صفحة 1
الكتاب: الدين والحياة 1
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة على الهادي الأمين ، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أمابعد، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛
جعل الله تعالى إصلاح الناس والأمم مهمة المرسلين الكرام عليهم السلام (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ) ،وقد ختم الله تعالى كوكبة الأنبياء بواسطة عقدهم سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ، فآل أمر الإصلاح من بعدهم إلى علماء هذه الأمة يسددون خطاها، ينفون عنها غلو الغالين وتحريف المبطلين، فعمل المخلصون منهم على النهوض بها من كبوتها وإيقاضها من غفوتها، وهذه هي مهمة التجديد, التي جعلها الله تعالى خاصية من خصائص الأمة المحمدية، ومن هؤلاء المجددين سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان حفظه الله تعالى، الذي امتد عطاؤه في شتى ميادين الحياة.
وبين يدينا الآن كتاب "الدين الحياة" وهو مجموعة رسائل إصلاحية توجه بها سماحته إلى الأمة في فترات مختلفة من الزمن؛ عبر مسيرة للبناء والتوجيه للناس، قمت بإعدادها وضبطها وتبويبها، فحصلت في سبعة أبواب رئيسية، كل باب يحوي عدة رسائل، راعيت فيها الشمول والتنوع، بحيث تشمل جميع المجتمع، وتتنوع بتنوع جوانبه، ثم بعد أن أوشكت على الانتهاء من الإعداد عرضتها على سماحته، فقام بضبطها حتى تخرج في أبهى حلة وأجدى طريقة.
وأترك القارئ الكريم مع علم سماحته ليغرف من بحر علمه الواسع وينتفع بعقله الأخلاقي؛ الذي بثه في كل حرف من حروف هذا الكتاب، فكان بحق كتاب علم وأخلاق.
ولا يسعني في الختام إلا أن أتوجه بالشكر إلى مؤسسة الأجيال للنشر على عنايتها بإخراج علم سماحة الشيخ عموماً وعلى إخراجها هذا الكتاب خصوصاً
والله ولي التوفيق
تغيير المنكر في المجتمع
1- الإصلاح من سنن الله الكونية:
إن الإنسان في الحياة يتحمل تبعة كبيرة ، فوجوده يختلف عن وجود كل الكائنات الأخرى ، من حيث إن وجوده يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسنن وقوانين كونية جعلها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ترتبط بتكيّف الإنسان مع أمره سبحانه ونهيه ، فإن الإنسان في حياته يتحمل الكثير من المسؤوليات وينوء بالعديد من التكاليف، لأن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لم يخلقه هملاً ولم يتركه سدى ، بل خلقه ليتحمل أمانة الخلافة في الأرض، والسيادة في الكون ، وذلك موقوف على نهج رباني يجب على الإنسان أن يلزمه ولا يحيد عنه ، وقد هداه الله النجدين ليرى ما يستعمله ، وليبوء بما يفعله من خير أو شر، فإن المنقلب رهين ما يكون عليه الإنسان في هذه الحياة ، والمصير منوط بالمسير، والجزاء من جنس العمل، وقد جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - آثار فعل الإنسان من خير أو شر؛ تنعكس انعكاسا جلياً واضحاً في حياته ، وفي بيئته التي يتقلب في أعطافها ، بل وفي هذا الكون ، وهذا واضح في الآيات الكثيرة من كتاب الله سبحانه، فإنه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول : { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا، لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } (1) ويقول : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُون } (2) ويقول: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } (3) ولئن كان فساد الإنسان تنعكس آثاره في البر والبحر فأحرى أن تنعكس آثاره في حياته وحياة جنسه ، ونحن نجد في كتاب الله العزيز ما يدل على أن
__________
(1) الآية رقم ( 16 - 17 ) من سورة ( الجن ) .
(2) الآية رقم ( 96 ) من سورة ( الأعراف ) .
(3) الآية رقم ( 41 ) من سورة ( الروم ) . (1/1)
صفحة 2
الأمم كالأفراد تسعد وتشقى بأعمالها ، فإن الأمة عندما تكون مستقيمة على الطريقة السواء آخذة بحجزة أمر الله ونهيه ، بحيث لا تتعدى على حرماته ولا تخالف أوامره تسعد ، وعندما تكون الأمة بخلاف ذلك فإنها تشقى، وتكون عبرة للمعتبرين، والكيِّس من اعتبر بغيره، والأحمق من كان عبرة لغيره.
ونجد في كتاب الله ما يشد انتباه الناس إلى سننه في هذا الكون من حيث سعادة الأمم وشقاوتها، وبقاؤها وفناؤها، لأجل أن تكون هذه الأمة على بينة من الأمر، تتحرى مرضاة الله سبحانه، وتعمل بأمره وتزدجر عن نهيه، فالله تعالى يقول: { أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ } (1) هذه هي سنة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - التي لا تتبدل ، وذلك هو عدله في خلقه الذي قام عليه نظام الكون، ومن المعلوم أن الله سبحانه ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب ، ولا سبب إلا التقوى ، فمن اتقى الله فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، أما من خالف أمر الله سبحانه فإنه ولا ريب ينفذ فيه حكمه، عاجلاً كان أو آجلاً.
__________
(1) الآية رقم ( 6 ) من سورة ( الأنعام ) . (1/2)
صفحة 3
والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما أمر بأوامره ونهى عن نواهيه ، ما كان يريد بذلك إلا مصلحة الخلق ، فإن مصلحتهم إنما هي بامتثال الأوامر والازدجار عن النواهي، ومفسدتهم إنما هي بالتعدي على حرمات الله سبحانه وعدم المبالاة بما يصدر منهم، والأفراد والأمم في ذلك سواء، فعندما تكون المعصية بين الفرد وربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لا يطلع عليها غيره؛ يكون أثرها راجعاً إليه بنفسه، أما عندما تكون المعصية متفشية ظاهرة بيّنة فإن آثارها تنعكس على الجميع، والشواهد في كتاب الله كثيرة، ألا ترون أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول: { واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } (1)، هذه هي العاقبة التي حاقت بأولئك الذين ارتكبوا المعاصي ، وأولئك الذين سكتوا عن هذه المعصية وجاملوا فيها ، ولم تمتعض نفوسهم لما يحدث من تعدي حدود الله وارتكاب نواهيه.
__________
(1) الآية رقم ( 163 – 165 ) من سورة ( الأعراف ) . (1/3)
صفحة 4
ويقول - عَزَّ وَجَلَّ -: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُون، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } (1) وحسبكم أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا، وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا } (2).
فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يهلك القرى ويبيد الأمم ويقضي على الشعوب نتيجة الانحراف الذي يكون من طائفة من الناس، فتجاملهم الأمة وتسكت عن جريرتهم، ولا تحاول أن تغيّر المنكر الذي ارتكبوه، ولذلك كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حمى الله - عَزَّ وَجَلَّ - وركنه الوثيق من آوى إليه كان في مأمن من الهلكة ونجاة من العذاب ومن نأى عنه خاب وخسر، وكما قلت سنن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لا تتبدل، ونظامه في الكون لا يتحول، لأن الكون كله مملكة الله والخلق جميعاً هم عباده - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، وهم متعبدون بفعل أوامره وترك نواهيه.
2- عبرة للمؤمنين:
__________
(1) الآية رقم ( 78 – 79 ) من سورة ( المائدة ) .
(2) الآية رقم ( 16 – 17 ) من سورة ( الإسراء ) . (1/4)
صفحة 5
قبل فترة من الزمن اتصل بي شاب ثم جاءني بنفسه بعد أيام من هذا الاتصال، فسمعته ونبرة الصدق تبدو في حديثه ، ورأيته وغرة الإيمان ترتسم على محياه، يقص لي أنه رأى رؤيا منذرة في منامه(1) ، يقول بأنه رأى طبقاً طائراً أخضر ، يقوده شخصان أخضران، وانفتح الطبق، فبدا منه شخص عليه من الأنوار ما لم ير مثله، وكان في قرارة نفسه إن الذي رآه هو ملك من ملائكة الله تعالى، قال له: إن الناس يوشك أن يأخذهم عذاب من عند الله، بسبب خمسة أمور وهي؛ الزنا واللواط ومجامع الخمر وأكل الربا وعقوق الوالدين ، وهذه الكبائر هي من أمهات الكبائر، وذكر بأن الذي رآه قال له: أبلغ الناس بهذا.
__________
(1) الرؤيا لا يبنى عليها أي حكم شرعي أو أمر غيبي، لكن الإنسان يعتبر بما يرى في منامه، فيبتعد عن المعاصي ويتقرب إلى الله تعالى بالاستقامة والطاعة، والرؤى المنامية تأتي على ضروب كثيرة جداً، فمنها ما هو أضغاث أحلام، وهو الغالب على ما يراه الإنسان، ومنها ما يكون استدعاءا للماضي القريب أو البعيد، ومنها ما هو انعكاس للبيئة المحيطة بالإنسان في نومه كالإضاءة الشديدة أو الحر أو البرد أو الأصوات، ومنها ما هو راجع إلى حالة الإنسان كالجوع والمرض والفرح والحزن ونحوها، ومنها ما هو مشير لما هو آت من زمن الإنسان، وهذه تأتي على ضروب أيضاً، فمنها ما يأتي بإشارات خفية يحسها الإنسان ولا يعرف حقيقتها إلا عند وقوعها، ومنها ما لا يحسها ولكن تتكشف له بعد وقوعها، ومنها ما يأتي صريحاً، ومنها ما يأتي رمزاً، وتأويل الرؤيا في الغالب هي تجربة ذاتية يتوصل إليها كل إنسان حسب عادته، وأما تأويلها من قبل الآخرين فتحتاج إلى خبرة كبيرة جداً ومهارة فائقة ودراسات في علم النفس والاجتماع، ولذلك ورد التحذير في الحديث الصحيح من تفسير الرؤيا بدون علم. (1/5)
صفحة 6
وكنت أفكر في أمره، وإذا بي بعد أيام قليلة يأتيني خمسة نفر، جاؤوا من أجل تسجيل تلفازي في أمر مهم، أمر يقلق بال كل عاقل، وهو انتشار المرض الجنسي الفتاك المعروف بمرض فقدان المناعة المكتسب، فقد ذكروا لي أنه أخذ ينتشر انتشار النار في الهشيم، وذكروا لي أرقاماً خيالية من انتشار هذا الطاعون، ومن حمل هذه الأمراض، وكيف تفشت في هذا المجتمع تفشياً ينذر بخطر رهيب ، ومما جاء في حديثهم؛ أن شابة بغياً اكتشف فيها هذا المرض الفتاك فأرادت الانتقام ممن حولها، فذهبت إلى حيث تروج سلعة الفساد وباجتماع الأوغاد الفسقة؛ الذين لا يعنيهم في هذه الحياة إلا شهواتهم، ولا يحملون بين حناياهم إلا هم الانغماس في أوحال الرذيلة والفحشاء، فأباحت نفسها لهم، فانغمس معها في ذلك المستنقع المسموم في ظرف أسبوع واحد مائة شاب(1)، ونقلت العدوى إليهم ، هذا مثال واحد من الأمثلة الكثيرة التي لا نحصيها، فضلاً عما يقع من حصد الأرواح وإهلاك الأنفس، وتكدير صفو الحياة، وقد يصيب ذلك من هم براء، لم يكونوا في قبيل ولا دبير من هذا الأمر، وإنما السبب لما نزل بهم من المصائب من قبل غيرهم، فكثير من الأزواج الذين ينغمسون في حمأة الرذيلة، ينقلون هذه العدوى إلى نسائهم فتشقى بذلك، وتشقى بالتالي أسرهم ومجتمعهم ، ولتحكم شهواتهم في نفوسهم لا يبالون بالنتائج التي تترتب على ارتكاب هذه الموبقات، وما كانت هذه الحرب من الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - إلا مصداقاً لحديث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عندما يقول : " لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم"(2).
__________
(1) هذا الرقم كناية عن الكثرة، وإلا فمن الواضح أن الرقم قد وقعت فيه مبالغة عجيبة من المخبرين، والله أعلم.
(2) ابن ماجه ( 4019 ) ، المستدرك ( 8623 ) . (1/6)
صفحة 7
وهذا أمر معهود عبر القرون، فقبل قرون سيَّر إمبراطور فرنسا حملة عسكرية إلى بلاد الشام، وقد حرص الإمبراطور الفرنسي على تزويدها بكل ما تتطلع إليه من وسائل الترفيه، ومن ذلك تزويدها بمجموعة كبيرة من الفتيات الحسان، لأجل قضاء مآربهم منها، فكانت نتيجة ذلك أن تولد المرض الجنسي المعروف بالزهري، وبما أنه لم يكن معروفاً عند العرب من قبل حتى جاء به هؤلاء سموه بمرض الإفرنج، ولا يزال هذا الاسم شائعاً إلى الآن، وما هذا المرض الفتاك الخطير الذي ينتشر هذا الانتشار المرعب الخطير إلا أثر من آثار الفاحشة.
3- التحذير من الزنا: (1/7)
صفحة 8
نجد في كتاب الله العزيز وفي سنة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الوقاية التامة من مثل هذه الأمراض، فأنتم ترون في كتاب الله أن الله تعالى عندما حذر من الزنا لم يقل ولا تزنوا، وإنما قال: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً } (1) وفي أي سياق كان هذا التحذير ؟! إنما هو في سياق التحذير من الكثير من الموبقات، وقد كان التحذير من الزنا مسبوقاً بالتحذير من قتل الأولاد، ثم وليه التحذير من القتل المطلق، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - قال قبل هذه الآية: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا } (2) ثم قال بعدها : { وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } (3) نعم؛ لم يكن الإتيان بهذا التحذير البالغ من الزنا بين التحذير من قتلين؛ قتل الأولاد ومطلق القتل، أمراً اعتباطياً ، بل حكمة بالغة من الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، الذي كل شيء عنده بمقدار، وما ذلك إلا لأن الزنا في حقيقته قتل للأفراد والجماعات ، هو قتل للأفراد؛ حيث يؤدي كثيراً إلى الرغبة في التخلص من آثاره ، فإن المولود غير الشرعي لا يجد من يتحمل تبعته ؛ فهو ليس له أب شرعي يتحمل مسؤولية تربيته والإنفاق عليه ، وبالتالي يتحول إلى هاجس مقلق تحس الأم الفاجرة بأنها تتحمل تبعته ، وهذا مما يؤدي إلى رغبتها في التخلص منه قبل وجوده، فتسعى إلى التخلص من حملها في مصحات الإجهاض، وهو قتل للأفراد أيضاً؛ لأنه سبب لوجود الأمراض الفتاكة التي تفتك بالزناة
__________
(1) الآية رقم ( 32 ) من سورة ( الإسراء ) .
