
من
ذلك الدينونة بالسؤال عما ركب، وعبارة الجميع عليه في ذلك حجة، ذلك لأنه محدث ببراءته من العلماء، أو وقوفه عنهم من أجل براءتهم المحدث، تولى المحدث أو لم يتوله، ووقف عنه أو تولاه بشريطة، أو لم يتوله، أو تولاه بغير شريطة، فإذا تولاه بغير شريطة فهو محدث بولايته بغير شريطة، كان الحدث على الاستحلال أو التحريم ومحدث بوقوفه عن العلماء أو براءته منهم، وأيما فعل من ذلك فهو محدث، وكل من عبر له علم ذلك من بعد أن يكون محدثا، فهو عليه حجة، ولا نعلم في ذلك اختلافا وأما إذا تولى المحدث بشريطة، ولم يقف عن العلماء أو يبرأ منهم من
أجل ذلك
فقال
وجه التحليل
من قال: إنه غير محدث بذلك، كان على وجه التحريم أو على
وقال من قال: لا يسعه ذلك على وجه التحليل ولا التحريم، وليس له أن يثبت ولايته على أصل ما كانت عليه، ولا يسعه إلا ترك ولايته إن شك فيه، أو البراءة منه إذا علم بحدثه ذلك، ولو لم يعلم بحكم الحدث
وقال من قال: يسعه الشك فيه، ويسعه أن يتولاه برأي إن كان ذلك الحدث لم يخرجه من الولاية، وإن كان قد أخرجه من الولاية إلى البراءة، فهو بريء منه في الاستحلال والتحريم، ما لم يبرأ من العلماء أو يقف عنهم. وقال من قال: إنما ذلك له في الأحداث المحرمة، وأما على الاستحلال إذا علم بالحدث وحرمة الحدث إلا أنه لم يعلم حكم ما يوجب الحدث فله أن يتولاه برأي على ما وصفنا، وأما في الاستحلال فلا، وليس إلا البراءة منه أو الوقوف عنه، ولا يسعه على كل حال من الحال أن يبرأ من العلماء إذا برئوا من المحدث، ولا يقف عنهم من أجل ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا، كان
- 135 - (1/135)
صفحة 136
المحدث مستحلا أو محرما، برئ منه أو تولاه على براءة الشريطة أو وقف
عنه، أو تولاه برأي أو وقف عنه برأي، أو وقف عنه على اعتقاد السؤال يسعه على كل حال وهو محدث بذلك
فلا
6
وكل حال لزمه السؤال فيه عن أمر قد ركبه، وهو حال فيه غير خارج منه، بانتقال منه عنه، أو بزوال وقت ذلك عنه إلى غيره من الأوقات، وكان كل من عبر له علم ذلك حجة عليه، وإلا فلا براءة له من الخروج في طلب علم ذلك بالقدرة، حتى يخرج من حال ما قد ركب من ذلك، أو يتوب هو من ذلك بعينه أو في جملته، ما لم تقم عليه حجة العبارة التي توجب عليه علم ذلك بعينه، فإذا تاب منه بعينه بما حسن في عقله التوبة منه، فوافق الصواب في ذلك أو عدم العبارة في ذلك، فتاب من حدثه في الجملة، أو ع له ذلك معبر فتاب منه بعينه، أو تاب منه بعينه في الشريطة، إن كان ذلك مخرجا له من أحكام جملته، التي دان بها لخالقه فتاب من ذلك على شريطته، فكل ذلك مجز له إذا خرج بالتوبة ولم يكن فيه عمل مؤبد عليه في جملته، فإذا تاب من ذلك في جملته ثم علم بذلك من المعبرين له فعليه التوبة منه بعينه، وأما إذا تاب منه في شريطته إن كان يلزمه منه التوبة في جملته، فقد تاب من ذلك، ويجزئه ذلك عن توبته منه بعينه إذا علم ذلك، ما لم يكن مقيما عليه بدين في
نيته وإرادته
عبر
فصل: وولايته للمحدث بجهل أو علم، كان الحدث باستحلال أو تحريم، فهو من الحدث الحال فيه، وعليه طلب علم ذلك، واعتقاد السؤال والخروج في طلب علم ذلك، على ما وصفنا، من قدرته على ذلك إلى أن تلقاه الحجة، والحجة عليه في ذلك جميع المعبرين، وعليه السؤال في ذلك لجميع المعبرين، ولا مخرج له من ذلك إلا بتوبة منه بعينه، أو عدم من المعبرين فيتوب في جملته، أو بتوبة من ذلك في شريطته، مع عدم المعبرين له
علم ذلك،
ما لم تكن ولايته للمحدث على اعتقاد الشريطة في البراءة منه
،
- 136 - (1/136)
صفحة 137
فإذا كان على الشريطة خرج من حد الضيق إلى السعة، وكان مسلما بذلك في بعض قول أهل العلم، وقد وصفنا ذلك، وكذلك براءته من العلماء على براءتهم من المحدث بأي حدث كان بالتحليل أو التحريم، أو وقوفه عن العلماء من أجل ذلك حدث حال فيه لا مخرج له منه إلا بالتوبة منه، وعليه طلب علم ذلك بالخروج مما يقدر عليه، وقد وصفنا في جملة ذلك، ولا غاية له في ذلك بعد القدرة، حتى يخرج من ذلك بتوبة، على ما وصفنا في جملة أو شريطة عند عدم المعبرين، أو بتوبة منه بعينه باستحسان، ولم تقم عليه الحجة بالعبارة فيه، فإن ذلك يجزئه ويخرج من حال الضيق إلى السعة، إذا تاب من ذلك في شريطته، إن كانت تلزم منه التوبة، أو تاب من ذلك بعينه، بما استحسن من ذلك وخطر بباله، ولو لم يسمع بذكر ذلك، فذلك مجزئ له عن التوبة. وأما توبته في الجملة فغير مجز له ذلك إذا علم بالعبارة، إلا أن يتوب من ذلك بعينه، وأما شكه في المحدثين بوجه يسعه فيه الشك في قول المسلمين في الرأي أو في الدين، فهو سالم من الهلكة، ولا يلزمه في الإجماع في ذلك السؤال، ولا الخروج في طلب علم ذلك، ولو لزمه السؤال، ولم يكن حالا في حدث مرتكبا له، يهلك به، فلزمه السؤال في بعض قول المسلمين، فلا يلزمه في ذلك خروج، لأنه سالم من دخول الضيق إلى السعة، وإنما يلزمه السؤال بالإجماع والخروج فيما يكون فيه حالا من المهلكات، فيكون عليه الخروج من تلك الهلكة باعتقاد السؤال، والخروج فيه إذا قدر على ذلك، وقد مضى تفسير ذلك بما في بعضه كفاية. ولا يقع الإجماع على الدينونة بالسؤال، فيما يكون فيه العبد سالما الهلكة من في حينه ذلك وساعته تلك، وإذا وسعته الإقامة على شيء طرفة عين، وسعه ذلك إلى أن يموت، ما لم يخرج من حال السعة بقيام الحجة، وبحال يجب عليه فيه عمل حاضر يفوت وقته، وقد بينا ذلك في أول هذا الباب في هذا الكتاب مما يجتزئ به أهل العقول.
6
137 - (1/137)
صفحة 138
فإن قال قائل: فلِمَ لَم يُلزموا الشاك في المحدث المستحل الخروج في طلب علم ذلك الذي شك فيه؟ وألزمتموه اعتقاد السؤال وقلتم: إذا لقيته الحجة، وقامت عليه، لم يسعه إلا قبولها؟
قلنا: إنما ألزمناه اعتقاد السؤال، على غير الدينونة بذلك، ولا يلزمه ذلك بدين، وإنما أحببنا له ذلك لأنه في حال ضيق، فلم تجب له الإقامة على شكه ذلك، الذي قد قال أكثر أهل العلم أنه يهلك به من حينه، ولا ينفس
له في السؤال عنه. وإن كان قد قال من قال: إنه لا يهلك بذلك ما لم تقم عليه شواهد الدينونة بذلك، فأحببنا له أن يعتقد السؤال عن ذلك، وجعلنا عليه العالم الواحد من المسلمين حجة، والعالم الثقة من قومنا إذا كان موافقا لقول المسلمين في ذلك حجة، وعبارة الضعيف من المسلمين عن الفقيه من المسلمين، أو من كتاب الله؛ حجة، لأنه لا تستوي الحجج، فيما يكون يسعه جهله في الإجماع، وفيهما لا يسعه جهله في الإجماع، وفيما يختلف فيه في السعة والضيق، وليس ذلك معنا سواء، والحجة فيما لا يسع جهله على كل من التي يكون صاحبها بها هالكا، إلا باعتقاد السؤال بالإجماع
حال
الحالة
فالحجة فيه تقوم من جميع المعبرين، ولو لم يبلغ هو إلى علم ذلك، وليس له الشك في ذلك، إذا علم معناه، ولو لم يتضح له صوابه من خطئه، والحجة
6
فيما يسع جهله أبدا، ما لم يركبه بتضييع أو ارتكاب، بقول أو عمل أو نية. فلا تقوم الحجة فيه، وينقطع به العذر، إلا من العلم منه بذلك، من أي وجه كان، واتضح له صوابه وحسن في عقله، ولو علم ذلك من فطيم وهو فطيم، أو من يهودي أو نصراني أو مشرك وثني أو أعرابي جاف، أو زنجي مشرط الوجه، وإذا علم شيئا من الدين، من أي وجه من الوجوه، وحَسُن في عقله، وأبصر عدله معه وصح أنه الحق بما لا يشك فيه، وارتفع الريب عنه في ذلك، فلا يسعه الشك في ذلك أبدا، ومتى ما شك في ذلك بعد علمه من أي وجه كان ذلك العلم، فهو هالك، فإن كان شكه في ذلك في
هذا
"
- 138 - (1/138)
صفحة 139
تنزيل كان مشركا، وإن كان في تأويل كان كافرا منافقا، فإذا لم يتقدم إليه في
معه علمه ذلك علم يصح، فلا يكون عليه في ذلك حجة معنا، إلا العالم الفقيه من علماء المسلمين، المشهود لهم ذلك في الدين، مع أهل الخبرة بهم
من أهل الدين، ويصح مع الجاهل لذلك من العالم ما تقوم به عليه الحجة من علمه، ولو جهل ذلك صفة
من
العالم
،
وجهل الحق من قوله، فقوله عليه
حجة إذا بلغ إلى علم صفته التي بها تكون حجة عليه ولو جهل ذلك في
الدين
،
وأما ما لم يصح مع الجاهل، لما يسعه جهله صفة علم العالم، الذي تقوم به الحجة عليه، بعلم منه هو بذلك، ولقيه وهو به غير عالم أنه عالم. وهو في الأصل عالم، وقد علم غيره أنه عالم، فلا يكون ذلك حجة على الجاهل، فيما يسعه جهله، ويكون سالما بجهله، وإذا شهر مع الجاهل لما يسعه جهله، صفة هذا العالم من المسلمين بشهرة علمه، وصدقه في علمه وفضله وشهرته، أنه. من أهل الاستقامة على دين أهل العدل من المسلمين، الصفة ولو جهل هوا التي تقوم بها الحجة عليه، ثم لقيه هذا العالم على هذه الصفة، فأفتاه بشيء مما يسعه جهله من الدين، مما لا يجوز فيه الاختلاف في الرأي، كان ذلك عليه حجة، وكان عليه علم ذلك، ولا يسعه الشك فيه في
أكثر القول.
وقد قال من قال: إنه ما لم يتضح له علم ذلك، ولم يبرأ من العالم من أجل قوله ذلك بالحق، أو يقف عنه، فلا يضيق عليه الشك في ذلك، فإن شك في ذلك، الذي قال العالم من العدل، فبرئ منه من أجل ذلك، أو وقف عنه برأي أو بدين، كان بذلك هالكا محدثا حدثا في الهلكة، لا مخرج له
من ذلك إلا بالدينونة بالسؤال عن ذلك والتوبة منه، فإذا حلّ بهذه الحالة كان جميع المعبرين له ذلك حجة عليه، لأنه محدث بذلك
،
وأما ما يكون فيه الاختلاف، فيقول بعض؛ إنه يهلك به، ولا يسعه
- 139 - (1/139)
صفحة 140
الشك فيه، ويقول بعض؛ إنه لا يهلك بشكه فيه، فنحب له أن يكون يعتقد السؤال عن ذلك، ولا يلزمه في ذلك كلفة خروج، لأن الخروج عمل يعطل به الفرائض غيره، ويلزم فيه الاشتغال عن غيره، واعتقاد السؤال مع الإقامة، ليس بعمل يشغل عن الفرائض، ولا توجب كلفة، فيجب له في هذا ومثله السؤال، لأنه لا يقيم على شك نخاف عليه فيه الهلكة، ولأنه لا يلزمه الدينونة بالسؤال، فيخرج من حال الاختلاف إلى حال الدينونة، ولا نجعل عليه في ذلك الحجة جميع المعبرين، فتنزله بمنزلة ما لا يسعه جهله بالاجماع، ولا نعذره في ذلك، ولا نقيم عليه حجة إلا من العلماء من المسلمين، ولكنا نُحب أن تكون عليه عبارة العالم من المسلمين، والعالم من فقهاء قومنا، إذا كان من الثقاة في دينه، وكان موافقا للمسلمين في ذلك الذي أفتى فيه، وفي أصول ذلك من الدين، وعبادة الضعيف من المسلمين عن الفقيه المشهور من علماء المسلمين، أو من كتاب الله حجة في ذلك، ونقول إنه ليس له بعد ذلك أن يلوي عنقه بعد قيام هذه الحجة عليه، فإذا قامت عليه أحد هذه الوجوه، ضاق عليه الشك في ذلك معنا، وكان بذلك
الحجة من
محدثا حالا في محل ما لا يسعه جهله، لأن ذلك معنا من البينونة له من المعبرين، فإذا قامت عليه تلك الحجة فشك فيها، كان هالكا، وحل محل الهلاك، وكان هنالك اعتقاد الدينونة بالسؤال، حتى يخرج من ذلك الضيق الذي دخله، وكان جميع المعبرين له في ذلك حجة عليه، فهذا الذي معنا في، وهو قولنا وبالله التوفيق لمراشد الأمور.
هذا
فصل: فإن قال قائل: وكيف ألزمتم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال، ولم تلزموا فيه الخروج ولم تلزموا السؤال في علم الأحداث والأحكام فيها، من قد صحت معه الأحداث وجهل حكمها، إذا لم يكن ذلك مما لا يهلك بركوبه له؟
قلنا له: لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة قائمة، متعبد
- 12 - (1/140)
صفحة 141
بإزالتها، وإزالتها واجب عليه، إذا قدر على ذلك، وفي تركه لذلك تضييع لفرائض الله، وانتهاك لمحارمه، فهو حال في فرض إزالتها، وطالب علم أحكام الأحداث، غير متعبد بإزالة شيء من المعاصي، ولا بإثبات شيء من الطاعة لمخالفة حال فيه، وإنما عليه من ذلك إذا بلغ إليه علمه، أن يعرف ضلالة الضال من المحدثين، وهداية المهتدين من المحدثين، وغير عاص الله معه وفي قدرته، وإنما ذلك شيء زائل قد انقضى ومضى؛ إلا أن يكون ذلك قائما بعينه، ينتهك حُرَمِ الله، ويضيع فرائض الله، قائما بحضرته، فإن ذلك يخرج مخرج الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونقول إن القول الحق
فيه واحد
فصل: ومع ذلك إنا لم نلزم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند جهل ذلك، ما لم يكن الجاهل لذلك داخلا في معونة على ذلك، أو متوليا لمحدث لما لا يسعه ركوبه، أو معينا على من أنكر ذلك. من العالمين به، أو رادا حجة الله في ذلك، أو متبرئا من العلماء إذا برئوا من محدث ذلك، أو يقف عنهم، فإذا لم يكن منه هذا، وإنما كان قادرا على إزالة ذلك بالقول والأمر، فلا يلزمه السؤال عن ذلك بالدينونة، ولا نأمره باعتقاد الدينونة بالسؤال. ذلك عن، وإنما اختار له ذلك من اختار للعلة التي وصفناها، أنه حال في فريضة لا غاية لها، فما لم يكن منه شيء مما ذكرنا، أو يضيع من ذلك حقا يلزمه القيام به في قدرته الله، أو يعطل حدا ويبطل حكما، وهو خاص له ذلك دون غيره، إذا كان حاكما فيه وعليه متقلدا ذلك فهو سالم، والسؤال له عن بحث ذلك في بعض قول المسلمين لازم للعلة التي ذكرناها خارجة، وأما حال علم الأحداث الماضية الغائبة، كان فوتها قريبا أو بعيدا، ولو كان في يومه ذلك إلا أنها قد انقضت فالحكم في ذلك يختلف مع أهل العلم، ولسنا نقول إن ذلك من الدين أيضا والمجمع عليه، ما لم يضيع حكما أو يعطل حدا، أو يبطل حقا يلزمه القيام بذلك على الإهمال أو على الجهالة، وتضييع
-121 - (1/141)
صفحة 142
الأحوال، فإذا نزل بهذه المنزلة كان هالكا، ولزمته الدينونة بالسؤال عن ذلك، والبحث عنه لإقامة ذلك، وكان عليه قبول ذلك من جميع المعبرين، وما لم يَصِر إلى هذه الحالة، فلا نقول إن جميع المعبرين عليه حجة، ولكنا نقول إن عليه أن يقبل ذلك من علماء المسلمين، وفقهاء قومنا الثقاة. منهم في دينهم، فيما يوافقون فيه في أصول الدين، ومن ضعفاء المسلمين المعبرين عن
،
لم يضيق
علماء المسلمين، وعن كتاب الله - تبارك وتعالى -، ولو لم يقبل ذلك إلا من العلماء من المسلمين، وما لم يبن له ذلك، ويتضح له علم ذلك عليه ذلك معنا، ما لم يحل فيما لا يسعه جهله ويصير معطلا أو مضيعا أو مبطلا يسعه من ذلك كما وصفنا، فهذا الذي فرّق معنا بين الأحداث الماضية
??
"
ولزوم علمها، وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحاضر القائم والأفعال الدائمة معه وبحضرته، وفي ذلك فرق بين مع من عرف ذلك من علماء المسلمين، وأرجو أن لا يغيب ذلك عن أهل العقل إن شاء الله، وإذا كان الراكب للحدث على وجه الاستحلال بالدينونة، لما حرم الله في دينه، أو التحريم لما أحل الله في دينه، وكان العالم بحدثه والمعاين له والشاهد له والصحيح معه ذلك بالشهرة أو بغير ذلك، مما يتولد من وجوه صحة علم حدثه، وكان العالم بحدث المحدث جاهلا بحرمة ما ما استحل المحدث
من
الحرام، وحلال ما حرم المحدث من الحلال، فذلك لا اختلاف بين المسلمين فيما علمنا، أنه واسع له جهل ذلك في المحدث، لا يهلك بالشك في ضلالة المحدث، وذلك لاحق بحكم الأحداث على وجه التحريم، لمن جهل ذلك وعلى من جهل ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا أنه ما لم يتول الراكب لذلك بغير شريطة البراءة فيه، على ما قد وصفنا في بعض القول، أو يقف عن العلماء من أجل براءتهم من المحدث، أو يبرأ منهم أنه سالم مسلم بذلك، وكذلك المحدث الذي لا يستحل ما حرم الله، ولا يصح له حكم الاستحلال بالشهرة، أو بالمعاينة لما الله، والتحريم لما أحل الله، فالشك فيه واسع، ولو علم بحرمة الحدث، ما لم يعلم ما يبلغ بالمحدث حدثه من
حرم
- 142 - (1/142)
صفحة 143
6
الضلال والهلاك، وإذا جهل حرمة ما أحدث المحدث فذلك واسع له في ذلك، ولا يسعه على كل حال أن يثبت على ولاية المحدث، ولو تقدمت له ولاية، ولا تجوز ولايته ما لم يعلم منه خروجا من حدثه ذلك بالتوبة، إلا أنه قد قال من قال: إنه إن تولاه برأي إن كانت له ولاية متقدمة، وإن كان ذلك غير مخرج له من الولاية، وسعه ذلك ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة ذلك، والحكم فيه من أي الطرق صح معه. علم ذلك، وبان صوابه، وما لم يبن له صواب ذلك، فلا تقوم عليه في ذلك حجة، إلا من عبارة العلماء من المسلمين، على ما وصفنا في علم الدين، فإن الفقهاء من المسلمين حجة معنا فيما نقول به، وقد مضى القول بالاختلاف في ذلك، ولسنا ندين بمختلف فيه، وإنما نقول به لأنه أكثر ما عرفنا من قول المسلمين وأبين حجة في أصول
الدين
الرأي
فصل: وقد قال من قال من المسلمين: إنه إن كانت للمحدث ولاية متقدمة، فإذا ركب حدثا جهله من يتولاه، ولم تثبت ولايته على ما لا يسعه من ولاية الدين، بغير اعتقاد الشريطة في البراءة منه في الأصل، وغير ولاية، إن كان لم يخرجه حدثه من الولاية، فهو ولي له، فإذا سلم أن يتولاه قطعا بغير شريطة ولا رأي، فهو سالم، وغير محدث ولا هالك بذلك، إذ تولاه بأحد هذين المعنيين، ولم يبلغ علمه إلى معرفة ضلاله فيما ركب من الحدث المهلك، المحرم له أو المستحل له، وهو جاهل حرمة ذلك، قالوا: فواسع له علم ضلاله، ولكن عليه السؤال عما يلزمه من أمر هذا الحدث من وليه، الذي قد تقدمت له ولاية معه بدين، وقد انتقل عن ولاية الدين معه، إلى ولاية بشريطة، أو ولاية برأي، فيلزمه السؤال عن علم ذلك، ليزول عنه الريب في أمر وليه، فيتولاه بدين أو يخرج من ولايته إن كان محدثا حدثا يهلك به، فيخرج من ولايته إذ هو محدث، ولهذه العلة ألزمه من ألزمه السؤال عن علم ذلك والحكم فيه
- 143 - (1/143)
صفحة 144
وقال من قال: لا سؤال عليه أيضا في ذلك، لأنه غير هالك بذلك، وكل ما لم يكن به هالكا لا يلزمه السؤال عنه، وهو بغيره سالم، فإذا تولاه بدين بغير رأي ولا اعتقاد شريطة، كان محدثا حينئذ، ولزمه السؤال
"
بالدينونة، عما دخل فيه من ولاية المحدث بالدين، ولم يسعه جهل ذلك وكان جميع من عبر له علم ذلك، كائنا، من كان عليه حجة في ذلك، وهنالك
وقع الهلاك به والحدث عليه
والقول الآخر هو أصح في أحكام الدين، والأول ينساغ على الاحتياط والخروج من الشبهة، من غير أن يلزم ذلك نفسه بدين، فإن ألزم نفسه ذلك بدين، أو ألزمه ذلك أحد بدين، لم يسعه ذلك، وكان محدثا، إلا أن يعتقد الدينونة بالسؤال، عما يلزمه في ذلك، ويلتزم السؤال بغير دينونة، بالسؤال عنه قطعا، إلا على شريطة ما يلزمه في ذلك، فذلك طهارة وسلامة من الريب، وإذا الزمناه ذلك على أحد القولين، مع الاجماع من القول أنه سالم بذلك، فلا نقول إن عليه في ذلك حجة، ولا تقوم عليه الحجة في ذلك، إلا من العلماء في الدين من المسلمين، ولا يصح ولا ينساغ أن يلزمه في ذلك خروج، لأن الخروج عمل يتعطل به غيره من الفرائض للاشتغال به، ولا يجوز معنا ذلك على كل حال في هذا الباب ولا غيره، إلا فيما يكون فيه السائل هالكا إلا باعتقاد السؤال عنه في الدينونة في الاجماع، وأما ولاية الرأي في مثل هذا في وليه المتقدم، فلا نعلم في ذلك اختلافا؛ أنه تسعه ولاية الرأي في هذا، إذا لم نعلم ما نزل بوليه من ذلك الذي عاينه، لأنه محجور عليه أن يقف عن وليه وقوف دين، فينتقض أصل ما دان به من ولاية وليه بالدين، على الشبهة بغير بينة. وأما إثبات ولايته على ما كانت عليه، إذ هو في اعتقاده أنه يبرأ منه في الشريطة، إن كان قد أتى بما يلزمه فيه البراءة، فلا نعلم ذلك مجمعا عليه، وإن كانت العلة فيه واضحة، ما لم تقم عليه الحجة بمعرفة الحدث وحكمه، أو يكون الحدث مما لا يسعه جهل معرفة حكمه وولاية
-122 - (1/144)
صفحة 145
الدين، على الحالة التي كان عليها الولي، على غير شريطة يعتقدها فيه بعينه، إذا تولاه وأثبت ولايته، إذ هو في الأصل يبرأ من كل عدو، وكل عاص وكل محدث في شريطته، من غير أن يعتقد فيه بعينه شيئا، فقد يخرج ذلك على بعض القول، وذلك أبعد من القول بولايته بدين على اعتقاده فيه براءة الشريطة بعينه، ولا يخرج ذلك معنا على الصواب، لأن المؤمن على صدق إرادته ودينه، لكنا لا نحب ذلك ونقول أن عليه في هذا أن يتولاه برأي، ولا يثبت له ولايته، التي كانت على الحالة التي كانت براءته منه في الشريطة بعينه، إن كان عاصيا، وذلك ما لا يختلف فيه معنا في الأصل، للعلة التي
ذكرناها.
أنه
،
فصل: فإن تولاه على ما كان عليه على اعتقاد براءته منه في الشريطة بعينه، إن كان عاصيا في الشريطة، فهو أفضل من الأول، وهو معنا واسع، لأنه كما لا يلزمه أن يبرأ منه بعينه، كذلك لا يلزمه أن يترك ما كان عليه، من الولاية له بعينه، إذا اشترط فيه براءة الشريطة، إن كان محدثا حدثا يخرجه من الولاية التي قد ثبتت له، فإن تولاه على ما كان عليه من الولاية، حتى يعلم خرج من الولاية بالحقيقة من علمه ومعرفة حكمه، إذ هو في اعتقاده في أصل الشريطة، أنه يبرأ الله من كل عاص ومحدث، ولو لم يعتقد فيه بعينه شيئا إلا في الجملة، إذا اعتقد ذلك في الجملة حتى تثبت ولايته، هذا لم نقل أن ذلك منه خروج من أصل الدين، وأنه قد تعلق بأصل من أصول الدين، لأنه قد صح له الولاية بالبينة، ولا تزول عنه الولاية إلا بالبينة، والمؤمن على صحة اعتقاده في ذلك، وليس كل ما اختلف فيه؛ حكم فيه بحكم التدين، ولكن يختار من الاختلاف ما يحسن ويرى أنه أصوب وإلى السلامة والحق أقرب، من غير أن يضيق على الناس ما كان في أحد السعة بالدينونة فيخطئوا بذلك، إن شاء الله
فصل: وما لم يهلك بالشك في المحدث فلا يخرج في الأصول المثبتة،
- 120 - (1/145)
صفحة 146
،
في أحكام الولاية والبراءة، ما قد ذكرنا من ولاية الرأي وولاية الشريطة للبراءة على إثبات الولاية، إذا اشترط البراءة فيه بعينه، وإثبات الولاية على
6
اشتراط منه في أصل دينه، البراءة من جميع المحدثين والعاصين من الكافرين والمنافقين، لأن أصل دين الله - تبارك وتعالى ـ واسع يكلف فيه عباده فوق ما يطيقون، ما لم يركبوا له نهيا أو يتركوا له فرضا، قد أوجبه عليهم في وقت موقت، أو يردوا حجته أو يشكوا فيها، فإذا قامت عليهم على هذا أجمع المسلمون.
فإن قال قائل: وكيف تزعمون أن ولاية الرأي لا يعلمون فيها اختلافا، وأنتم تقولون إن الأثر الصحيح عن أبي الشعثاء جابر بن زيد ـ رحمه أنه قال: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوه أو يتولوا
الله -،
راكبه، أو يبرأوا من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقفوا عنهم؟
قلنا لهم: نعم؛ نقول ذلك أنه كذلك في ولاية الدينونة، خاص على إثبات ما كان له من الولاية المتقدمة، بغير اعتقاد بحدثه مع ذلك، من ولاية رأي له، إن لم يكن حدثه ذلك مخرجا له من حال ولايته التي كان عليها، أو يتولاه على الحالة التي كان عليها، ويعتقد فيه براءة الشريطة التي يسلم بها من ولايته في أصل ما دان به، أو يعتقد مع ولايته براءة الشريطة في جملة العاصين والمحدثين، ولا يلزمه في العقول أن يقصد إلى ترك ولايته بالدين، على غير حجة ولا علة، وقد ثبتت ولايته في الأصل بالدين، وهو لا يعلم أيخرجه ذلك الحدث الذي رآه من الولاية، أو يزيده إثباتا في الولاية، وهو من التي تراد بها ولاية، لأنه هو لا يعلم أحكام الأحداث ولا أصول الدين التي يجب بها الكفر من الإيمان، ولا الاساءة من الإحسان، فكيف يلزمه أن يترك ولايته على الدينونة، بغير علة ولا حجة يعتقدها فيه، إلا أن يعلم أن ولايته قد زالت بالحجة الواضحة التي تصح. معه، كما يصح معه ثبوت ولايته بالحجة الواضحة التي تولاه بها
الطاعات
- 187 - (1/146)
صفحة 147
فصل: ويقال له: أيلزمه على قولك أن يكون كلما رأى من وليه أمرا، لا يعرف ما بلغ به الأمر فيه، أهو من الطاعة أو المعصية، أو من الصغائر أو من الكبائر أو من الإساءة أو من الإحسان، أن يترك ولاية وليه ويلزمه ذلك؟
فإن قال: نعم.
قيل له: فقد أطلقت وأوجبت عليه أن يكون يترك ولاية وليه، على العمل بالطاعات والمسارعة إلى الخيرات، إلا ما علم هو أن ذلك من الطاعة
ومن الخير، فكلما لم يعلم أنه من الطاعة في علمه. هو، أفله أن يترك ولاية وليه
عليه بالدينونة في قولك؟
فإن قال: نعم؛ فقد زعم أنه لا يجوز له أن يثبت أبدا على ولاية ولي له طرفة عين، إلا أن يغيب عنه أمره، أو يكون عالما بجميع أحكام الإسلام
فإن قال ذلك؛ أتى بضد الصواب، وما يخالف السنة والكتاب، وألزم الناس أن يعلموا جميع العلم من دين الله، وألزمهم أن يتركوا ولاية أوليائهم، وألزمهم أن لا يتولوا أحدا أبدا، إلا أن يعلموا جميع دين الله، وهذا من المحال الذي لا يقدر عليه أحد، في حال من الحال، أن يكون عالما دين الله في وقت واحد، وإلا كان هالكا في ولاية أوليائه، وهذا أصل باطل لا يستساغ، ولا يخرج في أحكام الكتاب ولا في أحكام السنة، ولا في آثار
بجميع
المسلمين، في أصل ما دانوا به من أصول الدين، ولا من حجة العقل
فإن قال: فعليه معكم في وليه الذي قد تقدمت ولايته له في الأصل،
أن يعتقد فيه ولاية الرأي في كل ما رأى منه من الأفعال
،
وسمع
منه من
الأقوال، التي لا يعلم أنها صواب، وإنما عليه ذلك فيه، إذا أتى شيئا في
الأصل باطلا علمه أو لم يعلمه هذا؟
- 147 - (1/147)
صفحة 148
قلنا له: أما في اللازم فإنه مباح له ولاية وليه باعتقاد الشريطة في
،
،
الجميع، بالبراءة من جميع المحدثين والعاصين ولن يسلم إلا بذلك. وبتلك الشريطة، ولولا ذلك لما جاز له أن يتولى أحدا من الخليقة في حكم الظاهر، ولا جاز له أن يتولى من صح له السعادة من النبيين والمرسلين والمؤمنين، الذين صح لهم ذلك بالشهادة من الله في كتابه، أو على لسان أحد
من أنبيائه، ولكن إنما سَلِم الناس عن الهلكة من ولاية الظالمين والهالكين باعتقاد براءة الشريطة من كل عدو الله، ومن كل عاص الله ومن كل محدث، وأحد هذه المعاني يجزئ إذا اعتقد البراءة من كل عدو الله، فقد أجزأه عن تفسير ذلك في الجملة، ما لم يلزمه ذلك في غيره من الصفات بعينها، فباعتقاده براءة الشريطة، من جميع أعداء الله - تبارك وتعالى -، جاز له ولاية
ذلك
من صح معه في حكم الظاهر، ما يستحق به الولاية، ما لم يعلم منه بعد ذ ما تزول به ولايته في حكم الظاهر، وبولايته لجميع أولياء الله في الشريطة، جاز له أن يبرأ من جميع من علم منه ما يستحق به البراءة في حكم الظاهر، ما لم يصح معه منه بعد ذلك، ما يزول عنه به حكم البراءة في الظاهر، فإذا تولى وليه بحكم الظاهر بما يستحق به الولاية، أطلق له ولايته أبدا على كل حال رآه فيه، ولو جهل ذلك إذا لم ير منه ما يخرجه من الإيمان والولاية في حكم الظاهر، وهو في حكم الشريطة يبرأ منه إن كان عاصيا في سريرته فيما غاب عنه، فإذا رأى منه ما يخرجه من الإيمان في حكم الظاهر، فهنالك تعبده الله بالحكم فيه بالظاهر، ولم يكن بد له أن يحكم فيه بعينه، بحكم من أحكام الظاهر، لئلا يتولاه على الكفر، كما تولاه على الإيمان، ولئلا يبرأ منه على الإيمان كما برئ منه على الكفر، فإن وفقه الله لعلم حكم الحدث الحدث الذي عاينه من وليه، وكان مكفرا بما ألهمه الله. من صواب ذلك، وزينه في قلبه وحسنه في عقله، وبان له صوابه وصح معه عدله، من غير معبر ولا متكلم، ولا أثر ولا نقمة أحد من البشر، كائنا ذلك في الحدث ما كان من الأحداث المحرمة أو المستحلة؛ وحكم فيه بالصواب، وبرئ من المحدث بما ألهمه الله
من
- 1 EA - (1/148)
صفحة 149
مما
معه
،
صواب ذلك، فقد حاز الفضل وقام بالحق والعدل، وبلغ إلى ما بلغ إليه العلماء والحكماء، فإن شك في ذلك من بعد هذا العلم، الذي علمه الله إياه، وألهمه إياه وبان صوابه معه ولم يشك فيه، كان بذلك هالكا؛ كان ذلك يسعه جهله، أو مما لا يسعه جهله في الأصل، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل العلم بالدين، وإن كان ذلك مما يسعه جهله، ما لم يركبه أو يتولى راكبه، كان عليه حين ذلك إذا قصد علمه، عن معرفة الحكم عليه في ذلك، أن لا يثبت على ولايته بالظاهر، المتقدمة لما قد ضد من صح الولاية بالحكم بالظاهر، ولا يدركه معنا في هذا الحال إلا ولاية الشريطة وبراءة الشريطة، فإما أن يتولاه برأي، على أنه إن كان مرتكبا لضد الولاية، فهو يبرأ بذلك منه في الشريطة، وإما أن يثبت على ولايته بالظاهر، على أنه يبرأ منه في الشريطة، إن كان قد أتى ضد الولاية التي صحت له، وولاية الرأي أحب إلينا. فإن تولاه بالدين على حكم ما كان عليه الاعتقاد الأول، من الدينونة بولايته على غير شريطة، كان قد أتى بذلك ضد ما دان إنما تعبده الله ببراءة الشريطة، فيمن لم يظهر له منه حكم تجب عليه به البراءة، وتعبده الله بالولاية بالشريطة، فيمن لم يصح معه منه ما تجب به الولاية في حكم الظاهر، فهذا قد أتى ضد ما تعبده الله به إلا أن يتولاه، ويعتقد براءة الشريطة في جميع المحدثين مع ذلك، ويدخله في جملته مع هذا التعبد الحادث، لم يضيق عليه ذلك في أصول الولاية والبراءة، فكان بولاية وليه سالما، ولو رأى منه ما لا يعلم أحق أم باطل، أخطأ أم صواب ببراءة الشريطة، الذي قد عذره الله بها، عن علم جميع الصواب والخطأ، ما لم يركب خطأ أو يتولى راكبه، أو يضيع صوابا أو يتولى مضيعه، فلما أن وجب عليه في دين الله في حكم الظاهر في هذا بعينه، لم ينفعه حكم الشريطة، إلا أن يحدثها في حال ما تعبده الله به في ذلك، ولم يكلفه الله أن يقصد إلى ضد ما تعبده الله به بغير علم يوصله إليه، أو تقوم به الحجة عليه، من معرفة حدث المحدث، ولم يجز في أصل الدين أن يكلف هذا الذي قد كان وسعا
، لأنه به،
-129 - (1/149)
صفحة 150
له، ما لم يحدث حدثا يخرجه من حال السعة بولايته له بالدين، كما كان عليه من ولايته
فصل: فإن وقف عن هذا المحدث وقوف دين، كما هو واقف عن سائر الناس، لم يعلم منهم حدثا يتعبده الله فيه بالبراءة من محدثه إذا علم ذلك، كما تعبده الله بولايته قبل ذلك، فلا يقوم هذا في العقول ولا في حكم المعقول، أن ينتقل عن ولايته بحجة بدين، إلى وقوف بدين بغير حجة، إلا بعلم يزيل عنه حكم ولايته له بالحجة بالدين، ولا معنى للوقوف بالدين في هذا الموضع، وإنما يصح معنا في هذا الموضع أن يتولى وليه برأي على ما قد وصفنا من ولاية الرأي، أو يتولاه على شريطة البراءة منه، في أصل الشريطة أو يقف عنه برأي لا بدين، حتى يتبين له صواب ولايته بالحجة فيه، فيتولاه على ما كان عليه، أو يتبين له الحجة في كفره، فيبرأ منه أو يلهمه الله صواب ذلك، فيحكم فيه من حينه، بما أراه الله من العدل والصواب، لأن الوقوف بالدين لا يصح إلا ممن لم يمتحن بولاية من قبل، فكان في جملة وقوفه في الجميع من العالمين، وهو في جميع العالمين واقف وقوف دين، على اعتقاد الولاية لجميع أولياء الله، والعداوة لجميع أعداء الله، فلا يلزمه في أحد بعينه ولاية ولا براءة، حتى يصح معه ذلك بالحجة الواضحة، فإذا تولاه بالحجة الواضحة؛ لم يرجع عن ولاية من تولاه بحجة إلى البراءة منه، إلا بحجة واضحة، وإلا فهو فيه بين البراءة بالدين فيه، والولاية بالدين فيه بعينه، ولا يكون مع ذلك وقوف بدين إلا أن تزول عنه أحكام الحجة، ويدخل في حال الريب والتهمة والشبهة والاشكال، فيترك ولايته للريب المشكل عليه، لا من طريق جهل أحكام الأحداث التي أتاها، ولا جهل فضله لقلة علم، وهذا خارج من أحكام جهل الأحداث والقول فيها
المتولي
هاهنا قال ومن
من قال: إن عليه في وليه السؤال، إذا جهل حكم
ما أتى من الحدث، ولو تولاه برأي لئلا يكون على شبهة من أمر وليه،
10 - (1/150)
صفحة 151
ويتحول عنه حكم الولاية بالحجة إلى غير ولاية بالحجة، ويقيم على ذلك بغير اعتقاد منه للسؤال عن ذلك، لأنه لو وقف وقوف الدين في هذا الموضع؛ كان قد حكم بغير الصواب وليس هذا موضع وقوف دين، ومن وقف هذا الوقوف في هذا الموضع، فقد وقف في غير موضع وقوف الدين، وقد ضل بذلك إذ حكم بوقوف الدين، في موضع وقوف الرأي، ووقوف الرأي غير وقوف السؤال المجمع عليه، ووقوف الدين غير وقوف الرأي، ووقوف السؤال المجمع عليه.
وقد قال من قال: إن في هذا الموضع أيضا، وقوف السؤال مع ولاية الرأي، مكان ولاية الرأي، لما تقدم من ولاية المحدث ووقوف الرأي عن إثبات ولاية الدين، ولم يجز وقوف الدين الذي هو في جميع العالمين، ممن لم يلزم فيهم تعبد من الله، بولاية في أحد بعينه ولا براءة في أحد بعينه، يهلك المتعبد بتركها وجهلها، لأنه إذا وقف وقوف الدين في هذا الموضع ترك به، من ولاية وليه بغير علم ولا حجة، وترك علم ما تعبده الله به
الله ما تعبده في الحدث الواقع من وليه، رجع إلى الإقامة على الوقوف بترك ذلك كله بجهله، فلا يجوز له ذلك لأنه لا بد له في أحكام العقول من أحد أمرين؛ إما أن يكون وليه على ولايته، فوقوفه عنه بدين خطأ، وإما أن يكون وليه قد أتى ما يخرجه من الولاية إلى العداوة، فلا يترك ما ألزمه الله من اعتقاد التعبد له، في الولاية والعداوة في هذا المحدث، إلى الوقوف على الإقامة على ترك ذلك كله، وكل من لم يتعبده الله فيه بشيء من أمر دينه بعينه، وليس ذلك سواء، بل في ذلك الفرق البعيد والخلاف الشديد، لأن ترك ولاية الولي بغير حجة إلى الوقوف بالدين، برجوع عن حال العلم إلى الجهل،، وترك لما ألزمه الله له في حكم تعبد الظاهر من الولاية إلى ولاية الشريطة، ولن يجوز ذلك أبدا، كما لا يجوز براءة من ولي والوقوف بالدين كالبراءة بالدين والولاية، وهن أضداد لا يجوز أن يبرأ بالدين في موضع وقوف الدين ولا يتولى بالدين في موضع وقوف الدين، ولا يقف بالدين في موضع براءة الدين
بالدين
-101 - (1/151)
صفحة 152
ولا ولاية الدين، وهذا ما لا يختلف فيه من قول المسلمين
فإن قال قائل: وكيف جاز له أن يتولى برأي بعد أن كانت ولايته بدين ولا يعلم ذلك، يبلغ بوليه إلى ترك ولاية الدين أم لا يبلغ به ذلك إلى خروج من ولاية الدين؟
قلنا له: لأن الرأي ليس بضد الدين، وإنما الرأي من الدين وداخل في الدين، وهو ضرب من ضروب الدين ليس بضد الدين، فولايته لوليه بالرأي إثبات لولايته له بالدين، وخروج من ولايته له بالدين إن كان خارجا من ولاية الدين، وليس بخارج من ولاية الدين إن لم يكن خارجا من ولاية الدين، لأنه ليس بضد للدين وإنما هو من الدين، ووقوفه بالدين لا يجوز، إلا أن يكون ضدا لولايته بالدين، كذلك براءته بالدين لا تجوز إلا أن تكون ضدا لولايته بالدين ووقوفه بالدين، لأن الدين لا يكون أبدا إلا في واحد؛ إما في ولاية وإما في براءة وإما في وقوف، لا يختلف ذلك أبدا، فيكون وقوف دين وولاية دين في شخص واحد، ولا وقوف دين وبراءة بدين في شخص واحد، ولا براءة بدين وولاية بدين في شخص واحد، في حكم الظاهر ولا في حكم الحقيقة، وأما في حكم الشريطة فقد يجوز ذلك، لأنه إذا وقع نظره على شخص أن يكون معه في وقوف الدين ما لم يعلم منه حدثا في شريطته، ويكون معه ذلك الشخص بعينه في الولاية إن كان وليا الله، وفي البراءة إن كان عدوا لله، فهذا في الشريطة، مع أن عليه في اعتقاده أنه لا يجمعه في حال واحد؛ ولاية الله وعداوة الله أبدا، ولو غاب أمره عنه فإنه لا محال في اعتقاده، أنه كل من وقع عليه نظره من المتعبدين المكلفين أنه لا محال، إما عدو الله وإما ولي لله؛ ولا يجوز في شريطته أن يكون وليا الله عدوا الله في الشريطة، ولا في حكم الظاهر، ولا في حكم الحقيقة
فصل: ولكن قد يجوز معه أن يكون معه وليه في حكم الظاهر، الذي يتولاه في دين الله، عدوا الله في شريطته التي يدين بها، وفي الحقيقة عند
- 101 - (1/152)
صفحة 153
6
الله، ويجوز أن يكون عدوه الذي يبرأ منه في حكم الظاهر، وليه في شريطته وفي حكم الحقيقة عند الله، ولا يجوز عنده أن يكون وليه في الشريطة عدوا الله
في الحقيقة، ولا عدوه في الشريطة وليا لله في الحقيقة، وكذلك لا يجوز أن يكون وليه هو في الحقيقة إذا صح معه سعادته بوجه من الوجوه من كتاب الله، أو عن لسان رسول من رسل الله، أنه مؤمن باسمه وعينه، أو أنه من أهل الجنة، ولا يجوز أن يكون ذلك الولي عدوا الله في ولايته في حكم الشريطة ولا عدوا الله في حكم الظاهر عنده أبدا، وقد حرمت عداوته على من صح معه ذلك، إلا أن يكون منه حدث، فإنه يشهد الله عليه بحدثه، ويبرأ من حدثه ويبغضه الله، ولا يرضى به، ولا يجوز له إلا أن يعلم أنه معصية الله السعداء، كما أنه معصية الله من الشقي، ولا يجوز غير هذا، ولا يتحول ولي الحقيقة أبدا، إلى عداوة في حقيقة ولا شريطة ولا حكم الظاهر، عند من تعبده الله بذلك فيه
من
فصل: وكذلك لا تتحول عداوة الحقيقة في حال من الحال إلى ولاية حقيقة، ولا شريطة ولا حكم الظاهر، فإن صح من عدو الحقيقة طاعة الله؛ لم يجز إلا أن يشهد له بذلك الذي كان منه من الطاعة، كما شهد عليه بالمعصية، ولا يجوز في حكم الله - تبارك وتعالى -، إلا أن يكون يحب الطاعة من عدوه كما يحب الطاعة من وليه، ويأمر بالطاعة عدوه كما يأمر بها وليه، ولا يجوز على حال من الحال أن يخطئ مطيعا في طاعة الله، ولا يبغض منه الطاعة، ولا يرد عليه ما جاء به من الحجة، وهو على حجة على من قام عليه بالحق الله، ولو صح في الحقيقة عداوته هذا ما لا نعلم فيه اختلافا في
الدين
6
فإن قال قائل: فكيف قلتم أنه إذا كانت للمحدث ولاية متقدمة، ثم أحدث حدثا، لا يهلك بجهله من علم منه ذلك، ويسعه جهله، أنه ليس له أن يقف عن ولايته بدين، ولا يجوز له إلا أن يبرأ منه بدين بعلم منه بذلك،
- lor- (1/153)
صفحة 154
المتقدم من
أو يتولاه برأي أو شريطة البراءة، أو يقف عنه برأي على اعتقاده ما يلزمه في ذلك. فإذا لم تكن له ولاية متقدمة وكان في حال الوقوف ثم أحدث حدثا يسعه جهله، كما يسعه جهله في الولي ما يكون وقوفه عنه، وما القول فيه؟ قلنا له: إذا كان المحدث لهذا الحدث تجب منه البراءة بغير هذا الحدث مع من علم منه بذلك الحدث، فلا اختلاف في ذلك أنه على براءته منه بذلك الحدث ولا وقوف عنه في ذلك لذلك الحدث، إلا أنه لا يجوز أن يحكم عليه في هذا الحدث بتخطئة، ولا يلزمه في ذلك كلفة:، وهو سالم من التعبد في ذلك، لأنه يبرأ منه بغيره من الأحداث المتقدمة، ولا اختلاف في هذا معنا، وأما إذا كان المحدث في الأصل مع العالم بحدثه، في حال وقوف الدين عن الجميع، ولم يمتحن فيه من متقدم الأمر بولاية، فإنما هو في الأصل على ما كان عليه من وقوف الدين، ولا يتحول عن حاله من وقوف الدين، حتى يصح منه ما يحوله إليه، من ولاية بدين أو عداوة بدين، ولا يتعبد فيه بالإجماع بولاية الرأي ولا بوقوف الرأي، وهو على أصل ما كان عليه حتى يصح من حدثه ما يجب عليه به البراءة، ويتحول عن وقوف الدين إلى حالة يجب بها له ولاية الدين، ولو علم العالم بحدثه ذلك المكفر، إذا جهل حكم ذلك الحدث، ولا يلزمه في ذلك وقوف رأي ولا وقوف سؤال، وإنما هو على حالته التي كان عليها، ولا نعلم في ذلك اختلافا، لأنه لم تلزمه البراءة منه؛ فيبرأ منه بدين، ولا تجوز البراءة بالدين إلا على ما يصح منه من علم ذلك من أي الوجوه، صح معه ذلك، وبان له عدل ذلك؛ لزمته الحجة في ذلك، وكان عليه الحكم بما يصح معه من العدل، أو يتحول ذلك المحدث عن تلك الحال، إلى ما يجوز له من التوبة، ويصير في حد الولاية فيتولاه بدين بما يصح ولا يلزمه غير ذلك في الدينونة.
معه،
فإن قال: فهل عليه في ذلك سؤال، عما قد صح معه من حكم الحدث، الذي قد علمه من المحدث، ليؤدي ما قد تعلق عليه من حكم
-102 - (1/154)
صفحة 155
ذلك الحدث الذي قد علمه في المحدث
فصل: قلنا له: أما على الدينونة؛ فلا يجب عليه ذلك؛ ولا على
الإجماع، ولا يجوز ذلك، لأنه سالم.
عنه،
ذلك
من
تعبد الولاية فيه، وجائز له الوقوف
على حالته المتقدمة، حتى يصح حكم الحدث، فيبرأ منه على
من
معه
، وهو أبدا سالم بذلك ما لم يتوله على حدثه ولاية دين، أو يبرأ من العلماء إذا. برئوا من ذلك المحدث، أو يقف عنهم من أجل براءتهم منه، إلا أنه وقع عليه هنالك حال في علمه ذلك الحدث، الذي قد علمه. من المحدث، فرق بين حكم المجهول والمعلوم، وصار حدثه معه معلوما، وصار متعبدا في أصل دينه في هذا المحدث، بما لم يكن قبل علمه بحدثه متعبدا فيه من تحريم الولاية، إلا بعد خروجه من حكم ذلك الحدث الذي قد علمه منه، ولو رأى منه ما تجب به الولاية، وقد كان قبل ذلك سالما من هذا الفصل فيه، وكذلك قد صار متعبدا في أصل دينه الذي تعبده الله به، أنه متى علم حكم ذلك الحدث الذي قد علمه المحدث، وجب عليه حكم البراءة منه في حكم الظاهر، وزال عنه حكم براءة الشريطة، ووقوف الدين إلى براءة حكم الظاهر، فقد انتقل حكم هذا المحدث عنده في أصل دينه، وأن جهله عن حال ما كان عليه من قبل، من وقوف الدين على الأبد، وبراءة الشريطة وولاية الشريطة بأحكام قد لزمته في أصل دينه فيه، متى بلغ إليها، انتقل هذا عن حال الحكم الأول معه، فليسا سواء في أصل ما تعبده الله، من جهله بالحدث وعلمه للحدث، إلا لموضع جهله بحكم الحدث، وهذا قد تعبده الله بالبراءة من هذا المحدث بعينه، إلا أنه عذره بجهل حكم حدثه، فمتى ما بلغ إلى علم حكم الحدث، كان بعلمه هذا للحدث منتقلا عن حكم وقوف الدين، وعن حكم براءة الشريطة، إلى حكم براءة الظاهر من المحدث بعينه، فلهذا اختلف معنى المجهول والمعلوم من وقوف الدين
المحدث
هذا
فصل: فلأجل هذه العلل؛ قال من قال من أهل العلم: إن على
- 100 - (1/155)
صفحة 156
هذا العالم بهذا الحدث من هذا المحدث، اعتقاد السؤال عما يلزمه في حكم هذا الحدث، ليخرج من حال ما دخل فيه وحل فيه من هذه الفريضة، التي هو متعبد بها في أصل دينه، إذا علم حكم ذلك، لأنه لا يساوي في وقوفه بين المجهول والمعلوم بوقوف الدين، ولا نعلم في هذا القول إلا وله أصل في قول المسلمين، وإن كان القول الأكثر أنه لا يلزمه في ذلك سؤال، للعذر المبسوط له في الإجماع أنه يسعه جهل ما دان بتحريمه، ما لم يركبه أو يتولى راكبه، أو يبرأ من العلماء لبراءتهم منه، أو وقف عنهم، كان محدثا وهلك بذلك، وكان عليه الدينونة بالسؤال عن. ذلك والخروج من حدثه، ولا عذر له في ذلك، وعليه الخروج في هذا، بما قدر عليه على ما وصفنا. وكل من عبر ا له ذلك كان عليه حجة، إذا غير الحق في ذلك، كائنا من كان ذلك المعبر من المعبرين، وهذا القول الآخر هو أصح معنا في هذا الباب في أصول الدين، وكل قول المسلمين صواب، وما وقع فيه الاختلاف في الرأي فخارج من أصول الدين، إلا أنه إنما هو على أصول الدين مبني، وإن لم يكن هو بعينه من أصول الدين، ولا يجوز أن يحكم بأحكام الرأي على حكم الدين، ولا يحكم بأحكام الدين على سبيل أحكام الرأي، ولا أحكام الإجماع على سبيل أحكام الاختلاف، ولا أحكام الاختلاف على سبيل أحكام الإجماع، وهذا مختلف الأحكام وإن كان الأصل يجمعه كله أنه من الحق ويرجع إلى الحق ولا مخرج له
من الحق
- 156 - (1/156)
صفحة 157
باب
الشهادة على الأحداث في وجوب البراءة
إن أحد ما تقوم به الحجة في البراءة في حكم الظاهر؛ قيام البينة على المحدث بحدثه الموجب له اسم الكفر، الموقع عليه حكم البراءة، وذلك معنا لثبوت ذلك في جملة الأحكام من الحدود وسائر أحكام الإسلام على ما يخص
،
كل حكم من ذلك من ثبوت حجة البينة فيه، من الواحد والاثنين والأربعة على الإجماع على إجازة ذلك في الأحكام، وثبوته في مخصوص ذلك ومعمومه، في جميع الأحكام المتعبد بها جميع أهل الإسلام، في الأحكام الظاهرة الواجبة على المتعبدين من عباد الله، فيهم ولهم على بعضهم بعض، حكم جامع
ثابت في كتاب الله - عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين فصل: ثم أجمع أهل العلم من أهل الاستقامة؛ أنه لا تجوز شهادة الثقاة العدول من قومنا، من جميع أهل الخلاف المتعبدين بخلاف ديننا، على أحد من المسلمين فيما يجب بشهادتهم عليه كفر، أو خروج من ولاية إلى عداوة أو وقوف، وأن شهادتهم في ذلك قلوا أو كثروا ولو كانوا بمنزلة الحسن بن أبي الحسن ومحمد بن سيرين في الثقة والعلم والأمانة معارضة ودعوى؛ لا يجوز ولا يقبل فيما يخرج المسلمين من دينهم، ويجب عليهم به براءة أو وقوف، لأنهم خصماء للمسلمين في ذلك، ولا يجوز قبول قول مدع ولا شهادة خصم، بذلك جاء الإجماع من أهل العلم من المسلمين، واختلفوا بعد ذلك في شهادتهم على أهل الاستقامة من المسلمين في الحقوق ما كان متعلقا حكمه في الأموال والأبشار ما سوى الموجبات للكفر.
وجميع
فقال من قال: لا تجوز شهادتهم عليهم في شيء من الأحكام من
- lov - (1/157)
صفحة 158
الحقوق في الأموال ولا في الأبشار، ولا في شيء من ذلك، لأنهم ليسوا ممن خاطب الله بإجزاء شهادتهم، إذ قال: ممن ترضون من الشهداء، فليسوا بمرضيين ما كانوا لدين الله خائنين، وفي شيء من دين الله مخالفين، بل هم الخائنون لدين الله المستوجبون لعداوته وعداوة المسلمين.
فصل: وقال من قال من أهل العلم: تجوز شهادتهم في الحقوق
6
ما كان ذلك متعلقا في الأموال خاصة، ولم يدخل ذلك في الأبشار ولا الفروج، مثل الديون والإقرارات والوصايا والمواريث، ويكونون حجة على المسلمين في ذلك في الأموال، ولا يلحق المسلمين في ذلك حجة في دينهم ولا تجوز شهادتهم عليهم في مثل الطلاق والعتاق والعدد وما يشبه هذا مما تدخل فيه أحكام الفروج.
وقال من قال: تجوز شهادتهم في كل ما وافقوا فيه المسلمين في أصل ما دانوا به، وعلم منهم الموافقة بالدينونة فيه للمسلمين، مما عدا ما يكفرون
به المسلمين
فصل: وقال من قال: تجوز شهادتهم عليهم في كل ما وافقوهم فيه ولم يدينوا بخلافهم، حتى أنه قد قيل: إنه تجوز شهادتهم عليهم في القود والقصاص، ويقاد بشهادتهم المسلم، ويقتص منه وهو على ولايته، لأنه
يخرج ذلك مخرج الحقوق ولا يخرج مخرج الحدود في بعض القول.
وقال. من قال: لا تجوز شهادتهم عليهم في جميع ذلك ولا فيما تتعلق به الحدود من الحقوق، مثل السرق والمحاربة التي يجب بها القطع والغُرم
وقال من قال: تجوز شهادتهم في ذلك في الحقوق، ويغرمون المال المتعلق به الحد، ولا تقام عليهم الحدود بشهادتهم، وذلك ما لا نعلم فيه اختلافا، أنه لا تجوز شهادتهم على المسلمين، لأن الحدود من المكفرات
فلا تجوز شهادتهم على المسلمين في ذلك كله، من جميع ما يجب به حد في
6
- 101 - (1/158)
صفحة 159
الدنيا، أو عذاب في الآخرة، فذلك كله لا تجوز على المسلمين شهادتهم فيما
معنا، ولا نعلم بين أهل الاستقامة في ذلك اختلافا
فصل: وأجمع المسلمون فيهما معنا - لا نعلم بينهم اختلافا ـ أن شهادة العدول من قومنا جائزة عليهم من بعضهم بعض، في جميع الحقوق والحدود والقصاص، وجميع الأحكام الجائزة بين أهل الإقرار بالإسلام، وكل فرقة منهم تجوز شهادتهم على بعضهم بعض، وعلى سائر الفرق من أهل القبلة، من الروافض والشيع والقدرية والمرجئة والخوارج، وجميع من دان بخلاف المسلمين ومفارقتهم، فشهادتهم جائزة على بعضهم بعض، إذ كانوا عدولا لأنهم أهل ملة واحدة، وأهل كفر ونفاق، يجمعهم جميعا اسم الملة والكفر والنفاق. وأجمعوا فيهما علمنا أن شهادة العدول من قومنا من أهل القبلة؛ جائزة على جميع ملل أهل الشرك، من عبدة الأوثان والنيران من أهل العهد وأهل الكتاب، في جميع الحقوق وما ثبت عليهم من الحدود، إذا كان في ذلك ثبوت حق الله وللعباد من حق أو حد، وكذلك شهادة أهل الاستقامة، ثابتة جائزة على جميع أهل القبلة من قومنا، وعلى جميع أهل الشرك، في جميع الأحكام من الحقوق والحدود، وجميع أحكام الإسلام، وشهادة أهل الإقرار بنحلة أهل الاستقامة على ضروب: فأما أهل الفضل منهم من الفقهاء في الدين فشهادتهم جائزة على بعضهم بعض في كل شيء، وعلى ضعفائهم من المسلمين، وعلى أهل العدل من أهل النحلة والثقة، وعلى الفساق من أهل الدعوة، المتمسكين بالإقرار بالنحلة، المنتهكين لما يدينون بتحريمه، وعلى جميع أهل الخلاف، وعلى جميع المتعبدين من الخليقة، المتعبدين من سائر أهل الملل من المشركين، في جميع ما قاموا به من الشهادة، ما لم ينزلوا بمنزلة دعوى أو قذف أو خصومة في وجه من الوجوه، ولا نعلم في هذا اختلافا
فصل: وأما شهادة الضعفاء من المسلمين، ممن تثبت ولايته وهو من الضعفاء في الدين وليسوا من العلماء، فأولئك شهادتهم جائزة على جميع أهل
- 109 - (1/159)
صفحة 160
الاستقامة من العلماء وغيرهم من الضعفاء وجميع أهل الإقرار بالنحلة في جميع
الأحكام.
، ما سوى الشهادة منهم على أهل الولاية، بما يجب به الكفر منهم عليهم، فإنه قد قيل في ذلك باختلاف، ولذلك معان يستدل عليها بتفسير
ذلك إن شاء الله
فصل: وأما أهل الثقة والعدل من المقرين بالنحلة، ما لم تثبت لهم ولاية، فقد قيل إن شهادتهم جائزة على نحو ما تجوز شهادة أهل الضعف، ممن تثبت ولايته في الأحكام ما سوى المكفرات، وما ينتقل به المشهود عليه عن الإيمان إلى الكفر، أو عن حال الوقوف إلى البراءة.
وقال من قال: لا تجوز شهادة أحد من أهل الإقرار بنحلة أهل الاستقامة إلا من تثبت ولايته، وإنما العدل منهم هو الولي؛ وليس دون الولي عدل، إلا أن تثبت ولايته، فيلحق بأحد الحالين؛ إما منزلة أهل العلم وإما منزلة أهل الضعف من المسلمين
منهم.
وقال من قال: إن أهل العدل والثقة من أهل النحلة والعدالة دون الولي، كل من كان معروفا بالأمانات في ظاهر أمره، من أداء الفرائض والانتهاء عن المحارم، ولا نعلم أنه مواقع كبيرة ولا مصر على صغيرة، ولا تتظاهر عليه بتهمة فيما يدينون بتحريمه من دين المسلمين، وظهرت أخلاقه وسيرته وأعماله، بموافقة قول أهل النحلة، غير أنه لم يستحق الولاية بصحة الخبرة بما يقع به حكم الموافقة، فأهل هذه الصفة تجوز شهادتهم على أهل الاستقامة من العلماء، وأهل الضعف وأهل منازلهم وأمثالهم من أهل النحلة، في جميع ما يخرج مخرج الأحكام دون الحدود والمكفرات، وهذا القول في أهل هذه الصفة أحب إلينا، لأنه وإن لم يستحقوا الولاية فليسوا
بأدنى منزلة من الثقاة في دينهم من قومنا، والذي يجب في أهل هذه الصفة من أهل النحلة؛ من نحلة أهل الاستقامة، أن تجوز شهادتهم على أمثالهم من أهل النحلة، وعلى فساق أهل الدعوة، وعلى جميع قومنا من علمائهم
- 17 - (1/160)
صفحة 161
وغيرهم من ثقاتهم، وجميع أهل الملك في جميع الأحكام من الحدود والحقوق، وجميع أحكام أهل الإسلام في الأحداث وغير ذلك، ونحب أن تجوز شهادتهم على جميع أهل الاستقامة في جميع الحقوق، وما يخرج مخرج الحكم في الأموال وجميع الحقوق، دون الحدود والمكفرات من الأحداث، من ضعفاء المسلمين وغيرهم، ما دون الحدود والمكفرات
فصل: ونحب أن تجوز شهادة قومنا، العدول منهم والثقاة في دينهم، في جميع ما وافقوا فيه أصول دين المسلمين من جميع الحقوق، وما يتعلق حكمه في الأموال خاصة، دون المكفرات والحدود والفروج والعتق، الذي يتولد منه أحكام الفروج، ومعنا أن أهل العدل والثقة من أهل نحلة المسلمين، ولو لم يجب لهم ولاية أعظم منزلة وأعلى درجة في وجوب الشهادة من علماء قومنا وأفاضلهم، وأهل العدل منهم، لأن أحكامهم أحكام أهل الاستقامة، إلا ما اختلفوا من جهل العالم بهم، بمنزلة ما يجب به
6
الموافقة من القول، ويثبت به عقد الولاية في الزمان الذي يكون فيه القول. دالا على معرفة الموافقة، لاستكمال ما تجب به الولاية لأهل النحلة من أهل
الاستقامة
وقد قال من قال من أهل العلم: إن شهادة العدول من أهل النحلة؛ تجوز على المسلمين في جميع الأحكام، من الحقوق والحدود والمكفرات ولا يخرج ذلك من أحكام العدل، لثبوت حكمهم في جملة أهل الاستقامة في التدين، ونحب القول الأول؛ أنه تجوز شهادتهم عليهم في جميع الأحكام،
أحد
6
ما خلا الحدود بعينها والمكفرات، ولا تجوز شهادة أهل هذه الصفة معنا على، ممن تثبت له ولاية من علماء المسلمين، ولا من ضعفائهم في شيء من الحدود، ولا شيء من المكفرات، فيكون اسم قد ثبت له الايمان، ينتقل عن حكم الايمان إلى وقوف أو براءة، بشهادة من لم يثبت له اسم الايمان، ولا حكم الولاية، لثبوت قول النبي صلى الله عليه وسلم: المسلمون يد على من سواهم
-171 - (1/161)
صفحة 162
يسعى بذمتهم أدناهم، ولقول الله - تبارك وتعالى - مَا عَلَى المَحْسِنِينَ مِن سبيل، وَمَا جَعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)، فمن لم يصح له الإيمان، فلا يكون له معنا سبيل على أهل الإيمان، فيما يزول عنهم به
الإيمان، ويثبت عليهم بشهادته حد في الدنيا ووعيد في الآخرة.
وقال من قال من أهل العلم: إنه لا تجوز شهادة الضعفاء من المسلمين، على الأحداث المكفرات ولا الأمور الموجبات، وإنما يجوز في ذلك شهادة العلماء من المسلمين، كما أنه لا تجوز شهادة الضعفاء من المسلمين في الولاية وفي دفع الولاية، ولا يجوز في ذلك إلا قول العلماء البصراء بالولاية والبراءة، وكذلك لا يجوز في البراءة مثله، والبراءة أعظم خطرا وأشد حذرا ألا يقلد أمرها إلا العلماء البصراء.
فصل: وقال من قال: تجوز شهادتهم على المسلمين في كل شيء، من جميع الأحكام، وجميع الحدود والحقوق والمكفرات، ولكن لا يقبل من الضعفاء الشهادة بالمجمل من الكفر والنفاق والفسق؛ حتى يتبين الشاهدان بماذا كفر المشهود عليه، ويكون ذلك الذي شهدا عليه به كفرا، وأنهما قد ذلك فلم يتب، فهنالك تجوز شهادتهما عليه في ذلك، وينتقل عن
استتاباه من حال الإيمان والوقوف إلى حال الكفر والبراءة.
وقال من قال: إنه تجوز شهادة الضعفاء من المسلمين؛ وذلك على الضعفاء من المسلمين في الأحداث المكفرات، وعلى من لا تثبت له ولاية من عدول أهل النحلة وثقاتهم وعامتهم، ممن لم يجب اسم الإيمان والولاية والفقه والعلم. من أعلام المسلمين وأئمتهم في الدين، ولا تجوز شهادة الضعفاء من المسلمين في الموجبات على علماء المسلمين، ولا على أئمتهم في الدين، ولو شهدوا بماذا أحدثوا ووصفوه، وكان ذلك مكفرا في قول المسلمين، وأنهم استتابوه من ذلك فلم يتب، فلا يكونون حجة في ذلك على علماء المسلمين
- 162 - (1/162)
صفحة 163
وأئمتهم في الدين وقال من قال: إذا بينوا ووصفوا على ما ذكرنا جازت شهادتهم على جميع من شهدوا عليه، ممن تثبت الشهادة عليه في الإسلام، إذا كانوا من أهل الولاية، وثبتت لهم الولاية واسم الإيمان. ونحب أن تجوز شهادة أهل الولاية من ضعفاء المسلمين، على أهل الولاية من الضعفاء، وعلى جميع أهل النحلة من أهل العدالة والثقة، وجميع أهل القبلة وأهل الملك، في جميع الأحكام الأحداث، إذا بين الشاهدان الحدث على ما وصفنا، وأنهما
والحدود وجميع
استتاباه
ذلك
من فلم يتب، وأما على الأئمة في الدين وعلماء المسلمين
فلا نحب أن يكون عليهم حجة في الشهادة إلا العلماء في الدين من المسلمين، فيما يكفرهم أو ينتقلون به عن ولاية إلى عداوة أو وقوف، وإنما يكون عليهم معنا في ذلك حجة في حكم الظاهر، العلماء من أهل الاستقامة في الدين، ممن يبصر الولاية والبراءة ويكون حجة في رفع الولاية، فأولئك يكونون حجة معنا في الشهادة على الأحداث، على الأئمة في الدين وعلماء المسلمين، إذا قاموا بالشهادة على وجه ما يكونون حجة في ذلك، وأما العلماء في الدين إذا كانوا على ما وصفنا، فهم الحجة في الشهادات في الأحداث المكفرات وفي الحدود والحقوق، وفي جميع ما تجوز فيه الشهادة على العلماء وعلى الأئمة، وعلى الضعفاء من المسلمين، وجميع أهل النحلة من أهل العدالة والثقة، وعلى جميع أهل القبلة، وعلى جميع أهل الملك في جميع الأحكام من أحكام الإسلام، مما تكون فيه الشهادة جائزة، ولا نعلم بين أحد من علماء المسلمين في هذا اختلافا. وأما الأئمة في الدين في هذه الشهادة، فعلى ضربين: إذا كان الإمام من العلماء في الدين الفقهاء، لحق له في ذلك ما لحق العلماء، وجازت شهادته فيما تجوز فيه شهادة العلماء
وإن كان ليس من العلماء، وكان من أهل الولاية؛ ثبت فيه وفي شهادته هو ما يثبت في شهادة الضعفاء من المسلمين، وجازت حيث تجوز شهادة
- 163 - (1/163)
صفحة 164
ولا نحب
،
الضعفاء من المسلمين وضعفت حيث ضعفت شهادة الضعفاء من المسلمين، وأما الشهادة عليه فلاحقة معنا بالشهادة على الأئمة والعلماء، أن يجوز عليه شهادة في المكفرات، والأحداث الموجبات إلا من العلماء، ولو كان هو من الضعفاء، لأنه قد عظمت منزلته في الإسلام، ولحق بدرجات الأئمة في الدين، فالشهادة منه في هذا ليست كالشهادة عليه، على ما قد بينا وهو كذلك معنا إن شاء الله
فصل: وشهادة النساء مع الرجال في الولاية والبراءة، مما تجب فيه أحكام البراءة، جائزة في أكثر قول أهل العلم من المسلمين، إلا في الزنا فإنه جاء الأثر أنه لا تجوز شهادتهن في الزنا مع الرجال، ولا نعلم أن أحدا قال إنه تجوز شهادتهن مع الرجال في الزنا.
وقد قال من قال: لا تجوز شهادتهن مع الرجال في شيء من الحدود، وتجوز في الحقوق، والأكثر من قول أهل العلم من أهل الاستقامة؛ أنه تجوز شهادتهن في جميع الأحكام مع الرجال إلا في الزنا، ولا نعلم أنه قال أحد من أهل العلم أن شهادة النساء وحدهن تجوز في شيء من الأحكام، إلا فيما لا يمكن اطلاع الرجال عليه، مثل الشهادة في العذرة والرتق والعفل وفروج النساء. وقد قيل ذلك في الرضاع وشهادة القابلة، وكل ذلك بمعنى ما لا يطلع عليه الرجال إلا الرضاع، فإنه جاء فيه الأثر أنه تجوز شهادة المرضعة وحدها على الرضاع، وعلى فعلها من ذلك، خاص في ذلك من شهادة النساء والرجال إلا ما شاء الله من ذلك، مما هو يشبه ذلك، فلما أن جازت شهادتهن في ذلك الذي وصفنا، لموضع ما لا يطلع عليه غيرهن من الرجال، لم تجز شهادتهن في الزنا خاصة، لموضع ما لا يطلعن عليه من ذلك والله أعلم. ولأنه ثبت من قول الله - عز وجل - في الأحكام في الشهادة: فإن لم يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)، فدل هذا على أنه لا تجوز شهادة النساء في الزنا لموضع أنه لا تجوز فيه إلا شهادة الأربعة، فإن لم يأتوا بالشهداء
-172 - (1/164)
صفحة 165
كما قال الله وهم أربعة، فأولئك عند الله هم الكاذبون، ولم يستثن في ذلك نساء، فلما خص الحكم في الشهادة من الله بالأربعة في الزنا خاصة، ولم يأت في غير ذلك. من الحدود والسرق والخمر والمسكر وغير ذلك من الحدود، دل معنا أن ذلك ثابت في جملة الأحكام، والموضع أن الزنا نفسه ثابت فيه الأربعة الشهداء، والشهداء مذكورون، فكان ذلك في الزنا خاصة ثابتا في الزنا خاصة، مستثنى من سائر الأحكام، وكانت سائر الحدود ثابتة في سائر الأحكام، جائزة فيه شهادة الرجلين و فَإِن لَم يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَامْرَأَتَانِ).
6
فصل: وجاء الأثر عن أهل العلم، أن شهادة المرأة جائزة وحدها في رفع الولاية، ولا نعلم أن أحدا قال إن ذلك لا يجوز إلا على وجه الاختلاف في ذلك، أنه ليس بحجة من الواحد، وإنما يكون حجة من الاثنين على وجه الشهادة في الأحكام، وقد مضى بيان ذلك في ذكر الرفيعة في الولاية، فشهادة النساء معنا جائزة في الأحداث على المكفرات بشهادة رجلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، ولا تجوز شهادتهن وحدهن في الأحداث ولا في شيء
منها.
وأما شهادة العبيد فجائزة في الولاية خاصة في رفع الولاية، ولا تجوز في أكثر قول أهل العلم من أهل الاستقامة في شيء غير الولاية، وقد أجازوا منه رفع الولاية، ومن الأمة وحدها إذا كانت ممن تبصر الولاية، ولا نعلم في ذلك اختلافا على الوجه الذي يجيز فيه رفع الولاية من الواحد، والاختلاف في ذلك من الواحد والاثنين
فصل: وأما الأعمى فقد اختلف في رفع ولايته.
فقال
من قال: لا يجوز منه رفع الولاية
وقال من قال: يجوز ذلك
-170 - (1/165)
صفحة 166
6
وقال من قال: يجوز رفع ولايته ويجوز قوله في الولاية، وأما في سائر الأحكام فلا يجوز؛ إلا فيما اختلف فيه من الشهادة على النسب بالصفة لا على العين وما أشبه ذلك، ولا تجوز شهادته في شيء من الحدود، ولا الطلاق ولا العتاق ولا شيء من الأفعال، وكذلك لا تجوز معنا شهادة العميان على شيء من الأحداث ولا شيء من الحدود ولا نعلم في ذلك اختلافا، أن شهادة الأعمى تجوز في شيء من الحدود، ولا من الأفعال، مثل الشراء ولا البيع ولا شيء من الأفعال وهو أعمى، لأن شهادته في ذلك تخرج مخرج الظنون، ولا يجوز معنا ذلك على وجه من الوجوه، فيما علمنا من قول أهل العلم ولو عظمت منزلتهم.
وأما شهادة العبيد والإماء والأصحاء الأبصار، فتخرج معنا ذلك مخرج الاختلاف، فالذي يجيز شهادة العبيد في الأحكام يجيز شهادتهم في الأحداث من الزنا وغيره، والاماء في ذلك مثل النساء الحرائر، ومن أجاز شهادة العبيد والإماء فلا نعلم دليلا يبطل قوله، لأنهم داخلون في جملة المتعبدين وفي جملة المسلمين، ولا علة تبطل شهادتهم في الإجماع.
وأما شهادة العلماء البصراء بالولاية والبراءة
فقد قال من قال: إن شهادتهم على من تجوز عليه الشهادة جائزة على إيقاع الاسم عليه من الكفر والنفاق والفسق، وأشباه ذلك من الأسماء الموصوفة المستحق بها المسمى البراءة، ويكونون حجة ويجوز قبول شهادتهم في ذلك، والبراءة ممن شهدوا عليه بذلك، إذا شهد عليه بذلك اثنان من ا العالمين فصاعدا، ولا يكلف العلماء بأحكام الولاية والبراءة تفسير ما يكفر به المشهود عليه، إذا شهدوا على اتفاق منهم على إيقاع الاسم عليه
وقال من قال: إن الشهادة على الاسم تقع موقع القذف، لأنهم يسمونه بالفسق والكفر والنفاق، فذلك إنما هو اسم لمعنى ما أتى، وليست
- 166 - (1/166)
صفحة 167
الشهادة على ما أتى مما يكفر به ويفسق، ولكن لا يقبل منهم إلا الشهادة لهم على ما دأبه كفر من المكفرات، فإذا شهدوا عليه بذلك يكفر به ويفسق، وقالوا: إن ذلك مما يكفر به أو أنهم يبرأون منه بذلك الفعل، وأن المسلمين يبرأون منه على ذلك الذي قد أتاه، وشهدوا عليه بذلك، كانوا بذلك حجة في الشهادة والفتيا، وهذا القول هو أقوى، ولا نعلم فيه اختلافا، إذا وقع في موضع ما تجب به الشهادة فيه
ومعنا أن القول الأول ليس يوهن في الحق، إذا كان العالم في شهادته
،
حجة، وإذا كان لا يلحقه أنه شهد بالكفر، إلا على أهله المستحقين له وإذا لم يكن ذلك براءة منه، وإنما كان منه شهادة على اسم سماية المشهود عليه، وهو حجة في ذلك، لموضع علمه بمواضع الأسماء بماذا يقع من الأحداث إذا ظهر منه العلم بذلك والثقة فيه.
فصل: وأما الضعفاء من المسلمين فلا تجوز شهادتهم على الاسم المسمى به المشهود عليه له، حتى يسموا ما إذا تأخرت الأحداث، ويكون ذلك على من شهد عليه في علمه، أو فيما تقوم به عليه الحجة له، بما يوجب الكفر أو البراءة، وأنهما قد استتاباه من ذلك الذي قد أتاه فلم يتب، فعلى هذا تجوز شهادة الضعفاء على من تجوز شهادتهم عليه في الأحداث، وقد مضى بيان ذلك فيما ذكرنا.
والشهادة من الضعفاء فيما لا يكون حجة على سبيل القذف، تخرج لأنه من لم يكن حجة في شيء كان مدعيا فيه أو خصما، وإذا ظهر ذلك منه، كان في أحكام الأحداث يقوم مقام القذف، فإذا لم تقم الحجة على المشهود عليه في الإجماع بتلك الشهادة، كان ذلك خارجا مخرج القذف لمن شهد عليه، إذا أهل الولاية عند من يتولاه، وبمنزلة الدعوى عند من لا يتولاه.
كان
من
وأما الشهادة من العلماء على الحدث المكفر مما يكفر به المحدث إذا بينوا
- ITV - (1/167)
صفحة 168
ذلك عليه، وأن ذلك مما يكفره أو يوجب البراءة منه، أو أن المسلمين يبرأون منه بذلك أو على ذلك، أو ما أشبه هذا من الشهادة والفتيا جميعا، فذلك حجة، ولا نعلم في ذلك اختلافا، أنهم لا يقومون في ذلك مقام القاذف بل هم في ذلك مقام الشهداء فيما علمنا بالإجماع من أهل العلم
،
وأما الضعفاء من المسلمين؛ فإذا شهدوا على الحدث المكفر ولم يبرأوا مما أتاه على ذلك ولم يفسقوه ويكفّروه، فهم حجة على المشهود عليه، وإن جهل حكم ذلك الحدث، وليس للمشهود عليه على الشهود هاهنا حجة، فإن علم كفر المشهود عليه بوجه ما رفعوا إليه من الشهادة عليه، برئ منه على ذلك وإن لم يعلم ما يجب عليه من ذلك في علمه، وقامت عليه الحجة بعلم ذلك ذلك من قول الفقهاء أو بوجه من الوجوه، كان عليه البراءة من المشهود عليه بعد أن تقوم الحجة عليه بالشهادة.
بعد
وأما إذا شهدوا عليه بالحدث وبرئوا منه أو فسقوه أو كفروه على ذلك، فإن علم المشهود عنده حكم ما شهدوا به على المشهود عليه، وبلغ علمه إليه في حكم ما يستحقه برئ منه، وإن لم يعرف ما يجب عليه على من أتى ذلك، وكان المشهود عليه ممن تولاه بعلم من المشهود، وإنما تقوم عليهم الحجة بعلمه، كانوا في حد القذفة في براءتهم من وليه وقذفهم له، مما ليسوا هم حجة فيه، من التسمية له بما لا تقوم بهم الحجة فيه، وبالبراءة من وليه قبل أن تقوم الحجة عليه بكفره مع، معه، وحجة فيما قاموا به من الشهادة أن لو لم يبرأوا ولم يفسقوا أو يكفروا، وكان هذا الموضع مبيحا من الشهود، وللمشهود عنده في وليه حكم براءة الرأي من أجل قذفهم لوليه، ما لم تقم عليه الحجة في التسمية، ووقوعها على ما يجب من أحكامها، لأنهم بالشهادة على وليه معه بما يفسقونه به، وهم حجة في الشهادة عليه أن لو كان عالما بحكم الحدث، أو قامت عليه به الحجة بعد ذلك بعلم حكم الحدث، فلو شهدوا عليه بالحدث ولم يفسقوا وليه ولم يبرأوا منه، لكان ذلك حجة عليه، وليس عليه
- ITA- (1/168)
صفحة 169
البراءة من وليه، ولا له أن يتولاه بدين، بعد قيام الحجة عليه بالحدث، ولو لم يعلم حكم الحدث، ولكن له أن يتولى وليه برأي حتى تقوم عليه الحجة بعلم كفره، أو بما تجب به البراءة منه في الحكم بذلك الحدث
فصل: فإن برئوا من وليه وفسقوه أو كفّروه، وعلم حكم القذف،
يوجب
كان له أن يبرأ ممن قذف وليه على هذا برأي، إن كان ذلك الحدث لا. على واليه البراءة، أو الكفر أو الفسق أو يتولاه وليه على مثل ذلك من الرأي.
الأسماء
وإذا شهد الضعفاء على الكفر والفسق والنفاق وما أشبه هذا من، من غير تفسير لما أحدث المحدث، كانوا بذلك في حد القذف وأحكام القذف في الأولياء في حد الدعوى في غير الأولياء، ولا تجوز شهادة قاذف ولا قول مدع، ولا حجة منهم في ذلك بوجه من الوجوه، لأن الضعفاء الحجة في تفسير الأسماء فافهموا ذلك إن شاء الله
لا تقوم بهم
ولقد اختلف القول في ثبوت الشهادة على المشهود عليه من الشهود الجائزة شهادتهم، في مواضع ما تجوز فيه شهادة الشاهدين، على من يجوز عليه من المشهود عليهم من أهل المنازل:
فقال
من قال: لا تجوز الشهادة على الأحداث في وجوب البراءات
إلا بحضرة المشهود عليه
الشاهدان،
6
كائنا
كان
من كان المشهود عليه وكائنا من وتفسير من الشاهدين أنهما عاينا من المحدث ذلك الحدث
بأعينهما، أو سمعا ذلك منه بآذانهما ويفسرا ذلك على ما لا يرتاب فيه، على ما قد ثبت في الحد في الزنا، أنه لا تجوز الشهادة فيه، حتى يشهد الشهداء أنهم رأوا ذلك من الزاني والزانية عيانا يقينا كالميل في المكحلة، فإن لم يفسروا ذلك على الزاني، لم يكونوا في ذلك حجة عليه، ولا جازت شهادتهم في الحد عليه، وكذلك في الخمر والقذف حتى يفسر الشهود ذلك، وأن القاذف المشهود عليه قذف هذا بالزنا، وأنه سمع ذلك من القاذف يقذف هذا
وجوب
- 179 - (1/169)
صفحة 170
بالزنا بلفظ يصفه الشاهد، يوجب، قذفه للمقذوف بحضرة من المشهود عليه. ثم يقام الحد بحضرة الشهود، فلعلهم يرجعون عن شهادتهم قبل أن يقام الحد على المشهود عليه، ولعل المشهود عليه يأتي بحجة يدرأ عن نفسه حقيقة ما شهد عليه به الشهود، أو يوجب هنالك شبهة فيُدْرَأ عنه الحد بالشبهة.
وقال من قال: يجوز شهادة الشاهدين على المحدث بحضرته، إذا علم أنهما أدركا الوقت الذي يشهدان عليه فيه أنه أحدث ذلك الحدث فيه، وإن لم يفسر الوقت جازت شهادتهما عليه، إذا شهدا قطعا عليه بالحدث، ولم يضيفا ذلك إلى شهرة ولا نقل شهادة عن شهادة، وكان المشهود عليه حاضرا ألا يدرأ نفسه بسبب يبطل شهادتهما، أو يضعفها بقول منه، أو يوقفهما عن، لأن الشهود إذا شهدوا على القطع أحسن بهم الظن، ولم يتهموا في شهادتهم وقلدوا ذلك، واختلفوا في الشهادة على المشهود عليه في غير
عن
شهادتهما
حضرته
فقال من قال: لا تجوز الشهادة عليه إلا في حضرته حيا كان أو ميتا، أو
عالما أو ضعيفا إماما أو عاميا من الرعية.
وقال من قال: تجوز على الحي الغائب ولا تجوز على الميت، كائنا من
كان الحي والميت
وقال من قال: تجوز على الضعيف من المسلمين الحي، ولا تجوز على العلماء والأئمة إلا بحضرتهم، كان الشهود علماء أو ضعفاء
وقال من قال: إذا كان الشهود علماء والمشهود عليهم ضعفاء، أو ممن لا تثبت له ولاية ولا عداوة، جازت شهادتهم على الحي ولم تجز شهادتهم على
الأموات.
وقال من قال: تجوز الشهادة من الشهود على الحي الغائب، ولا يبرأ
- 170 - (1/170)
صفحة 171
منه حتى يلقى ويسمع حجته، فإذا سمعت حجته فلم يدرأها بشيء منه بريء
منه هنالك، كان عالما أو ضعيفا إماما أو عاميا
فصل: وقال من قال: إنما يجوز ذلك في الضعفاء ومن لا يثبت له ولاية، وأما العلماء والأئمة فلا يجوز ذلك عليه حتى يكون ذلك بحضرتهم، والذي نختاره من هذا كله الذي ذكرناه لغير رد لقول أحد من المسلمين؛ أنه لا تقبل الشهادة على العلماء، ومن صحت له حجة العلماء، ولا على الأئمة العلماء، ولا على الأئمة المنصوبين، كانوا علماء أو دون ذلك، إلا بحضرتهم، وتفسير ما أتوا من ذلك على شهادة من شهد عليهم في ذلك من العلماء، على عيان ما أتوا أو سماع ما أتوا إن فحصوا عن ذلك، وإن لم يفحصوا عن ذلك وشهدوا قطعا بما يكونون فيه حجة في الشهادة على ما وصفنا، ولم يدرأ عن نفسه في ذلك بحجة تقبل منه، برئ منه على ذلك، ولا يقبل على العلماء والأئمة معنا إلا شهادة العلماء فيما يختاره مما قد بيناه بحضرتهم ولا يقبل في مغيبهم ذلك
•
وأما الضعفاء ومن لم تثبت له ولاية من أهل الدعوة، وممن لم نعرف منه عداوة، فنختار فيه أن تقبل عليه الشهادة من العلماء، على ما وصفنا من ضعفاء المسلمين، إذا فسروا ما أحدث، وأنهم استتابوه من ذلك فلم يتب،
فإنه يقبل منهم ذلك، ولا نحب أن يبرأ منه حتى يسمع كلا حجته، فإذا سمعت حجته على ذلك ولم يدرأ عن نفسه، برئ منه حينئذ ولو لم يكن الشهود بالحضرة حين ذلك
فصل: وأما الشهادة على الميت بالأحداث فقد اختلف في ذلك أيضا، إلا على العلماء من المسلمين والأئمة في الدين، الذين قضت لهم الشهرة بثبوت الولاية وصحة العقدة حتى ماتوا على ذلك، لم ينتقل أمرهم عن ذلك بكفر ولا وقوف ولا أمر يدخل عليهم فيه ريب ولا شبهة عند من عرف منهم ذلك، فإن الإجماع من قول أهل العلم أنه لا تجوز الشهادة على هؤلاء في
- 1 V 1 - (1/171)
صفحة 172
أسباب الأحداث في البراءات، ولا فيها تنتقل أحكامهم فيه إلى عداوة ولا وقوف فيما عرفنا، ولا نعلم في ذلك اختلافا. واختلفوا فيها سوى
هؤلاء:
فقال
قال: لا تجوز الشهادة على الأموات في الأحداث الموجبات من ولا فيما ينتقل أمرهم عن حال ما هم عليه إلى عداوة ولا وقوف عن ولاية، وكل من مات فقد ماتت حجته، والحجة عليه غير قائمة في الأحكام المتعلقة عليه في نفسه، والبراءة حكم خاص في النفس، وسواء ذلك كائنا من كان الميت، فمن لم يصح معه كفره وحدثه بعيان أو سماع أو شهرة بحدثه، لا يدفع ولا يشك فيها، فقد أثبت أمره معه على كل حال على ما هو عليه، لا ينتقل عنده حاله عن حال ما كان عليه بحجة الشهادة، ويتولى المسلمين على براءتهم ممن برئوا منه، أو شهدوا عليه بحدث مكفر، ولو كان. الأئمة من الضالين، الذين صحت ضلالتهم مع غيره، بعيان أو سماع أو شهرة ممن سلف ومات، ولم يجب عليه حكم كفره بالبيئة بالشهادة في حياته، وهذا القول هو أصح معنا، ما علمنا أنه قيل في أمر الشهادة على الأحداث على الأموات، وسواء ذلك معنا كان الميت ممن شهد عليه بخلاف الدين مما يدين به، أو بانتهاك لما يدين بتحريمه، أو كان من الأئمة المبتدعين أو الفاسقين فيما يدينون بتحريمه، فكل ذلك سواء؛ فمن لم يصح. معه حدث هذا الميت قبل موته، بعيان أو كفر أو سماع له، أو يصح معه حدثه بشهرة لا يرتاب فيها ولا في صحتها لحدثه، فهو سواء، ويلحق فيه القول على ما وصفنا. وصحة شهرة حدثه قبل موته وبعد موته سواء، ولا فرق في ذلك في صحة الشهرة عليه بحدثه في حياته ولا بعد موته
وقال من قال: إنما يجوز ذلك في أئمة الضلال من جميع الأئمة في الدين، والفُسّاق الذين فسقوا في دينهم وهم أئمة، وكانوا أئمة دعاة إلى دين الأئمة الضلال وفي دين الضلال، لا يجوز في غير هؤلاء.
الضلال؛ من
- IVY - (1/172)
صفحة 173
فصل: وقال من قال: يجوز ذلك في جميع من لم تثبت له ولاية مع المشهود عليه بذلك الحدث، ممن تجوز شهادته عليه.
الأئمة
وقال من قال: يجوز ذلك في الجميع، إلا في الأئمة في الدين وعلماء المسلمين؛ فإنه لا يجوز ذلك في هؤلاء، ولا نعلم في ذلك اختلافا؛ أنه لا يجوز ذلك في هؤلاء، فلما أن صح الإجماع أنه لا تجوز الشهادة على هؤلاء في الأئمة في الدين وفي علماء المسلمين الأموات السالفين، أشكلت الشهادة في الجميع إلا من علم من المشهود عليه أنه ليس من علماء المسلمين ولا. في الدين، فإذا لم يعلم أهو من العلماء في الدين أو ليس من العلماء في الدين، لم يجز له قبول الشهادة عليه، حتى يعلم هو أنه ليس من علماء المسلمين، ولا من الأئمة في الدين، وإذا لم يعلم هو منهم أو ليس منهم، حجر عليه قبول الشهادة عليه في الإجماع حتى يعلم أنه ليس من علماء المسلمين ولا من الأئمة
في الدين
من
فإن قال قائل: فإنه يقبل قول العلماء الشاهدين عليه بحدثه أنه ليس من العلماء ولا من الأئمة في الدين، وأنه ممن تجوز شهادتهم عليه فصل: قلنا له: العلماء هنا مُدّعون على المشهود عليه أنه ليس من الأئمة لأنهم قد صاروا خصما له حين قالوا عليه بالكفر والحدث، وادعوا أنهم ممن تجوز شهادتهم عليه، وليسوا هم ممن لا تجوز شهادتهم عليه
فإن قال
لا؛ بل هم حجة في ذلك وتقبل شهادتهم على ذلك قلنا له: أرأيت لو أن عالمين ممن قد صحت ثقتهما في دين أهل الاستقامة، وقاما مقام الحجة؛ خانا الله في بعض أحوالهما فشهدا على أبي بكر الصديق أو عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما ـ بحدث مكفّر، وسمياهما: باسميهما، وهو ممن لا يعرف أبا بكر عبد الله بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب ما هما ولا ما منزلتهما، أكان يجوز له أن يقبل قولهما عليهما حتى يعلم أنهما من
173 - (1/173)
صفحة 174
الأئمة أو لا يجوز؟
فإن قال: يجوز إذا لم يعلم أنهما من
الأئمة
قلنا له: فقد أجزت قبول الشهادة على الأئمة بالكفر، ونقضت
6
الإجماع الذي قلت أنه مجمع عليه؛ أنه لا تقبل فيهم للجهال دون العلماء فللجهال معك أن يبرأوا من العلماء والأئمة، إذا جهلوا ما يلزمهم في أمرهم، ويكون معك الجهال بالأئمة أعذر في البراءة منهم.
فإن قال: نعم؛ فقد أبطل الإجماع,
فصل: فإن قال: لا يجوز لأنهما إمامان للمسلمين جميعا، وليس كغيرهما من الناس.
قلنا له: هما إمامان للمسلمين من عرفهما ومن لم يعرفهما أو لمن عرفهما دون من لم يعرفهما.
فصل: فإن قال: هما إمامان لمن عرفهما ولمن لم يعرفهما، وحكمهما في ذلك على من عرفهما ومن لم يعرفهما، أنه لا تقبل عليهما شهادة، فقد أبطل الشهادة على الميت، إذا لم يعرف أنه ليس من الأئمة في الدين، ولا من علماء المسلمين، إذا أمكن أن يكون من الأئمة في الدين، أو من علماء المسلمين عند بعض من خصه ذلك من المسلمين ومن نزل بمنزلة ذلك مع أحد من المسلمين في الدين، وإذا ثبت هذا بالإجماع في الأئمة لم يتعر من كل مجهول من الخليقة أن يكون بأحد هاتين المنزلتين، ولا تجوز فيه الشهادة عند من جهل أمره، لإمكان ذلك فيه، ولثبوت الإجماع أنه لا يجوز فيه ولا عليه الشهادة، ومحال أن يحيط الإنسان بعلم جميع العلماء والأئمة في الدين. ومن نزل بتلك المنزلة في الدين فقد ثبت له أنه لا يقبل فيه ذلك. أحد. من المسلمين إلا من علم أنه خارج من المنزلة التي تجوز في دونه قبول الشهادة ولا تجوز الشهادة فيه بالإجماع
- IVE - (1/174)
صفحة 175
3.
فإن قال: لا يشبه أبا بكر وعمر أحد في هذا، لأنها قد قامت الحجة لهما
على الجميع
•
قلنا له: فليس معك لأحد عذر إلا بالعلم أنهما إمامان، وأنهما لا يجوز قبول ذلك فيهما، فإذا ألزمت ذلك الجميع، خرجت من الإجماع إلى الضلال، لأن عامة المسلمين لا يعلم أبا بكر وعمر ما منزلتهما، ويسلم
-
الناس بدون معرفتهما في الاجماع، وأنت قد ادعيت الباطل على المسلمين وإن قال: ليس على الناس كافة أن يعلموهما ولا منزلتهما، رجع إلى القول الأول، وأنه قد شهد عليهما الشاهدان، فلا مخرج معنا في هذا من أن لا تقبل الشهادة على الميت، إلا عند من علم أنه ليس من الأئمة في الدين، ولا من علماء المسلمين، وإذا ادعى ذلك في علم أحد أنه ليس من العلماء ولا من الأئمة، فقد ادعى ضربا من الغيب، لأنه وإن لم يعلم أنه من علماء المسلمين، فقد يمكن أن يعلم غيره ذلك، وأن يكون قد نزل بمنزلة ذلك في غير أن يعلم هو ذلك منه من لم يعلم كفره، فكل من لم يصح كفره بعيان أو سماع أو شهرة من الموت، فقد بطلت عنه حجة الشهادة عليه في أمر حدثه على هذا، إلا أن يقول إنه ما لم يعلم أنه من الأئمة، فقد أجيز له سماع البينة عليه بالحدث، فإنه يجيز على هذه البراءة من أبي بكر وعمر وجميع الأئمة من الأولين
والآخرين
فصل: فإن قال: فإن العلماء مأمونون أنهم لا يشهدون على أبي بكر
وعمر ولا على أئمة الهدى بالضلال
قيل له: فبحسن الظن بهم أبطلت حكم الاجماع، أو بحسن الظن بهم أجزت تقليدهم وإن كفروا، وبحسن الظن بهم شهدت لهم بالعصمة فيهما غاب عنك أنهم لن يكذبوا ولن يشهدوا زورا أبدا، وهذا كله باطل، بل يجوز
- IVO - (1/175)
صفحة 176
التقليد لهم فيما لا يجوز أن يكونوا فيه حجة، ولو جهل ذلك من جهله، ولا تجوز الشهادة لهم بالعصمة أبدا، وإنما يشهد بالعصمة لمن صحت رسالته أو نبوته أو حقيقة إيمانه، عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يشهد لهم بالعصمة على كل حال أنهم لا يعصون أبدا، ولا يكون منهم خطأ أبدا، وإنما
يشهد لهم بالعصمة أنهم لن يموتوا على معصية ولا خطأ ولا فتنة
فصل: فإن قال قائل: ليس الناس كلهم بمنزلة أبي بكر وعمر.
قيل له: ولكن في الناس من تجب حجته على من عرفه من المسلمين أكثر مما يجب عليه حق أبي بكر وعمر في حكم الظاهر إذا لم يعرفهما، ولكل زمان رجال، ولكل قوم هاد يهديهم إلى سبيل الرشاد، ويمنعهم عن سبيل الغي والفساد، ومن نزل بمنزلة تكون حجة فيها قام به الله على أهل زمانه من نقل الشريعة وتظاهرت له شواهد الأمانة والعلم، كان على من عرفه وقامت عليه حجته بمنزلة أبي بكر وعمر، فيما قاما به من الحق وثبت لهما من الحق، ولكل درجات مما عملوا، ولكل قوم منازل لها قد نزلوا، وعلى الكافة أن يسيروا بالعدل فيمن عرفوا أو جهلوا، وليس للجاهل أن يترك حقا قد ثبت عليه قبوله لظنه أنه باطل، ولا له أن يركب باطلا بجهله لظنه أنه حق، قامت الحجة وانقطع العذر.
قد
ويقال له: أرأيت الأمراء والأئمة في الدين من لدن أبي بكر وعمر
6 -
- رضي الله عنهما - إلى الإمام سعيد بن عبد الله العماني - رحمهما الله. والفقهاء من لدن جابر بن زيد إلى أبي معاوية عزان بن الصقر، ومن مضى
على سبيلهم ممن هو مثلهم أو أعلم منهم أو دونهم، إلا أنه يلحقه اسم الفقه الأئمة والفقهاء الذين جاء الإجماع فيهم أنه لا يقبل
هم
والعلم، أهؤلاء الشهادة عليهم بعد موتهم في الأحداث أو غيرهم وغير صفاتهم
فإن قال: بل هم هؤلاء
- IVT- (1/176)
صفحة 177
قيل له: أرأيت من لم يعرف جابر بن زيد ولا محبوب بن الرحيل
ولا محمد بن محبوب ولا عزان بن الصقر من ضعفاء المسلمين الذين تعبدهم الله بدينه، ألهم أن يقبلوا الشهادة على أحد منهم في الأحداث إذا لم يعلمه من فقهاء المسلمين ولا من الأئمة في الدين؟
فإن قال: نعم؛ له أن يقبل فيهم الشهادة إذا لم يعلمهم، رجع إلى المكابرة التي كان عليها في أبي بكر وعمر، والمغالطة والمكابرة لا تجوز. وإن قال: هؤلاء لا تجوز الشهادة فيهم لأنهم مشهورون عند الخاصة والعامة من المسلمين
قيل له: فعلى جميع المتعبدين علمهم عندك أو لكل من لم يعرفهم أن يقبل فيهم الشهادة، وتنفذ فيهم أحكام البراءة بالشهادة ممن نزل عنده بمنزلة العلماء في الدين.
فإن قال: لا؛ ولكن يقبل فيمن سواهم إذا لم يعلم أنه من الفقهاء.
قيل له: سواهم في ماذا؟
فإن قال: في الاسم والعلم.
قلنا له: يحكم بالأسماء في هذا أو بمنازل العلم؟
فإن قال: بمنازل العلم
•
عند الكافة والخاصة
قيل له
فإن قال: كل من لحقه اسم العلماء في الدين، ونزل بمنزلة العلماء في
الدين، فلا يجوز فيه هذا عند أحد
6
من المتعبدين.
قيل له: فقد وافقت في أنه لا يجوز قبول الشهادة على الميت في الأحداث
- 177 - (1/177)
صفحة 178
التي يجب بها كفره، وانتقاله عن منزلته التي تثبت له عند من عرفه وجهل ما قامت به البينة عليه، إلا بما قامت عليه البينة، لأنه لا يخلو الشخص الذي علمه أن يكون يعلم أنه ليس من العلماء في الدين، ويقطع عليه علم ذلك فيتعاطى علم ما غاب عنه في علم غيره، وفي حكم منازل الناس، أو يقبل الشهادة فيمن لا يعلم أهو من العلماء أم لا، ولا مخرج من هذا أبدا، فإن
قال: على أنه من الضعفاء موجبا عليه أنه ليس من العلماء في علم غيري
ولا يلزمه حكم الفقهاء
6
قيل له: قد راجعت قولك في الأول ولا معنى لهذا القول. ويقال له: أرأيت العلماء من المسلمين من أهل المغرب ومن أهل خراسان ومن أهل عمان في عصر وزمان كل من المسلمين في ذلك المصر، لا نعلم حكم الفقهاء في هذا المصر أللمسلمين من أهل عمان أن يقبلوا الشهادة على الفقهاء من المسلمين المذكورين إذا لم يعلموا أنهم من الفقهاء في الدين؟
فإن قال: نعم رجع إلى قوله في أبي بكر وعمر وسائر الأئمة الفقهاء
وإن قال: لا؛ لأن هؤلاء علماء الأمصار، في كل مصر علماء لا يجوز قبول الشهادة عليهم ممن جهلهم من أهل الأمصار الأخرى، لأنهم علماء وفقهاء في الدين عند المسلمين
•
قيل له: أفرأيت من جهل منزلتهم من ضعفاء أهل مصرهم وقد
ماتوا، أيجوز له أن يقبل الشهادة عليهم؟
فإن قال: نعم؛ بطل قوله الأول
6
وإن قال: لا
قيل له: فما الفرق فيمن جهل علمهم وفقههم من أهل المصر وبين من جهل ذلك من أهل بلدهم، أفرأيت من جهل علم عالم من أهل بلده ممن
- IYA- (1/178)
صفحة 179
من بعد زمانه أو ممن كان في زمانه فجهله، لموضع جهله بالعلماء، وقد
نزل العالم بمنزلة العلماء في دين الله عند أهل دينه في ذلك البلد، هل له أن يقبل فيه الشهادة ويبرأ منه فلا يجد مخرجا أبدا من أن يقر أنه يقبل الشهادة في أبي بكر وعمر وجابر بن زيد ومحبوب بن الرحيل ومحمد بن محبوب وعزان بن الصقر، ممن لم يعرفهم؛ أو لا يجيز الشهادة على ميت حتى يعلم أنه ليس من علماء المسلمين، أو يدعي علم الغيب أنه يحكم على ما لا يعلم بحكم ما يعلم، لأن حكم ما لا يعلم غير حكم ما يعلم، وليس كل من لم يعلم أنه من الفقهاء جاز أن يحكم عليه أنه ليس من الفقهاء، لأنه إذا حكم عليه بذلك حكم بأحكام الغيب، حكم بأحكام الغيب حكم بالباطل والجور وشهد
بالزور.
فصل: فإن قال: إن الناس ليسوا بعلماء حتى يعلم أنهم علماء، وله أن يحكم فيهم بأحكام ما هم عليه، حتى يصح أنهم علماء، لأن العلم حادث والجهل فيهم والضعف أزلي.
قيل له: لا يقال فيهم هكذا، ولكن يقال إن الناس علماء وضعفاء، ولا يخلو العلم منهم والضعف، ومن لم يعلم أنه عالم، فلا يجوز أن يحكم عليه بحكم الجاهل، ولا يحكم له بحكم العالم، ولكن يوقف عنه حتى يعلم أنه عالم، فيحكم عليه بحكم الحقيقة، أو يعلم أنه جاهل فيحكم فيه بالحقيقة، ولا نعلم أنه جاهل حتى يعلم أنه محدث ما يجب به حكم الجهل، وإذا علم
أنه محدث، ما لم يجب به حكم الجهل، لزم على حدثه بغير سماع بينة وكفى من علم منه ذلك مؤنة سماع البينة عليه وكلفة ذلك، وإذا لم يعلم أنا جاهل فلا يحكم عليه بحكم الجاهل، كما أن الناس كافة، من لم يعرف أمره منهم، فهو موقوف لا يحكم له بولاية ولا عداوة، حتى يعلم منه ما يوالى به فيوالى، أو يعلم منه ما يعادى به فيعادى على علم، فإن حكم على من لم يعلم منه ما يوالى بحكم العداوة، فقد حكم بغير الحق وكان من حكام الجور، ولو
- 179 - (1/179)
صفحة 180
وافق في حكمه ذلك بالعداوة عداوة عدو الله
6
فهو عند الله بذلك من
الخاسرين، ومن الظالمين في حكمه، ومن الجائرين، وكذلك من حكم على
من لم يعلم
بالجور
أنه عالم بحكم الجاهل، إذ لم يعلم أنه عالم، فقد حكم عليه.، وشهد عليه بالزور على قياد ما عليه الاجماع.
فإن قال: فإنه يجوز له أن يقبل الشهادة على من لم يعلم أنه عالم بحكم الجاهل، إذا لم يعلم أنه عالم على ما يجوز من قبول الشهادة، فإن وافق عالما
وبرئ منه على ذلك لم يسعه، وإن لم يوافق عالما كان بذلك سالما
قلنا له: وكذلك أيضا على قياد قولك أن يعادي على من لم يعلم منه
ولاية، فإن وافق من تجوز عداوته كان سالما، وإن وافق من لا تجوز عداوته عند الله كان ظالما
فإن قال: نعم؛ له ذلك، أتى بما يخالف فيه إجماع المسلمين، بل إجماع المسلمين أنه لا يعادي من لم يعلم منه ولاية ولا عداوة، وأنه عليه الوقوف عن الكافة بأسمائهم وأعيانهم، حتى يصح معه في أحد منهم ما يعادي به ويوالى به، وأنه إن أقدم على ولاية أحد بغير علم فوافق ولاية ولي الله أنه هالك، وإن أقدم على براءة من أحد بغير علم فوافق عداوة عدو الله أنه بذلك هالك، ولا نعلم في هذا اختلافا
فإن قال: فإذا يهلك معكم من أكل الأنعام والبهائم فوافق في ذلك الحلال منها. وكذلك من أكل الحلال من المواريث والبيوع والهبات.
قيل له: ليست المباحات الدالات على إباحة نفسها وحجزها نفسها، كالمحجورات الدال عليها غيرها، لأن الحلال بعينه مباح بصفته وعينه، لا يدل عليه غيره، والحرام مثله؛ دال على نفسه وعن عينه وصفته، والولاية في الشخص دال عليها غيرها وهو الإيمان، ولا يبلغ إلى علم ذلك أبدا بغير الشخص ولا بمعرفة الشخص، وكذلك لا يبلغ إلى معرفة الكفر من الشخص
- 180 - (1/180)
صفحة 181
بالشخص، ولا يبلغ إلى معرفة العداوة من الشخص إلا بالكفر النازل به، فهذا فرق ما بين الأكل للمباحات إذا وافق الحلال بغير علم، والحاكم بالولاية والعداوة في الناس، إذا وافق العداوة والولاية بغير علم منه بذلك، فهذا محجور عليه هالك، للعلة التي لم يبلغ إلى علمها من الإنسان، والآخر مباح له ما هو دال له على حلال نفسه بعينه، في حكم دين الله وحرام عليه دال على حرمة نفسه، في حكم دين الله، وبذلك يبلغ العالم به إلى
ما هو علمه
"
فصل: ويقال له: هل البراءة عندك بقبول الشهادة على الناس من
الحقوق أو الحدود؟
فإن قال: من الحقوق
قيل له: فقد قال هذا أكثر أهل العلم، إن شهادة العدول من قومنا تجوز على المسلمين في الحقوق، وأجمعوا أنه لا تجوز شهادتهم عليهم في البراءة، فقد خالفت إذا الإجماع، إذ قلت إن البراءة من الحقوق.
وإن قال: هي من الحدود
قيل له: فهل علمت أن الحدود تقبل الشهادة فيها على من غابت حجته، وتقام عليه الحدود بغير أن يحتج ويسمع حجته؟
فإن قال: نعم
قيل له: هذا ما لا نعلمه من قول المسلمين، ومعنا أن هذا باطل من قولك، إذ ثبت أن الحدود تدرأ بالشبهات، وأن الحدود لا تقام إلا بحضرة الشهود والمشهود عليه
فصل: وأما الشهادة على الشهرة في الأحداث على الأحياء في ذلك
- 181 - (1/181)
صفحة 182
والأموات، فقد قيل في ذلك باختلاف
فقال من قال: لا تجوز الشهادة على الشهرة في الأحداث لوجوب البراءات، ولا يكون ذلك إلا على السماع أو العيان أو القطع، على ما وصفنا، ولا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من الأحداث في شيء من
المكفرات
وقال من قال: يجوز ذلك على سبيل ما تجوز الشهادة على العيان والسماع، في جميع من تجوز الشهادة عليه
وقال من قال: تجوز الشهادة على الشهرة في جميع الأحداث إلا على أئمة الضلال، وأما على العامة فلا يجوز ذلك
جميع
6
ومعنا أن القول الأول هو الأصح أن الشهادة لا تجوز على الشهرة؛ في الأحداث والحدود والقصاص والقود، ولا جميع الحقوق إلا ما قد خص من ذلك، من إجازة الشهادة على الشهرة في النكاح والأنساب والموت، ولا نعلم وجها رابعا قيل فيه أنه تجوز الشهادة على الشهرة فيه، إلا ما يتولد من أسباب الموت، مثل الغرق والحرق والهدم والفقد، وما يخرج مخرج الموت، فإنه لاحق بأحكام الموت، وقد قيل إن الشهادة على الشهرة فيه جائزة، وكذلك ما يكون يخرج مخرج النكاح في شهرة الأصهار والرضاع وما أشبهه، وكذلك الشهادة على الولاء الشاهر، فإنه لاحق ملحق الأنساب، وأشباه هذا مما هو لاحق بما يشبه الموت والنكاح والأنساب، فالموت وما أشبهه، والنكاح وما أشبهه، والأنساب وما أشبهها فقد قيل إنه يجوز فيه الشهادة على الشهرة، وأما الشهادة على ما يوجب الحدود والقود أو القصاص، فلا نعلم في ذلك اختلافا، أنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من ذلك، وكذلك ما أشبه هذا فهو لاحق به ومثله، وكذلك الشهادة على الشهرة في القتل والضرب، وما يتعلق حكمه في الأبشار، فلا يثبت في
- MAY- (1/182)
صفحة 183
ذلك قود ولا قصاص ولا دية، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وكذلك الشهادة على الحقوق في جميع الأحكام، من الطلاق والعتاق والإقرار والوصايا والبيوع والشراء، وما يتولد من جميع الحقوق، فلا نعلم أن أحدا أجاز الشهادة فيه على الشهرة، ولا حكم بذلك بالشهادة على الشهرة، إلا ما خص هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها، وما أشبهها وما يتولد منها، والبراءة معنا بالحدود أشبه من النكاح والموت والأنساب، لأنه قد أجمع أهل العلم أنه لا تجوز شهادة قومنا على أحد من المسلمين في الأحداث الموجبات للكفر، ولا في شيء من الحدود، واختلفوا في شهادتهم عليهم في الموت والنسب والنكاح، فأجاز أكثر أهل العلم شهادة العدول على المسلمين في ذلك، فكانت الحدود والبراءات بمنزلة واحدة فيها أجمعوا عليه من القول في ذلك
حکمه،
فصل: وقد جاء الأثر المجمع عليه، أنه إذا وقع شيء ليس فيه حكم منصوص ثابت، من كتاب أو سنة أو إجماع، فاختلف في ذلك أنه ينظر أشبه الأشياء بذلك، فيلحق به حكمه، ولا نعلم شيئا يشبه البراءة مثل الحدود لأنها خارجة من الحقوق كلها ولا تشبهها في شيء من الأشياء، وإنما تخرج في جميع أمورها مخرج الحدود، والإجماع من قول أهل العلم، أنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في شيء من الحدود ولا الحقوق إلا ما خص ولا نعلم في ذلك اختلافا، فقد خرجت الشهادة على الشهرة وبطلت في جميع الحدود والقود والقصاص وعامة الحقوق، ولا نعلم شيئا من أحكام الإسلام يعدو معنيين: إما حدود وإما حق، فالبراءة بالحدود لاحقة، وعلى شبهها خارجة، لا ينكر ذلك أحد فيهما علمنا، إلا أن يكون على المكابرة وشهادة الشهرة معنا، على الاخبار لهذه العلل وغيرها ضعيفة، لا يقدر على إجازتها ولا الأخذ بها، غير أننا لا نخطئ أحدا من المسلمين فيما قال، ولا يرد عليه ذلك، غير أننا نختار أنه لا تجوز الشهادة على الشهرة في البراءات؛ فإذا شهد الشاهدان على أحد بحدث ممن تجوز الشهادة عليه بذلك الحدث، وبينا أن
- 183 - (1/183)
صفحة 184
ذلك من طريق ما صح معهما من الشهرة لحدثه، فلا يجوز ذلك معنا على ما قد بينا، ونحب أنه إن لم يفصحا عن ذلك، فبينا أنه عن شهرة أو شهادة، وكانا ممن تجوز شهادتهما على ما وصفنا، وكان حيا، أنه تجوز شهادتهما، وإن كان ميتا فلا تجوز شهادتهما عليه على أي حال
•
فصل: وأما الشهادة عن الشهادة على الأحداث في البراءات فإن
أخذنا عنه،
ولم نعلم أن أحدا قال: إن ذلك يجوز في
،
ذلك لا يجوز عمن البراءات نصا، إلا ما يدل على إجازة ذلك من معاني قولهم في بعض القول ولا يخرج ذلك معنا من معاني الاختلاف، لأن الشهادة عن الشهادة معنا أشبه بالشهادة على الشهرة، لموضع ما قد قيل فيها، لأن عقد قيل: إن الشهادة عن الشهادة جائز في جميع الحقوق، ولا نعلم أن أحدا من أهل العلم قال بخلاف
هذا.
فصل: وأجمعوا أنه لا تجوز الشهادة عن الشهادة في الحدود كلها، واختلفوا فيها في القتل الموجب للقود، والجروح الموجبة للقصاص
فقال من قال: لا يجوز ذلك
وقال
من قال: إن ذلك جائز، لأنه يخرج مخرج الحقوق، ولأنه قد أجاز ذلك بعض، ولا نعلم إجازه في الشهادة على الشهرة إلا ما وصفنا، من الوجوه الثلاثة الخاص لها ذلك، دون الأحكام والشهادات، وذلك يدل معنا أن الاختلاف فيه أقرب، والشهادة فيه عن الشهادة أوجب، على مذهب من أجاز الشهادة على الشهرة في الأحداث
فصل: واختيارنا وما نحبه من ذلك أنه لا تجوز الشهادة عن الشهادة في الأحداث في الأحياء والأموات، ولا في أئمة الضلال؛ لأن البراءة حد من الحدود وضرب منها، وليس معنا لها شبه إلا الحدود، فما جاز في الحدود من الشهادة، جاز فيها معنا على ما ذكرنا، مع أنه قد جاء فيها من التشديد، إذا
- 184 - (1/184)
صفحة 185
كانت الشهادة فيها على معنى البراءة، لا لغير ذلك من إقامة الحدود، لأنه لا تجوز الشهادة في الأحداث إلا من العلماء؛ على الجميع من العلماء وغيرهم، ولم يقل ذلك في الحدود من الزنا والسرق والخمر وغيرها أو يزيد، ووجدناها لا تتعلق إلا بمتعلق الحدود، بل هي أشد من الحدود، ولم نحب أن يترك فضل ما عرفنا، وعدل ما أبصرنا، فيما لزم من التمس ذلك منا أو من مذهبنا، ويتعلق بالأقاويل التي لا يبصر لها أصولا. فلا نحب أن تقبل الشهادة عن الشهادة من أحد من الناس، في أحد من الناس، كائنا الشاهد أو المشهود عليه، من الأحياء ولا الأموات ولا الحاضرين ولا الغائبين. وكذلك سبيل الشهرة والشهادة عليها معنا، أضعف وأضيق من الشهادة عن الشهادة، ولا نحب أن تقبل الشهادة على الشهرة في شيء من الأحداث أيضا في أمر البراءة، أيا كان المشهود عليه أو الشاهد، من الأحياء
من
كان
ولا الأموات. فصل: وأما الشهادة على الإقرار من المحدث بحدثه في مواضع ما وصفنا، أنه تجوز الشهادة عليه من جميع المقرّين من جميع الناس، فشهادة المشهود عليه بإقراره أنه أحدث ذلك الحدث؛ فذلك جائز عليه، ما لم يرجع
عن إقراره، فإذا رجع بطل عنه حكم الحدود، قبل أن يقع عليه أول الحد
6
من جلد أو رجم، فإذا وقع عليه أول الحد ثم رجع عن إقراره بحدثه، كان
إقراره عند الحاكم
،
أو شهدت عليه به البينة، فذلك لا تنفعه الرجعة بعد
ذلك، وتثبت عليه الحدود
وكذلك البراءة إذا وجبت عليه بإقراره بالحدث، ثم رجع كذبه، بطل عنه حكم البراءة.
من
وأما الحدود فقد قيل: إنه لا تدرأ عنه بعد إقراره، ولا ينفعه إن كان بعد إقراره أقر بذلك عند الحاكم، أو شهد به الشهود، وكذلك البراءة في ذلك سواء شهد عليه بذلك البينة على إقراره، أو أقر عند من أقر على نفسه
- 1 A 0 - (1/185)
صفحة 186
عنده، فإذا رجع عن إقراره وتاب من كذبه، رجع عن البراءة منه، ولا نعلم
في ذلك اختلافا
فصل: ولا تجوز الشهادة عليه بإقراره؛ إلا في مواضع ما تجوز عليه
الشهادة بالعيان والسماع والقطع
فإن قال قائل: فما بال البراءة، قلتم إنه متى رجع عن ذلك أن يرجع عن البراءة منه، والحدود قلتم إذا رجع عن إقراره ففيه اختلاف، ما لم يقع عليه أول الحد، والبراءة حد قد أقيمت عليه، فإذا رجع عن إقراره وقد برئ منه فلم تكن له رجعة؟
قلنا له: لأن البراءة إذا تاب من حدثه رجع إلى ولايته وإلى حالته، ولو صح عليه ذلك بعيان أو سماع أو بيئة، فمتى تاب من ذلك الحدث، رجع إلى ولايته وإلى حالته، ولو بعد سنين مذ برئ منه عليه، ولأن الحد متى وقع عليه أول سوط وأول حجر من الرجم، ثم رجع عن إقراره بطل ذلك الرجوع، وثبت عليه الحد، لأنه لو تاب من ذلك الحدث الذي يوجب عليه الحد لم يُزل ذلك عنه الحد، ولو تاب ورجع إلى ولايته، فإذا تاب من ذلك وثبت عليه الحد وزال عنه حكم البراءة، فإذا كان يزول عنه حكم البراءة بما لا يختلف فيه أنه لو تاب وثبت عليه الحد بما لا يختلف فيه أنه لو تاب لم يدرأ عنه الحد بتوبته، ولا يجوز معنا أن يثبت عليه الحكم بالبراءة في موضع ما يدرأ عنه الحد بمثله، وهو مما لا يختلف فيه من ثبوت الحد عليه يدرأ عنه البراءة به إذا تاب من حدثه، ولو صح عليه، فأحرى أنه إذا رجع عن إقراره بحدثه وتاب من كذبه على نفسه بإقراره عليها بما يزعم أنه كاذب فيه على نفسه، أن يرجع إلى الولاية إن كان وليا، وإلى حالته إن لم يكن من قبل وليا ولا عدوا، وإن كان عدوا فهو على ما هو عليه حتى يتوب مما به، وجبت عداوته بما قد عودي عليه قبل ذلك ولا يعادى بما قد صح له الخلاص منه في الحكم.
- 149 - (1/186)
صفحة 187
فصل: فإن قال قائل: فلم لا تقبلون الشهادة عن الشهادة وعلى الشهرة في الأئمة السالفين الذين قد أجمع المسلمون على تضليلهم، وتتابع على ذلك قولهم وسيرهم وأخذوه عن بعضهم بعض، لأنه لا يدرك أبدا في عصرنا إلا عن الشهادة على الشهرة أو الشهادة عن الشهادة.
قلنا له: لا تقبل الشهادة عن الشهادة ولا على الشهرة فيما لا.
يصح
معنا
،
فيه أصل يبنى عليه، ما لم يصح معنا في السالفين حكم شهرة أحداثهم ولكن نُجَامِعُ المسلمين على الولاية لهم على براءتهم ممن يبرأون منه من الأئمة السالفين، ومن جميع العالمين ما لم يصح معنا أن أحدا من المسلمين الذين يلزمنا ولايتهم؛ برئ من أحد ممن قد وجبت علينا ولايته بوجه من وجوه الحق، وشهد على أوليائنا من المسلمين إذا وافقناهم في ذلك بالولاية أنا قد وافقناهم في أصل الدين، وإن لم يوافقهم في لفظ البراءة، وفي نفس الشهادة بالقطع على من شهدوا عليه وعلى من برثوا منه، ويشهد على أنفسنا أنا إن وافقنا المسلمين بالبراءة قطعا ممن برئوا منه والشهادة قطعا على من شهدوا عليه بغير حجة تقوم لنا في أصل دين الله، أنا لهم في أصل دين الله مفارقون، وإن زعم من زعم من الجاهلين أنا لهم بذلك في الدين موافقون، للأثر المجمع عليه أنه من وقف عن أحد. من المحدثين، وتولى من برئ منه من المسلمين برئ من ذلك المحدث في أصل الدين، وأنه من وقف عن أحد ممن
فقد
وجبت ولايته في أصل الدين وتولى من تولاه من المسلمين، فقد تولى ذلك المسلم في أصل الدين، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من أهل العلم من المسلمين، ولا يصح في هذا اختلاف ولا يستقيم
فإن قال: فما تقولون فيمن برئ وقبل هذه الشهادة على الأئمة السالفين ممن قد أجمع المسلمون على البراءة منه
قلنا له: إن كانت براءة من الأئمة السالفين من أجل أن برئ المسلمون
منهم، فبرئ منهم إذ صح معهم أن المسلمين يبرأون منهم،، أو إذ قد شهر
-
187 - (1/187)
صفحة 188
معه ذلك وإذ قد شهدت معه على تلك البينة أنهم برثوا منهم، وأجمعوا على البراءة منهم أو من أحد منهم، فقد برئ على الباطل ولا يسعه معنا البراءة على هذه الصفة، ولا يتولاه على هذه الصفة، وأقل ما يفعل فيه تترك ولايته على ذلك، وإنه لحقيق بالبراءة، وقد قيل إنه يبرأ منه على ذلك، والبراءة منه أشبه من الوقوف ولا ولاية له عندنا على ذلك
فصل: وأما إن قبل الشهادة على الشهرة على وجه ما جاز ذلك ما أجازه من المسلمين، أو قبل الشهادة عن الشهادة بعلم وفعل ذلك، فلا يضيق ذلك معنا عليه، وإن كانت له معنا ولاية لم تترك ولايته، وهو معنا على حاله إن شاء الله
فإن قال: فقد تركتم إجماع المسلمين، إذ أجمعوا على البراءة ممن أجمعوا عليه وتركتم أنتم ما أجمعوا عليه
•
قلنا له: ما أحسنت النظر ولا اهتديت لسبيل أهل البصر لولا ذلك ما قلت هكذا إذا زعمت أنا تركنا الإجماع، ونحن على الإجماع من قول المسلمين، ولو وافقنا المسلمين على البراءة ممن أجمعوا على البراءة منه باسمه وعينه، من أجل إذ أجمعوا على البراءة منه من غير أن يصح معنا الذي أجمعوا على البراءة منه من أجله، وإنما معنا صح الإجماع منهم على البراءة منه، فنحن نشهد على أنفسنا أنا لو وافقناهم في البراءة ممن أجمعوا على البراءة منه أنا ممن أجمعوا على البراءة منه، ولكنا قد دخلنا في الإجماع من أمر ما يعادونا عليه، وأنا لهم بذلك مفارقين غير موافقين
فصل: فكيف وأنك تقول: أنا من إجماعهم خارجون، وفي مفارقتهم متوجلون، نعوذ بالله من خبرتك وضعف بصيرتك، إذ جعلت الإجماع على الدعوى إجماعا على الدين، وإنما سبيل إجماع المسلمين على البراءة من أحد بعينه، إذا علم ذلك منهم أحد كإجماعهم، بدعوى درهم أو دينار
- 188 - (1/188)
صفحة 189
الأئمة
فما فوقه وما دونه، مما يقع عليه الأملاك وهم مائة ألف أو يزيدون من أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ونظرائهما، وإن كانوا قليلا ولعله ليس لهما نظير في أهل القبلة، وإنما أردنا بذلك المثل لئلا تثبت الشبهة لهما من ولا من يضاهيهما، وإن كان المسلمون عظيمي الدرجات عند الله وفي دين المسلمين، والمدعى عليه مثل أبي لهب بن عبد المطلب وأبي جهل عمرو بن هشام وأمثالهما ونظرائهما، وإن كان ليس في أهل الزمان لهما نظير فادعى هؤلاء الجماعة على المدعى عليه هذه الدعوى وحضرهما أهل البر والتقوى من الحكام والعدول من أهل الإسلام، هل كان يجوز للشهود أن يشهدوا لهم على دعواهم بهذه الدعوى، إذ لا يشكون في حسن الظن بهم أن يدعوا على هذا المدعى عليه باطلا، أو هل كان للحاكم أن يقبل منهم هذه الدعوى، ويحكم لهم بها.
فإن قال: لا.
قلنا له: وكذلك براءتهم من هذا المتبرئ منه دعوى في أحكام الدعوى، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من المسلمين، وسواء ذلك سمع المسلمين يبرأون منه أو شهر معه ذلك من براءتهم، ولا يقال هذا بإجماع من المسلمين، ولا تكون البراءة من أحد من المسلمين من أحد من الناس؛ قل المتبرثون منه أو كثروا إجماعا، لأنه دعوى والدعوى لا تكون إجماعا، أحد ما به برئ المسلمون من المتبرئ منه، فإذا علم حدثه
من
إلا أن يصح مع الذي برئ المسلمون منه به، وعلم براءة العلماء منه على حدثه ذلك الذي صح معه منه، كان هذا خاصا لمن علم ذلك المحدث ومن براءة المحدث، ومن براءة المسلمين العلماء منه، وإلا فالبراءة من العلماء من أحد من الناس بعينه، بغير أن يصح معنا ما يرونه بمنزلة الدعوى منهم، فسواء قلوا أو كثروا صغروا أو كبروا، سمعنا بآذاننا ذلك أو شهر ذلك، فلا فرق بين شهرة الدعوى وسماعها، وكلها لا يجوز قبولها ولا التقليد لها لمن ادعاها،
189 - (1/189)
صفحة 190
ولا الحكم بها له، ولا الشهادة معه بها على أهلها
من
وإنما الذي يسمى إجماعا من المسلمين إذا ظهر منهم الإجماع على الحكم بالحدث الواقع مع المحدث، إذا عارضهم في ذلك من ليس عليهم بحجة من الضعفاء أو من علماء أهل الضلال، فإجماعهم على خطأ المحدث المحتمل للحق والباطل مع صحة الحدث مع من صح معه إجماع، ولا يجوز قول من خالفهم عليهم، ولو كانوا قد حكموا في ذلك في سريرتهم بالباطل وحاشاهم ذلك، ولكن لما قاموا بما كانوا فيه حجة، كانوا بذلك حجة على من علم الإجماع منهم على الحدث بالخطأ، ولا يلزم ذلك من لم يعلم كعلمهم إلا أن يشهد الحكم عليهم والإجماع منهم على كفر المحدث، وهم الحجة في الشهادة على الكفر والخطأ، فإن ذلك يقوم مقام الحجة في قيامهم بالحكم على المحدث، لأنهم الحكام والشهداء، وأما شهرة البراءة والخلع أو المفارقة، فكل ذلك يخرج مخرج الدعوى، وعلى من علم منهم ذلك أن يتولاهم على براءتهم وفراقهم وخلعهم لذلك الذي برثوا منه أو خلعوه، أو فارقوه في دينهم، فافهموا معاني دقائق الأمور، فإن الشهرة للبراءة غير الشهرة للشهادة منهم على كفر المحدث وعلى نفاقه، لأنهم إذا كانوا هم الحجة والعلماء فالشهادة منهم على كفره ونفاقه في مواضع ما يكونون فيه شهودا، فكذلك شهرة ذلك عنهم في مواضع ما يكونون فيه حجة وحكاما حجة على من علم
ذلك وله منهم
فصل: وكذلك إن شهر حكمهم على محدث بالكفر أو الضلال عن الحق، ولا نعلم العالم منهم ذلك على ماذا شهدوا، ولا على ماذا حكموا به عليه، فإجماعهم على كفره وضلاله حكما ثابتا في أكثر القول معنا، وهذا الذي وصفناه أن شهادتهم على الاسم الواقع بأهله حجة ولا يحتاجون إلى تفسير، كذلك إذا شهد منهم إيقاع الاسم بأهله فالشهرة من شهادتهم التي قضت، وحكمهم الذي نفذ ثابت على من علمه وله، إذا كانوا هم العلماء
"
- 14. - (1/190)
صفحة 191
ولم يختلفوا في تلك الشهادة ولا ذلك الحكم، وإن تكافأت شهادتهم واختلف: حكمهم بطل حكم الإجماع، وكان الحدث بحاله لا يصححه حكم البعض ولا شهادة البعض، إذا تكافأت شهادتهم واختلف حكمهم، والحدث يحتمل للحق والباطل، أو مجهول عند من صح معه اختلاف حكمهم، وتكافؤ
شهادتهم بالسماع أو بالشهرة، فذلك مزيل عنه وله حكم الاجماع. فصل: وأما إذا صح الحدث الذي لا يحتمل الحق والباطل، فكان الحدث باطلا لا مخرج لمحدثه من الباطل، فاختلف العلماء في الحكم فيه، فالموفق منهم للصواب هو الحجة، وقوله هو الإجماع، ولو كان واحدا والمخالف له هو المدعي والقاذف، ولا يقبل قول مدع ولا يصدق قاذفا، وعلى من امتحن بعلم ذلك من المحدث ومن المختلفين أن يتولى المحق منهم، ولا يجوز له أن يقف عن علماء المحقين من أجل قولهم بالحق، ولا من أجل حكمهم بالحق، ولا من أجل قيامهم بالحق، ولو خالفهم في ذلك. هو أنه نظير لهم وحجة عليهم ممن هو مثلهم في العلم والفضل، فالمحق هاهنا هو المحق، والمبطل هو المبطل، فأما المحق فلا يجوز ترك ولايته ولا الوقوف عنه ولا البراءة منه برأي ولا بدين، وأما المبطل منهم ففي أكثر القول أن قول المحق المخالف للمبطل من العلماء إذا قام بالفتيا على الجاهل للحكم، العالم باختلاف المختلفين من العلماء فيهما فيه الحق في واحد ولا يجوز الاختلاف فيه
حجة على الجاهل
من
يظن
وعليه أن يعلم من حينه ضلال الضلال وباطل المبطل بحجة الفتيا من العالم المحق، لأن المحق حجة إذا كان الحق في واحد من الاختلافين
فصل: وقد قيل: إنه لا يضيق عليه إذا أشكل عليه أمر الاختلاف وله أن يقف عن المبطل ولا يتولاه بدين، وإن تولاه برأي وسعه ذلك، وأما المحق فلا يجوز له أن يبرأ منه ولا يقف عنه من أجل ذلك برأي ولا بدين، فإن
فعل ذلك فهو هالك ولا عذر له في ذلك
- 141 - (1/191)
صفحة 192
فصل: وأما إن كان الحدث فيما يحتمل الحق والباطل، أو كان
لا يعرف أصل ما اختلفوا فيه من الحكم على المحدث، ولا من البراءة منه، فهم على اختلافهم ذلك أو براءتهم من المختلف فيه، والمتبرئ منه، فهم محقون جميعا، وهم في الولاية عند من ألزمته ولايتهم، وإن تظاهروا ببراءة المتبرئ منه وولايته، ما لم يخطئ بعضهم بعضا على ذلك، أو يقيم بعضهم بعضا على الآخر حجة تبطل بها حجته وينحل عن الإسلام، فإن برثوا من بعضهم بعضا على ذلك، فإن علم المتبرئ بالبراءة من صاحبه، كان هو المبطل المخلوع القاذف في حكم الظاهر، ويبرأ منه والمتبرئ منه بعد ذلك، إذا أظهر البراءة منه في الولاية، لأن له في الحكم أن يبرأ ممن برئ منه في حكم الظاهر، وهو ببراءته منه محق عند من غاب عنه أمرهما، والمبتدئ بالبراءة من صاحبه منهما هو المبطل والضال في حكم الظاهر، وإن لم يعرف المبتدئ منهم بالبراءة من صاحبه على ذلك، إلا أنهم تظاهروا بالبراءة من بعضهم لبعض، وقد كانوا مختلفين في الحدث الذي يحتمل صواب كل واحد منهم لموضع ما غاب من أمره أو لاحتماله أو لا يعلم منهم اختلافا في شيء حتى تظاهروا بالبراءة من بعضهم لبعض، فإن علم المبتدئ فهو المبطل وإن لم يعلم المتبرئ فالكل بحال واحد
وقد قيل فيه إنهم جميعا في الولاية حتى يعلم المحق من المبطل منهم بمنزلة المتلاعنين، وقد قيل إنهم في الوقوف حتى يعلم المحق منهم من المبطل. وقد قيل في البراءة وهو قول ضعيف شاذ من الأقاويل، وأصح الأقاويل في الحكم تبرئة الجميع ثم الوقوف يصح ذلك، وأما البراءة منهم جميعا فشاذ عندنا من أصول قول أصحابنا من أهل العلم من المسلمين
فصل: وإذا كان الاختلاف فيما لا يكون الحق فيه إلا في واحد.
والحدث لا يحتمل المخرج، وكان المختلفون في ذلك من العلماء كلهم.
،
6
والعالم المحق حجة على من خالفه وعلى من علم اختلافهما، وليس لمبطل حجة
- 192 - (1/192)
صفحة 193
على محق ولا يتكافأ الحق والباطل ولا حجة لمبطل على محق.
فصل: وكذلك إن كان الحدث لا يحتمل باطلا وإنما هو خارج مخرج الحق، فاختلف فيه العلماء وفي حكمه، والمحق من وافق الحق وهو الحجة، ولا حجة المبطل على محق من العالم، وقول العالم حجة في الفتيا، وعلى من عرف منه ذلك أن يقبل منه الحق ولا يلوي عنقه، وأقل ما يلزمه أن يتولى المحق العالم، ولا يجوز له الوقوف عنه ولا البراءة منه برأي ولا بدين، فعل ذلك هلك وأقل ما يلزمه في المبطل ولو كان عالما ممن كانت تقوم به الحجة، أن يتولاه برأي ولا بدين، فإن تولاه بدين بغير شريطة براءة في
الجملة هلك بذلك
فإن
وإن كان المبطل ضعيفا والعالم محقا والحكم مما الحق فيه واحد، فهو أضيق على الجاهل العالم باختلافهما، ويسعه ذلك في بعض القول، وإن كان المبطل هو العالم والمحق هو الضعيف من المسلمين والحق في واحد، والحدث لا يحتمل إلا معنى واحدا، ولا حجة لمبطل على محق، ولكن إن لم يبرأ الضعيف من العالم إلا أنهما اختلفا في ذلك فلا تبعة على الضعيف، ولا تجوز ولاية العالم المبطل بدين إلا على اعتقاد براءة الشريطة في بعض القول، فإن تولاه برأي وسعه ذلك والضعيف على ولايته، فإن وقف عنه بدين أو برئ منه برأي أو بدين هلك، ولكن إن وقف عنه برأي وسعه ذلك، فإن برئ
من
الضعيف من العالم المبطل من أجل باطله ولم يعلم الجاهل صواب ذلك. خطئه جاز له أن يبرأ من الضعيف هاهنا برأي الموضع إذ قذف وليه ولم يقم به
عليه حجة بفتياه ولو برئ العالم المبطل من الولي الضعيف المحق، وقد اختلفا في ذلك الذي الحق فيه واحد والمحق منهما هو الضعيف، والمبتدئ منهما بالبراءة هو العالم المبطل ثم تخالعا على ذلك، كان المبطل منهما على حال هو القاذف وعليه البراءة لازمة من أجل القذف، وتكون البراءة منه
العالم
، وهو
بدين إن علم وجه صواب ذلك، وإن برئ منه برأي وسعه ذلك، وإن ضاق
- 193 - (1/193)
صفحة 194
عن ولاية الضعيف على هذا فتولاه برأي وبرئ منه برأي من أجل براءته من العالم، لم يضق عليه ذلك، وإن برئ منه بدين هلك، وإن برئ من العالم بدين في الحال الذي يكون فيه مبطلا في جميع الحال فهو سالم، وإن كان اختلاف العالم والضعيف فيما يجوز فيه الاختلاف، وقد تقدم فيه الاختلاف،
6
وهو مما يجوز فيه الاختلاف، فالقول فيه واحد بين العالم والضعيف والعالمين وكلاهما محقان، فإن برئ العالم من الضعيف على ذلك كان مبطلا، وكانت
البراءة منه بدين
وكذلك إن برئ الضعيف من العالم على ذلك فالمبتدئ منهما بالبراءة من صاحبه هو المبطل، ولا حجة من أحدهما دون الآخر، والمخلوع من ابتدأ بالبراءة من صاحبه على الرأي، فإن جهل ذلك السامع لهما وجهل الحكم فيهما، وسعه أن يتولى المحق منهما بالدين إن عرف ذلك، وإن لم يعرف ذلك وكان المحق هو الضعيف وسعه أن يتولاهما برأي، ويقف عنهما برأي، وإن تولى العالم بالرأي إذ هو مبطل وبرئ منه برأي إذ قذف وليه وسعه ذلك، وكذلك إن برئ منه بدين وسعه ذلك، إذ هو مبطل في الأصل ولا حجة لمبطل. وأما إن كان المبطل منهما هو الضعيف، والمحق هو العالم والمبتدئ بالبراءة منهما هو الضعيف فلا يسع الوقوف عن العالم برأي ولا بدين على هذا، وهو على الولاية ولا يسع الولاية للضعيف على هذا بدين، ويسع الولاية له على هذا بالرأي فالبراءة منه بالرأي الموضع الخلع لوليه، وحكم يسع جهله ما لم يتول القاذف بدين، وتجوز ولاية القاذف بالرأي والبراءة منه بالرأي، إذا كانت له ولاية متقدمة، وإن لم يكن له ولاية متقدمة
القذف مما
جاز البراءة منه بالرأي وهو على حال الوقوف بالدين
نصل: وإن اختلف الضعيفان جميعا في الحدث الذي لا يحتمل مخرجا
من الباطل وفيما يكون الحق فيه واحد، وليس المختلفين من العلماء ولا أحدهما والمحق منهما هو الموافق للحق والمبطل منهما هو الموافق للباطل، وتجوز الولاية
- 192 - (1/194)
صفحة 195
فيهما جميعا بالرأي والوقوف عنهما بالرأي.
وتجوز البراءة من المبطل بالدين إن عرف ذلك، وإن عمي عليه فالولاية فيهما بالرأي والوقوف عنهما بالرأي، فإن برئ المحق منهما من المبطل على باطله، كانت البراءة في المحق لموضع القذف إذ هو ضعيف بالرأي ولا تجوز بالدين والوقوف عنه بالرأي، والولاية له بالرأي، والولاية للمبطل من الضعيفين بالرأي ولا تجوز فيه بالدين، ولا تستقيم فيه البراءة للضعيف قطعا بالرأي إلا على الشريطة إن كان مبطلا، وأما القاذف فيبرأ منه بالرأي إذا كان قاذفا من لم يقم بكفره على وليه الحجة به ولا بغيره من العلماء، ولأن الضعيف فيما يسع جهله ليس بحجة في الفتيا، والعالم فيما يسع جهله حجة في الفتيا وإن اختلف الضعيفان في الحدث الذي يحتمل المخرج أو في مجهول،
من
6
على ما اختلفا فيه، أو في الرأي فيما يجوز فيه الاختلاف فبرئ أحدهما. الآخر على ذلك، فالبراءة من القاذف منهما بالرأي والولاية لهما جميعا بالرأي والوقوف عنهما بالرأي واسع، فإن تولى المقذوف المحق منها بدين وسعه، وإن تولى المبطل منهما برأي وسعه وإن تولاه بدين على غير عقد براءة الشريطة لم
يسعه ذلك
الآخر
ذلك
فصل: فإن لم يعلم ما اختلفوا ولا كيف كانوا عليه حتى قذف أحدهم، وبرئ منه فبرئ المقذوف من القاذف، وجهل العالم منهم وحكمه، فالبراءة من القاذف بالرأي والوقوف عنه بالرأي، ولا تجوز الولاية له بالدين إلا على عقد البراءة في الشريطة، ولا يجوز الوقوف من المحق بالدين، ولا تجوز البراءة منه بالرأي، ولكن تجوز البراءة منه بالشريطة، والولاية له بالدين والوقوف عنه بالرأي، وإن لم يعرف حكم الاختلاف ولا على ما اختلفوا، ولا المبتدئ منهم بالبراءة من صاحبه إلا أنه برئ الضعفاء بعضهم من بعض، لا يعرف أصل ذلك منهم في ذلك، بمنزلة العلماء، والاختلاف فيهم واحد والولاية لهم في بعض القول، والوقوف في
-190 - (1/195)
صفحة 196
بعض القول، والبراءة على ما وصفنا، والولاية لهم أحب إلينا ثم الوقوف ولا نقول بالبراءة منهم، ولا يصح معنا ذلك على مذاهب المسلمين، وهذا كله إذا كان قد وجب عليه الحكم بولاية العلماء من المسلمين والضعفاء، وثبت عليه ذلك بحكم الحق، فالقول فيه على هذا، وأما إذا لم يقم عليه شواهد الحجة للعلماء بعلمهم ولا بولايتهم، وكان لا يعرف منهم ما تقوم به شواهد الحجة من العلماء، وقد ثبتت عليه ولايتهم في حكم الحق، فحكم العلماء عند هذا العالم باختلافهم حكم الضعفاء من المسلمين الذين قد ثبتت ولايتهم، وقد بينا ذلك ولو كان العلماء قد صحت منزلة علمهم عند الله وعند عامة الناس إلا هذا الإنسان، فإذا قامت عليه شواهد الحجة بعلم العالم وفضله وأمانته وموافقته للحق، فليس له أن يجهل ما لزمه من حجته، وعليه يسير فيه سيرته عند شواهد الحجة عليه في ولايته وقيام الحجة عليه في الفتيا منه، وما لم تقم عليه شواهد الحجة فليس عليه في ذلك ضيق
أن
فإذا قامت عليه شواهد الحجة لزمته الحجة ولو جهلها، ولا عذر له في جهله بها وإلا فهو معذور، والحكم عليه بعلمه، وإذا كان الاختلاف في الدين وفيها الحق فيه واحد مما لا يسع جهل علمه، فكل من غير ذلك من المختلفين فوافق الحق، كان عالما أو ضعيفا من أهل الولاية وممن لا ولاية له أو من المنافقين أو من الجاحدين، أو كان صبيا أو معتوها، فكل من غير لا يسع جهله علمه في حين ما يلزمه فيه علمه أو مما تعبد الله بعلمه، فالمعتبر لذلك
حجة على من سمعه وعليه قبول ذلك، فإن شك في ذلك هلك
•
وإذا كان الاختلاف فيما يسع جهله علمه من الدين الذي الحق فيه في واحد بين من لا ولاية له، وبين من قد وجبت عداوته من أهل الخلاف، أو من فساق أهل الدعوة، فكل ذلك مما يسعه جهل علمه، وغير متعبد فيه بعينه بشي ما لم يتول على ذلك مبطلا بدين أو بحدث لمحق في ذلك بعينه، ممن لم
يلزمه له ولاية براءة أو وقوف عنه، بدين من أجله غير وقوفه عنه في الجملة
،
أو بحكم فيه على محق فيه بباطل من أجله، ولو كان في غيره مبطلا فلا يجوز له
- 147 - (1/196)
صفحة 197
وإن جهل ذلك أن يخطئه في صوا ما قال من أجل صواب ما قال ولا تحدث له تخطئة غير ما كان قد لزمه من أجله، فهو في هذا كله ما لم يقبل باطلا أو يرد حقا، أو يخطئ محقا أو يصوّب مبطلا، أو يتولاه بدين على ذلك في حال جهله بالأشياء كلها التي يسع جهلها وجهل علمها، فهو في جميع الأشياء من ذلك ما لم يرد حقا أو يقبل باطلا أو يتول مبطلا بدين، أو يقف عن ضعيف محق بدين، أو عن عالم محق، قد وجب عليه معرف رفة علمه وفضله برأي أو بدين
w
بباطل يجهله، أو يصوب مبطلا على باطله، أو يخطئ مصيبا على صوابه، ولو كان قد تقدم خطأ المصيب في ذلك بغيره، أو تقدم صواب المخطئ قبل ذلك فهو سالم أبدا على هذا إلى أن تقوم الحجة عليه بعلمه من أي الوجوه بلغ إلى علم ذلك وأبصره، فإذا أبصره وعرف عدله وخطأ ذلك من صوابه الم يجزله يرجع بعد العلم إلى الجهل، ولا بعد اليقين إلى الشك وهو برجوعه عن ذلك وشكه غير معذور، بل مقطوع عذره وحجته في ذلك، ولو تقدم إليه
أن
صبي
علم ذلك الذي مما يسع جهله علمه على لسان معتوه أو أو مشرك، أو من حيث لا يعلم من أين علم ذلك، ولا من أين اكتسب علمه أو من إلهام، فمن أي الوجوه بلغ إليه علم ما يسع جهله من دين الله الذي تعبد به عباده ثم لزمه حكم ذلك، كان العلم دالا على ذلك الحكم، فعليه الاستدلال بعلمه ذلك وعليه العمل بعلمه به ذلك، والولاية به بعلمه ذلك والبراءة بعلمه ذلك والمحاربة والمسالمة والأمر والنهي، وجميع ما تعبده الله به في حين ما لزمه التعبد وليس له. به، ذلك وإن لم يلزمه تعبد، يكون ذلك العلم دالا عليه أن يرجع إلى الشك من نفس العلم، فإن فعل ذلك وضيع ما يلزمه العمل به مما يكون علمه ذلك حجة عليه أن لو علمه من كتاب الله أو سنة نبيه أو عن لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أو عن أفاضل العلماء، فسواء ذلك العلم، وعلمه هذا حجة عليه، في جميع ما يكون العلم حجة له وعليه، ولا نعلم في هذا الفصل من أهل العلم اختلافا بين أحد من أهل العلم من المسلمين، ولا يستقيم في الاختلاف في هذا لأن الحكم على هذا العالم يجب خطؤه وتضليله برجوعه عن
- 14 V- (1/197)
صفحة 198
العقول، لأنه متى وسع ترك العلم في شيء من دين
الله
هذا العلم من حجج. بعد علمه وقيام الحجة بعلمه، وسع ذلك في جميع دين الله وبطل العلم في دين الله، وإذا لم يسع ترك العلم في شيء من دين الله، كائنا ما كان، لم يسع في الله جميع دين، إذا علم جميع دينا الله أو شيئا من دين الله، وهذا ما لا يغيب على ذي لب إن شاء الله
- 194 - (1/198)
صفحة 199
أعدائه
يجري
الله
6
باب
التوحيد والشاك فيه وغير ذلك
، عند
إذا صح أن الله - تبارك وتعالى - لم يكلف العباد في ولاية أوليائه وعداوة صحة إلزامه لهم ولاية أوليائه وعداوة أعدائه ولم يعذرهم دون ذلك، وقد ثبت مع ذلك أن الولاية والعداوة الله على عباده في عباده لزوم المحنة فيها لهم، ونزول بليتهم فيها عند الدعاء إلى ذلك أو ذكره أو خطر ذلك بالبال، على ما يجب من لزوم ذلك عند الخاطر والذكر والدعوة، وقد ذلك في الجملة ما لم يمتحن بذلك المتعبد به المكلف له، لأنه بإقراره بالجملة كانت كافية مع الإقرار بها والعلم لمعانيها، عن جميع ما يلزمه في دين من ولاية أو براءة أو صلاة أو زكاة أو أمر أو نهي، أو قول أو عمل أو نية من طاعة الله في ذلك أو معصية، وهو سالم بذلك أبدا حتى تنزل بليته بما يوجب الله عليه فيه العمل به أو الانتهاء عنه في دينه، الذي تعبده الله به في جملته التي أقر بها أنه واجب عليه فيها في جملته، كان عليه أن يأتي بذلك الذي عليه في جملته، فإن كانت بليته في ذلك أن ينتهي عن معصية قد ابتلي بها، لا. إلا تركها في جملته، كان عليه ذلك، فإن لم ينته عنها وركبها بجهل أو بعلم أو بدين أو برأي، فقد نقض جملته التي كان معتصما بها وخرج منها ونقض عهده الذي أخذ عليه في جملته ألا يركب ذلك الذي قد نهي عنه كان ذلك بقول أو عمل أو نية.
يسعه
فصل: وإن كانت محنته مما أوجب الله عليه العمل به أو العلم له، والشهادة به وعليه والدينونة والإقرار به الله في استتمام إقراره بجملته كان عليه أن يعمل بذلك ويقر به ويشهد به له، ولا يسعه غير ذلك، فإذا كان ذلك
- 199 - (1/199)
صفحة 200
الممتحن به من دين الله وبالعمل به مما يدرك علمه من حجج العقول بغير السماع، ويمكن درك ذلك بغير عبارة من جميع الشهادة الله في دينه على عباده وفي جميع دينه، على الممتحن بذلك علم ذلك مع ذكر ذلك، أو خطور ذلك بباله أو الدعوة إلى ذلك والعلم لمعاني ذلك، فإذا خطر ذلك ببال العبد أو سمع ذكره وعرف معاني ذلك والمراد به، لم يسعه.، إلا علم ذلك والشهادة به، وعليه لله في دينه في ذاته، وله على عباده من جميع إثبات توحيده في جميع ذاته وجميع أسمائه وصفاته من نفي الأكفاء عنه والأضداد والنظراء والأنداد والصاحبة والأولاد والآباء والأجداد والشركاء والأشكال والوزراء والأمثال، وإثبات الأزلية له والقدم والربوبية والديمومة، وأنه لم يزل كائنا بلا تكوين ولا كون، ولا نصير له في ذلك ولا عون، ولا كائن قبل ذلك غيره ولا مكوّن. ولا مكان مكون ولا متكون، والشهادة له على ما سواه بالحدوث، وأنه
،
لا يشبه المحدثات في شيء من الأشياء، ولا في معنى من المعاني ولا في حال من الأحوال، لأنه. هو المحدث للمحدثات والمكوّن للمكونات، فلا يجوز أن يوصف المكون بصفة المكوّن، ولا أن يوصف المحدث بصفة المحدث ولا يشبه في شيء من الأشياء ولا في ذات ولا في صفات، تعالى الله عن شبه خلقه له وشبهه لهم علوا كبيرا.
فصل: كذلك نفي الجور عن الله - سبحانه ـ والعجز والحاجة وحلول الآفات والنقصان والزيادات والسكون والحركات والزوال والانتقال.
"
والقيام والقعود والنوم والسمود، فكل هذا منفي عن الله، فإذا خطر ببال العبد هذا وعرف معناه من أمر الله وفي الله، كان عليه أن يثبت الله ما عليه أن يثبته له، وينفي عنه ما عليه أن ينفيه عنه، ويوحد الله بتوحيده ويعرفه بكرمه وجوده، وغير منفس للعبد في السؤال عن ذلك إذا خطر بباله أو سمع بذكره دون أن يعلم ذلك من صفة الله، إذا عرف معناه والمراد به
كذلك من صفته - تبارك وتعالى - أنه لا تحويه الأقطار ولا تدركه
- 200 - (1/200)
صفحة 201
الأبصار ولا يختلف عليه الليل والنهار، ولا تغيب عنه العلانية والأسرار، ولا تتضمنه الأماكن ولا يحتاج إلى المواطن والمساكن، ولا يجري عليه القدر، ولا يحيط به الفكر، ولا يدرك بشيء من الحواس ولا برائحة ولا مساس، ولا يقاس في شيء من أمره بمقدار ولا مقياس، ولا يشبه في شيء من أمره ولا من ذاته ولا من صفاته إلى شيء من الأشياء تعالى الله عن ذلك علوا
كبيرا.
،
مثله
من
فالقول في هذا كله واحد، والمعنى فيه واحد وكذلك ما كان وأشباهه وشكله بما هو لاحق به من صفة الله - تبارك وتعالى ـ وتوحيده، كذلك ما كان من علم وعد الله ووعيده وإثبات ذلك له في عبيده، على ما يصح من ذلك ويحسن من الثبوت، لا على ما يتنافى ويبطل في صفة الجبروت وإثبات وعده ووعيده لأهل الحياة في الحياة كائنات، ووعده ووعيده لأوليائه وأعدائه ثوابا وعقابا بعد الوفاة، ولا فرق في ذلك معنا ولا شك في صفة الله - تبارك وتعالى - والعلم بالله - تبارك وتعالى ـ أنه صادق في جميع مقاله، حكيم عليم في جميع أموره وأفعاله، عادل في جميع أحكامه، بار في أقسامه، لا يجوز عليه في شيء من أموره العبث ولا اللعب ولا النصب
جميع
ولا اللغوب. وأسماء الله - تبارك وتعالى - وصفاته لا تخلو من أحد أمرين: إما أن يوصف ويسمى بما لا يجوز أن يوصف ويسمى به غيره من الموصوفين والمسمين، وإما أن يسمى ويوصف بما يجوز أن يسمى به غيره ويوصف به غيره، فلا يجوز أن يشبهه موصوف فيما وصف به، ولا مسمى فيهما سمي به، وكل شيء جاز على غيره - تبارك وتعالى - فمنفي عنه أنه مثله في ذات أو صفة أو حال أو معنى، تبارك الله وتعالى عن شبه المخلوقين وصفات المخلوقين علوا
كبيرا
نفصل: فكل ما ثبت علمه من حجة العقول من هذا ومثله فغير منفس فيه للجاهل إلى سؤال، وعلم ذلك تقوم عليه به الحجة من عقله، فما
- 201 - (1/201)
صفحة 202
كان
من
ذلك نصا ا من كتاب الله - تبارك وتعالى - فشك فيه الشاك بعد أن ذكر
له وخطر بباله أو دعي إلى معرفة ذلك كائنا من كان الداعي له إلى ذلك، فشك فيه بعد معرفة ذلك، وعلم معانيه وعلم المراد به من ذلك فشك في ذلك من التنزيل، ولو لم يعبر له ذلك معبر ولا يفسر له ذلك مفسر، فإذا شك في شيء من ذلك التنزيل الذي لا. يسعه جهله وهو من كتاب الله فهو بذلك الشك والجهل الذي لا يسعه من ذلك مشرك، وكل ما شك فيه من تأويل التنزيل الذي لا يسع جهله وهو من التأويل فشك في ذلك فهو بذلك منافق کافر نعمة، وكل ما شك فيه مما لا يسعه جهله من التنزيل أو رده من نص التنزيل، وجحده بغير تأويل ولو كان مما يسع جهل علمه، فإذا شك فيما يسعه جهله من التنزيل ولو لم تقم عليه الحجة بعبارة ذلك، ولا. سمعه من معير، فهو بذلك مشرك لاحق بأحكام الجحود، يقتل على ذلك إن لم يتب وكل ما شك فيه من كتاب الله من التنزيل مما لا تقوم الحجة فيه ولا يدرك علمه من جميع التنزيل والفرائض إلا بالعبارة والسماع، فشك فيما لا يسعه تضييع ذلك وضيعه بجهله، ولم يدن في ذلك بالسؤال ولم يهتد لإقامة اللازم من حتى ضيعه بجهله، فهو بذلك منافق كافر نعمة. وليس بمشرك ولو كان حكم ذلك من كتاب الله ما لم تقم عليه الحجة بعلم ذلك من كتاب الله، فإذا قامت عليه الحجة بعلم ذلك. من كتاب الله أنه من كتاب الله فشك في شيء من التنزيل بعد علمه بذلك، أو بعد قيام الحجة عليه بذلك التي لا بعدها حجة فهو بذلك مشرك يقتل إن لم يتب، وكل ما رده من کتاب الله من نص أو فرض جحدا بغير تأويل، ولو كان مما يسعه جهل علمه ما لم تقم عليه الحجة به
6
ذلك
فرده، كان بذلك مشركا برد كتاب الله جَهلَه أو علمه، ولا يسعه جهل ذلك
وهو مشرك بذلك يقتل إن لم يتب
فصل: وكل ما كان من كتاب الله وتنزيله مما يسع جهله أو مما لا.
يسع
جهله، فرده راد بجهله أو بعلمه بغير تأويل في ذلك يتأوله، فهو بذلك مشرك
- 202 - (1/202)
صفحة 203
يقتل إن لم يتب.
وكل ما كان من كتاب الله فتأوله متأول وهو مما يسع جهله أو مما لا. جهله، فتأول فيه متأول، فتأول الكتاب بالكتاب أو الكتاب بالسنة أو السنة بالسنة، ولم يرد ذلك جحدا بغير تأويل فوافق في ذلك تأويل ضلال عن الحق فهو بذلك منافق كافر نعمة
وكذلك كل ما رده من تأويل حق من الدين أو شك فيه بعد قيام الحجة عليه به أو شك فيما لا يسعه الشك فيه من تأويل ليس بتنزيل فهو بذلك منافق
كافر نعمة
وما شك فيه أو رده من السنة التي لا شك فيها وقد صحت عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم فشك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا منه في قوله أو ردا منه عليه بغير تأويل
فهو بذلك مشرك، لأنه من شك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد شك في قول الله ومن شك في قول الله فهو مشرك.
،
وأما من شك في ثبوت ذلك عنه، أو لم يقصد إلى رد قول رسول الله ولا إلى الشك في قوله إلا أنه من طريق الرفع عنه والقول عنه فشك في ذلك فيما يسعه الشك فيه، أو رده على غير الجحد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بذلك منافق كافر نعمة
لا
•
فصل: وكل ما ضيع من فرض لازم أو ركب محرما من كتاب الله أو سنة أو إجماع بجهل أو بعلم على غير رد لقول الله ولا لسنة رسول الله ولا شك في قول الله ولا سنة رسوله، بعد بلوغ علم ذلك إليه من قول رسول الله فهو بذلك منافق كافر نعمة لا مشرك، ولو ترك الفرائض وركب المحارم على الاعتماد لركوب ذلك، وتركه بعد علمه بفرض ذلك وسنته ولزومه، ولودان بترك ذلك وركوبه على غير جحد منه لفرضه، ولا شك منه في فرضه، إلا أنه متأول في ذلك تأويل ضلال بدينونة أو بجهالة أو انتهاك لما يدين بتحريمه،
- 203 - (1/203)
صفحة 204
فكل ذلك يكفر به كفر نعمة لا كفر شرك. وكل دائن مدع في دين الله متأول شيئا من أصول دين الله بشيء من أصول دين الله، أو متعلق بشيء من التدين لا جاحد لما يدين بتحريمه بتركه أو ركوبه، وإنما يضيف ذلك إلى التدين الله فلم يوافق في ذلك ردا لكتاب الله نصا، أو قول رسول الله نصا، فهو بذلك كافر نعمة لا مشرك.
وكل جاحد لقول الله - تبارك وتعالى -، أو لقول رسوله نصا لا يتعلق في ذلك بتأويل ولا مخرج له في ذلك في الدين أنه يخرج قوله في ذلك
على تأويل شيء من دين الله فهو بذلك مشرك، وأما راد الإجماع والشاك فيه فإنما رد التأويل لكتاب الله والتأويل لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد الكتاب ولا السنة إلا أن يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل إن الله لا يجمع أمتي على ضلال، ولا يتأول في ذلك تأويلا يكون له في ذلك عذر ومخرج من الجحود فذلك راد لقول رسول الله نصا، والراد لقول رسول الله كالراد لقول الله، إذا لم يتأول في ذلك تأويلا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا فهو بذلك مشرك.
6
ومما تقوم به الحجة من علم العقول من دين الله - تبارك وتعالى ـ ومن صفته، إذا خطر بالبال أو سمع بذكره علم العبد أن الله يقبل التوبة عن عباده، من تاب إليه منهم من ذنبه ومعصيته له، ويعفو عن السيئات لمن تاب إلى الله من الكبائر والإصرار على السيئات، وأن الله يعلم ما يفعل جميع خلقه، وأن الله يعلم سرهم وجهرهم ويعلم ما يكسبون
فصل: وكذلك مما لا يسع جهله إذا خطر بالبال أو سمع بذكره أن يعلم العبد أنه مذ خلقه الله وقد علم أنه كافر وعدو له، أنه لا يرجع مؤمنا أبدا ولا يرجع وليا له أبدا، ولا يكون إلا عدوا الله، كما قد علم الله أنه له وكافر، كما قد علم الله أنه كافر في علم الله، وأن علم الله فيه لا يتحول ولا يقدر هو أن يتحول عن علم الله فيه، وأنه واصل وبالغ إلى جميع ما قد
عدو
- 204 - (1/204)
صفحة 205
علم الله أنه بالغه وواصله في ذات الدنيا والدين، وهذا مما لا يسع جهله وهذا بحر لا يكاد أن يُعبر ولا يستطاع أن يوصف ويذكر، ولكنه بعضه من بعض وبعضه مصدق لبعض، وبعضه شاهد على بعض، وكل ما جاء من دين الله مما يخرج فيه المعنى إلى أن يكون من صفة الله - تبارك وتعالى ـ، فهو مثل هذا، ولا يسع الجاهل جهله عند خطور ذلك بباله، أو سماع ذلك بإذنه، وعلم معاني ذلك والمراد به، ولو جهل وجوب ذلك فغير معذور في ذلك ولا منفس له
في السؤال عنه لبار ولا فاجر، ولا مؤمن ولا كافر ولا عالم ولا جاهل.
