صفحة 1
الكتاب: الدنيا والآخرة في الميزان لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) الدنيا والآخرة
في
الميزان
سماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
المقدمة
الحمد لله خالق الخلق وباسط الرزق، الذي منه المبدأ وإليه الرجعى، وله الحمد في الآخرة والأولى، سبحانه خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور، أحمده تعالى حمداً كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله هاديا وبشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة وأدّى الأمانة، ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وصلى الله وسلم تسليما كثيراً عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛؛؛
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة، تحية مضمخة بعبير هذا الشهر الكريم؛ شهر رمضان المبارك، شهر الصيام والقيام، شهر الخيرات والبركات، شهر المغفرة والزلفى، الشهر الذي جعله الله تبارك وتعالى فرصة لمحاسبة النفس ووصلها ببارئها سبحانه وتعالى، وتطهيرها من سيئاتها، وصقل مرآتها لتنعكس عليها أنوار الحقيقة، فالحمد الله على هذه النعمة العظيمة.
وبما أننا في هذا الشهر الكريم الذي يكون فيه المؤمن على مسمع ومرأى من أمر الآخرة، بحيث يطل من خلال عبادات هذا الشهر الكريم والدعاء فيه والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى في وقت السحر وفي أصائل النهار على الدار الآخرة، فإن حديثنا سيكون بمشيئة الله تعالى في هذه الليلة المباركة بعنوان "الدنيا والآخرة في الميزان" ذلك لأننا لابد لنا من دنيانا هذه، إذ نحن موجودون فيها ومتلبسون بها، فلا يمكننا الفكاك عنها، والآخرة هي منقلبنا، وإنما عنينا أن الدارين في الميزان لنعطي كل دار حقه. (1/1)
صفحة 2
أما هذه الدار وهي دار الدنيا فإنها دار يشاب نعيمها ببؤس وراحتها بتعب وصحتها بسقم وحياتها مهددة بفناء، وهذا أمر محتوم لابد منه، أما الدار الآخرة فإنها إما أن تكون نعيما لا بؤس معه، وإما أن تكون بؤسا لا نعيم معه، وأيضا الدار الدنيا محدودة إذا ما قيست بالدار الآخرة.
عمر الإنسان محدود
والإنسان في الدنيا عمره محدود، ويخيل لنفسه أنه سيعيش معمراً، ولكن أمده –في الحقيقة- محدود، فمن خيّل إليه بأنه سيعيش عمراً مديداً فإن ما يتخيله من العمر لا يزيد على مائة عام تقريباً، ولينظر فيما مضى من هذا العمر وما بقي، فإن كان ابن عشرين فإنه لم يبق له من هذه المائة التي يتخيّل أنه سيعيشها إلا ثمانون، وإن كان ابن ثلاثين فإنه لم يبق له منها إلا سبعون، وإن كان ابن الأربعين فإنه لم يبق له منها إلا ستون، وإن كان ابن خمسين فإنه لم يبق له منها إلا خمسون؛ وهكذا.
ولينظر الإنسان إلى هذه المدة التي يتخيل إنه سيعيشها، ما هي؟ وذلك من خلال إلى الأمور الدورية التي تتكرر في كل عام؛ كشهر رمضان المبارك، ومطلع العام، وشهر ربيع الأول، إلى غير ذلك مما يتكرر كل عام، لينظر من مناسبة في عام إلى مناسبة في عام يليه، يجد أن هذا العام كأنما هو لحظة من اللحظات.
والإنسان إن أمهله الأجل لم يمهله الهرم، قال تعالى: { وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُون } (1) فالإنسان مثله مثل نبتة الأرض، التي تنضر صغيرة وتأخذ في النماء شيئا فشيئا إلى أن تستوفي نماءها، ثم تأخذ في الذبول شيئا فشيئا، وهكذا الإنسان تأخذ قواه وملكاته تتنامى شيئا فشيئاً إلى أن تنتهي إلى الحد الذي حده الله تبارك وتعالى للإنسان، ثم تأخذ بعد ذلك في الانتكاس فينقص من الإنسان كل ما أوتي؛ سمعه وبصره وقواه البدنية والفكرية؛ وهكذا، إلى أن ينتهي وجوده على ظهر هذا الكوكب المظلم.