(2) الآية رقم ( 31 ) من سورة ( الإسراء ) .
(3) الآية رقم ( 33 ) من سورة ( الإسراء ) . (1/8)
صفحة 9
رجالا ونساء ، كما أنه قتل للجماعات؛ لأن الجماعة تتكون من الأفراد، فإذا ضعف الأفراد ضعفت الجماعة، وهو أيضاً قتل للجماعة قتلاً معنوياً لأنه يؤدي إلى التفكك وعدم الثقة والاستقرار، فبشيوعه تنتاب النفوس وساوس شتى سواء فيما يتعلق بالأنساب أو غيرها ، حتى يبقى الوالد غير واثق بأن ولده من صلبه ، والولد غير مطمئن بصحة انتسابه إلى أبيه، فخطورته بالغة وأثره وبيل.
وقد عالج القرآن الكريم هذه المشكلة علاجاً جذرياً من شتى النواحي، فهو قبل كل شيء حذر التحذير البالغ من الزنا وتوعد عليه؛ عندما قال سبحانه وقد قرن بينه وبين الإشراك به، وقتل النفس المحرمة بغير حق: { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } (1).
__________
(1) الآية رقم ( 68 – 70 ) من سورة ( الفرقان ) . (1/9)
صفحة 10
ثم يقطع القرآن الكريم على الشيطان الطريق من كل جانب، من خلال توجيهاته الربانية وما يفرضه على العباد من آداب وأخلاق ألزمهم أن يتقيدوا بها ويتحلوا بزينتها، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول: { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (1) هذا هو التوجيه الرباني الذي يقطع دابر الفساد ويستأصل شأفة الفجور، يأمر الرجال أولاً أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، لأن البصر هو نافذة الشيطان إلى كل شر.
وقد أجاد الشاعر الذي قال:
وإنك إن أرسلت طرفك رائدا
لعينك يوما اتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر
عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ويقول أمير الشعراء أحمد شوقي :
نظرة فابتسامة فسلام
فكلام فموعد فلقاء
__________
(1) الآية رقم ( 30 – 31 ) من سورة ( النور ) . (1/10)
صفحة 11
النظر هو سهمٌ مسموم يردي النفوس ويذهب بعفتها، لذلك أمر الرجال أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ثم أمرت النساء المؤمنات بمثل ذلك مع استئصال بقية أسباب الفساد، عندما أمرن أن يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، ويصن أنفسهن صوناً يقيهن ويقي مجتمعهن الفتنة والانحراف وذلك من خلال الالتزام بالأدب القويم واللباس الشرعي والأخلاق الفاضلة ، ومعنى ذلك أن تكون المرأة متزنة في حركاتها ومشيتها ونظرتها ولباسها، وفي كل ما يصدر منها، حتى لا تكون سبباً للإغراء والإغواء.
وجاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بالتوجيهات النبوية الشريفة التي تؤدي إلى المحافظة على العفة والطهارة، فالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: " لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم "(1) ويقول : " لا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما "(2) ويقول : " إياكم والدخول على النساء . فقال له رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال: الحمو الموت " (3)أي : حمو المرأة الذي هو أخو زوجها، دخوله عليها في خطورته كالموت الذي يذهب بالحياة ويعد أخطر شيء، ولئن كان حمو المرأة هو كالموت فما بالكم بسائر الناس.
__________
(1) البخاري ( 4935 ) ، مسلم ( 1341 ) .
(2) السنن الكبرى للنسائي ( 9221 ) ، أحمد ( 114 ) .
(3) البخاري ( 4934 ) ، مسلم ( 2172 ) . (1/11)
صفحة 12
يوجه القرآن الكريم هذه الأمة إلى الآداب التي تحفظ لها عفتها وطهارتها ونزاهتها، بحيث تحفظ طهارة الوجدان والفكر بجانب طهارة الجوارح واللسان، فالقرآن الكريم يوجه عباد الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - إلى آداب الاستئذان ، حيث يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } (1) ، ونجد أيضاً فيما شرعه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من العقوبات ما يؤدي إلى قطع دابر الفساد، فقد شرع حداً للزنا عندما قال عز من قائل : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ } (2) ، وجاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مبينة أن هذا الحكم هو خاص بالزاني البكر والزانية البكر، أما إن كانا محصنين فحكمهما الرجم ، وهذه العقوبة وإن بدت للناس فيها قسوة ، إلا أنها هي العقوبة المناسبة لقطع دابر هذه المفسدة العظيمة فبقدر ما كان في الزنا من متعة ولذة كان في العقاب عليه شدة ونكال ، ومع هذه الآداب والعقوبات الرادعة التي شرعها الإسلام، هناك توجيه من الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - إلى ما يغني العباد عن الوقوع في هذه المفسدة، فإنه تعالى لم يحرم على العباد شيئاً مما تتطلع إليه النفوس وهو فاسد في نفسه مضر بمن وقع
__________
(1) الآية رقم ( 27 – 28 ) من سورة ( النور ) .
(2) الآية رقم ( 20 ) من سورة ( النور ) . (1/12)
صفحة 13
فيه، إلا أباح لهم في مقابله ما تكون فيه العفة والطهارة والنزاهة والمصلحة للعباد ، فقد قال عز من قائل : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } (1) وأمر - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بتيسير الزواج وعدم وضع العقبات في سبيله عندما قال: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم } ٌ(2) ، وجّه الله سبحانه العباد إلى الزواج الشرعي لأجل إعفاف النفس، وإرواء هذه الغريزة الملتهبة وتسكين هذه العاصفة من الشهوة الثائرة في النفوس، ليكون الإنسان مطمئناً وادعاً يكتفي بما أحلّ الله له عما حرم عليه، ونجد في حديث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحث على الزواج فهو يقول : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء(3)"(4).
__________
(1) الآية رقم ( 3 ) من سورة ( النساء ) .
(2) الآية رقم ( 32 ) من سورة ( النور ) .
(3) الوجاء: الخصاء، والمقصود أنه يقلل من شدة ميعة الرغبة الجنسية، وذلك كما جاء في مسند الإمام الربيع: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ((من خاف من شدة الميعة فليصم؛ فإن الصوم له وجاء)). الربيع (528).
(4) البخاري ( 1806 ) ، مسلم ( 1400 ). (1/13)
صفحة 14
ولكن يا ترى هل الناس مستمسكون بهذه التوجيهات الربانية؟! إننا نجد من الأخبار ما يقلق من هذه الناحية، فنحن نسمع عن قوافل من ذوي الرغبات الشهوانية تخرج زرافات(1) في أيام العطل من أجل قضاء مآربهم في أسواق الخناء ومجامع الفجور، حيث تقضى المآرب الشيطانية ويطوى لباس الفضيلة ويبسط فراش الفحشاء والمنكر، أليس ذلك مما يدعو إلى سخط الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -؟! ، بجانب هذا نجد الغيرة قد انحسرت من قلوب بعض الرجال ، فقد مسخوا حتى فقدوا معاني الرجولة ، فأصبحوا لا يغارون على نسائهم وبناتهم وقريباتهم وبنات مجتمعهم ، وهو أمر من الخطورة بمكان، فإن انعدام الغيرة يؤذن بمقت الله تعالى ، فإن هذه هي الدياثة ، والديوث(2) لا يدخل الجنة كما جاء في الحديث ، ليت شعري كيف يرضى الرجل أن يعرض امرأته أو ابنته للوقوع في الفحشاء ؟! نحن نجد في تاريخ الرجال ما يدل على أن الغيرة كانت تتأجج في نفوس رجال لم يكونوا على شيء من الدين والفضيلة، ولكنها الشهامة والنخوة، وقد كان أحدهم يحوط محبوبته بالغيرة، حتى لا تحوم حولها ريبة ويحوطها بسياج من الرعاية والرقابة لئلا تكون عرضة لأي سوء، ألم تسمعوا بقول الشاعر الذي يعبر عن حبه لامرأته وغيرته عليها بقوله:
إياك واسم العامرية إنني
أغار عليها من فم متكلم
أغار عليها من أبيها وأمها
ومن لوحة المسواك إن لاح في الفم
أغار عليها من رقيق ثيابها
إذا وضعتها فوق جسم منعم
__________
(1) زرافات: جماعات.
(2) الديوث: من يرضى الفحش في أهله. (1/14)
صفحة 15
أين هذه الغيرة من رجال اليوم، الذين يسمح أحدهم لامرأته أن تتزين مطلق الزينة، وتذهب لتزاحم الرجال في الأعمال ، من غير مبالاة بما يترتب على ذلك من العواقب، وكم من عواقب وخيمة لا نستطيع أن نتحدث عنها ، اطلعنا عليها من خلال هذه التصرفات الرعناء ، وكم من أب يعرض ابنته وهي في عمر الزهور لأن تكون نهبة للذئاب ، قبل فترة كتبت إليّ فتاة رسالة تشكو أمرها ، تقول بأنها بلغت من العمر واحداً وعشرين عاماً ، وقد دفع بها أبوها إلى أن تشتغل في شركة فيها جماعة من الرجال ، القسم الذي هي فيه وحده معها فيه ثمانية من الشباب، وكل واحد من أولئك الشباب يراودها عن نفسها، وتقول عن نفسها بأنها تشعر بالرغبة، لأنها حاجة الفطرة البشرية التي فطرت عليها ، وتريد أن تقضي حاجتها من خلال زواج شرعي، ولكن والدها يحول بينها وبين ذلك، طمعاً فيما تتقاضاه من الراتب، ليت شعري أين الشهامة والغيرة والنخوة والحمية ؟ كيف انتزعت من نفوس هؤلاء كما تنتزع الأرواح من الأجساد عندما يحين حينها؟!. (1/15)
صفحة 16
ثم إنني بلغني أن الأسواق تعج بالفتيات الحسناوات اللاتي يدفع بهن آباؤهن إلى العمل في المعارض التجارية، ليجلبن لهم شيئاً من المال ، وليكن مجلبة للزبائن حتى تعود بالأرباح إلى أصحاب المتاجر ولو كن وقود فتنة يصطلي المجتمع لظاها، وما في ذلك من مصلحة تعود على أي أحد ؛ وإنما هي مفسدة تجتاح الدين والدنيا، فأين الغيرة على هؤلاء الفتيات اللواتي يعملن بجانب الرجال دون وازع ولا رقيب؟! أين الغيرة التي يجب أن تشتعل في نفوس الرجال على أعراضهم، هل يساوم على العرض في مقابل المال؟! ليت شعري ما قيمة المال بجانب العرض؟!، إن عرض الإنسان هو أسمى ما يحافظ عليه حتى أنه يفدي عرضه بنفسه وروحه، ويبذل دمه رخيصاً في سبيل الدفاع عنه ، فما بال هؤلاء يرضون بانتهاك أعراضهم، بل هم يعرضونها لأن تكون نهبة لهؤلاء الذئاب، وكم من أمور يندى لها الجبين، وتذوب منها القلوب حسرة ولوعة من خلال هذه التصرفات الرعناء، التي لا تعود إلا بالدمار والخزي والعار. (1/16)
صفحة 17
هنالك الكثير من الآباء الذين يعضلون(1) بناتهم عن الزواج في مقابل ما يتقاضونه من رواتبهن على رأس كل شهر، وهذا أمر وقع فيه كثير من الناس الذين كنا نتصور فيهم الغيرة، ونظن فيهم الخير، وهؤلاء هم في الحقيقية ليسوا من الإيمان في شيء لأن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يقول في كتابه: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } (2) فأي إيمان بالله واليوم الآخر في نفس هذا الذي يعرض عن أمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في مقابل ظلم يظلمه ابنته؛ إذ يأكل راتبها سحتاً، وهو عليه حرام، هو بجانب ذلك أيضاً يمنعها من حقها الشرعي في الزواج، ويعرضها لأن تكون فريسة لذئاب البشر، يدفع بها دفعاً إلى سعير الشهوات، وكيف يكون إحساس هذا الأب عندما تعود إليه ابنته وهي حبلى من حرام؟! ما قيمة ما يتقاضاه من راتبها على رأس كل شهر بجانب ما خسره من شرف وما تلطخ به من عار ؟! أليس في هذا ما يدعو إلى التأمل والتفكر في هذه العواقب؟!.
إن هذه الأمور عاقبتها خطيرة، وكما قيل جرس الخطر قد دق فعلى الناس أن يعتبروا ويرعووا عن غيهم.
4- التحذير من الخمر:
__________
(1) يعضلون: يمنعون.
(2) الآية رقم ( 232 ) من سورة ( البقرة ) . (1/17)
صفحة 18
الخمور وتفشيها مما يقلق بال كل ذي لب، وإن من المضحكات المبكيات ما بلغني عن أحد المترفين المفسدين؛ أنه كتب إلى جهة مختصة يطلب منها تصريحاً لافتتاح حانة خمر، ومن ضمن ما تضمنته رسالته : "ولا يزال الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه!" ، أي مهزلة هذه وأي عقل هذا ؟! أيتذرع بهذه الكلمات الحقة إلى هذا الطلب الفاسد الدني ويسعى إلى حتفه وحتف بني جنسه ومجتمعه! بسبب بدافع من طمع مرذول، مع أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: " لعن الله الخمر، وبائعها ومشتريها، وعاصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وشاربها"(1)، وفي رواية: "لعن الله الخمر، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وآكل ثمنها"(2)، ومع ذلك نجد هذا السفيه الأرعن(3) يطلب أن يكون الآخر في عونه فيما يسعى إليه من الفساد ، لأن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ، الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون } (4) هذه هي الخمر وهذه آثارها! فمن الذي يرجو من ورائها فائدة مع أنها هذه طبيعتها التي أخبر الله تعالى بها، وقد لعن بسببها كل من تلبس بها؟!.
__________
(1) الربيع ( 625 ).
(2) الربيع (946).
(3) الرعونة: الحمق والهوج.
