صفحة 1
بحث: التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى.
الباحث: مصطفى بن محمد ابن ادريسو
[البحث عبارة عن محاضرة ألقيت في الملتقى الوطني الأول حول: الفكر العقدي عند العلماء الجزائريين (مِن القرن 4 - 13هـ / 10 - 19م) يومي: 19 و 20 أفريل 2005م مِن تنظيم مخبر البحث في الدراسات العقدية ومقارنة الأديان كلية أصول الدين والشريعة والحضارة الإسلامية لجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة - الجزائر]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الخامس (1230 عنوان): ربيع الثاني 1438هـ / جانفي (يناير) 2017م (قرص مضغوط) الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
كلية أصول الدين والشريعة والحضارة الإسلامية
جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة
ينظم مخبر البحث في الدراسات العقدية ومقارنة الأديان
الملتقى الوطني الأول حول:
الفكر العقدي عند العلماء الجزائريين
(من القرن 4 - 13 هـ /10 - 19م)
يومي:19 و 20 أفريل 2005م
محاضرة تحت عنوان
التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي
في القرون الثلاثة الهجرية الأولى.
الأستاذ
ابن ادريسو مصطفى بن محمد (/)
صفحة 2
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين،
وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد؛
يشكل الرصيد العلمي والمعرفي لعلماء الأمة الإسلامية طريقا للوصول إلى معرفة الله تبارك وتعالى، وسبيلا للتعامل المنضبط مع كتاب الله وسنة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، فبرزت على إثر ذلك اجتهادات لمختلف العلماء تسعى إلى إيضاح وبيان مجمل النصوص ومتشابها، وترمي إلى صقل حياة المسلم بالشرع الحنيف، من باب قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} (البقرة:143).
وكان لعلماء المغرب الإسلامي والجزائر مساهمة معتبرة في تحقيق هذه الأهداف، لأجل غاية إرضاء الله تبارك وتعالى، ولأجل الحفاظ على جوهر الإسلام والدعوة إليه بالحسنى؛ كل على حسب فهمه ورصيده المعرفي، وعلى حسب تأثير البيئة والظروف المحيطة به، فجاءت إنتاجاتهم العقدية متنوعة، وبدت تحليلاتهم للقضايا الكلامية مختلفة ومتضاربة في بعض الأحيان، مما يستدعي مراجعتها من خلال مصادرهم الأصلية، ودراستها وفق ضوابط موضوعية ومجردة، فنستفيد من تراثهم الأصيل، ونثمن مواطن القوة في تفكيرهم، ونصحح ما بدا لنا أنه في حاجة إلى تصحيح، وذلك بأسلوب هادئ، وحوار متزن، حتى نتجنب هدر الطاقات، ونحترز من النزاع والصراع، الذي يخدم مصالح أعداء الإسلام، يقول الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (لأنفال:46).
وإني سأحاول جاهدا أن أبرز تراث علماء المدرسة الإباضية الذين اجتهدوا في التمكين للعقيدة الإسلامية في المغرب الإسلامي والجزائر خلال القرون الثلاثة الهجرية، وألفوا كتبا تبين لمجتمعاتهم علاقة الفرد المسلم بربه في اعتقاده وعبادته وحياته، وتقدم الاعتقاد الصحيح بخالقهم حتى يتجلى أثر ذلك في سلوكهم وفي حياتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية، وسأبدأ حدثي بعرض المؤلفات ثم الآراء العقدية (1).
__________
(1) المصادر المعتمدة كثيرا في البحث نوردها في المتن بين معكوفين. (1/1)
صفحة 3
المؤلفات العقدية لإباضية المغرب الإسلامي
في القرون الثلاثة الهجرية الأولى.
تمهيد:
لم نعثر على كتب خاصة بالعقيدة وعلم الكلام لعلماء الإباضية المغاربة في القرون الثلاثة الهجرية الأولى، وإنما أوردوا آراءهم العقدية مبثوثة في كتب الفقه والتفسير، أو تناقلها من جاء بعدهم بين مختلف كتب الفكر الإسلامي؛ سواء منها العقدية أو الفقهية أو التاريخية، وهذا نظرا لحداثة حركة التأليف في القرون الثلاثة الهجرية الأولى التي لم تشهد بعدُ اختصاصَ المؤلفات بفن معين، ولا احتواءها على التبويب، وَإِنَّمَا كانت المصادر عبارة عن أسئلة وأجوبة بين الشيخ وتلاميذه، أو فتاوى تتناقلها الأفواه والقراطيس.
وينبغي الإشارة كذلك إلى ضياع عدد كبير من الكتب التي لم يصل لنا منها غير عناوينها أو نزر يسير من معلوماتها في مؤلفات المتأخرين، وذلك راجع أساسا إلى تعرض الدول الإِبَاضِيَّة لفتن داخلية وهجومات خارجية، أسفرت عن مقتل العلماء وحرق المكتبات، ولكن رغم هذه الظروف القاسية التي عاشها الإباضية في المغرب الإسلامي فإنهم تركوا لنا تراثا زاخرا، وألفوا في عدة ميادين، مما ينبئ عن إيمان صادق نحو التمكين لدين الله، ووخدة شريعته، وسنحاول أن نتعرف على كتب هؤلاء العلماء التي أوردت الآراء العقدية، ونقدم بعض الملاحظات الضرورية حولها قصد تثمين مجهودات العلماء، وبهدف دفع عجلة تحقيقها ودراستها من قبل المخنتصين والأكاديميين.
وسنبدأ أولا بعرض الكتب التي تمكنا من الوصول إليها، ثم نتطرق إلى عناوين الكتب المفقودة.
1 - تفسير هود بن محكَّم الهواري:
فسر هود بن محكَّم الهواري الجزائري الإباضي (1) كتاب الله العزيز من خلال اختصاره لتفسير يحيى بن سلام (2)، ويتميز تفسير هود بن محكم بتنقيح آراء يحي ابن سلام في العقيدة حتى تتوافق وعقيدة الإباضية، كما أضاف هود بن محكم معلومات جديدة من عنده (3)، والتفسير مطبوع بتحقيق جيد للشيخ شريفي بالحاج، الذي توصل إلى نتائج مهمة في تحديد خصائص هذا التفسير [هود بن محكَّم: تفسير
__________
(1) هود بن محكَّم الهواري: (ق3هـ) مفسر وعالم متقن، انظر: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة: 4/ 926.
(2) يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة (ت: 200هـ) مفسر وفقيه أدرك نحو عشرين من التابعين، انظر: الزركلي: الأعلام: 8/ 148.
(3) هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز، تحقيق وتعليق: بالحاج بن سعيد شريفي، دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان: 1990. ج: 1، ص:34. (1/2)
صفحة 4
كتاب الله العزيز: 1/ 34]، وسنلخص بعض النتائج التي استنتجها المحقق، ونسجل بعض الملاحظات عن الكتاب بعد تفحصنا لأجزائه الأربعة.
- يميل هود بن محكم إلى اختصار أسانيد الأحاديث النبوية التي عثر على سندها كاملا في التفسير الأصل (يحي ابن سلام)، ويكتفي بذكر الصحابي الذي روى الحديث، ولا يورد هود بن محكم الأحاديث التي لا تتفق مع أصل المذهب الإباضي والواردة في تفسير ابن سلام الأصل [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 37].
- يكثر هود بن محكم من الاستشهاد بالإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، حيث يرد في تفسيره مرارا قوله: «وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا» [انظر: هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 3/ 164، 4/ 305، 4/ 307]، ولكن لم نعثر في كامل التفسير على استعماله كلمة الإِبَاضِيَّة.
- توجد صياغة تتكرر في التفسير وهي: "قال: قال"، أو "قال: بلغني"، فالمحقق من خلال المقارنة مع تفسير ابن سلام الأصل، تفطن إلى أن هودا أسقط الراوي، لذلك يضع المحقق الكلمة الساقطة بين معكوفين، هكذا "قال: [قتادة] قال ... " [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 2/ 398]، "قال: [يحيى بن سلام] وبلغني" [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 4/ 322]، فيحل إشكال الرواية وإسقاط السند عند المفسر هود بن محكَّم. وما يسترعي الانتباه هو أن هذه الظاهرة والعبارات ترد في أغلب مؤلفات القرون الثلاثة الهجرية الأولى، حَتَّى تكاد تكون خاصية من خواص التأليف والنقل عند علماء الإِبَاضِيَّة في تلك الفترة، والمشكلة هي أَنَّهُ ليست كل مصادرنا عبارة عن تلخيصات، مثل ما هو حال تفسير هود، الأمر الذي أرهقنا في البحث عن أصحاب الآراء العقَدية حَتَّى ننسب الأقوال إلى أصحابها.
- لم يتعرض هود في تفسيره إلى بعض القضايا العقَدية، كمسألة رؤية الباري أو استحالتها من خلال قوله تعالى: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (سورة الأنعام: 103) [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 550]، وكذلك لم يدل برأيه العقَدي، ولم يشر إلى رأي سلفه في مسألة صفات الله تعالى، خلال الآيات المتكررة في هذا الموضوع [انظر: مثلا: سورة الأعراف: 54، هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 2/ 24]، بينما فصل في النفاق والكبائر، والإيمان قول وعمل، والرد على الإرجاء، ومحاور أخرى كثيرة حينما يفسر الآيات.
- عندما تصادفه -في كامل تفسيره- آية فيها أحد المصطلحات العقَدية التالية: النفاق، الفسق، الشرك، الجرم، الظلم، الكفر، فَإِنَّهُ لا يذكر الكلمة وحدها، وَإِنَّمَا يقرنها ببيان فوقية وتحتية المصطلح، فيقول مثلا عن الكفر: كفر فوق كفر، وكفر دون كفر؛ وعن الفسق: فسق فوق فسق، وفسق دون فسق؛ وعن الظلم: ظلم فوق ظلم، وظلم دون ظلم وهكذا في جميعها، ويقصد هود من هذا التقسيم أن (1/3)
صفحة 5
يحدد هذه المصطلحات في مرتبة بين النفاق والشرك [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 2/ 476، 3/ 241]. فيصير المعنى ظلم فوق ظلم النفاق، وظلم دون ظلم الشرك، فهو إذن يثبت منزلة بين منزلة كفر النفاق وكفر الشرك وهي الكفر، ومنزلة بين جرم النفاق وجرم الشرك وهي الجرم والله أعلم (1).
2 - أصول الدينونة الصافية:
كتاب لعمروس بن فتح النفوسي، مقسم إلى قسمين؛ القسم الأول في فقه العبادات والمعاملات، والقسم الثاني في العقيدة، يحتوي على مواضيع عقدية متعددة كالكفر، والخلود في النار، والشفاعة، ومناقشة المعتزلة، والرد على الصفرية. قام الأستاذ أحمد كروم بتحقيقه، إِلاَّ أن الكتاب في حاجة إلى مقابلته مع نسخ خطية أخرى أقرب ما تكون إلى عصر المؤلف، حَتَّى تتضح لنا بعض الثغرات الموجودة حاليا في النص.
