صفحة 1
الكتاب: الدليل والبرهان
المؤلف: أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني
المحقق: سالم بن حمد الحارثي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان
التاريخ: 1403هـ / 1983م
عدد المجلدات: 2
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الرابع (1036 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1434هـ / فيفري (فبراير) 2013م (قرص مضغوط) سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
الدليل والبرهان
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف: العلامة أبي يعقوب يوسف إبراهيم الوارجلاني
تحقيق: الشيخ سالم بن حمد الحارثي
المجلد الأول
الجزء الأول
1403هـ/1983م (1/1)
صفحة 2
[صفحة بيضاء] (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة في التعريف بالمؤلف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله النبي الأمين وآله وأصحابه أجمعين. وبعد: فالشيخ أبو يعقوب بن إبراهيم السدراتي الأباضي الوارجلاني أحد الأقطاب الكبار والعلماء المجتهدين الأحرار.
أخذ العلم من شيوخه بسدراته من وارقلا بجنوب الجزائر على الغرب من وادي ميزاب الذي كان ولا يزال يزخر بالعلماء الاباضية ولا تزال هذه البلاد وسائر الوادي معمورة بهم إلى يومنا هذا، وقد خرج منها علماء مشهورون بالفقه والتأليف كالشيخ أحمد بن محمود بن بكر والشيخ عبد العزيز الثميني والشيخ محمد بن يوسف اطفيش، وفي المتأخرين الشيخ بيوض والشيخ عبد لرحمن بكلى وأمثالهم كثير ممن تفخر بهم الجمهورية الجزائرية.
والقرية التي عاش فيها المؤلف دمرها أحد الجبابرة بعد موته وبقيت آثارها ومقابرها معروفة إلى الآن شرقي القرية التي هي معمورة الآن.
وقد كان – رحمه الله – مولعا بالأسفار والخروج في نظر الآثار والتدبر في آيات الله وكان عالما جليلا موقرا مع علماء مذهبه وغيرهم من علماء المالكية رحل في طلب العلم إلى الأندلس وتتلمذ على علمائها.
قال في مدحه بعض علماء سجلملسة من المخالفين أبياتا منها:
وله مؤلفات عديدة منها تفسير القرآن العظيم، قال العلامة البرادي (كتاب عجيب رأيت منه في بلاد اريغ سفرا كبيرا لم أر ولا رأيت قط سفرا أضخم منه ولا أكبر منه وحرزت أنه يجاوز سبعمائة ورقة أو أقل أو أكثر، فيه تفسير الفاتحة والبقرة وآل عمران، وحرزت أنه فسر القرآن في ثمانية أسفار مثله فلم (1/3)
صفحة 4
أر ولا رأيت أبلغ منه ولا أشفى للصدور: في لغة أو أعراب أو حكم مبني أو قراءة ظاهرة أو شاذة أو ناسخ ومنسوخ أو في جميع العلوم، فإذا ذكر آية يقول قوله تعالى الخ، فأول ما يذكر إعراب الآية ويستقصيه، ثم يقول اللغة فيستقصي جميع تصاريف الفعل من الكلمة، ثم الصحيح في حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيسوق الرواية من كتاب الربيع بن حبيب المعروف بالمسند ثم يسرد فيه السند أبو عبيدة عن جابر ويذكر الحديث، ولقد استقصى الاختلاف الذي في ((الإمام)) في ((قوله إني جاعلك للناس إماما)) فذكر مقالة الرافضة والغالية وذكر مقالات النكار وغيرهم من جميع الفرق، ولعمري أن فيه لعلوما جمة، ولقد ذاكرت أمره مع بعض الطلبة المميزين هنالك فقال لي: (لو وجدت هذا التأليف كاملا لاسترخصته بخمسين دينارا) ومن ضعف بخت أهل هذا المذهب وقلة اكتراثهم بشيء غفلوا عنه حتى أنه لم يعلم به أكثرهم).
ومنها كتاب ((العدل والإنصاف)) في أصول الفقه ثلاثة أجزاء اختصره وشرح المختصر البدر الشماخي، ونظم مختصر العلامة أبو مالك عامر بن خميس المالكي سماه ((موارد الألطاف نظم مختصر العدل والإنصاف)) وشرح الأصل الإمام اطفيش.
ومنها هذه الكتاب الذي نحن بصدده وهو في ثلاثة أجزاء يدل على غزارة علمه وتعمقه وإطلاعه وإلمامه بجميع الفنون.
ومنها كتاب ((مرج البحرين)) في علم الفلسفة (1).
ومنها ترتيبه لمسند الربيع بن حبيب وقد ضم إليه مراسيل جابر بن زيد وبعض روايات الربيع عن ضمام عن جابر بن زيد وروايات أبي سفيان عن الربيع وروايات للإمام أفلح بن عبد الوهاب عن أبي غانم، وقام بشرح الجميع الإمام أبو ستة من علماء جربة بتونس، وشرح بعضها شرحا واسعا الإمام عبد الله بن حميد السالمي من علماء عمان، قال البدر الشماخي من علماء نفوسه بليبيا (ولا أحصى ما رأيته له من الأجوبة لكثرتها) قال: (وسمعت بعض الطلبة يذكر أنه رأى له تأليفا في الفقه) قال: (وله قصائد منها الحجازية في ثلاثمائة وستين بيتا أيام السنة تدل على غزارة علمه لما أودعها من فنون العلم). وتوفي - رحمه الله ورضي عنه - عام سبعين وخمسمائة للهجرة.
18 من شوال 1402 هـ
8/ 8 / 1982 م
سالم بن حمد بن سليمان بن حميد الحارثي (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
ما شاء الله لا قوة إلا بالله
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، الحمد لله العليم الحكيم رب العرش العظيم، الرحمن الرحيم الذي لم يخلق الخلق باطلا، ولم ينشأهم لاعبا ولم يجعلهم عابثا ولم يتركهم سدى، ولم يمنعهم هدى، خلق فسوى وقدر فهدى، وأوضح منهاج السبيل لأهل العقول بأنوار الدليل وسنن الجليل، فشفى الغليل وكفى العليل مؤنة الدخيل، سبحانه.
والصلاة والسلام على نبي الرحمة، هادي الأمة محمد بن عبد الله وعلى سائر الأنبياء الجم الغفير والأولياء الجمع الكثير أنه على ما يشاء قدير.
أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى فطر هذا الجنس العاقل فجعله أفضل الخلق أجمعين، وخلق الإنسان خيرا فجعله أفضل العالمين، وخلق الأمم أمة بعد أمة فجعل هذه الأمة أفضل الأولين والآخرين بشهادتهم يوم الدين على رؤوس العالمين، فقصر الحق على الفرقة الثالثة والسبعين وما سواها في الهلاك والردى أبد الآبدين، وجاء الشرع بمصداق ما قلنا؛ قال (صلى الله عليه وسلم): ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية وكلهم يدعي تلك الواحدة)). الحديث.
وفي حديث جبير بن نفير ((ستفترقون على إحدى وستين فرقة)) وفي حديث آخر ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة. وستفترقون على ثلاث وسبعين فرقة)) الحديث. وفي حديث آخر ((افترقت النصارى على إحدى وسبعين فرقة واليهود على اثنتين وسبعين فرقة وأنتم على ثلاث وسبعين فرقة)) الحديث، والحديث من المسندات وليس من المتواتر، ولأصحاب الحديث عكسه يرون أن الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى الجنة ما خلا واحدة إلى النار، ولأصحاب الحديث حظهم، وقد وردت أحاديث كثيرة في الأمة يخص بعضها بعضا ويعم وينسخ ويفسر. (1/5)
صفحة 6
((باب)) اختلاف الناس في الأمة
قال بعضهم: الأمة جميع من أرسل إليه رسول الله عليه السلام من الجن والإنس والأحمر والأسود، ودخل في جملة هذا جميع المشركين من السوفسطائية والدهرية والثنوية والديمانية والمرقونية وأصحاب الطبائع والخرمية و يأجوج و مأجوج واليهود والنصارى والذين أشركوا، وجماعة الموحدين أجمعين وأهل التشبيه منهم، والخضر والياس وعيسى إذا نزل، ليس إلا الملائكة.
وقالت طائفة: من أمته من آمن به من الموحدين والمشبهة والرافضة والمجسمة والشيعة. وطائفة يقولون: إنما أمته من آمن به وصدقه وصح توحيده.
وطائفة يقولون: إن أمته الفرقة المحقة.
وكل صدقوا، ولكن هذا مبهم.
وقال (صلى الله عليه وسلم): ((إن معكم خليقتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج و مأجوج)) وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان في سفر له يمشون أوان الظهيرة إذ نزل جبريل عليه السلام بأول سورة (يا أيها الناس اتقوا ربكم أن زلزلة الساعة شيء عظيم) فرفع بها رسول الله عليه السلام عقيرته فثاب إليه الناس فقال: (يا أيها الناس اتقوا ربكم) إلى قوله: (شديد) فقال عليه السلام: ((أتدرون أي يوم هذا؟)) قالوا: (الله ورسول أعلم). فقال: ((يوم يقول الله فيه لآدم: قم ابعث بعث النار. فقال آدم وما بعث النار؟ فقال تعالى: من كل ألف تسعة وتسعين وتسعمائة إلى النار وواحد إلى الجنة)). هناك يشيب الصغير ويهرم الكبير (وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكرى) الآية، فتفرق أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وضوضؤوا، فناداهم أن هلموا فثابوا إليه، وقال: ((ابشروا إن معكم خليقتين ما كانتا في شيء إلا كثرته يأجوج و مأجوج تسعة وتسعون وتسعمائة إلى النار وواحد منكم إلى الجنة)).
فأوجب عليه السلام أن يأجوج و مأجوج من أمته فوجب على هذا الحديث أن أمة محمد عليه السلام إلى التسعمائة أقرب من إلى الثلاث والسبعين فرقة. وقوله عليه السلام: ((لا تقوم الساعة على مؤمن)) وقوله عليه السلام: ((لا تقوم الساعة إلى على دين أبي جهل ودينه الشرك)). وقوله عليه السلام: ((لتتبعن آثار من قبلكم حتى أنهم (1/6)
صفحة 7
لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه حذو النعل بالنعل)) – ويروي خشرم دبر – قالوا: (اليهود والنصارى يا رسول الله؟) قال: ((لا)) قالوا: فمن إذا؟ قال عليه السلام: ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس على ذي الخصلة)) – وذو الخصلة صنم كانوا يعبدونه في الجاهلية – وهؤلاء من أمته. وروى عنه أنه قال: ((القدرية مجوس هذه الأمة والمرجئة يهودها)) وهما من أمته. وعنه عليه السلام أنه قال: ((رأيت في المنام سوادا. فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ أهؤلاء أمتي؟ فقال: لا، هذا موسى في أمته)) ثم قال: ((فرأيت سوادا أعظم من الأول. فقلت: يا جبريل من هؤلاء، أهؤلاء أمتي؟ فقال: هذا عيسى في أمته)). قال: ((ثم نظرت فرأيت سوادا أعظم من الأولين، قد سد ما بين الأفق، فقلت: من هؤلاء يا جبريل، فقال: هؤلاء أمتك لك معهم سبعون ألفا يحشرون عن يمين العرش كأن وجوههم القمر ليلة البدر ولا يحضرون المحشر)).
فقام عكاشة بن المحصن فقال: (ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم) فقال: ((أنت منهم، أو قال: اللهم اجعله منهم))، ثم قام سعد بن عبادة فقال: (ادع الله أن يجعلني منهم). فقال: ((سبقك بها عكاشة وبردت الدعوة)). ثم دخل عليه السلام بيته ثم خرج فقالوا: (هؤلاء من الأنبياء أو من أبنائنا وأما نحن فقد ذقنا الشرك). فقال: ((بلى رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)) فقالوا: (احلهم لنا يا رسول الله) فقال: ((لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)).وعنه عليه السلام أنه قال: ((زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها)). وقال عليه السلام: ((نحن الآخرون الأولون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم)).
**** (1/7)
صفحة 8
في فضائل هذه الأمة
قال الله عز وجل: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) الآية. وقال عليه السلام: ((أمتي أمة مرحومة)) إشارة إلى قول الله – عز وجل – لموسى حين قال موسى (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء) إلى قوله: (الذي يجدونه مكتوبا) الآية. وقال عليه السلام: ((أنتم توافون سبعين أمة أنتم خيرها وأفضلها عند الله)) قال عليه السلام: ((أمتي كالغيث لا يدري أوله خير أم آخره)) وقال أيضا: ((أول أمتي خير وأوسطها وأخرها همج رعاع لا خير فيهم))، وقال عليه السلام: ((للعامل من أمتي في آخر الزمان أجر خمسين منكم)) يريد أصحابه. وقال عليه السلام: ((أهل الجنة مائة وعشرون صفا أنتم منها ثمانون)).
وقال عليه السلام: ((خير أمتي لأمتي أبو بكر ثم عمر))، وروي: ((وأصلبها في دين الله عمر، وأمينها أبو عبيدة بن الجراح، وأقضاكم علي وأفرضكم زيد بن ثابت، وأقرأكم أبي بن كعب، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وإن مع سلمان لعلما، عليكم بهدي عمار وبهدي ابن أم عبد)). ولابد من قيام المهدي في آخر الزمان يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
قال: ((ولكل نبي دعوة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي)) وعن الحسن قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((خير أول أمتي متزوجوها وأخرها عزابها))، وعنه عليه السلام: ((لا تزال أمتي بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا)). وعن أبي هريرة قال: مر النبي عليه السلام على مقبرة فقال: ((سلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع وإنا بكم لاحقون إن شاء الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وددت أني رأيت إخواني)) فقالوا: (ألسنا بإخوانك يا رسول الله) قال: ((بل أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون من بعدي وأنا فرطهم على الحوض، وليذادن رجال عن حوضي يذاد البعير الضال، فأناديهم: ألا هلم ألا هلم، إنهم أصحابي، فيقال: ليسوا بأصحابك إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك))، وفي رواية: أنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: ((فسحقا فسحقا)). (1/8)
صفحة 9
وعنه عليه السلام أنه قال لأصحابه: ((أي الخلق أعجب إيمانا؟)) فقالوا: (الملائكة)، قال: ((الملائكة عند ربهم فما لهم لا يؤمنون)) وفي رواية: قالوا (الأنبياء)، قال: ((الأنبياء يأتيهم وحي من ربهم فما لهم لا يؤمنون)) قالوا: (نحن أصحابك)، قال: ((أنتم أصحابي تسمعون مني وتروني فما لكم لا تؤمنون)) فقالوا: ((الله ورسوله أعلم)، قال: ((أعجب الخلق إيمانا قوم يأتون من بعدي فيؤمنون بي ويعملون بأمري ولم يروني، فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمق في الفتنة)). وقال عليه السلام: ((خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم يحبون السمن تسبق يمين أحدهم شهادته)). وقال عليه السلام: ((أنتم ثلثا أهل الجنة)). (1/9)
صفحة 10
آفات الأمة
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((ستفترق أمتي)) الحديث، وقال عليه السلام: ((هلاك أمتي رجلان عالم فاجر وعابد جاهل))، وقال أيضا: ((إذا ظهرت البدع في أمتي وكتم العالم علمه فعليه لعنة الله))، وعنه عليه السلام: ((ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل بالها على أهل حقها)). وقال عليه السلام: ((أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم وجدال منافق بالقرآن)). وعن أبي ذر قال: ((سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتخوف على أمته ستا: إمارة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوما يتخذون القرآن مزاميرا يقدمون الرجل منهم ليس بأفقههم إلا ليغنيهم)). وعن أبي هريرة عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: ((هلاك أمتي)) أو قال: ((فساد أمتي على رؤوس أغلبية من سفهاء قريش)) وعن ابن عباس عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: ((هلاك أمتي في المعصية والقدرية والرواية عن غير ثبت)) وعن حذيفة – رضي الله عنه – قال: (لتدعون هذه الأمة مما لو دعا به القرون الأولى عاد وثمود لاستجيب لها ولا يستجاب لهذه الأمة).
وعن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: ((أتدرون من المفلس)) قالوا: (المفلس فينا من لا دينار له ولا درهم له ولا متاع) فقال: ((إنما المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وقد شتم هذا وضرب هذا وقذف هذا، فيقتص لهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار)). وذكر ضمام هذا الحديث فأوجب القصاص في الحسنات ولم يذكر إلقاء الخطايا عليه ... وقال تعالى: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون).
وعن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((يكون القوم من أمتي فطن في تجارتهم خرق في أمر أخرتهم يموتون لا خلاق لهم)). (1/10)
صفحة 11
وعن راشد بن سعد أن النبي عليه السلام قال يوما وعنده نفر من قريش: ((ألا إنكم ولاة هذا الأمر من بعدي فلا أعرفن ما شققتم على أمتي، اللهم من شق على أمتي فشق عليه)). وعن أبي هريرة عنه عليه السلام أنه قال: ((يهلك أمتي هذا الحي من قريش))، قالوا: (فما تأمرنا، قال: ((لو أن الناس اعتزلوهم)) أو قال: ((تركوهم))، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((ما أخاف على أمتي إلا ضعف اليقين)). قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لكعب: (ما أخوف شيء تخافه على أمة محمد)، قال: (أئمة مضلون)، قال له عمر: (صدقت قد أسر إلي ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعلمنيه)، روى ثعلبة بن مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم إنك ظالم فتودع منهم)). وعنه عليه السلام قال: ((رأيت رجلا قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاء أمره بمعروف ونهيه عن منكر فاستنفذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة فصار معهم)) .. وقال: ((صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة إمام ظلوم غشوم وغال في الدين مارق))، وعن جعفر بن برقان عن الزهري عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به، ومن خرق فاخرق به)) وقيل عنه عليه السلام أنه قال: ((ما أشد ما أتخوف على أمتي الشيطان والدجال ولكن أشد ما ألقى عليهم الأئمة المضلون)).
وعنه أيضا إنه قال: ((من ولي من أمة محمد شيئا فلم يعدل فيها فعليه بهلة الله)) قالوا: (وما بهلة الله؟) قال: ((لعنة الله عز وجل)) .. وعن الحسن عنه عليه السلام قال: ((لا تزال يد الله تعالى على هذه الأمة وكنفه ما لم تعظم أبرارهم فجارهم، وما لم يرفق خيارهم بشرارهم، وما لم تمل قراؤهم إلى أمرائهم، فإذا فعلوا ذلك رفعت عنهم البركة وسلطت عليهم الجبابرة فساموهم سوء العذاب وقذف في قلوبهم الرعب وألزق بهم الفاقة)).
حدثنا علي عن الحسن بن واقد الحنفي قال: أظنه من أحاديث بهز بن حكيم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إذا كانت ثمانين ومائة فقد أحلت لأمتي العزبة والعزلة والترهب رؤوس الأجبال))، وعنه عليه السلام إنه قال: ((الخائف يوم القيامة من خافته أمتي من غير سلطان))، ومن (1/11)
صفحة 12
كتاب ذكر الطاعة والمعصية عن عبد الرحمن بن عبد الكفيف ( .. أتيت إلى عبد الله بن عمر وهو جالس في ظل الكعبة والناس حوله مجتمعون فسمعته يقول: قام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فخطبنا فقال: ((إنه لم يكن نبي إلا كان حقا على الله أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم، وينذرهم ما يعلمه شرا لهم، وأن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها وأن آخرها يصيبهم بلاء وأمور ينركرونها، وتجيء الفتن يدفن بعضها بعضا، تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف، فمن سره منكم أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه موتته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)).
وإنما أغرقنا في النزع في هذه الأمة وتقصيناها ما قدرنا ليتفق لنا الجمع بين قوله عز وجل: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) إلى قوله: (وأكثرهم الفاسقون). وبين قول النبي عليه السلام: ((ستفترق أمتي)) ... الحديث.
ونستظهر بما عاينا ورأينا من بلوغ هذه الأمة طرفي الأرض شرقا ومغربا وإذ أعاذهم الله تعالى من عبادة الأوثان واتخاذ غيره ربا من غير أن تخل بشيء من طرق أهل الحق فالأصل السلامة، ما خلا صنفين منها: المبتدع في دين الله عز وجل والمصر على معصية الله – عز وجل – المبائن لله، فهذان لا سبيل لهما إلى الجنة ولابد من بيانهما وتحديد شأنهما على أنهما من أهل الشهادة لله – عز وجل – والإيمان به نطقا واعتقادا، ومن أين افترقا مع سائر المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله ومع سائر أهل الإجرام الذين شابوا دينهم بالفجور وعقبوا التوبة والندم، وسيأتي في موضعه التفرقة بينهما وبينهم. والله الموفق للصواب.
اعلم أن الله تعالى وعد النصر والظفر لهذه الأمة على سائر الأديان قال الله – عز وجل -: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات – إلى قوله: (أولئك هم الفاسقون) وقال: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) وقد فعلوا وفعل.
وقال: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) إلى قوله: (وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها) الآية – وفي أمثالها من القرآن، وعد هذا الدين أن يظهره على (1/12)
صفحة 13
الدين كله ولو كره المشركين، فجاهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى أظهره الله على العرب قاطبة كما قال: (إذا جاء نصر الله والفتح) إلى قوله: (توابا).
ثم توالى أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – فارتدت العرب بعد رسول الله عليه السلام بعد دخولهم في دين الإسلام فقاتلهم أبو بكر ففتح الله له وردهم إلى الإسلام كأول مرة.
ثم ولي عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فافتتح مايلي جزيرة العرب من العراق والجزيرة والشام ومصر وطرابلس وفارس وكرمان فمات - رحمه الله -.
فولي عثمان بن عفان فافتتح ما وراء الدروب من الشام والماهان وأذربيجان وخرسان بعد الري وحلوان وأرض التبت وسجستان وأرض إفريقية، وكانت الفتوح هكذا متوالية في أطراف الأرض مع تغير الولاة والخلفاء وفسادهم مقدار مائتي سنة.
آخر المائتي ظهر الأئمة الضالون المضلون فوزعوا أمة محمد – عليه السلام – ومع ذلك يصحبهم النصر والظفر ووصلوا القسطنطينية ورومة إلى أرض الصقالبة وراء خرسان وسمرقند وترمذ وبخارى وغزنة، فجار الإسلام هذه النواحي كلها ومن ورائها إلى الصين وإلى الهند والسند والبر الكبير وبريطانية وغيرها، فصار جميع ما ذكر في حمك الإسلام وأسلم أهلها ومن لم يسلم صار ذا ذمة، وظهرت المساجد والجموع والجمع والجماعات والأذان، ففي هذه الثلاث مائة الغالب على الدنيا الإسلام والخير كما قال أبو حمزة المختار بن عوف – رحمه الله – حين خطب أهل المدينة فقال: يا أيها الناس، الناس منا ونحن منهم إلا عابد وثن أو ملكا جبارا أو شادا على عضديه) فالغالب على الدنيا الإسلام. وظهرت الأئمة الضالة آخر المائتي سنة، ولم تظهر أقاويلهم وأصحابهم إلا بعد مائة أخرى، فجمهور الأمة على الحق إلا من بلغته البدعة فرضي بها وقليل ما هم عاد، ودخول مذهب مالك المغرب عام تسعة وأربعين وخمسمائة عند دخول المتلثمين المغرب وظهور العرب، وأما مصر فما ظهرت فيها الشيعة إلا عند الحاكم بن أبي تميم، ودخول أبي تميم مصر اثنين وستين وثلاثمائة، وهؤلاء المتأخرين هم الذين انتصروا للأئمة بعد ما مضى من عمرهم أعمار صالحة.
والذي وقع عليه الإحصاء من الطوائف الهالكة في (1/13)
صفحة 14
هذه الأمة ثلاث القدرية والمرجئة والمارقة على لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال عليه السلام: ((طائفتان من أمتي لا تنالهما شفاعتي المرجئة والقدرية وهما ملعونتان على لسان سبعين نبيا))، فأما القدرية والمارقة فما يزيدان في عدد هذه الأمة ولا ينقصانها فهما كالرقمتين في ذراع الحمار لقلتهما وذلتهما، فإما المارقة فقد قال فيهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إن ناسا من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فتنظر في النصل فلا ترى شيئا وتنظر في القدح فلا ترى شيئا وتتمارى في الفوق)) هم كما ذكرنا قليلون لا يعبأ بهم، وأما المرجئة إن وقعوا في سهم السنية فهم كثير، والسنية تتقي منهم، وسنذكرهم فيما بعد إن شاء الله.
ومن وراء هذه الثلاث ثلاث أخرى لم يذكرهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهم الشيعة ومذاهبهم في علي بن أبي طالب وولده كأنهم ليسوا في أمة محمد (صلى الله عليه وسلم)، وقد أشار إليهم رسول الله عليه السلام فقال: ((شر أفراق هذه الأمة فرقة تنتحلك يا علي ولا تعمل بأمرك)) كما لأنهم خارجون من هذه الأمة إلا شواذهم فهم متاخمون بلاد الترك وبلاد النصارى وأرمينية ونظائرها، ومنهم المشبهة فهم على أسلوبهم ومذهبهم في الله تعالى مذهب الأطفال عند الآباء، ومنهم المجسمة صرحوا في الرجوع إلى عبادة الأوثان والأصنام والأشباح.
وأما هؤلاء السنية ومذاهبهم في الفتنة والصحابة ذلك أمر متعلق بالرجال دون النساء ولاسيما من فقد الاستبصار وقصر عن درك حقائق الأخبار، والبدع متفرقة فكل بدعة تشرِّع هدمَ قواعد الإسلام فهي الطامة العامة التي تبلغ الرجال والعيال، وأما التي تقتصر على الأخبار ولم تجاوز إلى هدم قواعد الإسلام كالاختلاف في أسماء الشريعة من مؤمن ومسلم وكافر وفاسق ومشرك ومنافق وفي القرآن والصفات فأكثرها تضر هذه المعاني قائلها لا سامعها ما لم يعتقدها دينا يدان الله تعالى به أو يقطع عذر مخالفيه من المسلمين أو هدم به قاعدة من قواعد الإسلام هنالك لا يعذر، ومن اقتصر على قواعد الإسلام من الشهادة والصلاة والزكاة والصوم وحج البيت من استطاع إليه سبيلا فعسى عسى، وكذلك من كان بالثغور (1/14)
صفحة 15
من أرض العدو ولم يبلِّغه إمامه إلا قواعد الإسلام ولم يبلغه ما شجر بين الأمة أو بلَّغه ولم يفهمه، فإن فهم لم يقطع الشهادة عليه فعسى عسى، والقول على الرجال، وأما العيال والنسوان والبله والولدان فهم بعيدون عن هذا، وكذلك أهل بلاد السودان الذين لم يبلغهم الإسلام إلا من بعد الخمسمائة سنة من الهجرة ولم يعرفوا التفرقة بين المذاهب والأفراق، فالرب أرأف وأرحم من أن يؤاخذ أحدا بذنب غيره وقد قال الله (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
فإن قال قائل فإن الله تعالى قد آخذ اليهود بما فعلته آباؤهم من قتلهم الأنبياء واستحلالهم الحرام وقد قال الله - عز وجل - لهؤلاء من بعدهم (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) على أن هؤلاء الذين عيرهم لم يدركوا أنبياء الله من قبل ولا أدرك زمانهم زمان الأنبياء، فالجواب: أن هؤلاء اليهود الذين عيرهم الله بقتل آبائهم الأنبياء ولم يقتلوهم إنما عيرهم على أتباع الآباء، على أنهم يعرفون أنهم قتلوا الأنبياء واشتهر ذلك عندهم تغني عن الدلالة عليهم، وذلك أيضا معروف الفساد قتل الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس، وظهور قبح ذلك أيضا كذلك، وإنما الكلام على من بلغته البدعة في الدين والشبهة بغير يقين وربما يقصر علمه عن ذلك ولم يوال أئمته على ذلك ولم يوالهم إلا على ما ظهر له من شريعة الإسلام من الصلاة والزكاة والصوم والحج، على أن اليهود أشركت بردهم نبوءة محمد ورسالته (صلى الله عليه وسلم) فكل سوء في الدنيا لهم فيه نصيب حين عبدت غير الله، فليتهم كل مقلد إمامه في مثل هذا، فإن من كان بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) غير معصوم، ولك في أهل صفين أسوة حسنة وذلك أنهم في مائة ألف أو يزيدون استبصروا أولا في قتل طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص، وإمامهم علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر والمهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان ومع ذلك لم يقيموا الحجة على سعد بن أبي وقاص أحد الشورى وعلى زيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر بن الخطاب ولم يقطعوا عذرهم في التوقف عنهم، فلهؤلاء استبصارهم ولهؤلاء شكهم كل يعمل على شاكلته وربك يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. (1/15)
صفحة 16
باب: آفات الأمة في دينها
أولها زلة عالم: - قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم وجدال منافق بالقرآن)) فأما زلة عالم فمثل زلة عثمان حين زل عن طريقة صاحبيه بعد ما وقع الإجماع عليها، وزل في أربعة أمور أولها: استعمال الخونة ولم يكن على قفائهم، والثاني: حين صرف مال الفيء إلى من اشتهى من أقاربه دون مستحقه من أهله، والثالث: أبشار وهتك أستار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والرابع: في البغي في أحد الأفعال، ومن شبهة أنه أشرف يوم الدار على محاصريه فقال لهم: (أناشدكم الله ألم تسمعوا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: خلال كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل النفس التي حرم الله)) وأنا ما زنيت ولا كفرت بعد إيمان ولا قتلت النفس) وغفل عن التي نص الله عليها في القرآن حيث يقول: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) إلى قوله: (حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما) فلو كلفنا الإصلاح بينهما لقلنا لعثمان أعدل وللمحاصرين كفوا، وأئمتهم علي وطلحة والزبير وعمار، فإن عدل عثمان أمرنا المحاصرين بالكف فإن أبوا قاتلناهم، وإن أمرنا عثمان بالعدل فلم يعدل فإن أبى قاتلناه، فطلبوه أن ينخلع عن أمورهم فإبى وقد اتهموه على دينهم كما قال عمار بن ياسر – رحمه الله -: (أراد أن يغتال ديننا فقتلناه) والمرجوم في الونا مقتول والطاعن في دين المسلمين حلال قتله، قال الله تعالى: (وطنعوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر).
زلة علي في التحكيم: نهى أول مرة عن التحكيم فقال: (إنه كفر)، ثم رجع عوده على بدئه وقال: (من أبى التحكيم فهو كافر)، وقتل أصحاب معاوية وقد دعوه إلى التحكيم حياة عمار، وقتل أهل النهروان وقد نهوه عن التحكيم فقتل منهم أربعة آلاف أواب كما قال ابن عباس: (قتل المحق منهم والمبطل).
زلة طلحة والزبير في نكثهم الصفقة حين بايعا عليا فنكثا، فإن أرادا توبة مما فعلاه بعثمان حيث يقول طلحة: (خذ مني لعثمان حتى يرضى) فقد أخطأ، إنما يرضى الله (1/16)
صفحة 17
تعالى أن لو أقادا من أنقسهما لولي دم عثمان وسلما من نكث الصفقة، وشرعا دين الخوارج دينا فلهما أجور الخوارج أو أوزارها، على أن الخوارج إنما خرجوا على الأئمة الجورة أحرى بهم في الخروج لولا الاستعراض.
زلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حين تأولوا قول الله تعالى (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها.
زلة مولى بني هاشم حين شرع في أولاد المشركين إنهم كفار، وتأول قول الله تعالى في أطفال قوم نوح قال الله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) فأثبت الشرك للأطفال ودخول النار.
وزلة واصل بن عطاء بن عبيد: وذلك أن واصل بن عطاء آتاه الله الفهم والعلم والفصاحة شيئا عظيما غير أن الراء يتعذر على لسانه فصار يتجنبه في كلامه، قال قطرب وأنشدني ضرار بن عمرو قول الشاعر في واصل:
وسئل عثمان البري كيف كان يصنع في الأعداد عشرة وعشرين وأربعين وبالقمر ويوم الأربعاء والشهور وصفر وربيع وجمادى الآخرة ورجب ورمضان؟ فقال: ما لي فيه قول إلا ما قال صفوان:-
ومكث – قالوا – في مجلس الحسن عشرين سنة ما تكلم، وسبق إليه طريق المعتزلة والقدرية وهو إمامهم، وكانت له فراسة في عمرو بن عبيد وطمع في أن لو أصابه على مذهبه أن يكفيه ويشفيه، فاستعمل الحيلة حتى اجتمعا في محفل عظيم فيه المرجئة والسنية والمثبتة وغيرهم، فلما اجتمعوا قالوا لهم: انزعوا لنا آية من القرآن في أول مجلسنا نتبرك بها فاستفتح قارئ وأخذ في أول سورة (لم يكن الذين كفروا) إلى قوله: (البينة، رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة) (1/17)
صفحة 18
حتى أتم (وذلك دين القيمة). فوقف فيها، واستفتح واصل الكلام وحمد الله تعالى وأثنى عليه فقال: (إن الله تعالى أنزل كتابه وبين فيه مراده فرد هذا عليه) وأشار إلى المرجي بعد قول الله تعالى: (وذلك دين القيمة) فقال هذا: (بل الدين أن تقول لا إله إلا الله ولو لم تلتبس بشيء من الأعمال الصالحات ولم تدع شيئا من الأعمال الطالحات). فالتفت إلى المثبتة فقال: (وهذا الذي قال إن ليس لنا حظ في الأعمال والأفعال وأشار أن الله تعالى جبرنا إلى أفعالنا بعد ما قال الله تعالى: (أولئك هم شر البرية) فكانوا هم شر البرية بفعل غيرهم، ثم قال في المؤمنين (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) إلى آخر السورة، فأثبت هؤلاء أن ليس لهم في الأفعال شيء إنما فعل بهم ورضي عنهم بما لم يفعلوا) وأخذ ذلك بمسامع عمرو بن عبيد وانتصب لمذهب القدرية فلم يقم له أحد فزل زلة عظيمة، ووددت أن لو حضرها النكار أن يعرض بهم في قولهم في الرضى والسخط والولاية والعداوة والحب والبغض.
وزلة السنية أيضا في خلق القرآن على يد شاكر الديصاني، وذلك أنه جاء إلى البصرة من أرض فارس، فتأمل حلق البصرة من المسلمين فيها فظهر له من علومهم وحلومهم وحذقهم شيء فاق الوصف، فأراد أن يلقنهم من البدعة ما يحول بينهم وبين دينهم، فتأمل الحلق كلها فلما يجد حلقة أرق قلوبا وأضعف نفوسا من حلقة أصحاب الحديث، فجاءهم فقال لهم: (يا قوم إني رجل من هؤلاء العجم دخل الإسلام في قلبي فجئت من بلادي إليكم فتأملت فلم أر حلقة يذكر فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كثيرا إلا حلقتكم فأتيتكم يا إخواني، فانظروا لنا كيف نعتزل هؤلاء القوم ونكون في ناحية من نواحي المسجد بمعزل وننتبذ عنهم ناحية حتى لا نسمع كلامهم ولا يقرع أسماعنا خطابهم، فقال القوم: (صدق، ونظروا إليه كلما ذكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شهق وبكى وحن وشكا، واستعمل الورع والوقار والبكاء والحنين حتى أخذ بقلوبهم، فلم يزل كذلك إلى أن تغيب عنهم بعض المدة فسألوا عنه فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض: (قوموا بنا إلى الرجل ولعله مريض فنعوده فإن كان مريضا عدناه أو محتاجا واسيناه) (1/18)
صفحة 19
فوصلوا إليه فوجدوه قد انحجر في قعر بيته ليس له فترة من البكاء، فقالوا له: (مالك؟) فقال: (دعوني لما بي، قد وقعنا فيما حذرتكم عنه أول مرة) فقالوا له: (ما ذلك؟) فقال: (إني أتيت إلى حلقة حماد بن أبي حنيفة إذ جاءه رجل فقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: وما عسى أن أقول في القرآن؟ فقال له الرجل: هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ فقال حماد بن أبي حنيفة: وما في هذا من العجب القرآن مخلوق.
فعمد يا إخوتي إلى كلام الله ونوره وضيائه الذي خرج منه وإليه يعود فجعله مخلوقا، فعظمت مصيبتي يا إخوتي في القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي خرج منه وإليه يعود، فأي مصيبة أعظم من هذه، فجعله مخلوقا وأي بلية أعظم منها، فكأن الله قبل خلقه كان غير عالم وغير متكلم يصفه بصفات العجز والحدث والحاجة والخلق، فجئتكم يا إخوتي اشكوا إلى الله تعالى وإليكم هذه المصيبة العظيمة والبلية الفادحة، ولقد أمرتكم يا إخوتي قبل هذا أن اعتزل مجالسهم حتى لا نسمع كلامهم وننتبذ ناحية في المسجد) فاستجاب القوم بالبكاء من كل ناحية، فقال بعضهم لبعض: (قد وجب علينا جهاد هؤلاء القوم، ولنرجع إلى ما كنا عنه ننهى أول مرة وقد حوجونا إلى ذلك).وقال بعضهم: (إنما اعتزلناه مخافة أن نقع فيما وقعوا فيه وكي نحيي سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأما إذا أبيتم فلا حاجة لنا إليكم) فتبرأ الفريقان بعضهم من بعض، وعمد الذين أرادوا منابذة القوم فقالوا: (لابد لنا من مخالطتهم) وغرضهم أن يقتبسوا من مناظرتهم وحيلهم في جدالهم فيرجعوا بما عليهم ويحاجوهم، فذهب بعضهم إلى المتكلمين فكان آخر العهد بهم، وبعضهم إلى القدرية فذهبوا بهم، وبعضهم إلى حلقة حماد بن أبي حنيفة فتفرقوا على الحلق ومكثوا فيها برهة، وذهب كل فرقة بمن صار إليها وحصل عندها، فاختلفوا آخر الأبد، ولم يجتمع منهم أحد مع صاحبه إلا ما كان من أبي الحسن الأشعري وهو الذي عقب وصار إمام الأشعرية، ثم أبو بكر بن الطيب بعده – وهو الباقلاني – فوقعوا في تشبيه الباري سبحانه خلافا للأفراق وانتكسوا إلى يوم التلاق.
ومنها زلة الزهري وهو أول من افتتح من الفقهاء أبواب الأمراء (1/19)
صفحة 20
وخدمتهم ومؤانستهم وصار وزيرا لأرذل هذه الأمة من الملوك الوليد بن عبد الملك بن مروان، وأخذ عليه الفقهاء في ذلك فكتب إليه عشرون ومائة من الفقهاء يؤنبونه ويعيرونه بما فعل، منهم: جابر بن زيد – رحمه الله – ووهب بن منبه وأبو حازم الفقيه فقيه المدينة، في أمثالهم، وقد وقفت على كتب هؤلاء الثلاثة إليه، فسن للفقهاء مخالطة الملوك وملابساتهم حتى آنسوهم وأزالوا وحشتهم إلى ارتكاب المعاصي، ونسوا ما ذكروا به من قبل من قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((لا تزال أمتي بخير ما تباينوا، فإذا استووا هلكوا رغبة فيما في أيدي الملوك من عرض الدنيا)). وصارت عطايا الملوك رشوة بعد ما كانت حقا واجبا لهم، فحرموا جميع من لم يخالطهم ولم يخدمهم ولم يلم بهم، فحرمت الفقهاء منابذة السلاطين الجورة والخروج عليهم ومحاربتهم وقتالهم والرد عليهم إلى اليوم تسويغا من الزهري بما فعل واستيثارا بعطاياهم.
وآفة أخرى: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((سيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان قبلي فما آتاكم عني من حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني)) وهذه الآفة منها معاش أهل الحوانيت يأخذ أحدهم ورقتين من كاغد أو ثلاثا يستخرق فيما لم يسمعه قط من الأحاديث فيعزيه إلى رسول الله عليه السلام وإلى الصحابة فيتعيش بها ويبيعها للجهلة ويشترونها لأولادهم يحسبونها علما، في أمثالها كثيرا.
وآفة الرهبانية المبتدعة: وأكثر ما تقع في العباد والزهاد يحملون على أنفسهم مشقة العبادة ويرون ذلك حقا واجبا عليهم ولا يرضون بالدون، حسب زعمهم، فأحدثوا في الصلاة والزكاة ما ليس منهما، وفي سائر العبادات، حتى قطعوا بالعامة وشرعوا لها خلاف الحنفية السهلة السمحة فتورطوا.
وآفة أخرى تصيب الظروف: ظروف الزمان وظروف المكان و الأصحاب والأتراب والجيران والأهوية والأغذية والصنائع والطبائع وفتور الأنفس لطول الفترة.
نصيب ظروف الزمان في آفة الدين: فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((أمتي على خمس طبقات الطبقة الأولى: أهل علم وهدى، والطبقة الثانية: أهل بر وتقى (1/20)
صفحة 21
، والطبقة الثالثة: أهل تواصل وتراحم، والطبقة الرابعة: أهل تدابر وتنافر، والطبقة الخامسة: أهل هرج ومرج)) ومراد رسول الله عليه السلام في الأزمان بذكر الطبقة الأولى أهل عصره كما قال: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم يحبون السمن تسبق يمين أحدهم شهادته)) فقال: خير القرون قرني: وهم الذين قال فيهم: أهل علم وهدى، ثم قال: ثم الذين يلونهم وهم أهل بر وتقوى، ثم قال: ثم الذين يلونهم وهم أهل تواصل وتراحم، ثم قال: ثم يأتي أقوام يحبون السمن تسبق يمين أحدهم شهادته وهم أهل تدابر وتنافر، فلم يكترث بأهل هرج ومرج.
وإنما صار القرن الأول علم وهدى لأنهم اقتبسوا العلم مما سبق لهم من أمور الدنيا، يفهمون عن النبي عليه السلام الدين تلقينا علما وهدى، وقبلوه يقينا علما وهدى، فكانت علومهم وبصائرهم أقوى من أعمالهم، فمن استقى من عنصر النبوة من ذات نفسه حصل له العلم والهدى بتوفيق الله تعالى وتسديده.
وأما أهل الطبقة الثانية: فإنما صاروا أهل بر تقوى لأنهم نشأوا في الإسلام من حال الصغر فألفوا فعل البر وسبقت إليهم المخاوف التي في الآخرة فغلبت عليهم التقوى.
وأما أهل الطبقة الثالثة: أهل تواصل وتراحم لأنهم غلبت عليهم المسودة الظلمة والملوك الفجرة، فحالوا بينهم وبين ما أفاء الله عليهم من الفيء وخراج الأرض والغنائم والعطايا فأعقبهم التراحم بينهم البين والتواصل بما قدر به بعضهم لبعض.
وأما الطبقة الرابعة: أهل تدابر وتنافر وذلك أنهم استولت عليهم الأئمة الضالة المضلة فلقنوهم الاسم الذي يأتوا به، ولقنوهم بعض أحزابهم في مفارقتهم في بعض مذاهبهم وآرائهم، ولقنوهم أن من لم يكن قويا في دينه ومذهبه فليس منهم على شيء، فوقعت الوحشة بينهم والعداوة والبغضاء فتنافروا وتدابروا وعزا كل واحد منهم لصاحبه مالا يقول، فرجع التدابر والتنافر بينهم البين بعد ما كان بينهم وبين أهل الشرك أعدائهم.
وأما أهل هرج ومرج: فحين فتر الإيمان عن القلوب وقل العلم وكثر الظلم وقست القلوب لطول المدة وفترت لخلو المادة (1/21)
صفحة 22
وانطماس الجادة فهم يتقلبون في قدرة إبليس ولم يرض لهم بدون الهرج والمرج.
والله أعلم بمدد هذه الطبقات وعدد هذه المدات وما وراء ذلك من التعمق في الفنتات التي اضطربت بأفاضل هذه الأمة في الأوقات.
وأما نصيب ظروف المكان في آفات الدين: فكالذي جرى للشيعة والروافض والغالية منهم في تجارتهم مع النصارى في بلاد أرمينيه، فلقنوهم مذاهبهم في عيسى عليه السلام، فقبلته منهم الروافض وذهبت به إلى علي حتى جعلوه إلها، وفي أولاده حتى جعلوهم أنبياء.
وكذلك من جاور أهل البوادي فإن الغالب عليهم الحل والترحال والشقى في اقتناء الأموال والغارات طول الزمان والقتل والقتال.
وأما فتور الأنفس بطول الفترة فحسبك فيه قول الله – عز وجل -: (فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون).
وآفة أخرى: الملوك الجورة الظلمة الذين يحملون الناس لجورهم على غير دين الله تعالى حتى يتخذ الناس طرائقهم وسننهم دينا، ويألفون ذلك ويحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء، كسيرة الوليد بن عبد الملك والحجاج بن يوسف في الجمعة أنهم يؤخرونها إلى آخر النهار، وكسيرة الشيعة الجهلة في رمضان ورجوع الأخ واعتقادهم في الخلفاء فأورثوا ذلك أبنائهم.
وأما الإخوان والأصحاب والأخدان والأتراب فحسبك فيهم قول الله – عز وجل – حيث يقول حكاية عن بعض الكفار: (يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم لأتخذ فلانا خليلا). الآية – وصاحب السوء: (شعرا)
· كذي العريكوي غيره وهو راتع *
ومن وراء هذا كله القدر، والناس يتقلبون في قدره الطالب، ولابد في الإيمان بالقدر خيره وشره. وبالله التوفيق. (1/22)
صفحة 23
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله علىسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ابتداء الدليل. لأهل العقول. لبلغي السبيل. بنور الدليل لتحقيق مذهب الحق. بالبرهان والصدق.
إن سأل سائل فقال (ما الدليل على أن الحق في يدك)
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
ابتداء الدليل. لأهل العقول. لباغي السبيل. بنور الدليل لتحقيق مذهب الحق. بالبرهان والصدق.
إن سأل فقال: ما الدليل على أن الحق في يدك دون غيرك وغيرك يدعي مثل ما تدعي؟ فأقول وبالله التوفيق: إن الحق في يدي ومعي اقتبسته من كتاب الله – عز وجل – وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والإجماع وآثار الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين ومن دليل العقل والحس والقياس والحدس. فإن قال قائل: إن كان ما قلت حقا فقدم مرآتك واظهر برهانك ولابد للبيان من التبيان وللبرهان من سلطان، فأقول والله الموفق للصواب وبه الحول والتوفيق: إن الناس المختلفة ضروب وأفانين وشعوب. فضروب أهل الدهر بأصنافهم وأهل الأوثان بأفنانهم، والثاني المجوس وأهل الكتابين، والثالث أغوياء القرآن.
فأما أهل الدهر وأهل الأوثان، فأهل الأوثان جهلة وضعفة، وأهل الدهر والأزمان ضعفه، فأهل الدهر لهم كالرجال للنسوان، وبيننا وبينهم خصلتان: وهما الحدث والمحدث، فمهما أقمنا البرهان عليهما انتقضت جميع مذاهبهم وبطلت حججهم، ولنا الحد على الحدث في كتاب الله – عز وجل – آيات وإن كانوا لا يقرأون الكتاب، وفي معنى الآية إثبات الحدث حسا وعقلا وهي قول الله – عز وجل -: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار – إلى قوله – لآيات لقوم يعقلون).
فإن قال قائل: فما وجه الدليل؟ قلنا: الآية تقتضي الحدوث حسا وعقلا بقوله: (إن في خلق السموات والأرض) وإنما تدرك خلقتهما بالمشاهدة أو بالعقل فقد عقب الله تعالى بذكر اختلاف الليل والنهار لأن اختلافهما يدرك بالحس، فمجيء هذا مرور هذا حسا، وذكر جريان الفلك لحدوث المنافع ونزول ماء السماء بعد إن لم ينزل لحياة الأرض بعد موتها وظهور النبات والزهر والورق والثمر (1/23)
صفحة 24
بعد أن لم يكن، وبث فيها من كل دابة أمر ظاهر في نسل الحيوان معدوم في الموتان، وتصريف الرياح في الجهات والسحاب المسخر بين السماء والأرض أحيانا في الأوقات على اختلاف الصفات، فالحدوث ظاهر بالحس ضرورة فمن أنكره أنكر الضروريات الحسية، فإذا ثبت الحدوث ثبت المحدث واقتضاه عقلا.
واعلم أن جميع ما خاطب الرب تعالى به المشركين في القرآن – الذين لا يقرون بالقرآن ولا النبوة – من الأمور العقلية، لأن الأمور العقلية ضرورية فمن أنكر الأمور الضرورة كابر وتجنن، وفي القرآن تنبيه على ما قلنا قوله – عز وجل –: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود) إلى قوله – (أفي الله شك فاطر السموات والأرض). فأثبت الأنبياء عليهم السلام انتفاء الشك في المحدث الفاطر عمن انتفى عنه الشك في الفطور وهو الذي يقتضيه العقل وإليه الإشارة بالآية الأولى في قوله: (والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون). وحدوث المدينة في الموضع الذي لم تكن فيه لمن جاز عليه قاعا صفصفا فرجع فوجدها مدينة عجيبة البيان مزينة الحدثان لها شأن من الشأن تحار في صناعتها العينان فدلت على محدثها عقلا، فمن امتنع من هذا تسفسط ولم يفطن وصار ألنا ولم يبرهن، وانتقل من الدرجة العليا إلى الدرجة السفلى وخرج من حيز العقلاء إلى حيز الأنعام، بل هم أضل سبيلا وأجهل جهيلا.
وأما المجوس وأهل الكتابين المذلة في الخافقين: فحسبهم معجزات الرسول من المشرقين إلى المغربين والدلالة عليهم وإبطال مذاهبهم إثبات النبوءة نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم)، والدليل على نبوته تسع آيات معجزات للخليقة أن يأتوا بمثلها، ظاهرة التصديق لمن أتى بها، فثلاث في ذاته وثلاث في كتابه وثلاث في أمته، أما الثلاث التي في ذاته: فهدي منقول وصدق مقبول وغيب مبذول، وأما الثلاث التي في كتابه: فتأليف عجيب وتعريف أخبار القرون الذهوب وتوقيف على أسرار الغيوب، وأما الثلاث التي في أمته: فرجوع العد والتباين ونزول البركات والخزائن وافتتاح البلاد والمدائن، ومن وراء ذلك الدلالة على نبوته من علم أهل الكتاب وهي ثلاثة أحدها: أن ذكر في التوراة (1/24)
صفحة 25
والإنجيل والزبور وكتب أشيعا وغيرها، والثانية: توقعهم لمبعثه في الجاهلية في الوقت الذي بعث فيه وموضعه ونصوا على زمانه وحينه فصدقوا وصدقهم بكون ذلك، والثالثة: مرور الفترة والفتر عليه لا يزيد الإسلام إلا قوة ولا الدين إلا ظهورا ولا الدنيا إلا توليا قال الله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم). الآية، إلا أن رجوا رسولا يبعث منهم قبل الساعة، ولعمري إنه لمذهب بعضهم لا تقوم الساعة حتى يرجع موسى ويحيى بعد موته ويرى ما وعد الله في الدنيا قبل الآخرة، وقال في التوراة: (لا يطول أمد الكذب) فإن قيل فما وجه الدليل في هذه التسع آيات المعجزات؟ قيل له: أما الهدي المنقول فإطباق المشركين والمسلمين وأعدائه وأوليائه أجمعين أنه لم يكن في زمانه من يدانيه في خصلة من خصال الخير ولا يساويه، قد اجتمعت له الخصال كلها من العلم والحلم والسخاء والكرم والصدق والنجدة واليمن والبركة في السريرة والعلانية، وقد فاق في كل خصلة وجمعت له كلها ولم تجتمع لأحد في زمانه.
وأما الصدق المقبول: فقد جمع الله له القلوب والنفوس على الإقرار بالصدق في الجاهلية والإسلام حتى سمي الأمين في الجاهلية فاعترفوا له بهذا الاسم بعد العداوة والبغضاء والشنآن وبذل الأموال في القدح فيه، وأما الغيب المبذول: فأقله حكايته عن ربه ما وعده من النصر والتمكين وظهوره على جميع الدين فأتم الباري سبحانه جميع ذلك في حياته وأسعفه بعد فوته، ولا يليق بالعليم الحكيم أن يحقق صدق الكاذب عليه ولاسيما بعد موته.
وأما الثلاث التي في كتابه فهي ظاهرة ضرورة قد تحدى بها في حياته فأعجز، وأسعفه الباري سبحانه بعد موته فأنجز، هو التأليف الذي أعجز به الخليقة وأظهره عليه بالحقيقة، الثانية: تعريف أخبار القرون الذهوب: فجاءت على وفق أهلها ولن يقدر أحد أن يحيط علما بأخبار أقطار البلاد في زمانه فكيف بسائر الدنيا، ولم يأخذ أحد عليه فيها بعد ما ملأ الدنيا أخبارا وأسرارا ولا خبر أعظم من إخباره عن أسرار أهل زمانه، فأطبقوا على أصابته وليس من طبع الخليقة أن يسالموه ويطبقوا وقد وقفوا على كذبه وهم يبذلون الأموال على ذلك والنفوس، (1/25)
صفحة 26
وأما الثالثة: يجدد حلاوة في قواء (1) حبها لا يخلق بكثرة الرد ولا يكل ولا تعد بحوره في استخراج الفوائد منه والعلل، ولا تخفه الأسماع ولا تنفر منه الطباع.
وأما الثلاث التي في أمته: فرجوع العدو المباين المناصب الذي يطالبه بالثأر في الأهل والأموال والديار، فانعكس ذلك كله وصار حبا وبذلوا النفوس والأموال دونه عنه ذبا، ابتغاء الوسيلة إليه والفضيلة عنده، اختيارا لا قهرا ولا اضطرارا، فسبحان مقلب القلوب علام الغيوب. وأما نزول البركات والخزائن
فظاهر حين جمعت له الدنيا بحذافيرها وجادت ببذورها ودرت بضروعها، فأينعت ثمارها وأبهجت أشجارها لقوم كانوا بداة جفاة أشبه شيء ببهائمهم، فرجعوا ذوي أخطار ملوكا ذوي اقتدار لما تملكوا الدنيا من الخافقين إلى الخافقين، من وراء هذه الخزائن الفتق، وقد نبه عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قال: ((ماذا أنزل هذه الليلة من الخزائن الفتق ايقظوا صواحب الحجرات)) يريد نساءه فكان ما قاله حقا (صلى الله عليه وسلم).
وأما فتوحات القرى والمدائن فأمر ظاهر قد تجلى للعيان، واعلم أن الله تعالى وهب لمحمد عليه السلام ما لم يهبه لنبي قبله ولا ملك، وذلك أن بني إسرائيل امتن الله عليهم بان وعدهم افتتاح القدس ومدائن الشام، واستطالت به بنو إسرائيل على جميع الأنبياء والأمم التي قبلهم، فكان ذلك كذلك، ولم يصح مع ذلك مدائن الشام كلها، وأفضل الشام فلسطين هو لأولاد كنعان (2) والدروب للروم، ألا ترى قول الله تعالى لداود حين قال له: (أخرج أولاد كنعان من أرض فلسطين فإنهم لا يطيعون نبيا منهم ولا من غيرهم فهم للأرض كالجدري للوجه) ففتح الله تعالى لمحمد عليه السلام الشام كله فلسطين ودروبه وجزيرة العرب بأسرها والجزيرة جزيرة بني عمر إلى الجودي إلى ما وراء ذلك، والعراق والبحرين وعمان واليمن قاطبة والحساء وهجر والمشقر وأرض فارس والماهات وهمدان وحلوان والري وأرمينيه وخرسان ومن وراء ذلك الصين وإلى سمرقند وبخارى والترمذ إلى سد يأجوج و مأجوج، ومن ناحية السند والهند كرمان ومكران وسجستان وغزنة والتبت، ومن المغرب مصر وأفريقية والأندلس وبعد الخمسمائة من الهجرة فتح الله عليه بلاد السودان (1/26)
صفحة 27
جوجو وغانة إلى الجزائر الخالدات، فهو ملك الأرض من فرغانة إلى غانة.
فإن قال قائل: ما الدليل على أن ولاية أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – صواب وأن ولايته حق عند الله تعالى؟ فنقول أما من كتاب الله – عز وجل – فقوله: (وما محمد إلا رسول) إلى قوله: (وسيجزي الله الشاكرين) وأبو بكر – رضي الله عنه – إمام الشاكرين، وقال الله تعالى في المنافقين حين منعهم الجهاد مع نبيه عليه السلام حين تخلفوا عنه في زمن الحديبية: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون) إلى قوله: (يعذبكم عذابا أليما) فتوعدهم الله تعالى أن تخلفوا بعد ما كانوا خلف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخليفته من بعده، والمأموم المطيع الفائز بطاعته لإمامه دليل على أن الإمام محق يدعو إلى الهدى وقول الله سبحانه: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض – إلى قوله – فأولئك هم الفاسقون) فلما استخلف أبو بكر – رضي الله عنه – أنجز الله له وعده فثبت أن أبا بكر مؤمن وقد عمل الصالحات ومكنه الله بعد ذلك دينه الذي ارتضى له، وبدل له الأمن من بعد الخوف فصار إلى العبادة وإدحاض الشرك، ومن كفر بعد ذلك من لم يسلك سبيل أبي بكر وخاف بعد الأمان، اضطهد في قعر داره والدنيا أمان واستغاث ولم يغث فأولئك هم الفاسقون. ودليل آخر على تصويب ولايته من السنة أن قدمه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على عماد الدين وهي الصلاة وجعله إمام المتقين والغير مأموم ومن خالفه ملوم، كما قال علي بن أبي طالب: (رضيك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لديننا ورضيناك لدنيانا).وقد قال رسول الله عليه السلام: ((اقتدوا بالذين من بعدي)) فلم يكن من بعده إلا أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما -.
ومن رأى المسلمين في الإجماع إطباق الصحابة عليه، ورجوع المنافقين إليه وإطلاق الاسم: أنه خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وحسبه اسمه عند الله الصديق الأكبر، وثاني اثنين إذ هما في الغار. (1/27)
صفحة 28
والدليل على ولاية عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – انبناؤها على الأصل الصحيح، وله شركة مع أبي بكر الصديق في جميع دولته من القرآن والسنة والإجماع نسقا بنسق.
والدليل على ولاية عثمان بن عفان ظن فولايته حق لانطباق أهل الشورى عليه، وعزله وخلعه وقتله حق لانتهاكه الحرم الأربع:-
أولاها: استعمال الخونة الفجرة على الأمانة التي عرضها الله تعالى على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها – إلى قوله – جهولا.
والثانية: ضربه الأبشار وهتكه الأستار من الصحابة الأخيار إن أمروه بالمعروف ونهوه عن المنكر كأبي ذر وابن مسعود وعمار بن ياسر وابن حنبل (2).
والثالثة: تبذيره الأموال وإسرافه فيها، فمنعها الأخيار وجاد بها للأشرار، قال الله تعالى: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين).
فحرم العطايا لأهل العطايا فجاد بها على اللعين وأبنائه الملاعين، وأعطى ابن الطريد مروان بن الحكم خمس أفريقية: ستمائة ألف دينار، تكاد تقوت نصف مساكين هذه الأمة.
الرابعة: حين ظهرت خيانته فاتهموه على دينهم، فطلبوه أن ينخلع فأبى وامتنع، فانتهكوا منه الحرم الأربع: حرمة الأمانة، وجرمة الصحبة، وحرمة الشهر الحرام، وحرمة الإسلام حين انخلع من حرمة هذه الحرم، إذ لا يعيذ الإسلام باغيا، ولا الإمامة خائنا، ولا الشهر الحرام فاسقا، ولا الصحبة مرتدا (3) على عقبه.
وأما علي بن أبي طالب، فإن ولايته حق عند الله تعالى، وكانت على أيدي الصحابة وبقية الشورى، ثم قاتل طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها (1/28)
صفحة 29
– فقتاله حق عند الله تعالى، لشقهم العصا عصا الأمة، ونكثهم الصفقة، فسفكوا الدماء، وأظهروا الفساد، فحل لعلي قتالهم، وحرم الله عليهم الجنة، فكانت عاقبتهم إلى النار والبوار، إلا ما كان من أم المؤمين التائبة، فمن تاب تاب الله عليه.
وأما معاوية ووزيره عمرو بن العاص فهما على ضلالة، لانتحالهما ما ليس لهما بحال، ومن حارب المهاجرين والأنصار فرقت بينهما الدار وصارا من أهل النار.
وأما علي فقد حكم بأن من حكم فهو كافر، ثم رجع على عقبيه وقال: (من لم يرض بالحكومة كافر). فقاتل من رضي الحكومة وقتله، وقاتل من أنكر الحكومة وقتله، وقتل أربعة آلاف أواب من الصحابة، واعتذر فقال: (إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم) فقد قال الله – عز وجل – فيمن قتل مؤمنا واحدا: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) إلى قوله: (عذابا عظيما) فحرمه الله – من سوء بخته – الحرمين، وعوضه دار الفتنة العراقين، فسلم أهل الشرك من بأسه، وتورط في أهل الإسلام بنفسه.
وأما أغوياء القرآن فهم سبعة أفخاذ، تحصرهم القسمة فر ثلاث وسبعين فرقة، كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية، إن قصرهم على الموحدة، وأما إن أراد كل أمة فهم إلى السبعمائة أقرب وإليها أذهب. والموحدة سبعة أفخاذ وهم: القدرية والمرجئة والمارقة والأباضية والشيعة والمشبهة والمجسمة. فنص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ثلاث منها لا مطمع فيها فكفينا المؤنة.
وطائفتان ظاهر فحشهما وفحش ما جاءتا به عند كل أحد يعقل، لا يحتاج إلى التنبيه إلى سوء ما أتوا به. وبقي فخذان في إحداهما الحق (2)، والأخرى لاحقة بأصحابها الأولى وقد تلبسوا بالدين قليلا وهم: السنية ولحقوا بإخوانهم المرجئة في الحال والمجال والمآل. (1/29)
صفحة 30
ولنرجع إلى التنبيه على سوء مذاهبهم وزيغهم عن الحق. والله الموفق للصواب
أما القدرية: فزعموا أن أفعالهم خلق لهم لم يخلقها الله، فلله خلق ولهم خلق بعد قول الله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) وقالوا هم أيضا: لنا الخلق والأمر، وإن شئتم والنهي. قال الله – عز وجل -: (هل من خالق غير الله) .. فأفحم به المشركين.
وقالت القدرية: بل نحن الخالقون لأفعالنا، لبسوا بقول الله – عز وجل -: (أتخلقون إفكا) وقوله (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني). فمن له الاسم والفعل أولى ممن استعير له الفعل، وإن ربك هو خلقه العليم، فناهبوا الله تعالى في خلقه ونازعوه في اسمه، وذهبوا ببعض خلقه بل بأفضله الإيمان والتوحيد، وجعلوا له شركاء فيما آتاهم، فتعالى عما يشركون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حسبهم قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لهم ولإخوانهم المرجئة: ((القدرية مجوس هذه الأمة)) لادعائهم الخروج من النار كقول اليهود (لن تمسنا النار إلا أياما معدودات) وقوله: ((لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا: القدرية والمرجئة)).
وأما المرجئة فزعموا أن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وأنه المأمور به وما سواه فليس بإيمان، وأن جميع ما أمر الله تعالى من طاعته ليس بإيمان وجميع ما توعد الله تعالى عليه العقاب من الأعمال ليس بكفر. فحلوا عرى الإسلام، وأبطلوا فائدة الحلال والحرام، وأرضوا الله بقول: لا إله إلا الله، ولو طمسوه بالآثام، (1/30)
صفحة 31
وأبطلوا فائدة قول الله – عز وجل -: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتون) فسبقهم وعيد الله قبل أن يكونوا، فتسارعوا إلى فعله بعد ما كانوا، ثم قال: (ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) فرضوا بأحد القسمين أن يكونوا من الكاذبين، دون أن يكونوا بالأعمال الصالحات من الصادقين، فلهذا لعنهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع سبعين نبيا قبله، أوهنوا دعوة الأنبياء عليهم السلام إلى الله – عز وجل -، وفتروا العباد من الأعمال الصالحات، فجعلهم يهود هذه الأمة الذين قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة.
(الآبدين، كأن قول الله – عز وجل – عندهم سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء والحيوان خيالا والسكران خبالا، وسوغوا في عذاب الله – عز وجل – ووعيده الكذب بعد ما قال: (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد، ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) قالوا ذهب الوعيد في البيد. أقبح بهم من عبيد.
وأما المارقة: فأنهم زعموا أن من عصى الله تعالى ولو في صغير من الذنوب وكبير أشرك بالله العظيم. وتأولوا قوله تعالى: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) فقضوا بالاسم على جميع من عصى الله – عز وجل – إنه مشرك، وعقبوا بالأحكام، فاستحلوا قتل الرجال وأخذ الأموال والسبي للعيال، (1/31)
صفحة 32
فحسبهم قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إن ناسا من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فتنظر في النصل فلا ترى شيئا، وتنظر في القدح فلا ترى شيئا، وتتمارى في الفوق)) فليس في أمة أحمد (صلى الله عليه وسلم) أشبه شيء بهذه الرواية منهم، لأنهم عكسوا الشريعة، قلبوها ظهرا لباطن، وبدلوا الأسماء والأحكام لأن المسلمين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعصون ولا تجرى عليهم أحكام المشركين.
فليت شعري فيمن نزلت الحدود في المسلمين أو في المشركين، فأبطلوا الرجم والجلد والقطع، كأنهم ليسوا من أمة أحمد عليه السلام، احولت أعينهم فنظروا في المعنى الذي أمر الله به المسلمين أن يستعملوه في المشركين من جهاد العدو والجد في محاربتهم، فاستعملوه هم في المسلمين.
فهذه الأفخاذ الثلاث هي التي نص عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وأما الشيعة الجهلة روافضهم وغاليتهم فأنهم قدحوا في الإسلام والنبوة والألوهية.
فزعم بعضهم أن عليا إمام مطاع لا يأمر بشيء إلا كفر تاركه، فجاوزوا بمعصية الله – عز وجل – حكم الله في نفسه وأن في معصيته ما ليس بكفر.
وبعضهم يقول: نبي. فأبطلوا قول الله – عز وجل – في محمد خاتم النبيين حيث يقول: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين).
وبعضهم يقول: إن ذرية علي أهل الجنة، وليس عليهم من الإسلام ولا من شرائعه شيء.
وبعضهم يقول: إن الشيعة كلها ليس عليهم من عمل الشرائع شيء إلا من لم يبلغ في حقيقة الإيمان بعلي وذريته، فتلزمه الفرائض عقوبة له حتى يستبصر ويحقق فتسقط عنه الفرائض، (1/32)
صفحة 33
واستدلوا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين أباح الله له تزوج تسع نسوة، فلما بالغ في الإسلام أباح له كل امرأة مؤمنة وهبت له نفسها، فليس عليه جناح، قال الله – عز وجل -: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) إلى قوله: (لكي لا يكون عليك حرج). فالإتزار حرام والاتفاق حلال.
وبعضهم يقول: إن عليا حي بجبال رضوى (1) الأسد عن يمنه والنمر عن شماله ولابد أن يسوق العرب بعصوين.
وبعضهم يقول: لا إله إلا الله (2)، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وليس فيهم طائفة أشبه بالناس قليلا إلا الزيدية والحسينية وقد وافقوا جميع المسلمين فيما يقولونه، إلا في التحكيم الذي صاغوه لعلي وقد قتل من قال به، ومن أنكره فجع في قتاله بين المحق والمبطل.
ولعلي تخليط دون شيعته في قوله: (إن كل مجتهد مصيب) فهدر دم عثمان وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو وعذر نفسه وعذر أهل النهروان ولم يعذروه.
ففي فحش مذهب الشيعة ما يغني عن الرد عليهم.
وأما المشبهة فحسبهم القدح في إلههم ورجوعهم إلى شبه الأوثان التي تعبد آباؤهم من قبل، إن مذاهبهم في جميع ما أخبر الرب عن نفسه مثل اعتقادهم في أنفسهم من الجوارح والآلات.
فذهبوا بقول: (يد الله فوق أيديهم) إلى الجارحة.
وفي الوجه إلى الوجوه حيث يقول: (كل شيء هالك إلا وجهه).
وفي الجنب إلى جنوبهم حيث يقول: (يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله). (1/33)
صفحة 34
وفي العين إلى عيونهم حيث يقول: (تجري بأعيننا).
وفي الساق إلى سوقهم حيث يقول: (والتفت الساق بالساق).
وفي اليمين إلى أيمانهم حيث يقول: (لأخذنا منه باليمين).
وفي الاستواء إلى استوائهم حيث يقول: (على العرش استوى).وفي أمثالها.
وجاوز بعضهم إلى أن جعلوه جسما محدودا متنقلا من مكان إلى مكان ويركب الحمار الأقمر ويخرق الحجب لفصل القضاء يوم إلفة القضاء.
وبعضهم يقول: على صورة الإنسان. وربما يختلف معهم الأحيان ولا يعرف، تعالى عما يقولون علوا كبيرا.
وهم صنفان: من ذهب إلى ما قلنا صراحا واعتقد أن من نفى عن الله – عز وجل – هذا التشبيه فقد أبطله.
وصنف يتوقفون ولا يصرحون بهذه المعاني ولا بخلافها، فيمتنعون من مذهب المسلمين الذين صرفوا هذه المعاني إلى ما يليق بالباري – سبحانه – وموجود في لغة العرب، أن اليد: النعمة والقدرة. والوجه: ذاته. واليمين: القدرة والقوة. والجنب: الكنف. والساق: الشدة. وفي أمثال هذه. ولم يصرحوا بالمعنى المكروه.
والأولون قد ردوا على الله – عز وجل – قوله: (ليس كمثله شيء) فالأولون مشركون، والآخرون تجاهلوا فهم جاهلون.
وفحش مذهبهم أيضا يغني عن الرد عليهم كإخوانهم.
وأما السنية فأنهم صغوا إلى إخوانهم المرجئة في الوعد الوعيد، ومذهبهم في الفتنة يؤول إلى العمى، واستواء الأرض والسماء، والمحق والمبطل سواء، مذهب قادة الهوى فأورده الردى. (1/34)
صفحة 35
وكذلك قولهم في خلق القرآن كقول الأشعرية في خلقه.
وقولهم في الأسماء والصفات وخروج أهل النار من النار وقد تقدم الرد عليهم.
ذكر النكار ومسائلهم التي زاغوا بها
وأما النكار فجاهلهم عالم وعالمهم ظالم، ولهم مسائل في الأسماء والصفات والإمام والوقوف والحجة والسماع والمتبرجة، وإنما انقطع عذرهم في مخالفة الإمام العدل السامي الفضل والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وليس في مسائلهم مسألة معنوية إلا المغالطة في الألفاظ، واللفظ قشر والمعنى لباب. وليس في جميع المذاهب أقرب منهم إلينا ولا أبعد منهم عنا ضغنا واستكبارا وجهلا وإنكارا، صدق الله – عز وجل -: (قلوبهم منكرة وهم مستكبرون).
فأول مسائلهم في الأسماء والصفات، فذهبوا إلى أسماء الله – عز وجل – وصفاته إلى الألفاظ وذهبنا إلى المعاني، فاللباب أفضل من القشر، فلو كانت الأسماء هي الألفاظ، لما كان لله تعالى فيها مدحة ولا ثناء ولا عظمة، كما أنه لو كانت الصفات هي الألفاظ لكانت كذلك.
فمهما قلنا: الله عالم. اقتضى قولنا الوصف دون الصفة، والمعنى الصفة دون الوصف، والوصف منسوب إلينا وهو من أفعالنا والصفة منسوبة إلى ذات الباري سبحانه، إذ لا تجري التجزئة عليه، فتلبس الأمر عليهم، ولم يحسنوا التفرقة بين الوصف والصفة كما قدمنا،
والوصف يتعلق باللسان والصفة بالذات، ومن ذلك قولك: أعطيت إعطاء، وأعطيت عطية. (1/35)
صفحة 36
فالإعطاء: فعل المعطى، والعطية هاهنا: المعنى المعطى.
وكذلك قولهم في الولاية والعداوة والحب والبغض والرضى والسخط:
اقتصروا فيه على ما أبصروا بأبصارهم، ولم يتجاوزوه إلى بصائرهم.
وكذلك قولهم في تشريك المشبهة، فإن اقتصرت المشبهة على اللفظ دون المعنى، اقتصروا على الشرك، ووسعهم إن لم يستبصروا، فإن استبصروا في اللفظ دون المعنى خابوا وخسروا، وإن استبصروا في المعنى أشركوا بالله العظيم فلم تغن عنهم الآيات ولا الذكر الحكيم.
وأما قولهم في حجة الله لا تقوم إلا بسماع، وقد سمعها الناس كلهم. وربما سمعوا هم ولم يسمع الناس.
وأما المتبرجة: فإن جهلوا كفرها ولم يبيحوا لها فعلها عذرناهم، وقدما قالوا في النامصة والمتنمصة والواشرة والمتوشرة والنائحة والمستمعه والمتفلجات للحسن في عشر لعنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وأثبتوا اللعنة وامتنعوا من التكفير والتفسيق.
وليتهم لم يعرفوا الكفر في الأفعال إلا من جهة المتبرجة مثلها، ولا تجاهلوا عن الكل، وليتهم فعلوا. وفي المتبرجة منافع فلعل بعضها صغير.
وأما مخالفة الإمام – رضي الله عنه -، فسبيل ذلك سبيل سلفهم الماضي في صحابة رسول الله عليه السلام في الزبير وطلحة ولهم فيهما أسوة حسنة أو سيئة بين بين، جمع الله بينهم وبينهما في دار القرار.
فإن قال قائل: أراك قد أثبت على كل فرقة خطأها وضلالها وأنت بخلافها، واستدللت بذلك أنك على حق حين خالفت الباطل، فما تنكر أن يكون القولان سائغين جميعا، فهذا مأجور وهذا معذور، وهذا مصيب وهذا (1/36)
صفحة 37
قريب، والخطأ والصواب محمولان عن هذه الأمة في أكثر علومها، ووسعهم ذلك.
قلنا: لسنا ننكر ذلك، ما لم يقع التدين، وقطع العذر، وهو البغي الذي ذكره الله – عز وجل – ومصادمة القرآن بغير أفعالها والرأي والإجماع.
واعلم أن اجتهاد الرأي سائغ لهذه الأمة وله أمكنة، أمكنة أولها: في جميع النوازل التي تنزل على العباد، مما ليس لهم عهد من كتاب الله – عز وجل – ولا سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فيسرع لهم الاجتهاد بين مخطىء ومصيب. والكل محمول عنهم.
الثاني مذاهبهم في التفسير – تفسير القرآن وسنة رسول الله عليه السلام، فهذا كالأول سائغ لهم كلما ذهبوا إليه على الشرط المتقدم.
والثالث: معنى أباح الله لهم القول فيه، فإن أصابوا لم يؤجروا وإن أخطأوا لم يوزروا، وكلامهم على قدر عقولهم وآرائهم ليس عليهم فيه نظر، كالقول في العرش والحملة والحفظة والسموات والكواكب والنجوم والشمس والقمر والدراري والآثار العلوية: كالسماء والمطر، والنبات والزهر والجن والإنس. هذا بشريطة كله أن يقع للمتكلم فيما لا يتعلق به الشرع، وإليك بفن واحد تستدل على ما عداه.
قالوا في الحفظة: اثنان وأربعة وستة وثمانية وعشرة وعشرون ونيف وثلاثون ومائة وستون، في أمثالها، كما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إن المسلم عليه من الحفظة مائة وستون يدفعون عنه ما لم يقدر له)). والحديث القائل: ((ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه)). فهذه لا أجر ولا وزر مما لا يغني.
وكذلك قالوا في الزهراء وسهيل والمحلقين، وأن في كل أرض كعبة وآدم إلى سبع أرضين، وأن في كل سماء بيتا كالبيت المعمور. (1/37)
صفحة 38
وكذلك اختلافهم في أفراق هذه الأمة، فبعضهم يعتذر بأفرق المسلمين والمشركين.
وكاختلافهم في الأمة كذلك، حتى اعتدوا بيأجوج و مأجوج فيها.
وكذلك اختلافهم فيما يبقى من الخلق وما يفنى، وما يعود غدا في المحشر من المكلفين وما لا يعود.
إن قال قائل (ما دليلك على أن أمة أحمد هالكة ما خلا أهل مذهبك)
فإن قال قائل: هذه أمة أحمد (صلى الله عليه وسلم) قد قضيتم عليها بالهلاك والبدعة والضلال، وحكمتم عليهم بدخول النار، ما خلا أهل مذهبكم.
قلنا: إنما قضاه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا نحن بقوله حين يقول: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى النار ماخلا واحده ناجية وكلهم يدعي تلك الواحدة)).
فإن قال قائل: هذه أمة أحمد (صلى الله عليه وسلم) قد أصيبت باتباع أوائلها، وما يدريكم لعلكم أنتم أيضا ممن أصيب باتباع أوائله؟ ولم قضيتم أن أوائلكم على الهدى وأوائل غيركم على الردى، وأوائلكم غير معصومين كأوائل غيركم؟ قلنا، وبالله التوفيق: إنا اتبعنا أوائلنا وحاسبناهم واتبعناهم تقييدا ولم نتبعهم تقليدا، فعولت أوائلنا على الوزن بالقسطاس المستقيم والبرهان القويم وهو الكتاب والسنة ورأي المسلمين، وذلك أنه لم تفترق فرقة بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلا كان أوئلنا في أفضلها حتى انتهى الأمر إلينا.
وأول ذلك: أن المسلمين اختلفوا بعد رسول الله عليه السلام فأجمعوا على أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – فخالفت الشيعة، وكنا مع المهاجرين والأنصار وكانت مع حزب الشيطان الرجيم، وعمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في حزب أبي بكر الصديق فوقفنا في حزب الذين بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والمهاجرين والأنصار وأهل الشورى بعدهما، ثم ولي (1/38)
صفحة 39
عثمان بعد الإمامين فاختلف عليه أصحاب رسول الله عليه السلام، فجل المهاجرين عليه لا له والأنصار، إلا ما كان من زيد بن ثابت وعبد الله ابن سلام والمتوقفون عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة، وباقي المهاجرين والأنصار عليه لا له، والإمام عمار بن ياسر رضي الله عنه لما جعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) علامة للفتنة قال: ((ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، إنما عمار جلدة ما بين أنفي وعيني)). مهما أصيب المرء هناك لم يستبق. وقوله لعمار ((إنما تقتلك الفئة الباغية)).
وقوله عليه السلام: ((عليكم بهدي عمار وبهدي ابن أم عبد)).
ثم أطبق الشورى والمهاجرين والأنصار على علي وكنا معهم، فخرج عنه طلحة والزبير فمكثا الصفقة وعائشة أم المؤمنين التائبة، فحصلنا بحمد الله مع الجمهور. ثم خالف معاوية وعمرو بن العاص بالشام، وليس معهم من المهاجرين والأنصار مقهور ولا مذكور فحصلنا مع علي وعمار ومع المهاجرين والأنصار.
ثم أن عليا رجع على عقبيه ورضي بالحكومة التي كفر راضيها وصوب ساخطها، فقتل الفريقين جميعا الراضي والساخط والمحق والمبطل.
وكنا على الأصل الأول الذي فارقنا عليه أبا ذر وابن مسعود وعمار بن ياسر (1) الذي جعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) علما للفتنة حين قال: ((عمار تقتله الفئة الباغية)) فأثبته على الهدى عند الاختلاف، وحين قال: ((عليكم بهدي عمار وبهدي ابن أم عبد)) وقال: ((مالهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)). فوقعنا بحمد الله في حزبهما.
فإن كان الجميع على الحق، فنحن أولى ولا نعمت عين لهم.
وإن كانوا على باطل سلمنا، إذ لا تجتمع أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) على ضلال.
وأما يهود هذه الأمة المرجئة ومجوسها القدرية فقد كفانا مؤنتهما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكذلك المارقة الخوارج من الدين. (1/39)
صفحة 40
الرد على الأشعرية
ومن ذهب مذهبهم في صفات الباري سبحانه
اعلم يا أخي أعزك الله وأرشدك، ووفقك وأيدك أنك ذكرت ما جرى لبعضهم مع بعض أهل الأدب من الأشعرية في خلق القرآن وأمر الصفات صفات الباري سبحانه وأسمائه الحسنى، وكتبت تسألني شرح ذلك وصادفني كتابك وأنا مشغول البال مختل الحال بمرض العيال، وهو السبب الذي أوجب تأخير الجواب إلى هذا الأوان، لاسيما الكلام في هذه المسائل مخطر بأمرين أحدهما: التعرض للقدح في ذات الباري سبحانه وصفاته العليا وأسمائه الحسنى من غير ما حاجة ضرورية دافعة، إذ يتعذر كنه جلال الله سبحانه أن تقع الأوهام على حقيقته، فكيف تنطق الألسنة فتنطلق وتسعى وتعيق، لولا ما سومحنا فيه من ذكره بأسمائه التي نص عليها وبصفاته التي نص عليها، وقد يستسمح الناس على قلة أخطارهم من الأبناء والعبيد والعوام والنديد ذكر الآباء والكبراء والسادة والأكفاء مشافهة بأسمائهم، لكن كناية: يا أبتي إذا كان أباه، ومن العبيد يا مولاي إذا كان مولاه، ومن الكفو يا أخي، ومن العامة يا سيدي، فكيف بمن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وجل عن أن يشبهه شيء، أن تبوح الألسن بذكره، أو تتعرض لشكره فتنطق وتقول بلسان حال وقلب خال: يا الله يا رحمن يا رحيم. هكذا باسمه لا كناية لولا الرؤوف الرحيم الغني الكريم.
الثاني: أن هذه المسائل قليلة الجدوى في ما يتعلق بالبلوى، إذ لا تؤثر في العبادات ولا تنفع في ترك الحرمات، وقد يحصل ذكر الله – عز وجل – في القلوب التي هي موقع نظر الباري سبحانه بأقل الخطوات، وتخرس الألسن عند ذكره عند من أشرف على الملكوت والجبروت دون التفيهق والتشدق (1/40)
صفحة 41
من هذا الوجه الخطر العظيم الضرر، فكأنما الخائض فيما لا يعني وشارع فيما لا يغني، وإذا لم تعفني من السؤال ولابد من الشروع في المقال فإني أقول ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الكبير المتعال.
اعلم أن الأشعرية (2) قد اختلفنا معهم في عشرة مواطن:-
أولها: أنا قلنا الباري سبحانه يوصف بالعلم والقدرة والإرادة وسائر الصفات التي يوصف بها. فقالوا: إنها معاني وليست بصفات. فالعلم عندنا صفة وعندهم معنى لا صفة، والقدرة عندنا صفة وهي عندهم معنى ليست بصفة، وكذلك الإرادة وسائر الصفات ليست بصفات ولكنها معاني. فالصفة عندهم هي الوصف.
والثاني: أنهم أطلقوا على هذه المعاني التي ذكروها أنها أغيار لله تعالى، فأوجبوا التغاير بينها البين.
والثالث: أنهم أثبتوها معاني غير الله وهي قديمة. ونحن نقول: ليس هناك معنى غير الله ولا قديم مع الله.
والرابع: أن بمقتضى هذه المعاني كان الله موصوفا بها: فبالعلم كان عالما، وبالقدرة كان قادرا، وبالإرادة كان مريدا، وعلم بعلم، وقدر بقدرة، وأراد بإرادة، وحيي بحياة، وقدم بقدم.
والخامس: أن هذه المعاني التي وصفوه بها معان قائمة بالذات ذات الباري سبحانه.
والسادس: أنهم وصفوه بالوجه واليدين والرأس والعينين والجنب والجلسة واليمين والقبضة والساق والقدم والاستواء والميل وخرق الحجب وركوب الحمار والأقمر وأنه النور الأنوار.
والسابع: أن الكلام من المعاني التي وصفوه بها وهو قائم بذاته ولم يزل به. (1/41)
صفحة 42
والثامن: أن الأمر والنهي والمندرجين في الكلام من المعاني التي وصفوه بها وقائمان بذاته ولم يزل كذلك، وتعالى الله عن ذلك.
والتاسع: أن القرآن وسائر الكتب المنزلة من الله من المعاني التي يوصف بها في ذاته لم يزل بذلك سبحانه.
والعاشر: أن العدل والإحسان والفضل والمن والإنعام صفاته، ولكنها أفعاله محدثة.
-----------------------------------------
(1) هذا العنوان غير بارز في ط البارونية (مراجع ط 2)
(
2) في اصطلاح أصحابنا المغاربة لا يميزون بين فرق السنة: حشوية أو أشعرية أو ماتريديه وإنما يطلقون على الكل أشعرية، ولابد من التمييز وإلا لوقع الخلط في أقوالهم الاعتقادية وهذا ما حصل من المؤلف رحمه الله تعالى فليتنبه لذلك (مراجع ط 2)
ولابد من مقدمات تكون بين يدي هذه المسائل إما وصلا بين المتناظرين أو عدلا وفصلا بين المختلفين. أحدها: أن يقع الاتفاق على أن الباري سبحانه لم يفرد نفسه بلغة غير لغتنا التي استعملناها بيننا.
والثاني: ألا يطلق على الباري سبحانه ما لم يأذن به الشرع، أو معنى يحيله العقل، لاتفاقنا نحن وهم على أن الله – عز وجل – ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
والثالث: مراعاة اللسان التي يقع بها التناظر والتحاور بين الفريقين، ويق بها البيان بين المختلفين. ومع الثلاثة أخرى:
أحدها: أن يتضح المعنى الذي أراده المتناظران، فيحصل حدا أو رسما، لئلا يصيرا كالأحولين.
الثاني: أن يستند قول الحق منها إلى البرهان الصحيح حقيقة وتبيانا، فيحصل علما ضروريا أو عقليا أو شرعيا أو لغويا.
والثالث: الإقرار بالحق إذا ظهر، والإذعان له إذا بهر، والاتنصار إذا كفر من جميع من حضر. (1/42)
صفحة 43
فصل
اعلم أن الأشعرية بنت مذاهبها في الباري سبحانه وصفاته وأسمائه وتشبيهه بخلقه على الهروب من الواضح إلى المشكل، وعولت بعد العثار على الاعتذار، وأني لهم به بعد الانتصار؟ وتعرضوا للبلاء وهم عنه أغنياء فلن يرضى بهذا عاقل ولن يخفى على جاهل، وقد قال الأول: ((إياك وما يعتذر منه)). كل الوجوه، وأقررنا بالوحدانية لا شريك له.
فأول ما غلطوا فيه أن أفسدوا على العرب لسانهم، وغيروا عليهم لغتهم، وقالوا: إن الصفة هي الوصف والعدة هي الوعد والزنة هي الوزن والسمة هي الوسم والعظة هي الوعظ. وقد فرق أهل اللسان بينهما. وأوجبوا الصفة للموصوف والوصف للواصف، والعدة للموعود والوعد للواعد، في أمثالها. واعتذروا بأن قالوا: إن النجاة قد أجازوا ذلك. قلنا لهم: مجازا لا حقيقة، وإنما نحن في الحقائق.
والعجب منهم أنهم يأتون أمرا لم ينفعهم ولم يضر غيرهم.
وكذلك العدة هي العطية الموعودة، والوعد فعل الواعد، والعظة صفة الموعوظ، والوعظ فعل الواعظ، والسمة أثر في الوجه والواسم الفاعل والوسم فعله.
(الثانية): أنهم نفوا عنه السواد والبياض والألوان بأسرها، والأحوال بجميعها، والصنائع العلمية، والحياء والحياة والعلم والقدرة والإرادة والرضى والسخط وأمثالها أن تكون صفات، لكنها معان ليست بصفات، فهربوا من الواضح المعهود إلى المشكل المردود، فما حاجتهم في أن جعلوا لله معاني في قول من جعل الصفات السبع بمجموعها هي الألوهية، في قول من أثبت الذات وركب فيها المعاني السبعة وأثبتها هي الألوهية، جمعوا بين فساد اللغة وفساد الألوهية، وخافوا أن يتوهم عليهم وحدانية الباري سبحانه، وقالوا: إن هذه المعاني أغيار لله – عز وجل – وأغيار بينها البين. (1/43)
صفحة 44
قلنا لهم: وهل تجوز أن تكون أغيار لم تزل؟
قالوا: إنها قديمة. فارتبكوا.
وقلنا لهم: يا سبحان الله، فالقديم قديم، فلابد للغيرية من العدد والشركة والتباين، فلما نظروا إلى قولهم الفاحش تكعكعوا، وما يغني عنهم وقد جعلوا له من عباده جزءا، إن الإنسان لكفور مبين، فتفرقت بنا وبهم السبل، فحصلوا في الكثرة بعد الوحدانية، وحصلنا في الوحدة، من وراء هذا أن أظهروا افتقار الباري سبحانه إلى هذه المعاني التي ذكروها من العلم والقدرة والإرادة.
وقالوا: بالعلم علم، ولولا علمه لم يكن عالما، ولولا قدرته لم يكن قادرا، ولولا إرادته لم يكن مريدا. وأظهروا افتقاره إلى هذه المعاني تعالى الله، وسلبوها عن ذاته وجعلوها محتاجة إلى الغير.
ولما نظروا إلى العلم لا يوصف بالقدرة ولا بالإرادة ولا بالحياة، والقدرة كذلك لا توصف بالعلم والإرادة، تكعكعوا ورجعوا إلى الذات. وقالوا: لابد لها من المعاني المذكورة من الحياة والقدرة والعلم والإرادة، ولابد لهذه المعاني من ذات تقوم بها هذه المعاني بمجموعها، ومجموعها هو الإله. فضاهوا بقولهم قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وهو قول أهل الهيلى والصورة، وجاوزوهم إلى الثنوية (1)، ثم إلى أصحاب ثالث ثلاثة أصحاب الأقاليم، بل إلى أصحاب الطبائع الأربع
أصحاب الاسطقسات من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، بل إلى الخرمية الذين قالوا بالأس بل إلى أصحاب العدد الكامل أهل التسديس، فجاوزوهم إلى التسبيع والتثمين، ولم يبلغوا التسيع إلا الاثنى عشر، وهذا تنبيه على ما قلنا أولا من الإشارة إنهم يهربون إلى المشكل، من غير ما ضرورة دافعة وربهم أغنى بأن يجعلوه عضين كالمشركين في القرآن. (1/44)
صفحة 45
ثم إنا سألناهم عن هذه المعاني التي أوجبوها قديمة مع الباري سبحانه أين هي؟
فقالوا: قائمة بالذات. فضاهوا بقولهم قول المحقين في الأعراض: أنها حالة في الجسد.
وقالوا هم: إن المعاني قائمة بالذات. فلو جعلوا الأعراض قائمة بالجسم والمعاني التي ذكروها حالة في ذات الباري سبحانه لما زادوا، فالمعنى الموجود في الأجسام صراحا نحلوه ذات الباري سبحانه برحا، ولبسوا على أنفسهم حين خالفوا بين الألفاظ فما يتحاشون مما يأتون به من لا شيء، أولا يرون أن الحي منا حي والباري سبحانه حي.
وقد قدمنا أن اللغة واحدة، والقائمة حالة والحالة قائمة.
وقد قدمنا أن الباري سبحانه لم يفرد نفسه بلغة غير لغتنا التي نتخاطب بها.
وللباري علم ولنا علم، وله قدرة ولنا قدرة، وله إرادة ولنا إرادة، وله قيام المعاني ولنا حلول الأعراض. يا سبحان الله. ولو عكسوا فما عدا , فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا.
وأما مذهبهم في التشبيه والجوارح فعلى وجهين: أما من ذهب به مذهب الجوارح فلا يخاطب ولا يعاتب، فإن أنفذهم قد ترأرأ ببصره نحو الإله فانعكس بصره إلى جسده فلمحه، فخاله إلهه، فكبر وعظم، وصلى وسلم وقال: الحمد لله الأكرم، ذي الآلاء والنعم، والوجه والقدم، واليد والعظم، والعين والفم، والجوارح كلها الجم، والنون والقلم، وما أدراك ما نون والقلم وما يسطرون. فاستجاب له العميان من جميع البلدان وصدقوا قولته وأجابوا دعوته. (شعر)
فلم إلا أن يقول أنا الرب ............ إلى الكعبة البيت الحرام ولا ريب
فإني رسول الله فاستجيبوا لربكم ....... فإن أنتم لم تؤمنوا فإني الرب (1/45)
صفحة 46
فأقرب من ذلك موقعا أن يختلف معهم في الأسواق ولا يعرفونه، وتضمه معهم المساجد والمجالس ولا يثبتونه. ويقول: أنا ربكم الأعلى. ولا ينكرون، بشرط أن يكون وسيما جميلا جليلا، ولا قبيحا ولا ذميما، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهؤلاء قوم فرحوا بما عندهم من العلم، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون.
وأما من امتنع منهم من إجرائها على المعاني التي تعرف: من الوجه أنه الجاه، ومن القدم بما قدم لها من الشقوة، ومن اليد أنه النعمة والقوة، ومن المعصم ما يعتصمون به، ومن العين العلم تجري بأعيننا، ومن الفم الكلام، وفي أمثال، هذه معروفة عند العرب أنها الجارحة وثمرة الجارحة كما يعقلها العرب، فلحبو طريقا وسطا بين الخيال والوبال، فامتنعوا من الجوارح، وامتنعوا من اللغة.
قلنا لهم: أتعرفونها؟
قالوا: لا، إلا أنها صفة الله.
وقد صدق القائل: قد يتكلم المجنون بما يعجز عنه العاقل. فهؤلاء مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، شرعوا الجهل دينا ورأوة دينا، ومالوا عن الحق بونا، وأصابوا حينا ومينا.
وأما مذهبهم في الكلام في الأمر والنهي والقرآن، فهو الذي جر عليهم حبنهم (2)، فأظهر الرب شينهم، فأصبحوا مثل النصارى بينهم.
وأما ذنبهم الذي أوردهم جميع المهالك وسيئاتهم التي أحاطت بهم من أجلها خطيئاتهم حين غلطوا في القرآن، فنفوا عنه الخلق وأثبتوه معنى غير الله يوصف به الباري سبحانه، وفعثروا عثرة لا إقالة لهم بعد العثور.
ثم من بعد العثور وقعوا في قولهم: إن الأمر والنهي معنيان يوصف بهما الباري سبحانه ولم يزل بهما، قائمين بذاته. فوقعوا وقعة لا انجبار لهم منها. (1/46)
صفحة 47
ثم من بعد الوقوع لغطوا في قولهم: إن سائر الكلام معنى يوصف به الباري سبحانه، قائم بذاته فسقطوا سقطة تعسوا فيها اليدين والفم.
ثم من بعد السقوط انزلقوا في قولهم: إن سائر الصفات من العلم والقدرة والإرادة وسائر الصفات، أنها معان غير الله وهي متغايرة بينها البين. فانزلقوا زلقة وصادفوا بئرا لا قعر لها، تهوي بهم الريح في مكان سحيق. ثم من بعد الانزلاق التجأوا إلى جرف هار في قولهم بعد الصفات في الذات إنها مرئية
بالأبصار، محدودة بالأقطار، موصوفة بالوجه والعينين والرأس واليدين والساق والرجلين والقدم والركبتين والجنب والإصبع في سائر الصفات صفات البشر فانهار بهم في نار جهنم. فهو آخر العهد بهم.
وقد صدق الله – عز وجل – في قوله: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) هذا مثلهم في القرآن ولله المثل الأعلى.
ومثلهم في التوراة والإنجيل: عن اليهود تقول لهم: قبحا لكم وسحقا. والنصارى تقول: مرحبا وأهلا، وأقذر بقوم تأففت منهم اليهود واستقذرتهم، واستبدت بهم النصارى وأحبتهم.
فصل
والمعذرة إلى الله – عز وجل – وإلى المسلمين أن لا يأخذ علينا أحد في تمثيل كل فرقة منهم بما يليق بهم، ونسبنا إلى الهجو والفحش من الكلام، ولنا في كتاب الله – عز وجل – أسوة حسنة، قال الله تعالى في بنعام بن باعورى إمام العور وقائد البور: (فمثله كمثل الكلب) إلى قوله: (فأولئك هم الخاسرون).
وقال في اليهود عليهم لعنة الله: (كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين). (1/47)
صفحة 48
وفي المنافقين. (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) إلى قوله: (إن الله على كل شيء قدير) وقال: (مثل الذين اتخذوا من دون الله) إلى قوله: (لو كانوا يعلمون) وقال: (مثل الذين كفروا بربهم وأعمالهم كسراب بقيعة) إلى قوله: (فما له من نور). والحمد لله رب العالمين.
[باب: بيان معتقدنا] (1)
وها نحن نبتدىء في إيضاح معتقدنا في الباري سبحانه، وما يتعلق به من صفاته وأسمائه وذاته إن شاء الله.
فأول ذلك إن قال قائل: ما الدليل على إثبات وجود الباري سبحانه؟
قلنا: وبالله التوفيق: الدليل على وجود الباري سبحانه الحدث.
فإن قال: ما الدليل على قدمه؟
قلنا: يبقه الحدث.
فإن قال: ما الدليل على حياته؟
قلنا: تصرفه في الحدث.
فإن قال: ما الدليل على علمه؟
قلنا: إتقانه الحدث.
فإن قال: ما الدليل على قدرته؟
قلنا: صدور الحدث.
فإن قال: ما الدليل على إرادته؟
قلنا: تمييزه الحدث.
فإن قال: ما الدليل على رضاه وسخطه؟
قلنا: اختلاف الحدث.
فإن قال: ما الدليل على الحدث؟
قلنا: الحدوث. والله الموفق للصواب.
وعلى هذه الأصول عولت الموحدة في إثبات الألوهية بينهم وبين الدهرية. فأطبق الموحدة على ذلك إلا من شذ في بعض الفروع. (1/48)
صفحة 49
الشرح: وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: وما في الحدث مما يدل على وجود الباري سبحانه؟
قلنا وبالله التوفيق: انطباق الفطرة العقلية على أن النباء دال على بان، والكتابة دالة على كاتب، والأثر دال على المؤثر، والصناعات كلها دالة على صناعها، عقلا وشرعا، ولغة وطبعا.
أما من جهة العقل: فإن علوم العقل ثلاثة مغروزة في جبلته ومنقوشة فيه مجملة وهي: وجوب الواجبات، وجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، فهذه إحدى الواجبات، ومحال ظهور الأثر ولا مؤثر، وكتابة ولا كاتب، وبناء ولا باني، وصناعة ولا صانع، وحدث ولا محدث.
وأما الشرع: فقول الله – عز وجل -: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار) إلى قوله: (لقوم يعقلون). فجعل الله – عز وجل – حدوث هذه الأسباب دلالة على صدقه فيما قال، فضلا عن وجوده، وقد ثبت وجود الفرع فما بال الأصل وقوله: (قل من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم).
وأما اللغة: فمن جهة اللفظ قسمت العرب هذه الألفاظ على جميع لغتها أن الحدث يقتضي الإحداث والمحدث والمحدث، والخروج يقتضي المخرج والمخرج والإخراج والخروج، وهذه في سائر لغة العرب. ولابد للفعل من هذه الأربعة معان: الفاعل والمفعول والفعل والفعل. فالفاعل والمفعول معروفان والفعل المصدر. والفعل الاسم. قال الله – عز وجل -: (وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين).
وأما الطبع: فمحال وجود الحدث ولما يفعله أحد، عقلا نفرت منه الطباع واستحال الاختراع، إلا من مخترع مبتدع، وساغ الامتناع. (1/49)
صفحة 50
فلو أطبق الخلق والخلائق أن ينحلوا فعلا غير فاعله لأحلوا، ولو شهدوا بهذا عند من له أدنى عقل لكذبهم واستخف بهم.
واعلم أنه لم يختلف اثنان، بعد ثبوت حدوث الحدث أن له محدثا، فعلم هذا ضروري كما قدمنا، وأنما وقع التشابط والتخابط بين الموحدة والدهرية في حدوث الحدث، ولسنا والأشعرية مختلفين في شيء من هذا.
فإن قال قائل. ما الدليل على قدمه؟
قلنا: كونه قبل الحدث.
واعلم أن القديم من سبق وجوده وجود الحدث، فكل من لم يكن ثم كان فهو المحدث، وكل من كان ولا تكوين فهو القديم.
فإن قال قائل: ما الدليل على حياته؟
قلنا: تتصرفه في الأشياء بالإنشاء والإفناء والإبادة والإعادة والنقص والزيادة، وهذا إلى علم الضروريات أقرب، وإليه أذهب.
فإن قال قائل: ما الدليل على علمه؟
قلنا: إتقانه الحدث، ولما رأينا المحدث قد تأتي على مراد المحدث، وصار كل شكل إلى شكله، ورجع كل فرع إلى أصله، من الأرض والسموات والأشجار والنبات والجماد والحيوانات، على نظام واحد، وترتيب واحد.
وهو الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن، وخلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، وهذه الضرورية أقرب.
والعلم والقدرة والإرادة والرضى والسخط من توابع الحياة.
وصفات الحي مهما انخرمت منها صفة انخرمت الحياة، ولابد من الإشارة. (1/50)
صفحة 51
فإن قال قائل: ما الدليل على القدرة؟
قلنا: صدور الحدث. ولا يصدر إلا عن قوة وإلا فالقوي والزمن واحد والحي والميت واحد.
فإن قال قائل: ما الدليل على الإرادة؟
قلنا: تمييزه بين المقدورات، هذا قد شاء وجوده فوجد، وهذا لم يشأ وجوده فلم يوجد، ووجد الموجود على صفة ما، وغيره على خلافها، والقدرة جارية عليهما قد شملتهما، وفرقت الإرادة والمشيئة بينهما.
وكذلك الرضى والسخط دليلهما اختلاف المحدثات، فهذا حسن جميل، وهذا قبيح رذيل، ولولا الرضى والسخط لما وقعت التفرقة بين الخير والشر، فمن كان بهذه الصفة، يعني من لا يوصف بالرضى والسخط، فهو إلى الموات والجماد أقرب.
فإن قال قائل: ما الدليل على الحدث؟
قلنا: الحدوث. فهذه المسألة بيننا وبين الدهرية، فحسبنا منها حدوث الأعراض في الأجسام، والأعراض محدثة، لا يخلو الجسم من حادث، ولا ينفك منه، فما لم يسبق الحدث فحدث مثله.
فمن أراد حقيقة هذه، فليطلبها في أدلة الموحدين في النفر الثمانية، وفي كتاب ابن الخياط مستقصى
فإن قال قائل: إذا ثبت وتقرر وجود ذات الباري سبحانه بالدليل، فما مذهبكم في الصفات التي ادعيتم، ولن يخلو قولكم من أحد ثلاثة أوجه:
إما أن تبطلوا وجود الصفات ألبته، لئلا تجعلوا مع الله إلها آخر، فتكونوا من المبطلين المعطلين.
وإما أن تثبتوها محدثة كائنة بعد إذ لم تكن، فيكون الباري (1/51)
صفحة 52
سبحانه بعكسها، فيتصف بالموت قبل الحياة وبالجهل قبل العلم، وبالعجز قبل القدرة، وبالكره قبل الإرادة، وبالجمادة قبل الرضى والسخط، سبحانه.
أو تثبتوها معاني غير الله، وقديمة غير محدثة. كما قدمنا.
قلنا وبالله التوفيق: إما إبطالها بعد ما تقرر الدليل ولاح السبيل، فلا.
وأما إثباتها محدثة كائنة بعد إذ لم تكن ويتصف الباري سبحانه بعكسها، فلا سبيل إليه.
وأما إثباتها أنها أغيار لله قديمة معه، فلا سبيل إليه.
وهذه الأوجه الثلاثة مستحيلة، وذلك أنه حكم فتحكم حين خص ولم يعم، وأغفل الوجه الرابع.
وفي التقسيم توصيم (عيب وعار (1)) ولاسيما في الكاف والميم، وسيأتي الفصل على دنادن الظلم فتنثلم بإذن الله تعالى، وذلك عادة الله في الحق والباطل، إذا جاء الحق زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. فإن قال قائل: فما الوجه الرابع؟
قلنا – وبالله التوفيق: إن صفات الباري سبحانه ليس هناك معنى غيره، أو شيء يلازمه أو يفارقه.
فقولنا: الله تعالى موجود إثباته، ليس هناك وجود غيره يخالفه أو يوافقه.
وقولنا: الله حي، إخبار عن الذات أنها ليست بميتة، وله التصرف في الغير.
وقولنا: الله قادر، إخبار عن الذات أنها ليست بعاجزة، ولا يعوزها شيء.
وقولنا: الله مريد، إخبار عن الذات أنها مكرهة، ولا يفوقها شيء. (1/52)
صفحة 53
وكذلك سائرها. وليس في إن نفينا عن الذات هذه الأمور ما يقتضي أن معها شيئا غيرها يقاومها فيضاهيها، أو شيئا غيرها تستعين به ويكون جزءا منها، وذلك محال في ذات الباري سبحانه.
فالقديم: من سبق الحدث والعجز والحاجة وجوده.
فمن حصل اسم القدم له، حصلت له الألوهية والصفات الكاملة، وذلك عن غير الله منفي، ولا قديم إلا الله، ولا إله إلا الله، واستأثر الله بالكمال ولم يبرأ الغير من النقصان، ونضرب في ذلك مثلا: رجلا قاعدا في موضع من المواضع، تختلف فيه عليه الأشياء من بين مار بين يديه وآخر من خلفه وآخر فوقه وآخر تحته، وليس في اختلاف هذه الجهات ما يقتضي اختلاف ذات الإنسان، وربما يتوهم التعمي علينا، فيقسمه تقسيما، فيجعل الرأس ناحية والرجلين ناحية والجنبين ناحية.
واعلم أن غرضنا الذات، واعلم أن من جاز بين يدي إنسان، فقد جاز عليه كله، وكذلك سائر الجهات.
وليس إن اختلفت النسب إلى هذه الجهات ما يقتضي الاختلاف في الإنسان فهو أولا إنسان وآخرا إنسان.
وإن التبس الأمر مع هذا أوقع الكلام على جزء من الغرض، ومن وراء ذلك المرآة، فإن الصور تنطبع فيها وليس ذلك بمؤثر في ذاتها أو ناقص أو زائد فيها، ولله المثل الأعلى، وهذا معتقدنا في إلهنا
ولنرجع إلى معارضتهم إيانا في الصفات.
فإن قالوا: إذا زعمتم أن الذات واحدة وأن صفاتها هي، ما تقولون فيمن خلقه الباري حيا ثم مات، أو ميتا ثم حيي، أيعلم بواحد علمه أو بعلوم كثيرة؟ (1/53)
صفحة 54
فإن قلتم: بعلم واحد، فقد جعلتم الحي ميتا والميت حيا.
وإن قلتم: بعلوم كثيرة، فقد أثبتم قدماء كثيرة.
وإن قلتم: علمه بلا علم وقعتم في المحال.
قلنا – وبالله التوفيق: إن الله تعالى علم الحي منا في حين حياته، ثم علمه في حين موته، ووقع التفاوت بين الحالتين لا بين العلمين، كما أن الذات التي علمتها ميتة، هي الذات التي علمتها حية، فما قلتم في العالم، قلنا في العلم، ونعكس عليهم المسألة.
فإن قالوا: بعلم واحد، لزمهم أن يجعلوه حيا ميتا موجودا معدوما.
وإن قالوا: بعلوم كثيرة على عدد أجزاء الخليقة، فقد أثبتوا قدماء كثيرة مع الله في الأزل.
فإن قالوا: علمها بلا علم. وقعوا في المحال، ولا سبيل لهم ولا مخرج لهم إلا السبيل الذي سلكنا.
وكذلك القول في سائر الصفات، من القدرة والإرادة والسخط والرضى.
واعلم أن الأشياء تختلف بالأعيان والأزمان والمكان، وتقع النسبة إليها من جهة العلم نسبة واحدة، ومن جهة القدرة وغيرها نسبة واحدة، ومن جهاتها مختلفة، وليس ذلك بضائر الذات شيئا.
وكذلك لو علم رجلان شيئا واحدا والشيء على حدته والعالمان اثنان، أو علم رجل شيئين، على أنا لا نثبت مع الباري سبحانه علما غير ما يقع التطالب والتخاطب عليه.
فإن أبوا أن يثبتوا معاني قديمة غير الله قلنا: (أئفكا آلهة دون الله تريدون، فما ظنكم برب العالمين). (1/54)
صفحة 55
فإن قالوا: إنكم أبطلتم المعنى المعقول في لغة العرب: إنهم إذا وصفوا إنسانا بالشجاعة أو الجبن أو بالسخاء أو البخل أثبتوها صفات غيره.
قلنا لهم وبالله التوفيق: إن العرب إذا وصفت شيئا بصفة إنهم يتوجهون إلى معنى تلك الصفة، وليس في صفاتهم ما يقتضي في لسانهم، أنها هي هو أو غيره، وإنما تدرك معرفة ذلك من وجه آخر من طريق من نظر في ذوات العالم، وعلى أن الجسمية صفة الجسم، وليس في ذلك ما يقتضي أنها غير الجسم، وكذلك العرضية للعرض والخلق صفة الخلق، وهي هو.
فصل
اعلم أن القوم عارضونا بخمس هنات:
أولها: قالوا إذا زعمتم أن الذات واحدة ذات الباري سبحانه، وأن صفاته هي هو، علم الله هو الله، وقدرة الله هي الله، في أمثالها.
والثانية: إن أجزتم هذه فقولوا: الله هو العلم، والله هو القدرة، في أمثالها.
والثالثة: وقولوا: إن العلم هو القدرة، والقدرة هي العلم، أو غيرها، في أمثالها.
والرابعة: أن معنى علم هو معنى قدرة، ومعنى قدرة هو معنى علم، أو غيرها، في أمثالها.
والخامسة: أن هذه الصفات التي ذكرتم ثم وصفتم الله بها، لا تخلوا أن تكون معنى أو غير معنى.
فإن كانت معنى، فهو ما قلنا.
وإن كانت غير معنى، فقد وصفتم الله تعالى بغير معنى. (1/55)
صفحة 56
الرد عليهم وبالله التوفيق
الأولى: أما قولهم: في علم الله أنه الله أو غيره، فإن بعض أصحابنا يطلقون على صفات الله أن تقول: هي هو، فتقول: علم الله هو الله لا غيره، وقدرة الله هي الله لا غيره.
والأحسن عندي أن نقول: ليس هناك شيء غير الله.
وأما الثانية: أن تقول: الله هو العلم، أو تقول: الله هو القدرة. العم أن اللغة منعت من إطلاق ذلك، ولولا ذلك لما كان به بأس، وقد جاء في اللغة إطلاقة في بعض الأسماء كقولك: الله الرب، والله العدل، والله الوتر، والله هو الحق المبين.
وأما الثالثة: أن العلم هو القدرة والقدرة هي العلم، وهذا ممنزع من جهة التخاطب واللغة، ولو أطلقه إنسان لما جاوز خطؤه اللغة، وهو أحسن حالا ممن أخطأ في ذات الباري سبحانه.
وأما الرابعة: فالقول فيها كالقول في الثالثة، هو ممنوع من جهة اللغة والتخاطب بين الناس.
وأما الخامسة: فإنا نمتنع من أن نجعل صفات الباري سبحانه معاني، لما يتوهم علينا من الغيرية، وقد أطلقت اللغة الصفات العلى والأسماء الحسنى.
فإن قالوا: يعلم نفسه أو لا يعلمها؟
قلنا: يعلمها ولا نقول لا يعلمها.
فإن قالوا: يقدر على نفسه أو لا يقدر عليها؟
قلنا: لا يجوز يقدر على نفسه ولا لا يقدر عليها.
فإن قالوا: يريد نفسه أو لايريدها؟
قلنا: الجواب فيها كالجواب في التي قبلها. (1/56)
صفحة 57
واعلم أن القوم إنما ذهب بهم خصلتان: إحداهما اللغة، وذلك أنهم نظروا إلى تقاسيم الأسماء والأفعال والحروف في اللغة، فكل لفظة تقتضي معنى في الأجسام وحركاتها، فانقسمت أقساما كثيرة من أجل الأجسام والأزمان والمكان، فتحولت عينهم، فذهبوا ذلك المذهب في خالق الأنام، ونظروا إلى قولهم علم ويعلم وسيعلم علما وعالم وعلام وعليم. وقالوا: لابد لهذه التقسيمات أن تقتضي معاني متفاوتة حتما، واضطرهم الدليل المثبت للألوهية إلى أن يقولوا بقدمها، ونسوا ما ذكروا به من قبل أن الله ليس كمثله شيء، فشبهوا الذات التي لا تتجزأ ولا تحلها الأعراض بالأجسام التي تتجزأ وتحلها الأعراض ولم ينظروا بعين الحقيقة إلى من هو فوق المكان والزمان ولم يشبه شيئا من الأعيان، ولم يراعوا سهام الزمان
والمكان التي تجري على الأعيان دون القديم الذي كان قبله.
وسهم العين: الموجود والشيئية والذات والمعنى والإثبات.
وسهم الأمكنة: فالجهات الست: أمام وخلف وفوق وتحت ويمين وشمال.
وسهم الأزمنة: كالآن واليوم وأمس وغدا والشهر والعام وقابل وقاب وقباقب.
الذي يظهر في الأعيان أن يكون المقتضى واحدا وإن اختلفت الألفاظ، فيكون إخبارك عن ذات الباري سبحانه هو الإخبار عن شيئيته وعن عينه ومعناه، وإن اختلفت الألفاظ، فليس في ذلك ما يقتضي الغيرية.
وأما سهم المكان: فاختلاف الأمكنة لا يوجب اختلاف الذات، وكذلك في الأزمان، لاسيما في الواحد لا يتجزأ.
والخصلة الثانية: أنهم ذهبوا في إلههم مذهبهم في أنفسهم وحصروه إلى أوهامهم واعتقدوا أن ذلك إثباته لا إبطاله، وأن خلاف ما تذهب إليه الأوهام إبطال، وآمنوا بالوحدانية لفظا وأغفلوها في المعنى حفظا وعجزوا عن قول الصديق – رضي الله عنه – (العجز عن درك الإدراك إدراك) وقالوا هم: العجز عن درك الإدراك هلاك. (1/57)
صفحة 58
الرد عليهم في نفيهم خلق القرآن
فإن قالوا: فلم قلتم إن كلام الله وأمره منهيه والقرآن ليست بصفة الله تعالى في ذاته، ولا هو قائم بذاته؟
قلنا وبالله التوفيق:
لما تقرر أن الحي مرتبط بأوصاف غير منفك له عنها، وأثبتنا الباري سبحانه أنه الحي الفعال، فثبت وجوده وحياته وعلمه وقدرته وإرادته ورضاه وسخطه وفعله، ولكل كلام مقدمات سوابق ولواحق.
فمقدمات الألوهية: الوجود، ولواحقها الأفعال، والوجود والأفعال ليست بصفة، لأن الوجود إثبات والفعل حودث وما بينهما فصفة.
فاستحال أن يكون الحي ولا علم ولا قدرة ولا إرادة، والإرادة ولا قدرة، والقدرة ولا علم، والعلم ولا حياة.
فأثبتنا حيا عالما قادرا مريدا راضيا ساخطا لم يزل، إذ لو حدثت الحياة لكان قبلها ميتا، ولو حدث العلم لكان قبله جاهلا، ولو حدثت القدرة لكان قبلها عاجزا، ولو حدثت الإرادة لكان قبلها مستكرها، ولو حدث الرضى والسخط لكان قبلهما جمادا بليدا، فمن أين ارتبط الكلام بالحي، لا ارتباط له به.
فإن قالوا: لاستحالة حدوث الكلام لكان أخرس قبل حدوثه، والخرس ضد الكلام ونقيضه.
قلنا وبالله التوفيق:
إن هذا الحكم وهذا التحكم لا يلزم، لأنه يجوز أن يكون من لم يتكلم ساكتا لا أخرس، ليس كالعلم، لأن من لم يكن عالما فهو جاهل ومن لم يكن قادرا عاجزا، ليس الخرس بنقيض الكلام بل السكوت نقيضه. (1/58)
صفحة 59
ويلزمهم أيضا أن الخلق معه لم يزل، لأنه لو أحدث الله الخلق لكان قبل حدوثه عاجزا، ويلزمهم أيضا أن يجعلوا الخلق من المعاني القديمة القائمة بالذات كالكلام، ولعمري لهو أشبه بمذهبهم.
وإن لم يكن العجز بنقيض الخلق، فليس الخرس بنقيض الكلام، غير أن الخرس زمانه لا يستقيم معه الكلام، وكذلك العجز آفة لا يستقيم معه الخلق وهما منفيان عنه بالقدرة، وقد يكون الحي ساكتا لا متكلما ولا أخرس، وهل يصح في الحي أن يكون غير عالم وأن يكون غير قادر أو مريد أو راض أو ساخط؟ فهاتيك مهما انخرمت منها صفة الحياة وليس ذلك في الكلام البتة. والله ولي التوفيق.
والدليل على خلق القرآن، لأهل الحق عليهم أدلة كثيرة.
وأعظمها: استدلالهم على خلقه بالأدلة الدالة على خلقهم هم، فإن أبوا من خلق القرآن أبينا لهم من خلقهم، وقد وصفه الله – عز وجل – في كتابه (وجعله قرآنا عربيا) مجعولا منزلا مسموعا بالآذان، مقروءا بالألسن، وكتوبا في المصاحف وفي قلوب الذين أوتوا العلم، وليس لهم معول بعد العثور إلا الاعتذار بالغرور، وذلك أنهم نصبوا للكلام وللأمر والنهي هيولا خيولا غير القرآن، وهي العبارة عن القرآن، فما حاججناهم به من صفات الخلق الموجود في القرآن قالوا: صدقتم غير أن ذلك يتوجه إلى العبارة عن القرآن لا نفس القرآن.
قلنا لهم: إن الله تعالى يقول: (إنا جعلناه قرآنا عربيا).
قالوا: العبارة عنه.
قلنا لهم: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون).
قالوا: العبارة عنه. (1/59)
صفحة 60
قلنا لهم: قال الله – عز وجل -: (إنا إنزلناه في ليلة مباركة) (إنا أنزلناه في ليلة القدر) نزل به الروح الأمين) (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين).
قالوا: العبارة عنه.
قلنا لهم بعد قوله – عز وجل: (أنزله بعلمه والملائكة يشهدون).
قلتم: العبارة عنه لا هو. فمن يشهد لكم بهذا، بعد أن رددتم شهادة الله _ عز وجل – وشهادة الملائكتة.
فيا سبحان الله من قوم أنكروا نزول القرآن مثل أهل الأوثان، ولو عرضوا بمثل ما هم فيه بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وبجبريل الروح الأمين أنه لم ينزل به جبريل على قلب محمد عليه السلام، وإنما نزل بالعبارة لا القرآن، وخيال جبريل هو الذي نزل على خيال محمد عليهما السلام، ولم ينزل علينا نحن أيضا القرآن وإنما نزل علة خيالنا، وقوله: (وكذب به قومك وهو الحق) وإن القوم ما كذبوا بالقرآن وإنما كذب خيالهم لا لعبارة وهو الحق، فليس القرآن في نفسه بحق وإنما العبارة عنه هي الحق وهي التي كذب خيال القوم وظلالهم.
فمن كان بهذه الصفة، فليسوا بالعقلاء الذين يخاطب الله – عز وجل – أمثالهم، إلا أن تجاهلوا تعمدا.
فصل
ذكر المن والفضل والعدل والإحسان ومن قال إنها من صفات الله
وأما قولهم: إن المن والفضل والعدل والإحسان من صفات الباري سبحانه.