بين الدنيا والآخرة
__________
(1) يس / 68. (1/2)
صفحة 3
هذا الكون الذي ثلاثة أرباع مساحته بحار، والربع الباقي سكن للبشر، وفيه مزارعهم وحدائقهم ومرافق حياتهم، وفيه مساحة لا يستهان بها من القفار، لننظر إلى هذا القدر من المساحة مع قدر الدار الآخرة التي أعدها الله تبارك وتعالى للمتقين، الله سبحانه وتعالى يقول: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِين } (1) وعد الله سبحانه وتعالى عباده جنة، وقد سمى هذه الدار كما أراد سبحانه جنة، ومعنى ذلك أنها جميعا ذات ظلال وارفة، إذ أشجارها باسقة ملتفة بعضها ببعض، هذه الجنة قدرها قدر السموات والأرض جميعا، نحن إن علمنا قدر الأرض فما هو قدر السموات؟! ذلك أمر لا يمكن أن نتصوره، وما ذكرت الأرض هنا في مقام التشويق إلى الجنة بجانب ذكر السموات إلا من أجل أن الأرض قرارنا، فنحن أعرف بها من السماء، وإلا فالأرض بجانب السماء تعد أمراً تافهاً، إذ أن إبعاد هذه السموات لا يمكن أن نتصورها.
__________
(1) آل عمران / 133. (1/3)
صفحة 4
كنا نقرأ فيما اطلعنا عليه بأن المجرات المنبثة في هذا الفضاء وفيها الأجرام الهائلة، هي من السعة بحيث إن أبعد مجرة عن الأرض تبعد عنها مسافة (500 مليون) سنة ضوئية، وقد كنت أقول بأن هذه الأجرام كلها في السماء الدنيا لأن الله تعالى يقول: { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ } (1) ثم بعد هذا سمعت أحد الفلكيين يقول: بأنهم اكتشفوا وراء هذه المجرات الإشعاعات المحيطة بها، والمسافة التي اكتشفوها تقدر بعشرين مليار سنة ضوئية. أي لو انطلق شيء من هذه الأرض إلى ذلك المكان القاصي بسرعة الضوء -والضوء في الثانية الواحدة يقطع ثلاثمائة ألف كيلو متراً، أي مائة ألف وستة ثمانين ألفا وثلاثمائة ميل- لما وصل هذا الشيء إلى ما اكتشف، ونحن نثق كل الثقة بأنه زاوية من زوايا السموات، وإلا فالأمر أوسع من ذلك، هذه الجنة يصفها الله تبارك وتعالى بأنها مقدار السموات.
ثم ما قيمة هذه الدنيا أمام الجنة، فقد في جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) (2) وما هو نعيمها؟ لا يتصوره العقل، إذ الله تبارك وتعالى يقول: { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُن } (3) لا تعلم نفس ما أخفى الله تبارك وتعالى لعباده من النعم في تلك الجنة، إذ الأمر أعظم من أن تتصوره عقول البشر المحدودة.
__________
(1) الملك / 5.
(2) البخاري (6052).
(3) السجدة / 17. (1/4)
صفحة 5
فإذاً هذه هي الآخرة وهذا نعيمها، بجانب هذه الأرض كلها ما هو مقدار مساحتها؟ فإن الضوء لو لف بسرعته على الكرة الأرضية عند خط الاستواء للف عليها سبع مرات في الثانية الواحدة، فإذاً ما قيمة هذه الدنيا بجانب الآخرة، ولمن أعدت الدار الآخرة، إنما أعدها الله تبارك وتعالى للمتقين إذ يقول سبحانه: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ } (1) ويقول: { وَلَدَارُ الآَخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } (2) .
وإذا جئنا أيضا إلى جانب بؤس الدار الآخرة نجد أن الأمر لا يقف عند حد، وناهيكم أن الله يصب فوق رؤوس الكافرين الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد، فمن الذي يطيق -والعياذ بالله- ذلك العذاب, وقد جاء في الخبر ((يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا بن آدم؛ هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا بن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط. ولا رأيت شدة قط)) (3) .
__________
(1) آل عمران / 133.