3 - كتاب بكار بن محَمَّد الفزاني:
يقدم لنا ناسخ المخطوطة (2) صورة عن أصل الكتاب، وقصارى عمل الناسخ أَنَّهُ عثر على نسخة بخط عامر بن علي الشماخي (3) فاستنسخها، والشماخي هو الذي نسب الكتاب إلى بكار (4)، وهو كتاب فقهي يحتوي على صيغ متكررة مثل: "وعن رجل" ثُمَّ يسوق نص المسألة وحكمها؛ أو سؤال وجوابه "فما تقول في ذلك يرحمك الله" ثم يأتي بالجواب، أو نجد سؤالا -يبدو أنه من أحد تلاميذه- بصيغة: " وسألت لو قال لك" ثُمَّ يجيب، أو عبارة "وقال" مجردة من اسم القائل واسم المجيب.
اهتمت مسائل الكتاب بالمعاملات، وأوردت أقوال الإمام جابر بن زيد، والربيع بن حبيب، وفي إحدى الأسئلة نجد فيها "وذكرت برطيسة مصر"، ولا نعلم هل السائل مصري أم عاش هناك.
هذا كل ما يمكن أن نستنتجه من هذا الكتاب، الذي يحتاج إلى عناية فائقة لإخراجه، واستفادتنا منه ضئيلة فيما يخص العقيدة.
وقد أشار النامي (5) إلى محاولة لتحقيقه ضمن ما اصطلح عليه بالمجموعة الثانية (6) بعد المجموعة الأولى التي سماها أجوبة علماء فزان.
4 - أجوبة علماء فزان:
الكتاب أجوبة لعالمين من فزان هما جناو بن فتى (7) وعبد القهار بن خلف الفزاني (8)، وميزة الأجوبة أَنَّهَا تعطي لنا أسماء السائلين على غير عادة الكتب والأجوبة الفقهية التي عثرنا عليها، وهي محققة ومنسقة، وواضح فيها مَن السائل ومَن المجيب، وتحتوي على معلومات قليلة حول العقيدة.
5 - جوابات الإمامين عبد الوهاب وأفلح:
توجد عدة نسخ لجوابات الإمامين عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم وابنه أفلح، وأكملها حسب علمنا هي النسخة الموجودة في مكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن والتي تقع في سبعة أجوبة (9)، الجواب الأَوَّل للإمام عبد الوهاب، أَمَّا الستة الباقية فهي لابنه أفلح.
أصل موضوع جوابات الإمامين عبد الوهاب وأفلح فقهي، يعرض المسائل على شكل حوار بين السائل وشيخه، وغالب المسائل يستهلها بـ"وذكرت" أو "عن رجل"، ثُمَّ إن الأسئلة الواردة فيه كثيرة جدا وشائكة، والإجابة مختصرة. أَمَّا ما يخص الجانب العقَدي فإن الملاحظ أن ما قمنا بجمعه لهذا العرض كان مركزا في الغالب ضمن جوابات الإمام أفلح.
ومن المفيد أن نبحث عن حقيقة كتاب مسائل نفوسة الذي حقَّقه الشيخ طلاي، ونتساءل ماذا يمثل بالنسبة إلى ما عرفناه عن جوابات الإمامين عبد الوهاب وأفلح؟
قال المحقق في المقدمة: إن «كتاب المسائل من أهم كتب التراث قيمة وأنفسِها محتوى» (10)،
__________
(1) المواضع التي ورد فيها هذا التقسيم حسب جهدنا هي: 1/ 54، 1/ 475، 1/ 479، 1/ 560، 2/ 07، 2/ 17، 2/ 18، 2/ 19، 2/ 21، 2/ 29، 2/ 40، 2/ 105، 2/ 120، 2/ 121، 2/ 127، 2/ 137، 2/ 148، 2/ 149، 2/ 156، 2/ 169، 2/ 193، 2/ 251، 3/ 83، 3/ 422، 3/ 424، 3/ 423، 4/ 191، 4/ 301، 4/ 356.
(2) الناسخ لم يذكر اسمه. انظر: بكار بن محَمَّد الفزاني: دون عنوان: ضمن مجموع في مكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن، رقم: م82.
(3) عامر بن علي بن عامر بن يسِّفاو الشماخي، أبو ساكن: (ت: 792هـ)، من مشايخ جبل نفوسة له كتاب الإيضاح، انظر: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة: 3/ 501، 502.
(4) بكار بن محَمَّد الفزاني: (طبقة: 150 - 200هـ) لا يعرف عنه شيء سوى أن الشماخي ذكر أن له مؤلفات، أنظر: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة: 2/ 173.
(5) انظر مقدمة التحقيق لـ: جنَّاو بن فتى و عبد القاهر بن خلف: أجوبة علماء فزَّان: حققها وكتب مقدمتها: د. عمرو خلفية النامي، وأكمل التحقيق: إبراهيم محَمَّد طلاي، المجموعة الأولى.: 07.
(6) لا ندري هل أتم تحقيق الكتاب أم لا؟ ذلك أن النامي اختفى منذ 1986، انظر: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة: 3/ 667.
(7) جناو بن فتى المديوني، أبو الحسن: من أهل التحقيق أخذ العلم عن حملة المغرب، انظر: المرجع نفسه: 2/ 230.
(8) عالم ورع من سكان مدينة سبها، انظر: المرجع نفسه: 3/ 538.
(9) الأخير ضمن مجموع في مكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن، رقم: م131. ومن الجوابات التي عثرنا عليها النسخة الأخيرة ضمن مجموع في مكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن، رقم: م88. والنسخة الأخيرة كذلك الأخير ضمن مجموع في مكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن، رقم: م 82.
(10) الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم: كتاب مسائل نفوسة: تحقيق وترتيب: إبراهيم طلاي، المطبعة العربية، غرداية: 1991. ص: 07. (1/4)
صفحة 6
ونسب الكتاب إلى الإمام الثاني في الدولة الرستمية، عبد الوهاب بن عبد الرحمن، ثُمَّ أضاف فيه شيئا من أجوبة وفتاوى الإمام أفلح (1)، واعتمد في تحقيقه على نسختين (2).
عند مقارنتنا كتاب مسائل نفوسة بالنسخة الأولى لجوابات الإمامين، تبينت لنا فروق بينهما؛ فهناك مسائل مذكورة في كتاب مسائل نفوسة وغير واردة في المخطوط (3)، ومسائل أخرى مشتركة بينهما (4)، مِمَّا يستدعي إعادة النظر في الجوابات، وجمع أكبر عدد ممكن من المخطوطات لإعادة تحقيقها (5).
6 - بدء الإسلام وشرائع الدين:
تأليف ابن سلام الإباضي (6)، اعتنى بتحقيقه الألماني شفارتز بمساعدة الشيخ سالم بن يعقوب، واجتهدا قدر الإمكان في دراسة لغة الكتاب وخطوطه ومِداده ومحتواه، حَتَّى يتمكنا من الوصول إلى وحدة النص فيه، فقالا في المقدمة: «ففي أول لحظة يظهر لنا اختلاف بين بعض فصول النص، وصورة غير مكتملة لجزء كبير منها، لذلك لن نسلك في هذه المقدمة الطريقة العادية، بل سنتحدث عن مضمون النص والوحدات التي يتألف منها، لنثبت من خلاله وحدة هذا الكتاب كتصنيف متصل» (7). فتوصلا إلى تقسيم الكتاب إلى أربعة أجزاء رئيسية، وبداخل كل جزء مجموعة من الفقرات، قد تكوِّن كل فقرة موضوعا مستقلا، الأمر الذي يستدعي من المحققَين إيجاد العلاقة بينها بِكُلِّ وسيلة، ورغم أنهما وفقا في ذلك إلى حد بعيد، إِلاَّ أن الشك حول وحدة النص بقى قائما، مِمَّا يستدعي البحث مستقبلا عن نسخ أخرى أقرب إلى عصر المؤلف حَتَّى يزال الإشكال العالق في وحدة النص، وإسناد الكلام إلى أهله.
ومن منهجية ابن سلام في كتابه أَنَّهُ لم يشر إلى أي مصدر مدون من كتب التاريخ والتراجم «بل نقل جميع المعلومات عن مخبريه، أو ذكر ما شهده شخصيا» [ابن سلام: شرائع الدين:: 17].
استفادتنا من الكتاب كانت في موضوع مرتكب الكبيرة، والإيمان، وأشراط الساعة وغيرها.
__________
(1) المصدر نفسه: 12.
(2) النسخة الأولى من مكتبة الشيخ ببانو لم نعثر عليها؛ أَمَّا الثانية فمن مكتبة الشيخ لعلي ويصفها أَنَّهَا أضبط بخلاف الأولى فهي أشمل، انظر: مسائل نفوسة: 13.
(3) هذه المسائل هي: 1، 2، 5، 8، 9، 10، 12، 13، 14، علما أن المحقق رقم المسائل بعد أن رتبها.
(4) هذه المسائل هي: 7=32ظ، 6=32ظ، 15=16و، 3=21و، 11= 22و، مع اختلاف طفيف في الصياغة.
(5) وتجدر الإشارة أن مسائل نفوسة هي غير كتاب نوازل نفوسة التي عثرنا عليها في المخطوط الأخير ضمن مجموع رقم: م64 مكتبة الشيخ لعلي.
(6) لواب بن سلام الإباضي: (ت بعد: 273هـ) من علماء مزاتة، انظر: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة: 4/ 733.
(7) مقدمة كتاب شرائع الدين: 6، 7. (1/5)
صفحة 7
7 - كتب تنسب إلى الفزاري:
جاء عبد الله بن يزيد الفزاري من المشرق، ومعه مجموعة من المقالات في العقيدة (1) فنشرها في أوساط فرقة النكار المنكرين لمنهج الإِبَاضِيَّة في عهد الإمام عبد الوهاب بن عبدد الرحمن بر رستم (القرن الثالث الهجري)، فتشبثوا بها لأَنَّهُم وجدوا مستندا عقَديا جديدا يواجهون به الإِبَاضِيَّة الوهبية -نسبة إلى الإمام عبد الوهاب- فكانت هذه الشخصية المطمورة رأس الآراء العقَدية النكارية، ومؤلفاته تعد مصادرهم الأولى التي يرجعون إليها في دراسة العقيدة وعلم الكلام.
أ - كتاب في الرد على ابن عمير:
قام أبو محَمَّد عبد الله بن يزيد الفزاري بتأليف كتاب (2) خاص للرد على معاصره عيسى بن عمير، الذي تُنسب إليه الفرقة العمرية القريبة آراؤها من المعتزلة، وجاء الرد عقب كتاب كتبه ابن عمير إلى أتباع الفزاري من النكار ليستميلهم إليه (3).