اعلم يا أخي أن الله تبارك وتعالى خالق لم يزل، وفاعل ومثيب ومعاقب ومحيي ومميت ومان ومنعم ومحسن وعادل لم يزل، فإن كان مرادهم فهو جائز، وهذه أسماؤه وصفاته، وإن كان مرادهم أن المن نفسه والفضل والعدل والإحسان صفات لله تعالى، فليلحقوا بها الخلق والرزق والفعل وجميع المحدثات. ولا يقولها مرشد. (1/60)
صفحة 61
فإن قال قائل: ولم أجزتم عليه خالقا ورازقا لم يزل؟ ... وهل الخلق والرزق موجودان في الأزل؟
قلنا وبالله التوفيق:
إن الأسماء لا تقتضي الأوقات، والفاعل يصلح اسما لما يأتي ولما مضى ولما أنت فيه، هذا رجل حاج يريد يحج، وهذا حاج مشتغل بالحج، وهذا حاج على أنه سيحج.
فمن امتنع عن هذا فقل: كابر عن فعل خليل الله – عز وجل – صلوات الله عليه وسلامه (هو سماكم المسلمين من قبل). فمن لم يدخل في تلك التسمية لم يدخلها بعد، والسلام.
والعجب كل العجب من هؤلاء القوم إنهم يرغبون في الكثرة ويرغبون عن الوحدة. فما حاجتهم إلى الكثرة والعدد في توحيد الله – عز وجل -؟
فإن كان مرادهم مدحه فبأن يفردوه أولى من أن يملأوا الأزل عليه قدماء، ولينقصوا من هذا العدد الطويل فهو أولى بالجليل، وهذا حين جعلوا السمع والبصر من المعاني السبعة القائم بالذات: ذات الباري سبحانه، والسمع والبصر فرعا العلم، أو ليس البصر كناية عن درك الألوان؟ والسمع كناية عن درك الأصوات؟ فهما نفس العلم.
وإن كان مرادهم كثرة المعاني في الأزل مع الباري سبحانه، فعليهم بالطعوم فلينحلوه الذوق ويجعلوه ثامنا.
وعليهم بالروائح فلينحلوه الشم ويجعلوه تاسعا.
وعليهم بالمحسوسات كلها فلينحلوه اللمس ويجعلوه عاشرا. وليتبعوا الخلق ما دام لفن من العلوم اسم فيسموه به ويجعلون ذلك المعنى قائما بذاته فيصفونه، كمذهب الأعرابي وإن أخطأ في الملائكة أسهل حالا من خطاياهم في الباري سبحانه، حين قال:
وذو العرش محمول على ظهر سبعة ........ ولولاه راموا النهوض ولا كادوا. (1/61)
صفحة 62
فقيل له: ويحك جعلت الباري سبحانه محمولا، وجعلت الحملة الثمانية سبعة؟
فقال الأعرابي: أليسوا إذا نقصوا من عددهم كانوا أقوى لأسرهم؟
فذهب في الحملة إلى أن نقصان العدد أقوى للأسر، وذهب هؤلاء إلى أن زيادة العدد أقوى في المدح.
فالأعرابي أفطن في المعنى الباطن، وهم ذهبوا إلى الحس الظاهر، ولا شك أن القوم ما اغترفوا إلا من بحر الدهرية في قولهم: إن الله تعالى هو العلة، والخلق هو المعلول، ولن يفارق المعلول العلة. فإنهم قالوا للموحدة: ألم تقولوا: إن الله قبل خلقه؟
قلنا: نعم.
قالوا: ثم أحدث الخلق.
قلنا: نعم.
قالوا: إنه ليس بين وجود الله تعالى وخلقه الخلق مسافة ولا مدة ولا عدة ولا آفة لم يسبق الخالق الخلق إلا بالمقدار الذي يسبق به الآله الظل في الحركة والسكون، أو الكون والمكون. فهذا غرض القوم غير أنهم لم يقدروا أن يبوحوا بأكثر مما يتعلق بصفات الباري سبحانه المعهودة عند الناس، غير أنهم حادوا إلى مذهب الدهرية.
ولا شك أنهم شموا رائحة أبي شاكر الديهاني الذي فتح لهم الباب في نفي خلق القرآن بمكيدة عظيمة كادهم بها. وقد تقدم ذكرها.
وإذا فرغنا من الرد على الأشعرية، فلنعقب بالرد على رسالة جاءتنا من ناحية غانة على يد رجل يسمى عبد الوهاب بن محمد بن غالب بن نمير الأنصاري، وجهها إلى أبي عمار عبد الكافي بن الشيخ أبي يعقوب إسماعيل التناوتي، فتوفي – رحمة الله عليه – قبل أن يرد الجواب، فرددنا جوابه وهي هذه (1/62)
صفحة 63
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
رسالة الفتية عبد الوهاب بن محمد بن غالب بن نمير الأنصاري إلى الفقيه الآجل أبي عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب بنت إسماعيل التناوتي رحمة الله عليه.
يسأل عن بعض مسائل السنية في الوعد والوعيد والنظر إلى الباري سبحانه وتعالى.
فقرات لم ترقن (1/63)
صفحة 64
صفحة غير مرقونة (1/64)
صفحة 65
صفحة غير مرقونة (1/65)
صفحة 66
صفحة غير مرقونة (1/66)
صفحة 67
وأعظم آية عبرة: كلب أصحاب الكهف، قال الله - عز وجل -: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) فشملهم وإياه النوم إلى يوم القيامة.
وفي هذه البهائم آيات ومعجزات وفي صنائعها ومصانعها وتربيتها لأولادها وطاعتها لملوكها، وفي الموتان أسرار عجيبة لا يعلمها إلا الله - عز وجل - فضلا عن الحيوان.
ثم قال عبد الوهاب: (وذهب فريق إلى أن الثواب حتم على الله والعقاب واجب على مقترف الكبيرة إذا لم يتب منها، ويحبط جميع عمله باقتراف زلة واحدة، فكيف يستقيم أن يحبط جميع عمل العبد؟)
الجواب:
فالذين قالوا: إن الثواب حتم على الله قد أساءوا الأدب، إنما كان ينبغي لهم أن يقولوا حتم في واجب الحكمة بعد أن يصح ما قالوا: إنه واجب، فإن ذكره في بني آدم والجن فربما.
وأما الملائكة فقد قدمنا القول فيهم.
وقولهم: إن العقاب واجب على الكبير إذا لم يتب، فقد صدقوا.
وأما قولهم في الإحباط فغلط، وليس يحبط الكبير من عمل العبد شيئا إنما يحبط الثواب، لم يقل أحد: إن من عمل الكبير لم يصل ولم يصم، إنما الإحباط في الثواب.
ويعجبه أن قال: (كيف يستقيم إحباط جميع عمل العبد) وقد تقدم فيه الجواب، ولو شاء صاحب الشرع أن يحبط الكبير كالشرك لفعل، وليس في العقل ولا في الحكمة ما يبطله، ولكن الرؤوف الرحيم لم يفعل ذلك.
وأما قوله: وإن كان الثواب والعقاب متنافيين، فليس الثواب أن يحبط أولى من العقاب أن يسقط، والشرع يدل عليه وعلى درء السيئات بالحسنات، [[[فإحباطه العقاب أحق وقد قال الله - عز وجل
(إن الحسنات يذهبن السيئات).]]] (1/67)
صفحة 68
الجواب:
أن الثواب والعقاب متنافيان، وليسا متنافيين عند السنية، وقد أوجبوا العقاب للمؤمنين مرة فليسا بمتنافيين.
وقد ورد الشرع بإحباط الكبير ثواب العمل وبإذهاب الحسنات السيئات، ولابد من تغليب أحدهما على الآخر، فالكبير يحبط الثواب على صفة والحسنة تذهب السيئة على صفة.
وأما إحباط العقاب على كبير بغير شيء أي من غير مفكر فلا، وهي مسألة ما بيننا وبين المرجئة، فقالوا: إن المصر المعاند لربه والمبتدع الأحول عن ربه يسقط العقاب عنهما، بغير الشرط الذي شرط الله عليهما من التوبة والحسنة والمصيبة والسيئة.
وأما قوله: (الإيمان أجل أعمال العبد وأعلاها وهو ثابت والطاعة ثابتة، ومصدر الطاعة التوحيد الذي لا يتم إلا به، ثابتة على حقائقها.
الجواب:
قوله: (والإيمان أجل أعمال العبد)، فقد صدق، ولسنا نمتنع من أن يسقط به الباري سبحانه عقوبة المعاصي مثل سائر الحسنات، وإنما أنكرنا من المعاصي صنفين: الإصرار والبدعة، والحكمة قد منعت من إسقاطهما بحسنة أو سيئة.
وأما قوله: (والإصرار على الكبيرة لو كانت تدرأ الطاعات لكانت تنافي صحتها، كالردة ومفارقة الملة)، وهذا لا يلزمنا لأنا لا نقوله بل نقول: التنافي في المتضادات وليس التنافي في المختلفات، والطاعة فعل العبد وضدها المعصية، والثواب فعل الباري سبحانه وضده العقاب، وليس بين الطاعة والعقاب تناف ...
وقوله: (ينافي صحته، كالردة ومفارقة الملة) تحكم وتهكم لا جواب له كالسماء والأرض والجسم والعرض. (1/68)
صفحة 69
واعلم أن الثواب ينحبط باقتراف زلة واحدة ولا ينحبط العمل، فعلم هذا من الشرع، وليس من جهة العقل، ولو شاء من له الخلق والأمر، أن ينافي الكبير كل طاعة في الدنيا، كالردة ومفارقة الملة لفعل.
وقال عبد الوهاب: (فإن قال قائل: إن الوعد والوعيد خبران واقعان على الحقيقة، لا يجوز الخلف في أحدهما، لأنهما عمومان جاريان على عمومهما، فلا يكون بخلاف مخبره، لأن ذلك لا يجوز عند الأصوليين في خبر الله تعالى).
وأما قوله: (إن الوعد والوعيد خبران لا يجوز الخلف فيهما) فصدق، ولن يخلو هذا الأمر من أحد خمسة أوجه:
أما أن يصح خبر الوعد ويبطل خبر الوعيد، أو يصح خبر الوعيد ويبطل خبر الوعد، أو يبطلان جميعا أو يصحان جميعا، فليس يصح في هذه لوجوه الأربعة شيء.
وأما أن يجعل لكل واحد منهما حظا ونصيبا فربما ...
فأما نصيب الطاعة، فبإجماع الأمة أن الثواب لا يصح بخصلة واحدة، فيثنيه الله تعالى على الصلاة وحدها مع بطلان الزكاة والصوم والحج، أو الزكاة وحدها مع بطلان غيرها، إلا أن كان سبب شرعي كالتوبة وغيرها.
وأما نصيب المعاصي، فإن الله تعالى حط جميع المعاصي بالتوبة، وهي الترياق الأعظم، أو بالأدوية: والأدوية مخصوصة لأدواء مخصوصة كالسيئات، فإن الحسنات تخص معاصي معلومة.
فنصيب الجميع أن من معه من الصالحات ما يقابل السيئات فهذا من أهل الجنة، كالذي يروي عن أهل الأعراف: أنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ومقدار ذلك وعلمه عند الله.
وقد علمنا أن السيئات تدرأ باجتناب الكبائر وبالمشيئة، مثل التوبة والحسنة والمصيبة وشفاعة المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، وأهل الأعراف وما وراء ذلك فمظنون غير متيقن، لكن المصر والمعاند لربه والمبتدع الذي فارق الإسلام فلا ... (1/69)
صفحة 70
وقال عبد الوهاب: (وهل يجوز أن يخبر بما لا يريد؟ أو لا يخبر إلا بما أراد في الأزل بخلاف الأمر؟ لأن الأشعرية ذهبوا إلى أن الله تعالى يأمر بما لا يريد، لأن الله – عز وجل – أمر رسوله أن يأمر أبا جهل وغيره من كفار قريش أن يؤمنوا، ولم يرد منهم الإيمان، وأخبر أنهم لا يؤمنون).
الجواب:
اعلم أن الإرادة تشتبه على من لم يعرف حقيقتها.
أحيانا تشير إلى المحبة، وأحيانا إلى الاختيار.
وقد أخبر الله – عز وجل – على مالا يريده، وقد أخبر عن الكفر، وهو لا يريده، بمعنى كرهه ومنى عنه.
وحكايته عن الأشعرية أن الله يأمر بما لا يريد قد كان، فالأمر: فعل عندنا، والإرادة: صفة، وعند الأشعرية: أنهما معنيان يوصف الله تعالى بهما، وما حكوا عن أبي جهل فصحيح، وكذلك بعض قريش، لو أراده منهم حتما لأرادوه، ولو أراده منهم أمرا لأمكن الوجهان أن يريدوه أو أن لا يريدوه.
وهذه المسألة إنما هي المثبته والمزيلة، وقد شملنا نحن والأشعرية جوابها، والله المستعان.
وقال عبد الوهاب: (فإن احتج من يقول بإنفاذ الوعيد ويقول كما لا يجوز الخلف في الوعد كذلك لا يجوز الخلف في الوعيد لعموم الإرادة لهما ويحتج بقوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا). أو بقوله: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) إلى قوله: (إلا من تاب). فهذه الاستثناءت كلها لمن تاب، ومن لم يتب فهو باق في عموم الآيات المتقدم ذكرها).
الجواب:
قوله: (فإن احتج محتج بإنفاذ الوعيد، ويقول: كما لا يجوز الخلف في الوعد كذلك لا يجوز في الوعيد). (1/70)
صفحة 71
قلنا: صدق. قال الله – عز وجل -: (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد) إلى قوله: (للعبيد). فهذه المسألة لنا لا علينا: إنما هي على الأشعرية الذين خصوا هذه الآيات العمومية بالمشيئة الظاهرة والتجأوا إلى المشيئة الخفية.
وقد تقدم القول في الوعد والوعيد في أن كل واحد منهما مخصوص في ذاته بفنون المشيئة، والوعيد مخصوص بالسلامة من الموبقات، وإما إذا كانت فلا.
قال عبد الوهاب: (فإن قال الأشعري: جميع ما استدللتم به فهو منتقض، وما استدللتم به من العمومات فنعارضها بمثلها، إذا سلمنا القول بالعموم، كيف والقول بالعموم عندنا باطل؟ إن العموم لا صيغة له عندنا، وقد قال الله – عز وجل -: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وهذا نص في موضع النزاع).
الجواب:
فجواب الأشعري: إن كل ما ادعيتم بمنتقض وأما معارضة العمومات بمثلها فلن يخفى على أحد قالوا، ولن تنفعهم ولن تضرنا.
والأصل الذي اجتمعت عليه الأمة أن نجعل عام لكل عام ونقيضه نصيبا، وأما إثباتها أو بطلانها فمحال، فإن كان القول بالعموم باطلا، فما حصل في يده شيء إلا الباطل، وإن مال إلى الخصوص قابله خصوص مثله، فالتوبة تحبط الشرك وجميع المعاصي، وكذلك قوله: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) وقوله: (ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره).
فإن قال قائل: هذا لمن تاب. وقلنا هذا لمن أصر. فإن ادعى المشيئة في الذنوب ادعينا التوبة فيها.
وقوله: (خروج عن الظاهر بلا دليل خطأ، وتعليق التوبة بالآية لم يوجد لا ظاهرا ولا مضمرا).
قلنا: بل وجدت ظاهرا ومضمرا. أما الظاهر فقوله تعالى: (وإني لغفار لمن تاب) الآية. (1/71)
صفحة 72
والمضمر: أن التوبة حتم في إزاحة المعاصي وبطلان العقاب عن العاصي، ولا توبة ولا رجوع يدل على إباحتها، وليس لمغفرة المعاصي بالمشيئة لا بالتوبة طائل أشبه شيء بالإباحة.
وأما قوله: (قبول التوبة حتم). فينتقض عليه بقوله: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات) إلى قوله: (الآن). ولو شاء لم يجعل للتوبة مخرجا وقال: من عصاني فلا أقبل له توبة.
وكان جائزا. وقال عبد الوهاب: (فإن قال قائل في قوله: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) لفظة (من) من أدوات الشرط، فوجب أن تقول لجميع المجازين. قيل: هذا لا يسلم لهم، لأن لفظة (من) وإن وردت مورد الشرط فلا تكون مستغرقة لجميع ما وردت فيه، لأن الشاعر قال:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم= ومن لا يظلم الناس يظلم
وليس كل من لا يظلم الناس يظلم، وهذا موجود كثير)
الجواب:
قوله: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) أن لفظة (من) غير مستغرقة للجنس واستدل بقول الشاعر، أما هذه فله فيها أعظم الحجة، لأن هذا الشاعر أصدق القائلين مثل رب العالمين، تعالى الله عما يتوهم الجاهلون، وقد استدل بقول من يجوز عليه الكذب، وما استدل بقول أصدق القائلين، قول الله – عز وجل -: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) يدخلها المشركين، ليس كل مشرك تحرم عليه الجنة (*).
وإنما يؤخذ عن العرب من أقوالها صور الأسماء، وتصاريف الأفعال، وصيغ الحروف، بشرط أن يجيء على مفهوم كلام العرب، (1/72)
صفحة 73
وأما ما وراء ذلك من الأخبار، فخبرهم غير مقبول، وخروجهم عن المعقول فذلك غير مجهول، ولا يناظرهم بهم الصادق الأزلي الحكيم العلي.
وكذلك قوله: (ومن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا) (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار) (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا نكفر عنه سيئاته)، وفي أمثالها.
قال عبد الوهاب: (سؤال ثان في اختلافهم في رؤية الباري سبحانه في المعاد: ذهبت الأشعرية إلى أن الله تعالى مرئي في الآخرة بدليل الوجود، وأن كل شيء موجود جائز أن يرى، فلا يمنع ذلك مانع، إذا كان ذلك ليس يرى بجنسه ولا في مكان ولا حد ولا صورة ولا شكل، لأن الله تعالى لا يوصف بالأماكن ولا الحدود ولا المقابلة، ولا تجوز عليه المعاينة التي هي من جنس المقابلة، إذ لا تقابله الأجسام، تعالى عن ذلك).
الجواب:
قوله: (إن الله تعالى مرئي لأنه موجود، وأن كل موجود مرئي) فهذا ينتقض عليهم بسائر الأعراض أنها غير مرئية على أنها موجودة، ولاسيما من لا يوصف باللون، فإن الأبصار لا ترى إلا الملونات.
وقول الأشعري: (إنه مرئي في الآخرة، بدليل الوجود) وكذلك مرئي في الدنيا بدليل الوجود ولا
يقولونه، وأخرى: أن هذه الدعوى تنتقض عليهم باللمس، ولو أدعى أنهم يلمسون إلههم ويذوقونه ويطعمونه ويشمونه ويصافحونه بدليل الوجود لكان أشبه، تعالى الله عن ذلك.
واعلم أن الوجود ليس بصفة، ولا يقتضي حكما، ولا يوجب علة، إنما هو إثبات، فلو استدل مستدل على أن كل المتضادات بأي صفة أراد، واعتل بالوجود لصح له اعتلاله. (1/73)
صفحة 74
وأما قوله: (ولا يمنع من ذلك مانع). فإن أول مانع عقله، إن أنصف نفسه، ومن وافقه على ذلك، حتى يجعله حجة بينه وبين خصمه.
ثم عقب فقال: (ولا يمنع من ذلك مانع، إذا كان ليس يرى بجنسه ولا في مكان ولا حد ولا صورة ولا شكل، لأن الله تعالى لا يوصف بالأماكن ولا الحدود ولا المقابلة، ولا تجوز عليه المعاينة التي هي جنس المقابلة، إذ لا تقابله الأجسام تعالى عن ذلك).
فإن كان هذا من كلام الأشعري فقد أبطل الرؤية بهذه المعاني التي نفاها عن الرب سبحانه، إذ لا تثبت الرؤية إلا مع هذه المعاني.
وإن كان من كلام خصمه، فبذلك أبطل عن الإله الرؤية، إذ لا يوصف بشيء من هذه الصفات التي نفاها عن الله سبحانه وتعالى.
وقال عبد الوهاب: (فإن قيل ما استدللتم به من أن كل موجود يصح أن يرى منتقض بالادراكات لأنها موجودة ولا تصح رؤيتها فبطل ما قلتموه).
قيل له: قال الأشعري: (جائز أن يرى إدراكنا بإدراك يخلق لنا في غير محل، فندرك إدراكنا به).
الجواب:
وقوله: إنا نرى الإدراك الأول بإدراك آخر في غير محل، فما بال الإدراك الثاني في غير محل دون الأول يلزمه في الأول، والثاني أن يخلق إدراكا ثالثا في غير محل، وللثالث رابعا وللرابع خامسا، إلى ما لا منتهى له ولا غاية.
قال عبد الوهاب: (فإن قيل ما استدللتم به في إثبات الرؤية، فهو نفي الرؤية، لأنا لم نجد شيئا مرئيا إلا في إحدى الجهات الست، ولا يخلو أن يكون جنسا، أو في مكان أو مقابلة، لأنا لم نجد مرئيا إلا على هذه. (1/74)
صفحة 75
وقد قام الدليل على نفي هذه الجهات والأماكن عن الله تعالى، إذ لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئا، لأن هذه كلها مخلوقات، ولن تصح لكم رؤية).
الجواب:
اعلم أن جميع ما حكاه عنا في هذا فصحيح بدليل حقيق.
قال عبد الوهاب: (قيل له جائز أن يخلق الله لنا إدراكا في الآخرة، غير هذا الإدراك الحال في أعيننا، فندركه بالإدراك المخلوق فينا، وليس من شروط هذا الإدراك أن يكون حالا في العينين، وجائز أن يكون في القلب، وفي غيره من أعضاء بني آدم، فندركه تحقيقا من غير حد ولا كيفية).
الجواب:
اعلم أنه إن صح ما قال، فقد أبطل الرؤية وأثبت معنى العلم الحال في القلب، أو فيما أراد من الأعضاء.
فإن أبطل الحد واللون والجهة والمعاينة والمقابلة، سوغنا (1) له غلطة في لفظ الرؤية.
قال عبد الوهاب: (فإن قيل: ما الدليل على جواز رؤيته في القرآن؟ قيل له: قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة). والنظر في كلام العرب إذا قرن بالوجه، ولم يضف الوجه الذي قرن بذكره إلى قبيلة ولا عشيرة، وعدى بحرف الجر، ولم يعد إلى مفعولين، فالمراد فيه النظر بالبصر).
الجواب:
أنه أغفل وجها آخر وهو الجسد كله، لأن الوجه الذي هو أفضل الجسم خاطبوا به، (1/75)
صفحة 76
وإن أرادوا به البدن كله، ولا يريدون به النظر ولا البصر، كما يقول بعضهم: فعلت هذا لوجهك يريد به لك، قال الله تعالى: (وجوه يومئذ باسرة) الآية يريد البدن كله، وفعلت هذا لوجه الله يريد الله، فلم يقصره على النظر، جاء وجه القوم، وهذا وجه الناس، للرجل كله.
قال عبد الوهاب: (فإن قيل: أفليس قد تمدح الله تعالى بقوله: (لا تدركه الأبصار) كما تمدح بقوله: (بديع السموات) فكيف يجوز أن تردوا عنه مدحته؟
قيل له: إنما تمدح بقوله: (وهو يدرك الأبصار) ولم يمتدح باستحالة إدراكه الأبصار، لأن الطعوم والروائح وأكثر الأعراض، لا يجوز عندكم أن ترى بالأبصار، وليست ممدوحة بذلك).
الجواب:
قيل له: إن الله لم يتمدح بقوله: (لا تأخذه سنة ولا نوم)، لأن الأعمدة والحيطان والنحل والشجر ولا تأخذها سنة ولا نوم، كما لم يمتدح بقوله: (لا تدركه الأبصار) (2).
قال عبد الوهاب: (فإن قيل: قوله: (لا تدركه الأبصار) نفي عام كما قال تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم)، فلا فرق بين الآيتين لاشتراكهما في عموم النفي.
قيل له: لا يصح الجمع بين الآيتين ولا بينهما مناسبة، لأن الآية التي جاءت (لا تأخذه سنة ولا نوم). أجمع المسلمون قاطبة أنه لا يجوز على الله السنة ولا النوم، لأنهما صفة نقص لا تجوز على الله سبحانه، لأنه مستحيل ذلك عليه.
والرؤية مما اختلف فيه الناس، لا يحتج بالإجماع في موضع الخلاف.
والحجة في إثبات الرؤية قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)، وجاء مقيدا بالآخرة والآية التي وردت وهو قوله: (لا تدركه الأبصار) ورد مطلقا فيرد المطلق إلى المقيد لأنه من جنسه). (1/76)
صفحة 77
الجواب:
وفي قوله في التفرقة بين الآيتين (ولا فرق) وبينهما أعظم المناسبة في اجتماعهما في النفي.
وقوله: (أجمع المسلمون قاطبة أن النوم والسنة لا يجوزان على الله تعالى).
قلنا كذلك أجمع المسلمون أن الأبصار لا تدركه، لأنه صفة نقص.
فإن اختلف الناس في هذه فقد اختلف معه الدهرية في تلك وعلته أنها صفة نقص وعلتنا إنها صفة عجز.
وقوله: (إلى ربها ناظرة) جاء مقيدا بالآخرة فلا يرد المطلق في هذه إلى المقيد، لأن قوله في الدنيا، وحكم تلك في الآخرة، فاختلفنا، فلا يرد مطلق إلى مقيد اختلفت بهما الدار ولو كان من جنسه.
قال عبد الوهاب: (فإن قيل: ما معنى قوله: (لن تراني)، وهذا شرط نفي نفي الرؤية في الحال والاستقبال. وقوله: (تبت إليك)، هل تاب إلا من مسألة الرؤية؟ وقوله: (أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم)، فهذا كله دليل على نفي الرؤية. وقوله: (فخر موسى صعقا).
قيل له: أما قولكم (لن تراني)، شرط في نفي الرؤية، فغير مسلم لكم لأن (لن تراني) إنما كان جوابا لسؤله في الحال لا في الاستقبال، ولو كانت الرؤية مستحيلة عليه لما سأله موسى وهو نبي الله وأمينة ومن جعله واسطة بينه وبين خلقه ومتحملا لرسالته، أن يسأله المستحيل)
الجواب:
أن جميع ما اعتل به في قوله (لن تراني) وقوله (تبت إليك) وقوله (أرنا الله جهرة) وقوله (فخر موسى صعقا) فجميع ما استدل به في هذه الآيات صحيح قطعا. وقوله: (إنما كان سؤاله للحال لا الاستقبال) فغير مسلم.
وقوله لو كانت الرؤية مستحيلة لما سأله موسى، فليس كل المستحيل (1/77)
صفحة 78
يعلمه موسى، وكقوله لنوح عليه السلام: (ولا تسألني ما ليس لك به علم) وكان نوح لا يدري أن المشرك محال دخوله الجنة.
وقوله (لن تراني) اعلم أنه حرف إياس لا مطمع فيه، وربما يرى الأشعري ربه في الآخرة ولا يراه موسى في الآخرة، ولو جاز عليه أن يرى لقال (لا تراني) فقد أيأس موسى من رؤيته، إلا إن طمع هو في الاستقبال أن يرى ربه، ولن يراه موسى، ولن من حروف اليأس لموسى وغيره.
وقوله (تبت إليك) ولم يقل الله: إنه تاب من مسألة الرؤية، فمن اعتقد في موسى أحد المعنيين، أما أن يثبته أحمق يعاقب على شيء ويتوب من غيره، أو من تركه، أو أن يكون موسى منافقا، يعاقبه ربه على شيء، ويظهر له التوبة في خلافه، فأي المعنيين أراد فليذهب إليه السامع.
وقوله: (ربما خطرت له ذنوبه فتاب منها وأغفل هذا) غير مستحيل عن غير عاقل.
وقوله: (أرنا الله جهرة) قال: (لن تأخذهم الصاعقة لاستحالة الرؤية).
قلنا كذلك، لكن لسؤالهم الرؤية وهو فعلهم، واستحالة الرؤية فعل الله – عز وجل -.
وقوله: (علقوا إيمانهم برؤيتهم إياه فبذلك أخذهم). لا أدري ما أراد.
قال عبد الوهاب: (فإن قيل: أراد الله بالنظر الذي في الآية الانتظار كما قال الله – عز وجل – (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) أي ينتظرون، وقال الله – عز وجل – (انظرونا نقتبس من نوركم) وهذا كله بمعنى الانتظار.
قيل له: لا يصح ما ذكرته، لأن النظر في لغة العرب يتصرف على أربعة أوجه لا خامس لها.
أحدها: أن يكون النظر بمعنى التعطف والرحمة – قال الله تعالى: (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) ولم يرد أنه لا يراهم، لأن رؤيته تعالى محيطة بهم وبغيرهم، وإنما هو نظر تعطف ورحمة. (1/78)
صفحة 79
والثاني: أن يكون النظر بمعنى الاعتبار كما قال تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف) الآية.
الثالث: بمعنى الانتظار كما قال الله – عز وجل -: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) أي ما ينتظرون، وقوله: (انظرونا نقتبس من نوركم).
الوجه الرابع: هو النظر المعروف بالعين، فلا يجوز أن يكون قوله – عز وجل – (إلى ربها ناظرة) بمعنى الاعتبار، لأن الآخرة ليست بدار اعتبار ولا تكليف، ولا بمعنى الانتظار، لأن الانتظار إنما هو في القلب، فإذا قرن النظر بذكر الوجه، لم يجز أن يراد به القلب، كما أنه إذا أريد به نظر القلب، لم يجز أن يكون مقرونا بذكر الوجه.
وأيضا فإن نظرته بمعنى انتظرته فعل متعد بنفسه لا بحرف الجر، والذي ذكره من وجوه النظر صحيح).
الجواب:
اعلم أن الوجوه التي ذكرت في النظر صحيحة، والذي أراد الله في هذا الانتظار، والوجوه أراد بها الأبدان، لاستحالة النظر إلى ذات الباري سبحانه إلا بإيجاب تشبهه بخلقه، تعالى عن ذلك.
وقوله: (نظرته بمعنى انتظرته فعل متعد بنفسه لا بحرف). فإن خاطبت به ثلاثيا استغنى عن التعدي وانقطع العتاب.
قال الفقيه عبد الوهاب: (مسألة أخرى في القرآن).
(ومما اختلفوا فيه اختلافا كثيرا في القرآن هل هو مخلوق، أو غير مخلوق؟
فذهبت الأشعرية إلى أن القرآن غير مخلوق، إذ كل مخلوق لا يخلو أن يكون جسما أو عرضا أو جوهرا عند من يثبت الجوهر، ولو كان القرآن جسما لكان قائما بنفسه، ومحتملا للصفات، وجاز عليه الكلام، فكان يجيء من هذا كون القرآن متكلما بالقرآن، وكذلك نقول في القرآن: الثاني والثالث، إلى غير نهاية. (1/79)
صفحة 80
والذي يدل عليه أنه ليس بعرض ما أقمناه من الدليل، على أن العرض ومن حله العرض محدثان، والله تعالى لا يصح كونه محدثا.
فإن قيل: هو عرض فعله الله في غيره، وذلك لا يؤدي إلى حدثه تعالى.
قيل له: فينبغي أن يكون ذلك الغير المفعول فيه العرض هو المتكلم بالقرآن، وهذا أيضا دليل على بطلان قول من ذهب إلى أنه عرض، ولا يصح أن يكون المتكلم من فعل الكلام، لأنه لا يخلو فعله في نفسه أو في غيره أو لا في مكان، فمحال أن يفعله في نفسه، لأن ذلك يؤدي إلى كونه ذاته محلا للحوادث.
وكذلك إن فعله في غيره، كان ذلك الغير متكلما به، وإن فعله لا في مكان استحال ذلك، لأجل أن الصفات لا يصح فعلها لا في مكان، لأن ذلك يؤدي إلى قيامها بأنفسها).
الجواب:
قوله (لا يخلو أن يكون جسما أو عرضا أو جوهرا، ولو كان جسما لكان قائما بنفسه ومتحملا للصفات) فصحيح.
وأما قوله: (وجاز عليه الكلام)، فدعوى ليس تحتها برهان، فليس كل جسم يتكلم ويحكم، فكان يجيء من هذا كون القرآن متكلما بقرآن آخر وكذلك نقول في القرآن الثاني والثالث إلى غير نهاية، ويلزمه في جميع خلق الله مثل هذا، ولو كانت الأرض جسما، لكانت قائمة بنفسها ومحتملة للصفات، وجاز عليها الكلام، فيجيء من هذا كون الأرض متكلمة بكلام، وللكلام كلام إلى غير نهاية.
وقوله: (والذي يدل على أنه ليس بعرض ما أقمناه من الدليل، أن العرض ومن حله العرض محدثان، والله لا يصح كونه محدثا). فدلنا نحن أيضا على حدوثه أن العرض ومن حله محدثان فعلمناه أنه محدث، إذ هو عرض واحد في الجسم.
وقوله: (والله تعالى لا يصح كونه محدثا). فعلى قوله: إن القرآن هو الله. فلذلك لا يصح كونه محدثا. (1/80)
صفحة 81
قال عبد الوهاب: (فإن قيل: هو عرض فعله الله تعالى في غيره، وذلك لا يؤدي إلى حدوثه تعالى.
قيل له: فينبغي أن يكون ذلك الغير المفعول فيه العرض هو المتكلم بالقرآن، وهذا يدل على بطلان قول من ذهب أنه عرض، ولا يصح أن يكون المتكلم من فعل الكلام، لأنه لا يخلو فعله في نفسه، أو في غيره، أولا في مكان، فمحال أن يفعله في نفسه، لأن ذلك يؤدي إلى كون ذاته متكلما به.
وإن فعله لا في مكان استحال ذلك، لأجل أن الصفات لا يصح فعلها لا في مكان، لأن ذلك يؤدي إلى قيامها بنفسها).
الجواب:
وقوله: (عرض فعله تعالى في غيره وذلك لا يؤدي إلى حدوثه تعالى) صدق.
(قيل له: فينبغي أن يكون الغير المفعول فيه العرض هو المتكلم بالقرآن) فهذا الذي قال غير مسلم، ونحن نقول: إن الله تعالى جعل من تصفيق حجرين كلاما، أو من صدى جبل كلاما، أنه ليس بكلام الجبل، إلا إذا كان في الجبل حياة أو في الأحجار، فعند ذلك ينسب إليهما الكلام.
كما أنا نقول: إن القرآن يكتب في المصحف وفي الألواح، وربما يخلقه الله تعالى فيه خلقا، ولا يؤدي أن يكون المصحف أو اللوح متكلما، وليس فيما قال دليل على بطلان قول من ذهب إلى أنه عرض، ولا يصح أن يكون المتكلم من خلق الكلام، بل من فعله هو المتكلم دون من خلقه، ألا ترى إلى الرباب والعود، كيف يقع منهما الكلام، والله خلقه فيه، ولا يكون الله تعالى متكلما به. (1/81)
صفحة 82
وقد قلنا: إن الله فعل الكلام في غيره، وهو كلام الله لا في نفسه كما قال بل في مكان، وربما فعله في غيره ولو تكلم به غيره، وكانت الطاقة هي المتكلم، وليست الطاقة هي المتكلمة.
وقال عبد الوهاب: (فإن قيل: لو كان قديما غير مخلوق والله قديم لكان قديمين، وإذا كانا قديمين كانا مثالين، لأن الاشتراك في أخص الصفات يوجب الاشتراك فيما عداه).
الجواب يقال لهم: وكذلك من قال: كانت الحياة في الإنسان، والله تعالى حي، يوجب الاشتراك، ولا نقول: إن القرآن قديم، بل عرض محدث وإنما يجب ما قاله على من قال: إن القرآن غير مخلوق
وأما من قال: مخلوق، فهو بعيد عن الاشتراك في القدم أو في غيره.
وقال عبد الوهاب: (وذلك أن الكلام هو الأصوات المقطعة والحروف المنظومة، وأنه لا يوجب الكلام سوى هذا، ولا يعقل).
قالوا: وإذا كان الكلام أصواتا مقطعة وحروفا منظومة، لم يصح أن يفعله الله تعالى إلا في غيره، فثبت أنه محدث مخلوق، بدليل من حلف على أن الله تعالى خالق لكل شيء غير حانث، وهذا إجماع
وأجمعوا أيضا على أن كل موجود لابد أن يكون خالقا أو مخلوقا، والمخالف يقول إن القرآن موجود وشيء، ويقول إنه ليس بمخلوق ولا خالق، ومع هذا إنه شيء.
ومن زعم أنه ليس بشيء، فقد كذب الله بقوله: (إن يقولوا ما أنزل الله على بشر من شيء، قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى).
وأيضا وجدنا القرآن يتضمن الأمر والنهي والإخبار والإستخبار، والوعد والوعيد، وقصص الأولين والأمثال، وهذه كلها حقائق مختلفة ومتغايرة.
فكيف يصح أن تكون قديمة قائمة بذات الباري سبحانه، وهي متخالفة ومتغايرة، وهذه كلها سنة الحدوث. (1/82)
صفحة 83
وأيضا فإنا وجدنا في القرآن الأنبياء وغيرهم وهي محدثات، وقد قال تعالى: (فاخلع نعليك) وهذا خطاب لموسى في إجماع المسلمين وموسى معدوم إذاك، فكيف يصح الأمر والخطاب وليس ثم مخاطب ولا مأمور.
وقال تعالى: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد)، فأثبت النزول.
وقال تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث).
وقال: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة).
وقال: (إنا جعلناه قرآنا عربيا) وهذا كله صفة المخلوق. وهذا الذي تقدم كله حجتنا.
قال عبد الوهاب: (قيل له: أما استدلالك على أن القرآن كان قديما، والله قديم، كانا مثلين لا يصح، لأن حد المثلين ما سد مسد الآخر فناب منابة، ولا يصح أن يكون الاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك فيما عداه، لأن الله تعالى حي وعالم وقادر، وقد قام الدليل على أن هذه الصفات موجودة في الخالق والمخلوق، ولا يصح أن يكون المخلوق مثل الخالق لاشتراكهما في هذه الصفة).
الجواب:
فهذه الأمور التي ذكرها كلها لنا علينا، وصدق فيما حكاه (1).
وقال عبد الوهاب: (وأما استدلالهم أن في القرآن الأمر والنهي وغير ذلك مختلفة متغايرة، فلا يصح أن تقوم بذات الباري سبحانه فصحيح، لأن كلام الله تعالى الذي هو قائم بذاته، فهو كلام نفس لا يصح فيه التغاير لأنه كلام واحد لا يتغير في نفسه ولا ينقطع ولا يتجزأ، والأمر والنهي فيه واحد.
فإذا أراد يفهم المخلوق كلامه خلق في فهمه الأمر والنهي وتغير في نفس المخلوق لا الخالق) (1/83)
صفحة 84
الجواب:
وهذا الذي ذكر في كلام الله سبحانه واحد وهو قائم بذاته وهو كلام نفس، إلى ما ذكر في أن تغير الأمر والنهي فيه إنما يتغير في نفس المخلوق لا الخالق.
وكذلك الخلق والرزق من صفاته هما واحد إنما يتغيران في المخلوق.
وكذلك العقاب والثواب هما غير مخلوقين، إلا إذا صارا في المخلوق، وأما في صفة الخالق فهما واحد. وكذلك إذا أراد أن يعذب مخلوقا أو يثنيه خلق في جسده العذاب والثواب، في مثل هذه التخاليط التي لا يعقلها عاقل ولا تنفهم لجاهل.
وقال عبد الوهاب: (وأما استدلالهم بأن أمر المعدوم لا يصح فهو محال إذا كان، فصح أمر المعدوم.
فانظر – وفقك الله وأغناك – على ما قلدك وهذه المسائل في كلام الأشعرية وغيرهم وما احتج به كل فريق على صاحبه وجاوبني على كل مسألة وما احتج كل فريق على صاحبه، لأن الأمر أشكل علي).
الجواب:
وقوله: (إن المعدوم يصح أن يؤمر بالأمر القديم على صفة الاقتصاء)، ولو استدلوا على هذه أن محمدا أرسل إلينا وأمرنا وبلغنا على الاقتصاء لكان أشبه منهم بأمر الله تعالى وبإرساله محمد (صلى الله عليه وسلم)، فهذا الذي قالوا أبي منه العقل لأنه هيولى لا تنفهم للعقل.
وإذا أضافوا إلى الباري سبحانه جميع أفعاله، وجعلوها صفاته في ذاته، وإذا ردوها إلى المخلوق ذهبوا فيها مذاهبهم في المخلوقين، فيحتاجون أن يجروا على أصلهم في الحياة والموت والوجود والعدم والحركة والسكون، فمن جهة الله صار صفة، ومن جهة الخلق كان حياة وموتا. (1/84)
صفحة 85
وقال عبد الوهاب: (فالله تعالى ينور قلوبنا، ويشرح صدورنا للإسلام، وفي علمك - أيدك الله - أن اختلاف المتكلمين في الأصول لا يصح أن يكون الحق في كليهما، بل الحق في واحد، فالمطلوب منك هذا الواحد - لا عدمتك - ونرغب من سيدي الابتهال في الدعاء: أن يحسن الله خلاصي، ويطلق سراحي من بلاد السودان، وأن ينشطني لقراءة العلم وفهمه، ويرزقني منه حظا وافرا، وأن يعصمني من المعاصي، ولا يسلط علي ظالما يبغيني بسوء، فلك الفضل في الدعاء، والرغبة إلى كل من عندكم هناك من العزابة أن تستوهب منهم لي الدعاء ن فإني ضلالة إلا أن ينقذني الله منها.
وكتبه وليك في الله عبد الوهاب بن محمد بن غالب بن نمير الأنصاري. والله أعلم.
نجز الجزء الأول بحمد الله وحسن عونه، والسلام على
نبينا محمد وآله وسلم
* * *
يتلوه الجزء الثاني إن أمد الله في الأجل
وأعان على المقصود ويسر العمل (1/85)
صفحة 86
[الفهرس لم يرقن] (1/86)
صفحة 87
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
الدليل والبرهان
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف: العلامة أبي يعقوب يوسف إبراهيم الوارجلاني
تحقيق: الشيخ سالم بن حمد الحارثي
المجلد الأول
الجزء الثاني
1403هـ/1983م (2/1)
صفحة 88
[صفحة بيضاء] (2/2)
صفحة 89
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وسلم
الجزء الثاني من كتاب الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل لتحقيق مذهب الحق بالبرهان والصدق
ونحن نريد أن نقدم في هذا الجزء الثاني مقدمة، لتوكيد الحق الذي ذكرنا قبل وننبه على ما فيه من الاختلاف والائتلاف، ونجعل الحق أصلا وأسا بيننا وبين الأمة، وبيننا وبين أنفسنا.
والعقل برهان والشرع تبيان فإنه ينبغي للعاقل المحق أن يحاسب نفسه كما يحاسب غيره.
ولا ينبغي للعاقل أن يتخذ دينه لهوا ولعبا فإن من ورائه يوم الفصل بين الحق والباطل، ولا أن يقلد الآباء دينا ولا مذهبا، لأنه الداء العضال الذي أهلك القرون الماضية والأمم الخالية، وانتصارا للسلف وأيضا للخلف ترك البحث عما في اليد من الهوى والردى تقليدا للأب والجد.
وأنشد الحسين بن علي بن الحسين بن عمرو بن علي بن أبي طالب لنفسه، ومان من العباد، وأكثر أولاد الحسين بن علي وأخيه عمرو بن علي على غير طريقة أبيهم وأولاد الحسن بن علي سلكوا على أسلوب آبائهم.
تريد تنام على ذي الشبه فلعلك أن تمت لم تنتبه
فجتهد وقلد كتاب الإله لتلق الإله إذا مت به
وقد قلد الناس رهبانهم وكل يجادل عن راهبه
وللحق مسنتبط واحد وكل يري الحق في مذهبه
وفيما أري عجب غير أن بيان التفرق من أعجبه (2/3)
صفحة 90
وروى عبد الوارث بن سفيان ويعيش بن سعيد قالا: أخبرنا قاسم بن أصغر قال: أخبرنا بكر بن حماد قال: أخبرني بشر بن حجر قال: أخبرنا جرير ابن عبد الله الواسطي، عن عطاء يعني ابن السائب عن أبي البحتري عن علي قال: (إياكم والاستنان بالرجال فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه، فيعمل بعمل أهل النار، فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعلم الله فيه، فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهو من أهل الجنة .. فإن كنتم ولابد فاعلين فبالأموات لا بالأحياء).
وقال ابن مسعود: (ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في البشر). واعلم أن الله تعالى شرع الدين، وكلفه العقلاء، وأثبته إسلاما، وقال: (إن الدين عند الله الإسلام). وقال: (ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ولن تختلف الأمة في هذا، والحمد لله رب العالمين.
واختلفوا في الإيمان: ومن ذهب مذهب التصديق أثبته اعتقادا في الضمير لا غير، ومن ألحق به النطق أثبته تصديقا للاعتقاد الذي في الصدور، ومن ألحق به الأفعال أثبته عضدا للاعتقاد، فشمل الكل اسم الإيمان والتصديق حقيقة ومجازا من جهة الشرع، والشرع إذا ورد كان له الحكم دون اللغة. وسنذكره من جهة الشرع فيما بعد، إن شاء الله.
ولنرجع إلى ذكر الإسلام. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج من استطاع إليه سبيلا)).
ولم يذكر هاهنا الاعتقاد وإنما ذكر الشهادة، والاعتقاد هو الإيمان وهو الأصل والتصديق باللسان فرعة، والتصديق بالفعل فرع اللسان. (2/4)
صفحة 91
الاختلاف في الإيمان واعتقادات الضمائر (1)
واعلم أن الاعتقادات في الضمائر والصدور خمس:
أولها: الإيمان الذي هو التصديق بوجود الباري سبحانه، واعتقاد السمع والطاعة له، كما قالوا سمعنا وأطعنا.
الثاني: اعتقاد الأفراق.
الثالث: اعتقاد المذاهب.
الرابع: اعتقاد الخطأ.
الخامس: اعتقاد المباح.
ونحن نذكر حقيقة كل واحد من هذه وحدة لغة ومعنى، ومن وراء ذلك شرعا وحجة.
فأما تصديق القلب، فهو المعهود المعلوم من الناس، آمنت به: صدقته. وأمنته: أعطيت له الأمان، قال الله تعالى حكاية عن إخوة يوسف بينهم وبين أبيهم: (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين). فهذا تصديق الاعتقاد في القلب والضمير.
وأما التصديق باللسان، فأن تقول للواحد: صدقت فيما أخبرت به. وضده التكذيب، كذَّبه إذا رد عليه خبره وقوله.
أما تصديق الفعال، فمثل أن يقول لك رجل: إن وراءك سبعا. فإن قمت وهربت من موضعك وأخذت حذرك فقد صدقته ولو قلت بلسانك: كذبت، فالتصديق ظاهر في فعلك، وإن رميت بنفسك على قفاك ورقدت فقد كذبته ولو قلت بلسانك: صدقت. (2/5)
صفحة 92
القول في الدين
واعلم أن الدين هو بمعنى السمع والطاعة، والأديان إنما تكون بين أهل الإسلام وأهل الشرك والملل.
كذلك ملة الإسلام ودين الإسلام وملة الشرك ودين الشرك. قال الله - عز وجل - في المشركين وأهل الإسلام: (لكم دينكم ولي دين). ولا يقال دين القدرية، ولا دين المرجئة، ولا دين المارقة، ولا دين أبي حنيفة ولا مالك ولا الشافعي.
-----------------------------------------------
(1) هذا العنوان لم يكن موجودا في ط البارونية (مراجع الطبعة الثانية)
وأما دين اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والذين أشركوا فلا بأس به (1).
وأما الأفراق فيجوز ذلك على أفراق الأمة قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)) فيصلح هذا الاسم لكل فرقة فتقول: فرقة المعتزلة، وفرقة القدرية، وفرقة المرجئة، وفرقة المارقة.
وإن قلت: طائفة، جاز، وقد سماهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بذلك. والفرقة هي الطريقة، يهلك بها معتقدوها، واتخذوها دينا، وصاروا بها من أهل النار إلا الفرقة المحقة.
وأما المذاهب: وهي طريقة الأمة في الشريعة من الفقهيات ومذاهبهم في التفسير وما يؤول إلى ذلك، لا تفسيق ولا تضليل، وهو سائغ الأخذ به والعمل للخاصة والعامة التخيير بين المذاهب.
وأما اعتقاد الخطأ، فعلى ثلاثة أوجه:
أولها: في الآراء المأذون عن البحث إلى الصواب فيها.
والثاني: في الخطأ الموهوم فيما اختلف فيه الأمة من الأسماء والتسميات (2/6)
صفحة 93
في الدين والإسلام والإيمان، والكفر والشرك والنفاق، والأسامي كمؤمن ومسلم ومنافق ومشرك، وأسماء الأبدان وأسماء الأفعال وخلق القرآن، وأسماء الله وصفاته، وأمثالها، وليس إلا الخطأ فيها، والخطأ فيها محمول لمن عرى من الشروط المهلكة، وهي الاعتقاد أنها دين الله، أو قطع الشهادة على أحد في ذلك، أو هدم قاعدة من قواعد الإسلام.
والثالث: الخطأ الذي شابه أحد الشروط الثلاثة المهلكة.
وأما المباح: فلا أجر ولا وزر، ولا وعد ولا وعيد، ولا طاعة ولا معصية، إلا إذا قارنته النية، هنالك يكون أجرا أو وزرا، كما قال الله - عز وجل -: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين). فتقرب إلى الله بالمحيا والممات وليس له فيهما صنع، أعني إبراهيم عليه السلام.
باب القول في اختلاف الناس في الإيمان والكفر
اعلم أن الشيخ أبا الربيع سليمان بن يخلف - رضي الله عنه -، قد كفى وشفى في هذه المسائل، لكنه لم يذكر مما لا يسع الناس جهله من الإيمان، إلا طريقة المتأخرين من أهل الدعوة، ونحن نلوح تلويحا إشارة إلى ما ذهب إليه كل واحد من هؤلاء المختلفين.
العم أن الناس اختلفوا في الذي يجب من الإيمان اعتقادا ونطقا، وفي الناس عموما وخصوصا.
قالت طائفة: ليس إلا أن ينطق بالشهادة ويعتقدها. وهو شهادة أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وزاد بعضهم: وما جاء به الحق. فهذا الإيمان الذي لزمه أن يعتقده، وما وراء ذلك فليس عليه فيه شيء، فالأول طريق أبينا آدم (صلى الله عليه وسلم) أيام كان في الجنة (لا إله إلا الله) خصوصا وهو مذهب الصابئين، وأول هذه الأمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وأكدوه آخرا بقولهم: (وما جاء به (2/7)
صفحة 94
الحق)، فالأول طريقة أبينا آدم عليه السلام، والثاني طريقة محمد (صلى الله عليه وسلم)، والثالث طريقة المسلمين بعد رسول الله عليه وسلم.
وقال بعضهم: عليه النطق والاعتقاد للإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل والدار الآخرة. وإليه الإشارة في القرآن قوله: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ملائكته وكتبه ورسله) إلى قوله: (وإليك المصير).
ويؤكد ذلك ويؤيده قول الله - عز وجل -: (ومن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا).
فمن جهل من هذا شيئا ولم يعتقده مع البلوغ فهو مشرك، والشاك فيه مثله، والشاك في الشاك مشرك إلى ثلاثة، وهو قول المعتزلة، وقول أهل الدعوة إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: عليه الإيمان بالموت والبعث والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، وتحريم دماء المسلمين، وتحليل دماء المشركين، والجاهل لشيء من هذا كافر، والشاك في الشاك كافر إلى يوم القيامة.
وذكر أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر – رضي الله عنه – ما هو أعظم وأطم من هذا، وعند نفوسة أزيد، ونحن نرجو من سعة رحمة الله كثيرا لاسيما العامة. وقد قال الشيخ سليمان بن خلف – رضي الله عنه – فهذا مما يجب على كل بالغ عند بلوغه وصحة عقله حرا كان أو عبدا، ذكرا كان أو أنثى، فقد استغرق في التعميم ومن ورائه التخصيص.
واعلم أن الناس اتفقوا على أن من كان على دين من الأديان من شرائع الإسلام على دين نبي، ولم تبلغه حجة محمد (صلى الله عليه وسلم) أنه أوسع له إلى يوم القيامة. (2/8)
صفحة 95
والثاني: إذا ألهم الله عبده إلى الإيمان فآمن وصدق وأذعن وحقق، وهو في موضع لا يسمع بالحجة في شيء، مثل من كان بين ظهراني المشركين، أو في جزيرة من جزائر البحور، ففتح الله تعالى له في عقله وألهمه الإيمان به فآمن وصدق إلهاما، أو من جهة الرؤيا، وقف عليه وألهمه الخطأ، أو من جهة الكتابة من كتب الأولين، أو من جهة الطير مثل الهدهد والنمل والنحل والحمامة فآمن وصدق وحقق، فإن ذلك يسعه ما لم تقم عليه الحجة بشيء، سواء كان مشركا فدعاه داع وشرع له دين أبينا آدم أو دين نوح أو غيرهما من الأنبياء عليهم السلام، فاستجاب له فإن ذلك واسع له، وكذلك الأطفال لا متربين على الفطرة، ولا غير متربين ما لم يخالفوا إلى غير مقتضى فطرتهم، ألم تسمع قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((ما من مولود يولد إلا على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) متبعهم على غير مقتضى فطرته فهناك يهلك.
وقال (صلى الله عليه وسلم): ((خلقت هذه القلوب حنيفة إلا ما كان من الشيطان فإنه يخترمها عما خلقت له)).
وقال الله – عز وجل -: (فطرة الله التي فطر الناس عليها). وقال: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة).
فإن سلموا من اخترام الشيطان وتحويل الآباء عما خلقت له فذلك واسع لهم، وقال الله – عز وجل – في يحيى بن زكريا: (وآتيناه الحكم صبيا).
وإنما التضييق أن يعلم محمدا (صلى الله عليه وسلم) ويشهد به لمن كان في جزيرة العرب لمن تناله الحجة ويسمع.
وهذه طريقة المعتزلة في أن الله تعالى ينال علمه والإيمان به من جهة الفكر، لأنه قل ما ينفك الآدمي في مهلة بلوغه من تأمل الأشياء، والنظر فيها وتجدد الأيام والليالي وما يعتريه من الأمراض والأوجاع والأسقام واختلاف الأهوية والأغذية والأزمنة والأمكنة والأرياح والأمطار وحدوث الثمار والنبات والأزهار إلا وقد اقتبس منها الحدوث. (2/9)
صفحة 96
ولو سألت مثل هذا عن عام أول أو قابل لفرق بينهما طبعا واستقراء، وأول ما يستقر في نفسه حدوثه هو إن رأى من هو أكبر أو رأى من هو أصغر منه، وإن استقر في نفسه وعقله إن كان بالغا، أو يخبره أبناء جنسه فقبله اختيارا أو علمه اختيارا تحقق عنده الفاطر المحدث القاهر.
وقد يظهر في الأطفال شيء من هذا إذا اشتكى بكى وحن إلى والديه وشكا ورجا منهما الشفاء، وإذا نظر إلى شفقتهما عليه وحنتهما لديه ولم يعنيا عنه شيئا، اشتغل بتفجعه وتوجعه دونهما، ويئس منهما وعلم أن معه من يشفيه ويكفيه ما به دونهما، ومن وراء هذا كله قول الله – عز وجل -: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). ودين الصابئين أوسع لمن لم يسبق إليه دين غيره. وفي مناغاة الأطفال آية للسائلين، وتذكرة للمتأملين، ذكروا أنه كان في زمان داود عليه السلام رجل وامرأته قاعدان على سطح لهما، وبين أيديهما طفل لهما صغير، يلعب بين أيديهما وفي حائط السطح كوة نافذة إلى زقاق السطح، فدب الطفل ودخل في الميزاب فلما قرب إليه أبواه لكي يخرجاه هرب منهما وأشرف على الزقاق، وإن تنحيا عنه قرب منهما، حتى طال ذلك عليهما أرسلا إلى داود عليه السلام فجاءهما، فلما رآه وتأمله قال لهما: (إئتوني بتربة من الأطفال) فأتى به فقال لأبويه: (تنحيا عنه) فتنحيا عنه وأطلق الطفل إلى الآخر، فلما قرب نغم أحدهما لصاحبه ونغم له الآخر، فجرت بينهما مثل المحاورة بين الكبار، فخرج الطفل إلى الآخر، فقال داود عليه السلام: (أتدريان ما جرى بينهما؟)
قالا: (لا). (2/10)
صفحة 97
قال: (قال الطفل لابنكما: أخرج يا أخي لئلا تقع من هناك إلى الزقاق فتهلك.
فقال له الآخر: دعني يا أخي، أن أسقط من هاهنا فأموت خيرا لي من أن أعيش فأكبر فأكلف، فإن عصيت ربي دخلت النار.
فقال له الآخر: بل تخرج يا أخي وتعيش وتعمل بطاعة الله وتموت وتدخل الجنة.
فقال له الآخر: أما الآن فنعم. فخرج الطفل.
ولا تلق هذا الخبر وترم به وراء ظهرك ولك في سليمان والهدهد أسوة حسنة، وفي النمل آية للسائلين.
وقال الحسن البصري: (إن للناس في هذه الأموات لعجبا).
وقيل: إن الأرض إذا أصبحت نادى بعض البقاع بعضا هل مر بكن ذاكرا لله؟
فإذا قالت بقعة منهن: (نعم) اغتبطتها البقاع.
وفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أسوة حسنة حين قال: ((إن هذه الشاة لتكلمني إن بها سما)). وحين خوطب بالنبوة في غار حراء فأراد أن يرمي نفسه من أعلى الجبل فكلما هم أن يرمي نفسه من أعلى الجبل نادته الأحجار والأشجار: لا تفعل يا رسول الله.
وأما من ذهب من زاد: ((وما جاء به حق))، وذلك أن أبا عيسى الأصبهاني رجل من اليهود قال: (إن محمدا رسول إلى الأميين وليس برسول إلينا، لأن شريعتنا لا تتبدل ولا تتغير)، فاحتاط المسلمون في دعائهم أن زادوا: (وما جاء به حق).
وقال في كتاب أبي عيسى الترمذي وهو من الكتب الصحاح في الحديث حديثا رواه عن ربعي بن خراش العبسي وهو الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((يتكلم رجلان من أمتي من بني عبس بعد الموت))، وهو الذي كلم (2/11)
صفحة 98
أخاه الربيع بن خراش بعد الموت، وذلك أنه مات وأخوه الربيع غائب، فجهزه أصحابه، وكرهوا أن يدفنوه قبل مجيء أخيه فانتظروا به، فلما قدم أسفر عن وجهه فقبله واستوى قاعدا، فقال الربيع: (أبعد الموت يا أخي) فقال: (نعم). فقال: (قدمنا إلى روح وريحان ورب غير غضبان، والأمر أيسر مما تظنون، ولكن اعملوا ولا تغتروا) فوقع ميتا كما كان أول مرة.
وروي عن ربعي عن علي بن أبي طالب عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((والله لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع: أن يشهد أن لا إله إلا الله، ويشهد أني رسول الله، ويشهد أن الذي جئت به الحق من عند الله، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره)).
وروي أن زيد بن أبي خارجة العبسي، الذي تكلم في أيام عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بقباء بعد الموت، وذلك أنه توفي فجهزوه، فلما قاموا ليصلوا عليه وأحرموا كلهم، فقال: (إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صدق صدق في الرعيل الأول – وقيل: في المهاد الأول – وأبو بكر صدق، صدق في الرعيل الأول، وعمر صدق، صدق في الرعيل الأول – ويروي فيها: في المهاد الأول – وأما عثمان ففي بئر أريس). وأريس رجل من اليهود كانت له حديقة في قبلة مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة، وكان عثمان يأوي إلى بئر تلك الحديقة في الظهيرة فيستنشق روائح الماء ويتبرد فيها، فبينما هو يوما من الأيام جالس فيه، وفي خاتم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فتوفي عليه السلام وصار إلى أبي بكر، ثم توفي أبو بكر وصار إلى عمر، فقتل عمر وصار إلى عثمان – فبينما هو عنده إذ أخرج الخاتم من أصبعه يعبث به فوقع قي تلك البئر فنزحوا البئر فغار ماؤها ولم يصيبوه بعد. ذكره البخاري في صحيحه.
فمن هناك فارق عثمان العدل.
وهما جميعا من بني عبس زيد بن أبي خارجة وربعي بن خراش – فروى ربعي عن علي بن أبي طالب عن رسول الله عليه السلام أنه قال: ((والله لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأن الذي جئت به الحق من عند الله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره)). (2/12)
صفحة 99
وقال الله – عز وجل – حكاية عن مؤمني النصارى (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين. فأثابهم الله بما قالوا). لابد من القول.
وأما مذهب من قال لابد من الإيمان بالملائكة والرسل واليوم الآخر مع الإيمان بالله – عز وجل – قال: (فلهذه القولة إشارة في القرآن، قال الله – عز وجل -: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) ومعناه اليوم الآخر، ويصدق ذلك ويؤكده قول الله – عز وجل -: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا).
وقد قال الله – عز وجل -: (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته).
فمن عري من شيء من هذه الجملة كان مؤمن، وأسماء الصفات دالة على المعاني والعلل، فلأجل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كانوا مؤمنين.
وقال الله – عز وجل – (والسارق والسارقة فأقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله) لأجل سرقتهما. (والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) لأجل زناهما.
وأما مذهب من زاد ((والقدر خيره وشره)) ففي حديث جبريل الروح الأمين صلى الله عليه، حين جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان والساعة، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جلس ذات يوم مع أصحابه، إذ أقبل رجل جميل الوجه، أبيض الثياب، طيب الرائحة، حسن العمة، بعيدا من المجلس، فسلم وجلس، فرد عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) السلام، فقال الرجل: ((أأدنو منك يا رسول الله؟)) فقال له عليه السلام: ((أدن)). فدنا حتى جلس بين يدي رسول الله عليه السلام، فنصب رجله اليمنى، ووضع يده على ركبته، وفرش فخذه اليسرى، (2/13)
صفحة 100
ووضع يده عليها، فقال: ((أسالك يا رسول الله؟)) فقال: ((سل)). فقال: ((ما الإيمان؟)). فقال عليه السلام: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبلقائه واليوم الآخر – ويروي: وبلقائه والبعث – وتؤمن بالقدر خيره وشره)) فقال له: ((صدقت))، فتعجب الناس من قوله: صدقت، فقال: ((ما الإسلام يا رسول الله؟)) فقال: ((شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان والحج لمن استطاع إليه سبيلا، والاغتسال من الجنابة)) فقال: ((صدقت)). ثم قال: ((ما الإحسان يا رسول الله؟)) فقال عليه السلام: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) فقال: ((صدقت)). فقال: ((متى الساعة يا رسول الله؟)) فقال عليه السلام: ((ما السؤول عنها بأعلم من السائل عنها، وسأنبئك بأشراطها: إذا ولدت الأمة ربها وربتها، وتطاول رعاة البهم في البنيان، ووسد الأمر إلى غير أهله، في خمس لا يعلمهن إلا الله وتلا (صلى الله عليه وسلم): (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير).
فقام الرجل فلما ولى وتوارى، قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((علي بالرجل)) فقاموا إلى كل ناحية، فنادهم رسول الله عليه السلام ((ألا هلموا أنه جبريل جاء يعلمكم دينكم)) وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تسمية من وسع من الفقهاء في أكثر مسائل مالا يسع الناس جهله
فأول ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد القرآن العظيم والذكر الحكيم، ثم محمد ابن محبوب وعزان بن الصقر وعمروس بن فتح وأبو خزر يغلا بن زلتاف وعبد الرحمن بن رستم – رحمة الله عليهم ورضوانه -.
القرآن أول: -
اعلم أن القرآن أنزله الله على قلب محمد (صلى الله عليه وسلم) ليكون للعالمين نذيرا ولم يشرح مسألة خصوصية مما يزيدها على الناس إلا ما تضمن قوله: (آمن الرسول) وهي الخمس فرائض التي ذكرها الله – عز وجل -.
وقد قال الله – عز وجل -: (قالوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل (2/14)
صفحة 101
وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون).
فاجتمعت الأمة كلها أن ليس على الناس شيء من معرفة المذكورين فيها إلا على من قامت عليه الحجة بذلك، وأنهم قد وسعهم جهل جميع من ذكرناه فيها إلا الله وحده خصوصا، قال الله – عز وجل -: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). قال (صلى الله عليه وسلم): ((الدين يسر)).
وكذلك قوله: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى). الآية. فشمل في هذه الآية الفرض والندب.
وقال لإبراهيم عليه السلام حين سأله إبراهيم: (رب أرني كيف تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي). فقنع منه ببلى.
وأما محمد (صلى الله عليه وسلم) فهو القائل: ((إني بعثت بالحنيفية السمحة السهلة)).
وقال: ((الدين يسر)). وقال: ((يسروا ولا تعسروا)).
وكره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المسائل وعابها، ولم يشرح للناس مسألة إلا شهادة: أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأول ذلك حديث جماعة عبد القيس، حين وفدت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعميدهم المنذر بن عائد، وفيهم يقول الله – عز وجل -: (وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها)، أي أسلم من في السموات والملائكة طوعا والأنصار وعبد القيس من ربيعة، وكرها سائر الناس، فقدموا على رسول الله عليه السلام المدينة وكان بهم معجبا فلما أرادوا الانصراف إلى بلادهم قالوا: (بماذا تأمرنا يا رسول الله؟) فقال: ((آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان، أتدرون ما (2/15)
صفحة 102
الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وإقام الصلاة وأن تؤدوا من الغنيمة الخمس وسهم الصفى (1))) فقصر الإيمان على الشهادتين والصلاة.
قال: ((وأنهاكم عن أربع: ألا تنتبذوا في الدباء والحنتم والنقير والمزفت)).
وحديث ربعي بن خراش قد تقدم، ((والله لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع))، والحديث قد تقدم.
ولم يبلغنا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه شرع للوفود التي جاءته شيئا سوى الجملة التي كان يدعوا إليها رسول الله عليه السلام فإذا نطق أحد بالجملة، فيقول (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه: ((فقهوا أخاكم ولا تجاوزوا إليه مسائل الصلاة والزكاة والآداب)).
ولم يؤثر عن أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه شرع لأحد من مسائل الاعتقاد شيئا.
ولرسول الله (صلى الله عليه وسلم) الكتب إلى ملوك الأرض:-
أرسل دحية بن خليفة إلى قيصر ولم يشرع له فيها مسألة سوى الجملة التي كان يدعوا إليها فقال: ((اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن أبيت فعليك إثم الأريسيين)).
وأرسل شجاع بن وهب إلى كسرى ليس إلا الشهادة لله ولمحمد أنه رسول الله، فأخذ كتاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فمزقه، فقال عليه السلام إذ بلغه: ((اللهم مزق ملكه كما مزق كتابي)).
وأرسل إلى أهل اليمامة، وإلى الحارث بن عبد كلال، وإلى النجاشي، وإلى أهل عمان، وإلى المقوقس صاحب الإسكندرية.
وفرق رسله في البلاد، وليس في كتابه إلا جملة التوحيد، وأعظم من ذلك كتب عمرو بن حزم الأنصاري إلى أهل اليمن وشرع لهم فيها مسائل العقول ونصب الفرائض، في مثلها، ولم ينص على مسألة مالا يسعهم جهله سوى الجملة. (2/16)
صفحة 103
وذكر عن جابر بن زيد – رضي الله عنه – أنه قال: انتهيت إلى بني عمرو بن حزم فطلبت إليهم كتاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع أبيهم عمرو بن حزم إلى أهل اليمن، فأوقفوني عليه. وقد
جاءته وفود العرب كما قال الله – عز وجل -: (إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره أنه كان توابا).
وقد شرع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحكام النجاسات والطهارات والغائط والبول والمحيض والاستحاضة والمحاض والنفاس ونهيه عن استقبال الكعبة بالبول والغائط والانتعال وآداب الطعام والشراب، واغفل هذا الأمر العظيم الذي لا يخرج أحد من الشرك إلى الإسلام إلا به ولا ينسب إلى التقصير في أوكد الأمور أمور الدين الذي لا يصح الإيمان والتوحيد والدخول في الإسلام إلا به (2).
وكذلك أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – وعمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حتى صدر أول الإسلام، ولم يؤثر عن أحد منهم مسألة في هذا، وفي حديث الأمة ((أعتقها فإنها مؤمنة)) لمن تدبر هذا الأمر، ويقولون في الجواري الأعجميات: علموهن الصلاة. إذا أرادوا تسريهن.
وقد وقفت على خطبة عبد الرحمن بن رستم كان خطب بها يوم جمعة في كتاب ذكر فيها خطبه – رضي الله عنه – فقال: (من قرأ في صلاة الصبح فاتحة الكتاب فقد تولى جميع المسلمين وتبرأ من جميع الكافرين، ومن قرأ التحيات في صلاته فقد أتى بالتوحيد الذي عليه، ولو كان هناك شيء يلزم العباد لأدرجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الصلاة فإنها عمود الدين).
ومن العجائب أنه يعلمهم التحيات كما يعلمهم السورة من القرآن ولا يعلمهم هذه المسائل. (2/17)
صفحة 104
وكان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة الميسح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)).
وقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين كان يعلمهم التحيات فلما بلغ إلى قوله: ((والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)) قال: ((إذا قالها العبد المسلم في صلاته أصابت كل عبد طائع لله في السموات والأرض)).
واعلم أن هذه الكلمة تأتي على الولاية التي أوجبها الله تعالى بين المؤمنين من الأنس والجن والملائكة، وفي ((المغضوب عليهم ولا الضالين)) أنه البراءة التي أوجبها الله تعالى بيننا وبين الكافرين.
وأمر الدين قد جاء متواترا ظاهرا شاهرا، ولم يقصد فيه إلى شيء يزداده على الجملة وقد ذكر الله – عز وجل – في القرآن أسامي القيامة والنفختين والمحشر والمنشر والواقعة والحاقة والطامة والصاخة والقارعة، في أمثالها.
وقد شع أهل السنة هم بآرائهم أيضا فيما لا يسعهم جهله الميزان والصراط والصحف والمحشر والمنشر (3) في أمثالها، ولو تتبعناهم في مذاهبهم، لاتسع المجال، وكثر المقال، وضاع العيال، ولم يدخل الجنة إلا المحال، سبحان ذي الجلال.
وأما قول عمروس بن فتح فيما يسع جهله فيما ضيقه المشايخ على الناس وسعه هو.
قال عمروس: (والذي يسع جهله من الإيمان حتى يحل تفسيره فما كان من تفسير جملة التوحيد، مثل أنفاء الحدود على الله – عز وجل – والأقطار، وإثبات القدرة له والعلم، وجميع الصنع والحدث أن يضاف إليه أنه صانعه ومحدثه، وتصديق كل ما جاء به من خبر مما هو كائن أو يكون وإضافة كل شيء إليه مما رأوا وما لم يروا، وتسمية خلق ذلك الشيء ونسبته إليه وليس معه مكون، وأنه بائن من صفات المخلوقين ليس كمثله شيء، (2/18)
صفحة 105
فإذا ذكر (4) هذا وحل تفسيره فلا يسعه ووسع جهل الجنة والنار والثواب والعقاب والبعث والحساب والملائكة والكتب والرسل، في أمثالها).
مذهب عزان بن الصقر فيما يروي عن محمد بن محبوب شبيه بمذهب عمروس بن فتح.
قال عزان: (من شك في التوراة والإنجيل والزبور والجنة والنار، فإنه يسع جهله ما لم يذكر فإذا ذكر لم يسع.
ومن جهل أن الله يبعث من في القبور فذلك واسع له، فإذا ذكر لم يسع جهله. فإن شك في الثواب والعقاب، فواسع ما لم يذكر، فإذا ذكر أو قامت عليه الحجة لم يسع جهلهما.
فإن شك فيهما بعد قيام الحجة عليه، فهو مشرك يقتل إن لم يتب.
وكذلك من شك في القرآن والكعبة والجمعة ما لم تدخل أوقاتهما. فعلى مذهب هذين الإمامين التوسعة ما لم تقم الحجة.
وأما مذهب أبي خزر يغلا بن زلتاف – رضي الله عنه – فإنه قال: (يسع جهل جميع الحرام ما خلا الشرك) وإنما أراد بالشرك ما ظهرت منه تسوية الباري سبحانه مع غيره.
وأما المستخرج من الشرك، فليس عليه فيه شيء، فمهما وجب عليه امتثال شيء أو معرفته قضى على المضيع بالحرام، لا يتجاوزه حتى تقوم عليه الحجة بخلافه، أو يقطع عذره، مثل الإيمان بالملائكة والكتب والرسل والنبيين والآخرة،
وإنما راعى في ذلك من لا يقول بشرك من جهل وأنكر سوى الله، فليس عليه شيء حتى تقوم عليه الحجة، وأسقط عن الناس معرفة النفاق ومعرفة كفر الناقضين لما في أيدينا، ومعرفة أن ثم كبيرا غير الشرك ولا البراءة في شيء (2/19)
صفحة 106
من هذا. ولا تحريم شيء غير الشرك حتى تقوم عليه الحجة به ويعلم أنه معصية الله، أو علم أن الله فرضه على العباد فيعلم إذا ضيعوه أن ذلك منهم حرام، أو علم أن الله تعالى أوجب عليه أو على الناس معرفته فجهلوه، أو حرام فارتكبوه، والبراءة من الفعل وليس عليه البراءة من الفاعل، فأبطل جميع ما كان معصية لله أن يعلمها أو أن يعلم تحريمها، إلا إذا قامت عليه الحجة بشيء أنه معصية فيثبته حراما لا غير، ولا يتجاوز به إلى الشرك ولا إلى الكفر، ولا إلى الكبيرة، ولا إلى الفسوق، حتى تقوم عليه الحجة بذلك.
وأما قول القائل: (لا يسع جهل الناقضين لما في أيدينا) معناه أن تعلم أنه أتى حراما لا غير، وبشرط أن يكون الناقض إنما نقض ما أوجبه الله علينا دينا، وأما نقض ما وراء ذلك مما يسوغ فيه اختلاف العلماء فلا، بشرط أن يعتقد أن هذا النقض دين الله عنده.
وأما إذا كان برأي، فالرأي عجز.
وروي عن الشيخ أبي خزر – رضي الله عنه -: أنه كتب إليه الشيخ جنون بن يمريان أيام كان أبو خزر بمصر في مسائل لا يسع الناس جهلها، فرد له أبو خزر كتابه، وكتب إليه بالجملة التي كان يدعو إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا غير.
ومن أصح ما روي عن أبي خزر – رضي الله عنه – أنه قال: بلغنا أن ما أسقط عن وهم الإنسان فلا يؤخذ به، وهذه المسألة من فروع النسيان، ويجانبها الخطأ.
ونحن نورد قول الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف – رضي الله عنه – فيما لا يسع جهله، قال في (باب ما لا يسع الناس جهله: مما يجب على كل بالغ (2/20)
صفحة 107
عند بلوغه وصحة عقله، حرا كان أو عبدا، ذكرا كان أو أنثى، فعليهم معرفة إن الله واحد لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن ما جاء به حق من عند ربه، وأن الله خالق لجميع الأشياء، وأن له الملائكة والنبيين والرسل والكتب.
وعليهم معرفة جبريل بالقصد إليه وأنه رسول رب العالمين إلى محمد عليه السلام.
وعليهم معرفة محمد عليه السلام إنه رسول رب العالمين إلى الناس كافة والجن كافة، وأنه خاتم النبيين. وعليهم معرفة الأب الأكبر آدم عليه السلام باسمه ونبوته ورسالته إلى أولاده، وأنه أول المرسلين، وعليهم معرفة القرآن مقصودا إليه ومفروزا إليه من جملة الكتب.
عليهم معرفة الجنة أنها ثواب لأهل طاعته على طاعتهم لربهم.
ومعرفة النار أنها عقاب لأهل معصيته على معصيتهم لربهم.
وعليهم معرفة الموت والبعث والحساب والعقاب.
وعليهم معرفة تحريم دماء المسلمين بتوحيدهم لربهم ومعرفتهم أياه وأفرادهم له.
ومعرفة تحليل دماء المشركين على شركهم لربهم ومساواتهم له بغيره.
وعليهم ولاية المسلمين جملة.
وعليهم أيضا أن يقصدوا بولايتهم إلى كل من لا يسعهم جهله، مثل جبريل من الملائكة ومحمد وآدم من النبيين عليهم السلام.
وعليهم البراءة من الكافرين جملة.
وعليهم معرفة جملة النبيين أنهم من نسل آدم. (2/21)
صفحة 108
وعليهم فرز ما بين الكبائر وذلك أن يعرفوا أن الشرك مساواة الله بغيره، وذلك أن يوصف بصفة غيره، ويوصف غيره بصفته.
وعليهم معرفة أن الله أمر بطاعته، ونهى عن معصيته، وأنه مثيب على طاعته، ومعاقب على معصيته، وأن ثوابه لا يشبهه ثواب، وعقابه لا يشبهه عقاب، وأن الله موال لأوليائه ومعاد لأعدائه).
وقد قيل عن الشيخ – رضي الله عنه – أنه قال: (لا يسع جهل الملل وهم اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا).
وقد ذكر الشيخ – رضي الله عنه – أنه قال: (لا يسع جهل موت محمد عليه السلام، لأم من جهل موته جهل أن الذي في يده من الشريعة ينسخ أو لا ينسخ، ومن قبيل ذلك أشرك من جهل موت النبي (صلى الله عليه وسلم).
وعليهم ولاية المسلمين من الجن جملة لا يقصد إلى شخص بعينه، ولا يسع جهل الإسلام والمسلمين والكفر والكافرين، وذلك أن يعلموا أن الكافرين كافرون بكفرهم، وأن المسلمين مسلمون بإسلامهم.
وعليهم معرفة كفر من جهل شيئا من هذا كله، فإن شك في شيء مما ذكرناه فهو كافر والشاك في كفره كافر والشاك في الشاك كافر إلى يوم القيامة.
وعليهم معرفة أن الله حرم دمائهم بهذه الجملة التي ذكرنا، وبمعرفة أشباهه ما لا يسعهم جهله ولا يسلمون إلا بمعرفته من توحيدهم ربهم وإفرادهم له، يصح لهم توحيدهم لربهم والمعرفة به). (2/22)
صفحة 109
باب القول في أسئلة مبهمة وأجوبة مدهمة
ولنرجع إلى من أغرق النزع وزاد في الوسع خصالا جمة، وقرنها مع الاعتقاد والشهادة من أول وهلة، فأوجبها على البالغ من أول بلوغه، وهي زهاء عشرين خصلة أو أكثر، وحكم على جاهلها بالشرك، وفي الشاك والشاك في الشاك بالكفر إلى يوم القيامة.
وأما قولهم في الأئمة المتقدمين الذين أطلقوا الخناق وأوسعوا الوباق، وما حالنا نحن الذين لم تبلغ عقولنا ولا علومنا إلى هذا الحد، والأئمة عمروس ابن فتح ومحمد بن محبوب وعزان بن الصقر وابن بركة العماني وأبو خزر يغلا بن زلتاف وعبد الرحمن بن رستم وابن زرقون.
فأول ما يقع السؤال في هذه المسائل على ثلاثة معان:-
أحدها: إظهار البرهان على قوله من طريق البراهين الدالة على الحق من الكتاب والسنة والإجماع والعقل ولا خامس إلا التقليد، فالحق في التقييد دون التقليد، والتقليد إما باطل، فإن كان عن معصوم كان حقا، ولا معصوم إلا المهدي وعيسى ابن مريم عليهما السلام، والتقييد في الأوجه الأربعة الكتاب السنة ورأي المسلمين والعقل.
الثانية: الحكم فيما بين هذين المختلفين بين موسع ومضيق، فإن ساغ لهما ذلك، كانت المسألة فقهية ولا يجاوز أحدهما إلى الآخر أخطأت في رأي الحق، وإن كانت ديانة فلابد من الحق له عند الله تعالى في أحد هذين المختلفين وخلافه باطل، وعلى المحق منهما أن يقطع عذر المبطل.
الثالثة: ما حكمهما في هذا الجاهل والشاك، إن وسعا عليهما جميعا مع تسمية أحدهما له بالشرك وتوسيع أحدهما له، أو قطعا عذرهما، أو وسع أحدهما أن يقطع عذرهما أو عذر أحدهما، ولا يقطع صاحبه عذرهما، أو عذر أحدهما، أو عليهما أن يقطعا أولا يقطعا، ولا يخلو الأمر من تقليد أو تقييد، فالتقييد قد عاز، والتقليد غير مقطوع به إلا من معصوم وهم الأنبياء. (2/23)
صفحة 110
وأقل ما في التقليد أن لا نثق بأن الحق في يدك دون غيرك، وليس لك على المخالف لك مزية تفضلهم بها.
وأمر مسائل مالا يسع الناس جهله يرجع إلى الديانات والأفراق ولا يرجع أمرها إلى المذاهب، فالقول بين الأديان بين الشرك والتوحيد وبين الأفرق بين الحق والباطل وبين المذهب بين الصواب والخطأ.
ونحن نبتدئ في مسائل الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف - رضي الله عنه - مسألة ليتضح لنا تفسير مجملها، والمعذرة إلى الله تعالى، وإلى من بلغه كتابنا أن يظهر لنا من علمه ما يكشف عنها به الغمة، فإن هذا الأمر المتعلق بالدين شأنه عظيم، وخبره جسيم، ولا يسعنا فيه إلا الحق عند الله تعالى، فإن علومنا ضعيفة وأحوالنا خفيفة وعقولنا كليلة وأيامنا قليلة، مع ظهور الفتن وكثرة المحن، أعاذنا الله وإياكم من سوابق الشقا وجعلنا وإياكم من أهل الهداية والتقى.
واعلم أن السؤال في كل مسألة من هذه المسائل على أربعة أوجه: أولها البرهان. والثاني: ما حال المختلفين. والثالث: ما حال الجاهل. والرابع: ما حال الشاك.
أما من طريق التلقى والقبول، فلابد من التقليد، والتقليد غير مأمون الخطأ، وليس صاحبه على بصيرة من أمره، فإن كان عن تقييد فلابد من البرهان ويصير ديانة بين موسع ومضيق، ويقطع عذر المخطيء، والبراءة من وراء ذلك، وقد ورد عن المشايخ الاختلاف والوجهان، ولا تكفير.
وكان الشيخ أبو يحيى زكريا بن أبي بكر يتعجب من قول أبي الربيع سليمان ابن يخلف: (والبراءة فيها وجهان).
وقد قال الشيخ أبو جزر يغلا بن زلتاف - رضي الله عنه -: (لم يبلغنا من العلوم أن البراءة تجب بالرأي). (2/24)
صفحة 111
فإن قال قائل: فما الحكم في الجاهل؟ وهل على المضيق أن يلزمه الشرك وأحكامه من القتل والسبي والغنيمة والبراءة أم لا؟
فإن أجرى عليه هذه الأحكام كلها فما حاله مع الموسع؟ إن كان ينتصر لصاحبه، ويبرأ ممن رماه بالشرك، ويدافع عنه من أراد قتله، ويدفع عن ماله، ويكون على ولايته له، ويبرأ ممن برأ منه، أو يدع الضيق وإنفاذ جميع أحكامه في هذا الجاهل، أو يقول البراءة فيها قولان، وقد قال الشيخ أبو خزر – رضي الله عنه -: (لم يبلغنا في شيء من العلم أن البراءة تجب بالرأي) والقولان إنما تكون في الآرائيات، وأما الديانات فلا.
فإن قال قائل: ما الدليل على ((أن لا إله إلا الله))؟
قلنا: من كتاب الله – عز وجل -: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين وللمؤمنات).
فإن قال قائل: ما الدليل على أننا أمرنا أن نؤمن بالله؟
قلنا: قول الله – عز وجل –: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله).
فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون هذا الإيمان غير واجب ولا بفرض؟
قلنا: قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا (لا إله إلا الله) فإذا قالوها عصموا متى دمائهم وأموالهم وسبي ذراريهم إلا بحقها)).
وهذا وعيد ولا يقع الوعيد والتهديد على غير واجب.
فإن قال قائل: فما الدليل على أن محمدا رسول الله؟
قلنا: المعجزات الخارقات للعادات.
فإن قال: ما الدليل على وجوب الإيمان به والإقرار به؟ (2/25)
صفحة 112
قلنا: قول الله – عز وجل -: (آمنوا بالله ورسوله) والإقرار به: قول رسول الله عليه السلام إدراجه في التشهد: ((أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله)). ومن وراء هذه كلها الإجماع.
فإن قال قائل: ما الدليل على أن الشهادة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) توحيد؟
قيل له: لأن الإنكار له شرك.
فإن قال قائل: ومن أين أشرك من أنكر غير الله؟
قيل له: لأنه أنكر صفة من صفات الله – عز وجل -، لأنه مرسل الرسل، وأنكر اسما من أسمائه.
فإن قال: فمن أين أشرك من أنكر خلق شيء من الأجسام؟
قلنا: من هذا الوجه، وقد عمد إلى ما يعجز عنه المخلوقون فعزاهم إليهم، فأثبتهم في القدرة مع الله تعالى كهو سواء.
فإن قال قائل: ما الدليل على أن علينا معرفة جبريل عليه السلام؟
فأول ما يقع السؤال على جبريل: هل هو من الملائكة أو غيرهم؟
والثانية: ما البرهان على وجوب الإيمان به عند البلوغ؟
والثالثة: ما حال المختلفين؟
والرابع: ما حال الجاهل والشاك؟
وأما إثبات جبريل من الملائكة، فمن كتاب الله - عز وجل-، ومن قبل الإجماع، قال الله تعالى: (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين). وقال: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عد للكافرين). (2/26)
صفحة 113
فإن قال: ما الدليل على أن جبريل عليه السلام هو الروح الأمين؟ وبعد أن يكون روحا فليس ما يدل على أنه من الملائكة، قال الله - عز وجل -: (يوم يقوم الروح والملائكة صفا) فدل أن الروح ليس من الملائكة، لأنه خصه بالذكر دونهم.
وأما قوله: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين).
فالذي يدل عليه الخطاب: أن الرسل أقرب المذكورين إلى الملائكة، وإن كان ولابد فالرسل هم الملائكة، وأما جبريل وميكال فلم تدل الآية على أنهما من الملائكة، وإن كان ولابد فهما عطف على الرسل، على أن الواو قطع ما بينهم، كما أن الله تعالى قضى بالغيرية بين الميتة والدم ولحم الخنزير، وليس في المسألة أكثر من الإجماع عند الشغب.
وأما وجوب الإيمان به عند البلوغ وبعده، فالله أعلم.
وأما حال المختلفين بين موسع ومضيق، فالله أعلم.
وأما حال الجاهل والشاك، فهما مشركان عند الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف، وسالمان عند الشيوخ المتقدمين.
ومعرفة ما بين الشيوخ وأبي الربيع، فالله أعلم لم يبلغنا فيها شيء.
ومسألة أبينا آدم عليه السلام فيها ثلاث مسائل، وفي كل مسألة أربع مسائل، كمسائل جبريل عليه السلام.
أما الثلاث: فأولها: أن يعرفه باسمه _ آدم _ أنه الأب الأكبر، لا أب قبله.
والثانية: أنه نبي وعلى الناس معرفة نبوته.
والثالثة: أنه رسول رب العالمين إلى أولاده، وأنه أول المرسلين وأن جميع (2/27)
صفحة 114
الرسل التي على الناس معرفة رسالتهم عليهم أن يعلموا أنهم من نسله ويؤمنوا بهم.
والأولى ما الدليل على أن اسمه آدم؟ فهذا موجود في كتاب الله – عز وجل -: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين). فهذا الذي يلزم الإقرار به للمقرين بالقرآن، وعند السودان أن أبانا أسود وأن اسمه كامشلم، قالوا: كالقرود أنتم مسختم البيضان كالقرود.
وقد ورد في بعض الآثار: أن الله تعالى خلق آدم أسود فشكا إلى ربه. فقال: يا ربي / إني أسود. فأمره الله تعالى بصيام البيض من الشهر: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فصام الثالث عشر فابيض ثلثه، وصام الرابع عشر فابيض ثلثاه ن وصام الخامس عشر فابيض سائره، والكتاب والإجماع مغن في هذا.
وفي وجوب الإيمان بنبوته أربع مسائل: ما البرهان وما الحكم فيمن أنكر وما الحكم في الجاهل وما الحكم في الشاك؟
وفي الرسالة أيضا أربع مسائل: كالنبوة وقول الشيخ ومعرفة القرآن مقصودا إليه مفروزا إليه، ومعرفة أنه من جملة الكتب، وفي هذه المسألة أيضا أربع سؤالات كغيرها:
أولها: ما البرهان، والثانية: حكم المختلفين، والثالثة: حكم الجاهل، والرابعة: حكم الشاك.
أما البرهان على أن علينا معرفته والإيمان به خصوصا من جملة الكتب. يقول الله – عز وجل -: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل).
فإن قال قائل: إن الإيمان به مقصودا ليس بواجب علينا، لقول الله – عز وجل – في عقب هذه الآية. (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا) (2/28)
صفحة 115
فكرر الوعيد على إخوانه واستثناه منها، فصح أن الإيمان به فضيلة لا فرض خصوصا.
وأما حكم المختلفين فالله أعلم. وحكم الجاهل فالله أعلم. وحكم الشاك فالله أعلم.
وقال الشيخ: (وعليهم معرفة الجنة أنها ثواب لأهل طاعته على طاعتهم لربهم ومعرفة النار أنها عقاب لأهل معصيته على معصيتهم لربهم)، والمسألتان ففي كل واحدة أربعة أوجه كما قدمنا.
فالجواب: فالله أعلم. ومن وراء الأربعة أوجه. هل الثواب والعقاب واجبان على الله – عز وجل – أم غير واجبين؟ أو أحدهما دون الآخر؟ وهل يجب علينا لعبيدنا أجرة خدمتهم أشغالنا؟
الجواب: ليس علينا من أجرتهم شيء وإنما علينا ما يقيمهم لا خدموا أو لا لم يخدموا.
اعلم أن أحوال المكلفين تختلف، ولو أبطلنا الثواب والعقاب كانت المعصية إباحة لا تكليفا، ولكن الثواب من فضل الله على المؤمنين والعقاب بمقتضى الحكمة واجب للكافرين.
وقد ينوب أحدهما مناب الآخر، فيقول الله – عز وجل -: اعملوا، فمن عمل فله أجره ومن لم يعمل خاب، فيكون الحرمان في مقام العقوبة، وربما يقول الله تعالى: اعملوا، فمن لم يعمل عوقب، ومن عمل سلم من العقوبة، فتنوب السلامة مناب الثواب.
وقول الشيخ – رضي الله عنه -: (وعليهم معرفة الموت والبعث والحساب والعقاب) ففي كل واحدة من هذه أربع مسائل صارت ست عشرة مسألة، ولم نجد في القرآن ما يدل ظاهره على الوجوب. (2/29)
صفحة 116
وأما الموت فعلمه ضروري، فما باله في المفروضات؟ قالوا إن الموت لأجل البعث، وفيما يروي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه كان إذا قام من الليل يتهجد قال: ((اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض وما فيهن، اللهم أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والموت حق، والبعث حق))، في كلمات يقولها، روى ذلك ابن عباس ليلة بات عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فسمعه يستفتح الصلاة بها، ولم يذكر هاهنا الثواب.
وقول الشيخ: (وعليهم معرفة تحريم دماء المسلمين بتوحيدهم لربهم ومعرفتهم إياه وإفرادهم له، ومعرفة تحليل دماء المشركين على شركهم بربهم ومساواتهم له بغيره)، وفي هذه المسألة ما ذكرنا في غيرها.
وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شيء من هذا في خطبته في عرفات قال:
((أيها الناس أي يوم هذا؟
قالوا: يوم حرام.
قال: أي شهر هذا؟
قالوا: شهر حرام.
قال: أي بلد هذا؟
قالوا: بلد حرام.
قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.
قال: ألا هل بلغت؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: اللهم أشهد، ليبلغ شاهدكم غائبكم)).
فإن استدلوا من هذا الحديث بأن الأعراض لم تبلغ حرمة الأموال ولا الأموال حرمة الدماء، وهل يبلغ من جهل هذا عند البلوغ الشرك؟ والشاك والمختلف فالله أعلم. (2/30)
صفحة 117
وقول الشيخ: (وعليهم ولاية المسلمين جملة، وعليهم أيضا أن يقصدوا بولايتهم إلى كل من لا يسعهم جهله: مثل جبريل من الملائكة ومحمد وآدم من النبيين عليهم السلام، وعليهم البراءة من الكافرين جملة).
واعلم أن ولاية المؤمنين الكون معهم على دينهم وتأدية حقوقهم من الاستغفار والتعاون على البر والتقوى، ولم ينص إلا على الاستغفار، وقال الله - عز وجل -: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات). والبراءة مفارقة الكافرين ومباينتهم.
وأما ذكر جملة النبيين أنهم من نسل آدم فقد تقدم.
وقال الشيخ: (وعليهم فرز ما بين الكبائر؛ فذلك أن يعرفوا أن الشرك بمساواة الله بغيره؛ فذلك أن يوصف بصفةِ غيرِه، أو يوصفَ غيرُه بصفته).
وأما قوله: (أن يفرز ما بين الكبائر). فعلى قول الشيخ أبي خزر - رضي الله عنه -: (اعلم أنه يسع جهل الحرام ما خلا الشرك، والاحتلال والإصرار إذا علم).
وكذلك باقي الدين إذا علم، وإنما الكلام على من لم يعلمه.
فليس على أحد أن يعلم أن ثم كبيرة أو كفرا أو شركا غير الشرك الظاهر أو نفاقا، وليس عليه من كفر الناقض، أكثر من أن يعلم أنه أتى حراما لا من براءته حتى يعلم كفره أو نفاقه أو شركه الخفي، ولا أن أوجب الله على شيء من المعاصي النار ما خلا الشرك.
وفي المساواة ما فيه، والتسوية أفصح، وقول الله - عز وجل - عن الكفار: (إذ نسويكم برب العالمين).
وأما قوله: (أن يوصف بصفة غيره، ويوصف غيره بصفته) وهذا معنى لا لفظا. (2/31)
صفحة 118
وقال الشيخ: (وعليهم معرفة أن الله أمر بطاعته ونهى عن معصيته، وأنه مثيب على طاعته ومعاقب على معصيته، وأن ثوابه لا يشبهه ثواب وعقابه لا يشبهه عقاب، وأنه موال لأوليائه ومعاد لأعدائه). وفي هذه المسائل أخواتهن الأول. والسؤال في الأوجه الأربعة قائم.
وأما حكاية الشيخ - رضي الله عنه - (أنه لا يسع جهل الملل وهم اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا). فهذه أبعد من هذه المسائل كلها وأخمل.
ولم تبلغ درجة اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا أن يقرن الله تعالى بالإيمان بهم، فالإيمان به منزلة لم تبلغها أنبياؤهم: إبراهيم وموسى وعيسى، بل هم أخس من ذلك.
ولو كان شيء من ذلك لكان إبليس اللعين أولى أن ينوه به، لعظم ضرره على الدين وأولياء الله المخلصين وعداوته لأبيناء آدم عليهم السلام، وقد ذكره الله - عز وجل - في القرآن ونوه به ونبه عليه فقال عز من قائل: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان أنه لكم عدو مبين، وأن أعبدوني هذا صراط مستقيم، ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون).
وقال: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون)
وقوله: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين).
وقوله - عز وجل -: (قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس). وأمرنا بالتعوذ منه لعظم ضرره وشأنه، وأسقطوا عن الناس معرفته (2/32)
صفحة 119
مع ظهور الأمر بالتعوذ منه.
وذكر الشيخ أبو الربيع عن أبي عبد الله محمد بن بكر - رضي الله عنهما - (أنه لا يسع جهل موت محمد عليه السلام لأن من جهل موته جهل أن الذي في يده من الشريعة ينسخ أولا ينسخ ومن قبيل ذلك أشرك من جهل موت النبي عليه السلام).
واعلم أن النسخ من بعض أوصاف الشريعة ليس على الناس من معرفته ولا الإيمان به ولا الإقرار به، حتى تقوم عليهم الحجة بذلك، وأحرى أن الذي يجوز عليه النسخ ليس مما يشرك به جاهله، لأن التوحيد لا يجوز عليه النسخ، وإنما يجوز في الفرائض التي دون التوحيد.
ولو شك في جميع الفرائض التي فرضها الله عليه أو جهلها، لما أشرك.
ولو جهل أن الله تعالى افترضها عليه لما أشرك.
ولو شك أن الله تعالى افترض الصلوات الخمس أو جهل فرضها، أو جهل أن الله تعالى أمر بها، أو أنها طاعة لله – عز وجل – لما أشرك في شيء من هذا بجهله إياه وشكه فيه، حتى يتعدى الشرك إلى الموت.
وقد وقع بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في شريعته شبه النسخ وفي أحكام نصوص القرآن والسنة المتفق عليها بإجماع الأمة بعد رسول الله عليه السلام النسخ، أو الاستثناء إن كان كبر عليكم التخصيص بل مصادمة المنصوص لعلل ومعان طرأت، فأجازوها وأمضوها ولم يشكوا بعد تركها حكم المنصوص، وهي السنن التي أحدثها عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في ذوي القربى والمؤلفة قلوبهم، والفيء وعتق أمهات الأولاد على مواليهم، وإسقاط الجزية والذل والصغار عن نصارى بني تغلب، ورد أراضي الفيء مشاعا لجميع المسلمين شركاء أهله الذين غنموه. (2/33)
صفحة 120
وقد تقدم سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قسمة خيبر على قسمة الغنائم، فلم يشرك من فعل هذا بل ساغ له فعله، فكيف يشرك في جوازه، بل من جهل موت محمد عليه السلام.
ويشرك أيضا من جهل موت عمر بن الخطاب بأن النسخ جائز له، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إنكم في زمان التارك لعشر ما آمر به هالك، وسيأتي على الناس زمان العامل بعشر ما آمر به ناج)). والله أعلم.
وقد وردت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أخبار المهدي أنه يكون في آخر الزمان، كادت أخباره أن تكون ضرورية، وأنه يملأ الأرض عدلا وقسطا بعد إذ ملئت ظلما وجورا.
وفي التسمية أعظم درجة من التسمية بالهادي، كظهور فضيلة عمار بن ياسر، لقول رسول الله عليه السلام: ((إن الحق ليزال ما زال عمار)). ولم يقل أن عمار هو الذي يتبع الحق بل الحق في أثر عمار.
وقد ساغت لعمر بن الخطاب أمور كثيرة، أفلا يسوغ للمهدي مثلها، أو أعظم منها.
وجاهل النسخ لا يشرك فيشرك بجهل السبب الذي ربما كان مؤديا إلى المسبب أو غير مؤد.
وقول الشيخ – رضي الله عنه – (وعليهم ولاية المسلمين من الجن جملة لا يقصد إلى شخص بعينه).
اعلم أن مسألة الجن في الوجوب عويصة، ولكن ما الدليل على وجود الجن؟
أولا: قال الله تعالى: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان).
وقوله: (من الجنة والناس). وإجماع الأمة. (2/34)
صفحة 121
فإن قيل: فها هنا طائفة من اليهود والأطباء ينكرونهم ويقولون: إنها السوداء إذا غلبت على الناس.
قلنا: لا يعبأ بهم بعد القرآن وإقرار الناس بذلك من لدن أبينا آدم عليه السلام إلى اليوم.
وأما قول من قال: إنه واجب علينا الإيمان بهم عند البلوغ وولايتهم فالله أعلم.
فأي شيخ من المشايخ قال: (وليس علينا من معرفة الجان شيء) والسؤال عن الأحكام قائم.
وإن سأل عمن وطئهم فكسرهم أو عزم عليهم فقتلهم، فليس علينا من أمور ما بيننا وبينهم شيء حتى يظهروا.
فإن سأل ما الدليل على أن فيهم مسلمين؟
قلنا: قول الله – عز وجل -: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون) إلى آخر قصتهم ورجوعهم إلى قومهم منذرين، وداعين إلى الله تعالى وإلى كتابه ودينه وقولهم لقومهم: (أجيبوا داعي الله) (ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض). وهذا وعيد يدل على التكليف، فأثنى الله – عز وجل – عليهم بالدعاء إليه وإلى طاعته ولم يعقب بالذم فهناك علمنا أنهم مسلمون.
فإن قال: هذا نص أو استخراج.
قلنا: استخراج يقوم مقام النص، ولم يختلف عليه أحد. وفي (قل أوحي إلي) أعظم بيان.
وقول الشيخ: (ولا يسع جهل الإسلام والمسلمين والكفر والكافرين، وذلك أن يعلموا أن الكافرين كافرون بكفرهم، وأن المسلمين مسلمون بإسلامهم، وهذا كله مما لايسع جهله كل بالغ عند بلوغه إلا أن يعلمه، ويعلم أن الله ألزمه علم ذلك، وأن الله أوجب على العلم به ثوابا، وعلى الجهل به عقابا، وعليهم معرفة كفر من جهل شيئا من هذا، (2/35)
صفحة 122
فإن شك في شيء مما ذكرنا فهو كافر، والشاك في كفره كافر، والشاك في الشاك كافر يوم القيامة).والأسئلة المبهمة قائمة في هذه المسألة كما قدمنا، وفيها زيادة العلة أنهم إنما كفروا بكفرهم، وأنهم آمنوا بإيمانهم.
وقول الشيخ: (وعليهم معرفة إن الله حرم دماءهم بهذه الجملة التي ذكرناها وبمعرفة هذا وأشباهه مما لا يسعهم جهله، ولا يسلمون إلا بمعرفته من توحيد ربهم وإفرادهم له، فصح لهم توحيدهم لربهم والمعرفة به).
والسؤال عن الأربعة الأوجه قائم إلى الآن.
وقد يؤثر عن عمروس بن فتح التوسعة، وعن محمد بن محبوب وعزان ابن الصقر وعبد الرحمن بن رستم وأبي خزر يعلا بن زلتاف وابن زرقون التوسعة في هذا كله، حتى تقوم به الحجة.
واعلم أن طرق الحجة والبرهان أربعة أوجه: الكتاب والسنة والإجماع والعقل.
أما الكتاب: أن يكون البرهان فيه منصوصا أو مستخرجا، فإن كان منصوصا فلا كلام.
وأما المستخرج فيه فمحتمل والمحتمل ساقط من يد المحتج، إلا أن يقع الكلام في الفقهيات المظنونات فعند ذلك يكون المستخرج حجة.
وأما السنة فلها ثلاث أوجه:
أولها: صحة الطرق وإثباتها من الوجوه التي تثبت به.
والثاني: صحة الحديث المتن.
والثالث: استخراج الفقه والمعاني منه.
وفي صحة الطرق وجهان: تواتر وآحاد، فالتواتر هو الحجة، وطرق الآحاد هو الحجة في العمل لا العلم.
والإجماع إجماعان: إجماع أهل العلم من الأفراق مع العامة. فذلك الإجماع المقطوع به في أمور الديانات وشبهها، والإجماع الذي يتعلق بأهل الصناعة دون الأول وهو حجة في الفعل لا العلم.
وأخبار الآحاد على وجهين: مأثور ومسند، والمأثور حجة في العقول والعمل، والمسند في الأعمال. (2/36)
صفحة 123
باب اختلاف الناس في الكفر والكبير والمعصية والسيئة والخطيئة
وإذ ذكرنا وجوه الإيمان فنحن نريد أن نذكر ضده الكفر.
اعلم أن الشرك قد أجتمع الناس عليه أنه كفر.
واختلفوا في كفر الأفعال فأثبته بعض وأبطله آخرون فمن أبطله السنية والمعتزلة، ومن أثبته الأباضية والخوارج.
وأما الشرك فقد ذكرناه في غير هذا الموضع وفنونه الأربعة.
ومعنى قول الشيخ: (وندين بهذا) يتصرف على وجهين: على الدين والديانة.
فأما على الدين بمعنى أنه سائغ هذا في ديننا واخترناه على غيره من غير قطع العذر في خلافه، وأما بمعنى الديانة فبقطع العذر وقطع الشهادة أنه دين الله.
وذكر مسائل جمة، ذكر فيها: (وندين لله). ولم يفرق بين التصويب والديانة، فأول ما ابتدئ به ذكر كفر الأفعال.
واعلم أن كفر الأفعال ثابت لغة وشرعا كتابا وسنة ورأيا وعقلا.
أما في اللغة، فالعرب تقول لمن أنكر نعمتك عليه، أو لمن لم يكافئك عليها: كفر نعمتك وكفر إحسانك، في الوجهين جميعا، جحودا أو منعا عن مكافأتك.
وأصل الكفر الاستفساد إلى ولي النعمة. فقضوا عليه من أجل اللغة أنه كفر.
وقال عنترة:
نبئت عمر غير شاكر نعمتي ......... والكفر مخبثة لنفس المنعم. (2/37)
صفحة 124
والشكر في الأفعال أظهر وضده الكفر، وفي منع المكافآت أكثر. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأما كفر الأفعال: فمن كتاب الله – عز وجل – قوله: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين).
فقصره أهل الإقرار والإنكار على الإقرار والإنكار، وأطلقه أهل الجميع إلى الجميع، فما الحاجة إلى الإقرار مع منع الفعل، والحاجة إلى الفعل أظهر منهما إلى الإقرار.
وهذه التسمية تتوجه إلى الفعل في الظاهر فإن خصوا عممنا ولنا الحجة عليهم والفضل.
واعلم أنه إنما وقع الخطاب على المؤمنين المصدقين بالله لا على المشركين المنكرين، أفتقع مطالبتهم في الإقرار ولو سامحناهم لقضينا به في المعنيين جميعا، وللفعل مزية ليس مراد الباري سبحانه من العباد الإقرار بل الامتثال.
وقول سليمان عليه السلام: (ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم). خاف عوارض الجسد.
وقول الله – عز وجل -: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). فالحكم في الفعل وتركه، فمن أقر ولم يحكم كمن صلى ولم يوتر، ومن حكم ولم يقر قضى الوطر.
وأما ثبوت الكفر في الأفعال من السنة فقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للأقرع بن حابس حين سأل رسول الله عليه السلام عن الحج فقال: الحج علينا يا رسول الله في كل عام؟ فقال عليه السلام: ((لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قدرتم عليه، ولو لم تفعلوا لكفرتم))، وهذا الخطاب يتوجه إلى فعله دون إيجاب فرضه. (2/38)
صفحة 125
فإن قالوا: إنما يتوجه الخطاب إلى إيجاب فرضه دون فعله.
قلنا: فما الحاجة بمن أقر لك بدينك ومطلك ولو قضاك وأنكرك لكان أيسر.
وقد روى عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة – رضي الله عنه – مثل ما قالوا.
ولن يضرنا أنه أراد الله – عز وجل – بهذا الخطاب اليهود الذين أنكروا نزول القرآن على محمد عليه السلام.
وقال عليه السلام: ((من ترك الصلاة كفر)). وقال عليه السلام: ((ليس بين العبد والكفر إلا تركه للصلاة)).
وقال عليه السلام: ((ألا لا ترجوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)). وليس هناك شرك يضرب به بعضهم رقاب بعض إلا الفتنة والملك.
وقال (صلى الله عليه وسلم): ((من أتى امرأة في دبرها كفر، ومن أتى امرأة حائضا كفر)). وقال: ((الرشا في الحكم كفر)).
وقوله للنساء: ((تصدقن فإني اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء والأغنياء)).
فقالوا: بم ذلك يا رسول الله؟
قال: ((بكفرهن)).
فقالوا: يا رسول الله بكفرهن بالله؟
فقال عليه السلام: ((بكفرهن العشير، ألا ترى إحداهن تمكث مع زوجها ما شاء الله، فإذا ما رأت منه شيئا تكرهه قالت: ما رأيت منك خيرا قط)).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((لا تماروا في القرآن فإن مراء فيه كفر)).
وأما ثبوت كفر الأفعال فمن جهة الرأي: فإن أهل البصائر من المسلمين نظروا إلى ما أنفذ الله الوعيد فيه من الأفعال وأوجب عليه النيران والخلود، فقضوا (2/39)
صفحة 126
باسم الكفر على من دخل النار ولقبوهم أعداء الله والفاسقين والظالمين، وسائر أسامي أهل النار تعميما لقول الله – عز وجل -: (أعدت للكافرين).
فمن تعدى إلى ذات الله – عز وجل – وصفاته، وشبهه فيها بغيره صار كافرا مشركا.
ومن استعصى عليه في أوامره ونواهيه واتخذ معصيته ديدنة وحرماته دينا، وأصر واستكبر عن عبادته، أفيقصر هذا عن اسم الكفر لأجل ما قصر عن الشرك واستظهروا بما ورد من الآيات والأحاديث على قولهم واستبصروا فيه، فمن قصر علمه عن بلوغ هذا الحد عذرناه.
فإن جاوز وانتهك أحد الشروط المذكورة التي قدمنا هلك، وهاهنا ينبغي أن يراعى قول الإمام الأجل أبي الشعثاء جاب بن زيد – رضي الله عنه -: (لا يحل للعالم أن يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. ولا يحل للجاهل أن يقول للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. فإن قال العالم للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر العالم، وإن قال الجاهل للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر الجاهل).
فإن قال قائل: ما يمنعكم من تشريكهم، وقد ردوا القرآن والسنة والعربية والرأي؟
قلنا: امتنعنا من تشريكهم حين لم يواجهوا النص، وكفرناهم إذ انتهكوا، وعذرناهم إذ توقفوا، وصار كفرهم كفر نعمة.
فإن قالت المعتزلة: إن الذي لم يحج ليس بكافر لكنه فاسق، قضوا نصف الحاجة، واحتملناهم إذا قالوا رأيا. (2/40)
صفحة 127
وأما المرجئة إذ قالوا: إنه ليس بكافر، واسمه مع ذلك مؤمن.
قلنا: قطعا أو مجازا.
فإن أرادوا بذلك البدن كان حقيقة ولا حقيقة عند من لم تصدق أفعاله أقواله، ورد الله – عز وجل – مذهبه بقوله: (أولئك هم المؤمنون حقا) إذ قيده بحرف من حروف الحصر وشروط معلومة. قال الله – عز وجل -: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا).
ومعنى الذي نقول لأولئك هم المؤمنون كذبا.
وإن أرادوا بقولهم (مؤمن) مجازا وإنما غلب عليهم التفرقة بين أسماء الأبدان وبين أسماء الأفعال، فقضوا بالثبوت لأسماء الأفعال فحسبهم جهلهم واغترارهم.
وقد تقدم قولنا إن الأسماء غير مخصوصة بزمان مخصوص، إن أردت به الفعل كان مجازا، وإن أردت به البدن كان حقيقة ولا حقيقة عند من لم تصدق أفعاله أقواله.
ولما نظروا إلى جمهور خطاب الله بالمؤمن بمعنى المقر والمدعي الإيمان. قال الله – عز وجل -: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن). حسبوا أنه المؤمن المجاز، أو نسوا ما ذكروا به من قول الله – عز وجل -: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) وهذه التفرقة بيننا وبين المرجئة رضينا باللباب وقنعوا بالقشر.
وقد يتفق ما قالت المرجئة: من ذلك أحيانا مشرك وصدق في إيمانه غفر الله – عز وجل – له من ذنبه ما تقدم وما تأخر، فأتاح الله من اخترمه من (2/41)
صفحة 128
الدنيا، فصار إلى الجنة كحال السحرة مع فرعون، آمنوا إلى موسى عليه السلام، فإخذهم فرعون وصلبهم وقتلهم وهم في مائة ألف وخمسين ألفا ونيف وصاروا إلى الجنة.
وأخرى أصحاب أهل الكهف وهم فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى ورغبوا إلى ربهم في الرحمة والرشاد (فقالوا: ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا). فمن الله عز وجل عليهم أن ضرب على آذانهم في الكهف سنين عددا، ثم أحياهم وردهم لطفا من الله تعالى ومنه عليهم، إذ حال بينهم وبين التكليف – مع فقد الأنبياء والهادين – إلى النوم الذي غشيهم فصار لهم كالموت، إن لله ألطافا خفية، فسلموا من المعاصي ولم يرتكبوها، ومن الفرائض لم يلتزموها، فصاروا من أهل الجنة.
وأخرى: لو ابتلوا عقيب إيمانهم وتوحيدهم بالجنون وفقد العقول، كانوا كذلك.
ولو سرى بمن أسلم بعد إيمانه وصعد به إلى السماء، حيث لا فرائض ولا معاصي، لكان كذلك.
وكذلك لو صادف دين الصابئين دينا قلت فيه الفرائض، أو وقع بجزيرة من جزائر البحور، حيث لا يرى أنسيا ولا جليسا إلى الموت.
وكذلك من ألهم من المشركين الإيمان به ولم ير من يقيم الحجة بدين نبي من الأنبياء، وصادف دين أبينا آدم عليه السلام.
وأخرى: لو كان من أهل المعاصي والذنوب والموبقة، وكان الله – عز وجل – من عليه بدين ليس فيه بدعة، وفتح الله تعالى له باب التوبة، أو أحد أسبابها عند الموت، أو قتل في سبيل الله، أو من عليه بالحسنات التي تذهب السيئات، أو المصائب التي تكفر الذنوب، أو استوت حسناته مع سيئاته وسلم من البدعة والإصرار، أو من عليه بالدعاء والاستغفار وفتح له باب الجنة عند الموت، لكان أقرب إلى السلامة في هذا. (2/42)
صفحة 129
وإنما أنكرنا على المرجئة خصلتين: البدعة والإصرار، فمن التزمهما صار من أهل النار، ومن سلم منهما فهو في مشيئة الكريم الغفار، ولن يليق بحكمة الباري سبحانه مسامحة من عاند وأبى ودان بخلاف دين الله العزيز الحكيم.
ومن أصر واستكبر وتمادى وعثى وبغى وطغى، حتى أتى عليه المنون بالخبر اليقين والحق المبين وقد قال: (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد). فأيأسهم من تبديل الوعيد.
فإن قال قائل: فلم أطلقتم عليهم اسم كافر حين أتوا شيئا من الكبائر، وقد كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يأتون الكبائر ولا يسمون بهذا الاسم، فما عبتم على الخوارج الذين يسمون أهل المعاصي باسم الشرك.
قلنا: لما كانت الكبائر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مستخفى بها من منافق أو مؤمن فلتة، أو عن عمد فتاب، أو ذات حد فأقيم الحد عليه فصار مغفورا له، فلما كان في هذا الزمان الذي ظهرت فيه المعاصي والكبائر وطاعة الجبابرة معلنين يتبجحون بها على رؤوس العالمين، فطاعة الجبابرة عندهم لآثر من طاعة الرحمن، ومعصية الرحمن أوهن عندهم من معصية الجبابرة، ففاقت المعاصي المعهودة الخفية، وأربت على المعاصي ذوات الحدود المغفورة، سميناهم كفرة، ولم تبلغ بهم تسمية الخوارج المارقة، باستعمالهم السبي والغنيمة في إخوانهم الموحدين، وأطلقنا عليهم اسم الكفر وأردفناه بالنفاق.
وإن كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه سئل غنهم فقيل له: هل هم منافقون؟
قال: لا ولكنهم كفروا بينا، لأن النفاق عند حذيفة ما كان مستورا من المعاصى. (2/43)
صفحة 130
أما إخواننا القدرية، فإنهم عموا عن الكفر وعمشوا عن النفاق وأطلقوا سم الفسوق وقضوا حاجة حين قضوا عليهم بجميع أحكام أهل النار، ونفوهم من جميع أسماء الأخبار وأحكام المؤمنين الأبرار، فاحتملنا جهلهم فيهم وغلطهم فيهم إذ نفوا عنهم اسم الكفر واسم النفاق، وقضوا حاجة حين سموهم فساقا وأثبتوا لهم الخلود في النار، وأصابوا إذ لم يرموهم بالشرك كالخوارج.
فأما إخواننا المرجئة، فإنهم نظروا إلى أنفسهم لا غنى لهم عن المعصية ولا صبر دونها وقد تنغصت عليهم بالوعيد الشديد والخلود في النار يوم الخلود، عمدوا إلى ما أنزل الله تعالى على نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) أول مرة في دعائه المشركين الجاهلين إلى الدخول في الإسلام، والباب الذي فتح لهم من الإيمان، وعظم ما وعد الله للداخلين في الإيمان من الثواب الجزيل والأجر الجليل استصلاحا لعباده وتسهيلا لهم في الدخول في الإسلام، وترغيبا لهم في عظيم الثواب، فلما دخلوا في الإسلام وتمكن في قلوبهم الإيمان خاطبهم وقال: (ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين). ثم عقبوا إلى الوعيد الذي عقب به الباري سبحانه في آخرية الإسلام على المعاصي والذنوب وأبطلوه ولاشوه (ويوم القيامة ترى الذي كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) فاحولت أعينهم عمدوا إلى الناسخ فأبطلوه، ورضوا بالمنسوخ وقبلوه، وارتاحت أنفسهم بالخروج من النار تسليا وتوليا بعد قول الله – عز وجل – حكاية عن اليهود (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). ائتموا بإخوانهم اليهود ...
وأما الخوارج فحسبهم قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إن ناسا من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فتنظر في النصل فلا ترى شيئا، وتنظر في القدح فلا ترى (2/44)
صفحة 131
شيئا، وتنظر في القديدة فلا ترى شيئا. وتتمارى في الفوق)) ..
وأما قول الشيخ – رضي الله عنه -: (وندين بتفسيق أهل التأويل). فإن الشيخ أراد به من ذهب إلى تشبيه الباري سبحانه بخلقه ولم يصرح، والجحود دون التصريح، وحاد عن مذهب المسلمين الصحيح.
فإن وقفوا توقفنا، وحسبناهم جهلتنا، وأن تغشموا وتقحموا أحد الشروط الثلاثة هلكوا ولا عذر.
وأما قوله: (فندين بإنفاذ الوعيد والوعد) إلى ما ذكر فإنه كذلك، ولهذا الوعيد شروط: أولها: عدم التوبة، الثاني: خلوده من الحسنات، والثالث: الاسترجاع (1) في مصيبة تكفر الذنوب، بشرط أن يموت على الكبيرة فاعلها ولم يتب مصرا أو مبتدعا يدعو الناس إلى بدعته، كما قال المختار بن عوف الكندي – رحمه الله -: (الناس منا ونحن إلا عابد وثن وطاعنا وباغيا وصاحب بدعة يدعوا إليها).
وقد عارضوا بالمشيئة مشيئة الباري سبحانه، حيث يقول: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).
وقال جابر بن زيد: (قد أخبرنا الله تعالى بمشيئته فيهم. أولها التوبة: قال الله تعالى: (وإني لغفار لمن تاب). والثاني: الحسنات قال تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) والثالث: الاسترجاع عند المصيبة قال الله تعالى: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)).
فوعد أفضل من المغفرة، وما وراء هذا معاند مصر طاغ مستكبر، وقالب فروته يدعوا إلى بدعته، ولا سبيل للمشيئة في هذين لإبطال الحكمة فيهما. (2/45)
صفحة 132
فمن أجازهما فقد عزى إلى الله – عز وجل – وجها غير وجه الحكمة، وهم إلى الهلاك أقرب، فما يمنع هذا أن يجيزه في الشرك لقول الله – عز وجل -: (إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم).
ولو وعد المغفرة والرحمة من وراء ذلك لرجعت المعاصي بحال الإباحة، ولم يبق إلا أن يأمرهم بها، ولاسيما إن كان من أحد الشروط الثلاثة واحد.
