صفحة 1
الكتاب: الجوهر المقتصر لأبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] [مبوب]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
الجوهر المقتصر
تألف الشيخ العالم
أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي النزواني
1406هـ / 1986م
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
بقلم صاحب المعالي سمو
السيد فيصل بن على بن فيصل
وزير التراث القومي والثقافة
في سلطنة عمان
تفخر عمان بأنها كانت من أسبق دول العروبة والإسلام في تسجيل تاريخها السياسي والحضاري.
ولا يزال معظم هذا التراث مخطوطا في قلب عمان وفي مختلف دول العالم وتعمل وزارة التراث القومي والثقافة على نشر هذا التراث العالمي لتربط ماضينا العريق بحاضرنا المشرق ولننطلق في نهضتنا المباركة من ماضينا المجيد، ولنقدم المادة التاريخية للمؤرخين والعلماء المعاصرين.
ويطيب لنا أن نقدم للقارئ وللعالم كتاب ((الجوهر المقتصر)) الذي بكشف عن جهد العمانيين المسلمين منذ العصور الإسلامية الأولى، في البحث عن ((الذرة)) أو ((الجوهر المقتصر))، وهم في بحثهم عن الجوهر المقتصر يؤكدون للعالم أن الانطلاقة الفكرية والحضارية الكبرى للإسلام نبعت من الدين الحنيف الذي كرم الإنسان وحث على البحث والنظر والتعلم وأظل هذه الانطلاقة الكبرى الرعاية المستمرة والعرفان الدائم من أولى الأمر العمانيين للعلماء والباحثين.
والله نسأل التوفيق والهداية وحفظ عمان الحبيب، سأل القدير العزة لعمان والازدهار في ظل حضرت الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله.
فيصل بن على بن فيصل
وزير التراث القومى والثقافة
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء
وسيد المرسلين وعلى عباده الذين اصطفى
مقدمة
بقلم الأستاذة الدكتورة
سيدة إسماعيل كاشف (1/1)
صفحة 2
ألف كتاب ((الجوهر المقتصر)) أو ((الكتاب الجوهري)) العالم العماني الجليل والشيخ الفقيه، أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي النزواني الإباضي المحبوبي، ينتسب إلى سمد نزوي أحد أقسام مدينة نزوي التي كانت تسمى ((تخت ملك العرب)) والتي سميت ((بيضة الإسلام)) حين كانت مقراً لأئمة عمان وحين انبعثت منها شمس الحضارة الإسلامية.
إما هذا العالم العماني الجليل فهو من علماء القرنين الخامس و السادس الهجريين (الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين) وأن كنا لم نعرف تاريخ مولده أو وفاته.
وأما مخطوط ((الجوهر المقتصر)) أو ((الكتاب الجوهري)) فهو مخطوط في مجلد في غلاف واحد مع كتب وسير أخرى في مكتبة وزارة التراث القومي والثقافة في سلطنة عمان والرقم العام له ((1854)) والرقم الخاص ((2ح)).
وكتاب ((الجوهر المقتصر)) مخطوط ينشر لأول مرة مؤكداً للعالم الإسلامي وغير الإسلامي، للعالم الشرقي والغربي، أن علماء عمان شاركوا في مختلف أنواع العلوم والفنون والآداب، وكان لهم السبق في كثير من ميادين العلوم والفنون والآداب، وأنهم نهضوا مع علماء سائر ديار الإسلام لإرساء قواعد الحضارة الإسلام الأصيلة والتطوير تلك الحضارة التي غذت العالم أجمع، وأمدت العالم والمعرفة ووسائل النهوض بالحياة وبالفكر البشرى وبالإنسان.
(((
والمؤلف أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي النزواني، من عاما عمان وفقهائها ما بين القرنين الخامس والسادس الهجريين، وممن نبغوا في علم الكلام. وكان من أهم تآليقه هذا المخطوط الذي تقوم بنشره، ((المصنف)) ((الذخيرة)) و ((سيرة البررة)) و ((الاهتداء)) وغير ذلك من الكتب والسير.
المؤلف بيدأ كتابه عن ((الجوهر المقتصر)) مقدمة بسيطة لا تتجاوز الصفحة ونصف الصفحة، ثم
يكتب بعدها ما قصد إليه من الكتاب. (1/2)
صفحة 3
والمخطوط يقع في سبع وسبعين صفحة، معظمة في مسألة ((الجوهر)) أي من الباب الأول إلى نهاية الباب الثاني العشرين، ومن الصفحة الأولى إلى الصفحة التاسعة والخمسين من المخطوط. ومن الباب الثالث والعشرين إلى الباب الثاني والثلاثين، أي من الصفحة التاسعة والخمسين إلى نهاية المخطوط، يتكلم المؤلف عن المذهب الإباضي والدين الإسلامي. وإذا كان الإباضية حين يذكرون (الإباضية) يعنون ((المسلمين)) فإن من بينهم – ومنهم مؤلفنا – حين يقول ((الدين الإباضي)) فإن يعنى ((الدين الإسلامي)).
أما في حديث المؤلف عن ((الجوهر المقتصر)) فهو يعنى به ((الذرة)) بلغة العلم الحديث. والجوهر المقتصر و الجوهر المنتهى، ومن كلمة: أقصر وقصر وتقاصر بمعنى انتهى، أي ((الجزء الذي لا يتجزأ))، أو الجوهر الواحد الذي لا ينقسم، أو الجزء الواحد، أو الجوهر الفرد.
وفيل أن نسمع من علماء عصرنا الحاضر عن ((الذرة)) فقد بحث علماء المسلمين منذ القرن الثاني الهجري فيما نعلم، في مسألة الجوهر الفرد الذي لا ينقسم. وقد تبنى تلك النظرية علماء الكلام المسلمون، وكان علم الكلام، أو علم التوحيد وأصول الدين، يتضمن الدفاع عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية.
وكان المؤلف أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي النزواني عالما ضليعا من علماء الكلام ينص المؤلف في كتابة أن مصادره مؤلفات علماء ((من أهل الكلام)).
وأبو بكر الكندي النزواني، يبين الفرق بين الجوهر والعرض، ويثبت عدم إمكانية انقسام أو تجزؤ الجوهر، كما يتكلم عن القدرة وتأثيرها على المقدورات.
وإذا كان المؤلف قد ألف كتابا قائما بذاته عن ((الجوهر المقتصر)) الذي نقوم بنشره، فإنه يشير في صفحة 20من مخطوط الجوهر المقتصر، الى تناوله مسألة ((الجوهر والعرض)) في كتاب له اسمه ((الذخيرة)). (1/3)
صفحة 4
وكان للقول (بالجوهر المقتصر) أو ((الجوهر الواحد)) أو ((الذرة)) شأن كبير في علم الكلام، اذا أن القول كان يثبت بالأدلة العقلية القدرة الإلهية التي تحصى كل شيء عددا والتي تعلم كل شيء وتحيط بكل شيء.
كما إن القوا بالجوهر المقتصر يثبت قدم الله تعالى ووحدانية الخالق والصانع وأن للموجودات ((نهاية)) وأن المخلوقات حادثة متناهية.
ويقول مؤلف الجوهر المقتصر في صفحة 44 من المخطوط: ((ونحن ما تجرأنا على الكلام في هذه المسائل إلا بعد الخوض فيها، والتأمل لمعانيها ووجودها في آثار المسلمين (يعنى آثار الإباضية) والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم)).
إن كان أبو بكر الكندي النزواني، مؤلف ((الجوهر المقتصر)) ينتمي إلى القرن السادس الهجري إلا أنه اعتمد على مصادر عمانية أباضية ترجع إلى القرن الثالث الهجري وما فبل ذلك القرن وبعده.
(((
ومؤلف ((الجوهر المقتصر)) غالباً ما يشير إلى مصادرة المتنوعة على غرار ما ندخله الآن في المنهج العلمي والأمانة العلمية.
ومن أهم مصادره التي أشار إليها في مخطوط ((الجوهر المقتصر)) كتاب ((المحاربة)) لأبى المنذر بشير بن محمد بن محبوب. وأبو المنذر بشير ابن محمد بن محبوب من علماء عمان الأجلاء في لبقرن الثالث الهجري وهو من أحفاد الإمام محبوب بن الرحيل ومن أسرة اشتهرت بالعلم والفضل.
ومن مصادر المؤلف التي أشار إليها كتاب ((الأكلة وحقائق الأدلة)) للقاضي أبى محمد نجاد بن موسى الذي توفى سنة 513 هـ.
ومن مصادره أيضاً ((مختصر الشيخ أبى الحسن)) أما الشيخ أبو الحسن فهو أبو الحسن على بن محمد البسياوي، وكان من أبرز علماء وفقهاء عمان ما بين القرنين الرابع والخامس الهجريين.
ونلاحظ أن مؤلف مخطوط ((الجوهر المقتصر)) يشير في كتاب إلى أهمية السؤال في البحث عن الحقيقة ويبين قواعد الأسلة ومناها. (1/4)
صفحة 5
إذا كان مخطوط ((الجوهر المقتصر)) ينشر لأول مرة، فإننا نضيف إلى ما نسر وما لم ينشر بعد من التراث العماني ما يثبت للعالم أجمع أن العمانيين ساهموا في العصر الإسلامي في نشر الحضارة كما ساهموا من قبل في العصور القديمة ومن بعد في العصر الحديث، أن العمانيين شاركوا مشاركة جدية فعالة في كافة العلوم وأضاءوا الشعلة حيث كان الظلام. ولم يشر أحد من العلماء المعاصرين في الشرق والغرب إلى بحوث العمانيين في ((الذرة)) أو في ((الجوهر المقتصر)) في العصر الإسلامي. وكل ما عرفه علماء الغرب الحديث والعرب في عصرنا هذا وحتى الآن أن المعتزلة والأشاعرة هم أول من تكلم في ((الذرة)) أو في ((الجوهر الفرد)) من المسلمين، وحضوا بالذكر أبا الهذيل العلاف المهتزلى (توفي 227 هـ أو 235هـ / 841/ 849 م)، وأبا إسحاق إبراهيم بن سيار النظام (توفي بين عامي 221 و 231هـ / 835 أو 845 م) الذي ألف كتاباً في الجزء الذي لا يتجزأ، وأبا الحسن الأشعري (توفي سنة 324هـ/ 935م)
وقد كتب مخطوط ((الجوهر المقتصر)) بالخط النسخ العادي دون أية إشارة إلى اسم الناسخ أو تاريخ النسخ، وكتب في كل ورقة صفحة واحدة، وعرض الورقة 5ر20 سنتيمتراً وطولها 30 سنتيمتراً تقريباً، أما المكتوب في كل صفحة فهو 5ر13 سنتيمتراً عرضاً و 5ر21 سنتيمتراً طولا تقريباً.
وفي كل صفحة من صفحات المخطوط كتب 22 سطراً تقريبا، وفي كل سطر كتب حوالي خمس عشرة كلمة.
وقد أثبتنا أرقام بداية كل صفحة من صفحات داخل مستطيل صغير في الكتاب المطبوع.
((( (1/5)
صفحة 6
وأنا لنعتز اعتزازاً كبيراً بتقديم مخطوط ((الجوهر المقتصر)) الذي يكشف مع آلاف المخطوطات العمانية عن صفحات مشرفة في تاريخ عمان العربي لإسلامي. ولا يفوتنا أن نشيد بالجهد الكبير الذي تقدم به عمان لنشر كنوزها الخطية الثمينة بفضل الرائد والرعي حضرت المعالي سمو السيد فيصل بن على بن فيصل وزير التراث القومي والثقافة في سلطنة عمان حفظه الله ووفقه قي نشر التراث العماني العظيم في ظل ورعاية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله.
وإنا نحمد الله على توفيقه ونسأله القدرة على دراسة ونشر التراث العماني الإسلامي العظيم.
دكتورة
سيدة إسماعيل كاشف
18 ربيع الأول 1403هـ
2يناير 1983مـ
[1] بسم الله الرحمن الرحيم (1/6)
صفحة 7
الحمد لله القديم الأولى، الدائم الأبدي، الباقي الأزلي، المتوحد العلي، المنفرد القوي، المتفضل القوي، المتطول الولي، القادر على كل شيء، المقدس عن الصاحبة والأولاد، البريء من الأشباه والأنداد، الطاهر من صفات أهل الشرك والإلحاد، المتعالي عن درك النواظر، وتحصيل الأوهام والخواطر، الشاهد له بالربوبية والالهوت، والوحدانية والملكوت، والقدرة والجبروت، وأنه الحي الذي يموت، أنواع ما أظهر في العالم المبتدع، المحدث المخترع، من دلائل القدرة وأعلام الخلقة والفطرة، في تضمين (1) أجناس الأجرام الحسية، والأجسام المميتة والنفسية، والعناصر الأربعة المختلفة، والجواهر المفردة والمؤتلفة، من عجائب الصور والتقدير، ودقائق الحكم والتدبير، والتي بهرت قلوب الزنادقة الجاحدين، وحيرت عقول الكفرة الملحدين، وانشرحت لها صدور البررة المهتدين، فأشرقت بنورها مهج العابدين، الذين أبصروا بالعقول القريرية (2)، ونظروا بالعلوم المكتسبة والضرورية، والأفكار الصافية الهندسية، والاعتبارات الصحيحة القياسية، نور الحق ساطعاً يزهر، وبهاء الدين طالعاً يبهر، وبرهان العدل قاطعاً يقهر، فسلكوا أقوم الطريق، ودانوا بالوحدانية والتحقيق. وتمسكوا بعرى الحبل الوثيق، فطوبى لهم وحسن مآب، وتعساً لأولئك الزائغين عن الصواب، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له الذي شرع الذين الواضح منهاجه، الظاهر إبلاجه، المتوقد سراجه، المضيئة أنواره، المشرقة أقماره، وأيده بالرهان الساطع، والدليل القاطع، والاحتجاج القاهر، المقال الباهر، والخطاب الموجز والكتاب المعجز، والفرقان الناطق، والرسول الصادق المنتخب، من أفضل الشعب وأشرف قبائل العرب، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله البررة وكرم. (1/7)
صفحة 8
أما بعد، فقد جلت الرزية، وعظمت المحنة والبلية، لفقد أعلام المسلمين والفقهاء المتقدمين والأخيار المؤمنين، والأفضل الأ كرمين، أولى الورع والنزاهة والعقل والنباهة، والإخلاص والديانة [2] ولأدب والرزانة، والخضوع والكلفة والتحرج والصيانة، والصلاح والأمانة، ذوى الألباب والعلوم، والتبحر في العلوم، والقيام بدين الحي القيوم، الذين طلبوا العلم للآخرة، وصانوه عن المفاخرة، نزهوه من لأدناس، وأضحوه من الإلباس، ولم يتقربوا به إلى الناس، فهل من باك، للدمع سفاك، بقلب جزوع، ولب هلوع، وكبد فجوع، ودمع هموع (3)، على ذهاب الأعلام وانقراض الكلام، ودثور الأحكام، وغربة الإسلام، ودروس الآثار، وطموس نتيجات الأفكار، لموت الفقهاء الأخيار، ولا سيما المنافسين في قواعد الدين وحقائقه، المتغلغلين في غرامضه ودقائقه، التي قد صارت عند هذا الجيل مثلبة لمن طلبها وتعلمها، وعيباً لمن نافس فيها وتوسمها، ونقيصة عندهم على من تصفحها وتفهمها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، صبرا على ما قدره العليم، ورضا بما قضاه الحكيم، ولا حول ولا قوة إلا بلله العلي العظيم،. وصلى الله على رسوله النبي الكريم، محمد واله أهل الكرامة والتقديم وخصهم بالتشريف والتسليم.
الباب الأول
باب بيان ما أوردنا هو جعلنا له الكتاب وقصدناه (1/8)
صفحة 9
ثم إنا نعلمكم معاشر المسلمين انا نوزعنا فبي مسألتين من الدين، خولف فيه ما وجدناه عن الأئمة المهتدين، إحداهما في السؤال عن القدرة على قسم الجوهر، والأخرى في الشهادة لمن مات على الدين الإباضي (1) الأطهر، وإنما صدّرنا منا على الرفيعة والوجدان، في حلبة المذاكرة لبعض الأخوان، ممن لا يتهم باعتماد زيادة ولا نقصان، فقضى علينا في الإباضية إحداهما بالتخطئة والهلاك، وأخلق علينا في الجوهرية بالكفر والإشراك، فلما أن عظم فيهما المقال، وكثر في معناهما القيل والقال، ولحظتنا بذلك زمرات (2) الأعين، وخرقت أعراضنا أسنة الألسن، نقلنا لهم المسألة الموجودة من الأثر لينعموا (3) في معانيها أكيد النظر، فستر ذلك الفضل ودفن. ثم ثنينا بكتاب آخر مستفتين فما أجيب عنه ولا أعلن، وليس هذا من آداب المسلمين، ولا أخلاق العلماء بالرفق في المتعلمين، أن يخلفوا عليهم بالكفر حيث يحب إنزال العذر. ثم تعرضوا [3] فيهم في مجالسهم في المقال، ويعرضوا عن إجابتهم عند السؤال، لأنه إما باطل ظهر لهم فيقهرونه، وإما حق صح عندهم فينصرونه، إذا لا فضل خلاف ذلك ن ولا منزلة ثالثة هناك، اللهم إلا أن يقع جهل بالجواب، وذهول عن وجه الصواب، فلا شرف أشرف من رد العلم إلى العلام، ولا فخر إلا كما قالت الملائكة عليهم السلام. فعند ذلك استضقنا الوقوف بعد ما سمعناه وخفنا إثم السكون عن إيضاح ما عرفناه، خوفاً على ضعفاء المسلمين، ومن هو مثلنا من الإخوة المتعلمين، أن يميلوا إلى التقليد بلا بيان، ولا حجة واضحة ولا برهان، فيقعوا في أعظم المهالك، ويتولجوا أوعر السالك، فكفى بحجج الله القوية، وأدلته المضيئة، لمن أراد الله هداه، ووقاه مهالك هواه، وقد قال الله عز وجل: (بل الإنسان على نفسه بصيرة) (4)، وقال تعالى: (فاعتبروا يا أولى الأنصار) (5). فألفت على كلالة فربحي، وركاكة فهمي وبصيرتي، هذا الكتاب المختصر، وسميته (( (1/9)
صفحة 10
الجوهر المقتصر))، مستعيناً بالله عليه، وداعياً له أن يجعله وسيلة إليه، إن شاء الله. فاحذروا أيها الإخوان أن تقلدوا في أصول الدين، أو ترغيوا عن آثار أئمتكم المهتدين، فشر طنا عليكم أن لا تعجلو علينا بالملام، ولا تولونا هجر الكلام، قبل تصفح كتابنا، وتأمل ما أوضحناه في خطابنا، فنحن إن شاء الله مبينون وجه العدل فيما قلناه، ومبرهنوه بالأدلة الشاهدة بصواب ما أصلناه، (ولينصرن الله من ينصر إنا الله لقوى عزيز) (6)، ليعلم شارعو أسنة الطعن علينا. ومفوقو سهام التخطئة إلينا، أينا أصح حكماً وأقوم قيلا، وأينا أهي عمى وأضل سبيلا، لأن الحق كلما امتحن ابلولج واتسع مضيقه، والباطل كلما فتش بان سقمة وادهمت ظلمه. والعياذ بالله أن نمنى بحسود يتصدى لدخض الحق، وتحمله ما قد كبر في نفسه من أمرنا على مخالفة أهل الصدق، والله كفانا كل شر، الواقى كل مكروه يحذر وضر، وهو القوى المعين.
الباب الثاني
باب صفة المسألة الجوهرية ومعانيها
وبيان الاختلاف والتنازع الواقع فيها
أما المسألة الجوهرية فهي أن قول القائل أيقدر الباري سبحانه وتعالى أن يقسم [4] الجوهر أم لا؟ سؤال صحيح أو مجال؟ وأما الاختلاف الواقع فيها فإنما هو نفس سؤال أته صحيح أم لا؟ ليس في القدرة نفسها، فإن القدرة ليس فيها اختلاف ولا تنازع، فإنما التنازع في إضافة القدرة إلى قسم الجوهر، وإنما يكون اختلافاً في القدرة لو اتفقنا على أنه تصح إضافة القدرة إلى قسم الجوهر واختلفنا في أنه يقدر أو لا يقدر، فيقول قائل: إنه قادر على ذلك، ويقول غيره إنه لا يقدر، فهذا هو الاختلاف في القدرة. وإنما نحن فنقول يصح هذا السؤال أم لا؟ غير أن جملة الكلام في هذا المسألة مقصورة على ثلاثة فصول:
الأول: في بيان أقسام السؤال وإثبات الصحيح منه وإفساد الحال.
الثاني: قي بيان حقائق الأشياء الدالة على المعاني المتعلقة بهذه المسألة. (1/10)
صفحة 11
الثالث: في بيان وجه الاستحالة فيها واختلال الألفاظ الموضوعة لمعانيها.
فمتى ثبت أن بعض الأسئلة محال وتقرر وجه الاستحالة في المسألة الجوهرية على كل حال ارتفع الجدل والنزاع ولزمه بالضرورة التسليم لموجب العقل والإجماع وبالله التوفيق.
مقالتنا: وقولنا في هذا السؤال على ما عرفنا في الأثر ووجدنا عن أهل البصر إن الله تعالى على كل شيء قدير لا يعجزه شيء أبداً وأن هذا سؤال محال فاسد متناف ينقض بعضه بعضاً من حيث إنه سؤال عن القدرة على قسم الجوهر لا على الجوهر نفسه. وقسم الجوهر لا شيء، والقدرة لا تقع إلا على شيء. لأن قوله أيقدر أن يقسم الجوهر. أي يقدر أ، يعدم منه الإجماع الحال فيه ويوجد فيه الافتراق المعدوم منه، فإن معنى قسم الشيء تفويق أجرائه لا غير ذلك فلما أن قال يقدر يقسم الجوهر أي يذهب الاجتماع منه وبعدمه، والجوهر في الحقيقة في المسلمين هو الجزء الواحد الذي لا يتجزأ ولا ينقسم إذ لا اجتماع فيه، انتقي سؤاله وفسد واستحال لأن ما لا يتجزأ في الحقيقة فمعناه لا ينقسم، وما لا ينقسم في الحقيقة فلا قسم له، وما لا قسم له فكيف يصح أن يقال يقدر على قسمه وقسمه لا شيء. كما لو سأل سائل فقال أيقدر أن يعمى الأعمى أم لا؟ لكان الجواب أن الله على كل شيء قدير وأن هذا سؤال فاسد محال من حيث انه سؤال [5] عن القدرة على إعماء الأعمى وهو إذهاب بصره، لا على الأعمى نفسه، الأعمى لا بصر له فيصح أن يقال أن يقدر أن يذهب بصره إذ لا بصر له. (1/11)
صفحة 12
مسألة: وإنما يصل إلى حقيقة هذا المعنى من اهتدى للفرق بين الجوهر وبين قسمه وعرف أن قسم الجوهر معنى غير الجوهر وعرف أن قوله القائل أيقدر البارئ أن يقسم الجوهر؟ سؤال عن القدرة على قسم الجوهر لا عن القدرة على الجوهر نفسه، فمتى عرف ذلك وعرف أن حقيقة الجوهر هو الجزء الذي لا يتجزأ ولا ينقسم وأنه لا قسم له كما أن الأعمى في الحقيقة هو الروحاني الذي لا يبصر، ما ر يبصر في الحقيقة فلا بصر له، عرف أنه لا يصح ولا يستقم أن يقال يقدر على أن يقسم الجوهر وعلى أن يعمى الأعمى، وإنما يلزم هذا من أقر بأن الجوهر لا ينقسم في علم الله إذا لا معنى للحقائق إلا ما علمه الله. فإن الأشياء عند الله في علمه قسمان: قسم منها قد علم أنه ينقسم فذلك هو الموصوف بالانقسام، وقسم منها قد علم أنه لا ينقسم فلا تصح إضافة القدرة إلى قسمه. كما أن جميع الأشياء على ضربين: ضرب يبصر وضرب لا يبصر، وضرب حي، وضرب غير حي، وضرب عاقل، ضرب غير عاقل، فلو صح أن يقال يقدر على من لا بصر له أو على إعدام من ليس بموجود، وسنستقصي إن شاء الله على شرح هذه المسألة وإيضاحها وبالله التوفيق. (1/12)
صفحة 13
مقالة المنازع لنا: وأما المنازع فمقاله يدل على زعمه بأن هذا السؤال صحيح تلزم الإجابة عنه بأن يقال له نعم يقدر على ذلك. ورفع إلينا عنه أنه قال من لم يقل ذلك أو من قال انه سؤال محال فهو مشرك. ووجدنا عنه في مسألة ذات جواب رداً خارجاً عن وجه الصواب، وهى فإن قال قائل هل يقدر الباري جلت عظمته أن يجمع الأضداد، فكان الجواب: قلنا إن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء ولا يفعل إلا الحكمة، فرد المنازع قلنا نعم إنه قادر على ذلك لا يعجزه شيء في الخصوص ولا في العموم ولو شاء لجعل الأرض سماء والسماء أرضاً والبحر براً والبر بحراً، وهذا مطرد في جميع الأضداد كلها. فانظروا معاشر المسلمين إلى هذا الرد المتعارض والترتيب المتناقض الدال أنه صدر عن جهل بالجوهر وحقيقته والشيء ونعته والمحال وصفته. وهكذا من اشتغل [6] بالألفاظ عن المعاني وتعسف المعارضات على جهل بالمثاني. فقد حكى أن شاعراً أشيد الرشيد شعراً في وصف الفرس بين العلماء والفصحاء فقال:
كأن أذنيه إذا تشوفا قادمة أو قلماً محرفاً
فاشتغل الجماعة بحسن التشبيه عن اللحن فقال الرشيد:
تخال أذنيه عرفها بالذكاء الحاضر
وحكى أيضاً أن الرمة امتدح بلال بن أبى أوفى، فأنشده:
رأين الناس ينتجعون غيثاً ... فقلت لصيدح (1) انتجعي بلال
تناجى عند خير فتى يمان ... إذا النكباء ناوحت الشمالا
فقال بلال: يا غلام جب لها تبناً وفتاً لأنه استماح للناقة لا لنفسه، وهذا جمل باتساع اللغة.
ولو عرف هذا المنازع لنا أن الجوهر في الحقيقة الجزء الواحد الذي لا يتجزأ وعرف الفرق بين الشيء ولا شيء، أن تجرئه ما يتجزأ شيء تجزئة ما لا يتجزأ ليس بشيء، وعرف معنى المحال من الكلام أنه ما لا يعتد به ولا يمكن كونه بحال البتة.
وعرف أن القدرة إنما توقع غلى الشيء لا على شيء تبين له لطه وبأن له خطؤه وسقطه، فإن معنى هذا السؤال راجع إلى أن الله يقدر على لاشيء أم لا؟ (1/13)
صفحة 14
لأن قسم الجوهر ليس بشيء كما أن بصر الأعمى ليس بشيء.
وفي هذه الثلاث المسائل كفاية لمن كان له بصر وهداية، غير أنا سنستقصي شرح ما تعلق بهذه المسائل وتوضح طرقها ونكتفي بالآثار الشاهرة مع بيان مستغلقها.
وتقدم ها هنا أدب المفتى وأقسام السؤال ثم نتبعه بشرح المسائل الكافية بأرجح الاعتلال وبالله التوفيق.
الباب الثالث
باب أدب الفتى عند السؤال
وما يجب عليه عند الفتوى من المقال
قال أبو المنذر سلمة بن مسلم في كتاب الضياء:
وينبغي للمفتى أن يتأمل المسألة تأملا شافياً كلمة بعد كلمة وتكون عنايته بآخرها أثم من أولها فإن الجواب يتقيد بآخر الكلام.
قال التأمل: انظر كيف قال إن الجواب يتقيد بآخر المسألة فإذا كان آخرها ينفى أولها، فكيف يتقيد بها جواب أم كيف يكون سؤالها صحيحاً؟
مسألة: فإن مرت به غريبة سأل عنها.
وينبغي للعالم إذا سئل أن لا يعجل في الجواب وأن كان حافظاً حتى يعرفه معرفة صحيحة فيجيب بعلم ويقين ز فإن من أدب العلماء وصفاتهم.
[7] مسألة: قال وإذا سئل عمن قال أنا أصدق من النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال الصلاة لعب أو لغو وعيب، أو قال قصيدة النابغة أحسن من سورة آل عمران، فلا يبادر أن يقول هذا حلال الدم أو مباح النفس أو عليه القتل أو يقتل. بل يقول إذا صح ذلك بالبينة عليه أو باقرار، استتيب فإن تاب فبلت توبته، إن لم يتب فعل به كذا وكذا. وهذا المنازع لنا بادر في الحال على ما رفع إلينا، أن أوجب على القائل باستحالة هذا السؤال حكم الشرك في تحريم الزوجة وتنجيس الطهارة ونقض صلاة الجماعة.
وقيل عنه إنه قال: أن قال ذلك بحضرتي أهدرت دمه.
فأين هذا مما قال أبو المنذر سلمة (1) إذ لو وقف ونظر وتأمل وتدبر وأغمض في الجواب الصادر منا في هذا السؤال لما فاه، فإنه موافق على الشرك لا يلحق في الحدث من غير التوحيد، وهذا حدث في كلام السائل في التأويل أنه صحيح أو متناف، لا في القدرة أنها تقع أو لا تقع. (1/14)
صفحة 15
فنسأل الله أن يعصنا من الزلل ويقينا موبقات الخطل.
مسألة: قال وليس وقوف العلماء عما يسألونه بغيب إذا لم يعلموا فقد وقفت الملائكة الكرام وفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا). (2)
قال الحسن (3) إن ابن آدم لو أصاب في كل شيء جن.
فضل
فمن لم يتسع صدره لتأمل المعاني النظرية والاعتبارات الهندسية ضاقت حوصلته عن عرفان الحقائق، انسدت عن عينه مناهج الطرائق وفاته البلوغ إلى تحصيل الدقائق.
فمتى اقتحم غوامض الأمور وركب لجج تلك البحور على جهل بمعاني ألفاظ السؤال وفحوى المقال وحد الجدال، لم ينكر منه التصدي للاعتراض والتشوف للأغراض، مثل هذا الخلاف المقارق للأسلاف، المنحرف عن الإنصاف، الصادر عن غير نظر وأفكار، وتدبر واعتبار وتأمل واختيار، وتعرف للحدود والحقائق والناهج والطرائق والنقائض والوثاثق والحجج والدليل والبرهان والتعليل والتفريع والتأصيل والتسبيب والتحصيل والتأليف والتفصيل وما أشبه [8] ذلك من قواعد المذاكرات وشروط الجدل والمناظرات، وبالله التوفيق.
الباب الرابع
باب بيان معنى السؤال وحقيقته وذكر قواعده ومعرفته
أما السؤال فهو على معان والذي قصدناه منها هاهنا فهو عبارة عن جملة متركبة من ثلاثة ألفاظ لا تتم إلا باجتماعها.
الأول: لفظ يراد به الاستفهام ينبغي تقديمه أمام الكلام ليستدعى من المخاطب الجواب ويتميز به من معاني الخطاب، وحق الاستفهام أن تدخل على كلام قد عمل بعضه في بعض وتمت به القائدة ولا يكون إلا بالحروف التي أمامها الهمزة، تم هل، وما صار عنها من الكلام الذي ينوب عن حرف الاستفهام وعن الاسم المستخبر عنه، كمتى المتضمنة معنى الاستفهام ومعنى الوقت المستخبر عن إبانة حينه، أين المتضمنة معنى الاستفهام عن الحال.
