صفحة 1
الكتاب: الترشيد العقدي للتوجهات في مْزاب
المؤلف: مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) بسم الله الرحمن الرحيم
الترشيد العقدي للتوجهات الفكرية في وادي مزاب
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة الذي تألفت عليه قلوب المؤمنين وأيده الله بنصره وبالمؤمنين، وأعزنا به بعد ذل، وعلى آله وأصحابه وأنصاره إلى يوم الدين، وبعد:
تمهيد:
وحدة الأمة وتماسكها، مطلب شرعي، وفريضة ثابتة، يقول الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} (آل عمران:103)، وقال أيضاً: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} (الأنفال:46)، وقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} (آل عمران:110)، ولا نكون أمة إلا إذا كنا أمة مؤتلفة تعمل لخدمة أهداف موحدة، وتسير لتحقيق العز والنصر والتمكين لدين الله في الأرض، يقول الله سبحانه وتعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} (آل عمران:107)، وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء} (الأنعام:159)، والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً مما يدل على أن وحدة الأمة أمر واجب لازم لا خيار للمسلم في تركه وإهماله، وأن الفرقة والتفرق مدعاة للفشل في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
ولما كان أمر الوحدة الإسلامية، والأخوة الدينية فريضة شرعية، أصبح لازماً علينا أن نسعى في سبيل تحصيل هذه الوحدة وتثبيت أركانها، وإقامة بنائها.
واقع الأمة المزابية (1/1)
صفحة 2
لا شك أن واقع الأمة المزابية المسلمة يعرض لنا صورا مختلفة من المناهج الدعوية، وتحزبات متعددة كل يعمل على شاكلته، مما أفرز عصبيات كثيرة، وتشديدات كل طرف على الآخر، بل وصل الحال إلى إصدار أحكام شرعية كالتبديع، والتفسيق، والهجران، واعتبار المجهودات المبذولة في الساحة الدعوية أو العلمية أو الاجتماعية لا أساس لها من الصحة، وستذهب هباء منثورا يوم العرض الأكبر، وهو ما أدى –في كثير من الأحيان- إلى القطيعة المطلقة بين أبناء الأمة الواحدة، وتشتيت جهود العاملين المخلصين لمعتقداتهم وتوجهاتهم، وأسفر هذا الوضع العام إلى تكرار الأعمال بنفس الوتيرة، ونفس الدافع العقدي، وأنتج مجتمعا يدور في دائرة مغلقة، ويتحدث في مشاكله الفكرية، غافلا عن تشكيل الشخصية المؤمنة الفعالة والعاملة في التغيير بتسامح مع أخيه المسلم.
وللخروج من الواقع الحالي يتحتم على كل التوجهات المزابية بدون استثناء فتح باب الحوار العلمي، ومناقشة القضايا بنفس رحب، وطوية سليمة، والتعهد على نصرة دين الله بداية من عدم إقصاء الآخر، وادعاء امتلاك الحق المطلق الذي لا محيد عنه، واعتبار نفسه أو توجهه أو جماعته التي يعمل معها أو ينتمي إليها هي الناجية الوحيدة في الآخرة دون غيرها، لأن مثل هذا الإدعاء العقدي سيعيق في توحيد الصفوف، وجمع الكلمة، وتأليف القلوب، يقول الله تعالى: {لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} (الأنفال:63)،.بل إن الشقاق والخلاف غير الرشيد سيثبط النية في إخلاص مقصدها لابتغاء مرضاة الله تعالى.
وتراني من واجبي أن أشارك مع إخواني في حل جزء من إشكالياتنا المعاصرة، وذلك بتقديم ورقة تساهم في وضع أسس بناء الأمة الواحدة، لأن الله سبحانه وتعالى {يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص} (الأنفال:63).
توجيهات إيمانية للمعاشرة الطيبة بين التوجهات الفكرية في مزاب: (1/2)
صفحة 3
- الإيمان بأن الانتصار لتوجه ما لأجل إشفاء الغليل، ومخالفة خصمه منهي عنه شرعاً.