وادعاؤهم أنهم يخرجون من النار بعد دخولهم فيها، وزعموا أنه صح عندهم من جهة الحديث، والحديث غير المشهور ولا المتواتر، لا يوجب العلم ولا القطع إلا عين الغرور بعد قول الله – عز وجل –: (وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد).
ومن زعم أن تلك النار هي المحشر، فهو أعذر، لأن الناس يلقون في المحشر شدائد عظيمة، وتدنو منهم الشمس قاب ذراعين على رؤوسهم ويسودون حتى لا يبقى منهم من البياض إلا نكتة في نحورهم، ثم يجلى ذلك عنهم حتى يبيضوا، هم أصحاب الأعراف ويدخلون بعد ذلك الجنة وهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم
وأما من قال منهم: (إن الجنة والنار والآخرة لهن انقضاء) فقد هلك، سواء قاله عن رأي عن ديانة، وهذا إجماع من الأمة.
وأما قوله: (بأن لا منزلة بين منزلتين، بين الإيمان والكفر). فقد نقضت القدرية هذا بقولهم وحكمهم على أن أهل الكبائر ليسوا بؤمنين ولا كافرين قال الله- عز وجل -: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون). فلقب الرب تعالى هذا الفاسق بالكفر فقال: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار الذي كنتم به تكذبون). وقد قال الله – عز وجل -: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين).
فالمؤمنون في الجنة، والكافرون في النار، والفاسقون في البرزخ على قولهم، أو على الأعراف، الذين لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون. (2/46)
صفحة 133
وقول المرجئة: (أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) لا تعرض على النار)، ولابد من المحصول، هذه الأمة، إن أرادوا جميع من أرسل إليه رسول الله عليه وسلم من اليهود والنصارى والصابئين والذين أشركوا ويأجوج و مأجوج وغيرهم، أشركوا.
وإن أردوا جميع استجاب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولو من المنافقين، أشركوا.
وإن أرادوا المخلصين، أصابوا.
وإن أرادوا أهل الكبائر ولو كانوا مصرين أو مبتدعين، هلكوا مع عدم الشروط التي يكفر الله بها الخطايا من التوبة وأخواتها، فقد افتروا على الله كذبا، وضلوا ضلالا بعيدا حين جعلوه يبدل القول لديه.
وأما قول الشيخ – رضي الله عنه -: (وندين بأن المنافقين غير مشركين) اعلم أن الشيخ قال: وندين بأن المنافقين غير مشركين. وإنما أراد أن المعنى الذي صاروا به منافقين من جهة الأفعال.
وقد اختلفت الأمة في هذه المسألة فقال جل الأمة: إن المنافقين إنما نافقوا من جهة الاعتقاد، لأنهم اعتقدوا خلاف ما أظهروا، ليس النفاق في الأفعال بشيء، وهو قول السنية والمعتزلة والروافض من الشيعة.
وأما قول الأباضية بأسرها: إن النفاق في الأفعال دون الاعتقادات. وبعضهم يقول: إن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مشركون، والنفاق بعد رسول الله عليه السلام في فعل الكبير.
واعلم أن اسم النفاق اسم شرعي، ولكل واحد من هؤلاء الأفراق متعلق.
وقول الشيخ: (وندين) أراد به ونصوب، ولم يؤثر اختلافهم في تغيير شيء من أحكام الإسلام إلا في قول من أبطل العقاب على الكبير، فإن اتخذه ديانة هلك وإلا صار من جهلتنا. (2/47)
صفحة 134
واعلم أن النفاق هو الخفاء مأخوذ من نافقاء اليربوع كما تقدم، فكان ذلك في زمان خوفهم من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأخفوا ما بطن من معاصيهم.
وأما اعتقادهم، فأخفى، ولم يعلم ما في اعتقادهم إلا من جهة القرآن. فقال هؤلاء: صاروا منافقين بإظهار الشهادة والاعتقاد. وأخفوا المعاصي. وقال هؤلاء: بإظهار الشهادة. وأخفوا الاعتقاد.
لا يصح الحكم على الاعتقاد إلا من جهة الكتاب، وقال للرسول عليه السلام: (لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين).
وقال أيضا: (ولتعرفنهم في لحن القول). فمعرفتهم في لحن القول علم مظنون، ومن جهة القرآن علم متيقن، ونحن نشير إلى حجج كل واحد من هؤلاء المختلفين إنصافا وعدلا، ونستحكم عليهم الكتاب والسنة حكما وفصلا ونقضي بذلك شرعا وعقلا.
واعلم أن اليربوع لحفرة أربعة أسام. منها: الرهطاء والداماء والقاصعاء وهي معروفة عند العرب، وله النافقاء وهي التي أخفاها إلى وقت الحاجة إذا طلب من حفرة الثلاث خرج من الرابعة.
وأشار الشرع إلى أن من أخفى بعض أمروه وأظهر بعضها أورى عن الناس منافق ويتجه ذلك إلى الاعتقاد ويتجه إلى الأفعال، فأنزل الله – عز وجل – عن الذين تخلفوا عن الهجرة هذا الاسم، ولقبهم به.
وذلك أن أناسا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كانوا بمكة وقد أسلموا فهاجر رسول الله عليه السلام ولم يهاجروا، فلما نزل فرض الهجرة وقطع الله عذر من لم يهاجر، اختلف فيهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال بعضهم: هم مشركون كما كانوا أول مرة إذ لم يهاجروا. فقضوا عليهم بحكم أهل الدار. (2/48)
صفحة 135
وقال الآخرون: بل هم مؤمنون مسلمون، فأنزل الله تعالى حكمه فيهم، وتسميتهم بخلاف ما سموهم به المختلفون، يعاتب أصحاب رسول الله عليه والسلام على الاختلاف، فلو أطبقوا لأصابوا الحق.
وقال من قال إن النفاق في الأفعال إنما وقع من جهة ترك الهجرة وهو فعل واستدلوا بقول الله – عز وجل -: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) فقال من شركهم قول الله – عز وجل -: (والله أركسهم بما كسبوا) أي ردهم إلى ما هم فيه أول مرة، فأشاروا إلى الشرك.
والأركاس عند العرب: الرجوع إلى أسوأ حال الرجل، أركسهم الله فارتكسوا بما كسبوا من ترك الهجرة، وهذه عتاب لمن عذرهم.
وقال: (أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) ثم قال الله عز وجل إخبارا عن ضمائرهم: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) فقضوا بالشرك حين حكى الله تعالى عليهم الكفر، ولا كفر في ذلك الوقت إلا الشرك.
وقال الله – عز وجل -: (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله) قال يريد المواريث ولا يتوارث أهل ملتين.
وقال الآخرون في قوله: ((أركسهم)) أن ترك الهجرة رجوع إلى الهلاك الذي فيه أهل الشرك، فالكفر أحد أسباب الهلاك، وترك الهجرة كذلك.
وقوله: (ودوا لو تكفرون كما كفروا) فأوجه الكفر كثيرة، ولا يقصرها إلى الشرك، أي ودوا لو تركتم الهجرة كما تركوها، فهو الكفر الذي ودوه هم، فتكونون سواء، فشملهم اسم الكفر، فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله، وقالوا: التراحم والاستغفار ثم قال: (فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا). (2/49)
صفحة 136
فالتولي هاهنا: الرجوع إلى الشرك، ولو كانوا في الشرك ما قال: (فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم).
فاستثنى الله تعالى منهم الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، يريد ينتسبون إلى المشركين الذين بينكم وبينهم ميثاق، فشملهم وإخوانهم الميثاق والعهد على أنهم تولوا والأتصال والانتساب. قال الأعشى:
وأكثر ما في القرآن التولي إشارة إلى الشرك، كما قال: الذي كذب وتولى – ويحتمل – وقال: (فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلها إلا الأشقى الذي كذب وتولى).
والأصل أن من كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من المنافقين، قلما يسلمون من الشرك من مخالفتهم الرسول ومناقضته وكراهته بما جاء به، ومحبتهم أن تكون الدائرة بينه وبين عدوه عليه، ويظهر سلطان المشركين عليه، وإرادتهم انفضاض جمعه، ووسيلتهم إلى المشركين وإلى اليهود بإظهار بعضه وما جاء به، واستثقالهم بجميع أموره، وقلما يسلم من كان هكذا من الشرك، وإظهار ما وصفهم الله تعالى به في القرآن بالشرك بالله قال الله – عز وجل -: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون).
من هذا الذي يشهد بأنهم يشهدون بعد شهادة الله تعالى إنهم كانوا كاذبين، وليس بعد شهادة الله شهادة: (اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون).
ولم يأخذ عليهم في شيء إلا في الشهادة كذبا، فقال: (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا).
ولا ينفى عنهم من الكفر شيء بعد أن أثبته الله لهم، فطبع على قلوبهم، فالطبع خلاف الاختيار في مذمة كبيرة، (2/50)
صفحة 137
وأرى الذم يتوجه إلى القلب دون اللسان الذي كذبوا به، (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين).
والفسوق مأخوذ من فسوق الرطبة.
ومن أثبت لهم شيئا من الإيمان بعد شهادة الله تعالى بالفسوق منهم محتاج إلى دليل، (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) جاء الفسوق هاهنا أشد من الكفر.
وقال الله – عز وجل – أيضا: (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون).
فمن لم يفقه ويؤمن أن لله خزائن السموات والأرض فليس يعرفه، ولا يطلب ويحب انفضاض بيضة الإسلام عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلا مشرك، وقوله: (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله) (1) نفوا العزة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأثبتوها لأنفسهم لهم المشركين، ولئن أثبتوا العزة لله ولرسوله ونفوها عن أنفسهم لهم الصادقون، فليختر المختار من هذين المذهبين ما شاء، ثم قال الله – عز وجل -: (ولكن المنافقين لا يعلمون) فيا سبحان الله وهل العلم إلا في القلب؟ وقد نفاه الله تعالى عنهم. أهؤلاء صفة الموحدين الذين اعتقدوا أن لله خزائن السموات والأرض، وله العزة ولهم الذلة؟ أو لهم العزة ولله الذلة، تعالى الله ولا نعمت عين، وحسبك القرآن كله على هذا النمط وحسبك منه (آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) .. فهذا هو النص في عين الفص.
ثم قال (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكون من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون) وأنت تعلم (2/51)
صفحة 138
ما في التولي. (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) فأوى عقوبة خلف الوعد باللسان والكذب به أن أعقبهم النفاق في القلوب إلى يوم يلقونه منافقين بالقلوب صادقين الأفعال.
وقوله: (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون).
فمعاذ الله أن يلمز رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من يعتقد أنه رسول الله، ولن يفعل ذلك أحد إلا وهو مشرك.
وأما أمر الأحكام الجارية عليهم من حكم الإسلام، فليس فيها دلالة على صدق ضمائرهم.
ولو كانت ضمائرهم صالحة وأسرارهم صادقة مع كذب ألسنتهم التي شهد الله تعالى عليها بالكذب، لكان حسبهم خروجا من ملة الإسلام مع ما عزاه الله تعالى إليهم من إرادة انفضاض بيضة الإسلام والإيمان، وتشفي المشركين من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين لكان أعظم الشرك.
ولن يشهد لهم بالإيمان بالقلوب إلا من علم الغيب أو رجل يودهم.
ولن ينفع الإسلام والمسلمين تبرئتهم من الشرك شيئا.
ولن يضر الإسلام والمسلمين نسبتهم إلى الشرك، وما علينا أن نحسدهم الشرك، والشرك المستخفى به نفاق، وليس في الإحكام ما يدل على بواطنهم وإنما يتعامل الناس في الدنيا بما ظهر، وبالضمائر يوم تبلى السرائر.
ولو أن أحدا يقضى على شركة بالأفعال لكانوا هم، وقد عرفنا الله – عز وجل – من خبيث ضمائرهم أفحش من ظواهرهم، وقد أغنانا الله تعالى عن ذلك بما عرفنا من سرائرهم. (2/52)
صفحة 139
ومن ادعى معرفة الضمائر والاعتقاد، وعلم ما في الفؤاد من غير تعريف الله – عز وجل -، فقد جاوز علمه ومعرفته علم العباد.
وإن ادعى الاستدلال بالأحكام على أنهم أبرياء من الشرك والارتداد وحسن سلامة الاعتقاد فهو أقرب إلى الخطأ والفساد.
فلو قاس البواطن على الظواهر، لكان أعذر من أن يقيس الظواهر على البواطن، ظواهرهم خبيثة وبواطنهم أخبث.
والمسلمون ظواهرهم طيبة، وبواطنهم طيبة، ليس في الأحكام دليل، وهاهنا بعض أحكام المسلمين جارية على اليهود والنصارى وليسوا بموحدين.
وإنما وقع الاختلاف بين الأمة في أهل الكبائر، فأطلق عليهم أهل البصائر في الدين اسم النفاق، وقاسوهم على من قبلهم من أهل الشقاق، وامتنع الآخرون وقالوا النفاق في الخفاء والفساد، وهؤلاء السلاطين وجنودهم.
وأهل الطاعة لهم ليسوا بمنافقين لأن أفعالهم ظاهرة، وهذا أمر بني على الرأي والاختلاف ما لم يتجشم ويقتحم أحد أحد الشروط المتقدمة، وقد سئل حذيفة بن اليماني عن هؤلاء الفجرة، حين ظهرت كبائرهم ولم يستخفوا بها، هل هم منافقون فقال: (لا، هؤلاء كفروا كفرا مبينا) ونعذرهم إن ذهبوا مذهب حذيفة.
فإن قال قائل: ما الحكم فيمن نفى عن صاحب الكبيرة اسم النفاق؟
قلنا: لا ضير ما أثبت لهم الفسوق، ولم يجعلوه مؤمنا مستحقا للجزاء كالمرجئة أو قضى له بالخروج.
وكذلك من منع اسم الكفر عن صاحب الكبيرة، فلا حرج ما لم يبغ.
وكذلك إن أطلق عليه اسم مؤمن ومسلم يريد بمعنى الإقرار بالتوحيد والحكم به، ولا يوجب له به الجزاء في الآخرة دون الأعمال، فجميع ما قلنا صحيح وبعض ما قالوه خطأ، ولا نقطع عذرهم به، وهم جهلتنا، حتى يصدموا (2/53)
صفحة 140
أحد الشروط الثلاثة، كما قال جابر بن زيد: (لا يحل للعالم أن يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك) وبالعكس كذلك.
مسألة:-
وقول الشيخ – رضي الله عنه -: (وندين بأن الله يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، ولا يغفر الكبائر إلا بالتوبة)، وندين هاهنا بمعنى: نصوب ونستحسن.
واعلم أن الناس قد اختلفوا في هذه المسألة من جهة الأحكام الشرعية وأساميها.
قال بعضهم: الشرك أعظم الذنوب، والكبير دونه، وفوق المعصية.
والمعصية دون الكبير وفوق الخطيئة.
والسيئة دون المعصية وفوق الخطيئة.
والخطيئة دون السيئة وفوق الكراهية.
والكراهية دون الخطيئة وفوق الإباحة.
والتوحيد أفضل من الفرائض، والفرائض دونه.
والفرائض أعظم من النوافل والنوافل دونها.
والنوافل أعظم من المباح والمباح دونها. قال الله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) الآية.
وعلى هذا القول: السيئة دون الصغيرة، والصغيرة غير مكفرة باجتناب الكبائر، وهو قول ابن عباس: (ليس فيما يعصى الله به صغير)، فإنه ذهب إلى مناهي القرآن أنها الكبائر، ومناهي السنة هي الصغائر وليست بمعصية، ولم تدخل في الغفران باجتناب الكبير، ولا تدخل في الغفران إلا السيئة فما (2/54)
صفحة 141
دونها وهي الخطيئة، ولم تدخل السيئة في المعصية فوقع الإجماع على السيئة فما دونها بدليل الخطاب وبقيت المعصية كلها في الوعيد والكبير.
وقال الشيخ: لأن الكبيرة لا تغفر إلا بالتوبة، قال الله – عز وجل -: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) وقال (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن شاء).
وقال: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم).
وقال: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا).
فأطلق في الأولى ولم يشترط. فقال: (إن الله يغفر الذنوب جميعا).
وأطلق في الرابعة ولم يشترط فقال: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا). فجاءت الآيتان عموما.
ومن شرط العموم أن حكم الخصوص جار عليه وحاكم عليه فخص في الآيتين المتوسطتين، وعلق الغفران إلى التوبة، فقال: (وإني لغفار لمن تاب). فاجتمعت الأمة على هذا وصح، وأطلق أهل السنة المشيئة على الكل قلنا: والشرك؟ قالوا: لا. فخصوا.
قال جابر بن زيد – رضي الله عنه -: (قد أخبرنا الله – عز وجل – عن مشيئته فقال: قد شاء أن يغفر بالتوبة قال الله – عز وجل -: (وإني لغفار لمن تاب).
والثاني: الحسنة. قال الله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات).
والثالث: المصائب: قال الله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير). وقال: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون). فوعدهم أعظم من الغفران. (2/55)
صفحة 142
وفحوى الخطاب: أن الغفران حاصل إذا حصل الوعد الجميل والأجر الجزيل، قال (صلى الله عليه وسلم): ((ما من مصيبة يصاب بها العبد المسلم إلا كفر بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها)).
وقال عليه السلام: ((الموت كفارة لكل مؤمن)) وقد قيل: (إن القتل في سبيل الله كفارة).
وقال عليه السلام: ((إن الشهيد يغفر له عند أول قطرة تقطر من دمه)).
وقال عليه السلام: ((إن الصلوات الخمس كفارة لما بينها))
وقال عليه السلام: ((إن صلاة الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى)).
وقال في الذي سقى الكلب: ((فشكر الله فعله فغفر له)).
والرابع: شفاعة المصطفى عليه السلام: روى ضمام بن السائب – رضي الله عنه -: ((إذا فصل الله بين الخلائق في المحشر ذهب أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار قال الله – عز وجل – لمحمد عليه السلام: اذهب اشفع، فيأتي عليه السلام إلى المحشر، فيختار منهم جماعة إلى الجنة، فيقول الله – عز وجل – ارجع فيرجع ويأتي بجماعة منهم إلى الجنة، فيقول الله – عز وجل – ارجع فيرجع ويأتي بجماعة إلى الجنة، فيقول الله – عز وجل – ارجع فيقول عليه السلام: يا رب لم يبق إلا من حسبه الكتاب، فيعزل الله منهم طائفة إلى الجنة مع ما فيه أهل الأعراف)).
قال ضمام: (هم قوم استوت حسناتهم مع سيئاتهم، فأتت شفاعة الجواد الكريم الرب الرحيم على من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان).
وقد جاء الحديث به مشهورا عند أصحاب الحديث وذكره ضمام بن السائب عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم). (2/56)
صفحة 143
وقال (صلى الله عليه وسلم): ((من قال: لا إله إلا الله مخلصا من قبله دخل الجنة)). هذه رواية أصحاب الحديث ورواية ضمام أعظم.
قال: قال رسول الله عليه السلام: ((من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان دخل الجنة)).
وسعة رحمة الله كثيرة، ولا مطمع فيها لصنفين: مصر على معصية الله عازم أن يلقى الله – عز وجل – بها يوم القيامة، ومبتدع في دين الله – عز وجل – منعكس منتكس عن الله تعالى.
وقال الشيخ – رضي الله عنه -: (وندين بتكفير من زعم أن معصية الله – عز وجل – كلها كفر، وطاعته كلها توحيد).
واعلم أن الشيخ قد أطلق هاهنا: (وندين) وهي على الشروط المتقدمة وإلا فالرأي عجز.
فممن أثبت أن معصية الله كفر: ابن عباس حين قال: (ليس فيما يعصى الله به صغير)، وما ليس بصغير فهو كبير، وما هو كبير فهو كفر.
وغرض الشيخ ومراده مذهب الخوارج الذين زعموا أن معصية الله كلها كفر ن وأكدوا أنها شرك، وديانتنا فيهم أنهم كفروا حين حققوا ما قالوا بالفعال وبالقتل والسبي والغنيمة.
ولو اقتصروا على قولهم دون فعلهم ن لكان لهم فيه مندوحة وقد وقع الشرط في الأفعال وهو الرياء، فليس ذلك بمخرجه من أحكام الرياء إلى أحكام الشرك.
وإن عكست الطاعة أنها إذا شابها التقرب فهو توحيد، فما فيه أكثر من الغلط على اللغة، ولو ورد به الشرع لجاز.
ومراد الشيخ في (وندين) كما تقدم بمعنى نصوب إلا لمن انتهك أحد الشروط فهو هالك.
وقول الشيخ – رضي الله عنه -: (وندين بأن جميع ما أمر الله به إيمان، وليس جميع ما نهى الله عنه كفرا، وبامتنان من منان إذ جعل طاعته كلها إيمانا، ولم يجعل معصيته كلها كفرا). (2/57)
صفحة 144
اعلم أن معنى: (وندين) هاهنا بمعنى ونصوب وليس بمعنى نتدين. وأن الصحيح كما قال الشيخ: إن جميع ما أمر الله به تعالى وندب إليه إيمانا، وإنما يقع القول هاهنا في أوامر الله – عز وجل – هل هي على الوجوب أو على الند؟ حتى يرد ما يوجب الالتزام أو على الفور أو على التراخي.
واعلم أن الناس قد اختلفوا في هذا كله، فأوجب بعضهم أن جميع ما أمر الله تعالى به فرض، ولا يقع الأمر على النوافل لكن الندب والدعاء إليها والتحضيض والترغيب والطاعة، وأما الأمر فلا، وهذا قول عمروس بن فتح، وبعض الأئمة على هذا القول.
فليس يصلح في المسألة ندين إلا بمعنى نصوب لا بمعنى نتدين لئلا يقطع عذر عمروس في أمر مختلف فيه الأمة، وهو مما يسوغ للفقهاء الاختلاف فيه.
واستدل من قال بهذا القول بقول الله: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم).
ولم يسوغ لهم التخير بين الفعل والترك فأكد ذلك بقوله عقب هذا (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا).
وقوله – عز وجل – أيضا لإبليس اللعين: (ما منعك أن تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه).
ولو احتمل الأمر التأخير أو التخيير لاعتل بذلك إبليس، فيقول: أمر الله على الندب حتى يرد ما يوجبه، أو على التراخي حتى يرد ما يضيقه ولأصاب إبليس اللعين مندوحة وفسحة.
وقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء)) ومعلوم أنه ندبهم إليه.
وقالت الأشعرية: إن أوامر الله تعالى على الوقف، قلنا لهم: قفوا. (2/58)
صفحة 145
وأما الدليل على أن الإيمان جميع طاعة الله – عز وجل – مأمورا بها ومندوبا إليها، قول الله – عز وجل – حين انتقلوا إلى استقبال الكعبة وتركوا استقبال بيت المقدس، فقالت اليهود: ما حال صلاتهم أول مرة إلى بيت المقدس؟ يعيبون المسلمين بذلك وأنهم قد أبطلوا أجور صلواتهم إلى بيت المقدس، قال الله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم). يعني صلواتهم إلى بيت المقدس.
فلو قال قائل: إنما يريد إيمانهم في استقبالهم بيت المقدس، وأما الصلوات فإنها ضاعت.
قلنا: هذا آخر اليهود. فإن الله تعالى بشر المسلمين ببشارتين: الواحدة أن صلاتهم غير ضائعة والثانية: أن تلك الصلوات نفسها إيمان، فجعل هذه التعزية مكان التهنئة، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((الإيمان نيف وسبعون خصلة أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق)).
وقال عليه السلام: ((الحياء من الإيمان)).
وأما قول الشيخ – رضي الله عنه -: (وندين بأن الله خالق وما سواه مخلوق، وأنه خالق لوحيه وكلامه، وجاعل له، ومحدث له).
وقوله: (وندين) هاهنا محتمل ما لم يقع أحد الشروط الثلاثة، وذلك أن هذه المسألة وقع فيها بعض المغالطة، وكذلك مسألة الأسماء، أسماء الله تعالى.
واعلم أن من شروط التناظر اتفاق المتناظرين على المعنى الذي أرادوا أن يتناظروا عليه، فلابد من اتفاق عليه وإلا كان الكلام لغوا، يسأل من يقول: القرآن غير مخلوق. ما هذا القرآن الذي تريده وما حده؟
فيقول: إن الكلام أولا إنما يكون في النفس منا ثم يظهر على ألسنتنا (2/59)
صفحة 146
فيكون الظاهر والباطن كلاهما كلاما، فنظرنا إلى القرآن الظاهر عن كلام الباطن قام ونظرنا إلى كلام النفس قد يكون في النفس قبل ظهوره إلينا، وأمور النفس عندنا آكد من أمور الجوارح، والله تعالى لا يشبهه شيء في صفة ولا ذات، فعلمنا أن كلامه كعلمه.
فقلنا: الكلام، والقرآن إذ هو الكلام ليس بمخلوق. ثم قلنا لأهل الظاهر الذين يقولون: هذا المسموع هو القرآن: ما القرآن عندكم؟
فقالوا: هو هذا المسموع بالآذان المتلو باللسان المقطع بالحروف المتعلق إلى الظروف المحتمل للتصريف الموصوف بالتربيع والتثليث والتنصيف، وفي صدور الذين أوتوا العلم حجة الآخرين.
فها هنا وقعت المغالطة.
فإن اعترف أصحاب الظاهر لأصحاب الباطن بما قالوا صح قولهم: إنه الكلام في النفس، وأنه معنى في النفس على قول الأشعرية.
وإن اعترف أصحاب الباطن لأصحاب الظاهر بما قالوا: إن الكلام هو هذا المسموع صح أنه مخلوق. فعلى كل واحد منهم أن يقيم الحجة على ما قال.
وإن أقاما، صح ما قالا: هذا صفة وهذا فعل.
وإن عجز أحدهما صح ما قال الآخر.
وإن عجز جميعا صح ما قالا جميعا أو بطل.
واستدل أصحاب الباطن بقول الأخطل التغلبي:
أن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على فؤاد دليلا.
واستدل الآخرون بقول الله – عز وجل -: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه).
فقال أصحاب الظاهر لأصحاب الباطن: صاحبكم نصراني، ولا ينصت (2/60)
صفحة 147
إليه في تفسير لغة العرب، وإنما يكون حجة في القول بها والخطاب إذا خاطب بها،
ونحن استدللنا بكتاب الله – عز وجل – وما في الفؤاد غير مسموع بالآذان.
وقال آخرون: أثبتناه صفة لأن ضده منفي عن الله تعالى وهو الخرس.
فقال الآخرون: لم يكن الخرس للكلام بضد وإنما هو آفة، وضد الكلام السكوت وليس بآفة، كما لا يجوز أن نقول ضد القدرة الخرس أو النوم أو الجوع أو العطش، فهذه آيات ومجموعها هو ضد القدرة، وبعد أن يكون الكلام في النفس ككون الفعل في النفس فلا يكونان صفة.
وإنما قلنا ككونهما في النفس متعلق إلى علم الله – عز وجل -، بعلم الله في علمه، الذي إن ظهر كان كلاما، وإن أظهر كان فعلا.
وقد علم الله تعالى كون الخلق في الأزل وكون الخلق يوما ما وحينا ما.
وقد علم الله – عز وجل – الكلام في الأزل، وكون الكلام يوما ما وحينا ما.
وقولنا الله متكلم لم يزل كقولنا خالق لم يزل، لأن الأسماء ربما تسبق الأفعال لم ترتبط الأسماء بزمن مخصوص والأفعال ذاته بذواتها على أزمانها.
وهذه المسألة قد جاز فيها المتكلمون وليس فيها من الحيرة أكثر مما ترى. فإن سلم أحد من الشروط الثلاثة كان المصيب فيها غانما والمخطئ سالما. والسلامة أقرب إلى من استدل بقول الله – عز وجل – دون من استدل بقول النصارى والمبتدئ بقطع العذر منها ظالم.
وقول الشيخ - رضي الله عنه -: (وندين بتصويب أهل النهر في إنكارهم الحكومة يوم صفين بين علي ومعاوية).
واعلم أن قوله في هذه المسألة (وندين) لا يحتمل أكثر من قطع العذر لانتهاك علي حرمة الداء، فلو لم يقع إلا القول ولم يتجاوزوا فيه إلى قطع العذر وانتهاك حرمة الدم لكان فيها ما فيها من الوسع، ولكن الأمور التي لا تقتضي حكما وليس إلا بوار الغم، ولا يؤدي إلى قطع العذر إلا رأي ففيه احتمال والله أعلم. (2/61)
صفحة 148
باب: القول في الأفراق
ونحن نشير هاهنا إلى الأفراق التي أشار إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في أمته، وقد قال رسول الله عليه السلام: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى النار ما خلا واحده ناجية وكلهم يدعي الناجية)).
واعلم أن الإشارة هاهنا إلى الأفراق لقطع العذر، وأنهم أصحاب النار، وإنما يتوجه الخطاب هاهنا إلى المبتدعين وهي كل فرقة تدينت.
ونص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ثلاث طوائف، وهي المرجئة والقدرية والمارقة، ونص المسلمون بعده على ثلاث: وهي: الرافضة وغاليتها والمجسمة والمشبهة.
أما المرجئة فلا مطمع فيهم، لأن الله تعالى شرع معالم الإسلام للأنام، ونص على معالم الكفر والآثام، فأمر ونهى، ووعد وأوعد، ورغب ورهب، ودعا إلى طاعته بجزيل الثواب، وزجر عن معصيته بأليم العقاب.
فعمدت المرجئة إلى هذه المعاني كلها، فهدمتها ولاشتها، بزعمهم ترغيبا منهم للناس في الدخول في دين الله مثل ما يفعل الأنبياء عليهم السلام في الدعاء إلى الإسلام تسهيلا عليهم، فاقتصروا هم على قولهم: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة. وصدقوا، ولكن بقي عليهم الشرط الذي شرطه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قال: ((من قال لا إله إلا الله مخلصا من قبله دخل الجنة)).
ولن يبلغ هذه الرتبة إلا من جد واجتهد في الأفعال فترك العوائق من المعاصي والآثام.
ولو قيل لأحد: إن كنزا بمكان كذا وكذا، لدأب وتعب ونصب، وأنفق الأموال ليتفق له الحال، وحاد عن المطال. (2/62)
صفحة 149
لكن المرجئة أغرقت بالمعاصي طلابها، وسهلت إلى الشهوات أسبابا وفترت النفوس عن الطاعة، باستغناء الناس عنها بقول: لا إله إلا الله. فلم يدعوا شيئا يوجب عمل الطاعة إلا أوهنوه حتى قالوا: أمة أحمد لا تعرض على النار.
فأين الخوف والرجاء والعمل والتقى مع هذا؟ فلهذا لعنهم رسول الله عليه السلام، ولعنهم سبعون نبيا ممن ابتلوا بهم ونسوا ما ذكروا به من قبل، قال الله - عز وجل -: (ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون). ما على أمة أحمد عليه السلام أضر منهم ولا لإبليس أعون فيهم، ولا للآخرة أجهل منهم سحقا بهم وسحقا.
وأما القدرية فأنهم ناهبوا الله - عز وجل - في أفضل خلقه ورموا الشركة بينهم وبين ربهم، فله خلق ولهم خلق، غير أنهم حازوا أفضل الأشياء لأنفسهم وهو التوحيد والإسلام والإيمان، وتركوه وأفعال البهائم والأنعام وسائر الأعراض والأجسام، ونقضوا قول الله تعالى: (هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض).
فقالت القدرية: لا أحد إلا نحن، وهؤلاء وإخوانهم من المرجئة ممن لعنهم الأنبياء، وكل نبي مجاب الدعوة.
وذلك أن الأنبياء يدعون عباد الله إلى الله - عز وجل - ترغيبا وترهيبا، من بلغ في الإجابة إلى دينهم، وبلغ في العبادة إلى غاية ما نظر إلى نفسه بعين الإجلال، واقتداره على مثل هذه الأفعال فقال: إن الله تعالى بريء من الظلم، ولم يعذب أحدا إلا على فعله، ولا يرجوه أحد إلا على فعله. فنسبوا الأفعال إلى أنفسهم، إذ لا تصح الشركة في فعل أحد.
ولو نسبت إلى الله تعالى، لكان قد عذبهم على ما لم يفعلوا وهو يقول: جزاء بما كانوا يعملون، ويفعلون، فردوها إلى أنفسهم دونه. (2/63)
صفحة 150
وذهب عنهم النظر بالبصيرة إلى التفرقة بين الوجود والإيجاد والفعل والخلق فحادوا لما تخيل إليهم من قبح الأفعال والفحش والكذب، ولم يبق إلا أن يقولوا: إن البول والغائط خلقهما لا خلق الله، فلولا ما كانا قبيحين لانتحلوهما، لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأما المارقة وهم الخوارج، فلن يخفى على عاقل بسيرة ما ساروا في أهل الإسلام، كسيرة أهل الإسلام في أهل الأوثان والأصنام، كأنما بعث إليهم رسول آخر غير محمد عليه السلام.
وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إن ناسا من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فتنظر في النصل فلا ترى شيئا، وتنظر في القدح فلا ترى شيئا، وتنظر في القديدة فلا ترى شيئا، وتتمارى في الفوق))، وفي حديث آخر: ((يخرج من ضئضئ هذا أناس يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية))، إلا أن الشفاعة قد أيأس منها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طائفتين من أمته وهم القدرية والمرجئة وقال: ((طائفتان من أمتي لا تنالهما شفاعتي)).
وأما الأفراق الثلاثة التي نص عليها الأولياء والصالحون، فهم الرافضة والمجسمة والمشبهة.
أما الرافضة فأنهم ذهبوا على مذهب النصارى في المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، فعزوه إلى الألوهية، فذهبوا في أولاده مذهب بني إسرائيل المحققين في تعظيم أنبيائهم فعظموا أولاد علي وعزوهم إلى النبوة، وأبطلوا فائدة قول الله - عز وجل - في محمد عليه السلام: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين).
وحسبهم خزيهم عند محمد (صلى الله عليه وسلم) يوم المحشر وخزيهم عند الله - عز وجل -، إذ نصبوا إلها آخر غير الله رب العالمين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون، وغرهم أيضا مجاورتم النصارى بأرمينية واقتبسوا منهم هذين المذهبين الخبيثين، وهم دون سبعين فرقة كلهم إلى النار. (2/64)
صفحة 151
وأما المجسمة: فحسبهم رجوعهم إلى دين آبائهم الأولين، وعبادتهم الأصنام والأشباح والأجساد والأشخاص كسيرة أجدادهم الماضين، فأبطلوا معنى قول الله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).
وأما المشبهة: فحسبهم رجوعهم إلى أعقابهم إلى إخوانهم المجسمة وتسليط المهدي عليهم، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين.
وآحاد الأفراق بعد هؤلاء نصيبهم في المحشر (يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا).
ولم يؤيس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الشفاعة إلا الطائفتين المذكورتين، لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء. (2/65)
صفحة 152
باب في ذكر المذاهب والآراء والاختلاف والائتلاف
اعلم أن الله تبارك وتعالى جعل لهذه الأمة في الشريعة نصيبا وافرا ولم يجعله لأمة من الأمم قبله.
وقال الله عز من قائل: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان إلا قليلا). فذكر استنباطهم في معرض الامتنان على الخليقة والمدح لهم والهداية على أيديهم.
قال الله - عز وجل -: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اختلف فيه إلا الذين أتوه من بعدما جاءتهم البينات بغيا بينهم، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).
فوعد الله تعالى لهذه الأمة الهداية إلى الحق، في كل أمر مختلف فيه لابد لبعضهم أن يهتدي إلى الحق.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((لن تجتمع أمتي على ضلال)) وقال أيضا: ((ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال)).
واعلم أن الأمم الماضية لم يطلق الله أيديهم في الشرائع بالرأي، ليس لهم إلا المنصوص مشرعا، فخص العرب بهذا اللسان، وجعلهم أئمة لجميع العجم الذين دخلوا في الإسلام، وفارقوا دين الآباء والأجداد.
وذلك أن الله تعالى من عليهم بلغتهم التي هي أفضل من سائر اللغات، ومن فضيلة لغتهم أنها لغة أهل الجنة، يتركون لغاتهم ويرجعون إليها، وليس في السبعمائة ألف لغة التي خلقها الله - عز وجل - وخاطب بها موسى عليه السلام لغة أفضل منها. (2/66)
صفحة 153
وإن كان أول ما ابتدأ لموسى بالخطاب بلغة البربر حين ناجاه. فقال: يا موسى نج أد يكش مقرن. فقال: يا ربي لم أدر فمازال يخاطبه بلغة بعد لغة، فكان آخر ما خاطبه به بالعبرانية فهم موسى وأجاب. وليس في اللغات لغة انفردت من سائر اللغات بالوشي الذي جعله الله تعالى زينا لها في الظاهر وكثرة المعاني في الباطن وحلوة على الألسن غيرها، فاختار لها العرب واختارها للعرب مخصوصة في العرب، خصهم الله تعالى بها.
وذلك أن الإنسان خلقه الله تعالى فجعله آية للسائلين، وخلق الملائكة فركبها على طبع واحد، لا يؤثر الزمان ولا المكان في طبائعهم ليس لهم شهوات إلا ما طبعوا عليه، وركب فيهم العقول فكانت تمتثل الأفعال بمقتضى العقول، وذلك وفق طبائعهم.
ثم خلق البهائم وحوجها إلى الغذاء وركب فيها الشهوات، فكانت حركاتها بمقتضى شهواتها، فأسقط عنها التكليف لعدم العقول، وغلبة الشهوات.
ثم خلق الإنسان على خلقة البهائم في الغذاء والشهوات وعلى خلقة الملائكة في المعارف والمعقولات، فهو أبدا في جهاد دائم وحرب قائم بين الشهوات والعقل وفي الترك والفعل.
ثم إن الله تعالى وهب لبني آدم الدنيا، وأمر بها لهم، وأخصبها عليهم، فغدوا ونشأوا في اللذات التي هي أضداد العقول، فهم يتقلبون في ظلال البيوت والقصور، وفي أصناف الثياب والحرير تحت ثمار الأشجار والأنهار ولذات الطعام والشراب ونكاح الأبكار والأتراب، في أمن ودعة وراحة وسعة يتفكهون بحوادث الأخبار، فهم في طول دهرهم في تنعيم أجسامهم وتوطية أبدانهم، فقوي سلطان الشهوة، ووقع سلطان العقل، فرجع العقل في خدمة الشهوة، فصار المالك مملوكا والمملوك مالكا، فليس لهم إلا ما أبصروا بأعينهم، فسلب الله تعالى هذا النعيم للعرب، ورمى بهم في الصحاري والبراري والوهاد، (2/67)
صفحة 154
فليس لها غطاء إلا السماء ولا وطاء إلا الأرض، يتبعون أذناب البهائم والأنعام بين أبل وبقر وغنم ومعز على وجه الأرض، وأشجارهم العضاة والقتاد، وأشرابتهم المياه والثمار ليس لهم من الشمس كن ولا أنيس إلا الجن، ولا طيب إلا اللبن، ولا معقل إلا الحيل، ولا ملجأ إلا القن في آفات التن (1)، ولا لباس إلا الصوف والوبر والجلود، فمسخت الألوان وتغيرت الأبدان، فأعقبهم الله تعالى بتوفير العقول وذكاء النفوس وعلو الهمم في الجود والكرم، وحفظ العلوم بالسماع والكلم بدلا من النسخ بالقلم في قراطيس الأدم.
وقد أشار ابن المقفع إلى شيء من هذا. وكان ابن المقفع في النهاية من العلوم والحكم والأدب والشيم وخدم الولايتين: ولاية بني أمية، وولاية بني العباس لحاجتهم إليه وإلى علمه.
وذلك أنه أقبل ذات يوم إلى سوق المربد بالبصرة، وهو مشهور سوق تحضره الأخيار والسادات والفضلاء والأشراف، فلما أبصروه قاموا إليه، وسلموا عليه ورحبوا به.
فقال: (ما يحبسكم في مجالس الشياطين والعامة والغاغة والسوقة وفيكم الفقهاء والعلماء والشعراء والخطباء والسادة والأمراء؟ اغدوا بنا إلى قصر ابن أبان فنتروح في ظله، ونستنشق من نسيمه، ونتفاوض في العلوم والحكم ونتذاكر أخبار الدنيا والأمم).
فقالوا: (سمعا وطاعة). فرجعوا إلى دوابهم وخيلهم وبغالهم وحميرهم فركبوها، وقصدوا قصر ابن أبان، فلما وصلوا نزلوا في ظله، وأكبروه أن يبتدئوه بالسؤال هيبة، فرفع إليهم رأسه فقال: (يا وجوه الخير، من أعقل الناس؟).
قال بعضهم: (أهل الصين).
فقال: (بماذا؟). (2/68)
صفحة 155
فقال بعضهم: (إن بلادهم تعمل صنائع الدنيا الديباج والحرير والوشي والثياب النفيسة كلها، وأحكموها، واستقامت أمور الرعية والجنود والكتاب، وخراج الأرضين، وترتيب القرى والمدائن، فلا يكاد يحدث عندهم أمر من الأمور في جميع مملكة سلطانهم إلا وعنده منه خبر في يومه، ولا يتوالد مولود ولا يموت ميت وإلا وصل خبره عند الملك، ذلك اليوم، أو تلك الليلة، في مملكة قطرها مسيرة سنة، وقد أعدوا النجب والخيل والفيوج (2) والطيور لمثل ذلك).
فقال ابن المقفع: (هؤلاء قوم علموا فتعلموا، وتحملوا أمورا فحملوها، ووقع من الملوك وممن له القدرة عليهم فحملهم على تلك الأمور طوعا أو كرها).
ثم قال لهم: (من أعقل الخلق؟).
قال بعضهم: (أهل الهند).
قال: (بماذا؟).
قالوا: (إنهم أعقل الخلق في سياسة النفوس في الأغذية والأدوية والحكمة ومعرفة نجوم الأسماء والطوالع والمواليد وسياسة الملوك والبددة (3)، وفيهم تفرع وتدرع علم أبينا آدم صلوات الله عليه وسلامه).
---------------------------------------------------
(2) جاء في لسان العرب: الفيج: فارسي معرب، والجمع فيوج وهو الذي يسعى على رجليه، وفي الحديث ذكر الفيج، وهو المسرع في مشيه يحمل الأخبار من بلد إلى بلد. (مراجع ط 2).
(3) البددة هي بيوت عبادتهم التي فيها الأصنام والتصاوير. (مراجع ط 2).
وقال ابن المقفع: (هؤلاء قوم تقدمت لأوائلهم هذه الأمور، فجروا على أسلوبهم، ونشأوا عليها).
ثم قال: (من أعقل الخلق؟).
قالوا: (الفرس).
قال: (فبماذا؟)
قالوا: (إنهم أتوا الملك في الدنيا على جميع أقطار الأرض، فساسوها وأحسنوا تدبيرها، واستخرجوا بعقولها سياسة الملك فساسوا بها الدنيا، فصاروا للأنام كالشمس للدنيا). (2/69)
صفحة 156
فقال: (هؤلاء قوم استظهروا بالصعاليك على المماليك، وبالأجناد على العباد، فجرت على أسلوب واحد).
ثم قال: (فمن أعقل الخلق؟)
قالوا: (الروم).
فقال: (بماذا؟)
قالوا: (قد أوتوا عظيم الجثة في أبدانهم، والقوة في مفاصلهم، فاقتدروا على صنعة الهياكل العظيمة، والصنائع العجيبة، وعجائب الأشكال والصور والاقتدار على مقاساة الأسفار في البر والبحر).
فقال ابن المقفع: (هؤلاء قوم جادت بلادهم لهم بآلات الصنع، فظهر في جميع ذلك الصنع غرائب ما في الدنيا من البدع).
قال: (من أعقل الخلق؟)
قالوا: (الله أعلم). فرفعوا إليه رؤوسهم، فقال لهم: (أعقل الخلق العرب .. ) فتعجب كثير ممن حضره، واستعظموا قوله واستغربوه.
فقالوا: (بم ذلك؟)
قال: (إنهم نشأوا في البادية، ليس لهم ملوك تسوسهم في أمر دنياهم، ولا أنبياء ولا علماء تفقههم في دينهم، ولم يؤتوا أموالا يستخدمون بها، ويستخرجون بها صنائع الدنيا، فالسماء سقفهم والأرض فراشهم.
إذا ولد عند أحدهم مولود، مهما ترعرع وبلغ الحلم، خطب عليه أبناء عمه ودفع له غنيمات وعنيزات، يأخذها ويتمعش فيها، ودخل بها تلعة من التلاع، أو بقعة من البقاع، لا جليس ولا أنيس إلا نفسه وغنيماته، يرعاها نهارا ويحرسها من الذئب ليلا، فدعاه عقله وحسبه ونسبه إلى استخراج (2/70)
صفحة 157
مكارم الأخلاق فاستعملها، ومذامها فاجتنبها، وتمعط ممن رماه بالدنية، وربما يناله فيمتنع منها، وفي تلعته ليس معه إلا النجوم الساريات والرياح الجاريات، ويهتز لمكارم الأخلاق إذا نسبت إليه، ويتمعط من مذامها إذا عزيت إليه.
فتعلموا بطباعهم مطالع النجوم وأزمنتها وخواص منافعها عند طلوعها، وسجعوا في ذلك أسجاعا، إلى أن رتبوا في بلادهم أسواقا في المواضع التي يجتمعون فيها، فتذكرون مآثر آبائهم ومناقب أجدادهم ومفاخر عشائرهم، فيتفاخرون بها، كذي المجاز وعكاظ ومجنة، ويتحامون القبائح والرذائل لأجلها إذا اجتمعوا فيها، ويتناشدون الأشعار ويحفظونها، والخطب ويعونها، وليس عندهم كتاب ولا سنة ولا شريعة ولا مصيغة، لا يعلمون الكتاب إلا أماني، أحفظ خلق الله لما سمعوا، وأضبطهم لما استحفظوا).
وقيل: إن ناسا منهم أدركهم العطش في بعض الصحاري، وليس معهم ماء إلا شيء فاقتبسوه، فأخذ أحدهم نصيبه فشربه فلم يغن عنه شيئا، وأخذ الآخر نصيبه، فلما أراد أن يشربه قال له الأول: أنقذني بنصيبك من الموت يا أخي، فإني لا أراه يغني عنك شيئا. فقال الآخر: دونكه. فمد بها صوته حتى خرجت روحه، ولهم في هذا مآثر كثيرة، فأرسل الله تعالى محمدا (صلى الله عليه وسلم) فكان بالموضع الذي ذكره الله تعالى من الأخلاق الحسنة والأفعال الجميلة كما قال الله - عز وجل -: (وإنك لعلى خلق عظيم) فأنزل الله عليه كتابا يتلى، تضمن من الحكم ما لم تتضمن الكتب الأولى التي كانت قبله، قال الله - عز وجل -: (وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) وسماه الله تعالى من أسمائه بعشرة أسماء أو أزيد - كتاب حكيم، عزيز، نور، ومهيمن، وفرقان، وقرآن وشفاء، ضياء، وهدى، ورحمة، ومبين، ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب، وفوض إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيان ما فيه، (2/71)
صفحة 158
فقال: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)، وقال عليه الصلاة والسلام: ((أوتيت جوامع الكلم)).
ففوض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى علماء أمته وأهل البصائر منهم ما وراء ذلك فجعل إليهم حكم النوازل التي لم يشرعها القرآن ولم يسنها النبي عليه السلام.
وفوض إليهم تفسير ما في القرآن من مشكل وأمر ونهي ووعد ووعيد، فكان جميع ما نظروا فيه وقالوه علما وحكما.
وقال الله تعالى: (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) فدل أن جميع ما قالاه حكم وعلم وأن أضدادهم من السفه والجهل منفيان عن حكمهم هذا، ونفي هاهنا كلمتان: الحق والصواب، فاختلف الناس فيهما، فأجاز بعضهم أن حكمهما حق عند الله، بدليل نفي ضده من الباطن لغة، والحق ضد الضلال شرعا، قال الله - عز وجل -: (فماذا بعد الحق إلا الضلال). (2/72)
صفحة 159
باب اختلاف الناس في الرأي (1)
وقال الشيخ: باب اختلاف الناس في اجتهاد الرأي:
قال قائلون: إن الحق في جميعهم وكل ما قالوه واختلفوا فيه فهو حق عند الله تعالى.
وقال آخرون: إن الحق في واحد، وقد ضاق على الناس خلافه.
وقال أهل العدل والصواب: إن الحق في واحد ومع واحد، ولا يضيق على الناس خلافه إلى آخر الفصل.
اعلم أن في اجتهاد الرأي سبع مقامات.
أولها: اجتهاد الرأي، والإذن فيه، من أين: من الشرع أو من العقل؟
والثاني: في أي شيء الاجتهاد؟
والثالث: ما صفة المجتهد؟
والرابع: ما أسماء هذا المجتهد فيه؟
والخامس: ما حكم الأفعال والفعال؟
والسادس: ما المباح منه غير المأمور به؟
والسابع: ما المحظور فيه المنهي عنه؟ (2/73)
صفحة 160
باب في اجتهاد الرأي (1)
واعلم أن حد الاجتهاد في الرأي هو استفراغ الوسع في استخراج الحكم.
وقيل هو استفراغ الجهد في استخراج الحق للنازلة بمقتضى الشرع، وليس هذا القول بصحيح.
والإذن في الاجتهاد من قول الله - عز وجل -: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) وقوله: (كان الناس أمة واحدة) وقد تقدم القول فيه.
وصفة الاجتهاد: أن ينظر في أوصاف النازلة، وما يليق بها، ويقرب معناها من أحكام الله تعالى، وأحكام سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فيقيس هذا بهذا مجتهدا أن ينال رضى الله تعالى، والحكم الذي لو شرعه كان حقا عند الله تعالى وعند رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وأما العقل فلا حظ له في جواز الإذن إلا بعد ما ورد به الشرع، فهي من الجائزات لا يقطع العقل فيه بشيء.
وأما من جهة السنة فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران: أجر اجتهاده وأجر إصابته، وإن أخطأ فله أجر اجتهاده)). وحط الله عنه المأثم.
ولا ينبغي للمجتهد إلا أن ينظر إلى الله تعالى بعين الخشية في أمر قد كلفه الله تعالى وأمره فيه بالاجتهاد، فإن ضيع عصى، وإن اجتهد فكتم عصى، وإن اجتهد فأظهر خلاف ما رأى عصى، ولا يجعل للشهوة في رأيه نصيبا، فإن اجتهد ورأى رأيا إن كان يجوز أن ينتقل عنه إلى رأي غيره فتوى وفعلا فلا ما دام مستحسنا لرأيه الأول إلا من وجه واحد: إلا إن كان في رأي غيره حوطة، فله أن ينتقل إليه فعلا لا فتوى، مثل رأي من رأى جواز الصلاة في الظهر (2/74)
صفحة 161
والعصر بفاتحة الكتاب لا غير، إلى رأي من جوز قراءة سورة في الأولين مع فاتحة الكتاب.
ولا يرجع إلى رأي الغير ما دام هو على رأيه، فإن رأى رأي غيره أقوى دلالة وأقرب في وهمه إلى رضى الله - عز وجل - فسائغ له الرجوع عن رأيه إلى رأي غيره.
وقد قيل لجابر بن زيد - رضي الله عنه -: (إن أصحابك يكتبون ما سمعوا منك). قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، يكتبون رأيا لعلي أرجع عنه غدا)، وإن رجع عن شيء من رأيه لاستحسان غيره، كان عليه أن يظهر ذلك، ويكتب إلى الآفاق، وينتفي من قوله ويخطئه.
واعلم أنه ليس عليه إلا أن يظهر الانتفاء منه والرجوع عنه، فإن رجع عن رأيه فما حال من عمل به أول مرة؟
قال: لا حرج. وكذلك من حكم به لا ينتقض حكمه.
وهل يفتي به أحد بعد هذا؟
فالله أعلم. فإن وافق رأيه رأي غيره، فأظهر الآخر رأيه أجزى عنه، فإن السكوت رضى.
القول الثاني: في أي شيء يجوز الاجتهاد
اعلم أن الشيخ قال: في أي شيء يجوز الاجتهاد فيه؟ قال: (ما لم يجدوه في كتاب الله ولا السنة، ولم يجدوه في آثار من كان قبلهم من العلماء).
اعلم أن الشيخ ذكر وجها واحدا وترك غيره، منها تفسير القرآن، وذلك أن الله تعالى أرسل محمدا (صلى الله عليه وسلم) إلى العرب بلغتهم التي يتفاهمون بها، وفوض إليهم ما احتملته لغتهم، وليس عليهم العمل إلا بما أنفهم لهم من القرآن ولو كان ذلك على عهد رسول الله عليه (2/75)
صفحة 162
وسلم، ويسألهم عن آرائهم فيجيبون، وربما يستحسن قول بعضهم ولا يقبح على الآخرين رأيهم، وإن كان أمرا مقطوعا به لم يرد غيره لعقب جبريل بخلافه، وإلا كان ذلك كله تفسيرا للقرآن كالذي جرى في قصة المنافقين واختلاف أصحاب رسول الله فيهم، فقال: لما نزل فرض الهجرة، فاختلفوا فيمن تخلف بمكة من المسلمين ولم يهاجر.
فقال قوم: هم مسلمون.
وقال قوم: هم مشركون. فأنزل الله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا). وعاتبهم على الخلاف فيما بينهم البين.
فلو قال الأولون: هم مسلمون. وصدقهم أصحابهم لمر عليهم ذلك الاسم. ولو قال الآخرون: هم مشركون. وصدقهم أصحابهم لمر عليهم ذلك الاسم، ولكن لما اختلفوا رد الله على الجميع فوعدهم بعد أن اختلفوا أن لابد للحق أن يقول به منهم ناس، ولم يجتمعوا على ضلال.
وقد سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن أي آية أعظم في القرآن؟
قال بعضهم: (يس).
وقال بعضهم بما قال، وأبي بن كعب ساكت.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((مالك ساكتا يا أبي؟)) قال: (الله ورسوله أعلم)
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إنما أسألك عن علمك لا عن علم الله ولا عن علم رسوله)).
فقال أبي: (آية الكرسي). فجمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أصابع يديه فضرب بها في صدره فقال: ((ليهنئك العلم يا أبا المنذر)) واستحسن جوابه، ولم يعب على الآخرين شيئا. (2/76)
صفحة 163
وكاجتهادهم حين أمرهم رسول الله عليه السلام فقال: ((لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)) والقوم بعيدو العهد بأهليهم، فتباطأ منهم أناس ولم يصلوا إلى قريظة صلاة العصر إلا بعد العتمة، فلم يعب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحدا منهم.
في تفسير القرآن:
واعلم أن تفسير القرآن مفوض إليهم لما أنفهم لهم من القرآن، لأن الله تعالى بعث إليهم رسولا مبلغا إليهم ما عرفوه من لغتهم، فلهم الاتساع على قدر ما ذهبت إليه أنفسهم، ما لم يرد من الله تعالى ما يمنعهم، أو من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أيام أبي بكر في أهل الردة، والسنة عندهم في المرتد القتل، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((من بدل دينه فاقتلوه لا سبي ولا غنيمة)).
ثم إن أبا بكر نظر هؤلاء المرتدين، فوجدهم قد انحازو إلى بلادهم أول مرة، وهم قريبو العهد بالشرك فالغالب عليهم الرجوع إلى مذاهبهم أول مرة.
وكره بعض أصحاب رسول الله عليه السلام قول أبي بكر. وقالوا له: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)) فقال: (والذي نفسي بيده لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، ولو منعوا مني عقالا مما كانوا يؤدونه لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لقاتلتهم عليه حتى ألحق بالله)، فرجع المسلمون إلى رأيه، فاجتمعت الكلمة، فقاتلهم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - والمسلمون معه، فأظهره الله عليهم فهزمهم، وقتل من قتل منهم، وسبى وغنم وقسم على الغنائم، وما وراء ذلك - رضي الله عنه - أحكامه فيهم أحكام المسلمين في الزنادقة لا أحكامهم في المشركين، وذلك أنهم جاءوا تائبين يطلبون الصلح فأبى عليهم إلا عن شروط أن يدفعوا له الحلقة والكراع، ويتركهم يتبعون أذناب البقر، حتى يرى الله خليفة رسوله ما يشاء. (2/77)
صفحة 164
وأحكام عمر - رضي الله عنه - في الشورى، ومنها أحكامه في الدواوين والخراج: خراج الأرضين، ونصارى بني تغلب في سلب اسم الجزية عنهم والخزية عنهم بعد قول الله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فجعلها صدقة وزكاة، والتفرقة بين الأحرار والهجن في الخيل، وقسمة الفرائض إذا تدافعت.
وذلك أنه جلس ذات يوم يتوضأ، إذ دخل عليه رجل فقال: (يا أمير المؤمنين امرأة ماتت، وخلقت زوجا وأختا وأما)، فقال عمر: (للزوج النصف وللأخت النصف وللأم الثلث)، فقام كما هو إلى المسجد فصاح: (يا للمسلمين). فقال: (إن الله تعالى لم يجعل في المال إلا نصفين، فأين مقام الثلث؟) فقال له العباس: (اجعلوه كقسمة الغرماء في المواضعة).
وفي خلاف ابنه عبد الله بن العباس، وحكمه في المؤلفة قلوبهم، وسهم ذي القربى، ومن وراء هذا كله أحكام الكتمان التي ناقضت حدود الله وبعض سنن رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
ومن الرأي تأمير المؤمنين وعزلة إن ضيع أمور الدين، وقتله أن امتنع من العزلة إلى الهوان، ومن الرأي الكون مع أئمة الجور تحت أحكامهم ما أقاموا حكم الله فيك، ولم يحكمك على معصية، وتأدية حقوق الله عليه إليهم وأخذ العطايا من بيوت أموالهم، والجهاد والغزو معهم جميع ملل الشرك والخروج عليهم إذا جاروا وبغوا. (2/78)
صفحة 165
القول الثالث: ما صفة المجتهد
اعلم أن استخراج العلم من كتاب الله - عز وجل - ومن سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) ومن الإجماع، يتعذر إلا لمن كملت فيه عدة شروط.
أولها: أن يكون قارئا لكتاب الله تعالى وتاليا له. والثانية: أن يكون عارفا بتصاريف لغة العرب ومعرفة الاسم من الفعل والحرف منهما.
والثالثة: معرفة النحو ووجوه الإعراب.
والرابعة: معرفة وجوه القراءات.
والخامسة: أن يقف على تفسير مفسري القرآن الذين اعترفت لهم الأمة بالتفسير، وقولهم حجة لأنهم أخذوه توقيفا.
والسادسة: أن يكون عارفا بمن قد شذ (1) عن أحكام الشريعة ومراعيا زلل شواذ الفقهاء المتقدمة.
والسابعة: أن يحصل مقاليد أقفال الكتاب.
فمن لم تكمل له هذه الصفات، فلا يوثق بشيء من علمه، ولا بعلم من تعلم منه، وإنما هو مغرور أو مقلد، فالقائل والسامع بمثابة واحدة لا حائل لهما.
واعلم أن مثل القرآن كشجرة لها عروق وأغصان وأعضاء وأثمار:
أما عروقها فعشرة: وهي المكي والمدني والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والظاهر والباطن والعام والخاص.
والأعضاء عشرة وهي: المجمل والمفسر والمطلق والمقيد والمقطوع والموصول والمقدم والمؤخر والكناية والتصريح. (2/79)
صفحة 166
والأغصان عشرة وهي: الحدود ولحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب ومعنى الخطاب والأسماء الذاتية لله تعالى وأسماء الأبدان وأسماء الأفعال.
وثمرات الشجرة عشرة وهي: الأمر والنهي والخبر والإستخبار والوعد والوعيد والمواعظ والأمثال والأعذار والإنذار.
اعلم أن من لم يحصل مقاليد أقفال الكتاب في القرآن العظيم كان من فقه القرآن بمعزل، وقد بينا هذه الأفعال في غير هذا الموضع، وشرحناها شرحا بينا، تقف عليه إن شاء الله.
والرابع: ما أسماء المجتهد فيه؟
اعلم أن الله تعالى أنزل على محمد عليه السلام قرانا كتابا يتلى، فلقيه بعشرة أسماء قال الله – عز وجل -: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) فسماه: حكيما ومهيمنا ونورا وفرقانا وقرآنا وشفاء وضياء وهدى ورحمة ومبينا وحقا، قال عز من قائل: (ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب).
وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالموضع الذي ذكره الله تعالى من الأخلاق الحسنة كما قال تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) فقال: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم).
فأشار فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى السبع فجعلها سنة إقتداء بالله تعالى، إذ شرع فيه فرائض وحكم بأحكام عمدة الدين.
وفوض بيان البقية إلى الرسول.
وفوض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى علماء أمته وأهل البصيرة ما وراء ذلك، فجعل إليهم حكم النوافل التي لم يشرعها القرآن ولم يسنها عليه السلام. (2/80)
صفحة 167
وفوض تفسير ما في القرآن، من مشكل، وأمر ونهي، ووعد ووعيد، فكان جميع ما نظروا فيه ورأوه علما وحكما، وعلى سبيل حكم سليمان حيث قال الله: (وكلا أتينا حكما وعلما).
واختلف الناس في الحق. فقال بعضهم: وحقا. فأجرى اسم الحق على القولين جميعا بنفي ضده عنهما من الباطل والضلال.
وقال بعضهم: القولان جميعا صواب. حيث يقول: (وكلا آتينا حكما وعلما).
وقال الشيخ أبو الربيع – رضي الله عنه -: (فأما الذين قالوا: إن الحق في جميعهم فقد قالوا بالمحال بما لا يصح القول به، وكيف يكون الشيء وخلافه حقا، ويكون الشيء حلالا عند الله حراما عنده).
فنحن ننتظر بما ظهر لنا أن هذه الإلزام يلزم القوم، لأنهم يقولون: كما يكون الشيء وخلافه خلقا لله – عز وجل – ويكون الشيء خلافه عرضا عند الله، ويكون الشيء وخلافه جسما، فكذلك يكون الشيء وخلافه حقا عند الله وقد قال الله – عز وجل -: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) والتعجيل والتأخير مختلفان ومتضادان.
وأما قوله: (ويكون الشيء حلالا عند الله وحرما عنده) فليس يلزم من شيء، وإنما أردنا تسمية الشيء وخلافه باسم واحد: إنهما حق. وأراد هو أن يلزمنا تسميته حلالا وحراما بل يسمي الشيء وضده حلالا عند الله، أو يسمي الشيء وضده حراما عنده.
وأما أن تسمي الشيء الواحد باسمين متضادين فلا يلزم، وإنما يلزمنا أن نسمي شيئين متضادين باسم واحد. (2/81)
صفحة 168
وإنما يلزم هذا من أجاز على أحد القولين أنه حق، ولم يجز على ضده أنه باطل، فإن أجاز عليه أنه باطل، فهناك يلزم من يقول إنهما حق.
ثم قال الشيخ – رضي الله عنه -: (ويكون جميع ما اختلفوا فيه، من الطلاق والعتاق، والبيع والشراء، والنكاح، والديات، والجراحات والحدود حقا عند الله بأجمعه، فيكون ما اختلفوا فيه من الطلاق فأثبته بعض وأبطله بعض، فتكون عند الله طالقا لا طالقا).
وقوله: (إن قول القائل: طالق. حق، وقول القائل: لا طالق. حق.
والجواب في العتق كذلك قول من أثبته، حق.
وقول من أبطله، حق، وهما حقان.
ويكون الشيء الواحد حلالا لمن كان له حراما في حالة واحدة، بل يكون الشيء الواحد حلالا، حق، وقول من قال حرام حق، ولا يقول هو أن أحدهما باطل.
واعلم أن جميع من قال في هذه الأمور الحقية مثل من قال: إن جميع هذه الأمور مأمور فقهاؤنا بالاجتهاد فيها، وأسماء هذه الأمور المختلفة مأمور بها وطاعة وحكم وعلم.
وإنما وقع الحق هاهنا على القولين جميعا أنهما حق، ولم يقع الكلام على المرآة، وإنما وقع الكلام على الحكم فيها.
وقوله: (ويكون الشيء لمن كان حلالا فيكون له حراما) فلم يقع القول في الحلال والحرام وإنما وقع في الحق.
وكذلك قوله في الشيء: (إنه صدق عند الله وكذب عند الله)، وإنما الكلام على الحق لا على الصدق والكذب، فيجب عليه جميع ما عارض به في هذه الأمور في العلم والحكم. (2/82)
صفحة 169
فلو جاز قوله: إنما حكم داود وسليمان أنهما علم وأنهما حكم لجاز في جميع المتضادات، فإن أجاز أن يكون قول داود وسليمان في شيء واحد: أنه حكم وعلم، فمن أين يلزمه أن يكون الشيء حارا باردا في حالة ومتحركا ساكنا في حالة، وحيا وميتا في حالة، وإنما أراد أن البارد والحار حقان، والمتحرك والساكن حقان، والحي والميت حقان، وقع الكلام في شيء واحد، وعارض في شيئين.
ولا يلزم شيء من هذا من قال: إن الله أمر باجتهاد الرأي في استخراج الحكم، واختلف المجتهدان، فاختلافهما حق عند الله، لأن الله أمرهما جميعا، ففعلا ما أمرا به، فهذا الذي فعلاه حق عند الله، ولا يأمر الله بالباطل.
ثم إن الله توعدهما إن لم يجتهدا، أو اجتهدا ولم يظهر ما عندهما، وأعظم توعد إن أظهرا خلاف ما عندهما، فلا يسقط الهلاك عن أحدهما محقا أو مبطلا، لأن الحق إذا كان مع الواحد فالباطل مع الآخرين، لأن الحق ضد الباطل، فمن أخطأ الحق وقع في الباطل، لأنه ضده من جهة اللغة، وإن شئت من جهة الشرع وقع في الضلال قال الله – عز وجل -: (فماذا بعد الحق إلا الضلال).
فإن امتنعوا أن يجعلوا خلاف الحق عندهم في هذه الأقاويل هو الباطل، فهما حقان إذا وباطلان، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
وأما قول من قال: إن قول المختلفين صواب. وهو قول علي بن أبي طالب، لما وقع فيما وقع وارتطم فيما ارتطم فيه، جعل يتوسع على نفسه العذر.
وصنيع أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – حين وقعت فيما وقعت فيه، جعلت تتساهل في العذر في تأويل قول الله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) فقالت أول مرة: (ظالمنا ظالم، ومقتصدنا ناج، وسابقنا سابق)، فلما وقعت رجعت فقالت: (ظالمنا مغفور له، ومقتصدنا ناج، وسابقنا سابق). (2/83)
صفحة 170
ومذهب علي بن أبي طالب: أن طلحة والزبير مجتهدان أو تائبان، وأما معاوية وعمرو فلا، وأما من معهما من أهل الشام فهم أهل الاجتهاد.
وأما أهل النهروان فهم أولى بالاجتهاد والصواب، وقد كان سئل عنهم فقال: (إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم).
واختلف القول في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هل يجوز له الرأي أم لا؟
قال بعضهم: يجوز له الرأي، ورأيه أفضل الآراء.
وقال بعضهم: لا يجوز له الرأي، لأن الله – عز وجل – أغناه بالوحي عن الرأي. وحجة الذين قالوا يجوز له الرأي قول ابن عباس: (كان رسول الله عليه السلام يقضي بالقضية، فينزل القرآن بخلافها، فيستقبل حكم القرآن ولا يرد قضاءه).
وكان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يقول: (كان الرأي من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كله صوابا ومنا أحيانا صوابا وأحيانا خطأ).
الخامس: ما حكم الأفعال والفعال؟
اعلم أن أحكام الأفعال في هذه المسألة واحدة، وذلك أن الله تعالى جعل اختلاف أمة محمد رحمة، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((اختلاف أمتي رحمة)).
فجعل سبيل ما اختلفوا فيه سبيه، وجعل وسيلة الله وسعا لهذه الأمة ورفقا بها.
فمن عمل بشيء من اختلاف العلماء، فهو على سبيلهم ولو صادفه من غير معرفة به فواسع له.
فمن أصاب باب الجنة فهو في الجنة، عرف أو لم يعرف. (2/84)
صفحة 171
فمن صادف طريق المؤمنين فهو منهم، وليس هو على قول من يقول: إنه لا يسع التقدم إلى شيء من أقاويل العلماء إذا لم يعرف به.
وكذلك المباحات كلها لا علم ولا لم يعلم.
والكلام هاهنا فيما انفرد به المخالفون، متى لم يقطع المسلمون عذرهم فيه.
اعلم أن ذلك كله محطوط فيه الإثم لمن لم يعلم، والتفرقة التفاوت في الفضل فيما بان به أهل الدعوة عن غيرهم.
ومن أخذ عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شيئا من دينه، أو عن المسلمين، فغاب غيبة متصلة، فحالت الأمور بعده فنسخ ذلك على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فلا بأس عليه ما لم تقم الحجة عليه بغير ذلك، قال الله – عز وجل -: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون). (2/85)
صفحة 172
باب في اعتقاد الخطأ والمباح (1)
اعلم أن القول في أصول الديانات وفروعها، والقول في أفراق الأمة وفروعها، وذلك مثل اختلاف الأمة في الأسماء والمسميات، فإن وقع مطلقا غير مقيد عاريا من الشروط المذكورة منوطا بالرأي، كان عجزا وكان خطأ مباحا، وإن انتهكت فيه أحد الشروط كان صاحبه مطاحا مجاحا (2).
فأول ذلك: اختلاف الناس في وجوب الفروض عند وجوب افتراضها، فاختلف الناس في ذلك.
فقال بعضهم: ليس علينا إلا العمل، وليس علينا من العلم شيء. وقال أهل الحق: إن علينا العلم بافتراضها في حين ما يجب علينا العمل بمفروضة. فنظرنا إلى قول أهل الدعوة فيمن أفتى بإسقاط علم الفرض هل يكفرونه ويقطعون عذره أم لا؟ فرأيناهم متوقفين فيه ما لم يتخذ ذلك ديانة، أو أحد الشروط المذكورة.
وإن ادعاه رأيا، فالرأي عجز أعني القائل، وأما العامل فقد أطلق عليه أهل الدعوة، أن يكفر بجهله فرض الله، حينما يكفر بترك فرض الله، وفي المسألة نظر.
وحجة من اسقط معرفة علم الفرض قال: إذا تدبرت أحكام الشريعة فإنك تجد أكثرها ممزوجا فرائضه بنوافله، وسننه بجوائزه وخطؤه بصوابه.
فأول ذلك: الصلاة، فإنهم يعتقدون أنها فرض بجملتها، ولا يذكرون التفرقة بين سننها وفروضها وواجباتها وفضائلها، لأن القراءة فيها غير محدودة والتسبيح والدعاء والتحميد والتكبير والتحيات وسائر الأذكار.
ودليل ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نظر إلى رجل دخل (2/86)
صفحة 173
المسجد فأساء الصلاة، فجاء وسلم على رسول الله وجلس.
فقال له رسول الله عليه السلام: ((قم صل)) فقام وصلى كما صلى أول مرة، فجاء وجلس.
فقال له عليه السلام: ((قم صل)).
فقال له: (قد صليت يا رسول الله).
فقال له عليه السلام: ((إنك لم تصل)).
فقال: (علمني يا رسول الله مما علمك الله).
فقال له عليه السلام: ((إذا قمت في صلاتك وقلت: الله أكبر ثم قرأت الفاتحة)).
وفي رواية أخرى: ((ثم قرأت الحمد لله رب العالمين وما فتح الله لك من القراءة، فأهويت إلى الركوع حتى تطمئن راكعا، ثم ترفع حتى تطمئن رافعا، ثم تهوي إلى السجود حتى تطمئن ساجدا، ثم ترفع وتقوم إلى الركعة الثانية، وتعمل فيها ما عملت في الركعة الأولى، فإذا أنت قعدت وقلت فقد تمت صلاتك)).
فاقتصر له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على مفروضات الصلاة، ودل فعله على أن التوجيه ليس بفرض، ووقع الاختلاف في الأمة كذلك على تكبيرة الإحرام.
فقال الجمهور: (إنها فرض).
وقال أبو حنيفة: (ينوب عنها غيرها من جميع الأذكار من جميع اللغات. كقولك: الله أجل والله أعظم، في مثلها).
وذهب إلى إنه يسع فيها المعنى كما يسع في كلمة ((لا إله إلا الله)) سائر العجم أن يأتوا بها بلغتهم وتجزيهم. (2/87)
صفحة 174
الثانية: أن تقولها بأي لغة شئت، وتقرأ بأي لغة شئت في الصلاة من لغات العجم وتجزئك.
الرابعة: الفاتحة، قال بعضهم: فرض. وهو الربيع بن حبيب - رضي الله عنه -، وجل الأمة لا الإمام ولا المأموم.
وقال أبو حنيفة: يجزيك بعضها.
وقال بعضهم: يجزيك الإمام فيها المأموم.
وقال الكل: لابد في الصبح من غير فاتحة الكتاب، وفي الأولين من الظهر والعصر والمغرب والعشاء والأخيرة.
وقيل: قراءة السر كله الفاتحة لا غير.
والتكابير كلها سنن إلا تكبيرة الإحرام فإنها فرض.
والتسابيح كلها سنن لا فرائض، وسمع الله لمن حمده، والتحيات سنة لا فرض، والسلام كذلك. وبعضهم يوجب التحاميد بين كل فعلين بين السجود والسجود، والركوع وغيره، وهذا كله لا يقدح في أنها لا صلاة، ولا يحكم على فاعله ومهمله بالمعصية، ولا أنه غير مصل.
فمن اعتقد في صلاته أنها فرض، ولا يدرك التفرقة بين مفروضها ومسنونها وواجبها ونافلها، فإن وسعة ذلك فكذلك الإسلام عند هؤلاء إن اعتقدوا أنه دين الله الواجب فيما تضمنه من الأفعال، فواسع له إن فعل ولم يضيع. (2/88)
صفحة 175
ومن هذا الوجه امتنع المشايخ أن يكفروا ابن يزيد وغيره ممن قال: ليس علينا إلا العمل لا العلم. وبشرط ما لم يركبوا أحد الشروط. ونحن أيضا ما لم نتقدم بقطع العذر فنقع في قول الإمام جابر بن زيد – رضي الله عنه – لا يحل للعالم، مع قوله، لا يحل للجاهل (3).
فهذا الخطأ كله محمول.
وقول الشيخ أبي خزر – رضي الله عنه -: (يسع جهل جميع الحرام ما خلا الشرك)، وهذه الكلمة مجملة لا غنى لها عن التفسير، فإنه أطلق ولم يقيد، والتقييد أنه قد يقع من الشرك ما ليس عليك أن تعلمه أنه شرك، ولا أنه معصية، ولا أن عليه عقابا.
وهذا الشرك الذي أراد هو الشرك المشهور لفظا ومعنى، وهو على ثلاثة أوجه:-
أوله: من مثل الرحمن بغيره، أو أشار إلى شيء سواه فقال: إنه هو، أو نفاه، فهذه الأوجه الثلاثة لا يسع أحد جهلها وشركها ووعيدها وأسماءها. وأما ما وراء ذلك من الإشراك كله، فإنه يسعك ألا تعلمه شركا، ولو وجبت عليك معرفته، فليس عليك أكثر من أن تعلم أن الجاهل قد عصى وأتى حراما لا غير، حتى تقوم عليك الحجة بهذا كله، وهو على أوجه:
منها: تكذيب الله تعالى في خبره، وإنكار الرسل، وإثبات الرسالة لغير الرسل، ونسبة هذا الخلق إلى صانع غير الله. فهذا كله في ذاته شرك.
ولو أوجب الله عليك معرفة شيء من هذا، فليس عليك مع معرفة شركة شيء، حتى تقوم عليك الحجة بكفر مضيعة أو شركة، وليس عليك أكثر من أن تعلم أنه عصى، وأنه حرام ما أتى.
وأما قوله: (والاستحلال لما حرم الله، والإصرار على ما حرم الله). (2/89)
صفحة 176
اعلم أن من استحل ما حرم الله، ولم يعلم أنه حرام، فليس عليك منه شيء حتى تعلم، وإن علمت أنه استحل ما حرم الله، فليس عليك أكثر من أن تعلم أنه أتى معصية وأتى حراما.
وكذلك الفاعل نفسه ليس عليك أكثر من أن تعلم أنه أتى حراما والتوبة عليه، وكذلك سائر المعاصي، فما بال الاستحلال اشترط فيه: وذلك إذا علمت، وكذلك سائر المعاصي، لا فضيلة للتحليل ولا للتحريم عليها.
وأما المصر على فعل لا يدري ما هو حلال أو حرام، فليس عليك منه شيء.
وأما إذا علمت أنه أصر على معصية، فليس فيه أكثر مما علمت أنه فعل معصية، وإن كفر عند الله على إصراره، فليس عليك من معرفة كفره شيء كالمستحل.
والأصل: ليس عليك من معرفة الكفر شيء من الأشياء، إلا في الشرك المذكور المشهور حتى تقوم الحجة.
وأطلق الشيخ: (ومن شك في كفر من استحل ما حرم الله، أو في كفر من أصر على فعل ما حرم الله بعد إذ علم أنه حرمة، فهو كافر إن يعلم المستحل، والمصر كافر).
ثم قال: (وأما إذا لم يعلم أنه إنما استحل ما حرم الله، فهذا يسع جهل كفره).
وأنا أقول: إنه يسع جهل كفره، ولو افترض الله عليه معرفة ذلك، أو أصر على فعل لا يسع جهل تحريمه، أو استحل فعلا يسع جهل تحريمه، فقال: (فهذا لا يسع جهل كفره على حال من الأحوال).
فعلى أصل الشيخ أبي خزر – رضي الله عنه – ليس عليه شيء إلا أن يعلم أنه أتى حراما. (2/90)
صفحة 177
مسألة الأئمة العشرة
أولها: جابر بن زيد الأزدي – رضي الله عنه -، وهو قوله: (لا يحل للعالم أن يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. ولا يحل للجاهل أن يقول للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. فإن قال العالم للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر العالم. وإن قال الجاهل للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر الجاهل). واعلم أن هذه المسألة صدرت من هذا العالم العظيم، القريب من عصر النبوة، وهو الفيصل بين جميع ما تشاجر فيه الأئمة.
واعلم أن الله تعالى أرسل محمدا (صلى الله عليه وسلم) بالقرآن العظيم، وفيه نبأ الأولين والآخرين، وفيه الفقه في الدين إلى يوم الدين، فشرع فيه أصول الفرائض، وفوض بيانها إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم)، قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم).
وأطلق رسول الله عليه السلام عقال المسلمين في التفقه في فنون العلم، والأصل القرآن والسنة فرعة، والأصل السنة والرأي فرعها، وجعل الرأي حاكما على السنة، والسنة حاكمة على القرآن، فكثرت فنون الرأي وهي على ثلاثة أوجه:
فالأول: سائغ مأمور به مأجور عليه. وهو النظر في النوازل والأحكام وفي تفسير القرآن.
والثاني: لا أجر ولا وزر. كأنه بمنزلة مالا يغني أو المباح وقد تقدم.
والثالث: موزور صاحبه غير مأجور، وهو كل رأي قطع فيه الشهادة أنه حق عند الله تعالى، وقطع فيه عذر من خالفه، أو صادم فيه الشرع. (2/91)
صفحة 178
ولك في القدرية والصفرية والخوارج وأشباههم معتبر.
وإلى هذه الفنون رجع اختلاف الناس في الكفر والإيمان والشرك والإسلام والطاعة والمعصية والفسوق والنفاق والقول في أسماء الله – عز وجل – وصفاته وأمثالها والقرآن.
فليس لأهل العلم أن يحظروا على الجاهلين، إن لم يتعدوا رأيهم إلى هدم الشروط، وليس عليهم من معرفته شيء من ذلك، ويؤيدها قول الله تعالى حيث يقول: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) ..
وقد شاء الله – عز وجل – أن يهدي هذه الأمة إلى الحق، وليس تخلو أقاويلهم من الحق لابد منه.
ولن تجتمع أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) على ضلال وقوله: (إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم).
الإمام الثاني: أبو معاوية عزان بن الصقر فيما ذهب إليه من المسائل التي لا يسع الناس جهلها في قول بعض الفقهاء، ويسع في قوله، حين وسع جهل البعث والقيامة والجنة والنار والأنبياء والملائكة والرسل والكتاب في أمثالها، فغرضه ومراده فالله أعلم.
اعلم أن من نطق بجملة التوحيد، هذه المعاني كلها مدرجة في كلمته، وإن لم تخطر على باله، والمعنى بقضيته.
لأن من أقر بالله وحده، فقد تضمن هذا الكلام أن الله تعالى قبل الخلق، (2/92)
صفحة 179
فثبت له القدم والخلق محدث، وأنه المحدث وأنه الذي خلق العاقل فكلفه، وأنه الآمر والناهي وأنه المثيب والمعاقب.
فقضى قولك: (الله) إثبات وجوده وقدمه وحياته وعلمه وقدرته وإرادته ومشيئته ورضاه وسخطه.
قوله: ((لا إله إلا هو الحي القيوم)).
وقوله: ((لا إله إلا هو)) تأكيد، والحي تنبيه على هذه الصفات المذكورة فتقضي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والرضى والسخط.
وقوله: ((القيوم)) يقتضي سفرا جديدا وهو العاقل، والعاقل يقتضي الأمر والنهي، والأمر والنهي يتقضي الطاعة والمعصية، والطاعة والمعصية تقتضي الثواب والعقاب، والثواب والعقاب يقتضي لجنة والنار، والجنة والنار يقتضي الآخرة، وهو معنى قوله: ((وإليه المصير)).
فمن عرف الإنسان ولم يعرفه أنه لحم ودم وعظم وجلد لم يعرفه، ومن عرف الله تعالى ولم يعرفه بصفاته أنه حي عالم قادر مريد لم يعرفه، ومن أنكر واحدا من الخلق أن الله لم يخلقه، فقد أنكر الجميع، ولعل هذا أراد عزان بن الصقر، وعذر من لم يسنح بخاطره شيء من هذا أو تقوم عليه الحجة.
وينبهك على ذلك قوله: ((إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
والصابئون ينتحلون من الأنبياء آدم عليه السلام، ليس إلا الإيمان بالله واليوم الآخر، ويلك عليه أن شريعة سبقت إلى المشرك وسعته في بعض الشرائع، قالوا: إنه ليس عليهم إلا النطق بالجملة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. (2/93)
صفحة 180
الإمام الثالث: لواب بن سلام – رضي الله عنه – ذكر لواب بن سلام فيما يعتري الإنسان من الوسواس في صفة الباري سبحانه، وما يخطر على القلوب من توهيمه أنه فوق، وأنه في السماء وعلى العرش وأنه معنا، وما يذكر ويسبق إلى النفوس من تجديده، وذكر الآلات والجوارح من الوجه واليدين والساقين والقدم والجنب، في مثل هذه الأمور، ليس على الإنسان منها شيء، ولا على السامع، ما لم يقطع الشهادة على الله – عز وجل – أنه كذلك، ويحلف عليه ويقسم أنه كذلك.
وإن كان لا يحلف على ذلك، فليس بشيء، ولا يضره ما يسبق إلى النفوس أو جرى على الألسن، إلا مع وجود الشروط المذكورة، من قطع الشهادة، أو قطع العذر في ذلك.
ومصداق ذلك حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، حين سأله رجل فقال: يا رسول الله إن في النفس أشياء أريد أن أسألك عنها، وددت أني لو مت قبلها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((كلنا يجد ذلك)).
وحديث ابن مسعود: (تلك برازخ الإيمان)، وحديث زوجة جابر بن زيد حين سألت مجاهدا فقالت: (إنه تخطر ببالي بعد موت حبيبي أشياء لو مت قبلها كان أحب إلي)، قال لها: (ليس عليك بأس).
الإمام الرابع: الربيع بن حبيب – رضي الله عنه -.
اعلم أن الربيع بن حبيب قد أثبت لجميع المشركين ما غنموه وحازوه من أموال المسلمين في الرقيق والمكاتب والمدبر وجميع الأموال.
وأثبت الأنساب بين المشركين ونساء الموحدين من حامل لا حامل وحامل واضع.
وقاس المتدينة من جميع أمة أحمد عليه السلام من الصفرية وغيرها على المشركين، إذا حازوه فاشتراه مشتر من أسواقهم، أو وهبوه له بعد ما اقتبسوه. (2/94)
صفحة 181
وكذلك جميع أهل البدع، مهما أبصروا الإسلام وقبلوه، فليس عليهم في جميع ما فعلوه بديانتهم بأس، قد غفر الله ذنوبهم وأسقط عنهم التباعة، وسوغ لهم جميع ما حازوه من ذلك، إذا تصرف كما ذكرنا، إلا في الأحرار لا في المشركين ولا في الموحدين، وليس على أحد بأس أن يعاملهم في كل ذلك.
وكذلك ما بيننا وبين المخالفين من الأحكام، إن كنا تحت أيديهم وجرت علينا أحكامهم، ولو خالفوا في الأحكام مذهب الملمين، كما أن ليس علينا أن نمتنع من أحكامهم إذا أجروها علينا في جميع ما لم نقطع عذرهم فيه، وهل يسعنا أن نمنع لهم أن يأخذوا من أموالنا ما وجب علينا من الزكاة والعشر والفطر؟
فليس لنا ذلك ويجزئنا عند الله، وليس علينا إعادة إلا في مذهب المعتزلة.
وأما ما غاب عن الأبصار، فليس علينا أن نتبرع بها لهم إلا في مذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما -.
وأما الموحدة فإنهم على طريق الحق في جميع ما امتثلوه بينهم وبين المجسمة، من السبي والغنيمة والقتل ومقاسمة الأموال.
الإمام الخامس: أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الفارسي رضي الله عنه وعن جميع تبعته من المسلمين.
قال: (إن من الناس من يجهل العلم صغيرا، أو ينكره كبيرا، ويقول إذا سمع من العلم مالا يعرفه: ما على هذا أدراكنا مشايخنا. والعلم قديم، وقد سبق العلم مشايخه).
اعلم أن الغالب على هذه الأمة، حين افترقت وتوزعتها الأئمة الذين (2/95)
صفحة 182
قال فيهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((أئمة ضالون مضلون، قاعدون على أبواب جهنم ينادون إليها كل من أجابهم قذفوه فيها)).
فالغالب عليها التقليد، فاستبصرت كل فرقة في مذهبها، وعلى أنهم يقضون على أئمتهم أنهم غير معصومين من الخطأ والزلل، فأصيبت الاثنتان والسبعون فرقة التي ذكرها رسول الله عليه السلام من جهة التقليد لغير مأمونين من الخطأ والزلل، وتركوا البحث فيما جاءهم عن أئمتهم، عادة الله تعالى في الذين خلوا من قبلهم تقليد الآباء والأمهات والسلف الصالح والطالح، فاستمرأوا، وخيف على المحقة أهل التقليد أن يؤتوا من تخلفهم عن أوائلهم، لعلل ومعان استأثر الله بالكمال، ولم يبرأ أحد من النقصان. وذلك لعلل ومعان:
أحدها: ألا تبلغهم بعض علوم أوائلهم.
والثاني: أن يستحسنوا بعض أقاويل من خالفهم.
والثالث: أن تنقص عقولهم عن مبلغ عقول أئمتهم.
والرابع: أن تختلف بهم الأهوية والأغذية والبلدان والأزمان فيفرطوا أو يفرطوا.
والخامس: أن تسمحن لهم عبادهم مالا يليق عند علمائهم.
والسادس: أن تختلف بهم الأحوال في الظهور والكتمان، ويجهلون التفرقة بين ما يجوز في الظهور والكتمان.
والسابع: أن يأتيهم الشيطان من حيث لا يحتسبون، فيزين لهم بعض أقاويل المخالفين عن مدارسة دواوينهم.
والثامن: أن يكونوا في المواضع التي تغلب عليهم أئمة المخالفين فيحولوا بينهم وبين حقهم، أو يلقنوهم بعض باطلهم. (2/96)
صفحة 183
والتاسع: أن يطول عليهم الأمد فتقسوا قلوبهم.
والعاشر: أن يدركهم العذر، والأولون أصيبوا من جهة التقليد والاستحسان، والآخرون من فنون المعاذر، لكن المحقين أحسن حالا وإن قصروا، عمن في المهالك ولم يبصروا.
الإمام السادس: عمروس بن فتح – رضي الله عنه – حين قال: (إن ما يقيم الحجة في دين الله العالم الغاية الذي لا يوجد على قوله مزيد، وقيل: العالم بجميع فنون الحجة) فعلى هذا الوجه يتعذر قيام الحجة على أحد من أهل عصرنا، لعدم الصفة التي ذكرها عمروس.
ومن عول على التوحيد، وعلى الخمس التي بني الإسلام عليها، وهي الشهادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج، فقد فاز.
والإشارة بهذا الحديث: أن الحجة لا تقوم على عوام الناس إلا بمثل هذه الصفة، وهذا الصفة معدومة، فبهاذ المعنى عذر أهل صفين من المسلمين وهم عمار بن ياسر وعلي بن أبي طالب ومن معهم من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان وهم في مائة ألف أو يزيدون جميع من شك في دم عثمان، ولم يقطعوا عذرهم، إذ لم ينتهكوا الحدود الثلاثة التي قدمنا ذكرها.
فمن توقف وارتاب، فواسع له على ما هو عليه إلى مذهب الحق إلا إذا ابتلى بالعمل، فلا يسعه التوقف على العمل إذا وقع الابتلاء.
وقد قيدنا الأخذ من كتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى فنون الحجة، وفي هذا نظر لأهل العثور والعوام من أهل القرى والكفور.
الإمام السابع: أبو القاسم يزيد بن مخلد – رضي الله عنه -. (2/97)
صفحة 184
قال الشيخ أبو القاسم في أبي يزيد النكاري حين خرب إفريقية وصنع فيها الأفاعيل، واحتال عليهم الأباطيل، فقال: (لقد فتح فيهم أبو يزيد بابا إلا أنه لم يحسن السيرة).
اعلم أن هؤلاء السنية ظهر فيهم التشبيه والتجسيم العظيم، تشبيه الباري سبحانه في عوامهم وذوي القصص منهم.
فلما كان أيام الربيع بن حبيب – رضي الله عنه – اجتمعت المشايخ والنكار، فأشارت النكار إلى تشريكهم، وأبى الربيع من ذلك، وقال: (إنما ظهر هذا من عوامهم لا من أئمتهم وذوي الفضل منهم) فلما كان أيام ابن أبي زيد القيرواني وكان يسمى مالك الصغير لما أحيى من مذهب المالكية، وعلى رأي مالك ألف ديوانا فقهيا، وعقب في آخره بأن عمد إلى ذلك التشبيه فصرح به إلى حين مجيء المهدي، وخاطب علي بن يوسف بن تاشفين في ذلك، فألح على التشبيه.
ونهى عمن يقول: الله في كل مكان، وضرب عليه الأبشار.
ثم أن عليا وفقهاءه أثموا على ذلك وقتلوا عليه فقيها من الفقهاء وهو الجزولي فحكم عليهم المهدي بالتشبيه وعزاهم إلى التجسيم، فحكم فيهم حكم المسلمين في المشركين من القتل والسبي والغنيمة بعد ما حكم فيهم أول مرة بأحكام الموحدين.
وأما قوله في أبي يزيد: (إلا أنه لم يحسن السيرة) وذلك أنه إذا قصد بلدا قال لهم: (هل بات الإسلام عندكم أو سكن هاهنا الإيمان) فيقول أهل البلد: (لا). لا يظنون أنه سأل عن رجال معروفة، فيحل سبيهم بذلك.
وإذا سبوا السبايا شرعت فيهن طلبته، فجرى حديث المهدي في أول بدئه وحكمه في هؤلاء المشبهة. فقال الشيخ أيوب بن إسماعيل بن أبي (2/98)
صفحة 185
زكريا: لكن هذا – يريد المهدي – قد أحسن السيرة، ردا على أبي يزيد، قبل أن يتسمى المهدي بالمهدي، فاستحسن، وأنكر على أبي يزيد سيرته.
الإمام الثامن: أبو حزر يغلا بن زلتاف – رضي الله عنه – قال: (اعلم أنه يسع جهل ما خلا الشرك والاستحلال لما حرم الله، والإصرار على ما حرم الله) قال: (وذلك إذا علمت أنه استحل ما حرم الله، أو أصر على فعل ما حرم الله).
واعلم أنه أشار إلى الشرك، خصوصا أن على الناس معرفته والحكم فيه، وذلك إذا كان شركا ظاهرا فيه التشبيه.
وإذا لم يظهر فيه التشبيه، فليس عليهم من معرفة شركه شيء.
فإن كان في ذاته شركا فواسع له ما لم تقم الحجة به، وذلك مثل الإيمان بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وبالأنبياء والرسل والملائكة والكتب وبالبعث وبالجنة والنار، وأما ما سوى ذلك من النفاق والكفر والفسوق والمعصية، فليس عليه منه شيء إلا إذا قامت عليه الحجة بشيء، فعند ذلك يجب عليه.
فإن قامت عليه الحجة بأن هذا فرض، أو حان وقته عليه، فإن رأى من ضيعه فيعلم أن قد عصى.
وكذلك ما نهى عنه أن رأى من فعله، فعليه أن يعلم أنه قد عصى، وأنه أتى في التضييع والتصنع حراما، وليس عليه ما وراء ذلك.
وإن قامت عليه الحجة أنه كبير، فعليه أن يعلم أنه معصية والعقاب عليه واجب، وليس عليه أن يعلم أن في شيء من أفعال العباد كفرا، خلا اللسان والقلب، ولا نفاقا ولا فسوقا. (2/99)
صفحة 186
وليس عليه فيمن نقض شيئا من دينه، أنه كفر أو فسوق، إلا الشرك، فمن نقض عليه شيئا من دينه، فقد أتى حراما لا غير.
وأما الإصرار على فعل الحرام، فهو نفس الحرام، فليس عليه أكثر من أنه أتى حراما.
وأما الاستحلال لما حرم الله، فربما يقع أكثر وأعظم من المستحل منه، ومن أصر على الشرك فهو شرك، ومن أصر على الكبير فهو كبير.
وأما الاستحلال، فربما يستحل صغيرا ويكفر به، وربما يستحل كبيرا فيشرك به.
وفي الاستحلال مزية على الإصرار، وربما أشرك المستحل ولا يشرك الفاعل.
الإمام التاسع: محمد بن محبوب – رضي الله عنه -.
قوله في الربا على الأصل الذي اجتمعت عليه الأمة بخلاف قول عبد الله ابن عباس، وذلك أن ابن عباس عول في الربا على النسيئة، وتأول قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ((إنما الربا في النسيئة)) وأبطله فيما وراء ذلك، ولم ير في الدينار بالدينارين يدا بيد بأسا.
والأصل الذي عولت عليه الأمة أن الربا المعنى هو الربا في النسيئة (1)، وعولت على الحديث الذي يأثره عبادة بن الصامت عن رسول الله عليه السلام: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبربالبر، والشعير بالشعير ... حتى الملح بالملح ربا إلا ها وها، يدا بيد سواء بسواء، مثلا بمثل)).وفي حديث آخر: ((فمن زاد واستزاد فقد أربى)).
وقوله: ((فمن أجبى فقد أربى)). ونهيه عن المزابنة والمحاقلة، وعن بيع الطعام بالطعام. (2/100)
صفحة 187
وقوله لبلال: ((أربيت يا بلال)).
وقوله للأسود بن عزنة، حين أتاه من خيبر بتمر جنيب فقال له: ((أهكذا تمر خيبر؟)).
فقال: (والذي بعثك بالحق بشيرا ونذيرا، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين من الجمع).
فقال عليه السلام: ((لا تفعلوا، بع الصاعين من الجمع واشتر الصاع من هذا)).
وقوله: ((إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إلا ما نهيتكم عنه)).
وقول عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: (إن لآخر ما أنزل لآية الربا ومات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يبينها لنا، فاحذروا الربا والريبة).
واعلم أن هذه الآثار وردت عن رسول الله عليه السلام من الطرق الصحاح ن وعولت عليها الأمة والأئمة والفقهاء، وجل الصحابة عليها، فخالف ابن عباس بالحديث الذي روينا عنه، ((إنما الربا في النسيئة)).
وسئل هل سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟
فقال: (لا، إنما حدثني به أسامة بن زيد وزيد بم أرقم عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)) وهو حديث صحيح.
وذلك أن أسامة بن زيد وزيد بم أرقم كانا يشتريان من السوق القافلة من الطعام، من بر أو شعير أو تمر، بالدنانير، فيصلون إلى دورهم، وقد عازتهم الدنانير، أو يشتريان بالدراهم، فتعوزهم الدراهم
فسألا رسول الله عليه السلام: (إنا نشتري من السوق بالدنانير فتعوزنا، فندفع الدراهم ونشتري بالدراهم فتعوزنا، فندفع الدنانير بدلا مم عاز). (2/101)
صفحة 188
فقال عليه السلام: ((لا بأس إنما الربا في الرجاء أراد أن يفسخ كل واحد منهما في صاحبه ولا نظرة)).
وكذلك حديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لطلحة بن عبيد الله: حين اشترى من مالك بن أوس بن الحرثان حليا بمائة دينار فقال: (انظرني حين يأتي خازني من الغابة)، فسمعها عمر بن الخطاب، فقال: (لا والله، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: ((وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره))
واعلم أن ابن عباس من علماء هذه الأمة وفقهائها وممن دعا له الرسول عليه السلام أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل، ولكن أمرا آذن الله تعالى عباده بالحرب، فلا ينبغي أن يتعرض له، ولا أن يهون به، قال الله – عز وجل -: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله).
وإنما إنفاذ الشريعة، أمر يسره الله فسهله فخذ فيه باليسر ما قدرت، ولا تتعد حدود الله تعالى، وأمر عسره الله وشدد فيه فلا تتعرض له، فقد شدد في آية الربا ما لم يشدد في غيرها، وآذن العباد بالحرب.
وقد قيل عن ابن عباس، إنه قد رجع عنها في أيام مرضه بالطائف وفيه مات، وقال: (أردنا أن نسد عنكم أبواب الربا فأبيتم إلا فتحها). فرجع عنها قبل موته، وإنما نبهناكم على هذا نصحية على أن ابن عباس بالموضع الذي هو فيه من الفقه في الدين والسنة والتنزيل بالموضوع الذي لا ينكر.
وقد قال أبو بكر الصديق: (ما من عالم إلا وفي علمه مأخوذ ومتروك، ما خلا صاحب هذا القبر) وأشار إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وليس مذهبه في الربا بفرض فيضيق على الناس مخالفته.
وقد فطن لمذهبه محمد بن محبوب فآثر السنة والجماعة (2) والرأي، وهو النهاية في زمانه نسيج وحده، وفرد زمانه. (2/102)
صفحة 189
الإمام العاشر: الشيخ مصالة – رضي الله عنه -:
قال: (ليس لله علينا أن نكون حفظة لا ننسى، اعلم أن النسيان للإنسان أمر غالب، وربما يكون عن أسبابه، فيؤخذ به، ولم ترد فيه شدة إلا في ناسي القرآن بأنه وري عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: ((نظرت في ذنوب أمتي ولم أر ذنبا أعظم من ناسي القرآن)).
وقال أيضا: ((من حفظ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة أجذم))، وقال الله تعالى: (نسوا الله فنسيهم) وقال: (أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) وقال: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم).
واعلم أن هذا الوعيد إنما يتوجه إلى من نسي الله – عز وجل – فليس الله تعالى ممن ينسى، كما أن ألم الضرب ليس مما ينسى، فالله معك أين ما توجهت، فارم ببصرك حيث شئت، تجد صنعة لك حاضرا، أو ناهيا أو آمرا.
ومن علم أثر السبع فلن يستطيع نسيانه، ما دام معه أثره، وقد علم بأسه.
وقد عذر الله تعالى ناسي الصلاة: قال رسول الله عليه السلام: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها)) فعذره عليه السلام ولو نسيها إلى المحشر لما كان عليه بأس.
وقد صلى عليه السلام صلاة العصر بأصحابه فقام من اثنتين، فقال له ذو اليدين من أصحابه: (أقصرت الصلاة أو نسيت يا رسول الله؟) فقال عليه السلام: ((كل ذلك لم يكن، ولكن أنسى لأنس لكم)) فقال عليه السلام لأصحابه: ((أصدق ذو اليدين؟))
قالوا: (نعم) فرجع فأتم بهم أربعا. ولو لم يذكره أحد من أصحابه لوسعه ذلك إلى المحشر ولا ضير، فشددت المشايخ في هذه المسألة غاية التشديد وقالت: (2/103)
صفحة 190
إن من قامت عليه الحجة بفريضة من الفرائض من دين الله، أو آية من كتاب الله – عز وجل -، أو بنبي من الأنبياء والرسل والملائكة والمنصوص من بني آدم، في خير أو شر، أو ولي من أوليائه، أو تباعه من التباعات من الأموال والأنفس، أنه لا يعذر في شيء من هذا كله.
وحكموا بالشرك، فيمن نسي نبيا، أو ملكا، أو رسولا، أو فريضة منصوصة، أو قضية من كتاب الله – عز وجل – مخصوصة.
وحكموا في الشاك أنه مشرك، وفي الشاك في الشاك إلى يوم القيامة.
واعلم أن هذه المسألة قد شدد فيها وأرجو عند الله تعالى فيها السعة والرحمة، قال الله تعالى حكاية عن المؤمنين: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
فذكر ذلك في معرض الإجابة والامتنان، فنحن على عمومها في هذه الآية، حتى يأتي ما يخصها، بل تفضل الله علينا من وراء هذا فترك المؤاخذة في الخطأ فهو كالنسيان.
وقد ذهب أهل التفسير الذين فوض الله تعالى إليهم بيان كلامه وخطابه للخليقة بأن قالوا: إن نسينا تركنا أو أخطأنا أي تعمدنا، فجاوزوا النسيان إلى العمد، والترك والخطأ إلى الترك والعمد.
ومذهب هؤلاء المفسرين مذهب صالح لائق برحمة رب العالمين في عباده المذنبين، اقتبسوا هذه الطريقة من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما حكاه الرب عنه. حيث يقول: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) فلهذا المعنى قال رسول الله عليه السلام، في قول الله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما).
واعلم أن من سلم من خصلتين فلا يستبعد له هذا التفسير، وهو حاصل في جملة المؤمنين، من سلم من البدعة، ومن سلم من الإصرار. (2/104)
صفحة 191
فالبدعة: أن يدين لله تعالى بدين كان به على الله شاهدا، وفي شهادته عليه كذابا، حتى يلقى الله - عز وجل - على ذلك، فعلى أي شيء يثيبه الله - عز وجل -؟ أعلى غير ما قدمت يداه؟ (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى).
وأما المصر والمعاند لربه والمتمادي على معصيته وارتكبها عمدا، وعول أنه لا يفارقها أبدا حتى يلقى ربه، فأصر واستكبر، فخاب وخسر، فلقي ربه غدا في المحشر منكوسا مركوسا، فليس في هذا أيضا مطمع، إذ لا يليق بحكمه الباري سبحانه إسعافه على إصراره وخلافه وما وراءه من الذنوب، فليس بمستحيل العفو عنه، بأسباب خمسة: التوبة النصوح، والحسنة المقبولة، والمصيبة الوجيعة التي قال صاحبها: (إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون). أو لم يقلها.
وقال الله - عز وجل -: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).
وقال (صلى الله عليه وسلم): ((ما من مسلم يصاب بمصيبة حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه)).
ومن وراء ذلك شفاعة المصطفى عليه السلام، فكيف بمن له الشفاعة، وهو الحكيم الكريم الرؤوف الرحيم رب العرش العظيم. وهو التائب عن عباده المذنبين قبل أن يتوبوا فقال عز من قائل: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما).
وقضى على لسان نبيه عليه السلام: ((أن من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان دخل الجنة)). رواه ضمام بن السائب عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم). (2/105)
صفحة 192
وقوله - عز وجل - يوم الفصل الأكبر: ((يا معشر المؤمنين إني قد وهبت لكم ما بيني وبينكم فتواهبوا فيما بينكم)) ويقع القصاص قيما بين المسلمين والمسلمات، ويتقاصون بالحساب بدل الأموال والتبعات، ومن وراء ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم .... (2/106)
صفحة 193
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تعليقه في المنطق
كتاب مرج البحرين في المنطق
بحر الألفاظ والكلم وبحر المعاني والحكم
[صفحة لم ترقن] (2/107)
صفحة 194
[صفحة لم ترقن] (2/108)
صفحة 195
[صفحة لم ترقن] (2/109)
صفحة 196
[صفحة لم ترقن] (2/110)
صفحة 197
[صفحة لم ترقن] (2/111)
صفحة 198
[صفحة لم ترقن] (2/112)
صفحة 199
[صفحة لم ترقن] (2/113)
صفحة 200
[صفحة لم ترقن] (2/114)
صفحة 201
[صفحة لم ترقن] (2/115)
صفحة 202
[صفحة لم ترقن] (2/116)
صفحة 203
[صفحة لم ترقن] (2/117)
صفحة 204
[صفحة لم ترقن] (2/118)
صفحة 205
[صفحة لم ترقن] (2/119)
صفحة 206
[صفحة لم ترقن] (2/120)
صفحة 207
[صفحة لم ترقن] (2/121)
صفحة 208
[صفحة لم ترقن] (2/122)
صفحة 209
[صفحة لم ترقن] (2/123)
صفحة 210
[صفحة لم ترقن] (2/124)
صفحة 211
[صفحة لم ترقن] (2/125)
صفحة 212
[صفحة لم ترقن] (2/126)
صفحة 213
[صفحة لم ترقن] (2/127)
صفحة 214
[صفحة لم ترقن] (2/128)
صفحة 215
[صفحة لم ترقن] (2/129)
صفحة 216
[صفحة لم ترقن] (2/130)
صفحة 217
[صفحة لم ترقن] (2/131)
صفحة 218
[صفحة لم ترقن] (2/132)
صفحة 219
[صفحة لم ترقن] (2/133)
صفحة 220
[صفحة لم ترقن] (2/134)
صفحة 221
[صفحة لم ترقن] (2/135)
صفحة 222
[صفحة لم ترقن] (2/136)
صفحة 223
[صفحة لم ترقن] (2/137)
صفحة 224
[صفحة لم ترقن] (2/138)
صفحة 225
[صفحة لم ترقن] (2/139)
صفحة 226
[صفحة لم ترقن] (2/140)
صفحة 227
[صفحة لم ترقن] (2/141)
صفحة 228
[صفحة لم ترقن] (2/142)
صفحة 229
[صفحة لم ترقن] (2/143)
صفحة 230
[صفحة لم ترقن] (2/144)
صفحة 231
[صفحة لم ترقن] (2/145)
صفحة 232
تم بحمد الله الجزء الثاني
فهرست الجزء الثاني
من كتاب الدليل والبرهان
الموضوع
مقدمة
ذكر الاختلاف في الإيمان واعتقادات الضمائر
القول في الدين والأفراق والمذاهب
القول في اختلاف الناس في الإيمان والكفر (2/146)
صفحة 233
ذكر من كان على دين الأديان من شرائع الإسلام ولم تبلغه حجة محمد عليه السلام
تسمية من وسع من الفقهاء في أكثر مسائل ما لا يسع الناس جهله
قول عمروس بن فتح فيما يسع جهله مما ضيقته المشايخ
القول في أسئلة مبهمة وأجوبة مدهمة
ذكر أحوال المكلفين المختلفة
ذكر ولاية المؤمنين وما يسع جهله وما لا يسع
ذكر الدليل على وجود الجن
ذكر طرق الحجة والبرهان وهي أربعة
باب اختلاف الناس في الكفر والكبير والمعصية والسيئة
ذكر الوعد والوعيد وحكم أهل التأويل
قول السنية والمعتزلة والروافض والأباضية في النفاق
ذكر الاختلاف في الكبائر والصغائر
ذكر الاختلاف فيما أمر الله به عباده
باب في الأفراق قال عليه السلام ((ستفترق أمتي على .. الخ))
الكلام على المرجئة والقدرية والمارقة والمشبهة
باب في ذكر المذاهب والآراء والاختلاف والائتلاف
باب اختلاف الناس في الرأي
باب في الاجتهاد وصفته
ما يجوز فيه الاجتهاد
القول في صفة المجتهد
ما أسماء المجتهد فيه
ما حكم الأفعال والفعال
باب في اعتقاد الخطأ والمباح
ذكر مسائل الأئمة العشرة - رضي الله عنهم -
الإمام الأول جابر بن زيد وذكر مسائله
الإمام الثاني عزان بن الصقر ومسائله
الإمام الثالث لواب بن سلام ومسائله
الإمام الرابع الربيع بن حبيب ومسائله
الإمام الخامس أفلح بن عبد الوهاب ومسائله
الإمام السادس عمروس بن فتح ومسائله
الإمام السابع أبو القاسم يزيد بن مخلد ومسائله
الإمام الثامن أبو خزر يغلا بن زلتاف ومسائله
الإمام التاسع محمد بن محبوب ومسائله
الإمام العاشر الشيخ مصالة ومسائله
* * *
تم الفهرست (2/147)
صفحة 234
[تابع للفهرس] (2/148)
صفحة 235
[ملاحظة: ينبغي نقل الهوامش إلى أسفل صفحتها]
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
الدليل والبرهان
[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]
تأليف
العلامة أبي يعقوب يوسف إبراهيم الوارجلاني
تحقيق
الشيخ سالم بن حمد الحارثي
المجلد الثاني
الجزء الثالث
1403هـ/1983م (3/1)
صفحة 236
[صفحة بيضاء] (3/2)
صفحة 237
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم
الجزء الثالث من كتاب
الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل لتحقيق مذهب الحق بالبرهان والصدق
كتاب الرسائل
الحمد لله رب العالمين بمحامده كلها، ما علمنا منها وما لم نعلم، على جميع نعمه كلها، ما علمنا منها وما لم نعلم، لدى جميع خلقه، ما علمنا منها وما لم نعلم.
والصلاة على محمد عبده ورسوله وخاتم النبيين، وعلى جميع الأنبياء والملائكة والمرسلين والمسلمين أجمعين.
(أما بعد): فإن عبد الله بن الشيخ سليمان أوقفني على كتابك الأغر الأجل، فقرأته وفهمت مضمونه، وذكرت فيه مسألة الرضى والسخط، وما اعتراك فيها من التحير إلى آخر الفصل.
اعلم يا أخي أنك تحيرت فيما ينبغي أن يتحير فيه المتحيرون، ويهتبل به المتدينون، لقلة مبلغ علومنا، ولعظم التوبة في ديننا، ولكن الله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
اعلم يا أخي أن هذه المسألة، سالت فيها ثلاث شروط:
أولها: إصابة وجه الحق عند الله تعالى فيها، فهذا وجه.
والثاني: إقامة البرهان على صواب المصيب وخطأ المخطئ فيها، فهذا ثان. (3/3)
صفحة 238
والثالث: أن يكون البرهان نيرا ساطعا بينا قاطعا. ومن لنا يا أخي بإصابة وجه الحق عند الله إلا بتوفيق الله تعالى، وإقامة البرهان إلا بعون الله تعالى، وإيضاحه حتى يكون بينا ساطعا نيرا قاطعا إلا بأذن الله تعالى.
ومن لنا بك يا أخي، بأن تنظر إلى ما نورده عليك ونصدره عنك بعين الرضى لا بعين السخط بتأييد وتسديد من الله تعالى.
والمعذرة إليك يا أخي ما نجده من ضعف النفوس وضعف العقول فأعنا عليك بالذهن الحاضر والعقل الوافر والفهم الثاقب والتأمل الواصب، حتى يتضح المجمل ويتبين المشكل، وأن تحمل كلامنا على أحسن وجوهه وقد قال الله – عز وجل -: (فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها).
اعلم أن من أراد يوقظ الصواب في نفوس المستمعين، لابد وأن يكون في كلامه تمثيل وتشبيه واستعارات ومجاز، والكلام لا يخلو من هذا النمط، وفيه متعلق للأبد المشاغب الملد المذاهب، ولكن إذا ظهرت المعاني التي أردنا، والوجه الذي قصدنا، فما علينا ولا بالنا.
فالمتعلق بالألفاظ دون المعاني، راض وقانع بالقشر دون اللباب، ألا ترى إلى قوله – عز وجل – كيف اعتذر إلينا وقال: (يأخذوا بأحسنها) وقال: (الذين يستمعون القول فيتبعون أسحنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب).
فالله تعالى يا أخي يحملك وإيانا على السداد، ويؤيدك ويلهمك سبيل الرشاد ويسددك.
ونحن نريد أن نقدم بين يدي كلامنا مقدمات، ثم نشرع بعد ذلك في إيضاح الحق والبرهان عليه إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وذلك يا أخي أنه محال ظهور الفرع قبل ثبوت الأصل، ومحال أن يبرهن مبرهن على حق أو باطل، بوجوه البرهانات، إلى من (3/4)
صفحة 239
لا يعرف البرهان ولا يقر به، فإذا ما عرف وجوه البراهين وأقر بها أمكنك الكلام معه، فإن لم يف بالشرطين جميعا كان الكلام معه لغوا، ولابد من معرفة الحق وإقراره به.
وقد تيقنت يا أخي بأن حجج القرآن أعظم الحجج، وبراهينه أعظم البراهين، ولن ينفك في جاهل منكر، حتى يقع الكلام في تثبيت القرآن أولا أنه حق من عند الله تعالى، فهناك نشرع في إيضاح القرآن له.
كما أنه محال يا أخي أن يرى اللون من فقد البصر، ويسمع الصوت من فقد السمع، ومحال أن يستعمل النحو فاقد اللغة، وأن يحسن اللغة أبكم، وأن يكون أبكم من ليس موجودا، فإذا حصل الوجود أكمن البكم، وإذا انطلق اللسان أمكن الكلام، وإذا أمكن الكلام أمكن النحو.
ومحال أن يعرف الحق ويقر به من لا يعرف البرهان، ومحال أن يعرف البرهان ولا يعرف طرقه، وهكذا عادة الله تعالى في الأمور كلها، فالمقدمة الأولى توكيد للبرهان وتمهيد طرقه.
وذلك أن العلوم البرهانية لا تتطرق إلى العباد إلا من أحد ثلاثة أوجه:-
إما عقلية، وإما لغوية، وإما شرعية.
وللعلوم العقلية قوانين، وللعلوم اللغوية قوانين، وللعلوم الشرعية قوانين، ولكل حد مطلع.
وعلى هذه العلوم الثلاثة ينبني البرهان ومنها يتركب، فمن لم يحسبها ويتعرف طرقها، استعجمت عنه براهين الدنيا، فضلا عن برهان واحد منها وأنا لا أدري أكنت تحسنها أم لا تحسنها.
فلو علمت أنك ممن يحسنها، لاقتصرت لك عن إيضاح الحق في سطرين، وأوضح لك البرهان في كلمتين، ولكن يا أخي سأشرع لك في إيضاحها (3/5)
صفحة 240
وإظهار معانيها، حتى تكون طرق البرهان وسبل الحجاج عندك موجودة مدخرة عتيدة، إن شاء الله لتحقيق الحق وإبطال الباطل، والله المستعان.
وإنما وقعت المغالطات بين الخصوم من تضييعهم معرفة هذه الأصول، فلما بطلوا عطلوا.
ويعتور على البرهان ثلاثة ألفاظ: برهان صحيح، ومموه صريح، وخطاب فصيح.
وهذه الطرق الثلاثة هي التي سلكت بنو آدم في الدعاء إلى اعتقاداتهم ومذاهبهم.
فمن بنى برهانه على الحد والقياس والطرد والانعكاس، كان برهانه صحيحا في العقليات.
والبرهان المموه الصريح: هو الذي تقع المغالطة في طريق استعماله من أحد الخصمين، فيفترقان على غير طائل.
والبرهان في الخطاب الفصيح إقامة الحق والباطل في نفس المخاطب، حتى يعتقده من غير دليل ولا برهان صحيح ولا تمويه صريح، فإن سلك فيه طريق الحق كان حقا، وإن سلك فيه طريق الباطل كان باطلا، ويسوغ للأمرين.
والتمويه ليس فيه إلا الباطل، والبرهان (1) ليس فيه إلا الحق، فاحترز ما قدرت من التمويه، ولا تركن إلى القول الفصيح، حتى يقع البرهان الصحيح.
والبرهان الصحيح – كما ذكرت لك – هو الحد والقياس وهو الطرد والانعكاس، وقد نبهتك أولا على تحقيق المعاني واطرح الألفاظ.
واعلم أن وصولك إلى معرفة المعاني بثلاثة مقامات: إحداها هلهلته، والثاني ماهيته، والثالث كيفيته. (3/6)
صفحة 241
فالهلهلة: هي ذات الشيء، ولن تفيدك برد اليقين.
والماهية: هي رسمه، والرسم قد يبين وقد لا يبين.
والكيفية: هي حده، والحد هنالك الحق المبين، فمن لا يعرف الشيء لا بذاته ولا بشيء من صفاته، لم يخرج منه بطائل ولم يقر إلا بقول قائل، ومن عرفه برسمه كان بينا، ومن عرفه بحده صح اعتقاده، وثلج فؤاده، وانطلق لسانه وظهر بيانه، وأنا أبين لك حقيقة هذه الوجوه الثلاثة.
وإذا قال لك رجل مثلا: ظهر بالأمس عندنا شيء موجود في ناحية البلد فأعجب الناس. هل ظفرت من هذا الخبر بفائدة، أو ترجع إلى نفسك منه بفائدة، فهذه معرفة الهلهلة، وهو معرفة هل هو ومعناه موجود أو غير موجود الذات.
وأما معرفته برسمه: بأن يقول لك رجل: رأيت رجلا واقفا فأعجبني. فهذه معرفة الماهية، وهي معرفة بعض صفاته في الرجولية والذكوريه والوقوف، وهذه معرفة الرسم فأنت منه على لوائح لم تضبطه كل الضبط ولم تسقطه كل السقط.
وأما معرفته بحده بأن يقول لك: رأيت إنسانا حيا فعالا. فهذا هو الحد الصحيح، الذي يمنع ما ليس منه أن يدخل فيه، وما هو منه أن يخرج منه. وحسبي الله وحده.
ونرجع الآن إلى ذكر الطرق الثلاثة نرمز لك فيها رموزا تتعرفها وتضبط ألقابها إلى حين الحاجة إليها.
وذلك أن هذه العلوم الثلاثة المذكورة ينقسم كل علم منها إلى أقسام ثلاثة:
فالعقلية تنقسم ثلاثة أقسام: وجوب الواجبات، وجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات. (3/7)
صفحة 242
واللغوية تنقسم ثلاثة أقسام: أسماء وأفعال وحروف.
والشرعية تنقسم ثلاثة أقسام: أصل، ومعقول أصل، وقياس.
وتنقسم هذه الأقسام إلى أقسام أخر:
فالأصلية تنقسم ثلاثة أقسام: الكتاب، والسنة، ورأي المسلمين.
ومعقول الأصل ينقسم ثلاثة أقسام: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ودليل الخطاب.
والقياس ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ارتباط الفروع بالأصول / واصطحاب حال الأصل، والاستحسان.
وأما الشرعيات فإن الكلام يطول في شرحها على قلة حاجتنا لهذه المسائل، وإنما ذكرتها لك لتحصل ألقابها، وتحكم أقسامها إلى حين التفسير، لئلا يخذلك بشيء منها، فيضرك عند التحصيل.
وأما العقليات واللغويات، فسنشير لك، إن شاء الله إلى لمع تضبطها للحاجة الماسة إليها في مسألتنا هذه. والله الموفق للصواب.