وفي هذا الرد هجوم عنيف من الفزاري على خصمه ابن عمير الذي اتهمه بِأَنَّهُ يرمي آثار الأولين بالبطلان والكذب، وَأَنَّهُ يعتمد في آرائه على المعتزلة والرافضة، ثُمَّ ينسبها إلى سلف المسلمين من الإِبَاضِيَّة، ليزين بها مذهبه، وليسكن إليها الناس [الفزاري: كتاب الاقدر (مخ): 46و]، ومع هذه النزعة الحادة من الفزاري، نجد في الرد استدلالا مرتبا وقويا، يَدُلُّ على تمكن صاحبه في علم الكلام، وذلك وفق منهجية محددة، معتمدا فيها على الآيات القرآنية وعلى استلزامات توصِل معارضَه إلى طرق مسدودة، وكثيرا ما يأتي كلامه في شكل أسئلة يصوغها من خلال آراء ابن عمير ليسهل له نقضها.
والكتاب يحتوي على عدة مواضيع عقَدية، أهمها مناقشة مسألة عدم ضرورية إرسال الله الرسل بالبينة، ومصداقية الخبر المتواتر، ثُمَّ خلق الكفر والإيمان، والرد على القدرية الذين يقولون بخلق أفعال العباد.
ب - كتاب القدر:
ترد نسبة الكتاب (4) في العنوان هكذا «ومن كلام الشيخ أبي محَمَّد عبد الله بن يزيد الفزاري»، وفي وسط الكتاب إشارتان إلى كتاب القدر، ولا نعلم هل يقصد به هذا الكتاب؟ أم كتاب آخر
__________
(1) علي يحيى معمر: الإِبَاضِيَّة دراسة مركزة: 75.
(2) الفزاري: الرد على ابن عمير: الرابع ضمن مجموع في مكتبة الاستقامة، رقم: ف03، نسخ في ربيع الثاني 1190هـ.
(3) كتاب عيسى بن عمير يعتبر من المفقودات، انظر ملحق البحث: 2.
(4) في المجموع نسختان لكتاب القدر؛ الثاني ضمن مجموع (رقم ف3): من 15ظ إلى 26ظ؛ الثالث ضمن مجموع (رقم ف03): من 27و إلى 45ظ. والنسختان بهما تعليقات جيدة لأبي زيد عبد الرحمن بن سليمان، حافظ عليها النساخ من بعده فنقلوها لنا في نسخهم التي استنسخوها من جديد. (1/7)
صفحة 8
للفزاري؟ ويبدو أن الاحتمال الثاني أقوى بدليل ما ذكر المعلق على الهامش في قوله: «ذكره المصنف في غير هذا الكتاب» [الفزاري: كتاب القدر (مخ الثاني ضمن مجموع): 10و على الهامش]، فَكَأَنَّهُ يشير إلى الكتاب الثاني للفزاري في القدر، فإذا سلمنا بالنتيجة، فإن للفزاري مؤلفين في القدر حصلنا على أحدهما ولم نتمكن من العثور على الآخر.
الكتاب كله في الرد على القدرية، الذين ينسبون الأفعال إلى العباد، وقد شمل جميع حيثيات موضوع القضاء والقدر، وهو كتاب نفيس في موضوعه ينم عن تمكن كبير، وعبقرية فذة نضجت مبكرا في الفكر الإسلامي، وناقشت موضوعا شائكا صعب المنال، ونحسبه وفِّق فيه، حيث أبرز مذهبه الوسطي بين الجبرية والقدرية.
تحصلنا على كتاب "النجاة" لكاتب شيعي اسمه أحمد الناصر لدين الله (1)، كان غرضه من تأليفه إثبات العدل ونفي الجبر والرد على عبد الله بن يزيد البغداذي، وبعد مقارنة مستفيضة تبين أن عبد الله بن يزيد البغداذي هو نفسه عبد الله بن يزيد الفزاري، وأن كتاب النجاة هو رد على كتاب القدر للفزاري (2).
ونود أن نشير إلى انعدام دراسة حول شخصية الفزاري –حسب اطلاعنا- مع أهمية هذا العالم في فرقة النكار من المذهب الإباضي.
9 - الكتب المفقودة:
يوجد عدد كبير من المؤلفات إباضية المغرب الإسلامي ضاعت ولم يصل لنا إلا عناوينها، ونود عرض كل العناوين لإطلاع الباحثين عليها، وتحفيزهم عَلَى البحث عنها مستقبلا في مكتبات العالم الإسلامي والغربي، الخاصة منها والعامة، ولإمكانية وجود آراء عقدية بين ثنايا أي كتاب ولو كان ديوان شعر، وسنقسم المجموعة إلى قسمين: قسم خاص بعلماء إباضية المغرب الإسلامي، وقسم خاص بعلماء فرق إباضية المغرب الإسلامي.
أ- مؤلفات علماء الإباضية:
1) أجوبة أبي الحسن مخلد بن العمرَّد (3).
__________
(1) أحمد بن يحيى بن الحسين، مقدم في الفقه تسلم الأمر من أخيه المرتضى في 301هـ، اجتهد في الجهاد ضد القرامطة حَتَّى توفي في 315هـ، من مؤلفاته: المفرد، وكتاب الدامغ، والتوحيد، انظر مقدمة محقق كتاب النجاة: اعتناء: قيلفريد ماديلونغ، المطبعة الكاثوليكية، ألمانيا: 1985، النشرات الإسلامية، ج30. ص: 1، 2.
(2) راجع تحليل النتيجتين في بحثنا الفكر العقدي عند الإباضية، ص 257 - 260.
(3) ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون: 84. (1/8)
صفحة 9
2) أربعون كتابا في الاستطاعة: ألفه محَمَّد بن أفلح قبل أن يُصبح إماماً (1).
3) أعلام الملة والحكم والمعارف (2): لعمروس بن فتح.
4) مؤلَّف عبد الله اللمطي: يقول عنه الدرجيني: «عبد الله اللمطي مثل محمود بن بكر في التأليف» (3).
5) تفسير عبد الرحمن بن رستم: قال البرادي: «يذكرونه ولم ير» (4)، وتذكر الروايات التاريخية أن الكتاب شوهد في القلعة (5)، فَلَمَّا توجه إليها أبو محَمَّد عبد الله اللواتي يبحث عنه، قال له رجل من النكار: إِنَّهُ قد بيع (6).
6) حاشية على كتاب هود بن محكَّم الهواري: تأليف أبي ستة (7)، وقد وصل في التعليق إلى قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (سورة البقرة: 238).
7) خطب أبي حاتم يوسف بن محَمَّد أبي اليقظان بن أفلح: وهي كثيرة (8).
8) خطب الجمعة لعبد الرحمن بن رستم (9).
9) دواوين شعرية بالبربرية لأبي سهل النفوسي: قال فيه أبو محَمَّد عبد الله: «من أراد شعر البربرية فعليه بشعر أبي سهل الفارسي» (10)، ويذكر الدرجيني أن هذا الديوان قد اختلس منه رجل من النكار ستة أجزاء، ثم أُحرق ما وُجد من هذا الكتاب مع قلعة بني درجين، إِلاَّ أن أبا عبد الله [؟] قيَّد ما وجده في صدر العزابة. والديوان به اثنا عشر كتابا في المواعظ والرثاء، وفي تاريخ أهل الدعوة (11). ويبدو أن بعض الشعر البربري المترجم إلى العربية والموجود في كتاب طبقات الدرجيني مقتبس من هذا الديوان، والله أعلم.
10) ديوان تيهرت، لمجهول: قال عنه الدرجيني: «يذكره العزابة»، بمعنى أَنَّهُم كانوا يتداولونه ويحفظونه في حدود القرن الخامس الهجري، على الراجح. وقد أحرقه أبو عبد الله الشيعي «ولم يبق له
__________
(1) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 319؛ الوسياني: سير الوسياني (مخ): 61؛ الشماخي: السير: 153.
(2) عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 24، نسبه إليه محقق كتاب الدينونة.
(3) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 179.
(4) البرادي: رسالة المؤلفات:119و.
(5) ربما يقصد بها قلعة درجين، وهي تقع في نفطة من بلاد الجريد بالجنوب التونسي.
(6) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 471؛ البرادي: رسالة المؤلفات: 119و.
(7) ارتأينا أن نورد هنا كتاب أبي ستة، رغم أنه من المتأخرين، لأنه يشرح نصا من فترة البحث؛ أبو ستة: حاشية الترتيب: وك.
(8) الشماخي: السير: 263.
(9) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان: 2/ 17 ..
(10) الدرجيني: المصدر نفسه: 2/ 352.
(11) الدرجيني: المصدر نفسه: 2/ 352. (1/9)
صفحة 10
أثر أصلا» (1).
11) ديوان شعر بكر بن حماد الزناتي: (ت: سنة 296هـ) ألمع شاعر بتيهرت، قيل أن ديوانه موجود في تركيا (2).
12) رد على أهل الخلاف: لمحمد بن أفلح (3).
13) رد على الناكثة، وأحمد بن الحسين: لعمروس بن فتح (4).
14) سنن الصلاة لهود بن محكَّم الهواري (5).
15) الطبقات لأبي زكرياء الباروني (6).
16) في الرد على العمرية: يذكر الدرجيني أن أبا زكرياء يحيى الوارجلاني نوى أن يؤلف كتابا في الرد على العمرية ولم يفعل، فقام به أبو عمار عبد الكافي (7).
17) كتاب أبي يزيد الخوارزمي في السير: روى أفلح منه حديثان (8).
18) كتاب أفلح في الرد على نفاث (9).
19) كتاب ابن الصغير: جمع فيه ما دار بينه [وهو مالكي] وبين فقهاء الإِبَاضِيَّة حول مسألة في النكاح لقوله: «وقد اجتمت ما دار من جميع ذلك بيني وبينهم»، وفسرت وداد القاضي كلمة "اجتمت" بمعنى جمعتُ (10).
20) كتاب ابن عباد: كبير على حدته (11).
21) كتاب البستان في الأصول: لعمروس بن فتح (12).
22) كتاب الرد على نفاث لمهدي النفوسي (13).
__________
(1) الدرجيني: المصدر نفسه: 1/ 95، 2/ 323.
(2) بحاز: الدولة الرستمية: 362.
(3) الدرجيني: طبقات المشايخ: 1/ 84؛ الشماخي: السير: 221.
(4) النامي: قائمة مخطوطات شمال إفريقيا: 38.
(5) هود بن محكَّم: تفسير هود بن محكَّم: 1/ 416.
(6) ابن خلفون: 115، 116.
(7) الدرجيني: طبقات المشايخ: 1/ 72.
(8) ترتيب المسند: 3/ 248.
(9) الوسياني: سير الوسياني (مخ): 46؛ السوفي: رسالة في الفرق: 297.
(10) بحاز: الدولة الرستمية: 323.
(11) البرادي: رسالة المؤلفات: 118و.
(12) عمروس: الدينونة الصافية: 24. نسبه إليه محقق كتاب الدينونة.
(13) بحاز: الدولة الرستمية: 343. (1/10)
صفحة 11
23) كتاب العمروس: أجاب به عمروس بن فتح الشيخ عبد الخالق الفزاني (1).
24) كتاب حول الفرق الإِبَاضِيَّة: نوى أبو زكرياء يحيى الوارجلاني أن يجمعه، فقال: «ونفرد لذلك كتابًا نجمع فيه مقالاتهم إن شاء الله» (2).