- الاعتقاد بأن نصر دين الله، وإعادة المسلمين إلى سلم المجد، وإعلاء كلمة الله في الأرض، يكون بتضافر جهود العاملين جميعاً في حقل الدعوة، وغرس روح التآزر والتآخي، مع اعتبار أن هذا التعاون لا يمنع التنافس الشريف، والتسابق في الخير والهدى والبذل والتضحية.
- إفساح المجال للنقد البناء، وكشف الأخطاء، والاستفادة من تجارب الماضي ومن سقطات الدعاة من أجل أخذ العبرة والذكرى وعدم تكرر هذه الأخطاء.
- انتهاج طريق الإصلاح لما أفسده المفسدون، والإبقاء على الصالح من بناء الأمة، وترميم ما هو آيل إلى السقوط. واجتناب طريق الهدم، ومحاولة البناء من جديد، لأن ذلك ينبثق في الغالب من نقص الإخلاص في العمل لوجه الله، وسيؤدي إلى الإسراف في الجهد والطاقة، وتبرحة نفس الدرجة والنتيجة التغييرية التي وصل إليها السابق.
- الاختلاف في الرأي لا يمكن أن يكون مؤدياً إلى فتنة، أو مورثاً لفرقة إلا إذا صاحبة بغى أو هوى كما قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بنهم ((17). والله تعالى مع أمره بعدم موالاة الكفار قال: وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ((18).
- عدم الرد على المخالف إذا ترتب على ذلك مفسدة أكبر. فقد نهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين لما ترتب على ذلك مفسدة أعظم من مصلحة سبها، قال تعالى:) وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وقد كان ترك النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين ولم يقتلهم مع ثبوت كفرهم لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. (1/3)
صفحة 4
- ضرورة التثبت والتبيّن في النقل والمنقول يقول تعالى قال تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً، والمراد بالتبيّن: التعرّف والتبصر والأناة وعدم العجلة حتى يتضح الأمر ويظهر، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بئس مطية الرجل زعموا) (32).
- ضرورة الاستبصار برأي أهل العلم والفقه والبصيرة، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الناس متفاوتين في الفهم والبصيرة، وليس كل من حمل علماً كان فقيهاً مستبصراً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه] (أخرجه أحمد وابن ماجة عن أنس). فشتان بين حفظ العلم وفهمه وفقهه. وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بذلك حيث قال جل وعلا: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} (النساء:83). ولو أن المسلمين التزموا التريث في الحكم، والأناة والصبر وسؤال أهل العلم والرأي، والرجوع في المشكلات والمستعصيات إلى أهل العلم والحلم لوفروا على المسلمين كثيراً من الجهود الضائعة، ولجنبوا أهل الإسلام كثيراً من الفتن الماحقة، كما روى البخاري بإسناده إلى سهل بن حنيف رضي الله عنه في يوم الحديبية قوله: (أيها الناس اتهموا الرأي في الدين فلقد كدت أن أرد على رسول الله أمرَه يوم حادثة أبي جندل [في أغلاله])، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يزيد على أن يقول له: [اصبر يا أبا جندل فإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً]!!. (1/4)
صفحة 5
- اليقين بأن الرأي يصيب ويخطئ، وأن مجال الاجتهاد في الشريعة واسع جداً، ومجال المشتبه فيها كبير جداً، وأن هذا يحتاج إلى الجهابذة الأفذاذ الذين يوفقهم الله لوضع الأمور في نصابها وتنزيل الأحكام على منازلها الصحيحة، ومن أجل ذلك كله جعل الله الشورى أصلاً من أصول الدين {وشاورهم في الأمر} (آل عمران:159).
- تنصيب إمام يحسم الاختلاف، ويقطع دابر الشقاق.
- إخلاص الدين لله والقيام له وحده والبعد عن البغي والحسد والهوى:
- غرس التحابب في الله بين المسلمين، يقول صلى الله عليه وسلم: [لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا .. أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم .. أفشوا السلام بينكم] (رواه مسلم عن أبي هريرة).