وقولنا: وجوب الواجبات. فإن الله تعالى خلق المكلف، وركب فيه العقل، وغرز في العقل هذه العلوم الثلاثة، وجعلها فطرية لم تختلف العقلاء عليها منها وجوب الواجبات، كدلالة الفعل على فاعل، والصنعة على صانع، والحدث على محدث، ففي فطرة كل عاقل، أنه إن ثبت عنده حدوث شيء ثبت عنده وجود صانعه، وهذه من الواجبات، وهي مسألة شيخنا أبي نوح سعيد بن زنغيل – رضي الله عنه – مع وزراء أبي تميم معاذ، حين سألهم: ما الدليل على أن لهذه الصنعة صانعا؟ فشرعوا في الجواب وأخذوا في الأدلة، ولم يصنعوا شيئا.
فقال أبو تميم: أجيبوا ابن زنغيل حيث يفهم. (3/8)
صفحة 243
قال الشيخ: فنظرت إلى وجهه فرأيته متبسما، فرددت إليه المسألة.
فقال: أعد سؤلك. فأعدته.
فقال: قولك صنعة، دليل على أن لها صانعا. وقنع الشيخ – رضي الله عنه – بهذا الجواب، ولكن لم يرد مطالبته بما وراء ذلك، وليست المسألة الأولى إلا من جهة العقل لا من جهة الدلالة، وإنما الدلالة في تثبيت الصنعة أنها صنعة، وأما ما وراء ذلك فقلبي.
ومن الواجبات معرفة بقاء القديم واستحالة الفناء عليه، وأن من سبق الحدث فقديم، وأن من عرفته حيا عرفته موجودا، وأن من عرفته عالما عرفته حيا، وأن من عرفته قادرا عرفته عالما، وأن من عرفته مريدا كارها عرفته قادرا، ومن عرفته راضيا ساخطا عرفته مريدا كارها، ومن عرفته فاعلا عرفته راضيا ساخطا.
وهذه المسائل من ضروريات العقول، والمسألة مطردة ومنعكسة وتنعكس المسألة.
وإن من عرفته فاعلا عرفته راضيا ساخطا، ومن عرفته راضيا ساخطا عرفته مريدا كارها ومن عرفته مريدا كارها عرفته قادرا، ومن عرفته قادرا عرفته عالما، ومن عرفته عالما عرفته حيا، ومن عرفته حيا عرفته موجودا.
وليس كل من عرفته موجودا عرفته حيا، وهو الذي يدلك على أن الوجود ليس بصفة، وأن كون الموجود حيا من الجائزات، وكون الحي موجودا من الواجبات.
فإذا اطرد لنا هذا وانعكس في أن الحي فاعل وأن الفاعل حي، فليس يصح في العقول كون الحي لا فاعلا، ولا كون الفاعل لا حيا، فلهذا قلنا: إنه علم ضروري لا يتطرق إليه الشك. (3/9)
صفحة 244
واعلم أن الحب والبغض كالرضا والسخط، وأن الولاية والعداوة كالحب والبغض، حتى لا يقع التكرار بعد هذا، لأنها قريبة البعض من البعض، إلا أنها فوق الفعل دون الإرادة والكراهة، والإرادة والكراهة دون القدرة، وفوق الرضا والسخط وأخواتها، والقدرة دون العلم وفوق الإرادة والكراهة، والعلم دون الحياة وفوق القدرة، والحياة دون الوجود وفوق العلم.
وهما تتبعتها من فوق إلى أسفل كانت عموما، ومهما تتبعتها من أسفل إلى فوق كانت خصوصا من عموم.
واختلف أهل العلم في النظام. فقال بعضهم: العلم نظام الكل.
وقال بعضهم: القدرة نظام الكل.
وقال بعضهم: الحياة نظام الكل. ولذلك قال بعضهم: إنها ليست بصفة. ويذهبون بها إلى الذات، وليس على الجميع ضرر ولا ضرورة، والذي أميل إليه أن الحياة هي النظام، لأن حد الحي الفاعل، فكل حي فاعل، وكل فاعل حي، وقد اطرد وانعكس، فإذا كان ذلك كذلك، فلن يستقيم الفعل من حي، حتى يكون عالما قادرا مريدا كارها راضيا ساخطا فاعلا.
فإذا كانت حقيقة الحي هو الفاعل، والحي يقتضي الصفات التي ذكرنا، والفاعل يقتضي ما دون ذلك، وهو المر والنهي يستدعيان الطاعة والمعصية، والطاعة والمعصية يقتضيان بيان المطيع والعاصي، ويستوجبان الثواب والعقاب وهما الجنة والنار.
ولي في الوجود إلا الفاعل والفعل، فقد أشتمل اسم الحي الفعال على الكل، وغليه الإشارة بقول الله – عز وجل -: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) ونص عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أنها أعظم آية في القرآن الكريم».
وأشار بعضهم إلى أن فيها اسم الله الأعظم ما ذاك إلا لما تضمنته من الدلالة على الله تعالى. (3/10)
صفحة 245
وهذه العلوم التي قدمنا أولا من ضروريات العقول المذكورة في الجملة، إلا إن غلط غالط على هذه الألفاظ ونحلها غير معانيها.
وغلطت فرقتان الدهرية وأصحاب الطبائع ومع ذلك لم يهدما هذا الأصل.
والدهرية تقول: إن العالم قديم. فلم يثبتوا حدثا ولا محدثا.
وأصحاب الطبائع قالوا: فاعل الكل الطبيعة. وأثبتوا الفاعل هو الطبيعة، وهو قولنا، إلا أنهم غلطوا فسموه طبيعة وسميناه إلها فسلمنا من أصحاب هذين المذهبين.
وقولنا: وجواز الجائزات. هو ما استوى في العقل وجوده وعدمه، ليست إحدى الحالتين به أولى من الأخرى، كنزول المطر وصدق الخبر.
وقولنا: استحالة المستحيلات. فظاهر عليه، كالواحد لا يكون اثنين وواحدا في حالة واحدة، وحيا وميتا، وموجودا ومعدوما، في حالة واحدة.
ولو قدرنا منه مسألة واحدة ولو أن رجلا قال لنا: إن عندنا فرسا يكون شرقا ويكون غربا في حالة واحدة لقلنا: محال.
ولو قال: إنه يكون في غير بلدكم هذا وينقاس في البلاد الفلانية (2) لقلنا: محال.
ولو قال: إنه قد كان في الإعصار الماضية والأمم السالفة (3) لقلنا: محال.
ولو قال: إنه في الأدوية والعقاقير (4) ما أن استعملته اتفق لقلنا: محال.
ولو قال: هبكم عرفتم ذلك في أنفسكم، فما عليكم في غيركم. قلنا: محال، عرفناه بقضية العقل، وحكم الشاهد على الغائب في العقليات كلها سواء واستحالته، فلو انساغ ذلك لكان القديم حديثا، والحديث قديما، ولاستالحة الحقائق تبطل الكل. (3/11)
صفحة 246
وقولنا في اللغويات، وأما اللغوية فإن الله تعالى لما أراد أن يخلق هذا الخلق المكلف، خلق له العقل، وفتق له الآذان للسمع، واللسان للنطق، ليفهم وليفهم. فقسموه ثلاثة أقسام: أسماء وأفعال وحروف.
فالأسماء دلالات على الذوات والأعيان، والأفعال دلالات على الحدوث والزمان، والحروف دلالة على معاني البيان.
فمن لم يعرف أبنية الأسماء وتصاريف الفعال معاني الحروف انسلخ من الكلام والبيان، لاسيما النحو والإعراب، خصوصا للسان العرب، فمن لم يحكم ما هنالك اختل عليه الخطاب، وظهر في كلامه الاضطراب، والحاجة ماسة إلى الكلام، لأن به قامت حجة الله تعالى على العباد وبه يتوصلون إلى الأعراض والمراد.
ونفرض في هذا مسألة واحدة:-
ولو أن قارئا قرأ (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) أليس معناه: قد فتحنا لك فتحا مبينا.
فلو قرأه: أني فتحنا لك فتحا مبينا. وهذا إنكار وهو ضد الأول.
ولو قال: أئنا فتحنا لك فتحا مبينا. على الاستفهام، لكان كفرا أيضا.
ولو قال بالتخفيف: إنا فتحنا لك فتحا مبينا، لكان فاترا. (5)
ولو قال: إنا فتحنا لك فتحا مبينا. معناه في وقت فتحنا لك فتحا مبينا، مأخوذة من قوله: (غير ناظرين إناه) لبطلت فائدة الكلام.
ولو قال ك إنا فتحنا لك فتحا مبينا، لكن لحنا. وهكذا قوانين لغة العرب. ولو انساغ لأحد أن يبدل منها شيئا لما بلغ الخطاب مداه.
وقال الله – عز وجل -: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير). (3/12)
صفحة 247
فلو ذهب ذاهب إلى أن الميتة هو البول، والدم هو الخمر، والخنزير هو الحمار لتبطلت معاني لغة العرب، فالأول إبطال فائدة الإعراب والنحو اللذين خص الله بهما لسان العرب، وجعلهما لها وشيا وزينا، فعطلوا جمال الله في لسلن العرب فكفروا، والآية الأخرى إبطال الغرض.
والمراد بتبديل حقائق الأشياء على المعتاد، فلا يصح لأحد أن يجعل اسما فعلا أو حرفا، أو فعلا اسما أو حرفا، أو حرفا اسما أو فعلا، فلو كان لبطلت المعاني، وعميت العقول عن البيان، وصار الكلام كالهذيان.
وأما دلالة أسماء على الذوات والأعيان فليس يخفى ذلك على أحد، لو قلت: هذا زيد. لدل على عينه دون زمانه.
وكذلك لو قلت: زيد خارج. لدل على عين الخروج دون الوقت والزمان، ودلالات الأسماء دلالة الإفادة والإشارة، ولم يدل قوله: زيد خارج. على زمان مخصوص بعينه لا ماض ولا مستقبل ولا حال، ويسوغ لكل واحد من هذه الأزمنة، وذلك إلى نية المتكلم، فإن أراد به ومنا مخصوصا، فهو ذلك الزمان بعينه وصار اسم فعل، وإن لم يرد واحدا بعينه وأطلق، كان الاسم بدنا، ومن هاهنا تقتبس معرفة أسماء الأبدان من أسماء الأفعال، ومنه جواز اسم خالق ورازق على الله سبحانه فيما لم يزل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
فصل
واعلم يا أخي أن أكثر ما يوجب الاختلاف بين المتناظرين تعليقهم بالألفاظ دون المعاني.
فمن تناظر في أمر لم يظهر معناه، ولم يتبين غرضه ومغزاه، كان المتناظران كالأحولين كل يعمل على شاكلته، ويكون في غير مشرع صاحبه.
ونحن الآن إن شاء الله نشرع في وصف الحق الذي اعتقدناه، وأخذناه عن أسلافنا تقليدا وتلقينا وبرهانا.
-----------------
(1) أي البرهان الصحيح (مراجع الطبعة الثانية).
(2) أي يكون الفرس في بلدين مختلفين أي في بلدكم عندكم هنا وفي بلد آخر (مراجع ط 2).
(3) أي يكون الفرس عندكم في هذا العصر وفي عصر آخر في الأمم السابقة (مراجع ط 2).
(4) لعله يريد الأدوية والعقاقير المتنافرة (مراجع الطبعة الثانية).
(5) فاترا: ضعيفا منكسرا (مراجع الطبعة الثانية). (3/13)
صفحة 248
باب إيضاح الحق الذي اعتقدناه بالله سبحانه
وذلك أن الله تعالى خلق الخلق، وخلق منه هذا الجنس العالي العقل المكلف، جعلهم في أعلى الدرجات، واختصهم بالعقول وفتق الألسنة بالنطق والكلام، وفتق الآذان للسمع، ليتوصلوا إلى الأغراض، وعلمهم أسماء الأشياء، وحد لهم حدودها كما قال عز من قائل: (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبائهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون).
فعند ذلك أمر الله – عز وجل – الملائكة بالسجود تفضيلا لآدم عليهم بمعرفة الأسماء فقال: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين).
وجعل الله الفعل والحرف من الكلام تابعا للأفضل، وجعل لها موازين لغوية، وقضى عليها بالموازين العقلية تمهيدا أو توكيدا للموازين الشرعية، لأن نسبة صناعة النطق إلى القلب كنسبة صناعة النحو إلى اللسان.
وحكم المنطق في المعقولات كحكم النحو في المقولات، وليس في الوجود إلا الخالق والمخلوق فلم يفرد الرب نفسه بلغة مخصوصة يعرب لنا بها عن نفسه لا يشاركه فيها خلق، فاللغة واحدة بها يتعارب (1) وبها يتناصف، وجعلها في حقنا حقيقة لا مجازا وفي حقه مجازا لا حقيقة، ومن وجه آخر في حقنا مجازا لا حقيقة وفي حقه حقيقة لا مجازا، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. (3/14)
صفحة 249
فعرفنا الله تعالى حقيقة الوجود، والحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكره والرضى والسخط وأخواتها، والأمر والنهي، والطاعة والمعصية، والمطيع والعاصي، والثواب والعقاب، والجنة والنار، فهذه إحدى عشرة مقالة، فالأولى منها إثبات، والخمس التوالي صفات، والخمس الأخر أفعال، وإن غلط في كل مقامة منها غالط، وسنشرح ذلك إذا صرنا إليه إن شاء الله.
فحقيقة الوجود في متعارفنا المعهود فينا: كوننا تحت المكان والزمان، هذه حقيقة الوجود.
فتقول: فلان موجود وفلان معدوم بعكسه. ووجود الباري سبحانه بخلاف الأول، وهذا الوجود غير معقول إلا من جهة الشرع، بدليل قوله: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).
ولهذا قلنا: إن الإعبار عنه في حقنا مجاز، إذ قصرت عقولنا أن تعقل كنه وجوده.
وأما حقيقة وجود الله وصفاته في ذاته فهو أولى بالحقائق من وجودنا وصفاتنا للنقص الشامل لنا عن كمال وجوده وصفاته ودوامه، إذ صفاته جل وعلا فوق النطق وصفاتنا تحت النطق، وليس الوجودان بصفتين على حال إنما هما إثبات الذاتين.
وحقيقة الحياة في متعارفنا المعهود فينا، كون الروح في الجسد، وهو عرض من الأعراض، وحياة الباري سبحانه إنما هي صفة ذاتية، لا هي عرض ولا هي غيره.
وحقيقة العلم في متعارفنا المعهود فينا، تحلي العلوم في نفس العليم واعتقاد الشيء على ما هو به، وهو عرض من الأعراض. وعلم الباري سبحانه ليس كذلك، إنما هو صفة ذاتية لا هي عرض ولا هي غيره. (3/15)
صفحة 250
وحقيقة القدرة في متعارفنا المعهود فينا، استطاعة توجب الفعل فينا، وهي عرض من الأعراض.
وقدرة الباري سبحانه ليست كذلك، وإنما هي صفة ذاتية، لا هي عرض ولا هي غيره.
وحقيقة الإرادة والكره في متعارفنا المعهودين فينا، فالإرادة ميل النفس إلى شيء، والكره عكسه وهو نفور الطبع عنه، وهما عرضان من الأعراض.
وإرادة الباري سبحانه وكرهه ليسا كذلك، إنما هما صفتان ذاتيتان، لا هما عرض ولا هما غيره.
وحقيقة الرضى والسخط في متعارفنا المعهود فينا، قبول الشيء وإيثاره على غيره والسخط عكسه، وهما عرضان من الأعراض.
ورضى الباري سبحانه وسخطه ليسا كذلك، إنما هما صفتان ذاتيتان.
الحب والبغض سبيلهما سبيل الرضى والسخط، والولاية والعداوة سبيلهما سبيل الحب والبغض.
وهذه المقامات الثلاث بعضها فوق بعض درجات، ومنها هاهنا ابتداء عالم الفعل وانقطاع أسلوب الصفات وهو الأمر والني وحقيقتهما التكليف وهو حمل ما يشق على النفس فعله، والطاعة والمعصية نتيجتا المر والنهي، والطاعة ما أوجب الله عليه الثواب لفاعلها، والمعصية بالعكس وهما فعل العبد.
والمطيع والعاصي اسمان ملازمان إن نسبتهما إلى فعل مخصوص بأحد الأزمنة الثلاثة كانا اسم فعل، وإن أطلقتهما للأزمنة الثلاثة كانا اسم بدن، والثواب جزاء المطيع والعقاب عكسه، والجنة هي الثواب والنار هي العقاب، وسنلوح هاهنا بفضل مختصر نبينه على وجه الدلالات على هذه المقامات الإحدى عشرة مقامة. (3/16)
صفحة 251
فإن قال قائل: ما الدليل على وجود الباري سبحانه؟
قلنا: ظهور الفعل. وعلى حياته: صدور الفعل. وعلى علمه: إتقان الفعل. وعلى قدرته: حاجة الفعل. وعلى إرادته: تمييز وقوع الفعل. وعلى كرهه: عكسه. وعلى رضاه: قبول الفعل. وعلى سخطه عكسه. وعلى حبه اصطفاء الفعل. وعلى بغضه: عكسه. وعلى ولايته: اصطناع الفعل. وعلى عداوته: عكسه. وعلى ثوابه وعقابه: حكمته. وعلى جنته وناره: شرعه.
فهذا الذي أردنا من تقرير الحق في أنفس المقلدين، وسنشرع الآن في إقامة البرهان للمعتقدين المقيدين إن شاء الله تعالى والله المستعان.
ففي الدليل والبرهان الصحيح:-
فإن قال قائل: ما الدليل على صواب ما قلتم في الرضى والسخط والحب والبغض والولاية والعداوة إنها صفات الله تعالى في ذاته؟
قلنا (وبالله التوفيق): من أحد ثلاثة أوجه: أحدها من العقليات الضروريات، وذلك ما شرحناه من كون الحي مرتبطا بصفاته التي لا تنفك من واحد منها إلا كان مواتا، وهي العلم والقدرة والإرادة والرضى والحب والولاية، ويكون مع ذلك فعالا، فهذه حقيقة الحياة لا يعقل غيرها، ألا ترى أنك إذا قلت: رأيت حيا. اقتضى فعالا.
وإن قلت: رأيت حيا لا فعالا. أكذبك الوجود.
وكذلك لو قلت: رأيت فعالا لا حيا. أكذبك الوجود. والمعنى في الحي والفعال واحد. (3/17)
صفحة 252
فقولك: حي. يقتضي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والرضى والحب والولاية
والفعل، وقولك فعال يقتضي: الفعل والولاية والحب والرضى والإرادة والقدرة والعلم والحياة، ضرورة.
فإن قلت: حيا. اقتضى صفاته من العلم إلى أوائل أفعاله.
وإن قلت: فعالا. اقتضى صفاته من لدن أفعاله إلى وجوده.
ولن يصح من موجود إذا كان حيا، إلا أن يكون عالما، ومن عالم إلا أن يكون قادرا، ومن قادرا إلا أن يكون مريدا كارها، ومن مريد كاره إلا أن يكون راضيا ساخطا، ومن راض ساخط إلا أن يكون محبا مبغضا، ومن محب مبغض إلا أن يكون مواليا معاديا، ومن موال معاد إلا أن يكون فعالا، فالحب والبغض والولاية والعداوة من قبيل الرضى والسخط، فأعني عن إعادتهما.
وإن خرمت الرضى والسخط، خرم غيرك الإرادة والكره، وخرم غيركما القدرة، وخرم سواكم العلم، وخرم من ورائكم الحياة، فبطل الوجود والفعل والخلق، فتبارك الله أحسن الخالقين. ولا حجة لواحد من هؤلاء على الآخر إلا بإثبات الكل أو إبطال الكل.
فإن قالوا: لن يصح لأحد أن يبطل الإرادة والقدرة والعلم لأنها صفات.
قلنا: قد قال قوم من المعتزلة إن الإرادة والقدرة حكم وفعل. وقالت الأشعرية: إن القدرة والعلم معنيان لا صفتان.
فما حجتكم عليهم ولن ينفصلوا؟
وأما من استثقل من أصحابنا أن يكون الكره صفة، فإنما يقع الاستثقال على الكره والكراهية والاستكراه.
والذي عندي أن الكره من صفات الذات والله المستعان.
-----------------
(1) أي يتضح المراد (مراجع الطبعة الثانية).
والوجه الثاني في اللغة: وذلك إنا عرفنا التفرقة بين الوصف والواصف (3/18)
صفحة 253
والصفة والموصوف من اللغة، فالوصف فعل الواصف، والصفة نعت الموصوف، فأطبقت الأمة على أن الصفات النفسانية صفاتنا، وهي أعراض حالة فينا.
فقلنا نحن: إن كل ما كان صفة لنا نفسانية كان لله صفة ذاتية، وقد أجمعت الأمة على أن الرضى صفة الراضي، والسخط صفة الساخط، منا وإخواننا كذلك.
وإنما أطلقنا على العلم والقدرة والإرادة أنها صفات لله تعالى، لمعرفتنا بأنها صفاتنا، فاللغة واحدة ولم يفرد الرب نفسه بلغة مخصوصة، لقول نبينا عليه السلام: «من عرف نفسه عرف ربه» وإنما عرفناه من ذات أنفسنا.
وإنما قلنا: إن العلم صفة، لأن العرب أطلقت على علمنا أنه صفة، فأطلقناه على علم ربنا أنه صفة.
وأطلقت على قدرتنا أنها صفاتنا، وأطلقلنا على قدرة ربنا أنها صفته.
وأطلقت على إرادتنا أنها صفتنا، وأطلقنا على إرادة ربنا أنها صفته.
وأطلقت على رضانا وسخطنا وحبنا وبغضنا وولايتنا وعداوتنا أنها صفاتنا، فأطلقنا على رضاه وسخطه وحبه وبغضه وولايته وعداوته فقلنا: إنها صفات ذات ربنا.
ولم ينكروا شيئا مما نقول: إنه راض وله الرضى إلا قولنا: إنها صفات ربنا. بل قالوا هم: إنها أفعال ربنا. وهي الثواب والعقاب والجنة والنار.
ولو عارضناهم فقلنا: إذ قلتم: إنها أفعال. فكذلك الإرادة والقدرة والعلم. إذا فالإرادة هي المراد والقدرة هي المقدور والعلم هو المعلوم، (3/19)
صفحة 254
كما قالوا هم: إن رضاه مرضيه وسخطه مسخوطه وحبه محبوب وبغضه مبغضه وولايته وليه عداوته عدوه، لما انفكوا من شيء منها إلا أن حاولوا التفرقة بين العلم والقدرة والإرادة وبين ما ذكرنا من الرضى وأخواته، إن كانت معلومة ومقدورة ومرادة وجب حدوث العلم والقدرة والإرادة لحدوث المعلوم والمقدور والمراد.
قيل لهم: كذلك لو كان رضاه مرضيه وسخطه مسخوطه، في أخواتها، لوجب لذلك حدوث الرضى والسخط.
فإن قالوا: هو قولنا.
قلنا لهم: كذلك نقول لكم في العم والقدرة والإرادة: إنها محدثة.
فإن قالوا: إن حدوثها يدل على حاجته قبل الحدوث.
قلنا: وكذلك حدوث الرضى والسخط يدل على موت الحي قبل الحدوث.
فإن عارضونا وقالوا: إذ قلتم: إن الرضى والسخط صفتاه في ذاته.
فقولوا: إن الفعل والخلق صفتاه في ذاته، كما قلتم في الرضى والسخط. وجوزته على الله راضيا وساخطا وفاعلا وخالقا لم يزل.
قلنا – والله الموفق للصواب -: إن الفعل والخلق فعلان محدثان، مأخوذ علم ذلك من لفظهما، لأنهما لم يكونا ثم كانا، هذا هو معنى الفعل، وما كان محدثا لم يكن صفة لقديم، إذ لا يوصف القديم بالحدوث، ولا الحدث بالقدم، هكذا في قضايا العقول.
ولهم معارضة في الأمر والنهي أيضا، لأنه كان من قولنا: إن الله آمر وناه لم يزل. فيقولون: إن أمره ونهيه صفتاه في ذاته.
قلنا – والله الموفق للصواب: إن الأمر والنهي في عينهما محدثان، وإن لم يدل ظاهر لفظهما على حدوثهما فقد دل على معناهما، ثم الأدلة التي دلت (3/20)
صفحة 255
على حدوث العالم بأسره، ولذلك قلنا: إنهما ليسا بصفتين. وإنما هذه المسألة بيننا وبين الأشعرية.
وأما الرضى والسخط وأخواتهما فإنهما صفات الله تعالى، كما بينا أنها طبع الحي، وإنما الجنة والنار والثواب والعقاب ثمرتهما.
كما أن الإرادة ثمرتها وقوع الفعال، وتمييزها بين الواقع منها من غيره.
والقدرة ثمرتها وقوع المقدور وإنمانها. والعلم ثمرته وقوع المعلوم.
فإن كان مرادهم هذا، فقد تقول للمعلوم: هذا علم الله. كما يقولون: اغفر لنا علمك فينا. وللمقدور قدرة الله كما يقولون: اللهم أريتنا قدرتك فأرنا عفوك.
والمراد إرادة الله كما يقولون عند التسلي: هذه إرادة الله تعالى للمقدور الكائن. والمرضى والمسخوط: رضى الله وسخطه على المجاز كما قالوا: وما أنزلت وما تنزله من سخط.
والوجه الثالث من جهة الشرع وذلك أن الله تعالى يقول في محكم كتابه، حكاية عنه وعن المؤمنين: (أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه).
وقال: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) وقوله: (ورضي له قولا)، (ورضوان من الله أكبر).
وقال في الحب: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) وقال: (فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) وقال: (إن الله يحب المحسنين).
وقال في الولاية: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) وقال: (والله ولي المؤمنين)، وقال: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم) وقال: (هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا). (3/21)
صفحة 256
وقال في السخط والكراهية والعداوة: (أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون). وقال: (واتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم).
وقال: (من كان عدوا لله وملائكته وكتبه ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) وقال: (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) وقال: (كره الله انبعاثهم فثبطهم).
وفي الحديث عن عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – روت أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنزل الله تعالى عليه: (واسجد واقترب)، فلما أمره بذلك سجد وتقرب إلى الله في سجوده، ففتح الله له في عقله وشرح صدره، فكوشف بمشاهدة الخلق، فنظر في الخلق وليس شيء أعظم من عقاب الله ولا من عفوه. فقال: «اللهم إني أعوذ بعفوك من عقابك».
ثم سجد مرة أخرى، فتقرب أعظم من تقربه الأول فكوشف بمشاهدة الصفات فلم ير شيئا أعظم من سخط الله ورضاه، فقال: «وأعوذ برضاك من سخطك». ثم سجد مرة ثالثة وتقرب أعظم من تقربه في المرتين الأوليتين، فقصر عقله من عظمه ذات الله في الثالثة فحينئذ بهره الأمر قال: «وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك».
وقال عليه السلام في أهل الجنة: «قال الله تعالى: لا أرضى حتى أحل عليكم رضواني». فهذه الآيات والأحاديث قد وردت من كتاب الله – عز وجل – ومن سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم).
فلما أخبرنا الله تعالى عن نفسه بهذه الأمور أثبتناها له صفات ذاتية، إذ هي بظاهر لغة العرب لنا صفات نفسانية.
ولسنا ننصرف عن الظاهر إلى الباطن إلا بدليل عقلي أو بدليل شرعي، (3/22)
صفحة 257
وليس في العقليات ما يبطله، ولا ورد في الشرع ما يمنعه، على أن هذه الأمور التي أخبر الله تعالى بها عن نفسه، قد حصلت ووقعت وسبقت، ولم تحصل الجنة ولا النار ولا الثواب ولا العقاب إلى الآن، فصح ما قلنا، اللهم إلا أن نقول: بل هي الطاعة أو المطيع أو هي المعصية أو العاصي.
فالمسألة على حالها كما قلنا، ونفرض بيننا وبينهم مسألة واحدة، تقضي بيننا وبينهم.
يقال في محمد صلوات الله عليه وسلامه وعلى آله وسلم: أتقولون قد رضي الله عز وجل عنه في زمان آدم صلوات الله عليه وأحبه ووالاه؟
فإن قالوا: نعم. كان ما قلنا: إنها صفات ربنا ذاتية لا أفعاله محدثة، ولم يكن محمد ولا ثواب ولا جنة.
أو يقولون: لم يرض عنه حتى وجد بعينه، ولا أحبه ولا والاه إلا بعد الوجود، أكذبهم الوجود، لزمتهم شناعة قبيحة.
وكذلك يلزمهم بعد فقده وموته أنه لم يرض عنه ولم يحبه ولم يواله حتى ينشر ليوم النشور.
ومسألة أبي جهل وفرعون وقارون وهامان وأشياعهم كذلك. ولسنا نطيل عليهم بل نقطع أن الله تعالى رضي على محمد وآله وأحبه ووالاه عند آدم صلوات الله عليه وعلى الخليل والكليم والروح المسيح صلوات الله عليه وعليهم.
ولقد سمى الخليل (صلى الله عليه وسلم) مسلمي هذه الأمة قبل كونهم، وقال – عز وجل – حكاية عنه: (هو سماكم المسلمين من قبل).
فمن خرج من هذه التسمية لم يدخلها أبدا، ومن دخلها لم يخرج منها أبدا، أفتراهم سماهم مسلمين ولم يرض عنهم، حشا لله من ذلك. (3/23)
صفحة 258
وأما قولنا في الرضى والرضوان: هل هما شيء واحد أو لا؟ فإن الرضى والرضوان معناهما واحد غير أن المبالغة في الرضوان أكثر وأوكد والله أعلم.
وأما مسألة أسماء الأبدان، وتسمية الله خالق ورازق وأشباههما من أسماء الأفعال، فأقول – والله الموفق للصواب – أحدهما في معرض واحد:-
أما بعد: فإن الأسماء تقتبس من جهة لغة العرب، وذلك كما قلنا في اللغويات.
أولا: اعلم أن السماء لا تقتضي الأزمنة تصلح لكل زمان، وتصلح لجميع الأزمنة.
فإن جاءت لجميع الأزمنة، صارت ملازمة البدن يسوغ عليه قبل كونه، وبعد كونه، وبعد حال وجوده، وليست حالة من الحالات أولى به من الأخرى، فهذا معنى قولنا: اسم بدن.
وإن كانت مقصورة على زمان مخصوص تدل عليه قرائن الأحوال والأقوال، كان اسم فعل.
وذلك أن العرب قسمت الأسماء ثلاثة أقسام: قسم منها إخبار عن الذات أنها تصلح لأن يصدر منها ذلك الفعل، لا يعتقدون فيه إلا الفعل لابد وأن يكون، كإخبار العرب عن السيف القاطع والمهر السابق والسم القاتل، وربما سموه سيفا قاطعا وهو سبيكة حديد، ومهرا سابقا أيام ولادته إذا ظهرت عليه مخايل السبق ودلائل العتق، وسما قاتلا وهو حاد في أشجاره ونباته وجثته. فهذا لم تتعلق التسمية به إلى وقوع الفعل، وربما هلكت هذه الوجوه قبل أوانها، أو تبطلت قبل إبطالها.
والوجه الثاني: إذا شرع في أول أفعال التي يليق بها المعنى إلى آخرها كما يقولون: رجل حاج لمن ينويه، ولمن اشتغل في حوائج سفره، ولمن هو في نفس المناسك إلى أن يتمها، فيسمونه رجلا حاجا، وسيفا قاطعا إذا قطع، ومهرا سابقا إذا سبق، وسما قاتلا إذا دخل قتل. هذا بخلاف الأول. (3/24)
صفحة 259
والوجه الثالث: التسمية بهذه الأسامي لمن قد درج وذهب. كما تقول في الموتى: فلان صالح، وفلان طالح، وفلان شاعر، وآخر مؤمن، وكافر. هذا كله بعد موته وفقد عينه، ولزمته هذه التسمية ملازمة أبديه.
فأما المعنى الأول فيه أجزنا على مولانا: أنه خالق وخلاق ورازق ورزاق فيما لم يزل، إخبارا عن الذات أنها كذلك كانت، ولا كان الخلق ولا لم يكن.
وإنما أخبرنا عن ذات إلهنا كيف كانت، أنها تصلح بأن تصدر منها الأفعال، لا صدرت ولا لم تصدر.
وإن كان غاظهم التسمية بهذا (لم يزل) فإن التسمية فعل المسلمين والفعل في الأزل محال، والاسم منطلق على الذات، والتسمية لا تكون إلا فعلا من مسم وهو حدث، والاسم تبع للذات، وكما أن الذات لم تزل عالمة وقادرة ومريدة، والتسمية بهذه الأمور محدثات والأسماء ملازمة للذات، إذ لا تقدر أن تنفي عنها أنها عالمة وقادرة ومريدة.
وظهر الفرق بين الاسم والتسمية كما قدمنا، في مسألة الوصف والواصف، والصفة نعت للموصوف، وكذلك في مسألة التسمية والمسمى، والاسم والمسمى.
فالعجب كل العجب من هؤلاء القوم الذين قصروا إلههم عن ذروة الجلال إلى حضيض السفال، ونحلوا أنفسهم ذروة الكمال ولحظوها بعين الإجلال والجمال، إذ زعموا أنهم متسمون بأسمائهم، قبل وجود أعيانهم، وقبل وجود أفضالهم التي استحقوا بها أسمائهم، ولم يطلقوا على مولاهم أن يتسمى بشيء حتى تقع منه الأفعال، ويصدر منه الخلق، اللهم إلا أن زعموا أنهم ليسوا بمسلمين الذين أخبر الله عنهم على لسان الخليل أنهم يكونون في هذه الأمة فحسبهم جهلا وخيبة. (3/25)
صفحة 260
وأما التفرقة بين أسماء الأبدان وأسماء الأفعال، فأما أسماء الأبدان، فإنها مأخوذة عندنا من المآل، لأنا قدمنا أن الأسماء تلزم الأبدان قبل كونها وبعد عدمها، فإذا كان هذا الاسم يعتور الجسم في هذه الأحوال الثلاثة، فألزمناه اسم المآل والعاقبة، فصار الاسم الذي يفارق لغوا.
ومنه قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «خلق الناس أطوارا: منهم من يخلق مؤمنا و يحيا مؤمنا ويموت مؤمنا ويبعث مؤمنا، ومنهم من يخلق مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا ويبعث كافرا، ومنهم من يخلق كافرا ويحيا كافرا ويموت مؤمنا ويبعث مؤمنا، ومنهم من يخلق كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا ويبعث كافرا» فهذه أسماء الأبدان وأسماء الأفعال قد جمعها الله (1) في حديث واحد، فالحكم للعاقبة وما قبله لغو.
وقوله: يخلق كافرا وقوله: يخلق مؤمنا. أراد بين أبوين كافرين أو مؤمنين.
ونفرض بيننا وبينهم مسألة واحدة:-
يقال لهم: ما تقولون فيمن أخبره الله تعالى من الأنبياء، عن فرعون وهامان وقارون وأشياعهم، ومن تقوم عليه النفخة في هذه الأمة، هل يسوغ لنبي من الأنبياء أن يسموهم كفرة، أو أن يلعنوهم ويتبرأوا منهم أم لا؟
فإن قالوا: نعم. انقطع العتاب.
وإن قالوا: لا. ظهر الفساد، وحسبهم.
وكذلك من أخبر عنه (صلى الله عليه وسلم) من أمته ممن لم يدركه منهم، ومن أهداه السلام، ومن أخبر عنه من أمته أنهم يكونون خيرا من خمسين من الصحابة، وعن الذين أخبرهم عنهم أنهم إخوانه إذ قال له أصحابه: (ألسنا بإخوانك؟) قال: «لا ولكنكم أصحابي، وإنما إخواني قوم يأتون بعدي، وأنا فرطهم على الحوض، يؤمنون بي ويعملون بأمري ولم يروني، فأولئك لهم الدرجات العلا، إلا من تعمق في الفتنة». (3/26)
صفحة 261
وثناؤه على المهدي الذي يكون في آخر الزمان من ولده، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
وقد أجمعت الأمة: أنه لا تقوم الساعة على مسلم.
وأما قولك: ما معنى قول الله – عز وجل -: (ووجدك ضالا فهدى) أليس الضلال من أسماء الأبدان؟
وقوله حكاية عن موسى: (قال فعلتها إذا وأنا من الضالين).
وقوله لمحمد عليه السلام: (إنا أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) والغافل اسم مذموم.
وقوله حكاية عن يونس عليه السلام ك (أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).
واعلم يا أخي أني قدمت لك قبل هذا التفرقة بين التسمية بالأفعال وبين التسمية بالأبدان، بما فيه الكفاية، إن شاء الله.
وإذا أطلق الرب تعالى لعبده اسما ولم يقيده، كان ذلك الاسم له مطلقا، وهو يقول في نوح عليه السلام: (إنه كان عبدا شكورا). فهو شكور أبدا وهو اسمه على أنه قال له قبل هذا: (إني أعظك أن تكون من الجاهلين).
ولما قال لمحمد عليه السلام في معرض الامتنان: (ووجدك ضالا فهدى). فقيد الضلال بالهدى ولم يقيد الهدى بالضلال كما قال – عز وجل – في ثمود: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى). فقيد الهدى هاهنا بالعمى، فصاروا قوما عمين.
وأما محمد فقيد ضلالة بالهدى، فصار هاديا مهديا، والأسماء بالمآل والعاقبة، وذهب الاسم الطارئ وبقي الحقيقي، وذلك قول موسى عليه (3/27)
صفحة 262
السلام حيث يقول: (فعلتها إذا وأنا من الضالين): ألا تراه قد فعلها إذا فقيد الفعلة والضلال بالوقت، فعقب بالاسم الصحيح، وذهب الطارئ وبقي الحقيقي فقال: (فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين) فبقي اسمه كليم الله وصفيه وذهب الضلال في ضلال.
وأما قول يونس عليه السلام حيث قال معترفا: (أن لا إله إلا أنت سبحانك أني كنت من الظالمين) ليس فيه أكثر من الاعتراف والإنابة والتقييد بذلك والانفكاك منه إلى اسمه في المآل لقوله: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) فذهب الطارئ وبقي الاسم الحقيقي.
وأما قوله في محمد (صلى الله عليه وسلم): (وإن كنت من قبله لمن الغافلين) وأنه اسم مذموم.
واعلم أنه ليس بمذموم ولا محمود إلا بقربته تدل على الحمد أو الذم، فإن عري منهما صار لا مذموما ولا محمودا، وقد وردت هذه الوجوه الثلاثة في القرآن:
أما المحمودة فقوله: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة) فقيد هذه الغفلة بالعفة والإيمان، وذكرها في معرض الامتنان.
وأما المذمومة فقوله تعالى: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون).
وأما العاري عنهما فكقوله لمحمد عليه السلام: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) عن حديث يوسف عليه السلام وأمثاله.
وانتهى بنا الكلام إلى هاهنا.
-----------------
(1) أي: جميعا الله تعالى على لسان رسوله (صلى الله عليه وسلم) (مراجع الطبعة الثانية).
فلنرجع الآن إلى البرهان الخطابي الفصيح ونذكر ما أشار به بعض السلف في مسألتنا هذه، ونورد نص قوله لتدبره، كما قال – عز وجل – في القرآن الكريم: (ليدبروا آياته وليتذكروا أولو الألباب). (3/28)
صفحة 263
كان في سياق كلامه لولا التفرقة بين ما يحبه الله وما يبغضه، وما سمي من ذلك شكرا مما يسمى كفرانا. فقال:-
(فقد رجع حاصل الكلام إلى أن لله حكمة في كل شيء، وأنه جعل بعض أفعال العباد سببا لتمام تلك الحكمة وبلوغها غاية المرام منها، وجعل بعض أفعالهم مانعا من تلك الحكمة، فكل فعل وافق مقتضى الحكمة حتى انساقت الحكمة إلى غايتها فهو شكر، فكل ما خالف ومنع الأسباب من أن تساق إلى الغاية المراد منها فهو كفران).
وهذا كله مفهوم ولكن الإشكال باق وهو العبد المنقسم إلى ما تنتجه الحكمة وإلى ما يدفعها كلها من مراد الله وحكمته.
واعلم أن تمام التحقيق في هذا، يستمد من تيار بحر عظيم من علوم المكاشفات، وقد رمزنا فيما سبق إلى تلويحات مبادئها.
ونحن الآن نعبر بعبارة وجيزة عن آخرها وغايتها، يفهمها من عرف منطق الطير، ويجحدها من عجز عن الابضاع في البر، فضلا عن أن يجول في حق الملكوت جولان الطير. فنقول: -
إن لله سبحانه في جلاله وكبريائه صفة، يصدر الخلق والاختراع عنها، وتلك الصفة أعلى وأجل أن تلمحها عين واضع اللغة، حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها، فلم يكن في العالم لها عبارة، لعلو شأنها، وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمد طرفة إلى مبادئ إشراقها، فانخفضت عن ذواتها أبصارهم، كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور الشمس، لا لغموض في نور الشمس، ولكن لضعف في أبصار الخفافيش فاضطر الذين فتحت أبصارهم ملاحظة جلالها، من أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين باللغات عبارة تريهم من مبادئ حقائقها شيئا ضعيفا جدا واستعاروا لها اسم القدرة، فتجاسرنا لسبب استعارتهم عن النطق فقلنا: (3/29)
صفحة 264
لله تعالى صفة هي القدرة، عنها يصدر الخلق والاختراع.
ثم الخلق ينقسم في الوجود إلى أقسام وخصوص صفات، ومصدر انقسامها واختصاصها بخصوص صفاتها صفة أخرى استعيرت لها بمثل الضرورة التي سبقت عبارة المشيئة.
فمن توهم أمرا عملا عند المتناطقين، فاللغات التي هي حروف وأصوات المتفاهمين، وقصور لفظ المشيئة عن الدلالة على كنه تلك الصفات وحقيقتها، كقصور لفظ القدرة عن كنه القدرة.
ثم انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة إلى من ينساق إلى المنتهى الذي هو غاية حكمتها، إلى ما يقف دون الغاية.
فكان لكل واحد نسبة إلى صفة المشيئة، لرجوعها إلى الاختصاصات التي تسير القسمة والاختلافات، فاستعير لنسبة البالغ غايته عبارة المحبوب واستعير لنسبة الواقف دون غايته عبارة الكراهة.
وقيل: إنهما جميعا توهم لفظ المحبة والكراهة منهما أمرا عملا عند طالب الفهم من الألفاظ واللغات.
ثم انقسم عبادة الذين هم أيضا من خلقه واختراعه إلى من سبقت له في المشيئة الأزلية أن يستعمله لاستيقاف حكمته دون غايته، ويكون ذلك قهرا في حقهم، لتسليط الدواعي والبواعث عليهم، وإلى من سبقت لهم في الأزل أن يستعملهم لسياقة حكمته إلى غايتها في بعض الأمور، فكان لكل واحد من الفريقين نسبة إلى المشيئة خاصة، فاستعير لنسبة المستعملين في إتمام الحكمة لهم عبارة الرضى، واستعير للذين استوقف بهم أسباب الحكمة دون غايتها عبارة السخط، وظهر على من سخط عليه في الأزل فعل وقفت الحكمة دون غايتها فاستعير له الكفران (3/30)
صفحة 265
وأردف ذلك بنقمة اللعن والندامة زيادة في النكال، وظهر على من ارتضاه في الأزل الذي انساقت بسببه الحكمة إلى غايتها، فاستعير له عبارة الشكر، وأردف خلفه الثناء والإطراء زيادة في الرضى والقبول والإقبال، فهكذا كانت الأمور تسلسلت الأسباب والمسببات تقدير رب الأرباب مسبب الأسباب.
وأنا أعقب لك يا أخي بذكر آية من القرآن أنبهك فيها على معرفة الوزن، فالميزان العقلي الكلي الذي قرنه الله تعالى بذكر السموات والأرض في العشر الأوائل من سورة الرحمن، فتجتمع لك حقيقة الوزن بالميزان العقلي والميزان الشرعي، وأذكر حكاية جرت بين الأنبياء عليهم السلام وبين الأمم في المناظرة بينهم.
قال الله – عز وجل -: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات) فأخبر الله تعالى عن الرسل كافة أنها جاءت الأمم بالبينات.
ثم أنه أخبر عن الأمم أنها أنكرت ما جاءت به الأنبياء من البينات. قال: (فردوا أيديهم في أفواههم) إجبارا أنهم أنكروا ما جاءت به الرسل وكذبوهم.
ثم أخبر عنهم أنهم قالوا: (إنا كفرنا بما أرسلتم به) ومعنى الكفران جحود لما الإقرار به، ويتضمن كفرهم جحودهم لما عرفوا، وأن الأمم قد كابرت الأنبياء وعرفت حق ما جاءت به الأنبياء والرسل فكفرت.
كما قال موسى لفرعون: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر) لكن الأمم أرادت تكذيب الرسل.
ويدل عليه قولهم الذي عقبوا به آخرا، حين قالوا: (وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب). (3/31)
صفحة 266
فكأنهم تداركوا أنفسهم، ورجعوا من لفظة الكفران إلى لفظة الشك، وخافوا أن يتوهم عليهم متوهم، أنهم أيقنوا وكفروا فرجعوا من الكفران إلى الشك، لئلا يصير لهم ذلك نقيصة وللأنبياء فضيلة، فلذلك قالوا: (وإنا لفي شك) فبرأوا أنفسهم من المكابرة، وأقروا على أنفسهم بجهل ما جاءت به الأنبياء.
ثم نظروا إلى إثبات الشك على أنفسهم، وخافوا أن تلزمهم الحجة في جواز صدق الأنبياء حين شكوا، لأن في ذلك جواز أن يكون لما جاءت به الأنبياء صدقا، فيصير ذلك نقصا لهم، لأن الشك جهل، ثم هربوا من الشك هروبهم من الكفران قالوا: إنا لفي شك مريب، فتداركوا بقولهم: مريب، ردا على الأنبياء، لئلا يثبت أن ما قالت الأنبياء حق، فترددوا بين الكفر والشك والريبة، فاختلفت عليهم الأحوال، واضطربت منهم القوال.
وأخبر الله تعالى – وهو أصدق القائلين – عن مجموع الرسل بما قالت في هذه المحاورة فقال: (قالت رسلهم أفي الله شك) ردا عليهم: إنكارا عليهم أن ليس في الله شك، وليس بعد انتفاء الشك إلا العلم.
فوجب أن الأمم قد كابرت عقولها، حين انتفت من أمر لا شك فيه، على لسان الأنبياء.
وعقبت الأنبياء بالعلة العقلية التي لا يختلف عليها العقلاء فقالت: (فاطر السموات والأرض). وإرادة الأنبياء أن من أقر بفطور السموات والأرض لاشك أنه يعلم الفاطر، وهو الأصل الذي قلنا أولا من أحد أقسام العقليات وهو وجوب الواجبات.
ثم قالت الأنبياء: (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى) وهذا النمط من الجائزات لا من الواجبات ولا من المستحيلات، فلم تعرف الأمم حقيقة ذلك لا شرعا ولا عقلا. (3/32)
صفحة 267
ثم قالوا: (إن أنتم إلا بشر مثلنا) فهاهنا استدلت الأمم بالشاهد على الغائب وقالت للأنبياء: إن ما ادعيتم من هذا محال، لأنكم بشر ونحن بشر، وما جعلكم أولى بإصابة هذا المر دوننا وكلاننا بشر، فما استجاز علينا من جهل ما ادعيتم استجاز عليكم مثله، واستدلوا بقضية العقل أنه محال أن تدرك الأنبياء إلا ما أدركوا، وتعلم الأنبياء إلا ما عملوا، وكأنهم قالوا: عقولنا واحدة، وزماننا واحد، وأجسامنا واحدة، فمن أين لكم ما ادعيتم؟
ثم قالوا: (تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا) فكأنهم أشاروا أن للأنبياء في هذا غرضا ما، وصدقوا، وغرض الأنبياء مثل ما قالوا، أن يصدوهم عن عبادة الأوثان إلى عبادة الواحد الرحمن.
ثم قالوا: (فائتونا بسلطان مبين) فالآن أنصفت الأمم لو تمت على إنصافها، حين تعرضت للبرهان، بعد عجزهم عن حجة الفطور الظاهر الدال على الفاعل القادر.
وقال الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: (إن نحن إلا بشر مثلكم)، صدقتم نحن بشر وأنتم بشر، ولكن هذه المسألة التي بيننا وبينكم الآن ليست من العقليات الواجبات ولا من المستحيلات ولكنها من الجائزات، والدليل عليها قولهم: (ولكن الله يمن على من يشاء من عباده).
فوقعت التفرقة هاهنا بين الجائزات والواجب، وأن للفاعل أن يفرق ويمن على من يشاء ويترك من يشاء.
فانقطعت الأمم هاهنا، وظهرت عليهم الأنبياء، صلوات الله عليهم وسلامه.
واعترفت لهم الأنبياء صلوات الله عليهم: أنهم لن يقدروا أن يأتوا بسلطان (3/33)
صفحة 268
إلا بأذن الله فقالت: (وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بأذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) فكأن الأمم أشارت بالمكروه لهم فقالت: (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون) فانقطعت الأمم هاهنا، وانقطعت المناظرة، وفرغت المحاورة، ورجعت الأمم إلى قوتها وكثرة عددها بعدما غلبوا في الخصوصة. (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسلكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد).
فصل (1)
وأما ما ذكرت من قول الله – عز وجل – لعيسى عليه السلام حيث يقول: (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك).
وذكرت أنك سمعت من الشيخ أبي موسى عيسى بن يوسف – رضي الله عنه – أنه ألف الاستفهام، ومن قال: إنه ألف استفهام. فقد أشرك، ثم أنك قد سمعت من بعض العزابة أخبر: أنه ألف استقرار. ومن قال: إنه ألف استقرار , فقد أشرك.
فاعلم يا أخي أن الذي أوجب الاختلاف هاهنا: تعلقهم بالألفاظ دون المعاني، وقد أنذرتك قبل هذا وحذرتك أن لا تلتفت إلى شيء من ذلك إلا بعد تبين الحقائق.
واعلم أن القوم كلهم قد أصابوا، وكلهم قد أخطأوا والقصور لهم شامل.
فمن قال: إنه ألف استفهام، وأراد أن الله قد استفهمهم ليعلم فهو مشرك.
ومن قال: إنه ألف استقرار، وإن الله تعالى أكره عيسى، وأراد منه أن يقر بالشرك فهو مشرك، (3/34)
صفحة 269
وكذلك من قال: إنه ألف توبيخ لعيسى عليه السلام.
وأما من قال: إنه ألف استفهام كقول عيسى، أو ألف توبيخ لهم، أو ألف استقرار لعيسى بالحق في ذلك، فقد أصاب.
وأما قولك في الواو في (وصلى الله على محمد).
اعلم أن تلك الواو إن عنيت بها العطف على ابتدائك بسم الله الرحمن الرحيم، صلحت هنالك، ومعنى عطفت أي ابتدائه بذكر الله، ثم ثنيت بذكر محمد عليه السلام.
وأما قولك: (وهل يجوز وصلى الله بمعنى الخبر الماضي). فهكذا جاءت الأدعية جلها. كما تقول: غفر الله لك، ورضي عنك، ورحمك الله، وهو مع ذلك دعاء.
وكذلك: (وصلى الله على محمد).
وإن أردت أن تظهر الدعاء فتقول: (صل اللهم على محمد)، صلح ذلك أيضا، (واللهم صل على نبينا محمد). والكل سائغ. والحمد لله.
وأما ما ذكرت من مسألة الأنبياء عليهم السلام أنهم ذاقوا (2) ما خلا الخليل عليه السلام. وبلغني عنك يا أخي أنك ذبيت عني في غيبتي ذب الله عنك في يوم أنت فيه أحوج فيه مني منك إذ ذاك.
وكيف يسوغ لقائل هذا القول بعد قول الله تعالى في عيسى عليه السلام: (وإذ تكلم الناس في المهد وكهلا) وقال عنه: (قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت) وبعد قول الله في يحيى: (ولم يك جبارا عصيا) فنفى عنه المعصية.
وبعد أولاد إبراهيم الخليل إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، ومائة ألف أو يزيدون، فمن ولد من الأنبياء على الفطرة وداود وسليمان وغيرهما صلوات الله عليهم أجمعين. (3/35)
صفحة 270
وهذا يا أخي ما يقوله من له أدنى عقل، وما أظن أحدا من خلق الله يعتقد هذا، إلا أن يكون إبليس وذريته لعنه الله، ولا أظن إبليس دعا إليها أحد بمعرفتي بإبليس أنه لا يشتغل فيما لا يعنيه من غير ما عني به من سائر المعصية.
وأنا يا أخي ما سنحت في خاطري قط هذه المسألة، ولا سمعتها قط من أحد سؤالا ولا جوابا.
وأنا ما أجبت هذه المسألة قط، ولا قرعت سمعي، وحسبي وحسيب الحاكي عني هذه المسألة الله (يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون) ولولا جلالتك عند، ووجوب واجب حقك الكريم، لاقتصرت عن الكلام فيها لأني أشتغل بمثل هذا، ولا أعود نفسي ولا لساني مثل هذا، لأني أعوذ مما لا يغني.
والسلام الجزيل عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.
تمت الفهرست بحمد الله وحسن عونه وتأييده.
والصلاة على نبينا محمد عليه السلام وعلى جميع الأنبياء والملائكة والروح والمرسلين أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
-----------------
(1) كلمة (فصل) غير موجودة في الطبعة البارونية (مراجع الطبعة الثانية).
(2) هكذا في الطبعة البارونية، ولعل الصواب ذاقوا المعصية، أو من الذوق وهو الملول لما هو فيه وذلك كما يتضح من سياق الكلام اللاحق. (مراجع الطبعة الثانية). (3/36)
صفحة 271
مسألة أبي الحسن علي بن أبي طالب
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله وسلم
وذكرت يا أخي مسألة أبي الحسن علي بن أبي طالب، واختلاف من عندكم فيها: هل هي مسألة ديانة أو مسألة شهوة وهوى غالب؟
وإن بعض أصحابنا من أهل دعوتنا قد أنكروا عليك ما حكيت عن الشيخ الفاضل أبي عمار عبد الكافي – رضي الله عنه.
وادعوا أن عليا لم يفعل ما فعل إلا بشهوة وهوى غالب، وانه على عمد ارتكب ما ارتكبه من ذلك حلا، قد عورض في التحكيم فاستدل في التحكيم بالتحكيم في الصيد، وفي القتال من قاتل من أهل الجمل واصل صفين وأهل النهروان بأنه مأمور بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فهذه أفعال من تدين لا أفعال من اتبع الهوى.
واعلم أنه من توهم على علي أنه قاتل أهل النهروان بشهوة، وكذلك معاوية وعمرو بن العاص في قتالهما عليا، إنما ذهب به ظاهر اللفظ في الديانة، وقصر الديانة كلها على الحق، وقد تكون الديانة حقا وتكون باطلا وعمدا وسهوا، وخطأ وصوابا، وصدقا وكذبا، ولولا ما تعلق في المسألة من الأحكام لكان أشبه، ولكن أحكام المتدينين خلاف أحكام المشتهين.
فإذا وقعت الضرورة في مجاوبتك فلا غنى بنا عن تقديم الكلام اعتذارا عن فلتات الخواطر والأوهام.
اعلم يا أخي أن الكلام في مثل هذا مع من لم يسمع الأصول ولم يحكم الفصول سهوا ولغو.
والكلام ومانعيه بحران عظيمان واسعان بينهما برزخ لا يبغيان عند ذوي البصائر والعقول وهما بمثابة واحدة عند ذوي الجهل والفضول.
وإنما جعل الكلام للمعاني، وحافظا لها إلى حين تأديتها إلى الأنام، والكلام قشر والمعاني لباب، (3/37)
صفحة 272
فمن قنع بالقشر دون اللباب فقد خاب، ومن ألحق كلا بأصله فقد أصاب، ومن استغنى عن القشر باللباب فقد طاب وطاب وطاب.
ومن هاهنا وقع التشبط في هذه الأمة، والتخبط في فروع الملة، حتى كفر بعضهم بعضا، وقال عليه السلام: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم بعض».
وقد قال الحكيم وصدق: (ما أحسن الكلام وأحسن منه معناه، وما أحسن المعنى وأحسن منه استعماله، وما أحسن استعماله وأحسن منه ثوابه، وما أحسن الثواب وأحسن منه رضى من عملت له).
وقد تضمن هذا الكلام السفر إلى الله – عز وجل – والترقي إليه والقرب منه، إذ ليس القرب من جهة المسافة، لكن القرب من صفاته.
فالله عالم فأراد من عباده أن يكونوا علماء، والرب حكيم فأراد من عباده أن يكونوا حكماء، والرب حليم فأراد من عباده أن يكونوا حلماء، والرب رحيم فأراد من عباده أن يكونوا رحماء، وهذه مقامات المكلفين ولكل درجات مما عملوا.
الدرجة الأولى: أهل القشرة والحثالة وهم الشعراء والخطباء (1) المتشدقون المتفيهقون.
الدرجة الثانية: العلماء والفقهاء.
الدرجة الثالثة: الربانيون والحكماء.
الدرجة الرابعة: المفلحون السعداء.
الدرجة الخامسة: السابقون المقربون الأولياء.
أما الدرجة الأولى: فهم أهل التشبيه والشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة إخوان الشياطين، والشعراء والخطباء، والشعراء القانعون بالقشر دون اللباب. (3/38)
صفحة 273
أما أهل التشبيه فهم الذي قصرت عقولهم أن يتجاوزوا بإلههم منازل الحواس، مثل البهائم والأنعام، إلى منازل ذوي العقول والإفهام، واستعملوا ظاهر الكتاب، ورضوا بالقشر دون اللباب، قبحا لهم وترحا.
أما الشيعة فتحذلقوا بعض التحذلق، وترنقوا بعض الترنق، فغاصوا في بحر الكلام حتى أنفذوه إلى بحر الظلام، فاختلط الحلال والحرام، وانطمست معالم الإسلام فلم يرجعوا بعدها. والسلام.
وأما الخوارج فإنه ذهب بهم الخوف حتى سلوا السيف في الأنام، واستعملوه في أهل الإسلام، استعمالهم في أهل الشرك والأصنام، والسبي في الحرم وفي الأموال الغنم، رضوا بظاهر قول الله – عز وجل -: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون).
وأما القدرية فقد ناهبوا الله في خلقه بل بأفضله، وجعلوا له شركاء فيما آتاهم الله، فتعالى الله عما يشركون، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأما المرجئة فقد حلوا عرى الإسلام وأبطلوا الحلال والحرام ورضوا الله تعالى بقوله: لا إله إلا الله ولو طمسوه بالآثام.
وأما الدرجة الثانية: فهم العلماء والفقهاء، فأهل العلم بالله فهم المتكلمون، وهم الذين لم يتزندقوا، وانفتحت أبصارهم ولم يترنقوا.
وأما الفقهاء فالذين فقهوا عن الله تعالى معاني كتابه، استخرجوا علوما جلة من خطابه، حسبهم عند اسمهم.
ومن هاهنا وقعت الإشارة بقوله – عز وجل -: (ثم أوثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بأذن الله ذلك هو الفضل الكبير).
وأما الدرجة الثالثة: فهم الربانيون والحكماء الذين خلصوا باللباب (3/39)
صفحة 274
وسر الكتاب، واستعملوه في سواء الصواب وإليهم الإشارة بقوله: (كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) جاوزوا القشر إلى اللباب، واستعملوه ووداهم إلى يوم الحساب إلى حسن الثواب فاستقبلوه.
وأما الدرجة الرابعة: فهم السعداء المفلحون، قد فازوا بثواب الله العظيم، فأفلحوا وسعدوا بالخلود في دار النعيم فأنجحوا.
وأما الدرجة الخامسة: فهم السابقون المقربون، أهل الظفر بالحضرة الألوهية، المتنعمون بأسرار الربوبية فهم أهل الحل والعقد في دار البقاء والخلد.
واعلم يا أخي أن مسألتك هذه تقتضي ثلاثة علوم غريبة غير معهودة عند الناس، يمجها السماع، وتنكرها الطباع.
العلم الأول: في التفرقة بين الملوك ذوي الديانات وبين السلاطين أهل الشهوات.
والثاني: ما الحكم في أهل الديانات إن أبصروا الإسلام ورجعوا إليه قبل أن نقدر عليهم، أو قدرنا عليهم قبل أن يرجعوا، والحكم في السلاطين أهل الشهوات إن تابوا أو رجعوا، أو أصروا واستكبروا وقدر عليهم؟
الثالث: ما حكم المسلم إذا كان تحت هؤلاء وهؤلاء وجرت عليه أحكامهما، وما الذي يسعه مما لا يسعه؟ وإذا كان منقطعا في بلاد المشركين وجرت عليه أحكامهم أو أسلم وهي بلاده ولم يستطع منها الخروج؟
-----------------
(1) في الطبعة البارونية الخطاب ولعل الأصوب ما أثبتناه (مراجع الطبعة الثانية). (3/40)
صفحة 275
باب العلم
ذكر الألفاظ التي استعملهتا الأمة ألقابا لدينها
ولنرجع الآن إلى الألفاظ التي استعملها الأمة ألقابا لدينها، وهي أربعة ألفاظ: وهي الملة والديانة والفرقة والمذهب.
أما الملة: فإنهم أرادوا بها الأصلين اللذين بني عليهما الدين: دين الله – عز وجل – ودين الشيطان، وهما التوحيد والشرك ومقتضاها كما قال الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخلف – رضي الله عنه -: إن الملة هي الدين المجتمع عليه في الحلال يحلونه وفي حرام يحرمونه وفي نسك يقضونها، قال الله – عز وجل -: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا)، (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا .... ).
اعلم أن فروع الملة لا تأثير لها في الدخول في الملة ولا الخروج منها، وإنما ذكرها الشيخ عرضا للأصلين التوحيد والشرك، إذ لا يقال خرج أحد من ملة الله وملة رسوله بخروجه من بعض وظائفها، ولا دخل في الملة بشيء منها.
وكذلك ملة الشيطان لا يقال: دخل في الملة ملة الشيطان بدخوله في جميع طاعة الشيطان إلا أن يكون الشرك، ولا خرج من ملة الشيطان بخروجه من شيء من طاعة الشيطان إلا أن يكون خرج من الشرك، وتسمية الأعمال دون التوحيد ودون الشرك من الملة مجاز.
وأما الديانات فالديانة اسم يشتمل على ما بانت به كل فرقة من صاحبتها مما اعتقدوه دينا يدان الله تعالى به، وقطعوا فيه عذر من خالفهم سواء كان ذلك حقا أو باطلا، أو عمدا ذلك أو خطأ، ألا ترى أن دين الشيطان قد علم الشيطان أنه ضلال وخطأ وأن الصواب في خلافه، فشرعه لأوليائه وهو منه على بصيرة فسقا وضلالا وجعل فيه حراما وحلالا، وهو دين الشيطان وديانته، قال الله – عز وجل -: (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك). أي في حكمة وعادته. (3/41)
صفحة 276
وقال في الأشهر (ذلك الدين القيم) أي الحساب المستقيم.
فكل من شرع لنفسه دينا يأمره وينهاه فهو متدين، وإن عليا قد اعتقد أن ما فعله في عثمان وطلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ومعاوية وعمرو بن العاص وأهل النهروان من الدين والديانة، كل يعتقد أن ما هو عليه دين يدان الله تعالى به، فهم كلهم على بصيرة من أنفسهم وثقة من أمرهم.
ألا ترى إلى عثمان حين أشرف على الناس يوم الدار، فاستشهدهم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق». فأذعنوا له بذلك وصدقوه.
وكذلك علي وصنيعه يوم الدار، ويوم الجمل في صفين، وفي أهل النهروان ظن أن مذهبه في هذه المواطن دين يدان به الله تعالى عنده.
وكذلك خلفاء بني أميه من معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك وهشام (1) ابن عبد الملك والوليد بن يزيد بن عبد الملك ويزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك وإبراهيم المخلوع أخيه ومروان بن محمد بن مروان.
وكذلك خلفاء بني عباس: أبو العباس وأبو جعفر المنصور ومحمد المهدي وموسى الهادي وهارون الرشيد بن المهدي والمعتصم بن هارون (2) وغيرهم إلى الآن.
واعلم أن هؤلاء وإن كانوا أهل شهوات ولهو ولعب في أديانهم فليس من الشرط أن لا يكون أحد على ديانة إلا قادته ديانته، وهذا الحجاج أعظم هذه الأمة إجراما، فهو أقود رجل ممن ذكرنا ديانة، فإنه لم يوبق قط في (3/42)
صفحة 277
دينار ولا درهم قالوا: ولم يسرف في معيشة إسراف بني أمية وإسراف العباسيين، لا يبالي ما لبس من الثياب ولا أي طعام أكل من الأطعمة وأحب ما إليه طعام الأعراب دون الشبارقات (3)، غير أن الحجاج مغرى بالدماء طلبا لثأر عثمان بن عفان وأكثرهم حنقه على القراء الذين قتلوه وخذلوه، ولم يسع في الأموال مسعى أهل الهوى، ولهذا منع جابر بن زيد سهمه من العطاء حين لم يخدم، وكان جابر مكتوبا في الدواوين غير أن جابرا امتنع من الجلوس عند أصحاب الدواوين، فعابه يزيد بن أبي مسلم من الجلوس عندهم، وكان يرفع له ستمائة درهم وهي عطاؤه.
وأنا أشرح لك يا أخي المسألة حتى تعلم من أين أوتي علي من جهل المعاني، واختصر الألفاظ ورضي بالقشر دون اللباب وأتخذ ذلك حظا ونصيبا، إن شاء الله.
وأما الفرقة ومعناها فهي اسم لأهل ديانة من هذه الأمة قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجيه وكلهم يدعي تلك الناجية».
وقد أنفذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الوعيد في هذه الفرق إلا الواحدة، فدل أنهم أهل ديانات، إلا قول من يقول: إن الفرق هاهنا أصحاب أصناف المعاصي من الزناة وسفكة الدماء وأكله الأموال، حتى عد كثيرا من أصناف المعاصي. وهو قول ضعيف، لم يتابع عليه قائله، وأضعف منه قول أصحاب الحديث الذين يأثرونه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم إلى الجنة ما خلا واحدة إلى النار».
وأما المذهب فهو الطريق التي بانت بها الفرق في الفروع، وليس فيها تأثيم، (3/43)
صفحة 278
وإنما ظهرت المذاهب في هذه الأمة، حين اقتسمت الأئمة الأمة، فبانت كل فرقة بمذهب إمامها.
وإنما ظهرت الأئمة في آخر المائة الثانية من خلاف العباسيين، ويحقق ذلك ويصدقه قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لحذيفة بن اليماني وقد سأله حذيفة فقال: (يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا الخير الذي أتانا الله بك هل بعده من شر؟).
قال: «نعم، الفتنة».
قال: (وهل بعد الفتنة من خير؟)
قال: «نعم إغضاء على إقذاء (4) وهدنة على دخن».
فقال حذيفة: (وهل بعد الخير من شر؟)
قال: «نعم، أئمة ضالون مضلون قاعدون على أبواب جهنم ينادون إليها، كل من أجابهم قذفوه فيها».
فالخير الأول على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والخليفتين اللذين بعد رسول الله عليه السلام وهما أبو بكر وعمر وقد نص عليهما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال: «اقتدوا باللذين من بعدي» وليس بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (5) إلا أبو بكر وعمر، وقد قال رسول الله عليه السلام (6): «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».
واشترط في هذا الحديث، ولم يشترط في الحديث الأول شيئا فصح في الثلاثة أنهم أهل الخير كما قال حسان بن ثابت:
وأما الشر الذي بعد الخير الأول فالفتنة. كما قال – عز وجل –: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وهي التي ذكرها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من لدن مقتل عثمان إلى عام أربعين من الهجرة، وهي الفتن الأربع: يوم الدار، ويوم الجمل، ويوم صفين، ويوم النهروان، ثم اصطلحت (3/44)
صفحة 279
العامة على معاوية بن أبي سفيان كما قال رسول الله عليه السلام: «يصطلح الناس على رجل» وهو الخير الذي أراده رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفسره وقال: «إغضاء على إقذاء وهدنة على دخن» قال: «فيصطلح ما اصطلح الناس على رجل كورك على ضلع»، إشارة إلى أن الأصل وخصية ما فيه – وذلك للعامة – خير، أن يشتغل كل بما يعنيه من دينه وخصية نفسه.
وأما الشر الأخير المرتبط بالأئمة الضالين المضلين الذين يضلون، ويضل من اتبعهم إلى يوم القيامة، من بعد عصر الرسول وعصر الصحابة وعصر التابعين، فهم من تابعي التابعين إمام الحجاز مالك بن أنس، وإمام مصر الليث ابن سعد، وإمام العراق سفيان الثوري، وإمام الشام الأوزاعي، وأبو حنيفة إمام قبلهم، وفي كل إقليم إمام من خراسان إلى ارض الأندلس.
ونحن نشرح الحكم في أساميها ولهذه الفقهيات أربعة أسام اثنان مجتمع عليهما، وهما الحكم والعلم سائغان على القولين المختلفين جميعا، واثنان مجتمع عليهما، وهما الحكم والعلم سائغان على القولين المختلفين جميعا، واثنان مختلف فيهما، هل يسوغان على القولين المختلفين جميعا أم لا؟ وهما الحق والصواب وأضدادهما من الباطل والخطأ، فاتفقت الأمة على أن الأقاويل المختلفة يسوغ عليها العلم والحكم، ولا يسوغ أضدادهما من السفه والجهل على واحد منهما بدليل قول الله – عز وجل -: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما).
وأطبقت الأمة على أن الأقاويل المختلفة – وإن اختلفت – أنها حكم وعلم.
واختلفت الأمة في الحق والصواب، فبعض أطلق على المختلفين أنهما حق كما أنهما علم وحكم، ولم يسوغ ضده من الباطل على واحد منها، وإلى هذه القولة أميل. والله المستعان.
وفي مناظرة الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف في الرد على من أجاز الحق على القولين المختلفين مغمز لمن تأمله. (3/45)
صفحة 280
وأما الصواب والخطأ، فجل الفقهاء قد أطلقوا هنا على المختلفين وإن ساغ الصواب في أحدهما ساغ الخطأ في خلافه بدليل إشارة القرآن، إذ يقول: (ففهمناها سليمان) فدل على أن الصواب مع سليمان، والخطأ في خلافه مع داوود، وإلا فما الفائدة إن كانا مصيبين جميعا.
وشواذ العلماء قالوا: إن هذه الألفاظ الأربعة تسوغ على المختلفين جميعا، ولا يسوغ أضدادها من السفه والجهل والباطل والخطأ. وهو قول علي بن أبي طالب وترقى بالتصويب إلى أحكام الفتنة والمختلفين فيها بشرط الاجتهاد، وقال: كل مجتهد مصيب. وهذا يؤثر عنه في أهل الدار: عثمان وذويه، وأهل الجمل، وعائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير ومن معهما، وفي أهل صفين: معاوية وعمرو بن العاص ومن معهما، لكنه له مغمز في معاوية وعمرو أنهما غشما الأمر غشما ولم يجهلاه، وقال في أهل النهروان: لم يظهر عليه ظهورة في أهل النهروان.
وذلك أن أصحاب علي أرادوا أن يعرفوا ما حال أهل النهروان عند علي، فقام رجل ينادي في العسكر: (من رأى لي البغلة الشهباء يوم قتلنا المشركين) فناداه علي، فقال له: (لا تقل كذلك، إنهم ليسوا بمشركين لكنهم من الشرك فروا).
قال: (فمنافقون يا أمير المؤمنين؟)
فقال: (ليسوا بمنافقين، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرا).
ثم قال الرجل: (فمن هم يا أمير المؤمنين؟)
قال: (إخواننا بغوا علينا) وترحم على طلحة، وشهد أن عائشة زوج النبي عليه السلام في الجنة، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «بشر قاتل ابن صفية بالنار». (3/46)
صفحة 281
ويقول في عثمان حين شك فيه أصحابه وعاتبوه، فصعد المنبر وخطب الناس وذكر عثمان فقال: (إن الله قتل نعثلا وأنا معه) فترضى العامة بهذا.
-----------------
(1) في الطبعة البارونية هاشم والصواب ما أثبتناه (مراجع الطبعة الثانية).
(2) في الطبعة البارونية المعظم بن المهدي والصواب ما أثبتناه (مراجع الطبعة الثانية).
(3) اللحم المنوع المطبوخ (مراجع الطبعة الثانية).
(4) أي صبر على أذى. (مراجع الطبعة الثانية).
(5، 6) في الطبعة البارونية لم تكن الصلاة على النبي عليه السلام موجودة فأثبتناها. (مراجع ط 2).
ذكر من قال: كل مجتهد مصيب والاختلاف في الفروع
وروي عن مالك أنه قال: (كل مجتهد مصيب). لكنه في الفروع ولم يقلها في الأصول، ولكن قوله في الأصول ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
«إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار».
قيل: (يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟)
قال: «لأن كل واحد منهما يريد أن يقتل صاحبه».
وأما قول رسول الله عليه السلام: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر اجتهاده، وإن اجتهد وأصاب فله أجران: أجر اجتهاده، وأجر إصابته الحق». فإن هذا مقصور على الصواب والخطأ، لا على الحق والباطل.
ودليل من قال: إن الحق فيهما جميعا. وذلك أن الله تعالى أمر المجتهدين باجتهاد الرأي وفرضه عليهم، وأمرهم أن يستغرقوا وسع اجتهادهم في استخراج الحكم، وأمر جميع من رأى رأيا أن يظهره ويوضحه ويبينه للناس، ولا يكتمه كيفما اتفق ولو أنه أخطأ عند الله تعالى، فمن لم يفعل عصى الله وأثم.
وكذلك لو أخبر بخلاف ما رأى كان غير واثق بما عند الله تعالى، وما كان الله تعالى ليأمر بأمر من الأمور، ويوجب عليه الثواب لمن فعله، وتوعد العقاب على من تركه أو كتمه أو غيره، ولا يكون ذلك الأمر حقا.
فمن أطلق على أحد القولين أنه حق، وأبطله عن الآخر فينبغي أن يثبته أنه باطل، وقد قال الشيخ: (فما استجاز في شيء استجاز في ضده خلافه، وقد أجاز هاهنا في أحد القولين أنه حق ولم يجز في ضده أنه باطل). وجل مناظرته أن أقام الباطل مقام الخطأ والصواب مقام الحق، وبينهما بون بعيد (3/47)
صفحة 282
ومذهب أهل الدعوة: أن الحق في واحد، والخطأ في خلافه. وإنما ينبغي أن يقولوا: فالباطل في خلافه.
وأما الصواب فإنهم قالوا: الصواب في واحد، والخطأ في خلافه. فهذا مستقيم.
وقد تقدم آخرون بمثل هذا فقالوا: إن الحق في واحد ومع واحد. وقد ضاق على الناس خلافه.
وهذه القولة يرويها المخالفون عنا وينسبونها إلى أبي بكر الأهتم بن كيسان ويدل عليه تفسير القرآن، قلما يعتمد إلا على قولة واحدة، وعن بشر المريسي أيضا وعن ابن الحسين أيضا وإسماعيل بن علية.
وأما مسألة علي في أن كل مجتهد مصيب، فيما اختلفوا فيه، ولو في أحكام الفتن، وسنشير إلى بعض أدلته، ونكل الرد عليه إلى غيرنا، ونشير إلى اعتقاد معاوية وعمرو بن العاص فيما بينهما وبين علي، أنهما على حق دون علي، وأن عليا على الباطل دونهما (1) حتى تعلم أبدين كانا يعملان أم بشهوة وملك أم بدين متدين؟ [لعله: بملك متدين] وإنما الكلام على بني أمية وبني العباس.
فأما على ما ظهر من ذلك استشهاد علي على أن كل مجتهد مصيب فإنه قال: (لما رأيت الناس يختلفون في الفروج والدماء والأموال، وهي أعظم الأمور، ويسوغ لهم الاختلاف، ولا يجوز لأحد أن يفسق صاحبه، ولا أن يحظر على من اتبعه، ورأينا جل الفتن مقتصرة على هذه المعاني.
أما الاختلاف الواقع في الفروج، والذي يقع في اختلاف الناس في المرأة تنكح بلا ولي ولا بشهود أو بصداق مجهول، أو مجهول الحين، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لا نكاح إلا بولي وصداق وبينة» فوقع الاختلاف في مثل هذا، فأبطل بعض هذه الأنكحة وأجازها بعض. فالذين أجازوه أباحوا فروجا محرمة عند غيرهم، والذين حرموا منعوا (3/48)
صفحة 283
فروجا محللة عند غيرهم، وكذلك اختلافهم في نكاح المتعة، وأبطله بعضهم ورأوه زنا منهم عمر بن الخطاب، وقال: (ولو قدمت فيه لرجمت عليه).
وأجازه بعضهم ورأوه حلالا وهو ابن عباس حين قال: (لو أطاعني عمر في نكاح المتعة ما جلد في الزنا إلا شقي). وصدق وهو أشبه شيء ولا سكن ولا كسوة، وإن حصلا في الرأس الأجل استقبلا الخرج والأجل وإلا انصرفا في حل ويل (2) وقد قال الله – عز وجل -: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما) فهو العليم حقا أنهم مضطرون والحكيم فيما فعل أياما حتى يأتي السبيل.
وانفهم لابن عباس أن لا نسخ لهذا من رأي وقد مضى الناسخ، والأمر أرفق بالأمة، فليس عليهم فيه أمر، وروي أبو هريرة أو أفتى (عن من تزوج امرأة بصداق وليس عنده وفاؤه فهو زان ما أقام عندها).
ومصداق ذلك حديث أم شريك وهبت نفسها لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلم يقبلها فقال له رجل: (زوجنيها يا رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة؟) فقال: «أعندك ما تصدقها؟» فقال: (عندي إزاري هذا). فقال رسول الله عليه السلام: «إن لبست إزارك لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء، انظر ولو خاتما من حديد». فقال: (لا أجد). فقال: «زوجتها لك على ما معك من القرآن». فلو جاز نكاح الجل المجهول ولم ينقدها شيئا، لزوجها له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بذلك.
وأساغ عثمان الفسخ في الفداء ولم يره طلاقا، فأوجب فيها الاستبراء حيضة، ولو فاداها عشر مرات ليس ذلك بطلاق، وسوغ تزوجها ممن منع منه من رآه طلاقا، ومنع الآخر من أجازه حلالا. (3/49)
صفحة 284
وأجاز علي نكاح الربيبة إذا لم تكن في حجر أمها بظاهر كتاب الله – عز وجل – ورآه غيره زنا،
وأباح آخرون نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها وجمهور الأمة يرونه زنا وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها».
وأجاز بعضهم نكاح إماء أهل الكتاب، ورآه آخرون زنا.
وحرم بعضهم نكاح المجوسيات وأباحه آخرون في حديث حذيفة.
وحرم آخرون نكاح الكتابيات، وأجازه آخرون.
وأجاز بعضهم نكاح الشغار، وأبطله آخرون.
وأباح بعضهم نكاح التي زنا بها، ومنع منه آخرون، وساغ هذا كله للمختلفين، ولا تأثيم ولا تفسيق، فإن وقع التشابط في مثل هذا وقال هذا: هي زوجتي وقال الآخر: هي زوجتي، ولم يفصل بينهما قاض، وأخذ هذا بقول عالم واخذ هذا بقول عالم، فأيهما المبطل من اتبع سبيل المؤمنين ودق اتبعاه جميعا، وقد نزلت هذه المسألة بعينها في رجلين أيام المشايخ بين أهل تموصين وبين بني ياجرين، فانحازوا عن سبعين قتيلا من الحجاج يلي غيرهم ولم يؤنبوا أحدا من الفئتين بعيب.
-----------------
(1) قصد المؤلف – رضي الله عنه – هنا أن معاوية وعمرو قد تدينا بديانة – وإن كانت باطلة – عملا بمقتضاها فأعمالهما في الفتنة قد صدرت عن ديانة لا عن ملك وشهوة، أما الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجه فقد أخطأ فعمل في الفتنة التي أصابت المسلمين على غير ديانته، فقد كانت ديانته صحيحة ولكنه أخطأ في عمله. فليتنبه لذلك فإنه دقيق وخاف. هذا قصد المؤلف رحمه الله في عمل معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، والحقيقة أن من ينظر إلى الأمور سيجد أن مبعث أعمالهما هي الشهوة وطلب الملك. والله أعلم ببواطن الأمور. (مراجع ط 2).
(2) يقال صفاة يلاء أي ملساء مستوية والمقصود هنا لا شيء عليهما (مراجع الطبعة الثانية).
ذكر أحكام الدماء والاختلاف فيها
وأما أحكام الدماء والاختلاف فيها، وقع الاختلاف فيها في القود في كثير من المسائل منها من قتل بالعصا، فأجاز بعضهم فيها القود، وأبطله آخرون.
وأجاز بعضهم القود في جميع من له جرح مجهز، وفيمن له جرح غير مجهز، فقال بعضهم بالقود فيهما، وبعضهم بالقود في المجهز دون غيره.
وبعضهم يقول: إن كانا مجهزين إنما له القود على واحد.
وبعضهم يقول بالقود في الصائر في جميع من شغله أو منعه أو دل عليه، ومنع منه آخرون إنما لهم القود على واحد ما بعينه. (3/50)
صفحة 285
وكذلك قتيل السباع وبني آدم والحيات والأفاعي والعقارب إذا اشتركت في قتيل واحد أن يرجعوا إلى الدية، وبعضهم بالقتل لبني آدم، وكذلك الصغير والكبير.
وللمجني عليه أن يعفو، وأن يقبل، و أن الحاكم إذا أخذ بقوله من هذه الأقاويل التي تحل بها الدماء فسفك بها دماء كثيرة، ثم بدا له فاستحسن خلافه وأن يرجع إلى الدية، فأبطل فيها القود ورجع إلى الدية، أن ذلك جائز له.
ولا يحل البسط إلى دم أحد من الجناة بعد حكم القاضي بحقنها، ويسوغ له الأمران جميعا في البدأة والعودة.
ويسوغ للناس الانتقال من حكم إلى حكم خلافه، من تحليل إلى تحريم ومن تحريم إلى تحليل، فإن علم الله منهم الاجتهاد، فالكل سائغ له ما فعل على مذهب علي، وهما إلى الجنة، وغدا عند ربك يوم القيامة يختصمون.
فعلى مذهبه أن لأهل العراق أن يقاتلوا مع علي من امتنع من بيعته، لأنه الإمام على أيدي المهاجرين والأنصار لأنهم الحكام على الأنام.
ولأهل الشام قتال علي، لما انتهك من حرمة الإمام والخليفة بعد الخليفتين، فقاتلوه طلبا لثأر عثمان، إذ ليس لعلي شاهد يشهد أن عثمان حلال الدم إلا قتله، ولا يقبل قولهم وهو أحدهم، وطلب علي أن يقروا بولايته فينصفهم من حقهم خدعة صبي عن ثديي أمه.
والفريق الذين شكوا إنما شكوا في تحلة دم عثمان، وادعت أن ذلك لها حلال ولهذا المعنى صار الأمر فتنة، والفتنة عند العرب غير مذمومة. وإنما هي التحير والمشغلة، ومنه قول عمر بن الخطاب الذي سمعه يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الفتنة). فقال عمر: (قل: اللهم إني أعوذ بك من الضغاطة، أتسأل الله أن لا يرزقك مالا ولا ولدا). (3/51)
صفحة 286
ومنه قول الله – عز وجل -: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) فلهذا قال الله تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون).
فمن صحت نيته واجتهاده عند علي سلم من الفريقين جميعا، ومن خبثت نيته وخان اجتهاده عند علي فهم المخصمون عند الله تعالى.
فجميع أهل الشام مجتهدون عند علي إلا معاوية وعمرو، فإنهما قد عرفا من الأمر ما عرفه علي وأهل العراق، لأن أهل الشام لم يكلفوا علم ما غاب عنهم من الأمور واعتقادهم أن عثمان هو الخليفة وأنه أمير المؤمنين وأنه أفضل الخلق وانه أصبح مقتولا، ولم يأت من الأمور التي قيد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنها تحل بها دماء المؤمنين شيئا، وتعلقت قتلته بأمور أخر غير التي قيد رسول الله عليه السلام فلم يقع الاتفاق عليها، وهذا رأي من آراء علي وليس من رأي أهل الشام.
وهذا المعنى الذي عابوه في مالك بن أنس: (أنه أباح القتل تأديبا واستصلاح الثلثين بالثلث).
وقد حكم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين»، ولا يقبل قول المهاجرين والأنصار أنه قتل مظلوما وإمامهم عائشة أم المؤمنين ثم عبد الله بن سلام ثم زيد بن ثابت ثم القتلة بنفوسهم المعترفين كطلحة والزبير وغيرهم، وأي فتنة أعظم من هذه؟
وهؤلاء يقولون نحن الحكام وولاة دين الله العلي العظيم واستظهروا بعمار بن ياسر أن الحق يزول مازال عمار.
فأعظم منه الشاكة توقفوا في دم عثمان وهم بالحضرة.
فلو كان عثمان حلال الدم لكانوا أعلم بذلك من غيرهم فإنهم علماء هذه الأمة كسعد بن أبي وقاص إمام أهل الشورى وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومحمد بن مسلمة (1) الأنصاري، لكن هؤلاء اعتزلوا، فأفلحوا عند أنفسهم، (3/52)
صفحة 287
وأنجحوا وارتطم غيرهم، كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا، ويوم القيامة عند ربكم تختصمون.
وقد صدق الله – عز وجل – حيث يقول: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وقول رسول الله عليه السلام: «فتنة لا تدع قلب مؤمن إلا لطمته».
وأعظم حجة معاوية على علي معذرته المجتهدين. وقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «يثير دخانها تحت قدمي رجل من عترتي يزعم أنه مني وليس مني ألا أن أوليائي المتقون».
ولنشرع الآن في حجة معاوية أنه على الحق دون علي (2):
اعلم يا أخي أن معاوية قد أدعى أنه على الحق دون علي، وأنه أولى بالأمر دونه، أن قال: (إني سليم من فتنة الدار)، وأن عليا قد ارتطم فيها على تخليط منه، تارة يزعم أن عثمان قتل مظلوما ويقول: (ما قتلت ولا مالأت على عثمان). ويقول: (لو أن بني أمية يرضون مني أن أقسم لهم خمسين يمينا ما قتلت عثمان ولا مالأت عليه).
وأن عليا منع قتلة عثمان والله يقول: (فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا). ويقول لمعاوية: (بايعني فأحملك وإياهم على الحق)، وأخرى أنه لم يثبت عن عثمان أنه قتل أحدا ولا زنا ولا أشرك بالله غيره، فلم يبغ على أحد فيدافعه عن نفسه فيقتله على نفس أو مال، وأخرى أن أهل الشورى إنما حلت لهم الإمامة، وقصرها عليهم عمر بن الخطاب، قبل أن يحدثوا ما أحدثوا أرأيت لو ارتدوا أو أحد منهم، أكانت تحل له الخلافة مع الكفر؟ وعلي قد أحدث في الإسلام حدثا وآوى محدثا، ومع أن صاحبيه طلحة والزبير وغيرهما من أهل الشورى قد ندموا وتابوا وجادوا بأرواحهم، تنصلا مما عملوا في عثمان، وليس هو أولى منه بها، وحتى قال طلحة: (اللهم خذ مني لعثمان حتى يرضى).
وقالت عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها -: (نقمنا على عثمان السوط والنوط فعدوتم عليه فقتلتموه والقتل أعظم من السوط والنوط). (3/53)
صفحة 288
وأما سعد بن أبي وقاص وصاحبه عبد الله بن عمر، فلم يقتلا ولم يمالئا واعتزلا الأمر ولم يعينا عليه فلم يعتزل معهما، فاثنان تائبان واعترفا بذنبهما في عثمان، واثنان اعتزلا فلم يعينا عليه، فلم يسلك سبيل صاحبيه المعترفين ولا سبيل صاحبيه المعتزلين فارتطم في فتن لا تحصى.
ومنه قتاله الزبير بن العوام الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «الزبير ابن عمتي وحواري من أمتي». وقال فيه عليه السلام: «بشر قاتل ابن صفية بالنار».
فعلي هو القاتل لابن صفية كما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبا بكر وغيرهما القاتلون لجميع من قتلت عساكرهم من المشركين، وعلي قَاتِلُ من قتلت عساكره من المسلمين.
فلئن افتخر علي بقتل الفئة الباغية عمار بن ياسر، ليفتخرن أهل الجمل بسلوك قاتل ابن صفية النار.
فإن كان علي على الحق بعمار فإن عائشة وطلحة والزبير على الحق بالزبير، ومن وراء ذلك لم يقد قاتل ابن صفية.
وأعظم آفات علي أن خلف الحجاز الذي فيه الحرمان مكة والمدينة اللذان فيهما بيت الله الحرام وقبر نبي الله عليه السلام وفضلنا جميع مدن الدنيا وحرمهما، وعوضه الله منهما العراق دار الفتنة والشقاق والقسوة والنفاق ونيران المجوس والغفاق (3).
ومعاوية يقول: (من الله تعالى علي بالشام التي هي قبلته في سالف الأزمان، أرض الحشر والنشر وأرض وطنتها الأنبياء من قبل، وهي الأرض المقدسة أرض الخليل، وبئس البديل بلاد الفتنة وبيوت النيران من القبلتين والحرمين). (3/54)
صفحة 289
وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ألا أن الفتنة هاهنا» وأشار بيده نحو المشرق نحو العراق، وقال: «حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر» اللذين هما قرنا الشيطان وعساكر معاوية أهل اليمن الذين قال فيهم رسول الله عليه السلام: «ألا أن الإيمان هاهنا. وأشار بيده نحو اليمن».
وقال عليه السلام: «الإيمان يمان والحكمة يمانية».
وأعظم حجج معاوية على علي أن وعد الله تعالى النصر والظفر لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) على عدوهم، وأن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون. كما قال الله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا فمن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) فلم ينصر علي على أحد، ولم يظفر بأحد ولم يفتح مدينة من مدائن الشرك في الإسلام، لكن فتح في الإسلام أبوابا، سلكتها الخوارج وسننا اتبعتها.
وقتل علي في قعر داره خائفا مترقبا، وتوفي معاوية على فراشه آمنا مطمئنا، فلم يفتح الله على يده قرية من قرى الشرك ولا مدينة من مدائن الشرك، ولا أظهره عليها ولا أظفره بها.
وقد ظهر الظفر لمعاوية على بلاد المشركين، فافتتح في أيامه قرى كثيرة ومدنا كبيرة، فأعقب الله تعالى فيها الأذان بعد الناقوس والصلاة وذكر الله تعالى آناء الليل وأطراف النهار. (3/55)
صفحة 290
ونجح الإسلام في أيام معاوية بعد الفتنة عشرون سنة، وظهرت المساجد بعد الكنائس، والمحاريب بعد البيع، والتهليل والتحميد بعد الصلبان والأصنام، وانبطل كثير من الشرك على يد معاوية، ورأى (4) كثير من الفتنة على يد علي، وابتلاه الله بالشيعة الملعونة الذين اتخذوه دون الله إلها وذريته أنبياء بعد محمد خاتم النبيين فأبطلوا شرائع الإسلام، وحلوا أنشوطة عقد الحرام.
ومعاوية ممن كتب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) الوحي وائتمنه عليه، وقد ائتمن رسول الله عليه السلام عليا على ابنته فاطمة فأغضبه فيها حين خطب علي ابنة أبي جهل، فصعد رسول الله المنبر فخطب الناس وأثنى على بعض أصهاره خيرا تعريضا به، وقال: «والذي نفسي بيده لا أحل حراما ولا أحرم حلالا، ولن تجتمع بنت نبي الله مع بنت عدو الله»، فإنهم أولى على الأمة بالإمامة، وأولى بالحق ممن بخته بخت سوء ولو سلم من كل شيء، ولو ملك الله تعالى ذرية علي على الأمة لا تخذوهم عبيد قن (5) وآفات تن والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وعوفي معاوية مما ابتلي به علي من إشهار السلاح والسيف في الأمة، وأتى علي وليه وعدوه مسحا بالسوق والأعناق، فعطل الثغور، واستعمل القتل والقتال في داخل الدور، فأراح الله منه العباد والبلاد، فرجع النبل إلى نضابه، والعز والتمكن إلى أربابه والخزي على أصحابه.
والذي ذكرناه في الملوك المتدينة لم تقتصر فيه على علي ومعاوية دون أخلافهم بعد، بل الحكم فيهم واحد أهل ديانة، لما أظهروا على أيديهم من الجمع والجماعات، والأذكار والصلوات، والنسك والعبادات، وظهور الشرائع الإسلاميات، وعمارات الصبيان للحاضر لقراءة القرآن، وظهور الغزو والجهاد في جميع البلاد والثغور والعباد، والدعاء إلى الله وإلى طاعته، وظهور عبادته.
وقد جرى لعبد الله بن أباض شيء من هذا، وذلك أنه أتعد مع أصحابه (3/56)
صفحة 291
منارة الجامع بالبصرة أن يجتمعوا فيها آخر الليل، للاتفاق على الخروج، فقام آخر الليل، فسبقهم إلى المنارة وجلس عندها، إذ سمع تحنين المؤذنين، ورنين المتعبدين، وصنوف الأذكار في الأسحار. فقال لهم: (لست منكم في شيء، أعلى هؤلاء يجوز لي الخروج والاستعراض؟!). وفارقهم، وخرج أصحابه فاستعرضوا على طريقة الخوارج، فسلم هو بحمد الله.
وذلك أن طريقة عبد الله بن أباض إنما هو الخروج على الملوك الجورة، لا على العامة المسخرة كطريقة أبي بلال – رحمه الله -، وليس في إن ظهر فجور هؤلاء الملوك في ذات أنفسهم وظهرت المناكر على أيديهم ما يخرجهم من ملة الإسلام، بل هم من أهل الملة، وإن كانوا أهل سوء.
ومن مناقبهم: أنهم أمنوا السبل والطرقات، وجبوا الفيء والخراجات، ونصبوا القضاة والحكومة.
وفي صنيع أبي بلال مرداس – رضي الله عنه – ما يدل على ما قلنا، وذلك أنه لما خرج عليهم صادف أربعين جملا مالا من مال خرسان، أخذها فأنزلها، وأخذ منها عطاءه وعطايا أصحابه، فسيَّبها إلى عبيد الله بن زياد، وكتب لهم بذلك البراءات، لو لم يكونوا أهل ديانة لما ردها عليهم.
وصنيع جابر بن زيد – رحمه الله – حين تخلف عن الجمعة فقال: (اللهم لك علي أن لا أعود). ومن وراء ذلك أخذه العطايا من الحجاج وشبهه، ومطالبتهم بها، وولاية الفتوى لهم والمساحات، وولاية شريح القضاء وغيرهم من أهل العلم كثير.
وليس في ذلك ما يخرجهم أن يكونوا أهل ديانة مخطئة مبطلة والمسلمون أهل ديانة محقة.
وكيف بعلي، كان لا يتابع مدبرا، ولا يجهز علي على جريح، ولا يستخدم عبيدا ولا أحرارا، وتأول في أهل النهروان وإن كانوا عنده من أهل (3/57)
صفحة 292
الاجتهاد أن في صنيعهم الفرقة وتشتيت الأمة، وبلوغ ابن أبي سفيان فيهم أعظم الأمنية، وقد كان ذلك كذلك.
وأما السلاطين الجورة، فهم الذين تغلبوا على الناس، لا يراعون شرعا ولا يدعون إليه، ولا يعملون به، وعطلوا الزكاة والصدقات والعشور والخراجات، ولا يهتمون بالأقضية والحكومات ولا بإقامة الحدود والقصاصات، وشرعوا لأنفسهم طرقا في إقامة ملكهم، خلاف طرائق الشرائع، وشيدوا القصور، وبنوا الدور، وحصنوها بالحرس والأعوان، ويغيرون على البلدان، واستعملوا في جميع الموال المغارم والقبالات، واتخذوا الأعوان والكفاة، وأظهروا شرب الخمور ولباس الحرير والمعازف والستور والجور في جميع الأمور.
وتسمية السلاطين الجورة عندنا بالمغرب، كأولاد بلجين بن زيري بن مناد بن مفكوش الصنهاجي، وأولاده المنصور وباديس، وتميم بن المعز بن باديس والمنصور بن بلجين وبني حماد بن بلجين والقائد بن حماد والناصر بن المنصور والعزيز، وملوك بني يفرن كمعاد وزيري وملوك بني مغراوة بسجلماسة بني وانودين مثل مسعود بن وانودين والخير بن محمد والمنتصر ابن خزرون والمعز بن زيري، وملوك سبتة بعدهم وهم بنو حمود وبنو عباد باشبيلية وبنو حبوس بغرناطة وابن ممادح بالمرية، وبنو هود بسرقسطة، وبنو الأفطس ببطليوس.
وأما بنو العبيد قبل هذا بأرض المغرب فليسوا من الناس، وهم أشبه شيء بالنسناس، وكذلك حالهم بمصر بعد ما صاروا إليها.
وأما المرابطون فهم أهل ديانة أولهم يحيى بن عمر، وأبو بكر بن عمر، ويوسف بن تاشفين، وعلي بن ويوسف، وأخوهم تاشفين بن علي، حتى كشح الله تعالى هؤلاء كلهم بالمهدي وجنوده أهل التوحيد الموحدين رب العاملين فكان آخر العهد بهم، والمشبهة أجمعين أبد الآبدين. والحمد لله رب العالمين. (3/58)
صفحة 293
-----------------
(1) في ط البارونية محمد بن أبي مسلمة والصحيح ما أبتناه كما أفاده صاحب أسد الغابة. (مراجع ط 2).
(2) ما سيرد لاحقا من كلام فهو احتجاج معاوية على علي. لا أرى المؤلف رحمه الله في معاوية وعلي، ويستمر كلامه طويلا إلى حوالي الأربع صفحات. (مراجع الطبعة الثانية).
(3) الغفق: هو الإرتداد والرجوع. (مراجع الطبعة الثانية).
ونزل معاوية بالمغرب ونزل علي بالمشرق، وأشارت الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه: أن نولد محمد عليه السلام بمكة وقبره بيثرب وملكه بالشام، وأن عليا أهون ملك محمد (صلى الله عليه وسلم) بالعراق.
(4) أي ظهرت. (مراجع الطبعة الثانية).
(5) عبيد قن: العبيد الذين ولدوا من آباء وأمهات عبيد. (مراجع الطبعة الثانية).
باب في العلم الثاني
والعلم الثاني في ذكر العلة التي أوجبوا بها أحكام المخالفين من أهل الديانات، خلافا لأحكام فسقة أهل الإسلام وتشبههم بأحكامهم أحكام المشركين.
وذلك أن الله تعالى حكم في المشركين في أول مرة، إذ أبصروا الإسلام وآمنوا ووحدوا إلههم أن عفا عنهم وغفر لهم جميع ما مضى لهم قال الله تعالى: (قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين).
وقال: (وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين).
وقيل عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «التوحيد جب لما قبله». ثم إن هذه المغفرة وقعت من الله – عز وجل – للمشركين عامة إذا أسلموا، فذهبت أنفاس علماء الأمة إلى تعميمها في كل شيء لما علموا من رأفة الرب الرحيم الكريم سبحانه، واستصلاح عباده بالدعاء لهم إلى التي هي أقرب، والترغيب في الشروع في الإسلام والتسهيل عليهم في دخوله، فلو كلفهم استصلاح الماضي لشق ذلك عليهم فغفر لهم الذنوب السالفة والسيئات الماضية، فهي إحدى المغافر.
ثم الثانية: أن عافاهم من استملاح (1) ما مضى فلم يكلفهم رد المظالم ولا أوجب عليهم المغارم.
ثم الثالثة: أن هنأهم وسوغ لهم جميع ما في أيديهم من الأموال والديار والدمن والعقار، والاستحوال والاستخمار، كسبا كان أو نصبا، ذاهبة أو قائمة، حلالا وحراما، على أي وجه من الوجوه كانت، مغصوبة كانت للمسلمين أو مكسوبة لغيرهم أو لهم، فجميع ذلك معفو عنهم فيها مهنوء لهم.
ودليل ذلك حديث الأخنس بن شريق الثقفي مع ابن ظبيان بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، (3/59)
صفحة 294
وذلك أن ابن ظبيان المرادي ذكر أن أرض الطائف أرض كانت لمراد، فأعقبتها ثقيف. فقال: (أردد علينا بلادنا يا رسول الله).
فقال الخنس بن شريق الثقفي: (إنه حاف سروات الطائف، أرض كان لنبي مهلا بيل بن قيان غرسوا واديه، وذللوا أحساءه، وأكلوا أثماره، حتى جاء الله بالطوفان، فأهلك من على الأرض، ثم نزلتها عاد حتى أتاها الله بالعذاب الأليم، فأهلكها بالريح العقيم، فتحامتها العرب، ثم أن مرادا نزلتها فأتاح الله لها ثقيفا، فقابلتها بسلاحها، وفتحتها برماحها، ففي أرضنا يا رسول الله).
فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إنما قيل للجاهلية لجهالة أهلها وضعف علمها، فمن أسلم على شيء وهو في يده فهو له».
وحديث معاذ بن جبل: (من استخمر (2) قوما ولهم إخوان أو جيران مستضعفون فأما قصر الملك في بيته فهم عبيد قن، وما وراء ذلك فهم عبيد مملكة لا عبيد قن) وحديث ذي كلاع مع همدان عند عمر بن الخطاب، طلب أن يسترقهم، فوقفهم لهم عمر بن الخطاب، وهم أربعة آلاف، فلما رأى عمر توقف فيهم، أشرف عليه من سطح فقال: (إني أعتقتهم لله – عز وجل -). فأمضى ذلك عمر بن الخطاب.
وفي حديث الأشعث بن قيس مع أهل نجران، وكانوا تحت حجر بن عدي ابن امرئ القيس بن حجر وهو خال الأشعث فانتحلهم الأشعث من قبل خاله، حتى هم عمر بن الخطاب أن يدفعهم له ثم قال له: (كدت أن يستغفلني هذا) وخفقة بالدرة في مثل هذه الأمور.
وقول عمر – رضي الله عنه -: (ولسنا بنازعين شيئا من يد أحد إذا أسلم عليه) وقضى في الأولاد بالملة. (3/60)
صفحة 295
وحديث سلمان – رضي الله عنه – حين أمره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يستكتب وهو على دين، فباعه المشركون لليهود، فأمره عليه السلام أن يستكتب فاستكتب.
وأعظم من ذلك حكم رسول الله عليه السلام في دور مكة ورباعها، وقد دخلها على أهل مكة عنوة فهي لهم، فسوغ لهم جميع ما في أيديهم من كسب أو غصب.
وأعظم من ذلك دور المهاجرين الذي أسلموا وهاجروا، فتركوا دورهم، فخالف عليها المشركون من بعدهم واغتصبوها، فهنأها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لهم، ولم يرد على أحد من المهاجرين داره، ولا انتزعها من أيدي المشركين.
وأعظم من هذه كله دور رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اغتصبها عقيل بن أبي طالب، واغتصب المولد ودور بني عبد المطلب وباعها من المشركين، وصارت دار خديجة زوج النبي عليه السلام إلى أبي سفيان بن حرب، التي فيها مولد فاطمة بنت رسول الله عليه السلام، فردها إلى داره.
واغتصب أيضا أبو سفيان دار أبي أحمد بن جحش، فاستعدى عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلم يعده، فقال: (يا رسول الله، دار أبي اغتصبها أبو سفيان) فأعرض عنه، ثم ناداه رسول الله مناجاة ومضى وتركه، وقال يعرض بأبي سفيان: (شعر)
وابتيعت تلك الدار بعد ذلك، في علاء دور مكة بمائة ألف دينار، اشتراها أبان بن عثمان في دور كثيرة على هذا النعت. (3/61)
صفحة 296
وقال أسامة بن زيد لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكان رحل رسول الله عليه السلام بيده: (أين ننزل غدا يا رسول الله في يوم الفتح) فقال عليه السلام: «وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ انزل بالأبطح».
وانتهى الأمر بدار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى محمد بن يوسف أخي الحجاج ابن يوسف، ثم انتهى في أيام بني العباس إلى بعضهم، فجعله مسجدا.
ومن العجب أنه تركها على مناكحاتهم ومناسباتهم، ولم يغير عليهم شيئا من ذلك.
وقد اختصم في عمرو بن العاص خمسة أنفس فقالت النابغة: (إنه أتاني خلق كثير ليس لهم فيه شيء، ولكن هذه الخمسة كل قد أتاني فلا أدري لأيهم هو، فاستقسموا بالأزلام عند هبل، فطار السهم للعاص بن وائل السهمي، فانتسبه إليه إلى الأبد، ووقعت المناسبة والموارثة والمعاقلة والولاية على هذا النسق) والله ولي التوفيق.
-----------------
(1) أي: إصلاحه وإحسانه (مراجع الطبعة الثانية).
(2) استخمر: استبعد (مراجع الطبعة الثانية).
ذكر أحكام المشركين والمخالفين والملوك وخزائنهم
فصل (1)
فإذا ذكرنا أحكام المشركين، ومقتضى الحكم فيهم إذ هم أسلموا، فلنذكر أحكام أهل الخلاف وأهل الديانات، والحكم فيهم، وهم على ثلاثة أصناف:
أولها: الملوك. والثاني: الولاة. والثالث: العامة.
أما الملوك وأحكامهم، فقد سماهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ملوكا. وقال: «الخلافة بعدي ثلاثون عاما، ثم تتحول ملكا بزبزيا» (2)
واعلم أن من ادعى الملك، وتسلط على العباد، وانتحل اسم الشريعة، وحارب عليها، وقاتل وناصب، عمل بمقتضى معتقده في دينه، كعلي ومعاوية ومن دونهما والحجاج بن يوسف والأزارقة والصفرية، وهم بمثابة أهل الدار ويوم الجمل وصفين والنهروان. (3/62)
صفحة 297
فمن تاب من سوء ما هو عليه، ورجع وأبصر الإسلام وأهله وتبرأ من الخلاف وأهله، من قبل أن يقدر عليه المسلمون وهو في منعته حتى تاب، أنه معفو عنه كل ما جنى وأجرى من سفك الدماء وأخذ الأموال واستباحة الفروج، كل ما أتى من ذلك مهدور عنه، وصار كأحد من المسلمين ليس فيه جنى على النفوس من قود، ولا على الأموال من مواداة.
وحرام على من يطلبه بمال أو نفس أو غير ذلك وأعدناه فيمن جاوز إليه فيما ذكرنا.
وحكمنا في علي إذا أبصر الإسلام أن يهدر عنه جميع ما فعل في أهل النهروان، سواء باشر القتل أو أمر أو منع الجاني.
وأما من فعل بأمره، وقاتل من أهل جنوده فقتل وفعل ما أمره به علي من ذلك، فمهدور عنهم جميع ما اجترحوا من ذلك، سواء عليهم رجعوا إلى الإسلام، أو تمادوا على اعتقاد مذهبهم، بشرط ألا يخرجوا من حكم علي.
فإن خرجوا من حكم علي، رجعوا كما كانوا أول مرة، يحل قتلهم إذا قدر عليهم، وجرى الحكم بذلك عليهم، وهو حدهم، ولا سبيل عليهم في تودية مال، وإن أغنوا لأهل الحق ولم يفارقوا مذهبهم واعتقادهم وخلافهم، بلا قود ولا تودية، لأنهم فعلوا بأمر سلطان شارع، وفعلوا بدين خلافا لمن فعل بشهوة.
وكذلك حكم معاوية وعمرو بن العاص إذا تابوا ورجعوا إلى أهل الحق، هدر عنهم جميع ما أصابوا من نفس أو مال في تلك الحروب وتلك الفتن وما عملوا بغير مقتضى دينهم.
فإذا كان قائم العين فهو مردود إلى أهله، وأما إذا لم يكن قائم العين، فالله أعلم، (3/63)
صفحة 298
وأما ما تصرف فيه فهو مهدور، وتصرفه أن يجري فيه المواريث والأحكام والبيوع والانتقال عن يد آخذه أول مرة إلى غيرهم، في كل شيء إلا الأحرار، فالعلة فيهم قاصرة، سواء كانوا بدين أو شهوة، إن قدرنا على الأحرار أطلقناهم، وجرينا الأثمان من بيت مال المسلمين، إن لم يكن للجاني مال أو فقدوا.
وأما الحكم في خزائن الملوك وبيوت أموالهم، فإن الحكم فيها كبيوت أموال المسلمين، إلا أن يكون شيئا معروفا لم يسلكوا فيه سبيل الخلفاء الراشدين، ولا سبيل مذهبهم هم، فإنما هو غصب ومظلمة، فهو مردود على أهله إلا أن يكون ذاهب العين ومضى لسبيله.
ومن داين بيت المال مال المسلمين، في أيام الملوك الظلمة، فبطلوه أو منعوه، أو حيل بينهم وبينه، فله ماله من بيت مال المسلمين على أحد، وما كان لأحد من عدة في بيت مال المسلمين، فلأمير المسلمين الوفاء بذلك، إن رآه مصلحة له ممن يستحق ذلك، وإلا فالخيار له.
وكل صلح بين هؤلاء الملوك وبين عدوهم من الروم وغيرهم، فهم على صلحهم ألا إن يخافوا منهم خيانة، فلينبذ إليهم على سواء.
وكل حق للموك على الولاة، فراغوهم بها حتى زال سلطان الملوك، فإن لأمير المؤمنين في ذلك إمضاء الحكم فيه على وجهه. وإن عطل الذمة ما عليهم من الخراج ومن الجزية سنين عدة، فإنا نأخذهم بذلك، إلا إن سوغت لهم الملوك ذلك، وإن غاب أهل الذمة في بلاد بعيدة غير بلادنا، فأتوا علينا، فإنا لا نأخذهم بشيء من الجزاء، إلا إذا مكثوا في بلادنا سنة كاملة، سواء تلك البلاد التي جاءوا منها بلاد شرك أو بلاد إسلام، إن أطاع لهم أهل تلك البلاد بها وإلا أخذنا الجزاء عدة تلك السنين ما خلا بلاد الشرك. (3/64)
صفحة 299
ولا نعشر أموالهم إلا لعام واحد، فإن أدعوا أنهم أعطوا العشر أو الجزية لبعض أهل تلك البلاد التي جاءوا منا أو لأهل الخلاف ولهم على ذلك براءات، فإنا نحط عنهم تلك الجزية أو الخراج، ونعشرهم لعامنا الذي جازوا فيه علينا، وما أحدثوه أيام الملوك من الكنائس والبيع بالرشا هدمناه، وإن كان على إذن تركناه، أو عن ظلم أزحناه.
وإن هم أهل الذمة بالإسلام وأرادوه، ومنعهم منه الملوك، وصابروا إلى أيامنا، فليس علينا منهم شيء، إن أسلموا فبسبيل ذلك، وإن تمادوا على ما هم عليه، فليس علينا منهم شيء.
وذلك أنهم في أيام الحجاج بن يوسف، جارت عليهم الولاة، فأسلم بعضهم، فمنعوهم من الإسلام لئلا يضيع بيت مال المسلمين، وإن أسلم أهل الذمة، انتزعنا منهم الفيء ورددناه على جيرانهم، وحططنا عنهم الجزية والخراج.
وإن كانت بلادهم بلاد صلح لا بلاد فيء، فمن أسلم فله إسلامه وماله وعليه فيه الصلح والعشر، إلا أن أراد أن يسلمها لإخوته، ومن اشتراها من المسلمين كان عليه مثل ذلك، ولا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه، وذكر أن جل أموال الليث بن سعد من ذلك.
وإن بنوا الكنائس والبيع بأمر الملوك وظهرنا عليهم تركناهم وإياها وأما إن كان على يد السلطان منعناهم منها.
وإن اصطفت الملوك الغنائم في أيامها، وعطلوا فيها السهام، وردوها إلى بيت مال المسلمين، تركناهم وفعلهم، وإن كانت قائمة لم يقضوا فيها بأمر أجريناها على السهام. (3/65)
صفحة 300
وإن عاقبوا بالأموال جميع من عمل المعاصي، أو خالف أمرهم، أو فيؤه وانتزعوا منه الديار والعقار والدمن والأموال، وهي قائمة بأعيانها في بيت مال أو في يد من أعطوها له، وليس علينا إصلاح شيء من هذا، ولا النظر فيه، تصرف أو لم يتصرف.
وإن كان بينهم نقض عهد، أو عذر، أو مظالم بينهم وبين أهل الذمة والمحاربين، فإنا نصلح من ذلك ما أفسدوا، ونحل عقد ما اجترموا، سواء كان النقص أو العذر من أهل الإسلام، أو من أهل الذمة والمحاربين.
فمن امتنع أجرينا عليه حكم الإسلام وأهله، ومن امتنع قاتلناه وحاربناه.
-----------------
(1) كلمة فصل غير موجودة في الطبعة البارونية أضفتها إتماما للفائدة. (مراجع ط 2).
(2) أي مأخوذ بالغلبة والقهر (مراجع الطبعة الثانية). (3/66)
صفحة 301
باب فيما ينبغي لأمير المؤمنين أن يفعله في أهل الخلاف
والذي ينبغي لأمير المؤمنين أن يستعمله بينه وبين أهل الخلاف، أن يدعوهم إلى ترك ما به ضلوا، فإن أجابوا اهتدوا، وصاروا إخواننا، ولهم ما لنا وعليهم ما علينا، ونصير وإياهم شرعا واحدا كما تقدم كما قال أبو حمزة المختار بن عوف، وقد خطب أهل المدينة فقال: أيها الناس نحن من الناس والناس منا، إلا عابد وثن وملكا جبارا، وصاحب بدعة يدعو الناس إليها).
وإن امتنعوا من ذلك دعوناهم إلى أن نجري عليهم حكم الله تعالى، من دفع الحقوق والخضوع لواجب الأحكام.
فإن أطاعوا بذلك تركناهم على ما هم عليه، ووجب لهم من الحقوق والأحكام ما يجب لنا وعلينا، إلا ما كان من الاستغفار فلا حق لهم فيه، ما داموا متمادين على ما به ضلوا، ووسعنا وإياهم العدل، ولهم حقوقهم من الفيء والغنائم والصدقات على وجوهها، ولهم علينا دفع الظلم عنهم كما يجب لسائر المسلمين، والعدل في الأحكام، والدفاع عنهم.
وإن غزوا معنا، فلهم سهماهم كما لنا، وإن امتنع منهم مما وجب عليه من الحقوق أدبناه بقمعه ويرده إلى سواء السبيل، وإن جاوز ذلك سفكنا دمه، واستحللنا قتاله.
وإن اعترفوا بطاعتنا، وانفردوا ببلادهم، وأجروا فيها أحكامهم تركناهم، وذلك ما لم يكن ردا على آية محكمة أو سنة قائمة، ونستقضي عليهم منهم من يقوم بواجب الحقوق عليهم ولهم، ونقبل قوله في ذلك على أسلوب القضاة كلهم، إذا كانوا ممن تقود لهم دياناتهم، ولم يمنعنا من ولايتهم إلا ما هم عليه، ونأخذ منهم كل ما يجب من الحقوق، ونردها في فقرائهم وذوي الحاجة منهم. (3/67)
صفحة 302
وإن اتهمناهم في شيء أعذرنا إليهم وننبذ إليهم على سواء، ولا نتركهم يظهرون منكرا بين أيدينا إذا كان عندهم منكرا في ديانتهم، ونمنعهم أن يحدثوا في أيامنا ما لم يكن، إلا أن يكون أمرا لا مكروه تحته، فلنا الخيار.
وإن حاربناهم في هذا كله وهزمناهم، فإنا لا نتبع مدبرا، ولا نجهز على جريح، وأموالهم مردودة عليهم إلا ما كان لبيت المال فإنا نجوزه على وجهه، ولا نتورع عن جميع ما في أيديهم من المظالم عندنا، إذا كان جائزا في مذهبهم.
وما كان في أيديهم من مال بيت للمسلمين، فإنا نأخذه ولا نرده إليهم ونصرفه في وجوهه.
وإن كان مظلمة رددناها إلى أهلها، ولا نستعمل معهم في ذلك طريقة الزهاد، مثل ما فعل أبو منصور في ولد أحمد بن طولون، حين هرب لأبيه من مصر بستين جملا محملة ذهبا من بيت مال مصر، فنزل إليه أبو منصور من الجبل بعسكره، والتقى معه جون بقة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ففتح الله لأبي منصور إليه، فولوا منهزمين، فقتلهم المسلمون شر قتلة، وحازوا الأموال، فتورعوا عنها وسيبوها لأهل مدينة طرابلس، فتوزعوها وانتهبوها مصيبة يالها من مصيبة!.
وإن قدرنا عليهم، قتلنا منهم كل من قتل أحدا منا بعينه، ولا نستعمل فيهم حكم المحاربين، ونقتل منهم الولاة والرؤساء، ونترك العامة بسبيلهم، ونسرح سبيل الأسرى، ولا نتبع المنهزمين، ولا نعترض من العامة أحدا إلا من طعن في الدين، أو قتل من المسلمين أو دل عليهم، فهؤلاء يقتلون إذا قدرنا عليهم ولو تابوا، إلا من تاب قبل أن نقدر عليه، ونصلي على قتلاهم وندفنهم.
ونجري المواريث بيننا وبينهم على وجوهها، والعدد والأموال والحرمات (3/68)
صفحة 303
على وجوهها، ولنا الدرجات إن شاء الله، ولهم الدركات.
في أحكام الأمراء والقضاة والأعوان
وأما الأمراء والولاة الذين هم تحت الملك الأعظم، إن اقتطع لهم الملك شيئا من أراضي الفيء، فإن لهم أن يأخذوه وينتفعوا به، ولو حاباهم بذلك دون نظرائهم أو دون أهل الصلاح، فإن ذلك لهم قطيعة أو استغلالا.
كما فعل عثمان بمروان بن الحكم بذي خشب، وبما حاباه في أمر الخمس الذي باع له بخمسمائة ألف دينار شراء محاباة، وهو خمس مال أفريقية، يسوى ستمائة ألف دينار، فبان به وحازه، فقد طاب لمروان وأساء فيه عثمان السيرة.
وإن رجع إلينا مروان تائبا أو غير تائب ولو تاب عثمان ولم يتب مروان لكان لمروان، وهذا في الأموال، وأما عيون أراضي الفيء فلعثمان الرجوع فيه، تائبا أو غير تائب، كما جرى لعمر بن عبد العزيز وذلك أنه نظر إلى ما صار إلى بني أمية من أموال الفيء، فرده أموالا جليلة، فأتى بالأسفاط التي فيها وثائق الأموال فنادى: الصلاة جماعة. فاجتمع الناس فخطبهم وقال: (أيها الناس، إني نظرت إلى ما في أيدينا من أموال الفيء، فرأيته يناهز ثلث الفيء أو نصفه)، ثم يفتح السفط ويأخذ منه الوثيقة، ويدفعها لولده عبد الملك، وعبد الملك على رأس المنبر فيقول: (اقرأ يا بني) فيقرأ فيقول: (هذا ما دفع أمير المؤمنين عثمان بن عفان لمروان من مال الفيء أقطعه إياه قطيعة). فيقول: (يا بني ما تقول أنت؟). فيقول عبد الملك: (إن الله أقطعه المسلمين قبله)، فيقول عمر: (مزق يا بني)، فيمزق عبد الملك الوثيقة، ويتتبع جميع مكاسب مروان وعبد العزيز أبيه، من لدن الخلفاء، فيقول: (مزق يا بني). فمزقها حتى أتى على آخرها.