25) كتاب سعيد بن أبي يونس: ذكره البرادي، وقال: «ولم ير» (3).
26) كتاب على ثلاثة قواعد: التنزيل، والسنة، والرأي، عزم عمروس على تأليفه، وجعلِ كل قاعدة بمعزل، فأدركه أجله (4).
27) كتاب عمروس بن فتح (5).
28) كتاب في الأصول والفقه: تأليف عمروس بن فتح (6).
29) كتاب ماطوس: كانت إماء أهل جبل نفوسة يقرأنه لما يتوجهن إلى الاستقاء، وفيه ثلاثمائة مسألة (7).
30) كتابان في أصول الكلام: للفزاني [ربما عبد الخالق]، قارن بين هذين الكتابين وبين كتاب العمروسي لعمروس بن فتح النفوسي فقال: «النفوسي أقوى مني» (8).
31) كتب إدريس الفزاني: منها ما هو مستطرف، لأن العالم جناو وصى عبد القاهر أن يصطحب معه ما يستطرف من كتب إدريس (9).
32) مؤلفات محمود بن بكر: كان محمود يؤلف الكتب في الرد على المخالفين للإباضية، وكان أخص الناس بعيسى بن فرناس النفوسي في عهد أبي اليقظان محَمَّد بن أفلح (10).
33) مجموعة كتب في فروع العلم وأصوله: لعبد الخالق الفزاني.
ب - مؤلفات الفرق الإِبَاضِيَّة:
__________
(1) عمروس: الدينونة الصافية: 24. نسبه إليه محقق الكتاب.
(2) أبو زكرياء: سير الأيمة: 1/ 91.
(3) رسالة المؤلفات: 119و.
(4) الدرجيني: طبقات المشايخ: 1/ 84.
(5) البرادي: الجواهر المنتقاة: 219، ويبدو لنا أَنَّهُ نفس كتاب الدينونة الصافية، وَإِنَّمَا سماه البرادي كتاب عمروس اختصارا.
(6) الشماخي: السير: 226.
(7) الوسياني: سير الوسياني (مخ): 29.
(8) الشماخي: السير: 229.
(9) الشماخي: السير: 191.
(10) ابن الصغير: أخبار الأيمة الرستميين: 93. (1/11)
صفحة 12
1 - حكم المسلمين في المنافقين، وفي الإمامة: للفزاري (1).
2 - رسائل نفاث: عاب فيها على الإمام أفلح عدم محاربته الأغالبة، وقد اطلع الشماخي على بعضها (2).
3 - رسالة عيسى بن عمير إلى عمر بن أبي بكر (3).
4 - كتاب ابن عمير إلى أتباع الفزاري: يقول عبد الله بن يزيد الفزاري: «أَمَّا بعد: ... فَإِنَّهُ بلغنا أن عيسى بن عمير كتب إليكم كتابا طمع أن يُشبه عليكم، ويُلبس عليكم الحق بالباطل» (4).
5 - كتاب التوحيد الكبير: لعيسى بن علقمة المصري (5)، وهو أقدم كتاب في المغرب (6).
6 - الكتاب الثاني في القدر للفزاري: أشار إليه الفزاري في كتابه "القدر" بقوله: «فَإِنَّهُ قد كان في كتاب القدر، قد أردت أن لا أجيبك فيه، فَإِنَّهُ عندك» (7)، وفي موضع آخر من الكتاب يقول أيضًا: «وقد كان في كتاب القدر تفسير ما أردتَ من هذا الوجه» (8).
7 - كتاب في الرد على الروافض: لعبد الله بن يزيد الفزاري، نقل ابن سلام منه نصا في كتابه (9).
__________
(1) الفزاري: كتاب في الرد على ابن عمير (مخ): 71ظ.
(2) الشماخي: السير: 194.
(3) الفزاري: كتاب في الرد على ابن عمير (مخ): 52ظ.
(4) الفزاري: المصدر نفسه: 46و.
(5) الوسياني: سير الوسياني (مخ): 122.
(6) النامي: دراسات عن الإِبَاضِيَّة: 190.
(7) الفزاري: كتاب القدر (مخ النسخة 1): 24و.
(8) الفزاري: المصدر نفسه: 25ظ.
(9) ابن سلام: شرائع الدين: 72. (1/12)
صفحة 13
الآراء العقدية لإباضية المغرب الإسلامي
في القرون الثلاثة الهجرية الأولى.
يتميز المذهب الإباضي بعمقه التاريخي، وبمساهمة علمائه في تحديد موقفهم من القضايا الإسلامية المطروحة على الساحة الفكرية منذ الصدر الأول لتأسيس المذهب، ويتميز أيضا بتعدد مناقشات الآراء العقدية بين مختلف كتب الفكر الإسلامي، مما يستوجب التجول في جميعها؛ سواء كانت في العقيدة أوالتفسير أوالفقه أوالتاريخ أوالسير أوالمراسلات، تنقيبا عن موقف عقَدي لعالم، أو تحليلا لرواية تاريخية لأجل استجلاء الرأي العقَدي منها، أو استخراجا لموضوع عقَدي في الحوار الدائر بين المتناظرين.
وسنقوم بعرض الآراء العقدية التي تمكنا من جمعها لعلماء الإباضية المغاربة خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، مع محاولة المقارنة بعلماء أهل السنة متحريا اختيار من عاش إبان نفس الفترة قدر المستطاع.
أولا: توحيد الله:
يعرِّفه الإمام جابر بن زيد قائلا: «التوحيد معرفة الله، ونفي الأشباه والأمثال عنه، ومن لا يعرف توحيد الله فليس بمؤمن» (1). ويعتبر الإمام أبو عبيدة التوحيد من أفضل العلم (2)، وَأَنَّهُ فرض (3) على كل مُكَلَّف.
فالإباضية يوجبون معرفة توحيد الله، ويقرون أن من تمام التوحيد؛ التوكل على الله حق التوكل، وعدم الرغبة إلى غيره، ولا الاستعانة على أمر الله بأحد سواه، يقول ابن سلام معقِّبا على قوله تعالى: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (سورة الأنفال: 02): «إذا بنيت رأيك على أمر قد تبيَّن لك رشدُه فتوكل على الله، لا يكون اعتمادك إذا عزمت على جمعك وعُدَّتِك وأصحابِك فإنك لا تطيق إِلاَّ بالله، ولكن التمس النصر والظفر من الله» [ابن سلام: شرائع الدين: 77، 78].
وعندهم كذلك أن توحيد الله يقتضي من العبد أن يتَّجه إلى الله بالعبادة وحده دون سواه، ويَدين له بالطاعة التي شرعها [ابن سلام: شرائع الدين: 61]؛ لأن قوله: «لا إله إِلاَّ هو يعني: لا معبود سواه» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 4/ 54]، وعليه أن يوحده توحيد ربوبية (4)، فيعترف له بالحاكمية على العالمين، وبملكوته على الناس. وهذا في نظرنا نفس ما ذهب إليه أهل السنة في تعريف، فهذا ابن تيمية يقول: «فهو التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل به كتابه هو عبادة الله وحده لا شريك له وهو توحيد ألوهيته المتضمن توحيد ربوبيته كما قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (سورة البقرة: 185)» (5).
ثانيا: الإيمان بأسماء الله وصفاته
1 - الإسمان بأسماء الله الحسنى:
شرع الله لعباده الدعاء بأسمائه الحسنى التي يناجي بها العبد ربه وتليق بعظمته عز وجل فقال تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فاَدْعُوهُ بِهَا} (سورة الأعراف: 180)، ومما يتعلق بالإيمان بأسماء الله الحسنى مسألة قدم أسمائه تعالى، حيث أثيرت المسألة بين الإِبَاضِيَّة والنكار من منطلق الخلاف في التعريف اللغوي للفظ الاسم، فمن ذهب إلى أن الاسم مشتق من السمُوِّ وهو الرفعة (6)، رأى أن أسماء الله قديمة (7)، ومن قال: إِنَّهُ مشتق من السمة ـ وهي العلامة (8) ـ يقول: «كان الله تعالى في الأزل بلا اسم ولا صفة، فَلَمَّا خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات» (9)، وهو رأي النكار الذين ذهبوا إلى أن أسماء الله تعالى مخلوقة (10). وقد رفض الإِبَاضِيَّة رأي النكار في أسماء الله وحكموا عليهم بالكفر والإلحاد (11)، ولقبوهم بالفرقة الملحدة حين ألحدوا في أسماء الله من قوله تعالى: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (سورة الأعراف: 180) (12)، وللأسف لم نتوصل إلى معرفة مستند
__________
(1) محبوب بن الرحيل: مسائل ملتقطات من جزء منسوب إلى أبي سفيان: الثامن ضمن مجموع تحت رقم: م82 في مكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن، 6و؛ انظر: ترتيب المسند: 1/ 12، ح:28.
(2) مسائل أبي عبيدة (مخ):169.
(3) المصدر نفسه: 163.
(4) البرادي: الجواهر المنتقاة: 203.
(5) ابن تيمية: العقيدة الأصفهانية: تحقيق: إبراهيم سعيداي، مكتبة الرشد: الرياض: 1415هـ، ص: 2/ 42.
(6) ابن منظور: لسان العرب: دار صادر، بيروت. ج14 ص 401.
(7) أبو عبيدة: مسائل أبي عبيدة (مخ): 159.
(8) لم أجد في معاجم اللغة التي اطلعت عليها التي أوردت هذا الاشتقاق، لكن الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 213 نقلا عن أبي ستة في حاشية كتاب الوضع: 37، ذكر أن هذا هو مذهب الكوفيين؛ علما أن ابن منظور أشار إلى أن السمة هي العلامة دون أن يذكر اشتقاق الاسم من السمة، انظر: لسان العرب: 12/ 419.
(9) الحعبيري: البعد الحضاري: 1/ 213، نقلا عن أبي ستة: حاشية على كتاب الوضع: 37.
(10) القطب: جواب لأهل زوارة: 04.
(11) السوفي: رسالة في الفرق: 295.
(12) أبو زكرياء: سير أبي زكرياء: 1/ 95. (1/13)
صفحة 14
النكار في مذهبهم الذي يرى أَنَّ أسماء الله تعالى مخلوقة.
2 - الإيمان بصفات الله تعالى
نلاحظ البساطة في تعريف إباضية المغرب الإسلامي لصفات الله تعالى دون اللجوء إلى المصطلحات الفلسفيَّة الغامضة، لأن المقصد من معرفة هذه الصفات، تنزيه الله عن المشابهة لخلقه، وسنورد معاني الصفات التي شرحها العلماء وهي:
- العلم: هو عليم ولا أعلم منه [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 2/ 102].
- القدرة: القادر لا بقدرةٍ غيره (1).
- السمع: لا أسمع منه [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 2/ 102].
أَمَّا باقي الصفات لم نجد مَن شَرَحها من علماء إِبَاضِيَّة المغرب الإسلامي في الفترة المختارة.