(2) يوسف / 109.
(3) مسلم (2807). (1/5)
صفحة 6
وإن كانت الدنيا بهذا القدر؛ فهل يعني هذا أننا نتركها رأسا ونتخلى عنها نهائيا؟ لا؛ إنما علينا أن نعنى بها بقدر ما نتزود منها للدار الآخرة، إذ الدنيا هي أدنى من أن تكون غاية، ولكنها أيضا وسيلة إلى الدار الآخرة، فيجب أن لا تهمل، وإنما نمنحها من عنايتنا بقدر ما نتزود منها للدار الآخرة، بحيث نجعلها في أيدينا لا في قلوبنا، والله تبارك وتعالى إنما أنكر على من يعنى بالدار الدنيا عناية تجعله يؤثرها على الدار الآخرة، ولذلك لم يجعل الله سبحانه وتعالى في الآخرة نصيباً لمن آثر الحياة الدنيا على الآخرة، فالله تبارك وتعال يقول: { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا، مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا } (1) ويقول الله تبارك وتعالى: { مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُون، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (2) ويقول تعالى: { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } (3) ويقول سبحانه: { فَأَمَّا مَن طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } (4) .
__________
(1) الإسراء / 18-19.
(2) هود / 15-16.
(3) الشورى / 20.
(4) النازعات / 37-41. (1/6)
صفحة 7
والله سبحانه وتعالى صور لعباده حقيقة زينة الحياة الدنيا عندما قال عز من قائل: { إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون } (1) ثم بين ما يدعو إليه الحق سبحانه إذ قال: { وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم } (2) ثم ذكر مصير الناس في الآخرة بحسب ما قدموه في هذه الدنيا فقال: { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون } (3) وقال سبحانه: { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا، الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً } (4)
__________
(1) يونس / 24.
(2) يونس / 25.
(3) يونس / 26-27.
(4) الكهف / 45-46.. (1/7)
صفحة 8
وقال: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ } (1) ثم دعا إلى المسابقة إلى الجنة بقوله: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ } (2) هكذا نجد أن الله تبارك وتعالى يضرب لنا الأمثال في هذه الدنيا لنكون على بينة من أمرها، فهي وإن راقت للناظر وأبهجت النفس إلا أن وراء هذه البهجة ما وراءها من اضمحلال وانقلاب الأمر رأساً على عقب، بحيث تتحول النضارة إلى ذهول والزهرة إلى انكماش.
وهكذا شأن الحياة الدنيا بخلاف الدار الآخرة التي أعدها الله تعالى للمتقين، فإن الإنسان لا يتوصل إلى تلك الدار بالأماني فالله تعالى يقول: { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } (3) .
التوبة إلى الله
__________
(1) الحديد / 20.
(2) آل عمران / 133.
(3) النساء / 123-124. (1/8)
صفحة 9
فإذاً على الإنسان أن يدين نفسه؛ أي عليه أن يقهرها حتى تنقاد لأمر الله تبارك وتعالى بحيث تكون نفساً متقية، فإن الله سبحانه وتعالى وعد تلك الدار الآخرة من جاء بقلب منيب وقلب سليم، والقلب المنيب هو الذي يبعث النفس إلى طاعة ربها سبحانه وتعالى، فإن الإنابة تقتضي أن تكون هذه النفس مسارعة إلى أمر الله، وإنما ذكر القلب؛ المنيب والسليم، لأن القلب هو مرآة هذا الجسم كما جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما قال: ((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) (1) والقلب عندما يكون صالحاً ينعكس هذا الصلاح على الجسد كله، وعندما يكون فاسداً أيضاً ينعكس فساده على الجسد كله، والحق سبحانه وتعالى جعل صلاح القلب بالطاعة والتقوى، وهذا لا يعني أن يكون الإنسان معصوماً من الخطأ والزلل، فالله تعالى وصف المتقين بالتوبة والإنابة عندما قال: { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } (2) فهكذا الإنسان عندما يواقع فاحشة أو يظلم نفسه في ارتكاب شيء من مناهي الله سبحانه وتعالى يتدارك نفسه بالتوبة النصوح، وليست التوبة إدعاءا؛ وإنما لابد من أن تستوفي أربعة أشياء لتكون توبة صحيحة أولها: الإقلاع عن المعصية، والثاني: الندم على ارتكابها، والثالث: عقد العزم على عدم العودة إليها، والرابع: طلب المغفرة من الله تبارك وتعالى على فعلها.