6
ولا غائب ولا حاضر، وهو هالك بجهل ذلك في وقته وساعته ولا توبة له ولا مخرج له من الهلكة إلا بعلم ذلك والرجوع إلى علمه مع التوبة من جهل ومن الشك فيه. وكلما قامت عليه في ذلك الحجج من المعبرين كان أعظم الحجة عليه، وكل من عبر له ذلك زاده الله بذلك حجة عليه، وازداد بذلك جهلا وضلالا؛ كان المعبر له ذلك صغيرا أو كبيرا، بارا أو فاجرا،
ذلك
مقرا أو منكرا وكذلك من أعظم حجج الله، ومما تقوم به الحجة في العقل إذا خطر بالبال أو سمع بذكره أو دعي إليه العبد، علم ثواب الله - تبارك وتعالى ـ لأهل طاعته على طاعته، لأنه لا يحسن في العقل أن يكون الله - تبارك وتعالى ـ خلق خلقا عبثا لا لحاجة منه إليهم، ولا لينتفع بهم ولا ليقوى. بهم على شيء من ذاته ولا من ذواتهم، ولا لحاجة منه إليهم في معنى من المعاني، ولا في وجه من هذا أنه هكذا الوجوه، فلما صح صح أنه - تبارك وتعالى - إنما خلق خلقه لما قد سبق في علمه ومشيئته أنه ينفع بعض خلقه ببعض، وأن بعضهم مضرة لبعض، وأن بعضهم حجة لبعض، وأن بعضهم حجة على بعض، لا يكون في العقول بهذه الصفة إلا ملك قادر غني حميد، وأنه لا يكون الملك الغني القادر إلا مطاعا، ولا تكون الطاعة للمطاع إلا بأمر ونهي من الأمر
الناهي
وأنه
- 205 - (1/205)
صفحة 206
ولا يجوز أن يكون الآمر الناهي القادر الغني الحميد يأمر وينهي إلا وقد سبق في علمه - تبارك وتعالى - أنه يطاع في أمره ونهيه ويعصى في ذلك، ولا يجوز في صفة القادر العزيز أن يعصى في أمره ونهيه ولا يعاقب على معصيته ولا يثيب على طاعته، وهو غني حميد، ومتى حَسُن في العقل في صفة الله أنه يساوي بين من أطاعه ومن عصاه في ثوابه وعقابه، لم يصح أنه حليم حكيم ولا قادر ولا كريم، لأن القادر والكريم من صفته أن يعاقب من عصاه بقدرته ويثيب من أطاعه بجوده وكرمه، ولا يستقيم هذا إلا هكذا، وإلا فإذا جاز أن الأمر والنهي كان عبثا لا لمعنى أريد به، جاز العبث عليه، والعابث لا يكون حكيما، فإذا صح الأمر والنهي بغير علم تقدم وسبق من الآمر الناهي لماذا أمر ونهى، ولماذا يطاع ولماذا يعصى، جاز أن يكون الآمر الناهي جاهلا لماذا أمر ونهى، وهذا كله لا يجوز في صفة الله - تبارك وتعالى ـ إلا على ما وصفنا، تبارك الله وتعالى علوا كبيرا.
فصل: وإذا ثبت علم الوعد والثواب لأهل طاعة الله على طاعته من حجج العقول، وثبت علم الوعيد والعقاب لأهل معصية الله على معصيته من مثل ذلك، ثبت أن الله - تبارك وتعالى - لا يعاقب على معصية إلا من استحق سخطه وبغضه وعداوته، وأي ذلك من أحد الأمور علم العالم أن الله ساخط أو مبغض أو معادي لأهل معصيته على معصيته، فقد أثبت عداوة الله لأهل معصيته، وإذا أثبت عداوة الله لأهل معصيته على معصيته، فقد أثبت حكم الله لأهل عداوته، ولو لم يبرأ بلسانه، ما لم يجهل ذلك كله وعلم
البراءة من معانيه، فيشك في ذلك من صفة الله - تبارك وتعالى -، فلا يدري إذا خطر بباله أو سمع بذكره أو دعي إليه، أيثيب الله على معصيته أهل معصيته أو يعاقبهم، أو يثيب أهل طاعته على طاعته أو يعاقبهم، أو يعاقب على معصيته أو لا يعاقب من عصاه، أو يثيب على طاعته من أطاعه أو لا يثيب، فإذا شك في هذا فلم يميز علم ذلك، كان بذلك هالكا
- 206 - (1/206)
صفحة 207
وكذلك إن جهل أو شك؛ أيثيب الله أولياءه وأهل طاعته أو يعاقبهم.
ويحبهم على معصيته أو يبغضهم، أو يسخط عليهم في ذلك أو يرضى عنهم،
،
أو يعاديهم أو يواليهم، فإذا شك في هذا إذا خطر بباله أو سمع بذكره أو دعي إليه كان بذلك هالكا، وإذا أثبت وعلم أن الله ساخط ومعادي أو مبغض على معصيته من عصاه، وموالي أو محب أو راضي على طاعته من أطاعه، فقد ثبت حكم الولاية والبراءة في الجملة وفي تفسير الجملة، لأنه بالجملة قد أثبت أحكام دين الله - تبارك وتعالى -، وكان ذلك كافيا له عن تفسير ذلك، ما لم يخطر ذلك بباله أو سمع بذكره أو يدعى إليه أو أعلم به وعرف معاني ذلك والمراد به، فإذا خطر ذلك بباله أو سمع بذكره أو دعي إليه أو علم به وعرف معاني ذلك والمراد به لم يسعه إلا علم ذلك وإثباته على وجه ما يكون مثبتا لوعد الله ووعيده على طاعته ومعصيته، وثوابه وعقابه وعداوته وولايته ومحبته وبغضه ورضاه وسخطه، ولا يجوز الشك في ذلك ولا الريب فيه، ولا جهل ذلك ولا وصفه على غير معانيه، فثبتت أحكام الولاية والبراءة في أصل دين الله في أصول ما لا يسع جهله، وفي تفسير الجملة، ومن أحكام صفة الله تبارك وتعالى -، ومن حجج العقول، ولم يجز غير ذلك في صفة الله - تبارك
وتعالى ـ، وهذا الموضع هو من جملة الولاية والبراءة ومن تفسير جملتها فأحكام الولاية والبراءة في دين الله تخرج من حكم كتاب الله - تبارك وتعالى ـ ومن سنة رسوله ومن إجماع المسلمين ومن حجج العقول على غير ما تأولته الملبسة، وعلى غير ما تكلفته المتكلفة وكلفوه ضعفاء المسلمين. وكما لا يجوز أن يخالف أحكام الدين في الوضوء والصلاة والصوم والزكاة، كذلك لا يجوز أن يخالف أحكام دين الله في الولاية والبراءة، بل لا يجوز إلا أن ينزل كل فصل من دين الله في منزلة، ويلزم كلا من العباد ما يلزمه منه من قول أو عمل أو نية أو شهادة أو معرفة. فإذا خالف العالم أو الجاهل أصول ذلك بعلم
أو بجهل أو بدين أو برأي لم يسعه ذلك، وكان بذلك هالكا
- 207 - (1/207)
صفحة 208
فصل: وكذلك كل منزلة من الإيمان لم يسع العبد جهلها وجهل
لا بع
العلم بها، فعليه أن يعلم إذا خطر بباله ذلك أو سمع ذكره أو دعي إلى ذلك وعرف معناه والمراد به أنه لا سلامة له من المعصية الله - تبارك وتعالى ـ ولا من عداوته وسخطه إلا بالعلم بذلك والإقرار به والدينونة به على ما يقع له من علم ذلك، وأنه إذا أقر بذلك ودان به الله - تبارك وتعالى ـ؛ فقد خرج من معصية الله - تبارك وتعالى ـ، ومن سخط الله وعداوته، لأنه لا يصح أن يكون حال واحد يشهد به على نفسه أنه إن أتاه كان عاصيا حتى يكون عليه أن يعلم أنه إذا لم يأته كان مطيعا في ذلك، وأن الله لا يسخط عليه ولا يعاديه ولا يعاقبه على فعل ذلك وتركه معا جميعا، فإما أن يعاقبه على تركه إذا تركه ويثيبه على فعله إذا فعله، وكذلك يواليه ويرضى عنه على فعل ذلك، الذي يعاقبه ويسخط عليه على تركه. وعليه كما يشهد لنفسه أن يشهد به على غيره ممن هو مثله من المكلفين بدين الله، وكذلك كل منزلة من الكفر والمعصية العبد جهلها ولا الشك فيها من المعاصي التي لا يسع جهلها، فكل ما كان عليه أن يدين به من ذلك، يوجب عليه أن يعلم أنه لا سلامة له من المعصية لله والعداوة إلا بترك تلك المعصية أو العمل بتلك الطاعة مما لا. جهله، وعليه أن يعلم من حجة العقل في كل ما كان عليه العلم فيه ولا يسعه الشك في ذلك، فعليه أن يعلم أن علم الله في المكلفين كعلمه لنفسه، وأن يشهد على غيره ممن هو مثله بمثل ما عليه أن يشهد به على نفسه، ويشهد الغيره فيه من المكلفين ممن هو مثله بمثل ما يشهد لنفسه فيه من إيمان أو كفر أو طاعة أو معصية من قول أو عمل أو نية. وأصل ذلك كله أنه كل ما لم يسع جهله من الطاعة لم يسع جهل علم طاعة من أتاه وعمل به وقال به وعلمه واعتقده وشهد الله - تبارك وتعالى. -، كان القائل له والعامل به والشاهد له وعليه هو الذي يشهد به لنفسه أو لغيره من المكلفين ممن هو. مثله من المتعبدين، وعليه أن يشهد لغيره كما يشهد لنفسه في أداء الطاعة فيما كلفه، لأنه لا يجهل حال المعصية منه أو من غيره من حال الطاعة، وحال ما يستحق به السخط أو
به
يسع
- YA- (1/208)
صفحة 209
العقوبة من حال الرضا والثواب، وهذا مما تقوم به الحجة في الدين من. العقول، ولا يعذر في ذلك الجاهل ولا الواقف السائل، وعليه علم ذلك وأحكامه مع وقوفه على معانيه ولو لم تبلغه الحجة من سماع ولا نظر ولا أثر. فافهموا - رحمكم الله - هذا الفصل الجليل من أحكام الولاية والبراءة فإن له عبارة وتفسيرا طويلا وحكما في دين الله ثابتا أصيلا، والعالم به حائز كثيرا من العلم غير قليل
- Y.A- (1/209)
صفحة 210
باب
ذكر الإمامين سعيد بن عبدالله وراشد بن الوليد
(رحم
الله أئمة المسلمين وجزاهم عن الإسلام خيرا)
لا نعلم من أهل النحلة والدار إجماعا على أحد من الأئمة المنصوبين من أئمة المسلمين من عهد عبدالملك بن حميد إلى يومنا هذا بولاية، إلا أنا نرجو أنهم مجمعون على ولاية الامام أبي القاسم سعيد بن عبدالله ـ رحمه الله ـ، ولا نعلم من أهل المنازل الثلاث أن أحدا طعن ولا ومن ولا ارتاب في فضل وولاية الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب ـ رحمهما الله -، وقد عرفنا عن أبي محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر - رحمه الله ـ أنه قال: لا نعلم في أئمة المسلمين كلهم بعمان أفضل من سعيد بن عبدالله؛ لأنه كان إمام عدل وعالما، وقد قتل شهيدا، إلا أن يكون الجلندى بن مسعود فإنه لعله مثله، أو بعض ما قد قال أبو محمد - رحمه الله - في ذلك، غير أنه لم يضاه به أحدا إلا الجلندى بن مسعود - رحمه الله. فالله أعلم قال إلا الجلندى أفضل منه أو قال: إلا الجلندى فإنه لعله مثله أو يلحق به.
وأما الذي عرفنا عن الشيخ أبي إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر رحمه الله - أنه قال: إن الإمام - رحمه الله - سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب أفضل من الامام الجلندى بن مسعود ـ رحمه الله -، وما أحقه بذلك - رحمه الله -، لأنه كان إماما عادلا صحيح الإمامة من أهل الاستقامة، يفوق أهل زمانه أو كثيرا منهم في العلم، ومع ذلك قتل شهيدا في ظاهر أمره ـ رحمه الله وغفر له وجزاه عنا وعن الإسلام أفضل ما جزى إماما عن رعيته -. وكان أبو محمد عبد الله بن محمد أبي المؤثر من بقايا أصحابه العاقدين له
- 210 - (1/210)
صفحة 211
الإمامة، وأولهم فيما صح معنا أبو محمد بن الحواري بن عثمان وأبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر وقد قال لنا ابنه محمد إن بيعة الإمام أبي القاسم سعيد بن عبدالله جرت على الدفاع لا على الشرى، فلا نعلم أنه على قبوله لإمامة الدفاع والمحاربة على ذلك والمسير في الأرض، نقم عليه ناقم في ذلك من أهل الجهل ولا عالم، فمضى على ذلك ـ رحمه الله ـ.
وكان أبو محمد عبدالله بن محمد يثني عليه في العلم ما لا يبلغ إلى صفة ذلك. وقد أخبرنا من لا نتوهم عليه ولا نتهمه بتحريف ولا تكليف أن أبا عبدالله محمد بن روح - رحمه الله - قال: كان الإمام سعيد بن عبدالله أعلم الجماعة الذين كانوا معه، وقد كان معه من أصحابه أبو محمد الحواري بن عثمان وعبدالله بن محمد بن الحسن ومحمد بن زائدة، مع نفر لا ينكر في الدار فضلهم ولا يجهل عدلهم، فبان أنه كان أعلم الجماعة بما ظهر من أمره، فتظاهرت الأمور معنا من أهل الدار ممن ينتحل نحلة الحق على الإجماع على ولايته فهو ولينا وإمامنا إن شاء الله
فصل: ومضى الإمام سعيد بن عبد الله - رحمه الله -، ولا نعلم أن أحدا يتكلم له في عقد إمامة بعيب ولا في سير ولا ترك ولاية، ومعنا أنه مات على إمامته ولم تزل عنه، فهو إمام لنا وولي لنا - رحمه الله -.
وأما الإمام راشد بن الوليد فقد كانت عقدة إمامته ثابتة صحيحة، وكانت سيرته مستقيمة وأموره كلها بحمد الله سليمة، وكانت بيعته ـ رحمه الله - على الدفاع. وكان أول من بايع له على الإمامة أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر مع جماعة معه؛ هم في زمانهم كأمثال المبايعين لسعيد بن عبدالله في أيامهم، الظاهر عليهم انتحال نحلة الحق والدينونة بدين أهل الاستقامة، وكانوا أفاضل من حضر، لا نعلم من أحدهم دينونة ببدعة ولا ارتكابا لكبيرة ولا إصرارا على صغيرة ولا مقيما على ما يدين بتحريمه، ولم يكن في حضرتهم من هو أعلم منهم في ظاهر الأمر ولا من شاكلهم، وقد
- 211 - (1/211)
صفحة 212
أشاروا على من قدروا على مشورته في وقتهم، ممن هو أعلم منهم أو مثلهم
،
ولم يغير عليهم ذلك ولم ينكره، ولم يدخلوا في أمر تلك الإمامة على سبيل مكابرة لأحد. من علماء المسلمين ولا استبداد برأيهم دون رأي من قدروا على مشورته من أهل العلم والفضل من أهل المصر.
وكان الإمام راشد بن الوليد - فيما بلغنا - أنه يبرأ من موسى بن موسى وراشد بن النضر، وكان من العاقدين له ممن معنا أنه يبرأ منهما عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر، وأبو مسعود النعمان بن عبد الحميد وأبو محمد عبدالله بن
محمد بن شيخة
وكان ممن حضر بيعته ممن معنا أنه يقف عن موسي بن موسي وراشد أبو عثمان بن مشقي بن راشد، وأبو محمد عبدالله بن محمد بن صالح وأبو المنذر أبي محمد بن روح، وكان هؤلاء في تلك الجماعة التي حضرت ذلك الوقت هم المنظور إليهم والمشار عليهم، كنحو ما كانت الجماعة التي حضرت بيعة الإمام سعيد بن عبدالله في زمانهم وأيامهم، مع أهل زمانهم وأهل أيامهم، ولا ينكر أهل المعرفة بهم فضلهم ولا يجهلون عدلهم، ولا يجدون في حضرتهم من أهل نحلتهم مثلهم، ولكل زمان رجال ولكل مقام مقال، وكل أهل طرف من أهل الأرض مؤتمنون على دينهم، غير مكلفين فيما لهم فيه الأمانة والحجة حضر أو غاب عنهم من أهل دينهم، ولا موضوع عنهم فعل ما لزمهم فعله لعدم من هو أفضل منهم من أهل كان المعدوم منهم في ذلك بموت أو غيبة، فالحجة ممن حضر قائمة على من غاب أو شهد، وليس للشاهد أن يغيّر ولا للغائب أن ينكر ولا للداخل أن يخرج ولا للقائل أن يرجع، وقد قامت الحجة على من حضر أ أو غاب جاء الأثر المجمع عليه، وقد كانت تلك الجماعة قبل ذلك قد عرفوا من بعضهم لبعض وعلى بعضهم لبعض، وتعاتبوا في أمر موسى بن موسى وراشد بن النضر فيها عزموا على عقد الإمامة لراشد بن الوليد
دينهم
6
6
بذلك
- 212 - (1/212)
صفحة 213
باب
الفرق في حكم الإمام في الأحداث وشهادته وثبوت كفر من أقام عليه الحد وحاربه .. ومن لا يثبت كفره وما كان من التعزير والحبس بحكم الامام
وما يجب كفر من أقر بذلك ومن أنكر أو لم يصح عليه الامام الحدث
لو اختلف الأعلام والإمام في ثبوت الحكم في الحدث وهو مما يحتمل الحق والباطل ولم يصح الحدث، فالأعلام من علماء المسلمين أولى بالحكم في الدين في البراءات والأحكام في الشهادات على المكفرات والولايات، ولا يضاد الإمام الأعلام في هذا الباب ولا يكون خلافه لهم خلافا في ذلك فصل: ولو شهد عليه الإمام بالكفر من غير أن يثبت عليه في حكمه ما يكون مكفرا، لم يكن ذلك بموجب عليه حكم الكفر، وليس الإمام في هذا بمنزلة الأعلام، لأن شهادة الإمام من المكفرات بغير ثبوت حكم منه بالكفر، إنما تكون شهادة واحدة لا تكون حجة. وإذا ثبت من الامام العدل الحكم على المحدث بما يكون الحكم على مكفر وكان الامام عدلا ثبت كفر المحدث ولو لم يصح الكفر بشهرة ولا بشهادة غير فعل الإمام، وذلك أنه يثبت من الإمام الحد عليه من الزنا والقذف أو الخمر أو المسكر، فإذا صح الحكم من الإمام بالشهرة أو بالمعاينة ممن عاين ذلك من حكم الإمام، فذلك مما يثبت كفر المحدث، ولو لم يصح عليه بينة ولا شهرة بحدثه ولا بسماع ولا بمعاينة، لأن ثبوت الحدود في حكم دين الله وأهل دين من المكفرات، ولو كان
الله
الإمام قد حكم عليه بالحد في سريرة الإمام، ظالماله، وكان هو
المخلصين، من ذلك الحد وفي جميع أحكام الدين
عند الله
من
- 213 - (1/213)
صفحة 214
ما صح
ظالما له قتله
فصل: كذلك إذا صح أنه قتل حربا للإمام ولأهل الإسلام ممن كان حجة الله في الدين، فمن صح أنه قتل حربا للإمام أو لأحد من سراياه الذي ثبت حكمه بحكم الإمام، كان ذلك موجبا لكفره في ذلك الحكم، وعلى أنه حجة الله، ولو لم يصح على ما قتل، ولو كان قتل في سريرته محقا من من حجج الله - تبارك وتعالى -، وهذا من أحكام الإمام جائز وثابت كفر من كان حربا للامام أو لأهل الإسلام ممن كان حجة الله في ذلك الحكم من الأحكام وعلى ما صح أنه حجة الله في الإسلام، وكل من حجة الله حربا له فقد صح كفره لمحاربته أهل الإسلام، وكذلك من صح محاربته من حجج الإسلام ولو لم يقتل على ذلك ولم يقتل فهو حرب الله وواجب كفره إذا صح صح ذلك منه بما لا يحتمل فيه مخرجا من مخارج الحق.
قتلته
فصل: ولو صح أن الإمام قتله قودا بغيره من أهل الإقرار، وصح قتله بالقود من الإمام أو من حجة من حجج الإسلام لم يكن ذلك بموجب لكفره ولا فسقه، ولو لم تصح توبته قبل القود، لأن القود قد يثبت على القاتل وهو محق في القتل، ولا يصح له ما قد وجب من عذره في قتل من قتله فيجب عليه القود في الحكم، وهو محق في السريرة فهو محق في الولاية، ولو كان قد قتله بغير حق وكان كافرا بقتله باغيا فهو في الولاية ما لم يصح ذلك
قتل من
منه
ولو شهد الإمام على رجل بالكفر حين أخرجه للقتل وقتله على وجه القود والحكم، لم يكن ذلك بموجب لكفره، ولو شهد ذلك عن الامام أنه شهد على من قتله بالكفر، لم يكن ذلك موجبا لكفر المقتول، لأن الإمام حجة في القتل وليس بحجة في الشهادة بالكفر، فلما أن كان حجة في الحكم؛ كان ما وجب من حجته في حكم ما، يكون ذلك الحكم موجبا لكفر من قام عليه، كان صحة حكم الإمام عليه موجبا لكفره، ولو لم يدعي ذلك عليه الامام ولم يقل ذلك فيه بلسانه، ولم يظهر ذلك عليه في إعلانه، لأن الحكم في
الحكم
- YIE- (1/214)
صفحة 215
ذلك بحكم من الإمام، ولا يجوز أن يكون المحدود إلا كافرا حتى يتوب من الحد، والتوبة حادثة وثابتة كان قبل الحد أو بعده، فهي جائزة، ولكن الكفر
بقيام الحد ثابت حتى تصح التوبة بشهرة أو شهادة أو سماع لذلك فصل: وقد يجوز أن يقتل الإمام رعيته على غير الحد، ويجوز أن يكون المقتول غير كافر، ولذلك ليس القتل موجبا للكفر، ولما لم يكن موجبا لكفر المقتول بثبوت الحكم من الامام؛ لم تكن شهادة الامام على المقتول بموجبة لكفره ولو شهر ذلك من شهادته، لأن شهادته وحده لا تجوز ولأن الحكم منه بالقتل يجوز، فافهموا هذا الباب من أحكام الإمام ومن شهادته فصل: وصحة التعزير من الإمام وشهرته لمن شهر منه ذلك فيه غير موجب لكفر من صح عليه ذلك من الإمام ولا من حكم الإمام، لأن ذلك قد يجوز في غير الحدود، لأنه دون الحدود، ولو ادعى عليه الإمام في إقامة التعزير مكفرا مما قد يجب عليه به الكفر، وعلى ذلك عزّره فيما يدعي عليه الإمام، لم يكن الإمام عليه حجة فيما يدعي عليه من المكفرات فيما يجب عليه من الكفر. وكان حجة عليه وله فيما يزيل عن نفسه من أرش التعزير الذي عزره إياه، لأنه حجة في ذلك لأنه من الأحكام وليس بحجة في الشهادة وحده في المكفرات. ولو صح قتل الإمام له ولم يصح لقود أو غيره من الأسباب، فهو على حالته الأولى ولا يصح بذلك كفره ولا يوقف عنه ولا يبرأ منه بشيء من هذا كله، لأن ذلك ليس بحجة من الامام، وكذلك حبس الامام له ولو طال وكثر وادعاه عليه في حبسه ما يجب به الكفر، فليس بموجب عليه بذلك الكفر ما لم يشهر ذلك من طريق الشهرة بما يوجب كفره، لأن الحبس من أحكام
"
الإمام قد يجوز على غير الكفر وعلى غير أن يكون المسجون كافرا.
فصل: وكذلك جميع أحكام القصاص والعقود فلا يجوز من الامام وحده فيها يكفر به المشهود عليه، ولو أظهر ذلك الإمام عليه وحده حتى يصح ذلك عليه بالبينة أو بالشهرة، وكذلك في جميع ما لا يكون الامام فيه حجة
- 215 - (1/215)
صفحة 216
وحده، فلا تكون صحة الحكم به منه ولا دعواه منه حجة في كفر المحكم عليه بذلك الحكم حتى يصح ذلك عليه بإقراره أو ببينة أو شهرة لفعله، ولو شهر إقرار المحدث بحدثه واعترافه به كانت تلك شهرة بحدثه ووجوب كفره، لأن إقراره فيما يجوز عليه فيه الاقرار موجب لكفر، فكذلك شهرة إقراره بحدثه وبما يكفره كفرا لاحقا به، إذا صح ذلك بالشهرة ما لم يرجع عن ذلك الاقرار ذلك عنه وله. ولو أقر كاذبا على نفسه كان ذلك مما يجب به
قبل موته ويصح كفره على من سمعه يقر بذلك أو صحت عليه البيئة بإقراره بما يجب به كفره أو
شهر ذلك عنه من إقراره بما يجب به كفره، لأن إقراره على نفسه جائز،
"
ولا تكون الشهادة عليه بذلك دعوى ولا الشهرة عنه بذلك دعوى، بل ذلك
موجب عليه حكم ما أقر به على نفسه ومكفرا له، ولو كان في الأصل غير
محدث وكان بريئا من ذلك
ولو قال الامام إنه أقر عنده بما يجب عليه به الكفر والحكم من الحقوق التي يقر بها، من مظالم العباد من الغصوب والديون وغيرهما مما يكون بذلك مكفرا له ولو صح عليه، وحكم عليه الامام بذلك في ماله عليه قول الامام ودعوى المدعى عليه، ولم يصح بذلك بينة منه ولا إقرار، فإن ذلك كله
، وصح
يجب عليه من حكم الامام فيما يكون فيه حاكما عليه ويكون حجة عليه في الحكم ولو لم يقر بذلك. ولا يكون ذلك من قول الامام موجبا لكفره ولا للبراءة منه ولو كان قد ثبت عليه حكم من الامام بالغصب المكفر، ما لم يصح عليه القطع من الامام، فإذا صح وجب كفره بذلك، لأن ذلك من حكم الامام لا يجب إلا على مكفرة، فإذا صح الحكم على المكفرة صحت المكفرة بصحة الحكم، وأما لو حكم عليه بالغرم للسرق والغصب والزنا والعقر من الوطء، ولم يثبت الحد من حكم الامام على المحكوم عليه، فلا يجب بذلك كفره ولا البراءة منه، ولو ادعى ذلك المدعي وصدقه على ذلك الحاكم، وقال إنه صح معه أو عاينه أو أقر معه ولم يكن ذلك كله بموجب لكفر المحكوم عليه، ما لم يصح ذلك بإقرار أو ببينة أو بشهرة.
- YIT- (1/216)
صفحة 217
فصل: وكل من صح أنه حرب. من حجج الله في الدين، قتل
على محاربة حجة الله أو لم يقتل، فهو مقطوع العذر تلزمه البراءة بذلك ولو كان في سريرته محقا، إذا لم يأت ما يحتمل أن يكون فيه محقا، أو يحتمل أن يكون
فيه مبطلا، وأن ما ظهر من أمره أنه حرب للحجة، ولو كانت الحجة في
،
سريرتها خائنة لله، في محاربة من جاريته على ما يحتمل حق الحجة وباطلها ولا يكون متكافئا للحجة في المحاربة وتضادّ الأمور إلا حجة مثلها في
الإسلام.
-- YIY - (1/217)
صفحة 218
باب
ذكر السلف ومذاهبهم في الحدث وذكر أهل العلم من أئمتنا من المسلمين ومذاهبهم في الحدث الواقع وولايتهم
الفتنة
ذكرنا الأحداث بأسماء أهلها وصفة المتدينين فيها بغير تسمية، ونحب أن نذكر من يحسن ذكره من أهل العلم والعبارة معنا، وذلك أنا لا نعلم من أهل عمان من محمد بن محبوب ومن أبي معاوية عزان بن الصقر، وأبي محمد الفضل بن الحواري، ولا نعلم أنه كان في زمانهما بعد محمد بن محبوب لهما نظير في عمان، وقد قيل إنهما كانا في عمان كالعينين في جبين، فلا نعلم أن أحدا يعرف فرق ما بين العينين في جبين واحد، وكذلك كانا معنا فيما ظهر من علمهما وفقههما؛ فأما عزان بن الصقر - رحمه الله - فمضى قبل وقوع ا ونزول الحدث والمحنة، فمضى سالما من هذه الأحداث ومن التدين فيها وفي أهلها، ولا نعلم أن أحدا من المسلمين يذكر لأبي معاوية عزان بن الصقر عيبا في الدين، ولا نعلم أن أحدا يرتاب في ولايته ممن عرفناه من المسلمين وأما أبو محمد الفضل بن الحواري، فقد أدركته تلك الأحداث، وقد ظهر له فيها اسم ومعونة وأقاويل ظاهرة معلنة، وفيهما تواترت به الأخبار عنه وجاءت به الآثار؛ أنه كان يصوّب موسى بن موسى وراشدا في تلك الامامة
التي ظهرت لراشد بن النظر عن موسى بن موسى في حياة الصلت بن مالك
،
وينقم على الصلت بن مالك أشياء يطول وصفها، ولا نعلم أنه ظهر منه براءة
من الصلت ولا تكفير، والله أعلم.
وقد ثبت للفضل بن الحواري اسم ثابت في الاسلام جار، ولا نعلم أنه صح عليه حكم بدعة ولا مخالفة لأحكام الحق بشرعة، وإنما جملة ما ظهر عليه
- YIA- (1/218)
صفحة 219
من
الأمور يخرج على سبيل أحكام الدعاوى في جميع الأمور، إلى أن قتل في معونة الحواري بن عبدالله تحت رايته، ولا نعلم أنه جرى الحكم في أمر الحواري بن عبدالله بأنه سار ببدعة أيضا، ولا أخذ الامامة على حكم البدع، وإنما أخذها على سبيل أحكام الدعاوى، وكل من ظهر له في الإسلام اسم، ووجب له فيه حق وقسم، فلن يزيله عنه إلا حكم مجمع عليه من باطله أو ما يوقع عليه حكم الاشكال والارتياب في بعض القول لا في الإجماع، ولم نكن قبل ذلك بلينا بولاية للفضل بن الحواري متقدمة، وإنما صح معنا أمره بسابق فضله مع إشكال أمره، ولم يوسع لأنفسنا أقداما على ولاية مشكل أمره، إذ لم تكن تقدمت له قبل ذلك ولاية بالأفعال المتكافئة والحجج المتساوية، ولكن قولنا فيه قول المسلمين ونحن واقفون عنه وقوف من أشكل عليه أمره، من غير ترك منا لولاية من تولاه من أوليائنا من المسلمين، إلا أن يعلم أنه تولاه بما لا يسعه ولايته، ولا ترك منا لولاية من برئ منه من أوليائنا من المسلمين، إلا أن يعلم أنه برئ منه بغير حق، وبعد أبي معاوية عزان بن الصقر والفضل بن الحواري، لا نعلم أن أحدا من أهل عمان في ذلك الزمان، كان تقدم في العلم أبا جابر محمد بن جعفر وأبا عبدالله نبهان بن عثمان وأبا المؤثر، فأما أبو جابر محمد بن جعفر فبلغنا أنه كان يتولى موسى بن موسى، وعرفنا ذلك عن أبي إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر - رحمه الله -، أن أبا جابر محمد بن جعفر كان يتولى موسى بن
6
الأزكوي موسى، ورفع إلينا أبو إبراهيم - رحمه الله - ولاية أبي جابر محمد بن جعفر، وقال: إنه يتولاه على ولاية الموسى بن موسى، وأخذنا ولاية محمد بن جعفر عن أبي إبراهيم، ولو تولينا أبا جابر محمد بن جعفر بظاهر الأمر والخبر لكان ذلك معنا جائزا لأنه لذلك أهل، وأما أبو عبد الله نبهان بن عثمان فلا نعلم منه أنه بلغنا عنه قول في أهل الأحداث، وكانت أموره خاملة مع أهل زماننا الذي أدركناه
وكذلك لم نعلم أنه كان له كثير أصحاب، فيضيفون إليه كثرة الخطأ
- 219 - (1/219)
صفحة 220
والصواب، وذلك عندنا من أحسن أحواله، ولا نعلم أنا أخذنا ولايته عن أحد من المسلمين، ولا نعلم من أحد أنه يطعن عليه بأمر في الدين، ولو تولينا بظاهر الأمور لكان ذلك جائزا من طريق صحة المشهور، ولكنا لم نعتقد له ولاية إلى يومنا، فمن تولاه على ذلك من أوليائنا توليناه على ذلك، وأرجو أن لا يبلونا الله بأحد من أوليائنا يبرأ من نبهان بن عثمان، وأما أبو المؤثر فقد لزمتنا ولايته وهو ولي لنا، وكان أصل ذلك أنا توليناه بالرفيعة عن كثير ممن هو معنا، يجوز لنا أن نتولى بولايته، فنحن نتولى أبا المؤثر وولايته بالشهرة أصح وأظهر، وكان أبو المؤثر - رحمه الله - فيما بلغنا أنه يبرأ من موسى بن موسى وراشد في تلك الإمامة ويتولى الصلت بن مالك، وبلغنا أنه لم يتوله حتى استتابه فتاب، فالله أعلم بما استتاب أبو المؤثر الصلت بن مالك، هؤلاء الثلاثة. من عمان يضرب بهم المثل أن أمور أهل عمان رجعت في ذلك العصر إلى أصم وأعرج وأعمى، وكان أبو جابر محمد بن جعفر فيما قيل أنه أصم، وكان أبو عبد الله نبهان بن عثمان أعرجا، وكان أبو المؤثر الصلت بن خميس أعمى، ولا نعلم أن أهل الدار من أهل الدعوة مجمعون على ولاية هؤلاء الثلاثة، ولا على ولاية أحد منهم، وإنما يتولى محمد بن جعفر أهل منزلة من أهل النحلة، ولعلها تتباعد عن ولاية أبي المؤثر ويتولى أبا المؤثر أهل منزلة من أهل النحلة، ولعلها تتباعد عن ولاية محمد بن جعفر، ثم كان بعد هؤلاء الثلاثة مدار أمور أهل عمان من أهل نحلة الحق في عصر واحد، يدور
بأبي المنذر وأبي محمد بشير، وعبد الله بن محمد بن محبوب - رحمه الله.
وكان
6 -
وأبي علي الأزهر بن محمد بن جعفر وأبي الحواري المعروف بالأعمى، ولعله كان أجمعهم فقها وعلما على ما يظهر من أموره، وخاصة في الأحكام والحلال والحرام، وإن كان أبو المنذر يعلوهم في النظر في الأديان، فكانوا ثلاثتهم مفزع أهل عمان، فأما أبو المنذر وأبو محمد ابنا محمد بن محبوب فالذي بلغنا عنهما أنهما كانا يبرآن من موسى وراشد، وأحسب أنهما كانا يذهبان إلى ولاية الصلت بن مالك والله أعلم، ولا نعلم أنا أخذنا ولا يتهما عن أحد تجب علينا
- 220 - (1/220)
صفحة 221
ولا يتهما بولايته ولكنهما معنا في حد من يتولى بالشهرة، فإن تولاهما أحد من المسلمين على ما قد بلغنا من أمرهما وسعه ذلك معنا، وهو ولي لنا ونحن نتولاهما إن شاء الله على ما قد صح معنا من أمرهما. وأما أبو علي الأزهر بن محمد بن جعفر فأخذنا ولايته بالرفيعة عن أبي إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر - - رحمه الله. -، وقد بلغنا أنه كان يتولى موسى بن موسى، فلما نظر في الاختلاف من أهل الدار في أمره، رأى أن الوقوف أسلم لموضع الاختلاف، ورجع إلى الوقوف، وكان فيما بلغنا يتولى والده محمد بن جعفر، وكان والده يتولى موسى بن موسى فتولاه على ذلك، كذلك عرفنا ونحن نتولى أبا علي الأزهر بن محمد بن جعفر بما قد عرفنا فيه من الولاية وبما يستحقه بالشهرة
معنا
وأما أبو الحواري محمد بن الحواري المعروف بالأعمى، فالذي بلغنا عنه أنه كان يقف عن موسى بن موسى وراشد في تلك الإمامة، ولا يبرأ منهما بتلك الإمامة، وأما ولايته فأخذناها عن غير واحد ممن تجب علينا الولاية بولايته، وكان ممن تجوز معنا ولايته بالشهرة فنحن نتولاه على ذلك كله وهو لنا ولي، وقد كان في أيام هؤلاء من يكافئهم في الفضل والعلم؛ مثل أبي إبراهيم وأبي قحطان وأبي خليل، وقد كانوا في زمان هؤلاء ممن ينتفع به في العلم في أهل الدعوة، وفي هؤلاء مكتفى لأن منهم من يبرأ ومنهم من يقف كان يتولى ثم رجع إلى الوقوف وتولى من تولى، وكلهم أهل فضل وعلم وورع وصدق فيما ظهر من أمرهم، ولا نحفظ في أبي الحواري أنه كان يتولى من يبرأ، ولا يبرأ ممن تولى، إلا أن الأحكام خارجة له على السلامة إن شاء الله، من تلك الأحداث من تظاهر حكمه فيها من أحكام البدع.
ومنهم من
فصل: ثم كان بعد هؤلاء في الخلف الثالث وهو ممن شاهد السلف الأول والثاني وتكلم فيه وقال فيه، وهو أقدم من الخلف الثالث سنا وأعظمهم جاها، ولعله في بعض الأمور أجمعهم علما؛ وهو أبو إبراهيم محمد بن
- YYI- (1/221)
صفحة 222
سعيد بن أبي بكر - رحمه الله. وكان منهم أبو محمد الحواري بن عثمان وأبو عبد الله محمد بن روح بن عربي وأبو الحسن محمد بن أبي الحسن وأبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر
فأما أبو إبراهيم محمد بن سعيد فعرفنا فيه أنه كان يقف عن موسى بن موسى وراشد بن النضر، وأنه كان يتولى محمد بن جعفر والأزهر بن محمد بن جعفر على ولاية محمد بن جعفر لموسى وعلى ولاية الأزهر لأبيه على ولايته لموسى بن موسى، ولا نعلم أن أبا إبراهيم قال لنا ولا بلغنا عنه أنه كان في حال من الحال يبرأ من موسى بعد تلك الامامة عليها ولا يتولاه على ذلك، ثم رجع على ولايته لا على البراءة منه إلى الوقوف، ولكنا أخبرنا أنه كان وقوع السبب بالاعتزال وهو خارج إلى الحج، فلما قدم إلى الأمور بحالها لا تغير فيها ولا نكير، قال: ثم وقعت بعد تلك الأسباب الاختلاف، قال: فتداعينا إلى الاجتماع بسعال من نزوى، وذكر أنه كان في الجماعة هو وأحسب أنه الأزهر بن محمد بن جعفر وأبو جليد وعثمان بن محمد بن وائل وهو أبو الحواري بن عثمان، وذكر جماعة من أهل الزمان أنهم عامة أهل الدعوة من أهل الموضع، قال فاجتمعنا في سعال فنظرنا وفكرنا واتفقنا على الوقوف في أمر موسى بن موسى وراشد في تلك الإمامة، ورأينا في ذلك أسلم. قال: وخرجنا على ذلك ثم بلغني كتاب عن أبي جليد الكيس بن الملا أنا قد رجعنا فنظرنا في ذلك الأمر فرأينا أو فأحببنا البراءة، أو فاتفقنا على البراءة، قال: فلم ألتفت إلى ذلك، وعلى ما قال إنه لم يزل على ذلك، إلا أنه قد عرفنا منه في أول الأمور الكتمان حتى كان في آخر الزمان، ولعله رأى بعض ما قد نزل بأهل عمان من الاختلاف يشبه ما يختلف فيه من الأديان، ولعله خاف الفرقة والافتتان فأظهر لضعفاء المسلمين رحمه الله وغفر له
وأما أبو محمد الحواري بن عثمان فبلغنا عنه أنه كان يبرأ من موسى وراشد، وأحسب أنه كان يذهب إلى الوقوف عن الصلت والله أعلم.
- 222 - (1/222)
صفحة 223
وأخذنا ولاية الحواري بن عثمان بالرفيعة والظاهر وهو لنا ولي.
كانا
وأما أبو عبدالله محمد بن روح وأبو الحسن محمد بن الحسن، فشاهدناهما وصحبناهما زمنا طويلا، وأخذنا عامة أمر ديننا عنهما وعرفنا أنهما ايبرآن من موسى وراشد، فلما نظرا في الاختلاف وفكرا رجعا إلى الوقوف رجاء السلامة، وعرفنا أنهما كانا يتوليان من برئ منهما من أوليائهما ومن وقف عنهما من أوليائهما المسلمين، ما لم يعلما أن أحدا من أوليائهما أتى باطلا في ولاية أو براءة أو وقوف. ونحن نتولاهما - رحمهما الله ـ على خبرة ومعرفة.
وأما أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر فعرفنا عنه أنه كان يبرأ من موسى وراشد ويقف عن الصلت بن مالك، ويتولى من يتولاه من المسلمين، لتوبة عرفها منه أو لعذر قبله منه، ولم نعلم من هؤلاء كلهم أمرا يدل ويوجب أن الأحداث كانت تجري بعمان على سبيل البدع، وأنه لا اختلاف فيها وأن الحق فيها واحد. فهؤلاء الذين وصفناهم من أهل الفضل والعلم من أهل عمان قولنا فيهم ما قد وصفنا، وهم إن اختلف قولهم في هذه الأحداث في الولاية والبراءة والوقوف، فأصل مذهبهم على الاتفاق في التدين فيهم، ومن وجبت ولايته منهم علينا فهو ولينا، لا نفرق بين أ أحد. منهم لافتراق أقوالهم في الولاية والبراءة والوقوف عند ظهور السلامة في أصول الدين من أحكام أصول البدع في الدعاوى ومن تظاهر التهم عليهم في ذلك ببراءة أو بترك ولاية وبالله
التوفيق.
السلامة
فصل: وكان في زمان هؤلاء الذين وصفناهم، من نرجو أنه كان يناددهم ويشاكلهم من أهل العلم من أهل الدعوة ممن صح له من مثل ما صح لهم، ووجب له من الحق نحو ما وجب لهم، ولكنا اكتفينا بذكر البعض من أهل المنازل ممن يتولى من برئ ويتولى من تولى، وممن يبرأ، لأنه لا فرق معنا في أحد منهم ممن صحت له في دينه السلامة ببراءة ولا بوقوف ولا بولاية من برئ ولا بولاية من تولى. وممن تقدم ذكره ممن مضى عن قريب
- 223 - (1/223)
صفحة 224
منهم أبو مالك غسان.
بن
- رحمه الله -، محمد بن الخضر الصلاني.
وكان فيما
بلغنا عنه يبرأ من موسى بن موسى وراشد بن النضر، ويتولى الصلت،
ونحن نتولى أبا مالك بما صح معنا من أمره بالرفيعة والمعرفة
وكذلك كل من صحت له أحكام السلامة من الدخول في الفتنة وتظاهر التهمة في دخول في مخالفة في أصول الدين فليس يزيل حقه ما ظهر منه من الدعوى، فيما يحتمل أنه يكون فيه محقا من ولاية أحد أو براءة من أحد أو وقوف من أحد، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن لجماعتهم تابعون ولقولهم وأمرهم سامعون، ولفعلهم محتذون وبرأيهم آخذون ولسبيلهم سالكون ولمخالفتهم تاركون وبسابقة فضلهم معترفون، وبالبعض منهم دون الكل في الحق مكتفون، ولمن خالفهم أو أحد منهم في الدين مخالفون، ولوليهم في أصول الدين موالون، ولعدوهم في أصول الدين معادون
بذلك نشهد الله على أنفسنا ونشهده على جميع من غاب عنا أو حضرنه ونشهد بذلك جميع من بلغه عنا في متقدم الزمان أو متأخره من أهل الاستقامة أولهم نبينا محمد الله، خاتم النبيين ثم من الصحابة أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - ثم من أهل الحرب من مضى على سبيل عمار بن
6
ياسر - رحمه الله - في حرب يوم الدار ويوم الجمل وأيام صفين ويوم النهروان ومن التابعين جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ومن الخوارج المرداس بن جدير وعبد الله بن إباض وعبد الله بن يحيى طالب الحق، ومن العلماء في الدين محبوب بن الرحيل ووائل بن أيوب وموسى بن أبي جابر وهاشم بن غيلان وموسى بن علي ومحمد بن محبوب وعزان بن الصقر - رحمهم الله وغفر لهم ورضي عنهم وجزاهم عن الإسلام وأهله خيرا -.
فصل: وكذلك من ذكرناه في كتابنا ممن أوجبنا على أنفسنا ولايته، والتزمنا فضله وموافقته، أولهم عزان بن الصقر وآخرهم غسان بن محمد بن الخضر، فنحن إلى الله من جميع ما خالفنا فيه دين هؤلاء الذين سميناهم،
- YYE- (1/224)
صفحة 225
6
الأئمة
تائبون إلى الله من جميع ذلك، راجعون ومنيبون من جميع ذلك مستغفرون وبدينهم لله في جميع أمورنا دائنون، ولهداهم في جميع الأمور مقتدون، وبأنوارهم في جميع الأمور مستضيئون، ويحكمهم في الدين راضون ولطاعتهم في الدين ملتزمون، ولجميع من أجابنا داعون ومن دعانا مجيبون ومطيعون، لا نطلب بذلك بدلا، ولا نعلم أن أهل الدعوة من المسلمين من أهل هذه المنازل مجمعون على ولاية أحد من أهل العلم منهم. ولا من المنصوبين منهم، ولا نعلم أنهم تركوا ولاية أحد منهم بحجة عليه في الدين، وإنما ذلك توحش وتعاتب من بعضهم على بعض، أما أصل الدين فجامع وأصل الدعوة فجامعة لهم، ولا يمكن أن يقول أحد أنهم من أهل الأحداث ولا من المتدينين فيهم ممن مضى يظهر في ذلك حكم بدعة يصح عليه ولايتهم بها، وإنما ذلك كله أحكام الدعاوى والتوحش في الدعاوى، والمجمع عليه أن أحكام الدعاوى في جميع الأمور لا تخص إلا المتداعين ولا تعم أهل الدين ولا أصول الدين، ولا يزول بها اسم في الدين إلا من صح عليه ذلك ويخصه، فيكون ذلك له خاصا دون أهل طاعته ودون أهل نحلته ودون المتسمين بأصل دينه الذي لم يقع عليه فيه اسم المخالفة في الدين، وإنما الذي يظهر منه أنه يدعي شيئا إن كان صادقا في ذلك كان محقا، فكل ما كان أصله هذا كان الحكم فيه دعوى، إلا من خرج من حال الدعوى إلى حال القذف، فيكون بذلك قاذفا، فإذا خرج إلى حال القذف كان صادقا فيهما يدعي وكاذبا، فهو في حكم الحق قاذف ومن كان حكمه حكم الدعوى فهو مدع حتى يعلم أنه صادق أو كاذب، ومن نزل بمنزلة البدع فهو كاذب مبطل، علم باطله من علمه أو جهله، إذا علم منه أصل ما ركب من البدعة، ولو جهل حكم ما ركب من البدعة
من
- YYO- (1/225)
صفحة 226
باب
اختلاف أهل الدعوة والأحداث الواقعة في عمان
وجدنا أصل ما اختلف فيه المسلمون من أهل عمان على اتفاق منهم على
ما يجب به اسم أهل الاستقامة من الأديان هو الحدث الواقع بأهل عمان.
من
6
أمر الصلت بن مالك وموسى بن موسى وراشد بن النضر وعزان بن تميم جرى بين المسلمين لدن من محبوب بن الرحيل ووائل بن أيوب
فلا نعلم
أنه
إلى محمد بن محبوب وعزان بن الصقر اختلاف في دين، بل صحيح معنا أن
الله
-
المسلمين دين
، وهو دين أهل الاستقامة
أمة
من
دين هؤلاء - رحمهم محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ومن دان بدينهم إلى يوم القيامة، ولم يخالفهم بوجه من الوجوه فهو مستحق لولاية رب العالمين لا شك عندنا في ذلك ولا ريب،، وأن من خالف دين هؤلاء الذين وصفناهم بوجه من وجوه الخلاف لدينهم، فإنه مخالف بذلك دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم ودين المؤمنين، وأنه بذلك عدو لرب العالمين، وأنه من أهل عقوبة الله، كائنا من كان ممن تعبده الله بطاعته وأعد له الثواب عليها، وتعبده بترك معصيته وأعد له العقاب عليها
ثم إنا وجدنا أهل الدار من أهل عمان ممن ينتحل دين الاباضية ولا نعلم منهم مخالفا لدين المسلمين من لدن محبوب بن الرحيل - رحمه الله - إلى عزان بن الصقر - رحمه الله - وممن يظهر له شواهد الدينونة بدين هؤلاء الذين وصفناهم من المسلمين ويظهر منهم الإجماع على ولاية هؤلاء الذين وصفناهم من المسلمين، ولا نعلم بينهم اختلافا في ولايتهم ولا في تصويبهم
كان
ولا في تقديمهم إلا من
،
من
ضعفاء المسلمين الذين لا يبلغ علمهم إلى تمييز
- 226 - (1/226)
صفحة 227
ذلك ولا إلى معرفته ممن لا يظهر منه مخالفة ولا فرقة في الدين لمن ظهر منه
6
منه ولاية هؤلاء الذين وصفناهم من المسلمين والدينونة بدينهم. وصح فوجدنا جميع من ينتحل دين الاباضية وأهل الاستقامة من المسلمين في الأحداث التي جرت بعمان في أمر الصلت بن مالك وموسى بن موسى وراشد بن النضر وعزان بن تميم، منازل ثلاثا من لدن الحدث في ظواهر الأمور إلى يومنا هذا، كل من كان من أهل هذه المنازل يظهر التوحش من أهل المنزلة الأخرى، ويظهر منهم العتاب على الأخرى من غير أن يقع من أحد منهم في الأخرى، خلاف بدينونة في أمر تلك الأحداث التي سلفت، وإن
كانت مقالتهم في ذلك قد اختلفت فإن مذاهبهم في ذلك قد أتلفت
•
ووجدنا أهل هذه المنازل الثلاث من أهل نحلة الاستقامة. الأمة من
6
لا يصح منهم ولا عليهم في منازلهم هذه دينونة بباطل في أمور أهل عمان التي جرت في أمر يخرج في وجه من الوجوه على حكم يدعيه، ولا على حكم يخرج الإجماع عليه أنه باطل، ولا يخرج الإجماع عليه أن شيئا من تلك الأحداث باطل ولا أنها صواب على حكم الإجماع.
ولا صح معنا أن تلك الأحداث بجملتها من لدن الصلت بن مالك إلى عزان بن تميم والحواري بن عبد الله؛ خارجة، ولا شيء منها على حكم البدع ولا على شريعة مخالفة لدين أهل الاستقامة من الشرع، وإنما خارج حكم كل شيء من هذه الأحداث على الانفراد، وعلى الاجتماع على وجه الدعاوى للصواب، وأن كل واحد منهم بيده فصل الخطاب من غير أن تصح منهم له في ذلك حقيقة دعوى، ولا حكم عليه في ذلك في حكم الظاهر بدعة، يخالف بها أحكام أهل التقوى، وكذلك الظاهر من أمور المتدينين فيهم، إنما تخرج أحكام اختلافهم في تلك الأحداث على سبيل الدعاوى لا على سبيل الدفاع، فجاءت ظواهر هذه الأمور القاضية في هذه الأحداث بشواهد الاختلاف من أهل الاستقامة من المسلمين على سبيل المسالمة منهم لبعضهم بعضا في أصول
- YYY- (1/227)
صفحة 228
الدين والموافقة منهم لبعضهم بعضا في وقوع الذي اختلفوا فيه من المحدثين من غير أن يظهر منهم إجماع على أنهم عموا عن حكم الأحداث الواقعة بينهم، ولا على إجماع منهم على تخطئة بعض المحدثين وتصويب بعض المحدثين ولا على تصويب جميع المحدثين ولا على تخطئة جميع المحدثين، ولا صح على أحد من المحدثين ولا من المتدينين فيهم من أهل الدار ما يكون به خارجا من اسم أهل الاستقامة. من المسلمين تقضي عليه بذلك شهرة حدث بباطل لا يحتمل مخرجا من مخارج الحق ولا إجماع من أحكام أهل العدل عليه من المسلمين بذلك، في حين ما يكونون حكاما عليه بذلك، فمضى للمتدينين بدين أهل الاستقامة من أهل عمان على هذا في هذه الأحداث قرن
6
وسلف، وخلف كل سلف منهم على سبيل ما مضى عليه خلف. بعد خلف فكان فريق من أهل الدار ممن ينتحل نحلة أهل الحق بتولي موسى بن موسى
وراشد بن النضر في عقد تلك الإمامة، ويتولى الصلت بن مالك، ويدعي في ذلك دعاوى يحتمل فيها الصواب لموسى وراشد والصلت جميعا، ومنهم من يتولى موسى في ذلك وينقم على الصلت أشياء من أسباب تضييع الامامة قبل الخروج، ويقول إنه استحق العزل فعزل
اکار کا
العارية ومنهم من يتولى موسى بن موسى على تلك العقدة ويقول إن الصلت بن مالك اعتزل ولم يعزل. ومنهم من يقول إنه عزل ولم يقل عليه إنه استحق العزل بحدث أحدثه؛ إلا أنه قال إنه عزل ويحتمل في أقوالهم هذه كلها للصلت بن مالك العذر، ولا يحتمل له في ذلك عذر؛ فإذا احتمل له العذر فيها قد قيل فيه، احتمل الموسى ولمن يتولاه في ذلك عذر مثله، وإذا لم يحتمل للصلت في ذلك عذر لم يحتمل لموسى في ذلك عذر ولا لمن تولاه، إن كان عزل أو اعتزل لغير عذر، وإن كان عزل أو اعتزل لعذر فللقائمين بذلك من العذر مثل ما له، فهؤلاء أهل منزلة من منازل أهل الدعوة من أهل عمان وأقاويلهم واختلافهم في ذلك أكثر مما قد وصفنا.
- YYA- (1/228)
صفحة 229
الدانة
وقد كان فريق ممن ينتحل نحلة أهل الحق من أهل الدار يبرأ من موسى بن موسى وراشد على تلك العقدة ويقولون إن ذلك الخروج منهما على الصلت بن مالك كان بغيا وعدوانا، وأنه لا عذر لهما في ذلك ولا لمن تبعهما على ذلك، كان الصلت بن مالك عزل على ذلك أو اعتزل بعد خروجهم عليه، ويتولى على ذلك الصلت بن مالك وينزل عذره ويعتل له بالغلبة على أمره والخذلان من أهل مملكته له، ولعله يلحق له العذر من طريق كبر سنه وضعف بدنه، ولا يشترط في ولاية الصلت شرطا ويقول: إن ولايته واجبة ثابتة حتى يعلم أنه ترك لازما أو ركب محرما، لما قد تقدم له من الولاية وعقد
الإسلام.
ومنهم من يبرأ من موسى بن موسى وراشد بن النضر ويقف عن الصلت بن مالك لموضع ما دخل عليه من الشبهة، فمن تولاه من المسلمين على ذلك تولاه، ولا يشترط في ولايته شرطا، ومنهم من يبرأ من موسى بن موسى وراشد ويقف عن ولاية الصلت ممن تولاه لعذر قبله منه أو لتوبة عرفها منه؛ واشترط ذلك، تولاه على ذلك
وقد قيل: إن فريقا ممن كان يبرأ من موسى وراشد كان يضيق على الصلت ولا يعذره، ويقول: إنه ترك أمانته لأهل البغي وهو شارٍ ولم يجز له إلا أن يقاتل على أمانته حتى يقتل أو يُقتل، وليس ذلك بالشاهر الظاهر ممن يقول بذلك، وقد يخرج ذلك على الصواب إن كان موسى وراشد باغيين عليه، وكان قادرا على محاربة أهل البغي فترك ذلك فلا عذر له في ذلك إلا أن يتوب. وكان فريق ممن ينتحل نحلة أهل الاستقامة والحق من أهل الدار يقف عن موسى وراشد في أمر تلك الإمامة، إذ أشكل عليه أمرهما لترك النكير من الصلت بن مالك ومن أعلام أهل المصر عليهما في حين تقدمهما في ذلك، وإذ دخلا في ذلك على وجه لم يصح لهما في ذلك حجة، حق على الصلت أن يزيل الشبهة من أمرهما، ولم تقم للصلت عليهما حجة تزيل صوابهما، وإذا لم يقع
- 229 - (1/229)
صفحة 230
ذلك
موسي
المشاهدين
الإجماع من المسلمين على باطلهما في حين ما جرى منهما ذلك من لهما، وإذا لم يقع الإجماع منهم على تصويبهما فلما أشكل ذلك من أمرهما توسعوا بالوقوف عنهما من غير أن يبرئوهما من البغي، ولا يحكموا عليهما به، ومن غير أن يبطلوا حكم فعلهما، ولا يجهلوا حكم البغي فيهما على أنهم يتولون أهل الاستقامة من المسلمين من أهل الدار، على ما خصه من الحكم فيهما من ولاية أو براءة، ما لم يصح أن المتولي لهما تولاهما بغير حق، وأن المتبرئ منهما برئ منهما بغير حق، وعلى أن كلا مخصوص فيهما بعلمه، ما لم يصح باطله على بوجه من الوجوه ويخصه ذلك، فهو خاص لمن صح عليه ذلك فيهما ومنهما، ويقف عن الصلت لما أشكل من أمره، إذ لم يظهر منه نكير على وراشد في تقدمها في الإمامة في حياته، ولا صح منه تبرؤ من الإمامة إليهما على وجه يصح منه ذلك، على ما يجوز له ويسعه، وإذا لم يصح معهم بالاجماع صحة إمامة راشد، فتزول عنه الشبهة والإشكال والشكوك على أنهم يتولون أولياءهم من المسلمين على ولاية الصلت من غير شريطة في ولايته حتى يعلموا منهم ولاية له على غير الحق، ويصح ذلك على أحد ممن تولاه ومنهم من وقف عن موسى وراشد لإشكال أمرهما، وإذا لم يصح بالإجماع لهما صحة عقد فيها دخلا فيه من تلك الإمامة وتولى الصلت بصحيح عقدته في الاسلام بالإجماع، وأنه لا يزيل ولايته وإن أشكل أمره إلا الاجماع على باطله، فإذا ثبتت ولايته بالإجماع، وهو صحة عقدته وإمامته فلن تزول ولايته، وإن أشكل أمره في الإمامة فقد يحتمل ذلك في أشياء كثيرة، فولايته لا تزول وإن اشتبه الأمر في إمامته، لأنه قد يمكن أن تزول إمامته ولا تزول ولايته لعذر نزل به، ويمكن أن تزول إمامته وولايته، أن لا تزول إمامته ولا ولايته ولم يقع على ذلك إجماع ولا شهرة قاضية بإجماع من حكم المسلمين عليه ولا له بذلك
،
وقد وقع الإجماع من المسلمين على ما أثبت ولايته، فلا تزول ولايته على حال حتى يجتمع على زوالها كما اجتمع على ثبوتها.
فهذا ما بلغنا في هذه الأحداث في أهل عمان وفي المتدينين من أهل
- 230 - (1/230)
صفحة 231
الدار ممن ينتحل نحلة أهل الاستقامة من القول فيها وفي أهلها، ولا نعلم من أحد منهم أنه يخطئ صاحبه فيما يقول بخطئه دينونة، ولا يشهد عليه في ذلك بباطل، وإن كان قد أظهر خلافا لما هو عليه في أمر هذه الأحداث، فمضى من مضى من أسلاف أهل النحلة من المسلمين على هذا، ممن يجب له اسم
6
الاستقامة، ولا تصح عليه مخالفة في دينونة تصح عليه فيها أنه يخالف فيها حكم أهل الحق وهذا الذي وصفناه في الصلت وراشد، وأما وموسى عزان بن تميم فبلغنا أن بعضا من أهل نحلة الحق من المسلمين من أهل الدار كان يتولاه، ويقول إن عقدة إمامته كانت صحيحة، وأنه لم يصح منه بعد ذلك ما يجب به خلع عن الإمامة فتولاه على ذلك، ولا يجوز معنا في حكم الحق أن يتولى متول عزان بن تميم والحواري بن عبدالله والفضل بن الحواري في معنى وقت واحد، لأن إمامتهما لا محال أن إحداهما باطلة، فلا يجوز معنا على كل حال ولايتهما إلا لمن غاب عنه أمرهما، ولم يعرف باطلهما من حقهما، ولم يصح معه ثبوت إمامة أحدهما دون الآخر، وكان قبل ذلك قد امتحن بولايتهما ولم يعرف أيهما المحق من المبطل، بوجه حق لا يشك فيه، فإذا كان على هذا وقد كان قبل ذلك يتولاهما فلا محال أن أحدهما مبطل إذا كانا إمامين في مصر واحد متضادين متحاربين، فلا شك في باطل أحدهما وقد يحتمل أن يكونا جميعا مبطلين، ولا يحتمل أن يكونا جميعا محقين، فإذا كانا على هذا فقد وقع
الاختلاف فيهما.
فقال
من قال: يتولى ولييه على حسب ما كانا عليه، لأن أصل ولايته لهما كانت على غير شبهة، وكانت على بيان وصحة ثم إنه أشكل أمرهما بعد ذلك واشتبه فهو على الولاية باليقين حتى يزيل عنه حكم الولاية لهما أو لأحدهما حكم اليقين في ذلك، والعلة في ذلك لمن قال بهذا الإجماع من المسلمين أن كل من صح له في الإسلام حكم، أو وجب له فيه اسم فلن يزول عنه إلا بحق واضح يوجب عليه ضد ذلك الحكم ويلزمه ضد ذلك الاسم
- 231 - (1/231)
صفحة 232
وقال. من قال بالوقوف عن ولايتهما لما أشكل من أمرهما ولا محال أنه
يعلم أنه يتولى على الانفراد مبطلا باسمه وعينه، والعلة في ذلك لمن قال به، الأثر الصحيح أن كل مشكوك موقوف، والأثر أن الأمور ثلاثة؛ أمر بان لك رشده فاتبعه، وأمر بان لك غيه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فكله إلى الله،
وذلك مما تصح به الرواية، وكذلك قوله: أترك ما يريبك إلى ما لا يريبك
وقال من قال بالبراءة منهما جميعا، وهذا قول شاذ لا حجة له؛ لأن
البراءة لا تقام على الشبهة، وحسب ذلك وجدنا عن أبي عبدالله محمد بن في هذه الأقاويل الثلاثة في المتضادين والمتلاعنين
الله -
محبوب - رحمه والمتحاربين، ولا نعلم المصيب منهما من المخطئ، ولا المحق من المبطل ولا الصادق من الكاذب، فقال: قد قيل في ذلك بالولاية والوقوف والبراءة، والقول بالبراءة قول شاذ، وعلى ما وجدنا عنه هو ا أنه يذهب إلى الوقوف في هذا ومثله، ووجدنا عن أبي علي موسى بن علي - رحمه الله ـ أنه كان يذهب في مثل هذا إلى الولاية للجميع، إذا لم يصح المحق منهما من المبطل، وقد تقدمت لهما ولاية. وقد حفظنا عمن أخذنا عنه من أهل العلم بأحكام الولاية والبراءة أن القول بولايتهما جميعا، إذا كانت قد تقدمت بالصحيح من الأمر أصح في الحكم من الوقوف عنهما، لأن الوقوف عنهما إنما هو بالاشكال والشبهة والشك، وكل ذلك ضد اليقين واليقين أولى، فمتى لم يصح اليقين بالباطل منهما أو من أحدهما باليقين فاليقين بصوابه أولى، لأن اليقين لا يزيله إلا اليقين، وأما إذا لم يكن تقدم لهما سابق ولاية ولا لأحدهما، ثم أشكل أمرهما أو أمر أحدهما، فلا تحدث له ولاية على الاشكال أو الشبهة والشك، ولا نعلم في ذلك اختلافا إذا كانا بهذه المنزلة، والإجماع من القول أن المتولي والواقف في المتلاعنين والمتضادين والمتحاربين، يتولى المحق منهما في اعتقاده ويبرأ من المبطل منهما في اعتقاده، ولا يجوز غير ذلك في الشريطة.
6
وبلغنا عن بعض أهل نحلة الحق من أهل عمان أنه وقف عن ولاية
- 232 - (1/232)
صفحة 233
عزان بن تميم لما أشكل من أمره، وتولى من تولاه من المسلمين، وذلك مما عرفناه عن الوقوف في أمر الصلت بن مالك وموسي بن موسي وراشد بن النضر على ولاية أوليائه من المسلمين، ولو ظهر منهم ولاية في أحد ممن لم تصح
فيه عليه باطل أو براءة من أحد منهم ما لم يصح منه في ذلك باطل. وبلغنا عن بعض أهل نحلة الحق أنه وقف عن عزان بن تميم وتولى من برئ منه من المسلمين. وبلغنا عن بعضهم أنه قال: لا بلانا الله بولي لنا يبرأ من عزان بن تميم يريد أنه وإن برئ منه فلا يحب ذلك
وبلغنا عن بعضهم أنه قال بالوقوف عن عزان بن تميم، والولاية لمن
وقف عنه ومن تولاه ولا يتولى من برئ منه.
وكذلك بلغنا عن بعضهم في الصلت بن مالك أنه قال بالوقوف عنه، ويتولى من تولاه ومن وقف عنه، ولا يتولى من برئ منه، ولا يتولى من تولى من برئ منه على البراءة منه، وتخرج هذه الأقاويل كلها في مخصوصات علم القائل بذلك على علم منه ببراءة المتبرئ على ما تبرأ، وولاية المتولي للمتبرئ على ما تولاه مما لا يسعه في ذلك، ولا يخرج ذلك في الجملة معنا
والله أعلم.
فهذا ما بلغنا في عزان بن تميم في جملة ذكره، وأما الحواري بن عبدالله فبلغنا عن بعض أهل نحلة الحق أنه برئ منه بدخوله في أمر راشد بن النضر ومعونته له على الصلت بن مالك وعلى أمره ذلك، ووقف عن الفضل بن الحواري، وتولى من برئ منه من المسلمين. وبعض وقف عنهما وأنزلهما منزلة من غاب عنه صحة حدثهما، ولم يصح معهما صواب أمرهما، وتولى من برئ منهما من أوليائه ومن تولاهما من أوليائه من المسلمين، فهذا ما بلغنا من حمل ذكر أهل هذه الأحداث وحمل قول المتدينين فيهم من أهل نحلة الحق، وتفسير ذلك في كل منهم بعينه، ولعل ما غاب عنا ولم نقف عليه ولم يبلغنا أكثر
- 233 - (1/233)
صفحة 234
مما بلغنا، ووقفنا عليه من أمر ذكر الاختلاف فيهم والقول فيهم، غير أن جملة ما ذكرنا وما بلغنا في الآثار ومنه ما تظاهرت به الأخبار، ومنه ما عرفناه مشافهة ممن أخذنا عنه ذلك من الأخبار، ولا نعلم في جميع ما بلغنا من الاختلاف في جملة ما ذكرنا، ومفسره أمر لا يخرج على معنى الصواب في أمر هذه الأحداث، بل كل قول مما ذكرنا يخرج على معنى الصواب في جملة هذه الأحداث فيما يخرج من أحكامها من دعاوى أهلها ودعاوى المتدينين من أهلها بها، فمضى من شاء الله من أهل الدار في أيام الأحداث وبعد أيام الأحداث على سبيل هذا الاختلاف، ولا نعلم أنه في أيام وقوع الأحداث، وبعد أيام الأحداث أجمع علماء أهل الدار على تصويب أحد ممن ذكرنا ولا على تخطئته ولا قضيت له بذلك شهرة صحيحة لا تنازع فيها ولا اختلاف، ولا نعلم أن أحدا من بعد القرن الذي مضى من علماء أهل الدار من المسلمين أجمعوا في
عصرهم على ما اختلف فيه من مضى من القرن الماضي من سلفهم ولا نعلم أنه كان من القرن المشاهد للأحداث من علماء أهل الدار، تخطئة لبعضهم بعضا في التدين بذلك فيهم، يجتمع على ذلك من قول المسلمين، وإنما كانت تجري بينهم في ذلك معاتبات ومعارضات ومراجعات، وكانوا مع ذلك يتعاهدون بعضهم بعضا بالمذاكرات والنصائح، ويطلبون الاجتماع على الواضحات الصحائح
فصل: وكذلك من القرن الذي خلف من بعدهم من أهل الدار من بعض المتدينين فيهم وفي أهل الحدث قبلهم إلا نحو ما بلغنا عنهم في أهل الأحداث قبلهم، وفي بعضهم بعض
وفي القرن الذي مضى قبلهم من المتدينين في الأحداث قبلهم ومضوا بحمد الله على سبيل السلامة من الفرق في الدين وأكثر ما عرفنا فيهم التوحش من بعضهم بعضا في ترك ولاية بعضهم بعضا إلا على سبيل من ذهب مذهب كل واحد منهم، في ولاية من تولى أو براءة من برئ منه، أو وقوف من وقف
- 234 - (1/234)
صفحة 235
عنه، ومعنا أنهم يتوسعون في ذلك باختلاط أهل الدار، وأنه لا تصح الموافقة
المحنة
في أهل الدار بعد وقوع الأحداث والاختلاف فيها وفي أهلها إلا بعد وقد أجاز ذلك من أجازه من المسلمين، أنه لا تكون الولاية إلا بالخبرة ولا تكون بالشهرة إلا فيمن لا يختلف فيه من أهل الفضل والموافقة لأهل العدل
ولا
وقال. من قال: إنه إذا شهر للمتدينين اسم التدين بدين المسلمين مع
كذا
العمل بالصالحات وظهور الخيرات، كما يصح على اليهودي في موضع وكذا أنه يهودي، وكما يصح على المبتدع في موضع كذا وكذا أنه مبتدع أو أنه محدث يجب عليه به اسم الكفر أنه يبرأ منه بذلك، ويجب ذلك على من صح معه ذلك بالشهرة، ولو لم يصح معه ذلك بعيان ولا بخبرة، ولا رأى بعينه سمع بأذنه كفره، فالولاية في ذلك مثله، وهي أولى وأوجب وأوسع، وهذا القول أحب إلينا أن يتولى بالشهرة كما يبرأ بالشهرة، إذا لم يشك ولم يرتب في تلك الشهرة، ولو لم تجز منه في ذلك محنة ولا خبرة، ولو كانت الدار دار اختلاط بالأديان فالشهرة للمتدين بدين المسلمين، ويصح له اسم الإيمان والإسلام كالشهرة على المتدين بدين الضلال توجب المفارقة والخلع ووجوب اسم الكفر، لا فرق في ذلك ولا اختلاف، بل اسم الإيمان أولى وأوجب أن يعلو ولا يعلى، وأن يكون المتسمى باسم الإيمان بالشهرة للولاية أهلا، لأن المجمع عليه من قول أهل القبلة أن الدار إن كانت دار حق والمالك لها إمام عدل والغالب عليها أحكامه والظاهر عليها سيرته أنه لا محنة على من ظهر منه عمل تجب به الموافقة والولاية من الصالحات في القول بالتدين، وأنه كل من ظهر منه عمل بالصالحات ومسارعة إلى الخيرات أنه يجب له اسم الإيمان، وكل من لم يعرف منه مخالفة للحق وجب له اسم الإقرار بالحق ولينتظر به موافقة القول بالعمل، ولا نعلم في ذلك اختلافا
والولاية
فصل: وقد قال من قال: إنه كل من كان في دار أهل العدل والحق
- 235 - (1/235)
صفحة 236
واستقبل القبلة ودان بطاعة الامام وجبت ولايته
وقال من قال: كل من استقبل القبلة ولم يعلم منه مخالفة للإمام وهو في دار أهل العدل التي يعتبر الغالب عليها أهل العدل، وجبت ولايته. والقول الأول هو أصح؛ أنه من عرف منه العمل بالصالحات ولم يعلم منه مخالفة للحق بدين، ولا بما يدين بتحريمه، كان من أهل الولاية ولا محنة عليه، فهذا ما قد قيل في الحكم في أهل الدار إذا كان الغالب عليها أحكام أهل العدل، والظاهر عليها سيرتهم ودعوتهم وقد أجمعوا لا نعلم بينهم اختلافا، أنه ولو كان الغالب على أهل الدار الحاكم عليها أهل الضلال من أهل الأديان والجبابرة ممن ينتهك ما يدين بتحريمه من المكفرات، أنه لا تكون البراءة من أحد من الناس من جملة أهل الدار بحكم المالك لها ولا حكم الغالب عليها، ولا تكون إلا بالصحة في كل امرئ من أهل الدار بعينه، ولا يكون الحكم بالكفر على الغالب عليها من الحكام بضار لأحد من أهلها، ولا محكوم عليه بشيء من أحكام المالك لها في أمر الكفر والبراءات، ولا زائد في أحكامه من الكفر كما زاد المالك للدار في حكم أهل الدار في الإيمان والولاية. فكذلك أجدر أن يكون الكفر يصح بشيء من الأشياء إلا والإيمان بمثيله أصح
6
وكذلك قد اجتمع المسلمون ممن لا نعلم بينهم اختلافا أن الشهادات على المكفرات والأحداث الموجبات فيما عندي عليه العمل لا تصح إلا بشهادة شاهدين ممن تجوز شهادته في ذلك، ولا يجوز ذلك بشهادة واحد من المسلمين كائنا من كان ولو كان عالما بأحكام الولاية والبراءة، إماما في الدين وإماما من الأئمة المعقود لهم الإمامة على المسلمين
•
فلو جمع هذه الخصال كلها ثم شهد على رجل من عوام أهل القبلة بمكفرة، ما كان بذلك حجة، ولا جاز أن يقبل قوله في ذلك ويبرأ ممن شهد
عليه بذلك.
فصل: وكذلك لو بريء منه ما جاز أن يبرأ منه ببراءته منه، ولا نعلم
- 236 - (1/236)
صفحة 237
في ذلك اختلافا من قول المسلمين
وقد قال أكثر أهل العلم. من المسلمين إنه إذا رفع في رجل ولاية رجل لا يعرف ما هو، وكان الرافع لولايته ينظر أحكام الولاية والبراءة، وبما ثبتت به الولاية وبما تجب به البراءة، جازت ولاية ذلك المرفوع ولايته لمن رفع إليه ولايته، كان من أهل عصره أو من غير أهل عصره، وكذلك لو تولاه وعرف منه الولاية له جازت ولايته لمن علم أنه يتولاه، ولو لم يرفع إليه ولايته.
وكذلك لو شهد له بصفة يستحق بها الولاية جازت ولايته لمن علم منه ذلك إذا كان ممن يبصر الولاية والبراءة
6
وقد قال من قال: لا يجوز ذلك إلا باثنين، فإذا تولى اثنان ممن يبصرا
ذلك
الولاية والبراءة لزمت ولايته، ولا نعلم في ذلك اختلافا أنه بنفس الولاية له من المتولين له تلزم ولايته، وتجوز ولايته ولو برئ اثنان من علماء المسلمين من رجل بعينه براءة قطعا بغير شهادة عليه بشيء من المكفرات، وإنما يجب عليه به اسم الكفر، فكانا في الفقه والفضل مثل أبي بكر الصديق وأبي حفص الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما.، ما جاز لأحد أن يبرأ من المتبرأ منه ببراءتهما منه، ولا نعلم في ذلك اختلافا من قول أهل العلم من المسلمين، وكان المتبرئ منه ببراءة من برئ منه مقلدا لمن برئ منه، ولا يجوز التقليد في البراءات ولا في شيء من الشهادات، قلت أو كثرت، صغرت أو كبرت إلا للرسل والنبيين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ، أو ما جاء في كتب الله - تبارك وتعالى - من الشهادة والبراءة، فإنه لازم واجب اتباع ذلك والشهادة به كما جاء، لا شك في ذلك ولا ريب
وقال من قال من المسلمين إنه إذا سأل رجل رجلا ممن يبصر الولاية
والبراءة عن ولاية رجل من الناس فيرفع إليه ولايته، لم يجز إلا قبول ذلك منه وتصديقه وولاية من تولاه بعد السؤال، وإن لم يسأله ورفع إليه ولايته على غير سؤال فهو مخير في ولايته؛ إن شاء تولاه وإن شاء لم يتوله حتى يتولاه اثنان ممن
- 237 - (1/237)
صفحة 238
يبصرا الولاية والبراءة، فإن تولاه اثنان على سؤال أو على غير سؤال؛ لم يـ إلا الولاية له على ذلك
وقال من قال: إذا تولاه واحد ممن يبصر الولاية والبراءة كان مسئولا عن ذلك أو غير مسئول، لزم من علم منه ذلك ولاية المتولي ولو لم يكن له في ذلك تخيير، وعليه ولايته.
وقال
من قال: هو مخير في الولاية له، سأل عنه المتولي له أو لم يسأله حتى يتولاه اثنان ممن يبصرا الولاية والبراءة، فإذا تولياه لم تجز إلا ولايته ولم يكن هنالك تخيير، ولا نعلم في ذلك اختلافا. إذ لا نعلم في حكم من الأحكام أن الكفر يصح بشيء لا يصح به الإسلام. وكذلك الولاية بالشهرة أجدر وأولى أن يثبت لأهل الإسلام بالشهرة إذا لم يقع فيهم ريب ولا شبهة من طريق الشهرة، كما يجب على أهل الكفر بالشهرة به، وتجب عليهم بذلك البراءة. ومن المحال أن يكون الكفر يعلو حكمه حكم الإسلام، أو المعصية يعلو حكمها حكم الطاعة، أو البراءة الولاية، وإنما يخرج عندنا ذلك ممن قال به أن الولاية لا تصح إلا بالخبرة، ولو صح من أحد العمل بالصالحات لم تجب له الولاية حتى يعلم منه ما يوافق به المسلمين، إذا لم تصح له بالشهرة مع العمل بالصالحات اسم يبرأ به المتسمى به، من التدين بالضلال ويبرأ به من الاختلاط في الأسماء التي تجمع أهل العدل وأهل الضلال، ويبرأ به من التهم بالتدين بالضلال من ذلك، وأما إذا ظهر له من العمل الصالح بالشهرة اسم أهل الاستقامة من المسلمين لم يحتج إلى محنة وثبت له اسم الإيمان، ووجبت له الولاية وعرف منه بذلك الموافقة. وبيان ذلك وشرحه في كتاب الموافقة من
لدن أيام النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا، وذلك شرح يطول به الكتاب
- YYA- (1/238)
صفحة 239
تم بحمد الله الجزء الأول من كتاب الاستقامة ويليه إن شاء الله الجزء الثاني (1/239)
صفحة 240
[صفحة فارغة] (1/240)
صفحة 241
الفهرس
رقم الصفحة
11
13
25
26
29
40
66
68
78
84
كلمة التحقيق
التعريف بالمؤلف
خطة وأسلوب تحقيق الكتاب مقدمة المؤلف
باب أحكام الحقيقة وأحكام ولاية الحقيقة باب وجوه الولاية والبراءة وتصنيف ذلك باب في الولايات والبراءات وتصنيف ذلك باب ولاية الشريطة وبراءة الشريطة
باب ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة والفرق بين شهرة الحدث وشهرة الدعوى في الحدث والحجج في الاسلام
باب ولاية الحكم بالظاهر وبراءة الحكم بالظاهر باب صفة من يكون عالما بالولاية والبراءة
باب الفرق بين أحكام الدعاوى والبدع والقذف حيث يجوز التظاهر بالولاية والبراءة والوقوف حيث لا يجوز.
باب السعيد والشقي وأحكامهما في الولاية والبراءة
- YEI - (1/241)
صفحة 242
رقم الصفحة
باب الوجوه الجامعة للولاية في الظاهر ومعرفة من هو حجة في الرفيعة في الولاية وصفته
باب صفة من تجب له الولاية بسلامته من التدين بدين أهل الضلال واستحقاق الولي الولاية من أهل الاقرار باب أحكام البراءة والشهرة ومعانيها وأحكامها والفرق في ذلك بين شهرة الحدث والدعوى للحدث باب البراءة في الظاهر ووجوه الأحداث والشاك في ذلك والمتولي عليه والحكم في المصر والأسماء
باب معرفة أحداث المحدثين وولاية الرأي وبراءة الشريطة ومعرفة وقوف الرأي والسؤال في جميع المحدثين ومعرفة أحداث
المحدثين وما يلزم في ذلك من الأحكام باب الشهادة على الأحداث في وجوب البراءة
باب التوحيد والشاك فيه وغير ذلك
باب ذكر الامامين سعيد بن عبدالله وراشد بن الوليد
باب الفرق في حكم الامام في الأحداث وشهادته
باب ذكر السلف ومذاهبهم في الحدث وذكر أهل العلم
أئمتنا من
وولايتهم
من المسلمين ومذاهبهم في الحدث الواقع
باب اختلاف أهل الدعوة والأحداث الواقعة في عمان
102
107
112
129
132
199
210
213
218
226
- YEY - (1/242)
صفحة 243
[صفحة فارغة] (1/243)
صفحة 244
سلطنة عُمان
وزارة التراث القوي والثقافة
L
*
الاستقامة
تأليف العلامة المحقق الشيخ أبى سعيد محمد بن سعيد الكرمي
الجزء الثاني
1405 5 - 1985 م (2/1)
صفحة 245
[صفحة فارغة] (2/2)
صفحة 246
سلطنة عُمان
وزارة التراث القومي والثقافة
الاستقامة
تأليف العلامة المحقق
الشيخ أبى سعيد محمد بن سعيد الكرمي
الجزء الثاني
51405 - 1985 م (2/3)
صفحة 247
الله الرحمن الرحيم (2/4)
صفحة 248
باب
الجملة ولزومها والحجة في ذلك
الجملة المجمع عليها المسماة؛ وهي شهادة أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن جميع ما جاء به محمد رسوله
عن الله، فهو الحق المبين
فإن هذه الجملة كلها بلفظها وتسميتها، لا تقوم فيها الحجة من خاطر القلب، ولا من خاطر البال، لأنها أسماء، والأسماء لا تقوم من حجج العقول، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا؛ أن الأسماء لا تقوم بها الحجة من حجة العقول، ولكن تقوم من حجج العقول معرفة الصفات، وتدرك بالعقول، فما أدرك بالعقول من المكلفات للمتعبد؛ فغير معذور بتضييع ما كلفه، فما هو قادر عليه بمشاهدته له، وغير مكلف ما لا تحتمله طاقته إن شاهده، مما لا يعرف ولا يبين إلا بالمذكورات، ولا يكلف علم مالا يعرف إلا بالمذكورات، حتى يذكر معه ذلك المذكور.
حتى
وكذلك ما لا يعقل إلا بالمتطورات، فغير مكلف علم ذلك، يشاهد ذلك بمنظور، فليس في العقل موضع دلالة على الفرق بين الأسماء، إلا أن تكون الأسماء تدل على معنى، فيعقل العقل المعنى الذي به ثبت الاسم، وعليه وله كان ذلك، وله عرف و به عرف، إذا عرف العقل معنى ما أريد بالإسم، ليس أنه يثبت عليه معرفة الأسماء، لأن العقل لا يجوز أن (2/5)
صفحة 249
يحتمل تمييز ما بين موسى ومحمد، وعيسى وداود وسليمان ـ صلى الله عليهم
6
وسلم أجمعين ـ ولا غيرهم من الأسماء، فيعقل هذه الأسماء أو شيئا منها إلا أن يبلغ إليه علم ذلك، بحجة سماع أو ما يشبهه، من نظر عين للاسم المكتوب، ولا يدرك بالعيان أيضا معرفة الأسماء، وإنما يدرك معرفة الأسماء بالمسموعات، والمنظورات المشبهة للمسموعات، وهو نظر في كتاب يقوم مقام الكلام والسماع، وما أشبه هذا
فصل: وكذلك ليس يقوم في حجة العقل، فرق ما بين أسماء الله تبارك وتعالى ـ، المتسمّي بها بنفس الاسم غير المراد بالإسم من الصفة، فيعقل العقل معرفة الله - تبارك وتعالى - بهذا الاسم، إلا لمعنى الالهية لا لمعنى الاسم المسمى، إلا بذكر يذكر حتى يعرفه بسماع، أو ما يقوم مقام
(
السماع، وإن خطر بالبال معرفة اسم الله - تبارك وتعالى - بهذا الاسم فعرف معنى الإسم أنه الإلهية، وأن الإله هو المالك لما سواه، ثبت في حجة العقل معرفة الاسم، لمعرفة المراد بالاسم، لا بنفس الاسم، وكذلك الرحمن الرحيم، لا يصح ذلك ولا يقوم بالاسم نفسه حجة من حجة العقل، إلا بمعرفة المراد بالاسم من صفته، وما هو موصوف به، فإنه إذا عرف معنى ذلك، قامت الحجة بذلك من طريق حجة العقل من | الصفات
،
لا من الأسماء، وكذلك ما جاء به محمد وهو اسم كما قلنا. عن الله - تبارك وتعالى -، وهو اسم كما قلنا فهو الحق، لا تقوم بهذا الحجة من طريق العقل، إلا من طريق معرفة ذلك والمراد به، على ما يدرك معرفة ذلك، من ثبوت صفة الله - تبارك وتعالى - في ذلك، على معاني ما يدرك
بالعقل ذلك بحجة العقل من الصفات، في الصفات لا. من الأسماء، فإنما يدرك معرفة الجملة التي هي الجملة، من حجة العقل، على معنى معرفة المراد بها والصفة لها، لا من طريق معرفتها بغير معرفة صفتها، وإنما تقوم الحجة بها من طريق السماع، ومن ذلك أنهم قالوا؛ ولا نعلم بينهم اختلافا، أن المنقطع في جزيرة من جزائر البحر، وبأرض فلاة، لا تتصل به الأخبار،
-1 - (2/6)
صفحة 250
فتتناهى إليه الأخبار، بما يذكر معه معرفة الجملة التي قد لزمت كُلفتها بإجماعهم، على معنى إطلاق لزومها على مخصوص ذلك، من تفسير من لزمه ذلك فيها، وأن هذا المنقطع الذي لا تبلغه الأخبار، أنه معذور عن الاقرار بهذه الجملة، على وجه ما لزمت غيره من المتصلين بالأخبار، فكفى بهذا حجة، أنه إذا نزل بمنزلة يقدم فيها اتصال الأخبار، أنه زائل عنه الإقرار بهذه الجملة، على معنى ما هي لازمة، من اتصلت به الأخبار، فصح أن التعبد بها لا يصح على معنى ما هي مسماة به، من طريق حجة العقل، وإنما هي بالأخبار، فكذلك لو كان في موضع تتصل به الأخبار، إلا أنه لم يبلغه خبر هذه الجملة ولا ذكرت له ولا سمع بها، فالمعنى فيه واحد، لأنه غير متعبد فيها بحال يفوت ويبطل، وليس هي مما تقوم به الحجة في العقول، فيكون بالخاطر تقوم بها الحجة إلا بالمعنى فيها، والصفة التي ذكرناها، فإذا جاز أن تأتي عليه ساعة من عمره، معذورا بذلك في دين الله، جاز له في ذلك الساعة والساعتين، واليوم واليومين، والشهر والشهرين، والسنة والسنتين، وما لم ينكر ذلك أو يجهل معاني ما يلزمه معرفته من صفته من صفة ذلك، أو يبلغ إليه خبر ذلك ويسمع به، فيكون الإقرار به والمعرفة له بالتسمية، التي لا يجهل عند أهل المعرفة بها من أهل الدين، إذا بلغ من ذلك إلى ما بلغوا من سماع ذلك وذكره
والمائة، وما
وصفاته
كذلك كل ما كان من الأسماء من تفسير الجملة، التي هي من أسماء الله، بعد الإقرار بالجملة بالتسمية، أو قبل ذلك، فلا يلزمه من حجة العقل في ذلك معرفة الأسماء، إلا أن يعرف معنى الأسماء من صفة الله، فإنه حينئذ يلزمه ذلك من حجة العقل، وإلا فلا يهلك في ذلك إلا بالسماع والعبارات، للأخبار الواردة عليه، من معرفة أسماء الله - تبارك وتعالى - في صفاته، فالصفات في هذا غير الأسماء المسماة، إلا أن تقوم في العقل معرفة الصفة، التي بها يثبت الاسم، وبها يثبت الإسم في المعقولات، فإذا ثبت ذلك في العقل، الوارد عليه خاطر القلب بالاسم، كان عليه معرفة الاسم
- V. (2/7)
صفحة 251
والصفة من خاطر القلب، ولو لم يسمع بذلك، ولم يعاين نظر ذلك من
كتاب، ولا سمع فيه خطابا ولا دُعِيَ إليه.
فصل: فإن قال قائل: أيكون أحد معكم مسلما مؤمنا، وهو لم يقر بهذه الجملة، ولا بشيء منها، ولا يخرج من الشرك إلا بها وبالإقرار بها؟
كذلك قال: أهل القبلة أجمع، لا نعلم بينهم اختلافا
قلنا له: نعم يكون مسلما مؤمنا ما لم يُكَفِّر، ومطيعا ما لم يَعْصَ.
ومقرا ما لم ينكر، يأخذ الله عليه الميثاق
6
ذلك
وقبوله عن الله الميثاق في أصل ما تعبده الله به في دينه، على لسان نبيه إلى أهل زمانه،، ما لم ينسخ الدين على لسان نبي آخر من الأنبياء، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته، ناسخ لشرائع جميع النبيين، وهو ثابت إلى يوم القيامة، فكل مولود ولد بعد أن قامت حجة الله - تبارك وتعالى - على العباد، بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، فله تلك الحجة عند الله - تبارك وتعالى -، وله ذلك العهد عند الله وذلك الميثاق، وعليه مثله، ولا عذر له في مخالفة تلك الحجة، بوجه يكون مخالفا لها، ولا ينقض ذلك العهد وذلك الميثاق الذي ثبت في دين الله لعباده عليه، فكل مولود من الثقلين من المتعبدين بالطاعة والمعصية، ممن تقوم عليه الحجة الله بالايمان به وبرسوله وبدينه الذي بعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، فهو مولود على تلك الفطرة، وله ذلك العهد على الله، وذلك الميثاق، وعليه ذلك العهد الله، وذلك الميثاق، إلى يوم القيامة، من جميع المولودين وجميع من لم يبلغ الحلم ويدخل في المعصية، فإذا بلغ كان على ذلك العهد وذلك الميثاق، إلى أن ينقضه بشيء يكون ناقضا له، من جهل شيء يسعه جهله، بعد قيام الحجة عليه، بعلم ذلك بوجه يكون مطيقا لعمله، أو بترك شيء مما ألزمه ذلك العهد وذلك الميثاق، الله العمل به، أو بركوب شيء ألزمه ذلك العهد وذلك الميثاق، ترك ذلك الله في دينه، الذي قد لزمه، فهو أبدا على هذا إلى يوم القيامة، ولومات على ذلك قبل أن يخطر بباله
عمالا
- A. (2/8)
صفحة 252
شيء من علم ما لا يسعه جهله، ولم يلزمه تأدية شيء من طاعة الله، مما تقوم به الحجة إلا بالعبارات والسماع، ولا ركب الله محرما قط، بعد قيام الحجة عليه بمعرفته من السماع، إذا كان لا يطيق علم ذلك، ولا يقدر عليه، ولا يقدر على التماس ذلك بطاقته، إذا أتى من جميع ذلك الميثاق والعهد، بما تحتمله طاقته، ولم يضيع شيئا تحتمل طاقته ألا يضيعه ولم يركب شيئا تحتمل طاقته الانتهاء عنه، وتقوم عليه الحجة بذلك، بما لا تحتمله طاقته ألا يركبه، وهذا مما يطول فيه الكلام، وقد مضى في هذا الكتاب من تفسير هذا، ما أرجو أنه يأتي على ما فيه الكفاية، وبعضه مفسر وكل شيء مذكور في
موضعه
دين
فصل: ولا يجوز أن يكون في دين الله - تبارك وتعالى - -، أن يكون على العباد الميثاق والعهد، بجميع ما لزم في دينه، على لسان نبيه، أن لا يخالفوه ولا ينقضوه، وهو عليهم ثابت كما ثبت في شريعة نبيه، وأنه قد قامت عليهم بذلك الحجة، ولا يعذرون بمخالفته، ولا يكون لهم الحجة بما هو حجة لهم في دين الله - تبارك وتعالى - على لسان نبيه وفي شريعة دينه، فإن ادعى هذا مدع، فقد ادعى غير الحق، ولا تجوز له دعواه هذه في حكم الكتاب، ولا حكم السنة، ولا الاجماع، ولا حجة العقل، وكل ما كان في الله حجة، فهو لجميع عباده حجة، ما لم ينقض أحد منهم الميثاق الذي تثبت به الحجة، وكل ما كان في دين الله حجة على عباده، في شريعة دين الله، ودين نبيه، وبما أخذ عليهم به الميثاق، فهو حجة على جميع عباده، ولا يجوز لهم مخالفة ذلك ولا نقضه، وكلما نقضوه أو خالفوه، ازدادت حجج الله عليهم بالسخط منه والغضب، وإثبات الوعيد عليهم في أحكام دينه، في الدنيا والآخرة، جهلوا ذلك أو علموه، وكذلك لهم الحجة في جميع ما كان في الله حجة، في شريعة دين الله، ودين نبيه، علموا الحجة أو جهلوها، فهي حجة لهم حتى يخالفوا ذلك، بنقض ذلك العهد والميثاق، الذي ثبت لهم في دين الله، على لسان نبيه
دين (2/9)
صفحة 253
ولا يجوز أن تختلف الأحكام في هذا، من أجل البقاع ولا من أجل
المواليد، ولا من أجل الآباء ولا الأمصار، والمولود في الروم والزنج والهند
ويأجوج ومأجوج، وجميع الأمصار في جميع البر والبحار
"
في حكم دين
الله
6
،
سواء على كل منهم من حجج الله ما احتملته طاقته، إذا بلغت إليه قدرته، ولزمته كلفته، فإذا ضيعه بعد ذلك كان ناقضا لذلك العهد والميثاق، الذي وإلا فهو على ذلك الميثاق، ولن يضره
ثبت له في دين الله - تبارك وتعالى -
1 -
،
علم غيره، إذا بلغ سنه وصح عقله، تعبد بحكم نفسه وهو على عهد الله وميثاقه؛ له ما لأهل العهد، وعليه ما على أهل العهد والميثاق من الثواب. والايمان والإسلام والرضى، حتى ينقض عهد الله وميثاقه، بوجه من الوجوه التي يكون بها ناقضا لعهد الله وميثاقه، الذي ثبت له وعليه، فإذا نقض العبد عهد الله وميثاقه، الذي قد ثبت على العباد له ولهم عليه، فلا عذر لناقض العهد والميثاق، إذا نقضه بعد القدرة منه على أن لا ينقضه؛ فنقضه، كان ناقضا للعهد، علم بذلك أو جهل، فلا عذر له بجهل ذلك، ومتى لم ينقض ذلك العهد وذلك الميثاق، فهو على العهد والميثاق أبدا مستحق ما يستحقه،
من لم ينقض العهد والميثاق من الإثم أو الثواب والرضى والمحبة، علم ذلك أو وليس على العبد أن يعلم أنه لم ينقض العهد والميثاق وأنه قد أطاع
جهله،
6
ما لم يبلغ علم ذلك إليه، بوجه يطيق علم ذلك، وله الحجة في تلك الطاعة إذا أطاع بها، ولو جهل أنه مطيع بها، كما كان غيره معذورا بالمعصية إذا
عصى بها، ونقض بها العهد أو تلك المعصية أو لم يعلم
عضي
فصل: وكما لم يكن له الحجة في المعصية إذا عصى،، ولو لم يعلم أنه للعهد والميثاق المأخوذ عليه أن لا يعصى، كذلك ليس عليه أن يعلم أنه أطاع، إلى أن يبلغ إليه علم ذلك، وتحتمله طاقته، ويكون مطيقا لذلك، ولو جهله ما وسعه، ولم يحتمل ذلك أن
يسعه طاقته
•
فصل: ومن العجب العجيب أن يجوز أن يهلك العبد بالمعصية الله (2/10)
صفحة 254
تبارك وتعالى - للميثاق الثابت عليه، ولو جهل ذلك والأصل الذي بني عليه، ولا تثبت له هو السلامة والإيمان والطاعة، والنقض والمعصية منه حادثان بعد أن لم يكونا، ولا يسعه جهل ذلك، ولا يجوز أن يكون مطيعا بموافقة الطاعة، مؤمنا بموافقة الايمان، ولو جهل ذلك، أفتكون حجة الكفر
(
أولى من حجة الإيمان، وحجة المعصية في دين الله أولى من حجة الطاعة وحجة نقض العهد والميثاق أولى من حجة الوفاء بالعهد والميثاق؟ إن هذا لهو
الزور، والكذب على الله وعلى رسوله وعلى دينه. فإما أن يكون من أطاع؛ فلا طاعة منه حتى يُعلم أنه أطاع، ومن عصى فلا معصية منه حتى يُعلم أنه عضي،، وإما أن يكون من أطاع فهو مطيع؛ علم أو لم يعلم، ومن عصى فهو عاص؛ علم أو لم يعلم
فصل: فإن قال قائل: فلا يكون عاصيا بمعصية الله، حتى يعلم أنه عاص، فقد أتى بما لا يوافقه عليه أحد، ومن عصى فهو عاص، علم ذلك أو جهله، على هذا أجمع المسلمون.
جهله يسع
وكذلك من أطاع فقد أطاع، علم بالطاعة أو لم يعلم، إذا وافق الطاعة بوجهها وكمالها، وجهل علم ذلك أنها طاعة، فذلك مما أبدا، ما لم يبلغ إليه علم ذلك، أو يعرف المراد به مما لا يسعه جهله وإن قال: يكون هالكا بالمعصية إذا عصى، علم أو لم يعلم،
ولا يكون سالما بالطاعة إذا أطاع، حتى يعلم أنه أطاع؟
قلنا له: قد اختلف عندك حكم الطاعة والمعصية، فكانت عندك أحكام المعصية أولى وأوجب من أحكام الطاعة، والمراد من المطيع أن يطيع،
والمراد من العاصي الا بعضى
الا
يعصى
6
"
فقد عصى العاصي حيث أريد منه
، فقلت إنه هالك، وأطاع المطيع بما أريد منه أن يطيع، فقلت إنه هالك، وسواء أطاع أو لم يطع فهو عندك هالك حتى يعلم أنه
لا ينفعه وهو
-11 - (2/11)
صفحة 255
أطاع، فمن أين لك هذا القول؟ إن أحكام الطاعة أضيق من أحكام المعصية. فإن قال ذلك أتى بما لا تحتمله العقول.
فإن ثبت على ذلك، قيل له: أفرأيت إن لم يعص، أفعليه أن يعلم أنه
، إذ كان بتركه للمعصية طاعة، فيما أخذ عليه من الميثاق، فإذا ترك لم يعص
المعصية؛ كان ذلك منه طاعة أو لا يكون منه طاعة، فيما تعبده الله
به
؟
فإن قال: يكون منه طاعة، وعليه أن يعلم أن المعصية معصية،
ويتركها بعلم
،
قيل له: فليس يسعه معك دون العلم بالأشياء كلها من دين الله في وقت واحد، فهذا ما لا يجوز، وليس المدار والحاصل إلا على ما قد قلنا إنه سالم، بالميثاق الذي أخذ له وعليه في دين الله ما لم يعص الله وهو مؤمن مسلم بذلك أبدا، ولو لم يقر بالجملة ولا بشيء منها بلسانه ولا بقلبه، فهو مقر بها في جملة العهد والميثاق، الذي ثبت له وعليه في دين الله - تبارك -، على لسان نبيه و ما لم تقم عليه الحجة بها، أو بشيء منها بسماع أو نظر أو خاطر، يوجب علم معانيها ومعاني التسمية لها
وتعالى
وسواء ذلك عندنا في أية بقعة كان من البقاع، ما لم يبلغه علم ذلك والخبر به ومعرفته، ولو كان ذلك في مكة والمدينة أو غيرهما، من أمصار أهل الإقرار، فإذا سمع بذكر ذلك وخبره، أو جرى عليه ذلك مرسوم في كتاب، أو خطر بباله من ذلك، ما تقوم عليه الحجة بمعرفة صفة ذلك والمراد به، فقد لزمه علم ذلك والتصديق به وله، وضاق عليه الشك فيه والريب، فإن كان قد خرج من حال الإقرار، بالميثاق الذي كان مجزيا له إلى حد الانكار بوجه من الوجوه، وكان منكرا بوجه من الوجوه، فلا يسعه دون أن يقر من ذلك بما أنكره من لسانه، ويصدق من ذلك بما كذبه بلسانه وبقلبه، ويعلم من ذلك ما قد شك فيه بقلبه، ويرجع من حال الخروج من الانكار بلسانه، إلى
- IY- (2/12)
صفحة 256
الاقرار بلسانه، ولا يجزيه إلا ذلك، وهو معنى الحكم في الذنوب، السريرة بالسريرة والعلانية بالعلانية، وإن كان لم يأت عليه حال يكون منكرا، ولم يزل على حال الاقرار ولو لم يبلغه خبر الجملة ولا صفتها، حتى مضى عليه سنون كثيرة على ذلك، فهو مسلم وعليه أن لا يشك في الجملة، ولا في شيء منها، ولا من تفسيرها، إذا بلغ إليه علم ذلك وخبره، أو خطر ذلك بباله، على وجه ما ثبت عليه علم ذلك في الخاطر، وإنما عليه علم ذلك والاقرار بمعرفته، ويحقق علم ذلك بلا شك ولا ريب فيه، ولو لم يقر بذلك بلسانه، ولم يكن قبل ذلك قد نقض ذلك الميثاق الذي له، بوجه يكون منكرا أو جاحدا، فليس عليه بذلك إقرار باللسان، لأن الاقرار باللسان لا يكون إلا على عقب الانكار باللسان، وإلا فهو على جملة الإقرار في الدينونة، وإنما أريد تصديق ذلك وعلمه، والاقرار به منه، فإن علم ذلك وصدقه، ولم يشك فيه وعلمه، فقد أتى بما يجزئه من ذلك، ما لم ينكر منكرا قبل ذلك، فيجب عليه الإقرار باللسان لمعنى الإنكار باللسان، ولو أقر بذلك بلسانه، وشك في ذلك بقلبه، لم يجزه ذلك، ولو أقر بذلك بقلبه وعلم ذلك ولم يشك فيه، كان ذلك مجزيا له دون الإقرار باللسان، إذا لم يكن قبل ذلك منكرا
بلسانه.
وإنما وجبت الدعوة إلى الجملة لأهل الإنكار من جميع المنكرين
الجاحدين، ولم يسعهم دون الإقرار بذلك باللسان، لأنه خروج منهم
لم
مما أنكروا باللسان، وكذلك إذا كان إنكار المنكر باللسان وذنبه باللسان، تصح له توبة ولا رجعة إلا بالتوبة باللسان، والاقرار باللسان، فإن شك
بقلبه في شيء مما يكون به مشركا في اعتقاده، كان إقراره في الاعتقاد مجزيا له عن الإقرار باللسان، لأن السريرة بالسريرة والعلانية بالعلانية، وإنما تأويل قول أهل العلم إذا بلغ سنه وصح عقله، لم يسعه جهل علم هذه الجملة والإقرار بها، إنما يخرج ذلك معنا إقرار بالتصديق، لأن الإقرار يكون بالقلب، والإنكار يكون بالقلب، وللقلوب مقال وللألسنة مقال وللقلوب
- 13 - (2/13)
صفحة 257
إيمان وللألسنة إيمان، فإيمان القلوب هو أصح الايمان، وإقرار القلوب هو أصح الاقرار، وإنكار القلوب هو أعظم الانكار، إلا أن المنكر بقلبه يجزيه الاقرار بقلبه، والشاك بقلبه يجزيه اليقين بقلبه، والمنكر بلسانه لا يجزيه إلا الاقرار بلسانه، ولا يكون مؤمنا بدون الاقرار بلسانه، فإذا كان قد بلغ إلى حد الانكار بلسانه، أو جاحدا بوجه من الوجوه، وثبت عليه حكم الانكار، لم يجزه إلا الاقرار باللسان، إذا بلغ إلى ذلك طوله، ووصل إليه حوله، وإن منع ذلك بعذر من أسباب العذر أجزأ ذلك بقلبه، ولو أنكر ذلك بلسانه و آمن به قلبه للعذر الواجب له، وذلك قول الله - تعالى -: إلَّا مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنَّ بِالإِيمَانِ، فقد صح له الايمان بالقلب، ولو أنكر ذلك، وجحد ذلك باللسان، للعذر القائم
باللسان
وكذلك إن عدم الكلام بعاهة في اللسان، وقد كان جاحدا قبل ذلك فرجع إلى تصديق ما أنكر بقلبه، أجزأه ذلك دون اللسان، للعذر الذي نزل به في حكم الايمان، وإنما يصح معنا هذا القول في أهل الانكار، ألا ترى أنه يقول إذا أقر بهذا، خرج من الشرك بجملته، ودخل في الايمان بجملته، وإلا فلا يخرج من الشرك، ألا ترى أنه إنما ذلك على من وجب عليه اسم الشرك.
وأما من وجب له اسم الإيمان، في أصل ما أخذ له وعليه من العهد والميثاق، فلا يلحقه معنا حكم الأثر، ولا حكم القول والخبر، ولو كان ذلك كذلك ما صح له إقرار ولا أحكام الإقرار، ولو كان في دار الاقرار حتى يعلم منه ذلك بلسانه، ولكان في حال ما يجهل منه ذلك بعد بلوغ سنه، وصحة عقله؛ في حال الشرك، لا تجوز منه مناكحة ولا موارثة ولا أكل ذبيحته،
6
حتى يعلم منه ما يخرج به من الانكار إلى الاقرار، ومن الشرك إلى الإيمان. وهذا ما لا يجوز في أصل الحق في إجماع الأمة، بل الأمة بأسرها إلا ما شاء
(1) جزء الآية (106) من سورة النحل
-12 - (2/14)
صفحة 258
الله، مما يغيب عنا أمره على الإجماع على هذا في حكم الظاهر، من وجوب الإقرار لجميع أهل الإقرار، وذلك في الأحكام الظاهرة، ما لم يثبت منه يجب به الانكار في الأحكام الظاهرة، كذلك مثله في أحكام السريرة، ما لم يخالف ذلك في أحكام السريرة، ولا يجوز أن يكون ذلك في أهل أمصار الشرك، مخالفا لأحكام الله في التعبد في عباده، ولكن إنما ثبت ذلك في أهل الإنكار، وفي دور أهل الإنكار إذا ثبت عليهم حكم الإنكار، ولو كانوا في السريرة على الاقتدار لثبوت حكم الظاهر عليهم بحكم الدار، لا بحكم التعبد في الأسرار، وهذا ما لا يجوز معنا فيه الاختلاف، ولا نعلمه إلا وهو مجمع عليه من قول المسلمين
فصل: فإن قال قائل: فإنا لم نسمع بهذا الذي ذكرتموه من السعة في علم الجملة، إلا لمن انقطع عن الأرض المتصلة بأرض أهل الإقرار، مثل جزيرة في بحر من البحار، أو فلاة في قفرة من القفار، أو في أرض غالب على أهلها الانكار، ولا يدرك فيها معرفة الإقرار بهذه الجملة ولا صحة الأخبار.
فصل: قلنا له: ليس المعنى ما لم يبلغه علم ذلك ولا خبره ولا ذكره، كان معذورا عندنا عن علم ذلك، أو البقعة الحال فيها والنازل
بها.
فإن قال: البقعة الحال بها والنازل بها
قلنا له: فإنه إذا أتاه خبر ذلك في تلك البقعة من زنديقي من الزنادقة
طائر حتى
صبي
،
أقام عليه تلك الحجة، أو من مشرك أو أو معتوه، أو أتاه كتاب في فم ألقاه إليه، فقرأه فإذا فيه خبر هذه الجملة التي ذكرناها، ما القول فيه عند ذلك، وهو في البقعة التي عذرناه فيها، بجهل ذلك بالإجماع منا لعدم الخبر، فما القول فيه بعد هذا الذي قد علمه، وهو في هذه البقعة؟ فصل: فإن قال: فإنه تقوم عليه الحجة بذلك، ويلزمه الإقرار
-10 - (2/15)
صفحة 259
بمعرفة ذلك على وجه ما يجب عليه من علم ذلك، ويتحول عن حال العذر إلى
حال الضيق، ويلزمه علم ذلك والإقرار بمعرفته
قلنا له: فلن ينفعه البقعة ولا الدار التي كان فيها، إذ قد خصه حكم الإقرار، ولو كان في أرض أهل الإقرار، أو وحده في بحر من البحار، أو فلاة في قفر من القفار، ويلزمه علم ذلك بكتاب من فم طائر ألقاه إليه، وأقام الله الحجة عليه، أو رأى ذلك مرسوما في أثر في رق أو حجر، كان عليه علم ذلك ومعرفته، ولا يسعه جهل ذلك
فماذا تقول فيمن لم يبلغه خبر هذا، ولا خطر بباله ولا سمع بذكره، بعد أن بلغ ولا قبل أن يبلغ، وهو في مكة المكرمة أو المدينة المنورة، ولم يضيع الله فرضا، ولا ركب الله محرما، ومضى على ذلك، ما القول فيه ولم يبلغه هذا بحال، ما كنت تلزمه في ذلك؟
فإن قال: يلزمه علم ذلك على حال، لأنه في أرض الاتصال.
فصل: قلنا له: وما المراد منك بأرض الاتصال؟ وقد عدم في أرض الاتصال وأرض الإقرار في حاله ذلك معرفة الاقرار، ويقول إن البقاع يتحول فيها الأحكام، إذا لزمت وثبتت فيها الأحكام، إذا عدمت،، فلم لم تعذره بحال البقعة التي قد اجتمعا عليها، أنها موضع عذر لمن نزلها عن علم هذه الجملة والإقرار بها، فلما خص ذلك أحدا من أهلها ألزمته ذلك الخصوص، الحكم له دون غيره من أهل البقعة، حتى يعلم كعلمه، فعلى حد قولك الضعيف، ومذهبك العنيف، أنه من حين ما بلغ ذلك إلى ذلك الإنسان في ذلك المكان، فقد لزمت الحجة جميع من كان في البقعة والمكان، ببلوغ الخبر إلى ذلك الانسان، إذا كان الحكم بالبعض يعم الجميع، الحكم الخاص
للبعض دون البعض، قبل بلوغ ذلك إليه، وقيام الحجة به عليه
فإن قال: لا يلزم ذلك من أهل البقعة، علم ذلك الواصل إلى واحد
-17 - (2/16)
صفحة 260
منهم، حتى يُعلمهم بذلك الذي قد بلغه، فإذا أخبرهم بذلك وبلغهم، كان
ذلك حجة عليهم.
فصل: قيل له: فإن في ذلك المكان من الأرض ثلاثة أنفس؛ فعلم
اثنان بذلك ولم يعلم الواحد
"
أيسعه ذلك أم لا حتى يعلم؟
فإن قال: يسعه
قيل له: فإن كان في ذلك المكان عشرة أنفس، فعلم بذلك تسعة، ولم
يعلم واحد؟
فإن قال: لا حجة عليه حتى يعلم.
قيل له: فكانوا ألف رجل في ذلك المكان، فعلم بذلك تسعمائة
وتسعة وتسعون، ولم يعلم واحد؟
فإن قال: لا يلزمه ولا يجوز له إلا هذا
قيل له: فما مرادك في إلزام من كان في الأمصار ما لم يلزمه من علم الإقرار، وأما الحجة في الأمصار غير الجزائر في البحار والفيافي والقفار، أليس إنما هو عدم الأخبار ووجود الأخبار وأن كلا من المتعبدين في ذلك مأخوذ بما لزمه، وساقط عنه ما عدمه، ولا يجوز في حكم الاسلام إلا هكذا؟ فإن قال: هكذا جاء الأثر، وليس لنا ولا لكم إلا اتباع الآثار، وليس
لنا أن نخالف الآثار، ولا نحدث من عند أنفسنا أشياء تخالف الآثار.
قلنا له: ما اتبعنا في هذا إلا الآثار، وإنما هذا هو معنى الآثار
"
أهل العلم والأبصار، والعلماء بالأحاديث والأخبار، وليس من قلد الرجال والآثار دينه، على غير صحة تأويل بعالم، ولا ناج عن الهلكة ولا سالم، ولو كان ذلك كذلك، كان من تأول الكتاب والسنة بظاهر الأمر منهما سالما
- IV- (2/17)
صفحة 261
وسلمت الأمة بأسرها بتأويل الكتاب بالكتاب، والسنة بالكتاب والسنة بالسنة، والآثار بالآثار والسنة بالآثار، ولكن لا يجوز ذلك إلا على معنى تأويل الحق في الخاص والعام، والمجمل والمفصل، والمحكم والمتشابه. والناسخ والمنسوخ، ولا يجوز إلا هكذا
6
فصل: وإنما أصل ما عذر به العبد عن التقيد في الجملة، عدم خبرها وعلمها لا غير ذلك ولا يجوز غير ذلك، ففي أي بقعة علمها وبلغه
حكمها، لزمت الحجة فيها بما يجب عليه في ذلك، وفي أي بقعة عدم خبرها
وعلمها، وجب له من العذر ما لمعدمها في أي بقعة، ولا يجوز غير هذا
•
فإن قال قائل: فعلى المتصل بالأرض أن يطلب علم ذلك ويسأل عنه، حتى لا يأتي عليه حال يجهله، وهو في بقعة يدرك معرفة ذلك فيها قلنا له: لأي علة يلزمه ذلك، وهو دائن في الأصل بجميع دين الله، فيها أخذ عليه من الميثاق والعهد، وله في ذلك ما عليه، فهو مقر بالجملة ما لم ينكرها، وعالم بها ما لم يجهلها، بعد قيام الحجة عليه بعلمها وبلوغ ذلك إليه، ومؤدي في أحواله كلها ما لزمه في جملته، في دين الله - تبارك وتعالى - عليه، من الصلاة والزكاة والحج والعمرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما الذي يضيق عليه من هذا، وهو على جملة الإقرار، حتى يأتي عليه علم يخصه كما خص غيره، ممن كان معذورا
•
ل: فإن أتى هذا الجاهل بجهله وتماديه في باطله
قيل له: فحيث ألزمت هذا المعدم لعلم الجملة بسماع أو ذكر، أو فكرة تؤديه إلى ذلك، فمما يلزمه أن يسأل عن شيء معروف أو مجهول، وهو لا يعرفه بذكره، ولا خطر له ذلك ببال، إن هذا لهو العمى والضلال، إذ يلزمه أن يسأل عما لا يعرف ولا يعقل، ولا أدركته معرفته بنظر ولا سماع ولا فكرة، فعن ماذا يسأل؟
- 18 - (2/18)
صفحة 262
علمه
فإن قال: عن الجملة، كما جاء الأثر
قيل له: يكفي العاقل من بعض هذا الذي قد ظهر منك، وقد كفى خصمك مؤنتك إن شاء الله، فلو كان المتعبد يعرف معنى الجملة حتى يصفها، لكان علم ذلك يلزمه من غير سؤال يهلكه بجهل ذلك، إذا بلغه وسمع به على حال، ولم ينفس في ذلك في سؤال، فكان عليه علم ذلك معا كلمح البصر، ولو لم يكن في حضرته أخذ من البشر، إذا خصه ذلك وعلمه بخبر أو قراءة من رسم كتاب أو أثر، أو غير له ذلك جميع من كان ممن غير، ولو امتحنه الله بذلك بلسان طائر، عقل عن لسانه ذلك، أو من بهيمة
6
من البهائم، أو من نعمة من النعم، لا يعرف من نطق بها ولا من تكلم بها. فهذا كله حجة عليه، إذ قد بلغ علم ذلك وخبره إليه، فكيف تقول أن عليه السؤال، فعن ماذا يسأل، وكيف يبلغ من لا يتولاهم شيئا، ولا يعيره أن يسأل عنه، فكيف يسأل عنه؟
فصل: فإن قال: يسأل عن دينه
قلنا له: وعلى الجاهل بالشيء، المعذور عنه، أن يسأل عنه، وله
الإقامة عليه، أو لا تسعه الإقامة عليه؟
فإن قال: لا تسعه الاقامة عليه، وهو هالك بجهله
قلنا له: فقد كلفته ما لا يطيق، والله - تبارك وتعالى - لم يكلف العباد من دينه ما لا يطيقونه، إنما كلفهم ما أطاقوه من جميع الأشياء كلها، من العلم والعمل والترك، فإن كان تسعه الاقامة على ذلك فلا سؤال عليه فيه، وإن كان لا تسعه الإقامة عليه، فقد كلف ما لا يطيقه، أنه إذا أعطيت القياد في قولك هذا، إذ قلت إذا لم يعرف الجملة ليسأل عنها، فعليه أن يسأل
عن دينه
- 14 - (2/19)
صفحة 263
فإذا سألك أحد عن دينه على المبتدى، ما يكون جوابك له، إذا سألك
عن دينه؟
فإن قال: فإن دينه الإسلام وأدلة على الجملة التي ثبت له بها الإسلام.
6
قلنا له: ليس الإسلام دين كل سائل عن دينه، ولكل سؤال جواب، وليس يلزمنا أن نجيب كل من سأل عن دينه ممن لا نعرفه، أن دينه الإسلام، وإنما الإسلام دين أهل الإسلام، ولو سأل السائل عن الدين، لزمنا أن نجيبه أن الدين هو الإسلام، وأما دينه فلا يلزمنا له جواب لأنا لا نعرفه ولا نعرف دينه، وإذا أجبناه بأن دينه الإسلام كنا قد أثبتنا له ما لا نعلم، أهو ثابت له أم لا، وهذا أيضا من تخليطك قليل، لأن جهلك عظيم جليل. فصل: ولا بد لهذا الجاهل إما أن يلزمه فوق طاقته، فيكون قد خرج من المعقول، وإما أن يرجع إلى الحق فليس له إلا ما يقول، وثبت له خصمه على ما قد بينا من ذلك إن شاء الله
فصل: والأصل في هذه الجملة على القسم فيها، أنها على حالين: إما أن يسع جهلها على كل من بلغه خبرها وشأنها وذكرها، في أية بقعة من البقاع؛ من الجزائر في البحار والفيافي والقفار، وأهل الشرك والإنكار، وغير الأمصار، من أمصار أهل الإسلام والإقرار، فمن خصه ذلك لزمه
ذلك من
كله التعبد به دون غيره، ممن هو في بقعته وموضعه أو مدينته، ويسع. جهل ذلك من لم يبلغه بيان ذلك ولا خبره ولا ذكره، في جميع هذه البقاع، ولا فرق في ذلك في الدين، وهذا الحق الذي لا يجوز سواه، وإما أن لا: يسع جهل ومن لم يبلغه، فلا معنى في عذر من انقطع في ذلك عن
ذلك
بلغه ذلك من الأخبار، في البحار والقفار، ولا يجوز غير هذا في دين الله - تبارك وتعالى -، وهذا باطل من القول، وفيه التكليف فوق الطاقة، وذلك باطل من صفة الله
في دينه، أن يكلف العباد فوق الطاقة في شيء من دينه
- Y.- (2/20)
صفحة 264
فصل: وحال ثالث؛ أن يكون الحاكم فيها بحكم البقاع، فمن:
في بقعة لزمه حكم أهلها من ذلك، وهذا باطل أيضا، لأنه قد يكون في البقعة، التي أهلها على الإنكار والجهل للإقرار، فيخصه ذلك في نفسه، فباطل أن يضع عنه حكم ما لزمه، أهل بقعته وأهل بلده وموضعه فهذا باطل، وكذلك قد يكون في البقعة التي قد بلغ أهلها إلى علم ذلك، وعافاه الله هو من علم ذلك، وقيام الحجة عليه، فلا يجوز أن يكون يكلف علم غيره، ولا يحط عنه علمه لجهل غيره، وهذا باطل لا يحتمل إلا ما قلناه، من خاص ذلك وعامه، ولا معنى للبقاع، غير أنه لا بد للخصم أن يثبت عليه الإقرار بأحد هذه الأصول، فيما زعم أن الأصل عليه بني له وعليه، حتى يقطع حجته إن شاء الله
فصل: فإن قال: فما الفرق فيمن هو متصل بأرض أهل الاقرار، ومن هو منقطع عن أرض أهل الإقرار في الجملة وغير الجملة؟
فصل: قلنا له: لا فرق في الدين، بين أحد ممن تعبده الله بكلفة التعبد في البقاع، ولا من أجل البقاع، ولا من أجل الاتصال، ولا من أجل الانفصال، وكل من خصه حكم، لزمه ذلك في أي البقاع كان، وكل من عافاه الله من حكم وضعه عنه، وعذره فيه في أي البقاع كان، ولا سلامة في البقاع لمن قامت عليه حجة الله في شيء من دينه، ولا هلكة في البقاع على من عذره الله بشيء من دينه، لعدمه ذلك الذي تعبده به، وهذا هو الأصل الذي عليه مدار الأمور، وإنما قال أهل العلم بالسلامة للمنقطع عن أرض أهل الإقرار، في جهل الجملة، لأن ذلك أحكامه معهم أحكام عدم معرفة ذلك، فلما أن كان ظاهر أمر المنقطع عدم علم الجملة، حكم له بظاهر أمره، وعموم أمره،، حتى يخص أحدا من أهل الانقطاع حكم علم ذلك، فإذا خصه علم ذلك زال عذره، وحكم العموم للموضوع عنه، وقالوا في جملة من: بأرض أهل الإقرار، أن عليه علم ذلك، لعموم علم ذلك لأهل الاقرار
6
كان
- YI- (2/21)
صفحة 265
والأمصار، حتى يخص أحدا من أهل الأمصار والإقرار، حكم عدم ذلك، فإذا خصه ذلك لم يلزمه حكم العموم عند وجوب المخصوص له، ولزم كلا حكمه في ذات نفسه، ولم يلزمه حكم غيره من العالمين لما جهله، والقادرين
على ما عجز عنه
فإن قال: فما يكون جميع أحوال هذا الذي وصفتموه؛ في جميع صلاته وصومه وزكاته وحجه وعمرته، وجميع أموره، قبل أن يبلغه هذا من أمر الجملة، وقبل أن تقوم عليه الحجة بذلك.
•
فصل: قلنا له: تكون جميع أحواله في جميع دينه، الذي تعبده الله به، حال من قد بلغ إلى علم الجملة، وأقر بالجملة، وعلم الجملة في أحكام تفسير الجملة، والأعمال الواجبة في الجملة، والمحرمات في الجملة، وعليه أداء الفرائض التي يخصه حكمها، ويقدر على علمها، وعليه الانتهاء عن المحارم إذا خصه ذلك، وقدر على العلم الذي يكون عليه حجة في ترك ذلك، والانتهاء عنه بما يحسن في عقله، أو بلغ إلى علمه؛ من عبارة المعبرين له، وعليه في ذلك السؤال لجميع من قدر عليه إذا خصه ذلك، من عمل بلازم، أو ركب. من ذلك محرما، ولا فرق في ذلك بين من هو في الأمصار، ولا في جزائر البحار، فالخاص له من جميع الخليقة حكم من أحكام الدين، فهو له لازم، والمعذور من جميع الخليقة عن شيء من الدين، فغير مكلف ما لا يطيقه، وما خصه العذر فيه بوجه أو بحال، وعليه في جميع دين طاقته وقدرته، وليس له أن يقصر دون طاقته، ولا عليه أن يحتمل فوق طاقته في دين الله، وذلك الميثاق والعهد الذي أخذ له، وعليه في دين الله علمه أو
جهله
الله
وجميع ما كان في دين الله تقوم به الحجة من طريق حجة العقل، فذلك
مكلف فيه المنقطع وغير المنقطع علم ذلك، ولا له جهل ذلك، وإن جهل
ذلك على معاني ما يعقل من ذلك، ويعرف المراد به ولا.
يسعه ذلك
6
- YY- (2/22)
صفحة 266
ولا يكون العبد في حال جهله المنصوص من علم تلك الجملة أبدا مضيعا لفرض، ولا راكبا المحرم، ما لم يركب ذلك بإنكار لها أو لشيء منها، أو تقوم عليه الحجة بعلمها بسماع أو نظر، أو صحيح فكرة، أو خاطر يدله على معاني ذلك، فإذا كان كذلك، لزمته كلفة التعبد للعلم لذلك، وإلا فهو أبدا على سبيل العهد والميثاق، والإيمان والإسلام والطاعة، وقد تكون الفرائض الداخلة في الجملة من الفرائض اللازمة التي ينقضي وقتها، مثل الوضوء للصلاة والصلاة، والغسل من الجنابة عند حضور الصلاة، والصوم لشهر رمضان، أضيق حالا على الجاهل لها، لأنه يخصه فرض ذلك، ويلزم القيام
ذلك
به بعينه، إذا قدر على تأدية ذلك بعلم خاطر يحسن في عقله، أو قدر على طلب علم أحد من من الخليقة، ممن هو بحضرته، أو ممن يقدر على إلقائه، وإن عدم ذلك كله، وحسن في عقله حضور عمل في دين خالقه، أو ما يلزمه لخالقه ومحدثه من طاعته له، أنه قد حضر له وقت عمل بطاعته، أداء ذلك بقدرته ومبلغ معرفته، وإلا فكان عليه اعتقاد السؤال لمن قدر عليه، ممن نرجو معه دلالة على تأدية ما قد لزمه بعلم خاطره، وما حسن في عقله، وإن لم يحسن في عقله ذلك ولا بلغه علم ذلك فهو سالم، باعتقاد الطاعة لخالقه
علم ذلك أو جهله، واعتقاد السؤال عما جهله من طاعة خالقه بما قدر عليه وقد مضى القول في مثل هذا، إلا أن المنقطع ومن لم يبلغه حكم علم الجملة لم يذكرا بعينهما، وهما سواء في هذا ومن بلغته الجملة من المنقطع أو غير المنقطع في دار الإقرار وفي دار الانكار، فكل من خصه حكم في جملة أو غيرها، لم يعذر بترك ذلك ولا بإضاعته، وكل من خصه عذر في شيء من جملة أو غيرها، فغير مكلف ذلك لكلفة غيره له، ولو قامت الحجة على المنقطع عن أرض الاقرار لعبارة جميع دين الله من الفرائض والمحارم بما يبلغ إلى علم ذلك، ويكون عليه حجة ولم يبلغه علم الجملة، كان بذلك مأخوذا بحكم ما قد لزمه، وغير مكلف حكم ما قد خصه العذر فيه. وكذلك ما لو قامت عليه الحجة بعلم شيء من دين الله، كان ذلك كله سواء، والمعنى
- 23 - (2/23)
صفحة 267
واحد حكمه، كالمعاني حكمها كلها كالواحد
فصل: وكذلك المتصل بأرض الإقرار والنازل في الأمصار، الحكم في ذلك واحد، كل ما لزمه وخصه فغير معذور عنه، وكل ما خصه العذر فيه، فغير مكلف له لكلفة غيره، وهذه جملة كافية ومعرفة شافية إن شاء الله في جميع هذا، وتفسيره يطول به الكتاب، وقد مضى القول بما فيه وفي بعضه مكتفى لمن صح ذهنه وصفا إن شاء الله تعالى.
- 24 - (2/24)
صفحة 268
باب
تصنيف ولاية الظاهر والبراءة بالظاهر وأحكام الدور وغير ذلك
ولاية الحكم بالظاهر تصح بأحد وجوه: بالموافقة بالخبرة أو الرفيعة، ممن يبصر الولاية والبراءة من المسلمين من أهل الاستقامة، وبالشهرة بصحة الموافقة في القول والعمل، وذلك أن يصح للعبد اسم، يبرأ بذلك الاسم في ظاهر الحكم من الأسماء الواقعة على المتدينين، من أسماء أهل الخلاف والبدع في الدين، ويبرأ بذلك الاسم من الأسماء المشتركة، التي تجمع أهل الاستقامة وأهل البدع والخلاف في الدين، ويبرأ مع براءته من هذين الإسمين، وخلوص الإسم الذي يخلص له، له لانفراده باسم يوجب الاستقامة، والتسمي بأسماء أهل الاستقامة من المسلمين، فإذا صح للعبد هذا الاسم الذي يصح له وفيه، بشهرة أو بخبرة، وعرف منه الصلاح والأعمال الصالحة في ظاهر أمره، ولم يلزمه مع ذلك تهمة في دين بضلالة ولا خيانة، فيما يدين بتحريمه ولا تهمة بخيانة لما يدين بتحريمه، فإذا صح للعبد هذا الاسم واؤ تمن في دينه، وفيما يدين بتحريمه، ولا يجوز عليه عداوة الحقيقة، وإنما يبرأ من عداوة الحكم بالظاهر وعداوة الشريطة من وجبت في ذلك، وهو دين أهل الاستقامة فيما غاب من أمره في دينه، وظهر منه فيهما عرف منه من دينه الموافقة لدين أهل الاستقامة، في أعماله وما ظهر من
دينه
- Yo- (2/25)
صفحة 269
أحواله، ولم يتهم بتهمة فيما يدين به من دين أهل الاستقامة، وجبت ولايته في حكم الظاهر، وثبتت ولايته في حكم الظاهر، فقال من قال: إنه من حين ما يعلم منه ذلك، فلا يسع إلا ولايته، ولا ينتظر به شيئا، ويتولى من حينه، ولا يسع ترك ولايته من حين ما يعرف منه الموافقة، وما يجب له به الولاية، فإن استقام على ذلك استقيم له، وإن لم يستقم على ذلك حكم فيه في كل حال من أحواله، بما يلزم فيه من ولاية أو براءة، ولا تترك ولايته طرفة عين بعد أن وجبت،
ولا يسع
ذلك
فصل: وقال من قال: إنه ينظر به الشهر والشهرين، حتى ينظر حرصه واستقامته، فإن تم على ما هو عليه، اعتقد له الولاية، وإن حال إلى حال ريب أو تهمة أو تخليط، وقف عن ولايته حتى يعرف بالاستقامة، على ما قد صح له من الاسم الظاهر، فإن هو مات قبل أن يعتقد له ولاية في المحيا، من غير أن يعلم منه ما يرتب من أمره اعتقد ولايته بعد الموت ولا نعلم في ذلك اختلافا، أنه إذا مات على غير نكث ولا تغيير ولا ريب، يدخل في أمره من تهمة ولا تخليط، أنه تجب ولايته ولاية الحكم بالظاهر.
•
وقال من قال: ما لم تطب به النفس ويزول منه الريب والشك، ولا يبقى في القلب منه خوف ولا سبب، فيجوز الامساك عن ولايته، ولو صح له ما تجب له به الولاية خوف الدخول في الفتنة والشبهة، فإذا طابت نفسه بولاية، ولا يدافع نفسه فيه بحال، ولا من حال؛ وجبت ولايته، وقد وسع له من وسع أن يمسك عن ولايته خوف الفتنة والريب، حتى يموت، فإذا مات لم تجز إلا ولايته، ما لم يصح منه تغير ولا نكث ولا تبديل ولا ريب ولا تخليط، ولا نعلم في ذلك اختلافا، أنه إذا مات على ما تجب ولايته في الحكم بالظاهر، أنه يتولى إذا مات على حاله تلك، لأنه ليس بعد الموت خوف أن يدخل في فتنة، ولا يدخل عليه ريب ولا شبهة
وإذا صح له الإسم الذي يبرأ به في ظاهر الأحكام، من التدين
- 26 - (2/26)
صفحة 270
بالضلال
، من الدخول في الأسماء المشتركة لأهل الضلال وأهل الاستقامة، وبرئ من التهمة بالتدين بالضلال، وصح له الاسم الذي يجب له به اسم
"
أهل الاستقامة بشهرة أو بخبرة، ولم يعلم منه بعد ذلك خير ولا شر ولا عمل بخير ولا بشر، إلا أنه قد صح منه ما يوافق به أهل الاستقامة بالقول، ولم يعرف منه تصديق القول بالعمل، فقد قال من قال: إنه بذلك تجب ولايته بالحكم بالظاهر، وليس على الناس الموافقة، فيما غاب عنهم من الأعمال، وبالقول تجب الولاية في الظاهر، ما لم تصح منه مخالفة لما يدين به من قول أو عمل، بركوب كبيرة، أو إصرار على صغيرة، أو تلحقه خيانة في دينه، أو تهمة فيما يدين بتحريمه في دينه، فإذا صح منه الموافقة بالقول، ولم تصح منه مخالفة في الفعل، ولا تهمة ولا خيانة وجبت ولايته، فإن صح منه بعد ذلك أمر، من مخالفته للقول بالعمل أو خيانة أو تهمة، أنزله حدثه حيث نزل، ولا ينتظر به العمل لأن العمل لا غاية له ولا نهاية، والأعمال تتفاضل، وليس على الناس أن يظهر منهم أعمالهم وأفعالهم، والله ولي بسرائرهم وأحوالهم، وحسابهم على الله
•
واحتجوا في ذلك بقول الله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ يُهتَانِ يَفْتَرَيَنَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعُهُنَّ وَاستَغفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (1)
فقالوا: فقد أوجب الله الولاية بالاستغفار، لمن عرف منه الاقرار، قبل أن يعرف منه الأعمال، ولو كان لا يثبت الولاية إلا بموافقة الأعمال، ما كان ذلك يظهر كله على كل حال، وقد ثبتت الولاية بالإقرار.
وقال من قال: إذا ثبت له اسم أهل الاستقامة بشهرة أو بخبرة، بما وافق به المسلمين بالقول، ولم يصح له ذلك بالعمل، انتظر به حتى يصدق
(1) الآية (12) سورة الممتحنة
- YV- (2/27)
صفحة 271
6
أعماله
القول بالعمل، ويظهر منه موافقة ذلك بالعمل، والأمانة في والبراءة من التهمة والخيانة، فإن ظهر منه ذلك وجبت ولايته، وإن لم يصدق ذلك بالعمل، ولم يظهر منه تهمة ولا خيانة، فيما أقر به من تضييع اللازم، أو ركوب المحرم حتى مات على ذلك، فقال من قال: إنه يتولى إذا مات على ذلك، وقال من قال: لا يتولى، ولو مات على ذلك حتى يصح منه الأعمال الصالحة، التي أقر بها ودان بها، لأن الايمان قول وعمل فيما ظهر من التعبد، وأما النية فهي من الإيمان، إلا أنها لا يكلف العباد في بعضهم بعضا، وأجمعوا على ذلك، أن ذلك لا يكلف العباد، وأما العمل فقد اختلف فيه على ما وصفنا، وأما إذا صح من العبد الأعمال الصالحة، والتعبد بالأعمال الصالحة، ولم تعرف منه خيانة ظاهرة فيما يدين به،، غير أنه لم تعرف منه الموافقة لأهل الاستقامة، بما يستوجب به الاسم الذي يبرأ به، المتسمى من أسماء أهل البدع والضلال، ومن الأسماء المشتركة التي تجمع أهل الاستقامة وأهل الضلال، ويبرأ به من التهم بالتدين بالضلال، وكان في دار متظاهر فيها الأديان، من دين أهل الاستقامة ودين أهل الضلال، أو واقع عليها التهمة بالاختلاط في الأديان المختلفة، من دين أهل الاستقامة وأهل الضلال، أو غالب عليها دين أهل الضلال، فإذا كان العبد بهذه الدار وهذه المنزلة، لم يصح له اسم أهل الاستقامة، إلا حتى يمتحن بجملة يبرأ بها من ذلك، أو يصح له البراءة من ذلك بالشهرة، ولا يحتاج إلى محنة، ولو كان وحده في دار من الدور، أو مصر من الأمصار، فصح له ذلك بخبرة أو شهرة، وعرف منه ذلك، فقد صحت موافقته لأهل الاستقامة بالقول، وثبتت له الموافقة بالقول، ولو لم يمتحن بالبراءة من أصول الضلال كلها، التي خالف بها المتدينون دين أهل الاستقامة، فإنه إذا كانت جملة يعرف بها الدخول بالاقرار بها، والتسمي بها في دين أهل الاستقامة، لم يحتج إلى محنة في جميع أصول الضلال، والبراءة منها، وأما إذا لم يصح منه جملة يخرج بها من هذه الأسماء التي وصفناها، ومن التهمة بالدخول فيها والتدين بها، فلا يصح
جميع
- YA- (2/28)
صفحة 272
له الموافقة لدين أهل الاستقامة، له البراءة من جميع ما خالف فيه أهل القبلة، دين أهل الاستقامة، أو يصح له البراءة بالشهرة أو بالخبرة، من شيء من أديان أهل الضلال، فإذا صح له البراءة من أحد الأديان، لم يلزمه فيها محنة ولزمته المحنة في سائر الأديان، الواقع عليه الريب فيها، والتي لم يصح له البراءة منها بشهرة أو خبرة أو رفيعة، ممن يصح منه الرفيعة من علماء المسلمين من أهل الاستقامة، فإذا صح للعبد الموافقة لدين أهل الاستقامة بخبرة أو بشهرة على ما وصفنا، فالقول في ولايته ما ذكرنا من الاختلاف، وما لم يصح له الموافقة بالقول والبراءة من التدين بالضلال، فلا يوجب له العمل بالصالحات التي تظهر منه، مما يوافق فيه أهل القبلة؛ أهل الاستقامة؛ من الصلاة والزكاة والحج والعمرة، وأشباه ذلك الأعمال من المجمع عليها أهل القبلة، والتي يدين بها جميع أهل القبلة، ولا يصح للعامل بها خروج من أديان أهل الضلال وأهل البدع، ولا تجب له به الولاية، ولا تصح له به الموافقة بالعمل، ولو ظهر منه المحافظة على تلك الأعمال، وحسنت أحواله في تلك الأعمال، وظهر عليه حسن الثناء في تلك الأعمال، فهو مشكوك أمره موقوف، حتى يصح منه باطل فيعادى عليه، أو موافقة في الدين فيوالي عليها، ولو صلى هذا العبد فلم يفتر، وصام فلم يُفطر، وحج كل عام، وطاف كل يوم ألف أسبوع بالبيت الحرام، واعتكف ليله ونهاره المقام، واعتمر كل يوم عمرة من يلملم، وطاف بالبيت الحرام، واستلم وسعى بين الصفا والمروة، وهرول وأدبر على ذلك عمره، وأقبل وأعتق كل يوم غلام،، من ولد إسماعيل وإسحق ـ عليهما السلام ـ، وتصدق كل يوم بألف ألف بذرة، وجهز كل يوم ألف ألف جيش، من أمثال جيش العسرة، ودان بالإقرار بالجملة من الإسلام، وداوم على مواصلة الجيران والأرحام، وحضور الجمع والجماعات، والفطرة والزكوات، وصلوات الجنائز والأعياد، وتجهيز الموتى والأشهاد، وبكى من عينه الدموع والصديد، وكبل نفسه بالأصفاد والحديد، ووعى التوراة
خلف
ألف ألف
- 29 - (2/29)
صفحة 273
ويفتي
والإنجيل، وحفظ التنزيل والتأويل، وعقد حياته لجميع الأمة عالما، وصار عليهم في جميع الأديان قاضيا وحاكما، يرشد كلا منهم على أصل مذهبه، كلا منهم على رأيه ومطلبه، فلم يوجب له ذلك موافقة في الدين، ولا يصح له بذلك استقامة، على سبيل المهتدين، ولا تثبت له بذلك ولاية في حكم الظاهر، ولا يستحق بذلك في الدين مذهب ظاهر، حتى يصح له في تعبده ذلك سبيل السلامة، والموافقة لدين أهل الاستقامة، بامتحان له في ذلك وخبرة، وإنما وجب في ذلك من صحيح الشهرة، أو بشهادة صحيحة أو رفيعة، من ذوي علوم واضحة وسيعة، في الولايات والبراءات، بظواهر حكمه في ذلك بينات، وفرق في ذلك بين علم الضيق من الواسعات وبين الحكم في المحللات من المحرمات، وبين المخصوصات من العمومات، وأحكام الصغائر في ذلك من الكبائر، وأحكام الجهر في ذلك من أحكام السرائر، وأحكام الحقائق في ذلك من أحكام الشرائط، وبين أحكام الظاهر في ذلك التي لا يشهد لمستحقها بنجاة ولا مهالك؛ إلا على شرائط الموافقة، والنية الظاهرة الصادقة، والموت على سبيل ما منه ظهر وصدق، فيما دان به وأسر والعلم بجميع أصول الولاية والبراءة، والاستقامة على سبيل أهل النجاة، فإذا صح له هذا من أحد هذه الوجوه، مع أعماله الموافقة، وأقواله
الصادقة
، وجبت هنالك ولايته، وحرم في حكم الظاهر عداوته.
فصل: وإن اشتهر للعبد وعليه اسم أهل الاستقامة، على
ما وصفنا، في أي أرض كان، وأي دار كان، من دار إقرار أو دار إنك، أو من الأمصار، فقد وجبت له الموافقة
أبرار أو فجار، في أي كان مصر
بالقول، ولو لم يعلم منه موافقة للقول بالعمل. وقد قال من: قال: إنه يتولى، من اسم الموافقة لأهل الاستقامة، حتى يعلم منه مخالفة لما ظهر
له بما صح
منه من التدين بقول أو عمل.
نصل: وقال من قال: تثبت له الموافقة بالقول، ولا يتولى حتى تظهر
منه الموافقة للقول بالعمل، ثم هنالك تجب ولايته، فإن مات على ذلك قبل (2/30)
صفحة 274
أن يعلم منه الموافقة بالعمل، فقد قيل بولايته وقيل بالوقوف عنه أيضا، ولو
مات قبل أن يعلم منه ذلك
فصل: وإذا كانت الدار كلها أو المصر كله أو القرية كلها، ظاهر عليها وعلى أهلها التدين بدين أهل الاستقامة في ظاهر الأمور، ولا تتظاهر فيهم الأديان ولا يتهم أهله، بدخول في دين ضلال ولا تعبد بضلال، فكل من ظهرت منه الأعمال الصالحة والأمانة في دينه، ولم تلحقه خيانة في دينه، ولا تهمة في دينه، وجبت ولايته، وكان ذلك حد الاستقامة منه. وقد قال من قال: إن أهل الدار كلهم، من صح منهم باسمه وعينه؛ ممن لم تصح منه خيانة، ولا اتهم في دينه بخيانة، وجبت ولايته وجميع أهل الدار في الولاية، إلا من ظهرت منه خيانة في دينه، أو اتهم بذلك في ذات نفسه، وإلا فأهل الدار كلهم في الولاية، ومحكوم لهم بالاستقامة؛ ولو لم يعرف من أحد منهم عمل، ولا يحتاجون إلى محنة في قول ولا عمل، والولاية لهم واجبة.
وقد اختلف أهل العلم في أحكام الدور في الولاية:
فقال من قال: إن الدار دار المالك لها، المستولي عليها من سلطانها، فإن كان المالك للدار محقا عادلا، كانت الدار دار عدل واستقامة، وكان القول في أهلها؛ ما وصفنا في دار أهل العدل، ووجبت الولاية في أهل الدار بغير محنة، وإن كان المالك للدار جائرا فالدار دار جور، ولا تثبت فيها الولاية لأهلها إلا بالمحنة، أو ظهور أهل الاستقامة لهم أو لأحد منهم،
فهنالك يكون القول فيها ما قد وصفناه.
وقال
من قال: إن الدار تبع للأحكام فيها، فإن كانت الدار جارية أحكامها على أحكام أهل الاستقامة من المسلمين، كانت الدار دار أهل الاستقامة، ولا ينظر في مالك الجور ولا سلطان الجور، وإنما الدار
-- (2/31)
صفحة 275
بالأحكام، فإن كانت الأحكام أحكام أهل العدل؛ كانت دار عدل، ولم يكن على أهلها محنة على ما وصفنا، وإن كانت الأحكام جارية بأحكام أهل الجور وأحكام أهل الخلاف، فهي دار جور ودار خلاف، ولا تصح فيها الموافقة لأهلها إلا بالخير والموافقة بالشهرة لأحد منهم بعينه
فصل: وقال من قال: إن الدار دار أهل النحلة والتدين، وإذا كانت الدار أهلها أهل نحلة الحق، والاستقامة على طريق الحق، ولا تتظاهر فيها الأديان بالضلال، ولا يغلب عليها دين ضلال، ولا يضاهي فيها دين ضلال دين أهل الاستقامة، ولا يتهمون بذلك في الديانة، فالدار دار عدل
"
واستقامة، ولا ينظر في مالكها وسلطانها الغالب لأهل العدل على الملك ولا يهدم حكم أهل العدل جور أهل الباطل، ولا يد لمبطل على محق، ولا لجائر على عادل إذا كان، إنما هو متغلب على الملك جائر على أهل العدل، ولا ينظر أيضا في أحكام الجائرين، إذا تغلبوا عليها دون المسلمين، ولا حكم لمن حكم بغير ما أنزل الله، ولا يكون ذلك منهم حكما، ولا يكونون على أهل العدل حكما، وإنما هم متغلبون على الأحكام، كما أنهم متغلبون على سائر أهل الملك بالجور والقهر لأهل الإسلام، فإذا كانت النحلة من أهل الدار صحيحة جارية على مذاهب أهل الاستقامة، فلا يضر أهلها في دينهم، وفيهما يستحقونه من ولاية وموافقة، بما غلب عليه أهل الجور من الملك ولا من الأحكام، وهذا هو الأصل الذي عليه المدار، وهو قولنا إن شاء الله ولا يجوز
معنا غيره. فصل: فإن قال قائل: أفتريدون القولين الأولين اللذين زعمتم أنهما من قول أهل العلم، أن الدار دار المالك لها والدار دار الحاكم فيها؟
فصل: قلنا له: لا نريد ذلك، وذلك صحيح خارج على تأويل هذا الأصل الثالث، ولا يخرج معنا تأويل ذلك إلا على هذا
ما قلناه، من
فأما قول من قال: إن الدار دار المالك لها، فإن ذلك يخرج معنا على (2/32)
صفحة 276
الصواب، أن يكون المالك لها يتدين بالضلال، فيظهر دين الضلال، ويدعي الملك بتأويل الضلال، والإمامة بتأويل الضلال، فإذا كان ذلك كذلك والسلطان والمالك غالب على الدار أو على المصر، فقد غلب أهل الضلال على أهل المصر، وأهل المصر وأهل الدار والمصر له وأنصاره أهل ضلال، بالتدين أو بغير التدين، إلا أن المالك إنما سيرته وملكه يجري على سبيل التدين بالضلال، فإذا كان هكذا صح هذا القول معنا، وكان المصر خارجا من الصحة لمذهب أهل العدل، لأن الظاهر فيه دين أهل الضلال، ومحال أن يكون سلطان يدين بضلال؛ يضاهيه ويضاهي دينه الذي يدين به من الضلال غيره من الأديان، وهو القادر القاهر على أهل المصر وأهل الدار، فإذا. صح منه ذلك، لم يصح متدين في دينه، وصح خيانته لدينه الذي يدين به. فلما أن كان المالك للدار؛ أو الامام الذي في الدار مبتدعا، صارت الدار دار كفر، لأن الكفر فيها هو الغالب عليها وعلى أهلها، والكفر
أنه
الغالب هو ضد الإيمان، وهذا الكفر إنما هو كفر نفاق لا كفر شرك.
فصل: وقد قيل: إنه ما دام أهل العدل يقدرون أن يُظهروا دينهم في الدار، ولو كان الغالب على أهل الدار أهل الضلال، فالدار دار عدل؛ إذا كانت النحلة نحلة أهل العدل، فإذا لم يقدروا أن يظهروا دينهم، وتوسعوا بالتقية، وانحطت عنهم الفرائض بالتقية، ووسعتهم التقية، ولزموا التقية، ولم يظهر على الغالب منهم نكير لما يدين به فيهم بقول ولا عمل، فقد زالت الدار من أيديهم إلى يد المالك لها من أهل الضلال، والدائن بالضلال؛ وصارت الدار دار المالك هاهنا
وما داموا ينكرون عليه ما يدين به من الضلال، ويظهر منهم عليه فيه النكير بقول أو فعل، ويضاهون أمره بقول أو فعل، فالدار دارهم وهي دار العدل، ولو كان غالبا عليهم بالدينونة بالضلال، إلا أنهم معروفون في الدار بمفارقته ومفارقة نحلته، والانكار لها بالتدين فالدار دار العدل وأهل العدل،
- rr. (2/33)
صفحة 277
ولا يضرهم غلبة أهل الضلال على دارهم حتى يظهر عليهم وفيهم؛ الدخول في طاعته والدينونة بطاعته على ضلالته، والدخول في بدعته ونحلته، فإذا غلب عليهم أو لم يغلب عليهم، وظهر منهم أو من بعضهم الدينونة بطاعته، على ضلالته ومعصيته، والدخول في بدعته، وطاعته على بدعته؛ فقد صارت الدار دار اختلاط، وتظاهر فيها من أهلها التدين بالباطل والضلال
"
ويعرفون
من غير أن ينكروا عليهم ذلك ظاهرا، ولا يتميزوا بدعوتهم، بالإنكار على من أظهر مخالفتهم، فإذا لم يقدروا على الإنكار على من أظهر غير الحق بالتدين، فقد زالت الدار عنهم، وصارت دار اختلاط، وبطل حكم أهل العدل منها، ودار العدل منها، وما أنكروا ذلك على من يدين بالباطل في دارهم. ولو أنكر ذلك البعض منهم وأظهر البدعة عليهم، وعرفوا بدعتهم، وأظهر عليهم الانكار، فالدار دار عدل، وأهلها أهل عدل، إذا كانوا منكرين لتلك البدعة، وعرفت البدعة فيهم، وثبت أهل الدار على
6
العدل. وقال من قال: إن الدار دار عدل، إذا كان أهلها أهل عدل حتى يغلب عليها المتدينون بالضلال، ولا يقدرون أن يظهروا دينهم، فإذا لم يقدروا أن يظهروا دينهم، وكان دينهم دينا مكتوما، كانت الدار حينئذ دار اختلاط، لأنه معروف فيها أهل العدل مكتتمون، وفيها أهل الباطل ظاهرون، ولا يحكم على أهل الدار بالكفر، ما كان المسلم يسعه أن يقعد على دينه، ويُؤمر أن يقعد على كتمان دينه، فإذا كانت الدار لا يقدر المسلم أن يكتم تدينه، ولم يقدر إلا أن يظهر دين الضلال، والسمع والطاعة لدين أهل الضلال، ولأهل الضلال، ولا يمكنه إلا أن يظهر دين الضلال، ولا يمكنه إلا إظهار طاعة أهل الضلال، أو موافقة أهل الضلال على ضلالهم، فإذا صاروا بهذه المنزلة، كانت الدار حينئذ دار كفر، فإذا كان ذلك الكفر فيها شركا كانت دار شرك، وإن كان الكفر الظاهر عليها بالتدين كفر نعمة، كانت دار كفر نفاق حينئذ، ولا يكون على هذا القول دار كفر، حتى لا يسع
- 34 - (2/34)
صفحة 278
المسلم أن يقيم على دينه مكتتمها، ولا يقدر على القعود في الدار إلا بإظهار الدينونة بالضلال، أو الدينونة بطاعة أهل الضلال، ما كان المسلم يقدر في هذه الدار على أن يكتتم بدينه، فلا تكون الدار دار کفر، ولكن دار
6
اختلاط، الغالب عليها من قد غلب عليها، من أهل الشرك أو أهل النفاق فإذا صارت الدار لا يقدر المسلم فيها إلا أن يظهر التدين بالضلال، وطاعة أهل الضلال على الضلال بالتدين، كانت الدار حينئذ دار كفر إما شرك وإما
نفاق.
فصل: وأما إذا كان السلطان أو المالك، إنما هو متغلب على الملك، مقر بحرمة ما يأتي، منتهك لما يدين بتحريمه، مجامع لأهل الدار على مخالفتهم لأمره، يعترف لهم بصوابهم، وعلى نفسه بالخطأ، فهذا لا يكون ملكه للدار مزيلا لها ولا ضارا لها، ولو غلب عليها، ولم يقدروا على إنكار عليه على كل حال، لتقيتهم له بالباطل الذي يعتريه ويقربه على نفسه. فصل: وكذلك الحكم، إنما يكون الحكم بالحاكم، وإنما الحاكم هو المالك، وكل القولين بمعنى واحد، فإذا كان الحاكم هو المالك لأهل الدار أو
من تحت المالك لأهل الدار، وكانت الأحكام جارية بالدينونة بالباطل لا يقدر أهل الدار أن ينكروا ذلك من الدينونة بالباطل، ولا يعرف في الدار باطل تلك الأحكام إلا مكتوما، فإذا كان كذلك، قام الحكم معنا مقام الملك، وكان الحاكم كالمالك، ولو كان من تحت يدي المالك، ولو كان المالك مقرا بحرمة ما يأتي، فإذا كانت أحكام حكامه الذين قد سلطهم في الدار تجري على الدينونة بالضلال، ولا ينكر ذلك أهل العدل، ولا يقدرون عليه، فالحاكم كالمالك، لأن الحكم من الدين، وهو عماد الدين، فإذا كانت الأحكام من النكاح والطلاق، والأحكام من الحلال والحرام من المواريث وغيرها، تجري في الدار على مخالفة العدل بالدينونة، وانتحال الدينونة، فذلك. هو ر المالك لها والغالب عليها، وقام ذلك مقام المالك لها، والقول في ذلك ما قد قلنا في المالك، فإذا أنكر أهل العدل وظهر منهم الانكار
- 35 - (2/35)
صفحة 279
بقول أو فعل، وعرف في الدار خطأ الحاكم بالنكير، فالدار دار عدل وأهلها أهل العدل بإظهار النكير، فإذا لم ينكروا ذلك، وجرت الأحكام عليهم بالدينونة لمخالفة النكير، فقد مضى القول أن الدار تكون دار الحاكم في بعض القول، وفي بعض القول أنها دار اختلاط، ما دام أهل العدل يقدرون على الاقامة على دينهم، فإذا لم يقدروا على الاقامة والأعمال بأحكامهم في ذات أنفسهم، ولم يقدر المسلم على أن يقيم على ذلك إلا بإظهار الدينونة بالباطل، أو تصويب الباطل، فهنالك تتحول الدار إلى الحاكم وإلى المالك على ما وصفنا، وكانت الدار دار المالك، والحاكم عليها وعلى أهلها بالغلبة لهم، ويتحول أمرهم إلى ظاهر أمره.
6
فصل: وقد قال من قال: إنه لا يكون دار أهل الإقرار دار كفر، ولا يحكم عليها بالكفر ما دام فيها أهل عدل يُعرفون، ولو كانوا بهذه المنزلة لأن دار الكفر إنما هي دار الحرب، وأما دار أهل الإقرار فلا تكون أبدا دار كفر، ولا تسمى بدار الكفر بشرك ولا نفاق، حتى يتحول أهلها كلهم إلى جال واحد من شرك أو نفاق، وما دام فيهم أحد يُعرف من أهل العدل، فلا تسمى دار کفر ونفاق، ولو لم يقدر أهل العدل إلا أن يظهروا دين أهل الضلال من النفاق فإنهم على كل حال مسلمون، وإذا كان في الدار مسلمون، لم يجز أن يجري عليهم اسم النفاق في الجملة، حتى لا يكون في الدار أحد يدين بالعدل، فإذا صح ذلك، وعُرف أنه لم يبق في الدار أحد من أهل العدل، ولا أحد ممن يسعه إظهار الباطل وهو مقيم على العدل، فإذا لم يظهر أنه باق في الدار من أحد يتمسك بالعدل من أهل العدل، وظهر الإقرار بالباطل.، ولم يقدر أحد أن يقيم على العدل ولا عُرف أحد بالعدل، في سريرة ولا علانية في الدار، كانت الدار حينئذ دار أهلها، وكانوا الحقيقين باسمهم المتخلين له فيها، والراضين به فيها، وأما ما دام أحد تسعه التقية في إظهار الباطل في الدار، ولزمه إظهار الباطل للتقية، وهو معروف أنه إنما يظهر ذلك
- 36 - (2/36)
صفحة 280
بالتقية، فالدار دار اختلاط لحق الإسلام وأهله، لأن الإسلام يعلو
ولا يُعلى.
فصل: وكذلك ما كان بالتقية في الدار أحد يتمسك بالإقرار، ولو غلب عليها أهل الإنكار، ولم يقدر المقر أن يقيم في الدار، إلا بإظهار الانكار والإقرار بالإنكار، غير أنه معروف في الدار أهل الإقرار على هذه الصفة، فالدار دار اختلاط بالإنكار والإقرار، كما كانت دار اختلاط بالحق والباطل، والعدل والضلال
فصل: وهذا إذا كانت الدار دار عدل، ثم غلب عليها أهل الجور، وكانت دار إقرار ثم غلب عليها أهل الإنكار، أو إذا كانت الدار دار جور كلها ونفاق، ثم وقع فيها أحكام أهل العدل والإسلام، ونزولهم بها وحلولهم فيها على هذه الصفة، أو كانت دار إنكار ثم خالطهم من خالطهم من أهل الإقرار،، من أهل الأمان، فقد خالطهم أهل الإقرار، وكانوا مختلطين؟ وكانت الدار دار اختلاط، وكل ذلك معنا سواء، وهذا القول معنا هو الأكثر، والأصح ألا تُسمى الدار دار كفر وشرك، حتى لا يُعلم أن فيها أهل إقرار في جملة البراءات، والحكم في المحاربات والسبي والغنائم، فإذا صبح أن في الدار أهل الإقرار بالإسلام، لم يصح معنا السبي والغنيمة في الجملة إلا بعد البيان. وكذلك البراءة لا تصح في الجملة؛ إذا علم أن في الدار أهل عدل يسعهم التقية بإظهار الجور أو الانكار، وأما إذا لم يصح ذلك وكانت الدار لا يقدر أحد أن يقيم فيها إلا بإظهار الجور، فمن ظهر منه الجور ولم يعلم منه سريرة في ذلك؛ فالجاري عليه حكم ما ظهر حتى: يعلم منه أنه يسره غير ذلك، فإذا علم منه أنه يسره غير ذلك في مثل هذا، وثبت له ذلك، ثم عرف منه هذا واحتمل له ذلك، فهو على حاله الأول حتى يعلم منه تحول إلى الذي ظهر منه، بغير حجة له في الإسلام ولا تقية.
وإذا صحت الدار أنها دار كفر على هذا الوجه، كانت البراءة من جملة
- rv. (2/37)
صفحة 281
ووجوبه
عليه
أهل الدار المشتمل عليها اسم الكفر؛ من الشرك والنفاق واجبة جائزة. ولا يجوز أن يبرأ من أحد بعينه منهم، حتى يعرف منه بعينه ما قد جرى على حكم أهل الدار، والجملة تجزئ عن التفسير في هذا، إذا برئ من جملة أهل الدار، ولا يجوز أن يبرأ من أحد من أهل الدار، إلا بعد لزوم ذلك فيه، كذلك كل من جرى عليه حكم الدخول في جملة؛ يجوز فيها وفي أهلها البراءة منهم جملة، ثم عوين في تلك الجملة من لا يدري إذا دخل في الجملة في الكفر أم لا؟ فلا يجوز أن يبرأ منه بعينه ويبرأ من الجملة، ولا تجوز البراءة بالشبهة؛ وذلك ضد سلطان جائر؛ قد وجب فيه اسم الكفر هو وأعوانه، فإذا كان في جملة هذا السلطان من لا يعرف أهو منهم في الكفر أم إنما هو فيهم، لغير ذلك من عذر، أو لوجه يسعه من وجوه التقية والعذر، فلا تجوز البراءة منه باسمه وعينه؛ حتى يصح منه أنه من تلك الطبقة، ولكن تقع البراءة على أهل الطبقة، كذلك أهل الدار
فصل: ولو ظهر على هذا الشخص في هذه الجملة من السلطان الجائر، ما يشبه به السلطان الجائر؛ من الملبوس والسلاح إذا كان يمكن أن يكون له ذلك بوجه من الوجوه، فإذا خطر ببال من عاين ذلك منه؛ كانت البراءة من هذا الشخص بعينه براءة شريطة، إن كان من طبقة أهل الكفر أهل دار أو جملة من أهل الأحداث الظاهرة
والنفاق كائنا من أحداثهم في الدار.
كذلك
كان؛ من
من كان في جملة أهل العدل، ممن لا يعرف بالعدل إلا أنه في جماعة أهل العدل، ولا تجوز الولاية فيه بعينه حتى يعلم منه ما تجب به الولاية له، لأنه قد يكون في سلطان أهل العدل وأعوانهم من لا تجب ولايته، ولكن يتولى طبقة أهل العدل وحملة سلطان أهل العدل. وكذلك يتولى جميع أهل دار العدل في الجملة إذا ظهر لهم اسم عدل يقضي عليهم، وأما إذا صحت لهم دار أهل العدل، ولم يعرف من أحد منهم بعينه شيء، فهو في جملة الولاية في
- 38 - (2/38)
صفحة 282
الشريطة وفي البراءة في الشريطة، ويتولى جملة أهل الدار وطبقة أهل العدل فصل: وأما الواحد بعينه فلا تجب له ولاية، ولو كان في جملة من
وجبت له الولاية في حكم الظاهر؛ حتى يعرف منه ما تجب به الولاية وكذلك العدالة، فإن كانت الدار دار عدل وفيها إمام عادل؛ فقد قال. من المسلمين بالولاية في أهل هذه الدار، أنه من ظهرت منه طاعة لهذا الامام
من قال
واستقبل القبلة وعمل بالصالحات، كان في الولاية وليس عليه محنة.
