صفحة 1
الكتاب: البلسم الشافي في تنزيه الباري عن الأمكنة والجهات ومشابهة المخلوقات
المؤلف: د. زكريا بن خليفة المحرمي
الطبعة: الأولى 2004م
الناشر: مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب / سلطنة عُمان
160 صفحة
تنسيق للشاملة: هلال بن مصبح الكلباني
hilalmusabah@gmail.com
[مبوب]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) البلسم الشافي
في
تنزيه الباري
عن الأمكنة والجهات ومشابَهة المخلوقات
تأليف : د. زكريا بن خليفة المحرمي
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان
---
تهيئة
قَالَ الله تعالى:
( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا )
(سورة النساء: 82)
---
مقدمة
الحمد لله رَبِّ العالمين، والصلاة والسلام عَلَى رسولِهِ الأمينِ، وعلَى صَحبِه الغُرِّ الميامينِ، وعلى تابِعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، وبعد:
فهذا بَحثٌ أعدَدْتُه خِصِّيصاً للإجابة عَن بعض التساؤلات التي قد تَنقدِحُ في ذِهن المسلم حَوْلَ العقيدة الصَّحيحة التي جاء بِهَا الإسلام ليرسِّخَها في قلوب أتباعه. (1/1)
صفحة 2
وأهمُّ هذه التساؤلات التي رُبَّمَا تطرأ في أذهان الكثير من المسلمين، خَاصَّة وهم يعيشون حالة من الانفتاح الثَّقافي غيرِ المنضبط في ظلِّ العَولَمَة، مع غيرهم من الأمم والثَّقافات التي تَحمل عقائد مُنحرفة مناقضة لصفاءِ الإسلام هي:
«هل يَجُوز وصف الله سبحانه وتعالى بالجهة والمكان، كالقولِ بأنَّ الله موجود في السماء؟»
وهذا السُّؤال يُطرَحُ خاصَّة مع التطوُّر العلمي وتأكُّدِ للبشريَّة* كرويَّة الأرض ودورانها حَوْلَ مِحوَرها ودوارنها حَوْلَ الشَّمس، ودوران المجموعة الشمسية بأكلمها في مدارها الخاص في المجرَّة، وبذلك تَنْتفِي الجهات، فما هو فَوْق في ثانية يصير أسفلاً في أخرى، وهكذا دواليك بِحيث لا يكون في الحقيقة جهة "فَوْق"ولا جهة "تَحْت"، بل كُلُّ جهة هي "فَوْق" بالنِّسبة للأخرى، وإنما يَظَلُّ الفَوْق اعتبارياً للإنسانِ؛ لأنَّ الجاذبية الأرضيَّة (السُّرعة) تَحميه من الشعورِ بدوران الأرض الرهيب، والذي وصفه الله تعالى بقوله:
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ;([1]).
فَلِهذَا أردت أن أُبيِّنَ أنَّ عقيدَة الإسلام أصفَى وأنقَى مِن مثل هذه الأفكار الساذجة المؤطَّرَة بِحدود الخيمة والإبلِ، وجغرافية الصحراء والجبل، وأنَّ هَذه العقيدةَ النقيَّة تقوم على حقيقَةٍ قَطعِيَّةٍ مَفادُها: أنَّ الله سُبحانَه وتَعالى لا يَجوزُ أن يُوصَف بالأمكنة والجهات، فَقَد كان قَبْلَ أن يَخلُق المكان دُون أن يَحتاج إلى مكان قال تعالى(;لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ;([2]). (1/2)
صفحة 3
ولم يتغيَّر عمَّا كان؛ لأنَّ التغيُّر من صفات المخلوقات والله -سبحانه وتعالى- هو الخالق لِكُلِّ مَخلوق قال تعالى ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ;([3]).
وسَوف أحاولُ في هذا البحثِ المتواضع أن أبَيِّنَ أُسُسَ العقيدة الإسلاميَّة الصافيَّةِ وقواعدها المحكمة في التعامل مع هذه القضيَّةِ ومثيلاتِها، وسأشرع بإذنه تعالى في الفصول الأربعة الأولى بتبيان المنهج الإسلامي الصحيح في التعاطي مع مثل هذه القضايا الخطيرة، ومن ثم أبحر مع القاريء الكريم في رؤية تاريخية مختصرة لأسباب انحراف العقيدة الإسلامية عند بعض فرق المسلمين، ومن ثم نختم الكتاب بمناقشة بعض القضايا العقدية الهامة كعقيدة العلّو الحسي والاستواء والرؤية.
زكريا بن خليفة المحرمي
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) سورة النمل: 88.
[2]) سورة لقمان: 26.
[3]) سورة الزمر: 62.
---
مواردُ العلوم الإنسانيَّة في الإسلام
لِلإسلام مَنهجٌ متكامل في تَمحيص الأخبار والآراء والأفكار، وقبول ما وافق الْحَقَّ منها، ورَدِّ ما جَانَب الصواب، وهذا المنهج يقوم على عَرض هذه الأفكار على القواعد المستنبطة من مصادر العلوم البشريَّةِ، وهذه المصادر هي: الحسُّ المطبوع، والعقلُ المجموع، والشرع المسموع([1]).
أولاً: الحسُّ المطبوع: وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
حسُّ متصل: كاللمس والذوق.
حسُّ منفصل: كالسمع والرؤية والشم.
حسُّ البنية: كالشعور بالألم والحزن والفرح.
وبعض العلماء لا يفرق بين الحس المطبوع والعقل المجموع، ويجعل الحس من مباديء العقل الفطرية التي بها يتلقى العلوم، وهو ما سنلتزم به في كتابنا هذا. (1/3)
صفحة 4
ثانياً: العقل المجموع: فبالعقل يعرف الإنسان وجود الله تعالى ولو بدون أن يصله نبي أو رسول، فكل سكنة وكل حركة في الكون تَدُلُّ على وجود إله صانع مدبر، يقول تعالى:(;هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ);([2]).
ويقول الله تعالى:(;اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ;([3]).
والعقل: أفضل ما أنعم الله تعالى به على العبد؛ لأنَّ به يُعرف الْحَسَن من القبيح، وبه وَجَب الحمد والذم، وبه يلزم التكليف([4]).
يقول أبو يعقوب الورجلاني (ت: 570هـ): «أما بَعد؛ فإنَّ الحكمة الإلهية قد اقتضت وجود الخلق، واقتضى وجود الخلق العقل، واقتضى وجود العقل التكليف، واقتضى وجود التكليف الجزاء»([5]). (1/4)
صفحة 5
والناس تتفاوت في مداركها العقليَّة، كما تتفاوت في تركيبها الجسمي والنفسي، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ);([6]).
يقول أبو حامد الغزالي: «ومن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة فكأنَّهُ مُنخَلِع عَن رِبقَة العقل»([7]).
والعقلُ الذي نَعنيه في حَديثنا هو تلك القوَّة الإدراكيَّة المعيارية في الإنسان، والتي على أساسها حُمِّل أمانة الخلافَة، والتي على أساسها خوطب بالوحي ليتحمَّلَه فَهماً وتَطبيقاً. أمَّا البحث في ماهية العقل وكنهه فلا طائل وراءه، ولَم تثمر فيه المباحث من الفلسفة اليونانية وغيرها إلى اليوم([8]).
والعقلُ ليس وسيلة للكشف المباشر عن الْحَقِّ، بَل يسلك إلى الْحَقِّ طريقاً صارماً عبر ما يُسَمَّى بالنظر أو الفكر، وهذا الطريق يتَّصِف بالمرحليَّة والتدريج والترابط، فَهو طريق المقايسَةِ والموازنَة، والانتقال بين المقدِّمَات للوصول إلى النتائجِ، وبين المعاليم للوصول إلى المجاهيل([9]).
وقد قالَ التابعي الكبير جابر بن زيد: «العلم علمان: علمٌ في القلب فذلك العلم النافع، وعلم في اللسان فَذلكَ حُجَّة الله على ابن آدم»، والعلمُ أيضاً علمان، علم عقلي، وعلم سمعي. فالعلم العقلي: ما خَطَر بالقلب من التوحيد وغيره، ومعرفة الوعد والوعيد، وكذلك ما حَسُنَ في عقله وقَبُح مِمَّا لَم يأته خبره ولَم يسمع بذكره. والعلم السمعي: هو ما جاءَ به مُحَمَّد e من الشريعة والسنَّة وبينه من أحكام القرآن مِمَّا طرقَ سَمعه وجاءته صحَّته وقامت حجَّته بظواهر الآية([10]). (1/5)
صفحة 6
لكن يَجب علينا كذلك أن نُدرك أنَّ العقلَ الإنساني مَحكوم بظروف المادَّة فهي مَجال حركَته ومنطلق إبداعه، وإذا كان بِما جعل به مناطاً للتكليف قادراً في الإدراك على تَجاوزِ المادة إلى ما ورَاءها مِنَ الحقائق المجرَّدَة، وقادراً على إصابَة الحقيقَة في تَقدير السلوكِ الإنسانِي، فَإِنَّهُ في كُلّ ذلك مَحدود بِمَا قيد به من ظروف مادية يتحرَّك في مَجالها ويتَّخِذُ منها مُعطيات الإبداع.
وقد اكتشفَ الناسُ اليومَ خطأ ما ساد من وهم في بداية ازدهار الحضارة الغربية بأنَّ العقلَ الإنساني يتَّصِف بالقدرة على إصابَةِ الْحَقِّ المطلق، فبدَأ منذُ حين يُوضع في حَجمِه الحقيقِي الذي يكون به قادراً على إدراكِ الْحَقِّ، وتقدير الخير، ولكنَّهُ الْحَقُّ النسبي وَالخير النسبي أيضاً([11]).
فالعقل وإن كان هو الإساس في الوصول إلى معرفة الله، وذلك لأن المقدمات المطلوبة لحصول هذه المعرفة موجودة مبثوثة في الكون، إلا أن العقل ليس هو الأساس في الحكم على الاشياء بالحسن والقبح "التحسين والتقبيح"، وذلك لأن العقل يفتقد القدرة على الإحاطة بالمقدمات اللازمة للحصول على المعرفة الكلية للأمور، فلهذا لزم وجود الأصل النقلي "الوحي" لأنه بسبب ربانية مصدره محيط بكل المقدمات الضرورية لحصول المعرفة الكلية.
والعلوم العقلية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الواجب: وهو ما لا بدَّ منه، كمعرفة الفاعل عند وجود الفعل، يقول تعالى ?أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ?([12])، فالإنسان العاقل يلزمه معرفة وجود خالق لِهَذا الكون العظيم، فلكلِّ فعل فاعل، ولكلِّ مَخلوق خالق.
المستحيل: اجتماع الضدَّين، كاجتماع العلم بالشيء والجهل به في آن واحد. ومثل وجود شيء واحد في مكانين منفصلين.
الجائز: ما يَجوز في العقل وجوده وعدمه، وهو ما ليس بواجب وليس بِمستحيل، فيجوز وجود الشيء في مكان ما، ويَجوز أن لا يكون مَوجوداً هناك. (1/6)
صفحة 7
ثالثاً: الشرع المسموع: وهو الوحي، والوحي في أصل معناه تلك الطريقة في العلم التي يتلقَّى بِها النبيُّ من الله تعالى تعاليم الرسالة التي اختير لتبليغها إلى الناس ?وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ?([13]).
وقد أطلق على الوحي أسماء متعدِّدَة تَختلف في وجهة التسمية لَكِنَّها تلتقي كُلّها عند معنى التعاليم الدينيَّة التي مَصدرها الله تعالى، ومبلغها إلى الناس النَّبِيّ المرسل، ومن بين هذه الأسماء:
السمع: باعتبار أنَّ هذه التعاليم مسموعة للإنسان من قِبَلِ الأنبياء.
النقل: باعتبار أَنَّهَا مَنقولة عن الأنبياء.
الشريعة: باعتبار أَنَّهَا مشروعة من قِبَل الله تعالى.
النصُّ: باعتبار أَنَّهَا منضبطة في نصوص لغويَّة معيَّنة.
والوحي يتَمَيَّز بِخَصائص كثيرة منها:
أَوَّلاً: إِنَّه ربَّانِي المصدر، فهو من الله تعالى عالم الغيب والشهادة، والذي أحاط بِكُلِّ شَيْء عِلماً قال تعالى(;اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)([14]). (1/7)
صفحة 8
ثانياً: حقائقه مطلقة غير خاضعة للتعقيب الإنساني في ذاتِها، ودور الإنسان إزاءها إِنَّمَا هو دور الاستِجلاءقال تعالى (;وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا;([15]).
ثالثاً: من الوحي ما هو قطعيُّ الدلالَة، وهو الذي لا يَحتَمل إِلاَّ مَعنىً واحداً بِحيث يكون لَفظه نصًّا في معناه، فلا يَحتاج في فَهمه إلى غَيره، كقوله تعالى: ;(اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)
ومنه مَا هُو ظنِّي الدلالة، وهو الذي يتردَّد المعنى فيه بينَ وُجُوه مُحتَمَلة تَتَّسِع لَها أساليب العرب في القولِ، كالتردُّدِ بينَ الحقيقة والمجاز، وبينَ الإطلاق والتقييد، وبين العمومِ والخصوصِ. كقولِه تعالى: ;وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ;([16])
فَالقُرْءُ يَحتَمل أَن يُقصَد به الحيض([17])، ويحتمل أن يقصد به الطهر.
رابعاً: من الوحي ما هو قطعيُّ الورود: أي ثَبَتت له صفة الوحي عَلى وجه القطع، كالقرآن الكريم والسنَّة الْمُجتمع عليها، ومنه ما هو ظنِّي الورود: أي ثَبتت له صفة الوحي على سبيل الظنِّ، كالروايات الآحادية([18]).
يقول الشيخ عبد الله بن مُحَمَّد بن بركة (ق 4هـ): "والسنَّة على ضربين: فَسُنَّة قَد اجتمع عليها، وقد استغني بالإجماع عن طلب صحَّتِها، وسنَّة مُختَلف فيها، ولَم يَبلغ الكلّ علمها، وهي التي يقع التنازعُ بين الناس في صحَّتها. فلذلك تَجِب الأسانيد والبحث عن صحَّتِها ثُمَّ التنازع في تأويلها إذَا صَحَّت بِنَقلها، فإذا اختلفوا في حُكمها كانَ مَرجعهم إلى الكتابِ"([19]).
خامساً: مَا جاء به الوحي لا يُخَالف القطعِيَّات العقليَّة، وما يظنُّ أنَّه مُناقض للعقل ليس إِلاَّ مُتعالياً عَن فَهم العقل. (1/8)
صفحة 9
فكلُّ ما وافق المعقولَ والمتواتِرَ القطعيَّ الدلالَة من المنقولِ فَهو حجَّة على الإنسان يَجب عليه قبوله واعتماده، ولا يَجُوز عليه ردُّه وَإِنكَاره. أمَّا ما خَالف المعقول والمتواترَ من المنقولِ، فَاعلَم أَنَّهُ باطلٌ ولاَ تَتكلَّف البحث فيه.
يقولُ حَسن السقَّاف: "قَاعدة في كَيفيَّة التمييز بين أصول العقائدِ وفروع العقائد؛ الصواب في مَعرفة هذا الأمر، أنَّ أصولَ العقائدِ هي الأمور الثابتة بقطعي الدلالة وقطعي الثبوت، وهي التي وردت في القرآن، وأَجمعَت فِرق الإسلام المعتَدِّ بِهَا عليها. وفِرَقُ الإسلام الموجودَة المعتَدِّ بِهَا هي: الزيدية والمعتزلة والإباضية والشيعة وأهل السنَّة، ويَخرُجُ منهم - أي أهل السنَّة - كُلّ مَن انتَسَب إليهم، وكان في الحقيقة مُشبِّهاً أو مُجَسِّماً بِمَعنى أَنَّهُ كَرامِيّ المذهب، ويَخرج من كُلِّ فرقة أيضاً الشذاذ المشهورون كابن الوزير والشوكاني عند الزيديَّة، والنظَّام عند المعتزلة، ونَحوهم عند غَيرهم"([20]).
-----------------------------------------------------------------------------
[1]) أبو يعقوب الوارجلاني: العدل والإنصاف، 1/ 14.
[2]) سورة يونس: 5-6.
[3]) سورة إبراهيم: 32-34.
[4]) محمد بن إبراهيم الكندي: بيان الشرع، 2/ 228.
[5]) الوارجلاني: العدل والإنصاف، 1/ 3.
[6]) سورة فاطر: 27-28.
[7]) أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، 1/ 88.
[8]) عبد المجيد النجّار: خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، ص58.
[9]) النجّار: خلافة الإنسان، ص60.
[10]) سلمة بن مسلم العوتبي: الضياء، 1/ 36.
[11]) النجّار: خلافة الإنسان، ص62.
[12]) سورة إبراهيم: 10.
[13]) سورة الشورى: 51.
[14]) سورة البقرة: 255.
[15]) سورة الأحزاب: 36.
[16]) سورة البقرة: 228. (1/9)
صفحة 10
[17]) وهو القول الأصوب لِمَا ثبت عن النَّبِيّ e أنَّه قال: «الرجل أحقُّ بامرأته ما لَم تغتسل من الحيضة الثالثة» مسند الربيع بن حبيب: رقم 542، ونسبه الشيخ هود بن مُحكّم الهواري (ت 290هـ) في تفسيره (1/ 215) إلى عمر بن الخطاب وابن مسعود وعلي وابن عباس وأبي موسى الأشعري وعمران بن حصين والحسن البصري.
[18]) النجار: خلافة الإنسان، ص56. بتصرف.
[19]) عبد الله بن مُحَمَّد بن بركة: الجامع، ج1ص280.
[20]) حسن السقاف: شرح العقيدة الطحاوية، ص120.
---
الحديث الآحاد والعقائد:
يُعلِّمُنا القرآن الحكيم المنهجَ القويم في التعامل مع الأخبار والروايات حَتَّى لاَ نَنْزَلق وراءَ أَهوَاء البشَر، ونَضِيع في دائرة أوهامهم، إذ يَقولُ تَعالى: (;يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ);([1]).
وقَد استفَاضَت الأخبارُ في أنَّ هذه الآية نَزلَت في الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط الذي أمرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالذهاب إلى بَني المصطلق لِيَجمع الزكاةَ، وفي منتصف الطريق أَوهَمَه الشيطانُ أنَّ القومَ سَيغدِرون به بسبب ثَأر بَينهم في الجاهلية، فرجع إِلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقالَ له: إنَّ القومَ مَنعوني الزكاةَ وَأرادوا قَتلي. فَنَزَلت الآية لتفضَحَ أَمره([2]).
وبَينَما يقولُ أهل الحديثِ إنَّ الصحابَةَ كُلّهم عدول لاَ يَرقى إليهم جَرحٌ([3])، نَجِد أنَّ الله تَعالى قَد أَثبت في الكتابِ العزيز أَنَّهُم رُبَّمَا يَكذبون في رِوَايتهم!. فكيف بِغَيرهم من الناسِ؟!. (1/10)
صفحة 11
إنَّ هذَا النصَّ القاطِع من الكتاب العزيز يُوَضِّحُ لنا أنَّ الشخصَ الذي يَأتينا بِالخبر لا يُمكن أن نَقطَع بِصِدقه مَا لَم يَكن معصوماً كالأنبياء، أمَّا الصحابَةِ ومَن دونَهم فهم غير معصومين من الكذب والوهم والنسيان، فلهذا فإنَّ مُبلِّغ إفادَة خبر الرجل الثقة هوَ العلم الظنِّي الذي يَحتمل الصدقَ والكذبَ، ولا يُمكن أن يصلَ خَبر هذا الشخصِ الواحد - الآحادي كما في مصطلح علم الحديث - غير المعصوم إلى درجة العلم اليقيني إِلاَّ إن جاء من طريق مَجمُوعة كبيرة منَ الناسِ يَستَحيل تواطؤهم جَميعاً على الكذبِ، وهذا الخبرُ يُسَمَّى ساعتها بالخبر المتواتر.
¨ ومن الدلائل على ظنِّية الحديث الآحاد:
أَوَّلاً: العوامل البشريَّة الداخليَّة التي تَعتَوِر الراوي، وهي نوعان: إرادية: كالكذب والتدليس، ولا إرادية: كالوهم والخلط والذهول والنسيان.
وعوامل خارجية: كالحذف والبتر، وسقوط الكلمات أثناء النسخ، والرواية بالمعنى، هذه العوامل تتناقص كُلََّمَا ازداد عَدد رواة الخبر.
ولا يُجادل في هذه العوامل لظهورِ دلائلها، إِلاَّ أنَّ بعض أهل الحديث قَد يَستنكر جوازَ الوهم والنسيان للرواة، والحجَّة عَليهم وصف رَبِّ العالمين لآدم عليه السلام بِالنسيان حينَ قالَ: (;وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا);([4])، وكذلك الأمرُ بالنسبَة لِموسى عليه السلام حينَ قال:تعالى );قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا);([5]).
فإذا جازَ وصفُ الأنبياء بِالنسيان - في غير الوحي المعصوم - فكيفَ برواة الحديثِ؟ هذا إذَا سَلَّمنا بعدالَة الراوِي، وإلاَّ فالباطنُ لا يَعلَمه إِلاَّ الله، فَلرُبَّمَا كانَ هذا الرجلُ مظهراً الاستقامة، مُبطناً النفاق والعداء للإسلام كمَا هو الحالُ مَع الزنادقة. (1/11)
صفحة 12
وقد أقرَّ ابن خُزيمة بِجواز نسيان الصحابَة لبعض الحديثِ حَيث قال: "فأصحابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رُبَّمَا اختصروا أخبارَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إذا حدَّثوا بِها، وربَّما اقتصُّوا الحديث بتمامه، وَرُبَّمَا كان اختصاراً بعدَ الإخبار، أو بعضَ السامعين يَحفظ بعضَ الخبر، ولا يَحفظ جميع الخبر، وَرُبَّمَا نَسي بعد الحفظ بعض المتن"([6]). فإذا كان هذا هو حال الأنبياء والصحابة فكيف بِمن هم دونَهم؟!.
ثانياً: لَو كان كُلُّ خبر يفيد العلم القطعيَّ لَما تعارض خبران، ولأفاد كلاهما علم قطعي منفصل، بينمَا الواقع يُخالف ذلك، فَكَم سَمعنا من زيد ما يُخالف كلام عمرو، فتصديق النقيضين واعتقادهما من العبث، فَلهذا كانَ الخبر الآحاد ظَنِّياً، فإذا جاء خَبر آخر إمَّا أن يَعضده ويقوِّيه، أَو أن يَدمَغه ويُلغيه، وهذا هو المشاهد في واقع حياة البشر الاجتماعيَّة والعلميَّة.
ثالثاً: إنَّ تصحيح الأحاديث وتضعيفها هي أمور في أصلها ظنِّية، يقول ابن الصلاح: "ومتَى قالوا: هذا حديث صحيح، فَمعناه أَنَّهُ اتَّصل سَنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليسَ مِن شَرطه أن يكون مَقطوعاً به في نفسِ الأمر، إذ منه ما يَنفَرِد بِروايته عدد واحد"([7]).
والله تَعالى يَأمرنا في كتابه العزيز أن لا نَأخذ بدواعي الظنِّ في عَقيدتنا، بل يَجب علينا أن نَأخذ بالدلائلِ القطعيَّة والحقائقِ اليقينِيَّة لبناءِ حِصن العقيدَة الراسخِ، يَقول تَعالى: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ؟ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ);([8]). (1/12)
صفحة 13
فالله تَعالى في هذه الآية يُحاور المشركينَ في مسألة العقيدَة والتوحيدِ، ثُمَّ يُتبِع هذا بقوله:(;وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ، وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ);([9]).
فهذه الآيَة الكريمة تَدُلُّ على أن الإنسان يَجب أَلاَّ يَعتمد في عقيدته إِلاَّ على القطعي اليقيني من الأخبار كالقرآن الكريم، والسنة المجتمع عليها عند الأمَّةِ، والعلوم الكونية الثابتة التي تفيد علماً ضرورياً لا يجد القلب تردداً في قبوله واعتقاده، وقد سُفِّه حالُ الكافرين الْمُتَّبعين للظنِّ كأخبار الآحادِ.
ويقولُ الله تعالى: (;وَالذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(;([10])، فالقرآنُ الكريم يأمرنا باستشهادِ أكثر من رجل في قضايا المعاملات، والدعاوي كالزنا وغيرها، فإذا كان الدَّين وقضايا الزنا تَحتَاج إلى أكثر من شَاهد عدل، فكيف بالعقيدة التي هِيَ مدار العلاقة بين الفرد وربِّه؟!. (1/13)
صفحة 14
مِن هنا أَجْمعت الأمَّة على وجوب التواترِ في هذه الأخبارِ الواردة عَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم لكي يُبنَى عَليها العلم اليقيني الضرورِي الذي لا يَجد الإنسان دفعاً له في قلبه، والذي يُمكن أن يُؤسِّس عليه عقيدة راسخة لا يَجوز مُخَالفتها، بَينما تَمَّ الإجماعُ أيضاً على أنَّ الأخبارَ التي تَأتي مِن طُرقٍ أقلّ من حدِّ التواتر فَهي أخبار آحاد تفيد الظنَّ، مُوجبة للعمل إن كانت متَّفِقة ومنظومة مع القواعدِ المحكمة المستنبطَة من النصوصِ القطعيَّة من الكتاب العزيز والسنَّةِ المجتمَع عليها والدلائل الكونية القطعية الثابتة، لَكِنَّها لا تصلح لتأسيس بنيان العقيدة.
يقول النووي: "وأمَّا خَبر الواحد فهو ما لَم يوجد فيه شروط المتواتر، سواء كان الراوي له واحداً أو أكثر. واختلف في حكمه، فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدِّثين والفقهاء وأصحاب الأصول أنَّ خبر الواحد الثقة حجَّة من حجج الشرع، يلزم العمل بِه ويُفيد الظنَّ ولا يفيد العلم، وأنَّ وجوبَ العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل"([11]).
والكلام عَن خَبر الواحد إِنَّمَا هو عن الخبر الموافق لِمنظومة القواعد العامَّة التي رَسَّختها نصوص القرآن الكريم، والسنَّة المجتمع عليها، ودلائل العقل السليم.
واختلف في أقلِّ حدٍّ للتواتر؛ فقيل: خَمسة طرق، وقيل: عشرة في كُلِّ طبقة من طبقات الإسناد، وقيل: أكثر من ذلك، بَيد أن هناك شرطاً مُهمًّا للتواتر، وهو اتِّفَاق ثقاتِ الأمَّة من الصحابة وتابعيهم بإحسان عليه، وعدم اختلافهم فيه.
يقول الشيخ ابن بركة: "والسنَّةُ على ضربين: فسنَّة قَد اجتمع عليها، وقد استغني بالإجماع عن طلب صحَّتِها. وسنَّة مُختلف فيها، ولَم يَبلغ الكلُّ عِلمها، وهي التي يقَع التنازعُ بينَ الناس في صحَّتِها"([12]). (1/14)
صفحة 15
والرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته هم من أكثر الناس تطبيقاً لقاعدة ظنِّية الخبر الآحاد، وعدم القطع بصحَّتِه. ومن أمثلة ذلك: "أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى الظهر أو العصر ركعتين، فقال له رجل يُعرَف بذي اليدين: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : لَم أَنسَ ولم تقصر. ثُمَّ قال للناس: أكما قال ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدَّم وصلَّى ما ترك"([13]). فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم لَم يَكتف في هذه الرواية بِخَبر ذي اليدين، فأراد أن يتأكَّد ليقطَعَ الشكَّ باليقين، علماً بأنَّ القضيَّة عمليَّة وليست اعتقاديَّة.
وأبو بكر الصديق حينَ جاءته جدَّة تُريد أن تورَّث، فقال لَها: ما أجد لك في كتاب الله شَيئاً، وما علمت أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك، ثُمَّ سألَ الناسَ، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس، فلَم يَتيَقَّن أبو بكر من كلاَمِه فقال له: هَل معك أحد؟ فشَهِد مُحمَّد بن مسلمة بِمثل ذلك، فأنفذَه أبو بكر([14]).
أمَّا عمر بن الخطاب فَحين أَخبره أحد الأنصار عن قصَّة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مع زَوجاته ونزولِ قوله تعالى: (;إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا);([15]) في زَوجات النَّبِيّ، لَم يقطع عمر بصدق الخبر فذهب بنفسه لسؤال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
وجاءه أبو موسى الأشعرى فاستأذن ثلاث مرَّات فلم يُؤذَن لَه فَرجَع، فأرسلَ عمر في أثَره قال: لِمَ رجعت؟ قال: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سلَّمَ أحدكم ثلاثاً فلم يُجَب فَليرجع»، فلم يقطع عمر بصدق خبره وقال له: والله لتقيمن عليه بيِّنَة. أمنكم أحد سَمعه من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ؟ فأكَّد له أبَيّ بن كعب صِدق كلام أبي موسى([16]). (1/15)
صفحة 16
كما أَنَّهُ حين أخبرته فاطمة بنت قيس أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لَم يأمر لَها بصدقة أو سُكنى حين طلَّقها زوجها، لَم يُصدِّقها ورَدَّ خَبَرها لِمخالفته قوله تعالى: (;يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ، وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ);([17])، فقال: لاَ نَدَع كتاب ربِّنَا بِقَول امرأة جَهِلت أو نسيت([18]).
أَمَّا السيِّدَة عائشة - رضي الله عنها - فَقَد رَدَّت خَبَر فاطمة بنت قيس الذي ردَّه عمر كما رأينا سابقاً لِمُخالفته كتاب الله تعالى([19]).
كما أَنَّها ردَّت مَا رواه عمر بن الخطاب أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الْمَيِّت لَيعذَّب ببكاء أهله عليه»([20])، وقالت: "يَرحم الله عمر، والله ما حدَّث رَسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله لَيعذَّب المؤمن ببكاء أهله عليه"، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله لَيَزِيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه» وقالت: "حَسبكم القرآن (;وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى;([21])"([22]). كما رَدَّت ما رواه ابن عباس أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت رَبِّي U"([23])، وفي رواية أنَّ ابن عباس قال: «رَآه بِقَلبه»([24]).
فَحين سألها مسروق: هل رأى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم رَبّه؟ قالت: لقَد قفَّ شَعري مِمَّا قُلت، أَين أنت من ثلاث من حدَّثَكهنَّ قَد كذب؟ من حدَّثَك أنَّ مُحَمَّدا قَد رَأى ربَّه فقَد كذب. ثُمَّ قرأت: (;لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ);([25 (1/16)
صفحة 17
قال تعالى(;وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ;([26])"([27]). وردَّت خَبَر أبى ذرٍّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم في قطع الحمار والكلب الأسود والمرأة للصلاة([28])، كما ردَّت خَبَر ابن عمر الذي فيه أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمَر في رجب([29]).
وتفعيلاً من الصحابة لقاعدة ظنِّية الآحاد وقطعيَّة المتواتر لَم يَقبل الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - أَثناء جَمعهم للقرآن الكريم أخبارَ الآحاد، يَقول ابن كثير: "وأمَّا إن روي على أَنَّهُ قرآن فَإنَّهُ لَم يتواتَر فلا يثبت بِمثل خَبر الواحد قرآن، ولِهذا لَم يُثبِته أمير المؤمنين عثمان بن عفان t في المصحف"([30]).
وقد يُقال: لِماذا فرَّقتم بينَ أمر العقيدة والفقه بِحَيث اشترطتم التواتر في العقيدة ولَم تَشتَرطوه في الفقه؟
يُجَاب بأنَّ أسبابَ اشتراطِ التواتر في العقيدة قد بيَّنَّاه سابقا مُدعَّمًا بالأدلَّة القطعيَّة من القرآن والسنَّة، أَمَّا عدم اشتراطنا للتواتر في أمور الفقه فهو نتيجة للأدلَّة القطعيَّة من الكتاب العزيز الذي يَأمرنا بقبول شهادة رَجُلَين فقط في مسألة الدين، وقبول شَهادة أربعَة أشخاص في مسألة الزنا، كمَا أنَّ الله تَعالى قد وجَّه الزوجين إلى التراجع عن طلاقهما إن هُم ظَنَّا أَن يَعملا بأحكامِ الأسرَة التي شَرعهَا الإسلام، يقول تعالى: (;فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ);([31]). (1/17)
صفحة 18
هذا بالإضافة إلى أَنَّهُ ثَبَت بالسنَّة المتواترة وجوب قبول خَبَر الآحاد في المسائل العمليَّة، وللبخاري في صَحيحه باب كامل يؤكِّد فيه على أنَّ الحديثَ الآحاد يوجب العمل، وأَسْمى هذا الباب "باب ما جاء في إجازة خَبَر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام" وفيه الأحاديث من 7246 إِلَى 7267.
وكذلك جاء تَطبيق الصحابة لقاعدة قبول خَبَر الآحاد غير المصادمِ للنصوص القطعيَّة والدواعي العقلية والقوانين الكونية، والذي يتوافَق وكليَّات الشريعة وعمومات الكتاب العزيز في المسائل العملية التي لا نصَّ فيها، حيث اختلفَ الناس في مسألة دخول البلد التي حلَّ بِها الطاعون حين خرجَ عمر بن الخطاب t إلى الشام حَتَّى أخبرهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بأنَّه سَمِع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سَمِعتم الطاعون بأرض قوم فلا تُقدِّمُوا عليه وإذَا وقع بأرض وأنتم بِها فلا تَخرُجوا منها» فعمل الصحابة بِمَا أخبرهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ([32]) لِموافقته الخبرة البشريَّة التي تَدُلُّ على انتقال الطاعون عَن طريق الاقتراب من الشخصِ المصابِ، وموافقته عموم قوله تعالى (;وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ);([33]).
بَيد أنَّ أهل الحديث عارضوا إجماع الأمَّة بأنَّ خَبر الآحاد لا يُفيد العلمَ وقالوا: "إنَّ الحديثَ الآحاد حجَّة في مَسائل العقيدَة"، وهذا الموقفُ المتزمِّت المعارض لإجماع الأمَّةِ نابع من اكتشافهم أنَّ الروايات التي يَتشبَّثُون بِها لبنيان صرح فكر التجسيم والتشبيه الهش الذي يعتقدونه لا تُحقِّق شرط التواتر فهي كُلّها آحادية.
يقول إبراهيم بن أحمد بن شاقلا (ت: 269هـ) مقرِّراً مَذهب أهل الحديث في قبول الحديث الآحاد في العقائد وأنَّه يفيد العلم القطعي عندهم: "ولَمَّا كانت أخبار الآحاد في الصفات لا توجب عملاً: دلَّ ذلك على أَنَّها موجبة للعلم"([34]). (1/18)
صفحة 19
وقال عبد العزيز الراجحي: "قد أجمع الصحابةرضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان، على قبول أخبار الآحاد، سواء كان ذلك في الأصول - أي المسائل الاعتقاديَّة- أم الفروع، ولَم يُخَالف منهم أحد"([35]).
وقد أسرف الراجحي كثيراً عندمَا وصف من قال بظنِّية الحديث الآحاد بأنَّه زنديق مُلحِد، حيث يقول: "وسَمَّى هذا التعيس كتابه بـ "السيف الحادِّ على مَن أخذ بالحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد"، فلزم لذلك "قُدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد القائلين بعدم الأخذِ بالحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد" لِيُعملوا سيوفهم في رقابِهم، ويَجعلوهم عبرة لبقية أذنابهم"([36]).
وذلك؛ لأنَّ أَحمد بن حنبل إمام أهل الحديث يُقرُّ بظنِّية الحديث الآحاد!، فقد نقل عنه ذلك أبو مُحمَّد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي الحنبلي (ت: 488هـ) في مقدِّمَته في عقيدة أحمد بن حنبل وأصول مذهبه التي ضمنها ابن أبي يعلى كتابه "طبقات الحنابلة"، قال أبو مُحمَّد: " فأمَّا خَبَر الآحاد: فيوجب العمل بِمُوجبه، والمصير إلى حكم نُطقِه، دون القطع بعينه، وإنَّما يحسن فيه الظنُّ بالناقل أو الجهل بالرواي. وقد حُكي عن بعض أصحابه أَنَّهُ يقول: إِنَّه يوجب العلم. ومَا وَجدته من لفظه، ولا أظنُّه يذهب إليه"([37]).
والكلام الذي ذكره ابن شاقلا والراجحي مُخالف للحقائق التاريخيَّة، فقد نقلنا إقرار النووي - وهو من أئمَّة الحديث - إجماع الأمَّة على ظنِّية الحديث الآحاد، كما بيَّنا ذَلِكَ في الأمثلة السابقة كيف ردَّ الصحابة الكثير من الرويات التي جاء بِها صحابة آخرون!.
والظاهر أنَّ أكثر متأخِّري أهل الحديث الذين تأثَّروا بالمدارس الكلاميَّة خالفوا توجُّه أئمَّتهم، وأقرُّوا بظنِّية الحديث الآحاد كما قال النووي، ومن أئمَّة الحديث المعتبرين لَدى الراجحي والذين أقَرُّوا بظنِّيَة الخبر الآحاد: (1/19)
صفحة 20
1-الذهبي الذي قال: "فَفي هذا دليل على أنَّ الخبرَ إذا رَواه ثقتان كانَ أقوى وأرجح مِمَّا انفرَد به واحد، وفي ذلك حضٌّ على تكثير طرق الحديث لِكي يَرتقي عن درجة الظنِّ إلى درجة العلم، إذ الواحد يَجوز عليه النسيان والوهم ولاَ يكاد يَجوز ذلك على ثِقَتين لَم يُخالفهما أحد"([38]).
2- ابن كثير الذي قال: "وَأَمَّا إن رُوِي على أَنَّهُ قرآن ولَم يتواتر فلا يَثبت بِمثل خبر الواحد قرآن، ولهذا لَم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان كرم الله وجهه في المصحف"([39]).
وهناك الكثير منهم أقرَّ بوجوب ردِّ الخبر الآحادي إذا خالف منظومة القواعد العامَّة المستنبطة من نصوص الكتاب العزيز، والسنَّة المجتمع عليها، والثوابت العقليَّة القطعيَّة.
يقول الخطيب البغدادي (ت: 463هـ): "ولاَ يُقبل خبر الواحد في مُنافاة حكم العقل، وحكم القرآن الثابت المحكم، والسنَّة المعلومة والفعل الجاري مَجرَى السنَّة وكلّ دليل مقطوع به"([40])، ونقل السيوطي (ت: 911هـ) موافقة ابن حجر العسقلاني (ت: 852هـ) لقول الخطيب البغدادي السابق([41]).
وقال ابن الجوزي (ت: 597هـ): "المستحيل لو صدر عن الثقات رُدَّ ونسب إليهم الخطأ. ألاَ ترى أَنَّهُ لو اجتمع خلق من الثقات فأخبروا أنَّ الجمل قَد دخل في سمِّ الخياط لَما نَفعتنا ثقتهم ولا أثَّرت في خَبرهم؛ لأنَّهم أخبروا بِمستحيل، فكلُّ حديث رأيته يُخالف المعقولَ، أَو يُناقض الأصولَ، فَاعلم أَنَّهُ مَوضوع، فلاَ تَتكلَّف اعتباره، واعلم أَنَّهُ قَد يَجِيء في كتابنا هذا من الأحاديث ما لا يشكُّ في وضعه، غير أَنَّهُ لا يتعَيَّن لنا الواضع من الرواة، وقد يَتَّفق رجال الحديث كُلُّهم ثقاة والحديث موضوع أو مقلوب أو مدلَّس"([42]).
وقال ابن كثير (ت: 774هـ): "معرفة الموضوع المختلق المصنوع وعلى ذلك شواهد كثيرة منها. مُخالفة لِما ثبت في الكتاب والسنَّة الصحيحة"([43]). (1/20)
صفحة 21
الأخبار الآحادية التي ينقلها غلاة أهل الحديث
من بين المشاكل التي أفرزها استئثار أهل الحديث وانفرادهم بالبثِّ في عدالة الرواة والفقهاء، استغلالهم هذه الفرصة لتجريح مُخالفيهم في الفكر والعقيدة، وتعديل موافقيهم في الفكر.