3 - تأويل صفات الله:
يلجأ الإِبَاضِيَّة إلى تأويل صفات الله تعالى حين تعترضهم صفة من صفاته الواردة في النصوص المتشابهة من القرآن أو السنة، والتي يفيد ظاهرها تجسيم الله وتشبيهه بالمخلوقين، فيحاولون إيجاد مخرج للهروب من التجسيم بالاعتماد على معاني الكلمة في اللغة، ومن خلال السياق، وسنذكر نماذج من هذه الصفات:
- المجيء: قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (سورة الفجر: 22) فسر هود بن محكَّم مجيء الله بمجيء أمره، ورفَض مجيء الله بمعنى الانتقال، فقال: «لا كما زعمت المشبهة أن ربهم يذهب ويجيء؛ لأن الله ليس بزائل ولا متنقل» [هود بن محكم: تفسير كتاب الله العزيز: 4/ 503]. وأورد نفس التفسير فيما يخص قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} (سورة الأنعام: 158) [هود بن محكم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 575].
- العين: أوَّل هود بن محكَّم قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} (سورة طه: 39) بمعنى ولتصنع بأمري [هود بن محكم: تفسير كتاب الله العزيز: 3/ 38].
فالنماذج التي سقناها تورد صفات لله تعالى معناها الظاهري يؤدي إلى إثبات نسبة الجوارح إلى الله تعالى، لذلك فإِبَاضِيَّة فترة بحثنا انتهجوا التأويل كحلٍّ للخروج من الإشكال، بينما هناك من علماء
__________
(1) أبو قحطان: سير علماء الإباضية، تحقيق: سيدة لإسماعيل كاشف: 1/ 87؛ انظر: عمروس بن فتح: الدينونة الصاقية: 100. (1/14)
صفحة 15
المسلمين من فضَّل أخذ تلك النصوص على ظاهرها، دون تأويل ولا تفكير في كيفية اتصاف الله تعالى بها (1).
4 - مسألة رؤية الله تعالى:
احتدم النقاش بين المسلمين حول جواز رؤية الله أو استحالتها، وكان موقف الإِبَاضِيَّة مع النافين لرؤيته تعالى استنادا إلى أَدِلَّة نَقلِيَّة وعقلية (2)، وفي حديثنا عن إباضية المغرب نركز على تفسير هود بن حكم للآيات القرآنية.
قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (سورة القيامة: 22، 23) فقال: «أي تنتظر الثواب وهي وجوه المؤمنين» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 4/ 444]. وفي المقابل هناك من ذهب إلى تفسير النظر في هذه الآية بالرؤية مثل الأشعري (3).
قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} (سورة المطففين: 15) فسرها هود بن محكَّم بقوله: «أي عن ثواب ربهم لمحرومون» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 4/ 483]، وأعرض عَمَّا جاء في أصل تفسير ابن سلام من إثبات الرؤية (4)، لأن المثبتين للرؤية يستدلون على أن الله لما عاقب الكفار بحجبهم عن رؤيته دل على أَنَّهُ يثيب المؤمنين برفع الحجاب لهم عن أعينهم حَتَّى يروه (5).
ثالثا: الإيمان بالغيب
يعرف هود بن محكَّم الغيب عند تفسيره لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} (سورة البقرة: 03) فقال: «أي الذين يصدقون بالبعث والحساب والجنة والنار، وكل هذا غيِّب عنهم» [هود بن محكم: تفسير كتاب
__________
(1) انظر: الأشعري: الإبانة: 2/ 126؛ ابن قدامة عبد الله بن أحمد المقدسي: ذم التأويل: تحقيق: بدر عبد الله البار، دار السَّلَفِيَّة، الكويت: 1406هـ. ج2، ص: 11، وقد وضح ابن قدامة وجهة نظره فقال: «ومذهب السلف الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها، ولا نقص منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدَثين، بل أمرُّوها كما جاءت، ورَدُّوا علمها إلى قائلها ومعناها المتكلم بها».
(2) انظر: أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ: مطابع النهضة، مسقط: 1409هـ. ص: 67 - 95؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 298 - 343؛ وينتن: آراء الشيخ اطْفِيَّشْ العقَدية: 132 - 157.
(3) الإبانة: 2/ 35.
(4) استنتجنا إعراضه لسببين: أولا: ابن سلام من القائلين بجواز رؤية الباري. ثانيا: وجد محقق الكتاب في نسخة ابن أبي زمنين (المختصر الثاني للتفسير) كلاما عن تفسير الرؤية، فدل ذلك -والله أعلم- على أن هودا حذف ما يخالف معتقده في تفسيره المختصر لابن سلام، انظر: هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 4/ 483، هامش: 2.
(5) البيهقي: الاعتقاد: 2/ 132. (1/16)
صفحة 16
الله العزيز: 1/ 81]، فعالم الغيب يقابل عالم الشهادة، ولا يدرك بالحس، وهو فوق العقل، تستحيل معرفته من غير سمع ونقل.
وقد انتهج علماء الإِبَاضِيَّة في القرون الثلاثة الهجرية الأولى مسلك إثبات ما أثبتته نصوص القرآن والسنة من غير تأويل لها، و لم يكلفوا أنفسهم الخوض فيما لم تذكره هذه النصوص، تعظيما للغيب الذي هو من علم الله وحده إِلاَّ ما أعلَمَ به خلقه. وهذا يتجلى في مجموعة من المواضيع الغيبية التي وردت في المصادر الإباضية وسنقتصر على ما يأتي:
1 اعتمد لواب بن سلام في حديثه عن أشراط الساعة بما ورد في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّا ذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (سورة لقمان: 34) (1).
يعتقد هود بن محكَّم أن نزول المسيح عيسى - عليه السلام - وظهور الدجال من أشراط الساعة (2)، لكن دون أن يذكر تأويلا ولا بحثا في كيفية النزول والظهور، مِمَّا يَدُلُّ على أَنَّهُ يثبتهما على حقيقتهما.
وهذا المسلك في الاقصار على ما ورد من النصوص الصحيحة في أشراط الساعة يتناسب مع رأي أهل السنة حسبما ذكره البيهقي الذي يقول: «أَمَّا انتهاء الحياة الأولى فإن لها مقدمات تسمى أشراط الساعة، وهي أعلامها، منها: خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم - عليه السلام -، وقتله الدجال، ومنها: خروج يأجوج ومأجوج، ومنها خروج دابة الأرض، ومنها طلوع الشمس من مغربها، فهذه هي الآيات العظام» (3).
2 - يعرِّف هود بن محكَّم الصور بِأَنَّهُ: «قرن يُنفخ فيه أرواح الخلق، فيذهب كل روح إلى جسده فيدخل فيه، ثُمَّ ينطلقون سراعا إلى المنادي صاحب الصور إلى بيت المقدس» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 536]، ثُمَّ ساق عدة أحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند تفسيره قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} (سورة النمل: 87) (4). وإلى هذا ذهب ابن أبي العز الحنفي الذي اعتبر أن النفخ في الصور هو
__________
(1) السند الذي ذكره ابن سلام هو: «بلغنا عن يحيى بن معتمر قال: قلت لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن أخبرنا خبر الأعرابي، قال ابن عمر ... » الحديث، شرائع الدين: 60، 61.
(2) تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 436، 2/ 127، 128، 4/ 180. انظر: البخاري: كتاب البيوع، باب قتل الخنزير رقم: 2070؛ مسلم: كتاب الفتن، باب أشرط الساعة رقم: 5157؛ أحمد: كتاب باقي مسند المكثرين، باب باقي مسند السابق رقم: 10522.
(3) البيهقي: الاعتقاد: 1/ 307.
(4) هود بن محكَّم: المصدر نفسه: 3/ 265 - 268، انظر مثلا حديث الترمذي: كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب ومن سورة الزمر رقم: 3167. (1/17)
صفحة 17
سبب حياة العالم، وعود الأرواح إلى أجسادها (1).
3 - يثبت علماء الإِبَاضِيَّة في فترة البحث عذاب القبر، ولا يشذ منهم أحد، لكثرة الأَدِلَّة الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية؛ واستدل هود بن محكَّم لإثبات عذاب القبر بقوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} (سورة طه: 124) ففسر المعيشة الضنك بعذاب القبر (2).
4 - أقر هود بن محكَّم الهواري أن الصراط تفسر بمعناها الحسي لا المعنوي [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 283، 2/ 318]، إذ نقل قول بعضهم: «يميل بهم الصراط مرة إلى الجنَّة ومرة إلى النار، ثُمَّ يدخلون الجنَّة» [هود بن محكَّم: المصدر نفسه: 2/ 20]. وأورد أحاديث مرفوعة وموقوفة تثبت الصراط بالمعنى الحسي (3).
فالصراط بهذا المفهوم هو نفسه ما أورده ابن تيمية في قوله: «الجسر الذي بين الجنَّة والنار، يمر الناس على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق ... فمن مر على الصراط دخل الجنَّة» (4).
5 - الشفاعة حقٌّ، ويجب الإيمان بها، ومن أنكرها أو كذَّب بها فيعتبره الإمام جابر بن زيد بمنزلة من كذَّب القرآن (5). وأجمع المسلمون على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشفع يوم القيامة (6) من منطلق النصوص النبوية الكثيرة، مثل: حديث «لِكُلِّ نبيء دعوة، وأنا أردت أن أخبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» (7)، لكن المسلمين اختلفوا في مستحق الشفاعة كثيرا، فالإباضية يثبتون الشفاعة للمؤمن التقي، وينفونها عن العصاة وأصحاب الكبائر، بأَدِلَّة من القرآن صريحة، وبأَدِلَّة من السنة وردت في ترتيب المسند، وهذه بعض أدلتهم:
يقول تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} (سورة البقرة: 48) ذهب هود بن محكم إلى أن الشفاعة لا تكون إِلاَّ للمؤمنين [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 103]. ويفسر أيضا قوله تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} (سورة سبأ: 23) بأن الشافعين لا يشفعون إِلاَّ للمؤمنين ممن أذن الله لهم [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 3/ 397]. ويعتقد كذلك أن الملائكة والنبيئين لا يشفعون للمنافقين، وإِنَّمَا يشفعون لمن ارتضى الله من المؤمنين [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 3/ 397].
__________
(1) شرح العقيدة الطحاوية: 230.
(2) هود بن محكَّم: المصدر نفسه: 3/ 57؛ وأورد عدة أحاديث عن رسول الله استدل بها، المصدر نفسه: 2/ 329 - 331.
(3) سنن أبي داود: كتاب السنة: باب ذكر الميزان، رقم: 4128،
(4) ابن تيمية: العقيدة الواسطية: 2/ 33، 34.
(5) أبو ستة: حاشية الترتيب: 3/ 25؛ بولرواح: من فقه جابر بن زيد: 40.
(6) الأشعري: الإبانة: 2/ 214.
(7) ترتيب المسند: ح: 499؛ انظر: البخاري، كتاب الدعوات، باب لِكُلِّ نبيء دعوة مستجابة، رقم: 5829. (1/18)
صفحة 18
وأما أَدِلَّة السنة فإن الإِبَاضِيَّة يعتمدون حديث: «ليست شفاعتي لأهل الكبائر» (1)، ويأولون الأحاديث التي تثبت الشفاعة للعصاة (2).