وقال من قال: من عرف منه العمل بالصالحات والخيرات، وقد كانت الدار دار عدل وجبت له الولاية، ولم يمتحن بمعرفة طاعة الامام، لأن أهل الدار في حكم الطاعة للامام حتى يعلم منهم خروج من طاعة الامام، والناس أهل قبلة حتى يعلم منهم غير ذلك من الانكار
فصل: وقال من قال: إنه يمتحن بطاعة الامام، ولا يمتحن بالقبلة ولا بالأعمال الصالحات.
والذي معنا ونحبه؛ أنه إذا كانت الدار دار عدل غالب عليها إمام، ولم يعلم من أهل الدار اختلاط في الأديان، فمن عُرف منه طاعة للامام وعمل بالصالحات؛ وجبت ولايته في حكم الظاهر، وإن تولاه متول على ظهور الأعمال بالخيرات؛ فذلك قول، ولو لم يعلم منه طاعة للإمام إذا كانت الدار دار عدل، والغالب عليها إمام عدل، ولا يجوز أن يظهر إمام عدل على دار؛ فيدع أهلها على دين ضلال فلا ينكره ولا يغيره، ولا يجوز أن يكون هذا في ملك إمام عدل، فإذا كان هذا في ملك إمام عادل، لم يكن عادلا إلا أن يكون لا يقدر على ذلك، فإذا كان شيئا يعجز عنه الامام؛ فلا يجوز أن يكون شيئا يعجز عنه الامام لا يكون ظاهرا يُعرف بأصله، ويعرف أهله به، ولا يجوز أن يلزم العباد في حكم الدين؛ حكم ما أسره العباد من الكفر والمعاصي؛ فيما يدينون من الضلال، أو في انتهاك ما يدينون بتحريمه من الضلال، فإذا لم
- 39 - (2/39)
صفحة 283
يكن هكذا؛ فقد ثبتت الولاية لمن عرف منه العمل بالخيرات، ولم يعرف منه شيء من الخيانات، ولا جرى عليه في ذلك شيء من الاتهامات، بعد المعرفة به من أهل الخبرة به بذلك منه
فصل: وقد قيل أيضا: إنه إذا صح له أنه من طبقة أهل العدل، أو من دار أهل العدل ولم يظهر منه باسمه وعينه شيء من الخيانات، ولا اتهم بشيء من الاتهامات، فهو في الولاية، لأنه في دار الخير وأهل الخبرة، ولا تستوي دار أهل العدل ودار أهل الجور، فمن لم يُعرف منه شر في دار الخير فهو من أهل الخير حتى يُعلم منه شر، لأن الاسلام يعلو ولا يعلى، ولأن أحكامه داخلة في بعضها بعض. كما أن أهل الأمصار في حكم الظاهر أهل إقرار وأهل قبلة، ويجوز منهم وفيهم المناكحة والموارثة وأكل الذبائح، وسائر حقوق أهل القبلة؛ حتى يُعلم منهم غير ذلك من الانكار. كذلك دار أهل العدل تجوز منهم الولاية لأنهم أهل عدل، وشامل لهم العدل فيهم، كما كانت أهل الأمصار كلها من أمصار أهل الاقرار؛ واجب فيهم ذلك، وحرام منهم السبي والغنيمة في الذرية والأموال، وواجب الصلاة على جنائزهم، ودفنهم في مقابر أهل القبلة حتى نعلم أنهم من أهل الانكار، ولو لم يعرف أهو من أهل الانكار أو من أهل الاقرار، وكذلك الولاية بوجوب الاسم لأهل الدار، والأحكام كلها بعضها من بعض، وهذا قول لا يخرج من قول أهل الحق، وهو جائز على قول من يقول إنه إذا عرف من أحد الاقرار بالعدل، وقول أهل الاستقامة لم ينتظر به الأعمال، وكان إقراره بذلك موجبا له الولاية، كذلك كانت الدار موجبة له وجوب المحنة بالقول، ولا تلزمه محنة الأعمال إذا وجبت له الموافقة بالقول، والدار من دور. أهل العدل مزيلة عن أهلها المحنة بالقول، لا نعلم في ذلك اختلافا، إذا صحت لهم أحكام الدار بأنها دار عدل، وكل هذه الأقوال التي وصفناها في أحكام الدور، وفي أحكام أهل الدور في الولاية والبراءة، خارج معنا على مذاهب أهل الاستقامة من المسلمين على أصولهم، على ما يصح من تفسير أهل العدل، وحكم خاص (2/40)
صفحة 284
ذلك وعامه على ما. يوجبه الحق إن شاء الله تعالى
فصل: ولا نعلم أن أحدا قال من أهل الاستقامة من المسلمين؛ بأن يبرأ من أحد باسمه وعينه بغير حجة تلزمه، للزوم الحجة بغيره في البراءات، فيبرأ من أحد بعينه من أجل حكم الدار عليه، ومن أجل حكم الجملة عليه، في حالة المعاين فيها في تلك الدار، والموجود فيها بغير حكم يلزمه به الدخول في الكفر الحاكم عليها وعلى أهلها، فالولاية هاهنا غير البراءة في قول المسلمين.
لأقواله
ثم إن ولاية الحكم بالظاهر تقع على ضربين:
أحدهما: ولاية بالخبرة والعلم.
والآخر: على وجه التصديق والحكم.
ثم إن العلم في ذلك يقع على ضربين:
أحدهما علم خبرة ومشاهدة لما يجب به ولايته، بمعاينة لأعماله وسماع
والآخر: بشهرة في ذلك في داره ومصره بما لا يشكل عليه من أمره، له ذلك معه، بما لا يشك فيه بمنزلة السماع للأقوال والمعاينة للأفعال، فذلك قاض له وعليه منه وفيه بذلك
ويصح
كذلك الحكم في ذلك والتصديق يقع على وجهين:
أحدهما على التخيير، والآخر على الوجوب.
فأما التخيير: فرفع الواحد ممن يقبل قوله في رفع الولاية، ممن يبصر الولاية والبراءة من أهل الاستقامة من المسلمين، فالمرفوع إليه ذلك مخير، إن
- {1 - (2/41)
صفحة 285
شاء صدق وتولى المرفوع ولايته
6
وإن شاء تولى الرافع ووقف عن المرفوع
ولايته.
فصل: والواجب في ذلك رفع الاثنين فصاعدا ممن يبصر ذلك، فإذا رفع ذلك ذهب التخيير ووجب التصديق، وإنفاذ الحكم بالولاية. وكل ذلك
يقع على تصديق الرافعين وقبول قولهم في حجة الدين، واختيار الرأي.
6
لا على وجه الشهادة لهم بصدق أقوالهم، والشهادة للمرفوع أمره والمشهود له
أنه كذلك على سبيل قطع العلم.
ذلك،
وأما الخبرة وصحة الشهرة فيوجب صحة علم الظاهر من. والشهادة له وعليه بذلك، والفرق في ذلك بين عند أهل العلم إن شاء الله
تعالى
وقد مضى القول فيمن استحق ولاية حكم الظاهر بوجه من وجوه ولاية الظاهر التي وصفناها، وهي ثلاثة وجوه: خبرة وشهرة ورفيعة، فكل من استحق الولاية بأحد هذه الوجوه في حكم الظاهر، فلا يستحق ولاية حكم الحقيقة أنه مؤمن، أو أنه من أهل الجنة، إلا على الشريطة أنه إن كان في سريرته كعلانيته فيما قد صح من أمره في الخبرة أو صحيح الشهرة، ومات على ذلك، فهو لا محال من أهل الجنة، لأنه لا تجوز ولاية في حكم الظاهر؛ إلا لمن كان على سبيل أهل الجنة، إن كان صادقا في سريرته ومات على ذلك، ولا يحكم له قطعا على كل حال بالجنة إلا على الشريطة، ولو كان بمنزلة أبي بكر الصديق وأبي حفص عمر بن الخطاب، -رضي الله عنهما -، فلا نعلم أن أحدا من أهل القبلة مثلهما، فلا يجوز الشهادة لها بالجنة بما قد شهر من فضلهما، إلا أن يصح مع من الناس فيهما حكم الحقيقة عن
أحد
لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو صحيح تأويل في كتاب الله، يصح معه ذلك من طريق
الشهرة، كما صح.
معه التنزيل من كتاب الله أن تلك الآية نزلت فيهما أو في أحدهما، فإذا صح معه ذلك لزمه فيهما، أو فيمن صح معه فيه منهما حكم
- EY_ (2/42)
صفحة 286
الحقيقة ذلك، وزال فيه حكم الشريطة فهذا فيمن صح فيه مع أحد من
الناس ما يستحق به الولاية بخبرة أو بصحيح شهرة.
وأما من لم يصح منه ذلك، وإنما كانت ولايته بشهادة أو برفيعة، فلا تكون الشهادة له بالقطع أنه ولي في الحكم بالظاهر أنه من المسلمين ولا من الصالحين، كما يشهد لمن علم منه ذلك بالخبرة والمشاهدة، أو ما يصح من طريق صحة الشهرة، وإنما يتولى بالشهادة والرفيعة على ما قامت فيه من حجة الشهود، وتصديق الرافعين على ما تقوم به الحجة من شهادة الشهود في ذلك، وتصديق الرافعين من الواحد الذي يجوز قبول قوله، ورفعه لولاية المتولي له، سواء ذلك كان المرفوع ولايته والمشهود له بما تجب به ولايته، ويتولاه حيا وميتا شاهدا أو غائبا، فذلك جائز فيه ولازم فيه قيام الحجة من ولاية الاثنين من علماء المسلمين فصاعدا له، ولا نعلم أن أحدا قال إن في ذلك فرق بين الحي والميت، ولا الغائب ولا الحاضر ولا المتقدم ولا المستأخر، ولا يجوز - مع ذلك كله - أن يشهد له بما شهدت له به الحجة ولا يعتقد له صحة ذلك أنه كذلك، ولكن يتولى بقيام الحجة وتصديق الرافع، بلا قطع للشهادة له بذلك، ولا اعتقاد تصديق الشاهدين وولاية المتولين أنها كذلك بالحقيقة، فإن اعتقد ذلك المرفوع إليه من تصديق الشاهدين وحقيقة صدق المتولين أنهما كذلك فذلك من شهادة الزور وتعاطي علم الغيب، ولا يجوز ذلك، فإن فعل ذلك كان بذلك هالكا إلا أن يتوب، كما كان علم الظاهر مما يصح من طريق الخبرة أو صحة الشهرة، لا تجوز فيه شهادة الحقيقة وولاية الحقيقة قطعا أنه كذلك مؤمن، أو من أهل الجنة إلا على الشريطة، إن كانت سريرته كعلانيته ومات على ذلك، فهو مؤمن من أهل الجنة
•
6
وكما كانت ولاية الحقيقة موجبة لعلم الحقيقة، ولا تجوز فيه البراءة بالحكم بالظاهر، ولا الولاية بحكم الظاهر، وإنما يتولى ولاية الحقيقة بصحة
- Er- (2/43)
صفحة 287
سعادته، فمن حكم بحكم الحقيقة في موضع حكم الظاهر في ولاية أو براءة كان بذلك هالكا، وكذلك إن حكم بأحكام الظاهر في مواضع أحكام الحقيقة؛ كان بذلك هالكا، وكذلك من حكم بأحكام قبول حجة الشاهدين وتصديق المتولين في موضع حكم ولاية العلم بالخبرة أو بصحيح الشهرة، كان بذلك هالكا، وكذلك من حكم بحكم علم الخبرة أو صحيح الشهرة في موضع ولاية قبول شهادة الشاهدين وتصديق المتولين، كان بذلك هالكا إلا أن يتوب من ذلك. فافهموا ذلك إن شاء الله
- {{- (2/44)
صفحة 288
باب
الدور وأحكامها والقول في ذلك
جملة ذلك أن الناس لا يخلون من أحد ثلاثة منازل:
معروف بخير لا يعرف منه شر؛ وهو في دار حق جار عليها أحكام العدل، ودعوة أهل العدل، لا اختلاط في تلك الدار من الأديان الظاهرة فيها إلا دين أهل العدل، فتلك دار عدل لا يحتاج فيها إلى خبرة، حتى يشهر عليه مخالفة للحق بدين أو بما يدين بتحريمه، فإذا عرف منه الخير ولم يعرف منه شر، وهو في دار أهل العدل وجبت ولايته، وإذا عرف منه شر أنزله شره حيث أنزله، والحكم فيه كان في دار أهل العدل أو دار أهل الجور أو دار الاختلاط من الأديان، وإذا لم يعرف منه خير؛ يوجب له البراءة من الناس
6
أو شر يوجب عليه أحكام الشر، فهو مجهول والوقوف أولى به؛ كان في دار عدل أو دار جور، أو دار اختلاط تتظاهر فيها الأديان من دين أهل العدل وأهل الجور، وأهل الحق وأهل الباطل، وأهل الهدى وأهل الضلال، وإذا كانت الدار كلها دار عدل وأهل نحلة العدل، لا تتظاهر في تلك الدار الأديان بالباطل، وإنما جملة أهل الدار على نحلة أهل العدل، كانت دار حق، ولو كانت في أيدي الجبابرة الذين ينتهكون ما يدينون بتحريمه، ولو كان فيهم من الرعية من هو ينتهك ما يدين بتحريمه، وإذا كان دين أهلها لا يجوز فيها إلا دين أهل العدل، ولا يظهر فيها متدين بدين بدعة باطل، فهي دار حق وعدل ولو لم يكن لأهلها إمام عدل يملك الدار، وكان من ظهر منه خير من
- 20 - (2/45)
صفحة 289
أهل الدار، ما يستوجب بذلك العمل الولاية إلا الخيرة بالقول، فلا خيرة عليه ولا فيه، وظهور العمل منه بالصالحات ولزوم الطاعات والخيرات، موجب لموافقته في الدار، حتى يصح أن ذلك منه على غير دين الحق، ولو كان في دار الغالب على أهلها الفساق من أهل دعوة الحق الذين يدينون بدين الحق.، وإنما ينتهكون بما يدينون بتحريمه، ولا يقضي بذلك على أهل الدار، بل الدار دار أهل النحلة وأهل الدين، وإذا كانت الدار وأهلها على دعوة الحق وأهل العدل فهو على ذلك
ومن ظهر منه تعبد بخير وعمل بالصالحات وجبت ولايته، ولم يكلف في ذلك محنة بقول، حتى يظهر في الدار من يدين بالضلال، ويتعبد على سبيل الضلال، ويعمل بالصالحات على دين الضلال، فإذا ظهر ذلك في الدار؛ فإن غلب عليها دين أهل الضلال أو تكافأت فيها الأديان، فالقول في ذلك واحد، ولا تجب الولاية لأهل الدار حتى تقع الخبرة أو المحنة، أو شهر على المعتدي بالصالحات في الدار التدين بدين أهل العدل، الذي يفارق أهل الضلال في التدين، فإذا ظهر على المتعبد بالصالحات والخيرات اسم التدين بدين أهل الاستقامة، كما ظهر على المتدين بدين أهل الضلال في ذلك، وجبت ولاية هذا وعداوة هذا بالشهرة، فكل من أشكل أمره في دار اختلاط أو دار غالب عليها أهل الضلال، أنه ليس من أهل الضلال بعينه، ولا من أهل العدل فهو موقوف عنه، ولو ظهر منه العمل بالصالحات والمسارعة إلى الخيرات، وكل من شهر له اسم التدين بدين أهل الاستقامة، ولم يشهر له الفضل والعمل بالخيرات، ولم يعلم منه شر ظاهر ففيه قولان: أحدهما: أنه يتولى شهرة اسم الموافقة إذا لم يعلم منه مع ذلك شر يظهر
كما ظهر له اسم الخير.
وقال من قال: لا يتولى على شهرة التدين منه بدين أهل الاستقامة حتى
- {7 - (2/46)
صفحة 290
يظهر منه ما يصدق به القول بالعمل الشاهر، كما عرف منه التدين بالقول الشاهر، وهذا هو أكثر القول فيها عرفنا والله الموفق للصواب.
أهله
والأحكام في ظاهر الأمور فيما تعبد الله عباده في الولاية والبراءة في ظاهر الأمور لا على السرائر، ولا يكلف العباد حكم السرائر في شيء من الأمور، فلو أن مصرا من الأمصار غلب عليه أهل الضلال وتظاهرت فيه الأديان بالضلال باستيلاء عليه، أو تكافأت فيه تظاهر الأديان بدين أهل الاستقامة وأديان الضلال، إلا موضعا واحدا معروفا ذلك الموضع وتلك البقعة وذلك البلد، بالتمسك بدين أهل الاستقامة، لا يعرف من أحد منهم تدين بدين ضلال، كان ذلك الموضع وذلك البلد حكمه حكم أهل العدل، وقضي له وعليه بأحكام أهل العدل، وكان من ظهر منه في ذلك الموضع من الجاري عليهم اسمه، والنافذ عليهم حكمه صالحات الأعمال، وظهر منه الخير، ولم يظهر منه شيء من الشر من تدين بضلال؛ ولا انتهاك لما يدين بتحريمه، كان ذلك داخلا في جملة من شهر عليه التسمي بدين أهل العدل، ووجبت ولايته بغير محنة، والشهرة لأهل بلد بالعدل، والتسمي بالعدل في دينهم، أصح من الشهرة لرجل بعينه في بلد، فكما جازت الشهرة وقضت لرجل بعينه إذا شهر له ذلك، وكان ذلك قاضيا له وعليه، ولم تلزم فيه محنة إذا صح له التسمي بالعدل وعلم منه الصلاح في الأعمال، ولم يعلم منه شر ظاهر، ولو كان في دار مسئول عليها أهل الضلال، أو في دار اختلاط أو في
،
دار لا يصح له فيها حكم عدل، فكذلك إذا صح بالشهرة لجميع أهل البلد كان البلد دارا لهم، ولو كانت مسفاة من المسافي المتعلقة في بعض رؤوس الجبال، أو منقطعة في فيافي من الأرض، أو بلد معروف من مصر من الأمصار، وسائر البلدان من المصر يشتمل عليها الاختلاط في التدين، أو يغلب على أهلها التدين بالضلال، ولو كان ذلك البلد الذي قد صح أن أهلها ينتحلون في دينهم نحلة أهل العدل والاستقامة من الأمة لم يكن يعرف فيه
- {V- (2/47)
صفحة 291
رجل واحد ممن تجب له الولاية، إلا أنهم كلهم فساق ينتهكون ما يدينون بتحريمه، فكل من ظهر له منهم توبة وعمل صالح على ما قد ظهر لهم من صحة المذهب في الدين، فهو في الولاية ولا محنة عليه، وهذا ما لا يرتاب فيه مع من أبصر أحكام الدور وتمييز الأمور والله العالم بما تكنه الصدور، وإنما الأحكام في العباد بالظاهر المشهور
فصل: وكل ما عدا السر فهو جهر، وكل ما صار إلى الجهر فهو من أحكام المشهور.
وأما إذا كانت الدار دار اختلاط أو دار فساد، فاستولى عليها حاكم عدل حتى ظهرت عليها أحكامه، وأنفذت فيها أقسامه، وعلت يده وأحمد ظهور الباطل وأظهر الحق، فإن الدار تتحول إليه، ويرجع الناس إلى العدل، فتكون الدار دار عدل بظهور العدل على أهلها، وخمود الباطل من أهلها، فمن لم يعرف منه شر وعرف منه خير وعمل بالصالحات، ولم تظهر منه مخالفة للإمام، والحاكم الظاهر عليها من الحكام، صح له بذلك حكم الإسلام بغير محنة، إذا تحولت الدار إلى العدل
وأما إذا كان في الدار من يتهم بالتدين بالضلال وإنما ترك ما كان عليه في حال التقية، وهو يظهر منه أسباب التهمة بذلك، وقد تحولت الدار في الظاهر إلى العدل، فإنما يقطع الريب على من اتهم بعينه، لا يقع على جملة أهل الدار تهمة، إذا تحولت في ظاهر الأمر إلى العدل. والعدل أولى بها وبأهلها والأغلب من الأمور هو القاضي على جملة الأمور، حتى يصح على أحد حكم الخاص، ولا يسالم أحد من أهل الدار إذا كانت في أيدي أهل العدل، إلا على إظهار التسليم للعدل بالقول الظاهر، إذا كان قد عرف منهم التدين بالضلال، فلا توبة لهم ولا مسالمة إلا بإظهار قبول الحق، والشهادة على خطأ الذي كانوا عليه بالخطأ والضلال، وكذلك كل متهم بشيء من ذلك، أنه
- EA- (2/48)
صفحة 292
يقبل ذلك في العلانية، ويقول بغير ذلك ويعمل به في السريرة، وتظاهرت عليه بذلك التهم، لم يقبل منه ذلك وأودع الحبس حتى ينتهي عن ذلك
6
وتبرأ القلوب من تهمته على دين الإسلام وأهله، وعلى هذا تكون الدار دار
حق وعدل بالمالك لها، فافهموا ذلك وبالله التوفيق
•
- 29 - (2/49)
صفحة 293
عمان
6
باب
الموافقة في الدين في معاني الاختلاف في أحداث أهل عمان
6
لا تصح معنا ـ بعد يومنا هذا - موافقة لمن انتحل دين الاباضية من أهل ولايته المحبوب بن الرحيل، أو أحد من علماء المسلمين إلى عزان بن الصقر - رحمه الله -، إلا بالموافقة في أحداث أهل عمان، أن كلا من أهل الدار مخصوص فيها بعلمه، إلا من تظاهرت منه شواهد السلامة من الحكم في هذه الأحداث، بأحكام البدع فيها وفي أهلها وفي المتدينين فيها وفي أهلها، من أهل الدين من أهل الاستقامة، فمن تظاهرت براءته من ذلك. وبرئ من التهمة في ذلك؛ فهو على جملة من مضى من السلف الصالح. لا فرق في ذلك الامام خفي أمره ولم يظهر منه له براءة من الشبهة في ذلك، برئ من التهمة بالدخول في ذلك بجهل أو بعلم، لأن هذه الأحداث، وإن كانت لم تقع على أحكام البدع، فيكون الحكم فيها في واحد، وتجب المحنة فيها، وكان كل من أهلها ومن المتدينين فيها مخصوص فيها بعلمها، وجار عليها حكمه ونازل به اسمه، وكان كل من أهلها ومن المتدينين فيها مخصوص فيها بعلمه وجار عليها حكمه، ونازل به اسمه، وكان من مضى من المسلمين قد تظاهرت عليه فيها وفي أهلها وفي المتدينين فيها، وفي أهلها أحكام السلامة من الفتنة والهلكة، عن وقوع أحكام البدع به والدخول فيها منه إلى انقراض (2/50)
صفحة 294
أهل العلم من المسلمين، فإنه قد خلف
من بعد
السلف الصالح.
خلف
6
أنزلوا أنفسهم منازل ورثة السنة والكتاب، وادعوا لأنفسهم أن في أيديهم الحكمة، وفصل الخطاب، وقضوا لأنفسهم دون غيرهم بالصواب، وأظهروا الفرقة في موضع التوحد، وحكموا بحكم الاجماع فيها فيما قد صح فيه حكم الاختلاف، وأدخلوا في ذلك الطعن على من مضى من العلماء والأسلاف، وفرقوا في أهل هذه الأحداث التي ذكرنا، أو في كثير منها بين المجتمعات، وجمعوا في كثير من أمورها بين المفترقات، ثم قالوا للناس: كونوا لنا من دون الله عبادا، واسمعوا لنا وأطيعوا، كان أمرنا صلاحا أو
فسادا
ويُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ) (1)
وهم أهل الصفة التي ذكرناها، وقعدنا لها قواعد الأصول التي
أصلناها.
ونحن - مع
ذلك - إن شاء الله - عز وجل -، عن تسمية أهل هذه الصفة واقفون، ولهم بمقالهم المعروف وصفاتهم التي أوضحناها واصفون. ونحن إن شاء الله - تعالى - نبين أحوالهم، ونستعرض أوصافهم وأقوالهم، وفي هذا المقام نحن إن شاء الله بالتلويح فيهم دون التصريح مكتفون، وحسابهم على الله يوم القيامة، والله نسأله التوفيق في جميع
الأمور.
(1) الآية (8) سورة الصف.
-01 - (2/51)
صفحة 295
[صفحة فارغة] (2/52)
صفحة 296
باب
العلماء ومن هو حجة منهم على غيرهم
لا حجة للمخلوق على خالقه في وجه من الوجوه، ولو كان في سابق
أنه
علم الله أن يعذب ما كان ذلك في حكمه ظلما ولا جورا، بل كان في ذلك عادلا، ولكن الله تبارك وتعالى - شاء أن يتعبد بمعرفة وحجة يقيمها على عباده، بما يعلمون أنه من الحجج التي ينكرونها من بعضهم بعض، ولا يأتي بها بعضهم لبعض من ذات أنفسهم، إلا بأمر من قبل الله، وهداية من قبل الله، والعالم على أهل زمانه الله ـ تبارك وتعالى - حجة وشاهد عليهم، كما كانت الأنبياء والرسل حجة الله على عباده، بما أقام عليهم الحجة من معرفة حججه وواضحات براهينه، التي ألهمها العالم منهم دون غيره من العامة، على نحو ما أقام عليهم الحجة بالدلائل والآيات التي آتاها الرسل، وإن كان العالم لا يؤتى المعجزات فإنه يختص من الله بعظيم الهبات، ويظهر له من لسانه ما يخالف به غيره من، من الواضحات والبراهين والبينات، التي تشابه في زمانه ومع أهل زمانه معجزات الأنبياء والرسل - صلوات الله عليهم - فيكون في المصر من الأمصار العظام الكبار، رجل أو رجلان قد انطلقت الألسن فيهما، بما قد فاقا به غيرهما ومدت الأعين بالاجماع إليهما، وانفتحت القلوب لهما، لما قد ظهر منهما من مخالفتهما لغيرهما؛ من العلم والفضل والصدق والعدل، حتى لا يقدر العالم أن ذلك يدفع نفسه، ولو أنكر ذلك ونفاه عن نفسه عن
من عصاه، وعلم يعصيه بغير حجة يقيمها عليه،
العامة
- or- (2/53)
صفحة 297
ما أقبلت القلوب إلى ذلك، ولا اطمأنت النفوس إلى ذلك منه، وحتى لا يقدر عدوه في الدين ولا في غير الدين أن ينكر منزلته ولا مكانه، وتنطق
الألسنة باسمه في المصر، وكفاه بهذا حجة قاهرة وبينة شاهرة.
وشهرة العالم في البلد أو المصر أو المحلة من البلد؛ بمنزلة شهرة الحجام والمتطبب والنساج والحداد، والصانع من الصناع، قد قامت الحجة في العقول من الصغير والكبير والخاصة والعامة، أن لكل من هؤلاء منزلة، وإليه للناس حاجة ليست إلى الآخر، ولا يوجد مع الآخر كذلك شهرة التجار في البلد من يكون منهم معروفا بالبر، ومن يكون منهم معروفا بالعطر، ومنهم من يكون معروفا بالصندل، ومن يكون منهم معروفا بالادام ويبيع سائر الطعام، لا تنكر العقول ذلك، وقد يشهر التاجر في المصر كله لكثرة ما معه من المال والجهازات، وجملة القول أنه موجود عنده؛ كل ما أراد الناس من التجارات من النيروز والعطور وغيرها. من الأشياء
فصل: وربما ظهر له الاسم وشهر في المصر كله، في فن من فنون التجارة دون الفن الآخر من فنون التجارة، وكان شاهرا ذكره مع جميع أهل المصر في ذلك الفن من فنون التجارة فلا ينكره أحد من أهل المصر أنه بتلك المنزلة، إلا من يبلغ إليه علمه وقل ذلك. ولعله يشهر مع الصغير والكبير حتى تقوم في العقول صحة ذلك، ولا يرونه ولا يصلون إليه ولا يشترون من عنده شيئا، وربما شهر اسم التاجر في فنون التجارات في قطر من المصر وطرف
منه، ولم يشهر في المصر كله، مثل الشرق والغرب والسر والجوف من عمان وقد يشهر للتاجر اسمه في الجوف بأجمعه، ولا يشهر في الغرب ولا في الشرق ولا في السر، وكذلك قد يشهر للتاجر اسمه في التجارة جميعها، وأنه موجود عنده كل ما احتاج الناس إليه، إلا ما شاء الله، ولا يكاد أن يعدم من. إلا نوادر تقدم من أقطار عمان كلها، إلا من قصبة صحار، إذا كانت هي الفرضة لفنون التجارة بعمان، من سائر التجارات غير الأطعمة المعروفة بغير
عنده
- 30 - (2/54)
صفحة 298
الفرضة
وقد يشهر للتاجر الاسم بتجارته في البلد من البلدان، ومع أهل بلده دون غيره من البلدان، فيكون ذلك التاجر معروفا عندهم بالتجارة، وأنه يوجد عنده من فنون التجارة ما لا يوجد من غيره من أهل البلد الذي هو فيه، ولا ينكر ذلك أهل العقول، ولا تشك فيه القلوب.
ومنازل التجارة مختلفة في قلوب الناس. كذلك قد يشهر في كل بلد من البلدان أحسن صناعهم في البلد صناعة، وأحكمهم عملا، فيكون في البلد واحد من النساج، مجمع على عمله بالرضا، أو مجمع على عمله بالرداءة وسائرهم كذلك كل واحد قد نزل بمنزلة، قد كادت لا تخفى على جميع أهل بلده إلا ما شاء الله، وكذلك الأطباء والحجامون وسائر الصناع، قد يوجد الطبيب قد شهر له اسم في المصر كله، والعلة في الأمصار غير مصره الذي هو فيه، ويوجد مع هذه الشهرة في التجارة والأطباء والصناع شاهدا مع كل منهم من شهرة اسمه في تجارته وصناعته، وإن اختلفت أسماؤهم ومنازلهم وكثرت فلا تجد أكثرهم إلا وقد شهر عليه. ما شهر له من اسم تجارته وصناعته الثناء عليه من ذلك، أو قبح الثناء عليه، وحتى نكاد أن نقف على جميع أموره، في صدقه في تجارته أو كذبه، وأمانته أو خيانته، وبره من فجوره، فقد قامت في العقول شواهد ما يوجد عنده من التجارات والصناعات وقضاء الحوائج، من فن أو فنون منها، وحسن الثناء عليه أو سوء الثناء، والتهم فيه والأمانة والخيانة. ولا يشهر اسم تخلفه في شيء من الأمور التي يحتاج إليها الناس، وتمد إليه الأعين وتطبق فيه الألسن، إلا وانكشف حاله مع ذلك فيما قد نزل به من المنازل، من أمانة أو خيانة أو تهمة، ولا يكون غير هذا، وإنما تجهل حالة المجهول الذي لا يحتاج إليه، فلا تنطبق الألسن له ولا عليه، هذا ما لا ينكر من أمور الناس وأحوالهم.
حسن
والناس في جميع الأمور بأجمعهم، على أربعة أحوال وأربع منازل ممن (2/55)
صفحة 299
عرف ووقعت عليه الألحاظ من الأبصار والمعقولات من الأسماع والقلوب
ولا ينفك كل معاين أو مسموع به أو معقول أمره من أربعة أحوال:
"
إما ظاهر الأمانة فيهما ظهر له فيه الاسم، ووجب له فيه الحكم، فقد زالت عنه الخيانة بصحة الأمانة
•
وإما ظاهر عليه الخيانة، فقد زالت الأمانة بتظاهر الخيانة.
وإما مشكل الأمر لا تصح له أمانة ولا تصح منه خيانة، وهو غير مجهول الحال، غير أنه متناقض الأحوال، فذلك حكمه حكم التهمة، لا يحكم له بالأمانة ولا عليه بالخيانة، فهو مشكل مشتبه الحال، وربما كان هذا ترجى فيه الأمانة أكثر مما يُخاف منه الخيانة، وربما كانت تخاف منه الخيانة أكثر مما ترجى منه الأمانة، وعلى كل حال فلا يصح له أمر فيما ظهر من أمره الذي قد صح له.
ورابع مجهول لا يعرف حاله
فذلك لا يسمى ولا يوصف، لأن
،
المجهول لا يعرف والمعدوم لا يوصف.
التي
ومثل العلماء في اختلاف منازلهم مع صحة مذاهبهم بالشهرة، تجمعهم بها نحلة الاستقامة، وإن اختلفت منازلهم في علمهم مع تواطئ
تجارته،
أماناتهم فيما حمل كل واحد منهم من العلم، كمثل منازل التجار الشاهر لهم اسم التجارة في البلدان والأمصار؛ على نحو ما وصفنا، وشهرة كل تاجر من التجار مع من شهرة اسمه معه، وسعة تجارته وضيق تجارته وصدقه وكذبه في وأمانته وخيانته في تجارته، وبراءته وتهمته في تجارته، وذلك مما لا تتكلفه العقول بل ذلك يحل في العقول محل العيان وأوضح من العيان، ولو كان ذلك لا يصح إلا بالخبرة والمشاهدة، ما حل ذلك أبدا محل الشهرة، والشهرة قاضية في ذلك على المشاهدة والخبرة، كذلك العالم المأمون فيهما حمل من العلم، وعلى ما حمل من العلم المتظاهر له في ذلك الأمانة، البريء في
- 56 - (2/56)
صفحة 300
ذلك
من التهمة والخيانة، حجة على من صح معه علمه وفضله، ولو كان ذلك إنما صح في محلة من محال بلده الذي يسكن فيه، ولم يشهر ذلك ولم يصح مع جميع أهله في بلده، وحجة كل من صحت له حجة في الإسلام، فهي على من قامت عليه بمعرفته، بقيام الحجة من الحجة، ولا يسع من عرف ذلك من هذا العالم المأمون، أن يشك في الحجة منه إذا لم يصح ذلك مع غيره من أهل البلد، أو من أهل الطرف من المصر، والكورة من المصر، ولا تقوم حجة ذلك العالم على غيره ممن جهله وجهل منزلته، كما أن العدالة في أمر الشهادة لا تقوم الحجة فيها وبها إلا على من عرف عدالة الشاهد، ولا تقوم على الحاكم الحجة، ولا له قبول شهادة العدل في علم غيره، ولا في علم الله - تبارك وتعالى -، إلا حتى يصح معه فيه ما تقوم له به الحجة وعليه
معه
ولورد الحاكم شهادة موسى بن علي ومحمد بن محبوب؛ إذا لم تصح. عدالتهما، لما كانا في بلد لم يعرفهما الحاكم الذي شهدا معه فيه فرد شهادتها، كان بذلك مصيبا ولو قبل شهادتهما بغير علم، إذ هما عند غيره من أهل الخبرة بهما، حجة في جميع دين الله، في جميع ما شهدا به على وجه ما تجوز شهادتها فيه، كان بذلك محدثا هالكا، وكذلك قد يشهر علم العالم في بلده الذي هو فيه، وتصح أمانته وصدقه في علمه الذي جهله، فيكون حجة في الفتيا، فيما يسع جهله، على من صح معه علمه، وشهر معه فضله وصدقه، ولا يكون حجة على غير أهل بلده ممن عرف منهم وصح معه ذلك منه، إذا كان بالحق الذي لا يختلف فيه. وكذلك يصح للعالم علمه في طرف من المصر، دون غيره من أطراف المصر، ويشهر فضله في ذلك الطرف ولا يشهر له ذلك في غير الطرف من المصر، فتقوم حجته على من صح معه علمه وفضله وعدله وقد يكون العالم شاهر العلم والفضل والأمانة والعدل في جميع المصر، ولا يختلف فيه أهل المصر في علمه وفضله وأمانته وصدقه وعدله، فيكون ذلك العالم حجة على جميع أهل المصر، الذين صح معهم علمه وفضله وصدقه
- 57 - (2/57)
صفحة 301
وعدله، ولا يكون حجة على سائر أهل الأمصار، الذين لم يصح معهم. ولا فضله وأمانته وعدله
علمه
فصل: وقد يكون العالم حجة بشهرة علمه وفضله وعدله، على جميع أهل الأمصار، إذا شهر له ذلك في جميع الأمصار، كنحو عبدالله بن عباس وغيرهما من علماء المسلمين، المشهورين في
وجابر بن زيد - رحمهما الله
6 -
6
C
الأمصار والآفاق، إذا صح بالشاهر له صحة علمه وفضله وأمانته وعدله ولو صح معه علمه وفضله وعدله، وعرفه الجاهل الذي تقوم عليه الحجة، فيما يسعه جهله بعينه، مع شهرة علمه وفضله، وأمانته وعدله، ولو صح معه علمه وفضله وعدله بالشهرة ولا يعرفه بالعيان، فلقيه في بعض سكك الأمصار، أو في بعض الفيافي والقفار، أو في المسجد الحرام، أو في موضع من المواضع، وقد صح معه فضله، وعلمه بشهرة منزلته واسمه، إلا أنه لا يعرفه بعينه فأفتاه، بما لا تقوم له به الحجة إلا من العالم، لم يكن ذلك عليه حجة، ولا يهلك بذلك حتى يعلم المنزلة التي يكون العالم بها حجة، ويعرفه بعينه إذا لقيه، وكذلك لو كان العالم عالما مع غيره من العالمين به، أنه قد قامت الحجة به على من علمه ولم يعلم منه هذا الجاهل هذه المنزلة كنحو ما وصفنا، من اختلاف شهرة العلماء واختلاف علم العامة فيهم، فعلم من هذا العالم من قد علم من العلم والفضل والعدل، ما يكون به حجة عليه ولم يعلم منه هذا ذلك، فلا يكون ذلك عليه حجة فيما يسعه جهله، إلا أن يعرف عدل ذلك ويبين له صوابه، فعلمه حينئذ حجة عليه، من أين كان ذلك العلم ومن أين ورد عليه ذلك الخير، ومن أين وطئ ذلك الأثر فبان له صوابه وأبصر عدله، لزمته الحجة فيه، ولم يكن له أن يرجع بعد ذلك إلى الشك بعد اليقين، فإن رجع إلى الشك. بعد ذلك عن الحق الذي ورد عليه واطمأن قلبه إليه، كان بذلك من الهالكين، ولا نعلم في هذا اختلافا، وعلم المرء من أي وجه ورد عليه علمه، وأبصر عدله، وبان له صوابه، وانشرح له صدره، واطمأن إليه قلبه، وذهب عنه الريب من جهله، وبان له طرائق
- 58 - (2/58)
صفحة 302
صبي
عدله، وهو في الأصل من دين الله الذي لا يختلف فيه، فليس له أن يرجع بعد ذلك العلم إلى الجهل، ولا بعد اليقين إلى الشك، ولا بعد ذلك الهدى إلى الضلال، وقد قال الله - تبارك وتعالى -: (فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضلال فَانَ تُصْرَفُونَ) (1)، فعلم المرء عليه أوجب حجة من علم العالم الذي يقوم عليه بما يسعه جهله، لأن العالم فيما يسعه جهله قد جاء فيه الاختلاف، وما جاء فيه الاختلاف فلا يحكم فيه بأحكام الدين، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا، ولو كان علم ذلك من لسان أو معتوه أو مشرك أو أعرابي جلف، أو من أثر مرسوم بلفظ معلوم مفهوم. فعرف ذلك وعقله كما عقل المتعلم الأشعار، كسبعية امرؤ القيس من سبعية طرفة بن العبد من غيرهما من السبعيات وغيرها من الأشعار، أنها ليست بسبعية امرؤ القيس، فيسمع من يقول إن سبعية طرفة بن العبد هي من قول امرئ القيس، أو يقول إن سبعية امرئ القيس هي من قول طرفة بن العبد لم يجز لهذا السامع بعد أن قد صح معه وعرف بما لا يشك فيه، أن هذا القائل كاذب في قوله، إلا أن يشهد عليه أنه كاذب، لأنه يعلم أن جميع العلماء بالأشعار والأخبار يشهدون معه. على كذب هذا القائل، ويشهدون معه على صدق نفسه، وهذا ليس من أمر الدين، وأمثال هذا مما يطول وصفه كثير، مثل أنه يسمع من يقول إن أبا جهل عمرو بن هشام وعتبة وشيبة ابني ربيعة قتلوا يوم حنين في محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقتلوا يوم بدر وإنما قتلوا بحنين، وليس ذلك من أصول الدين، ولكنه قد علم أن هذا كاذب فيها قد صح معه باليقين أن هؤلاء كلهم لم يقتلوا يوم حنين، وإنما قتلوا يوم بدر قبل يوم حنين، هل كان يجوز لهذا أن يشك في كذب هذا القائل، في مخالفته للحق الذي عرفه والصدق الذي عرفه، ولا يجوز له ذلك ولا يسعه، فكيف إذا علم شيئا من أحكام الدين أحد من العالمين، فعرف ذلك ولم يشك فيه، فكيف يجوز له أن
والحق من
(1) جزء الآية (32) من سورة يونس.
-09 - (2/59)
صفحة 303
يرجع
إلى الشك بعد اليقين، وإلى الجهل بعد العلم المبين، هذا ما لا يجوز ولا يختلف فيه أحد من العالمين من المسلمين ولا غيرهم من المبتدعين، وقد أجمع جميع الأمة بأسرها، لا نعلم بينهم اختلافا أن بلوغ الحجة إليه، وقيامها عليه علمه بها، وأجمعوا أنه ليس بعد أن يعلم الحق بأي وجه كان، أن له بعد ذلك شك في علمه، وهذا ما يخرج أيضا من حجة العقل.
وقد يكون العالم مشهور العلم في فن من فنون العلم بالدين، متظاهرا في ذلك صحة العلم وغيره، مشهور العلم في غير ذلك من الفنون، وكلاهما في الفضل والصدق والأمانة سواء، ويكون هذا حجة في الفتيا فيما يسع جهله، في ذلك الفن الذي هو فيه عالم، ولا يكون حجة فيما يسع جهله؛ فيما لم تصح له فيه شهرة العلم، ويكون الآخر حجة فيهما صح له من شهرة العلم، في ذلك الفن الذي صح له العلم فيه، على هذا العالم وعلى غيره من العامة، فيما يسع جهله من الدين، ولو ظهر لهذا العالم العلم في فنون كثيرة من العلم والفقه وصح علمه في ذلك بالشهرة، إلا أنه لم يشهر له في فن من الفنون، من أصول الدين علم شاهر، وشهر لغيره في ذلك الفن، الذي لم يشهر له فيه علم أنه عالم به، وشهر له في ذلك، فإنه يكون حجة في ذلك الفن من العلم في الدين، على هذا العالم الذي قد صح له العلم، في
فنون عدة، ولم يصح لهذا العالم العلم إلا في الفن الواحد من الفرائض والمواريث، أو الولاية والبراءة أو ما يسع جهله أو ما لا. يسع. جهله، أو البيوع والربا، أو ما أشبه هذا من الأصول والفنون، وكل عالم في فن فهو حجة فيه
على غيره من العلماء، بغيره من الفنون، وعلى العامة ممن عرف علمه بذلك، أو صحت معه منزلته، وقد مضى صفة المنازل من العلماء
ومن المحال أن يأتي العالم على جميع الأصول في الدين فيكون محكما لجميع الدين والعلم في الدين، وقد قيل عن أبي الشعثاء جابر بن زيد ـ رحمه الله - أنه قال: لقيت سبعين عالما من علماء بدر، فتعلمت معهم حتى حطوا (2/60)
صفحة 304
،
فقيل إنه خرج
حلقي في حتى لقيت البحر يعني ابن عباس فيما قيل! على أصحابه يتكيء على عكاز، ابن سبعين سنة، فقالوا له أو قيل
ذات يوم.
له: أين تمضي يا أبا الشعثاء؟ قال: أتعلم ديني، ولم يقل أتعلم العلم فيخرج أنه يتعلم العلم، وقد يكون من العلم ما يكون من الرأي فلا يسمى دينا، ولكنه قال: أتعلم ديني، وهذا ما لا ينكره أهل العقول، وإنما المنكر على من قال إنه قد أحاط بعلم دينه، أو تعلم العلم، أو أحاط أو ظن ذلك في
نفسه
عالما
وقد قيل في الحكمة - وهو صحيح -: إنه من جهلك أن ترى في نفسك، ومن علمك أن ترى في نفسك جاهلا، ولولا أنه كذلك؛ ما كان كذلك قول جابر بن زيد - رحمه الله -، والعالم يرى نفسه أنه جاهل ويخاف أنه جاهل، والجاهل يرى نفسه عالما ويظن أنه عالم، ومن أبصر العلم وسعته
6
وكثرته واختلافه، لم يجز في عقله إلا أنه جاهل عن الاحاطة بأكثر العلم. ويخاف على نفسه الهلاك بجهله بأمر دينه، إن لم يهده الله ويرشده ويوفقه للعلم ويسدده، وهذا ما لا شك فيه مع أهل العلم والفهم، وإذا كان العالم مشهورا له صحة العلم بالفن الواحد، من فنون العلم في أصول الدين، وغيره من العلماء متظاهر له العلم في فنون من العلم غير فن هذا، ومتظاهر له أيضا العلم بهذا الفن الذي قد صح معه لهذا العالم، أنه عالم به وأنه ذو فن فيه، فقد جاء الأثر والخبر أن ذا الفن أعلم من ذي الفنين، وذو الفنين أعلم من ذي الثلاثة فنون، وكذلك ما زاد إلى ما لا يحصى من الفنون، إلى أن يكون جامعا لظواهر فنون العلم، المعروفة المشهورة في الدين، حتى يتظاهر اسم العلم والفقه بجميع الفنون، التي تنسب وتضاف إلى العلماء، من علم ما يسع جهله وما لا يسع جهله، والولاية والبراءة والأحكام والأقسام والدماء والفروج، حتى يظهر له أنه ناقد في جميع ما احتج إليه فيه، وهو موجود عنده من فنون العلم، جميع ما سئل عنه، وإن كان لا يحصي العلم إلا الله، ولكن يظهر له الشواهد من لسانه، أنه يبصر فنون العلم الظاهرة،
له
-11 - (2/61)
صفحة 305
"
المحتاج إليه فيها، المطلوبة من عنده، المعارض بها من أعدائه المحتاج إليه فيها من أصحابه وأوليائه، فإذا تظاهر للعالم في زمانه ومع أهل زمانه هذه الصفة، وهذه المعرفة مع الأمانة، وحسن الثناء في علمه، وزالت في ظاهر الأمر تهمته وخيانته، أنه لا يحرف العلم عن موضعه، ولا يتكلف فيه ما لا يخرج على أصوله من رأيه وقوله، فهو حجة على من جهل الحق من أمور الدين في زمانه، ومع أهل زمانه، ولو اختلفت الأحوال من العلماء، كما اختلفت الأحوال من العدول والثقاة، وكلهم حجة على المشهود عليه، وعلى الحاكم أن يقبل شهادتهم إذا نزلوا بمنزلة العدالة والثقة، ولو كان غيرهم أفضل منهم. وأعدل. وأدين منهم، فكما لا يجوز شهادة محمد بن محبوب أو موسى بن علي ـ رحمهما الله ـ في الأحكام إلا عن واحد، ولو كان على قيمة قيراط المسلم على يهودي، ولا يكون حجة حتى يكون معه غيره، وإذا كان معه غيره ممن نزل بمنزلة العدالة والثقة، ولو كان دونه في المنزلة في العلم والفضل، ودونه بالضعف أضعافا مضاعفة، فإنهما حينئذ يكونان حجة في الشهادة، ولو كان محمد بن محبوب - رحمه الله - يشهد المسلم على يهودي
6
منهم
"
بقيراط، ورجلان ثقتان دونه في الثقة، والعدالة ممن يؤتمن على الأمانة ولا يعلم أنه مصر على شيء من الخيانة فيما يدين بتحريمه، يشهد أن على ذلك المسلم لذلك اليهودي عشرة آلاف درهم، ما جاز أن يقبل قول محمد بن محبوب وحده؛ ولوجب أن يقبل قول هذين الثقتين على ما شهدا عليه، إذا كانا حجة في الاسلام فيما شهدا عليه، ولو كانت الحجة إذا تفاضات في الشيء سقط في الحجة من كان دون الأفضل، لما جازت شهادة المهاجرين والأنصار بأجمع، لأنهم مع النبي له وهو أفضل منهم، وكذلك لا يكونون حجة في الدين ولا حجة في العالم في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من المحال، ولكن الحجج تتفاضل وتفوق بعضها على بعض، وهي حجة بحالها وتقوم كل حجة بحالها، ولو كان بعض الحجة أعلى من بعض، وبعضها أفضل من بعض في الشهرة، ولا تزول حجج الله - تبارك وتعالى - لتفاضلها، ولكن تقوم كل
- 62 - (2/62)
صفحة 306
حجة في موضعها على من علمها أو جهلها
فصل: ولو صح لعالم من العلماء جميع فنون العلم المتظاهرة على ما وصفنا، وصح لرجل في زمانه العلم في فن واحد أو فنين؛ كانا كلاهما في
العلم سواء، في ذلك الذي قد صح لهذا العالم فيه من الفنون في العلم.
وقال من قال: إن هذا أعلم، فإذا كان أعلم فهو أفضل، ولكنا
"
نقول: إنه عالم لا شك في ذلك، فيما قد شهر له من العلم في ذلك الفن، كعلم العالم الجامع للعلم، لا شك في ذلك ولا ريب ولا اختلاف، وأنه حجة في ذلك الفن، كما كان هذا الجامع حجة فيهما اجتمع له من الفنون من العلم في الدين، ولا يكون العالم حجة إلا فيما تظاهرت له الأخبار وأنه عالم ذلك في ظاهر الأمور وصحة علم أمر العالم بما صح من وفضله وصدقه وعدله في الشاهر، لا اختلاف في ذلك أنه يصح ذلك فيه من
فيه، وصح
طريق علم الشهرة، ولا نعلم في ذلك اختلافا
علمه
وأما إن قال رجل عالم ممن قد شهر له اسم في شيء من فنون العلم
،
وأنه عالم فيه إن فلانا كغيره عالم فيه، وأنه حجة فيه وعالم به، فقيه فيه، والذي قال ذلك حجة في ذلك الفن في الفتيا على من جهل ذلك، فإذا قال في غيره إنه عالم، أو إنه حجة، أو إنه يبصر الولاية والبراءة، وهو ممن يبصر الولاية والبراءة، فقد اختلف في قوله ذلك:
فقال من قال: إن ذلك قوله حجة، ويصح ذلك من قوله، ويجوز
ويلزم قبول قوله فيها قد قال فيه إنه حجة فيه، لمن قام عليه وعلى من قام عليه
بذلك، ويكون حجة في جميع ذلك، كما يكون حجة في رفع الولاية
وقال
•
من قال: لا يكون ذلك حجة ولا يصح ذلك إلا بالشهرة، أو يرفع ذلك من أمره اثنان من أهل ذلك، ولعل في بعض القول إنه لا يصح ذلك بقول الاثنين، ولا يصح إلا بالشهرة، ويجب في ذلك أن يقبل قول
- 63 - (2/63)
صفحة 307
الواحد الحجة في ذلك من طريق الأمانة، كما يقبل قوله في الولاية من طريق التصديق والأمانة.
وأما قول الضعيف من المسلمين والضعاف، قلوا أو كثروا فلا يكون ذلك حجة منهم، ولا يقوم بقولهم في ذلك حجة أن فلانا فقيه أو عالم أو يبصر الولاية والبراءة، أو شيئا من فنون العلم إلا أن يصح ذلك بما لا يشك فيه العالم بذلك منه، ولا يرتاب فيه أو يقول ذلك العلماء بذلك، ومن تقوم به الحجة في ذلك، على قول من قال بذلك
•
ولكنا نقول: إن قال اثنان من المسلمين من ضعفائهم والأمناء على ما قالا إن فلانا الفقيه المشهور قال: إن فلانا كغيره عالم بكذا وكذا، أو يبصر الولاية والبراءة، أو شهدا بشيء من قوله، يعبرانه عنه عبارة كافية عن تفسير ذلك من قوله، فإن ذلك حجة منهما على قول من يقول؛ إن ذلك حجة من الواحد من الفقهاء، ولا يخرج ذلك على الاجماع، وقد بينا ذلك، ولا يقع العلم على العالم إلا بالشهرة، كذلك الحجة فيما يسع جهله لا تقوم إلا بما لا يسع فيه الجاهل الجهل، مما لا يرتاب فيه
وقد قيل: إنه إذا قال الضعيف من المسلمين الأمناء أنه يتولى فلانا، أو رفع ولايته، لم يكن ذلك حجة ولا جازت ولايته بذلك. فإن قال: إن فلانا العالم بالولاية والبراءة كان يتولاه، أو تولاه معه وشهد بذلك ورفعه، نقلا عن العالم المعروف ببصر الولاية والبراءة، جازت الولاية بولايته تلك؛ على بعض القول، ولا يجوز ذلك على الاجماع، وإنما يكون جميع ذلك على التصديق والأمانة، وقبول قول أهل العلم بما يشهدوا به وقالوا به على الشهادة بما شهدوا، والقول بما قالوا على وجه التقليد والعلم بأنه كذلك؛ كما قال العالم أو الشاهد، لأنه لا يجوز ذلك، وإنما ذلك على الأمانة والتصديق، وقبول القول منهم في الحجة الظاهرة من تصديق مقالاتهم، وزوال الريب في، وكذلك إن قال واحد من ضعاف المسلمين الأمناء يرفع ذلك إلى
أماناتهم
- TE- (2/64)
صفحة 308
فقيه مشهور عالم صحيح العلم، أن فلانا يبصر الولاية والبراءة، وعالم فقيه في كذا وكذا، كان ذلك معنا مقبولا على وجه الاختلاف لا على وجه الإجماع، وإنما ذلك من تصديق القول، وكذلك لو قال ضعيف من ضعفاء المسلمين،
عن معدل من المعدلين أنه عدل رجلا ممن احتيج إلى عدالته في موضع ما تجوز كان ذلك حجة على الاختلاف لا على الإجماع.
عدالته
،
-70 - (2/65)
صفحة 309
[صفحة فارغة] (2/66)
صفحة 310
باب
المعارضات من الملبسة على الضعفاء المتمسكين
قال: فلما انقرض من أهل عمان أهل العلم من السلف، وأهل البصائر والتمسك من الخلف، والطبقة التالية منهم، ممن أقر بفضل السابقين واعترف، وآخر من بلي من الضعفاء من المسلمين بفقده على حاجة منهم إليه، ومعول منهم عَليه؛ أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر، وأبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر، وأبو مالك غسان بن محمد بن الخضر - رحمهم الله -، فلما نزل بالضعفاء المحنة لفقد أهل العلم منهم بأحكام الكتاب والسنة، وخلف فيهم الخلف الرابع من الخلوف، أصبحوا في أمورهم على منازل وصنوف، وأمر موحش من أمورهم مخوف، من ظهور الضغائن والاحن والتحريض على كشف الستور وهتك العورات. فأعدم منهم مذاهب الحقائق الواضحات والمصانعات، وصار المتمسكون بالنحلة صنوفا كثيرة وطبقات، وصار الأغلب من أمورهم ما يشبه التقليد للرجال في جميع ما أمروا به من هداية أو ضلال، وتركوا ما مضى عليه السلف
"
الصالح، من الاجتهاد الله في بذل النصائح، بقبول الحق ممن جاء به ولو كان بغيضا بعيدا، ورد الباطل على من جاء به ولو كان حبيبا قريبا، وهم أهل الصفة التي ذكرناها، والمنزلة التي أوردناها، وسنذكر من أمورهم إن شاء الله ما نرجو أن في ذكره نفعا واحتسابا، وأجرا من الله وثوابا، وما نخاف على ترك ذكره العقاب، والسخط من الله وسوء الحساب، والله نسأله التوفيق، في
- TV- (2/67)
صفحة 311
جميع أمورنا بالعدل والصواب.
فصل: وإنما دعانا إلى هذا الذي قصدناه، واجتهدنا فيه وبيناه، كثرة ما يظهر من المعارضات من أهل هذا الزمان، لضعفاء المسلمين من هؤلاء العماة المتكلفين، وإذ لم يرضوا بالذي هم عليه من التيه في أمورهم والتعسف والاغتشام لعامة أمورهم بالجهل والتكلف، حتى يعارضوا الضعفاء من المسلمين المتمسكين، المتبعين لسبيل من مضى من المهتدين، فيأتوهم بالتماويه والملبسات، والمخصوصات من الآثار والمتشابهات، ثم يطلبون منهم على ذلك بزعمهم الجدل والمناظرات، ابتغاء الفتنة لهم والزلات، واغتنام الهفوات والعثرات، والحرص على إظهار العيوب والعورات، فإن جاء الضعيف من المتمسكين على ذلك بحق حرّفوه وعللوه، وإن توجهت له حجة حق دفعوه عن ذلك واستنزلوه، وإن لم تحضره حجة على ما قد تمسك به من الصواب، اغتنموا منه ذلك وادعوا عليه وجهلوه، وإن زل معهم فيما قد كلفوه من المناظر بزلة لم يردوه عنها ولم ينصروه، وفارقوه على ذلك وضللوه، وإن سألهم عما قد عمي عليه من ذلك الأمر الذي اضطروه إليه وكان معهم فيه علم كتموه، وإن أشرفوا منه على بصيرة لذلك لبسوا عليه من الأمر في ذلك و عموه، فيظهرون أنهم يأمرون بالمعروف وهم عنه ناهون، وأنهم ينهون عن المنكر وهم به آمرون وله آتون، ويزعمون أنهم دعاة إلى دين عنه وهم ينأون ويدفعون، وإن يهلكون بذلك إلا أنفسهم وما يشعرون، في قلوبهم مرض وشك مما دخلوا فيه والتزموه، فهم في ريبهم يترددون، وفي حيرتهم وشكوكهم يعمهون، ودوا لو عمي المسلمون المبصرون من المتمسكين كما عموا، وقدموا من مشكلات الأمور على مثل الذي عليه قدموا، ودخلوا معهم في مشبهات الأمور التي دخلوا فيها وأقحموا، فكانوا معهم في جميع ذلك بالسواء، واشتركوا جميعا في الضلالة والغواء، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق والهدى، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره، ويعز الله دينه بتأييده ونصره، ولا تتخذوا من أهل هذه الصفة في الدين وليا
الله
- 14 - (2/68)
صفحة 312
ولا نصيرا، ولا مشارا عليه ولا مشيرا، ولا تكونوا لأحد منهم على مذهبه عونا ولا ظهيرا، واتقوا فتنة لا تصيين الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب، فاحذروا هذه البدعة وأهلها، وأصل هذه الصفة وضلالها وجهلها، واعرفوا أهل هذه المنزلة بالصفة، واحترزوا منهم دقائق العلم والمعرفة، ولا تتبعوا أهواءهم عما عرفتم من الحق عن علمائكم السالفة، واحذروهم أن يفتنوكم عن بعض ما هداكم الله إليه من الدين، وأن يلبسوا عليكم شيئا من حكم الكتاب المستبين، وأن يصدوكم عن الصراط المستقيم. فكونوا من خدائعهم وتلبيسهم على حذر، واجتهدوا لأنفسكم في النظر، والزموا حكم الكتاب والسنة والأثر، ولا تقلدوا دينكم أحدا من الرجال ولا من البشر، ودوروا مع الحق حيث دار، وصيروا معه حيث صار، وأنزلوا الناس في منازلهم فاجرا كان أو بارا، كان ذلك محزنا لكم أو سارا، أو نافعا بكم في دار الدنيا أو ضارا، واعلموا أنها فتنة صماء، وبدعة مظلمة دهماء، قد عموا فيها أهلها وصموا، ثم ازدادوا بها عمى، وازدادوا بفتنتها جهلا وصمما، ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون، وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا، وأنهم في ذلك مهتدون، فلا وربك لا يهتدون ولا يوفقون للسبيل، ولا يرشدون حتى يحكموا فيما شجر بينهم، محكمات السنن والآثار، ويقتدوا في ذلك بهدى السابقين الأخيار، من السالفين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان من ذوي العلم والأبصار، وتابع التابعين لهم إلى يوم القيامة من العلماء والأخيار، ويعزلوا فيما بين ذلك الميل إلى الأهواء والإيثار، والعلو على أهل الحق والاستكبار، والذهاب بأنفسهم إلى الرفعة والاستكثار، ويضعوا خدودهم في الحق للصغار والكبار، والعبيد من الناس والأحرار، ويساووا في حكم الحق بين الجميع من الصغار والكبار، ويساووا في حكم الحق بين أهل المسافي من رجال الجوف، وأهل العلالي من قصبة صحار، وبين الأحورين وبين سكان هجار، وبين أهل السيب وبين ساكني جرفار، وحتى يكون جميع
- 79 - (2/69)
صفحة 313
عن
من
هداها،
هذه
هذه
الناس معهم في أحكام الحق بالعدل والقسط مستوين، لا فرق بينهم مثل أسنان المشط، ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا من ذلك ولا تأثيها، ولا نكيرا ذلك لأنفسهم ولا تعظيما، وحتى يرضوا في جميع ذلك ويسلموا تسليما، بل قلوبهم في غفلة من هذا وغمرات، وشغل عن هذا وسكرات، وعلى قلوبهم من. هذا أقفال محكمات، وأمواج متلاطمات، وظلمات مدلهمات، إذا أخرج أحدهم يده لم يكد يراها، فلا لنفسه ضلالها يبصر ولا بصيرتها من عماها، ولهم أعمال من دون ذلك بضده هم لها عاملون، وأقوال غير هذا بضده لها قائلون، ولله الحجة البالغة التامة، والنعمة السابغة العامة، فمن ضل فعليه الله الحجة القائمة، ومن اهتدى فلا منة له ولا سبيل عليه ولا لائمة، ولا نعلم على ضعفاء المسلمين أدهى مضرة في دينهم من الفتنة، ولا أشد آفة عليهم في دينهم من هذه المحنة، ولا أعظم رزية عليهم في دينهم من هذه البدعة، ولا أقبح عاقبة لهم وتنافي ذات الدين من الشنعة، إذا أصبحت آثار الحق بينهم ميتة دريسة، وأحوال المتسمين بالعدل بزعمهم قبيحة خسيسة، إذا جاءهم ملهوف ضعيف يسأل عن الدين أضلوه، وإن سمعوا بمستبصر ضعيف من المتمسكين، احتالوا عليه بتلبيسهم وأذلوه. وإن رأوا مستعفا عن المحارم ولسبيل الخيرات ملازما، وبأمور دينه قائما، تجمعوا عليه وأرسلوا شياطينهم إليه، فأظهروا له ضد النصائح، وأوقفوه على ما هم عليه من تلك الفضائح، وقلبوا له في ذلك عجائب الأمور، ومنوه من الله على ذلك عظيم الأجور، وأوجبوا عليه في مخالفة ذلك الفسق والفجور، فإن عصمه الله عن فتنتهم، وبصره ضلال بدعتهم فانكمش عنهم ومضى، وولى عن بدعتهم معرضا، ولو لم يرد شيئا من أقوالهم، إذ لم يضره مع الهداية شيء من أفعالهم، تركهم في تندم وحسرات، وتلهف إذ فاتهم وعبرات، وأظهروا عليه فنون القذف بالمكفرات، وقالوا هذا من المرجئة والشكاك، وأكثروا فيه من قيل وقال، وذاك وذاك، من غير أن يظهروا عليه قولا، ولا يضينوا إليه فعلا، إلا افتراء
- 70 - (2/70)
صفحة 314
عليه بالكذب، قذفا ورميا له بالدعاوى لأنه لا يدحض حجتهم بمقاله، ويخالف دعواهم بفعاله، فيشهد له الحق بالصواب عليهم، أنهم عليه بذلك
"
من الكذب. وإن رأوا منه إلى قولهم مقاربة، واستوهنوا موضعه وجانبه، أوردوه حياض المنايا والمهالك، ويمموه أضيق الطرق والمسالك، وذبحوه مع ذلك بغير شفرة ولا سكين، إذ أعطوه بأمانيهم له أنهم قد هدوه لصحيح الدين، وأبصروه بزعمهم سبيل المهتدين، فهو في ضلالته أبدا يهرع، وفي ظلماته وعمايته يتسكع، كلما ذهب شيء من أيامه، وخاف نزول منيته وحمامه، ازداد في تمسكه بذلك حرصا، وأمر بذلك من قدر عليه من الناس وأوصى، وكلما ازداد في تقربه إلى الله بذلك اجتهادا؛ ازداد عن الله ورضائه بذلك إبعادا، حتى تفجؤه قضيته، وينزل به أجله ومنيته، فيحصد من ذلك الويل والخسار، ويصلى بذلك دار البوار، ويكب على وجهه بذلك في النار. إلا أن يتوب من ذلك ويُقلع، ويستغفر ربه من ذلك ويرجع، وإن رأوا منه عن أمرهم تحرقا، وإمساكا عن طاعتهم وتوفقا، استشهدوا عليه بمن حضر من أكابرهم وتألبوا عليه من صياصيهم وحذافيرهم، وأرعدوا عليه بأراجيفهم وأبرقوا، وموهوا عليه من دقائق كذبهم وخرفوا، ولطفوا له لطائف خدعهم ورفقوا، وحذروه مخالفة بدعتهم، وأغلظوا عليه في ذلك وأفرقوا، فإن تبعهم على ضلالهم وغوايتهم، وأعطاهم في ذلك منيتهم وهواهم، قدموا في ذلك أمره وشأنه، وأجلوه قدره ومكانه، وأوجبوا على أنفسهم ولايته من حين ما استوجبوا بغضه وعداوته، وإن عصمه الله منهم ونجاه بفضله عنهم، وكان بما آتاه الله من الهداية متمسكا، ولسبيل المهتدين سالكا، قذفوه بالحيرة والشكوك، وقالوا هذا المبتدع الأفوك (1)، والمتمرد على الله المهتوك، وإن لم
"
6
يقطعهم منه بالإياس، ولم يطعهم فيما يدعونه إليه من الظلم والالتباس، رجعوا هنالك على أنفسهم فقالوا إنا نحن لسنا بحجة عليه، ولكنا نأمره بمن
(1) الأفوك: من قول الإفك؛ أي الأفاك: (الكذاب).
- VI- (2/71)
صفحة 315
فلان
يخرج إليه، وألزموه هنالك بخروج في البحث والسؤال، وقالوا له لا بد لك من الخروج على كل حال، حتى تخرج من الهداية والنور إلى الظلم والضلال. فإن اعتذر عن ذلك بضعف أو بفقر، أمروه بالتجشم لذلك والصبر، ومنوه على ذلك عظيم الثواب والأجر، ولم يكن للمسكين عندهم في ذلك عذر، إلا الخروج في ذلك أو الضلال والكفر، وقالوا له فإنا نحن لسنا عليك بحجة، ولكنا بذلك على الصواب والمحجة، وما ينقطع به عند الله عذرك، وينكشف به حالك وأمرك، لأنه لا يسعد عند الله دون أن تكون محجوجا، ومقاما عليك بالحجة عند الله ومفلوجا، فيقول لهم المسكين عند ذلك؛ فأين أخرج وأين أتوجه، وإلى من أقصد وإلى من أتجه؟ فيقولون له: أخرج إلى بن فلان ببلد كذا وكذا، وفلان ببلد كذا وكذا، فإنهما عليك حجة ولك حجة، فيا سبحان الله ما أعظم هذه المحنة، وما أبين هذه الضلالة وهذه الفتنة، فكيف تكون شهادة الشهود عليه بما قد شهدوا عليه ليس بحجة، ويكون قولهم إن فلانا وفلانا حجة عليه لقولهم؟ وكيف لا يكون قول القائل من ذات نفسه حجة، وقوله إن فلانا حجة؟ ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، ولا يجوز هذا في أحكام ذات الدنيا ولا أحكام ذات الآخرة، فإن كان قولهم عليه حجة فقد كذبوا، إنهم ليسوا بحجة، وإن لم يكن عليه حجة، فكذلك قولهم إن فلانا وفلانا حجة عليه ليس بحجة عليه، وقد ألزموه ما لا يجوز لهم أن يلزموه، إن كان معذورا عن قيام الحجة، وإن كان غير معذور عن الخروج في التماس الحجة ففيمن حضر حجة، ولا يجوز معنا غير هذا في حكم الحق
6
وكل ما لم تقم به الحجة بعبارة الواحد من الحاضرين من المقربين بحكم ذلك الشيء، فالجاهل له معذور عن طلبه في الدين، وواسع له الاقامة على جهله أبدا حتى تصل إليه الحجة، وليس عليه أن يطلب على نفسه الحجة فيما هو معذور عنه، فإن كان ما قد ألزموه الخروج فيه، وهو مما لا. يسعه جهله، فبعبارتهم له ذلك قامت عليه الحجة، وقولهم إنهم ليسوا عليه بحجة، هم كاذبون في ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا
- VY- (2/72)
صفحة 316
فصل: فإن يكن الذي ألزموه السؤال عنه من الدين والحلال والحرام
وأحكام الإسلام، وما نطقت به الشريعة، فالحكم فيه في ذلك على وجوه
فصل: فيما لا يسع جهله من الاعتقاد والعمل بالأبدان:
وكل ما لا
•
يسع جهله من معرفة التوحيد وتصديق الوعد والوعيد، وأمثال هذا مما يتولد منه، فالحجة تقوم فيه عند ذكر ذلك ممن ذكره، أو إذا خطر ذلك بباله إذا عرف معاني ذلك وأحواله، فعليه علم ذلك معا ولو لم يعبر له ذلك معبر، فإن لم يعلم ذلك.، من حين ما يذكر له أو يخطر بباله ويعرف معناه هلك بذلك، ولم ينفس في السؤال عن ذلك لعالم ولا لجاهل. وما عدا ذلك من علم الفرائض اللازمة، فإذا حضر وقت ذلك ولزم العمل به، ضاق جهله على جاهله إذا وجد من يعبر له علم ذلك، وكان بأرض متصلة لمن يعبر له علم ذلك، فإن لم يحضره من يعبر له علم ذلك، وقد علم وجوب ذلك في وقت وجوبه ولا يعلم تفسير ذلك، ولزمته الدينونة بالسؤال عن علم عبارة ذلك، حتى يؤديه على وجهه، فإذا لقي من يعبر له ذلك كان عليه حجة، ولم يجز له أن يجهل ذلك بعد علمه ولا يرجع إلى الشك، وإن لم يعرف وقت ذلك الفرض فعليه اعتقاد الدينونة بالسؤال عن وقت حضوره وتفسيره
حضور
معا، وعليه أن يؤدي ذلك إذا علم بفرضه، بما يحسن في عقله أنه وقته الذي يجب فيه، ويسأل عن ذلك كل من قدر عليه، فإذا لقيه من يدله على ذلك، كائنا من كان من الناس، فأوقفه على ذلك لزمته الحجة، وذلك مثل أوقات الصلاة، وأوقات الصيام، والعمل في ذلك، وإن جهل وجوب الصلاة والصيام، وجهل وقتهما، وجهل تفسير العمل بهما، ولم يجد من يخبره بذلك ويعبره له، ولم يكن تقدم علم ذلك إليه، فإن حسن في عقله أن عليه في دين الله - تبارك وتعالى - -، ودين رسوله، الذي أرسله إلى خلقه فيما تعبده الله به عملا بالأبدان، أدى ذلك على ما يحسن في عقله، ولم يكن هالكا بجهل ذلك، إذا لم يتقدم إليه علم ذلك، ولم يسمع بذلك حتى وجب وقته، وحضر
- 73 - (2/73)
صفحة 317
وقت العمل به، فإن حسن في عقله أن عليه عملا في دين الله - تبارك وتعالى -، في وقت من الأوقات، فعمل ذلك بما يحسن في عقله، فليس عليه غير ذلك إلا أنه يدين بالسؤال عما يلزمه في دين خالقه، من جميع ما تعبده به، وإن قدر على الخروج في طلب علم ذلك، وحسن في عقله أنه يجد من يدله على ذلك، وكان قادرا على الخروج، بأمان من الطريق، وصحة من البدن، وزاد يأمن به على نفسه من العطب، وراحلة يأمن بها على نفسه من التعب، وما يدع لمن يعوله وما يقوم بهم إلى رجعته، كان عليه الخروج فيما لا يسعه جهله، ولا يسلم إلا بعلمه من دينه، ولا يكون سالما إلا باعتقاد السؤال عنه، إذا لم يجد من يعبره له بحضرته، فإذا وجد من يعبر كان قامت عليه به الحجة
له كائنا من
فصل: فإنما عليه الخروج في التماس الدين، في الواجبات التي يهلك بها إذا لم يدن بالسؤال عنها عند عدم المعبرين لها، وأما كل ما لم يكن عليه عبارة الواحد فيه حجة، فغير مقطوع العذر عن الخروج فيه، فكل ما لم تقم به الحجة من عبارة الواحد؛ البار والفاجر، والمؤمن والكافر، فالسائل عنه منفس في السؤال أبدا، وليس عليه خروج فيه ولا إليه، ومن ألزمه الخروج فيما لا يلزمه الخروج فيه؛ فقد ألزمه ما لا يلزمه، ومن ألزم الناس ما لا يلزمهم فقد كفر، فإذا أدى ما قد حسن في عقله لزومه في وقت ما لو حسن في عقله وجوبه، على ما يحسن من تفسير ذلك في عقله، ودان بالسؤال عن ذلك في ذلك الوقت، ولم يكن تقدم إليه علم ذلك من أثر ولا من خير، من بار ولا من فاجر، ولا متقدم ولا مستأخر؛ فهو سالم، وعليه التماس علم ذلك بالخروج، لتأدية ذلك على وجهه، فإذا علم ذلك فإن كان قد أدى ذلك على وجهه، فلا بدل عليه ولا عاقبة وقد وفقه الله، وإن كان قد أدى ذلك على غير وجهه، فهو سالم من الهلكة في ذلك على كل حال، وعليه تأدية ذلك على وجهه، إذا وجد علم ذلك بعبارة المعبرين له، فيما يستقبل من أمره، وبدل ذلك الذي مضى في أكثر قول أهل العلم وليس بالمجمع عليه
- 74 - (2/74)
صفحة 318
وذلك في البدل، وأما تأدية ذلك في المستقبل بعد علم ذلك على وجهه فلازم، وليس له أن يرجع عن علم ذلك من حيث ما علمه، من بار أو فاجر أو مؤمن أو كافر، وإن لم يحسن في عقله في دين خالقه أن عليه عملا بالأبدان، وأقر له بالربوبية، ودان ووحد الله بصحيح ما خطر بباله من صحيح التوحيد، وأقر بما خطر بباله من أحكام الوعد والوعيد، لأهل الطاعة والمعصية، فعليه اعتقاد الدينونة، بالتماس جميع ما يلزمه في دين خالقه، وما يجب عليه في دين خالقه الوعد ليؤديه، فإذا دان بهذا الدين، واعتقد هذا الاعتقاد، ولم يجد معبرا له شيئا تقوم عليه به الحجة، فهو سالم ولو لم يؤد الله فريضة، ولم يترك الله محرما قط، وكذلك عليه أن يترك من الأشياء ما حسن في عقله، أنه محجور عليه في دين خالقه، الذي تعبده به خالقه، وعليه في اعتقاده أنه راجع إلى الله من جميع ما ترك من دينه، الذي تعبده بالعمل به، أو جميع ما تعبده بتركه فارتكبه بجهله هذا، فإذا كان الجاهل في هذا ومثله بالسؤال، ولم يدن مع ذلك في شيء من أموره بدين ضلال، ولم يصر في اعتقاده على معصية الله ولو جهلها، فهو سالم في هذا الباب الذي لا يسعه جهله، من الأعمال بالأبدان، ولومات على ذلك من غير أن يؤدي لله فريضة، أو ترك الله محرما، ولو عاش على ذلك مائة ألف سنة، بالغ السن صحيح، جامع لجميع الفرائض الله الواجبة من، المتعبد بها عباده بالأبدان، وقد تختلف في معانيها ومعاني وجوبها ووجوب علمها، وإن وجب وقتها، ووجوب فرضها وإن وجب علمها، وتفسير ذلك يطول، غير أن كل حال لزمه العمل به بفرضه من فرائض الأبدان، وأتى حالا لا يسعه جهل علمه، مع العمل له في ذلك الوقت، فجهل ذلك بوجه من وجوه الجهل، الذي لا يكون به مؤديا لذلك الفرض، ويكون بجهله مضيعا لذلك الفرض، فجهل ذلك العلم، وعدم المعبرين له ذلك العلم من أعمال الأبدان، فهذا حاله وسبيله، وقد مضى
أبدا
تفسير ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا من علماء المسلمين، البصراء بأحكام ما يسع جهله وما لا. جهله من يسع
الدين
•
- Vo_ (2/75)
صفحة 319
كائنا
6
من
فصل: مما يسع جهله من الانتهاك بالترك عن المحارم وارتكابها وصفة قيام الحجة في ذلك من المعبرين، ما عدا الفرائض اللازمة بالأبدان من الأعمال إلى الانتهاء عن المحارم من الارتكاب لها بالأبدان، فواسع له جهل علم ذلك ما لم يركبه بعد العلم بتحريمه، أو يكن مصرا في اعتقاده في حال جهله بالحرام، على ما ارتكب، فإذا لم يصر على ما أتى من المحارم، ولم يتقدم إلى علم ذلك من أحد من الناس، كائنا ما كان، ولم يدع على الله فيه كذبا، ولم يدن فيه بباطل، فهو سالم وإن ركب الحرام، إذا عدم المعبرين له ذلك، وما يفرق فيه من الحلال والحرام، فإذا لقيته الحجة فأخبرته بذلك من كان، وقد أتى شيئا من الحرام على الجهل بقول أو عمل، وكان في ذلك غير معذور إلا من طريق عدم العبارة له، فهو سالم ما لم يلق المعبر له، ولو كان مرتكبا لما لا يسعه في الأصل، إذا وجد المعبرين له، مما لا تكون فيه الحجة إلا بالسماع، فإذا لقيته الحجة، فعبر له ذلك كائنا كان المعبرين؛ من صبي أو مشرك أو معتوه، أو وجد ذلك في أثر مرسوم، فإذا وجد علم ذلك. من أحد هذه الوجوه، فعليه علم ذلك في حين ذلك، وعليه التوبة منه بعينه فيما مضى، وقد قامت عليه الحجة فيما ركب الله من المحارم أن يرجع عنها بعينها، وكان هذا الموضع عليه فيه في التوبة منه، مما قد تقدم من ارتكاب ما ركب من المحارم والمآثم، لا حقا بالحجة في تأدية الفرائض الواجبة بالأبدان في الوقت وعلى المكان، وأما فيما يستقبل فلا يكون عليه علم ذلك حجة في علم تحريمه في الاعتقاد، وعليه الانتهاء عنه فيما يستقبل، وقد قامت عليه الحجة بالعبارة في الترك، وإن كانت لا تقوم عليه حجة العلم فيما يسعه جهله، ما لم يركبه، فلما أن ركبه في الجهل له وعدم المعبرين له تحريم ذلك، كانت التوبة في الجملة من جميع المعصية مجزية له، الدينونة بالسؤال في الجملة عما يلزمه، يجزئه عن ذلك الذي قد ركبه بعينه من
من
معبر
من
الحرام، حتى ولو لم يخرج منه بالتوبة بعينه، فإذا عبر ا له ذلك كائنا. كان، لزمته الحجة بذلك فيها قد لزمه من ذلك الركوب الذي قد ركبه، وإن لم
- 76 - (2/76)
صفحة 320
تقم عليه الحجة بعلم ذلك، الذي كان في الأصل واسعا له جهله، الم تقم عليه الحجة من المسلمين، لأن حجة الانكار والانتهاء غير حجة العلم واعتقاد العلم، وعليه فيها يستقبل ألا يرتكب ذلك بعينه، فإن ركبه بعينه كان عليه التوبة منه بعينه، ولا تجزئه التوبة منه في الجملة، كما قد كان واسعا له في التوبة في الجملة، عند عدم علم ذلك ممن غيره له، وليس عليه هلكة في الشك في علم ذلك فيما يستقبل، ما لم يركبه بعد ذلك، أو يصح معه علم ذلك، أو تقوم عليه الحجة من قول المسلمين، ممن هو حجة عليه فيما يسعه جهله من الدين، وعلم ما يسعه جهله من الدين، يقوم بالواحد من علماء المسلمين، الظاهر لهم العلم بالشهرة والصدق والأمانة، فيما هم فيه من العلم، والقيام بحجة الله، على هذا أكثر القول من المسلمين، وليس بالمجمع عليه في الدين، وما لم تقم عليه به حجة العبارة، ممن كان من المعبرين، ولم يرتكب شيئا مما يسعه جهل علمه مما دان بتحريمه في إقراره بجملته، مما يدخل في جملته التي دان بها وأقر بها وسلم بها من الهلكة، فلا يقع عليه ضيق بجهل شيء من ذلك، ولا يلزمه دينونة بسؤال عنه بعينه، إلا ما لزمه في الدينونة بالسؤال، عن جميع ما يلزمه علمه، فذلك خارج منه هذا الذي جهله، مما لا يلزمه علمه على الانفراد أبدا، إذا دان بالجملة، ما لم تقم عليه حجة أهل العلم من المسلمين، أو يصح معه علم ذلك بوجه من وجوه صحة العلم، فإذا بلغ إلى علم ذلك بأي وجه، أو قامت عليه حجة المسلمين لزمه علم ذلك، ولم يسعه الرجوع إلى الشك بعد العلم، أو بعد قيام الحجة التي هي حجة من علماء المسلمين
فصل: ولا يلزمه دينونة سؤال عن هذا الوجه كله، ولا عن شيء منه بعينه، فإن ألزم نفسه الدينونة بالسؤال عن هذا باعتقاد الدين منه بذلك، كان بذلك هالكا إذا دان بغير ما تجوز له الدينونة، وكذلك إن ألزم أحدا الدينونة بالسؤال عن هذا الوجه كله؛ أو عن شيء منه؛ كان بذلك هالكا، وكذلك إن ألزمه أحد السؤال عن ذلك، ولم يوسع له إلا أن يسأل
- VV- (2/77)
صفحة 321
عن ذلك، فقد ألزمه ما لا يسعه أن يلزمه، وكان بذلك هالكا، وإن أمره آمر بالسؤال عن شيء من هذا الوجه الذي يسعه جهله، ما يركبه أو يتولى راكبه، فإن أمره آمر بالسؤال عن ذلك على وجه الفضيلة والوسيلة، لا على وجه الواجب والفريضة، وسعه ذلك، وكان ذلك جائزا له، وكذلك إن سأل هو عن ذلك وطلب السؤال عنه، واجتهد في السؤال عما يسعه جهله من الدين، من غير أن يلزم نفسه الدينونة بذلك، فذلك جائز له، وهو مأجور في ذلك، وله الفضل في ذلك والأجر، ولا تقوم عليه الحجة في كل شيء يسعه جهله، بأحد. من ضعفاء المسلمين قلوا أو كثروا، وإنما تقوم عليه الحجة بالعلماء في الدين من المسلمين، فيما يسعه جهله من جميع الدين، لا بضعفاء المسلمين، إلا أن يعبر الضعيف من المسلمين عن الفقهاء المشهورين في الدين، الذين تقوم بهم الحجة فيها جهله، فإذا عبر يسع الضعيف من المسلمين؛ شيئا مما يسع جهله في الدين، عن أحد من الفقهاء المسلمين، شيئا من الدين؛ بعبارة كافية عن التفسير، لا يفسر ذلك شيء من عنده، وإنما يقص ذلك قصصا عن العالم، وهو ثقة مأمون على ذلك الذي
رفعه.
فقال
قال: إنه حجة في ذلك على من عبره من
له
الحجة
،
وتقوم بذلك
وقال من قال: إنه لا يكون بذلك حجة، ولا يلزم الأخذ بقوله في ذلك إلا أن يبصر المرفوع إليه ذلك، عدل ما قال، فإذا أبصر عدل ما قال، لزمه ذلك وجاز له قبول ذلك منه
وقال من قال: إنه لا يكون حجة ولا يلزم قبول قوله ولو كان ثقة من المسلمين مأمونا، حتى يكون مأمونا على نقل العلم والدين، لأنه ليس كل من
كان ثقة
علماء
، كان له المسلمين من بصر في نقل الدين، والحفظ له عن المسلمين، ولكن إذا كان ثقة من المسلمين مأمونا على ما حمل أنه لا يتهم في
- VA - (2/78)
صفحة 322
ذلك بتكليف من عنده، إلا لاصلاح ما يرونه من حفظ ولا يتهم بتحريف يرويه ويحفظه، فإن لم يتهم بتحريف في ذلك ولا تكليف كان في ذلك حجة
بمنزلة العالم الفقيه، إذا روى ذلك عن الفقيه المعروف الذي هو حجة
نقصان
فصل: وقال من قال: لا يكون حجة، ولا يلزم قبول قوله إلا من أبصر عدل قوله، حتى يكون مأمونا ثقة من المسلمين، ويكون له حجة من ذات نفسه، يفرق بذلك النظر من ذات نفسه، من الزلل عن الحروف التي يدفعها والزيادة فيها، ويكون له رأي من نفسه يحجزه عن الزيادة والنقصان في ذلك، ويفرق به بين الحق والباطل، وهذا هو بمنزلة العالم، فهذا الذي عرفنا من الحجة فيما يسع جهله وفيما لا يسع جهله في الفتيا في هذه الوجوه من المعبرين، وأما فيما يكون الفرض فيه بالعمل والانتهاء بالأبدان أو التقول على الله فيه بالكذب والباطل باللسان، فيما يسعه جهله، ما لم يضيع لازما أو يركب محرما أو تقم عليه الحجة بعلم ذلك، أو يتول راكب ذلك أو مضيعه أو يقف عن أهل العلم من المسلمين، إذا برئوا من راكبه من ذلك أو مضيعه، فلا يلزم في هذا الوجه سؤال بالدينونة ولا باللازم، ولا يلزم خروج
6
في هذا الوجه على كل حال، في التماس علمه بالدينونة ولا بغير دينونة أحدا أن يلزمه ذلك، إلا أن يأمره بذلك بوجه الفضيلة والوسيلة،
ولا يسع
فلم يجد لهذه البدعة ولا لهذه الفتنة مخرجا من مخارج الحق، من هلكة الأمر بها وضلال الأمر بها لأنه إن كان يأمره في ذلك بالخروج فيما لا يسع الخارج جهله، فهو كاذب بقوله أنه ليس بحجة عليه، وهو حجة عليه قد أقام الحجة عليه، وإن كان يأمره بالخروج فيما يسعه جهله، فلا يكون عليه في ذلك سؤال لازم ولا خروج لازم، ولا يجوز أن يلزم ما لا يلزمه، وهو هالك بذلك إذا ألزمه ما لا يلزمه، وإن كان مما لا. يسعه جهله، وكتمه علم ما لا يسعه جهله، وأمره بالخروج إلى من يقيم عليه الحجة، فهو هالك بكتمانه لعلم ما يسعه جهله، وما تقوم عليه الحجة من قوله، لأنه حجة الله عليه، فهو هالك بترك ذلك من عبارته من جهله وإقامة الحجة الله عليه، وإن
- 79 - (2/79)
صفحة 323
عندنا
من
،
كان هذا الذي يأمره بالخروج فيها لا يسعه جهله، فهو حجة عليه فيما لا يسعه جهله، وإذا قال له أنه ليس عليه حجة فقد كذب، إذ قال إنه ليس عليه بحجة وهو حجة، فلا مخرج لصاحب هذه البدعة، وصاحب هذه الفتنة الهلكة فلذلك لم نجز لأنفسنا عليها سكوتا، وألزمنا أنفسنا إنكارها على صاحبها ابتغاء لوجه الله فيمن ألزمه ذلك وإقامة الحجة الله عليه، وصارت هذه البدعة معنا فيهما صار الأغلب من أهل الزمان، وعليها من أهل الفتنة تضاهي فتنة نافع بن الأزرق، وجميع من انتحل الهجرة من الخوارج من أهل دينه ونحلته، ولم يعذرهم دون الهجرة إليه إلى موضعه، وإن كانت الهجرة لعلها أوضح غلة، لأنها كانت لازمة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنها منسوخة ولا عذر لمن جهل نسخها، ولا لمن تعمد على انتحالها على علمه بنسخها، فهذه البدعة وهذه الفتنة أشد ضررا وأشد رزية على المسلمين من انتحال الهجرة، لأن هذا يؤتى من باب تأويل الضلال، لاثار المسلمين ويتأول عليه أن يخرج بطلب معرفة دينه، وأن عليه الخروج في طلب معرفة دينه، والأثر الصحيح أن عليه الخروج في طلب دينه، مما قد لزمته معرفته، يسعه دون علمه، وعدم المعبرين الذين يعبرون له ذلك، فإذا عدم المعبرين له ذلك لزمه الخروج على القدرة، على حد ما وصفنا في وجه ما ذكرنا، مما لا. يسعه جهله، إلا بالدينونة بالسؤال عند عدم المعبرين له على كل حال، مما يكون فيه مضيعا لفريضة، أو مرتكبا لكبيرة، على الجهل منه بلزومها وتحريمها، وقد مضى تفسير ذلك، ولا نعلم فيه اختلافا
عمالا
والأثر الصحيح عن أبي الشعثاء جابر بن زيد ـ رضي الله عنه ـ،، أنه قال: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه، أو يبرأوا من العلماء إذا برثوا من راكبه، ويقفوا عن العلماء إذا برثوا من راكبه. والأثر المجمع عليه من قول أهل العلم، أن كل ما عدا التوحيد والوعد والوعيد، وما يتولد في ذلك من تفسيره، وما هو لاحق به، فإن الحجة لا تقوم فيه إلا بالسماع، ولا يدرك العلم فيه إلا بالسماع، ولا يقطع
الله
- A - (2/80)
صفحة 324
عذر الجاهل فيه وله إلا بعد قيام الحجة عليه بالسماع ولهذا تفسير يطول
وإن قال قائل: فقد لحق حكم الاستحلال بحكم ما لا يسع جهله
وتقوم به الحجة من العقل، دون السؤال والتعبير.
قلنا له: إنما لحق ذلك بحكم ما لا يسع جهله، بعد السماع من العالم بذلك، أن الحرام الذي استحل بالدينونة حرام، وأن الحلال الذي حرم بالدينونة حلال من طريق الدين، فلم تقم عليه الحجة فيه إلا بالسماع والعلم، أن المستحل حراما في الدين والمحرم حلالا في الدين، أن ذلك مع ليس مما يجمع عليه في الدين، أن الجاهل له هالك، ما لم يبلغ إليه علم
ذلك، فلم يلحق ذلك إلا بالسماع وبعد العلم، ولم يلحق ذلك أيضا بالاجماع في الدين، وأما التوحيد والوعد والوعيد فلاحق بصفة الله - تبارك وتعالى ـ، ولا يجوز جهل توحيد الله ولا صفته إذا خطر ذلك بالبال، أو سمع بذكر ذلك وعرف معاني ذلك الخاطر بباله أو السامع بذكره.
ويقال له: فإن كان الذي يأمرونه به من الخروج فيما قد قامت عليه الحجة به من طريق حكم الاستحلال من المحدثين بالدينونة، فإن كان قد قامت عليه الحجة، فهم كاذبون أنهم ليسوا عليه بحجة، وهم يزعمون أن الحجة تقوم عليه من طريق العقل، فإذا قامت عليه الحجة في ذلك من طريق العقل، فالعبارة من المعبرين أولى وأجدر أن يقوم بها عليه الحجة، وهم بذلك كاذبون أنهم ليسوا بحجة، وأن يخرج يطلب الحجة، فهذا مما ينقض بعضه بعضا؛ أن يكون محجوجا يطلب الحجة، وهو هالك بالحجة، والحجة
قد قامت عليه
ذلك لا يجوز في العقول أن يلزم أحدا في دين الله، أن يطلب على ومع نفسه قيام الحجة حتى يكون محجوجا على كل حال، وإنما عليه أن يطلب علم ما يسلم به من الحجة التي قد لزمته لله، ويخرج من الحجة إلى السلامة من الحجة لا يخرج من السلامة من الحجة، إلى ما تقوم عليه به الحجة، هذا
- AI- (2/81)
صفحة 325
ومن
باطل لا يجوز في حكم الحق ولا في أحكام حجج العقول، وهذا أيضا من تأويل الضلال الذي يتأولونه على ضعفاء المسلمين، نعوذ بالله من الفتنة) الضلال، وإنما يكون حجة عليه قول الفقيه العالم من المسلمين، فيما يكون فيه سالما عند الله، بجهل ما يسعه جهله من دين الله حتى تقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة كان عليه أن يصدق الحجة، وخرج من باب السعة إلى الضيق، فإن صدق الحجة وقبل الحق فقد خرج من الضيق إلى السعة بقبول الحجة، وإن شك في الحجة بعد أن تقوم عليه؛ هلك ودخل في الضيق، فكيف يقوم في العقول أو في دين الله - تبارك وتعالى ـ أن يلزمه، أن
6
الوصول إليه إذا لم يقم به
يطلب لنفسه مما يخاف على نفسه الهلكة به وقد كان له السعة في دين الله ما لم يصل إليه، والله - تبارك وتعالى - قال:
،
وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). وقال - تعالى -: لَا يُكَلِّفُ اللهُ
نفسا إلا وسعها
فصل: ومثل من يلزم الناس الخروج في طلب ما يسعهم جهله،
من
كلف
ويكلفهم ذلك، من المتعبدين البالغين الأصحاء العقول، بمنزلة الناس الخروج إلى الحج إلى بيت الله الحرام من غير استطاعة، وقال لهم: إن الله ـ تعالى ـ أوجب على الناس حج بيت الله الحرام، وعليكم أن تخرجوا إلى حج بيت الله الحرام، ولم يذكر لهم الاستطاعة، وإنما فرض الله حج البيت من استطاع إليه سبيلا، كذلك ألزم الله - تبارك وتعالى ـ العباد علم ما لزمهم علمه من دينه، الذي قد ألزمهم تأديته إليه، ولا يجوز في العقول غير هذا، ولولا ذلك كذلك لم تجز ولاية أحد بحال ولا وجب له اسم الايمان حتى يعلم، من أحكام الكتاب والسنة والاجماع، وهذا هو قال هذا فقد قال بالزور والضلال؛ بل الاجماع
الله
أنه قد علم جميع دين الصحيح من المحال، ومن من أهل العلم من المسلمين أنه ينفس الاقرار بالجملة من التوحيد مسلم مؤمن
يسعه
الشك
مستحق لولاية الله، ما لم يأت منه ما ينقض ذلك بشك، فيما لا. فيه، أو بارتكاب ما لا. ا يسعه ارتكابه من قول أو عمل أو نية، أو بتضييع
- AY- (2/82)
صفحة 326
ما لا يجوز له تضييعه من قول أو عمل أو نية، فإذا وقع الاجماع على سلامته وإيمانه وولايته، بنفس الإقرار بالجملة، انتقض بحمد الله هذا القول من أهل هذه الضلالة وهذه البدعة، وكانت هذه السياقة فيه على ما قد ذكرنا ووصفنا، وجاءت به آثار أهل العلم، فيما يسع جهله مما لا. يسع جهله، وهذا الذي ذكرنا لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل العلم من المسلمين.
وقد جاء الأثر الصحيح عن النبي لو أن تعليم العلم فريضة. وفي
صحيح
موضع آخر أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وذلك لا شك فيه، غير أن ذلك في موضع ما يلزم العلم له، ولا يلزم العلم له إلا في موضع
ما يلزم التعبد به؛ من قول أو عمل أو نية أو اعتقاد. ومثل هذا في التأويل
6
ما جاء به الأثر من قول أهل البصر: ان الحج فريضة، والصلاة فريضة والزكاة فريضة، والصيام فريضة، وكان ذلك صحيحا، وأن من رد ذلك رد الحق وقال الباطل، ولكن ذلك خاص وعام؛ ففرض الحج يخص من استطاع إليه سبيلا، وليس فريضة على من لم يستطع ذلك، والصلاة فريضة على الرجال والنساء الطواهر، حرام على الحوائض في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرام على النفساء النساء وكذلك الصيام فريضة على المسلمين الحاضرين، ومخير فيه المسافرون من أصحاء الأبدان، وكذلك المريض الحاضر والمسافر مخير في الإفطار والصيام، وحرام على الحائض والنفساء.
من
والزكاة فريضة على من وجبت عليه في ماله، وقد جاء في الاطلاق من الأثر والإجماع أن يقال: إن ذلك كله فريضة. وإنما هو فريضة على من خصه ذلك في حين ما يخصه
ولا نعلم في ذلك اختلافا
فصل: وكل فريضة في الإسلام من جميع الفرائض، فقد يجري فيها حكم الخاص والعام، وإنما هلك جميع أهل الأديان من الأولين والآخرين،
- AY- (2/83)
صفحة 327
وكذلك من يهلك منهم إلى يوم الدين بتأويل الضلالات، من طريق حكم الخاص من العام، لا غير ذلك، لأنا لا نعلم أن أحدا من المتدينين؛ إلا وهو يتعلق بأصل يوافقه عليه العدل، بوجه من الوجوه الخاصة له، ثم يحمله المتأول تأويل الضلال على أحكام العموم، ولا يجوز أن تحمل أحكام المخصوصات على أحكام العموم، ولا يجوز أن تحمل أحكام العموم على أحكام المخصوصات إلا في موضع ما يوافق، ولا نعلم في هذا اختلافا من قول أحد من أهل العلم بالدين والحق
وكذلك تأول أهل التلبيس من هؤلاء المتكلفين في هذا الأثر الصحيح المجمع عليه، أن على الإنسان أن يخرج في طلب تعليم دينه خاصا مجملا، وتأويل ذلك في الحق من لزمه ذلك العلم بعينه، وذلك عليه فريضة لازمة، وكذلك عليه فريضة لازمة أن يتعلم علم ما لزمه علمه من دينه، ولا يلزمه أن يتعلم العلم كله، ولا يسأل عن الدين كله، وقد حصل له في الاجماع اسم دينه الذي ثبت له به اسم دينه مجملا، في الإقرار بالتوحيد، فذلك في موضع ما يلزمه علمه وطلب علمه في الإجماع، والخروج في طلبه عند القدرة عليه، كما يقدر الخارج إلى بيت الله الحرام، ويلزمه الحج إلى بيت الله الحرام من الصحة والأمان والزاد والراحلة، وما يجوز له من السعة في شيء من دين جاز له في غيره. ولا يجوز غير هذا في دين الله أن يكون الفرض مختلفا، فلما
أن ثبت عليه أن يسأل عن دينه، وثبت عليه أن يتعلم دينه
•
الله
وكذلك قد ثبت له اسم دينه في جملة التوحيد، وثبت له اسم علم دينه في علمه بالتوحيد، وكان بذلك عالما بالعلم الذي أوجب الله عليه علمه من دينه، وكذلك كان بذلك عالما في مجاز اللغة، لا نعلم في ذلك اختلافا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «العلم فريضة على كل مسلم صح معنا بنفس الرواية، أنه قد صار عالما، ولو لم يكن عالما ما كان مسلما، وهو مضيع لفرض العلم الذي قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه فريضة عليه، ولكنه لعلمه
، فقد
-^ {- (2/84)
صفحة 328
فصح
للتوحيد، وإقراره به، كان عالما ومسلما، وكان مؤديا لعلم ما فرض عليه من جميع العلم، بنفس علمه بالتوحيد، ولو كان الموحد باللسان غير عالم بمعاني ما يلزمه علمه من التوحيد، ما كان بذلك عالما ولا مسلما، وكان معطلا لما فرض الله عليه من العلم، والمضيع للفرض لا يكون مسلما أبدا، والمسلم لا يكون جاهلا للعلم الذي أوجب الله عليه علمه في دينه، بالإجماع الذي لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل القبلة، أنه بنفس الإقرار بالجملة، كان مؤديا لجميع ما أوجب الله عليه في دينه، من علم أو عمل أو نية أو قول، وأنه بذلك ولي الله في ذلك الحين بذلك الإقرار، ولو مات على ذلك كان وليا للمسلمين في أحكام الدين، ولومات على ذلك كان عند الله في حكم دين المسلمين من أهل الجنة، وكيف يجوز أن يكون من أهل الولاية وأهل الجنة؛ من يجوز أن يكون مضيعا لعلم أوجبه الله عليه، أو لعمل أوجبه الله عليه، أو نية أوجبها الله عليه، أو قول أوجبه الله عليه، فبنفس الإقرار مع العلم منه بمعنى ما يلزمه في حين ذلك من علم التوحيد، كان مؤديا لجميع ما تعبده الله به من العلم، كما كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب - رحمهما الله -، وجميع العلماء وجميع أهل طاعة الله، مؤدين لما تعبدهم من العلم والعمل، من الجهاد والحج والصدقات وجميع الطاعات، لأنه مطيع مسلم مستحق من الاسم ما استحقوه، ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون، فهو بالإقرار مؤ من مسلم تقي عالم صادق صديق سعيد، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، في ثواب الجنة، وحسن أولئك رفيقا، ولا يزول عنه ذلك الاسم، ولا ينقص عنه ذلك الحكم إلا أن ينقص ذلك بشك، فيما لا يسعه الشك فيه، ولا يسعه جهل علمه أو بتضييع ما لا يجوز له تضييعه، بركوب ما لا يجوز له ركوبه بقول أو عمل أونية، فإذا كان منه ذلك، زال عنه
الله
اسم الإيمان والتقوى والبر والعلم، وجميع ما كان قد ثبت له بالجملة.
به
أو
فكذلك الاجماع من القول أنه كل منزلة كان فيها في دينه سالما، كان
- ^ o- (2/85)
صفحة 329
لجميع ما أوجب الله عليه من العلم في دينه في ذلك الحين عالما، ولا يلحقه اسم جهل لما أوجب الله عليه من العلم في دينه، في ذلك الحين عالما، ولا يلحقه اسم جهل لما أوجب الله عليه من علم دينه، في حال ما يكون به سالما مؤمنا في دينه، ولا يجوز أن يلزمه علم ما قد أوجب الله له، أنه عالم به في دينه، وأنه مسلم به وعليه، ولو كان يلزمه علم ذلك في دين الله لما كان من الله أهل دين، حتى يعلم ما يلزمه علمه، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل العلم، العلماء بالدين من المسلمين، ومخالفة هذا يخرج من حجة العقول، لأنه وإن كان قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العلم أوسع أن. من يحصى، فخذوا من كل قول بأحسنه، فإن كان على ظاهر الرواية؛ أن العلم كله فريضة على كل مسلم، فالمعنى أن عليه أن يتعلم العلم كله، والدين كله، بفنونه ومعانيه، فهذا ما لا يجوز في العقل، ولا يحيط بذلك أحد من خلق الله، كما قال الله - تبارك وتعالى -: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ. وكان هذا باطلا من القول، مضادا لكتاب الله - تبارك وتعالى ـ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: العلم أوسع من أن يحصى»، وهذا باطل لا يذهب إليه أحد من الأمة فيما علمنا، ولو كان ذلك فريضة عليه، ما جاز أن يكون مسلما إلا بأداء ما فرض الله عليه، وإذا لم يكن مسلما إلا بأداء ما فرض الله عليه، ولم يقدر أن يؤدي ما فرض الله عليه، كان في حكم الله - تبارك وتعالى - باطلا؛ أن يجوز أن يكلف عباده ما لا يطيقون، وإذا لم يجز في المعاني كلها من فنون العلم من دينا الله، لم يجز في معنى واحد فوق ما كلفه، من علم ما تعبده الله به في حينه ذلك، وإذا لم يجز إلا فيهما أوجب الله عليه علمه، كان ما أوجب الله عليه علمه تقوم عليه به الحجة، من جميع المعبرين له، ولا تطلب له حجة من علماء المسلمين، وتقوم عليه الحجة بذلك من الصبي والمعتوه والمشرك، والكتاب المكنون المسطور، ولو كان مطروحا مدثورا، ولا نعلم في هذا اختلافا من قول أهل العلم بالدين من المسلمين.
الله
فصل: ألا ترى أنه إذا أقر بالجملة، كان من أهل الصلاة، وكان
- AT- (2/86)
صفحة 330
من المصلين في أحكام أهل الصلاة، من المواريث والشهادة والذبائح والمناكحة، ولا نعلم في ذلك اختلافا، أنه يستحق بالإقرار اسم أهل الصلاة، وأنه من المصلين، ولو لم يصل صلاة حتى مات، ولو كانت مسلمة؛ ثم أقرت بالتوحيد ثم ماتت حائضا لم تصل قط صلاة، كانت من
أهل الصلاة، ومن المصلين، وكذلك الأسماء التي تخص أهلها
وكذلك المقر بالتوحيد وبالإسلام عالم، ولو لم يكن يعلم غير ذلك،
كان
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: العلم فريضة على كل مسلم، فلم يكن مسلما حتى عالما، ولم يكن عالما حتى كان مسلما، ولا يكون عالما وهو غير مسلم، ولا يكون مسلما وهو غير عالم، هذا من المحال، لأن الإسلام ضده الكفر، والعلم ضده الجهل، ولا يكون المسلم جاهلا، ولا يكون العالم كافرا، هذا المحال ومَن طلب المحال؛ فقد صح عليه الضلال، فلا تحملوا - رحمكم الله ـ الآثار الخاصة على المعموم، ولا تحملوا الآثار العامة على المخصوص كذلك جاء الأثر عن النبي أنه قال: «ما بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من علماء المسلمين، ثم
من
، ومع
نهي
جاء الأثر عنه المجمع عليه المسلمين أهل القبلة، أنه. الحائض والنفساء عن الصلاة، ونهاهما أن يبدلا صلاتهما إذا طهرتا، والمجمع
عليه أن الحائض معنا، إذا صلت في أيام حيضها لغير احتياط من أمرها، قصدا منها إلى الصلاة في أيام الحيض بغير عذر، أنها عاصية بالصلاة للفرائض، التي قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في العموم، أنه ما بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة، ولم يقل مع ذلك إلا الحائض والنفساء، فكان ذلك معقولا منه أن ذلك على التعمد من غير عذر، وقد يترك العبد الصلاة على النسيان، وضياع العقل من الرجال، ولا يكون بذلك كافرا، ولم يقل النبي مع قوله: ما بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة على التعمد، وإنما قال وجاءت الرواية عنه الصحيحة أنه قال مجملا: ما بين العبد وبين الكفر
- AV - (2/87)
صفحة 331
إلا ترك الصلاة
كذلك
جميع
المخصوص لا يخرج على حكم المعموم، وجميع المعموم
لا يخرج في المخصوص، ولكن يحكم بالمخصوص في موضعه والمعموم في موضعه، وإلا وقع الضلال وبان الجهال، ألا ترون إلى قول الله - تبارك وتعالى -: إنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (1)
فهل قال أحد من الناس بجهله، إن الله لا يغفر الشرك إذا تاب منه المشرك، وادعى ذلك أحد من الناس، وقد قال الله مجملا:: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَك به)، ففي ظاهر الآية أنه لا يغفر الشرك به، وأجمعت الأمة أنه إذا تاب من شركه أنه يتوب الله عليه. وقد قال - تعالى - في غير هذا الموضع في غير
آية.
ومن ذلك أيضا قوله - تعالى -: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهَا آخَرَ ولا يقتلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلَ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ القِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِبًا) (2). فاستثنى في هذه الآية وفي غيرها، ولم يستثن في قوله - تعالى -:: إنَّ الله لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) لم يستثن فيها للمشركين نصا أنهم يغفر لهم، فأجمعت الأمة أن هذا خاص لمن لم يتب من شركه، لا نعلم في ذلك.
منهم
اختلافا
واختلفت الأمة في قوله - تعالى -: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءَ؛ فكان أصح القول في ذلك قول المسلمين: إنه يغفر لمن يشاء، وأهل مشيئته
من تاب
(1) الآية (116) سورة النساء
(2) الآيات (68، 69، 70 سورة الفرقان.
- 88 - (2/88)
صفحة 332
كذلك قال الله - تعالى -: {وَإِني لَغَفَّارُ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ
اهتدي) (1)
وكذلك قال الله - تعالى -: ليُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ والمشرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (2) قيل: المؤمن التائب من الذنب ومن شركه وغير ذلك من المعاصي
لقول الله - تعالى -: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (3) وقال - تعالى -: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (4)
فكان قوله - تعالى -: إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) خاصا لمن مات على شركه ولم يتب منه، ولا اختلاف في ذلك، لأنه قد أن أخيار أمة صح محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مشركين، مثل أبي بكر وعمر وغيرهما من خيار المسلمين، لا ينكر ذلك أحد من الأمة، ولا يختلف في ذلك
وكان قوله - تعالى -: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ)، كان خاصا لمن تاب أيضا، وكان الغفران خاصا لمن تاب، والعذاب على من مات مصرا
على الشرك
كذلك قوله - تعالى -: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (5). إنما ذلك لمن مات على شركه، ولم يستثن الله في هذه الآية لمن مات على شركه، ولا نعلم في دين الله شيئا من أحكام الكتاب ولا من السنن ولا من الاجماع ولا من الأخبار، ولا من رأي
(1) الآية (82) سورة طه (2) الآية (73) سورة الأحزاب
(3) الآية (11) سورة الحجرات (4) جزء الآية (254) سورة البقرة.
(5) الآية (72) سورة المائدة
- 19 - (2/89)
صفحة 333
الفقهاء إلا وقد يدخله الخاص والعام، ولا نعلم شيئا إلا وفيه حكم الخاص والعام، ألا ترون إلى قول الله - تبارك وتعالى -: (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ) (1).
•
فقد كان فرعون وهامان وقارون، وجميع المشركين والكافرين في الأرض، وكذلك إبليس فهو في الأرض، أفيجوز أن يستغفر الملائكة لهؤلاء. كذلك لا يجوز أن يستغفروا للمنافقين، لقول الله - تعالى -: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَولَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِه وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا واتبعوا سيبيلك وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) (2).
وقوله - تبارك وتعالى -: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلَفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ
الا من أرتَضَى وَهُم مَنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (3).
فكان قوله ذلك يدل على كرامة من في الأرض من المؤمنين، أن الملائكة يستغفرون لهم كذلك الخاص والعام، والوصف في هذا يطول، وفي جميع
بعض ما قد مضى من الحجة في نفس المسألة كفاية، وهذه شواهد تدل على تحقيق الخاص والعام في نفس المسألة وفي نفس الأثر، أن على المسلم أن يسأل عن دينه، وعليه أن يتعلم دينه، والعلم فريضة على كل مسلم، وكل ذلك خاص وعام فيها قد قلنا وبينا فيه الحجج، واستشهدنا عليه الشواهد، ومخالفة هذا ضلالة وبدعة، لا نعلم في ذلك اختلافا
فاتقوا الله معاشر المسلمين من الضلال من أحكام الخاص والعام، فإن بذلك هلاك الأغلب من الخلائق والعوام، وما التوفيق إلا بالله، عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير، فيا معاشر المسلمين ويا معاشر أهل الدين ويا معاشر
(1) جزء الآية (5) سورة الشورى.
(2) الآية (7) سورة غافر (3) الآية (28) سورة الأنبياء (2/90)
صفحة 334
المتمسكين، اتقوا الله واحذروا بدعة هؤلاء الملبسين، وضلالة هؤلاء
المتكلفين
، وإلا فليأتوا على بدعتهم هذه ببرهان مبين، من كتاب مستبين، أو سنة من سنن الرسول الأمين، أو من إجماع عن أحد من المهتدين،، أو عن أحد من علماء المسلمين، ولن يجدوا على ذلك إن شاء الله
رأي
يصح عن
دليلا، ولن يجدوا إليه سبيلا
•
فهل سمعتم يا معاشر المسلمين فيمن مضى من السلف، أنهم كانوا يلزمون الخروج العامة من المسلمين، وقد صح معنا أن أهل عمان كانوا على غير الاستقامة، وأحسب أنهم كانوا على دين الصفرية (1)، وكان العلم فيهم قليلا ميتا، لا توجد الآثار فيها ولا العلماء، وكان الفقهاء والعلماء يخرجون في التماس العلم إلى العراق، ويأتون فيعلمون الناس ما جهلوا من دينهم، ولم يلزموا أحدا من الناس خروجا إلى البصرة، وكان ذلك في عدم من أهل
العلم.
وقد قالوا: إن نقلة العلم من البصرة إلى عمان أربعة؛ موسى بن
أبي جابر، وبشير بن المنذر، ومنير بن النير، ومحمد بن المعلا، ولم نسمع أن أحدا من المسلمين قال إنه أولئك، إلا الخروج في طلب ما تعلموه من العلم
6
ولا كان يلزم الخروج أهل الزمان، فكيف وإن دعوة المسلمين بعمان بحمد الله المعروفة بهم مستقيمة، وأصولها صحيحة سليمة إلا من خالفها ممن يدعيها بجهل أو بضلال تأويل، وليس ذلك على النحلة بعيب، وينزل كل من نزل بمنزلة منزلته، ويسمى باسمه، ويحكم عليه بحكمه، ولن ينقض ذلك أصول الحق ولا أصول الدين، بل الرجوع إلى الأصول وذلك هو
"
الواجب وعليه المحصول، فمن صح مذهبه على الكتاب والسنة والآثار الخاص من ذلك في مواضعه، والعام من ذلك في مواضعه، كان على أصول
(1) هكذا وجدنا في النسخة التي بين أيدينا ص 55 رقم 2514 عام و 97 ب خاص، وأحسب أنه رأي البعض، والمؤلف يدحضه
-41 - (2/91)
صفحة 335
أهل جملة الاستقامة، ومن خالف ذلك ولو بحرف واحد فلن يخطئ إلا حظه، ولن يضر إلا نفسه، وأنزله الحق حيث نزل، وحكم عليه بما قال وفعل، كذلك دين المسلمين وهو دين المحقين المهتدين، ودين محمد صلى الله عليه وسلم
خاتم النبيين والمرسلين، ولا يلتفت إلى من كان له في الاسلام سابق اسم. ولا ما مضى حكم، إذا بدل وغير، ونكث وتحيّر.
،
كذلك قول الله - تبارك وتعالى -: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يدُ اللهِ فَوْقَ ايْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإِنما يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيا) (1).
وليس الناكث من الآخرين بأعجب من الناكث من الأولين، ولا الضال من الآخرين بأعجب من الناكث من الأولين، ولا الضال من الآخرين بأوجب حقا من الضال من المتقدمين، ولا يجوز إلا اتباع الحق في كل عصر وزمان هو فيه، ولا يلتفت إلى كثرة علم الضلال، ولا إلى هذيان الجهال، وإنما يتبع الكتاب والسنة، والأثر المحكم من ذلك غير المتشابه
قال الناظر: لعله أراد، ولا يلتفت إلى كثرة علم أهل الضلال، إذا لم
المتشابه،
ذلك
6
يكن موافقا للكتاب المحكم والسنن المحكمة، والأثر المحكم من غير ذلك غير المنسوخ، والخاص من ذلك في موضعه. والناسخ من ذلك والعام من في موضعه، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فإن قال أحد من الملبسة المتكلفين، أو أحد منهم ممن يقوم بحجتهم من العماة المتعسفين، فإنا لا نعلم أن أحدا أمر بالخروج في طلب تعليم علم ما يسع جهله، ولا مما لا يسع جهله، لأن ما لا يسع جهله لا يعدم المعبرين ذلك في موضعه، وما يسعه جهله فليس عليه فيه خروج ولا طلب
(1) الآية (10) سورة الفتح.
- AY- (2/92)
صفحة 336
فإن قالوا: إنا لم نأمره بالخروج في طلب علم ذلك، إلا أن يتوسل في
ذلك إلى الله وطلب الفضيلة، ولكنا إنما نأمر من نأمر بالخروج في طلب صحة الأحداث الواقعة بعمان السالفة، من أمر الصلت بن مالك وراشد بن النضر وموسى بن موسى، حتى يسأل عن ما يلزمه من أمر أولئك الذين مضوا، ويعرف الحق فيهم والباطل
قلنا له: فلا يخرج أيضا أمر الصلت بن مالك، وموسى بن موسى وراشد بن النضر؛ عند هذا الشخص الذي قد وقعت عليه أعينكم من أحد
أمرين:
إما أنه قد وقعتم من أمره فيهم على ما لا يسعه فيه جهله، فقد قامت عليه الحجة بعلمه فيهم، الذي قد عرفتموه منه، فهو هالك محجوج ولا ينفعه الخروج، وهو على نفسه حجة، فكيف إذا أردتموه أنتم حججكم، فيقطعون عذره ويبرأون منه إذ قد هلك، وترسلونه يسأل عن
دينه ولا يبرأون منه، وقد هلك حتى يخرج، فيهلك في طريقه أو يسلم
من
،
،
وتقولون: إنكم لستم عليه بحجة، وإنما الحجة عليه في خروجه الذي تأمرون به، فأنتم في هذا كاذبون، إذا كان قد قامت عليه الحجة بعلمه وأنتم تقولون أنكم لستم عليه بحجة، وإنما ترسلونه إلى الحجة، وعلمه قد علمتم أنه حجة عليه وأنه قد هلك بعلمه فيهم، فأنتم كاذبون، وهو هالك وأنتم له مسالمون.
وإما أن يكون أنه قد علمتم منه أنه لم يعلم منهم ما لا يسعه جهله، وأنه سالم بجهل ذلك منهم فهو مما يسعه جهله في أحكام الدين، وإلزامهم له الخروج اللازم لما لا يلزمه في دين المسلمين وأنتم بذلك من الهالكين المتكلفين، بخلاف ما مضى عليه المسلمون، وأما أن تعرفوا منه من فيهم ما يسعه جهل الحكم فيه، ويكون به سالما، ما لم تقم به عليه الحجة من المسلمين العلماء، فإن كنتم علماء وقد أقمتم عليه الحجة بالفتيا، فقد
علمه
- 93 - (2/93)
صفحة 337
كذبتم، إذ قلتم أنكم ليسوا بحجة معكم، وأن الحجة في الخروج، وإن كنتم علماء تقوم بكم الحجة، فقد هلكتم بكتمان ما أنتم فيه حجة الله، وقد كان عليكم أن تقيموا عليه لله الحجة ولا تدعوه طرفة عين، فإذا قامت عليه الحجة الله، برئتم منه ثم استتبتموه، إن كان لكم وليا وإلا فلا عليكم، ولم يكن لكم أن تلزموه ما لا يلزمه، مما تعتبر حجته حاضرة معكم، وهذا تضييع منكم للحجة، التي عليكم أن تقيموها الله، وهذه حجة حاضرة وتدعونه إلى حجة غائبة، فليس لكم ذلك؛ لأن الفريضة الحاضرة أوجب من الفريضة الغائبة، ولا تدرون أيصل إلى الحجة أو لا يصل ويموت دون ذلك، فإن مات دون ذلك فما تقولون؟ أهو سالم أم هالك
فإن قلتم: إنه سالم فقد ألزمتموه ما لا يلزمه وما كان بدونه سالما،
وهذا هو التخليط بعينه، وهذا الزام ما لا يلزم
فصل: وإن قلتم: إنه هالك دون أن يصل إلى حيث أمرتموه، فكيف تركتموه وأنتم حجة له، ويسلم بكم من الهلاك، وتركتموه إلى أن
مات على هلاكه، فأنتم بذلك هالكون أيضا إذ ضيعتم الفريضة
وإن كنتم في ذلك الذي أعلمتموه به لستم بحجة عليه، وهو مما يسعه جهل علمه، ما لم تقم عليه الحجة من علماء المسلمين، والذي يخرج إليهم ممن تقوم بهم الحجة عليه من الفقهاء، وهو سالم بقولهم، فقد ألزمتموه أيضا ما لا يلزمه، وهو بدونه سالم وبدونه عالم، وهذا هو ما أنكرناه بعينه، ولو علم هو أن الذي يصل إليه حجة في الفتيا، ما كان عليه الخروج إليه فيما يسعه جهله بدونه ولا يلزمه ذلك، وقد مضى القول فيه والقول في الولاية والبراءة وأحكام الأحداث، وسائر أحكام الدين من الأقوال والأعمال سواء، لا فرق في ذلك في حكم الدين مع أحد من علماء المسلمين، وإن كنتم لا تعلمون منه شيئا من علمه فيهم، ولم يعلموا منه أمرا أنه به يصح عالم بأحداثهم التي
أمرتموه أن يسأل عن الحكم فيها.
-12 - (2/94)
صفحة 338
باب
أصل الموافقة في الحدث الواقع بعمان
حدث أن دعا بعضهم بعضا إلى الاجتماع على سبب يعرفونه، من
من
الموافقة في أمر موسى بن موسى وراشد بن النضر، فاجتمع من شاء الله أهل النحلة والدعوة، وكان في الجماعة في ذلك. جميع من ذكرنا، أنه حضر العقدة لراشد بن الوليد، إلا أبا. النعمان مسعود بن عبد الحميد فإنه لم يحضر ذلك قبل العقدة، ولكن سائر من ذكرنا، وأكثر من ذلك من أهل الدعوة، ومن المنظور إليهم منهم، وأهل الفضل والعفاف منهم، فاجتمعوا في بيت كان ينزل فيه راشد بن الوليد بنزوى، وكان المقدم فيهم والمسموع منه فيهم، ر أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر.
هو
فاجتمعوا جميعا على أن الواقف عن موسى بن موسى وراشد بن
النضر، والمتبرئ منهما جميعا في الولاية، وأنهما جميعا مؤتمنان على دينهما في
منهم
يرى بغير حق، أو وقف بغير حق،
ذلك، ما لم يعلم من أحد أنه وجرت الأمور بينهم على هذا النحو، إلا ما زاد من اللفظ أو نقص إلا أن هذا
هو
المعنى الذي أجمعوا عليه.
-90 - (2/95)
صفحة 339
[صفحة فارغة] (2/96)
صفحة 340
باب
البيعة لإمام الدفاع
ثم من بعد ذلك بايعوا الامام راشد بن الوليد إماما، على طاعة الله
وطاعة رسوله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الجهاد في سبيل
الله على سبيل الدفاع، وعلى اتباع سبيل أئمة العدل قبله، قسطا وعدلا
•
وعلى هذا بايعه أبو محمد عبد الله بن محمد، في المنزل الذي كان ينزل
فيه من نزوى، ثم بايع بعده أبو مسعود على نحو ما بايعه أبو محمد، وبايعت الجماعة على نحو من ذلك، وقبل منهم البيعة، وخرجوا إلى الناس بالبطحاء من نزوى في جماعة من الناس من أهل العلم من نزوى ومن سائر أهل القرى، وشرقي عمان وغربها، من أهل العفاف منهم والجاه، والفضل منهم والرياسة، مستمعون لذلك مطيعون، لا يظهر من أحد منهم كراهية
ولا نكير.
ثم قام أبو محمد عبدالله بن محمد بن شيخة خطيبا على رأسه بين الجماعة، فخطب له بالإمامة، وأخبر الناس أن الجماعة قد بايعت له على الإمامة، وأمر الناس بالبيعة له، فبايع الناس له شاهرا ظاهرا، لا ينكر ذلك من الناس منكر ولا يغير ذلك منهم مغير، وكان ممن بايع له ذلك اليوم بحضرته عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر، وعبد الله بن محمد بن شيخة يبايع ناحية، وأرجو أن أبا مسعود كان يبايع له ناحية من الناس، وغيرهم من
- 97 - (2/97)
صفحة 341
الناس، ودخل الناس في بيعته أفواجا، ووفدت إليه على ذلك الوفود، وأخذ عليهم المواثيق والعهود، وأظهر كل منهم من أهل المصر به الرضى، فبين مبايع له على ذلك، وبين من يخطب له عند قدومه عليه بالامامة، وبين من يظهر التسليم بالرضى الظاهر، وليس يحكم على الناس ولا فيهم بحكم السرائر، وبعث العمال والولاة في القرى والبلدان، فلم يعترض عليهم أحد من أهل المصر بتغيير، ولا ظهر من أحد من أهل المصر كراهية ولا نكير، فصلى بنزوى الجمعات، وقبض هو وعماله الصدقات، وجهز الجيوش وعقد الرايات، وأنفذ الأحكام، وجرت له فيما شاء الله في المصر الأقسام، ولم يبق بلد من بلدان عمان لم يغلب عليه السلطان، أو نأى عنه في تلك الأيام وذلك الزمان، إلا جرت فيه أحكامه، وثبتت عليهم أقسامه، وأقر في ظاهر الأمر أنه إمامه، من غير أن يظهر منه في شيء من سريرته ولا علانيته شدة ولا غلظة يخاف بها ويتقي، ولا هوادة ولا ميل يطمع منه بذلك ويرتجي، فيصانع عن تقية، أو يخدع المطمع ورجية، بل كان - رحمه الله ـ لرعيته هينا رفيقا، بارا شفيقا، غضيضا عن عوراتهم مقيلا لعثراتهم، بعيد الغضب عن مشينهم، قريب الرضى عن محسنهم، مساويا في الحق بين شريفهم ودنيهم، وفقيرهم وغنيهم وبعيدهم وعشيرتهم، منزلا لهم منازلهم، متفقدا لأمورهم وأحوالهم، ومشاورا منهم لمن هو دونه، قابلا من مشاورتهم ما يأمرونه، فلم يزل - رحمه الله ـ على ذلك، يتجشم من رعيته الصبر على الكروب، ومفارقة الشرور والمحبوب، ويصبر منهم على الشتم والأذى. ويسمع منهم الخنا والقذى، وهو يتأنى في ذلك الأمور، ويرجو الدائرة من الله أن تدور، وكثير من أهل مصره ومملكته لعله يتربص به الدوائر، ويستر له قبح السرائر، تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر، وما تخفي صدورهم من الغل والحسد أعظم وأكبر، قد استحوذ عليهم الشيطان، وغلب عليهم العدو والشنآن، ومنهم من يتربص به الدائرة، ويظهر المودة في الأمور الظاهرة، فإن فتح الله عليه فتحا؛ أظهر إليه السرور والشرى، وإن كان للعدو نصيب، ظهرت منه
بهم
،
- ^- (2/98)
صفحة 342
التخلف
6
أمور قبيحة أخرى، لا يقدر من عداوته أن يعين على طاعة الله بلسانه، ولا بجاهه ومكانه، لو يرجو أن يقبل منه الخذلان لخذله، ولو كان به طاقة على قتال أهل الحق لقاتل، ومنهم من يعين بلسانه في الظاهر، ويخذل في السرائر، ومنهم من يعين لطلب الدنيا والسمع فيها والرياء، فإن أصابه خير اطمان به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، وأعدادهم وصنوفهم في السير لا تحصى، إلا قليلا من الضعفاء ممن يعجز عن النصرة له بالوفاء، ولا يرجى به بلوغ إلى شفاء، ولا عناية في الأمر ولا مكتفى، حتى آلت به الأمور، وجرى عليه من الله المقدور، أن يظهر من عامة رعيته التخلف عنه والخذلان، وظهر من عامة خواصه المعاندة له والعصيان والمداهنة عليه للسلطان، والمباشرة له بذلك بالقول باللسان، وخرجوا إلى السلطان مظاهرين، وتألبوا إلى ذلك متناظرين، فمنعهم عن ذلك خيرا، وقهرهم عن ذلك قسرا، فوقع بينهم وبين عامتهم في ذلك العداوة والشحناء، وفارقوه على ذلك من قريته بهلا معتصبين، معاندين له على ذلك ومحاربين، متوجدين عليه في ذلك متعنتين، وقد صار السلطان بالشر مقبلا، وهو في نفر من الضعاف أقلا، قد انقضت عنه جماعتهم، وصحت معه عداوتهم، وإنما خرج من نزوى في ردهم عن خروجهم ذلك، وفي حرب العدو المقبل إليه، فلما رأى ما قد نزل به من الخذلان، وبان له من العداوة والعصيان، واستضعف نفسه ومن معه عن لقاء السلطان، وخاف أن يدهموه على المكان، فتحيز بمن معه من بهلا إلى كدم، ورجا أن يكون قد استوثق لنفسه في ذلك وحزم، فلم يزل بكدم إلى أن صح معه أنهم قد دخلوا الجوف من نزوى، فداخله ومن معه من الضعفاء لقلتهم الخوف، فانحازوا من هنالك إلى وادي التجر، استبقاء منه لضعفاء المسلمين، رجاء المعونة والنصر، فنزل بوادي التجر (1)
عن
(1) ذكر الناسخ هذه العبارة على هامش الصفحة: وادي التجر هو واد معروف بقرب بلد العبريين من عمان والله أعلم، وجدته مفسرا أن الجوف هي نزوى. ولا نعلم هل هذا من قول المؤلف أو أنه من عند
نفسه. ا. هـ محققه
-44 - (2/99)
صفحة 343
ودعا إلى حرب السلطان
من حضره، واستنصر عليه من قدر عليه
ونصره، واجتهد في ذلك وصبر، ودعا إلى ذلك واستنصر، وراح في ذلك وبكر، وأقبل في ذلك وأدبر، فأمده الله بمن مده،، فأبلى. بهم طاقته وجهده، فجيش إليهم أنصاره وأعوانه، إلا من لا عناية له عنه من خاصته وإخوانه،
يکن عشيا من يومه ذلك. حتى انفض عنه جميع من
عن
وقعد لهم في مكانه، وكان السلطان وجنده بنزوى نازلين، وكان تخلفه الحرب عن رأي من بحضرته من إخوانه، وأهل الشفقة من أعوانه، ورجاء أن يكون في تخلفه تخلف عن الاسلام وأهله، وقوة لنصره وعدله، وكان تخلفه عن الجيش الذي بعثه إلى السلطان بنزوى، قريبا من المجازة إلى عقبة منح لم يكن عليهم ببعيد، فأتى الله المقدور، وما قد علم الله - تبارك وتعالى ـ أنه تصير إليه تلك الأمور، فهزموا أنصاره مع ذلك وغلبوا، ذلك، وولوا عنه مع وهربوا، فانقضت هنالك جماعتهم، وزالت هنالك رايتهم، وخرج من هنالك مخذولا مغلوبا خائفا يترقب مطلوبا، وكان ذلك ضحوة النهار، فلم كان معه، ووقعت الغلبة والاياس، وأيس مع ذلك من نصرة الناس، فاستولى السلطان الجائر على جميع عمان من جميع النواحي والبلدان، وأقبل الناس في المصانعات، وأقبل إليهم السلطان الجائر بالسخريات والمداهنات، حتى دانت لهم جميع النواحي، وهو خائف في رءوس الجبال والمسافي، مشفق من السلطان والرعية، يترقب في كل موضع نزول المنية، وأن يدهمه عن مرقده من ببلية، وأصبح خائفا على نفسه وماله، هاربا من داره وعياله، وأصبح جميع أهل المصر قد أمنوا واطمأنوا في منازلهم، وسكنوا وصانعوا سلطانهم وداهنوا، فلم يكن له من الاستسلام بدا، إذ لم يجد إلى غيره سبيلا ولا جهدا، فطالع في أمره واستشار، واستشير له ذوي الأبصار، واتبع في أمره فيما ظهر منه حكم الأبرار، وأخذ بالرخصة من قول الأخيار. فصل: ومما لا نعلم فيه اختلافا أن الإمام المدافع يسعه التقية، إذا خذلته الرعية، ولم يكن معنا أصح من ذلك الخذلان، ولا أبين. من
مأمنه
تلك
-1 - (2/100)
صفحة 344
العداوة وذلك العصيان، والله هو الرءوف بعباده المنان، وما جعل الله على عباده في الدين من حرج، بل الصحيح معنا أنه قد جعل لكل مدخل من أمر دينه بابا ومخرجا، ولكل عاجز عن أداء فرض من فرائضه عذرا وباب فرج، ولا فرق بين الامام والرعية، وكل منهم جار عليه حكم القضية، فألقى بيده إلى منزله، واستسلم برجاء أن يستتر فيه وأن يسلم، فوصل إليه رسول السلطان إلى مكانه، يعطيه منه الميثاق بأمانه، فبلغنا أنه أعطاه ذلك بلسانه، ولم يبلغنا بحمد الله أنه عرّضه ليمين، ولا كان إلى باب السلطان من الوافدين، ولا من القادمين إليه الواصلين، فإنما السلطان الذي وصل إليه واضطره إلى ذلك وخبره عليه، فزالت معنا هنالك إمامته، وثبتت للعذر الواضح له ولايته، ولا نعلم في الأحكام، ولا فيما اختلف فيه من أمر الامام راشد بن الوليد - رحمه الله -، يلحقه في إمامته مقال، ولا طعن ولا عيب في من الحال، فلبث بعد ذلك قليلا محمولا، ومات عن قريب من ذلك
حال
الحين مفقودا.
6
ومع
6
أنصاره
وكان راشد بن الوليد في أيامه وزمانه وموضعه ومكانه وأعوانه، العاقدين له من أصحابه وإخوانه، وفي عامة أموره، كان غريبا معدوما، ولم يكن عند أحد من أهل الخبرة به في أموره ملوما ولا مذموما، فجزاه الله عن الاسلام وأهله، لما قد قام فيه من حقه وعدله ـ عنا وعن جميع المسلمين - من عرف صحيح فضله، أفضل ما جزى إماما عن رعيته،، وأخا
بصحيح
أخوته
فصل: وإنما ذكرنا من أمور راشد بن الوليد، لما قد ظهر وما نرجو أنه لن يدفع ولن ينكر، وإلا ففضائله كانت معنا أكثر من هذا وأكبر، وكان أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر؛ قد قتل في وقعة الغشب من الرستاق في سيرة الامام راشد بن الوليد وفي طاعته، وكان زوال أمر الإمام راشد بن الوليد في وقعة نزوى، وعنها زالت رايته، وانقضت جماعته، وبان خذلان
-11 - (2/101)
صفحة 345
الله
--
رعيته له، ولزمته التقية، وخاف على نفسه هنالك. السلطان والرعية، أن من يقصدوه بالقتل رضا للسلطان، ولم يَرْج لنفسه مستقرا في موضع من عمان من حد حرفار (1) إلى حد رعوان (2)، ولا في جبال عطالة ولا في أرض الحدان والرستاق، فأدهى عليه وأمر، وأعدى عليه من كل عدو وأشر، والله - تبارك وتعالى ـ أولى بالعذر من البشر، وكل من عذره الله في دينه، فواجب أن يعذر ويعان في ذات الله، فيما قد نزل به وينصر، وكان راشد بن الوليد - رحمه فيما ظهر إلينا من أمره ظاهر الإيمان، ظاهرا عليه شواهد الفضل والإحسان، ناهيا عن الشر والبهتان، صادق اللسان والفعال، وَرِعا عن المحارم، مجتنبا عن المآثم عاملا بما علم، سائلا عما نزل به ولزم، متواضعا لمن هو فوقه، متعطفا على من هو دونه، كاظما للغيظ، بعيد الغضب، سريع الرضى، محتملا للأئمة، حريصا على إصلاح المسلمين، رءوفا رحيما بالمؤمنين، متوشحا بكرائم الأخلاق، مستقيما على الحقيقة، للطريقة، يضرب به الأمثال، ويعجز الواصفون عن وصفه بالمقال، فرحم الله تلك المهجة وتلك الأوصال، وتفضّل علينا وعليه بالمن منه والأفضال، وعرف بيننا وبينه في مستقر من رحمته، وجمعنا وإياه على جزيل من ثوابه وكرامته، وفعل ذلك لكل مؤمن ومؤمنة، إنه أرحم الراحمين
قاصدا
(1) في نسخة «حرفان»
(2) في نسخة درعوال». وهما موضعان.
- 102 - (2/102)
صفحة 346
باب
المختلفان الضعيفان في أمر الدين الذي لا يجوز فيه الاختلاف
إذا كان المختلفان من أهل الولاية في أمر الدين، الذي لا يجوز فيه الاختلاف ضعيفين، ممن لا تقوم به حجة الفتيا فيما يسع جهله من الدين، وكلاهما يدعي الحق، وهو مما لا يجوز فيه الاختلاف من الدين، وعلم منهما من يتولاهما، ومن قد تقدمت لهما ولاية عنده، فإن الولاية فيهما بالرأي والوقوف عنهما بالرأي على اعتقاد الولاية للمحق منهما، والبراءة من المبطل
ذلك
"
منهما في الشريطة، ولا يجوز الوقوف عنهما، ولا عن المحق منهما بالدين ولا يجوز الوقوف عنهما بالدين، وإنما الوقوف عنهما بالرأي والولاية لهما بالرأي، أو ولايتهما على اعتقاد البراءة من المبطل منهما في الشريطة، وولاية المحق منهما في الشريطة، ولا تقوم الحجة من قول أحدهما في اختلافهما كما تقوم من العالم في اختلاف العالمين، وقد مضى القول في ذلك في اختلاف العالمين بما فيه كفاية
وأما السؤال عن هذين الضعيفين ولزوم السؤال فيهما إذا كانت لهما ولايته متقدمة، فقد اختلف في ذلك؛ فقال من قال: يلزمه اعتقاد السؤال عما يلزمه في أمرهما حتى يخرج من ولاية المبطل منهما إلى البراءة منه بالدين، ويتولى المحق منهما بالدين، ولا يقف عن ولاية ووقوف الرأي.
- 103 - (2/103)
صفحة 347
وقال من قال: لا يلزمه في هذا سؤال، لأنه واسع له الوقوف عنهما
ذلك بالرأي، فيخرج عن ولاية المبطل ويتولى المحق، ولا يكون بذلك
في
ذلك مضيعا للازم، ولا راكبا لمحرم ولا واقفا عن عالم، وإنما لا يسع العالمين، إذ لا يجوز الوقوف عن العالم برأي ولا بدين من أجل قوله بالحق،
ولا من أجل براءته من المبطل بالحق، وهذا القول هو أصح على أصول
ما يسع جهله وما لا يسع جهله
والقول الأول جائز على الاحتياط.
وإذا لزمه السؤال على هذا القول في الوليين الضعيفين، أو الولي إذا ركب ما يجهله من الباطل، أو في غير الولي إذا كان لا يبرأ منه في الأصل، وعلم منه باطلا يسعه جهله، فلزمه السؤال على الاختلاف، فإن هذا الموضع يكون الوقوف فيه وقوف رأي وسؤال، ويسمى وقوف رأي، ويسمى وقوف سؤال، إذا لزمه السؤال فيه، على بعض القول، ويلحقه اسم وقوف السؤال، وإذا لم يلزمه السؤال لحقه اسم وقوف الرأي.
•
ووقوف السؤال لا يكون إلا بالرأي، ولا يكون بدين ولا يجوز أن يقف وقوف الدين في موضع وقوف الرأي والسؤال، وقد يجزئه وقوف الرأي في هذا الموضع عن وقوف السؤال، ويجزئه وقوف السؤال على قول من يلزمه
ذلك عن وقوف الرأي.
-1.8 - (2/104)
صفحة 348
باب
الاختلاف في الدين من الضعيف والعالم إذا كان العالم هو المبطل
وإذا كان الاختلاف في الدين بين ضعيف وعالم
خصم
، وكان المحق في الأصل هو الضعيف، والمبطل هو العالم فهو في هذا بمنزلة اختلاف الضعيفين، لأنه لا تقوم الحجة بالحق فيما يسع جهله من قول الضعيف والعالم فهو المبطل، ولا حجة للمبطل في الباطل، وهو خصم محجوج لا حجة له ولا منه. في الباطل، ولا تجوز ولايته على حال بالدين، ويجوز فيه الوقوف بالرأي على هذا، والوقوف بالسؤال، وهو في هذا. ليس بحجة، وإنما لا يجوز الوقوف عنه برأي ولا بدين، في براءته من المبطل بالحق، وفي قوله بالحق الذي لا يكون فيه مبطلا في أصل الدين، فإن جهل الجاهل باطل العالم، إذا لم يقم عليه حجة من قول الفقيه، وإذا جهل حكم العالم في الخصومة، وظن أنه لا يجوز فيه وقوف الرأي، إذا كان عالما في الأصل معه فتولاه بدين، وثبت على ولايته بغير رأي ولا اعتقاد براءة الشريطة، كان بذلك هالكا، ولا يسعه جهل ذلك، والعالم في هذا الموضع خصم يجوز عليه وفيه ما يجوز على الضعيف وما يجوز في الضعيف، لأن حجته قد زالت وبطلت، وإنما يكون حجة إذا صح له الحجة، ومنه الحجة بالعلم الظاهر الشاهر، ثم دام عليه ولم يتحول عنه إلى باطل، فإذا تحول عن الحق إلى الباطل، زال عنه في علم العلماء بالدين اسم ما كان قد صح له من الحجة والعلم، وصار في علم الله في أصل دين الله، وفي علم العلماء بالدين إلى حالة الخصم، ولم يجز للجاهل وإن جهل منزلة ما قد نزل به من الباطل والخصومة، وزال عنه من حكم الحجة والعلم أن ينزل بغير منزلته التي نزل بها
"
-1.0 - (2/105)
صفحة 349
وإن جهلها، إذا علم بذلك منه، كما لا يجوز له أن يجهل منزلته التي نزل بها إذا علمها من الحجة في العلم، وهكذا الحق لا شبهة فيه ولا اختلاف، لأنه إنما كان العالم حجة في العلم بالحق، فلما أن زال عن حكم الحق كان خصما في الحق، وزال عنه حجة الحق، ولا يجوز أن يكون خصما في شيء حجة فيه أبدا، ولا يقوم هذا في حجة الدين ولا حجة العقل، ولا يجوز أن يكون بجهل الجاهل للخصم من الحجة نزول في حكم الإسلام، حجة الحجة إلى منزلة الخصم، وينزل الخصم في منزلة الحجة، ويكون حجة على الحجة، ومحال أن يكون الخصم في حال من الحال حجة على البينة ولا على الحكم، من المحال، ولو جهل ذلك العُماة والجهال
هذا
•
وإنما زال عن هذا الجاهل البراءة من هذا العالم من حينه بقول خصمه هذا الضعيف، إذا قام عليه بالحق من طريق أن الضعيف لا تقوم بقوله الحجة في الفتيا، فيما يسع جهله، ولما أن كان خصمه في أول المسألة عالما تقوم بقوله الحجة في الفتيا، وجب على الجاهل قبول قول العالم فيه من حينه، ولزمته البراءة بذلك، لأنه الحجة التامة التي لا يوجد لها إلا مثلها، وخصمها مبطل في أصل الدين لا حجة منه ولا له.
ولا تعدو الحجة معنا في الفتيا أحد أمرين:
إما أن تقوم الحجة في الفتيا من العالم الواحد المحق فيما يسع جهله
وإما ألا تقوم الحجة فيما يسع جهله إلا أن يبصر الجاهل عدل ذلك ويبين له صوابه، ولا معنى بعد ذلك الواحد من العلماء في الإثنين ولا الثلاثة
-1.9 - (2/106)
صفحة 350
ولا الأربعة ولا ما فوق ذلك، إلى ما لا يحصى إلا أن يخرج ذلك إلى إيضاح
العلم
معه لذلك
عن حجة الفتيا
وقد قيل ذلك، ولا يخطئ من قال بذلك، وقد مضى القول في ذلك، وذلك قول من قول أهل العدل وله، فيما يسع جهله وما لا. جهله يسع. قوي من الأصل، لأنه قد جاء الأثر بأنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه،
ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرأوا من العلماء، إذا برثوا من راكبه، وكذلك يسعهم جهله ما لم يركبوه، أو يبرأوا من العلماء إذا قالوا به،، أو يقفوا عنهم، وذلك من ركوبهم له ترك ولاية المحق العالم من أجل ما قال من الحق، إذا كانوا جاهلين به، فلا يسعهم جهله مع تضييع ولاية أهله القائمين بحقه وعدله، وترك ولاية المحق العالم من أجل ما قال من الحق وما قال به من العدل برأي أو بدين، مما لا يسعهم جهله، وترك ولاية المحق الضعيف، من أجل ما قال من الحق، وقام به من العدل بالدين نقض منهم للدين، ومما لا يسعهم جهله ولا ركوبه، وذلك أيضا مما لا: جهله
يسعهم
فصل: فإن برئ الضعيف المحق من الخصمين في الدين من العالم المبطل، ولم يعلم الجاهل أنه مبطل وبرئ العالم من الضعيف على ما قال من الحق والعدل، ولم يعلم المحق منهما من المبطل، فإن كان العالم بدءا بالبراءة من الضعيف، فللجاهل فيهما العالم بأمرهما، أن يبرأ من المبتدئ منهما بالبراءة من صاحبه، بما برئ من وليه في الأصل، براءة رأي لا براءة دين.
وإنما جاز له أن يبرأ براءة رأي، من أجل أنه بريء من وليه، وقذفه وهو يتولاه برأي، حين أحدث ذلك، فإذا كان يتولى وليه برأي، ثم برئ منه متبرئ من أوليائه أو من غيرهم، فإنه يبرأ ممن قذف وليه برأي، وإنما يكون اعتقاده أنه يبرأ منه برأي، إن كان يبرأ منه بغير حق، وإن كان وليه هذا المتبرئ منه على ولايته، فهو يبرأ من هذا الذي قذفه عنده، وبدءا بالبراءة منه، فصار قاذفا لأنه لم تقم عليه بقوله الحجة في الفتيا، ولم يكن له إذا لم يكن
- 107 - (2/107)
صفحة 351
حجة أن يبرأ من ولي هذا الذي يتولاه، حتى يكون حجة عليه، فلما قذف وليه وهو لم يصح معه ما تزول به ولايته، كان في حكم الظاهر قد قذف وليا له، وبرئ من ولي له، وكان له أن يبرأ بالرأي ممن برئ من وليه، الذي يتولاه برأي في الأصل، ولا تجوز براءة الرأي إلا في هذا الموضع
وكذلك لو برئ المتبرئ منه ممن برئ منه، لما برئ منه، فإنه في ظاهر الأمر يبرأ ممن بدأ بالبراءة، لأنه قاذف في حكم الظاهر لوليه، لا يبرأ بالرأي من الآخر إلا في الاعتقاد، وأما المبتدئ بالبراءة منهما، إذا لم يكونا حجة فيما اختلفا فيه، فإنه يبرأ بالرأي من المبتدئ بالبراءة.
كذلك الضعيفان إذا اختلفا في الدين، فبرئ أحدهما من صاحبه، ولم يعلم المحق منهما من المبطل، فإنه يبرأ من المبتدئ بالبراءة منهما، لأنه قاذف في ظاهر الأمر لوليه، ولأنه لا تقوم به الحجة في الفتيا، ولأنه يتولى وليه المقذوف بالرأي لا بالدين، ولا يجوز أن يبرأ من المحق بالدين، ولا يبصر العدل فيبرأ من المبطل بالدين، ولا يجوز أن يتولى وليه برأي ويبرأ ممن قذفه بدين، وإنما يتولى وليه برأي، ولا يكون القاذف أشد حقا من الولي، لأنه لو كانت الولاية بالدين، كانت البراءة من القاذف له بالدين.
وهذا في الضعيفين، وفي الضعيف والعالم إذا كان العالم هو المبطل في الأصل، ولم يعلم العالم بحدثهما الحكم في ذلك، ولا أبصر باطل المبطل
ولا حق المحق.
فصل: ولو كان الخصمان عالما وضعيفا من أهل الولاية، وكان المحق هو العالم، ثم برئ من المبطل، وقد علم الجاهل بحدثهما جميعا؛ لم يجز للجاهل أن يبرأ من العالم برأي ولا بدين، من أجل براءته من الضعيف، ولو كان. هو المبتدئ بالبراءة من الضعيف، ولو برئ منه الضعيف، قبل أن
يبرأ العالم من الضعيف، كانت البراءة من الضعيف هاهنا بدين لا برأي.
6
- 1. A- (2/108)
صفحة 352
لأن الحجة قد قامت من العالم، ولأن الضعيف هاهنا قاذف مبطل بالقذف ولو بدأ العالم من الضعيف بالبراءة على باطله، لم يجز للجاهل أن يبرأ
من العالم المحق من أجل ذلك برأي ولا بدين، ولا يقف عنه برأي ولا بدين، والعالم في هذا غير الضعيف لأنه حجة، ولأن البراءة منه بالرأي أو بالدين، والوقوف عنه بالرأي أو بالدين نقض للدين، لأنه الحجة وليس لأحد أن يجهل الحجة بعد قيامها بتضييع حقها وتبديل حكمها.
ولو كان الخصمان عالمين جميعا، لم يجز في العالم المحق منهما أيضا براءة
،
برأي ولا بدين، ولا وقوف برأي ولا بدين، ولو بدأ بالبراءة من المبطل وجهل ذلك الجاهل لأن الحجة تقوم من العالم على العالم، كما تقوم من العالم
على الجاهل وعلى الضعيف، وحجج الله - تبارك وتعالى ـ لا تتحول، لجهل من جهلها وضعف من ضعف عنها.
ولا تجوز البراءة بالرأي في وجه من الوجوه، إلا في هذا الموضع من طريق البراءة للقذف للولي الموقوف عنه، وقوف رأي أو وقوف سؤال، حتى يعلم أمحق فيها وقف عنه أم مبطل، فإذا كان الولي بهذه المنزلة ثم قذفه قاذف، فلا يجوز إهمال أمره كغيره من الموقوف عنهم، ولا يجوز أن يبرأ من قاذفه بدين؛ وهو لا يعلم أهو على ولايته بدين أم لا، ولكن يبرأ من قاذفه في هذا الموضع بالرأي، إن كان وليه الذي برئ منه على ولايته معه، في أصل دينه بالدين، وإن كان وليه الذي قذفه هذا القاذف قد زال عنه حكم الولاية معه في الدين، فالقاذف له من المحقين هذا، يكون اعتقاده عند براءته من وليه، الذي هو واقف عنه وقوف رأي أو وقوف سؤال، ما لم يكن القاذف القائم بالحق في ذلك عالما محقا، ويكون الجاهل قد وقف على ما يرى به العالم من وليه هذا الذي تولاه برأي
قاذف
فإذا علم الجاهل الحدث الذي أحدثه وليه، الذي هو واقف عنه
-1.4 - (2/109)
صفحة 353
برأي، فبرئ منه على ذلك عالم ممن تقوم به الحجة في الفتيا فيما يسع جهله، فلا يجوز للجاهل أن يبرأ من العالم في هذا الموضع برأي ولا بدين، وعليه قبول قوله إن أفتاه بالحق في ذلك، وعليه التسليم له بولايته له على ما كان عليه، ولا ينقض ذلك عنه بجهله، ولا يسعه جهل ذلك
أنه
ولو أن جاهلا بالأحكام رأى من ولي له ما يجب عليه فيه الوقوف بالرأي، فوقف عنه برأي، أو وقوف سؤال، ثم علم من فقيه عالم بصير، يبرأ من وليه هذا الذي قد وقف عنه، بذلك الحدث برأي، ولم يعلم أن هذا العالم قد علم من وليه، هذا الذي وقف عنه هذا الوقوف، ذلك الحدث الذي قد رآه من وليه وعَلِمه منه، كان العالم في هذا الباب خصيما، وكان الوقوف عنه في هذا الموضع برأي جائز، من أجل براءته من وليه هذا الذي وقف عنه برأي، إذا لم يعلم أن العالم قد علم من وليه ذلك الحدث ولا شيئا من الأحداث التي يجهلها أو يجهل الحكم فيها أو يعلمها أنها باطل، والعالم في هذا وغيره من الناس سواء، إذا كان بمنزلة القاذف، لأنه لا حجة له فيما
يكون فيه خصما، وإنما الحجة له فيما يكون فيه حاكما إذا كان بأحكامه عالما
ولو كان الرجل ولي ضعيف من ضعفاء المسلمين ولم يعلم منه حدثا يجب عليه به وقوف برأي، ولا علم منه ما تجب به البراءة منه، ثم سمع مائة ألف عالم أو يزيدون من أمثال موسى بن علي ومحمد بن محبوب ـ رحمهما الله ـ، يبرأون من وليه ذلك الضعيف الذي قد تولاه بحق، كانوا بذلك عنده مخلوعين محجوجين، ولو كانوا قد برئوا من ذلك الضعيف بالحق، فيما غاب عنه من أمرهم، ولا يجوز له أن يحسن فيهم الظن في هذا الوجه، فإن أحسن بهم الظن إذ معه أنهم لا يبرأون من وليه ذلك إلا بالحق، كان بذلك هالكا محدثا، وذلك إذا علم أنهم يعلمون أنه يتولاه، أو أعلمهم أنه يتولى ذلك الذي برثوا منه، أو كان الذي برثوا منه قد لزمت ولايته أهل الدار في عصره، فإذا كان على أحد هذه المنازل، فلا يجوز له أن يحسن فيهم الظن على هذا
-11 - (2/110)
صفحة 354
لأنهم قاذفون لوليه مخلوعون محجوجون، لا حجة لهم على غيرهم، وهم وغيرهم في ذلك بالسواء من الحكومة، ولا يجوز له أن يضع فيهم، ما قد لزمهم من الحق في دين الله، لحسن ظنه فيهم، لأنه لا يجوز الحكم بحسن الظن ولا بسوء الظن، وكما لا يجوز الحكم بسوء الظن، فكذلك لا يجوز الحكم بحسن الظن، وإنما يجوز ويلزم الحكم بالحق، على مخالفة أحكام
الظن
والعلماء وغيرهم في الأحكام بالحق سواء، ولا يكون للعلماء حجة يخالفون فيها منازل غيرهم في وجه من الوجوه كلها من الأحكام، ولا من منازل الاسلام، إلا في موضع قولهم بالحق، إذا لم يخالفوا الحق في قولهم في الفتيا وغيره، من القول بالحق في الدين، الذي هو من الشريعة ولا يخرج مخرج الحكم بين الناس
وكذلك في براءتهم من المبطل على الباطل الذي جهله الجاهل، فلا تجوز البراءة من العلماء، ولا الوقوف عنهم برأي ولا بدين في هذين الموضعين، في موضع ما قالوا به من الحق والعدل الذي جهله غيرهم من الجهال، ولا في براءتهم من المبطل الذي قد علم الجاهل بحدثه، وجهل حرمة حدثه، وهذان هما الموضعان اللذان للعالم فيهما، ما ليس للجاهل ولا للضعيف من المسلمين، وسائر ذلك من الأحكام والخصومات بين أهل الإسلام، فالحكم فيها بين العالم والجاهل والضعيف سواء، لا اختلاف بينهم في ذلك
فصل: وكذلك لو برئ هؤلاء العلماء وأضعافهم من ولي له قد علم منه حدثا، لزمه الوقوف عنه بالرأي أو بالسؤال، ولم يعلم أن العلماء علموا منه بذلك الحدث ولا بحدث غيره، فبرثوا منه على هذا معه، وقد علموا أنه يتولاه، أو أعلمهم بذلك، أو كانت ولايته لازمة أهل الدار وأهل الموضع.
-111 - (2/111)
صفحة 355
كان عليه أن يبرأ منهم كلهم بالرأي، وكانوا كغيرهم من الخصماء، وزالت عنهم حجة الفقهاء والعلماء، ولو كانوا في أصل براءتهم محقين، من هذا الذي برثوا منه، ولا نعلم في هذا اختلافا بين أهل العلم بأحكام الولاية
والبراءة
وكذلك لو رأى هؤلاء العلماء كلهم وأضعافهم، وقد أجمعوا على هذا القول بحرف من حروف الباطل، مما يخالف ذلك الحرف، حكم كتاب الله أو سنة نبيه أو إجماع المحقين من الأمة، فقالوا بذلك الحرف بأنه باطل، وهو حرف حق أو أنه حق وهو باطل.
وقالت أمة مملوكة بخلافهم في ذلك بما يوافق الحق، ولم يقل أحد، فلا يحل لهذا الجاهل أن يتولى هؤلاء العلماء، بخلافهم عنده الذين
أمناء علماء حكماء.
أمانته
هم
فإن تولى هؤلاء العلماء بدين، أو تولى أحدا منهم بدين على ذلك، بغير شريطة البراءة منهم في الجملة، ولغير عذر يجوز له في الإسلام إلا موضع بهم، وحسن ظنه فيهم أنهم علماء وأنهم حجة، كان بذلك من الهالكين، الضالين عن سواء السبيل، وإذا كانوا أولياءه فيما مضى، لزمه فيهم أن يبرأ منهم بدين من حين ما سمع منهم ذلك، أن وفقه الله لعلم ذلك من أي الوجوه علم ذلك، فإن قصر نظره عن ذلك، كان عليه أن يقف عنهم وقوف رأي أو وقوف سؤال، ولا يجوز أن يقف في هذا الموضع وقوف دين، فهم كغيرهم من الناس في هذا الموضع، كانوا بذلك مفتين لغيرهم أو متقولين بغير فتيا، كان لهم في ذلك خصم، أو لم يكن لهم في ذلك خصم، ولا فرق في ذلك بين الخصماء وغيرهم، إذا كانوا مختصمين بالاختلاف في أصول
الدين.
ولو كان خصم هؤلاء العلماء كلهم أمة مملوكة، قد قالت بالحق، فإن كانت قد نزلت بمنزلة العلماء الذين يكونون حجة في الفتيا، كانت حجة على
- 112 - (2/112)
صفحة 356
الجاهل، وكان عليه أن يقبل منها الحق بالبراءة من العلماء في وقته وحينه، أو يقف عن العلماء كلهم برأي أو سؤال، ويتولى الأمة المملوكة أقل ذلك على الاختلاف، وقولنا أن عليه قبول قول الأمة بالحق، والبراءة من العلماء كلهم من حينه وساعته، وإلا كان محجوجا هالكا، شاكا في حجة الله، وهذه الأمة في هذا الموضع حجة الله على هذا الجاهل، وعلى جميع أهل الأرض في أمر هؤلاء العلماء الذين قامت عليهم بالحق ذلك
أمرين:
ولا ينفك جميع أهل الأرض في هذه الأمة وهؤلاء العلماء من
إما أن يتولوا هذه الأمة ولا يقفوا عنها بدين ولا برأي.
أحد
أو يقبلوا منها قولها في هؤلاء العلماء، ويبرأون منهم في حينهم وساعتهم
معا كلمح البصر، وإلا هلكوا جميعا، ولو كان جميع أهل الأرض من أهل
المشارق والمغارب
•
كذلك لو رأى من عالم من العلماء، أو من جماعة من العلماء، عملا قد أجمعوا عليه من الباطل الذي يخالف الحق في دين الله، ولا يختلف فيه في دين الله، ولا مخرج لذلك الذي رأى منهم من الباطل، ولا يحتمل مخرجا من مخارج الحق، فهم كغيرهم من الناس في الأحكام، ولا يحل له أن يتولاهم ولاية دينونة بغير شريطة، فإن تولاهم على ذلك أو أحدا منهم بدين بغير شريطة البراءة، كان بذلك هالكا محدثا، فإن أبصر حدثهم وهداه الله إلى ذلك بأي وجه من الوجوه، ولو من طريق ما ألهمه الله صواب ذلك وزينه في قلبه، كان عليه البراءة منهم معا، ولم يجز له الشك فيهم بعد العلم، وإن لم يبصر حدثهم ولا ضلالتهم، فلا يجوز له أن يتولاهم بدين، ولكن له أن يقف عنهم برأي، أو يتولاهم برأي، على اعتقاد السؤال على قول من يقول بذلك، وليس بالمجمع عليه، وقد بينا الموضع الذي يكون العلماء فيه حجة بالقول بالحق، وفي البراءة بالحق من أهل الباطل فقط لا غير ذلك، وقد بينا
- 113 - (2/113)
صفحة 357
ما الحجة لهم في ذلك، وما يلزمهم لهم وفيهم، وهو أن يقبل منهم الحق الذي
قالوه، وأقل ذلك أن لا يبرأ منهم عليه برأي ولا دين، ولا. يوقف عنهم.
برأي ولا دين.
عليه
وقيل في براءتهم من المبطل بالحق الذي قد عرف منه من المبطل، وجهل الجاهل حكم الحدث الذي علمه من المبطل، وقصر نظره عن علمه، وضاق عن قبول قول العالم في ذلك، فأقل ذلك ألا يبرأ من العالم في ذلك برأي ولا بدين، ولا يوقف عنه برأي ولا بدين
وأما سائر الأحكام كلها في الولاية والبراءة، في جميع فنون أحكامها، فهم كغيرهم من الناس، وفي جميع الأحكام، وجميع حقوق الاسلام، في موضع ما يكونون مدعين؛ فهم مدعون، وفي موضع ما يكونون قاذفين، فهم قاذفون كغيرهم، وفي موضع ما يكونون حكاما، فهم حكام كغيرهم، وفي موضع ما يكونون خصما فهم خصم كغيرهم، وفي موضع ما يكونون شهودا فهم شهود كغيرهم، فلا فرق بين الناس في ذلك، لاختلاف منازلهم في العلم، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين المسلمين أهل العلم منهم
وسواء عصى
الله
العالم بما يكون فيه مفتيا، أو عصاه بما يكون فيه مدعيا، أو عصاه بما يكون فيه متعبدا، أو بما يكون فيه قاذفا، فإذا بلغ إلى
أنه
حال ما يكون فيه عاصيا الله، وخالف الحق من طريق القول، بما يزعم حق وبما يزعم أنه دين، وبما يرى الجاهل أنه فيه عالم، وبما يجهل الجاهل منزلة العالم في ذلك من غير العالم، وبما يجهل الجاهل منزلة العالم في ذلك من غير العالم، وهذا موضع عظيم من عظيمات المهالك، وهو أضيق ما يكون من المسالك، سلّمنا الله وجميع المسلمين من ذلك، ومن جميع الفتن والمهالك
فصل: وجاء الأثر مجملا أنه لا يجوز الوقوف عن العلماء برأي ولا بدين، وإنما هو خاص فيهما وصفنا مما يكون فيه حجة، وفيما يكون فيه
-118 - (2/114)
صفحة 358
عالما بالحق، ولو تأول ذلك متأول، أنه لا يجوز الوقوف عن العالم برأي ولا بدين في جميع الأمور، كان ذلك ضلالا وبدعة عظيمة، وفتنة جسيمة، ولو كان ذلك كذلك، لكان أهل الأديان يجوز لهم ولاية أئمتهم في الدين، إذ لا يحل لهم الوقوف عنهم لما كانوا معهم في منازل أهل العلم، في جهلهم بالعلماء وأسماء العلماء إذا ظنوا أنهم علماء، وظهر عليهم اسم العلم أنهم علماء بذلك أبدا، وذلك ضلال ومحال، ولا يكون العاصي الله أبدا من العلماء في، وإنما خاص هذا الاسم للعلماء المحقين المستقيمين على سبيل
هذا
الاسم
الحق فيما قالوه من الحق، وقاموا به من العدل على ما وصفنا لا غير ذلك وذلك هو الأصل الذي قال به المسلمون، وأجمعوا على أن يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه، فإذا تولوا العلماء على ركوب الباطل، لحقهم في ذلك حكم الولاية لأهل الباطل، وسواء علموا بذلك وجهلوا، وسواء علموا أن ذلك لهم أو جهلوا، لأنهم قد ركبوا الجهل
بولايتهم للمبطل، وهذا ما لا يختلف فيه ولا يشك فيه مع أهل العلم
وفي نفس القول كفاية عن تفسير أمر أهل الضلال بأعيانهم وأسمائهم
،
وولاية من اتبعهم على ذلك من الاتباع، على ما يظنون أن ذلك منهم حق وعدل، ويتقربون إلى الله بذلك ويدينون به، وكم من أهل هذه الصفة من
6
الهالكين بولاية علمائهم، بتقليدهم لهم الباطل وقبوله منهم وولايتهم عليه فبولايتهم عليه كانوا له قابلين، وبولايتهم عليه كانوا به قابلين، وبولايتهم عليه يسمون له فاعلين
وكفى بقول الله - تبارك وتعالى - حجة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنهُمْ إِنَّ
اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (1)
(1) الآية (51) سورة المائدة.