ثم أن عمر قال لحاجبه يوما واحدا: (لا يدخلن علي أحد إلا أموي) لا يأذن لغيرهم، ولا يستأذن لغيرهم، فلما اجتمعوا قال لهم عمر بن العزيز: (إني (3/69)
صفحة 304
نظرت إلى ما في أيديكم من مال الفيء، فوجدته يزيد على الثلث أو على النصف، فالآن انخلعوا عما في أيديكم من مال الله)، فسكتوا ولم يحيروا جوابا، وقال لهم ثانية فسكتوا، وقال لهم ثالثة فأجابه العباس بن عبد الملك ابن مروان، وكان أسن القوم فقال: (إن هذه الأموال جعلتها الخفاء لأجدادنا وآبائنا لسنا ننضه، أنفقر أبناءنا ونكفر آباءنا؟ لسنا بفاعلي ذلك، ما دامت هذه – وإشارة برأسه – على كواهلنا).
فسكت عمر هنيهة ثم قال: (وأيم الله لولا أن تستعينوا بمن أطلب له حقه من هذا المال علي فتقاتلونني بهم ما فرجتهم منها أو تتركوه) وقال لهم: (انصرفوا) فانصرفوا.
فكان من رأي عمر استرداد ذلك كله.
ولأمير المؤمنين فيه الخيار إذا دخلوا في الإسلام كرها، وأما إن دخلوه طوعا فلا.
وإن اكتسب الوالي من عطاياه الأموال والرباع والمنازل والقصور، ثم أبصر، فرجع إلى دين المسلمين فهو له خالصا ولو لم يرجع على مذهب المسلمين، وكذلك ما يصيبه من عطاياه.
وأما إن أمره الملك بالمصانع من الرباع والديار والحمامات والقناطر والأجنة والمحارث والشجار، وامتثل ذلك كله وأخذه وتملكه، إلى أن زال سلطان الملك الأعظم، أو زالت ولايته هو، فإن ذلك كله مردود في بين مال المسلمين، إلا أن يهبه له أمير المؤمنين بديا المرجوع إليه المر الآن، وجميع ما يحدث في الفيء فهو فيء، إلا أن اقتطعه لأحد، فله ما اشتغل، ومرجوع الفيء إلى الفيء.
وكذلك حكم القضاة وما استغلوه على هذا النعت، والفيء ما دام وقفا لم يدفعوه لأحد فلجميع المسلمين أن يأكلوا منه بأفواههم، ولا يتخذوا منه خبية ولا تبانا ولا حال.
وإن دفعوا أرض الفيء لغيرهم اقتطاعا، فله التصرف فيه والاستئثار به (3/70)
صفحة 305
ما لم يزل سلطانهم، ولو زال سلطانهم، ما لم ينزعه السلطان الثاني من يده فإذا نزعه صار ذلك المملوك فيئا كأول مرة.
وما أحدث الولاة والقضاة من المصانع والهياكل والمرافق والحصون والسجون والميادين والأسواق لما يصلح للولاة والقضاة والحرس والأعوان والفيوج (1)، وهذه الموال كلها من نفس بيوت المال اصطنعته، أو من نفس عطايا من ذكرنا ليس له فيه مرتجع، فهو باق على حال المعنى الذي عقل له.
وإن أخذ هؤلاء المذكورون عطاياهم أول العطاء، فعزلوا بعد ذلك فهي لهم، وأما إن أخذوها قبل مجيء العطايا فلأمير المؤمنين استرداده.
وإن اكتتب في وجوه كثيرة فليأخذ بتلك الوجوه كلها، وإن اكتتب في غزوة وتخلف عنها بعدما أخذ عطاياه فإن لأمير المؤمنين معاقبته، ولا يسترد منه العطاء، ولا يعاقبه بحرمان العطاء، صنيع عثمان بن عفان، فالعطاء من الله – عز وجل – والعمل من العبد فإن جاز العمل مضى العطاء، وفي المقبل فاصل.
وأما العطايا الدارة فهي لصاحبها، عمل أو لم يعمل، ولعقبه من بعده، وإن لم يكن له عقب فلمن يوصي له من بعده، وإن عف عن عطاياه، فليس على أمير المؤمنين منه شيء.
-----------------
(1) سبق تعريفها. (مراجع الطبعة الثانية).
في المحاربين وما يتصل بهم من أهل الفتن
وللمحاربين أحكام مذكورة في كتاب الله – عز وجل – وهو قوله: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
اختلف العلماء في ظاهر هذه الآية وباطنها فمن قائل: إنها على ظاهرها. فمن وقع عليه اسم الحرابة، الإمام مخير في جميع ما ذكرنا من هذه المعاني التي نص الله عليها، من القتل والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف والنفي. (3/71)
صفحة 306
وبعض يقول: إن الآية مرتبطة بلحن الخطاب وقوله: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا) إذا قتلوا أحدا من بني آدم، كائنا من كان، فيقتلون به جميعا، أو يصلبون إذا قتلوا وهم مشركون، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا لم يقاتلوا النفوس لكن أخذوا الأموال، أو ينفوا من الأرض.
واختلفوا فيه على قولين: قال بعضهم: النفي أن يطلبوا حتى لا يأمنوا على أنفسهم في شيء من بلدان المسلمين.
وقال بعضهم: والنفي أن يسجنوا أو ينفوا من على وجه الأرض حتى يؤمن فسادهم.
واختلفوا أيضا في الحكم: هل موقوف على الإمام أو سائغ للمسلمين جميعا إنفاذه في كل زمان؟
قال بعضهم: هو إلى الإمام ولا ينفذه غيره كسائر الحدود.
وقال بعضهم: إن حكم الله جائز لمن قدر على إنفاذه من جميع المسلمين.
وقال بعضهم: أما القتل فجائز في الظهور والكتمان، وأما ما سوى ذلك فلا يجوز إلا للإمام.
واعلم أن المحارب كل من أخاف السبيل وأعلن بالفساد في الأرض، وأشار القرآن إلى بعض أوصافه قال الله – عز وجل -: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلو من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) فأثبت الإرجاف أنه من موجبات القتل وكذلك ظهور خصال النفاق.
وإن أظهر قوم إخافة السبيل والإرجاف، أعذرنا إليهم، وإلا أجرينا عليهم حكم الله – عز وجل -. (3/72)
صفحة 307
وقد رويت أحاديث دالة على أن بعض الأفعال أن دم مرتكبها حلال، وقد روي في تارك الصلاة ثلاثا يقتل بعد الإعذار والإنذار، وروي أيضا في شارب الخمر بعد الإعذار والإنذار ثلاثا يقتل.
ومما يوضح ذلك ويبينه قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لقد هممت أن أقدم رجلا من أصحابي يصلي بهم صلاة العشاء، فأتخلف إلى قوم لا يحضرون العشاء، وأحرق عليهم بيوتهم».
ولقد رأى عمر بن الخطاب رجلا يسيء الصلاة فقال: (والله لا نتركك أن تظهر النفاق بين أظهرنا) فمن أظهر النفاق وخصاله بين أظهرنا، وأخاف السبيل، وأشهر السلاح، وأعلن الفساد، لكنهم لم يقتلوا نفسا ولم يأخذوا مالا فإنا نضبهم السجون، ونبسط إليهم الأيدي بالضرب والألسن بالمكروه ونؤدبهم بالتعزير والنكال.
فإن قطعوا الطريق ولم يصيبوا الأموال، فإن قدرنا عليهم قطعنا أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولو أكلوا من الأموال دون النصاب الذي قطع به يد السارق، فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى من خلاف.
وأما إن قتلوا الأنفس ولو نفسا واحدة حرا كان أو عبدا، مؤمنا كان أو ذميا، أتينا على آخرهم بالقتل وقتلناهم أجمعين، ولو لم يقتل منهم إلا واحد، قتلنا من قتل ومن لم يقتل، وهذا إذا قدرنا عليهم قبل أن يتوبوا، فإن تابوا قبل أن نقدر عليهم أسقطنا عنهم حد الحرابة، وأخذنا الجاني فيما جنى، وقتلنا القاتل وحده فيما فعل إذا كان ممن يقتل به، ولا نقتل غيره، ويؤدي المال من أخذه دون من لم يأخذه.
وأما إن وقعت المحاربة بيننا وبينهم، ولم يذعنوا لحق الله تعالى فيهم، حتى قتلوا منا رجالا، وقتلنا منهم رجالا، وأكلوا الأموال وأفسدوها، (3/73)
صفحة 308
فإن قدرنا عليهم قبل أن يتوبوا، أجرينا عليهم حد الحرابة، وقتلناهم عن آخرهم، وإن لم نقدر عليهم لكنهم جاءوا تائبين، بعد ما قتلوا منا وأكلوا الأموال، أسقطنا عنهم حد الحرابة، وأخذناهم بما فعلوا خصوصا، وقتلنا القاتل فيمن قتل إذا كان ممن قتل به، واسترددنا الأموال من آخذيها وآكليها، وهدرنا عنهم جميع ما أصابوا منا في محاربتهم، لأنا وإياهم في حال المتدينين، لا نأخذ الحق ممن لا ندفع له الحق، ويهدر عنهم جميع ما أصابوا منا في محاربتهم، إلا قائم العين من الأموال، فإنه مردود إلى أهله.
فإن وقعت المهادنة بيننا وبينهم، أجريناها على وجوهها، فمن نقض كان ملوما، ومن تعرض كان مليما. (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) ولا نستحل عذرهم، ولا نقض عهدهم، ولا خيانتهم، ولا جميع ما خالفوه، ممن ليس بيننا وبينهم محاربة، أو كانت بيننا وبينهم مواثيق وعهود. فكمثل الفتن التي تقع بين أهل التوحيد.
والفتن ثلاثة أوجه: الأولى: الفتنة التي تقع بين أهل التوحيد بينهم البين. والثانية: فتنة تقع بينهم وبين المخالفين. والثالثة: هذه الفتنة المعهودة التي تقع بيننا وبين العرب و الأعراب.
والأولى: وهي الفتنة بين أهل الدعوة، وليس فيها استحلال دم ولا مال، وحركاتهم فيها حرام والقاتل والمقتول في النار، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار». قيل: (يا رسول الله القاتل فما بال المقتول؟) قال: «لأن كل واحد منهما أراد أن يقتل صاحبه». وقد قال الله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) فهذه بعض فروعها: فكل من قتل فيها من يقتل به فهو به مقتول، وتأدية الأموال كذلك، ولا يتعدى القتل فيها كالمحاربين ولا المال.
ومهما وقعت المهادنة بينهم فهم على تلك المهادنة، وهم على ما هم عليه (3/74)
صفحة 309
من أول مرة غير أن الهدنة منعتهم أن يحدثوا حدثا ما غير ما كان، ولا أن يبسطوا أيديهم إلى ما كان، وليس فيهم محق دون مبطل بل هم المبطلان جميعا، إلا أن يتنصل أحدهما من الفتنة الأولى فيكونوا محقين أن بغي عليهم، وإن بغوا هم رجعوا أصحاب فتنة كأول مرة.
ومن شرط توبتهم أن يتركوا وجوه الفساد الذي استخدموه، ويكفوا مظالمهم عمن لا يحاربهم، وينصفوا من أنفسهم إن كان فيهم حق للغير.
وإن كانوا أهل ناحية فبغى أهل الناحية بعضهم على بعض من غير أسباب الفتنة، فالمبغي عليه بحق ما لم يستعمل فنون الفساد كعادتهم.
وإن اتفقوا عند صلحهم أن يهدروا جميع من أصيب منهم من الأنفس والأموال، فلا ينهدر.
وقيل: ينهدر إذا كان برأي من ينظر إليه على أيدي المسلمين.
وإن كانت لهم سلاطين وملوك، يرجع رأيها إلى تلك الملوك وتلك السلاطين، فأنهم المأخوذون بجميع ما في تلك الفتنة.
وإن قدر المسلمون عليهم من غير أن يأتوا تائبين، والحكم فيهم أن تقتل تلك السلاطين وجميع جنودها، وتعفى العامة ومن أجبروه على الدخول معهم في قتلهم.
وإن وقعت المحاشدة بينهم، فهل للمسلمين الذين لم يدخلوا في تلك الفتنة الذب عن الحريم وعن الضعيف واليتيم أم لا؟ فالله يعلم المفسد من المصلح. وللشيخ أبي خزر – رحمه الله -: تأثم، وفيه أسوة، والهروب من الفتنة أحق.
وقد قيل: إنه ما كانت فتنة قط في بلد من البلدان، إلا شملت العامة، ولو كان نبي من الأنبياء إلا ناله نصيبه منها حتى تنجلي. (3/75)
صفحة 310
وقد قيل عن شريح القاضي: إذا كانت الفتنة أمسك لسانه فلا يكلم أحدا حتى تنجلي.
في الفتنة التي تقع بيننا وبين المخالفين
اعلم أن الفتنة التي تقع بين أهل الدعوة والمخالفين هي على وجهين، إذا كان أصلها الظلم من أهل الدعوة بدءا، فهي مثل التي تكون بين أهل الدعوة بينهم البين.
وإن كان أصلها الظلم من المخالفين، فهذه دون الأولى، فإذا وقعت الضرورة فيسع المسلمين أن يذبوا ويدفعوا عن المظلومين، وأن يظهروا البينونة بينهم وبين أهل الدعوة إذا ظهر منهم الفساد مثل ما يظهر من أهل الفتن وينهوهم عن ذلك ما قدروا، أو يبينوا أن ليسوا بأصحابهم فيها.
وإن رجعت من المخالفين ديانة، دفعنا عن أهل دعوتنا ما قدرنا عليه، ولا نساعدهم على فساد الأموال، بل ننهاهم عن ذلك.
في فتنة الأعراب والعرب
وأما الفتنة التي بيننا وبين العرب، اعلم أن جميع الأموال التي بأيديهم الحكم فيها أنها السحت والحرام، وليس علينا من نهبهم ولا أعدائهم ولا استعدائهم شيء.
فإن انتصلوا منها تائبين حكمنا بها للفقراء والمساكين، ولا سببا من الأموال مالا ينسب قبل دخولهم بلاد العرب.
واختلاف العلماء وأيام دخولهم أرض المغرب، ما حكم أموالهم؟ فقال بعضهم: هي سحت وحرام أبدا.
وقال بعضهم: كل ما تنسب إليهم من أرض الحجاز فلا بأس في مبايعتهم فيها، وغير ذلك ريبة مجتنب، وليس على الفقراء تباعة في جميع ما أعطوهم من تلك الأموال المسترابة، لأن الفقير إذا تصدق بها عليه أن يأخذها.
وقال أبو عمران الفاسي: تجنب تلك الأموال إلى عشرين سنة، ثم لا تحذر معاملتهم فيها.
وطريقة العباد والزهاد التحرج عن معاملتهم.
والأصل في العرب القتل لأنهم محاربون إلا التاجر والمتسأمن. (3/76)
صفحة 311
باب في العلم الثالث: ذكر حال المسلمين مع أهل الخلاف ...
ذكر حال المسلمين مع أهل الخلاف وأهل التدين والسلاطين والجورة
اعلم يا أخي أني أريد أن أذكر كيف حال المسلمين مع أهل الخلاف وأهل التدين منهم، ومع السلاطين الجورة الضالين، ومع سائر المشركين.
اعلم يا أخي أن مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين الجورة جائز، وليس كما تقول السنية: إنه لا يحل الخروج عليهم ولا قتالهم، بل التسليم لهم على ظلمهم أولى.
قالوا: وقد اختلفت الأمة في هذه المسألة على ثلاثة أقول:
القولة الأولى: قول أهل الدعوة: إنه جائز الخروج عليهم، وقتالهم ومنصابتهم والامتناع من إجراء أحكامهم علينا، إذا كنا في غير حكمهم، وأما إذا كنا تحت حكمهم، فلا يسعنا الامتناع من كثير من أحكامهم، وإن أردنا الشراء والخروج جاز لنا، فهذه قولة.
والقولة الثانية: قول المخالفين: أنه يجوز الخروج عليهم، ولا قتالهم، ولا الامتناع من أحكامهم، ولا الدفاع عنك لهم.
القولة الثالثة: مذهب الأزارقة والصفرية والنجدات في الاستعراض لسائر الخلق، والملوك وجنودها والرعية وعوامها، لأنهم حكموا على الجميع بالشرك، فاستعرضوا الجميع، وأجروا عليهم حكم الشرك والقتل والسبي والغنيمة.
أما السنية فنقضوا أقوالهم بأفعالهم فقد خرج التوابون في أيام يزيد بن معاوية وهم أربعة آلف، وخرجوا من الكوفة شاهرين السلاح، وهم يريدون الشام على أثر عبيد الله بن زياد، وأخذوا الجزيرة طولا وعرضا، يقتلون ويقتلون، حتى قتلوا عن آخرهم، بعد ما وصولوا أدان الشام: البقاع. فكان آخر العهد بهم، فتسموا التوابين لأنهم زعموا أنهم طلبوا بثأر الحسين بن علي، (3/77)
صفحة 312
وقتل فيه من الفقهاء عدد صالح، وخرجوا مع عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، حين خالف سجستان.
وقامت العامة على الحجاج بن يوسف وخرج فيها الفقهاء زهاء خمسمائة ومنهم الشعبي وسعيد بن جبير. وقال للشعبي: (أخرجت علي يا شعبي) فقال الشعبي: (أيها الأمير إنها فتنة لسنا فيها ببررة أتقياء ولا بفجرة أقوياء) فقال الحجاج: (صدق أطلقوه).
واستجازت الشيعة الخروج عليهم كما استجزناه فخرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب على خالد بن عبد الله القسري، وكان عاملا لهشام بن عبد الملك بن مروان، فاعترضته الروافض وقالوا له: (ما قولك في أبي بكر وعمر؟) فقال لهم: (يا قوم ليس هذا أوان ذلك). فقالوا: (كلا) فقال لهم: (إن أبا بكر وعمر هما اللذان أخرجاني وأقاماني هذا المقام). فرفضوه وخذلوه، فتسموا الرافضة، فانهزم عنه أصحابه، فأخذ أسيرا وضربت رقبته، وخرج بعده ابنه يحيى بن زيد بن علي في أيام يوسف ابن عمر بن حلوان، والرأي له، فهزم وأخذ وقتل وصلب.
وطلحة والزبير هما الذروة لهؤلاء كلهم على نكث الصفقة وقد جرى لي كلام مع الفقيه يحيى بن أبي بكر بن الحسن بن الشيخ يوسف ابن نفاث مناظرة في سجلماسة، في مثل هذا فقال لي: (أول من سن الخروج على السلاطين أبو بلال مرداس بن أدية). قلت له: (إن له في ذلك أسوة حسنة). فقال: (أو حسنة؟) فقلت: (أو سيئة) فقال: (ومن هو؟) قلت: (طلحة والزبير). فقال لي: (إن طلحة والزبير اجتهدا فأخطأ). فقلت له: (ولعل هذا اجتهد فأصاب) فقال لي: (أو أصاب؟) فقلت: (ولعله اجتهد فأخطأ). فقال: (الله يغفر للجميع).
وقولنا هو الصواب إن شاء الله. وذلك أنا نقول: لا يحل لنا أن نستعرض أحدا من الرعايا والمسافرين والتجار والحراثين وغيرهم، إلا الملوك الظلمة الجورة، وندعوهم إلى ترك ما به ضلوا، ولا نعترض من العامة إلا جنودهم، وأنهم وجنودهم بمثابة واحدة، وأجزنا الخروج عليهم، والكون معهم. (3/78)
صفحة 313
فإن خرجنا عليهم قاتلناهم حتى نزل ظلمهم على العباد والبلاد، وإن لم يخرج عليهم ورضينا بالكون معهم وتحتهم فجائز لنا ذلك، ونعيش في كنفهم حراثين فدادين لسوء حال.
كما ذكر في الكتاب فتوحات إفريقية: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لعمه العباس: «ماذا تلقى ذريتي من ذريتك يا عم؟» فقال له العباس: (أفلا أجيب نفسي يا رسول الله؟) قال: «لا، أمر قضي». ثم قال رسول الله عليه السلام: «تعلموا من قريش ولا تعلموها وقدموها ولا تتقدموها وأطيعوهم ما أطاعوا الله، فإذا عصوه فلا طاعة لهم عليكم، ثم خذوا أسيافكم واجعلوها على عواتقكم، واضربوهم بها حتى تبيدوا خضراءهم، وإلا فعيشوا فدادين حراثين، حتى تلقون بسوء حال».
وجوز الخروج والقعود، فمن خرج فواسع، ومن قعد فواسع، وإنما الضيق في مثل هذا عند الخروج، فلا يجوزون القعود لضعيف ولا لقوي، حتى قال قائلهم:
صفحة لم تقرن (3/79)
صفحة 314
باب الغزو معهم والجهاد
اعلم أنه يجوز الغزو معهم والجهاد والقتال والمحاربة لجميع المشركين الذين حل قتالهم، فالناس تحت الظلمة على ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: من باين الظلمة وناصبهم ما قدر عليهم، وهو يأمرهم وينهاهم عن المنكر ويرد عليهم سوء مذهبهم ويناقضهم، فكان معروفا عند الناس في ذلك، فهذا يسوغ له الكون تحتهم والجهاد معهم، ويأخذ سهمه من الغنيمة ويلي لهم على العشر وعلى الغنيمة، ويلي لهم على الفتوى وقسمة الساحات، كجابر بن زيد والحسن البصري وشريح وابن عباس وكثير من الصحابة، ممن ظهرت منهم مناقضتهم ومخالفتهم.
فهؤلاء ليس عليهم بأس أن يلوا من الأموال ما ليس به بأس، بشرط أن يعملوا بأمر الله، ويستعملوا طريقة العدل، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يكونوا بذلك معاونين لأهل الباطل الذين قال فيهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بمدة قلم» كما جرى للحجاج ابن يوسف مع جابر بن زيد.
وذلك أنه كان يكتب إذ أسقط القلم من يده فقال لجابر: (ناولني القلم) فقال له جابر: (قال رسول الله عليه السلام: «لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بمدة قلم»).
فلو أن جابرا سعى في حاجة مسلم كأبي بلال وغيره، فسقط القلم من يد الحجاج في كتابه لناوله جابر القلم والدواة وغير ذلك، بل يرشونه بجعل من وراء ذلك.
وقد قضى شريح على العراق قريبا من سبعين سنة، والعطايا دارة والأموال قارة.
وكذلك عبد الله بن الحكم بن عمرو الغفاري الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «يأتي إمام أهل المشرق غدا يوم القيامة». (3/80)
صفحة 315
وأما من لم يكن له عهد بهذه الأمور ولا الشروع فيها، ولم يكن ممن عرف بمناقضتهم ولا الرد عليهم، فلا ينبغي أن يلي من أمورهم شيئا، إلا أن يكون أمر يعرف الناس صلاحه ولا بأس عليه منه.
وأما أن يسير فيجا أو بريدا في مصالح المسلمين، فإن كان أمرا يعرفه ويعرف صلاحه فلا بأس.
وأما أن راودوه على معصية أو أكرهوه عليها، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وأما أن يلي أمور المساجد والإقامة والتأذين والمحاضر والتذكير والتخويف، فلا بأس عليه في كل هذا.
وأما أن يصير أمينا على الأسواق، أو على المقاسم، أو عونا، أو رأس الأعوان وعريفا لهم، أو من الحرس، أو على الدواوين، دواوين التحقيق، ودواوين الجنود، ودواوين الخراج، وجباية الأموال، والحراسة من عدو يحاربهم ظالما أو مظلوما، فلا في هذا كله.
وأما إن كان لهم أمينا في أمور المعصية كلها، فمن ظهرت منه معصية ما أخبرهم بها، ولا يأمن أن يعاقبوا العاصي بخلاف مقتضيات الشريعة، فلا يكون أمينا ولا يخبرهم به.
وإن كلفوه إقامة الجمعة ليصلي بالناس أو التأذين، أو قيام رمضان أو إمام مسجد ما، فجائز، كما تجوز له الصلاة خلفهم إذا أقاموها.
وأما ما يتعلق بالحدود والقصاص والرجم وغيره، والقطع والجلد، فيرجم معهم المحصن الزاني، ويقطع السارق، ويجلد القاذف، وتضرب رقبة المرتد في أمثالها فلا بأس. (3/81)
صفحة 316
وقد كان عدو الله الحجاج بن يوسف، امتحن عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في ولده سالم، وذلك أن الحجاج أتي برجل، فأمر سالم بن عبد الله ليضرب عنق الرجل. قال: فقام سالم فأخذ السيف، فأتى الرجل فقال له: (هل صليت الغداة الصبح؟) قال الرجل: (نعم). فرجع سالم إلى الحجاج فقال له: (سمعت من أتى هذا: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «إذا صلى العبد المسلم صلاة الصبح فهو في ذمة الله ورسوله» فلا ينبغي لأحد أن يحقر ذمة الله وذمة رسوله) فقال له الحجاج: (ضع السيف). فأمر بالرجل فضربت عنقه.
فقال الحجاج لسالم: (خذ برجل الرجل وأخرجه عني). فأخذ سالم برجل الرجل ثم قال: (لأن آخذ برجلك يا أخي، أحب إلي من أن أضرب عنقك)، فقام إليه أبوه عبد الله فقبل بين عينيه فقال له: (ما سميتك سالما إلا لتسلم).
وإن كلفوه أن يضرب عنق أحد على ما لا يستحق به ضرب الرقبة، والرجل المضروب العنق ممن يحل دمه، ممن طعن في دين المسلمين أو دل عليهم، أو قتل أحدا على الدين، أو علمت منه خصلة يحل بها دمه، فلا تطاوعهم على ما أرادوا من ذلك.
وإن استحلفوه ألا يخونهم ولا يغدر بهم، أو على أن يرجع إليهم إذا أطلقوه، فلا يغدر ولا يخون، وأما الرجوع فالله أعلم.
مسائل بين علي ومعاوية
فإن حشد علي جموعه إلى بلد من بلدان معاوية يريد أن يتملكه، أو يغلب عليه، ودعا إلى الخروج معه، فلا تخرج معه، ولا تعنه على بلد من البلدان مما يلي معاوية أو غيره.
وإن كان الرجل ساكنا في بلد من بلدان معاوية، وهو يأكل من خراجها، فيأخذ العطايا عنها، فإنه يدافع مع معاوية عليا في بلدانه.
وكذلك من سكن مع علي في بلد من بلدان العراق وحشد إليه معاوية، فإنه يقاتل مع علي ليدفع معاوية. (3/82)
صفحة 317
وبالجملة: أن كل بلد من البلدان ممن يأخذ العطايا عليها، فإنه يدافع عنها جميع من أراد ظلمها من جميع الموحدين والمشركين، إلا أهل الحق من المسلمين، فالواجب معاضدتهم، والعون لهم على ما أرادوا، والنصيحة في جميع ما حاولوا.
وإن منع أهل الذمة الجزية أو الخراج، أو واجب الحق عليهم، فأنت مخير في قتالهم مع كل إمام يمنعهم من الظلم، ويحوطهم إلى أمير المؤمنين فواجب.
واعلم أن الأرض التي تأكل خراجها لها عليك حقان: تقاتل عليها من أراد ظلمها، وتدفع عنها.
واعلم أن جميع ما يلزمك من حقوق الله – عز وجل – إن طلبها منك الملوك فواسع لك أن تدفع إليهم كل ما كان ظاهرا، من الحب والتمر والأنعام، وليس لك أن تمنعهم، فإن قدرت أن تصرفه بنفسك فاصرفه.
وأما ما كان باطنا كالذهب والفضة، فلا يجزيك أن تقصدهم بها.
وقال عبد الله بن عمر بن الخطاب: (يجزيك كل ما دفعت إليهم ظاهرا أو باطنا، اضطرارا أو اختيارا).
وقالت المعتزلة: لا يجزي عنك ما دفعت إليهم اضطرارا ولا اختيارا، فلابد أن تعيدها في غيرها. وقال عليه السلام: «أعطوهم حقهم، واسألوا الله حقكم».
وقال عليه السلام: «أطيعوهم ما أقاموا فيكم الخمس». وفي حديث: «ما لم يمنعوكم الخمس».
وقال عمر: (أطع إمامك وإن ضربك أو ظلمك أو حرمك). فكما لك أن تدفع واجب الحق عليك من العشر والصدقات والزكاة والخمس، فكذلك أن تأخذ واجب الحق لك عليهم، وتستسلم لجميع أحكامهم عليك، ما لم تكن بدعة أو خروجا من الملة، ولو كان خلاف مأخوذك في تسخير السلاطين العامة. (3/83)
صفحة 318
واعلم أن السلاطين الجورة، يستخدمون العامة في بنيان القصور والدور والحصون والمنتزهات العظيمة في الخالي والجالي (1) وفي القرى والرساتيق والحمامات والمصانع كلها.
فإذا زال سلطان هؤلاء الظلمة تائبين أو غير تائبين، فهو مشاع بين المسلمين، فإن كان ذلك في الجالي فهو مردود على أهله، وللعامة الانتفاع به من غير ما مضرة أصحاب الجالي.
وإن كانت فيه مضرة صرفت، وأعطى أثمانها للفقراء والمساكين، وصارت لهم وجميع بيوت أموال المسلمين فيء، وسواء في ذلك جاءوا تائبين، أو قاتلناهم فغلبناهم عليها، ليس لهم إلا الانتصال من جميع ما في أيديهم إلى المسلمين، وليسوا كأهل الديانات المسوغ لهم ما في أيديهم.
وأما ما وقع بينهم وبين الناس من المظالم، فإنا نعدي عليهم الناس، وليس علينا منهم شيء، وثبتت لأنسابهم كما كانت، ولو كانت لغير رشدة، مثلما فعلت زناتة أيام ولايتها سجلماسة، مهما تزوج رجل منهم نكاحا صحيحا، فعند ليلة البناء يدخل على أهله، والخلائق حضور، ويكشف عن وجهها ويقول: أنت طالق ثلاثا على رؤوس العالمين، فيفترق الناس، ويبني بأهله ويقول: لا يصح أن يكون الفتى إلا ابن قحبة، يضاهون عمرو بن العاص (2)، ويثبت نسبة على هذا المعنى.
ومن جاء إلينا تائبا، وقد سعى أموالا كثيرة تحت أيديهم، وجاء تائبا، وأبصر الإسلام واستجاب به، فإن المسلمين يأخذون جميع ما في يده ويردونه له على وجه اللقطة، حيث أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالانتفاع بها، فإن جاء مدعيها أداها له.
قيل: إن رجلا يقال له ورتموزي وكان ممن خدم زناتة بسجلماسة، وكان في يده أموال كثيرة، فأتى تائبا راجعا إلى المذهب، فأفتى له المشايخ أن ينتفع بتلك الأموال، أيام حياته وأجرة لمواليه، وهذه الأموال لا تعرف أربابها (3/84)
صفحة 319
فهي للفقراء، من أجل ذلك فتوه أن ينتفع بها ما دام حيا، فإذا مات قسمت الأموال على ورثته على السهام انتفاعا لا تملكا صدقة على أرباب الأموال، وكان عندنا بوارجلان حتى مات، وورث أولاده الأموال، ولم يحرجوا على أحد معاملته.
وقال بعض الفقهاء: إن من كان عنده أموال الناس، غصبا وخيانة أو دينا أو أمانة، فإذا تاب إلى الله – عز وجل -، وليس عنده ما يؤدي منه، أن يعتقد بجميع نفقاته صدقة عليه لأرباب الأموال.
وليس عليه أن ينفقها على أفقر منه، وتخرج هذه الأموال إذا من حسناته، كما أن جميع حسنات ماله تتبعها إذا يوم القيامة عند الفقراء، كما أنه لو أنفق بنفسه وتصدق، وإن لم يكن له حسنات، رجع بها على مولاهم الله.
وإن كانوا مسلمين تحمل الله بها، وعافى المسلمين، والقصاص لابد غدا، فليكثر من الأعمال الصالحات، من ابتلى بأموال الناس، فقد ذكر ضمام ابن السائب عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أن من له عند أحد مظلمة، إنه يأخذ من حسناته يوم القيامة، بمقدار مظلمته، فإن لم تبق له حسنات رجع الطالب إلى الله – عز وجل – بما بقي له على صاحبه، ورجع المطلوب إلى فضل الله ورحمته وتوحيده» وهذا بعد التوبة والانقطاع والندم وفقره إلى مولاها.
وفي قول: «للغير أن يرد الطالب عليه من سيئاته فيدخل النار».
وأما أموال السلاطين فليس على الفقراء منها تباعة إن أعطوهم إياها متصدقين أو مستخدمين.
وأما على وجه المعاملة فلا، لأن ذلك تسويغ لهم سحتهم ورضى عنهم، لكن بالصدقة فنعم.
-----------------
(1) الجالي: المكان الواضح. (مراجع الطبعة الثانية).
(2) قد مر ذكر عمرو بن العاص حول هذا الموضوع. (مراجع الطبعة الثانية).
باب عمارة الأرضين وما يتعلق بذلك (3/85)
صفحة 320
باب عمارة الأرضين
قال الله تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) .. وقال تعالى: (وسخر لكم ما في السموات والأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) وذكر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «من جاز أرضا وعمرها عشرين سنة فهي له».
واختلف العلماء في عمارة الأرضين قال بعضهم: لا يجوز لأحد من الناس أن يسبق إلى أرض فيعمرها إلا بإذن الإمام، ولو كانت فيافيا وقفارا، حتى يأذن له الإمام في ذلك، ومنه قول عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: (لنا عادي الأرض).
ويدل على ذلك قول رسول الله عليه السلام للذي أقطعه ملح مأرب، فأقطعه إياه. فقال رجل: (هو يا رسول الله كالماء العد (1)) فقال عليه السلام: «فلا إذا» فارتجعها، وبينها وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مسيرة شهرين أو أكثر، وقبل أن يبلغ ملك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إياها.
وحديث الدهناء في حديث طويل حين سأل رجل أرض الدهناء، فأعطاها له رسول الله (صلى الله عليه وسلم). فقالت المرأة: (لا صاحبت الرجل، أرض الدهناء مقيد البعير ومربض الشاة، ومن وراء ذلك نساء بني تميم أين تضطر مضرك يا رسول الله إلى البحر؟) فقال عليه السلام: «صدقت المسكينة، المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله، يرعيان الشجر ويردان الماء ويتعاونان على الفتان (2)» فقال الرجل: (أنا إذا مثله وافد عاد يا رسول الله). فقال عليه السلام: «ما حديث وافد عاد؟» فذكر الحديث. منعنا منه الاختصار. فمنع الرجل من أرض الدهناء بقول المرأة، وفعله في المعادن القبلية.
وبعضهم يقول: إن جميع أرض الفيافي والخراب يسوغ لمن يسبق إليها ويعمرها. وإليه يتوجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «من حاز أرضا» ويصدق القولة الأولى فعله عليه السلام في المعادن القبلية حين وهبها لأبيض بن حمال. (3/86)
صفحة 321
فإذا أذن أحد من الملوك التي ذكرنا بعمارة الأرض، فهي لمن عمرها، وإن لم يكن في تلك الأرض أحد من الملوك فهي للملوك التي بالقرب منهم، وربما تقوم جماعة المسلمين مقام الملك إذا كان لهم إمام ولو الكتمان.
فلو اقتطعها من البغدادي فأقطعه إياها، لكان أيام كانت الخطبة عليه في الأرض، وأما إذا كانت القطيعة من المهدي مضت على من أحب ومن كره.
وإن أقطع أمير المؤمنين أرضا لرجل فعطلها، فلأمير المؤمنين أن ينتزعها منه ويقطعها غيره، ولو أعطاها أميرا وملكا كان قبله إلا قطائع رسول الله، وكان عمر يسترد قطائع أبي بكر ممن لم يشتغل بعمارتها ويقطعها غيره.
وإن عمرها بالحدود والحيطان والزروب، فليس في ذلك عمارة، وإن عمرها بالمحارث والأشجار والبنيان، ثم عطلها بعد ذلك، فلأمراء أن يرتجعوها إذا اندرست وخرجت ويدفعونها لمن يعمرها.
وإن كانت أرض فيء فدفعها له الإمام على خرج ما، وزاد فيها وبنى الدور والقصور، وأحدث فيها جميع ما يزين الأرض، أو في قيمتها على ما أعطاها له أول مرة، فإنه يكون في تلك الأرض على الخرج الأول، فإن أراد أمير المؤمنين أن يخرجه منها، فإنه يدفع له قيمة ما زاد فيها وترجع أرض فيء كما كانت.
وأما القرى الصغار التي تكون في قطر المدائن الكبار، إن خلت واندرست من عامرها وممن تنسب إليهم، أخرجهم الجدب أو العدو، أو انتقلوا بأنفسهم إلى ما هو أفضل منها، والأرض معروفة بأسماء أهليها، والجنات والأشجار قائمة والعيون جارية، فهذه لا يؤكل من أشجارها ولا نباتها، إلا بإذن أهلها. (3/87)
صفحة 322
ومذهب ابن عباس: أن كل مالا يحيطون من ذلك من السباع والتافية (3) لا بأس على من يأكله، وإن كانوا بالموضع الذي يخدمونه ويحصدونه، فليس للمارة إلا ما سقط وضاع وتأكله السباع وأما الأصل فلا، وأما إن عطلوها وبعدوا عنها حتى لا يدركوا جذاذها، فهي لمن احتاج إليه ولا يتملكها.
وأما القصور فإنهم يعمرونها على كرههم ومحبتهم إذا عطلوها، وأما المزارع والمحارث فإنها تزرع ولا تحتاج إلى إذن أربابها، ولا يحتاج في ذلك إلى إذن الإمام.
وأما إن كان أهلها في بلاد بعيدة، حيث لا يقدرون على عمارتها، فللإمام النظر فيها أن يهبا أو يقطعها لمن أراد.
فإن اندرسوا حتى لا يعرف لهم موضع، ولم يبق في أيدي الناس منهم إلا الاسم فهذه أهنأ وأمرأ لمن يأكل، ويأذن الإمام لمن يتملكها.
وسئل ابن عباس عن أرض بعيدة عن الناس ذات أشجار، لا يتناولها إلا السباع والضباع، هل لمن يلتقط بلحها أو بسرها وحشفها فأجاز ذلك.
فقيل له: (فإذا سقط من ثمارها شيء؟)
فقال: (اللقطة).
قال: (فإن التقطتها، فأتى مولاها فطلبها مني؟)
قال: (لا، ولا نعمت عين).
فمذهب ابن عباس أن الأرض مشتركة فالأولى بالأولى.
وأما إن اندرست البلاد وخربت حتى لا يقف أحد على ماله منها، فإنها تصير مشاعا بين القبيل، ويتواقفون فيها بالرجال الذكور دون الإناث. (3/88)
صفحة 323
فإن أذن الإمام لمن يعمرها، ويحرث ويبني وينزل ويسكن، فما أحدث فيها فهو للذي أحدثه. وما كان قائم العين، فللداخل أن يتملكه، أعني المنافع، ويبيع ويشتري طنيا، والأصل لأهلها كما جرى في تاهرت أيام علي بن يوسف سيد الناس ابن يلومي بعمارتها فعمر منها دورا وعقارا فهم يتبايعون المرافق، والأعيان لأهلها في الأموال وما يتعلق بها.
فإنا نظرنا إلى حرمتها في الشريعة، وحرمة الدماء، فوجدنا الأموال أعظم حرمة منها، لأن الله تعالى حرم دماء المؤمنين وأموالهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»، ثم إن الله تعالى جعل عقوبة كثير من المعاصي في أنفس الأموال ينتهك به حرمة الدماء، ولم يجعل حرمة الدماء ينتهك بها حرمة الأموال، أولها المحاربون: جعل الله عقوبتهم في معصيتهم حين انتهكوا حرمة السبيل في الأموال والأنفس أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وقيل: إنهم يقتلون في الأموال.
والسارق جعلت عقوبته إن سرق نصابا من المال يساوي ربع دينار أن تقطع يده التي تساوي خمسمائة دينار.
ومن وراء ذلك من أراد أن يظلمك في قليل من المال، فقد أباح الله لك دفعة وقتله ولو بخروج روحه، والروح تساوي ألف دينار، والمال درهم.
ومن وراء ذلك النكالات والتعزير والتأديب على أدنى شيء من الأموال، ولو انتهك فرج امرأة زنا إذا أحصن رجم عليها، وإن لم يحصن جلد عليها، والعقوبة متوجهة إلى البدن في المال. (3/89)
صفحة 324
فإن قال قائل: قد جعل الله عقوبة الدماء في الأموال الديات في الجراحات، وفي النفوس، وفي فساد الأموال بينها البين.
قيل: أجل لكن لم يجاوز قيمة الدماء في الأموال بأضعاف مضاعفة كما فعله في الأموال، ولم يحكم على من قتل عمدا أو خطأ، أن يؤدي من المال أضعاف جنايته كما فعله وحكم به في الأنفس.
واعلم يا أخي أن عليا قد استشهد في الأموال أن الاختلاف فيها كله صواب، وأعظم من ذلك أن الرأي حاكم على السنة والكتاب، ومصداق ذلك قضايا عمر بن الخطاب في الأموال، وذلك أن الله تعالى حكم في كتابه بسهم ذوي القربى، فحكم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أيام حياته، وقد جعله الله تعالى وقاية لهم ألا يحتاجوا إلى أوساخ الناس من الصدقات وغيرها، ثم حكم به أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – أيام حياته، اقتفاء بفعل رسول الله عليه السلام، ثم جاء عمر بن الخطاب في بعض أيام استحسن برأيه أن يمنعهم منه بما عوضهم الله تعالى من الغنائم والفيء، فمنع سهم ذوي القربى، وانفهم له من كتاب الله – عز وجل – ما انفهم له وعليه أنزل وإليه نزل.
وكذلك المؤلفة قلوبهم، لما نظر إلى الإسلام قد استغنى عنهم، وأخذ ذلك من الاسم، ونظر إلى حاجة الاسم قد أرادها الله تعالى. فقال لهم: (إذ ذاك كان الإسلام حقيا، وأما الآن فقد بذل). فمنعهم سهمهم، وتتابع عليه المسلمون، وما كان الله ليجمع أمة محمد عليه السلام على ضلال.
فلو أن ذوي القربى، والمؤلفة قلوبهم، قاموا في طلب سهامهم، وانتصروا لأحكام القرآن، أن تكون ماضية إلى الأبد، لكان فيه ما فيه.
ومصداق ذلك: لو أن قوما قالوا: إن المواريث إنما تجري أحكامها مدة أيام معلومة، فتنبطل بما بلغ في الناس من الغنى، ورجعت أموال الناس زيادة (3/90)
صفحة 325
في حسناتهم، ويتصدق بها عليهم، لكان فيه ما فيه. وكذلك الصلوات والصوم والحج.
فإن ساغ لعمر ما ساغ له من ذلك، فما بال الغير ألا يسوغ له ذلك في غيره، وهو اليسر في دين الله تعالى، ولو وقع التشابط والقتال على هذا كله، فأيهما المبطل، وكانوا كلهم مبطلين، فمن استبطلهم كلهم، شدد على الأمة، وحكم بأن العسر أولى من اليسر، ومن صدق أحد الجانبين، فمن اتبع كتاب الله تعالى أولى ممن اتبع رأيه، ولا الرأي أصوب في هذا، إلا أن يكون الكل مصيبين لشريطة الاجتهاد، ولاسيما وقد قال الله – عز وجل -: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) فقد شملت الظالم والمظلوم، والسلامة للمجتهد المصيب رحمة للعالمين. وما ربك بظلام للعبيد.
-----------------
(1) العد: موضع يتخذه الناس يجتمع فيه ماء كثير. (مراجع الطبعة الثانية).
(2) الفتان: الشيطان. (مراجع الطبعة الثانية).
(3) التافية: جمع التفة وهو سبع الأرض لا يقتات إلا على اللحم. (مراجع الطبعة الثانية). (3/91)
صفحة 326
أفراد المسائل فيمن كان تحت أحكام المخالفين
رجل كان تحت أحكام المخالفين فتزوج وغاب عن زوجته، فأعذر القاضي إليه فلم يفعل، فطلق عليه القاضي زوجته، أو أوجب عليه من النفقة عليها ما أوجبه الله تعالى، فامتنع أو لم يكن له مال، فطلق عليه القاضي زوجته، ما حكم هذه؟ أهي مطلقة أم غير مطلقة؟ فإن كانت غير مطلقة، فهل له أن يلم بها، ولا ينظر إلى حكم هذا القاضي، وتقع المواريث والحقوق والنسب أم لا؟
اعلم أن هذه مطلقة، وإن لم يكن في مأخوذ المسلمين هذا الجواب فلا يحل له أن يلم بها، ولا أن يقربها، وقد سقطت جميع الحقوق التي بينهما، ولها أن تتزوج غيره، وتقع الحقوق بينه وبين زوجها الأخير وترثه ويرثها، وإن كان نسيبها ورثها إن ماتت.
وهكذا كل حكم لم يقطع المسلمون عذرهم في خلافه، وكل حكم حكموه بالشاهد واليمين، فهو ماض لنا وعلينا، إلا أن تنزهنا منه، ولنا معاملتهم في جميع ما حكموه بالشاهد واليمين لنا وعلينا، وتجري فيه المواريث على وجوهها، وليس لهم مقاضاتها إلى الديان، إلا أن علم أصل المال كما في الشاهدين، وله المقاضاة إن علم أن الشهادة زور.
وأما في الفروج فلا سبيل إلى شيء من ذلك، لاسيما إذا انقطعت العصمة بنكاح آخر أو تسر، فلا يجعل إلى نفسه سبيلا ولو كان مظلوما.
فلو استبرأت المفتدية بحيضة، فتزوجت ما كان له عليها سبيل بعد، وله أن يتزوجها إن فارقت زوجها الأخير.
وأما ما يتعلق بالعبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فليس إلى خلاف الإجماع سبيل، كصوم الشيعة يصومون آخر يوم من شعبان ويفطرون آخر يوم من رمضان فهذا فاحش، وأهل الدعوة يكرهون القنوت في الصلاة. (3/92)
صفحة 327
باب مسائل ما بيننا وبين المشركين
اعلم أنه لا يجوز لأحد أن يتخذ دار الشرك وطنا لقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ثلاثة من الكبائر: خروجك من أمتك، وتبديلك سنتك، وقتالك صفقتك».
ومعنى خروجك من أمتك: أراد بذلك عليه السلام اتخاذك دار الشرك وطنا، وقوله تبديلك سنتك: رجوعك إلى البادية بعد القرار، وقوله: قتالك صفقتك: قتالك من بايعته بلا حدث.
وقال (صلى الله عليه وسلم) في المسلمين والمشركين: «لا تتراءا دارهما» دليل على أن لا يجوز مساكنتهم، ويجوز لنا السفر إلى بلادهم، إن أمنا أن لا يغدروا بنا ولا يجرون علينا أحكامهم ولا يكرهونا على معصية.
ويجوز دخولنا عليهم عيونا وجواسيس ورسلا، ودعاة إلى الإسلام وإلى الصلح، أو نقض الصلح، أو الأمر يحدث مما للمسلمين فيه فرج ومخرج.
وإن طلبوا منا الأمان للتصرف في بلادنا للتجارة أو للإسلام أو رسل إلينا، فجائز لنا تركهم أو للفكوك أو للبيع والشراء بالأمان فلا بأس، قال الله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه).
وإن افتتح المشركون بلاد المسلمين، فإن أهل البلاد جائز لهم الكون معهم وتحتهم وتجري عليهم أحكامهم، ولا يجوز لأحد أن ينزلها وأن يتخذها وطنا من سائر الناس.
وإن خرج أحد من المسلمين من بلاده من خوفهم، فهو مثل من لم يسكنها قط.
وإن كان المشركون أهل الكتاب كاليهود والنصارى، فللمسلمين مخالطتهم ومبايعتهم مؤاكلتهم، ويأكلون ذبائحهم وسمونهم أقطهم وجبنهم، ما لم يظهروا على حرام، (3/93)
صفحة 328
وكذلك طبيخهم وطعامهم وشرابهم ليس الخمور، وإن اتهموهم على النجاسة، فليخرجوا ما قدروا.
ولا يتزوجون إليهم، ولا يتسرون، ولا ينكحونهم، ويعاملونهم في أموالهم ولا يحذرون منها شيئا ولو كان أثمان الخنازير، أو من أثمان الربا، ولا يعاملونهم بالربا، ولا يأكلون خنازيرهم، ويدفعون عن بلدهم من أراد ظلمهم إلا عساكر المسلمين فلا يدفعونهم.
ويتقون من المجوس جميع ما يؤكل، كل مما يخافون عليه النجاسة، أو من السمون والأجبان والطبيخ وغير ذلك.
وإن غصبونا نساءنا وبناتنا، فإنا على الأصل لا تحرم علينا نساؤنا إذا رجعت إلينا، ونستبريهن ثم لا نباليهن ولا نحتاج إلى نكاح جديد، وأما اشتراكهن فلا.
ويجوز لنا منهم جميع ما يجوز للمسلمين الذين لم يتملكوهم، من غدر وخيانة ودلالة، والخروج عليهم ما لم نجعل إلى أنفسنا سبيلا، في عهد أو ميثاق أو أمانة.
وإن دخلنا بلادهم بأمان فإنا لا نخون ولا نغدر.
وإن دخلنا أسارى، فإن قدرنا على الهروب هربنا، ونسوق معنا من أموالهم ما قدرنا عليه، ومن الحرم والذرية، وليس علينا منهم شيء وليس لهم فينا عهد ولا ميثاق.
وإن دخلنا إليهم في بلادهم بأمان، أو رسلا، أو لافتكاك أسرانا، فإنا لا نخون ولا نغدر.
وإن جاءونا إلى بلادنا بأسرانا لنفكهم، فإنا نتفق معهم، فإن اتفقنا كان ذلك، وإن لم نتفق سلمنا إليهم إخواننا، وذهبوا بهم إلى بلادهم. (3/94)
صفحة 329
فإن وقع منهم اشتطاط في الفداء، منعناهم في بلادنا، ولا نمنع لهم إخواننا، ويكونون في أيديهم، والله أعلم في هذه المسألة.
وإن دخلوا في بلادنا بأمان، فما أتوا به من المحارم، أجرينا عليهم حكمه كما نجريه على أنفسنا، من السرقة والزنا والقصاص وغرم الموال، إلا إن رأى أمير المؤمنين غير ذلك، فليصلح ما أفسدوا من بيت مال المسلمين.
وإن أتونا بهدايا من ملوكهم وسلاطينهم، قبلناهم وأنبأناهم (1) عليها، ونرسل إليهم هدايانا استصلاحا للمسلمين.
وإن طعنوا فينا، أو في رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أو في السلف، فليس علينا منهم شيء حتى يخرجوا من بلادنا.
وإن أسلم واحد منهم وهو في بلادهم، ولم يصب السبيل إلى بلاد المسلمين، وعليه زكاة وعشور وفطر، ولم يصب من المسلمين أحدا إلا المخالفين فإنه يدفعها لهم، وإن لم يصب أحدا فإنه يدفعها لفقراء المشركين، وإن أصاب إرسالها فليفعل.
وإن قاتلناهم ولم نقدر لهم على شيء، ووقعت المهادنة بيننا وبينهم، واشترطنا عليهم أن يخرجوا معنا في عساكرنا لقتال عدونا، فنسهم لهم، أو على خرج معلوم، أما الخرج فنعم وأما الإسهام فلا.
وإن وقعت منهم شروط مذلة مثلما جرى لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأهل مكة، فإنا لا نجبيهم إلى شيء من ذلك، وقد انتسخت شروط المهادنة في قول بعضهم.
وقال بعضهم: كل ما جاز لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) جاز لنا حتى تضع الحرب أوزارها. (3/95)
صفحة 330
وقد مضت أحكام كثيرة لعمر بن الخطاب في بني تغلب.
وإن أحكام الكتمان الضعيفة المثارة من الرأي تأتي على أحكام القرآن الذي جاء من عند الله تعالى وعلى أحكام السنة الماضية التي جاءت من الرسول عليه السلام، أو قد أتت عليها.
فمن تأمل هذا بحقيقة، انفتح له كثير من العلم والفقه في الدين، حتى لا يحكم بالمعصية إلا على أمهات المعاصي دون البنات، فكيف بالشرك والكفر والبراءة.
ويؤيد ذلك قوله عليه السلام: «أنتم في زمان التارك العشر ما أمر به هالك، وسيأتي على الناس زمان العامل بعشر ما أمر به ناج» والله تعالى يلهمنا الرشاد، ويوفقنا للسداد، إنه الكريم الجواد. والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين، وعلى جميع أوليائه أجمعين.
-----------------
(1) أعطيناهم وبادلناهم بهدية من عندنا. (مراجع الطبعة الثانية). (3/96)
صفحة 331
باب في أحكام فسقة أهل الإسلام
وغذا ذكرنا أحكام المتدينين فلنذكر أحكام فسقة أهل الإسلام.
واعلم أن الذنوب التي يأتيها العباد على وجهين: ذنب بين العبد وبين ربه، وذنب بينه وبين العباد.
فإنا الذنوب التي بينه وبين العباد وهي المظالم، فعلى ثلاثة أوجه: وجه يلزمهم منه الإثم والغرم والعار والنار، ووجه يكسبهم العار والنار ولا غرم ولا نكال، ووجه يكسبهم الغرم ولا غير.
فأما الوجه الأول: فهو وجوه الغصوبات كلها من السرق والتعدي في الفسادات كلها في أيام الظهور، خصوصا منع الزكاة والعشور والصدقات والخموس وشبهها، فهذه فيها الغرم والإثم.
وأما في أيام الكتمان فلا جبر ولا قهر.
والوجه الثاني: فأمر لا يحكم به عليهم في الدنيا، ويلتزمونه في الآخرة، ويخرجونه من حسناتهم، فكذلك الباب الأول، إن لم يستدركوه ولم يصلحوه ما داموه في الدنيا مثل ما يفسد على يديه بتضييع أموال الأغياب أو اليتامى إذا استخلف عليهم، أو أموال الأجر كلها، أو أموال السلاطين، وجميع ما ضيع من نفقات من وجبت عليه نفقاته من الأهل والأزواج والبنين والعبيد ومضاربات، وما غسق بعينه، أو دل عليه من يأكله أو يفسده، وتنجية الأنفس كلها من ماله من الجوع والعطش والهلاك والعداة والهبات وكفارات الأيمان والمغلظات وكفارات الظهار وكفارات الدماء، والنذور وشبه هذا، فإنه لا يؤخذ بشيء من هذا في الدنيا، ولا تأدية عليه فيه، ويؤخذ به في الآخرة إن لم يصلحه بنفسه في الدنيا.
والوجه الثالث: ما يلتزمه من العواقل والنوائب والأحكام الظاهرة، التي (3/97)
صفحة 332
لا تلزمه بينه وبين الله تعالى وتلزمه في الظاهر كالحكومات بالباطل وبشهادة الزور إن عوفي سلم لا ذنب ولا إثم وإن ابتلى غرم.
الوجه الأول: إذا ارتفع الخصمان إلينا، وقد غصب أحدهما مال صاحبه، أو سرقه أو خانه أو داينه فمنعه، فإن أقر ألزمناه التأدية إن أثبت عليه البينة، فإن أبى جبرناه، فإن امتنع فإن لقاضي المسلمين أن يبسط يده إلى ماله، ويقضي منه غريمه شاء أو أبى.
وإن كان الشيء المطلوب قائم العين، وقد غيبه الغاصب أو السارق، بحيث لا يقدر عليه، فإن أتلفه حكمنا عليه بالقيمة، وجبرناه بالسياط إن لم نظفر بماله، وإن ظفرنا بماله قضينا منه واجب الحق عليه.
وإن كان الشيء المغصوب قائم العين فإنا نخبره بالحبس أو بالضرب، أو بجميع ما يستخرج به منع، أو نقضي من ماله قيمته لغريمه بغير مؤامرة ولا مشاورة، فإن امتنع فليس لنا على قتله سبيل، إلا أن ظهر الشيء، ومنع مع ذلك، وإن حكمنا بالقيمة عليه، وأخذها صاحبه، ثم ظهر الشيء المغصوب، فصاحبه بالخيار، إن أراد رجع إلى شيئه ورد القيمة التي أخذ.
ولسنا نأخذ بقول أبي حنيفة: إن الغاصب مخير إن شاء رد الشيء المغصوب، وإن شاء أمسكه وأعطى القيمة، فهذه إحدى المظالم.
وإن كان الشيء المغصوب في موضع لا يصل إليه إلا بمؤنة كلفناه جمعه، وإن ظهر العذر منه وبين ذلك الشيء، كقطاع الطريق، والخوف من العدو، أو من يطالبه بظلم، فنعذره، وأما غير ذلك فلا. (3/98)
صفحة 333
ومن غصب مالا قيمة له، كمن غصب ملحا في وارجلان، فقدر على الغاصب في بلاد السودان استأديناه الملح أو قيمته هنا في هذا الموضع الذي قدرنا عليه فيه.
وإن كان شيء له مؤنة، فعلى الغاصب إيصاله إلى الموضع الذي غصبه منه، وكذلك في الديون التي لها مؤنة، إذا وقع المنع بعد حكومة الحاكم، فإنا نستأديه حيثما قدرنا عليه، وإن لم يقع المنع، فلا يحكم عليه إلا في الموضع الذي وقعت فيه المعاملة، وليس للغريم أن يضعه في غير الموضع.
أما المغصوبات كلها فالقول قول المغصوب، حيثما طلبه أخذه، والعين يأخذه به حيثما طلبه إلا أن يكون معدوما فالقيمة.
وإن غصب له حيوانا، وأنفق عليه الغاصب، حتى ظهر فيه السمن وارتفعت قيمته، فليس للغاصب عناؤه ولا مناه، وذهب ماله وعناؤه خسارة وتعبا، لقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ليس لعرق ظالم عناء».
وقال الربيع بن حبيب – رحمه الله وغفر له -: (يكونان شريكان بمقدار ما أنفق، وبمقدار قيمة الشيء)، وقال: (إنما الحديث «لا عناء لعرق ظالم» في الأصول)، وجل الفقهاء على ما أخبرتك.
وأما جميع ما اشتغل من المغصوبات من الثمار التي حدثت عنده، والغلل والألبان من البهائم، وسكنى الدور ومثلها، فهذه كلها نستأديه إياها في الآخرة.
وكل ما أفسد في الأموال إن كان حاضر العين وأراد أن يأخذه ربه ويقف المغرمون على حقيقة قيمته، فليس للمغصوب إلا القيمة.
وكذلك إن كان غائبا، واتفق الغاصب والمغصوب على الصفة، فليس له إلا تلك القيمة، ولا يمين بينهما. (3/99)
صفحة 334
وإن لم يتفقا على الصفة واختلفا، أو خفيت عليهما قيمته في الزمان الذي غصبه فيه، فليأخذ ما وجد وليلحق الغاصب ما بقي له عليه حق، واختلف العلماء في أي القيم له: فقيل: قيمته يوم غصبه. وقيل: يوم ترافعا. وقيل: أغلى القيمتين. وقيل أغلى القيمات.
وأما ما يكال أو يوزن فإننا ندرك عليه كليه أو وزنه، فإن غصب في الزمان الذي يساوي فيه الصاع دينارا أو ارتفعت الخصومة في الزمان الذي يساوي فيه الصاع درهما، فإنما يحكم الحاكم له بكلية أو وزنه، لكن القصاص غدا يوم القيامة، فينبغي للغاصب أن يستحله أو يترضاه.
وكذلك لو غصبه الطعام حتى مات صاحبه، فليس عليه غير قيمة ذلك الماء في الدنيا، والقصاص في عدل الآخرة.
وإن غصب حيونا، فهو ضامن له ولجميع مستغلاته، والحكام ليس عليهم أن يحكموا إلا بما ظهر.
وأما الألبان والأصواف والانتفاع كله، فيدرك في الآخرة، فإن شاء أن يتنصل في الدنيا فعل، وغلا فليستحلل.
ففيما قدمنا من المغصوبات أربعة شروط: أولها: المؤديات كما ذكرنا، والثاني: الوعيد الذي حكم الله تعالى به، والعار في الدنيا، ومن وراء ذلك النكال على قدر ما قدر عليه المسلمون مما رأوه من ذلك.
وأما الزكاة وأمثالها، ففي أيام الظهور فيجبر عليها، وأما في أيام الكتمان فيكسب صاحبها العار والنار والإثم فيما بينه وبين الله تعالى، ويتعلق به الفقراء والمساكين في الآخرة، وأما في الدنيا فلا، إلا في زمان الظهور لا استعداء (3/100)
صفحة 335
ولا عداء، وهذه ترجع إلى الأمور التي لا يحكم عليه بها في الدنيا، مثل من يصيب الناس بالعين ويفسقهم، فيصيبهم في الأنفس والأموال التي لا يحكم عليه بها، فهذه كلها وأمثالها، يضمنها فيما بينه وبين الله تعالى.
وكذلك الدلالة على أموال الناس من يسرق أو يغصب أو يخون يلزمه ذلك غدا.
وكذلك ما ضيع من جميع ما عليه من النفقات على الأزواج والسكنى والكسوة، وتضييع أموال اليتامى والمساكين والأولاد والعبيد، فإن هذه كلها ذنوب بينه وبين الله تعالى.
فإن قدر المسلمون عليه في الدنيا جبروه وما فات ففي رقبته وليس عليه فيها مؤداة إلا الإثم والعار والنار.
وأما الأمور التي يلتزمون فيما بينهم وبين الله كالعواقل، وذلك أن من قتل أحدا خطأ، إنما الدية على عاقلته، إذا حكمتها الحكام.
وإن كان في زمان الكتمان، ولم يحكمها الحكام، فليس عليه منها شيء. وكذلك النوائب التي تجري بين الناس، فإن طلبت إليها وإلى الأولى، فهي عليك واجبة.
وكذلك المؤداة التي تلقيها السلاطين على العامة، فإن استثنوك منها فليس عليك منها شيء.
وكذلك المغارم والمظالم، وكذلك المعونات التي تفصلها العامة على أنفسهم، فإن عفوك فليس عليك منها شيء.
وأما كل ما يجريه الناس كالأسوار والخنادق والحصون فعليك، وإن لم يطلبك فلا شيء، فإذا ذكرنا أحكام الفسقة في الدنيا فلنذكر أحكامهم في الآخرة. (3/101)
صفحة 336
واعلم يا أخي أن الله تعالى جعل للفسقة مخرجا في الدنيا ما داموا فيها، وتكفير ذنوبهم مرتبطة بخمسة أشياء: أولها: التوبة، وهي الترياق الأعظم، فجعل الله الذنوب أدواء وللأدواء أدوية، وأدوية الذنوب التوبة، أن يتوب من كل ذنب قال الله – عز وجل -: (وأني غفار لمن تاب وآمن) فقضى بالتكثير في غفار وبالتقليل في تاب.
وقال: (يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم). والغفور أعظم من الغافر، والغفار أعظم من الغفور.
وقال: (غافر الذنب وقابل التوب). فوعد كثيرا على قليل وجليلا على صغير بمنه ورأفته ورحمته.
والثاني: الحسنات. قال الله – عز وجل -: (إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين). حدثني يس بن يحيى عن الشيخ: ماكسن – رحمه الله – قال: (ذلك ذكرى للذاكرين: ذلك توبة للتائبين). وجل القرآن فيه تكفير السيئات بالحسنات كما قال الله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ونكفر عنكم من سيئاتكم).
وإذا تتبعت جل سور القرآن الكبار، وجدت فيها المغفرة بالحسنات.
وقد جعل الله تعالى في أعمال الحسنات ثلاث فضائل: أولها: تضعيف الحسنات، وثانيها: ارتفاع الدرجات. وثالثها: تكفير السيئات، ولكن لكل سيئة حسنة تكفرها، لكن الترياق الأعظم يكفر الكل.
وثالث: المصائب، قال الله تعالى: (ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) وقال: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) فهؤلاء أصابوا أعظم من المغفرة.
وقال عليه السلام: «ما من عبد مسلم يصاب في مصيبة إلا كفر له بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها». (3/102)
صفحة 337
والرابع: كفارة الصغائر باجتناب الكبائر، لقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما). وقال تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة).
وقال: إن رجلا قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يا رسول الله إني معي امرأة ما تركت منها حاجة ولا داجة (1) إلا آتيتها غير موضع الولد، فهل لي من توبة؟)
فقال له عليه السلام: (أصليت معنا الصبح؟)
قال الرجل: (نعم).
فقال عليه السلام: «إن الله غفر لك ذنبك» حدث به أبو هريرة فسمعه ابن عباس فقال: (الله أكبر إلا اللمم من الصغائر، وليس فيما يعصى الله به صغير).
أراد أن مناهي القرآن كبار، ومناهي السنة هي الصغار، فقال: (إلا اللمم من الصغائر) فجعل فروع الذنوب من الصغائر.
واختلف الناس في الصغير والكبير فمن ذلك قال: ليس فيما يعصى الله به صغير. ومذهبه الآخر ما قدمنا: أن لكل ذنب معظما فهو كبير وفروعه هي الصغار.
وقال بعضهم: كل ذنب تاب منه العبد فهو صغير، وما لم يتب منه فهو كبير وهذا لا يلائم الآية، لابد من صغير وكبير.
والخامس: شفاعة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لأهل الذنوب، فمن خنس منها خنس من فضيلته عليه السلام.
وإن وقعت الشفاعة لمن لم يتب، فلو لم يشفعوا لعذبوا وإن كانوا غير مذنبين لأنهم مسلمون، فما الحاجة إلى الشفاعة؟ إنما كانت للملائكة كما قال (3/103)
صفحة 338
الله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى). وعلى أن الملائكة لا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله – عز وجل – فما حاجته إلى شفاعتهم؟
دل قوله: ارتضى، أنه تحمل عنه، ولو لم يتحمل عنه لقال: لمن رضيه. وعلى أن جابر بن زيد قال: قال رسول الله عليه السلام: «ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
ثم قال والله اعلم بما يروي عن أنس بن مالك أنه قال – قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». ففيه إثبات الشفاعة لأهل الكبائر وإن كان حديثه مرسلا، فما يمنع جابر بن زيد أن يأتي أنس بن مالك، وقد جمعه وإياه عصر واحد، وسبقه جابر إلى الموت.
وأعظم من هذا كله شفاعة الباريء سبحانه لعباده لقوله – عز وجل -: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه).
ومن وراء ذلك أيضا قوله غدا في المحشر لعباده المؤمنين: «تواهبوا فيما بينكم، وأما مالي عليكم فقد وهبته لكم».
وأخرى: أن الذنب الذي بين العبد وبين ربه يغفره الله تعالى، وما بين العباد لا يغفر إلا بإرضاء الخصوم.
وقول حذيفة بن اليماني لعمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – حين سأله عن الفتنة فقال حذيفة: (أما فتنة الرجل في نفسه وماله وأهله، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة وصلة الرحم).
فقال عمر: (لست عن هذه أسألك إلا عن التي تموج موج البحر).
فقال حذيفة: (إن بينك وبينها بابا مقفلا).
فقال عمر: (أيسد أم يهد؟)
فقال: (بل يهد) (3/104)
صفحة 339
فقال عمر: (إذا لا يسد إلى يوم القيامة)
فقيل لحذيفة: (أفهم عنك عمر ما أردت؟)
فقال: (أي والذي نفسي بيده كما أن دون غد ليله، وذلك أني حدثته حديثا ليس بالأغاليط)
ومن وراء ذلك كله قول الله – عز وجل -: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون. وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. ونادى أصحاب الأعراف رجال يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون).
وجل الفقهاء يقولون: إن هؤلاء قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقال ذلك ضمام بن السائب – رضي الله عنه -، وقال: (هم قوم معجبون بأنفسهم).
ولنشرح الآن معنى التوبة وطبقات التائبين:
اعلم أن الله تعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وسلم) بجوامع الكلم فقال عليه السلام: «الندم توبة» لعلمه أن لابد للندامة من باعث، والباعث هو معرفة شؤم الذنوب، فإذا تقرر في القلب الإيمان بشؤم الذنوب، وانبعثت الندامة لا محالة، وإذا حصلت الندامة انبعث الإهتبال بما يعني ويغني، لأن حقيقة المعرفة بشؤم الذنوب، تكسبه العلم بما فاته من النعيم المقيم، وبما ارتطم به من عذاب الجحيم.
فهنالك الحرقة في فؤاده، تبعث الندامة في قلبه. (3/105)
صفحة 340
فهناك يشتغل بما يعينه ويهتبل بما يغنيه، عادة الله التي قد خلت إن لكل شيء سابقا يقتضيه ولاحقا يتبعه.
فثمرة الندامة: العمل بالطاعة وتنكيب المعصية بما فتح الله للعبد فيها.
-----------------
(1) لا حاجة ولا داجة بالتخفيف: الكبيرة والصغيرة. (مراجع الطبعة الثانية). (3/106)
صفحة 341
باب طبقات التائبين
الأولى من الطبقات: فاسق لم يترك لله حرمة إلا انتهكها، ولا معصية إلا أتاها، من سفك الدماء المحرمة، وأكل أموال الناس ظلما، والربا، والفحش، والزنا، وشرب الخمر فما دونها.
ثم إن الله تعالى من عليه بالتوبة، فانخلع على ما كان عليه من المعصية، ورجع إلى الطاعة وإصلاح جميع ما سفك وأفسد وأكل بالقوة، وتأدية الأموال، وأعقب بعد الغفلة ذكرا، وبعد الكفر شكرا، وبعد الفساد صلاحا وبعد الهلاك نجاحا حتى الموت، فهذا قد انسلخ من اسم الفسوق والكفر إلى الإيمان والشكر، وجاهد غب الله حق جهاده بنفسه وماله لإصلاح حاله ومآله.
الثانية: من فقد أصحاب الجنايات والحقوق وأرباب الأموال بعد إصلاح ما أصلح، فهذا ينفق على المساكين جميع ما عليه من ذلك من الأموال والديات والحقوق، فيحيل أصحاب تلك الأموال على المساكين غدا يوم القيامة، كاللقطة من الأموال تنفق على الفقراء لأربابها.
الطبقة الثالثة: الناسي لما عليه من تبعات العباد وحقوقهم، فإن علم الله تعالى منه النية والاجتهاد، جعل أجور ما تصدق به في الدنيا لأرباب الحقوق وأحولهم عليها، لأن الله تعالى قال في كتابه حكاية عن أوليائه: ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
فإن كانت له حسنات أخذوا منها، وإن لم تكن له حسنات تحملها عنه مولاه، وأدخله الباريء سبحانه الجنة بإيمانه وتوحيده لربه وحسن نيته.
الطبقة الرابعة: المعسر الذي لا مال له، فإن هذا يتحمل الله عنه جميع ما عليه من تباعات العباد وحقوقهم، ويترضى الله تعالى عنه جميع أهل الحقوق، بغرف يظهرها لهم في الجنة. ويقول: «من ترك لأخيه مظلمة كانت له عنده في الدنيا، فهذه الغرفة له، كما يجري لداود عليه السلام مع أوريا» والحديث معروف. (3/107)
صفحة 342
ينبغي لهذا أن يكثر من ذكر الله تعالى في الدنيا وتكون له حسنات كثيرة، فترضى بها الخصوم، ويحسن إلى الناس ما استطاع، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ورضي له قولا.
الطبقة الخامسة: من ابتلى بما ذكرنا، وأصلح ما قدر عليه، ابتغاء رضوان الله تعالى وسلامته، وكتب وصيته بما بقى عليه من تباعات العباد وحقوقهم، واستخلف عليها الأولياء والأتقياء فأنفذوها بعده كما يجب وينبغي، فهذا بحمد الله سالم في الدنيا والآخرة.
الطبقة السادسة: من امتثل ما ذكرنا من وصيته واستخلف عليها أمناءه، ثم أنهم أضاعوها وفرطوا فيها، أو أكلوها وأتلفوها، فهذا قد أخبرنا الله عنه أنه بريء الذمة سالم الجنية بقوله – عز وجل -: (فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم).
ولا يتوجه قوله: (إن الله سميع عليم) إلا على المبدلين لا إلى الموصي المجتهد. وكذلك قوله: (فإنما ... الخ) من حروف الحصر عند أهل اللسان.
الطبقة السابعة: من اجتهد وعلم الله تعالى منه النية الخالصة وكتب وصيته ووضعها عند رأسه، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ما يحق لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه». فعلى الناس امتثال ما أصابوه مكتوبا عند رأسه، فلو لم يكن هذا نافعا لما نوه رسول الله عليه السلام به، ودل عليه، وأوجبه عليه.
الطبقة الثامنة: إذا سلم من تباعات العباد وتخلص منها، ولم تكن له ذنوب إلا التي بينه وبين الله تعالى، فهذا ينفعه مجرد التوبة، وما عمل من الحسنات، ووجوه التكفيرات، والمصائب، ودعاء الصالحين، وشفاعة الصالحين. وروي عن أويس القرني أنه يدخل الجنة بشفاعته مثل ربيعة ومضر. (3/108)
صفحة 343
الطبقة التاسعة: المتمادي في المعصية، ومن نيته التوبة يوما ما من الجهر، وفي ديانته أن الله تعالى لا يغفر الذنوب إلا بالتوبة، فغافصه الأمر، كعدو نزل به فقاتل حتى قتل، أو داهمه العدو، ولم يستطع سبيلا إلى التنصل مما عليه ولا إلى الوصية.
فهذا إن لم يكن الأمر الذي نزل به عقوبة من الله، وإلا فيرجى له، فهذه حالة أولاد يعقوب عليهم السلام لكنهم لم يفاجأوا، وعسى أن يكون القتل لهذا كفارة، كما قال الحسن بن علي: (بلغني أن القتل كفارة).
وأما غريق أو حريق أو لسع أو هدم أو مثل هذه الأمور، فإنه يخشى عليه، على أن في هذه الأمور كفارة.
واللسع شهادة والسليم شهادة، والمرأة تموت بجنين شهادة، وكذلك صاحب السل والمبطون والغريق وصاحب الهدم.
الطبقة العاشرة: المصر. والفرق بين المصر والمتمادي: أن المصر من نيته أن يلقى الله تعالى بالمعصية، والمتمادي من نيته الانفكاك منها يوما ما، كما قال أخوة يوسف عليه السلام: (اقتلوا يوسف أو طرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين) فالمتمادي سيتوب يوما ما، والمصر من الهالكين. وهاهنا اختلفنا مع المرجئة، فرجوا له الجنة مع مناصبته الله تعالى بالفجور.
الطبقة الحادية عشر: صاحب بدعة يدعوا إليها، ويعتقد أنه حق عند الله تعالى، وأنها دين الله يدان به، ويقطع به عذر من خالفه عليها، أو هدم قاعدة من قواعد الشرع، فمهما انخرم من هذه الشروط شيء فعاد، فهذا لا مطمع فيه، ولا المصر الذي قبله، فمها من أهل النار. (3/109)
صفحة 344
واعلم أن المبتدع إذا رأى وزعم أنه حق عند الله، ولم يره دينا، ولا قطع عليه عذر من خالفه، فهذا محمول عنه عادة لا يحكم عليه ببدعته.
وليس في أن قال حق عند الله ما يوجب له البدعة، لأن الأقاويل المختلفة قد أطلق بعض عليها أنها حق عند الله. وهو قول القائل: (إن كل مجتهد مصيب).
وقوله حق عند الله، وخلافه حق عند الله، بشرط أن يكون في الموضع الذي يجوز لهم فيه الرأي، ولم يقطع المسلمون عذرهم في ذلك، ألا ترى أن المشايخ قالوا أول مرة أن من قال: ريح المروحة خلقه لا خلق الله، أنه إن قاله برأي فالرأي عجز، وإن قاله بدين هلك.
وكذلك إن قطع عذر أحد من المسلمين فيما أوسع الله عليهم العذر فيه، وأما من رأى خلافهم، فلم يقطع عذرهم فواسع له، والعلم والجاهل في هذا سواء، فأيهم قطع العذر أولا، فهو المقطوع العذر.
ولا يحل لعالم أن يقطع عذر من عجز علمه عما أدركه هو، ولا الجاهل أن يقطع عذر العالم فيما يعلمه دونه.
فمن الأشياء التي هي خطأ عند الله من زعم أن ريح المروحة خلقه دون الله تعالى، لكنه محمول عند من لم يبلغ علمه وجه الحق فيه عند الله، لكنه اقتصر على رأيه فيه، وهو من الخطأ الذي عفا الله عنه لهذه الأمة حيث قالوا: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
وغلى هذا أشار جابر بن زيد – رحمه الله – في القول فيما لا يسع جهله. والاختلاف فيه قد أوجبه بعض الفقهاء: معرفة آدم صلوات الله عليه، وأنه من الأنبياء، وأنه أول المرسلين، وهذه المسائل الثلاث مبنية على الرأي، وليس فيها في الكتاب نص ولا في السنة أثر، فإن كان فمستخرج. (3/110)
صفحة 345
وأما التسمية فإنما اقتبس الناس معرفتها من القرآن والتواتر، من غير أن ينص في القرآن أن علينا معرفته وأنه أبونا ونحن ذريته، لكنه أخبرنا عما أخبرنا عن كثير من أخبار بني إسرائيل والأمم الماضية، وليس في ذلك ما يوجب علينا معرفته.
وأما نبوته ورسالته، فليس في القرآن ما يدل عليهما نصا ولا استخراجا، إلا أن يكون من محاورة الله تعالى لأبينا آدم – اقتبسوا ذلك حيث يقول: (ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين).
وقد جاءت محاورة الرب لإبليس مشابهة بمحاورته لأبينا آدم صلوات الله على نبينا وعليه لقوله: (يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين) ولقوله: (ما منعك أن تسجد) وأمثاله، ولكن المسلمين قد أثبتوا نبوة أبينا آدم ورسالته، ولن يختلفوا فيهما ولن تجتمع أمة أحمد على ضلال، ولهذا قال بعض العلماء: ليس علينا من معرفة الاسم والنبوة والرسالة شيء، فمن جهل من هذه المعاني الثلاثة التي ذكرنا شيئا، فهو مشرك عند هؤلاء وسالم عند هؤلاء.
وأما هؤلاء المختلفون ربما يسعهم هذا، ولكن عند الأحكام يظن الجاهل لمن شركه براءته وقتله وسباه وغنم ماله أم لا.
فإن ساغ هذا لمن ذكرناه فما حال من أوسعه عذرا؟ هل له أن يحرم براءته وقتاله وسباه وغنيمة ماله أم لا؟ فإن كان له ذلك، فقد وقع التشابط الذي قاله علي بن أبي طالب، واحتاج الناس إلى تصويب الفريقين أو تخطئتهما. وأن أجزت لواحد أحكامه، ومنعت الآخر، كان ما قال الأول أصوب مما قال الآخر، فقد وقع التحظير في المختلف فيه. وقد قال الشيخ أبو خزر: (لم يبلغنا في شيء من العلم أن البراءة تجب بالرأي). (3/111)
صفحة 346
ومن تحرى أن يسبي ويغنم من علم جميع مالا يسع، فسباه وغنمه على جهله لأبينا آدم وجهله لنبوته ورسالته، فقد تجرأ وأوعد عليه مع هذا النار.
وكذلك جهله جبريل عليه السلام أنه من الملائكة ومعرفة الملل وأحكامها وتحريم دماء المسلمين.
وكذلك من قصر علمه أن يثبت الشرك لجاهل محمد عليه السلام، وجعل معرفته فرضا لا يبلغ جاهلها الشرك.
وأما الذين قالوا بتشريك الجبابرة والطائعين لهم من الجنود، وتشريك كل من أتى معصية الله تعالى، فليس علينا منه شيء حتى يشرعه دينا ويقطع عذر من خالفه عليه، أو يخالف إلى الأفعال التي يصادم فيها القرآن والسنة.
ولهذا قالت المشايخ في نافع بن الأزرق حين أظهر تشريك الجبابرة: دعوه حتى تروا ما يحدث من الأحكام، وإن لم يتجاوز قوله ذلك إلى الأفعال فخطأ محمول عنه وخطؤه لم يتجاوز اللغة، والرب تعالى قد عفا عن هذه الأمة خطأها ونسيانها، وما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم، فلما أحدث من الأحكام ما خرق به الإجماع، ورد فيها السنن القائمة، قطعوا عذره وألحقوه بالمتدينين.
وعلى هذا المعنى عول أصحابنا من أهل عمان، الذين لم يقولوا بخلق القرآن، فإذا لم يعتقدوه دينا ولم يقطعوا عليه عذر أحد من المسلمين الذين خالفوهم عليه، فلا بأس عليهم بذلك، وذلك خطأ محمول عنهم.
وكذلك القول له الرضى والسخط والحب والبغض، والولاية والعداوة، واعتقادنا أن هذه المعاني صفات الباريء سبحانه، واعتقادهم أنها أفعال، فكل له معنى، غير أن علمهم قصر عن أن يبلغ الغاية القصوى، فنظروا نظر الخفافيش.
وقد روي مذهبهم هذا عن محمد بن محجوب، وإليه يدعوا أهل الهند أيام (3/112)
صفحة 347
كان بالهند، فمن ذهب به مذهب الأفعال خلافا لمن ذهب به مذهب الصفات، ولكل معتقده ما لم يبغ بعضهم على بعض، والباري أظلم والتالي أسلم.
بيان مسائل ما بيننا وبين المرجئة في الإيمان والكفر ... الخ
فصل (1)
مسائل ما بيننا وبين المرجئة، في الإيمان والكفر، والمؤمنين والكافرين، والإسلام والنفاق، والمسلمين والمنافقين.
اعلم أن قولنا في الإيمان: إنه جميع ما أمر الله به من قول واعتقاد وفعل، والكفر هو جميع ما توعد الله تعالى عليه النار، فمن أتى كبيرة عندنا فهو كافر.
وأما قول المرجئة فهو إن الإيمان في الضمير واللسان، ولا يسمى شيء من أفعال الجوارح إيمانا، وقولنا أيضا: إن النفاق في الأفعال. وقالوا: إن النفاق في الضمير لا غير، فالمؤمن: الموفي عندنا، والمؤمن: الموحد عندهم.
واعلم أن اسم المؤمن قد ورد في القرآن على وجهين، ورد على التسمية لمن ادعى الإيمان وانتحله، وورد على التحقيق بالقول والفعل وله الجزاء في الآخرة غدا.
فأما المؤمن على المجاز والانتحال، فقول الله – عز وجل -: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها). وقد دخل في هذا الاسم كل من انتحل اسم الإيمان وأقر بالشهادتين.
وقال أيضا: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ). فقد وقع هذا المؤمن على جميع من أقر بالشهادتين بدليل الأحكام، أن من قتل مؤمنا متعمدا قتل به، وإن كان أفسق الفاسقين، على أن الله تعالى قال: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) .. يريد في الجزاء والمثوبة غدا.
ومن قتل مؤمنا خطأ ولو كان فاسقا فالدية لا محاله، ومن تعمد قتله (3/113)
صفحة 348
فهو في النار خالدا. وقال الله – عز وجل -: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا). فهذا على الانتحال والتسمية.
وأما المؤمن الحقيقي الذي له الجزاء عند الله تعالى في الآخرة فالمقر بالشهادتين والعمل بالأركان، أعني أركان الإسلام، على اجتناب أركان المعاصي. قال الله تعالى: (إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا) وغيرهم المؤمنون باطلا.
والكفر نقيض الإيمان، والإيمان قول وعمل، والكفر قول وعمل. بدليل قول الله – عز وجل -: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين). ومن لا يحج فإن الله تعالى غني عنه، ومن أقر وأبى أن يحج فما فائدته وهو مستطيع. ولهذا قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قدرتم عليه، ولو لم تفعلوا إذا لكفرتم».
وقوله عليه السلام: «من لم يحج حجة الإسلام فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا» وقال: «ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة». وقال: «من ترك الصلاة كفر». وقال عليه السلام: «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر». وقال: «الرشا في الحكم كفر». وقال عليه السلام: «من أتى امرأة في دبرها أو حائضا كفر».
واعلم أن من ضاق ذرعا بمذهبنا هذا أو توقف دونه، فإنه يسعه ذلك على الشروط التي قدمنا، بأن لا يقطع عذر أحد من المسلمين في خلاف قوله، ولا يعتقده دينا يدان الله به، ولا يغير من الأحكام شيئا البتة، فهذا واسع له، وقليل ما هم، وإنما رجعوا إلى تحسين مذاهبهم واعتقادهم أنها دين يدان الله تعالى بها وقطعوا عذر من خالفهم، هؤلاء المختلفون، فبهذا قطعنا عذرهم ويوسعنا ذلك فيهم. (3/114)
صفحة 349
وكذلك الشبهة في تخلفهم عن مذهبنا واعتقادنا في إلهنا، فواسع لهم ما لم يحدثوا أحكاما يخرقون فيها الإجماع، أو يرجعون صرحا إلى المعنى المكروه في الإله العظيم، الذي يشبهون الله تعالى بخلقه.
فإن فعلوا فمآلهم إلى الشرك، وأن تذبذبوا جهلا عذرناهم، وإن كان عن بصيرة قطعنا عذرهم، ولم نخرجهم من الملة حتى يصرحوا بالمعنى المكروه.
وقد قطع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ثلاث فرق أنهم أهل بدعة، وأنهم أهل النار: وهم القدرية والمرجئة والمارقة.
وقطع المسلمون أيضا عذر ثلاث فرق، لم ينص عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهم: المجسمة والشيعة وأصحاب الفتنة، وانقسمت هذه الفرق الست على فرق كلها إلى النار تزيد على السبعين، كما حكم رسول الله عليه السلام فيهم، في أصناف البدعة وتفاوتهم فيها.
اعلم أن أصناف المبتدعين: أولهم من ابتدع في دين الله غير دين الإسلام ورآه دينا، واعتقده أنه حق عند الله تعالى، وقطع عذر من خالفه، فهذا هو المبتدع الذي قضينا عليه بالنار والخلود فيها، ولا مطمع له في التوبة ما دام على مذهبه معتقدا، ولا تكفر عنه سيئة بحسنة يعملها، ولا بمصيبة يحتسبها، ولا بشفاعة المصطفى، ولا بمجاورة الله المتعالي إلا إن رجع عن مذهبه واعتقاده، إذ ليس من الحكمة المجاوزة عن من ناصب وأصر.
ويسوء اعتقاد الأمة بينهم البين انطبقوا على المبتدع، ألا يغفر لهم انتصارا لمذهبهم على مسامحة بعضهم لأهل الكبائر العظام، وطمعوا لهم في الغفران مع الإصرار.
الثاني: من سمع منه هذه البدعة، ورضيها وقبلها، وسلك سبيل صاحبها الذي ابتدعها، ونصبها دينا قيما حنيفا، مثل صاحبها الذي اخترقها أول مرة، فهو بمثابة صاحبها وعلى أسلوبه. (3/115)
صفحة 350
وفي مثلهم قال الله – عز وجل -: (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين). ولم يقتلوهم، ولكن هم رضوا بفعل آبائهم وقلدوهم.
والثالث: من سمع منه البدعة وعلم أنها من مذهبه واعتقاده، ولم يكن مستبصرا مثل الأولين، ولم يعلم صوابه من خطئه، ولا خطأه من صوابه، ولم يتخذه دينا، ولم يقطع عذر من خالفه، ولا عذر من خالف صاحبه. ولو قيل هذا المذهب رأيا ولم يعتقده دينا، ما لم يكن ما ذكرنا من الشروط، ولا حملة على فعل يخالف دين الإسلام. فإن سلم هذا، فبفضله وبرحمته، وإن هلك فبعدل الله تعالى.
الرابع: من بلغته هذه البدعة، ولم يعتقد في هذا حقا ولا باطلا، ولم يقبلها ولم يردها، ولم يرضها ولم يسخطها، ولم ينتصر لها بقول أو فعل، وهذا ربما يسلم وقليل ما هم.
والخامس: من لم تبلغه البدعة، ولم يبلغه إلا شرائع الإسلام، من الصلاة والصوم والزكاة والحج بعد توحيد الله تعالى، ولكنه يوالي إمامه ويقدمه في الدين، وربما لم يبلغه اختلاف الأمة ولا الفرق، كأصحاب الثغور والرباطات فالله أعلم بهذا، أو هو أقرب من الذين قبله.
السادس: من جهل الاختلاف في هذه الأمة ولم يسمعه، ولو سمعه ما فهمه، وهو في غفلة كالعيال والبله وأهل البلد. فالله أعلم بهؤلاء. وقد قال الله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
والكسب سهل والاكتساب صعب، وقد بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالحنيفية السمحة السهلة، ولم يبعث بالرهبانية المبتدعة.
وروي عن لواب بن سلام، فيمن وقع في خواطره تشبيه الباريء سبحانه: أنه لا يضره ذلك، ما لم يتخذه دينا، ويقسم أن الله تعالى كذلك كان. وقد قالت المشايخ في المنقول: إ، قاله بدين هلك، وإن قاله برأي عجز، لأن الرأي عجز.
على أنهم قالوا في حديث نافع بن الأزرق وحديث ريح المروحة حديث القدرية: إن قالوه بدين هلكوا وإن قالوه برأي فالرأي عجز.
-----------------
(1) كلمة فصل غير موجودة في الطبعة البارونية أضفتها. (مراجع الطبعة الثانية). (3/116)
صفحة 351
في الدعاء والمسألة من الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم تسليما
والذي كتبت يا أخي من أمر مسألة الدعاء إلى الله – عز وجل – أعامة أم خاصة؟
قوله تعالى: (ادعوني استجب لكم). وقوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان). وقوله تعالى: (ادعوا ربكم تضرعا وخيفة). وقوله تعالى: (وادعوه خوفا وطمعا).
وسألت يا أخي عن هذه الأدعية: إن كانت عامة لجميع الناس فتجب إجابة الكافر إذا دعا وإن كانت خاصة فلم؟ إلى آخر الفصل.
اعلم يا أخي أن ظاهر هذه العموم وهي في ذواتها خصوص واعلم أنه لا يتعرف المراد والغرض من مثل هذه الأشياء لمن لم يحكم ثلاثة أشياء:
أولها: لسان العرب وهي لغتهم، وهم الحجة فيها.
والثاني: ما يقتضيه اللسان من المعاني.
والثالث: ما آذن الشرع فيه من المعاني وهو الفقه. فاللسان مذانب، والمعاني أدوية والفقه رياض.
فمن لم يحكم هذه الثلاثة الأصول اختل علمه وعزب حلمه، وقال الله تعالى: (ادعوني استجب لكم). في أخواتها من الآي عموما في الظاهر خصوصا في الباطن.
ولابد من شرح هذه الأمور. أولها: الدعاء ومحصوله، ثم الداعي ومحصوله، ثم المدعو ومحصوله.
أما الدعاء في لغة العرب فعلى ثلاثة أنحاء: (3/117)
صفحة 352
أولها صيغة اللسان: (اللهم اغفر لنا)، (اللهم ارحمنا وتب علينا)، فقولك: (اللهم) فنداء ودعاء. وقولك: (اغفر لنا وارحمنا) فسؤال وطلب. وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم كان يتعجب من قول أمية بن أبي الصلت في عبد الله بن جدعان يقول:
• كفاني من تعرضك الثناء *
فذهب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن من أثنى على الله تعالى فقد تعرض لطلبه وسؤاله، وإن لم يأت بضيغة الدعاء والطلب.
وأما الفعل الماضي فكثير كما تقول: (غفر الله لك ورضي عنك). فهذا وجه مقطوع بع وهو الحقيقة.
والوجه الثاني: ما يقوم مقام الدعاء والطلب من الحركات والإشارات من الإيماء بالرأس والإشارة بالإصبع ومد اليدين، ولهذا روي عن رسول الله عليه السلام: «ترفع الأيدي في سبعة مواطن».
وأما الإشارة بالأصابع، فما روي عن ابن عباس أنه قال لرجل يدعو الله – عز وجل- وشخص ببصره إلى السماء، فقال له ابن عباس: (ليس الدعاء كذلك، ولكن أن تبسط اليسرى، وتقبض اليمنى، وتشير بإصبعك المسبحة) فهذه الصفة عند العرب دعاء وسؤال وطلب.
ولا تنس نصيبك من الصلاة وما سميت الصلاة صلاة إلا أنها دعاء وسؤال، فاختلف الناس فيها. فقال بعضهم: هي كلها صلاة ودعاء وجميع ما يعمل فيها. وقال بعضهم: إنما الصلاة منها ما تعرضت به إلى طلب الباريء سبحانه ودعائه، وما وراء ذلك تبع لها.
وقال الأعشى ميمون بن قيس: (3/118)
صفحة 353
وقال أيضا:
غير أن ما ذكرناه من الحركات والإشارات دعاء وصلاة عند العرب لكنها ما قدمنا.
والوجه الثلث: أن يكون جميع ما يتقرب به العبد إلى الباريء سبحانه من طاعته دعاء سؤال، لأنه يسأل بذلك الجنة والقربة من الباريء سبحانه ويطلب منه الأجر، ولذلك ترى السودان يسجدون لسادتهم وملوكهم، وهذا الوجه طارئ على اللغة من جهة الشرعيين استخراجا من المعنى، وللطارئ حكمه. فهذه فصول الدعاء من الأوجه الثلاثة.
ذكر صفة الداعي والمدعو والإجابة
وأما صفة الداعي ومحصوله فعلى ثلاثة أوجه:
أولها: أن يكون طالبا راغبا، لأن صفة الدعاء وصفة الأمر واحدة، وإنما يفترقان في صفة المتكلم. فإن كان الخطاب ممن فوقك، كان أمرا. وإن كان ممن دونك، كان طلبا وسؤالا ودعاء. ألا ترى إلى الله تعالى يقول: (اتقوا الله وأطيعون يا أولى الألباب) فبإجماع أمر.
وقولك: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) فبإجماع دعاء وسؤال.
والثاني: يتأدب في طلبه وسؤاله مع الباري سبحانه ولا يكون كالعجوز التي قالت: رب أعطني وإلا تفعل فمالك هاهنا عجوز تتضرع.
الثالث: ألا يطلب من أمور إلا ما أذن له الشرع، وإن طلب ودعا وعصى فما هو بداع ولا بطالب.
ولا يطلب المحال، فمن فعل فما دعا، لأن جميع ما يتعلق بالمحال فليس بدعاء ولا يجوز ذلك. مثل من يدعو: أن يجعله الرب إلها، وأن يجعل الجسم (3/119)
صفحة 354
عرضا والعرض جسما والأكثر أقل من الأقل، والأقل أكثر من الأكثر، في أمثال هذه مما يتعلق بالمحال. وأن يفعل له ما أخبره الباري سبحانه: أنه لا يكون كالكافر أن يجعله من أهل الجنة، أو أحد من أهل الجنة أن يجعله من أهل النار، أو أن يعافيه من التكليف، أو يجعل التكليف في الأطفال والمجانين، أو أن يكون نبيا، أو شبه هذا. فكل ما تعلق من ذلك فهو محال.
وأما صفة المدعو ومحصوله: أن يدعو ويسأل ما يليق به، مما هو ظاهر الحاجة إليه، كالجنة والإسلام والإيمان والسلامة والعافية والخلاص من النار في مثل هذا من غير شرط وهو على ثلاثة أوجه: هذا هو مثل الأول.
والثاني: إذا كان الشيء المدعو منهما أن يشترط الأصلح. اللهم ارزقني من المال ما يصلح لي ومن الولد ما ينفعني، واحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وأمتني إذا كان الموت خيرا لي، في مثل هذا.
والثالث: الدعاء بجميع ما فعله الباري سبحانه أن يفعله، كالذي يدعو ويقول: اللهم اجعل السموات سبعا، والأرضين سبها، والجبال شدادا، والعقلاء مكلفين، والأطفال معفوين، والماء مبلولا، والهواء رخوا، والنار محرقة، والثلج باردا، في مثل هذا فهذا الباب مما لا يعني، وشبه له وهو دونه من جعل عمره في لعنة إبليس وأن يخلده في النار، وأن يجير أهل النار من النار وأن يضيق عليهم أنفاسهم وأن يديم إتعاسهم، غفل عن نفسه وندم يوم القيامة لم يطلب جنة ولا هربا من النار.
صفة الاستجابة على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يعطيه الباري سبحانه ما سأل، وطلب على إدلاله كما سأل، كان ذلك محمود العاقبة أو مذمومها، على ما يتعارف الناس أنه قد أجيبت، كما قال الله – عز وجل -: (قد أجيبت دعوتكما فاستقيما) وكما قال تعالى: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) وهذه بين محمد عليه السلام وأبي جهل لعنه الله فدعوا فاستجيب لها فهذه هي الإجابة المعقولة. (3/120)
صفحة 355
والثاني: أن يصرف الله تعالى الإجابة إلى الأصلح له، ويجعلها له مكان عود (1)، كالذي يسأل الله تعالى أن يدفع له من المال ألف دينار، وقد علم الله سبحانه وتعالى أن يموت تلك الليلة، فإن أعطاه كانت عقوبة للداعي لا فائدة، وإن صرفه الباري إلى أجر يدخره له كانت أفضل، أو يمن عليه تلك الليلة بفعله تساوي ألف دينار ينال أجرها في الميعاد كان أفضل.
وأكثر دعاء الصالحين منصرف إلى هذه الجهة، وقد جرى علينا في طريق .. الخ. ما فيه معتبر لمن يتذكر، وذلك أنا عللنا وجعلنا وعطشنا، فقلت لهم: (هلموا ندعوا الله – عز وجل – أن يهيئ لنا الماء) فما استتممنا دعاءنا حتى طلعت علينا سحابة، فاستدارت فوق رؤوسنا، فأبرقت وأرعدت، ثم صرفها الله تعالى، فتعدت البحر إلى الجانب الغربي، فكاد أصحابي أن ينسوا، فصبرتهم ووعظتهم، وذكرت لهم حديث الشيخ أبي زكريا يحيى بن أبي بكر – رحمه الله – التي جرت للعزابة في المسجد الكبير في جربة وأظنك تعرفه، فتصبرنا وسرنا مع البحر أربعة أيام، وانتهينا إلى رأس أيله، ثم رجعنا مع البحر إلى الجانب الغربي مسيرة ثلاثة أيام، ووصلنا مستنقع سحابتنا وقد عطشنا أكثر من أول مرة، فأغاثنا الله بمائها.
وربما يعلم منه الباري سبحانه لو أعطاه ألف دينار لضن به ودفنه حتى يموت لا ينتفع به، أو يدخره لولده، فربما يعطيه سبحانه لولده من بعده، ويقوله: يا عبدي قضيت حاجتك إنما تريد لولدك قد أعطيت الألف لولدك. وهذا الفن كثير.
والثالث: كما روي لك عن أبي عمر وقد روي في الإسرائيليات أنه قال الله – عز وجل – لموسى عليه السلام: «قل لظلمة بني إسرائيل ألا يدعوني، فإني قد جعلت على نفسي أن أجيب من دعاني، وإن دعاني منهم أحد أن أجيبه باللعنة» وعموم هذه الآيات قد خصها الشرع كما قدمنا، وخصها العقل، وذلك غير مستنكر من القرآن. (3/121)
صفحة 356
وأما قول الله تعالى: (وأضله الله على علم) معناه: وأضله على بيان أي ليس في ضلالته ولا لبس.
وقوله: (قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا) بعض المفسرين يذهب إلى أن الذكر هو الرسول، يعني أنزل إليكم ما يذكركم وهو الرسول.
وبعض يذهب إلى ما فيه ذكر تذكرة لكم ومعتبر، وهو الرسالة. والكل قريب.
وأما الحروف الخمسة المعجمة إذا لم يعجمها القارئ في صلاته، فإن كان القارئ أعجميا فإنه محمول عنه ما لم يتعمد، وقد ذكر عن رسول الله عليه السلام أنه اشتكى إلى جبريل عليه السلام أن في أمته العجمي والشيخ الفاني ومن لا يحسن القراءة.
وفي بعض الروايات: أنه قال: «اقرأه على حرف فما زال يستزيده». فقال: «اقرأه على سبعة أحرف، كلها شاف كاف».
وفي رواية أخرى: «أن الملك قال له: اقرأه على حرف، فأمره جبريل أن يستزيده إلى سبعة أحرف».
وفي رواية أخرى: «أن جبريل قال له: كل ذلك محمول عن أمتك فمن قرأه بخلاف ما هو به أصلحه الملك»، لمن تعمد اللحن في صلاته، فإن كان يخرجه إلى خلاف القرآن انتقضت صلاته، وإن كان لا يخرجه إلى خلاف القرآن انتقض أجره، وهذا في المتعمد، وأما غير المتعمد فقد تقدم ذكره.
وأما قولك: (إنكم في زمان التارك فيه لعشر ما أمر به هالك، وسيأتي على الناس زمان العامل فيه بعشر ما أمر به ناج) فالرواية صحيحة عن الرسول عليه السلام. (3/122)
صفحة 357
فالظاهر من الرواية أن من كان في زمان النبي عليه السلام وظهور الدين، كان عليه إقامة أمهات الطاعة كما أمر في ذلك الزمان وربما يشق عليه ما يتخلف عنه من شذوذ الدين فلذلك شدد عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وأما قوله في المتأخرين فظاهر، لأن الله – عز وجل – أسقط عنهم كثيرا من الأحكام التي تتعلق بالظهور من الجمع والجهاد والحدود والأحكام، فالذي يخص الواحد في نفسه هو الملتزم، وربما يعذر الرب سبحانه كثيرا من خلقه بالتقية التي ظهرت في زماننا.
وإن كان في علم الله سبحانه ما يسقطه ويعذرهم فيه عن أهل آخر الزمان، فغير مستنكر، ولهذا شرح يطول، وليس فيه ما ينقص ديننا ولا مذهبنا.
والإيمان عندنا: جميع ما أمر به الباري سبحانه، ولو رجع أكثر أصل الفرائض نوافل فما ذاك مما ينقص أصلها، والطاعة كلها إيمان.
فلو كان محمد (صلى الله عليه وسلم) نسخ بعض الفرائض لكان جائزا، وبقيت مع ذلك من الإيمان، ليس لهم من الرواية متعلق، معنى الإيمان بالفرائض والتوحيد والنوافل واحد.
فلو نسخت الفرائض كلها عن الخلائق إلا التوحيد، لكانت مع ذلك مع النوافل من الإيمان، لا يخرجها إلى أن يكون الإيمان قولا بلا عمل.
وإنما الاتساع في الإيمان الذي دون التوحيد، فلو أراد الله تعالى لجعله أولى من الإيمان المضيق المؤكد، ولو أراد الله تعالى لجعله منه ما أراد من الإيمان الموسع. وقد سنحت في خاطري نكته من هذا الحديث: «إنكم في زمان التارك لعشر ما أمر به هالك، وسيأتي على الناس زمان العامل فيه بعشر ما أمر به ناج)).
-----------------
(1) لعله يقصد أن الله تعالى يجعل له أجرها يوم الميعاد أو ستعود له في مكان آخر. والله أعلم. (مراجع الطبعة الثانية). (3/123)
صفحة 358
ذكر أصول الشريعة البنية على ثلاث
اعلم أن أصول الشريعة مبنية على ثلاثة أمور: الكتاب والسنة، ورأي المسلمين. فالكتاب أصل للسنة والسنة أصل للرأي، وبالعكس، إن الرأي يقضي على السنة، والسنة تقضي على الكتاب. فيا سبحان الله، كيف صار الأصل فرعا، والفرع أصلا، حيث يقضي الأدنى على الأعلى، ومع أن الأعلى أعلى له.
وبيان ذلك أن الله – عز وجل – قال: (وما أرسلناك إلا لتبين للناس ما نزل إليهم) فأول ذلك قول الله تعالى: (يأيها الناس) (يأيها الذين آمنوا) فهذا الخطاب يستغرق جميع الناس وجميع المؤمنين، فخصت السنة منه الطفل حتى يكبر، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ.
وعم عموم هذه الآي جميع العقلاء البالغين، من الرجال والنساء. فقال: (فاتقوا الله وأطيعون يا أولي الألباب) فأمر بطاعته وتقواه جميع أولي الألباب، فدخل النساء في الخطاب، على أن لهن خطابا مفردا.
وقد يكون ذلك عند العرب على أن الأفضل آت على المفضول والرجال على النساء. ثم قال: (وقاتلوا المشركين كافة) (واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه) ثم قال: (جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم) فخرج النساء من الجملة بحكم الشريعة والسنة.
ثم إن السنة جاءت معلومة فكر عليها المسلمون بآرائهم فضعضعوها، من ذلك الأخذ باليمين على الشمال، وهو من سنن المرسلين، وتركته الأمة حتى ترك، والزكاة لليهود، والإحسان إلى أسارى المشركين قال الله – عز وجل -: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا).
ومعلوم أن الله تعالى قال: (قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم) فهذه عموم محتملة للتبعيض، فنسخ الله تعالى منهم أهل الذمة، فقال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). (3/124)
صفحة 359
ثم خص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الجملة النساء، فنهى عن قتل نساء المشركين. ثم نسخ أبو بكر الرهبان الذين هم في الصوامع. ثم نسخ منها عمر بن الخطاب نصارى بني تغلب، وأسقط عنهم الجزية، وأخذ منهم الصدقة، وأزاح عنهم اسم الذلة والمسكنة، غزوا معهم المشركين ورضخ لهم وسالمهم.
ومن وراء ذلك عشرة أحكام نطق بها القرآن ومضت بها السنة، أن عمر بن الخطاب تتبعها حكما حكما وثلمها ثلما ثلما، وغير الأحكام المتقدمة إلى غيرها، وسوغ الله تعالى ذلك له، ورضي المسلمون وأذعنوا، وأتى رأيه على الكتاب والسنة.
ولهذا قلنا: إن الرأي يقضي عليهما جميعا، أولها: تعطيل حق القرابة من الخمس، والثاني: بطل سهم المؤلفة قلوبهم، والثالث: إسقاط القطع عام الرمادة عن السارق، والرابع: اطراح الصدقات عن الناس عام المسبغة، والخامس: اعتاقه أمهات الأولاد على أربابها، والسادس: صلحه نصارى بني تغلب، وما أسقط عنهم من الأسامي التي سماهم الله بها. والسابع: منعه في الفيء الذي أفاءه الله على المسلمين، والثامن: تحرير المشركين بعد ما صاروا أرقاء، والتاسع: إجلاؤه اليهود والنصارى من بلادهم بعد ما تركهما عليه السلام فيها، والعاشر: تمصيره الأمصار، وتدوينه الدواوين وقسمة الفيء.
فإذا ساغ هذا كله لعمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وقد صادم فيها القرآن والسنة، فلم لا يسوغ لأهل آخر الزمان من المسلمين – مع الضر وكثير من محظورات الشريعة – أتباعا لسنة عمر وغيره، ولاسيما الشدائد في أيام الدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج و مأجوج، وهذا السحت الذي عم البلاد، وشمل العباد، والملوك الجورة الذين عكسوا الشريعة، وقلبوها ظهرا لبطن. (3/125)
صفحة 360
وفي امرأة فرعون آية للسائلين، كيف لها بالدين مع فرعون وأهله وحشمه ودخلته، وقد حار عقلي في هذا الحديث، وحديث آخر: أن أمته تكون في ثمانين صفا من مائة وعشرين من أهل الجنة، مع ما ذكر من الثلاث والسبعين فرقة، كلهن إلى النار إلا واحدة. فما بقي وقد تقدم في الجزء الأول الإشارة إلى شيء من هذا. (3/126)
صفحة 361
ذكر مسائل متعددة مفيدة
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
عونك اللهم وتوفيقك.
اعلم يا أخي أنه وصل كتابك الأغر والأكرم، فوقفنا على مضمونه، وقد شفيت وكفيت، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء، وصادفني ذلك وأنا في ورجلان سدراته، ولم ألتق بالشيوخ أبي عمرو عثمان وصالح حفظهم الله، وكان إذ ذاك أبو عمرو عثمان، سلمه الله، مريضا ضعيفا كما استنقذ من مرض به.
وأما ما ذكرت من كتاب زهرة العيون لابن قتيبة، حديث الأوزاعي عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب). فقال عليه السلام: «لا سررنا بها، لا سررت بها يا علي، سر بها أمتي من بعدي: الصدقة على وجهها، واصطناع المعروف، وبر الوالدين، وصلة الرحم، يحولن الشقاء سعادة، ويزدن في العمر، ويقين مصارع السوء».
اعلم يا أخي أن ابن قتيبة عالم رواية، وليس بإمام عند أهل مذهبه ولا حديثه مما يكون حجة بين المذاهب، ولقد أخذ عليه المتكلمون في مذهبه في استواء الله تعالى على عرشه، وذهب به إلى الاستواء المعقول، ورد على من قال بغيره وأنبهم، وزعم أن الله تعالى خاطب الناس والعامة بما يعقلون ويفهمون، فأحالتهم المتكلمة عن ذلك.
أما الأوزاعي فإمام أهل مذهبه، وأهل الشام قاطبة غلب عليها مذهبه، حتى انتهى مذهبه إلى الأندلس وعلى مذهبه كان أهل الأندلس إلى اليوم، وليس ينتحل مذهب مالك في الأندلس إلا خدمة المرابطين في أيامهم، وهم ينظرون (3/127)
صفحة 362
إليهم بعين الزراية، أعني بقية أهل الأندلس ينظرون بعين الزراية إلى من خدم المرابطين، أما أحكام مالك فمهجورة في الأندلس، والمرابطون أيضا ينظرون إلى من خدمهم من فقهاء الأندلس بعين الشك والارتياب، وهذا الذي شاهدناه منهم في زماننا هذا.
وقد دخل الأندلس من أصحاب مالك أربعة لا غير: يحيى بن يحيى ويحيى بن بكير وفرغوس، وذهب عني الرابع، فلم يقضوا شيئا، ولم يتجاوزهم علمهم إلا بعد الأربعمائة والخمسين سنة من الهجرة، دخلها البجائي وبعده ابن عبد البر، فغلب البجائي على أهل غرب الأندلس بطليوس وقطرها، وغلب ابن عبد البر على المرية وحواليها.
واعلم أن الأوزاعي إليه انتهت إمامة الشام، وفي أيامه كانت الأئمة: مالك بالحجاز إمام، وسفيان الثوري بالعراق إمام، والليث بن سعد إمام بمصر، وهم في الصدر الرابع، لأن الصدر الأول صدر الصحابة، والثاني صدر التابعين، والثالث صدر تابعي التابعين، والصدر الرابع صدر الأئمة، وإلى هذا الصدر الإشارة بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لحذيفة حين سأله فقال: (يا رسول الله هذا الخير الذي أتانا الله بك، هل بعده من شر؟) قال: «نعم، الفتنة». قال: (وهل بعدها من خير؟) فقال: «نعم، إغضاء على إقذاء وهدنة على رهق». فقال: (وهل بعد الخير من شر؟) قال: «نعم، أئمة مضلون قاعدون على أبواب جهنم ينادون إليها، كل من أجابهم قذفوه فيها».
على أن هذه الأئمة ذكرت هذه الأحاديث التي جاء فيها التشبيه تشبيه الباري سبحانه في الرؤية وغيره. فقالوا: أمروها كما جاءت.
وأما محمد بن علي بن الحسين فهم بيت العلم، غير أن علمهم قد هجنته الرافضة، وعلي بن الحسين هو القائل: (3/128)
صفحة 363
وأما أخبار جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (1) فقد ضعفتها العلماء، وجعلوا حديثه مرسلا، لأجل روايته عن جده، لأن علي بن الحسين لم يدرك جده
علي بن أبي طالب، فإن أراد الحسين فإن محمد بن علي لم يدرك جده الحسين، فلهذا المعنى طعنت الأمة في حديث مالك في الشاهد مع اليمين، ورواه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجعلوه من المراسيل.
وأما قوله: «يحولن الشقاء سعادة». ونحن نذكر الآن قبل مذاهب الأمة في قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب).
ذهب ابن عباس إلى أن الحفظة إذا نزلت من السماء، كتبت عمل العبد وصعدت إلى العرش، وتنزل أيضا ملائكة يكتبون ما عمل، فتلتقي الملائكة في السماء الدنيا، فتتقابل النسختان، فما صح في نسخة اللوح المحفوظ، فهو الذي يحاسب عليه العبد، وما خالف ترك هناك فيمحى، وهو معنى قوله تعالى: (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون).
وقيل: معناه أن الله قسم الأرزاق والآجال لكل أمة، فمن زيد في رزقه وأجله فيفعله، ومن نقص من رزقه وأجله فيفعله، ومصداق ذلك قول رسول الله عليه السلام: «أعمار أمتي من الستين إلى السبعين».
وليس في ذلك ما يوجب أن من جاوزها أو مات دونها، أنه ليس من الأمة، ولكن الأجل المرفوع لأمته ما ذكرنا، ويكسبون طول الأعمار والأرزاق بالأعمال التي ذكرناها عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، من الصدقة والمعروف، وبر الوالدين، وصلة الرحم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وتنخرم أعمارهم وأرزاقهم بنقيضها.
وقيل: إن معنى قول الله – عز وجل -: (يمحو الله ما يشاء ويثبت .. ) آجال من توالد وأرزاقه، وآجال وأرزاق من انتقصت آجاله وأرزاقه. (3/129)
صفحة 364
وقيل: يمحو الله ما يشاء من السيئات بالحسنات، ويثبت ما يشاء من السيئات ولا يمحوها بالحسنات، كالترياق الأعظم الذي هو التوبة، وما دونها من الحسنات التي هي كالأدوية تصلح لشيء ولا تصلح لشيء.
وقيل: إن معناه: يمحو الله ما يشاء من المنسوخ، ويثبت ما يشاء من الناسخ.
وقال بعضهم بالبدا في أفعال الله تعالى ترويه الشيعة عن أهل البيت محمد بن علي وذويه، ويرويه عن جده علي بن أبي طالب. وقالوا عن علي: ما منعه أن يخبر عن كل ما يكون إلى يوم القيامة إلا مخافة أن يبدو فيه لله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وهذه القولة أفحش الأقاويل.
فرووا عن محمد بن علي أنه قال: (هو ديننا ودين آبائنا في الجاهلية وفي الإسلام) وهذا مذهب الروافض.
ولقد صدق مالك بن أنس الذي قال: (تحملوا ويل غيهم) (2) فتحمل حين قال هذا عنهم، وإنما أرادوا هذا كله حمية في علي وأولاده فتعاموا لهم.
-----------------
(1) عبارة (كرم الله وجهه) جاء في ط البارونية فوق السطر، فالله أعلم هل هي أصلا عن المؤلف رحمه الله تعالى أو من غيره. (مراجع الطبعة الثانية).
(2) في الطبعة البارونية: تحملوا أو يزغيهم. ولعل الصواب ما أثبته. (مراجع الطبعة الثانية).
مسألة
وأما المسألة التي جرت بين عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس – رحمهما الله – وهل يجوز أب يقول الرجل: أنا مسلم عند الله حقا، أم لا يجوز له ذلك؟
قال ابن عباس: (لا يقول ذلك).
وقال ابن مسعود: (بل يقول ذلك).
فكتب إليه ابن عباس: إن لم تقل ذلك فأنت شاك في دينك). (3/130)
صفحة 365
وقلت: ما معنى قول ابن مسعود؟ وهل يجوز للرجل أن يقول: أنا مسلم عند الله حقا؟ ولم ينزل فيه خبر.
اعلم أن هذه الرواية ما وقفنا عليها في كتاب ابن بركة العماني، إلا أن طرأ له من الدواوين ما لم نقف عليه.
والذي صح عندنا وثبت عكس هذا، عن ابن مسعود في كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام أمين الحديث: أنه قال: (قال رجل يوما من الأيام بين يدي ابن مسعود: (أنا مؤمن). فقال له ابن مسعود: (فأنت إذا في الجنة). فقال له الرجل: (إن شاء الله). فقال ابن مسعود: (أفلا وكدت في الأولى كما وكدت في الثانية). وهذه الرواية عكس الأخرى , وسنجيب في الوجهين جميعا إن شاء الله، ومنه التوفيق.
وذلك أن الأمة قد اختلفت في هذه الأمور، فأثبت أهل الدعوة التسمية بالعاقبة والمآل.
وقال غيرهم: بل بالحيل والحال. وكلا الأمرين سائغ في لسان العرب في حقنا، ومذهبنا ظاهر في حق الباري سبحانه.
فظل الفريقان يتخاطفان أبصارهما ويتخالسان فيها بينما، فعول أهل الدعوة على المعاني، والغير على الألفاظ، والمعاني والألفاظ بحران عظيمان زاخران، قد غرق فيهما كثير من الناس، إلا من قاده التوفيق إلى سواء الطريق وأعطى كل ذي حق حقه فالألفاظ وقشور المعاني لباب، فاختر أيهما شئت، وقد يسوغ ما قاله الغير فيما بيننا ولا يسوغ في بارئنا سبحانه فأبى الغير من (1) فما رأينا في هذا سواء، ونحن – إن شاء الله – نوضح المذهبين جميعا.
اعلم أن أصول هذه المسألة في اللغة وبعدها الشرع، أما اللغة، فإن معهود العرب في الأفعال والأسماء متفاوتة، وذلك أن الأفعال تدل على الحدوث (3/131)
صفحة 366
والزمان، ماضيا وحالا ومستقبلا، فجعلوا لكل زمان صفة تدل عليه من الأفعال، والأسماء من وراء ذلك تقتضي هذه الثلاثة المعاني، وهي موقوفة عليها، ونقدر كلمة واحدة من الأفعال، ونركب عليها محتملاتها الأدنى فالأدنى حتى يتضح المعنى، وهي كلمة (فعل) وقد جعلها الله معيارا لجميع الأفعال. فقال عز من قائل: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون).
فلو قلت (فعل) لدل على الحدوث في وقت ماض من الزمان، ولو قلت (يفعل) لدل على الحين الذي أنت فيه من غير تحمل، ولو قلت (سيفعل) لدل على الآتي من الزمان.
فالأمس دال على ما مضى، والآن دال على الحين، وغدا دال على المستقبل، وكل واحد منهما دال بصيغته على مقتضى معناه، لا تنوب إحداهما عن الأخرى إلا مجازا، ونحن الآن في الحقائق.
فلما استغرق الفعل الزمان، وبقي الاسم يصلح للكل: ماضيه وحاله ومستقبله، فليس يقتضي معنى دون معنى إلا بقرينة وتقييد. وقولنا: (فعل، يفعل، سيفعل) فهو فاعل.
ثم إنا رجعنا إلى أبنية الفاعل فوجدناها على وجوه كثيرة، كلما زيد في المعنى تغيرت له الصورة، فأولها فاعل ثم فعيل ثم فعول ثم فعلان ثم فعال ثم فعاله ثم فعلة.
فهذه السبع الكلمات لا تختص بوقت دون وقت، ولا حال دون حال، وتصلح للجميع وبرهانه في لغة العرب:
إنك تقول: هذا رجل حاج. لمن أراد السفر إلى الحج واشتغل في حوائجه وإن كان في عقر وطنه. وحاج: لمن جازه السفر إلى حجة. وحاج: لمن كان في المناسك. وحاج: لمن فرغ منها. وحاج: لمن كان في القبر ميتا. وحاج: لمن كان في الرحم جنينا إذا ورد فيه خبر. (3/132)
صفحة 367
ولنرجع إلى قولنا (مسلم) فأجريناه على هذا المجرى. وأوله: لمن أخذ في شرائع الإسلام، ولو لم يكن إلا الشهادة. ثم لمن تقول في معظم الإسلام وصدر منه القول والعمل، ثم لمن تحلى به في حياته ولو كان ميتا في قبره، ولمن لم يخلق بعد أن صدر القول من الصادق كإبراهيم الخليل حين سمى هذه الأمة مسلمين ولما يخلقوا.