يقول الكوثري في مقدِّمة كتاب "نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية" للزيلعي: "وقال ابن الجوزي في "التلبيس": ومِن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث، قدح بعضهم في بعض، طلباً للتشفِّي، ويخرجون ذلك مَخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمَّة، للذبِّ عن الشرع، والله أعلَم بالمقاصد، ودليل خُبثِ هؤلاء سكوتهم عمَّن أَخذُوا عنه"اهـ.
ومِن نَماذج هذا التعصُّب البارد من أهل الحديث تَجريحهم للإباضيَّة ومَن سار في دَرب معارضتهم للسلطة الأمويَّة، ويكفِي الروايات التي حُشِّيَت بِها كتب الحديث والتي تدعو إلى قتلهم واستباحة أموالهم ونسائهم!، فقد حَشَرهم البخاري في زمرة الملاحدة الذين يَجوزُ قتلهم([44]).
وقد نَفَّر أهل الحديث من كُلِّ من شَمُّوا منه رائحة الفكر الإباضي حَتَّى وصَل بِهم الأمر إلى ردِّ روايات التابعيِّ الكبير عِكرمة مَولى عبد الله بن عباس بِسَبب اتِّهامهم إيَّاه بأنَّه يرى رَأي الإباضيَّة، عِلماً بأنَّ عِكرمة كان من أَفضَل التابعين، حيث يقول عنه ابن منده: "أمَّا حال عكرمة في نفسه فَقد عدَّله أمَّة من التابعين منهم زيادة على سبعين رجلاً من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة تكاد لا تُوجد منهم لكبير أحد من التابعين"([45]).
وينقل لنا الذهبي رأي أهل الحديث فيه قائلاً: "أحد أوعية العلم، تُكلِّم فيه لرأيه لا لِحفظه فاتُّهِم برأي الخوارج. ابن المديني عن يعقوب الحضرمي عن جدِّه قال: وكان يرى رَأي الإباضيَّة. وعن عطاء بن أبي رباح أنَّ عكرمة كان إباضياً"([46]). (1/21)
صفحة 22
يقول الفخر الرازي: "إنَّ هؤلاء المحدِّثين يُخرجون الروايات بأقلِّ العلل، مثل: أنَّه ناقل الرواية، وكان مائلاً إلى حبِّ عَلِي فكانَ رَافضياً فلاَ تُقبل روايته، ومثل: كانَ مَعبد الجهني قائلاً بالقدَر فلا تُقبل روايته، وما كان فيهم عاقل يقول: إِنَّه (أي الرواي) وصف الله تعالى بِما يبطل إلهيته وربوبيَّته فلا تقبل روايته. إنَّ هذا من العجائب"([47]).
فلهذا فقَد نبَّه الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة إلى وجوب الاحتياط في الأخذ من غلاة أهلِ الحديث الذين يَنشرون التجسيم والإرجاء حيث يقول: "لاَ يَنبغي أن تأخذ العلم من مُبتدع؛ لأنَّه يَدعو لبدعته، ولاَ مِن سفيه يَدعو إلى سفهه، ولا مِمَّن يكذب وإن كان صادقاً في فَتواه، ولا مِمَّن لا يفرز مذهبه من مذهب غيره"([48]).
ويقول الشيخ ناصر بن أبي نبهان مُحذِّراً طلبة العلم من الأخذ من أهل الحديث: "وذلك من دانَ برؤية الباري، وأنَّ مُحمَّدا رآه في الدنيا بِعينه، فليس بِحُجَّة فيما يَنقله عن النَّبِيِّ e، ولا عَن الصحابة، مِمَّا لَم تَقم على صحَّته الحجَّة على غَيرهم من الفرق؛ لأنَّ ذلك مُتَّهَم، والمبطل لا يكون حجَّة على أحد في شَيْء لَم تَقم عليه الحجَّة بصحَّة ذلك"([49]).
وقال أيضاً متسائلاً: "وعلى هذه الصفة هل هُم أمناء على نقل الأخبار عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه؟ وهل هم حجَّة على أحد من المسلمين؟ وهل تصحُّ شَهادتهم، وتُقبَل على غَيرهم من أهل الحقِّ في دِرهم واحد؟"([50]). (1/22)
صفحة 23
ويقول ابن بركة مُوضِّحاً أسبابَ التوجُّس من روايات أهل الحديث: "ومُخالفونا يُنكرون منَّا أنَّا لا نَقبل أحاديثهم ونقلدُّهم فيها، وفيهم عبد الملك بن مروان وأعوانه. واحتجَّ بعض أصحابنا بأَن قال: إنَّ الله تَعالى نَهانا عن تَصديق هؤلاء، وأن يوجب شيئاً من تفويض الدين إليهم بإجماع، قال: لأنَّ المخبِرَ شاهد، وكلُّ شاهد ليس بِعَدل، فَهو مردودُ الشهادة عقوبة على فِسقِه وفجوره، وليكن زَاجراً مِن عمله، وإنَّ ذلك من حكم القرآن لاَ مِن قِبَل الرأي، قال الله جلَّ ذكره: (;مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء); ومن نَتَّهمه لا نَرضاه في خَبَرٍ قال الله جلَّ ذكره: (;وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ); فَأخبر بأنَّ الخيار هُم الشهداء، والحجَّة لله على خلقه"([51]).
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) سورة الحجرات: 6.
[2]) تفسير ابن كثير 4/ 228.
[3]) ابن الصلاح: مقدمة ابن الصلاح في علم الحديث، ص182.
[4]) سورة طه: 115.
[5]) سورة الكهف: 73.
[6]) ابن خزيمة: التوحيد، ص519. تحقيق سَمير الزهيري.
[7]) ابن الصلاح: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، ص21.
[8]) سورة يونس: 35.
[9]) سورة يونس: 36- 37.
[10]) سورة النور: 4.
[11]) النووي: شرح صحيح مسلم، 1/11-112.
[12]) ابن بركة: الجامع، 1/280.
[13]) أخرجه البخاري (ر1227) ومسلم 97 (573). والرواية تشير كذلك إلى مُحاكمة الصحابي فعل النَّبِيّ e بالمستقرِّ المجمع عليه من العمل، بينما تَجد أهل الحديث لو صحَّ عندهم برواية أحادية أنَّ النَّبِيّ e صلَّى صلاة رباعيَّة ركعتين من غَير عذر لاعتبروها سنَّة يُكفِّرون مَن خَالَفَها!.
[14]) الذهبي: تذكرة الحفاظ، 1/ 6.
[15]) سورة التحريم: 4.
[16]) البخاري، ر6245.
[17]) سورة الطلاق: 1.
[18]) مسلم (3710) 46- (1480). (1/23)
صفحة 24
[19]) مسلم (3703) 40- (1480).
[20]) البخاري 1286 و1287.
[21]) سورة الأنعام: 164.
[22]) البخاري، 1288.
[23]) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 4/ 275، في تفسير سورة النجم الآية5-18، والحديث رواه أحمد وعلق عليه ابن كثير قائلاً: إسناده على شرط الصحيحاهـ.
[24]) مسلم [436]284-(176).
[25]) سورة الأنعام: 103.
[26]) سورة الشورى: 51.
[27]) البخاري، 4855. ومسلم (439) 287- (177).
[28]) مسلم (1137) 265- (510).
[29]) البخاري 1775 و1776. ومسلم (3036) 219- (1255).
[30]) ابن كثير في تفسيره، 1/ 336.
[31]) سورة البقرة: 230.
[32]) البخاري، 5729.
[33]) سورة البقرة: 195.
[34]) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، 2/ 119.
[35]) عبد العزيز الراجحي: قدوم كتائب الجهاد، ص8.
[36]) الراجحي: قدوم كتائب الجهاد، ص7.
[37]) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، 2/ 245-246.
[38]) الذهبي: تذكرة الحفاظ، 1ص6.
[39]) ابن كثير: في تفسير قوله تعالى: ?حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ? (البقرة: 238) 1/ 336.
[40]) الخطيب البغدادي: الكفاية، ص432.
[41]) السيوطي: تدريب الراوي، 1/ 325.
[42]) ابن الجوزي: الموضوعات، 1/ 65.
[43]) أحمد شاكر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير، ص74.
[44]) البخاري: باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، انظر فتح الباري، 14/ 286.
[45]) ابن حجر العسقلاني: إرشاد الساري، ص597-602
[46]) الذهبي: ميزان الإعتدال، 3/ 93-97. وقد خالف البخاري أهل الحديث، واحتجَّ بعكرمة في أكثر من موضع، كما احتجَّ به بعضَ أصحاب السنن.
[47]) الفخر الرزاي: أساس التقديس، ص63.
[48]) عمرو بن خليفة النامي: دراسات عن الإباضية، ص127.
[49]) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة، 7/ 317.
[50]) نفس المصدر السابق، 7/ 292.
[51]) عبد الله بن مُحمَّد بن بركة: الجامع، 2/ 314-315. (1/24)
صفحة 25
إشكاليَّة تعارض العقل والنقل
من بَين القضايا الأساسيَّة التي أدَّت إلى انزلاق أهل الحديث في مُنحَدَر التعامل الجزئي مع نصوص الشريعة الغرَّاء وصولاً إلى الإسفافِ الفقهي والعقدي المتمثِّل في عقيدة التجسيم وغيرها من الشَّطَحَات الفقهيَّة، هي قَضيَّة: أيُّهما أحقُّ بالتقديم العقل أم النقل، الرواية أم الرأي، وأبرزُ مَن تَعرَّض لِمناقشة أهل الحديث في هذه القضيَّة الفخر الرزاي في كتابه "أساس التقديس" حيث تَوصَّل بعدَ النظر والتحليل إلى النتيجة التالية: "الدلائل القطعيَّة العقليَّة إذا قَامت على ثُبوت شَيء، ثُمَّ وجدنا أدلَّة نقليَّة يُشعِر ظاهرها بِخلاف ذلك، فهناك لا يَخلو الحال من أحد أمور أربعة:
- إمَّا أن يُصدَّق مقتضى العقل والنقل فَيلزم تصديق النقيضين وهو مُحال.
- وإمَّا أن يُبطَل فيلزم تكذيب النقيضين وهو مُحال.
- وإمَّا أن يُصدَّق الظواهر النقليَّة ويُكذَّب الظواهر العقليَّة، وذلك باطل؛ لأنَّه لا يُمكننا أن نَعرفَ صحَّة الظواهر النقليَّة إلاَّ إذَا عرفنا بالدلائل العقليَّة إثبات الصانع وصفاته، وكيفيَّة دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وظهور المعجزات على مُحمَّد صلى الله عليه وسلم. ولَو جوَّزنا القدح في الدلائل العقليَّة القطعيَّة لَصَار العقل مُتَّهماً غير مقبول القول، ولو كان كذلك لَخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لَم تَثبت هذه الأصول خرجَت الدلائل النقليَّة عن كونها مفيدة، فثبت أنَّ القدحَ لتصحيحِ النقلِ يُفضي إلى القدحِ في العقل والنقل معاً وأنَّه باطل. (1/25)
صفحة 26
- ولَمَّا بَطلَت الأقسام الأولى لَم يَبق إِلاَّ أن يُقطَع بِمقتضى الدلائل العقليَّة القاطعة بأنَّ هذه الدلائل النقليَّة، إمَّا أَن يُقال: إِنَّها غَير صحيحة، أَو يُقَال: إِنَّهَا صَحيحة إِلاَّ أنَّ المرادَ منها غَير ظواهرها. ثُمَّ إن جوَّزنا التأويلَ وَاشتغلنَا عَلى سبيل التبَرُّع بذكر تلك التأويلات على التفصيلِ، وإن لَم يَجُز التأويلُ فَوَّضنا العلم بِها إلى الله تعالى.
فهذَا هو القانونُ الكلِّي الْمرجوع إليه في جَميع المتشابهات"([1]).
إِلاَّ أنَّ ابن تيميَّة تعقَّبَه، وانتصرَ لِمذهب أهل الحديث بالقولِ: "إذَا تعارضَ الشرع والعقل وجبَ تقديم الشرع؛ لأنَّ العقل مصدِّق للشرع في كُلِّ ما أخبر به، والشرع لَم يصدق العقل في كُلِّ ما أخبره به"([2]). (1/26)
صفحة 27
يَرى لُؤي صافي في كتابه المميَّز جدًّا "إعمال العقل" أنَّ إشكاليَّة تعارض العقل والنقل لَم تنبع أصلاً من داخل العقل الإسلامي الذي تشكل بتأثير الخطاب القرآني، ولكنَّها طرأت نتيجة لتأثُّر الفكر الإسلامي بالفلسفة الإغريقيَّة، ذلك أنَّ الخطابَ القرآني يستنكر العقلية الرافضيَّة للوحي استناداً إلى مَرجعيَّة تاريخية غَير عقليَّة ?وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ?([3])؛ لأنَّ هذه العقليَّة منغلقة رافضة للنظر في أطروحات الخطاب المنَزَّل وتعقل مضمونه. كما دعا القرآن إلى تأسيس المعتقدات على قواعد معرفيَّة ثابتة، وعلَى يقين علميٍّ ناجم عن نَظرة ناقدة متفحِّصة، يقول تعالى: ?وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً?([4])، وقال أيضاً: ?وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا?([5]). والقرآن يَدعو الإنسانَ إلى الاستدلال على وجود الله وقدرتِه من خلال النظر في ملكوته ?إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ?([6])، ويدعوه إلى التصديق بِمَرجعيَّة الكتاب الإلَهيَّة من خلال التدبُّرِ في آياتِه ?أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا?([7]). (1/27)
صفحة 28
ثُمَّ يُفصِّل لؤي صافي الحديثَ في إشكالية التعارض من خلال استعراض مفهوم العقل، وانقسامه إلى عقل فطريّ "غريزي"، وعقل مُتحصّل "مكتسب"، وأنَّ العقل الفطريَّ يتحدَّد بالقدرة على توليد تصوُّرات كليَّة بسيطة تتحصَّل من خلال تَجريد المدركات الحسيَّة، تَرتبط فيما بينها لتشكل أحكاماً يَنجم عنها تصوُّرات مركبة، وهذه الأحكام والتصورات تشكِّل القاعدة المنطقيَّة والرياضيَّة، مِثل قاعدة كون الكلِّ أَكبر من الجزء. وهذ القسم مِن العقل هو الذي يُمثِّل القاسم المشترك بين الناس كُلِّهم، ويؤدِّي فُقدانه إلى اختلالِ الفهم والعجز عن التفكير السليم.
أَمَّا العقل المكتسب، فَإِنَّهُ متحصل مِن الخبرة الإنسانيَّة، ومتولّد من تطبيق العقل الفطري على موضوع ما، فعمليَّة النمو العقلي في حقيقتها نُمو للعقل المكتسب بتحصيل المعارف والاستفادة من خبرات السابقين، وإعمال مَباديء العقل الفطري على مصدر معرفي معيَّن.
والعقل المكتسب يَنطوي على ثلاثة أنواع من الأحكام:
1- أحكام متعاليَّة عن الوجود الحسِّي ومرتبطة بالوجود المغيّب، كالحكم بأنَّ النفوس تَبعث من جديد بعد مَوتِها لتُثَاب على أعمالها.
2- أحكام قيميَّة توجِّه العقل في دائرة الحياة الاجتماعيَّة، كالحكم بأنَّ الصدق حسن والكذب قبيح.
3- أحكام تَجريبِيَّة مستمدَّة من ملاحظات الإنسان الطبيعيَّة والتاريخيَّة، كالحكم بسقوطِ الأجسام التي تزيد كثافتها عن كثافة الهواء نَحو مركز الأرض. (1/28)
صفحة 29
ويضيف لؤي صافي قائلاً: إنَّ التأمل في بنية العقل يظهر لنا أنَّ التعارض بَين أحكام الوحي وأحكام العقل الفطري غير مُمكن، نظراً لِخلوِّ العقل الفطري من الأحكام المضمونية واقتصاره على الأحكام الإجرائيَّة لا يَملك أن يَقضي بصدق أحكام مضمونية منفردة أو كذبها، لَكِنَّه قادر على الطعن في مصداقيَّة منظومة من الأحكام من خلال إظهار تناقضها الداخلي، فلا يَملك العقل الفطري مثلاً أَن يُعارض حكم القرآن بِخَلق الإنسان من طِين، أو حكمه بمسؤوليَّة الإنسان أمامَ الله فيه بعد موته، ولكنَّه يَملك أن ينظر في اتِّساق الحكم الأوَّل مع الثاني، فإذا ظهر الاتِّساق الداخلي لِمنظومة الأحكام القرآنيَّة امتنع على العقل الفطري الاعتراض، أو التشكيك في أيِّ حكم مُنفرد من أحكام القرآن.
فإذا امتنعَ قيام تعارض بين الوحي والعقل الفطري هَل يُمكن قيام تعارض بين الوحي والعقل المكتسب؟ للإجابة عن هذا السؤال يَجدُر بنَا أن نَلحظ بَدءاً البنية الداخلية للخطاب القرآني، إذ يتألَّف القرآن من آيات تَنطوي على أحكام متعلِّقة بثلاثة مستويات من الوجود: الوجود الكلِّي المغَيَّب، والوجود الطبيعي المشاهد، والوجود الإنساني الاجتماعي المعيش. لكن الأحكام القرآنية هذه ليست أحكاماً ناجزة بل أحكام ثانويَّة في النصِّ المنزل تَحتاج إلى إعمال عقل ونظر قبل استخراجها، ولأنَّ الوحي مصدر معرفي يستمدُّ العقل مضمونه منه، فإنَّ قيام تعارض مباشر بين آيات الكتاب والعقل المكتسب من تطبيق العقل الفطري على تلك الآيات مُمتنع أيضاً، إذ لا يُمكن بأيِّ حال أن تَتعارض المفاهيم والتصورات المستمدَّة من مصدر معرفي مع المعطيات المعرفية لذلك المصدر؛ لأنَّ تلك المعطيات تؤلِّف المادة التي يَستخدمها العقل الفطري لتشكيل العقل المكتسب، فَمصدر التعارض بين العقل والوحي لا بُدَّ أن يعود إلى أحكام ناجِمة من مصادر أخرى.
فما المصادر الأخرى المولِّدة للمعارف العقلية؟ (1/29)
صفحة 30
المصدر الآخر للمعرفة الذي تتولَّد منه تصوُّرات العقل وأحكامه هو الوجود الطبيعي والاجتماعي للإنسان.
ولقد ارتبط مفهوم العقل بالمعرفة الطبيعيَّة ارتباطاً حَميماً حتَّى أطلق المسلمون المتقدِّمُون صفة عقلي على كُلِّ ما ارتبط بالنظر في المحيط الطبيعي والاجتماعي للإنسان، لذلك أدرجوا الطبَّ والهندسة والحساب والفلك والسياسات المدنية في دائرة العلوم العقلية.
فانقسام العلوم بين عَقلي ونقلي يَكشف لنا بُعداً جديداً في طبيعة إشكاليَّة التعارض يتعلَّق بالمعارف المكتسبة من خلال النظرِ في معطيات الواقع المحسوس، والتأمُّل في بنية الواقع المشهود. ومن هنا يَظهر لنا أنَّ مشكلة تعارض العقل والنقل لا تَنبع من رَفض عقلي مباشر لنصوص منقولة، بل تتعلَّق بتناقض دلالات النصِّ المنقول وتَجلِّيَات الواقع المشهود.
لكنَّنا إذا أمعنَّا النظر في طبيعة الأحكام المضمونِيَّة المستمدَّة من الوحي والواقع، وجدنا التعارض بين العقل المكتسب، والوحي القرآني مُمتنع في دائرة الأحكام المتعاليَّة والقيميَّة؛ لأنَّ النظر في الواقع المشهود لا يُمكن أن يُولِّد أحكاماً متعالية أو قيمية دون هداية الوحي ذاته، الذي يُمثِّل المصدر الرئيسي لِمثل هذ الأحكام.
فإمكان التعارض قائم في دائرة الأحكام التجريبيَّة وحدها. بَيْد أَنَّهُ من الطريفِ ملاحظة أنَّ هذه الدائرة لَم تَكن يوماً من الأيَّام عَبر تاريخ الفكر الإسلامي كُلّه مداراً للتعارض. في حين أنَّ الخلافات التصوريَّة بين فِرَق المسلمين ومذاهبهم تركَّزت في دائرة الأحكام المتعاليَّة. (1/30)
صفحة 31
لذلك فإنَّنا نَرَى أنَّ إشكاليَّة التعارض في جوهرها ليست تعارضا بين أحكام، لامتناع التعارض بَين الأحكام المستمدَّة من الوحي المقطوع في ثبوته، وتلك المستخرجة من النظر في آيات الآفاق والأنفس. بل التعارض في حقيقته تعارض بين منهجيات في البحث والنظر، ومنظومات الأحكام المضمونية الناتجة عنها، لذلك وجدنا أن الخلاف بين ابن تيمية والرازي ليس خلافاً في تعارض أحكام نقلية وعقلية بعينها، بل خلاف في آليات الاستدلال وأولويات المصادر، فابن تيمية يرفض تقديم قطعيات العقول على ظنيات الأخبار بالقول: "مقدمات الأدلة العقلية المخالفة للسمع فيها من التطويل والخفاء والاشتباه والاختلاف والاضطراب ما يوجب أن يكون تطرق الفساد إليها أعظم من تطرقه إلى مقدّمات الأدلَّة السمعيَّة"([8]).
فالقضيَّة في جوهرها إذن قَضِيَّة رَفض أهلِ الحديث لتحكيم العقل في النصِّ، سَواء ما تعلَّقَ منه بتأويل آيات الكتاب عند امتناع حَمل معانيها على ظاهرها، أو بِردِّ أخبار الآحاد ظنِّيَة الثبوت عندَ تَعارضها مع اليقينيَّات العقليَّة.
بَيْدَ أنَّ مَوقف أهل الحديث الرافضِ لإِقحام العقل في فَهمِ النصِّ، وَالُمصرِّ على الحرفيَّةِ في الفهم والاتِّباع حَتَّى عِندَ تعارض دلالة النصِّ الظاهريَّة مع ما اعتقده العقل يقيناً، مَوقف مضطرب يؤدِّي إلى اعتبار الجزئي ورفض الكلِّي، واعتماد الظنِّي وردِّ اليقيني، ذلك أنَّ فهم النصوص وتَحديد دلالاتها يتوقَّف على أمرين.
الأوَّل: تَحديد معاني الألفاظ من خلال مقارنتها بالاستخدامات المختلفة للألفاظ ضِمن الخطاب الكلِّي، وبالتالي فإنَّ تَحديد معنى الألفاظ المتضمِّنَة في النصِّ يَحتاج إلى عمليَّةِ استقراءٍ ينتقل فيها العقل من الجزئي إلى الكلي، من خلال مقايسة الجزئيات بعضها ببعض. (1/31)
صفحة 32
أما الأمر الثاني المهم الذي يتَوقَّف عليه فهم النصوص فيتعَلَّق باختيار المدلول، وتَحديد أوجه دلالة النصّ عليه. وهذا يعني أن فهم أي جزئي لا يتم إلا من خلال ربطه بِمجموعة من الكليَّات التي تشكِّل في جوهرها الأحكام المضمونيَّة لعقل المفسّر لِمفهوم النص.
وبناءً على ما تقدَّم نَخلص إلى أن الوصول إلى اليقين المعرفي لا يمكن أن يتمَّ إِلاَّ من خلال تطوير منظومة من الأحكام الكليَّة اليقينة المتحصّلة، من خلال نظر واستدلال عقليين في مصدري المعرفة الرئيسيين: الوحي والواقع.
بِمعنى: أنَّ الأحكام الكليَّة هذه تتولد نتيجة لتواطؤ الأحكام الجزئية المستقرأة من مفردات الوحي وتمظهرات الواقع.
ومن هذا المنطلق يظهر تَهافت دعوة أهل الحديث إلى تأسيس المواقف على أساس نصوص مجتزأة أو حوادث متفرقة، ذلك أن تظافر النصوص وتواطؤ الحوادث شرط أساسي للوصول إلى قناعات راسخة وأحكام يقينية، ومن تأسيس تصور كلي لجال من مجالات الوجود.
وهكذا يظهر لنا أنَّ تعارض العقل والنقل في فحواه تعارض بين نصوص جزئية ومجموعة من المباديء الكلية، وبالتالي النظر العلمي يقتضي إلحاق الجزئي بقاعدة كلية، فإن تعذر نظرنا في إمكان تعديل القاعدة الكلية لدفع التعارض الكلي والجزئي، فإن تعذر فلا مفر من التوقف في اعتبار الجزئي واستمرار العمل بالكلي، أي التوقف في النص، واعتماد منظومة القواعد الكلية التي تشكل البنية الداخلية لعقل الناظر في النص([9]).
وقد عمد الفخر الرزاي في كتابه "أساس التقديس" إلى تأسيس قواعد عقلية يقينية مستنبطة من نصوص الوحي، يحاكم من خلالها حشوية ابن خزيمة الذي حاول في كتابه "التوحيد" منع تأويل النصوص وحملها على المجاز لينتصر لعقيدة التشبيه التي يتبناها أهل الحديث، ولم يعرض الرازي قواعده بصورة منهجية لكنَّنا نستطيع تقسيمها إلى أربع قواعد تنزيهية:
1- القاعدة الأولى: يمتنع تشابه الباري أو تَماثله مع أيّ من خلقه: (1/32)
صفحة 33
1- ?قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ?([10]).
2- ?فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ?([11]).
3- ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?([12]).
4- ?هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا?([13]).
2- القاعدة الثانية: يمتنع تَحيّز الباري في سماء أو أرض؛ لأنَّه خالق لهما، قيوم عليهما، ومستغنٍ عنهما: ?اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ?([14]).
?هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ?([15]).
?قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ?([16]).
?وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ?([17]).
3- القاعدة الثالثة: يتسامى الباري عن حدود الزمان والمكان:
?هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ?([18]).
?كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ?([19]).
4- القاعدة الرابعة: يستحيل تخصص الباري في جهة:
?وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ?([20]).
?وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ?([21]).
5- القاعدة الخامسة: يَمتنع قياس الغائب على الشاهد عند تَحديد صفات الذات الإلهية لاختلاف المقيس والمقيس عليه.
وبذلك تكتمل القواعد الكليَّة التي تشكل منظومة الأحكام التي يرجع إليها الرزاي لدى تأويله للنصوص وتحديده لدلالات الألفاظ المرتبطة بأسماء الله وصفاته. (1/33)
صفحة 34
وانطلاقاً من منظومة الأحكام السابقة يعمد الرازي إلى استعراض النصوص التي يدلُّ ظاهرها على التجسيم، كقوله تعالى: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?([22])، فيبيَّن ضرورة تأويل الآية وإخراج الاستواء من الحقيقة إلى المجاز لاستحالة حَمل المعنى على الحقيقة. فحقيقة الاستواء الاستقرار على العرش والجلوس عليه، وهو مُحال في حقِّ الله تبارك وتعالى، ويَخلص الرازي إلى أنَّ الاستواء يعني في سياق الآية الاستيلاء والقهر والسطرة ([23]).
ويلخِّص لؤي صافي رؤيته للمنهج الكلِّي الذي استخلصه من خلال استقراءه الدقيق لفكر الفخر الرزاي بقوله: "إن القَضِيَّة التي يثيرها الرزاي هنا قَضِيَّة منهج استنباط المفاهيم والأحكام من النصوص، فنراه يرفض منهج المحدِّثين الذين يعتمدون الأخبار المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دام سندها صحيحاً، ولا يرون حاجة في النظر إلى الاتِّساق الداخلي للمفاهيم والأحكام المستنبطة من أحاديث الآحاد ذات الطبيعة الظنيَّة، ولا يبدون رغبة في التحقُّق من انسجام المعاني المستخرجة من الحديث، وتلك المستمدة من القرآن الكريم"([24]).
والقواعد التي استخرجها لؤي صافي من قراءته الدقيقة لِمنهج الفخر الرازي يلخِّصها أبو عمار عبد الكافي بن أبي يوسف الورجلاني (ت 570هـ) بالقول: "المذهب في جَميع ما سألتمونا من الآي التي تلوتُموها علينا، والأحاديث التي رويتموها لنا، فقد حَملنا جَميع ذلك على المفهوم من الكلام دون المعقول، وعلى السائغ في صفة الله تعالى، واللائق به والجائز في لغة العرب مِمَّا تقتضيه دلالة القياس دون عبارة اللفظ، ويؤكده ما سواه من نص القرآن، الذي لا يعتريه تحريف التأويل، ولا يعارضه من التفسير. (1/34)
صفحة 35
ولو حَملت هذه الآيات التي تلوتموها، والأحاديث التي رويتموها، على أظهر ظاهرها، لَخرجت إلى أفحش الفحش من الكلام، وأقبح القبيح من المقال، فما لا يقول به أحد من الناس ولا يجوِّزه مشبِّهَة ولا غير مشبِّهَة. فإذا تناظرت الأخبار، وتقاومت المعاني، رجع بِها إلى أسوغها في صفة الله تعالى، وأليقها به في عدله U، وحكمته، وأولاها بِمخاطبة العرب"([25]).
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) لؤي صافي: إعمال العقل، ص81. نقلا من الفخر الرازي: أساس التقديس، ص220-221.
[2]) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، ص 138.
[3]) سورة لقمان: 31.
[4]) سورة الإسراء: 36.
[5]) سورة النجم: 28.
[6]) سورة آل عمران: 190.
[7]) سورة النساء: 82.
[8]) ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، ص174.
[9]) لؤي صافي إعمال العقل ص80-107. بتصرف.
[10]) سورة الإخلاص: 1-4.
[11]) سورة البقرة: 22.
[12]) سورة الشورى: 11.
[13]) سورة مريم: 65.
[14]) سورة البقرة: 255.
[15]) سورة الحشر: 24.
[16]) سورة الأنعام: 12.
[17]) سورة الزخرف: 84.
[18]) سورة الحديد: 3.
[19]) سورة القصص: 88.
[20]) سورة البقرة: 186.
[21]) سورة البقرة: 115.
[22]) سورة طه:5.
[23]) لؤي صافي إعمال العقل ص108-111. بتصرف.
[24]) مرجع سابق، ص112.
[25]) أبو عمار عبد الكافي الوارجلاني: الموجز، 1/ 125.
---
عقيدة أهل الحديث رؤية تاريخية (1/35)
صفحة 36
انتشرَ الإسلام انتشاراً سريعاً وهائلاً في أرجاء المعمورة، ودخلت فيه شعوب وأمم مُختلفة، تلك الشعوب والأمم كان لَها تاريخ فكري وإرث ثقافي من حكمة وأمثال وشعر وأدب وعلوم مدونة، وكتب مطولة، كما هو الحال عند اليهود والنصارى والزرداشتية والمزدكية والفلاسفة، ومنهم من مارس البحث العلمي والتنظير الفلسفي، فلما دخلوا في الإسلام بدءوا يطبقون تلك المناهج التي ورثوها من آبائهم على الفكر الجديد الذي يحمله الإسلام.
حَتَّى العقيدة عند بعض المسلمين لم تخل من تأثير تلك المواريث، والمستقصي لتاريخ المسلمين وعقائدهم يدرك أن الذين دخلوا في الإسلام من الأمم الأخرى الغنيَّة بالمواريث الثقافية لم يفهموه بِحذافيره كما فهمه العرب الفقراء إلى التاريخ والثقافة، فقد فهمه كُلّ قوم مشوباً بكثير من تقاليدهم الدينية القديمة، فصورة الإله عند النصراني غير صورته عند الفارسي، والتي هي بالطبع غير الصورة التي عند اليهودي أو الرومي أو الوثني، وكذلك الألفاظ المستعملة في الديانات كجهنَّم والْجنَّة وإبليس والملائكة والآخرة والنبي، ونحو ذلك من معان عند هؤلاء تخالف المعاني التي يتصورها الآخر.
والتأثير الأخطر لتلك الأفكار هو ذلك الذي زامن تشكّل العقل المسلم، وقد تَمَّ ذلك التأثير في عصر التدوين للنص (السنة النبوية) التي تَمت في القرن الثاني والثالث الهجريين، إِنَّه تأثير الفكر الفارسي وديانته المختلفة الزرداشتية والمزدكية والمانوية، بالإضافة إلى تأثير فكر أهل الكتاب، وتأثير الفلسفة اليونانية، هذا التأثير أدَّى إلى ظهور تراث الثقافات المختلفة في قوالب نصِّية منسوبة إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وإلى ما يُسَمَّى بالسلف الصالح الذين اعتمدتهم العقلية السلفية للمحدّثين كمرجعية موازية للنصِّ الخالص، والذي هو القرآن والسنَّة الصحيحة. (1/36)
صفحة 37
أَمَّا النصارى فقد نقلوا إلى بعض الفرق الإسلاميَّة الاعتقاد بارتفاع المسيح إلى السماء، ونزوله قبل يوم القيامة([1])، كما نقلوا إليهم فكرة وجود الله تعالى في السماء، ويظهر ذلك من خلال كلام هؤلاء واستدلالهم لعقيدة وجود الله في السماء بنصوصِ الإنجيل حَيث يقول ابن تيمية: "وفي الإنجيل أنَّ المسيح عايه السلام قال: لا تَحلفوا بالسماء فَإنَّها كرسيّ الله. وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإنَّ أباكم الذي في السماء يَغفر لكم كُلّكم، انظروا إلى طير السماء فَإنَّهُنَّ لا يزرعن ولا يَحصدن ولا يَجمعن في الأهواء، وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهنَّ، أفلستم أفضل منهنَّ؟ ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب"([2]).
ويرى البعض أن أفكار القدريَّة قد بثَّها يوحنَّا النصراني الدمشقي الذي هو من حفدَة سَرجون بن منصور الرومي النصراني المسئول عن الشؤون المالية للدولة الأمويَّة في عهد معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك بن مروان([3]). (1/37)
صفحة 38
والدولة الأمويَّة بدءاً بِمعاوية بن أبي سفيان متَّهمة بالتساهل في تَمرير الكثير من العقائِد الباطلة التي اعتمدتها في مقابل العقائد الصحيحة للمعارضين للحكم الأموي الوراثي اللاشوري، فقد اعتمد الأمويون عقيدة الجبر، التي مؤدَّاها أن ملكهم تَم باختيار الله ولا يملك المسلمون إِلاَّ التسليم بذلك، ولا يجوز لهم الاعتراض عليه؛ لأنَّهم بذلك يعترضون على أمر الله وقضائه، وتساهلوا في عقيدة الإرجاء، وأنَّ العاصي لاَ يدخل النار بسبب شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، أمَّا إذا قدّر له أن يدخلها فَإِنَّهُ سيخرج منها لا مَحالة إلى أعلى عليِّين حيث يَغبطه الشهداء والنبيُّون، وذلك منهم للتغطية على مظاهر الفسوق والفساد والمجون التي ابتلعهم، كما أَنَّهُم قاموا بتقريب علماء السوء الذين اعتمدوا على الفكر الإنجيلي المنحرف القائم على: "دَع مَا لقيصر لقيصر، وما لله لله"، و"إذا ضربك الأمير على خدِّك الأيمن فأدر له الخدَّ الأيسر"، ليقتلوا روح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومُحاربة الظلم والفساد في المجتمع الإسلامي. بل إنَّ بعضهم شارك في وضع الأحاديث التي تُرسِّخ العقائد التوراتية، ومن ذلك ما رواه ابن خزيمة عن عروة بن الزيبر أَنَّهُ قال: «قدِمت على عبد الملك فذكرت عنده الصخرة التي ببيت المقدس، فقال عبد الملك: هذه صخرة الرحمن التي وضع عليها رجله. فأنكر عليه عروة"([4]). وروى الذهبي في كتابه "العلوّ" أنَّ جرير بن الخطفي جاء إلى عبد الملك ليمتدحه، فقال: ما جاء بك يا جَرير؟ قال:
وروى أبو الشيخ في كتابه "العظمة" من "طريق أبي صفوان عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الأموي، وهو من أبناء الأسرة الأمويَّة الحاكمة عن كعب الأحبار أَنَّهُ قال: قال الله في التوراة، أنا الله فَوْق عبادي، وعرشي فَوْق جَميع خلقي، وأنا على عرشي أدبِّر أمور عبادي"([6]). (1/38)
صفحة 39
واستطاع اليهود - خاصة في العهد الأموي - أن يبثوا الكثير من أفكار بني إسرائيل بين المسلمين، فلهذا اصطلح العلماء والمحقِّقون على تسمية رواياتهم وأخبارهم بـ"الإسرائيليات"، وذلك تَمييزاً لَها عن غيرها، لكثرتها وخطورة مُحتواها، وعلى رأس هؤلاء كعب الأحبار من علماء يهود حِمير باليمن، والذي أسلَم في عهد عمر بن الخطاب. وانبهر بعض الصحابة بِما يرويه من عجائب وغرائب كتب اليهود([7])، خاصَّة عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود([8]).
بَيد أنَّ بعض الصحابة لم يَطمئن له واتَّهمه بالكذب، حيث قال عنه معاوية: "كنَّا نبلو عليه الكذب"([9])، ويَروي ابن حجر في "الإصابة" تكذيبه عن حذيفة. وكذا ابن عباس نسبه إلى الكذب([10])، وكذَّبه أبو ذرّ في مَجلس عثمان وضربه بين أذنيه وقال له: "يا ابن اليهودية"([11])، ومنعه عوف بن مالك من الرواية إلى أن سَمح له معاوية بذلك.
وَلَمَّا أراد عمر بن الخطاب أن يَبني المسجد الأقصى استشار الناس هل يَجعله أمام الصخرة أم خلفها، فقال له كعب الأحبار: ابنه خلف الصخرة. فقال عمر: "يا ابن اليهودية، خالطتك يهوديتك، بل أبنيه أمام الصخرة حَتَّى لا يستقبلها المصلُّون"، وقد استبطن كعب اتِّهام عمر إِيَّاهُ حَتَّى رُئِي اتِّصاله بالمتآمرين في اغتيال عمر مع سبق إنذار منه لعمر بِأَنَّه سيقتل، متظاهراً بالنقل عن كتب أهل الكتاب!([12])، ومع ذلك فقد استطاع كعب أن يُضلَّ مطرِّف بن مالك ويَجعله يصلِّي والصخرة حائلة بينه وبين الكعبة!([13]). (1/39)
صفحة 40
ويروى أنَّ كعبا قال لأبي هريرة: "ألاَ أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النَّبِيّ؟ قال: أبو هريرة: بلى. قال كعب: لَمَّا رأى إبراهيم أن يذبح إسحاق قال الشيطان: والله لئن لَم أفتن عندها آل إبراهيم لا أفتن أحدا منهم أبدا"([14]) … إلى نِهاية الرواية التي يُخبر فيها كعب الأحبار أبا هريرة أنَّ الذبيح المفدى بالكبش العظيم المذكور في القرآن هو إسحاق عليه السلام وليس إسماعيل u جدّ العرب وجدّ الرسول مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم!.
وقد تأثَّر بكلامِ كعب هذا الكثير من الصحابة وصدَّقوه في زعمه أنَّ الذبيح هو إسحاق وليس إسماعيل عليهما السلام، حَيث يقول ابن كثير: "وهكذا روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن أبي سفيان عن العلاء بن حارثة عن أبي هريرة t عن كعب الأحبار أنه قال: هو إسحاق.
وهذه الأقوال - والله أعلم - كُلّها مأخوذة عن كعب الأحبار، فَإنَّهُ لَمَّا أسلم في الدولة العمريَّة جعل يُحدِّث عمر t عن كُتبه قديماً، فربَّما استمع له عمر رضي اللع عنه فترخَّص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه غثها وسَمينها وليس لِهذه الأمَّة - والله أعلم - حاجَة إلى حرف واحد مِمَّا عنده، وقد حكى البغوي القول بِأَنَّه إسحاق، عن عمر وعلي وابن مسعود والعباس رضي الله عنهم ومن التابعين عن كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والزهري والسدي"([15]).