-110 - (2/115)
صفحة 359
فقد حكم الله عليهم بأنه منهم، وبالولاية لهم فأدخلهم في الجملة
بالولاية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب قوما فهو منهم، والمعنى أنه من أحبهم على الحق فهو منهم، ومَن أحبهم على الباطل فهو منهم، ولا يجوز في تأويل الحق، أن يكون اليهودي إذا أحب ولده المسلم لمحبة القرابة؛ كان منه من المسلمين، ولأن المسلم إذا أحب رحمه ووالده وزوجته محبة القرابة والرأفة، كان منه في دينه هذا من المحال والضلال.
فصل: وقد قال الله - تبارك وتعالى - لنبيه في أمر أهل الكتاب ليخاطبهم، وقد قالوا: إنَّ اللهَ عَهْدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِينَا بِقُرَّبَانِ تأكله النَّارُ، فقال الله - تبارك وتعالى -: (قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ نَ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُم فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (1)
وقد صح معنا في العقول أن هؤلاء المخاطبين بأعيانهم لم يقتلوا نبيا ولا رسولا، وإنما قتله أسلافهم؛ من الذين يدعون دينهم ويسلكون سبيلهم ويتولونهم على ذلك، فسماهم الله قاتلين للرسل، إذ تولوا قتلة الرسل - صلوات الله على نبينا محمد وعلى جميع النبيين والمرسلين ـ، فمن يدعي ويقول: إن هؤلاء المخاطبين يقتلون الرسل مذ خمسمائة سنة أو أكثر أو أقل، هذا ما لا تعقله العقول، ومن يقل إنهم لم يقتلوا وقد سماهم الله - تبارك وتعالى ـ قتلة، وإنما قال أهل العلم إنهم لولايتهم للقتلة، وتصويبهم لهم في دينهم، فكانوا قاتلين، وإن لم يقتلوا بأيديهم ولم يأمروا بألسنتهم، ولم يرضوا بالقتل، إلا أنهم تولوا القتلة في دينهم، فهم بذلك قاتلون لا محال، في دين الله - تبارك وتعالى - في التسمية بقوله: (وَمَن يَتوهم فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) في
دينهم، ومن كان منهم في دينهم لحقه ما لحقهم من! السخط من الله والعقوبة.
وإن لم يلحق المتولي ما يلحق القاتل من الدية والقود والعقوبة في الدنيا،
،
(1) الآية (183) من سورة آل عمران.
-117 - (2/116)
صفحة 360
فافهموا - رحمكم الله - تأويل الآثار والأخبار والسنة والكتاب، ولا تحملوا
الخاص من
ذلك على أحكام العام، ولا العام على الخاص، فإن في ذلك الهلاك في الدين، والخلاف الشديد لدين المسلمين.
- 117 - (2/117)
صفحة 361
[صفحة فارغة] (2/118)
صفحة 362
باب
الإمامة والقول فيها
ومما أوجب الله - تبارك وتعالى -، فرضا ثابتا على عباده في كتابه، طاعة أولي الأمر منهم، حيث يقول - سبحانه وتعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ) (1)، فأجمع أهل الاقرار من جميع أهل القبلة، لا نعلم بينهم اختلافا، أن أولي الأمر في هذا الموضع هم الأئمة، وإن اختلفوا في لزوم طاعة الأئمة على اختلاف أحوالهم بما يطول وصفه، ويكتفي بدونه للمراد به بثبوت ذلك
وأجمع أهل الاستقامة من الأئمة على طاعة إمام العدل، ما أطاع الله ورسوله، وعمل بكتاب الله وسنة نبيه، وإجماع المحقين من الأمة، ولم نعلم خلافا لأحد في ذلك بقول أو عمل من ارتكاب لكبيرة أو إصرار على صغيرة من الذنوب من أحكام الكتاب والسنة أو إجماع المحقين من
منهم
الأمة
فصل: وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو وليكم حبشي مجدع فأقام فيكم كتاب الله وسنتي فاسمعوا له وأطيعوا، وقال الله - تبارك وتعالى -:
(1) الآية (59) سورة النساء
- 119 - (2/119)
صفحة 363
وَلَا تُطِعْ مِنهُم أنها أوْ كَفُورًا)، وقال - تعالى -: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ
مهين) (1).
والمعنى في ذلك أنه لا يطاع آثم في الاثم، ولا كافر في الكفر. وجاء عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه ـ أنه قال في خطبته: (إني وليت عليكم ولست بخيركم، فأطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)
فصل: وأجمع أهل العلم من المسلمين، أن الامام إذا ثبتت إمامته بوجه من وجوه الحق، أن طاعته لازمة واجبة؛ ما لم يخالف كتاب الله أو سنة نبيه، أو إجماع المسلمين قبله، أو إجماع أهل العلم ممن في عصره فيها أجمعوا عليه مما يكون حكمه إجماعا، فما لم يأت بأحد هذه المعاني فطاعته ثابته، فثبتت طاعة الامام العادل من حكم كتاب الله وسنة نبيه وإجماع المسلمين. واختلف الناس سواء أهل الاستقامة في طاعة الأئمة والأمراء الجبابرة والسلطان، وذلك مما يطول وصفه وتعديده، ولا يحتاج إلى ذكره لاجماع المسلمين على غيره، ومخالفته الكتاب والسنة والاجماع، غير أنه مما يثبت إجماع المسلمين على طاعة الامام العادل
فصل: وإنما تثبت عن الله - تبارك وتعالى -، فرض طاعة الله على المؤمنين لأولي الأمر منهم، فلما أن كانت الطاعة لأولي الأمر من المؤمنين، لا لأولي الأمر من غير المؤمنين، لقوله - تبارك وتعالى -: {وأولي الأمر
منكم
،
فهم أولو الأمر من المؤمنين
فإن قال قائل: فإذا كان هكذا فإنما أوجب الله الطاعة لأولي الأمر من
المؤمنين؛ على المؤمنين لا على غير المؤمنين،
وكل من كان كافرا أو عاصيا
(1) الآية (10) سورة القلم.
- 120 - (2/120)
صفحة 364
فلا طاعة للإمام عليه، إذ قلتم أنتم إنما خاطب الله بطاعة المؤمنين من أولي
الأمر؟
قلنا له: كذلك إنما خاطب الله المؤمنين بطاعة أولي الأمر منهم،
6
وأن
وخاطب الناس كافة أن يكونوا مؤمنين، وفرض عليهم الإيمان لا يقيموا على غير الإيمان طرفة عين، في غير أي من كتاب الله، ولن ينكر ذلك أحد من أهل القبلة، ولن يعتل فيه بعلة، وإنما يخاطب الله المؤمنين لأنه قد خاطب الجميع أن يكونوا مؤمنين، فمن الخطاب ما يكون عاما؛ ومنه ما يكون خاصا، وهذا معنا خطاب عام، على ذلك أجمعت الأمة، فخوطب الجميع من المتعبدين بطاعة أولي الأمر من المؤمنين، بقوله - تعالى -: أولي
الأمر مِنكُمْ) ولو كان ذلك الخطاب إنما خوطب به المؤمنون بمن فيهم من أولي الأمر، من ذلك الحين وذلك العصر، لكان ذلك قد انقضى ومضى لنفاذ أولئك المخاطبين، ولكن الأمر على غير ذلك، وإنما هو خطاب للعامة بطاعة أولي الأمر من المؤمنين، في جميع ما جعل الله لأولي الأمر من الطاعة في الطاعة لا في المعصية، ولا على المعصية، ثبتت الطاعة لأولي الأمر، لأن المعصية ليست معها إيمان، فثبت الإيمان والمعصية، فيكون من أولي الأمر من المؤمنين. فصل: ووجدنا الله - تبارك وتعالى - لا يخاطب بالأمور الجامعة إلا المؤمنين، لثبوت الايمان على الكافة، مثل قوله - تعالى -: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قَمَتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنْباً فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَا مَستُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فتيمموا صعيدا طيباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم منْ حَرجٌ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيمَ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
- 121 - (2/121)
صفحة 365
تشكرون) (1).
وما خاطب الله به المؤمنين فهو خطاب المتعبدين وعليهم الايمان، وأن يكونوا من المخاطبين، وهذا لا نحتاج فيه إلى الاكثار لأنه لا يعارض فيه من تهم معارضته من أهل الاقرار، ولا من ذوي الأبصار.
فصل: وأما ولاية الإمام، فإن لم يكن نصا من كتاب الله في الإمام خاصة كما كانت طاعته نصا من كتاب الله، فإنها داخلة في جملة من ثبتت
ولايته من المسلمين المؤمنين
قال غيره: لعله أراد من ثبتت ولايته من المؤمنين، حيث ثبتت طاعته، وحرمت طاعة كل كافر أثيم، وإذا ثبتت طاعته مع طاعة الله - تبارك وتعالى - مع طاعة رسوله مقرونة ثابتة معهما، من فرائض الله - تبارك وتعالى ـ، وإذا ثبتت مع ذلك ولاية الله وولاية رسوله نصا، وولاية المؤمنين بقوله - تعالى -: إنما وَلِيكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (2).
(2)
وقال - تعالى -: (وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ
هم الغالبون) (3).
وقال - تعالى -: (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحِ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (4)
فثبتت ولاية الامام في جملة ولاية المؤمنين، وخصت ولايته الخصوص طاعته دون المؤمنين؛ لثبوت ولاية الله ورسوله خاصا ذلك دون شريطة
(1) الآية (6) سورة المائدة
(2) جزء الآية (55) سورة المائدة
(3) الآية (56) من سورة المائدة (4) جزء الآية (13) من سورة المجادلة.
- IYY- (2/122)
صفحة 366
المؤمنين، وثبوت طاعة الامام مع طاعة الله وطاعة رسوله، فلا يستقيم إلا أن يكون من لزمت طاعته فخاطب بها الجملة من المؤمنين مع طاعة الله وطاعة رسوله، ولا تثبت على ذلك ولايته، ومحال أن يكون مطاعا غير متولي، إذا كانت طاعته مخاطبا بها جملة المخاطبين من المؤمنين.
فصل: فإن قال قائل: فقد ثبتت طاعة المرأة لزوجها والعبد لسيده،
ولا يلزمهم هنالك ولاية، فقد ثبتت الطاعة بغير ولاية.
قيل له: ليست تلك طاعة عامة، وإنما هي طاعة خاصة للسيد على عبده، وللزوج على زوجته دون سائر المؤمنين؛ من الأحرار والعبيد؛ والنساء والرجال، والحاضر والبادي، والغني والفقير، والمسافر والمقيم، من جميع من اشتمل عليه حمايته، وبلغت إليه دعوته، فقد تثبت عليه طاعته من جميع المكلفين، كل منهم ما يخصه من طاعته، فمن هنالك افترقت طاعة الزوج والسيد وطاعة الإمام، ولأن هذا إنما كان إماما ووجبت له الطاعة في جملة المؤمنين، وما كان من المؤمنين، والسيد تجب طاعته على العبد في جميع الأحوال كان من النساء أو الرجال، أو أهل الهدى أو أهل الضلال، أو الصغار أو الكبار، أو أهل الإنكار فيمن ثبت عليه له من العبودية في حال ما يلزمه له، ما لم يكن ذلك معصية الله، أمره بها، أو ما لا يطيق من الأعمال، ويملك إزالة رقبته، وإخراجه من الرق إلى الحرية، ولأن المرأة إنما طاعة زرجها عليها؛ فيها جعله الله له عليها من إباحة نفسها له بغير معصية الله إن أراد منها في دبر أو حيض، أو يقع عليها ضرر في ذلك
لله
فصل: ولأن الإمام إنما وجبت طاعته في الطاعة الله، التي تخرج على طاعة الله، فيما جعل الله له على رعيته، من طاعته في طاعة الله، وفيما يلزمه من الأحكام والحدود والأقسام، وجميع أحكام الاسلام، التي تخص ذلك طاعة الله في نفس المطيع مما يلزمه في نفسه أو المعونة منه، فيما يقوم به من حق الله ويقدر عليه من نصرة دين الله وطاعته، من غير تقية على دين أو نفس أو
- 123 - (2/123)
صفحة 367
مال أو ضرر يدخل عليه في أحد ذلك، من نحو ما يزول بذلك الضرر، لزوم الفرائض الواجبة، يدخل عذر ذلك الضرر على الممتحن بتلك الفريضة من ترك الوضوء إلى التيمم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لموضع العذر الداخل للمخاطب بذلك، فمن خصه عذر من قبل الله في ذلك الأمر عن القيام مما خصه من فرائض الله نصا، فأجدر أن يكون له ذلك عذرا عن
طاعة الامام، وما كان ذلك يقوم بغيره، ولم يظهر خروجا من طاعة الامام
المدافعة
"
وكان الرجاء في غيره كالذي فيه، فغير مقطوع العذر في ذلك في الممانعة، أو من غير تصريح للخروج من طاعة الامام، وليس للامام التحامل في ذلك، على من نخاف الضرر عليه إذا وجد غيره، ما لم يكن ذلك خاصا له في نفسه أو ماله من حق أو حد، وإنما هو معونة على غيره، مما يرجى القيام بغيره، ولو كان لا عذر له في ذلك من قبل الله خاصا له، إلا أنه هو وغيره في ذلك سواء، وقد تقدم لغيره، فإنما تثبت طاعة الامام فيما هو طاعة الله في ذاته وذات دينه، ومصالح دينه ومصالح عباده، ولا يكون ذلك خاصا نفعه للامام، دون سائر أهل الاسلام كما كانت طاعة الزوج، إنما هي خاصة في
نفعه دون غيره
•
فصل: وكذلك السيد، فافهموا فرق ما بين طاعة الإمام في طاعة الله وطاعة الزوج والسيد، فيما يخصه نفعهما، ما لم تكن معصية الله وطاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من المؤمنين، كلها في طاعة
- تبارك وتعالى -
6 -
الله، وإنما هي طاعة الله، ومشتقة من طاعة الله في مصالح دين الله، ودين المسلمين، وعامة المسلمين وخاصتهم، فيمن يخص ذلك ويعمه، وطاعة الزوج والسيد، إنما هما خاصتان من المرأة لزوجها والعبد لسيده، في خاصة حصول النفع له، ما لم يكن معصية الله فيما خص المرأة من طاعة زوجها، وخص العبد من طاعة سيده
فلخاص طاعة الإمام، دون سائر المؤمنين غير ما يثبت ولاية المؤمنين
- IYE - (2/124)
صفحة 368
من
لعامة المؤمنين، في طاعة الله ورسوله، تثبت ولاية الإمام على عامة المؤمنين، على غير ما تثبت ولاية المؤمنين لبعضهم على بعض من خاص ذلك وعامه، فلذلك قيل إن الإمام لا يسع جهله، وذلك خاص فيما جاء به الأثر لمن امتحن بحضرته، لمن عرف عدله بخبرته أو بتظاهر شهرته، فإذا قامت على العبد الحجة بشواهد معرفة عدل الإمام، لم يسعه جهل معرفة عدله ولا ولايته، لثبوت عدله إذا كان من أهل عصره وأهل مملكته ومصره، فإن جهل ذلك جاهل ممن لم يعرف الحكم في ذلك، فلم يتول الإمام نفسه لضعفه عن معرفة من يلزمه ولايته، وتولى العلماء على ولايتهم للإمام، ولم يضيع شيئا مما يلزمه طاعة الإمام،، من أجل جهله بواجب حقه وطاعته، على من ترك نصرته، فيما يلزمه نصرته، أو التولي عن الرضا بحكمه، فيما خصه ذلك في نفسه أو غيره، أو يعين على الامام فيها قد قام قام به من الحق، أو يبرأ من الإمام أو من العلماء إذا تولوه ونصروه، أو يقف عن العلماء الذين قد صحت معه شواهد الحجة بعلمهم، أو يبرأ منهم برأي أو بدين، من أجل ولايتهم له ونصرتهم له، فيما يكونون حجة في القيام بذلك من ولايته ونصرته، فلا يضيق ذلك على الضعيف، فإن أعان على الإمام أو ترك ما يلزمه من نصرته، أو امتنع من طاعته فيما قد لزمه له من الطاعة، فيما قد قام به من العدل على من قام به من نصرته، أو برئ من الإمام أو وقف عنه بدين من أجل ما قام به من العدل، أو برئ من العلماء إذا تولوه ونصروه، أو وقف عنهم برأي أو بدين، أو وقف عن ضعيف ممن قد ثبتت عليه الحجة بولايته بدين، فقد هلك
وكذلك إمام الجور، فقد قيل: إنه لا يسع جهله من كان بحضرته وعصره، وشاهد جوره، فإن جهل ذلك جاهل من الضعفاء بالأحكام في الأئمة، وثبوت الولاية والبراءة في الأئمة الذين قد قامت شواهد الحجة بمعرفتهم عليه بعلمه، فجهل ما يلزمه في ذلك، فإذا جهل الضعيف ذلك، على التسليم لعلماء المسلمين فيهما قاموا به على المبطل من باطله، والمحق من
- 125 - (2/125)
صفحة 369
حقه، وعلى ولايتهم للمحق، وبراءتهم من المبطل، ولم يمتنع ما يلزمه من الحق في المحق والمبطل، من النصرة على المبطل إذا قدر على ذلك، ومن النصرة للمحق إلا أنه لم يبلغ علمه إلى معرفة الحكم، في ولاية الإمام العادل، والبراءة من الامام الجائر في عصره ومصره وزمانه ومكانه، وتولى المسلمين على قيامهم بالحق في المحق والمبطل، في محاربة أو نصرة أو ولاية أو براءة، فيقف عن ضعيف ممن قد وجبت ولايته عليه بدين، أو يبرأ منه بدين أو يبرأ من عالم من علماء المسلمين من أجل ذلك برأي أو بدين، من أجل قيامهم بالحق؛ فهو سالم.
فصل: وقد جاء الأثر أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه، أو يبرأوا من العلماء إذا برثوا من راكبه، أو يقفوا
عنهم.
وجاء الأثر أنه من وقف وتولى من تولى، ممن وجبت ولايته فقد تولى، ومن وقف وتولى من برئ فقد برئ، إذا ضعف عن الحكم ولم يبصر ما أبصره العلماء من ولاية من لزم ولايته، وبراءة من لزم البراءة منه
فإن قال قائل: فكيف قلتم: لا
يسع الناس جهل الامام العادل؟
وما الموضع الذي لا يسع معكم من جهله؟
قلنا له: معنا أنه لا يسع الضعيف من الامام عند جهله، لما يازم فيه من ولايته، وطاعته أن يجهل فيمتنع عما قد لزمه من حكم الإمام، إذا ظن أن ذلك لا يلزمه، أو يمتنع عن نصرته في موضع ما يقدر على ذلك، إذا كان يلزمه بالاجماع أو بجهل، فيعين على الإمام في أمر مما جعله الله له من الحق، ممن قد حاربه وبغى عليه، فهذا موضع ما لا يسع من جهل الإمام العادل، أو يمتنع من أداء الزكاة إليه، إذا وجبت عليه بالإجماع، أو يمتنع مما قد قامت عليه به الحجة، من لزوم حد له أو حق في ماله أو نفسه، فإذا امتنع من
- 126 - (2/126)
صفحة 370
ذلك، أو خرج منه بجهل الامام وجهل طاعته هلك، وكان قد جهل
طاعته
وإذا وقف عن الإمام بدين، وأجراه على ما قد كانت حالته من قبل، بعد ظهور عدله واستحقاق معرفة منزلة عدله عليه، أو وقف عن العلماء أو برئ منهم الدين، قد صحت منزلتهم عنده، ولزمته ولا يتهم بما لا يسعه من جهلها برأي أو بدين أو وقوف عن ضعيف من ضعفاء المسلمين بدين، أو برئ منه برأي أو بدين من أجل ولايته للإمام، فقد هلك وجهل الامام، وإلا فلم يجهل ولاية الإمام، وقد قام بما يلزمه من أمر الإمام إذا لم يعلم الحكم
في الإمام.
وهذا من حال ما عذر فيه الضعفاء، بالوقوف عن المتولي والمتبرئ منه بولايتهم للعلماء، إذا شاهدوا وعاينوا المتولى والمتبرأ منه، أو شهر ذلك عندهم بما لا يشكون فيه، فيمن مضى من الأئمة العادلين والجائرين، فالولاية فيهم والبراءة للعلماء إذا ضعفوا عن قطع الأحكام في المتولى والمتبرأ
منه، يسعهم
ذلك ويجوز لهم
فإن قال قائل: فالعلماء عندكم أوجب حقا من الأئمة؟ إذ قلتم إن ولايته للعلماء تجزئه عن ولايته للإمام العادل وعن براءته من الإمام الجائر؟
فصل: قلنا له: كذلك جاء الأثر أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه، أو يبرأوا من العلماء إذا برثوا من راكبه، أو يقفوا عنهم من أجل ذلك، فالعلماء حجة على الأئمة ولهم، فيما قاموا عليهم فيه من الحجة في دين الله، والقيام بدين الله، فكانوا حجة لهم فيما أثبتوا لهم من الإمامة في دين الله، وعلى عباده، ألا يمتنعوا عن طاعتهم بعد قيام الحجة عليهم بالعلماء، وإنما كان الإمام حجة من حجج العلماء على العامة، والعلماء هم الحجة على الإمام والعامة، لأن الإمام قد يُفسد في
- 127 - (2/127)
صفحة 371
أموره، وينكره عليه العلماء فلا يفسد في الدار ولا في الدعوة، ما قام الأعلام على الإمام بالنكير فيما ظهر منه، فإذا فسد العلماء فسدت الدعوة وبطل حكم الدار، إلا أن ينكر عليهم ذلك البعض من العلماء ومن أهل الدار، ويغلبوا
على المبتدعين من العلماء، وتستقر الدعوة في يد المنكرين من العلماء وإن اختلفت الدعوة من العلماء والأتباع، ودان كل من أهل الدار بشيء من الضلالات؛ فسدت الدار وصارت دار اختلاط، بفساد العلماء وبعض العلماء، فالعلماء هم حجة الله في أرضه على الإمام والعامة، وهم أثبت حجة من الإمام في هذا الباب، فيما جعل الله لهم من الحجة، والإمام أثبت حجة من الأعلام، فيما جعل الله له من ثبوت الأحكام، والنصرة على مصالح أمور المسلمين، فإذا لم يجهل من الامام ما جعل الله له من الحجة في الحق لم يجهل الامام
وإذا لم يجهل في الامام ما جعل الله للأعلام من الحجة في جميع مصالح الإسلام، والقيام بجميع حجج الإسلام فيترك ولا يتهم من أجل عقد الامام أو ولايته أو نصرته، أو شيء من أمور ما هم حجة الله فيه على العوام، فقد تولى الامام بولاية العلماء، لأنه من وقف وتولى العلماء فقد تولى إذا ضاق عن الولاية، وكذلك إذا وقف عن المتبرأ منه، وتولى العلماء على ذلك؛ فقد برئ ممن برئ منه العلماء، وتولى من تولوه، ولا يضيف على الضعيف في هذا؛ ما لم يضيع ما يلزمه من الحقوق، أو يقف عن العلماء أو يبرأ منهم، على ما وصفنا، والله أعلم
فصل: وقد قيل: إن الإمام العادل لا يسع جهل ولايته، وإمام الجور لا يسع جهل البراءة منه؛ من شاهدهما وحضر جورهما وعدلهما، ولا يبين لنا إلا على هذا التأويل، لموضع ما تقدم من الإجماع، على أن المتولي الضعيف على البراءة؛ براءة. والمتولي الضعيف على الولاية؛ ولاية، ولا نعلم في هذا الأثر اختلافا
- IYA- (2/128)
صفحة 372
فصل: فإن قال قائل: فإنما هذا للضعفاء، فيمن لم يصح معهم
جوره ولا عدله من
عدله
الأئمة، وأما من صح معهم وجوره فلا يجوز لهم
ذلك، وعليهم الولاية والبراءة
قيل له: إذا لم تصح حجة الجور من الجائر والعدل من العادل، وسع الوقوف عنه، ولو كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وموسى بن علي ومحمد بن محبوب، وجميع العلماء والفقهاء، ولم يسعهم إلا الوقوف عنه، والعلماء والضعفاء إذا لم يصح منهم العدل والجور في ذلك سواء، ولا فرق في حكم الضعيف والعالم في الولاية والبراءة إذا لم يصح معهم العدل ولا الجور، فإذا صح مع العالم ما تجب به العداوة من الجور، لزمته العداوة بعلمه، وإذا صح معه ما تجب به الولاية لزمته الولاية بعلمه، وهلك بترك ذلك. وإذا لم يصح معه ذلك فهو واسع له أبدا، حتى تقوم عليه الحجة بمعرفة ما تجب به الولاية والبراءة والعداوة، ثم عليه حينئذ الحكم، بالمعرفة التي خصه الله بها، دون الضعيف في الأحكام من الولاية والبراءة، وهو والضعيف عند جهل ما تجب به الولاية والعداوة سواء، ولا فرق بينهما فيهما ولا نعلم في ذلك اختلافا، وإنما الاختلاف بين الحكم في الضعيف والعالم في الولاية والبراءة
إذا
صح
ما تجب به الولاية من الموالاة، وما تجب به العداوة من المعاداة
وما لا يسع إلا الحكم به إذا بلغ إلى علمه، وجب على العالم أن يحكم
،
،
،
6
ووجب على الضعيف أن يستسلم، واستسلامه أن لا يبرأ من العلماء ولا يقف عنهم برأي ولا بدين من أجل ولايتهم وبراءتهم، ولا يقف عن ضعيف بدين ولا يبرأ منه برأي ولا بدين، من أجل ولايته وبراءته.
فإذا فعل ذلك كان سالما، وسواء شاهد ذلك أو غاب عنه، لأنه لا فرق في قيام الحجة في المشاهدة وما أوضحته الشهرة من السالف فيما تجب به الولاية والبراءة. وإنما قيل إنه لا يسع جهل العلماء الحاضرين دون الغائبين، والأحياء دون الأموات، لأن الأحياء تلزم طاعتهم، والانسان متعبد في دينه
- 129 - (2/129)
صفحة 373
بطاعتهم ونصرتهم، والأموات قد غاب عنهم ذلك وبعد، ولا طاعة لميت
على حي إلا ما قد وجب من إنفاذ طاعته، والتمسك بأحكامه النافذة فالمتعبد بالشيء في حينه غير السالم منه، وحكمهما مختلف في لزوم الطاعة والولاية والبراءة، ولا فرق بين ولاية الحي والميت، والبراءة من الحي
والميت.
وعلى ذلك أجمع المسلمون؛ أن البراءة والولاية تلزم في الأحياء والأموات، وأن الطاعة تلزم في الأحياء دون الأموات، والمشاهد دون الغائب. ومن ذلك أنهم قد أجمعوا أن على المسلمين أن يتولوا الأئمة في الأمصار وفي مواضعها إذا صح عدلها، ويبرأوا من الأئمة في الأمصار إذا صح جورها، ولو لم يكونوا في مملكة الامام العادل، ولا الامام الجائر في الأحياء
منهم.
وأجمعوا أنه لا طاعة للإمام على من لم يحمه ويمنعه من الجور والعدوان إلا أن يخص ذلك أحد ألزم نفسه طاعة الإمام بالبيعة له وألزم نفسه ذلك له، وإنما تلزم طاعة الإمام أهل مصره المستولي عليه، أو الموضع المستولي عليه المانع له من الجور والعدوان، فهنالك يلزم طاعة الإمام في جميع ما أنفذ في رعيته من القصاص والأحكام والحدود، وإنفاذ جميع الأحكام وقبض الصدقات، والنصرة له على أموره الواجبة عليه.
الإمام
فصح أن الولاية غير الطاعة، وأن الولاية أثبت. من الطاعة، وأن الطاعة إنما هي بالمشاهدة والمخاطبة من حجة الإمام. ولو أن أحدا من رعية، ممن يقدر على نصرة الإمام، ويقدر على إنفاذ جميع الأحكام من الرؤساء والأعلام، جامع لما يحتاج إليه الإمام من أمر منافع الإسلام، سلمه من الامام أن يعرضه لشيء من أمره، وقام الإمام بمن حضره من المسلمين، بأمر دولة المسلمين ومصالح الحق، إلى أن مات ذلك الرجل ولم يجز عليه الإمام حكما، ولا أمره بأمر، لكان بذلك سالما، ولم نقل إنه لزمه
الله
- 130 - (2/130)
صفحة 374
طاعة لهذا الامام في خاص أمره، إلا ما أوجب الله عليه في جملة الإسلام، أن
عليه طاعة الإمام فيما جعل الله عليه من الطاعة له
6
فكان هذا العالم الغني.
6
الرئيس الذي قد اجتمعت فيه خصال النفع قد عافاه الله محنة الطاعة من، ولم يعافه الله من ولاية الإمام إذا بلغ إلى علم ذلك
للإمام
والمسلم في جملته يتولى الإمام ويدين بطاعة الإمام، فهو في طاعة الامام
في الجملة، معافى منها في الخاص له، وإذا علم ما تجب به الولاية لم يسعه
قط
إلا الولاية، ولو لم يوله الإمام عاملا قط، ولا نفذ عليه له حكم لأحد من قبله من سعاته ولا ولاته ولا قضاته حجة قط، فهو في ولا سمع طاعته في الجملة، وسالم منها في المخصوص، وعليه ولايته في مخصوص نفسه إذا صح معه ذلك فيه، فالولاية والبراءة في المحيا والممات سواء، والمشاهدة
من
والمغيب سواء، والطاعة إنما تكون بالمشاهدة والحضرة، من خصه ذلك. أهل المملكة والمصر، فالاختلاف في الحي والميت من طريق الطاعة والموافقة في الحي والميت، مع صحة ما تجب به الولاية والعداوة في الحي والميت. وهذا الذي يصح معنا في تأويل القول في الأئمة، وما يسع منهم وما لا يسع من طاعتهم وولايتهم، والحي والميت، والله أعلم بالصواب
المكنة منهم على
فصل: وأما تقديم الإمام إماما على المسلمين؛ عند ذلك، والقدرة وزوال العذر من التقية، وحضرة من تقوم به الامامة، وتقوم به مصالح الأمر في الإمامة، من الأعلام والقواسم والأنصار والأعوان على الأحكام، فقد قيل إن ذلك لازم للمسلمين، ولا يسعهم تركه بعد القدرة عليه، على ما وصفنا من بلوغهم إلى القيام بذلك، واعتلوا في ذلك بعلل من ولاية النبي على الأمصار، وتنفيذ القادة على الجيوش، وعقد الرايات لبعض دون بعض، ولبعض بعد بعض، لقول الله - تبارك وتعالى -: وَيَدْرَأَ عَنْهَا الْعَذَابَ) أي الإمام لأنه واحد مذكر، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: الحدود والجمعة والزكاة إلى الإمام والأشياء يطول وصفها، فقالوا إنه يجب
- 131 - (2/131)
صفحة 375
الدخول في الإمامة والقيام بذلك لتمام الأحكام، ومصالح أمور الإسلام.
وعلى المسلمين النظر في ذلك والاجتهاد الله ولكافة المسلمين، وذلك إلى العلماء البصراء، الذين هم حجة الله على عباده في بلاده، فعلى ما أجمعوا عليه ولم يختلفوا، كان على جميع العامة من الرعية السمع لهم والطاعة والنصرة لتلك الجماعة، ولا يجوز للحاضر من الجميع عند إجماع العلماء أن ينكر ذلك، ولا يخرج منه، ولا للغائب عن الجماعة أن يغير ذلك ولا ينكره، فقد لزمت الجماعة من الخاصة والعامة ما أجمع عليه من شاهد ذلك من الأعلام، عقد ذلك الإمام، وليس لمن حضر ذلك من الأعلام أن يترك ذلك إذا قدر عليه وهو له لازم.
من
وقال من
قال: إن ذلك ليس بواجب الدخول فيه، ولا العقد له، وإنما هم مخيرون في ذلك، فإن دخلوا في ذلك كان عليهم القيام به،، وكانوا حجة للامام وعليه، فيما قد ألزموا أنفسهم من ذلك، وكان ذلك فريضة إذا قاموا به، وإذا لم يقوموا به لم يكن ذلك فرض، ولا لازم لهم أن يدخلوا أنفسهم فيما يجب عليهم فيه فريضة، قبل أن يلزمهم، فإذا لزم الفرض بقيام غيرهم أو بثبوت ذلك بالغير، لزمهم الدخول في الفرض، والوفاء به والقيام به، وهذا القول هو معنا أشبه بأحكام كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لا يجب فرض باختيار، وأن كل اختيار هو نقل من جميع الأحكام في جميع أمور الإسلام، ولأن هذا لا يقع، فإذا وقع الاختيار كان فرضا، وما لم يقع لم يكن
فرضا
فإن قال قائل: فكيف يكون وسيلة في الأصل، فإذا كان فرضا،
وما الحجة في ذلك؟ وما الدليل عليه؟
قلنا له: الدليل على ذلك منه ومن نفسه وغيره، أنه لو اجتمع المسلمون في حال لا يكونون فيه قادرين على ذلك، وكانوا في حال التقية والضعف، فاجتمع جماعة من المسلمين من الأربعين فصاعدا، وفيهم من
- 132 - (2/132)
صفحة 376
يقوم به عقد الامامة، فأظهروا أمرهم وعقدوا الإمام منهم، في حال يجمع عليه أن ذلك منهم، كان وسيلة، وأنهم لم يكونوا مخاطبين بذلك، وهم في حد العجز عنه، أن ذلك الامام في إجماع أهل العلم من أهل الاستقامة إماما، وأن له من الطاعة والحق ما للإمام، الذي عقد له في حال القدرة لمن خصه ذلك من الناس، وأن هذه الامامة على هذه الصفة فريضة، وطاعة هذا الامام لمن خصه ذلك فريضة، وولايته فريضة واجبة، وقد كان الاجماع أن أمره كان في حد الوسيلة والفضيلة، وهذا مما لا نعلم فيه اختلافا من قول أهل العلم، أن العقد له، كان في حد الوسيلة والفضيلة، وأنه لما عقد له كان ذلك فريضة، فهذا قد كان بالإجماع أوله وسيلة وآخره فريضة، فكذلك لا يتعرى ولا ينكر أن يكون الأولى أوله وسيلة وآخره فريضة، ولأنه لو كان العقد فريضة لم يكن يجعل فيه اختيار، ولأن أحكام الاختيار لا يكون فرضا إلا من سبب قد دخل فيه المتعبد وأراد الخروج منه، وأما لشيء يريد الدخول فيه، فلا نعلم ذلك في أحكام أصول الدين
فصل: فإن قال قائل: فقد جعل الله في كفارة الأيمان الاختيار في
العتق والإطعام والكسوة لمن يجد،
منه،
ذلك ولم يجزه سوى
فصل: قلنا له: هذا مما قد قلنا إنه مما قد دخل فيه ويريد الخروج وذلك مما لم يدخل فيه، فليس عليه الدخول في باب هو فيه مخير، يدخل أو لا يدخل، لأن له النظر في ذلك، فإن شاء لم يقع نظره على شيء مما يراه صلاحا، وكان ذلك مزيلا عنه الفرض، فإن شاء وقع نظره على شيء، وكان ذلك النظر هو سبب الفرض، ومتى يكون النظر فرضا، وهل لذلك غاية، فلا يجد بدا من أن يكون النظر له غاية، ولا غاية له، فيبطل حكم النظر
ويقال له: أرأيت إن لم يقع النظر في ذلك في يوم أو يومين، أو ساعة أو
- 133 - (2/133)
صفحة 377
ساعتين، أيكونون سالمين، وغير فرض عليهم ذلك أو غير سالمين، لأن
عليهم فرض النظر؟
فإن قال: سالمين أبدا ما لم تقع الإشارة على أحد من المسلمين، ممن يرونه أهلا لذلك، ويروا وجه ذلك وصلاحه
قيل له: فإن مضى لذلك شهر أو شهران، ما القول في ذلك؟
فإن قال: هم سالمون بذلك ما لم يقع بذلك اختيار.
قلنا له: فلا غاية لذلك أبدا عندك؟
فإن قال: نعم؛ لا غاية لذلك
قيل له: فأين في الإسلام فريضة لا غاية لها، ولا يدرك لها غاية إلا الاختيار من المتعبد بها، فهذا لا يصح في أحكام الفرض.
وإن قال: لها غاية، ولا يسعهم دون أن يرضوا ويختاروا.
قيل له: فما مضى من أيامهم هم فيه سالمون أو غير سالمين؟
فإن قال: سالمون
قيل له: فإن لم يقع اختيارهم على شيء يسلمون أم لا؟
فإن قال: لا يسلمون.
قيل له: نقضت أصلك وجئت بما لا يصح في العقول؛ أن المخير في
شيء يهلك، قبل أن يقع اختياره عليه
ويقال له: فما تقول إن ماتوا أو مات أحدهم في ذلك الحال، ما يكونون، أمتعلق عليهم فرض أم لا؟ فلا يجد بدا من أن يقول إنه من
- 134 - (2/134)
صفحة 378
مات وعليه فريضة، أنها لازمة له في الإجماع ومقصر دونها.
ويقال له: أرأيت ما احتججت به من كفارة الأيمان والتخيير فيها، إن مات المخير في ذلك قبل أن يختار في ذلك شيئا وينفذه، أيكون خارجا من حكم الاختيار، أم عليه أحد ذلك متعلقا، فأين ما ذكرته من هذا؟
فصل: فإن قال: فالحج فريضة والزكاة فريضة، فإذا وجبتا فللعبد فيهما الخيار، متى شاء أداؤهما إذا كان دائنا بذلك، فمتى أدى ذلك كان ذلك فرضا، وقد كان مخيرا في ذلك؟
قيل له: هو كذلك، ولكن لا يشبه هذا ما اعتللت به، ولكن هذا مما أكد ما قلنا، أنه قد دخل فيه وعليه الخروج، أفرأيت إن مات قبل أن يزكي أو يحج أو يخرج من ذلك؟ أم هو متعلق عليه ولا يشبه هذا ذلك؟ فصل: فإن قال: فإذا عارضتم قول المسلمين بالعلل لتضعفوه، فأتوا على قولكم هذا بدليل، من غير ما استدللتم به منه، لأنه إنما يستدل على الشيء بغيره، ولا يستدل عليه به
قيل له: لا لسنا نضعف قول المسلمين، وإنما يزيد تقوية قول المسلمين بما يصح له الأصول في الدين والاستدلال بالشيء منه ومن شبهه، إذا وجد ذلك، فهو أصلح الأدلة على الشيء، لأنه إذا لم يوجد في الشيء بعينه حجة، استدل عليه بأشبه الأشياء، فإن لم يوجد شيء يشبهه خرج من الشبهة، ورجع إلى القياس على الأشياء في غيره، والشبه في الاجماع لاحق بالشيء بعينه، وما أشبه شيء فهو منه، لا نعلم في ذلك اختلافا، فكفى من قلة علمه بهذا
فصل: ومع هذا فإنا نوجد لك إن شاء الله دليلا من غيره، ما هو
خارج قياسا عليه في حكم الاجماع، ومما لا نعلم فيه اختلافا
6
وهو أيضا أشبه
- 1 ro - (2/135)
صفحة 379
الأشياء بحكمه، وهو أحكام النكاح؛ فالإجماع من أهل القبلة، لا نعلم اختلافا أنه ليس على العبد من ذكر أو أنثى من الأحرار الأصحاء العقول
بينهم
من
البالغين الحلوم، أن يتزوج، وأنه مخير في التزويج في حكم الإجماع، وأنه إذا أراد التزويج فهو مخير فيهما أحل الله من النساء، وأنه ليس محجورا عليه شيء النساء، إلا ما قد حرم الله عليه من ذوات الأنساب منه، والرضاع والأصهار وذوات البعولة وما سوى ذلك، فهو مطلق مباح له وللمرأة في ذلك مثل الرجال، وأنه لا غاية له في اختياره ذلك، وأنه إن عصى الله بشيء من الزنا، أو مد النظر، فإنما هو. هالك بذلك الذي أتاه، لا يتركه التزويج فإذا تزوج وعقد على نفسه التزويج، ورضيت المرأة به، ثبت ذلك في الإجماع، وكان ذلك فرضا في كتاب الله، ووقع موقع الفرض، ووجبت بذلك أحكام الفرض، من أنه لا ينحل إلا بطلاق وما أشبهه، أو حرمة أو موت، وحكم به في الفرائض والعدد وأصناف الأحكام فهذا ما لا نعلم فيه
اختلافا
"
فصل: فإن قال: الإمامة فريضة على المسلمين، والنكاح إنما هو
فريضة على الزوج والزوجة.
قيل له: فسواء ذلك الفريضة على الكل والفريضة على البعض في مخصوص ذلك ومعمومه، فإذا كانت الفرائض تنعقد إذا عقدت بما يكون أوله العاقد والمعقود عليه، فسواء كانت على الكل أو على البعض، لأن
اختيارا من الإمامة وإن كانت عامة، فقد تكون أحكامها خاصة بالعاقدين لها والمعقود عليه، كنحو النكاح، بل الإمامة تنعقد بأقل ما ينعقد النكاح، لأن الإمامة تنعقد بالولي والمعقود عليه، ولا يحتاج إلى غيرهم، والنكاح لا ينعقد إلا بالولي والزوج وهم اثنان فصاعدا شهود النكاح، لا ينعقد النكاح بأقل من ذلك، ولا نعلم شيئا من الفرائض ولا من كتاب الله - تبارك وتعالى ـ ولا من سنة رسوله، ولا من الإجماع أشبه بالإمامة وأشباهها من النكاح وأسبابه، لأن
- 136 - (2/136)
صفحة 380
النكاح لا يثبت إلا بالولي، وكذلك الإمامة لا تثبت إلا بالولي، وولي الإمامة من المسلمين، وإن كثر المسلمون وكثر علماؤهم، وهم اثنان فصاعدا، وقد قيل بالواحد وقد قيل بالثلاثة وقيل بالستة وقيل بالخمسة، ولا نعلم أن أحدا قال بأكثر الستة من في جماعة المسلمين، ولو كان العلماء مائة ألف أو يزيدون، فولي ذلك منهم من قد وليه على بعض قول أهل العلم، ثبت ذلك على جملة المسلمين، ولا يحتاجون إلى شهود، إلا أن الجماعة هم بمنزلة الشهود معنا، ولا تكون الامامة إلا في ظهور من العاقدين، وفي جماعة من المسلمين، كذلك الأولياء للمرأة ولو كانوا ألف ولي، كلهم في الولاء واحد فولي ذلك من المرأة وعقد نكاحها واحد، من أدناهم منزلة وأضعفهم قوة وحيلة، فجعل ذلك في موضعه ورضيت المرأة بذلك، ثبت ذلك على جميع الأولياء، وإن كرهوا كلهم، كذلك الجماعة ولو كرهوا كلهم بعد العقدة للامام ووضع ذلك في موضعه، ما كان لأحد منهم للراضي منهم أن يرجع ولا للغائب منهم أن يكره، ولا نعلم في ذلك اختلافا، فليس شيء من أحكام كتاب الله أشبه بالإمامة ولا أقيس بها من النكاح.
،
،
فإن قال: ليست الإمامة بمنزلة النكاح، ولا تشبه الإمامة بالنكاح، لأن الإمامة فريضة لازمة، والنكاح إنما يدخل العبد فيه لموضع شهواته
ولذاته.
قيل له: النكاح أشبه بوجوب الفرض من الإمامة، لعلامات ذلك في كتاب الله، من غير أن نقول إن ذلك على الفرض، بل هو على الإطلاق؛ قوله - تعالى -: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّن النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ
ذلِكَ أَدْنَ الَّا تَعُولُوا) (1)
وأشباه هذا. ثبت ذلك بعد العقد والإجماع عليه، أنه فرض،
(1) الآية (3) من سورة النساء
- 137 - (2/137)
صفحة 381
وجميع
والإمامة ليس لعقدها علامة في كتاب الله ولا ذكر، فالإمامة أشبه أن تشبه بالنكاح، أولى من أن يشبه النكاح بالإمامة، ولأن النكاح عليه الإجماع من الأمة من أهل القبلة، وكان ذلك ثابتا في الجاهلية، وعليه جميع الملك أهل الشرك، ولا يختلف في إجازة النكاح أحد من الخلق فيما عرفنا ولا يختلف في فساد السفاح أحد، وأنه لا يقع إلا على النكاح وإن اختلفوا في ألفاظ النكاح وأسباب ثبوته، فلا يختلفون في أنه ما عدا النكاح فهو فاسد
ولا يجوز
فصل: وقد اختلفت الأمة في الإمامة والإمرة، فأجاز بعض الناس غصب الإمرة والإمامة، واستبداده بهما لنفسه دون غيره، وأثبتوا لهم على ذلك الطاعة، وقالوا: إنهم أولو الأمر على ذلك، ولا نعلم أن ذلك قال به أحد في النكاح من أهل القبلة ولا غيرهم.
فإن قال: فإن النكاح إنما هو اختيار يوجب فرضا، والفرض يراد به بلوغا إلى شهوة ولذة، والإمامة باختيار توجب فرضا لأداء فرائض الله،
وإزالة محارم الله، وبلوغ إلى إقامة حدود الله
قيل له: كذلك عقد النكاح يوجب حقوقا للزوج على زوجته، ولا يحل له من غيرها وحقوق لها عليه، لا يبلغ ذلك إلا بعقد ذلك الفرض الذي وقع على الاختيار، من الكسوة والنفقات وحسن الصحبة والمعاشرات، إن قام بها قام بفرض، وإن خالفها ركب محجورا
والإجماع أن الذي يدركه الزوج من الزوجة لا يصح من الأحرار له إلا بالنكاح، إجماع ثابت لا اختلاف فيه، في حال نكاحه وفي غير حال
نکاحه
عدم
تلك العقدة من الامامة، تجوز
فصل: وأجمع المسلمون أنه عند. لولي العقدة من علماء المسلمين، أن يقوموا بما يجوز أن يقوم به الامام، إذا
- 138 - (2/138)
صفحة 382
عقدت له تلك العقدة، وأنهم أولياء للأمور التي تقوم بالإمام، إذا لم يكن إماما معقودا له الإمامة، ولا نعلم أنهم اختلفوا في شيء من الأشياء إلا وقالوا إن للجماعة أن يقوموا به إذا لم يكن إماما، وساروا بذلك وعملوا به، من المحاربات وعقد الرايات، وإنفاذ الأحكام من الأقسام، وفرائض النساء والأيتام، وتزويج من لا ولي له من النساء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنصاف الناس من جميع دعاويهم، إلا أنهم اختلفوا في الحدود.
فقال
من قال: لا يقيمها إلا الإمام.
وقال من قال: إن الحدود هي ضرب من الأحكام، وما جاز في الأحكام جاز في الحدود، ولا يجوز غير ذلك، لأنه لا يجوز تعطيل الحدود، كما لا يجوز تبطيل الحقوق. وقد خاطب الله المسلمين بذلك فقال - تعالى -:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تحكموا بِالْعَدْلِ) (1).
وقال - تعالى -: {وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ (2) فهذا في
الأحكام في الحقوق.
وقال - تعالى - في الحدود: الزانية: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْها
20
مِائَةَ جَلْدَة (3)
وقال في القاذف: (وَالذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) (4)
فقد خاطب الله الجماعة بالحدود والأحكام، فإن ثبت في الأحكام
(1) جزء الآية (58) سورة النساء. (2) جزء الآية (127) سورة النساء.
(3) جزء الآية (2) سورة النور
(4) جزء الآية (4) سورة النور
- 139 - (2/139)
صفحة 383
بالخطاب العام ثبت مثله في الحدود، دون أن يبطل ذلك في الحدود، فمثله في سائر الأحكام، والله الموفق للصواب
-12 - (2/140)
صفحة 384
باب
الإمامة والفرق بين ما يجوز فيه قول الإمام ودعواه وحكمه وما لا يجوز
الله على عباده في أرضه وبلاده، من صحت له الاستقامة ومن حجج من الفقهاء والأعلام، فيهما أوجبه على الكافة من عقدهم للإمام، علم ذلك علمه أو جهله، فإذا ظهر منهم في الدار ما تقوم به الحجة على الكافة، ممن بلغه أمر العقدة وصحة الامامة في المصر، الذين هم غالبون عليه في أمر
من
الدينونة، أو في الموضع الذي هم غالبون عليه في الدينونة، ممن ظهر له بدين
6
بعقد الامامة وانتحال لها، فإذا شهرت العقدة أو صحت من أهل الاستقامة أو شهرت إمامة الإمام في دار أهل الاستقامة، وفي وضع ما لا يكافئهم فيه أحد بالتدين، ممن ينتحل الإمامة، فيوقع في الإمام الاشكال في أمر العاقدين فقد قامت حجة الإمام لموضع ثبوت ذلك عن الأعلام، وكان الأعلام حجة على الكافة في عقد الإمامة للإمام، وتثبت هنالك حجة الإمام على الكافة والأعلام، وكان حجة على الكافة والأعلام، فيما جعل الله له الحجة في الأحكام، وفيما جعله الله أمينا فيه في أمر الخواص والعوام، ولو
6
من
كانت الحجة خائنة لله في السريرة في عقد الإمام، وكان الإمام خائنا الله، في كل ما ظهر منه من الأحكام على أحد من الكافة، أو أحد من الأعلام، أو أحد من أهل الذمة، أو أحد من أهل الإسلام، فالحجة حجة، ودافعها أو
- 121 - (2/141)
صفحة 385
مخالفها بخلاف فعلها أو المدعي عليها باطلها، أو المدعي باطلها على غيرها المسلمين، هو المدعي والمبطل في ادعائه وفي مخالفته، ولو كان عند الله في من
سريرته صادقا، وكان الحكم الحق في سريرته موافقا
فصل: فإذا ثبتت إمامة الإمام، فكل ما ظهر منه في الدار في رعيته في الخاصة أو العامة، خارجا على طريق الأحكام في مال أو فرج أو عتق أو قتل أو حد أو قصاص، فكل ما خرج من أفعاله على سبيل ما ائتمنه الله عليه من الأحكام، فهو الحجة في ذلك على من ادعاه عليه أو فعله فيه، فأما الحقوق كلها في غير الأبدان من القتل والحدود وما أشبه ذلك، مما هو متعلق في أحكام الأبدان، فقول الإمام مقبول على رعيته في ذلك، ولو أنكر ذلك المحكوم عليه إذا قال الإمام إنه أقر معه بذلك، أو صيـ صح معه ذلك بسماع البينة عليه بحضرته، فأنكر ذلك المحكوم عليه، فإن الحكم ثابت عليه ولا حجة له في تدفع حجة الإمام، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أهل العدل من
ذلك
المسلمين.
فصل: وسواء ذلك في الحقوق، وكان قد أنفذ الحكم على المحكوم عليه أو لم ينفذه فقوله مقبول على المحكوم عليه، والقول في ثبوت أحكام المواريث والموت والعتق والطلاق والديون والإقرارات والوصايا، وجميع ما يخرج حكمه من غير الأبدان من الحدود والقتل والقصاص، فكل ذلك ثابت قول الإمام فيه، على المحكوم عليه؛ بعد الحكم وقبله، ولا حجة في ذلك لخصم عليه إلا أن يصح عليه في ذلك أنه مبطل بالبينة، فإذا صحت البينة عليه في ذلك بالباطل، كان خصما وكان محدثا بذلك، وكان الحكم في ذلك إلى الأعلام، وكانوا هم الحكام عليه والقوام، كان قد أنفذ الحكم أو لم ينفذه، ومنعوه من إنفاذ الباطل وقاموا عليه بالحكم، فيما قد أنفذ من الباطل، من ضمان ما يلزمه في ذلك في ماله أو مال المسلمين على ما يوجبه
الحق.
،
- 1 EY- (2/142)
صفحة 386
مدع.
وكذلك كل حكم يخرج من فعله مخرج الأحكام، أنفذه من. غير إنكار
ممن قد أنفذه عليه، في حين ما يحكم به عليه من قصاص أو قتل أو حد، ثم أنكر ذلك المحكوم عليه بعد إنفاذ الحكم عليه، فلا قول له في ذلك، وهو، وورثة المقتول في ذلك مدّعون، إلا أن: يصح ذلك بالبينة أنه مبطل في أحكامه، فإذا صح ذلك بالبينة ثبت عليه في ذلك حكم غيره من الخصماء، وكان الحاكم عليه في ذلك أهل الحق من المسلمين، وكان محدثا وحكمه حكم المحدث ولن يجب عليه في ذلك حكم الخطأ والباطل، إلا أن أنه قد
يصح
حكم بما يخالف أحكام الكتاب أو السنة أو الإجماع أو ما أشبه ذلك.
فصل: وإذا دعا الإمام على أحد من رعيته، أنه أقر معه بحد من الحدود، وبما يجب عليه فيه القصاص أو القتل في القود، وأراد إنفاذ ذلك عليه فجحد ذلك وأنكره، كان الإمام في ذلك مصدقا فيما يجب من ولاية الإمام، ولا يحكم عليه بذلك، وإن طلب الانصاف في ذلك من الإمام، كان الإمام في ذلك مدعيا في أكثر قول المسلمين
وقد قيل: إنه لا يجوز إنكاره بعد إقراره في جميع ذلك، في الحدود والقصاص والقود، ويثبت إقراره عليه ولا رجعة له، فإذا ثبت إقراره بذلك وقال الإمام إنه أقر. معه بذلك الحد، وجحد هو أنه لم يقر بذلك، ثبت عليه قول الإمام، وأنفذ عليه جميع الحكم، وكان الامام حاكما عليه بذلك، ولا حجة له إلا البينة
وأما على قول من يقول: إن له الرجعة في إقراره، ويزول عنه حكم
6
ذلك، فإذا أنكر ذلك بطل حكم الإقرار، ولا تهمة على الإمام في ذلك ولا عليه هو في ذلك، ولا يثبت عليه الحكم بذلك، ولا يلزم الامام في ذلك تبعة، ولا توبة عليه إلا أن يقذفه بما يكون قاذفا له بمكفرة عند من يتولاه، فإنه يلزمه في ذلك التوبة والبراءة، وهو كغيره من الخصماء في ذلك، إذا صرح
- 143 - (2/143)
صفحة 387
القذف بما يكون به المقذوف كافرا من جميع الكبائر
فصل: والإمام في جميع ما خرج من سبيل الأحكام مدع فيما يقول على رعيته، من ادعائه لنفسه ما يجر إلى نفسه مغنها أو يدفع عنها مغرما، فهو في ذلك مدع. فإن قال على أحد من رعيته أنه قتل أباه أو أخاه أو أحدا ممن يكون هو ولي دمه أو وارثه. أو قال إنه أقر معه بذلك. أو قال إن عليه له ألف درهم أو أقر له بألف درهم، أو ادعى تزويجا أو شيئا من الأشياء التي لا يكون حاكما فيها على من يدعي عليه لغيره، ويكون الحكم في ذلك لنفسه أو لأحد فيما يجر إليه بذلك مغنما، أو يدفع عنه مغرما أو لعبده، فذلك کله يكون فيه مدعيا، ولا يجوز أن يجبر في ذلك رعيته على ما يدعي، وإذا حكم لنفسه على رعيته، فيما يقع عليه حكم الإجماع أنه مدع فيه، فذلك لا يجوز له، ويكون بذلك محدثا، فإن أراد إنفاذ ذلك على خصمه، فطلب منه خصمه الانصاف منع من ذلك، وكان عليه الامتناع عن ذلك، ولو كان صادقا في قوله عند الله، فإن خرج من حكم المسلمين في ذلك وامتنع، كان حربا على ذلك
من
أولاده
"
فصل: وكذلك إن ادعى على أحد من رعيته أنه قذفه بالزنا، أو
قذف من هو ولي ذلك ممن قدمات، كان بذلك مدعيا ولا يصدق في ذلك وعليه البينة وهو خصم في ذلك
6
وإن قال على أحد من رعيته ما يكون به مستحقا للعقوبة غير الحدود في القذف والزنا، وعاقبه على ذلك من تسور عليه في داره، أو اعتراض له بما يلزمه فيه العقوبة، بغير إقامة حد ولا إنفاذ حكم، إلا ما يجب على رعيته من الأدب في الأفعال، التي يستحقون بها الأدب في غير إنفاذ حكم ولا إثبات كان بذلك مصدقا، لأن ذلك مما لا يخرج فيه مخرج الدعوى، ولا يثبت فيه حكم مخالفا الإجماع، وذلك مما له فيه النظر والخيار، وإنما يكون مدعيا على من ادعى عليه من خصمائه من رعيته،، فيما لا يكون له فيه عذر في
حد،
- \ {{- (2/144)
صفحة 388
إنفاذه إذا صح على أحد من رعيته من إقامة حد أو إنفاذ حكم ثابت. فصل: وكذلك ما ادعى على رعيته، بما يجب عليهم فيه السجن والعقوبة له أو لغيره، كان في ذلك مصدقا، والاعتراض عليه في ذلك، إذا قال فيمن يثبت عليه ذلك، ويحتمل صدقه في قوله عليه
•
وكذلك إن ادعى على أحد من رعيته، مما يلحقه ذلك ما يجب عليه فيه القتل على غير سبيل القود، مما يكون قتله إلى الإمام دون حقوق العباد من القود وأشباهه، مما يكون الحق فيه للأولياء، فإذا ادعى عليه ما يكون الحكم فيه إليه من القتل من غير القود والحقوق، فقول الإمام في ذلك مقبول، ولا حجة عليه ولا ينفعه امتناعه عن ذلك ولا إنكاره، إلا أن تصح على ذلك البينة؛ أن الإمام يحكم عليه في ذلك بوجه باطل يبينون ذلك ويشهدون به مبينا، وإلا فالإمام ثابت القول في ذلك مما يكون من مصالح الإسلام والحياطة به على دولة الحق، وعلى أهل الإسلام ودين الإسلام، إلا أن يظهر المدعى عليه ذلك، ما يخرجه من القتل من التوبة أو أشباه ذلك، إذا لفته عن الباطل
إلى الحق.
وكل حال كان الإمام فيه حجة ومصدقا كان على رعيته له في ذلك السمع والطاعة، ولا يجوز لهم الامتناع عن أمره في ذلك، ولو كان باغيا على من ادعى عليه ذلك، وأراد منه ذلك في سريرته وعلى سائر رعيته النصرة له.
"
على من خرج من طاعته، فيما هو عليه فيه حجة لهم تصديق قولهم في ذلك، وإنفاذ ما أمر به في رعيته، فإن امتنع ممتنع عنه في ذلك مما هو حجة عليه فيه، كان بذلك حربا، وكان على أهل رعيته نصرته على من حاربه، وكان كافرا بذلك، ولو كان صادقا في سريرته
فصل: وكل حال كان الإمام فيه مدعيا على أحد من رعيته، فحمل على خصمه أن يكون حاكما لنفسه عليه، فامتنع عنه بذلك، كان خصمه هو
-120 - (2/145)
صفحة 389
الحجة عليه، وعلى المسلمين نصرة خصمه بالحق، والحكم عليه بالحق، والأعلام هم الحكام عليه لرعيته، ما لم يحمل على خصمه الخير لنفسه، وصدقه خصمه له بحق من الحقوق التي يكون فيها حاكما لغيره عليه، أن لو أقر بذلك له، أو قامت له البينة عليه، لم يكن للإمام أن يجبر خصمه على ذلك، ولكن يولي الحكم غيره من أهل الثقة والعلم من أهل مملكته، أو ممن يجوز حكمه ويكون خصما لخصمه، ويكون الحاكم هو المبتلى لسماع البينة له على خصمه، ولا يصدق الإمام في سماع البينة لنفسه ولا في قوله، أنه أقر له بحقه، ولا يجوز ذلك للحاكم أن يقبل منه ذلك، ولكن يدعوه إلى المحاكمة، ويُنزله منزلة الخصم، ويسمع منه البينة وينفذ عليه وله الحكم بالعدل، من غير أن يقلده في ذلك قولا، ولا ينفذ له في ذلك فعلا، ولو كان ذلك الحكم مما يجوز قول الامام فيه لغيره من رعيته من الحقوق.
فصل: وكل حال كان الإمام فيها مدعيا على أحد من رعيته، ولم يخرج إلى حال القذف للمدعي بما يكفر به، ويكون قاذفا فهو مدع والحكم إليه، ويولى الحكم غيره، ولا يخرج الحكم منه إلى الأعلام، ولكن يولى من
6
يحكم بينه وبين خصمه في ذلك الذي يدعيه عليه، ويجوز ذلك لمن ولاه ولا يخرج الحكم من يده في هذا الوجه إلى الأعلام وإلى غيره من أهل الإسلام، ولا يخرج في هذه المنزلة إلى حال الخروج من الحكم، ولكن الحكم في يده يوليه من يستحقه، ويكون حاكما عليه وله، ويكون ذلك واجبا على خصمه له فيه السمع والطاعة، إذا ولى على الحكم من يجوز حكمه، ولا يولي الإمام في ذلك الحكم والده، ولا من لا يجوز له حكمه.
فصل: وإن طلب خصم الإمام أن يكون الحاكم بينهما غير من أمره الإمام ومن ولاه الحكم، لم يكن ذلك لخصم الامام عليه إذا ولى من يستحق ذلك من المسلمين، والمسلمون مؤتمنون على دينهم، ولا يلحق الحاكم تهمة تحيف للإمام ولا بالتقية له في الأحكام، ولا في غير ذلك من حقوق الإسلام،
-12 T- (2/146)
صفحة 390
وهذا من أحكام الله التي يكون حكم الإمام فيها وحكم غيره سواء. والإمام
حجة على خصمه في هذا الفصل.
وإن اتبع الإمام خصمه إلى من دعاه إليه، كان ذلك أحب إلينا، وأبر لساحة الإمام وللحاكم الداخل بينهما، من غير أن يلحق الامام ولا أحد من الحكام تهمة في الأحكام، إلا أن يجب في ذلك على أحد، وينزل تلك المنزلة من التهمة، فالحق أن ينزل بحيث أنزل نفسه، ويحكم عليه بحكمه. فصل: وكذلك لو ادعى الإمام على أحد من رعيته حدا، من قذف له أو لمن يكون وليه في ذلك، كان القول فيه في ذلك واحد، وعليه البينة، ويولي سماع البينة بينهما والحكم بينهما غيره، وينزل منزلة الخصم، ويجعل الحاكم بينهما لإقامة ما صح على خصمه من الحد، فإذا صح ا الحد؛ أمر الإمام بإقامة الحد على خصمه غيره، وكان الحكم وإقامة الحد إلى الامام، وإلى من أمر الإمام، إلا أنه لا يقيم الحد بيده، ولا يأمر به بنفسه، ولكن إذا أقام بينهما حاكما في ذلك، وصح الحد على خصمه، فأحب إلينا أن يكون يقيم الحد في ذلك اثنان فصاعدا من أعلام المسلمين، لأنهم الحكام للامام وعلى الإمام، ولأن الامام لا تزول إمامته، ولأن الحد لا يُعطل في الإمام، فإذا ثبت الحد ولم يثبت أن الإمام ينفذه، وثبت أن الحد لا يقيمه إلا إلامام كان الحاكم على الإمام، هو يقوم مقام الإمام، ويكون ذلك برأي الإمام، فإن أقام عليه الحد رجل من المسلمين، وقد أقامه الإمام لإنفاذ ذلك الحكم بينه وبين خصمه، كان ذلك صوابا، وكان ذلك حكما جائرا إن شاء الله ممن قذفه
الإمام
فصل: وذلك أنه قد ثبت في الإجماع؛ أنه لو أمر الإمام القاضي أو غيره من الحكام؛ بإقامة الحدود بين رعيته، أن ذلك جائز، وفعل ذلك الأئمة، ولعل ذلك قد ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أمر بإقامة الحدود غيره
- 147 - (2/147)
صفحة 391
من ولاته، وأما أهل العلم فلا نعلم بينهم اختلافا أن الإمام يجوز له أن يأمر بإقامة الحدود وإنفاذ الأحكام، ولولا ذلك كذلك لعطلت الحدود في الأمصار، وكان على الأمراء أو العمال في الأمصار، رفع أهل الحدود إلى الإمام وإلى أمير المؤمنين الأكثر على الأمصار، ولكن إذا أقام الإمام واليا، وأمره بإنفاذ الأحكام وإقامة الحدود، جاز ذلك للوالي ولزمه ما أمره به الإمام، من إقامة الحدود وإنفاذ الأحكام، إذا صح معه ذلك وأبصر الحكم
فيه
والحدود والأحكام في هذا الفصل سواء، غير أنا نحب في الحدود في هذا الفصل، أن يتولى ذلك ويحكم له به اثنان فصاعدا من الأعلام، مع أمر الإمام إن أمكن ذلك، وكانوا بحضرة الامام ولم يخف أن تتعطل الحدود.
وإن أنفذه من يجوز حكمها من الامام ثبت ذلك كما ثبت في سائر
الأحكام.
قذفه
وإذا قذف الامام أحدا من أهل الإقرار بالزنا، ممن يلزم من الحد، كان في ذلك خصما، وانخلع عن الدين وكان كافرا، وعليه التوبة من
ذلك
الحد
وقد قيل: إنه تزول إمامته ولو تاب، ويقيم الأعلام إماما يقيم عليه، ويكون هو الإمام، ولا يرجع الإمام الأول إلى إمامته، ولو تاب من
قذفه
وكذلك ما يثبت عليه من الحدود بإقرار منه أو ببينة، فإن إمامته تزول؛ ويقيم المسلمون إماما يقيم عليه حد ما أتى من ذلك وما لزمه، ويكون الإمام الآخر هو الإمام، ولو تاب من ذلك وأصلح؛ فقد قيل: إنه لا يرجع إلى الإمامة، وهو صحيح، لأنه لا يجوز أن يكون إمامان في مصر واحد، فإذا
- 1 EA- (2/148)
صفحة 392
ثبت أنه لا يقيم الحدود إلا الامام، أو بأمر من الإمام، ثبت أنه لا يرجع إلى الإمامة ما كان الإمام إماما، ولا يثبت في العدل أن يقام إمام لانفاذ حد واحد، ثم تزول إمامته، ولا يشترط عليه ذلك. ولا يستقيم هذا في نظر أهل العلم، والله أعلم
•
وأما إذا زال أمر الامام، ولم يكن في المصر إمام، فإن أراد الأعلام إقامة هذا الإمام، الذي قد أقيم عليه الحد وتاب وأصلح:
فقد قيل في ذلك باختلاف، فقال من قال: لا يجوز أن يكون إماما من
أقيم عليه حد من الحدود، لأنه لا يقيم الحدود محدود
وقال من قال: يجوز ذلك لأنه تجوز ولايته وشهادته، فما الذي يمنع من
إجازة إمامته، وإنما زالت إمامته في الوقت
وإن كان لثبوت إقامة الحد عليه في ذلك الوقت، إذا ثبت أنه لا يقيم الحد إلا إمام أو بأمر إمام، فلم يكن بد من زوال الإمامة عنه لهذه العلة في الوقت الحال النازلة به، فلما أن زال عنه زالت عنه العلة وثبت له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. وهذا القول أحب إلينا، والله أعلم بالصواب
فصل: ولولا كراهة المخالفة لما قد جاء به الأثر، من أنه تزول إمامته ولو تاب، إذا أتى حدا، لما كان بين ما يأتي من الكفر وبين الحد فرق، ولما كان الأصل أن يكون الأعلام حكاما عليه في الحدود، ويقيمون عليه الحد ويرجع إلى الإمامة، لأنه يرجع إلى الولاية، وقد أجمعوا ـ لا نعلم بينهم اختلافا ـ أنه لو أتى شيئا من الكبائر أنه تزول بذلك إمامته في حكم الظاهر
ويستتاب من ذلك، فإن تاب رجع إلى إمامته وولايته، وإن لم يتب برئ منه
وزالت إمامته، وأمره المسلمون باعتزال أمرهم حتى يقدموا من يقوم بأمرهم
،
فإن لم يقدموا من يقوم بأمرهم من الأئمة حتى تاب الإمام من ذلك ورجع، أنه يرجع إلى إمامته وولايته ما لم يعقد الإمام غيره.
- 189 - (2/149)
صفحة 393
وكذلك لو حارب الإمام الأول فقاتله المسلمون بغير إمام باغيا عليهم
6
فسفك على ذلك الدماء على البغي، ولم يقيموا إماما عليه ثم تاب من الذي
بغى به على المسلمين، وأنصف فيما يلزمه كان يرجع إلى إمامته، لأنه هو
الإمام، ما لم يعقد المسلمون لإمام غيره.
•
وإنما أخرجه من حد ثبوت الإمامة الإصرار على المعصية، ويرده إليه التوبة، كما أخرجته المعصية. وقد ثبت أن الأعلام حجة على الإمام في جميع ما لزمه من الأحكام، وثبت أن الحدود يقيمها غير الإمام إذا أمره الإمام. ولا نعلم في ذلك اختلافا إذا كان الإمام ثابت الإمامة.
منه،
فلو قال قائل: إنه إذا أتى الإمام حدا وتاب مما أتى من الحدود، وأقام عليه الأعلام الحدود، رجع إلى إمامته بعد ذلك، ما لم يكن فيه قتله أو يموت ذلك، ما خرج عن أصول الحق عندنا، والله أعلم. ويجب التسليم للأثر، فإن فعل هذا فاعل من أهل العلم والبصر من أوليائنا لم نقدم على البراءة منه، ولا على ترك ولايته لما قد بينا من العلل في إقامة الحدود من غير فعل الامام، ومن ثبوت حجة الأعلام على الإمام.
فصل: وإذا اختلف أهل الدار من أهل العلم، فأرادوا عزل الإمام على هذا وإبطال إمامته بعض أهل العلم، ولو تاب وأراد بعض إقامة الحد عليه وإثبات إمامته إذا تاب، أحببنا عند اختلافهم اتباع الأثر، وزوال إمامة الإمام، لأن عليه قول أكثر أهل العلم، ولا نحب منازعة من أراد إثبات ذلك الإمام على هذا، لمن أراد عزله وزوال إمامته
•
-10 - (2/150)
صفحة 394
باب
صفة التجسس والنهي
عنه
إن التجسس أدهى وأمر، وأقبح وأشر، فلا يؤمر المرء بأن يخرج ليسأل عن علم الأحداث، وعن علم العلماء فيها، فيؤمر بالتجسس عن عيوب الناس وعوراتهم، وما هو محرم في الدين حتى يطلع عليه ويشرف عليه، وقد نهاه الله عنه. وألزمتموه الخروج في المنكر ولو أمرتموه بمعروف غير لازم والزمتموه ذلك، لكان ذلك خطأ منكم، فكيف إذا ألزمتموه الخروج في. المعاصي والمآثم، فهذا خطأ من وجهين وبدعة من وجهين: وجه أنكم الزمتموه ما لا يلزمه من الخروج أن لو كان في مباح، غير أنه لا يلزمه وكنتم
بذلك هالكين
ووجه ثان: أنكم أمرتموه بالخروج في تجسس العورات، وطلب معرفة العثرات، فنعوذ بالله من هذه الفتن وهذه الظلمات ومن هذه البدع وهذه
الضلالات
فصل: فإن قال قائل من الملبسة على المتمسكين، إنما أمرنا بالخروج من أمرنا؛ على وجه الفضيلة والوسيلة، ولم نلزمه ذلك بإلزام، وذلك لم يلزم
أحدا، وليس ذلك من الدين
قيل لهم: فهذا الذي أردناه منكم وهو الحق، ألا تأمروا بالتجسس
-101 - (2/151)
صفحة 395
عن عورات الناس من لم يطلع عليها، والبلوغ إلى معرفة عثراتهم، وليس ذلك من الوسيلة ولا من الفضيلة، إنما ذلك من المحجور، وإنما الوسائل أن يبلغ إلى شيء من أداء الفرائض التي لم تلزمه إذا خرج فيها بغير دينونة، ولا ملتمسا لعثرة ولا متجسسا لعورة، فذلك في الفرائض، ولا يقصد بنيته على كل حال، إلى أن يعلم كفر هذا المحدث ليبرأ منه على ذلك، ويخلعه عليه، وإنما يخرج في طلب الثواب من تعليم الآثار، والبلوغ سريعا إلى صحيحات الأخبار، من السلف الماضين من الأبرار والفجار، ليتبع سبيل الأبرار ويحذر سبيل الفجار، فإن لزمه في حال ذلك امرؤ، وقامت عليه به حجة، من كفر كافر أو إيمان مؤمن، حكم على نفسه، بما ألزمه الله من البراءة من أعدائه والولاية لأوليائه، ولا يجوز أن يقصد إلى علم كفر أحد من الخليقة ليبرأ منه ويعرف ضلاله ليخلعه، كذلك قال الله - تبارك وتعالى -: وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُمْ بَعْضا، ومحجور أن يتجسس الإنسان عورة أحد من الخليقة، باراً كان أو فاجرا، والغيبة محجورة على المؤمنين، ومن لم يعلم كفره فلا يجوز غيبته، لأن المغتاب له واقع له على سبيل الجهل، وإنما لا غيبة له إذا قال فيه بما هو فيه، وشهد عليه بما هو فيه في المشركين والمنافقين، وأما التجسس فمحجور من الكل، أن يتجسس له عورة غائبة عنك، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا
خاصة
كذلك قال المسلمون في دينهم، المجمعون عليه: ولا يتجسس العورة ولا يغتنم العثرة، ولا يرد المعذرة، فكما لا يجوز أن يغتنم عثرة بار ولا فاجر، كذلك لا يجوز أن يتجسس عورة بار ولا فاجر، ولا مؤمن ولا كافر
وقد قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: ليس منا من رد المعذرة، كان المعتذر صادقا أو كاذبا، وكذلك العورات محرّمات من البار والفاجر، ولا نعلم عورة من العورات أشد في العبد من المكفرات، كما أنه ليس من العيوب أشد عيبا من
الكفر.
- 152 - (2/152)
صفحة 396
فإن قال قائل: ليس للكافر عورة، وقد أباح من نفسه بارتكابه الكفر
كل عورة فيه.
قلنا: ليست العورات إلى صاحبها، فإذا أباحها من نفسه أبيحت للغير منه، وإنما ذلك إلى حكم الله - تبارك وتعالى -، وقد نهى الله - تبارك وتعالى - عن تجسس العورات فذلك من المحجورات المحرمات.
6
ويقال له: أرأيت إلى من قصد إلى إبداء عورته فأبداها، أيجوز لأحد أن يتعمد للنظر إلى عورته، إذا عرف أن صاحبها قد أبداها متعمدا أو أباحها
بجهله؟
فإن قال: نعم
قلنا: هذا هو الخطأ بعينه، والرد على الله - تبارك وتعالى ـ، إذ يقول: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبَصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) فبتضييع المبدي
فرجه يُضيع الناظر فرض النظر!؟
فإن قال: نعم
قلنا: كذلك أيضا، إذا أباحت الزانية فرجها، جاز لمن أباحت له ذلك، الزنا بها، لأنها مبيحة لفرجها؟ فلا عورة لها ولا حرمة؟ وإنما عليه أن يمتنع عن ذلك؟
فإن قال: نعم. خرج من المعقول، وصح ضلاله في حجة العقول
وإن قال: لا
قلنا: كذلك النظر مثل الوطء فكله سواء.
فإن قال: نعم؛ كله سواء
- 153 - (2/153)
صفحة 397
قلنا: لقد زعمت أن المبدي لعورته ليس للغير أن ينتهك منها ما.
الله عليه من التجسس لها والنظر إليها، بالقصد منه إليها
فإن قال: إنما يريد بذلك أن يؤدي فريضة البراءة من المحدث، وإنما يريد القصد إلى الفريضة.
قلنا له: لم يبلغ به ذلك بعد إلى فريضة، وليس له أن يقصد إلى محجور في الأمور، ليبلغ بذلك إلى فرض يصل إليه، فيضيع فرضا بوصوله إلى فرض، وهو بتضييع الفرض كافر، فإن تاب من ذلك التضييع والدخول في المحجور، فالتائب كمن لا ذنب له، ويؤدي الفرض الذي وصل إليه بما ارتكب من المحجور.
وقد أجمعنا بأنه ليس عورة بأشد من عورة الكفر، ولا عيب أشد منه
وعلى ذلك أجمع المسلمون، فكما لا يجوز التجسس لعورات المسلمين،
كذلك لا يجوز التجسس لعورات الظالمين
•
،
ويقال له: أرأيت عورات المسلمين والكافرين، وما الفرق فيها إلا بما قد صح منها، فإذا صح فقد قامت الحجة، وقد أبيح ذلك بالعلم، ولم يكن هنالك تجسس وزال التجسس ووقع الحكم بالعلم، ولا نعلم فرقا بين عورات المسلمين، وبين عورات من لا يُعلم منه إيمان ولا كفر وعورات من علم كفره، فيتجسس منه عورة حجرها الله، فإن ادعى مدع فرقا فليأت به، ولن يقدر على ذلك إن شاء الله إلا بالمكابرة وليست المكابرة من أمور الدين في شيء ولا من أمر المحتجين، وإنما الحجة بإقامة الحجة من الكتاب والسنة والآثار المجمع عليها أو الرأي الصحيح أو حجة العقل، وقد أقمنا الحجة أن التجسس محجور عن الجميع، فكما كان العذر مقبولا من الجميع، وكما أن العثرة مقالة للجميع، وكما أن التوبة مقبولة من الجميع، وكما أن الحق في الجميع بالسواء، إلا ما خصه لوجه حجة، وقد خص بالغيبة المسلمين،
- 108 - (2/154)
صفحة 398
فقال: (وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب: ضُكُمْ بَعْضًا، وكانت الغيبة للمسلمين فيما بينهم محجورة، والتجسس محجور في الجملة والغيبة، فإنما حجرت من المسلمين، ومن لم يستحق العداوة أن يقال فيه ما يعاب به من الأخلاق التي تذم بها، ولو كانت فيه ومنه، وإذا قيل فيه ذلك يراد به شتمه فقد اغتابه، وذلك منه حرام. وإذا قيل فيه ما ليس بصحيح منه فقد بهته، وهو من الكذب أيضا، ولا يجوز الكذب على مؤمن ولا كافر، بذلك صح الإجماع أن الكذب من الزور، وأن الزور محجور
فإن قال: فمن لم يصح إيمانه فما بال غيبته لا تجوز؟
قيل له: إذا جازت غيبته جاز شتمه، ولا يجوز الشتم إلا لمبطل بباطله بغير كذب، وإنما وقف هذا عن البراءة منه، لما لم يصح من كفره ولا إيمانه، فلا بد في الحكم إما أن يكون مؤمنا أو كافرا، فالفرض عليه الوقوف عنه، وعن شتمه وعن مدحه حتى يعلم منه ما يجوز له منه أحدهما، فكذلك لا تجوز غيبته منه، وهو مجهول لا يجوز شتمه ولا البراءة منه، فإن أقدم على ذلك أقدم على ما لا يسعه، ولا علم له به أمباح أم محجور، ومن أقدم على الغيب وحكم بالغيب فلا مخرج له من الكفر معنا، والله أعلم
ويقال له: أرأيت إذ زعمت أن مقصده إلى البراءة منه، ليؤدي
فريضته فهو مباح له التجسس لعورته، والبحث عن عثرته لقصده لأداء
الفريضة
فريضته
6
أليس هو داخلا في محجور؟
فإن قال: لا. أبطل ما أقر به في الأصل من تحريم التجسس.
وإن قال: نعم؛ يجوز له أن يدخل في تضييع الفريضة، ليؤدي
قلنا له: لم نعلم أن هذا من قول أحد من أهل العلم، وهذا باطل
6
- 100 - (2/155)
صفحة 399
فلا يؤدي الفرائض بترك الفرائض، والإجماع من المسلمين أن الفريضة الحاضرة أوجب من الفريضة الغائبة، والإجماع أنه لا يعطل فرض لفرض.
فإن أقر بذلك فهو الحق، وإن أبطل ذلك وقال: بل تعطل الفرائض
"
للفرائض، خرج من حجة العقل، لأنه لا معنى في تعطيل شيء من اللازم ليقام بذلك شيء لا يلزم؛ إلا بتعطيل هذا الواجب القيام به والمحجور تعطيله، فهذا قد أبطل حجة العقل وحجة الإجماع.
وإن قال: نعم؛ لا تعطل الفرائض للفرائض ولكن إنما يقصد بذلك
إلى الفريضة ليؤديها
قلنا له: إن كانت قد لزمته الفريضة بعلم الكفر فلا معنى للتجسس،
وقد وجب الحكم وزال العذر ووجب الحق.
وإن كان قد علم الحدث المكفر وهو مما لا يسعه جهله، فقد لزمته
الحجة وزال عذره، ووقعت الهلكة
•
وإن كان قد علم الحدث المكفر وهو مما يسعه جهله، فقد وجب العذر بسعة الجهالة، وقد حرم أن يلزم ما لا يلزمه من الخروج، والسؤال عما لا يلزمه.
وإن أمر بذلك على سبيل الوسيلة، فمضى بغير قصد إلى تجسس عورة واغتنام عثرة، إنما يسأل عن حكم ما قد علمه ليؤدي فرض ما لزمه، إذا بلغ من ذلك إلى الفصل الذي قد جهله، يصير بذلك إلى جواز الفصل، ولا يقصد إلى تجسس عورة ولا اغتنام عثرة، وذلك محرم محجور على كل حال، لأن ذلك إنما هي فريضة تقام على البعض، والكراهية للوصول إليها، كما يكره الحاكم قطع يد السارق ورجم الزاني، ولولا لزومه ذلك لم يقمه، ولا يجوز له على كل حال أن يحب ذلك، وأن يكون من فاعليه وهو له مبغض ولتركه محب، ولا يجوز غير هذا، وليس هناك تلذذ ببراءة ولا بلوغ إلى
- 156 - (2/156)
صفحة 400
مسرة من علم كفر الكافر، ولا يجوز ذلك في دين الله، والله قد فرض: ذلك وأبغضه، وإنما وجب بغض فاعله لبغضه على الله، وفي دين
فافهموا ذلك
الله
6
فإن كان على غير تجسس وكان على غير إلزام ما لا يلزم؛ فهو مباح في السؤال عنه غير لازم، فإذا بلغ إلى ذلك لغير قصد منه إلى التجسس؛ جازله ذلك ولزمه البراءة، وليس عليه أن يطلب لنفسه ما تقوم عليه به الحجة، وقد مضى من ذلك ما فيه كفاية
"
وإن كان لم يعلم الحدث، وإنما يقصد بذلك إلى البحث عن علم الحدث، فهذا هو التجسس بعينه، وهو محجور إلا أن يقصد إلى علم ما يلزمه في هذه الأحداث إذا جهل بذلك، أيلزمه فيها شيء أم لا؟ فقصد إلى علم ما يلزمه من ذلك، فهذا قاصد إلى غير التجسس، ولا يقصد إلى بحث الحدث وإنما يقصد إلى السؤال عما يلزمه في ذلك الحدث، إن اشتبه عليه أمره فإذا بلغ إلى ذلك على اعتقاد براءته من القصد إلى التجسس، ومن إلزام نفسه ما لا يلزمه، فقد صار إلى علم ما يجب عليه إذا وجب عليه، ووجب الحق وزال الريب، ووجبت الحجة وزال. ذلك حكم التجسس بقصده، إلى ما يلزمه من ذلك الذي اشتبه عليه، إلى معرفة ضلال أهل الحدث ليجتنبه، وصواب المصيب ليأتيه، ولا يقصد على كل حال إلى علم كفره ليبرأ منه، فإن ذلك هو المحجور.
6
وكذلك لو قصد إلى علم بعينه، والبحث عنه لغير اعتقاد براءة، كان قد أتى محجورا، ولا يجوز ذلك على حال. ومع. ذلك إذا كان الأمر إنما يأمر به على الوسيلة فالأعمال لا تلزم على الوسيلة إلا أن يبين ذلك، وينبغي أن يعلم من يأمر بالخروج أن ذلك ليس عليه، وإنما هو وسيلة. فإن أردت أن تخرج في طلب الوسيلة، فذلك إليك، وإلا فلا يلزمك ذلك، ولا يجوز أن يؤمر أن يخرج في الأسفار يتخطى الفيافي والقفار، ويتحمل المشاق والمضار، ويقاسي
- 10 v- (2/157)
صفحة 401
الخوف والأخطار، ويلزم نفسه ذلك في البر والبحار ويخرج من الخوف وشرق عمان وأطرافها إلى سمائل وصحار، ولعله يلزم نفسه ذلك ويخاف على نفسه في تخلفه المهالك، ولا نعلم أن ذلك وسيلة، ووجه من وجوه الفضيلة، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، ولا يجوز معنا ذلك على العام من الأمر بالخروج، وإنما يراد به القصد إلى مفسر يخرج فيه بعينه، فإن فعل وسلم من أمر يلزم فيه نفسه ما لا يلزمه، أو يدخل في تجسس عورة أو اغتنام عثرة، فقد جاز الفضل إذا لم يضيع ما هو واجب منه من دينه؛ من أمر عيال أو تضييع مال يقوم بالعيال، ويدخل عليهم في ذلك مضرة في قوتهم، وكذلك إن كان عثرة في أمر دينه الزم، فضيع ذلك وخرج في الوسيلة؛ لم يسعه ذلك ولم تكن تلك وسيلة، وقد ضيع الوسيلة والفضيلة بتضييع الفريضة
فإن قال قائل: أفليس قد جاء الأثر أنه يؤمر بالخروج في طلب دينه،
وقد جاء الأثر بذلك مجملا أن عليه الخروج في طلب دينه
قلنا له: جاء الأثر أن على العبد أن يخرج في طلب علم دينه، في الحال الذي يخص فيه ذلك المخصوص، ولا يجوز أن يأمر رجل بعينه أن يخرج في طلب دينه، حتى يعلم أن عليه الخروج، إذا احتمل أن يكون له مخرجا من الخروج فإذا احتمل أن يكون له مخرجا من الخروج، لم يجز أن يؤمر بالخروج، والأغلب من الأمر أن ليس عليه الخروج حتى يخصه أمر الخروج، وإنما يؤمر الناس بالأغلب من أمورهم حتى يخصهم المخصوص، ولا يؤمروا بالمخصوص حتى يعلم منه حكم ذلك
،
•
والناس مأمونون على دينهم من أهل الإقرار بالدعوة على حكم السلامة، لا يحكم عليهم بجهل ولا بضلالة حتى يعلم منهم ذلك، ولا يحكم لهم بهداية ولا استقامة، ما لم يظهر منهم ذلك، وإنما يوقف عن أمورهم عن الشهادة بالهداية لهم؛ حتى يعلم ذلك. وعن الشهادة عليهم
بالجهل والضلال حتى يعلم منهم ذلك، فهو في حد الوقوف من ذلك كله
6
- 101 - (2/158)
صفحة 402
تضييعه
حتى يعلم منه أحد ما يلزمه الحكم به، فإذا ألزمه ذلك ألزم ما لزمه، فإذا صح مع العبد من غيره أنه قد لزمه حق لا مخرج له منه، وصار في حد من ينكر عليه تركه، كان عليه أن يأمره بذلك ابتغاء السلامة عند الله؛ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يلزم أحدا ما لا يعلم ـ يلزمه أو لا يلزمه - فيعترضه باللازم، هذا من الضلال البين.
ولو اعترض أحد من الناس رجلا، لا يعلم أنه يجب عليه الحج أو لا يجب عليه، فقال له: حج إلى بيت الله الحرام، أو اخرج حج إلى بيت الله الحرام، كان قد أمره بما لا يعلم أنه لازم له، وقد دخل في محجور عليه، لأن هذا من حكم الخاص لهذا بعينه، إذا أمره بعينه بالخروج إلى الحج أو بالحج. ولو قال له: إن الحج فريضة، أو قال له: إن على الناس حج البيت، ولم يعلمه البيان في ذلك، كان قد أخبره بجملة الفرض، ولم يكن قد أمره هو نفسه أن يحج أو يخرج إلى الحج، وهو لا يعلم أنه يلزمه أو لا يلزمه وإنما ذلك يخصه، فإن خرج الآخر لقول هذا؛ إن الحج فريضة أو على الناس الحج فريضة، كان ذلك من تأويل الحج لا من تأويل القائل له، ولم يكن هذا قد خص الذي يقول له بذلك، وإنما أعلمه بأصل من الحق ومن الفرائض الواقعة على العامة والخاصة، إذا خصه بذلك، وقوله له: أخرج إلى الحج أو
حج إلى بيت الله الحرام قاصدا بذلك أمرا له بنفسه وإلزاما له ذلك
كذلك قوله لهذا الذي لا يعلم، لزمه الخروج أو لم يلزمه، أخرج سل عن كذا وكذا خاصا بأمره لهذا المأمور، وقد أمره بما لا يلزمه، وأوجب عليه
ما لا يلزمه
•
فإن قال له: على العبد أن يخرج في طلب دينه، أو على العبد أن يسأل عن دينه، كان هذا قد أخبره بباب من الحق مجمل، فإن خرج ذلك الخارج على تأويل هذا القول من نفسه؛ خرج، وبتأويله ألزم نفسه ذلك، وقد
- 109 - (2/159)
صفحة 403
أخبره هذا بما يجوز له أن يخبره به، ما لم يقصد بذلك إلى كتمان ما أراد منه من المفسر، لأن يلزم السائل بكتمانه ما لا يلزمه، أو ما لا يعلم يلزمه أو
لا يلزمه
فإن قال قائل: فلِمَ يكون عليه أن يطيع من أمره فيما لا يلزمه أن يخرج فيه، وقد أمره هذا بالخروج، فقد كان له ألا يطيعه؟
قلنا: فقد كان على هذا أيضا ألا يأمره بما لا يعلم أيلزم أو لا يلزم، إلا على وجه المشورة المعروفة بالتخيير فيما يتشاور الناس فيه من المباحات في الخروج، في أمر معايشهم والمباحات من خروجهم، فيشير المشار عليه، أو المعترض بالنصيحة للذي نصحه من فعل كذا وكذا، مما لا يلزم عليه في الأغلب من الأمور، في حال من الحال، وإنما ذلك كله اختيار، وأما المشورة والأمر بالخروج في السؤال، فإن السؤال نفسه لا يقع إلا في أمر الأديان، واللازم من أمرها، فلا يلزم الناس ما لا يلزمهم؛ إذا كان على حال مما يقبل منه ذلك، ويخرج بأمره ومناصحته في أمر الدين، وكان ممن يقبل منه تلك النصيحة، وإنما يتعارف أنه يقصد إلى الخروج بمناصحته وبقوله، فإذا الزم ما يقع عليه الإجماع أنه ليس بلازم، وهو ممن يقبل منه ذلك في الفتيا والمناصحة، فلا براءة له من ذلك، وهو بذلك مخطئ آثم ظالم ولا نأمن عليه ضمان ما أتلف الخارج في ذلك الخروج، الذي لا يلزمه في الأصل وهو
حقيق بذلك
"
وهذا أيضا من أعظم المحنة، أن المسلمين يجتهدون للناس في كشف الكروب، وستر الذنوب وتغطية العيوب، وهؤلاء الملبسة يُلبسون على الناس بالجهد منهم، ويلزمونهم الأمر المخصوص في حال المعموم، والمعموم في حال المخصوص ابتغاء الفتنة لهم، والتضييق عليهم بغير علم ولا حجة، هذه الفتنة نعوذ بالله من
هذه الضلالة ومن
•
-19 - (2/160)
صفحة 404
والشهرة من أمر هذه الملبسة، والأغلب من القول عنهم أنهم يلزمون
الناس عامة الخروج إلى سمائل وصحار؛ من قرى عمان من كان بالجوف وغيرها من أطراف عمان، ولعلهم لو فحصوا عمن كان بغير عمان لم يكن معهم! م إلا أن يخرج من كان بغير عمان إلى سمائل وصحار في تجسس العورات وهتك الأستار، قصدا إلى ذلك منهم بالظاهر والاشهار.
ولا يجوز معنا في الدين إلا أنه إذا كان على من كان بجانب صحار إلى ما يقدر عليه من المشي في أمر من الأمور في الدين إلى الجدالة من صحار، كان على من كان بمجز أن يمشي إلى صحار في مثل ذلك، وكان على من كان بقرية بريم من قرى عمان، إذا قدر على من قدر عليه، من كان بمجز، وكذلك من كان بعمان كلها، فعليهم إذا قدروا ما على من كان ببريم وعلى من بالصين ما على من كان بعمان، لا اختلاف في ذلك معنا
6
كان
فيا معاشر المسلمين من أين وقع الخصوص على الناس أن يخرجوا من
الصين إلى سمائل وصحار، لأي حال من الحال، إلا أن الهجرة إلى القريتين
جميعا أو إلى من بالقريتين من الخلق جميعا، أو إلى أحد من الناس بعينه
فإن كان إلى القريتين، فلأي معنى أن يأمر الناس بالخروج إلى القرى
ويلزمهم الخروج إلى القرى، ولو أن آمرا أمر الناس أن يخرجوا إلى مكة، كانت تلك سفاهة من الأمر، إلا على وجه يخصهم الخروج فيه إلى مكة، وكيف أن يلزم الناس الخروج إلى سمائل وصحار، فهذا لا يدعونه أبدا وهو باطل، وإن كان الخروج إلى جماعة من كان بسمائل وصحار، فالقصد في ذلك إلى الأبشار أو إلى شيء من المنافع والمضار، وليس هنالك حجة ولا يدعون هذا
ولكن الحاصل أن من ذلك يخرج الناس إلى فلان بن فلان بسمائل، وفلان بن فلان بصحار حتى يشهدا عليهم بالأحداث التي تقدمت في أمر
-171 - (2/161)
صفحة 405
الصلت: مالك وموسى بن موسى وراشد بن النضر، وحتى تقوم الحجة عليهم بعلم ذلك، وهذا هو المدار وعليه المستقر والإقرار، وإنما أردنا إحياء
الآثار، وأن لا يدخل القائل من الملبسة، أو ممن يقول بقولهم في ذلك حجة
بخبر من
الأحداث
فصل: فهل سمعتم - رحمكم الله - يا معاشر المسلمين، بأقبح من هذه البدعة، وأشنع من هذه الشنعة، أن يلزم الناس الخروج في الأسفار إلى سمائل وصحار من المنسقب وجعلان، ومن جميع النواحي من عمان، لا يسعهم إلا الخروج إلى سمائل وصحار، حتى يشهد عليهم ومعهم وبحضرتهم فلان بن فلان، وفلان بن فلان ويزول عذرهم وتنقطع حجتهم وتلزمهم البراءة من موسى وراشد، فيقال لهؤلاء الملبسة، ومن قال بقولهم: أخبرونا، إذا ألزم هذا الخارج الخروج إلى سمائل وصحار، أيلزمه الخروج فيها قد لزمه الخروج أو فيما لم يلزمه؟
فإن قالوا: فيما قد لزمه.
قيل لهم: فإذا كان قد لزمه فلِمَ يوسع له الخروج إلى سمائل وصحار؟ ولا يؤخذ في مأمنه ومسكنه، بما يلزمه من الحق، ويستتاب إن كانت تلزمه التوبة، فإن لم يتب برئ منه، أو يبرأ منه إن كانت قد لزمته البراءة، ثم يستتاب إن كان وليا، وإن لم يكن وليا فليس بالإجماع أن يستتاب، ولكن أصح القول أن يستتاب على كل حال إذا رجا منه التوبة، لأنها من أعظم المعروف، ولا بد من أن يأمر بالمعروف من قدرت عليه إذا رجوت أن يطيعك فيما أمرته، ولم تتظاهر هنالك تقية على نفسك، ولا يأس من قبول قولك كما يئس المسلم من قبول اليهودي منه الاسلام، وكما يئس المسلمون من قبول أهل الأديان دين الحق، وقد أجمعوا عليه ودانوا به ودعوا إليه، فليس على المسلم أن يأمر بمثل هذا، كل من لقيه بذلك، لأنه في حد الإياس، وأما ما كان في حد القدرة ولم يتظاهر الإياس من قبول المعروف والانتهاء عن
- 162 - (2/162)
صفحة 406
المنكر، فالأمر بذلك لازم في أصل الدينونة، وذلك الذي نحبه ونختاره لأنفسنا، ولكل مسلم أن يستتيب كل مذنب أصر على صغير أو ركب كبيرا مما ركبه، ويأمره بالتوبة، وذلك معنا من أفضل المعروف.
وأما الولي فلا نعلم فيه اختلافا إلا أنه يستتاب كان مرتكبا لصغيرة أو كبيرة، إذا أصر على الصغيرة، وإذا وقع الاجماع في الولي أن عليه التوبة، فما الفرق في ذلك بين الولي وغير الولي، أليس الولي قد صار بمنزلة غير الولي من الكفر، واللازم له الاستتابة.
كذلك معنا غير الولي يلزم أن يستتاب من الذنوب إذا قدر على ذلك
ورجا منه القبول
•
فإن قال قائل: فإن الولي إنما لزمت له الاستتابة، من طريق ثبوت ولايته في المتقدم، وهذا لم تثبت له ولاية.
قلنا له: نعم؛ هو كما تقول، وهذا أيضا قد ثبت في أصل الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يزول ذلك إلا لعذر.
6
وهذا القول أصح فيها نحن مجمعون عليه، من التزام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ليست التوبة من أفضل المعروف؟ والاصرار من أعظم المناكر، وكيف لا يؤمر بالرجعة عن الاصرار إلى التوبة، وهما من أعظم المناكر وأفضل المعروف، بل نحب ذلك.
وإن كان المأمور بالخروج إلى سمائل وصحار، يؤمر بالخروج، فيما لم
يلزمه، فأي حال يجوز أن يخرج فيه لما لا يلزمه، وهذا هو الذي أنكرناه
بعينه، وأشنع منه وأقبح من علل كثيرة وسنذكر منها ما فتح الله إن شاء الله
من ذلك أنه ألزم ما لا يلزمه فيه الخروج، ولا يلزمه في الأصل،
ولا هو من قواد العلم وأصول الدين، التي إذا بلغ الخارج إليها، استفاد
- 163 - (2/163)
صفحة 407
علما، ووقف على أصل من أصول الدين، في الحكم الذي ألزمه، فيكون بما قد بلغ إليه مستفيدا لأمر يعود عليه فيه النفع، فهو وإن كان كذلك، فباطل إلزامه ذلك وبدعة وضلالة ومخالفة لأصول الدين.
ومن وجه أنه يقصد إلى الاطلاع على عورات الناس، والتجسس لعيوبهم، وذلك محجور إذا قصد إليه.
ومن وجه أنه يخالف في ذلك أحكام أهل العدل فيما أثروا وأبصروا، وأن المشهود عليه وعنده بالأحداث الواقعة، إنما هو بمنزلة الحاكم على المحدث، إذا كانوا عالمين بحكم الحدث غير عالمين بالحدث، والشهود هم العالمون بالحدث من العلماء بحكم الحدث، والخصوم العالمون بالحدث الجاهلون بحكم الحدث، والسالمون من الخصومة والحكم والشهادة، هم الذين لا يعلمون حكم الحدث ولا يعلمون بوقوع الحدث، فإن كان هذا المأمور بالخروج ممن هو عالم بحكم الحدث، جاهل بوقوع الحدث، فلا يلزم الحاكم ولا يجوز في شيء من أمور الحكم، أن يلزم الحاكم بأن يخرج حتى يشهد عنده الشهود، بما هو حاكم فيه، وهذا مما لا يختلف فيه. ومن ال العجب أن يلزم الحاكم أن يخرج إلى بلد الشهود، حتى يشهدوا عليه ومعه، حتى يقيم الحكم بشهادتهم على المحكوم عليه، وهذا مما يجمع عليه أنه مخالف لأدب
الحاكم ولسبيل الحكام
وإن كان الخارج ممن قد علم بالحدث، وجهل حكم الحدث فيما يلزم فيه في الحق، وسلم فيه للمسلمين، فليس يخصم من سلم، وتسليمه أن يتولى من برئ من المحدث من علماء المسلمين، وهو بعد ذلك من السالمين المسلمين الذين لا تلزمهم حجة في الدين، إذا كان المحدث قد أتى بذلك الحدث، ما تجب عليه به البراءة، وهو سالم من الخصومة، وخصومته في ذلك عند جهله بحكم الحدث، وعلمه بالحدث من المحدث أن يبرأ من علماء المسلمين لبراءتهم من المحدث، أو يوقف عنهم من أجل براءتهم من
- 164 - (2/164)
صفحة 408
المحدث، بالحق الذي برثوا منه. فإذا فعل ذلك كان خصما في الدين، ولزمته البراءة على المقام وفي الحين، ولا يلزم على حال الخروج، لأنه قد انقطع عذره وقامت الحجة عليه، فإن تاب من ذلك؛ رجع على حاله، وإن لم يتب من ذلك مضى على البراءة منه، إذا كان عالما بعلم المتبرئ، ومنزلته التي تجب له بها صفة الحجة في العلم، أو يقف عن المتبرئ من ضعفاء المسلمين بدين من أجل براءتهم من المحدث على حدثه، فإذا برئ من المسلمين من أجل براءتهم من المحدث، أو وقف عنهم وقوف دين، فهو خصم للمسلمين بذلك، لأن الحق الله وللمسلمين في الدين، ليس أن هنالك خصومة للمحدث ولا عليه، وإنما هو خصم في الدين والمسلمون هم الحكام والخصوم، وما لم يبرأوا من أحد من المسلمين من أجل براءتهم من المحدث
6
أو يقف عن ضعيف وقوف دين، أو عن عالم من علماء المسلمين، برأي أو بدين من أجل براءتهم من هذا المحدث، فهو سالم من الهلكة، لا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من المسلمين إذا كان الحدث مما يسع جهل حكمه العالم به، ما لم تقم الحجة من علماء المسلمين فيما يسعه جهله من أحكام
الأحداث
من
وإذا كان المأمور بالخروج ممن ليس بعالم بالحدث، وجاهل بحكم الحدث وهو الخصم، ولا عالم بالحدث ولا بحكم الحدث فذلك أعجب أمرا المأمور بالخروج وهو حاكم، من المأمور بالخروج وهو خصم، لأنه قد تنزل حالات يلزم الحاكم الخروج في إصلاح بعض أحكامه إذا لزمه ذلك، وعدم من يقوم به غيره، وقد يطلق في اللفظ أن يخرج الحاكم في أحكامه، وليس ذلك بالذي عليه العادة، ولا الأغلب من الأمور، وهو منفصل بذلك في حال، ولازم له ذلك في حال، وذلك مما يطول وصفه من صفة الأحكام في الأموال والدماء والمواريث والحدود، وقد بطل ذلك في الخروج في هذا الباب
بالإجماع.
- 170 - (2/165)
صفحة 409
فكذلك الخصم قد تأتي عليه حالة ويحسن أن يخرج في المحاكمة، أو يوكل من يحاكم في الأحكام غير هذا الحكم، وقد يكون من الأحكام ما ليس فيه وكالة، وهو ما يلزم من الحدود والخصومة فيها، فليس في ذلك وكالة في إقامة الحدود عليه، وقد بطل ذلك في الخصومة في أحكام الأحداث، فيما يلزم في الولاية والبراءة بالإجماع، وقد مضى في ذلك الحجة من قول المسلمين، وبيناه في الخاص والعام، ولا يجوز على كل حال أن يلزم الخروج في الأحكام من ليس يقع عليه اسم حاكم في الحكم، ولا اسم خصم في الحكم ولا اسم شاهد في الحكم، وإنما يسمى مسلم سالم من الأحداث والأحكام فيها، هكذا جاء الأثر الذي لا ينكره ولا يجهله أحد من أهل البصر بأحكام الولاية والبراءة، وهذا الأثر في آثار أصحابنا في أمر الولاية والبراءة بالأحداث الواقعة، صحيح مع أهل العلم بالأحكام بالولاية والبراءة في أحكام الأحداث، كما أنه صحيح مع القراء للقرآن، الحفظاء له من السور، تبت يدا أبي لهب لا ينكر هذا الأثر، ولا يجهله أحد من علماء المسلمين بأحكام الولاية والبراءة بالأحداث الواقعة بين الناس.
فلا مخرج بحمد الله للآمر بهذا الخروج في أمر الدين أو في أمر الولايات والبراءات، ولا في تعليم الدين فيما يسع جهله ولا فيما لا يسع جهله، عذر بوجه من الوجوه من وقوع الهلكة، والدخول في الضلالة، والبدعة في عصرنا هذا وفي زماننا هذا معنا، ولا نحلم بذلك في حال من الحال إلا على المخصوص به من جملة التسمية، أن على الناس أن يخرجوا في طلب دينهم وفي تعليم دينهم، وقد فسرنا ذلك فيما يجب الخروج، وما يقع عليه اسم الخروج في الدين، والخروج في تعليم الدين وفي العلم، لما في بعضه كفاية لمن مَنّ الله عليه بالهداية، وفي ما قد ذكرنا وشرحنا وأنكرنا ونظرنا في هذا الخروج الذي قد صار فتنة على ضعفاء المسلمين، وآية للخلائق والعالمين أنه لا يخرج في وجه من الوجوه إلا على انتحال الهجرة قصد إليها، وأنه لا يصح الدين لأحد
- 177 - (2/166)
صفحة 410
ولا يسلم من الكفر إلا بالوصول إلى سمائل وصحار، ولا لمعنى من المعاني يراد به، ولا يخرج في آثار المسلمين إلا على الهجرة، لأن الهجرة كانت فريضة، لا ينفع الايمان والاقرار بالدين دون الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم والهجرة إليه إلى المدينة، لا ينكر ذلك أحد، ولو آمن وأسلم وصلى وقام وتصدق وحج وتبرأ وتولى، لم يقبل منه ذلك ولا ولاية له ولا حقيقة في الاسلام إلا بالهجرة.
بينهم
أنها منسوخة،
كذلك كان ذلك صحيحا ثم نسخ ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وأجمع على ذلك أهل القبلة لا نعلم اختلافا وأن نسخها إنما جرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتحل ذلك نافع بن الأزرق أخزاه الله، ومضى على ذلك يتابع الخوارج على انتحال الهجرة، وهم في ذلك مختلفون في ضلالتهم، وذلك ضلال وبدعة، ولم نعلم أن أحدا من أهل القبلة قال بقول الخوارج، في الخروج إلى أحد من الخلق، ولا إلى أحد من البلدان، ولا إلى شيء من القرى، إلا من لزمه الحج إلى بيت الله الحرام، فإنه يخرج في أداء الحج الذي فرضه الله عليه عند الاستطاعة عليه، ولا يلزم ذلك عند العجز
وكذلك كانت الهجرة الواجبة إلى رسول الله كانت واجبة على من قدر على ذلك، زائلة عمن لم يقدر بمنزلة من لم يقدر على الحج ولم يستطع الخروج إلى الهجرة عذر في ذلك
وذلك قوله - تعالى -: إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضَ اللَّهِ وَاسِعَةً فتها جرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (1).
فوجب الوعيد على من لم يهاجر، ثم رخص الله - تعالى - فقال:
(1) الآية (97) سورة النساء
- ITV. (2/167)
صفحة 411
إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّساءِ وَالولدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حيلة
دود
وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُو عَنْهُم .. ) وعسى من الله واجب، فعفا الله عمن لم يجد حيلة على الخروج إلى الهجرة الواجبة على من
قدر.
ضلالة
والقدرة أن يقدر على الزاد والراحلة وأمان الطريق وصحة البدن، والأمان على النفس حتى يخرج إلى الهجرة، فأوجب الله العذر في الحج والهجرة الواجبة التي كانت فريضة، للضعفاء الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا للعذر، ولا اختلاف في ذلك، وهؤلاء الملبسة المتكلفون لم يروا لمن تخلف عن هذه التي انتحلوها، أشد بدعتهم من نافع بن قال الأزرق ومن بقوله، فلم يتركوا لأحد عذرا دون الخروج من النساء ولا الرجال من الضعفاء الفقراء البائن فقرهم، وقد شهر أنهم يحملون النساء ويلزمونهم الخروج إلى ضلالتهم هذه الظاهرة، التي لا مخرج لهم فيها من الكفر ولا من الضلالة، فيهما علمنا من أحكام الإسلام، ولا يصح ولا تخرج أحكامها إلا. عن انتحال الهجرة، فإن كانت الهجرة إلى سمائل وصحار نفس القرية، فقد جعل هؤلاء العماة الملبسة سمائل وصحار، بمنزلة البيت الحرام الذي قد أوجب على الناس حجة، والقصد إليه على من استطاع ومن لم يستطع، وزاد في ضلالتهم على انتحال الهجرة أنهم ألزموا ذلك من قدر ومن لم يقدر
6
ولا عذر له إلا الخروج إلى سمائل وصحار، وإن كانت الهجرة إلى فلان ابن
فلان الذي في سمائل، وفلان ابن فلان الذي في صحار، فقد أنزل هؤلاء العماة الملبسة فلانا وفلانا بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد كان من الأيام في آخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم وقد يسلم الناس بدون الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان سالما بدون الهجرة إليه في أيام لزوم الهجرة إليه من ضعف عن ذلك، وهؤلاء لم يعذروا عن الهجرة إلى فلان وفلان ضعيفا ولا قويا ولا فقيرا، ولا غنيا ولا عالما ولا جاهلا إلا من دخل في فتنتهم، وتورط في بدعتهم، كان عالما أو جاهلا أو مؤمنا أو كافرا، أو أن يهاجر إلى فلان وفلان إلى سمائل وصحار، فهل
- ITA- (2/168)
صفحة 412
سمعتم معاشر المسلمين بأعجب من هذا العجب، وأقبح من هذا الزور وهذا الكذب، وأشد وحشة من هذا العطب.
ويقال لهؤلاء الملبسة، ولمن قال بقولهم: إن كان كما تزعمون أنكم تأمرون بالخروج إلى فلان وفلان، حتى يشهدوا معه وعليه بما تقوم به الحجة وينقطع به عذره، وألزمتموه ذلك في ضلالتكم بغير لزوم بالإجماع، فقد كان الواجب عليكم في هذه البدعة وهذه الضلالة إن كنتم صادقين فيها، وبصراء بأحكام بدعتكم هذه أن تلزموا الخروج الشهود إلى الحاكم إلى موضعه، حتى يشهدوا عنده ويخرجوا إلى الخصم حتى تقيموا عليه الحجة بشهادتهم، لأن ذلك هو اللازم في الأحكام؛ أن الشهود يحملون في عامة الأحكام إلى الحكام في القرى من القاضي والإمام. وليس على الخصم الذي يشهدوا عليه أن يخرج حتى يسمع البينة على نفسه، ويحكم عليه وينقطع عذره، لا نعلم بهذا في وجه من الوجوه، ولكنه يُخير؛ إن شاء خرج لسماع البينة عليه أو وكل في ذلك، وإن شاء سمع عليه الحاكم البينة وحكم عليه، إذا انقطع عذره بسماع البينة، ولا نعلم أن أحدا من العلماء ألزم الخصم المحكوم عليه ولا الحاكم، الخروج إلى الشهود. والحاكم في الأحداث من علم حكم الحدث، ولم يعلم بصحة الحدث. والخصم من علم بالحدث ولم يعلم حكم الحدث، والشهود في هذا من علم الحدث وصحة وقوعه، وعلم حكم الحدث ومنزلته في الدين، والسالم من ذلك من لم يعلم الحدث ولم يعلم حكم الحدث، ولا نعلم في هذا اختلافا، فقد خالفتم في بدعتكم هذه وضلالتكم أحكام الأصول فيها وفي ضلالتها.
فإن قالوا: إنما على الشهود أن يخرجوا إلى القرى في تأدية الشهادة، إذا حملوا وأنفق عليهم حتى يؤدوا الشهادة، ولا نجد في الأحداث خصما يشهد له أو عليه بالحق، فيلزمه ذلك للشهود، حتى يخرجوا، وليس عليهم أن يخرجوا
حتى يُحملوا وينفق عليهم.
- 179 - (2/169)
صفحة 413
قلنا له: هو كما تقول، فهل علمت أن على الحاكم أن يخرج فيما لم تصح عليه البينة، فيكون تركه مضيعا لحق، فهل علمت أن عليه الخروج إلى القرى أو من مجلسه إلى الشهود، حتى يشهدوا معه بشهادة من الأحكام،
وينقطع بها عذره
فإن قال: نعم
قلنا له: أصح ذلك في أي حكم، ولن تجد إلى ذلك سبيلا
وإن قال: لا
قلنا: نحن نوجد لك الموضع الذي فيه الخروج على الشهود، بغير حمل ولا نفقة، إذا كان ذلك في القرية ولم يكونوا مسافرين، فلا اختلاف معنا أنهم إذا قدروا على الوصول إلى الحاكم في البلدان، عليهم الوصول في تأدية ما لزمهم من الشهادة ولم يلزم ذلك الحاكم بالإجماع في البلد ولا غيره، ولا نعلم في ذلك اختلافا
وأما إذا كانوا غائبين عن الحاكم في المصر؛ فقد قال من قال: إنه ليس
عليهم الخروج حتى يحملوا وينفق عليهم
وقال من قال: عليهم ذلك، في تأدية ما عليهم حتى يؤدوا ما يقدرون عليه، لأن الله أمرهم بتأدية الشهادة كما أمرهم بالحج.
فقال
من قال: إن الاستطاعة في الحج بزاد وراحلة
وقال من قال: بالاحتيال يجب الحج بمال أو احتيال، كذلك قد قيل في
الشهادة.
•
وقال من قال: إن الأغنياء ليس لهم حمل على الخصم، وإنما ذلك
للفقراء.
- 170 - (2/170)
صفحة 414
وقال من قال: إن ا إنما هو لمن عود الركوب، وكان أهلا لذلك
وأما سائر الناس؛ من يقدر على المشي ممن لا يعرف بالركوب، فإنما له النفقة، وليس له حمل، والاختلاف في هذا كثير، والحجة فيه واسعة على الشهود، في وصولهم إلى تأدية الشهادة التي قد لزمتهم إلى الحاكم، وعلى الخصم، حتى يقيموا الحجة والاجماع؛ أنه لا يلزم الحاكم الوصول إلى موضع الشهود حتى يسمع البينة، حتى إنهم قالوا: إذا كانت البينة في البلد مريضة مرضا لا يقدر على الوصول، جاز أن يشهد عن شهادتهم غيرهم، ولم يكلف
ذلك الحاكم، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من علماء المسلمين
وقد أجمعوا في الخصم أنه إذا شاء خاصم، وإن شاء ترك الخصومة
واستعفى عنها، إذا كان له الحق، وإذا كان عليه الحق كان له أن يوكل وكيلا يسمع عليه البينة، ولا يصل إلى الحكم في القرية، ولو قدر على ذلك لسماع البينة، ولا نعلم في ذلك اختلافا، أن على الشهود في الأحكام الوصول إلى الحاكم في البلد إلى موضع حكمه، حتى يؤدوا ما لزمهم من الشهادة، فالحق عليكم في أصول الحكم أن تلزموا الشهود على الأحداث في بدعتكم هذه، لأنه قد يلزم ذلك في الأحكام في الاختلاف، وفي الاجماع في البلد
الخروج
وفي المصر إذا حمل.
وأما إذا كان غائبا عن المصر، فلا نعلم أن عليه خروجا، وتقبل عنه الشهادة عن شهادة الاثنين عن الواحد الحي الغائب؛ من المصر أو المريض الذي لا يستطيع كذلك
•
وقد اختلف في الغائب في المصر بما قد ذكرنا، وإنما كانت العلة هنالك أن الحق للخصم، فإن شاء حمل وإن شاء لم يحمل وترك الخصومة، وهذا الحق الله وللمسلمين، فينبغي في قياد قولكم أن على الشهود أن يخرجوا حتى يؤدوا ما عليهم من الشهادة، وليس على الحاكم أن يخرج إليهم حتى يشهدوا
- 171 - (2/171)
صفحة 415
معه، وليس على الخصم بحيلة أن يخرج يسمع البينة له ولا عليه، وله أن يوكل وله أن لا يوكل، فيسمع الحاكم عليه البينة، فالبينة والشهود هم أولى بالخروج؛ حتى يؤدوا ما عليهم من حق الله وحق المسلمين في قولكم، وليس ذلك بلازم للشهود في حكم الحق في الأحداث، في وجه من الوجوه، ولا على الحاكم ولا على الخصم، ولا على المسلمين السالمين من ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا، ولو كان ذلك على الشهود لما قدروا على ذلك بحيلة، وما لم يقدروا عليه فلا يلزمهم بحيلة، وإلزامهم لذلك ضلال وبدعة، وإنما أردنا بهذا احتجاجا على هذه الملبسة المتكلفين ومن قال بقولهم من المتعسفين. فصل: فإن قال قائل من المتعنتين: إن على الشهود على الأحداث الواقعة في المصر، الخروج في إقامة الحجج على أهل المصر، حتى يقيموا على كل واحد في ذات نفسه الحجة
قلنا له: من أي وجه لزمهم ذلك ولم يسعهم إلا الخروج فيه إذا قدروا
على الخروج فيه.
فإن قال: من طريق أنهم عالمون بشهادة الله عليهم، لا يسعهم كتمانها، وقد قال - تعالى -: {وَمَنْ أَظْلَمُ تِمَن كَتَمَ شَهَادَةَ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (1)
قلنا له: يجب على الشهود الخروج من الشهادة، قبل أن يستشهدوا أو
حتى يستشهدوا.
فإن قال: قبل أن يستشهدوا، خرج من الإجماع.
وإن قال: حتى يستشهدوا
(1) جزء الآية (140) سورة البقرة
- IVY - (2/172)
صفحة 416
قلنا له: ومن يستشهدهم خصم أو غير خصم.
فإن قال: حتى يستشهدهم خصم
قلنا له: فالخصم في الأحداث هو العالم بالأحداث والجاهل بحكم الأحداث، فإذا وصل الشهود في الأحداث العلماء بالأحداث، وبأحكام الأحداث، فإذا سأل الخصم الشهود علمهم في أحكام الأحداث، والشهادة عندهم بعلمهم في ذلك، فقد أقام عليهم الحجة، وعليهم أن يعلموه بحكم الأحداث، ويُفتوه بذلك، وتلك شهادتهم عليه لأنه هو وهم سواء في علم الأحداث، وإنما هم كانوا شهودا بحكم الأحداث عليه، فإذا وصل إليهم وأقام عليهم حجة السؤال عن حكم الحدث، لزمتهم حجة الفتيا له بحكم الحدث، وليس عليهم أن يُفتوه قبل أن يسألهم، فهذا هو أمر الخصم. والحاكم سالم من الأحداث، فلا ينكرون عليه ما هو سالم فيه.
والحاكم في الأحداث هو العالم بحكم الأحداث، جاهل بالأحداث فهو سالم من أحكام الأحداث، ما لم يبلغه علمها، فالشهود سالمون ما لم يعلموا أن الحاكم العالم بحكم الحدث؛ قد صح معه الحدث وهو عالم بحكمه، فإذا علموا ذلك فهو بين أحد أمرين؛ إما حاكم فيها صح معه بالحق، فلا حجة عليه ولا عليهم، وإن لم يعلموا ما قوله في ذلك وما حكمه، فهو مأمون على ذلك معهم، حتى يعلموا أنه حكم فيها علم بغير الحق، وهو على حالة من ولاية أو وقوف
•
وإن علموا أنه حكم بغير ما أنزل الله في هذه الأحداث، كانوا حينئذ شاهدين عليه بالكفر مفارقين له بالخلع لا غير ذلك، وهذه هي الشهادة منهم، وإن سألهم سائل عن الأحداث الواقعة واضطرهم إلى ذلك، وكانت الأحداث واقعة على ما لا يختلف فيه، أو على غير أحكام الدعوى، مما يحتمل
الحق والباطل في أهل النحلة، شهدوا بعلمهم من باطل الحدث.
- 173 - (2/173)
صفحة 417
وإن وقعت الأحداث على أحكام الدعاوى وفي الدار ممن يتولى المحدثين
بظاهر أحكام الدعاوى، وجب الكتمان ذلك بالشهادة بالباطل، وكانت الشهادة على وقوع الحدث، وعلى تحريم التصريح للقذف للمحدث،، مع من تجب عليه ولايته في الدار، ومع من ادعى ولايته بوجه يحتمل في الحق ولايته، ولا تخرج ولايته على الضلال بلا اختلاف، وإذا سأل الشهود الشهادة على الأحداث لزمتهم حينئذ الشهادة من ذلك، على ما يسعهم في دينهم وفي التقية على دينهم، ولا يلزمهم فعل ذلك، وإنما يجوز لهم أن يشهدوا في الأحداث الواقعة على حكم الدعاوى، بين أهل الدعوة بصفة الحدث الذي يقع عليه الاجماع، أنه. صحيح وقوعه، فإذا كان يحتمل الحدث الباطل والحق، وهو من أهل الدعوة فيما بينهم، وعلم هو الباطل من المحدث، حرم عليه التصريح بالباطل الذي علمه، وجاز له أن يشهد بوقوع الحدث وصفته، وإنما يحرم عليه ذلك عند من تلزمه ولاية للمحدث، في ظاهر الحكم، حتى يعلم أنه علم منه من الباطل مثل الذي علم، ويحرم ذلك أيضا، عند من ادعى ولاية المحدث، للحدث الذي يحتمل الحق والباطل، إذا جازت ولايته له بوجه من الوجوه، ولم يصح أنه تولاه بباطل لا يخرج الاحتمال فيه للحق في فقد انقطع قولكم إن الخروج يلزم في الأحداث أو في الدين، أو في تعليم الدين إلا على المخصوص بذلك بحجة ولا يجوز ذلك، ولا يلزم ذلك على سبيل ما تلزمونه أنتم الناس في بدعتكم هذه شاهدا ولا حاكما، وخصما ولا مسلما سالما، ولا تخرج بدعتكم هذه في أحكام الآثار على أحكام الهجرة، ولا فرق في ذلك ولا مخرج لكم من ذلك إلا بحجة تصح وبينة في
ذلك
"
الحق تصح
فإن قال قائل منهم: أليس قد يجوز أن يأمر الناس بعضهم بعضا بالطاعة، ولو لم يكن ذلك فريضة، وإنما هو وسيلة، وقد يجوز أن يأمر الواحد غيره بالوسيلة
- IVE - (2/174)
صفحة 418
قلنا له: لا يجوز له على كل حال أن يلزم أحدا الوسيلة والفضيلة حتى
يتبين له ذلك أنه وسيلة وفضيلة، إذا كان على سبيل السؤال عن الدين وعن
اللازم، ولم يكن الأصل على الفضيلة والوسيلة، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وإذا كان على سبيل السؤال في الفضل جاز ذلك على الأمر في الفضل، وإذا لم يكن هنالك أساس فلا يجوز إلزام الناس ما لم يلزمهم على الابتداء ولا على السؤال.
فإن قال: أليس يجوز للرجل أن يقول لزوجته أو لحرمته من النساء إذا حضرت الصلاة، أن تقوم تصلي على الاطلاق، وكذلك يأمرها؛ إذا هل شهر رمضان أن تصوم شهر رمضان، وهو لا يعلم أحائض هي أم طاهر، ويجوز له الأمر في ذلك، ولا يكون أمرا بما لا يلزم
قلنا له: نعم؛ لأن الصلاة والصوم على النساء واجب إلا لعلة الحيض، والحكم أن المرأة طاهر حتى يعلم أنها حائض، في وطية لها وفي غير
ذلك من الأحكام، في ممرها في قبلة المصلى وغير ذلك، فحكمها أنها طاهر والصلاة والصوم على الطاهر حتى يعلم أن الصوم والصلاة قد حُرِّما عليها، وزالا عنها بعلة الحيض، فهو يأمرها بما هو الأغلب من أمورها أنها عليه، ولا يكون بذلك أمرا لها بما لا يلزمها، لأن الصلاة لازمة لها والصوم،
إلا بحدوث الحيض
"
فأمره لها بذلك أمر بلازم في ظاهر الأمر، فإن قالت إنها حائض كانت مصدقة في ذلك في الصوم والصلاة، ومأمونة على ذلك في دينها، سواء كانت في الأصل صادقة أو كاذبة، وهي في الولاية إذا كانت لها ولاية متقدمة حتى تعلم أنها تركت الصلاة والصوم لغير عذر يجوز لها، في أحكام الإسلام، وهذان الفرضان متعبد بهما الكل؛ من البالغين من الأغنياء والفقراء، والرجال والنساء والصبيان والعبيد والأحرار، في كل وقت حضر إلا من
- 175 - (2/175)
صفحة 419
خصته علة، يزول عنه حكمها بتلك العلة، من مرض أو سفر أو حيض في النساء أو نفاس، فالأمر بالصلاة والصوم في وقت ذلك، على وجه التنبيه للغافل، والحث للمتواني، والتحريض للعاجز على غالب أمره أنه عليه، تخصه علة تزيل عنه ذلك
حق
والوضوء والغسل من الجنابة لا يلزم الأمر بهما في وقت الصلاة، إلا من علم أنه على غير وضوء وأنه جنب، لأن الناس على الأغلب من أمورهم لا يصلون إلا بوضوء، وطهارة من الجنابة، ويمكن أن يكون ليس جنبا، ويمكن أن يكون قد توضأ قبل ذلك، وإنما ينبه بالأمر بالصلاة عند حضور وقت الصلاة، فيقال له قم صل إذا حضر وقت الصلاة، وكذلك يؤمر بالصوم إذا
حضر
الدين
والأمر بالوضوء أقرب من الأمر بالغسل، وليس بلازم إلا على صفة أمر
وكذلك الزكاة والحج وغير ذلك من الفرائض المتعلقة في الأموال والأبدان، ويحتمل لزومها ويحتمل غير لزومها، فلا يجوز أن يلزم ذلك، ولا يؤمر به على الابتداء، وليس ذلك من الدين اللازم ولا من الأمر بالمعروف ولا من النهي عن المنكر، ومع ذلك فلو علم أنه قد لزمته الزكاة ولم يعلم أداءها ولم يؤدها، وقد غاب عنه من بعد أن علم منه أنه قد لزمته الزكاة، فليس له ولا عليه أن يأمره بأداء كذا وكذا. ماله من من زكاة، وإنما يقول له أزكيت مالك الذي قد وجبت عليك زكاته، إذا وجبت عليه، أو حج الحج اللازم لك، أو إذا لزمك الحج فحُجّ، وذلك من أمر الوسيلة على الأمر، ولو كان قد لزم المأمور في علمه، لأنه مأمون على دينه في ذلك بالأداء، من حيث لا يعلم هذا، وبالعذر في ذاته، وإنما يؤمر الناس بالمعروف على وجهين؛ وجه من طريق تعليم المعروف والدلالة عليه بتبيان ذلك، ووجه على وجه
- IVT- (2/176)
صفحة 420
التنبيه لأداء اللازم الذي قد حضر وعلم بذلك الأمر، وكذلك ينهون عن المنكر على وجهين؛ وجه دلالة وتعليم، ووجه منع لفعل حاضر، ويقال لمن زعم أن القصد إلى البحث عن عيوب المحدثين، إذا غابت عنه أو غاب عنها، علم أحكامها فقصد إلى السؤال عن ذلك ليبرأ منه ويخلعه على ذلك، وزعم أنه إنما يقصد بذلك ليقيم فرضا، إذا بلغ إلى ذلك مع ما قد مضى عليه من القول.
أرأيت لو رأى رجل رجلا يزني بامرأة، وعلم أن ذلك منه زنا لا شك، غير أنه لم يستيقن أنه يجامعها ولا رأه كالميل في المكحلة، ما يوجب شهادته الحد، فاعتمد للنظر إلى فرج الزاني والزانية متعمدا للنظر إليهما، كان ذلك مباحا أم محجورا عليه؟
فإن قال قائل: إن ذلك مباح له أن ينظر إلى الفروج متعمدا قيل له: وأين قول الله - تعالى -: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِم، فما هذا الفرض، وأين قول النبي صلى الله عليه وسلم في النظر إلى الفروج: لعن الله الناظر والمنظور إليه، لقد فسر ذلك أهل الحق على التعمد، ولا معنى لقوله هذا إن النظر إلى الفروج مباح بوجه من الوجوه، إلا من أحل الله له ذلك من الأزواج، أو الحال لا بد منه، من خوف تلف النفس، وكان في ذلك التعارف في استنفاد النفس من الهلكة، فذلك للضرورة وليس للناظر إلا عن ضرورة لأنها خارجة من أمر الاختيار.
فإن قال: إنه لا يجوز له ذلك
قيل له: فإنما أراد بالنظر إلى فرج الزانية والزاني ليشهد عليهما ويقيم عليهما فرض الشهادة ليقام عليهما الحد، أيكون ذلك مجيزا له النظر إلى فرج الزاني والزانية؟
- 177 - (2/177)
صفحة 421
فإن قال: نعم؛ يجوز له ذلك
قلنا له: فقد نقضت قولك الذي قلت إن النظر إلى الفروج محجورا، إذا كان على غير ضرورة، وأي ضرورة في ذلك على ذهاب نفس الزاني والزانية في ذات الدنيا، أو على دينه هو، بل الهلكة عليه في النظر إلى الفروج، ولا يجوز له الاعتماد على النظر لفروج الزاني والزانية ليبرأ منهما، ولا ليشهد عليهما بالزنا، لأن في ذلك تعطيل فريضة من فرائض الله حاضرة متعبد بها في حينه، فلا يجوز تعطيلها بالاجماع، لفريضة غائبة لا تلزمه إلا بتعطيل
الحاضرة.
فإن قال: نعم؛ فلا بد من ذلك، أو الاقامة على إباحة النظر إلى الفروج المحرمة بالكتاب والسنة والاجماع، من المسلمين
فيقال له عند ذلك: وكيف قلت بأنه يجوز القصد إلى تجسس العورات
6
والتماس العيوب والعثرات، لقصده إلى البراءة، وذلك محجور في الأصل كما هو محجور النظر إلى الفروج بالتعمد، فأين قولك إنه بالقصد إلى إرادة الفريضة التي يريدها، لا يكون معطلا للفريضة المضيع لها، ولا يصل إليها إلا بتضييع هذه، ولن يجد إلى ذلك سبيلا، إن شاء الله إلا بالمكابرة والجهل.
ويقال له: ما تقول فيمن كان معه من المال، ما لو خرج إلى الحج في حين وقت خروج أهل بلده، لأجزاء ذلك المال في التعارف إلى أن يرجع إلى بلده، وله عيال يلزمه عولهم من زوجته وأولاده صغار، لا يدع لهم ما يجزيهم إلى أن يرجع إليهم، أكان يجب عليه الخروج إلى الحج، بما قد وجد من المال الذي قد ملكه، وصار مالكا له، أو كان مباحا له أن يخرج إلى الحج، ويدع عياله بغير شيء، إذ قد وجد الزاد والراحلة وكان صحيحا آمنا على نفسه
- 178 - (2/178)
صفحة 422
فإن قال: نعم؛ خرج من الإجماع، في قول أهل العلم، لأنهم مجمعون أنه لا يعطل فريضة لتأدية فريضة، إلا بتعطيل هذه الفريضة
الحاضرة المتعبد بها في حينه وساعته ولو طرفة عين
وإن قال: لا يجوز له أن يخرج ويدع عياله حتى يدع لهم ما يكفيهم.
"
ألا يتعارف أنه يرجع إليهم فيه من الوقت، ثم حينئذ يلزمه الخروج، ويجوز له، وإلا فلا يلزمه ولا يجوز له ذلك
قيل له: كذلك الحق والعدل، فأين قولك له إنه لقصده إلى تأدية فريضة تعطل فريضة، ويدخل في مجحود هذا من المحال والباطل والضلال. ويقال له: كذلك الجهاد إذا كان فريضة على العباد، فكان الواجب على العبد فرض الجهاد، وكان له عولة لا يقدر لهم على ما يعولهم به؛ إلى أن يقتل أو يرجع إليهم من غزوه أو حربه ذلك في التعارف، والجهاد فريضة على أهل الزمان، أيكون عليه وله أن يخرج في الجهاد ويدع عياله بغير قوت
ولا نفقة
فإن قال: نعم؛ فهذا والحج سواء ولا فرق بينهما، فليأت بدليل على
الفرق في ذلك، ولن يقدر عليه إلا بالمكابرة.
وإن قال: ليس له ذلك أن يخرج، ويدع عياله حتى يجعل لهم ما يقوتهم، ويجعلهم في سكن مثلهم في مأمنه عليهم من الآفات التي يلزمه أن يقوم بها عنهم، ويحفظهم عنها، فذلك هو الحق والعدل.
فيقال له: فأين قولك إنه يجوز له بقصده إلى تأدية الفرض، يجوز له الدخول في المحجورات، وتضييع المفروض، ولن يجد على ذلك إلى أحكام الحق دليلا، ولن يجد عن المكابرة والرجوع إلى الحق سبيلا، فإما أن تصح مكابرته، وإما أن يرجع إلى الحق، أن تجسس العورات واطلاع العيوب
- 179 - (2/179)
صفحة 423
واغتنام العثرات محجور من البار والفاجر، والمؤمن والكافر والكاذب
والصادق.
ويقال له: ذلك مباح فيمن كانت له ولاية متقدمة، وفيمن لم تكن له
ولاية متقدمة
فإن قال: نعم
قيل له: فإن قولك في الحق، فيمن رأى وليا له يقتل وليا له بالسيف
حتى فاضت روحه، وهو ينظر إليه
•
فإن قال: إنه يبرأ منه بما أظهر على نفسه من المحجور من انتهاك الحرام الظاهر، بما عاين منه لأنه قد علم ذلك منه
قلنا له: نعم؛ قد قيل ذلك، وليس ذلك داخل في التجسس، لأن ذلك ظاهر من أمره، وإنما حكم بالظاهر.
وقد قال من قال: إنه يتولاه ويحسن به الظن، ولا يبرأ منه حتى يعلم أنه إنما أتى ذلك حراما بلا شك في ذلك، وهو أصح القول، إذا احتمل أن يكون أتى ذلك بحق بوجه من الوجوه.
ويقال له: فإن كان الذي أتى ذلك ممن لا ولاية له، وهو موقوف عنه،
ما القول فيه؟
فإن قال: إنه يبرأ منه بما أظهر على نفسه، ولا يوقف عنه على حالته
التي كانت
قيل له: فإن وقف عنه واقف من المسلمين، ما القول فيه؟
فإن قال: إنه يبرأ منه على ذلك، فقد خالف الحق ويبرأ منه هو
- MA- (2/180)
صفحة 424
بالدين، إذا برئ من المسلمين بالرأي، لأنه لا فرق في ذلك بين المسلم وغيره، إلا أن المسلم المتقدم له الولاية، يكون على ولايته، والذي ليس له ولاية يكون على حالته، في قول من يقول إن الولي على ولايته، ولا اختلاف في ذلك
ويقال له: ما تقول في هذا العالم بحدث هذا المحدث، وهو مما يحتمل الحق والباطل، وهو ولي له في الأصل، فيبرأ منه بظاهر الحكم الذي ظهر منه، استشهد عليه بالحقيقة أنه أتى ذلك باطلا؟
فإن قال: نعم؛ يجوز له أن يعقد عليه الشهادة، ويشهد عليه عند الحاكم أنه أتى ذلك باطلا وظلما، فقد خالف بذلك أحكام الحق المجمع عليها، وأجاز له أن يشهد على الغيب بالزور والباطل، والشاهد بهذه الشهادة إذا لم يصح معه باطله، بما لا يشك فيه شاهد بالزور، وحاكم في اعتقاده
بالجور.
وإنما قيل إنه يبرأ منه بظاهر ما أتى من المجحود، في كل ما يكون فيه الحق لله وللعباد، إذا لم تتضح في ذلك له حجة المحدث عليه بحجة حق، أو
تقوم عليه حجته هو على المحدث عليه بحق.
فقال
من قال بالبراءة بالظاهر.
وقال
من قال بالولاية وهو أصح القول.
وقال من قال بالوقوف وهو أسلم، وليس في أحد الأقاويل شبهة، لأن كل واحد منها، له أصل حق، والإجماع على كل حال أنه لا يجوز للمتبرئ أن يشهد على القاتل أنه أتى باطلا، وأن فعله ذلك باطل لا محالة، ولا يعتقد عليه ذلك في اعتقاده، فإن فعل ذلك فقد شهد زورا واعتقد كفرا وجورا، ولا يجوز للمتولي أن يشهد له أن ذلك كان منه بحق، إذا لم يصح معه ذلك ولا يعتقد له البراءة من ذلك أنه بريء منه، ومن الحكم فيه من الباطل، فإن
- 181 - (2/181)
صفحة 425
شهد له بذلك أو اعتقد له ذلك بحقيقة الاعتقاد، كان قد شهد زورا واعتقد
جائرا وكذبا، ولا يجوز للواقف أيضا شيء من ذلك
فإن قال غير هذا فهذا مكابر للعقول، متورط في الضلال والفضول إذ يجيز أن يشهد الشاهد بما لا يعلم، ويعتقد المعتقد بما لا يعلم، والله - تعالى - يقول: إلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (1) والاجماع أن من شهد بغير علم فهو شاهد زور، والاجماع أن من شهد لغائب قطعا أنه قد شهد بغير علم، ولو كان كذلك ذلك، لأنه لو حلف عليه، كان حانثا شهد عليه قطعا كان شاهد زور، ولا نعلم في ذلك اختلافا
فإن رجع إلى الحق فلا بد له من ذلك أو المكابرة والخروج من المعقول. قيل له: فهذا المتولي والمتبرئ والواقف، أيجوز له أن يقصد إلى
السؤال، والبحث عن فعل هذا الذي قد رأوه يفعل ذلك الفعل، ليصح
ذلك بالعلم الصحيح من باطله أو حقه، وليس لهم ذلك معهم
فإن قال: ليس لهم ذلك لأن هذا كانت له ولاية متقدمة، وإنما برئ من برئ منه بحكم الظاهر بما أتى من المحجورات، وتولاه من تولاه بما استحق من الولاية المتقدمة في الأصل، وقف عنه من وقف للشبهة التي أشكلت من أمره، وهو في جد من أحكامه على الولاية، فلا يقصد الى تجسس عورته، لأنها عورة مسلم، لم يصح زوال اسمه بالحقيقة كما ثبت اسمه
بالحقيقة
ذلك
قيل له: فإن كان الفاعل لذلك، ليس له ولاية، أيجوز البحث عن أمره، حتى يشهدوا عليه بالحقيقة
من
فإن قال: نعم؛ فقد زعم أن الأحكام تختلف، فيمن له ولاية؛
(1) جزء الآية (86) سورة الزخرف
- JAY- (2/182)
صفحة 426
وفيمن لا ولاية له، فيكون على هذا من الحكم ما لا يكون على هذا، ولهذا من الحكم ما ليس لهذا؛ من قطع الأحكام واختلاف أحكام الإسلام، فنعوذ بالله من أن نقول إن الحكم مختلف في الولي والعدو والقريب والبعيد، ولا نعلم في حكم الله - تعالى - في كتابه أو في سنة رسوله، ولا في الاجماع اختلافا بين الولي والعدو والقريب والبعيد، بل الحكم في الحق بالسواء فمن ادعى غير ذلك فليأت بدليل على دعواه
•
وإن قال: إنه يجوز له البحث عن صحة ذلك الحدث الذي قد أتاه وليه، وقد أوجب على نفسه ولايته بذلك، وكان مخيرا في ولايته والبراءة منه بحكم الظاهر، فأجاز أن يبحث عن ذلك ليبلغ إلى صحة الغيب منه، فقد
أبطل قوله في الولي وغير الولي، وقد أجاز تجسس العورات من المسلمين
ويقال له: أرأيت بيت يهودي وبيت مسلم مفتوحين جميعا وأنت
متطهر، وكلاهما قد فتح بابه، أيجوز لك أن تنظر في جوف بيت اليهودي ولا يجوز لك أن تنظر في جوف بيت المسلم، أو كلاهما سواء؟
فإن قال: كلاهما سواء.
قيل له: فيم كانت العورة محجورة؟ بالبيت أو بالساكن؟
6
فإن قال: بالبيت والبقعة أتى بما لا يعقله الناس، وبما يخالف كتاب الله - تعالى - إذ يقول: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعُ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) (1)
ويقال له: نفس النظر في جوف المنزل محجور أو مباح، إذا كان
مسكونا؟
(1) الآية (29) من سورة النور
- 183 - (2/183)
صفحة 427
عنه أن
فإن قال: مباح؛ خالف بذلك القول عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ صح رجلا نظر من كوة بيت رجل فرماه بسهم فعوّر عينه، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم عينه ولو
كان مباحا ما أهدر النبي صلى الله عليه وسلم عينه، وهذا ضلال
ويقال له: أرأيت إن كان المنزل المسلم والساكن يهودي، أو الساكن
مسلم والبيت ليهودي، فلا يجد على ذلك فرقا.
ويقال له: أرأيت من سرق من حصن اليهودي أربعة دراهم، أيقطع
أم لا يقطع؟
فإن قال: يقطع؛ فهو الحق.
وإن قال: لا يقطع؛ فهو قد خالف السنة
وإن قال: يقطع
•
قيل له: فيم إذا يقطع، أليس لحرمة الحصن مع الملك المحجور، ولن يجد صاحب هذا القول فرقا ولا مخرجا، دون أن يبطل حجة التجسس، أو يرجع إلى الحق، أو يداوم على هذيانه ومكابرته، فلا يلتفت إلى المكابرة
والهذيان
ويقال لهم: أخبرونا، من أي وجه ثبت على من يلزمه معرفة دينه، إذا كان يلزمه في حال من الحال، الخروج في طلب شيء من دينه في أمر السؤال، أو طلب حجة في الذي يلزمه من أمر دينه، فمن أي وجه ثبت عليه الخروج إلى سمائل وصحار دون غيرهما من القرى والبلدان والأمصار، هل ثبتت عليه في القريتين، أو أن أي شخص معروف في البلدين في كل بلد شخص معروف؟
فإن قال: إلى البلدين، طولب في ذلك بالحجة على ثبوت ذلك، ولن
- 184 - (2/184)
صفحة 428
يجد إلى ذلك سبيلا
وإن قال: إلى شخصين في البلدين معروفين
قيل له: فمن أي وجه ثبت عليه الخروج إلى شخص معروف، في بلد
معروف، دون غيره من الأشخاص، ودون غيره من البلدان
•
من
فإن قال: إنما يلزمه الخروج إلى فلان وفلان اللذين بسمائل وصحار. قيل له: فإن خرج هذا الخارج في لازم دينه، فلقي شخصا الأشخاص في بلده الذي هو فيه، فعبر له ما الذي إذا وصل إلى سمائل وصحار عبر. له من سمائل وصحار مثله من العبارة، مما قد لزمه السؤال عنه أمر دينه، ولم يسعه إلا السؤال عنه، أتقوم عليه الحجة بمن عبر) له من
من
المعبرين ما لا.
يسعه جهله، ولا جهل علمه بعبارته من أي المعبرين
قيل له: فلم يلزمه الخروج إلى سمائل وصحار في شيء، تقوم له به
"
الحجة وعليه بدونه ومن دونه، فإذا كانت الحجة تقوم عليه من دون ذلك فتعدته الحجة إلى غيرها، قطعا لعتبه وموجبا لكفره، وأنتم تأمرونه بما يقطع
عذره ويوجب كفره، أو بما يوجب له العذر، ويزيل عنه الكفر.
فإن قال: إنما نأمره بذلك فيما يلزمه في ذلك
•
قيل له: فكل ما لزمه السؤال عنه، ولم يكن سالما إلا بالسؤال عنه وكان عاصيا بدونه، فكل من عبر له ذلك من أمر دينه فهو عليه حجة، من والد وولد أو. أو معتوه أو مشرك، وكل ما وسعه جهله، فغير مقطوع العذر بترك السؤال عنه، ولا بترك الخروج فيه وفي طلبه، حتى تقوم عليه
صبي
الحجة بعلمه، من غير أن يلزمه دينونة بسؤال عنه بعينه ولا خروج في طلبه
6
وإذا كان في. حد من يلزمه السؤال كان تركه للسؤال من الضلال، فعليه أن
- 1 A 0 - (2/185)
صفحة 429
يسأل عنه كل من وقع عليه نظره من المعبرين، لأن كل المعبرين عليه حجة فيها يسعه جهله من دينه، ولا نعلم في ذلك اختلافا
?
فإن كان يلزمه السؤال فتركه للسؤال إلى أن يصل إلى سمائل وصحار، وحين ما يطرف طرفة عين، بعد أن يقدر على أحد من المعبرين، فهو مضيّع لفرض السؤال.
فإن كنتم تلزمونه أن يخرج يسأل من طريقه كل من لقي إلى سمائل وصحار، فذلك معنى اللازم إذا لزمه ذلك، وقدر على الخروج فيه، فعليه أن يسأل عن دينه سؤالا عاما مجملا، إلى أن يلقى الحجة التي قد لزمته، وعليه أن يخرج منها إلى السعة وإلى الطاعة ولا غاية له في ذلك ولا نهاية إلى سمائل وصحار ولا غيرهما، وإن لقيه من يعبر) له ذلك في منزله وأهل بيته، فتلك حجة الله عليه وله، وإن لم يلق الحجة التي تخرج بها من حد الجهل إلى حد العلم الذي لا يسعه إلا علمه، فلا غاية له في ذلك أبدا ما قدر عليه من الضرر في الأرض، إلى أن يلقى من يعبر له ما قد جهله مما يلزمه علمه، فلم يسعه جهل علمه، فإذا لقيته الحجة فجهلها أو تركها، لظنه أنها ليست حجة، حتى يصل إلى سمائل وصحار، فهو هالك بجهل ذلك، ولا معنى للخروج إلى سمائل وصحار، في وجه من الوجوه، إلا أن الهجرة واجبة إلى سمائل وصحار، أو إلى من بهما من الجثث والأبشار، وهذا لا محال أنه من قول الفجار، وأنه سبيل من سبل أهل النار - نعوذ بالله من النار - ومن المصير
إلى دار البوار.
•
ويقال له: فإذا كان اللازم له السؤال عن شيء من أمر دينه الذي لا يسعه إلا الخروج في السؤال عنه، وفي طلب علمه منفسا، في السؤال عن أمره إلى أن يصل إلى سمائل وصحار، فما باله لا ينفس إذا وصل إلى سمائل
وصحار، لأي علة تقع عليه هنالك يعذر بها دون ذلك
- IAT- (2/186)
صفحة 430
فإن قال: لأنه يلقى هنالك العلماء من المسلمين من أهل الاستقامة على الدين، ولا يلقى أحدا من أهل العلم من أهل الاستقامة دون ذلك قلنا له: هذه شهادة منك بالزور والكذب، لا مخرج لك منها، لأنك لا تعلم، أتلقى عالما مستقيما دون ذلك أو لا تلقى، ولعل العلماء الذين هم دون سمائل وصحار أعلم من الذين بسمائل وصحار وأصح مذهبا، أو تعلم جميع من كان بالمصر، ممن تعبده الله من الخلائق، وتعلم جميع أهل المصر من غير بلدك، أو من بلد الخارج إلى سمائل وصحار.
أنت
عاقل.
فإن قال: إنه يعلمهم كلهم قلّد ذلك، مع أنه لا يدعي ذلك أبدا
وإن قال: إنه لا يعلم دون سمائل وصحار أحدا تقوم به الحجة. قيل له: فعلى الناس علمك في العلماء، وعلمهم في العلماء، وعلمك على الناس حجة في العلماء الذين علمتهم، أو إنما الحجة عليهم في العلماء، كما كان علمك أنت حجة عليك في ذلك
علمهم
فإن قال: إن علمه حجة على من لزمه الخروج إلى سمائل وصحار، أن من بهما من الأبشار، هم الحجة في العلم ولا حجة دونهم.
قيل له: فكيف كان قولك له إن من سمائل وصحار حجة له وعليه إذا وصل، وألزمته الخروج لقولك إنهم حجة، ولم يكن قولك أنت له بما أمرته من قبول قولك من الفتيا والشهادة على قطع عذره حجة، إن هذا لمن العجب العجيب، أن تقوم الحجة عليه أن فلان بن فلان فقيه تقوم به الحجة من قول من ليس قوله عليه حجة في الفتيا ولا في الشهادة، وهل سمعتم بمثل هذا التمويه وهذا التلبيس وهذا العمى، فإذا كانت تقوم عليه الحجة بقولك إن فلانا حجة، فقولك أنت أوجب حجة من قولك إن فلانا حجة، ولا نعلم في
- 187 - (2/187)
صفحة 431
هذا اختلافا.
ولا يجوز هذا في حجج العقول، في معنى من المعاني في الفتيا. ويقال له: فإن كان كما نقول؛ إنه حجة ولا حجة دونه، ولا حجة دون الوصول إلى سمائل وصحار، فإن خرج هذا الخارج الذي قد لزمه شيء من السؤال عن أمر دينه، فلقي فلانا وفلانا اللذين قلت أنها الحجة بسمائل وصحار، دون سمائل وصحار، أو لقيهما في جانب بلده، أيجوز له أن يسألهم دون أن يصل إلى سمائل وصحار، أو لا يسعه ذلك دون أن يصل إلى سمائل وصحار.
فإن قال: إنه يجوز له أن يسألهما، وتقوم له وعليه بذلك الحجة، فليس عليه الوصول إلى سمائل وصحار، فقد كان أمرك له بالخروج إلى سمائل وصحار باطلا، في حكم الآثار وقول الأخيار، لأنك ألزمته الخروج إلى سمائل وصحار بغير حجة تقوم له في سمائل وصحار ولا عليه، وقد قامت له الحجة وعليه دون سمائل وصحار، فما باله يلزمه الخروج إلى سمائل وصحار، وقد انتقضت بحمد الله أن بدعتهم الخروج إلى سمائل وصحار لازم في قولهم، وصح أن الهجرة إلى فلان وفلان اللذين بسمائل وصحار،
وأنه لا دين يقوم الله إلا بالوصول إلى فلان وفلان.
فيقال له مع ذلك: أرأيت إن خرج خارج إلى سمائل وصحار كما قلت له والزمته، فوجد فلانا وفلانا اللذين قلت أنت إنهما الحجة دون غيرهما،، قد خرجا من سمائل وصحار إلى توام أو جلفار، أعليه الخروج إليهما، كما كان له أن يسألهما دون سمائل وصحار.
فإن قال: لا، نقض أصله الذي كان قد بناه له على مذهبه، حتى
ينقطع من ذات نفسه، ولو دخلنا معه في إثبات ما يدعيه
188 - (2/188)
صفحة 432
،
وقلنا: إن الذي يدعيه حق، كما ادعى أن عليه الخروج إلى فلان وفلان دون غيرهما، وأنه لا تقوم حجة الله إلا بهما ومعهما، وهو من عظيم الزور وصحيح الفجور، لأنه قد قال إنه إن لقيها دون بلدهما كان له أن يسألهما، وتزول عنه حجة الكلفة بالخروج إلى سمائل وصحار، لأن المعنى في الوصول إلى فلان وفلان، فكذلك إذا لم يجد فلانا وفلانا بسمائل وصحار. كان عليه اتباعهما إلى توام وجلفار، ولا مخرج له من ذلك دون أن يقول إن الخروج إلى سمائل وصحار دون من بهما من الأبشار، فيكون ذلك إقرارا منه أن الخروج يلزم إلى سمائل وصحار فقط، وأنها هجرة إلى سمائل وصحار، لا لمعنى من المنافع، ولا لدفع شيء من المضار. أو يقر أنه إنما عليه الخروج إلى سمائل وصحار إلى فلان وفلان، إذا كانا بهما، فيبطل قوله إنه إن لقيها دون سمائل وصحار أنه لا يسعه ذلك ولا يجزئه، ويكون عليه الخروج إلى سمائل وصحار حتى يلقاهما بسمائل وصحار، أو يقر أن هذا باطل، ولا بد ذلك، ويلزمه أن يخرج على أثرهما إلى توام وجلفار، فإذا لزمه ذلك وقال إنه يجب عليه أن يتبعهما ويخرج في أثرهما ولا عذر له في ذلك دون أن
له
من
يلقاهما
معه
أنهما
قيل له: ذلك فإنه لما وصل إلى توام أو جلفار، صح سلكا قفرة من القفار، أو بحرا من البحار، يريدان الحج، أو مصرا من الأمصار، وهو منفس عن اللحاق بهما، أو عليه أن يسلك مسلكهما إذا قدر
على ذلك
•
فإن قال: ليس عليه ذلك
قيل له: من أي وجه هو قادر على ذلك كما قدر بالزاد والراحلة والأمان، وهو على جملة ما كان عليه من الجهل الذي لزمه أن يلقاهما فيه، والفريضة بحالها عليه من تعليم ما جهله مما هو له حجة، ولا حجة له مع الله بزعمك دون أن يلقاهما بغيرهما من الناس، ولا حجة عليه إلا بهما، فقد
- 189 - (2/189)
صفحة 433
نقضت أصلك أن الخروج إلى فلان وفلان ورجعت أن الخروج كان إلى سمائل وصحار، ثم نقضت أصلك أيضا إذ قلت إنه يخرج من صحار إلى توام وجلفار. فلأي وجه وجب عليه الخروج من صحار إلى توام وجلفار، ولم تلزمه الخروج إلى مكة على إثرهما، أو إلى غيرهما من الأمصار؟
فإن قال: لما خرجا من المصر، والمصر عمان؛ زال عنه الخروج إليهما، وكان منفسا في القعود في عمان حتى يرجعا إلى عمان، فإذا رجعا إلى عمان كان عليه أن يلقاهما.
قيل له: ومن أين لك هذا، وهو على جملة ما تعبده الله به من علم ما جهله.، ومن هو قادر على تأدية ذلك بالأمان من الطريق والزاد والراحلة
وصحة البدن
•
"
فإذا قال لخروجها من المصر، وليس على من كان بعمان، أن يخرج في طلب ما يلزمه علمه في دينه، إلى غير عمان وإنما عليه أن الأمصار من يلتمس دينه من عمان؛ فلتات بدليل على بدعتك هذه ولن تجد إلى ذلك سبيلا، دون أن يلزمه الخروج في أثرهما إلى مكة وغيرها من الأمصار، ولا محال في ذلك، أو يبطل قوله إن الخروج في طلب العلم اللازم إلى غير بلد محدود من البلدان، ولا من الأمصار ولا من الأشخاص ولا من الأبشار، وليس لذلك حد دون أن يصل إلى علم ما لزمه علمه، أو يقع له عذر من الله، من عجز عن التماس ذلك من مرض في بدنه، أو خوف على نفسه، أو عدم من الزاد والراحلة، أو عذر من المعاذير التي يجب له بها العذر، وأن الخروج إلى رجل بعينه أو بلد بعينه باطل وبدعة وضلالة، ولا يجوز غير ذلك، لأنه الحق والعدل والصراط المستقيم.
ويقال له ذلك فإن كان له عذر في لقائهما، أو قد خرجا من عمان، فما الذي يسعه من أمره، أيجوز له أن يرجع إلى بلده ووطنه ومنزله
-19 - (2/190)
صفحة 434
وسكنه، حتى يرجعا إلى عمان أو يرابط في نواحي عمان حتى يرجعا إلى عمان
ثم يلقاهما.
•
فإن قال: له أن يرجع إلى وطنه وسكنه حتى يرجعا إلى عمان، ثم عليه أن يخرج إليهما ويلقاهما
قيل له: فتراه هو منفس في السؤال معك، والخروج إلى فلان وفلان إلى سمائل وصحار، لأنه قد يمكن أن يكونا غائبين من سمائل وصحار، وغائبين من المصر كله إلى غيره من الأمصار، فلا يلزمه على قياد قولك أن يخرج إلى فلان وفلان فيما يلزمه من علم ما لا يسعه إلا علمه، حتى يعلم أنهما في المصر علما يقينا، كما يعلم أن صلاة الظهر ثابتة كل يوم، لن ينسخ ولن يتحول إلى يوم القيامة، بعد زوال الشمس بقليل أو كثير، إلى أن.
ذلك
يصير
من
ظل كل شيء مثله بعد الزوال، وهذا من المحال أن يعلم ذلك في ساعة الساعات، التي يجب عليه الخروج فيها، وقد يمكن في كل ساعة من الليل والنهار، قلتم إنه يجب عليه الخروج فيها أنه لا يعلم أنهما في المصر أم لا، لأنه قد يحدث لهما الخروج في الوقت الذي لا يعلم هو أهما في المصر أم لا، فلا يلزمه الخروج إليهما حتى يعلم أنهما في المصر أو في سمائل وصحار، وإلا فعلى قياد قولك إنه لا يسعه أن يرجع إلى وطنه ولا سكنه، وعليه أن يرابط بأقرب السواحل إلى طريقهما من خروجهما حتى لا يكونا بعمان في وقت من الأوقات إلا وهو معهما، وقد لقيها لأنه قد لزمه لقاؤهما، وإنما زعمت أن العلة في عذره خروجهما من المصر، فهو على جملة الخروج إليهما حتى يرجعا إلى عمان ويلقاهما، ولا بد له من ذلك، أو بطلان قوله هذا وهو باطل والحمد الله، وإنما يريد أن يقطع قوله من فعله، وإلا فقوله مقطوع دابره، باطل أوله
وآخره.
فصل: فإن دام على ذلك، أو قال إن عليه أن يقعد بنواحي عمان
- 141 - (2/191)
صفحة 435
قيل له: فأين يقعد، في شرق عمان أو غربها، أو من حيث خرجا من عمان يقعد هنالك حتى يرجعا من هنالك، وليس هذا مما في القول فيه فائدة، إلا أنه حتى لا يبقى لهم حجة
ويقال له: أرأيت إن مات فلان وفلان في سفرهما أو أقاما بغير عمان،
أهو منفس في جهله والإقامة على جهله.
فإن قال: نعم؛ فقد أتى بما لا نقبله منه عقلا، ولا يخرج إلا على المكابرة، ولا بد من الخروج إليهما حيثما كانا حتى يموتا، أو يموت الخارج في
أثرهما.
فإن قال: كذلك
قيل له: إذا ماتا أيعذر بعد ذلك، بجهل ما قد لزمه علمه أولا يعذر، وهو على جملة الجهل وعليه السؤال عن علم ما لا يسعه إلا علمه؟
فإن قال: يسعه جهل ما لزمه علمه، أتى بأشنع من قوله الأول، لأنه ينزل فلانا وفلانا منزلة أعظم من منزلة النبي الله ولم يجز على قياد قوله إلا أن يقدمهما على النبي صلى الله عليه وسلم، أو يقول إنه لا حجة عليه بعد موت النبي وهذا ما لا يدعيه أحد من أهل التوحيد.
يلزمه.
وإن قال: لا يعذر بعد ذلك بجهله لما لزمه علمه، وعليه السؤال عما
قيل له: فمن يسأل من الناس من بعد موت فلان وفلان؟
فإن قال: إذا مات فلان وفلان، فيسأل من شاء وهو له حجة وعليه حجة، إذا دلوه على علم ما يجهله من دينه، ووافق الحق.
قيل له: وهذه المنزلة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن يسلم أحد بدون أن
- 192 - (2/192)
صفحة 436
يسأله هو بنفسه، ويلقاه ويراه ويسأله عن علم كل ما لزمه بعينه
لات
6
فإن قال: نعم، ولن يقدر أن يقوله، وأرجو أن يقطع الله عذره دون هذا ويقطع دابره، أتى في ذلك بما يكذبه العالم كلهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان في عصره وزمانه بعد ما نسخ الهجرة وقبل الهجرة يسلم كل من الناس في مسكنه ووطنه، ولا يلزمه خروج إلى النبي له ولو لزمه في الهجرة الخروج. فإنما الهاجرة أن يهاجر من أرض الشرك إلى أرض الاسلام، ولم يكن هناك أرض إسلام إلا المدينة، وكانت المدينة هي دار إسلام، وسائر الدور والأمصار دار کفر، الغالب عليها الشرك، فإنما امتحن الله العباد بالهجرة لمعنى الخروج من بين ظهراني أهل الشرك إلى دار الإسلام، لا لمعنى أن الحجة ا تقوم إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام، ولو كان ذلك كذلك، ولا تقوم حجة إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم لما كانت تقوم الله حجة على من لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يسلموا الناس في المدينة، وفي مكة وفي الأمصار، يسلمون على أيدي آبائهم وأرواحهم، ومن دعاهم إلى الإسلام ويقبل منهم ولا يرون النبي صلى الله عليه وسلم ولا يراهم، وصح أن العلماء كانوا يفتون في المدينة، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم يأمرون بالإسلام وبالإيمان، وكانت الحجة تقوم بغير النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان الإسلام بالنبي والإيمان به غير سائر المسلمين، ولا يقرب إلى هذا القول في وجه من الوجوه، لولا طول الكتاب أكثر مما قد طال ورجاء أنه ألا يعتل في هذا بعلة، لأوضحنا من الحجج في ذلك ما فتح الله، ولكن لا يدعي في ذلك إن شاء الله دعوى فصل: وإن قال: بل قد كان في أيام النبي صلى الله عليه وسلم الحجة تقوم بالحق
بغيره من المعبرين من المسلمين.
ذلك،
قيل له: فما أعظم منزلة في الإسلام، وأجل قدرا في الأحكام؛ النبي أو فلان وفلان؟ فلن يقدر أن يقول إلا النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إن قال غير ذلك
خاف على نفسه أن يقتل قبل أن يتكلم.