(4) الآية رقم ( 90 – 91 ) من سورة ( المائدة ) . (1/18)
صفحة 19
والعجب أن الناس لا يعتبرون بحوادث السير، التي هي من جراء الخمر، فكم من شباب في عمر الزهور خسروا حياتهم وخسرهم مجتمعهم بسبب الحوادث التي كانت بتأثير شرب الخمور، وكم من أناس صاروا أشبه بالموتى ؛ بل أشد لأنهم يضطرون إلى المعاناة حتى تقبض أرواحهم، أصيبوا بسبب هذه الحوادث، وكم من أموال تنفق من أجل علاج هؤلاء، أليس ذلك مما يعود بالخسارة على الأمة والمجتمع؟!.
5- التحذير من انحراف الشباب:
إنه لم يعد خافياً على أحد تفشي الجرائم المرعبة، فأنتم تسمعون عن هذه الحوادث المؤلمة التي تتفطر منها القلوب وتدمع من أجلها العيون، بسبب ما يتلف فيها من أنفس بريئة وما يكون فيها من انتهاك لحِرَم الإنسانية ، وما أسباب هذه الحوادث إلا عدم المبالاة بأوامر الله تعالى ونواهيه، وذلك عندما ينشأ الشاب على روح الفساد والانحراف عن الحق ، فإنه في هذه الحالة لا يكتفي بفساده وحده بل يدفع بأفلاذ(1) كبده وثمرات فؤاده إلى الإجرام، لا لشيء إلا ما في نفسه من الطمع في شيء من المال يتصوره ربحاً يعود إليه وإلى أولاده الذين رباهم على الإجرام، وإذا بالأمر ينقلب عليه بالوبال والخسران، عندما يخسر هو حياته، ويخسر أولئك الأولاد حياتهم.
ومصيبة المخدرات التي انتشرت، ما هي إلا بسبب عدم المبالاة بأوامر الله تعالى ونواهيه.
وأكل الربا إنما هو إحدى المصائب الكبرى، فالله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - آذن بحربه كل من أكل الربا، يقول - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون } (2).
__________
(1) أفلاذ: قطع.
(2) الآية رقم ( 378 – 379 ) من سورة ( البقرة ) . (1/19)
صفحة 20
نعم؛ لا يعقب الربا إلا حرباً من الله ورسوله، حرباً وأي حرب ، لا تبقي ولا تذر، وأنتم ترون كيف تلاشت البركات وفسدت الثمار ، ووقع الناس في حيرة من أمرهم وبلبلة في حياتهم من ويلات هذه المعاملات الربوية المحرمة؟ فأي حرب أشد تدميراً منها، وهذه هي آثارها التي نشاهدها.
فإذاً على الناس أن يعتبروا جميعاً ، وأن يرد عقلاؤهم سفهاءهم.
6- مقترحات للعلاج:
وبهذه المناسبة أرى أن أقدم بعض الاقتراحات التي أرجو بمشيئة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن تكون بلسماً شافياً لهذه الأمراض والعلل :
أولاً : تربية النشء على الاستقامة في الدين، وتعويدهم معالي الأمور وتجنيبهم سفاسفها، وترويضهم أن يربأوا بأنفسهم عن كل الرذائل الظاهرة والباطنة، وذلك مما يتوقف على تفقههم في دين الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، وربطهم بأصول الإيمان حتى تنغرس العقيدة الصحيحة في نفوسهم، فتكون خشية الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ملء قلوبهم، وهذا مما يجب أن يكون منتشراً في جميع أوساط النشء من الذكور والإناث، فإن فساد الذكور يؤدي إلى فساد الإناث، وفساد الإناث يؤدي إلى فساد الذكور، فلا بد من أن تكون التربية على الاستقامة والحق والرشد والصلاح والمعرفة الصحيحة والعقيدة الحقة شاملة للجنسين جميعاً .
ثانياً: أن يربى الجنسان على الحياء، فإنه شعبة من الإيمان، كما جاء في حديث الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الإيمان بضع وستون شعبة –وفي رواية؛ بضع وسبعون شعبة– أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"(1).
__________
(1) البخاري ( 9 ) ، مسلم ( 35 ) . (1/20)
صفحة 21
ثالثاً : أن يحرص الكل على تنشئة أولادهم على الغيرة، فإن انطفاء جذوتها هو المصيبة الكبرى، والغيرة محمودة في الكل لأنها صون للحرمات وبها تحفظ الأعراض عن الابتذال وتحمي الكرامة والشرف؛ وكفى أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر أنه أغير الناس، وأن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - أغير منه، فإن الله تعالى لم يشرع الحدود، ولم يأمر بما أمر به من الأوامر، ولم ينه عما نهى عنه من الزواجر، ولم يعد ويتوعد إلا لغيرته، فإذاً الغيرة محمودة غير ممقوتة، ويجب أن يربى عليها النشء، فإن من فقد الغيرة فهو ممسوخ من إنسانيته.
رابعاً: إعفاف الشباب من الجنسين جميعاً بالزواج الشرعي والمسارعة إلى ذلك، وتذليل جميع العقبات التي تقف في سبيل تحقيق هذا الحلم لهم، فأولئك السفهاء الذين يريدون أن يعضلوا مولياتهم عن الزواج من أجل رغبات أنفسهم في الاستئثار بأموالهن؛ يجب أن يردعوا بما ينأى بهم عن هذا الفساد الذي هم متلبسون به، ويجب أيضاً أن ييسر الزواج من حيث التقليل من مؤنه، بحيث تكون المهور بسيطة ميسرة، كما ينبغي أن يسارع إلى إنشاء صناديق للزواج، فإن لم يمكن أن يكون هنالك صندوق عام يشترك فيه أهل الوطن جميعاً ، فلا أقل من أن يكون لأهل كل ولاية أو أهل كل مدينة أو قرية صندوق خاص بهم ، بحيث يتبرع كل أحد بقدر ما يتيسر له، { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّه } ُ (1)، حتى ولو استطاع الإنسان أن يوفر في كل شهر ريالاً واحداً من أجل إمداد هذا الصندوق ففي ذلك خير كبير، وأصحاب اليسر مطالبون بأن يبسطوا أيديهم بما يتناسب مع يسرهم، وأن ينفقوا بسخاء مما آتاهم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -.
__________
(1) الآية رقم ( 7 ) من سورة ( الطلاق ) . (1/21)
صفحة 22
كما ينبغي أن تكون حفلات الزواج حفلات جماعية(1)، يشترك فيها أكبر عدد، ويحمل الموسرون بالتكاليف عن المعسرين ، وذلك بأن ينفق أصحاب اليسار في هذه الحفلات قدر ما يكفي أصحاب العسر مؤونة الإنفاق.
ومما ينبغي أن لا يغفل عنه؛ تذليل عقبات الزواج الاجتماعية التي سادت عند الكثير من الناس، وهي أن يشترط على الزوج أن يكون مالكاً لبيت، بل يجب يكون الزواج مبسطاً ميسراً لكل أحد حتى تروى هذه الشهوة بما يطفئ سعارها مما أحل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -.
خامساً : أن يقبض على أيدي السفهاء الذين يلهثون وراء الشهوات، ويردوا إلى الحق ويبصروا بمغبة سفههم وفسادهم، وأن يشاع هذا الأمر في جميع الأوساط، ليكون الناس على بينة من أمرهم، فالأمر خطير جداً ، ونحن علينا أن نعتبر بالقرون الخالية التي أهلكها الله بترك التناهي عن الفحشاء، أليس في شأنها عبرة لأولى الألباب: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (2) كم أنزل القدر النفاذ هؤلاء المغرورين من علياء كبريائهم إلى حضيض الذلة والمهانة؛ بسبب ما عملوا من معاصي الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -.
__________
(1) قلت: مع أن مطلب سماحة شيخنا من الحفلات الجماعية هو تخفيف الأعباء عن الأزواج، لكنه للأسف الشديد تحولت إلى مباهاة في دعوات الناس وكبار القوم، ومغالاة في الولائم، بل تعدى الأمر أن شهدت بعض هذه الحفلات ما لا يحمد من أمور خارجه عن حدود الشرع، ولذلك فإما أن تصان هذه الحفلات الجماعية عن المخالفات، أو يعاد النظر فيها أصلاً.
(2) يوسف/111 (1/22)
صفحة 23
ويجب أن تكون التوعية بمختلف الوسائل، سواء عبر أجهزة الإعلام أو في المساجد أو في الأندية أو في أي مكان آخر، حتى يكون الناس جميعاً على بينة من الأمر، والنصيحة الفردية لها أثر كبير أيضاً، فأقترح أن يعنى الكل بهذا كله، وأرجو أن يتم ذلك في إطار من التخطيط السليم والتنفيذ الواعي.
خسران الإنسان وأسباب نجاته منه
1- الإيمان طريق الإصلاح:
ينبغي للإنسان وهو يعيش هذه الحياة المحدودة ثم ينقلب بعدها إلى مصير خالد بحسب ما قدم فيها من خير أو شر أن يعلم ما هي مسئوليته وواجباته ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن في كتابه الكريم حالة الإنسان وهو يقطع هذه المرحلة لينقلب إلى ما بعدها؛ إذ قال عز من قائل : " والعصر إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر "(1) ، إن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - هو الحق المبين ، ولا يقول إلا الحق ، قد أقسم - عَزَّ وَجَلَّ - في هذه السورة الكريمة بالعصر، ومع اختلاف المفسرين في المراد بكلمة العصر؛ هل المراد الدهر وما حوى من عجائب التقلبات من حال إلى حال وما في ذلك من دواعي الاعتبار ، أو هو العصر الذي نزل فيه الوحي على نبينا مُحَمَّد عليه أفضل الصلاة والسلام لشرفه على بقية العصور، أو هو وقت العصر وهو وقت اعتبار ؛ لأنه وقت استقبال الليل وتوديع النهار ، أو صلاة العصر لأجل ما لها من شأن ، فقد قيل بأنها هي الصلاة الوسطى، وأكد ذلك حديث مرفوع إلى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام(2)
__________
(1) سورة العصر .
(2) جاء ذلك عند الربيع بن حبيب؛ أبو عبيدة عن جابر بن زيد: أن أم المؤمنين أمرت أبا يونس مولاها أن يكتب لها مصحفاً، فقالت له: إذا بلغت هذه الآية فآذني { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } فلما بلغها آذنها، فأملت عليه: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين. فقالت: هكذا سمعتها من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. الربيع (185)، وعبارة (صلاة العصر) قطعاً هي ليست من القرآن، وإنما هي تفسير للصلاة الوسطى، وإثبات الشروح والتفسير في أوراق المصحف من الطرق التي عمد إليها الصحابة الكرام. (1/23)
صفحة 24
، أو الليل والنهار لما فيهما من دواعي الاعتبار وبواعث الاستعبار ، فإن الصروف التي تأتي بها الأزمان إنما يفرزها تقلب الليل والنهار ، مهما يكن المراد بالعصر من هذه المعاني فإن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أقسم في هذه السورة به ، والمقسم عليه أن الإنسان في خسر ، إلا الذين جمعوا بين أسباب أربعة من استمسك بها فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وهذا يعني أن الإنسان ذكراً كان أو أنثى مسئوليته في هذه الحياة مسئولية جسيمة ، فهو يتحمل تبعة كبيرة ويضطلع بأمانة عظمى ؛ " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا "(1) ، فبما أنه تحمل هذه الأمانة(2) جدير به أن يعرف كيف يكون أداؤها ، وكيف يتكيّف مع واقع الحياة وهو يتحملها ، فعليه أولاً أن يصلح نفسه بالإيمان الذي يشرق في النفس المؤمنة ليبدد
__________
(1) الآية رقم ( 72 ) من سورة ( الأحزاب ) .
(2) قلت في كتابي "قصص الأنبياء" لا يزال مخطوطاً: (وهذا الأمر نجده في تحمل الأمانة، فالله تعالى حكى عن ذلك بقوله: ((إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا))، وهو عرض وتحمل تكويني على الجنس الآدمي، والأمانة تعني أداء ما هو مؤتمن عليه على وجه الحفظ وعدم التضييع، ومن الطبيعي أن الأجرام السماوية والأجرام الأرضية لا يمكنها أن تتحمل هذه التبعة، فهو رفض جبلي، رفض من لم يتهيأ للحمل، وأما الإنسان فقد ركب فيه قدرة تحمل الأمانة، وما تضييعه لها إلا بسبب ظلمه وجهله، ((إنه كان ظلوما جهولا)) وهنا الظلم والجهل ليس تعليلاً للدافع الذي أدى بالإنسان إلى حمل الأمانة، وإنما هو بيان لما سيحصل منه، فهو رغم قدرته التكوينية على التحمل إلا أنه قد يخيس في الأمانة نتيجة ظلمه وجهله. (1/24)
صفحة 25
منها ظلمات الطبع ويعرفها بحقائق الوجود ؛ لأنه يصلها بمبدئ الوجود - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، ويصلها بالدار الآخرة التي إليها المنقلب والمعاد ، والإيمان هو الذي يحل ألغاز هذا الوجود، لأنه يعرف الإنسان من أين أتى وإلى أين ينتهي ، وماذا عليه أن يعمل فيما بين المبدأ والمنتهى ، وما هي الحقوق الواجبة عليه لمبدئه الذي أخرجه من العدم إلى الوجود، وأكرمه بصنوف النعم ، وأسبغ عليه سوابغ الكرم ، وماذا عليه أن يعمل للدار الآخرة التي إليها منقلبه ومعاده ، فجدير به أن يستمسك بهذا الإيمان. (1/25)
صفحة 26
إن الإيمان ليس أمراً مثالياً يعيش في عالم النظريات ولا يتجلى في عالم الواقع ، بل هو أمر واقعي يتجلى في سلوك المؤمن ، فلذلك ذكره الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - مع العمل الصالح، والعمل الصالح هو ما أمر به - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، فتحديد الصالح من الطالح، والخير من الشر، والنافع من الضار، يعود إلى أوامر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ونواهيه، فكل ما وافق أمره سبحانه فهو صالح، وكل ما خالفه فهو طالح، ولا دخل لعقل البشر في ذلك، فإن العقول تتأثر بالمؤثرات النفسية والاجتماعية(1)، ولكن المؤمن الذي رضي بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن منهجاً وطريقاً وبمُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هادياً ودليلاً ، يستعلي على كل هذه المؤثرات ويستعلي على نزعات نفسه ونزغاتها، فلذلك يسير في الدرب السليم مهما كان تصادمه مع الواقع، أو تنكر له مجتمعه وبيئته ، لأنه يرى رضوان الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فوق كل اعتبار ، والله أولى بأن يُطاع "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً"(2)، ولذلك عندما أكرم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الإنسانية بإخراجها من الظلمات إلى النور ، ومن الباطل إلى الحق ، ومن الغي إلى الرشد ، ومن الفساد إلى الصلاح ، ومن الخطر إلى السلامة ، إذ بعث فيها نبياً كريماً ، وأنزل عليها ذكراً حكيماً ، نجد هؤلاء المؤمنين والمؤمنات في ذلك العصر استعلوا على هذه النوازع والمؤثرات بأسرها ، فكان المؤمن والمؤمنة يخرجان عن الطريق المألوف إلى طريق لم يكن مألوفاً في البيئة التي نشئا فيها ، والمثال الواضح الذي يدل على هذا ما ذكرته
__________
(1) بيّن سماحته أين يقع العقل من التشريع في مواضع مختلفة من هذا الكتاب؛ فلابد من الرجوع إليها، فيجب حمل هذا على ذاك، وذاك على هذا.