وفي الطرف الآخر نجد أهل السنة يستدلون على إمكانية الشفاعة للعصاة المسلمين بنفس أَدِلَّة الكتاب الحكيم التي اعتمدها الإِبَاضِيَّة لكن مع اختلاف في نفسيرها، وَأَمَّا في الاستدلال من السنة فبنصوص غير ما اعتمده الإِبَاضِيَّة، فمن أدلة القرآن قوله تعالى: {ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} (سورة غافر: 18) والظالمون المحرومون من الشفاعة هم الكافرون، بدليل مفتَتَح الآية {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِر} (3). وَأَمَّا من السنة فقد استدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (4).
وفي الأخير نصل إلى أن الإِبَاضِيَّة يثبتون الشفاعة للمؤمن التقي، وينفونها عن العصاة وأصحاب الكبائر، بأَدِلَّة من القرآن صريحة، وبأَدِلَّة من السنة وردت في ترتيب المسند، أَمَّا ما ورد في كتب السنة الأخرى فإنهم يؤوِّلونها. بينما أهل السنة يثبتون الشفاعة بأَدِلَّة من السنة -خلاف ترتيب المسند- صريحة وبتأويل نصوص القرآن.
رابعا: الإيمان بالقضاء والقدر:
تتجه تفسيرات علماء إِبَاضِيَّة المغرب الإسلامي حول القضاء والقدر إلى محاولة إثبات علم الله بأفعال العباد، وأن المعصية تأتي من فعل العبد وفق اختياره. وَأَمَّا مواقفهم فتعتبر سطحية غير متعمقة في توظيف المصطلحات والتفسيرات الكلامية التي استُنتجت من الفلسفة الإسلامية، إِلاَّ أَنَّهَا حريصة على الرد على الخصوم الذين يثبتون الجبر أو ينفون القدر عن الله. وسنورد بعض مواقفهم وتفسيراتهم:
1 – موقفهم من نسبة الفعل الإنساني:
يحاول علماء الإِبَاضِيَّة نسبة الخلق إلى الله، مع إثبات الحرية إلى الإنسان، فهذا جابر بن زيد دعا بدعاء ذكر فيه أن علم الله الأزلي محيط بمصير العباد فقال: « ... أَنْ يغفرَ لنا ولك الذي قد سلف مِمَّا أسخطناه فيه، وما سبق في علمه في الذي نحن مصيبوه» (5)، واعتبر كذلك منتهى (أي: مصير) العباد إلى ما خلقوا له (6)، أي: إن مصيرهم يرجع إلى ما قرر الله في الأزل.
وأما هود بن محكَّم الهواري فقد جاء بتسمية جديدة لعلم الله بأفعال العباد، سماه "علم الفعال"، فقال في تفسير قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} (سورة آل عمران: 141): «أي ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه» [هود بن محكم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 317، انظر كذلك: 1/ 330، 2/ 119]، فهود يقر أن الفعل مخلوق من الله، وأن الله سيحاسب العباد من جراء تصرفاتهم التي يحسون أَنَّهَا حرة غير مقيدة، استصحابا للعدل الإلهي. وجاء رأيه واضحًا أكثر في معرض تفسير قوله تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (سورة العنكبوت: 03) فقال: «وقد علم الله ذلك ـ قبل أن يفترض عليهم ما افترض ـ أَنَّهُم سيفعلون وسيتركون، وَلَكِنَّهُ قال: وليعلمنَّكم كاذبين فاعلين وتاركين» [هود بن محكم: تفسير كتاب الله العزيز: 3/ 296]، فعلم الله الأزلي سابق لاختيار العباد لأفعالهم، مع نسبة الحرية في الاختيار إلى الخلق، والتي بموجبها سيكون الحساب.
3– مصدر المعصية:
استدل جناو بن فتى على كون المعصية من فعل العبد بآيتين تنسبان الفعل إلى الإنسان وتنفيان عنه الجبر (7)، وذلك في قوله تعالى: {وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} (سورة الجاثية: 22) وقوله أيضا: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} (سورة النجم: 39).
واستدل كذلك الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم بآيات من القرآن الكريم تثبت أن الضلالة من العباد والله أضلهم بفعلهم (8)، مثل قوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (سورة الصف: 05)، وقوله أيضا: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} (سورة النساء: 160)، وقوله كذلك: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} (سورة النساء: 155).
ويؤكد الإمام عبد الوهاب رأيه بتحليل مصطلح الإضلال والضلال، فقد نسب الإضلال إلى الله، أَمَّا الضلال فإلى العباد فقال: «والإضلال من الله هو الذي أضلهم بفعلهم، والضلال هو فعلهم الذي ضلوا به» (9).
فالقول بأن الله أمر عباده بالطاعة ونهاهم عن المعصية ممن بلغ حد التكليف يَتَّفِقُ مع المذاهب الإسلامية في إثبات اختيار الإنسان لفعله، من غير إكراه أو قسر (10).
__________
(1) ترتيب المسند: ح: 1004، وهو مثال لأحاديث لها نفس المعنى في الكتاب. ولم أجد تخريجه في الكتب التسعة.
(2) وينتن: آراء الشيخ اطْفِيَّشْ العقَدية: 434.
(3) البيهقي: المصدر نفسه: 1/ 280.
(4) سنن أبي داود: كتاب السنة، باب في الشفاعة رقم: 4114، وهو مثال عن أحادبث لها نفس المعنى.
(5) رسائل الإمام جابر (مخ): 64.
(6) المصدر نفسه: 67.
(7) جناو بن فتى: أجوبة علماء فزان: 93.
(8) عبد الوهاب: مسائل نفوسة: 42؛ انظر: جوابات عبد الوهاب (مخ): 15ظ.
(9) عبد الوهاب: مسائل نفوسة: 42؛ انظر: جوابات عبد الوهاب (مخ): 15ظ.
(10) د. إسماعيل قرني: القضاء والقدر عند المسلمين: 275. (1/19)
صفحة 19
4 – الجبل:
ذهب موسى بن يونس النفوسي (1) إلى القول بالجبْل، وهو رأي أهل جبَل نفوسة (2)، وقد عرَّفه الجيطالي بأن العباد «مخلوقون على أن يفعلوا ما علم الله أَنَّهُم يفعلونه قبل أن يخلقهم، لا أَنَّهُم مجبورون عليه ولا دخل لهم فيه ولو باكتساب، كما تقول الجبرية» (3)، ومصطلح الجبل قد ورد في القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ} (سورة الشعراء: 184) فالجبْل مصطلح يحاول أن يثبت علم الله لأفعال العباد دون أن يكون هناك جبر، لكن يبدو أن الجبل ما هو إِلاَّ تخفيف لمفهوم الجبر، لأن الجبل يقتضي أن العبد مخلوق فطريا لأنْ يفعل ما كان في علم الله الأزلي (4).
وبعض عرض مجمل الآراء يحق لنا أن نقر بأن تفسيرات ونحليلات علماء إباضية المغرب الإسلامي لا تسطيع نزغ الغموض عن القضاء والقدر؛ لأننا نرى أن الغموض مركب في الموضوع نفسه، والله أعلم.
5 - رأي عبد الله بن يزيد الفزاري في القضاء والقدر:
أردنا أن نفرد عبد الله بن يزيد الفزاري بحديث خاص، لأنه محسوب على النكار المنشقين عن الإباضية، ولأن له مؤلفا نفيسا لا يزال مخطوطا هو في حاجة إلى أيدي الدارسين والباحثين لاكتشاف أغواره.
فقد تصدَّى الفزاري في كتابه القدر للرد على الذين يوجبون العدل على الله في أفعاله، ومن خلال ردوده سيتضح مذهبه في الموضوع.
- الفزاري يفرق في أفعال الإنسان بين ما فيها جبر، وبين ما فيها حرية التصرف والاختيار؛ فَأَمَّا التي فيها حرية التصرف فهي الأفعال التي تعلق بها الأمر والنهي الإلهيَّان، حتَّى يجازى ويعاقب العباد على حسب اختيارهم، وَأَمَّا الأفعال التي لم يشرع فيها الله الأمر والنهي فهي في عداد ما جبل الله به عباده عليها، ولا قدرة للعباد في تغييرها أو التحكم فيها. ويفهم من هذا أن الأفعال تنقسم إلى: أفعال اختيارية يَتَعَلَّق بها التكليف، وأخرى قسرية لا تكليف فيها. وقد أجمل الفزاري كلامه في ما يأتي: «كل ما جاز فيه الأمر والنهي فهو فعل
__________
(1) موسى بن يونس الجلالمي النفوسي، أبو هارون (حي بعد: 283هـ): شيخ عالم من جميلة بجبل نفوسة، أسس مدرسة تخرج فيها علماء، انظر: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة: 4/ 904.
(2) من بين علماء جبَل نفوسة الذين تبنوا القول بالجبْل نجد أيضا أبا يحيى زكرياءَ بن يونس بن أبي القاسم الفرسطائي، وهو من تلاميذ الشيخ موسى النفوسي ومن علماء القرن الرابع الهجري، انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 451، نقلا عن الجيطالي: شرح النونية (مخ): 135و؛ معجم أعلام الإِبَاضِيَّة في المشرق: 2/ 357.
(3) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 451، نقلا عن الجيطالي: شرح النونية (مخ): 135و.
(4) النامي: دراسات عن الإِبَاضِيَّة: 137. (1/20)
صفحة 20
العباد، وكل ما لم يجز فيه الأمر والنهي فهو خلقةٌ وجِبلة لا صنعة للعباد فيها» [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 27ظ].
- وحرصا من الفزاري على الابتعاد من دائرة الجبر فقد ذهب إلى «أن الله خلق الكفر والإيمان، وخلْقُهما غيرهما» [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 40و]، فهو يفرق بين خلق الله للشيء وبين ذلك الشَّيْء المخلوق، فخلق الله للشيء يعني التقدير والجعل والتسمية له، وأن يقول له: كن، فيكون، بينما الشَّيْء المخلوق هو ناتج عن الخلق، وفي ذلك يقول عن الإيمان والكفر: «الإيمان والكفر فعل العباد، والله خالق لهما على جهة أَنَّهُ المقدِّر لهما، وليس على جهة الشَّيْء الذي لا ينبغي لأحد أن يظن أن غير الله صنعه كالسماوات والأرض ... وليس كذلك خلق الكفر والإيمان» [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 40و]، فكأن الفزاري يشير إلى أن خلق الكفر والإيمان هو من خلق الله تقديرا ومن العبد اختيارا محضا. ويمثِّل لهذا الخلق بتحويل حليِّ الذهب إلى سلسلة دون أن يتحول جوهر الذهب، فالذهب قد قدَّره الله وحوَّله الإنسان بفعله، وكذلك الكفر والإيمان خلقهما الله وتصرف فيهما الإنسان بمحض اختياره. وعليه فإن الله لا يعذب على قضائه ولا على خلقه، وَإِنَّمَا يعذبهم على أعمالهم التي قضى بها عليهم [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 43و]، علما أن خلق الله وقضاءه غير أعمال العباد.