فإن وقع التخاطب بأن هذا مسلم لمن شرع فيه، كاليهودي والنصراني والمشرك الشارع فيه نصا، مسلمان على أنهما لم يلتبسا من الدين إلا باسمه. والثاني: لمن تغلغل فيه وإن بقيت عليه العاقبة. والثالث: من فرغ من الإسلام بموت أو جنون. والرابع: من جرى عليه حكم الإسلام كالصبيان وأهل الجنة.
فمن العادة المتقدمة أن بيضة الإسلام تسمى مؤمنة وإن خالطها الغير، وإن كنا نعرف الضمائر ولم نبل السرائر، فمن علم أن هذا مراده، فإطلاق اسم الإيمان عليه سائغ. فهذا بحر الألفاظ.
أما بحر المعاني فإذا كان الله – عز وجل – عالما بالعاقبة والمآل، فإن المكلف لابد أن يوجد، ولابد له بعد الوجود من الإيمان أو الكفر وعلى أحدهما الخاتمة.
ومن كانت عاقبته الجنة فاسمه مؤمن مسلم، ومن كانت عاقبته النار فاسمه كافر، أجرينا الاسمين عليهما قبل أن يوجدا أو قبل أن يخلقا وهذا ليس فيه اختلاف. والدليل عليه فعل إبراهيم الخليل، عليه وعلى نبينا محمد السلام حين سماهم المسلمين.
وقول الجميع: إن الساعة لا تقوم إلا على كافر. وفي لغة العرب مصداق ذلك، وذلك أنهم مهما أبصروا شمائل السبق في مهر سموه سابقا، كما ولد قبل أن يسبق، فلم يبق إلا المعارضة التي بين الفريقين. (3/133)
صفحة 368
فقال أصحابنا: إن جميع من علم أن مآله إلى الجنة ومرجعه، فهو مسلم عند الله في جميع حالاته ولو كان عابد وثن، في تلك الحالة فهو مسلم عند الله في جميع حالاته، وقبل أن يخلق وبعد ما خلق طفلا، وبعد ما بلغ أشده.
واختص بالكفر والشرك والنفاق إذا علم الله تعالى أنه يموت على غير الإسلام، ولا يجوز لأحد أن يسميه بغير هذا الاسم إن علم بذلك من عند الله تعالى.
وقالت الفرقة الثانية: إنه لا يسمى بشيء من هذه الأسماء حتى يصدر منه فعل، فيسمى مسلما إن فعل الإسلام، وكافرا إن فعل الكفر والشرك والنفاق، ولو علمنا العاقبة والمآل. وكلا الفريقين قد انتصر لمذهبه.
فمذهب من قال بالمآل، وقد ذكرناه حكاية عن الخليل، صلوات الله على نبينا وعليه، عن آخر هذه الأمة.
واستدلت الفرقة الثانية بقول الله تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) وبقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) فإن حصر الاسم إلى معلومة خرج غيره من هذه التسمية، فيكون الخطاب خاصا لمن علمه الله أنه مؤمن، وإن كان الجميع دخل فيه المسلم والكافر.
وقال أهل الدعوة: إنه أراد المسلمين عندكم. وقد سمى أهل الدعوة مؤمنا بمعنى مقر، وسموا مسلما بمعنى مدع، وهذا منتقض علينا من وجهين: أحدهما: أن صاحب الكبيرة عندنا كافر قاتلا كان أو مقتولا. فإن خرجنا من هذا الخطاب، ووقعت الإباحة لهم أفلن نقيد فيمن قاتل منافقا لأنه ليس بمؤمن. وكذلك قوله: (ومن يقتل مؤمنا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) فوقعت الإباحة في قتل صاحب الكبيرة. (3/134)
صفحة 369
والوجه الثاني: قولنا: ومن يقتل مؤمنا، يريد المؤمن عندكم، فهذا التحكم يرجع علينا في فروع الشريعة كلها، وخصالها من موحد ومصل وصائم وحاج ومزك وظالم، فما وسعت من ذلك وسعهم.
وأما لتسمية أنفسنا بمؤمن ومسلم، وذلك على وجهين: فإن كان السؤال فيه عن المآل، فالجواب عنه يرجع فيه إلى علم الله الكبير المتعال، وإن كان السؤال عن الحال فالجواب مرتبط بالحال.
وقد وردت أحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، في مثل هذا حديث محجن، وذلك أن رسول الله عليه السلام جالس في مجلس له، وأذن المؤذن لصلاة العصر، فقام عليه السلام بالناس، ونظر إلى محجن جالسا في موضعه، فأتاه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجلس بين يديه وقال: «ما منعك من الصلاة؟ ألست برجل مؤمن؟» قال: (بلى يا رسول الله، ولكن صليت في أهلي) فقال عليه السلام: «إذا جئت والناس يصلون فصل معهم وإن صليت في أهلك» وفي بعض الروايات «واجعلها فرضك».
وفي الأمة حين سألها عن الله فأشارت إلى السماء، ثم سألها عن نبيها فأشارت إليه فقال: «اعتقها فإنها مؤمنة» (2).
وحديث سعد بن أبي وقاص، حين قسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) غنائم هوازن، فأعطى فيها رسول الله عليه السلام عطايا جليلة، فقام إليه سعد بن أبي وقاص، وذكر رجلا من أصحاب رسول الله عليه السلام فقال: (أين أنت عن فلان يا رسول الله؟) فرفع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رأسه، فلم يكترث به هنيهة. فقال إليه ثانية فقال: (يا رسول الله أين أنت عن فلان؟ إنه مؤمن). فلم يكترث به رسول الله. قال سعد: (فأخذني ما قرب وما بعد. ثم قمت إليه ثالثة فقلت: يا رسول الله أين أنت عن فلان، إني أراه والله مؤمنا؟) فقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والتفت إلي فقال: «أو (3/135)
صفحة 370
مسلما» فقال عليه السلام: «إني والله أعطي الرجل عطاءا وغيره أحب إلي منه، وأعطي هذا أتألفه، وأكل هذا إلى إيمانه».
واعلم أن الحكم في المسئول إن سئل فقيل له: (أمؤمن أنت؟) فالذي ينفهم للناس منه: هل ادعيت الإسلام، أو طريقة الإيمان، أم لا؟ فالجواب: إني مؤمن.
ومعنى قوله: (فأنت في شك من دينك)، معنى إن سئلت عن الحركة وقد تحركت أن تقول: تحركت عند الله. ومن شك أنه يتحرك وقد تحرك عند الله كدافع الضرورات، وإنما أوقع في نفسه: هل هو على الإسلام أم لا؟
فإن قلت: أنا مسلم عند الله حقا. فإنما ذلك عندك على الحال، كما لا تشك أنك متحرك كذلك لا تشك أنك مسلم عند الله حقا، وإذا وقع ما عنده على ما عند الله لم يجز، وإذا وقع ما عند الله على ما عنده جاز.
وليس في هذه المسألة طائل فائدة حيث وقع الاختلاف في الأسماء: هل هي على الفور أو على المآل؟ وليس بين الفريقين تناقض كل يعمل على شاكلته، الأجوز له حمل المآل على الحال، ولا الحال على المآل.
-----------------
(1) بياض في البارونية. (مراجع الطبعة الثانية).
(2) هذا الحديث لم يصح هكذا. (مراجع الطبعة الثانية).
مسألة هود بن محكم عن ابن عباس
مسألة:
وأما ما ذكرت في مسألة هود بن محكم عن ابن عباس: (أن إبليس لو كان من غير الملائكة، لم يؤمر بالسجود معهم).
والذي تحكم عليه ابن عباس غير محال، كما أنه ليس بمحال كونه من الملائكة ولا يؤمر بالسجود، لأنهم قالوا في بعض الأخبار: ما سجد إلا أربعة وعشرون ملكا من الملائكة.
فإن ادعى ابن عباس التوقيف فمصدق، وأما من ظاهر الخطاب فلا، وقد قال الله تعالى: (ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون) يريد الملائكة، فالجنة قبيل من الملائكة. ومن الجنة أيضا إبليس. (3/136)
صفحة 371
ومن قرأه بالكسر فإنه أراد ملكين من ملوك الدنيا، والكل سائغ، وهو معركة العلماء التي يسوغ لهم فيها الاختلاف، ولا يقطع فيه بالحق عند الله تعالى.
وأما ما ذكرت عن معصيتهما من جهة الأخبار فليس عندنا في ذلك نصوص تحيل عنهم المعصية إلا عموم القرآن المحتملة للتخصيص، وليس أيضا عندنا توقيف على معصيتهما.
واعلم أن أفعال الملائكة وعلومهم منوطة بالاجتهاد والإلهام، وأن الخطأ يقع في اجتهادهم ولا يؤديهم ذلك إلى المعصية، وعلومهم كذلك.
واعلم أن من دين الله – عز وجل – غير مبرأ من الخطأ والزلل، وأفعال المكلفين تتعاورها ألفاظ كثيرة، من ذلك الطاعة فيها فرض ونفل، والمعصية كبير وصغير، وبينهما أسام متغايرة.
منها: المباح لا ثواب ولا عقاب. والخطيئة: ما في فعله مكروه وفي تركه ثواب.
والسيئة: ما في فعله خطيئة وليس فيها معصية. والمعصية إما صغير وإما كبير. وترتبط بالمعصية الخطيئة والسيئة وإن كانت دونها. والخطيئة: إتيان مالا ينبغي ولا يليق بالعبد.
والسيئة: ما أساء فيه العبد إلى نفسه ولا يحكم عليه فيه بالمعصية.
وأول درجات العقوبات المعصية، وأول درجات الثواب النفل، وما بينهما فمحمول على العبد إن فاز وسلم.
والكلام الآن على الخطيئة والسيئة، لأن من الناس من لا يفرز بينهما وبين المعصية. (3/137)
صفحة 372
والدليل على أن الخطيئة تكون ولا معصية: ما حكى الله – عز وجل – عن عبده إبراهيم الخليل عليه السلام: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) ولم تؤثر عليه خطيئة إلا في أمر يماحل فيه عن الإسلام ليس بمعصية ما.
والثانية: حديث داود عليه السلام حين سجد ومكث في سجوده فيما قالوا: أربعين يوما حتى نبت البقل من دموعه، ثم غفر الله له. ثم قال: (يا رب أنت الحكم العدل، وقد أخطأت على الرجل فيما فعلت، فطيف لي به أن يغفر لي وقد غفرت لي أنت يا رب؟) فأمره الله تعالى أن يذهب إليه ويبعثه من قبره، فأتاه فصلى ركعتين فضرب القبر بالعصى فناداه فأجابه، فسأله المغفرة فغفر له ثم ذهب وبقي في قلبه وحشة الخطيئة. فقال: (ما هذا يا رب؟) فقال: (وحشة الخطيئة). فصاح فوقع مغشيا عليه، فمكث أربعين يوما أخرى، فأتاه الملك فصاح به. فقال: (ارفع رأسك فقد غفر الله لك)، فلم يكترث بالملك، ثم قال له الملك: (ارفع رأسك، فإن آخر أمرك شبيه بأوله، فأوله خطيئة وأخره معصية)، فكان معنى المعصية خطيئة بلجاجته ففرق بين الخطيئة والمعصية.
ونحن الآن نتقلب في سهمنا من خطيئة أبينا آدم، صلوات الله عليه، وعلى نبينا محمد عليه السلام.
وقال (صلى الله عليه وسلم): «البزقة خطيئة وكفارتها دفنها» ولهذا قال ابن عباس: «ليس فيما يعصى الله به صغير» حتى قال بعضهم: إن مناهي القرآن كبير، ومناهي السنة خطيئة وليست بمعصية.
وأما أفعال الملائكة واجتهادهم، اعلم أن الله تعالى فوض إليهم الاجتهاد في أفعالهم، وربما يقع الخطأ فيها نادرا، وليس ذلك بضارهم شيئا.
ويدل على ذلك قصة طينة آدم عليه السلام، قال الله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون). (3/138)
صفحة 373
ففي هذا الخبر أمران: الاعتراض على الله تعالى في أفعاله. والثاني: مدحهم لأنفسهم. والذي ينبغي لهم التسليم لأمر الله تعالى والرضا بقضائه، ولكن الحبيب محبوب.
وأما تحكمهم أن بني آدم مفسدون في الأرض وسفاكون الدماء، اقتبسوا من قول الله – عز وجل – حين سألته الملائكة عن صفة الخليفة ونسله، قال الله تعالى لهم: (لو عذب أحدهم أو أذى فقرض بالمقاريض ما فارق أمري).
فقالوا: (من يفعل هذا بهم؟).
قال: (بعضهم ببعض). فلذلك قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء).
فأجابهم الله – عز وجل – وقال: (إني أعلم مالا تعلمون).
فلما أجابهم بهذا الجواب اتهموا أنفسهم وخافوا أن يكون الله غضب عليهم من قولهم، فقصدوا نحو العرش فطافوا به ساعتين ونصف ساعة.
فقال الله لهم: (ابنوا لي يبيتا في السماء السابعة، وطوفوا به على نحو طوافكم بالعرش) فهذا البيت المعمور.
فلما أحكم الله – عز وجل – خليقة آدم عليه السلام وأمرهم بالسجود له، خلق الأواني وأدارها بآدم عليه السلام. فقال: (أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين).
فاعترفوا وأجابوا. فقالوا: (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).
فقال الله – عز وجل – معجزا لآدم عليه السلام ومفاخرا لهم حين نازعوه فعله وعلمه. (يا آدم أنبئهم بأسمائهم).
فلما أطاعوا لذلك، وعلم الله آدم الأسماء بالطبع قالوا: (يا آدم ما هذه الأواني؟). (3/139)
صفحة 374
قال لهم: (هذه القصعة).
قالوا: (ما هذا؟) (1)
قال لهم: (للخبز يثرد فيها).
قالوا: (وما يثرد؟)
قال: (يطبخ بالماء الحار ويسكب عليه).
وقالوا: (من أين؟)
قال: (من القدر يوقد تحتها النيران لغليان الماء).
فما زالوا يسألونه عما علمه طبعا، فعلموه منه خبرا.
فلما ظهروا على أسامي الأواني وخواصها، قال: (ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون).
فاعترفوا وأطاعوا وأذعنوا بعد السؤال والجواب والمديح والعتاب.
وكذلك قصة الملك الذي سأل الله تعالى وقال: (يا رب هذا الخلق خلقته وهو محدود، فمن رمى بسهم إن سار ففي الخلق، وإن رجع إنما رده الخلق).
فقال الله – عز وجل -: (طر حتى تصل طرفي الخلق). فطار مائة عام. فقال: (يا رب طرت مائة عام).
قال: (فطر). فطار مائة عام أخرى.
فقال له: (يا رب قد طرت مائة عام أخرى.
قال له: (طر مائة عام أخرى). فاتهم الملك نفسه وفعله. فقال: (حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى، ليس وراء الله مرمى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
فقال الله تعالى: (وعزتي وجلالي لو لم تقل هذه الكلمات لتركتك تطير إلى يوم القيامة). (3/140)
صفحة 375
وقصة الملائكة أيضا، حين أراد الله – عز وجل – أن يخلق آدم بعث إسرافيل إلى الأرض أن يأخذ منها من كل موضع قبضة، فجاء إلى الأرض فقالت الأرض: (أعوذ بالله من أن تأخذ مني من يعصي الله تعالى) فقال إسرافيل: (لقد عذت بمعاذ) وقال الله – عز وجل -: (ما فعلت؟) وهو أعلم به منه؟ فقال: (يا رب عاذت بك فأعذتها).
فقال الله تعالى لميكائيل: (اذهب إلى الأرض خذ منها من كل موضع قبضة)، فأتاها فصنع معها كما صنع إسرافيل.
فبعث الله جبريل الروح الأمين، فكان كذلك. فبعث الله عزرائيل فاستعاذت منه كما استعاذت من الأولين، فقال لها: (وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أفعل ما أمرني به ربي).
فقال الله: (أنت على قبض أرواح بني آدم).
وقد تختلف الملائكة فتبتلي بني آدم فتحكم بينهم، كقصة الذي قتل مائة نفس بالعالم الذي استفتاه، والقضية مشهورة.
وكما ابتلى محمد عليه السلام بالروح الأمين حين جاء يعلم المسلمين دينهم. وقصة ملك الموت مع موسى عليه السلام.
وقصة ميكائيل وجبريل عليه السلام، حين لعن إبليس، فقعدوا يبكيان فقال الله – عز وجل -: «ما يبكيكما وقد آمنتكما؟» قالا: (فمن يأمن مكرك يا ربنا) فقال: «أصبتما كذلك فافعلا». فجرت القصة على الملكين ببابل، وذكر المحدثون ما ذكروا، وليس بمستنكر منهم شيء فيما ذكروا أن لو ورد عن تثبت، إذ الملائكة مثل بني آدم، وبنو آدم عليه السلام أفضل منهم، وليس في عموم القرآن الوارد بتنزيههم ما يحيل ذلك عنهم، إذ العموم يحتمل والمحتمل ساقط من يد المحتج. (3/141)
صفحة 376
ولقد وردت أخبار تدل على أن بني آدم أفضل منهم. قال الله تعالى: (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) فهم حفظتنا وخدمتنا، وناهيك فضلا منهم من خدمنا، وخلقت الجنة والنار لنا، وخلقت السموات السبع والأرضين السبع لنا، وأباح لنا ما في السموات والأرضين، قال الله تعال: (خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير). فقصر العلم إلينا، وهم سفرة بيننا وبين ربنا.
وفي الحديث: «إن المؤمن من بني آدم أفضل عند الله من جميع الملائكة».
وحدثني الشيخ نوح بن تافي عن الشيخ أبي سليمان صاحب الشيخ أبي خزر إلى مصر، أنه روي له عن الشيخ أبي خزر قال: (إن المسلم عند الله من بني آدم أفضل من الملك) من أمثال هذه.
والملائكة مكتسبة لأفعالها كنحن، ولو يصدر منهم ما شاء أن يصدر حين ختم بالتوبة بعد الفتنة وتعليم السحر، فأيهما أحسن حالا، من عوفي أو من ابتلي مثلهما؟ وليس علينا فيما ذكر عن الملائكة شيء لمن اعتقد أنهم أولياء الرحمن وقد قال الله – عز وجل -: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) فهو مخصوص في الزبانية.
وأما قوله: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) هكذا حال أولي العزم من الرسل والأنبياء والصديقين والسابقين والمقربين.
وأما قوله: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم). وعيد شديد.
وأما قوله: (ولا أقول إني ملك) فهذا الذي ينبغي ويليق به ألا يتعظم عليهم، وليس في اعتذاره لمن لا يعي ولا يفهم متوهما أن الملائكة أفضل من النبيين ومن سائر الصالحين طائل، ومحمد ونوح صلوات الله عليهما متواضعان. (3/142)
صفحة 377
مسألة:
والذي ذكرت أن الجان أبو الجن وهو رجل صالح، فهذا غير مستحيل لو جاءت به الأخبار الصحيحة، وإنما يخشى على قائل هذه المقالة، وإن كان إبليس أبا الجن أن يجعله رجلا صالحا، وليس في المسألة ما يحتمل الإطناب.
-----------------
(1) خ: لماذا.
قول عمروس في الجملة التي يدعو إليها رسول الله عليه السلام
مسألة:
وقولك: (ما معنى قول عمروس في كتابه – رضي الله عنه - حين ذكر الجملة التي يدعو إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فألزم الناس معرفتها والنطق بها، ثم ذكر غير ذلك من مسائل التوحيد مما ذكره أبو الربيع سليمان بن يخلف – رضي الله عنه – في (باب ما لا يسع الناس جهله) أن ذلك كله من تفسير الجملة، وأن ذلك كله واسع على الناس ما لم يخل بالتفسير، ثم بعد ذلك ذكر مسألة الأخوين ومحاورتهما، وجعل الشك في البعث شركا بربه، اشرحوا لي ذلك كله، وكل ما لا يسع جهله مما لا اختلاف فيه).
اعلم – وفقنا الله وإياك – أن العلم إنما يؤخذ من أصله لا من فصله، وأنا أحب – إن شاء الله – أن قدم لك مقدمة، أحصل لك مسائل مما لا يسع الناس جهله جملة وخصوصا، آتي من وراء ذلك – إن شاء الله – على طريقة الإمامين: عمروس وعزان بن الصقر، وطريقة الشيخ الفاضل أبي الربيع سليمان بن يخلف، رضي الله عنهم أجمعين وعلى أوليائه المسترشدين.
واعلم أن الله تعالى أرأف بعباده وأرحم من أن يتركهم ولما يوضح مسائلهم التي لا يسعهم جهلها.
وكذلك محمد خاتم النبيين الرؤوف الرحيم بالمؤمنين والمؤمنات ورحمة للعالمين، وقد شرع لهم الدق والجل والنقير والقطمير، وبين وأوضح لهم ما يأتون وما يتقون، حتى حلف صلوات الله عليه وسلامه فقال: «والذي نفسي بيده ما تركت لكم شيئا مما أمرني الله به إلا أمرتكم به، ولا تركت لكم شيئا مما (3/143)
صفحة 378
نهاني الله عنه إلا نهيتكم عنه» وأنا أشرح في الأمر – إن شاء الله، وحسبي الله ونعم الوكيل – ومعولي بعد الله تعالى على أمرين: آية من كتاب الله – عز وجل – وحديث من حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم).
وأما الآية فقول الله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله).
والحديث: حديث جبريل عليه السلام حين جاء أصحاب رسول الله يعلمهم أمور دينهم.
وأما قوله: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) فالرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) بدليل لام التعريف، فهو تعريف العهد إذ ليس بتعريف الجنس، فلو قال قائل: أرأيت رجلا؟ فقيل: من الرجل؟ لدل لام التعريف أن المرئي هو المسئول عنه، ولم يكن منكرا بدليل قول رسول الله في تفسير قول الله تعالى: (فإن مع العسر يسر إن مع العسر يسر). وقال: «لن يغلب العسر يسرين». فدل تكرار المعرف أنه واحد، وتكرار المنكر أنه إثبات، فقال: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) فأخبر الله عنه أنه آمن، فأطلق ولم يقيد، فأثبتناه أنه آمن قولا وعملا واعتقادا.
ثم قال: (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته) فظهرت العلة في ذلك: إنما سموا المؤمنين لأجل الإيمان، والحكم تابع العلة.
وأسماء الصفات إذا قرنها الباري سبحانه بحكم دلت على التعليل، وفي التعليل أوضح الدليل على منهاج السبيل.
ألا ترى إلى قوله تعالى: (اقتلوا المشركين كافة) لأجل ماذا؟ لأجل شركهم، السارق والسارقة والزاني (1) لأجل ماذا؟ فهذا الأمر الذي عزاه إليهم ووصفهم به. (3/144)
صفحة 379
ولو عرف الاسم من الصفة والشرط وصار لقبا، لكلف العلماء للبحث عن علمه، فلهذا المعنى كلفت العلماء استخراج العلل والألقاب دون الصفات.
واعلم أن الأسماء لا تفهم إلا بحقائقها وحدودها، فلو سمعت قائلا يقول: (هذا عبد) لا نفهم لك منه إنسانا تملكه وتحكم عليه وله فيه التصرف في البيع والشراء والأخذ والعطاء والاستخدام والعناء وأنه كونه في منزله.
ولو قال لك: (هو صاحب) لا نفهم لك منه المقارنة والمصاحبة.
ولو قال: (ملك) لا نفهم لك منه الاستيلاء والقهر والرعية والجنود.
ولو قال: (هو الإله) لا نفهم لك منه المحدث الفعال القادر. ولهذا قال الله – عز وجل -: (قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس) إلى آخرها.
ثم إن الله تعالى قصر الإيمان على الله فقال: (والمؤمنون كل آمن بالله). فمن أقر بالله انفهم له أنه المحدث وغيره الحدث قال الله تعالى: (أفي الله شك فاطر السموات والأرض) فأثبت انتفاء الشك عمن انتفى عنه الشك في الفطور.
فحصل من قولك: الله الفاطر المحدث، وجوده أولا، إذ محال محدث ولا محدث له، وهذا تلقيناه من قول الله – عز وجل – حكاية عن كل نبي مرسل محتجين به على أممهم.
وقد حصل لنا من المحدث الوجود والإيجاد، ومن الوجود والإيجاد القدم والحياة، ومن حصل له القدم والحياة حصل له العلم والقدرة، ومن حصل له العلم والقدرة حصلت له الإرادة والمشيئة، ومن حصلت له الإرادة والمشيئة حصل منه الفعل، لأنه محال فاعل ليس يشاء، وشاء ليس بمريد، ومريد ليس بقادر، وقادر ليس بعالم، وعالم ليس بحي، وحي ليس بموجود. (3/145)
صفحة 380
وقد تضمن قولك: (الله) جميع ما يتصف به الباري سبحانه كنا قدمنا. وهذا تفسير قول الله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم). فالحي يتضمن الصفات، والقيوم يتضمن التكليف والتصرف.
فإذا دل قولنا: (الله) أنه قديم، وأنه حي، وأنه عالم، وأنه قادر، وأنه مريد، وأنه شاء، وأنه فاعل، فهذه السبع يقتضيها قولك: (الله لا إله إلا هو الحي) ويقتضي قولك: (القيوم) الفعل وهو الخلق والتكليف وهو الأمر والنهي، ويقتضي الأمر والنهي والطاعة والمعصية، ويقتضي الطاعة والمعصية الثواب والعقاب، ويقتضي الثواب والعقاب الجنة والنار، والجنة والنار يقتضيان المصير.
فهذه الستة يتضمنها قولك: (الفاعل) فهذه الثلاث عشرة خصلة اقتبسنا معرفتها من معرفة الله – عز وجل – والإيمان به.
ثم أن الله تعالى شرع مالا يتضمنه قولنا: (الله) وهو الإيمان بالملائكة والكتب والرسل. فهذه الثلاثة لابد من سماع فيها.
فثبت أن مسائل مالا يسع الناس جهله عموم، فحصل لنا من قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) على جميع ما لا يسع الناس جهله نصا أو متضمنا.
ومصداق ذلك قوله تعالى: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا).
ويؤيد ذلك حديث جبريل عليه السلام، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جلس ذات يوم مع أصحابه، إذ أقبل إليهم رجل في هيئة عظيمة، وعليه عمامة حسنة طيب الرائحة نقي اللون، فلما كان من رسول الله عليه السلام قريبا سلم وجلس، فرد عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (3/146)
صفحة 381
السلام ثم قال: «أأدنوا منك يا رسول الله؟» قال: «نعم». فدنا منه، فلما كان بين يديه جلس فأوقف إحدى ركبتيه وأضجع الأخرى. فقال: «إني أريد أن أسألك» فقال: «اسأل عما شئت». فقال الرجل: «ما الإيمان يا رسول الله؟» قال: «أن تؤمن بالله ملائكته وكتبه ورسله وبلقائه وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». فقال الرجل: «صدقت» فتعجب الناس من قوله لرسول الله: «صدقت». ثم قال: «ما الإسلام يا رسول الله؟» فقال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا، وتغتسل من الجنابة». فقال له الرجل: «صدقت، ما الإحسان؟» قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فقال: «صدقت». فقال: «متى الساعة يا رسول الله؟» فقال عليه السلام: «ما السؤول عنها بأعلم من السائل عنها، وسأنبئك بأشراطها: وهي إذا ولدت الأمة ربها أو ربتها، ووسد الأمر إلى غير أهله، وتطاول رعاة البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله، فتلا رسول الله عليه السلام: (إن الله عنده علم الساعة) إلى آخر الآية. فقال الرجل: «صدقت». ثم قام وانصرف، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «علي بالرجل». فقاموا في أثره فنظروا يمينا وشمالا فلم يجدوه، فناداهم رسول الله فرجعوا إليه فقال لهم: «إنه جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم».
فهذه المسائل المذكورة هاهنا هي المسائل التي لا يسع الناس جهلها بقضها وقضيضها، ولم يؤثر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما لا يسع جهله غير ما ذكرنا، فلو كان لما خفى عن أمة أحمد عليه السلام فالرواية مقبولة فمن شرع غير هذا رضينا به، وقد شرع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الدق والجل من أمر دينهم، حتى الاستطابة بالأحجار وأمورا يستحي من ذكرها أفيدع مالا يسلمون إلا بمعرفته؟
وقد ذكر الشيخ أبو الربيع هذه المسائل، وذكر فيها معرفة آدم وجبريل عليهما السلام وعلى نبينا محمد، وتحريم دماء المسلمين وتحليل دماء المشركين (3/147)
صفحة 382
وولاية المسلمين وبراءة الكافرين، ومعرفة الشاك والشاك فيه إلى يوم القيامة، ومعرفة القرآن مفروزا من جملة الكتب.
وتأول فيه قول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله) الآية.
وقد ورد في القرآن ما هو أوكد من هذا، فلم يوجبوا معرفته كقوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) مع إجماع الأمة أنه ليس علينا من معرفة إبراهيم شيء ولا معرفة سائر الأنبياء وما أنزل إليهم، وإن كان علينا الإيمان بهم جملة من غير قصد إلى معرفة أحد منهم باسمه وما أنزل عليه، على أن ظاهر القرآن لم يدعنا إلى الإيمان بهم هكذا بل إلى القول بالإيمان بهم وعلى أن الله تعالى لم يكلف أحدا الشهادة إلا قول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، وما جاء به الحق» وما سوى هذا فليس عليك فيه من الشهادة شيء، إلا الإيمان بما قامت عليك به الحجة.
وأما معرفة جبريل وآدم عليهما السلام، وفرز القرآن من الكتب، فلم يرد فيه عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) توقيف إلا أن يكون حمل ذلك على الشهرة، والله أعلم.
ولم يرد في نبوة أبينا آدم صلوات الله على نبينا وعليه، ولا في رسالته أمر يقطع به الشهادتين لا متواترا ولا مسندا.
وأما ولاية المسلمين فاعلم أن من قبل عن الله دينه فقد تولاه وتولى الملائكة والأنبياء والرسل والمسلمين أجمعين الذين هم على دينه، كما أنه قد تبرأ من الكفار والمشركين حين فارق دينهم، وحصل في ولاية هؤلاء، وفي عداوة هؤلاء وتم له الأمران جميعا، وربما يجب عليه من حقوقهم والمعاضدة والمعاونة إذا شاهدهم، وتبرأ من جميع الكفار بمفارقتهم وترك دينهم. (3/148)
صفحة 383
وقد رأينا في خطبة الإمام عبد الرحمن بن رستم – رضي الله عنه – أنه خطب لهم ذات يوم بتاهرت فقال: (أيها الناس أنه من صلى صلاة الصبح فقد تولى جميع المؤمنين الذين أمر الله بولايتهم، وتبرأ من جميع الكافرين الذين أمر الله بالبراءة منهم).
وذكر في خطبته أيضا أخرى: (أن من نوى التشهد في الصلاة أنه أتى بجميع ما لا يسعه جهله) على أن التشهد إنما زيد في آخره زيادة ما قد كان من شروط رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على من عرض عليه الإسلام، وفي كتبه إلى الآفاق: «أن يكون مع المؤمنين ويفارق المشركين».
ولقد سألت الشيخ يحيى بن أبي بكر – رضي الله عنه – عن هذه المسألة المذكورة في الجملة التي يدعو إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خصوصا. فقلت له: (فمن أين وجبت الشهادة أن ما جاء به الحق)؟
قال: (كان رسول الله عليه السلام يدعو المشركين إلى الإيمان فمن أظهر الإيمان وقبله ودخل فيه اجتزا عنه، أو قال: صدقت، أو قال: نعم يا رسول الله، أو سأل عن فريضة أو حاجة، فمهما ظهر منه القبول لهذه الدعوة قبل عنه.
فلما توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأظهر أهل الكتاب أنه رسول إلى الأميين دونهم، خرج المسلمون من أراد الدخول إلى النطق بالشهادة على الله: «أنه لا إله إلا هو، و أن محمدا عبده ورسوله، وإن ما جاء به الحق من عند الله»).
وقد ذكر في كتاب الترمذي، وهو من الكتب الصحاح (2) في الحديث: وروي عن ربعي بن خراش عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «والله لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويشهد أن الذي جئت به الحق من عند الله، ويؤمن بالقدر خيره وشره». (3/149)
صفحة 384
وفي قول الله – عز وجل – بعض الإشارة إلى القول: بأن ما جاء به محمد عليه السلام هو الحق. قال الله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا) إلى قوله: (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين فأثابهم الله بما قالوا) فأثبتوا لهم القول في أن الذي جاء به محمد هو الحق.
-----------------
(1) أي عرف (السارق والسارقة والزاني والزانية) لأجل اتصافهم بالسرقة والزنى، كتعريف (المشركين لاتصافهم بالشرك. (مراجع الطبعة الثانية).
(2) يصنفه أهل الحديث من الكتب الحسان. والله أعلم. (مراجع الطبعة الثانية).
وذكرت فرز ما لا يسع الناس جهله، وقد تقدم القول في الإيمان بالله اعتقادا وقولا، وكذلك محمد (صلى الله عليه وسلم) تصديقا ونطقا، وقد قرنه الله تعالى عند ذكره معه لقوله: (ورفعنا لك ذكرك) وقوله في التشهد: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله». وقوله في الأذان: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله».
وربما كان هذا في أول الإسلام كما قال الشيخ يحيى بن أبي بكر – رضي الله عنه – وجل الأمة لا يرون النطق بالشهادة «على أن ما جاء به الحق». ويجتزئون بقولهم: «أشهد أن محمدا رسول الله». فهذه الكلمات الثلاثة عندنا هي الجملة التي يدعو إليها رسول الله عليه السلام في أيامه وعلى عهده.
والثانية: الإيمان بالملائكة: أنهم أولياء الله، ثم ولايتهم وهو الكون معهم على دين الله وعلى طاعته ويحبهم، وقال أهل الدعوة: (يترحم عليهم)، فليس عليهم أكثر من المعنيين: الإيمان بوجودهم وولايتهم.
وأما معرفة جبريل عليه السلام بالقصد ومعرفة اسمه ومعرفة نزوله بالقرآن العظيم على محمد عليه السلام، فإن أهل الدعوة يرون الإيمان بذلك واجبا، قصدا واعتقادا ومحبة وترحما.
الثالثة: أنهم يوجبون الإيمان بكتب الله تعالى، ولابد من معرفة معنى (3/150)
صفحة 385
الكتب وأنها منزلة من عند الله تعالى، وائتمروه بأمره ونهيه وخبره وباستخباره.
ولابد من معرفة هذه المعاني الثلاثة: معنى الكتاب معنى النزول والفرض هو الأمر والنهي، ومن جواب أهل الدعوة أن عليه عرفة هذه الأمور جملة، وعليه القصد إلى القرآن الذي جاء به الروح الأمين قصدا واعتقادا، ويعرف معناها لا لفظها جملة وخصوصا.
الرابعة: أنهم يوجبون معرفة الرسل ويوجبون الإيمان بها جملة ولا تصح له معرفة الرسل إلا بمعرفة أربعة معان أولها: الرسل، والثاني: المرسل. والثالث: الرسالة، والرابع: الإرسال.
فإن انخرم منها واحد بطل معنى الرسل، وقد قال الشيخ – رضي الله عنه -: (إن علينا أن نعرف الرسل من نسل آدم عليه السلام أجمعين).
وأوجب من هذه معرفة أبينا آدم عليه السلام، وليس علينا في إيجاب معرفة آدم، ومعرفة المسلمين من الجن، ومعرفة الملل إلا تقليد الأئمة الراشدين – رضي الله عنهم – وما نص من القرآن أو توقيف من السنة. فلا الخامسة.
وقد ذكرنا المعاني التي تتضمنها معرفة المصير، والأسباب التي توجب الأسباب، فالتكليف وهو الأمر والنهي والطاعة والمعصية والثواب والعقاب والجنة والنار.
ولابد من معرفة الجنة بمعناها والنار بمعناها، ولا يدرك معناها إلا توقيفا أو تعريفا وما يتضمن ذلك من الأبد، وليس تكمل لك معرفة شيء حتى تحصل اسمه وذاته وصفته، ولنرجع إلى أولى هذه المسائل ولنظهر حقيقة ما قلنا. والله المستعان.
أولها: الإيمان بالله ومحمد رسول الله وما جاء به أنه الحق من عند الله، (3/151)
صفحة 386
ومن عرف هذا الاسم أنه الله، ولم يعرف معناه أنه القديم المالك للغير لما صح له معنى الاسم، فربما تنوب الصفة عن الاسم ولا غنى عن الذات.
ومن لم يظهر على معنى الاسم كان بمثابة اللقب ولابد من معرفة الاسم بمعناه كما قلنا، ولابد من معرفة الذات أول ما فيها وجودها، وربما يكون عنده الاسم لما لا ذات له، كالحال والأزل والقدم، ومعرفة الذات أنه ليس كمثله شيء.
ومعنى الصفة أن تعلمه أنه حي، فيحصل لك من هذه الثلاثة معان معرفة الله والإيمان به أنه الله الموجود الحي.
وأما قولك محمد بأن تعرفه بأي اسم من اسمائه لقبا أو غيره.
ومعرفة ذاته: أن تعرفه أنه من جنس بني آدم، ومعرفة صفته أنه رسول مبلغ أمين وولي لله ولك، وأنه من أهل الجنة.
ولابد عند أهل الدعوة أن تعرفه بهذا الاسم محمد، وتعرف أن الذي جاء به من القرآن أنه الحق من عند الله.
ومن جهل الملائكة أنهم أجسام لم يعرفهم، ومن لم يعلمهم بإسلامهم وإيمانهم تولاهم وتولاهم الله (1)، فلم يعرفهم. ومن وراء ذلك الأفعال والاكتساب، وجبريل منهم فمن لم يعرف أنه منهم لم يعرفه وأنه ولي الله نزل على محمد بالقرآن.
وكذلك معنى كتب الله المنزلة، فلا يصح له الكتب حتى يعرفها كلاما، فلو توهمها شجرا أو حيوانا أو سماء أو أرضا لما عرفها من حقيقة الكتاب، ولم يعلم أنها نزلت من عند الله وتوهم أنها من عند إنسان أو جان أو شيطان، أو ليطاف (2) لكان بها جاهلا، حتى يعلم أنها نزلت من عند الله فلو علمها كتبا ونزلت من عند الله ولم يعلم المعنى المراد بمنزولها من عند الله من الأمر والنهي والوعد والوعيد كان بها جاهلا. (3/152)
صفحة 387
وكذلك الرسل، لو لم يعلم معنى المرسل الذي هو رب العالمين، والمرسل الذي هو الإنسان، والإرسال من عند الله، والرسالة التي جاءت بها الرسل من الكتب والتكليف، لكان جاهلا.
وكذلك لو علم التكليف ولم يعلم معناه، وعلم الطاعة والمعصية ولم يعلم بمعناهما، والوعد والوعيد ولم يعلم معناهما، فلا غنى عن الاسم والذات والصفة.
وأما محاورة الاثنين: فإن البعث من الأمور التي أوجبنا معرفتها مما لا يسع جهله مع البلوغ، وهو معنى قوله: (وإليه المصير) ولا يسع جهله لا سمع ولا لم يسمع ورأى ذلك شكه بعد قيام الحجة، فإن معنى شكه إنكار، ولم يكن شكه موقوفا على البعث بل في الكل في الرب وغيره، ولا يغرنك قوله: (ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) كما قال الله – عز وجل – عن نظائره: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم أتخذ عند الرحمن عهدا).
والخامسة: وأيضا ذكر عن بعض فقهاء مصرنا من نفوسة أنهم قالوا: (من تزوج ذات محرم منه مثل أمه أو أخته وهو متعمد لذلك لا يرجم ولا يقتل) (3) واعتلوا بأن ذلك نكاح فاسد، وهل أحد من العلماء قال بقولهم أم لا؟ الجواب: أنه لم يقل أحد من أمة أحمد إلا أبو حنيفة وهو مذهبه.
وأما ما ذكر عن الشيخ عمران بن علي أن أنساب المشركين فيما بينهم لا تثبت بعد قول الله – عز وجل -: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) وإن نكاح المشركين فيما بينهم حرام عليهم، ولا يثبت نسبهم فيما بينهم، كما لا يثبت نكاح المسلمين للمشركات.
اعلم أن هذه المسألة ما سمعناها عن أحد من هذه الأمة، ولو قالها أحد لظهر وشهر، وتلزمه الشنعة العظيمة في أن يبيح بنات جميع النسوة اللاتي دخل بهن، وهذا خرق الإجماع، وقد أثبتت الأمة أنساب المجوس قديما وحديثا. (3/153)
صفحة 388
وأما المسألة المذكورة عن الشيخ حنيني أنه أفتى بالشرك والكفر فيمن أباح الثلاث للمطلق، اعلم انه لما ورد علينا كتاب عبد الرحمن عن الشيخ يتدين بهذه المسألة، وكتبت إلى حنيني في أمرها. فرد إلي الجواب وقال: (ما أفتيت بهذه).
وأما الحكاية عن الشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر – رضي الله عنه – قال: (من أباح الدخول في دور الناس بغير إذن، بعد قول الله – عز وجل -: (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) أنه مشرك، ومن أباح نكاح الحائض بعد قول الله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يظهرن) أنه مشرك، ومن أباح الرجعة للمطلقة ثلاثا قبل أن تنكح زوجا غيره، بعد أن يكون الطلاق واحدا بعد واحد، فهو كافر، وأما أن يحجر عن الناس الطلاق ثلاثا فلا).
وأما المسألة المذكورة عن عزان: (من بزق في غير وجوهكم وقال: (في وجه إبليس) إنه إن أصاب وجه إبليس أنه كافر) والله أعلم. لا أشك أن من قال بهذه المقالة (4) إنما قالها عن لسان إبليس، ولو علم هذا القائل ما بين آدم عليه السلام وبين إبليس اللعين لما حكى هذا عن أحد، ولو كان بين الحاكي وبين آدم نسب أو حسب لاستحى من قوله هذا.
ألم تعلم أن الله تعالى لما أهبط آدم عليه السلام من الجنة نزل كئيبا حزينا، وأن إبليس اللعين كان فرحا مسرورا اكتنفه وقوعه، ويدور به يمينا وشمالا، فظل يصرف ويضرط ويصفق ويعفط (5) ويتشفى منه ويتخذه ضحكة، وآدم صلوات الله عليه يبكي ويبكي، ولو علم إبليس أن من بزق في وجهه من بني آدم أنه كافر لما ترك بزقة تصل إلى الأرض ليوقع الناس في الكفر. (3/154)
صفحة 389
وإن كان هذا إنما غضب لإبليس حين ظلم وبزق في وجهه، لهو من نسل إبليس لا من نسل آدم صلوات الله عليه، ولا أظنه إلا من الجن نسل إبليس تخيل في صورة بني آدم، أوله فيه شرك في أمة وهو عريق النسبة كريم الحسنة حيث انتصر لأبيه.
وها هنا مسألة عارضة لو ظهر إلينا إبليس، هل يجوز لنا أن نضربه أو نحبسه أو نقتله أو نشتمه، أو يمنعنا منه تأخير الله إياه إلى يوم القيامة، فمن احتمى لإبليس ينبغي له أن يحظر هذا عن الناس، ويقوم في حمية الوسواس الخناس إبليس، فيما بينه وبين آدم صلوات الله عليه، أن النار مهلكه للأرض، وأنشد فيه شعرا:-
-----------------
(1) هكذا وجدتها ولعل الأصح (لم يتولاهم وقد تولاهم الله). والله أعلم (مراجع ط 2).
(2) لعلها من الخفاء أي أنها خافية غير معروفه. (مراجع الطبعة الثانية).
(3) كان في العبارة الأصلية حسب ط البارونية خلل كبير، أصلحتها بقدر المستطاع. والله أعلم بالصواب. (مراجع الطبعة الثانية).
(4) أي أم هذه المسألة ليست من كلام عزان. (مراجع الطبعة الثانية).
(5) كان في ط البارونية (ويعطفد) والصواب (ويعفط) والعفط هو نثير الضراط (مراجع ط 2). (3/155)
صفحة 390
ذكر أفعال المكلفين
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
بلغني يا أخي كتابك الأغر الأكرم، تذكر فيه المسألة المذكورة في كتاب «العدل والإنصاف» في باب أفعال المكلفين، وهي أن العبد هو الفاعل الكاسب المريد لأفعاله وكلامه وقوله ونطقه وقراءته، وأما صوته (*) فلا، وأن حواسه كلها أجسام، وكذلك محسوساته كلها أجسام وهي اللون والطعم والريح والصوت (*) وملموسة كلها أجسام، وأما الحواس فالسمع والبصر وحاسة الذوق واللمس وحاسة الشم فهذه أيضا أجسام.
اعلم يا أخي أن الأشياء تؤخذ بالتقييد لا بالتقليد، وتقتبس من أصولها لا من فصولها، والذي أذهب إليه أن الصوت كسائر أخواته في التجسيم، أو هو أقرب من أخواته إليه.
واعلم أن هذه المسألة ليست بدينية ولا شرعية، وإنما هي مسألة طبيعية، وإنما يقتبس عليها من أحد ثلاثة أوجه: أولها: اللغة. والثاني: قول ولاة هذا الأمر وهم الأطباء والطبائعيون الذين ينظرون في ذات العالم. والثالث: الشرع، ولم يرد فيه سمع يقطع أنه جسم أو غيره إلا أن يقتبس من قول الله – عز وجل – الصاخة والقارعة.
فلنرجع إلى الوجه الأول وهو اللغة، وذلك أن أهل اللغة سموا الصوت وأخواته محسوسات، وسموا مقتضياتها حواس، وبعضهم سموها جواس، فعلى الوجهين جميعا يقتضي هذه التسمية للجس بتجسيم الصوت، (3/156)
صفحة 391
إذا صار محسوسا كسائر أخواته، كما أن حاسته جسم فهنالك أخواته، فما بال الصوت من بينها أن يكون عرضا.
فالحس والجس يقتضي محسوسا ومجسوسا مدركا لجاسة مجسوسه، ولا يتبين لك تجسيمه حتى يطالب بالبرهان من يدعي أخواته أجساما، فهنالك يبين لك أنه جسم.
فإن قال القائل: ما الدليل على أن اللون جسم؟
قيل له: لأنه يدرك بالبصر ومتميز في موضع دون موضع.
فإن قال: ليس في دركه ما يدل على أنه جسم، لأن حاسة السمع جسم وتدرك الصوت وهو عرض على قول من يقوله.
قيل له: وكذلك الطعم لا دليل على تجسيمه من جهة دركه بالذوق، لأن حاسة الذوق جسم أدركت عرضا كالصوت.
وكذلك الرائحة واللمس على هذا الحال، وليس في الحواس على أنها أجسام ما يدل على محسوساتها أنها أجسام لأجل الصوت (1).
وإن قال: إنما قلنا في اللون والطعم والريح وسائرها أجسام لأنها موجودة في الجسم متمكنة أو معترضة، أيما قال في ذلك، فالصوت أظهر تحيزا وتمكنا من سائرها.
وأما قول الخائضين في هذا الشأن وهم الأطباء والطبائعيون الذين هم أرباب هذا الشأن قالوا: إن الدليل على أن الصوت جسم، أن المصوت إذا صوت فإن صوته يتضمنه المكان، ويقله الهواء والفضاء وهما جسمان، ويتمكن فيه من أجل أنه كروي الشكل.
فإذا صدر صوت من مصوت سرى في الجهات الست ما خلي وطبعه، فصار الصوت مركزا وقطبا، وصار في الست الجهات على نسبة واحدة، (3/157)
صفحة 392
فمقدار ما يسمع هذا الصوت من فوق فهو حده من أسفل، ومقدار ما يسمع يمينا هو حده يسارا، ومقدار ما يسمع أمامه هو حده من خلفه، وإن وقع الصارف والمانع انصرف وامتنع من تلك الجهة، مثل الريح، فأنه يذهب به إلى جهته وربما يسري به فيبلغه مسافة وأعظم من مسافته لو خلي وطبعه.
فإن قوي الريح صرفه بالكلية من جهة إلى جهة، ويكون له صارف من حائط أو غائط (2)، وتتبين الجهة التي يأتيك منها، ويكون له حاجز عن الأسماع ولو ضربت طبول الدنيا لمن كان في قارورة ما سمعه، أو تنشق القارورة، ويسري إلى جبل ويرجع صداه بصوته كما هو لا يحرم منه شيء، ومن وراء ذلك أنه متصف ببعض صفات الأجسام من الخشونة والليونة والدقة والحدة والصفير والبحوحة، ويهد الجبال ويقرع الآذان ويصم الأسماع، ويزهق النفوس ويطرب ويكون، فهذه كلها صفات الأجسام، ومن أراد معرفة هذا فليأخذه من أهل الموسيقى، وربما يحدر الأخلاط، ويضر بالأفراط، ويلذ ويؤلم، ويهيج الشجاعة والجبن والهواء المستكن.
وإنما وقعت الشبهة فيه لامتزاج الصوت والتصويت وتعذر الانفصال. وأما كلامنا وقولنا ومنطقنا وقراءتنا فهي أفعالنا، وكذلك تصويتنا. وأما صوتنا فهو فعل الله – عز وجل – وهو جسم، أفعالنا أعراض.
فإن قال قائل: ما الفرق؟ قيل له: إنا وجدنا العبد يتكلم ويقول وينطق ويقرأ من غير صوت، فكان الصوت شيئا طارئا على هذه المعاني، والصوت شيء واحد، جعله الله تعالى حد المستمع بالسمع.
وأما الكلام وأخواته قد يقع من غير ما صوت، وأول ذلك الكلام فيحده تحريك اللسان بالحروف والشفتين، وتقتضي بنظمها المعاني. (3/158)
صفحة 393
فإذا وقع تأليف حروف باقتضاء معاني سمي كلاما وقولا ومنطقا وقراءة.
وقد يقع الكلام بصوت وبغير صوت، وإنما الصوت بعض أوصافه غير الملازمة، ألا ترى أنك تقول: كلمته إيماء وإشارة ورمزا، وليس في شيء من هذا صوت. كما قال الله تعالى عن زكريا عليه السلام قال: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا).
وأما القول كما حدوه في الكلام: أنه حروف منظمة تقتضي معاني. قال الله – عز وجل -: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول). وهذا القول باللسان يخاطب نفسه من غير ما صوت، إلا بنظمه الحروف بلسانه.
فإن عورضنا وقال: إذا جعلتم القول في النفس من غير ما صوت، فقولوا في الكلام كذلك، فهذا دليل أن الكلام كلام الله – عز وجل – صفة له في ذاته أزلية.
قلنا: لابد من الكلام والقول من نظم الحروف، فيتعدى ذلك النفس، فإن لم تكن حروف ولا نظم كان علما، والعلم اعتقاد في النفس، والكلام والقول معنى جاوز النفس إلى نظم الحروف المعنوية، فهذا الفرق بين العلم وبين الكلام في النفس، وبين القول أيضا.
ولابد من معنى زائد على العلم وهو تصوير المعنى في النفوس، وهذا الزائد هو القول ويكون بغير صوت ولا يتوجه إلى الغير.
فأما النطق أيضا فهو على هذا الأسلوب مما يتعلق باللسان والشفتين، وقد يكون بصوت وبغير صوت، وقد جعل الله تبارك وتعالى للحكل منطقا، وباتفاق أن ليس للنمل صوت. فلقبوه باسم الحكل، ففهمه الله تعالى لسليمان عليه السلام. فقال تعالى: (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي). (3/159)
صفحة 394
وقال في منطق الطير: (علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين).
وكذلك القراءة على هذا النمط، فمهما كان معها صوت صارت جهورة. وإن لم يكن معها صوت صارت سرا وهي القراءة التي كلفنا بها في صلاة النهار التي قال فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «صلاة انهار عجماء». ولم يرتبط شيء من هذا بالصوت، فلا جرم أن الصوت لاحق بكلامنا.
وقولنا ونطقنا وقراءتنا إن وقع بها الصوت والتصويت فعلنا، وهو الحركة باللسان والشفتين كما قدمنا في سائرها.
والتصويت في مقابلة التحريك، فمهما حركنا شيئا كان فعلنا منه التحريك، وفعل الغير الحركة. وكذلك التصويت والصوت فعل الله – عز وجل -.
-----------------
(*) الظاهر أن هنا تناقض بين اعتبار الصوت من الأجسام أولا، ولعل المؤلف – رحمه الله – أثبت كلام صاحبه الذي ذكر له عبارته في «العدل والإنصاف» كما هي، ثم أنه علق عليها بأنه يعتبر الصوت أيضا جسما. والله أعلم. (مراجع الطبعة الثانية).
(1) في عبارة الطبعة البارونية السابقة اضطراب حاولت إصلاحها قدر الاستطاعة والله أعلم بالصواب. (مراجع الطبعة الثانية).
(2) الغائط: المكان الواسع من الأرض. (مراجع الطبعة الثانية). (3/160)
صفحة 395
مسائل في الولاية والبراءة
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
جواب مسائل إخواننا من أهل الجبل نفوسه
بعثوا بها إلينا، رعاهم الله وصانهم وحفظهم، وحفظ عليهم دينهم، على لسان أخينا مدارا، أحاطه الله وألهمه الرشاد والسداد.
اعلم يا أخي أن هذه المسائل تدور على ثلاثة أصناف:
صنف منها في الولاية والعداوة والبراءة، وما يتعلق بها.
الثاني: الطعن في دين المسلمين، وما يتعلق به من المسائل.
الثالث: ما يتعلق بصفات الباري سبحانه وبأسمائه.
ونحن نريد أن نذكر عند كل مسألة صنفا من هذه الأصناف الثلاثة، أصله وفصله وموجب الحق فيه، والبرهان على ما ذهبنا إليه أنه الحق واعتقدناه، ونأخذ بعد في تفريع المسائل واحدة بعد واحدة، وأول ذلك الولاية والبراءة.
فإن سأل سائل: من أين لكم التدين بأن الولاية ولاية المسلمين واجبه؟ وأنها توحيد؟ وبراءة الكافرين توحيد؟ وأن ولاية الأشخاص طاعة واجبة؟ وكذلك براءة الأشخاص واجبة وطاعة؟
واعلم أن ولاية المسلمين بعضهم بعضا صحيحة لقول الله – عز وجل -: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين).
ونهى الله تعالى عن ولاية الكفار، وأنفذ فيه الوعيد. قال الله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم). (3/161)
صفحة 396
ومن يتولى المشرك كان مشركا، ومن تولى الكافر كان كافرا، ومن تولى المنافق كان منافقا، ومن تولى صاحب كبيرة كان صاحب كبيرة.
وقال الله – عز وجل – في الولاية: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
واعلم أن الولاية مرتبطة بثلاثة أوجه:
أولها: الموافقة في الشريعة، لأن الله تعالى أمر المؤمنين أن يكونوا على شريعة واحدة ولا يختلفوا عليها وأمرهم بالتعاون، وهذا أصل الولاية في الموافقة في الشريعة.
والثانية: المحبة بالقلوب والتودد بالجوارح، فمن عري من محبتهم ومودتهم لن ينتهي دون بغضهم (1) وهي البراءة. قال إبراهيم عليه السلام وعلى آله: (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده).
والثالثة: حقوقهم من المعونة والإسعاف والاستغفار والرحمة، وحسن المعاشرة بعد المحبة والمودة، ولابد من الاستغفار، قال الله تعالى: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات). وكذلك في ولاية الأشخاص.
وقد اجتمعت الأمة على ولاية الجملة، وإنما الاختلاف في ولاية الأشخاص. وقال هؤلاء القوم: ليس علينا من ولاية الأشخاص شيء. وقال ابن الحسين: إلا بشريطة إن كان من أهل الجنة. قلنا لهم: كذلك قول الله – عز وجل -: (اقتلوا المشركين كافة) فليس علينا من قتلهم واحدا واحدا شيء إن لم نقدر على قتلهم بالجملة، وقد قال الله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام والذين آمنوا: (قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون). فلن يسع إبراهيم والذين معه أن يتبرأوا من أفرادهم. ثم قالوا: (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده). (3/162)
صفحة 397
أما العداوة باللسان فأطلق لهم العقال في عداوتهم بجميع ما قدروا عليه من الشتم باللسان والدعاء لهم بالنيران.
وأما البغضاء فالاعتقاد لهم بكل مكروه من الشر في الدنيا والنار في الآخرة.
فمن أقر لأخيه المسلم عليه بالمودة والمحبة، فالحنان والاستغفار باللسان، فقد أقر بالولاية فهو مرادنا.
ومن أبطل هذا فقد أبطل حقوق المسلمين بعضهم من بعض. قال الله – عز وجل -: (من يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون وحسبنا الله ونعم الوكيل).
فأول ولايتك المسلمين كونك على شريعتهم، قال الشيخ أبو خزر يغلا ابن زلتاف: أصل الولاية الموافقة للشريعة، فمن وافقته في الشريعة فقد وجب عليك بعض ولايتك عليك في اخذ الحقوق والتعاون معه على البر والتقوى. والبراءة أيضا مفارقة الكفار.
وأكثر شروط رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على من اسلم على يديه ممن تابعه أن تكون مع المؤمنين وتفارق المشركين، فهم نفس الولاية ونفس البراءة. ومن وراء ذلك توابعهما والله المستعان.
مسألة:
قولك: رجل متولى إذا فعل فعلا.
اعلم أن المتولي من فعل الولاية، وأنت تريدها هنا من تولاه الناس واسمه الولي، وإنما ينبغي له أن يقول: رجل ولي فعل فعلا.
واعلم أن لغة العرب في مثل هذا هي الحجة العظمى لأن بها عرفنا مراد الله – عز وجل -.
ويدل عليه قول الله تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) فرد من فعل (3/163)
صفحة 398
الولاية لا المفعول فيه الولاية، وهذا معروف من جهة لغة العرب وتصاريفها تقول: تولى يتولى توليا فهو متول والمفعول متولى.
فلو قال رجل: متول فعل فعلا. لكان أشبه. وإنما ذكرنا لك هذه النكتة لتكون منها على بصيرة، فإن العزابة قد عودوا في التولي أنه المفعول فيه الولاية واسمه الولى والمتولى، وأخرى ربما يقف أحد على كتابنا إليكم فيستهجنه ويستسمجه، ويحملنا وإياكم على الجهالة والغلط.
فإن صرفت هذه الكلمة فتقول: ولي يلي ولاء وولاية فهو ولي (2)، والمفعول مولى وولى ويولى تولية فهو مول ومولى، وتولى يتول توليا فهو متول ومتولى، ووالى يوالي موالات فهو موال وموالي، وأولى يولي إيلاء فهو مول ومولى، وتوالى يتوالى فهو متوال ومتوالى، واستولى يستولي استيلاء فهو مستول ومستولى.
وما بقي على النعت والمفرد والتثنية والجمع والمذكر والمؤنث أحكام معروفة عند العرب لا تتبدل ولا تتغير.
ثم قلت: فعل المتولى فعلا لا يدري ما هو، تريد لا تدري أحلال أم حرام، أم طاعة أم معصية ولا تدري ما الحكم فيه.
وقلت: هو ما يسع الناس جهله، فتبرأ منه رجل على ذلك الفعل، أو كفره، أو شركه، أو استحل دمه على ذلك الفعل، وهما وليان تسأل عن السامع ما حاله؟
اعلم أن السامع ليس عليه شيء فهو على ولايته لهما ولا يغير من أحاكمهما شيئا ولا يقف فيهما، وهذه المسألة التي بيننا وبين النكار يقفون في الفاعلين ونحن نقف في الفعلين ولا نقف في الفاعلين ونكون على أصل ولايتنا لهما.
وأصل هذه المسألة هي التي جرت بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأهل الدار: عثمان وأصحابه والمتوقفة سعد بن أبي وقاص أحد الشورى وعبد الله ابن عمر بن الخطاب ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت وبعض الأنصار. (3/164)
صفحة 399
وذلك أن سعدا وأصحابه، كان عندهم عثمان في صحابة بعض صاحبيه ولم يقفوا له على خصلة مخصوصة يحل بها دمه، على أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاثة: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل النفس التي حرم الله».
وإن عمارا وأصحابه قتلوا عثمان، وتبرأوا منه على أفعال شادوها منه، ولم يثبت تحلة دمه منها عند الغير، وحل دمه بها عندهم يوسع الأمر للكل، فسفك هؤلاء دمه وتبرأوا منه. وتوقف هؤلاء وكانوا على ولايته وولاية عمر وأصحابه، فجمعوا بين الأمرين، إذ لم يتبين لهم المخطئ منهما، ووسعهما الحق ما لم يقتحموا أحد الشروط، ولم يزعموا أن ما لهم عليه دين الله ولا يسع خلافه، ولا يقيم أحدهما حجة على صاحبه ولا سيما من تأول قول الله – عز وجل -: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) فاتهموا أنفسهم وغيرهم، فعذرهم الله ما لم يقع الابتلاء.
فكل معصية ليس عليك فيها إلا الكف، وكل فرض ليس عليك إلا أن تعرف أنه واجب عليك وتعصي بتركه.
وكذلك كل من وجب عليه شيء فضيعه، فليس عليك من معرفته ومعرفة الفاعل إلا أن تعلم حرام عليه تركه، وليس عليك من معرفة أسمائه شيء، لا من الكبير ولا من الفسق، ولا من النفاق، ولا من الشرك، إلا الشرك الظاهر الذي ظهرت به تسوية الباري سبحانه بخلقه، أو نفي وجوده، أو قصد إلى شخص بعينه.
فهذه الوجوه الثلاثة لا يسعك إلا تشريكه وتكفيره وإيجاب العقاب له. وأما ما سوى ذلك من المحرمات فليس عليك منها شيء، فأوجبت عليك معرفة شيء من ذلك، فتعلم أنه حرام، وأنه معصية. (3/165)
صفحة 400
وأما سوى هذين الأمرين وهو الشرك الباطن والفرض الواجب، من معرفة محمد عليه السلام والبعث والحساب والجنة والنار والمسلمين والمسلمات، وجميع ما لا يسع جهله، فليس عليك منه شيء إلا أنه حرام، وأن علينا أن الفعلة التي صدرت من ولينا هي معصية ولا ندري ما مبلغها فهي كالمسألة الأولى، فولينا ولينا على حالة، والمستبرز منه ليس علينا منه شيء ونكون على ولايته كأول مرة، وقد قال الشيخ يغلا أبو خزر بن زلتاف – رضي الله عنه – يسع جهل جميع أهل الحرام ما خلا الشرك. وقد تقدم ذكره.
وأما قول الشيخ: (والاستحلال لما حرم الله والإصرار على ما حرم الله) ثم قال: (وذلك إذا علمت أنه استحل ما حرم الله، أو أصر على فعل ما حرم الله) وشرط في هاتين (إذا علمت وكذلك في سائر المعاصي إذا علمت) وأما إذا لم تعلم، فليس عليك منه شيء.
مسألة:
ثم قلت: والمتولون إذا فعل واحد منهم فعلا، لا يدري ما هو، فبرأ منه آخر على ذلك الفعل، فجاء آخر فبرأ منهما. ما الذي يسع السامع؟
اعلم أن هذه المسألة مثل المسألة الأولى إلا في الثالث الذي يبرأ من الفاعل والمفعول فإنه هالك، لأنه لا يخلو أن يكون أحدهما مصيبا، فبرأ منه فيهلك، أما الفاعل أو المفعول، فلا نجاة له مما تورط فيه، فعلى السامع أن يبرأ من هذا الثالث الذي برئ منهما جميعا، ومعنى المسألة إلى الضروريات أقرب.
مسألة:
والمتوليان إذا فعل أحدهما فعلا لا يدري ما هو، فبرئ منه الآخر على ذلك الفعل، وبرئ الفاعل من الذي برئ منه، ما الذي يسع السامع؟
اعلم أن السامع في هذه المسألة كالأولى، ليس عليه منهما شيء، ويكون على ولايته لهما حتى يتبين له الحق.
وأما إن زاد متول آخر إلى أحدهما، فالمتوليان هما الحجة على الآخر. (3/166)
صفحة 401
مسألة:
والرجلان المتوليان إذا قال أحدهما: برئ منه فلان. ما الذي يسع السامع؟
اعلم أن يبرأ من القائل، لأنه حكى عن ولينا كبيرة، فإن كان الرامي من أهل الجملة، فليس علينا من قول الولي شيء، فهي دعوى.
فإن كان من أهل الجملة، فليس علينا منهما شيء البتة.
مسألة:
ومن قال في شيء من الأفعال: (إن هذا الفعل كبيرة أو كفر) ثم فعله، إن كان يبرأ منه أم لا، فهو إلى البراءة أقرب، أو قال: (هذا نبي) ثم أنكره، أو قال (هذا حرف من كتاب الله) ثم أنكره، فلا مخرج له في الوجهين جميعا. هو إلى البراءة أقرب.
مسألة:
ورجل قال: (برئت من واحد من هذه الجماعة) وهم كلهم من أهل الولاية، فهو هالك.
وإن كان بعضهم من أهل الوقوف، فإن هذا ليس علينا منه شيء.
وإن قال: (برئت من أهل ولايتكم) برئنا منه ولو لم يخص أحدا من أحد.
وكذلك إن قال: (هذا مما يوصف الله به) ثم أنكره. (3/167)
صفحة 402
وكذلك إن قال: (هذا حرام) ثم حلله، أو (حلال) ثم حرمه، ففي هذا شبهة، لأن العلماء تختلف فتقول: (هذا حلال). وبعضهم يقول: (هذا حرام)، إلا إن قال: (إن الله حرم هذا مطلقا) فأحله، أو (حلل هذا) فحرمه، قال الله تعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون).فجعل الفقهاء يقصرون التحريم والتحليل إلى الله، ولا يجوز لغيره أن يحلل ولا أن يحرم.
وإنما ينبغي للعلماء أن يقولوا: يجوز ولا يجوز، أو ينبغي ولا ينبغي. وأما حلال أم حرام، فلا، والشارع هو الله سبحانه.
مسألة:
وقوله في رجل أقر بمعرفة نبي أو ملك، ثم أقر بجهله فقال: (لا أعرفه)، لأنه يسأل إن كان عن عهد جهله وأنكر ما قال أول مرة. فهذا راجع عن علمه على بصره من أمره.
وإن أدعى النسيان في ذلك أو حملناه عليه، ففي المسألة توسعة، لكن المشايخ أكثر معلومهم أن هذا راجع من علمه فيما علم، ولا يوافقني هذا الجواب، وخلافه عندي أشبه وأولى وأرحم بنا وأرأف.
-----------------
(1) في عبارة ط البارونية اضطراب أصلحتها بقدر المستطاع. والله أعلم (مراجع الطبعة الثانية).
(2) في ط البارونية ولي ساقطة أثبتها تماما للمعنى والله أعلم. (مراجع الطبعة الثانية). (3/168)
صفحة 403
حكم الذهول والنسيان
في مسألة النسيان والذهول
اعلم أن مسألة النسيان والذهول، قد وردت في كتاب الله – عز وجل – عموما، فنحن على عمومها حتى يرد ما يخصصها، قال الله تعالى في كتابه في بعض الامتنان حكاية عن أوليائه – عز وجل – حين أثنى عليهم: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
فجل المفسرين يقولون: أو أخطأنا أي تعمدنا. ويحكي الله – عز وجل – عن سائر المؤمنين أنهم استوهبوه النسيان، فوهبه لهم، وليس من صفة الكريم أن يستوهب إلى شيء – فيخبرنا أنه قد استوهبه – فيبخل به ولا يجود به، وأنما هذه صفة للئيم أن يشنع على نفسه أنه استوهب ويذكر ذلك عن نفسه ثم أنه لا يهب.
ولو ساغ لأحد أن يقول: لم يسغ النسيان. لساغ لغيره أن يقول: وكذلك المغفرة حين حكى عنه: (غفرانك ربنا وإليك المصير) شهادة انتصاب النون من غفرانك، يشهد لك.
ولو قال: غفرانك بضم النون، لما حكمنا عليهم بمسألة الغفران، ولكن نصبه يدل على مسألتهم الغفران.
وكذلك سائر ما استوهبوه في هاتين الآيتين. وفي وقوله: (ربنا لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) فإن جادلهم بهذا كله، فما بال النسيان من بينهم؟ (3/169)
صفحة 404
فأجمعت الأمة على أن المؤمنين استوهبوا من الله تعالى هذه العشر كلمات فوهبهن لهم، فمال بال الاستثناء في بعضها دون بعض؟! والمسؤول كريم، وهو أولى ما جاد لهم به.
فلو كان الاستثناء في بعضها والمنع، لكان في آخر الآيتين أو في وسطهما، فلو كان الاستثناء يسوغ في أول الأمر، لكان في العقوبات، كما قال الله تعالى: (وهو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) فلما فرغت الآية سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «أعوذ بوجه الله» فعاذه الله تعالى من الأوليين.
وأما أن يستثني عليه ما أمتن به عليه وتفضل من غير ذنب ولا سبب، إلا برأي ذي الرأي فبعيد، وأخرى: أن الاستثناء أمر غالب ليس للعبد فيه صنع، ولم ترد شدة في نسيان شيء إلا في ناسي القرآن، قد ورد فيه التخصيص.
قال الرسول عليه السلام: «إني نظرت في ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من ناسي القرآن». وذلك أنه ينساه إلا بهجرانه إياه وهجران تلاوته، وإنما أراد القراءة ولم يرد نسيان نفس القرآن.
وقد عذر الله المؤمنين في نسيان أعظم العبادات وهي الصلاة، فكيف بما في دونها.
ولو كان النسيان من اختيار العبد لانتبه، وقد اجتمعت الأمة على أنه ليس من اختياره، (3/170)
صفحة 405
واجتمعت على النسيان: أنه محطوط عن هذه الأمة، إلا شواذ ذهب بهم الرجوع عن العلم، وليس النسيان بالرجوع عن العلم في شيء.
والرجوع عن العلم: أن يقصد إلى ما أقره به، فينكره على علم بإقراره، أو تخطئه ما صوبه، أو تصويب ما خطأه، والرب تعالى يتجاوز عن كثير من هذه الأمور، فكيف بأمر ق سقط عن أذهانهم وأوهامهم لا باختيارهم، وليس هذا من صفة الحليم الرؤوف الرحيم .. !
وقال الشيخ أبو خزر يغلا بن زلتاف – رضي الله عنه -: (بلغنا أنه ما سقط عن وهم الإنسان لا يؤخذ به)، فأين ذهب بهم وبمن قال بخلافة وهو الإمام الغاية القصوى، والرب تعالى حطوط جعل النسيان عنهم بمثابة لهم، حين آمنوا كلهم بالله وملائكته وكتبه ورسله وقولهم: (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) فرغبوا في المغفرة فبشرهم أنه (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
فلما خفف عنهم سألوه ترك النسيان فقالوا: (لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) فما بال الشدة في أول موهبة الله – عز وجل – للمؤمنين.
وجل العلماء والمفسرين يذهبون في الخطأ إلى العمد: يقلون: (لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) أي تركنا أو تعمدنا.
وقال موسى بن عمران عليه السلام للخضر عليه السلام: (لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا). فلوجب أن ذلك من الخضر عليه السلام أي فعل إرهاق عسر، ولا يليق بالحكيم الرحيم.
وقال يوشع بن نون – رضي الله عنه -: «وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره». فجعل الله تعالى معذرة المؤمنين في أمر نسوه، وإحالة الذنب على الشيطان، فمن نابه أمر نسيه أحاله على الشيطان، وقال الله تعالى في آدم عليه السلام معتذرا له: (فنسي ولم نجد له عزما) على عمل المعصية. (3/171)
صفحة 406
معارضة:
فإن قال قائل: على مذهبك في النسيان أنه يسوغ نسيان الرب تعالى ونسيان آياته، وقد قال الله تعالى ذما لهم: (نسوا الله فنسيهم). وقال: (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) وقوله: (ولا تنس نصيبك من الدنيا).
فلو لم يكن النسيان من أفعاله لما أمره الله تعالى بترك النسيان ولا نهاه عنه والاهتبال نصيبه.
اعلم أن هذه الثلاثة الآي، قد أجمع أهل التفسير فيها أنه يريد بها العمد، وأن كلامنا على نسيه الواحد منا طبعا.
وأما قولك إن تنسى الباري سبحانه، فلم يستقم لأحد بعد معرفته إياه أن ينساه، لكن عمدا لا ذهولا، لأن العبد يتصرف بين خلق الله تعالى فلا يكاد يرى شيئا إلا تذكره وحصلت عند معرفة الله تعالى به، كما لا يستقيم من مضروب بالسياط أن ينسى الضرب وهو يتوالى على ظهره.
وكذلك آيات الله تعالى، لما علم الخلق البلوى بها أين ما تصرفوا والحاجة الماسة التي لا تفارقهم بعذر نسيانه، على أنه ذم الله – عز وجل – فاعل ذلك قال: (نسوا الله فنسيهم).
نسأل من ضيق من المسلمين في هذه عن أسئلة ثلاثة:
أولها: ما البرهان على ما قاله؟ ولن يجده من كتاب الله تعالى ولا من سنة محمد (صلى الله عليه وسلم) ولا من العقل.
والثاني: الأحكام، أن التشريك والكفر والقتل والسبي والغنيمة، ولا سيما في أمر مختلف فيه، أكثر الأمة على حطوطه، فإن يكاد فشاذ غير (3/172)
صفحة 407
معروف في الصدر الأول، فإن كان تقليدا فبخلاف ما أشار إليه القرآن والسنة والرأي والعقل.
أما القرآن فقد أشرنا إلى ما فيه المعذرة للناس، والسنة كذلك. أما من جهة العقل: فإن الله تعالى لا يؤاخذ عبده بالضروريات، والنسيان أمر ضروري، قال الله – عز وجل -: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
أما من جهة الشرع: فإنه روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فيما يرويه عن ربه أنه قال: قال الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما شاء». فإن شدد على نفسه أمرا وسعه الله عليه شدد الله عليه.
فليس من العقل أن تأخذ بالشدة في أمر اختلف فيه العلماء ووسع لجميع فيه بالشدة، فيعاملك الله تعالى على تلك الشدة ولك عنه مندوحة، ولابد للباري سبحانه أن يسأل عبده هذه المسألة، من وسع ومن حظر. أما من وسع فقد أشرنا إلى ما في القرآن فيها والسنة.
وأما من شدد فالاختيار بيده فليظهر حجته ما دام حيا فهو الحزم، فإن كانت فليظهرها، وإن لن تكن فليقطع عنها، ويعامل الكريم بالكرم، ولا يعامله باللؤم.
والثالث: ما حال المخالف في هذه المسألة أمقطوع العذر أم لا؟ فليقل ما شاء.
حكم من فعل كبيرة ثم تاب
مسألة:
ورجل رأينا منه كبيرة ثم تاب منها، أو أوفى بدين الله عند بعضنا، فتوليناه، ثم برئ منه بعد ذلك آخر على ذلك الفعل، أيبرأ منه أم لا؟ فهذا فيه ما فيه. (3/173)
صفحة 408
وأما من جاء وبرئ منه هكذا، فلم يصف فعلا ولم يذكره، فهذا أقرب إلى الملامة.
وقد سأل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في أبي بكر أنه شهد على المغيرة بن شعبة أنه زنى في ثلاثة أنفس، فأقام عليهم عمر بن الخطاب حد القذف، وتمادى أبو بكر في الشهادة عليه. ثم قال عمر: (ولو عاد أبو بكر إلى قذف المغيرة سبعين مرة ما عليه إلا الحد الأول).
مسألة في حكم رجل كان في الولاية ثم برأ منه
مسألة:
ورجل كان عندنا في الولاية، ثم برأنا منه على فعل المستحق عليه البراءة، ثم أصر وأبى من التوبة، فجاء رجل حكى عنه أفعالا من الكبائر، والحال التي كان عندنا من أهل الولاية والصلاح، أكان يبرأ من الحاكي أم لا؟
اعلم أن ليس علينا منه شيء، وسقطت حرمته.
مسألة:
ورجل تبرأ من رجل، وقال للمتبريء منه: قد توليتك على براءتك إياي، أكان يبرأ من أحدهما، وهما من أهل الولاية، أو من غير أهل الولاية؟
اعلم أن من تولى عن خصلة واحدة هالك.
وعن رجل تولى رجلا من أهل الكبائر على خصلة من الطاعة رآها منه، أكان يبرأ منه أم لا؟ أو على فعل الطاعة ولا معصية، أو تبرأ منه على خصلة من الطاعة، أو على شيء لا يستحق منه البراءة، ماذا يفعل السامع؟
اعلم أن هذا في هذه المسائل الثلاث هالك، فإن علم السامع تبرأ، وإن لم يعلم فلا شيء عليه.
مسألة في حكم رجلين متوليين شهدا على رجل بكبيرة
مسألة:
ورجلان متوليان شهدا على رجل بكبيرة، فبرأنا منه، ثم شهد عليه أحدهما بالنفاق، ماذا يفعل بهما؟ (3/174)
صفحة 409
أما من شهد بالشرك فقد رمى الموحد بالشرك، إلا أن أظهر الفعل الذي شهد عليه الشاهد فليس علينا منه شيء.
وأما من شهد عليه بالنفاق فليس علينا منه شيء، لا ظهر الفعل ولا لم يظهر.
وأما من شهد عليه بالزنا بعد ما برأنا منه، أو قال الكبيرة التي برأنا منه بها زنا.
اعلم أن هذا الأحق بصاحبه بالهلاك، وليس علينا من رده إلى الولاية شيء.
مسألة في رجل شهد عليه الشهود أنه سرق أو زنى
مسألة:
ورجل شهد عليه الشهود انه سرق أو زنى أو قذف أو أكل ميتة أو دما أو لحم خنزير، ولم يشهدوا على أن الذي فعله من هذه الأفعال كلها: أنه كبيرة أو غير كبيرة، فجاء رجل آخر غيرهم فقال: إن هذه الأفعال كلها كبائر أو كفران، كان يبرأ من هذا وهم متولون كلهم.
اعلم أن هؤلاء الثلاثة ما علينا من براءتهم شيء، ولا براءة الذي شهدوا عليه، فهم أهل الولاية إلى الآن إذا ظهر الفعل ولم يكن عندنا منه علم، ولو لم يظهر الفعل أيضا.
مسألة:
وإن أقر رجل أنه شرب خمرا، ولم يعرف السامع ثم أفتى له أمين واحد: أنه كبيرة، فحتى يجتمع أمينان، وكذلك يحكم ببراءته.
وأما إن كان عنده قبل أن يفعل الفاعل، أو شهد الشاهد أنه كبيرة قبل فعل الفاعل، فليبرأ منه.
وأما إذا وقعت شهادة الشهود على التحريم لا غير، فليس هنالك شيء. (3/175)
صفحة 410
مسائل متنوعة في الولاية والبراءة
مسألة:
ورجل رأى رجلا يضربه الإمام العدل الحد، فقال له رجل واحد أو اثنان: إنه زنى فأقام عليه الحد. أكان قذف أم لا؟
اعلم أنه قذف، يبرأ منه.
مسألة:
ورجل رمى متوليا بكبيرة، ولم يعرف أن الذي رماه به كبيرة أو غير كبيرة، ثم فعل بعد ذلك المتولى كبيرة فبرأنا منه، ثم عرفنا أن الذي رماه به الرامي في حال الولاية أنه كبيرة، أكان يبرأ من الرامي أم لا؟ أو كان ليس عليه منه شيء؟ فإنه يبرأ من الرامي.
مسألة:
ورجل شهد عليه الشاهدان الأمينان بالولاية فتوليناه، ثم قالا بعد ذلك: إنما توليناه بشهادة فلان وفلان ممن لا يتولى بهما، أكان يرده إلى الوقوف أم لا؟
فالجواب: لا يرجع إلى الوقوف.
وكذلك إن قالا بعدما تبرأنا منه بشهادة فلان وفلان، ممن لا يبرأ بهما عندنا، فليس علينا في هذه المسألة شيء، والمبرئ مبرأ والشاهدان سالمان عندنا.
مسألة:
ورجلان متوليان قال أحدهما لصاحبه: أحدهما (1) كافر، أما أنت وأما أنا. أكان يبرأ منه؟
الجواب: أن هذا القائل هو المبرأ.
وإن قال: واحد من هذه الجماعة كافر، وأنا وهم من أهل الولاية جميعا. فهذا هو إلى الكفر أقرب. (3/176)
صفحة 411
مسألة:
ورجل رأى من رجل كبيرة فبرأ منه، ثم رأى منه أخرى شركا أو نفاقا، فليس عليه إعادة البراءة.
ورجل وجبت عليه ولاية رجل وبراءة رجل، فتولاهما جميعا معا، أو برأ منهما جميعا معا، ثم نزع قوله من الذي أخطأ فيه، أكان تجزيه البراءة للمتبرأ، أو ولايته للمتولي أم لا؟
اعلم أن ولايته وبراءته بنى بهما على أهل المعصية، فلا يجزيه حتى يعيدها للصحيح، وعلى أن الشيخ أبا خزر قال: (اعلم أن الضمير في ذلك يجزي).
مسألة:
ورجل فعل كبيرة فاستتيب منها فتاب، ثم جاء بعد ذلك فقال: لم أتب قط مما فعلت، وإني متماد عليه ومصر. فهذا يبرأ منه.
ورجل ولايته توحيد، وآخر ولايته طاعة، فتولاهما جميعا بلفظ واحد، فنزع قوله من أحدهما ولم يبينه لنا، فما أبلغه نزوعه، أشرك فعله أم نفاق؟
اعلم أن ذلك إذا نزع ولايته من المنصوص كان شركا، ومن غيره كان نفاقا.
مسألة:
ورجل لم يكن فيه خبر من الله ولا بيان أنه مسلم عند الله أو كافر، ولم يكن علينا بيان. فقال: إنه كافر عند الله، أو مسلم عند الله.
اعلم أن الناس قد اختلفوا في هذه المسألة: (3/177)
صفحة 412
فعلى مذهب أهل الدعوة فقد أخطأ، ولن يعلم المسلم والكافر عند الله أحد إلا بخبر من الله تعالى، وقد قال في عثمان بن مظعون ما قال حين ذكرته امرأة وثبت عليه. وقالت: (إن شهادتي عليك شهادة باتة ثم مات. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إني والله لرسول الله، ولا أدري ما يفعل بي وما يفعل بكم».
وكلام العجوز في حارثة الضبي الذي قتل ببدر. وقالت: (سقيا لك حارثة. فقال لها رسول الله عليه السلام: «وما يدريك لعله يمنع ما يضره، ويتكلم فيما لا يعنيه».
وبعضهم يقول: إن من أظهر من الإسلام الشهادة، فهو مسلم عندنا ومسلم عند الله، ومن أظهر الكفر فهو كافر عند الله وعندنا، كما أنه إن تحرك فهو متحرك عند الله وعندنا، والساكن كذلك.
فعلى هذا الوجه الكلام محتمل، والمحتمل ساقط من يد المحتج.
مسألة:
ورجل يبرأ من رجل على التوحيد، ما يوصله ذلك أشرك أم نفاق؟
اعلم أن من تبرأ من احد على التوحيد مطلقا بهذا اللفظ فهو مشرك، وإن كان يبرأ منه على خصلة، مما هي عندنا توحيد وليست بتوحيد عند المخالفين، فهذا محتمل، فهو متأول، مثل من يزعم أن الإقرار بمحمد (صلى الله عليه وسلم) ليس بتوحيد، ولكن إن وجه البراءة على الإقرار بمحمد عليه السلام فهو مشرك. وإن بعض الناس ابن الحسين وأصحابه (2). إن الإقرار بغير الله ليس بتوحيد.
مسألة:
ورجل قال قولا يشرك به. ثم قال: تبت إلى الله أكان يجزيه ذلك؟
اعلم أنه يجزيه. (3/178)
صفحة 413
ورجل قال لآخر: توليتك. فقال له الآخر: تبرأت منك على ولايتك إياي. ماذا يفعل السامع بهما، كانا من أهل الوقوف، أو كانا من أهل الولاية؟
فإن كانا منة أهل الوقوف، فليس علينا منهم شيء.
وإن كانا من أهل الولاية، فالمتبريء من المتولى هالك.
مسألة:
ورجل متولى بريء منه رجل متولى. فقال له متوليان: توليناك على براءتك إياه، أكان يبرأ من الرامي؟
اعلم أن القول قد تقدم فيمن تولى على خصلة واحدة أنه هالك، وهذان المتوليان رجلا على براءة رجل، هالكان.
-----------------
(1) لعل الصحيح (أحدنا). (مراجع الطبعة الثانية).
(2) لعل من تمام الكلام وجود (قال) في هذا الموضع والله أعلم. (مراجع الطبعة الثانية). (3/179)
صفحة 414
القول في أسامي الشريعة من التوحيد إلى الشرك
واعلم أن أسامي الشريعة لها درجات: أولها التوحيد ثم الفرائض ثم النوافل ثم الإباحة ثم المكروه ثم الخطيئة ثم السيئة ثم المعصية وهو الإثم والذنب ثم الكفر، فالثلاثة الأولى: التوحيد والفرائض والنوافل، كلها طاعة، والشرك والكبير والذنب هؤلاء كلها معصية، والإباحة والمكروه هما إلى الطاعة أقرب، والخطيئة والسيئة هما إلى المعصية أقرب؟، وليس في هذه الأربعة طاعة ولا معصية هي بين بين.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «البزقة خطيئة وكفارتها دفنها» والسيئة: ما أساء فيه الإنسان إلى نفسه من تضييع الفضائل وتهوين الفرائض من غير ما تركها.
ومذهب ابن عباس: ليس فيما يعصى الله به صغير، فأوجب أن جميع مناهي القرآن كبائر ومناهي السنة صغائر وسيئات لا معاص، وهذه معركة العلماء لا ينبغي الاستبصار فيها كثيرا، وقد تكون السيئة تضييع أوائل الأوقات وفضائلها، وتضييع الأحوال، ومالا يعني، وتكون سيئة وليست بمعصية.
فعلى هذا الوجه تجب التوبة على العبد في جميع أحواله ما خلا كونه في الطاعة، وفي الطاعة أيضا كلام كثير.
مسألة: في الذنوب والاستغفار والتوبة منها.
ومن جهل الكف عن الذنوب هكذا جملة، ما يبلغه ذلك؟ أو جهل الكف عن الشرك، ما يبلغه ذلك؟ (3/180)
صفحة 415
اعلم أن من جهل الكف عن الذنوب، فقد جهل الذنوب.
وأما الشرك الذي لا يسع جهله، فمن جهله فهو مشرك، لأن الشرك عنده محال الإباحة.
وأما سائر الذنوب فليس عليه من معرفتها شيء، ولا من معرفة وجودها إلا إذا وقعت البلية وفرضت عليه فريضة امتثالها، ومعرفة تركها أنه ذنب، ومعرفة وجوب التوبة على تركها.
وأما الذنوب فليس عليه من معرفتها شيء والكف عنها. وأما معرفة أن ذلك كبير فليس عليه منه شيء ألا بعد قيام الحجة، والشرك لابد من معرفة الكف عنه أنه فرض.
والذي يجب على فاعل الذنب في حال الكف، وفي الحال الثاني التوبة بعد الكف إن لم يكن كف.
وحكمة في جهله التوبة عن الذنوب، مثل حكمة في عمل نفس الذنوب، إن كان كبيرا فهو كبير، وإن كان صغيرا فهو صغير، وإن كان شركا فهو شرك.
وقوله: (أو يسأل الاستغفار لنفسه إذا بلغ ولا يعرف لنفسه ذنبا) (1).
واعلم أن جل العلماء يقولون: التوبة واجبة على الرجل في أول حال البلوغ وإن لم يعلم لنفسه ذنبا، لما قدمنا من التفريط والتضييع والتهوين.
وعلى هذا ينبغي له الاستغفار في أول البلوغ، إذ حقوق الله تعالى أعظم من أن يقوم بها العبد، كما قال (صلى الله عليه وسلم): «امسوا تائبين واصبحوا تائبين» ولم يخص حالة من حالة.
وأما المتولى فيستغفر له لعموم قوله تعالى: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين (3/181)
صفحة 416
والمؤمنات)، وقلما يسلم العبد من الذنب من حال بلوغه إلى حال خروج روحه.
ومن فعل ذنبا وجهل أن التوبة عليه واجبة، فيلزمه في التوبة مثل ما يلزم في نفس الذنب، فإن كان الذنب كبيرا كان كبيرا وإن كان صغيرا كان صغيرا.
• (مسألة) *وهل يقال أمر الله عباه وسألهم الطاعة وطلبها منهم؟
فالجواب: أن هذا كله جائز، وليس فيه أكثر من الأمر بالطاعة والدعاء إليها.
وقوله: استرعاهم فوعوه وأتمنهم على دينه فأتمنوه وحفظوه، أو هل يقال: ندبهم وحرضهم ورغبهم وكلفهم؟
فالجواب: أن هذا كله جائز.
من ظهرت فيه أفعال تبلغه إلى الشرك، أكان يجزيه عنه من علم تلك الأفعال (2)، أم يقصد إلى كل فعل فيتوب منه؟
فإن كان متدينا فيقصد إلى كل فعل، وأما غيره فلا إلا التوبة بالجملة.
-----------------
(1) لعل المعنى: وإن لم يعرف لنفسه ذنبا. (مراجع الطبعة الثانية).
(2) لعل تركيب الكلام هكذا: أكان تجزيه عنه التوبة من جملة تلك الأعمال ... والله أعلم بالصواب (مراجع الطبعة الثانية).
مسألة هل يستر الله على عبده ذنبه في الدنيا فيأخذه في الآخرة
مسألة:
وأما قولك: هل يستر الله على عبده ذنبه في الدنيا فيأخذه به في الآخرة، أو يستره في الآخرة عليه؟
اعلم أن الله تعالى يأخذ عبده بذنب فعله، يأخذه به في الدنيا وفي القبر وفي الحشر وفي النار، ويستره عليه في الدنيا ويأخذه به في القبر وفي الحشر وفي النار، ويأخذه به في الدنيا ويستره عليه في القبر وفي الحشر ويعافيه من النار، (3/182)
صفحة 417
ويأخذه به في القبر ويستره عليه في الدنيا وفي الحشر ويأخذه به في النار، ويستره عليه في الدنيا وفي القبر وفي الحشر وفي الجنة، هذا على قدر توبة العبد من الذنوب، ما إذا تاب العبد ويغفره له، فيأخذه في الدنيا أو في القبر أو في الحشر أو في النار، كما قال في أبي طالب: «إن الله خفف عنه ووقف في ضحضاح من النار»، وفي عدي بن حاتم: «إن الله خفف عن أبيك بسخائه)) فهو بعض المغفرة.
اعلم أن الشدائد التي تصيب المسلمين في الحشر هي بعض المؤاخذة في أن يبعثهم حفاة عراة عزلا، من بقايا ذنوبهم في الدنيا.
وأما أن يغفر له في الدنيا وفي القبر وفي الحشر وفي النار، فهذا قول المرجئة، وليس بقول المسلمين، وفي أصحاب الأعراف آيات للسائلين.
ذكر عشرة مواطن اختلفنا فيها مع الأشعرية
مسألة:
وقد يجوز على الله كلم وتكلم ومتكلم وملكم، فهذه كلها بقرائن الأحوال.
أما قول القائل: القرآن لغة الله فلا، أو حديث الله فلا، ومن أجازه فهو لغو لا أجر ولا وزر في أسماء الله – عز وجل – وصفاته.
وسأل فقال: وهل يقال: ما أكثر أسماء الله، وأسماءه كثيرة؟ وهل يقال: ما أحسن صفات الله وأسماءه؟
اعلم يا أخي أن مسألة الأسماء والصفات قد اختلفت فيها أمة أحمد صلوات الله عليه وسلامه.
فمن طائفة ذهبت إلى أن الأسماء هي هذه الألفاظ التي يخبر الله – عز وجل – بها عن نفسه، على معتاد ما بيننا في أسمائنا، واستدلوا بأن الاسم هو هذا اللفظ المعقول في لسان العرب يفارق الأفعال بصيغة ويجري عليه التنوين أحيانا في غالب الحال، كقولك: عالم وعليم وعلام، وراحم ورحيم ورحمن. فهذا موجود في لغة العرب ينكره أحد داخل وخارج ونازل (3/183)
صفحة 418
وطالع، في أمثالها، فاقتصر هؤلاء على هذه الألفاظ أنها أسماء الله. قال الله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)، وقوله: (سبح اسم ربك الأعلى) قال الله تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون. هو الله الخالق الباري المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم).
فلمن قال بأن الأسماء هي الألفاظ متعلق في الجميع قوله: حيث قال: (له الأسماء الحسنى) ووصفه إياها بالحسنى.
ولمن قال: بأن الاسم هو المسمى متعلق في قوله: (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب) وفي وقوله مكرر: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس). وقوله: (هو الله الخالق الباري). فماذا بعد هو إلا الغير؟
وقوله أهل البصائر في الأسماء لا أهل الأبصار: إن الاسم هو المسمى وإنما الألفاظ خدمة المعاني، والاسم هو المسمى المعنى لا اللفظ المسموع، فمن رضي بالحواس ورضي بظاهر ما يقول الناس صار من جملة النسناس، وقصر إلهه عن الأفضل إلى الأنذل. ويظهر من قولك: هذا زيد. فإن أردت به الذات صلح لها، وإن أردت به الاسم واللفظ فهو هو، وذلك يختلف بأحوال المنبه عليه، ومهما وقف بك رجل تعرفه وتعرف اسمه أنه زيد، وبجانبك ناس لا يعرفونه، ويقولون: من هذا. فيصلح أن تقول: هذا زيد. فيكون التنبيه على اللفظ وأما ذات الرجل فظاهره عندك وعندهم. ط
ولو كان رجل أعمى وأحس بجانبه حسا، وقال لك: من هذا؟ فقلت: هذا زيد. فيكون السؤال والجواب عن الذات جميعا لا عن اللفظ، قال الله – عز وجل -: (3/184)
صفحة 419
(هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه). وإنما وقع الخطاب هاهنا عن الذات لا عن اللفظ.
ولو قيل لك: أين زيد؟ فقلت: بين يديك. لكان المراد يريد الذات دون اللفظ. وكذلك هذا سواد وهذا بياض.
وعلمنا أن نسبة الاسم إلى الذات في حق الباري سبحانه أفضل، من جهة الأشعرية ومن جهة اللغة.
ففي الشريعة حقيقة وفي اللغة مجاز، والحقائق في ذات الباري سبحانه أولى من المجاز وأفضل.
وعلى أن الاسم هو المسمى في لغة العرب موجود، قال الله تعالى: (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم). ومعلوم عند الناس أنه لم يرد الذاوت دون الألفاظ، فمن جعل اسم الله هو المسمى كان قد عزى الباري سبحانه إلى الأفضل، وإن اقتصر به إلى اللفظ حسبه جهله بين الفاضل والمفضول، وعذرناه ما لم يتجشم الشروط المهلكة: التدين على جهالة، وقطع العذر، وتبديل الأحكام، وفيه وفي مثله قال جابر بن زيد – رحمه الله -: (لا يحل للعالم أن يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك، ولا يحل للجاهل أن يقول للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك، فإن قال العالم للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر العالم. وإن قال الجاهل للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر الجاهل).
وأما من قال: (ما أكثر أسماءه كثيرة؟) فإنك تحمله على مذهب من جعل أسماء الله هي الألفاظ. (3/185)
صفحة 420
وأما نحن فلا يجوز في معتقدنا فيها التعجب بالكثيرة ولا الإخبار عنها بالكثرة. وأما الإفراد كقولك: (ما أحملك يا رب!) كقول أبي بكر الصديق: (ما أحملك أي ربي!) وقول الله – عز وجل -: (أسمع بهم وأبصر ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا) فجائز.
وأما صفات الباري سبحانه فقد اختلفت فيها الأمة، فمن قائل – وهم الأشعرية -: الصفات هي المعاني، كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها. فأبطلوا عنها اسم الصفات وأثبتوها معاني مع الله تعالى ولم يزل، لأنهم يقولون بقدمها، ومعولهم اللغة فقارفوها هنا، ونقصوا العقول في إثباتهم كثيرة قديمة مع الله – عز وجل – في الأزل، هم إلى الشرك أقرب.
لا يجوز: ما أكثر صفات الله! ولا ما أوسعها! وإن قلت: ما أحسن صفاته. بمعنى ما أحسن ما متصف به فجائز. والحمد لله.
اعلم أن الأشعرية (1) قد اختلفنا معهم في عشرة مواطن:
أولها: أن قلنا إن الباري سبحانه يوصف بالعلم والقدرة والإرادة وسائر الصفات التي يوصف بها. فقالوا: إنها معان وليست بصفات.
والثاني: أنهم أطلقوا على هذه المعاني التي ذكروها: أنها أغيار لله – عز وجل -، فأوجبوا التغاير بينهما.
والثالث: أنهم أثبتوها معاني غير الله وهي قديمة. ونحن نقول: ليس هناك معنى غير الله ولا قديم مع الله.
والرابع: أن بمقتضى هذه المعاني، كان الله موصوفا، فبالعلم كان عالما، وبالقدرة كان قادرا، علم بعلم، وقدر بقدرة، وأراد بإرادة، وحيي بحياة، وقدم بقدم. (3/186)
صفحة 421
والخامس: أن هذه المعاني التي وصفوه بها، معان قائمة بالذات، ذات الباري سبحانه.
والسادس: أنهم وصفوه بالوجه واليدين والرأس والعينين والجنب والجلسة والقبضة والأصابع والكف والساق والقدم والاستواء والميل وخرق الحجب، وركوب الحمار الأقمر وأنه النور الأنور.
والسابع: أن الكلام من المعاني التي وصفوه بها وهو قائم بذاته لم يزل بها.
والثامن: أن الأمر والنهي والمتدرجين في الكلام من المعاني التي وصفوه بها قائمان بذاته، لم يزل كذلك، تعالى الله عن ذلك.
والتاسع: أن القرآن وسائر كتب الله المنزلة من المعاني التي يوصف بها في ذاته، لم يزل بها سبحانه.
والعاشر: أن العدل والإحسان والفضل والمن والإنعام صفاته، لكنها أفعاله محدثة.
اعلم أن الأشعرية بنت مذاهبها في الباري سبحانه وصفاته وأسمائه تشبيهه بخلقه، على الهروب من الواضح إلى الشكل، وعولت بعد العثار على الاعتذار، وأنى لهم به بعد الانتصار، وتعرضوا للبلاء وهم عنه أغنياء، ولن يرضي بهذا عاقل ولن يخفى على جاهل، وقد قال الأول: إياك وما تعتذر منه.
وقد اتفقنا نحن وهم على تنزيه الباري سبحانه، فأول ما غلطوا فيه أن أفسدوا على العرب لغتهم وقالوا: إن الصفة هي الوصف. في مثلها. وقد أجمعت الأمة أن الوصف فعل الواصف والصفة حال الموصوف.
وأخرى: أنهم بنوا عن السواد والبياض والألوان بأسرها (2). أن (3/187)
صفحة 422
تكون صفات. وقالوا: هي معان لا صفات. وأثبتوا مغايرتها للباري سبحانه فأثبتوا قدماء كثيرة، ومن وراء هذا أن أظهروا افتقار الباري سبحانه إلى هذه المعاني من العلم والقدرة والإرادة، فبالعلم علم وبالقدرة قدر.
ثم قالوا: إن المعاني التي يوصف بها الباري سبحانه قائمة بالذات ولم يقولوا: حالة في الذات. كقولك الأعراض حالة فينا، ومن وراء هذا نسبتهم الباري سبحانه إلى الجوارح كالوجه والعينين والجنب والساق، في مثلها.
مسألة:
وقولك: من زعم أن الله موصوف وموجود ومتسمى ونفى عنه أن يقال له: شيء.
اعلم أن معنى شيء هو معنى موجود. ومن قال: الله ليس بشيء هلك.
وإن قال: لا يجوز أن يقال له شيء أو غير شيء. إنما أخطأ على اللغة فواسع ما لم يتغشم.
وقوله: علم الله شيء، أو غير شيء. لا يجوز في الوجهين جميعا، لأن قولك: (علم الله شيء) يوهم غيرته الباري سبحانه، و (غير شيء) نفي العلم.
وكذلك القول: وقدرته وإرادته وسائر الصفات. وقوله في العلم والقدرة وسائر الصفات: هل هي قديمة أم لا.
اعلم أن القول لا يطلق بأنها قديمة أو حديثة، وليس هناك غير القديم حتى يطلق عليه القول بالقدم أو غيره.
وكذلك القول في أنها شيء أو غير شيء، لئلا يتوهم علينا أنها أغيار لله – عز وجل -.
وكذلك القول في أنها معنى، أو غير معنى. وكذلك القول في أسمائه، إلا إن أراد هو الأسماء التي هي الألفاظ فمحتمل. (3/188)
صفحة 423
وأما على مذهب أهل الحق لا يجوز عليه شيء من هذا، ولا على الصفات، وليس في الأمة من يقول الهيئة. وهو شرك ممن قاله.
ولا يجوز أن يقال: الله في علمه أو في قدرته أو في سمعه أو في بصره أو في إرادته أو في أسمائه، أو في صفاته. فإن هذا كله لا يجوز. وهو خطأ في الخطابة.
وكذلك قوله: علمه منه. وأسماءه منه، وقدرته منه أو ليس منه. فلا يجوز، أ, علمه فيه أو أسماؤه فيه، أو صفاته فيه. وكذلك معه. وكذلك لا يجوز أيضا، أو ليس معه. وكذلك علمه عنده، أو قدرته، أو أسماؤه أو صفاته، لا يجوز. أو هل يقال: أسماؤه هي هو، وصفاته هي هو؟
إن هاتين المسألتين، أشار إلى جوازهما، بعض أهل الدعوة – ويقول: علمه هو هو، وقدرته هي هو، وصفاته هي هو وفيها مع ذلك توهم ما.
والأحسن عندي، أن يقال: علمه ليس هناك شيء غيره. وقدرته ليس هناك شيء غيره.
وكذلك سائر الصفات، وكذلك أسماؤه وصفاته ليس هناك شيء غيره.
وأما ذكر الله بأسمائه، فجائز أن يقال: العالم هو القادر. والقادر هو المريدة في أمثالها.
وأما للصفات بينها البين فلا يجوز أن يقال: العلم هو القدرة، ولا القدرة هي الإرادة، ولا يجوز العلم غير الإرادة، ولا الإرادة غير العلم، ولا القدرة غير العلم.
وأما قولك: سميناه بصفاته. فلا يجوز، وصفناه بأسمائه. فهذا كله خطأ في اللغة والخطابة والإيهام وذهاب العقول إلى ما لا يجوز على الله – عز وجل – ولا يجوز العلم اسمه، وأخواته. (3/189)
صفحة 424
وكذلك لا يجوز: وصفناه بالتسمية، ولا سميناه بالوصف.
وقولك: سميناه بالذكر أو الحرف أو بالألفاظ. فإن رجع الكلام إلى خطابه فجائز، وإن أراد ذات الباري سبحانه، فلا يجوز.
وتقول: وصفناه وصفا. جائز، وأما وصفناه صفة، ففيه الوهم. وقولك: أخبرت عنه بأسمائه. فلا بأس، وأخبرت عنه بصفاته، إلا عند من يتوهم أن الاسم والصفة خبر.
وكذلك قولك: لفظت بأسمائه، فلا يجوز إلا عند من ذكرنا.
وقولك: سألتك بحق أسمائك عليك. قد أجازه بعضهم.
وأما دعوته بأسمائه أو سألته بأسمائه، فجائز.
وأما سألته بصفاته، ففيه ما فيه.
وهل يقال: وصف نفسه بالوصف؟ فلا يجوز.
وإن قلت: وصف نفسه وصفا. جائز، وسمى نفسه بالتسمية. وإنما يجوز: سمى نفسه تسمية، ووصف نفسه وصفا، وأخبر عن نفسه خبرا، ووحد نفسه توحيدا، وأفرد نفسه إفرادا.
وهل تقول: عرفت الله بأسمائه وصفاته؟ والمعرفة درجات فوق درجات العلوم، من الإيمان والظن والعلم واليقين، فمن بلغ إلى هذا الحد يرجى له البلوغ إلى حد المعرفة إن اجتهد. تقول: أثبت الله نفسه عالما، وأثبت نفسه العلم.
وأما علمه إثبات وأسماؤه إثبات، فلا. (3/190)
صفحة 425
وأما قوله أثبت نفسه بأسمائه أو بصفاته فلا، وأثبت نفسه بعلمه أو بقدرته أو أثبتناه بأسمائه فمحتمل.
وأما أخبرنا عنه بأسمائه، على رأي من جعل الأسماء حروفا وألفاظا. وأما ذو صفات وذو أسماء وذو علم وذو قدرة، فإن هذا كله يوجب الغير. والسلام.
مسألة:
يقال ما أكثر متغاير وقوله، بمعنى بعضه غير بعض. وكذلك كلامه متفاضل أي بعضه أفضل من بعض، فهذا لا بأس به.
وقوله: كلامه كله حروف متغايرة، وآيات مفصلات، وأفضاله وإحسانه، فجائز.
وقوله: ما أوسع علمه فجائز، وإنما وقع المعنى على المعلومات، وقدرته أيضا كذلك.
وهل يقال: الله جميل بالإضافة؟ فلا بأس. هو جميل العفو، جميل الستر، ويجوز: بحسن الصنع إلينا.
وأما قولك: بحسن العلم والقدرة: فلا يجوز.
وقولك: سميع وسامع ومسمع. فجائز أيضا.
وقولك: سماع فلا يجوز أيضا، لأنه مصغ إلى غيره وقابل للكذب.
وأما قولك: يسمع ويبصر (ثلاثي) فجائز يسمع الأصوات ويبصر أي يرى الألوان، وبصر بمعنى رأى (أيضا ثلاثي). (3/191)
صفحة 426
فإذا أردت الغير فتقول: أسمعه إذا أسمعه الأصوات، أو جعل له السمع، أو تكلم فسمع الرجل، وأما أبصر فليس فيه أكثر من أنه أبر اللون.
وإن أردت أن تقول: جعله مبصرا ورائيا فتقول: بصره الله اللون. أي جعل له بصرا.
وأما بصار، فلا يجوز على الله تعالى، وكذلك يبتصر لا يجوز، وكذلك أسمع نفسه.
وأما أبصر نفسه بمعنى علمها فجائز. وقولك: أبصر كل شيء بمعنى علم كل شيء.
وقوله: أبصر الصوت، وسمع اللون. وهو تبديل لغة العرب، ثقيل.
-----------------
(1) اعلم أن علماءنا المغاربة – رحمهم الله – يطلقون على أهل السنة بمختلف تياراتهم العقائدية اسم الأشعرية، ويتكلمون في عقائدهم على اعتبار أنها عقيدة واحدة. فليتنبه لهذه فإنها مهمة وخافية وقد نوهت عليها سابقا (مراجع الطبعة الثانية).
(2) أي لم يميزوا بين حقائق الأشياء بياضها من سوادها. (مراجع الطبعة الثانية).
مسألة في المشرك إذا دعا إلى الجملة التي يدعو إليها رسول الله عليه السلام
مسألة:
والمشرك إن دعا إلى الجملة التي يدعو إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو أمر بها، أكان يترك على الدين الذي كان عليه أول مرة؟ أو كتبها بيده.
واعلم أن هذا إن كان من أهل ملة اليهود والنصارى والمجوس، فدعوا الناس إلى الجملة التي كان يدعو إليها رسول الله عليه السلام.
قال: هؤلاء لا يتركون على أديانهم الأولى إن جاءوا بها تامة، وأما إن كتبوها وعنوا نسخا مثل من ينسخ الكتاب للناس فلا.
وأما الوثنية فلا يتركوا، كتبوها أم لم يكتبوها، إلا أن دخلوا بلادنا بذمة ولم يقولوها قطعا وإنما قالوها حكاية، فليس علينا منهم شيء.
وذكرت أهل الشرك وعباد الأوثان، ومن ليس له دين مثل من أنكر الله، أو قال بإلهين اثنين، أو اقروا بما أشركوا به. (3/192)
صفحة 427
قد قلت لك: هؤلاء لا يتركون على جميع ما كانوا عليه، لا زادوا نقصوا، إلا إن دخلوا بلادنا على الأمان فما علينا منهم شيء.
والمشرك إن أظهر على نفسه خصلة من خصال أفعال أهل التوحيد، مثل الصلوات إلى الكعبة أو الحج أو العمرة، أكان يصيب الرجوع إلى ما هو عليه؟ فهذا لا يصيب الرجوع أصلا، ولنحكم عليه بحكم أهل التوحيد.
وأما منع المشركين من مجالس أهل التوحيد إن ساروا، وإن لم يطمعوا فيهم فلا. والغزو منهم معنا إلى عدونا باختيارنا. وكذلك الإعانة على موتاهم فلا بأس، وأما موتانا فإنا نستقذرهم.
مسألة:
وأما قولك: الرحمن خالق والله خالق، فلا بأس إن لم يتوهم عليه الغيرية، وأما أسماه: خالقه أو رازقه فلا يجوز.
وقوله: يملك أسماءه وصفاته وعلمه وقدرته في مثلها، فلا يجوز.
وهل يقال: أضفنا إليه أسماءه وأشرنا بها إليه، أو أسماؤه مذكره أعجمية، فلا يجوز مذكرة أو مؤنثة، ولا أعجمية ولا عربية، فلا يجوز إلا عند من يجعلها ألفاظا، وليس هو بقولنا، ويجوز في الأذان متسم ومسم ومسمى، فالأسماء لا تقتضي الأعيان، كما لا يجوز خالق ورازق لمن لم يكن عاد (1).
وأما مسمى: معناه له الأسماء، لا كان المسمى ولا لم يكن، وسمى نفسه بأسمائه التي هي هو، ووصف نفسه بصفاته التي هي هو الآن. وأما في الأزل، فلا. (3/193)
صفحة 428
مسألة:
ويقال: لله عبادة، وله شريعة، وله ملة، وله طاعة، وله معصية. وتقول: عبادة الله وشريعة الله وملة الله وطاعة الله ومعصية الله.
وأما لله مذهب فلا يطلق أو شرك أو كفر. وتقول: لله – عز وجل – عدو، ولا تقول له ند.
وأما قولك في القرآن: ما الحكم فيمن قال: إنه غير مخلوق؟ وقولك: من قال: القرآن غير مخلوق. ما يبلغه ذلك؟
اعلم أن هذه الأمور التي تعتورها الألفاظ، ثم اللغة، فلا يصح الكلام فيها حتى يحصل لفظا ومعنى، فيجب الحكم ويقع الخطاب على معلوم.
واعلم أم مسألة القرآن – وهذا الفن من المسائل مثل الإيمان والإسلام والدين والشرك والكفر والنفاق والكبير والصغير والطاعة والمعصية والتوحيد والمباح والمندوب والمكروه والخطيئة والسيئة، في أمثالها – من أحكام انتماء الشريعة، فمن أصاب وجه فهو محق ومأجور أعني عند الله تعالى، ومن أخطأه عند الله تعالى فهو محمول عنه معذور فيه إذا كان ذلك برأي منه، ما لم ينتهك أحد الشروط الثلاثة، فإن من طبع بني آدم القياس واستعمال الرأي من الصغر، تدريبا للعقول وتعليما للجهول، فأطلق الله لهم في الرأي فحكموا عند البلوغ حجج العقول بالنظر في الأصول والعلل والتعليل، وتقوم حجة رب العالمين على العباد وبالشروط، ما لم يدع أنه دين يدان الله تعالى به، أو يقطع عذر من خالفه، أو يهدم برأيه قاعدة من قواعد (3/194)
صفحة 429
فإن سلم من هذه الشروط الثلاثة كان لغوا مهدورا محمولا عنه ومعذورا، ولك في المسلمين أسوة حسنة حين أفتوا في المعتزلة أن زعموا أنهم هم الذين خلقوا أفعالهم دون الله تعالى ونفوا خلقها عن الله تعالى. فقالوا: إن ادعوا هذا رأيا فالرأي عجز، وإن ادعوه دينا هلكوا.
وكذلك قولهم في الصفرية الذين شركوا ممن أتوا المعصية، فعذرهم المسلمون حتى هدموا قاعدة الإسلام بالسيف والقتل والسبي والغنيمة، فعند ذلك قطعوا عذرهم.
فمن أخطأ في الإيمان وجعله في القلب دون اللسان والجوارح، وقاله بالرأي، فالرأي عجز.
وكذلك التسمية بالمؤمن كالمرجئة والمسلم، والكل محتمل.
وكذلك لو قال: الإسلام في الجوارح دون القلب، في مثلها.
وكذلك لو قال: النفاق في القلب هو الشرك.
وكذلك القرآن إن قال: إنه غير مخلوق بالرأي فالرأي عجز، وهو قول أهل عمان، ويقولون: إنه غير مخلوق.
وأهل شرف الإباض يقولون: أنه مخلوق، وأهل حضرموت بين بين لا يطلقون القول، أنه مخلوق ولا غير مخلوق.
وكذلك في أسماء الله – عز وجل -.
وسألت محمدا الحضرمي بمكة عن القرآن فقال: أهل عمان يقولون: إنه غير مخلوق وأهل شرف الإباض يقولون: مخلوق. ونحن أهل حضرموت: بين بين، ليس عندنا قطع العذر بين هؤلاء وهؤلاء.
وقولك: الله يضحك، أو يبكي، أو يندم لفعل السوء أو يسر لفعل الخير، فهذه عبارات لا تجوز على الله سبحانه. (3/195)
صفحة 430
وإن ورد شيء من الشارع طلبنا له وجها من التأويل كيضحك، والسرور فالله أعلم به.
ومن أمر رجلا أن يشرك بالله فهو مشرك لا فعل المأمور ولا لم يفعل.
وهل يقال: سألتك يا ربي بأكبر أسمائك؟ فهذا ثقيل. وقد ورد اسم الله الأعظم، وهذا يتوجه إلى الألفاظ. ويقال: أعلم العالمين وأقدر القادرين. وأما أعلم من العالمين، فلا.
وأما أعلم من الجاهلين فلا يجوز. وكذلك أقوى من العاجزين، ولا يجوز عالم من العلماء، ولا كالعلماء ولا يجوز فقيه ولا غير فقيه، أو يفقه ولا لا يفقه، ولا يقال يشعر ولا لا يشعر، ويدري ولا لا يدري، أو يفهم أو لا يفهم، أو يعقل أو لا يعقل. كل هذا لا يجوز على الله سبحانه، وهل يجوز أن يقال: قدر بقدرة، أو علم بعلم، أو أراد بإرادة؟ فهذا كله لا يجوز على الله تعالى.
ولا يجوز: لله علم علم به، أو قدرة قدر بها، أو إرادة أراد بها، من أمثالها، أو يكون علمه في الأشياء قبل أن تكون، غير علمه بها إذا كانت، أو علمه في شيء أفضل من علمه في شيء آخر. أو هل يقال: علمه خلقه كما علم نفسه أو علم نفسه كما علمه خلقه، فهذا ثقيل، إلا بصلة أنه واحد وأنه إله.
ويقال جاء الله بالفرج وجاء بالغيث وبالمطر.
ولا يقال: جئت من الله. ويقال للمؤمنين: هربوا إلى الله. ولا يقال: هربوا من الله – عز وجل -. والكافرون قد هربوا من الله تعالى وأما نفروا من الله إلا ما يتوهم.
ويقال: المؤمنون نصروا الله – عز وجل – قال الله تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم) وأما أعانوه فلا. (3/196)
صفحة 431
وهل يقال: الكافرون خالفوه وعاندوه وعادوه؟ فنعم. وذمهم فجائز، وأما ذموه فلا يجوز. ويقال: آذوه. قال الله – عز وجل -: (الذين يؤذون الله ورسوله).
وهل يقال: ضروه؟ فلا، ولا قاتلوه، أو هل يقال: عاداهم وعادوه؟ فنعم.
وأما ذمهم فجائز. وأما ذموه فلا. وكذلك تذاموا لا يجوز.
ولا يجوز شتموه ولا لعنوه، وأما لعنهم فجائز في الدعاء.
وهل يقال: وقفت إليك يا إلهي. ففي عرفات يجوز، وفي غيرها ثقيل.
ويجوز أستغيث بك وأستعينك، وتقول: يا رب أو بي. وثقيل قم بي.
وأما حركنا بصلة فلا بأس، اللهم حركنا إلى طاعتك.
ويجوز استعملنا طاعتك ولا تستعملنا معصيتك يا إلهي.
وتقول: اتكلت عليك يا إلهي لا على عملي، ولا يقال: اتكلت على عملي.
وتقول: الله مخالف لخلقه بصلة في ذات واسم وفعل فلا بأس. وكذلك الخلق. وأما اختلف فلا يجوز. وتقول: الله غير الخلق والخلق غير الله، وأما تغايرا فلا يجوز، ولا متغايران.
ويقال: ذكر الله خلقه بنعمته عليهم، ويجوز ذكره المؤمنون من خلقه. وأما تذاكرا فلا. (3/197)
صفحة 432
وإنما يقال في التضادد: الكفر ضد الإيمان. ولا يقال: ضد التوحيد والطاعة ضد المعصية، والشرك ضد التوحيد.
ويقال في خصال الدين: تضادت. ولا يقال في دين الله تغاير، ويقال شرائع الأنبياء تختلف ومختلفات ومتغايرات. ولا يقال: دينهم متغاير ولا مختلف.
وأما مسألة الشراة وأحكامهم فأحكامهم أحكام الكتمان في كل شيء، إلا ما ذكروا في الصلاة أنها في أوطانهم يصلون صلاة المسافرين، وإذا خرجوا من أوطانهم فأوطانهم في سيوفهم فيصلون الإقامة، ولم يأتنا فيه أثر من كتاب الله – عز وجل – ولا في سنة نبيه عليه السلام، وإن كان رأيا فالله أعلم وأحكم.
-----------------
(1) العادي: القديم (مراجع الطبعة الثانية). (3/198)
صفحة 433
باب أحكام الطاعن في دين المسلمين
وأما مسألة الطاعن في دين المسلمين فلم يرد فيها نص من كتاب الله إلا في آية واحة إشارة إلى القتل قال الله – عز وجل -: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا أيمان لهم). وقوله: (وطعنا في الدين).
والآية الأولى شرط فيها شروط كثيرة: النكث في الإيمان، وقيد في أئمة الكفر، فلا يخلو هذا التقييد من أن يكون بإجماع الشروط بقتل الطاعن، أو على كل شرط منها، فيجب القتل عن نكث اليمين، بشرط بعد العهد ثم أتبعه الطعن في دين المسلمين، ثم حتى يكونوا أئمة الكفر، فإن كان الطاعن من غير أئمة الكفر فلا، وإلا لم يقتل حتى تجتمع الشروط.
ورأينا: أن ليس في نكث اليمين إباحة القتل لمن نكث، وبعد أن يكون إماما للكفر فيجب عليه القتل.
والآية محتملة، فلم يأت في سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أثر إلا النفر الذين وجههم رسول الله عليه السلام إلى قتل كعب بن الأشرف.
ولذلك قال بعض أفراق الأمة، وهم هؤلاء السنية: لا يجب القتل إلا على طاعن في رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأما الصحابة فلا.
وأما مشايخ أهل الدعوة فأجابوا فيها أولهم عمروس بن فتح – رضي الله عنه – حين قال لأبي منصور: إن لم تأذن لله – عز وجل – بثلاث فخذ خاتمك عني: الدال على عورات المسلمين يقتل، والطاعن في دين المسلمين يقتل، ومانع الحق يقتل. (3/199)
صفحة 434
وهذه المسائل الثلاث ما ورد فيهن من سنة رسول الله عليه السلام أثر يستدل به عليهن.
ولقد ورد عن أبي بلال مرداس بن أدية ما يؤيد عمروس في الطاعن حيث قال (1): (إن فرسك هذا حروري). فقال له أبو بلال: (وددت أني وطئت به على بطنك في سبيل الله ولكن يا فتى أحسن حملان رأسك) فأشار إلى جواز قتله على: (فرسك هذا حروري).