(2) الآية رقم ( 36 ) من سورة ( الأحزاب ) . (1/26)
صفحة 27
أم المؤمنين عائشة رضوان الله تعالى عليها عن نساء الأنصار ، أنه عندما أنزل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - قوله سبحانه : " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون "(1) ، عندما أنزل الله تعالى على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام هذه الآية انقلب الرجال إلى نسائهم يتلون عليهن ما أنزل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في كتابه ، فكان الرجل يتلو ذلك على امرأته وأمه وأخته وبنته ، فقمن إلى مروطهن وشققنهن واعتجرن بها ، وأصبحن وراء رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان(2) ، إن هذه المسارعة إلى طاعة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ما هي إلا دليل على رسوخ الإيمان في النفس وتحكمه في العقل والقلب ، وسيطرته على الفكر والوجدان والأحاسيس والمشاعر ، فلذلك كانت النقلة العظيمة من حياة الجاهلية إلى حياة الإسلام والإيمان ، ومن حياة الفساد إلى حياة الصلاح ، ومن حياة الانحطاط إلى حياة الرقي.
__________
(1) الآية رقم ( ) من سورة ( ) .
(2) أبو داود ( 4101 ) . (1/27)
صفحة 28
ونحن بحمد الله نشاهد مثل هذه الصور ماثلة أمامنا الآن وهي تدل على الإيمان الراسخ، واليقين الصادق ، والرغبة فيما عند الله ، والتفاني من أجل طاعته - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، وإننا نسأل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن يبارك في المؤمنات الصالحات القانتات، وأن يزيدهن هدى وصلاحاً وتقوى وإخلاصاً وبراً ووفاءً ، وأن يهيئ لهن من أمرهن رشداً، إنه تعالى على كل شيء قدير.
2- الدعوة واجب مشترك بين الجنسين:
لابد من أن يكون المؤمنون والمؤمنات جميعاً حاملين رسالة الحق إلى الخلق ، فإن هذه الرسالة يضطلع بها الجميع ، يتحمل تبعتها الذكور والإناث ، فهي ليست خاصة بالذكور وحدهم ، ولذلك ذكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من أسباب النجاة التي لابد من التمسك بها التواصي بالحق ، لأنه سبب للسلامة في الدنيا والآخرة ، وهذا واضح فيما وصف الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - به المؤمنين والمؤمنات ، فإن الإيمان صلة بين أهله ، يشد المؤمن والمؤمنة إلى فريق المؤمنين والمؤمنات جميعاً ، فيكونون كما يقول عليه أفضل الصلاة والسلام : " ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"(1) ، فلذلك يحرص كل مؤمن ومؤمنة على إبلاغ رسالة الحق إلى الخلق حتى يكثر فريق المؤمنين والمؤمنات ، لأجل أن يعمّ الخير البشرية بأسرها، فإن من لم يكن واصلاً إلى درجة أن يحب من الخير لغيره ما يحبه لنفسه فليس هو من الإيمان في شيء، فإن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام يقول : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "(2) ، ومعنى ذلك أن من شأن كل مؤمن ومؤمنة أن يريدا عموم الخير وشيوعه في جميع المؤمنين والمؤمنات ، مع كونهما يريدان لجميع الناس أن يكونوا من فريق المؤمنين والمؤمنات، فإن هداية الناس إلى الحق من أقرب القربات إلى
__________
(1) البخاري ( 5665 ) ، مسلم ( 2586 ) .
(2) البخاري ( 13 ) ، مسلم ( 45 ) . (1/28)
صفحة 29
الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وهي وراثة للنبوة وتحمل لتبعات إرثها ، فإن هذه الرسالة هي رسالة النبوة ، فما من رسول من الرسل إلا وقد بعثه الله لهذا ، فإنه - عَزَّ وَجَلَّ - يقول : "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " ، ويقول : " وكذلك بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"(1)، فدعوة المرسلين هي دعوة إلى الله وإلى اجتناب الطاغوت ، وهكذا شأن المؤمنين والمؤمنات دائماً ، يحرصون على شيوع هذه الدعوة وذيوع هذا الخير بين الناس ليكونوا جميعاً من حزب الله لا من حزب الطاغوت.
__________
(1) الآية رقم ( 36 ) من سورة ( النمل ) . (1/29)
صفحة 30
والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن أن هذه الصلة التي تكون بين المؤمنين والمؤمنات؛ صلة التلاحم والتراحم ، والعطف وحب الخير ، والتفاني من أجل الصلاح والإصلاح، لا تكون إلا مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنهما أولى الصفات التي وصف الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بها المؤمنين والمؤمنات ، بعدما وصفهم بأن بعضهم أولياء بعض، فهو تعالى يقول : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله"(1) ، هذا هو شأن المؤمنين والمؤمنات جميعاً ، فهم دائماً يحرصون على أن تكون حبال الموالاة بينهم ممدودة ، فلذلك يرتبطون بهذه الموالاة التي تشد بعضهم إلى بعض، ويحرصون على القيام بما يحفظ الولاء فيما بينهم ، وبما يحفظ لهذه الرسالة العظمى مكانتها ، فلذلك يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويسارعون بأنفسهم إلى امتثال أوامره سبحانه ، فمن ثمَّ وصفهم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بعد هذا أنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ، فذكر إقام الصلاة هنا لأنها في مقدمة ما يأمر الله تعالى به من الخير ، وما يتواصى به المؤمنون والمؤمنات ، وهي رأس العبادات العملية ، ثم إيتاء الزكاة وهي عبادة مالية تتزكى بها النفس من آثار حب المال، والإنسان إن كان في أعماله وتصرفاته في ماله بحسب أوامر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فقد تقدس وتطهر ، وأتبع ذلك وصفهم بأنهم يطيعون الله ورسوله وهي طاعة مطلقة في كل ما أمر الله أو نهى عنه.
__________
(1) الآية رقم ( 71 ) من سورة ( التوبة ) . (1/30)
صفحة 31
وعلينا أن نتبيّن هنا مكانة المرأة في الإسلام، فهي لا تنحط عن مكانة أخيها الرجل، ولذلك أشركهما الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في الاضطلاع بهذا الأمر العظيم، والقيام بهذا الواجب المقدس، ونشر هذا الخير العميم بين الناس، فعلى المرأة أن تتبين مكانتها في الإسلام ورسالتها في الأمة الإسلامية، فهي مطالبة بأن تضطلع بأمانة إبلاغ الحق إلى الخلق، فعليها أن تحرص على الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يجب ذلك على الرجل، وهذه أمانة عظيمة ومسئولية كبرى، الأمة بأسرها مسئولة عنها، ولعظمها وجسامتها فقد بيّن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أنها واجبة على جميع أفراد الأمة ؛ عندما قال عز من قائل : " ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"(1)، وليس قوله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - "منكم" مفيداً للتبعيض ، فيقال إن بعض الأمة مطالب بأن يقوم بالدعوة إلى الله دون سائرها، لا ، بل الجميع مشتركون في ذلك إذ " من " هنا ليست للتبعيض وإنما هي للبيان ، أي لتكن فيكم هذه الأمة ؛ بحيث يكوّن جميع أفرادها أمةً هذا شأنها، والدليل على ذلك أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - حصر الفلاح في هذا الصنف من الناس عندما قال : " وأولئك هم المفلحون " ، فالفلاح انحصر في هذه الطائفة التي تتآمر بالمعروف وتتناهى عن المنكر ، وتدعو إلى الله سبحانه ، لأنها قامت بما عليها من الواجب.
3- الصبر عدة الداعية:
__________
(1) الآية رقم ( 104 ) من سورة ( آل عمران ) . (1/31)
صفحة 32
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أمر وراءه تبعات عظيمة، فإن الدعوة إلى الله ليست بالأمر السهل، إنما هي طريق وعر مرعب، ولكن على كل مؤمن ومؤمنة أن يتحليا بالصبر، ولذلك كان التواصي بالصبر أمراً لابد منه، وهو سبب من أسباب النجاة ، فإن الاضطلاع بالواجبات التكليفية على اختلافها لا يمكن أن يتم إلا مع التحلي بالصبر ، إذ للنفس نوازع فهي تريد أن تطمئن إلى الراحة وتركن إلى الرفاهية ، وألا تكلف صاحبها شططاً في هذا الأمر ، ولكن ليس الأمر بحسب التمني، فإن الحياة الدنيا ليست حياة راحة وطمأنينة، وإنما هي حياة عمل وكفاح، والدار الآخرة هي دار الطمأنينة والخلود والسلامة من كل الآفات، والداعية قد يقدم نفسه ثمناً لهذه الدعوة التي يقوم بها، وقد حصل ذلك في تاريخ المؤمنين والمؤمنات في العهود السالفة، وطريق الدعوة مفروش بالجمر وبأشواك القتاد(1)، وليس مفروشاً بالعطور والياسمين والورود(2)، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما ذكر الدعوة ذكر وجوب الصبر على ما يلقاه الداعية ، فقد حكى عن لقمان قوله في وصيته لابنه: "يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ"(3) ، فإن الصبر لابد منه إذ هو عدة السّالك في هذا الطريق الوعر الشائك، وعندما ذكر الله سبحانه سبيل الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وسبيل أتباعه وأن الدعوة إلى الله لابد أن تكون على بصيرة بيّن كيف تكون الظروف المحيطة بها فقد قال تعالى : " قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله
__________
(1) القتاد: شجر له أشواك إبرية.
(2) أقول: ليت الدعاة يوقنون بهذه الحقيقة إيقاناً صادقاً يظهر في ميدان الحياة، وليس فقط مجرد كلمات يلوكونها بألسنتهم تحت الأضواء الباهرة، وفي أجهزة التسجيل الناعمة.
(3) لقمان/17. (1/32)
صفحة 33
وما أنا من المشركين "(1) ثم أتبع ذلك قوله : " وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى فلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم ، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين، لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديقاً الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون"(2)، فقد ذكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - هنا ما يدل أن طريق الدعوة محفوف بمكاره عظيمة ، ولذلك وصل الأمر بالمرسلين –مع رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم وعلو هممهم وصلتهم بالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -– إلى مشارفة اليأس ، وهناك تداركتهم ألطاف الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وغمرهم فضله ، وأتاهم نصره ، فنجي من شاء الله ، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين، وهكذا الشأن في كل عصر من العصور وهو واضح في التاريخ ، فإن القائمين بالدعوة اصطدموا ببيئاتهم وبالمحيطات البشرية من حولهم ، فقد يصطدم الداعية أول ما يصطدم بأقرب الناس إليه ، وهذا مما يكون ذلك بين الولد وأبيه ، والأخ وأخيه ، والزوج وزوجه ، والقريب وقريبه ، وهذا واضح في تاريخ النبوات ، فإبراهيم عليه السلام وقف في سبيل دعوته أبوه ، ويبدو أنه بسبب قرابته منه وصلته به كان أول من جحد الحق الذي جاء به ابنه ، كذلك نوح عليه السلام كان من جملة الذين خالفوا أمره ، وخرجوا عن طاعته ابنه ، لذلك قال الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فيه : "إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعيذك أن تكون من الجاهلين"(3)، وكذلك كان شأن نوح ولوط عليهما السلام مع امرأتيهما ، وقد ضرب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - هاتين المرأتين مثلاً
__________
(1) الآية رقم ( 108 ) من سورة ( يوسف ) .
(2) الآية رقم ( 109 ) من سورة ( يوسف ) .
(3) هود/46. (1/33)
صفحة 34
للذين كفروا ، وكذلك كان شأن امرأة فرعون رضي الله عنها مع زوجها الطاغية لعنه الله ، فإنها واجهت الكثير من التحدي، ولكن مع ذلك ثبتت وصمدت ، ولم تأل جهداً في الصبر على بطش ذلك الطاغية مع ما كان عليه من الطغيان ، وهذا يدل على أن المرأة تستطيع أن تتصدى لجميع التحديات، وأن تقف أمام جميع العقبات وقوف الصامدين ، عندما تتحلى بالإيمان وتتسلح به ، كذلك كان شأن نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام ، فإن أول من تنكر لدعوته عمه أبو لهب، الذي قال له عندما جهر - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالدعوة: تباً لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا ؟ وقد أنزل الله سبحانه الوعيد الشديد في أبي لهب(1) ، وهكذا كان شأن المؤمنين والمؤمنات ، وأنتم تعلمون أن أول شهيد في تاريخ هذه الأمة امرأة وهي سمية رضي الله تعالى عنها ، التي كان الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمر بها وبزوجها وابنها وهم يعذبون ويقول لهم : " صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة "(2)، وهكذا أدت المرأة واجبها ، وبلغت رسالتها ، وقدمت نفسها ضحية في هذا السبيل، لتنعم بالخلود في دار النعيم ، وكان لها دور عظيم في إثارة الهمم وحفز العزائم، وتقوية الإرادة في نفوس الرجال من أجل مواصلة طريق الحق.
__________
(1) البخاري ( 4492 ) ، السنن الكبرى للنسائي ( 11426 ) .