وَمِمَّا رواه كعب الأحبار من الأخبار الظاهرة البطلان، هو ما رواه "عطاء بن أبي مروان عن أبيه أنَّ كعب الأحبار حلف له بالله الذي فلق البحر لِموسى إنا لنجد في التوراة أنَّ دواد نبيّ الله عليه السلام كان إذا انصرف من صلاته قال: "اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة"([16]). ومن المعلوم أنَّ دواد عليه السلام جاء بعد موسى عليه السلام بِمئات السنين أي بعد نزول التوراة، فكيف يُذكر في التوراة؟!. (1/40)
صفحة 41
وهب بن منبه: يهوديٌّ آخَر نقل إلى المسلمين بعض مواريث اليهود العقدية، هو وهب بن منبه الحميري اليمني الذي يقول فيه الذهبي: "وروايته للمسند قليلة، وَإِنَّمَا غزارة علمه في الإسرائيليات ومن صحائف أهل الكتاب"([17])، روى أنَّ الله خلق السماوات والأرض في سبعة أَيَّام معارضاً للقرآن الكريم، فقد قال في تفسير قوله تعالى: ?وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ?([18]) ما نصُّه: "إنَّ العرش كان قبل أن أصحهما الله السماوات والأرض، ثُمَّ قبض قبضة من صفاء الماء، ثُمَّ فتح القبضة فارتفع دخان، ثُمَّ قضاهن سبع سموات في يومين، ثُمَّ أخذ طينة من الماء فوضعها مكان البيت، ثُمَّ دحا الأرض منها، ثُمَّ خلق الأقوات في يومين، والسماوات في يومين، وخلق الأرض في يومين، ثُمَّ فرغ من آخر الخلق يوم السابع"([19]).
فلا نستغرب إذن أن نَجد نفس هذه الرواية في "صحيح مسلم" من طريق أبي هريرة مرفوعة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم! وقد علَّق ابن كثير على تلك الرواية قائلاً: "وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلَّم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفَّاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأنَّ أبا هريرة إِنَّمَا سَمعه من كلام كعب الأحبار، وإنَّما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعاً وقد حرر ذلك البيهقي([20]). وكلام كعب الأحبار لا شكَّ أَنَّهُ لن يَختلف عن كلام وهب بن منبه فهما يوردان من نفس الثقافة.
وقال وهب بن منبه كذلك: "إنَّ السماوات والبحار لَفي الهيكل، وإن الهيكل لفي الكرسي، وإن قدميه عليه السلام لعلى الكرسي، وقد عاد الكرسي كالنعل في قدميه"([21]). (1/41)
صفحة 42
يقول حسن السقاف مُعلِّقاً على بثِّ كعب الأحبار ووهب بن منبه لروايات التجسيم بين المسلمين: "فإذا كان مَا خرَّجتما منه هو الدين الباطل المحرَّف وما دخلتما فيه هو الْحَقّ الصحيح المحفوظ، فالواجب عليكما الذي يقتضيه إسلامكما هو الإعراض عن أفكار وكتب ونصوص الدين القديم والإقبال على نصوص دين الْحَقِّ الجديد القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة المطهرة. فبدل أن يقول كعب الأحبار: قال الله تعالى في القرآن الكريم نراه يقول: قرأت في التوراة كذا وكذا. ونراه يفسِّر القرآن بأفكار إسرائيلية (أي يهودية) يَردها كثير من أهل العلم"([22]).
نوف البكالي: يهودي آخر بثَّ في المسلمين بعض أوزار بني إسرائيل هو نَوف البكالي الذي قال: إِنَّ موسى المقصود في سورة الكهف بقوله تعالى: ?وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا?([23])، لَيس هو النَّبِيّ موسى عليه السلام بل رجل آخر. ورد عليه عبد الله بن عباس حين سأله سعيد بن جبير قائلاً: إنَّ نَوفاً البكالي يزعم أنَّ موسى ليس بموسى بني إسرائيل إِنَّمَا هو موسى آخر. فردَّ ابن عباس قائلاً: "كذب عدو الله"([24]).
عبد الله بن سلام: يهودي آخر دخل الإسلام ونشر فيه بعض عقائد اليهود هو عبد الله بن سلام الذي يقول: إِنَّ معنى قَوله تعالى: (;عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا);([25])، إذا كان يوم القيامة جيء بنبيِّكم صلى الله عليه وسلم فأقعد بين يدي الله على كرسيه"([26])!. (1/42)
صفحة 43
يقول حسن السقاف: "وهذا من جُملة الإسرائيليات التي نقلها ابن سلام، وحاول أن يغرسها في الأُمَّة الإسلامية، وكلامه هذا هو أصل حديث الشفاعة الطويل، وحديث الرؤية الطويل الذي فيه ذكر الصراط وغيره، والذي حكمنا بشذوذه وردِّه في غير ما كتاب من كتبنا، وهذا الأثر يثبت لنا أنَّ هذه الأفكار مأخوذة من الإسرائيليات، وعبد الله بن سلام من أكابر أحبار اليهود وعلمائهم قبل أن يُسلِم، وعنه وعن مثله انتقلت هذه الأفكار الخبيثة التجسيمية إلى الأُمَّة، وثبوت هذا عن عبد الله بن سلام يفيدنا أنَّ هذه العقائد والتصورات والأفكار مصدرها يهودي وليس إسلامياً أبداً"([27]).
وقد وُضِعت روايات في فضل عبد الله بن سلام لإمرارِ أقواله بين المسليمن، ومن ذلك ما روي أن سعد بن أبي وقاص قال فيه: "ما سمعت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يَمشي على الأرض إِنَّه من أهل الجنَّة إِلاَّ لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: (;قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ);([28])"([29]). علماً بأنَّ الآية مكيَّة وابن سلام أسلم في المدينة!، وقد ذكر الطبري في تفسيره للآية أن مسروق قال: "والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما أنزلت إِلاَّ في مكَّة، وما أسلم عبد الله إِلاَّ في المدينة".
كذلك وُضِعَت روايات في مدح وهب بن منبه، وادَّعوا أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: "سيكون في أمَّتِي رجل يُقال له وهب يَهب الله له الحكمة"([30]). (1/43)
صفحة 44
وبِجانب التمازج الطبيعي والتلقائي للثقافات المختلفة مع الإسلام، والتي أدَّت إلى ظهور أفكار وعقائد غريبة عن الإسلام الصحيح، كان هناك عامل آخر ساهم في تشويه الثقافة الإسلامية ألاَ وهو التآمر من قبل أعداء الإسلام، فبعد فشل الهجمة العسكرية الشرسة التي قادها وثنيو جزيرة العرب، نَحَت تلك القوى منحى الحرب الثقافية من أجل تشويه الفكر الإسلامي. سلك هؤلاء طريقة سهلة لبث فكرهم المنحرف بين المسلمين، وذلك عن طريق الاندساس في وسط المجتمع المسلم، والتظاهر بصورة الإسلام، والقرآن الكريم يُسجِّل لنا بدايات هذه المرحلة في قوله تعالى: (;وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون);([31]). .
وهذه الحقيقة التاريخية التي يُسجِّلها القرآن الكريم يؤكِّدها ما روي "أن عبد الله بن مسعود مرَّ بشيخ يُحدث عن التوراة، فلمَّا رأى ابن مسعود سكت، فقال: وبِم يُحدِّثكم صاحبكم، فقالوا: ذكر أنَّ الله لَمَّا خلق السماوات والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس، ووضع رجله على صخرة بيت المقدس، فاسترجع ابن مسعود، ثُمَّ قال: "اللهم لا كُفر بعد إيمان يقولُها مراراً". ثُمَّ قال: (;وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء);([32])، ما أظنُّه إِلاَّ إبليس تَمثَّل في صورته، ثُمَّ قال: فهلاَّ أنكرتُم عليه، وقلتم كما قال العبدُ الصالح إبراهيم عليه السلام: (;لا أُحِبُّ الآفِلِينَ);([33])، - يقول الزائل المنتقل- فاتّهموا اليهود على دينكم"([34]). (1/44)
صفحة 45
وقد أُحيطت العمليَّة برمَّتها بسياج العصمة عن طريق اختلاق الروايات وتعليبها، ونسبتها إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم والتي تدعو المسلمين إلى المطالعة والبحث في كتب تلك الملل. ومن تلك الروايات ما جاء من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص منسوباً إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»([35]).
ورواية أخرى من طريق أبي هريرة منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وفيها: «لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذِّبوهم، وقولوا آمنَّا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم"([36]).
وهذا الموقف الغامض المتأرجح بين عدم التصديق وعدم التكذيب، يخالف أمر الله تعالى بتكذيبهم حين قال: (;يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ);([37]).
ولا يعقل أن يَدعونا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التحديث عنهم بعد أن أخبرنا القرآن الكريم أَنَّهُم يكذبون، فلا يعقل أن يخالف نبيّ الله رَبّه، ومعارضة هذه الرواية لنصِّ الكتاب العزيز كافية لردِّها.
وكيف نقبل ما عندهم والله تعالى يُخبرنا عن مدى حقدهم على عقيدتنا حين يقول تعالى: (;أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ);([38]). (1/45)
صفحة 46
ويقول تعالى (;مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ);([39]).
ويقول تعالى: (;وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ);([40]).
ويقول تعالى: (;وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ);([41]). ويقول: تعالى (;يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ);([42]).
لقد علَّبت أيادي أعداء الإسلام تلك الروايات لِحثِّ المسلمين على التحايل على أوامر الله، ودفعهم إلى مُطالعة تلك الكتب المسمومَة، وللأسف انجرف في هذا التيَّار مَجموعة المسلمين، وكان على رأس هؤلاء جَماعة من الصحابة مثل أبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص اللذان رويا عن اليهود، والذين دخلوا في الإسلام وبثُّوا عقائد كتبهم المحرَّفة، وَرُبَّمَا كان هذا الانجراف من الصحابة سببه بساطة العربي، وعذرية فطرته التي لَم تدنسها الموروثات الدينية المنحرفة لأهل الملل المنحرفة، فقد كانت الوثنية طارئة على قلبه وليست متجذرة كتجذرها في قلوب أهل الكتاب، وحين رأوا ذلك الموروث الهائل المليء بالعجائب والأساطير انبهروا به، وقاموا بنقله إلى المسلمين.
يقول الذهبي: "إِنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص كان قد أَدمَن النظر في كتب بَني إسرائيل، واعتنى بذلك"([43])، ويَقول ابن كثير إِنَّه أصابَ يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يُحدِّث منهما([44]). (1/46)
صفحة 47
أَمَّا أبو هريرة فقد قيل: إِنَّه كان يُحدِّث عن كعب الأحبار حَتَّى قال عنه كعب: "ما رأيت أحداً لَم يقرأ التوراة أعلم بِما فيها من أبي هريرة"([45])، ويقال: إِنَّه كان يكثر من الرواية عن كعب الأحبار إلى درجة أنَّ الرواة كانوا يَخلطون بين روايات كعب الأحبار وروايات الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قالَ بسر بن سعيد: "اتَّقوا الله، وتَحفَّظوا من الحديث، فَوالله لقد رأيتنا نُجالس أبا هريرة، فيحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُحدِّثنا عن كعب ثُمَّ يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يَجعل حديث رسول الله عن كعب، ويَجعل حديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"([46]).
وقيل: إنَّ أبا هريرة كان مُجتهداً في متابعة كعب الأحبار والأخذ عنه، فقَد روي عَنه أَنَّهُ قال: "خَرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"([47])، وكان هذا الثنائي -كعب الأحبار وأبو هريرة- مَحل ملاحظة من قبل بعض الصحابة حَتَّى وصَل الأمر بعمر بن الخطاب أن هدَّدهُما بالطرد من المدينة، فقد روي عنه أَنَّهُ قال لأبي هريرة: "لتتركنَّ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأُلحقنك بأرض دوس". وقال لِكعب: "لتتركنَّ الحديث، أو لألحقنك بأرض القردة"([48]). (1/47)
صفحة 48
وحين تبيَّن خطر هؤلاء الكتابيين لبعض الصحابة توقَّفوا عن الأخذ منهم، وبدأوا يحذِّرون الناس من شرِّهم، فعبد الله بن عباس الذي عرف عنه مجالسة أولئك الكتابيين ثارَ عليهم بعد ذلك، وقال معاتباً غيره: "يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب؟ وكتابكم الذي أنزل على نبيّه صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله، تقرءونه لم يشب، وقد حدَّثكم الله أن أهل الكتاب بدَّلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: (;هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً);([49])، أفلاَ ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسائلتهم؟ ولا والله ما رأينا رجلاً منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم"([50]).
لكنَّ المشكلة حدَّثت في تَبنِّي بعض الفرق الإسلاميَّة لفكر منحرف تشكَّل من امتزاج الموروث الديني القديم لأهل الملل السابقة، وصار يُقدَّم على أَنَّهُ الممثل الرسمي للإسلام، وما عدَاه من أفكار نابعة من صميم العقيدة الإسلامية يعتبر كفراً وزندقة!.
والعجيب أن تَجد هؤلاء الذين اعتنقوا مثل هذه العقائد يستدلُّون لإثبات صحَّة عقيدتهم بكتب وآثار أصحاب الملل المنحرفة، فها هو ابن تيمية يقول مستدلاً بالإنجيل المحرَّف: "وفي الإنجيل أنَّ المسيح u قال: لا تَحلفوا بالسماء فَإنَّها كرسي الله. وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم([51]) الذي في السماء يَغفر لكم كُلّكم، انظروا إلى طير السماء فَإنَّهُنَّ لا يزرعن ولا يَحصدن ولا يجمعن في الأهواء، وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهنَّ، أفلستم أفضل منهنَّ؟ ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب([52]).
ويَستدلُّ أيضاً بقولِ الشاعر الجاهلي أميَّة بن أبي الصلت:
[/COLOR]
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) راجع مناقشة هذه الفكرة في كتابي أهل الحديث والحقيقة المفقودة.
[2]) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، 5/ 406. (1/48)
صفحة 49
[3]) حسين عطوان: الفرق الإسلامية في العصر الأموي، ص36-43، نقله حسن بن فرحان المالكي: قراءة في كتب العقائد، ص85-88.
[4]) ابن خزيمة: التوحيد، ص241. تحقيق سمير الزهيري.
[5]) الذهبي العلّو ص380 برقم 316.
[6]) أبو الشيخ العظمة ص95-96، برقم 246.
[7]) يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء (3/ 489): أن كعباً جالس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكان يُحدثهم عن الكتب الإسرائيلية.
[8]) ابن كثير: في مقدمة تفسيره ص13.
[9]) البخاري: ر7361.
[10]) مُحَمَّد بن زاهد الكوثري: مقالات الكوثري، ص128.
[11]) الذهبي سير أعلام النبلاء 2/ 68.
[12]) الكوثري: مقالات الكوثري، ص128، وقصة نصيحة كعب لعمر بالصلاة خلف الصخرة ذكرها ابن كثير في تفسيره 3/ 20. فِي تفسير قوله تعالى: ? سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى? الإسراء: 1.
[13]) أقر الذهبي بذلك في سير أعلام النبلاء 3/ 493.
[14]) رواه الحاكم في: المستدرك على الصحيحين، رقم 4045. والغريب أن الحاكم قال بعد هذه الرواية: سياق هذا الحديث من كلام كعب الأحبار ولَو ظهر فيه سند لَحكمت عَلَيه بالصحة على شرط الشيخين فإنَّ هذا إسناد صحيح لا غبار عليه!!.
[15]) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 4/ 19.
[16]) النسائي: السنن الصغرى، رقم (1346).
[17]) الذهبي في سير أعلام النبلاء 4/ 545.
[18]) سورة هود: 7.
[19]) الطبري: تفسيره، 12/ 5.
[20]) ابن كثير: تفسيره 1/ 88-89.
[21]) تاريخ الطبري، 1/ 41، عبد الله بن أحمد بن حنبل السنة 2/ 477. وهذه العقيدة كما سترى هي نفس عقيدة مدرسة التجسيم!.
[22]) حسن السقاف: مقدمة تحقيقه لكتاب العلو للذهبي ص20.
[23]) سورة الكهف: 60.
[24]) البخاري: ر 122.
[25]) سورة الإسراء: 79. (1/49)
صفحة 50
[26]) الحاكم: في المستدرك ،4/568. ابن أبي عاصم: في سنته، 786، الخلال في سننه في مواضع كثيرة ص209-260، والذهبي في العلو، ص191.
[27]) حسن السقاف: تعليقه على كتاب العلو للذهبي ص307.
[28]) سورة الأحقاف: 10.
[29]) البخاري: ر3812.
[30]) ابن الجوزي: الموضوعات، 1/ 354.
[31]) سورة آل عمران: 72.
[32]) سورة النساء: 89.
[33]) سورة الأنعام: 76.
[34]) الجامع الصحيح: مسند الربيع بن حبيب البصري، رقم (879).
[35]) البخاري: ر3461.
[36]) البخاري: ر7362.
[37]) سورة آل عمران: 78.
[38]) سورة البقرة: 75-76.
[39]) سورة البقرة:105.
[40]) سورة البقرة: 109.
[41]) سورة آل عمران: 69.
[42]) سورة آل عمران:100.
[43]) الذهبي سير أعلام النبلاء، 3/ 81.
[44]) ابن كثير: مقدمة تفسيره تفسير القرآن العظيم، 1/ 13.
[45]) الذهبي: سير أعلام النبلاء، 2/ 600.
[46]) الذهبي: سير أعلام النبلاء، 2/ 606.
[47]) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، 279، مالك: الموطأ، 243.
[48]) الذهبي: سير أعلام النبلاء، 2/ 579-632، قال شعيب الأرنؤوط مُحقق الكتاب معلقاً على رواية تَهديد عمر بطرد كعب وأبا هريرة ما نصه: وهذا إسناد صحيحاهـ.
[49]) سورة البقرة: 79.
[50]) البخاري: 2685.
[51]) وهذا احتجاج منه بقول النصارى بأُبوَّة الله تعالى للمسيح التي هي أصل عقيدة التثليث الوثنية.
[52]) مجموع الفتاوى، 5/ 406.
[53]) ابن تيمية مجموع الفتاوى 5/ 405.
[54]) عبدالله بن أحمد بن حنبل السنة ص504.
[55]) ابن القيم: اجتماع الجيوش الإسلامية 8/ 287.
---
نَماذج من عقائد أهل الحديث (1/50)
صفحة 51
نتيجة للامتزاج بين الفكر الإسلامي الصافي، وبين التراكمات الثقافة الموروثة عند الداخلين الجدد من أصحاب الملل المختلفة، ظهرت أمساخ مشوّهة لِحقيقة الإله عند بعض طوائف المسلمين، فالإسلام قد قرَّر أنَّ الله تعالى هو خالق الكون، وأنَّ قوانين الكون وسننه لا تَجري عليه بل قوانين الله تعالى وسننه هي التي تسير الكون وتضبطه، وأنَّ الله تعالى غنِيّ عن العالمين غير مفتقر إلى شيء منهم، وأنَّ الله تعالى له الأسماء الحسنى لا يوجد له مساو أو شبيه ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?، وَأَنَّهُ تعالى لا تُحيط به الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا تخالطه الظنون، ولا تراه العيون، سميع بصير قدير كريم متكلّم بلا جوارح أو أدوات، كما هو الحال عند المخلوقات، وحبّه وفرحه تعبير عن رضاه.
بينما ورث أتباع الأمم المغلوبَة صورة إلَه آبائهم المجسَّم، ذي الأشكال والصفات المختلفة، المستوحاة مِمَّا أَلِفوه من مشاهدات في بيئتهم، فهو إِمَّا نور كضوء الشمس، أو إنسان جبَّار في قوَّته، جَميل في هيئته، رشيق في حركته، يسكن السماء كما يسكن الناس البطحاء، وَلَمَّا لَم يستطع هؤلاء بعد دخولهم الإسلام التجرد التام من تلك الرواسب الفكريَّة، تكوَّن للإله عندهم تصوّر جديد يَمزج بين التنزيه المطلق كما قرَّره الإسلام، وبين التجسيم الذي ورثوه، وساهم في ترسيخ هذه الصورة المنحرفة دخول جَماعات التبشير التآمريَّة من اليهود والنصارى والمانوية والفلاسفة الهرمسيين الذين نشروا فكرهم بين هذه الفئة من الناس.
وقد لاقت هذه العقائد الناتجة من امتزاج الإسلام الصحيح بموروثات الأمم الأخرى مناخاً خصباً لدى عقول بعض العرب الذين تَميَّزوا ببساطة فكرية، وسذاجة فطرية، وقصور عقلي، وشلل في ملكات التدبُّر والتأمُّل، فانتشرت بينهم هذه الأفكار، وتعلَّقوا بِها وتعصَّبوا لَها كعادتهم في العصبيَّة لِكُلِّ سِمة خاصَّة بِهم، كالصحراء والجبل والخيمة والإبل. (1/51)
صفحة 52
وحين تكونت المذاهب الإسلامية والمدارس الفكريَّة المختلفة كوّن هؤلاء مذهبهم الخاص بِهم، و مدرستهم الفكرية الخاصَّة.
يقول زاهد الكوثري: "وكانَ عدّة من أحبار اليهود، ورهبان النصارى، ومرازبة المجوس، أظهروا الإسلام في عهد الراشدين، ثُمَّ أخذوا بعدهم في بثِّ ما عندهم من الأساطير بين من تروج عليهم مِمَّن لَم يتهذَّب بالعلم من أعراب الرواة، وبسطاء مواليهم، فتلقفوها منهم ورووها لآخرين بسلامة باطن، معتقدين ما في أخبارهم في جانب الله من التجسيم والتشبيه، ومستأنسين بِما كانوا عليه من الاعتقاد في جاهليتهم، وقد يرفعونَها افتراءً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو خطأً، فأخذ التشبيه يتسرب إلى معتقد الطوائفِ، ويشيع شيوع الفاحشة. وكان الحسن البصري من جلّة التابعين ومِمَّن استمرَّ سنين ينشر العلم في البصرة، ويلازم مَجلسه نبلاء أهل العلم. وقد حضر مَجلسه يوماً أناس من رعاع الرواة، وَلَمَّا تكلموا بالسقط عنده، قال: ردُّوا هؤلاء إلى حشَا الحلقة أي جَانبها فسمُّوا الحشويَّة، ومنهم أصناف المجسِّمة والمشبِّهَة"([1]).
هذه الزمرة من الرواة الذين عرفوا بالحشويَّة، انقسمت إلى فئتين: (1/52)
صفحة 53
1- الفئة الأولى: تصرِّح بالتجسيم والتشبيه تصريحاً علنياً دون رويَّة ولا استحياء، ومن هؤلاء مضر وكهمس وأحمد الهجيمي، وقد ذكرهم الشهرستاني في كتابه: "الملل والنحل" بقوله: "المشبِّهَة: جَماعه من الشيعة الغالية، وجماعه من أهل الحديث الحشوية صرحوا بالتشبيه، مثل: الهشاميين من الشيعة، ومثل مضر وكهمس وأحمد الهجيمي وغيرهم من الحشوية، قالوا: إنَّ معبودهم على صورة ذات أعضاء وأبعاض إما روحانية وإما جسمانية، ويَجوز عليه الانتقال والنزول والصعود والاستقرار والتمكُّن. وأمَّا ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب والمجيء والإتيان والفَوْقية وغير ذلك فأجروها على ظاهرها، وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وأكثرها مقتبس من اليهود، فإنَّ التشبيه فيهم طباع، حَتَّى قالوا: وإن العرش لتئط من تَحته كأطيط الرحل الحديد، وإنه ليفضل من كُلّ جنب أربعة أصابع"([2]).
2- والفئة الثانية: من أهل الحديث - التي نَحن بصدد بَحثها - أثبتت التشبيه والتجسيم وغلَّفته برداء فضفاض أسمته: "بلا كيف"، فقالوا: إنَّ الله عالٍ على خلقه علّو مكان وتَحيّز وحدود، وَأَنَّهُ يَرى بعين ذات أنوار، لا تشبه أعين المخلوقين، وأنَّ له وجهاً وصورة وأسنان ولَهاة ويداً وأصابع وساقاً وجنباً، وَأَنَّهُ يتحرك ويمشي ويصعد وينزل ويفرح ويحزن ويمل، وأن العرش لتئط من تحته كأطيط الرحل الجديد، كل هذا التشبيه والتجسيم ولكن بدون كيف!.
ونَحن لا نرى فرقاً بين المدرستين، ونعتبرهما مدرسة واحدة، فالأولى كشفت القناع؛ أَمَّا الثانية فقد تلفَّعت برداء "البلكفة" الواهي. (1/53)
صفحة 54
يلخص لنا ابن تيمية مَنهج أهل الحديث في التعامل مع الآيات المتشابهة، والتي يوحي ظاهرها بالتجسيم بقوله: "فمذهب السلف - رضوان الله عليهم - : إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها"([3])، ويعبِّر صالح الفوزان عن هذه القاعدة بقوله: "الإيمان بصفاته التي وصفَ نفسه بِها في كتابه، أو وصفه بِها رسوله في سنته، وذلك بأن نثبتها له كما جاءت في الكتاب والسنَّة بألفاظها ومعانيها من غير تَحريف لألفاظهَا، ولا تَعطيل لمعانيها"([4]).
والإشكال في هذا المنهج يتمثَّل في فشله في التعامل مع النصوص المتشابهة، ?هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ?([5])، فإنَّ إجراء هذه النصوص المتشابهة على ظواهرها، يؤدِّي إلى إشكالات نصِّية كبيرة أدَّت بأهل الحديث إلى انتحال عقيدة التجسيم.
وقد وصل الغلوّ والتطرُّف بأهل الحديث في عقيدة التشبيه والتجسيم إلى درجة وصفهم من يَسكت عن الآيات المتشابهات، ويفوض معانيها لله تعالى بالزندقة!، فحين قال ابن قدامة الحنبلي: "وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرُُّض لِمعناه، ونردّ علمه إلى قائله"([6])، ردّ عليه مُحَمَّد بن إبراهيم آل الشيخ مشنِّعاً عليه هذه العبارة قائلاً: "أمَّا ما ذكرَه في اللمعة فَإنَّهُ ينطبق على مَذهب المفوضة، وهو من شرِّ المذاهب وأخبثها"([7]).
وهذا التعامل الخشِن مع النصوص جَعلهم يتوهَّمون أن لله تعالى:
1-صورة تشبه صورة الإنسان، وطوله ستون ذراعاً: حيث رووا أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله عز وجل آدمَ على صورتِه وطوله ستون ذراعاً»([8]).
وقد ردَّ عقلاء المسلمين هذه الرواية، فحين قيل لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة أنَّ مقاتل بن سليمان يقول: "إنَّ الله خلق آدم على صُورته. قال أبو عبيدة: كذب مقاتل"([9]). (1/54)
صفحة 55
2-أَنَّهُ على صورة شاب أمرد ذو شعر أَجعد، ويلبس ملابس حَمراء وخضراء: فهم يروون من طريق عكرمة أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت رَبِّي عز وجل شاباً أمرَد جَعد قطط عليه حلَّة حَمراء"([10])، ومِن طريق عِكرمة أيضاً أَنَّهُ قال: "رأيت ربِّي عز وجل في صورة شاب أَمرد له وفرة جعد قطط عليه حلة خضراء"، ويروون كذلك من طريق عكرمة أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "دخلت على رَبِّي في جنَّة عدن شاب جعد في ثَوبين أخضرين"([11])، ويروون كذلك من طريق عِكرمة عن ابن عباس أَنَّهُ سئل هل رأى محمَّد ربَّه؟ قال: نعم، قال: كيف رآه؟ قال: في صورة شاب دونه ستر من لؤلؤ، كان قدميه في خضرة"([12])، رواية أخرى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم "رأى ربَّ العالمين عز وجل في حظيرة من القدس في صورة شابّ عليه تاج يلتمع البصر"([13])، ورواية أخرى أَنَّهُ: "رآه على كرسي من ذهب يَحمله أربعة: ملك في صورة رجل، وملك في صورة أسد، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر في روضة خضراء دونه فراش من ذهب"([14]).
وبينما يعدُّ من يثبت هذه الصفات مُشبِّهاً مُجسِّماً عند عقلاء المسلمين، يَعتبر أهل الحديث من ينكر هذه الروايات الفاسدة زنديقاً، حيث يقول الطبراني: "سَمعت صدقة الحافظ يقول: من لَم يؤمن بِحديث عكرمة فهو زنديق"([15])، وحين استُؤذن أحمد بن حنبل في رواية هذه الروايات قال: "قد حدَّث به العلماء، حدِّث به"([16]). والغريب أنَّ عثمان الدارمي استنكر هذه الرواية وقال: "والله أعلم بعلَّته، غير أنِّي أستنكره جداً؛ لأنَّه يعارض حديث أبي ذرّ أَنَّهُ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل رأيتَ ربَّك"؟ فقال: «نُور أنَّى أراه»، ويعارضه قول عائشة رضي الله عنها: "مَن زعم أن محمَّدا رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية"([17])، وبذلك يكون الدارمي من الزنادقة في عرف أصحابه من أهل الحديث!. (1/55)
صفحة 56
3- وأنَّ لله أسناناً ولَهاةً وشفتين: فقد روى أهل الحديث أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "فيتجلَّى لَهم تبارك وتعالى حَتَّى يضحك، وتَبدو لَهاته وأضراسه"([18])، وقال ابن بطَّة وأبو يعلى: "وكذا يقال لِهؤلاء الجهمية المعطِّلة النفاة: ما تقولون في قوله صلى الله عليه وسلم: "حَتَّى تَبدو لَهواته وأضراسه"([19])، وأجاب أبو عصمة حين سئل: كيف كلَّم الله عز وجل موسى عز وجل؟ بقوله: "مُشافهة"([20]). وهم مع ذلك ينفون عن أنفسهم صفة التجسيم!.
4- وأنَّ له صدراً وذراعين وجنبين وأصابع: حيث روى أهل الحديث أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر»([21])، وهذا لا يعدّ تَجسيماً عندهم!.
وقال الدارمي: "وأيُّ عقوق لآدم أعظم من أن يقول الله: خلقت أباك آدم بيدي دون من سواه من الخلائق. فتقول: لا. ولكن خلقته بإرادتك دون يديك كما خلقت القردة والخنازير والكلاب والخنافس والعقارب"([22]).
ووصف الدارمي لله تعالى بالعقوق لا يُعدّ تُهمة عند أهل الحديث، طالما كان ذلك دفاعاً عن عقيدة التجسيم!.
وقال منصور السماري: "قد ورد عن بعض أهل العلم إثبات "الجنب" صفة لله. "لو لَم يكن سبحانه من ذوي الجنوب، لَما جاز هذا الكلام فيه"([23]). وقالوا: جاء حبر يهودي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "يا مُحَمَّد إنَّا نَجد أن الله يَجعل السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع. فيقول: أنا الملك. فضحك النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَت نواجذه تصديقاً لقول الحبر"([24])، وهذه الرواية تبين أصل هذه العقيدة!. (1/56)
صفحة 57
5- وأنَّ له مفاصل وركبة: حيث روى أهل الحديث: "يقول داود يوم القيامة: ادنني، فيقال له: ادنه. فيدنو حَتى يَمسَّ ركبته"([25]). بل إن عثمان الدارمي شنع على المريسي تأويله للركبة أَنَّهَا لأحد المخلوقات، فقال الدارمي: "فلو كان لِهذا المعارض من يقطع لسانه كان قد نصحه، ويلك عن أي زنديق تروي هذه التفاسير ولا تسمِّيه؟ وأيّ درك لداود إذا استغفر الله لذنبه، ولَجأ إليه واستعاذ به في أن يدنيه إلى خلق سواه، فيمسّ ركبته"([26]). ويروون كذلك: "أنَّ الله تعالى أبدى عن بعضه"([27]).
ومع ذلك لا يعتبرون عقيدتهم تشبيهاً ولا تَجسيماً!.
6- وَأَنَّهُ يشعر بالملل وَأَنَّهُ يَمكر ويَخدع ويضحك: فبينما ينقل سلمة بن مسلم العوتبي قول العقلاء بعدم جواز وصف الله تعالى بالملل قائلاً: "ولا يوصف الله تعالى بالملل والملال والسآمة"([28])، يقرِّر مُحَمَّد بن صالح بن عثيمين أنَّ الله تعالى يَملّ! لكن يغطي كلامه بالقول: "ملل الله ليس كمللنا نحن، بل هو ملل ليس فيه شيء من النقص([29]).
وبينما ينفي ابن كثير جواز وصف الله تعالى بالمكر والهزء قائلاً: "والله لا يكون منه المكر ولا الهزء"([30])، نَجد ابن عثيمين يصف الله تعالى بالمكر والخداع! قائلاً "وَأَمَّا الخداع فهو كالمكر يوصف الله تعالى به حين يكون مدحاً"([31])، وذكر ذلك ابن تيمية في عقيدته الواسطيَّة، حيث قال: "وقوله ?وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَال?.. الخ تضمَّنت هذه الآيات إثبات صفتي المكر والكيد وهما من صفات الفعل الاختيارية. وَأَمَّا قوله: ?وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ? فمعناه أنفذهم وأسرعهم مكراً"([32]).
ورووا عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "ضحك الله الليلة"([33])، وَأَنَّهُ قال: "ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، قال أبو رزين: أيضحك الربُّ يا رسول الله؟ قال: نعم"([34]). (1/57)
صفحة 58
7- وَأَنَّهُ يتحرَّك وينزل ويهرول وتنتفض روحه: حيث يقول مُحَمَّد بن صالح ابن عثيمين: "ذكرنا في أَوَّل الكلام أنَّ الذي ينزل هو الله نفسه"([35])، وقال: "وأيُّ مانع يَمنع من أن نؤمن بأنَّ الله تعالى يأتي هرولة"([36]). ورووا أيضاً: "ثُمَّ ينزل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا بروحه وملائكته، وتنتفض فيقول: قومي بعزَّتي"([37]).
8- وَأَنَّهُ يتكلَّم بصوت كصوت السلسلة الحديدية: حيث نسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم القول: "إذا تكلَّم الله عز وجل سمع له صوت كجرِّ السلسلة على الصفوان"([38]). وقال يعقوب بن يَختان: "سئل أبو عبد الله ـ يقصد أحمد بن حنبل ـ عمَّن زعم أن الله عز وجل لم يتَكَلَّم بصوت؟ قال: بلى يتَكَلَّم سبحانه بصوت"([39]).
9- وَأَنَّهُ يتنفَّس، وأن الريح هي أنفاسه: فقد رووا أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسبوا الريح فَإنَّهَا نفس الرحمن"([40])، وأنه قال: "الإيمان يَمان، والحكمة يمانية، وأجد نفَس رَبِّكم من قبل اليمن"([41]).
فهل يَجب علينا التبرك بالريح اليمانية التي هي زفير الرحمن عند أهل الحديث؟!.
10- وأنَّ له رِجلان، وَأَنَّهُ يضع إحداهما على الأخرى، وَأَنَّهُ يلبس نعالاً: حيث رووا عن وهب بن منبه في وصف الله تعالى أنَّ "الكرسيَّ كالنعل في قدميه"([42])، ورووا أيضاً: "وهو واضع رجليه تبارك وتعالى على الكرسي"([43]). ورروا أيضاً أَنَّهُ: "لَمَّا قضى الله خلقه استلقى، ووضع إحدى رجليه على الأخرى"([44]). لعلَّهم أرادوا أن يصفوه بالراحة بعد عناء الخلق!. (1/58)
صفحة 59
ونسبوا للنبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "فأمَّا النار فلا تَمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله، تقول: قط قط قط، فهنالك تَمتلئ"([45])[46])، وفي رواية "فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها، فتقول: قط قط"([47])، وَأَنَّهُ قال: "فيأتيهم الجبَّار في صورة غير صورته التي رأوه أوَّل مرَّة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إِلاَّ الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كُلّ مؤمن"([48]).
ولا ندري لماذا كشف السيقان بالذات هو شيفرة التعارف عند أهل الحديث؟!.
11- وَأَنَّهُ يَجلس في جهنَّم: حيث رووا "إنَّ لَجهنم سبع قناطر، والصراط عليهنَّ، والله عز وجل في الرابعة منهن"([49]).
12- ووصفوه بِأَنَّه يَمشي في الأرض ويشعر بالوحشة: حيث رووا في وصفه تعالى: "فأصبح رَبّك يطوف في الأرض، وخلت عليه البلاد"([50]).
وعبارة "خلت عليه البلاد" تَعني: الشعور بالوحشة والوحدة، ومع فضاعة هذا الوصف لربِّ العالمين فإنَّ ابن القيم يقول معلقاً على هذه الراوية: "هذا حديث جليل كبير، تنادي جلالته وفخامتُه وعظمتُه على أَنَّهُ قد خرج من مشكاة النبوَّة"([51]).
13- ووصفوه بِأَنَّه جسم وَأَنَّهُ ثقيل الوزن: حيث يقول محمد بن صالح بن عثيمين: "إن كان يلزم من رؤية الله تعالى أن يكون جسماً، فليكن ذلك"([52])، وقالوا: "إن الرحمن سبحانه ليثقل على حَملة العرش من أَوَّل النهار إذا قام المشركون، حَتَّى إذا قام المسبحون خفّف عن حَملة العرش"([53])، وقالوا في تفسير قوله تعالى: ?السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ? أي: مثقلة به"([54])!. (1/59)
صفحة 60
14- ووصفوه تعالى بِأَنَّه يلامس خلقه: حيث رووا أنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني ربي في أحسن صورة، فوضع كفيه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي"([55])، يقول ابن بطة: "وأنَّ الله عز وجل وضع يده بين كتفيه، فوجد بردها بين ثدييه، فعلم علم الأوليين والآخريين"([56]). ويقول الدارمي: "خلق آدم بيده مسيساً"([57])، ورووا أيضاً "يقول الربّ عز وجل لداود أدنه حَتَّى يضع بعضه على بعض"([58]).
وقال أبو إسحاق بن شاقلا البزار: "قلت لأبي سليمان الدمشقي: بلغنا أنَّك حكيت فضيلة الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج، وقوله في الخبر "وضع يده بين كتفي، فوجدت بردها، وذكر الحديث". فقال لي: هذا إيمان ونية؛ لأنَّه أريد مني روايته، وله عندي معنى غير الظاهر. قال: وأنا لا أقول مَسّه. فقلت له: وكذا تقول في آدم لَمَّا خلقه بيده؟ قال: كذا أقول، إن الله عز وجل لا يَمسّ الأشياء. فقلت له: سويت بين آدم وسواه، فأسقطت فضيلته"([59]).
15-ووصفوه بِأَنَّه يَجلس ويتَّكئ على ظَهره، وَأَنَّهُ يَكتب بالأقلام كالبشر: حَيث رَووا: "كتبَ الله التوراة لِموسى عز وجل بيده وهو مُسند ظهره إلى الصخرة في ألواح من درّ، فسمع صريف القلم لَيس بينه وبينه إِلاَّ الحجاب"([60]). وقالوا: "فقال آدم: يَا موسى، اصطفاكَ الله بِكلامه، وخطَّ لك بيده"([61]).
وقالوا: "هَل يكون الاستواء إِلاَّ بالجلوس؟"
([62]).
وقالوا: "إذا جلسَ تبارك وتعالى على الكرسي سُمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد"([63]).