وأما قول القائل: (ما أفضل الجهاد أيا أبا الشعثاء؟).
فقال له جابر: (قتل قاتل خردلة) وخردلة رجل من المسلمين قتله رجل، فأشار به إليه.
فقال: (لا، حتى تضع يدك عليه فأني خشيت أن أقع في غيره). فجاز أبو الشعثاء خلف الرجل فوضع كفه عليه، فقام إليه الرجل فقتله. وطلبوا إلى الرجل أن يدلهم على من أشار إليه بقتله وامتنع.
فقال جابر: (وكنت أخشى أن يشير إلي حتى قتلوه).
فإن قال قائل: فلم أجزتم قتل الرجل بخردلة بأمين واحد؟ أيجوز للرجل البسط إلى الدماء بأمين واحد، وأخرى على فعل لم يره، ولم يقف عليه أنه فعله، وأخرى وهل لأحد عليه سبيل من أولياء الدم؟
اعلم أن جابر بن زيد إمام في مقام الجماعة، وإنما يراعى الشاهد في الأحكام التي تجري بين الناس.
ومنه إذا أخذت جواب مسألة: أن من فعل فعلا ما كفر، وأخذتها عن إمام واحد، فإنه يسعك أن تبرأ عليها وتقتل ما أذن لك إليه الشرع ولا حرج، وأما بعد نزول القضية فلا. (3/200)
صفحة 435
والطعن في دين المسلمين كبيرة عندنا ويحل بها دمه، وعند الأمة لا يصير طاعنا حتى يطعن في رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وأما قولنا: فكل ما ينقض به مذهبنا فهو طعن في ينهم، ومن طعن في دينهم فهو طعن في المسلمين، يحل به القائل في الوجهين عند أهل الدعوة.
وإن كان الطعن في رسول الله عليه السلام أو فيما جاء به، فهو شرك.
وإن كان من اليهود والنصارى وأمثالهم، فهو شرك.
فإن كانوا في ذمتنا فهو نقض الذمة. وعند مخالفينا: إنما يجب عليهم النكال قالوا: لأنا نعلم أنهم يطعنون فيه، فليس في ذلك نقض ذمتهم.
وقولهم هذا ليس بصحيح، وقول أهل الدعوة أفضل.
وإن كان الطعن من بعض الموحدين فيما يتعلق بالأفواق فهو كبيرة نفاق، فيقتل في الوجهين جميعا، لا لا طاعنا في الدين ولا في المسلمين.
وأما المنصوص في الخبر فالطعن فيه شرك.
والطعن من بعض الموحدين في أئمتنا، ومن تسبب إليه فهو طعن، سواء كان ذلك الإمام حيا أو ميتا.
وقد يكون الطعن باللسان والرمز والإيماء والإشارة، وقد يكون الطعن بالإقرار وبالشهادة وبالإشهار.
وأما من صوب دين المخالفين من غير لديننا فليس بطعن، وكذلك ولاية قاداتهم، فهذه كبيرة من غير أن يكون طعنا. (3/201)
صفحة 436
وقوله: من قصد إلى خصلة مما دان به المسلمون وبانوا بها من غيرهم، مثل من قال: (أسماء الله غير مخلوقة)، فقد كفر. أو حكم في جميع المعاني التي اختلقت فيها الأمة، وذهب إلى ظاهر الألفاظ والمعاني، مثل من قال: (الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان، والإسلام هو فعل الجوارح). أو قال: (يكون مؤمنا بالتوحيد وحده ومسلما). أو قال: (لا كفر في شيء من الكبائر إلا في الشرك) وهو يريد في هذا كله انتصارا لمذهبه فليس بطعن.
وإن أراد به انتقاض مذهبنا فهو طعن، وأن أتخذه دينا كفر.
وإن كان رأيا فلا شيء عليه.
وأما من خطأ ما اجتمعت عليه الأمة مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج وما أشبهه، فهو إلى الشرك أقرب.
وأما من قال: (هذه المعاني منسوخة) كفر.
وإن قال: (يجزي عليها النسخ برأي المسلمين) فإن كان منه رأيا عجز، وإن كان دينا هلك، وليس فيه من الطعن شيء.
وأما قوله: هذا الطاعن في دين المسلمين يقتل في الظهور وفي الكتمان، أو هو حد من الحدود ولا ينفع إلا في الظهور.
اعلم أن جميع مسائل المسلمين في القتل أساغوها في الكتمان والظهور ما خلا الرجم من الزنا.
وأما قوله في الطاعن: من أين جاز قتله؟ أمن الكتاب أم من السنة؟ أم من رأي المسلمين؟
فالله أعلم، ليس فيه أكثر مما ذكرت لك أولا، أنه من طريقة المسلمين، وقد تقدمت المذكور فيها: (فقاتلوا أئمة) والآية محتملة، فالله أعلم. (3/202)
صفحة 437
وأما وجوبه في الظهور والكتمان، فاعلم أن الكتمان قد وسع فيه كثير من شرائع الإسلام في فعله وفي تركه.
وأما الظهور، فواجب أئمة العدل إقامة دين الله فيه، قولا وفعلا وسرا وعلانية.
وأما الطاعن إن تاب ورجع في طعنه فمقبول لا قتل عليه.
والمخالف إن طعن في دين المسلمين ثم رجع إلى دين المسلمين، فرجوعه من دينه إلى دين المسلمين رجوع عن طعنه وتوبته من طعنه.
وكذلك إن صوب دين المسلمين فهو رجوع عن طعنه، ولو لم يرجع إليهم.
وأما من صوب من طعن في المسلمين أو نقض مذهبهم، أكان ذلك طعنا أم لا؟ فهو أعظم من الطعن.
وكذلك إن أمر بالطعن فيهم أو استحله أو صدق من طعن فيهم، فهذا هو نفس الطعن.
وفي مخالف دعا المسلمين إلى الرجوع إلى دينه، أكان ذلك طعنا أم لا. فهذا ليس بطعن.
وأما من قصد إلى مسلك من مسالك الدين الأربعة مثل الظهور والكتمان والشراء والدفاع فخطأه، فهذا ليس بطعن إن كان مراده انتصارا لمذهبه.
وأما من تبرأ من الاسم الذي نسب إلى مذهب الحق بالاسم المشهور، فإنه طعن منه مثل من طعن في الوهبية هكذا أو الأباضية.
والمخالف إذا قصد ببراءته إلى قبيلة المسلمين مثل نفوسة أو مثلهم، فهو أعظم لطعنه وكفره. (3/203)
صفحة 438
وأما إن قصد إلى قبيلة تنسب إليها خصلة ظاهرة فطن فيهم بسبب تلك الخصلة، فليس بطعن.
وكذلك إن رماهم من الخصال بما لا يفعلون ولا ينسب إليهم، فليس بطعن.
وأما من برأ ممن برأ من المخالفين، أكان هذا طعنا أم لا؟ فليس بطعن.
كل من ذهب إليه من انتصار مذهبه ولم يقصد تعييب المسلمين، فليس بطعن.
وأما إن طعن في دين المسلمين خوفا على نفسه، فليس بطعن، وإن اعتذر وقال: (وإنما فعلت خوفا على نفسي) قبل منه.
وإن أعطى الأجرة على الطعن في دين المسلمين، فهو نفسه الطعن فيهم.
وأما أن يقتل بالترجمان الواحد إذا شهدوا منه ذلك أو لم يشهدوه؟ اعلم أنه جرى لجابر بن زيد – رحمه الله – شيء من هذا، حين دل على قاتل خردلة، والحوطة أمينان.
وأما إن حضرت لقوم وشهد أمين واحد: أنه طعن قديما، والراجع إلى دين المخالفين من أهل الحق، ليس في ذلك طعن، وإنما مراعاة الشاهدين في الأحكام التي بين الناس، وأما الدين فلا، فإنه يجوز فيه أمين واحد، بشرط إصابة الحق، ويسعك التوقف دونه ولو شهد لك ألف شهيد مع الجهل أو الريبة إلى أثر أو إلى أمير المؤمنين لظهور عدله وأمانته إن أمرك بإقامة الحدود من القتل والقطع والجلد، فواسع لك بقوله ولو لم تشاهد الفعلة.
وكذلك الترجمان الواحد في هاتين المسألتين، والعدو فيجوز لهم التقدم والبسط والقتل والسبي والغنيمة، والبراءة من وراء ذلك. والله أعلم. (3/204)
صفحة 439
وإن وقعت الشبهة أو الريبة أو الجهالة في شيء من هذه الأمور فعليك التوقف ولو شهد لك ألف شاهد.
وليس لأمير المؤمنين أن يحملك على ما جهلت، ولك أسوة في عمار ابن ياسر ومن معه من المسلمين وهم في مائة ألف أو يزيدون على أنه جعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) علما للفتنة، وقد توقف عنه عبد الله بن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت وجل الأنصار الذين توقفوا في تحلة دم عثمان بن عفان، فعذرهم المسلمون في ذلك، ما لم يقع الابتلاء، ولم يقتحموا أحد الشروط الثلاثة: اتخاذهم شكهم دين الله، أو البراءة ممن خالفهم، أو دعاهم شكهم إلى هدم قاعدة من قواعد الإسلام. والحمد لله رب العالمين.
وتم بحمد الله وعونه وتأييده ونصره.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.
-----------------
(1) لعل من تمام الكلام (حيث قال له رجل:). (مراجع الطبعة الثانية). (3/205)
صفحة 440
جواب رسالة الشيخ محمد بن الشيخ النفوسي الأبدلاني
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
قال الشيخ يوسف بن إبراهيم الورجلاني – رحمه الله – جواب رسالة أخي محمد بن الشيخ النفوسي الأبدلاني، عفا الله عنه.
(
أما بعد) يا أخي بلغني كتابك العزيز الأثير الثني الخطير، وقرأته ففهمت مرادك، وتذكر فيه مسائل عن أشياء تحيرت فيها عن القرآن وغيره، والله تعالى يا أخي يقضي جوابك ومأربك.
اعلم يا أخي أنا قد صرنا في الزمان الذي ذكره الأوائل عن رسول الله عليه السلام يكون في آخر الزمان، أنه قال: «إذا كان في آخر الزمان تواتر فيه الزلازل والفتن على الرجل المسلم. فإذا أقبلت فتنة قال: هذه مهلكتي. فإذا انجلت أتاه أعظم منها، فقال: هذه هي هي. فلا يزال العبد تعتوره الفتن والمصائب، حتى إذا مر بقبر تمنى أن يكون صاحبه».
وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول لأصحابه: «إذا كثرت الفتن فليتخذ أحدكم عنزا عفراء يتبع بها شغف الجبال». وليت لو كان اليوم هكذا، لقصر العناء، وبلغنا المنى، لكن الجبال اليوم يقصر دونها الطرق، ويحول بينك وبينها الخوف.
ولما ظفر الحجاج بن يوسف بعبد الله بن الزبير، أصاب في بعض خزائنه تابوتا عليه أقفال فافتتحها، وفي داخلها حق (1) فافتتحه، وفي داخل الحق درج فافتتحه يحسبه جواهر الدنيا، فإذا فيه كتاب فقرأه فإذا فيه: (إذا كان المقتب ألفا، والحديث خلفا، والشتاء قيظا، والولد غيظا، فاض اللئام فيضا، وغاض الكرام غيضا، فأعنز عفر في جبل وعر، خير من ملك بني النضر، هكذا حدثني كعب الأخبار). يعني بالنضر ملك قريش. (3/206)
صفحة 441
ولقد جرى علينا يا أخي في ورجلان من المصائب ما يستغرق مصائب الدنيا وآفاتها إلى مصائب الدين، يكثر تعدادها ويشجو تردادها، فاقت الوصف وجاوزت مصائب الدنيا وآفاتها إلى مصائب الدين، جاء ما لا يوصف وزال ما يعرف، وإنا لله وإنا إليه راجعون، لا عزاء لها إلا واحدة وهو قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وذلك أنه مر على مقبرة فقال: «سلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ووددت أني رأيت إخواني».
قالوا: (ألسنا بإخوانك يا رسول الله؟).
قال: «بل أنتم أصحابي، وإنما إخواني قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ويعملون بأمري ولم يروني فأولئك لهم الدرجات العلا، إلا من تعمق في الفتنة». وفي بعض الروايات: «يرون سوادا في قرطاس، فيؤمنون بي الواحد منهم خير من خمسين منكم».
وسنفرد إن شاء الله للمتعمق في الفتنة بابا، وكيف يكون واحد منا خيرا من خمسين من الصحابة؟
وأما سؤالك يا أخي، فيما ذكر الله في سورة الأعراف من قصة موسى عليه السلام مع فرعون وهو قوله: (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين، قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم). ثم قال في الشعراء: (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم).
اعلم يا أخي أن موسى وهارون صلى الله على نبينا وعليهما مكثا مع فرعون أربعين سنة بعد الدعوة، فنجا موسى وهارون عليهما السلام وغرق فرعون وجنوده. (3/207)
صفحة 442
ولكن ثمرة سؤالك أن لو كان كتعلقهما في يوم واحد، ولكن يجوز أن يكون متعلقهما مع فرعون وجنوده في أمكنة شتى، فيقع الكلام من فرعون تارة ومن الملأ أخرى. إن الملوك إذا جرى بين أيديهم من الأمور العظام، فمن حسن الأدب من الوزراء والجنود والعامة إلا يتقدموا بالكلام حتى يكون هو المتكلم بنفسه ثم تتبعه العامة في كلامه، ولما جرى ما جرى لموسى معه قال فرعون للملأ الذي حوله: (إن هذا لساحر عليم). فلما صدر هذا الكلام من فرعون، أعقبه الملأ وقالوا تصديقا بالكون فيما قال: (إن هذا لساحر عليم).
والخطاب من فرعون خصوصا لهم، والخطاب من الملأ تصديقا لفرعون وإظهارا لطاعته له.
وانشر القول والأمر من الوزراء إلى الجنود، ومن الجنود إلى الرعية، ومن الرعية إلى العامة والنساء والصبيان والولدان، تصديقا لقوله وتعظيما لفعله وهذا أدب الملوك الأولى في سائر الدنيا، مع الوزراء والجنود والرعايا والعامة والرجال والنساء والصبيان والولدان.
* * * (3/208)
صفحة 443
(قصة ظريفة):
جرت في بلاد زغاوة لملكهم وهو ابن أويك، وهو أبو محمد العريق في أعلى القلزم.
وذلك أن بلادهم ليست بها حجارة، ويتعجبون إذا رأوا منها شيئا مثل مدق النوى للجمال، ويذكر الناس لهم الصخور والكدى والجبال في الإسلام، فيتعجبون من ذلك.
وقال لهم أهل كوار: (إن في طريقنا إليكم جبلا مثل الصومعة طولا) فدعا بكاتب من كتابه يقال له مسفرم أتوزين. فقال له: (إئتني بهذا الجبل الذي يذكر الناس أنه مثل الصومعة طولا، وأنا قد أبصرته من صومعتين).
فقال له مسفرم: (لابد من مؤنة وقوة).
فأمر له بمائة ألف راكب من جنوده ومائة ألف خادم لزاده ومؤنته.
وقال له: (لابد من السلاسل التي تجر الجبل). فأمر له بمائة ألف سلسلة وعشرين، ومثلها أزقاق (2).
فخرج مسفرم بعساكره حتى انتهى إلى الجبل فأمرهم، فخروا في رأسه خره وربطوا فيها السلاسل وداروا به، فجذبه المائة ألف ولم يتحرك الجبل.
فصاحوا: (تكيرى تكيرى). أي أبي أبي. فما سمعه أحد من الناس إلا قال: (تكيرى تكيرى) حتى وصل الكلام إلى الملك.
قال: (ارجعوا) فرجعوا مسيرة عشرين يوما. وقد رأينا هذا الجبل بأعيننا ووقفنا تحته.
ومن عادة الملوك: أن تبدأ بالكلام فيتصل بالعامة فتقوله، حتى يقع الفصل.
وربما يقوله فرعون أول مرة في موطن ويقولونه هم في مواطن أخرى (3/209)
صفحة 444
فحكم الله تعالى الأمرين جميعا، فجعله في سورتين مختلفتين لما بنى الله – عز وجل – القرآن عليه من الفصاحة والبلاغة، وما يتضمن من لحن الخطاب وفحواه ودليله ومعناه.
وإن ما بنى عليه القرآن من اختلاف السور وتقطيعها، والاختصار في بعضها والإكثار في بعض، لما يشمل العامة ويسوسها ويصلح لها.
وربما قرأ الواحد قراءة القرآن ولا يسمع له الآخر، ويفترق القرآن في الجهات والبلدان، ولهذا المعنى الذي جعله الله حكمة لمصالح العباد، فمن قرأ من القرآن جزءا واحدا وجد فيه جميع أخبار الأمم والأنبياء والرسل، ومن قرأه أجمع أصاب الكل، فلهذا قال الكفار في القرآن ولم يعرفوا له وجه الحكمة، قال الله تعالى عنهم: (وقال الذين كفروا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة) قال الله – عز وجل -: (كذلك لنثبت به فؤادك) أي تفسير، أو أنزله الله تعالى حكمة فمن لم يستطع لحفظه أجمع أجتزأ ببعضه، فتكون القصص عند بعضهم كاملة وعند بعضهم قاصرة، فاتبع الكل بالكل.
وكذلك إخبار الله – عز وجل – عن أهل القيامة وزلازلها والإخبار عن الجنة والنار، وبالقرآن قصص طوال ومختصرات وإشارات وتلويحات، تتردد بين لحن الخطاب ومعناه وتتوزع بين لفظه ومعناه، ولهذا فاقت العربية جميع الكلام، والعرب جميع الأمم، وأفردها بالعقل والفهم والعلم والحكم.
وأما ما ذكرت من أمر موسى والخضر عليهما السلام.
-----------------
(1) الحق: وعاء صغير ذو غطاء يتخذ من العاج أو الزجاج أو نحوهما. (مراجع الطبعة الثانية).
(2) لعلها الحبال المصنوعة من الجلد. (مراجع الطبعة الثانية).
أقسام العلوم الثلاثة
اعلم أن الله – عز وجل – قسم العلوم بين العباد على ثلاثة أقسام:
اثنان منها ضروريات، وواحد اختياري. (3/210)
صفحة 445
فعلم الحواس ضروري، وعلم العقل ضروري، والاختيار: علم الشرع وما يشبهه.
فجعل الله تعالى في العلوم الشرعية والعمل بها، لمن التزمها وداوم عليها واهتبل بها وفعلا واستعان بالعلوم الضرورية حسا وعقلا، وتطهيرا للقلوب وتنقية لها من الأنجاس والأرجاس واستضاءة من الظلمات والكدرات.
فمهما واظب الإنسان على العبادات تراكبت أنوار العبادات على القلب، حتى تتضح فيه حلية الحق ووتجلى وتظهر فيه صور الموجودات وتتجلى.
وأنا أشير لك إلى حالة الإنسان في سفره إلى الله – عز وجل – والترقي في العلوم من أوله إلى آخر الغاية إن شاء الله تعالى.
أما بعد، فإن الله تعالى لما خلق ابن آدم في بطن أمه، فمكث في الرحم أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، وأربعين يوما مضغة، ووقع التصوير في عشرة أيام، وهي مائة وثلاثون يوما، وهي أربعة أشهر وعشر، وعند تمامها ينفخ فيه الروح، وعند نفخ الروح يقتبس العلوم الحسية ويتولد عنها اللذة والألم، فقام عنها علم الخيال اقتبسه من حواسه والحواس عادة ضعيفة.
فما زال كذلك حتى يخرج من بطن أمة، ومعه ملك مقترن معه من بطن أمه.
فلما خرج من بطن أمه قارعه الهواء بعد كن الرحم والشيطان، فصرخ الصرخة أول أملاحه والصيحة أول نياحه.
وأول ما يظهر من علومه الخيال فيؤديه يافوخه إلى دماغه، فما حصل إلى اليافوخ من الحواس أداه إلى مقدم الدماغ فصار خيالا.
وفي الدماغ ثلاث مقدمات، وثلاث قوى. (3/211)
صفحة 446
فالأولى: منفردة بعلم الخيال، وهي في مقدمة الوجه، وفيها يتردد الخيال ولا يتجاوزها.
والثانية: في وسط الدماغ، وتسمى الحافظة، وهي التي تحفظ جميع ما أداه الحس إلى القوة الخيالية إلى الحافظة وهي مغرس الوهم انفردت به.
والثالثة: وهي مركز الفكر، يتردد فيها الفكر في الأمور التي توهمها من خياله عن حواسه.
فأول ما سبق إلى الطفل بعد أن خرج من بطن أمه القوة الخيالية، فإذا اشتدت حواسه وقويت قليلا، قويت قوة الخيال وأدت إلى الثانية التي هي الوهم، وإن قوى الوهم أدى بقوته إلى القوة المفكرة، وإن قويت استعمل الفكر، وإن قوي استعمل القياس، فيقع للطفل الصغير التفرقة بين أبويه وقماش البيت وخشب الدار، وتقع له التفرقة بين أهل بيته وجيرانه، وتظهر له الحاجة ذات نفسه إلى أبويه وأبوتهما عليه، فعند ذلك تؤدي القوة المفكرة إلى القلب ما حصل عندها.
والملك الموكل الذي هو صاحب اليمين في إلهامه في جميع فجوره وتقواه، ليجتنب أو يمتثل ذا.
فإذا ترعرع قليلا قوى قياسه، فهو في ذلك إلى سبع سنين، اقترن معه الملك الثاني فهو صاحب الشمال، فيكون طوع صاحب اليمين، وتسديدا وتمهيدا لما ألهمه صاحب اليمين بسبع سنين إلى حد بلوغه، وبلوغه أربع عشرة سنة دخل في الخامسة عشرة سنة. (3/212)
صفحة 447
فهنالك تقوى حاسة العقل وتبلغ وتكمل، واحتمل التكليف.
فهنالك يستقبله سفر آخر وهو سفر التكليف، واحتمل الأمر والنهي والوعد والوعيد والطاعة والمعصية واسم المؤمن والكافر.
قال الله تبارك وتعالى، في قسم عظيم: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها). وحجة الله القائمة على العباد من قبل الإلهام. (3/213)
صفحة 448
باب السفر الثاني إلى الله سبحانه وهو التكليف
وهو أوله الإيمان بالله – عز وجل – وهو أول ما يسبق إلى الأطفال، وهو سكون النفس إلى عبوديتها، وسكونها إلى ربوبيتها، أن الإنسان عبد وأن له ربا، وهذه من أوصاف الأطفال في مدة الطفولة.
ومصداق ذلك الحديثان عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «خلقت هذه القلوب حنيفية، إلا ما كان من الشيطان فإنه يخترمها عما خلقت له» وقوله عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه».
فإذا قوي الإيمان قليلا ترقى إلى الظن وهو أقرب درجة من الإيمان، لأن الإيمان سكون النفس إلى الباري سبحانه والظن ميل النفس إلى جهة الباري سبحانه، قال الله – عز وجل -: (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون).
وإن قوي الظن وتأكد بالأدلة والبراهين حصل في درجة العلم وكان من العلماء بالله تعالى الراشدين الهادين المهتدين. قال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) حسبهم أنهم خرجوا من جملة الخلق، هم الملائكة، إلى كنف الباري سبحانه.
فإن قوي العلم قليلا أداه إلى اليقين بالله – عز وجل -، صار من الموقنين الصديقين الصادقين.
فإن قوي يقينه قليلا انتقل إلى المعرفة، أقصى درجات بني آدم في المعارف معرفة الباري سبحانه، وصار في العارفين السابقين المقربين. (3/214)
صفحة 449
فمن بلغ هذه الدرجة زال العمى عن بصره والغطاء عن قلبه، وحصل في علم المكاشفة وهو العلم اللدني الذي فاق علم المرسلين والملائكة المقربين والأنبياء أجمعين.
فإن قال قائل: وهل في الخلق من يفوق علمه علم الملائكة والمرسلين وقد أرشدوا بالشرائع في إصلاح الخلق من عند رب العالمين؟
قيل له: اجل، أن المرسلين إنما بعثوا في مصالح الفساد في الظاهر وبقي عليهم علم الباطن الذي استأثر الله به، إلا من خصه من عباده. وسيأتي لشرح ذلك وبيانه إن شاء الله بعد.
وسأنبهك بنكتة هنا: أن الخضر هل يلزمه من شريعة محمد (صلى الله عليه وسلم) شيء؟ أم لا؟
الجواب: أن الخضر ليس عليه من شريعة محمد عليه السلام شيء إلا علم نفسه اللدني الذي خصه الله تعالى به.
ومصداق ذلك: أ، من شريعة محمد (صلى الله عليه وسلم) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس على الخضر من ذلك شيء، ولو رأى رجلا أراد أن يقصد رجلا ليقتله، فليس عليه أن يعرف صاحبه بما أراد به الآخر، ولا أن يدفعه عنه ولو قدر، ولا من سمعه يبتدع في دين الله تعالى أو يعبد الأصنام وينطق بالباطل أن ينهاه، ولا يعرف الناس بأهل البدع، أو يزجر أحدا عن معصية الله تعالى، أو يعرفه إذا جهل أمر الله تعالى.
فحاله كحال الملائكة المقربين، ومن وراء ذلك أن يكون كعزرائيل، من أراد موته أماته وقبض روحه، ومن أراد حياته أحياه، فهذه خاصية ليست للأنبياء ولا للمرسلين، إلا بعد الأمر من الله سبحانه، (3/215)
صفحة 450
وهو مطلق اليد في جميع ما أراده.
وهذه النكتة شرح لجميع ما جرى له مع موسى عليه السلام، فهو يتبع طريقة الشرع أصاب أم أخطأ، والخضر اتبع العلم اللدني من رب العالمين، (صلى الله عليه وسلم).
فإن قال قائل: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لو أن عيسى عليه السلام حي بين أظهركم ما وسعه إلا إتباعي».
قيل له: نعم، إن عيسى بعث بالشريعة كمحمد عليه السلام ومن لعادة الآخر ينسخ الأول، فشريعة عيسى سبقت، وتأخرت شريعة محمد عليه السلام، لكن العلم اللدني ناسخ لو ورد.
ولنرجع إلى ما نحن فيه، فمن اقتصر من العارفين على اليقين كان من الموقنين المتقين.
ومن اقتصر على علم دون اليقين كان من العلماء الراشدين المخلصين.
ومن اقتصر على الظن كان من المؤمنين الممدوحين الذين ظنوا أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون.
ومن اقتصر على ما دون ذلك إلى القياس في الأفكار والوهم في الخيال، والخيال أصل الأطفال، كان من المهلين المغرورين، وهم شبه الأطفال أو شبه الرجال المغرورين من الجهال، فنظهرت منة الله تعالى على الأطفال أن أصحابهم الإيمان من حين ولادتهم إلى أن بلغوا حال الرجال، فمن مات منهم قبل البلوغ دخل لحرمة آدم عليه السلام، وبشفاعة إبراهيم عليه السلام، وبشفاعة المصطفى محمد عليه السلام لآدم وإبراهيم والأنبياء والملائكة والمؤمنين أجمعين، وبإيمانهم الذي سبق من عند رب العالمين من بطون أمهاتهم، أعاذنا الله من اخترام الشيطان وتضليل الآباء الضالين المضلين. (3/216)
صفحة 451
ومن مات من الرجال على دين الأطفال وسلم من أمهات المعاصي، كان من أهل الجنة البله الذين هم الأكثرون. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أكثر أهل الجنة البله».
فإن قال قائل: أراك قد زعمت الإيمان بين الأطفال والرجال، وشاركتهم في الأعمال ولا أعمال للأطفال، وأني للأطفال بلوغ كنه الإيمان على أنهم غير مكلفين ولا مأمورين ولا منهيين؟
اعلم يا أخي أن الله تعالى جعل القلوب منطوية على الأذعان للعبودية في رقابهم من أول الصغر، واقتبسوه من تسليط آبائهم وتمكنت في قلوبهم ربوبية الرب وعبودية العبد، اقتبسوا ذلك من القياس السابق لهم إليهم.
ومصداق ذلك الحديثان: «خلقت هذه القلوب» وقوله: «كل مولود يولد على الفطرة».
ولما أعاذ الله إبراهيم الخليل أيام كان الغار مستخفيا عن الجبار الذي كان يقتل الأطفال، حين ذكر له أنه يولد في هذه السنة مولود، يكون هلاك ملكك على يديه.
فلما ولد ذهب به والداه إلى الغار، فأدرجاه فيه، ويختلفان إليه، وترضعه والدته، فلما كبر قليلا، وفهم الكلام وما يتحدثون به من أخبار الناس، والبلد والملك وجنوده والأصنام آلهتهم.
فقال لوالديه يوما من الأيام: (من إلهي يا أمي؟).
فقالت له: (أنا).
فقال لها: (ومن إلهك أنت؟).
فقالت له: (أبوك). (3/217)
صفحة 452
فقال لها: (ومن إله أبي؟)
فقالت له: (الصنم).
فقال: (ومن إله الصنم؟)
فلما ذكر لها ذلك، ضربته ضربا وجيعا، وبكى بكاء شديدا، وبقيت القضية غصة في قلبه.
وكانا إذا رجعا إلى البلد، سدا عليه باب الغار بالحجارة، خوفا عليه من الملك، الذي يطلب الأطفال ليقتلهم، ومن السباع.
فلما ذهبا عنه، جاء إلى باب الغار عند غروب الشمس، فنظر من خلل الأحجار التي سدت عليه باب الغار، فأبصر الزهرة تهوي للغروب، ورآها مشرقة مضيئة. فقال: (هذا إلهي)، فأراد أن يتخذ لنفسه إلها، مثلما اتخذه أبواه، فرصدها فتأملها حتى غربت. فقال كما قال الرب عنه: (لا أحب الآفلين).
ثم هو كذلك، حتى نظر إلى القمر بازغا، أكبر من الزهرة. قال: (هذا ربي) فلما أفل قال: (لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين).
فلما أصبح طلعت الشمس، ورصدها عند الغروب، فلما رأى الشمس بازغة قال: (هذا ربي هذا أكبر) فلما أفلت قال: (يا قوم إني بريء مما تشركون).
قال الله تعالى: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال: هذا ربي. فلما أفل) – إلى آخر القصة.
فلما قضينا لكل مولود يولد على الفطرة بالفطرة وبالحنيفية قضينا له بالإيمان وبالحنيفية بعد الإيمان كل من مات صغيرا، لأولاد المؤمنين ولأولاد المشركين. كما قال الله – عز وجل – في أولاد المؤمنين: (والذين آمنوا واتبعهم ذريتهم بإيمان ألحقنا ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء). (3/218)
صفحة 453
وكذلك أطفال المشركين، الأطفال الذين ماتوا على الفطرة والحنيفية، وهو مذهب معاذ بن جبل – رضي الله عنه أعلم هذه بعد نبيها عليه السلام – وهو أشبه لأن من غرق من الأطفال من قوم نوح وأبناء الأمم التي هلكت، يذهبون باطلا ولهم الإيمان - وهم أولاد أبينا آدم عليه السلام – لا إلى جنة ولا إلى نار، خلافا للخوارج الذين يقولون: (إن أطفال المشركين كافرون مشركون). وتأولوا قول الله تعالى حيث يقول: (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)، فكيف بمن لم يولد بعد؟
وإنما أراد: إذا ولدوا وتركوا على ما هم عليه من تلقين آبائهم، إلى أن يبلغوا الحلم، فهناك يكونون فجارا. والباري سبحانه يخلق في الجنة الحور العين والولدان ويترك ذرية آدم تذهب إلى النار!!
وقد يقتبس الأبناء الإيمان من الفطرة ومن آبائهم ويكونون عند بلوغهم أرسخ إيمانا من آبائهم، تنطق كما ينبغي ويجب.
ورد أيضا على هؤلاء – أصحاب الحديث – الذين يقولون: (إنه توقد لهم نار فيؤمرون أن يقتحموها، فمن اقتحمها دخل الجنة، ومن أبى فيؤمر به إلى النار).
وأما أمر تكليف الأطفال فليس لهم عقول يفهمون بها ما غاب عنهم وما يأتي من أمر الآخرة والقيامة.
وإن تأملت في الحقيقة لرأيتهم اليوم في التكليف لما حملناهم عليه من تعليم القرآن وتعلم شرائع الإسلام والصلاة إذا بلغوا سبع سنين، وضربهم عليها إذا بلغوا عشرة سنين، ومات يلقون في المكتب من المعلمين من الضرب والنكال والاختتان، فهذه كلها عقوبات على تضييع أوامرنا واقتحام نواهينا تأديبا منا لهم.
فإن قيل: وهل يكون منهم الكفران كما صح منهم الإيمان؟
قلنا: لا، لأن الكفران لا يحتمله إلا عقل شديد وسفر جديد من وراء منزلة (3/219)
صفحة 454
، وقضينا لهم بالإيمان بحكم الرسول، وظهور الدليل في تعليمهم قبل الوصول لكنه البلوغ، ومن ترقى من الأطفال من الإيمان إلى الظن وهو الدرجة التي فوقه، حصل في جانب الظن، كان من أولياء الله الصالحين.
ومن امتنع من هذا بعد ظهور هذه الأحكام فقد كابر، قال الله – عز وجل – في يحيى بن زكريا عليهما السلام: (وآتيناه الحكم صبيا) والحكم أبعد من الإيمان.
وقال في عيسى عليه السلام: (يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل).
وقال أيضا: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل).
وفي طفل أصحاب الأخدود آية، ومن وراء ذلك أجنة السقط يوم القيامة عند باب الجنة، حتى يجر أبويه رهنا فيدخلهما الجنة.
وقد قنع الرب تعالى من عباده المؤمنين بالإيمان، وهو أول السفر إلى الله – عز وجل – وقد قال الله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله).
وقد قال إبراهيم عليه السلام: في أعجب من سريته ومن ولده اسماعيل، حين رماهما بين جبلين لا ماء ولا طعام، فقال: (رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى) – فقنع منه الباري سبحانه ببلى، وأمره بأخذ الطير فتسلى بها عن ولده إسماعيل وأمه. (3/220)
صفحة 455
فإن ترقى من الإيمان إلى الظن كان من الممدوحين الذين قال الله – عز وجل – فيهم: (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم).
فمن استظهر بعد هذا بالدليل والإعلام، وظهر له صنيع الله تعالى في الأنام إلتحق بدرجة أهل العلم وكان من العلماء الشاهدين والأولياء الراشدين. قال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ... ) الآية. بخ بخ لمن استأثر الله تعالى به وانتزعه من جملة خلقه إلى كنفه وحيزه.
وإن ترقى قليلا حتى تمكن علمه في قلبه ورسخ وقوي حتى لا ينسخ، وكان لا يستوحش من جميع الخلق لو خالفوه ترقى علمه إلى درجة اليقين، ترقى إلى أعظم الدرجات وكان من الموقنين، وأصبح في الدرجة العليا من السابقين، وحسبك قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر».
فإن زاد قليلا وترقى وانتهى إلى المعرفة، فهناك تسكن نفسه إلى الرب، لما لاح له من ربه من علامات وإشارات تقع المعرفة له بها.
والمعرفة علم تقدمه علم، فعند ذلك يستوحش من جميع الخلق ولا يستأنس بأحد منهم، لما عوده من استجابة دعائه ومؤانسته في وحدته واصطناعه في مهماته، فهذه درجات التقرب إلى الله تعالى.
فإذا بلغ هذه المنزلة رفع الله – عز وجل – الحجاب بينه وبين خلقه وانكشف له الغطاء عن قلبه في جميع ما أراد الله تعالى أن يحدثه، آثره بعلم ذلك وخصه به، فكانت علومه من لدن الله – عز وجل – لا بواسطة من غيره، كما قال الله تعالى: (وآتيناه من لدن علما). (3/221)
صفحة 456
فكان لا يحتاج مع هذا العلم اللدني إلى تعلم ولا تعليم، وصار فؤاده مرآة الخلق قد انطبعت فيه صورة كل شيء، كالمرآة التي تقبل صورة كل جسم قابلها.
فهو هذا عند العلم اللدني الذي أراده الله الخضر عليه السلام، فاستأثر موسى بعلم الشرائع، واستأثر الخضر بالعلم اللدني فكان في الخلق مطلق اليد كعزرائيل – صلى الله عليه – والروح الأمين جبريل عليه السلام في الشرائع، وميكائيل في الكون والفساد، وإسرافيل عليه السلام في الانخرام.
ومما يدلك على ما قلنا أن الله تعالى أخرج الخضر من حيز المكلفين ذوي الشرائع، فليس يلزمه إلا ما سنح في خاطره فعليه امتثاله، وليس عليه أن يأمر بالمعروف إذا رآه منا، ولا أن ينهى عن المنكر إذا رآه منا، ولا أن يدفع عن مظلوم، ولا قيام بحق معلوم، فحاله كحال الملائكة صلوات الله عليهم أجمعين.
وليس على الملائكة أن يظهروا إلينا فيأمرونا أو ينهونا، إلا إن أرادوا ذلك إلهاما وإعلاما.
فلذلك وقع التشابط بين موسى عليه السلام وبين الخضر، فهذا يعمل على أسلوب علمه في الإلهيات، وهذا يعمل بالشرعيات، وربك بكل شيء عليم، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن من العلوم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله – عز وجل – ولا يجهله إلا أهل الاغترار به، فلا تحقروا عالما آتاه الله علما، فإن الله لم يحقره إذ آتاه إياه». (3/222)
صفحة 457
عجائب ما تضمن حديث موسى والخضر عليهما السلام
وذلك أن موسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل، فسأله رجل فقال: (يا نبي الله، هل تعلم في الدنيا من هو أعلم منك؟).
فقال موسى عليه السلام: «لا أعلم ذلك». فكلمه الله تعالى فقال: «بل عندنا الخضر».
فقال: «ربي ومن لي به؟»
فقال عز وجل: «اطلبه تجده وهو في البحر»
فقال موسى عليه السلام: «من يدلني عليه؟».
فقال له – عز وجل -: «خذ معك حوتا واتبعه، فحيث انساب في البحر فاتبعه، تجد طريقة في البحر سربا».
فأودع موسى عليه السلام عند يوشع بن نون الحوت، فجرى لهما الذي ذكر الله في كتابه، إلى أن رجعا من بعض الطريق والتقيا مع الخضر عليه السلام في قعر البحر مثل من قعد في ظله، والطريق إليه سرب الحوت، كل ذلك آيات وعجائب، صنيع الله – عز وجل – الذي أتقن كل شيء.
وقول الفتى لموسى عليه السلام: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره).
فإن قال قائل: فمن أين جاز للفتى أن يقول: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) أمن جهة الشرع علم ذلك، أم من جهة سوء الظن بالشيطان فساغ له ذلك؟ وهل يسوغ لأحد منا اليوم مثل هذه القولة؟ وهذا كله لم يشاهد للشيطان ولم يبصره حتى يقع له منه النسيان؟
اعلم أن الشيطان عدونا قال الله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) والله تعالى جعله مأوى للشر وموطنا له وأباح لنا الله – عز وجل – معاداته، وإن لم يكن النسيان من أفعاله فإن له فيه نصيبا وحرمان الذكر. (3/223)
صفحة 458
وفي تسليم موسى للفتى قوله وإقراره عليه ولم يرده عنه، علمنا أنه مباح لنا سائغ، ونحن في أثر الفتى يوشع بن نون مسرعون وله متبعون، ونقضي للشيطان بكل سوء وكل شر وإن لم نبصره لأنه موضع الشر ومعدنه ومأواه.
واعلم أن النسيان من طبع الإنسان وبه سمي الإنسان إنسانا، وللإنسان فيه نصيب مهما أعرض عن كذر شيء مرة بعد مرة نسيه.
وقد عذر الله – عز وجل – المؤمنين في النسيان قال الله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) في عشر كرامات، أجابهن الله تعالى للمؤمنين فيهن النسيان، قال الله تعالى إذ سألوه إياهن وقد تضمنتهن الآيتان اللتان في آخر سورة البقرة: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ... ) الخ السورة وفيهن: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ... ) فذكر الله تعالى ذلك عنهم في معرض الامتنان عليهم والحاجة منهم.
وتحق للخاطبة الإجابة، وقد وعد الله – عز وجل – الإجابة في موضع فقال: (ادعوني استجب لكم) على انه لا يليق بالباري سبحانه أن يظهر على نفسه سؤال المسلمين ثم لا يجيب لهم، مثل أفعال اللئام المانعين، وسوء الثناء منفي عن رب العالمين.
فإن قال قائل: فهل يكون الجواب على معنى الحاجة، ضرب أو نفعت، أو مقدار ما طلب العبد، أو يتفضل الباري سبحانه فيعطي أكثر مما طلب العبد منه؟
الجواب: أنه الله تعالى يعطي أكثر مما سأل العبد، وذلك سائغ في كرم الكريم.
وهل يجوز أن يسأل العبد ليجيبه بخلاف ما سأل؟
الجواب: أنه سائغ، لأن الله تعالى عالم بأسرار العباد ومصالحهم، وربما يطلب العبد الحاجة وربما يكون فيها بواره، فيطلب مأكولا ومشروبا وقد علم الله أن فيه سما. (3/224)
صفحة 459
ومن يطلب الأولاد على مقدار شهوته وفي ذلك المقدار هلاكه، كالذي يطلب ألف دينار، وقد علم الرب منه إن أعطى ألفا أنه يدخره فيرثه ابنه بعده، فيدخره الله تعالى لابنه من بعده.
ومن يطلب ولدا ذكرا فيصيب له بدله أنثى صبيه، كالذي جرى في هذا الغلام المقتول، في بغياه هلاك الأبوين، وأعطاهما بدله أنثى صبية كان من نسلها سبعون نبيا.
ووجوه الإجابة كثيرة ومصالح العباد الله أعلم بها، وربما يطلب العبد في الدنيا مالا وقد علم الله تعالى أنه يموت غدا، فيجعل له بدل دعائه ثوابا في الآخرة.
وهل يجوز أن يسأل الله تعالى فيجيب لغيره؟
قيل له: نعم، كالذي جرى لموسى عليه السلام. وقال حين سأل: (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا) إلى آخر الآية.
ولم يرد في السنة في النسيان أمر اشتد فيه الوعيد إلا في ناسي القرآن. قال رسول الله عليه السلام: «إني نظرت في ذنوب أمتي ولم أر ذنبا أعظم من ناسي القرآن».
والسبب فيه أنه ليس ينسى على نسيان طبع، لكن نسيان تضييع. والنسيان على وجهين: نسيان جهل، ونسيان ذهل. فما كان من ذهل فمحمول على ابن آدم، وما كان من نسيان جهل، فأما وأما. ولا يقع نسيان الباري سبحانه كما لا ينسى ألم الضرب المضروب، أينما توجهت فالله تعالى معك.
وأما إحالة الذنب على إبليس من يوشع بن نون والنسيان:- (3/225)
صفحة 460
اعلم أن الله تعالى جعل إبليس اللعين والشياطين أجمعين رحمة من الله تعالى الغفور الرحيم لعامة المؤمنين.
وذلك أنه يوقع المؤمنين في الذنوب بقدرته، وأكثر ما يوقع المؤمنين في الذنوب شهواتهم ولذاتهم، فأحال الرب تعالى الذنب إلى إبليس وسهل الخروج منه على المسلمين.
فخالف الرب تعالى إلى فعل إبليس فسهل الخروج منه فعفاه ومحاه وحفاه ولاشاه، فنال المسلم شهوته في الدنيا وتخلص منها في الآخرة، وسهل لهم الخروج من الذنوب بالتوبة والحسنات والمصائب وشفاعة المصطفى وعفو الرب أعظم، وتورط فيها إبليس بسوء نيته وسوء اعتقاده وفعله، ولم يبلغ من المؤمنين جل أمنيته.
فأحال الرب تعالى للمؤمنين إحالة الذنب إلى إبليس اللعين، ووسع ذلك سائر المؤمنين رحمة من رب العالمين.
وفي سكوت موسى، ولم يرد عليه قوله، وأقره على ذلك، وقبل عند ذلك عذره، دليل على ما قلنا وبينا، والرسول لا يقر أحدا على المعصية وخلاف الشريعة.
ونحن نذكر فضل الله – عز وجل – على ما وسع لعباده المؤمين في النسيان.
فأول ذلك: هل يسوغ للعبد ويصلح له أن ينسى الله تعالى؟
اعلم أنه لا يسوغ نسيان الله – عز وجل – قال الله تعالى: (نسوا الله فنسيهم) ذما مطلقا.
والنسيان هاهنا على وجهين:-
أحدهما: سائغ شائع وهو نسيان ذهل لو ذكر لذكر، كما ينسى الواحد بعض جوارحه وبعض أسنانه وبعض أضراسه وجل جوارحه ومهماته وغير ذلك، فهذا النسيان نسيان سهو ولهو ولغو. (3/226)
صفحة 461
والثاني: نسيان جهل، فهذا محال مانع، فلا يتذكر ولو ذكر، وهذا بعيد لأن أفعال الله – عز وجل – ظاهرة في العباد والبلاد أينما توجه العبد بعيد لقي ما يذكره، لأن هذا إلى الجحد أقرب لا إلى النسيان، كما أن الواحد لا ينسى ألم الضرب، ما دام يضرب، أو ألم الجوع إذا جاع.
وإنما يقع النسيان في هذا إذا تقدمه جحود وهذا غير معذور.
وأما نسيان المسائل التي لا يسع الناس جهلها على طريقة الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف في التضييق من أول وهلة، فلن يسعه نسيان جهل فيها آخرا، والله أعلم، وأما نسيان ذهل فلا بأس.
والوجه الآخر من لا يوجب من المسائل التي لا يسع جهلها عند أبي الربيع نسيانا ويسع غيره حتى تقوم الحجة عليه، وهذه الطريقة لم يرد عن أحد من العلماء التشديد فيها ولا التنبيه فيها ولا التوقف عليها ولا القصد إليها.
وأما على رأي من وسع المشايخ من أول وهلة: عمروس بن فتح وعزان بن الصقر وأبو خزر يغلا بن زلتاف وابن زرقون والإمام عبد الرحمن ابن رستم – رضي الله عنهم – من أمثالها.
فمن جهلها من الأصل فلا بأس ولا شيء عليه، إلا أن ذكر فلم يذكر، فمن نسيها بعد علمها ذهلا فلا حرج عليه، ومن نسيها جهلا فهو إلى الجحود اقرب وإلى الإنكار أصوب.
والنسيان فرع الجهل، فمهما وسعه الجهل من أول مرة كان النسيان أوسع، والنسيان فرع والجهل أصل، والفرع أضعف من الأصل والأصل أقوى.
وأما الشهادتان اللتان على العبد من أول وهلة فلن يسع نسيانهما جهلا ووسع ذهلا. (3/227)
صفحة 462
ووجه آخر من النسيان: من قامت عليه الحجة بسورة أو آية من القرآن، أو نبي من الأنبياء كموسى وعيسى، أو قصة من القصص، أو فريضة من الفرائض في المواريث أو غيرها، أو شيء من المحرمات من الفواحش والمعاصي، أو خبر من الأخبار، فقامت عليه الحجة به وأخذه نصا أو استخراجا ثم نسيه، فإن كان ذهلا فلا كلام، وإن كان جهلا اختلف المشايخ فيه.
فالمشددون قالوا: إن هذا هو الرجوع عن العلم، وقامت به عليه الحجة إلى حلافة، فهذا هالك.
وقال الآخرون: ليس هذا رجوعا كما عليه، وليس في نسيانه في ذهله أو جهله شيء، إذا رجع كأول مرة من قبل أن تقوم عليه الحجة.
وإنما الرجوع عن العلم: أن يرجع إلى القول بخلاف ما علم أول مرة، فهذا هو الرجوع، وهذه القولة أصوب فيما يليق بالباري سبحانه، ولا سيما أن الدين يسر.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة» (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). وقول رسول الله عليه السلام: «لا تشادوا هذا الدين فإن من شاده يغلبه».
وقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حكاية عن ربه: «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء» وقوله عليه السلام: «أنتم في زمان التارك لعشر ما أمر به هالك وسيأتي على الناس زمان العامل فيه بعشر ما أمر به ناج».ط
وقوله عليه السلام: «أكثر أهل الجنة البله». (3/228)
صفحة 463
وقوله عليه السلام للأمة: «من ربك؟» فأشارت إلى السماء (1).
فقال لها: «ومن رسولك؟» فأشارت إليه. فقال: «هي مؤمنة ورب الكعبة أعتقها».
-----------------
(1) سبق الكلام عن بطلان هذا الحديث. (مراجع الطبعة الثانية).
ووجه آخر في نسيان الفرائض الواجبات من الصلاة والزكاة والصوم والحج والكفارات أو قضاء شيء مما كان عليه منها، أو النجاسات في بدنه أو ثيابه أو مصلاه، والمدفونات من أمواله، أو ديون تلزمه من معاملاته أو قرباته أو أرحامه، فهذا ليس عليه من شيء لا جهلا ولا ذهلا إذا نسيه ما لم يذكر، فمنة من الله – عز وجل – ورحمة.
وإن كان مما إذا ذكر، فليس عليه منه شيء حتى يذكر، ولو إلى يوم القيامة.
ولو أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صلى بالناس، وسلم على اثنين يحسبهما أربعا لم يذكر ومضى على أسلوبه، لم يلزمه شيء إلى يوم القيامة ويفوز بأجر من صلى أربعا وتوابعها.
فإذا أراد تذكيره في الدنيا ذكره وقامت عليه الحجة، وكل صلاة نسيها أو صيام أكل فيه فإن الله تعالى أطعمه وسقاه، على هذا الأسلوب.
ووجه آخر: من كانت عنده بضائع الناس وودائعهم وأماناتهم ولقطهم، وما استخلف عليه من أموال الأيتام والأغياب، فأخذها وحفظها زمانا ثم نسيها، أو ادعاها عليه أربابها فلم يذكر حتى يوم القيامة، ويخرج الجميع من حسناته يوم القيامة.
وإن أخذها وأتجر بها وربح فيها أموالا جليلة عظيمة، فرد الأعيان التي تلزمه ولم يرد تلك الأرباح حتى نسيها، فليس عليه شيء.
فهذا داخل في بعض اختلاف العلماء. منهم من يقول: إن هذه الأرباح كلها لأهلها وهم أرباب الأموال، وإن لم يردها في الدنيا خرجت من حسناته يوم القيامة. (3/229)
صفحة 464
ومنهم من يقول: هذه الأرباح كلها هي له، لقوله عليه السلام: «الخراج بالضمان». وقوله: «نهى عن ربح ما لم يضمن».
ووجه آخر أعظم من هذا كله، إذا تعدى في هذه البضائع كلها والودائع والأمانات والقروضات واللقطات وأموال اليتامى والغياب بأعيانها، فأكلها أو جحدها لأربابها، ثم أدركته رحمة الله تعالى فتاب توبة نصوحا كما ينبغي ويجب وأصلح حاله وأدى جميع ما عليه من ذلك، إلا أن ألف دينار كان عنده، من جملة ما تعدى فيه ولم يذكره، أو أخرى من هذه الوجوه التي ذكرناها، ولم يذكره حتى يوم القيامة، فإن تباعة هذا الألف تخرج من حسناته إن كانت له حسنات، وإلا فالمؤداة على مولاه ويدخل الجنة.
وكذلك لو كانت عليه تباعة من شهادة أو سرقة أو من غصب أو خيانة كما تقدم، ثم تاب وأصلح، فإن هذا كله يخرج من حسناته يوم القيامة، رواية ضمام بن السائب عن رسول الله عليه السلام، وهو قول أصحاب الحديث. فإن لم تكن له حسنات فليرد عليه من سيئاته يوم القيامة.
والحديث الصحيح: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «يقول الله – عز وجل – للمؤمنين غدا يوم القيامة في المحشر: يا معشر المسلمين أما ما بيني وبينكم فقد وهبته لكم، وأما ما بينكم فتواهبوه فيما بينكم». ولم يثبت عندنا ما ذكر أصحاب الحديث في السيئات. والله أعلم.
والذي يؤيد ما رواه ضمام بن السائب عن رسول الله عليه السلام، حديث داود عليه السلام مع أوريا، وذلك أن داود عليه السلام قال: «يا رب، إني رأيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عندك عظيمة، كلما ذكرتهم أثنيت عليهم خيرا بماذا بلغوا عندك ذلك». (3/230)
صفحة 465
قال الله – عز وجل -: «إن آباءك إذا ابتليتهم صبروا».
قال داود: «يا رب لو ابتليتني لصبرت كما صبروا».
فقال الله تعالى: «إني إذا ابتليتهم لا أعرفهم بالوقت الذي ابتليهم فيه، وأنا أعرفك بالوقت الذي أبتليك فيه، وأنا أبتليك في اليوم الفلاني».
فلما كان ذلك اليوم عمد داود عليه السلام إلى حرس، فأدارهم بالمحراب الذي هو فيه، في عدد كثير، ثم أنه تعبد في داخل محرابه مديدة، فإذا بطائر لا يشبه طيور الدنيا فيه من ألوان الزينة كل لون حسن، حتى حسبه داود عليه السلام أنه من طير الجنة، فقام إليه داود يحتاله حتى قرب منه وثب عليه وطار الطائر ووقع من داود، فقصده ثانية فوثب عليه فطار من بين يديه، وفي الثالثة، طار إلى كوة من كوات المسجد، فقصده داود فطار، فنظر داود، فإذا بامرأة جميلة تغتسل قريبا من المسجد، فلما أبصرته أسلبت على نفسها شعرها، فأخذت بقلب داود عليه السلام. ثم أن داود عليه السلام سأل عنها فقيل: إنها امرأة أوريا. فسأل عنه فقيل: إنه في عساكر بني إسرائيل في فلسطين.
ثم أنه مكث مدة وقد أخذت بقلبه، ثم أنه بعث إلى عامل عساكر بني إسرائيل في فلسطين يستبطئ النصر، أن قدم أوريا أمام التابوت الذي فيه السكينة، وكان من تقدم منهم أمام التابوت فلا ينهزم حتى يفتح الله عليهم أو يقتل، فتقدم أوريا أمام التابوت فقاتل القوم حتى قتل أوريا، فمكث داود زمانا فأرسل إلى امرأته فتزوجها.
وبقي دهرا ليس معه مما فعل شيء، فبينما في محرابه كما قال الله – عز وجل -: (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) إلى قوله: (فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب). (3/231)
صفحة 466
وذلك أن أحد الخصمين نظر إلى آخر فتبسم وتبسم الآخر، فاتهم داود نفسه، فطارا وتسورا المحراب كأول مرة، فعند ذلك سجد داود، ومكث داود مدة طويلة ساجدا، فبعث الله ملكا فقال: «يا داود، إن ربك قد غفر لك فارفع رأسك» فرفع رأسه. فقال: «يا رب، إن هذه مظلمة لغيرك، فكيف بمغفرتك لي ولم يغفر لي صاحب المظلمة!؟».
فقال الله – عز وجل -: «اذهب إليه وناده في قبره وتحلل منه». فذهب إليه داود عليه السلام.
فلما وصل إلى قبره ناداه مرتين، فخرج أوريا من القبر ورأسه قد أبيض نصفه وبقي النصف الآخر أسود كما كان. فقال له داود: «لم أبيض نصف رأسك؟».
فقال له أوريا: «لما ناديتني أول مرة أبيض نصف رأسي وحسبت أنها القيامة، فلما ناديتني ثانية علمت أنها الدنيا».
فقال له داود عليه السلام: «اجعلني في حل من قلبك».
فقال له: (أنت في حل من قلبي يا نبي الله، فجزاك الله عنا خيرا وما حملتنا عليه من دين الله وهديتنا إليه).
فرجع أوريا إلى قبره، وذهب داود عليه السلام راجعا إلى بلده. فنظر داود عليه السلام إلى قلبه متغيرا عما كان أول مرة. فقال: «يا رب غفرت لي وجعلني صاحبي في حل، فما بال قلبي!؟»
فقال الله تعالى: «إنك لم تفسر لصاحبك شيئا».
فرجع داود عليه السلام إلى قبر أوريا فناداه كأول مرة، فخرج أوريا فقال: (يا ولي الله إلى متى تروعني؟)
فقال له داود عليه السلام: «إني سألتك الحل ولم أفسر لك القصة هكذا وهكذا». (3/232)
صفحة 467
فقال له أوريا: (أما إذا كان الأمر هكذا وهكذا فلا).
فانقلب أوريا واضطجع في قبره، فهناك هام داود عليه السلام على وجهه وصاح بأعلى صوته: «يا ويلاه». فما زال يقتحم النبات والشجر والحجارة ويقطع الأودية والتلال هائما على وجهه، حتى وقع وغشي عليه ساجدا.
ومكث فيما قالوا أربعين يوما ساجدا نبت البقل من دموعه، فأتاه الملك من عند الله تعالى وناداه فقال له: «يا داود قم، وقد غفر الله لك». ول يكترث به.
فناداه الملك ثانيا ولم يشتغل به. فقال له الملك: «ما أشبه أمروك بعضها ببعض، فأولها خطيئة وآخرها معصية». فرفع داود رأسه وقال: «يا رب كيف تغفر لي والمظلمة لغيرك؟»
فقال الله تعالى: «إذا كان يوم القيامة أظهر من الجنة غرفا تعجب أهل الحشر، يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، فقال: لمن هذا؟ فأقول (1): لمن غفر لأخيه مظلمته.
فيبادر أوريا فيقول: قد غفرت لداود نبي الله.
فهناك نفس عن داود قليلا، ومع ذلك قال داود: «يا رب، إن نفسي فيها من هذا شيء الآن»
فقال الله – عز وجل -: «إن ذلك من وحشة الخطيئة».
فقال: «يا رب اجعل لي آية لا أنسى معها خطيئتي». فجعل الله تعالى آية، قلما يرفع إلى فيه إناء من شراب إلا امتلأ بالدموع قبل أن يصل إلى فيه، فهذه تأدية من الله – عز وجل – على عباده المؤمنين ما عليهم من التباعات في يوم المحشر (2).
-----------------
(1) في الطبعة البارونية غير موجودة فأقول أثبتها إتماما للمعنى. (مراجع الطبعة الثانية).
(2) هذه القصة لا تصح عن نبي الله داود عليه السلام، وهي من الإسرائيليات التي ابتليت بها الأمة، وأنت ترى أن المؤلف رحمه الله لم يستدل بها في القطعيات وإنما أوردها على سبيل الفائدة. (مراجع ط2).
وأما قوله تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدن علما). (3/233)
صفحة 468
واعلم يا أخي، أن أقسام العلوم كثيرة. أولها: علوم العقل، وهي علوم ضرورية يتضمنها العقل كما قدمنا، وهي ثلاثة أقسام: وجوب الواجبات، وجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، وهي من أعظم العلوم التي أعطاها الله تعالى لعباده، لكن حيى (1) الله تعالى في القرآن عقليات إذا وقع الخطاب بينه وبين أقوام ليست لهم شرائع يقتبسون منها العلوم، فتقع المناظرة بينهم وبين الله تعالى عليها، فحاجهم الله – عز وجل – بها فاعترفوا ببرهانها عقلا وجحدوا بها فعلا، فجعل قوله: (يا أولي الألباب) وقوله: (لعلكم تعقلون) وقول الكفار غدا: (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) وقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل. وقال له: أدبر فأدبر. فقال له – عز وجل – وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي، وبك أثيب وبك أعاقب».
وقول رسول الله عليه السلام لعلي بن أبي طالب: «إذا تقرب العباد إلى الله – عز وجل بأعمالهم، فتقرب إليه بعقلك». والعقل: مرآة السعادة الأبدية للأرواح، به يتعرفون عبوديتهم، ويتعرفون من عبوديتهم ألوهية إلههم.
والهوى: قائد النفس إلى السعادة الدنيا دون السعادة القصوى.
والشهوة غطاء على أبصار نفوس المؤثرين الأدنى على الأقصى، وسلاح النفس: الشهوة والهوى. وسلاح الروح: العلم والعقل.
ومن العقل تفرعت علوم المنطق آلة المتكلمين، وعلوم المنطق برهانية، وعلوم البرهان حقيقة. وعلوم العقل هي التي نبهت وقطعت: أن لا إله إلا الله.
وحسبك قول الله تعالى: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به). (3/234)
صفحة 469
ولهذا المعنى المذكور في حلية العقل، صار كل ملك وعاقل من المشركين يقر بعبودية نفسه ويطلب الألوهية من الأحجار والأخشاب، حتى أن فرعون يقر للأصنام بالألوهية ويعبدها، حتى نبهه موسى عليه السلام، حين قال: (وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) إلى قوله: (إن كنتم تعقلون). ولهذا قال فرعون: (يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري) لما أظهر موسى عليه السلام أن العلة في الألوهية القدرة على العباد وظهور حاجتهم إلى منفعة الإله قال: (ما علمت لكم من إله غيري) وفي قصة أخرى: (أنا ربكم الأعلى) ولم يدر فرعون أن من ملك من السماء إلى الأرض ومن المشرق إلى المغرب أنه أحق بالألوهية. قال موسى: (إن كنتم تعقلون) ينبههم بالعقل ولم ينتبهوا، واستظهروا هم بالجنون، ولم يصيبوا بالبرهان آخر العقل.
والعقل: ملاك البر والتقوى. والجهل: هلاك الآخرة والأولى.
ومن وجوه الواجبات احتاج الأنبياء – صلوات الله عليهم وسلامه – من لدن أبينا آدم – عليه السلام – إلى نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) لدلالة الحدث على المحدث. فقال: (أفي الله شك فاطر السموات والأرض). فادعت لهم الأمم من لدن أبينا آدم عليه السلام إلى اليوم، ولم يردون عليهم مذهبهم، وعترفوا وقالوا: (إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا) هذه في الوجبات.
وفي المستحيلات: أنه لا يجوز أن يكون الواحد حيا ميتا في حالة واحدة ولا أن يكون الموجود في مكانين، ولا الصعود هو الهبوط، ولا الحركة هي السكون، ولا الجسم هو العرض، ولا الماضي هو الآتي، ولا سائر الأشياء ومتضاداتها، ولا كل شيء هو غيره. كما أن الجائزات ليس فيها قطع الوجود، ولا العدم إلا بعلم.
ومن علوم بني آدم علم الشرائع في الواردات من الله سبحانه وتعالى (3/235)
صفحة 470
إلى الأنبياء على أيدي الملائكة في مصالح العباد واستصلاح البلاد، نطقا وإعلاما ووحيا وإلهاما، وما تضمنت هذه العلوم من الأصول والفصول، والمعاني والمتون، والمذاهب والفنون، والوعد والوعيد، والأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والمجمل والمفسر، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، والمنصوصات والمستخرجات، ولحن الخطاب وفحوى الخطاب ومعناه ودليل الخطاب، والمتصل والمقطوع والمنفصل والمسموع، والتقديم والتأخير، ووجوه اللغة وتصاريفها في الماضي والحال، وبيان الحال والاستقبال، والأسماء والأفعال، والنحو وفنونه، في أشياء كثيرة لا تكاد تنحصر ولا تخفى على ذي بصيرة.
وأصل هذه العلوم من الوحي، وعن وحي قامت من الملائكة المقربين. وسيأتي شرحها عند حديث أم موسى عليه السلام قال الله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) ووحي النحل.
ومن علوم بني آدم: الرؤيا بشروطها، وهي فرع من الوحي، والوحي فرع من علوم الأنبياء صلى الله عليهم أجمعين.
وقال رسول الله عليه السلام: «الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح، يراها لنفسه، أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة».
ومصداق ذلك قوله عليه السلام: «نبوة أهل آخر الزمان الرؤيا». والنبي يرى الرؤيا ورؤياه حق، لأنهم معصومون من الشيطان الرجيم.
ويدلك عليه: قول إبراهيم عليه السلام.
وشروط الرؤيا: سكون الأجساد، وأن تسلم من الأضغاث والأحلام، وحديث النفس والخيال، والأوهام، والشياطين، والاضطراب.
ومن وراء ذلك: علم الفراسة والحدس والتخمين. قال (صلى الله عليه وسلم): (3/236)
صفحة 471
«احذروا فراسة المؤمن فإنه بنور الله يبصر».
وعلم الترويع منه: وهو نور يقذفه الله في قلب المؤمن.
وقال رسول الله عليه السلام: «ما من نبي إلا وفي أمته محدث ومروع، فإن يكن فيكم فعمر». ومنه الفأل، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتفاءل ولا يتطير.
ومنها: علوم الخط والحصا وفنونه. قال رسول الله عليه السلام: «الخط حق، بعث به نبي، فمن وافق خطه خطه فقد أصاب، ولا يعلم الغيب إلا الله».
ومن وراء ذلك كله: علم المكاشفة وهو العلم اللدني، وأصله المعرفة. فإذا بلغ العبد في طاعة ربه أقصى درجاتها، وتعاود به نفسه في جميع العبادات، وتواترت عليه أنواع الطاعات، فهنالك يستأنس بربه، ويستوحش من أبناء جنسه وتربه، بما عوده الله تعالى من استجابة الدعاء، ومن الأنس به دون غيره.
فإذا بلغ هذه المنزلة، رفع الله – عز وجل – الحجاب بينه وبين خلقه، وانكشف الغطاء عن قلبه في جميع ما أراد الله تعالى أن يحدثه في خلقه، آثره بعلم ذلك وخصه به، فكانت علومه من لدن الله – عز وجل – لا بواسطة من غيره، كما قال الله تعالى: (وآتيناه رحمة من عندنا) ... الخ فكان لا يحتاج مع هذا العلم اللدني الذي أراد الله – عز وجل – الخضر إلى تعلم ولا تعليم، وصار مرآة للخلق، وقبلت ذاته صورة كل شيء، كالمرآة التي تقبل الصور.
فاستأثر موسى بعلم الشرائع، واستأثر الخضر بالعلم اللدني، وكان في الخلق مطلق اليد في جميع ما أراده، كعزرائيل في الأرواح، والروح الأمين في الشرائع، وميكائيل في الكائنات، وإسرافيل في الفانيات. (3/237)
صفحة 472
ومما يدل على ما قلنا أن الله – عز وجل – أخرج الخضر من حيز المكلفين ذوي الشرائع، فليس عليه إلا ما سنح في خاطره فعليه امتثاله، وليس عليه أن يأمرنا بالمعروف ولا أن ينهانا عن المنكر إذا رآهما منا، ولا دفع عن مظلوم، ولا قيام بحق معلوم.
فحاله كحالة الملائكة عليهم السلام، كما أن ليس على الملائكة من أمرنا ونهينا شيء إلا أن أرادوا ذلك وشاءوه إعلاما وإلهاما.
والإشارة إلى بعض علوم المكاشفات من قول الغزالي. قال: (أما بعد، فإن علم المكاشفة من العلوم التي تكون بين العبد وربه لا بواسطة، وهي الغاية القصوى للعباد. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن من العلم المكنون ما لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله، ولا يجهله إلا أهل الاغترار بالله، فلا تحقروا عالما آتاه الله علما، فإن الله لم يحقره إذ آتاه».
واعلم أن مراتب السباق إلى الله خمس: أولها: الإيمان، ثم الظن، ثم العلم، ثم اليقين، ثم المعرفة.
فالإيمان: سكون النفس إلى وجود الله تعالى. والظن: ميل النفس إلى وجوده. والعلم: ظهور وجود الباري سبحانه إلى العبد. واليقين: اتضاح الوجود بغاية الاتضاح، والمعرفة هناك نهاية مبلغ العباد، شبه الضرورة، لكن المعرفة علم بعد علم، وثمرة المعرفة بالوحدانية لا بل بالتوحيد، لا بل
بالوحدة، لا بل بالواحد، لا بل بالأحد، هناك انتهت المعرفة.
-----------------
(1) أبان. (مراجع الطبعة الثانية).
القول في التوحيد والوحدانية والأحدية: فالتوحيد مآله إلينا، والوحدانية بيننا وبين ربنا، والأحدية هي له دوننا: والتوحيد هو البحر الخضم الذي لا ساحل له، وله أربع مراتب: هي تنقسم إلى لب، ولب اللب، وإلى قشر، وقشر القشر، ويتمثل ذلك إلى الفهم الضعيف بالجوز في قشرته، فإن له قشرتين، وله لب، ولب دهن. (3/238)
صفحة 473
المرتبة الأولى: هي التوحيد، وهو أن يقول بلسانه: (لا إله إلا الله) وقلبه غافل وساه، أو منكر وغير مستبصر.
والثانية: أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه، كما يصدق به عموم المسلمين، وهو اعتقاد.
والثالث: أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة لكن يراها على كثرتها صادرة من الواحد القهار.
والرابعة: أن لا يرى في الوجود إلا واحدا، وهو مشاهدة الصديقين، حتى لا يرى نفسه أيضا، فإذا لم ير نفسه، مستغرقا بالوحدانية بائنا عن نفسه.
فالأول: وهو الموحد بمجرد اللسان، ويعصم ذلك صاحبه في الدنيا من السيف والسنان.
والثاني: موحد بمعنى قلبه متعلق بمفهوم لفظه، وهو خال عن التكذيب كتوحيد العامة ليس فيه انشراح ولا انفتاح، لكن محمول عنه في الدنيا والآخرة، إن لم تضعف بالمعاصي عقدته، ولهذا الاعتقاد: حل يوهن هذا الاعتقاد، وسد بابه يؤيد الاعتقاد. فالأول: هو المشبه. والثاني: هو المتكلم، والمتكلم في مقابلة المبتدع. والثلث: موحد بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلا واحدا، إذا انكشف له الحق كما هو عليه ونوى اعتقاده بأقواله وأفعاله. والرابع: موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهادة غير الواحد فلا يرى الكل من حيث إنه كثير بل من حيث إنه الواحد، وهذه الغاية القصوى في التوحيد وهو توحدي الصديقين والمقربين.
والأول كالقشرة العليا من الجوز. والثاني كالقشرة السفلى من الجوز. والثالث كاللب. والرابع كالدهن المستخرج من اللب الأول. (3/239)
صفحة 474
وكما أن القشرة الأولى من الجوز لا خير فيها، بل إن أكل فهو مر المذاق، وإن نظر إلى باطنه فهو كريه المنظر، وإن أتخذ حطبا أطفأ النار وأكثر الدخان، وإن ترك في البيت ضيق المكان، فلا يصلح إلا أن يترك مدة على الجوز للصوان ثم يرمى، فكذلك التوحيد بمجرد اللسان عديم الجدوى كثير الضرر مذموم بالظاهر والباطن، لكنه ينفع مدة في حفظ القشرة السفلى إلى وقت الموت، والقشرة السفلى: هي القلب والبدن.
وتوحيد من لم يتجاوز توحيده لسانه إلى قلبه، أو من رمى بلسانه عن قلبه، أو أكره على النطق دون الاعتقاد، يصون بدنه عن السيف سيف الغزاة، فإنهم لم يؤمروا بشق القلوب، والسيف إنما يصيب جسم البدن وهو القشرة، وإنما يتجرد عنه بالموت فلا تبقى لتوحيده فائدة القشرة.
الثانية: وكما أن القشرة السفلى ظاهرة النفع – بالإضافة إلى القشرة العليا – فإنها تصون اللب وتحرسه عن الفساد عند الادخار، إذا فضل أمكن أن ينتفع بها حطبا، لكنها نازلة القدر بالإضافة إلى اللب، وكذلك مجرد الاعتقاد من غير كشف، كثير النفع بالإضافة إلى مجرد النطق باللسان، ناقص القدر بالإضافة إلى الكشف والمشاهدة التي تحصل من انشراح في الصدر وانفساخها وإشراق نور الحق فيها، إذ ذلك الشرح هو المراد بقوله: (فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه).
الثالثة: وكما أن اللب نفيس بالإضافة إلى القشرة وكأنه المقصود، لكنه لا يخلو عن شوف عصارة بالإضافة إلى الدهن المستخرج منه، وكذلك توحيد الفعل مقصد علم السالكين، ولكنه لا يخلو عن شوف ملاحظة العين والإلتفات إلى الكثرة، بالإضافة إلى من لا يشاهد سوى الواحد الحق. (3/240)
صفحة 475
فإن قلت: كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحدا، وهو يشاهد عوالم السموات والأرض وسائر الأجسام المحسوسة، وهي كثيرة فكيف يكون الكثير واحدا؟
فاعلم أن هذه هي غاية علوم وأسراره لا يجوز أن تسطر في كتاب، وقد قال العارفون: (إفشاء سر الربوبية كفر). ثم غير متعلق بعلم المعاملة.
نعم ذكرنا ما يسكر سورة استبعادك وهو أن الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار، ويكون واحدا بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار، وهذا كما أن الإنسان كثير إذا التفت إلى روحه وجسده، وأطرافه وعروقه، وعظامه وأحشائه، وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذا تصورت أنه إنسان واحد، وكم من شخص شاهد إنسانا ولم يخطر بباله كم كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده والفرق بينهما، وهو في حالة الاستغراق والاشتهار به مستغرق وليس فيه تفرق، فكأنه في حين الجميع [واحد] (1)، والملتفت إلى كثرته وتفرقه كذلك.
وكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق، له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة، وهي باعتبار واحد من الاعتبارات واحدة، باعتبارات أخرى سواها كثيرة، بعضها أشد كثرة من بعض.
مثال الإنسان – وإن كان لا يطابق الغرض، لكنه ينبه على الجملة على كيفية مصير الكثرة وحكم المشاهدة لو لم يستفد بهذا الكلام – ترك الإنكار والجحود بمقام لم تبلغه – وتؤمن به إيمان تصديق، ويكون لك من حيث إنك مؤمن بهذا التوحيد نصيب، وإن لم يكن ما آمنت به صفتك، كما أنك إذا آمنت بالنبوة (3/241)
صفحة 476
وإن لم يكن نبيا كان لك نصيب منها بقدر قوة إيمانك، وهذه المشاهدة التي لا يشهد فيها إلا الواحدة تارة تكتم وتارة تظهر كالبرق الخاطف وهو الأكثر، والدوام قادر وعزيز.
وإلى هذا إشارة الحسين الجلاد حيث رأى الخواص يدور في الأسفار. فقال: (أدور في الأسفار لأصلح حالي في التوكل) وقد كان من المتوكلين. فقال الحسين: (قد أفنيت عمرك في عمران باطنك، فأين الفناء في التوحيد؟) فكأن الخواص كان في تصحيح المقام الثالث في التوحيد يطالبه بالمقام الرابع، فهذه طريقة المؤيدين في التوحيد على سبيل الإجمال.
فإن قلت: لابد من شرح مقدار ما يفهم كيفية انبناء التوكل عليه، فأقول: أما الرابع فلا يجوز الخوض في بيانه، وليس التوكل أيضا مبنيا عليه، بل يحصل حال التوكل بالتوحيد الثالث.
أما الأول فهو النفاق واضح. وأما الثاني وهو الاعتقاد، فهو موجود في عموم المسلمين، وطريق تأكيده في الكلام، ودفع حيل المبتدعة فيه مذكور في علم الكلام، وذكرنا في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد على قدر المهم منه.
وأما الثالث فهو الذي يبنى التوكل عليه، إذ يجزي التوحيد اعتقاده لا يورث حال التوكل، فلنذكر منه القدر الذي يرتبط التوكل به، دون تفصيله الذي لا يحتمله أمثال هذا الكتاب.
وحاصله أن يكشف لك أن لا فاعل إلا الله، وأن كل موجود من خلق ورزق، وعطاء ومنع، وحياة وموت، وغنى وفقر، وغير ذلك مما يطلق عليه اسم، فالمنفرد بإبداعه واختراعه هو الله تعالى وحده لا شريك له فيه.
فإذا انكشف هذا لم تنظر إلى غيره، بل كان منه خوفك ورجاؤك، وبه (3/242)
صفحة 477
ثقتك وعليه اتكالك، فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره، وما سواه مسخر لا استقلال له بتحريك ذرة في ملكوت السموات والأرض.
فإذا انفتحت لك أبواب المكاشفة، أتضح لهذا اتضاح أنه من المشاهدة بالبصر، وإنما يضرك الشيطان على هذا التوحيد في مقامين، يبغي بهما أن يطرقا إلى قلبك شائبة الشرك:-
أحدهما: الالتفات إلى اختبار الحيوانات.
والثاني: الالتفات إلى الجمادات.
فأما الالتفات إلى الجمادات كاعتمادك على المطر في خروج الزرع ونباته، وعلى الغيم في نزول المطر، وعلى البرد في اجتماع الغيم، وعلى الريح في استواء السفينة وسيرها.
وهذا شرك في التوحيد وجهل في حقائق الأمور، ولذلك قال: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) قيل: معناه أنهم قالوا: لولا استواء الريح ما نجونا.
ومن انكشف له أمر العالم كما هو عليه علم أن الريح هو في الهواء يتحرك بنفسه ما لم يحرك، وكذلك محركهم، وهاذ إلى أن ينتهي إلى المحرك الأول الذي لا محرك له، ولا متحرك في نفسه.
فالتفات العبد في النجاة إلى الريح، يضاهي التفات من أخذ لتحز رقبته، فيكتب الملك توقيعا عنه بالعفو وتخليته، فأخذ يشتغل بحبره والكاغد والقلم الذي يكتب به التوقيع، ويقول: ولولا القلم لما تخلصت. فيرى النجاة من القلم لا من محرك القلم، وهو غاية الجهل.
ومن علم أن القلم لا محرك له من نفسه، وإنما هو محرك في يد الكاتب، لم يلتفت إليه ولم يشكر إلا الكاتب، بل يدهشه فرح النجاة وشكر الملك الكاتب عن أن يخطر بباله القلم والحبر والداوة. (3/243)
صفحة 478
فالشمس والقمر والنجوم والمطر والغيم والأرض، وكل حيوان وجماد مسخرات في قبضة القدرة، تسخير القلم في يد الكاتب، بل هو يتمثل في حقك أن الملك هو كاتب التوقيع.
والحق أن الله هو الكاتب، كما قال الله – عز وجل -: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).
وإذا انكشف لك أن جميع ما في السموات والأرض مسخرات على هذا الوجه، انصرف عنك الشيطان خائبا، وآيس من مزج توحيدك لهذا الشرك، فيأتيك في المهلة الثانية وهو الالتفات إلى اختيار الحيوانات والاختيارية، ويقول: كيف ترى الكل من الله – عز وجل – وهذا الإنسان يعطيك رزقك باختياره، فإن شاء أعطاك وإن شاء منع عنك.
وهذا الشخص هو الذي يجز رقبتك بسيفه، وهو قادر عليك، إن شاء حز رقبتك وإن شاء عفا عنك، فيكف لا تخافه ولا ترجوه وأمرك بيده، وأنت تشاهد ذلك ولا تشك فيه؟
ويقول: نعم، إن كنت لا ترى القلم بأنه مسخر، فكيف لا ترى الكاتب هو المسخر.
وعند هذا زلت أقدام الأكثرين إلا عباد الله المخلصين، الذين لا سلطان عليهم للشيطان، فشاهدوا بنور البصائر كون الكاتب مسخرا مضطرا، كما شاهد جميع الضعفاء كون القلم مسخرا.
وعرفوا أن غلط الضعفاء في ذلك كغلط النملة مثلا، لو كانت تدب على الكاغد، فترى رأس القلم يسود الكاغد ولم يمتد بصرها إلى اليد والأصابع فضلا عن صاحب اليد، وغلطت وظنت أن القلم هو المسود للبياض، وذلك لقصور بصرها عن مجاوزة القلم لضيق حدقتها. (3/244)
صفحة 479
وكذلك من لم يشرح بنور اله صدره، قصرت بصيرته عن ملاحظة جبار السموات والأرض مشاهدة كونه قهارا، ورأى الكل، ووقف في الطريق على الكاتب، وهو جهل، بل أرباب القلوب والمشاهدات قد أنطق الله في حقهم كل ذرة في السموات والأرض بقدرته، الذي أنطق كل شيء، حتى سمعوا تسبيحها وتقديسها لله، وشهادتها على نفسها بالعجز بلسان ذلق، تتكلم بلا حرف ولا صوت، لا يسمعه الذي هم عن السمع لمعزولون.
ولست أعني به السمع الذي لا يجاوز الأصوات، فإن الحمار شريكه فيه، ولا قدر لما تشترك فيه البهائم، وإنما أريد به سمعا يدرك كلاما ليس بحرف ولا صوت ولا هو عربي ولا هو عجمي.
فإن قلت: هذه أعجوبة لا يقبلها العقل، فصف لي كيفية نطقها، وأنت كيف نطقت، وبماذا نطقت وسبحت وقدست، وشهدت على نفسها بالعجز؟
فاعلم أن الكل ذرة في السموات والأرض مع أرباب القلوب امتزاجا في السر، وذلك مما لا ينحصر ولا يتناهى، وأنها كلمة تستمد من بحر كلام الله الذي لا نهاية له. و (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لفند البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا).
ثم أنها تنادي بأسرار الملك والملكوت، وإفشاء السر لؤم، بل صدور الأحرار تنور الأسرار، وهل رأيت قط أينا على الأسرار للملك، قد يؤدي بخفاياه، فيؤدي على ملأ من الخلق.
ولو جاز إفشاء كل سر، لما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، بل كان يذكر لهم ذلك حتى يبكوا ولا يضحكوا، ولما نهى عن إفشاء سر القدر قال: «إذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القمر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا». (3/245)
صفحة 480
ولما خص حذيفة ببعض الأسرار.
فإذن منع عن حكاية مناجاة دارت في الملك والملكوت قلوب أرباب المشاهدات (2) مانعان: أحدهما استحالة إفشاء السر.
والثاني: خروج كلماته عن الحصر والنهاية.
ولكنا في المثال الذي كنا فيه وهي حركة القلم، تحكى نملة من مناجاتها قدرا يسيرا، يفهم على الإجمال كيفية انبناء التوكل عليه، ويرد كلماته إلى الحروف والأصوات، وإن لم يكن حروفا ولا أصواتا.
-----------------
(1) كانت غير موجودة في الطبعة البارونية فأضفتها إتماما للمعنى. (مراجع الطبعة الثانية).
(2) كانت العبارة في الطبعة البارونية مضطربة فأصلحتها. (مراجع الطبعة الثانية).
قوله تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدن علما). وذكرت أمر الخضر، وكيف؟ وأنك شككت فيه، ولم يكن عندك علم بأنه الخضر.
اعلم أن الذي أتاه الله العلم من لدنه هو الخضر بإجماع الأمة مأثور عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقد أجمع على ذلك أصحاب الحديث الذين يروون عن رسول الله عليه السلام ويؤثرون ذلك.
وقال موسى عليه السلام للخضر: (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا).
واعلم أن الخضر قد أطلعه الله على العلم اللدني، فتكلم بعلمه في موسى فأصاب، وأجاب الخضر أيضا على غالب الحال: (إنك لن تستطيع معي صبرا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا). فذكر العلة، لأن من طبع بني آدم أن لا يصبروا على ما لم يحيطوا به علما بعلمه، ولما لم يأتهم تأويله.
واستثنى موسى ولم ينفعه إلا في السلامة من الذنب، وإباحة القول فيما يأتي وإن خرج خلافه.
وقوله: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها) فلم يذكر فتاه، فإذا ذكر الفاضل أجزى عن المفضول. (3/246)
صفحة 481
وقوله: (أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا) فتكلم موسى بلسان الشريعة، وعمل الخضر بمقتضى العلم اللدني، وكلاهما مصيب، وليس لموسى أن ينتقض عليه فعله ولا للخضر أن يستجهله.
وهذه المسألة هي التي جرت بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في عثمان ابن عفان.
وذلك أنهم افترقوا على ثلاث فرق:
فرقة عمار بن ياسر – رحمه الله – وأصحابه، مذهبهم في عثمان أنه باغ على المسلمين وظالم لهم حين استخلفوه وائتمنوه على دينهم ودمائهم وأموالهم وفروجهم، فأضاع الكل باستخلافه الفجرة الجورة الفسقة وائتمنهم على هذه الأمور وليسوا بأهل للأمانة على شيء منها. وضربهم أوتاد الجزيرة العربية ولما حولها من بلاد فارس والروم والسودان والبيضاء، وأصحاب عمار: علي ابن أبي طالب وطلحة والزبير وعامة المهاجرين والأنصار.
وأصحاب الفرقة الثانية: هم المتفقون فيه، ولم يروا تحلة دمه، منهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن سلام، وزيد بن ثابت، أبو هريرة، ومحمد بن مسلمة والمتفقون من عامة الناس، فهؤلاء توقفوا في تحلة دم عثمان، ولم يبرأوا من عمار وأصحابه، ولم يبرأ عمار وأصحابه منهم، فالأول عمار وأصحابه أهل البصائر في الدين، ولا سيما أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) جعله علما للفتنة وقال: «تقتل عمارا الفئة الباغية». قال اله – عز وجل -: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين).
وأما الذين جعلهم عثمان أوتاد الأرض من ولاية عبد الله بن عامر بن مريز شرف قريش واليه على البصرة إلى مشرق الأرض، وله قال رسول الله صلى الله (3/247)
صفحة 482
عليه وسلم: «غدروا ..... ».
وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط على الكوفة، وصلى بهم الصبح دون عشرين ألفا وهو سكران، وصلى بهم ثلاثا، ورفع ثوبه في المحراب. وقال: (أفلا أزيدكم؟).
وقال عبد الله بن مسعود: (حسبنا من ثلاثتك ثنتان). وهو سكران من الصبية الذين لهم النار حين قال عقبة بن أبي معيط لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين أمر بضرب عنقه. فقال: (من للصبية؟).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النار».
ومنهم: المغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وأمثالهم (1)، فرأى عمار بن ياسر وأصحابه، أن يغيروا المنكر عليهم بالسيف واستباحة الدم.
والآخرون قصرت بصائرهم عن تحلة دم عثمان فتوقفوا، والكل على بصيرة، ما لم يبغ بعضهم على بعض.
وأما أصحاب الدار فهم في حزب عثمان في الدنيا وفي دار القرار.
وأما الفرقتان: عمار وسعد، فواسع لهما ما لم يقتحم أحدهما أحد الشروط الثلاثة. أو أن يرى أحدهما رأيه دينا لله لا يسع أحد التخلف عنه.
والثاني: أن يقطع عذر صاحبه في التخلف عنه.
والثالث: أن يخرجه قوله إلى أن يهدم قاعدة من قواعد الإسلام.
فمن سلم من هذه الشروط الثلاثة وسعه ذلك، فمن ابتدأ بالبراءة من الطائفتين فهو أولى.
وأما خرق الخضر السفينة مصلحة أرادها لأصحاب السفينة، فلو لم يخرقها لذهبت السفينة كلها وأخذها الغاصب، لأن تخرق خير من أن تؤخذ.
ففعل الخضر من جهة العلم اللدني وأنكر عليه موسى من جهة الشرع، (3/248)
صفحة 483
فكلاهما مصيب، والفضل للأفضل، فلما وقع العتاب عليه، اعتذر موسى وقال: (لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا) فأسعفه الخضر وقد تقدم النسيان وما فيه من وجه.
وأما خرق للسفينة لئلا تؤخذ، فإنه أراد في ذلك وجه المصلحة، لأن تخرق ويلزمها عيبها خير من أن تؤخذ غصبا، ففعل الخضر ما فعل على وجه المصلحة.
ومن هاهنا اقتبس مالك إجازة العقوبة بالأموال رأيا وقياسا على هذا الحال.
فإذا جاز فساد بعض الأموال استصلاحا لباقيها ولا ذنب بفسادها، استصلاحا لمولاها مع الذنب أولى، والنفس أولى صلاحا من المال، إذ النفس أصل والمال فرع، بقاء الأصل مع ذهاب الفرع أولى، ولا سيما أن ما ذكره الله تعالى من الشرائع الأولى فهو شرع لنا إلا إن أعقبه نسخ أو فسخ.
واستدل مالك على هذا المعنى بعبيد حاطب حين سرقوا ناقة أعرابي، فهم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن يقطعهم، فدعا عمر حاطبا والأعرابي. فقال: (يا حاطب أجعت عبيدك حتى احتاجوا إلى أن يسرقوا أموال الناس). فقال للأعرابي: (كم بلغت ناقتك في السوق؟).
فقال: (أربعمائة درهم). فأسدى حاطبا ثمانمائة، ثمن فيها الثمن عليه عقوبة، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «في حريسة الجبل قيمتها ومثلها معها».
وفي فتاوى المسلمين: أن من منع الحق وامتنع في قصره أو في حصنه أو في موضع لا يصل إليه المسلمون إلا بفساد الحيطان وهدم القصور والحصون، أن ذلك سائغ لهم حتى يصلوا إليه وينفذوا فيه حق الله. (3/249)
صفحة 484
وكذلك من غصب أموال الناس وضمنها داره، أن للمسلمين أن يهجموا على تلك الدار، ويكسروا الأبواب ويهدموا البيوت حتى يستخرجوا أموال الناس ويدفعوها لأهلا، خلافا لأبي حنيفة.
وقال في رجل غصب لآخر فرسا، فدعاه إلى القاضي، فاستمسك به إليه، فسأله القاضي، وامتنع أن يدفعها لأهلها.
وقال أبو حنيفة: (أن يحكم عليه بالقيمة والفرس قائمة في داخل الدار). وهذا باب فيه فساد الشريعة.
فلو أن رجلا اشتهى جارية رجل أو سفيه أو ثيابه فأدرجها في عقر بيته، أنه ليس عليه إلا القيمة، فهذا بطلان البيع، وإباحة أموال الناس بغير رضاهم، رأي فشل وقياس خطل وأمر نذل.
-----------------
(1) كان في الطبعة البارونية في العبارات السابقة اضطراب كبير، أصلحته قدر المستطاع. (مراجع الطبعة الثانية). (3/250)
صفحة 485
(باب) قتل الخضر عليه السلام الغلام وما فيه من فوائد
وأما قوله – عز وجل -: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله. قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا).
اعلم أن الخضر عول على ما علمه الله – عز وجل – وعلم أن الغلام سيرهق الوالدين طغيانا وكفرا على ما قدما من محبتهما فيه وسوء التربية.
وأما قوله: زاكية أي نامية يدل على صغره، وأنه لم يكمل حال البلوغ.
وأما من قرأ زكية، أثبته صالحة وقد بلغت البلوغ وتجاوزته إلى الزكا والصلاح، وساغ للخضر أن يقتله على الوجهين جميعا كما قدمنا في الخضر أن أفعاله من قبل العلم اللدني، وفي ذلك صلاح الأبوين، أحدهما: توفير الأجر. والثاني: السلامة من إرهاقه لهما إلى الطغيان والكفر، لكن موسى اعتقد أن إراقة الدماء حرام ونكر ومنكر.
والفرق بين النكر والمنكر: أن النكر شيء يسبق إلى النفوس إنكاره في الظاهر. والمنكر: ما هو في ذاته قبيح، فلم يبصر موسى عليه السلام لشريعته كل الانتصار فيثبت بذلك الخضر مسيئا، لعلمه أن علم الخضر عليه السلام من علم الله يستقي، ولم ينتصر الخضر لعلمه فيحمل موسى على سبيل الجهل، لكن كل واحد منهما أتى بمقتضى علمه دون حكمه.
فلهذا قال الإمام الصالح العالم جابر بن زيد – رضي الله عنه -: (لا يحل للعالم أن يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. ولا يحل للجاهل أن يقول للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك.
فإن قال العالم للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر العالم. (3/251)
صفحة 486
وإن قال الجاهل للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. قطع الله عذر الجاهل) فانظر في هذه المسالة فإن فيها عجبا لمن ألقى السمع وهو شهيد.
ومن بعد الخضر عليه السلام، أجاز مالك استصلاح الثلثين بالثلث، والأكثر بالأقل.
ويرى ذلك أن الإمام إذا استعصت عليه العامة في استصلاح أنفسهم، وغلب عليه الفساد، وبلغ العامة فسادهم والضرر أقاصيهم وأدانيهم، يخرج حكم القتل على الرؤوس التي قامت بها الفتنة وظهرت السنن الردية والفساد البين الواضح.
ولم يرد مالك: إن صلحت العامة واستقامت أمورهم، أن يستصلح الثلث والثلثين، بل والثلثان قد انصلحا، بل فعله فيهم فساد للثلث والثلثين، ولكل شيء وجه وطريقة، ولك في كتاب الله تعالى آية وموعظة في حكم المحاربين، وذلك أن قطاع الطرق إذا بانوا بذلك وظهر فسادهم في الأرض، أن الحكم فيهم كما قال الله – عز وجل -: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا) إلى قوله: (ولهم عذاب عظيم).
وحكم المسلمون في المحاربين إذا حاربوا وسعوا في الأرض فسادا، فإذا قطعوا الطريق وقتلوا واحدا من الناس من بني آدم، ولو كان حرا أو عبدا، أو مسلما أو ذميما، أو رجلا أو امرأة، أنهم يقتلوا به كلهم ولو كانوا ألف رجل، أيما أعظم هذه أو الثلث بالثلثين.
وإن لم يقتلوا لكنهم أخذوا الأموال وأفسدوها، ولم يأخذوا إلا ما دون النصاب، فإنهم تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، (3/252)
صفحة 487
ولو لم يفعل ذلك إلا الرجل من العسكر فإن الحكم يجري على جميعهم في غالب الحال، استصلاحا للعامة والطريق.
ولذلك شرع الله تعالى في سارق سرق ربع دينار أن تقطع يده، وديتها خمسمائة دينار.
ويقتل الرجل الطويل في القصير، والأسود في الأبيض والأبيض في الأسود، والعريق في الدعي والدعي في العريق، والرجل في المرأة والمرأة في الرجل، والجماعة في الواحد والواحد في الجماعة، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا، والجروح قصاص، والناس متفاوتون في الجراح والأجسام.
وأما قوله: (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما) وذلك أن الله تعالى وهب لهما صبية كان من نسلها سبعون نبيا، فهذا أعظم لهم درجة في الجنة حيث يتوسلون إلى الله – عز وجل – بصبيتهم من سبعين نبيا فيا لها من درجة، ما أعظمها! وما أجلها!
ولك في هذه الصبية وهاجر سرية إبراهيم معتبر، إذ قال الله تعالى: (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما).
أما الزكاة فإنماء ولد الإنسان من قبل بناته أكثر عددا ومددا.
وأما قوله: (وأقرب رحما) فإن بني البنات أكثر منه على الآباء من بني البنين.
وأغرب من هذا أنهما خرجا من الدنيا ولم يعلما بمآلهما عند الله من الفضيلة في ذلك.
ويدلك على ذلك ما جرى لهاجر سرية إبراهيم عليه السلام، وذلك أن ملك مصر وهبها لامرأة إبراهيم سارة، ووهبتها سارة (3/253)
صفحة 488
لإبراهيم، فتسراها، وولد منها إسماعيل عليه السلام، فغارت سارة، فقالت لإبراهيم: (أبعدها عني حتى لا أسمع لها خبرا).
وذهب بها إبراهيم عليه السلام إلى مكة وتركها وولدها هناك، وليس لهما زاد ولا طعام ولا شراب إلا شيء قليل في شن وتميرات في مزود، فلما فرغا بقيت بلا لبن يرتضعه، فإذا بكى لقمته ثديها فمصه فلم يجد فيه شيئا بكى وصاح، ثم عمدت إلى جبل أبي قبيس فأشرفت من أعلى جبله تتشوف هل ترى أحدا في أسفل مكة فلم تر أحدا.
ثم أنها سعت تريد المروة، فقطعت الوادي سعيا حتى غاب ولدها عن بصرها، حتى بلغت المروة وأشرفت من هناك تستوضح: هل ترى أحدا من أعلى مكة.
وكان ذلك دأبها سبع مرات، فجعل الله لها ذلك أجرا وذخرا موفورا وجعل سعيها سنة العباد، يسعون على أثرها آلاف لا تحصى إلى يوم القيامة قريبا من أربعة الآف سنة، يكتب الله تعالى لها الأجر بعدد من سعى هناك إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا) والمفسرون يقولون: معناه علمنا يريد الخضر، لأن مذهبه كله علم لدني.
وأما قوله: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها) إلى قوله: (لو شئت لاتخذت عليه أجرا).
قيل: إن أهل هذه القرية هم أهل إنطاكية. والعجب كل العجب من أهل هذه القرية، ما هذا الذنب الذي سبق لهم، ابتلاهم الله تعالى بعبدين صالحين، أفضل من أهل زمانهما في الدنيا، وأفضل عند الله من كثير من الأنبياء والمرسلين، فلوموا وخابوا وخسروا، فعم وشمل أهل القرية أجمعين من علم ومن جهل وما ذلك إلا عقوبة لذنب سبق، (3/254)
صفحة 489
وأعجب من هذا حين قص الله قصتهما على محمد عليه السلام، وتلا محمد عليه السلام قصتهم على أمته، وتلت الأمة قصتهم على رؤوس العالمين، ممن تحت أديم السماء من الأسلاف إلى الأخلاف إلى يوم الدين.
ومن وراء ذلك، إذا جاءوا يوم القيامة رفع لهم لواء اللوم والبخل بين سائر الخلق أجمعين، يراهم الخلق بين سائر العالمين.
وأما قول موسى عليه السلام: (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا) قال بعض المفسرين في مجمع البحرين: إنه بحر فارس وبحر الروم.
اعلم أن جزيرة العرب مربعة، وحدها من خط الجنوب من حضرموت إلى عمان، وخط الشمال من مصر إلى الكوفة، ومن مصر إلى حضرموت الخط الغربي، ومن عمان إلى الكوفة الخط الشرقي، والبحر الفارسي وهو بحر الزنج شرقي جزيرة العرب ما بينهما وبين أرض فارس من عمان إلى الكوفة، وهذا الزقاق خرج من البحر المحيط، وأما قبلي جزيرة العرب فهو البحر المحيط، ودخل أيضا زقاق آخر من البحر المحيط من ناحية حضرموت إلى القلزم وأيله.
وأحاط بجزيرة العرب ثلاثة أبحر: الشرقي بحر فارس، والجنوبي البحر المحيط، والغربي بحر القلزم، وبقية الدروب بين جزيرة العرب وبين الشام مكان البحر فأوجبوها بحرا رابعا، وإنما أحاط البحر من ثلاثة أوجه، من الجوف الجبال.
وانقسمت جزيرة العرب نصفين: الجنوبي اليماني، والنصف الجوفي الشمالي لأولاد إسماعيل عليه السلام، والخط الذي قسم الجزيرة مارا إلى ناحية المشرق إلى عبادان حيز البصرة، فحيز اليمن من مكة إلى حضرموت (3/255)
صفحة 490
إلى عمان إلى عبادان إلى بلاد (1). وحيز أولاد إسماعيل عليه السلام: ربيعة ومضر من مكة إلى مصر إلى الكوفة إلى عبادان.
وأما حيز بحر الروم فإنه خرج زقاق من البحر المحيط بالدنيا من جهة المغرب، وكان في قبلة حلب والأندلس وبين بلاد المغرب، والمغرب في قبلته، فصار زقاقا مقدار مسيرة شهر، حتى وصل إلى وهون (2) في الجنوب والمرية في الشمال اتسع هناك وانفسح مسيرة أربعة أشهر في دورة أو خمسة أشهر، وفيه قريب من مائة وخمسين جزيرة على ما ذكره المسعودي أعظمها جزيرة صقلية.
وأما القرى التي تدور بهذا البحر، فأولها طنجة إلى سمندة إلى صنهاجة القصر إلى سبتة إلى المدينة البيضاء إلى وهون إلى تانس إلى بونة إلى بجاية إلى تونس إلى المهدية إلى سفاقس إلى قابس إلى مدينة طرابلس إلى برقة إلى الكيد إلى أسكندرية إلى تنسر ودمياط والعريس إلى القرما إلى عكة وكور تحت القدس إلى طرابلس الشام إلى اللاذقية إلى إنطاكية – وهي مدينة الجدار الذي أصلحه الخضر – إلى الدروب إلى القسطنطينية إلى رومة إلى ترشوش إلى الجزائر الثلاث منورقة ويابسة – وهذه اليابسة لأهل الدعوة اليوم خصوصا – ثم المية مالقة ثم الجزيرة الخضراء ثم إلى جزيرة صبح قادس ثم إلى جبل طارق مقابل طنجة في قبلته وجليقة بجانب الأندلس إلى ناحية المغرب.
وأما جزائر فرخاطية، فإنها داخلة في البحر المحيط بالدنيا وأهلها مجوس.
-----------------
(1) هكذا في ط البارونية، ومن الواضح أن في العبارة نقصا. والله أعلم (مراجع الطبعة الثانية).
(2) هكذا في ط البارونية ولم أجدها في معجم البلدان لياقوت الحموي وإنما وجدت وهران وقال عنها: مدينة على البر الأعظم من المغرب. (مراجع الطبعة الثانية).
رسائل إخوان الصفا وهي إحدى وخمسون رسالة
وأنا أعقب لك هاهنا علوم غريبة عجيبة، وهي العلوم التي توارثها بنو آدم عن أبيهم آدم عليه السلام، فانقرضت على عهد الطوفان، وتركوها في أحد الهرمين اللذين بمصر، فاستخرجها الفلاسفة
وهي واحد وخمسون فنا، فتراسلها فيما بينهم البين في سائر البلدان تسمية رسائل إخوان الصفا، وهي إحدى وخمسون رسالة. (3/256)
صفحة 491
الأولى: رسالة في العدد ومائيته وكميته:-
والغرض والمراد من هذه الرسالة: هو رياضة المتعلمين للفلسفة والناظرين في حقائق الأشياء والباحثين عن علل منها الموجودات.
وفيها بيان بأن صورة العدد في النفس، مطابقة لصور الموجودات في الهيولى، وأن علم العدد هو جدار العلوم وعنصر الحكمة، كما قال الله – عز وجل -: (ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا).
الرسالة الثانية: رسالة الهندسة وبيان ماديتها وكمية أنواعها:- والغرض منها والمقصود: تهذيب النفوس من المحسوسات إلى المعقولات، وكيفية رؤية النفس الصور المجردة عن الهيولى.
وهذان العلمان: ظروف الزمان وظروف المكان، لا يصح الموجود في الخلق إلا فيهما.
الرسالة الثالثة: رسالة في النجوم: شبه المدخل في تركيب الأفلاك وصفات البروج ومسير الكواكب وانقسام الدراري عليها، وأحكامها في الأنام ومسيرها في الأيام والشهور والأعوام.
والغرض منها: هو تشويق النفس إلى الصعود إلى عالم الأفلاك وموضع الجنات، وظهور عجائب الملك والملكوت.
الرسالة الرابعة: رسالة في الموسيقى والتبيان للنغم والألحان في النفس المستمعين إليها تأثيرا كتأثير الأدوية وتأثير الترياقات في الأجسام الحيوانية، وأن لحركات الأفلاك في دورانها واحتكاك بعضها ببعض نغمات وألحانا لذيذة كحركات أوتار القيان والمزامير.
والغرض من هذا كله: تشويق النفس الناطقة الإنسانية والملائكة إلى الصعود إلى هنالك بعد مفارقتها الجسد الذي يسمى الموت، لأن هناك (3/257)
صفحة 492
يعرج بأرواح النبيين والصديقين والصالحين المحققين والمستبصرين، كما بينا في رسالة القيامة والبعث والمعراج.
الرسالة الخامسة: في الجغرافيا يعني صورة الأرض والأقاليم، والبيان بأن الأرض كروية الشكل بجميع ما عليها من الجبال والبحار والبراري والأنهار والمدن والقرى، وكيفية تخطيطها ومسالكها وممالكها. والغرض منها: هو التنبيه على علة ورود النفس إلى هذا العالم، والحض على التفكير في هذه الآيات اللاتي في الآفاق لأنفس الغافلين عنها حتى يتبين لهم الحق، ويستعدوا للرحيل والتزود إلى دار الآخرة قبل الممات وفناء العمر وتقارب الأجل وقبل الفوت والندامة.
الرسالة السادسة: رسالة في النسب العددية والهندسية والتأليفية وترتيبها:
والغرض منها: هو التهذيب للنفوس والعقل إلى أسرار العلوم وخفاياها وبواطن الحكم ومعانيها، وعلى أن الموجودات المختلفة القوى المتنافرة الطباع إذا جمع بينها على النسبة اتفقت ولم تتنافر، ومعرفة كمية ذلك الحذق بالصنائع كلها.
الرسالة السابعة: رسالة في الصنائع العلمية: والغرض منها: هو تعديد أجناس العلوم والحكم، وبيان أغراضها وحقائقها، والتهدي لطالب العلوم والحكم كيف الطرق إليها.
الرسالة الثامنة: رسالة في الصنائع العقلية: وغرضها: تعديد أجناس الصنائع والحرف.
والغرض منها: هو تنبيه نفوس الغافلين على معرفة جواهرها التي هي آلات لنفوسهم وأدوات لها. (3/258)
صفحة 493
الرسالة التاسعة: في بيان اختلاف الأخلاق: والغرض منها: تهذيب النفوس وصلاح الأخلاق، ولتحسن أخلاقهم لمجاورة الرحمن في رياض الجنان.
الرسالة العاشرة: رسالة إيساغوجي: - وهي الألفاظ الستة، أظنها الستة التي تستعملها الفلاسفة في المنطق في أقوالها ومخاطباتها وكتبها. والغرض منها: هو الفرق بين النطق اللغوي والنطق الفلسفي، وما حقيقة كل واحد منهما.
الرسالة الحادية عشرة: رسالة في قطاغورباس: - وهو البيان في المقولات العشر ألفا التي كل منها اسم لجنس من الموجودات كلها، قد اجتمعت في هذه المقولات العشر التي يسمى كل جنس منها جنسا، والأجناس داخلة فيها، وكيف تتغير الأجناس إلى الأنواع، والأنواع إلى الأشخاص، وأنها بساتين العلم وفواكه النفوس ونزهة الأرواح.
الرسالة الثانية عشرة: في معاني ناراي رميناس وأنواوطيقي: -
والغرض منها: هو بيان كمية القياس الذي يستعمله الحكماء والمتكلمون في احتجاجاتهم، والدعاوي والبيانات والمناظرات في الآراء والمذاهب، وأنه الميزان الذي وضعت الفلاسفة ويعرف الصدق من الكذب، والخطأ من الصواب، والحق من الباطل، والخير من الشر، ومن أين يكون وكيف يكون؟
الرسالة الثالثة عشرة: في معق أقودقطيقي: والغرض منها: هو البيان والكشف عن كمية القياس الصحيح الذي لا خطأ فيه ولا زلل وهو المسمى البرهان، وهو ميزان الحكماء الذي يعرفون به وجه الصواب من الخطأ، والحق من الباطل. (3/259)
صفحة 494
ومن الرسائل الجسمانية تسع عشرة رسالة:
الأولى منها: رسالة الهيولى ومائيتها، والزمان والمكان والحركة، واختلاف أقاويل الحكماء في حقائقها وكيفياتها.
والغرض منها: تعريف مائية وحقيقة، وما يختص به من الأعراض الزائلة والملازمة والمصورة والمقومة والمتممة. ولقب هذه الرسالة: منع الكيان.
الرسالة الثانية: في السماء والعالم، وبيان أطباق السموات، وكيف تركيب الأفلاك، وما هو العرش العظيم، وما هو الكرسي الواسع.
والغرض منها: هو تبين تحريك الأفلاك، وتسييرات الكواكب، فإن المحرك هو النفس الكلية بإذن باريها.
الرسالة الثالثة: رسالة في الكون والفساد: -
والغرض منها: هو البيان عن مائية الصور المقومة لكل واحد منه من الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض، فإنما هي الأمهات الكائنة مها المعادن والنبات والحيوان، وكيف استحال بعضها إلى بعض بدوران الفلك حولها ومطارح شعاعات الكواكب عليها، وإنما الطبيعة الفاعلة التي هي قوة من قوى النفس الكلية الفلكية.
الرسالة الرابعة: رسالة في الآثار العلوية:-
والغرض منها: هو البيان عن كيفية حوادث الجو وتغيرات الهواء، من النار والظلمة والحر والبرد، وتصاريف الرياح من البخارات والدخان الصاعدة في الهواء من البحار والأنهار، وما يكون منها من الغيوم والضباب والظل والأنداء والأمطار والرعود والبروق والثلوج والبرد والهالات وقوس قزح والشهب وذوات الأذناب وما يشاكلها. (3/260)
صفحة 495
الرسالة الخامسة: رسالة في كيفية تكوين المعادن، وكهيئة الجواهر المعدنية، وعلة اختلاف جواهرها، وكيفية تكوينها في باطن الأرض.
والغرض منها: هو البيان بأنها أول المفعولات التي تحت الفلك – فلك القمر – التي هي قوة من وقى النفس الفلكية، ومن هذه القوة تبتدئ النفوس الجزئية بالترقي من أسفل السافلين إلى أعلى عليين 0 أعلى الأفلاك – وهذا أول صراط تجوز عليه الأنفس الجزئية، ثم النباتات ثم الحيوانات ثم الإنسان ثم الدخول في زمر الملائكة سكان الأفلاك والملأ الأعلى الذين هم أهل السموات.
الرسالة السادسة: رسالة في مائية الطبيعة، وكيف أفعالها في الأرض الأربعة ومولداتها التي هي الحيوان والنبات والمعادن.
والغرض منها: هو تنبيه الغافلين عن أفعال النفس ومائية جوهرها، والبيان عن أجناس الملائكة التي تسميها الفلاسفة: روحانية الكواكب.
الرسالة السابعة: رسالة في أجناس النبات وأنواعه وكيفية سريان قوى النفس النباتية فيه.
والغرض منها: تقدير أجناس النبات وتكوينه وإنشائه، وأسباب اختلاف أنواعه من الأشكال والألون والطعوم والروائح في أوراقها وأزهارها وثمارها وحبوبها وبذورها واصماغها ولحائها وعروقها وقضبانها وأصولها من المنافع.
وأن أول مرتبة النبات متصل بآخر المعادن، وآخر مرتبة النبات متصل بأول مرتبة الحيوان. (3/261)
صفحة 496
الرسالة الثامنة: رسالة في أصناف الحيوان وعجائب هياكلها وغرائب أحوالها.
والغرض منها: هو البيان عن أجناس الحيوانات وكمية أنواعها، واختلاف صورها وطبائعها، وكيفية تكوينها ونتاجها، وتوالدها، وربيتها لأولادها.
وإن أول مرتبة الحيوان متصل بآخر مرتبة النبات، وآخرها متصل بمرتبة الإنسان.
وآخر مراتب الإنسان متصل بأول مراتب الملائكة الذين هم سكان الهواء والأفلاك وأطباق السموات.
وإن نفوس بعض الحيوانات ملائكة ساجدة للنفس الإنسانية التي هي خليفة الله في أرضه، ونفوس بعض الحيوان شياطين عصاة معلقة في جهنم عالم الكون والفساد.
وإن الإنسان إذا كان خيرا فاضلا فهو ملك كريم خير البرية، وإن كان شريرا فهو شيطان رجيم شر البرية.
الرسالة التاسعة: رسالة في تركيب الجسد، والبيان بأن الإنسان هو عالم صغير، وأن بنية هيكله تشبه مدينة فاضلة، وأن نفسه تشبه ملكا في تلك المدينة.
والغرض منها: هو معرفة الإنسان جسده، وأن بنية جسد الإنسان مختصرة من العالم الذي في اللوح المحفوظ، وأنه الصراط الممدود بين الجنة والنار، وأنه الميزان القسط الذي وضعه الله بينه وبين خلقه، وهو الكتاب الذي كتب بيده.
وأن النفس الإنسانية خليفة الله تعالى في أرضه، وأن الإنسان إذا عرف نفسه عرف ربه و أمكنه الوصول إليه والزلفى لديه. (3/262)
صفحة 497
الرسالة العاشرة: رسالة في الحواس والمحسوس:
والغرض منها: هو البيان عن كيفية إدراك الحواس محسوساتها، واتصالها إلى القوة الخيالية التي مجراها مقدم الدماغ، لتوصلها إلى القوة المفكرة الحافظة التي مجراها مؤخر الدماغ لتمسكها وتحفظها إلى وقت حاجة التذكار، ثم تردها إلى القوة الناطقة التي مجراها اللسان، ليفرع بالألفاظ الدالة للمخاطبين على المعاني التي تخرج من النفس والقوة الصانعة التي مجراها اليدان لتخط بالأقلام في وجوه الألواح وبطون الطوامير بتلك الألفاظ لتلقي العلوم بمعانيها من الأولين إلى الآخرين، وخطابا من الحاضرين للغائبين إلى يوم يبعثون.
الرسالة الحادية عشرة: رسالة في مسقط النطفة، وكيفية رياض النفوس عند تقلب حالاتها شهرا بعد شهر، وتأثيرات الكواكب في أحكام بنية الجسد من المزاج والتركيب أربعة أشهر قدر مسير الشمس ثلث الفلك، واستيفائها طبائع البروج من النارية والترابية والهوائية والمائية، ثم كيفية تأثيرها، وأفعالها في أحكام أمر النفس أربعة، وما يتطلع فيها من سن التهيؤ لقبول الأخلاق والأعمال والعلوم والآداب والآراء في مستقبل العمر بعد الولادة في الشهر التاسع، ودخول الشمس في البيت التاسع من موضعها يوم سقوط النطفة.
والغرض منها: هو الإخبار عن حال النفس البسيطة قبل تشخيصها واتصالها بالأجسام الجزئية، فإن المكث في الرحم هذه المدة إنما هو تتميم البقية، وتكميل الصورة، ورباط النفس بالهيكل، وتمكنها من الحبلة.
الرسالة الثانية عشرة: رسالة في معنى قول الحكماء: إن الإنسان عالم صغير هيكله مماثلة لصورة الكبير الجسماني، وأحوال نفسه وسريان قواه فيها مماثلة بأحوال الخلائق الروحانيين من الملائكة والجن والإنس وأرواح الحيوانات أجمعين فإن الإنسان مختصر من العالمين الروحاني والجسماني جميعا. (3/263)
صفحة 498
والغرض منها: هو أن يعرف الإنسان حقيقته، لأنه مجموع فيه معاني الموجودات كلها فينتبه ويدري ما الصواب ليقصد نحوه يطلبه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
الرسالة الثالثة عشرة: رسالة في بيان طلعة الإنسان في المعارف، إلى أي حد هو مبلغه في العلوم، إلى غاية ينتهي منتهاه.
والغرض منها: هو التنبيه على معرفة باريها وقصده نحوه ولقائه.
الرسالة الخامسة عشرة (1): رسالة في مادية حكمة الموت، وما الحكمة في وجودها في عالم الكون والفساد.
والغرض منها: هو البيان من علة رباط النفس الناطقة بالأجساد البشرية إلى وقت الاستانة بالموت، ببقائها بعد الموت الذي هو مفارقة الجسد.
الرسالة السادسة عشرة: رسالة في مادية الملذات والآلام الجسمانية والروحانية، وعلة كراهية الحيوان الموت، وكيف الألم واللذات، التي تتناول الأنفس مع الأجسام، وتتناول بمجردها إذا فارقت الجسد، وكيف تنفرد بذاتها بدونه، وكيف تكون لذات أهل الجنان، وألم أهل النيران.
والغرض منها: هو التنبيه أن عذاب جهنم مع الشياطين، وأن يعلم أن أهل الجنة تكون مع الملائكة، وأن جهنم في عالم الكون والفساد، وأن الجنة في عالم الأفلاك وسعة السموات.
الرسالة السابعة عشرة: رسالة في علل اختلاف اللغات، وما الغرض منها (2).
-----------------
(1) جاء في هامش ط البارونية (سقطت من الأم الرسالة الرابعة عشرة فليراجع) (مراجع الطبعة الثانية).
(2) سقطت الرسالتان الثامنة عشرة والتاسعة عشرة حسب ط البارونية. (مراجع الطبعة الثانية).
ومن الرسائل النفسانية العقلية عشر رسائل:
الأولى: رسالة في المبادئ على رأي فيثاغورس. (3/264)
صفحة 499
والغرض منها: هو البيان عن الباري سبحانه لما أبدع الموجودات واخترع المخلوقات، ورتبها ونظمها كمراتب الأعداد والمفردات عن الواحد الذي قبل الاثنين منهما على عدد مخصوص مطابق لبعض، إذ كان ذلك أحكم وأبين.
الرسالة الثانية: رسالة في المبادئ العقلية على رأي إخوان الصفا.
والغرض منها: هو الإخبار عن معنى حدوث العالم، وأسباب الكائنات، ومعنى الجزئيات، على ترتيب الباري سبحانه الذي رتبه كترتيب العدد من الواحد الذي قبل الاثنين.
الرسالة الثالثة: رسالة في معنى قول الحكماء: إن الإنسان عالم كبير ذو نفس وروح، إلى عالم شرائع ربه الذي خلقه الباري سبحانه – جل ثناؤه – يوم خلقه تاما كاملا، وأن كل الخلائق داخل فيه هو جملتهم، وليس خارج العالم شيء آخر، بل كل في فلك يسبحون.
الرسالة الرابعة: رسالة في العقل والمعقولات.
والغرض منها: هو تعريف جوهر النفس على عالم بحقيقتها، وكيف اجتماع صور المعلومات في العقل المنفعل.
الرسالة الخامسة: رسالة في الأدوار والأكوار.
الغرض منها: البيان عن كيفية حدوث العالم ومبدئه، وكيفية خرابه وفنائه.
الرسالة السادسة: رسالة في مائية العشق ومحبة النفوس، والعرض الأصلي وما حقيقته، ومن أين مبدؤه.
والغرض منها: هو البيان بأن المعشوق بالحقيقة هو الله – عز وجل – وأن الخلائق كلهم مشتاقون إليه. (3/265)
صفحة 500
الرسالة السابعة: رسالة في مائية البعث والقيامة، وكيفية المعراج، وعلم ذلك هو الغرض الأقصى من رسائله كلها وإليه المنتهى والغاية القصوى كلها، وإليه أشار في قوله تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة).
الرسالة الثامنة: رسالة في كمية أجناس الحركات، وكيفية اختلافها ومبادئها وغايتها، وما الغرض المقصود منها.
والغرض منها: هو البيان عن كيفية وجود العالم عن الباري سبحانه، وكيف يكون سيران العالم بأثره.
الرسالة التاسعة: رسالة في العلل والمعلولات، وكيف يحكي أواخرها أوائلها.
والغرض المقصود منها: هو حقائق أصول العالم وفوائده.
الرسالة العاشرة: رسالة في الحدود والرسوم.
والغرض منها: هو معرفة حقائق الأشياء المركبة والبسيطة جميعا.
ومن الرسائل الناموسية الإلهية إحدى عشرة رسالة:-
الأولى منها: رسالة في الآراء والمذاهب وما أدى إليه اجتهادهم، والديانات الشرعية والناموسية والفلسفية، وبيان اختلاف العلماء في فنون أقاويلهم، وما أدى إليه اجتهادهم من الكشف والبحث عن الحقائق والصواب، وكم من تلك المقالات وما الإشارات فيها، والعلل التي كان من أجلها اختلافهم، ومن المحق ومن المبطل.
والغرض من ذلك: هو البيان بأن المذاهب والديانات كلها وضعت لطلب نجاة النفوس ووصف الآخرة، وكيف النجاة من جهنم عالم الكون والفساد، وسعة السموات، وأن أ: ثر أهل الديانات قد انحرفوا عن طريق النجاة والرشاد فضلوا وأضلوا. (3/266)
صفحة 501
الرسالة الثانية: في مائية الطريق إلى الله – عز وجل – وكيفية النهوض إليه.
والغرض منها: هو الحض على تهذيب النفوس وإصلاح الأخلاق، وتنبيه النفوس الساهية عما بعد الموت في الميعاد من أحوال يوم القيامة والبعث والنشر والحساب والميزان والصراط والجواز على جهنم، وما حقيقة معانيها.