ومن المتضمنة معنى الاستفهام عن الحيوان العقلي، وما المتضمنة معنى الاستفهام عن المائية وهى الجنس وما أشبه ذلك. (1/15)
صفحة 16
الثاني: لفظ يبين تفسير الخير المطلوب ليتميز به من بين الأخبار الخارجة عن حد النهاية لأن كل شيء مخبر عنه أخبار كثيرة وصفات شتى.
الثالث: لفظ يتعين به المستخبر عن خبره من بين الأشياء المخبر عنها إذ الخبر المطلوب يخبر به عن أشياء كثيرة.
فهذه قواعد السؤال التي لا تتم إلا باجتماعها فمتى نقض أحد الثلاثة أو اختل، بطل أن يكون صحيحاً والله أعلم.
مثال ذلك: في تركيب الثلاثة الألفاظ، كقول القائل: أيجب جهاد المشركين؟ فالألف، لفظ حرف الاستفهام ويجب لفظ الخبر المطلوب المستخبر عنه.
وجهاد المشركين لفظ الشيء المطلوب خبره.
فمتى سقط أحد هذه الألفاظ فلا سؤال.
مسألة: فإن قال: أيجب؟ تم سكت، أو قال: جهاد المشركين؟ تم سكت، أو قال يجب جهاد المشركين، لما كان هذا الكلام سؤال.
لأن في قوله: أيجب، لفظ الاستفهام ولفظ الخبر المطلوب المخبر به عن أشياء كثيرة تجب أو لا تجب، فيجب تعببنها لتخنص بنفي أو إثبات.
وكذلك فوله: أجهاد المشركين؟ فيه لفظ الاستفهام ولفظ نستخبر عنه يخبر عنه بأشياء كثيرة فلما لم [9] يذكر الخبر المطلوب من أحد أخبار هذا المخبر عنه بطل أن يكون سؤال صحيحاً. وكذلك قوله: يجب جهاد المشركين، فيه لفظ ومخبر عنه وهذه صيغة لفظ الخبر لا يكون سؤالا غلا بمعنى اقتران الاستفهام به وإلا فلا سؤالا.
مسألة: فإن وقع في موضع الاستفهام لفظ ينوب عن الاستفهام ولفظ الخبر، اكتفى به مع لفظ المخبر عنه كمتى، أين وكيف، وما، ومن، وما أشبه ذلك مما تقدم تفسيره.
مثال ذلك أن يقول: متى جهاد المشركين؟ وكيف صيام شهر رمضان؟ وأين الكعبة؟
ففي قوله: متى؟ معنى الاستفهام عن الوقت المطلوب إبانة.
وفي قوله: جهاد المشركين، لفظ المخير عنه وما سوى ذلك فهو مثله واله اعلم وبه التوفيق.
مسألة: وأما شرط صحة السؤال فهو مطابقة الحكم المطلوب المخبر به، وذلك أن يكون ذلك الخبر يخبر به عن ذلك الشيء المذكور في السؤال وينصف منه. (1/16)
صفحة 17
مثال ذلك أن يقول السائل: كم أساطين المسجد الحرام؟ ففي كم معنيان استفهام عن عدد، وفي أساطين لفظ مخبر عنه يتصف بالتعدد ومتى لم يكن الحكم المطلوب من أخبار المستخبر عنه بطل أن يكون صحيحاً، كما لو قالوا: أيحب أساطين المسجد الحرام؟ لكان سؤالا محالا متنافيا فاسداً، لأن الأساطين لا يتصف بالوجوب إذ هي أجسام والأجسام لا يخبر عنها بالوجوب وإنما يخبر عن الأعراض، فان اخبر عن الأجسام بالوجوب فانه مجاز وفي الحقيقة راجع إلى الفعل بها والله أعلم.
وإنما سمى هذا سؤال لدخول الاستفهام فيه، وسمى محالا لاستحالة آخره عن مقتضى أوله، لأنه حين قال: أيجب، وجب أن يذكر الأعراض فلما أن ذكر الأجسام وأول لفظه يقتضي الأعراض استحال فسمى محالا، وسمى هذا الضرب فاسداً ومتنافياً متناقضاً من هذا المعنى وسيأتي بيانه في هذا الباب إن شاء الله.
الباب الخامس
باب بيان السؤال وأقسامه وصفة صروفه وأحكامه
فالسؤال ينقسم على ثلاثة أقسام:
فسؤال صحيح ن سؤال فاسد، سؤال محتمل.
فأما السؤال الصحيح فحده الاستخبار عن خبر ممكن، فالجواب عنه واجب على مقتضى استفهامه وهذا لا خلاف فيه ولا منا كرة فيحتاج إلى شرح [10] ومناظرة وهو ملا يحصى وقد قدمنا من ذكره ما يكتفي بفهمه إن شاء الله.
على أنا لو أخذنا في بسط وجوهه وبيات معانيه وأجوبته المقتضاة بحروفه لا حتجنا إلى كثرة القرطاس ولم نا من فيه ملل الناس.
مسألة: وأما السؤال الفاسد فهو الذي لا مطابقة بين خبره المطلوب والمخبر عنه وحده الاستفهام عن خبر غير ممكن وجحد (1) هذا الجنس على قلة استعماله ومع العيار. (2)
مثال ذلك: أن يقول القائل: الثوب النجس من غير ملاقاة نجاسة تجوز به الصلاة أم لا؟
ابنا عم أحدهما أخ خالص لأب: كيف الميراث بينهما؟
زوجة وأبوان وزوج .. كيف القسم بينهم؟
وهذا عين المحال، كما قلنا إن المحال ما المحال ما لا يكون، وهذا ما لا يكون. (1/17)
صفحة 18
بيان ذلك أن قوله: الثوب النجس قد دل على ثوب لاقى نجاسة أو لاقته إذا لا ينجس طاهر إلا بملاقاة نجاسة.
وقوله: من غير ملاقاة نجاسة نقض لما دل عليه أول الكلام.
تقديره: الثوب النجس الذي ليس بنجس وهذا محال.
وأما قوله: ابنا عم، دليل على ابني أخوة للهالك.
وقوله: أحدهما أخ خالص لأب، نقض لقوله الأول، لأن الأخ للأب لا يكون ابن عم، فكأنه قال أحدهما ليس بابن عم وهذا محال.
فإن قال قائل: هذا ممكن أن يكونا جميعاً وطئا في ظهر واحد أمة لهما، فقد اختلف المسلمون في الولد، فقيل إنه للأول، وقيل يلحقهما جميعاً ويكون ابناً لهما جميعاً في الحكم.
واختلف في ميراثه من كل واحد منهما فقيل نصف ميراث وقيل ميراث تام، قال هذا حكم الظاهر وهو في الحقيقة ابن أحدهما أو غير ولا يكون ولد من نطفتي رجلين لاستحالة الوطء من اثنين قي وقت واحد وهذا معروف عند العقلاء ن غير انا نحن قد احترزنا من هذه المعارضة بقولنا أخ خالص لأب.
وقوله زوجة: قد دل به على أن الهالك رجل، ويقوله زوج يدل على أن الهالك امرأة وهذا خلاف ذلك.
فكأنه قال: رجل مات وهو امرأة، وهذا محال، فإن فرضت في خنثي لم يصح، إذ الخنثي فد اختلف في جواز التزويج له مع الاتفاق على منعه عن التزويج برجل وامرأة فيما عرفناه، فقيل لا يتزوج ألبته للإشكال الداخل عليه، وقيل بل يتزوج بامرأة [11] والله أعلم. على أنة في الحقيقة إما ذكر إما أنثى، وإما جنس ثالث قد تميز منهما جميعا ومحال أن يكون ذكراً أنثى لأنه معلوم أن الذكوربة ضد الأنوثية والأضداد لا تجتمع.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون ذكراً أنثى؟
فلنا: أنكرنا ذلك من قبل أنه لو جاز أن يكون ذكراً أنثى، لجاز أن يكون لا ذكر من حيث انه أنثى ولا أنثى من حيث انه ذكر، فيكون على هذا لا ذكر ولا أنثى. (1/18)
صفحة 19
وسيأتي فساد هذا المعنى في باب الأضداد إن شاء الله. ولا جواب لما كان من هذا الجنس إلا الطعن فيه والتنبيه على فساده والمطالبة بتصحيحه لأن الفائدة في إفساد هذا الجنس الذي يقتضيها الاستفهام يشا كل الفائدة في الجواب عن السؤال الصحيح من حيث انها حكمة، لأن إفساد الفاسد حكمة كما تصحيح الصحيح حكمة لا خلاف في ذلك وبالله التوفيق.
فالقسم الثالث: وأما السؤال المحتمل وهو أن لفظ الخبر المطلوب أو لفظ الشيء المطلوب خبره يشتمل على معنيين أحدهما يطابق ولآخر ينافى وإنما قلنا: ينافى محتمل لاحتمال الصحة والفساد فيه.
مثاله كقول القائل: أمؤد للفرض من صلى نائماً؟ أيسقط فرض الظهر في وقتها قبل زوال الشمس؟
كيف الميراث إبني عم أحدهما أخ؟
فهذا للجنس محتمل للصحة من وجه، فاسد من وجه.
بيان ذلك أن قوله: أمؤد للفرض من صلى نائماً؟ إن أراد النوم المجازى، وهو الاضطجاع من غير سنة فالسؤال صحيح: والجواب لازم بأنه إذا لم يقدر إلا كذلك فهو مؤد والله أعلم
إن أراد النوم الحقيقي وهو ضد اليقظة فالسؤال محال لأنه متى يصلى وهو مستوسن نائم؟ فإن قيل: أليس قد يعرض للمصلى النعاس؟ قلنا: بلى ولكنه في حال نعاسه لا يصلى بل واقف عن الصلاة وليس ذلك الذي أردناه بل الذي فلنا مفهوم وبالله التوفيق
وأما قوله: أيسقط فرض مصلى الظهر في قبل زوال الشمس؟ فإن أراد في أول وجبت فيه، فالسؤال محال لأن في اليوم الذي وجبت فيه وقتها بعد الزوال.
وأن أراد بعد ذلك، فهو وقت الناسي والمتعمد التائب، الاخذ في البدل والله أعلم وبه التوفيق.
وأما قوله: كيف الميراث بين ابني هم أحدهما أخ؟ فإن أراد من أم فالسؤال صحيح والجواب أنه مختلف فيه فقيل المال للأخ لأنه [12] يدلى بسببين. وقبل للأخ السدس ونصف الباقي، والنصف الباقي لابن العم. (1/19)
صفحة 20
وأن أراد من أب، فالسؤال محال ما بينا في السؤال المحال. فالاحتراز من المعارضات في الجواب عن هذا الجنس بالوجهين جميعاً، والاقتصار على الأغلب من الوجهين بعد الشرط، أرجو أنه كاف لاستحالة السؤال في الوجه المحال. فقد استقصينا طرفاً من شرح المعاني المتعلقة بالسؤال ونبهنا على صحة الصحيح منه وفساد المحال.
فنأخذ الآن في الفصل الثاني وهو ما تعلق بهذه المسألة من المعاني الدالة على حقائقها وبالله التوفيق.
ثم الفصل الأول وهذا ابتداء الفصل الثاني إن شاء الله تعالى.
ينبغي الآن أن نقتصر في شرح هذا الفصل على الآثار الشاهرة المسنودة والمسائل الظاهرة الموجودة التي أيدها المسلمون وحكم فيها الأئمة المتقدمون الدالة على تحقيق ما قلناه وتصديق ما حكمنا به وأوردناه لأن هذه المسألة عظيم خطرها جليل قدرها تستبشع النفوس الوقوف عن جوابها قبل النظر في خطابها وتستفظع القلوب الليل إلى التفكر فيها والتأمل لمعانيها خوفاً الشك ونفورا من الحصول في الخطأ والشرك.
أو ليس الله تعالى يقول: (ولا تقف ما ليس لك به علم)
وقد فيل: من أفتى بلا علم لعنته ملائكة السماء. فكيف يؤثر من له عقل يحجزه عن محارم الله المبادرة إلى الكلام فيما لا يعلم عن التفكر والنظر وتصفح ما لا يفهم بلا شيء يوجد في الأثر ن فنعوذ بالله من غلبة الأهواء أو مسامحة الآراء.
ومتى أوردنا المسائل المأثورة، واستشهدنا بالأصول المتهورة عن الأئمة الأبرار والعلماء الأخيار ارتفع النزاع وانقطع، واستنار الحق وسطع.
وإنما نحن متبعون غير مبتدعين ومقتدون غير مقلدين، وسنوصلها بما اتضح لنا عرفانه من حجج العقل، ونبرهنها بما لاح لنا برهانه من دلائل النقل بمهونة البارئ الكريم وتأييده الكافي العميم إن شاء الله عز وجل.
الباب السادس
باب بيان العالم وحقيقة العلم به والقدرة عليه والتحديد لأجزائه
من كلام أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله (1/20)
صفحة 21
قال الشيخ بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله في صدر كتابه ((المحاربة)) وبعد هذا بيان في [13] حدوث العالم وأجزائه بتعاور (1) الحوادث له ولها فيه واحتياله وأجزائه لها ووجوده بها غير منفكة منه ولا منفك منها، فهو أجزاؤه وجزاؤه هو بها، تفرقا مرة له وتأليفاً أخرى بحلها فالحال يضمنها والوقت يجرى عليها ن والأماكن محلها ومنهي لها تجاوراً فيها بأعراضها وعلى غير التداخل منها بها.
فإذا ارتفع التأليف عنها ثبت الجزء الذي لا يتجرأ منها وسقط العدد منه والعرضان المتضادان (2) عنه لأنهما يتنافيان السكون فيه لشغل أحدهما له، ولا فضل فيه عنه.
ولا تقوم في فهم ولا عقل أن يكون المدخول فيه داخلا في الداخل فيه داخلا في الداخل فيه.
فلدلالة حدث الجزء احتمال أن يزاد إليه مثله أن يتجسم بحدوث الأقدار الثلاثة له، والله أعلم بعدد أجزاء الخلق كلها وقادر على تفريق ما جمع منها حتى لا يبقى اجتماع فيها، وفي ذلك إثبات الجزء الذي لا يتجزأ منها وصحة النهاية فيها ومن كل طرف وما يلاقى الأجسام من نواحيها وجهاتها، من أية شئت ابتدأت عدداً منها وإلى أية شئت به أمداً إليه فيها وأية أقمت في وهمك قام محدوداً وأية صورت في خلدك تصور بهيئة عيانك له مشاهداً منها.
فقيما ظهر للعيان من تناهى الجسم من وجومه الشبه إلى الجهات المتناهية إليها من الهواء أعدادها ما يصح به تناهى عدد أجزائه لاستحالة إحاطة الهواء بما لا نهاية له لأن ما لا نهاية له لا يتوهم له نهاية من جهة فحكم ما أدركنا من نهاية الخلق الملاقية لنا حكم غاب عنا من الخلق في النهاية والتجزئة، وأن العدد يبتدأ به من حد النهاية فيه من واحد إلى ما بعده من الأجزاء.
ولما كان للعدد أول يبتدأ به كان آخر إليه ينتهي في حدوث بارز الصفحة مكشوف القناع من كل جهة والحمد لله على ما وفق له.
فصل (1/21)
صفحة 22
قال المتأمل: قول الشيخ أبي المنذر هذا كاف في تعرف الحق المسألة الجوهرية غير أن فيه معاني دقيقة ومقاصد عميقة يقصر عن دركها أكثر عقلاء أهل دهرنا وينبو عن التواصل إلى غوامضها أفهام أهل عصرنا [14] إلا من مده الله بنور مبين وعقل راجح وهدى ويقين، وذلك لقلة منافستهم في تعليم الأصول واستهجانهم التغلغل على مثل هذه الفصول. فنحب الآن أن نوضح ما قبين لنا عرفانه من طرقها ونكشف ما ظهر لنا من خفي مستغلقها، شكر الله تعالى على ما أنعم فهدى إليه من الدين وفهم، لا اجتراء على المسلمين وآثار، ولا ادعاء للحوق منارهم، فقد قيل على دين أن يدين لله بكتمانه، ما لم يحتج إليه وهذا موضع الحاجة الداعية لظهور الحادثة الداهية.
وتقتصر على بعض الشروح اكتفاء عن التطويل وتوضح شيئاً مقنعاً عن التفريع والتأصيل، إذ لو استقصينا مقتضى كلمات الشيخ أبي المنذر هذه لا حتاجت إلى مصنفات كثيرة كان تحت كل نقطة منه تحتج إلى أبواب كثيرة، ذلك ما لا نبلغ نحن إليه فنبدأ فيه بفصل فصل ولأصل لننتهي إلى نفس المسألة الجوهرية إذ الكلام فيما لا يفهم هذيان والمسامحة في الدين عدوان والله القوى وهو المستعان وبه التوفيق.
الباب السابع
باب بيان حدوث العالم من كلام
الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب
قال التأمل: أما قوله: وبعد بيان في حدوث العالم فإن البيان هو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز الوضوح والعالم عبارة عن كل محدث.
وفي كتاب ((الأكلة)) قال بعض العلماء: وهو من قولهم علم الشيء، أي دليله يقال علم الصحة كيت وكيت، يريدون ما يدل عليه على ما هو به. قالوا: فلما لم يكن من المخلوقات إلا ما يدل على أن له خالقاً صانعاً سمى الجمع عالماً لدلالته على صانعه، فالعال هو المحدث والمحدث هو العالم.
مسألة: والعالم يقسم قسمين لا ثالث لهما، وهى الجواهر والأعراض. (1/22)
صفحة 23
فالجواهر: يراد بها الموصوفات، والعرض: يراد به صفة الموصوفات من المخلوقات، كما تقول: الجوهر متحرك وصفته التي هي الحركة عرض.
وقال في كتاب ((الأكلة)): ولا يوصف القديم بالقدرة على غير هذين الجنسين وهما الجواهر والعرض، لأن ما عدا هذين الجنسين هو القديم سبحانه وصفاته ولا توصف بالقدرة في ذاته، قال المتأمل: في فوله القديم وصفاته نظر والله أعلم.
قال الناظر: أحسبنه القاضي أبا محمد نجاد لأنه مؤلف كتاب ((الأكلة)) والذي يوجبه النظر عندي أن هذه المسائل من مسائل المحال، كما أن سائلا لو سأل: هل [15] يقدر الله أن يخلق مثله؟ كان الجواب مثل الأول ولا فرق في ذلك عندي والله أعلم.
قال المتأمل: انظروا أيها المسلمون إلى هذا الأثر فإنه يؤيد قولنا لأن كل مخلوق ما فلا بد أن يكون صفة أو موصوفا فكل موصوف جوهر وكل صفة عرض.
ولم تكن الحركة عرضاً لأنها حركة ولا السكون، بل لأنهما محدثان لا يقومان بأنفسهما، فكل محدث لا يقدم بنفسه فهو عرض. كذلك لم يكن الحديد جوهراً لأنه حديد ولا الخشب جوهراً لأنه خشب ولا القطن جوهراً لأنه قطن، بل لأنه محدث متحيز، إذ لو صح أن يكون الحركة عرضاً لأنها حركة لبطل أن يكون السكون عرضاً، كذلك لو كان الحديد جوهراً لأنه حديد لبطل أن يكون الخشب جوهراً وكذلك ما أشبهه.
وسيأتي بيان الجوهر والعرض في موضعه إن شاء الله عز وجل.
وفي هذا بيان أن جمع ما في السموات والأرض وما بينهما من الحيوان والموات (1) والجماد عالم بحدوثه والله أعلم.
مسألة: أما حدوث العالم فوجوده بعد عدم وحدوثه إيجاده بعد عدمه. قد اختلفت عباراتهم في حد المحدث فقيل: المحدث ما لو جوده أول، أو الموجود بعد أن لم يكن. وقيل: الكائن بعد أن لم يكن، وقيل ما لم يكن ثم كان. وفي ذلك أقاويل أخرى كثيرة تركتها. قال بعض وهذه كلها حدود صحيحة لا طرادها وانعكاسها والله أعلم (1/23)
صفحة 24
الطرد والعكس: والذي عندي أن اطرادها فهو قولك كل ما لوجوده أول وهو محدث، وكل محدث فلوجوده أول، وكذلك سائر ما ذكر من الحدود. وأما انعكاسها فنحو قولك كل ما لا أول لوجوده فليس بمحدث وكل ما ليس بمحدث فلا أول لوجوده، وكذلك سائر هذه الحدود والله أعلم.
مسألة: ووجدت أن الإحداث هو جعل ما لم يكن فكان، وعلى هذا فالجوهر والأعراض والأجسام لم تكن ثم كانت. والأحداث بمعنى الاختراع والإبداع. ووجدت أن الإحداث والخلق والاختراع والجعل والفعل والابتداع والإنشاء بمعنى واحد ولا فرق بينهن. وعندي أن في الجعل نظراً والله أعلم.
لأن الجعل خلق وغبر خلق، وقد يكون بمعنى التصيير. ولهذا قال أصحابنا: أن القرآن غير مخلوق وأن لا دليل على خلقه في جعل الله إياه.
قال المتأمل: وأما [16] قوله وأجزاؤه، فالأجزاء جمع جزء، والجزء الطائفة من الشيء، أجزاء العالم جواهره وواحد الجواهر جوهر، وواحد الأجزاء جزء.
مسألة: الجواهر في كلام العرب الأصول ومنه يقال جوهر حسن أي أصله حسن. بيان ذلك أن جوهر ثياب القطن هو القطن نفسه، وجوهر ثياب الكتان هو الكتان نفسه، وجوهر ثياب الإبريسم
(2) هو الإبريسم نفسه، وجوهر السيوف وما أشبهه من السلاح وغيره من آلات الحديد هو الحديد نفسه، وما أشبهه ذلك من المتحيرات القائمة بأنفسها فجوهرها هو نفس ذاتها والله أعلم.
مسألة: في حد الجوهر: وقد اختلفت عبارات المتكلمين في حد الجوهر فقال بعضهم: هو الجرم المتحيز والمراد بالتحيز الشاغل للجهة الحاصل فيها عن حصول جوهر آخر فيها، لأنه لا يصح حصول اجتماع جوهرين في جهة واحد. فصار لذلك حائزاً للجهة التي فيها، قد اختص بها وحصل فيها. والحيز هو الجهة والجهة المكان، والله أعلم.
وقال بعض: حد الجوهر أن يكون أصلا للجسم، قالوا: ولذلك قال العرب: فعل فلان يدل على جوهرية فيه، وجوهر هذا السيف جوهر حسن وهو صحيح. (1/24)
صفحة 25
وقيل: الجوهر ما يعرض فيه العرض ويتغير به من حال وهذا صحيح. وقيل الجوهر ما كان أقل قليل وأصغر صغير حجماً. قال بعض: وهذا أشد العبارات في معنى الجوهر لأنه جامع مانع شديد لأن العدم لا يدخل فيه إذ العدم لا حجم له (3) والقديم لا يدخل فيه لأن القديم لا حجم له.
والجسم لا يدخل فيه لأنه ليس بأصغر صغير حجماً فصارت هذه العبارات عبارة شديد في تحديد الجوهر مقصورة عليه يجمع ما في مهنا ويمنع أن يدخل فيه ما ليس في معناه وهذا حسن.
قال بعض: حقيقة الجوهر الواحد عند أصحاب الأصول هو الجزء الذي لا يتجزأ. قال القاضي أبو زكريا يحيى بن سعيد (4) في جوابه غلى الإمام الخليل ابن شاذان (5)، قال بشير بن محمد بن محبوب: هو الجزء الذي لا يتجزأ وهذا عندي هو الصحيح، ذلك أن كل شيء يتجزأ فأقله شيئان لنه إن كان شيئاً من جهة فهو شيئان من جهة [17] الجوهرية والجوهر فلفظه لفظ الواحد، والواحد في الحقيقة هو الذي لا يتجزأ. بيان ذلك أن الجسم قد يقع على أقل طويل عريض عميق فهو من حيث الجسمية شيء واحد حيث الجوهرية أشياء.
الدليل على ذلك: أنه متى فارفه أحد أجزائه، التي بها كملت أوصافه وهي الطول والعرض والعمق، ارتفعت الجسمية منه ولم ترتفع الجوهرية لأنها هي الأعيان المرئية، والأعيان المرئية لا تزول إلا بزوال ذواتها فصح أن التجزؤ إنما يقع على اجتماع الجوهر، فما كان الشيء جوهرين إلى ما فوق ذلك فهو يتجزأ لعلة اجتماع الجوهرين. فأما إذا كان جوهراً واحداً فكيف يتجزأ؟ وهذا بين عند العقلاء، وسيأتي شرح التجزؤ ومعناه فيما بعد إن شاء الله. فإذا ثبت أن حقيقة الجوهر ما لا يتجزأ كان الكلام في إضافة القدرة إلى لا شيء وسيأتي ذلك إن شاء الله. (1/25)
صفحة 26
مسألة: ووجدت عن القاضي أبي زكريا يحيى بن سعيد في جوابه إلى الخليل ابن شاذان أن الجواهر ليست أجناساً مختلفة بل كلها متماثلة في أنفسها فإنما تختلف أحوالها التي لا يرجع غلى ذواتها، وسبب الاختلاف يكون راجعاً إلى ما يحل فيها من لأعراض فإذا اختص بعضها بالسكون ببعض الأعراض كانت ساكنة، فإذا اختص ببعض آخر وصفت بأنها مجتمعة، فإذا وصفت بشيء آخر وصفت بأنها متفرقة. كذلك الأسماء تختلف عليها باختلاف ما يختص من الألوان. فما اختص بالسواد بأنه أسود إلى غير ذلك من سائر الأشياء فإذا (6) ...
الباب الثامن
باب بيان الأعراض وضروبها من كلام
الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد ين محبوب
قال المتأمل: وأما قوله بتعاور الحوادث له ولها فيه، فالتعاور بمعنى التعاقب. يقول: تعاور القوم فلاناً فاعتوروه، إذا تعاونوا عليه، وكلما كف عنه واحد ضرب آخر، وتعاورت الرياح، رسمها حتى عفته أي تواطبت عليه: قال الأعشى:
دمنة قفرة تعاورها الصيف ... بريحين من صباً وشمال
مسألة: الحوادث جمع حادث وهو ما يحدث في الجواهر من الأعراض وقد تقدم ذكر الحدث وفروعه في باب [18] بيان العالم، إنما سمى العرض عرضاً لأنه يغرض في الجواهر أي يوجد فيها: لأنه يستحيل بقاؤه.
مسألة: وأما حد العرض فقد اختلف الناس فيه اختلافاً كثيراً فقال قوم: ما عرض في الجوهر، قالوا: فهذا صحيح لأن كل ما عرض في الجوهر فهو عرض وما لا يعرض في الجوهر فليس بعرض. وقيل: العرض ما قام الجوهر: قال بعضهم: هذا صحيح لأنه لا يقدم بالجوهر إلا ما كان عرضاً، وقيل: العرض ما لا يستغني عن محل يحله. وقيل ما لا يصح بقاؤه وقتين. وقال بعض: الأول أصح لأن الحدود لا تضرب بلفظ النفي وكل حد بلفظ الإثبات فهو أصح مما هو بلفظ النفي، وقيل: العرض ما تغير به الجوهر من حال على حال. (1/26)
صفحة 27
وقيل: ما يستحيل وجوده في غير حال حدوثه، وحد العرض عند الأشعري ما لا يبقي وقتين، وله ذلك علة منقوضة عليه في كتاب ((الأكلة)) بالعكس تركنا ذكرها احترازاً من الإطالة. وعندي أن بقاء الألوان مع كونها عرضاً كاف في بطلان فوله إن شاء الله.
مسألة: قال القاضي أبو زكريا يحيى بن سعيد في جوابه إلى الخليل بن شاذان أن الأعراض ليست بخنس واحد، بل هي أجناس كثيرة ففيها المتماثل وفيها المختلف وفيها المتضاد وهكذا وجدت في كتاب ((الأكلة)) وغيره، ووجدت أن جميع الأعراض متغايرة.
تفسير ذلك من كتاب ((الأكلة)): المثلان ما سد أحدهما مسد صاحبه وناب منابة في جميع الصفات والأحكام، وقيل ما جاز على أحدهما جميع ما يجوز على الآخر، مثاله السوادان والبياضان والعلمان والقدرتان.
الخلافان: وأما الخلافان فما خالف أحدهما الآخر في وصف واحد، قال: وهذا صحيح لاطراده وانعكاسه.
قال المتأمل: وعندي أن ما خالف أحدهما الآخر في وصف ما أصح، لأنه إذا قال ما خالف أحدهما الآخر في وصف واحد ففيه إشكال أن يكون إذا خالفه في وصفين يصح أولا، وأما إذا قال في وصف ما دخل فيه الاثنان وأكثر والله أعلم.
وقيل الخلافان: ما لم يسد واحد منها مسد صاحبه ولا ينوب منابة في جميع صفاته وأحكامه. فال بعض، والأول أصح لأنه بلفظ الإثبات [19] وهذا بلفظ النفي، وقيل، الخلافان هما الغيران اللذان اجمتاعهما في ذات واحدة ويفيد كل واحد منها غير ما يفيد الآخر.
مثاله: العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر وما أشبه ذلك.
الضدان: أما الضدان فهما الذاتان اللتان لا يجوز اجتماعهما في محا واحد كالسودا والبياض يتضادان لأنه لا يجوز تقرير وجودهما في محل واحد حتى تكون الذات الواحدة سوداء بيضاء في حال واحدة، أو متحركاً عن مكان ساكنا فيه في حال واحدة، أو مجتمعاً مع شيء مفارقاً في حال واحد. (1/27)
صفحة 28
مسألة: قال المتأمل وعندي أن الضدين هما اللذان ليس في نفي أحدهما مما يتصف بهما من الجواهر معنى زائد على إثبات الآخر فيه، ولا في إثبات أحدهما فيما يتصف بهما من الجواهر معنى زائد على نفي الآخر، إذ نفي أحدهما يقتضي الآخر إثبات أحدهما يقتضي نفي الآخر.
بيان ذلك: إنا متى قلنا زيد حي، وهو قولنا زيد ليس بميت سواء في المعنى، إن اختلف اللفظ في النفي والإثبات فصار قولنا ميت أي أنه حي وقولنا، ليس يساكن أي أنه متحرك فيما فعم بلفظ كيف نفهم به عقله صحة إضافة القدرة إلى اجتماع الأضداد وسيأتي بيان ذلك فيما بعد إن شاء الله.
مسألة: واختلف في أن العرضين من جنس واحد يتضادان في المحل الواحد فقال أكثرهم: إنهما يتضادان ولا يجوز أن يكون في يكون المحل الواحد إلا سواد واحد والثاني يضاده فلا يجوز اجتماعهما في ذات واحد.
ومن العلماء من قال: إن العرضين من جنس واحد لا يتضادان، و إنا إذا رأينا جوهراً أشد سواداً من جوهر آخر فإنما ذلك لاجتماع سوادين وأجزاء من السود فيه، كذلك القول في المتحرك، قال، والأول أصح وأشد.
مسألة: كل مثلين غيران، وليس كل غيرين مثلين لأن الضدين والمختلفين غيران وليسا مثلين.