إرشادات عقدية في التعامل مع الكتاب والسنة:
أولا: كتاب الله العزيز:
وضع القرآن في موضعه الصحيح من حيث أنه كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومن حيث أنه هدية الله إلى عباده المؤمنين والرحمة المهداة للبشر أجمعين كما قال سبحانه وتعالى: {آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} (البقرة:1،2)، وقال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:185). {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون} (الجاثية:20).
ولا يستفاد من القرآن إلا باتباع هذه القواعد:
1 - تقبُّله، والفرح به، وانشراح الصدر له، والعلم أنه أعظم نعمة من الله على عباده: (1/5)
صفحة 6
يفرح أهل الإيمان بالله ويزدادون إيماناً مع كل آية يعلمونها ويحفظونها وتتلى عليهم، وأما أهل النفاق والشقاق فإنهم مع كل آية يزدادون كفراً ورجساً لأنهم يقابلونها بالإنكار والتكذيب والكراهية لما فيها من الأوامر والنواهي. يقول تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} (التوبة:124).
2 - اليقين بأنه كله من عند الله ورد المتشابه فيه إلى المحكم:
اليقين بأن هذا الكتاب المحفوظ بكل آياته هو من عند الله سبحانه وتعالى، وأن أحكامه كلها عدل، قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته} (الأنعام:115). ومسلك الراسخين في العلم من أهل الإيمان هو رد ما أشكل عليهم فهمه، وما اشتبه عليهم أمره إلى المحكم البين الواضح من كتاب الله سبحانه وتعالى. كما قال عز وجل: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ربنا، وما يذكر إلا أولو الألباب} (آل عمران:7).
3 - التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم في بيانه:
الاعتقاد بأن الشخص الوحيد الذي أنيط به بيان القرآن بياناً معصوماً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو المخول من الله بالبيان والإيضاح كما قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (النحل:44)، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الله بسنته العملية بخاصة، وبسنته القولية والتقريرية أيضا، مع اختلاف في درجات الصحة والضعف حسب اجتهاد علماء المسلمين.
4 - رد مشكلاته واستنباط أحكامه، إلى أولي العلم: (1/6)
صفحة 7
وجوب رد ما اشتبه علينا فهمه وفقهه إلى أهل العلم كما أمرنا سبحانه وتعالى إذ يقول: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (الأنبياء:7). وكما قال أيضاً: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً} (النساء:83)، وهذا أدب واجب يؤدبنا الله به، حتى لا نصدر إلا عن علم وبينة، ولا نقول في الدين إلا بمقتضى التثبت والتأكد.
5 - التجرد من التصورات السابقة:
تدبر آيات القرآن متجردين من كل العقائد والأفكار والتصورات السابقة، حتى لا نصير القرآن حمال أوجه.
ثانياً: سنة النبي صلى الله عليه وسلم:
1 - يجب الإيمان بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنه النبي المعصوم، وأنه المكلف بالتبليغ عن ربه والذي لا ينطق عن الهوى والذي طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، والذي لا طريق إلا عن طريقه، ولا دخول للجنة ولا نجاة من النار إلا باتباعه والسير على سنته ومنهاجه قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} (النساء:80)، وقال جل وعلا: {فليحذر الذين يخالفون عن أمرنا أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (النور:63)، والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً وكذلك الأحاديث ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: [والله لا يسمع أحد بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار] أخرجه مسلم عن أبي هريرة.
2 - ومن يرفض السنة النبوية باعتبار وجود أحاديث تنهى عن كتابة السنة، فعليه في الأصل أن يرفض هذه الروايات الناهية عن كتابة السنة لأن نفى السنة من خلال السنة وقوع في الدور.
3 - أما من استغنى عنها باعتبار القرآن مبينا ومفصلا غير مجمل، ولا يحتاج إلى السنة لتكملة الأحكام استنادا لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل44:، (1/7)
صفحة 8
و قوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} (الشعراء: 195). وقوله: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} (الحج: 16).