الرسالة الثالثة: في اعتقاد إخوان الصفا، ومذاهب الصفا ومذاهب الربانيين.
والغرض منها: هو وضوح الحجة على بقاء النفس بعد مفارقتها الجسد الذي يسمى الموت بطريق إقناعي لا برهاني.
الرسالة الرابعة: في كيفية عشرة إخوان الصفا، وتعاون بعضهم لبعض بصدق المودة والشفقة والتحنن والرحمة.
والغرض منها: تأليف القلوب، والتعاضد في الدين والدنيا جميعا.
الرسالة الخامسة: رسالة في مائية الإيمان وخصال المؤمنين المحققين.
والغرض منها: معرفة الإلهام وما الوسوسة، إذ كان هذا الباب علما غامضا وسرا خفيا.
الرسالة السادسة: رسالة في مائية الناموس الإلهي، وشروط النبوة، وكمية خصالهم ومذهب الربانيين.
والغرض منها: هو التنبيه على أسرار الكتب النبوية ومرامي رموزاتهم الموضوعة الناموسية والتهدي إليها، وكيفية الكشف لها من الإمام المنتظر.
الرسالة السابعة: رسالة في كيفية الدعوة إلى الله – عز وجل – وإلى صفوة الآخرة، وصدق المودة، وخطاب دعوة المدعوين إلى ذلك. (3/267)
صفحة 502
والغرض منها: هو البيان بيان دولة أهل الخير يبتدئ أولها من قوم أخيار فضلاء يجتمعون على رأي واحد ومذهب واحد من غير تخاذل ولا تقاعد.
الرسالة الثامنة: رسالة في كيفية أفعال الروحانيين.
والغرض منها: هو البيان أن في العالم فاعلين غير جسمانيين.
الرسالة التاسعة: منها كمية أنواع السياسات وكيفيتها، ومراتب المسوسين، وصفات المدبرين لها في العالم.
والغرض منها: البيان بأن مدبر الجميع واحد وسائس الكل هو الله تعالى، وإن من كان أحسن سياسة وأحسن تدبيرا كان عند الله أعظم منزلة وأقرب قربة.
الرسالة العاشرة: رسالة في كيفية تصور العالم بأسره في مراتب الموجودات ونظام الكائنات، وأن آخرها منعطف على أولها من أعلى الفلك إلى منتهى مركز الأرض، وأنها كلها عالم واحد كمدينة واحدة أو كحيوان واحد.
الرسالة الحادية عشرة: في مائية السحر والعزائم والعين والرقا، وكيفية أعمال المطلسمين، وما عمار الأرض، وما الجن، وما الشياطين، وما الملائكة، وما أفعالهم، وكيف تأثير بعضهم في بعض.
والغرض منها: هو البيان بأن في العالم فاعلين غير مرئيين ولا محسوسين يسمون روحانيين.
اعلم – أيدك الله وإيانا بروح منه – بأن مثل صاحب هذه الرسائل مع طلاب العلم مثل رجل حكيم غني جواد كريم سخي، له بستان فيه من الثمار والفواكه رطب ويابس، ينادي في الناس أن هلموا وادخلوا هذا البستان، وكلوا ما شئتم من كل الثمرات، ولم يجبه أحد ولا صدقوا قوله، فرأى من الرأي الحكيم أن وقف على باب بستان، فكل من مر به شهاه إلى ما في بستانه، وأطعمه من ما يشتهيه، إلى أن علم علما يقينا أنه قد وقف على جميع ما في بستانه، ثم قال لمن صدقه ممن مر به: ادخل البستان وكل مما تشتهيه. (3/268)
صفحة 503
وكذلك لمن حصلت عنده المسائل ألا يعرضها إلا على كون طالب العلم محب الحكمة، فإذا وجد من يسترشده دفع إلى كل واحد ما يقرب من فهمه، أولا فأولا على الترتيب المبين واحدا بعد واحد، حتى إذا أمكنت الحكمة في نفسه وطلب عند ذلك الأكل بحرص ورغبة، وعمل لها في الأولى كما رتب في الفهرست، فيكون له في ذلك عند الله الثواب الجزيل والجزاء الجميل إن شاء الله.
...... في تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق المبلغة إلى السعادة الدائمة الأبدية من العالم الخبير الفاضل، الزكي العارف، البهي المستبصر النبيل، الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الأدب، العراباني الحر، الخبيري المنهاج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي الإشارة، النقي، الخير الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف، بقوله:
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى آله الطيبين.
ذكر الخلاف في وحي أم موسى عليه السلام
فصل (1)
وأما قولك في قول الله – عز وجل – في أم موسى: (وأوحينا إلى أم موسى).
اعلم أم الوحي في لغة العرب: هو أمر تنهيه عن الناس إلى من تريد خصوصا، وهو على ثلاثة أوجه:
وحي الأنبياء إعلام، وفي الحيوان إلهام، وفي الموتان وسائر الجمادات إطلاق وإذن.
وأما وحي الأنبياء فمعروف: وهو مخالطة الملائكة لهم خصوصا وسرا عن الناس. قال الله تعالى لمحمد عليه السلام: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) في أمثالها. (3/269)
صفحة 504
وهو مخاطبة الأنبياء بأوامر الله – عز وجل – ونواهيه وأخباره وأموره وإعلامه وأحكامه، ويكون الوحي مخاطبة من غير مشافهة.
وسئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟)
قال: «أحيانا يأتيني كصلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يمثل لي الملك رجلا، فيكلمني فأعي ما يقول».
قالت عائشة – رضي الله عنها -: (كان الوحي ينزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في اليوم الشاتي، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا).
والوجه الثاني من الوحي: هو الإلهام في سائر الجن والأنس والأنبياء والأغبياء والأطفال والرجال، وهو الإلهام الذي أراده الله – عز وجل – بقوله وأقسم عليه بسبعة أقسام، وهو وقوله: (والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها). وهو المعنى الذي قسمه الله – عز وجل – بين سائر الحيوانات، فأوحى إلى النمل فألهمها مصالحها ومعاشها وتربية أولادها، ومن وراء النطق في خصل عندها، ما حكاه الله – عز وجل – عن النمل والهدهد، فالنطق بحر عظيم، ومن وراء النطق بحر أعظم من النطق وهو بحر المعاني.
وإنما خلق النطق في الألسن لخدمة القلوب في توصيل المعاني إليها، وغير مستنكر أن تكون للأنعام مناطق يفهمونها فيما بينهم البين.
وكذلك سائر الطير والوحش والهوام والحشرات.
ولو أخذنا في شرح ذلك لطال الكتاب وظهر لك العجب العجاب. (3/270)
صفحة 505
ولك في صنفين ذكرهما الله – عز وجل – ومحاورة ما بينهما وبين وليه سليمان عليه السلام، قصد إلى الهدهد من الطير، وإلى النمل من الحشرات، فجرى بينهما من الكلام ما يعجز عنه كثير من العقلاء في الفصاحة وجل من المعاني والرجاحة.
وقد تقدم القول في أطفالنا، وكيف اندرج الإيمان في قلوبهم وحيا من الله – عز وجل – وإلهاما.
ولك في حديث داود عليه السلام آية وأعجوبة:-
وذلك أن رجلا كان في زمان داود عليه السلام، قعد مع امرأة على سطح دارهما، وبين أيديهما طفل صغير يلعب ويحبوا بين أيديهما، وفي ستر السطح كوة نافذة إلى الزقاق، فأغفلا عنه حتى حبا ودخل الكوة، فقاما إليه، فلما دنوا منه لينجياه تنحى عنهما وهم أن يقع من الكوة إلى الزقاق، فإن تنحيا منه قرب منهما، فما زال بهما الأمر وهما يبكيان، حتى ذكروا داود عليه السلام فوجها إليه رسولا، فجاء داود عليه السلام فرآه بتلك الحالة، فقال لهما: «ائتياني بربه من الأطفال» فأتياه بطفل صغير من أترابة، فأمر داود عليه السلام أبويه أن يتنحيا عنه، فتنحيا، فقدم إليه الطفل، فلما أبصره نغم إليه الطفل، ونغم إليه الآخر، ونغم إليه الأول ثانية، ونغم له الآخر، فخرج له الطفل، فقال لهما داود عليه السلام: «أتدريان محاورة ما بينهما؟»
قالا: (لا).
قال داود عليه السلام: «نغم إليه الطفل أولا فقال له: (أخرج يا أخي من تلك الكوة لئلا تقع إلى الزقاق).
فقال له الآخر: (دعني يا أخي أقع، فأموت أحب إلي من أن أعيش فأدخل النار).
قال له الآخر: (بل يا أخي تعيش حتى تكبر، فتعمل بطاعة الله فتدخل الجنة). (3/271)
صفحة 506
فقال الآخر: (فنعم إذا) فخرج وخلص ولم يمت.
ولك في حديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عجب:-
وذلك أن عمر بن الخطاب صعد المنبر في يوم الجمعة ليخطب، فحمد الله وأثنى عليه، وقطع كلامه ونادى بأعلى صوته فقال: (يا سارية الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم) فلما أتم صلاته ودخل داره، دخل عليه عبد الرحمن بن عوف وقال: (يا أمير المؤمنين، اليوم صرت كالأعرابي حين صحت فوق المنبر).
فقال له عمر: (قد سنح في خاطري أن السرية التي عليها سارية التقوا مع عدوهم، ومن وراء الجبل عسكر عظيم لم يعرفوا به، فصحت وقلت: عسى ولي من أولياء الله يمد صوتي فيسمعهم به). فهم كذلك إذ رجعت السرية فقالوا: (لولا ما سمعنا كلام عمر لهلكنا نحن في نحر العدو، ومن وراء الجبل كمين لهم في سبعين ألفا، فلما سمعنا كلام عمر قصدنا نحو الجبل فصعدنا إليه ونجونا بحمد الله).
وقد صرح الله تعالى بالوحي في النحل فقال: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا) وفي صنائعها لأجياحها من الدوائر المسدسة لبيوت العسل، ومن وراء ذلك طاعتها لأمرائها، وحسن تدبيرها في معاشها، واجتماع الكلمة، واختيارها مواضع اليمن.
ولنرجع إلى وحي الله – عز وجل – إلى الموتان: وفي الموتان عجب عجيب، كما قال الحسن البصري: (إن في الموتان لعجبا). قال الله – عز وجل -: (إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان مالها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها).
فإن قال قائل: إنما تكلم بلسان الحال لا بلسان المقال. (3/272)
صفحة 507
قيل: إن كان الله لا يقدر أن يقدرها على الكلام، فأنت أقصر وأقصر، وإن كان يقدر على الجميع فما يمنعه ما قال؟ ولك في العظم المسموع عبرة، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما فتح خيبر، أهدت إليه اليهودية شاة مصلية، وقد كانت سألت: (أي اللحمان أحب إليه؟)
فقيل لها: (لحم الذراع، ذراع الشاة) فسمتها وأكثرت في الذراع السم، فتناوله رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأخذه وعض منه ولم يسغها فلفظها، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن هذا الذراع يقول: إني مسموم» فلفظ من فيه البضعة، وأكل معه فيها بشر بن البراء بن معرور فمات بالسم.
فسأل رسول الله عليه السلام اليهودية فقال: «ما حملك على هذا؟» فقالت: (إني كنت قلت: إن كنت رسول الله فسيخبرك الله – عز وجل – وإن كنت جبارا أرحت الناس منك) فلما كان عند النزع قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «ما زالت أكلة خيبر تعاديني. فهذا أوان قطع أبهري».
وأما بشر بن البراء بن معرور الذي أكل معه مات مكانه.
وفي بعض الأخبار: أن البقاع إذا أصبحت تنادي بعضها بعضا فيقلن: هل مر بكن ذاكر الله تعالى؟ هل صلى عليكن مصل؟
فإذا قالت بقعة منهن: قد مر بي اليوم مسلم فصلى ركعتين. فيقلن: سقيا لك. فيغبطنها طول ذلك اليوم.
وفي الأخبار: أن الفاجر إذا مشى على وجه الأرض قالت: أنت تمشي على ظهري وغدا تصير في بطني. وقول القبر: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود.
فإن قال قائل: إن هذه الأمور كلها أمثال ليست بحقيقة. (3/273)
صفحة 508
قلنا له: إن قضيت على الله – عز وجل – بالعجز عما ذكرنا، انصرفنا إلى ما قلت، وإلا فما ندع الظاهر للباطن، قال الله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحه أنه كان حليما) على المتقين إلى أمد (غفروا) لمن نفى العجز عن ربه وعزاه إلى نفسه.
وأنا أحدثك بحديث غريب عجيب، شاهدته ورأيته، وسمعته بأذني، وعاينته بعيني، في جماعة من المسافرين من بني وارجلان، وقصته: جبل كان كاتم وبين أولاد كوار منتصف في دهسم من الأرض، ونحن في قافلة زهاء ثلاثمائة رأس من الرقيق ينقص قليلا، فانتهينا إلى الجبل، وتقدمت خادم من خدامنا عوان إلى الكبر، فإذا هي تخاطب الجبل، فأخذت خادما واحدة، فقالت بلسانها ولغتها: (يا جبل أخبرنا هل هذه الخادم ترجع إلى بلدها ووطنها؟ أم تتلف فلا تعود إلى بلدها ووطنها أبدا؟)
فرد لها الجواب الجبل، ونحن نسمع الصوت ولا نفهم معناه وقد قرع أسماعنا بصداه.
فإن كان جواب الجبل أنها تتلف ولا ترجع وطنها أبدا، ردتها الخادم الكبيرة وراء ظهرها، وأخذت بيد خادم أخرى، وخاطبت الجبل كأول مرة فيرد لها الجبل الجواب كأول مرة، فتردها وراء ظهرها كما فعلت بالأولى، فما زالت تفعل بهن هكذا خادما بعد خادم إلى آخرهن خادما، فخاطبت الجبل فرد لها، فرأينا الخدم أجمعين قد جرين لها وطفقن يقبلنها ويعانقنها ويمسحن عليها، فسألناهن فقلنا لهن: (ما بال هذه الخادم بين سائر الخدم؟)
قلن: (إن هذا الجبل يقول: إنها سترجع إلى بلدها ولا تتلف أبدا).
والعجب كل العجب أن الرقيق كلهن يعرفن خطاب الجبل، لما تكلم بادرن بأجمعهن إلى الخادم يهنئنها ويقبلنها.
فما زالت الأيام والليالي حتى وصلت إلى بلاد الإسلام إلى وارجلان، (3/274)
صفحة 509
فولدت من سيدها غلاما فربته، وكبر الغلام حتى صار رجلا من الرجال، فسافر إلى غانة، ورجع وسافر، ثم أنه مات فقالت لسيدها: (إن ابني قد مات، وأنت ليست لك بي حاجة، فدعني أذهب إلى أهلي ووطني وبلادي). فإذن لها ومرت وغابت عنا، حتى أتانا كتابها من مقر أول حريم بلادها.
فإن قال قائل: فما معنى وحي الله – عز وجل – إلى أم موسى، أهو وحي إلهام أم وحي نبوة؟
قلنا: قد اختلف العلماء في وحيها.
قال بعضهم: وحي إلهام ألقاه الله تعالى في نفسها.
وقال بعضهم: إنه وحي على الحقيقة من جبريل عليه السلام وليس بنبوة كما جرى لمريم أم عيسى مع جبريل عليه السلام.
وبعضهم يقول: إنه النبوة، وأن الله تعالى نبأ أربع نبيات. منهن: أم موسى عليه السلام، ومريم أم عيسى، وحنة، ومنة، وليس في قولهم ما يحيله العقل، ولا جاءت به الرسل.
فإن قال قائل: أليس الله – عز وجل – يقول: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى)؟ قيل له: إن الله – عز وجل – قيد الرسالة بالرجال، وليس فيه دلالة أن النبوة مقيدة بالرجال وقد قال: (من أهل القرى) ونرى يعقوب وبنيه كلهم أنبياء وقد أتوا من البادية، قال الله – عز وجل -: (وجاء بكم من البدو) وعن يوسف عليه السلام: (أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) فرجعوا من البادية إلى مصر.
فإن قال قائل: إنما أراد أنهم رجعوا من البدو يعني بالبدو القرية.
قيل له: هذا تعسف، ولو كان لظهر ولا خفى عن أحد.
-----------------
(1) كلمة (فصل) غير موجودة في الطبعة البارونية أضفتها (مراجع ط 2).
ذكر المسلمات المذكورات في كتاب الله وهن عشرة
* فصل (1) * (3/275)
صفحة 510
اعلم أن المسلمات المذكورات في كتاب الله – عز وجل – عشر، أعني القرآن، أولاهن حواء – رضي الله عنها – فإنها مؤمنة عند الله تعالى بدليل قوله حين نهاهما عن الأكل من الشجرة فأكلا منها: (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما أن الشيطان لكما عدو مبين، قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وحكى الرب عنهما التوبة ولم يعقب.
فإن قال قائل: إنما تاب على آدم عليه السلام، حيث يقول: (وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى).
فمن هاهنا علمنا أن آدم عليه السلام، منصوص عليه بالتوبة والغفران، وأمنا حواء منصوصة توبتها، وأما عفو الله عنهما فمستخرج من كتاب الله – عز وجل – حين لم يأت عن الله تعالى ما يرد توبتهما، والخطاب للأفضل حين قرنهما بالتوبة وخص الأفضل بالقبول والمفضول تابع للأفضل وهو الأليق بكرم الله – عز وجل – ورأفته ورحمته وحسن الثناء عليه، إلا إن عقب بخلاف ذلك ولم يعقب والحمد لله رب العالمين.
والثانية: امرأة إبراهيم الخليل عليه السلام وهي سارة – رضي الله عنها – فإنها مؤمنة أيضا بدليل قول الملائكة عليهم السلام: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) فأثبتها من أهل بيت النبوة ولم يأت ما ينسخ ذلك.
فإن قال قائل: هذه التحية ليس فيها ما يثبت الولاية.
قلنا: السلام قد تقدم وعقب بالفضيلة، قال الله – عز وجل -: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام) ثم عقبوا جوابا لها خصوصا: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد). الآية ولم يعقب الله الملائكة بحكم يعملون ولا سيما ما حكى عنهم بنفسه ولم يخطئهم. (3/276)
صفحة 511
والثالثة: أم موسى عليه السلام فهي من المؤمنات – رضي الله عنها – مما عزا إليها الرب من الوحي من أمر رضيه الله بها وفضلها به بقوله: (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن) وذكر ذلك في معرض الامتنان ولم يعقب بما ينسخ ذلك.
ولقد وقفنا على الموضع الذي ألقت ابنها في النيل أيام حجنا يبتغي الناس الفضيلة فيه، واتخذ بعدنا مشهدا من مشاهد الخير، ووقع الاجتماع عليها من اليهود ومن المسلمين بعدها.
وأما أخته التي قال فيها: (فقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون) ولكن البيت بيت الخير.
والرابعة: امرأة فرعون – رضي الله عنها – فمن المنصوصات في الإيمان امرأة فرعون قال الله تعالى: (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين).
والخامسة: صاحبة سليمان عليه السلام – رضي الله عنها – فإنها مؤمنة بدليل قوله – عز وجل – حكاية عنها: (وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) مدحا عظيما، ولم يعقب لحكمها على ما حكاه الرب عنها.
والسادسة: أم يحيى بن زكريا عليه السلام فإنها مؤمنة مسلمة، قوله – عز وجل -: (وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) أعظم المدحة.
والسابعة: مريم ابنة عمران – رضي الله عنها – فهي فوق النص بما أثنى الله عنها. فقال: (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين) وهي إلى النبوة أقرب إن كان تكون النبوة في النساء لما جرى لها مع جبريل عليه السلام، وإلا فدرجات المقربين الصديقين المؤمنين المخلصين المحسنين. (3/277)
صفحة 512
والثامنة: أم مريم ابنة عمران – رضي الله عنها – وحسبك فيها قول الله – عز وجل -: (إذ قالت امرأة عمران ربي إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم) إلى قوله: (بغير حساب) وليس في القبول شيء أعظم من قول الباري سبحانه واستجابة دعائها: (إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم). بخ بخ لمن مريم أمة إنه (2) عيسى الروح عليه السلام.
فهؤلاء الثماني نسوة مؤمنات مسلمات من أهل الولاية، ومن قامت عليه الحجة، بين منصوصة ومستخرجة، من كتاب الله تعالى، فالمنصوصات منهن ولايتهن توحيد وبراءتهن شرك، والمستخرجات ولايتهن طاعة لله – عز وجل – وبراءتهن ظلم ومعصية وفسوق وكفر غير شرك، وهو كفر الفعال والنعمة.
وأما النساء المذكورات في كتاب الله – عز وجل – ولا نص ولا استخراج، لكن إشارة شهوة كبيضة الإسلام، منهن: امرأة أيوب عليه السلام، وأن الله شرع لأيوب عليه السلام في يمينها التي حلف بها ليضربها مائة سوط. فقال: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب). وقوله – عز وجل -: (ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين).
وأما بنات لوط عليه السلام، فإن الله – عز وجل – يقول: (فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) فالأهل قد سلموا من العقوبة مثل أولاد نوح عليه السلام، ولكن بنات لوط شملتهن بيضة النبوة والشهرة وإشارة القرآن.
وأما عائشة أم المؤمين – رضي الله عنها – فهي من المسلمات، وقد حتم عمار بن ياسر أنها من أزواج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الجنة، وشهد لذلك بجميع الآيات التي أنزلت فيها، دالة على أنها من أهل الجنة، وإنما لم نلحقها بالمنصوصات لما لم يذكر اسمها. وقول الله – عز وجل -: (والذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات) إلى قوله: (عذاب عظيم).
وهاجر أم إسماعيل سرية إبراهيم عليه السلام كادت أن تكون أعظم درجة عند الله من جميع هؤلاء المنصوصات والمستخرجات، لما وهب الله لها (3/278)
صفحة 513
من السعي بين الصفا والمروة، ولها أجر من سعى بينهما إلى يوم القيامة، ولها زمزم وأجر من شرب منه إلى يوم القيامة.
-----------------
(1) كلمة فصل غير موجودة في ط البارونية أضفتها من عندي. (مراجع ط 2).
(2) في الطبعة البارونية عدم وضوح أصلحتها هكذا والله أعلم. (مراجع الطبعة الثانية).
ذكر أزواج النبي عليه السلام وأولاده
وأما أزواج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جمع كتع أولاهن: خديجة – رضي الله عنها – وهي خديجة بنت خويلد، وسودة بنت زمعة زوج النبي عليه السلام – رضي الله عنهما – وهي أول من تزوج من نسائه بعد خديجة، وأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما – ولها ذكر في القرآن من أزواج النبي عليه السلام.
ومن أزواج النبي عليه السلام: زينب بنت خزيمة – رضي الله عنها -.
ومن أزواج النبي عليه السلام: أم حبيبة بنت أبي سفيان – رضي الله عنها -.
ومن أمهات المؤمنين: أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج النبي عليه السلام – رضي الله عنها -.
ومن أمهات المؤمنين: حفصة بنت عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما -.
ومن أمهات المؤمنين: ميمونة بنت الحارث زوج النبي عليه السلام – رضي الله عنها -.
ومن أمهات المؤمنين: صفية بنت حيي بن أخطب زوج النبي عليه السلام – رضي الله عنها -.
ومن أمهات المؤمنين: جويرية بنت الحارث زوج النبي عليه السلام – رضي الله عنها -.
ومن أمهات المؤمنين: امرأة خطبها رسول الله عليه السلام ولم يبن بها وهي عمرة من الفرطا. (3/279)
صفحة 514
وأخرى تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): وهي أمية بنت النعمان بن الرحيل. قالت: (أعوذ بالله منك).
وأخرى تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقيل: إن بها برصا، فبرصت.
وأخرى وهبت نفسها لرسول الله عليه السلام، وهي خولة بنت حكيم وهي أم شريك الأسدية، ولم يبن بها.
ومارية القبطية سرية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) – رضي الله عنها – وهي أم إبراهيم بن النبي عليه السلام.
وبنات رسول الله (صلى الله عليه وسلم): زينب بنت محمد عليه السلام من خديجة، ورقية بنت النبي عليه السلام، وأم كلثوم بنت النبي عليه السلام، وفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) – رضي الله عنهن – وهن كلهن من خديجة.
وأما قوله تعالى: (لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين) وفي: لولا أن ثبتنا قلبها، ولحن الخطاب، لأبدت به ولكن لتكون من المؤمنين.
وقد تقدم القول في ولايتها ومن قامت عليه، استخراجا مما في كتاب الله أو بالحجة، فعليه ولايتها.
وأما قول الله – عز وجل – في إبراهيم: (رب اغفر لي ولوالدي) فأخرج أباه بعد ذلك من دعائه حين قال: (فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه) ولم يتبرأ من والدته فإن الكلام فيه محتمل.
ولو قال الله – عز وجل -: قد أجبناك دعاءك يا إبراهيم. فاستثنى أباه، لكان فيه ما فيه، وليس دعاؤه ما يدل على الإجابة، فليس علينا من ولاية أمه شيء. (3/280)
صفحة 515
وأما دعاء نوح عليه السلام حيث قال: (رب اغفر لي ولوالدي).
قيل: أخذ توجه دعائه إلى آدم عليه السلام وحواء.
وقيل: إن ما يبنه وبين آدم عليه السلام كلهم آباء مسلمون وأمهات مسلمات، وليس علينا القضاء بالمحتمل، فالمحتمل ساقط من يد المحتج.
وقد تقدم القول في حواء هي من أهل الولاية استخراجا لا نصا.
وأما قوله: (اهبطوا – واهبطا) فكل ما سمعت فيه: (فاهبطوا): آدم وحواء وإبليس والحية.
وأما قول إبليس: (ما نهاكم ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) فليس في قول إبليس لعنه الله ما يعول عليه لأنه من الكذبة.
وأما قوله: (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما) فمعناه عذابا ملازما، فأقام الصفة مقام الموصوف وليس فيه أكثر من هذا.
وأما قوله: هل يسع الناس الشك اليوم أن ليس في أمة محمد عليه السلام مسلم؟ فواسع الشك في ذلك اليوم، وأما من أول وهلة، فلا يسع من قامت عليه الحجة بعد قول الله – عز وجل – في المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وبعد قوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).
وأما إن لم تقم عليه الحجة بهذا فليس عليه شيء. (3/281)
صفحة 516
;الإشارة إلى الأقاليم السبعة وخط الاستواء
فإن قال قائل: وهل يسع أحدا أن يكون على شريعة غير شريعة محمد عليه السلام بعد الشهرة؟
قيل له: إن الشهرة بمحمد عليه السلام إذا ظهرت في جزيرة العرب وجبالها، فمن كان اليوم على شريعة موسى عليه السلام، أو شريعة عيسى عليه السلام أ, شريعة آدم عليه السلام، أو لم تقم عليه الحجة بهذه الملل الثلاث: ملة أبينا آدم عليه السلام وهم الصابئون، وملة موسى عليه السلام وهم اليهود، ملة عيسى عليه السلام وهم النصارى، وألقى الله تعالى الإيمان في قلبه أو ملك، أو خطر في قلبه ما أدرجه الله من الإيمان الذي فطرت عليه القلوب، فواسع عليه ما لم تقم عليه الحجة بملة من هذه الملل الثلاث.
فإن الأرض واسعة، وفي الأقاليم سعة، والأقاليم السبعة معمورة ببني آدم، ومن وراء الأقاليم خط الاستواء أيضا معمور.
وقد وصلت أنا بنفسي إلى قريب من خط الاستواء وليس بيني وبينه إلا مسيرة شهر، وكاد أن يستوي الليل والنهار فيه أبدا، وإنما وصلنا إلى قريب منه.
وأطول يوم في السنة إنما يفضل أقصر يوم منه بساعة واحدة، فالنهار الطويل ثلاث عشرة ساعة، والنهار القصير إحدى عشرة ساعة، وليليها كذلك، وهم يخافون من البيضان من الناس ويحسبونهم ملائكة نزلت من السماء، يهزم الأبيض الواحد من الناس عشرة آلاف منهم، وليس عندهم إلا عبادة الأصنام.
وأما الأقاليم السبعة، فأولها: إقليم زحل، قد انتشر فيه من السودان ما لا يعلم علمه إلا الله، وليس بعجب أن يكون للواحد منهم عشرون أو ثلاثون أو خمسون ذكورا أو إناثا، ينتسلون كأنعامهم بطول أعمارهم وأيامهم مع عبادة الأصنام. (3/282)
صفحة 517
والبلاد التي تلي الإسلام من الأقاليم الأول وتلي إقليم المشتري، فأولها: من جهة المغرب تكرور أوزافور وغانة وجوجو وكاثم والحبشة وحضرموت ومصر وعمان، ومن القند والهند مارا إلى عزله إلى أرض التبت إلى الصين إلى بلاد المسيلة.
والأقليم الثاني: جله خراب إقليم المشتري، وهو الخراب الذي بين بلاد السودان وبلاد الإسلام بلاد دجانة وكمتونة وأدا ويدما ويشطوف وينتصر والمبدوسن وكمطة والحبشة وأموان، من مصر ومكة وعدن وبلاد عاد من اليمن إلى الحساء والسجر والمعثعر وبحر الزنج ومكران وكرمان وسجستان والسندمان إلى ناحية التبت إلى الصين إلى البحر المحيط.
وأما الأقليم الثالث: فهو إقليم المريخ، وله بلاد النخيل.
فمن قال: المدرعة إلى سجلماسة إلى ورجلان إلى الجزائر وطرابلس وبرقة وإسكندرية ومصر وجزيرة أولاد إسماعيل إلى البصرة إلى شيراز من أرض فارس وجبال من خراسان إلى طرف الشمالي إلى البحر المحيط.
الأقليم الرابع: إقليم الشمس من الأندلس إلى إفريقية إلى الشام وفلسطين والعراق وحلوان وهمدان ومرو الروذ، ومن خراسان وبخارى وسمرقند وترمذ إلى فرغانة.
والأقليم الخامس: إقليم الزهرة من جليقية إلى الدروب من أرض الأندلس، والبر الكبير طرشوش إلى رومة إلى القسطنطينية العظمى إلى رومية، ثم منها إلى سد يأجوج و مأجوج.
و الأقليم السادس: إقليم عطارد من وراء الأرض الكبيرة: بلاد الأعزاز والأكراد والزط والبط والمجوس.
والأقليم السابع: إقليم القمر وهو إقليم الصقالبة. (3/283)
صفحة 518
اعلم أن من كان في هذه الأقاليم المحشورة ببني آدم ولم تقم عليه الحجة بهذه الشريعة فإنما عليه الإيمان بالله تعالى، فإن ألهمه إياه، أو وقع في قلبه، أو سمعه من أحد أو من الجن أو في المنام، أو اقتبسه من شرائع اليونان أو المجوس أو من الدهرية، فقد قامت عليه الحجة، وليس عليه غير ذلك من الشرعيات حتى يسمع – وهو مذهب الصابئين – (1) وليس عليه إلا الإيمان والمقال.
واعلم أن أمور الإيمان من الأعمال الصالحة في جبلة العقلاء من بني آدم، معرفة الحسن والقبيح منهما، فما استحسن أن يؤتي إليه استحسنه إلى الناس، وما استقبح أن يأتيه غيره استقبحه.
وهذا معنى قول الله – عز وجل -: (إن الذين آمنوا) يعني المؤمنين من هذه الأمة (والذين هادوا) يعني اليهود والنصارى، أهل ملة عيسى عليه السلام (والصابئين) أهل ملة أبينا آدم عليه السلام (من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
وأما قول إبليس لآدم عليه السلام: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما أني لكما من الناصحين).
فثمرة القضية أن دلاهما بغرور، والغرور ثمرة الكذب، وإبليس كذاب ولم يصدق الله كذبه.
وأما قولك: هل للناس أن يشكوا لم يكن مسلم عند الله في أمة محمد، أو يشكوا لم يكن في هذا الزمان أحد يجيب الله دعوته، أو قبل هذا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم). (3/284)
صفحة 519
اعلم أنه يجوز الشك هل في الدنيا اليوم مسلم من أجل أنا لأن اليوم من قيام الساعة أو غدا والساعة لا تقوم على مسلم، وليس على الناس من هذا شيء.
وأما الشك في أمة محمد – من أول وهلة – هل فيها مسلم عند الله أم لا؟
فمن علم بأمة محمد وقامت عليه الحجة فلا يشك، لأن المهاجرين والأنصار فيهم وهم مسلمون عند الله وعموم القرآن الذي نزل فيهم ومدح الباري سبحانه لهم، فلا شك.
وأما من لم يقف على شيء من هذا، فيسعه جهل ذلك.
وأما استجابة فإن الله – عز وجل – أطلق وقال: (ادعوني أستجب لكم) والعموم لا يعول عليه ذو بصيرة لجواز أن يكون ذلك عند الله إلى أجل مسمى لشروط الدعاء.
كما وإنك تشك هل دعا الله أحد اليوم أو يدعوه؟
وليس عليك من معرفة ذلك، ولا أن تعرف أن الله – عز وجل – وعد الإجابة الداعين، والله تعالى يجيب دعاءنا، وإنه لدعوات الداعين مجيب، وعلى أنك تعلم أن السحت والحرام قد عم البلاد وشمل العباد وامتلأت منه الأيدي والبطون والظهور والمتون.
-----------------
(1) أي ملة أبينا آدم عليه السلام كما يذهب المؤلف – رضي الله عنه – (مراجع ط 2)
ذكر القصاص بين المسلمين غدا يوم القيامة
وأما ما ذكرت من مسألة القصاص بين المسلمين غدا يوم القيامة، فهي مسألة إلى الإجماع أقرب ما هي، ونحن نذكر ما سنح لنا بحول الله وقوته.
فصل
أولها: مسألة اللقطة، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سن أحكام اللقطة وسئل عن ضالة الإبل قال: «مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها». (3/285)
صفحة 520
وسن في ضالة الغنم قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب». فأباح أخذها، وأثبتها لك إن شئت، أو لأخيك إن كنت بالموضع الذي تجمعها على مالكها أو للذئب إن ضيعتها كذلك.
وفي حديث آخر: سئل عن اللقطة فقال: «خذها وانتفع بها، فإن جاءك مدعيها يصف عفاصها ووكاءها فهي له».
وعامة العلماء على إنه يئيس وصولا منها باعها وتصدق بها لمولاها، فإذا كان يوم القيامة كانت حسانتها لمولاها وسلم الملتقط، وإن أكلها خرجت من حسناته.
وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر الملتقطين أن يلتقطوا لئلا تضيع أموال المسلمين، فإن المال إن ضاع في الدنيا فليس لمولاه فيه إلا أجر المصيبة، فإن انتفع به أحد من بني آدم كتب ذلك كله حسنات إلى يوم القيامة.
وأما جميع الأموال التي تضيع للمسلمين ما أكلت العافية (1) والسباع والطير والهوام والحشرات، فليس يضيع من ذلك شيء يكتب للمسلم كله أجورا، ولا ينفعه شيء من هذا في تباعة ما عليه.
وأما إن كان بنو آدم هم الذين استنفعوا به أو أكلوه، أو ما تعلق إليهم في العبيد والخدم والأنعام والرمام، لا تعمدا أو لا غلطا أو تعديا أو خطأ، فلن يضيع شيء من هذا يكتب لهم أجورا، وينفعهم في ما يلزمون به من تباعة العباد مما لم يعلموا به، وهنالك تكون حسناتهم نائبة عما يلزمهم، أو عملوا أو لم يكن عندهم مال يؤدون منه ما عليهم، أو كان غاب عنهم صاحب التباعة ببلاد لا يصلون إليها، وأوصوا له بها، أو نسوها، أو أدوها في وهمهم ولم يؤدوها، أو سقط من أوهامهم هذا كله بعد حصول التوبة المقبولة. (3/286)
صفحة 521
وكذلك جميع ما عليه من تباعات الأنفس والأموال والجراح، وجميع الوجوه التي يقول فيها المسلمون أنه ضامن فيما بينه وبين الله وبينه وبين العباد، ولا سيما إذا كان أنه لا يحكم عليه بها في الدنيا مثل ما يصيبه بينه وبين الله، وهو المعنى الذي قلنا: إنه يؤخذ من حسناته يوم القيامة. فهذه المعاني التي يتقاصون بها يوم القيامة.
وكذلك جميع المعاني التي ليس فيها ضمان الأموال كالغيبة والمباهتة والكذب فهذه المعاني التي يتقاصون بها يوم القيامة، وشهادة زور وحكم بغير ما أنزل الله، فتنفعه كثرة الحسنات، ومن عازته الحسنات وبنيت عليه فعلى ربه أن يؤدي عنه جميع ما يلزمه ويرضي الخصوم.
وهذه المسألة حكاها ضمام بن السائب عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع أصحاب الحديث أيضا، ولم يرو ضمام أنه إن فرغت حسناته يحمل من سيئات صاحبه ورجعت، وليس بمستنكر، قال الله – عز وجل -: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) فأثقال من ظلموا أولى، وقد جاء في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».
وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «يقول الله غدا يوم القيامة في المحشر: أما ما بيني وبينكم – معشر المسلمين – فقد وهبته لكم، فتواهبوا ما بينكم فيما بينكم».
وحديث داود عليه السلام مع أوريا من أعجب العجب كما قال الله – عز وجل – في كتابه ما بين داود وأوريا، قال: (وهل أتاك نبأ الخصم) إلى قوله: (وأناب). فغفر الله تعالى له، وأدى ما عليه يوم القيامة لأوريا أن عوضه غرفة في الجنة فرضى أوريا وسلم. (3/287)
صفحة 522
وحكمنا بيننا وبين عبيدنا أن من أفسد منهم من أموال الناس شيئا فإنه يؤخذ من مال العبد، فإن لم يكن له مال وأخذ مولاه فأدى عنه، وراعى في هؤلاء المتظالمين، فإن كانوا من أهل الجنة بصبر المظلوم، ونوبة الظالم، فربك يفعل ما يشاء، ويقتص ملا يضر المقتص منه ما سلب له إذ مصيره إلى الجنة، وإن كان من أهل النار فليحمل سيئات صاحبه إلى سيئاته. قال الله – عز وجل -: (إنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) إلى آخر الآية. وإن شئت اتل الآية من وراء هذا قوله: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) الآية إلى قوله: (عذاب عظيم) ولك في هذه الآية معتبر: فقطاع الطرق والمفسدون في الأرض إن قتلوا من أهل القافلة رجلا واحدا قتلوا به أجمعين، وإن أخذ واحد منهم من المال ولو كان دون النصاب قطعت أيديهم من خلاف ولو كانوا ألفا.
وكيف حكم الباري سبحانه في الآخرة؟ وليس من هذا مما يحيله العقل، ولا مما يمنعه العدل، ولا مما تقول إنه جهل، وللباري سبحانه في الأولياء الفضل.
وأما قولك فقد وجدت في كتاب الله – عز وجل -: (ولا تزر وازرة وزر أخرى). (ولا تكسب نفس إلا عليها) (وإن ليس للإنسان إلا ما سعى). وقوله: (كل نفس بما كسبت رهينة). فهذه الآيات كلها دالة على أنه هذا الفاعل داخل فيما جناه بيده، أو جره بسببه فيما كسبت يداه، كما أن ابني آدم –ة قابيل وهابيل – اللذين قتل أحدهما أخاه، أن ما من قاتل في الدنيا إلا كان عليه وزر من ذلك ونصيب من قتل أخيه إلى يوم القيامة، بعدما مات وصار إلى الله – عز وجل -.
-----------------
(1) العافية: هي طالب الرزق سواء من الناس أو البهيمة أو الطير، ولعل المراد هنا الحيوان من غير الناس. (مراجع الطبعة الثانية).
ذكر أمر النفختين والبعث والقيامة
* فصل (1) * (3/288)
صفحة 523
وأما ما ذكرت من أمر النفختين والبعث والقيامة والجبال والأجداث، وأن العرش لا يفنى والسماء، وقلت يا أخي: بين لي أمر البعث وأمر النفختين، لأني سمعت المشايخ قبل هذا يقولون: إن النفخة الأولى من الدنيا، والنفخة الأخرى من الآخرة، وأن الآخرة والدنيا لا تجتمعان. قالوا: حدوث هذه فناء هذه.
وقلت: وجدت في القرآن خلاف هذه. قال الله – عز وجل -: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى).
وقال أيضا: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) والأجداث في الدنيا والنفخة في الآخرة.
وقال أيضا: (ونفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) والجبال في الدنيا والنفخة في الآخرة.
وقال أيضا: (يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا) والسماء في الدنيا وفتحها في الآخرة، والجبال في الدنيا وسيرها في الآخرة سرابا، إلا أن تقول السموات والجبال لا تفنى. كما رأيت في الكتاب أن العرش لا يفنى. (3/289)
صفحة 524
الجواب عن جميع ما ذكرته في أمر الدنيا والآخرة:-
اعلم يا أخي أن النفخة الأولى إنما هي في الدنيا بإجماع الأمة، ووقع الاختلاف فيما بين النفختين.
قال بعضهم: لا يسمى دنيا ولا آخرة، وإنما سموه البرزخ.
وقال بعضهم: البرزخ عاد من الدنيا، وإنما الآخرة من النفخة الأخرى. فالقائل: حدوث هذه فناء هذه. غير مساعد على قوله.
وأما قولك: في القرآن بخلاف ذلك. وهو قوله – عز وجل -: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها ... الآية) والدنيا والآخرة.
اعلم أن الدنيا والآخرة إنما اختلفتا في الزمان، والفساد، والكون، والتقدم والتأخر.
وأما الزمان، فإن أحوال الدنيا وأوقاتها هي هذه التي تجري على الموجود، وكذلك أحوال الآخرة، فالحالات متفقان، وإنما اختلفا بصفتهما، وأحوال الدنيا كون وفساد، وذلك أن الله تعالى خلق الخلق، أوله جوهر، وبعده جماد، وبعده حيوان، وبعده عاقل، وهو الإشارة بقوله: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) وقوله: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين).
وقوله: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) فصار الكون في الدنيا بمقتضى الاسطقسات.
وأما الطبائع: فالحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، والاسطقسات: الأثير والأرض والهواء والماء. (3/290)
صفحة 525
فأطلق الباري - سبحانه - الحيوان إلى التناسل، والشجر والنبات إلى النمو والزيادة، والأجساد إلى النمو والنقص، فكان الكون فيها ظاهرا، والفساد ظاهرا، وهو الحدوث والفناء، والتقدم والتأخر، وتسابق الأحوال والعصور، والليالي والنهار، وليس في الآخرة إلا الخلود والأبد، وكن فكان، وكتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء.
وأما قوله: (منها خلقناكم) الآية وإنما وقع الضمير هاهنا على الأرض، واعلم أن الله – عز وجل – قال في محكم كتابه: (كل من عليها فان) فإنه لم يوجب الفناء هاهنا إلا على من كان على وجه الأرض لا غير.
وقال في موضع آخر: (كل شيء هالك إلا وجهه) والهلاك هاهنا مرتبط بالأحياء، فلان هالك وفلان حي، ولم يدل على الفناء، ولم يأت في فناء العرش والسموات والأرض خبر يدل على فنائها لا في القرآن ولا في الحديث، وليس للرأي هاهنا حظ، ففي قدرة الله جائز فناء الكل، وإن كان فإن رجوعه موجود مثلما كان أولا غير مستحيل، فإن فنيت الجبال والأجداث وغيرها فستعود غدا في الآخرة فتصير كما قال الله: (يوم تبدل الأرض غير الأرض) وقوله: (فإذا هم بالساهرة) وقوله: (وعلى الأعراف رجال).
وكذلك السموات والأرض والأجداث والجبال فإن فنيت عادت، وإن لم تفن بقيت إلى المحشر، وجاز فناؤها وقد استبعد العلماء قول من يقول إن العرش فما دونه والسموات والأرض تفنى، فتعود الأشياء كما كانت في الأزل. فهذا بعيد.
-----------------
(1) كلمة (فصل) غير موجودة في ط البارونية أضفتها من عندي. (مراجع ط 2).
ذكر السنن التي أحدثها عمر رضي الله عنه
وأما السنن التي أحدثها عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -.
اعلم أن الأشياء إنما تؤخذ من أصولها، لا من فصولها. (3/291)
صفحة 526
وذلك أن الله تعالى شرع مذهب الصابئين لأبينا آدم عليه السلام ثم إلى نوح عليه السلام ثم إلى هود ثم إلى صالح ثم إلى أبينا إبراهيم عليه السلام، فبعث إبراهيم بالحنيفية السمحة السهلة، فلم يستجب لإبراهيم إلا الشواذ من الناس.
ثم شرع لموسى عليه السلام شريعته التي حمل عليها بني إسرائيل فتسموا يهودا.
ثم لعيسى عليه السلام شريعة النصارى فزل عنها الأكثرون.
ثم بعث محمد (صلى الله عليه وسلم) بشريعة إبراهيم عليه السلام، فكان مبناها على الكتاب والسنة والرأي.
والأصل الكتاب وفرعه السنة، والسنة أصل وفرعها الرأي، والرأي حاكم على السنة، والسنة حاكمة على الكتاب، كحالنا مع آبائنا وأبنائنا، فنحن حاكمون على آبائنا وأبناؤنا حاكمون علينا، بل الرأي يقضي على السنة والكتاب جميعا ولذلك شروط مقصودة لا يعلمها إلا أهل البصائر في الدين، والكتاب إنما نزل على قوم وافري العقول يعرفون غرضه ومراده، ومحمد عليه السلام واسطة بينهم وبين الله تعالى، فما عازهم بينه لهم، وما أنفهم لهم مضوا عليه، وما لم ينفهم لهم فسره لهم، قال الله – عز وجل -: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) فأخذ بهم الله تعالى إلى التفكير فيما شرع لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وشرع للناس الحكم في الحدود فقال: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)، وشرع رسول الله عليه السلام الرجم في المحصن وقال: (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم). وقصره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الحوز والعدد المخصوص. (3/292)
صفحة 527
وقال الله – عز وجل -: (واذكروا الله ذكرا كثيرا) وقصره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الصلاة.
وشرع الزكاة في الأموال وقصرها رسول الله عليه السلام في الحول والنصاب وأعداد معلومات.
وخص الله – عز وجل – هذه الأمة بكتاب شمل فيه علم الأولين والآخرين، وفوض إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيانه، وقال الله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) فأطلق لهم سبل الاستنباط إلى يوم القيامة، لمعرفتهم غرض الكتاب وسنته، وجعلهم ولاته وحكامه، يعملون مقتضياته من العلوم والخصوص، والظاهر والباطن، والمقدم والمؤخر، والمقطوع والموصول، والوعد والوعيد، والمحكم والمتشابه، قال الله – عز وجل -: (ومن يبغ غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) ولك في عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أسوة حسنة كلما خالف رسول الله عليه السلام كان الله مع عمر، قال عمر (1): (وافقت ربي في ثلاث ووافقني في ثلاث) وقضيته مشهورة، هذا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكيف بما بعده؟
حسبك مذاهب أهل الدعوة في الكتمان فاقوا فيه الأمة، أبطلوا الحدود وقالوا: إنما تكون في الظهور. فمن أين هذا؟ من كتاب الله – عز وجل – أو من سنة رسول الله، أو من الرأي؟ فهو من الرأي، وحتى حكموا على من فعل شيئا من هذا خطأ، هذا فينا اليوم فكيف بعمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ولم يبطلوا القتل وأحكامه، والقتل أعظم حرمة من سائر المحرمات.
ونحن نذكر السنن التي أحدثها عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فنقضتها عليه الشيعة والروافض:- (3/293)
صفحة 528
أولها: أرض الفيء والخراج. فقالوا: إن الله تعالى قد حكم في غنائم المسلمين بالسهام والقسم على أهلها الذين غنموها. قال الله – عز وجل -: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه) إلى قوله: (والله على كل شيء قدير). وكان من سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أم جعل المغانم في الأموال والرباع كما قال الله تعالى: (واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه) الآية فعم ولم يخص.
وقسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خيبر الأموال والرباع على السهمان، وقسمها على عشرين سهما، فخمسها وأخرج منها أربعة أسهم للخمس، وبقى ستة عشر سهما والجيش في ألف وثلاثمائة رجل ومائة فارس لكل مائة سهم، وأعطى للمائة فارس ثلاثة أسهم: سهمان للفرس، وسهم لراكبها، فصار لكل رجل عشر عشر السهم الواحد واحد من مائة، ولكل فارس ثلاثة أعشار العشر.
فخالف عمر إلى أرض الفيء فنزعها من أيدي أهلها الذين غنموها، فجعلها بين المسلمين مشاعا إلى يوم القيامة، والماضي والتالي منه. (3/294)
صفحة 529
الجواب وبالله التوفيق:-
أن أرض خيبر جعلها الله لمن أطعموها وهم أهل الحديبية عموما وأهل الرضوان خصوصا، فأنزل الله – عز وجل – سورة الفتح وبشرهم بخيبر طعمة أطعموها وعوضهم بها، وراء ذلك من المعاني التي وعدهم ولم يتم لهم عليها كخيبر. فقال عز من قائل: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا). وهي خيبر، ثم وعدهم مغانم كثيرة يأخذونها: (فجعل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين).
وأما الأخرى التي لم يقدروا عليها فهي فتح مكة، فأخبرهم أنه قد أحاط الله بها لما كف أيدي الناس عنهم وهم كنانة وجميع حلفاء قريش، للعهد الذي عاهدوا عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فلم يخف من قريش ولا من كنانة، فمكث على خيبر زهاء شهر يفتحها قرية قرية حتى افتتحها كلها، وهي إحدى وعشرون قرية، فهرب منها أهل تسع قرى وهي الكتيبة، فوهبها الله – عز وجل – خصوصا لمحمد عليه السلام لأنها بالرعب افتتحت: رعب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجنده، فقسم خيبر على القسمة التي ذكرنا. فأنزل الله بعد ذلك: (ما أفاء الله على رسوله) إلى قوله: (ربنا إنك رؤوف رحيم).
ولما قال هاهنا: (للفقراء والمهاجرين) (والذين تبوأوا الدار والإيمان) (والذين جاءوا من بعدهم) علمنا أنه أراد الرباع والعقار، وبقيت الغنائم كلها لأهلها الذين حازوها، وقبضوها في تلك الأيام، وسكوت العصابة المحمدية من الصحابة، على صنيع عمر من الأمة – رضي الله عنه – دلنا على أنه الحق، إذ لا تجتمع أمة أحمد إلا على الحق.
فإن ادعوا أن هناك منكرا أتوا بمنكر، وهل في الأمة أحد من الصحابة تورع عن هذا الخراج أو حرمه أو قال بقسمته فمنع، ولا يجدونه، (3/295)
صفحة 530
فأول ذلك علي بن أبي طالب الذي انتصروا له، وله في العراق مستغل أربعين ألف دينار في كل سنة وقد عرفوا حال عمر بن الخطاب مع محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في النصوص، فكيف المحدثان وقد أطبقت الأمة على هذا، ولكل أهل زمان في محدثاتها أحكام.
فلو مسخ الله تعالى رجلا أثنى، أو رجلا ليثا، أو رد أنثى رجلا، أو كليهما متشكلين، لكان في أهل العصر في هذه الأمور أحكام.
وقد نزلت هذه الحوادث في زماننا منها اليهراستي الذي جعلت صباياه ذكورا وقضية مشهورة وهو المعروف بعيسى، ورأى الذي مسخ بالزاب سبعا وله قصة عجيبة في زماننا، والرجل الممسوخ أنثى في نبي مصعب، وذكرهن الشيخ كلهن اللاتي في تماوط، في أمثالها.
والثانية: صنيع عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في القرابة: قرابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سلمهم الخمس، ومنعهم إياه بعد قول الله تعالى: (واعملوا أن ما غنمتم من شيء) الآية. فعمل به رسول الله عليه السلام أيام حياته وعمل به أبو بكر وبعد أبي بكر عمر، ثم بدا له ومنعهم إياه وغير سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسنة أبي بكر ثم سنة نفسه، بغضا لآل رسول الله عليه السلام ولقرابته فكيف يلزمه في صنيعته في سهمهم الخمس وقد سلبهم الذي أعطاهم الله، أحيا فيهم الحكم الجاهلي وغير حكم الإسلام، وهذا كله مذهب الشيعة والروافض في عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -. (3/296)
صفحة 531
الجواب وبالله التوفيق: أن الله تعالى جعل لقرابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فرضا مفروضا، وأنفذه رسول الله عليه السلام وأبو بكر وعمر، وكان رسول الله عليه السلام يسد به خلل الفقراء منهم، وينكح الأيامى منهم، ويصون به وجوههم عن مسألة الناس، وعن أوساخ الناس، من الصدقات التي حرمها الله – عز وجل – عنهم وعنه، ولم يذهب مذهب السهمان الغني والفقير والحاضر والغائب، لكنه لسد الخلل، ولو كانت سهامهم واجبة غير راتبة لما استحقها قوم دون قوم، فلما فتح الله تعالى على المسلمين البلاد، واقتبس عمر – رضي الله عنه – من كتاب الله أراضي الفيء وخراج الأرضين، فاستغنى به الجميع عن أموال المساكين والفقراء والأيتام وأبناء السبيل، وغناهم الله – عز وجل – بخراج الأرضين عن مشاركة الفقراء والمساكين وغيرهم، لأن العلة التي أباح الله تعالى بها تلك الأموال الصون عن أوساخ الناس، فاستعملها لهم عمر في الفقراء والمساكين وذويهم بأن صانهم عن مشاركة المذكورين بأن أغناهم الله تعالى من فضله بخراج الأرضين.
والفقه في كتاب الله – عز وجل – وفي سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) معرفة حقائق العلل، وذهاب العلة ذهاب المعلول.
فلو كان سهم القرابة للرجل والنساء والفقراء والأغنياء لكان مرتبطا بهم لا يزول، لكنه للحاجة فعند زوالها يزول المعلول وعند وجودها يوجد.
الثالثة: صنيع عمر – رضي الله عنه – في المؤلفة قلوبهم:-
قالت الشيعة والروافض: إن الله تعالى فرض في كتابه للمؤلفة قلوبهم سهما في الصدقات، وقال عز من قائل: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين .... ) الآية. (3/297)
صفحة 532
فأول هذا قوله: (إنما الصدقات) و (إنما) عند العرب من حروف الحصر لا يدخله استثناء ولا تغير، كقوله – عز وجل-: (إنما الله إله واحد). (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو).
والثانية: قوله: (فريضة من الله والله عليم حكيم) فجاء عمر وادعى أنه أعلم من الله وأحكم، فلو ساغ لعمر ما فعل لساغ أن تنقص لنا من الصلوات الخمس صلاة ومن صيام رمضان وأن نحلوله إلى غيره، والحج في أيامه ومكانه وزمانه، ولا تأمن ممن يأتي بعد فيبدل أحكام الشريعة، ويسعنا ذلك اختيارا، ويدرج عمدا أو اضطرارا، فلو كان لأحد تبديل الشريعة لكان للمهدي الذي هداه الله وعلمه ما لم يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما، والمهدي من ولد فاطمة؟ (3/298)
صفحة 533
الجواب وبالله التوفيق: إن الله تعالى فرض الفرائض والأحكام، وسن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) السنن، وبين منها كل فن، وفوض باقيها لمن يأتي من المسلمين الذين فوض الله – عز وجل – إليهم الاستنباط، وحملهم على سواء الصراط، وجعل لهم العلل منارا، والفقه في الدين نورا، وانفهم لهم أن العلة في سهم المؤلفة قلوبهم حاجة الإسلام إليهم وخيفتهم منهم. كما قال عمر – رضي الله عنه – حين جاءوا يطلبون سهامهم: «ذلك إذ كان الإسلام حقيا، وأما الآن فقد بزل». ولهذا قال الله – عز وجل -: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) لما فيه من المعاني البديعة، والغرائب العجيبة قال: (لعلكم تعقلون) والخطاب من الله – عز وجل - قد اعتوره لحن الخطاب وفحواه ودليله ومعناه لا يعلمه إلا العالمون العاقلون، وقد نبهت قبل هذا على ما تضمن كلام العرب من المعاني، وما انفرد به من عقول العرب دون العجم.
الرابعة: عتقه أمهات الأولاد للناس على آبائهم، وذلك أن الله تعالى أباح تسري آماء الناس لأربابهن، وقال الله – عز وجل –: (ولا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء قديرا). وقال: (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى قوله: (إلا ما ملكت أيمانكم). فأباح الله تعالى السراري أمهات الأولاد منهن ومن غيرهن، ولم يعتق على الناس أمهات أولادهم، وليس في سنة رسول الله عليه السلام عتق شيء منهن، ولم يسبقه من الناس أحد إليهن إلا رأيه، والرأي مع المنصوص من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه عليه السلام ساقط. (3/299)
صفحة 534
الجواب وبالله التوفيق: أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ذهب في أمهات الأولاد إلى ما ينبغي، والذي ينبغي من الناس اعتاقهن بحرمة أبنائهن، وأما أن يخرجن من غير اعتاق فلا، على أنه ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال في مارية القبطية: «اعتقها ذو بطنها» وهي التي ولدت ولده إبراهيم عليه السلام، فلو عول عمر – رضي الله عنه – على هذا الحديث وبنى عليه فتواه فكان ماذا؟
فإن قال قائل: فإن كانت أم الولد عتيقة فقد أباح فرج حرة على حكم التسري.
قلنا: حكم سبق وتقدم، ولم يأت ما ينقضه، فإن أنكحها غيره صارت أحكامها أحكام حرة، وليس في هذا عظيم أمر قد سلم له من حضر من الصحابة ولم تجتمع أمة أحمد على ضلال. والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.
تم الموجود في الأم بحمد الله وحسن عونه.
والصلاة والسلام على محمد وآله وسلم تسليما
-----------------
(1) في ط البارونية لم تكن موجودة عبارة (قال عمر) فأضفتها لضرورة السياق. (مراجع ط 2). (3/300)
صفحة 535
القول في حجة الله تعالى كيف قامت على العباد
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما، رب يسر يا كريم.
بيان القول في حجة الله كيف قامت على العباد:-
اعلم أن مسألة السماع قدرية إنما ينبغي الإيمان دون التعليق بها.
قال سعيد بن راشد الحداء: اختلف الناس في الحجة كيف قطع الله على خلقه ومن كلفه دينه بالحجة، بعد إجماعهم على أن كل بالغ صحيح العقل محجوج، وبإجماعهم على تخطئة من زعم أن المكلفين غير مكتسبين، وأنهم مضطرون على جميع أفعالهم، ورد بالنص على من يقول: إنهم مجبولون على أفعالهم بقول الله – عز وجل -: (جزاء بما كانوا يعملون).
وأما تسمية المختلفين من أهل دعوتنا فمنهم: عبد الله بن زيد الفزاري إمام النكار، وسعيد بن راشد الحداء من أهل دعوتنا الخلصاء، وعيسى بن عمير وابن الحسين.
فكان من قول عبد الله يزيد: (إن حجة الله قد قامت على المكلفين بسماع الخبر المسموع بالآذان، وقد سمع الناس كلهم جميع ما افترض الله عليهم، وليس لله على عباده من حجة إلا الرسل، وإنما قطع الله – عز وجل – عذر المكلفين بالخطاب المسموع بالآذان المفهوم معناه).
فكان من قول سعيد: (إن حجة الله قامت على العباد المكلفين بسماع وبغير سماع، (3/301)
صفحة 536
فلله الحمد على العباد يفعل فيهم ما يشاء، إن أسمعهم فبمنة وفضله، وإن لم يسمعهم فبحكمه وعدله).
فكان من معنى قول عبد الله بن يزيد كلهم قد سمعوا الجملة التي يدعو إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بالرسل، ووراء ذلك مما جاءت به أنه الحق، وما افترض الله عليهم ولازم لهم، وقد سمعوه.
وقال سعيد: (إن الله احتج بدعاء النبي عليه السلام إذا سمعه أحد من الآدميين، أجزى على جميع خلقه في تلك الحال التي سمعه فيها ذلك الواحد، وأن الله قطع به على من سمع من لم يسمع جميع ما دعا إليه في جملة الدين؛ دين الله وفرائضه).
وقول المعتزلة: (إن الحجة على المكلفين إذا لم يسمعوا من الرسل عقولهم، فمن كان له عقل صحيح فقد وجب عليه من التكليف كل ما يدركه بعقله، وحطوا عنه مالا يدركه إلا بسماع حتى يسمع).
اعلم أن هذه المسألة – كما أشرت لك أول مرة – أنها قدرية من القدر الذي وجب الإيمان به علينا خيره وشره.
اعلم أن هؤلاء المختلفين بنوا أصولهم على المعنى الذي اجتمعوا عليه بينهم البين، وأنا أشير إلى طريق واسطة بين المختلفين، وأرجع بالرد على الذي رأيته زاغ ونصرت كل من ساغ.
اعلم أن الله خلق بني آدم وجعل لهم مهلة من حيث خروجهم من بطون أمهاتهم إلى أوان التكليف، وقرن مع كل واحد منهم ملكا من بطن أمه يسوسه وهو صاحب اليمين، ومن بعد خروجه من بطن أمه سبع سنين، ويلهمه في أثناء ذلك ويرشده، ويهديه إلى مصالحه، فسبق إليه الخيال من دماغه مدة، ثم الوهم بعد ذلك مدة، تجري في جوارحه القوى سريان الغذاء فيها. (3/302)
صفحة 537
فلما أكمل سبع سنين قرن إليه ملكا آخر يسدده ويقويه ويؤيده إلى ما سبق له من صاحب اليمين، الآخر صاحب الشمال.
ففتح الله تعالى له في القياس باب، واستعمل له في القياس سبع سنين أخرى، واستعمل الحواس، واضمحل الوهم باستعمال القياس كما اضمحل الخيال باستعمال الوهم، والخيال نتيجة اليافوخ والوهم نتيجة الدماغ.
وفي الدماغ ثلاث قوى: المقدمة الأولى: خياليه. والوسطى: وهمية. والآخرة ذات القفا: قياسية.
فعند استكماله أربع عشرة سنة قويت حاسة عقله واكتنفه علمان: علم الحواس، وعلم العقل، وكلاهما ضرورة.
وقد حصل في مكنون عقله، أن الحدث يحتاج إلى محدث، بدليل أن الصبي يقول: من أحدث هذا؟ أو من جاء بهذا؟ أو من صاحب هذا؟
فكان هذا الاعتقاد ضروريا، مهما كان الأتراب وأرى في أترابه أحدا يقول: أبي خير من أبيك، وأمي خير من أمك، وخادمنا خير من خادمكم.
فإن كان له أخ صغير يقول لتربه: أين أخوك الصغير؟
وإن كان له أخ كبير يقول لتربه: أين أخوك الكبير؟
وإن كان له بئر في دار والده يقول: بئرنا خير من بئركم. وربما لا يكون لتربه بئر.
وكذلك مذهبه في الطعام والشراب والآنية والجيران، فما كان له من هذا أثبته لأترابه أجمع، وللكبار أخبار مثل هذا وهمية أو قياسية أو عقلية مثل ذلك يخطئ ويصيب، حتى يستكمل العقل ويطرح ما سوى العقليات، فهنالك يصح علمه إذا صح عقله على الصفة المذكورة.
وأما من كان غفلا بلها ولم يجرب الأمور، فإنه يجري أموره على أمور (3/303)
صفحة 538
من قبله من الوهميات والخيالات، مثلما يجري لبعض الناس أن المطر إذا كان في بلادهم اعتقدوا في الدنيا كلها، والريح والجدب والخصب والجبال والرمال والقرار والبادية أجمع.
ونحن نشير إلى طرف من العقليات عن الله – عز وجل – من القرآن الحكيم، وعن إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه، وعن جميع الأنبياء مناظراتهم أممهم صلوات الله عليهم أجمعين.
فأول ذلك: قول الله تعالى: (يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له) إلى قوله: (إن الله قوي عزيز).
وقوله – عز وجل – حكاية عن الخليل ومناظرته قومه: (لقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) إلى قوله: (أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون). فنبههم على العقل حين قال: أفلا تعقلون؟
وحكاية أيضا عن الخليل صلوات الله عليه: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه) إلى قوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين). وحكاية الرب سبحانه عن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، قال الله – عز وجل – حكاية عن الأنبياء والأمم: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله) إلى قوله: (لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا). فرجعت الأمم إلى المغالبة والمسايفة والمناضلة.
فلما أطبقت الأنبياء أن لابد للمحدث من محدث فاطر، ثم أقسم الله تعالى في كتابه بالقسم الذي لم يقسم في كتابه قبل؛ أقسم بسبعة أقسام، فقال: (والشمس وضحاها) إلى قوله: (فألهمها فجورها وتقواها) والإلهام في مقام الخبر والقبول في مقام السماع.
ومصداق ما قنا من السنة: قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذين يهودانه أو يمصرانه أو يمجسانه». (3/304)
صفحة 539
وقال عليه السلام: «خلقت هذه القلوب حنيفية، إلا ما كان من الشيطان، فإنه يخترمها عما خلقت له» ولهذا المعنى قال بعض العلماء: ليس على الأطفال بالجملة التي يدعو إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند حال البلوغ لأنهم على الفطرة.
فإن قال قائل: كيف قامت حجة الله على العباد؟
قلنا: الناس عندنا على ثلاثة أوجه: آدم عليه السلام، إنما قامت عليه الحجة بسماع ولا فكر فيه حظ، وبقيت له مهلة في خلقته، وذلك أن الله تعالى لما نفخ فيه الروح وسار من يافوجه إلى دماغه إلى عينيه إلى فيه ولسانه، وهو في كل ذلك يتأمل الأشياء، وذلك في آخر النهار والشمس قد دنت إلى الغروب فهو يتأملها، وعطس حين دخل الروح في منخريه وجبريل عليه السلام عند رأسه، وملك آخر عند رجليه وقيل: إنه ميكائيل عليه السلام.
فقال له جبريل عليه السلام: (قل الحمد لله يا أبا محمد) ففهمه الله تعالى معنى هذا الكلام؛ وهي ثلاث كلمات (قل) كلمة (والحمد لله) كلمة و (يا أبا محمد) كلمة.
فقال آدم عليه السلام: «الحمد لله».
وعلم آدم عليه السلام (قل) أنه أمر أمره أبو محمد، وعلم أن (الحمد لله) هي الكلمة التي أمره الله بها، وألهم له من قوله: (يا أبا محمد) أنها كلمة تدل على التسمية والتكنية، وربما ينفهم له بها معنى الأبوة والنبوة، وهذا كله إلهام من الله تعالى حين قصد إلى (الحمد لله) ولم يقصد إلى (قل) فيقول: (قل). ولم يقصد إلى (أبا محمد) فيقول: (يا أبا محمد). (3/305)
صفحة 540
ثم إن آدم عليه السلام نظر إلى الشمس وهي في ناحية المغرب، فإنه خلق في آخر النهار، وعقل الموضع الذي كانت فيه حين بلغ الروح عينيه، فما زال الروح يسري فيه إلى عنقه ثم إلى عضديه ثم إلى صدره ثم إلى جوفه ثم إلى حقويه ثم إلى فخذيه، وهو في كل ذلك يتأمل نفسه ويتأمل الشمس، وحتى وصل الروح ركبتيه، ونظر إلى الشمس قد جاوزت الموضع الذي رآها فيه أول مرة ودنت للغروب، وخاف عليه الغروب واستعجل وأراد أن يقوم ليتداركها قبل المغيب، ولهذا قال الله – عز وجل -: (وخلق الإنسان عجولا) (وخلق الإنسان من عجل).
وشرع الله لآدم وحواء كلمة: «لا إله إلا الله» وهو توحيدهم، وشرع لهم الركعتين بالغداة والعشي، فهذا دينهم الذي أخذوه سماعا وهو دين الصابئين الأول، ثم انتشرت ذرية آدم عليه السلام، ثم الأنبياء على مثل هذه الشريعة إلى أبينا نوح عليه السلام، ثم هود ثم صالح ثم إبراهيم عليه السلام فعند أيام موسى عليه السلام، وإلى هذه الشرائع الأربع الإشارة في القرآن، قال الله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا ... الآية) فمن وافق إحدى هذه الشرائع الأربع بسماع سلم، أو بفكر سلم.
والوجه الثاني: المشرك الذي اخترمه الشيطان عما خلق له، أو حوله أبواه إلى أديانهما ثم أن الله تعالى قد أدركه برحمته فألهمه الألوهية والإيمان بها. كما قال الله – عز وجل -: (فألهمها فجورها وتقواها ... ).
ولله تعالى طرق كثيرة مما تقوم به الحجة على عباده، كما ألهم النحل والنمل والجراد والقمل والحشرات، وجميع الحيوانات.
ومن حجج الله تعالى على عباده الرؤيا التي هي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وربما يرى في رؤياه جميع ما يختلف، ولا سيما من اعتقد ذلك من أمور (3/306)
صفحة 541
الدنيا، فكل ما رآه يتقنه، فيؤمن بالله واليوم الآخر، فربما يخاطب الموتى في منامه فيخبرونه على الإيمان بالله – عز وجل -.
وفنون الرؤيا كثيرة، وهي علم من العلوم.
ومنها: أن يسمع الخطاب من الحيوانات، كالهدهد لسليمان عليه السلام والنمل له، والحمامة لابنة الملك، والصرد لآدم عليه السلام.
وربما يخاطب من أجواف الأصنام أو الشجر أو صدى الجبل.
وربما يستعمل اللتين جعلهما الله لأولاد آدم عليه السلام ذريعة إلى العلوم: حس الحواس ودلائل العقل.
والآيات الواردة في القرآن قال الله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار) إلى قوله: (لآيات لقوم يعقلون). فنبه على العقل.
وقوله: (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) الآية.
وقال الله – عز وجل -: (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون).
وقد نبهت الأنبياء عليهم السلام أن ليس في الفاطر شك عند من ثبت عنه الفطور؛ وقد ثبت عند الكل، ونشأ الجميع على ذلك، وهذا متى ألهم الإيمان في قلبه فهو على دين الله ودين أنبيائه.
فإن قال قائل: ما حال هذا عند الفرائض والمعاصي التي لم يسمع فيها شيئا ولا يدركها بعقله إلا بسماع من شارع مسمع؟
قلنا: وبالله التوفيق: أما العبادات التي لا تدرك إلا بالسماع فإنها محطوطة عنه في شريعة أبينا آدم عليه السلام. (3/307)
صفحة 542
ومثاله: من آمن عند محمد (صلى الله عليه وسلم) من المؤمنين ثم غاب غيبة لا يبلغه سماع ما حدث عن محمد عليه السلام من الصلاة والزكاة والصوم الحج؛ وأمثالها، فليس عليه شيء حتى تقوم عليه الحجة بدليل قوله: (ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم) فهذا محسن آمن بربه واستهدف لأمره.
ذكر مسألة عجيبة وغريبة وهي من رفعة الله إلى السماء ماذا يلزمه
وهاهنا مسألة عجيبة؛ من رفعه الله تعالى إلى السماء وكان فيها، أكان يلزمه من أعمال الشرائع شيء أم لا؟
الجواب: ليس عليه من عمل المعهودة في الأرض شيء، كعيسى بن مريم عليه السلام، وإلياس والخضر صلوات الله عليهما.
وأما من كان في الأرض أو نزل إليها فعليه امتثال شريعة محمد (صلى الله عليه وسلم)، أو شريعة قامت بها عليه الحجة من الشرائع الأربع، إلا الخضر فإنه يعلم العلم اللدني استغنى به عن علم كل أحد إلا العلم من لدن الله تعالى.
وأما المعاصي فإن جلها قبيحة عنده في النفس، فإن طبع بني آدم أن يستقبح جميع ما يسيء إليه، ويستقبح ذلك من نفسه إن فعله بغيره، فكان علمه ضروريا.
وقال عمروس بن فتح – رضي الله عنه -: (معرفة المعاصي من طبائع العبد، وذلك جميع ما يستقبحه العبد من نفسه) ومنه التقدم إلى ملك الغير، فهو قبيح إذا كان بغير إذنه، ألا ترى إلى عبيدنا ليس للعبد أن يتقدم إلى شيء بغير أمر سيده.
وفي مثل هذا وردت المسألة: ما الحكم في الأشياء قبل ورود الشرع؟
فقال بعضهم: الحظر. وهذه عقلية.
وقال بعضهم: الإباحة. وهذه شرعية.
وإن الله تعالى خلق ابن آدم فسخر (3/308)
صفحة 543
له ما السموات وما في الأرض جميعا منه، فوسعه التقدم إلى جميع ما يعلم الله أنه سخره، علم أو لم يعلم، إلا ما كان من القول فإنه محجور عليه، وهو مما لا يعني ولا يدري، لا سيما القول عن الله – عز وجل – بغير علم قال الله تعالى: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).
والوجه الثالث: المشرك الذي اقتضى خلاف خلقته وفطرة الإسلام التي فطر الناس عليها، إلى أن مات على غير تلك الحال، فهذا غير معذور وهو معذب ومعاقب، فإن عذبه الله تعالى بشركه فقد استحق أعظم العذاب، وإن زاد في تعذيبه عذابا على انتهاك المحارم، فله ذلك، وإن زاده عذابا على ترك الفرائض؛ فله ذلك، لله الأمر من قبل ومن بعد، وفي العذاب على الشرك كفاية.
وأكثر ما أخذ الله تعالى به الأمم في الدنيا على المحارم والمظالم وترك الفرائض، وعذاب الآخرة أشد وأبقى.
ولنرجع إلى تصفح أقاويل هؤلاء المختلفين:-
فأما ما يذكر عن عبد الله بن يزيد الفزاري؛ أن حجة الله قد قامت على العباد وقد سمعوا، حتى أن بعضا من أصحابه يقول: إن صوت السماع هو طنينه في أذني.
فمثل من يقول هذا القول، لا يخاطب ولا يعاقب لفقده العقليات والحسيات، فهذا إلى الجنون أقرب، ولو جاءه مجنون آخر وقال له: صدقت، لكن أنا الذي أسمع من خطاب الله تعالى للمؤمنين، واستقر سمعه في أذني، وانفهم لي معناه: أيها الناس ليس عليكم صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، لما انفصل والآخر بخلاقهما، ولكن في عبد الله بن يزيد لا يظن فيه هذا ولا يعتقده مع الدرجة العليا التي بلغها (3/309)
صفحة 544
في العلم والعلوم، ولا يرضى بهذه الخلالة أصم ولا أبكم ولا أعجمي ولا عربي.
وأما قول سعيد بن راشد الحداء: (إن حجة الله قد قامت على العباد، بسماع وبغير سماع، فالناس كلهم مقطوعو العذر لا سمعوا ولا لم يسمعوا). فليسأل عن الله تعالى حين أمر جبريل عليه السلام أن ينزل على محمد عليه السلام بأمر من الأمور كالصلاة والصوم وغيرهما، ما حال الاس في حال خطاب الله – عز وجل – لجبريل؟ قال: واسع. وحين نزل جبريل ما دام في السموات قال: واسع. فإذا فرغ من خطابه قال: ضاق على أهل الخافقين من أمة محمد، من سمع ومن لم يسمع. وهذا تكليف ما لا يطاق، وقد قال الله تعالى حكاية عن المؤمنين: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) ولا يطاق هذا، والرب أرأف وأرحم وأكرم أن يكلف من كان في الصين أمرا أمر به من كان في الحجاز.
القول في تبليغ رسول الله عليه السلام
* في تبليغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم *
قال الله – عز وجل -: (يأيها الرسول بلغ من أنزل إليك) إلى قوله: (يعصمك من الناس).
وقال في موضع آخر: (فتول عنهم فما أنت بملوم) وعذره حين بلغ.
اعلم أن تبليغ رسالة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يشافه من واجهه، أو يرسل إليه رسولا، أو كتابا.
والثاني: أن يوسع العذر على من كان على إحدى شرائع الأنبياء عليهم السلام حتى تقوم به له حجة.
والثالث: أن يقطع الذعر على من كان على غير دين الله.
مسألة:
إن سأل سائل فقال: هل على الله – عز وجل – أن يرسل الرسل إلى الناس، أو ليس عليه من الإرسال شيء؟ (3/310)
صفحة 545
الجواب:
ليس على الله أن يرسل إلى الناس الرسل إلا في موجب الحكمة، وليس على الله من واجب إلا في مقتضى الحكمة، وله الفضل في ذلك.
فإن سأل فقال ما معنى هذه الآية: (يأيها الرسول بلغ) الآية. عن قوله: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) إلى قوله: (والأسباط) ثم قال: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل). وقال: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) وقال: (أو تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين). (وقالوا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى).
الجواب:
اعلم أن الآيات كلها تريد أن تكون لهم محاجة، ألا ترى إلى قولهم: (لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) فأثبتوا الذل لأنفسهم والخزي، لا جاءتهم الرسل ولا لم تجئهم، وقد أدرج الله في عقولهم ما يحتاجون إليه من أمر دينهم، فإن وقع من الله مما لا تبلغه عقولهم، فتفضل عليهم بإرسال الرسل لئلا تفوتهم مراشد مصالحهم التي لو لم يكلفهم إياها لما لزمتهم. (3/311)
صفحة 546
الكلام في مسألة المتبرجة
اعلم أن الله تعالى نهى عن المعاصي كلها وذمها وقبحها. قال الله – عز وجل -: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر).
وقال: (إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن) والمجمل محتاج إلى التفسير، والعام محتاج إلى التخصيص، والمطلق محتاج إلى التقييد.
قال الله – عز وجل -: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) فأطلق ولم يقيد، وعم ولم يخص.
وقال – عز من قائل -: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).
واستثنى من الشرك الكبائر وعلقها إلى المشيئة. وقال: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) فوقع الاستثناء على السيئات دون الكبائر وحصلت الكبائر في حيز الكفر، وقال في آية أخرى: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) وقال: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وجاءت هذه تارة عموما، وتارة خصوصا، وتارة مطلقا، وطورا استثناء، فصح أن الخاص يقضي على العام، والمفسر يقضي على المجمل، والمستثنى يقضي على المطلق، فهذه الأوجه الثلاثة متفق عليها، وإنما وقع الاختلاف في العوارض.
وأما قول الله – عز وجل -: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) فهذا العام مخصوص في ذاته، خصته الحكمة والقرآن والسنة ورأي المسلمين.
وأما الحكمة: فلو أطلق الله تعالى المغفرة على الذنوب بلا سبب، لكانت الذنوب بمعنى الإباحة، وليس من الحكمة النهي عن شيء، ولم يقترن معه العقاب بلا سبب إلا كان إباحة، ولا يجوز مع الحكيم العليم، إتباع معاصيه. (3/312)
صفحة 547
خص القرآن أيضا هذه الآية: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فخص الآية الأولى: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) وقال تعالى: (ومن يقتل مؤمنا فجزاؤه جهنم خالدا فيها) إلى قوله: (عذابا عظيما).
وخصته السنة أيضا، قال (صلى الله عليه وسلم): «من قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في النار، ومن تحسى سما فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا) وأوجب خالدا مخلدا أبدا، فأوجب الله تعالى أن المغفرة التي ترى من وجبت بالذنوب جميعا أنها التوبة وقال: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا) وتوبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم).
ثم إن الله أطلق المغفرة لما دون الشرك. فقال: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فعلق المغفرة في الكبائر على المشيئة، وقرن الشرك بالوعيد وأضاف إليه الكبائر، فخص منها السيئات. وقال: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم).
فاتفق الجميع: أن السيئات مكفرة مغفورة لمن اجتنب الكبائر، وأجمعت الأمة أن الذنوب مكفرة مغفورة بالتوبة الشرك وغيره، وجاءت الإشارة في الكبائر بالمشيئة.
وقال جابر بن زيد – رضي الله عنه -: (إن مشيئة الله تعالى التي يكفر بها الكبائر قد أنبأنا بها وهي التوبة والحسنات والمصائب).
واتفق الجميع: أن السيئات مغفورة باجتناب الكبائر، وأن الكبير تعلق بالمشيئة، والمشيئة مدحة لا تفيد طائلا كما تقدم.
واختلف الناس في الشرك والكبير والصغير والسيئة والخطيئة.
وأما اختلاف الناس في الشرك: فإن الخوارج قضت أن معصية الله كلها شرك، وقالت: (من عصى الله تعالى فهو مشرك).
وقال أهل الدعوة: (إن الشرك يتعلق بذات الباري سبحانه وصفاته وأفعاله، ما لم يقع تأويل محتمل. (3/313)
صفحة 548
وقال ابن الحسين: (لا يشرك من أنكر غير الله – عز وجل -) وأبو بكر الباقلاني من الأشعرية، وأبطلوا الشرك في إبطال الأنبياء والرسل والملائكة والكتب والخلق.
واختلف الناس في الكبير: فقالت الإباضية كلها: (إنها كفر معاقب عليه مخلد صاحبه في النار). واتفقنا مع المعتزلة في التخليد واختلفنا في التكفير.
وقالت المرجئة والسنية في الكبير: (إنه معصية). وامتنعت من التكفير والتخليد.
واختلف الناس في الصغير: فقال أهل الدعوة: (إن الصغير ما دون الكبير وهو معصية).
وقال ابن عباس: (ليس فيما يعصي الله به صغير). وأثبت جميع مناهي القرآن أنها كبائر، وإنما استثنى الله لمن اجتنب الكبائر مغفرة السيئة، وأما المعصية فلا، والسيئة دون المعصية، والخطيئة من دون السيئة، والسيئات إنما تكون في مناهي الرسول عليه السلام مما لا يتعلق بالقرآن.
واختلف الناس في الصغير والكبير. فقال بعضهم: (الكبير على حدة والصغير على حدة).
وقال بعضهم: (إن لكل صنف من المعاصي صغيرا وكبيرا، وفي القتل صغير وكبير، وفي الزنا صغير وكبير. وقال (صلى الله عليه وسلم): «العين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها اللمس، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج». وفي الكذب صغار وكبار، في مثل هذه الأمور.
ومن قال من إخواننا النكار: (إن المرأة كفرت بالرأي) أخطأ، ولاحظ للنظر هاهنا وحكم الله أولى. وإن قالوا:) إنها مشاكلة) فليتوقفوا ولا يشرعوا). (3/314)
صفحة 549
وأما ما ذكر عنهم أنهم يفعلون ذلك في مجالسهم ومساجدهم، ولو في ما بينهم وبين ذوات محارمهم، فلن يرض بهذا عاقل، ولا يثبت عليهم حتى يشرعوه، فإن كان ففي غوغئهم، وإن لم يكن فزيادة في حسناتهم.
و قال الناس: آمنا بالله وكذبنا أبصارنا. فالعجب من ذوي العقول منهم سكوتهم. (3/315)
صفحة 550
مسألة الوقوف
اعلم أن مسألة الوقوف بين النكار وبيننا لا تنبني على الأصل، لأنهم قالوا: (مهما صدر من المرء أمر اشتبه علينا لا ندري لعله كبير أو غير كبير، فنتوقف عن ولايته بعد ما كان عندنا من أهل الولاية، ورددناه إلى الوقوف لا نبرأ منه ولا نتولاه). وأول ما وقعت هذه المسألة بين الحارث وعبد الجبار، وذلك أنهما اجتمعا في بيت على أمور المسلمين، ولم يقع الاتفاق بينهما وتشاجرا، فأصاب بهما المسلمون، وقد قتل كل واحد منهما صاحبه، ولا يدرون أيهما الظالم من المظلوم، أو هما ظالمان جميعا، أو هما مظلومان جميعا وقد تجننا.
فقال المكار: (نقف عنهما حتى نعلم المعتدي منهما).
وقال أهل الدعوة: (نكون على أصل ولايتنا حتى نعلم ما أتيا من المعصية). فاختلفا هاهنا، فقال أهل الدعوة: (نقف في الفعل ولا نقف في الفاعل، فإن نزعنا ولايتنا عن المحق منهما فقد ظلمناه بعد ما أوجبها الله تعالى علينا، والأخرى لا علم لنا بالغيب). وقالوا هم: (نقف عنهما).
واستدلوا على ذلك بعائشة أم المؤمنين حين رميت بالإفك. وقالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) توقف عنها وقال لها: «يا عائشة إن كنت ألممت بشيء مما يقول الناس، فتوبي إلى ربك وراجعيه». فهذا دليل على أنه توقف عنها.
قلنا: لا ولا نعمت عين. بل كان رسول الله عليه السلام على ولايته لها، ولم يصدر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر يوجب التوقف عنها، لكنها قالت: (الله أعلم لو أقررت بما لم أفعله لصدقتموني، ولكن حسبي الله). فما في هذا ما يدل على وقوفه عنها، بل هي في ولايته لها، لأن هذا أمر واجب، حق المسلم على المسلم: النصيحة والإبقاء عليه، ومع هذا لا يمنع لها حقا واجبا، ونحن على علمنا ولسنا من علم الغيب في شيء، وليست هذه المسألة من الأخرى في شيء كلما اتهمت وليك نقصته حقه. (3/316)
صفحة 551
والأصل في هذه المسألة من قول الله – عز وجل -: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وأولها قضية عثمان بن عفان.
وذلك أن عثمان اختلف فيه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ثلاثة أوجه.
والوجه الأول: طريقة عمار بن ياسر وأصحابه وعلي وطلحة والزبير وعامة المهاجرين والأنصار.
والثاني: طريقة أصحاب سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومحمد بن سلمة الأنصاري وعبد الله بن سلام وزيد بن ثابت.
والثالث: من التجأ مع عثمان.
قال جابر بن زيد الأزدي – رضي الله عنه – وهو قوله: (لا يحل للعالم أن يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك. ولا يحل للجاهل أن يقول للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. فإن قالا ذلك قطع الله عذر كل منهما). (3/317)
صفحة 552
الرد عليهم في إنكارهم عذاب القبر
ومن مسائل ما بيننا وبينهم عذاب القبر، وعابوها وقالوا: (إنكم اقتبستموها من مسائل المالكية)، ونحن نثبت عذاب القبر وهم ينكرونه، إنهم ما أنكروه شرعا ولا عقلا، وإنما جعلوا جهلهم به حجة على من علم، وليس الإنكار بحجة ولا الجهل بحجة.
اعلم يا أخي أن عذاب القبر صحيح معروف موجود في أيدي الأمة، لا المالكية (1) ولا غيرهم من الشافعية ولا غيرهم من الأشعرية والحنفية والمعتزلة وسائر الشيعة وأصحاب الحديث، متواتر عند أمة أحمد (صلى الله عليه وسلم).
وفي القرآن إشارة إليه على رأي المفسرين وهم القدوة في ذلك، كما أن امرأ القيس بن حجر والنابغة الذبياني والأعشى هم القدوة في اللغة وإن كانوا مشركين، وللمالكية على غيرهم فضل – إن كانوا كما قالوا – إن لهم اهتبالا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يكن لهم (2) اهتبال، وصاحب الصناعة أولى صناعته ممن لا تنسب إليه تلك الصناعة.
وسيأتي ما يكشف عن عوار مذهبهم إن شاء الله، وقد وردت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحاديث وأخبار جمة.
وفي مشاهدة الأبصار والعيان في سائر البلدان، وتواتر في سائر الأزمان، ما يبصر الناس في مقابرهم من النيران المتقدة والأصوات الممتدة وظهور الأنين والحنين على رؤوس العالمين، أعظم الدلالات وأبين البيانات، وهو أقرب إلى من أنكر ولم يؤمن ولم يحسن.
فأول الرويات عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): كان يعلم أصحابه عليه السلام هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، وهو قوله: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيخ الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» فإن لم يبلغهم هذا (3/318)
صفحة 553
الحديث ولم يؤمنوا به أحرى بهم أن لا يستعملوه، أعظم بهم خيبة وراءها حوبة.
والحديث الثاني حديث عائشة – رضي الله عنها – أن يهودية جاءتها فطلبت إليها شيئا فأعطتها. فقالت: (وقاك الله عذاب القبر). قالت عائشة: (فاتهمتها). فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أخبرنه الخبر، فنظرت إلى وجه رسول الله قد تغير فقال: «تعوذي يا عائشة من عذاب القبر».فما زال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتعوذ من عذاب القبر حتى توفي عليه السلام – الحديث
الثالث: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مر هو وأصحابه على قبرين يعذبان. فقال لأصحابه: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فإنه يمشي بالنميمة، وأما الآخر فإنه كان لا يستبرئ». فغرز عند رأس كل واحد جريدة. فقال: «ولعل هذا يخفف من عذابهما شيئا ما لم ييبسا» – الحديث.
الرابع: قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن الميت إذا أدلي في قبره، وفرغ أهله من قبره، أتاه ملكان: أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه.
وانصرف عنه الناس وهو يسمع خفق نعالهم، فيقعده الملكان فيقولان له: من ربك؟
فإن كان مؤمنا فيقول: الله ربي.
فيقولان: من نبيك؟
فيقول: محمد نبيي.
فيقولان: ما دينك؟
فيقول: الإسلام ديني.
وما قبلتك؟
الكعبة قبلتي. (3/319)
صفحة 554
فيفتحان له بابا إلى النار فيقولان: هذا منزلك، فنجاك الله منه.
ثم يفتحان له بابا إلى الجنة، فيريانه مكانه في الجنة، فيهم أن يقوم إليه.
فيقولان: نم رشيدا. فينام نومة العروس حتى يكون أحب أهله إليه الذي يوقظه، حتى يبعثه الله يوم القيامة.
وأما المنافق والمرتاب فيقولان لهما: من ربكما؟
فيقولان: لا ندري.
فيقولان لهما: لا دريتما ولا ابتليتما.
فيفتحان لهما بابا إلى الجنة. فيقولان لهما: هذا مكانكما في الجنة لكنكما صرفتما عنه.
فيفتحان لهما بابا إلى النار. فيقولان لهما: هذا مكانكما في النار. فعند ذلك يكرهان القيامة، فكرها لقاء الله، فكره الله لقاءهما.
الحديث الخامس: قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما مات سعد بن معاذ. فقال عليه السلام: «لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد بن معاذ لقد ضمه القبر ضمة كادت أضلاعه تختلف».
والحديث السادس: عن رسول الله عليه السلام: «من مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة وقي عذاب القبر».
الحديث السابع: تسمية. سمى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ملكي القبر: «منكرا و نكيرا». متواتر عن أمة أحمد عليه السلام.
الحديث الثامن: عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «القبر إما روضة من رياض الجنة، أو شعلة من نار جهنم».
الحديث التاسع: ما رواه ابن مسعود – رضي الله عنه – عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «عن في القرآن لسورة فيها ثلاثون آية يقرؤها (3/320)
صفحة 555
أحدكم، فإذا مات ودخل القبر، فإذا جاءه الملك من ناحية رأسه حالت بينه وبينه، فإذا جاءه من ناحية رجليه حالت بينه وبينه، فإن جاءه من ناحية جنبه حالت بينه وبينه». قال ابن مسعود هي: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير).
الحديث العاشر: عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «كيف بك إذا جاءك فتانا قبرك، منكر ونكير، ملكان أسودان أزرقان ينحتان الأرض بأنيابهما، ويطآن في شعورهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف» فقال عمر: (يا رسول الله، أمعي عقلي كما أنا عليه اليوم؟) قال: «نعم»، قال: (أكفيكهما بإذن الله)، وقال النبي عليه السلام: «إن عمر موفق».
وعن علي بن أبي طالب أنه قال في خطبته: (عباد الله الموت الموت ليس منه فوت، إن أقمتم أخذكم وإن فررتم أدرككم، الموت معقود بنواصيكم، النجا النجا، والوحا الوحا، فإن وراءكم طالبا حثيثا وهو القبر، روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، وأنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الديدان. ألا وأن وراء ذلك ليوما لاشك فيه يشيب فيه الصغير، ويسكر في الكبير) ... خطبة طويلة.
وعن ابن عباس وعبد الحميد بن محمود المعولي: أنه قال: كنت جالسا مع عبد الله بن عباس إذ أتاه قوم فقالوا: (خرجنا حجاجا ومعنا صاحب لنا حتى انتهى ذات صباح، فمات، فيهأنا له، ثم انطلقنا، فحفرنا القبر فإذا نحن بأسود قد ملأ اللحد، يعني حية، فتركنا القبر فحفرنا له مكانا آخر، فإذا نحن بأسود قد ملأ القبر، فتركناه وأتيناك).
فقال ابن عباس: (ذلك الغل الذي يغل به، انطلقوا فادفنوه في بعضها، فوالله لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيها). فأكبروا قوله. (3/321)
صفحة 556
قالوا: (فانطلقنا إلى أهله بعد ما دفناه في بعضها، فلما رجعنا أتينا أهله بمتيع كان له معنا، فقلنا لامرأته: (ما كان عمل زوجك؟)
قالت: (كان يبيع الحنطة، وكان يأخذ كل يوم قوته، ويقبض من القبض وهو الفكر مثله، ويلقيه فيه) فمن هذه الخيانة عذب في القبر.
وقد شاع في أمة أحمد ما أبصروه عيانا في المقابر، ما يغني عن جهل من جهله، فما يكفي الجاهل أن يعتذر إلى الناس ويعذرونه، من أن ينتحل جهله علما ويغيب من علم.
ولو أردنا ذكر شيء من ذلك مما رأينا وعاينا وعاينوه هم بأنفسهم، لاتسع الحال وانفسح المجال وفاق القيل والقال، مما لا ينكره عاقل، مستفاض في أيدي الناس إلا عند النسناس. وقولهم: (إنما اقتبسناه من المالكية). ومن وراء المالكية الأمة قاطبة، ومن أين يدعوهم جهلهم حتى اتخذوه دينا، ولو سئلوا عن أعظم فريضة من سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم، مما لا يجهله أمي ولا عاقل من دينهم، من أين لهم العلم بها إلا أنهم وجدوا آباءهم على عبادة وهم في آثارهم يهرعون.
ولقد سبق السلف وشرع الخلف مثل أبي جهل وغيره مثل: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون، لا بل وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، وربما ينتحلون معرفة عدد الصلوات وأوقاتها ووظائفها من الإجماع، وأني لهم ما عند الثلاث والسبعين فرقة ولم ينصوا عليه ولا يعرفونها ولا أزمنتها ولا أمكنتها ولا أئمتها، وربما يعجزون عن شرع أئمتهم، فكيف بمعرفة غيرهم.
ومسألة عذاب القبر ليست من مسائل الديانات، فمن جهلها سلم، ومن علمها غنم، ومن تورط فيها ندم.
والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين.
-----------------
(1) أي لم ينفرد به أحد دون أحد بل هو متواتر عند أمة الإسلام (مراجع ط 2).
(2) الضمير عائد على النكار. (مراجع الطبعة الثانية). (3/322)
صفحة 557
الرد على إخواننا النكار في جميع ما ذهبوا إليه
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين والمرسلين أجمعين، اللهم صل عليهم في الأولين وبارك عليهم في الآخرين وانفعنا بشفاعتهم يوم الدين يا أرحم الراحمين، اللهم آمين آمين.
اعلم أنه يجب وينبغي لمن ينتحل خشيه الله في السر والعلانية – إذ لم يخلق هملا، ولم يترك سدى طللا – أن يراعي نفسه ويحاسبها عند ثلاثة مواطن أولها:
أن يصدق ظاهره باطنه، ويوجب لله تعالى من الخدمة ما نطق من قول: لا إله إلا الله.
الثاني: أن لا يعتمد على وقل الآباء والأجداد في الضمائر والاعتقاد في دين الله العلي الهادي.
الثالث: أن يحاسب نفسه في المناظرات، فيقل الحق إذا ظهر، ويرد الباطل إذا ندر، ويحسن الأدب في مناظراته، ويراعي الصدق والحق في محاوراته، وإن أخل بواحدة من هذه فهو لنفسه أعدى عدو من أعدائه.
اعلم يا أخي إنا بحالة يرحمنا فيها جميع الخلق، عصمت الملائكة وابتلينا بالتكليف، وتوعدنا بالنيران وسلم سائر الحيوانات، وأعظم من هذا نعمة ونقمة السعادة الأبدية والشقاوة الأبدية، وتقدمتنا الأمم قبلنا بالخيرات وانفردنا منهم خصوصا بفقد الأنبياء والمعصومين الأولياء، وكثرة الحوادث والفتن والزلازل والمحن، أعمار قصيرة وهموم كثيرة، وأكدته قطاع الطرق عن دين الله – عز وجل – فإنا لله وإنا إليه راجعون. (3/323)
صفحة 558
وذكرت يا أخي مسائل ما بيننا وبين إخواننا النكار.
اعلم يا أخي أن مسائل ما بيننا وبينهم لا تجدي نفعا ولا تغني، وتعد مما لا يعني، فمن جهلها منا ومنهم سلم، ومن خاض فيها ولم يصب ندم، ومن أصاب ولم يعتد غنم، والمعذرة إلى الله.
وإلى كل من سمع مقالتي أن ينظر فيها بعين البصيرة، فيحاسبني إن زغت، ويصدقني إن أصبت، والله المستعان، وحسبي الله ونعم الوكيل.
وذكرت أن أشرح لك السلف الصالح والطالح لتكون على حقيقة من الأمرين جميعا.
فأول ما ابتدئ فيه، اسم الله تعالى واختلاف الناس فيها، وأنص على قول كل واحد حتى يكون كأنه حاضر، وهو العدل والأنصاف.
اعلم أن ما يوجبه التخبط والتشبط بين الناس أن المتناظرين يبنون مناظراتهم على فروع أصولهم ويهملون أصولهم، ويبني كل واحد على أس نفسه.
اعلم يا أخي أن الأمة اختلفت في مسألة الأسماء والصفات، فقال أهل البصرة من العراق: (إن الاسم هو المسمى).
وقال أهل الكوفة من العراق: (إن الاسم غير المسمى)، وافترقت الأمة عليهم.
اعلم أن ما قال الفريقان صحيح من وجه وغلط من وجه، وأنا أذكر الأس والفرع، وأبني على الأس فرعه.
اعلم أن الله تعالى خاطبنا بخطاب معروف عندنا، حقيقة ومجازا، ومجازه يخصنا دونه، وكاد أن يكون الخطاب في حقنا وفي حق الله مجازا، وانفرد الله تعالى في لسان العرب بأربع كلم، كانت في حقه حقيقة وفي حقنا ممنوعة وهي: اله، والرحمن، والخالق، وسبحان. (3/324)
صفحة 559
فأما قوله: الله فمن (لا إله إلا الله) كلمة لا تسوغ لأحد.
والرحمن: لم يتسم به إلا كذاب اليمامة.
والخالق ممنوع في كتاب الله – عز وجل – قوله – عز وجل -: (هل من خالق غير الله) فلا خالق إلا الله.
وكذلك: سبحان. وقد ذكر عن الأعشى ميمون بن قيس في الجاهلية يمدح علقمة بن علاثة. وقال: (سبحان من علقمة الفاخر).
وذكر الله – عز وجل – نفسه مطلقا. وقال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام).
وقال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين).
وقال: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين).
واختلف الناس هاهنا، فقال قائلون: (الأسماء والصفات ما قرع الآذان) وهم بعض الأشعرية.
وقال آخرون: (الأسماء والصفات المعاني التي دلت عليها الألفاظ المسموعة بالآذان المصونة تحت اللسان).
ونحن نشير إلى ما ذهب إليه كل واحد إن شاء الله تعالى.
اعلم أن الله – عز وجل – فضل أبانا آدم عليه السلام على الملائكة الذين هم أفضل الخليقة، بمعرفة الأسماء.
وذلك أن الله- عز وجل – قال للملائكة: (إني جاعل في الأرض خليفة) إلى قوله: (إنك العليم الحكيم) إلى قوله: (وما كنتم تكتمون).
ثم قال عز من قائل: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا) إلى قوله: (من الكافرين). (3/325)
صفحة 560
فمن عري من فضيلة هذه الأسماء ولم يعترف بالجهل لها كالملائكة، التحق بإخوانه الشياطين من ذرية إبليس اللعين.
ونحن نشير إلى حقيقة الأسماء ظن وغلط كل فريق فيها.
فأول ذلك: أن وجود الأسماء يقتضي ثلاث معان: وجودها في الأعيان، ووجودها في الأذهان، ووجودها في اللسان.
ونحن نشير إلى بداية الخلق من الجواهر إلى نهاية النطق التي هي ثمرة الخلق، فإن الله تعالى أول ما خلق الجواهر، فجعل فيها المسطقسات وهي الطبائع الأربع، التي هي: اليبوسة، والحرارة، والرطوبة، والبرودة.
فمن هذه الطبائع، فمزجت منها العناصر التي هي: الأثير، والهواء، والأرض، والماء.
ومزج اليبوسة والحرارة، فكان منهما الأثير.
ومزج الحرارة والرطوبة، فكان منهما الهواء.
ومزج الرطوبة والبرودة، فكان منهما الماء.
ومزج البرودة واليبوسة، فكان منهما الأرض.
فظهر فيما دون الأثير إلى المركز الذي هو الأرض؛ عالم الكون والفساد، وما وراء هذا فعل جوهرية، وظهر في عالم الكون والفساد الجماد والموتان.
وانفرد بالأرواح الحيوان، فظهرت ثمرة الخلق في الحيوان، لأنه يغدو وينمو، ويفعل ويترك، ويختار ويكتسب، فخلق الله هذه الأجناس الثلاثة وهي: الملائكة والأنس والجن، فركب فيهم العقل، فهي آخر القضية.
والروح والعقل جوهران، وخلق الله النطق لهؤلاء الثلاثة، وخصهم به من سائر الحيوان، وأخرج فيه البيان والتبيان لعجائب ما في القرآن من شأن، منة وفضيلة من الرحمن، فخلق اللغات التي يتناطق بها الناطقون في الأزمان على ثلاثة أوجه، (3/326)
صفحة 561
فكانت هذه الوجوه الثلاثة بحرا من البحور العظيمة التبيان، وخليجا من سائر الخلجان في جانب البحر المحيط الذي هو بحر المعاني، فتبارك الله أحسن الخالقين، وليقصر العيان عن ركوب هذا البحر الثاني.
ولنشر إلى أسماء الأعيان، ووجودها في الأذهان، وظهورها على اللسان.
وأما أسماء الأعيان، فإن الله تعالى خلق الخلائق فجعل اللغات، فجعل بعض الخلائق أسماءها منها، كالجسم والعرض والإنسان وأسامي الأعداد بهذا الاسم ذاتي، كالإنسان والحيوان وخمسة من الأعداد والسواد من الألوان والبياض.
اعلم أم ما لا ينفهم لك من الشيء إلا بمعرفة غيره فذلك الغير ذاتي له، كالعدد للخمسة والأربعة، واللون للسواد والبياض، فلن ينفهم لك السواد حتى ينفهم لك اللون، ولا الأربعة حتى ينفهم لك العدد.
والذاتي من الأسماء: ما يمكن الخمسة عددا، وأعم الأسماء الموجودة، ويطلق على الباري سبحانه وجودا واجبا، ويطلق على الغير وجودا ممكنا، فوجود الباري متعلق بمائية، ووجود غيره متعلق ماهيته.
والمائية: إشارة إلى الذات والوجود، والماهية: إشارة إلى الذات والصفة، فالأول متعلق بالهلهلة، والثاني متعلق بالكيفية.
فالأولون: أبصارهم مقصورة على الألفاظ أنها أسماء.
والآخرون: لاحت أبصارهم على المعاني هي الأسماء. والألفاظ والمعاني بحران عظيمان زاخران لجيان، وليس كل اسم ذاتيا، ولا كل اسم لفظيا، منها أسماء الأعيان، وأسماء الألفاظ سهام اللسان.
وأما سهام الأذهان فمنقسمة بين الأعيان واللسان، ومرجعهما إلى العلم، لأنك تعرف حقيقة اسم الشيء في ذهنك، وليس في ذلك ما يدل على ذات الاسم ولا عليه، وليس فيه أيضا ما يدل على أنه لفظه ولسانه. (3/327)
صفحة 562
ولنشر الآن إلى دلالة الفريقين جميعا، إلى وقل من قال: إن الاسم هو المسمى. وإلى قول من قال: إن الاسم غير المسمى.
واستدل الفريقان جميعا بلغة العرب، فقال بعضهم: إن العرب قسمت لغتها، فجعلت نصيب الذوات هي الأسماء، ونصيب الحركات هي الأفعال.
والحروف عقاقير بها تظفر فائدة المعاني. لو قلت: (زيد الجبل) لما ظهر مرادك، فإن أدخلت حرفان بان واستبان فتقول: (زيد على الجبل). ولو قلت: (عمرو الدار) لما أنفهم للسامع، حتى تقول: (عمرو في الدار).
قسموا لغة العرب هذا التقسيم، وعلقوا الأسماء بالذوات، لأنك تبصر الذوات وتجهل الأسماء. فتقول: (من هذا؟) فيقال لك: (زيد). فوقعت الجهالة على الاسم لا على الذات، وتزيل عنه بعض أسمائه، وتحدث له غيرها، وتفارق بعض أسمائه لحدوث غيرها، وتنسى الاسم ولا تنسى المسمى.
والاسم مأخوذ من السمو على رأي أهل البصرة، ومن السمة على رأي أهل الكوفة، وكلاهما دالان أن الاسم غير المسمى، ويقول القائل: اكتب أسمي في هذه الصحيفة. وتكتب الاسم ولا تكتب الرجل.
وتختلف عليه الأسماء باختلاف الحالات: من نطفة إلى علقة إلى مضغة، إلى طفل إلى غلام إلى بالغ، إلى رجل إلى شاب إلى شيخ إلى هرم إلى ميت، فالذات باقية.
وقال الآخرون: إن هذه الأسماء هي غيره، لأنها بمقتضى اللسان والأذهان، وبقي عليكم حكم الاسم في الأعيان.
وقد قدمنا القول في أسماء الأعيان والذوات، وأسماء الذوات هي الأصل، وأسماء اللغات هي الفصل، وللأصل فضيلة على الفصل. (3/328)
صفحة 563
وإن كان التوجه لا محالة إلى الباري سبحانه لأسمائه وصفاته، فللأفضل دون المفضول، والأفضل في حد الحقيقة، والمفضول في حد المجاز.
فالحقائق أولى بالباري سبحانه من المجازات، إلا في موضع هنع منه الشرع لقوله – عز وجل -: (ليس كمثله شيء).
واستدل الفريقان جميعا على قولهما بقول الله تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم) إلى قوله: (يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم).
واستدل من قال: إن الاسم غير المسمى , بهذه الأعداد المتغايرة والحروف المختلفة والمعاني المتفاوتة، وقد وقع الخطاب عليها من الله – عز وجل – بالجمع والتذكير والتأنيث، أنها غير الله تعالى، والظاهر حكمة على الباطن، وإنما أراد الله تعالى هاهنا الألفاظ دون المعاني.
واستدل الآخرون بالآيات الثلاث التي قدم الله تعالى فيها: (هو الله الذي لا إله إلا هو) ثم قال: لا إله إلا هو.
وليس بعد الألوهية إلا الذات، فاقتضى هذا القول الحقيقة لا المجاز، ودل بقوله على المعاني دون الألفاظ، إذ هو هو، لا هو غيره.
وقال آخرون: هذا مجاز من القول، كما تقول للشجاع: إنه أسد. وليس بأسد. وتقول للسخي: بحر. وليس ببحر.
وقال آخرون: تعالى ربنا أن رغب عما أخبرنا به عن نفسه إلى تمثيل من دونه، فنحن على الظاهر، والظاهر على الباطن حكمة، إلا أن يقع للباطن دليل، وللباطن دليل هاهنا، لأن الله تعالى يريد بقوله: هو هو الباطن لا الألفاظ.
وقولك: الشجاع هو الأسد. ولم يرد به اللفظ، ولا عين الأسد، لكن المراد هو المعاني، وهو حقيقة الاسم في ذات الله تعالى. (3/329)
صفحة 564
وكلا الفريقين قد أصاب، هؤلاء: لأن الألفاظ هي الأسماء. والآخرون لأن المعاني هي الأسماء.
فمن أجزل للباري سبحانه المدحة فهو أفضل ممن بخسها، لكن هؤلاء اقتصروا على أبصارهم، وهؤلاء على بصائرهم، وعلى أن مستقاهما من مكانين مختلفين.
ومستقى أصحاب الألفاظ والألقاب والأعلام من اللغة، ومستقى أصحاب المعاني من الشرع، فإذا ازدحما أتت الشريعة على اللغة، على أن اللغة فيها مقتضى المعنيين جميعا، أسماء الألقاب وأسماء الذوات، فالأفضل للأفضل.
واستدل أيضا من نفي الاسم عن الذات بقول الله – عز وجل -: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى).
واستدل بقوله: (أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) أنه أراد الألفاظ التي تدعوا بها الله فتقول: يا الله يا رحمن – فصرفوه إلى اللفظ دون المعنى، بدليل قوله: (فله الأسماء الحسنى).
وقال آخرون: إنما توجه قوله: (أيا ما تدعوا) إلى الله – عز وجل – بما دعوت بها: الله، الرحمن، الرحيم. وصرف المدحة إلى الأسماء، وصرف الآخر المدحة إلى الدعاء، واحتمل اللفظ واحتمل المعنى، فالأفضل أفضل والمفضول مفضول، فالرحمن هو الله، والله هو الرحمن.
وهذان اسمان لفظا ومعنى هما فرد، وصدق الفريقان.
واستدلوا أيضا بقوله: (سبح اسم ربك) فقال المثبتون: الاسم هو المسمى والتسبيح لا يليق بالمخلوق، وقد وقع هاهنا على الاسم، وصح أنه المسمى.
وقال آخرون: انتصب بإسقاط الخافض، أي سبح باسم ربك وكذلك قوله: (وذكر اسم ربه فصلى) أي وذكر ربه، أو ذكر ربه باسمه. (3/330)
صفحة 565
واستدلوا من اللغة بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن الله تسعة وتسعين اسما، مائة غير واحد، لأنه وتر يحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة» والحديث مشهور مذكور، ولن يضر القائلين بأن الاسم هو المسمى، حين اعترفوا لهم: بأن الأسماء منها ألفاظ العباد، ومنها معاني ذوات العباد، وقد قال القائل حين سمع تغريد الحمامة. (3/331)
صفحة 566
كمل الكتاب والحمد لله على التمام
باب معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
باب معنى لا إله إلا الله
ومعنى: (لا إله) نفي وتبرئة، (إلا الله) إثبات وتحقيق وتصديق، وإيجاب، ومعنى: (محمد رسول الله) إقرار وإخلاص وتصديق وتحقيق، وصدق المحبة وأتباع السنة وموافقتها.
ولهذه الكلمات سبعة شروط: أن يقولها عن علم لا عن جهل ولا عن كره، وأن يقولها عن إخلاص لا عن شرك، وأن يقولها عن يقين لا عن شك، وأن يقولها مع العمل ولا يتكل عليها، وأن يقولها بقلبه ولسانه وجوارحه، وأن يقولها ابتغاء وجه الله، وأن يقولها مع التوبة من غير إصرار على ذنب، ويثبت عليها غير مغفول ولا مغير حتى يموت.
فإن قال: ما معنى التوحيد الذي أسس عليه الجميع؟
فالجواب:
أن معناه إثبات الواحد ونفي ما سواه من شريك أو إله أو ولي أو طاغوت فكل ما يعبد سواه فيجب الكفر به.
والدليل عليه قوله عليه السلام: «من عبد الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم الله دمه وماله وحسابه على الله»
والتوحيد: هو قول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله، وما جاء به حق».
فإن قال قائل: فما أول ما يجب على المكلف؟
فالجواب:
أن يعرف الله، ويعرف له ثلاثة، ويفني عنه خمسة، ويثبت له ثلاثة، ويؤمن بواحدة. (3/332)
صفحة 567
فأما الثلاثة التي يعرفها له: فهي معرفة الخالق، ومعرفة المخلوقات، ومعرفة أسماء الله.
وأما الخمسة التي ينفيها عنه فهي: نفي التشبيه والتشريك والتكثير، ونفي المكان والنقائض.
وأما الثلاثة التي يثبتها له فهي: أن يثبت له القضاء والقدر، وأن يثبت له العدل والإحسان، وأن يثبت له الرسالة بالمعجزات.
وأما الواحدة التي يؤمن بها فهي: أن يؤمن بمتشابه الشرع حيث وقع في القرآن والحديث، مثل آيات الاستواء وحديث النزول (1).
فإن قال: ما الذي يجب عليك في معرفة الله؟
فالجواب:
أن ينفي عنه الحدود العشرة وهي: قبل وبعد وتحت وفوق ويمين وشمال وأمام وخلف وكل وبعض.
فإن قيل: بم عرفت الله؟
فالجواب:
بالمخلوقات، وعرفت المخلوقات بالحدود العشرة المذكورة.
فإن قيل: بم عرفت هذا كله؟
فقل: بضرورة العقل، والضرورة: ما لا يتطرق إليك الشك فيه، ولا يمكن للعاقل دفعه.
فإن قيل: ما المعرفة الواجبة على العباد؟
فقل ثلاث: معرفة الباري سبحانه، ومعرفة الرسول، ومعرفة ما جاء به الرسول. (3/333)
صفحة 568
أما معرفة الباري سبحانه فثلاثة: ما يجب له، وما يجوز له، وما يستحيل عليه.
فأما معرفة ما يجب له: فالوجود المطلق، والبقاء المطلق، والكمال المطلق.
وأما ما يجوز له، فإيجاد العالم بعد عدمه، وإعدامه بعد وجوده، وإعادته بعد عدمه.
وأما ما يستحيل عليه: فالابتداء، والانقضاء، والنقائص.
وأما معرفة الرسول فثلاثة: ما يجب له، وما يجوز عليه، وما يستحيل عليه.
وأما ما يجب له: فالصدق، والتبليغ، والنصيحة.
وأما ما يجوز عليه: فالسهو، والنسيان، والنوم.
وأما ما يستحيل عليه: فالكذب، والخيانة، والغش.
وأما معرفة ما جاء به الرسول فثلاثة: أمر، ونهي، وخبر.
والأمر على ثلاثة أضرب: أمر وجوب، وأمر ندب، وأمر ترغيب وتفضيل.
والنهي عن ثلاثة أضرب: نهي تحريم، ونهي كراهية، ونهي تنزيه.
والخبر على ثلاثة أوجه: خبر عن الدنيا وزوالها، وخبر عن الآخرة ودوامها، وخبر عن الرسل وأممهم. (3/334)
صفحة 569
وهذا آخر ما تيسر.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
* * *
«والحمد لله على التمام»
* * *
-----------------
(1) أي أن يؤمن بأن هذه من المتشابه الذي يجب رده إلى الحكم وهو تنزيه الله تعالى. (مراجع ط 2).
[شعر لم يرقن] (3/335)
صفحة 570
فهرست الجزء الثالث
من كتاب الدليل والبرهان
الموضوع
كتاب الرسائل وما يتعلق به
ذكر مقدمة في توكيد البرهان وتمهيد طرقه وهي ثلاثة
ذكر ما يوصل إلى معرفة المعاني
ذكر العلوم العقلية واللغوية والشرعية واقسامهما
ذكر ما يوجب اختلاف المتناظرين
باب في الحق الذي اعتقدناه في الله والرد على من خالفنا
ذكر مسألة أبي الحسن علي بن أبي طالب
ذكر الألفاظ التي استعملهتا الأمة ألقابا لدينها
ذكر من قال: كل مجتهد مصيب والاختلاف في الفروع
ذكر أحكام الدماء والاختلاف فيها
باب في العلم الثاني
ذكر أحكام المشركين
ذكر أحكام المخالفين
ذكر الملوك وأحكامهم
ذكر الاختلاف الواقع في خزائن الملوك
باب فيما ينبغي لأمير المؤمنين أن يفعله في أهل الخلاف
ذكر أحكام الأمراء والقضاة والأعوان
ذكر أحكام المحاربين وما يتصل بهم من أهل الفتن
ذكر الفتن التي تقع بين أهل التوحيد وهي ثلاثة
ذكر حال المسلمين مع أهل الخلاف وأهل التدين والسلاطين والجورة
باب الغزو معهم والجهاد
ذكر مسائل بين علي ومعاوية وما يتعلق بذلك
باب عمارة الأرضين وما يتعلق بذلك
ذكر حكم الأموال وما يتعلق بها
أفراد المسائل فيمن كان تحت أحكام المخالفين
باب مسائل ما بيننا وبين المشركين
باب في بيان أحكام فسقة أهل الإسلام
باب في بيان طبقات التائبين
بيان مسائل ما بيننا وبين المرجئة في الإيمان والكفر ... الخ
ذكر أصناف البدعة وتفاوتهم فيها
ذكر مسألة الدعاء إلى الله عز وجل أعامة أم خاصة
ذكر صفة الداعي والمدعو والإجابة
ذكر أصول الشريعة البنية على ثلاث
ذكر مسائل متعددة مفيدة
مسألة هود بن محكم عن ابن عباس
قول عمروس في الجملة التي يدعو إليها رسول الله عليه السلام
ذكر أفعال المكلفين
جواب مسائل أهل الجبل
مسائل في الولاية والبراءة
حكم الذهول والنسيان
حكم من فعل كبيرة ثم تاب
مسألة في حكم رجل كان في الولاية ثم برأ منه (3/336)
صفحة 571
مسألة في حكم رجلين متوليين شهدا على رجل بكبيرة
مسألة في رجل شهد عليه الشهود أنه سرق أو زنى
مسألة في حكم رجل رأى رجلا يضربه الإمام الحد
مسألة في حكم رجل رمى متوليا بكبيرة
مسألة في حكم رجل شهد عليه الأمينان بالولاية
مسألة في حكم رجلين متوليين قال أحدهما لصاحبه أحدنا كافر
مسألة في حكم رجل رأى من رجل كبيرة فبرأ منه ثم رأى منه أخرى
مسألة في حكم رجل لم يكن فيه خبر من الله ولا بيان أنه مسلم
مسألة في حكم رجل يبرأ من رجل على التوحيد
مسألة في حكم رجل قال قولا يشرك به
القول في أسامي الشريعة من التوحيد إلى الشرك وفي التوبة من الذنوب
مسألة هل يستر الله على عبده ذنبه في الدنيا فيأخذه في الآخرة
ذكر عشرة مواطن اختلفنا فيها مع الأشعرية
مسألة في المشرك إذا دعا إلى الجملة التي يدعو إليها رسول الله عليه السلام
باب أحكام الطاعن في دين المسلمين
جواب رسالة الشيخ محمد بن الشيخ النفوسي الأبدلاني
أقسام العلوم الثلاثة
باب السفر الثالث إلى الله تعالى وهو التكليف
عجائب ما تضمن حديث موسى والخضر
رسائل إخوان الصفا وهي إحدى وخمسون رسالة
ذكر الخلاف في وحي أم موسى عليه السلام
ذكر المسلمات المذكورات في كتاب الله وهن عشرة
ذكر أزواج النبي عليه السلام وأولاده
الإشارة إلى الأقاليم السبعة وخط الاستواء
ذكر القصاص بين المسلمين غدا يوم القيامة
ذكر أمر النفختين والبعث والقيامة
ذكر السنن التي أحدثها عمر رضي الله عنه
القول في حجة الله تعالى كيف قامت على العباد
ذكر مسألة عجيبة وغريبة وهي من رفعة الله إلى السماء ماذا يلزمه
القول في تبليغ رسول الله عليه السلام
الكلام في مسألة المتبرجة
مسألة الوقوف
الرد على النكار في إنكارهم عذاب القبر
الرد على النكار فيما ذهبوا إليه
باب معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
فهرس الجزء الثالث من الدليل والبرهان
تمت الفهرست بحمد الله وحسن توفقيه (3/337)