مثاله: أن الحركة والسكون غيران وليسا مثلين، كذلك الحياء والقدرة غيران وليسا مثلين.
مسألة: وكل الضدين فهما مختلفان غيران وليس كل مختلفين ضدين.
جوابه: أن الحركة والسكون [20] ضدان وهما مختلفان غيران، والإرادة والعلم مختلفان غيران، والإدارة والعالم مختلفان وليسا ضدين فافهم ذلك وبالله التوفيق.
الباب التاسع
باب بيان مراتب الجوهر والأعراض
من كلام الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب (1/28)
صفحة 29
قال المتأمل: وأما قوله واختياله يعنى العالم، وقوله وأجزاؤه يعنى جواهره التي تركب منها على اختلاف أجناسه لاختلاف تركيبه، وقوله لها يعنى لأجل الحوادث التي هي الأعراض، يقول إن العالم وأجزاؤه يختال لأجل الأعراض التي تعتوره أي تتغير من حال إلى حال.
مسألة: فأول الجواهر: الجوهر الواحد ن وهو عند العلماء بمنزلة النقطة التي لا طول لها ولا عرض ولا عمق، فإذا انضاف إليه جوهر ثان حدث لهما طول وسمى خطا، من هاهنا أول رتبة الاجتماع فإن الاجتماع محال أن يكون في أقل من اثنين، الواحد فلا يقال له مجتمع ولا مفترق وسيأتي بيان ذلك أن شاء الله. فإذا انضاف إلى الجوهرين جوهران صار على قول بعضهم خطين، والخطان إذا اتصلا فهما سطح لهما طول وعرض ولا عمق لهما. فإذا اتصل بالسطح سطح من أعلاه صار طويلا للخط الأول عريضاً للخط الثاني عميقاً لاتصال سطح بسطح، وهذا هو الجسم، سيأتي زيادة بيانه فيما بعد غن شاء الله عز وجل. ثم تتفرع الجسام إلى فروع كثيرة قد بينا طرفاً منها في الشجرة التي مثلناها في كتاب ((لذخيرة)) وإنما تفرعت للأعراض التي تحدث فيها، وتغيرها من حال إلى حال والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: ثم إن الأعراض وأن تضادت واختلفت فلا يتصف (1) كل محدث من الجواهر بجميعها بل منازل كثيرة ومعان دقيقة غزيرة وسنقتصر منها على أربع رتب:
الرتبة الأولى: رتبة الحركة وهى مختصة بالجوهر الواحد فصاعداً لتحيزه، إن حد الحركة الانتقال من مكان، والجوهر فلا يخلو قط من مكان ولزوم الحركة الطافته.
مسألة: وأما السكون فحده الليث في مكان ما وشرطه الكثافة التي توجب الرسو، ولا كثافة غلا في الأجسام، أما الجواهر والخطوط والبسائط فلا كثافة فيها والله أعلم.
الرتبة الثانية: في الأعراض [21] المختصة بالجوهرين فصاعداً ونقتصر منها على الاجتماع والافتراق، فهذان العرضان لا يتصف بهما إلا الجوهران فصاعداً. (1/29)
صفحة 30
حقيقة الاجتماع: لأن حقيقة الاجتماع انضمام شيء إلى شيء، والانضمام عرض والعرض لا يقوم إلا يقوم إلا بالجوهر، فبان وصح أن الاجتماع هو انضمام جوهر إلى جوهر أو إلى جوهر، والجوهر الواحد لا ينضم إلى نفسه، فيجوز أن يفارقه، ومن هاهنا استحال التجزؤ والانقسام في الجوهر، إذ التجزؤ هو الانقسام ن والانقسام والافتراق بمعنى ولا يكونان إلا بعد الاجتماع ولا اجتماع في الواحد لأنه من حيث سمى مجتمعاً فليس هو شيئاً واحداً، بل شيئاً، ومن حيث سمى واحداً فليس مجتمع.
مثال ذلك: إنا إذا فلنا الإنسان ينقسم فليس تعنى أنه ينقسم من حيث الإنسانية إذ الإنسانية ليست مجتمعة فتنقسم وتفترق، بل من حيث الجوهرية، لأن فيه أجزاء مجتمعة أقل جزء منها جوهر واحد، فما كان في أجزائه جزء يتصف بالانقسام، فليس بجوهر واحد، بل جواهر، وإذا انفرد أقل جزء منه فهو الذي معلوم أنه جوهر واحد، غذ لو كان ينقسم من حيث الإنسانية لجاز أن يكون إنسانين وثلاثة وعشرة إلى ما أمكن انقسامه، فيكون كل جزء منه إنسان ولا ينكر أن بنى آدم أصغر مخلوق منهم لو قرض بالمقاريض لتجزأ على ألوف أجزاء لا يحصيها إلا الله تعالى، فتكون هنالك أناسي كثيراً وهذا واضح البطلان ظاهر الفساد. والله أعلم وبه التوفيق.
الرتبة الثالثة: في الأعراض المختصة بالجسم ويقتصر منها على الحياة، فلا يجوز أن يوصف بهذا العرض إلا الأجسام فحسب، لأن من شرط الحياة والروح التخلخل والتخويف للروح ولا تكون بهذا المثابة إلا الأجسام. وليس الجسم الحي حياًًّ لأنه جسم، إذ لو صح ذلك لما وجد جسم ما إلا وهو حي وفي وجودنا من الجسام ما ليس بحي بطلان ذلك، بل لأن فيه حياة وقي هذا المعنى فرق بين العلة والشرط، فالشرط هو وجو الحياة في تسمية الحي حياًّ، والجسمية شرط في وجود الحياة، فحي محدث ليس بحسم محال، وحي محدث لا حياة له محال، الله أعلم. (1/30)
صفحة 31
الرتبة الرابعة: في الأعراض المختصة بالجسم مع وجود الحياة [22] والعقل ونقتصر منها على الجهل والعلم فلا يتصف بهذين العرضين إلا كل الجسم حي عاقل.
الذليل على ذلك: أن حقيقة العلم والجهل إثبات الشيء على وجه ما، فالعلم إثبات المعلوم على ما هو به عند الله. والجهل إثباته على خلاف ما هو به عند الله. والإثبات لا يكون إلا من مثبت عاقل ولا عقل إلا مع حياة، ولا حياة إلا في جسم.
فالجسمية شرط الحياة على ما قدمنا في الرتبة الثالثة، والحياة شرط العقل والعقل شرط العلم، إذا ثبت أن حياًّ ليس بجسم محال فاستحالة عاقل ليس بحي، أو عالم ليس بعاقل أجدر. والله أعلم.
الباب العاشر
باب بيان المجاورة والمداخلة من تفسير كلام
الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد محبوب رحمهما الله
قال المتأمل: وأما فوله، تجاورا فيها بأعراضها وعلى غير التداخل منها، يقول: هذه الأجزاء في حال تآلفها متجاورة لا متداخلة غذ لو جاز تداخلها لوجب أن يكون المدخول فيه داخلا في الداخل فيه منها، ذلك محال أن يكون الفاعل مفعول مفعوله، والمفعول فاعل فاعله.
مسألة: اختلف الناس في المجاورة والمداخلة على قولين، فقال إبراهيم النظام (1)، وهشام بن الحكم (2): بالمداخلة وهو يكون الجسمان في مكان واحد.
الذليل على ذلك: أنهم لما نظروا إلى التفاحة طويلة عريضة، واللون منها طويل عريض، فمن حيث وجدت اللون وجدت الطعم، ووجدت الرائحة كانا في مكان واحد، ولو كانا ليس خبرهما واحداً كنت من حيث وحدت اللون لا تجد الطعم.
قال المتأمل: ذا السؤال ظاهر الفساد. الدليل على ذلك: ما ذكرناه عن الشيخ أبي المنذر-رحمه الله- وهو كاف إن شاء الله. (1/31)
صفحة 32
دليل ثان: أن هذين الجسمين لا يخلوان إذا تداخلا من أن يكونا محتاجين إلى مكان أوسع من مكان أحدهما أم لا!! فإن يل، لا يحتاجان إلى مكان أوسع من مكان أحدهما فإذاً لا زيادة على حرم أحدهما وهذا باطل من قبل أنه معلوم أن الجسم، والجسمان أكبر من جسم، والأكبر محتاج إلى جهة أوسع من جهة الأصغر، وأن قالوا: إنهما محتاجان إلى مكان أوسع من مكان أحدهما [23] رجعوا إلى الحق لو لزمهم القول بالمجاورة وأنهما في مكانين لا في مكان واحد. وأنه متى دخل أحد الجسمين في الآخر ذهب المدخول فيه في الجهات.
بيان ذلك: أنك إذا أدخلت جسما في الماء ارتفع الماء وذهب في جهة العلو، وكذلك إذا ألقيت الماء على أخذ في جهة العلو فلذلك صح أنهما متجاوران (3) كل واحد منها محتاج إلى مكان. والله أعلم.
الباب الحادي عشر
باب بيان الجزء الذي لا يتجزأ وهو الجوهر
من كلام الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهما الله
قال المتأمل: فأما قوله: فإذا ارتفع التأليف عنها ثبت الجزء الذي لا يتجزأ منها يقول: إن ما في العالم من الجسام التي ذكرناه أجزاء متآلفة على معنى المجاور لا التداخل إذا رفع الله منها التأليف الذي لأجله سميت أجزاؤها مؤتلفة صارت متفرقة متجزئة، وصار كل جزء منها حال تفرقها لا تتجزأ ولا تنقسم ولا تفترق ن والله اعلم.
مسألة: وإنما يتوصل إلى علم ذلك بمعرفة الفرق بين التأليف والمؤتلف وبين الاجتماع والمجتمع، وبين الافتراق والمفترق وما أشبه ذلك من الجواهر والأعراض. فمتى تحقق الفرق بينهما صعب عليه جحد الجزء الذي لا يتجزأ واطمأنت نفسه إلى تحقيق ذلك، فإنه متى عرف الفرق بينهما وأن كلا منهما غير الآخر، لم يحكم بارتفاع بعض الأعراض. (1/32)
صفحة 33
مسألة: فأما التأليف فهو العرض الحال في الجواهر ن وأما المؤتلف فهو الجواهر الحال فيها التأليف، وكل واحد منها غير الآخر. ومعنى التأليف ضم شيء إلى شيء، بمعنى الاجتماع المتولد من المجاورة على ما بينا في رتب الأعراض، فليس في التأليف ذهاب الجواهر، بل في ارتفاع التأليف حصول الانقسام وكذلك في ارتفاع الاجتماع حصول الافتراق ومعناهما قريب من معنى الأول: فأبى رأيت كثيراً من ضعفاء المسلمين لا يهتدي للفرق بينهما فقد سمعت بعضهم يقول: أن الله قادر أن يقسم الجوهر حتى لا يبقى منه شيء، يعنى من الجوهر، وهذا ذليل على أنه لا يفرق بينهما، إذ لو اهتدى للفرق بينهما لما توهم أن يقسم الجوهر ذهاب عينه، وإنما كان يجب أن يقول، إن الله قادر على أن يقسم الجوهر حتى لا يبقى فيه تأليف، وأن معنى القسم ذهاب التأليف لا ذهاب المؤتلف، وكذلك الافتراق يقتضي ذهاب الاجتماع لا ذهاب المجتمع، فإذا رفع الله التأليف والاجتماع من الجسم ثبت ضداهما وهو الانقسام والافتراق [24]، لا ما كانا حالين فيه، وسنبين ذلك إن شاء الله.
مسألة: يقال له: أخبرنا عن التأليف هو المؤتلف أو غيره؟ فإن قال: هو المؤتلف، فقد فارق الإجماع ودخل في مذهب هشام وأبي بكر الأصم ن فهو شيوخ المعتزلة على ما وجدت في كتاب ((الضياء)) فإنهما كانا يقولان بنفي الأعراض، يقولان ليس في العالم عرض لأنه لا يعقل الجسم إلا الطويل العريض الشاغل للمكان، ومحال أن يكون ليس بشاغل. (1/33)
صفحة 34
قال المتأمل: لا يبين لي هاهنا علة تدل على نفي الأعراض فأحتاج إلى نقضها، لكنى وحدت عن أبي الهذيل في بعض الكتب أنه سأل أبا بكر الأصم فقال له: اخبرني كم جلد القاذف؟ قال: ثمانون جلدة. قال: فكم جلد الزاني؟ قال: مائة جلدة. فقال جلد الزاني أكثر من جلد القاذف بعشرين؟ قال: نعم. قال: أخبرني عن الجلد هو السوط نفسه؟ قال: لا. قال: فهو يد الجلاد؟ قال: لا. قال: فهو ظهر المجلود؟ قال: لا. قال: فالجلد شيء آخر غير ذلك؟ قال: لا. قال: فإذاً لا شيء أكبر من لا شيء بعشرين. هذا كاف في دحض مقالهم وفسخ تعاليلهم إبطالهم على أن الحجج عليهم كثيرة، ولولا أنا قصدنا في هذا الكتاب من يوافق على وجود الأعراض وأنها غير الجواهر لأسبغنا فيه القول، وبالله القوة والحول (1) ...
وإن قال: إن التأليف غير المؤتلف؟ قيل له: فإذا رفع الله تعالى التأليف الحال في المؤتلف أم لا؟ فإن قال: إنه يرتفع بارتفاع التأليف فقد رجع إلى الأول، وإن قال: لا يرتفع بارتفاع. قيل له: فعل للتأليف غاية ونهاية أم لا؟ فإن قالوا: لا، دخلوا في مذهب الزنادقة فكفاهم ذلك انقطاعاً، وإن قال: إن للتأليف غاية ونهاية. قلنا: فإذا رفعه الله تعالى من المؤتلف فهل يبقى شيء مؤتلف؟ فإن قال نعم، فقد عجز الله تعالى. وإن قال لا، قيل له: فإذا لم يبق في شيء من الأجزاء تأليف فتلك الأجزاء كل جزء منها على الانفراد في ذاته يمكن أن يتجزأ أم لا؟ فإن قال: يمكن أن يتجزأ، رجع إلى أن لا غاية للتأليف، وأن قال: لا يمكن ذلك، قيل له: فتجزئيه محال أم لا؟ فإن قال: نعم، فهو الحق، بالله التوفيق. (1/34)
صفحة 35
بيان ذلك: إنا لو اعتبرتا بعين العقل حبة خردل هل هي أجزاء متآلفة أم لا، لاضطررنا إلى القطع بالشهادة أنها أجزاء متآلفة وأن لأجزائها وتآلف أجزائها حداً وغاية ونهاية [25] فإذا تحققنا أن لأجزائها نهاية، استحال في عقولنا أن تكون أجزائها عند الله أكثر مما هي عليه عنده، واستحال أقسام أقل جزء من أجزائها، فأين المحيد من الإقرار باستحالة السؤال عن القدرة على تجزئة ما تجزئته محال مع ما سنبيته من معاني القدرة إن شاء الله، غذ لو أمكن ذلك في أقل جزء منها لكانت هذه هي الزندقة بعينها، إذ يذهبون إلى أن هذه الدينا وما فيها من الأشياء لا نهاية له ولا آخر على ما سمعت. ولا ملجأ لمن اعتصم بهذا المذهب إن دارت به قواطع الأدلة إلا التعلق بمذهب الفرقة المعروقة باللاأدرية من النافين لحقائق الأشياء، فليس جواب أحدهم على ما سمعت في كل ما يسأل عنه إلا، لا أدرى. فإن قيل لهم أنكم لا تدرون؟ قالوا: لا ندرى. وإن قيل لهم: أفتعلمون أنكم لا كلاب ولا خنازير؟ قالوا: لا ندرى. فلا يحتج هؤلاء في نص مقالتهم بحجة، ولا يعتلون بعلة اكثر مما حكى عنهم.
فإن حبة الخردل مثلا لو علم القادر سبحانه وجل أن أجزاءها لو فرقها على الغاية لكان جميع ما فيها مائة جزء لما أمكن أن يكون فيها أكثر من ذلك فلو دخل الإمكان على أجزائها أن تكون أكثر من مائة جزء لدخل ذلك على تجهيل الباري سبحانه حيث علم أن ليس فيها إلا مائة جزء، وقد يمكن أن يكون أكثر، ودخل التعجيز على القدير من حيث أنه لو قدر على تجزئتها حتى يفرد أقل كل جزء منها عن الأجزاء لما تجزأ شيء منها، إذ كل جزء كان يتجزأ فليس بأقل جزء فيها، فلا بد هاهنا من أحد ثلاثة أحوال:
الأول: إبطال النهاية فيها.
الثاني: القول في إن تجزئتها ذهاب عينها وذلك نفى الأعراض على ما بينا. (1/35)
صفحة 36
الثالث: الإقرار باستحالة تجزئة جزء لا يتجزأ منها وإلا وجب تعجيز القدير أو تجهيله، هذا شرك بالله العظيم، الله أعلم، وبه التوفيق.
وسيأتي الكشف البالغ في باب بيان القول في المسألة الجوهرية إن شاء الله.
الباب الثاني عشر
باب بيان ارتفاع الضدين من الجوهر من تفسير (1)
كلام أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب
رحمهما الله
فال المتأمل: وأما قوله ((وسقط العدد منه)) يقول: لم يبق في هذا الجزء الذي لا يتجزأ أجزاء بتعدد الأجزاء، واحد لا ثاني له، إذ لو كان متعدداً لكان زائداً على الواحد وليس يريد بذلك نفى دخول هذا الجزء في العدد وأنه [26] ليس بمعدود، فقد وجدت في بعض الآثار أن العدد يقع على الواحد ولا مخرج له منه، بل إنما أدار أبو المنذر بقوله: ((وسقط العدد)) أي سقط منه عند مفارقته كل متآلف إليه مراتب العدد إلا ما اختص بالواحد هكذا يبين لي والله أعلم.
مسألة: وأما قوله: والعرضان المتضادان عنه لأنهما يتنافيان الكون فيه لشغل أحدهما له ولا فضل فيه عنه، فإنه يعنى بالعرضين الاجتماع والافتراق متولدان من تجاور الاثنين وتباعدهما، وما كان مختصاً بالاثنين لم يوصف به الواحد، وإنما يقال للواحد مجامع مفارق، ولا يقال له مجتمع مفترق، لأن قولنا مجتمع مفترق فعل لازم لا يتعدى، والفعل اللازم إنما يوصف به الواحد إذا كان يصح منه وحده، وأما إذا كان لا يصح إلا من اثنين، لم يوصف به إلا بمجامعة الآخر معه.
بيان ذلك أنك تقول في الفعل إذا كان يصح من واحد: ((قتل زيد)) (2)، ((سار عمرو)) فالقتل يصح من الواحد وكذلك السير.
وتقول في الفعل الذي لا يصح إلا من اثنين: تقاتل الزيدان، وتساير العمران فقد جعل الباري سبحانه لكل معنى لفظاً يعبر به عنه فلا يجوز أن يعبر عن معنى يلفظ يدل على غيره، فلو قلت: تقاتل زيد، أو تساير، لكنت محيلا، تقولك مجتمع متفرق دليل بلفظه، على جماعة أقلهم اثنان. (1/36)
صفحة 37
وفي هذه النكتة دليل على أن الاثنين جماعة، قولك ((مجامع ومفارق)) لفظ يدل على الواحد، إن كان يقتضي مفعولا لأنه فعل متعد فلا يقتضي فاعلين البتة ن ومفترق يقتضي فاعلين والله أعلم. فقد صح ارتفاع الضدين وهما الاجتماع والافتراق والانقسام والتأليف من الجزء الواحد الذي لا يتجزأ وبالله التوفيق.
الباب الثالث عشر
باب بيان اختلاف الناس في الجزء الذي لا يتجزأ
اختلف الناس في الجزء الذي لا يتجزأ. فقال النظام (1) وهشام: إن الجزء يتجزأ أبداً ولا آخر له في التجزئة. ولكن له آخر من جهة المساحة، فاستدلوا على ذلك بأنه لو كان فول من قال: إن الجزء لا يتجزأ صحيحاً كان في نفسه لا طول له، فإذا حدث جزء ثان حدث لهما الطول، ولن يعدو أن يكون الواحد دون الآخر ولكل واحد.
قال المتأمل: لعله أراد ولكل واحد بسطة من الطول. فإن كان لواحد فهو ينقسم في ((حال واحدة)) وهذا محال، وإن كان طول لهما فكل واحد في نفسه له طول وما كان له طول فهو ينقسم استحال ذلك تبينا أن الجزء محال لا يتجزأ.
ومن دلائله: انه وجد الله تعالى واحد في المعنى والذات وكان [27] في نفسه ليس بمقسم ولا متجزئ، ولا طول له ولا عرض، كان نحالا أن يكون شيء من حلقه بصفته.
قال المتأمل: أما احتاجهم بطول الجزأين انه يدل على أنهما يقولان بأن الجزء الواحد في نفسه طولا، لأنه جعل عله وجوب التجزئة وجود الطول، وإنما راد التثنية على طول الواحد لتصح التجزئة فيه، إذ لو كان عنده أن لا طول للواحد لما جعله علة لتجزئته وهو يقول أنه يتجزأ أبداً، وقد قدمنا من الأدلة على صحة الجزء الذي لا يتجزأ ما يكفي عن إعادته.
ولا بد ترسم هاهنا بعض ما لم نذكر هناك ونقتصر على ثلاث مسائل: (1/37)
صفحة 38
مسألة: أما قوله: فإن كان الطول الواحد وهو ينقسم لا أنه ينقسم، فالذي عندنا أن الجزء الواحد لا طوله فينبغي لنا نحن أن نبطله من حيث أوجبه هو، وهو في الاثنين، فنقول: اخبرنا عن طول الاثنين هو هما أو غيرهما. فإن قال: هو هما، فقد نفى العرض ودخل في مذهب هشام وأبي بكر الأصم، وقد بينا الرد عليهما. وأن قال: هو غيرها. قلنا: فإذا رفعه الله منهما يرتفعان أم لا؟ فإن قال: إنهما يرتفعان. فقد رجع إلى قوله في نفى الأعراض، إن قال: لا يرتفعان، فلنا: لا يرفع طولهما إلا بافتراقهما، فإذا رفعه الله عنهما بافتراقهما ليس كل واحد منها في نفسه لا طول له فلا يد من نعم، فيجب هنالك أن يكون كل جزء في نفسه لا يتجزأ لعدم شرط التجزئة وهو الطول.
مسألة: وأما قوله: فإن كان الطول لهما فكل واحد في نفسه له طول، وما كان له طول فهو ينقسم، فيجب أن تعتبر العلة الموجبة للطول ثم تنظر هل هي في الواحد، ولا معنى للطول إلا بسط خط ما، وقد فلنا إن الخط لا يكون إلا للجزأين إذا اتصلا فما كان للاثنين بشرط الاتصال لم يجز أن يكون لأحدهما فيه ما لهما جميعاً وأن كان في كل واحد منهما معنى بعض الطول فليس بطول إلا بمجامعة مثله فليس بطول، وقدمنا في مثل هذا وهو الاجتماع والافتراق ما يدل على هذا إن شاء الله.
مسألة: وأما احتجاجهم بأن في نفى التجزؤ تشبيها بين الجزء الثاني، فلو وجب ذلك جاز أن يوصف المخلوق بأنه عالم بشيء ما على الحقيقة فيكون مشبهاً بعلام الغيوب في علمه بذلك، بل الشيء الذي فرق يسن هذين المعنيين قد فرق بين ذانك المعنيين، فالله تعالى عالم بنفسه لا يجوز عليه الجهل، المخلوق عالم بعلم غيره وقد يجوز عليه الجهل، كذلك الله [28] تعالى واحد لا يتجزأ، غير محدود ولا في مكان، ولا بتغير ولا تحله الحوداث.
والجوهر واحد لا يتجزأ، محدود، محيز، تجرى عليه الحوداث، فمن هاهنا افترقت الصفتان لا فتراق المعنيين، والله أعلم. (1/38)
صفحة 39
القول الثاني: وقال أبو الهذيل ومن بقوله: الجزء الذي لا يتجزأ صحيح وأنه يلقى مثله من الأرض وأن فيه عرض افتراق إذا كان وحده.
الدليل على ذلك: انه لما نظر إلى الجسم متحركاً ساكناً متغيراً عليه، علم أن تغيرهما لمعنى غيرهما ولون طبيعة دورتها ثم طولتها فاختلفت في النظر، كان اختلافها لعلة الطول، فإذا ثبت الطول ثم يطل آخر لا يتجزأ فمن أجل ذلك أنكرت الجزء وله طول.
قال المتأمل: وهذا يوافق ما ذكرناه عن أبي المنذر، والله أعلم.
القول الثالث: قال معمر: إن الجزء الذي لا يتجزأ هو الحق، وإنه في العالم مدبر وليس في العالم بمجزئ.
ودليل على ذلك: لما استحال أن يكون الفعل من فاعلين ثم وجد الحركة كان لكل جزء في نفسه حركة لاستحالة الفعل من فاعلين، ومحال أن يكون في مكان شاغلا له، لآن التشاغل جسم ومحال أن يكون جسما.
قال المتأمل: أما إثباته الجزء الذي لا يتجزأ فقد وافق فيه، وأما بقية كون الجسم لا في مكان فهو خلاف ما نقوله، والجزء فلا ينفك مع وجوده من المكان.
الدليل على ذلك: أن الجزء لا يخلو أن يكون متحركاً أو ساكناً، فإن كان ساكناً فلا ساكن إلا في مكان، إذ لا معنى للسكون إلا اللبث في مكان على ما بينا. وأن كان متحركاً فلا معنى للحركة إلا النقلة من مكان إلى مكان فلم يخل في هاتين الحالين من لزوم المكان، والله أعلم.
القول الرابع: وقال ضرار (2): الجزء لا يتجزأ وهو نفسه له ست جهات.
قال المتأمل: وهذا قولنا غن شاء الله، وفال بشير بن المعتمر (3): إنا نقف ولا ندرى يتجزأ أم لا لفساد المعنيين جميعاً، عالم ذلك عند الله عز وجل.
الباب الرابع عشر
باب بيان الدليل على حدث الجزء وهو الجوهر
من تفسير كلام أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهما الله (1/39)
صفحة 40
قال المتأمل: أما قوله فدلالة حدث الجزء واحتماله أن يزاد إليه مثله إلى أن يتجسم، يقول، إن الدليل على هذا الجزء الذي لا يتجزأ محدث مخلوق، وهو أنه محتمل لأن يزاد إليه مثله؛ فإن في احتماله لذلك دلالة على عجزه عن منع نفسه من أن يضاف إليه ما يغيره عن حاله، لأن في إضافة مثله إليه حدوث عرض [29] حادث يحله وهو الاجتماع، وكل ما كان محلا للحوادث كان متغيراً بها وما كان متغيراً فعاجز، والعاجز محتاج إلى محدث يحدثه، ولا محدث إلا الله الخالق البارئ المصور سبحانه وتعالى عما يصفون.
ولا بد من رسم جملة يتضح بها البرهان القطعي على حدث العالم ومبتدعه ومقدرة لا من شيء ومخترعه، ونقتصر في ذلك على دليلين: أحدهما يدل على أن العالم محدث، والآخر يدل على أن المحدث هو الله.
مسألة: فأما الدليل على أن العالم محدث هو نشاهده من التغيير والانتقال وتقلب الأشياء من حال إلى حال، فإن من نظر إلى الأرضين والسموات وما فيهما من الأشجار والنبات والأفلاك الدائرات، والنجوم السائرات، والبحار الزاخرات وما في كل شيء منها من العجائب والعبر والتصاريف والغير، علم أنها لو كانت قديمة لما تغيرت ولا تقلبت أحوالها ولا تفكرت؛ فغن القديم لا يزول ولا يتغير ولا يحول بل المتغير مبدوع والمتقلب مصنوع.
مسألة: قال الشيخ أبو الحسن (1) رحمه الله: الدليل على حدث الخلق انا وحدنا العالم أجساماً وجواهر وأعرضاً لا تنفك من الاجتماع والافتراق محدثان كانا بعد أن لم يكونا. فما لم ينفك من الحوادث محدث ولا يتوهم الجسم خالياً منها. وقد صح وثبت أن الاجتماع والافتراق معنيان بهما اجتمع المجتمع وافتراق المفترق، وهما مجتمعان لجامع جمعهما، ومفرق فرقهما فدلك بذلك على حدثهما، وقد قال الله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (2) مع أن المحدث ما لم يكن يكون، وبالله التوفيق. (1/40)
صفحة 41
مسألة: وأما الدليل على أن العالم محدثه غيره، هو أنا إذا علمنا بالضرورة أنه محدث فلا يجوز أن يكون أحدث نفسه، أو إحداثه غيره، فأما حدثه نفسه فباطل محال من قبل أنه لا يجلو أن يكون أحدث نفسه في حال وجوده أو حال عدمه. فإن يكن أحدث نفسه في حال وجوده فالموجود مستغنى عن الإيجاد ويرجع الكلام في موحد الإيجاد، وإن يكن أحدثه في حال عدمه فهو محال غذ المعدوم ليس بشيء (3) ينتفع به. قال الله تعالى: (أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً) (4)، أي شيئاً ينتفع به لا على النفي للشيء، فما ليس بشيء ينتفع به كيف يوجد نفسه! ثم إن عجزه عن دفع الآفات التي تحله أوضح دليل على عجزه عن [30] الإيجاد نفسه في حال عدمه، فإن من كان عاجزاً في حال وجوده فهو في حال عدمه أعجز، فلم يبق إلا أن له محدثاً أحدثه وقدره، وبارئاً سواه وصوره وهو الله القديم الواحد الحكيم الغنى الكريم السميع العليم الغفور الرحيم.
وليل ثان: وهو أن نطفة لو وضعت بين يدي الخلائق لما قدروا أن يخلقوا منها ذباباً، ثم وجدناها وقد خلق منها بشر سوى ذو سمع وبصر وعقل ونظر وخصام وبيان وكلام ولسان فعلمنا أن له أنشأه وبارئاً قدره وسواه وهو الله رب العالمين. (1/41)
صفحة 42
ودليل ثالث: وهو أنا وجدنا المحدث في الشاهد لا يكون إلا من محدث، كالبناء لا يكون إلا من بان والصورة لا يكون إلا من مصور، والكتابة لا يكون إلا من كاتب، ولم نجد شيئا من هذه الأشياء توجد نفسها ولا يوجد إلا كذلك علمنا أن لنا محدثاً أحدثنا وهو الله الذي (ليس كمثله شيء هو السميع البصير) (5) فإن تجاسر متجاسر فزعم أنه قد يجوز وجود مجتمع لا جامع له وبناء لا باني له، وكتاب لا كاتب له لزمه أن يجيز وجود سفينة اجتمعت أجزاؤها حتى اعتدلت وتماسكت وداخل بعضها بعضاً، وقربت من الساحل بغير من يريد العبور، كلما عبرت بواحد راجعت لتعبر بآخر من غير أن يجتمعا جامع ويخدمها صانع أو يقربها من الساحل مقرب، فصح ما قلناه، وبالله التوفيق.
مسألة: فهذان الدليلان على كل شيء من الجواهر والأعراض والأجسام، فإن حدوث الأعراض مشاهد وهو الدليل على حدث الجواهر، والجواهر اصل الجسام فيما اصله محدث، فهو محدث ن كيف والدليل الذي دل على حدث الجوهر دال على حدث الجسم، وبالله التوفيق.