- 193 - (2/193)
صفحة 437
فإن قال: النبي الأعظم قدرا من الجميع ومن فلان وفلان. قيل له: فكيف خص لفلان وفلان أنه لا حجة دونهما تقوم على العبد ولا له، وهذا أصل باطل لا يتكلم به أحد ممن يعقل، ولا ينساغ في عقول المجانين، إلا أن يكون ذلك من وساوس الشيطان، ولن يكون ذلك من الشيطان أيضا من المجانين، وإن شاء الله أنه لا يرجو أن يتبع المجانين أحد على بدعة، وهذه من أعظم البدع وأشنع الشنع، وإذا كان الأصل باطلا والأساس فاسدا، فمن حيث جئت بالحق فأفسدت الباطل، ومن حيث جئت بالصالح أبطلت الفاسد، والحمد لله على هداية دينه. ويقال لهم إن أنكروا هذا أو شيئا منه، ولم يقروا بذلك ويرجعوا إلى الصواب، أو يلزموا الناس الخروج إلى فلان وفلان في السؤال والبحث عن جميع دين الله - تبارك وتعالى ـ، أو في السؤال عن جميع العلم الذي هو من دين الله - تبارك وتعالى ـ، وإنما يلزمهم الخروج في السؤال عما يلزمهم عمله، بما قد لزمهم العمل به، فجهلوه وضيّعوه، من الفرائض اللوازم، أو جهلوه وركبوه مما لا يجوز ركوبه لهم من المحارم.
فإن قالوا: عليهم أن يخرجوا في السؤال عن جميع دين الله، وعن جميع العلم الذي هو من دين الله، كائنا ذلك العلم ما كان، ولا يسعهم إلا أن يعلموا جميع دين الله، أتوا بما يشهد على تكذيبهم فيه العقول، والكتاب والسنة والإجماع، ولا يقربون إلى ذلك. مع أحد من الخليقة، لأنه لا يمكن أن
الله
يلزم الجميع ما يلزم الواحد، ولو كان الناس لا يسلمون إلا بعلم دين كله، ما سلم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وجميع المهاجرين والأنصار، حتى يعلموا من الدين كعلم النبي لأنهم متعبدون من دين الله بمثل ما تعبد به من العلم الذي يخصهم علمه، ولكان النبي صلى الله عليه وسلم يهلك أيضا من حين ما بلغ الحلم، حتى يعلم في حين ذلك جميع دين الله الذي تعبده به وأمره به، من جميع ما أمره به ونهاه عنه في كتابه، قبل أن يعلمه ذلك ويوحيه
-198 - (2/194)
صفحة 438
إليه وينزله عليه، لأنه من دين الله الذي تعبده به في أصل دينه، وكذلك يهلك حتى يعلم جميع ما أتاه به جبريل - عليه السلام ـ في طول زمانه ومدته وعمره وأيامه، ولو كان كذلك كان يهلك، من حين ما أرسله الله واستنباه وأمره بطاعته، حتى يعلم جميع ما كان في علم الله أنه من دينه الذي يأمره ويوحيه إليه وينزله عليه، وهذا أصل باطل لا يدعيه أحد ممن علمناه من أهل القبلة، ولا ينساغ في العقول أن يكلف الجميع علم الواحد من العلماء، ولا يكلف كل من الخليفة من العلم إلا ما بلغ إليه علمه، وصح معه ذلك من أي وجه من وجوه الصحة، أو ما قامت عليه به الحجة التي لا يسعه الشك فيها، مما لا يسعه جهله من علم التوحيد ومعرفة معناه، وعلم معاني الوعد والوعيد، وما يتولد من ذلك ومثله، فذلك ما تقوم عليه به الحجة بالخاطر، أو ذكر الذاكر كائنا. من كان، أو ما يلزمه العمل به من الفرائض اللازمة التي يفوت وقتها، فجهل علم ذلك حتى يضيعها ولا يؤديها في وقتها، على ما أوجب الله عليه من العمل بها في ذلك الوقت، الذي لا يسعه تأخيره إلى غيره، كائنا ما كان من اللوازم من دين الله، أو يجهل شيئا من المحارم التي يركبها بجهله كائنا ما كان من المحارم من دين الله، وتقوم عليه الحجة التي ما بعدها حجة في الاسلام من قول علماء المسلمين، فيما يسعه جهل علمه من دين الله، ما لم يحضره العمل به والانتهاء عنه، وهو قول الواحد من المسلمين، الشاهر لهم اسم أهل الاستقامة في الدين من الأمة، وفي قول أكثر أهل العلم من المسلمين، أن الفقيه الواحد حجة، وأن الواحد من العلماء يقوم في الفتيا في الدين مقام الاثنين، وإذا قام مقام الاثنين قام مقام الأربعة، وإذا قام مقام الأربعة قام مقام الأربعين، وإذا قام مقام الأربعين قام مقام مائة ألف أو يزيدون وإذا قام مقام مائة ألف أو يزيدون قام مقام أهل الأرض كلهم، وكان هو الحجة عليهم، إذا كان الحق في يده من علم الدين، ولم تكن لأحد عليه حجة في الدين من جميع العالمين، ولولا أن الحق على هذا والدين على هذا ما كانت الحجة الله - تبارك وتعالى ـ، تقوم وينقطع بها عذر
6
- 190 - (2/195)
صفحة 439
الشاك فيها بالرسول الواحد، إلى أهل الأرض كلهم في العصر الواحد، فيكون حجة عليهم، ولو كان لا يقوم ذلك إلا بجماعة من الناس معروفين وعدة معدودين، لكان ذلك أولى به النبيون والمرسلون، ولا نعلم أن الله - تبارك وتعالى - أرسل إلى أهل زمان من الأزمنة ووقت من الأوقات رسولين، إلا أن موسى بن عمران سأل ربه - تبارك وتعالى ـ أن يرسل معه أخاه هارون ـ صلى الله عليهما وعلى نبينا وسلم ـ وزيرا، فكان الرسول، وهارون معه وزيرا له، وشاهدا معه، لا أنه لا تقوم الحجة على
موسي
هو
6
فرعون وآله إلا باثنين، بل كان موسى هو الرسول إليهم والحجة عليهم لا ينكر ذلك أحد، ولا يعتل به أحد، فلما أن قامت حجة الحق الله على عباده بالواحد من الرسل في كل عصر وزمان، وكانوا هم الحجة على غيرهم من جميع العباد، كان ذلك حجة ثابتة في كل وقت وعصر وزمان، عدم فيه الرسل من الله إلى خلقه، أو لم يعدموا بما يقيم عليهم به الحجة من جميع
دينه
ولو اعتل معتل برسالة هارون - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم ـ مع موسى - عليه السلام ـ، ما كان له في ذلك حجة، لأن الحجة على كل أمة ما جاءهم به نبيهم ورسولهم من الحجة والشريعة، وقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، ناسخا لشرائع جميع الأولين، ولا ناسخ لدينه إلى يوم الدين، وكان واحدا أرسله الله إلى أهل الأرض كافة. من الثقلين من الجن والانس، فقامت به الحجة على جميع الثقلين من الجن والانس حاضرهم وغائبهم ومتقدمهم ومستأخرهم إلى يوم القيامة، وإنما يعبر الواحد من علماء المسلمين من دين الله - تبارك وتعالى - مما يسع جهله، ما قد جاء به النبي وقامت به الحجة عنه على أمته من المستأخرين والمتقدمين، وقد قال
الله - تبارك وتعالى - لنبيه: إنما أَنتَ مُندِرُ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ))
(1) جزء الآية (7) من سورة الرعد.
-197 - (2/196)
صفحة 440
ففسر ذلك أهل العلم أنه العالم من المسلمين من أهل الاستقامة، فيما يسع جهله وفيهما لا يسع جهله، من عبارة الذين هم حجة على من قام عليه
وقد قال - تعالى -: (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدُ مِّنْهُ وَمِن
قَبْلِهِ كِتَابٌ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً) (1).
فقال أهل العلم: إنه العالم المحق؛ فالبينة من ربه ما هو عليه من الحق، ويتلوه شاهد منه؛ لسانه، فلسان العالم هو الشاهد على علمه له، وهو الحجة له على من قام عليه بالحق جهله من قام عليه أو علمه، فالحجة للعالم على العامة بما جعله الله حجة في دينه على عباده، وليس لأحد أن يجهل حجة الله عليه إلى غيرها، ولا يعدوها إلى حجة سواها، فإن كان الواحد حجة فيما يسع جهله فهو الحجة، وإن لم يكن الواحد حجة فالاثنان كذلك، والأربعة كذلك والجماعة كذلك إلى ما لا يحصى، لأن الاثنين يقومان مقام الواحد في عبارة الدين، لأنهما لو اختلفا لم يكونا في اختلافهما سالمين من المهلكة، ولم يكن بد لواحد منهما أن يكون هالكا في الدين كاذبا، في حكم الدين على رب العالمين في عقول السامعين لهما من العالمين والجاهلين، فلا يجوز أن يكون الحق في الدين إلا مع واحد من المعبرين، وأن المخالف له مخالف في أصل الدين، فلا يجوز أن يطلب معه غيره، فيما يقوم في العقول أنه لا بد من أحد أمرين:
إما أن يقول مثل ما قال، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان
وإما أن يقول غير ما قال، فيكون مخالفا له في الدين في عقول العالمين، لأن الدين أبدا لا يكون إلا مع واحد من المختلفين، ولا يحتمل في العقول،
(1) جزء الآية (17) من سورة هود.
- 197 - (2/197)
صفحة 441
إلا أن يكون أحد المختلفين في الدين كاذبا على الله، وقد يمكن أن يكونا جميعا كاذبين على الله، ويمكن أن يكون أحدهما كاذبا والآخر صادقا، ولا يمكن أن يكونا صادقين جميعا، هذا من المحال ومن طلب المحال وتعلق به، وقع في الضلال والدين ما جاء فيه حكم من الكتاب أو من السنة أو من الاجماع من علماء المسلمين، فإذا كان القول من العالم بأحد هؤلاء أو بما يشبه ذلك وما هو فلا يجوز القول لغيره بخلافه، وهو الصادق على جميع من قال بخلافه، ولو كان مخالفا جميع أهل الأرض، فهم الكاذبون في أصل الدين، الذي أجمع عليه معاشر المسلمين، وجميع أهل الاستقامة. من الموحدين.
مثله
6
- 198 - (2/198)
صفحة 442
باب
وجوه التعبد ومعانيه والحجة في ذلك
جميع ما تعبد الله به عباده في دينه هو معان ثلاثة، لا يعدو ذلك إلى معنى رابع غير الثلاثة المعاني:
فمعنى من هذه المعاني هو المعنى الذي تعبدهم بعلمه من دينه، والشهادة به وعليه، فلا يقبل منهم غير ما تعبدهم به، ولا يعذرهم بجهل ما أوجب عليهم علمه لمعنى غيره، فإذا أوجب العلم لم يسع الجهل، وضاق الشك ووقعت الهلكة بانقطاع العذر.
فصل: ومعنى ثان، وهو مما تعبد الله به عباده من العمل بطاعته، من فرائض فرضها عليهم عملا في أبدانهم وأموالهم، أوجب عليهم العمل بها غير ذلك، وجعل العلم لها ولمعانيها دلالة عليها، ليودا بذلك العلم، وليس العلم بها يجب لنفس العلم بها، وإنما يجب العلم بها، لأن يبلغ بذلك العلم إلى أدائها على وجهها، وعلى ما أوجب الله في دينه من العمل بها، ثم جعل لذلك العمل في دينه وفرائضه، أوقاتا مؤقتة في ساعات من الليل والنهار، لا يجوز أن يؤخر ذلك إلى غيره، وفي أوقات من الأيام والأشهر، إذا جاء ذلك الوقت المؤقت، لم يجز أن يتعدى، ولا ينفع العمل لذلك إلا في الأيام المؤقتة والأيام المعدودة في الأشهر والأيام والساعات، ثم جعل ذلك
- 199 - (2/199)
صفحة 443
ضروبا منه، ما هو في أوقات معروفة، يجوز له العمل فيها، ولا ينفع العمل بها إلا فيها، فإذا جاء ذلك الوقت، لم يجز تأخير ذلك عن ذلك الوقت منها، وكان على العبد العمل بذلك المخاطب به، والعلم لذلك للعمل به، وإنما أريد منه نفس العمل، لا نفس العلم، ولا يخاطب بالعلم، فيكون بنفس الجهل للعلم هالكا، وإنما خوطب بالعمل في ذلك الوقت، وكان ذلك العمل لا يصل إليه العبد إلا بعلم غيره، ولو كان العلم دلالة على غيره، فلزم العمل ولزم العلم، لوجوب العمل، فكان العلم في ذلك لا يقع إلا بتعليم، لأنه دلالة على غيره من أعمال الأبدان والأموال، وكل عمل وقع على الأبدان وفي الأموال، فإنما يبلغ إلى علم ذلك بالسماع والعبارة، وغير مخاطب العبد فيه بالعلم، إلا لمعنى العمل اللازم في ذلك الوقت، في الأموال والأبدان، فإذا أدى العبد ما خوطب به من العمل، على ما أوجب الله عليه
"
من العمل، ولم يضيع من ذلك شيئا من العمل، فغير مسئول العلم بذلك كما أنه مسئول عن نفس العلم الذي تعبد به لمعنى العلم، لا لغيره من الأعمال، وإنما أوجب العلم في ذلك للعمل لا لغير ذلك، فإذا حصل العمل، فغير ثابت علم ما قد حصل من العمل، غير أنه لا يكون العمل بذلك أبدا إلا بعلم، والعلم في ذلك حصول العلم من أي وجه حصل ذلك العلم، وأول العلم يقع بخاطر القلب، ومعنى الحسن من القبيح، على
من
معنى علم الالهام من الله - تبارك وتعالى -، فإذا بلغ العبد إلى علم ذلك. علم الالهام من الله، لمعرفة ذلك العمل وعلمه بأي وجه وصل إليه، من العلم بخاطر قلبه أو رأي عينه، لأثر مرسوم أو سماع إذنه من كلام مفهوم، أو تأسى بغيره من العالمين، فكل ذلك علم وحجة إذا بلغ إليه العبد، وأدى ذلك اللازم به، فقد بلغ إلى علم ما أريد منه وصح له العمل، ومحال أن يكون العمل من أهل العقل إلا بعلم، ولكن العلم على حد ما ذكرنا من خاطر أو سماع أو تأس بغيره، أو أثر يطأه أو رأي يراه، ويحسن في عقله
6
فكل ذلك علم ثابت وحجة واجبة، ومحال أن يقال أن يعمل عامل عملا بعد
- 200 - (2/200)
صفحة 444
أن
يصح
عقله إلا بعلم، وبأي العلم، أدى ما قد لزمه فقد علم ذلك وأحكمه، وأدى الفرض اللازم من ذلك، ومتى بلغ إلى علم ذلك بأي وجه فأداه، فقد أطاع الله بذلك وأرضاه، وصح له ذلك العمل وكفاه، وهذا معنى من دين الله خوطب العبد فيه بالعمل لا العلم، غير أن العلم دلالة على العمل، ولا يكون فيه التعبد بالعلم، وإنما التعبد فيه بالعمل فصل: ومعنى ثالث من دين الله، وهو جميع ما تعبد الله به عباده، من ترك معصيته من المحارم والمأثم، فإنما وقع التعبد بنفس الترك والانتهاء وغير ذلك، فإذا حصل من المتعبد الانتهاء عن محارم الله، إذا عارضته
،
وامتحن بها في أي الآفات ابتلي بها، فإذا تركها فلم يركبها بقول أو عمل، وكانت مما فيه الفرض ألا يقال فيها بالباطل، أو يعمل فيها بالباطل، فإذا لم يات ذلك العبد بقول أو عمل أو نية فلا حجة عليه في علم ذلك، وإنما وجب عليه العلم لينتهي عن ذلك المحرم عليه، ويترك ذلك المنهي عنه، وإنما كان العلم هاهنا، لأنه لا يجهل، فيقول على الله بغير الحق، أو يعمل، فإذا سلم من ذلك في حال جهله، فلا يجب عليه العلم لذلك كله أبدا، وهو سالم بجهله، ما لم يركبه أو يتولى راكبه، أو يبرأ من العلماء إذا برثوا من راكبه، أو يقف عنه، فإذا فعل ذلك ضاق عليه جهل ذلك، وكان ذلك مما لا يسعه جهله، لأن الميثاق أخذ عليه، ألا يركب ذلك بجهل ولا بعلم، فإذا ركبه لم يسعه ذلك، وكان ذلك هو موضع ما لا يسع جهله، فيما كلف تركه إذا لم يتركه، وكان موضع ما لا يسع جهله فيما كلف العمل به إذا لم يعمل به وضيعه، وكان موضع لا. يسع جهله فيما كلف علمه إذا لم يعلمه في موضع
ما كلف علمه، وكل ذلك في أصل دين الله لا يسع جهله، إذا وجب
له
التعبد به وفيه، وكل ذلك مما يسع جهله من دين الله مما لا يجب التعبد به وفيه، فافهموا المعاني التي قلنا إنها أصول لجميع دين الله، وأن جميع دين الله لا يخلو منها ولا يعدوها، وأنها كلها في أصل دين الله لا يسع. جهلها في موضع
- Y. 1 - (2/201)
صفحة 445
خاص ذلك منها، وكلها في دين الله يسع جهلها ما لم يخص حال التعبد فيها وبها، وكلها متفقة غير متفرقة، وليس شيء منها بأضيق من شيء، ولا شيء منها بأوسع من شيء، إذا جاء حال ضيقها. فافهموا هذه المعاني والأصول فجميع ما تعبد الله عباده به أن يعرفوه، على سبيل ما أوجب عليهم من معرفته، لا على خلاف ذلك، فمن خصه شيء من التعبد من معرفة الله وعلمه، لم يعذره الله بما كلفه من العلم، ولا ينفعه شيء سوى ما أوجب عليه من معرفته، فمتى قصر عن ذلك العلم الذي خصه من معرفة الله، على ما أوجب الله عليه، لم ينفعه شيء مما قد علمه من معرفة الله، إذا ضيع وقصر عن شيء مما قد خصه، من كمال معرفة الله - تبارك وتعالى ـ، ولم ينفعه ما عمل من طاعة الله، ولو أكمل العمل بطاعة الله، ولم يركب الله محرما قط، مما نهاه الله عنه من الأفعال ولا من المقال، بانتفاض ذلك الشيء من علم الله تبارك وتعالى ـ، لأنه أريد منه العلم فلم ينفعه غير العلم، ولم ينفعه بعض
العلم عند المحنة بغيره من العلم، بما قد علم من العلم والمعرفة
وإذا وجب العمل الذي تعبده الله به في دين الله، وفي علمه، مما قد تقدم إليه في أصل دينه بالعمل به، لم ينفعه إلا العمل بترك ذلك إذا كانت المحنة بالعمل ولم تنفعه المعرفة التي قد عرفها وعلمها، ولو كان قد أكمل معرفة الله وأحكمها، فغير معذور بتضييع شيء من العمل الذي ألزمه الله لموضع ما قد علم مما كلفه علمه، ولا لموضع ما قد علم من بعض ما قد علمه، حتى يعلم جميع ما كلفه الله علمه على حسب ما كلفه، وكان بترك
ذلك الشيء من العمل، ناقضا للميثاق الذي أخذ عليه أن يعلمه. فصل: فإذا ركب العبد شيئا مما قد نهاه الله عنه من معصيته، لم ينتفع بأدائه لجميع ما كلفه من علمه له والعمل له، إذا ركب به نهيه أو شيئا من
"
نهيه، ولو لم يضيع الله قط أمرا فيما تعبده فيه بالمعرفة، والعمل بطاعته. فالشيء الواحد من هذه المعاني التي كلفها العبد، عند لزوم ذلك له ينقض
- 202 - (2/202)
صفحة 446
ميثاق الله الذي أخذه عليه، ويبطل جميع ما أتى: به من سائر دين الله، من
جميع
"
الأشياء من هذه المعاني، وجميع هذه المعاني كلها معرفة وتأدية الجميع ما ألزم من العمل والقول والنية، وترك لما نهى عنه من قول أو عمل أونية. لا معدى لدين الله الذي تعبد به عباده من أحد هذه الأصول وهذه المعاني الثلاثة، وهو العلم به والمعرفة له مجملا، عند الاجتزاء بالجملة، ومفسرا عند لزوم المحنة لعلم التفسير، وقد كان علم الجملة مجزئ عن التفسير حتى تقع المحنة بالتفسير لشيء من الجملة، وأي ذلك ورد على العبد قبل الآخر من التفسير، والجملة التي تجزي عن التفسير، فغير معذور في علم شيء من ذلك على معنى ما أريد منه، ولا يسعه التقصير عن ذلك من علم الله في أسمائه وصفاته وفعاله وذاته وإذا لم يضيع ما وردت عليه المحنة به من التفسير للجملة، لم يهلك بجهل الجملة ما لم يمتحن بالجملة، وإنما كانت الجملة مجزية له كافية لما تقدم إلى العبد من علمها والمحنة بها، فإذا ورد عليه علم تفسير الجملة؛ كان عليه أن يعلم التفسير، ولم ينفعه علم الجملة، وإذا ورد عليه العلم للتفسير قبل العلم للجملة لم يجزئه أيضا، إلا أن يعلم ما ورد عليه من علم تفسير الجملة، فإن بلغ بعلم التفسير إلى الاحاطة بالجملة، فقد اكتفى عن الجملة بمعرفة تفسير الجملة، لأن من عرف تفسير الشيء، فقد بالشيء في علمه لتفسيره، إذا كان ذلك بكمال علم التفسير المحيط بمعاني الشيء، ومن علم تفسير الشيء لم يجز إلا أن يكون قد علم الشيء، وقد يكون عالما بالشيء ولا نعلم تفسيره، ولا يجوز أن يعلم تفسير الشيء
أحاط
كله ولا يكون عالما به
فصل: فأي الأشياء من دين الله - تبارك وتعالى ـ سبقت به المحنة إلى العبد، بوجه ما يكون ممتحنا به، كان مخاطبا به في حال ما يمتحن به على حسب ما تجري فيه الكلفة من دين الله، ولو سبق إلى العبد محنة العمل بطاعة الله - تبارك وتعالى ـ، قبل أن يخطر بباله أو يسمع بأذنه أو يدعى إلى شيء من
- 203 - (2/203)
صفحة 447
الجملة التي امتحن بها، ونزلت بليته بها، لم يسعه إلا العلم لها ولمعانيها، ولم يكن في حين ما كلف العمل بذلك الشيء من طاعة الله، الذي قد وجب عليه في وقته ذلك، مكلفا لعلم الجملة ولا لتفسير الجملة، إذا لم يمتحن بعد بذلك، ولا بلغ إليه حكم التكليف له، وحكم التكليف له حده أن يخطر ذلك بباله، أو يسمع بذكره أو يدعى إليه أو يراه في كتاب مرسوم، أو يبلغه ذكر ذلك بحال مفهوم، فإذا كان ذلك في الجملة أو في شيء منها، فذلك حد الكلفة له بذلك، وقد كان قبل ذلك معذورا عن التعبد بذلك، ولو احتلم قبل ذلك بأي حال من ساعة أو يوم أو شهر أو سنة أو سنين، فما لم يخطر بباله ذكر ذلك أو سمع بذكره أو يدعى إليه أو يبلغ إليه ذكر ذلك بوجه من الوجوه، فهو معذور بذلك، لأن الله لا يكلفه شيئا من دينه إلا بما هو معقول أو مسموع أو منظور، فإذا نظر أو ذكر ذلك أو. سمعه أو خطر بباله ذلك، وبه عقل سالم الآفات والعاهات المزيلات لثبوت عقله الذي تعبد به، وجعل له حجة وعليه حجة، فهناك يلزمه التعبد بعلم ذلك، ومحال أن يكون علم بغير هذا أبدا، لأن المنظورات معقولات والمسموعات معقولات، والمحسوسات معقولات والمتوهمات معقولات، وكل مسموع أو منظور أو مذكور فهو معقول ولا يعقل أبدا غير مسموع أو منظور أو مذكور أو خاطر أو محسوس أو متوهم، وكل هؤلاء معقولات والمتوهمات، فمن حكم الخاطرات، ولا يصح معرفة الجملة ولا شيء منها من طريق غير هذا، ومحال أن يكلف الله العبد في شيء من الأحوال، أو على شيء من الأحوال فوق ما يطيقه، فكما أن العبد لا يقدر على عقل المعقولات ألا يعقل الغرائز المخلوقات، فكذلك لا يقدر على عقل المعقولات إلا بالأسباب؛ المؤديات للمعقولات إلى عقل الغرائز المخلوقات
من
السمع
6
فإذا عدم السمع زالت الكلفة عن العبد في علم المسموعات، ولو وجد، لأنه لا يسمع السمع إلا بمسموعات، ولا ينظر المنظور إلا بنظر، ولا ينظر بالنظر إلا منظورات، وكل المسموعات والمنظورات والمحسوسات والملموسات والمتوهمات فمعقولات، وليس كل المعقولات منظورات
- Y.?- (2/204)
صفحة 448
مسموعات محسوسات متوهمات، وكل معقول فخاطر من العقل بقرب المسموعات والمنظورات والمذكورات، والمحسوسات والمتوهمات، وليس كل معقول متوهم، وكل متوهم معقول، وليس بمعقول ما لا يجرى عليه خاطر المعقولات، فدين الله الذي تعبّد به عباده في شريعة نبيه إلى أهل زمانه واحد، والحكم فيه واحد والقول فيه واحد، على الأصول الذي ثبتت أحكامه عند الله فيها في علمه - تبارك وتعالى -، وهو من بعضه بعض، وبعضه في بعض، وبعضه ببعض وبعضه إلى بعض، والعبد مأخوذ عليه الميثاق بجملته مذ لزمته كلفة التعبد، وبلغ سنه وصح عقله، ولو كان المتعبد بذلك من أولاد أهل الشرك، وأولاد أهل التوحيد من أولاد المنافقين،، أو من أولاد الصادقين، فالحكم عند الله - تبارك وتعالى - في دينه على عباده سواء، ولا يكلف أحدا منهم من دينه فوق ما يكلف الآخر، إلا بما قد خصه من الكلفة للحال التي بلغ إليها، لو بلغ إليها الغير، لزمه من ذلك ما قد لزمه، فكل شيء سبق له حكم المحنة إلى العبد، مذ بلغ وصح عقله، كلفه الله من ذلك ما قد احتمله من الكلفة في دينه غيره من المكلفين، وكلما تأخر له حكم عن العبد مذ بلغ سنه وصح. من جميع دين، فغير مسئول عنه
المحنة
عقله
الله
ولا مكلف له من جميع دين الله؛ من علم أو عمل أو ترك، فإن سبق إلى العبد محنة الانتهاء والترك من دين الله كلفه الله من التعبد في ذلك، ما أطاقه
وما احتملته طاقته، ولا يكلفه فوق ذلك، وكان عليه الانتهاء عنه وتركه،
ولو لم يبلغه محنة العلم من دين الله، ولا محنة العمل بطاعة الله
وكذلك إن سبق إلى العبد حكم المحنة بالعمل بطاعة الله في أوقاته اللازم له فيها العمل بتلك الطاعة، في حكم ما أخذ عليه الميثاق به في دين الله، كان عليه ذلك، وكلفه الله من ذلك ما يطيقه، وتحتمله طاقته، ولا يكلف فوق ذلك
فصل: وكذلك إن سبق إلى العبد حكم المحنة بالعلم من دين الله،
- 205 - (2/205)
صفحة 449
قبل محنة الترك والعمل من دين الله، كان عليه من ذلك ما احتملته طاقته،
وكلف من
ذلك ما قد أخذ عليه الميثاق به.
فإن كان ذلك محنة الجملة أو شيء منها، كلف من ذلك ما حملته من طاقته، وكذلك إن كان في البعض منها، ولزمته المحنة بذلك في موضعه، فغير مكلف لما لم يبلغه محنته من جملته
وكذلك إن كانت المحنة نزلت به في شيء من تفسير الجملة التي هي لاحقة في الكلفة عند نزولها بحكم الجملة في العلم بذلك التفسير، فعليه في من الكلفة ما احتملته طاقته، ولا يكلف فوق ذلك، وكذلك لا يكلف من الجملة إلا ما احتملته طاقته، ولا يكلف فوق ذلك
ذلك
فإن قال قائل: فقد أتيتم بما لا نعرفه من قول المسلمين ولا من قول أهل القبلة، وأهل القبلة مجمعون على أنه لا يسع جهل الجملة، وأن عليه علم الجملة على حال ولا يسعه جهلها في حال من الحال، والجاهل لها من الجهال الضلال
فصل: قلنا له: ما أتينا إلا بما أجمع عليه أهل القبلة، ولكن أتينا تفسير ما أجمع عليه أهل القبلة، وتأولنا صحيح التأويل لما أجمع عليه أهل القبلة في حكم الخاص والعام من جميع ما تعبد الله به عباده من ذلك، وتأولت أنت علينا وعلى أهل القبلة تأويل العموم في الجملة في موضع المخصوص، ولا يجوز أن يحمل الخاص على العام، ولا العام على الخاص في الجملة ولا في غير الجملة، فانظر إلى قولك إن أهل القبلة مجمعون على أنه لا يسع جهل الجملة، فهل جهل هذا العبد قط الجملة قبل أن يبلغه حال ما يتعبد به في الجملة، فيجهل ذلك فيكون جاهلا، أو يعلم ذلك المكلف له، فيكون لعلم ذلك مؤديا، وبأي الأشياء يكون عالما أو جاهلا، وهل يكون العبد معك جاهلا، وهو مسلّم للجهل الذي لا يسعه ويهلك به، إن هذا لهو الزور
- 206 - (2/206)
صفحة 450
والكذب على الله وعلى رسوله وعلى دينه وأهل دينه من المسلمين
فإن قال قائل: فإن حكم الجملة غير حكم تفسير الجملة، وأن الجملة على العبد علمها ولو لم يسمع بها ولم يخطر بباله ولم يدع إليها، وقد فطره الله على علمها، فليس له أن يجهلها لأنه قد فطر عليها
قلنا له: لم يعلم أن الله كلف العباد شيئا من دينه ولا يطيقونه، ومن
•
زعم هذا فقد خرج من الإجماع ومن حكم الكتاب والسنة العقل وحجج فصل: ولا نعلم أن العبد يبلغ إلى علم شيء من الأشياء إلا بعقل
صحيح من العاهات، وسبب يؤدي إلى ذلك العقل الصحيح من الآلات ولا يقوم في العقل أن العقل يعقل الأشياء بغير آلة تؤدي إليه علم ما يعقله، وعلم ما يعرفه أو ينكره، ولا بد من آلة تؤدي إلى العقل، من سمع أو نظر أو فكرة، أو خاطر يخطر بالبال ولا يكسب العلم أبدا إلا بآلة، لأن المعقولات كلها مكتسبات ولأن المكتسبات لا تجوز أن تكتسب إلا بآلات، لأن العلم كله لا يخلو من علمين؛ علم غريزة مخلوقة وهو نور العقل الذي به يعقل المعقولات، وعلم المادة من المكتسبات، ولا بد للعلوم المكتسبات من بلوغ إلى العلم الذي هو غريزة مخلوق، لأنه غيره، فلما أن كان غيره لم يكن بد من اكتسابه له، ولما أن صح أنه مكتسب لمكتسب لم يجز إلا أن تكون المكتسبات غير المكتسبات، ولما أن كان كذلك صح أن المكتسبات محتاجات إلى ما اكتسبن له، غير مستغنيات بأنفسهن عن المكتسبات، لأن ذلك لا تفارقه الحاجة إلى غيره، فمتى عدم ما لا تقوم إلا به لم يكن له صنع ولا حكم، وصح أن المحتاجات المضرورات لا يقمن بأنفسهن على ما يكتسبن إلا بآلات غيرهن وغير المكتسبات، هذا ما لا يجوز غيره في حكم الاجماع، ولا نعلم أن أحدا قال غير هذا من أهل العلم من أهل الاستقامة، في جميع المخلوقات وهذه صفة لا يصح لمخلوق محدث أن يقوم بنفسه في حال من الحال دون
- 207 - (2/207)
صفحة 451
غيره، ولا يقوم بنفسه عند غيره إلا بغيرهما من الآلات، وإنما يصح. هذا أن يكون قادرا على غيره، القادر على جميع الأشياء - تبارك وتعالى ـ، وما سواه من الأشياء المحدثات فعاجزات مضرورات غير قادرات إلا بمقدرات غير القادرات وغير المقدورات فكل صانع سوى الله - تبارك وتعالى ـ، فهو صانع يصنع غيره المصنوع غيره، فإذا عدم الصنع الذي به يصنع المصنوع،
6
كان غير قادر على الصنع، ولا يكون صانعا أبدا إلا بصنع غيره. كذلك العقل لا يعقل المعقولات إلا بمادة من غيره، من بصر أو سمع أو خاطر أو حس أو لمس، أو شيء يؤدي إليه ذلك العقل المكتسب له، لأن المكتسب أضعف من أن يوصل نفسه إلى المكتسب له بغير الآلة، والمكتسب أضعف بأن يصل إلى المكتسب إلا بغيره، وغير المؤدي إليه للمكتسب إلى المكتسب، فعاجز أن يؤدي المكتسب إلى غير مكتسب، أو يؤدي إلى المكتسب غير مكتسب فكل الأشياء عاجزة عن القيام بأنفسها وبغيرها؛ إلا على ما قد قدر لها من ذلك، ووصلت إليه من صنع الله لها وبها وفيها فصل: فإن قال: فإن معرفة الله - تبارك وتعالى ـ لا يعذر بها العبد في الحال، وهذا هو المراد من القائل، ولكنه لتأويل الحق في هذا
حال
من
جاهل.
قيل له: كذلك إذا بلغت معرفة الله إلى العقل الصحيح بشيء من المبلغات، لم يعذر العبد أن يعرف من صفة الله - تبارك وتعالى - إلا ما هو قادر، غير عاجز عنه في حال ما كلف ذلك ولا يكلف من ذلك إلا ما حملته طاقته، ما لم تقم عليه حجة ذلك بغيره، والعقل غير مطبق فيهما كلفه الله في دينه، أن يعلم علم المكتسبات غريزة وخلقا، وهذا من المحال،
من
6
،
ولا يكون أبدا علم غريزة وخلق مكلفا علم المكتسبات بغير آلات مؤديات، ولا مكلفا علم نفسه، هذا من المحال، ولا يعقل العقل نفس العقل، وإنما
يعقل العقل غيره، وغير المكتسب، وقد مضى القول في ذلك، ولا يتكلم في
- 208 - (2/208)
صفحة 452
هذا إلا قليل العلم والبصر.
فإن قال: فإن علم الله - تبارك وتعالى - ومعرفته في العقول، حالة محل الغريزة ليس علم المكتسبات
قيل له: فعلم الله ومعرفته هو العقل الذي عقل به أو غير العقل الذي
عقل به؟
فإن قال: هو العقل الذي عقل به فقد زعم أن العقل الذي قد عقل
نفسه، هذا من المحال وما لا يقال.
وإن قال: بل هو غيره، غير أنه لا يحتمل أن يغيب عنه بحال قيل له: فلما أن كان العقل معدما حين لا شيء هو، فأين كانت معرفة الله من المعدوم الذي لم يكن شيئا، أكانت معرفة الله معدومة مع عدم العقل، أو موجودة مع عدم العقل؟
فإن قال: موجودة مع عدم العقل، فقد زعم أنها قد كانت، مزايلة للعقل، لا محال أنها مكتسبة غير العقل ويؤخذ من هذا الباب
وهي
فإن قال: هي مكتسبة للعقل غير أن العقل مكلف لها، ولا يجوز أن
يتعرى منها
قيل له: هذه مراجعة في القول الأول، وقد مضى فيه الجواب وإن قال: هي مكتسبة وهي غير العقل، ولكن يجوز فيها خاصة أن يكون يكتسب بغير آلة غير العقل وغيرها.
فصل: فقيل له: هل لها شيء من المعقولات يشبهها في هذا؟
فإن قال: لا
- Y.- (2/209)
صفحة 453
الأشياء
C
قيل له: فإنك في هذا مدّع على الأشياء غير هذا، أن يكون لا يعقل إلا بآلة غيرها وغير العقل، والأشياء كلها إذا تعقل بغير آلة، ولا دليل غير العقل وغيرها، ولا تصح لك دعواك على الأشياء، وإقرارك لهذا الشيء دون، ولا بذلك أن تقر أن الأشياء كلها لا تعقل إلا بدليل غير العقل ومن غيرها، أو يدعي أنها كلها تعقل كذلك بغير دليل ولا آلة غيرها وغير العقل، ولن تجد إلى ذلك سبيلا إن شاء الله وصح أن الأشياء كلها المعقولات، لا نعقل إلا بعقل، وأن العقل لا يعقل إلا بدليل غيره وآلة غيره، لثبوت العجز فيه، والحاجة منه والضرورة إلى غيره، لأنه كغيره من المصنوعات المحدثات، فصح أنه متى ما عدم العقل الذي به يعقل المعقولات، فقد بطل حكم العقل عن المتعبد بعقله، فيما يضره من الكلفة وينفعه بذلك، ومتى عدمت المعقولات من العقل؛ فغير مكلف المتعبد بالعقل عقل المعدومات، ومتى عدمت الآلات التي بها اكتساب العقل للمعقولات، فقد عجز العقل أن يفعل المعقولات، وعجزت المعقولات، أن تصل إلى العقل بغير آلات، فافهموا هذا الأصل إن شاء الله
فصل: ومزايلة المعقولات للعقل، عدم من العقل لها، وإن كانت غير معدومة في الأصل، لأنه لا يجوز أن يعقل في الوقت، معقولين ولا معنيين متنافيين، هذا من المحال، وإنما يعقل معنى واحدا، فلعقله هذا المعنى مزايلة منه لعقل الآخر من الأشياء كلها. فالعقل وإن كان غير مزايل المعقولات كلها في أوقاته، ولا في وقت ما يكون قائم النور صحيح الطبيعة، فإنه مزايل في الأوقات ما اشتغل بغيره من المعقولات، غير هذا المعقول بعينه، فغير مكلف في الحال الواحد معقولين، فكيف والمعقولات كلها والمعلومات كلها، وهذا ما لا يشك فيه أهل العلم والبصائر.
فصل: وإن كان العقل لا يخلو من المعقولات، لأنه إنما صار عقلا بمعقول في حين عقله المعقول، ولم يصر عقلا بغير معقول، ولا عقلا لغير
- 210 - (2/210)
صفحة 454
معقول، ولا يكون العقل مستكملا لإسم العقل إلا بمعقول، ولا يكون معقولا إلا بعقل، ولا يجوز أن يكلف العقل معقولين في وقت واحد متنافيين متزايلين عليه، وإنما يكلف العقل عقل ما عاينه وشاهده لا عقل ما غاب عنه وزايله، وهذا من المحال. كما لا يكلف السمع إلا مسموعا، ولا يكلف النظر إلا منظورا، ولا يكون ذلك إلا بمشاهدة المسموع للسمع والمنظور للنظر.
كذلك لا يعقل العقل إلا بمشاهدة العقل أو شاهد العقل، ولا يوصل
المعقول إلى العقل إلا بدليل غير المعقول وغير العقل
وكذلك لا يبلغ العقل إلى المعقول إلا بدليل غير العقل وغير المعقول، وإلا فكان عاقلا بنفسه لا بغيره، وهذا مما لا يجوز في صفة المصنوعات، إنما يجوز هذا في صفة الصانع لجميع المصنوعات تبارك وتعالى.
- 211 - (2/211)
صفحة 455
[صفحة فارغة] (2/212)
صفحة 456
باب
ما يسع جهله وما لا يسع جهله من التدين
إذا أتت على العبد حالة، كان فيها مقرا بالجملة من التوحيد عالما بمعانيها، التي تلزمه في وقته ذلك، وساعته تلك، فهو سالم بذلك من الهلكة، وهو مسلم مؤمن، عالم واسع له الإقامة، والقعود على جهل ما سوى ذلك من العلم بالدين، ولم يكن له ولا عليه أن يعتقد السؤال بالدينونة لعلم ما سوى ذلك. ولا عليه أن يخرج في طلب علم ما سوى ذلك، ولو كان ذلك في أيام النبي وكان ليله ونهاره عند النبي صلى الله عليه وسلم فما دونه من العلماء الأخيار الصادقين الأبرار، ما لم يضيع بعد علمه بالجملة ومعانيها وما يدخل فيها، من معاني التوحيد، والوعد والوعيد، شيئا من ذلك بجحد منه لذلك، أو يشك في علم ذلك، وعلم معانيه وتضييع فرض، حتى يفوت وقته الذي تعبده الله به فيه، لا يسعه تركه إلى غيره بجهل، ولا بعلم إلا بعذر، أو يرتكب محرما تعبده الله بالانتهاء عنه، بغير حجة تسعه من زوال عين، أو ضرورة إلى ذلك فيما يسعه فيه الاضطرار إليه، أو تقوم عليه الحجة بوجه من الوجوه الحجج، التي تقوم عليه من المعبرين له أمر الدين، الذي يلزمه العمل به فيضيعه، أو يلزمه الانتهاء عنه فيرتكبه، أو تقوم عليه الحجة بعلم شيء من الدين، فيشك في حجة الله عليه التي ليس بعدها حجة.
وإذا كان منه أحد هذه المعاني، كان بذلك هالكا ناقضا لحكم ما أقر به
- 213 - (2/213)
صفحة 457
من جملته، التي كان معتصما بها من الهلكة، عالما بها من الجهالة، مهتديا بها من الضلالة، موحدا بها من الشرك، مؤمنا بها من الكفر، صادقا بها من الكذب، وصار بما أتاه من ذلك كافرا، كاذبا جاهلا ضالاً، وتعبده الله مع ذلك بالتوبة من ذلك، والرجوع عما دخل فيه من الكفر إلى الايمان، ومن الجهل إلى العلم، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الضلال إلى الهدى، فإذا تاب من ذلك الذي ركب، وراجع علم ما لزمه علمه، أو العمل لما لزمه العمل به، إذا كان ذلك مما يلزمه مراجعة العمل به في دين الله، رجع إلى حالته التي كان فيها، وكان على تلك الجملة التي كان عليها بتوبته من مخالفتها، ورجوعه إليها، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا في أصول دين المسلمين، فيما أجمعوا عليه، فيما يسع جهله، وما لا يسع من أصول
الدين.
فصل: فإن قال قائل: فهل عليه أن يتعلم شيئا من أمور الدين، الذي يخاف أن يلزمه في وقت من الأوقات، في طول عمره، ولا يحضر مع لزومه له من يعبر) له ذلك، فيهلك بذلك، إذا كان ثابتا عليه في أصل دينه
إذا بلغ إليه؟
6
قلنا له: فكل أمر الدين الذي تعبد الله به نبيه وأرسله به، وتعبد به المسلمين، وجميع العلماء في الدين، وفي الأصل الذي أقر به هذا المقر، بالجملة التي ذكرنا، وهو داخل فيه غير خارج منه، وبإقراره بالجملة قد أقر بالدين كله، وبعلمه بالجملة قد علم جميع ما تعبده الله به، من العلم في دينه. فإذا لم تكن الجملة عاصمة له عن الهلكة، من جميع ما تعبده الله به في الجملة، لم يجز أن يكون بذلك مسلما مؤمنا؛ فهو مسلم، وليس عليه تعليم شيء من دين الله، غير الجملة حتى يلزمه ما سوى ذلك، وإذا جاز أن يكون عليه تعليم بعض ما لم يلزمه تعليمه من دين الله على انفراد، ولم تجزئه فيه الجملة؛ جاز أن يكون عليه تعليم جميع علم دين الله، وإذا جاز أن يكون
- YIE - (2/214)
صفحة 458
عليه تعليم جميع دين الله؛ جاز أن لا يكون مؤمنا؛ حتى يعلم جميع دين الله، وإذا جاز هذا؛ جاز أن يكون في دين الله ما لا يطيقه العباد المكلفون من العباد، وإذا جاز هذا؛ جاز أن يكون الله غير حكيم في تدبير أمر دينه، الذي
تعبد به عباده، وخرج هذا من حجة العقل، إلى أمر النبيين والمرسلين، والملائكة المقربين، لأنهم لا يبلغون إلى جميع علم دين الله، الذي هو في مكنون علمه، إلا بما شاء أن يعلمهم منه وقتا بعد وقت، وحينا بعد حين، ولكان لا يجوز إلا أن يكون كل من تعبده الله بدينه، عالما في حين ما تعبده ما قد علم الله من أمر دينه، الذي قد سبق في علم الله أن سيعلمه عباده ويتعبدهم به، وهذا من المحال أن يكون في دين الله - تبارك
الله
به بجميع
وتعالى -.
فإن قال قائل: فإذا جاز أن لا يتعلم علم الوضوء للصلاة، ولا يتعلم حدود الصلاة ولا تفسيرها، وكان ذلك موضوعا عنه في قولكم، وموضوعا علم وجوبها في وقتها وجميع أمورها، حتى يحضر وقتها، فإذا حضر وقتها، فما اللازم له من أمر دينه فيها من العلم لها؟
عنه
من
كان،
قلنا له: إذا حضر وقت الصلاة التي قد تعبده الله بأدائها في وقتها، ذلك الذي قد علمه الله، وأعلمه أهل دينه الذين هم حجة على من هو مثلهم من المتعبدين من عباده، وكان هذا المتعبد بذلك صحيح العقل، بالغ السن بحضرته أحد من المعبرين ممن يعقل عنه في أمر الصلاة بعبارة، أو يستدل منه فيها على إيماء أو إشارة؛ كان عليه أن يسأل ذلك الحاضر له، كائنا. عما يلزمه في أمر هذه الصلاة الحاضرة، من حين وقتها ووضوئها وحدودها وإقامتها، ما لا يسعه جهله ولا تركه في أمرها، فإن أعلمه ذلك الذي بحضرته، فعبر له أو أشار إليه، أو أوما إليه بشيء من أمر هذه الصلاة الحاضرة مما يعقله عنه ويعقل معانيه فيها من العبارة والايماء والاشارة، مما يدله على أمر جميع الصلاة الحاضرة، أو أمر شيء منها من معرفة وقتها ووقت وجوبها وحدودها والوضوء فيها ولها، وجميع ما لا يسعه جهله من
- 215 - (2/215)
صفحة 459
ذلك
،
حدودها كان ذلك عليه حجة، ولو كان طفلا فطيمها، أو رضيعا، أو يهوديا، أو نصرانيا، أو مشركا، أو وثنيا، أو معتوها زائغ العقل، أو وجد ذلك في حين ذلك في كتاب مكنون في رق، أو في قرطاس، أو حجر، أو غير من عبارة تلك الصلاة الحاضرة المتعبد بها؛ كان ذلك عليه حجة، وكان عليه قبول ذلك في وقت ما تعبده الله به من ذلك، من جميع ما يلزمه في تلك الصلاة الحاضرة. وإن لم يجد من يعبره بحضرته شيئا من أمر الصلاة الحاضرة، وحسن في عقله، وقدر أن يخرج في طلب علم ذلك من بلده الذي هو فيه، أو غير بلده الذي هو فيه، ممن يدله على أمر تلك الصلاة الحاضرة، المتعبد بها في وقته ذلك، ما دام عليه وقت تلك الصلاة، إلى وقت فوت وقتها؛ فإن حسن في عقله أنه يدرك عبارة ذلك، ممن هو. . مثله من المتعبدين بذلك، أو غيرهم من المعبرين، كان ملزوما طلب علم ذلك، وعليه الدينونة بالسؤال عن علم ذلك، ولو كان بأرض الروم، أو بأرض الهند أو الزنج المشركين إذا كان، أو كان في جزيرة من جزائر البحر، أو في بدو من السباسب والقفار، أو في مصر من أمصار أهل التوحيد والإقرار؛ فلا فرق في الأحكام على المتعبدين ولهم، عند وجود علم ذلك، ولا عند عدم علم ذلك وعدم علم المعبرين له، ولا يهلك المعذور بعلم شيء مما لم يلزمه علمه، ولو كان ذلك الجاهل بمكة، أو بالمدينة، أو غيرهما من أمصار أهل التوحيد من أهل الإقرار؛ ولو كان بنزوى من مصر عمان، أو بقصبة صحار أو حيث ما كان من البر والبحار، فالحكم في ذلك واحد، والعذر واحد، والحجة واحدة، ولا فرق في ذلك عند عدم علم ذلك مع الدينونة بما يلزمه من السؤال، عن علم ذلك في وقت ما يلزمه العمل بذلك
فصل: والاجتهاد في ذلك بالبحث والسؤال، لكل من وقعت عليه عينه، أو اطمأن إليه قلبه، أو سمعته أذنه ممن يرجو أن عنده دلالة على ما قد لزمه، أو من حيث وقع عليه رجاء علم ذلك من الكتب وغير ذلك. فإذا علم الله منه الاجتهاد في طلب علم ذلك، فأعدم ذلك. فات الوقت وهو دائن
حتى
- YIT- (2/216)
صفحة 460
بالسؤال عن ذلك، والطلب له حتى فات وقت العمل به، الذي قد تعبده الله به في وقته، ولا يرجع لذلك الفائت وقتا يؤديه فيه بعينه، فقد صار في حد العدم للعمل الفائت بعينه، فإنما هو يعمل في المستأنف بدلا عما مضى، فإذا صار ذلك بدلا، وهو على حد الاجتهاد؛ فهو معذور، وعليه السؤال بدل ذلك في بعض قول المسلمين، لا نقول بأنه على سبيل
عما يلزمه من الإجماع بالدينونة
وما لم يبلغه علم قبل أن يحين وقت الصلاة التي قد حضرت،، علما يقف على معناه في مبلغه وحفظه، وحفظ معانيه عند حضورها؛ ولم يجد معبرا له يعلمه ما يلزمه فيها، من حين وقتها، ومعرفة حدودها كلها، أو شيء منها، أو نما لا يسعه إلا العمل به فيها، ولم يقصر في طلب ذلك بالاجتهاد، والبحث، والعمل، والبذل للمجهود، كما يطلب الماء للوضوء للصلاة، ويمشي إليه إذا كان عارفا به من المواضع، ويبحث عنه من قدر عليه إذا لم يعرف موضعه، ويبذل فيه ماله واحتياله حتى يتوضأ، ويتطهر للصلاة، فإذا لم يقصر في طلب العلم لذلك اللازم في أمر هذه الصلاة، كما لم يقصر المعدم للماء في طلب الماء، حتى فات وقت ذلك، ولم يحسن في عقله عند عدم المعبرين شيئا يقوم في حجة عقله من تأدية هذه الفريضة للصلاة الحاضرة، من تسبيح أو تكبير، أو قراءة، أو قيام، أو قعود، أو سجود، أو ركوع، فما حسن في عقله، كان عليه تأدية ذلك تأدية ذلك، عند عدم المعبرين من ا حسن في عقله، مع الدينونة بالتوبة إلى الله مما ضيع من أمر هذه الصلاة؛
فهو سالم مسلم، ولا يقع عليه بالاجماع بالدينونة بالسؤال، عن تأدية بدل ما مضى من الصلوات على هذا
وقد قيل: إن ذلك يلزمه، والذين يُلزمونه ذلك مختلفون في ذلك
فقال
من قال: ليس لذلك غاية متى شاء أبدل ذلك
•
•
- YIV- (2/217)
صفحة 461
وقال من قال: عليه بدل ذلك في أسرع ما يقدر عليه، إذا علم ذلك فالبدل لذلك أوسع، ولا يدخل ذلك في الدين المجتمع عليه، أنه يلزمه السؤال عن تأدية ذلك.
مع عدم
فصل: وكذلك لا تلزمه الدينونة بالسؤال عما لم يحضر بعد من الصلوات؛ حتى يحضر وقتها، فإذا حضر كل صلاة لوقتها، كان عليه من التعبد فيها ما قد وصفنا، وعليه من الحجة في ذلك ما قد ذكرنا، ولا سلامة له من الهلاك بدون الاجتهاد في ذلك، ذلك للمعبرين، كما عدم الأصم السمع، فعذر عن السمع، وعن فرائض السمع، وكما عدم الأعمى البصر؛ فعذر عن فرائض النظر بالعين، وكما عدم الأعجم الكلام، فعذر عن فرائض القول باللسان، وكما عدم المعتوه العقل؛ فعذر عن جميع والفرائض. وكذلك لا شك في هذا عند من عرف أحكام الدين، إن من
التعبد
عدم علم ما لا يبلغ إلى علمه إلا بالعبارة، فعدم المعبرين أنه غير هالك، وأنه معذور في دين الله - تبارك وتعالى ـ وكذلك لا عذر لمن بلغ إليه علم حجة الله، التي هي الله عليه حجة؛ أن يجهلها لموضع جهله بها، ولظنه أنها ليست بحجة عليه، وعليه في عبارة علم هذا الذي وصفنا من أمر الصلوات، جميع من وقع عليه رجيته بوجه من الوجوه؛ أنه يجد معهم عبارة ذلك، أو يسمع من غير سؤال في وقت ما يلزمه ذلك، فإذا أخبره مخبر بذلك الذي قد
ذلك
لزمه کائنا من كان من المخبرين
6
وعبر له ذلك معبر كائنا من
كان
من
المعبرين، على ما قد وصفنا، أو غير ذلك مما قد غاب عنا؛ فذلك عليه حجة
في علم ما لا يسعه جهله من علم الفرائض الحاضرة، المطالب بها في الأوقات
التي تفوت، ويعدم وقتها ويفوت العمل بها بعينه
فصل: وإذا قامت عليه الحجة بعلم ذلك قبل وجوب وقتها، ثم لم يتبين ذلك العلم الذي قام عليه من المعبرين كائنا. من كان منهم؛ حتى حضر وقت العمل بهذه الفريضة التي قد علم العبارة بها لها، والعلم بها، من أي
- YIA- (2/218)
صفحة 462
الوجوه كان، لم يسعه الشك في ذلك، وكان ذلك عليه حجة
وإذا حضر وقت العمل بها، ولو لم يكن حين علم ذلك، كان عليه واجبا علم ذلك، فإذا لم يتبين ذلك، ولم يغب عنه علمه حتى حضر وقت
ما
تعبده الله
به، فقد قامت عليه الحجة بعلم تلك العبارة المتقدمة، ممن كان
من المعبرين على ما وصفنا.
وما لم يجد هذا المعتصم بالجملة، معبرا ولا وطئ علما، ولا قصر في اجتهاد في وقت وجوب العمل، ولم يصرّ على ما تلزمه التوبة فيه في جملته عن ذلك، ولم يدن في ذلك بدين ضلال؛ فهو سالم من الهلكة إن شاء الله وهذا من المواضع التي جاء فيها الأثر؛ أن السائل فيها سالم، والشاك فيها هالك، ولا يكون الشاك في جميع ما لا يبلغ إليه علمه من حجة العقل، ولا يكون إلا بالسماع هالكا فيما كان من الأشياء التي لا يدرك علمها إلا من طريق السماع ما دان بالسؤال، واجتهد في ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا في قول المسلمين
•
وكذلك كل فريضة من فرائض الله، ولازم من دين الله يفوت وقته إذا لزم العمل به، وله انقضاء لا يجوز إلا في وقت معروف، مثل الوضوء للصلاة، والغسل من الجنابة، فوقت لزوم ذلك وقت الصلاة، فإذا حضرت الصلاة اللازمة، وجب التعبد بالوضوء والغسل من الجنابة، وعليه في ذلك مثل ما عليه في الصلاة، من الاجتهاد لطلب علم ذلك، والدينونة بالسؤال، واعتقاد التوبة، وهو كما وصفنا، فإذا جاوز وقت الصلاة زال عنه التعبد بذلك حتى يرجع وقت تلك الصلاة، أو غيرها من الصلوات، وهو على هذا أبدا كما وصفنا في الصلاة، وكذلك صيام شهر رمضان؛ لا يجوز أن يصام في غير وقته إلا من عذر، فإذا أصبح في شهر رمضان، وانشق عليه الصبح من أول يوم من شهر رمضان، وهو حاضر غير مسافر ولا مريض
،
- 219 - (2/219)
صفحة 463
ذلك
فقد لزمه صيام ذلك اليوم من شهر رمضان، وذلك ما لا يدرك علمه إلا بالسماع، والقول فيه كالقول في الصلاة من اعتقاد السؤال، والبحث، وطلب علم ذلك بالاجتهاد، من حيث ما قدر على السؤال، وكل من عبر له، فهو حجة عليه كما وصفنا من أمر الصلاة، فإذا جاء الليل فقد زال عنه كلفه التعبد بالصوم في الليل، وهو موسّع في علم غدٍ حتى يطلع عليه الفجر من غدٍ، ثم هو كذلك في كل يوم حتى ينقضي شهر رمضان، وعليه طلب علم ذلك بالخروج، والضرب في الأرض بقدرته، وطاقته والغرض من ذلك أن يخرج عند القدرة في طلب علم ذلك اليوم، الذي قد تعبده به إلى انقضائه، لأن يخرج من الضيق الذي قد دخله، فإذا جاء الليل فليس عليه تعبد بعلم ذلك، فذلك دأبه مع الدينونة بالسؤال في الأصل، لجميع ما يلزمه من دين الله في شريطته واعتقاده، فمتى ما قد قامت عليه الحجة بعلم ذلك، ولو في ساعة من آخر اليوم؛ كان عليه أن تلك الساعة،
يصوم
ولا يسعه جهل ذلك، ولا يجوز له ولا يسعه في هذا ومثله، إلا أن يسأل جميع من وقع عليه نظره، أو سمعه، أو عقله، أو وهمه من الأشخاص الذي يعبر له ذلك، ويعقل عنهم عبارة ذلك، والإشارة، والإيماء به،، وكل من بذلك؛ فهو حجة عليه، ولا يسعه إلا قبول ذلك منه، ولا نعلم في ذلك
اختلافا من قول أهل العلم
•
أفتاه
وأما ما خطر بباله، أو سمع بذكره، وعرف معناه من أمر توحيد الله - تبارك وتعالى ـ الذي لا يحتاج إلى تفسير، ولا تأويل، وهو من المعقولات من صفات الله - تبارك وتعالى - ومن أسمائه، أو وجوب وعيده لمن عصاه ووعده لمن أطاعه وأرضاه، وما يخرج من هذا ونحوه، فإذا خطر ذلك أو شيء منه بباله أو سمع بذكره، وعرف معاني ذلك، فلا يسعه جهل ذلك، ولا الشك فيه، وهو غير منفس في السؤال عنه لمعبر من الخليقة، وحجة ذلك، ومثله تقوم عليه من عقله، ويهلك بجهلها من حينه، ولا نعلم بذلك اختلافا، إذا شك في معنى ذلك
- 220 - (2/220)
صفحة 464
يسمي
وأما إذا شك في اسم ذلك، وعرف معناه ما لم تصح معه أسماء ذلك
"
فهو واسع له، مثل أنه لا. يسمع بأسماء الله وصفاته، وأسمائه المسمي بها نفسه، فإذا لم يسمع بالله وعرف معنى ذلك؛ أنه مالك له، ولما برأ من الموجودات، وقادر عليه وعلى جميع المقدورات، وتُحدثه ومحدث جميع المحادثات، وأشباه هذا، فإذا عرف معاني صفات الله وأسمائه، وَسِعَه أن الله بأسمائه المسماة معه، ومع من علمها من أهل العلم بها، وكذلك إن جهل اسم النار، وعرف معاني العقاب من الله لمن عصاه، وأقام على معصيته، ولم يبلغه علم النار بإسمها، ويعرف ذلك، وكذلك إن جهل اسم الجنة، وعرف معنى ثواب الله - جل ثناؤه وتعالى - لأوليائه على طاعتهم له، وأن ثوابه لأوليائه وأهل طاعته، لا يشبهه ثواب المحدثين المثيبين لبعضهم بعض، وكذلك العقاب، وكذلك جميع ما يتولد من مثل هذا، مثل؛ أن الله يبعث من في القبور وإليه النشور، فإذا لم يعرف اسم القبور والنشور، وعرف معنى أن الله قادر على أن يحيي الموتى، وأنه محييهم لعقابه على معصيته وثوابه على طاعته، وسعه ذلك حتى يبلغه علم ذلك بإسمه.
وأما علم اللوازم عليه في ماله ونفسه، مثل الحج إذا لزمه، والزكاة في ماله إذا لزمته، ووجب عليه ذلك، فذلك أوسع من الصلاة والصوم وفي
ذلك قولان:
أحدهما: أن عليه أن يعلم ذلك ولا يسعه جهل علمه، وإن وسعه تأخير ذلك لسعة وقته ما لم يدن بتركه، أو يمت وهو ذاكر له، قادر على
الوصية، فلا ي بذلك.
يوصي
وقال من قال: إنه لا يلزمه علم ذلك لسعة وقته، ما لم يدن بترك
ذلك، أو يمت ولا يوصي بذلك
وهذا القول الآخر أصح لسعة ذلك
- 221 - (2/221)
صفحة 465
فإذا جهل ذلك ولم تقم عليه الحجة بعلم ذلك، وكان دائنا بما يلزمه، على حسب ما ذكرنا في أمر الوضوء والصلاة والصوم، ولم تقم عليه الحجة حتى حضره الموت، فلم يوص الجهله بذلك قبل أن تقوم عليه الحجة من جميع المعبرين؛ فهو سالم - إن شاء الله -؛ وعلى قول من يقول: إن علم ذلك لا يسعه، ولو وسعه تأخير ذلك، فإنه تلزمه الحجة في ذلك من جميع المعبرين، وعليه السؤال عنه على حسب ما ذكرنا في الصلاة
وعلى قول من يقول: إنه يسعه جهل علم ذلك، إلى أن يحضره الموت، فلا تقوم عليه الحجة بذلك إلا من العلماء الذين تقوم بفتياهم الحجة فيما يسع جهله، أو يصح علم ذلك، بأي وجه من الوجوه كان ذلك
العلم.
دينه
معه
وأما إذا أتى على حال لا يسعه جهل علم ذلك، وهو الموت، فإن عبارة جميع المعبرين له حجة عليه، كان ذلك عند الموت، أو عبر له قبل ذلك ثم لم ينسه، ولم يغب عليه علم ذلك، وذلك في الحج والزكاة جميعا، وكل حال من لا يسعه جهله لفوات وقته، فالحجة عليه تقوم من عبارة جميع المعبرين كما وصفنا، كالوضوء والصلاة والوتر والاستنجاء من البول والغائط، والختان من السنن، لاحقات بأحكام الفرائض التي تفوت في بدنه، فوقت الاستنجاء من البول والغائط، بمنزلة الغُسل من الجنابة عند حضور وقت الصلاة، والوتر في وقته لاحق بالفرائض، والختان فوقته من حين ما يبلغ الحلم إلا أن يكون له عذر، من خوف على نفسه من برد أو غيره، ولا يسعه جهل ذلك، والعبارة عليه من الجميع تقوم بها الحجة عليه بمنزلة الصلاة، والسؤال فيه، والعذر عند الاجتهاد؛ فهو بمنزلة الصلاة، غير أنه عليه التعبد به أبدا ليلا ونهارا، ولا غاية له في طلب علم ذلك حتى يخرج منه، أو يموت على ذلك معذورا، أو تقوم عليه الحجة من جميع من عبّر له، فيجهل الحجة فيموت
هالكا.
- 222 - (2/222)
صفحة 466
باب
ما يسع جهله وما لا يسع جهله من أحكام الولاية والبراءة
ومما يعذر الناس بجهله من الأحكام في البراءة بعد هذه الأصول التي بها يجب معرفة أحداث المحدثين، ويخرج منها أحداث المحدثين عند وقوع
"
الضعيف على معرفته عند المحنة به، بعد معرفة الأسماء الواقعة بالمحدثين المستحق المحدث لها عند الله في دينه، وعند العلماء بدينه، وهما إسمان يجمعان جميع أهل الأحداث، ولا يخرج أحد من جميع أهل هذه الأحداث
أحد
منهما، وهما الشرك والنفاق، فجميع المحدثين لا تخرج أسماؤهم من هذين الاسمين، ولا معدى لهم عنهما، ولا يجوز أن يسمى أحد من أهل
هذين الاسمين بالآخر بجهل ولا بعلم، برأي ولا بدين، وهما مما يسع جهله، ما لم يبلغ إلى علم ذلك، أو تقوم عليه الحجة بذلك، أو يسمى أهل النفاق بالشرك من طريق الجحود، أو يسمى أهل الشرك من أهل الجحود بالنفاق، فإذا فعل ذلك لم يسعه ذلك وضاق عليه جهل ذلك، ويجمع جميع أهل الاسمين ويلحقهما جميع الأسماء القبيحة من الكفر والضلال والفسق والظلم والعدوان، وجميع الأسماء القبيحة، ما سوى الأسماء المفردة بالشيء بعينه، من أجل الفعل بعينه، مثل السرق والزنا والقذف والسكر، وأشباه هذه الأسماء التي تخص فاعلها باسم فعله، فإنها من الأسماء القبيحة،
- 223 - (2/223)
صفحة 467
ولا يجوز أن تلحق إلا بأهلها الفاعلين لها، وجميع
أحد اسمين؛ إما شرك وإما نفاق.
وجميع
هذه الأسماء راجعة كلها إلى
والإسمان يلحقهما جميعا الكفر والضلال والفسق والظلم والعدوان، الأسماء القبيحة التي تكون غير مشتقة من الأفعال، لأن الأسماء المشتقة الأفعال؛ لا يجوز أن تلحق بغير أهلها من أهل الشرك ولا من أهل من النفاق، وكل اسم له حكم منفرد به من جميع الأشياء دون غيره، فلا يجوز أن يسمى به غيره، ولو كان من أهل اسمه الجامع له من الشرك والنفاق، ومن أجل هذا لم يجز أن يسمى أهل الشرك بالنفاق، ولا أهل النفاق بالشرك، لأن في كل واحد منهما حكما في دين الله، لا يجوز في الآخر؛ من السبي والغنيمة والمناكحة والموارثة والشهادات والذبائح، وغير ذلك مما يجوز من أحدهما أو في أحدهما ما لا يجوز في الآخر ولا منه، وإن كانا جميعا يلحقها السخط من والغضب والعداوة والعقوبة بجميع الفعلين والقولين والنيتين، فإنهما غير مستحقين لجميع الأشياء كلها، التي لا يجوز في أحدهما من الأحكام،
ولا يجوز أن تختلف الأحكام في شيء تتفق فيه الأسماء كلها
الله
وإذا كان كذلك وجاز ذلك، فلا فرق بين الكفر والنفاق، بل لقد اختلف الاسمان معنا من أجل اختلاف الأحكام مما وصفنا وغير ذلك، فلما كانت الأحكام مختلفة لم يجز أن يكون الحكم يخص إلا لمخصوص الاسم الذي به خص الحكم في ذلك المسمى والمحكوم فيه ولو كان لا فرق بين الشرك من الجحود والنفاق، ما كان هنالك فرق في هذه الأحكام، ومحال أن تختلف الأحكام وتفترق إلا وخصتها الأسماء التي بها يستدل على المحكوم عليه، وفيه الذي قد ثبت فيه الحكم في دين أن الله، ولم يجز يسمى المنافق مشركا ولا المشرك منافقا، من أجل تبطيل الأحكام الثابتة في الإسلام، في كل أهل اسم منها دون الآخر، وجب أن يسمى كل منهما باسمه، ويحكم في كل اسم منها بحكمه الذي قد خص به دون غيره من الاسمين، فإن جهل ذلك
- YYE - (2/224)
صفحة 468
جاهل، فسماهما بغير أسمائهما، ونقلهما عن مواضعهما التي هما ثابتان فيها، فغير معذور بذلك، من أجل هذه المعاني وهذه الأحكام التي تثبتهما بإثبات الاسم، لمخالفة دين الله فيهما، فيما يدين به وهو في جملته، وكان بذلك
ناقضا لما أقرّ به من الجملة، التي يثبت فيها خلاف ما ركب بجهله
•
فإن جهل جاهل مواضع هذين الاسمين من المحدثين، وقصر علمه
عن ذلك، وعن تفسيره ووضعه في مواضعه، فعلم ضلالة المحدثين، أو كفر المحدثين، أو فسق المحدثين أو ظلم المحدثين أو عداوتهم، أو أسماء أهل الأحداث، بشيء من الأسماء الجامعة غير المشتقة الأفعال، كان ذلك من كافيا له ولو علم مخالفة المحدث لدين الله، غير أنه لم يعلم معاني الظلم والكفر والفسق، وفي هذه الأسماء التي وصفناها، فعلم خلاف المحدثين لدين الله أو لطاعة الله، وأنهم قد خرجوا من حال رضاء الله إلى سخطه، أو من حال ولايته إلى عداوته، أو من حال موافقة دين الله إلى مخالفته، جاز ذلك له ووسعه ذلك، ولو لم يسم المحدث بشيء من الأسماء، إذا جهل ذلك وقصر عن ذلك، فإذا علم ذلك ووضعه في مواضعه، وعرف معاني ذلك، لم يسعه إلا إثبات ما أثبته الله على أهله من الأسماء والأحكام، وعلم ذلك
علمه
ووضعه في مواضعه إذا بلغ إلى علم ذلك
•
وكذلك لو يرى من أهل الأحداث كلها، وجهل الأسماء اللاحقة بأهلها، فيرى من أهلها، أو فارقهم أو خلعهم عن الدين الذي به يكونون مطيعين مؤمنين مستحقين لولاية الله ورضاه، كان قد أتى ما يجزئه في دين الله ما لم يبلغ إلى علم ذلك
فصل: وكذلك لو جهل معنى البراءة والخلع والفراق، وعلم معنى الخلاف والعداوة والسخط من الله، ولم يثبت على جهله بجميع الأحكام لأهل الأحداث اسم الإيمان، ولا الطاعة ولا الرضا من الله، ولا الموافقة لدين الله، بقول أو نية أو اعتقاد، فإذا لم يثبت الضعيف لأهل الأحداث كائنا
- YYO- (2/225)
صفحة 469
"
وتسميتهم
ما كانت الأحداث أسماء، الإيمان أو الطاعة أو الرضا من الله بشيء من الأسماء التي تقع عليهم في جميع جملة الأسماء، أو علم خلافهم لدين الله أو مفارقتهم لدين الله، أو خروجهم من دين الله، أو براءتهم من دين الله، بأي ذلك أخرجهم من جملة الايمان، أو من جملة طاعة الله، أو من جملة الاسلام والإحسان، فقد أتى بما يجزئه ودان بما يلزمه، ما لم يعلم غير ذلك من الأحكام، أو يسمى أهل الأحداث بشيء من أسماء أهل الطاعة والإيمان والولاية، أو بشيء من جميع الأسماء التي يستحقها أهل الطاعة ولا يستحقها أهل المعصية، أو يسمى أهل الشرك بالنفاق وأهل النفاق بالشرك، أو أهل الزنا ممن كان من أهل الشرك أو النفاق بالسرق، أو أهل السرق ممن كان بالزنا، أو يخالف شيئا من دين الله بجهل أو بعلم أو يثبت أسماء لا تثبت، أو يحكم حكم لا يلزم، فإذا فعل ذلك لم يسعه، وما سلم من هذه الأشياء التي وصفناها في جميع أهل الأحداث، وأثبت فيهم بعض ما قد وصفنا، أو غير ذلك مما لم يحضرنا من الأسماء والصفات، وسعه ذلك وجاز له وكان مسلما
بذلك.
فصل: وقد قيل: إنه لا يسعه جهل علم الشرك من النفاق، ولا يسعه جهل ذلك، والمعنى معنا في ذلك على التأويل، أنه لا تسعه تسمية أحدهم بالأخرى، فركوب ذلك لا يسع كما وسعه على الجهل أن يسمى الظالم فاسقا، والفاسق ظالما، وما اجتمع من الأسماء كلها فذلك يسعه جمعه على الجهل، ولا يسعه جهل جميع هذين الاسمين، فعلى هذا يخرج تأويل قوله: لا يسع جهل الشرك من النفاق؛ لأنهما ضدان ولا يجوز الجمع للأضداد بجهل ولا بعلم، وسائر الأسماء متفقة غير متضادة، فيسع جهلها وتفريقها وجمعها في أهلها وإن كثرت في الأسماء والألفاظ، فإنها متفقة في الأصل. وتفسير هذا القول أنه لا يسع جهل الشرك والنفاق فإنما هو على الركوب لذلك على الجهل، كما جاء في الأثر أنه كل ما جاء في كتاب الله فلا يسع
- 226 - (2/226)
صفحة 470
جهله، والمعنى في ذلك أنه لا يسع جهل ركوبه، على خلاف ما فيه الحكم من كتاب الله. كذلك لا. يسع جهل ما جاءت به السنة، والاجماع إنما هو لا يسع
جهل ركوبه على خلاف ما جاء في دين الله، ولو كان ذلك كذلك
ولا يسع جهل علم أهل الشرك من أهل النفاق، لما كان يجوز أن يكون مسلما مؤمنا، إلا من عرف أحكام ذلك، ولعل ذلك من أدق الأشياء حكما، وأخفاها إسما، وهذا ما لا يجوز أن يكلفه الله العباد.
•
فصل: فإن قال قائل: ليس عليه أن يعلم دقائق ذلك، وإنما عليه
أن يعلم أن النفاق غير الشرك والشرك غير النفاق.
قلنا له: لا معنى لذلك في حكم دين الله أن يضيق على من جهله، لأن ذلك مما لا يبلغ إلى علمه من حجة العقل، وإنما يبلغ إلى معرفته من السماع والعبارة، فهو من جملة ما يسع جهله أبدا ما لم يركبه على خلافه، أو يتولى راكبه، أو يبرأ من العلماء إذا برثوا من راكبه، أو يقف عنهم برأي أو بدين، أو يبرأ أو يقف بدين عن ضعيف من ضعفاء المسلمين
•
ولو قال قائل: لا يسع جهل شيء من دين الله، ولو كان ذلك صوابا و خاصا من معاني وجوب مالا جهله، لأن. يسع. جميع دين الله لا يسع جهله، ولكن تختلف معاني ذلك في وجوب ما لا يسع جهله، وقد وقع عليه على كل حال اسم ما لا: يسع جهله، لأن الله لا يخلو من أحد أمرين:
جميع دين
إما أن يكون شيء من دين الله تقوم به الحجة من العقول دون
السماع.
والعبارة من صفة الله - تبارك وتعالى ـ وتوحيده، ووعده ووعيده، فإذا
سمع العبد بذلك الشيء من دين الله، أو خطر بباله أو دعا إليه وعرف معنى ذلك والمراد به، فعليه علم ذلك وعليه ألا يشك فيه، وغير منفس في السؤال
- YYY- (2/227)
صفحة 471
التعبد
الله
،
6
يسع
يسع
عنه، ولا غاية لهذا الشيء من دين الله، إلا أن يخطر ذلك الشيء ببال العبد أو سمع بذكره، أو يدعى إليه ويعرف معناه، فإذا كان ذلك فقد نزلت بليته ووقعت محنته، وقد كان قبل ذلك سالما منه في الكلفة لعلمه قبل أن يخطر بباله أو يسمع بذكره أو يدعى إليه ويعرف معناه، وهذا الأصل هو جميع ما كان من صفة الله - تبارك وتعالى - وتوحيده ووعده ووعيده، فهو وإن كان قد لحقها اسم ما لا يسع جهله في حين خطور البال أو سماع الاذن أو الدعاء إليه، فقد كان قبل ذلك معذورا بذلك الذي قد امتحن به، ونزلت به بليته من جميع دين الله، فقد أتى على العبد حال في جميع هذا الشيء من أصل دين الله، وهو يسعه جهله في حال ما لم يمتحن به العبد، ويتعبد به في حال الخاص من وإن كان أصل ما تعبد الله به العبد، أنه لا يسع جهل جميع دين فقد أتى عليه حال وقد وسعه جهل ذلك، فأصل جميع دين الله أنه جهله في حال ما لا يلزم العبد الكلفة له وفيه، الله لا، وأصل جميع دين جهله، إذا أتى حال ما كلف العبد التعبد به وفيه، إلا أنه تعبد عباده فيه بأحوال مختلفة، فمنه ما تعبد عباده فيه بالعلم له والشهادة به، فكان لزوم التعبد للعبد فيه محي تلك الحال، التي ألزم الله عبده، أن يعلمه ويشهد به، فإذا جاءت به تلك الحال التي كلف الله عبده فيها، علم ذلك الشيء من دينه على جملة ما أخذ الله عليه من الميثاق، ألا يعصيه في شيء مما تعبده به من دينه، وألا يضيع شيئا ألزمه الله إياه في دينه، إذا جاء وقت المحنة فيه، أن يعلمه ويشهد به، وذلك المراد منه والمسئول إياه في دين الله، المأخوذ عليه الميثاق في دين الله أن يعلمه ولا يسعه إذا جاء حال التعبد به أن يجهله، وعليه أن يعلمه يقينا، على أصل ما تعبده الله به في دينه، سبق إليه علمه قبل ذلك أو لم يسبق، فهو مسئول عن علم ذلك ومتعبد بعلم ذلك، ومن كُلف الـ العلم لم يسعه الجهل، ولا كان له عذر في الجهل، فيما كلف فيه العلم، لأن أصل ما تعبده الله في هذا، وأراد منه أن يعلم ذلك، لا غير ذلك من المرادات، ولا ليستدل بذلك العلم على ترك شيء من دين الله، أو العمل لشيء من دين
- YYA- (2/228)
صفحة 472
الله
،
وإنما نفس ما تعبد به العبد هو العلم لذلك الشيء، فلم يتعبده الله بعلم شيء؛ إلا وقد قطع عذره في جهله، لأنه هو المراد منه، المأخوذ عليه الميثاق فيه أصل دين الله، وكان جميع دين الله واسعا لهذا العبد، بجهله ما لم يحضر وقت التعبد له فيه، بأحد معاني التعبد له في دين الله، فإذا جاء الوقت الذي وجب فيه التعبد له، لم يسعه مخالفته على ما أخذ فيه من الميثاق، ولا يسع العبد جهل ما تعبده الله به في دينه إذا جاء وقته
- 229 - (2/229)
صفحة 473
[صفحة فارغة] (2/230)
صفحة 474
باب
ما يسع الجاهل جهله من الدين وتصنيفه وتصنيف ذلك من المحللات والمحرمات
وأما ما يسع الجاهل جهله في دين الله - تبارك وتعالى - ما عدا الفرا الواجبة والحقوق اللازمة، مما ذكرنا ومما لم نذكره مما هو مثله ولاحق به، مما يلزم العبد التعبد به، ولو لم يكن راكبا له، فهو جميع ما حرم الله في كتابه أو في سنة نبيه، أو أجمع المهاجرون والأنصار على تحريمه، أو أجمع على تحريمه من بعدهم التابعون لهم بإحسان، مما هو لاحق بالدين، أو أجمع على تحريمه تابعو التابعين بإحسان إلى يوم الدين في كل عصر وزمان، جعلهم الله حجة فيه على أهله من الصادقين، فكل ما ثبت تحريمه وحجره من أحد هذه
الوجوه، فليس لأحد أن يركبه بعلم ولا بجهل، ولا يخالفه بدين ولا برأي
على هذا أجمع جميع الأمة من أهل القبلة مع اختلافهم في تأويلات ذلك
ومخصوصاته ومعموماته، وهم على هذه الأصول مجمعون أنها من الدين، وأن الحق منها، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا، فأما المسلمون أهل الاستقامة من الأمة، فلا شك في إجماعهم على هذا، فكل معتصم بالجملة التي دان بها لله، ولم يضيع فرضا أوجب الله عليه العمل به، من قول أو عمل أونية، فهو سالم بجهل جميع المحرمات من دين الله، ما لم يركب شيئا منها بجهل أو بعلم، أو يتولى راكبا لشيء منها بجهل أو بعلم، أو يقف عن العلماء الذين
- 231 - (2/231)
صفحة 475
هم حجة الله في القول، فيما يسع جهله برأي أو بدين بجهل أو بعلم، أو يبرأ منهم بدين أو برأي من أجل قولهم في ذلك بالحق، أو من أجل براءتهم ممن ركب شيئا من ذلك برأي أو بدين، أو بجهل أو بعلم، أو يتقول على الله في حين جهله بذلك، ما لم يأذن به من الباطل بغير علم برأي منه في ذلك، أو يدين بجهل منه لذلك، أو يعلم أو يعتقد في ذلك الدينونة له بالباطل بجهل أو بعلم، فما سلم من أحد هذه الوجوه فهو سالم بجهل ما دان بتحريمه في الجملة، وهو عالم بما يلزمه علمه بعلمه للجملة، حتى ينقض ذلك بشيء مما ذكرنا في كتابنا أو لم نذكره، مما هو مثله وداخل فيه، ونازل
عمالا
منزلته
يسعه
والحجة في تحريم ذلك وحجره، تقع على وجوه مختلفة، وإن كانت في أصل الحق متلفة، فإنها في أحكامها مختلفة وفي أقسامها منتقضة متصرفة، وسنذكر من ذلك إن شاء الله ما أذن الله بذكره، وفتح ويسر بفضله ويسره، فمن ذلك ما يكون التحريم واقعا فيه بالإسم والعين متعلقا بالعين، ولا نعرف الحرمة له إلا بمعرفة العين، فإذا غابت العين لم ندرك علم الحرمة له بالتسمية، وإذا حضرت العين منه لم يقع النظر منه إلا على محرم، لأن الحرمة متعلقة في عينه وجنسه، فلا. يسع جهل ذلك في التسمية ولا في العين، ومن ذلك الخمر والخنزير والميتة والدم، وما أشبه ذلك مما. هو مثله، فإن يقع الحجر فيه بالتسمية والعين، فأما التسمية فمحجور على الجاهل أن يُحلّ ذلك ويقول إنه حلال برأي أو بدين، وذلك محجور عليه ومهلك له، إذا أحله بالتسمية، ولو لم ير عين ذلك، ولم يعرف ما هو ولا ما صفته، ففي الاطلاق أنه محرم. الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير، فلا يجوز في الاطلاق تحليل ذلك لجاهل ولا عالم برأي ولا بدين، فإذا أحل ذلك فهو هالك
وكذلك إن تولى من أجل ذلك برأي أو بدين أو بجهل أو بعلم، فهو هالك بذلك إذا كانت الولاية له بدين، والتحريم في هذا على العموم في
- 232 - (2/232)
صفحة 476
التسمية حتى يخص ما أحل من ذلك في حال الاضطرار، وما أحل من ذلك بالعموم والتحريم واقع على العموم، ولا يجوز أن يُحل ذلك على العموم إلا على الخصوص، لما أحل الله من ذلك الاضطرار والاستثناء في ذلك
- 233 - (2/233)
صفحة 477
[صفحة فارغة] (2/234)
صفحة 478
ما لا
باب
جهله يسع
كل متول لمحدث على علم من المتولي بحدث المحدث أنه أحدثه، أو كان منه ذلك الحدث، كان ذلك الحدث مما يسع جهله أو مما لا يسع جهله، كائنا ما كان ذلك الحدث من الأحداث المكفرات، من ركوب لكبيرة مما حكم بتحريمه كتاب الله أو سنة رسوله أو أجمع على حرمته علماء المسلمين، ممن مضى أو من أهل العصر الذي قد أجمعوا فيه على حرمته، وركوب لكبيرة بقول أو عمل أو إصرار على صغيرة بركوبها بقول أو عمل، فتولاه متول على ذلك بعد علمه بذلك بدين، فكل متول لمحدث على هذا الوجه، محدث هالك، ويمكن القول أنه لا يسعه جهل ذلك
فصل: وكل متول لهما أو لأحدهما بعلم منه، بركوب المحدث للحدث، وعلم منه بولاية المتولي للمحدث، بعد علمه بركوبه للحدث على ما وصفنا من هذا، فهو محدث هالك
ما لا
فصل: وكل شاك فيهما أو في أحدهما بعد علمه هذا منهما،، والحدث
جهله وتقوم به الحجة من حجة العقل، فهو محدث هالك يسع
وكل شاك فيهما أو في أحدهما مع تركه لولايتهما بالدينونة والحدث
مما يسع جهله، ما لم يركبه الراكب، أو يتولى راكبه أو يبرأ من العلماء إذا برثوا
- 235 - (2/235)
صفحة 479
من راكبه، أو يقف عنهم برأي أو بدين، فالشاك فيهما على هذا بترك الولاية لهما بالدينونة مسلم بذلك، ولو كان الحدث المحرم من دين الله، مما حرمه الكتاب أو السنة أو الإجماع، ما لم يكن ذلك مما تقوم به الحجة من حجة العقل دون العبارة والسماع.
وكل شاك فيهما أو في أحدهما والحدث، مما وصفنا مما لا تقوم بمعرفته الحجة من العقل، بعد علمه هذا منهما، بترك الولاية لهما بالدينونة، جهل حرمة ذلك الحدث، أو علمها من كتاب الله، أو من سنة رسول الله، أو من الإجماع، غير أنه لا يعرف ما يبلغ ذلك بأهله لذلك، أو والمحدث محرم غير مدع فيه تحليلا لحرام في دين الله، أو تحريما لحلال من دين الله، فالشاك
فيهما على هذا الوجه مسلم
المحدث
6
وكل شاك فيهما أو في أحدهما بعد علمه هذا فيهما.
علمه بحرمة
الله أو استحلال المحدث منهما لحدثه من دين من دين الله
بتحريم
الله لحلال من دين أحدهما على هذا محدث في أكثر قول أهل العلم، لأنه متى جاز أن يجهل ضلال من يدين بنقض ما في يده من دين الله، جاز أن يشك في دين الله أو في ثواب الله على طاعته، وفي عقابه على معصيته
، أو استحلال الحرام من دين الله، فالشاك فيهما أو في
فصل: وقد قال بعض أهل العلم إنه لا يضيق عليه الشك ما لم يتضح له علم ذلك، ما لم يتول المحدث أو المتولي للمحدث أو يبرأ ممن برئ منهما من المسلمين بدين، أو يقف عمن برئ منهما من علماء المسلمين برأي أو بدين، أو من ضعفاء المسلمين بدين فهو سالم، ولا يضيق عليه الشك في المستحلين، كما لا يضيق عليه الشك في المحرمين ما لم تقم عليه الحجة بذلك من أي وجه قامت عليه الحجة بعلم ذلك، أو من علماء المسلمين أو الشاك فيهما أو في أحدهما، بترك الولاية لهما مع جهله بحرمة حدث المحدث منهما من الله، ولو استحل المحدث لحدثه المحرم في دين الله، وجهل ذلك العالم
دين
- 236 - (2/236)
صفحة 480
بحدثه وبأمرهما مسلم بذلك، ولو كان المحدث مستحلا لحرام الله في دينه، أو محرما لحلال الله في دينه، والاستجلال والتحريم في هذا سواء، عند جهل العالم لحرمة الحدث.
فصل: وكل شاك فيهما أو في أحدهما بعد علمه ذلك منهما، وعلمه بحرمة ذلك، ولا يعلم من أي وجه حرمة ذلك من دين الله أو مما يجوز فيه الرأي، إلا أنه قد علم حرمة ذلك، فاستحلها المحدث ولم يعلم منه استحلال ذلك بدين منه بذلك، ولا ادعاء في ذلك استحلال دينونة منه بذلك، غير أنه مستحل لما علم تحريمه، فالشاك فيهما أو في أحدهما على هذا مسلم، ولو استحل المحدث حراما في دين الله، أو حرم حلال في دين الله، غير أنه لم يعلم العالم بذلك أنه من دين الله، وإنما علم ضد ما عرف منه، فلا يدري أدائن بذلك أو غير دائن.
وكل شاك فيهما بعد علمه هذا منهما وعلم حرمة ما استحل المحدث منهما، وعلم منه الدينونة بذلك الاستحلال الذي قد علمه، ولا يعلم من الله، أو من طريق الرأي، فهو شاك في حكم المستحلين المسلمين، وواقع في هذا الموضع موقع الاستحلال، والقول فيه ما مضى من الاستحلال إذا علم الدينونة بذلك المحدث من
دين
من
هذا
•
وإذا كان الحدث مما يجوز في الرأي فدان به المحدث واتخذه دينا، بعلم العالم أنه من الرأي، أو علم منه بالدينونة من المحدث بالحدث،
فالشاك فيهما في هذا بترك الولاية لهما مسلم لا يضيق عليه الشاك في ذلك
وكل ما جاز في الرأي ولم يكن من الدين الذي يخالف فيه أحكام
الكتاب أو السنة أو الاجماع، وكل من ركب شيئا من ذلك، وعلم منه عالم
قد علم خلاف ما رأى منه، وعاين منه لراكب لذلك والمتولي له مسلم،
والمتبرئ منه على ذلك، التارك لولايته بالدينونة، إذا كانت ولايته قد لزمته
،
،
- 237 - (2/237)
صفحة 481
هالك محدث، ولو لم يعلم غير ما علم، ولم يعلم أنه مما يجوز في الاختلاف، لأنه لا تجوز البراءة بالرأي، ولا على الاختلاف بالرأي بما يجوز في الرأي ولو جهل ذلك الجاهل، ولم يدر ما حكم الدين من حكم الرأي.
فصل: وكل ما كان من الدين فلا تجوز مخالفته برأي ولا بدين، والمخالف للدين برأي أو بدين هالك، ولو جهل ذلك الراكب لذلك، والمتولي له بالدين، بعد علمه منه ذلك، فهو هالك ولو جهل ذلك من حكم الرأي والدين
وقد قال من قال من أهل العلم: لا يهلك أحد بهلاك أحد، ولا يحدث أحد بحدث محدث ما لم يركب الراكب ذلك الحدث بعينه، أو يتولى راكب الحدث، أو يبرأ من العلماء من المسلمين إذا برثوا من راكب الحدث، أو يقف عنهم برأي أو بدين، أو يبرأوا من أحد من ضعفاء المسلمين، أو يقف عن أحد منهم بدين من أجل براءته من راكب الحدث، ولا يهلك أحد بالشك في المحدثين ما لم يتولهم على هذه الصفة، أو يبرأ أو يقف عنهم على ما وصفنا، كائنا ما كان ذلك الحدث، مما يسع جهله أو مما لا يسع جهله
قال: وإنما يهلك الهالك بالشك فيما لا يسع جهله من دين الله، أو بالولاية لراكبه، أو بالبراءة أو بالوقوف من المتبرئ من راكبه، فإذا لم يكن ذلك فلا يهلك بالشك في المحدثين، وجهل علم ضلالهم، ما لم يعلم ذلك ويتضح له علم ذلك، فإذا علم ذلك لم يجز له أن يجهل ما قد علمه وقامت عليه الحجة بذلك
فقال: لا يهلك أحد بهلاك غيره، بغير صنع منه في ذلك أو انتقال منه عن حكم قد حكمه إلى غيره مما لا يسعه، فمتى شك في الحدث نفسه، مما لا يسعه جهله، أو تولى المحدث له، أو برئ من العلماء برأي
المهلك
أو بدين، من أجل براءتهم من المحدث له، أو وقف وقوفا انتقل فيه عن حال
238 - (2/238)
صفحة 482
إلى حال، من وقوف الدينونة من الضعفاء، أو وقوف الرأي أو الدينونة من
العلماء من المسلمين، فقد أحدث كائنا
من
كان
الأحداث
من
فصل: قال وكل الأحداث سواء في المحدثين، وفي علم حدث المحدثين، لأنه قد جاء الأثر المجمع عليه، أنه يسع الناس جهل ما دانوا
بتحريمه، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرأوا من العلماء إذا برثوا من راكبه أو يقفوا عنهم، فإذا أقر بالجملة التي بها يدين بتحريم جميع الحرام، ويتحليل الحلال، وعلم ضلالة من شك فيها أو في شيء منها، فقد وسعه جهل
جميع ما سوى ذلك، ما لم يركبه أو يتولى راكبه، أو يبرأ من العلماء إذا برثوا من راكبه، أو يقف عنهم، وما كان من تفسير الجملة التي تقوم من حجة العقل فعليه علمه هو، ولا يضيق عليه الشك في علم الشاك فيه، كما يضيق عليه
6
الشك في نفس الشيء من تفسير الجملة، الذي تقوم به الحجة من العقول وهذا قول لا يبعد في مذاهب أهل الاستقامة، فيما يسع جهله وما لا يسع
جهله، من قول من قال منهم إنه يسع جهل المستحلين، ما لم يبن له ذلك، لأن هذا الذي لا يسع جهله من تفسير الجملة، قد أثبت أهل العلم على وزنه ومثاله حكم المستحلين، ولا يخرج من حكم المستحلين ولا من القول في المستحلين، لأن المستحل لما يدين العبد بتحريمه مما تقوم به الحجة من حجة العقل في حكم دين الله، لأنه لا يستقيم في حجة العقل أن يكون هو ومن يخالفه في دينه بالاستحلال جميعا في دين الله، وهذا يتنافى في دين الله، وتقوم به الحجة معنا من حجة العقل، فإذا هذا وسع في المستحلين لما يدين بتحريمه، ولم يعلم حرمته ما لم يبن له الحق في ذلك، والحكم فيه وضلالة أهله في الاستحلال، لم يبعد ذلك من سائر ما لا يسع جهله في معرفة ضلال أهله، ما لم يشك هو فيها لا يسعه الشك فيه من دينه
•
وقد قلنا في هذا إنه لا يسعه أن يشك في دينه، فإن شك في تحليل ما قد دان بتحريمه أنه حلال أم حرام، وقد علم حرمته من دين الله، فقد نقض
- 239 - (2/239)
صفحة 483
الجملة في الاجماع، وشك فيما لا يسعه الشك فيه، وكان بذلك هالكا
وأما الشك في محدثه فغير الشك فيه، لأن المحدث منتقل إلى غير الشك، والقول في الفاعل غير القول في الفعل.
فصل: ومن ذلك أنهم أجمعوا أن الجاحد للجملة أو لشيء منها، أو
،
الشاك فيها أو في شيء منها كافر كفر شرك جاحد، ويلزمه حكم الجحود وكذلك المستحل شيئا مما حرم الله في كتابه على الرد منه والجحد؛ مشرك جاحد، وأن الشاك فيه بعد علمه به وقيام الحجة عليه، فشك في التنزيل بعد ذلك، أنه مشرك جاحد
فصل: ثم أجمعوا - لا نعلم بينهم اختلافا ـ أن المتولي للجاحد أو الشاك في ضلال الجاحد، أو الشاك في الشاك في الجاحد، ولو كان جاحدا للجملة أو شاكا في الجملة، فالشاك في ضلالته والمتولي له بجهل أو بعلم
6
ما لم يرد شيئا من التنزيل أو يشك فيه بعد قيام الحجة عليه به، وعلمه أنه كافر نعمة لا مشرك، فكل متول لمشرك أو شاك في شركه بأي الوجوه، أو شاك في ضلاله بأي الشك بعد أن يكون شكه، إنما هو في المحدث من غير أن يشك في التنزيل أو يجحده، فهو بذلك كافر نعمة لا كفر شرك
ثم أجمعوا على اختلاف القول في الأسماء بين الجاحدين وبين ولاية الجاحدين، وبين الشاكين وبين ولاية الشاكين، وبين الجاحدين والشاكين، وبين الولاية لهم والشك فيهم بالأسماء الواقعة بأهلها في الأحداث وأجمعوا أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه
أو يبرأوا من العلماء إذا برثوا من راكبه أو يقفوا عنهم.
وأجمعوا أن المقر بالجملة مقر بتحريم ما حرمته الجملة، وتحليل ما أحلته الجملة، وجميع الدين داخل في الجملة.
- 240 - (2/240)
صفحة 484
:
واختلفوا في تفسير هذا الأثر
والآثار.
واسع.
فقال من قال: ذلك فيما لا تقوم الحجة فيه إلا بالسماع والعبارة
وأجمعوا على ذلك، لا نعلم بينهم اختلافا، أن هذا في هذا الباب
وأجمعوا على مثل ذلك في الجملة التي بها يكون مقرا ودينا بجميع الدين، أنها لا تقوم الحجة فيها إلا بإسماع، وما أشبهه من نظر في كتاب ونحوه، ولا تقوم الحجة فيها من حجة العقل، إلا ممن عرف معنى ذلك
والمراد به
فصل: واختلفوا فيهما كان من تفسير الجملة، يخرج مخرج الجملة في
العلم، وفيما لا يسع جهله:
فقال
من قال: الحكم في الشاك فيما لا يسع الشك فيه؛ شك فيه، كالحكم فيما لا يسع الشك فيه، شك فيه، فكما لا يسع الشك في الشيء
فلا
يسع
الشك في الشاك فيه
وقال من قال: لا يسع الشك في الشيء ويسع الشك في الشاك فيه، لأن الشاك فيه غيره، ولأنه غير الشيء الذي تعبّد به العبد ألا يشك فيه، ولولا ذلك كذلك كان الشاك في الشاك، فيما يسع الشك فيه يلزم حكم الشاك من الجحود والشرك، والإجماع على أنه غير ذلك في الاسم والحكم، وإن كان قد قال من قال: إنه مثله في استكمال الطاعة والثواب ولا يخرج هذا عن قول أهل العدل من المسلمين إن شاء الله
وأما أكثر القول معنا، وعليه عامة أهل العلم من أهل الاستقامة، هو
الأول، أن كل ما لا يسع جهل علمه، وقامت الحجة فيه من حجة العقل
6
- YEI- (2/241)
صفحة 485
فغير واسع جهل الشاك فيه أو الجاحد له، وأنه هالك بجهله لذلك، كما أنه
هالك بجهله لما لا يسعه جهله من نفس الدين.
فصل: ولا نعلم أن أحدا قال: لا يسع جهل ضلالة المحرمين، أو الراكبين على غير استحلال للحرام أو التحريم للحلال على وجه التفسير لذلك، وإن كان قد جاء الأثر عن بعض أهل العلم أنه لا. يسع جهل الحرام مما جاء في كتاب الله، فكل ما جاء في كتاب الله فلا. جهله، بهذا جاء يسع الأثر، ويخرج ذلك في تفسير أهل العلم أنه لا يسع جهل ركوبه على الجهل به، ولا نعلم أن أحدا قال ذلك، مفسرا أنه لا يسع جهل علم كل ما جاء في كتاب الله قبل بلوغ علم ذلك إليه، أو قيام الحجة به عليه، وإنما لا يسع من ذلك جهله ما قامت الحجة فيه من العقول، كان من التنزيل أو التأويل، وما علم العالم حرمته من ذلك، ثم علم من يستحله، فلا يسعه أيضا جهل ذلك، ولا جهل علم ضلالة الجاحدين، لما يدين به، والمضاد له في دينه،
في أكثر القول من قول أهل العلم من أهل الاستقامة، وقد مضى القول فيه
وأما علم كل ما لا تقوم الحجة فيه إلا بالسماع والعبارة، فواسع جهل علمه، ما لم يبلغ علم ذلك إليه، أو تقوم بعلم ذلك الحجة عليه، أو يضيع واجب ذلك بجهله، أو يركب محرم ذلك بجهله، فإذا كان منه ذلك هلك بالركوب لذلك، على غير دينونة بسؤال عند عدم المعبرين له ذلك، وهلك بتضييع لازم ذلك، وأن عدم المعبرين له إذا لم يدن بالسؤال عن علم ذلك فصل: وكان عليه أن لا يرجع إلى الشك بعد اليقين، ولا إلى الجهل بعد العلم؛ لما قد علم من ذلك، ولو كان ذلك الذي قد علمه من أصل ما يسع جهله، وأما إذا عدم المعبرين لذلك الذي قد ضيعه من اللازم، أو ركبه من المحارم، ولم يكن بحضرته من يعبر) له ذلك فقد كان عليه أن
6
لا يقدم على حرام، ولا يضيّع لازما، وأما إذا فعل ذلك، فإن دان بالتوبة
- YEY- (2/242)
صفحة 486
من ذلك، والدينونة بالسؤال عن ذلك، وعن علم ذلك، ودان بالتوبة في الجملة، أو فيما يحسن في عقله من قبيح ذلك على ما يحسن في عقله، فهو سالم إن شاء الله. من الهلكة، لأن ذلك لا تقوم بعلمه به الحجة من حجج العقول، ولا تقوم به الحجة إلا بالسماع والعبارة من المعبرين، أو يقف عن علم ذلك، بأي وجه صار إلى علمه، فالعلم حجة عليه إذا علمه، وليس له أن يضيع ما يلزمه بعلمه ولا يرجع إلى الجهل بعد العلم، ولا إلى الشك بعد اليقين من أي وجه بلغ إليه علم ذلك
فصل: فلا تقع بالعبد هلكة في أمر البراءة والولاية إلا. أحد هذه من الوجوه، إما أن يكون محدثا، راكبا لشيء من دين الله، أو مصرا على شيء من الصغائر بجهل أو بعلم، بدين أو برأي، فيهلك بركوبه للمحجور،، أو يتولى محدثا راكبا لكبيرة من دين الله أو مصرا على صغيرة بعلم منه بركوب الراكب لذلك، فيتولاه بعد علمه بذلك بجهل أو بعلم، على الدينونة منه بولايته، فإذا تولى محدثا بدين بجهل أو بعلم، وأثبت له الولاية على غير اعتقاد رأي، ولا اعتقاد براءة الشريطة فيه بعينه، إن كان ذلك منه حدثا مكفرا، هلك بذلك، ولو جهله كان ذلك من المقال أو الفعال، من جميع الله - تبارك وتعالى ـ، أو يتولى من تولى محدثا بدين بعلم منه، بولاية
دين
المتولي للمحدث على حدثه ذلك، وعلم منه بحدث المحدث للحدث، أو يتولى من تولى المحدث على العلم منه. ذلك حدث المحدث وولاية من بجميع المتولي له على علم منه بحدثه، وولاية المتولي للمتولي للحدث، على العلم منه بحدث المحدث، وولاية المتولي له على ذلك، وولاية المتولي للمتولي على فكل متول لمحدث بعد علمه بحدثه محدث، وكل متول لمتول كائنا ما كان. فالمتولي للمتولي بمنزلة المتولي للمحدث بعد علم المتولي بذلك فهو محدث، ولو كان إلى مائة ألف أو يزيدون، إلى ما لا غاية له ذلك، فالمتولي للمتولي كالمتولي للمحدث، لأن المتولي محدث بمنزلة
ذلك،
لمحدث
من
6
- 243 - (2/243)
صفحة 487
المحدث، لا فرق في ذلك، فالمحدث والمتولي للمحدث، والمتولي لمتولي المحدث، سواء في المعصية والعداوة الله، والبراءة في جميع الأحداث مما يسع جهله أو مما لا يسع جهله، فكل ذلك سواء، ولا نعلم في ذلك اختلافا في هلكة المحدث ومتولي المحدث ومتولي متولي المحدث
وأما الشك في المحدث على غير إثبات الولاية والشاك في متولي المحدث على مثل ذلك، من ترك الولاية له، والشاك في متولي متولي المحدث على مثل ذلك، فيما يسع جهله مما لا تقوم به الحجة إلا من العبارة ما لم يبلغ هو إلى علم ذلك، أو تقوم عليه الحجة بذلك فهو سالم، لا نعلم في ذلك اختلافا أنه سالم
بذلك مسلم.
فصل: وأما الشاك في المحدث والمتولي للمحدث، والمتولي لمتولي المحدث، فيما لا يسع جهله وما تقوم به الحجة في علمه من حجة العقول، فركب ذلك الراكب بجحد أو شك أو ركوب بعمل أو قول، ففي أكثر القول أنه هالك، وأنه لا يسعه جهل ذلك بعد علمه بذلك، من حدث المحدث، وولاية المتولي للمحدث، بعد العلم منه بحدثه، وولاية المتولي للمتولي بعد العلم بالحدث، وولاية المتولي للمحدث بعد علمه بالحدث، وولاية المتولي للمتولي بعد علمه بالحدث، وولاية المتولي على مثل ذلك من علم الحدث، وولاية المتولي للمتولي على علم من جميع ذلك، وبعد قيام الحجة عليه بعلم
ذلك
وقد قيل: يهلك المحدث والمتولي ومتولي المتولي على هذا ما كانوا بعد العلم، ولا يهلك الشاك فيهم ولا في أحد منهم، ما لم يبلغ إلى علم ذلك، أو تقوم عليه الحجة بعلم ذلك، فيما خلا الحدث من الجملة، الذي بها يكون مسلما وبها يكون دائنا بتحريم الحرام وتحليل الحلال، وولاية الأولياء وعداوة الأعداء، وهي الاقرار بالله - تبارك وتعالى -، أنه واحد لا شريك له، وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - عبده ورسوله، وأن جميع ما جاء به عن الله فهو
- 244 - (2/244)
صفحة 488
الحق، فإن هذه الجملة بجملتها وهذه الخصال بعدتها لا يسع جهلها ولا الجهل لرادها ولا الجهل للشاك فيها، ولا للراد لها ولا لشيء منها، من هذه الخصال الثلاث، ولا نعلم أن الشاك في المحدث في هذه الجملة أو في شيء منها أنه يسعه ذلك، في حال من الحال، كما يسعه علم ذلك في حال من الحال، ولا يكون مسلما عند نفسه، ولا مطيعا الله ولا سالما سخط الله من وغضبه وعقوبته إلا بذلك، وكذلك لا يكون ولا يجوز أن يكون عنده أحد من المتعبدين سالما إلا بها، لأن بهذه الجملة يكون دائنا بجميع دين الله، ويدخل في جملة دين الله، ولا يكون داخلا في الجملة ولا دائنا بتحريم حرام الجملة وتحليل حلالها إلا بالإقرار بها، وإنما الاجماع أنه يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه، أو يبرأوا من العلماء، إذا برئوا من راكبه أو يقفوا عنهم من أجل ذلك، ولا نعلم في هذا اختلافا أن الجملة لا يسع الشك فيها ولا الشك في الشاك فيها ولا في شيء منها ولا الشاك في ولاية المتولي للشاك فيها، ولا في المتولي لمتولي الشاك في ذلك ولا المحدث لذلك، وأحكام المستحلين لاحقة بأحكام تفسير الجملة التي تقوم الحجة فيها بحجة العقل في أمر الحدث والولاية والبراءة، والشك والقول في ذلك واحد، ولو كان المستحل لذلك من دين الله راكبا من ذلك بالاستحلال لما لا تقوم الحجة في علمه من حجة العقل، ولا تقوم إلا بالعبارة والسماع، إذا
علم
الشاك
حرمة ذلك.
يسع.
جهله
من دين الله الذي ركبه المحدث فشك فيه على ذلك والمتولي للشاك في المحدث أو الشاك في الشاك في المحدث، فيما لا. فهو بمنزلة ولاية المتولي للمحدث، وولاية المتولي للمتولي للحدث، إذا كان مما لا يسع جهل علمه وتقوم به الحجة من العقل، أو كان على الاستحلال من المحدث، وعلم بذلك الشاك فيه أنه حرام من دين الله، وكذلك الشاك في الله الشاك في المحدث بعد علمه بذلك، وعلم حرمة ذلك الحدث من دينا فهو بمنزلة المتولي للمحدث والمتولي للمتولي للمحدث أبدا، كائنا ما كانوا، فالقول فيهم واحد، وفي أكثر القول أنه لا يسع الشك في ذلك، ويهلك
- 245 - (2/245)
صفحة 489
بذلك المحدث والمتولي للمحدث والشاك في المحدث، والشاك في الشاك في المحدث أبدا، إذا كان الحدث في تفسير الجملة أو مستحلا وعلم الشاك في ذلك حرمة الحدث من دين الله، وأما إذا لم يعلم الشاك في المحدث أو المتولي للمحدث حرمة الحدث من دين الله، ولو كان مستحلا، فالشك فيه واسع في المحدث والمتولي للمحدث والشاك في المحدث ما لم تثبت الولاية بالدينونة
لمحدث أو المتولي لمتولي المحدث أبدا، وهو بمنزلة حكم التحريم. فصل: وكذلك الشاك في المحرمين والراكبين على غير استحلال، ولا دعوى في ذلك، فواسع ذلك في المحدث والمتولي للمحدث والمتولي للمتولي للمحدث، ولا يجوز ولا يسع إثبات الولاية لأحدهم على الدينونة
بغير اعتقاد الشريطة.
ويسع
الشك
في المحرمين والراكبين على غير دعوى الاستحلال، ولو
كان الراكب مستحلا في دينه في اعتقاده، وعلم الشاك فيه حرمة الحدث الذي ركبه ما لم يظهر استحلال ذلك، ولو علم الشاك حرمة الحدث وأنه حرام من الله، غير أنه لا يعلم ما يبلغ براكبه في دين الله، أكفر أم إيمان، أم ضلال أم هدى، فما لم تتولد بدين أو يتولى من تولاه أو يتولى من تولى من تولاه
دين
بدين بعد علمه بالحدث، وولاية المتولي له والمتولي للمتولي له على علم منهم
بالحدث والولاية لبعضهم بعض، فهو سالم بذلك ولو علم الحرمة على ذلك
•
وقد قيل في التحريم والمحرمين أنه يسع الشك فيهم من لم يعلم حكم
حدثهم، ولو أثبت له الولاية بالرأي، وتولاه على ما كان عليه واعتقد فيه براءة الشريطة، إن كان بحدثه ذلك محدثا جاز له ذلك، ولا يضيق عليه ذلك في المحرمين، كما لا يضيق عليه في المستحلين، ولا يضيق عليه ذلك في المستحلين، ما لم يعلم حرمة حدثهم في الدين، وأحكام الاستحلال عند جهل الشاك علم حرمة الحدث من الدين، لاحقة بأحكام المحرمين، ولو علم الشاك في المحرمين حرمة الحدث من المحرمين، فلا يسع على كل حال
- 246 - (2/246)
صفحة 490
إثبات ولاية المحدثين على الاستحلال ولا على التحريم، ولو جهل المتولي لهم حرمة أحداثهم، إذا كانت الولاية له بالدين على غير رأي أو شريطة في المحدثين في المستحلين أو المحرمين والمتولي للمحدث محدث في الإجماع إذا كانت الولاية على إثبات الايمان والطاعة، على غير رأي ولا شريطة، وكذلك المتولي للمتولي محدث، ولا نعلم في ذلك اختلافا
فصل: وإنما الاختلاف في الشك في المحدث والمتولي فيما كان الحدث في غير الجملة من تفسير الجملة التي تقوم الحجة فيها من طريق العقل، أو في المستحلين بعد علم الشاك بحرمة المستحل في الدين ومن الدين، وقد مضى
في ذلك ما فيه كفاية
ولا نعلم في الاسلام ولا في أحكام الاسلام ولا في الأحداث حدثا يخرج من غير أحد وجوه:
وجه منه أن يكون الحدث في الجملة من الرد لها أو لشيء منها أو الشك فيها، أو في شيء منها، وهي الخصال التي يكون المقر بها مقرا بها مؤمنا مسلما، ولا يسلم في حال من الحال بما دونها عند لزومها، فإذا كان الحدث في ذلك فلا عذر للمحدث في ذلك كائنا. من كان، ولا للمتولي للمحدث فيه، ولا للمتولي للمتولي للمحدث ولا الشاك فيهم بعد علمه، ولا الشاك فيهم بعد علم المتولي للمتولي، والشاك بالحدث، والولاية لهم، والمحدث والمتولي للمحدث، والمتولي للمتولي للمحدث، والشاك في المحدث، والشاك في المتولي للمحدث، والشاك في الشاك في المحدث، والشاك في الشاك في المتولي للمحدث، والشاك في الشاك في المتولي للمتولي للمحدث، كلهم محدثون
لا عذر لهم في ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا
ولا يجوز في حكم الكتاب ولا حكم السنة ولا الاجماع ولا حجة العقل
معنا في هذا الفصل من الأحداث غير هذا.
- YEV- (2/247)
صفحة 491
ذلك
ووجه ثان من الأحداث أن يكون الحدث فيهما دون الجملة من تفسير
،
الجملة، من إثبات التوحيد والوعد والوعيد وما كان لاحقا بأسماء الله وصفاته، مما تقوم الحجة فيه من طريق حجة العقل، ويهلك الشاك في. ولا ينفس في السؤال عنه، فإذا كان ذلك. من هذا الوجه، فهو لاحق في أكثر القول بأحكام الجملة على ما وصفنا من هلاك المحدث والمتولي له والشاك فيه، والشاك في المتولي له، والمتولي للمتولي له، والشاك في المتولي وهو معنا كذلك في تفسير الجملة
للمتولي له
6
وقد قيل في ذلك باختلاف، فأنزل ذلك بعض منزلة في البراءة، ولزوم علم الأحداث منزلة ما يسع جهله من المحدثين، ما لم يبن للشاك في المحدثين في ذلك، أو في المتولي للمحدثين في ذلك، أو المتولي للمتولي للمحدثين في ذلك الحق، أو يتولى المحدث على حدثه ولاية دين، أو يتولى من تولى المحدث، أو يبرأ من أحد من العلماء من أجل براءته من المحدث، أو ممن تولى المحدث، كائنا ما كان من بلوغ الغاية، فيهم بعد العلم، أو يقف عنهم
من أجل شيء من ذلك برأي أو بدين، أو يبرأ من أحد من ضعاف المسلمين براءته من أحد منهم، أو يقف عنه بدين.
بدين، من
أجل
ووجه آخر. من الأحداث، هو ما كان على وجه الاستحلال لما حرم
الله
الله، والتحريم لما أحل الله في دينه، مما لا تقوم فيه الحجة بعلمه والبلوغ إليه إلا من السماع والعبارة، مما هو خارج من صفة الله - تبارك وتعالى ـ، ووعده ووعيده، فإن هذا الوجه منزلة ثالثة الأحداث من، وهو تختلف أحكامه في العلماء بالحرمة، وغير العلماء بالحرمة، فأما من علم حرمة ذلك من دين من الكتاب أو السنة أو الاجماع، ثم علم من يخالف ذلك بتحليل الحرامه والتحريم الحلاله بعلم منه بذلك، ولم يبلغ علمه إلى ما يستحق من أتى ذلك، إلا أنه قد علم مخالفته لما يدين به للاستحلال للحرام أو التحريم للحلال، ففي أكثر القول إن هذا الوجه على هذا الوجه لاحق بحكم تفسير الجملة،
- YEA- (2/248)
صفحة 492
وأن على هذا العالم بذلك أن يعلم ضلالة من أتى ذلك، ولا يسعه غير ذلك
ولا ينفس في السؤال. وهو هالك بالشك في ذلك
فصل: وقال من قال: إنه قد يسعه الشك في ذلك، ما لم يتضح له علم ذلك، أو يتولى محدث ذلك، أو من تولاه؛ على حسب ما مضى من الاختلاف في تفسير الجملة، التي هي دون الجملة، والقول الأول هو الأكثر في تفسير الجملة، وفي حكم الاستحلال لمن بلغ إلى علمه حرمة المستحل من ذلك، وأما من لم يعلم حرمة ذلك من دين الله، فواسع له الشك في المحدث والمتولي للمحدث، والمتولي للمتولي للمحدث، ما لم يتول أحدا منهم بدين، أو يبرأ ممن برئ منهم بدين من عالم أو ضعيف، أو يقف عنهم أو عن أحد ممن برئ منهم بدين من عالم أو ضعيف من أجل براءته منهم، أو يقف عن عالم من علماء المسلمين برأي أو بدين من أجل ذلك. وهذا لا نعلم فيه اختلافا. ووجه آخر من الأحداث أن يكون الحدث، فيما دون الجملة وتفسيرها، وما يكون علمه لا يجب من حجة العقل على وجه التحريم، أو على وجه العمل على غير ادعاء الاستحلال، وإظهار ذلك ولو استحله في دينه وسريرته، فهذا الوجه من الأحداث يسع الشك في أهله أبدا ممن علم حرمة ذلك، أو لم يعلمها ما لم يعلم الحكم في الأحداث في ذلك، أو تقوم عليه الحجة بعلم أحكام الأحداث في ذلك، أو يتولى المحدث أو من تولاه أو من تولى من تولاه بعلم منه بالحدث، فإذا فعل ذلك فلا. يسعه ذلك على ولاية الدين، ولو جهل خدمة الحدث، أو جهل حكم الحدث، فهو بذلك، وكذلك إن وقف عن أحد ممن برئ منهم بدين أو برئ منه بدين، من ضعيف أو عالم أو برئ أو وقف عن عالم من علماء المسلمين برأي أو بدين من أجل ذلك وأما الحدث في تفسير الجملة فسواء من علم حرمة ذلك أو لم يعلمها، فالقول في ذلك واحد في ضيق ذلك على من جهله وشك فيه أو في المحدث
•
هالك
- YEA- (2/249)
صفحة 493
فيه، أو المتولي للمحدث، أو المتولي للمتولي للمحدث، فاختلف القول في تفسير الجملة وفي أحكام الاستحلال بمعرفة ذلك أو جهله، وأما التفسير في
الجملة فلا يختلف ذلك فيه ولا في أمره أو الاستحلال فحتى يعلم حرمة ذلك ثم هنالك يلحق بحكم تفسير الجملة
6
فصل: ووجه آخر من الأحداث، أن يكون الحدث فيما يسع الشك جهله، ومما يسع في أهله من جميع الأحداث المحرمة، ما لم يتول المحدث أو من تولاه، على ما وصفنا من أحكام التحريم، فيصر المحدث على حدثه ولا يتوب من ذلك، ويعلم منه ذلك من يعلم بحرمة الحدث، من صغير الذنوب أو كبيرها، ولا يعلم ما يبلغ به في إصراره ولا في حدثه ذلك
فقال
من قال: لا.
يسع جهل المصرين على صغير من الذنوب ولا على كبير منه، إذا علم الشاك حرمة ذلك أنه معصية أو سيئة، أو محرم في دين الله، فإذا علم ذلك فعاين من يصر على ذلك، فلا يسعه الشك في ذلك المصر، ولا في كل من تولاه، ولا من تولى من تولاه، على علم منه ومنهم بذلك من المصر على ذلك، وأن حكم المصرين لاحق بأحكام ما لا يسع جهله من الاستحلال لمن علم حرمة ذلك
فصل: وقال من قال: قد يسع جهل المصرين القول في المصر في الأحداث المحرمة، ونحب في ذلك قول من يرى السعة في ذلك، وأنه بمنزلة المحرم، وقد مضى في هذا ما في بعضه كفاية إن شاء الله، غير أنا نحب أن يكون المصر على الكبائر من دين الله، المحرمة في دين الله، ويلحق أهلها الكفر والضلال بغير إصرار بركوب الكبيرة، دون الاصرار، فنحب أن يكون المصر على الكبيرة من المحرمات من دين الله، غير المصر على الصغيرة، الذي لا يلحقه الكفر بغير إصرار عليه، ونحب أن يكون المصر على الكبائر بمنزلة أحكام الاستحلال للحرام، مع من علم حرمة ذلك من دين الله، ونحب أن يكون المصر على الصغائر، التي لا يكفر أهلها إلا بالاصرار عليها، أن يكون
- 250 - (2/250)
صفحة 494
استحلال
من
حكم ذلك مع من عرف صغير ذلك من كبيره، وجهل ما يلزم في ذلك الأحكام، أن يكون الاصرار على الصغائر بمنزلة ارتكاب الحرام بغير من الكبائر، ونحب أن يكون الحكم في الإصرار على الصغير في أحكام ما يسع جهله مما لا يسع جهله بمنزلة أحكام التحريم، والمواقعة للكبائر على التحريم، ويكون الاصرار على الكبائر من المحرمات بمنزلة أحكام المستحلين، والشك فيهم والقول فيهم
•
وقد قيل في جملة ذلك بالاختلاف، فأحببنا فرق ما بين ذلك لموضع أن الكبائر يكفر راكبها بغير إصرار، فيكون المصر عليها زائدا في الارتكاب بحكم ثان يلحق بالاستحلال، ولأن الصغير لا يكفر راكبه إلا بالإصرار عليه، فيكون بنفس الإصرار، راكبا للكبائر، ويتساوى هنالك حكم
ارتكاب الكبائر على غير إصرار على الكبائر، فافهموا ذلك إن شاء الله
فهذه الوجوه الأربعة والأحكام الأربعة هي أصول أحكام جميع
الأحداث، وعليها مدار جميع أحكام الأحداث، ولا نعلم أن حكما من الأحكام في الأحداث، يخرج حكمه إلا من أحد هذه الوجوه، وهذه الأصول فكل حادث في الاسلام وفي أحكام الاسلام من الأحداث كلها، فلا مخرج له من أحد هذه الوجوه التي وصفناها، مما لا يسع جهله على كل حال من أحكام الجملة والأحداث فيها.
فصل: ومما لا يسع جهله من تفسير الجملة والأحداث فيها، على علم بتحريمها أو جهل لتحريمها، وسواء ذلك في حكمها على من ابتلي بذلك
فيها وفي الأحكام فيها وفي المحدثين فيها
ومما لا يسع الناس جهله من أحكام المستحلين لمن علم حرمة ذلك على ما فسرناه، ووضع ذلك عمن جهله، ومما لا يسع جهله من أحكام المصرين على التحريم، لمن وقف على حرمة ذلك ووضع ذلك عمن جهله
- You- (2/251)
صفحة 495
ومما يسع جهله من أحكام التحريم لغير استحلال ولا إصرار على كبار ولا صغار، ولا تخرج أحكام الأحداث كلها معنا إلا من أحد هذه الوجوه، وعليها مدار جميع الأحداث، فمن علم هذه الأصول في أمر الولاية والبراءة فقد وقف على أصول ما يسع جهله مما لا. يسع جهله، وكذلك تفسير مما يسع جهله ومما لا يسع جهله يطول بذلك الكتاب، وهذه أصولهما من أحكام
الولاية والبراءة
- 252 - (2/252)
صفحة 496
تم بحمد الله الجزء الثاني من كتاب
الاستقامة
ويليه إن شاء الله تعالى
الجزء الثالث في
تطبيقات الولاية والبراءة
- 253 - (2/253)
صفحة 497
[صفحة فارغة] (2/254)
صفحة 498
الصفحة
25
45
53
67
97
103
105
119
141
151
199
213
223
231
235
الفهرس
البي
ــان
الجملة ولزومها والحجة في ذلك
تصنيف ولاية الظاهر والبراءة بالظاهر وأحكام الدور وغير ذلك الدور وأحكامها والقول في ذلك
الموافقة في الدين في معاني الاختلاف في أحداث أهل عمان
العلماء ومن هو حجة منهم على غيرهم المعارضات من الملبسة على الضعفاء المتمسكين
أصل الموافقة في الحدث الواقع بعمان
البيعة لامام الدفاع.
المختلفان الضعيفان في أمر الدين الذي لا يجوز فيه الاختلاف الاختلاف في الدين من الضعيف والعالم إذا كان العالم هو المبطل
الامامة والقول فيها
الامامة والفرق بين ما يجوز فيه قول الامام ودعواه وحكمه
وما لا يجوز
صفة التجسس والنهي عنها
وجوه التعبد ومعانيه والحجة في ذلك
ما يسع.
جهله وما لا يسع جهله من التدين
ما يسع جهله وما لا يسع جهله من أحكام الولاية والبراءة
ما يسع الجاهل جهله من الدين وتصنيفه
ما لا يـ د يسع جهله
- Yoo - (2/255)
صفحة 499
طبع بمطابع
دار جريدة عمان للصحافة والنشر
روي - ص. ب (6002)
سلطنة عُمان
1985 (2/256)
صفحة 500
[صفحة فارغة] (2/257)
صفحة 501
سلطنة عمان
وزارة التراث القوي والثقافة
الاستقامة
تأليف العلامة المحقق
الشيخ أين شهيد محمد بن متعيد الكرمي
الجزء الثالث (3/1)
صفحة 502
[صفحة فارغة] (3/2)
صفحة 503
سلطنة عُمان
وزارة التراث القوي والثقافة
الاستقامة
تأليف العلامة المحقق
الشيخ أبى سعيد محمد بن سعيد الكرمي
V. 3
الجزء الثالث
1405 هـ - 1985 م (3/3)
صفحة 504
[صفحة فارغة] (3/4)
صفحة 505
باب
ضمان الخطأ وضمان الفتيا وتصنيف ذلك
لا بد من إثبات الحق، وموافقة الحق في الجميع، ومخالفة العلماء في
هذا وأمثاله؛ لا يخرج إلا على وجهين:
،
6
وجه منه أنه خطأ أخطأ به، وهو عالم في الأصل أنه مخالف لما علم وهو عالم بالحكم بالحق في ذلك، مثل من علم أن للزوجة مع الولد الثُّمن ولها مع غير الولد الربع، وللزوج مع الولد الربع، وله مع غير الولد النصف، وهذا مذهبه ودينه؛ فأفتى في ذلك بالخطأ، فأراد أن يقول: لها الثمن مع الولد، فقال: لها الربع مع الولد. وكذلك الزوج، وكذلك الأم؛ أراد أن يقول: لها السدس مع الولد والثلث إذا لم يكن له ولد ولا إخوة، فخالف في ذلك من طريق اللفظ، فعُمِل بذلك من قوله، فهو سالم في ذلك، غير هالك ولا ظالم ولا ضامن.
والعامل بذلك، القابل له، والدائن به، أو العامل به، أو الحاكم به خلاف الحق هو الظالم الهالك الضامن لمن أخذ له ذلك، وهو هالك بقليل ذلك وكثيره، مما يكون له قيمة في الأملاك، إذا حازه على ذلك
دين
وقبول ذلك، والدينونة منه، وقبوله منه على هذا؛ أنه حق وصواب في
الله، فباطل في ذلك
وأما ولايته على هذا على الجهالة، فذلك مما هو واسع، لأن العالم في (3/5)
صفحة 506
هذا سالم في دين لأنه إنما
الله
6
هو
أخطأ خطأ مرفوعا عنه
•
وهذا ومثله هو. خطأ العالم المرفوع عنه الذي جاء به الأثر، أن العالم إن أصاب أجر، وإن أخطأ لم يأثم؛ إذا اجتهد في الصواب وموافقة الصواب وهذا من اجتهاد العالم في الصواب
فصل: وأما إن لم يكن معه علم في هذا الحكم، فاجتهد في ذلك فأخطأ، فهذا ليس بعالم، وهذا جاهل؛ والجاهل كل من دخل في الأحكام أو الفتيا في الإسلام بالرأي والاجتهاد، بغير علم بالأصول في ذلك الوجه، من وجوه الأحكام التي قد دخل فيها
وكذلك لو كان عالما بأن ذلك من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم الوجه فيه، وظن أن ذلك جائز له أن يحكم بما شاء من ذلك، ويفتي بما شاء من ذلك، في الزوج بحكم الزوجة، وفي الأم بحكم الأب، وفي الأب بحكم الأم، أو ظن أن له أن يقول فيها قد جاء في حكم الله في دينه، إذ قد علم ذلك ووعاه، أن يقول برأيه فيما يخالف ذلك، فقال في ذلك برأيه، أو بعمايته أو بجهله، أو باعتماده لمخالفة الحق، ولم يكن ذلك منه خطأ على الوجه الذي ذكرنا، فهو بذلك هالك ظالم، لا يسع قبول ذلك منه، ولا ولايته على ذلك بدين، ولا البراءة ممن برئ منه على ذلك، برأي ولا بدين من العلماء، ولا الوقوف من العلماء، إذا برثوا منه برأي ولا بدين، فافهموا خطأ العالم الذي لا يسع الناس اتباعه فيه، ولا العمل به من قوله، ولا ولايته عليه بجهل ولا بعلم وخطابه الذي لا يسع قبوله منه، ولا العمل به، من قوله بجهل ولا بعلم، وتسع ولايته عليه بجهل ولا يسع ولايته على من علم خطأه في ذلك، حتى يعرف معناه، فإذا عرف معناه وذكره إياه، فأقام على خطئه ذلك، بعد العلم والتذكرة، لم تسع ولايته، وإن قال: إنه إنما قال ذلك بخطأ، على ما وصفنا من ذلك الخطأ، كان في ذلك
، (3/6)
صفحة 507
مصدقا، إذا رجع عن قول الخطأ، وقال بالحق والهدى، والاجماع من قول أهل العدل، أنه ليس عليه في هذا الخطأ ضمان، فيما أتلف بفتياه هذه
وكذلك الحاكم إذا حكم بهذا الخطأ الذي وصفنا، على هذه
،
الصفة، فليس عليه هلكة ولا ضمان، والقول في الحكم في هذا، كالقول في العالم، وكل عالم يحكم من كتاب الله - تبارك وتعالى ـ، وسنة رسول الله، أو إجماع المسلمين، أو شيء مما أشبه ذلك من الدين علم بذلك، وأراد القول به على وجهه وأصله، فأخطأ، فقال بغير ذلك من خطأ لسانه، فيما يلقيه الشيطان على لسانه، فليس ذلك من الخطأ المهلك له، ولا يلزمه في ذلك ضمان ولا تبعة، ولا معصية في ذلك، إذا عرف ذلك أنه قد أخطأ فيه. ولو لم يعرف ذلك حتى مات ما كان عليه في ذلك ذنب، ولا تبعة
ولا ضمان
،
6
وكذلك الحاكم، فهو بمنزلة هذا العالم، إذا أراد الحق الذي هو يعرفه، وعالم به، فأخطأ بغيره من الخطأ في الأحكام، فهو مرفوع عنه، ولو كان ذلك المفتي أو الحاكم من غير العلماء؛ في فنون العلم وأصول الدين، إلا أنه قد عرف ذلك الشيء بعينه، من أي وجه كان ذلك الصواب، الذي
به
قد عرفه من أصول الدين أو الرأي، فأراد ذلك فأخطأ بغيره، مما أخطأ لسانه، وهذا من الخطأ الذي قال النبي إنه مغفور لأمته في قوله صلى الله عليه وسلم: عفي لأمتي الخطأ والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما حدثوا به أنفسهم.
فتيا.
فكل خطأ في القول، أراد العبد غيره فأخطأ به، في طلاق أو عتاق أو، أو قول بكفر أو شرك أو نفاق، فكل ما أخطأ بغير ما أراد من القول؛
فهو مغفور له، وغير مسئول عنه، وإذا عرف كان عليه إظهار ذلك، إن كان قد أثبت بذلك حكما، أو ارتكب أخذ بذلك إنما، فعليه أن يعرف ذلك، إن قدر على ذلك، ولو كان ذلك المفتي وذلك الحاكم، لم يعرف من دين الله غير
- V- (3/7)
صفحة 508
مما
ما يلزمه في ذات نفسه، إلا تلك المسألة بعينها، فقال بها فأخطأ بغيرها، مخالف لدين الله - تبارك وتعالى -، كان خطؤه في ذلك بمنزلة خطأ هو ابن عباس، فيما له فيه الخطأ، وبمنزلة خطأ أبي الشعثاء جابر بن زيد - رحمه الله - في الفتيا، وله من العذر في ذلك ما لهما، وعليه من الحق ما عليهما وعليهما ما عليه في هذا
6
وإذا تعمد الحاكم أو المفتي إلى الحكم أو القول في نفس الكلمة، وإليها، أن نفس
قصد على أنها صواب معه، فيما ألقى الشيطان على لسانه، وكان معه الكلمة، التي قال بها أو حكم بها هي الحق فيما قد عرف، من وساوس الشيطان، أو أخذ ذلك عن أحد من أهل الأديان، أو كانت تلك معه زلة من خطأ مخطئ قد أخطأ، على سبيل ذلك الخطأ الذي وصفنا، فحكم بذلك أو أفتى به، فلا عذر له في ذلك بجهل ولا علم ولا خطأ، فيما يتوهم ويظن ولا فيهما قد حفظ وعرف من الخطأ والفتن، وهو بذلك ظالم آثم.
6
فإن كان أفتى بذلك رواية عن غيره ممن قد عرف عنه، فقبل ذلك من روايته، فلا ضمان عليه في ذلك في الفتيا، وأما في الحكم إذا حكم به، فعليه الضمان في ذلك، لأنه أتلف مالا، بذلك الخطأ المخالف للدين، وليس له أن يحكم بخلاف الحق.
فصل: وأما المفتي فقد قيل فيه باختلاف:
فقال
من قال: عليه إذا أخطأ في الدين، ولم يتعمد لإتلاف المال
التوبة، ولا ضمان عليه، والضمان على من ركب ذلك
عليه
وقال من قال: عليه الضمان إذا أحل حراما، أو حرم حلالا مجمعا
- A- (3/8)
صفحة 509
وأما الحاكم؛ فإذا خالف الحق المجمع عليه، فهو ضامن، ولا يسعه ذلك معنا، وليس الجبر على الأمر، كالقول على غير الجبر، وإنما المستفتى مخير في أن يقبل أو يدع، ولم يكن له أن يقبل الباطل، ولا يجبره المفتي له على قبول
6
الباطل، فهو الذي قبل الباطل، وعليه الخروج عن الباطل الذي قبله والخروج مما دخل فيه، وليس ذلك على القائل المجبر في قوله؛ القائل
لحجته عن.
والفاعل والحاكم إذا حكم، فإنما الحكم فيه حتما على من حكم عليه، وقطعا خصمه، وليس ذلك عن رأي المحكوم عليه، ولا يسع ذلك أيضا المحكوم له، إذا عرف الأصل الذي به حكم له الحاكم من الباطل، فهو هالك ظالم ضامن، والحاكم هالك ظالم ضامن، والخيار للمحكوم عليه في ذلك في المتلف، لماله والآخذ له، ومن أيهما شاء أخذ ماله الذي أتلف من
يده
والحاكم الأول إذا أخطأ الخطأ الذي رفع عنه، وأجبر على ذلك بالخطأ، وأتلف به مالا، ولم يدرك ذلك المال، فلا يضيع المال في أحكام الإسلام، ويكون خطأ ذلك الحاكم في بيت مال الله، وعلى الامام إن صدقه في ذلك، وائتمنه على ذلك، أن يؤدي عنه من بيت مال الله، فإن لم يكن الله بيت مال في ذلك الحين، أو كان قد زال بيت مال الله، لزوال الإسلام، ثم
عرف الحاكم ذلك الخطأ، وقد أجبر الحاكم على ذلك، كان ذلك بمنزلة قتل
الخطأ الذي أراد غيره، فإنّ خطأه لا يتعدى إتلاف المال من الضمان
6
ولا يعقل العواقل ذلك عنه، فيها معنا، ولكن له أن يأخذ من الزكاة في ذلك، ويغرم ولو كان غنيا، فإن لم يقدر على ذلك، فلا يبين لنا تلف مال المحكوم عليه، وإن صح ذلك على المحكوم له، فهو في ماله؛ ولا شيء على
الحاكم وأما العالم فليس معنا بهذه المنزلة، لأن العالم غير جائز على قوله، إلا أن يجبر على قوله، أو يأمر بالجبر على قوله، ويكون مطاعا مع من أمره (3/9)
صفحة 510
بذلك، فيكون حينئذ بمنزلة الحاكم الجابر على حكمه في الوجهين جميعا، وإنما
6
الاختلاف معنا في المفتي إذا لم يأمر بالجبر على قوله، أو يفتي بذلك ويطاع فيه إذا قال ذلك عن نفسه، أو قال إنه عن فلان العالم، وهو قوله؛ أو هو يقول
بذلك، أو هو يأمر بذلك، أو يقول إن ذلك هو الحق أو الدين أو الصواب
وأما إذا قال ذلك أنه مما يروى عن فلان، أو مما قد قاله فلان، أو مما قد جاء في الأثر، أو مما قد وجد في الأثر أو سمع به في الخبر، ولم يحقق ذلك ولم يصوبه، ولا قال إنه يقول به، ولا يأمر به ولا يأخذ به، فليس في ذلك عليه ضمان فيها قد قال، إذا كان كما قال، ولم يكذب في ذلك، ولم يقصد بذلك إلى تحقيق الباطل ليؤخذ به ويدل عليه، لأنه في ذلك صادق كما قال، إذا كان صادقا فيما قال، ولم يصوّب ما قال، وإنما روى رواية هو صادق فيها غير كاذب، وضمان ذلك على من عمل به، ولا نعلم في ذلك اختلافا، أنه ليس عليه في هذا ومثله ضمان
فصل: وإذا قال ذلك أيضا بدين يدين به، وتأويل باطل، فأتلف بذلك مالا أو شيئا من الدماء أو الفروج، ثم تاب من ذلك واستغفر ربه ورجع
إلى الصواب، فليس عليه في ذلك ضمان إذا فعل ذلك بدينونة
•
وإنما الضمان عليه، فيها قد قيل في الاختلاف، إذا قال ذلك على تحري الصواب، بغير قصد إلى دينونة بذلك بتأويل ضلال، فأخطأ الخطأ الذي لا يعذر فيه، على نحو ما وصفنا، وكذب في ذلك وأخطأ في قوله، فقد قال من قال: عليه التوبة ولا ضمان عليه، وقد مضى القول في ذلك والحجة
وقال من قال: عليه الضمان على ما وصفنا، وقد مضى القول فيه
وقول من لا يرى عليه الضمان معنا أصح في الأحكام.
-1 - (3/10)
صفحة 511
وقول من يرى عليه الضمان أحوط له
وأما الهلاك في الاثم فالاختلاف فيه معنا، أنه إذا أخطأ الخطأ الذي لا يعذر فيه أنه أثم ظالم مالك بذلك، إذا أحل ما ترام بالإجماع، أو حرم
ما هو حلال بالإجماع.
ثم
فصل: وإذا قال ذلك بدين أو تأويل ضلال، فأتلف بذلك مالا أو دما، بقوله ودينه ذلك، ثم أراد التوبة وقد تلف ذلك، فلا ضمان عليه في ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا، في قول أهل العدل، وكذلك الحاكم إذا حكم في ذلك بدين وتأويل ضلال برأي يدين به،؛ تاب ورجع فلا ضمان عليه في ذلك، فإن أدرك المال بعينه، أو أدرك من هو في يده وكان ممن يحرم ذلك فيما يدين بتحريمه، فهو ضامن لذلك إذا صح ماله، ولو تلف المال، وأما إذا كان يدين باستحلال ذلك أيضا، فإذا تلف فلا ضمان عليه في ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا.
،
عليه في
وإذا أفتى المفتي بشيء من الصواب، على قصد منه للصواب، فوافق الصواب في الدين أو الرأي، فقد وافق الصواب ووفقه الله، ولا إثم عليه ولا تبعة، إذا كان ذلك على ما يبين له من صواب ذلك في الوقت، بعلم ذلك من وجه من الوجوه، أو بيان ذلك له من وجه من الوجوه
وإذا أفتى بشيء من الصواب؛ على قصد منه للخطأ والباطل، فوافق الصواب، فهو هالك آثم في نيته التي قصد بها إلى ذلك، ولا غرم عليه
ولا تبعة، وعليه التوبة من إرادته.
وإن أفتى بشيء من الصواب على القصد منه إلى ما أفتى به، ولا يعلم أذلك صواب أم لا؛ فإن قصد إلى ذلك على أنه باطل، أو أنه لا يبالي؛ قال الباطل أو الحق أو الكذب أو الصدق، فهو آثم بنيته وإرادته، ولا تبعة عليه
-11 - (3/11)
صفحة 512
ذلك
وإن أفتى بشيء من الحق، وهو يقصد إلى غيره من الحق، فأخطأ بغيره من وجوه الحق التي تجوز، وإنما أراد شيئا غير هذا الذي أفتى به من الحق،
فهذا مصيب في نيته موافق من الحق بغير إرادته، ولا توبة عليه ولا تبعة وإن أفتى بشيء من الحق، وهو لا يقصد إلى باطل، ولا إلى أن ذلك حق، وقد تقدّم له علم ذلك بوجه من الوجوه، بما يبين له مما يحسن في عقله، أو يبين في رأيه ونظره، إلا أنه لا يقصد إلى الباطل، ولا أنه لا يبالي قال الحق أو الباطل، وإنما قال ذلك على نسيان منه، أو هفوة أو غلط، أو أنه لا يقول في جميع الأمور إلا الحق، فقال ذلك على أحد هذه الوجوه، فهذا قد قيل فيه باختلاف؛ إذا قال ذلك على غير غلط ولا نسيان، فقال من قال: عليه التوبة من قصده إلى القول بما لا يعلم ولا إثم عليه غير ذلك ولا تبعة. وقال من قال: قد وافق الحق، وهو على نية الحق في جملته، وقد قال الحق فوافق ذلك في علانيته، فقد أصاب في جملته ما هو دائن به في إرادته، وقد وافق الحق في سريرته وعلانيته. وهذا القول هو أصح القولين.
فصل: وإذا قصد إلى الصواب في الحق فأخطأ بغيره من الباطل ولم يرد ذلك، وإنما أخطأ بغيره، والمراد الحق في نيته، وهو عالم بضد ذلك الباطل من الصواب، من أي الوجوه كان قد علم ذلك، على أي الأحوال المنازل من العلم، إلا أنه قد علم ذلك بأي وجه علمه منه، فهذا مصيب في نيته، موافق لغير إرادته من الباطل، مرفوع عنه خطؤه ذلك في الإثم والحرام والضمان، ولا تبعة عليه في ذلك.
كان
من
وإذا قصد إلى الباطل ومعه أنه صواب، وإلى ذلك قصد بعينه على أنه
صواب:، من أي الوجوه قصد إليه على أنه صواب، وهو يحرم ذلك في دينه
،
- 12 - (3/12)
صفحة 513
ولا يتأول استحلال ما قال في ذلك، وإنما يستحل ضد ذلك ويستصوبه، فهذا هو المخطئ الدائن بالتحريم، وهو هالك في قوله مخالف لنيته وإرادته،
ولا تنفعه نيته إذا خالفها في علانيته، وهذا موضع الاختلاف في ضمانه فصل: وإذا قصد إلى شيء من الباطل، وهو يعلم أنه باطل، فهو هالك بقوله ونيته، وموافق لارادته، والقول فيه إذا قصد إلى إتلاف المال والدم بقوله ونيته، وأطيع في ذلك، وكان ممن يطاع في ذلك، فهو عليه الضمان صاغرا؛ لما أتلف من الأموال والدماء، بذلك الباطل الذي قد قصد إليه، بقوله ونيته، ولا يبين لنا في ذلك اختلاف، إذا كان مطاعا في ذلك الأمر، الذي دل عليه ودعا إليه، وهو قاصد إلى إتلافه، متمرد على الله، أو على دينه بخلافه، فالضمان عليه صاغرا راغما، ولا يبين لنا خلاف
ذلك والله أعلم وإذا قصد إلى الخطأ، وهو يرى أنه صواب، أو إلى الباطل وهو يرى أنه حق، وهو مما يتأول فيه التأويل المخالف للحق، وهو يذهب في أصل ذلك إلى أنه صواب، يصوّبه ويصوّب الأصول التي يشتق منها ذلك، وإنما يذهب ذلك كله أن لو وقف عليه أنه كان يصوّبه، في حين يبطل ضده من الحق
في
6
فإذا كان على هذا، فهذا هو الدائن بالباطل، وهو هالك بذلك، وظالم في حين ذلك، وعليه الخلاص منه، فيما تعبده الله به. وإن قدر عليه قبل التوبة أخذه منه المسلمون صاغرا في حين ذلك، وحين دينونته بالباطل، في قول من يرى ذلك، فإذا حكم به إمام العدل، أو حكام العدل، وجب ذلك، فإن تاب من قبل أن يقدر عليه، أهدر عنه. جميع ذلك، إلا أن. يوجد بعينه في يد من كان يدين بذلك أيضا، أو يكون ذلك قد صار إلى من لا يدين به وأتلفه، فهو ضامن كذلك في ماله، إذا كان ممن يحرّم أصل ذلك في دين المسلمين، والقول في الحكام كالقول في المفتي، في أمر الهلاك والظلم، وأما الضمان
- ir- (3/13)
صفحة 514
فالحاكم أوجب ضمانا فيما يلزمه فيه الضمان، من: مخالفة الحق، وقد مضى في
هذا ما فيه كفاية وقد يخطئ القابل للباطل، ولا يخطئ القائل للباطل، إذا قصد إلى الحق، فأخطأ بالباطل وهو لا يقصد إلى نفس ما قال به، وإنما قصد إلى القول بنفس الحق فأخطأ في القول، فزلت لسانه فقال بالباطل، فقبل. منه الجاهل وصوب ذلك الباطل؛ فهلك القابل ولم يهلك القائل
وقد يسلم الراوي ويهلك القابل والقائل المفتي بالباطل، إذا لم يعلم القائل الراوي أن ذلك باطل، ولا صوبه، ولا قال إنه يقول به، ولا يدين به ولا يراه صوابا، وإنما روى ذلك على ما سمعه ووجده، أو رآه أو أخبر به،
فذلك لا ضمان عليه معنا ولا إثم، لأنه لم يكذب ولم يقل باطلا ولا سلامة من الهلاك لعامل عمل بباطل، قبل ذلك الباطل من قائل مصيب، أو راو. مصيب سالم أو من قائل هالك أو راو كاذب متكلف، فهو أحق بالهلاك ولا سلامة له معنا؛ العامل بالباطل، والدائن بالباطل ولو جهل ذلك، ولو قبل ذلك من عالم أو مائة ألف عالم أو يزيدون.
يروي ذلك بعض عن بعض، ويشهد بذلك بعض لبعض، وبعض على بعض، إلى أن يسندوه إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى أفاضل الصحابة رضوان الله عليهم -، أو إلى حكم الله وحكم كتابه، فلا عذر لذلك القائل؛ الدائن بذلك الباطل، أو المصوّب لذلك الباطل، أو المصدق لذلك الكاذب، أو العامل بتلك المعصية أو لتلك السيئة
فافهموا - رحمكم الله - هذه الأصول، وميزوا هذه الدقائق وهذه الفصول، وهذا يأتي في الفتيا على جميع الأمور، في دين الله ـ تبارك وتعالى ـ وفي جميع الأحكام، وجميع أمور الإسلام، والقول فيه من جميع القائلين، والحكم فيه من جميع الحكام
-12 - (3/14)
صفحة 515
باب
الفرق بين الرفيعة والفتيا والحجج في الدين والفرق في حكم الإيمان والكفر
،
الفتيا في الولاية والبراءة، يقع الحكم فيها مواقع سائر الفتيا في الدين فما كان من الفتيا في أمر الولاية والبراءة، مما لا: يسع جهله، كان جميع المعبرين لذلك حجة على من عبروا له ذلك، وإذا كان ذلك مما يسع جهله ما لم يركبه، أو يتولى راكبه أو يبرأ من العلماء إذا برثوا من راكبه، أو يقف عنهم برأي أو بدين، فلا يكون الحجة في هذا إلا العالم الثقة الأمين، بما قد صح له علمه، وتظاهر له علمه؛ من جميع أصول الولاية والبراءة، ولو لم يكن عالما أصول الولاية والبراءة، فإذا صح له علم في شيء من أصول الولاية والبراءة، وظهر ذلك وصح منه، كان حجة في الفتيا في ذلك الأصل، وذلك الباب من أبواب الولاية والبراءة من جميع ما وصفنا، من أصول الولاية والبراءة، ولو لم يصح له العلم إلا في أصل واحد، وكان أمينا من المسلمين
بجميع
من
فقيها في الدين كان حجة في الفتيا في ذلك الذي قد صح له العلم به، أصول الولاية والبراءة، وليس الحجة في العلم في الفتيا كالحجة في العلم في الرفيعة؛ لأن الرفيعة لا يكون فيها حجة إلا من خصه ذلك بعلم الولاية والبراءة، فإذا كان لا يكون حجة حتى يكون عالما بالولاية والبراءة، فمحال أن يكون عالما بالولاية والبراءة حتى يكون عالما أصولها، والفتيا
بجميع
ليست كذلك؛ لأن كل عالم بشيء من العلم وبفن من العلم، وبأصل من العلم، فهو حجة فيه في الفتيا، لإقامة حجة الله على عباده وفي عباده والولاية والبراءة أصول كثيرة وفنون كثيرة وأبواب كثيرة،
ولعباده
6
- 10 - (3/15)
صفحة 516
ولا يستحق أحد العلم للولاية والبراءة حتى يكون عالما بجميعها، ولا يكون حجة في الولاية والبراءة إلا من كان عالما بها، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا في قول أهل العلم من أهل الاستقامة
فصل: فإن قال قائل: أليس قد قال من قال من العلماء إنه من عرف ما يسع جهله مما لا. جهله، فهو حجة في الرفيعة في الولاية والبراءة، وهو عالم بالولاية والبراءة؟
يسع
قلنا له: نعم؛ هذا من المختصر من الكلام، والخاص من الأحكام، لأنه قد قلنا إنه راجع جميع أصول الولاية والبراءة، إلى أصل ما يسع جهله وأصل ما لا يسع جهله، وأخص من ذلك معنا أنه إذا كان يبصر الولاية والبراءة، وعالما بالولاية والبراءة كان حجة في الرفيعة وحجة في الفتيا، وكان هذا كافيا من الجواب عن قولك، إذا أبصر ما يسع جهله وما لا.
يسع جهله
ولا يحتاج أحد أن يفسر عندك على مذهبك، فوق قوله من أبصر الولاية والبراءة كان حجة في الرفيعة، وجازت رفيعته، ولا يحتاج إلى أن يقول بعلم ما يسع جهله وما لا. يسع جهله، وأنجز من هذا جوابا، وأعلم منه خطابا، أن يقول القائل: من أبصر الجملة وأحكام الجملة، كان عالما بجميع دين بصيرا بالولاية والبراءة، وكان في ذلك صادقا،
الله، وحجة في جميع دين ولجميع أهل القبلة موافقا، في جميع أديانهم ومذاهبهم وآرائهم.
كذلك قول من قال: من أبصر ما يسع جهله وما لا يسع جهله، كان عالما بالولاية والبراءة، لأن الولاية والبراءة كلها راجعة إلى أصل ما يسع جهله، وأصل ما لا يسع جهله، كما كانت الولاية والبراءة كلها ولاية وبراءة كافية في المعنى، أن يقال بما يسع جهله وما لا يسع جهله منها، وكما كانت الولاية والبراءة وجميع دين الله من الصلاة والزكاة والحج والصيام، وجميع
-11 - (3/16)
صفحة 517
أحكام الإسلام، كافيا في المعنى في جميع ذلك الاقرار بالجملة، فيما يكتفى
به، وكانت الجملة جامعة لجميع دين الله
كذلك قول القائل: من أبصر من الولاية والبراءة حكم الخاص والعام، فقد أبصر الولاية والبراءة؛ كان بذلك صادقا، لأنه لا يخرج جميع الأحكام من الخاص والعام في أمر الولاية والبراءة.
كذلك
من قال: من أبصر أهل الحقيقة والشريطة والظاهر من الولاية
والبراءة؛ فقد أبصر الولاية والبراءة، وكان ذلك كافيا عن ذكر أصول الولاية
والبراءة في حكم الخاص من ذلك
وأنجز من ذلك جوابا أن يقول: العالم حجة في الفتيا وفي الرفيعة، ولا يذكر سوى ذلك من تفسير، فقد قال أهل العلم إن العالم بجميع الأشياء عالم، وأنه يسمى عالم بذلك الذي هو عالم به، وقد اكتفى من عقل أنه لم يرد القائل: العالم حجة، إلا أن هذا العالم عالم بجميع ما يكون به حجة الله في خاص ذلك الأمر، الذي كان فيه حجة، وفي عام الأمور التي هو فيها حجة، والكلام في هذا يتسع من
الألفاظ الخاصة والعامة
فصل: فلا يجوز عندنا أن تكون الولاية بالرفيعة إلا من العلماء بالولاية والبراءة، ولا يكون العلماء بالولاية والبراءة إلا من علم أحكام أصول
الولاية والبراءة، ووقف على خاص ذلك وعامه، من جميع أصول الولاية
والبراءة، ثم هنالك يكون حجة في الرفيعة لمن رفع إليه، وعلى من رفع إليه
،
فالحجة للمرفوع إليه الولاية أن يتولى بقول الواحد من علماء المسلمين بأحكام أصول الولاية والبراءة، والمرفوع إليه ذلك، فخير إن شاء تولى المرفوع إليه ولايته والرافع، وإن شاء تولى الرافع، ووقف عن ولاية المرفوع ولايته، الواحد حجة للمرفوع إليه، أن يتولى بقوله وولايته إن شاء، وليس بحجة في
- IV- (3/17)
صفحة 518
الإجماع عليه أن يتولى بولايته فإذا تولى الاثنان من علماء المسلمين بأصول الولاية والبراءة، كانا حجة على من رفعا إليه ذلك، وكان عليه أن يتولى من رفعا إليه ذلك، وكان عليه أن يتولى من رفعا ولايته، ولا نعلم في ذلك
اختلافا
فصل: وسواء كان المرفوع ولايته حاضرا أو غائبا، أو حيا أو ميتا،
،
متقدما أو مستأخرا، فذلك كله سواء، ولم نعلم في ذلك فرقا ولا اختلافا. حتى يعلم كذب ما قاله الرافعون، وشهد به الشاهدون؛ من أهل العلم والبصر بالولاية والبراءة.
يبصر
6
ولا تجوز الولاية إلا بالبصر للولاية والبراءة، ولا يتولى الانسان برأيه وبصره؛ حتى يكون بصيرا بالولاية والبراءة، كما لا يجوز له أن يتولى إلا بولاية من يبصر الولاية والبراءة، كما أن الحاكم لا يجيز شهادة الشهود إلا أن يكون. العدالة، أو يسأل المعدلين، إن لم يكن يبصر) العدالة ولا يجيز شهادة الشهود وعدلهم إلا ببصر منه، أو يبصر من يبصر العدالة، كذلك لا يتولى الانسان ببصره إلا أن يكون ممن يبصر الولاية والبراءة، ولا فرق في ذلك معنا، فيمن يتولى برأيه وبصره، أو يرفع ولاية غيره ويتولى غيره ببصره. ومن لم يجز أن يتولى ببصره في الرفيعة، لم يجز أن يعتقد هو الولاية، إلا بالمعرفة منه التي تجوّز لغيره أن يتولى بها من قوله، أو برفيعة ممن يبصر الولاية والبراءة، أو بشهرة فضل واستقامة، وظهور عدل لا شك فيه، أنه على سبيل الحق والسلامة ممن تقدم أمره أو استأخر، فهذا سبيل الولاية بالرفيعة معنا من أحكام الظاهر في الولاية.
وإذا رفع العالم من العلماء بالولاية والبراءة، ولا ية رجل أو امرأة باسمه وعينه أو بصفته، بما يستدل عليه كان ذلك حجة لمن تولاه بقوله، من عالم من علماء المسلمين، أو ضعيف من ضعفاء المسلمين، والولاية بالرفيعة ممن هو
- 14 - (3/18)
صفحة 519
حجة للرفيعة، جائزة للعالم والضعيف، وحجة للعالم والضعيف، ما لم يعلم العالم أو الضعيف كذب ما قال الرافع، في ولايته أو باطله، إذا كان العالم بأصول الولاية والبراءة، من أهل الاستقامة من المسلمين في حكم الظاهر، وليس على الناس علم ما غاب عنهم من أحكام السرائر.
6
فصل: وكذلك إذا رفع اثنان، من علماء المسلمين بالولاية والبراءة ولاية رجل أو امرأة على هذا السبيل، كانا حجة على من رفعا إليه ولاية ذلك الإنسان، ولا اختيار له في ذلك، إذا علم بمنزلة ما يكونان فيه حجة من الفضل والعلم والاستقامة، ولو لم يعلم أنهما حجة إذا جهل الحجة بمعرفة الحجة، وبما يكونان به حجة، لأنه لا يسع جهل الحجة من علم الحجة أو جهل الحجة، إذا قامت عليه الحجة بمعرفة الحجة، وبما يكون به حجة، وأنه نازل بمنزلة الحجة بما يكون به حجة، ولو جهل هو في علمه منه معرفة لزوم الحجة، وما يكون حجة، والولاية بالرفيعة من علماء المسلمين بالواحد جائزة، وحجة لمن تولى بقوله، ولا يكون ذلك عليه حجة ينقطع بها عذره، وهو مخير، فإذا قامت عليه الحجة بالاثنين من علماء المسلمين، كانا حجة عليه ولزمته الحجة، ولم يكن له أن يجهل الحجة ولا يخالف الحجة، ولا يضيع ما قد لزمه بقيام الحجة، وكل هذه الولاية بالواحد من العلماء وبالاثنين من العلماء، إنما هو بتصديق الواحد، وبالتزام الحجة بالاثنين
كما قامت الحجة على الحاكم بقبول شهادة الشاهدين في الأحكام، ولو كانا فيما شهدا عليه من شهادتهما تلك عند الله من الكاذبين، والله في دينه من المحاربين، فعلى الحاكم أن يقبل شهادتهما ويحكم بها لمن شهدا عليه، وهو بذلك عند الله من السالمين والمسلمين، ولو كانا هما بشهادتهما تلك عند الله من الظالمين، وليس للحاكم وإن كان عليه قبول شهادتهما والحكم بها أن يشهد على المشهود عليه، بمثل ما شهد عليه الشاهدان، ولا يعتقد صدق ما قاله
- 19 - (3/19)
صفحة 520
الشاهدان على المشهود عليه، من الظلم والجحود، ولا للمشهود له من
ذلك
،
الصدق في ادعائه على المدعى عليه، بل ليس للحاكم من جميع ولا عليه إلا أن يلتزم ما قد لزمه من قبول الشهادة، والحكم الله بذلك في عباده، ولا يتعاطى غير ذلك، فإن تعاطى غير ذلك من الشهادة للشاهدين بالصدق والمشهود عليه بحقيقة الكذب والظلم، كان بذلك الحاكم من الشاهدين بالزور والحاكمين بالجواز، ولا نعلم في ذلك اختلافا
6
فصل: وإن رد الحاكم شهادة الحجة من العدول بعد قيامها، لموضع ما قد غاب عنه، من صدقها وكذبها، واحتمل عنده من ذلك بالحق، كان بذلك للحق من المعطلين، وكان بذلك عند الله في دينه من المبطلين، ولو كان الشاهدان عند الله في سريرتهما قد شهدا باطلا وكذبا، فلا يجوز للحاكم أن يترك الحجة بعد قيامها عليه، ولا يشهد بمثل ما شهدت به الحجة على المشهود عليه، ولا يعتقد صدق الشهود ولا حقيقة ذلك، وإنما تقبل الحجة إذ هي في
دين
الله حجة.
كذلك على الحاكم أن يقبل تعديل المعدل، إذا كان العدالة
يبصر
،
وقت إقامته للتعديل، وجعله معدلا في أحكامه، فعليه أن يقبل تعديله، ولو
كان المعدل قد خان الله في سريرته، يرفع عدالة الخائنين عنده والكاذبين في
دين
6
الله، فعليه أن يقبل ذلك من المعدل، ما لم يعلم كذب قوله وباطله وليس له أن يشهد له ولا يعتقد تصديق المعدل، فيما رفع إليه من عدالة الشهود، ولو كان المعدل في ذلك عند الله من الصادقين، وكان الحاكم في اعتقاد صدقه في ذلك عند الله من الفاسقين، وإنما عليه أن يقبل الحجة، ويرد ما ليس هو بحجة، إذ هو في دين الله حجة، وليس حجة إذا لم يكن في دين
الله حجة
فصل: وكذلك الولاية برفيعة الواحد، إنما هو قبول التصديق، (3/20)
صفحة 521
لا على حقيقة الصدق من الرافعين، ولا على المرفوع ولايته بالواحد من علماء المسلمين، والتزام الحجة بالاثنين من علماء المسلمين، إذا رفعا ذلك وشهدا، والقيام به من غير أن يشهد بما شهدا به، ولا يعتقد صدق ما رفعاه أنه كذلك، ولو كانا عند الله من الصادقين في قولها، فليس له أن يشهد بصدقهما، ولا يعتقد ذلك، لأن ذلك من التقليد لهما، ولا يجوز التقليد في
الدين.
فصل: وكذلك التصديق للواحد بمنزلة الحجة من الإثنين، لا يجوز تكذيب الواحد ولا تصديقه، وإنما يجوز تصديقه على الأمانة، لما جاء أنه حجة لمن صدقه، كما كان المعدل حجة لمن صدقه من الحكام في إنفاذ الأحكام
لتعديله.
كذلك الولاية بالرفيعة من الواحد، ولا نعلم أن أحدا قال إن الولاية لا تجوز بالواحد، وإنما تجوز بالاثنين من علماء المسلمين، وإنما قيل بالاختلاف في الحجة بقول الواحد، أنه حجة في الولاية، وأنه يلزم تصديقه والولاية بقوله، لأن الحق في الولاية لله - تبارك وتعالى ـ، ولأن ولاية الرفيعة بالواحد تقع موقع الرفيعة من الاثنين، لأنه إنما هو يقبل قول الرافعين، ولا يتعدى قول الرافعين، كما قد كان الحاكم الواحد حجة في دين الله، إذا كان قد نزل بمنزلة الحاكم، وكان الحاكم حجة على الرعية بمعونته على ما هو حجة، وتصديقه فيها هو حجة على غيره ولغيره، كما جاء الأثر أن المعدل الواحد حجة في رفع العدالة، إذا كان قد جعل معدلا لذلك الحاكم، وعليه إذا كان هو الذي جعله معدلا أو جعله له معدلا، ممن يبصر ا العدالة من العلماء من المسلمين، بأمر ذلك الحاكم، كذلك العالم إذا نزل بمنزلة الحجة في الولاية والبراءة، كان حجة في رفع الولاية، كما كان حجة على غيره في الفتيا في دينه، إذا قال ما هو في أصل دين الله حق، وموافق الأصل دين من قول
الله
- 21 - (3/21)
صفحة 522
جهله يسع
الحق في الدين، فهو حجة في ذلك فيما يسع جهله وفيها لا. كذلك الولاية بالواحد، وكما كان قول الواحد من الثقاة في الأهلة في شهر رمضان، وما يلزم في الحقوق في ذلك يقوم بالواحد، ويكون حجة، كذلك الولاية، قد قال من قال: إنها تقوم بها الحجة على المرفوع إليه بقول الواحد من علماء المسلمين، وليس له أن يلوي عنقه عن الحجة، وعليه أن يتولى المرفوع ولايته بقول الواحد، للعلل التي ذكرناها، وأكثر من هذا من العلل فيها تقوم به الحجة من حقوق الله بالواحد، فالولاية أولى أن تقوم بها الحجة بالواحد
وقد قال من قال: هو مخير في رفع الواحد، وعليه أن يتولى الرافع من علماء المسلمين، وليس له ترك ولاية الرافع من علماء المسلمين، من أجل ولايته لمن تولاه، وإن وقف عنه فيلزمه ولاية الرافع، فإن لم يتول الرافع من أجل ولايته المرفوع ولايته، هلك بذلك، إذا وقف عنه برأي أو بدين من أجل ولايته لمن تولاه، إلا أن يعلم أنه تولاه بغير حق، فإن لم يعلم ذلك ثم ترك ولايته من أجل ولايته لهذا، كان هالكا، وإن وقف عن المرفوع ولايته وتولى الرافع من علماء المسلمين، فقد أجاز له ذلك من أجاز من المسلمين، ما لم تقم عليه الحجة بالإثنين، فإذا قامت عليه الحجة بالاثنين لزمه بذلك
الحجة
وقال من قال: إن سأل العالم عن ولاية المرفوع ولايته، فرفع إليه ولايته، كان ذلك عليه حجة، وإن رفع إليه ولايته من غير أن يسأله كان له الخيار في ذلك، كما كان الحاكم إذا سأل المعدل عن تعديل الشاهد، فرفع إليه عدالته، لزمته الحجة بذلك، وإذا رفع المعدل تعديل الشاهد من غير أن يسأله الحاكم، كان له الخيار في ذلك وفي قبوله، كذلك السائل إذا سأل العالم
- 22 - (3/22)
صفحة 523
عن ولاية المرفوع ولايته، فرفع إليه ولايته، كان عليه حجة، وإن لم يسأله كان مخيرا في ذلك، فإن تولاه وسعه ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وإن لم يتوله وتولى العالم وسعه ذلك في بعض القول، ولا يسعه ذلك في بعض القول، إلا أن يتولى المرفوع ولايته إذا سأل عنه
فصل: وقال من قال: هو مخير في ذلك في قول الواحد، سأل العالم أو لم يسأله فهو مخير في ذلك، وليس له على كل حال ترك ولاية العالم المحق من أجل ولايته لمن تولاه، سأله عن ذلك أو لم يسأله، وعليه ولاية العالم المحق على كل حال
وصفنا
وقال من قال: لا تقوم عليه الحجة إلا بقول الاثنين من العلماء، سألهما أو لم يسألهما، فإذا قام عليه الإثنان من علماء المسلمين بالولاية الراءة في الرفيعة بولاية رجل أو امرأة بعينه، كان ذلك عليه حجة، وكان عليه قبول ذلك كما، من غير اعتقاد صدق ذلك للمرفوع ولايته، ولا صدق الرافعين لذلك، ولكن لقبول الحجة، ولو كان الرافعون للولاية كاذبين في ذلك، خائنين الله في دينه في ذلك، فالاثنان حجة على من قاما عليه، والواحد حجة لمن صدقه في ذلك، وقبل ذلك منه، ولا نعلم في ذلك اختلافا في قول أهل
العلم.