16- ووصفوه بِأَنَّه يَجلس النَّبِيّ صلَّى مَعه على العرش ويشركه معه في الربوبيَّة:
حيث قالوا: "إِنَّه لَيقعد عليه جلَّ وعزَّ فما يَفضل منه إِلاَّ قَيد الأصابع الأربعة، وإنَّ له أطيطا كأطيط الرحل إذا ركب"([64]). (1/60)
صفحة 61
وموضع الأربعة الأصابع الفاضل من العرش يعتقد هؤلاء جلوس النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عليه، حيث يقول أبو بكر النجاد: "فالذي ندين الله تعالى ونعتقده: ما قد رسَمناه وبيَّناه من معاني الأحاديث المسندة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قاله عبد الله بن عباس ومن بعده من أهل العلم، وأخذوا به كابراً عن كابر، وجيلاً بعد جيل، إلى وقت شيوخنا في تفسير قوله تعالى: ?عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا? (الإسراء: 79). أنَّ المقام المحمود هو قعوده صلى الله عليه وسلم مع ربِّه على العرش، وكان من جحد ذلك وتكلَّم فيه بالمعارضة إِنَّمَا يُريد بكلامه في ذلك كلام الجهميَّة، يُجانب ويباين، ويُحذِّر منه، وكذلك أخبرني أبو بكر الكاتب عن أبي داود السجستاني أَنَّهُ قال: من ردَّ حديث مُجاهد فهو جهمي. فبذلك أقول: ولو أنَّ حالفاً حلف بالطلاق ثلاثاً أنَّ الله يقعد مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم معه على العرش، واستفتاني في يَمينه لقلت له: صدقت في قولك، وبررت في يَمينك، وامرأتك على حالها، فهذا هو مذهينا وديننا واعتقادنا وعليه نشأنا، ونحن عليه إلى أن نَموت إن شاء الله، فلزم الإنكار على من ردَّ هذه الفضيلة التي قالَها العلماء وتلقَّوها بالقبول، فمن ردَّها فهو من الفرق الهالكة"([65]). (1/61)
صفحة 62
يَنقل لنا أبو عبد الله مُحَمَّد بن حارث الخشني القيرواني (ت: 361هـ) مَا أَحدَثه اعتقاد أهل الحديث بشأن قعود النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مع ربِّه على العرش من مهاترات بين أهل الحديث وعقلاء الأمَّة قائلاً: " قال مُحمَّد: قال لي بعض التجَّار بالقيروان: شهدت ببغداد رجلين يتناظران في تفسير المقام المحمود، فتقلَّد أحدهما أَنَّهُ الجلوس مع ربِّه جلَّ وعزَّ على العرش، وتقلَّد الآخر أَنَّهُ الشفاعة. قال: فرأيت كُلّ واحد منهما يشيل نعله على صاحبه، فهذا يقول: "يا عَدو الله تستهين بالله جلَّ وعز، وتشبّه به عبده". والآخر يقول: "يا عدو الله تستهين برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تراه أهلاً لكرامة الله جلّ وعزّ". فحكيت ذلك لِمحمد بن أيمن، فقال لي: شهدت أهل بغداد وقت كوني بِها وقد وقعوا في هذا المعنى، وقد تقلّد أصحاب ابن حنبل أن الجلوس على العرش هو المقام المحمود، قال: فعهدي بكثير من وضَّاع الكتب وهم يَحتالون في كتبهم فيخرجون إلى ذكر المقام المحمود ليظهروا تقلّد الجلوس على العرش، فيتوجَّهوا بذلك عند أصحاب ابن حنبل بِهذا المذهب"([66]). (1/62)
صفحة 63
بل قد وصل الأمر بِهؤلاء إلى اعتقاد أنَّ الرسول يشترك مع الله تعالى في الربوبيَّة في لَحظة وجوده على العرش!، حيث يقول ابن النجاد: "وحَدَّثَنَا معاذ بن المثنَّى حَدَّثَنَا خلاَّد بن أسلم قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن فضل عن ليث عن مُجاهد كُلّهم قال في قول الله عز وجل قال يُجلسه معه على العرش، وسألت أبا يحيى الناقد ويعقوب المطوعي وعبد الله بن أحمد بن حنبل وجماعة من شيوخنا، فحدثوني بحديث مُحمَّد بن فضيل عن ليث عن مُجاهد. وسألت أبا الحسن العطَّار عن ذلك؟ فحدَّثني بِحديث مُجاهد، ثُمَّ قال: سَمعت مُحمَّد بن مصعب العابد يقول هذا، حَتَّى ترى الخلائق منزلته صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ يَنصرف مُحمَّد صلى الله عليه وسلم إلى غُرفه وجنَّاته وأزواجه، ثُمَّ ينفرد عز وجل بربوبيته"([67]).
وفي هذا الكلام ما فيه مُجازفة ومنافاة لعقيدة التوحيد لا تخفى عَلَى عاقل!!!.
17- ووصفوه بِأَنَّه يَلهو ويلعب: حيث رووا "دملج الله عز وجل لؤلؤة بيده"([68]). وَرُبَّمَا كان ذلك بسبب الملل الذي يعتقده أهل الحديث!.
18- ووصفوه بأنَّه متردِّد: حيث رووا أن الله تعالى يقول: "مَن عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب. وما تَردَّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته"([69]).
وقد أقرَّ الذهبي بفضاعة هذا الوصف لله تعالى، وقال في ترجُمته لِخالد بن مخلد راوي الحديث: "فهذا حديث غريب جداً، لولاَ هيبة الجامع الصحيح لَعدوه في مُنكرات خالد بن مخلد، وذلك لغرابة لفظه"([70]).
وكان الواجب على الذهبي أن يُقدِّم قدسيَّة الله على قدسيَّة البخاري، وأن لا يتَهيَّب من ردِّ هذا الكلام الشنيع في حقِّ الله تعالى، وابن حجر العسقلاني نَفسه أقرَّ بضعف جَميع طرق هذه الرواية في شرحه لصحيح البخاري([71]). (1/63)
صفحة 64
19- وَأَنَّهُ يَجلس على البعوض: حيث يقول الدارمي: "ولَو قد شاء لاستقرَّ على ظهر بعوضة، فاستقلَّت به بقدرته ولطف ربوبيَّته، فكيف على عرش عظيم"([72]).
ونَحن نعلم أن الله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولكن لا يَجوز أن نصفه عز وجل بصفات النقص مثل الأكل والشرب والاستواء على البعوض ثُمَّ نعلِّق ذلك على المشيئة!.
20- وأنَّ له حَدًّا: حَيث يقول ابن تيمية: "فقد دلَّ الكتاب والسنَّة على معنى ذلك كما تقدَّم احتجاج الإمام أحمد لذلك بِما في القرآن مِمَّا يدلُّ على أنَّ الله تعالى له حدٌّ يتميَّز به عن المخلوقات"([73])، وقال أيضاً: "وذلك لا ينافي ما تقدَّم من إثبات أَنَّهُ في نفسه له حدّ يعلمه هو ولا يعلمه غيره"([74]). وقام أهل الحديث بطرد زميلهم ابن حبانّ حين أنكر الحدَّ([75]).
21- وَأَنَّهُ يتَكَلَّم بصوتٍ مَسموع: يقول ابن تيمية: "وجُمهور المسلمين يقولون: إن القرآن العربي كلام الله، وقد تكلَّم الله به بِحرف وصوت"([76])، وقال أيضاً: "وفى الصحيح إذا تكلَّم الله بالوحى سمع أهل السماوات كجرِّ السلسلة على الصفوان. فقوله: (إذَا تكلَّم الله بالوحي سمع) يدلُّ على أَنَّهُ يتَكَلَّم به حين يسمعونه"([77]).
22 - وَأَنَّهُ أقرب إلى قمم الجبال وناطحات السحاب، والطائرات والمركَّبات الفضائيَّة من الناس في الأسفل: حَيث يقول عثمان بن سعيد الدارمي: "من أنبأك أنَّ رأس الجبل ليس بأقرب إلى الله تعالى من أسفله"([78])، وقالَ ابن المبارك: "رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفلها"([79]).
وَرُبَّمَا لو كان هؤلاء يعيشون عصر اكتشافِ الفضاء لقالوا: إنَّ الأقمار الصناعيَّة أقرب إلى الله من البشر!. (1/64)
صفحة 65
فالحاصل أنَّ أهل الحديث يعتقدون ذات الله تعالى على صورة كائن بشري في مرحلة الشباب طوله ستُّون ذراعاً، وَأَنَّهُ أمرد لا لِحية له!، وقد أقرَّ بِهذه العقيدة الشنيعة أبو يعلى الفراء حيث قال: "ألزموني ما شئتم فإنِّي التزمه إِلاَّ اللحية والعورة"([80]).
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) زاهد الكوثري: مقدمته لكتاب تبيين كذب المفتري لابن عساكر الدمشقي، ص10-11.
[2]) الملل والنحل الشهرستاني (479هـ) ص118.
[3]) ابن تيمية مجموع الفتاوى 4/ 6.
[4]) صالح الفوزان: شرح العقيدة الواسطية، ص15.
[5]) سورة آل عمران: 7.
[6]) ابن قدامة الحنبلي: لمعة الاعتقاد، ص31.
[7]) نقله مُحقق كتاب لمعة الاعتقاد لابن قدامة الحنبلي ص31. والغريب أن التفويض قد نسبه ابن جرير الطبري إلى أحمد بن حنبل حيث قال في تاريخه في أحداث 219هـ (مج5، ص19): ثم عاد إلى أحمد بن حنبل فقال له: ما تقول في القرآن؟ قال: هو كلام الله، قال: أمَخلوق هو؟ قال: هو كلام الله لا أزيد عليها. فقال إسحاق لأحمد بن حنبل: ما معنى قوله ?سميع بصير?؟ قال: هو كما وصف نفسه، قال: فما معناه؟ قال: لا أدري، هو كما وصف نفسه، فأحمد بن حنبل قَد فوَّض معنى الكلام، ولم يقل بقول ابن تيمية والفوزان بِخصوص إثبات المعاني على ظاهرها، بل ذكر بأنَّه يثبت لله تلك الصفات، وَأَنَّهُ لا يدرك معانيها فهو يفوِّضها إلى قائلها تعالى.
[8]) البخاري: ر 6227. وقد جاء في العهد القديم، سفر التكوين الإصحاح الأول فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقها!!.
[9]) الكندي: بيان الشرع، 3/ 419.
[10]) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، 2/ 39.
[11]) ابن أبي عاصم: السنة، 1/191-192. وعبدالله بن أحمد في السنَّة، رقم 563. واللكائي، وأبو يعلى، وغيرهم. راجع تعليقات السماري على كتاب نقض عثمان بن سعيد ص438-447. (1/65)
صفحة 66
[12]) اللالكائي: شرح أصول التوحيد، رقم 920. ابن أبي عاصم، 1/190، رقم 437. وابن خزيمة في التوحيد، 1/481-483. وغيرهم. راجع تعليقات السماري على كتاب نقض عثمان بن سعيد ص438-447.
[13]) منصور السماري: تعليقه على كتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي، ص445.
[14]) عبد الله بن أحمد بن حنبل: السنة، ص35.
[15]) أبو يعلى: إبطال التأويلات، 1/143. راجع تعليقات السماري على نقض عثمان بن سعيد ص438-447.
[16]) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، 1/118-119. راجع تعليقات السماري على كتاب نقض عثمان بن سعيد ص438-447.
[17]) عثمان الدارمي: نقض عثمان بن سعيد على المريسي، ص447.
[18]) رواه ابن مندة، راجع منصور السماري في تعليقه على كتاب نقض عثمان بن سعيد ص483، قال السماري ص484: والحديث صحيح وهذه اللفظة محفوظة فيه.
[19]) ابن بطة في الرد على الجهمية (3/111) وأبي يعلى في إبطال التأويلات ص217-218. راجع تعليقات السّماري على كتاب نقض عثمان بن سعيد ص485.
[20]) عبدالله بن أحمد بن حنبل: السنة، ص286.
[21]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص475. و عثمان الدارمي: نقض عثمان بن سعيد، ص376.
[22]) الدارمي: نقض عثمان..، ص97.
[23]) منصور السماري: تعليقه على نقض عثمان..، ص518.
[24]) البخاري: ر4811.
[25]) عثمان الدارمي: نقض عثمان بن سعيد، ص463.
[26]) عثمان بن سعيد: مرجع سابق، ص464.
[27]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص149.
[28]) سلمة بن مسلم العوتبي: الضياء، 2/ 55.
[29]) محمد بن صالح بن عثيمين: فتاوى العقيدة، ص51.
[30]) ابن كثير: تفسير الآية 15 من سورة البقرة في تفسيره، 1/ 69.
[31]) نفس المرجع السابق، ص52.
[32]) محمَّد خليل هراس: شرح العقيدة الواسطية، ص72.
[33]) البخاري: ر3798.
[34]) أحمد: 4/11-12. وابن ماجه: ر181.
[35]) ابن عثيمين: فتاوى العقيدة، ص67.
[36]) نفس المصدر السابق، ص112.
[37]) ابن خزيمة: كتاب التوحيد، ص296. تحقيق سمير الزهيري. (1/66)
صفحة 67
[38]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص281. والدارمي: نقض عثمان بن سعيد، ص31.
[39]) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، 1/ 372.
[40]) النسائي: السنن الكبرى، 6/232. الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 2/272.
[41]) أحمد: 2/531. ونقض عثمان بن سعيد على المريسي، ص401.
[42]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص477. أبو الشيخ: العظمة، 4/1399.
[43]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص303.
[44]) الدرامي: نقض عثمان بن سعيد على المريسي، ص512. ابن أبي عاصم: السنة، 1/248-249، برقم 568. والطبراني: الكبير، 19/13. قال أبو يعلى: إبطال التأويل، (1/189): قال أبو مُحَمَّد الخلال هذا حديث إسناده كلهم ثقات. وقد صحح الألباني هذه الرواية في مُختصر العلو ص98 حيث قال: رواته ثقات، رواه أبو بكر الخلال في كتاب السنَّة له، وأضاف في حاشية نفس الصفحة: وذكر ابن القيم في الجيوش الإسلامية، (ص34): إسناده صحيح على شرط البخاري.
[45]) مسلم: ر7175، 36-2846.
[46]
[47]) مسلم: 7173، 36-(2846).
[48]) البخاري: 7439. وقد ردَّ مالك بن أنس هذه الروايات، ذكر ذلك الذهبي في ترجمة الإمام مالك في سير أعلام النبلاء، 8/ 103-104 حيث قال: والحديث الذي جاء: إن الله يكشف ساقه وأنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد فأنكر مالك ذلك إنكاراً شديداً، ونَهى أن يُحدث به أحد!.
[49]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص526.
[50]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص486. ابن أبي عاصم: السنة، 1/ 286.
[51]) ابن القيم: زاد المعاد في هدي خير العباد، 3/ 54- 57.
[52]) محمد بن صالح بن عثيمين شرح العقيدة الواسطية ص389.
[53]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص455.
[54]) نفس المرجع السابق، ص457.
[55]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص490.
[56]) ابن بطة العكبري الشرح والإبانة ص275.
[57]) الدرامي: نقض عثمان بن سعيد على المريسي، ص64.
[58]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص507.
[59]) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، 2/ 112. (1/67)
صفحة 68
[60]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص294.
[61]) ابن خزيمة: التوحيد، ص302. تَحقيق سمير الزهيري.
[62]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص106.
[63]) نفس المصدر السابق، ص301.
[64]) نفس المصدر السابق، ص305.
[65]) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، 2/ 10.
[66]) أبو عبد الله محمد بن حارث الخشني القيرواني: أخبار الفقهاء والمحدّثين، ص118.
[67]) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة 2/ 9.
[68]) عبدالله بن أحمد: السنة، ص297.
[69]) البخاري: ر6502.
[70]) الذهبي: ميزان الاعتدال، 1/ 641.
[71]) ابن حجر العسقلاني: فتح الباري، 13/ 143.
[72]) الدارمي: نقض عثمان بن سعيد ص252.
[73]) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية، 1/ 445.
[74]) نفس المصدر السابق، 1/ 443.
[75]) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة ابن حبان (ج16ص97): "وقال أبو إسماعيل الأنصاري: سَمعت يحيى بن عمار الواعظ، وقد سألناه عن ابن حبّان، فقال: نَحن أخرجناه من سجستان، كان له علم كثير، ولم يكن له كبير دين، قدم علينا، فأنكر الحدّ لله، فأخرجناه".
[76]) ابن تيمية: مَجموع الفتاوى، 5/ 556-557.
[77]) نفس المصدر السابق، 6/ 234.
[78]) الدارمي: نقض عثمان بن سعيد، ص290.
[79]) نفس المصدر السابق، ص290.
[80]) نقله ابن العربي في كتابه العواصم، (2/283)، وقال إنه أبلغه أحد مشائخه. انظر تعليق حسن السقاف على كتاب العلّو للذهبي
---
عقيدة العلّو الحسي
مِن بين القضايا التي تسرَّبت من أرباب الفلسفات الهرمسية([1]) إلى أهل الحديث الاعتقاد بوجود إله في السماء، وَأَنَّهُ جالس فَوْق العرش الذي هو سرير الملك. (1/68)
صفحة 69
هذه العقيدة الهرمسيَّة تغلغلت في أوصال أهل الحديث إلى درجة حدت بِمُحمَّد بن إسحاق بن خزيمة إلى القول: "مَن لَم يقل: إنَّ الله فَوْق سَماواته على عرشه بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلاَّ ضربت عنقه، ثُمَّ ألقي على مزبلة لئلاَّ يتأذَّى أهل القبلة ولا أهل الذمَّة"([2]).
وانتحال أهل الحديث لِهذه العقيدة الأسطوريَّة وتعصُّبهم لَها نابع في الأساس من تلك النظرة الجزئية التي يتعاملون من خلالها مع نصوص الشرع الحكيم، وقبل أن نناقش أدلَّة أهل الحديث التي التبست مفاهيمها في أذهانهم بسبب التعامل النصوصي التجزيئي، يَجب علينا أن نقرِّر منظومة القواعد الكليَّة التي على أساسها نُحاكم أدلَّة أهل الحديث.
القاعدة الأولى: الله سبحانه وتعالى لا يشبه المخلوقات.
1- ?قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ?.
2- ?فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ?.
3- ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?.
4- ?هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا?.
فهذه الآيات تنفي مشابَهة الخالق تعالى لأيّ شيء من مَخلوقاته في كُلّ شيء حَتَّى الحاجة للمكان والزمان؛ لأنَّ الأشياء سوى الله تعالى مَخلوقة، وهي مُحتاجة للزمان والمكان، والله تعالى هو الخالق وهو لا يشبه المخلوقات في شيء، فليس محتاجاً للزمان ولا للمكان. كما أنَّ الزمان والمكان مخلوقان لله الذي كان قبل خلق الزمان والمكان، قال تعالى: ?اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ?([3])، فكيف يحتاج إليهما وهما مخلوقان له وهو القائل: ?لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ?([4]).
القاعدة الثانية: لا يوصف الله سبحانه وتعالى بالجهات.
1- ?فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ?([5]). (1/69)
صفحة 70
2- ?هُوَ الأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ?([6]).
فقد أثبتَ تعالى أن جَميع الجهات بالنسبة له واحدة، فلا يَختصُّ بِجهة دون جهة.
القاعدة الثالثة: الله سبحانه وتعالى قريب من عباده بعلمه وحفظه.
1-?كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ?([7]).
2-ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء»([8]).
3-?وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ?([9]).
4-?وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ?([10]).
القاعدة الرابعة: الله سبحانه وتعالى معنا بعلمه وحفظه.
1-?وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ?([11]).
2- ?مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثلاثة إِالا هُوَ رَابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ الا هُوَ سَادِسُهُمْ ولاأَدْنَى مِن ذَلِكَ ولاأَكْثَرَ إِالا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ?([12]).
ويلزم من قال إنَّ الله موجود في جهة الفَوْق -بسبب رفضه التأويل- أن يقول إنَّ الله تعالى موجود معنا بذاته!، فلمَّا لم يُجوّز القول بذلك أثبت أنَّ الله تعالى لا يوصف بالأمكنة والجهات.
القاعدة الخامسة: الأدلَّة العقلية تَمنع جواز وصف الله تعالى بالجهة والمكان.
1- أنَّ المكان من خلق الله تعالى، ومن ضرورة العقل وجوب تقدّم الخالق على المخلوق في الوجود، فلو كان تعالى حالاً في مكان لوجب تقدّم المكان عليه لضرورة العقل بذلك، فيستلزم خالقاً غيره وهو باطل، أوأن يكون قديماً معه فيلزم تعدّد القدماء وهو باطل. (1/70)
صفحة 71
2- لو كان تعالى حالاًّ في مكان للزم أن يكون المكان محيطاً به ولو من جهة واحدة، فيلزم تَحديده وتناهيه وهما مستحيلان عليه.
3- لو كان تعالى حالاًّ في مكان للزم أن يكون المكان أقوى منه؛ لأنَّه هو الذي حَمله، وكون غيره تعالى أقوى منه محال.
4- أن المكان صفة للأجسام وهو تعالى ليس بِجسم.
5- المتمكّن مُحتاج إلى مكانه، والمكان مستغن عن المتمكّن. ومعنى ذلك احتياج الله للمكان دون حاجة المكان إليه.
6- لو كان في مكان، فإمَّا أن يكون في بعض الأحياز، أو في جَميعها وكلاهما باطل. أمَّا الأوَّل: فلتساوي الأحياز ونسبته إليها، فيكون اختصاصه ببعضها ترجيحاً بلا مرجِّح، وأمَّا الثاني: فلِأَنَّه يلزم تداخل المتحيِّزين ومخالطته لقاذورات العالم، تعالى عن ذلك علواً كبيراً([13]).
7- كلُّ متحيِّز هو مُختصّ بِحيِّزه، ولن يَخلو من أن يكون ساكناً فيه أو متحرِّكاً عنه، فلا يَخلو عن الحركة أو السكون وهما حادثان، وما لا يَخلو من الحوادث فهو حادث([14]).
8- أنَّ الجالس على العرش لا بُدَّ أن يكون الجزء الحاصل مِنه في يَمين العرش غير الحاصل في يسار العرش، فيكون في نفسه مؤلّفاً مركباً، وكلُّ ما كان كذلك احتاج إلى المؤلّف والمركب، وذلك محال. (1/71)
صفحة 72
9- لو كان علوُّه بسبب المكان، لكان لا يخلو إمَّا أن يكون متناهياً في جهة الفَوْق، أو غير متناه في تلك الجهة، والأوَّل باطل؛ لأنَّه إذا كان متناهياً في جهة الفَوْق، كان الجزء المفروض فَوْقه أعلى منه، فلا يكون هو أعلى من كلِّ ما عداه، بل يكون غيره أعلى منه. وإن كان كان غير متناه فهذا محال؛ لأنَّ القول بإثبات بعد لا نِهاية له باطل بالبراهين اليقينية، فإذا قدَّرنا بعداً لا نِهاية له، لافترض في ذلك وجود نقاط غير متناهية كلّ نقطة فَوْقها نقطة أخرى إلى ما لا نِهاية، فكلُّ نقطة من تلك النقاط تُعدّ سفلاً بالنسبة للأخرى، فحينئذ لا يكون لشيء من النقاط المفترضة علو مطلق البتَّة، وذلك ينفي صفة العلوية.
10- أنَّ العالم كرة، ومتى كان الأمر كذلك، فكلُّ جانب يفرض علواً بالنسبة إلى أحد وجهي الأرض يكون سفلاً بالنسبة للوجه الثاني، فينقلب غاية العلوّ غاية السفل.
11- أنَّ كلَّ وصف يكون ثبوته لأحد الأمرين بذاته، وللآخر بتبعيَّة الأوَّل كان ذلك الحكم في الذاتي أتَمّ وأكمل، وفي العرض أقلّ وأضعف، فلو كان علوُّ الله تعالى بسبب المكان لكان علوّ المكان الذي بسببه حصل هذا العلوّ لله تعالى صفة ذاتيَّة، ولكان حصول هذا العلوّ لله تعالى حصولاً بتبعيَّة حصوله في المكان، فكان علوّ المكان أتَمّ وأكمل من علوّ ذات الله تعالى، فيكون علوّ الله ناقصاً وعلوّ غيره كاملاً، وذلك مُحال([15]).
12- يثبت أهل الحديث لله تعالى ساقاً وجنباً ويداً ووجهاً وعيناً، وهذه الصفات (الجوارح) إمَّا أن تكون في نقطة واحدة، أو كُلّ واحدة فَوْق الأخرى، والأوَّل باطل، لاستلزام كونها واحداً، وهم لا يقولون بذلك، والثاني يفيد أنَّ بعضها أسفل من بعض فلا يَجوز وصفها بالعلوِّ؛ لأنَّ غيرها أعلى منها!. (1/72)
صفحة 73
فمن خلال هذه المنظومة المحكمة من القواعد الكلّية المؤسّسة على النصوص القطعيَّة، والأدلَّة العقلية الفطرية، سنقوم بِمحاكمة أدلَّة أهل الحديث التي اعتمدوا عليها في تأسيس بنيان عقيدتهم الهرمسِّية.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) فالتعاليم الهرمسية تقدِّم لنا نظريَّة كونية غنوصية ملخَّصها: أن في قمَّة الكون وفوق السماء والنجوم الثابتة يقيم إله متعال. انظر: مُحمَّد عابد الجابري: تكوين العقل العربي، ص175.
[2]) نقله ابن تيمية مجموع الفتاوى، 5/ 52.
[3]) سورة الزمر: 62.
[4]) سورة الحج:64.
[5]) سورة البقرة: 115.
[6]) سورة الحديد: 3.
[7]) سورة العلق: 19.
[8]) مسلم: [1083]215- (482).
[9]) سورة ق: 16.
[10]) سورة الواقعة: 85.
[11]) سورة الحديد: 4.
[12]) سورة المجادلة: 7.
[13]) عبد الله بن حميد السالمي: مشارق أنوار العقول، ص213، وص16.
[14]) أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، 1/ 127.
[15]) الفخر الرزاي: التفسير الكبير، 7/ 12-13.
---
إجماع الأُمَّة على نفي الجهات عن الله تعالى
أجمعت الأمَّة الإسلاميَّة بِمختلف طوائفها على تنزيه الله تعالى عن الوصف بالمكان والجهات، وهذا الإجماع مَبني على القواعد العقليَّة والنقليَّة المستوحاة من النصوص المحكمة من الكتاب العزيز والسنَّة المجتمع عليها، والتي بيانها سابقاً، ولم يشذّ عن هذا الإجماع إِلاَّ بعض طوائف الكراميَّة والحشويَّة من أهل الحديث كما سنبيِّنه لاحقاً.
وكلُّ عقلاء الأمَّة على عقيدة تنزيه الله تعالى عن الحدود والأمكنة والجهات، ولكن يصعب على المرء حَصر أقوال جَميع من صرَّحوا بذلك، إلى أنَّنا أفرغنا الوسع لتجميع بعضاً من أقوال أهمِّ الشخصيات لَدى طوائف الأمَّة الإسلاميَّة. (1/73)
صفحة 74
1- قال الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - الذي كان يقول في تَمجيد الله تعالى: "الحيُّ القائم الواحد الدائم فكاك المقادم، ورزَّاق البهائم، القائم بغير منصبة، الدائم بغير غاية، الخالق بغير كلفة، فأعرف العباد به الذي بالحدود لا يصفه، ولا بِما يوجد في الخلق يتوهَّمه، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"([1]).
وقال الحارث الهمداني: بلغ علياًّ أنَّ قوماً من أهل عسكره شبَّهوا الله وأفرطوا، فخطب عليّ الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثُمَّ قال: "يا أيُّها الناس اتَّقوا هذه المارقة. فقالوا: يا أمير المؤمنين، وما المارقة؟ قال: الذين يشبِّهون الله بأنفسهم. فقالوا: وكيف يشبِّهون الله بأنفسهم؟ قال: يُضاهئون بذلك قول الذين كفروا من أهل الكتاب إذ قالوا: "خلق الله آدم على صورتِه" سبحانه وتعالى عمَّا يقولون، سبحانه وتعالى عمَّا يشركون، بل هو الله الواحد الذي ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?.
استخلَص الوحدانية والجبروت، وأمضى المشيئة والإرادة والقدرة والعلم بِما هو كائن، لا منازع له في شيء ولا كفؤ له يعادله، ولا ضدّ له ينازعه، ولا سَميّ له يشبهه، ولا مثل له يشاكله، ولا تبدوا له الأمور، ولا تَجري عليه الأحوال، ولا تنزل به الأحداث، وهو يُجري الأحوال، وينزل الأحداث على المخلوقين.
لا يبلغ الواصفون كنه حقيقته، ولا يَخطر على القلوب مبلغ جبروته؛ لأنَّه ليس له في الخلق شبيه، ولا له في الأشياء نظير، لا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتدبيرها وتفكيرها إلاَّ بالتحقيق إيماناً بالغيب؛ لأنَّه لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين، وهو الواحد الذي لا كفؤ له ما يدعون من دونه هو الباطل"([2]). (1/74)
صفحة 75
2- عبد الله بن مسعود الذي مرَّ بشيخ يُحدِّث عن التوراة فلمَّا رأى ابن مسعود سكت، فقال: "وبِم يُحدثكم صاحبكم" فقالوا: ذكر أن الله لَمَّا خلق السماوات والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس، ووضع رجله على صخرة بيت المقدس، فاسترجع ابن مسعود ثُمَّ قال: اللهم لا كفر بعد إيمان يقولها مرارا ثُمَّ قال: ?وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء?، فهلاَّ قلتم كما قال إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام: ?لا أُحِبُّ الآفِلِينَ? أي الزائلين المنتقلين، ألا فاتّهموا اليهود على دينكم"([3]).
3- عبد الله بن عباس الذي سُئل عن قوله تعالى: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?، فقال: "ارتفع ذكره وثناؤه على خلقه. لا على ما قال المنددون: إن له أشباها وأنداداً. تعالى الله عن ذلك"([4]).
وروى الضحَّاك عن ابن عباس أنَّ نَجدة الحرويّ أتاه فقال: يا ابن عباس كيف معرفتك بربِّك، فإنَّ من قبلنا قد اختلفوا علينا. فقال ابن عباس: أعرفه بِما عرَّف به نفسه من غير رؤية، وأصفه بِما وصف به نفسه من غير تثبيت صورة، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بغير تشبيه، متدان في بعده، لا ينظر ولا يتوهم ديموميته، ولا يُمثل بِخلقه، ولا يَجور في قضيته، فالخلق إلى ما علم منقادون وعلى ما سطر في المكنون من كتابه ماضون، لا يعملون بِخلاف ما منهم علم، ولا إلى غيره يُردّون، وهو قريب غير ملتزق، بعيد غير منفصل، يُحقق ولا يُمثل، يوحّد ولا يبعّض، يعرف بالآيات، ويثبت بالعلامات([5]).
وروى الإمام جابر بن زيد قالَ: "جاءَ نافع بن الأزرق إلى ابن عباس، فقال: يا ابن عباس أخبرني عن ربِّك كيف هو، وأين هو؟ فقال ابن عباس: ثَكلتك أمُّك يا ابن الأزرق، إنَّ الله لا كيف له غير الخلق([6])، خلق الخلق وهو خالق لكيفيتهم، وهو بكلِّ أين([7]) فسكت ابن الأزرق"([8]). (1/75)
صفحة 76
وروى عنه كذلك "أَنَّهُ سئل عَن الله هَل يَخلو منه مكان" فقال: " قال الله تعالى: ?مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا?([9])، فأخبر عز وجل أَنَّهُ لا يَخلو منه مكان، وَأَنَّهُ شاهد لكلِّ مكان، حاضر بكلِّ مكان، على الإحاطة والتدبير، ?لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الْأَرْضِ?([10]). وقال: ?وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ?([11])، وقال: ?وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ?([12]). وقال لِموسى وهَارون: ?إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى?([13])، وقال: ?يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ?([14])، وقال: ?وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا?([15]). وقال: ?وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ?، وقال: ?هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا? ، وقال: ?عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?، وقال: ?إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ?([16])، وقال: ?أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ?([17])، وقال: ?يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ?([18])، ونَحو ذلك من القرآن.
فأخبر عنه أَنَّهُ تعالى لا يَخلو منه مكان في السموات العلى، والأرضين السفلى، ولا يَجوز أن يأخذوا ببعض القرآن دون بعض؛ لأنَّه يُصدِّق بعضه بعضاً، وهو على العرش استوى، وهو على كلِّ شيء شهيد، وهو بكلِّ شَيء مُحيط، بلا تكييف ولا تَحديد ولا تَمثيل ولا تشبيه ولا توهيم"([19]). (1/76)
صفحة 77
5- عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي سأله مُجاهد بن جبر التابعي الكبير عن الصخرة التي كانت في بيت المقدس، فقال: "إنَّ ناساً يقولون - فذكر له قولهم سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً-، فارتعد ابن عُمر فَرقاً وشفقاً حين وصفوه بالحدود والانتقال، فقال ابن عمر: إنَّ الله أعظم وأجل أن يوصف بصفات المخلوقين. هذا كلام اليهود أعداء الله، إِنَّمَا يقولون: على العرش، أي: استوى أمره وقدرته فَوْق بريَّته"([20]).
6- مُحمَّد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية الذي قال: "قاتل الله أهل الشام مَا أكفرهم - أو قال ما أظلَّهم - يقولون: وضع الله قَدمه على صخرة بيت المقدس، وقد وضع عبد من عباده - يعني إبراهيم عليه السلام - قدمه على حجر فجعله قبلة للناس تكذيباً لقولهم ورداً لباطلهم([21]).
7- الحسن البصري الذي قال: "ارتفع ذكره وثناؤه ومَجده على خلقه، ولا يوصف الله تبارك وتعالى بزوال من مكان إلى مكان"([22]).
8- الضحَّاك بن مزاحم البلخي المفسر الكبير، حيث قال الإمام الربيع بن حبيب البصري: "بلغني عن ابن مسعود والضحَّاك بن مزاحم أَنَّهُما قالا: ?اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? أي: استوى عليه وعلى الأشياء كلّها فخضعت ودانت، وقد تقول العرب: استوت لفلان دنياه. أي أتَته دنياه على ما يريد. واستوى بِشر على العراق والحجاز، واستوى فلان على مال فلان. يريدون أنَّه احتوى عليه وحازه، ونحو ذلك([23]).
9- قال علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فيما نَقله عنه صاحب "إتحاف السادة المتقين" (4/340): "أنت الله الذي لا يَحويك مكان"([24]).
10- قال جعفر بن علي بن الحسين: "من زعم أنَّ الله في شيء أو من شيء فقد أشرك، إذ لو كان على شَيء لكان مَحمولاً، ولو كان في شيء لكان مَحصوراً، ولو كان من شيء لكان مُحدثاً"([25]). (1/77)
صفحة 78
9- قال أبو حنيفة النعمان: "ونُقرُّ بأنَّ الله سبحانه وتعالى على العرش استوى من غير أن يكونَ لَه حاجة إليه واستقرار عليه، وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان مُحتاجا لَما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوقين، ولو كان مُحتاجا للجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً"([26]).
وقال أيضاً كما في الفقه الأبسط (ص20): "قلت: أرأيت لَو قيل أين الله تعالى؟ فقال: - أي أبو حنيفة - يقال لَه كان الله تعالى ولا مكان قبل أن يَخلق الخلق، وكان الله تعالى ولَم يكن أين ولا خلق ولا شيء وهو خالق كُلّ شيء"([27]).
10- قال مُحمَّد بن إدريس الشافعي (ت: 204هـ) كما في "إتحاف السادة المتقين" (2/24): "إِنَّه تعالى كان ولا مكان، فخلق المكان وهو على صفة الأزليَّة كما كان قبل خلقه المكان، لا يَجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته"([28]).
11- قال ذو النون المصري إمام الصوفية (ت: 245هـ):
وسُئل ذو النون عن معنى قوله تعالى: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?، فقال: "أثبت ذاته ونفى مكانه، فهو موجود بذاته والأشياء موجودة بِحكمة كما شاء سبحانه".
12- وقال أبو جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي الحنفي (ت: 321هـ) في رسالته "العقيدة الطحاوية" ما نَصُّه: "وتعالى -أي الله- عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تَحويه الجهات الستّ كسائر المبتدعات" اهـ.
13- وقال إمام أهل السنَّة أبو الحسن الأشعري (ت: 324هـ) ما نصّه: "كان الله ولا مكان، فخلق العرش والكرسي ولَم يَحتج إلى مكان، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه".
14- وقالَ الإمام أبو منصور الماتريدي (ت: 333هـ) في "كتاب التوحيد" (ص69): "إنَّ الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقائه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الآن، جلَّ عن التغيّر والزوال والاستحالة". (1/78)
صفحة 79
15- وقال الحافظ مُحمَّد بن حبان (ت: 354هـ) صاحب "الصحيح" المشهور بـ (صحيح ابن حبان) في "الثقات" (1/1) مَا نصُّه: "الحمد لله الذي ليس له حدّ مَحدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان، ولا يشتمل عليه تواتر الزمان" اهـ.
16- وقال القاضي أبو بكر مُحمَّد الباقلاني المالكي (ت: 403هـ) في "الإنصاف فيما يَجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به" (ص65) ما نصُّه: "ولا نقول إن العرش له قرار ولا مكان؛ لأنَّ الله تعالى كان ولا مكان، فلمَّا خلق المكان لَم يتغيَّر عمَّا كان" اهـ.
17- وقال أبو بكر مُحمَّد بن الحسن الشافعي المعروف بابن فورك (ت: 406هـ) في "مشكل الحديث" (ص57) ما نصُّه: "لا يَجوز على الله تعالى الحلول في الأماكن لاستحالة كونه مَحدودا ومتناهياً، وذلك لاستحالة كونه مُحدثاً" اهـ.
18- وقال أبو منصور عبد القاهر البغدادي (ت: 429هـ) في "الفرق بين الفرق" (ص333) ما نصُّه: "وأجمعوا على أنَّه لا يَحويه مكان ولا يَجري عليه زمان" اهـ.
19- وقال أبو مُحمَّد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الأندلسي الظاهري (ت: 456هـ) في "عِلم الكلام" (ص65) ما نصُّه: "وأنَّه تعالى لا في مكان ولا في زمان، بل هو تعالى خالق الأزمنة والأمكنة. والزمان والمكان هُما مَخلوقان، قد كان تعالى دونَهما، والمكان إِنَّمَا هو للأجسام" اهـ. (1/79)
صفحة 80
20- وقال البيهقي الشافعي (ت: 485هـ) في "السنن الكبرى" (3/3) ما نصُّه: "أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سَمعت أبا مُحمَّد أحمد بن عبد الله المزني يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول الله eمن وجوه صحيحة، وورد في التنزيل ما يصدِّقه وهو قوله تعالى: ?وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا?([29]). والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال، بل هُما صفتان من صفات الله تعالى بلا تَشبيه، جلَّ الله تعالى عمَّا تقول المعطلة لصفاته والمشبِّهَة بِها علواً كبيراً.
قلت: وكان أبو سليمان الخطابي - رحمه الله - يقول: إِنَّمَا ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بِما يشاهده من النزول الذي هو تدَلٍّ من أعلى إلى أسفل، والانتقال من فَوْق إلى تَحت، وهذه صفة الأجسام والأشباح، فأمَّا نزول من لا تستولي عليه صفات الأجسام، فإنَّ هذه المعاني غير متوهّمة فيه، وَإِنَّمَا هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده وعطفه عليهم واستجابته دعاءهم ومغفرته لَهم، يفعل ما يشاء لا يتوجّه على صفاته كيفيّة، ولا أفعاله كميّة سبحانه ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ?"اهـ.
21- وقال أبو المظفر الإسفراييني (ت: 471هـ) في "التبصير في الدين" (ص161) ما نصُّه: "الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنَّة والجماعة: وأن تَعلم أنَّ كل ما دلَّ على حدوث شئ من الحدِّ، والنهاية، والمكان، والجهة، والسكون، والحركة، فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى؛ لأنَّ ما لا يكون مُحدثاً لا يَجوز عليه ما هو دليل على الحدوث" اهـ.
22- وقال إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (ت: 478هـ) في "الإرشاد إلى قواطع الأدلَّة" (ص53) ما نصُّه: "البارئ سبحانه وتعالى قائم بنفسه، متعال عن الافتقارِ إلى مَحلّ يَحلّه أو مكان يُقله" اهـ. (1/80)
صفحة 81
وقال أيضاً في "الإرشاد" (ص58): "مذهب أهل الْحَقِّ قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيُّز والتخصُّص بالجهات" اهـ.