(2) المستدرك ( 5646 ) . (1/34)
صفحة 35
وكان للإسلام تأثير عظيم في فكر المرأة المسلمة وتغيير مجرى حياتها من وضع إلى نقيضه ، وهذا واضح في تاريخ الخنساء ، التي بكت أخاها صخراً في الجاهلية حتى فقدت بصرها ورثته بمراثي بليغة لأجل أن تخلد ذكراه ، ولكنها عندما أسلمت كان أمرها بخلاف ذلك ، فقد جمعت أبناءها جميعاً وحفزتهم للجهاد في سبيل الله، وأمرتهم بتوطين النفوس على الصبر حتى يلقوا الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وأخبرتهم بأنهم أبناء رجل واحد كما أنهم أبناء امرأة واحدة ، لم تخن أباهم ولم تفضح خالهم، وأمرتهم بأن يمضوا قدماً في مجالدة العدو ، وعندما وصلها نبأ استشهادهم جميعاً لم تزد على حمد الله سبحانه الذي تقبلهم منها ، هكذا كان شأن المرأة المسلمة التي ملأ الإيمان قلبها ، ولامس برد اليقين شغافه ، فهي واصلت هذا الطريق غير لاوية على شيء(1).
والآن الأمة المسلمة هي أحوج ما تكون إلى المرأة المؤمنة الداعية ، التي تدعو أسرتها وتربي أبناءها وبناتها على التقوى والصلاح والاستقامة والبر والإيمان ، ومواجهة التحديات على اختلافها وما أكثرها.
4- قضية تحرير المرأة:
__________
(1) بعض المؤرخين يذهبون إلى أن الخنساء أخت صخر لم يكن يحصل منها هذا الموقف، وإنما قد يكون هو لامرأة أخرى، ومهما يكن من أمر فالمقام هنا مقام عبرة وليس مقام تحقيق تأريخي. (1/35)
صفحة 36
إن المرأة اُستهدفت أكثر مما استهدف الرجل من قبل المجرمين والظالمين ، أُريد لها أن تكون أداة للتسلية وسلعة تباع في أسواق الشهوات وأن تنحط إلى دركات الهون، فما دعوى تحرير المرأة التي أشيعت في العالم إلا وسيلة من وسائل الاستهداف، المرأة حررها الإسلام عندما جعلها في مصاف الرجل ، بل أحياناً قدم حقها على حقه ، فقدم حق الأم على حق الأب ، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عندما أتاه آت وقال له : يا رسول الله أي الناس أحق بحسن صحابتي ؟ قال له : أمك، قال له : ثم من ؟ قال له : أمك ، قال له : ثم من؟ ، قال له : أمك ، قال له : ثم من؟ قال له : أبوك ثم الأقرب فالأقرب(1) ، فذكَّر بحق الأم ثلاث مرات ، وأتبعه بذكر حق الأب مرة واحدة معطوفاً على حق الأم بـ"ثم" التي تقتضي المهلة والترتيب ، وهذا يدل على ما للأم من مكانة في الإسلام.
كذلك امتن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بالإناث قبل أن يمتن بالذكور ، عندما قال : " يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيما"(2) ، ونعى على أولئك الذين كانوا يمتعضون من الأنثى فقال : " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون "(3)، فالمرأة في الإسلام ليست بحاجة إلى تحرير، وإنما المرأة غير المسلمة هي المحتاجة إلى أن تتحرر من عادات الجاهلية وأسرها لتنعم بما تنعم به المرأة المؤمنة من العيش في ظلال الإسلام الوارفة، وعلى أريكة الكرامة والعزة والشموخ.
__________
(1) مسلم ( 2548 ) ، البيهقي ( 15534 ) .
(2) الآية رقم ( 49 ) من سورة ( الشورى ) .
(3) الآية رقم ( 58 ) من سورة ( النمل ) . (1/36)
صفحة 37
المرأة استغلت في الجاهلية الحديثة استغلالاً سيئاً ، ولا أدل على ذلك من كونها اتخذت وسيلة لترويج البضائع ، فكل شيء يعرض للبيع يروج له بصورة امرأة ، وقد يصل هذا الترويج إلى أن تكون المرأة عرضة لخلع جلباب الحياء عنها ، بحيث تُصور صورة هي أقبح ما تكون ، قد تكون أحياناً في حالة يستحيى الإنسان حتى من ذكرها، هذا دليل على ما خُطط لها في تاريخ الجاهلية الحديثة ، وقد استغلت استغلالاً سيئاً فلُز بها لزاً في المضائق، وألقت هي بنفسها في المهالك ، ظانة بسبب تغرير المفسدين بها أنها على شيء ، فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يحررون المرأة الآن ، إلى ماذا يدعونها؟ يدعونها إلى أن تتناسى أسرتها وأن تنتمي إلى أسرة زوجها عندما تتزوج ، وهل هذا من تكريم المرأة ، أو هو من إذابة هويتها وشخصيتها؟ هذه هي الحالة المتبعة في المجتمعات الغربية وعند المستغربين حتى من أبناء الأمة الإسلامية ، وكفى بهذا دليلاً على قيمة المرأة عندهم ، أما المرأة في جميع الأوساط الإسلامية كانت معززة ومكرمة وهي بنت وأخت وزوجة وأم ، وكانت مصونة في جميع أحوالها ، حتى جاء شياطين الرجال وأرادوا لها الهوان ، وأنزلوها إلى الدرك الهابط فاستغلوها للدعاية. (1/37)
صفحة 38
ونحن عندما ننظر إلى الظروف التي أحاطت بهذه الدعوات نرى أنها كانت ظروفاً أليمة لُزَّ بالمرأة فيها إلى مضايق ما كانت تود دخولها ، وقد تولى الرجل كبر هذا الأمر فقد اطلعت أن أول امرأة خرجت عن أطر الأخلاق والعادات التي كانت مفروضة على المرأة المسلمة في المجتمعات الإسلامية، فالشاعرة عائشة هانم التيمورية؛ من ذا أخرجها؟ إنما أخرجها أبوها ، ولعل أحداً وراءه دفعه إلى ذلك وكانت أمها تعارض ذلك لمنافاته ما تربت عليه من الآداب الدينية ، ولكن أباها الذي كان يجتمع عنده لفيف من الكتاب الذين كانوا مهرة في الكتابة باللغة العربية والفارسية والتركية كان يشجعها على أن تحضر عند هؤلاء الكتاب – ونحن لا نستنكر أن تتعلم المرأة بل ندعوها إلى التعلم ، فإن المرأة العالمة خير من المرأة الجاهلة ، والأم العالمة هي التي تربي أبناءها على العلم والصلاح والتقوى ، ولكن ليس على أساس خلع العذار(1) وانتهاك الحرمات ، وتجاوز الحدود ، وتحطيم قيود الفضيلة- وظلت هذه المرأة هكذا بين تشجيع الأب على ذلك واعتراض الأم عليها، ثم بعد ذلك كانت لها زميلة سلكت مسلكها ، وقد خاطبت المرأة المصرية لتجرها إلى سبيلها خطاباً عجيباً ، استغلت فيه بعض الخلاف الحاصل في بعض الأحكام الشرعية استغلالاً سيئاً من أجل تبرير ما تدعو إليه ، وهي الشاعرة ملك حنفي ناصيف ، التي قالت هذه الأبيات:
سيري كسير السحب لا تأني ولا تتعجلي
لا تكسحي أرض الشوارع بالإزار المسبل
أما السفور فحكمه في الشرع ليس بمعضل
ذهب الأئمة فيه بين محرم ومحلل
ويجوز بالإجماع عند قصد تأهل
__________
(1) العذار: هو لجام الفرس، ويستخدم كناية عن الحياء، فعذار الفرس يمسكه عن الانفلات بدون ضابط، وكذلك الحياء يمسك الإنسان من الانفلات عن ضوابط الأخلاق. (1/38)
صفحة 39
فقد استغلت هذه المرأة الخلاف بين الفقهاء في جواز كشف المرأة عن وجهها من أجل تبرير ما تدعو إليه من السفور المتمثل في لبس الثياب غير الساترة ، وقالت بأن السفور ليس بمعضل في الشرع ، لأن علماء الإسلام اختلفوا فيه بين مبيح ومحرم، مع أن السفور الذي أبيح على رأي بعض العلماء إنما هو سفور الوجه ، وليس السفور الذي تكشف فيه المرأة عن ساقيها وساعديها ونحرها وشعرها ، وتبدي فيه مفاتنها، لتكون عرضة للشيطان وإغوائه وعرضة لذئاب الرجال ، وليس هو مما أباحه الإسلام، كما قالت : ( ويجوز بالإجماع عند قصد تأهل ) ، أي عند قصد الزواج ، نعم يجوز بالإجماع عند قصد الزواج أن يرى الخاطب من مخطوبته وجهها وكفيها فقط، لا أن يرى ما فوق ذلك. (1/39)
صفحة 40
ثم انتهى هذا الأمر بموت هاتين الرائدتين للنساء في هذا الأمر ، فظلت المرأة المسلمة على رفضها الطبيعي من غير أن يقلقها شيء ، ولكن ما إن رجعت الأميرة نازلي فاضل(1) التي تربت في فرنسا على نمط الحياة الغربية –وكانت كلمتها الكلمة الأولى عند اللورد كرومر في مصر ، حتى كان تأثيرها تأثيراً بالغاً في السياسة المصرية – إلا وفتحت لها صالوناً تستقبل فيه الرجال ، يتداولون فيه الأحاديث ، وكان من بين الذين يغشون هذا الصالون قاسم أمين الذي اعترض آنذاك على كاتب ألماني انتقد وضع المرأة المسلمة من خمسة أوجه ، أولها أنها لا تتزوج إلا زوجاً واحداً ، بينما الرجل يباح له في الإسلام أن يتزوج أكثر من امرأة، ثانيها أنها ترث نصف ما يرث الرجل ، ثالثها أن الطلاق بيد الرجل لا بيدها ، رابعها أن المرأة المسلمة لا يجوز لها أن تتزوج كتابياً بينما الرجل المسلم يجوز له أن يتزوج كتابية ، خامسها أن المرأة مقيدة بقيود الحجاب الشرعي الذي يحد من حريتها في الحياة الاجتماعية ، فانبرى قاسم أمين يدافع عن وضع المرأة المسلمة وكرامتها ، وأنها راضية بحكم الإسلام قانعة به، وليست هي كالنساء المستغربات اللواتي خُدعن ببريق الحضارة الغربية ، فوشى به واش إلى الأميرة نازلي فاضل بأنه قصدها فيما قال ، فصبت عليه جام غضبها ، وما كان له أن ينقذ نفسه مما تصوره من ورطة وقع فيها إلا أن يؤلف كتاباً يدعو فيه إلى تحرير المرأة ، فألّف كتابه المشهور في ذلك، وكان هذا الكتاب مثار فتنة عظيمة، وتأسف هو بنفسه على تأليفه ، وقد قضى نحبه وهو يتقطع حسرة على ما كان منه، وأدلت امرأته بعده بتصريح قالت فيه : إن هذه الدعوة كانت دعوة هدامة ، لولا أن الله وقى الأمة شرها.
__________
(1) ذكر المؤرخ والصحافي المشهور مُحَمَّد حسنين هيكل في برنامجه "مع هيكل" عبر فناة الجزيرة القطرية أن هذه الأميرة تنصرت في أخريات حياتها، وكان ذلك في عام 1965م. (1/40)
صفحة 41
ثم هدأت العواصف إلى أن نجم(1) سعد زغلول واحتل مكاناً مرموقاً في السياسة المصرية، فدعا إلى سفور المرأة رافعاً شعار تحريرها ، وألقى خطبة أمام الجماهير، بحضور زوجته فقام برفع الحجاب عنها أمامهم ، ليكون قدوة لغيره في رفعه عن النساء المسلمات ، وهنا وقع الخصام بين كثير من النساء المغرورات وبين أسرهن ، فوقع الخصام بين البنت وأبيها ، وبين المرأة وزوجها ، إذ أخذن يرددن أن زعيم الأمة نزع الحجاب عن أم المصريين ، وهل نحن أولى منها بالالتزام بهذا الحجاب ، وأليست هي أولى أن نقتدي بها لما لها من التقدير والاحترام ؟ ولما سمع بهذا الصراع الذي نشب في البيوت والأسر دعا إلى اجتماع آخر ، وأحضر فتاة وسيمة شابة لتلقي خطاباً أمام الجماهير ، وقد كانت في بداية خطابها محجبة ، فقام إليها ونزع الحجاب عنها أمامهم ، فصفق له الغوغاء ، واصطلى الناس سعير هذه الفتنة ، ولكنه قدم الثمن باهضاً ، وهكذا شأن كل أحد يدعو إلى ما يخالف أمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لابد له أن يقدم الضريبة باهضة، فقد كانت قريبة له تربت في بيته ، وكانت –كما يصفها بعض الكتاب الذين كتبوا في هذه القضية– ملكة جمال ، وكان لها أخ تربى أيضاً في بيته يُسمى إبراهيم ، فذهب أخوها إلى فرنسا ليدرس الأدب الفرنسي بإيعاز من سعد زغلول نفسه ، وتزوج قريبته أحد الباشوات المصريين ، وكان من كبار الأثرياء، فذهب مع عروسه الحسناء إلى باريس لقضاء شهر العسل(2) بها ، فماذا كانت النتيجة؟ جاء في يوم من الأيام أخوها إليها ليزورها ، وقد نزع منه كل ما في الرجل المسلم أو الرجل الشرقي(3)
__________
(1) نجم: ظهر وبان على الساحة.