فتحليل الفزاري للقضاء والقدر جاء عميقا ومستوفيا لحيثيات الموضوع في كتابه القدر (1)، ويعتبر موقفه وسطا بين الجبر المحض والاختيار المطلق.
6 - الاستطاعة:
سنتطرق إلى الاستطاعة التي يَتَعَلَّق بها الأمر والنهي، هل تكون قبل الفعل أم أثناءه؟ وذلك على حسب رأي علماء المذهب الإِبَاضِي في المغرب الإسلامي وعلماء الفرق الإباضية.
ذهب المعتزلة إلى أن الاستطاعة قبل الفعل (2)، وذلك تماشيا مع قولهم بحرية الإنسان في تصرفاته وإرادته السابقة على الفعل في أن يفعل ما يشاء ومتى يشاء بلا تقييد، إذ قد يريد في وقت وينفِّذ في وقت آخر.
بينما أهل السنة يرون أن الاستطاعة مصاحبة للفعل، ولم يجوزوا أن يوجد الفعل بقدرة معدومة (3). وقد ذهب هود بن محكَّم الهواري من الإِبَاضِيَّة إلى أن الاستطاعة مع الفعل [هود بن محكم: فسير كتاب الله العزيز: 1/ 89].
ويعتقد الفزاري أن الاستطاعة تكون مع الفعل لا قبله ولا بعده [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 34و، 37و]، ويرى أن
__________
(1) رأي الفزاري في القضاء والقدر جدير بالدراسة والتحليل من خلال ما ورد في كتابه القدر أو في كتابه: الرد على ابن عمير (مخ): 64و؛ أو من خلال ما جاء في رد أحمد الناصر لدين الله عليه في كتاب النجاة: كله.
(2) ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: 488.
(3) ابن أبي العز: المصدر نفسه: 488؛ د. أحمد محمود صبحي: الأشاعرة: في علم الكلام دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية في أصول الدين: مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية: 1982، ص64. (1/22)
صفحة 21
الاستطاعة تتناسب مع الإرادة، وتتنافى مع ما لا يفعله العبد ولا يهواه؛ وبالتالي فلا حجة للعاصي في قوله بِأَنَّهُ تُركَ لهواه، أو أَنَّهُ لم يُعطَ الاستطاعة على الترك [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 27و، 28ظ]، ومعنى هذا أن المعصية إذا لم يردها المرء فَإِنَّهُ لا يستطيعها ولا يقدم عليها، ذلك لأَنَّهُ قد انتفي عنه الجبر؛ لأن المجبَر يُحمل على غير ما يريد، بخلاف من أتى المعصية فقد أتى ما يستطيعه ويريده. وخلاصة هذا الرأي أن كل ما أتى العبادُ من المعاصي فهم لها مستطيعون، وعليها غير مجبورين ولا مجبولين [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 27و].
خامسا: الإيمان والكفر
1 - تعريف الإيمان:
يقرن هود بن محكَّم يقرن الإيمان بالعمل في كل تفسير آية من القرآن تشير إلى الموضوع (1)، حَتَّى قال عنه محقق تفسيره الشيخ شريفي: «إن الشيخ الهواري لا يفتأ يؤكد في كل مناسبة على أن الإيمان بالقول وحده لا يكفي، بل لا بد من العمل الذي يحققه ويتم به» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 34]، فالإيمان عنده هو التصديق بالقلب، والقول، والعمل، فيقول عند إيراده مثلا لقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} (سورة البقرة: 13) معناها أكملوا إيمانكم بالفعل الذي ضيعتموه، كما آمن المؤمنون المستكملون القول والعمل، ثُمَّ بين هود أن المنافقين كانوا يعيبون على أصحاب رسول الله الوفاء والكمال [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 85]. ويستند الإِبَاضِيَّة في تلازم العمل والتصديق والإقرار عند تفسير الإيمان على ما جاء في كتاب ترتيب المسند من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا صوم إِلاَّ بالكف عن محارم الله» (2).
ويخالف رأيَ الإِبَاضِيَّة الأشاعرة اتباعا لإمامهم أبي الحسن الأشعري، الذي يرى أن الإيمان يكتفى فيه بالتصديق دون اشتراط العمل (3).
2 - زيادة الإيمان ونقصانه:
يقر علماء الإِبَاضِيَّة في فترة البحث بزيادة الإيمان، وجاء قولهم موافقا مع مذهبهم في اعتبار أن الإيمان قول وعمل؛ إذ كُلَّمَا زادت الأعمال زاد الإيمان، وهذا من منطلق قوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (سورة الأنفال: 02)، ويعلق ابن سلام على الآية فيقول: «يزدادون إيمانا بِكُلِّ ما يُحدث الله لهم من كتاب وحجة؛ تصديقا وإخلاصا وإقرارا بِكُلِّ ما افترض الله على عباده» [ابن سلام: شرائع الدين: 69].
ولم يتفق المسلمون حول مسألة نقصان الإيمان، وذلك لاختلافهم في تعريف الإيمان؛ بين مشترط للعمل، وبين مكتف بالتصديق، ثُمَّ لاختلافهم في الاسم الذي يطلق على من نقص إيمانه، لذلك فإن من رأى أن الإيمان تصديق لم يجوِّز نقصانَه، باعتبار أن نقصان الاعتقاد يفضي إلى الشرك (4)، أَمَّا بعض من اعتبر الإيمان قولا وعملا فقد أجاز إطلاق النقصان، وهو رأي الشافعي (5) وعلماء الحديث (6) وبعض علماء الإِبَاضِيَّة من بعد فترة البحث الذين أخذوا مفهوم النقصان على أساس التخلي عن خصال الإيمان (7)، أَمَّا علماء الإِبَاضِيَّة فإنهم يرون أن الإيمان لا ينقص؛ فهذا الإمام جابر بن زيد يرى أن الإيمان ينسب إلى الزيادة ولا ينسب إلى النقصان (8)، ويستدل على ذلك بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (9)، وعندما حاجج رجل جابر بقوله إِنَّهُ يزني وهو مؤمن، أجابه قائلا: «والله لو أدركك عمر لجلدك الحدَّين بقذف ولي الله بالزنى» (10). وذهب هود بن محكَّم كذلك إلى أَن الإيمان لا يُقبل ممن يرى أَنَّهُ يَنقص [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 3/ 385]. فدل بذلك على أن الإِبَاضِيَّة ترى الإيمان يزيد ولا ينقص، لأن نقصانه يعني انهدام المعتقد، وهذا يخرج عن الإيمان والإسلام.
3 - أنواع المعاصي:
تنقسم المعصية إلى قسمين: الصغيرة والكبيرة.
أ- الصغيرة:
يعرف ابن سلام المعصية الصغيرة بِأَنَّهَا: «التي لا عقاب عليها في الحكم في الدنيا» [ابن سلام: شرائع الدين: 67]، فابن سلام حدد الصغيرة بالمعصية التي لم يشرع الله حدا لمرتكبها في الدنيا، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} (سورة النجم: 32) [ابن سلام: شرائع الدين: 67]، واللمم حسب أبي عبد الله محَمَّد بن محبوب هو ما دون الكبائر التي تكون بين الله وعباده، والله يغفره إذا كان الفاعل ممن يدين لله تعالى بالتوبة منه.
ب- الكبيرة:
__________
(1) للمدارس الإسلامية تعاريف عدة للإيمان فالمرجئة ترى الإيمان فعلُ القلب دون اللسان، وقال جمهور أهلِ الإرجاء: هو فعل القلب واللسان معًا. وقال أهل السنة: الإيمان هي الطاعات كلها بالقلب واللسان وسائر الجوارح. انظر: ابن منده: الإيمان: 1/ 332.
(2) ترتيب المسند: ح: 91، انظر كذلك: ح: 302.
(3) د. أحمد صبحي: الأشاعرة: 67.
(4) البيهقي: الاعتقاد: 2/ 174.
(5) البيهقي: المصدر نفسه: 2/ 181.
(6) البيهقي: المصدر نفسه: 2/ 174.
(7) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 498.
(8) جابر بن زيد: رسائل الإمام جابر بن زيد (مخ): 84.
(9) رواه البخاري: كتاب: المظالم والغصب، باب: النهبى بغير إذن صاحبه، رقم: 2295.
(10) العوتبي: الضياء: 4/ 28. (1/23)
صفحة 22
تتقارب تعاريف العلماء للكبيرة في المعنى وإن اختلفت في الصياغة والاعتبار، فأبو الحواري الإباضي المشرقي فقحدد الكبيرة من خلال الوعيد الذي يلحق مرتكبَها في الدنيا والآخرة فقال: «كل ذنب أوجب الله عليه النار في الآخرة لمن عمل به، والحدَّ في الدنيا» (1). وأما عمروس بن فتح فقد وسع في تعريف الكبيرة فرأى أن «كل ما حرم الله حراما، وما نهى عنه فهو الحرام الذي حرمه الكتاب والسنة فأضاف فاعله إلى النار» [عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 104] ويقول أيضا: «وما سمى الله أهله بشيء من أسماء الضلال فهو كبيرة، وما أمر الله عليه بالنكال في الدنيا فهو كبيرة» [عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 104].
4 – تسمية صاحب الكبيرة:
يعتقد أهل السنة أن صاحب الكبيرة لا ينتقل بمعصيته من الإيمان والإسلام إلى الكفر، بل يثبت له اسمُ الإيمان، ويستدلون على رأيهم بآية القصاص التي لا تنف اسم الإيمان عن القاتل (2)، يقول تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} (سورة البقرة: 178)، بينما يطلق الإِبَاضِيَّة اسم الإيمان على الموفي بدينه، ولا يطلقونه على صاحب الكبيرة، ويأتي رأيهم هذا موافقا لتعريفهم الإيمان بِأَنَّهُ قول وعمل، وأن انتفاء العمل دليل على انتفاء التصديق، وهذه أقوالهم في المسألة:
- يستدل ابن سلام على زوال الإيمان عن صاحب الكبيرة بإيراده قوله تعالى: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (سورة البقرة: 124)، ويقول عن معنى الآية: «لا ينال ما عهد إليك من النبوة والإمامة في الدين؛ الظالم لنفسه من ذريتك، ليس ينال ظالمهم إيمانك» [ابن سلام: شرائع الدين: 97].
- نفى هود بن محكَّم الإيمان عن الزاني والزانية، لأن الله أمر المؤمنين بعدم الشفقة والرحمة عليهم حين الجلد، وهذا على عكس المؤمنين الذين أثبت لهم الرحمة، فيقول: «لوكانا مؤمنَين لم ينزع الرأفة التي جعلها للمؤمنين»، ثُمَّ يستنتج كذلك أن الآيتين الواردتين في عقاب الزناة دليل لِكُلِّ ذي حجى و لجى على أن الزاني ليس بمؤمن [تفسير كتاب الله العزيز: 3/ 159]. أَمَّا في تفسيره للآية الواردة في المنافقين، في قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} (سورة الأحزاب: 19) فيقول: «لم يؤمنوا، فيكملوا الإيمان بالتقوى» [هود بن محكَّم: المصدر نفسه: 3/ 361].