23- وقال أبو حامد الغزالي (ت: 505هـ) في كتابه "إحياء علوم الدين" (1/128) ما نصُّه: "الأصل السابع: العلم بأنَّ الله تعالى منَزَّه الذات عن الاختصاص بالجهات، فإنَّ الجهة إمَّا فَوْق وإما أسفل وإمَّا يمين وإمَّا شمال أو قدَّام أو خلف، وهذه الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان... فأمَّا رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهولأنَّهَا قبلة الدعاء، وفيه أيضاً إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال الكبرياء تنبيهاً بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فَإنَّهُ تعالى فَوْق كُلّ موجود بالقهر والاستيلاء" اهـ.
24- وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي (ت: 543هـ) في "القبس في شرح موطأ مالك بن أنس" (1/395) ما نصُّه: "البارئ تعالى يتقدَّس عن أن يُحد بالجهات أو تَكتنفه الأقطار" اهـ.
25- وقال القاضي عياض بن موسى المالكي (ت: 544هـ) في "الشفاء": فصل في حديث الإسراء (1/205) ما نصه: "اعلم أنَّ ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن مُحمَّد الصادق: ليس بدنو حدّ، وَإِنَّمَا دنو النَّبِيّ e من ربِّه وقربه منه إبانة عظيم منزلته وتشريف رتبته" اهـ.
26-وقال علي بن الحسن بن هبة الله الشهير بابن عساكر الدمشقي (ت: 571هـ) في "تبيين كذب المفتري" (ص150) ما نصُّه: "قالت النجارية: إن البارئ سبحانه بكلِّ مكان من غير حلول ولا جهة، وقالت الحشويَّة والمجسِّمة: إِنَّه سُبحانه حال في العرش، وإنَّ العرش مكان له وهو جالس عليه فسلك طريقة بينهمالله، فقال: كان ولا مكان فخلق العرش والكرسي ولَم يَحتج إلى مكان، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه" اهـ. (1/81)
صفحة 82
27- قال عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي الحنبلي (ت: 597هـ) في "دفع شبه التشبيه" (ص85) ما نَصُّه: "الواجب علينا أن نعتقد أنَّ ذات الله تعالى لا يَحويه مكان ولا يوصف بالتغيُّر والانتقال" اهـ.
28-وقال سيف الدين الآمدي (ت: 631هـ) في "أبكار الأفكار" (ص194-95)، مَخطوط ما نَصُّه: "وما يروى عن السلف من ألفاظ يوهم ظاهرها إثبات الجهة والمكان فهو مَحمول على هذا الذي ذكرنا من امتناعهم عن إجرائها على ظواهرها، والإيمان بتنزيلها وتلاوة كُلّ آية على ما ذكرنا عنهم، وبيَّن السلف الاختلاف في الألفاظ التي يطلقون فيها، كُلّ ذلك اختلاف منهم في العبارة، مع اتِّفَاقهم جَميعاً في المعنى أَنَّهُ تعالى لَيس بِمتمكّن في مكان ولا متحيّز بِجهة" اهـ.
29- وقال القرطبي (ت: 671هـ) في "الجامع لأحكام القرآن" سورة البقرة آية 255 (ج3 ص278) ما نَصُّه: "والعلي: يراد به علوّ القدر والمنزلة، لا علوّ المكان؛ لأنَّ الله منَزَّه عن التحيُّز" اهـ.
30- وقال النووي (ت: 676هـ) في "شرح صحيح مسلم" (3/19) ما نَصُّه: "إن الله تعالى ليس كمثله شئ، وإنَّه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيُّز في جهة وعن سائر صفات المخلوق"اهـ.
31- وقال أحمد بن إدريس القرافي المالكي (ت: 684هـ) في "الأجوبة الفاخرة" ص93 ما نَصُّه: "وهو - أي الله- لَيس في جهة" اهـ.
32- وقال اللغوي ابن منظور (ت: 711هـ) في "لسان العرب" مادة (قرب) (1/663-664) ما نَصُّه: "وفي الحديث: «من تَقرَّب إلَيَّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذراعاً» المراد بقرب العبد مِن الله U القرب بالذكر والعمل الصالحِ، لا قرب الذات والمكان؛ لأنَّ ذلك من صفات الأجسام، والله يتعالى عن ذلك ويتقدس" اهـ. (1/82)
صفحة 83
33- وقال مُحمَّد بن إبراهيم المعروف بابن جماعة الشافعي (ت: 733هـ) في "إيضاح الدليل" (ص104-105) ما نَصُّه: "فإن قيل: نفي الجهة عن الموجود، يوجب نفيه لاستحالة موجود في غير جهة. قلنا: الموجود قسمان: موجود لا يتصرَّف فيه الوهم والحسّ والخيال والانفصال، وموجود يتصرّف ذلك فيه ويقبله.
فالأوَّل مَمنوع لاستحالته، والربُّ لا يتصرَّف فيه ذلك، إذ ليس بِجسم ولا عرض ولا جوهر، فصحَّ وجوده عقلاً من غير جهة ولا حيِّز كما دلَّ الدليل العقلي فيه، فوجب تصديقه عقلاً، وكما دلَّ الدليل العقلي على وجوده مع نفي الجسمية والعرضية مع بُعد الفهم الحسِّي له، فكذلك دلَّ على نفي الجهة والحيِّز مع بُعد فهم الحسّ له" اهـ.
34- قال تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي (ت: 756هـ) في "السيف الصقيل في الردِّ على ابن زفيل" (ص105) ما نَصُّه: "ونَحن نقطع أيضاً بإجماعهم (على التنزيه)، أما يستحي من ينقل إجماع الرسل على إثبات الجهة والفَوْقية الحسيَّة لله تعالى؟ وعلماء الشريعة ينكرونَها، أمَا تخاف منهم أن يقولوا له إنك كذبت على الرسل" اهـ.
35- وقال أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الأندلسي (ت: 790هـ) في "الإفادات والإنشادات" (ص93-94) ما نَصُّه: "سألني الشيخ الأستاذ الكبير الشهير أبو سعيد فرج بن قاسم ابن لب التغلبي -أدام الله أَيَّامه- عن قول ابن مالك في "تسهيل الفوائد" في باب اسم الإشارة "وقد يغني ذو البعد عن ذي القرب لعظمة المشير أو المشار إليه" فقال: إنَّ المؤلِّف مثَّل عظمة المشير في الشرح بقوله تعالى: ?وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى?([30])، ولَم يُبيِّن ما وجه ذلك، فما وجهه؟ ففكرت فلم أجد جوابًا. (1/83)
صفحة 84
فقال: وجهه أنَّ الإشارة بذي القرب ها هنا قد يتوهَّم فيها القرب بالمكان، والله تعالى يتقدَّس عن ذلك، فلمَّا أشار بذي البعد أعطى بِمعناه أنَّ المشير مباين للأمكنة، وبعيد عن أن يوصف بالقرب المكاني، فأتى البعد في الإشارة منبِّهاً عن بعد نسبة المكان عن الذات العلية، وَأَنَّهُ يبعد أن يَحلّ في مكان أو يدانيه" اهـ.
36- وقال أبو زرعه أحمد بن عبد الرحيم العراقي (ت: 826هـ) في "طرح التثريب" (8/84) ما نَصُّه: "وقوله -أي النَّبِيّ- "فَهو عنده فَوْق العرش" لاَ بُدَّ من تأويل ظاهره لفظة «عنده»؛ لأنَّ معناها حضرة الشيء، والله تعالى منَزَّه عن الاستقرار والتحيُّز والجهة، فالعنديَّة ليست من حضرة المكان بل من حضره الشرف، أي وضع ذلك الكتاب في مَحلّ معظم عنده" اهـ.
37 - وقال أحمد بن حجر العسقلاني الشافعي (ت: 852هـ) في "فتح الباري": (6/136) ما نَصُّه: "ولا يلزم من كون جهتي العلوّ والسفل مُحالاً على الله أن لا يوصف بالعلو؛ لأنَّ وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحسِّ، ولذلك ورد في صفته العالي والعلي والمتعالي، ولَم يرد ضدَّ ذلك وإن كان قد أحاط بكلِّ شَيْء علماً جلَّ وعزَّ" اهـ.
وقال أيضا "فتح الباري" (7/124) ما نَصُّه: "فمعتقد سلف الأئمة وعلماء السنَّة من الخلف أنَّ الله مُنَزَّه عن الحركة والتحَوُّلَ والحلول" اهـ.
38- وقال الحافظ مُحمَّد بن عبد الرحمن السخاوي (ت: 902هـ) في "المقاصد الحسنة" (رقم886، ص342) ما نَصُّه: "قال شيخنا - يعني الحافظ بن حجر -: إنَّ علم الله يشمل جَميع الأقطار، والله سبحانه وتعالى مُنَزَّه عن الحلول في الأماكن، فَإنَّهُ سبحانه وتعالى كان قبل أن تَحدث الأماكن" اهـ. (1/84)
صفحة 85
39- وقال جلال الدين السيوطي (ت: 911 هـ) عند شرح حديث «أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد» في "شرح السيوطي لسنن النسائي" (1/576) ما نَصُّه: "قال القرطبي: هذَا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة؛ لأنَّهُ منزه عن المكان والمساحة والزمان. وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله" اهـ.
40- وقال ابن حجر الهيثمي (ت: 974هـ) في "الفتاوى الحديثية" (ص144) ما نَصُّه: "عقيدة إمام السنَّة أحمد بن حنبل t موافقة لعقيدة أهل السنَّة والجماعة من المبالغة التامَّة في تنزيه الله تعالى عمَّا يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً من الجهة والجسمية وغيرهما من سائر سمات النقص، بل وعن كُلّ وصف ليس فيه كمال مطلق، وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إلى الإمام الأعظم المجتهد من أَنَّهُ قائل بشيء من الجهة أو نَحوها، فكذب وبُهتان وافتراء عليه" اهـ.
41- وقال الشيخ ملا علي القاري (ت: 1014هـ) في "شرح الفقه الأكبر" (ص196-197) ما نَصُّه: "وَأَمَّا علوّه تعالى على خلقه المستفاد من نَحو قَوله ?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْق عِبَادِهِ?([31]) فعلوّ مكانة ومرتبة لا علوّ مكان كما هو مقرر عند أهل السنَّة والجماعة، بل وسائر طوائف الإسلام من المعتزلة والخوارج وسائر أهل البدعة، إِلاَّ طائفة من المجسِّمة وجَهلة من الحنابلة القائلين بالجهة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً" اهـ.
42- قال مَحمود بن مُحمَّد خطاب السبكي (ت: 1352هـ) في "إتحاف الكائنات" (ص5) ما نَصُّه: "وَأَمَّا مذهب السلف والخلف بالنسبة للآيات والأحاديث المتشابهة، فقد اتَّفَق الكلُّ على أنَّ الله تعالى منَزَّه عن صفات الحوادث، فليس له U مكان في العرش ولا في السماء ولا في غيرهِما، ولا يصف بالحلول في شيء من الحوادث، ولا بالاتِّصال بشيء منها، ولا بالتحَوُّلَ والانتقال ونَحوهما من صفات الحوادث" اهـ. (1/85)
صفحة 86
43- قال مُحمَّد زاهد الكوثري (ت: 1371هـ) في "مقالات الكوثري"، مقال الإسراء والمعراج (ص452) ما نَصُّه: "وتنزيه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيَّات هو عقيدة أهل الْحَقِّ رغم اغتياظ المجسِّمة الصرحاء والممجمجين من ذِلك" اهـ.
44- قال مُحمَّد الطاهر بن عاشور المالكي (ت: 1393هـ) في تفسيره "التحرير والتنوير" (29/33) ما نَصُّه: "قوله تعالى: ?مَّن فِي السَّمَاء? في الموضعين من قَبيل المتشابهة الذي يعطي ظاهره معنى الحلول في مكان، وذلك لا يليق بالله" اهـ.
45- قال عبد الله بن مُحمَّد الصديق الغماري (ت: 1413هـ) في "قصص الأنبياء"، آدم u (ص11) ما نَصُّه: "كان الله ولَم يَكن شيء غيره، فلم يكن زمان ولا مكان ولا قطر ولا أوان، ولا عرش ولا ملك، ولا كوكب ولا فلك، ثُمَّ أوجد العالم من غير احتياج إليه، ولو شاء ما أوجده. فهذا العالم كلّه بما فيه من جواهر وأعراض حادث عن عدم، ليس فيه شائبة من قدم، حسبما اقتضته قضايا العقول وأيَّدته دلائل النقول، وأجمع عليه المليون قاطبة إلا شذاذاً من الفلاسفة قالوا بقدم العالم، وهم كفَّار بلا نزاع" اهـ.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، رقم 835.
[2]) نفس المصدر السابق، رقم 836.
[3]) نفس المصدر السابق، رقم 879.
[4]) نفس المصدر السابق، رقم 871.
[5]) نفس المصدر السابق، رقم 839.
[6]) أي: أَنَّهُ تعالى تعرف عظمته ببدائع صنعه في خلقه.
[7]) يعني: بكلِّ مكان بعلمه وإرادته.
[8]) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، رقم842.
[9]) سورة المجادلة: 7.
[10]) سورة سبأ: 3.
[11]) سورة ق: 16.
[12]) سورة الأنعام: 3.
[13]) سورة طه: 46.
[14]) سورة النساء: 108.
[15]) سورة طه: 110.
[16]) سورة فاطر: 10.
[17]) سورة الملك: 16.
[18]) سورة السجدة: 5.
[19]) نفس المصدر السابق، رقم 858. (1/86)
صفحة 87
[20]) نفس المصدر السابق، رقم872.
[21]) نفس المصدر السابق، رقم872.
[22]) نفس المصدر السابق، رقم873.
[23]) نفس المصدر السابق، رقم880.
[24]) مجموعة من الباحثين غاية البيان ص67.
[25]) مَجموعة من الباحثين: غاية البيان، ص67-68.
[26]) كتاب الوصية ضمن مَجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري ص2. راجع مجموعة من الباحثين: غاية البيان، ص68.
[27]) مجموعة من الباحثين: غاية البيان، ص68.
[28]) نفس المصدر السابق، وجَميع النقولات القادمة منه، ص71-164.
[29]) سورة طه: 17.
[30]) سورة الفجر: 22.
[31]) سورة الأنعام: 18.
---
مناقشة أَدِلَّة القائلين بالْعُلُوّ الحِسِّي الْعَقلِيَّة
سوف نُحاول في هذا الباب مُناقشة أَدِلَّة أهل الْحَدِيث الْعَقلِيَّة التي حاولوا من خلالِها إثبات عقيدة الْعُلُوّ الْحِسِّي، وأقوى تلك الاستدلالات ما قاله ابن الْقَيِّم في قصيدته النونية([1]):
يبْدأ ابن الْقَيِّم خطابه الْمهَيِّج لِمشاعر أتباعه بوَسمِ مُخالفيهم بأقذع الأوصاف، حيث يصفهم هنا بِأَنَّهم "مُعطِّلَة"، ويقصد بِهم الذين لا يَجرُون الألفاظ الْمتشابهة على ظاهرها كما يفعل هو وأرباب مدرسته، وهؤلاء في نظر ابن الْقَيِّم أكفر من الْمشركين! حيث يقول في قصيدته هذه:
أَمَّا عن سؤال ابن الْقَيِّم الذي يُحاول إيهام أتباعه بِأَنَّه الْحجَّة على من يسميهم بـ"الْمُعطِّلَة"، فهو سؤال فلسفي لا قيمة له في بناء العقيدة الإسلامية الراسخة البنيان، فذاتُ الله تعالى لا يُمكن أن تُتصوَّر في الأذهان ولا يُمكن أن تَحلّ في غير الأذهان؛ لأَنَّ ذاته تعالى مقدَّسة، ومنَزَّهٌ عن مشابهة ذوات الْمخلوقات الْمحتاجة للأمكنة لتحلّ فيها.
ثُمَّ يقول ابن الْقَيِّم مواصلاً إلْهاب روح الانتصار في قلوب أتباعه: (1/87)
صفحة 88
طبعاً لا يَجوز أن يكون الله تعالى هو نفس الكون؛ لأَنَّ ذلك يعني أنَّ ذاته متغيِّرة متقلِّبة لتغيُّر حالات الْمخلوقات، ولا يَجُوز كذلك أن تَكون ذاته متداخله مع المخلوقات لما يستلزمه من وصف بالتجزئة والتبعيض وملامسة القاذورات.
وكلام ابن الْقَيِّم الموافق للحق في هذه الْمقدِّمة عبارة عن توطئة لِما يريد ان يقوله لاحقاً، ولكن قبل ذلك يقول:
وإجابة البيت الأَوَّل لا يُختلف فيها مع ابن الْقَيِّم، فالله تعالى غير عباده بلا شكّ، وإجابة البيت الثاني يُوافق فيها ابن الْقَيِّم أيضاً؛ لأَنَّ الْمخلوقات لا تكون في ذات الله، ولا يكون هو تعالى في مَخلوقاته كما تَمَّ بيانه.
ثُمَّ يقول بعد ذلك:
إجابة على الأبيات من الأَوَّل إلى الرابع يقال فيها: أنَّ ذات الله تعالى لا شكَّ قائمة وحدها دون حاجة إلى ذوات الْمَخلُوقات، فالله تعالى "واجب الوجود"، بينما بقيَّة الْمَوجُودات "مُمكنة الوجود"، فالممكن الوجود هو الْمحتاج للواجب الوجود لا العكس، وذات الله لا توصف بِأَنَّهَا مثل ذات الْمَخلُوقات؛ لأَنَّ ذلك يستلزم جريان ما يَجري على الْمَخلُوقات من تغيّر وتبدّل على ذات الله تعالى، وهذا باطل؛ لأَنَّه يؤدي إلى جواز حدوثه، وإذا جاز وصفه بالحدوث يستلزم أمرين فاسدين، أولهما: أن هناك من أحدثه فالحادث مُحتاج إلى مُحدث، وهذا يستلزم إله غيره، وهذا فاسد. والثاني: جواز عدمه وهذا باطل.
كما لا يَجُوز وصف ذات الله تعالى بأنَّها ضد ذوات الْمَخلُوقات؛ لأَنَّ الضدَّ هو النقيض، والْمَخلُوقات توصف بالعلم والحياة والسمع والبصر، ونقيض هذه الصفات هو الجهل والموت والصمم والعمى، وهذه الصفات لا يَجُوز وصف ذات الله تعالى بها، ولكن نقول بأنَّ ذات الله تعالى هي غير ذات مَخلوقاته. (1/88)
صفحة 89
أَمَّا قول ابن الْقَيِّم في البيت الْخامس: إِنَّه "لولا التباين لم يكن شيئان" فكلام باطل مبنِيٌّ على قياس الغائب بالشاهد، أي قياس ذات الله الغيبية -الْمنَزَّهه عن مشابهة الْمَخلُوقات- بِمخلوقاته!، وفي هذا ردّ للنصوص القطعية التي تؤكِّد عدم مشابهة ذات الله لذوات الْمَخلُوقات. ولأَنَّ ابن الْقَيِّم يرى أن كُلّ جسم يَجب أن يكون مبايناً للجسم الآخر حَتَّى يتميَّز عنه، ظن بأن الله تعالى مباين للعالم حتى يمكن أن يميزه عن الْمَخلُوقات، لتصوره أن ذات الله عبارة عن جسم!.
ومن بين استدلالات أهل الْحَدِيث الْعَقلِيَّة أيضاً قول مُحمَّد بن صالح بن عثيمين: "فإذا نفيت هذه الْجهات عن الله تعالى لزم أن يكون معدوماً"([3]).
وهذا الكلام يستحقُّ التقدير لو كنا نتحدَّث عن جرم فضائي!، فالأجرام عبارة عن أجسام، والأجسام مُحتاجة إلى حيِّز تكون فيه، لكن ذات الله تعالى ليست جرم من الأجرام، إِنَّهَا ذات غيبية فوق تصوّر الْمَخلُوقات، ذات منَزَّه عن مشابهة أي شيء من الأشياء الْمتوهّمة في العقل ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?، فكل جسم مُحتاج إلى مكان يوجد فيه وجهة يشار فيها إليه، ولكن الله تعالى هو الغنِي عن كُلّ شيء ?وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ?([4])، بل إن المكان والجهة هي المحتاجة إليه، فلولاه جلّ وعلى لما كان هناك مكان ولا جهة، فكيف يحتاج الخالق للمخلوق؟ وهل كان قبل خلقه للمكان والجهات ناقصاً؟ (1/89)
صفحة 90
والقاعدة العلمية تنصُّ على أَنَّ: "عدم علمك بشيء، ليس علماً بعدم ذلك الشيء"، فالضوء مثلاً لا يكون موجوداً وغير موجود في وقت واحد، ولكن العقل الذي يحكم باستحالة هذا، يعجز عن فهم حقيقة الضوء ما هي؟ وما كنهها؟ وما انتقالها بهذه السرعة الهائلة؟ وهذا العجز الظاهر لا يمس حقيقة الضوء، ولا يمس وجودها، فعدم علمك بالضوء، ليس علماً بعدم الضوء، والذات الإلهية ليست ذاتاً مبهمة مجهلة، كما إنها ليست محدودة مجسده، هي ذات لا كالذوات التي يراها الحس أو يتخيلها الوهم؛ لأَنَّها لو وقعت في دائرة الخيال -مهما امتد واتسع- كانت بهذا المعنى مُحدَّدة مقيدة([5]).
ومن بين الأَدِلَّة الْعَقلِيَّة أيضاً قول ابن تيمية"وإن أراد بالجهة أمراً عدمياً وهو ما فوق العالم، وقال: إن الله فوق العالم، فقد أصاب. وليس فوق العالم موجود غيره، فلا يكون سبحانه في شيء من الْمَوجُودات"([6]). (1/90)
صفحة 91
وابن تيمية فيما يبدو قد نسي أنَّ مصطلح الجهة والمكان العدمي لم يأت ذكرها في القرآن الكريم ولا في السُّنَة، كما أَنَّهُ لم يأت ذكرها أيضاً عند السلف المقدس الذي يدَّعي ابن تيمية الانتساب إليه، إذاً هذا الْمصطلح مبتدع بِمقاييس أهل الْحَدِيث، فلماذا لا يشنِّع هؤلاء على ابن تيمية كما شنعوا على من استخدم مصطلح المجاز والجسم والعرض والجوهر!. ولا يفوتنا أن نسأل ابن تيمية ما هو هذا الْمكان العدمي الذي ذكر؟ وما صفته؟! وفي ماذا يختلف عن المكان غير العدمي؟ وهل هو مفرغ من الْهَواء والذرات والضغط كما هو الحال في الفراغ بين النجوم والمجرات؟ إن المكان يعتبر مكاناً سواء وصفته بأنَّه عدمي أو غير عدمي، ولكن مُحاولة الالتفاف على إلزامات ردود المخالفين -التي تدلل على أن وصف الله بالمكان تجعله محتاجاً عاجزاً ناقصاً-دفعت ابن تيمية إلى ابتداع مصطلح "الْمَكان العدمي". وهذا الْمَكان الذي سَمَّاه ابن تيمية "بالعدمي" هو في حدّ ذاته معدوم، فلا وجود له في الحقيقة إِلاَّ في مُخيلة ابن تيمية ومن انساق خلفه من اتباعه.
إن إثبات وجود الله في مكان عدمي هو إثبات لعدمه تعالى؛ لأَنَّ ما هو موجود في العدم ليس إلا عدماً.
ومن بين الاحتجاجات أيضاً قول ابن تيمية: "معلوم بضرورة العقل أنَّ إثبات موجود فوق العالم ليس بِجسم، أقرب إلى العقل من إثبات موجود قائم بنفسه ليس بِمباين للعالم ولا بِمداخل له، فإن جاز إثبات الثاني فإثبات الأوَّل أولى"([7]). (1/91)
صفحة 92
وعبارة "معلوم بالضرورة" تكفي للتدليل على الإطلاقات الدعائية التي يراد به التشويش على الأتباع. لقد قصد ابن تيمية إيهام أتباعه أنَّ القَضيَّة مَحسومة، فهي "معلومة بالضرورة"! وكلام ابن تيمية مبنِيّ على قياس الغائب بالشاهد، وتصور ذات الله تعالى كذوات الْمَخلُوقات، وقد قدَّمنا أن التحَيُّز في جهة هو من صفات الأجسام، والله تعالى ليس بِجسم، فهو لا يشبه مَخلوقاته ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?.
ومن بين احتجاجات أهل الْحَدِيث أيضاً قول مُحمَّد بن صالح بن عثيمين: "لا ريب أنَّ الْعُلُوّ صفة كمال وأنَّ ضدَّه صفة نقص"([8]).
وهذا الكلام الْخطير يؤدِّي إلى إلزامات لا يستطيع أهل الْحَدِيث التفلُّت منها، وهي:
1- هل كان تعالى قبل خلقه للعرش واستعلائه عليه -كما يدّعون- ناقصاً؟ فلو كان علوُّ الله تعالى علوًّا حسيًّا مكانياً لكان علوّ الْمَكان الذي بسببه حصل هذا الْعُلُوّ لله تعالى صفه ذاتية، ولكان حصول هذا الْعُلُوّ لله تعالى حصولاً بتبعية حصوله في الْمَكان، فكان علوَّ الْمَكان أتَمّ وأكمل من علوِّ ذات الله تعالى، فيكون علوّ الله ناقصاً وعلوّ غيره كاملاً وذلك مُحال.
2- هل الْحارس فوق البيت أكمل من الأمير داخل البيت؟.
3- هل البعوض والذباب عندما يطير فوق الإنسان أكمل منه؟.
4- هل اليهود والنصارى الذين ارتقوا إلى السماء بسفنهم الفضائية أكمل من المسلمين؟.
5- هل السماء والسحب والنجوم والشمس والقمر أكمل من الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فهم أعلى منه مكاناً؟.
6- هل أنتم أعظم من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن الرسل الْمدفونين تَحت الأرض وأنتم فوقها؟.
7- هل الْجبال الشاهقة أكمل من البساتين السهلة اليانعة؟. (1/92)
صفحة 93
8- أيقن البشر أنَّ الأرض كُروِيَّة، وجهة الْعُلُوّ لبعض هي نفسها جهة السفل لآخرين، فإذا كان الله فوق رؤوس هؤلاء فهو تَحت أقدام الآخرين على الوجه المقابل من الكرة الأرضية!. وكُروِيَّة الأرض تدل على أن السماء كرويَّة مُجوَّفة مثل البالون ونَحن بداخلها، فإذا كان كلام هؤلاء صحيحاً فَإِنَّهُ يترتَّب عليه عدَّة أشياء:
الأوَّل: أنَّ الله تعالى متحيِّز في جهة واحدة من سطح هذه السماء العظيمة الْمدورة، وهذا يدلُّ على تناهيه وصغره، وأنَّ السماء أكبر منه.
الثاني: يلزمهم القول أنَّ العرش الذي توهَّموه كسرير الملك أيضاً مدور، وهو مُحيط بالسماء إحاطة القشر بالبطيخة، وأنَّ الله تعالى حالٌّ فوق عرشه، وَأَنَّهُ مُحيط بالعرش إحاطة حسيَّة، أي: أَنَّهُ أجوف ونَحن في جوفه.
الثالث: إذا اعتقدنا أَنَّهُ في جهة واحدة من العالَم -الفوق كما يسمُّونها- فمعنى ذلك أَنَّهُ فوق البعض وأسفل الآخرين؛ لأَنَّ الأرض تدور، فهو ساعة فوق البعض وساعة تَحتهم.
الرابع: كرويَّة الأرض تَدُلُّ على أنَّ للكون ستّ جهات، وليس جهة فوق وسفل فقط كما يقول هؤلاء، وكلّ جهة بالنسبة للجهة الْمقابلة لها تعتبر فوقاً، ففي أي فوق يوجد الله تعالى؟! (1/93)
صفحة 94
9- روى أهل الْحَدِيث من طريق أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا -تبارك وتعالى- كُلّ ليلة إلى سَماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له»([9])، وقال مُحمَّد بن صالح بن عثيمين معلِّقاً على هذه الرواية: "فإذا قال: « يَنْزِلُ رَبُّنَا»، فإنَّ أيَّ إنسان يقول بِخلاف ظاهر هذا اللفظ قد اتّهم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إمَّا بأنَّه غير عالِم، فمثلاً إذا قال: -المراد ينزل أمره. نقول: أنت أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول يقول: «يَنْزِلُ رَبُّنَا». وأنت تقول ينزل أمره. أأنت أعلم أم رسول الله؟"([10])، فطالَما يثبت هؤلاء النزول الْحقيقي لله تعالى ويرفضون التأويلات الْمساقة لتفسير هذه الرواية، فَإِنَّهُ يلزمهم أن يكون الله أثناء النزول الْمزعوم في السماء الدنيا أسفل من الْملائكة الْمَوجُودين في السماوات العلى، ويكون أسفل من العرش الذي يعتقد هؤلاء أَنَّهُ جرم عظيم فوق السماوات!، ويلزمهم أن يكون الله تعالى ناقصاً وأنَّ الْملائكة أعظم منه؛ لأَنَّهم أعلى منه!. بل إن إثبات النزول بالصورة التي ذكرها مُحمَّد بن صالح بن عثيمين يلزمه وجود الله دائماً وأبداً في السماء الدنيا؛ لأَنَّ الليل يدور على الأرض ففي كُلّ لحظة من لَحظات الزمن هناك ثلث ليل في منطقة من مناطق الكرة الأرضيَّة!. (1/94)
صفحة 95
والعجيب أنَّ ابن عثيمين حين وُوجِه بِهذا السؤال قال: "جوابنا عليه أن نقول: هذا سؤال لَم يسأله الصحابة -رضوان الله عليهم-، ولو كان هذا يَرِد على قلب الْمؤمن الْمستسلم لبيَّنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم"([11]). وهذ جواب عجيب، فلو سَلَّمنَا بصحَّة هذه الرواية هل يستطيع بشر في هذه الأعصار الْمتأخِّرة أن يَجزم بأن الصحابة قد سألوا هذا السؤال أم لا؟ هل وصلتنا كُلّ كلمة قالَها الصحابة؟ وهل كان الصحابة يعلمون أنَّ الليل يدور على الأرض وأنَّ الأرض كُروِيَّة؟ وهل يعتبر ابن عثيمين تِلميذه الذي سأله هذا السؤال غير مؤمن؟!.
ورواية النزول الْمزعوم جاءت من طريق أبي هريرة الذي كان يروي الإسرائيليات -كما بيَّناه- فلا يفرّق من يسمعه بينها وبين روايات الرسول صلى الله عليه وسلم، قال بسر بن سعيد: "اتَّقوا الله، وتَحفَّظوا من الْحَدِيث، فوالله لقد رأيتنا نُجالس أبا هريرة، فيحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُحدِّثنا عن كعب ثُمَّ يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يَجعل حديث رسول الله عن كعب، ويَجعل حديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"([12]). فلا يبعد أن تكون رواية النزول من ضمن تلك الروايات التي خلط الرواة في رفعها، فنسبوها إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بدل نسبتها إلى كعب الأحبار.
وقد ثبتت نفس هذه الرواية من طريق أبي هريرة، نقلها عنه الإمام الفقيه جابر بن زيد وهي خالية من عبارة «يَنْزِلُ رَبُّنَا»!، ونصُّ رواية جابر بن زيد عن أبي هريرة هي: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول ربنا تبارك وتعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر: من يدعنِي فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»([13]).
فإمَّا أن تكون زيادة «يَنْزِلُ رَبُّنَا» من تلفيق أهل الْحَدِيث، أو أنَّ الرواة اختلط عليهم الأمر فأدرجوها من بعض روايات كعب الأحبار. (1/95)
صفحة 96
يقول الشيخ مُحمَّد الغزالي: "ولو فرضنا أن هناك من قال: إن ربَّنا لا ينزل إلى السماء الدنيا بل يتجلَّى، فهذه ليست عقيدة، ولكنه يكشف معنى عبارة وردت في حديث آحاد، ولا يُمكن أن نعتبر هذه عقيدة، نزول الله ليس عقيدة، هناك أشياء كثيرة وسنن في الآحاد ولكنها تفسير أو لبنات في البناء الإسلامي تؤخذ في حدودها، وهذا ما مشى عليه الْمسلمون، فما خالف اليقين من أحاديث آحاد مَرفوض"([14]).
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) مُحَمَّد خليل هراس: "شرح القصيدة النونية"، 1/ 195-197.
[2]) نفس المصدر السابق، 2/ 307-309.
[3]) مُحَمَّد بن صالح بن عثيمين: "فتاوى العقيدة"، ص85.
[4]) سورة الحج: 64.
[5]) محمد الغزالي: "عقيدة المسلم"، ص38.
[6]) ابن تيمية: "منهاج السُّنَة "، 2/ 558.
[7]) ابن تيمية: "منهاج السُّنَة "، 2/ 557.
[8]) ابن عثيمين: "فتاوى العقيدة"، ص84.
[9]) البخاري: ر1145.
[10]) ابن عثيمين: "فتاوى العقيدة " ص63.
[11]) ابن عثيمين: "فتاوى العقيدة"، ص60-61.
[12]) الذهبي: "سير أعلام النبلاء"، 2/ 606.
[13]) الجامع الصحيح: مسند الربيع بن حبيب، رقم 501.
[14]) محمد الغزالي: "كيف نتعامل مع القرآن"، ص116.
---
مناقشة الاستدلال بالفطرة
استمراراً من أهل الْحَدِيث في سياسية الدعاية الإعلامية الْموجَّهة لعوامِّ الناس يقول ابن تيمية: "وَأَمَّا كونه عالياً على مَخلوقاته بائناً منهم، فهذا أمر معلوم بالفطرة الضروريَّة التي يشترك فيها جَميع بني آدم. وكلُ من كان بالله أعرف وله أعبد ودعاؤه له أكثر وقلبه له أذكر كان علمه الضروري بذلك أقوى وأكمل، فالفطرة مكمّلة بالفطرة الْمنزلة"([1]). (1/96)
صفحة 97
إنَّ هذا الكلام يرسخ مفهوم الْمعرفة حسب التصوُّر الصوفي القائم على انكشاف العلم عن طريق التقشف والتحنُّث، وهو الْمعروف لديهم بـ"العرفان"، بينما جاء القرآن الكريم ليدفع البشرية إلى التفكُّر والبحث والعمل من أجل اكتشاف حقيقة وجود الله تعالى عن طريق الاستدلال والبرهان، وابن تيمية في كلامه السابق يلجأ إلى هذا العرفان الصوفي الذي يذمُّه في كثير من مؤلَّفاته التي هاجم فيها الصوفية، وتَخلَّى عن البرهان القرآني، كُلّ ذلك من أجل ترسيخ عقيدة الْعُلُوّ الْهرمسية!.
ولا ندري من أين لابن تيمية وأتباعه أنَّ فطرة العوامِّ والأطفال هي أحد مصادر العلم والعقيدة، فالفطرة التي يدَّعي ابن تيمية مرجعيتها في العقيدة هي في الأصل الاستعداد التكويني لتقبُّل الأفكار، والدليل على ذلك قول الرسول e «كُلّ مولود يُولَد على الفطرة فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه»([2])، ومعلوم أنَّ الإنسان ساعة ولادته جاهل لا يعلم شيئاً، ?وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا?([3])، فكيف يستدلُّ بالفطرة إذا كانت الفطرة تعني الْجهل التام، والقابلية لبذر الْعلُوم طيبها وخبيثها؟ وهل سيقول ابن تيمية أَنَّهُ يَجب علينا سؤال الأطفال عن العقيدة الصحيحة؛ لأَنَّهم مولودون على الفطرة!.
وإذا كانت الفطرة كفيلة بتوضيح العقيدة الصحيحة فلماذا عبد البشر الأصنام والأوثان؟ ولِماذا لم تقدهم فطرتُهم إلى معرفة الله؟ وإذا كانت الفطرة كفيلة بِمعرفة العقيدة الصحيحة، فما فائدة إرسال الرسل وإنزال الكتب؟ وإذا كانت الفطرة كفيلة بِهداية الإنسان، فلماذا نرى كثيراً من الفجرة ينشأون في أفضل بيوت العلم والإيمان؟ (1/97)
صفحة 98
نعم، إن قصد ابن تيمية بكلامه من لَم يُمارس التدبُّر والتفكُّر، ولَم يدمن النظر والتأمُّل للوصول إلى الْحقائق، فمسلم أَنَّهُ يعتقد أن كُلّ شيء هو بِجهة منه، ولَمَّا كان جاهلاً بِمعرفة كون التحَيُّز في الْجِهَات من صفات الْمَخلُوقات فَإِنَّهُ سيعتقد خالقه مُتَحَيِّزًا في جهة.
ولَمَّا كان جاهلاً لِكُروِيَّة الأَرض ونسبية كُلّ جهة وعدم وجود جهة واحدة تسمَّى فوق، ولَمَّا كان يرى أنَّ السماء تسطع فيها الشمس الْمضيئة، ويبزغ فيها القمر المنير وتتلألأ فيها النجوم، وأن السماء هي مصدر الْمَطَر الذي يغذِّيه بالماء الذي هو أساس الْحياة ظنَّ أنَّ خالقه موجوداً في السماء، بيد أن الْمسلم الذي امتثل لفريضة القراءة الكونية للنصوص الْمحكمة من الكتاب العزيز والسُّنَة النبوية الْمتوَاتِرة الْمجتمع عليها، يعلم علم اليقين بطلان قياس الْخالق بالْمَخلُوق، وفساد مثل هذه العقائد الأسطورية الْهرمسية.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) ابن تيمية: "مَجموع الفتاوى"، 4/ 45.
[2]) البخاري: ر1359.
[3]) سورة النحل: 78.
---
مناقشة الاستدلال بالدعاء إلى السماء
نتيجة لاضمحلال القاعدة الْمعرفية لأتباع هذه الْمدرسة استساغ أهل الْحَدِيث الاستشهاد بشبه تُخاطب عاطفة العوام، كاستدلالهم برفع الأيدي في الدعاء لترسيخ عقيدة الْعُلُوّ، فالعاقل يدرك أن رفع اليدين هي عادة فطرية تعبِّر عن انتظار العطايا، ورفع الأيدي في الدعاء هو تمثيل لاستقبال عطايا أكرم الأكرمين.
وفي هذا الإطار يقول علي بن علي بن مُحمَّد بن أبي العزّ (ت: 792هـ): "وأمر التوجُّه في الدعاء إلى الْجهة الْعُلويَة مركوز في الفِطَر، والْمستقبل للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك، بِخلاف الداعي، فَإِنَّهُ يتوجَّه إلى ربِّه وخالقه"([1]). (1/98)
صفحة 99
حيث يَمزج الفطرة بشبهة رفع الأيدي إلى السماء!، ويذكر أنَّ القلوب أثناء الدعاء تكون متوجِّهة إلى السماء!.
وتناسى ابن عبد العزّ أنَّ السماء كانت وما زالت هي مصدر الْخير، من نزول الهداية بنزول الملائكة ونزول الأمطار والرزق والبركة، فتوجُّه قلوب البشر -وإن كانوا وثنين- إلى السماء هو توجُّه إلى مصدر الخير والبركة.
ولِماذا لَم يسأل أهل الْحَدِيث أنفسهم لِماذا أمرنا الله تعالى بالنظر إلى موضع السجود أثناء الصلاة بدلاً من النظر إلى السماء التي يعتقدون وجود الله تعالى فيها؟
ولِماذا أمرنا بالتوجُّه إلى الكعبة بدلاً من التوجُّه إلى السماء؟
أليس من حقِّ أتباع هذه المدرسة أن يلزموا أئمَّتهم أن يعتقدوا أن الله تعالى موجود في الأَرض وفي الكعبة؛ لأَنَّهم مأمورون بالتوجُّه إلى هذه الْمواضع أثناء الصلاة؟.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) علي بن علي بن مُحَمَّد بن أبي العزّ: "شرح العقيدة الطحاوية"،2/ 448.