__________
(1) البخاري (52).
(2) آل عمران / 134-135. (1/9)
صفحة 10
والتوبة التي يدعو الله تبارك وتعالى إليها عباده هي من شأن المتقين، فإن المتقي سرعان ما يذكر، إذ الله سبحانه وتعالى يقول: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } (1) فمن شأن المتقي أن يسارع إلى التوبة إلى الله تعالى عندما يقع في أي معصية من المعاصي، على أن هذه التوبة لا ييأس منها أي أحد كان؛ مهما أسرف على نفسه إن صدق في توبته، فالله تعالى يدعو عباده جميعاً إلى أن يتوبوا إليه توبة نصوحاً.
ونحن الآن في شهر رمضان المبارك؛ الشهر الذي تغفر فيه الذنوب وتمحى فيه الخطايا لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، أنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم واسلموا له من قبل أن يأتي العذاب ثم لا تنصرون، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون، أن تقول نفساً يا حسرتا على ما فرطوا في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين، أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين، الله سبحانه وتعالى يستنفر عباده إلى أن يتوبوا إليه توبة نصوحا، لقد بيّن في كتابه الكريم أن التوبة إنما هي لمن يسارع إلى استغفار الله سبحانه، والإقلاع من المعصية، والندم على ارتكابها، وعقد العزم على عدم العودة إليها، فعلينا أن نجدد التوبة في هذا الشهر الكريم لنكون مقبولين عند الله سبحانه.
__________
(1) الأعراف / 201. (1/10)
صفحة 11
هذه التوبة يدعو الله تبارك وتعالى إليها جميع عباده، قال تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } (1) نعم يغفر جميع الذنوب بالتوبة، إذ يقول سبحانه وتعالى: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } (2) وعندما يدعو عباده إلى التوبة يقول سبحانه: { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآَنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } (3) نجد أن الحق سبحانه وتعالى هنا يبين أن التوبة إنما هي للذي يعمل السوء بجهالة، وارتكاب الخطايا لا يكون إلا عن جهل ولو كانت متعمدة، إذ الذي يتركب الخطيئة لو لم يكن جاهلاً لما أقدم على ما أقدم عليه، فإن الإنسان عندما يعرف حق من يعصيه تنهه معرفته عن المعصية، ثم عندما يدرك الإنسان خطورة المعصية التي ارتكبها وكيف لو أدركه ريب المنون وهو في حالة ارتكابها؛ معرفته هذه تباعده من ارتكابها، إذ الأمر ليس بالأمر الهين.
__________
(1) الزمر /53.
(2) طه / 82.
(3) النساء /17-18. (1/11)
صفحة 12
فكذلك بين الله سبحانه أن هذه التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب لأجل أنهم غسلوا أنفسهم تغسيلاً من أدران المعصية، إذ النفس تدنسها معصية الله تبارك وتعالى، وهذا التدنيس خطير جداً عندما يتراكم عليها، إذ مثل هذه النفس كمثل الثوب، فثوب الإنسان عندما يتدنس إن عجل في تطهيره وتنظيفه عاد كما كان من قبل، أما إن تركه وأهمله حتى تراكمت الأدناس عليه دنساً بعد دنس فلا ريب أنها تكون من العسير بعد ذلك أن تزال من الثوب، وهكذا النفس البشرية عندما يرتكب الإنسان السوء إن بادر إلى التوبة فإن النفس تتطهر من رجس هذه المعصية، وتكون نظيفة كما كانت من قبل، وأما إن أهملها فتلك هي الكارثة، إذ حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول كما روى الإمام أحمد وأصحاب السنن وابن جرير في تفسيره عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ عنه أفضل الصلاة والسلام: ((إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر سقل منها قلبه، وإن زاد زادت حتى يعلق بها قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه)) (1) ثم تلا - صلى الله عليه وسلم - قوله الله تعالى: { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ } (2) فإن المعصية عندما تتراكم على النفس ترينُ على القلب، وعندما ترينُ عليه يصبح كأنما غلف عليه بغلاف فلا تنفذ إليه الموعظة ولا تتخلله النصيحة، ومن أجل ذلك يطبع عليه -والعياذ بالله- فيما بعد، بخلاف ما إذا جدد الإنسان التوبة عندما يقع في أي معصية من المعاصي.