- ينتهج عبد الله بن يزيد الفزاري نهج الإِبَاضِيَّة في هذه المسألة، ويرى أن الإجماع وقع من النكار، والمعتزلة، وجميع من يخالفه باستثناء المرجئة، على أن أهل الأحداث من أهل القبلة ليسوا بمؤمنين جميعا [الفزاري:
__________
(1) أبو الحواري: تفسير خمسمائة آية: 178؛ انظر: هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 374، 4/ 242.
(2) ابن أبي العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوية: 360، 361. (1/24)
صفحة 23
كتاب القدر (مخ): 44ظ].
وعليه فمن مجموع استدلالات علماء الإِبَاضِيَّة يتبين أَنَّهُم لا يسمون صاحب الكبيرة الذي لم يتب من معصيته مؤمنا، كما أنهم لا يسمونه مشركا وإنما يقولون عنه أنه كافر كفر نعمة [هود بين محكم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 158]. وكافر كفر دون كفر. وفاسق [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 474]. ومنافق؛ وحول التسمية الأخيرة يعلق عمروس بن فتح على قوله تعالى: {وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (سورة العنكبوت: 03) المقصود بهم في الآية هم المنافقون، لأَنَّهُم أهل الخيانة والتضييع للعمل الذي أقروا به، فسماهم الله منافقين [عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 72]. كما تحدث هود بن محكَّم كثيرا عن المنافقين في تفسيره، إذ نجده في كل آية تشير إلى عدم الوفاء بشرع الله، والتقصير في التزام أوامره حريصا على بيان أن المعنيين في الآية هم المنافقون الذين أخلوا بطاعة الله، فيفسر مثلا قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} (سورة البقرة: 204) بأنه «المنافق الذي يقر بالإيمان ولا يعمل بالفرائض» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 194].
والمقصود بالنفاق لصاحب الكبيرة هو النفاق العملي وليس الاعتقادي الذي يعني إضمار الشرك، وفي هذا يقر عمروس بن فتح أن أهل النفاق لا يُسمَّون مشركين، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} (سورة الأحزاب: 73)، فالمنافقون استحقوا هذه التسمية لإتيانهم المعاصي دون الشرك [عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 74].
5 - التوبة وشروط قبولها:
من رحمة الله بعباده أن فتح لهم باب التوبة على مصراعيه، لمن يريد أن يتطهر من معاصيه قبل أن يغرغر، أو تطلع عليه الشمس من مغربها، ومن شروط قبول التوبة أن تكون نصوحا لوجه الله، وفي ذلك يقول: ابن سلام: «وندين بالتوبة من الذنب توبة نصوحا، وهي ألا يعود التائب إلى ذنب تاب منه كما لا يعود اللبن إِلى الضرع» [شرائع الدين: 92]، ويقول محبوب بن الرحيل بعد ذكر الموبقات: «فهذا كله موجب موبق بمن انتهك منه شيئا حَتَّى يتوب متابا» (1).
أَمَّا عبد الرحمن بن رستم فَإِنَّهُ فصل في هذه الشروط فذهب إلى تذكير التائب بِأَنَّهُ: «أولى الناس بالإزراء على نفسه، والتصغر لشأنه ... وإذا ذكر ذنوبه شغلته عن ذنوب غيره، وإذا أبصر عيبا من غيره تذكر نفسه، إن تاب من عيبه حمد ربه لا يدري أقبلت توبته أم لا، يشفق على نفسه طالبا خلاص نفسه بما
__________
(1) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 280. (1/26)
صفحة 24
استطاع» (1).
6 - الخلود في النار:
اتَّفَق علماء الإِبَاضِيَّة على خلود المشرك في النار، كما اتَّفَقوا على خلود صاحب المعصية في النار (2)، وأقوال علماء إِبَاضِيَّة المغرب الإسلامبي وأدلتهم حول إثبات الخلود في النار للعصاة هي: قوله تعالى: {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (سورة الأنعام: 128) استدل هود بن محكم بالآية على خلود العصاة في النار، معتبرا أن الاستثناء الوارد فيها يشير إلى تأجيل العقاب في جهنم إلى ما بعد عذاب القبر، فقال: «إِلاَّ قدر ما تخرجون من قبوركم، فتحاسبون بأعمالكم الخبيثة، فتعاقبون عليها، وتخلَّدون في النار، فلذلك استثنى من الخلود ما ذكرنا، إِلاَّ قدر ما وصفنا» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 560]. وفي قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (سورة النساء: 93) ذهب هود بن محكَّم إلى أن وعيد الله بخلود القاتل العمد هو نفسه الوعيدُ الذي أطلقه لمن كفر (كفر نعمة ونفاق) بقسمة المواريث في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (سورة النساء: 14) [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 109].
اعتمد عمروس بن فتح في الرد على القائلين بعدم خلود العصاة بتضعيف وتكذيب روايات الحديث التي تثبت خروج العصاة من النار، لأَنَّهَا -في نظره- تخالف الأَدِلَّة القطعية من كتاب الله، فحكم على أن الله أكد في غير موضع على أن من دخل النار يبقى خالدا فيها وماهم منها بمخرجين، وأنهم ماكثون ولهم عذاب مقيم [عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 82]، ثُمَّ رد عليهم في أسلوب عقلي، معتمدا على أن مذهبه لا يؤدي إلى حرجٍ إذا كان خصمه على حق، بخلاف خصمه فإن كان على غير حق فسيقع في حرج خلود من كان يعِده بعدم الخلود، فقال: «فلو أن الذي قالوا حقا كنا ممن سعد به ولا يضرنا خلافُهم ... » [عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 82].
__________
(1) عبد الرحمن بن رستم: كتاب عبد الرحمن بن رستم (ضمن جامع ابن جعفر): 1/ 95.
(2) انظر: الخليلي: الحق الدامغ: 183 - 225؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 715 - 764؛ وينتن: آراء الشيخ اطْفِيَّشْ العقدية: 437 - 472. (1/27)
صفحة 25
الخاتمة
بعد الجولة الاستعراضية لمجمل ما أمكنا لنا جمعه عن التراث العقدي لعلماء إباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى، نجد أن علماء المغاربة بما فيهم الجزائريون قد ساهموا مساهمة فعالة في التراث الإسلامي، فألفوا مؤلفات قيمة، وحللوا القضايا العقدية في وقت مبكر، مما يدل على أصالة الإسلام في نفوسهم، وعلى قوة التفكير والتحليل، وعلى محاولة فهم نصوص القرآن والسنة فهما صحيحا.
ويمكن لنا أن نجمل العرض فيما يأتي:
أغلب إنتاج علماء إباضية المغرب الإسلامي تميز بالتنوع والكثرة، وأن عددا لا بأس به من المؤلفات لا تزال مفقودة، وأن الموجود منها في حاجة إلى تحقيق دقيق، وإلى البحث عن النسخ التي تكون قريبة من عهد المؤلف، حتى يسهل الاستفادة منها، وتكون أكثر ضبطا مما هي عليه الآن.
أهم الآراء العقدية التي تمكنا من جمعها لعلماء إِبَاضِيَّة المغرب الإسلامي والجزائر كانت لهود بن محكم الهواري وابن سلام وعمروس بن فتح، ولعبد الله بن يزيد الفزاري النكاري، ووجدنا كذلك بعض الآراء لبعض العلماء مثل: عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم وجناو بن فتى، أما ملخص الآراء فهي:
- يوجبون الإيمان بتوحيد الله، ويقرون أن من تمام توحيد الله؛ التوكل عليه حقَّ التوكل، وعدم الرغبة إلى غيره، ولا الاستعانة على أمر الله بأحد سواه.
- يعتمدون البساطة في تعريف صفات الله تعالى، لأن المقصد تنزيه الله عن المشابهة لخلقه. ويلجؤون إلى تأويل صفات الله التي يفيد ظاهرها التشبيه بالمخلوقين، بما يقدس الله، وينزهه عن النقص.
- ينفون رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة.
- يثبتون القضايا الغيبية كما وردت في القرآن والسنة من غير تأويل لها، و لا يكلفوا أنفسهم الخوض فيما لم تذكره هذه النصوص، تعظيما للغيب الذي هو من علم الله وحده إِلاَّ ما أعلَمَ به خلقه. ويتجلى هذا في حديثهم عن: أشراط الساعة، والنفخ في الصور، وعذاب القبر.
- يفسر هود بن محكم الصراط بالمعنى الحسي لا المعنوي الذي هو الهداية.
- يثبتون الشفاعة للمؤمن التقي، وينفونها عن أهل الكبائر. بأَدِلَّة من القرآن صريحة، وبأَدِلَّة من السنة وردت في ترتيب المسند.
- تتجه تفسيرات علماء إِبَاضِيَّة المغرب الإسلامي حول القضاء والقدر إلى محاولة إثبات علم الله بأفعال العباد، وأن المعصية تأتي من فعل العبد وفق اختياره. (1/28)
صفحة 26
- جاء تحليل الفزاري للقضاء والقدر عميقا ومستوفيا لحيثيات الموضوع في كتابه القدر، ويعتبر موقفه وسطا بين الجبر المحض، والاختيار المطلق.
- ذهب موسى بن يونس النفوسي إلى القول بالجبْل، وهو رأي أهل جبَل نفوسة.
- يعتقد الإباضية أن الاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده.
- يرى الفزاري أن الاستطاعة تكون مع الفعل وتتناسب مع الإرادة.
- يعرفون الإيمان بِأَنَّهُ التصديق بالقلب، والقول، والعمل. ويقرون بأن الإيمان يزيد ولا ينقص.
- يعرفون الصغيرة بالمعصية التي لا حد لها في الدنيا، أما الكبيرة فهي التي يجب على مرتكبها حد في الدنيا، ووعيد في الآخرة.
- لا يسمون صاحب الكبيرة مؤمنا ولا مشركا، وَإِنَّمَا يسمونه كافرا بمعنى: كفر نعمة، أو كفر دون كفر وكفر فوق كفر، أو كفر نفاق، كما يسمونه أيضا: منافقا، وفاسقا.
- يتفقون على ضرورة توفر شروط لقبول التوبة هي: أن تكون نصوحا لوجه الله، مع الاستغفار، والإنابة، ورد المظالم إلى أهلها، والاعتراف بالذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه، وإتيان العمل الصالح.
- يعتقدون بخلود صاحب المعصية المستحق للعقاب في نار جهنم، مثلما هو مصير المشرك.
وفي الأخير أنوه بهذا الملتقى العلمي الذي ستتناقح فيه الأفكار، وتلتقي الوشائج الأخوية، وتتوحد القلوب، فيكون المشاركون والمستمعون يدا واحدة في بناء صرح الأمة الجزائرية، حتى نمكن لدين الله، ونصلح النفوس، ونزيل الحواجز النفسية بين المسلمين، وننبذ الاعتداد بالرأي والتعصب له، وأدعو الله أن يقيظ لأمته من يحفظ دينها ويعمل جاهدا ومخلصا لوحدة المسلمين قولا وعملا، إنه سميع مجيب.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته (1/29)