ولو رفع عالم من علماء المسلمين من البصراء بالولاية والبراءة ولاية من علم الله شقاءه، وأوجب علم شقائه على من علم ذلك منه في كتاب الله تبارك وتعالى -، أو على لسان رسول الله له ولزم فيه بعض المسلمين براءة الحقيقة بالقطع، فرفع هذا العالم ولايته خائنا الله ولرسوله ولدينه، إلى من لا يعرف ذلك من المسلمين، فتولاه بذلك على تصديق الحجة له في ذلك، لكان المتولي لذلك المرفوع ولايته في ذلك من المسلمين والسالمين، وكان الرافع لولايته من العلماء من الهالكين والظالمين، ولا يضر ذلك من صدق الحجة في
- 23 - (3/23)
صفحة 524
من
موضع ما يكون حجة، ولو كانت الحجة كاذبة عند الله في سريرتها، كذلك لو تولاه اثنان علماء المسلمين في حكم الظاهر، العلماء بالولاية والبراءة لكانا حجة على من قاما عليه بذلك في حكم الظاهر، وكان عليه ولايته وولايتهما على ذلك، وكان سالما بذلك، ولو ترك ولاية المحق الواحد العالم بذلك من أجل ولايته لهذا الذي في علم الله أنه ظالم، ولم يعلم ذلك المرفوع إليه، كان بذلك عند الله من الهالكين في دينه، وعذبه الله على ذلك بنار جهنم، إذا ترك ما هو عليه حجة لموضع ما ليس له حجة؛ ولو كان هذا العالم قد تولاه ورفع ولاية أبي جهل عمرو بن هشام أو نمرود بن كنعان أو فرعون وقارون وهامان ولا نعلم المسلم المرفوع إليه ولا يتهم؛ ما هم وما منزلتهم في الأحكام عند الله وعند رسوله وأهل دينه، كان بولايتهم بالرفيعة سالما، وكان بترك ولاية المحق العالم، من أجل ولايتهم بغير علم ظالما، لأنه لا يجوز له أن يترك ما ألزمه الله من ولاية المحق العالم؛ من أجل ولايته لجميع من تولاه باسمه وعينه، إلا أن يعلم أنه تولى أحدا بغير الحق، وإلا فهو لازم له ولاية المحق
العالم.
،
وكذلك إذا قام عليه الاثنان بولاية أحد من هؤلاء وأمثالهم أو غيرهم،
أحد
من
ممن لم تصح شقوته في الكتاب، إلا أنه قد استحق العداوة مع المسلمين في الدين في حكم الظاهر، من الأئمة أو غير الأئمة، ممن لم يصح مع هذا المرفوع إليه ولايته، ما قد نزل به من منزلة الضلال والكفر والشقاء في حكم الحقيقة، ولا الكفر في حكم الظاهر، فعليه أن يلتزم ولاية العالمين، وولاية المرفوع ولايته بحكم التصديق، وقبول الحجة، فإن ترك ولاية المحقين العالمين وترك ما يلزمه من التزام الحجة بولاية المرفوع ولايته، كان بذلك من الهالكين، ولا يسأله الله عن ولاية أبي جهل عمرو بن هشام ولا نمرود بن كنعان، ولا قارون وفرعون وهامان، إذا لم يعلم كذب ما قاله العالمان، ولا حقيقة ما نطق به القرآن في هؤلاء الذين صح شقاؤهم في
- YE- (3/24)
صفحة 525
القرآن، ولا شهد بصدق ما قاله العالمان، وإنما التزم ولاية من لزمته ولايته بالحجة بقول العالمين، إذا كان العالمان حجة في حكم دين الله في الدين، ولو شهد بصدق ما قالاه، وكان ممن رفعا ولايته ذا القرنين وامرأة فرعون ومريم ابنة عمران، وموسى بن عمران وعيسى ابن مريم - صلوات الله على أنبيائه -، ولم يعلم صدق ما قالاه إلا من طريق قولهما، فشهد بصدق قولها، وقد وافقا في ذلك تصديق القرآن، وولاية من ثبتت ولايته في القرآن؛ لكان بذلك من الهالكين، إذ شهد بغير علم وقال بغير علم، ولو ترك ولاية فرعون وهامان ونمرود بن كنعان وأبي جهل عمرو بن هشام لموضع، إذ غاب عنه صدق العالمين من كذبها، ولم يأمن أن يكونا قد قالا ورفعا مما هما فيه كاذبان، لكان بذلك قد ترك ما يجب عليه، وترك الحجة في الدين، وكان بذلك من
الهالكين.
كذلك لو رفع العالم من علماء المسلمين، البصر بأصول الولاية والبراءة، ولاية أحد من المحدثين الذين قد صح حدثهم مع أحد من المسلمين، وصح مع أحد من المسلمين خلافه في الدين من الأئمة السالفين، مثل نافع بن الأزرق ونجدة وعطية، وأئمة الخوارج الفاسقين المبتدعين، فرفع أحد من علماء المسلمين ولاية أحد من هؤلاء؛ خائنا الله في دينه إلى من لا يعرف ذلك منهم، ولا نعلم أن الرافع خائنا الله في دينه فتولاهم المرفوع إليه ولايتهم، كان بذلك سالما في الدين، أو لم يكن له أن يشهد بصدق ما قاله الرافع من علماء المسلمين، ولكن بصدق الحجة في الدين، ولو كانت الحجة
الخائنين.
في دين الله من كذلك لو رفع ولاية أحد من هؤلاء؛ اثنان من علماء المسلمين العلماء بأصول الولاية والبراءة، ولم نعلم من رفعوا ذلك إليه كذب ما قالوه من صدقهم، كان عليه ولاية المرفوع ولايته، وكانا عليه حجة وله حجة،
- Yo- (3/25)
صفحة 526
ولا يجوز له أن يشهد بما شهدت به الحجة ولا يشهد بصدق الحجة، ولا يرد الحجة، ولا يضيع ما قامت به عليه الحجة، وما لزمه من الولاية بقيام
الحجة.
فصل: كذلك لو رفعا ولاية عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبد الله، والزبير بن العوام، ومعاوية بن أبي سفيان، والقول في ذلك واحد، والأمر في ذلك واحد.، من الواحد والاثنين والتصديق والشهادة، وقبول الحجة ولزوم الحجة ممن هي لازمة منه وفيه، ولا يختلف
6
،
القول في هذا ولا الحكم فيه، والمرفوع إليه الولاية، مخير في قول الواحد. ويلزمه قبول قول الاثنين من علماء المسلمين البصراء بالولاية والبراءة. والحجة له في ذلك وعليه ما ظهر من الرافعين، وعلمهم في حكم الدين ولو كانوا عند الله في أحكام السريرة من الكاذبين، والله في دينه من الخائنين، وعليه وله أن يتولى بالحجة جميع من رفع إليه ولايته، وقامت عليه الحجة بولايته، ولو كان الرافع إليه في سريرته زنديقا خائنا الله، بغير أن يظهر منه في ظاهر الأمر عنده، ما يكون حجة به في حكم الظاهر من العلم والاستقامة
،
ولو كان المرفوع ولايته أيضا من الزنادقة وعبدة الأوثان والأصنام والنيران، وهو لا يعلم ذلك ولا يدري ما هو، فإن الحجة له في قبول الولاية في هذا، والحجة عليه في قبول ذلك من الإثنين في هذا، فإن ضيّع شيئا من ذلك بعد قيام الحجة عليه في حكم الظاهر كان هالكا، لأنه لا يجوز أن يضيع ما لزمه في حكم الظاهر، لما غاب عنه من الأحكام، واحتمل عنده باطلها وحقها، ولا يجوز له أن يضيع حكم الظاهر، ولا شيئا من لازمه، لموضع ما اعتقده من حكم الشريطة، وقد مضى في هذا من القول ما في بعضه كفاية لمن مَنّ الله عليه بالبصر والهداية. فإذا ثبت معه أو عليه ولاية أحد بالرفيعة، من جميع من قد ذكرنا فلن يتحول عن ذلك، ولا يجوز له ترك ما لزمه من ذلك، حتى يصح معه ضد
- 26 - (3/26)
صفحة 527
ما رفعا إليه من ولاية هذا الولي من حكم الحقيقة، فيمن صحت فيه أحكام الحقيقة أو في حكم الظاهر بما لا يشك فيه، وما لم يصح معه صدق ما يثبت له وعليه من ولاية وليه، فكل هذا من برئ من وليه هذا الذي قد صحت معه ولايته بحكم الحق، فإنه مباح له البراءة، ممن برئ من وليه هذا، من بعد أن يعلم المتبرئ من وليه أنه يتولاه، ولا يعلم أنه تولاه بغير الحق، واحتمل ولايته بوجه من وجوه الحق، وهذا مما قد أكدنا فيه وبينا فيه، أنه يحتمل فيه
،
بالولاية بالحق، ويلزم فيه الولاية بالحق، ويكون المتولي بالرفيعة سالما والرافع للولاية في هذا خائنا الله في دينه ظالما، وعليه أن يتولى الرافع والمرفوع ولايته،، وهو سالم مسلم ما لم يعلم ويصح معه كذب ما قاله الرافع بوجه لا يجوز، ولا يكون له مخرج في الدين من الهلكة، ثم هنالك يبرأ من الرافع بالحق، ويبرأ من المرفوع ولايته بالحق، وإلا فكل من برئ من وليه هذا ولو برئ منه مائة ألف فقيه من علماء المسلمين أو يزيدون من غير أن يوضحوا عليه حجة، يقطعوا به عذره في ولاية وليه، وهو مباح له أن يبرأ من هؤلاء الفقهاء، لبراءتهم من هؤلاء الأعداء الذين قد وجبت عليهم عند الله في حكم دينه عداوتهم والبراءة منهم، إذا لم يعلموا أن هذا المتولي قد تولى هذا العدو الذي وصفناه بغير حق، ولو كان هذا المتولي قد تولى هؤلاء الأعداء أو أحدا منهم بغير حق ولا برفيعة، ولكن خائنا الله في دينه، إلا أنه قد احتمل له هذا الحق الذي وصفناه، ولم يصح مع الفقهاء من المسلمين؛ إن تولاهم بغير حق، فعليهم أن يتوبوا إلى الله من براءتهم عند هذا المتولي لهذا العدو، الذي قد صح في كتاب الله عداوته، ما لم يقيموا عليه الحجة بعداوته، من طريق حكم الحقيقة، أو طريق حكم الظاهر، إذا علموا أنه يتولاه، واحتمل عندهم في ولايته أنه تولاه بحق، في وجه من الوجوه أو معنى من المعاني مما وصفناه، أو غير ذلك إذا احتمل عذره في وجه من الوجوه، أو معنى من المعاني، فالعذر قائم والحجة قائمة لمن أمكن عذره في دين الله في الولاية،
،
- YV- (3/27)
صفحة 528
حتى يعلم أنه تولاه بغير حق، ولا يكون له حجة في الإسلام، ثم هنالك يقطع عذره إن لم يتب ويرجع إلى الحق عن ولاية هذا العدو.
فإن قال قائل: فيجوز ولاية أعداء الله، الذين قد صحت عداوتهم في حكم الحقيقة وحكم الظاهر، عند عامة المسلمين بقول واحد من الجانيين المتمردين على الله في الدين؟
قلنا له: نعم؛ يجوز ولاية العدو بالحجة، كما تجوز عداوة الولي الذي قد صحت ولايته؛ عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في كتاب الله، أو في كتاب من كتب الله، إذا لم يعلم ذلك من علم هذا الولي ما تجب به البراءة من الأحداث، لأن هذه براءة الحكم بالظاهر؛ يلزم من لم يعلم ما صح من حكم ولاية الحقيقة، وهذه ولاية حكم الظاهر؛ يلزم من لم يصح. معه براءة الحقيقة ممن صح فيه ذلك
فصل: ولو كان لا تجوز الولاية بالرفيعة إلا لمن علم المرفوع إليه أنه ولي، ما كان يحتاج إلى رفيعة، وكان علمه أولى به من الرفيعة، ولو كان لا يجوز قبول الولاية إلا لمن علم بالحقيقة أنه ولي؛ إذا ما كان يجوز أبدا رفع الولاية، وما كان الرافع يكون مأمونا أبدا حتى يعلم صدقه هذا، ما لا يذهب إليه أحد من أهل العلم بحال، ولا يحسن هذا المذهب في عقل عاقل، بل الصحيح الذي لا شك فيه؛ أن الولاية بالرفيعة حجة لمن قبلها ولزمته، ولو كان الرافع خائنا في سريرته، وسواء كان خائنا في سريرته في أحد، علم غيره كفره أو علم هو كفره وحده، فهو حجة إن كان حجة أبدا
6
ولو علم هو وجميع الخلائق كفر من رفع ولايته إلا هذا المرفوع إليه الولاية، فلا يكون علم الرافع ولا علم جميع الخلائق حجة على المرفوع إليه ولاية هذا العدو، مع جميع الخلائق، وإذا جاز أن يكون علم جميع الخلائق حجة على من لم يعلم ذلك دون علمه، جاز أن يكون ما علمه بعض الخلائق حجة على
- YA- (3/28)
صفحة 529
جميع
الخلائق، ومتى ثبت هذا ثبت أن الله كلف العباد من التعبد في هذا ما لا يطيقونه، ومتى ثبت هذا بطلت صفة الله أنه حكيم، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، وقامت الحجة ببطلان هذا القول من حجة العقل واكتفى به عن الاكثار.
فصل: ومتى ثبتت الولاية بالرفيعة ثبتت من أهلها الذين هم حجة فيها في حكم الظاهر، ولو كانوا زنادقة في سريرتهم ممن رفعوا ولايته، ولو كان الذي رفعوا ولايته من الزنادقة في سريرته وعلانيته، إلا مع هذا المرفوع إليه ولايته، ما لم يعلم المرفوع إليه الولاية ضد ذلك وكذبه وباطله
فصل: فإن قال قائل: فما بال الفتيا معكم فيما قلتم إنه إذا كان العالم حجة في الفتيا، لم يجز أن يُقبل منه إلا ما كان عند الله حقا في دينه، وما كان عند المسلمين حقا في دينهم، فإن خالف ما هو حق في علم الله ودينه، لم يسع قبول ذلك منه، وكان ذلك القائل هالكا بهلاكه ومبطلا ببطلانه
قلنا له: كذلك استحق عليه في دين الله ألا يقبل من دين الله في أحكام الدين، إلا ما وافق في علم الله الحق في دينه، وما خالف علم الله في الحق في دينه فلن يجوز قبوله، ولا يكون حجة في الفتيا إلا في موافقة الحق، الذي هو في علم الله حق في دينه بعينه
الله، إذا
وكذلك استحق عليه أن يقبل من الحجة الولاية في حكم دين كان حجة في دين الله، وظهر منه ما يكون حجة في دين الله، ولو كان في دين الله هالكا في قيامه بتلك الولاية.
وهكذا تعبده الله في قبول الحجة الظاهرة، ولولا هذا هكذا لفسدت
الأرض، ولكن الله ذو فضل على المؤمنين.
ولو كانت هكذا جميع الحجج التي هي حجج في الدين، لا يسلم من
- 29 - (3/29)
صفحة 530
اتبع الحجة في الدين، حتى تكون الحجة في الدين محقة عند رب العالمين، ما جاز أن يعلم هذا أحد أبدا، وإذاً لبطلت الحجج التي تعبد الله بها عباده، وهلك من اتبع الحجة المبطلة في السريرة، ولا نعلم أن حجة من الحجج؛ إذا نزلت بمنزلة الحجة في حكم الظاهر فاتبعها متبع على ما هي حجة في حكم الظاهر، وكانت حجة مبطلة في حكم السرائر، إلا أصاب المتبع وهلكت الحجة إلا حجة الفتيا، فإنه ولو نزل العالم بمنزلة الحجة التي هي حجة
،
في الفتيا، فيما يسع جهله، وكان علم العلماء في حكم الظاهر، فإنه إنما يكون حجة في الفتيا فيما يوافق الحق عند الله في دينه، وعلم العلماء بدينه في ذلك الذي قاله وأفتى به، ولا يخالف ذلك الذي قاله حكم الكتاب ولا حكم السنة ولا حكم الاجماع، فإذا أفتى العالم؛ كائنا ما كان من العلم والفقه، لشيء خالف فيه حكم الكتاب أو حكم السنة أو حكم الإجماع، وما أشبه ذلك، فالحجة في دين الله ألا يقبل ذلك. وذلك ميثاق الله على عباده؛ ألا يقولوا على الله إلا الحق، ولا تطع كل كفار أثيم، ولا تطع منهم أنما أو كفورا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وهذه معصية الله في حكم دينه، الذي تعبد به عباده، ومعصية الله في حكم دينه الذي تعبد به عباده، تضييع ما وجب في دينه؛ من الحجة في الولاية والبراءة في مواضع الحجة في حكم الظاهر، أو في حكم الحقيقة وفي حكم الشريطة وأن يضيع شيئا من ذلك في موضع لزومه، فإن فعل ذلك كان عاصيا آنها
•
فصل: فإن قال قائل: فإن الولاية والفتيا واحد، لأن الولاية تقوم الحجة بها بالواحد، والفتيا تقوم بها الحجة بواحد، فإذا كان المفتي محقا في الفتيا؛ سلم المفتي والقابل، وإذا كان المفتي مبطلا؛ هلك المفتي والقابل. كذلك إذا كان المتولي محقا وهو حجة في الولاية؛ سلم المتولي بولايته، وإذا كان مبطلا؛ هلك المتولي بولايته، لأنه تقوم الحجة فيه بواحد، فكل ذلك
سواء. (3/30)
صفحة 531
هو
قلنا له: لا تقوم الحجة في الولاية بواحد في الدين ويكون دينا، وإنما
تو على ما يُختلف فيه؛ فإن تولاه وسعه، وإن لم يتوله لم يضق عليه ذلك، إذا تولى من تولاه من العلماء في الدين، والواحد حجة في الفتيا في الدين، إذا أفتى بما لا يسع جهله. وكذلك هو حجة على من قام عليه بذلك في الدين ألا يخالفه في دينه ذلك، ولا قوله ذلك فيما يقول، فيمن تولى مبطلا في سريرته من العلماء المحقين، فعلم بذلك من علم من ولايته لذلك المبطل، وفي علم الله أنه تولى مبطلا، ولم يعلم بذلك من علم منه ذلك. من المسلمين، أيسعه أن يتولاه على ولاية من تولاه، حتى يعلم أنه تولى مبطلا في سريرته، يسعه أن يتولى العالم المحق معه، إذ قد سمعه يتولى هذا الرجل، الذي قد علم الله منه أنه تولاه بغير الحق؟
لا
أو
فإن قال: يجوز أن يتولى العالم الذي قد تولى هذا المبطل في علم الله أنه
يتولاه، مبطلا في ولايته، حتى يعلم أنه تولاه مبطلا
قلنا له: وهو الحق الذي أردناه منك. فما تقول في العالم الذي أفتى في دين الله بما خالف فيه حكم الكتاب أو السنة أو الاجماع، وعلم ذلك منه عالم ضعفاء المسلمين، ولم يعلم فرق ما قاله العالم، ولا أنه مبطل أو محق، أيسعه أن يتولى المفتى بالباطل الذي هو عند الله باطل؟ فإن قال: لا.
من
قلنا له: فقد أقررت أن الفتيا غير الولاية، وأنه محجور عليه ولاية المبطل في الفتيا، ولو لم يعلم باطله الضعيف، وقد أتيحت له ولاية المتولي بالباطل، إذا غاب عنه علم الباطل، فما أنكرت على من قال إنه كما جاز أن يتولاه حتى يعلم باطله في الولاية، أن يتولى بولايته إذا كان حجة حتى يعلم باطل ولايته، والمتولي زعمت حجة في الولاية، والمفتي حجة في الفتيا، فمحجور على الضعيف أن يتولى المفتي بالباطل ولو جهل ذلك، ولم يحجر على
- 31 - (3/31)
صفحة 532
الضعيف أن يتولى المتولي ولو جهل علم ذلك أحق أم باطل. كذلك كان المتولي حجة في رفع الولاية حتى يعلم باطل ما تولاه عليه، فكان المبطل في الفتيا غير حجة في قبول الباطل منه حتى يوافق في علم الله الحق، لأن كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين حجة على المختلفين في أصول الدين، فمن حكمت له الحجة بالحق فهو المحق، ومن حكمت عليه الحجة بالباطل فهو المبطل، وسائر الحجج غير حجة الفتيا، فإذا نزلت الحجة بمنزلة تكون حجة فهي حجة في ظاهر الحكم، ولو كانت مبطلة في السريرة، ومن اتبع الحجة فهو محق ولو بطلت الحجة في السريرة
فصل: وإن قال هذا القائل: فإنه إذا لم يعلم باطل ما قاله المفتي من
ذلك وهو عالم، جاز له أن يتولاه حتى يعلم باطل ما قاله العالم؟ قلنا له: فأين الأثر المجمع عليه من قول المسلمين؛ يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه، ما لم يركبوه أو يتولوا راكبه أو يبرأوا من العلماء إذا برثوا من راكبه أو يقفوا عنهم، أليس قد تولى هذا مبطلا مما يدين بتحريمه أنه باطل؟ فأين يسعه هذا في ولاية الدين في المبطلين؟
وإن قال: لا يكون المفتي والقائل بالباطل مبطلا، فالقول بالباطل حتى
يعلم أنه باطله من الذي قال به.
قيل له: فإذا سمعت من يقول بالباطل ويخالف الحق بالباطل من
الدين، أيبرأ منه ويخطئه أو حتى يعلم أنه يعلم أنه قال باطلا؟
فإن قال: لا أبرأ منه حتى أعلم أنه يعلم أن الذي قال باطل. قلنا له: من أين لك هذه الضلالة كلها، والبدعة كلها، التي لا نعلم أن أحدا من أهل الضلالات قال بها، بل كل من علم من خصمه في دينه
- 32 - (3/32)
صفحة 533
ما يخالفه في دينه؛ كان عليه في قياد قوله ودينه ومذهبه أن يخطئ من خالفه في دينه، وأنه مبطل في دينه، ومن أبطل في دينه فهو ضال في الدين، لا نعلم في هذا اختلافا بين أهل المذاهب، وإلا فلا فرق في الاختلاف بين المختلفين في الدين. وكل خلاف فلا فرق فيه بين المختلفين، إذا كان من خالف في الدين
غير مخطئ
6
6
حتى يعلم أنه عالم أنه مخالف، فهذا إذا علم أنه مخالف بعلم فليس هذا من المتدينين، وهذا من المنتهكين الذين قد خالفوا الدين بعلم
اليقين، وليس هاهنا مخالفة بدين.
فصل: ويقال له: إذا زعمت أنه لا يجوز ذلك؛ أن يُخطئ من خالفك في الدين حتى يعلم أنه عالم أنه مخالف في الدين، أتتولاه وتصوّبه في مخالفة الدين؟ أو تتولاه ولا تصوبه ولا تفارقه ولا تخطئه ويكون عندك لا مخالف ولا موافق؟ ولا مخطئ ولا مصيب؟
6
هذا ما لا نعلمه في قول أحد من المتدينين ولا من المستحلين،
ولا يدعيه أحد من العاقلين
فإن قال: يكون معه لا مصيبا ولا مخطئا، ولا ضالا ولا مهتديا، حتى يعلم أنه عالم أنه مخطئ، فإذا علم أنه عالم أنه مخطئ؛ فحينئذ يخطئه، وإذا لم يعلم أنه مخطئ وإنما أخطأ بجهل، أعلمه أنه مخطئ، فإن قبل منه ذلك وإلا برئ منه حينئذ وخطأه
فصل: قلنا له: أجعلت نفسك أثبت حجة في الدين من حجة رب العالمين، إذ أخذ على عباده الميثاق ألا يقولوا عليه إلا الحق، فقال هذا عليه
الباطل
، فلم يكن من المبطلين عندك، بحجة الله عليه في الدين، وقوله بالباطل على رب العالمين، فلما قمت أنت عليه بالحجة زعمت، كان حينئذ محجوجا؛ إن هذا لهو الضلال البعيد والخلاف الشديد، ولا بد لك إما أن
- 33 - (3/33)
صفحة 534
تثبت ما قلناه من الحجة في ولاية الرفيعة لمن تولى بالرفيعة على وجه الحق، كان الرافع مبطلا في سريرته أو محقا، كاذبا أو صادقا، أو تبطل ولاية الرفيعة التي قد أجمع على إجازتها أهل الدين، واختلف في لزومها بقول الواحد، ولا تجوز مخالفة ذلك بالدين، لأنه ما اختلف فيه فلا يجوز أن يكون دينا. فإما أن تبطل الولاية بالرفيعة من الواحد والاثنين وتنقض هذا الأصل من الولاية، وإما أن ترجع إلى قول العدل والصواب، أن الولاية بالرفيعة إنما هي بحكم الظاهر؛ ولو كان الرافع مبطلا في حكم السرائر.
فصل: فإن قال: إن العالم إذا تولى أحدا من الناس لا يعلم هذا السامع له ولولايته ذلك الرجل، ولا يعلم أن ذلك المتولي محق ولا مبطل، أنه
لا يجوز له ولاية المتولي من أجل ولايته لمن تولاه، ويجوز أن يقف عن المسلمين
(
في ولاية من تولوه، حتى يعلم أنهم تولوه بحق، فقد تعاطى علم الغيب وأبطل حكم الولاية كلها في الظاهر بأسرها، وكان في قياد قوله؛ أنه كلما رأى
من أحد من المسلمين، عملا بطاعة فيما يمكن فيه الحق والباطل، والهدى والضلال، من المغيبات والمعينات، أن تبطل ولايته حتى يعلم أنه يأتي ذلك بحق لا باطل فيه، حتى أنه يقف عمن رآه يصلي ويصوم ويتصدق ويجاهد، حتى يعلم أنه يأتي ذلك خالصا لله - عز وجل -، بلا رياء ولا طلب عرض الحياة، وأنه عند الله صادق من الأولياء، ولا يستقيم هذا أبدا أبدا، إلا على حسب ما وصفنا وذكرنا إن شاء الله
ينصر
معه
ويقال له فما تقول في الحاكم إذا نصب معدلا؟ أو كان بحضرته من
العدالة
من المسلمين الأولياء، فسأل المعدل عن عدالة شاهد، شهد بشهادة في الأحكام والحدود، فرفع إليه المعدل عدالة الشاهد، أيقبل عدالة المعدل؟ أو لا يقبلها حتى يعلم أنه عدله بحق وعدل؟
فصل: فإن قال: لا يقبل عدالته حتى يعلم أنه عدله بحق وعدل
•
- TE- (3/34)
صفحة 535
قيل
: فما كان أحوجه إلى السؤال للمعدل، وهو لا ينفعه السؤال له،
،
ولا يزيد في عمله ولا ينقص، وإنما له وعليه في زعمك أن يعدل بقوله من عدالته، فهذا باطل من القول وخُلف يبصر
•
وإن قال يجوز أن يقبل عدالة الشاهد من المعدل، ويقبل شهادة الشاهد
من المعدل، ويقبل شهادة الشاهد بقول المعدل، وينفذ الأحكام بشهادة
الشاهد،
ويقيم
الحد بذلك
قيل له عند ذلك: أرأيت إن كان المعدل قد خان الله في سريرته، فعدل هذا الشاهد وهو يعلم أنه عند الله في دينه من الزنادقة، أو من عبدة الأوثان والقرامطة، ما القول في الحاكم الذي قبل العدالة وأنفذ الحكم بالشهادة؟
فإن قال: محق حتى يعلم الباطل من المعدل
قيل له: فما الفرق بين الحاكم في قبول العدالة. من المعدل، والمتولي في قبول الولاية من الرافع، فلن يجد إلى الفرق في ذلك أبدا سبيلا، ولا بد أن يقر بهذا الذي قلناه، أو يبطل التعديل، فإن أبطله أبطل ما قد أجمعت الأمة على إجازته، ولن يقدر على هذا أبدا إن شاء الله
فصل: ويقال له: أرأيت الشاهدين إذا شهدا بشهادة عند الحاكم
6
وهو يعلم عدالتهما وفضلهما، فشهدا على ولي من المسلمين بحق لرجل من
6
أهل الذمة أو من المسلمين، فأنكر ذلك الولي أنه ليس عليه ذلك الحق وجحد ذلك جحودا، وشهد عليه بذلك في وجهه وفي حضرة المدعي، وهو ينكر ذلك، ما القول فيه؛ أيجيز شهادة الشاهدين، أو يرد شهادتهما؟
فإن قال: أجيز شهادتهما ولا يقدر أحد على غير هذا
- To- (3/35)
صفحة 536
قلنا له: أرأيت لو كانا شاهدين عليه بالزور والكذب ما كان عندك
الحاكم في ذلك؟ سالما أم ظالما؟
فإن قال: يكون سالما
قلنا له: يكون سالما، وقد قبل شهادة الزور في قولك لأن الشاهدين شهدا زورا، وعلى قياد قولك إن الحجة إنما تكون حجة لمن اتبعها، إذا كانت في حكم السريرة حجة في الولاية، فمثله في العدالة ومثله في الشهادة، ومثله في الحكم، إذا حكم الحاكم العدل للخصم، بحكم لا يعلم ما الوجه فيه، وكيف حكم له وعليه، فلا يكون معك حجة أبدا، حجة لمن اتبعها إلا أن يكون حجة في السريرة عند الله ومعنا في حكم دين الله، ولا نعلم في ذلك اختلافا في دين الله، أن كل حجة تثبت في الإسلام من الحجج التي تجري مجراها على وجه وجه الشهادة والأحكام، واتباع الأمناء من أهل الإسلام، فإن كل حجة تثبت في الحق، وكان حكم الظاهر منها حقا وعدلا، وكانت حجة على من كانت حجة عليه أوله، أن المخالف للحجة في حكم دين الله مخالف للحق، ولو كانت الحجة مبطلة في السريرة، وأن المتبع للحجة في ظاهر الأمر،، محق متبع للحق، ولو كانت الحجة في دين الله عنده، مبطلة في السريرة، وهذا في كل حجة في الإسلام من رفع ولاية من واحد أو اثنين، أو رفع عدالة أو قبول شهادة من العدول، أو قبول قول حاكم قوله مقبول، قد حكم على أحد من رعيته، بحكم لا يعلم أنه اعتدى عليه فيه ولا جار، فهو حجة فيه، وقوله فيه مقبول ومعونته لازمة لأهل العدل على قوله ذلك، ولو كان مبطلا في سريرته، والجماعة إذا عقدوا للإمام على الإمامة، فيما يظهر من الأمر أنهم على الحق، فهم حجة على الرعية وللرعية، ولو كانوا قد عقدوا لمن لا يعلمون أنه زنديقي في سريرته وسريرتهم، ولو بايعوه في السريرة على بيعة الخوارج وبيعة الروافض في الإمامة، أنهم يشركون أهل القبلة، ويغتنمون
- 36 - (3/36)
صفحة 537
أموالهم ويسبون ذراريهم، وينتحلون الهجرة، وأنهم يسمعون له ويطيعون ولو كفروا، يقلدونه دينهم، ولو كفروا هم أهل عدل فيما ظهر وشهر، ثم أظهروا بيعتهم له على الامامة، وأنه إمامهم وإمام العامة، كانوا حجة للمسلمين، وعليهم في حكم الدين، وكان عليهم السمع والطاعة لذلك الامام وتلك الجماعة
وكذلك الإمام إذا ثبتت إمامته، كان قوله حجة فيها جعل الله له من تصديق الأقوال في الأحكام والحدود والأحداث والقتال، حجة إذا أمكن صدق ما يقوله وأمكن كذبه وحقه وباطله، فقوله حجة في ذلك، والمتبع له في ذلك محق باتباعه، ولو كان في سريرته مبطلا وفي أحكامه ظالما جاهلا، فالمعين له على ذلك، والمتولي له على ذلك، الذي قد علمه فيما يحتمل حقه
وباطله، سالم.
فصل: كذلك كل حجة في الاسلام ثبتت، فهي حجة ولو كانت
مبطلة في السريرة.
وكذلك حجة الفتيا حجة إذا قامت مقام الحجة، ولو كانت الحجة في سريرتها مبطلة، وذلك مثل من صحت له الاستقامة والعلم، بما يكون به حجة فيما يسع جهله في الدين، وفيما يكون العالم فيه حجة، فكان في حكم الظاهر حجة في الفتيا، وهو في سريرته عند الله من الزنادقة والمعطلين أو القرامطة، فهو في ظاهر الأمر حجة على من عرف منه ما يكون به حجة، فإذا قام على من علم منه ما يكون به حجة فيما يسع جهله من الدين، وعلم هو ذلك منه بتظاهر فضله وعدله وعلمه، كان عليه حجة في ذلك، وهلك بالشك في قوله، إذا قام بالحق عليه، فيما يكون عليه حجة في ظاهر الأمر، ولا حجة له عند الله، إذا ضيّع حجته التي قامت عليه في الظاهر، إذا كان العالم عند الله مبطلا في حكم السرائر.
،
- 37 - (3/37)
صفحة 538
ولو جهل الجاهل مواضع الحجة، بعد علمه بما يكون العالم به حجة، فلا يسعه جهل علم الحجة، إذا علم ما تكون به الحجة حجة، ولو جهل مواضع الحجة، وأما إذا لم يعلم منه ما يكون به حجة من العلم والفضل والاستقامة في ظاهر الأمر، وعلم ذلك منه غيره من الناس، فلا يكون حجة على من لم يعرفه، وإنما يكون حجة على من عرفه، ولا نعلم في هذا اختلافا، إذا كان ما قاله وقام به مما يسع الجاهل جهله، ما لم يركبه أو يبرأ من العلماء إذا برثوا من راكبه، أو يقف عنهم
الله
6
فصل: وأما إذا قال العالم الذي هو في حكم الظاهر حجة في العلم ما هو باطل في دين الله، وهو من دين الله الذي لا يجوز فيه الاختلاف، وإنما هو مما يخالف أصول الدين، فلا حجة منه في ذلك، وهو محجوج مبطل عند وعند المسلمين بدين الله، فإذا كان العلماء بذلك الباطل شاهدين عليه بالباطل، وقد أعلمه الله أهل دينه، وجعلهم حجة على من خالف ذلك من دينه، فغير معذور من جهل ما هو عند الله وعند أهل دينه باطل، لأنه يدرك علم ذلك ولو جهله، ولو كان ذلك لا يدرك معرفته عند العلماء به غيره، لكان غير مسئول عن علم الله فيه، إذا لم يعلمه الله أهل دينه، في شريعة دين نبيه. كما أن العالم أو الجاهل لو تزوج أمه أو أخته أو ابنته من النسب أو الرضاع، وهو لا يعلم نسبهن ولا رضاعهن، فتزوجهن على سنة النكاح في دين الله، ووطئهن على ذلك، وجمع بينهن كلهن إلى يوم الممات وما على ذلك ذلك، والله يعلم منه ذلك، ويعلم منهن هن)، وهم لا يعلمون بأنساب بعضهم بعضا، كانوا بذلك عند الله مسلمين سالمين، ولو كان أهل البلد كلهم عالمين بانتساب هؤلاء، غير أنهم كاتمون ذلك، أو جاهلون ذلك، ما كان علم من علم ذلك من الناس حجة على هؤلاء، حتى يقوموا بالحجة في ذلك، ويشهدوا عليهم بذلك، ويكونوا في موضع الحجة من العدالة، فإذا قاموا بذلك عليهم، وكانوا في موضع الحجة من العدالة، لزمتهم الحجة في
- 38 - (3/38)
صفحة 539
ذلك، ولو كانوا غير عالمين بحرمة النسب الذي ركبوه، إذا قامت عليهم الحجة بمعرفة النسب أو الرضاع الذي ركبوه، لأن هذا الشخص الذي ركبه هذا الراكب غير معروف ولا معلوم بلونه ولا صفته من المحللات، ولا قائمة فيه حرمة بعينها، فيكون محجورا على من علمه بعلمه الحرمة القائمة فيه، وإنما يعرف حرمة هذا النسب عند أهل العلم بدين الله، وأهل العلم بالحرمة إذا علموا النسب، لا يقدر أحد فرق ما بين الأم والأخت والابنة والعمة والخالة باللون ولا بالشخص ولا بالصفة، حتى يقف على معرفة النسب، وكل من لم يعرف أصل النسب ولا يصح معه ذلك، بما يقوم عليه به الحجة، فلا يعرف ذلك أبدا إلا بالتشبيه والظنون، ولا تقوم بالتشبيه والظنون حجة في دين الله، فلما وقف الواقف على معرفة النسب الذي قد أعلم الله حرمته أهل دينه وتعبدهم بذلك، كان ذلك حجة على من جهل حرمته إذا قامت عليه الحجة بعلم ما لو سأل عنه وطلب علمه، وقف على معرفة ذلك في دين الله
الله
،
ومع أهل دين كذلك القول بالباطل لا يعرف في دين الله، إلا نفس القول أو نفس اللفظ بالباطل ونفس الكلمة بالباطل، لا يعرف بغير ذلك مع أهل العلم بدين الله، فلما كانت نفس اللفظة ونفس الكلمة معروفا باطلها أو صوابها، بنفسها لا بغير ذلك في دين الله، كانت نفس الكلمة ونفس اللفظة محجورة على من علمها أو جهلها، أن يركبها أو يقولها أو يقبلها، أو يتولى قائلها أو قابلها أو مُصَوّبها، لأنه لا يعرف فرق ما بين الحق والباطل من الكلام إلا بنفس الكلام، فلما أن كان هذا هكذا، كان الكلام حجة بنفسه، أو كان من وافق نفس الحجة التي تقوم في دين الله حجة على من قام عليه، بالحجة التي هي في دين الله حجة، ممن نزل بمنزلة الحجة في موضع الحجة، وكان من خالف الكلمة التي هي حجة وهي شاهدة على من قال بغيرها بالحجة، ولمن قال بها، كانت حقا بالحجة أنه هو الحجة، ولا حجة على الكلمة من غيرها
- 39 - (3/39)
صفحة 540
أبدا، إلا من قال ووافقها، وإلا فمن خالف نفس الكلمة، والله عليه شاهد في دينه لمخالفة الحجة ولموافقة الحجة، وكل من علم الحجة في دين الله فهو عليه شاهد بمخالفة الحجة إذا خالفها، وبموافقة الحجة إذا وافقها، وكل شاهد له عند مخالفة الحجة بأنه حجة بعد علمه بمخالفة الحجة، ولو جهل
مخالفته للحجة فهو محجوج، ولا حجة منه لأن عليه الحجة أن يتبعها نفسها ولا يخالفها بوجه من الوجوه وكل من حجة ما. سوي دين الله، والقول بدين الله بالحق والباطل، فإنما يكون حجة بغيره من الحجج، وكلمة الحق من دين الله حجة بنفسها، وكلمة الباطل حجة على نفسها لا تقوم بغيرها إلا بموافقتها في حال من الحال فصل: وسائر الحجج سوى هذه الحجة، فإذا قامت الحجة في موضع ما هي حجة، بما يمكن أن تكون حجة محقة في ظاهر الأمر، من جميع الحجج من شاهد زور أو حاكم جور، أو جماعة مبطلين، أو إمام جائر في السريرة، أو سائر الحجج، التي هي حجة في دين الله، فهي حجة في حكم الظاهر للعالم والجاهل، حتى يعلم باطل ذلك بما تقوم عليه به الحجة، ويدرك معرفته في دين الله العلماء بدين الله، فإذا وقف من الحجة على ما يدرك معرفة باطله في دين الله، فجهل ذلك من الحجة، وجعل الباطل الذي جعله حجة لموضع جهله بالباطل، كان بذلك هالكا وظالما، ولو جهل الحق في ذلك. وذلك مما يطول القول فيه ويكثر.
6
ومن ذلك مثل الحاكم، يشهد معه شاهدا عدل بشهادة على مسلم ليهودي أو لمسلم بحق، فأنكر ذلك المشهود عليه، وهما في ذلك كاذبان عليه في شهادتهما، والحاكم لا يعلم بكذبهما، وهما عدلان تجوز شهادتهما في الأحكام، وقد عرف عدالتهما الحاكم، فإن قبل الحاكم شهادتهما على هذا الذي كانا فيه عند الله كاذبين، وحكم به، كان سالما، وكان بالحق حاكما. وكانا هما عند الله شاهدي زور، وراكبين للمحرم والمحجور، وإن ردّ
" (3/40)
صفحة 541
شهادتهما، وأبطل الحكم بعد أن قامت عليه الحجة بشهادتها؛ كان بذلك آثمها ظالما، وكانا هما ظالمين آثمين أيضا، إلا أنهما إذا تابا من ذلك، ولم يحكم بشهادتهما، أجزأتها التوبة ولا غُرم عليهما. ولو أجاز شهادتهما وحكم بها، سالما وكانا هما آثمين وظالمين، وإن تابا كانا لذلك ضامنين غارمين،
كان
هو
ولو كانا غير عدلين في حكم الدين في علم الحاكم، ولو شهدا بهذه الشهادة؛ فلم يقبل الحاكم شهادتهما، ولو كانا قد شهدا في علم الله بالصدق وكانا صادقين، كان الحاكم سالما بتركه الحكم بشهادتهما، إذا لم يكونا حجة في الاسلام، وكانا عند الله صادقين في السريرة، وكان الحاكم بترك شهادة الصادقين سالما، وبرد شهادة المبطلين الكاذبين ظالما، فهكذا
تبارك وتعالى
•
حجج
الله
فصل: ولو علم الحاكم من الشاهدين ما يكونان به كاذبين، ويكونان به مزورين على المشهود عليه، وهما في ظاهر الأمر عدلان عنده في الاسلام، فجهل ما يكونان به قد كذبا وقبل قولهما، فيما لا يجوز له أن يقبله في دين الله لموضع جهله، لما قد زوّرا في شهادتهما في موضع ما يكونان غير مقبول شهادتهما من وجه من الوجوه، فجهل الحكم في ذلك وقبل شهادتهما إذ كانا عنده عدلين، كان بذلك هالكا في دين الله، ولا يسعه جهل ذلك في دين الله ولو جهله، فكل حجة في الاسلام من حجج الله - تبارك وتعالى ـ قامت في موضع ما يكون حجة كانت محقة في سريرتها أو مبطلة، فهي حجة لمن اتبعها، وقبلها وتولاها وأعانها، حتى يعلم باطل الحجة التي إذا علمها كان قد علم بطلان الحجة، فإذا علم من الحجة باطل الحجة، فلا يسعه جهل ذلك الباطل الذي تبطل به الحجة، جهل الباطل أو علمه، وكانت حجة الفتيا داخلة في جميع الحجج التي إذا وقف الواقف المبطل على باطل الحجة، لم يسعه جهل باطل الحجة، ولو جهل الحجة وباطلها فلا فرق في ذلك عند أهل العلم، وإنما افترق ذلك عند أهل الجهل من وجه أن سائر الحجج يحتمل لها
- {1 - (3/41)
صفحة 542
هذا
،
الحق والباطل مع من عاين ذلك منها، وسمع ذلك منها، فما احتمل من باطل الحجة وحقها وكانت في دين ا الله حجة فهي حجة، حتى يعلم باطلها، وإذا كانت غير حجة في دين الله؛ فهي غير حجة حتى يعلم أنها حجة، ثم تكون حجة علم العالم حجتها أو جهلها، ولأن الحجة في الفتيا لا تكون إلا بنفس الكلمة، التي يكون المفتي بها حجة إذا نزل بمنزلة ما يكون حجة، وقام بما يكون به حجة، ولا يكون حجة حتى ينزل بمنزلة الحجة، ولا يكون حجة ولو نزل بمنزلة الحجة حتى يقوم بما يكون به حجة، ولا يكون حجة في الفتيا أبدا في حكم الظاهر، مبطلا بذلك في السريرة، ولا مبطلا في حكم الظاهر، محقا بذلك في السريرة أبدا، ولا نعلم بين أهل الاستقامة على الحق في هذا اختلافا ولا مخالفة ولا منازعة، وإنما يخوض أهل العمى والضعف في من طريق قلة العلم وقلة الفطنة بأصول الدين وأصول الحجج في الدين وسائر الحجج في الدين، قد يحتمل أن يكون محقا في العلانية مبطلا في السريرة بنفس هذا القول، أو نفس ذلك العمل الذي قاله وعمله وقام به، ويمكن أن يكون محقا في السريرة مبطلا في العلانية بنفس ذلك، ويمكن أن يكون مبطلا في السريرة والعلانية، ويمكن أن يكون محقا في السريرة والعلانية، ولا يحتمل ذلك أبدا في الفتيا بالحق والباطل، فمن كان مبطلا بالفتيا في السريرة كان مبطلا بها في العلانية، ومن كان محقا بها في السريرة كان محقا بها في العلانية، إلا من وجه واحد؛ أن يريد المفتي شيئا من الحق، قد قصد إليه وأراده واعتمده، فزل لسانه فقال بغيره من الباطل وصح ذلك عليه، فقد صح منه في حكم الظاهر الباطل، إذا ظهر منه القول به على ما يكون محجوجا، وكان ذلك مما يبطل به في الظاهر، فإن هذا يكون قائلا بالباطل، محقا في دينه وسريرته وإرادته، وغير هالك بالخطأ الذي أخطأه، والقابل منه ذلك والمتولي له على ذلك إذا ظهر منه على سبيل التدين مبطل، لأنه لا تجوز مخالفة الحق برأي ولا بدين، وكان القابل منه الباطل، ولو جهله، والمتولي له على الباطل
- EY- (3/42)
صفحة 543
الظاهر منه ولو جهله، والعامل بالباطل من قوله ولو جهله؛ هالكا بذلك، وكان هو سالما مسلما، لأنه معفي عنه من الخطأ في ذلك أبدا، ما لم يذكر ذلك ويعرفه
قال الناسخ: ولعله يوجد في كتاب منهج الطالبين»؛ تأليف الشيخ الأجل خميس بن سعيد الرستاقي، عن الشيخ أبي سعيد ـ رحمه الله ـ؛ والمعنى إذا أفتاه هذا العالم بالأصول فخالف الحق المجمع عليه، فلا يجوز له أن يعمل بالباطل، ولو اعتقد السؤال عما يلزمه. وإن هو عمل بما يفتي وهو معتقد السؤال فلم يزل على ذلك يعمل بما يفتي ويسأل حتى مات قبل أن يصيب الحق، فإذا دان بأداء ما يلزمه في ذلك وتاب في الجملة من جميع ما خالف فيه رضاء الله، أو من جميع ذنوبه، وهو دائن بالسؤال عن جميع ما يلزمه في جملة دين الله، وعمل بما يفتي به على غير قصد منه إلى ركوب الباطل إلا لسبب الفتيا، والظن أنه عسى أن يكون كذلك وهو معتقد السؤال عما يلزمه. فلا أقول إنه هالك
ويقال لهذا القائل: أتجوز عندك الولاية بالرفيعة وتلزم، أو لا تجوز
ولا تلزم؟
فإن قال: لا تجوز ولا تلزم أبطل ما عليه جملة المسلمين من أهل
الاستقامة
وإن قال: يجوز ولا يلزم بقول الواحد والاثنين، وإنما يجوز بقول الواحد والاثنين ولا يلزم.
قيل له: فأي حجة من الحجج يكون العبد فيها مخيرا، إن شاء قبلها وإن شاء التزمها، إذا قامت البينة بذلك عليه من حكم في حق أو حد، حتى يكون في الولاية عندك العبد مخيرا فيها، دون غيرها من الأحكام الظاهرة،
- Er- (3/43)
صفحة 544
بل قد وجب في الولاية ما لم يجب في غيرها من الأحكام، من ثبوت الولاية
بقول الواحد ولم يثبت ذلك في غيرها من الأحكام؟
وقال من قال: إن ذلك يكون حجة، ولا تخيير فيه
وقال من قال: يكون مخيرا ما لم يقم بذلك الاثنان ممن هو حجة في ذلك، فإذا قام الاثنان فلم يكن تخيير، وذلك لحق المسلم ولحق الإسلام، وعلو حق الإسلام على غيره، ولحجة أهل الإسلام على غيرهم، ويعلو الإسلام على غيره، ولا نعلم أن أحدا قال ببطلان الولاية بحجة الرفيعة، إذا قامت من جميع أهل الاستقامة، ولا يقدر هذا أن يقول هكذا إن شاء الله
فإن قال هذا ثبت له على هذه الحجة، وطولب بذلك من أين كانت الولاية وحدها من سائر الأحكام هكذا، فلن يأت على ذلك بدليل إلا بالمكابرة، أو يرجع إلى إثبات حجة الولاية بالرفيعة
فصل: فإن قال: فهو مخير في قول الواحد والحجة عليه اثنان، فإذا تولى بقول الواحد المخير فيه، أتكون ولايته مثل ولايته بقول الإثنين؟
قلنا له: إذا قبل الحجة من قول المسلمين بقول الواحد، كانت ولايته لهذا الولي بما قد جازت له من الولاية وجاز له، وكان هذا وليا له بالواحد في جميع الأحكام، وجميع ما يقوم به وعليه من حقوق الاسلام، كما كان الولي بقول الاثنين والفرق في ذلك أنه مخير أن يتولى أو لا يتولى، فإذا تولى لزمته أحكام الولاية بجملتها، ووجبت له أحكام الولاية بجملتها.
فإن قال: فيجوز له ويلزمه في قاذف وليه هذا إذا تولاه بقول الواحد
ما يلزمه ويجوز له في قاذف وليه؛ إذا تولاه بقول الاثنين؟
6
قلنا له: نعم؛ ذلك جائز له وثابت عليه في وليه، إذا ثبتت الولاية
- {{- (3/44)
صفحة 545
بوجه من الوجوه، ولا تختلف أحكام الولي، وإن اختلفت أحكام ما تجب به الولاية، فإذا ثبتت الولاية لم يكن في الولي اختلاف في أحكامه، وكان الولي بالخيرة أو بعلم الشهرة أو بالرفيعة من الاثنين أو من الواحد بمنزلة، في وجوب حقوق الولاية، من إثبات الحكم له، وقيام الحجة به، ودفع المعارضات عنه، وتحريم قذفه وشتمه، ولا فرق في ذلك في هذا الوجه. كما أن الإمام إذا عقد له الأعلام، وثبتت حجته بعقدهم على أهل الإسلام.، كان وليا مستكملا لحقوق الولاية، وكانوا هم والعاقدون له تلك الامامة سواء، ولايته وحرمته ونصرته، ولا فرق في ذلك، وقد ثبت ذلك في حكم الظاهر على الرعية، ويكون ذلك موضوعا عن الأعلام العاقدين للإمام، لما قد خانوا الله، هو وهم في سريرتهم في حكم الإسلام، وهم يعلمون أنه ليس بإمام، وأنه لا حق له عليهم ولا على أهل الإسلام، وأهل الإسلام يدينون أنه إمام، ولا يسعهم إلا أن يتولوه بحق ما ظهر له من حق الإسلام.
في
فإن قال: إنه لا يلزم سائر الرعية في الامام، من تحريم قذفه والقيام
بحقه وولايته، ما يلزم الأعلام الذين عقدوا للامام، أخذ في ذلك بالحجة وطولب في ذلك بالدليل، ولن يجد إلى الفرق بين ذلك سبيلا
•
،
وإن قال: إنه يلزم الرعية في الامام، ويجوز لهم فيه ما يجوز لمن عقد له
من الأعلام في سائر الأحكام
قيل له: فمثله فيمن يتولى بالرفيعة عن الأعلام، كمن يتولى الامام بعقد الأعلام، ولا فرق في ذلك، وإن دام على قوله أنه لا يكون المتولي لأحد من أعداء الله في حكم الدين سالما بالرفيعة، حتى يكون المرفوع ولايته
مؤمنا
قيل له: فهل في ذلك فرق بين الحي والميت، والحاضر والغائب؟
- 20 - (3/45)
صفحة 546
فإن قال: يجوز ذلك في الحاضر دون الغائب وفي الحي دون الميت
قيل له: أرأيت لو كان رجلا حاضرا حيا، قائم العين بشخصه، لا يعلم رجل من المسلمين حاله، فرفع رجل من علماء المسلمين بالولاية والبراءة، أو اثنان من المسلمين من علمائهم ولايته، أكانت ولايته عندك لازمة بقول الاثنين أو غير لازمة؟
فإن قال: لازمة
•
قيل له: أرأيت لو كان المرفوع ولايته في سريرته زنديقيا، لا نعلم ذلك الرافع ولا المرفوع إليه، ما كان حال الرافع والمرفوع، إذا رفع الرافع ما هو عنده صواب في حكم الظاهر، وقبل المرفوع إليه ما هو حجة في حكم
الظاهر، سالمين في ذلك أم غير سالمين؟
فإن قال: هما سالمان
قيل له: فإن كان الرافعان لولايته قد خانا الله في دينه، وعلما أنه من الزنادقة، ورفعا ولايته خائنين الله في دينه، فما حال المرفوع إليه ولايته؟
فإن قال: سالم بذلك المرفوع إليه، والرافعان هالكان
فصل: قيل له: ذلك في الواحد أيضا كما في الاثنين؟
فإن قال: نعم.
قيل له: فإن كان ذلك حيا، غير أنه غائب، ما القول في ذلك؟
فإن قال: القول واحد في الحي، حاضرا كان أو غائبا
قيل له: فما الفرق في الولاية بين الحي والميت؟
-27 - (3/46)
صفحة 547
فإن قال: من أجل إذا غابت حجته بالموت
قيل له: فالحجة له أو عليه، فأكد ذلك أن يكون الميت أقوى حجة في هذا، وقد قيل ذلك إن الميت أقوى من الولاية حجة، لأنه بعد أن يموت لا تتحول أحكامه، لثبوت حجته، وقد يختلف القول في الذي يجب له حكم الولاية في الموافقة في الظاهر بأقاويل، ما لم يمت على ذلك، فإذا مات على ذلك، ولم يعلم منه تحول إلى غير ذلك، ثبتت بالإجماع ولايته، ولن يقدر أحد من أهل العلم أن يتكلم بهذا، فإنما يتكلم بهذا الجهال بأحكام الهدى من الضلال، والحي والميت لا فرق بينهما معنا، في إثبات ولايتهما بالرفيعة، بل الميت عندنا أولى بأن يكون أولى بإثبات ذلك
ضلالته، من
•
فإن قال: إن الحي والميت في ذلك سواء، غير أنه من أثبتت الشهرة الأئمة المحدثين، لم تجز ولايته في الرفيعة ممن تولاه، وأما سائر الناس فيجوز هذا فيهم، وتجوز ولايتهم بالرفيعة إلا الأئمة من أهل الضلال، فإنه لا تجوز فيهم الشهادة بما تجب به الولاية، إذا أجمع على ضلالهم المسلمون المتقدمون من الأمة
قلنا له: فما السبيل إلى علم الفرق في ذلك، بين الأئمة المبطلين من السالفين وبين غيرهم، من الرعايا المبطلين من السالفين، وهل إلى علم ذلك سبيل في ذوق الكلام في الأسماع المذكورة بالأسماء والآباء؟ وهل تقوم الحجة
في ذلك بذكر المذكورين من الأئمة، دون علم حدثهم وصحة ذلك منهم. من تعبده الله بدينه؟
عند
فإن قال: لا سبيل إلى علم ذلك، دون أن يقف على علم أحداث المحدثين، وأخبار السالفين من المحقين المهتدين أو المبطلين المفسدين.
قيل له: فما القول والسبيل لمن لم يعرف ذلك، من المتعبدين بحجة
- {V_ (3/47)
صفحة 548
الولاية بالرفيعة، إذا قلت إنها حجة في سائر الناس، إلا في المحدثين من الأئمة السالفين، إذا قامت عليه الحجة بالولاية، لهذا الاسم المرفوع المذكور، أيسعه ولايته حتى يعلم أنه الأئمة الضالين، أو لا تجوز له من ولايته، حتى يعلم أنه ليس من الأئمة المبطلين؟
المبطلين
من
فصل: فإن قال: تَسعُ ولايته بالرفيعة حتى يعلم أنه من الأئمة
•
قلنا له: فهذا هو ما أريد منك، والحمد لله
رب العالمين.
وإن قال: لا يجوز أن يتولى بالرفيعة، حتى يعلم أن المرفوع ولايته ليس
الأئمة المبطلين
قلنا له: فقد وضعت عن الجميع ولاية الرفيعة، وأبطلتها أبدا، لأنه إذا علم أنه من الأئمة المبطلين، فقد علم أن الرافع له غير محق في الدين، ولا حجة في دين رب العالمين، إذ يرفع ولاية المبطلين، الذين هم عنده في الدين مبطلون، ولا حجة عليه هو في ذلك، وكان الرافع للولاية في ذلك خصما له في الدين، إذا أقام عليه الحجة بباطل وليه ذلك الذي تولاه، وإلا فكان عليه هو أن يبرأ من هذا المرفوع ولايته، إذا صح معه باطله سريرة، إذا احتمل أن يكون الرافع لولايته، رفعها بحق وعدل في الدين، فللرافع ما للمتولي بالرفيعة، والحق في ذلك واحد ما لم يعلم من الرافع أو المتولي بالرفيعة باطل، ما دخلوا فيه بوجه لا عذر لهم فيه
فصل: فإن قال: فما الحجة للرافع وما عذره في ذلك، في هؤلاء
الأئمة الذين ذكرتهم ووصفتهم؟
قيل له: العذر له في ذلك مبسوط، من وجه أنه يمكن أن يقبل ذلك من
- EA- (3/48)
صفحة 549
غيره
، من المحقين بالرفيعة أيضا، فيكون الرافع للمتولي حجة، والرافع
،
للرافع حجة، وكذلك الرافع للرافع، مجاز هذا من وجه طريق الرفيعة فهذا هو القول في هذا أبدا، إلى ما لا غاية له، حتى يعلم أن أحدا من المتولين أو الرافعين، أتى ما لا عذر له فيه إذا كان من المسلمين، أو تنقطع حجته بحجة حق يبطل بها حجته في الدين، في ولاية أحد ممن ذكرنا ولايته في
الدين
فإن قال قائل: فلِمَ أتيتم هذه الحجة في ولاية المبطلين، الذين قد صح باطلهم في حكم الحقيقة وفي حكم الظاهر مع عامة المسلمين، وما الذي حملكم على هذا، وما الذي أردتم به؟
قلنا له: أردنا في هذا أن يكون الحق في الجميع بالسواء، وأن لا يمال إلى أحد من الناس بهوى ممن يخالف في الأصل أحكام التقوى، وكما ثبتت معنا ولاية أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب بالرفيعة لا غيرها، كذلك ثبتت معنا عداوة أبي جهل عمرو بن هشام بالرفيعة لا غيرها، إذا لم يعرف كذب الرافعين ولا صدقهم من كذبهم لأنا لا تختلف معنا الأحكام في وجه من الوجوه، في أحد من الناس، فيما يجتمع فيه في وجه آخر، وإذا اجتمعت الأحكام في أحد الوجوه من الناس، اجتمعت فيهم في سائر الوجوه، إلا في حكم الخاص الذي يخص بعضا دون بعض، ولا يكون ذلك إلا بمخصوصات العلم من المتعبدين في أحكام الدين
ويقال له أيضا: ومما أردنا إثباته من الحق، أن يكون المحق الذي يتولى أبا بكر الصديق بالرفيعة لا غيرها، لا تختلف أحكامه وأحكام من يتولى أبا جهل عمرو بن هشام بالرفيعة لا غيرها، فتكون الأحكام تختلف في ولاية المرفوع ولايته، وفي ولاية المتولي، وفي ولاية الرافع من علماء المسلمين، وتختلف الأحكام في الرفيعة، وتتناقض الأصول، وهذا ما لا يجوز في (3/49)
صفحة 550
الأصول في الدين، فكما يجوز لمن علم ممن يبرأ من أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ البراءة، أن ينكر عليه ولم يتول أبا بكر الصديق إلا بالرفيعة لا غير ذلك من العلم، كذلك يجوز لمن علم من أبي جهل عمرو بن هشام البراءة. وقد تولاه بمثل ما تولى به أبا بكر، أن ينكر عليه براءته إذا علم منه أنه يتولاه، أو أعلمه بذلك، كما كان المتولي لأبي بكر أن ينكر على من برئ من أبي بكر إذا أعلمه أنه يتولاه أو علم منه ذلك، وإلا فقد اختلفت إذا الأحكام، ووقع التناقض في أحكام الإسلام، ولن يجوز هذا أبدا مع أهل العلم بالدين من
المسلمين
وكذلك سائر من ذكرنا ومن لم نذكره من الأئمة في الضلال والأئمة في الهدى، القول فيهم واحد، والأصل فيهم واحد، لا تختلف ولا تتناقض والحمد لله رب العالمين
•
"
وكذلك غير الأئمة من المحقين، والأئمة من المبطلين من سائر الخليقة من جميع العالمين، فإذا ثبتت حجة الولاية بالرفيعة، ثبتت في جميع الخليقة، إذا نزل بمنزلة الحجة في الولاية مع جميع الخليقة، ممن نزل معه بمنزلة الحجة في الرفيعة في الولاية والبراءة ولا اختلاف في ذلك معنا في أصول الدين ولأحكام دين المسلمين، ولو أن مائة ألف أو يزيدون من عامة أهل الدعوة وأهل الخلاف، أو من ضعفاء المسلمين اجتمعوا على ولاية أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، أو أحد من الصحابة، أو مريم ابنة عمران أو آسية ابنة مزاحم، أو خديجة بنت خويلد، أو فاطمة ابنة محمد صلى الله عليه وسلم، أو عائشة ابنة أبي بكر، أو كائنا من كان من الأولياء الأتقياء الأرضياء، الذين ثبتت ولايتهم الله في الكتاب أو عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بفصل الخطاب وسماع الجواب، أو في ظاهر المشهور من إجماع المتقدمين والمستأخرين إلى يوم الدين، ولا نعلم ذلك من علم من هذه الألوف، الولاية لهذا الولي الله في
عن (3/50)
صفحة 551
حكم دينه من أي وجه قد ثبتت ولايته، فتولى هذا الذي سمع هؤلاء الألوف يتولون هذا الرجل باسمه وعينه، فتولاه بولايتهم وهم من ضعفاء المسلمين، الذين لا تقوم بهم حجة في الولاية في حكم الدين بالواحد منهم ولا بالاثنين، فإذا لم يجز في الحكم بالواحد ولا بالاثنين، فمثل ذلك في العشرة والمائة والألف والألوف، وكان المتولي لهذا الولي الذي هو عند الله ولي، وعند عامة المسلمين مرضي، ضالا بولايته على هذا السبيل، إذ تولاه بغير حجة تقوم له في حكم الدين، لأنه لا تقوم الحجة في الولاية في حكم الظاهر إلا بالخبرة أو بصحيح الشهرة بصحة تقوم مقام الخبرة، ولا تكون الشهرة دعوى ولا ممن تقوم مقام الدعوى ممن هو في قوله تقوم مقام الدعوى، أو برفيعة على ما يكون حجة ممن هو حجة من علماء المسلمين من أهل الاستقامة في الدين، العلماء بأصول الولاية والبراءة من الواحد فصاعدا من العلماء وما سوى ذلك، فلا تقوم الحجة به وهو باطل لا أصل له في الولاية، فكما كان المتولي لعدو الله في علم الله بالحجة محقا، كذلك يكون المتولي لولي الله بغير الحجة مبطلا، وهذا مما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من أهل العلم
•
فصل: وقد قيل: إن الضعيف من المسلمين إذا رفع ولاية أحد عن فقيه من فقهاء المسلمين، أن ذلك يكون حجة في الولاية، وتجوز الولاية بولايته بالرفيعة عمن هو حجة في الرفيعة، وقد قيل: لا يكون حجة في
الرفيعة إلا العلماء، ومن كان حجة في الرفيعة عن نفسه إذا لم يرفع عن غيره
6
فإذا رفع العالم المشهور ممن يكون حجة في الولاية عن عالم مثله، كان ذلك حجة وكان بمنزلة الرفيعة عن نفسه وبغير رفيعة، والواحد من العلماء إذا رفع ولاية رجل واحد عن عالمين، قام ذلك مقام الواحد ولا يقوم مقام الاثنين، وإذا رفع الاثنان من الواحد ولاية الواحد، قام ذلك مقام ولاية الواحد، ولا يقوم مقام ولاية الاثنين. وإذا رفع الاثنان من العلماء ولاية الواحد عن الإثنين من العلماء، قام ذلك مقام الإثنين، والشهادة عن الشهادة في الولاية
01 - (3/51)
صفحة 552
جائزة، والرفيعة عن الرفيعة جائزة
فصل: والذي يجيز قول الضعيف إذا رفع. العالم، فالقول فيه
عن
(
واحد في الاثنين عن أحد، والواحد عن الإثنين والإثنين عن الإثنين والواحد عن الواحد، إذا كان الأصل إنما يرفع عن الحجة في الولاية، فذلك جائز على مذهب من يجيز ذلك
ولا تجوز الولاية بولاية الضعيف من المسلمين، ولو ثبتت ولايته فلا يكون حجة في الولاية إلا العلماء، فإذا لم تجز ولاية الواحد في الاجماع لم يكن الاثنان حجة في الولاية؛ فيما لا يكون فيه الواحد حجة في الولاية، والواحد والاثنان والثلاثة والأربعة، إلى ما فوق ذلك إلى ما لا نهاية له في الولاية، إذا كان على غير رفيعة من العلماء فلا يجوز بذلك الولاية من الضعفاء من المسلمين، ولا يكون الضعفاء من المسلمين حجة في الولاية، ولا تكون ولايتهم حجة إلا أن يرفعوا شهادة تقوم برفيعتها الحجة عن أحد من العلماء، أو. عن صفة يكتفى بها عن التفسير، يشهدون لأحد باسم يستوجب ذلك الاسم، الولاية؛ فإذا شهد بذلك الضعفاء من المسلمين المأمونين على نقل ذلك بصفة يستوجب بها الموصوف الولاية، كانت الولاية بشهادتهم جائزة، وكانوا حجة فيما شهدوا.
وأما الولاية فلا تكون حجة إلا من العلماء من المسلمين بالولاية والبراءة، وإذا شهد الضعيف من المسلمين بشهادة مفسرة، من صفة أحد بعينه، ونقل ذلك عن تفسير من صفة الموصوف، وهو من أهل الولاية، وعرف معنى تلك الصفة من الموصوف، أنه مستحق للولاية، وأنه من أهل تلك الصفة الموصوف بها من القول والعمل والاستقامة، وفسر ذلك من صفته، كان ذلك يقوم مقام الرفيعة للولاية، إذا فسر ذلك لمن يعرف الولاية ويتولى بمعرفته وبصيرته، ولا يتولى بولاية الضعيف، ولكن يتولى العالم
- OY- (3/52)
صفحة 553
بأحكام الولاية والبراءة بصفة الضعيف، إذا شهد ووصف أحدا من الناس
6
باسمه وعينه، بصفة يستحق أهل تلك الصفة الولاية من القول والعمل والواحد في ذلك يقوم مقام الواحد من العلماء في رفع الولاية، ولا يكون حجة إلا مع العلماء بالولاية والبراءة، والبصراء بأحكام الولاية والبراءة، فيصف هذا الضعيف المسلم، ويشهد لهذا بصفة يرى العالم أن تلك الصفة تجب بها الولاية باسمه وعينه، فتكون شهادة الضعيف بالصفة مع العالم ذي المعرفة، فتجب الولاية بقول الواحد، ويكون مخيرا من عرف ذلك معه، وصح ويكون الاثنان حجة في تلك الشهادة إذا شهدا على صفة يصفان بها رجلا بعينه، تجب بتلك الصفة مع أهل العلم والمعرفة الولاية وجبت ولايته.
فصل: وإن رفع تلك الصفة ضعيفان من المسلمين، إلى ضعيف لا يعرف ما تجب به الولاية، لم يجب له أن يتولاه بالصفة بمعرفته، حتى يرفع ذلك إلى من يبصر الولاية والبراءة، فيوقفه على علم ذلك أن ذلك مما تجب به الولاية، فتكون شهادة الضعيفين بالصفة مع تفسير العالم بالمعرفة حجة هنالك على الضعيف المرفوع إليه تلك الصفة، والصفة هاهنا التي تجب بها الولاية غير الولاية، لأن الولاية لا يؤمن عليها ولا يكون حجة فيها إلا العلماء بالولاية والبراءة، لأنه لا يدري علام تولّى الضعيف، والضعيف لا يؤمن على اختلاف أحكام الولاية والبراءة أن يحكم بحكم من الأحكام في غير موضعه من تلك الأصول التي وصفناها وعرفناها وشرحناها.
وإذا شهد الضعيف على شهادة موصوفة وهو من المسلمين، لم يجز تكذيبه ولا الشك في قوله، وكان حجة فيما قال من الموصوفات المعروفات التي يستغنى بتفسيره لها عن تفسير غيره، في نقلها ورفعها، فمن هنالك اختلفت أحكام الشهادة من الضعيف والولاية من الضعيف، فكانت الشهادة منه حجة والولاية منه ليست بحجة، وكانت الولاية من العالم حجة؛ لأنه حجة
- 53 - (3/53)
صفحة 554
في الولاية والبراءة، ولأنه مأمون على الولاية والبراءة، وكانت منه الولاية كالشهادة، فإن شهد العالم على الصفة التي تقول إنه يستوجب بها الموصوف الولاية كان حجة، وإن تولاه ولم يفسّر الشهادة كان حجة في الولاية. والضعيف إذا شهد بالصفة المفسرة، ثم قال إنها توجب الولاية للموصوف بها، لم يكن ذلك حجة، لأنه ليس بحجة في الولاية، ولو كانت مع العلماء حجة توجب الولاية لم يكن من الضعيف حجة، فافهموا هذا الفصل والضعيف في الشهادة على الصفة الموجبة للولاية الواحد يقوم في الشهادة،، مع صحة ذلك بالمعرفة من تفسير الفقيه، أن تلك الصفة توجب الولاية حجة في الولاية، وهو بالخيار، كما كان في الرفيعة من الواحد بالخيار، والشهادة من الاثنين على الصفة. ضعفاء المسلمين، صحة ذلك تفسير العلم، أنه يوجب الولاية في الصفة حجة، وليس فيه تخيير، وتلزم به
الولاية بالشهادة في الحجة
•
من
مع
من
فصل: وشهادة العالم أو العالمين، أو ما فوق ذلك من العلماء بالصفة
التي توجب الولاية، ولا يقولون إن ذلك يوجب الولاية ليس بحجة، ولا تجوز الولاية فيه إلا بالتفسير، وأن ذلك الولاية من بصراء أهل يوجب العلم بما يستوجب الولاية.
الدين
،
وإن شهد اثنان. من الضعفاء أو العلماء على صفة توجب الولاية في حكم وقال من يبصر الولاية والبراءة إن هذه الصفة مستوجب أهلها
الولاية، ثبت ذلك في حكم الرفيعة والشهادة، فكانت الولاية من العالم أوجب من الشهادة منه، إذا لم يفسر ذلك، وكانت الشهادة من الضعيف إذا فسرها العالم أولى من الولاية منه، وكانت شهادة العالم وشهادة الضعيف سواء؛ ما لم يفسرها العالم أو غيره من العلماء، ولا تقوم بها الحجة، ولا يلزم
بها الحجة إلا بتفسير من أهل العلم لذلك، أو بصيرة ممن يشهد عنده بذلك
،
-02 - (3/54)
صفحة 555
أن أهل تلك الصفة مستوجب للولاية، فهنالك تقوم له الحجة وعليه بمعرفته
مع شهادة الشهود عنده على الصفة
والشهادة على الصفة مثل الرفيعة في الولاية، كان المتولي أو الشاهد على الصفة، إذا نزلا بمنزلة الحجة صادقين أو كاذبين، فهما حجة على من قاما عليه ولمن اتبعهما، ولا يضر باطلهما حجة الله التي تقوم بها، أو التي تقوم لمن اتبعهما، ولو كانا خائنين في سريرتهما، وقد مضى القول في هذا على ما وصفنا في الرفيعة، والشهادة على الصفة، كان الشاهد كاذبا أو صادقا، والمتولي خائنا أو صادقا، بارا في ولايته أمينا في دينه، فلن يضر ذلك إذا غاب أمر صدقها
وكذبهما وأمانتهما وخيانتهما، إذا قامت في ظاهر الأمر مقام الحجة في دين الله
6
والقول والوصف في هذا يطول، وقد مضى في هذا ما في بعضه كفاية إن شاء
الله
فصل: ولو شهد الضعيف من المسلمين أن فلانا من المسلمين، أو من الصالحين أو من المتقين أو من الأبرار، أو سماه باسم من الأسماء التي يستوجب بها الولاية، أن لو كان كذلك لم يكن في ذلك حجة، ولا قبل قوله في ذلك، حتى يكون ممن يبصر الولاية من العلماء من المسلمين، ثم يكون قوله هذا كله حجة، إذا سمى أحدا بعينه باسم يستوجب به الولاية، أو تولاه قطعا، كان ذلك كله حجة منه، لأنه مأمون على ذلك كله، شاهد فيه
بعلمه، وهو حجة في ذلك كله لأمانته على ذلك وفضله وعمله وعدله
فصل: وإنما يكون الضعيف حجة في الشهادة على الصفة، التي إذا وقف عليها العالم، عرف أن أهل تلك الصفة مستوجبون الولاية، من صحة المقال والموافقة للحق بالفعال، وصحة النحلة التي يدين بها الموصوف، أنه بريء بها من الضلالات والاختلاط والتهم، فبذلك كله يستوجب الولاية، كما يستوجب الولاية بأقواله وأعماله، فإذا شهد الضعيف على تلك الصفة،
- 55 - (3/55)
صفحة 556
كان بذلك حجة كما وصفنا
وكل
6
وولاية العالم البصير وشهادته بالأسماء الجامعة المستحق المتسمي بها الولاية، مما قد وصفنا وغير ذلك مما تركنا، مما لم يحضرنا أو حضرنا، اسم سمى الله به أولياءه وأهل طاعته، فسمى العالم الفقيه بالولاية والبراءة المستقيم على دين المسلمين أحدا بذلك الاسم كان ذلك منه حجة بمنزلة الولاية، ولا يكلف تفسيرا ولا صفة ولا شهادة، والضعيف لا يقبل منه ذلك ولا ولايته بغير تفسير، حتى يفسر ويصف ما يجب به من تلك الصفة، الولاية على أهل العلم بالولاية والبراءة
الولاية
•
فإن قال قائل: فما بال الضعيف إذا عرف من الانسان صفة تجب بها، عن العلماء بالولاية والبراءة من الصفات التي تجتمع لأهل الولاية يعلمها الضعيف من المسلمين، كما يعلمها العالم من المسلمين، فيكون ذلك
حجة على العالم، وعليه الولاية لذلك الانسان، وتكون له الحجة في ولاية
(
ذلك الانسان، والضعيف قد علم من هذا الانسان مثل ما علم منه العالم فكان على العالم الولاية وعلى الضعيف الوقوف عن الولاية، حتى يعلم أن تلك الصفة تجب بها الولاية من معرفته أو تفسير العلماء بالولاية والبراءة؟ فصل: قلنا له: لأن العالم بالصفة أنها موجبة للولاية، مستحق عليه فيما آتاه الله من العلم أن يعمل بعلمه، وينفذ الأحكام بعلمه، إذ قد علم مواضع الأحكام، والضعيف مستحق عليه في أصل دينه ألا يتولى في حكم الظاهر، إلا من اجتمعت له الخصال التي بها تجب الولاية، ولا يكون عالما بالخصال التي تجب بها الولاية، حتى يكون عالما بأحكام الولاية والبراءة، فلما أن كانت الولاية لا تجب إلا بخصال تجتمع في العبد، احتاج من أراد أن يتولى إلى علم تلك الخصال، التي بها تجب الولاية، وتفسير ما لا بد من تفسيره من تلك الخصال التي بها تجب الولاية
-07 - (3/56)
صفحة 557
فإن قال قائل: فما بال البراءة تجب على العبد في العبد إذا عاين ذلك بخصلة واحدة، إذا علمها في العبد كان بها محجوجا أن يتولاه، وكان مخاطبا بالبراءة منه؟
الإيمان.
،
قلنا له: لأن الكفر يجب بخصلة واحدة من خصال الكفر، ينقض بها والإيمان لا يجب إلا بخصال في أحكام الظاهر من الايمان، والضعيف والعالم فالمخاطبة بهما في الولاية في حكم الظاهر واحدة، إلا أن العالم مسئول عما أتاه الله من العلم لتلك الخصال، التي بها يجب الايمان في حكم الظاهر، والضعيف مخاطب بترك الولاية في حكم الظاهر، إذا تولى بولاية الشريطة، حتى يعلم ما تجب به الولاية من الخصال التي يجب بها الايمان في حكم الظاهر وفي الشريطة، فهو متول لأهل تلك الصفة التي قد وقف عليها وجهل الحكم فيها، فلم يكن له أن يقدم على الأحكام وإنفاذ الأحكام إلا بعلم ما تجب به الأحكام، ما لم يبرأ من أهل الصفة التي جهل فيهم المعرفة، التي تجب بتلك الصفة الايمان عند الله في دينه، الذي جهله هذا الجاهل، أو يبرأ من أحد من العلماء إذا تولوا أهل تلك الصفة، أو يقف عنه برأي أو بدين من أجل ولايتهم لأهل تلك الصفة التي عرفها الجاهل منهم، وقصرت معرفته عنهم، فلا يكون لأحد الاقدام على إنفاذ الأحكام حتى يعلم حكم الأحكام.
ومما تقوم به الحجة في عقل الجاهل أن الإيمان والولاية لا تستوجب إلا بأحوال تجتمع من طاعة الله، من ذلك أن الإيمان وهو الإقرار بالجملة التي لا يختلف فيها، أنه لا يكون الإيمان إلا بها، لم يتفق ويصح إلا بمعان مختلفة يقر بها العبد، والكفر قد يكون ويصح بالمعنى الواحد، فلم يكن المقر مقرا بالجملة على الإجماع إلا بالإقرار بالله، أنه واحد لا شريك له في الالهية ولا الربوبية، عند علم ذلك ومعرفة معانيه، والاقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول
- 57 - (3/57)
صفحة 558
الله، وأن جميع ما جاء به محمد فهو الحق المبين، فلم يكن الإيمان إلا بالإقرار بهؤلاء المعاني، والعلم بهن وبمعانيهن والمراد بهن وفيهن، وكان الكفر بترك الإقرار بأحدهن عند قدرته على الإقرار بهن بلسانه، إذا لزمه ذلك وكان الكفر أيضا بالشك في أحدهن إذا شك في ذلك بقلبه، ولو أقر بذلك
،
بلسانه، وكان الكفر أيضا بجهل معاني أحدهن، أو جهل المراد بأحدهن فيرد أحدهن بلسانه وإنكاره، ولو أقر بذلك بقلبه فهو كافر بإنكار ذلك بلسانه، إذا كان على غير الاكراه على ذلك، وكان الكفر أيضا بالإنكار لأحدهن بقلبه، ولو أقرهن بلسانه، فصح في الجملة فيما يلزم فيه التعبد بالجملة، أن الايمان لا يكون إلا بخصال وبمعاني، وأن الكفر قد يكون بالمعنى الواحد والخصلة الواحدة، وعلى هذا اجتمعت الأمة لا نعلم بينهم اختلافا، ثم اختلفوا فيهما سوى ذلك، غير أن اختلافهم يقارب بعضه بعضا في هذا، أن الإيمان بالخصال والكفر بالخصلة، وأن الطاعة بالخصال والمعصية بالخصلة، والولاية بالخصال والبراءة بالخصلة، فهذا مما تقوم به الحجة في حجج العقول، فمن ذلك كانت الولاية غير البراءة، ووجوب الولاية غير وجوب البراءة، والحجة في الولاية غير الحجة في البراءة
فصل: كذلك البراءة في كل حال من الأحوال، وفي كل عصر ومصر، تقوم وتجب بالخصلة الواحدة، والمعنى الواحد، والولاية تختلف أحكامها في الأمصار والأزمنة والأحوال في المقال والفعال، وتفسير ذلك يطول به الكتاب، فالولاية أحكامها في لزومها وثبوتها؛ غير البراءة في أحكامها ولزومها وثبوتها، وذلك معروف عند العلماء من المسلمين، ولا يجهل معاني ذلك إلا الجاهلون بأحكام دين المسلمين.
ومن ذلك أن الإيمان وصفة الإيمان في أحوال الإنسان، تنقلب وتختلف، فيكون في حين إيمانا ولا يكون في حين إيمانا، في حال الإقرار
- 58 - (3/58)
صفحة 559
بما يكون الإيمان بذلك الإقرار، ويكون ذلك الإقرار هو الإقرار الذي لا يحتاج فيه إلى محنة بالإقرار بالمقال، وإن كانت الأعمال لا تتحول صفاتها ولا تتناقض أحوالها، ولا تختلف أعمالها مثل الصلوات والزكوات والحجج والعمرات والصيام، وسائر ذلك من أعمال الإسلام، فالعمل فيه لا يختلف والأحوال فيه لا تختلف من مخالفة ذلك ونقضه، ولكن صفة ما يجب به الإقرار الذي يبرأ به المقر من أسماء الضلال، والأسماء المشتركة لأهل الهدى والضلال، والحق والباطل والإيمان والكفر والشرك والنفاق، والأحوال تختلف في ذلك، فيكون الإقرار بشيء من ذلك في وقت من الأوقات، وحال من الأحوال، مجزيا للمقر به والمنتحل عن تفسير ما سواه من الأسماء، ثم يأتي حال لا يكون ذلك الإسم ولا ذلك الإقرار، مجزيا للمُقر به ولا للتسمي به في وجوب الولاية في الظاهر، حتى يعلم منه البراءة من ضلالة أهل الضلال، الذي قد أحدث في جملة أهل هذا الاسم، وأهل هذه النحلة وخالفوا فيهم، واختلط ذلك الإسم بأهل الضلال والهدى، فلا ينفعه التسمي بذلك الاسم، ولا الإقرار بتلك الجملة، حتى يعلم منه البراءة من تلك الضلالات، وأسماء المكفرات الشاهرة والضلالات الظاهرة، التي لا تتحول إيمانا أبدا، من ظهر عليه اسم من أسماء الكفر والأسماء الموجبة للكفر، فلا يكون بذلك الاسم أبدا مؤمنا، فأسماء الكفر لا تتحول بها الأحكام إلى الإيمان، وقد تتحول الأسماء المعروفة بها جملة الإيمان إلى أحوال تختلف فيها الأحكام، وإلى أحوال تخلص ذلك الإسم وأهله من الإيمان، ويصير بأهله إلى الكفر، مثل اسم الشراة والمحكمة التي كان مخيرا بمن عرف منه التسمي بذلك الاسم قبل أن يقع بأهله إلى الفرقة عن المحنة بالموافقة في القول، وإنما ينتظر به العمل، ثم صار اسم الشراة والتحكيم مشتركا لصنوف من أهل الضلال، وفيهم أهل الهدى فلم يكن ذلك الاسم بمجرى في بعض الأحوال عن المحنة كما كان مجربا في بعض الأحوال، وكذلك اسم الأباضية بعد مفارقة الطريفية والشعبية، لا يصح
-09 - (3/59)
صفحة 560
باسم الإباضية صحة محنة حتى يعلم من المتسمي بذلك، البراءة من مذهب الطريفية والشعبية، وكثير من هذا وأمثاله، وقد تختلف أحكام الولاية في الأحوال والأزمنة والمقالات والكفر، لا يتحول أبدا من ثبت عليه اسم القدرية والمرجئة والروافض والمعتزلة، وغير ذلك من أسماء أهل الضلال، فلن يتحول ذلك الإسم أبدا إلى هُدَى، حتى يرجع عن ذلك في أحكام يعرف
بذلك ويبرأ منه
فصل: فمن ذلك اختلف القول في وجوب الولاية ووجوب البراءة، والأحكام في ذلك مما لا يحصى، إلا ما شاء الله اختلاف ذلك واختلاف من معانيه وعلله وسبله
ومن ذلك أن الولاية إنما يستوجبها العبد بكمال الإيمان باستكمال خصال الإيمان، التي يعرف بها أهل الإيمان من أهل النفاق وأهل الشرك، وأن الإيمان يزيد ولا ينقص، وأنه إذا داخله النقصان بطل كله، فلا يكون إيمانا إلا بكماله، فمتى داخله شيء غيره من خصال الشرك أو النفاق بطل كله، فيحتاج الذي يعتقد الولاية لأهلها في أحكام الظاهر، إلى معرفة الخصال التي يثبت بها الإيمان والولاية، والخصال التي يبطل بها الإيمان والولاية، وينقص بها الإيمان والولاية، وإلا فكان جاهلا بذلك غير عالم به، وإذا كان غير عالم به كان محجورا عليه أن يقدم على ولاية الشخص بعينه أو باسمه أو بصفته، إلا بمعرفة أنه من أهل الولاية، ولا يصل إلى معرفة ذلك إلا بعلم ولا حجة في ذلك إلا بعلم، فكانت البراءة لازمة في حكم الظاهر للعالم والجاهل والقوي والضعيف، بالخصلة الواحدة والمعنى الواحد والمكفرة الواحدة، لقيام ذلك في حجج العقول، وللعرف في ذلك والعادة، من أحوال المتعبدين بذلك، فاختلف وجوب الولاية ووجوب البراءة لهذه المعاني ولهذه الخصال. أنه لا يجوز، وإن جهل المعنى الذي يجب به البراءة
6
- 1.- (3/60)
صفحة 561
مما
وإن
يسعه جهله، أن يُثبت لمن استحق ذلك الولاية بالدين ولا يجوز، جهل ما تجب به الولاية أن يبرأ منه إذا جهل ذلك، فمتى فعل ذلك فتولى من استحق عنده في حكم دين الله البراءة بدين، أو بريء ممن برئ منه برأي من المسلمين بدين من ضعيف أو عالم، أو وقف عمن برئ بدين من ضعيف أو عالم، أو وقف عمن برئ منه برأي أو بدين من عالم من علماء المسلمين، فهو بذلك هالك لا يسعه جهل ذلك ولا شيء منه
وكذلك إذا جهل ما يلزم به الولاية، وتجب به الولاية ووقف على صفة ذلك وجهل لزومه؛ فهو معذور، ما لم تقم عليه الحجة كما وصفنا بولاية الشريطة، ما لم يبرأ ممن استحق الولاية في حكم دين الله بجهله، أو يبرأ ممن تولاه من المسلمين بدين من ضعيف أو عالم، أو يقف عمن تولاه بدين من ضعيف أو عالم، أو يقف عمن تولاه بدين من ضعيف أو برأي أو بدين من عالم من علماء المسلمين، فإذا فعل ذلك كان هالكا، ولا يسعه جهل ذلك
ولا شيء منه
فصل: فإن قال قائل: فإذا تولى أحدا من هؤلاء الأعداء والمحدثين رجل من ضعاف المسلمين، فسئل عن ولايته له بأي وجه، فقال إنه رفع إليه ولايته رجل معروف من علماء المسلمين، وقال إنه كان يتولاه فلان، لرجل من المسلمين من البصراء في الدين، أيكون ذلك قذفا منه للعالم، أو لا يكون قاذفا للعالم بولاية هذا المحدث، مع من علم حدث هذا المحدث وعداوة هذا العدو، من أولياء هذا العالم المدعي عليه ولاية هذا المحدث، وأنه رفع
ولايته؟
قلنا له: لا يكون هذا الضعيف قاذفا لهذا العالم في حكم الدين،
بما رواه عنه من ولاية هذا المحدث عند من علم حدثه، لأنه يحتمل أن يكون
-11 - (3/61)
صفحة 562
العالم أيضا رفع إليه غيره من العلماء، ويكون قد تولاه بوجه حق أو رفيعة حق، ولا يكون المدعي للولاية قاذفا، ولا يكون القذف في أحكام الولاية، لأنه لا يكون قاذفا من تولى ظالما، لا يكون قاذفا له كما يكون المتبرئ قاذفا لمن برئ منه، وحكم المتبرئ غير حكم المتولي.
فصل: فإن قال: فإن الذي روى عليه الولاية لهذا المحدث يعلم منه من يعلم من المسلمين، أنه كان يبرأ من المحدث، وعلم منه ذلك، فما يكون حالة هذا المتولي الضعيف أو العالم عند من قد علم منه ولايته هذه، وقوله إن فلانا العالم كان يتولاه، وإنما تولاه بولايته، وقد علم هو من فلان العالم أنه كان يبرأ منه، ما تكون حالته عند هذا العالم بهذا العلم كله؟
فصل: قلنا له: يكون هذا على ولايته، ويكون الأول على ولايته، ولا يتحول الأول عن ولايته ولا هذا، حتى يعلم من أحدهما باطل، وهذا مما يمكن أن يكون تحدث للعالم الأول ولاية هذا المحدث بوجه من الوجوه، فيتولاه ويرفع ولايته، فيكون محقا في ولايته، ويمكن أن يكون قد خان الله في ولايته، فليس ذلك على المتولي بولايته وذلك على الخائن، ويمكن أن يكون هذا بولايته خائنا، وقذف العالم بذلك خائنة منه لدين الله، ودعوى منه،
فإذا احتمل لذلك وجه من الحق، فلا يقطع على أحدهما ولا عليهما بتخطئة ولا بتعنيف حتى يعلم باطله
•
فإن قال: وعلى أولياء هذا المتولي أن يسألوه بماذا تولى هذا المحدث، الذي هو عندهم محدث، أو ليس عليهم ذلك، ويسعهم أن يمسكوا عن
السؤال له ويتولوه؟
قلنا: ليس عليهم ذلك ويسعهم موافقته إذا احتمل لهم الحق بوجه من
الوجوه، وليس لهم أن يسألوه عن ذلك، قصدا
منهم
إلى البحث لعيبه
- TY- (3/62)
صفحة 563
والتجسس لعورته، ولكن إن سألوه عن ذلك وسيلة، قصدا منهم إلى أن يدلوه على الحق الذي يخافون أن يكون قد أخطأه، في وليه هذا الذي قد تولاه من غير أن يعنفوه قبل أن تبين لهم تعنيفه، ولا يبيحوا من أنفسهم براءة عنده من وليه، حتى يأتوا بالأمر من على وجهه، جاز ذلك إن شاء الله، وإن لم يسألوه جاز ذلك، وهو على ولايته أبدا ما لم يعلموا باطله وخطأه في ولايته لمن
قد تولاه
فصل: فإن قال قائل: فإن هذا المتولي لهذا المحدث الذي قد ذكرتموه، لما سئل عن ولايته له، قال إن فلانا العالم رفع إليه ولايته، فحضر فلان العالم فقال إنه لم يرفع إلى هذا المتولي ولاية هذا المحدث، وإنه هو لم يزل
على البراءة من هذا المحدث، ولم يتعد من قوله أكثر من هذا في المتولي
6
ما تكون حالة المتولي وما تكون حالة الفقيه العالم، الذي قد روى عنه المتولي
أنه
رفع إليه ولايته وأنكر ذلك العالم؟
قلنا: يكونون جميعا على الولاية، إذا كانوا على الولاية من قبل،
ولا يخطئ المتولي ولا العالم ما لم يكذب بعضهم بعضا أو يقذف بعضهم بعضا، بشيء من المكفرات التي لا تخرج لها من الباطل، ولا مخرج للمقذوف بذلك من الباطل فإذا تكاذبوا أو برئ بعضهم من بعض، أو قذف بعضهم بعضا، فهنالك يبرأ من القاذف أو المتبرئ من صاحبه فيهم، أو المكذب لصاحبه، أو المخطئ له، وإلا فلو داما على هذا القول؛ هذا يقول أنت رفعت إلى ولاية فلان، والآخر يقول لم أرفع إليك ولايته، كان هذا بينهما يخرج على حكم الدعاوى، ولا يخطئ أحدهما في ذلك ما لم يكذب صاحبه بالتكذيب والتخطئة، وما كانا يتداعيان شيئا يحتمل فيه صوابهما أو صواب أحدهما فهما على الولاية، وهذا من أحكام الدعاوى بين الناس، لأنه يحتمل أن يكون الرافع قد رفع إليه ذلك، ثم أنكر ذلك على الكذب والجحود،
- 63 - (3/63)
صفحة 564
ويمكن أن يكون ذلك منه على السهو والنسيان، ويحتمل أن يكون المتولي كاذبا عليه، ويمكن أن يكون صادقا عليه ولم يقذفه بشيء يكون فيه قاذفا يكفر في أحكام الدين، وإنما هو مدع عليه، ما يكون حكمه حكم الدعاوى، فهما جميعا في الولاية ما لم يعلم خطؤهما أو خطأ أحدهما، أو يكذب أحدهما الآخر أو يبرأ منه على ذلك، فأيهما كذب صاحبه أو برئ منه، فهو في حكم الحق مخطئ، ويبرأ منه مع من يتولاهما، إذا كان بحضرته بعد علم من القاذف أو المتبرئ بولاية المتولي للمقذوف أو المتبرئ منه، ولو كان القاذف أو المتبرئ هو الصادق عند الله - تبارك وتعالى ـ في ذلك
•
-12 - (3/64)
صفحة 565
باب
تصنيف المحللات والمحرمات من الأملاك
ومما ثبت تحليله من الأموال، ولو لم يستحقه الثابت له ذلك بعوض من ماله ولا ميراث؛ الوصايا لغير وارث الموصي، والإقرار بالحقوق ولو لم يعلم المقر له أن ذلك الحق له، على ما يوجبه الحق في قول المسلمين من أهل العدل للوارث وغير الوارث. فالإقرار للوارث وغير الوارث ثابت في الحقوق والديون، وكائن ما كان من رأس المال؛ فهو ثابت للوارث وغير الوارث، وكل ما كان من الثلث فلا ذلك للوارث ولا لغير الوارث يصح
والبيوع الحلال منها ثابت لمن صارت إليه من أموال الناس عن تراض منهم لذلك، والشراء من البيوع والقروض مما يثبت تحليله من سنة رسول الله وقول أهل العدل؛ وليس هو من البيوع ولا يدخل ذلك في التجارة، والعطية والهبات مما قد ثبت تحليله في إجماع أهل العدل، وفي السنة مما يدل على تحليل ذلك، والإجارات والأكرية ضرب من الحلال إذا كان ذلك على وجهه، ومن ذلك صدقات النساء على أزواجهن فهو ضرب من الأجر
6
وما يخرج حكمه من الأجر والعوض على البضع، والزكاة مما قد ثبت حلاله للفقراء وأهل السهام فيها المسلمين من أهلها، فذلك ثابت حلاله لمن خصه ذلك دون العامة. وكذلك الفقراء قد يخصهم من الحلال أشياء لا تجوز للأغنياء؛ مثل الوصية للفقراء، وكفارات الأيمان، وكفارات الصيد وغير ذلك مما هو. خاص تحليله للفقراء دون الأغنياء، ولا يدخل فيه ما يدخل في الزكاة من الرقاب والغارمين وفي سبيل الله، فلا يدخل في ذلك ما يدخل في
- 90 -
•
الزكاة (3/65)
صفحة 566
من
والدواوين من السلطان فضرب من الحلال، قد عمل به أهل العدل
ذلك
الأئمة والخلفاء الصادقين، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وقد يخرج على سبيل الإجارات ويخرج على غير سبيل الاجارات، وكل ذلك حلال
جائز
وكذلك الصوافي مباحة لمن خصه ذلك من أهلها؛ بغير بيع ولا عوض، هبة من الله جعلها لعباده على وجه ما يخص حلال ذلك، وهو من الحلال الذي لا يشك فيه أهل العلم
وكذلك المباحات من غير المربوبات من الموات؛ فثابت تحليل ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الأرض لله، فمن أحيا مواتا منها فهو له»
وكذلك المباحات من أشجار الأرض الموات؛ التي لا يقع عليها ملك مما أنبتت الأرض المباحة، فهو حلال مباح بغير عوض ولا. هذه هبة الله بيع
لعباده ورحمة منه
عليهم
6
فصل: وكذلك ما وقع عليه الإجماع بالإباحة من الأملاك، حتى يصير إلى التراضي من أهل الأموال بترك أموالهم، فذلك ضرب من المباح، الذي أباحه الله لعباده، لقوله - تعالى -: عن تراض منكم، فكما كانت التجارة لا تجوز إلا بالتراضي وتجوز بالتراضي، كذلك الحل والهبات وغير، من تراضى الناس بإباحة أموالهم خارج في حكم الحلال عن التراضي منهم، لا فرق في ذلك في تراض بشيء بعينه، أو تراض بمجملات من المباحات الخارجات على سبيل التراضي.
ذلك
فهذه الأصول التي ذكرناها من وجوه الحلال في دين الله - تبارك تأتي على جميع الحلال، ولا نعلم شيئا من الحلال إلا وهو داخل في هذه الوجوه التي وصفناها أو منها بنص أو ما أشبهها، لا غير ذلك نعلم
وتعالى -
6 -
-77 - (3/66)
صفحة 567
فالحلال شيء معروف موصوف، والحرام شيء معروف مثله موصوف، وما أشبه الحرام فهو حرام، وما أشبه الحلال فهو حلال، وما أشكل أمره فالوقوف أولى به حتى يصح حلاله من حرامه، وكذلك يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحلال بين والحرام بين وبين ذلك شبهات فيها هلك كثير من
الناس، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل شيء حمى. و حمى الله محارمه (1)
(
ومن الحرام البين ما ذكره الله من الربا وتحريمه له، فهو بصنوفه حرام. وضد الحلال من البيوع الحرام من الربا أو ما أشبهه من الخديعة في البيوع والكذب على الناس في بيوعهم حتى يجر بالكذب أموالهم، فكل مال أخذ بالخديعة والغش والكذب في المبايعات، فذلك لاحق بالحرام على فاعله دون المفعول به ذلك، وللمفعول به ذلك الخيار إذا وقف على ذلك في إتمام البيع على ما قد خدع وغش وكذب به عليه، فإن أتمّ ذلك البيع على ذلك؛ فقد قال أكثر أهل العلم: إن ذلك له ولا خيار للبائع الغاش في ذلك
وقد قيل: للبائع أيضا في مثل هذا ما للمشتري.
6
والقول الأول أبين؛ إذا كان من طريق الغش والكذب والخدائع
والمدالسات وما أشبه ذلك، والخيار في ذلك للمشتري معنا
فصل: وما كان من طريق الجهالات والمغيبات من غير الربا مما يعرفه البائع ولا يعرفه المشتري، وليس من العيوب والغش وإنما هو من طريق غيبوبة الشيء أو شيء منه، فذلك قد قيل فيه باختلاف أيضا:
فقال
من قال: الخيار في ذلك للمشتري دون البائع
وقال من قال: للبائع ما للمشتري، وهذا القول أكثر وأحب إلينا
(1) متفق عليه
- TV- (3/67)
صفحة 568
وما كان في البيوع من الربا فلا خيار في إثبات ذلك للبائع
،
ولا للمشتري، وذلك باطل فاسد وعليهم التوبة من الدخول في ذلك والرجعة إلى رءوس أموالهم، لا يقيمون على ذلك البيع ولا يتتامون عليه أبدا، ولا نعلم في ذلك اختلافا، فلا تخرج البيوع بأجمعها من أحد هذه الوجوه وما يدخل فيها وما يشبهها. ولا يجوز لجاهل ولا عالم أن يركب من ذلك مجمعا على باطله في دين الله، وما وافق من جميع ذلك مختلفا فيه من قول الله أهل العدل، ولم تقم عليه حجة من حجج. من حاكم عدل، أو حجة حق تزيل عنه التوسع بالمختلف فيه فهو سالم، ولا يضره جهله بذلك، ما لم يخالف أصول الدين وما يشبهها من حكم المسلمين الثابت على أهل الدين فصل: ومن أكل أموال الناس بالباطل، ولو تراضوا بالبيع والشراء وسلّموا لبعضهم بعضا البخس في المكيال والميزان؛ في الزيادة فيه والنقصان على التعمد، والقصد إلى الأصل المحرم في دين الله والعصيان، ولو جهل ذلك الإنسان وظن أن ذلك له من الحلال ذلك العلماء به
بر،
(
فلا
يسع
ولا الجهال، وذلك كفر من فاعله وضلال، وفي بخس حبة من أرز أو ذرة أو أو ما أشبه ذلك من المملوكات المحجورات في المكيال، بنقصان ذلك وزيادته على مستحق ذلك، عليه من أهل الإسلام أو من أهل الشرك، وجميع من حرم الله عليه ماله ألا يحله، وكذلك إن بخس في الميزان مثقال ذرة أو مثقال حبة خردل من الذهب أو الفضة أو ما كان من جميع ما يوزن، فهو بذلك راكب للنهي، وقليل ذلك وكثيره كبير، لموضع ارتكاب المحجور من
البخس في الميزان والمكيال، ولا يسع جهل ذلك، ولا ركوبه على العلم
6
وهو مما يسع جهله ما لم يركبه، أو يتولى راكبه على العلم منه بذلك، أو يقف عن العلماء إذا برثوا من راكبه برأي أو بدين، أو يبرأ منهم من أجل ذلك
ومن أكل أموال الناس بالباطل وإن تراضوا بذلك؛ كالقمار وأنواع
- 74 - (3/68)
صفحة 569
السحت، والمخاطرات بالأموال على غير أصل من البيوع، ولا أصل من
وجوه
الطاعة؛ فذلك كله من أكل أموال الناس بالباطل
ومن أكل من جميع أنواع السحت قليلا أو كثيرا أو ملكه أو عقده على نفسه بالقمار فهو هالك، وقد قال من قال: لا توبة لمن أخذ شيئا من الربا أو شيئا من السحت إلا برد ذلك إلى أهله، ولا يجوز الحل من ذلك لأهله ولا من أهله، ولا يجوز أن يؤخذ بذلك غيره من العروض ولو تراضوا بذلك، وهو أكثر القول عندنا. وقد قيل: يجوز أن يؤخذ عروض بذلك عند عدمه
فصل: وقال من قال: يجوز الحل من ذلك عند التوبة، وليس ذلك مما يجتمع عليه في هذا. ومن السحت أخذ الأجور على شيء ء من المعاصي، قلت أو كثرت، صغرت أو كبرت، فمن أخذ أجرا على معصية فهو من السحت، وقليل ذلك وكثيره من السحت، وهو كبيرة إذا أخذ أجرا على معصية الله، وكذلك الأجر على طاعة الله؛ فقال من قال: إن كل أجر على السحت طاعة الله فهو حرام ومن
وقال من قال: إنما السحت من الأجر على طاعة الله ما كان من ذلك من اللازم أخذ الأجر عليه، فإذا أخذ أجرا على ما هو لازم له، وعليه القيام به في كتاب الله أو سنة رسوله و أو إجماع أهل العدل، فأخذ على ذلك أجرا فهو السحت، وقليل ذلك وكثيره حرام، وهو نازل بمنزلة الربا والسحت،
من
وقد مضى القول في ذلك عند التوبة من ذلك والخلاص
ومن الكبائر كتمان الشهادة من حيث لا يختلف أن على الشاهد أن يؤديها؛ من الحكام وأهل الاسلام، من جميع الشهادات التي يجب عليه أداؤها في الأحكام؛ في الأموال والفروج وغير ذلك من أحكام الاسلام، فمن كتم شهادة عنده حتى أتلف بكتمانه مالا لأحد، فذلك الذي قد تلف بذلك الكتمان عليه فيه الضمان، كان ذلك قليلا أو كثيرا، وذلك من أكل
-74 - (3/69)
صفحة 570
أموال الناس بالباطل؛ فإن أراد التوبة فعليه أداء ذلك إلى أهله، وتجزئه في ذلك التوبة مع الحل، إن أحله أربابه وأبرأوه من ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا أن الحل في ذلك يجوز ويجزئ.
وكذلك
أكل أموال الناس بالباطل؛ الشهادة بالزور على ذلك، من حتى يتلفوا من المال قليلا أو كثيرا، أو جميع ما أتلف بشهادته فهو هالك بذلك، وعليه ضمان ذلك إذا لم يدرك ذلك وتلف، والتوبة من ذلك والحل يجزئ من أهله، ولا نعلم في ذلك اختلافا أنه إذا أحل من ذلك أنه يجزئه فصل: وكذلك حاكم الجور إذا حكم بحكم باطل لا يختلف فيه؛ فهو من أكل أموال الناس بالباطل، وعليه مع التوبة الضمان لذلك والتوبة من ذلك، والحل يجزئ عن ذلك المال رب
هالك
الأداء إذا أحله
من
وأما ما أخذ الحاكم من الرشا على حكم الجور، وأخذ الشاهد من الرشا على شهادة الزور، وعلى تأدية الشهادة التي يلزمه أداؤها فكتم ذلك حتى أخذ على ذلك أجرا، وكذلك الحاكم إذا لم يحكم بالحق الذي يلزمه الحكم به، حتى أخذ على ذلك أجرا ورشوة، فذلك. السحت، والقول فيه أنه من بجميع ذلك، قليل ذلك وكثيره، وأما التوبة من ذلك مع الحل، فقد مضى فيه القول، وهو ما قد بينا القول فيه من الاختلاف في السحت والربا. فصل: ومن أعان ظالما على ظلمه؛ من الجبابرة أو غيرهم من الظالمين الظاهر ظلمهم، بكلمة أو مدة من دواة أو معونة على باطل، من قليل أو كثير، فذلك كله من الكبائر، والحكم جار على من ثبت له اسم في، من البراءة والظلم والضمان يخص من خصه ذلك، وهو وإن لم يلزمه ضمان، فبالمعونة يلزمه الاثم، والظلم والبراءة والضمان ثابت منهم على من أخذ أو دل أو رسم أو أخذ برسمه، أو أمر وهو مطاع فعمل بأمره، فكل
المعونة
هؤلاء ضامنون
•
- 70 - (3/70)
صفحة 571
باب
اختلاف الرجلين في التحليل والتحريم
علماء
وإذا كان الاختلاف بين الرجلين في الدين، فأحل أحدهما ما هو حرام في أصل دين الله وحرّمه الآخر، وتنازعا في ذلك وعلم ذلك منهما من علم ممن يجهل ما سمع منهما من الاختلاف في الدين، فإن كان لهما معه متقدم ولاية واختلفا في هذا، وهو من الدين في علم الله، وعَلِم مَن علم ذلك من المسلمين، فلا يسع الجاهل بذلك منهما أن يتولى المبطل منهما على كل حال ولاية الدين، ولا عذر له في ولايته بدين على حال، ولا يجوز له أن يقف عن المحق منهما وقوف دين في أصل ما تعبده الله به
فإن كانا من الفقهاء الذين تقوم بهم الحجة في الفتيا فيما يسع جهله، أو
كان المحق منهما ممن تقوم به الحجة في الفتيا في الدين فيما يسع جهله، وكان من عرف ذلك منه من صحة علمه وفضله، فقد قامت الحجة
بتلك المنزلة مع على من علم ذلك منه، وعليه أن يصدقه في ذلك، لأنه هو الحجة التي ليس له أن يلوي عنقه عنها إلى غيرها، وعليه من حينه أن يتولى المحق على حالته، ويبرأ من المبطل من حينه، ولا يسعه بعد قيام الحجة أن يترك ما لزمه من ولاية المحق والبراءة من المبطل، ولا يجوز له أن يقف عن العالم المحق من أجل براءته من المبطل، وقد أقام على الجاهل الحجة، بقوله الحق الذي قال به وبينه، من باطل المبطل، ولا بد من قبول ذلك منه، في أكثر ما قد قيل من قول أهل العلم، غير أنه على كل حال إن ضاق عن قبول ذلك، فوقف عن العالم المحق برأي أو بدين، من أجل قوله الحق الذي هو فيه حجة، أو من أجل براءته من المحدث الذي قد استحق البراءة في حكم دين الله ـ تعالى ـ،
- 71 - (3/71)
صفحة 572
وجهل ذلك الجاهل، فلا شك أنه إن وقف عن العالم المحق برأي أو بدين، أو برئ منه برأي أو بدين، من أجل ذلك أنه محدث هالك بذلك، ولا اختلاف معنا في ذلك
وأما إن ضاق عن قبول ذلك في المحدث، وتولى العالم المحق، ووقف عن ولاية المبطل، فلم يتولّه بالدين، ولم يثبت على ولايته بالدين، ففي أكثر القول أنه هالك وأنه محدث بتركه للحجة وشكه فيها
وقد قيل: إنه لا يهلك ما لم يقف عن العالم برأي أو بدين، أو يبرأ منه برأي أو بدين من أجل قوله بالحق، وبراءته من المبطل بالحق، ولو برئ كل واحد منهما من صاحبه، فلا يتحول حق المحق ولا حجة العالم، ولو كان خصمه في ذلك مائة ألف أو يزيدون، من نظرائه وأمثاله في العلم، أو كان خصمه في ذلك. جميع أهل الأرض، كان هو الحجة على من خصمه في ذلك، وخالفه على من سمعه من السامعين له ممن جهل حقه أو علمه، فلا تتحول حجة الله لمخالفة من خالفها، ولا تتحول بجهل من جهلها، هذا ما لا نعلم
فيه اختلافا من قول أهل العلم
•
وإذا تولى الجاهل المحدث بدين، أو وقف عن العالم بدين أو برأي من أجل قوله الحق، أو براءته من المحدث، فلا نعلم في ذلك اختلافا أنه هالك محدث، لا يسعه جهل ذلك، ولازم له الدينونة بالسؤال في الاجماع، وإذا صار إلى هذه المنزلة كان كل من عبر له الحق في ذلك، كان عليه حجة كائنا من كان ذلك المعبر من المعبرين، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وما لم يتول المحدث بدين أو يقف عن العالم المحق، من أجل قوله بالحق وبراءته من المبطل بالحق، ولو جهل هو ذلك الحق، فلا يحكم عليه بهلاك بالدينونة إلا على ما ذكرنا من الاختلاف وأما إذا لم تقم عليه الحجة بالفتيا، فإنما هو بريء منه على ما عاين هذا
- VY- (3/72)
صفحة 573
منه من الباطل، فبرئ منه العالم المحق من أجل باطله ذلك وحدثه، فما لم يتول المحدث بدين أو يبرأ من العالم من أجل براءته من المحدث، أو يقف عنه برأي أو بدين فهو سالم، ولا نعلم في ذلك اختلافا
وأما إذا سمعه وهو يقيم عليه الحجة بباطل الحدث، وعرف ذلك من عبارة العالم، فقد قامت عليه الحجة بالعلم في حكم الحدث الذي قد عاينه من المحدث وسمعه، والعالم حجة في الفتيا فيما يسعه جهله، فهنالك ضاق عليه الشك في أكثر القول، كما قد قلنا ووصفنا وذكرنا، لقيام الحجة عليه من قول العالم الذي هو. حجة.
فإذا لم يا رف ضلالة المحدث من حينه، أو يقبل من العالم الفتيا فيما أقام عليه من حجة الله، فهو محدث بذلك، ولو لم يتول المحدث بدين، ولا برئ من العالم ولا وقف عنه بدين ولا برأي، فبشكه في ضلالة المحدث بعد قيام الحجة عليه من قول الفقيه، كان محدثا هالكا بذلك في أكثر القول. فصل: وكذلك إن كان المحق هو العالم، والمبطل هو الضعيف، في أصل ما اختلفا فيه من أصل الدين، الذي لا يجوز فيه الاختلاف، فالقول فيه واحد، والمعنى فيه واحد، والعالم المحق حجة على كل من قام عليه في الفتيا من العلماء والضعفاء، ولا فرق في ذلك على من علم ذلك من المختلفين ما قد وصفنا، فإن قام عليه العالم الحجة في الفتيا بضلالة المحدث، كائنا من كان المحدث؛ عالما أو ضعيفا، وليا أو غير ولي، وهو حجة عليه على ما قد وصفنا، وعليه قبول ذلك منه والبراءة من المحدث من حينه، ولا يسعه في ذلك طرفة عين، وإن لم يقم العالم عليه الحجة بالفتيا وإنما هو برئ منه بحدثه ذلك، فلا تقوم عليه حجة ببراءة العالم منه، ولكن إذا علم الحدث الذي برئ منه العالم به، فليس له أن يبرأ من العالم من أجل براءته من المحدث، ولا يقف عنه برأي ولا بدين، فإذا لم تقم عليه الحجة من فتيا
الشك
،
- 73 - (3/73)
صفحة 574
العالم بذلك، ولم يبصر هو حكم الحدث الذي عاينه من المحدث، ولو كان بحضرة العالم ولم يسائله عن ذلك، فواسع له ذلك في أكثر القول، فإن سلم من ولاية المحدث بدين، ومن البراءة من العالم من أجل براءته من المحدث، ومن الوقوف عن العالم برأي أو بدين من أجل براءته من المحدث، فهو سالم، ولا نعلم في ذلك اختلافا، فإن برئ من العالم من أجل براءته من المحدث، أو وقف عنه برأي أو بدين أو تولى المحدث بدين، كان بذلك محدثا هالكا، وكان عليه الدينونة بالسؤال عن ذلك، وكان كل من عبر له ذلك الحق هو حجة عليه من جميع المعبرين، وإذا أقام عليه الحجة بالفتيا بضلالة المحدث أو بكفره، كان المحدث عالما أو ضعيفا وليا في متقدم الأمر أو غير ولي، فالقول فيه واحد، والحجة قائمة من قول الفقيه، غير أنه قد مضى القول أن ذلك
ليس بالإجماع.
وكل ما عدا الاجماع إلى الاختلاف، خرج من حكم الدينونة إلى
من
6
مع معاينة الحدث من المحدث،
الرأي، ولم تكن براءة العالم. المحدث وعلمه بالحدث مقيما عليه حجة في البراءة من المحدث، ولا قائما بذلك مقام الحجة في الفتيا، وإنما تقوم في ذلك مقام الحاكم بالحق الذي جهله الجاهل. وليس للجاهل ولا عليه أن يحكم بما يحكم به العالم، حتى يعلم كعلم العالم، فإذا أقام عليه الحجة بالعلم، كان عليه مع ذلك إقامة الحكم، فهذا فرق ما بين حكم العالم وبين فتيا العالم، ولا يجوز لأحد أن يحكم بما حكم به الحاكم، على ما علمه الحاكم، إلا إن استشهده الحاكم، شهد بما استشهده الحاكم من الحكم، ولو علم من المحدث الحدث الذي قد عاينه منه العالم، وكان علمهما جميعا في الحدث سواء، فقال العالم إن حدثه هذا الذي أحدثه وعمل به أو قال به، مما يكفر به أو يضل به وهو باطل في الأصل، وكان العالم في ذلك صادقا في دين الله على المحدث، كان ذلك عليه حجة في الفتيا، وكان
- 74 - (3/74)
صفحة 575
على الجاهل أن يقبل منه ذلك ويبرأ من المحدث
فصل: وإذا برئ العالم من المحدث من غير عبارة للجاهل بحكم الحدث، لم يكن ذلك حجة على الجاهل من فتيا العالم، وكان على الجاهل ألا يتولى المحدث بدين، ولا يبرأ من العالم من أحد ذلك، ولا يقف عنه برأي ولا بدين، فإن فعل ذلك أو أحد ذلك، كان محدثا هالكا. وكان عليه الدينونة بالسؤال، أو قبول الحق في ذلك؛ من جميع عبر
المعبرين.
له ذلك من
فإن قال قائل: فكيف السبيل إلى علم ذلك من الجاهل، إذا كان المختلفان في الدين فقيهين، ممن شهر فضلهما وعلمهما واستقامتهما فيما مضى من أهل نحلتهما ودينهما، من أهل المعرفة بهما من أهل الاستقامة من
المسلمين؟ قلنا له: السبيل إلى ذلك واضح، ينطق به المحق منهما على المبطل منهما، وليس أوضح من ذلك سبيلا عند من عرف الحق، إذ ينطق بالحق عالم فقيه أمين، على ما حمله من علم ما يسع جهل، إذا نزل العالم مع الجاهل بمنزلة يكون عليه حجة، فسواء جهل الحجة أو علمها، فلا.
جهل حجة الله
يسعه
وإذا لم يكن العالم مع من سمعه ينطق بالحق؛ فيما يسع جهله من دين الله، وكان جاهلا بمنزلته، فلا يكون عليه حجة، ولو كان مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، إذا لم يعلم منزلتهما في الاسلام، وصفتها التي يعرفها العلماء بهما، فإذا عرف الجاهل من العالم صفة العلم التي يكون عليه حجة بها مع أهل العلم، كان ذلك حجة عليه، ولو جهل حكم الصفة التي يكون العالم بها حجة
وإذا جهل الجاهل الصفة من العالم، وكان جاهلا بمنزلته التي يكون بها
- Vo - (3/75)
صفحة 576
حجة عليه مع العلماء بالحجة، زال عنه بذلك الحجة فيما يسعه جهله. ولو أن رجلا من أهل مكة أو المدينة أو غيرهما، قد شهر معه منزلة أبي بكر وعمر في فضلهما وعلمها ومنزلتهما، وقامت عليه الحجة بأنهما حجة عليه؛ فيما يسع جهله، دخل المدينة ليسأل عن شيء مما يسع جهله، ولا يعرف أبا بكر وعمر بأعيانهما فلقيهما جميعا في موضع واحد، فسألهما وهو جاهل بهما عن شيء مما يسع جهله من دين الله، فأفتياه جميعا بذلك ولم يبصر عدله، ولا بان له صوابه، وقد صح معه بالشهرة حجة أبي بكر وعمر في العلم، ما كانا بذلك حجة عليه فيما يسع جهله، ولا يهلك بالشك في قولهما؛ إلا أن يبرأ منهما من أجل الحق الذي قالاه أو يرده عليهما، فإنه يكون بذلك هالكا ببراءته من المحق بغير حجة، كائنا من كان من المحقين، إذا برئ منه على ما جاء به من الحق والقول بالحق من الفتيا، فبرئ منه
بجهله، فهو بذلك محدث هالك
ولو وقف عن أبي بكر وعمر من شخصيهما وعينهما، من أجل ذلك الذي قالاه، ولم يكن تقدم له فيهما معرفة فلم يتولهما بعينها ووقف عنهما، وهو يتولى في الأصل أبا بكر وعمر على الشهرة، ما ضاق عليه ذلك، لأن حكم هذين الشخصين معه في الوقوف، فهو واقف عنهما حتى يصح معه في أمرهما بعينها، ما تجب عليه به الولاية وهما معه في الولاية، وإنما قصد بالسؤال إلى أبي بكر وعمر، وخرج ليسأل أبا بكر وعمر غير أنه لم يعلم أنهما هما، وإنما ظن أنه لقي غيرهما من الناس، فعارضهما بالسؤال أو اعترضاه هما بالمقال، لم يكونا عليه حجة في الفتيا فيما يسع جهله
ولو صح معه الصفة التي نزل بها أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ من الفضل والعدل والعلم، وجهل أن العالم حجة، ولم يعلم أن أهل تلك الصفة هم حجة الله على عباده في الفتيا، وهو يعرفهما بأعيانهما فسأل أحدهما بالنكير
- 76 - (3/76)
صفحة 577
في شيء عما ا يسعه جهله، فأقاما عليه بذلك الحجة بالقول بالحق في شيء من الدين، كان ذلك حجة عليه ولو جهل ذلك الأمر، الذي يكون به العالم حجة، إذا علم منزلة العالم التي هي منزلة الحجة، وعلم العالم الذي هو نازل بالمنزلة التي هي حجة عليه فيها يسعه جهله.
وكذلك لو خرج أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما ـ، إلى بعض القرى من مملكتهما متكتمين أو أحدهما، ولم يعلم عاملها بقدومهما إلى ذلك البلد، ولا كان يعرفهما بأعيانهما، وهو يدين بطاعتهما وولايتهما، ويأمنهما على أن يسفك الدماء بأمرهما تقليدا لهما لما ائتمنهما الله عليه من الأحكام وحقوق الاسلام، فاستشهدهما مسلم بحق على يهودي عدو للاسلام، بقيراط من فضة من بيع لحقه له، أو إقرار له به، أو من وجه من الوجوه، فشهدا على ذلك اليهودي لذلك المسلم الولي، مع ذلك العامل أو القاضي الذي هو لهما، ومن تحت أيديهما، فقبل شهادتهما على ذلك، وهو جاهل بهما، وحكم بذلك القيراط لذلك المسلم على ذلك اليهودي، كان بذلك حاكما بالجور، ضامنا لذلك الذي حكم عليه بما حكم عليه، وكان معهما مخلوعا، وعليهما أن يعزلاه عن عمل المسلمين، إذا علما منه أنه أجاز شهادتهما على غير علم منه بهما، وبما يجوز من أمرهما. هذا ما لا نعلم فيه
اختلافا
6
ولو كان بحضرة الحاكم من هو دون أبي بكر وعمر في العلم والفضل العدالة؛ فسأله الحاكم عن أبي بكر وعمر لما شهدا عنده بذلك ممن يبصر القيراط، فعدلهما ذلك المعدل وهو بهما غير عالم، إلا أنه لما رأى من هيئتهما ومنزلتهما، وحكم الحاكم بعدل المعدّل، كان الحاكم سالما والمعدل أثما ظالما، لأن المعدل حجة للحاكم والمعدل في أمره ذلك ظالم آثم. وإنما ضربنا بأبي بكر وعمر المثل، لأنهما تضرب بهما الأمثال فيما كان الأحوال، والله من المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم
- VV - (3/77)
صفحة 578
فصل: وكذلك كل من: كان من العلماء، الذين قد نزلوا بمنزلة الحجة في دين الله، على من قاموا عليه فيه، مع من علم منزلتهم في الاسلام، ولو جهل حكم منزلتهم في الاسلام، فلا يسع جهل العالم كما لا يسع جهل الظالم إذا شهر ظلمه، إلا أن يحكم عليه فيه بحكم الظالم.
كذلك العالم لا يسع جهله، إلا أن يحكم فيه بحكم العالم، مع من عرف أنه عالم ولو جهل منزلة العالم في حكم منزلته، كما جهل الجاهل حكم الظالم إذا علم ظلمه، وهذا ما لا يغيب على أهل العقل، ولا يجهل هذا إلا أهل العمى والجهل
ولو كانت حجة الله لا تقوم إلا على من عرف أنها حجة الله، ما قامت حجة أبدا على أحد من خلق الله من المشركين ولا من الموحدين، ولا كانت
،
تقوم حجة لنبي من الأنبياء ولا لرسول من الرسل، ولا الإمام من الأئمة إلا من علم أن ذلك الرسول رسول، وذلك النبي نبي وذلك الإمام إمام، وهذا من الجهل والمحال، بل إذا قامت شواهد الحجة التي هي حجة، مع من عرف أنها حجة من العالمين بحكم الحجة، فإنها تقوم على من عرف ذلك من الحجة، جهل حكم الحجة أو علم حكم الحجة، فلا. جهل الحجة وإذا يسع لم تقم شواهد الحجة للحجة، فغير مقطوع العذر من جهل الحجة، ولو كان ذلك كذلك، لكان كل من ادعى النبوة من الخليقة جاز له ذلك وكان حجة، لأنه يمكن أن يكون نبيا فيما مضى قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيما يمكن من رسالة الرسل ونبوة الأنبياء، وكان كل من قال إنه نبي كان حجة، بل لا يكون النبي حجة في حكم كتاب الله - تبارك وتعالى ـ، فيما حكم وقضى به حتى يرسله ويجعل له الآيات والدلائل التي تكون بها له الحجة من المعجزات ومن الدلائل والآيات
التي لا يأتي بها غيره من الأمة
•
وكذلك حكم الله في عباده لطفا.
منه
6
بهم ومنا منه عليهم وذلك إذا
- VA - (3/78)
صفحة 579
كانوا على دين نبي من الأنبياء مسلمين؛ فهم عليه وحجة الله لهم ذلك النبي وذلك الدين، الذي هم به سالمون، حتى يأتيهم نبي ورسول آخر من قبل الله بدلالة وعلامات ومعجزات، يعقلون أنها لا تكون إلا من الأنبياء والرسل، ولا يكون لظالم حجة وهو محجوج في حال ظلمه وشركه، وإنما تكون الحجة والسلامة للمتمسكين بالحق، الذي لم يأت بما ينقضه بما يقيم الله به الحجة
عليه
كذلك قد قال الله - تبارك وتعالى -: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْما بَعدَ إِذْ
هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمُ مَا يَتَّقُونَ) (1)
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِبَيِّينَ هُمْ فَيُضِلُ الله مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزيز الحكيم) (2) وقال تعالى: وقل لو كانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةُ يَمْشُونَ مُطَمِينَ كَنَزَلْنَا
عَلَيْهِم مَنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا) (3).
من
ولا نعلم أن رسولا من الرسل ولا نبيا من الأنبياء إلا وقد أعطاه الله الآيات والعلامات، ما لم يأت به النبي الذي كان قبله، والرسول الذي كان قبله، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزا حكيما
(1) جزء الآية (115) من سورة التوبة. (2) الآية (4) من سورة ابراهيم (3) الآية (95) من سورة الاسراء.
- 79 - (3/79)
صفحة 580
[صفحة فارغة] (3/80)
صفحة 581
باب
القول في تحريم الخنزير
وأما حجر العين في ذلك، فإنه إذا رأى الخنزير بعينه، وأمسكه عليه مذكى أو غير مذكى، فذلك عينه التي يُعرف بها عند من يعرفه، ولو جهله الجاهل به، فإذا غابت عينه التي يعرف بها عند من عرفه، حتى يصير إذا وقف عليه من يعرفه في الأصل أنه خنزير، غاب عنه علم ذلك أنه خنزير أم لا، فإذا صار الخنزير إلى ذلك الحد، الذي إذا وقف عليه من يعرفه بعينه أو عاينه، ولم يجهله بعينه أن لو كانت قائمة وجهله، إذا كانت تلك العين غير قائمة، فإذا صار بتلك المنزلة صار مباحا لمن علمه في الأصل أو جهله إذا غابت عنهم في الأصل حالته، ولم يدركوا العلم من هذا المعاين، إلا وقد غابت عينه التي يعرف بها، وبها يوصف، فذلك حد الاباحة له إذا كان في يد من تجوز ذبيحته من المقرين أو أهل الكتاب، إلا أن يدرك وقد زالت عينه، وهو متصل جسده غير مذكّي، وعرف ذلك من وقف عليه أنه بهيمة غير مذكاة، وعاين ذلك أنه غير مذكي ولا مذبوح، فإن ذلك محجور أيضا ولو لم تكن له عين يعرف بها، لأن هذا من أسباب الحجر لأنه ميتة قائمة، إذا كان غير مذكى، وأما إذا كان فيه أثر الذبح والذكاة، وقد غابت عينه التي يستدل بها على معرفته عند من عرفه، أو صار لحما طوائف متقطعا زايل العين التي يعرف بها، فذلك مباح لمن كان يعرفه بعينه في الأصل، أو يجهله لأنه قد صار بحد لا يعرفه من يعرفه، فأبيح لمن لا يعرفه، وإذا صار بهذه المنزلة صار بحد المباحات في حكم الظاهر حتى يعرف أصله أنه خنزير، فإذا علم أنه لحم خنزير ولو كان طوائف مطبوخا أو مشويا، فهو محجور محرم على من جهل
- AI - (3/81)
صفحة 582
حرمة الخنزير أو علمها، إذا علم أنه لحم خنزير فهو محرم على من علم حرمة الخنزير أو جهلها فإذا رأى الجاهل لعين الخنزير أو لحرمة الخنزير ولو كان
6
"
يسعه
عالما بحرمة الخنزير غير أنه جاهل بعين الخنزير وجنسه من الدواب والبهائم. والخنزير في حال يعرفه في الأصل من كان عارفا بجنسه أو لونه، أو بصفته التي يدرك بها معرفته ممن يعرفه، كان جاهلا بحرمته أو عالما بحرمته، فلا جهل ركوبه ولا أكله ولا شراؤه ولا بيعه، ولا ولاية من أكله أو اشتراه أو باعه، لأنه محرّم في الأصل على من جهله أو علمه، إذا كان قائم العين التي يستدل بها على معرفته من هو عارف به
فصل: وكذلك إن كان متصلا قد زالت عين جنسه، إلا أنه قائم الجثة وهو غير مذكى ولا مذبوح، فلا يسعه أيضا جهل ركوبه بأكل ولا بيع ولا شراء، ولا تسعه ولاية من ركب ذلك بأكل أو بيع أو شراء، إلا أن يكون في حال يمكن أن يكون الأكل له في حال الضرورة إليه إذا أمكن ذلك، ولا يعلم من أكله أنه أكله على غير ضرورة، وإذا أمكن له الضرورة إليه بوجه من الوجوه، فالأكل له عنده بحاله ويجوز ولايته، ولو كان في الأصل قد أكله بغير اضطرار متعمدا على الاثم والعدوان، فإذا أمكن ذلك أن يكون أتى ذلك باضطرار؛ فهو في ذلك سالم عند من عرف ذلك منه، وهو مسلم في الولاية إن كانت له ولاية، وإن لم تكن له ولاية من قبل، فهو على حالته التي كان عليها من وقوف أو براءة، لا يزيد ذلك الأكل فيه شيئا
6
وأما بيعه فلا يجوز على كل حال، في اضطرار ولا غيره، وبيعه باطل ولا يجوز إلا أن لا يقدر أن يأكل منه ما يحيي به نفسه ويقدر على شيء منه ذلك بالدينونة، أنه إذا قدر على رد ذلك رده فباع منه لمن يعرف أنه خنزير، أو يعلمه أو يأخذ من ثمنه بقدر ما يحيي به نفسه من المأكولات، ويرد على المشتري منه ما أخذ منه إذا قدر على ذلك أو قيمته، إذا قدر على ذلك، فعلى
- AY- (3/82)
صفحة 583
هذا الوجه يجوز أن يباع منه على هذا السبيل، فإن احتمل لبائعه أيضا وجه يخرج إلى العذر، فهو على حالته وولايته أو حالته الأولى، وإن لم يحتمل مخرجا فلا يجوز بيعه، وإذا لم يشهد عليه ظواهر الأمور بالاستغناء عن ذلك، فلا يجوز أن يخلق عليه بباطل، وهذه الحجة له واضحة، وغير ذلك من الاحتمال في البيع له، فإذا لم يدخل في حال لا مخرج له من الكفر والباطل، لم يخلق عليه بالكفر ولا بالباطل حتى لا يكون له مخرج، ولا يجوز الحكم بالغيب ولا بالباطل إلا بعد انقطاع عذر المحكوم عليه وكذلك شراؤه إن لم يقدر المضطر على ما يحيي به
نفسه من
الحلال
المذكى ولا غيره من الأطعمة، أو منع ذلك ولم يقدر على الوصول إلى ذلك من الأملاك لمنع أهلها إلا بالقتال والقتل لأهلها، جاز له أن يشتري منهم بقدر
6
من
ما يحيي به نفسه من الخنزير الذي في أيديهم فإن كانوا ممن يحرم عليه في الأصل ثمن ذلك وقدر على أن لا يُؤدّي ذلك إليهم، فليس له أن يؤدي ذلك إليهم، وذلك جميع أهل القبلة فإنه حرام عليهم ثمن ذلك، وإن كان أهل الكتاب واشتراه منهم؛ كان عليه أن يعطيهم قيمة ذلك السعر، إذا كان البيع عند الاضطرار، وإذا احتمل عذر المشتري له ولو لم تظهر عليه شواهد الاستغناء عن ذلك، واحتمل له عذر فهو على حالته أيضا
الأولى.
معهم
بعدل
وكذلك للأكل في نفسه بجهل الحرمته أو بعلم لحرمته بجهل لجنسه أو بعلم الجنسه، فإذا كان إنما يأكل ذلك من اضطرار في الأصل، وإنما يشتري من ذلك في حال الاضطرار، الذي يسع فيه العذر لمن علم بذلك، فذلك جائز له في أصل ما دخل فيه، لأن ذلك مباح له في جملته التي دان بها؛ أنه مباح له أكل الخنزير على حال الاضطرار، إن علم بذلك أو جهل، وهو مطلق له ذلك فيهما تعبد به ودان به من دين الله - تبارك وتعالى ـ، فإن جهل
- AY- (3/83)
صفحة 584
ذلك كله ونزل بمنزلة لا عذر له فيها من حال الاضطرار ولا غيبة العين، ولا معرفة الأصل أنه خنزير، ولو كان قد غابت عينه وأدرك لحما مطبوخا أو مشويا فعلم أنه خنزير بما لا يشك فيه وبما تقوم عليه فيه الحجة، فجهل ذلك فأكله أو باعه أو اشتراه على غير ما يجوز له، أو تولى فاعل ذلك على غير احتمال له في الحق، أو برئ من أحد من العلماء إذا برئ ممن فعل ذلك، أو وقف عنه برأي أو بدين، كان بذلك هالكا محدثا، وعليه في ذلك الحجة الجميع من عبّر له ذلك في حاله تلك، وإذا صار لحما طوائف زائل العين أو الجثة التي يستدل بها على ذكاته، أو غير ذكاته إذا كان قائم الجثة زائل العين وهو مذكى في يد أهل القبلة أو أهل الكتاب على هذا فهو مباح في الأصل، أن يؤكل منه ويشتريه ويبيعه، إلا أن يؤمر هو في يده أنه لحم خنزير قبل أن يشتريه أو يهبه له أو يأكله من عنده، فإذا أقر بذلك من هو في يده فقد حرم عليه ذلك منه كله؛ من شرائه وأكله وبيعه، وقامت عليه الحجة بذلك، وكان هالكا بأكل ذلك وشرائه وبيعه، ولو كان جاهلا لحرمة الخنزير وجاهلا لحرمة لحم الخنزير، فإن أكله على هذا ممن هو في يده واشتراه منه على غير اضطرار، أو تولى من اشترى ذلك ممن هو في يده بعد أن أعلمه أنه لحم خنزير، فاشتراه منه بعد ذلك، وقد علم هذا أنه أعلمه أنه لحم خنزير قبل أن يشتريه، أو تولى أكله على هذا، أو بريء من أحد من العلماء إذا برثوا من أكله على هذا، أو وقف عنهم برأي أو بدين، كان بذلك هالكا ولو كان الذي في يده ذلك يهوديا أو نصرانيا، أو من فسّاق أهل القبلة، كان له في الأصل مباحا، وليس عليه أن يسأله عن ذكاة ذلك اللحم، ولا ما هو من البهائم إذا كان لحما زائل العين، طوائف ليس فيه ما يستدل به على أنه لحم خنزير ولا ميتة، ويجوز له أكل ذلك، ولو كان في الأصل عند الله لحم خنزير أو ميتة، وقد خان من هو في يده نفسه في ذلك، ولا يحرم على هذا الأكل والمشتري ما أكل ولا ما اشترى، ولا نعلم في ذلك اختلافا من قول أهل
- 84 - (3/84)
صفحة 585
العدل
6 -
وأمثالهم
وكذلك لا نعلم في حجره إذا كان قائم العين فيه، ما يستدل به على أنه خنزير، مع من يعرف الخنزير في الأصل، فإذا كان كذلك فلا نعلم في حجره اختلافا؛ على من جهله أو علمه أو جهل حرمته أو علمها، ولو كان ذلك في يد فقيه من فقهاء المسلمين، وشهد على ذلك للأكل له أو المشتري له على ذلك، مائة ألف أو يزيدون من أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجابر بن زيد وموسى بن علي ومحمد بن محبوب - ر الله - رحمهم ونظراؤهم، فلو شهد لذلك الآكل على ذلك مائة ألف أو يزيدون، من أمثال هؤلاء الفقهاء أن ذلك جنس من الضأن، وأن ذلك حلال أحله الله في كتابه، ما كان ذلك له حجة، ولكان بذلك أولئك الشهود كلهم باطلي الشهادة مخلوعين، لا حجة للمشهود عنده عند الله - تبارك وتعالى ـ في دينه، ولكانوا كلهم بذلك هالكين؛ العلماء والبائع والأكل والمطعم، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أهل العلم بأصول الدين فيما يسع جهله وما لا يسع جهله، ولو كان ذلك اللحم الذي زالت عينه في يد يهودي من أهل الكتاب، أو نصراني من أهل الكتاب، أو فاسق من فساق أهل القبلة، ممن ينتهك ما يدين بتحريمه أو من مخالفي المسلمين في دينهم، ولم يقل إن ذلك لحم خنزير ولا أقر فيه بشيء وقد صار لحما زائل العين، لا يستدل فيه بشيء مما يجحده بالعين، ثم شهد على ذلك مائة ألف أو يزيدون؛ من اليهود والنصارى أو من فساق أهل القبلة، أو من ثقاة اليهود والنصارى، ما حرم ذلك على المسلم أن يأكله ويشتريه من يد اليهودي والنصراني والمقر من أهل القبلة الذي هو في يده، ولو شهد أيضا بذلك مثل محمد بن محبوب - رحمه الله ـ أنه لحم خنزير، فلا يحرم عليه ذلك ولا حجر عليه ذلك، وجاز له أن يأكله ويشتريه من يد من هو في يده، وعلى محمد بن محبوب - رحمه الله ـ أن يتولى ذلك الأكل له على هذا السبيل، ولا يجوز له أن يترك ولايته ولا يشك فيها، فإن ترك ولايته من أجل
- Ao - (3/85)
صفحة 586
ذلك كان هالكا بترك ولايته حتى يشهد معه ثقتان عدلان من المسلمين، أن ذلك لحم خنزير أو ميتة، أو من لحم لا يجوز له أكله، فإذا شهد معه شاهدان عدلان ممن تجوز شهادتهما في الإسلام على ذلك، فقد قامت عليه الحجة بذلك، إذا عرف منهما من المنزلة ما يكونان بها عنده حجة، ولو جهل أنها ليست بحجة، فإذا كانا بمنزلة الحجة في علمه عند علماء المسلمين بالحجة في ذلك، ممن تجوز شهادته فيه مع علماء المسلمين، فجهل ذلك وأكل ذلك أو اشتراه بعد علمه بذلك، كان بذلك هالكا، ولو شهد عنده مائة ألف أو يزيدون من أمثال موسى بن علي ومحمد بن محبوب ـ رحمهما الله ـ، أن ذلك حرام أو لحم خنزير، وهؤلاء يعرفهم بأعيانهم، ولو كان قد بالشهرة أسماؤهم وفضلهم، فلا يكون ذلك عليه حجة، ولا يحرم عليه ذلك اللحم الذي هو مباح له في الأصل إلا بحجة، ولا يكونون عليه حجة حتى يعرفهم بمنازلهم التي يكونون بها حجة وبأعيانهم، فإذا عرف المشهود عنده بذلك بمنازلهم وأعيانهم، فشهد معه على ذلك حجة، علم أنها حجة أو جهل أنها حجة في الأصل في دين الله، ولا نعلم في
هذا اختلافا
منهم
معه صح
اثنان كانا عليه
فصل: وكذلك لو جهل منازل الشهود وأعيانهم، وصح معه عدالتهم عمن يكون حجة عليه في العدالة في دين الله من المعدلين، فهم حجة عليه في ذلك جهل حجة المعدلين، أو علم ذلك إذا علم منازل المعدلين في الاسلام التي يكونون بها حجة في العدالة وأعيانهم، جهل ما يلزمه في ذلك أو علمه فهو حجة عليه، لأنه لا يجوز له أن يجهل الحجة إذا قامت عليه في موضعها، وليس عليه أن يصدّق غير الحجة عليه إذا جهلها وزال عنه علم ما يكون به حجة عليه، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا ولا يجوز له، وإن جهل الحجة وأكل ذلك اللحم أن يبرأ من تلك الحجة ولا يكذبها فيما قالت وشهدت عليه بذلك، فإن برئ منهم أو من أحد منهم أو من الواحد منهم، من أجل
- AT- (3/86)
صفحة 587
ذلك فقد هلك بذلك ولو أعلمه بذلك يهودي أو نصراني أو أحد من فساق أهل القبلة، فكذبه في ذلك وقصد إلى تكذيبه في ذلك، أن ذلك ليس كما يقول كان بتكذيبه في ذلك هالكا
وإنما يجوز له أن لا يرد الحجة ولا يقبلها إلا أن يعلم أنها حجة، وليس
له إذا لم يعلم أنها حجة أن يردها بالتكذيب لها، كائنا من كانت في ذلك
فإن قال قائل: فيجوز له ولاء العلماء الذين هم حجة في دين الله، وقد قاموا على هذا بهذه الشهادة، وهم الحجة في دين الله، لا نعلم أكثر من
اثنين، والحجة تقوم في ذلك باثنين ممن هو مثلهم، فيجوز لهم أن يتولوه على
ذلك، إن لم يصدقهم في ذلك وهم حجة، أو يبرأوا منه أو يقفوا عنه
قلنا له: عليهم أن يتولوه ولو كانوا مائة ألف أو يزيدون، إلا أن يعلموا
أنه يعلم منهم ما يكونون به حجة عليه، فإذا علموا أنه قد علم منهم من المنزلة ما يكونون بذلك حجة عليه في الشهادة بذلك، فلم يلتزم ما هو عليه حجة ذلك وشك في الحجة التي يعلمون أنها عليه في علمه حجة ولو جهل الحجة، فحينئذ يبرأون منه بمخالفة الحق وترك الحجة، وذلك إذا علموا أنه
من
عالم بأعيانهم وبمنزلتهم في الاسلام التي يكونون بها عليه حجة
فإن قال: فيجوز لأحد أن ينزل نفسه في وجه من الوجوه أو حجة يحكم
بها بأنها حجة على غيره.
قلنا له: نعم؛ إذا كان في ظاهر أمره عند من تعبده الله فيه من عباده أنه حجة بصفته، كان عليه أن يحكم على من قامت عليه حجة الله منه، كما عليه أن يحكم على من قامت عليه حجة الله من غيره، ولو كان هذا لا يجوز لم يكن يجوز للحاكم أن يحكم على من هو عليه حجة في دين الله، ولا يجوز للإمام أن يقيم الحدود على من جعله الله حجة عليه، حتى يعلم أنه زاكي النفس عند
- AY - (3/87)
صفحة 588
الله في علم الغيب، بل عليه التوبة مما يعلم من نفسه من الذنوب والمعاصي والكبائر، ويقوم بحجة الله فيمن قامت عليه وبمن قامت عليه، ولو كان يعلم في سريرته أنه زنديقي، وقد ظهر على هذا منه ما قد صار عليه حجة فليس له
،
أن يضيع حجة الله التي قد قامت به على هذا، إذ هو عاص الله في سريرته. فيكون قد ضيع فريضة من فرائض الله، لمعصية من معاصي الله، وقد ركب ما نهاه الله عنه - تبارك وتعالى - إذ قال: ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التهلكة وأحسنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحُسنين) (1).
فتأول ذلك أهل العلم بأصح التأويل، أن ذلك العبد تكون منه المعصية والسيئة، ثم تعرض له المعصية، ثم يمضي على ذلك قدما بترك الطاعات للمعصية، ويركب المعاصي للمعصية، فكان ذلك. هو إلقاؤه ه بيده إلى التهلكة، وحثه مع ذلك وأمره فقال تعالى: (وأحْسِنُوا)، أي وتوبوا من المعصية كلها، الأولى والآخرة، ولا تتركوا شيئا من الطاعة لمعصية،. ولا تركبوا شيئا من المعصية لمعصية
فصل: وليس على العبد في جميع ما تعبده الله به من جميع أموره من السرائر من الذنوب، أن يظهرها على نفسه للعباد، ولا يجوز له أن يترك نفسه في حكم الظاهر بمنزلة أهل الفساد، وإنما عليه أن يحكم على نفسه بالطاعة كلها لنفسه ولغيره الله وحده، وهذا ما لا يختلف فيه ولا يشك فيه أحد، من أهل العلم بدين الله - تبارك وتعالى -، وليس لأحد أن ينزل نفسه ولا غيره في دين الله غير ما أنزله الله - تبارك وتعالى، وليس لأحد أن يخالف أمر الله في نفسه ولا في غيره، فيترك حقا الله قام به من أجل أنه إنما يقوم به، ما لا يعتل به أحد من أهل القبلة فيهما علمنا، ولا يجهل هذا إلا أهل الجهل
بأصول الدين.
(1) جزء الآية (195) من سورة البقرة
هذا
- 88 - (3/88)
صفحة 589
فإن قال: فله أن يرد في هذا قول الواحد من الفقهاء، وقد قام عليه بالحجة أنه حرام، وقد قلتم إن الفقيه الواحد حجة، فَلِمَ لم يكن محمد بن محبوب إذا عرف منزلته كما قلتم حجة عليه، إذا شهد معه أن ذلك لحم خنزير حجة عليه، ويكون ركوبه بعد الشهادة عليه حدثا منه يكفر به إذا شك في الحجة
قلنا له: لأن محمد بن محبوب وغيره في الأحكام سواء، وقد قلنا ذلك، وإنما كان مثل محمد بن محبوب - رحمه الله - حجة فيما قام به، مما يكون فيه مفتيا ناقلا لأحكام الشريعة، لا فيما يكون فيه شاهدا على تحريم ما هو مباح في الأصل لمن يركبه
وإنما قلنا إن الفقيه الواحد حجة، فيما لا يجوز فيه للراكب له أن يركبه بجهله، فلما أن ركبه الراكب له بجهله ولو لم يعلمه بذلك محمد بن محبوب، كان بذلك هالكا، ونحن نقول لك إن هذا إذا صار بهذه المنزلة صار مباحا لراكبه، حتى تقوم عليه الحجة بما يحرم المباح، ولا يحرم المباح إلا شاهدان ممن تقوم بهما الحجة على المشهود عليه، وذلك في جميع الأحكام، إلا فيما قد قيل فيه من الرضاعة وأمثال ذلك، مما يختلف فيه الناس، وهذا مباح لا يحرمه على من أبيح له إلا بشهادة ذوي عدل ممن تقوم بهما الحجة، على من شهدا عليه، وإذا كان قائم العين كان محجورا على من يركبه، ولو جهله وجهل حرمته ولو شهد له على ذلك مائة ألف شاهد ممن يعرفهم بأنهم حجة في الفتيا، فيما يسع جهله أن ذلك حلال أو أنه جنس من الضأن الذي لا يعرفه هو، وهو عند الله تبارك وتعالى - خنزير، وعند من يعرفه من العارفين به، ولو كان الشهود أيضا يظنون أنه كما شهدوا فهم عند الله كاذبون وهالكون، ولا حجة للمشهود عند ذلك. من الهلاك، ولو لم يركبه بشهادتهم، غير أنه تولاهم على ذلك، كان بذلك هالكا عند الله - تبارك وتعالى -، راكبا لما لا يسعه جهله،
- 89 - (3/89)
صفحة 590
هذا ما لا نعلم فيه اختلافا عند أهل العلم من المسلمين، ولا يجوز غير هذا في
أصول دين
الله - تبارك وتعالى -.
فصل: وليس لأحد أن يجهل الحجة إذا قامت عليه، ألا ترون أن اليهودي أو النصراني أو الفاسق من أهل القبلة، الذي كان في يده اللحم الذي هو أعضاء مقطعة، ولحم مطبوخ أو مشوي من المعز والضأن الحلال، إذا خانوا الله ورسوله وقالوا له إن هذا اللحم خنزير، كاذبين على الله وعليه في ذلك، وهو في أيديهم وفي ملكهم، فأكله بعد ذلك وهو لحم في الأصل؛ من المعز والضأن، أنه يهلك بذلك ويكون كافرا لأنهم حجة على ما في أيديهم من المباحات، التي يحتمل فيها صدق ما يقولون، ويحتمل كذب ما يقولون، فهم حجة على ما في أيديهم، ولو اشترى ذلك اللحم من مائة ألف مسلم شركاء في ذلك اللحم، أو وهبوه له وهو أعضاء مقطعة. فاشتراه
له
6
الله -،
منهم
أو وهبوه
ذلك
ثم قالوا بعد ذلك إن ذلك لحم خنزير، أو لحم حرام مسروق أو ميتة، ما كان قولهم في ذلك حجة، ولو كانوا صادقين وأرادوا التوبة من ا كانوا عليه حجة، ولو كانوا أمثال محمد بن محبوب وموسى بن علي ـ رحمهما وكان عليهم هم أن يردوا عليه ما أخذوا منه من الثمن، ويتوبوا إلى الله مما فعلوا، ونحب له هو أن يتصدق بذلك على الفقراء ويصدقهم فيما، ويسلمه إليهم حتى يردوه حيث يجوز لهم، فإن لم يفعل كان له ذلك، أن يتمسك بما اشترى من اللحم، وليس عليه أن يقبض ما أعطوه من الثمن، ولا نحكم عليه بذلك، ولكن يحكم عليه أن يقبضه منهم أو يبرئهم من ذلك؛ فهو مخير في ذلك
يقولون
وقد
ثم يقال لهم هم: إن كان هذا اللحم الذي بعتموه لحم خنزي أبرأكم هذا من ماله الذي له، وأحلكم منه من بعد أن أعلمتموه وأقمتم عليه الحجة في ماله أنه له وأحلكم. منه، فنحب لكم أن تفرقوه على الفقراء، فإن لم (3/90)
صفحة 591
تفعلوا وأمسكتموه فإنما أمسكتم مالكم الذي من ماله له جعله لكم. ونحب له أن يقبض منهم هذا المال حتى يصير من ملكه بلا اختلاف
ثم نقول لهم: عليكم أن تقبضوه منه، وأنتم أولى به منه إذا طلب أن تقبضوه منه، لأنه ليس عليه في الأصل أن يقبضه. وإنما أحببنا له ذلك لئلا يبرأوا منه بالإجماع، ويصير ماله إليه، ثم إن رده عليكم طيبة بذلك نفسه فهو لكم، وليس عليه على كل حال أن يصدقهم فيما يقولون، لأنهم مدعون عليه، والمدعي لا يقبل قوله ولو كان من الصادقين في ادعائه، وليس لهم أن يتركوا ولايته على ذلك ويعنفوه، إذا لم يقبل منهم ذلك، وهم بهذه المنزلة معه من المسلمين ومع المسلمين
وإن شهد منهم اثنان عليه، وهو في يده من يد غيره، أو هو في يد غيره ثم اشتراه بعد ذلك أو صار إليه بوجه من الوجوه، وقد شهدا على حرمته وهو بالحجة فيهما عارف، كان ذلك حجة عليه، ولم يسعه إلا قبول ذلك منهما، وكان محجوجا إذا كان في موضع الشاهدين، ولما أن كانوا كلهم في موضع المدعين، كانوا كلهم حجة في الدين مع الله - تبارك وتعالى ـ، ولا في ظاهر
الأمر مع المسلمين، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من علماء المسلمين
فإن قال قائل من المتعنتين أو من العماة أو من الملبسين: فكيف اختلف الحكم في الحرام وهو في الأصل عند الله حرام؟ فكان مباحا إذا صار لحما طوائف، ولو كان في الأصل جاهله ممن يعرف عينه ويعرف حرمته، فلما أن جهله وسعه جهله، والجاهل له ولجنسه وبعينه وحرمته؛ لا يسعه ذلك إذا جهل عينه إذا كان قائم العين والجنس؟
قلنا له: لأن الله - تبارك وتعالى - حرم ذلك بعينه على من علمه وعلى
من جهله، ولو كان الجاهل للحرام يسعه ركوبه الجهله لكان الجهل أوسع من
-41 - (3/91)
صفحة 592
العلم، ومحال ذلك؛ أن يكون الجهل أوسع من العلم، فلما أن كان محجورا على من علم جنسه وعينه، كان محجورا على من جهل جنسه وعينه
ويقال له: أتقول إن الله إنما حرمه على من علمه أو جهله؟
فإن قال: حرمه الله على من علمه أو جهله فقد أقر بالصواب في ذلك
ولا مخرج له في ذلك
فصل: وإن قال: إنما حرّمه الله على من علم جنسه، ولم يحرمه على من جهل جنسه
قيل له: فهات على ذلك دليلا من غيره من المحرمات، أنه إنما حرمها
الله على من علمها، ولم يحرمها على من جهلها
الله
فإن قال: لا شيء إلا هو أنه دائن بحرمته ويعلم أن الله حرمه فيما تعبده به، ولكنه لا يعرف جنسه، وقد أحل الله بهيمة الأنعام، والأشياء له مباحة لموضع علمه بالحرمة، حتى يعلم أنه محرم.
قيل له: فإن كان جاهلا بالحرمة أيحل له أيضا الجنس إذا قلت إنه مباح له في الأصل، لأنه دائن في الجملة بحرمته أو غير مباح إلا لمن علم الحرمة؟ فإن قال: إنه مباح لمن علم الحرمة في الأصل ولمن لم يعرفها، فقد نقض قوله وأباح ما حرمه الله حيث يقول تبارك وتعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلا ما يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ حِبّي الصيدِ وَأَنتُم خُرم إن اللهَ يَحكُمْ مَا يُرِيدُ) (1).
ثم أخذ في تلاوة ما حرم عليهم إذ قال: إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ). فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحلُوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الهُدَيَ
(1) جزء الآية الأولى من سورة المائدة
92 - (3/92)
صفحة 593
ولا الفَلَائِدَ وَلا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً. رامَ يَبْتَغُونَ فضلاً من رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حللْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرَ مَنكُمْ شَنَانَ قَوْمٍ أَن صَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إن اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ حَرَمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدَّمُ وَلَحْمُ الخَنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ هِ وَالْمُنخَنِقَةُ وَالْمُوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةَ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذَبَحَ عَلَى النَّصْبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَام ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَيْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخَشُونِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَعْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي عَمَصَةٍ غَيْرَ مُنَجَانِفِ الإِنْمَ. الإنم فإن الله
"!!!
غفُورٌ رَحِيمٌ) (1)
فكان هذا مما يتلى عليهم إلا ما استثناه أنه حرمه من الأنعام، وصح عن الله - تبارك وتعالى - أيضا أن الخنزير خارج من الأنعام حيث قال الله - تعالى -: -: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمَولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)
"
ثم وصف الأنعام وسماها فقال: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجِ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ المعز اثنين قُلْ الذَّكَرَ بْنِ حَرَمَ أَمِ الأُنتَيْنِ أَمَّا اسْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثين بنت يعلم إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (2).
فهذه بهيمة الأنعام التي أحلها الله تعالى في قوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةٌ الأنعام ثم استثنى من الأنعام قوله: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)، ثم تلا عليهم فقال: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير .. فكان هذا مستثنى من بهيمة الأنعام مع اتفاق أهل اللغة وإجماع الكلمة أن الخنزير ليس من الأنعام التي سماها الله - سبحانه وتعالى في قوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَة الْأَنْعَامِ) ولو كان من الأنعام على المكابرة فقد استثناه فيما تلا عليهم من الحرام، فلا بد أن
(1) الآيتان (2، 3) من سورة المائدة (2) الآيتان (142، (143 من سورة الأنعام.
- r. (3/93)
صفحة 594
يقول: إن الله حرم ذلك على من جهله وعلمه، أو أحله لمن جهله أو علمه أو حرمه على من علمه وأحله لمن جهله، ولا يقدر أن يقول ذلك، لأنه لا يحتمل ذلك في العقول، أن يكون الجاهل أعذر في الحرام من العالم، وأن يكون الجهل أوسع من العلم، والله ـ تبارك وتعالى ـ فرضه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُم لَا تَعْلَمُونَ)
والخطاب واقع على جميع المتعبدين من العالمين والجاهلين.
فإن قال: فإذا كان الجنس محجورا الموضع أنه في الأصل عند الله محرم على من علمه أو جهله، فلِمَ لم يكن اللحم إذا كان أعضاء وزايل العين محرما، على من علمه أو جهله إذ هو عند الله في علمه محرم؟
فصل: قلنا له: فلم يتعبد الله تبارك وتعالى العباد فيما ألزمهم من الكلفة، بما يعلمه من المغيبات من علمه، وإنما تعبدهم بما يدركون علمه بالدلالة من غيره فيه، وبما تكون الحرمة متعلقة فيه، وغير مفارقة له من دلائله بالعين أو الصفة. من المحرمات، وقال تبارك وتعالى: اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطيبات وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِل هم، فأجمعت الأمة بأسرها لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا أن الطعام هاهنا هو اللحوم من أيدي أهل الكتاب ومن ذبائحهم وأنهم مأمونون على ذلك، وجائز من عندهم شراء اللحوم وهم يستحلون الخنزير في أصل ما يدينون به، وأجمعت على ذلك الأمة أن اللحوم من يدي أهل الصلاة، وأيدي أهل الكتاب مباحة غير محجورة، وأنه لا دليل فيها على الحرمة منها، لمن علم الخنزير والميتة أو لم يعلمها، فلما أن وقعت الاباحة من الله - تبارك وتعالى ـ من كتابه، على إحلال اللحوم من أيدي أهل الكتاب، وأجمعت على ذلك الأمة بأسرها
'
لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا، وثبت تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وجميع
ما تلا الله عليهم إلى قوله: ذلِكُمْ فسق)
،
بالاجماع من الأمة وحكم
-42 - (3/94)
صفحة 595
الكتاب والسنة، وأن ذلك ثابت غير منسوخ، صح في العقول مع ثبوت السنن جميعا أن الحرمة إنما وقعت متعلقة على من جهلها أو علمها في جنس المحرم، لا في المباح الذي لا يدرك بصفة يفرق فيه عن غيره، لأنه لو وقف العالمون بالخنزير على لحم الخنزير؛ لم يعرفوا ذلك بالعين فيميزوا ذلك بالعلم بين ذلك من الخنزير والأنعام، فلما لم يستطع ذلك ووقع بالاجماع على تحريم الخنزير بالتسمية، ووقعت الإباحة للحوم بالكتاب والسنة والإجماع من أيدي أهل القبلة وأهل الإقرار من الموحدين، صح بأن الحجر إنما وقع على الصفة، وأن الصفة لا تدرك إلا بالعين، وأن العين محجورة على من جهل أو علم
،
ولا يجوز أن يباح لمن لم يعلم إذا كان يدرك العلم فيها من غيره. ولو كان الخنزير غير معروف وغير موصوف ما جاز أن يحرّمه الله مطلقا لغير معنى، بل الخنزير شاهر معروف موصوف مع من يعرفه، فلا يجوز أن يباح ما حرمه الله لمن جهله ولا لمن علمه، إذا أبعد الحجر الذي هو متعلق به الحرمة، وعلى
هذا أجمع أهل العلم من المسلمين لا نعلم بينهم اختلافا في هذا
•
فإن قال قائل: فإذا كان هذا اللحم المباح في يد أحد ممن يحل من يده، وهو مباح وكان في علم الله أنه حلال؛ من المعز والضأن، فقال إنه لحم خنزير أو ميتة أو أنه مسروق، وهو حلال في الأصل من أي وجه حرم ذلك، أيحرم الحلال بقوله، أفيجوز أن يحرم هو الحلال، وقد قلتم إن الحرام لا يحل بقول أحد، والحلال لا يحرم بقول أحد
قلنا له: نعم؛ إذا لم تكن العين تشهد بالحلال على ذاتها، وتشهد بالحرام على ذاتها، وكان ذلك قد غابت عنه العين التي يعرف بها إلى حال لا يعرف بها من غيره من المباحات، كان قول من هو في يده حجة على من قال له ذلك، وكان المقدم على ذلك مقدما على الباطل هالك بذلك، وكان القائل لذلك هالكا بكذبه، فإن أكله أكل حلالا، لا يحرم عليه ذلك بقوله إنه لحم
-40 - (3/95)
صفحة 596
خنزير ولا ميتة ولا مسروق، ولكن يحرم عليه الكذب الذي كذبه بغير الحق والحجة منه تقوم على ما في يده على من أقر بذلك معه ممن غاب عنه علم ذلك، وأما من علم كذبه؛ وعلم أن ذلك لحم ذكي من الحلال المباحات من
له
الأنعام أو غيرها من الصيد الحلال، فلا يكون ذلك حجة عليه وهو حلال، إذا وصل إليه من يده بوجه حلال، من البيع أو الهبة أو غير ذلك، وذلك لا يحرمه على من عرف أصله كما لا يحله، وإن كانت العين قد غابت منه
قوله إنه حلال، إذا كان الذي قد قال له ذلك، قد علم أنه حرام في الأصل فقوله إنه حرام عند من عرف أنه حلال لا يحرم ذلك عليه، وقوله إنه حلال عند من عرف أنه حرام لا ينفعه ذلك، وهو على أصل الحرام الذي قد عرف العارف بذلك، وإنما يكون حجة في قوله إنه حرام على من لم يعرف أصل ذلك ما هو، وهو غائب العين التي تشهد عليه بالحلال وبالحرام.