__________
(1) المستدرك (3908).
(2) المطففين / 14. (1/12)
صفحة 13
وقد نبه بعض المفسرين إلى نكتة إفراد السوء في معرض ذكر الذين يقبل الله تعالى توبتهم، وجمع السيئات عند ذكر الذين لا تقبل لهم توبة، فبين الله تعالى أن أولئك الذين يقبل الله توبتهم إنما يحرصون دائما على تطهير نفوسهم بالتوبة، فعندما يواقعون المعصية يتوبون إلى الله سبحانه وتعالى توبة نصوحا من مواقعتها حتى تتطهر نفوسهم من دنسها، فلا يبقى لها أثر في قلوبهم، بخلاف أولئك الذين يهملون أنفسهم، والنفس كما قلت مثلها مثل الثوب، ومثلها أيضا مثل المرآة، فإن المرآة عندما تصاب بالصدى إن عجل صاحبها إلى جلوها من الصدى انجلت وعادت كما كانت، أما إن تركها فإنها تظلم، والنفس تشرق عليها أنوار الحقيقة عندما تكون صافية، بخلاف ما إذا كانت غير صافية بما يتراكم عليها من الصدى، والله سبحانه وتعالى بعد ما بين ذلك قال: { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآَنَ } لأن هذه التوبة إنما هي توبة اضطرارية وليست توبة اختيارية، عندما يشاهد الإنسان ريب المنون وييأس من الحياة الدنيا لا يكون فعله للتوبة بدافع من رغبته فيها وإنما يكون لاضطراره إليها، فهو قد أبصر بعض آيات الله: { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا } (1) .
__________
(1) الأنعام / 158. (1/13)
صفحة 14
وهذه التوبة التي ترد إنما هي توبة من شاهد مقدمات الموت بحيث بلغت روحه الحنجرة وأدركته الغرغرة، فإن هذه التوبة إنما هي توبة اضطرارية، فلذلك لم يكن لها قبول عند الله، قد يقول قائل: بين ارتكاب الإنسان للمعصية ومجي الموت إليه مسافة من الوقت؛ يتمكن في خلالها من التوبة، والجواب أن الأمر ليس بيد الإنسان، فإن ريب المنون يقصم الأعمار من غير أن يقدم أي إنذار، إذ ريب المنون قد يأتي بغتة بحيث لا يهمل الإنسان أبداً، ولذلك دعا الله تبارك وتعالى المؤمنين إلى أن يحسبوا حسابهم لهذا الأمر يقول تبارك وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَن يَّفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَلَن يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (1)
__________
(1) المنافقون / 9-11.. (1/14)
صفحة 15
واسترسال الإنسان في المعاصي وعدم محاسبته للنفس يجعل نفسه مغلفة فلا تنفذ إليها موعظة ولا تتخللها نصيحة، ولذلك لا يبالي بما يرتكب إذ لا يحسب حساباً للآخرة، وهذا هو الذي يؤثر دنياه على آخرته، فإن الذي أخلد إلى هواه وآثر دنياه ونسي الدار الآخرة هو من الذين قال الله تبارك وتعالى فيهم: { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا } لأنه أهمل النظر في آخرته رأسا وبقي يفكر في شهوات نفسه العاجلة، فهو لا يفكر في الموت، ولا يفكر في الهرم إن أمهله الموت، إنما حسبه أن يشبع رغبات نفسه العاجلة حتى يريح نفسه حسبما يتصور ويتخيل، أما من كان يريد الآخرة فإنه باستمرار يدين نفسه ويعمل لما بعد الموت كما جاء في الحديث: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أعطى نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)) (1) مع أن الأمر ليس هو بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب.