وقوله: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (فصلت: 03)
وقوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} (الأنعام: 114)
وقوله: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود: 1)، فإنه يغفل في أن السنة تبثت بالكتاب نفسه فهي منه تستمد، وعليه تستند وعنه تصدر وإليه ترجع، لقوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (البقرة: 151)، فتعليم الرسول للقرآن لا يعني تلاوته فقط، وعطف الحكمة على الكتاب يقتضي أن الحكمة هنا شيء آخر وليس هناك غير السنة، وما يؤكد كون السنة من التشريع قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (النساء: 59) وطاعة الله لا شك بالرجوع إلى كتابه، وطاعة الرسول بالرجوع إلى سنته، ولو كان المراد الكتاب وحده لما كان ثمة داعٍ للتكرار، وقال تعإلى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِث .. } (الأعراف: 157) .. الآية، فنص في هذه الآية الكريمة على الأخذ بما يشرع الرسول والتحرج عما ينهى عنه، وقد ثبت أن السنة أباحت كثيرًا وحظرت كثيرًا بدون أي نص أو إشارة خاصة من الكتاب ومع ذلك يجب الأخذ بكل ما جاءت به لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر:7). (1/8)
صفحة 9
وقد صرح الكتاب العزيز بأن كل ما أوجب الرسول وأمر، أو نهى عنه وحظر إنما هو من الله تعالى يجب اتباعه ولا يجوز اجتنابه؛ لقوله تعإلى: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (النساء: 80) وقد أكد سبحانه وتعالى على الناس في طاعة الرسول وشدد في مواضع كثيرة من القرآن العظيم بالترغيب في اتباعه، ووعد العاملين بأمره بعد أن قرن طاعته بطاعته في قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 71) وبتخويف المخالفين لأمره، والمتجافين عن حكمه بقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور: 63) فمخالفة الرسول - ولا ريب - مخالفة صريحة لأمر الكتاب الصريح.
4 - أما استدلال القرآنيين بقوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء} (الأنعام: 38)، فعلى تسليم أن المراد بالكتاب هنا هو القرآن، فيعني أن القرآن لم يفرط في شيء من كليات الشريعة وجزئياتها، والأمر باتباع الرسول داخل فيما لم يفرط فيه الكتاب، وعليه فإن كل مسائل الشريعة من الكتاب؛ إما مباشرة، وإما باتباع ما يسنه الرسول الأمين. (1/9)
صفحة 10
5 - ويبقى أن نبين أن السنة مراتب، وأن أعلاها ما تواتر عمله، من مثل ركعات الصلاة وأوقاتها، وأنصبة الزكاة، وغيرها، ثم تأتي السنة القولية والفعلية والتقريرية الصحيحة، مع اختلاف المذاهب في اعبار الصحة، لاختلافهم في تصحيح الرواة، واختلافهم في تقديم الثقاة من مذهبهم، لذلك صار لكل مذهب مصدره السني المقدم على غيره؛ كالربيع بن حبيب للإباضية، والبخاري ومسلم للسنة، والكليني وولاية من لا يحضره الفقيه للشيعة، وهذه يسميها عبد الوهاب بن عبد الجبار الدهلوي [مجلة المنار: ترجمة الندوي] حديثا فيقول: «الحديث كل واقعة نُسبت إلى النبي عليه السلام ولو كان فعلها مرة واحدة في حياته الشريفة، ولو رواها عنه شخص واحد. وأما السنة فهي في الحقيقة اسم للعمل المتواتر - أعني كيفية عمل الرسول عليه السلام - المنقولة إلينا بالعمل المتواتر». وبهذا نفهم مقصد الوعيد الشديد لتارك السنة، والمخالف لها، في قوله عليه السلام: (عليكم بسنتي) وقوله: (من رغب عن سنتي فليس مني)، وأن الرمي بالابتداع خاص بالسنة العملية المتواترة.
6 - وينبغي أن نحترز من القول أن السنة خاصة بزمن رسول الله فقط، وعلى المسلمين الاجتهاد في هذا العصر، لأنه لا دليل للتخصيص. ومن التحري أن نعلم أن بعض الأحاديث نقلت إلينا بغير ملابساتها، مثلما يقول عبد الجواد ياسين في كتابه السلطة في الإسلام، مما يستدعي الاجتهاد في إنزالها إلى واقعنا، ومراعاة الصلاح في تطبيقها بما يتناسب وواقع الأمة في كل عصر.