فإن قال: فلم قلتم إنه إذا قال إنه حرام من لحم خنزير أو ميتة أو غير ذلك من الحرام فأكله أكلا وتولى من أكله أو اشتراه، كان هالكا بولايته لمن أكله ولمن اشتراه ولا نعلم، فلعله عالم الذي أكله أنه حلال، فلا يكون قوله إنه حرام حجة عليه، وقد يحتمل صوابه فيما زعمتم أنه لا يبرأ ممن يحتمل صوابه، وأن ولايته جائزة ما دام له مخرجا من مخارج الحق
وقد يُحتمل أن يكون هذا الذي أكله واشتراه منه بعد أن أقر أنه حرام يعلم أنه حلال. فصل: قلنا له: لا نرد عليك ما جئت به من الحق، وهو كما قلت إنه يحتمل صوابه، ولم نقل إنه يبرأ منه على هذا الوجه، فلا تحرم عليه ولايته على هذا الوجه، ولكن تحرم عليه ولايته ويلزمه البراءة منه إذا علم أنه إنما أتى ذلك بجهله للحجة التي قامت عليه، من قول من هو في يده، وأنه لا تقوم الحجة عليه، ولا يضره قول من هو في يده أنه حرام، إذ هو مباح في الأصل حتى
-17 - (3/96)
صفحة 597
تقوم عليه البينة بذلك، فإذا علم أنه إنما أتى ذلك على هذا الوجه، وأنه جاهل الحجة، وقائل أنه لا تقوم عليه الحجة ممن هو في يده بقوله، حتى يشهد عليه بذلك شاهدا عدل لأنه مباح، وأما إذا لم يعلم كيف ركب ذلك، ولا كيف أكله ولا اشتراه، ويحتمل له مخرج من مخارج الحق، فهو على ولايته ولا تحل البراءة منه، ولا يجوز ترك ولايته على هذا، وأنت على الصواب في هذا ونحن على الصواب؛ فيما قلنا وأردنا إن شاء الله
فإن قال قائل: فإذا كانت العين قائمة، فكيف قلتم إنه لا يجوز أن يكون قول من في يده ذلك حجة على من قال له ذلك أنه حرام، كيف الوجه
في ذلك
هي
فصل: قلنا له: لو كان في يد رجل من المسلمين مثل محمد بن محبوب أو غيره وأمثاله بهيمة من المعز والضأن أو من البهائم المباحة في الأصل، فجاء رجل يشتري ذلك منه أو يسأله إياه، فقال له: إن هذا خنزير حرام حرمه الله لأنه خنزير، وأتاه على ذلك بألف شاهد من أمثاله، فشهدوا أن هذه الدابة الخنزير الذي حرمه الله في كتابه، وهي حرام عليك شراؤها وأكلها، كان ذلك حجة على من جهل ذلك، ويكون ذلك عليه حرام، أو لا يكون ذلك حجة عليه، فنقول لا حجة عليه منهم في ذلك، وجائز له في الأصل أن تلك البهيمة ويأكلها ويبيعها ولا يحل له، ولأنه قائل ذلك، ولو كانوا مائة ألف أو يزيدون من أمثال موسى بن علي ومحمد بن محبوب في العلم والفضل، فلا تضره اليد في ذلك ولا قول من هو في يده، ولا شهادة من شهد عليه بذلك أنها خنزير، ولو اجتمع على ذلك أهل الأرض كلهم، بارهم وفاجرهم، ما كانوا عليه حجة في ذلك، ومحال أن يجمع أهل الأرض على ذلك إن شاء الله، وإنما ضربنا في ذلك مثلا يعقله أهل العلم، ولا يجهله إلا أهل الجهل بالأحكام والحلال والحرام، مما يسع جهله وما لا يسع جهله،
يشتري (3/97)
صفحة 598
وهي
ولو قال من في يده تلك البهيمة وتلك الدابة التي قد وقف على عينها وجهل جنسها، وهي في الأصل من البهائم التي هي حلال في دين الله، فقال له من هي في يده إنه اغتصبها، أو إنها مغتصبة أو مسروقة، وإنها إنما هي في يده لغيره على وجه الغصب والسرق وليست له، وهو كاذب في الأصل في ذلك، له حلال. من ملكه أو أنه ورثها من والده، أو أنتجها من بهائمه وهو يهودي أو نصراني أو من فساق أهل القبلة، كان ذلك عليه حجة وحرم عليه تلك البهيمة أن يشتريها أو يأكلها إلا في حال الاضطرار على الدينونة، بأداء ما يلزمه في ذلك إلى أهله، لأن ذلك يمكن أن يكون كما قال، وهو الحجة على ما في يده، وهو كاذب في سريرته، والبهيمة له حلال وهو ظالم بكذبه الذي كذبه وزوره على هذا، ومحال أن يكون صادقا في إزالة الأجناس عن مواضعها ولو كان صادقا في ذلك لكان قول القائل في ذلك من العلماء يجوز إذا أحل الحرام أو حرم الحلال، وهذا من أعظم المحال وأشد الضلال، ولا يجهل هذا إلا أجهل الجهال.
- 4 A- (3/98)
صفحة 599
باب
القول في الميتة والتذكية والذبائح وغير ذلك
وأما ما تكون الحرمة فيه بالصفة من غير عين الصفة الموصوفة بها الحرمة، ولو كان الجنس من الحلال المباح، فذلك الميتة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وكل ما وقع عليه أسباب الموت بغير ذكاة من جميع الأشياء من ذوات الأرواح البرية التي تعيش في البر من ذوات الأرواح والدماء الأصلية فيها من جنسها وذاتها، فكل ميتة من ذوات الأرواح مما تعيش وتحيا في البر ولا تعيش في الماء، وإذا وقع في الماء هلك فيه، فهو حرام حرمه الله في قوله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة. والدم المسفوح من جميع ما ذكرنا من ذوات الأرواح البرية، وذوات الدماء الأصلية التي غير مجتلبة للدماء، وليس الدم فيها أصليا، فكل دم أصلي مسفوح من ذوات روح برية لا تعيش في الماء، فهو حرام ورجس في قول الله - تعالى -: حَرمَتْ عَلَيكُمُ الميتة والدمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ .. الآية
كان
هو
فصل: وأما الميتة؛ فمامات من غير أن يحدث له شيء يقتله، فذلك المعقول من الميتة، فكذلك هو المعقول أن الميت ما مات من غير حدث يحدث له من الدواب غير الموت المعروف من غير اعتراض، فحرم الله الميتة المعقولة المعروفة التي لا يختلف فيها أنها ميتة، واتبع مع ذلك ما هو ميت إلا أن فيه الإعتلال بأنه مقتول، وليس هو ميتة في كلام العرب المعروف، فقال: والموقودة؛ وهي التي تضرب بالخشب أو غيره من الحجارة والحديد وغير ذلك، فغير ما يقع عليه اسم الذكاة، وإنما هو يقتل البهيمة من المحللات من جميع الأنعام، فدل على أن الموقوذة جميع المقتولات من فعل بني
-44 - (3/99)
صفحة 600
آدم بهن، غير الذكاة التي سماها الله به
فهذه الموقوذة المقتولة وهي لاحقة بالميتة من غير قتل
ثم قال: (والمتردية؛ وهي التي تهدف أو تسقط من على جبل أو بيت أو جدار أو في بئر أو شيء من الأشياء، أو من على شيء من الأشياء فتموت، ولو لم يحدث بها ذلك الحدث أحد من بني آدم ولا غيرهم من
الدواب، فكان هذا هو المعقول المعروف من المتردية ولحقت بالميتة.
المحللات
ثم قال: (وَالنَّطِيحَة؛ وهي البهيمة من جميع البهائم تنطح الأخرى، أو تنتطحان حتى تقتل واحدة منهما الأخرى، أو يقتلان بعضهما بعضا فدل على أن النطيحة هي هذه وضروبها من الركض لبعضها بعضا، ولو لم يكن ينطح فذلك مما هو يتولد من النطيحة ثم قال: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ؛ وهو ما أكلت السباع من البهائم من الأنعام، وكذلك ما أكل السبع من الصيد أو من بعضه بعضا من منه، مثل الضبع والثعلب وغيره مما هو صيد فهو لاحق بذلك، وكذلك لو أكل حمل حملا فقتله، أو بهيمة بهيمة فماتت، كان ذلك لاحقا بالمأكولات، وكان ذلك سبعا له في هذا، فدل بهذا على أن جميع المينات بأي ميتة كانت حرام، ثم استثنى من ذلك فقال: إلا ما ذكيتم)؛ فقد صح في العقول على ظاهر الأمر أن الميتة لا ترجع تُذَكَّى، ولا تكون بذكاتها بعد الموت ذكية، ولكن إنما أراد بهذا في المريضة التي قد حضرها الموت، من غير ما وصف من سائر المحرمات قبل أن تموت، وكذلك المتردية قبل أن تموت، والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم؛ يعني إلا ما أدرك ذكاته فنحر مما يجوز فيه النحر، أو ذبح مما لا يجوز فيه إلا الذبح، والبقر والابل يجري فيه النحر والذبح ويجزي أحدهما عن الآخر
من
ذلك؛ (3/100)
صفحة 601
وكذلك جاءت السنة
،
وأما المعز والضأن فلا يجزئ فيه النحر
ولا يجزئ فيه إلا الذبح، وكل هذا الذي وصفناه الذي قد عارضته العلل. المزيلة له من أحوال ما كان عليه من الحياة والصحة إلى الموت بهذه الأسباب.
6
،
فإذا ذبح على حاله تلك أو نحر فلم يتحرك بعد الذبح أو النحر، وقد كان
،
عرض له هذه العلل؛ التي في العقول أنها تموت منها البهيمة قبل أن تذبح. ويخاف عليها الموت من ذلك قبل الذبح والنحر، فإذا لم تتحرك البهيمة بعد أن يستكمل ذبحها أو نحرها، الذي به تنحر أو تكون ذكية به، فإذا لم تتحرك بعد صحة الذكاة لها فلا تصح لها الذكاة، وقد صارت مشكلا أمرها لا تصح لها ذكاة، ولو أجري عليها السكين أو الشفرة وهي حية، لأنه يمكن أن تموت بالعلة التي عارضتها قبل أن يفرغ من ذبحها الذي به تصير مذكاة، وأما إذا تحركت فبانت حيويتها بشيء من الأشياء بطرف عين أو حركة أذن أو ذنب أو شيء من الجوارح الأربع، فإذا بان حيويتها بأحد هذه الأشياء فهي ذكية، كانت الحركة قليلة أو كثيرة صغيرة أو كبيرة، وما لم يتحرك منها شيء من هذه الأعضاء التي وصفناها إلا حركة شيء من بدنها فذلك لا يصح به حيويتها.
،
لأن ذلك قد يكون فيها وهي ميتة، قد سكنت جوارحها، فذلك لا تكون به
ذكية بل هي ميتة
وإذا نحرت أو ذبحت وهي صحيحة، وهذه العلل التي ذكرناها من المرض أو غيره من أسباب الموت، وكانت حية صحيحة حتى أجري عليها السكين أو الشفرة للذبح، فنحرها النحر الذي تحل به، أو ذبحها الذبح الذي تحل به، ولم يعلم أنها ماتت قبل ذلك فهي ذكية، ولو لم يتحرك بعد فراغه من الذبح أو النحر.
فإن قال قائل: فما الفرق في هذا؛ وهو قد وضع السكين أو الشفرة عليها للنحر أو الذبح وهي حية، ولم يعلم أنها ماتت قبل ذلك إلا أنها لم
-1.1 - (3/101)
صفحة 602
تتحرك بعد النحر أو الذبح وهي حية، وكذلك هذه الصحيحة، وكذلك إنما علمه بحياتها كعلمه بحياة هذه، فما الفرق بينهما؛ فينبغي أن يكونا كلاهما في الحياة والموت سواء، بما تكون به هذه ميتة تكون به هذه مثلها، وما تكون به هذه حية تكون هذه مثلها
،
قلنا له: ليستا سواء مهنا، لأن هذه قد تقدم إليها أسباب الموت، الذي قد خيف منه عليها، وإنما ذبحت ليدرك ذكاتها، والأغلب من أمورها أنها لو تركت لماتت في المتعارف منها، وإن كان الله - تبارك وتعالى - يحيي الموتى ويفعل ما يشاء، لا يسأل عما يفعل، فالأمور بالأغلب منها والعام منها حتى يصح مخصوصها، وهذه الأغلب منها إنما تموت بغير ذبح، وهذه الأغلب من أمورها والعام أنها لا تموت إلا بالذبح، في حال صحتها تلك وسلامتها وهذا ما لا تنكره العقول.
ولسنا نحكم عليها بموت أنها ماتت قبل فراغ الذكاة للأغلب من أمورها أنها تموت قبل الذكاة، والأشياء معنا كلهن بالأغلب منها، وهو المحكوم به فيها حتى يصح المخصوص من ذلك، فحكمنا للصحيحة الذكاة، لأن ذلك الأغلب من أحوالها وأمورها، والمعقول أنها إنما ماتت بذلك الذبح أو ذلك النحر، ولم نوسع لأنفسنا أن نحكم لهذه بذكاة للأغلب من أحوالها وأمورها، أنها تموت في عامة أحوالها من تلك العلل بغير ذكاة، وإنما بتدارك ذكاتها تلافيا من الأحوال، وإلا فعامة أحوالها الذهاب بغير ذكاة، والخاص من الأمور أن تموت الصحيحة من البهائم بغير علة تتقدم لها، مما ذكرنا أو غيره بغير ذبح أمورها
فمن هنالك لم نوسع لأنفسنا بالحكم عليها بالموت للأغلب من
وأحوالها.
فصل: ويقال له: الأشياء كلها في هذه ثلاثة:
6
أمر تتبين به الذكاة لا محالة، وهو معرفة الحياة بعد استفراغ الذبح
- 102 - (3/102)
صفحة 603
والنحر
،
الذي لا تصح الذكاة إلا بهما، فذلك لا محالة أنه حلال وأنه ذكاة
على كل حال
وأما أن يصح أن البهيمة ماتت قبل أن يجرى السكين على المنحر والمذبح، كانت صحيحة أو معلولة؛ فذلك ما لا شبهة فيه أنه غير مذكى وأنه
وحال قد أشكل أمره باجتماع حكم الذكاة وحكم الموت، وهو أن تصح الحياة حتى جرت السكين أو الشفرة على المنحر أو المذبح وهي في الحياة ثم لا تصح حياة بعد فراغه من ذلك، فيزول الشك باليقين من الحياة ووقع الإشكال من الأمور والأمور. ر عند الأغلب عند الإشكال، فإذا كان الأغلب من الأمرين يصح للمشكل حكم له بالأغلب، وإذا عمي عنه الأغلب ووقع الإشكال، فهو مشكوك والمشكوك موقوف لا يحكم له بصحة، ولا عليه بسقم، هذا ما لا يختلف فيه من الأمور، وقد صح في الأغلب من الأمور أن ذوات العلل المعارضة لها مما يتعارف بها أنها تموت من أجله في أغلب أحوالها. وإنما التلاقي من ذلك أن يدرك ذكاتها على الخصوص من أمورها، والأغلب من ذات الصحة من العلل المعارضة، أنها لا تكاد تموت من غير علة إلا بذلك الذبح الذي وقع بها، والنحر الذي صح لها، وإن كان الله يفعل ما يشاء إلا أن الأحكام تجري على الأغلب من الأمور.
،
ويقال له: ما تقول في رجل طرح على قوم أصحاء أحياء جدارا، فشهد الشهود أنه وقع الجدار وزال من موضعه من طرح هذا، وهؤلاء القوم أحياء لا نعلم أنهم ماتوا قبل أن يقع الجدار عليهم، ثم وقع الجدار فأخرجوا تحته أمواتا، ما كنت تحكم عليه في ذلك؟ بقود أو دية؟ أو لا يُحكم عليه
من
بقود ولا دية؟
- 103 - (3/103)
صفحة 604
فإن قال: إذا تعمد لطرحه عليهم وصح ذلك؛ حكم عليه بالقود،
لأنهم أصحاء لا علة فيهم، حتى قتلهم بذلك الجدار الذي وقع عليهم فعليه في ذلك القود.
،
قلنا له: فهل يمكن أن يكونوا في قدرة الله - تبارك وتعالى ـ أن يموتوا قبل أن يقع عليهم ذلك الجدار، ولم يشهد الشهود أنه قتلهم بذلك الجدار، وقد يمكن أن يكون ذلك الجدار إنما وقع عليهم، وهم قد ماتوا في علم الله، فلا يجوز على حد قولك أن يحكم عليه بقود في ذلك بالشبهة التي عارضت في
ذلك
فإن قال: ليس في هذا شبهة، وهذا هو المتعارف أنهم إنما ماتوا بذلك الجدار، وهذا مما لا تنكره العقول.
قلنا له: كذلك أيضا هذه الصحيحة لا تنكر العقول أنها إنما ماتت بذلك الذبح، وإن لم تصح حياتها بعد الذبح، وإنما الذبح تلاقي من أمرها، فهي على الأغلب مع ما عارض فيها من الاشكال الاجماع على التحريم إلا بصحة الذكاة، وإلا فأحكامها ميتة كما كانت، ولا تصح الأمور إلا بزوال الريب باليقين أو بالأغلب من الأمرين المشكلين
•
فصل: فأما ركوب الحجر في هذا بالقول، فهو أن يحل ذلك على الاطلاق أن الميتة والدم ولحم الخنزير والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع والمتردية، اللواتي أطلق الله فيهن التحريم على العموم، فلا يجوز على جهله بذلك أن يحل ذلك على العموم بالقول أو بالاعتقاد، ولا يتولى من أجل ذلك على الاطلاق، وما أشبه ذلك من المحرمات على العموم، فلا يجوز على الجهل بذلك أن يُحل محرّما، ولا يتولى من أجل ذلك بدين، ولا يقف عن العلماء إذا برئوا ممن أحل ذلك برأي ولا بدين. وهذا حجره وتحريمه بالتسمية
-1.2 - (3/104)
صفحة 605
والقول. وكذلك جميع المحرّم على النص والمعلوم، فلا يجوز على الجهل استحلال ذلك بالقول، ولا بالاعتقاد، ولا ولاية من أجل ذلك بدين، ولا البراءة من العلماء إذا برئوا ممن أحل ذلك برأي ولا بدين، ولا يقف عن العلماء إذا برئوا ممن أحل بذلك برأي ولا بدين
من
فصل: وكذلك جميع من أحل ما حرم الله في دينه برأي أو بدين، أو حرم جميع ما أحل الله في دينه، أو شيئا من الحلال، فمن حرم شيئا من حلال الله في دينه مما أحله الله في كتابه أو في سنة نبيه، أو إجماع المسلمين على ذلك الأولين والآخرين، وما أشبه ذلك، أو أحل شيئا مما حرم الله في كتابه وفي سنة رسوله، أو إجماع المسلمين أو ما أشبه ذلك على النص في ذلك، فلا يجوز ذلك لمن ركبه بجهل ولا بعلم برأي ولا بدين، ولا تجوز ولاية من ركب ذلك ولا شيئا منه بدين، ولا تجوز البراءة من العلماء إذا برئوا ممن ركب ذلك بعلم برأي ولا بدين، بجهل من الراكب أو بعلم بجهل من الواقف عن العلماء أو بعلم، فكذلك البراءة منهم لما برئوا ممن ركب ذلك أو شيئا منه بجهل أو
بعلم
وأما تحريم ذلك بالعين؛ فإنه من عاين شيئا من البهائم مما أحل الله بعد الذكاة، فوقف على شيء من ذلك، من صنوف ما سمى الله؛ من الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، فما عاين من ذلك وهو بحاله تلك؛ عاين الفعل أو لم يعاين، إلا أنه قد رآه بحاله تلك ميتا غير مذبوح ولا مُذكّى، وهو زائل عنه جلده أو غير زائل إلا أنه ليس فيه أثر الذكاة، وهو متصل الجثة والأعضاء، وليس فيه أثر الذكاة، فذلك. هو عينها التي يحجر بها على من عاينها، إذا لم يعلم الأصل فيها كيف كانت
الميتة
ميتتها، وكل ذلك سواء فإذا عاين ذلك بهذه الصفة؛ من جميع البهائم وجميع
الطير من المأكولات المباحات، من ذوات الأرواح التي تعيش في البر
،
-1.0 - (3/105)
صفحة 606
ولا تعيش في الماء، أو تعيش في البر والماء جميعا، فما كانت تعيش في البر من ذوات الأرواح من الدواب والطير من المباحات، من ذوات الدم من الأملاك، فوقف عليه هذا الواقف، وليس فيه أثر ذكاة تصح بها ذكاته معه، فذلك حد الحجر في ذلك، وليس له وإن جهل ذلك أن يقدم عليه بأكل من غير اضطرار ولا شراء ولا بيع، وهو في هذا كما وصفنا في الخنزير، إلا أن الخنزير ولو صحت فيه الذكاة والجنس قائم العين، فلا ينفعه ذلك، وهو حرام؛ ذكي أو لم يُذك، والميتة من جميع ما وصفنا ولو كانت في الأصل ميتة إلا أنه عاينها مذكاة، في يد من يجوز له أكلها من يده من أهل الاقرار وأهل الكتاب، فإذا كانت مذكاة، فذلك جائز له أكلها أو شراؤها وبيعها ما لم يعلم أنها في الأصل ميتة، وإذا عاينها غير مذكاة فلا يسعه جهل ذلك، ولا يحل له الاقدام على ذلك، وهي في هذه الحالة بمنزلة ما وصفنا به الخنزير في الشهادة عليها، وهي قائمة العين غير مذكاة، والشهادة على لحمها والاقرار ممن هي في يده بأنها ميتة، والشهادة عليها وهي مذكاة بمنزلة الشهادة على لحمها أعضاء، والشهادة على لحمها أعضاء بمنزلة الشهادة على لحم الخنزير
زائل العين.
فصل: والشهادة عليها وهي مذكاة أنها خنزير، فهي من البهائم الحلال؛ وهي قائمة العين، والجنس الذي يعرف به من الأجناس، لا يجوز له ذلك ممن هي في يده ولا من غيره، قلوا أو كثروا، وقد مضى القول في ذلك في الخنزير والحجة فيها، من قيام العين وعند زوال العين، كالحجة في الخنزير، وكل ذلك سواء، وقد وصفنا ما تقوم به الحجة فيها إن شاء الله وقد قال - تعالى -: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ)، وصح في الاجماع وفي قوله - تعالى - أن الأنعام هي التي قال ـ تعالى ـ فيها: {وَمِنَ الأنعام حمولة وفرشا ... الآية. فهذه الأنعام هي المباحة المحللة بالنص والسنة، إلا ما استثنى الله منها؛ من الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية،
-1.7 - (3/106)
صفحة 607
والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، وقد مضى القول في ذلك وقد قال تعالى: (قُل لَّا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلى مُخَرَّماً عَلَى طَاعِمَ طاعم يطعمه إِلا أَن يكون مينَةً أَوْ دَما مَسْفُوحًا أَوْ لَحْم خنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ فقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ
الله به) (1).
دو وقال في موضع آخر: {وَما ذُبِحَ عَلَى النصب)، فأجمع أهل التأويل
أنه ما ذبح من الأنعام الحلال أصلها، ولم يذكر اسم الله عليها بشيء من الآلهة غير الله، انها حرام وأنها لاحقة بقوله، وما ذبح على النصب، وما أهل به لغير الله وأجمعوا أنه ما ذكاه المشركون من المجوس، والذين أشركوا من غير أهل الكتاب، كان للآلهة أو لغير الآلهة، فذكر اسم الله عليه أو لم يذكر اسم الله عليه، أنه حرام وفيق، لاحق بتحريم الكتاب لقول الله: {وَطَعَامُ الذين أوتوا الكتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِل هم)، وسائر ذلك من الذبائح حرام لاحق بالميتة.
من كان
فصل: وأجمعوا أنه ما لم يذكر اسم الله عليه عند الذبح كائنا. ذابحه؛ من المشركين أو من أهل الكتاب أو من أهل الاقرار، أنه وفسق لقول الله - تبارك وتعالى -: {وَلَا تَأكُلُوا بِمَا لَمْ يَدَيْرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ
لفشق)
حرام
فأجمعوا أن ذلك في الذبائح خاصة عما سواها من المأكولات، وكذلك
في الصيد هو لاحق بذلك في التسمية، واختلف المسلمون فيما ذبح أهل الاقرار وأهل الكتاب لشيء من الأصنام والآلهة؛ بأمر أهل الأصنام والمال
منهم
C
: إن ذلك لا يحرم؛ لأن ذلك
وذكروا اسم الله عليه؛ فقال من قال لا يقع للأصنام، وقد صح له التذكية ممن تجوز تذكيته، وذكر اسم الله
(1) جزء الآية (145) من سورة الأنعام.
- 107 - (3/107)
صفحة 608
عليه، ولا شريك لله في الحلال، ولا يحرم الحلال بهذه النية (1)
وقال من قال: إن ذلك فاسد إذا ذبح قاصدا به لشيء من الآلهة، ولو ذكر اسم الله عليه، والقول الأول أصح إن شاء الله
(1) في هذا القول نظر، لأنه من شروط أن يكون طعام أهل الكتاب حل لنا، أن يكون مستوفيا لشروط الذبح عندنا، وأن يكون الذابح من أهل الكتاب مستظلا براية الاسلام وخاضعا لتصوراته وقواعده، ذلك. لأن شرع من قبلنا شرع لنا مما وافق شرعنا، والذبح للآلهة والأصنام يخالف شرعنا كائنا من كان فاعله.
حققه.
- 108 - (3/108)
صفحة 609
باب
القول في الصيد وغيره من الدواب والطير
أجناس
قال تعالى: أُحِل لَكُمْ صَيدَ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لكم وللسيارة) (1)، فأجمعوا - لا نعلم بينهم اختلافا ـ أن ما كان من الصيد المعروف بصيد البحر ولا يشبه صيد البر ولا دواب البر، أن ذلك حلال وأن حيه وميته سواء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك: «أحل لكم ميتتان ودمان»؛ فأما الميتتان فميتة السمك وميتة الجراد، وأما الدمان فدم اللحم ودم
السمك
كذلك جاء الأثر وعرفناه عن قول أهل البصر، ولا نعلم أن أحدا يختلف في الميتتين، وأما الدمان ففي ذلك أقاويل، ولا يخرج ذلك من قولهم إن ذلك مما يجتمع عليه أنه حلال وإن اختلفوا فيه وفي صفاته
واختلفوا فيما يشتبه فيه من دواب البحر ودواب البر وأسمائه. فقال من
قال: إن ذلك حلال ولكن يذكى
وقال من قال: ليس عليه تذكية، وهو حلال في الأصل، وذلك ما يشبه أجناس الأنعام والمباحات من الدواب، وأما ما يسمى خنزيرا وما يشبهه من دواب البحر؛ فقال من قال: إن ذلك حرام.
وقال
من قال: إن ذلك ليس بحرام، وهو أصح القولين
وقد قيل: إنه ليس في البر دابة إلا وفي البحر مثلها أو ما يشبهها مثل
الكلب وغيره، ويسمى ذلك كلب البحر وغول البحر وما أشبه ذلك،
1 - الآية (96) من سورة المائدة
-1.9 - (3/109)
صفحة 610
فما كان من الدواب التي في البحر خارجة من أجناس صيد البحر؛ إلى شبه دواب البر وصيد البر، فذلك الذي يختلف فيه في تذكيته وكراهيته،، فما كره
من دواب البر فمثله قد قيل بالكراهية فيه من دواب البحر، وقد قيل
بتذكيته.
وقال. من
قال: كل صيد البحر جائز لأن الله لم يستثن منه شيئا، وهو أصح القول؛ لقول الله - تعالى -: أحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لكُمْ وَلِلسيارة فكل ما صح أنه من دواب البحر وأنه لا يعيش في البر، ولو أشبه الخنزير والدواب التي في البر، فغير محكوم على ذلك بتحريم ما حرم الله مثله في البر، لأن الله أباح صيد البحر كله مجملا، ولم يستثن منه شيئا، فهو مباح إلا بدليل على ذلك، وما اختلف الناس فيه بغير دينونة فليس ذلك مما يمنع المباح، ولا يخطئوا في ذلك إذا اعتلوا فيه بعلة، ولم يدينوا بذلك.
وأما ما كان يعيش في البر والماء من الطير وغيره من الدواب، المشبهة
بدواب البر أو غير مشبهة من ذوات الدم، فلا يصح حلاله إلا بالذكاة، لدخول سبب البر عليه، فإن كان الأغلب من أموره أنه يعيش في البر أكثر فهو من دواب البر، وحكمه حكم دواب البر وصيد البر، إن كان صيدا ودمه مفسد، والأغلب من أموره أنه يعيش في البر أكثر زمانه وأكثر شأنه أنه من
ذوات البر.
يصح
فصل: وأما ما كان الأغلب من زمانه وعيشته في البحر والماء، إلا أنه قد يعيش في البر عيشة يفارق بها دواب الماء التي لا تعيش في البر، وأنها متى فارقت الماء هلكت، فإذا كان كذلك فلا: حلاله أيضا إلا بالتذكية، لدخول سبب البرية عليه، ويحكم له وعليه بالأغلب من أموره في شأن تسمية الصيد، ويكون على هذا من صيد البحر، وكان دمه دم صيد البحر للأغلب من أموره، ونحب على كل حال أن يذكى كذكاة صيد البر،
-11 - (3/110)
صفحة 611
لأنه قد يعيش في البر، وما كان الأغلب من أموره وعيشته في البر؛ كان حكمه حكم صيد البر، وكان دمه دم صيد البر مسفوحا، للأغلب من
أموره، فإن صح له أنه يعيش في البر والبحر أو الماء، ولم يعرف له الأغلب ذلك، لم يصح حلاله إلا بالذكاة على حال، وكان على الاحتياط والتنزه (1) أن دمه فاسد، ولا يصح له الحلال إلا بالذكاة، ولا يأكله المحرم
من
للخروج من الشبهة والإشكال
•
وأهل المعرفة بذلك هم الحجة فيه وعليه، وعلمهم في ذلك إذا كان
معروفا في شيء، فهو على سبيل المعروف مع من عرفه، ولا يجوز الإقدام على محجور في الأصل حتى يعلم حله
فصل: وما كان في أيدي المشركين من غير أهل الكتاب، من اللحوم
والذبائح
الهالكة
التي
لا تدرك ذكاتها وقد ماتت، فهي في الأصل محجورة
لا تحل إلا أن يصح أنها مذكاة، لأن ذلك منهم حرام، فما في أيديهم من ذلك فهو حرام على من علم حرمته أو جهلها، ولا يقبل قولهم في ذلك أنه من ذبائح المسلمين، ولا من ذبائح أهل الكتاب، ولا يصح ما في أيديهم أنه حلال من اللحوم، إلا أن أنه يصح من ذبائح أهل الكتاب أو أهل الإقرار، وأقل ما يجوز من ذلك بقول ثقة مأمون على ما يقول من أهل الإقرار، وأما في الحكم فبقول شاهدين من أهل الثقة من أهل القبلة والإقرار.
ولا يبين لنا أن قول أهل الكتاب في هذا حجة للمسلمين، أن ذلك من ذبائح أهل الكتاب أو ذبائح أهل الإقرار، إذا كان في أيدي المشركين من غير أهل الكتاب
1 - يقصد من باب الورع وترك الشبهات، وهكذا أبو سعيد - كأبي الحسن البسيوي الذي حققت جامعه - يحبان البعد عن الشبهات تورعا وتقوى، من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، ومن باب لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع - وفي رواية يذر - ما لا بأس به حذرا مما به بأس.
اهـ. محققه.
-111 - (3/111)
صفحة 612
وإن قال قائل: بقبول قول أهل الثقة منهم في ذلك، وكان اللحم أعضاء أو دابة قائمة مذكاة من الأجناس الحلال من الأنعام وغيرها من الحلال
فلا يكون ذلك حجة
فإن قال قائل: بقبول قول أهل الثقة من أهل الكتاب مع التسليم له ممن ذلك في يده وتصديقه له، لم نقل أن في ذلك خلافا للدين إن شاء الله، لأنهم في الأصل مصدّقون في ذلك، مأمونون عليه، إذا كان في أيديهم، وكذلك إذا كان في يد من يصدقهم على ذلك وقالوا ذلك، لم يبن لنا خلاف ذلك في الأصول إن شاء الله
•
فصل: ولا يجوز جهل ذلك لمن جهله إذا كان في يد المشركين من غير أهل الكتاب، ولم يعلم ذكاته الذي وقف عليه، وليس له الإقدام عليه حتى له السبب الذي يجوز له به ركوبه، فإن جهل ذلك وركبه على هذا؛ يسعه ذلك، وهو هالك، وأما إن رأى من يركب ذلك ولا يعلم كيف أصله، وقد عاينه لحما أعضاء، أو مذكى من المباحات من البهائم، فلا تحرم
يصح
فلا
6
عليه ولايته على ذلك، ولا يجوز له البراءة منه على ذلك ولا ترك ولايته إلا أن يعلم أنه غير مذكى من ذكاة من تجوز ذكاته، أو يعلم أن الذي ركبه ليس له من العلم فيه إلا كعلمه في أيدي المشركين، فيه عين التذكية أو لحما مقطعا زائل العين، فإذا علم أنه لا علم له في ذلك إلا على هذا، فلا يجوز له في الأصل الإقدام عليه، ولا تجوز ولايته في الدين في الإقدام عليه، ولا يجوز ترك ولاية من برئ منه من العلماء على ذلك، إذا كان على هذا الوجه
ولم
فصل: ولو عاين هذا المعاين لهذا اللحم في أيدي المشركين، يعلم أحلال هو في الأصل أم غير حلال، فليس له الاقدام عليه، فإن قدم عليه غيره ولم يعلم الأصل فيه فليس له ولا عليه ترك ولايته ولا البراءة منه، لأنه يمكن باطله ويمكن حقه في ذلك، فإن برئ منه على ذلك عالم من العلماء
- 112 - (3/112)
صفحة 613
أو غير عالم، فبرئ منه على ذلك ولا نعلم هذا كيف برئ هذا منه، إلا أنه لما رآه يأكل ذلك اللحم الذي هو في الأصل محجور إلا بعلة، برئ منه وليه على هذا، ولا يعلم من الذي برئ منه من أوليائه، أيعلم أنه علم أنه ذكي أم لا، ولا نعلم أنه يعلم أنه ذكي، فوليه الأكل على ولايته، ووليه المتبرئ منه على ما عاين منه على ولايته، فإن كان عالما فليس له أن يقف عنه، ولا يبرأ منه على ما عاين بدين ولا برأي، وإن كان ضعيفا وقد برئ من وليه، ولا يعرف على ما يرى منه وقد عاين ما قد برئ منه عليه مما يحتمل ولم يعرف الحكم في ذلك، ما يلزمه في الأكل والمتبرئ، فإن برئ من المتبرئ برأي على هذا الوجه، جاز له ذلك على الرأي والاعتقاد، أنه إن كان برئ من وليه هذا، مما لا يستحق البراءة فهو يبرأ منه، فإن فعل ذلك لم يضق عليه ذلك في الضعيف، لأنه قد برئ من وليه، فحكمه عنده على حالة ضعفه القاذف لوليه، ولا يجوز له على هذا أن يبرأ منه بدين، فإن برئ منه
حكم بدين من أجل براءته من وليه على هذا الوجه فقد هلك، لأن وليه الراكب لذلك قد ركب عنده ما يحتمل أن يكون فيه محقا، من أجل أنه علم أنه مذكى، وليس ذلك بالمباح في الأصل للأكل، فهو في الأصل قد أتى محجورا، إلا أن يبرئه من ذلك سبب علمه أن ذلك حلال، فلما أن كان له في ذلك عذر يحتمل لزمته ولايته، فلما أن برئ منه وليه على سبب يحتمل أن يكون فيه محقا في براءته منه لأنه أتى محجورا في الأصل، فله أن يتولى وليه الراكب وعليه ذلك، ولو أن يتولى وليه المتبرئ من وليه على هذا، لأنه يحتمل أن يكون أنه قد علم أنه أتى المحجور على علم منه بحجره، أو على غير علم منه بأنه حلال في علم ذلك، وسواء كان المتبرئ منه عالما من العلماء، أو من ضعفاء المسلمين، فلا يجوز له أن يبرأ ممن برئ من وليه في هذا بدين، من ضعيف أو عالم، ولا يجوز له أن يقف عن عالم برأي ولا بدين من
ضعيفا
أجل براءته من وليه هذا بما قام عليه من العدل
- 113 - (3/113)
صفحة 614
فصل: وذلك إذا علم أن العالم إنما برئ منه على جهله بحكم ذلك، وأنه إنما أتى ذلك على جهله بحكمه، وأما إذا لم يعلم كيف برئ منه العالم والضعيف في هذا، وضاق عن البراءة منه، جاز له أن يتولاه بدين،
،
ويتولى العالم بدين، وكذلك الضعيف، وهذا موضع تجوز فيه الولاية بأصل ما كانت عليه حتى يعلم أنه أتى باطلا، وتجوز البراءة منه بما ارتكب من
المحجور الذي هو في الحكم محجور، لأن الحق فيه الله وحده في أكل ذلك، وليس فيه حقوق للعباد، ولكن إنما يتولى من برئ منه، لما احتمل عنده أنه برئ منه بحق قد علمه منه، لما يحتمل من حقه وباطله، فاحتمل أن يكون وليه الذي برئ منه قد علم منه، ما تجوز له به البراءة في السبب الذي قد عاينه منه، مما يحتمل أنه قد أكله بباطل، وذلك الأصل حجره عليه في حكم الظاهر، وليس ذلك من المتعارف، فإنه يأتي ذلك على الأمانات من أحوال الصلوات والصوم، وغيره من الأمانات التي هو أمين فيها، ولا هو من الحقوق المحجورة المتعلق فيها حقوق العباد، ولا يصح منهم زوال حجة، ولا يصح عليهم ثبوت حجة، فيكون فيه الاختلاف بأصل الركوب، فيجوز بذلك الولاية على أصل ما كانت عليه، وتجوز البراءة لما أتى من المحجور، ويجوز الوقوف للشبهة، ولكن كما احتمل لوليه الراكب العذر معه، الأصل. معه محجور عليه إلا بعلم، فكذلك أنزل بوليه المتبرئ من وليه على السبب الذي قد عاينه منه واحتمل باطلا لما قد يمكن أن يكون قد علم أنه أتى ذلك على الباطل، لأنه غير مباح في الأصل ممن هو يده إلا بصحة وحجة، فكما لزمه أن ينزل لوليه المتبرى من هذا الراكب بما قد عايناه منه جميعا، لما يمكن أنه قد علم أنه أتى ذلك على سبيل المحجور بعلم منه بذلك لا علم ظاهر فعله جاز البراءة منه فيما يكون فيه الحق لله وحده والله أعلم، وينظر في هذا الفصل فإنه من المحجورات وليس من الأمانات المتعارفات فصل: ويقول: إنه إذا رأى من وليه شيئا، مما هو مؤتمن فيه عليه
وإن كان
-112 - (3/114)
صفحة 615
،
من الفرائض، التي يكون الحق فيها الله، ولا تجتمع فيها حقوق العباد مع حق الله، فإنه لا يجوز له أن يترك ولايته ولا يبرأ منه على كل حال، ولا يتولى من برئ منه على ذلك، إذا احتمل له المخرج فيما هو مؤتمن عليه، وذلك أنه رآه يمشي ويحيي ويذهب، ثم أتى إلى المصلى عند حضور الصلاة، فصلى الفريضة قاعدا أو نائما، ولم يعرف أهو معذور في ذلك أم غير معذور، وكذلك رآه يأكل في شهر رمضان وهو صحيح البدن، ولا يعلم أمسافر هو أم مقيم، ولو علم أنه مقيم فلم يعلم أذاكر هو أم ناس، وكذلك إذا رأى امرأة من أوليائه تأكل في شهر رمضان؛ ولا يعلم أمسافرة هي أم حاضرة، أو حائض أو طاهر أو نفساء أو غير نفساء، وغير ذلك من الفرائض المتعارف فيها أن المتعبد مؤتمن فيها وفي أدائها، على ما هو مكلف في ذات نفسه، ولا يطلع العباد على ما غاب عنهم من أمره فهذا وأشباهه من الفرائض المتعلقة على العبد في ذات نفسه، فكل أمر احتمل له فيه المخرج من الباطل، ولم يصح أنه تركه لغير حق، ولا ركبه بغير حق، والأمر في ذلك الذي يظهر منه مما يحتمل أن يكون حقا، ويحتمل أن يكون باطلا مهلكا فهذا ما لا نعلم فيه اختلافا، أن من أتى ذلك فهو على ولايته، ولا تجوز البراءة منه بذلك حتى يعلم أنه أتى ذلك بغير حق من الباطلات، ولا تجوز الولاية لمن برئ منه على ذلك من عالم أو ضعيف في ظاهر الأمر، والمتبرئ منه بذلك قاذف في ظاهر الأمر، لا تصح له براءة من القذف في هذا ومثله، ولا يقرب إلى البراءة من الناس على هذا، فإن ادعى ذلك على مسلم كان قاذفا له بذلك فصل: ولكن إذا أتى هذا الراكب من الأولياء المتقدمة لهم الولاية شيئا من المحجورات، مما يتعلق فيها الحق الله وللعباد، من غير أن تقوم حجة الراكب على ذي الحق فيصح حقه أو تقوم حجة ذي الحق في حين ذلك، فيصح باطله، فإذا كان على هذه، ولم تصح إحدى الحجتين من الراكب أو ذي الحق، وكان الأصل محجورا إلا بحله واحتمل حله وحرامه، فهنالك
،
-110 - (3/115)
صفحة 616
يقع الاختلاف فيما عرفنا:
فقال
من قال: تجوز البراءة بما ظهر من ركوب المحجور، حتى تصح أنه أتى من ذلك حقا، لأن الحجة متعلقة عليه في ظاهر الأمر، ولا يجوز له دعوى على ذي الحجة، فمتى قام عليه بالحجة قطع عذره فهو محجوج، مظهر على نفسه ما هو به مخلوع.
وقال من قال: يكون على ولايته في الأصل، إذا كانت قد تقدمت له ولاية حتى تقوم عليه الحجة، أو يعلم أنه أتى باطلا ولا يتوب منه وقال من قال في هذا بالوقوف، لما أشكل من أمره، وإذا جاز ذلك فيه كله في المعنى الذي قد لزم فيه، كان التظاهر بالولاية والبراءة فيه والوقوف جائز، ما لم يقع القذف بالباطل والدعوى عليه بالباطل فلا يجوز، وإن برئ منه بما قد ظهر من أمره في هذا الباب فلا يدعي عليه فيه الباطل، ولا يعتقد عليه فيه الباطل، ولا يشهد عليه بذلك، ولا يقذف به، وكل ذلك محجور محرم والقاذف له بالباطل من ذلك أو من غيره قاذف، ويبرأ منه من يتولاه على أصل ولايته، لأنه متعدٍ إلى ما لم يأذن الله له به، وإنما جازت البراءة منه في ظاهر الأمر بغير قذف، كما يحكم الحاكم بقطع يد السارق ورجم المحصن، إذا شهد عليه بذلك من تقوم عليه به الحجة
ولا يجوز للحاكم ولا لغيره من المسلمين أن يضيعوا ما قد قام عليهم به الحجة في ذلك بشهادة الشهود، أو بإقرار المقر بذلك، إذا لم يرجع عن ذلك، ولا يجوز لهم أن يشهدوا ولا يعتقدوا صحة ما شهد به الشهود، ولا ما أقر به المقر على نفسه، فإن فعلوا ذلك تعدّوا إلى علم ما لم يأذن الله لهم به، وهذا من تعاطي علم الغيب، لأنه يمكن أن يكون الشهود يشهدون بالزور، ويمكن أن يكون المقر أقر بالكذب والفجور، ولو كان ذلك صحيحا ما جاز أن يعتقد
-117 - (3/116)
صفحة 617
صحة ذلك بعينه، إلا أن يصح ذلك بالعيان أو بشهرة بيان لا يرتاب فيها من
العلم، ثم هنالك يشهد بذلك قطعا
6
فصل: وكذلك هذا الذي قد ظهر منه ما يحتمل أن يكون فيه محقا ويحتمل أن يكون فيه مبطلا، فإنما يبرأ منه من يبرأ بما ظهر عليه من الدخول في ظاهر المحجور، ولا يجوز له أن يشهد عليه أنه داخل في ذلك بالجور، فإن فعل ذلك كان حاكما وشاهدا بالكذب والزور، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا
بين أحد من أهل العلم
ذلك
وأصح القول في هذا المختلف فيه، في أمر من يظهر منه أمر يحتمل أن يكون فيه محقا، ويحتمل أن يكون فيه مبطلا، ولم تقم عليه الحجة بالباطل من أولي الحق في ذلك، ولم تقم له حجة على أولي الحق في ذلك، وتكافأت عند حججهم بترك النكير ممن له النكير في ذلك، ومن يكون نكيره في ذلك حجة، فإذا لم تقم لأولي الحجة حجة بالنكير حتى غابت حجتهم، فأصح الأصول في هذا أن يكون من كانت له ولاية، فهو على ولايته على كل حال، لأن ولايته كانت في الأصل بالدين واليقين، والبراءة منه في هذا إنما تكون بظاهر أمر يحتمل حقه وباطله، إلا أنه فيه عليه الحجة للغير، ولا يخطئ من قال بذلك، بل له فيه الحجة، وأصح القول في ذلك الولاية ثم الوقوف للإشكال، والبراءة جائزة على ما قد جاء من القول في ذلك، والحجة أنه محجوج لذي الحجة إذا لم تقم عليه له حجة في حين ما يأتي ذلك ولا بعد ذلك، فإن قامت له حجة بزوال الباطل من أمره ثبتت بذلك حجته بالحق
والله أعلم
•
،
ولا نعلم هذا يخرج في وجه من الوجوه إلا فيما يتعلق فيه الحق لله وللعباد
ولا نعلم غير ذلك
- 117 - (3/117)
صفحة 618
فصل: فإن قال قائل: فلم قلتم إنه إذا ركب أمر اللحم الذي في يد المشرك، ولم يعلموا كيف أمره في ذلك، وتوليتموه على ذلك، وبرئ منه أحد من أوليائكم، على ذلك توليتم من برئ منه على ذلك، ولم يكن عندكم قاذفا له، إذ لا تقولون إن هذا لا يجوز إلا فيما يتعلق فيه الحق الله وللعباد واللحم الذي في يد المشرك مباح له في يد المشرك، ولا يحجره عليه وهو مبيح له ذلك، وإنما يتعلق عليه الحق في هذا المحجور الله لا حق فيه للعباد، فقلتم إنكم تتولون الراكب وتحسنون به الظن في هذا، وتتولون المتبرئ من أوليائكم على ذلك، وتحسنون به الظن، وقلتم إنه لا يجوز عندكم البراءة في هذا من طريق ما أتى من المحجور في ظاهر الأمر، إلا أنكم أحسنتم بوليكم المتبرئ منه الظن، أنه قد علم أنه أتى ذلك على المحجور، ولم تحسنوا بوليكم المتبرئ الظن في براءته، ممن رأيتم من أوليائكم يأكل في شهر رمضان نهارا، أو يترك الصلاة متعمدا قياما، وأشباه هذا من أمر دينه الخاص به في ذاته، فلم لم تحسنوا بوليكم الظن في هذا، كما أحسنتم به الظن في الآخر، ولم يكن في هذا
قاذفا له، كما كان في البراءة من وليكم في الصيام والصلاة ونحوهما قاذفا
فصل: قلنا له: لأن ولينا في ركوبه لهذا المحجور ومثله من المحجورات، التي يمكن أن يكون يدرك فيها بالحجة من غيره، وتقوم عليه الحجة بقطع عذره من غيره، مع علم من برئ منه وإيانا من ذلك جميعا، واحتمال علم ولينا المتبرئ بخطأ ولينا هذا؛ الذي قد ركب محجورا في الأصل، لا مخرج له من الكفر فيه إلا بإحسان العذر له أنه قد علم أن أصله حلال، وكذلك يمكن أن يكون علم ولينا من المتبرئ منه، أن أصل ذلك حرام، وهو محجور على راكبه، فتكافأت معنى الدعاوى من الراكب والمتبرئ منه على ما قد علمنا نحن منه، مما يمكن صوابهما فيه جميعا، وتكافيء علمهما فيه جميعا، ومما يمكن أن يقوم على ولينا الراكب لذلك في ذلك الحجة
-11 A- (3/118)
صفحة 619
من غيره، ويكون خصما في ذلك لغيره، وتقوم عليه الحجة بقطع عذره من غيره، فأنزلنا لولينا المتبرئ من العذر ما أنزلنا لولينا القاذف في هذا ومثله، مما يكون محجورا في الأصل لا براءة له من حجره إلا بعذر يخصه هو،، مما يمكن أن يكون غيره يعلم فيه كذبه، وينقطع فيه حجته بغيره، فأحببنا أن نجعل لولينا المتبرئ في هذا من العذر في الانكار مع تركه للقذف لولينا، مع ترك النكير من ولينا الراكب على المتبرئ منه، وإيضاح حجته التي يدعيها، ولو أنكر على ولينا المتبرئ، وادعى حجته التي جعلناها له، من الإنكار عليه لأمرنا ولينا بالتوبة من ذلك، ونهيناه عن البراءة من ولينا حينئذ، فإن تاب وانتهى وإلا برثنا منه لبراءته من ولينا، وإن كان في الأصل مدعيا على ولينا المتبرئ منه، ولم يجعل ذلك في ولينا الذي قد رأيناه يأكل في شهر رمضان، أو يترك الصلاة قائما أو يصلي ركعتين في موضع لا يعلم أنه مقيم فيه أو مسافر أو أشباه هذا وأمثاله، مما يكون هو مؤتمنا فيه، ويكون قوله حجة عنه في ذلك
"
ولا تقوم عليه حجة في مثل هذا إلا ومنه حجة يدفعها بها من عبارة لسانه وقوله، فهو فيه مأمون على كل حال على ما يؤدي من الفرائض من ذات نفسه، ولا يغير عن نفسه في ذلك إلا هو من العذر، ومن النيات التي له فيها الحجة والعذر.
فصل: فوجدنا إقدامه على المحجورات من غير المباحات له إلا بسبب عذر يدعيه تقوم عليه فيه الحجة من غيره تقطع عذره، وينقطع فيه على كل حال عذره، إذا قامت عليه به الحجة، فوجدناه فيما هو مأمون فيه على تأديته، والعذر فيه يقوم منه ومن عبارته، ولا يطلع على صحة ذلك عنه إلا بإقرار منه، حجة على خصمه في ذلك والقاذف له والمدعي عليه، ووجدناه في إقدامه على المحجورات غير المباحات خصما فيما يدعي ويدعى عليه، بالغ في ذلك به إلى قطع العذر، فالخصم غير الحجة والخصم عند ترك النكير على المدعى عليه، ربما انقطع عذره في موضع ما يتقطع فيه عذره،
-114 - (3/119)
صفحة 620
والحاكم فيما هو فيه حجة، فلا ينقطع عذره فيما هو فيه حجة
وإن قال قائل: إنه لا تجوز البراءة منه على هذا، ولا تجوز ولاية من برئ منه على هذا، حتى يصح قطع عذره والمتبرئ منه على هذا قاذف، لأنه في الأصل مأمون على دينه، وهذا لا حجة فيه عليه من أحد، ولا يكون في فعله ذلك محجوجا لأحد، وكل من ادعى عليه سببا من ذلك، فإنما هو خصم له له الدعوى بادعائه، ومن لم يصح فيه والخصم فلا: يصح
ولا كان حجة بقوله، فهو قاذف
دعوى بقوله
قلنا له: لا يخرج هذا من معنى الصواب، وهو الأصل في هذا إلا أنا أحببنا أن ينزل للمتبرئ في هذا الوجه العذر؛ لموضع تقدم ولايته، فإن صح ذلك في حكم الآثار، وإلا فالأصل أنه كما تقول إنه خصم، وهو المتبرئ، وإن الراكب ليس هو محجوجا في هذا من أحد بعينه، ولم يدخل فيما يكون فيه محجوجا لو قام عليه ذو الحجة، كما كان الداخل في المحجورات التي فيها الحجة الله وللعباد محجوجا، ممن تكون الحجة له في ذلك، فلو قام بالحجة عليه كان مقطوع العذر في حالته تلك، فلما أن دخل فيما هو فيه محجوج ممن له عليه الحجة، ما لو قام عليه بالحجة كان ذلك عليه حجة، ولم يكن له في ذلك خصما، كان قد دخل في محجور محجوج فيه. ومن هذه العلة:
قال من
قال بالبراءة منه في ظاهر الأمر، لا لغير ذلك بعلمه من العلل لأن كل ما لم يكن فيه حجة لغيره عليه، وإنما هو فيه خصم لكل من خصمه، لا تصح عليه حجة لغيره إلا بالبينة، فهو مأمون على ما أتى في الأصل خصم
به
مما له لخصمه في ذلك، ليس بمحجوج حتى تصح البينة على ما يدعي العذر، فكل من دخل في أمر محجور في الأصل، لا. يصح له الخروج منه إلا بعذر، لا تخرج له فيه الحجة إلا بدعواه أن لو ادعاه، أو بما يكون فيه مدعيا، ويكون المنكر عليه في ذلك هو الحجة عليه، وعليه هو البينة فيما
- 120 - (3/120)
صفحة 621
يدعي فهذا هو الباب المختلف فيه
فصل: وذلك لو ركب دما في حكم الظاهر محجورا ومالا محجورا، على المنازعة منه في ذلك، والأخذ بيده، فقتل على ذلك، وأخذ المال ولم ينكر عليه ذلك من له الحجة في ذلك، ولم يوضح هو على ذي الحجة في ذلك ما يزيل حجته، كان قد أتى محجورا يحتمل أن يكون له في الأصل ذلك على ذي الحجة، ويمكن أن يكون قد أتى ذلك بحلال له في الأصل، إلا أنه لو ادعى ذلك بعد الفعل أن ذلك كان له في الأصل لم يقبل منه ذلك، وكان مدعيا، وكان قول ذي الحجة عليه في الدم والمال هي المقبولة، فكان محرما محجورا داخلا في أمر هو فيه محجوج، فمن هنالك اختلف في هذا ومثله، والأصل فيه أنه كل من دخل في أمر يكون عليه فيه أحد من الناس حجة أن لو قام عليه في ذلك بالحجة، كان فيها محجوجا من دم أو مال أو أمر إمامة. يكون المسلمون فيها حجة، أو وجه من الوجوه يكون فيه الحق الله وللعباد، ويكون أحد من العباد في المحجورات حجة على الداخل فيه، ويكون الداخل في ذلك، لا يصح له قول ولا سلامة له من الحجة إلا بحجة يقيمها من غير دعواه، فهو في هذا محجوج، والمحجوج لا عذر له أن
البراءة، مما لا يكون له فيه سلامة إلا بحجة من غيره.
6
نفسه يبيح من
فصل: وإذا أتى شيئا من المحجورات المحرمات التي له فيها العذر، فيما يحتمل من جميع الأمور التي لو خصمه فيها خصم من الناس بار أو فاجر أو قليل أو كثير أو صغير أو كبير، كان خصماله، وكان قوله ودعواه حجة له يدرأ بها عن نفسه، وعلى خصمه في ذلك البينة عليه، فهذا هو الحال الذي لا يجوز فيه البراءة منه بظاهر الأمور التي تحتمل الخطأ والصواب، ولا يجوز إلا ولايته، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وهذا فرق بين هذين الأمرين عند من أبصر الأحكام في ذلك، مع أن الأصل في الولاية في الوجهين جميعا أقوى
- 121 - (3/121)
صفحة 622
وأصح، والعجب كيف جازت البراءة فيما لا يصح به قطع عذر الراكب، وفيها يحتمل صوابه قبل أن تقوم عليه الحجة فيه بقطع عذره، ولكن لا يخالف أهل العلم فيها قالوه، ونحن لهم تبع إن شاء الله تعالى
- 122 - (3/122)
صفحة 623
باب
ما جاء تحليله من البهائم والأنعام والطير والصيد وما حرم من ذلك بالكتاب والسنة
الأصل
قال الله - تعالى - في كتابه الكريم، مع ما قد قص من تحريم الميتة والدم وأحل بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم، وتلا ما حرم من الأنعام المباحة في، من الميتة والمنخنقة إلى آخر الآية، فقال مع ذلك: قل لا أجد فيها أُوحِيَ إِلَيَّ تَخَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مِّيْتَةَ أَوْ دَما مَسْفُوحًا أَوْ لَيْمَ خنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أو فسقا أهلَ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطَرَ غَيْرَ باغ وَلَا عَادِ
وو
(1)
"
ربك غفور فصح في اللغة والمعنى أنه إنما أراد بذلك البهائم غير المحجورات من المحارم من البيوع والمناكح والمطاعم والمشارب، من غير اللحوم، ولا يقدر أحد أن يقول غير ذلك إن شاء الله، إن الله لم يحرّم في كتابه إلا هذا، فيجوز أنه عني به إياه، بل الكتاب والسنة والإجماع على غير هذا، أن الله قد حرم في كتابه وسنة نبيه من المحارم، وحد من الحدود وبين من المآثم المحجورات غير هذا، ولكن صح في العقول والمعنى مع الاجماع على خلافه بتحريم المحرمات، أن ذلك إنما هو خاص يراد به البهائم، غير ما قد استنى الله من الميتة وصنوفها، ولحم الخنزير في غير هذا الموضع، فقال: وقل لا أجد فيها أوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ .. الآية؛ وتمام القصة، فقال بعض أهل القبلة مع عامة المسلمين؛ إنه ليس وراء هذا شيء من البهائم محرما،
(1) جزء الآية (145) من سورة الأنعام.
- 123 - (3/123)
صفحة 624
وما سوى هذا المحجور فهو مباح. الدواب والطير، لأن الله قد أباحه مجملا بعد هذا الذي قد قال: قل لا أجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمِ يطْعَمُه) ثم قص القصة إلى تمامها فقال: فهذا هو المحرم وما سوى ذلك مباح محلل، إلا أن يخصه شيء من السنة أو الاجماع، بدليل يدل على معنى لا يخالف كتاب الله في مراده هذا، وما أتى مما يضاف إلى السنة أو الاجماع مضاد للكتاب، فلا يصح من السنة ما يخالف الكتاب أبدا، ولا يصح من الاجماع ما يخالف الكتاب والسنة وهذا من المحال
ومما اجتمع عليه أهل القبلة، ولا نعلم بينهم اختلافا، أنهم قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي مخلب من الطير، وعن كل ذي ناب من السباع،
فوقع الاجماع على النهي عن هذا مجملا، ثم اختلف في ذلك النهي
فقال من قال منهم: إن ذلك النهي يوجب الحجر بظاهر النهي
6
للإجماع على الخبر بالنهي، ولا يكون ذلك ردا للكتاب والسنة، كما قال الله تبارك وتعالى - في المناكح إذ حرمها فقال: (حرمت عليكم أُمَّهَاتِكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَاتُكُمْ (1)) .. إلى قوله: (مُحْسِنِينَ غَير
مسافحين)
ثم جاء عن النبي ما هو مجمع عليه من أهل القبلة أنه لاحق بالكتاب قوله صلى الله عليه وسلم: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». وقوله: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، لا الكبيرة على الصغيرة ولا الصغيرة على الكبيرة، ولم يكن ذلك مخالفا للكتاب في إجماعهم، ولم يعتل في ذلك أحد من أهل القبلة ببعض الدفع، إلا بإدخال الحكم به على مخالفته في غيره، فربما اعتل في ذلك معتل في قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من رسول ولا نبي قبلي إلا وقد كذب عليه، ألا وسيكذب علي من بعدي، فاعرضوا ما أتاكم
1 - جزء الآية (23) من سورة النساء.
- IYE- (3/124)
صفحة 625
عني على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو عني، قلته أو لم أقله، وما خالف
كتاب الله فليس عني؛ قلته أو لم أقله»
الله
6
بعد أن
فقال بعض من يعتل في ذلك: فأين موضع هذا الموافقة كتاب وقد قال الله - تبارك وتعالى -: (وأحل لكم ما وَرَاءَ ذِلكم) (1) من قص عليهم ما حرم عليهم، فأين موافقة هذا من كتاب الله ولكتاب الله وقد أجمع أهل القبلة على ذلك أنه عنه، ولم يختلفوا في الأحكام فيه مع إجماعهم على الخيرية والرواية له، وكذلك كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير فهو محرم بظاهر النهي، لقول الله - تعالى -: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (2)، فالنهي على التحريم حتى يصح غير ذلك من
200 - 90
الخصوص له.
وقال من قال منهم: إنه ما عدا هذه الآية فهو مباح بالكتاب وإنما معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم في جميع ذلك، أدبا أدب به أمته للموضع ما أحل الله لهم من الأنعام المملوكة الواسعة والصيد الصحيح المجتمع عليه من غير النواهش والنواسر من الطير والبهائم، لأن كل ذي مخلب من الطير فهو ناسرة، للميتة والأنجاس المفارقة للحلال، وكذلك كل ذي ناب من السباع والوحوش؛ فهو ما نهش من الميتة، فأدب النبي صلى الله عليه وسلم أمته؛ أن يدع الواحد منهم الحلال الطيب السائغ في الأنفس المجمع عليه معهم أنه من طعامهم، غنيهم
سعة
وفقيرهم، باديهم وحاضرهم، ويتبع السباع التي لا تقع عليها الأملاك ولا الاستبقاء نحيلة، فيجعله معاشه وغذاءه، وقد يجد ما هو أطيب منه، كما قد نهاهم عن أكل الثوم والبصل لرائحته، وقال: «من أكل هاتين الشجرتين فلا يدخلن مسجدنا؛ فكان ذلك من الأدب منه لهم، وكما
1 - جزء الآية (24) من سورة النساء.
(2) جزء الآية (7) من سورة الحشر
- 125 - (3/125)
صفحة 626
نهاهم عن أكل لحوم الحمر الأهلية استبقاء عليهم
6
وخوفا منه أن تفنى
حمولتهم، وكذلك الخيل والبغال، والأصل في ذلك أنه مباح لأنه خارج من المحرم المحجور، في قوله - تعالى -: قل لا أَجِدُ فِيهَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَمَا عَلَى طاعم يَطْعَمُهُ) (1). وليس ذلك أيضا من ذوات المخالب ولا من ذوات الأنياب، مع الإجماع منهم، بأنه قد يجوز أن يكون في سنته صلى الله عليه وسلم فرض ونفل وتحريم وأدب، فلما أجمعوا على هذا، كان هذا مما هو خارج على الأدب
لا على التحريم
وقال من قال: إن كل ما عدا هذه الآية المحجورة فهو مباح من البهائم بالكتاب، إلا ما أشبه ما حرم الله في كتابه، فما أشبه ما حرم الله في كتابه بصفة أو بمعنى أو بلون، ما لم يأت فيه إباحة بالنص، فهو لاحق بالتحريم بالمثل والشبه، فالاجماع على أن الدين ما جاء في الكتاب تحريمه أو تحليله أو ما أشبه ذلك، أو جاء في السنة تحليله أو تحريمه أو ما أشبه ذلك، أو أجمع على الأمة أو تحليله أو ما أشبه ذلك، ولا يجوز تحريمه من أن يحرم الله - تبارك وتعالى ـ شيئا ويقف عن تحريم مثله لمعنى أنه حلال وهو مثله وشبهه، ولا يحل شيئا ويقف عن تحليل مثله لمعنى أنه حرام، هذا ما لا يخرج في حجة العقل، ولا يشبه ذلك حكم الكتاب ولا حكم السنة ولا الاجماع، وكذلك ما صح تحريمه من ذلك بالنص في دين ا الله، ولم يصلح إباحة مثله بالنص لمعنى أن الله أراده بذلك، ويخرج ذلك على معنى الحق، فالمثل من ذلك حرام، وما صح تحليله في دين الله من الأشياء ولم يصح تحريمه مثله بالنص من ذلك حلال، على هذا أجمع القول في الأصل، وهذا
يصح
دين
الله، فالمثل من القول هو أصح ما قيل في هذا، ولعل عليه أكثر قول أهل العدل. القبلة، ولعله عليه عامة قول أصحابنا وهو قولنا إن شاء الله
(1) جزء الآية (145) من سورة الأنعام.
من
أهل
- 126 - (3/126)
صفحة 627
فصل: فكل ما خرج من التحريم بالنص من البهائم، وخرج من التحليل بالنص من البهائم، مما عدا هذه الآية فهو مباح في الحكم، إلا ما خصه شيء من دين الله بضد ذلك، أو أشبه الحلال من المحلل بالنص، فهو حلال بالسنة، وما أشبه المحرم بالنص فهو محرم بالسنة، وما لم يصح فيه نص بتحريم في دين الله، ولم يشبه المحرمات بالنص في دين الله،
فهو مباح من البهائم، بقوله - تعالى -: وَقُل لَّا أَجِدْ فِيمَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَمَا عَلَى طَاعِمِ يَطْعمه .. (1) إلى آخر الآية والقصة، وما لم يخرج على صحة
هو
التحليل بالنص، وعلى صحة التحريم بالنص، ولا خرج على صحة الشبه للمحلل ولا للمحرم، فالآية مطلقة لجميع البهائم والطير، لأن ذلك. المعنى به والمراد به، وهو الذي وقع فيه الاشكال والاختلاف، من قول أهل
القبلة
فصل: وقد قال الله - تبارك وتعالى - فيما أباح من البهائم مستثنيا من ذلك، فقال: غَيْرَ مُحِلَى الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يُحِكُمَ مَا يُرِيدُ) (2) ثم أباح فقال: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا. .) (3) فكان ذلك منه إباحة لما حجر من الصيد في الإحرام، فقال - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصَّيْدَ وأنتم حزم) (4). وقال - تعالى -: {وَحَرَمَ عَلَيْكُمْ صَيدَ الْبَرَ مَا دُمْتُمْ حُرُما) (ه) فأجمع أهل القبلة على أن الصيد المحرم قتله ولحمه ما عدا المملوكات المربوبات من الأنعام، وأجمعوا أن المحرم في الحرم والحل يأكل، وحلال له ذبح الأنعام من المعز والضأن والبقر والإبل الأهليات المربوبات، لا اختلاف
1 - جزء الآية (145) من سورة الأنعام.
2 - جزء الآية الأولى من سورة المائدة
3 - جزء الآية الثانية من سورة المائدة. 4 - جزء الآية (95) من سورة المائدة 5 - جزء الآية (96) من سورة المائدة.
- 127 - (3/127)
صفحة 628
بينهم في ذلك فيهما علمنا، واختلفوا في الصيد يؤهله الانسان حتى يكون ملكا
له، متأهلا به في ملكه:
فقال
من قال: إن ذلك من الصيد، ولا يحل للمحرم
وقال من قال: قد خرج ذلك من حكم الصيد إلى حكم الملك، كما خرج من حد الإباحة إلى حد الحجر على غير مالكه، بإباحة الصيد بإباحة الملك، والقول الأول أصح.
فصل: وأجمعوا أن الصيد ما عدا الأنعام من الوحوش، غير المربوبات المملوكات؛ وما عدا المحرمات المحجورات بالنص على جملة التحريم على المحل والمحرم، مما هو خارج من ذوات المخالب من الطير وذوات الناب من السباع، فما عدا هذا فالإجماع من أهل القبلة؛ أن ذلك مما يخرج له مثل في المحللات من الأنعام المربوبات؛ فهو من الصيد، وتصديق ذلك من كتاب الله - تعالى - قوله: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءُ
ده
(1) 6
مثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم .. (1)
جميع
فما كان له مثل من النعم وخارج من ذوات المخالب من الطير، ومن ذوات الناب من السباع وذوات المخالب، فالإجماع أنه صيد حلال؛ إذا أدرك بوجه من وجوه الذكاة للمحل، وحرام على المحرم حتى يُحل، واختلفوا
ذكاته
في أشياء من ذوات الناب من السباع، وذوات المخالب من الطير:
فقال من قال: إنه صيد حلال مباح للمحل وحرام على المحرم حتى يحل، وذلك كمثل الضبع والثعلب والسنور الوحشي وما أشبه ذلك. وقال من قال: كل ناشزة من ذوات الناب فليس من الصيد، وهو من
(1) جزء الآية (95) من سورة المائدة
- IYA- (3/128)
صفحة 629
المحجورات بجملة القول؛ في النهي عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي
مخلب من الطير وكذلك من الطير.
وقال من قال: إن الضبع والثعلب والسنور الوحشي من الصيد، وهو مباح حلال للمحل حرام على المحرم، وقد جاء الأثر عن عمر بن الخطاب، أنه حكم في الضبع بكبش أملح، وقال: هو أ هو أشبه الأنعام هذا، وأحسب أن ذلك يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم في الضبع
- رضي الله عنه
6 -
بها أو نحوه بكبش وجعلها. من الصيد
العدل
وجاء الأثر أنه كان على مائدة ابن عباس لحم ضبع، ولا نعلم بين أهل من أهل القبلة اختلافا، أن الضبع والثعلب من الصيد، وكرهوا ما سوى ذلك من السباع، ولا نعلم أن أحدا من أهل العدل من أهل القبلة ذهب إلى تحريم شيء من ذوات المخالب من الطير، ولا من ذوات الناب من السباع، لموضع الرواية بالنهي عن ذلك:
وقال من قال: لا بأس به إلا أنهم ذهبوا إلى كراهية ذلك، وأن ذلك من الأدب.
وكذلك الكلب قد أجمع أهل العدل - لا نعلم بينهم. اختلافا ـ أنه نجس الجلد وسؤره نجس وقد يروى ذلك أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفسد سؤر الكلب وأنه نجسه، ولا يكون نجس السؤر إلا لمعنى أنه حرام، أو أن بشرته نجسة، وقد أجمع أهل العدل من أهل المقرين على أن بشرته نجسة وهو جلده، وأن سؤره نجس، وكرهوا لحمه إذا كان ذكيا، ولا نعلم أن أحدا منهم قال إنه حرام، ولا نعلم بين أهل القبلة اختلافا في نجاسة سؤر الكلب، إلا أن يكون غاب عنا ذلك فالله أعلم، وهو معنا نجس البشرة والسؤر مكروه اللحم، لا نقول إنه حرام إلا ما اختلفوا في كلب الصيد
- 129 - (3/129)
صفحة 630
:
المعلم
فقال
من
قال: إنه نجس مفسد سؤره
وقال من
قال: لا بأس به.
وأما النمور والأسود والذئاب وما خلا الضبع والثعلب من ذوات
الأنياب من السباع؛ فذهب أهل العدل إلى كراهية لحوم ذلك، وكراهية. أسوارها، وكذلك كرهوا سؤر الضبع والثعلب.
وقال من قال: بنجاسة أسوار ذلك كله من أهل العدل. وذلك
مما يختلف فيه
فصل: وأما الظباء والأوعال والأرانب، وكل ذي ظلف من الوحوش؛ فذلك من الصيد بالاجماع عليه من أهل القبلة حلال، وهو للمحل وحرام على المحرم.
وأما الضب فقد جاء فيه الأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: إنه لا يأكله ولا ينهى عنه، لأنه ليس من طعام قومه، وهذا مما يدل على حسن أخلاقه أنه ترك الحرام والمكروه معه ومع العرب من ذوي العقول، وأنه لا يتخلق بخلاف أخلاق العرب الحسنة منها.
ثم إن الله تبارك وتعالى بعد أن حرم الميتة من البهائم المحللة من الصيد
والأنعام، استثنى بفضله أشياء أحلها لعباده. من ذلك ما كان محرما في دينه من ذبائح أهل الشرك جملة، ثم أحل من ذلك ذبائح أهل الكتاب على إقامتهم على الشرك، كما كان محرما نكاح المشركات على المسلمين جملة، ثم استثنى نساء أهل الكتاب وطعامهم في آية،
تفضلا منه بذلك
- Ir .. (3/130)
صفحة 631
اسم
ومن ذلك - أيضا - ما أحل الله من الصيد مما قتل الكلب المكلب ولم تدرك ذكاته؛ إذا جرحه جُرحا يموت مثله بذلك الجرح وأما إذا لم يجرحه فلا يجوز ذلك، إلا أن يدرك ذكاته، وما قُتِل بالرماح والسيوف والنبل مما ذكر الله عليه، وجرح أو قتل ولم تدرك ذكاته، أو أدرك ميتا، فذلك كله حلال مباح من الميتة، وهو لاحق بأحكام الميتة في المعنى، وتصديق ذلك قول الله - تبارك وتعالى -: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَمتُم مِّنَ الجَوَارِح مكلبين تعلَّمُوهُنَّ مِمَّا عَلَمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا لَمَّا أَمْسَكْنَ علَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ) (1).
وقال - تعالى -: يا أيها الذينَ آمَنُوا لِيَلُونَكُمُ اللَّهُ بِشَيء من الصيد تناله أَيْدِيكُم وَرَماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب .. ) (2). وذلك مما نهاهم عن الصيد في الاحرام، فكان دليلا على أنه مباح لهم في
الاحلال، وذلك مما يجتمع عليه أهل القبلة فيما معنا والله أعلم
وأما ما استقر من المملوكات من الأنعام مثل المعز والضأن والابل والبقر، فلم يقدر عليه إلا بالقتل بغير ذكاة بنحر ولا بذبح، فقتل على ذلك وذكر اسم الله عليه ولم يدرك ذكاته، فقد اختلف في ذلك أهل القبلة. وكذلك أهل العدل يختلفون في ذلك:
6
فقال من قال: إن ذكاة ذلك تجري مجرى ذكاة الصيد، إذا لم يقدر عليه
إلا كما يقدر على الصيد المتوحش بالاستنفار
وقال من قال: إنما ذلك في الصيد
•
وقول من يجيز ذلك أحب إلينا، لأن ذلك إذا أطلق في الصيد لعدم
(1) جزء الآية (4) من سورة المائدة (2) جزء الآية (94) من سورة المائدة.
- 131 - (3/131)
صفحة 632
الذكاة وحجر فيه إذا قدر على الذكاة فيه، وكذلك مثله في المستنفرات من المربوبات المملوكات من الأنعام، ولا فرق في ذلك معنا
فصل: وأجمع أهل القبلة أن الحمر الوحشية والبقر الوحشية من الصيد، وأن ذلك حرام على المحرم حلال على المحل، يجوز فيه ما يجوز في الصيد ويحرم فيه ما يحرم في الصيد، وأما الابل والمعز والضأن، فلا نعلم أن فيها صيدا ولا فيها وحشيا، فإن كان فيها شيء من الوحشية في موضع من المواضع، وعرف ذلك بما لا يشك فيه؛ فلا فرق في ذلك، وهو من الصيد كما كانتت البقر الوحشية من الصيد وأمثالها من الأنعام المربوبات من البقر خارجة من الصيد حلال للمحرم والمحل
وأما السنور فإذا كان وحشيا فهو من الصيد إذا عُرف ذلك، وما كان مربوبا أهلا فهو حلال للمحرم والمحل وهو من المربوبات، والصيد على المحرم حرام كحرمة الميتة، ولحم الخنزير على المحل والمحرم، وقد قيل إنه إذا اضطر المحرم الى الصيد أو الميتة أو لحم الخنزير، وكل ما كان من المحرمات أكل الميتة أو لحم خنزير ولم يأكل الصيد لأن عليه الجزاء في أكل الصيد، ولا جزاء عليه في الميتة ولحم الخنزير، وكل ما كان من المحرمات بالسنة أو الاجماع من البهائم، فالقول فيه كالقول في الخنزير في الجنس المعين واللحم والأعضاء، والقول في ذلك كله واحد؛ وقد مضى القول في ذلك
•
فصل: وكذلك الميتة من جميع البهائم المحللة والمحرمة، هي بمنزلة الميتة، والقول فيها واحد، غير أنه إذا اضطر إلى لحم الميتة من الأنعام ولحم الميتة من المحرمات، كانت الميتة من الأنعام معنا أولى، لأن ذلك محجور؛ إذ ليست الميتة حلالا في الأصل عند الذكاة، والمحرم في الأصل ولو كان ذكيا قد دخله الحجر بسبب الميتة، ولا يبين لي أنه إن أكل من لحم الخنزير ميتا، وترك ميتة الأنعام أن يكون بذلك أنها على وجه الدينونة، ولا يلزمه في ذلك براءة
- 132 - (3/132)
صفحة 633
ولا ترك ولاية، لأن الأصل كله محرم رجس، ولو كان محرما طاهرا من
المعصوبات ومحرما رجسا مثل الميتة
فقد اختلف في ذلك:
فقال
6
من قال: يأكل الميتة ولا يأكل المحجورات من المغصوب والسرقة
لأن ذلك محجور وعليه فيه الضمان
وقال من
قال: يأكل من المغصوب ويدين بالضمان ولا يأكل من
6
الميتة، لأن هذا موضع ما لو قدر عليه بشراء من ربه، كان عليه أن يشتري ذلك ويدين بأدائه، ولا يجوز له على الاجماع إذا وجد مسئول ذلك، أو شراءه من الحلال، أن يأكل المحرم من الميتة والخنزير وما أشبه ذلك من المحرمات، فلما أن عدم الشراء لذلك لعدم ربه، إذا كان ذلك في يد غاصبه، أو في مأمن صاحبه أو مستنفر عن ربه، فكل ذلك سواء، وقد أجيز له أن يدين بالضمان ويأكل من ذلك لأنه ليس هناك علة تحجر عليه الضمان، أن لو قدر على ذلك، وليس هو بمغتصب فيأثم بالغصب، وهو مباح له وهو حلال طاهر، والميتة ولحم الخنزير مباح عند الاضطرار رجس، وحجر أموال الناس؛ أباح من أباح له الميتة، وترك أموال الناس،
الضمان
فلعلة
ولعلة الرجس من المحجورات على غير الاضطرار أن أباح له من أباح أكل أموال الناس بالدينونة وترك المحجورات من الرجس في الأصل، وهذا القول أحب إلينا؛ أن يأكل من الحلال الطاهر من أموال الناس، ولا يأكل من الميتة ولا من لحم الخنزير، ولو كان ذكيا لأن هذه أصلها مباح، وإن أكل من لحم الخنزير المذكى جاز له ذلك، ولا نعلم في ذلك اختلافا (1).
ولا نعلم أن أحدا من أهل العدل قال بتحريم شيء من ذوات المخالب من الطير، ولا من ذوات الناب من السباع، على وجه التحريم بالدينونة، لموضع نهي النبي الله عن ذلك، كما ذهب من ذهب إلى ذلك. من سائر أهل
(1) علق المؤلف - رحمه الله - على هذا القول في الهامش بهذه الكلمة الطيبة، قال: ونحب أن يأكل من الميتة إن قبلتها، ولا يأكل من لحم الخنزير ولو كان ذكيا وهو أولى وأحوط، والله أعلم. اهـ. محققه.
- 133 - (3/133)
صفحة 634
القبلة، وإنما ذهب من ذهب منهم إلى ذلك للكراهية.
ولا نعلم أن شيئا من البهائم وقع عليه تحريم بدينونة، وكذلك لا نعلم أن شيئا من الدواب البرية إذا كانت من ذوات الدماء الأصلية يقع عليها حجر تحريم بدينونة، ولا ينساغ ذلك في مذاهب أهل العدل، لاجماعهم أن الضبع والثعلب من ذوات الأنياب من السباع من الصيد، وأن في ذلك الجزاء في قتل من المحرم، فإذا ثبت الاجماع منهم على شيء من ذلك أنه من الصيد
ذلك
"
،
وفيه العلة التي بها كرهوا غيره من السباع، فلا يصح في ذلك دينونة. والدينونة بتحريم. ذلك محجورة حرام، ومن دان بذلك معنا فقد دان بخلاف الحق، لأنه لا يثبت فيه علة بالمثل من محجور بالنص بكتاب أو سنة أو إجماع بل قد ثبت فيه الشبه للحلال من البهائم من النعم، إذا كان جزاء الضبع في قتلها كبش أملح، وشبه ذلك إليها ومثله بها فيها أحسب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح ذلك معنا في الرواية، كما يصح ذلك معنا عن عمر بن الخطاب - رحمه الله -
6 -
وكفى بما صح عن عمر بن الخطاب في ذلك، وكفى بإطلاق ذلك في الآية، في قوله - تعالى -: قل لا أجد فيها أوحي إلي محرما عَلَى طَاعِم يطعمه ... إلى آخر الآية. وكذلك الثعلب هو من ذوات الناب من السباع، ولا نعلم بين أهل العدل من المسلمين في ذلك اختلافا أنه من الصيد، فإذا صح في ذوات الناب الجملة، ما يدخل عليه المثل من المحللات من الأنعام في تشبيه الحلال، فقد صح أنه إنما كان النهي عن ذلك على وجه الأدب، لا على وجه التحريم،
من
ولا يجوز في الاطلاق بحل برواية بعينها لمعنى بعينه يعترض في شيء بعينه
،
وإنما هو بصفة الناب، فلا يجوز معنا أن تقع الدينونة بتحريم بعض السباع من ذوات الناب، لمعنى نهي النبي عن كل ذي ناب من السباع، وقد صح في النص تحليل بعض ذوات الناب، بل إذا صح بالنص تحليل بعض ذوات الناب من السباع، كان التحليل لذوات الناب من السباع له، فقد صح
- ITE- (3/134)
صفحة 635
التحليل بالنص لبعض ذوات الناب من السباع على وجود الصفة التي عليها وقع تحليل الحلال من ذلك، وتحريم الحرام من ذلك مع من حرمه، مثل ذلك الطير من ذوات المخالب، فخارج ذلك على معنى ما يخرج عليه ذوات الناب من السباع، لا فرق في ذلك معنا إن شاء الله
فصل: ولا نعلم أن أحدا من أهل العدل. من المسلمين قال بتحريم شيء من البهائم غير ما استثنى الله في كتابه؛ من تحريم ما حرم، إلا أنه قد قال من قال من أهل العدل من المسلمين: بأن القرد حرام كحرمة الخنزير. وقال من قال: إن من أكله فلا نقول إنه ارتكب كبيرة، بمنزلة من أكل لحم الخنزير، ولا نعلم مع ذلك أن أحدا قال إنه حلال، ولا أنزله بمنزلة غيره من البهائم، ولا هو من السباع ولا غير ذلك من الدواب
وأقل ما عرفنا فيه من قول بعض أهل العدل أنه قال: لا نقول إن من أكله أتى كبيرة، ويمكن أن يكون قال ذلك توقفا عنه لموضع، إذ لم يقف على
ما وقف عليه غيره من أهل العلم من موضع التحريم فيه
الله.
والذي عرفنا فيه أن من أخذ بتحريمه فإنما أخذه من النهي عن رسول
معنا
وكذلك وجدنا في كتاب المناهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي معروضة صحيحة؛ أنه الله عنهى عن أكل لحم القرد، وعن بيع القرد، وعن شراء القرد، وعن أكل ثمن القرد، وعن التجارة بالقرد، كنحو ما نهى عن الخنزير وعن الخمر في كتاب المناهي، وألحق القرد فيما معنا بالخنزير، فثبت تحريم القرد فيما نهى عنه الا الله ولم يعلم أن أحدا من أهل القبلة قال فيه بغير ذلك؛ من تحليله على النص له وفيه
وإن كان بعض أهل العدل قد قال: إنه لا يقول إنه من أكله أتى
- 135 - (3/135)
صفحة 636
كبيرة، فقد قال عامة أهل العلم في الذي يطأ امرأته في الحيض متعمدا؛ أنه لا يُحلها له ولا يحرمها عليه، وهذا موضع توقف عن القول فيها، لا موضع فقه وزيادة في القول، وليس عليهم أن يحلوا ما لا علم لهم به، ولا يحرموا
ما لا علم لهم به وقد قال ا من قال من أهل العلم بتحريم ذلك عليهما، والفراق بينهما،
والذي يقول لا تحل ولا تحرم يقول: والفراق أحب إلينا
فقد تواطأت الأقاويل على تحريمها عليه، لأن الواقف عن تحريمها عليه يتولى من حرمها عليه، ولا نعلم أن أحدا من أهل العدل أحلها له، ولا تولّى من أحلها له.
وقد قال من قال من أهل العدل ممن حرم ذلك عليه أنه إن أقام على ذلك منها ولم يفارقها، لم نتوله على ذلك ولم نبرأ منه على ذلك، ما لم يخطئ من حرمها عليه، فإذا خطأ من حرمها عليه وقعت به البراءة وبرئ منه على
ذلك
فالقول من أهل القبلة ومن أهل العدل متواطئ على تحريم القرد، وإن لم يكن الاجماع على تحريمه، فالاجماع على أنه لم يأت فيه نص بعينه بتحليل، فإذا أتى فيه القول بالتحريم من البعض، والتوقف من البعض عن تحليله وتحريمه فهو محرم في التواطئ من القول، ومتى وقع التحريم للشيء من بعض المسلمين، ما لم يأت فيه نص من باب التحليل في الدين أو ما أشبه
ذلك
والتوقيف عن تحريمه من البعض وولاية من حرمه، فقد وقع التحريم، وكذلك إذا وقع التحليل للشيء من بعض أهل العدل من المسلمين فيما لم يأت فيه نص بالتحريم من الدين أو ما أشبه ذلك، ووقف عنه من سائر أهل العلم
- 136 - (3/136)
صفحة 637
من المسلمين، وتولّوا من حلّله فقد وقع التواطؤ على تحليله، وقد أثبت الله تبارك وتعالى - في القرد. سبب التحريم في كتابه الكريم، وإن لم يحرمه بعينه نصا، إذ قال في كتاب الله - تبارك وتعالى -: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير وعبد الطاغوت) (1).
فالقرد لاحق بالخنزير في كتاب الله - تبارك وتعالى ـ في مواطأة المعنى،
وإن لم يكن منصوصا معه في التحريم، فإنه مواطأ به اسمه في هذا الموضع ولاحق به في النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والاجماع.
6
ولا نعلم أن أحدا من أهل القبلة ولا غيرهم يأكل لحم القرد، ولا يتخذه تملكا إلا للملاهي والملاعبة لا غير ذلك، والخنزير قد يملكه أهل الكتاب من النصارى ويأكلونه، ولعله يأكله غيرهم من المشركين
فخرج القرد معنا من بهيمة الأنعام في الاجماع أنه ليس من الأنعام، وخرج من حد ما أجمع عليه أنه من الصيد، من أنواع الصيد، وخرج من حد ما أجمع عليه أنه من ذوات الناب من السباع، فتواطأت الأقاويل أنه خارج من هذا كله، وأنه لاحق بالخنزير مع هذا كله، مع أن العدل فيها قد قالوا فيه من الدواب التي تقطع الصلاة في قولهم، فقالوا إنه مما يقطع الصلاة في قولهم من الدواب؛ الكلب والخنزير والقرد، وهذا ما لا نعلم فيه من قولهم اختلافا، وأنه يقول بعض إنه لا يقطع الصلاة، بل الأكثر من قولهم ممن يقول: إن الصلاة يفسدها الممرات من الكلب والخنزير والحائض والجنب، فأكثر قولهم نصا أن القرد مثل الخنزير يقطع الصلاة، ولا نعلم أن أحدا منهم قال في القرد نصا أنه لا يقطع الصلاة، ممن يذهب أن الصلاة تقطعها الممرات النجسات، فهم بين قائل إنه يقطع الصلاة وبين من لا يقول بقطعه للصلاة،
(1) جزء الآية (60) من سورة المائدة.
- 137 - (3/137)
صفحة 638
ولا نقول إنه لا يقطع الصلاة فوجدنا القرد من الدواب لاحقا بأحكام الخنزير من الدواب في عامة أموره، ونقول بقول من يقول إنه حرام، ولا يصح معنا فيه موضع اختلاف
فصل: وأقل ما يلزم من أكله معنا؛ على غير اضطرار ولا علة من علل زوال العين، أو عذر بين، أنا لا نتولاه، ومن برئ منه على ذلك توليناه على براءته منه، ومن تولاه على ذلك لم نتوله على ولايته إياه، ومن لم يذهب إلى تحريمه الموضع أنه جهل تحريمه، ووقف عن تحليله نصا وتحريمه نصا، ولم يتول من ركبه؛ توليناه على ذلك ما لم يتول راكبه، ومن برئ من راكبه على ركوبه إياه توليناه على براءته منه، ومن أحله نصا لم نقدم على ولايته على ذلك، لأنه معنا في المثل بمنزلة الخنزير في التسمية والمنزلة في الكتاب والسنة التي عرفناها وقد قال الله - تبارك وتعالى -: {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ والخنازير وعبد الطاغوت) (1)
فصل: فإن قال قائل: إن تلك القردة والخنازير متن بعد ثلاثة أيام
وإنما هذه القردة والخنازير غير تلك القردة والخنازير.
قلنا له: إن كان ذلك قد مات كله، فهذه القردة التي حدثت مثل الخنازير التي حدثت، كما كانت القردة التي ماتت مثل الخنازير التي ماتت ولا فرق في ذلك، ومعنى ذلك واحد ومنزلته واحدة، لا فرق في ذلك. وقد يقع التحريم بالمثل ولو لم يكن هنالك نص بعينه، ولا يلحق الخنزير معنا شيء من الدواب في المنزلة والمعنى مثل القرد، فإنه لاحق معنا في المعنى والمنزلة. فصل: والقول في القرد في جهالته وجهالة جنسه وعينه، مع من
(1) جزء الآية (60) من سورة المائدة.
- 138 - (3/138)
صفحة 639
جهله أو علمه كالقول في الخنزير، وقد مضى القول فيه، ولا يسع ركوبه معنا بعلم ولا بجهل برأي ولا بدين، لأنه مثل الخنزير معنا في المعنى والمنزلة فالقول فيه في الحجة والفتيا وإباحة اللحم وقيام الجنس والعين وزوال العين وغيبوبة الجنس مثل الخنزير، لأنه معروف مع من علمه من العالمين به، ولا يسع ركوبه من علمه ولا من جهله على حساب ما ذكرنا، والله أعلم.
- 139 - (3/139)
صفحة 640
[صفحة فارغة] (3/140)
صفحة 641
باب
القول في الدماء وتصنيفها
ومما حرمه الله - تبارك وتعالى - في كتابه؛ نصا في غير آية في جملة التحريم من المأكولات والمشروبات؛ الدم، ففي غير آية جاء تحريم ذلك مجملا، كقوله تعالى: حَرَمَتْ عَليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) (1)، فقد جاء تحريم الدم مجملا غير مستثنى منه شيء، ثم قال تعالى في آية الاستثناء: قل لا أجد فيما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعم يَطْعَمُهُ إلا أن يكون ميتةً أَوْ دَما
نُوحًا أَوْ لَحْمَ خنزير
(2)
فثبت التحريم في الدماء المسفوحة، خاصة دون غيرها من الدماء في المأكولات، وهو المجمع عليه في المحرمات من الدماء، وما سوى ذلك فمختلف فيه؛ في الكثير منه والقليل فالأرجاس منه، فالمجمع عليه من الدم المسفوح من الذبيحة، والذي لا اختلاف فيه؛ أن الدم المسفوح منها من الأنعام المباحة المحللة الذكية، فالمجمع عليه من قول أهل القبلة ـ لا نعلم اختلافا ـ أن الدم المسفوح المحرم من ذلك مع الذكاة. هو دم المذبحة من الأنعام، وما تبع ذلك منها من الدماء ما لم تغسل المذبحة، وكل دم خالط دم المذبحة من الأنعام الذكية المحللة المذبوحة أو المنحورة، فهو رجس قليله وكثيره في البدن والثياب، حرام قليله وكثيره من المأكولات والمشروبات، من جميع الدواب والطير الحلال من ذلك من ذوات الدماء الأصلية التي هي غير
بينهم
مختلبة من غيرها
(1) جزء الآية (3) من سورة المائدة. (2) جزء الآية (145) من سورة الأنعام.
- 181 - (3/141)
صفحة 642
فكل دم حرام رجس قليله وكثيره - ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أهل القبلة ولا أهل العدل - وإذا طهرت المذابح والمناجر من الدواب الذكيات الحلال من الطير المذكى الحلال، فما سوى ذلك من الدم فيها مختلف فيه من قول أهل العدل:
فقال من قال: إن دم الأوداج من المسفوح الحرام الرجس قليله وكثيره، مفسد حرام في المأكولات والمشروبات
•
وقال من قال: إنه حرام في المأكولات والمشروبات، ولا تفسد منه الثياب في الأنجاس إلا ما زاد على قدر الظفر، على النسيان، وأما على الجهل والعمد والعلم بذلك فمفسد للصلاة، وما خالط منه الطهارات من قليل وكثير فهو رجس مفسد، إذا ماع في الطهارات من الأطعمة والأشربة. وقال من قال: إنه من دماء اللحوم ولا يُفسد قليله ولا كثيره، وهو من دم اللحم لأنه قد زال عن المذبحة دم ما كانت عليه من نجاسة الدم التي كانت حية به، فإذا صارت إلى حد الذكاة من الموت على الذكاة، وزال ذلك الدم الذي كانت به حية، ووقع عليه أحكام الحياة، فذلك هو المفسد المسفوح منها، فإذا صارت لحما ذكيا ثم زال عنها ما صارت بخروجه ذكية، وما كانت به حية وما تبعه وخالطه إلى أن تطهر المذبحة أو المنحرة، فقد صار ما سوى ذلك دم لحم ولا فساد فيه في قليل ذلك ولا كثيره، في أمر الصلاة في الثياب ولا في البدن، ولا يفسد ما مس وهو. حلال في الأكل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أحل لكم ميتتان ودمان؛ فأما الميتتان فميتة السمك وميتة الجراد، وأما السمك (1) الدمان فدم اللحم ودم
فهذا دم لحم قد حصل في اللحم وفي أحكام اللحم فهو حلال بالسنة
(1) المشهور الوارد في هذا الحديث الشريف:. . . . . وأما الدمان فالكبد والطحال
-1 EY- (3/142)
صفحة 643
طاهر، لأن الحلال لا يكون رجسا أبدا، وإنما. الله الأشياء رجسا سمى من
ما حرمه، وهو قوله فيما حرم؛ فإنه رجس، ما حرم الله في كتابه أو سنة نبيه
أو إجماع أهل العدل من عباده
دم
كان قائما
وقال من قال: إنما دم اللحم ما خالط اللحم من العلق المخالط للحم، وأما ما كان من دم العروق فليس من دم اللحم، وذلك. في البهيمة في حين حياتها، فكل ما كان دما في حياتها فهو لا يتحول إلى الطهارة بذكاتها، وإنما يتحول إلى الطهارة ما كان من الدم الداخل في اللحم
من غير عروق، وأما دم العروق فهو مفسد حرام في المأكل والمشارب ومفسد ما خالطه من الطهارات، وفي الصلاة قليله وكثيره مفسد
6
وقال من قال: لا يفسد الصلاة على النسيان من ذلك، إلا ما زاد على
الظفر في الثوب والبدن، وعلى العمد في الجهل والعلم يفسد قليله وكثيره
من
الدماء
وقال من قال: في دم الرئة والفؤاد؛ إن ذلك أيضا المفسدة، لأن ذلك دم على الانفراد في البهيمة في حياتها، وليس ذلك من الدم المشتمل عليه أحكام اللحم، من سائر لحوم البهيمة، وكان ما كان من الدماء مفسد قليله وكثيره في الصلاة، فهو حرام في المأكولات والمشروبات، ومفسد لما خالطه من الطهارات، ولا نعلم في ذلك اختلافا من أهل العدل من المسلمين، فإذا صح أن ذلك الدم يفسد ما مسه من الطهارات، لم يجز إلا أن يكون حراما في المأكولات والمشروبات
وأما ما سوى هذا. من دماء الدواب الحلال، المذكاة بالذبح أو النحر أو ما صح لها من الذكاة، فما سوى هذا من دم لحومها ما عدا دم المذبح والمنحر والأوداج والعروق والرئة والفؤاد، فما عدا هذه الدماء من دماء اللحوم الذكية الحلال، فهو طاهر حلال أكله، غير مفسد قليله ولا كثيره في الصلاة،
- Er- (3/143)
صفحة 644
ولا مفسد لما خالطه من الطهارات، ولا محرم لما خالطه ذلك من المأكولات ولا من المشروبات، وهو حلال من الطعام الذي أحله الله في سنة نبيه فصل: وما عدا دماء المذابح والمناحر إذا طهر أو ترك، فمختلف
فيه، وقد مضى القول في ذلك
وأما دماء المناحر والمذابح، من جميع الدواب والطير البرية من ذوات الدماء الأصلية، فهو حرام مسفوح مفسد قليله وكثيره في الصلاة، على العمد والنسيان في البدن والثياب، مفسد لما مسه من الطهارات، قليل ذلك وكثيره، إلا ما اختلف فيه من أمر المياه إذا خالطتها النجاسات المفسدات، وكل رجس صح رجسه في كتاب الله أو سنة نبيه أو إجماع أهل العدل من المسلمين، فهو حرام في المأكولات والمشروبات وما خالط ذلك منها، وكل ما صح فساده من الدماء في قليله وكثيره، فلا يصح إلا أنه محرم في المأكولات
والمشروبات.
والعجب من قول بعض أهل العدل في الدم المسفوح وإجماعهم، أنه يفسد الصلاة قليله وكثيره على العمد والنسيان والعلم والجهل، وما سوى ذلك من الدماء المفسدة، لا يفسد منها الصلاة على النسيان إلا مقدار الظفر أو
الدينار، واختلافهم فيه في البدن:
فقال
من قال: يفسد قليله وكثيره في البدن على الخطأ والعمد، على النسيان والعلم والجهل، وفي الثياب فلا يفسد على النسيان والجهل؛ إلا ما كان مقدار ظفر في الثوب أو دينار، ولا نعلم بينهم اختلافا؛ أنه إذا صلى وهو يعلم أن في ثوبه أو بدنه دما مفسدا من أحد الدماء، مسفوحا أو غير مسفوح أنه يفسد صلاته ويخرج ذلك في قولهم، على معان يطول وصفها وتكثر عللها، والمراد غير ذلك من إثبات الحجة في المحرمات إن شاء الله
-\ {{- (3/144)
صفحة 645
فصل: فقد مضى القول في دم الأنعام المذكاة الحلال غير الحرام،
6
وما يحرم من ذلك بالاجماع، وما يحرم بالاختلاف فيه ويحل بالاختلاف. وما لا يحرم بالاجماع ويحل بالاجماع، من جميع المذكيات. من الحلال المباحات من البهائم والدواب والطير، من ذوات الدماء الأصليات، وكل دم من محجور بالتحريم الجنسه؛ مثل الخنزير والقرد وما لحقه التحريم من المحرمات من البهائم، فدمه حرام مسفوح رجس، كان ذكيا أو غير ذكي؛ إذا كان لحمه حراما، فكل ما كان لحمه حلالا مباحا إذا ذكي مما وصفنا وصحت، من صيد أو غيره من المذكيات، قدمه الذي بلغ إلى ذكاته به من جميع الذكاة؛ هو الرجس الحرام المسفوح، وما سوى ذلك من الدماء فيه فهو مختلف فيه، وقد مضى القول فيه
ذكاته
وإذا لم يدرك ذكاة الصدقة فقتله كلب معلم، أو قتله الصائد له بسهم أو سيف أو رمح أو غير ذلك، وبلغ إلى ذكاته وصار ذكيا حلالا بذلك، فهو مذكى ودمه ذلك الذي مات به وما خالطه إلى أن يطهر، فذلك دم مسفوح
حرام مفسد لما خالطه من الطهارات، مفسد للصلاة قليله وكثيره.
وما سوى ذلك الدم من دم الرقبة، ومواضع المنحر والمذبحة والأوداج، فكل ذلك مختلف فيه، وهو بمنزلة دم الأوداج من المذكى المذبوح، وبالنحر من الأنعام، وقد مضى فيه القول. فقد تحول موضع الدم المسفوح بالإجماع عند الذبح والنحر؛ إلى حال دم الأوداج عند ذكاة الصيد
بغير الذبح له.
وكذلك ما كان من الأنعام المستنفرة، التي لم يبلغ إلى ذكاتها إلا بالقتل
فهو بمنزلة الصيد
فالذي يقول إن ذلك ذكاتها، فالقول في دمائها كالقول في دم الصيد،
-120 - (3/145)
صفحة 646
والمسفوح منه الحرام المجمع عليه، ما صار ذكيا به وبلغ به إلى ذكاته، وما خالطه من الدماء إلى أن يعزل أو يغسل، فهو بمنزلة المذبحة والمنحر عند النحر والذبح. ودم العروق من الصيد المذكّى، ودم الرئة والفؤاد كدم المذكى من الأنعام بالذبح والنحر، وقد مضى القول في ذلك
•
وما خالط اللحم من دم الصيد والأنعام المذكاة بغير الذبح والنحر، إذا صحت ذكاة ذلك، فهو بمنزلة دم اللحم، وقد مضى القول في ذلك في دم الميتة من جميع الدواب، والطير من الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية، فهو حرام في المأكولات والمشروبات مفسد لما خالط من الطهارات، مفسد قليله وكثيره في البدن والثوب على كل حال في الصلاة، في قول أهل العدل، ولا نعلم في ذلك اختلافا
وسواء ذلك الدم من الميتة من أين كان وكيف كان؟ فكل شيء من الميتة المحرمة مما هو مثلها أو حال فيها، قد لحقه حكمها مستهلكة له فهو لاحق بها في التحريم والرجس، ولو كان من غير ذاتها مما احتملته في أكراشها أو أمعائها ومباعرها، فكل شيء من الميتة وفيها فهو لاحق بها في أحكامها، إلا أن يكون فيها نتاج تموت وتدرك ذكاته حيا، فلا يكون تبعا لها، وما سوى ذلك منها فهو حرام رجس مفسد قليله وكثيره.
فصل: والدماء الخالصة الغليظة المخالطة، فتبع للحومها الحالة فيها والخارجة منها في التحريم، إذا فارقتها بوجه من الوجوه، وهو لا يحل أكله من الدواب الحلال، فكل دم خرج من ذات روح حية من الدواب، والطير البرية من ذوات الدماء الأصلية، فسفح وفارق مواضعه، وذوات الأرواح حية من أي موضع كان ذلك الدم منها، فذلك الدم حرام محجور في
-127 - (3/146)
صفحة 647
المأكولات والمشروبات، مفسد محرم لما خالطه من الطهارات المأكولات،
قليل ذلك وكثيره
والمشروبات من غير المياه المختلف فيها في نجاساتها، وسواء ذلك كانت ذات الروح من الحيات البريات، من المباحات المحللات من الأنعام المباحات، إذا ذكيت بوجه من الذكاة، أو كانت من المحرمات من البهائم أو الطير أو الثقلين من الجن والانس، أو غير ذلك من ذوات الأرواح البرية، أو من ذوات الدماء الأصلية، فكل دم عبيط خالص خرج من ذات روح برية، من ذوات الدماء الأصلية.، وهي قائمة حية غير متحول إلى ما يخرج به من اسم الدم، فاسد من القبح واليبس وما أشبه ذلك، مما يخرج به في التسمية في حال الدم، أو غالب على ما خرج فيه من ذاته، مما يخالطه من الطهارات، فهو حرام في المأكولات والمشروبات. مفسد لما مسه من الطهارات، قليل ذلك وكثيره إلا ما اختلف فيه من الماء، وما حد ما ينجسه من قلته وكثرته
عمالا
لا
فإذا وقف المتعبد على الأصل الخارج منه الدم المسفوح الفاسد المفسد، لم يسعه جهل ذلك وركوبه فيما لا يسعه ركوبه، ولا ولاية من ركب ما لا يسعه ركوبه، علم بحرمة ذلك أو لم يعلم، فإن ركبه بجهل في أكل أو شرب أو ا يسعه في أداء الفرائض من الصلاة، فلا يسعه جهل ذلك على جهالته لما يسعه ركوبه في الأصل، ولا يسعه ولاية من ركبه ولاية دين، ولا البراءة من العلماء إذا برثوا من راكبه، ولا الوقوف عنهم برأي ولا بدين، وذلك إذا عاين الأصل الذي خرج منه الدم الحرام المسفوح، وعاين من ركبه بعلم منه بأصله الذي خرج منه، وهو حرام في الأصل مما لا يختلف فيه، فإذا ركب ذلك بعلمه، فأصله الذي خرج منه، ولو جهل حرمته أ، أو تولى من ركبه لعلمه بأصله، ولو جهل حرمته أو برئ من العلماء، إذا برثوا ممن ركبه أو وقف عنهم، أو عن أحد منهم برأي أو بدين، إذا برثوا ممن ركبه أو وقف عنهم، أو
- 147 - (3/147)
صفحة 648
عن أحد منهم بعلمه بأصله، ولو جهل حرمته فقد هلك، وحل فيما لا يسعه جهله، وكان عليه الدينونة بالسؤال عما دخل فيه، وكان كل من عبر له ذلك من المعبرين حجة عليه في دينه في ذلك
له
•
وإذا واقع شيئا من الدماء المختلف فيها، بجهله بحرمتها من حلّها، علمه بأصلها الذي حرمت منه،، فقد واقع ما هو سالم فيه من الهلاك، وهو مسلم به ما لم يدن باستحلاله، أو يبرأ ممن حرمه برأيه من المسلمين، أو يترك ولاية أحد من العلماء برأي أو بدين، على تحريمه لذلك برأيه، وهو في أصل ذلك دائن بما يلزمه في جملته، إلا أن يواقع ذلك على القصد منه، إلى موافقة الحرام وارتكاب الحرام فإنه يهلك بنيته في ذلك، ولو ركب على ذلك حلالا من كتاب الله أو سنة نبيه، وإجماع العلماء، وأما إذا لم يقصد إلى ارتكاب الحرام، وإنما ركب ما لا يعلم أحلال أم حرام، وهو دائن بتحريم ما حرم الله في جملته، وتحليل ما أحل الله في جملته، وأنه إنما يواقع من الأشياء ما أحل الله، وينتهي عن الأشياء عما نهاه الله عنه، فواقع على هذا حلالا لا يختلف فيه أو حلالا مختلفا فيه، وهو لا يعلم ذلك بعينه، ففي بعض القول إنه لا يسعه أن يركب إلا ما يعلم أنه حلال بعلمه، فإذا أقدم على ما لا يعلم، وقد علم أن الأشياء حلال وحرام، فأقدم على ما لا يعلم، إلا أنه لم يقدم على ذلك على أن الذي ركبه حرام، ولا على أنه يركبه كان حلالا أو حراما: فقد قال من قال: إنه قد أساء في ذلك وعليه التوبة من إقدامه على ذلك، وليس عليه توبة من ركوبه لذلك الحلال، وإنما عليه التوبة في اعتقاده مما ركب من ذلك بغير علم، إذا علم أن ذلك إما حلال وإما حرام، ولم يعلم أهو حلال أم حرام فلم يتعر بنيته هذه من مواقعة الآثام، إذا أقدم على ما لا يدري أحلال أم حرام. فصل: وقال من قال: ليس عليه في ذلك إثم ولا توبة، ما لم يركب
- IEA- (3/148)
صفحة 649
ذلك الحلال على أنه حرام أو على أنه لا يبالي؛ كان حلالا أو حراما، فإذا ركبه على أنه حلال ولم يركبه على أنه لا يبالي؛ كان حلالا أو حراما فلا إثم عليه ولا توبة إلا في اعتقاده، أنه تائب من جميع ما لزمه فيه التوبة في جملته، ودائن الله بالانتهاء عما يلزمه الانتهاء عنه في جملته، وإنما يتجرأ في جميع ما يأتي أنه يأتي ما أحله الله له في جملته، وإذا كان على هذا فوافق حلالا في دين الله، أو فيما اختلف فيه فهو سالم، وهذا القول هو أصح القولين في هذا والله أعلم
بالصواب
وولايته لمن ركب مختلفا فيه من الأشياء كلها مباحة واسع له ذلك ما لم يتوله على اعتقاده أنه يتولاه، على أن ذلك الذي أتاه حراما مكفرا، أو على أنه يتولاه على ركوبه، لذلك كان حلالا أو حراما مكفرا أو غير مكفر، فإذا تولى راكب شيئا من الحلال المباح في الدين، أو مختلفا فيه على هذه النية، فهو هالك بذلك بنيته لا بولايته لوليه ذلك، وعليه أن يتولاه بحكم الظاهر على أنه يبرأ منه في الشريطة، إن كان فيما غاب عليه عدو الله، أو مرتكبا لما يلزمه فيه
البراءة
•
فكذلك ركوبه لما أحل الله بدين أو أحل في دينه برأي أحد من أهل الرأي من المسلمين، فذلك جائز ما لم يدن في ذلك أنه حلال بغير علم ويشهد بذلك قطعا، بغير علم يبين له ذلك العلم من أحد الوجوه التي يكون بها عالما، فليس له أن يقول بغير علم، ولا يعتقد ما لا يعلم من تحليل شيء من الحلال بدين، ولكن إن رأى شيئا من الحلال، من جميع المباحات، فقال في نفسه أرى في نفسي وما يقع لي أن هذا حلال مباح، وفيما يحسن معي أن هذا حلال، ولم يدن بذلك، ولم يقطع به شهادة بالقول ولا بالاعتقاد، فذلك جائز له
•
وكذلك إن قال ذلك بما يحسن في عقله فوافق شيئا من المحللات
-129 - (3/149)
صفحة 650
•
بالاختلاف، فذلك جائز في جميع الحلال
وكذلك إن قال ذلك بما يحسن في عقله فوافق الحرام، وقال: أرى أن هذا حلال فيما يقع في نفسي، ولم يدن بذلك ولم يُفْتِ به ولم يركبه، فلا يكون بذلك هالكا حتى يركبه، أو يحله بالقطع منه برأي أو بدين، أو يركبه بعلم أو
بجهل.
وأما إذا قال: الذي أرى أنه حرام فوافق الحلال، ولم يقل أقول إنه حرام ولا قطع بذلك، وإنما قال: أرى أنه حرام ولم يقل أقول إنه حرام، أو قال: أرى أنه حرام، ولا أقول إنه حرام، فقد أجازوا له ذلك في بعض المذاهب من أقوال أهل العدل، وكذلك في تحليل الحرام على هذا، ولو كان ذلك الحرام من الدين، فافهم ذلك والله أعلم بالصواب
فصل: وأما إذا غاب عنه الأصل الذي جاء منه ذلك الدم الذي
الدماء
وقف عليه وبلي به، ولم يعرف ذلك الدم ما هو من الدماء، أهي من ال المحرمة بالدين بلا اختلاف، أو من الدماء المختلف فيها بالتحليل والتحريم، أو من الدماء المباحة المحللة من دم اللحم الخالص، ودم السمك ولم يعرف ذلك، ولا وقف على أصله الذي خرج منه وجاء منه، وإنما وجده دما قائم العين، لا يعرف ما هو، ففي الأصل أن الدم محرم محجور، إلا ما استثني منه وخرج منه، إذا كان قائما بعينه في ذاته، وأما التعبد به هو في ذات نفسه، فالدم محجور لا يجوز الاقدام عليه في الأصل، حتى يعلم أنه من الدماء المحللة بالإجماع، والمختلف فيها بالتحليل والتحريم، ولا يبين لنا أنه لاحتمال الحلال من ذلك والحرام، إذا وقف عليه فلم يعلم أحلال هو أم حرام، أن يجوز الإقدام عليه بغير حجة أنه مشكوك، والتعبد في المشكوكات الوقوف عنها، حتى يعلم صوابها من خطئها، وحقها من باطلها وحلالها من حرامها، ثم يقدم على علم بعد ذلك، وهذا هو الأصل في دماء الدواب
-10 - (3/150)
صفحة 651
القائمة منها، التي لا يحل في غيرها من الطاهرات والمطهرات، لأن الدماء أصلها حرام محجورة حتى يصح إباحة المباح، وحلال المحلل منها، ولا نعلم
في ذلك اختلافا، ولا يبين لنا موضع اختلاف في هذا المعنى والله أعلم
لا
•
فصل: فإن ركبه راكب على الجهل بأصله والجهل بالحكم فيه، على
بعينه بما
أنه يأتي في ذلك ما أحله الله في دينه في الجملة، ولم يدن في هذا يسعه الدينونة به، ولا يعتقد فيه ما لا يسعه الاعتقاد له، فوافق في ذلك دما مباحا بالاجماع أو بالاختلاف، فقد وافق السلامة، ولا يبلغ به إلى هلاك في الأصل وهو مقصر في بعض القول، وعليه التوبة.
وفي بعض القول إنه لا توبة عليه من ذلك بعينه، إلا ما يلزمه من
مخالفة
التوبة من دين الله في جملته، أو مخالفة شيء من دين الله في جملته، فالتوبة في الجملة تأتي على هذا الركوب، ولو كان أقدم عليه بغير حجة. وكذلك إن علم أن الدماء منها حلال وحرام ومختلف فيه، ولم يعلم هذا الدم من أي الدماء، ولم يقف على أصله، فحسن في عقله أن ذلك في رأي حلال مباح، فركبه على ذلك من غير علم متقدم إليه؛ فذلك جائز له، ولا نعلم في ذلك اختلافا إذا وافق المباح من الحلال
•
فصل: وأما إذا أقدم على ذلك وهو يعلم أن هنالك حلال وحرام، فأقدم عليه على أنه حرام فوافق الحلال منه في الجملة بالاجماع أو بالمختلف فيه، فهو آثم عاص بنيته لا بركوبه للمباح بجهله، وعليه التوبة من الاعتقاد بعينه، ولا يسعه إلا ذلك ولو وافق حلالا مباحا
ذلك
وكذلك إن اعتقد أنه يركبه على كل حال، كان حلالا أو حراما وكان هذا اعتقاده وهذه نيته فهو عاص بذلك، هالك بذلك الاعتقاد، ولو ركب حلالا مباحا لأنه ليس له أن يركب إلا صحيحا من القول والعمل والنية
- 101 - (3/151)
صفحة 652
فصل: وكذلك إن علم أن الدماء منها حلال وحرام، ولا يعلم المختلف فيه، فركب هذا على هذا الوجه على ما يحسن في عقله أنه حلال، أو على أنه لا يركب من الأمور إلا جائزا له في رأيه فوافق الحلال، فهو سالم ولو
وافق ما يختلف فيه من الدماء، فهو سالم في ذلك إن شاء الله على هذه النية وإن وافق في جميع أموره هذه على هذه الصفة من الدماء محجورا محرما، لا يختلف فيه وهو قائم العين إلا أنه لا يعرف من غيره من الدماء المباحة عند من يعرف أنه محرّم في الأصل لأنه لا يعرف المحرّم منه إلا بالوقوف على أصله من أين خرج، ومن أين كان خروجه، فإذا ركب هذا الراكب لهذا الدم على غير نية فاسدة واعتقاد باطل، إلا أنه ركبه بجهل أو اعتقاد أنه يراه حلالا ولا يركب إلا حلالا، خفنا أن يكون بذلك هالكا ولا يسعه معنا الاقامة على ذلك وعليه معنا التوبة من ذلك بعينه، وإن كان لا يعرفه من يعرف حلاله من حرامه، حتى يقف على الأصل الذي يكون الحرام منه حراما، أو يكون الحلال منه حلالا، فليس يغنيه ذلك عن الممتحن به والمبتلى به، وهو قائم العين التي بها يعرفه من عرفه إذا وقف على أصله، ولا يعرفه بها إذا لم يقف على أصله فهو معنا محجور الأصل غير مباح، حتى يقف الواقف على الأصل الذي كان به يعرف الحلال منه من الحرام إذا كان الأصل مجهولا، لأن الحجر قد وقع بقيام العين وبتحريم الأصل؛ إلا ما استثنى منه فهو محجور العين معنا حتى يعلم ما أبيح منه وما استثني منه بوقوفه على الأصل الذي كان منه ذلك، ولا سلامة له من ذلك، ولا سؤال عليه في ذلك معنا، لأنه يدرك العين بالمحلل منها من المحرم، فيسأل عن ذلك وإنما من واقع ما هو محجور عليه بعينه، ولا يدرك بصفة يعرف بها من غيره، من الدماء المحللة، فإذا كان لا يعرف من غيره من الدماء المحللة بالاجماع أو المختلف فيها، فكل دم مختلف فيه فهو بمنزلة ما ذكرنا من دم اللحم المختلف فيه، وكل دم لا يختلف فيه وهو حرام فهو بمنزلة ما ذكرنا من الدماء الفاسدة المحرمة، وكل دم مباح
- 152 - (3/152)
صفحة 653
غير ما ذكرنا فهو بمنزلة ما ذكرنا من دم اللحم والسمك، ولا يبين لنا في راكب الدماء المحجورة المحرّمة مع جهله بأصلها، وموافقة لمحجورها لسلامة من الهلاك إذا كان ذلك الدم قائما بعينه، ليس بحال في غيره من الطهارات أو
المطهرات، ولا يبين لنا وجه يجوز فيه الاختلاف لزوال معرفة الأصل أن يكون يخرج في الاحتمال له السلامة مع ركوبه له، فإذا جاز ذلك جاز ركوب الحرام بالجهل، إذ لا يعلم أصله من أين هو إذ لم يؤت من باب من أبواب الحلال
المبنية عليه.
فصل: ومثل ذلك معنا المحجورات من الأموال المعمورات إذا وقف عليها الواقف الممتحن بها المبتلى بها، وهي محجورة في أصل دين الله بالعمارة المتعلقة عليها، فهي محجورة على من علم حجرها أو جهل حجرها، وفي الأصل أن في المعمورات من الأموال المباحات بوجوه الحلال من الأملاك للواقف عليها، والجائز الانتفاع بها من الصوافي الأصلية وهو من أهل ذلك، وكذلك الأموال المباح له الانتفاع بها من أهلها، وهو لا يعلم أن هذا المال المعمور بعينه من: تلك الأموال التي هي محجورة عليه في الأصل أو مباحة له في الأصل بملك له، فيما غاب عنه أو بملك لمن قد أجاز له ذلك في ماله، أو
،
بإباحة صالحة، أو غير ذلك من وجوه الحلال التي يمكن له السلامة بركوبها فهذا معنا هو مثل الدماء المجهول أصلها، لا يلحق له مثل معنا فيما يبين لنا إلا هذا الأصل، فهذا مما لا نعلم فيه اختلافا أنه محجور على راكبه، فإن ركب ذلك على اعتقاد فاسد في ذلك المال المعمور المحجور، أنه يركبه على كل حال حرام أو حلال، أو على أنه حرام عليه فهو هالك بالنية؛ وافق حلالا أو حراما وكذلك الأموال من العروض والحيوان، وغير ذلك من الأملاك في الأصل، فهي على هذا، وإن ركب ذلك الجاهل لأصله على نسيان للتعبد فيه، أو خطأ أو على ما يرى أنه حلال له في الأصل، أو ما يحسن في عقله أنه فوافق الحلال من ذلك مما يجوز له الانتفاع بذلك
حلال له في الأصل
6
- 153 - (3/153)
صفحة 654
له ذلك والتملك له، فهو سالم إذا صح) ومعه وعليه عن هذا السؤال، حتى يخرج من حكم ما دخل فيه من المحجورات، لأن هذا يدرك بعينه وبصفته، إذا كان يدرك بالصفة ومعرفة العين دون غيره من العيون والصفات، ولأنه متعلق عليه حكم الضمان لرب ذلك، في حكم ما تعبد به في حكم الظاهر. معه صح أن ذلك الذي أتاه، كان له في الأصل مباحا، فهو سالم من الضمان والاثم بهذه النية، إذا كان على نية فاسدة، ووافق مما هو له مباح في الأصل، فلاضمان عليه، وعليه التوبة من نيته.
فإذا
فالدماء التي يغيب معرفة أصولها مع قيام العين التي لا تعرف الحرمة
6
6
فيها إلا بتلك العين، ويقع الحجر بالعين عند عدم معرفة زوال الأصل. الذي به تعرف الحلال من الحرام، والحق من الباطل، وهو قائم بمنزلة الأموال التي يصح لها الأملاك، ويحجر في حكم دين الله بقيام الحجة أن لها الأملاك في الأصل في دين الله، وأنها محجورة حتى يعلم وجه إباحتها، إذا كان الحكم فيها الحجر، والأصل فيها من المحجورات، وإذا كان الأصل فيها من المحللات مباحا في الأصل فهو على الاباحة حتى يصح له الأملاك، وذلك مثل الصيد وغيره من المباحات؛ إذا واقعه صاحب في حال المباحات، وقد كان له في الأصل مالك فلا يلزم فيه الحجة بالتحريم والملك حتى يعلم ذلك، وما كان من الأنعام وغيره مما هو محجور في دين الله بالأملاك، فذلك محجور على من ركبه حتى يعلم أنه حلال وكذلك الدماء معنا، إذا كانت قائمة العين التي بها يعرف العارف بها وبالحكم فيها، أن بتلك العين صار الدم دما ولو لم يكن يعرف بالعين الواقعة الموافقة، أصل ما يقع به معرفة الحلال من ذلك من الحرام، إلا أنه قد عرف أنه بتلك العين هي الدالة على الحرام الذي لا يعرف الحرمة فيه والحلال منه، إلا بمعرفة أصل ذلك، من أين هو؟ وكيف كان الأصل، مع شهادة العقول من العارفين للدماء ولأعيان الدماء، وأنها لا تعرف من بعضها بعضا بالأعيان، فإنما تعرف بمعرفة الأصول مع من
- 102 - (3/154)
صفحة 655
عرف الحرمة، ومع من لم يعرف الحرمة، فهو محجور على من عرف الحرمة أو جهل الحرمة إذا وقع المحرم أو ركبه.
ومع
فصل: ذلك فإن المعقول ممن علم الحلال. ذلك من من الحرام شاهد؛ أن يشهد أن في تلك العين القائمة حلال وحرام، لا شك فيه، وأنه لا يبلغ إلى معرفة الحلال. من ذلك الحال إلا بمعرفة الأصل في ذلك، ولا يبلغ إلى معرفة الحرام من ذلك إلا بمعرفة الأصل في ذلك، الذي منه الحلال ومنه الحرام، فيلزم في ذلك من علم أو جهل أن لا يركب محرما في دين الله، بغير حجة تقوم له في دين الله، أو عذر يسعه في دين الله، وهذا الذي يبين لنا في هذا، وقولنا فيه قول المسلمين، وديننا فيه دينهم إن شاء الله
فصل: وأما إذا كان هذا الدم القائمة عينه، المجهول أصله الذي به تقوم الحجة على عارفه، وبه يعرف حلاله من حرامه، فعاب ذلك على من جهل حرمته أو علم حرمته، وجهل الأصل الذي به يعرف حرمته حالا في، من الطهارات من المأكولات والمشروبات، أو المطهرات من الكسوة وغير ذلك، مما أصله طاهر، حتى يعلم أنه نجس بوجه من وجوه النجاسات، فإن ذلك مما يختلف فيه:
شيء
فقال
من قال: إن الطهارات الصحيحة طهارتها في الأصل الذي
لا يشك فيه، وتعرف طهارته باليقين طاهرة، حتى يعلم أنها نجسة فاسدة بما لا يشك فيه، لأن اليقين أنها طاهرة، والحال فيها إنما يلزم التعبد فيه بتركه بعينه، فإذا حل في غيره من اليقين أنه طاهر، فلا يزيل اليقين إلا اليقين، واليقين الطهارة حتى يعلم أن ذلك الحال فيه نجس بما لا شك فيه ولا ريب، ولأنه ليس بالعين القائمة في الطهارات، فيلزم اجتنابه دون الطهارات والتعبد به دون الطهارات. وقال من قال: إن ذلك إذا لم يعلم أنه من الدماء المباحة، وكان على
- 100 - (3/155)
صفحة 656
أصل محجور الاقدام عليه والارتكاب له، وكان الحكم فيه أن لو كان متفردا لم يجز ارتكابه إلا بالعلم، أنه خارج من الحجر من أصل المحجور، فكذلك ما خالط مما يفسده ويلزمه أحكام الاختلاط به، فهو وما خالطه مما يلزمه حكم الاختلاط به ويفسده، أن لو كان صحيحا أنه فاسد، فهو على حاله هذا محجور، ومفسد ما خالطه، حتى يعلم أنه طاهر مباح، لأنه لا تصح طهارته
باليقين
•
وكذلك ما خالطه فقد نزل بمنزلته، ولا تصح طهارته إلا باليقين أن الحال المخالط طاهر لا بأس به، والقول الأول أصح في الأحكام، والقول الآخر أحوط من الشبهة، وكل ذلك جائز.
فصل: فأما في الأبدان والثياب في أمر الصلوات، فذلك على ذلك الأصل المختلف فيه؛ إلا أنه يجري فيه الاختلاف الآخر في الدماء غير المسفوحة وهي نجسة، والدماء المسفوحة والدماء الطاهرة، فالطاهرة لا يفسد قليلها ولا كثيرها في البدن ولا في الثياب، علم بذلك قبل الصلاة أو
بعد الصلاة
والدماء المسفوحة مفسدة للصلوات في البدن والثياب، قليلا كان أو
كثيرا، علم بذلك قبل الصلاة أو بعد الصلاة على العلم والنسيان فصل: والدماء المفسدة وليست بمسفوحة وهي تفسد في أمر الصلاة، إذا علم بذلك بعد الصلاة أو قبل الصلاة، إذا كان ذلك الدم ليس بمسفوح وهو مفسد، فإذا كان ذلك الدم في البدن أو الثوب بقدر ظفر الابهام أو الدينار؛ فهو مفسد للصلاة، إذا علم بذلك قبل الصلاة أو بعد الصلاة، كان على العلم أو على النسيان
وقد قال.
من
قال: إذا كان ذلك الدم في البدن، فكان أقل من ظفر أو
- 156 - (3/156)
صفحة 657
من دينار، فلا يفسد إذا صلى به ثم علم بعد الصلاة أنه صلى به وهو في بدنه
أقل من ظفر.
وقال من قال: إنه يفسد صلاته ولو كان أقل من ظفر في البدن، إذا
علم أنه صلى به وهو في بدنه
6
وأما إذا رأى في ثوبه أو بدنه شيئا من هذا الدم، وهو أقل من ظفر كان مجتمعا أو شائعا إذا جمع كان كالظفر ثم نسي ذلك الدم وصلى به على
النسيان.
فقال
من قال: يفسد ذلك صلاته
وقال
من قال: لا يفسد ذلك صلاته، وأما إذا كان مقدار الظفر في البدن أو الثوب، وأبصره قبل الصلاة، ثم نسيه وصلى به، فلا نعلم بينهم اختلافا أنه يفسد صلاته من قول أهل العدل
ذلك الدم في ثوبه قبل أن يصلي حتى صلى وهو من غير
وأما إذا لم يبصر المسفوحات، ولم يكن مقدار الظفر، فلا نعلم اختلافا أنه لا يفسد صلاته، إذا لم يبصره قبل الصلاة
وكذلك إذا لم يبصر غير المسفوح وهو في البدن، وهو أقل من ظفر،
حتى صلى ثم علم أنه صلى وفيه ذلك الدم؛ ففي ذلك اختلاف وأما إذا كان مقدار ظفر أو دينار فذلك مفسد، ولا نعلم في ذلك اختلافا في أمر الصلاة، وأما إذا خالط الدماء النجسة من الطهارات وهو نجس، فسواء كان مسفوحا من جرح طري أو كان من الدماء النجسة من غير الجروح الطرية، أو من غير المذبحة والمنحر، فكل ما خالط الطهارات من الدماء النجسة في الدين، أو التي يختلف فيها أهل الدين، فما خالط الطهارة
- 157 - (3/157)
صفحة 658
من النجاسة - قليلا كان أو كثيرا - فهو مفسد له
?
،
نعلم في ذلك اختلافا، إلا ما اختلف في الأصل في نجاسة الدماء وطهارتها، فأما إذا كان حكم الدم نجسا بوجه ينجس، وخالط النجس شيئا من الطهارات، في غير البدن والثياب في أمر الصلاة، فلا فرق في ذلك في القليل ولا في الكثير، وقليل ذلك وكثيره في المأكولات والمشروبات وغير ذلك من الطهارات، غير هذين الوجهين في أمر الصلاة، فهو مفسد لما خالطه إلا ما قد اختلف فيه من أمر المياه والقول في نجاستها وقلتها وكثرتها
•
فإذا وجد الدم في البدن أو الثوب ولا نعلم ما ذلك الدم؛ مسفوح أو نجس ليس بمسفوح، أو ليس بنجس، فيخرج ذلك على أقاويل: فقول: إن ذلك الدم طاهر لطهارة البدن والثوب حتى يعلم أنه
نجس، بوجه من الوجوه؛ مسفوح وغير مسفوح.
وقول: إنه دم مسفوح يغسل؛ قليله وكثيره، لأنه لا يتعرى من ذلك في الأحكام على ما وصفنا، حتى يعلم أنه غير ذلك من الدماء، التي هي غير مسفوحة أو طاهرة.
وقول: إنه دم نجس غير مسفوح ولا طاهر، حتى يعلم أنه مسفوح لما
يستدل عليه من وجوه ذلك، أو طاهر بما يستدل بوجه يبين ذلك
وقول: إن ذلك الدم في البدن والثوب على الأغلب، من أمور الدماء في ذلك الوقت الذي يجده المبتلى به والمتعبد به، فإن كان الأغلب من أمر ذلك الدم يصح على أحد الأمور أنه منه من الدماء، فهو على الأغلب من أموره، فإن لم يكن له أغلب، فقد مضى الاختلاف فيه، وهذا هو أصح ما قيل في هذا معنا، وهو على الأغلب من أموره، فإن لم يكن له أغلب ولا بان ذلك بأمر تطمئن القلوب إليه، فيجب في هذا أن يستعمل فيه التوسط، من
ذلك
- 101 - (3/158)
صفحة 659
أن يكون دما غير مسفوح وهو من النجاسات
ومن قال فيه بالقولين الآخرين؛ فلكل واحد منهما أصل بين لا شبهة فيه؛ مع من أبصر ذلك
فصل: والذي نحبه أن الدم النجس في البدن مفسد قليله وكثيره في أمر الصلاة، كان ذلك مسفوحا أو غير مسفوح من الدماء النجسة، إلا ما يختلف فيه من الدماء، مما جاء فيه الاختلاف، فأخذ فيه بقول أحد من أهل العلم، فيما يجوز فيه الاختلاف، فذلك واسع إن شاء الله، وإنما يختلف في المسفوح وغير المسفوح من الجروح الطرية في أمر الصلاة، في الدماء في الثياب التي يصلى بها، وأما غير ذلك من الطهارات فقد مضى القول فيه، ولا نعلم في ذلك اختلافا
الحيض
واختلف أهل العلم من المسلمين من أهل العدل، فيما يأتي من الدماء من غير جرح ولا قطع حادث طري، مثل دم الرعاف والدماء التي تخرج من الفم والضروس، الخالص من ذلك من غير جراحة، وكذلك والنفاس، والدماء التي تخرج بغير جراحة حادثة من كل ذات روح من ذوات الدماء الأصلية، من الدواب والطير البرية:
دم
فقال من قال: إن ذلك كله مسفوح، وقليل ذلك وكثيره في الثوب والبدن في أمر الصلاة؛ بمنزلة الدم المسفوح، والذي يخرج من الجرح العقر الطري، وإنما الدم غير المسفوح كلما خرج من جرح قديم، من دم عبيط أو شفة قديمة، لم يخرج الآن حادثا، فكل ما جرح من جرح قديم من دم عبيط خالص، فذلك الذي ليس بمسفوح ولا يفسد في الثوب في أمر الصلاة، إلا ما كان مقدار ظفر على غير العلم، وقد مضى القول في ذلك، ولا نعلم بينهم في ذلك اختلافا أن تلك الدماء التي ذكرنا، وإن كان قد اختلف فيها في
- 109 - (3/159)
صفحة 660
الذي يكون منها مسفوحا وغير مسفوح، والاجماع من أهل العدل أن ذلك كله
دم
مفسد حرام، قليله وكثيره في المأكولات والمشروبات، ومفسد ما خالطه من الطهارات قليلا كان أو كثيرا، وإنما اختلافهم في المسفوح وغير المسفوح في أمر الصلاة، وإنما استثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدماء دمين في الاباحة من ذلك: دم اللحم ودم السمك، وقد بينا دم اللحم كيف اختلف فيه أيضا؛ السمك فكله لا بأس به في أكثر القول، وقد ذكرنا اختلاف ذلك فيما مضى من هذا الكتاب، مما في بعضه كفاية إن شاء الله
وأما دما
فصل: فهذان الدمان مباحان بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز فيهما
التدين بتحريم شيء منهما
•
وإنما قال من قال في ذلك بعلل يدخلها على شيء من ذلك
إلا بالاجماع من أهل العلم يدخل في ذلك
6
كذلك اختلف أهل العدل من المسلمين في كل ذي دم مختلب في ذات
روح، من دابة أو طائر من البريات:
فقال من قال: إن كل دم مختلب ليس بأصل في ذات الروح من الدواب والطير من البريات فهو طاهر، لأنه معهم بمنزلة الدم الميت المتحول عن حاله إلى حال غيره، ولو كان في أصله فاسدا، فقد تحول عن أصله إلى غيره
باحتماله في ذات غيره مما لا دم فيه
وقال من قال منهم: إن ذلك كله فاسد لأنه دم بعينه، وحيثما تحوّل فهو دم فاسد. وكل ذلك جائز، والقول الأول أوسع، والقول الآخر أحوط وقد قيل في ذلك قول ثالث: إنه لا يفسد عند الضرورة إليه؛ ويفسد
به عند السعة بغيره وإلى غيره، وهذا قول حسن.
•
-17 - (3/160)
صفحة 661
وأجمع أهل العلم من أهل العدل، لا نعلم بينهم اختلافا أن كل ذي روح من الدواب والطير البرية مما لا دم فيه كائنا ما كان من الدواب والطير، أنه لا يفسد ميتته وأن ذلك حلال، وذلك خارج على أصل الجراد من سنة النبي والجراد من ذوات الأرواح من البرية، وقد حلت ميتته بالسنة.
وما سوى ذلك من الدواب والطير البريات من غير ذوات الدماء، وشبهه في إجماع أهل العدل، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك
6
فمثله
واختلف أهل العلم من أهل العدل، في كل ذات روح من ذوات الدماء المختلبة، التي ليست بأصلية من جميع الدواب والطير البرية:
فقال
من قال: إن ذلك كله لا يفسد ميتته، وهو بمنزلة دمه
وقال من قال: إن ذلك كله مفسد وحرام ميتته، وكل ما لم يفسد من الميتة، فهو حلال مباح بمنزلة الجراد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
•
وقال من قال: إن ذلك مفسد على السعة والغنية عنه، ولا يفسد على الضرورة إليه والحاجة إليه، وليس بمنزلة المجمع على حرمتها وفسادها
-171 - (3/161)
صفحة 662
[صفحة فارغة] (3/162)
صفحة 663
باب
في الأشربة وتصنيفها
ومما حرمه الله ـ سبحانه وتعالى - في كتابه، وصح تحريمه في السنة، وأجمع أهل القبلة على تحريمه؛ نبيذ الخمر المسكر منه، فلا نعلم في ذلك اختلافا بين أحد من أهل القبلة، أن نبيذ الخمر حرام، وأن الخمر المجمع عليه ولا يختلف فيه أنه نبيذ البسر، الذي يعتبر غير مرطب من النخل والعنب الرطب الذي لم يصر نبيذا، وهذان النوعان نبيذهما المسكر منه منهما، حرام قليله وكثيره، في جميع ما عُمِلا فيه من الآنية والأوعية، وهما حرام رجس، واجب على من شرب منها قليلا أو كثيرا؛ الحد والكفر والبراءة، ويكفر بشرب ذلك كفر نعمة لا كفر شرك، وذلك إذا أريد به النبيذ حين ذلك من الارادة فيه
وتحريم الخمر في كتاب الله في غير موضع منه. من ذلك: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالبَشِيرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رجس من عمل الشيطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (1)
"9"
ي
فحرمه ونهى عنه في آية واحدة، وحرمته هاهنا من وجهين:
وجه أنه من عمل الشيطان حرام، كما قال الله - تبارك وتعالى -: إنما يأمركم بالسوء والفَحْشَاءِ وأن تقولوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (2)
(1) الآية (90) من سورة المائدة (2) الآية (169) من سورة البقرة.
- 163 - (3/163)
صفحة 664
فكل ما أمر به الشيطان أو عمله فهو من السوء والفحشاء، لأنه معصية
الرحمن ورضاء الشيطان.
ووجه آخر أنه سمّاه الله رجسا، وقد حرم الله الرجس في قوله تعالى: وقُل لَّا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَمَّا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُون مَيْتَةً أَوْ دَما مَسَفُوحًا أَوْ عَلَّمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسَ أَو فَشَقًا أَهْلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطَرَ غَيْرَ بَاغ
ولا عاد فإنَّ رَبِّكَ عَفُورٌ رَّحِيمُ) (1).
فالرجس حرام قد حرمه الله، وقد، الله الخمر رجسا فقال تعالى في سمى موضع آخر: (يَسْأَلُونَكَ عن الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَا إِثْمَ كَبِيرُ وَمَنافِعُ للناس ... فسماهما الله إنما.
وقال تعالى في موضع آخر: قُل إنما حَرَّمَ رَبِّ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وما بطن والاثم والبغي بغيرِ الحق) .. فالخمر إثم والاثم حرام، ولا نعلم أن أحدا يتكلم في تحريم الخمر أنه ليس بحرام، بل الخمر حرام بالكتاب
والسنة والإجماع.
ولا نعلم أيضا أن أحدا من أهل القبلة من أهل الأديان تأوّل فيه تأويلا، يخالف في تحريمه، ما أجمع عليه أهل العدل.
والخمرة معروفة بعينها مع من عرفها من العارفين بها، من وقف على نبيذ الخمر ممن عرفه وعرفه أنه نبيذ خمر، ولو لم يعرف أصله، ومعروف مع من عرفه من العارفين بعينه ولونه، فإذا كانت الخمر معروفة بعينها فهي حرام بعينها، إذا كانت قائمة العين التي بها يعرفها من يعرفها
وإذا زالت الخمر عن حال النبيذ المسكر، الذي يعرفه من عرفه بأنه
نبيذ خمر، وهو الحرام المجمع عليه، والذي لا يسع جهل ركوبه، فإذا زالت
(1) الآية (145) من سورة الأنعام.
-198 - (3/164)
صفحة 665
عن
تلك الحال، إلى حال تعرف عند العارفين به، أنه قد زال عن حال النبيذ المحرم في الأصل بالاجماع، إلى حال الخل، وكانت الخمرة خلا، عند من يعرفها من العارفين بها، إذا صارت خلا من حال ما يكون نبيذا حراما مسكرا، فقد أبيحت في الأصل إذا صارت خلا لمن علمها أو جهلها، لأنها قد عن حال غير المحرم إلى حال المباح، وصارت في الأصل حلالا، فالحلال مباح لمن عرف عينه أو لم يعرفه، إذا صار مع من يعرفه بعينه من العارفين به أنه حلال فهو حلال، وإذا صار مع من يعرفه من العارفين به حراما، فهو على من عرفه أو لم يعرفه حرام.
حالت
فإذا كان الخمر نبيذا وكان في حد المسكر، قد أريد به النبيذ المسكر والشراب، وعلى ذلك غلا فصار نبيذا مسكرا، إذا غلا على ذلك، وتغير عن حاله إلى السكر، فقد صار خمرا فيما كان من الآنية والأوعية، فكان من العنب الرطب أو البسر من النخل، فذلك النبيذ الخمر الحرام، المجمع عليه أن راكبه على ذلك هالك وعليه الحد، سكر من ذلك أو لم يسكر، ويكفر بذلك كفر نعمة ما لم يرد تحريم الخمر جحدا
ولا يسع الجاهل جهل ركوب ذلك على حال من الحال، ما كان قائم العين، التي يعرف بها عند أهل الخبرة به والمعرفة له أنه نبيذ خمر، ولم يتغير عن حاله تلك، فلا يسع الجاهل بمعرفة عينه ركوبه على علم منه بحرمته، أو
جهل من الحرمته والخمر حرام على من جهلها أو علمها، علم حرمتها أو جهل حرمتها، وقد يسع جهل معرفة حرمة الخمر، ولو عاينها وعاين من يركبها، ما لم يركبها الجاهل لعينها، علم بحرمتها أو لم يعلم، إذا كانت بالحال التي تحرم بها عند العالمين بعينها، ولو جهلها الجاهل بها، فما لم يركبها في حال جهله بها، وهي في الحال المعروفة فيها بعينها، أو يتولى راكبها أو يبرأ من العلماء، أو من أحد
-170 - (3/165)
صفحة 666
منهم إذا برثوا من راكبها برأي أو بدين، أو يقف عنهم إذا برثوا من راكبها برأي أو بدين، فمتى فعل شيئا من هذا الذي وصفنا فقد هلك في دينه، وحل محل الهلاك، وكان عليه الدينونة بالسؤال عن ذلك، إذا كان عارفا بالعين التي وقف عليها أو الصفة، فيسيل عنها حتى يخرج منها، وإن كان لا يعرف صفة العين التي عاين، فيسيل عنها فهو هالك وعليه الدينونة بالتوبة من ذلك، والسؤال عما يلزمه في ذلك، وهو هالك ما. ما لم يخرج من ذلك بتوبة منه بعينه، أو بما يخرج به في الجملة عند عدم علم ذلك، ومعرفة صفته التي يعرفها أهل العلم بها، ويعلم العلماء حرمتها إذا عبر له أهل الخبرة بها أنها الخمر وأنها حرام، كائنا من كان من المعبرين ذلك، كان عليه حجة، إذا كان قد ركب ذلك بركوب أو ولاية راكب، أو براءة من عالم لبراءته من الراكب، أو وقف عن العالم برأي أو بدين لبراءته من الراكب
وإذا كانت الخمرة قائمة العين، على هذه الصفة أهل الخبرة بها والعلم بها، فلا: يسع جهلها على ما وصفنا، ولا تجوز شهادة على تحليلها ولا عن إزالتها عن عينها، التي تعرف بها مع أهل الخبرة بها، ولو شهد على تحليلها أو على زوال أصلها مائة ألف شاهد من أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ما جاز ذلك من قولهم، ولا وسع المشهود معه على ذلك أن يقبل منهم، وهم هالكون ومن قبل منهم ذلك واتبعهم عليه، أو تولاهم على ذلك بدين فهو هالك لا يسعه جهل ذلك كله، إذا كان قائم العين، والقول في ذلك كالقول في الخنزير في قيام عينه وجنسه والحجة فيها كالحجة في الخنزير إذا غابت لونها وتغيرت، وانتقلت إلى حال حلال غالب عليها، تكون أحكامها مستهلكة في حكم الحلال، فإذا كانت كذلك) جهلها، وكانت
وسع.
بمنزلة لحم الخنزير والميتة إذا كان لحما أعضاء، والقول في ذلك من الاقرار، ممن هو في يده، والشهادة عليه من الثقة الواحد والثقتين في جميع ذلك، كما قلنا في اللحم إذا صار أعضاء من الخنزير والميتة، لأنه مباح في المشاهدة، ولو
- 177 - (3/166)
صفحة 667
كان في الأصل محجورا على من عرف الأصل
فصل: وكذلك الدم المحرم في الاجماع، إذا عاين الجاهل له الأصل الذي يحرم به، ثم جهل حرمة ذلك فركبه على ذلك، فهو بمنزلة الخمر في هذا، ولو شهد له على ذلك مائة ألف شاهد أو يزيدون، وهو قد وقف على الأصل الذي به يبلغ إلى علم حرمته، فلا تجوز شهادتهم على تحليل ذلك، ولا على تحويل اسم ذلك إلى غيره، وهم هالكون بذلك عند من سمعهم، ولا يحل له ركوب ذلك بجهله الموضع فتياهم وشهادتهم على ذلك، ولو كانوا أهل الأرض كلهم جميعا، ولا يسع ولايتهم على ذلك، ولو لم يركبه يسعه ولاية من أجله بدين أبدا، فافهموا ذلك
فلا
،
والدم المحرم إذا وقف الجاهل له ولحرمته على الأصل الذي به يعرف حرمته وتعرف صفته، فهو بمنزلة الخنزير والخمر على من جهله أو علمه والقول
فيه واحد.
وكذلك لا يسعه على جهله به وبحرمته إذا وقف على الأصل الذي
أنه
يعرف به محرم، فلا يسعه جهل ركوبه، ولا ولاية من ركبه بدين ولا الوقوف عن العلماء إذا برثوا من راكبه برأي ولا بدين، ولا البراءة منهم
على ذلك برأي ولا بدين
•
والدم في حال الاضطرار يسع فيه ما يسع في الميتة ولحم الخنزير، فإذا ركب راكب يحتمل أن يركبه بوجه اضطرار، فالقول في الميتة والدم في جميع ذلك كالقول في لحم الخنزير فيما يشبه فيه، فالقول في ذلك كله كالقول في لحم
الخنزير، وقد مضى القول في ذلك
•
وأما الخمر:
فقد قال
من
قال: إنه لا تجوز في الاضطرار، لأنه يجب فيها الحد
- ITV - (3/167)
صفحة 668
ولأنه لم يستثن الله - تبارك وتعالى - فيه للمضطر، كما استثنى في الميتة والدم
ولحم الخنزير
الله
وقال من قال: إنه إن كان الخمر يعصم من الهلكة، فهو مثل ما حرم من ذلك، وهذا القول معنا أصح إن شاء الله
وإذا لم يقف على الأصل من الدم الذي به يعرفه أهل العلم به أنه حرام منه بالصفة، فإذا لم يقف على ذلك وعاين من يركب ذلك، ولا يعرف في من الدماء المباحة الحلال أو المختلف فيها أو المحرمة، فهذا
الأصل
أذلك
لا يسعه ولاية من ركب ذلك، لأن ذلك مما يحتمل الحق فيه والباطل والأصل فيه أنه إذا أمكن فيه الحق والباطل ولم يركبه هو على حال جهله،
،
وتولى راكبه في أصل يحتمل عند العلماء بالحق فيه أنه محق، ويحتمل أن يكون
6
فيه مبطلا عند العلماء بذلك ولو لم يعاين ذلك الأصل، فهو على ولايته وولايته على هذا الوجه جائزة، ولو لم يسعه هو بركوب ذلك، لأن فعله في
•
ذلك غير فعل وليه وكذلك إذا رأى وليه يأكل ما لا يعرف أنه لغير وليه، أو لا يعرف ما حال ذلك المال في حال لا يسعه هو أن يأكل من ذلك المال شيئا، فرأى وليه يأكل ذلك المال، فوليه على ولايته، ولو كان فيهما غاب عنه يأكل حراما في علمه أو بجهله، فإذا كان المعاين منه يحتمل عند العلماء باطله وحقه، فتولاه على ذلك وسعه، ولا يسعه أن يبرأ منه بوجه يكون عند أهل العلم له في ذلك العذر، إذا لم يعلم له هو في ذلك عذرا بجهله في الأصول التي يحتمل فيها العذر عند العلماء، لأن ذلك هو الحق والدين عند الله وعند المسلمين، فليس له هو أن يتعدى بجهله إلى شيء يخالف دينا الله ودين المسلمين، وركوبه لهذا الدم غير ركوب وليه له للأصل الذي غاب عنه واحتمل في الدين عند العلماء أن يكون ذلك الدم مباحا، لا يختلف فيه، وأن يكون مختلفا فيه، وأن يكون
- 168 - (3/168)
صفحة 669
حراما محجورا ولا يعرفون على حال من الحال ذلك، إلا بأصله الذي منه
يخرج، وقد مضى القول في ذلك
فإن وافق الولي على هذا الوجه دما محجورا في الأصل، فتولاه على ذلك هذا الجاهل، فهو واسع له، لأن الأصل يحتمل فيه الحق والباطل، وإذا وقف على الأصل الذي به يعرف الحرمة مع أهل المعرفة، فركب ذلك الدم بعد معرفته بأصله، أو تولى راكبه أو برئ من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو؛ هلك بذلك، وكان عليه التوبة من ذلك عن ذلك بالصفة حتى يخرج من ذلك بعينه بالتوبة، وولاية أهل العدل من العلماء على ما قد قاموا به من العدل في دين الله - تبارك وتعالى ـ؛ فافهموا هذا الفرق في الدماء والأموال واختلاف ذلك في الأصول والأحوال
وقف
عنهم
، والدينونة بالسؤال
فصل: ومعرفة أصل الدم في هذا، أضيق من معرفة أصل الأموال، لأنه لو وقف على مال يقع عليه أحكام الأملاك، ولا يعلم لمن هو، فرأى وليا له يأكل ذلك المال، ولا يدعيه لنفسه أو يدعيه، كان ذلك على ولايته بدين، ولو كان قد أكل ذلك في سريرته غصبا حراما، والمتولي له سالم
بذلك
السبيل
وكذلك الدم، إذا لم يعرف الأصل الذي خرج منه، فهو على هذا
وأما إذا علم الأصل في الدم، أنه خرج من الأصول التي قد وقف عليها، التي بها يعرف حرمته وحجره، فتولى راكبه على ذلك، فلا يسعه إلا أن يكون يحتمل له عذر، من طريق الاضطرار إليه، فإذا نزل بتلك الحال عند العلماء بالدين، فكل ما احتمل للراكب عند العلماء بالدين من العذر،
فمثله عند الجاهل واجب (1)
(1) في نسخة (جائز).
- 169 - (3/169)
صفحة 670
ولا يجوز للجاهل أن يحكم بغير حكم الحق، عند العلماء بالدين في الدين، ولو رأى وليه يأكل ما لا يعلم أنه لغير وليه، ولا يعلم أنه مباح له، بوجه يعلمه هو، وقد علم أن ذلك المال ليتيم أو غائب، أو لأحد من الناس، يحتمل في حال من الحال في الدين، أن يأتي ذلك بحق في الدين عند علماء المسلمين، فلا يجوز له أن يبرأ منه على هذا، ولا يقف عن ولايته بدين، كان وليه ذلك ضعيفا أو عالما، فهذا فرق ما بين الأموال والدماء، في علم الأصول من الأموال والدماء.
- 170 - (3/170)
صفحة 671
النخل:
باب
القول في حرمة الخمر من العنب والبسر والنية فيه وقبول قول الواحد والاثنين في أصل الارادة
اختلف أهل العلم من أهل العدل في حل الخمر من العنب والبسر من
فقال من قال: إن ذلك جائز حلال، حيثما وضع من الآنية والأوعية، ولا يحرم ذلك إلا إذا أريد به للشراب والمسكر، وذلك قول الله - تبارك وتعالى -: ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنا، فالسكر ما أريد به واتخذ للشراب من الخمر من العنب الرطبة، والبسر من النخل ما لم يرطب فذلك هو الخمر الحرام المجمع عليه،
وما سوى ذلك ففيه الاختلاف
،
وقال من قال: إنما يجوز الخل من التمر والزبيب اليابس، الذي يجوز منه النبيذ في الآنية الجائز فيها الأنبذة من التمر والزبيب، فكما لا يجوز النبيذ المسكر من العنب والبسر في جميع الآنية والأوعية، فكذلك لا يجوز الخل من حيث لا يجوز الشراب، والقول الأول معنا أصح وأكثر إن شاء الله، وعليه أكثر العمل من المسلمين، وعليه عامة أكثر أهل القبلة معنا على ذلك، إلا ما غاب عنا علمه
فأصل الخل من العنب والبسر على أكثر القول معنا مطلق مباح إذا صار خلا إذا كان أريد به في الأصل الخل، ولم يرد به النبيذ للشراب فهو على كل
حال على أكثر القول جائز.
- 171 - (3/171)
صفحة 672
وكل ما كان جائزا في الأصل عند أهل العلم به في ذاته ولونه، وجهله
الله
،
الراكب له وهو مع أهل الخبرة به والعلم له في حال المباح في دين فالراكب له على كل حال سالم مؤمن من حيث ركبه، ما لم يركبه على أنه يركب حراما في نيته، أو على أنه يركبه، حلالا كان أو حراما، فأصل الخل مباح في من التمر والزبيب، لا نعلم في ذلك اختلافا، وفي أكثر القول من العنب والبسر فهو مباح حلال.
الله دين
وكل ما كان حلالا في الأصل عند العارفين به في ذاته وصفته، وفي علم من علمه من المسلمين، فلا يصر الجاهل من المسلمين جهل عينه، لأن عينه ولو عرفها إذا وقف عليها عرف مباحا في الأصل مع العلماء بها، ومع العلماء، وإنما يهلك الجاهل في ركوبه لما هو في الأصل حرام، محجور على من
بالدين عرفه، ومن عرف أنه حرام، ومن جهله فليس له أن يقدم على ما جهل من الحرام، فالخل من الخمر إذا صار بحد النبيذ من الخمر إن كان ينزل بمنزلة الشراب في حال من الحال، نازل به في حال الحجر، وفي بعض القول وهو محجور الشرب، في حال ما يكون مسكرا قليله وكثيره، لأن الخمر بعينه المراد منه منع الشرب، إذا كان في حد المسكر
وقال من قال: إنه حلال في الأصل ولا يحجر الشراب منه ما لم يسكر.
،
فإذا سكر الشارب منه، حرم عليه السكر في الأصل، وسواء ذلك على هذا في
"
أي الآنية والأوعية كان وهذا القول الآخر هو أصح وأحب إلينا، أنه إنما يفسد الشراب بالنية، وصلح للخل بالنية، فهو على حد النية التي يراد بها الخل، وهو حلال مباح، ولا حجر في شراب مباح في الأصل، ما لم يأت
عليه حجر يسكر
فلو أن مريدا أراد الخل من الخمر، فصار ذلك الخل في حد النبيذ،
وهو عالم بذلك في الأصل، وهو قائم العين خمر مع من عرف أنه خمر بصفته
- 172 - (3/172)
صفحة 673
وعينه، وهو معه في الأصل حلال لعلمه، كان ذلك محجورا على من عاينه غيره، حتى يعلم فيه كعلمه هو، ولا يجوز أن يركب ذلك راكب بجهل أصله الذي بني عليه، حتى يعلم منه كعلم من علم ذلك في الأصل، لأن الأصل هاهنا محجور، لأنه قائم العين والصفة بأنه خمر، إنما أصلحته النية التي غابت على من وقف عليه، وهذا بمنزلة الدماء إذا لم يعرف من أي وجه هي،
فلا ينبغي له الإقدام على ذلك، وذلك محجور عليه حتى يعلم الأصل فيه فصل: فإن كان في يد ثقة مأمون في دينه، فقال إن تلك الخمر التي عاينها إنما هي أصلها خل أريد به، ولم يرد به الشراب، فأرجو أن يجوز له ذلك إن شاء الله، بقول الواحد الثقة المأمون، لأنه يحتمل صدق ما يقول، والثقة في مثل هذا يجوز قوله، إذا كان الأصل يحتمل ما يقول، ولم يكن قوله في الأصل كذبا وزورا.
فإن ركبه راكب على هذا، وهو لا يعلم أصله خمرا أو خلا؛ وكان في
الأصل يراد به الخل، فتولاه على ذلك جاز له ذلك إن شاء الله
،
وكذلك إن صدقه أنه أراد به الخل وهو في يده أو في حال يجوز قوله فيه ويشهد فيه بعلم منه بذلك أنه أصله خل، وهو ممن يجوز قوله فيه، جاز ذلك إن شاء الله فيما يصح من الحلال، بقول الواحد، وأما الحجة في ذلك فالإثنان إن شاء الله، إذا شهدا بما يكون في الأصل يحتمل صدق شهادتهما في دين الله، فيما غاب من أمرهما، وهذا مما يحتمل صدقهما في أصل دين الله، على قول من يقول أن الخل يجوز من العنب الرطب، والبسر من النخل، وأن شربه في حين ما يصير نبيذا في حاله تلك جائز، فهو جائز إن شاء الله، ومقبول قولهما في هذا، وهو حجة لمن قبل قولهما في ذلك، إذا شهدا بما يمكن صدقهما فيه، وغاب ذلك عن المشهود عنده في ذلك، ولم يعلم أكاذبان في ذلك أو صادقان، فأهل الثقة من المسلمين مصدقون في ذلك إن شاء الله
- 173 - (3/173)
صفحة 674
فصل: ولو شهد الشاهدان الثقتان فيما يحتمل صدقهما على خمرة أريد بها الشراب والنبيذ، فخانا الله في دينهما، وقالا إن هذا إنما أريد به الخل في الأصل، واحتمل صدقهما في ذلك، كان ذلك حجة لمن شهدا معه بذلك، وكذلك الواحد إذا اطمأن قلب المشهود معه إلى صدقه، واحتمل في دين فهو حجة له في هذا الوجه، وهو جائز في دين الله لنفسه، وأرجو أن ذلك المصدق له لأنه أخذه عنه من وجه يحتمل صدقه وكذبه فصدقه، يسع وكان مصدقا عنده في قوله هذا، وهذا مما تجوز فيه الشهادة معنا على هذا
الله
الوجه
وأما إذا شهد الشاهدان أو أكثر على خمر أريد بها الشراب في الأصل أنها لبن، أو أنها ماء، أو أنها حلال قطعا، ولا يشهدان على ما يحتمل صدق شهادتهما، فهما كاذبان في الأصل بغير حجة تقوم لهما في قولهما، ولا يحتمل صدقهما في ذلك، عند من وقف على الخمرة المحرمة في دين الله، على من عرفها بعينها بشهادتهما هذه أبدا، لأنها غير ما قالا، ولأنهما لم يشهدا بشيء يحتمل فيه صدقهما عند من عرف الخمر بعينها من العلماء بها، وعند من علم الحكم فيها، لأن العلماء بالحكم فيها يشهدون في الأصل على كذبها، لأنهم يشهدون أنها حرام، والله يشهد بذلك، فهما كاذبان على من شهدا معه بذلك، وكاذبان عند الله وعند العلماء بحكم الخمر، أنها ليست بحلال، فلا حجة من الشهود في هذا على هذا الوجه، ولو كانوا مائة ألف أو يزيدون وكذلك لا حجة منهم في قولهم إن هذا لبن أو ماء أو خل أو خمر، أو شيء ء مما هم فيه كاذبون، عند من وقف على أعين ذلك ممن يشهد أنه خمر نبيذ مسكر، وليس بخل عند أهل المعرفة بالعين من الخل ومن الخمر، وأنه كاذب عند كل من عرف عين الخمر، فإذا شهد الشهود على تحويل العين عن أصلها أو تحليلها وهي محرمة في الأصل بغير حجة ولا بسبب يشهدون به مما يمكن ويحتمل صدقهم عند من وقف على العين وعرفها، لأنه إذا شهدوا على هذه
- IVE- (3/174)
صفحة 675
مع
الخمرة بأنها خل في الأصل، وإنما أريد به الخل في الأصل، ووقف عليها أهل العلم والمعرفة بعين الخمر وصفتها، لم يشهدوا على كذبهم في أصل ما يشهدون به، بل يحتمل ذلك عندهم إذ ذلك ممكن عندهم، أن يكون خلا في الأصل، ويحول في حال ما يصير إليه من حد النبيذ إلى حاله، وهي على نية الخمر، فهي في الأصل محرمة عند الله على من علمها إلا أنها كذلك وهي؛ يقول من قال إنها أريد بها الخل، مع من غاب عنه كذبه من صدقه، واحتمل في دين الله صدقه حجة له في ذلك، وهو هالك يكذبه في ذلك، فانظروا مواقع الحجة من الشهادات على إزالة الأصل بما يحتمل صدق القائل: كيف كان حجة، وإذا لم يحتمل صدق القائل في علم من علم ذلك، لم يكن قول القائلين في ذلك، قلوا أو كثروا حجة في ذلك، ولا وسع تصديقهم ولا اتباعهم، وكانوا كاذبين عند الله وعند من شهدوا عليه ومعه، ولم يسعهم ذلك أن يصدقهم، ولا يتولاهم في دين الله بدين ولو جهل مواضع ما يكونون فيه حجة، من مواضع ما لا يكونون فيه حجة، ومواضع ما يكونون فيه مصدقين، من مواضع ما لا يكونون فيه مصدقين، وليس لأحد يجهل أن يجعل غير الحجة حجة، ولا يبطل موضع الحجة إذا لم يعلم أنها حجة، ولا يصدق من لا يجوز تصديقه إذا جهل موضع ما لا يجوز تصديقه، وكل ذلك لا يجوز إلا بموافقة الحق، في دين الله ودين أهل العدل من المسلمين، ولو عاين الجاهل أو العالم لعين الخمر خمرا في علمه، إلا أنه لا يعرف هي الأصل، كانت يراد بها خلا أو شرابا، قلنا له يقدم على ذلك حتى يعلم الأصل في ذلك، وإلا فهو محجور عليه حتى يعلم الأصل في ذلك، فإن ركبه على ذلك على نية أنه يركب ما معه حلالا، أو على غيرنية أنه يركب الحرام، كان في ذلك مسيئا بإقدامه على محجور العين، مع من علمها أو جهلها، ولا يعرف الواقف عليها ممن يعلم أنها خمر وأنها حرام، إن كانت أريد بها الشراب، وأنها حلال إن كانت أريد بها الخل، ولا يكون ذلك معنا
:
- 175 - (3/175)
صفحة 676
هالكا إن كانت في الأصل أريد بها الخل، لأنه قد واقع في حال جهله مباحا في دين الله - تبارك وتعالى - في دين المسلمين، غير أنه عليه التوبة معنا، من إقدامه على جهله بأصل الخمر التي وقف عليها، على أي الأصول كانت، ولأنها على كل حال لو وقف عليها الواقف الذي يعرف عينها، ويعرف صفتها، لم يبلغ إلى علم تحريمها من تحليلها إلا بعلمه بأصل ما بنيت وأسست
له
فصل: وإن وافق على ذلك خمرا أريد بها الشراب في الأصل، وكانت عند الله وعند المسلمين في دينهم محرمة، وعند العلماء بها وبعينها، لا يعرفون فرق ما بين المحرم منها والمحلل إلا بمعرفة الأصل، فقد ينبغي له في الأصل ألا يقدم إلا على معرفة الأصل، الذي به صارت مباحة في دين الله المسلمين، فإذا أقدم على محجور بغير علم فهو هالك، ولا يسعه ركوبه لجهله لأصله، ولو علم أن في أصل دين الله شيئا مباحا من هذه العين، إذا كانت في الأصل يراد بها الحلال من الخل، فلا يغنيه علمه هذا إذا وافق في الأصل
محرما في دين الله
ودين
وإذا وافق في الأصل محللا في دين الله على هذه الصفة، علم أن في دين هذه الصفة وهذه العين أو لم يعلم، أو عرف هذه العين ما هي أو
الله محللا من لم يعرف، وكان جاهلا بعينها وبأصل حرمتها وبأصل المحجور منها والمباح فإذا وافق مباحا في أصل دين الله فهو سالم، ما لم يركبه بنية استباحة المحرم من دين الله، أو على أنه يركبه، كان محرما أو محللا، فإذا ركب على هذه النية الفاسدة؛ كان هالكا، ولو وافق في الأصل محللا مباحا
فصل: ولو تولى على هذه الصفة راكبا لمحجور، وكان في الأصل مع العالمين بعين هذا المحجور، أنهم لا يفرقون بين معرفة المحجور ولا المباح. إلا بمعرفة الأصل الذي أريد به، واحتمل عند العلماء في دين الله أن يكون من
- IVT- (3/176)
صفحة 677
تلك العين التي وقف عليها مباح ومحجور، فتولى من ركب تلك العين على جهله، بمعرفة الأصل الذي هو محرم، وبه يعلم العلماء بالعين حرمته،، فهو سالم بولاية من تولاه على هذه الصفة، لاحتمال الصواب والباطل للراكب مع علماء المسلمين، ومع العلماء بعين الخمر، لأنهم لا يبلغون إلى معرفة تحريمها بوقوفهم على العين إذ كان في الأصل في تلك العين ما هو مباح، واختلاف الحكم في الراكب والمتولي للراكب في ذلك بين عند علماء المسلمين في الدين، إذ كان فعل المتولي غير فعل المتولى، لأن المتولى على فعله مأمون ما احتمل له في حكم الدين، وجه حق يسلم به من الوجوه، ولأن الراكب للشيء ليس كالمتولي للراكب، إذا كان مما يحتمل فيه المخرج، ولا نعلم في هذا اختلافا، إلا أن يكون الأصل الذي ركبه الراكب من المحجورات في ظاهر الأمور، مما يكون الحق فيه الله وللعباد، والحكم فيه الله وللعباد، وقد مضى القول في
هذا الكتاب
وكذلك الدم؛ لو وقف الواقف على دم لم يقف على أصله، ولا علم ما هو من الدماء، أمحجور ذلك الدم بالاجماع أم مباح بالاجماع، أم مختلف فيه، وهو لا يبلغ إلى علم ذلك إلا بمعرفة الأصل. فقال له الثقة. من المسلمين إن ذلك الدم من الدماء المباحة؛ وهو في يده، أو فيما يجوز فيه قوله، وكان في الأصل يحتمل ذلك، كان قول الثقة في هذا حجة في قبول ذلك منه في بعض القول، والثقتين من المسلمين حجة في ذلك، فيما لا نعلم فيه اختلافا؛ لأن شهادات المسلمين فيها يمكن صدقهم بوجه من الوجوه، ولا يبلغ إلى معرفة
كذبهم بالوقوف على العين التي شهدوا على تحليلها، أو على إزالتها في دين
الله
،
تبارك وتعالى -، فإذا شهد الشاهدان على ذلك، كانا حجة في هذا الوجه وكانا هما متقلدين ذلك، فإن كانا صادقين فلهما صدق ذلك، وإن خانا الله في ذلك فيما هما حجة لمن أخذ ذلك عنهما فهما هالكان بكذبهما، ولو كان الدم في ذلك حراما مجمعا عليه، وشهدا أنه حلال، ولم يشهدا أنه من الدماء التي هي
- 177 - (3/177)
صفحة 678
حلال مثل دم السمك أو دم اللحم أو الدماء التي يختلف فيها، وإنما قصدا أن قولهما أنه حلال لم يكونا بذلك حجة، وكانا كاذبين لأنهما أحلا في الأصل حراما، من غير أن يشهدا أنه بصفاته متنقلا بها عن الدم المحرم.