الخوف والرجاء
__________
(1) المستدرك (7639). (1/15)
صفحة 16
والإنسان في خضم هذه الأحوال عليه أن يكون متعلقا بالرجاء أيضا مشفقا من عذاب الله، فهو عندما يرجو إنما يرجو الله تبارك وتعالى ولا يرجو أعماله، إذ أعمال الإنسان لا تصل به إلى أي قدر، ولكن عليه أن يجتهد، والله تبارك وتعالى هو الموفق، وعندما يخشى إنما يخشى سوء ما ارتكب من الأعمال السيئة، والمؤمن دائما يكون مشفقا على نفسه، فعندما سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أيخشى المؤمن وهو يعصي الله؟ أجابها: بأن المؤمن يخشى الله وهو في طاعته)) وتلا عليها قول الله سبحانه وتعالى: { إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } (1) فهذا شأن المؤمن عندما يعمل الصالحات؛ يكون مشفقا على نفسه راجياً من الله تعالى قبول عمله، إن الرجاء هو الباعث على فعل الطاعات، والشفقة من عذاب الله تعالى هي التي تباعد الإنسان من عمل السيئات، على الإنسان دائما أن يكون بين خوف ورجاء.
ونجد في كتاب الله سبحانه وتعالى تعليق الخير كله بالخشية من الله سبحانه وتعالى، فإن الحق سبحانه يقول: { سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى } (2) ويقول: { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد } (3) ويقول سبحانه: { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } (4) .
__________
(1) المؤمنون / 57-60.
(2) الأعلى / 10.
(3) ق / 45.
(4) يس / 11. (1/16)
صفحة 17
وهكذا يعد الله سبحانه وتعالى عباده الذين يخشونه جنة عرضها السموات والأرض فهو سبحانه يقول: { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِير } (1) فالإنسان مطالب بأن يخشى الله، والحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، إلا أن سلعة الله غالية، إلا أن سلعة الله الجنة)) (2) الحديث رواه الترمذي من طريق أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر بأن من خاف أدلج أي أسرع؛ فتلقاه دائما مسرعا حتى لا يدركه العدو الذي يخشاه، ومن أدلج؛ أي من أسرع بلغ المنزل، وهكذا من كان خائفاً من معاصيه بحق الله تبارك وتعالى أسرع إلى طاعته عز وجل، ومن أسرع إلى طاعته سبحانه بلغ المنزل بحيث وصل إلى ما يبتغيه من جنة عرضها السموات والأرض، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يربي المخافة في النفوس أصحابه رضي الله عنهم، فكان يقول لهم كما جاء في حديث الشيخين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) (3) وجاء في رواية الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله وحده، لوددت لو أني شجرة تعضد)) (4) فالنبي - صلى الله عليه وسلم - على عظم قدره وعلو شأنه كان يتمنى أن يكون شجرة تعضد، وذلك لعظم الأمر.
__________
(1) الملك / 12.
(2) الترمذي (2450).
(3) البخاري (4345).
(4) الترمذي (2312). (1/17)
صفحة 18
فالإنسان عليه أم يكون مشفقا من معاصي الله، وأن يعمل للدار الآخرة التي أعدها الله سبحانه وتعالى للمتقين، والتي أخبر سبحانه وتعالى عنها بأن النفس لا تعلم ما أخفى الله سبحانه فيها لعباده المؤمنين فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون، وجاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في وصف تلك الدار: ((فيها أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) (1) فكل ما يخيله الإنسان إلى نفسه من النعيم العظيم فنعيم الآخرة أعظم.
شهر العبادة
من ذلك كان واجباً على الإنسان أن يحفز الهمة إلى تلك الدار وأن يغتنم الفرص، ولا سيما في مثل هذه الأوقات، فإن شهر رمضان المبارك شهر تضاعف فيه الأجور، فمن أدى فيه نافلة كان كمن أدى في غيره فريضة، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى في غيره سبعين فريضة، فضلاً من الله وتعالى ورحمة.