(2) مصطلح "شهر العسل" وارد على العربية، إلا أن له أصلاً فيها، حيث تسمي العرب الجماع بالعسيلة، وذلك لحلاوته، وقد وقع ذلك في بعض الروايات المرفوعة إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(3) يستخدم سماحته هنا مصطلح "الرجل الشرقي"، حيث تميز الإنسان الشرقي؛ مسلمه وكافره بميزات أخلاقية فطرية رائعة فقدت في الرجل الغربي، فليتنا نحسن روح الاتصال بالشرقيين لصد هجمات الغرب اللأخلاقية، بدلاً من روح القطيعة التي سادت العقل المسلم، فلم يتحملها، فارتمى الشرق أخيراً برمته في أحضان الغرب المتملص من كثير من الفضائل. (1/41)
صفحة 42
من صفات الغيرة والشهامة بتأثير الإعجاب الذي ملك لبه للحياة في بلاد الغرب ، جاء ومعه صديق ألماني كان زميلاً له في دراسة الأدب الفرنسي ، فعرّف بين صديقه وأخته ، فطلب الصديق أن يراقص الأخت أمام أخيها، ولأجل أن يثبت هذا الأخ بأنه مدني متحضر شجع على ذلك فراقصها الزائر الألماني، وفي أثناء هذه المراقصة كان يقول لها : يا سيدتي هاتان العينان هما اللتان كنت أبحث عنهما طول حياتي ولم أجدهما إلا في جبينك . فكانت هذه الكلمات كافية لإشعال نار الغرام في فؤادها ، ثم أتى إليها في اليوم الثاني وقد نظم قصيدتين باللغة الفرنسية ، يتغزل في إحداها بوصف محاسنها الفاتنة ، والثانية يصف فيها ما يجده في نفسه من لوعة الغرام بها، وكان مما تضمنته قصيدته هذه ما معناه : هل تسمحين يا سيدتي أن أكون خادماً صغيراً في مملكة قلبك الواسعة. فردت عليه بأنك أنت صاحب الجلالة في هذه المملكة ولست خادماً صغيراً ، وكانت نتيجة ذلك أنه عندما جاء إليها زوجها الباشا رفضته وقالت له : إنني وجدت صاحبي الذي أبحث عنه فما لي ولك ؟ ، وعاشت في كنف الشاب الألماني ، وعاد زوجها خائباً إلى مصر ، وعرض مشكلته على سعد زغلول ، فكتب إليها سعد زغلول يأمرها بأن تعود سريعاً إلى مصر، فما كان منها إلا أن رفضت هذا الأمر، وقالت بأن سعد زغلول إن كان زعيماً فإنه لا يتزعم قلبها ، وإنما زعيمه هواه ، فهي تستسلم له ، وهكذا كانت نتيجة الانخراط في سلك الفساد ، والارتماء في أحضان الفحشاء ، والبعد عن القيم والفضائل. (1/42)
صفحة 43
ونحن نحمد الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - على أن عشنا حتى وجدنا المرأة المؤمنة تعود إلى الحق والرشد وتصمد أمام تحديات الزمن ، وتسهم في بناء صرح الإسلام من جديد، ورفع منارته شاهقة تطل على العالم بأسره ، ولكن مع هذا لابد من أن تقدم الثمن مهما كان غلاؤه ، فهي لابد من أن تدعو إلى الخير ، وأن تصبر وتصابر لأجل أن تنجو من الخسران الذي توعد الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - به جنس البشر إلا من آمن وعمل صالحاً ، وكان من الذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
أثر المعصية في حياة الفرد والمجتمع
1- خطورة أثر المعصية: (1/43)
صفحة 44
إن أثر المعصية أثرٌ وبيل ، فعلى الإنسان أن يفكر فيمن يعصي ، إذ المعصية ليست لأحد من مثله ، ولا لمن يمكن أن يكون نداً له ، وإنما هي معصية للملك الأعلى "الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى"(1)، "الذي تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم "(2) ، الذي منه المبدأ وإليه الرجعى ، وله الحمد في الآخرة والأولى، والذي وعد وتوعد ، وهو صادق في وعده ووعيده ، نافذ في بريته حكمه، لا تبديل لكلماته ، ولا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه سبحانه ، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن ، فإقدام الإنسان على معصيته إنما هو إقدام على أمر عظيم مهما رآه صغيراً " قتل الإنسان ما أكفره ، من أي شيءٍ خلقه ، من نطفةٍ خلقه فقدره ، ثم السبيل يسره ، ثم أماته فأقبره ، ثم إذا شاء أنشره، كلا لما يقضي ما أمره ، فلينظر الإنسان إلى طعامه ، أنا صببنا الماء صبا ، ثم شققنا الأرض شقا ، فأنبتنا فيها حباً، وعنباً وقضبا ، وزيتوناً ونخلاً ، وحدائق غلبا، وفاكهةٍ وأبا ، متاعاً لكم ولأنعامكم"(3)، فمن كان هذا شأنه هل يخطر ببال أحد أن يجترئ على معصيته؟! كيف يجترئ الإنسان على معصية من خلقه من ماءٍ مهين ؟! وطوّره طوراً بعد طور حتى أخرجه بشراً سوياً ، وخلع عليه نعمه ، وأفاض عليه كرمه ، فجعله سميعاً بصيراً، عليماً خبيراً ، مفكراً قديراً ، ثم مع هذا كله إليه وحده المنقلب ، وهو قد أمر ونهى، ووعد وتوعد ، ولابد من أن ينفذ في خلقه أمره ، وأن يصدق فيهم وعده ووعيده، فكيف يجترئ هذا الإنسان على عصيانه ؟! إن هذا لأمر عظيم.
__________
(1) الأعلى/2-5.
(2) الآية رقم ( 44 ) من سورة ( الإسراء ) .
(3) الآية رقم ( 17 – 30 ) من سورة ( عبس ) . (1/44)
صفحة 45
إن معصية الإنسان لربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لها عواقب سيئة في نفسه ومجتمعه ، بل وفي الكون بأسره ، وأثرها في هذا الكون واضح لمن تدبر آيات الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، فإن الله - عَزَّ وَجَلَّ - يقول : " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون "(1) ، ويقول : " ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون"(2) ، ذلك لأن هذا الإنسان اختاره الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ليكون خليفة في الأرض ، وقطباً تدور عليه رحى الكون ، فمعصيته لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - متنافية مع منصب الخلافة الذي بوأه إياه ربه ، ومع انسجامه مع نظام هذا الكون الذي تسبح كل ذرة منه بحمد الله ، وتسجد خاضعة له ، فلذلك تظهر آثار هذه المعصية على هذا الكون كما ذكرنا ، وعلى الإنسان نفسه ، كما يدل عليه قول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون "(3) ، ويوضح ذلك حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقد أخرج أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة وابن جرير الطبري من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : "إن العبد إذا أخطأ نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإن هو نزع وتاب واستغفر صقلت ، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه ، فذلك الران " ، الذي قال تعالى فيه : " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون "(4) ، فمعصية الإنسان لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - تؤثر على العاصي بحيث يغطي على قلبه الران ، وهذا أمر فيه خطر عظيم ، يظهر إذا ما فكر الإنسان في طبيعة نفسه ، فإن طبيعة النفس
__________
(1) الآية رقم ( 41 ) من سورة ( الروم ) .
(2) الآية رقم ( 96 ) من سورة ( الأعراف ) .
(3) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( المطففين ) .
(4) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( المطففين ) . (1/45)
صفحة 46
البشرية لا تختلف عن الطبائع المحسوسة، والأقذار المعنوية لا تختلف أيضاً طبائعها عن الأقذار الحسية ، فلينظر الإنسان إلى الثوب الأبيض الناصع عندما يصيبه شيء من الأقذار ، إن عاجله بالتنظيف زال عنه القذر وزال معه أثره، فلا يبقى شيء من لونه أو ريحه ، أما إن أهمله وتركه عرضة للأقذار تتراكم عليه شيئاً فشيئاً حتى يصبح رده إلى نصاعته السابقة أمراً عسيراً جداً ، فعندما يغسله يتكلف الكثير من التعب والمشقة ، ومع ذلك تظل آثار الأدران(1) باقية في الثوب؛ ويكون الإنسان دائماً بحاجة إلى التيقظ لمثلها، وكذلك عندما ينظر إلى المرآة الصافية النقية، فعندما يلصق بها شيء من الصدأ ، إن عاجلها بالصقل عادت نقية صافية كما كانت من قبل ، أما عندما يترك الصدأ يتراكم عليها ، فإنه يؤثر فيها حتى يعسر زواله.
ومعصية الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - التي تصدر عن إصرار الإنسان هي جرأة عظيمة ليست بعدها جرأة ، حيث يعصي العظيم الذي جلت عظمته ووسعت كل شيء قدرته، الذي أسبغ عليه النعم الظاهرة والباطنة ، ومنه مبدؤه وإليه منقلبه ومعاده ، ومن بيده تصريف أمره ومقاليد حياته ومماته وقد وعده وتوعده ، وهو منجز وعده ووعيده، هذا ولا ريب أن الحاجز النفسي الناشئ عن شعور الإنسان بعظمة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يباعد بينه وبين معصيته ، ولكن هذا الحاجز يتحطم بالإصرار على معصيته ، فلا يلبث أن يتحول من الخشية من الله إلى الجرأة عليه ، وتكون هذه الفلتة التي كانت منه عن إصرار كمثل العقد إذا انقطع سلكه ، فلا تلبث خرزاته أن تتساقط ، وهكذا تتساقط الأعمال الصالحة بسبب اجتراء الإنسان على معصية ربه - عَزَّ وَجَلَّ - عندما فيجد نفسه وقد أفلس من جميع الحسنات ، وغرق في خضم الموبقات.
التوبة تمحو أثر المعصية:
__________
(1) الدرن: الوسخ. (1/46)
صفحة 47
وهذا لا يعني أنه لا تكون فلتة من الإنسان ، فإن طبيعة الإنسان السهو والنسيان، ولكن المؤمن سرعان ما يدكر ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فرّق بين المصرين وغيرهم، قال عز من قائل : " وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين ، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ، والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا الله ، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون"(1)، فالمتقون الذين وعدهم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - جنةً عرضها السموات والأرض ليسوا بمعصومين ، وإنما تقع منهم الفلتات ، فلربما وقع أحدهم في فاحشة ، ولربما ظلم أحدهم نفسه بمواقعة شيء من الصغائر ، ولكن مع ذلك يدكرون ويرجعون كما وصف الله تعالى بذلك الذين اتقوا ، فهم وإن كانوا عرضة لوسوسة الشيطان –إذ لا يكاد ينجو منها إلا المعصومون– إلا أنهم سرعان ما يدكرون ، يقول الله تعالى : " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع، إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون "(2) ، هذا الصنف من الناس سرعان ما يدكر، لأن خشية الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ورجاءه تملآن ما بين جوانحه ، ويتلاطم عبابهما(3) في قلبه، فلا يلبثا أن يتفاعلا تفاعلاً يوقظ هذه النفس من سكرتها ، فتعود إلى رشدها وتقلع عن غيها ، وتجانب كل ما يؤدي إلى هلاكها ، فالذين يتعهدون بذلك أنفسهم لا ريب أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يحفظهم من مكائد الشيطان ، فلا يكاد يوسوس لهم وسوسة تنحرف بهم عن سواء السبيل حتى يتراجعوا ويثوبوا إلى رشدهم ، بخلاف المصر الذي يعمى ويصم عن كل ذكرى وموعظة ، "
__________
(1) الآية رقم ( 135 ) من سورة ( آل عمران ) .
(2) الآية رقم ( 200 ) من سورة ( الأعراف ) .
(3) العباب: ارتفاع الماء وثرته، وهنا كناية عن عظم الخشية في النفس. (1/47)
صفحة 48
وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، فحسبه جهنم ولبئس المهاد "، هذا الصنف من الناس هو الذي يقع في الهلاك بعناده وإصراره.
إن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بفضله فتح الأبواب للتائبين الصادقين الذين يفعلون معاصيهم ويؤوبون إلى ربهم ويستغفرونه بضراعة وابتهال وصدق نية وصفاء طوية، فلم يقنط هؤلاء من رحمته بل أطمعهم فيها حيث يقول : " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحم الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتةً من ربكم وأنتم لا تشعرون ، أن تقول نفس يا حسرةً على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرةً فأكون من المحسنين "(1) ، وجاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر "(2) ، أي ما لم تصل الروح إلى حلقومه.
__________
(1) الآية رقم ( 53 ) من سورة ( الزمر ) .
(2) الترمذي ( 3537 ) ، ابن ماجه ( 4253 ) . (1/48)
صفحة 49
ولكن من هذا الذي يتوب وترجى له التوبة ؟ هل هو الذي أغرق نفسه وعمره في معاصي الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ؟ إن التائبين هم الذين يدكرون عندما يقعون في شيء من تجاوز حدود الله ، يقول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حليماً، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ، ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً "(1) ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يبيّن هنا أنه جعل قبول التوبة كالأمر الواجب عليه ، وإن كان - عَزَّ وَجَلَّ - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، إلا أنه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بفضله وحلمه وحكمته اقتضت مشيئته أن تكون التوبة مقبولة عنده حتماً - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بدون أي لبس وريب فلذلك قال : " إنما التوبة على الله "(2) ، لمن هذه التوبة ؟ " للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب " هؤلاء الذين يقع أحدهم في السوء بسبب جهالة، ولكنه يدكر ويعود إلى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - من قريب ، لا يسترسل في سوئه ، لأن المعصية كما قلت تجر معاصي ، ولأن الران عندما يستحكم في نفس الإنسان يعمي بصيرتها فلا تبقى مهيأة لأن تدكر وتتبصر ، وبيّن - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن وقوع هؤلاء في المعصية يكون عن جهالة أي جهل حكم تلك المعصية التي ارتكبوها ، أو بسبب السفاهة التي تطرأ للإنسان عندما تغشاه غاشية من ثورة شهوة أو غضب، والتوبة تكون لهؤلاء عندما يتوبون عن قريب ، فلا تكاد تلك الثورة تهدأ وتسكن وتنكسر حتى يكون الادكار والإياب إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، ولذلك قال : " ثم يتوبون من قريب " أي لا يسترسلون في المعصية، سادرين(3)
__________
(1) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( النساء ) .
(2) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( النساء ) .