الباب الخامس عشر
باب بيان صفة الجسم ومعانيه وحده واختلاف الناس فيه
من كلام أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب
رحمهما الله (1/42)
صفحة 43
قال المتأمل: وأما قواه: إلى يتجسم أي إلى أن يصير جسماً، والجسم عبارة عن جواهر مجتمعة اجتماعاً يوجد قيه الطول والعرض والعمق خلافا للأشعرى فإنه زعم أن حده المؤتلف، وهذا حد الجسم أنه الطويل العريض العميق، إذ لا تعقل العرب الجسم إلا ما كان على هذه الصفة، لأنهم يقولون: هذا الجسم أجسم من هذا، أي اكبر ذهاباً في الجهات من هذا، ولا يكون أكبر ذهابا في الجهات إلا بزيادة الخاصية [31] اللازمة لهما الجهة ن ولا ذات يقتضيها قولهم أجسم إلا الجوهر، وأجسم هي من باب أفعل؛ وأفعل إنما وضعت لتفضيل شيء على شيء، ولا فصل في الجسمية إلا بزيادة الجواهر الشاغلة للجهات، فزيادة الجواهر في الجسم زيادة بجسمه إذ لم يكن الجسم جسما إلا بتآلفه من الجواهر تآلفا يوجد فيه الطول والعرض والعمق. وقد فدمنا في باب بيات حدوث العالم، أن العالم عبارة عن كل محدث ولا محدث إلا شيئان لا ثالث لهما، وهما الجوهر والعرض.
مسألة: وأما قوله بحدوث الأقدار الثلاثة له، فالذي عندي أنه إنما أراد بالأقدار الثلاثة الطول والعرض والعمق، والله أعلم.
مسألة: فأما الطول فلا يكون في خط ما، والخط لا يكون باجتماع جوهرين، إذ الجوهر الواحد معلوم أنه الجزء الذي لا يتجزأ، فصح أن لا طول في الجوهر الواحد لأنه لو وجد فيه لصحت التجزئة، فلما وقع الصحيح أنه لا يتجزأ، صح أن الخاصية ليست موجودة (1)،ثم وقد بينا ذلك ودللنا عليه فيما مضى.
مسالة: وأما العرض فلا يكون إلا في خطين محاذيين على التلاصق ثم لا يكون عرض إلا مع طول، كما لا عقل إلا مع حياة، فعرض بلا طول محال، كما لا عقل بلا محال، إذ القدر الذي به تم العرض مع القدر الذي هو الطول لو انفرد عن الطول لكان راجعاً إلى الطول لا العرض، والخطان إذا اجتمعا على التحاذي صار بسيطاً. ولا يكون طول وغرض إلا في بسيط على معنى ما وجدت في الآثار، والله أعلم. (1/43)
صفحة 44
مسالة: وأما العمق فلا يكون إلا في سطحين متلاصقين أحدهما على الارض، ولا يجتمع الطول والعرض والعمق إلا باتصال سطح مع سطح، وهذه صفة الجسم على موضوع أهل اللغة، ولا يصح عمق إلا مع طول وعرض، كما لا يصح علم إلا مع عقل وحياة، فالحياة شرط العقل. والعقل شرط العلم، فعالم ليس بعاقل محال، وعاقل ليس بحي محال، وكذلك عمق بلا طول وعرض محال، وعرض بلا طول محال.
مسالة: واعلم أنا متى شاهدنا طويلا عريضاً ليس بعميق علمنا أنه ليس بجسم، ومتى شاهدنا طويلا عريضاً عميقا علمنا أنه جسم، فهذا حقيقة الجسم ومعنى الأقدار الثلاثة التي يتجسم الجسم، والله أعلم.
ولو أخذت في مساعدة ما [32] تدعوني الهمة إليه من إسباغ القول في الأدلة القياسية ودقائق الفكر الهندسية وغرامض العلل الفلسفية لظهر للسامعين ما يهيمون فيه ويتحيرون دون التوصل إلى حقائق معانيه. وفي الذي ذكرناه غنى عن التطويل وكفاية لمن من الله عليه بالهداية إلى أقوم سبيل، وبالله التوفيق.
الباب السادس عشر
باب بيان اختلاف الناس في الجسم وأجزائه
اختلف الناس في أقل ما يتركب منه الجسم من الأجزاء فقال قوم: من جوهرين فصاعداً.
قال المتأمل: ولعل هذا قول الأشعري لأن حد الجسم عنده المؤتلف. وقال قوم: من سنة أجزاء، وذلك باطل؛ لأن الجسم هو الطويل العريض العميق، والمركب من سنة أجزاء لا يختص جميعه بالطول والعرض والعمق.
فال المتأمل: والذي يبين لي أن الصحيح ما ذكرته وأنه لا يتركب إلا من ثمانية أجزاء، والله أعلم.
مسألة: ومن كتاب ((المقالات)) عن البلخى، اختلف الناس في الجسم كيف وهم أربعة أصناف؟
القول الأول: فقال أبو الهذيل، ثلاث وهى ستة أجزاء إذا اجتمعت فبلت الأعراض فصارت جسما من قبل أن الجسم لن ينفك من الطول والعمق، والجهات، يمنة ويسرة، وأعلى وأسفل، وقدام وخلف ولن تكون تلك إلا ستة أجزاء. (1/44)
صفحة 45
قال المتأمل: وهذا قول قد يسوغ في النفس من حيث انضمام جوهر إلى جوهر يحدث به الطول فقط. ثم إن انضم إليهما جوهر ثالث في أحد جهاتهما المحيطة بمها سوى جهتي الطول فلن يخلو من زيادة عرض حادث فيه آخر غير الطول إما عرض وإما عمق، ولا عمق إلا بعد طول وعرض على ما بينا بالباب المنقضي لحصوله في جهتي الطول، فإن للطول جهتين وهما خلف وأمام، وللعرض جهتين وهما يمين وشمال، للعمق جهتين أعلى وأسفل. فلما استحال حصول عمق فيل رتبة العرض ولم تحصل في جهتي الطول فتكون زيادة في الطول في الطول، لم يبق إلا العرض، فإذا صح كون سطح من ثلاثة جواهر صح وجود جسم من سنة جواهر، غير أن [33] هذا القول إن استقام لهذا العلة وهى وجوب حصول عرض حادث غذ محال أن عمقاً لتقدم رتبة العرض على العمق أو يكون طولا لحصول في غير جهتي الطول لزم أن يكون بانضمام جوهر رابع إلى الثلاثة من جهة أعلى أسفل يتجسم، إذ ليس هو في أحد جهتي الطول فتكون زيادة في الطول، ولا في إحدى جهتي العرض فتكون زيادة في العرض، ولم يبق بد من حدوث عرض مستفاد بانضمامه إلى الثلاثة ولم يبق إلا العمق. فمتى صح بذلك العمق حصل الجسم من أربعة والله أعلم.
القول الثاني: وقال معمر (1) الجسم ثمانية أجزاء إذا اجتمعت فبلت الأعراض، لأن الجسم لن ينفك من أن يكون طويلا عريضاً عميقاً، بد من يمنة ويسرة وأعلى وأسفل، فإذا كانت أربعة أجزاء لم يكن لها عمق حتى تطبق على أربعة أجزاء فيصير طويلا عريضاً عميقاً وأنه لا يتجزأ.
قال المتأمل: وهذا على ما بيناه في الباب السالف.
القول الثالث: وقال النظام (2) وهشام ومن نفى الجزء، أجسم طويل عريض عميق وأنه لا يتجزأ.
قال المتأمل: قول أصحاب هذين القولين أنه لا يتجزأ، أحسبهم إنما أرادوا نفى تجزئة الجسمية لا الجواهر على ما كنا بينا من أن الإنسان لا يتجزأ من جهة الإنسانية، بل من جهة الجوهرية، والله أعلم. (1/45)
صفحة 46
القول الرابع: وقالت المرجئة: الجزء الجسم ولا يتجزأ، وأن اللون والطعم والرائحة والطول والعرض والحرارة واللين والخشونة إبغاضه، وهى أعراض. فإذا جمعها الله صارت جسما، كل جسم فهذا حمكه.
قال المتأمل: قد بينا في متقدم كتابنا هذا من حقيقة الجزء ومعناه وصفة الجسم ومنتها، وكل واحد منهما في بابه مالا يحتاج إلى دكره والرد على ما بينا في هذا.
مسألة: وقع رفع لنا الثقة انه سأل المنازع عن ثوب هو لا بسه الله أعلم كتان أم قطن؟ فقال له: أخبرني عن هذا الثوب جسم هو أم لا؟ قال: فقال، هو جوهر لا يبين لي أنه جسم، أو قال: ليس بجسم طويل بل عريض عميق وهذا طويل عريض لا عمق له فيه، فمن لا يعرف العمق فكيف يجوز له أن ينفيه؟ فليت شعري ما توهم العمق حتى نفاه، ولعله وظن أن العمق فكيف هو الذي تتوهمه العامة طول تجويف ما أو ارتفاع إلى ما أكثر.
مسألة: وفي كتاب: النهار [34] والليل، والماء والنار، والرياح كلها أجسام ميتة قيل: تحركها القدرة، والريح من ابن آدم عرض، والرماد جسم، والسحاب والنجوم والشمس والقمر والسماء والأرض والجبال أجسام وهى مسخرة، والنجاسات أجسام، والهوى جسم.
قيل لأبي الحسن: فما هو؟ قال: لا أدرى. العلم علمان والعقل عقلان وكلاهما عرض والظل وظلام الليل وضوء النهار، والحركات في الإنسان، والشجر والمرض والعقل والقوة والضعف والنوم والخدمة والأعمال كل هذا أعراض، وكل ما كان من أحداث الدهر فهو عرض مثل الموت والأمراض وما يشبه ذلك. وأجمعوا أن الشهوة مخلوق فهي عرض، والله أعلم.
انقضى. ففي هذا ما يدل على خلاف قول من زعم بأن الثوب ليس بجسم أو أن الجسم لا يكون إلا الذي روح، وقد رفع لي ذلك عن بعضهم. فقف على ذلك. وبالله التوفيق.
الباب السابع عشر
باب بيان العلم والعالم وعدد أجزائه والقدرة على قسمه
من تفسير كلام أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهما الله (1/46)
صفحة 47
قال المتأمل: وأما قول الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمه الله: والله أعلم بعدد أجزاء الخلق كلها وقادر على تفريق ما جمع منها حتى لا يبقى اجتماع فيها، وكذلك جمع متفرقها. وفي ذلك إثبات الجزء الذي لا يتجزأ منها وصحة النهاية فيها، فتأملوه، فإن فيه معنيين مبينين وفصلين مبرهنين هما أو ضح دليل اعتدناه وأشد سبيل قصدناه.
مسألة: فأما قوله: الله عالم بعدد أجزاء الخلق كلها فقد به على معنيين: أحدهما أن للخلق أجزاء وهى جواهر التي خلقها الله تعالى، لا من شيء بل ابتدأها مبتدعاً، كون مخترعاً فجعلها أصل الخطوط والسطوح والأجسام مع ما قام بها من الحوادث التي قلنا إنها الأعراض اللازمة على التعاقب لها من الاجتماع والافتراق والحركات والسكون وما أشبه ذلك مما اختلفت به تراكيبها، وتصنفت به أجناسها وتراتيبها والثاني أن هذه الأجزاء التي هي أصل كل محدث متحيز متناهية محدودة محصاه معدودة، لها غاية في العد، و نهاية في الأمد ن فهي في حال افتراقها مفترقة محدودة، وفي حال اجتماعها مجتمعة معدودة. حال [35] أن يكون أجزاء كل مجتمع منها أكثر مما هي، وقد بينا ذلك فيما مضى من بيان الجزء الذي لا يتجزأ، والله أعلم بغاية أمدها، محص لعدها في حال اجتماعها وافتراقها، لا سبيل لإمكان الزيادة في كميتها، ولا احتمال لذلك في كيفيتها. إذ لو صح إيقاع القدرة على قسم جزء منها لاقتضى ذلك إمكان تجزئه كل جزء منها، وإمكان التجزؤ فيه منها قادح في علم عددها؛ فإن القدرة على قسم كل جزء منها لا إلى نهاية موجب لاستحالة التحديد منها وبالعلم بحدها، وهذا راجع إلى بطلان الحقائق وتجهيل للعليم بالخلائق، هذا خروج من التوحيد وإلحاد في صفة المجيد (قل الله أذن لكم أم على الله تفترون. وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فصل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون) (1). (1/47)
صفحة 48
مسألة: وأما قوله: قادر على تفريق ما جمع منها، فقد دل به على أن القدرة على التفريق إنما يوقع على المجتمع، وكذلك القدرة على الجمع إنما يوقع على المفترق.
وإنما يعرف هذا الفصل ويفهم بمعرفة التفرق بين الاجتماع والمجتمع وإتقان الغيرية بينها، كما بينا ذلك في متقدم كلا منا، فقد قلنا إن من عرف أن الاجتماع غير المجتمع والافتراق غير المفترق، الانقسام غير المنقسم، التجزئة غير المتجزئة، وما أشبه ذلك من الجواهر والأعراض، علم أن الجوهر لا يرتفع بارتفاع العرض لا القدرة على تفريق المجتمع يمكن من رفع الاجتماع لا المجتمع، فالاجتماع هو العرض الحال في المجتمع الذي به كان المجتمع مجتمعاً، وليس إذا رفع الله الاجتماع كله من المجتمع وتذهب عينه، بل تفترق مع وجودها، وكذلك انقسام الشيء وتجزئته قريب من معنى ذلك وإن اختلف اللفظ.
ألا تري أبا المنذر يقول: وقادر على تفريق ما جمع منها حتى لا يبقى اجتماع فيها ولم يقل حتى لا يبقى مجتمع منها. فبين ذلك فرق بعيد وبون شديد. وقوله: ((حتى لا يبقى اجتماع فيها)) دليل على الغاية الداخلة عليها. (1/48)
صفحة 49
فإن قال قائل: هذا كفر بالله أن جعلتم للقدرة غاية وأنتم تنكرون القول بتخصيص القدرة وتعتقدون (2) أن عمومها بالمقدروات كلها. قلنا: لسنا نريد بهذه الغية في صفة القدرة [36] وإنما نريد بها غاية في نهابة المقدور، وإنما كان يجب التخصيص أن لو قلنا إن الله قادر على تفريق بعض المجتمعات أو على قسم بعض المؤتلفات. فأما إذا قلتا إن الله قادر على تفريق كل مجتمع حتى لا يبقى اجتماع فيه وعلى قسم كل متآلف وتجزئته حتى لا يبق فيه تأليف فأين وجه التخصيص في القدرة؟ فمن اتسع عقله الجواز الوصف للبارئ جلت عظمته بالقدرة على قسم الجوهر مع علمه أن الجوهر في الحقيقة عند الله الجزء الذي لا يتجزأ، وأن القسم والتجزؤ إنما هو رفع تأليف ما، ولا تأليف في الجوهر، لزمه أن يصف الجوهر بالتجزؤ، والأعمى بالصبر، والميت بالحياة، المتحرك بالسكون، فإن متى سئل هل يقدر أن يعمى الأعمى الذي لا بصر له، أو بميت من ليس بحي، أو تحرك غير ساكن، لزمه على أصله أن يقول نم يقدر على ذلك.
فإن قوله: يجزئ الجوهر وهولا يتجزأ، ويعمى الأعمى وهو لا يبصر، ويذهب حركة الساكن وهو ليس بمتحرك، سواء لا فرق بين ذلك ولا معنى مختلف هنالك، غير أنا نسلك طريف الكشف البالغ في الفصل الثالث، ونقتصر فيه على ثلاثة أسباب:
الأول: في بيان القدرة والمقدور.
الثاني: في المسائل المشهورة عن أصحابنا في هذا المعنى.
الثالث: في وجه الاستحالة في المسألة الجوهرية واجتماع الأضداد، والله ولى التوفيق والإرشاد والهداية والسداد.
الباب الثامن عشر
باب بيان القدرة وتأثيرها في المقدورات
اعلم أن أسماء الله وصفاته على ضربين: ضب مآثر، وضرب مقصور. (1/49)
صفحة 50
فالمقصور: هو الموصوف بها ذات البارئ سبحانه وجل لا يقتصر غيراً موجودة ولا معدوماً ممكناً، كقولنا في صفه الله تعالى بأنه واحد، وأنه حي، وأنه قديم، وأنه باق أزلي، وأنه عزيز، وأنه دائم وما أشبه ذلك، فليس في قولنا: أنه حي معنى يقتضي مفعولا ن وكذلك قولنا واحد قديم باق دائم، ليس في ذلك معنى غير الموصوف.
مسألة: وأما المآثر فكقولنا حين نصفه بأنه عالم وأنه راحم، وأنه مريد وأنه خالق، فهذه الأسماء تقتضي فاعلا ومفعولا، وتتعدى إلى غير الموصوف من موجودة أو معدوم ممكن وما أشبه ذلك. فيجب أن يعتبر قولنا غن الله قادر من الصفات المقصورة على الذات، أو من الصفات المتضمنة مفعولا [37] يمكن كونه بهذه الصفة، ولا سبيل مع ضرورة العقل إلى جحد تأثير هذه الصفة وتضمنها مفعولا واقتضائها مقدورا سيكون، فكما أن العالم إنما يعلم معلوماً لا بد منه، والخالق إنما يخلق مخلوقاً لا بد منه، الراحم إنما يرحم مرحوماً لا بد منه، والمريد إنما يريد مراداً لا بد منه، ومحال أن يعلم العالم غير معلوم، يريد المريد غير مراد، وكذلك يستحيل أن يقدر القادر على غير مقدور، فصح أن القادر يقتضي قدرة على شيء لا على لاشيء، والله أعلم، وبه التوفيق للصواب.
مسألة: فأما الشيء المقدور فإنه على ضربين لا يعدوهما إلى ثالث البتة: وهما الجوهر العرض، ولا نعلم شيئاً مقدوراً قط غير هذين الشيئين. فأما الجسم فقد قلنا إنه في الحقيقة عبارة عن جواهر مجتمعة اجتماعاً يوجب الطول والعرض والعمق، فلم يخل الجسم من جوهر وعرض، فكل مقدور إما جوهر وإما عرض، وكل جوهر أو عرض فهو شيء مقدور.
فإذا صح أن الشيء المقدور على ضربين: جوهر وعرض، كان القول في تأثير القدرة في المقدور فلا يعدو معنيين: إيجاد معدوم، أو إعدام موجود، لا نعلم ثالثاً تؤثره في جوهر أو عرض غير هذين المعنيين. (1/50)
صفحة 51
فإذا أوقعت القدرة على الجوهر فلا يخلو حين إيجادك القدرة عليه أن يكون موجوداً أو معدوماً، فإن كان معدوماً اقتضت القدرة إيجاده لا غير ذلك. وأن كان موجودا لم تقتض القدرة إلا إعدامه، وكذلك إذا أوقعت على العرض لم يخل أن يكون موجودا أو معدوماً، فإن كان موجودا اقتضت إعدامه، وأن كان معدوماً لم تقتض إلا إيجاده. وأن أوقعت على ما تشتمل على الجوهر والعرض في حال وجودهما لم تقتض إلا إعدامه بكليته أو إعدام بعض أجزائه التي هي جواهر جسمية الذي تركب منها، أو إعدام بعض الأعراض القائمة به، وفي ذلك إيجاد أضدادها. وهذا ظاهر العيان قائم البرهان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
بيان ذلك: إنا إذا قلنا أن الله قادر على عبده فلان، فليس نريد إلا أن تذهب عينه فيعدمه بكليته أو يميته إن كان حياً، وقي ذلك إعدام عرض موجود وهو الحياة، وإيجاد عرض معدوم وهو الموت، أو يمرضه، ففي ذلك إعدام عرض موجود وهو الصحة، أو يجاد عرض معدوم وهو المرض، كذلك [38] تفريق جسمه وتقصيره وتطويله وتحريكه وتسكينه وغير ذلك من جميع الأعراض القائمة به التي بها تميز بالإنسانية من جميع الحيوانية. وهذا إذا أوقعت القدرة على جملة يجمع أشياء شيء فأبهمتها ولم تخص بها شيئاً معلوماً من تلك الجملة. وباله التوفيق.
مسألة: وأما إذا عينت المراد بعينه فأوقعت القدرة عليه كان النظر في المعين هل هو واجب أو ممكن أو محال؟ فإنه لا يعدو كل منطوق به أن يكون متطوعاً بكون لما قامت الدلالة عليه بأنه كائن من العقل أو السمع من الكتاب أو السنة أو الإجماع، كيوم البعث والحساب والثواب والعقاب وما أشبه ذلك، فقد سمى المتكلمون ما كان بهذه الصفة واجباً، أي مقطوعاً بكون لا يدخل الإمكان على غير كونه، أو يكون مقطوعاً بأنه لا يكون البتة، وهو تضربان:
أحدهما: محال من طريق العقل كاجتماع الأضداد. (1/51)
صفحة 52
الثاني: محال كونه من طريق السمع من الكتاب أو السنة أو الإجماع كخروج أهل الجنة أو النار منها، وكبعث نبي بهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما أشبه ذلك، فهذان الضربان قد سما هما المتكلمون محالا أي كونه محال.
الثالث: أن يكون مجهولا فقد خفي علينا أنه يمون أو لا يكون إذا لم تقض الدلالة من الكتاب ولا السنة ولا من الإجماع بأنه يكون أو لا يكون، مع إمكان كونه من طريق العقل، فهذا ضرب يسميه المتكلمون ممكناً، وهو أنه يجوز أ، يكون، ويجوز أن يكون، و يجوز أن لا يكون.
فأنا الواجب فإضافة القدرة إليه واجبة والعالم بكونه واجبا عند قيام الحجة. وأما الممكن فإضافة القدرة إليه واجب.
وأما كونه فشروط الإرادة وهو إن أراده البارئ فهو كائن، وأن لم يرده لم يكن.
وأما المحال الذي علم استحالته من طريق السمع فالقدرة إليه متطوعاً وإيقاعها عليه واجب.
وأما كونه فتابع للإرادة، والله أعلم.
وأما المحال الذي علم استحالته قبل العقل فإيقاع القدرة عليه محال في العقل، فإن معنى المحال ما أحيل عن وضعه في الحكمة، ولا يكون في العقل بحال ولا يمكن فليس بشيء، وما ليس بشيء فلا يصح إيقاع القدرة على إعدامه وهو معدوم، ولولا أن ذلك كذلك لمل كان للحقائق فضيلة. وسيأني بيان ذلك فيما بعد غن شاء الله.
الباب التاسع عشر
باب مسائل المحال المأثورة الموجودة
في آثار المسلمين المشمين المشهورة
فمن ذلك [39] ما وجدته مضافاً إلى مختصر الشيخ أبي الحسن رحمه الله، وأرجو أنه عنه ولا تنازع في صحته، وهو قوله: وذكرت أن نباحيتكم رجلا يلقى عليكم مسائل وعلى الضعفاء، وخفتم أن يضيق عليكم جهلها ويلزمكم علمها فكان من مسائل أن قال: هل يقدر الله تعالى أن يخلق مثله؟ وما يكون الاعتقاد والجواب لقائله؟
فأما الاعتقاد فإنه يعتقد إذا سمع ذلك أن الله تعالى لا مثل له، وأنه (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (1). (1/52)
صفحة 53
وأما الجواب له أن يقال له: إن الله تبارك وتعالى ليس له مثل، وهذا سؤال محال فاسد. ولا يجوز أن يقال: هل يقدر الله أن يخلق مثله؟ فأحال في مسألته إذ شبه الخالق بالمخلوق والله تعالى لم يزل ثم أحدث الأشياء وهو القديم فبل كل شيء وهو الخالق لكل مخلوق، ولا يجوز أن يقال ذلك لأنه كأنه قال يقدر يخلق من لم يزل، وهذا محال لآن الله لم يزل والذي يكون مخلوقاً محدثاً، ولا يشبه المحدث بمن لم يزل ولا المخلوق بالخالق، فالسؤال فاسد لا يجوز لقائله؛ لأن الأشياء محدثة ولا يشبه المحدث بالقديم الذي لم يزل.
وقوله: هل الله أن يخلق مثله قديماً في الأزل؟ فيكونا قديمين؟ وهذا فاسد أن يكون يحدث قديماً في الأزل، فهذا فاسد أن يكون يخلق خالقاً مثله، فهذا محال فاسد لا يصح من المعقول، ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بذلك.
قال المتأمل: الواجب أن تعتبر العلة التي من أجلها قضى على هذا السؤال بحكم الفساد والمحال كل الاعتبار ويتأمل غاية التأمل بصادق الأفكار، ثم ينظر فيها هل هي موجودة في المسألة الجوهرية واجتماع الأضداد أم لا، فإن وجدت هنالك فما الفرق بينهما؟!
مسألة: والذي عندي أن العلة هاهنا الموجبة لفساد هذا السؤال واستحالته هي تنافى أول السؤال عن آخر ومخالفته له، وإنما يصح السؤال أن يكون آخره موافقاً لأوله على ما بينا في شرط صحة السؤال وفساده. (1/53)
صفحة 54
الدليل على ذلك: أنه لما قال: هل يقدر؟ وجب عليه أن يذكر شيئا موجوداً فتقتصي القدرة إعدامه، أو يذكر شيئا معدوماً فتقتضي القدرة إيجاده. فلما قال: ((يخلق)) دل به على أنه يسأل عن إيجاد معدوم ممكن وجوده في القدرة ليصح [40] السؤال عن قدرته، أن قدرته نافذة في ذلك أم قاصرة عنه موجبة لعجزه؛ لأن العاجز لا يحكم عليه بالعجز إلا إذا أعجزه شيء يقدر عليه، ولا يحكم له القدرة إلا إذا كان قادراً على شيء، وأما أن يحكم له القدرة على غير شيء فهذا عبث من القول وخروج عن الحكمة، ثم إن وصف به البارئ كان دخولا في الخطأ، وأخاف أن يكون إيجاداً إلا ممن وصف الله تعالى بالقدرة على غير شيء، فأخاف أن يكون قد عجز الله، تعالى عن الغلبة والعجز علوًّا كبيراً!!
فلما أن قال: ((مثل)) وجب أن يضيف هذه الكلمة لأن ((مثل)) كلمة نكرة ولا تقع في الكلام إلا مضافة، فلو جردت عن الإضافة في اللفظ لنقضت الإضافة في المعنى، ولا نحب أن يكون إضافتها إلا إلى ماله مثل، لأن المثل لا يكون إلا لشيء له مثل. فلما أن أضافها إلى ما لا مثل له، انتقض السؤال وفسد واختلف معنى الكلام في موضعه فاستحال، فهذه هي العلة الموجبة لفساد هذا السؤال. فيجب أن يحكم على كل سؤال وجدت فيه هذه العلة بالفساد والاستحالة، فمن ادعى غير ذلك فعليه إقامة الدليل. والله التوفيق.
مسألة: فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون فساد هذا السؤال واستحالته من قبل أن صحته وجوازه موجب لإمكان مثل الله تعالى وهذا صائر إلى الشرك لا ما ذهنت إليه. (1/54)
صفحة 55
فالجواب: أنا أنكرنا ذلك من قبل أن ليس في الجواب ما يدل على ما ذكرت. وإنما تؤخذ المعاني من الألفاظ والإشارات الدالة عليها والقرائن المتصلة بها. وليس في هذا الجواب إشارة ولا قرينة تدل إلا على ما فلناه، ولو كان ذلك كذلك لكان يجب الاقتصار في الجواب على أن هذا السؤال محال، لأن في جوازه وصحته تجويز مثل الله تعالى، فلما لم يقل لم نقل ذلك ولا أشار إليه، علمنا أن العلة ما قلناه.
الدليل على ذلك أنه قال ((لأنه)) كأنه قال: يقدر يخلق من لم يزل وهذا محال لأن الله لم يزل، والذي يكون مخلوقاً محدثاً ولا يشبه المحدث بمن لم يزل، ولا المخلوق بالخالق، وهذا السؤال فاسد، وانظر كيف أفسده من قبل اختلاف معنى أوله ومعنى آخر. على أن السؤال نفسه أو [41] أسقط منه لفظ ((مثله)) وجعل موضعه ((غيره)) مثل أن يقول: يقدر أن يحلق شيئاً لم يزل أو شيئاً لا أول لحدوثه، أو قادراً لا يعجزه شيء، لم يكن بد من الحكم عليه بالمحال، فيكون ذلك نقضاً لمن ادعى أن العلة تجويز المثل أو تصحيح السؤال ونفض لعلة السؤال الأول، حيث قال: لأن الله لم يزل والمخلوق محدث، وكذلك العلة في هذا السؤال أن المخلوق لابد له من أول والذي لا أول له لا يكون مخلوقاً.
وكذلك إذا قال: يقدر يخلق قادراً لا يعجزه شيء؟ فالمخلوق مقدور عليه، والمقدور عليه عاجز، والقادر الذي لا يعجزه شيء لا يكون مخلوقاً مقدوراً عليه وهذه صفة القدير وهو الله الواحد القهار المتعالي عن صفة فاسدة.
مسألة: ثم لو اعتبرنا موضوع القدرة واقتضائها وحقيقة هذا اللفظ أنه شيء أو لا شيء لتبين التنافي غير أنا سنبين وجه ذلك في المسألة الجوهرية إن شاء الله وبه التوفيق. (1/55)
صفحة 56
مسألة: ومن ذلك ما وجدناه في كتاب ((الأكلة (2) وحقائق الأدلة)) الذي ألفه القاضي أبو محمد نجاد بن موسى (3) إن سأل سائل فقال، أخرونا أيقدر البارئ أن يخلق نفسه؟ قيل له جوابك ينقض بعضه بعضاً؛ لأنك بقولك ((أيقدر أن يخلق)) قد ثبت المقدور مخلوقاً، وبقولك ((نفسه)) فد أوجبت أنه قديم، لأن نفسه لم تزل كائنة لا إلى أول، فكأنك قلت: يقدر أن يكون الشيء مخلوقاً لم يكون كان وهو لم يزل كائناً.
قال المتأمل: انظر كيف استدل على فساده وانتقاضه من حيث إن أوله مخالف لآخره. ألا تراه يقول، لأنك بقولك أيقدر أن يخلق؟ قد ثبت المقدور مخلوقاً أي قد دل به على سؤال عن القدرة على مخلوق؛ لأنه متى قال ((يقدر أن يخلق)) وجب عليه في إتمام فائدة لفظه أن يأتي بشيء يخلق ليعلم أنه يقدر على ذلك أم لا.
أما قوله، وبقولك نفسه قد أوجبت أنه قديم؛ لأن نفسه لم تزل كائنة لا إلى أول، أي أنه أوصل كلامه بما لا يطابقه بل يخالفه وهذه هي العلة التي قلنا إنها هي التي أوجبت فساد [42] السؤال
الأول، وهي مخالفة معنى آخر السؤال لمعنى أوله ومنافاته لا غير ذلك وذلك أن قوله ((يقدر يخلق)) كلام يقتضي إيجاد معدوم قبل أن يخلق.
وقوله ((نفسه)) فدل علي موجود والموجود مستغنى عن الإيجاد، فكأنه قال يقدر يوجد موجوداً في حال وجوده فبطل ذلك.