دم
وكذلك لو قالا إن هذا ليس بدم، ولكن هذا شيء من الأشربة أو من
الأطعمة الحلال؛ التي ينقلان بها اسم الدم عن موضعه، لم يكونا بذلك حجة، ولو كانوا في ذلك مائة ألف أو يزيدون فافهموا هذا الفصل
•
- 178 - (3/178)
صفحة 679
باب
ذكر النبيذ
وكذلك ما جاءت به السنة؛ تحريم نبيذ الجر والدبا والنقير والمزفت وحجر النبيذ مجملا، وإباحته مطلقا في الأديم الملاث على أفواهه من المعز والضأن، وعلى ذلك أجمع كثير من أهل القبلة، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أهل العدل من علماء المسلمين
فصل: ومما جاءت به السنة في هذا فهو معنا حرام لاحق بتحريم
الخمر في الحجر، قليله وكثيره
وأما الحد فيه فلا نعلم أنه واجب فيه إلا التعزير ما لم يسكر شاربه، فإذا سكر شاربه من الشراب الحرام من الأنبذة وجب عليه الحد؛ حد الخمر وهو ثمانون جلدة
وأما الكفر فإنه يكفر معنا بشرب نبيذ الجر والدبا والمزفت والنقير، وما كان من الأنبذة في غير الأديم الملاث، على أفواهه من المعز والضأن، وما أشبه ذلك فقد قيل إن مما يشبه ذلك فهو لاحق به.
وقد قالوا: إن الظباء جائز في أديمها شرب النبيذ، وليس بالمجمع عليه من القول، وهو معنا يشبه ما قيل فيه إنه جائز، لأنه مثل الأنعام المباح في أديمه شرب النبيذ، وما أشبه الشيء ولم يأت فيه نص بتحريم، وهو مشبه للشيء المحلل بالنص فهو لاحق بالتحليل
فإذا وقف الواقف على الأنبذة المحرمة في الآنية المسماة المحجورة فيها
- 179 - (3/179)
صفحة 680
لا
الأنبذة، فشربها بجهله أو بعلمه، فهو هالك ولا يسعه جهل ذلك، وكذلك يسعه جهل ولاية من ركب ذلك على علمه بركوبه له، ووقوفه على الأصل الذي قد علم به حرمة ما ركب.
وأما إذا وقف الجاهل لحرمة نبيذ الجر، أو العالم بذلك، على نبيذ أو على شيء في حد النبيذ ليس من الخمر من العنب الرطب والبسر، فذلك ما قد جاء فيه الاختلاف، إذا زايل الآنية التي بها وقع الحجر
فقال من قال: إنه لا يجوز ذلك، وليس للجاهل بذلك أن يقدم الأشربة
عليه، إلا حتى يعلم أنه من الآنية المحلل فيها الشراب، أو أنه من المباحة بوجه من الوجوه، لأن العين التي وقف عليها لا يبلغ بها إلى علم الحلال من الحرام، وقد وقع الإشكال عليه، لأن في دين الله - تبارك وتعالى - ودين المسلمين، أن في الشراب من النبيذ ما هو حرام محجور، وفيه ما هو حلال مباح، وفيه ما هو: مختلف فيه، فلما أن كان ذلك لم يجز الاقدام عليه، حتى يعلم أنه من الأديم الملاث على أفواهه من المعز والضأن، وما أشبه ذلك، ويقف الواقف على ذلك، أو يكون من عند ثقة مأمون في دينه فصل: وقال من قال: ليس له ذلك إلا حتى يقف على الإناء المباح فيه الشراب، أو يكون في يده من يأمنه على ذلك، ولو كان غير ثقة، أنه لا يركب ولا يركبه محرما، فإذا كان مأمونا على ذلك جاز له ذلك
وقال من قال: إذا لم يعلم أنه حرام، ولا وقف على الاناء الذي هو منبذ فيه ومستعمل فيه، وهو مما لا يجوز فيه الشراب، فهو جائز حتى يعلم أنه منبذ أو مستعمل في المحرم من الآنية، ولو كان غير ثقة ولا مأمون، لأن الأصل فيه الحلال المباح الواسع، والعين لا يبلغ بها أبدا إلى معرفة المحجور من المباح، والأصل فيه المباح، والغالب هو المباح من أمور الناس مع صاحب
- 180 - (3/180)
صفحة 681
هذا القول، ومأمونون فيه على دينهم، بمنزلة الأطعمة من الأشياء التي يتهمون الناس فيها في إدخال المحارم. فمتى كان ذلك كذلك، كان كل من الناس مأمونا على ما في يده، ولم يحجر على العين منه ما هو مأمون عليه، وهذا القول معنا أصح في الحكم، لأنا وجدناه لا يبلغ أبدا به إلى معرفة تحريم، بوقوفه على العين
ووجدنا إجماعهم أن المأمون عليه، من هو في يده إذا كان ثقة، ولم نجدهم على الاجماع يحجرونه إذا ركبه الراكب على الأمانة، ولو وافق محجورا على من أركبه إياه، ما لم يعلم الأصل المحجور، ولا نعلم في هذا اختلافا فصل: فلما أن كان من هو في يده مأمونا عليه، إذا كان ثقة بالاجماع، وليس عليه سؤال، وإن كان عليه سؤال وسأل؛ فإنما يسأل عن شيء لا يبلغ إلى معرفة صدقه، إلا بادعاء من قال ذلك، ممن هو في يده، لم يتعر معنا في الأصل أن تكون العين مباحة، إذا عدم معرفة الأصل الذي به حجر. وأما إذا وقف على الآنية التي فيها النبيذ، الذي هو معروف عند أهل العلم به، أنه نبيذ مسكر، وليس بخارج من حد النبيذ إلى حد الخل، الذي عند أهل المعرفة بالخل بأنه خل وعند أهل المعرفة بالنبيذ أنه ليس نبيذا، فإذا وقف على عين النبيذ الذي هو عند أهل المعرفة أنه نبيذ، في الآنية المحجور فيها شرب النبيذ، وقد علم أنه نبذ فيها ذلك النبيذ، فقد وقع عليه سبيل الحجر، إذا علم ذلك الأصل الذي به حرم ذلك، ولو شهد على تحليله على ذلك مائة ألف أو يزيدون، من علماء المسلمين، فلا يجوز له ذلك أبدا
هو
ولا يجوز له ولا يتهم على ذلك أيضا.
فصل: وإذا وقف على النبيذ الذي هو مع أهل المعرفة به أنه نبيذ، في الآنية المباح فيها الشرب في دين الله ودين المسلمين، ولو جهل هو ذلك أنه حلال أو حرام، وقد علم أنه أنبذ في تلك الآنية أو لم يعلم، إلا أنه وجده في
- 181 - (3/181)
صفحة 682
تلك الآنية وفي تلك الأوعية، مع ما كان من الناس ولم يعلم أنه حرام بوجه من الوجوه فيما غاب عنه، وهو مباح له ذلك، ولو كان في الأصل عمل في آنية محجورة، ثم حول إلى الآنية المباحة، من بعد أن صار نبيذا، إلا أن يقول من هو في يده أنه نبذ في آنية محجور فيها شراب النبيذ، فإذا أقر بذلك وهو بعد في ملكه فهو حجة على من أقر معه بذلك، ولا يسعه الاقدام على ذلك ولو جهل حرمة ذلك وجهل حجة من قال بذلك من أهله، فلا يسعه جهل ذلك كله فصل: وأما إذا وقف على النبيذ الذي هو مع أهل المعرفة به أنه نبيذ في الآنية المعروفة، بأنها لا نبيذ فيها، وأنه إنما ينتقل فيها من غيرها من الآنية التي يشرب منها في الوقت متعارف ذلك، فهذا الموضع معنا موضع الاختلاف، ويحسن فيه الاختلاف، لأنه قد وقف على النبيذ، ولم يقف على معنى ما كان فيه أصل النبيذ، ونحب في هذا على السبيل أن لا يقدم على شرب النبيذ إلا من عند ثقة ومأمون على هذه الصفة
•
فصل: وإن كان من عند غير ثقة ولا مأمون، وقد زال عنه معرفة الأصل في الاناء المنبذ فيه ذلك النبيذ، ولم يقف عليه بعينه وأصله، فشرب هذا النبيذ على هذه الصفة، كان معنا قد شرب مباحا، إلا ما قد ذكرنا من الاختلاف وقد بينا ذلك وأما إذا وقف على النبيذ في الاناء، المحجور فيه شرب النبيذ، ولم يعلم أنه نبيذ في ذلك الاناء، وإنما وقف عليه نبيذا في ذلك الاناء فمحجور عليه شربه من ذلك الاناء في الأصل، حتى يعلم أنه أنبذ في غيره
6
فأما هو
"
وحول إليه، من بعد ما وقف، ولم يعلم أنه زاد فيه من بعد أن حول إليه فإن أخبره مخبر ممن هو في يده، أو ممن يجوز قوله عليه وفيه، أنه أنبذ في غير ذلك الاناء من الآنية التي يجوز فيها الشراب، لم يكن معنا في ذلك حجة ولا مصدقا فيه إلا أن يكون ثقة، لأن الأصل الذي وقف عليه فيه فهو محجور
- JAY- (3/182)
صفحة 683
حتى يعلم أنه غير حرام، كما أنه إذا وقف عليه في الآنية الحلال الشرب فيها، كان مباحا من أيدي الكل من أهل القبلة، إلا أن يعلم أنه حرام، وقول من
هو في يده حجة، إذا قال إنه حرام لوجوب الملك عليه فيه كائنا ممن كان
•
وأما هذا إذا وقف على ما يوجب حجره، فلا يطلقه له من سبيل الحجر، إلا من قول ثقة مأمون لا شك في صدقه أنه أنبذ في غير هذا الاناء من الآنية المباحة، وأنه إنما حول إلى هذا الإناء من بعد أن أدرك، وإن لم يرد في هذا الاناء زيادة توجب تحريمه.
فإن رأى من يشرب هذا النبيذ وشربه، وقد وقف عليه في الآنية المحجورة الشرب فيها، إلا أنه لم يعلم أنه أنبذ في تلك الآنية أو لم ينبذ فيها،
هذا
وهو نبيذ قائم العين مع من يعرف أنه نبيذ ومعه هو، إلا أنه غاب عنه من النبيذ، كيف كان أصل نيته فرأى وليا له يركب ذلك ويشربه، على هذه الصفة لم يكن له ترك ولايته، ولا جاز له البراءة منه، وهو مأمون في دينه على
ذلك
وكذلك ليس له أن يبرأ من غير وليه على هذه الصفة، إلا أن يعلم أن هذا النبيذ أنبذ في هذا الإناء، أو في إناء حرام فيه الشرب، لأن هذا مما يحتمل حلاله وحرامه، ومن وجه أنه أنبذ في غير هذا الاناء من الآنية التي يحل الشرب
فيها.
فإذا أدرك تحولها في هذا الاناء، وشربه هذا الشارب وهو حلال، وكلما أمكن عذر الراكب بوجه من وجوه الحق، فلا تحل البراءة منه على هذا الوجه ولا على هذا المعنى، مما هو فيه مأمون عليه في دينه، كل من كان الحق فيه الله - تبارك وتعالى -، وليس فيه حق للعباد ولا حجة للعباد
6
فإذا وقف على
النبيذ المعروف بعينه أنه نبيذ، وقد علم أنه منبذ في ذلك الاناء الفاسد فيها الشراب، فهذا هو الموضع الذي لا يسعه جهله ولا جهل ولاية من ركبه، إذا
- 183 - (3/183)
صفحة 684
من
علم الأصل الذي به يعلم الواقف على عين النبيذ حرمة النبيذ من تحليله، لأنه ليس بالوقوف على العين، ممن يعرف عين النبيذ، ووقوف على تحريم النبيذ تحليله، فمن هنالك لم تكن الحجة تقوم على من وقف على عين النبيذ أنه حرام أو حلال، لأنه لو وقف عليه العالم به أنه حرام مع العلماء بتحريمه، لم يعرفه أنه حلال أو حرام، حتى يقف على الأصل الذي به يكون حراما بعينه، وإنما اختلف معنا الدم والنبيذ، فكان النبيذ مباحا في الأصل، إذا لم يقف على الأصل الذي يكون به حراما مع العالمين به والعارفين بعينه، ولا يبلغ من وقف عليهما جميعا إلا بمعرفة الأصل الذي يعرف الحلال منهما من الحرام والمباح من المحجور، لأن الدم في الأصل حرام غير منتقل بفعل من المخلوقين، إلى حال غيره، ولأنه إنما هو حرام بنفسه لا بنية غيره ولا بفعل غيره، ولأنه لا يقع على الحرام منه أبدا ملك ولا يكون ملكا بيمين، إلا ما كان قائما في الأنعام المباحة الحلال، وهو فيها، فالملك واقع على الأنعام، لا على ملك الحرام، فهذا حرام في الأصل، إلا بعلة تلحقه أفعال الغير، فهو محجور في الأصل لا يحل الاقدام عليه والمقدم عليه، إذا وافق الحرام المجمع عليه بغير حجة يسعه، مما ذكرنا من الشهادة ممن يصح بشهادته التصديق على ما يمكن صدقه في دين الله، فلا مخرج له عندنا من
الهلاك
وهو
معنا هالك
أفعال
من
وأما النبيذ؛ فإن الأصل فيه الحلال للأملاك مما يخرج هو منه، ومما يأتي منه، ولأنه لا يقع عليه الحجر من المشروبات، إلا أن يراد به النبيذ في الآنية المحجور فيها الأشربة، وليس كل العين يقع عليها الحجر، ولا يقع عليها الحجر بالذات والعين، وإنما يقع عليها عند القصد بها إلى الارادة للنبيذ في الآنية المحجور فيها الشراب. ثم هنالك يقع عليها الحجر والأصل أملاك لمن هو في يده، فإذا كان في يد الغير كان ملكا له، وهو حلال لزوال علم الواقف عليه عن الأصل الذي به يقف على تحريمه، ولوجوب الملك عليه ممن هو في
- 1^ {- (3/184)
صفحة 685
يده، فلذلك اختلف القول في النبيذ، وقد بينا ذلك فيما مضى من الفصل فاختلف معنا في ذلك معنى النبيذ من معنى الدم، وإن كان هنالك وقوع
الشبهة فيه، فقد جاء فيه الاختلاف على ما وصفنا، والله الموفق للصواب.
فصل: فإن كان الأصل يراد به النبيذ في الأواني المحجور فيها استعمال النبيذ، فأريد بذلك النبيذ في تلك الآنية وصار نبيذا، فهو حرام لمعنى السكر الحال فيه والنازل به، ولموضع معنى الشراب منه، فما دام السكر قائما فيه وكان مسكرا، فالمسكر حرام على هذا الوجه من هذا النبيذ لا محال، ولا نعلم في ذلك اختلافا بين أهل العدل أنه كان مسكرا، وقد بني على الأصول الفاسدة في الآنية المحجورة، أن ذلك حرام فاسد رجس لا ينتفع به في شراب ولا طعام، ورجس ما مس النبيذ من الطهارات من الأطعمة والأشربة وغير ذلك من الطهارات، إلا ما اختلف فيه من الماء، فقد مضى القول في استثناء ذلك من اختلاف أهل العدل في قليله وكثيره، الذي تحتمل فيه النجاسات ويفسده أو لا يفسده، وسائر ذلك، فهو مفسد له في حاله هذه التي وصفناها، فإذا أريد به الخل بعد أن صار في حد المسكر في هذه الآنية. فتحول عن حال المسكر إلى حال الخل، وزال عنه عين المسكر وحكم المسكر، المحجور لعلته ولمعناه، وصار خلاً في العين مع من وقف عليه من العارفين أنه خل وأنه ليس بمسكر ولا نبيذ، فقد اختلف في ذلك من قول أهل العلم من أهل العدل:
فقال
"
من قال: إن ذلك يتحول إلى الخل، ويصير حلالا طاهرا بالنية التي أوقعت عليه، وأريد بها فيه وأريده لها إذا زال عنه حكم المسكر المحجورة لمعناه لعلته، وتحول إلى حد الحلال المباح في الاجماع أن لو أريد به في الأصل لكان مباحا حلالا، لا اختلاف في ذلك، فلما أن حصل السبب الذي به أبيح؛ زال السبب الذي به حجر وهو المسكر، وإنما تحول إلى حال الخل
- 140 - (3/185)
صفحة 686
بالنية، كما تحول إلى النبيذ المسكر بالنية، وليس هو في الأصل حراما من التمر والزبيب، إلا أن يراد به النبيذ بالنية، في الآنية المحجور فيها النبيذ، وإلا فالأصل ملك حلال ولم يحل فيه نجاسة أفسدته من ذوات النجاسات المائعة فيه، إلا ما عارضه من النية الفاسدة، فكل ما أفسدته النية الفاسدة بعد أن كان ملكا حلالا، وهو قائم العين التي لم يأت عليه من الآفات غير النية التي أفسدته، فكذلك إن حال عن حال تلك النية، كان حلالا وكذلك إذا حال عن حال المحجور المسكر، إلى حال الخل بالنية المراد بها للخل تحول إلى الخل، وقد قيل: يعالج بالشمس أو الماء أو الملح. وإنما يراد بمعالجته تحوله عن حال المسكر إلى حال الخل، فإن تحول إلى حال الخل بغير معالجة مع النية له بذلك، فقد زال عنه حد المحجور وصار إلى حد المباح وهو حلال
وقال من قال: إنه إذا صار إلى حد النبيذ في الآنية الفاسدة فيها استعمال النبيذ فهو حرام، لا يتحول إلى الحلال، والقول الأول أصح معنا وهو قولنا إن شاء الله
لأن المحجور منه المحرم المسكر والمراد به للشرب والنبيذ
ولو أن ذلك المجعول في الآنية من الجرار وغيرها من الآنية التي لا يجوز استعمال النبيذ فيها، ولم يرد به الشراب ولا الخل، وجعل على غير نية في تلك الآنية، كان ذلك حلالا مباحا، لا نعلم في ذلك اختلافا، فكذلك إذا أريد به الخل فهو حلال مباح، وإنما حجر بنية الحرام مع حلول السكر فيه، وإنما منع لمعنى السكر وحرم السكر منه. وقد قال تعالى: {وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقاً حَسَنًا)، فإنما المحجور السكر، وليس الأصل بمحجور.
وكذلك إذا حال إلى غير الحال الذي حجر به فليس بمسكر ولا محجور،
- 1 AT- (3/186)
صفحة 687
وليس هنالك ذات محرمة في الأصل إلا بالنية، فإذا زالت عن حال ا أريد به
من المحجورات زالت أحكام النية عنه
•
فصل: ومعنا أنه إذا حال عن حال المسكر وصار خلا مزيلا للحرام المحجور، نازلا بمنزلة المحلل من المملوكات، فهو من الخل، والخل ليس بمحرم، ونقول إنه إذا فارق حال ما صار به محجورا مما أريد به وقصد إليه به واتخذ له، فزال عن ذلك الحجر، فقد صار إلى حد المباح الحلال، لأنه أملاك ليس بحرام في الأصل، والله أعلم، وذلك معنا على هذا، ولو لم يعالج ولم يرد به الخل، إلا أنه قد صار خلا، فعلى من أراده للنبيذ التوبة من تلك النية، وأن: يتوب إلى الله من تلك المعصية، وقد فارق هذا الخل معنا حال المسكر المحجور، وهذا الذي يبين لنا في هذا، والله أعلم بالصواب، وقولنا فيه قول المسلمين.
فصل: فإذا صار المسكر من التمر والنبيذ والخمر خلا، ونزل بمنزلة الخل، وعين الخل مع من يعرفه، فهو مباح له معنا من عند كل أهل القبلة، إلا أن يعلم أن الأصل كان فيه محجورا، فإذا علم ذلك فهنالك يقع
الاختلاف:
من
ذلك من الخمر وغيره
فقال من قال: إذا رجع إلى حال الخل من جميع الأنبذة، ولو لم يرد به الخل، فقد رجع إلى حال المباح.
وقال من قال: غير ذلك.
فصل: فإن ركبه راكب على جهله بالأصل، وقد صار خلا فهو معنا مسلم مباح له ذلك، ولو كان الأصل في هذا الخل، فقد كان خمرا حراما، ثم صار خلا على غير نية، أو على نية، فذلك كله معنا سواء في حال جهل
المرتكب بأصل ذلك
•
- 187 - (3/187)
صفحة 688
وأما على علمه بأصل ذلك، وتحول ذلك إلى الخل بعد أن كان خمرا أو
نبيذا فاسدا، فقد يجري في ذلك الاختلاف، وقد بينا ذلك.
وقولنا إنه مباح إذا صار إلى حد الخل، وزائل حكم المسكر لمعناه المحجور لسببه، فإن أقدم على ذلك بعلم من أصله، فقد أقدم على مختلف وقد مضى قولنا في المختلف فيه إذا أقدم عليه الجاهل به في غير
فيه وهو سالم موضع
،
، وهذا مثله إن شاء الله
- 188 - (3/188)
صفحة 689
باب الطلاء
والطلاء من جميع الأشياء: من الزبيب والتمر والعنب، وجميع ما يسكر إذا جعل نبيذا، ويكون خمرا إذا اختمر، فقد جاء الأثر المجمع عليه أنه إذا تحول عن حال الخل وحال النبيذ، بالتسمية والصفة والعين؛ فقد صار مباحا بمنزلة الأطعمة والأدوية من غير الأشربة، وذلك أنه يُغلى العصير من ذلك كله، الذي يراد به الطلا، ويطبخ بالنار حتى يرجع إلى الثلث ويذهب الثلثان في الوزن أو الكيل، وإنما قيل حتى يرجع إلى الثلث:
وقد قال من قال: حتى يرجع العشرة إلى ثلاثة، فإذا رجع العشرة من ذلك إلى ثلاثة، فلا نعلم اختلافا بعد ذلك أن هذا حلال مباح، حيث ما جعل من الآنية، وأنه لا يكون مسكرا بعد هذا، وقد خرج منه الأخبثان وبقي الطيب، وكذلك جاء الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل ذلك مما يجمع عليه من القول مع أهل القبلة، وأما أهل العدل فلا نعلم بينهم اختلافا
فصل: وجميع ما كان من الأشربة من غير العنب والرطب والبسر من النخل، أريد به النبيذ في الآنية المباح فيها الأشربة من البر والشعير والذرة والعسل والسكر، وغير ذلك من أنواع الحلال فهو لاحق في الاباحة معنا بالنبيذ من التمر والزبيب، وما كان من ذلك في الآنية المحجورة فيها الأشربة، واتخاذ الأشربة فيها فهو لاحق نبيذ التمر والزبيب فيها، فقد مضى القول في ذلك، وقد يختلف الناس في أشياء من ذلك، وكل ذلك الاختلاف لا يخرج من وجه الاباحة والحجر على ما وصفنا، لا على غير ذلك، وإن
- 189 - (3/189)
صفحة 690
اختلف معاني ذلك، فأصله واحد والقول فيه واحد إن شاء الله
- 14. - (3/190)
صفحة 691
باب
ذكر الفروج وتحريمها وتحليلها بالنكاح
ومما حرمه الله في كتابه وسنة نبيه، وأجمع على تحريمه أهل القبلة لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك، الفروج من النساء والدواب وغير ذلك من الفروج على الرجال، إلا من الأزواج وما ملكت اليمين من النساء للرجال، وليس ذلك من الرجال مما ملكت أيمانهن، من ذلك قول الله - تبارك وتعالى -: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) (1)
للنساء
وقال ذلك في موضع آخر مثل هذا أيضا. فقال تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِف الذين لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ
مما ملكت أيمانكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا .. ) (2)
يمين، أن يصبر ويستعفف عن
ففرض على من لم يجد نكاحا ولا ملك جميع المحارم والمآثم، حتى يغنيه الله من فضله، إنه واسع عليم.
ثم دلهم على ما هو جائز لهم في النكاح عند القدرة عليه منهم، ولم يجعل
10
لهم في ذلك الخيرة من أمرهم، وحدّ لهم في ذلك حدودا لا يسع مجاوزتها إلى غيرها لا يجهل ولا يعلم. فقال تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مَنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَ الَّا تَعُولُوا) (3)
1 - الآيات (5)، 6، (7) من سورة المؤمنون. 2 - جزء الآية (33) من سورة النور
- الآية (3) من سورة النساء.
- 191 - (3/191)
صفحة 692
فأطلق لهم عند الرغبة للتزويج حدا معروفا لا يجاوزونه وهو الأربع نسوة. ثم قال: فإن خفتم ألا تعدلوا على الأربع، فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، إن خفتم ألا تعدلوا على الواحدة من النساء، فيما يجب لها عليكم من الحقوق الواجبة
ثم دلهم على ما يجوز لهم من حل النساء في التزويج والملك، وما يحرم
6
عليهم في التزويج والملك، فدلهم على ذلك كله حتى يعرفوا مواضع ذلك فقال تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) ففي التأويل؛ المعنى في هذا ما قد سلف فهو حرام أيضا لا تفعلونه، لا تنكحوا ما نكح آباؤكم، ولا ما ينكح آباؤكم فيما يستقبل، ويخرج هذا أيضا على المعنى أنه إلا من قد سلف؛ فقد عفا الله عما قد سلف، والمعنى الأول هو أصح، لأنه إنما المخاطبة في المستأنف من نكاحهم.
فصل: ثم قال تعالى: حُرمت عليكم أمهاتكم)، فأجمع أهل العلم أن الأم وأمهاتها ما كن وعلون، حرام كحرمة الأم. وبناتكم؛ فكذلك البنات وبنات البنات وبنات البنين ما كانوا
وتناسلوا، حرام في الاجماع من المسلمين.
الأب
وأخواتكم؛ فجميع الأخوات من قبل الأب والأم، ومن قبل
، ومن قبل الأم فحرام بالكتاب
وعماتكم وخالاتكم؛ فمن أين كن فهن حرام، وعمات آبائك
عماتك، وخالات أمهاتك خالاتك، وما يحرم عليهم في التزويج والملك فدلهم على ذلك كله لأن يعرفوا مواضع ذلك، وبنات الأخ وبنات الأخت) فهن وينوهن وبنو بنيهن ما كانوا وتناسلوا فهم حرام بالكتاب والإجماع.
6
- 192 - (3/192)
صفحة 693
وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم)؛ فالأم من الرضاعة التي أرضعتك،
فهي حرام عليك بالنكاح بالكتاب، وأمهاتها أمهاتك ما كن وعلون بالسنة
والاجماع فصل: (وأخواتكم من الرضاعة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيها أجمع عليه أهل القبلة من قوله: إنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فلحق ذلك بحكم الكتاب، وكان ذلك موافقا للكتاب، ولا يحسن في العقول ولا في المعاني إلا تحريم ذلك في الرضاع، من سائر النساء المحرمات بالنسب، لأنه لما حرم الأمهات والبنات، والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت من النسب نصا، ثم ألحق الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة، بذوات النسب من الأمهات والأخوات، لم يجز إلا أن يكون سائر ذوات الأنساب لاحقات بذلك في التحريم من الرضاع، لأنهن مثلهن ومشبهات لهن، وإذا صح التحريم نصا في الأم والأخت المحرمتين في جملة المحرمات في النسب، ولم يأت في سائر المحرمات بالرضاع نص بالتحليل، لحق ذلك حكم التحريم، ولما أشبه ذلك من المحرم بالنص وسائر المحرمات بالنص في النسب، مثل الأمهات والأخوات من الرضاع لا فرق في ذلك فلما صح التحريم بالرضاع في الأمهات لحق ذلك جميع المحرمات بالنسب وأشبه ذلك بعضه بعضا، فكان ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم، تفسيرا لما هو لاحق بحكم الكتاب في الاجماع؛ أنه ما أشبه المحرم بالنص فهو محرم.
6
فصل: فالتحريم بالرضاع داخل بحكم الكتاب على سائر المحرمات بالنسب والصهر إذا جاز في الأمهات والأخوات في الرضاع، وهما مستويان في جملة المحرمات من ذوات النسب والصهر في قوله تعالى: (أمهاتكم) وأخواتكم وأن تَجمعوا بين الأختين إلا ما قد سَلَفَ)، وكان النسب والصهر متساويين في المحرمات، وكان حكم الكتاب داخلا في الأخوات من
- 193 - (3/193)
صفحة 694
الرضاع جميع المشبهات المحرمات بالكتاب من ذوات الأنساب والصهر، بأحكام الرضاع بالسنة، كما ثبت في الكتاب تحريم الأم من الرضاعة والأخت من الرضاعة، وكان ذلك كله في التحريم سواء، لا فرق في ذلك، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ما هو ثابت في حكم الكتاب أن لو لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه نص، فالاجماع من أهل العلم على أن التحريم داخل على المشبه للمحرمات بالنص، ما لم يأت في السنة لذلك نص بتحليل، فثبت ذلك بحكم الكتاب والسنة والاجماع بما هو ثابت في أحكام ذلك جميعا.
ثم قال: (وأمهات نِسَائِكُم)؛ فذلك محرم من الأم ولو لم يدخل بالابنة، لأن ذلك مبهم، فإذا تزوج بالابنة ورضيت به زوجا حرم عليه أمهاتها، وأمهات أمهاتها من النسب والرضاع.
وقال: {وَرَبَائِبكُمَ اللات في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم). فكان ذلك على الشريطة بعد الدخول، فإذا تزوج الرجل بالمرأة، ورضيت به زوجا ثم طلقها قبل الدخول وقبل أن ينظر إلى فرجها، أو يمسه بيده أو بفرجه، فلا. يحرم ذلك عليه بناتها ولا بنات بناتها ما كن، فإذا كان منه أحد ذلك، فوطئ أو نظر إلى فرجها على الاستحلال للنظر إليه بالتزويج، أو مس بفرجه أو بيده فرجها، عليه بناتها وبنات بناتها وبنات بنيها من النسب والرضاع، ما كانوا وتناسلوا كانوا في حجره أو لم يكونوا في حجره، وكانوا عنه معتزلين خارجين من
فقد
حرم
حجره، وإنما خاطب الله بذلك على ما يستدل به أن الربائب كن في الحجور
،
وقد يكن في غير الحجور، وقد تكون الربيبة قد تزوجت وبانت، وقد يكون يولد للمرأة بعد أن طلقها وتزوجت بعد ذلك، وربيت في غير حجره، وكان ذلك في حجر أبيها، فقد حرم عليه ما ولدت قبل ذلك التزويج، وما ولدت بعده من النسب والرضاع بالكتاب والسنة والإجماع، لا نعلم بين أهل
- 192 - (3/194)
صفحة 695
العلم في ذلك اختلافا.
ثم قال: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم)؛ فكان هذا خاصا في حلائل الأبناء من الأصلاب، ردا من الله - تبارك وتعالى ـ، لقول من غاب على النبي صلى الله عليه وسلم تزويج امرأة زيد لما قضى زيد منها وطرا، وكان زيد من النبي بالموضع المكين، حتى كان يسمى ابنه في الادعاء من الألفاظ من الناس. ولم يكن ابنه لصلبه، فبين الله ذلك في غير موضع من حكمه، فقال تعالى: وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) (1).
فأباح - سبحانه - أزواج الأدعياء، وحرّم أزواج الأبناء من الأصلاب، ولم يكن استثناؤه هذا في أزواج الأبناء من الأصلاب موضعا للاباحة لنساء الأبناء من الرضاع، وإنما كان هذا نفيا منه للزوم الأبناء من الأدعياء، في الأحكام في شيء من الحلال والحرام، فلو لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة في التحريم من الرضاع ما يحرم من الأنساب، ما حسن إلا أن يكون الابن من الرضاع لاحق بالابن من النسب، إذا كانت الابنة من الرضاع لاحقة في التحريم بالابنة من النسب.
كذلك زوجة الابن من الرضاع محرمة، كما محرم زوجة الابن من النسب، إذا كان ابنا مسمى مشبها للابنة وللابن من النسب في المحرمات. وفي الاسم، فزوجة الابن من الرضاع والنسب، إذا تزوجها ابنه من الرضاع أو النسب، فرضيت به زوجا، فلو لم يدخل بها فقد حرمت على أبيه من
الرضاع أو النسب، إذا تزوجها ابنه من النسب في المحرمات وفي الاسم
،
وعلى أبي أبيه وأجداده ما كانوا وعلوا من الرضاع أو النسب، ولو لم يدخل بها
الزوج، لأنها مرسلة مبهمة
1 - الآية (4) من سورة الأحزاب.
- 190 - (3/195)
صفحة 696
وكذلك قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء)؛ فإذا
تزوج الرجل امرأة، دخل بها أو لم يدخل بها، فقد حرمت على بنيه من النسب
والرضاع، وعلى بني بنيه وبني بناته، ما كانوا وتناسلوا من الرضاع والنسب لأن ذلك مطلق مبهم قوله: ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ)؛ فالنكاح هاهنا التزويج، وهو عقدة النكاح مع رضاء المرأة، فإذا حصل ذلك فقد وقع الملك والحجر في الأحكام والمواريث، أن لو ماتت أو مات عنها، وكما أن الصداق ونصف الصداق أن لو طلق فقد وقع حكم الزوجية والملك، وعلى ذلك أجمع أهل القبلة، لا نعلم بينهم اختلافا، أنه إذا تزوج الرجل بالمرأة،
ورضيت به زوجا تزويجا جائزا، ثم مات أو ماتت أن لها منه الميراث
وقد قال الله - تبارك وتعالى -: (وَلَكُمْ نِصْفَ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ)؛ فلا يستحق الميراث إلا زوجة، والنكاح مع الرضاء يوجب الزوجية، وهو
عقدة التزويج.
0/
فصل: وقد قال الله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ المؤمِناتِ ثُمَّ طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدة تعتدونها) (1) فقد صح الوجوب للنكاح، واسم النكاح بغير دخول من
95.00
الزوج
، وقد صارت منكوحة لمن نكحها، ولا نعلم في هذا اختلافا ثم قال تعالى: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأَخْتَينِ إِلَّا مَا قَد سَلَفَ؛ يعني وأن تجمعوا في النكاح بين الأختين، على نسق قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤكم من النساء إلا ما قد سَلَفَ؛ وقوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لكم العقد من النِّساءِ؛ فكان هذا نسقا لقوله بالنكاح، فإن النكاح هو بالتزويج، وحرّم عليهم أن ينكحوا ما نكح آباؤهم، أي أن لا يتزوجوا
6
ما تزوج آباؤ هم فكان حجر النكاح
هاهنا تحريم العقدة
لما
منهم
1 - جزء الآية (49) من سورة الأحزاب.
-197 - (3/196)
صفحة 697
عليكم نكاحه، إذ قال تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مَنَ النِّسَاء)؛ فكان النكاح هو التزويج، والعقد عليه، فكان ذلك محجورا ممن حرم الله نكاحه، ولو لم يطأ الناكح المتزوج، فإن كان العقد نفسه يقع به الحجر، كما وقع به عقد الحلال
من
كذلك يقع به وجوب الضلال، لأنه لو كان حلالا كان يجب به الزوجية الحجر والوطء والمواريث والصدقات. وكذلك بنفس العقد والقصد إليه بالنكاح، محجورا على العلم بما حجر عليه من المحرمات عليه. من ذوات النسب والصهر والرضاع؛ بقوله تعالى: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأختين)؛ فالجمع يقع بنفس العقدة للتزويج، لا نعلم في ذلك اختلافا، أنه لو عقد له التزويج معا بأختين لبطل نكاح الجميعتين، ولو رضيتا أو رضيت به إحداهما، فكان الحكم واقعا بالعقد في التحريم، والتحليل كذلك واقع بالعاقد والمعقود عليه، على ما لا يجوز ولا يحل من الاثم، والتعدي لحدود الله، إذا فعلوا ذلك على العلم، وكان قوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين؛ مطلقا في الأختين، من جميع الأخوات من النسب من أي وجه كان، ومن الرضاع، لقوله تعالى: (وأخواتكم من الرضاعة)؛ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، مع الاجماع على التحريم بالسنة، والصحيح أنه لا يخرج الرضاع في هذا من النسب.
وقوله تعالى: إلا ما قد سلف)؛ يعني وما قد سلف، فهو محرم عليكم أيضا، ولو كان في حين نزول الآية أحد جامع بين أختين ما جاز له أن يقر على ذلك، ولا يجوز هذا في الأحكام بعد نزول الحكم في الحرام على التأبيد إلى غير غاية، ولا نعلم أن للنكاح غاية إلا الموت أو الطلاق، فهذا باطل أن يجوز هذا إلا أن يكون وما قد سلف. كذلك قال بعض أهل التأويل
وهو جائز صحيح.
- 197 - (3/197)
صفحة 698
وقد يجوز في المعنى أن يكون قد عفا عنهم عما قد سلف من أمرهم، من غير أن يجوز أن يثبت لهم حكما قد حرمه على الفاعل في المستقبل، لما قد سبق من فعله، هذا ما لا نعلمه يجوز في أحكام كتاب الله، ولا سنة رسوله ولا في الاجماع في الدين، والله أعلم
•
ولا يخرج هذا معنا إلا أن يكون عفوا عنهم مما مضى أن لا يعاقبهم عليه، أو على المعنى في الاعراب أن إلا تقوم مقام ما، كما قد قال الله - تبارك وتعالى -: لَا يُحِبُّ الله الجَهَرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ؛ المعنى على ما قيل في التأويل، وهو صحيح، إلا من ظلم يعني ومن ظلم أيضا؛ فلا يحب الله منه الجهر بالسوء من القول ولو ظلم، فهذا وأمثاله مما قد قيل فيه في التأويل؛ إن ما تقوم مقام إلا، ومن تقوم مقام إلا
وقوله تعالى: (إن الله كان غَفُورًا رَّحِيما)؛ عما كان منهم مما كانوا يأتونه في جهلهم وفي بعض أيام الاسلام، قبل أن ينزل التحريم في النكاح والتحليل، فكان الله لهم عن ذلك غفورا رحيما
فصل: ثم قال تعالى: (والمحصنات من النساء)؛ يعني وحرم عليكم المحصنات من النساء في النكاح، والمحصنات من النساء هاهنا، من ذوات الأزواج المتزوجات، فكل امرأة منكوحة متزوجة قد وقع عليها حكم الزوجية ورضيت بزوجها، ووجب عليها حكم نكاحه، فهي حرام على غيره من الرجال بالنكاح، أو بما ملكت اليمين فلا يجوز نكاح ذات بعل متزوجة؛ من أمة أو حرة، ولا وطؤها بملك يمين ما دامت في ملك زوجها، وهي حرام على سيدها أن يطأها بملك اليمين، ومحرم عليها النكاح غير نكاح بعلها، التي هي زوجة له وهو زوج لها، فنكاح ذوات البعولة من النساء حرام بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع أهل العدل من المسلمين
6
- 198 - (3/198)
صفحة 699
وأما قوله تعالى: إلا ما ملكت أيمانكم)؛ فقد قيل في ذلك
باختلاف:
فقال
من قال: والمحصنات من النساء)؛ أي ذوات البعولة؛ إلا ما ملكت أيمانكم؛ أي وما ملكت أيمانكم أيضا من ذوات البعولة، فهو حرام عليكم وهو صحيح في التأويل، وهذا مثله؛ قوله تعالى: (إلا ما قد سلف)؛ فقوله إلا ما ملكت أيمانكُمْ؛ يعني وما ملكت أيمانكم أيضا من
ذوات البعولات، فهو محرم عليكم بوطء اليمين، حتى يحل فرجها بموت زوجها أو بطلاق، وهذا تأويل يخرج على الانفراد في حجر الفروج من الاماء على السيد ما كانت ذات بعل، ثابت نكاحه عليها في الاجماع، من أهل العدل من جميع أهل القبلة
•
6
فصل: وقال من قال: في قوله تعالى: إلا ما ملكت أيمانُكُمْ) يعني في ذلك مما قد حرم، مما نصه عليهم كله، ثم عطف على قوله تعالى: والمحصنات مِنَ النِّسَاءِ تماما لما حرم من المحرمات، في جمل قد أكملها من التحريم في النكاح، وكان هذا آخر ما حرم من المحرمات في النكاح والتزويج، ثم أطلق بعد هذا التحريم، وما قد قص عليهم من الحجر فوق الأربع في النكاح، وفي نكاح الواحدة في الاثم إن خافوا ألا يعدلوا، فأطلق لهم مع خوفهم ألا يعدلوا في التزويج ما ملكت أيمانهم، كذلك أطلق لهم ما ملكت أيمانهم من غير ما حرم الله عليهم، من هذه المحرمات من النكاح والمملوكات، فأراد بقوله تعالى: إلا ما ملكت أيمانكم) أي أنه أحل لهم ما ملكت أيمانهم، ولو لم يكن هناك نكاح منهم بعد ما حرم عليهم، وبين لهم أنه حرام عليهم في النكاح
كذلك بين لهم أنه حرام عليهم فيما ملكت اليمين، فأراد بذلك تبارك
- 199 - (3/199)
صفحة 700
وتعالى أنه حرام عليهم في ملك اليمين، جميع ما حرم عليهم في النكاح؛ من ذوات النسب والصهر والرضاع والجمع بين الأختين، وذوات البعولة مما ملكت أيمانهم، فكل ذلك محرم عليهم في الوطء بملك اليمين، كما هو محرم عليهم في النكاح، فأحل لهم ما ملكت أيمانهم، ولو لم يكن نكاحا، قام لهم الملك لما ملكت أيمانهم مقام النكاح والتزويج، وإنما بين لهم أنه حرم عليهم في الأملاك من المحرمات، مثل ما حرم عليهم في النكاح والتزويج، وهذا قول يخرج على صحيح من التأويل، يجتمع عليه جميع أهل العدل، أنه يحرم من الملك في الوطء ما يحرم من النكاح؛ من النسب والصهر والرضاع
والجمع. وقال من قال: إلا ما ملكت أيمانكم)؛ يقول: وحرم عليكم من النساء بالنكاح والوطء بملك اليمين، جميع ما حرم عليكم، والمحصنات من النساء مما ملكت أيمانكم وغيره، إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا، من المشركين من ذوات البعولة في الشرك، لأنه إذا صارت للمسلمين وحلت للمسلمين بملك اليمين؛ انقطعت عنها عصمة التزويج من أهل الشرك، وحرم عليها زوجها المشرك، وكانت حلالا للمسلمين بملك اليمين، وهذا يصح أيضا على الوجه مع أهل العدل، وفي إجماعهم أن المشرك إذا أسلمت زوجته أو صارت في حكم ملك المسلمين، انقطعت عصمة زوجها من أهل الشرك عنها، وحلت للمسلمين، فكل هذه الأقاويل جائزة خارج كل منها على الصواب، على الانفراد بقوله، وتحت كل قول من هذه الأقاويل فائدة، يخرج في الاجماع في معناها على الانفراد بحكمها إن شاء الله
قول
فصل: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها لا الصغيرة على الكبيرة ولا الكبيرة على الصغيرة وذلك محرم مفرق بينهم، وذلك مما يصح حكمه في كتاب الله بالسنة، بمعنى تحريم الجمع بين الأختين.
6
- 200 - (3/200)
صفحة 701
ومعنى تحريم الأخت، فلما أن صح تحريم الأخت نصا من النسب والرضاع، وصح تحريم العمة والخالة نصا من النسب والرضاع كذلك، لا يجوز أن يجمع بين النساء ما يحرم عليه هو، من ذوات محارمه من النسب والرضاع، بمعنى تحريم الجمع بين الأختين، ولمعنى تحريم أمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم من طريق الصهر، فلما أن صح هذا كله صح أنه
"
لا يجوز له الجمع بين ذوات المحارم، كما لا يجوز له أن يتزوج ذوات المحارم بالدلالة من كتاب الله على شبه ذلك في معناه، والمراد به، مع تصديق ذلك
من قول رسول الله. مع الاجماع على ذلك من أهل القبلة، لا نعلم بينهم
في ذلك اختلافا.
فلما أن صح هذا بالاجماع عليه من أصول الدين، بالاطلاق والنص، في أن لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، صح في الاجماع أن عمة أبيها وعمة جدها، وما كان من عمات آبائها، فهي عمة لها كما كانت أمهاتها، ما كن وعلون أمهات لها، كذلك عمات آبائها وعمات أمهاتها وخالات آبائها وخالات أمهاتها على هذا النحو، فهن عمات لها وخالات لها، كما أن عمات آبائه وعمات أمهاته وخالات آبائه وخالات أمهاته عمات له وخالات، ومحرمات عليه من النسب والصهر والرضاع، وكل ذلك حرام بالاجماع والسنة
والكتاب، والسنة والاجماع لاحقان بالكتاب، ولا نعلم في ذلك اختلافا
وقوله تعالى: إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم)؛ المعنى في
ذلك كتب الله عليكم هذا الذي قص عليكم، من تحريم المحرمات في النكاح، وقد بين ما حرم عليهم من استباحة الفروج، وفرض عليهم في حفظ فروجهم، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، ثم كتب عليهم أن
هذا الذي قصه عليهم محرم عليهم، ولو كان ذلك بالتزويج وملك اليمين،
فهو محرم عليهم لا يحل لهم ذلك، بنكاح ولا ملك يمين ولا غيره
•
- 201 - (3/201)
صفحة 702
فصل: ثم قال تبارك وتعالى: (وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَاء ذِلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين)، فالاحصان هو التزويج مما أحل الله، مما عدا هذا الذي قد بينه وقصه، وحجره عليهم بالملك وغير الملك والسفاح كل ما عدا النكاح والملك باليمين، مما أحله الله بالنكاح والملك، فما يأتي بغير نكاح ولا ملك فهو سفاح، والسفاح هو الزنا، والزنا هو موجب للحد في الدنيا، والوعيد والعذاب في الآخرة
وقال الله - تبارك وتعالى -: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن
فريضة) وقال تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)
وقال لنبيه: وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج) (1)، فلم يحل الله - تبارك وتعالى ـ الفروج من الحرائر، بالهبات منهن لأنفسهم في شريعة دين نبينا إلا له في امرأة واحدة لا نعلم غيرها، وسائر ذلك فإنما كان يتزوج بالولي والصداق والشهود، وكانت سنته ذلك في التزويج.
فصل: وقد قال أهل العلم في قول الله - تبارك وتعالى ـ لا نعلم بينهم اختلافا، وقد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم: إن الفريضة عليهم التي فرضها الله عليهم في النكاح؛ إذن الولي في التزويج أو تزويجه بنفسه بحضرة الزوج المتزوج، أو وكيل من قبله، أو من يتزوج عليه، ويقبل ذلك له بعقد التزويج، بلفظ يعرفه المزوج والشهود والمتزوج ويعقلونه، مما يراد به التزويج، ويثبت به معاني التزويج، وإن اتسعت ألفاظ الخلق في ذلك، بفريضة من الصداق، تكون عوضا للمرأة، ولا يقع على غير عوض من
1 - الآية (50) من سورة الأحزاب.
- 202 - (3/202)
صفحة 703
الفرائض، بشاهدين من أهل الاقرار بالدين، الذي يثبت حكمه على الزوج
والمرأة، وأقله في ذلك رجلان منهم أو رجل وامرأتان
،
6
أقل ذلك، ولا يجوز هذه القواعد
أقل من هذه القواعد الأربع في التزويج، ورضاء المرأة
الأربع بالتزويج، بعد التزويج في أكثر القول.
فصل: وقال من قال: ولو رضيت قبل التزويج، ثبت عليها ذلك وجاز، والقول الأول أصح معنا، وكله يجوز ويخرج.
كذلك التزويج مع شاهدين واحدا بعد واحد، ولا يحضر الشاهدان
جميعا، فقد اختلف في ذلك:
فقال
من قال: يجوز ذلك
وقال. من قال: لا يجوز إلا أن يكون التزويج مع الشاهدين جميعا في حضرتهما، وكل ذلك جائز، والأربع اللواتي لا يجوز التزويج إلا بهن، تزويج الولي أو عن إذنه، ومتزوج أو من يقوم مقامه، ولفظ في ما يراد به التزويج ويعقد به، مما يعقل لمعنى ذلك، ويثبت به، وحضرة الشاهدين كذلك التزويج على الانفراد أو الاجتماع، وأجمعوا أن هبة الفرج نفسه حرام، لا يجوز من حرة ولا مملوكة، وأما إذا صار له ملك المملوكة بأي وجه يقع به الاملاك، من ميراث أو شراء أو هبة أو. أو وجه من الوجوه التي يقع بها الاملاك، وكانت خارجة من جملة ما حرم النساء الله عليه، من اللواتي سمّى الله - تبارك وتعالى -، في مجملات المحرمات، ولم يعلم أنها من المحرمات عليه، فإنها له حلال بملك اليمين، بعد كمال سنه الاستبراء لفرجها.، فيما يجب عليه فيه الاستبراء، مما لا يختلف فيه من الدين، فهذا ما فرض الله عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم.
سبي
ولا نعلم في هذا اختلافا من قول أهل العدل، فإذا أتى فرجا على غير
- Yor- (3/203)
صفحة 704
هذه الشرائط، بملك أو بنكاح، فلا يجوز ذلك معنا، فيما عليه إجماع أهل
العلم
معنا
من أهل العدل
وإن وقع التزويج وعقد التزويج على غير عوض، ولا فريضة مسماة، فإنه لا يثبت أحكامه إلا بثبوت العوض، فإن طلق قبل الدخول وجب العوض عليه بالمتعة، وإن وطئ قبل الاتفاق على الفريضة، ثبت العوض في الاجماع وإن اختلف فيما ثبت من العوض، فإن الاجماع على ثبوت العوض، وإن مات ثبت العوض بالميراث في الاجماع، وقد اختلف في العوض بعد الميراث، وإن ماتت هي فلا عوض للورثة، وللزوج الميراث، ولا نعلم في
ذلك اختلافا
- Y.E- (3/204)
صفحة 705
باب
ذكر الفروج والنكاح والقذف
، ما لم يعلم
وجاء الأثر المجمع عليه من قول أهل العدل من المسلمين، أن الفروج مباحة مطلقة بالنكاح الحلال، والملك الثابت الجائز لها بالملك به، الراكب لها أو يصح معه أن ذلك الفرج الذي قد استحقه بالنكاح أو صح بالملك، حرام بوجه من الوجوه التي حرمها الله في كتابه أو سنة نبيه، أو إجماع المسلمين من أهل العدل، لأن الله - تبارك وتعالى - ما حرم من المحرمات بأنسابهن وصفتهن من الصهر والرضاع وذات البعل.
ثم قال تعالى: وأُجل لكُم مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)؛ بالنكاح والملك، لا بغير ذلك من السفاح والزنا والغصب، ولا يجوز ذلك في محرم النكاح والملك ولا في مطلق بالملك والنكاح أبدا، والمرتكب المحرم بالملك في النكاح في دين الله بالزنا والسفاح؛ مرتكب الحجرين محرمين، كلاهما ارتكاب المحرم بالنكاح والملك، أن لو كان ملكا صحيحا ونكاحا صحيحا، ما حل به المحرمات، فركب ما لا يحل بالنكاح ولا بالملك بغير ملك ولا نكاح، على التعمد للعلم بذلك
والزاني بذوات المحارم التي حرمها الله في النكاح، إذا زنى بذات محرم منه، بعلم منه بذلك أنها ذات محرم منه، ولو جَهل ما يلزمه في ذلك أو علم بذلك، فحده في ذلك في قول أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا، أن يقتل بالسيف؛ محصنا كان أو بكرا، لأنه ركب ما لا يحتمل ولا يحل له على حال من الحال.
- 205 - (3/205)
صفحة 706
والزاني بغير ذات محرم منه، قد يحل له ذلك بالملك، والتزويج أن لو
كان ذلك
وكذلك إذا تزوج ذات محرم منه مما يجمع عليه، فإذا تزوجها ووطئها
6
وهو يعلم بذلك أنها ذات محرم منه بمعرفة النسب والصهر، وما به تحرم عليه فإذا وطئ على ذلك، وهو جاهل أو عالم بالحرمة، إذا علم بالحرمة؛ إذا علم ما تجب به الحرمة فركب على ذلك ووطئها، فالحد عليه في ذلك القتل
بالسيف
كذلك جاء الأثر المجمع عليه من قول أهل العدل، لا نعلم بينهم
اختلافا في ذلك
•
وإذا عقد على نفسه التزويج بذات محرم منه، وهو يعلم بذلك بالنسب أو الصهر أو الرضاع أو البعولة، وجهل ذلك أو علم ذلك، فهو هالك بالدخول في عقد النكاح ظالم بذلك، لا يسعه جهل ذلك ولو لم يطأ الفرج، ولا نظر إليه ولا مسه بيده ولا بفرجه، فبنفس العقد على نفسه، قد
وقع في المحجور الحرام
6
وكذلك المنكح إذا علم بذلك من المحرمات من النسب والصهر والرضاع، وذوات البعولة، وجميع ما حرم الله في كتابه أو سنة نبيه، أو إجماع أهل العلم من المسلمين، فإذا علم المتزوج أو المزوج والشهود على التزويج، بأصل ما يحرم به النكاح، فدخلوا في عقد التزويج، بعلم منهم بحرمة النكاح، أو بجهل منهم بحرمة النكاح، فهم هالكون بذلك من حين ما يدخلون فيه
وكذلك المرأة إذا علمت بأصل ما يحرم به النكاح فرضيت بالتزويج على ذلك بعلم منها بحرمة النكاح، أو بجهل منها بحرمة النكاح، إذا علمت
- 206 - (3/206)
صفحة 707
بالأصل، فلا عذر لها في ذلك، وهي هالكة بذلك من حينها، ولو لم يدخل
بها الزوج إذا رضيت بالنكاح، وأثبتته على نفسها، والرضى منها بذلك مهلك لها، ولا نعلم في هذا اختلافا، لأن العقد الذي قد دخلوا فيه هو الأصل المحل للحلال، الموجب لأحكام النكاح، من إباحة الفرج ووجوب الصداق أو المتعة أو المواريث، فلما أن كان هذا العقد حراما، ما لم يحل أن يعقد في دين الله عقدا حراما بجهل الحرمته ولا بعلم لحرمته، والجاهل والعالم بذلك سواء، وكل ذلك جائز بائن، والعالم أشد إثما وأعظم جرما، إذا تعدى على معاصي الله بعلم ويقين
فصل: وكل من جهل الأصل الذي به تقع الحرمة من زوج ومزوج أو شهود أو امرأة، فدخل في عقد صحيح، في حكم دين الله في حكم الظاهر، وغاب عنه علم ما تقع به الحرمة من الأنساب والأصهار والرضاع، وغير ذلك من المحرمات، ولو كان سائر الداخلين، عالمين بذلك، فلا يضر الجاهل بذلك علم العالمين من زوج أو زوجة أو مزوج أو شهود، وكل مسئول في هذا عن علمه، وهالك بجهله بما لا يسعه جهله إذا وقف على علم ما لا يسعه
جهله
فصل: ولو دخل في مباح في ظاهر الحكم في دين الله مع أهل العدل من المسلمين، وهو لا يعلم أحلال ذلك أم لا، فوافق حلالا لموضع ما غاب عنه من علم ما تجب به الحرمة فهو سالم محق، لأنه وافق ما هو له مباح من زوج أو مزوج أو زوجة أو شهود، لأن علم ذلك من المحرمات والمحللات من جميع المناكح مما يسع جهله ما لم يركبه بعد علمه بالأصل الذي يجب به التحريم، أو بتولي راكبه بعد علمه بالأصل الذي يجب به التحريم، وبعد علمه بأن راكبه الذي ركبه عالم بالأصل الذي يجب به التحريم، أو يبرأ من العلماء إذا برثوا من راكبه على هذه الصفة أو يقف عنهم برأي أو بدين على هذه الصفة، فإذا
- 207 - (3/207)
صفحة 708
كان منه أحد ذلك، كان هالكا وحل محل الهلاك، وكان عليه الدينونة له ذلك بالسؤال، للخروج مما قد دخل فيه من الهلاك، وكان جميع من عبر حجة عليه وقبل ذلك لم يكن حجة عليه علم ذلك ولا شيء منه، ما لم يبلغ إلى علم ذلك بأي الوجوه بلغ إلى علمه، أو تقوم عليه الحجة بعلم ذلك من علماء المسلمين الذين تقوم بهم الحجة فيما يسع جهله، ولا كان عليه الدينونة بالسؤال عن شيء من ذلك مجملا ولا مفسرا إلا ما يلزمه من الدينونة بالسؤال مجملا، عما يلزمه السؤال عنه من أمر دينه، فإن اعتقاده للسؤال في جملته عن جميع ما يلزمه السؤال عنه داخل فيه جميع الدينونة بالسؤال عما دخل في الجملة من دينه، كما كان إقراره بالجملة إقرارا بجميع دين الله، وكما كان علمه بما يلزمه في الجملة، علما منه. بجميع دين الله الذي تعبده بعلمه، ما لم يلزمه شيء من ذلك بعينه، يلزمه العمل به والانتهاء عنه، فيضيع ذلك اللازم، أو يركب شيئا من تلك المآثم والمحارم، فهنالك يخصه السؤال عن ذلك بعينه بالدينونة حتى يخرج منه بعينه، وحتى يؤديه بعينه، وقد مضى في هذا الوصف ما في بعضه كفاية إن شاء الله
فصل: ولو رأى مثل محمد بن محبوب أو موسى بن علي؛ رجلا قد جمع بين امرأة وأمها وابنتها بعقدة واحدة، وأقام عندهن، وهو عنده قبل ذلك في الولاية، أو في حد الوقوف ما جاز له أن يبرأ منه، على ذلك، ولا يقف عن ولايته حتى يعلم أنه عالم بذلك وبنسبهن، فإذا علم ذلك أنه عالم بالنسب الذي تقع به الحرمة في ذلك، ثم أقام بعد ذلك على هذا النكاح، أو شيء منه ولم يفارقهن من حينه كلهن، فإنه يلزمه هنالك أن يبرأ منه، كانت له ولاية متقدمة أو لم تكن له ولاية.
ولو أن موسى بن علي أو محمد بن محبوب لما عاينا ذلك من الراكب لذلك، برءا منه، أو علم هو أنه مرتكب لما حرّمه الله عليه في علمه، كان
- YA- (3/208)
صفحة 709
قد أتى بذلك كبيرة، ولو كان الراكب لذلك في علم الله قد أتاه وهو يعلم أنه حرام عليه، لكان الراكب لذلك هالكا في دين الله، والمتبرئ منه على ذلك هالكا، وكذلك الواقف عن ولايته بدين على ذلك، يكون هالكا في دين
الله
ولو أن موسى بن علي أو محمد بن محبوب لما أن عاين ذلك من راكبه، وأعلمه بذلك أنه جامع بين امرأة وأمها وابنتها، فلم يصدقه على ذلك، وأقام على نكاح نسائه، وهو ممن يعلم منزلة موسى بن علي ومحمد بن محبوب إلا أنه لم يصدق الواحد منهما، إذ لا تقوم بالواحد في الشهادة الحجة، ما جاز لموسى بن علي ولا لمحمد بن محبوب، أن يقف عن ولاية وليه ذلك، ولا يبرأ منه على ذلك، وإن وقف عن ولايته أو بريء منه على ذلك بدين فهو هالك
فصل: ولو أنه إذا أعلمه بذلك قال؛ أنا عالم بذلك ولكني لم أعلم أن ذلك علي حرام، لكان قد أقر بما يجب به عليه البراءة، لأنه قد أقر أنه راكب محرما بجهله بحرمته، فافهموا الفرق في ذلك
ولا تقوم في هذا الحجة في الشهادة، إلا شهادة شاهدين ذوي عدل ممن تجوز شهادته، على ذلك الراكب من أهل دينه أو من المسلمين، ولو عاينه يأتي بالوطء عيانا أمه أو أخته، ولا نعلم أمتزوج بها أو ليس بمتزوج بها عالم بنسبها، أو ليس بعالم ما جاز له أن يقف عن ولايته، ولا يبرأ منه حتى يعلم أنه يأتي ذلك بعلم منه بنسبها، فإذا علم ذلك فقد قامت عليه الحجة بأنه قد ركب ما لا يحل له بنكاح أو بغير نكاح، وقد لزمه هنالك البراءة منه، إذا علم أن ذلك يلزمه فيه البراءة، وذلك مما يسع جهل كفره في جميع المناكح، ما لم يركبه أو يتولى راكبه كما وصفنا بعد العلم، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه بدين أو برأي، بعد العلم منهم بذلك منه
- 209 - (3/209)
صفحة 710
فصل: ولو عاينه يطأ امرأة في الطريق، أو في موضع ليس بمنزله ولا موضع منه، واستبرأ به في ذلك، وهو لا يعلم أن تلك المرأة امرأته ولا جاريته، وهو يعرف المرأة أو لا يعرفها، ما حل له أن يقف عنه ولا يبرأ منه على ذلك، حتى يعلم أنه يأتي ذلك بغير ملك أو تزويج، فإذا علم أنه يأتي ذلك منها بغير ملك أو تزويج، فهنالك تحرم عليه ولايته بالدين، فما لم يتوله بدين أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه، أو يقف عنهم من أجل ذلك بعلم منهم بذلك برأي أو بدين فهو سالم مسلم بذلك إن شاء الله
،
فصل: وكذلك لو جهل الزنا ومعرفة حرمته، مما يسع الناس جهله ما لم يركبوه، أو يتولوا راكبه على علم منهم بأصله الذي به يوقف على علم حرمته، أو يبرأوا من العلماء إذا برثوا من راكبه أو يقفوا عنهم برأي أو بدين إذا برثوا من راكبه بعد علمهم بأصله الذي به يعرف حرمته، ولو كان الزاني مرتكبا في علم الله لما يعلم أنه حرام، وعاين ذلك من عاينه منه، ولو لم يعلم كيف يأتي ذلك، أبتزويج أم بغير تزويج ولا ملك، فلا يسع العالم منه ذلك أن يبرأ منه، ولا يقف عنه بدين، كان الراكب عالما أو ضعيفا، كان الواقف على الزاني عالما أو ضعيفا أو جاهلا، فلا يسع ذلك في دين الله - تبارك وتعالى ـ، إلا أن يعلم أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك، فإذا علم ذلك أنه يأتي ذلك الفرج، الذي هو ليس من ذوات المحارم منه بغير نكاح
من
ولا ملك، لم يسع الجاهل حينئذ أن يتولاه بدين، ولا يبرأ من العلماء إذا برثوا
منه على ذلك بعلم منهم بذلك، فإذا كان ذلك الفرج من ذوات المحارم منه،
،
6
وعلم أنه عالم بأنه عالم من ذوات المحارم منه، لم يسعه حينئذ أن يتولاه بدين. ولو لم يعلم أنه يأتيه بغير نكاح ولا ملك، لأن النكاح في ذلك سواء، وهو
حرام عليه
فصل: وإذا علم العالم بزنا الزاني أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك،
- 210 - (3/210)
صفحة 711
ثم سمع من يبرأ منه على ذلك من العلماء ولا يعلم أنهم يعلمون منه أن يأتي ذلك بغير نكاح، أو لا يعلمون، فإذا علم هو منه ذلك، ولم يعلم أنهم جاهلون بذلك منه، فبرئوا منه على ذلك فليس له أن ينكر على المتبرئ منه
تلك البراءة، إذا علم هو. أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك، وأنه يأتي ذلك حراما، إذا عاينوا منه ذلك الذي عاينه منه، وعرفوا منه مثل الذي عرفه منه، ولو كان وليا له على ذلك، لأنه قد علم أنهم قد علموا منه مثل ما علم منه، ولو برثوا منه على ذلك، وهم لا يعلمون أيأتي ذلك بنكاح أو ملك، أو بغير نكاح ولا ملك، وقد عاين منه هود ذلك، وعلم أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك، فعليه أن يتولاهم على ذلك، وليس له أن يقف عنهم بدين
ولا برأي، إذا كانوا علماء، وقد خانوا الله في دينهم إذا برئوا منه بغير علم
6
وإن وقف عنهم في ذلك أو برئ منهم، وقد علم هو أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك، ولا يعلم منهم أيعلمون مثل علمه أو لا يعلمون، فهم مأمونون على ذلك، لأنه يمكن أن يعلموا منه مثل الذي قد علم، وقد صح معه هو ما تجب به البراءة منه، وقد قامت عليه الحجة بعلمه ذلك، لأنه مخلوع عنده
في الحكم فيما يدين به، ولا حجة له على من علم كعلمه في الظاهر.
فصل: وليس له هو إذا علم أنه يأتي ذلك حراما بغير نكاح ولا ملك، أن يبرأ منه مع من قد علم أنه يتولاه، أو مع من ادعى ولايته ممن يمكن أن يتولاه بحق بوجه من الوجوه، فليس له أن يبرأ منه مع من قد علم أنه يتولاه، فهنالك يجوز له أن يبرأ منه معهم، ولو علم أنهم قد علموا منه ذلك الذي قد عاينه حتى يعلم أنهم قد علموا أنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك، وأنه يأتي ذلك حراما، أو مع من ادعى ولايته، فإن بري منه معهم على غير ذلك، فهو هالك في حكم دين الله، حتى يعلم أنهم قد علموا منه كعلمه في الوجهين جميعا، من معاينة الركوب، وعلم الأصل الذي به تجب البراءة.
- YII- (3/211)
صفحة 712
وكذلك إن علم أن المتبرئين منه الواقفين على معاينة الركوب، غير عالمين بأصل الحرمة التي بها يجب الكفر، ولو عاينوا الركوب، فإذا علم أنهم غير عالمين بأصل الحرمة، التي بها يجب الكفر، لم يسعه أن يتولاهم على ذلك بدين، كانوا علماء أو ضعفاء أو جهالا، لأنهم إذا برثوا منه بوقوفهم على ارتكابه لما لا يعلمون حرمته بعلم ممن علم منه وبحرمته، فقد علم أنهم أتوا محجورا في الأصل وكفرا، وقالوا كذبا وزورا، ولا يسعه أن يحملهم على علمه فيما لا حجة لهم فيه، وقد علم أنهم قد انخلعوا في دين الله ببراءتهم منه
بغير حق.
وإن كان هو غير عالم بأنه يأتي ذلك بغير نكاح ولا ملك، أو بنكاح أو ملك إلا أنه جاهل بذلك، ثم عاين منه ذلك، وعاين منه ذلك معه أحد من أوليائه الذين يتولاهم المعاين من العلماء، أو الضعفاء من المسلمين أو من غير المسلمين ممن لا يستحق عنده ولاية، فعاينوا ذلك منه جميعا، وهو لا يعلم أنه يأتي ذلك بالوجه الحرام، وقد غاب عنه علم ذلك، فلا يجوز له أن يبرأ منه على ذلك، فإن برئ منه أولياؤه على ذلك، وهو ولي له ـ أعني الراكب ـ وقد علموا أنه يتولاه، أو هو ممن تجب ولايته في حينه على أهل الدار، فعليه أن يبرأ منهم على ذلك لأنهم حاكمون في ذلك بغير حجة لهم، ولأنهم أتوا محجورا في ظاهر الأمر، مما لا حجة لهم فيه مع من يتولاه، لأنهم لو قالوا بعد ذلك، مائة ألف أو يزيدون.، من بعد أن برثوا منه على ذلك، أيأتي ذلك بغير حق بوجه من الوجوه، ما قبل منهم ذلك، وكانوا مخلوعين مع من يتولاه على ذلك، ولو كانوا في علم الله في ذلك من الصادقين، لكانوا عند الله في دينه بذلك من الفاسقين، إذ حكموا بغير حجة تصح في دين الله، وحكموا لأنفسهم بدعواهم على خصمهم، ولا يجوز ذلك في حكم الاسلام، لأن هذا مما هو مؤتمن عليه في دينه ولا حجة لأحد عليه فيه، إلا أن يعاينوا ذلك منه،
وهم
- 212 - (3/212)
صفحة 713
على وجه التغلب منه على الفروج، والقسر منه للمرأة وهي تنازعه وتنكر عليه، وتمتنع منه ذلك، وتدعي عليه أنه يأتي ذلك منها بغير حجة، بلا ملك ولا نكاح، فإذا ادعت عليه ذلك، وأنكرت عليه ذلك، ولم يعلم هو أنها كاذبة في ذلك أو صادقة، فقد قامت الحجة عليه بإظهار النكير منها عليه، إذا كانت ممن له الانكار، وممن ينكر عن نفسه من البالغين الذين ينكرون الأحكام على أنفسهم، ويغيرون ذلك، فإذا كان كذلك ولم يعلم كذب المدعي من صدقه، ولم يوضح وليه على ذلك حجة،، أو ينته. ذلك عن قيام الحجة عليه من المرأة، فقد أتى محجورا في الأصل، وعليه البراءة منه حتى يأتي في ذلك ما يخرجه من البراءة، لأنه قد ركب بعد النكير عليه ما لا حجة له
، بعد
فصل: فإن انتهى بعد أن قامت عليه الحجة بالنكير، وقامت عليه الحجة في ذلك، فلم يأت بعد قيام الحجة عليه، ما هو محجور عليه في الأصل، إلا ما كان يأتي قبل ذلك فلا يكفر بذلك عند من عاين منه ذلك بالفعل الأول، قبل أن تقوم عليه الحجة من المرأة بالنكير، الذي هو حجة لأن إظهار النكير من المرأة في ذلك حجة عليه، إذا ركب بعد قيام الحجة، وترك النكير حجة، ولو كانت تمانعه على ذلك وتدافعه، ولا تدعي عليه في ذلك حراما ولا مأثمها، إلا أنها تمتنع عنه في ذلك، لم تقم عليه بذلك حجة في الحكم، لأنه يمكن أن تكون امرأته أو جاريته، وتمنعه ما هو له، ولا حجة في ذلك تقوم عليه إلا أن تقول؛ لا حق له علي في هذا بملك ولا نكاح، أو تمتنع
منه، فتحتج عليه في ذلك بحجة حق، فيدفع حجة الحق منه وتطلب المنع.
،
ويركب ما ليس له حجة في دين الله، بعد قيام الحجة عليه، أو بعد أن تدحض حجته، فإنه يكون بذلك كاذبا هالكا في حكم الظاهر، ولو كان محقا في السرائر ولو كانت هذه المرأة في علم الله أنها زوجته أو جاريته، وقد أقامت عليه الحجة بما لا حجة له فيه، ثم تعدى بعد قيام الحجة عليه، أو بعد
6
- 213 - (3/213)
صفحة 714
أن بطلت حجته عند أهل الحجة القائمين عليه بذلك، ممن قام عليه بذلك م
الله عليه، فإنه يكون بذلك هالكا في حكم دين الله حجج
،
فصل: ولو ادعى عليها الزوجية أو الملك، وأنكرت ذلك وامتنعت منه عن ذلك، فغلبها على نفسها، ووطئها على ذلك، ولم تطلب منه الحجة في ذلك إلى من حضرهما ممن تقوم عليه الله الحجة أن ينصرها عليه، إلا أنه ادعى عليها ذلك، وأنكرته، فلم تمتنع ذلك ولم تنتصر منه، ثم وطئها على ذلك، كان قد أتى محجورا في الأصل مما يكون فيه محجوجا في دين الله بقولها إذا ادعت عليه ذلك، وكان قوله باطلا، وكان المدعي الزوجية أو الملك فلا يصح في الاجماع البراءة منه، لأنه يمكن ما يقول هو، ويمكن ما تقول هي، وقد ادعى ما يمكن وأنكرت هي ما يمكن كذبها فيه، ولم تدع أنه يغصبها نفسها، ولا يأتي ذلك منها حراما، وإنما تمنعه ذلك وتدعي أنها ليست زوجته، وهو يدعي الزوجية أو الملك، وهي تنكر ذلك، فقد قامت عليه الحجة منها بالدفع بدعواه، ويحتمل في هذا معنا ولايته والبراءة منه، والوقوف
6
عنه حتى يمتنع ما يجب عليه من الحجة، عند القائمين عليه بالحجة الله في ذلك
الأمر
،
الذي قد ظهر منه
•
ولو قام بذلك الأمر عليه الله من الناصرين لدين الله في ذلك الأمر الذي قد ظهر منه يهودي أو نصراني، أو أحد من المتعبدين بدين الله أن ينصروه، فأقام عليه الحجة الله في ذلك، فامتنع أن يترك ذلك حتى يصح له في دين الله دعواه، وحكم نفسه في ذلك، وامتنعت حجة الله عليه في ذلك لمن قامت عليه، كان بذلك هالكا معنا في حكم الظاهر، إذا أتى ذلك. عليه ممن احتج عليه من المحتجين من المتعبدين بدين الله، ولو كان في سريرته صادقا، كان في دين الله في حكم الظاهر منافقا فاسقا
بعد قيام الحجة
فصل: ولو قام عليه بذلك صبي غير متعبد بدين الله، ولم تقم عليه
- YIE- (3/214)
صفحة 715
الحجة
من
من إنكار المرأة إلا ما يدفع من دعواه، لم يبن لنا أن يكون بذلك محجوجا في حكم الظاهر، وكان على الحكم الأول معنا من الولاية له والبراءة والوقوف، لأنه محجوج في قوله المرأة، متى قامت عليه الحجة عند الحاكم وعند أهل الاسلام، كان مدعيا، وكانت هي المصدقة عليه، فصار في الأصل مدعيا لما يأتي من ظواهر الأمر المحجورة عليه، حتى يصح ما يدعي وإذا ارتكب محجورا في ظاهر الأمر، لا يكون فيه مؤتمنا على قوله، ويكون محجوجا في أصل ما دخل فيه، وأمكن صدقه وكذبه، لحقه حكم الاختلاف الولاية والبراءة والوقوف معنا بمنزلة القتل المحجور، والأمور المحجورة والفروج المحجورة التي يمكن فيها الحق والباطل والكذب والصدق، فإذا أتى شيئا محجورا يمكن فيه كذبه وصدقه وحقه وباطله، وهو في الحكم مؤتمن على ما يدعي لا يكون على ما يدعي، لا يكون أحد في ذلك عليه حجة، وإنما كل من عارضه في ذلك الأمر، وادعى عليه أنه فيه مبطل أو مخصوم، كان خصما له في ذلك مدعيا عليه، وكان هو المدعى عليه، وفي جميع ما كان من الأمور على هذا الوجه، فهو مؤتمن عليه أبدا، ما لم يعلم باطله، أو تقوم عليه الحجة ممن ادعى عليه، ولا يلحقه في ذلك حجة مدع ممن ادعى عليه، ولو عاينه يطأ هذه المرأة، وهي لا تغير عليه ذلك ولا تنكر، ومطاوعة له على ذلك، ثم ادعت بعد ذلك أنه غصبها نفسها، وقد وطئها على ذلك كانت مدعية عليه في الحكم، لأنه رآها مطاوعة له في ذلك، فليس لها حجة في النكير بعد المطاوعة في حكم الظاهر، ولا يلحقه لها حجة من طريق الصداق في حكم الحق، مع من عاين ذلك منه، فإن ادعت ذلك عليه بعد ذلك الوطء، فجحد ذلك ووطئها بعد ذلك الانكار، والدعوى التي ادعتها عليه وأظهرتها إليه، فإنه يكون بهذا الوطء الآخر هالكا، ولو كان عند الله
صادقا
ولو كان على القول الأول كاذبا، ولم ينكر عليه ذلك في حين ما يجوز
- 215 - (3/215)
صفحة 716
النكير، وإنما أنكرت بعد أن بطلت الحجة بترك النكير، كان بذلك. حكم الظاهر، ولو كان عند الله كاذبا ظالما
- YIT- (3/216)
صفحة 717
باب
ذكر الوطء والفرق بين الفروج والأموال
وأما الفروج فإذا وطئ فرجا في موضع ما هو معه أنه حلال له من ملك أو تزويج على فراشه، وفي مواضع ما يذهب إليه أنه ملك له، ولا نعلم غير
ذلك
،
الأموال
وطئ
فقد اختلف في ذلك:
فقال
من قال: إنه لا يسعه من الفروج في مثل هذا، ما يسعه في هالك وهو بموافقة تلك الجثة، لأن تلك الجثة عليه حرام، لأنها معروفة عنده وعند غيره أنها عليه حرام، والأملاك ليست كذلك، فهو وإن ء تلك الجثة على فراشه وفي موضع فراشه ومنزله، وخانت الله تلك الجثة أو لم تخن، أو كانت ناعسة أو مجنونة، ولم يعلم هو و بذلك فهو غير معذور، وهو. هالك، وليس له أن يواقع تلك الجثة التي هي عند الله وعند من عرفها، وعنده هو أن لو وقف عليها بعينها حرام عليه، ولا ينفعه في هذا مواضع الأملاك، لأنها لو امتنعت وأنكرت، كانت في الأصل لا حجة له عليها، وعلى هذا القول فما لم يتب من ذلك بعينه، أو ينساه فيتوب في الجملة فهو هالك، وما ذكر ذلك ولو كان في حكم دين الله، دائنا بالتوبة من جميع معاصيه، فلن يجزئه ذلك حتى يتوب من ذلك بعينه، أو ينسى ذلك فيتوب في
الجملة
وقال من قال: إنه لا يسعه ذلك في تلك الموافقة، إلا أنه لم يأت ما هو
محجور عليه في الأصول، وإنما هو أصل فراش له، فتجزئه التوبة في الجملة
6
إذا كان ذلك عنده داخلا في جملة حلاله، وإذ هو دائن بأنه لا يأتي ذلك
- YIY- (3/217)
صفحة 718
إلا حلالا. والقول الأول أصح عندنا في أحكام الفروج، والله أعلم. ولا نعلم أن أحدا قال: إن مواقعة ذلك الفرج له حلال، إذا سكن قلبه إلى ذلك أنه ملك له، أو زوجة له، وإذ هي على فراشه، لأن أحكام الفروج في هذا ليس بمنزلة أحكام الأملاك الداخلة حكمها في أملاكه، وغير معروفة العين من أملاكه بأنها غير أملاكه، فافهموا هذا الباب في الفروج والأملاك، فإن الفروج في هذا غير الأموال
فصل: وقد قال الله - تبارك وتعالى -: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم
تعلمون) (1)
وقال تعالى: (يا أيها الذينَ آمَنُوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلمها فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله
يسيرا) (2).
وأكل أموال الناس بالباطل من الكبائر، وأكل الربا ولو كان عن تراض
،
من المتبايعين؛ من الكبائر، وأكل أموال الناس بالباطل على وجوه. مختلفة فما عدا الحلال وجوه المحللات في كتاب الله وسنة نبيه؛ فهو باطل من ووجوه الحلال من أموال الناس، قد ثبت حكمها في دين الله - تبارك
وتعالى -، من كتابه وسنة نبيه وإجماع المسلمين، ورأي أهل العلم من الصادقين؛ الذين لا يكونون في رأيهم للدين مفارقين، بل يكونون لأحكامه
موافقين.
1 - الآية (188) من سورة البقرة. 2 - الآيتان (29)، (30) من سورة النساء
- YIA- (3/218)
صفحة 719
فمن ذلك؛ المواريث الواجبة في أحكام كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين، ورأي أهل العدل، كل ذلك قد ثبت في أحكام المواريث، وهو وجه من وجوه الحلال في دين الله، وواسع في دين الله، وعلم المواريث بأجمعها مما يسع الناس جهله ما لم يركبوا من ذلك مخالفا لكتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع المسلمين في حيازة ميراث يخالف هذه الوجوه من أحكام المواريث، أو حكم حاكم من حكام العدل في ذلك، ولو كان الحكم فيما يختلف فيه من رأي المسلمين، فحكم الحاكم مختلف فيه، وهو ممن يجب حكمه على الرعية، من أئمة العدل الثابتة لهم الامامة في أعناق المسلمين، وحكامهم الذين يحكمون بالرأي من ولاة أمورهم، فما لم يخالف أحد بجهله أحد هذه الوجوه في المواريث، فهو سالم إذا جاز ما لا يخالف أحد هذه الوجوه، ما لم يأت حال يكون فيه خصمه منازعا له يطلب منه الانصاف، في اختلاف المسلمين إلى أحكام أهل العدل، فليس له أن يحوز مالا بميراث، يختلف فيه على غيره، ولغيره فيه في بعض رأي المسلمين ما له في الاختلاف، فيكون في ذلك حاكما على خصمه لنفسه إذا دعاه في ذلك إلى حكم أهل العدل فصل: وكذلك إذا مانعه ذلك وحال بينه وبين ذلك بالمنع، لم يكن له أن يقاتل على مختلف فيه في رأي المسلمين، إلا أن يكون المال في يده، وحيازة في حكم هذا أن يمانع بغير محاربة يسفك فيها دما، أو ينتهك فيها محرما، إذا علم أن خصمه يجوز له في الأصل مما يجوز له، فإذا سلم العبد من دين الله في أحكام المواريث، فهو واسع له جهل ذلك، ما لم يركب محرما في دين الله، على علم منه بأصل حرمته التي بها يعرف حرمته مع العلماء به وبدين الله، أو يتولى راكبا لذلك، أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكب ذلك بدين أو برأي، أو يقف عنهم برأي أو بدين، من أجل ذلك، أو بتقول على الله في حين جهله ذلك، ما يخالف أحكام دين الله، أو يحكم على أحد في
مخالفة
،
- 219 - (3/219)
صفحة 720
من
ذلك بمخالفة دين الله، أو يعين على ذلك على علم منه بأصل ذلك، فإذا كان منه أحد هذه الوجوه؛ كان هالكا، وكان عليه الدينونة بالسؤال عما يلزمه في ذلك، وكان كل من عبر له ذلك من المعبرين، حجة عليه في ذلك، فإذا وافق العدل. من ذلك، فأخذ ما هو له من المواريث، الثابتة في أحكام دين الله، ورأي العلماء بوجه ما هو جائز له في حكم دين الله، كان له ذلك واسعا، وله أخذه برأي نفسه، وبما حسن في عقله، أو أخبره بذلك صبي الأطفال، أو جاهل من الجهال، أو مشرك من أهل الانكار، أو فاسق من أهل الاقرار، فأخذ حقه الذي قد فرضه الله له، وأوجبه له في هذا الميراث، برأي نفسه، أو بقول أحد من هؤلاء الذين وصفنا، كان ذلك حجة له في دين الله، وكان على جميع الخلائق السمع له والطاعة، وليس لأحد أن يخالفه من عالم أو حاكم أو خصم إذا أخذ بما لا اختلاف في ذلك، ولو لم يُفْتِه بذلك مفتي من أهل العلم، وأفتى بخلاف ذلك ممن ينسب إلى العلم، وهو من العلماء المشهورين مع أهل زمانهم في العدل، ما كانوا في ذلك حجة، وكان قولهم في ذلك باطلا لا يجوز، وكان من اتبعهم على باطلهم ذلك هالكا، ضامنا لما أخذ بقولهم في ذلك، مخالفا لأحكام دين الله، ولو كانوا مائة ألف أو يزيدون، من أمثال موسى بن علي ومحمد بن محبوب، وحاشاهم من ذلك
- 220 - (3/220)
صفحة 721
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - عقيدة
------------------------------------------
العنوان: الاستقامة
المؤلف: محمد بن سعيد الكدمي أبو سعيد
تحقيق: محمد أبو الحسن
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1405ه/ 1985م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 3
الكلمات الدالة: أحكام فقهية، فقه الإباضية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=546&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/218
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 08 صفر 1447ه/ 03 - شهر 08 - 2025م. باب
ذكر القذف
وكذلك القذف لأهل القبلة من الرجال والنساء بالزنا، حرام من الكبائر، وجهل ذلك واسع ما لم يركب ذلك الجاهل، أو يتولى راكبا أو يبرأ من العلماء، إذا برئوا من راكب ذلك أو يقف عنهم برأي أو بدين.
فمن قذف بالغا من الرجال والنساء بالزنا، فهو كافر بذلك، ولو لم يكن للمقذف ولاية فالقذف بالزنا محجور مع كل أهل القبلة، لجميع أهل القبلة، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا أن قاذف المحصن من الأحرار البالغين من أهل القبلة أنه هالك، مع جميع من قذفه إلا مع من قد علم
كعلمه فيه من أهل القبلة
،
فصل: ولو كان القاذف للحر من أهل القبلة، إنما قذف عند من لم يعلم كعلمه فيه من العبيد، أو جميع من تعبده الله بدينه من أهل الاقرار
بالجملة، بتحريم
القذف للمحصنات
من الرجال والنساء الأحرار من أهل
الاقرار.
وأما قذف العبيد من أهل الإقرار مع أهل الاقرار، فقد قيل في ذلك
باختلاف:
فقال من قال: إنه يهلك بذلك ويبرأ منه من حينه
وقال من قال: يستتاب من ذلك، فإن تاب وإلا برئ منه، وأما إذا قذف العبد من أهل الإقرار الحر من أهل الإقرار، ففي ذلك
- YYI- (3/221)
صفحة 722
أيضا اختلاف:
فقال
من
قال: يبرأ منه من حينه
وقال من
قال: يستتاب، فإن تاب وإلا برئ منه
وإذا قذف الحر أو العبد الحر أو العبد، من أهل الولاية بالزنا، فهو هالك بذلك يتولاه، ولا اختلاف في ذلك إذا علم أنه يتولاه، أو من
كانت ولايته واجبة في حينه ذلك على أهل الدار.
وإذا قذف العبد أو الحر من أهل الإقرار الحر أو العبد من أهل الشرك:
فقد قيل في ذلك باختلاف:
فقال
من قال: يبرأ منه من حينه
وقال من قال: يستتاب، فإن لم يتب برئ منه.
أن أحدا وأرض أهل الإقرار هم أهل الإقرار في الحكم، حتى يصح منهم أهل إنكار، ولا يحل قذفهم، والقاذف لهم مع نفسه، من أهل الدار مخطئ، وعليه التوبة من ذلك بعينه، ولا يسعه غير ذلك
•
وأما إذا سمع من يقذفه من لا يعرف، أهو من أهل الإقرار الأحرار، أم من العبيد أم من أهل الإنكار، فلا يجوز أن يحكم عليه بحكم الكفار المفارقين لأهل الإقرار، حتى يصح معه ذلك بما لا يشك فيه، لأنه يحتمل أن يكون المقذوف عبدا أو يهوديا أو نصرانيا، أو من أهل الذمة من سائر أهل الشرك، ولا يجوز أن يحكم على غيره في مثل هذا، إنما يحكم على نفسه من الكفر، إذا احتمل له مخرجا من الكفر إلا بعد الاصرار، وحتى يدخل فيما يختلف فيه، ولا يجوز القذف بالزنا في أحد من المحصنات، ولا المحصنين؛
- 222 - (3/222)
صفحة 723
من الرجال والنساء، من جميع المتعبدين بدين الله - تبارك وتعالى -. فصل: وإذا قذف الصبيان من أولاد أهل الولاية، فهو كافر من حينه، إذا علم أن لهم ولاية عند من قذفهم، أو كانت ولاية آبائهم واجبة في حينه على أهل الدار، كان الصبي حرا أو عبدا، كان القاذف حرا أو عبدا، إذا كانت للصبي ولاية من قِبَل أبيه. وأما أمه فقد اختلف في ذلك: من قال: يثبت له الولاية بولاية أمه، كما تثبت له الولاية بولاية
فقال
وقال من قال: لا يثبت له ولاية بولاية أمه، ولا يحمل المختلف فيه على حكم الاجماع. وولاية الصبي بولاية أبيه، لا نعلم في ذلك اختلافا من أهل
العدل
وأما قاذف الصبي بالزنا، إذا لم تكن له ولاية من قبل أبيه، من أولاد أهل الإقرار وأهل الإنكار، فذلك مما يختلف فيه:
قال: إنه كافر بذلك من حينه لأنه كاذب لا محال من
فقال
وقال من
قال: حتى يصر على ذلك، ولا يتوب.
والقول الأول أحب إلينا.
فصل: وقذف أهل الاقرار بالزنا، مع العبيد من أهل الإقرار، أو مع الأحرار البالغين من أهل الإقرار ممن لا يعلم من المقذوف كعلم القاذف، ولو كان صادقا في سريرته، فإنه بذلك كاذب، مخلوع في دين الله في علانية حتى يتوب. وكذلك الاختلاف معنا في القذف في العبيد والصبيان وأهل الشرك، إنما يبين لنا هذا إذا قذف القاذف لذلك، مع من يدين بتحريم ذلك
- 223 - (3/223)
صفحة 724
من أهل القبلة، وأما إذا كان القذف. مع
أهل الذمة، ممن لا يدين بتحريم ذلك، أو مع الصبيان الذين لا يتعبدون بذلك في دين الله، وكان القاذف بذلك صادقا في سريرته، فلا يبين لنا أنه يكفر بذلك، لأنه لم ينزل بمنزلة ينخلع بها من الإسلام مع المحرمين لذلك، ولا هو كاذب في الأصل فيكفر
بكذبه، وإنما يكفر بالقذف معنا
ذلك من يدين بتحريم مع
6
من
أهل
الإقرار، ولو لم يكن المقذوف عنده يعلم حرمة ذلك، إلا أنه في الأصل يدين بتحريم ذلك في جملته، لأن جميع أهل القبلة يدينون بتحريم ذلك، ولا يحله
أحد
منهم
فيما علمنا والله أعلم
ذلك
فصل: وإنما يكون كاذبا في العلانية ولو كان صادقا في السريرة، إذا قذف بالزنا مع من يُحرّم القذف بالزنا من الدائنين بذلك، ولو جهل ذلك المقذوف عنده، لأن أصل ما تعبده الله به مما أقر بالدينونة به بتحريم وإنكاره، فليس بجهله لما يلزمه في دينه تزول أحكام تحريم القذف عنده، وأهل الانكار لا ينكرون ذلك، ولا يدينون بتحريمه، فيما يتعبدون به، وأما إذا كان كاذبا هو في سريرته، فهو كاذب بذلك على كل حال، ويكفر بذلك من حينه، في جميع من قذف بذلك من الخليقة، لأنه كاذب على كل حال، كذبا يحقق به الباطل، وليس ذلك من الكذب الذي لا يهلك فيه حتى يصر ولا نعلم في ذلك اختلافا
،
وأما. من قذف أحدا من أهل الإقرار، ممن لا يعادي ولا يوالي بمكفرة من المكفرات غير الزنا، مما يمكن أن يكون صادقا في ذلك، ويمكن أن يكون كاذبا في ذلك، ولا يعلم القاذف معه كذبه من صدقه:
فقال من قال: إن ذلك من صغائر ذنوبه ويستتاب من ذلك، فإن تاب وإلا برئ منه، لأنه أقدم على البراءة ممن لا يصح كفره مع القاذف معه، وليس له الاطلاق بالبراءة ولا بالقذف، لمن لا يصح كفره مع المتبرئ منه،
- YYE- (3/224)
صفحة 725
أو القاذف له بالكفر، وإنما يطلق البراءة والقذف ممن استحق ذلك علم كعلمه في المقذوف
،
مع من
منه،
وقال من قال: إذا لم يكن المقذوف تجب ولايته على أهل الدار في حينه ذلك كافة، ولا يسع جهل ولايته؛ في ذلك الموضع الذي قذف فيه أو برئ فلا يلحق المتبرئ ولا القاذف في ذلك تبعة، إلا أن يعلم القاذف والمتبرئ أن الذي يبرأ منه معه، أو يقذفه معه يتولى المقذوف والمتبرأ منه، فإذا علم ذلك فبرئ منه معه، أو قذفه بكفر. معه، فقد هلك في دين الله، ولو كان صادقا في سريرته، ولو جهل ذلك المقذوف عنده والمتبرئ منه عنده، في حكم القذف والبراءة ولا يزيل جهل الجاهل المتولي لحكم ما يجب في دين الله، ما قد وجب، والقاذف لذلك كافر، ولا المتبرئ منه
کافر عند الله في حكم دينه
،
فصل: وليس لمن سمعه من الجاهلين لذلك أن يتولاه، وقد سمعه يقذف وليه بالكفر، أو يبرأ منه، وقد تولاه بالحق في دين الله، إذا علم ما يجب به كفر القاذف، وهو أن: يكون الدار محكوما على أهلها بولاية المقذوف في حين ذلك أو يعلم أنه يعلم أنه يتولاه، ولو لم يكن أهل الدار محكوما عليهم بولاية المقذوف أو المتبرأ منه، فإذا وقف الجاهل على أصل ما يكفر به القاذف، من الأحكام التي بها يهلك القاذف في الإسلام، لم يسع الجاهل ولايته على ذلك، وكان هو هالكا بذلك في علانيته، ولو كان صادقا في سريرته.
وكل من نزل بمنزلة ينخلع بها عن الإسلام في دين الله في الظاهر، فهو عند الله في دينه كافر، في حكم العلانية والسرائر، ولا يجوز أن يكون أبدا كافر العلانية مؤمن السريرة، ولا كاذب العلانية صادق السريرة، هذا ما لا يجوز أبدا أن يكون مؤمنا كافرا، ولا صادقا كاذبا، ولا بارا فاجرا،
- YYO - (3/225)
صفحة 726
فمن حيث لحقه حكم الكفر في دين الله بوجه، زال عنه حكم الايمان في دين الله من جميع الوجوه، وكذلك الصدق والكذب والبر والفجور.
فصل: وسواء جهل ذلك من وجب عليه التعبد بذلك في دينه الذي
يُقربه، أو علم ذلك، فأحكام الله لا تتبدل لجهل جاهل، ولا لعلم عالم
وإذا حرم على الجاهل ولاية المحدث، بوجه من الوجوه في دين الله هلك المحدث في دين الله - تبارك وتعالى -
والقاذف للمسلمين أهل الولاية في دين الله
6
6
فقد
الله، أهل دين مع
القائمون في ذلك بما يدينون بتحريمه، ولو كانوا مخالفين في غير ذلك من الحق، غير أنهم مقرون في ذلك الوجه بما يدينون بتحريمه من الصواب
الله
من
والقاذف لأحد. أولياء الله في دين الله، مع من يتولاه بحق في دين بوجه من وجوه الحق، ولو كان لسائر ما يدين به، تاركا أو مخالفا للحق أو منتهكا في هذا الوجه، حجة الله على من برئ من وليه ذلك معه، والمتبرئ هو كافر ببراءته من ولي الله، مع من يتولاه في دين الله، ولو كان المتولي له على طاعة الله بوجه من الوجوه، فاسقا منافقا ممن ينتهك ما يدين بتحريمه، في غير هذا الوجه الذي قد قام به، من ولاية هذا الولي في دين الله
وكذلك لو كان من أهل الخلاف من الروافض أو المرجئة، وكان في الأصل قد تولى هذا الذي قد تولاه، بحكم حق في ظاهر الأمر، الذي يسعه في دين الله ولايته بوجه من الوجوه، فإذا تولاه بوجه من وجوه الحق، التي يجوز له ولايته به به، ثبتت عليه ولايته به في دين الله، فالقاذف لذلك الولي مع من يتولاه من أهل النفاق على هذه الصفة، وعلى هذا الميثاق، من الفجار الفساق، ولو كان في علم الله في سريرته قد اطلع على ما به يدعي، وصادق به ذلك الولي، فإنه عند الله بذلك كاذب
مع
الله في علمه، فيما قد قذف
- 226 - (3/226)
صفحة 727
شقي، إلا أن يتوب، ولو جهل ذلك من يتولى الولي، أنه لا يحكم عليه ببراءة لبراءته ممن قد والاه، وأما إذا علم القاذف أو المتبرئ من هذا الذي يتولاه هذا المتولي، أن هذا المتولي يتولاه بغير حق، بعلم أو بجهل، بدين أو
برأي، وهو في أصل دينه يتولى هذا الرجل بغير الحق، وعلم بذلك القاذف والمتبرئ، فلا حجة لمبطل في دين الله، وليست تلك ولاية واجبة في دين الله، وعلى المتولي لذلك المتولي أن يتوب من ولايته تلك، وكيف يكون حجة على من قام بالحق في دين الله، وأما إذا قام بالحق في دين الله في تلك الولاية، ولو كان في سائر دين الله مبطلا، ولسائر حقوق الله معطلا، فهو حجة فيما قد قام به من دين الله في موضعه هذا، ولا نعلم في ذلك اختلافا
واذا كانت ولاية هذا المتولي لهذا المتولي يحتمل في دين الله بوجه من وجوه الحق، أن يكون صوابا في دين الله وفي حكم الحق، فعلم بذلك المتبرئ أو القاذف وادعى ذلك المتولي مع المتبرئ أو القاذف، وكانت ولايته له تجوز بوجه من وجوه الحق، ولم يصح أنه تولاه بباطل، لا يجوز في حكم الدين، فما لم يصح في ذلك فالحجة حجة المتولي، والقول قوله، والقاذف والمتبرئ محجوج مخلوع في دين الله، إلا أن يصح مع المتبرئ والقاذف؛ أن المتولي هالك بولاية المتولي، ومتوليا له على ما يجوز منه البراءة والولاية له، فبرئ منه المتبرئ، ولم يقذفه بالكفر بعلم من المتولي لذلك، من ركوب المحدث لذلك الحدث، فإذا صح) ذلك معه بعلمه، لم يكن المتولي عليه حجة فيما بينه وبين الله، ولا يجوز أن يقذفه مع من يتولاه، وينكر عليه قذفه مع المسلمين،
الذين يوجبون عليه الانكار لذلك الاظهار، إذا أنكر عليه حجة الله
الظاهرة، حتى يصح على ما يدعي من ذلك أن المتولي تولاه بغير حق
ولو كان المسلمون يبرأون ممن يبرأ منه الذي برئ منه عندهم، وعند
هذا المتولي، ويعلمون صدق ما يقول، فلا يجوز له أن يبرأ منه عندهم عند
- YYY- (3/227)
صفحة 728
للمقذوف
أهل دين
من يدعي ولايته، ولا يصح عليه أن تولاه باطل، فلا يسعه ولايته عليه، لأنه ينزل بمنزلة ينكر عليه ذلك أولياؤه، إذا أنكر عليه ذلك المتولي، لأنه قد أقام عليه حجة الله بالنكير، وعلى المسلمين أن يقوموا عليه في ذلك بالتغيير، وليس لهم أن يدعوه فيما يكون به قاذفا في دين الله، مع الله إذا أنكر عليه ذلك أهل دين الله، فيما يكونون فيه محقين في حكم الله، ويكون لهم الحجة في حكم دين الله لأنه ليس له أن يكون حاكما لنفسه، فيما يدعي على خصمه وعلى أوليائه ممن يعلم كعلمه أن ينكروا عليه ما يظهر على نفسه، إذا أنكر عليه ذلك الحجة في دين الله، إلا أن يقيم الحجة لنفسه فيما يدعي على المتولي، وليس قوله بعد البراءة أو القذف أن المتولي يتولاه بغير حجة حق على المتولي له، ولا بمزيل عنه حكم ما قد قام عليه المتولي به، من النكير الله في براءته من ولي الله، في حكم دين الله، فافهموا هذا
دين
الباب
وليس ولاية المبطل بالحق فيما يجوز أن يكون متوليا بالحق، مما يبطل الباطل المبطل في غير ذلك، لأن الذي قام به وقاله مما هو مباح له، واجب عليه في دين الله، أن يقوم به الله، وهو حجة فيه الله على من قام عليه به، وليس هو بمنزلة الشاهد، فلا يقبل قوله فيما يكفر به المسلم، وإنما هو حجة الله - تبارك وتعالى - على هذا المسلم، ولو كانت حجة الله هذه
من حجج
6
خائنة لله وللمسلمين في دينهم، إلا أنها قد ادعت ما يجوز لها في الإسلام، وما يكون لها حجة في الأحكام، ولا يجوز الإنكار في الحكم على المتولي، حتى أنه يتولى بالباطل، بإقرار منه أو بيئة ممن يدعي ذلك عليه، كائنا من
يصح
كان
من المدعين
ولو كان المتولي لهذا الرجل رافضيا أو مرجئا قد أظهر ولاية هذا الرجل وادعاها، وذلك مما يمكن أن يتولى هذا الرجل بحق وبوجه حق في دين الله، بوجه من الوجوه، فيما يغيب عن أهل الإسلام وعمن قد صح معه كفر هذا
- YYA- (3/228)
صفحة 729
الفقهاء
الرجل المتولي من الأعلام، ثم برئ من هذا الرجل مائة ألف من الأخيار، الصادقين في دين الله الأخيار، مثل موسى بن علي ومحمد بن محبوب
عنده ذلك
من
هذا
ومَن هو مثلهما، وأقل ذلك ممن يكون مثلهما، فلو برئ هؤلاء من الرجل، مع من يتولاه من الروافض والمرجئة، وادعى أنه تولاه بوجه حق يمكن له ذلك في الإسلام، واحتمل ولايته بحق مع أهل الإسلام، ما جاز لتلك الأعلام إلا أن يتوبوا من براءتهم من ذلك الرجل عند من يتولاه بما يحتمل ولايته بالحق ولا يقر أنه تولاه بغير حق، فإن أقر أنه تولاه بوجه يكون في ولايته مبطلا، فلا حجة له في ذلك عند من صح أهل الإسلام. وكل ما كان فيه أهل الإسلام من أهل العدل حجة، كان فيه جميع من يدين بالإقرار به حجة، وكل ما فيه أهل الخلاف من أهل الاقرار مدعين في الأحكام، فأهل العدل في ذلك مثلهم من جميع أهل الإسلام، والشهادة كذلك، فالمدعي من جميع الخليقة مدع، والحاكم من جميع الخليقة حاكم وحجة، والشاهد من جميع الخليقة شاهد، ولا تختلف الأحكام في دين الإسلام، وهكذا العدل والانصاف ألا يجار في دين الله على أحد ولا يخاف
فصل: فإذا لم يكن للمتولي مخرج من مخارج الحق، كانت دعواه في
الأحكام باطلة لا تجوز، وكان محجوجا ولا حجة له، وليس له حجة في دعواه، لأن من نزل بمنزلة المدعي فليس له أن يحكم بدعواه على المدعى عليه، وليس المبطل أيضا في دين الله حجة، ولو ظن أنها حجة وادعى أنها حجة، فلا يكون حجة حتى يكون في دين الله حجة
فإذا نزل المحدث منزلة لا يختلف في كفره وضلاله، مع من نزل عنده ولا يضر ذلك جهل
"
من المتعبدين بذلك، من المقربين بتحريم ذلك الجاهل، ولا يتحول حكم الله بجهل جاهل، ولا يتبدل حكم الله لعلم عالم، ومن كان في شيء حجة فهو في دين الله حجة، كان عالما أو جاهلا
- 229 - (3/229)
صفحة 730
الله مؤمنا أو كافرا، وكذلك الشاهد وكذلك المدعي، فلا تتحول حجج لتحول عباد الله، ولو كان ذلك كذلك لفسدت الأرض، ولاختلفت الأحكام في أهل الإقرار بالإسلام، ولكن الله ذو فضل على المؤمنين.
- 230 - (3/230)
صفحة 731
باب
في الربا وغيره من المحرمات والمحللات
ومما حرمه الله في كتابه، وجاءت بتحريمه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمع على ذلك جميع أهل القبلة، وإن اختلفوا في صنوفه ومعانيه، فإنهم مجمعون على تحريمه باسمه المسمى به، وهو الربا.
الله وقد قيل إنه ثمانون بابا، ولعله لا يحصى إلا ما فتح من علم ذلك، أوهن ذلك وأيسر ذلك مثل أن يأتي أمه، وإنما قيل ومثل بالذي يأتي أمه، لتعظيم حرمة ذلك، وقد واعد الله على الربا ما لم يواعد على شيء غيره من المواعدة، إذ يقول تعالى: (يا أيها الذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الربا إن كنتُم مُّؤْمِنِينَ فإن لم تفعلوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (1).
عالما
فواعد على أكل الربا المحاربة منه ورسوله. ومن كان للربا أكلا كان
بحرمته
أو جاهلا، فقد صار الله بذلك ولرسوله وللمؤمنين حربا،
وللشيطان ولأعوانه وأوليائه وليا وحزبا
وجاء الأثر عن النبي أنه قال: لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه والشاهدين عليه، وذلك بعد العلم به، والعلم في ذلك في إجماع أهل العدل، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا، أنه إذا وقف الأكل له والمطعم له أو الكاتب له أو الشاهدان عليه، على صفة الربا التي هي عند الله في دينه، وفي دين نبيه وفي إجماع المسلمين المحقين أنه ربا حرام مما يجمع عليه أهله ولا يختلفون فيه، فإذا وقف الواقف من أحد هؤلاء على صفة الربا التي هي
(1) الآية (278) وجزء الآية (279) من سورة البقرة
- 231 - (3/231)
صفحة 732
حرام من كتاب الله، أو من سنة رسول الله، أو إجماع أهل العلم، فاشترى ذلك أو باعه أو كتبه أو شهد عليه، أو أكله ممن اشتراه، أو أكل ثمنه ممن
،
باعه، أو تولى من فعل شيئا من ذلك كله، بعد العلم من الأكل بذلك وبعد العلم من المتولي للأكل على ذلك، أو للشاهد على ذلك، أو لأحد من
هؤلاء كلهم، بعد العلم منه بذلك وبعد العلم منهم بذلك، فهو هالك بذلك ولو جهل أنه حرام.
وكذلك إن برئ من أحد من العلماء، إذا برئوا من راكب ذلك، بأحد هذه الوجوه التي ذكرناها، بعد العلم بذلك منهم ومنه، على ذلك على هذه الصفة، أو وقف عنهم أو عن أحد منهم بدين أو برأي فهو بذلك هالك، فإذا فعل شيئا من ذلك، أو ركب شيئا من ذلك بجهل أو بعلم، فقد هلك بذلك، وعليه الدينونة بالسؤال عما قد دخل فيه من ذلك، حتى يخرج مما دخل فيه، أو يتوب من ذلك بعينه ويستغفر ربه
فصل: والربا مما يسع الناس جهله، ما لم يركبوه بعد العلم بأصله
6
الذي به يعرف حرمته، ويتولوا راكبه أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من راكبه على ذلك، أو يقفوا عنهم من أجل ذلك برأي أو بدين، فإذا فعل ذلك هلك
صحيح
6
ببيع
ولو علم الجاهل بأصل ذلك الربا، ثم تداوله مالك بعد مالك أو هبة أو ميراث، وهو يعلم أن ذلك هو بعينه، فهو حرام عليه في الأصل، ولو صار إليه ذلك بملك من مالك بعد مالك، ووارث بعد وارث وبائع بعد بائع، فذلك حرام عليه، ولا يسعه جهل ذلك على هذه الصفة إذا علم أصله أنه ربا إذا كان قد وقف عليه، وعرف أصله جهل حرمته أو
علمها
وإذا غاب عنه علم ذلك البيع الفاسد من الربا، فاشتراه له غيره أو
- 232 - (3/232)
صفحة 733
باعه له غيره، ممن يؤمن على البيع والشراء فأربى عليه وله في ذلك فذلك على
من فعل ذلك، ولا يضر ذلك من غاب عنه، جهل ذلك المربى أو علمه
فإن أقر المشتري أو البائع والمال في يده، بعد أن اشترى شراء فاسدا
،
يبيع ا له، فاشتراه
حراما، وكان الشراء لغيره قد أمره بذلك أن يشتري له له أو باع له، فقبل أن يسلم الشراء أو الثمن إلى رب المال:
قال: إن البيع كان فاسدا وربا بوجه من الوجوه، أقر بذلك.
وفي بعض القول: إنه حجة على رب المال في ذلك، ويضمن السلعة التي باعها أو الثمن الذي اشترى به ذلك المال شراء حراما.
وقال من
قال: لا يضمن لأن ذلك مما يفعله الناس، وإذا لم يتعمد على
الحرام ولا تعدى فعل ما يفعله الناس فلا ضمان عليه
والقول الأول أحب إلينا، أنه إن صدقه كان عليه ضمان ماله، وإن كذبه لم يكن عليه ضمان ماله، ويخرج معنا في الحكم أنه لا يصدقه إذا أقر أنه قد اشتراه له أو باعه له، لأنه مدعي فساد المال وبطلانه، ويدعي ضمان وأنه تلزمه السلعة، ولعل الثمن أوفر، فيكون أمينا على الثمن ويرد
المال،
السلعة، فيدعي ذلك لنفسه، وكذلك تكون السلعة أوفر على قول من يضمنه ذلك، فقد تكون السلعة أوفر من الثمن، فيكون له الثمن في الحكم، يفعل فيه ما يشاء، ويرد السلعة على رب المال، والقول الأول أحوط والثاني معنا أصح في الحكم، لأنه يدعي بطلان مال غيره، ويقر على غيره في ماله، والله أعلم بالصواب
وأما إذا اشترى ذلك المال وتلك السلعة من غيره أو ورثها أو وهبت له أو أكلها بوجه من وجوه الحلال، وحازها بوجه حلال، وقد غاب عنه علم
- 233 - (3/233)
صفحة 734
ذلك البيع وذلك الشراء، ثم أقر الذي باع له ذلك، أو وهب له ذلك أنه كان قد أرباه أو أربى عليه فيه، أو أقر بالصفة التي يكون بها ربا وحراما، لم يكن ذلك حجة على المشتري والموهوب له، وهو بالخيار إن شاء صدقه في ذلك، وأخذ منه رزيته من الثمن، وإن شاء كذبه وأخذ ماله، وكذلك في الهبة والصدقة؛ إن شاء صدقه وردها عليه يردها على أهلها ويتوب، وإن شاء تمسك بذلك، وعليه هو ضمان ما لزمه من ذلك لأهله
فصل: ولو كان الذي باع له ذلك المال أو وهبه له مائة ألف أو
ولا يجوز عليه
يزيدون من علماء المسلمين، ما كان قولهم عليه في ذلك حجة، ذلك بقولهم كلهم، ولا بقول أحد منهم، لأنهم مدعون ولا يقبل قولهم في ذلك قلوا أو كثروا، ولو تمسك بذلك المال وترك قولهم، ما كان لهم أن يخطئوه في ذلك ولا يقفوا عن ولايته قلوا أو كثروا، حتى تقوم عليه الحجة من غيرهم بشاهدين ممن تصح عدالته وتجوز شهادته في ذلك، ولو شهد عليه بذلك من غيرهم رجل واحد ثقة أمين، مثل موسى بن علي، أو محمد بن محبوب - رحمهما الله -، ما كان عليه في ذلك حجة، حتى يشهد عليه بذلك شاهدا عدل، ممن تجوز شهادته في الإسلام في ذلك
فإن أقر من في يده ذلك المال بصفة فيه توجب صفة الربا، أو أقر أنه ربا وهو في يده، وهو من أهل الإقرار، أو من اليهود أو النصارى وغيرهم من أهل الإنكار، قبل أن يصل إلى هذا الذي يستحقه ببيع أو هبة أو صدقة أو ميراث، أو غير ذلك من وجوه الحق، فلا يحل له أن يأخذ ذلك المال وهو عليه حرام، ولا يحل له شيء منه، وهو محجور عليه حرام، لا يسعه الإقامة عليه بعد علمه بذلك، وعليه الدينونة بالسؤال عما يلزمه في ذلك، وكل من له ذلك بعد دخوله فيه فهو عليه حجة في ذلك
عبر
ومن دخل في شيء من الربا، قليلا كان أو كثيرا، مما يكون له قيمة،
- 234 - (3/234)
صفحة 735
فباع ذلك أو اشتراه أو أكله أو شهد عليه أو كتبه، فهو هالك بقليل ذلك وكثيره، في كل ما يكون له قيمة وثمن، وإنما هلك وكان ذلك كثيرا لدخوله في محجور الربا، والربا قليله وكثيره سواء، وهو من الكبائر، وليس شيء منه من الصغائر.
وكذلك كل ما كان من الحرام، من المغصوب والسرق والاختلاس،
C
وجميع ما هو حرام في أصل دين الله في حكم كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو إجماع أهل العدل من المسلمين، فإذا وقف الجاهل لحرمة ذلك على أصل ما اكتسب منه ذلك المال بعينه، الذي هو حرام، فلا يحل له هو أن يفعل ذلك، ولا يحل له ارتكاب ذلك ببيع أو شراء، أو ميراث أو غير ذلك من أبواب الحلال، ولا يسعه جهل ركوب ذلك بأي وجه كان، ووقف على أصل من ذلك، وإذا غاب عنه أصل ذلك فهو بمنزلة ما وصفنا من
عليه
ما يحرم أحكام الربا، أو عينه ذلك عن راكبه، وإذا علم أصل ذلك، فلا يحل له ذلك، ولا يسعه جهل ذلك، علم حرمة ذلك أو جهلها.
فصل: وإذا غاب عنه أصل ذلك، وكانت حيازته له بوجه من وجوه
الحق فهو سالم، ولو كان ذلك حراما كان عالما بحرمة ذلك، أن لو وقف
عليه، أو جاهلا، فهو سالم مسلم
وكل وجه دخل فيه مما هو محجور عليه بالحرام في ظاهر الأحكام، بربا أو بغصب أو بسرق، أو غير ذلك من وجوه الحرام، فوافق في الأصل عند الله أن ذلك المال له، وهو له حلال في الأصل، وقد دخل في ذلك على أصل فاسد في حكم دين الله في الظاهر، من جميع المحجورات إلا بحلها، وكان في الأصل ذلك له حلال، من فرج أو مأكول أو مشروب أو ملبوس أو منظور أو أو عقد نية، فوافق في ذلك أصلا يجوز له في علم الله، وكان ذلك مسموع، له حلالا فهو مالك بنيته تلك، ولا ضمان عليه في ذلك، ولا تبعة غير التوبة
- 235 - (3/235)
صفحة 736
الله
"
ذلك والندم عليه، وإذا وقع في الأصل المحجور في حكم دين من علماء المسلمين في دينهم في حكم الشريعة، فجهل ذلك أو علمه فركبه على
ما
هو محجور في دين الله في حكم الظاهر، فوافق ما يجوز له في الأصل من المباحات في علم الله له، فيما غاب عنه، فهو هالك بركوبه لذلك، ولا تبعة عليه في ذلك أكثر من التوبة إذا علم بذلك، وأما ما لم يعلم بذلك فهو متعبد في حكم الظاهر في دين الله بأحكام الظاهر، وعليه التوبة مع الخلاص من ذلك كله وأدائه، ولا سلامة له إلا بالدينونة بذلك، ولو كان في الأصل حلالا له وملكا له، حيث لا يعلم، ولو كان في علم الله أن ذلك له حلال، ولا يخرجه من ذلك إلا علم حلاله، وأقل ما يخرجه من ذلك، إذا علم بذلك من طريق ما يطمئن إليه قلبه، من خبر الواحد، وأما في الحكم فلا يصح له ذلك إلا بشهادة ذوي عدل ممن تجوز شهادته في ذلك، وإلا فعليه التوبة من نيته، والخروج بالخلاص وتأدية ما أتلف وارتكب؛ من مال أو فرج أو غير من الدماء، وغير ذلك إذا ركب ذلك على الوجوه المحجورة، حتى يصح أن ذلك كان له في الأصل حلالا مباحا.
ذلك
وسواء جهل الحكم في ذلك أو علمه، فهو هالك. بركوب المحجورات المحرمات، ولا يسع جهل ارتكاب الحرام، إذا وقف الواقف على الأصول المحرمة، وركبها على ذلك
وكل ما ركبه العبد من وجوه المباحات في حكم دين الله فيما أباحه لعباده من وجوه جميع المباحات كلها في دينه من الحلال، فهو له جائز علم حلال ذلك أو جهله، ولو كان في علم الله أن ذلك المباح الذي ركبه في حكم الظاهر حرام محجور، من الربا والمغصوب والسرق وغير ذلك من المحجورات.
وكل ما ركبه العبد بوجه حلال في حكم دين الله من المباحات، ولا تقوم عليه الحجة في ترك ذلك وتحريمه إلا بشهادة ذوي عدل، ممن تجوز
- 236 - (3/236)
صفحة 737
شهادته عليه في المحرمات، أو بالخير الذي لا يشك فيه ولا يرتاب من
المشهورات، والخبر الواحد الذي يصدقه، وهو مصدق في دين الله في ذلك ولو لم يشك في قوله، فهو في قوله بالخيار؛ إن شاء صدقه وإن شاء مضى على
،
أصل. ما أباحه الله له، حتى تقوم عليه الحجة بذلك من شهادة ذوي عدل ممن تقوم عليه به الحجة في ذلك
وكل ما كان في حيازة العبد وملكه ومنزله، وفي أحكام ملكه مما هو في
تلك
منزله الذي يسكنه، ويجعل فيه حلاله وأثاثه ومتاعه، ولم يعلم أن في: الحيازة وذلك المنزل لأحد غيره شيء، فله أن يأكل ويتمتع بكل ما كان في حيازته وملكه وأحكام ملكه، وما يشتمل عليه حكم ملكه، ما لم يعلم أن ذلك لغيره، أو ينكر ذلك بأنه لا يملك مثله، فإذا صح معه أنه لغيره، أو أنكر ذلك أنه لا يملك مثله في أملاكه المعروفة معه في حيازته، فقد قامت عليه الحجة بأن ذلك ليس بملك له، وعليه ترك ذلك والخروج مما دخل فيه إلى غيره من الطيبات من الحلال من ملكه، فهذا حكم يشتمل على عامة أمور الناس، وهو لهم واسع في الحق إن شاء الله، ما لم يصح معهم حرام ذلك، ولو وافق الراكب لذلك في حكم دين الله الذي أباحه له، بالأملاك المتعارفة معه، ما هو لغيره من الأملاك من المركوب والملبوس والمشروب وأشباه ذلك، فركب ذلك على هذه النية أنه له بهذا الحكم عنده أنه له وفي ملكه وحيازته،، ما لم يكن عليه في ذلك تبعة حتى يعلم أن ذلك لغيره، بوجه مما قد وصفنا من شهادة ذوي عدل، أو ما لا يشك فيه من الخير الشاهر، أو قول الواحد الصادق، وهو بالخيار في الخبر من الواحد الصادق في حكم الظاهر، فهذا في الأملاك من الأموال، ولا نعلم في هذا اختلافا في قول أهل العدل من المسلمين.
- 237 - (3/237)
صفحة 738
[صفحة فارغة] (3/238)
صفحة 739
باب
الصغائر والكبائر من الذنوب والإصرار وأعمال العباد وأحوالهم فيها
التعاون على الإثم والعدوان من الكبائر، كائنا ما كان ذلك من الإثم والعدوان، إذا كان المتعاونون عليه يدينون بذلك، كان من الصغائر أو
الكبائر، إذا دانوا بذلك، أو ارتكبوا ذلك بتهاون من إثمه وعقابه
فمن أتى ذلك على التدين أو على التهاون به وبعقابه فقد أتى كبيرا من الذنوب. وكذلك الأمر المنكر كله على التدين والاستخفاف بعقابه وإثمه هو
من الكبائر.
وكذلك النهي عن جميع المعروف من الكبائر إذا كان الأمر بذلك على التدين أو الاستخفاف بثواب ذلك، وارتكاب جميع الصغائر على الدينونة والاستخفاف بثواب ذلك وعقابه هو من الكبائر، وارتكاب جميع الكبائر
بالعلم والجهل بالدينونة أو الرأي، هو من المهالك، إلا أن يتوب من ذلك ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون
6
فصل: والكبائر من الذنوب التي يهلك راكبها بها على العلم والجهل والرأي والدين، وبموافقتها يكون هالكا من حينه، ولا نعلم في ذلك اختلافا، هو كل ما أوعد الله على ركوبه حدا في الدنيا، ووعيدا أو عقابا في الآخرة، أو لعن عليه الله - تبارك وتعالى ـ، أو لعن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الله من أهله عليه، أو برئ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وما أشبه ذلك، وما أجمع عليه أهل العلم أنه من الكبائر، وما أشبه ذلك، وما أشبه
برئ
- 239 - (3/239)
صفحة 740
الكبير فهو كبير في دين الله - تبارك وتعالى -.
والصغير ما لم يشبه الكبير الذي أعد الله على ركوبه حدا في الدنيا، أو وعيدا في الآخرة، مما دون الكبائر وما أشبهها فهو من الصغائر من المعاصي، وكل ما خرج من الطاعات وما أشبهها من الأشياء المعروفة بالطاعات وما أشبه فقد دخل في المعصية، والأقوال والنيات والأعمال؛ لا تخلو كلها في
ذلك
،
أهلها.
من
أحد معان:
إما أن يكون من الطاعة الفريضة
وإما أن يكون مما أشبه الفريضة، فهو لاحق بالفريضة.
وإما أن يكون طاعة، وسيلة مما قد عرف من الوسائل. أو أنه نفل في دين الله، أو ما أشبه ذلك، مما لم يأت فيه نص أنه وسيلة، فهو طاعة ووسيلة إذا أشبه الوسيلة الطاعات من
وما عدا هذه الأربعة وجوه، فهو خارج إلى المعصية:
فإما أن يكون معصية كبيرة، قد ثبت حكمها في الكبائر من كتاب الله، أو سنة رسوله، أو إجماع أو ما أشبه ذلك
وما أشبه الكبائر فهو كبيرة.
وما خرج من حد الكبير وما أشبهه، ومن حد الطاعات وما أشبهها؛ من الفرائض والنوافل واللوازم والوسائل وما أشبه ذلك، فهو نازل بمنزلة
الصغائر من المعاصي
فلا يخرج العبد في حال من الحال، ولا في نية ولا مقال ولا إرادة
ولا أفعال، من أن يكون فيها؛ عاصيا أو مطيعا، أو مؤمنا أو كافرا، أو بارا
- 240 - (3/240)
صفحة 741
أو فاجرا، أو أمينا أو خائنا، أو ناجيا أو هالكا، ولا تكون له حالة قط، من أحوال المتعبدين في وقت من الأوقات، ولا في حال من الحال لا ينزل بأحد
هذه المنازل، ولا يكون ذلك إلا بما كسبت يداه وما قدمت يداه
-
فإذا كان العبد في حال مؤديا فيها
كذلك حكم الله - تبارك وتعالى. الفرائض اللازمة، وما أشبهها، ومنتهيا فيها عن الكبائر المحرمة، وما أشبه ذلك في دين الله، عفا الله له عما دون الكبائر وما أشبهها، وذلك من وعد الله إذ يقول: إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم
مدخلا كريما) (1).
فالمجتنب للكبائر وما أشبهها مغفور له الصغائر التي دون الكبائر من معاصيه، والمؤدي للفرائض متقبل منه ما أتى من الوسائل؛ معفي عنه ما لم يأت من الوسائل، إذا أدى الفرائض واللوازم كما كان، باجتناب الكبائر، معفي له عن الصغائر كذلك بأداء اللوازم والفرائض، معفي له عن الوسائل والنوافل ولو لم يأتها، ومتقبل منه ذلك إذا أتى به، والمرتكب لشيء من الكبائر مأخوذ بالكبائر والصغائر، في دين الله - تبارك وتعالى ـ، لأنه إنما حكم الله أن يكفر الصغائر باجتناب الكبائر، لا بغير ذلك، والصغير من المقيم على
6
الكبائر لاحق في حكم دين الله بالكبائر في دين الله، ولأنه غير مطيع فلا طاعة منه، ولأنه عاصي، فالصغير منه والكبير معصية واجبة، كما كانت الطاعة منه للفريضة وغيرها ليست بطاعة.
كذلك جميع المعاصي معاصي في حكمه ذلك وحاله ذلك، فإذا أتى المطيع المؤدي للفرائض، والمجتنب للكبائر كبيرا من المعاصي، فقد انتقض الطاعة حكمه، وثبت في المعصية اسمه، وحبط عمله بالطاعة، ولم يكن
عن
منه طاعة أبدا حتى يرجع عن معصيته تلك، التي خرج بها من حكم الطاعة،
(1) الآية (31) من سورة النساء
- YES - (3/241)
صفحة 742
وثبت بها في حكم المعصية، وما لم يأت كبيرا وكان مؤديا للوازم، مجتنبا للكبائر والمحارم، فهو على حكم الطاعة، معفي له عن الصغائر من المعاصي في دين الله، متقبل منه ما أتى من الوسائل، متجاوز عنه ما ترك من الوسائل، بأداء الفرائض واللازم، فإذا أتى صغيرا من المعاصي على الخوف منه لعقوبة الله عليها، والرجاء منه لتجاوز الله عنه فيها، ولم يقم عليها مصرا مستكبرا، فهو في حال الطاعة، والله - تبارك وتعالى ـ يكفر عنه ذلك بفضله، فإذا أتى شيئا من المعاصي أو السيئات على استخفاف منه وتهاون بعقاب ذلك من معصية الله - تبارك وتعالى ـ فقد واقع الكبير بنقضه الميثاق، لأنه إنما سلّم بالطاعة على الخوف منه، من معاصيه الله كلها، والرجاء منه لعفو الله - تبارك وتعالى - له عليها؛ لا لغير ذلك، وكذلك الدينونة بالمعصية مخالفة للطاعة، ونقض للميثاق لأنه ليس الغفران على أن يدان الله بشيء من العصيان، وإنما يدان الله باجتناب جميع العصيان، ليس يدان له بشيء من
العصيان
ومن الكبائر التي قد صح بيانها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاصرار على جميع
6
المعاصي، وكذلك في كتاب الله - تبارك وتعالى ـ، وفي إجماع أهل العدل ولا يخرج في حجج العقول إلا ذلك، وأما حكم ذلك في كتاب الله، ففي غير موضع قوله: ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: هلك المصرون) وقوله: «لا صغير يصغر مع إصرار، ولا كبير يكبر مع توبة واستغفار». وإجماع أهل العدل في أصل ما أجمعوا عليه ودانوا به، ولا يدعي من الله على الاصرار على الذنوب، قلت أو كثرت، صغرت أو
الغفران كبرت، بل يدين الله بالتوبة منها، والتحول عنها والندامة عليها، واعتقاد النية أنه لا يرجع اليها، فمن ترك ما عليه الدينونة به، وليس هو مخير فيه، فقد ترك فرضا لازما، ومن ترك فرضا لازما فليس هو بمجتنب للكبائر، بل مواقع لرأس الكبائر، لأنه قد واقع الكبير بالاقامة على المعصية، وقد ضيع
- YEY- (3/242)
صفحة 743
الفريضة من الدينونة بالتوبة، وليس بمجتنب للكبائر من أقام على الصغائر مصرا مستكبرا، هذا من أعظم الكبائر، وليس بين التوبة والاصرار منزلة ثالثة، بعد أن يكون المذنب ذاكرا لما قد عصى | الله به، كان صغيرا أو كبيرا، فإما أن يكون نادما مستغفرا خائفا لما قدمت يداه، حذرا فيكون الله له بذلك
من
لسيئاته مكفرا، ولإحسانه شاكرا، وإما أن يكون في حينه وساعته آمنا معصيته، مستحقرا مقيما عليها مستكبرا. ولا فرق في ذلك معنا بعد أن يأتي ذلك، ويكون له ذاكرا، فإذا أقام على معصية الله طرفة عين، بعد أن يكون لها ذاكرا وعلى التوبة منها قادرا، ولم يكن من ذنبه تائبا مستغفرا، خائفا حذرا، كان بذلك من حينه مصرا كافرا، ولحقته أحكام الكبائر من حينه صاغرا، وهذا معنى ما لا يختلف فيه مع أهل العدل
6
فصل: وقد قال من قال من أهل العدل: كل ما عصى الله به من صغير أو كبير، فهو كبير من الكبائر، لأنه لا ينظر في صِغَرِ الذنب وكبره، ولكن ينظر إلى من عصيت، بقول في ذلك، وتأويل ذلك يخرج على ما قد وصفنا، أن يقيم على المعصية ولا يتوب منها من حينه، فيلحق بحكم الكبائر من الاصرار، لأن الاصرار على معصية العظيم الجبار، لا تجوز في حكم العقول، أو تكون من الصغائر أو يخرج على أن يأتي الصغائر، في حال ما يكون مرتكبا للكبائر، ولا يخرج على أن يكون من اجتنب الكبائر وأدى الفرائض، ووعده الله غفران الصغائر في دينه، في حال ما لم يركب الكبائر، فيكون بذلك مرتكبا للكبير، بل الفرق في ذلك بين مع أهل العدل، ولا نقول إن أهل العدل ولا أحدا منهم يخالف حكم الكتاب، ولكن القول فيه خاص وعام، وتفسير وتأويل، ولا يجوز أن يكون مقيما على شيء يسمى عنه منتقلا، ولا آمنا منه يسمى خائفا، فمن حين يأتي العبد الذنب الصغير، ذاكرا لذلك من أمره فعليه التوبة منه، فإن كان ذلك بالمقال أو الفعال، أو
- 243 - (3/243)
صفحة 744
من
شيء من التعاون على الأعمال ولم يكن بالنية، فعليه من حينه أن يندم على ذلك الذي كان منه، ويعتقد التوبة منه في قلبه، أنه قد تاب منه إذا كان صحيح العقل ذاكرا، فإن قدر على الاستغفار باللسان، وكان ذلك الذنب الاعلان، فعليه التوبة. من ذلك بالاعلان باللسان، كما كان الذنب منه بالاعلان باللسان، أو شيء من أفعال الجوارح والأبدان فلا يجزئه في ذلك التوبة إلا بالاعلان لذلك، بالكلام بالتوبة باللسان، إذا كان يقدر على ذلك باللسان، ولا تجزئه التوبة باللسان عن المعصية بالاعلان، حتى يكون تائبا من ذلك بالقلب واللسان، وإن كان ذلك الذنب الذي أتى ليس. المقال من باللسان، ولا بشيء من الأعمال بالجوارح والأبدان، فإن التوبة من ذلك تجزئه بالاعتقاد بالقلب، فإن تاب من ذلك باعتقاد القلب واللسان، كان ذلك أفضل، وقد أتى في ذلك بالفصل
وقد قيل عن النبي أنه قال لمعاذ بن جبل: يا معاذ بن جبل؛
،
فالسريرة
أحدث لكل ذنب توبة، السريرة بالسريرة، والعلانية بالعلانية ما أسر القلب، والعلانية ما أعلن باللسان وما عمل بالأبدان، لأن ذلك خارج من أحكام السريرة وقد قال الله - تبارك وتعالى -: وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) (1)، فالسر ما أكنته الصدور، والجهر ما ظهر من الألسن، وما تكسبون ما عملته الجوارح، ويخرج كل ذلك كسبب، ولكن المعنى في السر غير المعنى في الجهر، لموضع ما تعبده الله بذلك
من التوبة.
فصل: وقد قال الله - تبارك وتعالى -: وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) (2) فقيل: السر ما أكنته الصدور، وأخفى من السر ما قد
(1) الآية (3) من سورة الأنعام
(2) الآية (7) من سورة طه
- YEE - (3/244)
صفحة 745
بالحال
6
علم الله أنها ستكته منه، ويأتي بعد ذلك ولم تكنه بعد الصدور، ولكن يعلم ما أكنته الصدور مما قد مضى، وما هي تكنه في حين ما أكنت، وما تُكِن ولم تكن بعد ذلك كله، وعلمه بذلك كله سواء، قبل كونه وفي كونه وبعد كونه لا يتحول علم الله عن حال إلى حال، إلا ما تنتقل به الأحوال المتحولة يتحول علمه تبارك وتعالى لأن علمه في الأشياء قبل كونها غير مكونة، وعلمه في الأشياء حين كونها مكونة، وعلمه بها بعد كونها، وزوالها قد كانت بعد أن لم تكن، وقد زالت بعد أن كانت، وقد علم أنها ستكون قبل أن تكون، كما كانت بعد أن كانت وبعد أن لم تكن، وقد علم أنها منتقلة عن كينونتها بعد أن كانت، وبعد أن لم تكن، كما انتقلت بعد أن كانت بعد أن لم تكن، إلى ما قد علم الله أنها منتقلة إليه، ونازلة عليه من جميع ا الأشياء المكونة المحدثة، بعد أن لم تكن.
فالثابت في السنة عن النبي الله التوبة من الصغير والكبير، وأن على العبد أن يحدث لكل ذنب توبة منه، وما عدا الطاعة والإحسان دخل في أحكام الذنوب والعصيان، لا نعلم في ذلك حدا ثالثا، ولا يكون مذنبا تائبا ولا مسيئا محسنا، حتى يتحول عن الإساءة إلى الإحسان، وعن الذنوب إلى التوب، لا اختلاف في ذلك، ولا شك مع أحد أهل العدل من
•
فإن قال قائل: فما الفرق بين ارتكاب الصغير والكبير، من المؤدي للفرائض المجتنب للكبائر، وهو إذا لم يتب من ذلك كفر من حينه،، وبارتكابه للكبير كفر من حينه، فليس بين ارتكاب الصغائر والكبائر فرق في قولكم هذا، والكبائر والصغائر سواء في حكمكم؟
فصل: قلنا له: ليس ذلك بالسواء في الأحكام، بل في ذلك الفرق البعيد والاختلاف الشديد، إذا كان بنفس الموافقة للكبير على الجهل والعلم
- 245 - (3/245)
صفحة 746
ذلك
والرأي والدين كافر إلا اختلاف في ذلك من حينه، ا يَنْفَس في ذلك طرفة عين، دون أن يتوب من ذلك ويرجع، وإلا فهو كافر في حكم العلانية والسرائر، محكوم عليه بالخلع والفراق معا، ما لم يتب من حينه، وبارتكاب الصغائر من الذنوب على اجتناب الكبائر، على الجهل للصغائر مع التوبة منه في الجملة سالم بذلك، لأنه دائن بالتوبة من جميع الكبائر والصغائر، ولأنه غير كافر ولا هالك، بمواقعة الصغير حتى يصر، ولأنه لا يهلك حتى يصر على بعينه؛ ولأنه مسلم في وقته وحينه، حتى يقع عليه حكم الاصرار والتولي عن التوبة، والادبار والاقامة على الذنب والاستكبار، ولا يكون كذلك من دان في جملته بالتوبة؛ من جميع معاصيه وسيئاته، وكبيره وصغيره، ولم يرتكب كبيرا بعلم ولا بجهل، ولم يصر على صغير علم به أنه صغير فأقام عليه، فليسا سواء؛ مَن كفر بجهل وعلم، ومن أمن بعلم وسلم بجهل إذا كان في علمه سالما، كان فيهما دون الكبائر الذي قد وعده الله الغفران لها، ما لم يصر عليها بعينها، ومن هاهنا سلم المسلم بركوب الصغائر إذا اجتنب الكبائر، ولم يصر على الكبائر ما علم من الصغائر، ودان بالتوبة من جميع معاصي الله، علمها أو جهلها، فكان بذلك سالما مسلما
وهلك المواقع للكبائر بالعلم أو بالجهل، لأنه لا عذر له أن يواقعها بعلم ولا بجهل، فلما أن كان ليس له أن يواقع الكبائر بعلم ولا بجهل، وكان إنما وعده الله الغفران للصغائر من السيئات باجتناب الكبائر لا بارتكاب الكبائر فلما لم يجتنب الكبائر، أخذه الله بالكبائر والصغائر حتى يتوب من الكبائر والصغائر التي قد ركبها، ثم هنالك يجتنب الكبائر لأن الإصرار على الصغائر لاحق بالكبائر، ولأن الراكب للصغائر مع الكبائر محكوم عليه في دين
بود
الله، في ركوب الصغائر مع الكبائر أن ذلك كله منه كبائر في حكم دين الله
6
لأنه إنما وعده الغفران للصغائر باجتناب الكبائر، فافهموا هذا الفصل وبالله التوفيق، فإنه ليس فيه شبهة ولا ريب ولا شك ولا جهل، مع أهل العلم من
- YET- (3/246)
صفحة 747
أهل الاستقامة والعدل، فهذا في أحكام الشرائط وأحكام الحقائق من دين الله
في عباده والاعتقاد فيهم على هذه الشريطة.
فصل: وأما في أحكام الظاهر المتعبد فيها أهلها بالولاية والبراءة والتوبة والاصرار، في ارتكاب الكبائر والصغائر فإنه قد قيل إنه إذا ركب العبد كبيرة من الكبائر، وقد كانت له قبل ذلك ولاية متقدمة في حكم الظاهر، فإنه عند من علم الحكم في ذلك الكبير أنه كبير، أو كان ذلك مما لا يسع جهله أن له أن يبرأ من الراكب له من حينه إذا ركب كبيرا أو ما أشبه، برئ منه من حينه ثم استتيب من ذلك، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن أصر بقي المتبرئ منه على البراءة منه
الكبير.
،
فصل: وإن كان ممن لا ولاية له، فإنه يبرأ منه من حينه بركوب
الكبير. وقال
من قال: يستتاب من ذلك إلا أن يتقي منه تقية
وقال من قال: لا تجب فيه استتابة.
وأما من له ولاية، فلا نعلم اختلافا إلا أنه يستتاب، لا بد من ذلك
،
وقد قيل: إنه لا يبرأ منه من حينه من غير شك في ركوبه لما ركب، ولكن حتى يستتاب ويسأل عما أتى، وقد علم من علم منه أنه أتى كبيرا أو أن من أتى الكبير فهو ضال، وأما هو فلا يبرأ منه بعينه حتى يستتيبه، لوجوب التوبة فيه، وأنه لا بد أن يستتاب، فلما كان لا بد له أن يستتاب، كانت التوبة قبل وقوع الحكم، لأن المرتد عن الإسلام قد جاءت السنة المجمع عليها فيه أنه لا يقتل حتى يستتاب، والبراءة في المرء كقتله في مواضع البراءة، وإذا كان لا بد من التوبة اللازمة، فقبل الحكم عليه بالبراءة، ولا يشك في وجوب
- YEV- (3/247)
صفحة 748
الكفر من المحدث، ولكن القطع بالبراءة على المحدث بعينه، ونقله إلى العداوة حكم ثان، ولا يحكم الحاكم بحكم إلا بعد أن يحتج على المحكوم
هذا
عليه بحجة، إن أتاها حكم عليه بالحكم، وقد أوقع البراءة من المحدث، ونقله عن الولاية بعينه إلى البراءة بعينه قبل الحجة، واحتج عليه قبل أن يقطع حجته في حكم الظاهر، والقول الأول هو أكثر في آثار المسلمين وأهل العدل، وهذا القول الآخر موجود في آثارهم، وله أصل في دين الله
"
وموضع، وحجة في دين الله وموقع، لأن الأحكام لا تقع إلا بعد الحجة ولثبوت التوبة بالإجماع ممن قال بالبراءة قبل التوبة، وممن قال بالتوبة قبل البراءة، فلما ثبتت التوبة بالإجماع، لم يكن ثبوت ذلك إلا بقطع حكم، ووجوب الولاية المتقدمة، ولئلا ينتقل الاسم من الايمان ويخلق عليه بالكفر. من قبل أن يحتج عليه بالحجة التي بها يثبت الحكم بالانتقال، ويستقر الحكم على المحكوم عليه في ذلك الحال.
والذي يقول بالتوبة قبل قطع البراءة، فغير شاك في كفر المحدث ولا ضلالته، إلا أن اسمه لا يتقلد بعينه بالتسمية، إلا بعد الحجة إن قدر على ذلك، وإن لم يقدر على ذلك، ولم يقدر على الاحتجاج على المحدث، فحجة الله أولى من حجة المحدث، فإن مات المحدث ولم يقدر على استتابته وعدم استتابته، فقد انتقل اسمه بركوب الكبيرة، وغابت حجته وتعلق توبته، ويبرأ منه من حين ذلك، لأن حجته الآن قد غابت عن التوبة، ولا يتحول إلى التوبة أبدا، ولا حجة له بعد الموت، كما أنه لو وجب عليه
حكم في ماله، ولم يحكم عليه فيه حتى يحتج عليه، إذا قدر على الحجة عليه، فإن مات قبل أن يحتج عليه، ثبت الحكم عليه في ماله، وماتت حجته، وما دامت الحجة عليه حية فالحجة له حية، وقد صار الآن بمنزلة من لا حجة له ولا عليه وحكم عليه وله، بما قد صح له وعليه من الأحكام، من جميع أحكام الإسلام، إلا أن المال ينتقل إلى الورثة بعده، فالحجة على الورثة
- YEA- (3/248)
صفحة 749
من
ولهم بعد موته، والحجة عليه في البراءات والولايات، لا تنتقل عنه إلى غيره الأولياء ولا. من الورثة، فإذا ماتت حجته، ثبت عليه ما كان قد ثبت في حياته، ولا يتحول عنه ذلك، وما لم يكن ثبت عليه في حياته ولا وجب عليه في حيوية في الحكم الظاهر، فلا يصح عليه ذلك في حكم الظاهر بالشهادات المتقلدات، إلا أن يصح ذلك بالأخبار الشاهرات الصحيحات، التي لا تحتاج إلى حجة، ولا يشك فيها مع من بلغت إليه ووردت عليه، ولا يتولاه على هذا القول بدين، ولا يجوز ذلك، ولكن يقف عنه حتى يستتيبه مما قد ركب، لما أن كانت التوبة ثابتة فيه
فصل: وأما الراكب لشيء من الكبائر ممن لم يتقدم له ولاية، ولم تتقدم له عداوة، فإنه يبرأ منه في حينه، ولم نعلم أن أحدا قال إنه يستتاب من ذلك بعينه، قبل البراءة منه، وقد يحسن ذلك أن يوقف عن البراءة منه،
6
والتخليق عليه بالكفر باسمه وعينه، قبل الحجة عليه والدعوة له إلى التوبة كائنا ممن كان ذلك، إلا من تقدمت له العداوة، وآيس من توبته، وليس ترك التخليق عليه بالكفر شكا في كفره ولا ضلالة، ولكن لا ينقل اسمه إلى الكفر الاختلاف
بعينه إلا بعد الحجة عليه بالتوبة والرجعة، ولا يخرج ذلك من لأن الواقف عنه عالم بضلالته، ولكن لا يقع عليه الحكم بعينه،
معنا
وينقل اسمه إلا بعد الحجة، وهو حسن إن شاء الله وإن برئ منه من حينه فحسن، لأنه قد قيل إنه لا يستتاب، وليس على من برئ منه توبة له، إلا أن يكون له ولاية متقدمة، والتوبة أحب إلينا إذا أمكن ذلك، ولم يتق منه تقية في دينه أو نفسه أو ماله. وأما المتقدم له اسم الكفر والبراءة فذلك لا محنة فيه، في ركوب هذه الكبيرة، وهو في حال البراءة والعداوة، ولا يعتقد عليه في ركوب هذه الكبيرة من العداوة أكثر مما استحق، لأنه عدو خليع مفارق،
مبرأ منه إلا أنه يشهد عليه بكل ما أتى من الكبائر بالعدل والحق
- YEA- (3/249)
صفحة 750
وأما من ركب الصغير وما أشبهه، وما دون الكبائر وما أشبهها، ممن
قد تقدمت له ولاية في حكم الظاهر، مع من يتولاه في حكم الظاهر، فقد اختلف القول فيه، من قول أهل العدل:
فقال من قال: إنه يحسن به الظن، لأنه في حكم الظاهر مأمون على حكم ما غاب من أمره في السرائر وأنه لا يصر على شيء من الصغائر، وأنه هو ثابت في الحكم مما ركب من الصغائر، وقد حكم الله له عند اجتناب الكبائر بتكفير الصغائر، وهو في حكم الظاهر مجتنب للكبائر، ففي حكم الظاهر يتولى حتى يعلم أنه أصر على ذلك الذي ركبه، ولا يسأل عن
ولا يستتاب، وليس فيه استتابة في الحكم حتى يعلم أنه أصر.
ذلك
وقد قال من قال: يتولى على حالته التي كانت، ولا ينقل عن ولايته ما لم يستتب فيُصر، فإذا استتابه وليه ذلك، أو صح أنه استتيب من ذلك فلم يتب برئ منه على ذلك الاصرار. فإن لم يستتب حتى مات على ذلك، ولم يعلم منه توبة ولا إصرار. وقف عن ولايته التي كانت أولا، لما قد أشكل من أمره وركوبه، لهذا الصغير الذي لا يصح توبته منه فيتولاه، ولا إصراره عليه
فيعادي. وقال من قال: من حين ما يأتي الصغير يوقف عن ولايته ويستتاب، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن أصر برئ منه على الاصرار، فإن لم يستتبه الذي يتولاه على ذلك حتى مات، فهو على حد الوقوف الذي كان عليه، وإن
استتابه فتاب رجع إلى الولاية، وإن لم يتب برئ منه على ذلك
•
فصل: وإذا ركب من لم تتقدم له ولاية ولا عداوة شيئا من الصغائر من الذنوب، فهو على حالة في حكم الظاهر، لا يبرأ منه ولا يتولى حتى يتوب من ذلك الصغير الذي ركبه، فيتولى إذا أصلح العمل، وكان أهلا للولاية، أو يصر على ذلك فيبرأ منه على ذلك، ولا نعلم في هذا غير هذا في حكم
- Yo. - (3/250)
صفحة 751
الظاهر
واختلف فيمن يأتي الصغير من الذنوب وما أشبهه:
فقال
من
بالاظهار بذلك
القول
،
قال: ما لم يتب من حينه فقد أصر.
وقال من قال: إذا عزم على التوبة ولم يعزم على الإصرار، وأنه لا يتوب، فلا يحكم عليه بحكم الاصرار حتى يصر أو يعزم على الإصرار فأما في الحكم الظاهر في البراءة والولاية، فنحب هذا، أنه لا يحكم عليه في حكم الظاهر بإصرار، حتى يستتاب، فلا يتوب أو يعرف أنه قد عزم على أن لا يتوب من ذلك، وأنه يقيم عليه، أو أنه مقيم عليه ولا يريد التوبة منه، فإذا علم ذلك فذلك يحكم عليه في الظاهر بالاصرار، ولا يبين لنا في حكم الظاهر إلا أن يستتاب، أو يعلم أنه أصر، وأما في حكم الشريطة وحكم الشهادة في الشريطة، فإنه إذا لم يتب من حينه، وهو قادر على التوبة، لا يمنعه عن ذلك عذر بين، فإنا نحب في ذلك القول الأول، أنه ما لم يتب فهو مصر، لأنه وإن لم يستتب فعليه التوبة، وليس له أن يقيم على الذنب حتى يستتاب
فقال
فصل: واختلف أهل العدل فيما معنا في المصر:
من
قال: لا يسع جهل ضلالة المصر، أصر على صغير أو كبير، كان مستحلا لدينه وأصر عليه أو محرما لدينه وأصر عليه، إذا علم الجاهل له أنه مصر على ذنب من الذنوب ولم يتب منها، فجهل كفره وضلاله، فهو هالك ولا يسعه جهل المصر ولا جهل ضلالة
وقال من
قال: لا يضيق على من جهل ضلالة المصر ما لم يعلم الحكم
فيه، إذا لم يتوله، أو يبرأ من العلماء إذا برثوا منه، أو يقف عنهم برأي أو بدين، وكل ذلك معنا جائز، إلا أن المصر على الاستحلال للحرام،
- You- (3/251)
صفحة 752
والتحريم للحلال معنا لا جهل ضلالته
دين
يسع
، من علم
حرم
مة ما استحل من
الله، أو حلال ما حرم من دين
الله فلا
يسع جهل ضلالة المستحل
المصر على استحلاله
،
وإذا علم الجاهل أن الذي أتاه المصر سيئة أو معصية أو صغيرة أو كبيرة، فإذا علم أنها معصية، ولا يعلم أنها صغيرة أو كبيرة، ثم علم من أصر على ركوب ذلك، فهنالك الاختلاف في المصر، على ذلك الذنب الذي قد علم الجاهل أنه معصية، وسواء علم أنه كبير أو لم يعلم، ما لم يعلم الحكم فيه، أنه مهلك مكفر، وعلم من أصر على ذلك فهنالك يقع الاختلاف في
أمره.
فقال من قال: لا يسعه جهل كفره ولا ضلالته، فإن جهل معرفة ضلالته، من علم أنه أصر على معصية الله صغيرة أو كبيرة فهو هالك
وقال
من قال غير ذلك
•
وأما إذا لم يعلم أن الذي أتى معصية، ولا يعلم الحكم في ذلك؛ أهو طاعة أو معصية، صغيرة أو كبيرة، فذلك لا يلحقه الاختلاف معنا، بل لا يهلك بجهل ذلك المصر، ولو استحل الحرام من دين الله، ما لم يعلم حرامه، فلا يضيق على الجاهل في هذا ما لم يتول المصر بدين، أو يبرأ من العلماء، إذا برثوا منه، أو يقف عنهم برأي أو بدين.
وأما إذا علم أن المصر أصر على معصية صغيرة أو كبيرة، محرمة أو مستحلة، فهنالك يجري الاختلاف، فأما في الاستحلال فيجب ألا يسعه جهل ذلك من الصغير والكبير، وأما على التحريم أو على غير الاستحلال للحرام والتحريم للحلال، فحسن معنا ألا. يسعه جهل ذلك، ويحسن أن يسعه جهله، وكل ذلك معنا جائز إن شاء الله، وذكر الكبير والصغير من
- YOY - (3/252)
صفحة 753
المعاصي والذنوب، ما يطول وصفه، وإنما أردنا ذكرا من جملة أحكام ذلك
وبالله التوفيق
- 253 - (3/253)
صفحة 754
باب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهما فريضتان من فرائض
على من قدر على ذلك؛ وحد القدرة أن يأمن على نفسه وماله، ممن يقوم عليه بذلك، ومن مواد ما يخاف منه من التولد من ذلك، فإذا كان بحد القدرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو معذور بعلم المنكرات والمعروف، ما كانت الجهالة له واسعة
فأما ما كان مما لا يسع جهله في حين من الحين، الذي لا يسعه هو
جهله، فكذلك لا يسعه جهل عمل ذلك في غيره من الأمر له والنهي له
6
6
فريضة عليه فيه، فإن جهل ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فضيع ذلك بجهله فيما لا يسع جهله، كان بذلك هالكا، وإن جهل ذلك فيما يسعه جهله، ما لم يركبه أو يتول راكبه، أو يبرأ من العلماء إذا برثوا من راكبه، أو يقف عنهم، وكان المحدث لذلك يدين بتحريم ما أتى، أو لا يصح منه استحلال لما أتى من المنكر، من استحلال ما حرمه الله في دينه، وتحريم ما أحل الله في دينه، ولم يكن هو من الحكام الذين تلزمهم إقامة الحدود، وإنفاذ الأحكام، فيضيع بجهله حكما أو يعطل حدا، أو يبطل حقا في حكمه، فهو معذور بجهل ذلك إذا كان على وجه التحريم، ما لم يركبه أو يتول راكبه أو يبرأ من العلماء إذا برثوا من راكبه، أو يعطل حدا قد لزمه إقامته، أو يبطل حقا أو يضيع حكما، وهو من الحكام اللازم له إنفاذ تلك
الأحكام.
- 254 - (3/254)
صفحة 755
وقال
من قال: إنه إذا كان على حد القدرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهل ذلك، كان عليه اعتقاد السؤال عما يلزمه في ذلك الذي قد جهله، كان محرما أو مستحلا، كان هو حاكما أو من الرعية، لأن ذلك من اللازمات له بالقدرة إزالتها. وإنما عذره في جهلها وهي من الفرائض عليه، فعليه السؤال عن ذلك على كل حال في هذا الوجه. فما لم يعطل حدا أو يبطل حقا أو يضيع حكما، يلزمه ذلك، فلا تكون الحجة عليه فيما يسعه جهله في علم ذلك، إلا من طريق ما يصح معه. علم ذلك من أي وجه صح معه، أو من علماء المسلمين، والعلماء عليه في ذلك حجة من الواحد فصاعدا، ولا عذر له في ذلك أن يشك في الحجة إذا قامت عليه، ولا فيما قد لزمه فيه أداء هذه الفريضة، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والثقاة من فقهاء قومنا فيما يوافقون المسلمين فيه من ذلك حجة في مثل هذا، إذا كانوا ثقة في دينهم، علماء في ذلك الفن الذي يوافقون المسلمين فيه. وأما إذا صار الجاهل بذلك إلى تعطيل حد أو تضييع حكم أو تبطيل حق بجهله، فعليه التوبة من ذلك، وجميع من عبر له الحق فيما قد أتى من الباطل، أو ركبه حجة عليه في ذلك، وليس الراكب المعطل كالواقف السالم من التعطيل، والتبطيل والتضييع، وعلى المعطل بجهله حدا، أو المبطل حقا، أو المضيع حكما، الدينونة بالسؤال على كل حال، ولا نعلم في ذلك اختلافا، والعبارة من الكل تقوم عليه بالحق إذا كان راكبا معطلا غير معذور في ذلك، وأما ما لم يعطل حدا، أو يضيع حكما، أو يبطل حقا، وكان متوقعا دائنا بما يلزمه في الجملة.
فقد قال من قال: ليس عليه اعتقاد سؤال عن هذا إذا كان الأمر في ذلك، إنما يقع على وجه الدفع منه، والمنع والأمر بالقول، فما لم يتول الراكب المحدث أو يبرأ من العلماء إذا برئوا منه أو يقف فذلك له واسع،
عنهم
- Yoo - (3/255)
صفحة 756
ولا تقوم الحجة عليه في هذا على حال، إلا من العلماء من المسلمين، والثقاة المأمونين في دينهم، من قومنا فيها يوافقون فيه المسلمين.
وإذا كان الراكب للمنكر ذلك مستحلا لما ركب من المنكر، وكان هذا قادرا على إزالة ذلك، عالما بحرمة ما استحل من دين الله، أو حلال ما حرم من دين الله بالدينونة، فغير واسع له جهل ذلك، بل تقوم عليه الحجة في، ونفسه إذ ذلك مما يخالفه في دينه، وأنه من المنكرات، وذلك أكثر القول، أنه لا يسعه جهل ذلك، وهو هالك بجهل ذلك، وأما إذا لم
ذلك. عقله
من
،
يكن عالما. بحرمة. ما استحل من دين الله، أو حلال ما حرم من دين الله وكان ذلك من الراكب على سبيل الاستحلال للحرام، أو التحريم للحلال؛ فالحكم فيه واحد، والجاهل فيه كالجاهل للحدث المحرم، فالقول فيه واحد في التعطيل، أو غير التعطيل، ولا فرق في ذلك إلا عند من عرف حرمة ما استحل الراكب، أو حلال ما حرم بالدينونة، إن كان ذلك من الدين فلا يجوز له ذلك على حال، ويلحق ذلك بحكم الدين، إذا حرم ما أحل الله
من دينه أو استحل ما حرم الله في دينه
6
وقد قال من قال: لا يضيق على الشاك في المستحلين، ما لم يبنا صحة باطلهم في علمه ما لم يركب، أو يتول راكبا أو يبرأ من العلماء إذا برئوا من الراكب، أو يقف عنهم، وأقل ما يلزمه في المستحل إذا عرف حرمة ما استحل، أو حلال ما حرمه من دين الله، فجهل ذلك، وضاق عليه فأقل ما يلزمه الاعتقاد للسؤال عما يلزمه في ذلك، وإذا لم يضق عليه ذلك على هذا القول، ولم يصل في ذلك إلى تعطيل حد، أو تبطيل حق، أو تضييع حكم فلا يبين لي على قياد هذا القول أن تقوم عليه الحجة، إلا من صحة علمه من أي وجه بان له ذلك، أو من العلماء من المسلمين، أو أهل العلم الثقاة في
دينهم من قومنا، فيما يوافقون المسلمين فيه
6
- 256 - (3/256)
صفحة 757
ونقول: إن عبارة الضعيف من المسلمين عن أحد من علماء المسلمين، أو بتلاوة كتاب رب العالمين، في مثل هذا حجة؛ لأنه إنما وقع له العذر له إذا
من
علمه
لم يبن له، فإذا وقع البيان من المعبرين زال الشك مع ما تقدم عليه. ما قد قيل: إنه لا يسعه الشك في ذلك، وأنه غير منفس في السؤال عن
ذلك
وأما إذا صار الشاك في ذلك إلى تعطيل حد، أو تضييع حكم، أو تبطيل حق، فلا شك في هلاكه، وعليه الدينونة بالسؤال على كل حال، وكل من عبر له ذلك في تلك الحال، كان عليه حجة من جميع المعبرين.
- 257 - (3/257)
صفحة 758
خاتمة
من بلغه كتابنا هذا فليتدبره تدبر مشفق على نفسه، طالبا رضوان الله، ولا يأخذ منه إلا ما وافق الحق والصواب، وإنا تائبون إلى الله من جميع ما خالف الحق والصواب، والحمد لله كثيرا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والحمد لله رب
النبي العالمين.
- YOA - (3/258)
صفحة 759
في نهاية الكتاب وُجد مكتوبا:
تم كتاب الاستقامة في الولاية والبراءة والإمامة تأليف الشيخ الرضي الأجل، الثقة العدل الولي، العالم الفقيه الملي أبي سعيد محمد بن سعيد الكدمي.، رحمه الله وغفر له، وجزاه الله خيرا.
وقع الفراغ من نسخه رواح الاثنين لست ليال خلوّن من شهر ذي القعدة من شهور سنة تسع ومائة وألف منذ الهجرة النبوية المحمدية، على يد عبيد الله الفقير الحقير المعترف بالتقصير، الغريق في بحور ذنوبه، الراجي عفو ربه سليمان بن راشد بن عبدالله بن أحمد بن محمد بن بلحس المعولي
بيده، الجبراوي. آمين له ثم آمين
•
بحمد الله وتوفيق ورعاية منه، تم بفضله - تعالى - تحقيق وتبويب وتصنيف وتصحيح هذا الكتاب النفيس المفيد
ونسأل الله - سبحانه - أن ينفع به وأن يجعله من العمل الصالح المقبول
لمؤلفه - رضي الله عنه ـ وأجزل له الثواب
معهد القضاء: الخميس 5 من ربيع الأنور سنة 1405 هـ موافق 29 من نوفمبر سنة 1984
محققه
محمد أبو الحسن
- You- (3/259)
صفحة 760
[صفحة فارغة] (3/260)
صفحة 761
E
الصفحة
??
71
81
??
123
181
163
171
179
189
191
205
الفهرس
البيان
ضمان الخطأ وضمان الفتيا وتصنيف ذلك
الفرق بين الرفيعة والفتيا والحجج في الدين والفرق في حكم
الايمان والكفر
تصنيف المحللات والمحرمات من الأملاك
اختلاف الرجلين في التحليل والتحريم
القول في تحريم الخمر
القول في الميتة والتذكية والذبائح وغير ذلك
القول في الصيد وغيره من الدواب والطير
ما جاء تحليله من البهائم والأنعام والطير والصيد، وما حرم من
ذلك بالكتاب والسنة
القول في الدماء وتصنيفها
في الأشربة وتصنيفها
القول في حرمة الخمر من العنب والبسر والنية فيه
ذكر النبيذ
ذكر الطلاء
ذكر الفروج وتحريمها وتحليلها بالنكاح
ذكر الفروج والنكاح والقذف
- 261 -
D (3/261)
صفحة 762
الصفحة
341 134
258
254
البيان
ذكر الوطء والفرق بين الفروج والأموال ذكر القذف
في الربا وغيره من المحرمات والمحللات
الصغائر والكبائر من الذنوب والاصرار وأعمال العباد
وأموالهم فيها
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
خاتمة
- 262 - (3/262)
صفحة 763
[صفحة فارغة] (3/263)
صفحة 764
طبع بمطابع
دار جريدة عمان للصحافة والنشر
روي - ص. ب (6002) سلطنة عُمان
1985 (3/264)
صفحة 765
[صفحة فارغة] (3/265)