توصيات للتعامل الأمثل مع التوجهات الفكرية
1 - إنشاء مركز علمي يجمع الطاقات العلمية للأمة المزابية، ويناقش الأفكار المستحدثة، ويعقد حوارات مع أرباب التوجهات، ويسعى جاهدا لجمع الشتات، والتدريب على عدم الإقصاء.
2 - ضرورة تعيين إمام عالم كفء يرجع إليه في بتِّ رأيه حول المستجدات الفكرية للأمة، وذلك بالتعاون مع المركز العلمي للطاقات العلمية. (1/10)
صفحة 11
3 - سد ثغرة الفراغ الروحي في المجتمع المزابي، وذلك عن طريق تدريب الدعاة والوعاظ على تزكية النفس، وكيفية تبليغها للأمة، لأن كثيرا من أسباب الانتماء إلى التوجهات الجديدة سببه التأثر بالروحانيات.
4 - استفادة هيئات المجتمع من محاسن التوجهات المنتشرة في مزاب، والاطلاع على إيجابيات الحركات الإسلامية في العالم.
5 - أغلب التوجهات الفكرية في مزاب وليدة ضعف في جانب ما، مما يستدعي على هيئات المجتمع تدارك ضعفها، وتصحيح أخطائها.
6 - التفكير بجدة في وضع أهداف عامة للمجتمع المزابي (مشروع مجتمع)، وتوسيع نطاق العمل الدعوي والعلمي، للخروج من دائرة الاحتكاك الضيق بين أبناء الأمة المزابية، أمام توفر السيولة المالية التي باتت عبئا على الأمة.
7 - نشر الحلقات العلمية الهادفة والمتسامحة في فكرها مع الآخر في مساجد مزاب؛ داخل الوادي وخارجه، وذلك لرفع المستوى العلمي، والتقليل من تأثير العاطفة الدينية على العقل.
8 - تحصين الناس من الانسياق وراء الخطابات الديماغوجية والحماسية، والتي تحمل عادة في طياتها أفكارا متطرفة، وأحكاما مسبقة على المسلم العامل بجد في الحقل الدعوي والاجتماعي.
وفي الأخير أدعو الله لي ولكم السداد في القول، والتوفيق في العمل بالصالحات، وأن ينفعنا بعلمه، ويزدنا من فضله.
ونسأل الله أن يرحم شيخنا الكريم الشيخ بكير بن محمد أرشوم، على جهاده وتضحياته، وأن ينزل عليه شآبيب الرحمة والرضوان، وأشكر بالمناسبة الساهرين على إنجاح الملتقى العلمي والدعوي والاجتماعي، وأدعو الله لهم ولذريتهم الهداية في السر والعلن، وأن يخرج الله من أصلابهم من يخلف الشيخ في قيادته الرشيدة للمجتمع البرياني، إنه سميع مجيب.
والسلام عليكم ... ابن ادريسو مصطفى: 11 رجب 1428هـ/ 26 جويلية 2007
أخطاء عقدية في التعامل مع المجتمع المزابي (1/11)
صفحة 12
يشهد المجتمع المزابي حاليا توجهات تنظيرية، تهتم كثيرا بأفكارها وقناعاتها العقدية أو الفقهية أو الدعوية أو الأصولية، وليس لها مشاركة ميدانية كبيرة في تسيير واقع المسلمين، مما يسر لها نقد المجتمع المزابي [المحافظين أو الإصلاح الذين يتكفلون بتسيير الهيئات العرفية] وتحميله أخطاء الرعايا، ولذلك سجلنا بعض التحامل في تعامل بعض هذه التوجهات مع المجتمع الذي اهتم بتربيتهم، ويسهر على ضبط أفراحهم وأتراحهم، ويسعى جاهدا لتربية أبنائهم وتعليمهم، وهو ما نراه غير واقعي، ولا يستجيب لأخلاقيات المسلم تجاه من أحسن ويحسن إليه، وسألخص ملاحظاتي في التحامل على المجتمع ورعياه من منظور عقدي، فإليكم بعض منها: (1/12)