مسالة: من كتاب ((الأكلة)) فإن قال، أيقدر أن يخلق مثله؟ قيل له: ناقضت في سؤالك؛ لأنك إذا قلت يقدر أن يخلق فقد أوجبت أن المقدور لا يمنع أن يكون مخلوقاَ، وبقولك ((مثله)) قد أوجبت قديماَ؛ لأن مثل القديم لا يكون إلا قديماً، فكأنك قلت ((يقدر أن يكون المخلوق لا مخلوقاً)) وقد بينا فساد ذلك آنفاً.
قال المتأمل: انظر كيف اقتصر في الدليل على فساده بتناقضه ومخالفة أوله لآخر على ما بينا وهو الحق، وبالله التوفيق. (1/56)
صفحة 57
مسألة من الكتاب: فإن قال، أيقدر أن يجعل الدنيا في بيضة والدنيا على ما هي عليه من العظم والبيضة على ما هي عليه من الصغر؟ قيل له: نقضت في سؤالك لأنك بقولك يقدر أن يجعل الدنيا في بيضة قد دللت به على أن الدنيا أصغر من البيضة والبيضة أوسع منها، يقوله ((والبيضة على ما هي عليه)) قد أوجبت أن الدنيا أوسع فكأنك قلت: يقدر يجعل البيضة واسعة في حال.
فجوابنا: أنه على شيء قدير وأنك لم تسألنا عن شيء يقدر عليه، وإنما نقضت ببعض كلامك بعضاً، وكذلك الجواب عن قولهم يقدر يجعلنا قياماً قعوداً في حال وأن يجمع المتضادات.
قال المتأمل: انظر كيف قال إن الجواب في السؤال عن القدرة على جمع الأضداد أنه فاسد وأنه نفض أوله بآخره ولم نقل نعم يقدر على ذلك.
وانظروا معاشر مسلمين إلى أجوبة العلماء بالتوحيد ومقالات الفقهاء المنافسين في مدائح الله المجيد. كيف لم تستزلهم وساوس الشيطان المريد في مثل هذا الموقف الخطر الشديد عن تصفح معاني الألفاظ الموضوعة التي جعلها البارئ سبحانه دليلا على الإرادات وإعلاماً على المقاصد والإرشادات، وقضى عليها بالثبوت غاية الأبد لا تستحيل موضوعاتها [43] إلى حد، ولا إلى أمد، فلم يلتفتوا إلى خوف ما يدخل على الضعفاء عند الوقوف عن الحكم بالقدرة على المحال عند تحققهم أن في القول بالقدرة عليه فساد الحكم المستفادة من معاني الألفاظ، وأن فساد معاني الألفاظ التي جعلها الله دالة على الإرادات هجر من الكلام وفحش من القول في الأحكام. فأولئك الذي تغلغلوا على الدقائق واطمأنت أنفسهم إلى الحقائق، فقلوبهم ترعى بأرض الاعتبار وترد مشارع التدبر والأفكار، فمهجهم تترقرق، وأنوار خواطرهم مضيئة تتألق، أنار الله قلوبنا بحكمته ومن علينا بمجاورتهم في جنته إنه واسع المنة والرحمة. (1/57)
صفحة 58
ولو كانت الألفاظ إذا اختلفت مقتضياتها عن أوجب موضوعاتها يسوغ تجويزها، لما شاع الاشتعال بالجواب عن هذا المسائل وما جانسها بالتنبيه على تناقضها والإضراب عن إجابة متقدمها، ولوجب أن يقال نعم يقدر على ذلك وإلا وقع الشك في قدرة الله وليس الأمر كذلك، بل الواجب أن لا يجاب عن سؤال إلا بعد معرفة صحته وسلامته من آفات الفساد إلا كان القدح فيه جواباً للسائل عنه، فإنه متى أجيب عن السؤال الصحيح وقعت النسوية بين الفاسد والصحيح فدخل على محال الذي لا يحتمل حكم الاحتمال، وهذا إبطال للحقائق، وإفساد للحكمة. والله أعلم وبه التوفيق.
قال المتأمل: والجواب المحكوم فيه على مسألة البيضة بالفساد مقصور على المعنى الذي ذكرناه والأفضل الذي قدمناه وهو مخالفة آخر السؤال المقتضى أوله لا غير ذلك. (1/58)
صفحة 59
وقوله: وكذلك الجواب عن قولهم، يقدر يجعلنا قياماً وقعوداً في حال واحدة وأن يجمع المتضادات فهذه هي اجتماع الأضداد التي قال المنازع لنا: إنه يقال للسائل عنها نعم يقدر أن يجمع الأضداد، وأنكر علينا الحكم فيها بالفساد والاستحالة. والذي احسب أن هذا المنازع لم يقل ذلك بأثر وجده ولا عن أحد أسنده، وإنما قال لعله على سبيل الغلط في النظر. وقد كنت كتبت إليه أسأله عن جواب مسألة ((البيضة)) ومسألة ((جمع الأضداد)) بالشرط المقدم فيها على الحكاية إن سأل سائل فقال كذا وكذا، وأن هذا السؤال على غير الحكاية يسع أم يسع؟ فبلغني أنه ومن حضر من جلسائه عظم ذلك في نفوسهم واستبشعوه وكبر عندهم فنادوا بع في النوادي [44] وشيعوه على معنى الأفكار له والنقد على الحاكي لمعانيه. ولعل هذا إغفال وقع منهم على وجه الحكاية لتراكم الكدورات المحلية بالخواطر إلى مواقع النكاية، ثم مع ذلك أضرب عن الجواب ولم يكتب بخطأ ولا صواب، غير ما قلنا إنا وجدناه مقيداً عنه في بعض المسائل الموضوعة عليه، وهذا الأثر قاض بيننا وبينه عند الإنصاف فيما وقع بيننا وبينه فيها من التنازع والاختلاف.
فإن كان قال ذلك بنظر فقد وجدنا أنه إذا تعارض الأثر والنظر كان الحكم للأثر وسقط اعتبار النظر. فهذا فيما يخرج مخرج الرأي، فيكف في هذا الذي أخاف أن يكون من الدين الذي لا يحتمل فيه الخلاف، ولا يجوز فيه الرأي. فكان يجب عليه إذا لم يعرف هذا المسألة أن يقف عن الجواب فيها، فكان الوقوف عما لا يعلم أولى بالمرء وأسلم من القول بما لا علم عنده. ونحن ما تجرأنا على الكلام في هذه المسائل إلا بعد الخوض فيها والتأمل لمعانيها ووجودها في آثار المسلمين والله يهدى من شاء إلى صراط مستقيم. (1/59)
صفحة 60
أن كان هذا المنازع لنا قد وجد هذا الفصل مفسراً وعن الأعلام مؤثراً فليرفعه إلينا حتى نقف عليه ونعرف الذي ينسب إليه، وإلا فليقبل ما قدر فعناه عن المسلمين ووجدناه في آثار المتقدمين، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
فصل
وربما تجرأ المنازع لنا، فقال: هذا عن قومنا لا عن أصحابنا، يضعف بذلك آثار المسلمين، ويدخل عليها الطعن والتوهين بلا حجة في أثر يوضحها ولا دلالة عن الفقهاء بشرحها فاحذورا معارضته من هذا الجهة واعلموا أن هذا معارضة المتحير في أمره المبلس من الحجة إياساً من عذره.
كما قال المتمثل:
كالثعلب المحتال لما لم ينل ... عنقود خمر قال هذا حامض
فلو خاض بحور الأصول الجمة وسما به إلى ذلك صادق الهمة لكابد أمواجاً متلاطمة، وجبالاً متراكمة، ثم إن وفق وأرشد وسدد وأسعد حتى يتضح فيها متأملا لمعانيها فاز وربح وأفلج بالحجة وفرح، وإلا فالخيبة والخسران، والشقوة والخذلان، أعاذنا الله وجميع عباده المسلمين من الخزي في الدنيا والعذاب المهين.
مسألة: رجع إلى كتاب ((الأكلة)). فإن قال: فهل يقدر أن يقدر أن يخلق شيئاً لا أول له؟ قيل له، نافضت في سؤالك، لأن القدرة إنما هي قدرة على [45] إحداث الشيء واستئنافه وابتدائه، وقولك لا أول لأه، يناقض الابتداء والاستئناف والأولية. وإذا نافضت في سؤالك فجوابنا أن الله عز وجل على كل شيء قديد وأنك لم تسألنا عن شيء يقال فيه يقدر أو يعجز.
قال المتأمل: انظر كيف قال له: ناقضت في سؤالك ولم تقل نعم يقدر على ذك، وإنما اقتصرنا على العلة التي قلنا إنها موجبة لفساد السؤال وهى مخالفة معنى آخر السؤال لمعنى أوله لا غير ذلك، وهذا مطرد فيما كان من هذا الجنس فلا سبيل للمنازع لنا إلى رد هذه الآثار بنظره ورأيه فيما لا يعرف حقيقته، والله أعلم. (1/60)
صفحة 61
قال المتأمل: من كتاب ((الأكلة)): ثم ليس من لم يوصف بالقدرة على الشيء يوصف بالعجز عنه، لأنا جميعاً نصف الحادث بأنه غير قادر ولا نصفه بأنه عاجز.
قال المتأمل: أحسبه يعنى بالحادث العرض يريد أنه لا يوصف بالقدرة وليس في ذلك إيجاب الوصف له العجز، كما أن لم يوصف الجماد بالعلم وليس في ذلك إيجاب وصفه بالجهل، ولو كان كل من لم يوصف بصفة لزم أن يوصف للزم أن نصف النخلة بالجهل حيث لم نصفها بالعلم.
فإن قال قائل: أليس قلتم أن من صفة الضدين أن يكون في ارتفاع أحدهما وجوب الآخر؟
فلنا له: بلى، ولكن لذلك شرط جهلته ومعنى أغفلته وهو أن ذلك إنما هو فيما يتصف بهما، فأما لا يتصف بهما فلا يجب ذلك، وقد تقدم ذكر ذلك في باب رتب الجواهر والأعراض ما أرجو أن فيه كفاية لمن كان له بصر وهداية.
فإن قال: هذا يلزمكم ومعناه راجع عليكم إذ الله موصوف بالقدر على كل شيء، وأنتم فلم تصفوه بالقدرة على قسم الجوهر وجمع والأضداد فلزمكم الوصف له بالعجز. قلنا ليس الأمر ما ذهبتم معانيه وذلك إنا مقرون بأن الله على كل شيء قدير، ولا يعجز شيء، وإنما قلنا إنه لا يوصف بالقدرة على قسم الجوهر من قبل أن قسم الجوهر ليس بشيء والله تعالى إنما يوصف بالقدرة على شيء.
ثم إن بين قول القائل، لا يقدر على ذلك وبين قوله لا يوصف بالقدرة على ذلك، فرق بين لأنه إذا قال لا يقدر، فقد أخبر بأنه يعجز. فإذا قال لا يوصف بذلك مع إقراره بأنه قادر على كل شيء فقد نفى أن يكون ذلك [46] المذكور من جنس المقدورات، فلذلك لم يلزمنا ما قلتم، وإنما كان يلزمنا ذلك لو كان هذا المذكور تتعلق به قدرة ما، يتكون من قصرت قدرته عنه من حيث هو مقدور كان عاجزاً، وسيأتي زيادة الكشف والإيضاح فيما بعد من الكتاب إن شاء الله.
الباب العشرون
باب بيان المسألة الجوهرية وإيضاح استحالتها
بالدلائل النظرية (1/61)
صفحة 62
فال المتأمل: هذه مسألة وجدتها في الأثر، يقال لهم: أتقولون إن الله قادر على أن يقسم الجوهر أم لا؟
فإن قالوا: لا، فقد عجزوا الله تعالى، وإن قالوا: نعم، فقد خرقوا الإجماع.
الجواب: أتقولون إن الله قادر على أن لا يقسم الجوهر أم لا، فإن قالوا لا فقد عجزوه وإن قالوا نعم خرقوا الإجماع.
وجواب آخر: يقال لهم إن المسألة محال لأن الله لا يوصف بالقدرة على محال.
مثال ذلك، أنه لو قال قائل إن الله قادر أن يخلق مثله!! فإن قال لا، فقد عجزه، وإن قال نعم، فقد كفى، فهذا أثر وجدناه. وعند المذاكرة أسندنا لم نختلقه من أنسنا ولم نفتعله من حسنا، بل لما وجدناه في الأثر وشهد بصحته عندنا صحيح النظر، حكمنا به عند المذكرة، واحتججنا به عند الناظرة، فبلغنا أن المنازع لنا حين رفع إليه، بادر إلى تضعيفه والطعن فيه، وذلك يدل على جهله بحقيقة القدرة والمقدور، فوقع في الخطأ بخلافه للمسلمين من حيث أراد المدح لله، كما أخطأت القدرية في نفيهم خلق الله لأفعال العباد، وإرادته لها، والقدرة له عليها، من حيث أرادوا تنزه الله.
ثم لم يرض هذا المنازع لنا لنفسه بالخطأ من وجه حتى اقتحم إلى وجه أوحش منه مما وافق فيه الأزارقة لأنه أوجب على الحاكم باستحالة هذه المسألة بالشرك بالله، كما حكمت الخوارج بتشريك من خالقهم من أهل القبلة في الهجرة، وما أشبهها عندهم فواعجباً ممن أخذ هذا!! وأين وجده؟ وليت شعري من حمله عليه!! وإلى من يسنده ويستبين وجه موافقته لها من الفرقتين عند الفراغ من إيضاح ما قلناه، وبيان فساد قول من نازعنا فيها أصلناه، والله القوى المعين وهو الهادي إلى الرشد واليقين وبالله التوفيق.
تفسير المسألة: أما قوله فإن قالوا لا فقد عجزوه فلأنهم [47] إذا قالوا إنه لا يقدر ذلك، فقد ائبتوا له العجز عنه، لأن كل شيء ثبت أنه مقدور عليه، ثم وصف أحد بأنه لا يقدر عليه فقد وصف بالعجز عما عليه يقدر، وهذا واضح إن شاء الله. (1/62)
صفحة 63
وأما قوله: وغن قالوا نعم، فقد خرفوا الإجماع، فلأن عنده أن الجوهر في الحقيقة هو الذي لا ينقسم بإجماع وما لا ينقسم بإجماع فمن وصفه بأنه مقدور على قسمه فقد خرق الإجماع أي أبطله، والله أعلم.
مسألة: وأما قوله إن المسألة محال فوجه استحالتها فقد بيناه في الباب الثاني من هذا الكتاب.
وأما قوله: إن الله لا يوصف بالقدرة على المحال ما لا يمكن في العقل كزنه ليس بشيء والله تعالى كل مقدور له، فهو ممكن كونه في العقل إلا أخبرنا سبحانه أنه لا يكون، فإن استحالة كون إنما اكتساباً لا ضرورة، فهو في الضرورة شيء لو لم يرد السمع باستحالته، فلهذا جاز أن يوصف بالقدرة على كل ممكن في العقل لأن العقل هو الذي به عرفنا أنه قادر سبحانه وبه عرفنا استحالة كون ما لا يكون فلا يستقيم في العقل أن يوصف بالقدرة على ما لا يمكن كونه في العقل، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: وأول ما نبتدئ به من الكشف في هذه المسألة الجوهرية، أنا نشهد الله وملائكته على هذا المنازع لنا، ليس نعلم ونتحقق أن قول القائل هل يقدر الله أن يقسم، معناه أن يفرق. فإن قال لا، فقد كابر عقله وكفاه ذلك انقطاعاً. وإن قال بلى، قلنا أليس معنى التفريق إبانة شيء بمعنى الانفصال؟ فإذا قال بلى قلنا فذلك الشيء أليس يجب أن يكون مجتمعا مؤتلفا لا محلة؟ فلا بدله من نعم وإلا حجد صورة العقل. فحينئذ تقول له: فقد صح أن معنى يقسم لا يقتضي إلا تفريق مجتمع، ومعلوم أن أقل المجتمع اثنان فصاعداً، فإذا قال نعم قلنا أليس الجوهر لفظه لفظ الواحد، فلا بدله من نعم، فإذا أقر بذلك، قلنا فالجوهر مؤتلف أو غير مؤتلف؟ فإن قال إنه مؤتلف، قلنا: هو مؤتلف إلى نفسه أم إلى غيره [48]؟ فإن قال إلى نفسه ليست غيره وليست هي هو. (1/63)
صفحة 64
وإن قال ((إلى غير)) فقد كابر عقله، فإن الموجود في آثار المسلمين أن الجوهر في الحقيقة هو الجزء الذي لا يتجزأ، وما لا يتجزأ فلا يأتلف؛ إذ لا معنى لقولنا يتجزأ إلا أنه يرتفع تأليفه. إن هذا الاختلاف، والجزء في الحقيقة لا يكون جزأين في الحقيقة، ونحن إنما نريد بالجوهر أقل جزء لقسم يقتضي حدثا في شيئين مؤتلفين، فلهذا قلنا إن السؤال محال إذا خالف آخر السؤال أوله لأنه حيث قال: هل يقدر؟! وجب عليه أن يذكر إعدام موجود وإيجاد معدوم فلما قال يقسم، وجب أن يذكر شيئا موجود مجتمعا.
فلما أن ذكر الجوهر وهو في الحقيقة غير مجتمع انتقض سؤاله وفسدوا ستحال من حيث خالف آخر مقتضى أوله، وهذا ما لا يدفعه ذو عقل ولا يجحده ذو فضل، ولا يرده أو لو نقل، ولا ينساغ جحده البتة إلا لاثنين، واحد يقول بأن الجوهر ينقسم. وآخر يقول إن الله يوصف بالقدرة على المحال. فأما من يقول بأن الجوهر ينقسم، فقد شرحنا الحجة عليه، وبينا جملة معانيه في غير موضع من كتابنا هذا عن الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله، فإن كابر على دفعه فلا حاجة لنا إلى مناظرته على موافقته للنظام وهشام، ومخالفة أبي المنذر وبالله التوفيق.
وأما من يقول بالقدرة على المحال فسنأتي ببيان الأدلة عليه إن شاء الله.
مسألة: ويقال لمن زعم إن الله يوصف على بالقدرة على قسم الجوهر، ما تقول في قول القائل: هل يقدر البارئ على قسم الجوهر، وقوله: يقدر أن يقسم الجوهر؟ هل بينهما فرق في المعنى؟ فإن قال إن بينهما فرقاً صعب عليه إقامة الدليل على ذلك.
وإن قال: لا فرق بينهما، قلنا: ليس معنى يقدر يقسم الجوهر ن ويقدر على قسم الجوهر سواء.
فإذا قال: بلى، قلنا: فأخبرنا عن الجوهر له قسم أم لا؟. (1/64)
صفحة 65
فإن قال: له قسم، أوجب أنه ينقسم وخالف من قال إن حقيقة الجزء الذي لا يتجزأ، إذ معلوم أن معنى لا يتجزأ لا ينقسم، وهذا دخول في قول هشام الذي دللنا على فساده وهو خروج من قول المسلمين. لا، لا نعلم شيئا له قسم إلا وهو موصوف بأنه ينقسم كما انا نعرف شيئاً له بصر إلا وهو موصوف بأنه يبصر [49] ولا شيئاً له حياة إلا وهو موصوف بأنه حي. وهذا مطرد في جميع الأعراض اللازمة للجواهر على التعاقب الموصوف كل جوهر بما حله منها أعنى من الأعراض.
فهذا بين لمن أراد الله إرشاده وتوفيقه.
وإذا جاز ولزم وصح أن يوصف الجوهر بأن له قسماً لزم أن يوصف بأنه ينقسم ووجب بطلان ما قاله الشيخ أبو المنذر وغير ه، ممن حكينا أقاويلهم وهذا مفضض إلى بطلان الحد في الأجسام وإفساد النهاية فيها والجهات المحيطة بنواحيها، وهو ما شهد العقل بفساده، أعاذنا الله وجميع المسلمين من عقل لا ينفع، وقلب لا يخشع، وأذن لا تسمع، وبه التوفيق.
مسألة: وأن رجع هذا المنازع لنا إلى الحق وأقر أن لا قسم للجوهر قلنا: فإذا قسم الجوهر أم لا؟
فإن قال: إنه شيء فقد أثبت أن له قسماً ورجع إلى قوله الأول إذ لا معنى للشيء إلا صحة المذكور وجوبه. فلا معنى للشيء إلا نفيه. فمتى صح أن قسم الجوهر شيء وهو الحقيقة لا يقسم ثبت وإن بصر الأعمى في حال عماه شيء وأن حياة الميت في حال موته شيء، ومتى صح ذلك وجاز وثبت، جاز أن يوصف الأعمى في حال عماه بالبصر إذ بصره شيء، وأن يوصف الميت بالحياة في حال موته إذ حياته شيء.
مسألة: وإن قال: إن قسم الجوهر لا شيء، قلنا: فإذا كان قسم الجوهر لا شئ فيجوز أن يوصف القدير بالقدرة على لا شيء. فإن قال نعم فقد خصم نفسه، وكفينا مؤونته. وإن إطلاق القدرة على لا شيء عبث من القول لا فائدة فيه ولا حكمة تدل عليه.
مسألة: ويقال لمن قال: إن قسم الجوهر الواحد شيء، إذا قلت إنه شيء فأخبرنا عنه أهو شيء موجود فيه أم معدوم منه، فإن قال (1) ... (1/65)
صفحة 66
مسألة: وإذا جاز وصح ولزم أن يوصف الله بأنه قادر على أن قسم الجوهر، لزم وصح أن يوصف بأنه قادر على أن الأعمى الذي ويحيى الحي لأن حقيقة الجوهر الواحد أنه لا يتجزأ، كما أن حقيقة الأعمى الذي لا يبصر وحقيقة الحي الذي ليس بميت. فإن قال قائل: إذا شبهتم الجوهر بالأعمى لزمكم أن تجيزوا طرق التجزئة عليه ن كما تجيزون طرق البصر على الأعمى.
فلنا هذه المعارضة تنقلب عليكم من حيث إن شرط البصر يرفع العمى كما أن شرط التجزئة [50] ترفع حقيقة الجوهر الواحد، ذلك أن شرط نور الحدقة، ومن بهذه المثابة فليس بأعمى، وكذلك شرط التجزئة اجتماع جزأين فصاعداً، وما هذا صفته فليس بجوهر واحد، بل جوهران أو أكثر.
وهكذا جميع الحقائق التي لا تستحيل إلا باستحالة أعيانها والله أعلم.
مسألة: ويقال ما تقول في الجوهر الواحد يتجزأ أم لا يتجزأ؟
فإن قال: يتجزأ، فقد وافق هشام وإبراهيم النظام، كفينا مؤنته في مخالفة آثار المسلمين، وقد تقدم الرد عليه في باب اختلاف الناس في الجزء الذي لا يتجزأ، وإن قال لا يتجزأ، قلنا، قولك يتجزأ حقيقته أم مجاز؟ فإن قال مجاز فحقيقته أنه يتجزأ أم لا؟ فإن قال حقيقته أنه يتجزأ، رفع إلى قوله إذ لا معنى لهشام والنظام إلا أنه يتجزأ في الحقيقة وقد قدمنا بيان فساد ذلك.
فأن قال حقيقته أنه لا يتجزأ، قلنا: عند الله، أم عندنا لا عند الله؟ فإن قال: عندنا ن وأما عند الله فهو يتجزأ، فهذا تناقص في القول إذ لا معنى للشيء في الحقيقة إلا ما بينه عند الله على ما هو به، فكيف يقول حقيقته، أي هو عند الله في الحقيقة، أنه يتجزأ عندنا وأما عند الله فلا. (1/66)
صفحة 67
مسألة: ويقال له أخبرنا هن الإيمان في الحقيقة ما هو؟ فإن قال: طاعة الله فيما أمر ونهى. قلنا فهذه الحقيقة عندنا وعند الله أم عندنا لا عند الله؟! فإن قال: عندنا لا عند الله، قلنا: فما حقيقته عند الله؟ فنا يحد محيصاً عن الإقرار بان إنما هي عند الله في علمه وعلم من علمه الله. وأن قال: عندن وعند الله، قلنا: هذا هو الحق وكذلك جميع الحقائق ولزمه حينئذ الإقرار بأن الجوهر لا يتجزأ عند الله بمعنى أنه سبحانه قدرة في ذاته واحداً لا يتجزأ فإذا أقر بذلك، قلنا: فإذا كان عند الله لا يتجزأ ثم أجزت أنت وصف البارئ بالقدرة على تجزئته أليس ذلك موجبا الإبطال حقيقته عنده وفي ذلك إيجاب أن لا ثبوت للحقائق ولا معنى لها.
مسألة: ويقال له: أيقدر البارئ سبحانه أن يقسم الجسم حتى لا يبقى في شيء من أجزائه انقسام؟ فمن قوله نعم. قلنا: فإذا قسمه حتى لا يبقى في شيء من أجزائه انقسام فتلك [51] الأجزاء كل جزء منها هو الجوهر الواحد الذي تعرفه العقلاء من أهل الكلام.
أرأيت إن قال قاتل: أيقدر بعد أن قسمه حتى لا يبقى شيء من أجزائه ينقسم أن يقسم جزءا من تلك الجزاء أم لا؟
فإن قال نعم، فقد عجزه من حيث إنه لم يقدر أن يقسمه حتى لا يبقى شيء من أجزائه ينقسم، إذ لو قسمه حتى لا يبقى شيء من أجزائه ينقسم، ثم غن هذا الوصف راجع إلى القدرة على تعجيزه سبحانه وتعالى.
وإن قال لا يقدر، فقد عجزه الآن حيث لم يقدر فكل من لم يقدر فهو ممن يوصف بالقدرة فهو عاجز، فإن قيل: فما الجواب عندكم؟ (1/67)
صفحة 68
قلنا: الجواب عندنا أن الله على شيء قدير، وهذا السؤال فاسد منتقض ينفى بعضه لأنه لما قال يقدر يقسمه دل على أنه أراد يقدر يفرقه فيذهب باجتماعه، والتأليف الحال فيه. فلما أن قال بعد قسمه حتى لم يبق شيء من أجزائه ينقسم فدل على أنه أراد بعد أن لا يبقى في شيء من أجزائه تأليف ولا اجتماع، فكأنه قال: يقدر يذهب باجتماع ما ليس بمجتمع أي يعدم ما هو معدوم؟! فهذا هو التنافي فافهم ذلك، والله أعلم وبه التوفيق للحق والصواب.
مسألة: ويقال إن كابر على إثبات قسم الجوهر الواحد اخبرنا أيها المنازع لنا المخالف لأصلنا، أليس الله تعالى أن يخلق شيئاً ما، لا متحيزا يتجزأ ولا ينقسم في الحقيقة عنده أن يكون ذاته ذاتا لا تنقسم، فإن قال لا فقد كفر. وإن قال بلى وهو الحق، قلنا فذلك هو الذي قلنا إنه جوهر عند العلماء بالحقائق ولا يعلم بهذه المثابة يكون شيء غيره.
قلنا: فإذا خلق سبحانه هذا الذي هو سبحانه قسمه وتجزئته أم لا، فما يكون الجواب؟
فإن قال: إنه قادر على تجزئته وقسمه فقد عجزه سبحانه من حيث إنه خلق شيئا لا ينقسم في الحقيقة عنده إذ لو قدر على ذلك لما كان ينقسم البتة.
وإن قال: إنه لا يقدر على ذلك فقد عجزه الآن، وهذا كفر بالله العظيم وخروج من التوحيد. فإن قال: ما الجواب عندكم؟، قلنا: الجواب أن الله تعالى على كل شيء قدير، وأنت فقد ناقضت في سؤالك وخالفت أوله آخره على ما بينا في المسألة المتقدمة فقد اتضح بحمد الله السبيل وقامت الحجة والدليل على [52] باطل قول من نازعنا وكابرنا بلا بيان ودافعنا. والحمد الله رب العالمين وصلى الله على رسول الأمين محمد وآله أجمعين وسلم تسليما.
الباب الحادي والعشرون
باب بيان حقيقة الأضداد والرد على المنازع لنا فيما
جانب الإرشاد (1/68)
صفحة 69
اعلم أنا قد بينا معنى الأضداد وحقيقتها وأن الضدين هما الذاتان اللتان لا تجتمعان في محل واحد كالحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، والحياة والموت، والعلم والجهل، والحق والباطل، والطاعة والمعصية، وما أشبه ذلك، وقد رفعنا ما وجدناه في كتاب ((الأكلة)) من الجواب لمن سأل فقال: هل يقدر أن يجمع الأضداد؟ وأن جوابه كجواب السائل عن القدرة على إدخال الدينا على ما هي عليه من العظم في البيضة على عليه من الصغر.
وقد قال: أن السائل عن هذا المسألة يقال له: ناقضت في سؤالك.
وجوابنا، أن الله على كل شيء قدير، أنلك لم تسألنا عن شيء يقدر عليه إنما نقضت ببعض كلامك بعضاً، وهذا الذي هو عندنا.
وقد وجدنا في آثار المسلمين ولا نعلم في ذلك اختلافاً أن اجتماع الأضداد محال، وأن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على المحال، وسنذكر الدليل على ذلك بعد فراغنا من هذا الباب بعون الله الوهاب.
مسألة فأما وجدنا من رد المنازع لنا في مسألة اجتماع الأضداد من قوله: إن الله قادر على ذلك ن فإنه يدل على جهل تحقيقه معنى القدرة وحقيقة معنى الأضداد ن وذلك إنما هو عند الله في الحقيقة لا تجتمع، كيف يوصف بالقدرة على جمعه وجمعه لا شيء لأن اجتماعهما محال أي معدوم لا يوجد البتة ن ولا يكون وما لا يكون فليس بشيء، أم كيف وصف بالقدرة على أن يجمعه وهو مما هو في الحقيقة لا يجتمع. ومن شرط أنه لا يجتمع، إن ما أمكن أن يجتمع فليس بأضداد. (1/69)
صفحة 70
ألا ترى أن ما عقب به من رده من الكلام دليل على جهله بما ذكرنا، فإنه قال على أثر ذلك، ولو شاء لجعل السماء أرضاً والأرض سماءاً والبحر براً والبر بحراً، ثم قال، وهذا مطرد في جميع الأضداد. فانظر كيف عارض بذكر المشيئة على إثبات القدرة، انظر كيف جعل السماء ضدا للأرض، والبحر ضدا للبر، ونظر كيف فلب الصور بمنزلة اجتماع الأضداد، فقد كان يجب عليه إذا أراد المعارضة أن يتأكد للمناقضة فإنه بها بدأ ولها تعرض، وعليها اعتمد [53] تصريحاً وما عرض، فلو لم يقل في آخر رده: ((وهذا مطرد في جميع الأضداد)) لاحتمل أنه لم يرد بذلك معنى الأضداد وإنما أضاف ذلك إلى هذا المعنى آخر، فلما أن قال: وهذا مطرد في جميع الأضداد دل على ما قلنا.
مسألة: فأما قوله: ((نعم يقدر على جمع الأضداد ولو شاء لجعل السماء أرضاً)) فإن كان أراد بقوله: لو شاء لجعل، أي لقدر فإني أخاف أن هذا لا يجوز.
الدليل على ذلك: أن لو إنما تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره فيكون على هذا لو شاء لقدر، أي لم يقدر إذا لم يشأ وهذا تقض لقوله، لأنه قال نعم هو قادر على ذلك، ولو شاء لقدر مكأنه قال: هو قادر ولا يقدر، إذا لم يشأ ذلك.