(3) السادر: البالغ منتهى الحد، ومنه سدرة المنتهى أي المكان الذي ينتهي عنده علم الخلق. (1/49)
صفحة 50
في غيهم لاهين في غفلتهم ، وهذا أمر يتنافى مع الإصرار على معصية الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، أما من كان مصراً على معصيته لا يبالي بها فلا ريب أن توبته بعيدة لأنه يصبح أسير شهواته ، فالذي تسوّل له نفسه أن يأكل الربا ، وهو يتلو آيات الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - في كتابه التي تتوعد على أكل الربا وتحذر منه وتبين سوء عاقبته ، ثم لا يبالي أن يسترسل في غيه ، وأن يغدو ويمسي على معاملات الربا ، وكذلك الذي يغدو ويمسي وهو يصر على الزنا الذي حرّمه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، لا ريب أن توبتهما بعيدة ليست كتوبة الذي يعود إلى الله تعالى من قريب ويثوب إلى رشده بعد وقوعه في غيه من غير إصرار ولا توان ، وكذلك الذي يصر على قتل النفس المحرمة بغير حق ، والذي يصر على عقوق الوالدين والإساءة إليهما وقد ربياه صغيراً ، والذي يصر على قذف المحصنات وتناول أعراض الناس من هنا وهناك من غير مبالاة ، ولئن ذكر لا يدكر ، كل أولئك توبتهم عسيرة لأنهم بإصرارهم يصبحون أسارى ذنوبهم ، وإنما التوبة القريبة للذي يعمل السوء بجهالة ثم ينثني عن غيه ويثوب إلى رشده عن قريب ، فإن الله - عَزَّ وَجَلَّ - يتداركه بلطفه فينير بصيرته فيتوب إلى ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ويصقل مرآة نفسه ، فتدكر بعد غفلتها وتفيق من سكرتها وتصلح بعد فسادها. (1/50)
صفحة 51
إن هؤلاء الذين وعدهم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بالتوبة وجعلها كالأمر الواجب عليه لم يصفهم - عَزَّ وَجَلَّ - بأنهم يعملون السيئات ، بل وصفهم بأنهم يعملون السوء بجهالة، فأفرد السوء، لأن هؤلاء عندما يقع أحدهم في معصية لا تكاد معصية أخرى تردفها إلا وهو تائب من معصية مقلع عنها ، أما الذين آيسهم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من التوبة، فقد وصفهم بأنهم يعملون السيئات ويستمرون عليها ، بحيث تتابع سيئاتهم، لأنهم لا يقعون في سيئة واحدة فقط ، وإنما كل سيئة من سيئاتهم تجر وراءها أخواتها، وهكذا تتكاثر سيئاتهم من غير إقلاع وندم حتى يفجأهم ريب المنون فلا يبقى لأحدهم أمل في الحياة ، عندئذٍ يقول إني تبت الآن ، فتوبته ليست توبة اختيار، وإنما هي توبة اضطرار ، " حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن "(1) ولم يقل - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - حتى إذا حضر أحدهم الموت تاب. وإنما قال: " قال إني تبت الآن" فمثل هؤلاء كمثل الذي يُصْلتُ السيف على رأسه بعد أن يعثر عليه بأنه مقارف لأمر لا يرتضيه النظام ولا يقره القانون ، فيحاول أن يتملص ويتخلص بقوله إني تبت الآن، ولذلك جيء بكلمة " الآن " لأن هذه التوبة توبة غير مستمرة ، وإنما هي توبة آنية ، فلو أن من أصلت عليه السيف من قبل النظام أو القوة - حتى كاد يذهب برأسه - رفع عنه ، فإنه سرعان ما يرجع إلى غيه ، وكذلك هذا الذي يرى علامات الموت ، وييأس من الحياة ، لو أنه عادت إليه الحياة لعاد إلى ما كان عليه من غي وفساد ، يقول الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - في أهل النار : " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه"(2).
3- المعصية انحراف عن النظام:
__________
(1) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( النساء ) .
(2) الآية رقم ( 28 ) من سورة ( الأنعام ) . (1/51)
صفحة 52
إن المعصية التي تصدر من العاصي هي شذوذ عن الفطرة، وانحراف عن النظام الذي طبع الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عليه الوجود، ولذلك سمي مرتكب المعصية المصر عليها فاسقاً، أي خارجاً ، إذ الفسوق هو الخروج ، واستحق هؤلاء اسم الفسق بسبب خروجهم عن النظام الذي رتب الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عليه الوجود ، والفطرة التي فطر الله عليها الكون، ومن بين أفراد هذا الكون الجنس البشري ، وبذلك تكون معصيته التي يصر عليها نشازاً بينه وبين هذا الكون الواسع الأرجاء والمترامي الأطراف ، فإن الكون كله في نظامه الرتيب وحركاته المتناسقة ممتثل لأمر الله ، منقاد لحكمه ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يبين لنا أنه قال للسموات والأرض : " ءأتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين"(1)، فالكون كله ممتثل لأمر الله ، ولكن الإنسان يشذ عن نظام هذا الكون عندما يتبع منهج الشيطان الذي كان أول من سن الخروج عن نظام هذا الكون ، هذا هو الأثر الذي تخلفه المعصية في مرتكبها الذي يعمل السيئات ويصر عليها ، فلا يقلع عن غي، ولا يثوب إلى رشد.
__________
(1) الآية رقم ( 11 ) من سورة ( فصلت ) . (1/52)
صفحة 53
أما أثرها على المجتمع فهو أثر خطير جداً عندما تتفشى وتنتشر ، قد يبدو للإنسان أن بعضها يكون بين العاصي وربه ، ولا أثر على المجتمع ، ولكن المعصية في الحقيقة مهما كانت لابد أن ينعكس أثرها السيئ على الكل إن علموا بها فلم يغيروها، فلذلك كان من المفروض على الناس جميعاً أن يتعاونوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يطهروا مجتمعهم من رجس المعصية ، ويتخلصوا من أثرها السلبي، لنقدر أن تلك المعصية يبدو للناس أن العلاقة فيها بين العاصي والمجتمع منعدمة حسب الظاهر ؛ سواء كانت فعلية كالكذب والزنا والكبر والعُجب والرياء ، أو تركية كترك الصلاة والصيام والزكاة والحج وبر الوالدين ، إلا أن المتأمل يجد أن عاقبة أي معصية لا تعود على العاصي وحده وإنما تسري آثارها الوخيمة في المجتمع فتنخره نخراً.
لننظر أولاً في الكذب ، وما يجر إليه من ويلات وما يخلفه من آثار في النفس والمجتمع؟ إن مضرة الكذب ليست بالأمر الهين ، فالإنسان الكذاب لا يبالي بأن يفعل أي معصية كانت ، إذ التزام الصدق هو الذي يدعو إلى البر ، بينما تَعَوُّد الكذب يدعو إلى الفجور ، فالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق في كلامه حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب ، ويتحرى الكذب في كلامه ، حتى يكتب عند الله كذاباً "(1) فهل هذا الإنسان الذي لا يبالي بالكذب مع علمه أنه أمر عظيم يُطمأن إليه في معاملاته ، ويوثق به في بيعه وشرائه ، ويعتمد عليه في أخذه وعطائه ؟ كلا ، فهو لا يؤمن منه الخيانة والغدر والفجور في حال من الأحوال، لأن الكذب مدعاة لذلك كله.
__________
(1) البخاري ( 5743 ) ، مسلم ( 2607 ) . (1/53)
صفحة 54
كذلك تَعوُّد الغيبة، فإن اعتيادها يؤدي إلى هتك أعراض الناس، وعدم المبالاة بحقوقهم وحرماتهم، وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى العداوة والقطيعة فيما بينهم، وقد تدفع الغيبة إلى تجاوز هذا الحد ، حتى يقذف المحصنين والمحصنات ، وقذفهم من أعمل العوامل في إفساد المجتمع وتدمير الناشئة ، فإن المعصية التي تنسب إلى هؤلاء تجد طريقها إلى نفوس الناس ، فعندما يتحدث إنسان بأن فلاناً وقع فيها أو فلانة وقعت فيها ، ويتفشى ذكره في المجتمع ، ترسخ هذه المعصية في نفوس ذوي البصائر المنطمسة فيرغبون في تجربة ممارستها ليكتشفوا أغوارها ويسبروا ما فيها ، لا سيما تلك المعاصي التي تجد النفوس فيها لذاتها ، لذلك شدد الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - العقاب عليها في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فقد أمر بعقوبتين شديدتين عليها ، عقوبة بدنية وهي جلد ثمانين جلدة ، وعقوبة أدبية وهي حرمان من وقع في هذه المعصية من قبول شهادته ، أما في الآخرة فإن عقوبتها أشد وأنكى ، بيّنها الحق - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في قوله : " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين"(1).
__________
(1) الآية رقم ( 23 ) من سورة ( النور ) . (1/54)
صفحة 55
أما الزنا فإن ضرره ليس بين الزانيين فحسب ، بل يجر الوبال والشر على أسرته ومجتمعه وأمته ، فالزاني والزانية كلاهما يهدمان شرف أسرتيهما ، إذ الزنا خيانة ليست بعدها خيانة ، فالزاني يخون امرأته وأسرته ومجتمعه بالإفضاء إلى امرأة أخرى ليست له بحليلة(1) ، والزانية أيضاً بزناها تخون زوجها وأسرتها ومجتمعها ، وتلطخ شرف أسرتها بالعار، وتلحق بأسرة زوجها من ليس من دمهم وما هو لهم بحميم، وعندما يتفشى الزنا لا يطمئن أحد إلى نسبه ولا نسب غيره ، فلا يطمئن والد إلى ولده ، إذ لا يعرف هل هو من دمه أو من دماء قوم آخرين ؟ وبسبب عدم الاطمئنان توجد الوحشة وتكون القطيعة والتدابر والبغضاء ما بين الأسرة الواحدة ، فأثر هذه المعصية إذن ليس بالأمر الهين.
__________
(1) الحليلة: الزوجة. (1/55)
صفحة 56
كذلك عندما تكون المعصية أمراً باطناً في نفس الإنسان ، كالرياء والفخر والكبر والحسد وأمثال هذه الأشياء ، لا ريب أن آثارها أيضاً تظهر على سطح الحياة ولا تنعكس على من تلبس بها فحسب ، بل تنعكس على الكثير من الناس ، فعندما يتكبر الإنسان على غيره من البشر فأنه يحتقرهم ولا يبالي بالوطء على كرامتهم ، فلا يبقى لهم عنده وزن إلى أن يؤدي به الغرور بسبب كبريائه وتطاوله عليهم إلى أن يغمطهم ما لهم من الحقوق ، ويتجرأ على ما لهم من الحرمات ، وفي مثل هذه الحالة يكون التدابر والقطيعة بين الناس ، كذلك عندما يتلبس الإنسان بالحسد فإن حسده يدعوه إلى البغي على المحسود ، وهذا أمر يفضي إلى القطيعة والعداوة فيما بين الناس، وهكذا عندما يتغلغل الرياء في نفس الإنسان فإنه لا يطمأن إلى صدقه وأمانته في معاملته ويكون مظنة الغدر بالناس ، بسبب أنه لا يخشى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في قرارة نفسه ، فعبادته ومعاملته لا ينشآن عن إخلاص لوجه الله سبحانه، وهكذا تنعكس آثار هذه المعصية على المجتمع بأسره ، ويتجرع الجميع مرارة عاقبتها في الدنيا ، أما في الآخرة فيبوء بها صاحبها. (1/56)
صفحة 57
إما إن كانت المعصية بترك مأمور به كأن يترك الإنسان الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج مع القدرة عليه ، فإنه يحرم نفسه ومجتمعه من آثار هذه العبادات ، فإن لكل واحدة من هذه العبادات آثاراً إيجابية تنعكس على الفرد والمجتمع ، فالله تبارك تعالى قال في الصلاة : " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر "(1) ، فإن المداومة عليها والحرص على الإتيان بها على الوجه الشرعي من غير تقصير في شيء من حقوقها، أو تجاوز لشيء من حدودها ، يغرس الخشية والخشوع في نفس العبد إلى أن يكون متقياً لمناهي الله سبحانه ؛ وهذا يعني أن عدم الإتيان بالصلاة رأساً أو عدم المحافظة على إقامتها بالخشوع لله - عَزَّ وَجَلَّ - ، يؤدي بالإنسان إلى أن يسيئ المعاملة فيما بينه وبين غيره ، وذلك واضح في قول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -: "أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين ، فويلٌ للمصلين ، الذين هم عن صلاتهم ساهون ، الذين هم يراءون ويمنعون الماعون "(2)، إذ ذكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - التكذيب بالدين ، ودع(3) اليتيم، وعدم الحض على طعام المسكين ، ثم بعد ذلك توعد بالويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ، مع أن سياق الكلام كان يقتضي أن يقول فويلٌ لهم ، أي فويلٌ لأولئك الذين يتصفون بتلك الأوصاف، ولكن بدلاً عن ذلك جعل الويل منصباً على المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون؛ من أجل الإشعار بأن سهوهم عن الصلاة كان هو السبب في مقارفة ما ذكر كله، وناهيكم ذلكم دليلاً على ما لترك الصلاة من آثار سلبية على المجتمع.
__________
(1) الآية رقم ( 45 ) من سورة ( العنكبوت ) .
(2) سورة الماعون .
(3) الدع: الدفع العنيف. (1/57)
صفحة 58
ومنع الزكاة كذلك ، بل آثار منعها ظاهرة لا تكاد تخفى على أحد ، فإن الزكاة وإن كانت عبادة لله سبحانه إلا أن فيها حقوقاً للعباد ، ومنعها يؤدي إلى حرمانهم بجانب حرمان نفسه من الفضائل التي تغرسها فيها ، بل بعكس ذلك تكون نفسه بمنعها أسيرة شهوة المال الجامحة وهي عندما تستولي على النفس تصبح لا تبالي بالوطء على جميع الفضائل والقيم في سبيل إشباع هذا النهم الذي لا يقف عند حد ، وهذا أمر يظهر من إجرام المجرمين الذين يسفكون دماء الناس ، ويقطعون عليهم السبل، ويزهقون أرواحهم ، فإن ذلك كثيراً ما يكون بدافع من شهوة المال التي لا يبالي الإنسان –مع قوة سلطانها– أن يطأ على جميع القيم والفضائل ويتنهك جميع الحرم والحقوق ، ولربما أدت به إلى أن يعتدي على أقرب أقربائه وأخص خاصته رغبةً في إشباع رغبة نفسه التي لا يقف سعارها عند أي حد من الحدود. (1/58)
صفحة 59
والصيام هو سبب من أسباب الاستمساك بحبل التقوى ، فإن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن حكمة مشروعيته في أول آية من آيات الصيام ، وفي آخر آية منها ، أما في أول آية فذلك قول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون "(1) ، أي لتتقوا فإن "لعل" هاهنا بمعنى كي ، إذ هي تعليلية كما قاله عدد كبير من النحاة ، وجنحت إليه طائفة من المفسرين ، وأما الآية الأخيرة فهي قول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " كذلك يبيّن الله آياته للناس لعلهم يتقون"(2)، وهو مما يدل على أن مشروعية الصيام من أجل التقوى ، التي هي صمام الأمان في الحياة ، وضمان لحسن التعامل بين الناس ، بحيث لا يعتدي أحدٌ على حقوق الآخرين، ولا يتجاوز حدوده ، ولا يطلب ما ليس له ، وهذه التقوى هي التي تؤدي بالإنسان إلى أن يبذل ما عليه من حقوق ، وأن يزيد على ذلك من تلقاء نفسه تقرباً إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فعندما يترك الإنسان الصيام ، أو لا يؤديه حسبما شرع وذلك بضبط النفس عن جميع شهوتها ومنعها من مقارفة أي معصية من معاصي الله ، لا ريب أن ذلك يجرئه على الوقوع في معاصي أخرى ، وعلى تجاوز حدوده وعدم المبالاة بما شرع للناس من حقوق فيما بينهم وبينه وفيما بينهم أنفسهم.