__________
(1) البخاري (3072). (1/18)
صفحة 19
وبين أيدينا العشر الأواخر من الشهر الكريم، كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا دخلت شد مئزره وأيقظ أهله وأحيى ليله، ومعنى كونه - صلى الله عليه وسلم - يشد مئزره أي يشتد في طلب مرضاة الله سبحانه وتعالى بالتقرب إليه سبحانه بالطاعات، فإن الذي يجد في الأمر إنما يشد مئزره ليتحمل أعباءه، ومعنى كون - صلى الله عليه وسلم - يحيي ليله إنه كان يستمر ليله كله في أحيائه في خلال هذه العشر الأواخر من شهر رمضان، ولا يعني ذلك أنه يقيم جزءاً من الليل فحسب، إذ هو - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأوقات حتى في غير شهر رمضان الكريم لا يترك قيام الليل، وإنما كان يضاعف من هذا القيام في هذا الشهر الكريم، ويوقظ أهله حتى ينالوا بركة هذه العشر الأواخر، إذ فيها ليلة القدر التي أخبر الله سبحانه وتعالى بعظم شأنها فقال: { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر } (1) .
__________
(1) القدر / 1-5. (1/19)
صفحة 20
وقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يخفي ليلة القدر في تضاعيف ليالي هذا الشهر الكريم حتى يجتهد الإنسان في قيام جميع ليالي الشهر، إذ لو كان الناس يعلمون متى ليلة القدر لأهملوا قيام بقية الليالي واكتفوا بقيامها وحدها، وفي ذلك حرمان لهم من كثير من الأجر الذي يترتب على قيامهم سائر ليالي رمضان، فلذلك أخفى الله سبحانه وتعالى عنهم هذه الليلة، وقد جاء في الخبر: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فجاءه جبريل وقال له: إن الذي تطلبه أمامك. فاعتكف العشر الوسطى، فأتاه جبريل وقال له: إن الذي تطلبه أمامك. فاعتكف العشر الأواخر)) وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أري هذه الليلة ثم نسيها، وقال: ((فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر)) (1) فالتماسها في أوتار الليالي؛ ليلة الحادي والعشرين وليلة الخامس والعشرين وليلة السابع والعشرين وليلة التاسع والعشرين.
__________
(1) الربيع (322). (1/20)
صفحة 21
والإنسان مطالب بأن يضاعف من الطاعة ومن قيام الليل في هذه الليالي المباركة، ومن أجل هذا كان السلف حراصا على الاعتكاف في العشر الأواخر، ولا يزال كثير من المستمرين إلى وقتنا هذا يحرصون على الاعتكاف في العشر الأواخر، تحسباً لهذا الأجر العظيم، فمن الذي يزهد في ليلة هي خير من ألف شهر، هذه منحة عظيمة، ألف شهر مقدار ستة وثمانين سنة يجمع خيرها في ليلة واحدة فقط، بحيث يكون من قامها كأنما قام ألف شهر تقربا إلى الله سبحانه وتعالى، هذا خير لا يزهد فيه إلا من كان مهملا لنفسه غير مبال بمصيره، وإلا فالمؤمن من شأنه أن يسارع إلى ما فيه خير لنفسه، بل العاقل يسارع إلى خير نفسه، وإن كان من شأن الناس أن لا يهملوا ما يعود إليهم بالمصلحة في هذه الدنيا، فكيف بهذا المصلحة التي لا تقدر بقدر والتي ربحها مضمون عند الله سبحانه وتعالى، فمن هنا ينبغي أن يحفز كل أحد همته في هذه الليالي المباركات، وكون هذه الليالي متقبلة فرصة لمن أنسى الله تعالى له في أجله وأمد في عمره حتى عاش هذه الليالي، ليقومها وليتضرع إلى الله سبحانه وتعالى في جنحي الليل؛ طالباً منه مغفرة سيئاته مع تجديد التوبة إلى الله سبحانه وتعالى فيها من كل ما قارف وارتكب، فإن هذا الشهر كما قلت هو شهر التوبة، ولياليه مظنة إجابة الدعاء، ولا سيما ليالي العشر الأواخر، فالبدار البدار إلى هذا الخير العظيم، وإلى التوبة إلى الله: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا (1/21)
صفحة 22
فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون } .
أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم لي ولكم.
والسلام عليكم ولاحمة الله وبركاته.
الفهرس
المقدمة
عمر الإنسان محدود
بين الدنيا والآخرة
التوبة إلى الله
الخوف والرجاء
شهر العبادة (1/22)