بيان ذلك: انك تقول لو جاء زيد لأكرمته، أي لم أكرمه إذ لم يأت وهذا إن: أن أراد بقوله لو شاء لقدر ن لجعل معنى لو شاء لقدر، ولسنا نقطع عليه أنه أراد ذلك إذ ليس في لفظ رده لجعل دليل على أنه لقدر، وإنما قلنا هذا حيث أجاب على سؤال السائل عن القدرة بذلك، فجفنا أن يكون أراد ذلك وإن كان لم يرد ذلك، وإنما أراد بقوله: لو شاء لجعل، أي لو شاء لفعل، فهذا جواب يقتضيه من سأل فقال: لم لم يجعل الله السماء أرضاً؟ فيقال له، لو شاء لجعل، أي إنما لم يجعل ذلك إذ لم يشأه. وليس هذا من جواب السائل عن القدرة في شيء وهو حشو (1) من الكلام وضع في غير موضعه. (1/70)
صفحة 71
مسألة: وإنما قال الله تعالى ((ولو شاء لجعلكم أمة واحدة)) (2) و (لو يشاء الله الهدى الناس جميعاً) (3) وما أشبه ذلك من الآيات. فإنما نفى كون الشيء إذ لم يشأ، أي إنما لم نجعل الناس أمة واحدة إذ لم يشأ ذلك وشاء أن يكونوا مختلفين، فلذلك اختلفوا وكذلك لم يهد الله الناس جميعاً، أي لم يشأ هدايتهم جميعاً، فإنما ضل من منهم حيث لم يشأ هدايتهم، وشاء ضلالته وأرادها وكذلك إنما اهتدي منهم من اهتدى حيث شاء الله هدايته ولم يشأ ضلالته.
الدليل على ذلك: أن المسلمين يحتجون بهذه الآيات على القدرية النافين لخلق الأفعال القائلين بأن الله لم يرد أفعال العباد ولم يخلقها، وان العباد فعلوا ما لم يرد الله. ولا يجوز أن يضاف إلى المسلمين انهم أرادوا بذلك الدلالة على القدرة فيكون معنى قوله تعالى: (لو يشاء الله لهدى الناس) (4) أي لو [54] شاء لقدر على هدايتهم. فإن هذا يرجع معناه إلى نفى القدرة لأنه متى جاز أن يقال إن معنى لو شاء لهداهم، لو شاء لقدر على هدايتهم، فإذا لا يقدر على هدايتهم جميعاً، وهذا سوء تأويل فاحش، بل الله قادر على ذلك شاء أو لم يشاء، والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: ويقال لهذا المعارض بالمشيئة على سؤال القدرة: ما الجواب عندي لمن سال فقال أيقدر الله تعالى أن يتخذ ولداً أم لا؟ فإن قال: إن الجواب له أنه يقدر على ذلك، فقد كفر من حيث إنه لا يصح له ولد إلا ولده والله متعال عن هذه الصفة علواً كبيراً.
وأن قال الجواب أنه لا يقدر فقد عجزه، وإن قال الجواب هذا السؤال محال، قلنا فقد قال الله: (لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه) (5) في هذا دلالة على وجوب القدرة ن فغن قال نعم فقد رجع عن قوله إن السؤال محال، وإن قال لا، قلنا: فما وجه ذلك (6) بذكر المشيئة في مسالة اجتماع الأضداد؟! وهذا كاف في دحض حجته إن شاء الله وبه التوفيق. (1/71)
صفحة 72
مسألة: وأما جعله السماء ضداً للأرض، والبحر ضداً للبر من جهة الجوهرية. فهذا غلط بين لأن بالإجماع أن السماء جسم والأرض جسم والبر جسم والبحر جسم والأجسام لا تتضاد من حيث الجسمية بل من حيث اشتعالها للمكان عن حلول مثلها فيه ما كانت هي حالة فيه، وعلى هذا فليس السماء ضداً للأرض من حيث إنها سماء وأرض، بل من حيث اشتغالهما للمكان عن بعضهما بعض فيكون حينئذ كل جسم ضداً لخلافه من الأجسام، وكذلك كل جوهر ضد لغيره من الجواهر وعلى هذا فالسماء ضد للأرض وللبر وللبحر وغير ذلك من الأجسام من حيث إنها حيث حلت شغلت الجهة من غيرها من الأجسام.
وقد قلنا فيما تقدم عن القاضي أبي زكريا يحيى بن سعيد في جوابه إلى الخليل بن شاذان أن الجوهر ليست أجناساً مختلفة وجميعها متماثل فالمتماثل لا تتضاد، فيجب أن يعتبر وجه مماثلته أهي في اللون أم في الجرم. والنظر يوجب أنها في الجرم والأصلية لا في اللون، فإن اللون مختلف [55] وجوبه في الجوهر فأثبته بعضهم ونفاه آخرون. على أنه لو اتفق على إثباته فيه لما صح أن يتوجه هذا الخطاب إليه من قبل أنه خاطب في الجوهر دون العرض، اللون فعرض والله أعلم.
وإذا كانت الجواهر متماثلة فإنها إنما تختلف للأعراض القائمة بها فما اختص منها بالبياض سمى أبيض، وما اختص منها بالسواد سمى أسود، وما حلته الحركة سمى متحركاً، وما حله السكون سمى ساكناً. وعلى هذا فليس الأبيض ضد للأسود بل البياض ضد السواد على ما وجدت، وكذلك المتحرك لا يكون ضد الساكن بل الحركة ضد السكون، لأن الأبيض والأسود والمتحرك والساكن إنما هي الجواهر الموصوفة بما قام بها له من الأعراض، والبياض السواد والحركة والسكون هي الأعراض الموصوف بها ما قامت به من الجواهر، الله أعلم.
مسألة: وأما جعله الصور فلب الصور اجتماعاً للأضداد فهو من أو ضح دليل على جهله بالأضداد وحقيقتها. (1/72)
صفحة 73
ألا تراه قول ((لجعل السماء أرضاً والبحر براً)) ثم قال: ((وهذا مطرد في جميع الأضداد)) فأي اجتماع أضداد دل عليه حتى يطرد القول فيه، لأنه لو جعل البر بجراً أليس يصير بحراً لا يبقى براً. وإنما اجتماع الأضداد لو كان الشيء وجده براً بحراً من جهة واحدة، أو يكون سماء أرضاً من جهة واحدة، وهذا محال وهو الذي قال المسلمون إنه اجتماع الأضداد.
فانظروا معاشر المسلمين إلى معارضة من عارضنا إلى مبلغ علمه هذه الدقائق فما نحن وهذا المنازع إلا كرجلين تنازعا في طعم السكر، فقال أحدهما: إنه حلو وزعم الآخر أنه حامض، وتكابرا على ذلك فحلف كل واحد منهما على صدق قول نفسه، فطلب منهما تصديق ذلك فأحضر القائل بأنه حلو السكر بعينه، وقال أطعموه، وأحضر الآخر رماناً حامضاً وقال الآن قد حضر الكسر فأطعموه لتعرفوا أنه حامض أم لا!! فهذا حماقة وتجاهل على أهل اللغة فأي شيء هذا المتعلل بحموضة الرمان علة طعم الكسر لأن عنده أن السكر هو الرمان!!
الواجب أن يؤخذ بيد هذا الإنسان ويرفق به وينبه على غلطه وسوء فهمه ويعلم أن المعروف عند أهل العقل أن هذا الذي أحضرته ليس بسكر وإنما هو رمان، فإن قيل الحق وإلا أنزل حيث نزل وحكم عليه بما قال وفعل، وبالله التوفيق.
مسألة: وقد رفع لنا الثقة أنه أومأ له إلى فحل من النخل ليريه إياه وقال أخبرني عن ورق هذه النخلة ألست تعاينه حياًّ وتراه رطباً؟ [56] قال: قلت له بلى!! قال: فقال ألا ترى إلى كربه ميتاً، قال: فقال إلا ترى إلى الأضداد كيف اجتمعت؟ فسبحانه الله العظيم ما أوهن عقل من ظن ذلك وما أقربه من الجهل!! فأي ضدين اجتمعا هاهنا فهذا الورق الحي ليس بميت، وذلك الكرب الميت ليس بحي، فإن كان ظن أن هكذا اجتماع الأضداد فقد ظن غلطاً وحكم بالخطأ وإنما اجتماع الأضداد أن تكون الورق نفسها حية ميتة في حال واحدة، والكربة ميتة حية في حال واحدة فهذا هو اجتماع الأضداد المحال المعروف عند أهل العقل والعلم. (1/73)
صفحة 74
مسألة: ورفع لي الثقة أيضاً أن من دلائله على الوصف بالقدرة على جمع الأضداد، ووجدنا ذلك مقيداً عنه، أن الله تعالى خلق ملكاً من الملائكة نصفه ثلج ونصفه نار، قال: فقال انظروا إلى اجتماع الأضداد وليس هذا بأعظم من الأول؟ وأين هو من اجتماع الأضداد؟ وكم بين هذا وذاك؟ وذلك أن النصف الذي هو ثلج ليس بنار والنصف الذي هو نار ليس بثلج وكل واحد منهما غير الآخر. وإنما اجتماع الأضداد لو كان هذا الملك ناراً ثلجاً وهذا محال لا يكون.
فإن تجاسر وزعم ذلك فقد لزمه أن تصدق من حلف بطلاق زوجته أن ذلك الملك الموصوف بأنه ثلج نار أنه نار. ومن حلف أنه نار ثلج ن ومن حلف أنه لا نار من فبل أنه ثلج من قبل أنه نار، وهذا بين لاستحالة ظاهر الفساد وبالله التوفيق.
فإن عارض معارض واحتج محتج بالخنثي فقال ليس قد اجتمع فيها خلق الذكر وخلف الأنثى ليس ذلك اجتماع الأضداد من حيث إنه من خلق الذكر ليس بأنثى ومن حيث الأنثى ليس بذكر، وإنما حقيقة اجتماع الأضداد أن لو خلق الأنثى ويكون على هذه الصفة ذكر أنثى وليس الخنثي كذلك.
الدليل على ذلك: أنه سمى مشكلا أي يحتمل أن يكون ذكراً لا أنثى وأن يكون أنثى لا ذكراً، ليس أنه ذكر أنثى، ألا تراه جعل له نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى ولو كان ذكراً أنثى لجعل له ميراث ذكر تام وميراث أنثى تام، وهذا منكشف القناع بين عند الجدل والنزاع، ظاهر السبيل واضح الحجة والدليل، والله الحمد والمنة وهو المعين وبه التوفيق.
الباب الثاني والعشرون
باب بيان الحق والاعتقاد
والدليل على استحالة الوصف بالقدرة على جمع الأضداد (1/74)
صفحة 75
وأما الدليل على خطأ من وصف الله تعالى بالقدرة على جمع الأضداد فإنه من ثلاثة أوجه: أحدها ن رد الإجماع، والثاني، بطلان الفرق بين الصدق والكذب، والثالث، إفضاؤه إلي [57] تعجيز البارئ جلت عظمته، فإن الوصف لله بالقدرة على كونه دليل على إمكانه وأنه يحتمل كونه إذ لا يخلو المنازع لنا أن يكون المعتقد أنه ممكن، يحتمل أن يكون، أو محال لا يكون البتة.
وكلامه يدل على أنه ممكن، وقد وقع الإجماع على أنه محال في العقل وأن المال في العقل غير ممكن فهذا رد الإجماع والراد للإجماع مخطئ ل شك في ذلك وهذا وجه.
مسالة: ثم إنا لو جاز لنا تسليم هذا لوجه لبطل الفرق بين الصدق والكذب اللذين هما من الأضداد التي لا تجتمع بالكتاب والسنة والإجماع لا خلف في ذلك بين الأمة، لأنه إذا أمكن مثلا حياة زيد وموته في حال واحدة ثم سمعنا متنازعين قد اختلفا في ذلك، أحدهما يقول: أنه رأى زيداً يوم كذا حياًّ، والآخر يقول: إنه رآه وعانيه في ذلك الوقت الذي زعم الأول أنه فيه حياًّ ميتاً، فكيف يجوز أن يحكم لأحدهما بالصدق والآخر بالكذب بل يجب على هذا أن يكونا صادقين. ثم لو ساغ ذلك لما جاز لنا أن نكذب من زعم أن هذا الشخص الذي يراه حياًّ ميتا لا يمكن ذلك لأن الله بزعمهم قادر أن يخلق شخصاً حياًّ فيه روح، ميتاً لا روح فيه، ثم حلف رجل بطلاق زوجته أنه رأى شخصاً ما متحركا ساكناً في حال واحدة، هل كان يمكن القائل بصحة الوصف لله بالقدرة على جمع الأضداد أن يحكم علبه بطلاق زوجته إذا أخبر بما هو ممكن عنده في قدرة الله تعالى. وتجويز مثل هذا حماقة عظيمة وجحد لحجة العقل لا يحتاج إلى إطناب وكثرة شرح وإسهاب، فإن الخوض في الواضحات يزيدها غموضاً. (1/75)
صفحة 76
مسالة أنا لو سلمنا هذا الوجه لآل إلى تعجيز القدير وبطلان إرادته، فإن الإجماع الذي لا منا كرة فيه أن يكون شيء قط إلا بإرادة الله تعالى والإجماع من أهل الحق إرادة الله صفة من صفات ذاته فإذا ثبت أنها من صفات ذاته سقط منها التعدد، ووجب أن تكون إرادة ذاتية متعلقة بجميع المحدثات لأن الذات واحدة، فإذا ثبت ذلك فلا يد إذا جاز أن يقال إن الله قادر على جمع الأضداد وإن جمع الأضداد ممكن ليس بمحال، أن يكون البارئ سبحانه إذا أراد فعل ذلك أن يكون مريداً للشيء
لا مريداً له، فلا بد إلا من تعجيز وبطلان إرادته على مذهبهم الشنيع، فإن إذا أراد كون الشيء فقد أراد [58] أن لا يكون ضده، فإذا أدار كون ضده فقد أراد أن لا يكون هو لا يخلو على هذه الصفة أن يكون أو لا يكون، فإن يكن كان ما لم يرد وإن لم يكن لم تنفذ إرادته.
بيان ذلك أنا إذا قلنا: إنه قادر على أن يجمع الحركة والسكون في محل واحد، وأن ذلك ممكن أن يفعله، فلو أراد فعله فلا بد أن يكون مريداً لسكون الحركة لا مريداً لها لإرادته كون الشيء مربداً لكون السكون لا مريداً له لإرادته كون الحركة فإنه إذا قال له مثلا اسكن فقد أراد أن يتحرك، وإذا قال له تحرك، فقد أراد أن لا يسكن فلا بد من بطلان إحدى الإرادتين، وذلك تعجيز للموصوف بالقدرة على هذه الصفة سبحان الله تعالى عما يصفون!! لأنه متى تحرك فقد ترك السكون، ومتى سكن فقد ترك الحركة، والله أعلم، وبه التوفيق.
وإذا قال له تحرك اسكن في اسكن في حال واحدة، فهذا خروج عن الحكمة، لأنه إذا قال له تحرك اسكن في حال واحدة، فكأنه قال له لا تسكن لا تتحرك في حال واحد، من حيث إن قوله تحرك، أي تحرك من مكانك الذي أنت شاغل له ولا تلبث فيه.
وقوله له: اسكن في حال حركتك أي البث في مكانك في حال نقلتك منه ولا تبرح عنه في حال خروجك. (1/76)
صفحة 77
على انه إن اتسع عقل لقبول هذا أن يكون متحركا ساكناً، لم ينكر أن يكون لا متحركا من قبل أنه ساكن ولا ساكنا من قبل أنه متحرك ساكن لا متحرك ولا ساكن، وما ليس بمتحرك ولا ساكن فليس بشيء إلا الله سبحانه المتعالي عن حلول الحوادث فيه وطرق الإعراض عليه جل عن كل ما لا يليق به من الصفات وعلا علواً كبيراً!!
مسألة: وأن قال هذا المنازع لنا، إن اجتماع الأضداد محال لا يمكن كونه البتة، قلنا له، فما الفائدة في وصفه بالقدرة على المحال الذي لا يكون. فإن قال، الفائدة في ذلك البراءة من تعجيزه والإقرار بقدرته على العموم لا على الخصوص. قلنا، وأي تخصيص في قولنا إنه سؤال محال وأي دليل على تعجيزه ونحن لا نقول إنه يعجزه ذلك ولا نقول إنه يقدر عليه، وإنما نقول إنه سؤال محال فاسد متناقض ينفى بعضه بعضاً. فإن قال، إذا لم تقولوا، يقدر على ذلك، فقد عجز تموه ونفيتم قدرته على ذلك، قلنا، فهلا قلتم ذلك لمن قال هل يقدر أن يخلق مثله، فأنتم تقولون إنه سؤال محال. فإن قيل هذا لا يجوز [59] من قبل أن الله تعالى لا مثل له، ومتى جاز ذلك وقع التشبيه، قيل له: أما قولك: إن الله لا مثل له فكذلك الأضداد لا جمع لها ولا اجتماع وهذا بالإجماع، كما أن ذلك بالكتاب وكلاهما حجة، وقولك في جواز ذلك وقوع التشبيه، فلم يتقدم في الجواب الاعتلال بذلك وإنما وقع الاعتلال بمخالفة معنى آخر السؤال بمعنى أوله، وهذه العلة قد دللنا على وجودها في اجتماع الأضداد. ولو وقع الاعتلال بالتشبيه لبطلت هذه العلة باستحالة السؤال عن القدرة على خلق قديم لا أول له. فإن قال في ذلك إيجاب الأزل وذلك راجع إلى التشبيه، قلنا، قد وقع الإجماع أن الله عالم والمخلوق عالم وليس في ذلك تشبيه غير هذا المنازع لنا لا ينكر أن العلة اختلاف معاني السؤال، ومع إقراره بذلك لزوم ما قلناه وصحة ما أجبناه به وبرهنا، والله أعلم وأحكم.
الباب الثالث والعشرون (1/77)
صفحة 78
باب المسألة الإباضية وصفة التنازع في معانيها بالدلائل المضية
وأما المسألة الإباضية فهي أن كان من مات على الدين الإباضي متطوع بأنه من أهل الجنة أم لا؟
مقالتنا فقولنا في هذه المسألة إنا لا نشك في ذلك ولا نرتاب فيه، وأن هذا لازم القطع به وإن لم يقطع به فقد شك في الدين الإباضي انه دين الله تعالى أم لا؟ فلا يخلو الشاك فيه أن يكون عارفاً بمقتضاه ن وما هو من معناه أو غير عارف به من جهة هذه العبارة. فإن كان عارفاً بمعنى الدين الإباضي وأنه هو الدين الذي نحن دائنون لله به فقد شك في الحق اللازم اتباعه وارتاب في القطع بالثواب لمن عمل به. والشاك في ثواب العاملين بطاعة الله وعقاب المخالفين له بعد قيام الحجة عليه هالك.
مسألة: وإن كان غير عارف بمعنى ما أردناه وهو دائن لله بأن من مات على ما هو موافق لنا على تصويبه فهو من أهل الجنة قطعاً ... اللهم إلا أن يخطئنا فيها قلنا على جهل منه بمعناه أو توهم منه فيما أوردناه فلا سلامة له عندنا من الهلاك وبالله التوفيق.
وكذلك إن كان شاكاً في القطع لمن مات على ما هو موافق [60] لنا في حقه فلا مخرج له من الشك، الله أعلم وأحكم.
مقالة منازعنا: وأما المنازع لنا فبلغنا أنه هذه المقالة وأي بزعمه أن هذه شهادة غيب لا يسع القطع بها وإنما يجوز ذلك على معنى الرجاء لمن مات على الدين الإباضي أو على دين عبد الله بن أباض رحمه الله الظاهر بالجنة ... قالوا ولو جاز هذا لجاز أن يشهد لعبد الله بن أباض وجابر بن زيد ومحمد بن محبوب وأمثالهم من المسلمين بالجنة قطعاً.
وهذا يدل على جهل المنازع لنا لما أردناه وقلة علمه بمعنى (1) ما قصدناه فمن لم يفهم المعاني بالكلام لم يعد من ذوى الأحلام ولم يلم فيما أسرع إليه من الملام والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. (1/78)
صفحة 79
مسألة: فإن قال لم خطأت المنازع في المسألة الجوهرية من حيث اعتماده على ألفاظ الكلام، وفي هذه المسألة الإباضية عنّفته على تركه مقتضى الكلام قلنا كلا القصدين منا واحد ذلك أن للمخاطبات مقاصد ومقدمات وإشارات وإرادات. فمن عدل عن موجباتها وسارع إلى تخطئة محتملها لم يسلم عند أولى الفهم وأن الواجب أن لا يقطع في محتمل للحق والصواب بأحدهما، ولا بحال غير المحتمل عن موجبه فمن فعل إحدى هاتين فقد تساوى خطؤه وشاع تعنيفه ولومه، والله أعلم وبه التوفيق.
فصل
فأما القول في بيان هذه المسألة فإنه يشتمل ثلاثة فصول: الفصل الأول في بيان درجات المختلفين من الأهم المكلفين وهو أربع درجات، الفصل الثاني في بيان قواعد الدين الثلاث، وشرح مراتب المدينين، الفصل الثالث في حل الإشكالات المعترضة في المسألة وهي ثلاثة إشكالات والله القوى المعين.
الباب الرابع العشرون
باب بيان درجات أهل الشرك
فالدرجة الأولى من درجات أهل الكفر الجاحدين بدين الله أصلا المثبتين لقدم العالم وهم ... الدهرية والزنادقة والثنوية ومن وافقهم على ذلك من البراهمة الغوية (1) ولأهل هذه الدرجة أقاويل مختلفة متناقضة وحجج عند أهل الحق داحضة يجمعهم الجحد بالربوبية والرسالة النبوية، ونحن نشهد لمن مات منهم على ذلك بالنار [61] وسخط الجبار، ولقصدنا إلى غيرهم نضرب صفحاً عن ذكر صنوفهم وتفسيرهم
مسألة: والحجة على هؤلاء في الجحد بالربوبية فيما قدمنا ذكره في المسألة الجوهرية من الدلالة على حدث الجزء الذي لا يتجزأ وهو الجوهر الذي هو أصل كل الجسم كفاية ولمعارضاتهم وتعاليلهم رد لأهل التوحيد ن والله أعلم.
مسألة: والحجة عليهم في الرسالة النبوية فمن وجهين، عقلي، وسمى.
فالعقلي: وجوب التعبد فيما لا يوصل إلى بيانه إلا من رسول الله تعالى يعبر لعباه أوامر ونواهيه فهنالك يجب القطع بأنه سبحانه حكيم ن فإن الحكيم لا يبعث رسولا إلا صادقاً فهذا. (1/79)
صفحة 80
وأما السمعي، ففيما يظهرونه لكافة الخلق من المعجزات الخارقة للعادات المعجزة للأمم التي بعث فيها الرسل أن يأتوا بمثلها من كتب الله وآياته، وتصورهم عن معارضتهم بشكلها وكفى بقصور العرب الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معارضة ما جاء به من كتاب ربه مع فصاحتهم وأنفتهم وحميتهم في نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا كاف وبالله التوفيق.
مسألة: وأما الدرجة الثانية فهي درجة المقرين ببعض دين الله وهم الجاحدون بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به مع إقرارهم بالربوبية وتصديقهم للرسالة النبوية وهؤلاء اليهود والنصارى، ومن وافقهم على ذلك من الملحدة الحيارى كالحرمدينية (2) من المجوس القائلين بنبوة زرا دشت ومن كاد أن يلحق بهم.
ولهذا الدرجة مقالات مختلفة واعتلالات عن الحق منحرفة، يجمعهم جميعاً الجحد بنبوة محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين. نحن نشهد لمن مات من هؤلاء على ذلك بالخزي العظيم والعذاب لأعظم القيم، ولا حاجة بنا في هذا المقام إلى وصف مراتبهم وشرح مذاهبهم فللمسلمين في دحض أباطيلهم ونقض حججهم وتعاليلهم [62] كتب مصنفة وآثار مؤلفة، فمن شاء تعلمها فليرق سلمها (3)، وبالله التوفيق.
مسألة: وأما الاقتصار في الحجة عليهم ففي معجز الكتاب الذي جاء به وهو القرآن فإنه الدليل القاطع والنور الساطع والسلطان لقاهر، والضياء الباهر والحجة العظيمة والفضيلة الكريمة والخاصية العميمة التي لا يقدر متنبئ على الإتيان بمثلها ولا بتمكن متراسل على مقابلتها بسلكها، وبالله التوفيق.
الباب الخامس والعشرون
باب بيان الدرجة والكفر في أهل القبلة
وأما الدرجة الثالثة من درجات أهل الكفر فهي درجة الخارجين من الحق بعدولهم عن الصواب وسوء تأويلهم للسنة والكتاب مع إقرارهم بالدين وتصديقهم بنبوة نبينا محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم أجمعين. (1/80)
صفحة 81
وهؤلاء هم فرق أهل القبلة الجاري عليهم حكم الملة وهم اثنان وسبعون فرقة إلا من كاد منهم أن يلحق بأهل الدرجة الثانية.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة)). قال أصحابنا: ونحن تلك الفرقة، والحق عندنا غير دارس ولا مجهول، ولأهل هذه الدرجة مقالات معروفة ومذهب موصوفة يطول بذكرها الكتاب ويتسع باستيعاب شرحها الخطاب.
ونحن نشهد لمن مات من هؤلاء مصراً (1) على خلاف ما دانت به الإباضية بالخزي والصغار والخلود في النار. ولقلة معرفتنا بتعينهم وصفهم وضعف معرفتنا ببعض جملتهم سنقتصر على مقتضى أربنا، ونجعل ذكر من حاد منهم عن مذهبنا في ثلاثة أصناف.
مسألة: فالصنف الأول في الروافض ... المضاهى بهم في سنة الرسول أهل البيع بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الرافضة نصارى هذه الأمة)) وهم فرق كثيرة ولا غرض لنا في صف فرقهم وما تباينوا فيه من إفك مختلفهم، وإنما الغرض تخليص أهل الحق منهم وإبانهم في التدين بالحق عنهم فمتى وضح تكفيرهم فاز بالحق غيرهم، وتكفير كل فرق الأمة، ولو في مسألة واحدة كاف عن إسباغ القول في شرح ضلالاتهم ووصف الرد على حججهم ودلالاتهم، وبالله [63] التوفيق.
مسألة: فأهل هذه الدرجة إلا من شاء الله منهم مجتمعون على القول بالوصاية إلى على بن أبي طالب ويدين أكثرهم إلا من شاء الله بالبراءة من الخليفتين الصالحين أبي بكر وعمر رحمهما الله.
وقد أوردنا طرفاً من الرد عليهم في أمر الوصاية إلى على في الكتاب الذي كتبناه لأصحابنا الخضارم (2) والله أعلم. وبه التوفيق.
مسألة: وأما الصنف الثاني فهم المرجئة والشكاك المساوون في حكم الآخرة بين الصالحين والأفاك، ولأهل هذه الدرجة أسماء وألقاب وتنازع في مذاهبهم وأسباب، وأظنهم يجمعهم الشك في وعيد الله لمن مات مصراً والدينونة بطاعة الجبابرة أعداء الله. (1/81)
صفحة 82
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((المرجئة يهود هذه الأمة)). ولا حاجة لنا إلى ذكرهم بالتعيين والرد على صنوف مذاهبهم بالإيضاح والتبيين، فغنما قصدنا بهذا الكتاب من يوافق على تخطئتهم على أن في اجتماعهم على الشك في وعيد الله لمن مات مصراً على معصيته وننفى الخلود في النار لبعض أعداء الله مع قول الله تعالى: (ما يبدل القول لدى) (3)، وقوله: (إن الله لا يخلف الميعاد) (4) ن وقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) (5)، والله في إيجاب وعيد الله وأبطال الشفاعة لأعداء الله، وقوله في تخليد كل عاض: (ومن يعض الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) (6) كفاية في عرفان كفرهم وعلم مفارقتهم لأهل الحق وكرهم، وبالله التوفيق. (1/82)
صفحة 83
مسألة: وأما الصنف الثالث فهم المعتزلة والقدرية والمجبرة الأخسرية فقد روى ((أن القدرية مجوس هذه الأمة)) وهم أحزاب متباغضون وأضداد متناقضون فهم بين قائل، وإن الله لم يخلق أفعال ولم يردها، وأن العباد مفوضة إليهم الأمور يفعلوا (7) ما شاوا [64] من خير أو شر، وليس لله في أفعالهم مشيئة، وهؤلاء هم القدرية، على أنهم مفترقون في المعنى وفي القول به، وبين قائل، إن الله تعالى جبر العباد على الطاعة والمعصية وأنه سبحانه يعذبهم على فعله بهم لا على أفعالهم، ولم نقصد إلى ذكر الرد عليهم؛ فإن في النفوس من استبشاع هذين المعنيين ما يغنى عن ذكر الرد عليهم فقول المسلمين أهل الحق المبين غن الله تعالى خلق فعل الطاعة من المطيع له طاعة حسنة وخلق فعل المعصية من فاعلها معصية قبيحة بعمل العبد ما سبق في علم الله أن سيخلقه طاعة حسنة مثاباً عليها فاعلها فأطاع وعمل ما سبق في عمله سبحانه أن سيخلفه من فعله معصية قبيحة مذمومة معاقباً عليها فاعلها فعصى، وإنما عذب العبد على فعله المعصية التي خلقها الله وشاءها وأرادها معصية من كبسه لا على خلقه كسب عبده معصيته وإرادته، وهذا فرق بين فعل الله وفعل العبد ن بالله التوفيق.
وقد برأ المسلمون من هذا الصنف وفارقوهم عليه، ونحن موافقو المسلمين على براءتهم منهم، ونشهد لكل من مات منهم على ذلك المذهب بالنار التي أعدها الله عقاباً للكفار لا شك عندنا في ذلك ولا ريب، وبالله التوفيق. (1/83)
صفحة 84
مسألة: وأما الصنف الرابع فهم الخوارج المارقة المعروفون بالأزارقة وجماعة صنوفهم المنتحلين للهجرة وتشريك من خالفهم من أهل القبلة، واستحلالهم الاستعراض للناس بالسيف وسبى ذراريهم وغنيمة أموالهم، وهم أحزاب وفرق كثيرة، تجمعهم البراءة والمفارقة للعلم في الدين، والإمام للمهتدين، والحجة للمسلمين عبد الله بن أباض رحمه الله، على خلافه لهم فيما دانوا من الخطأ والضلال ونحن نشهد لكل من مات على دين هؤلاء بالنار المعدة الفجار، ولا حاجة لنا إلى الرد عليهم فيما ذهبوا إليه، وفارقهم المسلمون عليه، لقصدنا إلى غير ذلك وغرضنا في غير أولئك وبالله التوفيق.
فصل
وهذا جملة فرق أهل الضلال والكفر التي ظهرت قبل عبد الله بن أباض رحمه الله [65] وقد لحق بهؤلاء في الضلال والكفر قوم ادعوا مذهب الإباضية، وتسموا باسم النحلة المرضية، حدثوا بعد عبد الله بن أباض رحمه الله (8) وهم فرق معروفة ولهم مقالات موصوفة تجمعهم التخطئة لمحبوب ابن الرحيل رحمه الله. قال الله تعالى: ((فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون)) (9).