---
الرد على شبهة الأَدِلَّة النقلية
اعتمد أهل الْحَدِيث في ترسيخ عقيدة التجسيم على بعض النُّصُوص الْمتشابِهة من القرآن الكريم، وعلى الكثير من الروايات التي تفننوا في تلفيقها لاستئثارهم بالرواية، وتَحكُّمهم في جرح وتعديل الرواة، هذا بِجانب استدلالهم بالكثير من الأقوال الْمنسوبة إلى أئمَّتهم الْمحدّثين الأوائل الذين يشكِّلون مرجعيَّة نصية موازية للنصِّ الخالص "الكتاب والسُّنَة" في الْعَقلِيَّة السلفيَّة لأهل الْحَدِيث، وسوف نحاول أن نناقش تلك الأَدِلَّة ونعرضها على منهج كتاب الله والْمجتمع عليه من السُّنَة الْمتوَاتِرة، وسنن الكون الثابتة. (1/99)
صفحة 100
ونذكِّر القاريء الكريم بالقواعد الكليَّة القطعيَّة في هذه القَضيَّة التي يَجب أن نُحاكم عليها النُّصُوص الْجزئية، وهذه القواعد تأصِّلها النُّصُوص الْمُحكَمَة كقَوله تَعَالَى: ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?، التي تَمنع قياس ذات الله تعالى بذات مَخلوقاته، وقَوله تَعَالَى: ?وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ?([1])، التي تنفي مساواة أيّ شيء لذات الله في أيّ شيء، وقَوله تَعَالَى: ?هُوَ الْأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ?([2])، وقَوله تَعَالَى: ?وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ?([3])، التي تنفي عن الله تعالى الْجِهَة والْمَكان.
وسوف نناقش الأَدِلَّة من الكتاب العزيز التي استدلُّوا بِها، ثُمَّ نعرج على استدلالهم بالروايات الْمنسوبة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم.
- أولاً: قَوله تَعَالَى: ?إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ?([4]).
وهذه الآية من الْمُتشَابه الْمحتاج إلى التأوِيل عن طريق الردِّ إلى الْمُحكَم، والدليل على ذلك هو أنَّ الكلم الطيِّب والعمل الصالح ليست مركبات فضائية، أو أجسام ترتفع وتَهبط!، وَإِنَّمَا هي أَشيَاء مَعنَوِيَّة، فإذا ابتسم الْمُسلِم في وجه أخيه -وهو عمل صالح- فماذا سيرتفع؟ هل سترتفع شفتاه أم أسنانه أم حركة عضلات وجهه؟ كُلّ هذه لا ترتفع، وَإِنَّمَا الْمرتفع هو أجر العمل، والرفع تعبير عن قبول الله تعالى ومضاعفته للأجر كما في قَوله تَعَالَى: ?يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ?([5])، والمقصود برفع الدرجات هو رفع الْمَكانة لا رفع الْمَكان، فنحن لَم نرى أحداً من المؤمنين ارتفع إلى السماء! بل العكس سبقنا أعداء الله إلى سبر أغوار الفضاء حين انشغلنا بِخرافات التجسيم الهرمسية. (1/100)
صفحة 101
- ثانياً: قَوله تَعَالَى: ?أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ?([6]).
والأخذ بظاهر الآية يُخالف معتقد أهل الْحَدِيثء، فهم يقولون إن الله جالس فوق العرش التي اعتقدوها كبنيان مستقل فوق السماوات السبع، وظاهر الآية يقول إِنَّه موجود داخل السماء!، وهذا الاضطراب في الفهم والاستدلال يوضِّح مدى الْمراوغة الفكرية الذي يُمارسها هؤلاء مع أتباعهم، وإلاَّ كيف يَجهل العربي الأصيل أن السماء هي رمز العزَّة والرفعة، وشاعرهم يقول:
فالْمَعنَى الْمَقصُود إذا هو: أأمنتم "صاحب الْمقام العظيم الْجليل" الذي هو في السماء إله مالك قدير مدبر متصرِّف. يقول تعالى مؤكداً هذا الْمَعنَى: ?وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرض إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ?([7]).
ونتيجة للاضطراب في الْمنهج اضطرَّ أهل الْحَدِيث إلى تأويل معنى (في) بـ (على) حتى يصفو لَهم جوَّ التلاعب بعقول الأتباع، علماً بأن (في) تكون بِمعنى (على) مَجازاً؛ لأَنَّ الْمَعنَى الْحقيقي لـ(في) هو: داخل. واستدلُّوا لذلك بقَوله تَعَالَى: ?وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ?([8])([9])، واستخدام الْمجاز في الآية الكريمة جاء لتحقيق هدف بَلاغي عظيم وهو تصوير بشاعة ذلك الصلب، وكأنَّ فرعون يُنفِذ أجساد الْمؤمنين داخل جذع النخلة. أَمَّا هؤلاء فقد حرَّموا الْمجاز على أتباعهم فكيف يلجأون إليه بعد ذلك؟!. (1/101)
صفحة 102
ثالثاً: قَوله تَعَالَى: ?سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى?([10])، والأعلى هنا لا يخفى أن الْمَقصُود به علو الْمَكانة، وذلك مثل قَوله تَعَالَى: حكاية عن فرعون: ?فَقَالَ أَنَا رَبّكم الْأَعْلَى?([11])، فهل يعقل أن يقصد فرعون أنه الأعلى في السماء؟ بينما هو يعيش بينهم على الأَرض؟ ولكن فرعون قصد مستكبراً أَنَّهُ هو الأعظم مكانة والأعلى منزلة، ومثل قَوله تَعَالَى: مُخاطباً موسى u: ?قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى?([12])، ولا يقول عاقل أن موسى u هو الأعلى في السماء!.
رابعاً: قَوله تَعَالَى: ?تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ?([13])، وقَوله تَعَالَى: ?تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ?([14]). حيث يوهم أهل الْحَدِيث أتباعهم أن هذه الآيات تَدُلُّ على أن الله فوق السماء، وإلا لَما وصف إبلاغنا القرآن بأنَّه "تنزيل"!، وتناسى هؤلاء أن وصف إعطاء الْمُسلِمين القرآنَ بـ"التنزيل" يؤكِّد على حقيقتين هامتين: الأولى: عظمة مكانة الْمعطي، ودناءة الْمتناولين أمام جلاله العظيم. الثانية: وصف القرآن بأنه عظيم، فهو آت من عند الله تعالى، وهذا يتجلَّى في نسبة تنزيل القرآن الكريم إلى الله تعالى في قوله: ?مِنَ اللَّهِ?.
والتنزيل يقصد به الإعطاء، ولا يستلزم وجود جهات علوية وسفلية، والدليل على ذلك قَوله تَعَالَى: ?وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ?([15])، إِلاَّ إذا قال أهل الْحَدِيث أن الْحديد ينزل من السماء كما ينزل الْمَطَر!. (1/102)
صفحة 103
خامساً: قَوله تَعَالَى: ?وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ* أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ?([16]). فقد ادَّعى أهل الْحَدِيث أن فرعون لَم يكن ليبني الصرح إِلاَّ؛ لأَنَّ موسى عليه السلام قال له: إن الله في السماء([17])!، يقول صالِح الفوزان: "الشاهد من الآية: أن فيها إثبات علو الله على خلقه، حيث إنَّ موسى u أَخبر بذلك وحاول فرعون في تكذيبه"([18]). وهذا الإطلاق والجزم الذي يعبر به الفوزان لن يغير من الْحَقِّ شيئا، فمن أين له أن موسى عليه السلام أخبر فرعون أن الله في السماء؟ فهل للفوزان دليل من القرآن أو السُّنَة الصحيحة على أن موسىعليه السلامقال لفرعون: إن الله في السماء؟، فنحن على بَحثنا الْمضني لم نَجد هذا الدليل!. والصحيح الذي تثبته نصوص الكتاب العزيز الْمُحكَمة أن فرعون يجحد وجود إله غيره، فهو يقول: ?يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي?([19])، وقد قال قبل ذلك مستغرباً من إخبار موسى له بأنَّ هناك إله هو رب العالمين ?قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ?([20]). أَمَّا عن قَوله تَعَالَى: ?وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا?، التي استشكلت على فهم الفوزان، فلا يقصد بِها أَنَّهُ كاذب في إخباره بوجود الله في السماء، بل يظنُّه كاذباً في وجود إله غيره، والدليل على ذلك هو الآية نفسها، فهي تتحدث عن إخبار موسى لفرعون بوجود الله تعالى وبطلان زعم فرعون الألوهية، فلمَّا لَم ير فرعون هذا الإله في الأَرض ظنّ كعادة الوثنين عبدة الأصنام أنه في السماء. (1/103)
صفحة 104
ومعلوم أن الفراعنة كانوا يعبدون الإله "آمين" (Amen) الذي يعتبرونه ربّ السماء، ويعقدون أن ملوك الفراعنة هم أبناء هذا الإله ويسمى عندهم "آمين رع" (Ame Ra)([21])، و"آمين رع" هو إله الأَرض الذي سطع فيها بالحياة، فلمَّا أُخبِر فرعون بأن هناك إله غيره وغير (آمين) قاده عقله الْملوث بالوثنية إلى الاعتقاد بأنه في السماء، وهذا الْمَعنَى من ضلال فرعون وتَخريفاته تؤكِّده تكملة الآية حيث يقول تعالى: ?وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ?([22]).
سادساً: قَوله تَعَالَى في حقِّ عيسىعليه السلام: ?وَرَافِعُكَ إِلَيَّ?، وقوله: ?بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا?([23]).
والرفع الذي أثار حوله أهل الْحَدِيث الكثير من الضجيج لتوجيه أوهام الناس إلى المعاني الهرمسية التي يؤمنون بِها([24]) هو تعبير قرآني يراد به رفع الْمَكانة، ومثال ذلك قَوله تَعَالَى: ?وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرض وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ?([25]). ففي هذه الآية يخبرنا الله عن أحد الظالمين جاءته آيات الله البينات لكنه أعرض عنها واتبع هواه فكان من الخاسرين، وأنه لو أخذ بتلك الآيات لرفعه الله تعالى درجات عظيمة. (1/104)
صفحة 105
آية أخرى تؤكد معنى الرفع في القاموس القرآني هي قَوله تَعَالَى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ?([26]).
ولَمْ نَرَ أحداً من المؤمنين يعلو في طبقات الفضاء!، مِمَّا يُؤكد على أن الرفع الْمَقصُود هو رفع الْمَكانة والْمنْزِلة وليس رفع الْمَكان والمنْزِل، وكذلك قَوله تَعَالَى: ?وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ?([27]) ، يجري نفس المجرى.
ومن الشواهد المؤكدة على أن الرفع يراد به رفع الْمَكانة والمنزلة، وليس الْمَكان والمنزل هو قَوله تَعَالَى: في حقِّ إدريس عليه السلام ?وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا?([28]) فيتوجَّب عليهم أن يُثبِتوا أيضاً أنَّ إدريس u في السماء أيضاً!.
هذه هي أَدِلَّة أهل الْحَدِيث من الكتاب العزيز، وهي كما يلاحَظ ليست أَدِلَّة قطعية لا تَحتمل التأوِيل، فهي من متشابه الكتاب الذي يتمسَّك به أصحاب القلوب الزائغة، واستدلالهم بِها لا يَثْبُت أمام الفحصِ الْمتجرِّد، وبسبب إدراكهم لِهذه الحقيقة عمدوا إلى السُّنَة النبوية التي كانت مَجالاً مفتوحاً للعبث بِها تعليباً وتأويلاً، فالسُّنَة ظلَّت دائرة مفتوحة لم تقفل كما حدث مع القرآن الذي تَمَّ جمعه في حياة الرسول صلى الله عليع وسلم ?إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ?([29]) (1/105)
صفحة 106
ولا نشُّك في أنَّ أكثرَ الرِّوايات التي يَحتجُّ بها أهل الْحَدِيث في عقائدهم مقتبسة من أهل الْملل الْمنحرفة، والبقية منها أحاديث لَها أصل في السُّنَة ، لكن نتيجة دخول العامل البشري من وهم ونسيان وكذب وتدليس ورواية بالْمَعنَى تَمَّ تَحريف معاني تلك الروايات لتتناسب وأهواء أهل الْحَدِيث.
ومن الروايات التي يَظْهَر عليها الأصول الإسرائيلية حديث الأطيط وأن رسول الله صلى الله عليع وسلم قال لأعرابي: «ويحك تدري ما الله عز وجل؟ إنَّ عرشه على سَماواته وأرضه هكذا. وقال بإِصْبِعيه مثل القبة. وإنَّه ليئطُّ به أطيط الرحل بالراكب»([30]).
وجَلِيُّ ما في هذه الرواية من وصف الله تعالى بِأَنَّه جرم مُجسَّم، وأن له وزناً، والوزن لا يكون إلاَّ بالجاذبية، فهو متأثر بالجاذبية!. وروايات أطيط العرش الْمزعوم من ثقل الله تعالى هي من مُخلَّفات كعب الأحبار في الأمة!، فقد جاء عنه أَنَّهُ قال: "فما من السماوات سماء إلا له أطيط كأطيط الرحل في أول ما يرتحل من ثقل الجبار فوقهن"
كذلك من الروايات التي يَحتجُّ بِها أهل الْحَدِيث وبصمات أهل الكتاب بارزة فيها رواية الأوعال، حيث نَسب أهل الْحَدِيث إلىالرسول صلى الله عليع وسلم، أَنَّهُ رأى سحابة فقال: «ما تسمُّون هذه؟» قالوا: " السحاب". قال: «هل تدرون ما بُعْد بين السماء والأَرض؟» قالوا: "لا ندري"، قال: «إنَّ بعد ما بينهما إِمَّا واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثُمَّ السماء فوقها كذلك "حَتَّى عدَّ سبع سَماوات"، ثُمَّ فوق السابعة بَحر بين أسفله وأعلاه مثل بين سماء إلى سماء، ثُمَّ فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثُمَّ على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثُمَّ الله تعالى فوق ذلك جميعا»([31]). (1/106)
صفحة 107
رواية أخرى تقول: إِنَّ "حَملة العرش أقدامهم ثابتة في الأَرض السابعة، ورؤسهم قد جاوزت السماء السابعة، وقرونهم مثل طولهم عليها العرش"([32])، كذلك ما رواه عبد الله بن عمر بن العاص أن «العرش مطوَّق بِحيَّة، والوحي ينزل في السلاسل»([33]). ورواية أخرى فيها أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله أمراً في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان»([34])، وأن ابن عباس قال: "إذا تكلَّم الله بالوحي سَمع أهل السماوات له صوتاً كصوت الحديد على الصفا فيخرون له سجداً"([35])، وأن "الكرسي موضع القدمين، وله أطيط كأطيط العرش"([36]).
ولا يشكُّ عاقل في أسطورية هذه الروايات وخرافيتها ومنافتها لصفاء العقيدة الإسلامية، وإن تقبيح هذه الروايات للملائكة ووصفهم بالأظلاف والأوعال ورسم صورة الْحيَّة الْمطوّقة للعرش، ونزول الوحي بالسلاسل كالمصاعد اليدوية، ووصف الله تعالى بإصدار الأصوات كمكبرات الصوت والدبابات الْمجَنْزرة، وغير ذلك من أفكار غنوصية لا يُمكن أن تنسب إلى الإسلام، فضلاً عن الزعم بأنَّها تؤسس عقيدة الإسلام كما يتوهّم أهل الْحَدِيث.
ومن بين الروايات التي لفَّقها أهل الْحَدِيث للتدليل على عقيدة الْعُلُوّ الْهرمسية ما زعموه من أنَّ النَّبِيّ صلى الله عليع وسلم كان إذا أمطرت السماء حسر عن منكبيه حَتَّى يصيبه الْمَطَر، فلمَّا سئل عن ذلك قال: «لأَنَّه حديث عهد بربه تعالى»([37])، فماذا عن ركاب الطائرات التي تعلو السحاب؟ هل هم فوق رَبِّهم أم أَنَّهُ يلزمنا حسر مناكبنا عند استقبالهم؛ لأَنَّهم حديثوا عهد بربِّهم!. (1/107)
صفحة 108
إن هذه الروايات ومثيلاتها تقدِّم صورة ساذجة عن الإسلام، فمن الْمَعلُوم لِكُلِّ عاقل أن السحاب عبارة عن بخارِ ماء متراكم مع شوائب الْهَواء في طبقات الْجوّ العليا، ثُمَّ ينزل على شكل قطرات منهمرة. الإسلام أعظم من عقيدة أهل الْحَدِيث بكثير، فقد بيَّن الله تعالى للبشرية قبل قروون من الطفرة الصناعية كيفية تكوَّن الْمَطَر فقال: ?أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ?([38]). أَمَّا حَسر الْمناكب، والاعتقاد بأن الْمَطَر جاء من مكان وجود الله فهو من تلبيسات أصحاب العقائد الْهرمسية.
كما استدلَّ أهل الْحَدِيث بروايات كثيرة استغلوا فيها غفلة الرواة وسذاجتهم وروايتهم للآثار بالْمَعنَى، فقد كان الرواة كثيراً ما يروون ما يسمعونه حسب فهمهم وما وصل إلى عقولهم، مِمَّا أدَّى إلى خلطهم وعدم ضبطهم للروايات، يقول أبو سليمان الْخطابي: "وليس كُلّ الرواة يراعون لفظ الْحَدِيث حَتَّى لا يتعدّوه، بل كثير منهم يُحدِّث على الْمَعنَى، وليس كل منهم فقيه"([39]).
ومن الروايات التي استدلَّ بِها أهل الْحَدِيث لترسيخ عقيدة الْعُلُوّ الْهرمسية بِسبب اضطراب ألفاظها نتيجة روايتها بالْمَعنَى: (1/108)
صفحة 109
1- رواية معاوية بن الحكم السلمي الذي جاء في أحد ألفاظها: "كانت لي غنم بين أحد والجوانية فيه جارية لي فاطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم فأسفت فصككتها، فأتيت النَّبِيّ e فذكرت ذلك له فعظم ذلك عليّ، فقلت يا رسول الله: أفلا أعتقها؟ قال: «ادعها». فدعوتها، فقال لها: «أين الله»؟ قالت: في السماء. قال: «من أنا»، قالت: أنت رسول الله. قال: «اعتقها فَإنَّهَا مؤمنه»"([40]).
وهذا اللفظ جاء من طريق يَحيى بن أبي كثير الذي عدّه العقيلي من الضعفاء، وقال عنه: "ذُكر بالتدليس. عن هُمام، قال: كما يُحدِّث يحيى بن أبي كثير بالغداة، فإذا كان بالعشي قلبه عنَّا. قال يَحيى بن سعيد: مرسلات يَحيى بن أبي كثير شبه الريح"([41]).
نفس هذه الرواية بنصِّها جاءت بلفظين آخريين، الأوَّل: "فقال لَها: «من ربّك؟» فقالت: الله ربِّي". والثاني: "فقال لَها: «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» قالت: نعم. «وأنَّ مُحمَّدا عبده ورسوله؟» قالت: نعم"([42]). ولا نشكُّ أنَّ هذين اللفظين أصحّ من اللفظ الْمنسوب إلى راوٍ مدلّس، وذلك؛ لأَنَّ هذين اللفظين يوافقان النُّصُوص الْمُحكَمة من الكتاب والسُّنَة الْمجتمع عليها.
ومنذ متى كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسأل الناس عن مكان الله؟ فليس هذا من أركان الإيمان وشهادة الإسلام، بل هو من أركان العقائد الْهرمسية والإسرائيلية.
2- ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال لسعد بن معاذ: «لقد حكمت فيهم بِحكم الْملك من فوق سبع سماوات»([43]). التي تفرَّد بِها مُحمَّد بن صالح التمار الذي قال عنه أبو حاتم: "شيخ لا يعجبني حديثه، ليس بالقوي"، وقال عنه الدارقطني: "متروك"([44]).
وقد ثبتت نفس هذه الرواية دون عبارة: «من فوق سبع سماوات» بأسانيد أصحّ وأثبت([45]). (1/109)
صفحة 110
3- رواية أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إِلاَّ كان الذي في السماء ساخطاً عليها حَتَّى يرضى عنها زوجها»([46]).
وهذه الرواية التي استغلَّ أهلُ الْحَدِيث تَخليطَ راويها يزيد بن كيسان الذي قال عنه الذهبي: "قال أبو حاتم: لا يُحتجّ به، وقال يحيى بن سعيد القطان: هو صالح وسط، ليس مِمَّن يعتمد عليه"([47])، جاءت بألفاظ خالية من عبارات التجسيم، منها: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها الْملائكة حَتَّى تصبح»([48]). لفظ آخر: «إذا باتت الْمرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح»([49]). لفظ آخر: «إذا باتت الْمرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع»([50]).
4- رواية: "بعث علي بن أبى طالب كرم الله وجهه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهبية في أديم مقروظ. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليع وسلم فقال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء"([51]). التي رواها عبد الواحد بن زياد الذي قال عنه الذهبي: "احتجا به في الصحيحين، وتَجنّبا تلك الْمناكير التي نقمت عليه. قال القطان: كنت أجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أذاكر حديث الأعمش لا يعرف منه حرفاً. وقال عثمان بن سعيد: سألت يحيى عن عبد الواحد بن زياد، فقال: ليس بشيء"([52]). فقد جاء أصل الرواية بألفاظ خالية من الألفاظ الْموحية بالتجسيم، وهي: «فمن يطيع الله إذا عصيتُه فيأمنني على أهل الأَرض ولا تأمنوني»([53])، وأيضاً «ويْحك! ومن يعدِل إذا لم أعدل»([54]). ولفظ آخر: «فمن يعدل إذا لم يعدل اللهُ ورسولُهُ، رحم الله موسى قد أُوذِيَ بأكثر مِن هذا وصبر»"([55]). (1/110)
صفحة 111
5- رواية أخرى استغلَّ أهل الْحَدِيث غفلة الرواة في نقلها هي ما جاء عن زينب بنت جحش أنَّها كانت تفخر على أزواج النَّبِيّ وتقول: "زوَّجَكُنَّ أهاليكنَّ، وزوَّجَني الله تعالى من فوق سبع سماوات"([56]). التي رواها البخاري عن رجل مَجهول اسمه أحمد، احتار ابن حجر العسقلاني كغيره من أهل الْحَدِيث في تسميته، يقول ابن حجر: (حدثنا أحمد) كذا للجميع غير منسوب، وذكر أبو نصر الكلابذي أنه أحمد بن سيار المروزي، وقال الحاكم: هو أحمد بن نصر النيسابوري، يعني الْمذكور في سورة الأنفال، وشيخه فيه مُحمَّد بن أبي بكر الْمقدمي قد أخرج عنه البخاري في كتاب الصلاة بغير واسطة، وجزم أبو نعيم في المستخرج بأنَّ الباخري أخرج هذا الْحَدِيث عن مُحمَّد بن أبي بكر الْمقدمي ولم يذكر واسطة، والأوَّل هو الْمعتمد"([57]).
بينما روى التِّرمذي هذه الرواية عن مُحمَّد بن الفضل الْمختلط الذي شهد باختلاطه البخاري وأبو حاتِم، وأبو داود، والدارقطني([58]).
ومع أنَّه لا حُجَّة في الرواية لكونها موقوفة على زينب بنت جحش، وليست من كلام النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، إِلاَّ أَنَّهُ ولبيان حقيقة عدم ضبط الرُّواة، فقد وردت نفس هذه الرواية من طريق أنس بن مالك نفسِه بلفظ: "إنَّ الله أنكحني في السَّماء"([59]). وجاءت أيضاً من طريق أنس بن مالك بلفظ "إن الله أنكحني من السماء"([60]).
6- رواية أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص وفيها: «الراحمون يَرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأَرض يرحَمكم من في السماء»([61]). (1/111)
صفحة 112
ونفس رواية أبي قابوس هذا جاءت بلفظ: «ارحَموا من في الأَرض يرحمكم من في السماء، والرَّحِم شجنة من الرحمن من وصلها وصلته ومن قطعها بَتَتْه"([62]). علماً بأنَّ أبا قابوس الْمتخبط هذا مَجهول!، فقد قال ابن حجر: "ذكره البخاري في الضعفاء من "الكبير" له، ولكنَّه ذكره في الأسماء فقال قابوس، وقال صاحب "الميزان" -يقصد الذهبي- لا يعرف وسَمَّاه بعضهم فغلط"([63]). وجاءت الرواية من طرق أخرى بألفاظ أقرب للعقيدة الصحيحة منها: «لا يَرحَم الله مَن لاَ يَرحَم الناس»([64]). ولفظ آخر هو «مَن لا يَرحم لا يُرحم»([65]).
7- ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلمأَنَّهُ قال في خطبته يوم عرفة: «ألاَ هَل بَلَّغتُ!؟». فقالوا: "نعم". فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إليهم، ويقول: «اللهم اشهَد»([66])، والتي رواها حاتِم بن إسْماعيل الْمدني الذي قال فيه الذهبي: "قال النسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد: زعموا أَنَّهُ كان فيه غفلة"([67])، جاءت نفس الرواية بألفاظ أخرى دون ذكر أَنَّهُ أشار بإصبعه([68]). يقول حسن السقاف: "تتبعت روايات هذا الْحَدِيث "حديث حجَّة الوداع" فوجدته قد رُوِي في صحيح البخاري في ثَمانية مواضع من حديث ابن عمر وأبي بكرة، وليس فيها ذكر الأصبع ونكتها، ووجدته في سنن ابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري وليس فيه ذكر الأصبع والنكت، وكذا في مسند أحمد من حديث أبي غادية وعم أبي حرة الرقاشي"([69]). (1/112)
صفحة 113
8- رواية عبد الْجبار عن أبيه وائل بن حجر أنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلمسمع رجلاً يقول في الصلاة: "لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما قضى رسول الله صلاته قال: «مَن صَاحِب الكلمات؟» قال: أنا يا رسول الله وما أردت بِها إِلاَّ خيراً، قال: «لَقَد فتحت لَها أبوابَ السماء فمَا نَهاها شيء دون العرش»([70]). مع أن عبد الجبار لم يلق أبيه، فالسند منقطع، قال ابن معين: لم يسمع من أبيه شيئاً، وقال البخاري: لم يصح له سَماع من أبيه([71]). وقد جاءت بألفاظ أخرى متوافقة وصفاء العقيدة الإسلامية، وأسانيد أثبت وأصح منها: «لقد رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً يبتدرونَها أيّهم يكتبها أولاً»([72])، لفظ آخر هو: «لقد رأيت اثنَي عشر ملكاً يبتدرونَها أيّهم يرفعها»([73])، ولفظ آخر هو: «لقد ابتدرها اثنا عَشر ملكاً فما دَرووا كيف يكتبونها»"([74]).
9- رواية خروج الروح التي جاء ت من طريق أبي هريرة، وفيها: «حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله تعالى»([75])، والتي جاءت من طريق ابن أبي ذئب الذي قال عنه أحمد بن حنبل: "لا يبالي عمن حدّث"، وقال فيه يعقوب بن شيبة: "روايته عن الزهري خاصَّة تكلم الناس فيها، فطعن بعضهم بالاضطراب"، وقال فيه يحيى بن معين: "كان يَحيى بن سعيد لا يرضى حديث ابن أبي ذئب"([76]).
فقد ثبتت بلفظ أقرب للعقيدة الصحيحة وهو: «حَتَّى تَنتهي إلى السماء السابعة»([77]). ولفظ آخر هو: «حَتَّى ينتهي إلى السماء السابعة، ثُمَّ يُقال: اكتبواكتابه في عِلِيِّين»([78])، ولفظ آخر: «فكلَّما أتوا سَماء قالوا: ذلك حتى يأتوا به أرواح المؤمنين»([79]). (1/113)
صفحة 114
10- رواية صعود الأعمال التي جاءت من طريق أبي هريرة: «من تصدَّق بعدل تَمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إِلاَّ طيب فإنَّها يتقبَّلها بيمينه ويربيها لصاحبها حَتَّى تكون مثل الْجبل»([80])، التي رواها خالد بن مَخلد الذي قال فيه الذهبي: "قال أحمد: له مناكير. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتجّ به، وقال ابن سعد: منكر الْحَدِيث. وذكره ابن عدي، ثُمَّ ساق له عشرة أحاديث استنكرها"([81])، وجاءت هذه الرواية باسناد أنظف ومتن أقرب للعقيدة الصحيحة وهو: «ولاَ يَقبَل الله إِلاَّ الطيب»([82]).
11- رواية قول أبي بكر عند وفاة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم "أيها النَّاس إن كان مُحمَّدٌ إلهكم الذي تعبدونه، فإنَّ إلهَكم قد مات، وإن كان إلهكم الذي في السَّماء فإن إلهكم لم يمت"([83])، التي انفرد الدرامي بهذا اللفظ منها. جاءت خالية من لفظة "الذي في السماء" في أكثر من مصدر من طريق عائشة([84])، وابن عباس([85]) التي رُبَّمَا زادها الدرامي من كيسه!.
مِمَّا سبق نرى أنَّ جَميع الروايات التي استدلَّ بِها أرباب مدرسة التَّجسيم لتأكيد عقيدة الْعُلُوّ الهرمسية، إمَّا متسرِّبة من إسرائليات كعب الأحبار وحزبه، أو أَنَّهَا نابعة من تَخليط الرواة الضعفاء، وروايتهم بالْمَعنَى.
ومن خلال عرض هذه الروايات على القواعد التي ابتدأنا بِها هذا الفصل نقول على سبيل الإجمال: أن الأحاديث الْمروية التي ظاهرها التشبيه إذا صدرت من ثقات الرواة أن ينظر فيها، فإن كانت موافقة للقرآن، لها مَجاز في لغة العرب، حُمِلت على أحسنها معنى، وأسوغها تأويلاً، وإن كان فيها ما ليس له مَخرج إلاَّ إلى التشبيه، ولا تتوجَّه إِلاَّ إلى التعطيل طُرحت؛ لأَنَّه مُحال أن يُخالف رسول الله صلى الله عليع وسلم كتاب ربِّه([86]). (1/114)
صفحة 115
بالإضافة إلى الأَدِلَّة السابقة من الكتاب العزيز والسُّنَة النبويَّة استدلَّ أهل الْحَدِيث بالكثير من الأقوال الْمنسوبة إلى رجال القرون الثلاثة الأولى، لقُدسيتهم حسب منظور أرباب هذه الْمدرسة، وقد أجاد مُحمَّد رشيد رضا في وصف حال هؤلاء حين قال: "والآية حُجَّة على الْحشوية الْمقلدين من هذه الأُمَّة الذين يَخلطون الْحَقّ الْمنَزَّل بآراء الناس، ويَجعلون كُلّ ذلك ديناً سَماوياً وشرعاً إلَهياً"([87]).
والواقع أنَّ الكثير من تلك الأقوال لا تصحّ نسبتها إلى السلف الْمزعوم، وقد بيَّن ذلك حسن السقاف في تعليقه على كتاب "الْعُلُوّ" للذهبي، حيث بيَّن أن 82.6% من تلك الأقوال لا تصح نسبتها إلى أصحابها!([88]).
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) سورة الإخلاص: 4.
[2]) سورة الحديد: 3.
[3]) سورة الحديد: 4.
[4]) سورة فاطر: 10.
[5]) سورة الْمجادلة: 11.
[6]) سورة الملك: 16-17.
[7]) سورة الزخرف: 84.
[8]) سورة طه: 71.
[9]) صالح الفوزان: "شرح العقيدة الواسطية"، ص66.
[10]) سورة الأعلى: 1.
[11]) سورة النازعات:24.
[12]) سورة طه:68.
[13]) سورة فصلت:41.
[14]) سورة الزمر:1.
[15]) سورة الحديد: 25.
[16]) سورة غافر:36-37.
[17]) انظر: ابن تيميه: مجموع الفتاوى، 5/ 69.
[18]) صالح الفوزان: شرح العقيدة الواسطية، ص66.
[19]) سورة القصص:38.
[20]) سورة الشعراء:23. (1/115)
صفحة 116
[21]) تشير الآثار الفرعونية القديمة إلى أنَّ الروح التي سطعت بالحياة وأمرت بِها كانت "آمين رع"، وصار "آمين رع" هو مصدر إلْهام الْمصريين في الأدب والْمهارات الحرفية، وعندما يَموت الْملك والذي هو ابن الإله، أو "آمين رع" يرتفع إلى السماء ليصبح شخصاً واحداً مع أبيه "آمين"، يُخبرنا إسس ابن تَحتمس الثاني زوج حتشبسوت التي لَها بنت واحدة، كيف جاءه الإله "آمين" مَحمولاً على عربة، وكيف ارتفع إسس من الأرض ليصل إلى قدم "آمين" الذي اختاره للملك. المصدر: Knight & Lomas "The Hiram Key" p.132-140.
[22]) سورة غافر:37.
[23]) سورة النساء: 158.
[24]) راجع: تفصيل ذلك في كتابنا "أهل الحديث والْحقيقة الْمفقودة".
[25]) سورة الأعراف: 176.
[26]) سورة الْمجادلة: 11.
[27]) سورة الانشراح: 4.
[28]) سورة مريم:56-57.
[29]) سورة القيامة: 17.
[30]) أبو داود: في سننه، ر4726، والطبراني في الكبير.
[31]) أبو داود: في سننه، ر4723.
[32]) الذهبي "الْعُلُوّ" ص383، برقم 318، قال السقاف معلقاً على هذه الرواية: "ليس عندي ما اجيب عليه هنا على هذه الكلمات الإسرائيلية إلا نقل القرون من الذهن عن الملائكة المنزهين عنها عليهم السلام ووضعها على رأس كل من يعتقد بهذه الخرافات الباطلة".
[33]) الذهبي: في "الْعُلُوّ"، رقم243، وعبد الله بن أحمد: في "السُّنَة "، رقم 1081 2/ 474.
[34]) البخاري: ر4701.
[35]) عبد الله بن أحمد "السُّنَة " برقم 538، الذهبي "الْعُلُوّ" ص351 برقم 259.
[36]) الذهبي: "الْعُلُوّ"، ص336، برقم 228.
[37]) مسلم: ر2083، 13/898، وأبو داود.
[38]) سورة النور: 43.
[39]) البيهقي: "الأسماء والصفات"، باب: ما ذكر في النفس، 2/ 427.
[40]) مسلم: ر1199، 33 (537).
[41]) العقيلي: "الضعفاء الكبير"، 4/ 423-424.
[42]) اللفظ الأول: الربيع بن حبيب 672. والنسائي: السنن الصغرى 6/252. وأحمد 4/228. اللفظ الثاني: مصنف عبد الرزاق 9/175. (1/116)
صفحة 117
[43]) ابن سعد: "الطبقات"، 3/ 325.
[44]) ابن حجر العسقلاني: "تهذيب التهذيب"، 9/ 194.
[45]) البخاري: 3043، 3804. ومسلم ر4596، 64-(1768).
[46]) مسلم: 3540، 121-(1436).
[47]) الذهبي: "ميزان الاعتدال"، 4/ 438-439.
[48]) البخاري: 3237 و5193، ومسلم:، 3541، 122-(1436).
[49]) مسلم [3538]120-(1436).
[50]) البخاري5194 ومسلم[3539] 120-(1436).
[51]) البخاري 4351
[52]) الذهبي: "ميزان الاعتدال"، 2/ 672.
[53]) البخاري: ر7432.
[54]) البخاري: ر6923
[55]) البخاري: ر3150.
[56]) البخاري: ر7420، والترمذي: ر3227.
[57]) ابن حجر العسقلاني: "فتح الباري"، 15/ 370.
[58]) الذهبي: "ميزان الاعتدال"، 4/ 8.
[59]) البخاري: ر7421.
[60]) أحمد: ر13395 (3/226)، والنسائي:3249.
[61]) أبو داود: ر4941.
[62]) أحمد: برقم 6494
[63])ابن حجر: "تهذيب التهذيب"، 12/ 182.
[64]) البخاري، ر7376، ومسلم: ر [6030] 66-(2319).
[65]) البخاري: ر 6013.
[66]) البخاري: ر 6013.
[67]) الذهبي "ميزان الاعتدال" 1/ 428.
[68])البخاري: ر 4403، 7078.
[69]) حسن السقاف: في تعليقه على كتاب "الْعُلُوّ" للذهبي، ص125.
[70]) الذهبي: "الْعُلُوّ" ص138 برقم 22. قال السقاف معلقاً عليها: منكر واه، وقد حرّف طابعوا الْعُلُوّ السابقون لفظ (العرش) الذي جاء في آخر هذا الحديث فجعلوه (الرحمن)، وهو تحريف وتلاعب بيّن، وفي المخطوطة (العرش) بدل (الرحمن).
[71])ابن حجر: "تهذيب التهذيب"، 6/ 96.
[72]) الجامع الصحيح مسند الربيع: برقم 233.
[73]) البخاري: ر799.
[74]) أحمد: 3/ 269.
[75]) أحمد: ر8754 (2/364).
[76]) ابن حجر العسقلاني: "تهذيب التهذيب"، 9/ 263.
[77]) ابن أبي شيبة: ر12059 (3/55). أبو داود الطيالسي: 753.
[78]) الحاكم: المستدرك، 1/37.
[79]) ابن حبان: 3014 (7/284).
[80]) البخاري: 7430.
[81]) الذهبي: "ميزان الاعتدال"، 1/ 640-641. (1/117)
صفحة 118
[82]) البخاري: ر1410. ومسلم: ر2342، 63-(1014).
[83]) الدارمي: "نقض عثمان بن سعيد على المريسي"، برقم 136، ص300. من طريق ابن عمر.
[84]) البخاري: ر1214 و3668.
[85]) البخاري: 4454.
[86]) جميل بن خميس السعدي: "قاموس الشريعة"، 5/ 228-229.
[87]) محمَّد رشيد رضا: "المنار"، 3/ 274. في تفسير قوله تعالى: ?يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ? آل عمران:71.
[88]) حسن السقاف: في مقدمة تَحقيق كتاب "الْعُلُوّ" للذهبي، ص61.
---
مسألة الاستواء
احتجَّ أهل الْحَدِيث لترسيخ عقيدة الْعُلُوّ الْحِسِّي بالآيات التي يقرّر فيها تعالى استواء أمر الكون إليه، وانفراده تعالى بتصريف ذرَّاته، كقَوله تَعَالَى: ?ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ?([1])، حيثُ يقول أبو عثمان الصابوني (ت 449هـ): "ويعتقد أهل الْحَدِيث ويشهدون أنَّ الله I فوق سبع سَماوات على عرشه، كما نطق به في قوله تعالىفي سورة يونس: ?إِنَّ رَبّكم اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكم فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ?([2]). (1/118)
صفحة 119
وقد عوَّلوا في هذا الاستدلال على الظنِّ بأنَّ الاستواء يعني الاستقرار والجلوس، بحيث يكون معنى الآية "الله على العرش استقر"، حيث يقول خارجة: " وهل يكون الاستواء إلاَّ بجُلوس"([3])، وهذا الاستدلال عبارة عن اجترار لقاعدة إنكار المجاز في اللُّغة وإنكار التأوِيل في القرآن الكريم، ولأَنَّ هذا الْمَعنَى يوافق عقيدة الْعُلُوّ الهرمسية التي ينتحلها أهل الْحَدِيث فقد رفضوا تفسير الآية بأي معنى آخر خلاف الاستقرار أو معاني الْعُلُوّ الْحِسِّي، ونَحن إذا رجعنا إلى معاجم اللغة العربية، لوجدنا أنَّ الاستواء له عدَّة معاني، فقد قال ابن منظور (ت 711هـ): "وقَوله تَعَالَى: ?ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء?([4])، كما تقول قد بلغ الأمير من بلد كذا وكذا ثُمَّ استوى إلى بلد كذا، معناه قصد بالاستواء إليه، وقيل: استوى إلى السماء صعد أمره إليها، وفسَّره ثعلب فقال: فأقبل إليها، وقيل: استولى. الجوهري: استوى إلى السماء أي قصد، واستوى أي استولى وظهر؛ وقال:
وقال الفيروزآبادي (ت 817هـ): "واستوى: اعتدَل، واستوى الرجل: بلغ أشده، أو أربعين سنة، واستوى إلى السماء: صعد، أو عمد، أو قصد، أو أقبل عليها، أو استولى"([6]).