الباب السادس والعشرون
باب بيان الدرجة العليا وبيان أهل الحق
وأما الدرجة العليا فهي درجة أهل الحق والصواب المتمسكين بالسنة والكتاب وهو الأخيار الأباضيون والأفاضل المرضيون المفارقون لأهل الجحود والشرك، الخالعون لأهل الضلال والإفك، المتبرئون من أهل الإرجاء والشك، والمتمسكون بحقائق الدين السالكون سبيل المهتدين، فهم الدين حكموا بالحق فعدلوا ومضوا على سنة الرسول فما بدلوا، أهل الشراء والتحكيم، والقول الأعدل المستقيم ن فهم أهل الولاية والرضوان ن والروح والرحمة والغفران، أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
فصل (1/84)
صفحة 85
فهذه الدرجات الأربع بصنوفها لا انفكاك لكل متعبد من أحد، لعله درجات موصوفها، قد أجملناها في تصنيف المقال، واكتفينا فيها به عن شرح ونقض الاعتلال إذ المنازع لنا يعترف بها وأن أشكلت عليه دقائق كل درجة وسببها، فلنأخذ الآن في الفصل المقصور على إثبات الدين وما تعبد به رب العالمين القادر على شيء القوى المعين.
الفصل الثاني
الباب السابع والعشرون
باب بيان قواعد الدين ومعانيه
وأما هذا الفصل المقصور على بيان الدين والمتدينين به فإنه يحتوى على ثلاث قواعد:
القاعدة الأولى أربع مسائل:
الأولى: في أن الله تعالى دينا تعبد به المكلفين من عباده على السن أنبيائه [66] عليهم السلام.
الدليل على ذلك قول الله تعالى (إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (1)، وقوله سبحانه: (ألا لله الدين الخالص) (2)، وقوله جل ذكره: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) (3)، وقوله عز وجل: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (4)، وغير ذلك من الآيات الدالة على ما ذكرناه.
المسألة الثانية: أن معنى دين الله الذي تعبد به، طاعته سبحانه فيما أمر به ونهى، والدليل على ذلك قول الله سبحانه: (إن الدين عند الله الإسلام) (5) والإسلام في اللغة الاستسلام والانقياد وهو الحقيقة الطاعة لقول الله تعالى (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له) (6) أي انقادوا له بالطاعة.
وإن كان اسم ((الدين)) في اللغة يشتمل على غير معنى الطاعة نفسها، كالجزاء والحساب والعادة والذات، ففي قولنا الذي تعبد به احتراز من جميع ذلك، والله أعلم.
ولا جاهد المسألة أو شاك فيها إلا داخل أهل الدرجة الأولى التي وصفناها بجحد الدين أصلا من .... والدهرية والزنادقة والثنوية، والله أعلم وبه التوفيق. (1/85)
صفحة 86
المسألة الثالثة: في أن الدين الذي تعبد الله به عباده لا تخلو أرض الله من قائم به مطيع فيه لربه داع للمكلفين إلى موجبة فهو الحجة فيه على جميع مخالفيه.
الدليل على ذلك قول الله تعالى عز من قائل: (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) (7). فلم يخاطب الله سبحانه بطاعته أولى الأمر إلا مع عدم الرسول ووجود أولى الأمر. وقال أيضاً: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (8)، فلم يخاطب سبحانه بالكون مع الصادقين إلا وهم موجود دون مع وجود الخطاب. ومن هاهنا أوجب المسلمون على ناس وجد أهل عصره مختلفين متضادين يخطئ بعضهم بعصاً أن يبحث عن أهل الحق ليكون معهم ومنهم فيكون متبعاً لحجة الله عارفاً بها مصدقاً لها لأن أهل العصر لا بد أن يكونوا مختلفين.
الدليل على ذلك قول الله تعالى: (ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك) (9)، وهذا الاختلاف ينبغي أن يكون اختلاف تضاد، واختلاف التضاد بيناه في كتاب ((الاهتداء)) (10). والمتضادون متى كان بعضهم مبطلا كان الآخرون محقين، قال الله تعالى: (فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون) (11) [67] فلا يكون شيء ما حقاً بالدين وهذا محال. وهو اجتماع الأضداد وقد ذكرنا وجه استحالته فيما مضى من الكتاب، وبالله التوفيق.
المسألة الرابعة: في أن القائمين بدين الله تعالى العاملين به الداعين له من هؤلاء المتضادين مستوجبون لرضا الله ورحمته وثوابه وكرامته، وهى الجنة قطعاً.
الدليل على ذلك قول الله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات يجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) (12).
وأنهم مستحقون لجميع الأسماء الحسنة المسمى بها بما اشتقت منه دين الله كالمؤمنين والصالحين والمتقين وما أشبه ذلك.
وكل مطيع الله تعالى فهو مستحق في الحقيقة لجميع تلك الأسماء وما أشبهها من دين الله مستحق لجنة الله وهو من أهلها. (1/86)
صفحة 87
ولا يكون العبد مطيعاً الله تعالى إلا بالقيام بجميع دينه الذي قلنا إنه طاعته فيما أمر ونهى فهو من أهل الجنة. والله أعلم وبه التوفيق.
مسألة: وان المخالفين لدين الله تعالى العاملين بمعصيته مستحقون لسخط الله وعقوبته وهي النار.
الدليل على ذلك قول الله تعالى: (ومن يعص الله ورسول ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) (13) وفي هذا الآية دليل على تخليد كل عاص الله تعالى والمدعى للتخصيص عليه إقامة الدليل.
وانهم مستحقون لجميع الأسماء القبيحة المسمى بها معصية الله كالمجرمين والكافرين والفاسقين والفاجرين وما أشبه ذلك، ما سوى الشرك والنفاق فلا يجوز جمعهما في تسمية عاص البتة. فإن ((الشرك)) اسم تفرد به أهل الدرجتين الأوليين من درجات أهل الكفر، و ((النفاق)) اسم تفرد به أهل الدرجة الثالثة بصنوفهم ومن الحق بهم في موجبه من المنهكين لما يدينون بتحريمه، وقد كنا بينا الأدلة على أحكام هذه المعاني في الكتاب الذي كنا أخذنا في إنشائه لأصحابنا الخضارم ولا حاجة بنا هاهنا إلى إعادة ذلك إذ لا منازع لنا الآن في ذلك وبالله التوفيق.
فغن معصية الله يقع عليها اسم الكفر والفسق والفجور والإجرام وما أشبه ذلك، وقد بينا ذلك في الكتاب الذي ذكرناه [68] فكل من عصى الله ولم يتب من معصيته ومات مصراً على خطيئته فهو من أهل النار خلافاً للمرجئة والشكاك الزاعمين بأن أهل الكبائر يدخلون الجنة بالشفاعة، وأن القاتل والمقتول ظلماً في الجنة. (1/87)
صفحة 88
الدليل على ذلك قول الله تعالى: (وقد خاب من حمل ظلماً) (14) أي من مات مصراً إلا من تاب من ظلمه توبة صحيحة. فمحال أن يكون حاملا للظلم وقد قال الله تعالى: (والذي إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً * والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً) (15) إلى قوله: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحمياً) (16) ومن يبدل الله سيئاته حسنات فمحال أن يكون حاملا للظلم. وقال: (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم الله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤب الله المؤمنين أجراً عظيماً) (17)، وفي هذه الآيات الدالة على ذلك كثير، والله أعلم.
الباب الثامن والعشرون
باب القاعدة الثانية وبيان حكم دين رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وأما القاعدة الثانية فهي في الدين الذي كان عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قائماً. وداعياً إليه، وعاملا به، حتى مات، هو دين الله تعالى الذي ذكرناه في القاعدة الأولى بعينه حقيقة لا شك عندنا في ذلك وأن قولنا، كل من مات على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته فهو من أهل الحنة مستحق لجميع تلك الأسماء التي ذكرناها، من مات على غير دينه أمته فهو من أهل النار مستحق لجميع تلك الأسماء القبيحة التي ذكرناها، غير المشتقة من الأفعال كالزاني والسارق والمرابي وما أشبه ذلك، فلا يسمى بهذه الأسماء إلا فاعلوها.
فقولنا من مات على غير دين الله أو على غير طاعة الله فهو من أهل النار لا فرق في ذلك إذ دين محمد صلى الله عليه وسلم هو دين الله بغينه حقيقة. (1/88)
صفحة 89
وعلى جحد هذه القاعدة استحق أهل الدرجة الثانية التي ذكرناها في صدر هذا الكتاب من اليهود والنصارى، ومن وافقهم على ذلك اسم الشرك. كان بأهل الدرجة الأولى أليق والجحدهم بجميع دين الله [69] أصلا الحق، فهم معنا مشركون جاحدون في أحكام الآخرة من أهل النار خالدون، أعاذنا الله وجميع المسلمين من كل فتنة، ونجانا من كل ضلالة ومحنة، وبه التوفيق إن شاء الله.
الباب التاسع والعشرون
باب القاعدة الثالثة في حكم من مات على ما دان به المسلمون
وأما القاعدة الثالثة فإنها تحتوى على ثلاث رتب:
الرتبة الأولى: في أن الدين الذي كان عليه أبو بكر وعمر رحمهما الله في حكم الظاهر هو دين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغينه، وهو دين الله الذي ذكرناه بنفسه فإن قولنا من مات على دين أبي بكر وعمر - رحمهما الله - الذي ماتا عليه في حكم الظاهر من أمه محمد، فهو من أهل الجنة قطعاً، مستق لتلك الأسماء الحسنة التي ذكرناها، وفي القاعدة الأولى شرحناها، ومن مات على خلاف دين أبي بكر وعمر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو من أهل النار قطعاً. مستحق لتلك الأسماء القبيحة التي ذكرناها أيضاً، بمنزل قولنا من مات على دين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فهو من أهل الجنة قطعاً، ومن مات على غيره فهو من أهل النار قطعاً. إذ الدين الذي كان عليه أبو بكر وعمر في حكم الظاهر هو دين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو دين الله حقيقة.
وعلى جحد هذه القاعدة فارق المسلمون الروافض وخالفوهم وشهدوا عليهم بالكفر، كفر نفاق لا كفر شرك، إذ هم مخطئون في التأويل لا التنزيل، ونحن من جميع أولئك براء وبالله التوفيق. (1/89)
صفحة 90
مسألة: غير أن هاهنا شبهة واحدة وهى ربما سبق إلى الضعيف بون ما بين القطع على من مات دين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبين القطع على من مات على غير دين أبي بكر وعمر رضى الله عنهما. فتقول: هناك نص من الكتاب بقول الله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (1) ولا نص على بين أبي بكر عمر.
الجواب: إن النص يقابله النص، بقوله: (ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) (2) وقوله: (أطيعوا الله أطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) (3)، فقد أمر بطاعة أولى الأمر، كما أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وفد قيل ((العلماء ورثة الأنبياء)).
وأما التعيين [70] على أبى بكر وعمر فقد صح من الشهرة التي أجيزت بإجماع الأمة من المهاجرين والأنصار على تقديمهما، ووجوب طاعتهما، وكفى به حجة بالإضافة إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شك فيه حيث يقول: ((أمتي لا تجتمع على خطأ)) أو قال (0على ضلال)) فإذن يحب أنها لا يجتمع إلا على الحق والهدى والصواب متبع لحجة الله تعالى وحجة رسوله- صلى الله عليه وسلم- وهو من أهل الجنة إن مات على ذلك وموقع ما أصحته الشهرة موقع ما أخبر به الكتاب والسنة للإجماع على ذلك.
مسألة: وزيادة الإيضاح في ذلك أن يقال للمنازع، أخبرنا عن الدين الذي صح عندك أن أبا بكر وعمر كانا عليه في حكم الظاهر هو دين الله تعالى الذي تعبد به أم خلافه.
فإن قال الخلافة فقد وافق الروافض ولزمه البراءة منهم إذ زعموا أنهم على دين الله وكفاهم ذلك سقوطاً عند أهل العدل من المسلمين. وإن قال إنه دين الله، فلنا: أفليس من مات على دين الله فهو من أهل الجنة، وإن قال لا، كفر بدين الله. (1/90)
صفحة 91
قلنا: فإذا كان دين أبي بكر وعمر رحمهما الله الذي صح معنا ومعك أنهما كانا في حكم الظاهر عليه، هو دين الله، وقد صح أن من مات على دين الله فهو من أهل الجنة، فما المانع من القطع بالشهادة لمن مات على دين أبي بكر وعمر لأجل اسم أبي بكر وعمر أم لغير ذلك فلا يجد بداً من ذلك.
وسنزيد هذه المسألة بياناً فيما بعد إن شاء الله.
مسألة: فإن قال قائل: أفتشهدون لأبي بكر وعمر بالجنة قطعاً، قلنا: حاش لله أن نشهد بالغيب وندخل في الشك والريب، وإنما نتولاهما بحكم الظاهر ونشهد بالحقيقة أنها إن كانا قد ماتا في سرير نهما على الدين الذي كانا في حكم الظاهر عليه، فهما من أهل الجنة، ونحن نرجو لهما ذلك إن شاء الله.
فإن قال، فكيف شهدتم لمن مات على دينهما بالجنة ولم تشهدوا لهما هما بالجنة؟!
فالجواب يأتي في بيان الإشكال الثالث من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
الباب الثلاثون
باب الرتبة الثانية: في حكم من مات على ما دان به أهل النهروان
رحمهم الله تعالى
[71] وهو أن الدين الذي مضى أهل النهروان (1) رحمهم الله، فهم: المحكمة (2)، والشراة (3)، في حكم الظاهر هو دين أبي بكر وعمر ماتا عليه في حكم الظاهر بعينه، وهو دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي مات عليه سراً وجهراً، وهو دين الله تعالى الذي ذكرناه حقيقة.
وإن قولنا من مات على دين المحكمة والشراة فهو من أهل الجنة.
ومن مات على خلافة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو من أهل النار، هو بمنزلة قولنا من مات على دين أبي بكر وعمر وعلى دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو على دين الله فهو من أهل الجنة سواء لا فرق في ذلك ولا شك في دين أولئك ولا شبهة هاهنا إلا الشبهة التي ذكرناه في رتبة أبي بكر وعمر رحمهما الله. (1/91)
صفحة 92
والجواب عنهما كذلك، إذ الإجماع قاطع أن حجة الله قائمة ممن بها لا يخلو أرض الله منها حجة على من خالفها. فالمتبع لها من أهل الجنة والمخالف لها من أهل النار، فلا يخلو أن يخلو أن يكون أهل الحق المتمسكون به القائمون بحجة الله هم أهل النهروان، ومن برئ منهم وخالفهم وحاربهم على دين الله، فإن كانوا هم أهل الحق وجب الذي قلناه، وثبت الذي أصلناه، وإن كان أهل الحق الذين خالفوهم فيما كانوا جميعاً عليه محقين فيجب على هذا البراءة والشهادة وبالنار لمن مات على سبيلهم ودينهم، حاش لهم من ذلك!! فهذا ظاهر البطلان من حيث إنهم هم الذين ثبتوا على ما كانوا هم ومخالفوهم فيه محقين، وإن مخالفيهم هم الذين خالفوا الذين الذي كانوا مجاهدين عليه بحكم الله تعالى، حيث يقول: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) (4) إلى حكم الله، لا إلى حكم الرجال الفسقة الجهال. ولا منازع في هذا الذي قلنا إلا الحشوية (5) والشكاك، ونخن وجميع المسلمين منهم نخلفهم ونشهد لمن مات منهم على ذلك بالنار وغضب الجبار.
فنعوذ بالله بالشك في أهل الضلال أو الارتياب في شيء من ديننا في حال من حال، وبالله التوفيق.
الباب الحادي والثلاثون
باب المرتبة الثالثة: في من مات على الدين الإباضي
وهو أن الدين الذي ظهر إلينا وصح لدينا أن عبد الله بن أباض رحمه الله كان عليه حتى مات في حكم الظاهر، وهو حكم المحكمة والشراة، وهم أهل النهر (1)، ومن كان على سبيلهم وهو دين أبي بكر وعمر رحمهما الله، ومن كان على سبيلهما وهو دين رسول الله صلى [72] الله عليه وسلم، الذي ذكرناه، وأن قولنا من مات على دين عبد الله بن أباض رحمه الله، فهو من أهل الجنة، ومن مات على خلافه فهو من أهل النار، بمنزلة قولنا من مات على أبي بكر وعمر أو على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فرق في ذلك. (1/92)
صفحة 93
وهذه المرتبة هي التي عورضنا فيها بالنزاع والتعنيف، وفوقت في حكمنا بالحق فيها سهام الوهن والتضعيف، ونحن (2) نعوذ بالله أن نعبده على الشك فيما دناه أو ندين له على خوف عقوبتنا فيما أمرنا به فاعتقدناه.
نسبحان الله العظيم كيف ينساغ لمن قال إني أدين الله تعالى بالدين الذي كان عليه عبد الله بن أباض، فإذا قيل له هو عندك دين الله تعالى الذي تعبد به عباده، قال نعم حتى إذا حتى إذا قيل له أفمن مات عليه دخل الجنة غذ هو الحق لا غيره، ومن مات على خلافة دخل النار، غذ هو باطل ضد الحق قال أرجو ذلك.
فما لمن اعتصم بهذا ركن يستند إليه إلا الشك في نفسه والارتياب في دينه.
مسألة: ويقال له أيها الراجي لمن مات على دين الإباضي الجنة؟ أعندك عليه خوف أم لا؟
فإن قال: لا، قيل له، فما المانع عليه بذلك؟ فلا يجد عن ذلك بدًّا.
وأن قال: نعم، قيل له: فخوفك عليه أن يعذب أم غير ذلك؟ فلا يمكنه إلا ذلك إذ ليس إلا الجنة أو النار.
فإذا قال ذلك، قيل له: أخوفك عليه أن يعذب على كونه على هذا الدين أم لا؟ فإن قال بلى، قيل له: فتخاف إذاً أن يعذب عليه إذ هو حق أم تخاف أن يكون باطلا؟ فإن قال: هو حق، وهذا رد على الله حيث يقول (من يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار (3) خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) (4) وهذا راجع إلى التكذيب وحاش الله يعذب على فعل الحق.
وإن فال: أخاف أن يكون غير حق، فهذا هو الشك فيما فإن دان به، قال الله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف) (5) أي على شك فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنه انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.
وإن قال: أخاف أن يكون مات مصرا على شيء من معاصي الله تعالى بقول أو فعل أو نية!! (1/93)
صفحة 94
قيل له: هذا خلاف ما قلناه فإن من مات على شيء من هذا فخارج من الصفة التي وفتا وليس بميت على الدين الإباضي ونحن إنما قلنا من مات على الدين الإباضي ولا يمون على الدين الإباضي (6) إلا ولى الله تعالى مخلصاً الله قوله [73] وفعله ونيته، ومن هذا صفته فلا شك أنه من أهل الجنة، ومن لم يمت على هذه الصفة فقد مات على ضدها ومن مات على ضدها فهو لا شك عندنا أنه من أهل النار، والله أعلم بالحق التوفيق.
الفصل الثالث
الباب الثاني والثلاثون
باب بيان حل الإشكال المعترض
وإما الإشكال المعترض في هذا المسألة وهى ثلاثة أشكال:
الإشكال الأول: وهو ربما يكون إنما قصر بالمنازع لنا هذه مستحقاً له ويلزم الحكم له به. أرأيتم لو سمى نفسه مطيعاً الله وهو عامل بمعصيته، أهو مطيع الله؟ وكذلك أن يسمى سعيداً وبراً وصالحاً. وقد وقع الإجماع من الكتاب والسنة والإجماع أن كل مطيع الله أو كل تقي أو مؤمن أو صالح، فهو من أهل الجنة، وهل يدخل في هذا الحكم المتسمون بذلك وهذا ظاهر الفساد وكفى في ذلك أن الحشوية قد اتسموا بالسنة والجماعة، وشهر هذا الاسم فيهم حتى كاد أن يطبق عليهم (1).
وقد قال المسلمون إنهم كذبوا في ذلك وليسوا بأهل السنة والجماعة بل هم أهم البدعة والفرقة والله أعلم.
فلو كان المتسمى بالاسم يكون مستوجباً لحكمه لكنا مخطئين في قولنا، من مات على السنة والجماعة فهو من أهل الجنة من قبل تخطئتنا لهؤلاء المتسمين بهذا الاسم.
مسألة: فإن قال يقع عليهم على المجاز، قلنا: فمن يستحقه على حقيقة المراد؟ فإن قال: لا يستحقه أحد، قلنا: فهل تجدون اسم ما لا يقع على شيء حقيقة فلا يجدون ذلك أبداً، إذ الأسماء ما جعلها الله تعالى إلا أسماء بأشياء.
وأن قال: يقع على أهل الحق حقيقة وعلى خلافهم من الداعين له مجازاً. (1/94)
صفحة 95
قلنا: فإذا المخالفون عندكم حقيقة لا يقع عليهم اسم الدين الإباضي وإنما يقع على أهل الحق. فإن قال نعم، قلنا: فهذا الذي أردناه ودعونا إلى الحكم به وقصدناه فارجعوا إلى الحق، وقولوا إنه من مات على الدين الإباضي فهو من أهل الجنة قطعاً، فإن المجاز لا ينتفض الحقائق.
مسألة: والذي عندنا أن هذا الفرق التي حدثت بعد عبد الله بن أباض ليسوا أباضيين ولا أهلا للدين الإباضي فإن كل من خالف الحق بدين أو رأى أو قول أو فعل حتى مات على ذلك فقد مات غير الدين الإباضي [74] في الحقيقة، والله أعلم وبه التوفيق.
الأشكال الثاني: وهو ربما أن يكون هذا المنازع لنا إنما جبن عن القطع بذلك خوفاً أن يكون حكماً بالغيب، فيقول: هذا قطع في أحكام الآخرة، وليس لنا تعاطى ذلك فنشهد بالغيب.
فالجواب إن كشف هذا الإشكال هذا واضح بملاحظة (2) شيئين:
أحدهما، تعرف وجهي ولاية الحقيقة اللذين أحدهما بالصفة كولايتنا للصالحين والمؤمنين والمتقين بالحقيقة التي مرجعها إلى الشهادة بالجنة.
والآخر، المسألة عن القطع في ذلك اشتمال اسم الإباضي على كل مدع له من الفرق المتشعبة فيه، فيقول، تم فرق شتى كل فرق تدعيه دون غبرها فهاهنا إشكال ولا يجب القطع بلفظ مشكل. (1/95)
صفحة 96
فالجواب، إن دفع هذا الإشكال جلى عند من تأمل السبب المولد له فاقتصر على حقيقته فإنه متى فعل ذلك اندفع عن الإشكال من هذا الوجه. وتقربيه أن نقول سبب هذا الإشكال الغفول (3) عن الفضل بين من يستحق معنى هذا الاسم حقيقة وبين من يدعيه، فإنه متى تأمل هذا السبب تحقق أن المستحق لهذا الاسم حقيقة هم طائفة أهل الحق المتمسكين به من بين لفرق فقط. لأن المعروف عند الأمة أن المراد بالإباضي كل من كان على ما كان عليه عبد الله بن أباض رحمه الله من الدين، إذ قد بينا درجات المختلفين من الأمم المكلفين الأربع التي درجة أهل الحق العليا منهم واحدة، وهم اليوم عندنا المتمسكون بدين عبد الله بن أباض الذي قلنا إنه دين الله، وإنما يقتصر على هذا السبيل عند من وافقنا على حق الدين الذي كان عليه عبد الله بن أباض. الذي عندنا هذا المنازع لنا أنه موافق في ذلك.
مسألة: ويقال له من أين أنكرت أن لا تجوز الشهادة قطعاً لمن مات على الدين الإباضي بالجنة؟ فإن قال، لاشتراك الفرق المتشعبة في ادعائه كالطريفية (4) والشعبية (5) والهارونية، والصفرية، وما أشبهم. قلنا فجميع هذه الفرق هم عليه أم لا؟ فإن قال: نعم، قلنا: وهم مع ذلك متضادون يبرأ بعضهم من بعض. فإن قال لا، أنكروا المعقول المعروف، وإن قالوا نعم، قلنا هذا محال أن يكون للضدين معنى الاسم الواحد وهذا [75] مكابرة العقل. وإن قال: ليس الجميع عليه قلنا: أفليس إنما عليه طائفة الحق خاصة دون غيرهم؟ فإن قال نهم قلنا فقد خرج من سواهم عنه أم لا؟ فإن قال بلى، قلنا: فخرجوا في الاسم في الاسم عندكم والمعنى أم في المعنى دون الاسم؟ فإن قال: في المعنى دون الاسم، قلنا، فهم مستحقون هذا الاسم عندكم؟ فإن قال نعم، قلنا، بم استحقوه وهم عندكم على خلافه؟ فإن قال، بتسميهم به، قلنا فكل متسم باسم يكون، فقد حكمتم لهم قطعاً بالدين الذي من مات عليه دخل الجنة لإضافتكم إياه إليهم. (1/96)
صفحة 97
قلنا: إنما قلنا دينهم الذي ظهر إلينا عنهم وصح معنا أنهم كانوا في حكم الظاهر عليه فليس من ظهر له عمل صالح حكم له بالجنة، بل إن من مات في السريرة عليه ولم يخالف الحق فيه بقول أو عمل. فإن من دان بشيء من الضلال في سر أو علانية، فهو على غير دين الله، ولو كانت أعماله كلها موافقة للحق إلا ذلك فقد مات على غير دين الحق، وكذلك من دان بالحق ولم يخالف في تدينه شيئاً منه غير أن شيئاً من أعماله مخالفاً للحق ومات على ذلك فقد مات على غير دين الحق.
مسألة: ونحن نقول إن هؤلاء الذين قلنا إن من مات على دينهم الظاهر إلينا عنهم فهو من أهل الجنة، إن كانت سرائرهم التي ماتوا عليها موافقة لظواهرهم التي صحت عندنا فهم من أهل الجنة.
مسألة: وقد قال محمد بن روح بن عربي في سيرة تنسب إليه، ولا تحل لنا الشهادة بالغيب ولكن نشهد الله شهادة لا يخالجنا فيها شك أن عبد الله ابن يحيى رحمه الله إن كانت سريرته موافقة لعلانيته ومات على ما علمنا منه فإنا نشهد بلا شك يخالجنا في شهادتنا بأنه على هذه الشريطة من أهل الجنة، وكذلك إن مات قطري بن الفجاءة (6) على توبة عما ظهر منه في الدار فإنا نشهد على هذه الشريطة أنه من أهل النار.
وقال في سيرة له أخرى بعد نسبه أئمة المسلمين وولايتهم، هذا ديننا الذي ندين به لربنا لا شك فيه ولا ريب ونشهد على من خالفنا في شيء منه بالنار إلا من تاب عنا خالفنا في ذلك. انفضي. (1/97)
صفحة 98
مسألة: فإن قال قائل فإذا شهدتم لمن [76] مات على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة قطعاً وشهدتم له هو بالجنة قطعاً فلم لا تشهدون لأبى بكر وعمر رحمهما الله ومن ذكرتموهم إلى عبد الله بن أباض رحمه الله بالجنة كما شهدتم لمن مات على دينهم؟ قلنا: إنا لم نشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة قطعاً لأجل أن دينه في حكم الظاهر دين الله تعالى سوابل (7)، لما أعلمنا الله بالتعيين لمن جاء فيه الكتاب والسنة بأنه مؤمن أو صالح أو تقي أو من أهل الجنة أو الرضا أو الرحمة، وهو راجع إلى الشهادة له بالجنة قطعاً، هل هذان الوجهان جائزان لازمان، واجب الدينونة الله تعالى بهما ولا يسع جهلهما من قامت عليه الحجة بهما أم لا؟ والحق الذي لا تنازع فيه أنهما واجب الدينونة الله تعالى بهما ولا سبيل للمنازع لنا جحد ذلك. وأحدهما تأمل قولنا، من مات على الدين الإباضي فهو من أهل قطعاً، هل هو صفة أو تعيين؟ ولا سبيل إلى القول بأنه تعيين، بل لا حق بالصفة فإن التعيين لو قلنا، فلان الإباضي من أهل الجنة، ونحن لا نقول ذلك.
تعليق المستخدم: تنبيه:"سوابل" هنا تعني "الطرق المسلوكة" كما أشار المحقق في الهامش، ولكني أرى أن المعنى لا يستقيم هكذا بل أراه تصحيفا عن سواء بل: فهما كلمتان الأولى "سواء" والثانية "بل" ... فليتأمل. والله أعلم وأحكم
تم لا سبيل لمن أقر بأنه صفة لا حق بقولنا من مات على دين الله أو على طاعة الله أو على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو من أهل الجنة قطعاً إلى جحد ذلك ولا الشك فيه إلا أن يزعم بأنه ليس هو دين الله، فعند ذلك خرج من الإباضية أو يدعى التعبد الله على الشك، فقد اندفع بحمد الله هذا الإشكال من هذا الوجه ولم يبق إلا إشكال وحد خارج مخرج الطن وبالله التوفيق. (1/98)
صفحة 99
الإشكال الثالث: وهو أنه ربما ظن ظان أن قولنا من مات على الدين الإباضي أو على دين عبد الله بن أباض فهو من أهل الجنة قطعاً يرجع إلى الشهادة لعبد بن أباض رحمه الله بالجنة قطعاً، ونريد نحن ذلك.
الجواب: أن هذا ذهول عن وجه الخطاب وتخليق علينا بغير الصواب، والمعاني إنما تؤخذ من الألفاظ. فاعتبروا معاشر المسلمين قولنا من مات على دين أبى بكر وعمر، وعلى دين المحكمة والشراة وهم أهل النهر أو على دين الإباضي أو دين عبد الله بن أباض الذي ظهر إلينا فهو من أهل الجنة، هل فيه دلالة على الشهادة لهؤلاء بالجنة؟ ثم إنا نحن لا نؤيد ذلك من قبل أن هؤلاء الذين ذكرناهم يمكن في علم الله تعالى أن يكون سرائرهم التي ماتوا عليها [77] وختم لهم بها غير الذي كان ظاهراً منهم، ونحن على حسن الظن بهم نحاشيهم عن ذلك ولا نحكم بحسن الظن. (1/99)
صفحة 100
فإن قال قائل: إذا قلتم من مات على دينهم فهو من أهل الجنة. أنه لن يموت إلا عليه، إذ الأنبياء معصومون من الإصرار على الذنوب مقطوع عليهم بأنهم لا يموتون إلا على دين الله، وهؤلاء الذين ذكرنا لم يعلمنا الله تعالى منهم ولا أحد منهم بعينه واسمه أنه لا يموت إلا على ذلك فيجب علينا القطع بالشهادة له، وإنما كان يلزمنا ما قلته لو كنا إنما شهدنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة قطعاً لأجل ما علمنا من ظاهره فيحل أن كل من صح منه في الظاهر الموافقة في القول والعمل حكم له بالجنة، ولو وجب ذلك لما وجب إلا الولاية بالحقيقة أو الوقوف لما كان الولاية الحكم بالظاهر معنى يجب الحكم بالظاهر به. وهذا ظاهر التناقض والحمد لله فقد اتضح الحق وبان العدل، وانكشف الصواب، وظهرت البينات، واندفعت الإشكالات ولزم الموافقة لنا على أن كل من مات على الدين الإباضي أو على دين عبد الله بن أباض رحمه الله الذي ظهر إلينا أو على دين المحكمة والشراة أو على دين أبي بكر وعمر رحمهما الله الذي ظهر إلينا فهو من أهل الجنة، ومن مات اليوم على خلافه فهو من أهل النار، أو الفول بضد ذلك إذ لا منزلة أخرى بين ذلك ولا دين ثالث هناك.
وفقنا الله وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه، ووقانا شر ما قدره وقضاه والحمد الله وصلى الله على رسوله محمد النبي وأله أجمعين وسلم تسليماً.
تم الكتاب ((الجوهري)) تأليف الشيخ الأجل الفقيه العالم الأفضل أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي النزواني الإباضي المحبوبي قدوة الطائفة الرستاقية.
وبتلوه من تأليفه ((كتاب الاهتداء)) وهو مجموع في هذا الكتاب.
أهم مراجع تحقيق مخطوط ((كتاب الجوهر المقتصر))
نثبت فيما يلي أهم المراجع الخطية والمطبوعة التي اعتمدنا عليها في تحقيق مخطوط ((كتاب الجوهر المقتصر)). وفي مقدمة مراجعنا القرآن الكريم وكتب الأحاديث النبوية والسنة الشريفة، ودوائر المعارف، والمعاجم المختلفة. (1/100)
صفحة 101
(أ) الراجع المخطوطة
- ابن أبي بكر (أبو زكريا يحيى: ت في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري): السيرة وأخبار الأئمة، مخطوط في دار الكتب المصرية بالقاهرة، رقم 9030ح.
- ابن عبد السلام (جعفر بن أحمد: ت أواخر القرن الحادي عشر الهجري: إبانة المناهج في نصيحة الخوارج، مخطوط في دار الكتب المصرية، بالقاهرة، رقم 25499ب.
- البرادى (أب القاسم بن إبراهيم: ت سنة 697 هـ): رسالة فيها تقييد كتب أصحابنا: مخطوط في دار الكتب المصرية بالقاهرة.
- الجيطالي (إسماعيل بن موسى: ت سنة 750 هـ) شرح قواعد الإسلام مخطوط بدار الكتب المصرية بالقاهرة، رقم 22067ب.
- الدرجينى (أبو عباس أحمد: ت في القرن السابع الهجري): طبقات الإباضية، مخطوط في الكتب المصرية بالقاهرة، رقم 2156ح و 72613 تاريخ تيمور.
- العوتبى (سلمة بن مسلم الصحارى العوتبى: ت في القرن الخامس الهجري): أنساب العرب. مخطوط في دار الكتب المصرية رقم 2461 تاريخ.
(ب) المراجع المطبوعة
- ابن أبي الحديد (الشريف الرضى محمد بن أحمد الحسيني ت 404): كتاب نهج البلاغة، أربعة مجلدات، القاهرة 1329 هـ، وطبعة بيروت 1387 - 1967 م.
- ابن الأثير (عز الدين على بن محمد: ت 630هـ):
الكامل في التاريخ، 12جزاً، بولاق 1290 هـ.
02 أسد الغاية في معرفة الصحابة، 5 جزاً، القاهرة 1285 - 1286هـ.
- ابن الباقلاني (الإمام أبو بكر محمد بن الطيب بن الباقلاني ت 403هـ):
التمهيد في الرد على الملحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة، حققه محمود محمد الخضيري، محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي، القاهرة (1366 - 1947م).
- ابن الصلاح (الشهرزوري: ت 643هـ): مقدمة ابن الصلاح، طبعة الهند (1357هـ) وطبعة جلب.
- ابن النديم (محمد إسحاق: ت نحو 383هـ أو 385هـ: 993م أو 995م): الفهرست: ليبزج سنة 1781م، وطبعة القاهرة (1348هـ-1929م) (1/101)
صفحة 102
- ابن أنس (الأمام أبو عبد الله مالك بن أنس أبي عامر التيمي الأصبحي المدني: ت 179هـ): موطأ الإمام مالك، طبع حجر مصر، القاهرة، جزءان (1280هـ)، طبع الحلبي بمصر بعنوان ((موطأ إمام الأئمة))، جزءان، القاهرة 1339هـ.
- ابن تيمية (شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد الحنبلي الدمشقي: ت 728هـ) وتلميذه ابن قيم الجوزية (شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الدمشقي الحنبلي: ت 751هـ): القياس في الشرع الإسلامي نشر محب الدين الخطيب، القاهرة 1346هـ).
- ابن تيمية: رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ضمن المجلد العشرين من مجموع فتاوي شيخ الإسلام أحمد بن تيمية) الطبعة الأولى، الرياض، المملكة العربية السعودية (1383 هـ).
- ابن حزم الأندلسي (الإمام أبو محمد على الظاهري: ت 456هـ): الفصل في الملل والأهواء والنخل، 4 أجزاء القاهرة 1317هـ.
- ابن حنبل (الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد حنبل الشيباني ت 241هـ): الرد على الزنادقة والجهمية ن استنبول (1927م).
-ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد: ت 808 هـ): مقدمة ابن خلدون. القاهرة، 1311هـ.
- ابن رزيق (حميد بن محمد: ت 1274 هـ).
01 الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين: تحقيق عبد المنعم عامر، و دكتور محمد مرسى، نشر وزارة التراث القومي في سلطنة عمان، مطابع سجل العرب بالقاهرة 1397هـ / 1977م.
02 الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان: تحقيق عبد المنعم عامر، نشر وزارة التراث القومي في سلطنة عمان، طبع دار إحياء الكتب العربية-عيسى البابي الحلبي وشركاه-القاهر (1398 - 1978م).
- ابن سعد (كاتب الواقدي ت:230هـ): الطبقات الكبرى، 8 أجزاء ليدن (1905 - 1921)، (جزءان، القاهرة 1358هـ).
ابن سلام (الحافظ أبو عبيد القاسم: ت 224 هـ) تحقيق حامد الفقي، القاهرة 1353هـ. (1/102)
صفحة 103
- ابن سلامة: (أبو القاسم هبة الله بن سلامة البغدادي، المفسر الضرير، ت 410هـ): الناسخ والمنسوج: نسخة مطبوعة في مطبعة هندية بدون تاريخ، ومخطوطات منه بدار الكتب المصرية في القاهرة تحت أرقام مختلفة.
- ابن طاهر المقدسي (مطهر بن طاهر ت: القرن الرابع الهجري): البدء والتاريخ أو ((بدء الخلق والتاريخ))، كتبه في مدينة بست من أعمال سجستان في سنة 356هـ-966م لأحد وزراء السامانيين، ونسب هذا الكتاب أيضاً إلى أبي زيد البلخي، ونشر ((إيوار Hnart )) هذا الكتاب مع ترجمة فرنسية (1899 - 1910م).
- ابن عثمان الخياط المعتزلي (أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد): كتاب الانتشار والرد على ابن الروندي. طبعة القاهرة 1925م. وطبع المطبعة الكاثوليكية في بيروت 1975م، ونقله إلى الفرنسية دكتور البير نصري نادر.
- ابن عياض (القاضي عياض بن عياض بن موسى اليحصبي (ت 544هـ-1149م): الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، تحقيق السيد أحمد صقر، الطبعة الثانية، الناشر دار التراث بالقاهرة، والمكتبة العتيقة في تونس 1398هـ- 1978م.
- ابن قتيبة (أبو محمد عبد الله بن سالم الدينوري: ت 270هـ أو 276هـ):
01 الإمامة والسياسة، القاهرة 1322 هـ.
عيون الأخبار، أربعة أجزاء، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة (1927 - 1930م).
المعارف، القاهرة (1935م).
- ابن كثير (عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي ت 774هـ-1372م): البداية والنهاية، 14 جزءاً، مطبعة السعادة بالقاهرة، الطبعة الأولى سنة 1351هـ-1932م.
- ابن مزاحم المنقري (نصر، ت سنة 212هـ) وقعة صفين: تحقيق عبد السلام هارون، الطبعة الثانية، القاهرة 1383هـ.
- الأسفراييني (أبو المظفر عماد الدين محمد بن طاهر ت 471هـ): التبصير في الدين: تحقيق عزت عطار الحسيني، الطبعة الأولى، مطبعة الأنوار، دمشق (1359 - 1940م). (1/103)
صفحة 104
- الأشعري (أبو الحسن على بن إسماعيل، ت 330هـ): مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج1، 2 تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد. مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية 1389 - 1969.
البرادي (أبو القاسم بن إبراهيم ت سنة 697هـ): الجواهر المنتقاة، القاهرة سنة 1302 هـ:
البغدادي (أبو منصور عبد القاهر بن محمد ت 429هـ-1037م):
01 الفرق بين الفرق: حققه محمد بدر، مطبعة المعارف بمصر (1328هـ-1910 م)
02 مختصر كتاب الفرق بين الفرق، نشره فبليب حتى، مطبعة الهلال بمصر سنة 1924 م.
03 الناسخ والمنسوخ، ميكروقليم في دار الكتب المصرية بالقاهرة.
- الذهبي (الحافظ شمس الدين أبو عبد الله بن أحمد ت 784هـ):
01 ميزان الاعتدال في نقد الرجال، القاهرة سنة 1325هـ.
02 تذكرة الحفاظ، جزءان، الطبعة الثانية، حيدر أباد الدكن (1333هـ).
- الرازي (الإمام فخر الدين محمد بن عمر الخطيب ت 606هـ):
كتاب اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة (1308هـ-1978م).
- الرازي (أبو محمد عبد الرحمن بن إدريس بن التميمي): الجرح والتعديل: حيدر أباد، مطبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية 1361 هـ.
- السالمي (أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي): تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان:
الجزء الأول: الطبعة الأولى، القاهرة 1333هـ.
الجزء الثاني: الطبعة الخامسة، الكويت 1394 هـ.
- السالمي (أب بشير محمد بن حميد السالمي): نهضة الأعيان بحرية عمان. مطابع دار الكتاب العربي، مصر.
- السمائلي (الشيخ أبو هلال سالم بن حمود بن شامس السياني السمائلي):
01 اصدق الناهج في تمييز الإباضية من الخوارج: تحقيق وشرح دكتور سيدة إسماعيل كاشف، نشر وزارة التراث القومي والثقافية في سلطنة عمان، مطابع سجل العرب بالقاهرة 1979 م. (1/104)
صفحة 105
02 إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعتاء، تحقيق وشرح دكتور سيدة إسماعيل كاشف، نشر وزارة التراث القومي والثقافية في سلطنة عمان، مطابع سجل العرب بالقاهرة 1979 م.
- الشاطبي الغرناطي (أب إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي): الاعتصام، ج 1 - 2، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة 1332 هـ.
- الشماخي (أحمد بن سعيد، ت 928 هـ): كتاب السير، المطبعة البارونية بالقاهرة، 1320هـ.
- الشهرستاني (أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، ت 548هـ) الملل والنحل: 5أجزاء، القاهرة 1317هـ، جزء واحد حققه الأستاذ محمد بن فتح الله بدران، الطبعة الأولى، مطبعة الأزهر.
- الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير، ت 310 هـ): تاريخ الأمم والملوك، طبعة دي غويه-ليدن، سنة 1881م.
والطبعة الأولى بالمطبعة الحسينية في القاهرة.
والطبعة الثالثة تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، سلسلة ذخائر العرب (30)
القاهرة.
- الغزالي (أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، ت 505هـ): المستصفي من علم الأصول، جزءان مجلدين، طبع المطبعة الأميرية، بالقاهرة سنة 1322 هـ.
- القلهاتي (أبو عبد الله محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي، ت القرن الرابع الهجري): الكشف والبيان: جزءان، تحقيق وشرح دكتور سيدة إسماعيل كاشف، نشر وزارة القومي والثقافية في سلطنة عمان، مطابع سجل العرب بالقاهرة 1400هـ-1980 م.
- المسعودى (أبو الحسن على بن الحسين بن على، ت 345 أو 346هـ-956 أو 957 م):
01 مروج الذهب ومعادن الجوهر، جزءان، طبعة القاهرة، 1346هـ، 9 أجزاء طبعة Barbier de Meynard باريس 1861 - 1877 م.
02 التنبيه والإشراف، الجزء الثامن من المكتبة الجغرافية، ليدن 1893 - 1894، وطبع
القاهرة 1938 م.
- المقريزي (تقي الدين أحمد بن على، ت 845هـ):
01 المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، جزءان، طبعة بولاق بالقاهرة 1270 هـ. (1/105)
صفحة 106
02 إمتاع الأسماع، الجزء الأول، طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1941هـ.
- الملطي الشافعي المعروف بالطرائفي (أبو الحسن محمد أحمد بن عبد الرحمن: ت 337هـ): التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، الطبعة الأولى، القاهرة 1368هـ، قدم له وعلق عليه محمد زاهد بن الحسن الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقاً.
- يينيس (دكتور س. يينيس Dr . S. Pines ) : مذهب الذرة عند المسلمين، نقله عن الألمابية الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة، مطبعة لجنة التأليف الترجمة والنشر بالقاهرة، (1365 - 1946م).
- جمال الدين القاسمي الدمشقي: تاريخ الجهمية والمعتزلة، مطبعة المنار، بمصر سنة 1331هـ.
- حسن إبراهيم حسن (الأستاذ الدكتور): تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، 4 أجزاء، مكتبة النهضة المصرية، المطبعة الثانية.
- على سامي النشار (الدكتور): نشأ الفكر الفلسفي في الإسلام، الجزء الأول، الطبعة السابعة، دار المعارف بالقاهرة 1397 - 1977 م.
- على يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، القاهرة، 1976 م.
- محمد البهي (الدكتور): الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي. الطبعة الخامسة، بيروت 1391هـ-1972 م.
- محمد الخضري: تاريخ التشريع الإسلامي، الطبعة الربعة، مطبعة الاستقامة بالقاهرة 1353هـ-1934 م.
- محمد على دبوز: تاريخ المغرب الكبير، ج2، ج3، القاهرة 1963 م.
فهرس موضوعات كتاب (الجوهر المقتصر)
الموضوع الصفحة
- تقديم بلقم حضر صاحب المعالي سمو السيد فيصل بن علي بن فيصل 3
وزارة التراث القومي في سلطنة عمان.
- مقدمة بقلم الأستاذ الدكتور سيدة إسماعيل كاشف. 5
- مقدمة مؤلف الكتاب. 13
1 - باب بيان ما أودناه وجعلنا له الكتاب وقصدناه. 17
2 - باب صفة المسألة الجوهرية ومعانيها وبيان الاختلاف والتنازع الواقع عنها 19
3 - باب أدب الفتى عند السؤال وما يجب عليه عند الفتوى من المقال. 23 (1/106)
صفحة 107
4 - باب بيان معنى السؤال وحقيقة وذكر قواعده ومعرفته. 26
5 - باب بيان السؤال وأقسامه وصفة صروفه وأحكامه. 29
6 - باب بيان العالم وحقيقة العلم به والقدرة عليه والتحديد لأجزائه 35 من كلام أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله.
7 - باب بيان حدوث العالم من كلام الشيخ أبي المنذر بشير بن محمد ابن محبوب رحمهم الله. 38
8 - باب بيان الاعراض وضروبها من كلام الشيخ أبي المنذر 44 بشير ابن محمد بن محبوب رحمهم الله.
9 - باب بيان مراتب الجوهر والأعراض من كلام الشيخ أبي المنذر 48 بشير ابن محمد بن محبوب رحمهم الله.
10 - باب بيان المجاورة والمداخلة من تفسير كلام الشيخ أبي المنذر 52 بشير ابن محمد محبوب رحمهم الله.
11 - باب بيان الجزء الذي لا يتجزأ وهو الجوهر من كلام أبي المنذر 54 بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله.
12 - باب بيان ارتفاع الضدين من الجوهر من تفسير كلام أبي المنذر 59 بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله.
13 - باب بيان اختلاف الناس في الجزء الذي لا يتجزأ 61
14 - باب بيان الدليل على حدث الجزء وهو الجوهر من تفسير كلام 65 أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله.
15 - باب بيان صفة الجسم ومعانيه وحده، واختلاف الناس فيه من كلام أبي 69
المنذر بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله.
16 - باب بيان اختلاف الناس في الجسم وأجزائه 72
17 - باب بيان العالم وعدد أجزائه والقدرة على قسمه من تفسير كلام 76
أبي المنذر بن بشير بن محمد بن محبوب رحمهم الله.
18 - باب في بيان القدرة وتأثيرها في المقدورات. 80
19 - باب مسائل المحال المأثورة والموجودة في آثار المسلمين المشهورة 84
20 - باب بيان المسألة الجوهرية وإيضاح استحالتها بالدلائل النظرية 95
21 - باب بيان حقيقة الأضداد والرد على المنازع لنا فيما جانب الإرشاد 104
22 - باب بيان الحق والاعتقاد والدليل على استحالة الوصف بالقدرة 112
على جمع الأضداد. (1/107)
صفحة 108
23 - باب المسألة الإباضية وصفة التنازع في معانيها بالدلائل المضية 116
24 - باب بيان درجات أهل الشرك 118
25 - باب بيان الدرجة الثالثة والكفر في أهل القبلة 121
26 - باب بيان الدرجة وهي العليا وبيان أهل الحق 126
27 - باب بيان قواعد الدين ومعانيه 127
28 - باب القاعدة الثانية وبيان حكم دين رسول الله صلى الله عليه وسلم 132
29 - باب القاعدة الثالثة في حكم من مات على ما دان به المسلمون 133
30 - باب الرتبة الثانية في حكم من مات على ما دان به أهل النهروان 136
31 - باب الرتبة الثالثة في حكم من مات على الدين الإباضي 138
32 - باب بيان حل الإشكال المعترض 141
- أهم مراجع تحقيق مخطوط كتاب الجواهر المقتصر 149
فهرس الموضوعات 164
الهامش:
تضمين: كتبت في المخطوطة ((تظمين))
العقول القريرية: تعنى هنا العقول المستوعبة الواعية. جاء في لسان العرب لابن منظور ((أقررت لكلام لفلان إقراراً)) أي بينته حتى عرفه. ويقال أيضاً يقر الكلام في الأذن كما تقر القارورة إذا أفرخ فيها.
همعت همعا وهموعا وهمعانا وتهماعا العين: أسالت الدمع. الهموع: السيال.
الباب الأول
لاحظ هنا تحمس المؤلف للمذهب الإباضي فيقول عنه ((الدين الإباضي))، ويجعل عبارة ((الدين الإباضي)) مرادفة (للدين الإسلامي).
الزمرة: الجماعة.
أنعم النظر في المسألة: حقق النظر فيها وبالغ.
سورة القيامة: آية 14.
سورة الحشر: آية 2.
سورة الحج: آية 40.
الباب الثاني
صدح صدحا وصداحا الرجل أو الطائر: رفع صوته بغناء فهو صادح وصداح وصيداح وصدوح وصيدحى ومصدح.
الباب الثالث
أبو المنذر سلمة بن مسلم: صاحب كتاب ((الضياء)) وهو ممن يأخذ عنه المؤلف.
سورة البقرة: آية 32.
وهو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري ويكنى بأبي سعيد، من سادات التابعين. (1/108)
صفحة 109
أبو مولى زيد بن ثابت الأنصاري، ولد على الرق لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة وتوفي بالبصرة مستهل رجب سنة 110هـ (وفيات الأعيان لابن خلكان).
الباب الخامس
جحد: قل.
ومع العيار: أي ((ومع الخلل)) أو النقص، أو عدم قضاء المطلوب من السؤال.
السنة من النوم: بكسر السين: حبة منه.
كثيراً ما نجد ناسخ المخطوط يكتب حرف (ض) بدلا من (ظ) والعكس من ذلك، أي حرف (ط) بدل من (ض) وهنا مثلا كتب (اليقضة) بدلا من (اليقظة) ونحن نعتقد أن هذا الأمر من نبل السهو، والتأثر باللهجة الدارجة.
الآثار الشاهرة المسنودة: أي التي لها سند في القرآن الكريم والحديث الشريف، والإجماع.
((وأردناه)): جاءت في المخطوطة ((وأورناه)).
جاءت في المخطوطة، ((وتستفضع)).
سورة الإسراء: آية 36.
الباب السادس
تعاور الحوادث: تعاقب الحوادث.
كتبت في المخطوطة ((المتضان)).
الباب السابع
لعلة يقصد: ((والثبات)).
الأبريسم: الحرير.
إضافة كلمة ((له)) بعد كلمة ((حجم)) من عندنا.
توفى القاضي أبو زكريا يحيى بن سعيد مفتولا في سنة 472هـ.
(أنظر: السالمي: تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان، ج1 ص 258).
بويع الخليل بن شاذان بن الصلت بن مالك الخروصي بالإمامة في عمان سنة 407 هـ وقي بعض الكتب سنة بضع وأربعمائة. وكانت وفاته في أول سنة 425هـ، فتكون مدة إمامته سبع عشرة سنة وبعض تقريباً ((أنظر: السالمي: تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان ج1 ص235 - 244)).
بعد ((الأشياء فإذا)) بياض في الأصل.
الباب التاسع
كتبت كلمة ((يتصف)) في المخطوطة بدون نقط.
الباب العاشر
انظر أيضاً: عن إبراهيم النظام الذي توفى بين عامي 221،231هـ (835 - 845 م)
(الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ج2 ص15، والبغدادي: الفرق بين الفرق، ص113 - 144، والبغدادي: مختصر كتاب الفرق بين الفرق ص102 - 109) (1/109)
صفحة 110
انظر أيضاً: عن هشام بن الحكم (الأشعري: مقالات الإسلاميين ج1 ص106 وص 112، والبغدادي: الفرق بين الفرق ص48 - 52، 113، 320 - 321؛ والبغدادي: مختصر كتاب الفرق بين الفرق،، ص61، 136،137؛ والشهر ستاني: كتاب الملل والنحل، ج1، ص396 - 401، نشر محمد بن فتح الله بدران).
كتبت في المخطوطة ((متجاورين)).
الباب الحادي عشر
بعد كلمة ((الحول)) بياض في أصل المخطوطة.
الباب الثاني عشر
كتبت في المخطوطة ((تسفير)).
كتبت في المخطوطة ((قيل زيد)).
الباب الثالث عشر
كتبت في المخطوطة ((النضام)).
هو ضرار بن عمر وأتباعه يعرفون بالضرارية، وقد انفرد بأشياء منكر منها قوله بأن الله تعالى يرى في القيامة بحاسة سادسة، ومنها أنه أنكر حرف ابن مسعود وحرف أبي بن كعب وشهد بأن الله لم ينزلهما. وكان ظهور ضرار و وجهم في أيام ظهور واصل بن عطاء (انضر عن ضرار، البغدادي: الفرق بين الفرق ص16 - 17، 201 - 202، 324؛ والبغدادي: مختصر كتاب الفرق بين الفرق ص13، والشهر ستاني: كتاب الملل والنحل ص142 - 144، نشر محمد بن فتح الله بدران)
هو بشر بن المعتمر الذي توفى حوالي سنة 226هـ/ 840م، وقد كفر إخوانه القدرية في أمور هو فيها مصيب عند أهل، وكفره أهل السنة في أمور هو فيها مصيب عند القدرية. (انظر الفرق بين الفرق البغدادي، 141 - 143، والبغدادي: مختصر كتاب الفرق بين الفرق ص110 - 111، والشهر ستاني: كتاب الملل والنحل ص 93 - 96).
الباب الرابع عشر
أبو الحسن: هو الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن علي البسياوي من مشاهير العلماء الإباضية في عمان في القرنين الرابع والخامس الهجريين. ومن معاصريه أب محمد عبد الله بن محمد ابن بركة، سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب. وكان أبو الحسن من الطائفة الرستاقية التي تبرأت ممن خلع الصلت بن مالك من الإمامة. وينتسب أبو الحسن إلى قرية بسيا من أعمال بهلا في عمان، وهي من مدن المنطقة الداخلية في غربي مدينة نزوي. (1/110)
صفحة 111
(انظر أيضاً: القلهاتي: الكشف والبيان، ج2 ص478، السالمي: تحفة الأعيان ج1 ص 253 - 255، السيابي والسمائلي: أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج: صفحة 52)
سورة القمر: آية 49.
((المعدوم ليس)) الكلمتان مطموستان في المخطوطة.
سورة مريم: آية 67.
سورة الشورى: آية 11.
الباب الخامس عشر
((موجودة)) أضفناها لسياق النص.
الباب السادس عشر
(1) هو معمر بن عباد السلمي، توفى سنة 220هـ-835م. وكان ذنباً للقدرية. ومن قوله إن الله لم يخلق شيئاً من الأعراض، وإنما خلق الأجسام، ثم إن الأجسام أحدثت الأعراض. (انظر: البغدادي: الفرق بين الفرق ص 115، 181، 208، 319، 329، والبغدادي: مختصر كتاب الفرق بين الفرق ص109 - 110؛ والشهر ساني: كتاب الملل والنحل ص97 - 101).
كتبت في المخطوطة ((النضام)).
الباب السابع عشر
سورة يونس: الآيتان 59 - 60.
كتبت في المخطوطة ((وتعتقدوا)).
الباب التاسع عشر
سورة الشورى: آية 11.
الإكليل: التاج، والعصابة المزينة بالجوهر. الجمع أكلة وأكايل.
كان القاضي نجاد بن موسى من رؤساء الفرقة الرستاقية التي خرجت على الإمام راشد ابن علي إمام عمان. وقد قتله الإمام راشد بن على في شهر رجب من سنة 513 هـ.
(انظر السالمي: تحفة الأعيان، ج1 ص258 - 259)
الباب العشرون
بعد كلمة ((قال)) بياض في أصل المخطوطة.
الباب الحدي والعشرون
كلمة ((من)) مطموسة في المخطوطة.
سورة النحل: آية 93.
سورة الرعد: آية 31.
نفس الآية من سورة الرعد.
سورة الزمر: آية 4.
كتب في المخطوطة ((درك)).
الباب الثالث والعشرون
كلمة ((بمعنى)) مطموسة المخطوطة.
الباب الرابع والعشرون
راجع عن هذه الفرق: القلهاتي: الكشف والبيان ج2 ص263 - 397. (1/111)
صفحة 112
الحرمدينية والخرمدينية والخرمية، وكلها محرمة وأصل اللفظ أعجمي. وفرقة الخرمية أسسها. أزدك في أيام الملك قباذ أبي كسرى أن شروان وهذه هي الخرمية الأولى. أما الخرمية الثانية فمنهم بابك الخرمي وأتباعه. وقد ذكرهم ابن النديم في ((الفهرست)) كما أشار إلى هذه الفرقة المؤرخون وكتاب الفرق. والخرمية يقولون بالتناسخ والحلول فضلا عن إباحة المحظورات.
راجع عن فرق المجوس وفرق اليهود والنصارى وغيرها: القلهاتي، الكشف والبيان ج2، ص265 - 269، 301 - 317، 437 - 469.
الباب الخامس والعشرون
قال تعالى في الإضرار على الذنوب: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون). سورة آل عمران: آية 135.
رجل خضرم أي كثير العطاء، والخضارم: السيد الكريم.
سورة ق: آية 29.
سورة آل عمران: آية 9.
سورة الأنبياء: آية 28.
سورة النساء: آية 14.
الصحيح: ((يفعلون)).
محبوب الرحيل: أحد أئمة العلم في عمان. خرج إلى البصرة لطلب العلم حين كانت البصر عمانية بعلمائها الكبار، وقد استوطن أهل عمان البصرة من أول تخطيطها. أخذ العلم عن الإمام الربيع بن حبيب الأزدي الفراهيدي العماني البصري الفقيه المشهور، صاحب مسند الربيع. وكان محبوب الرحيل، أحد خمسة علماء كبار حملوا العلم من البصر إلى عمان وكان لهم الفضل الأكبر في ازدهار العلمية في عمان في القرن الثاني الهجري. وينسب الإمام محبوب الرحيل إلى قريش فهو محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة المخزومي القرشي، وعرف بكنيته الشائعة بأبي سفيان، واشتهر هو وأبناؤه وأحفاده بالفضل والعلم والاشتراك في مجريات الأمور في عمان.
(انظر السالمي: تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان، ح1 ص64 وما بعد، السيابي السمائلي: إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعتاء، ص47، وسيد كاشف: عمان في فجر الإسلام، ص68)
سورة يونس: آية 32.
الباب السابع والعشرون (1/112)
صفحة 113
سورة البقرة: آية 132.
سورة الزمر: آية 3.
سورة البينة: آية 5.
سورة التوبة: آية 33.
سورة آل عمران: آية 19.
سورة الزمر: آية 54.
سورة النساء: آية 59.
سورة التوبة: آية 119.
سورة هود: الآيتان 118 - 119.
تقوم حالياً بتحقيق مخطوط الاهتداء الذي سينشر قريبا غن شاء الله.
سورة يونس: آية 32.
سورة النساء: آية 13.
سورة النساء: آية 14.
سورة طه: آية 111.
سورة الفرقان: الآيتان 67 - 68.
سورة الفرقان: آية 70.
سورة النساء: آية 146.
الباب التاسع العشرون
سورة النساء: آية 80.
سورة النساء: آية 115.
سورة النساء: آية 59.
الباب الثلاثون
أهل النهروان: هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب بعد فبوله التحكيم بعد موقعة صفين، وقصدوا النهروان واستخلفوا عليهم عبد الله بن وهب الراسي الأزدي، في 10 شوال سنة 37هـ. وقد حاربهم علي بن أبي طالب في موقعة النهروان.
المحكمة: هم الذين نادوا بأن ((لا حكم إلا الله)).
الشراة: هم الذين شروا أنفسهم لدين الله، وذلك من الكريمة في سورة التوبة، آية 111 (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أو في بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم).
سورة الحجرات: آية 9.
ذكر ابن النديم في ((الفهرست)) ص268 - 270 أن عبد الله بن محمد بن كلاب القطان من الحشوية وله مع عباد بن سليمان مناظرات وكان يقول إن كلام الله هو الله؛ وكان عباد يقول إنه نصراني بهذا القول.
ونظر أيضاً شرح قول عبد الله بن كلاب، في الأسماء والصفات (الأشعري: مقالات الإسلاميين ح1 ص249 - 259)
الباب الحادي والثلاثون
وهم أهل النهروان.
((ونحن)): مطموسة في المخطوطة.
بعد ((أنهار)) بياض بالمخطوطة وقد أكملنا الآية.
سورة النساء: آية 13.
سورة الحج: آية 11.
لاحظ أن المؤلف يقول ((الدين الإباضي)) مرادفاً للدين الإسلامي. (1/113)
صفحة 114
الباب الثاني الثلاثون
كلمة ((عليهم)) بدلا من كلمة ((عليه)) حتى تستقيم العبارة.
كتب في المخطوطة ((بملاحضة)).
كتب في المخطوطة ((العقول)) والصواب ما أثبتناه.
ذكرهم الشهر ستاني باسم ((الأطرافية)) (انظر كتاب الملل والنحل ص 231 - 232، نشر محمد بن فتح الله بدران).
ذكرهم الشهر ستاني باسم ((الشعيبية)) (انظر كتاب الملل والنحل ص 231 - 232).
كان قطري بن الفجاءة من زعماء الخوارج أيام عبد الملك بن مروان وولاية الحجاج على العراق. وقد قضى عليه المهلب بن أبي صفرة في سنة 77هـ في جير فت في طبرستان. (ابن الأثير: الكامل، ج4، ص 182 - 183).
السابلة: الطريق المسلوكة. والمارون عليها: الجمع ((سوابل)). (1/114)