وقال أبو عمَّار عبد الكافي (ت :570هـ): "قول الله: ?وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ?([7])، وهو كقوله: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?([8])، وكقوله: ?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ?([9])، وهذه الكلمات الثلاثة متساوية السَّبك متقاربة الْمَعنَى، فإذا تأمَّل ذلك متأمِّل وجده كما يلي:
إنَّ قوله: ?الرَّحْمَنُ? مثل قوله: ?الله? ،ومثل قوله: ?وَهُوَ?.
وكذلك قوله: ?عَلَى? مكان قوله: ?عَلَى?، ومكان قوله: ?فَوقَ?.
وكذلك قوله: ?استََوى? مكان قوله: ?غَالِب?، ومكان قوله: ?القَاهِر?.
وكذلك قوله: ?العَرشِ? مكان قوله: ?أمره? ومكان قوله: ?عِبَاده?. (1/119)
صفحة 120
فهذه الكلم الثلاث متشابِهة في العبارة والإشارة([10])، وهي مفسرة لبعضها بعضاً، وخير ما يفسّر القرآنَ القرآنُ([11]).
إذاً نلاحظ مِمَّا سبق أنَّ الآيات مُجمعة على وصف ربِّ العالمين بأنه عالٍ على جَميع خلقه بقدرته وقهره وحفظه:
(بقدرته): قوله: ?وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ?([12]).
(بقهره): قوله: ?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ?([13]).
(بحفظه): قوله: ?إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ?([14]).
فقَوله تَعَالَى: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?([15])، تَجري في نفس مَجرى الآيات السابقة، فالله تعالى مستوٍ على العرش بقدرته وحفظه وقهره، لا بِجلوسه عليه كما يزعم أهل الْحَدِيث.
ربَّما يقول القائل: لِماذا خصَّ العرش بالذِّكر دون بقِيَّة الأَشيَاء؟
والجواب: أنَّ العرش هو دلالة على الْملك وقوام الأمر كلُّه بما فيه من مَخلوقات، فمتى ما أخبر الله تعالى أنه عالٍ على العرش ظاهرٍ عليه، أخبرنا أَنَّهُ عالٍ على كُلّ شئ "بقدرته وحفظه وقهره"، وهذا من باب عطف الخاص على العام كما في قَوله تَعَالَى: ?مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ?([16])، وقَوله تَعَالَى: ?فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ?([17]). (1/120)
صفحة 121
والدَّليل على أنَّ العرش يقصد به الملك هو قَوله تَعَالَى: ?إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ?([18])، والْمَقصُود أنَّ لَها ملك عظيم، وليس سرير عظيم، فعِظَمُ السرير ليس دليلاً على عظم الْملك، فالنَّجَّار الفقير يستطيع أن يصنع لنفسه سريرا هائلا عظيما، ولا يزيد ذلك في جاهه شيئاً. كذلك قَوله تَعَالَى: ?وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء?([19])، وليس الْمَقصُود من الآية أنَّ هناك بُنْياناً عظيماً هو العرش كانت تتلاطم به أمواج الْماء الذي سبق خلق السموات والأَرض، يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: "العرشُ: السرير للملك، والعرِيش: ما يستظِلُّ به، وإن جمع قيل: عُروش في الاضطرار، وعَرْشُ الرَّجل: قوام أمره، وإذا زال عنه ذلك قيل: ثُلَّ عرشُه. قال زهير:
وما يرويه أهل الْحَدِيث لترسيخ مفهوم العرش كبُنْيَانٍ مستقلٍّ، وتصوير الكرسي في قَوله تَعَالَى: ?وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرض?([21])، بأنَّه موضع قدميّ ربّ العالمين([22])!، نابعٌ من عبث هؤلاء بنصوص السُّنَة تعليباً وتأويلاً، وقد أثبت حسن السقاف بطلان روايات العرش التي استدلَّ بِها الذهبي([23])، والتي وضعها أهل الْحَدِيث للانتصار لعقيدتهم الهرمسية.
ومن بين شبه أهل الْحَدِيث لترسيخ معنى الاستواء بالجلوس والاستقرار ما قاله ابن تيمية: "يلزمك أن تقول إنَّ العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بِمستولٍ عليه، وذلك أن الله أخبر أَنَّهُ خلق العرش قبل خلق السماوات والأَرض في ستة أيام ثُمَّ استوى على عرشه بعد خلقه السماوات والأَرض"([24]). (1/121)
صفحة 122
وكلام ابن تيمية نابع من اعتقاده الْجازم بأنَّ العرش يُقصد به السرير الذي يَجلس عليه الملوك الذين يشاهدهم من حوله، وأنَّ هذا السرير يسبح كجرم في الفضاء فوق السماء السابعة!، ولو أدرك أنَّ العرش كناية عن الملك وقوام الأمر لَما افترض هذا الافتراض.
ولا يخفى على من سبر بِحار اللُّغة فِي أنَّ "ثُمَّ" في الآية الكريمة لا تفيد الاستئناف والترتيب والتتابع الزمني بل تعني العطف، ولذلك شواهد من القرآن، مثل قَوله تَعَالَى: ?ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا?([25])، ولا يقول أهل الْحَدِيث أنَّ الله تعالى لَم يكن يعلم من هو أولى بالنَّار صلياً ثُمَّ علم، وكذلك قَوله تَعَالَى: ?وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى?([26])، والتائب الْمؤمن الذي يعمل الصالحات لا بدَّ أن يكون مهتدياً. إذا فالْمَعنَى الْمَقصُود من (ثُمَّ) في قَوله تَعَالَى: ?ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء?([27]) أَنَّهُ في نفس وقت خلقه للسماوات والأَرض استوى "استولى" على العرش، ولم يرد أن ذلك شَيْء بعد شَيْء.
وحقيقة أنَّ (ثُمَّ) لا تستلزم الترتيب الزمني تردّ على شبهتهم حين قالوا: "إذا كان الاستواء بِمعنى القهر، فَإِنَّهُ يعني أَنَّهُ لَم يكن قاهراً". فمنهجهم يلزمهم القول "أن الله لم يكن قاهراً قبل خلقه للعباد ثُمَّ أصبح قاهراً" فهو يقول: ?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ?([28]). فحيث لم يكن قد خلق العباد لَم يكن قاهراً!. (1/122)
صفحة 123
وحاول ابن تيمية الردَّ على من قال الاستواء يعني الاستيلاء بقوله: "أَنَّهُ رُوِي عن جَماعة من أهل اللُّغة أنَّهم قالوا: لا يَجُوز استوى بِمعنى استولى إِلاَّ في حقِّ من كان عاجزاً ثُمَ ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء والعرش لا يغالبه في حال"([29]). وابن تيمية يَختزل القَضيَّة في الْمفردات والمصطلحات، وكأنه بإثباته لبطلان تأويل الاستواء بالاستيلاء سيمنع العقلاء من تَنْزيه الله عن الْمَماسة والجلوس والاستقرار!، ونحن لا يهمُّنا أن يُسمِّي ابن تيمية الاستواء بالاستيلاء أو القهر أو الغلبة أو التصريف والتدبير، لكن ما يهمُّنا هو تنْزيه الله عن مشابَهة الْخلق.
والحقُّ أنَّه لا يلزم على تفسير الاستواء بالاستيلاء والملك أن يكون هناك مُحاولة ومزاولة كما ادَّعى ابن تيمية؛ لأَنَّ الْمحاولة والمزاولة ليست من مدلول اللفظ، وَإِنَّمَا هي من مألوف الوهم، وذلك أن الْحِسَّ شاهد أنَّ استيلاء بعضنا على بعض مقرون بِمحاولة ومزاولة، فقضى وهم ابن تيمية بذلك، وقد تقدَّم أنَّ الله لا يشابه خلقه في ذات ولا صفة ولا فعل([30]).
ومن بين الشُّبَه العجيبة التي أثارها أهل الْحَدِيث هي قولهم أن الشاعر الذي ينسب إليه القول:
هو الأخطل النصراني([31]). وهذا تَجاهل منهم لِحقيقة أنَّ الْمفسرين كانوا ومازالوا يستشهدون بأقوال النابغة الذبياني وامرؤ القيس وعنترة وغيرهم من مشركي الْجاهلية، وهم أكفر من النصارى، وعقلاء الْمُسلِمين حين يستشهدون بكلام العرب إِنَّمَا يستوحون الدلائل اللُّغوية الْمشهورة عند العرب ليفهموا مفردات القرآن وتراكيبه اللغوية، ولا يأخذون منهم عقائدهم كما يفعل أهل الْحَدِيث حين أخذوا عقيدة الْعُلُوّ الهرمسية من عنترة وغيره من عتاة الوثنين!. (1/123)
صفحة 124
وظنَّ أهل الْحَدِيث أنَّ مدار تأويل الاستواء بالقهر والاستيلاء والانفراد بالتصرُّف هو بيت الشعر السابق، فركَّزوا جهودهم لِمحاولة ردِّه والتملُّص من إلزامه، يقول ابن تيمية: "ولم يثبت نقل صحيح أَنَّهُ شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده؟! وقد طعن فيه أئمة اللغة، وذكر عن الْخليل كما ذكره أبو المظفر في كتابه "الإفصاح" قال: سئل الخليل هل وجدت استوى بِمعنى استولى؟ فقال: هذا ما لا تعرفه العرب، ولا هو بِجائز في لغتها"([32]).
وعقلاء الْمُسلِمين لا يستندون في تأويلهم للاستواء بالاستيلاء والقهر والانفراد بالتصرف والتدبير بِهذا البيت كما توهَّم ابن تيمية، بل يستندون على استقراء نصوص الكتاب العزيز، وعرض الْمُتشَابه منها على الْمُحكَم، واستنادهم للبيت السابق إنَّما هو من باب الاستئناس لا غير.
والبَيْت عربيُّ التركيب سهل الألفاظ بليغ الْمَعنَى، دلالته جلية ليس فيها لبس ولا غموض، والدليل على ذلك استدلال فطاحل اللغة به دون أن يتعقبوه بِما تعقبه به ابن تيمية. وكيف ينكره من ادَّعاهم ابن تيمية، وما هي حجتهم؟!.
وادِّعاء ابن تيمية جهله بقائل البيت يثير بعض الاستغراب؛ لأَنَّ تلميذه ابن كثير أقرَّ بنسبة هذ البيت للأخطل([33])، ولا يهمُّنا إن كان الأخطل هو قائل البيت أم غيره، فالشعراء سواء كانوا مسلمين أم غير ذلك فَإنَّهُم غير معصومين من الخطأ والوهم والنسيان، فلا حُجَّة في كلامهم إِلاَّ إن وافق الحقَّ، بَيْد أنَّا نزعم أنَّ هذا البيت صحيح الْمَعنَى، وهذا يغني عن الإسناد، كما أنَّ هناك قاعدة مشهورة عند الْمحدثين وهي أن "الشهرة تغني عن السند"([34])، وقد اشتهر هذا البيت عند الْمُسلِمين. (1/124)
صفحة 125
وهل يستطيع أهل الْحَدِيث أن يأتوا بأسانيد لِجميع أشعار العرب التي احتجَّ بِها الْمفسّروون؟ وهل يستطيع ابن تيمية أن يأتي بأسانيد للأشعار التي احتجَّ بِها لتأكيد عقيدة التجسيم؟.
وجَهْلُ الخليل الفراهيدي أنَّ (استوى) تكون بِمعنى (استولى) -إن ثبت عنه ذلك- لا يقدِّم ولا يؤخِّر؛ لأَنَّه بشر مَحدود القدرات والطاقات، ولا نعترف بالرجل الخارق الذي يتوهَّمه أهل الْحَدِيث أثناء تلفيقهم الروايات لتعظيم أئمتهم، ولكن مع ذلك نطالب من ادَّعى على الفراهيدي هذه الدعوى أن يأتي بالبيّنة على دعواه، وكما طالب هؤلاء بسند لبيت الأخطل نطالبهم بسند لِما نسبوه للفراهيدي، خاصَّة وأنَّ ابن تيمية يؤكِّد بُطلان ما نُسب إلى الفراهيدي وبقية علماء اللغة حين قال بعد ذلك: "روي عن جَماعة من أهل اللغة أنهم قالوا: لا يَجُوز استوى بِمعنى استولى إِلاَّ في حقِّ من كان عاجزاً ثُمَّ ظهر، وأيضاً فأهل اللغة قالوا: لا يكون استوى بِمعنى استولى إِلاَّ فيما كان منازعاً مغالباً"([35]). فطالَما أكّد أهل اللغة الذين ذكرهم ابن تيمية أن استوى تأتي بِمعنى استولى مع الْمغالبة، فكيف يقال: إنَّ الْخليل جهل هذا الْمَعنَى؟، والمغالبة تتأتى مِمَّا نألفه في أوهامنا من مغالبة لبعضنا بعضاً، ولكنَّ الله لا يشابه خلقه لا في فعل ولا في صفة فانتفت شبهة الْمغالبة، وربما اختلف علماء اللغة في إثبات شرط المغالبة في تحقق الاستواء، فبينما يذهب من يعتمدهم ابن تيمية إلى إثبات المغالبة يذهب الآخرون إلى عدم اشتراطها، إلا أنا مع ذلك نقول أن المغالبة -إن ثبت وجوبها- إنما هي ناشئة من مألوف الوهم والله تعالى لا يقاس بخلقه.
ويقول شاعر عربي آخر: (1/125)
صفحة 126
وقد يطالبنا أهل الْحَدِيث بسند للبيت كما طالبوا بسند لبيت الأخطل!، وكأنَّ القَضيَّة هي قضية إثبات نسبة هذا البيت لقائله من عدمه، بينما استدلالنا بِهذه الأبيات منشؤه الاستئناس بأبيات شعر عربية فصيحة لا بطلان في معانيها، وموافقة لِما هو معلوم من اللُّغة العربية بأنَّ الاستواء يكون بِمعنى القهر والاستيلاء مَجازاً.
ومن بين احتجاجات أهل الْحَدِيث أيضاً قول أبي يعلى الفراء "وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأَرض السابعة؛ لأَنَّ الله قادر على كُلّ شيء والأَرض، فالله قادر عليها وعلى الْحشوش وعلى كُلّ ما في العالم، فلو كان الله مستوياً على العرش بِمعنى الاستيلاء وهو تعالى مستول على الأَشيَاء كُلّها لكان مستوياً على العرش وعلى الأَرض وعلى السماء وعلى الْحشوش والأقذار".
وهذا الاحتجاج مبني على توهّم ذات الله كالاجرام المحتاجة للاستقرار، وأن العرش جرم فضائي كسرير غرفة النوم يستلقي الله تعالى عليه!. فالله تعالى لا شكَّ قاهر ومستولٍ على السماوات والأَرض بِما فيها مِمَّا تستحسنه عقلية الفراء أو تستقبحه، والاستواء لا يعني الْجلوس والاستقرار كما يتوهَّم الفراء حتى نقول إنَّ الله غير مستو على الْحشوش والأقذار، فكلُّ ما ذكر الفراء مسلّم لِجلال الله لاهج بالتسبيح له مقرّ بقهر الله واستيلائه عليه.
وحين خَوَت جُعبة ابن تيميَّة من الشبهات التي يدافع بِها عن عقيدة أهل الْحَدِيث أعاد تشغيل أسطوانة السلف الْمقدَّس!، فقال: "إنَّ هذا التفسير لَم يفسّره أحد من السلف"([36]). (1/126)
صفحة 127
وقد فنَّد ابن جرير الطبري هذه الدعوى بقوله "قال أبو جعفر الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه، منها الاحتياز والاستيلاء كقولهم: استوى فلان على الْمملكة، بِمعنى احتوى عليها وحازها([37])، وابن جرير الطبري من مواليد القرن الثالث الهجري ومات في بداية القرن الرابع (ت: 310هـ)، وهذا يعني أنََّ السلف الذين يتشدَّق بِهم ابن تيمية يعلمون بأنَّ الاستواء يأتي بِمعنى الاستيلاء!، وإن كنَّا لا نرى حجَّة في معرفتهم أو جهلهم.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) سورة يونس: 3.
[2])سورة يونس: 3.
[3]) عبد الله بن أحمد: "السُّنَة "، 1/ 106 برقم 10.
[4]) سورة البقرة: 22.
1) ابن منظور: "لسان العرب"، 14/ 414.
[6]) الفيروزآبادي: "القاموس المحيط"، 1167.
[7]) سورة يوسف:21.
[8]) سورة طه:5.
[9]) سورةالأنعام:18.
[10]) أبو عمار عبد الكافي: "الموجز"، 1/ 126-133.
[11]) ابن كثير: في مقدمة تفسيره، 1/ 13.
[12])سورة المائدة:19.
[13]) سورة الأنعام:18.
[14]) سورة هود:57.
[15]) سورة طه:5.
[16]) سورة البقرة:98.
[17]) سورة الرحمن:68.
[18]) سورة النمل23.
[19]) سورة هود: 7.
[20]) الخليل بن أحمد الفراهيدي: "كتاب العين"، 2/ 1171.
[21]) سورة البقرة: 255.
[22])[22] نسب هؤلاء إلى ابن عباس القول "الكرسي موضع القدمين"، رواه الدارمي: "نقض عثمان بن سعيد على الرميسي"، ص207 برقم 94. ابن خزيمة: "التوحيد"، 1/ 249 برقم156. وعبد الله بن أحمد: "السُّنَة " برقم 586. وقد ثبت بالسند الصحيح تفسير ابن عباس للكرسي بالعلم كما هو موجود في تفسير الطبري، حديث رقم 5788.
[23]) الذهبي: "الْعُلُوّ"، ص248 عند النص رقم 119.
[24]) ابن تيمية: "مجموع الفتوى"، 5/ 314.
[25]) سورة مريم:70.
[26]) سورة طه: 82.
[27]) سورة البقرة: 22.
[28]) سورة الأنعام:18.
[29]) ابن تيمية: "مجموع الفتاوى"، 5/ 146. (1/127)
صفحة 128
[30]) عبد الله بن حميد السالمي: "مشارق أنوار العقول"، ص281.
[31]) سليمان الْعلوان: "الكشّاف"، ص17.
[32]) ابن تيمية: "مجموع الفتاوى"، 5/ 146.
[33]) ابن كثير: "البداية والنهاية"، 9/ 8.
[34]) يقول ابن عبد البر في أثناء حديثه عن كتاب منسوب للرسول صلى الله عليه وسلم: ورد بروايات واهية مرسلة عن طريق نعيم بن حماد: "وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم، معرفةً تستغني بشهرتها عن الإسناد". ابن عبد البر:"التمهيد"، (17/338). نقله السماري في تحقيق "نقض عثمان بن سعيد"، ص350-351، وقال ابن كثيرفي تفسيره 1/ 549: "وإن كان من رواية الحسن عن عمر وفيها انقطاع، إلا أن مثل هذا اشتهر فتكفي شهرته".
[35]) نقله ابن تيمية: "مجموع الفتاوى"، 5/ 96- 97.
[36]) ابن تيمية: "مجموع الفتاوى"، 5/ 144.
[37]) ابن جرير: تفسير الطبري الآية 29 من سورة البقرة، 1/ 191-192.
---
مسألة الرُّؤية
يقول ابن الْقَيِّم في قصيدته النونية:
انسياقاً من أهل الْحَدِيث نَحو عقيدة التشبيه والتجسيم والْعُلُوّ الهرمسية اعتقدوا أنَّ الله تعالى يُمكن رؤيته ومشاهدته، كما هو الْحال مع المشاهدات والمرئيات المحيطة بِهم، واعتماداً منهم على قياس الغائب بالشاهد لفَّقُوا الرِّوايات وألْوَوْا النُّصُوص الْمُتشَابِهة من الكتاب العزيز لترسيخ هذه العقيدة الْمصادمة للنُّصوص القطعية من الكتاب العزيز.
والواجب على الْمُسلِم أن يعرض مثل هذه الأفكار التي اقتبسها أهل الْحَدِيث من أرباب الفلسفات الْهرمسية على منظومة القواعد الْمُحكَمة التي رسختها النُّصُوص القطعية من الكتاب، والسُّنَة الْمجتمع عليها، ودلائل العقل الإسلامي الكوني.
*- القاعدة الأولى: أنَّ الْمرئيَّ لاَ بُدَّ أن تتوفر فيه هذه الشروط: (1/128)
صفحة 129
أولاً: أنَّ الْمَرئِيّ لاَ بُدَّ أن يكون في جهة، والْمُتَحَيِّز في جهة مَحدود، والْمحدود حادث، والْحادث مَخلوق ليس بإلَه.
ثانياً: أنَّ الْمَرئِيَّ إمَّا أن يكون صغيراً فيُرى كلُّه فيكون محدوداً، أو كبيراً فيُرى بعضُه فيكون مجزَّءاً مبعضاً.
ثالثاً: الْمَرئِيُّ يلزم أن يكون في مسافة عن العين، وهو بذلك يكون مَحدودا من جهة العين.
رابعاً: أن الْمَرئِي يَجب أن يكون كثيفاً؛ لأَنَّ اللطافة لا تُرى، والكثيف جسم، والأجسام مركّبة، والْمركّب مَخلوق.
خامساً: الْمَرئِيّ يَجب أن يكون مضيئاً بذاته أو مضيئاً بغيره، والْمضيء بغيره مُحتاج، والْمضيء بنفسه مشع، والمشع إمَّا أن يكون الإشعاع يفارقه فهو ينقص، أو لا يفارقه "كالثقوب السوداء في الْمجرات" فلا يُرى.
سادساً: الْمَرئِيّ يَجب أن لا يكون قريباً جداً، فيحجِب الرُّؤية كحجْب الأجفان لرؤيتها من قِبَل الْحدقة، وأن لا يكون بعيداً جداً، فالبعد الكبير يَمنع الرؤية حتى لو كان الْمَرئِيّ كبيراً جداً، فالنجوم العملاقة البعيدة لا تراها العيون، والقرب والبعد من صفات الأجسام الْمَحدُودة، والْمَحدُود مَخلُوق.
سابعاً: الْمَرئِيّ مَحسوس؛ لأَنَّه يتصل بِحاسّة الإبصار، والله تعالى يتعالى أن يكون من الْمَحسُوسات.
وكلُّ هذه الصفات مستحيلة في حقِّ الله تعالى؛ لأَنَّها تَدُلُّ على النقص في حقِّ جلاله العظيم.
* - القاعدة الثانية: يتنزَّه الله عن مشابهة الْمَخلُوقات.
1- ?قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ?([2]).
2- ?فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ?([3]).
3- ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?.
4- ?هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا?. (1/129)
صفحة 130
الآيات تنصُّ على عدم مُشابَهة الْمَخلُوقات له تعالى في صفة أو فعل، والْمَخلُوقات توصف بأنَّها تشاهد وترى بالعين، والله تعالى لا يشابه الْمَخلُوقات فلا يَجُوز أن يوصف بأنه يُشاهد ويُرى بالعين.
*- القاعدة الثالثة: يستحيل تَخصص الباري في جهة:
1- ?هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ?([4]).
2- ?وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ?([5]).
*- القاعدة الرابعة: الله I لا تدركه الأبصار.
1-يقول الله تعالى: ?لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ?([6]).
وهذه الآية تنفي نفياً جازماً رؤية الْمَخلُوقات لله تعالى، وحين سأل مسروق السيدة عائشة: هل رأى مُحمَّد صلى الله عليه وسلم ربّه؟ قالت: "لقد قفَّ شعري مِمَّا قلتَ!. أين أنت من ثلاث؟!، من حدَّثَكَهنَّ فقد كذَب: من حدَّثك أنَّ مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه فقد كذَب، ثُمَّ قرأتْ: ?لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ?، ?وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ?([7])، ومن حدَّثك أنَّه يعلم ما في غدٍ فقد كذَب، ثم قرأتْ ?وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا?([8])، ومن حدّثك أنَّه كَتَم فقد كذَب، ثُمَّ قرأتْ ?يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِكَ?([9]) الآية، ولكن رأى جبريل u في صورته مرتين"([10]).
فاستدلالَّ السيِّدة عائشة بِهذه الآيات هو لتعليم الأمَّة وجوب عرض مثل هذه الأفكار الْهرمسية على النُّصُوص الْمُحكَمة من الكتاب العزيز، التي تقطع بعدم جواز وصف الله تعالى بأنَّه يُرى بالأعين. (1/130)
صفحة 131
2- قَوله تَعَالَى: ?وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي?([11]).
فلو كانت الرؤية جائزة الحصول يوم القيامة، لَحصلت لِموسى عليه السلام على سبيل الْمُعجِزة، كما هو الْحال مع بقية المعجزات التي تَخرق قانون الكَوْن الدنيَوِي، لكن ردُّ الله تعالى كان قاطعاً جازماً حاسماً، ليؤكِّد على استحالة الرُّؤية التي طلبها موسى عليه السلام، ويبرهن لقومه استحالة الرؤية كما سنرى لاحقاً.
ولو عرض أهل الْحَدِيث أدلَّتهم في هذه القَضيَّة العقدية الْخطيرة على مِحَكّ هذه الْمنظومة من القواعد الكلية الْمُحكَمة المستنبطة من النُّصُوص القطعية من الكتاب العزيز، والصحيح الثابت من السُّنَة النَّبوية الْمجتَمَع عليها، والأَدِلَّة الْعَقلِيَّة القطعية لَمَا توصَّلوا إلى هذه النتيجة الفاسدة.
ولْنأتي الآن إلى أَدِلَّة أهل الْحَدِيث الْعَقلِيَّة:
أولاً: قالوا إنَّ كُلّ موجود مرئي، فالله تعالى موجود وهو يُرى.
وتناسى أهل الْحَدِيث أنَّ هناك أَشيَاء كثيرة موجودة ولا ترى، كالرُّوح وموجات الصوت والهاتف والإذاعة والتلفزيون وغيرها، ولعلَّ البعضَ يقول: إنَّ الله تعالى قادر بِمشيئته أن يُرينا الروح!، وهذا القول قائم على التصور العبثي لِمشيئة الله تعالى، فقد دلَّت النُّصُوص القطعية من الكتاب العزيز على عدم إمكانية رؤية أو معرفة حقيقة الروح، حيث يقول تعالى: ?وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً?([12]). هذا النَّص القطعيُّ الدلالة يؤكِّد أنَّ مشيئة الله اختارت عدم قدرة الإنسان على اكتشاف سِرّ الروح، ونحن وإن تنَازلنا وقلنا بِجواز رؤية الروح فإنَّه لا يَجُوز قياس الروح الْمَخلُوقة بالخالق عز وجل. (1/131)
صفحة 132
والقول إنَّ الله تعالى قادر أن يُرينا ذاته لو أراد أن يفتح الباب على مصراعيه للقول بأنَّ الله تعالى قادر على الاتصاف بصفات الْحيوانات لو أراد، وبطلان هذا القول يغني عن التوسع في الردِّ عليه!.
ثانياً: يقول أهل الْحَدِيث إنَّ الرؤية مُمكنة يوم القيامة حيث تتبدَّل الأَشيَاء?يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرض غَيْرَ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ? ([13])، ويكون بصر الإنسان حاداًّ قوياًّ، ?لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ?([14]).
وهذا الاستدلال نابع من تَجاهل أهل الْحَدِيث لِحقيقة ثبات صفات الله تعالى، فصفات الْخَالِق لا تتغيَّر ولا تتبدَّل عكس الْمَخلُوق الْمتبدِّل الْمتغيِّر، فالتغيُّر الذي يَحصل يوم القيامة إنَّما يَحصل في الْمَخلُوقات من أرض وسماء وغيرها، أمَّا ذات الله تعالى وصفاته فإنَّها لا تتغيَّر أبداً؛ لأَنَّ التغيّر من صفات الْحوادث.
ثالثاً: أنَّ شروط الرؤية التي ذكرها مَن نزَّه الله تعالى عن كونه مرئياًّ إِنَّما هي لرؤية الشاهد، ولا يَجُوز أن تُحمَل عليها رؤية الغائب.
وهذا الاستدلال عجيب جداًّ؛ لأنَّ أهل الْحَدِيث يُحاولون به تَجاوز حقيقة قياسهم لذات الله بذات مَخلُوقاته حين قاسوا الغائب بالشاهد وقالوا بوجوب رؤيته؛ لأنَّه موجود!، ومحاولتهم الفاشلة تنقض أوَّلَها آخرها؛ لأنَّ الرؤية شيء حسي ومستلزماتها لاَ بُدَّ أن تكون حِسيَّة، فما وافق شروطها الْحِسِّية تَمَّت رؤيته، وما لم يوافقها لن تتم رؤيته، وقول أهل الْحَدِيث: بأنَّ الله تعالى يُرى هو إثبات منهم إلى كونه مَحسوساً، والْمَحسُوس مَخلُوق!. (1/132)
صفحة 133
ومِمَّا يؤكِّد وَهَاء أَدِلَّة أهل الْحَدِيث الْعَقلِيَّة إقرار مُحمَّد بن صالح بن عثيمين جواز وصف الله تعالى بأنَّه جسم حتى يُثبِت الرؤية! حيث يقول: "إِن كان يلزم من رؤية الله تعالى أن يكون جسماً، فليكن ذلك"([15])!.
وعقيدة الرؤية كانت في الأساس من تسريبات كعب الأحبار، فهو أوَّل من بثَّها بين الصحابة([16])، مِمَّا دفع مسروقاً إلى سؤال عائشة أمّ المؤمنين عن هذا القول الفظيع الذي كذَّبتْه وردّته بصرامة وحزم.
فقد روى الترمذي وابن خزيمة عن الشعبي قال: "لقي ابن عباس كعباً بعرفة، فسأله عن شيء، فكبّر حَتَّى جاوبته الْجبال، فقال ابن عباس: إِنَّا بنو هاشم، فقال كعب: إِنَّ الله قسَّم رؤيته وكلامه بين مُحمَّد وموسى، فكلَّم موسى مرَّتين، ورآه مُحمَّد مرَّتين، قال مسروق: فدخلت على عائشة، فقلت: هل رأى مُحمَّد ربه؟"([17]).
وزاد ابن خزيمة في روايته: "قال عامر: فانطلق مسروق إلى عائشة -رضي الله عنها-، فذكر الْخبر". وقال ابن حجر بعد ذكره لرواية الترمذي: "فأتى مسروق عائشة فذكر الْحَدِيث فظهر بذلك سبب سؤال مسروق لعائشة عن ذلك"([18]). (1/133)
صفحة 134
فكان جواب السيدة عائشة لِما تفوَّه به كعب الأحبار حازماً صارماً موجِّهاً لِمسروق وللأمَّة جَمعاء إلى كيفيّة التعامل مع مثل هذه الأفكار، حيث قالت: "لقد قفَّ شعري مِمَّا قلت!!. أين أنت من ثلاث!؟، من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أنَّ مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم رأى رَبّه فقد كذب، ثُمَّ قرأت: ?لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ?، ?وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أنَّ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ?([19])، ومن حدَّثك أنَّه يعلم ما في غد فقد كذب، ثُمَّ قرأت ?وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا?([20])، ومن حدّثك أنَّه كتم فقد كذب، ثُمَّ قرأت ?يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنَّزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّك...?([21]) الآية، ولكن رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين"([22]).
لكن أمُّ الْمؤمنين عائشة -رضي الله عنها- لَمْ تسلم من سلاطة لسان أهل الْحَدِيث ودفاعهم الْمستميت عن عقيدة التجسيم، حيث تعقَّبها ابن خزيمة بكلام قبيحٍ قائلاً: "ليس يَحسن في اللفظ أن يقول قائل أو قائلة: قد أعظم ابن عبّاس الفرية"، وقال أيضاً: "ولكن قد يتكلَّم الْمرء عند الغضب باللفظة التي يكون غيرها أحسن وأجمل منها"، وقال واصفاً إيَّاها بالجهل: "فتفهموا يا ذوي الْحجا هذه النكتة، تعلموا أنَّ ابن عباس -رضي الله عنهما- وأبا ذر وأنس بن مالك ومن وافقهم لم يعظموا الفرية على الله"([23]).
مِمَّا حدى بِمُحمَّد خليل هراس بالردِّ عليه قائلاً: "عائشة -رضي الله عنها- أنَّها كانت تستعظم ذلك وتستنكره، ولهذا قالت لِمسروق: لقد قفَّ شعري مِمَّا قلت، وليس من حقِّ الْمؤلّف أن يعلِّم أمَّه الأدب، فهي أدرى بِمَا تقول منه"([24]). (1/134)
صفحة 135
وحاول أهل الْحَدِيث الالتفاف على قول السيدة عائشة بأن ينسبوا إلى ابن عباس القول إنَّ الإدراك في قَوله تَعَالَى: ?لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ? يعني: الإحاطة!، ولا ندري وجه هذا القول الْمنسوب إلى ابن عباس؛ لأنَّ الإدراك في اللُّغة يعني: اللِّحاق، وهو ما أكدّه استقراءنا لِمعنى الإدراك في القاموس القرآني، فقد وردت لفظة الإدراك في سبع مواضع من القرآن الكريم، أحدها الآية موضع الاستدلال، وبقية الْمواضع هي:
1- ?فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ?([25]).
2- ?أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ?([26]).
3- ?وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ?([27]).
4- ?فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى?([28]).
5- ?فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ?([29]).
6- ?لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أنَّ تُدْرِكَ الْقَمَرَ?([30]).
وفي جَميع هذه المواضع، جاء الإدراك بِمعنى: اللحاق، يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: "الدَّرَكُ: اللَّحَقُ من التَّبِعة. والدّارك: اتّباع الشَّيء بعضه على بعض في كُلّ شيء"([31]). وقال ابن منظور: "الدَّرَكُ: اللّحَاق، وقد أَدركه. ورجل دَرَّاك: مُدْرِك كثير الإِدْراك. و تَدَارَكَ القومُ: تلاحقوا أَي لَحِق آخرُهم أَولَهم"([32])، وقال الفيروزآبادي: "الدّرَكُ مُحرّكةً: اللَّحاق، أدرَكَهُ: لَحِقه، ورجل درّاك ومدرِكة ومدرِك. وتَداركُوا: لَحق آخرهم أوّلهم"([33]). (1/135)
صفحة 136
وأبسط مثال يؤكّد على بطلان القول بأنَّ الإدراك يعني الإحاطة، هو عدم جواز قولنا: إنَّ جدار البيت يدرك أصحابه، لو أردنا أنَّ نقول إنَّ جدار البيت مُحيط بأصحابه!، بينما يَجُوز القول: إنَّ السهم أدرك الفريسة، بِمعنى لَحقها وأصابها.
فهل تَخفى هذه الْحقائق اللّغوية على ابن عباس؟! الْجواب: بالطبع لا، وكلّ ما نسب إليه لا يُمكن قبوله، فهو مع بطلان متنه باطل سنداً بِمقاييس الْجرح والتعديل التقليدية!، فالرواية اليتمية التي نسبت إلى ابن عباس باطلة سنداً، وهي التي رواها ابن جرير الطبري في تفسيره([34]) بإسناد مسلسل بالضعفاء، ففيها عطية بن سعد العوفي الذي قال عنه الذهبي: "مُجمع على ضعفه"([35])، وفيها أيضاً: حسن بن عطية العوفي الذي قال عنه الذهبي: "ضعّفه أبو حاتم وغيره"([36])، وفيها أيضاً الْحسين بن الْحسن بن عطية العوفي الذي قال عنه الذهبي: "ضعَّفوه عن الأعمش وعن أبيه"([37]).
---------------------------------------------
[1]) حمد خليل هراس: "شرح القصيدة النونية"، 1/ 221.
[2]) سورة الإخلاص: 1-4.
[3]) سورة البقرة: 22.
[4]) سورة الحديد: 3.
[5]) سورة البقرة: 115.
[6]) سورة الأنعام: 103.
[7]) سورة الشورى: 51.
[8]) سورة لقمان: 34.
[9]) سورة المائدة: 67.
[10]) البخاري: ر4855، الربيع بن حبيب:"الجامع الصحيح"،برقم 824.
[11])سورة الأعراف: 143.
[12]) سورة الإسراء: 85.
[13]) سورة إبراهيم: 48.
[14]) سورة ق: 22
[15]) ابن عثيمين: "شرح العقيدة الواسطية"، ص389.
[16]) الترمذي: 3290 فصل سورة النجم، مسند ابن أبي شيبة:6/333 برقم31838، الحاكم في مستدركه، 2/629 برقم 4099، مسند اسحاق بن راهوية، 3/790 برقم 1421، ابن خزيمة: كتاب التوحيد، ص430 وص480، بتحقيق سمير الزهيري. (1/136)
صفحة 137
[17]) الترمذي: ر3290 فصل سورة النجم، وابن خزيمة: "كتاب التوحيد"، ص807 الرواية: 798. تحقيق سمير الزهيري.
[18]) ابن حجر العسقلاني: "فتح الباري"، ج8ص607، طبع دار المعرفة، تحقيق محب الدين الخطيب.
[19]) سورة الشورى: 51.
[20]) سورة لقمان: 34.
[21]) سورة المائدة: 67.
[22]) البخاري: ر4855.
[23]) ابن خزيمة: "التوحيد"، ص476. تحقيق سمير الزهيري.
[24]) محمد خليل هراس: في تحقيقه لكتاب"التوحيد" لابن خزيمة، ص226.
[25]) سورة يونس: 90.
[26]) سورة النساء: 78.
[27]) سورة النساء: 100.
[28]) سورة طه: 77.
[29]) سورة الشعراء: 61.
[30]) سورة يس: 40.
[31]) الخليل بن أحمد الفراهيدي: "العين"، 1/567.
[32]) ابن منظور: "لسان العرب"، 10/ 419.
[33]) محمد بن يعقوب الفيروزآبادي: "القاموس المحيط"، ص844.
[34]) تفسير الطبري، 7/ 299.
[35]) الذهبي: "المغني في الضعفاء"، 2/ 62.
[36]) نفس المرجع السابق، 1/ 251.
[37]) نفس المرجع السابق، 1/ 261.
---
وحاول الفخر الرازي الانتصار لأشْعَرِيَّته التي تأثَّرت ببعض عقائد أهل الْحَدِيث، وردَّ الاستدلال بِهذه الآية الْجلية الواضحة التي استدلَّت بِها السيِّدة عائشة بالقول: "فقوله ?لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ? يُفيد أنَّه لا يراه جَميع الأبصار، فهذا يفيد سلب العموم، ولا يفيد عموم السلب. معناه: أنَّه لا تدركه جميع الأبصار، فوجب أن يفيد أنَّه تدركه بعض الأبصار"([1]). إلاَّ أنَّه ما لبث أن تراجع بعد برهة عن هذا الاستدلال الواهي وقال: "الوجه الرابع: سَلَّمنَا أنَّ الأبصار البتة لا تدرك الله تعالى"([2])، وقال: "الوجه السادس: أن نقول بِموجب الآية فنقول: سَلَّمنَا أنَّ الأبصار لا تدرك الله تعالى"([3]). (1/137)
صفحة 138
واستدلال الرازي الْمتناقض هو أضعف من أن يحتاج إلى إضعاف؛ لأنَّ كُلّ من صحا عقله من سكرة الْهوى، وسلم ذوقه من فساد الفطرة يدرك بطلانه، فإِنَّ النفي في قَوله تَعَالَى: ?لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ? لَم يَخص ببعض الأبصار دون بعض، وإِنَّما يعمّها بلفظه الصريح الذي تؤيده القرائن، وذلك أنَّ التعريف في الأبصار قاض بعمومها، سواء حَملناه على الْجنس أو الاستغراق، فإِن حَملناه على الاستغراق فهو أظهر من أن يَحتاج إلى بيان، إذ لا معنى للاستغراق إِلاَّ شُمول أفراد مدلول اللفظ، وإِن حَملناه على الْجِنس فمن حيث إنَّ أيّ فرد من أفراد جنس ما يوجد مدلول ذلك الْجِنس ضمنه إثباتاً أو نفياً، ولو كان هذا القول صحيحاً لَما حكم بالحنث على من يقسم بالله بالأيمان الْمغلظة أنَّه لَم يَزر القبور مع أنَّه يتردد على زيارتها في كُلّ أوقاته، إذ لا يعقل أن يزور جَميع القبور في الأَرض، فإِن قيل: لعل تعريف الأبصار عند هذا القائل عهديّ ليس للجنس ولا للاستغراق، فجوابه أنَّ حَمله على العهد مناف لِما تَدُلُّ عليه الآية من التمدح الذي يقتضيه سياق ما قبلها وما بعدها، والعهد لاَ بُدَّ له من معهود، ولا معهود، ولو فرضنا أنَّ ثَمَّ معهوداً، فهل يُمكن أن يكون نفي شيء عن معهود قاضياً بإثباته لغيره؟ وهل هذا إِلاَّ من باب الاحتجاج بِمفهوم اللقب، الذي لا يعول عليه في الظنيات، فكيف بالقطعيات؟([4]). (1/138)
صفحة 139
وقد أكَّد القرآن الكريم حقيقة إسرائيلية هذه العقيدة حين قال: ?يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أنَّ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ?([5])، وهذا الطلب والإلحاح الصبياني من بني إسرائيل لرؤية الله تعالى جهرة هو الذي حدا بِموسى تعالى أن يطلب الرؤية لنفسه ليريهم أنَّها مُستحيلة للنّبيِّ فكيف بِمَن هم دونه؟!. وقد روى التابعيُّ الكبير أبو الشعثاء جابر بن زيد أنَّ ابن عباس -رضي الله عنهما- سأل عن معنى قَوله تَعَالَى: ?رَبِّ أَرِنِي أنظُرْ إِلَيْكَ?([6]). فقال: ذلك على وجه الاعتذار لقومه ليريهم الله آية من آياته فيَيْئسوا من رؤية الله"([7]). (1/139)
صفحة 140
وأصل القصَّة أنَّ الله تعالى وعد موسى تعالى أن يكلمه في يوم معلوم، وأن يأتي معه مَجموعة من قومه ليعتذروا من عبادتهم العجل، يقول تعالى: ?وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِن هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ?([8])، وحين وصلوا إلى الْميقات الْمَعلُوم قال هؤلاء لِمُوسى: ?أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً?([9])، أو أنَّهم طلبوا منه أنَّ يلبي رغبة سفهائهم الذين يطلبون رؤية الله تعالى، فأراد موسى تعالى أن يقطع دابر الشكّ في قلوبهم، وأنَّ الله تعالى لا يوصف بصفات الأصنام -كالعجل- الذي عبدوه من قبل، وأراد أن يبلّغهم أنَّ الرؤية في حقّ الله مُمتنعة؛ لأنَّه لا يوصف بصفات الْمَخلُوقات ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ?. يقول تعالى مؤكِّداً هذه الحقيقة: ?وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أنَّظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنَّ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأنَّاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ?([10])، فقَوله تَعَالَى: ?لَن تَرَانِي? تَدُلُّ على استحالة الرؤية في الحاضر والْمستقبل. (1/140)
صفحة 141
وربط الله تعالى لِهذه الاستحالة باستقرار الْجبل في قوله: ?وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِن اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي? لا يَدُلُّ على إمكانيتها لارتباطها باستقرار الْجبل وهو مُمكن في ذاته كما يدَّعي البعض([11])، وذلك؛ لأنَّ الله تعالى هو علاّم الغيوب، وكان يعلم أنَّ الْجَبَل يَستحيل أن يستقرَّ مكانه، فاستقرار الْجَبَل شيء مستحيل؛ لأنَّ الله تعالى علم أنَّه لن يستقر.
أَمَّا تَجلّي الله للجبل فهو تعبير مَجازي يراد به تَجلِّي بعض آيات الله للجبل، فخرّ الْجَبَل وصار دكًّا، وكيف لا يَخرّ الْجَبَل وهو من الضعف أمام جبروت الله بِحيث لو أنزل عليه القرآن لتصدّع من خشية الله،
يقول تعالى: ?لَوْ أنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ?([12]). وقَوله تَعَالَى: ?فَلَمَّا أَفَاقَ? أي موسى تعالى من الصَّعقة ?قَالَ: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ? أي: تبت إليك من مسألتي أنِّي أنظر إليك، ?وَأناْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ? الْمصدِّقين بأنَّه لا يراك أحد.
والعجيب تكلّف الفخر الرزاي الغريب حيث اضطرَّ إلى الادِّعاء أنَّ الله تعالى خَلق حياةً وعقلاً وفهماً للجبل كي يستطيع أن يراه!، فقد قال: "لا يتمنع أن يقال: إِنَّه تعالى خلق في ذات الْجَبَل الْحَيَاة والعقل والفهم، ثُمَّ خلق فيه رؤية متعلقة بذات الله تعالى!"([13])، وافتراض الرازي مُمتنع؛ لأنَّه مَحض ظنّ لا دليل عليه، بل إنَّ الدليل القطعي يُخالفه؛ لأنَّ الْحس والعقل الذي خاطبه تعالى يشهد بأنَّ الْجبال لا حياة لَها ولا عقول ولا أفهام، هذه هي سنة الله تعالى في خلقه، والله I يقول: ?فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً?([14]). (1/141)
صفحة 142
والأعجب منه ادِّعاء أهل الْحَدِيث أنَّ الْجزء الْمتجلّي من الله تعالى! للجبل كان كَالخنصر!، فقد رَوُوا عن أنس بن مالك أنَّه قال: "لَما تَجلّى ربُّه للجبل رفع خنصره، وقبض على مفصل منها، فانساخ الْجَبَل"، وفي لفظ آخر: "قال: فحكاه النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فوضع خنصره على إبْهامه فساخ الْجَبَل، فتقطع"([15])، ولفظ آخر: "أخرج طرف بنصره، وضرب على إبهامه، فساخ الْجَبَل"([16]). وراوي هذه الرواية الشنيعة هو حَمّاد بن سلمة([17]) الذي اشتهر برواية الروايات الْمنكَرة كرِواية «خلق الله الفرس فأجراها فعرقت، ثُمَّ خلق نفسه منها»([18]).
وقد يَحتجُّ أهل الْحَدِيث بالقول: إِنَّ طلب موسى للرؤية يدلُّ على جوازها؛ لأنَّه نبِيّ ولا يَجُوز للأنبياء سؤال المستحيل، والواقع أنَّ طلب موسى للرؤية كان بسبب إلحاح قومه([19]). ولو لَم تكن الرؤية مستحيلة لَحصلت لِموسى تعالى، أو حصلت لِمُحمَّد صلى الله عليه وسلم على سبيل الْمُعجِزة وخرق العادة، لكنَّها لم تَحصل أبداً مِمَّا يؤكد على أنَّها مستحيلة، وثبوتها يوم القيامة كما يدَّعي هؤلاء يلزمهم إمكانيتها في الدنيا على الأقل للأنبياء على سبيل الْمُعجِزة، لكنَّها لَم تَحدث البتَّة، بل إنَّ موسى تعالى أصابته الصعقة مع قومه لَمَّا سألَها!. (1/142)
صفحة 143
والصعقة التي أصابت موسى تعالى أصابت قومه معه كما رأينا في قَوله تَعَالَى: ?فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ?([20])، فالقرآن الكريم بسرده لِهذه القصة يؤكّد على أنَّ اعتقاد رؤية الباري هو من شأن الْمعاندين الْمستكبرين الذين حقّ عليهم نزول الصاعقة في الدنيا والخزي في الآخرة، يقول تعالى: ?وَقَالَ الَّذِينَ لاَيَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أنَزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا?([21])، فهؤلاء الوثنيون يعلقون إيمانَهم بالمستحيل كنُزول الملائكة، ورؤيتهم لله جهرة كما ترى الأصنام، فيقول الله تعالى بعد ذلك مؤكِّدا استحالة رؤية الله تعالى: ?يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا?([22])، فأثبت رؤية الْملائكة المستحيلة في الدنيا إِلاَّ للأنبياء، ولم يُثبت رؤية الْخَالِق له؛ لأنَّها مستحيلة.
واحتجَّ أهل الْحَدِيث لإثبات عقيدة الرؤية بقَوله تَعَالَى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ?([23])، وهذا الاحتجاج يجري في نفس سياق إِنكار الْمجاز، ومنع التأوِيل، مع أنَّ قَوله تَعَالَى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ? يقصد به أنَّ أولياء الله تنضر وجوههم وتشرق بالسعادة والفرحة العظيمة ببشرى الفوز ودخول الجنَّة. يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: "نَضَرَ الورق والشجر والوجه يَنضُرُ نُضُوراً ونُضرة ونَضارة فهو ناضر: حسنٌ. قال: ينضُرُ وجهُهُ فهو ناضِرٌ من فعله، قال الله: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ?، ووجهه منضور، من فعْل اللهِ"([24]).
أَمَّا قَوله تَعَالَى: ?إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ? أي: ينظرون إلى الله ليدخلهم الْجنَّة ويتمِّم سعادتَهم، وهو تعبير مَجازي مشهور في لغة العرب، ومنه قول القائل: (1/143)
صفحة 144
فالنظر هنا لا يراد به الرؤية كما توهم أهل الْحَدِيث، بل قصد به انتظار الْجائزة الكبرى والعطية العظمى وهي الْجنة.
وقد قال أرباب اللغة إنَّ "النظر" لا يعني الرؤية فقط، بل له معاني مَجازية أخرى كثيرة. يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: "نَظَرَ إليه ينظرُ نَظَراً، ويَجُوز التخفيف في الْمصدر تَحمله على لفظ العامَّة في الْمصادر، وتقول: نَظَرتُ إلى كذا وكذا من نظر العين ونظر القلب، وقَوله تَعَالَى: ?وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ?([26]) أي لا يرحمهم. وقد تقول العرب: نَظَرتُ لك، أي: عطفت عليك، وقال الله تعالى ?وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ?، ولم يقل: لا ينظُرُ لهم، فيكون بِمعنى التَعَطُّف. ويقول القائل للمُؤَمَّل يرجوه: إِنَّما أنظُر إلى الله ثُمَّ إليك، أي: أتوقَّع فضلَ الله ثُمَّ فضلَكَ"([27]).
قال الربيع بن حبيب البصري (ت: 174هـ): "ومصداق ما روينا عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم والتابعين بإحسان من أنَّ النظر هو الانتظار قول الله تعالى: ?مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ?([28])، يعني ما ينتظرون، وليس بِمعنى النظر بالابصار، وقال: ?وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ?([29])، وقال: ?هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أنَّ تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ?([30])، ونحوه من القرآن، ومصداق ذلك في اللغة قول القائل: إِنَّما أنظر إلى الله ثُمَّ إليك. يعني: أنَّه ينتظر ما يأتيه من قبله"([31]). (1/144)
صفحة 145
وردَّ أهل الْحَدِيث هذا الكلام، وقالوا بأنَّ النظر إذا عدي بِحرف الْجرّ "إلى" أفاد الرؤية بالأبصار فقط!. حيث يقول ابن عبد العزّ: "فإِنَّ النظر له عدة استمعالات، بِحسب صلاته وتعديه بنفسه. وإِن عدّي بإلى فمعناه الْمعاينة بالأبصار، كقَوله تَعَالَى: ?انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ?([32])، فكيف إذا أضيف للوجه الذي هو مَحلّ البصر"([33]).
وكلام ابن عبد العزّ غير مسلّم به، فالنظر إذا عدّي بإلى لا يفيد الرؤية بالأبصار فقط، حتى لو أضيف إلى الوجوه، والدليل على ذلك قَوله تَعَالَى: ?وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ?، فلو كان الْمَقصُود بأنَّ النظر الْمعدى بإلى يعني الرؤية، لكان معنى الآية هو أنَّ الله لا يرى الْمجرمين يوم القيامة، وهو معنى فاسد، ولكن الْمَقصُود بالآية هو ما ذكره الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي قال: "وقَوله تَعَالَى: ?وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? أي: لا يرحمهم"([34]).
وقد بيَّنا من أقوال العرب وأشعارهم ما يثبت تَهاوي دعوى ابن أبي العزِّ، ونضيف إليها القول الْمنسوب إلى حسَّان بن ثابت:
ومعلوم أنَّ الْمُسلِمين في بدر لَم يروا الله بأبصارهم، ولكنَّهم كانوا ينتظرون نصره. (1/145)
صفحة 146
وابن عبد العزّ نفسه استخدم النظر معدّى بإلى ولَم يقصد به الرؤية بالبصر في نفس كتابه السابق، ناقلاً عن شيخه أبي شامة في كتاب "الحوادث والبدع" القول: "فالمراد لزوم الْحَقّ واتباعه، وإِن كان الْمتمسّك به قليلاً، والْمخالف له كثيراً؛ لأنَّ الْحَقّ هو الذي كانت عليه الْجماعة الأولى من عهد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه y، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم"([35]). والنظر إلى أهل الباطل لا يكون بالبصر بل بالمعرفة؛ لأنَّ الأعمى الذي لا عين له يعلم أيضاً أنَّ أهل الباطل كُثر!. وقال ابن عبد العزّ في نفس كتابه السابق: "فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب، بالقول الوجيز، الذي لا يكون أوجز منه، والبيان الْجليل، الذي لا يتوهَّم أوضح منه([36]). مع العلم بأنَّ الاحتجاج ليس جسماً يرى بالعين بل هو معرفة تدرك بالعقل.
وكذلك فعل ابن الْقَيِّم في قوله "فأبو حنيفة -رحمه الله- نظر إلى أنَّ الإذن في الفعل إِنَّما وقع مشروطاً بالسلامة، وأحمد ومالك -رحمهما الله- نظرا إلى أنَّ الإذن أسقط الضمان، والشافعي -رحمه الله- نظر إلى أنَّ الْمقدر لا يُمكن النقصان منه فهو بِمنزلة النصّ، وَأَمَّا غير الْمقدر كالتعزيرات والتأديبات فاجتهادية"([37])، وابن الْقَيِّم لم يقصد أنَّ أبا حنيفة والشافعي رأوا الحكم ببصرهم، لَكِنَّه قصد أنَّهم عرفوه بعقولهم. وقال ابن الْقَيِّم أيضاً: "السابعة إذا أسقطا الْخيار قبل التبايع ففيه خلاف فمن منعه نظر إلى تقدّمه على السبب، ومن أجازه وهو الصحيح، قال: الفرق بينهما أنَّهما قد عقدا العقد على هذا الوجه"([38]). والنظر هنا التفكّر، ولا علاقة له بالعين والضوء والظلمة!. (1/146)
صفحة 147
وقال ابن كثير: "ولا شكَّ أنَّ ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإِنَّه تبقى اللام للتعليل؛ لأنَّ معناه إِنَّ الله تعالى قيَّضهم لالتقاطه ليجعله عدوا لَهم، وحزنا فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه"([39])، والْمَعنَى لا يُرى بالبصر بل يعرف بالعقل.
فقول ابن عبد العزّ: "فإِنَّ النظر إذا عدي بإلى فمعناه الْمعاينة بالأبصار" ليس إِلاَّ فرقعة إعلامية لَم تلبث أن تَهاوت بِمعول ابن عبد العزّ نفسه، ومعاول زملائه من أهل الْحَدِيث!.
وتفسير قَوله تَعَالَى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ? بإشراق الوجه والفرحة بالْمصير وانتظار الْجائزة الكبرى، وهو ما تؤكِّده الصورة الْمقابلة لأهل النار الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ?وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أنَّ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ?([40]).
فقَوله تَعَالَى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ? معبراً عن إشراق وجوه الْمؤمنين يُقابله في وصف أهل النار قَوله تَعَالَى: ?وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ? أي: كالِحة شديدة العبوس، وقَوله تَعَالَى: ?إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ? أي: مُنتظرة الإذن بدخول الْجنة، يقابله وفي وصف انتظار أهل النار للعذاب قَوله تَعَالَى: ?تَظُنُّ أنَّ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ?.
وهذه الصورة اللغوية الفنية والْمقابَلة بَين حالة أهل الْجنَّة، وإشراق وجوههم، وحالة أهل النار، واسوداد وجوههم، تتكرَّر في الكتاب العزيز في أكثر من موضع: (1/147)
صفحة 148
1- يقول تعالى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ?([41])، الذي يقابله في نفس السورة قَوله تَعَالَى: ?وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ?([42]). 2- يقول تعالى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً?([43])، الذي يقابله في نفس السورة قَوله تَعَالَى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ?([44]).
فقَوله تَعَالَى: معبِّراً عن نضرة ونعومة وجوه الْمؤمنين:
?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ? في سورة القيامة، و?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ? في سورة عبس، و?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ? في سورة الغاشية.
يقابله قَوله تَعَالَى: معبراً عن الصورة البشعة في وجوه العاصين:
?وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ? في سورة القيامة، و?وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ? في سورة عبس، و?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ? في سورة الغاشية.
ومن ذلك نرى أنَّ قَوله تَعَالَى:
?إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ? في سورة القيامه، يُماثله قوله ?ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ? في سورة عبس، يُماثله قوله ?لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ? في سورة الغاشية.
وهو تعبير عن استبشار ورضى وانتظار المؤمنين الإذن بدخول الْجنَّة، فانتظار دخول الْجنَّة هو نفس الاستبشار، وهو نفس الرضى بالجزاء العظيم، وقد رُوِي هذا التفسير الْمنَزِّه لله تعالى عن مُشابَهة الْمَرئِيات عن إمام الْمفسرين مُجاهد بن جبر([45])، وأبي صالِح السمان([46]). (1/148)
صفحة 149
واستدلَّ أهل الْحَدِيث لعقيدة الرؤية بقَوله تَعَالَى: ?لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ?([47])، حيث يقول ابن عبد العزّ: "فالحسنى الْجنَّة، والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم"([48]). وليس في ما قاله ابن عبد العزّ شيء؛ لأنَّ هذه الآية الْمجملة يفسِّرها القرآن الكريم في موضع آخر، وهذه قاعدة مشهورة عند الْمفسرين حيث يقول ابن كثير: "فإِن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالْجواب: إِن أصحَّ الطرق في ذلك أنَّ يفسَّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإِنَّه قد بسط في موضع آخر، فإِن أعياك ذلك فعليك بالسُّنَة فإِنَّها شارحة للقرآن وموضِّحة له"([49]).
وتطبيقاً لِهذه القاعدة نَجد أنَّ (الزيادة) قَد جاء تفسيرها في الكتاب العزيز بِمعنى (الرضوان) في أكثر من مَوضع، فالله تعالى يقول:
1-?لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ?.
2- ?وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنَّهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ?([50]).
3-?لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنَّهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ?([51]). فقَوله تَعَالَى: ?لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ? في سورة يونس، يُماثله قَوله تَعَالَى: ?وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ? في سورة التوبة، ويُماثله قَوله تَعَالَى: ?لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ? في سورة آل عمران. (1/149)
صفحة 150
أما قَوله تَعَالَى: ?الْحُسْنَى? في سورة يونس، فيماثله قوله ?جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنَّهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ? في سورة التوبة، ويُماثله قوله ?جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنَّهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ? في سورة آل عمران.
أَمَّا قَوله تَعَالَى: ?وَزِيَادَةٌ? في سورة يونس، فيماثله قوله ?وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ? في سورة آل عمران، ويُماثله قوله ?وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ? في سورة التوبة.
وهذا التفسير للزيادة بالرضوان يؤكِّده الْحَدِيث الشريف الْمرويّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: «إِنَّ الله تعالى يقول لأهل الْجنَّة: يا أهل الْجنَّة، فيقولون: لبَّيك رَبّنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نَرضى وقد أعطيتنا ما لَم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا رَبّ، وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً»([52])، وهو ما ذهب إليه إمام التابعين في التفسير مُجاهد بن جبر([53]). (1/150)
صفحة 151
إذاً فالآية التي احتجَّ بِها هؤلاء قابلة للتأويل، وغير قطعيَّة الدلالة بالْمَعنَى الذي أرادوه، مِمَّا يؤكّد على أنَّهم يبنون معتقداتهم آخذين بِمتشابه الآيات لا مُحكمها، يقول تعالى: ?هُوَ الَّذِيَ أنَزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ?([54])، كما أنَّهم لا يردّون تلك الآيات الْمُتشَابِهات إلى الْمُحكَم من الكتاب العزيز، بل يقومون بعمليَّة احتيال منهجية تقوم على التنصيص الروائي لأفكارهم الفاسدة، وتَحميل الآيات الْمُتشَابهة ما لا يحتمل من التأوِيلات الباطلة، وفي هذا السياق نَجدهم يَحتجُّون بالكثير من الروايات الْملفّقة الْمنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كرواية صهيب عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إذا دخلَ أهل الْجنَّةِ الْجنَّة، قالَ: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألَم تُبيِّض وجوهنا؟ ألَم تُدخلنا الْجنَّة وتنجِّنا من النار؟ قال: فيكشف الْحجاب فما أعطوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إلى رَبِّهم تعالى»([55]).
---------------------------------------------
[1]) الرازي: "التفسير الكبير"، 13/ 103.
[2]) نفس المرجع السابق، 13/ 105.
[3]) نفس المرجع السابق، 13/ 105.
[4]) أحمد بن حمد الخليلي: "الحق الدامغ"، ص76-77.
[5]) سورة النساء:153.
[6]) سورة الأعراف: 143.
[7]) الربيع بن حبيب: "الجامع الصحيح"، برقم 869.
[8]) سورة الأعراف:155.
[9]) سورة النساء:153.
[10]) سورة الأعراف: 143
[11]) الفخر الرزاي: "التفسير الكبير"، 14/ 189.
[12]) سورة الحشر: 21.
[13]) الفخر الرزاي: "التفسير الكبير"، 14/ 189. (1/151)
صفحة 152
[14]) سوورة فاطر: 43.
[15]) ابن خزيمة: "التوحيد"، ص251-252. تحقيق سمير الزهيري.
[16]) الذهبي: "ميزان الإعتدال"، 1/ 593.
[17]) الذهبي: "المغني في الضعفاء"، 1/ 286.
[18]) البيهقي: "الأسماء والصفات"، 3/ 529.
[19]) وقد نقل الرازي عن الحسن البصري قوله: إنَّ موسى تعالى ما عرف أنَّ الرؤية غير جائزة على الله تعالى، قال: ومع الجهل بِهذا المعنى قد يكون المرء عارفاً بربه وبعدله وتوحيده، فلم يبعد أن يكون العلم بامتناع الرؤية وجوازها موقوفاً على السمع". راجع: حسن السقاف "مسألة الرؤية" ص57.
[20]) سورة النساء:153.
[21]) سورة الفرقان21.
[22]) سورة الفرقان22.
[23]) سورة القيامة 22-23.
[24]) الخليل بن أحمد الفراهيدي: "العين"، 3/ 1803.
[25]) أحمد بن حمد الخليلي "الحق الدامغ" ص45-46.
[26]) سورة آل عمران: 77.
[27]) الخليل بن أحمد الفراهيدي: "العين"، 3/ 1808-1809، وقد أورد معانٍ أخرى للنظر مثل "الانتظار، والاستماع، والإنساء، وغيرها".
[28]) سورة يس: 49.
[29]) سورة ص: 15.
[30]) سورة الأَنعام: 158.
[31]) الربيع بن حبيب "الجامع الصحيح" برقم 859.
[32]) سورة الأَنعام: 99.
[33]) ابن عبد العزّ: "شرح العقيدة الطحاوية"، 1/ 286.
[34]) الخليل بن أحمد الفراهيدي: "كتاب العين"، 3/ 1808.
[35]) ابن عبد العزّ: "شرح العقيدة الطحاوية"، 2/ 421.
[36]) ابن عبد العز: "شرح العقيدة الطحاوية"، 2/ 625.
[37]) ابن الْقَيِّم: "الطب النبوي"، 1/ 110.
[38]) ابن الْقَيِّم: "الفوائد"، 1/ 9.
[39]) ابن كثير: تفسيره، 3/ 418 فِي الآية: 8 من سورة القصص.
[40]) سورة القيامة24-25.
[41]) سورة عبس: 38-39.
[42]) سورة عبس: 40-41.
[43]) سورة الغاشية: 2-4.
[44]) سورة الغاشية: 8-10.
[45]) تفسير الطبري: 29/ 192.
[46]) تفسير الطبري: 29/ 193. ومصنف ابن أبي شيبة: 7/205، رقم: 35367.
[47]) سورة يونس: 26. (1/152)
صفحة 153
[48]) ابن عبد العزّ: "شرح العقيدة الطحاوية"، 1/ 287.
[49]) ابن كثير: في مقدمة تفسيره، ص12.
[50]) سورة التوبة: 72.
[51]) سورة آل عمران: 15.
[52]) البخاري: 6549، و7518، ومسلم [7140] 9-(2829).
[53]) تفسير الطبري: 11/ 108. وابن الجوزي: "زاد المسير في علم التفسير"، ص623.
[54]) سورة آل عمران: 7.
[55]) مسلم: [449]297-(181).
---
وهذه الرواية ومثيلاتِها لا حجَّة فيها لعدَّة أسباب:
الأَوَّل: جَميع هذه الروايات ضعيفة السند، وقد بيّن ضعفها الأخ علي الْحجري في بَحث متميّز أتى فيه على جَميع الروايات والآثار التي استدلَّ بِها أهل الْحَدِيث([1])، وكذلك بيَّن ضعف معظمها حسن السقاف في رسالة خاصة قال فيها: "وقد ادَّعى ابن الْقَيِّم هنالك أنَّ الأحاديث الدالَّة على الرؤية قد تواترت، وليس كذلك، بل هي آحاد مطعون فيها، وهي عندنا من الإسرائيليات، وإِن كانت في الصحاح، فهي متسرِّبة لِهذه الأمّة عن مثل كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، وأضرابهما"([2]).
الثاني: هذه الرواية لو صحّ سندها -وهو ضعيف- فهي آحادية، وقد أوضحنا سابقاً أنَّ الْخبر الآحاد ظنِّي الثبوت، فلا يعوّل عليه في العقائد، والْخَبر الآحادي الْمعارض للقواعد العامَّة في العقيدة والفقه الْمستوحاة من النُّصُوص الْمُحكَمة لا يُمكن أن يقبل، وقد بيَّنا سابقاً كيف ردّ الصحابة الكثير من الروايات الآحادية حين اشتموا معارضتها لكتاب الله أو سنَّة مُجتمع عليها، أو القطعي الثابت من دلائل العقل.
الثالث: لو تنَازلنا وقلنا بأنَّ الرواية صحيحة ومقبولة، فإِنَّا قد أوضحنا بالأَدِلَّة الْمستفيضة من القرآن الكريم ومن أقوال أهل الْحَدِيث أنفسهم (1/153)
صفحة 154
أنَّ النظر الْمعدّى بإلى لا يَعني الرؤية فقط. فيظلّ الإجمال قائماً في الْمَعنَى الْمَقصُود، وقد بيّنا سابقاً أنَّ الْمجمل هو من جنس الْمُتشَابه الذي يردّ إلى الْمُحكَم، فتردّ هذه الرواية إلى قَوله تَعَالَى: ?وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ? وإلى الرواية السابقة والتي جاء فيها «فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا رَبّ، وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضوانِي فلا أسخط عليكم بعده أبداً»، وسيتبيّن أنَّ الْمَقصُود بالنظر أنَّه الرضوان.
الرابع: هذه الرواية مُختصرة من رواية طويلة مليئة بالْخرافات والأساطير الْهرمسية، وقد أكَّد ابن حجر العسقلاني على هذه الْحقيقة بقوله: "فقال: «ستعرضون عَلى رَبّكم فترونه كما ترون القمر» الْحَدِيث مُختصر"([3]). وقال قبل ذلك: "حديث أبِي سعيد هذا كأنَّه مُختصر من الْحَدِيث الطويل الْماضي في تفسير سورة النساء"([4]).
قال ابن خزيمة مؤكِّداً على حقيقة اختصار الروايات: "فأصحاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم رُبَّمَا اختصروا أخبار النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إذا حدّثوا بِها، وَرُبَّمَا اقتصّوا الْحَدِيث بتمامه، وَرُبَّمَا كان اختصاراً بعد الإخبار، أو بعض السامعين يَحفظ بعض الْخَبر، ولا يحفظ جَميع الْخَبر، وَرُبَّمَا نسي بعد الْحفظ بعض الْمتن، فإذا جُمعت الأخبار كلها عُلم حينئذ جَميع الْمتن، واستُدلَّ ببعض الْمتن على بعض. كذكرنا أخبار النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في كِتابنا"([5]). (1/154)
صفحة 155
فأصل روايات الرؤية القصيرة كالتي رأيناها سابقاً والتي يدّعي أهل الْحَدِيث تواترها، هو حديث الرؤية الطويل الذي رواه أهل الْحَدِيث من طريق أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وسوف نقطّعه للقاريء الكريم بِسبب طوله الغريب الْمصادم للمعهود من روايات الرسول صلى الله عليه وسلم!، حَتَّى نتمكَّن من مناقشة أفكاره. وفيه أنَّ الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«هل تضارُّون في القمر لَيلة البدر؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فهل تضارُّون في الشمس ليس دونَها سحاب؟». قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فإِنَّكم ترونه كذلك، يَجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتَّبعه، فيتَّبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتَّبع من كان يعبد القمر القمر، ويتَّبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها، أو منافقوها، فيأتيهم الله فيقول: أنَا رَبّكم، فيقولون: هذا مكاننا حَتَّى يأتينا ربّنا، فإذا جاءنا ربّنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنَا رَبّكم، فيقولون: أنت رَبّنا فيتَّبعونه»([6]).
إِنَّ وصف الله تعالى أنَّه يأتِي ويراه الناس، بل إِنَّهم ينكرونه كما ينكرون الأشباح؛ لأنَّه غير صورته التي عرفوه بِها!، هو عين التجسيم، ومن ذا الذي يدّعي أنَّه يعرف صورة الله تعالى؟!، إِنَّ إثبات الصورة لله تعالى فيه إثبات للجارحة وردّ لقَوله تَعَالَى: ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?، أَمَّا قوله: «ثُمَّ يأتيهم ربّهم»، ففيه إثبات للحركة والانتقال، وهو مصادم لقَوله تَعَالَى: ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?، وفيه أيضاً إثبات الْهزل لله تعالى وكأنَّه يلهو مع عباده، وفيه وصف لله بالْخداع والكذب إذ يتقلَّب لَهم في صورة بعد أخرى، وفيه تشبيه لله تعالى بالشمس والقمر والطواغيت؛ لأنَّها أيضاً تتحرَّك أمام من عبدها!. (1/155)
صفحة 156
وتضيف الرواية: «ويُضرب الصراط بين ظهري جَهَنَّم، فأكون أنا وأمَّتي أَوَّل من يُجيزها، ولا يتكلَّم يومئذ إِلاَّ الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم، وفي جَهَنَّم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان». قالوا: نعم يا رسول الله، قال: «فإِنَّها مثل شوك السعدان، غير أنَّه لا يعلم ما قدر عظمها إِلاَّ الله، تَخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الْمؤمن يبقى بعمله، أو الْموبق بعمله، أو الْموثَق بعمله، ومنهم الْمخردل، أو الْمجازى، أو نَحوه، ثُمَّ يتجلَّى».
وهذا الْمقطع مُخالف لنصوص الكتاب العزيز أنَّ الأنبياء والمؤمنين يكونون آمنين من فَزع يوم القيامة، يقول تعالى: ?مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ?([7])، وقَوله تَعَالَى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ?، وقَوله تَعَالَى: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ?. وهذا الوصف الأسطوري الْميثولوجي للصراط وكأنَّه جسر نيويورك الْمعلق، يدلّ على أصول الرواية الإسرائيلية، فالصراط الذي تكرَّر في الكتاب العزيز خَمس وأربعون مرَّة جاء جَميعها بِمعنى السبيل، كقَوله تَعَالَى: ?إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبّكم فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ?([8])، والظاهر أنَّ مُختلق الرواية نسي أن يلاحظ الاختلاف في معاني الْمفردات الْمستخدمة في الرواية الْمنسوبة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم مع مفردات القرآن الْمنزّل بلغة النَّبِيّ نفسه!. (1/156)
صفحة 157
وتضيف الرواية: «ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، هو آخر أهل النار دخولاً الْجنَّة، فيقول: أي ربِّ، اصرف وجهي عن النار، فإِنَّه قد قشبنِي ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيدعو الله بِما شاء أن يدعوه، ثُمَّ يقول الله: هل عسيت إِن أعطيت ذلك أن تسألني غيره، فيقول: لا وعزتك لا أَسألك غيره، ويعطي ربّه من عهود ومواثيق ما شاء، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الْجنَّة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثُمَّ يقول: أي ربِّ قدِّمني إلى باب الْجنَّة، فيقول الله له: ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيت أبداً، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول: أي ربّ، ويدعو الله حَتَّى يقول: هل عسيت إِن أعطيت ذلك أن تسأل غيره، فيقول: لا وعزَّتك لا أسألك غيره، ويعطي ما شاء من عهود ومواثيق، فيُقَدِّمه إلى باب الْجنَّة، فإذا قام إلى باب الْجنَّة انْفَهَقَتْ له الْجنَّة، فرأى ما فيها من الْحبرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثُمَّ يقول: أي ربِّ أدخلني الْجنَّة، فيقول الله: ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت، فيقول: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول: أي ربِّ لا أكوننَّ أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حَتَّى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال له: ادخل الْجنَّة، فإذا دخلها قال الله له: تَمنَّهْ، فسأل رَبّه وتَمنَّى، حَتَّى إِنَّ الله لَيذَكِّرهُ، يقول: كذا وكذا، حتى انقطعت به الأماني، قال الله: ذلك لك ومثله معه» اهـ. (1/157)
صفحة 158
وجليّ ما في هذه الْخرافة من إسفاف، ووصف لله تعالى بالجهل، وأنَّ الإِنسان يغدر ويغرر به، وأنَّ هذا الإِنسَان يُخلف مواعيده أكثر من مرَّة، وبدل أن يعاقبَ يكافأ بدخول الْجنَّة!، والعجيب أنَّه في النهاية يتحقَّق ما أراده الإِنسَان لا ما أراد الله الذي تصوّره القصّة بصفات الْمغفلين البلهاء الذين يستغفلهم الإِنسَان!، وهذه الصورة في وصف الله تعالى شَائعة في التوراة، فلا يشكّ مسلم في أنَّ هذه الراوية ومثيلاتها هي من تسريبات كتيبة كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهم.
ونفس هذه الرواية رويت من طريق أبي سعيد الْخدري وفيها طامة أخرى إضافة إلى ما سبق وهي: «حَتَّى إذا لَم يبق إِلاَّ من كان يعبد الله تعالى من برّ وفاجر، أتاهم رَبّ العالمين I في أدنى صورة من التي رأوه فيها. قال: فما تنتظرون؟ تتبع كُلّ أمّة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا! فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنَّا إليهم ولَم نصاحبهم. فيقول: أنَا رَبّكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئاً (مرَّتين أو ثلاثاً) حَتَّى إِنَّ بعضهم ليكاد أن ينقلب»([9]).
فبالإضافة إلى وصف الله تعالى بالمجيء والحركة كالأجسام هذه الرواية تَصف الله تعالى بصفات الشياطين!؛ لأنَّها تَحكي أنَّ البشر يستعيذون منه، والإِنسَان لا يستعيذ إِلاَّ من الشياطين، يقول تعالى: ?وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ?([10])، ويقول: ?فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ?([11]). (1/158)
صفحة 159
ثُمَّ تضيف رواية أبي سعيد الْخدري «فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بِها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إِلاَّ أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتِّقاء ورياء إِلاَّ جعل الله ظَهره طبقة واحدة، كلَّما أرادَ أن يَسجد خرّ على قفاه، ثُمَّ يرفعون رؤوسهم، وقد تَحوَّل في صورته التي رأوه فيها أَوَّل مرَّة. فقال: أنا رَبّكم. فيقولون: أنت ربُّنا. ثُمَّ يضرب الْجسر على جَهَنَّم، وتَحلّ الشفاعة».
وفي هذا الكلام ما فيه من وصف الله تعالى بالأرجل والسيقان، وهي من صفات الْحيوانات والأصنام التي لا تَجوز في حقّه تعالى الذي ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ?، وفيها وصف الله تعالى بالتغيّر والتحوّل من صورة إلى صورة، والتغيّر في حقّه تعالى مُحال؛ لأنَّه من صفات الْمَخلُوقات، وإثبات الصورة له تعالى هو ضرب من التجسيم والتشبيه الْمصادم لنصوص الكتاب العزيز القطعية، وهذه الرواية الأسطورية تصف الله تعالى بأنَّه شخصيَّة كرتونية متعدِّدة الأوجه!. تعالى الله عن هذه الأفكار.
وقد اختلف من أثبت الرؤية في طبيعتها، فالأشاعرة لا يثبتون الْجِهَة، ولا يقولون أنَّها تكون بالعين حيث يقول ابن حجر العسقلاني الأشعري: "واختلف من أثبت الرؤية في معناها، فقال قوم: يَحصل للرائي العلم بالله تعالى رؤية العين كما في غيره من الْمَرئِيات، وهو على وفق قوله في حديث الباب «كما ترون القمر» إِلاَّ أنَّه منَزّه عن الْجِهَة والكيفية، وذلك أمر زائد على العلم، وقال بعضهم: إِنَّ الْمراد بالرؤية العلم، وعبّر عنها بعضهم بأنَّها حصول حالة في الإِنسَان نسبتها إلى ذاته الْمخصوصة نسبة الإبصار إلى الْمَرئِيات، وقال بعضهم: رؤية الْمؤمن لله نوع كشف وعلم، إِلاَّ أنَّه أتَمّ وأوضح من العلم، وهذا أقرب إلى الصواب من الأَوَّل"([12]). (1/159)
صفحة 160
وقد ذهب الفخر الرزاي إلى أنَّ الرؤية لا يمكن أنَّ تحصل بالعين وقال: "الوجه الرابع: سَلَّمنَا أنَّ الأبصار البتة لا تدرك الله فلم لا يَجُوز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لِهذه الحواس كما كان ضرار بن عمرو يقول به؟"
([13]).
أَمَّا مُجسّمة أهل الْحَدِيث فيثبتون الرؤية بالعين، ويقولون إِنَّها تكون في جهة الفوق. ويقولون ردًّا على الأشاعرة: "فهل تعقل رؤية بلا مقابلة!، ومن قال: يرى لا في جهة، فليراجع عقله!!، فَإِمَّا أن يكون مكابراً لعقله، أو في عقله شيء، وَإِلاَّ فإذا قال: يرى لا أمام الرائي، ولا خلفه، ولا عن يَمينه ولا عن يساره، ولا فوقه ولا تَحته، ردّ عليه كُلّ من سَمعه بفطرته السليمة"([14]).
والتخبّط الذي غرق فيه مثبتو الرؤية نابع من سوء تعاملهم مع النُّصُوص القطعيّة من الكتاب العزيز والسُّنَة الْمتوَاتِرة، والسنن الكونية الثابتة التي تؤسس القواعد العامّة لعقيدة التنزيه والتقديس.
والله الهادي إِلَى ما فِيه صلاح الدنيا وخير الآخرة، والله ولي التوفيق.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]) لقد شرَّفني الله عز وجل بالاطلاع على كتاب أخينا علي الحجري، وهو بَحث غير مسبوق في استقصائه لِجميع الروايات والآثار الْمتعلقة بِموضوع الرؤية، وهو ما يزال مَخطوطاً ينتظر الطباعة.
[2]) حسن السقاف: "مسألة الرؤية"، ص5.
[3]) ابن حجر العسقلاني: "فتح الباري"، 13/ 273.
[4]) ابن حجر العسقلاني: "فتح الباري"، 13/ 243.
[5]) ابن خزيمة: "التوحيد"، ص519. تَحقيق سَمير الزهيري.
[6]) البخاري: 7437. ومسلم [451]299-(182).
[7]) سورة النمل: 89.
[8]) سورة آل عمران: 51.
[9]) البخاري: 7439. ومسلم [454]302-(183).
[10]) سورة الأعراف: 200.
[11]) سورة النحل: 98.
[12]) ابن حجر: "فتح الباري"، 15/ 387-388.
[13]) الرازي: "التفسير الكبير"، 13/ 105. (1/160)
صفحة 161
[14]) ابن عبد العزّ: "شرح العقيدة الطحاوية"، 1/ 295. (1/161)