والحج مثل ذلك، فإنه نيط بالتقوى في آياتٍ كثيرة من الكتاب العزيز، فمن استخف به ولم يؤده أو أداه على غير ما شرع لم يكن له نصيب مما يتزوده الحجاج البررة ويرجعون به من زاد التقوى، وهذا مما يؤدي –كما قلنا– إلى عدم المبالاة بحقوق الناس.
__________
(1) الآية رقم ( 183 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 187 ) من سورة ( البقرة ) . (1/59)
صفحة 60
كذلك جميع ما فرض الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من آداب اجتماعية كالصدق وحسن الخلق في التعامل بين الناس ، عندما يتركه الإنسان يؤدي به إلى توتر العلاقة فيما بينه وبينهم ، بل يؤدي ذلك إلى رسوخ العداوة بينه وبينهم عندما تتفشى هذه الحالة في أوساطهم ، فضلاً عن المعاصي التي تظهر لأول وهلة آثارها السلبية في حياة الناس، كالسرقة وقتل النفس المحرمة بغير حق وخيانة الأمانات ونحوها.
4- الدعوة علاج المعصية:
جعل الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - علاجاً للمجتمع يحميه من سوء عاقبة المعصية ، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال الله - عَزَّ وَجَلَّ - : " ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون "(1) ، فالمجتمع بأسره مطالب أن يكوّن جميع أفراده أمةً شأنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وقد حصر الله تعالى الفلاح في هذا الصنف من الناس في قوله: " وأولئك هم المفلحون "(2) ، وهذا يعني أن كل فردٍ من الأفراد مطالب بأن يكون كذلك ، ليكون من المفلحين وليسهم في إنقاذ الأمة من الهلكة ويؤيد ذلك قوله تعالى : " والعصر إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر "(3) ، فإن التواصي بالحق والتواصي بالصبر ركنان من أركان النجاة من الخسران الذي كتبه الله على جميع الجنس البشري إلا أولئك الذين استثناهم ، هذا واضح من حيث إنه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لم يقتصر في بيان أسباب النجاة من هذا الخسران على ذكر الإيمان والعمل الصالح وحسب ، بل أضاف إليهما التواصي بالحق والتواصي بالصبر ، ومعنى ذلك أن الإنسان وإن آمن وعمل صالحاً إلا أنه إن لم يكن من الذين يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر فليس ناجياً من
__________
(1) الآية رقم ( 104 ) من سورة ( آل عمران ) .
(2) الآية رقم ( 104 ) من سورة ( آل عمران ) .
(3) سورة العصر . (1/60)
صفحة 61
الخسران، كما يدل على ذلك أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان "(1) ، والناس عندما يتركون هذا الواجب تتفشى أوباء المعصية فيهم، ويبوؤن جميعاً بعقاب الله ، لقوله سبحانه : "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناهم تدميرا " ، فإنه - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ذكر هنا أن سبب وقوع الدمار في القرى هو أن يترك أهلها القبض على أيدي المترفين والضرب على أيديهم حتى يرتدعوا عن معاصي الله ، وعندما يظهر الفسوق بين الناس ولا يبالي عامة الناس بما يفعله الفسقة ، تنقلب عاقبة ذلك على الجميع ويكون الدمار شاملاً لهم.
وفي القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تدل على هذه العاقبة السيئة التي ينقلب إليها الناس بسبب فشو المعصية بينهم ، فهو تعالى يقول : " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين"(2)، فالأمم تبيد المعاصي خضراءها وتستأصل شأفتها عندما تسكت عنها ولا تبالي بها.
__________
(1) مسلم ( 49 ) .
(2) الآية رقم ( 16 ) من سورة ( الإسراء ) . (1/61)
صفحة 62
هذا وقد وجدنا في طوايا الآيات القرآنية الكريمة ما يدل على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفضي بالناس إلى أن يعمهم الله بلعنته ويطردهم من رحمته ، فهو تعالى يقول : " لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون "(1) ، قد بيّن سبحانه عاقبة بني إسرائيل الذين انقسموا طوائف فيما يتعلق بالعدوان في السبت ، فطائفةٌ اعتدت ولم تبال بحرمات الله ، وأخرى لم تعتد ولكنها وقفت موقفاً سلبياً بحيث لم تنكر هذا العدوان ، بل أفضى بها الحال إلى الاستخفاف بحلوم أولئك الذين كانوا ينكرون هذه المعصية ، بدعوى أن هؤلاء لا يجديهم الإنكار شيئاً، وطائفة ثالثة هي التي استمسكت بالعروة الوثقى التي هي معقد النجاة ومناط السلامة ، فقامت بتغيير المنكر ، وقد باءت كل واحدة بعاقبة ما كانت عليه كما بيّن تعالى ذلك في قوله : " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ، كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ـ وإذ قالت أمة منهم لم تعدون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ، قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ، فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون "(2)، ومن الواضح أن وصف " الذين ظلموا " وصف يصدق على كلتا الطائفتين ، الطائفة التي اعتدت والطائفة التي سكتت ، وذلك بالنظر إلى سائر دلالات الآيات الأخرى، من بينها قول الله سبحانه : " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون"(3)
__________
(1) الآية رقم ( 79 ) من سورة ( المائدة ) .
(2) الآية رقم ( 163 ) من سورة ( الأعراف ) .
(3) الآية رقم ( 71 ) من سورة ( التوبة ) . (1/62)
صفحة 63
، ولسنا مع الذي يقول بأن المراد بالذين ظلموا هم الذين ارتكبوا المخالفة وحدهم، ويقف عن القول في مصير الذين سكتوا ، بل الدلائل كلها تدل بكل وضوح على أن الذين ظلموا وصف صادق على الطائفتين ، وأن كلتاهما أخذت بعذاب بئيس من عند الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -.
فإذن مكافحة المعصية أمر لابد منه، ومسئوليتها يتحملها جميع الناس أفراداً وجماعات، حكاماً ومحكومين، صغاراً وكباراً، أقوياء وضعفاء، رجالاً ونساء، والدليل على أن النساء يدخلن في ذلك ما وصف الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - به المؤمنين والمؤمنات عندما قال : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله "(1) ، فإن أول وصف وصفهم به هنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بعدما وصفهم بأن بعضهم أولياء بعض، وفي هذا ما يوحي أن هذه الولاية –أي الترابط ما بين المؤمنين والمؤمنات– لا تكون أبداً إلا مع القيام بهذا الواجب، ومما يدل عليه أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - –في معرض الدعوة إلى الاجتماع والتحذير من التفرق والاختلاف– أمر بأن تكون هذه الأمة أمة أمر بمعروف ونهي عن المنكر ، وذلك في قوله : "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"(2)، وقد ترتب ذلك على قوله : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا ، وكنتم على شفا حفرةً من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون "(3) ، ووليه قوله: "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم
__________
(1) الآية رقم ( 104 ) من سورة ( آل عمران ) .
(2) الآية رقم ( 102 ) من سورة ( آل عمران ) .
(3) الآية رقم ( 105 ) من سورة ( آل عمران ) . (1/63)
صفحة 64
البينات وأولئك لهم عذاب عظيم"، وهذا يدل بكل وضوح على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفضي إلى التفرق والتمزق وانقسام الناس شيعاً وأحزاباً، يلبس الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بعضهم بعضاً، تغص صدورهم بالعداوات والبغضاء والمنازعات والشقاق ، ثم تقع الكوارث بما يعصف بالمجتمعات من الفتن التي تترتب على هذا التفرق والتمزق ، بينما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام الأمان لمن استمسك بحبلها وآوى إلى ركنها الركين، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وعد في كتابه العزيز أن يمكِّن للذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، حيث قال: "ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور"(1).
وبما أن الناس حياتهم بطبعها هي حياة اجتماع وليست حياة مستقلة، إذ لا يستقل أحد منهم بمصالحه دون بني مجتمعهم وأفراد أمته ، فإن مثلهم كمثل ركاب سفينة إن غرقت غرقوا جميعاً ، وإن نجت نجوا جميعاً ، وقد ضرب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلاً لسلامتهم وعطبهم بالذي يخرق ما يليه من السفينة ، فإن تركوه عطبوا ، وإن قبضوا على يديه ومنعوه نجوا(2) ، وهكذا عندما يقبض الناس على أيدي المفسدين ويمنعوهم عن الفساد ويأمرونهم بالمعروف ويأطرونهم على الحق أطراً –كما جاء في حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -– تكون العاقبة حسنة للجميع ، أما عندما يسترسل المفسدون في غيهم وفسادهم تنقلب العاقبة السيئة على الجميع.
التوبة
1- أهمية التوبة:
__________
(1) الآية رقم ( 40 ) من سورة ( الحج ) .
(2) الترمذي ( 2173 ) ، مسند أحمد ( 18387 ) . (1/64)
صفحة 65
التوبة لغة تعني الرجوع ، ودلالتها الشرعية لا تخرج عن هذا المدلول اللغوي ، فهي الرجوع إلى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، ذلك لأن التزام طاعته - عَزَّ وَجَلَّ - أمر فطري ، والإنسان عندما يعصي ربه يشذ عن هذه الفطرة ، فكل تعاليم دين الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - نابعة من الفطرة التي فطر عليها البشر " وأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون"(1).
__________
(1) الآية رقم ( 30 ) من سورة ( الروم ) . (1/65)
صفحة 66
والتوبة أمر ضروري لمن أراد لنفسه السعادة والوقاية من عذاب الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، فإن مغفرته - عَزَّ وَجَلَّ - إنما هي للتائبين ، يقول سبحانه: "وإني لغفارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى "(1)، فقد حصر الله تعالى مغفرته فيمن جمعوا بين هذه الخصال الأربع، وهي التوبة والإيمان والعمل الصالح والاهتداء، بحيث يلتزمون في حياتهم المنهج الصحيح ، ويسيرون في الدرب الذي يؤدي بهم إلى ما يمنونه أنفسهم من رضوان الله - عَزَّ وَجَلَّ - ، وقد حض الله عباده على التوبة في القرآن الكريم حيث يقول : " يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحاً عسى الله أن يكفّر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها "(2) ، والله سبحانه في معرض دعوة هؤلاء العباد إلى التوبة بيّن لهم أنه لا يؤوده(3) ذنب أن يغفره عندما يتوب العبد توبةً نصوحاً من أعماق نفسه ، وذلك في قوله : " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتةً وأنتم لا تحشرون أن تقول نفسٌ يا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ، أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين "(4) فالله سبحانه في هذه الآيات الكريمة يدعو عباده إلى أن يطرقوا بابه ، ويعودوا إليه بالتوبة النصوح التي يقبلها من عباده التائبين، فإنها تمحو الخطايا ، وترفع الدرجات ، وتبدل السيئات حسنات ، كما جاء في قوله تعالى : " والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي
__________
(1) الآية رقم ( 82 ) من سورة ( طه ) .
(2) الآية رقم ( 8 ) من سورة ( التحريم ) .
(3) يؤده:
(4) الآية رقم ( 57 ) من سورة ( الزمر ) . (1/66)
صفحة 67
حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ، ومن يفعل ذلك يلقى أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا، إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما "(1) ، فقد بيّن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - هنا أن التائبين الذين يقلعون عما هم عليه من المعاصي ، ويتوبون إلى ربهم ، ويزكون أنفسهم بالأعمال الصالحة التي تقربهم إلى الله سبحانه ، يبدل - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - سيئاتهم حسنات ، وكان الله غفوراً رحيماً ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما يدعو عباده إلى التوبة يحذرهم من أن يسوّفوها من حالٍ إلى حال ، حتى لا يفاجئهم ريب المنون وهم متلبسون بخطاياهم " أن تقول نفسٌ يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت من الساخرين ، أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ، بلى قد جاءتك آياتي فكذبت به واستكبرت وكنت من الكافرين"(2).
__________
(1) الآية رقم ( 70 ) من سورة ( الفرقان ) .
(2) الآية رقم ( 59 ) من سورة ( الزمر ) . (1/67)
صفحة 68
فالإنسان مطالب بأن يبادر إلى التوبة قبل لات حين مناص ؛ قبل أن يفاجئه ريب المنون وتصل روحه إلى الحنجرة ، وتظهر منه الغرغرة ، فإنه في هذه الحالة لا يقبل الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - توبته ، لأن التوبة المقبولة هي التوبة التي تكون عن اختيار، وهذه توبة اضطرار فهي كاذبة وليست صادقة ، فإن من تاب في هذه الحالة لو انقلبت حالته إلى عكس ما هو فيه لن يلبث أن يعود إلى معصيته ، فإن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول عن الذين رانت عليهم الخطايا حتى أوردتهم موارد العذاب " ولو رُدوا لعادوا لما نهو عنه"(1)، ذلك لأن الإنسان عندما ترين عليه معصيته وتحيط به خطيئته يكون أسيرها، ولو أظهر التوبة والندم والرجوع إلى ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، لن يلبث أن يعود إلى ما هو متلبس به من قبل من الخطايا بمجرد ما يجد فرصة سانحة ، لأن توبته غير نابعة من صميم قلبه ، إذ لم تكن عن رغبة واختيار وإنما كانت عن إلجاء واضطرار.
__________
(1) الآية رقم ( 28 ) من سورة ( الأنعام ) . (1/68)
صفحة 69
والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحض الأمة على التوبة النصوح ، ويشوقهم إلى أن يسارعوا إليها ، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام يقول كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم من رواية أبي موسى الأشعري : " إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، حتى تطلع الشمس من مغربها(1)"، ومعنى بسط الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يده لأجل توبة المسيء أن الله - سُبْحَانَهُ
__________
(1) أي عند الانهيار الكوني الشامل لحظة قيام الساعة، ولا فاصل بين اختلال النظام الشمسي وبين قيام الساعة، مصداقاً لقوله تعالى: "يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ" الأعراف:187، وقوله: "أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ" يوسف:107، وقوله: "بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ" الأنبياء:40، وقوله: "هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ" الزخرف:66، وقوله: "فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ" مُحَمَّد:18، وقد بيّن سماحته هذا المعنى لاحقاً وقرنها بانتهاء حياة الإنسان النهائية، وذلك في قوله: (إن باب التوبة لا يسد إلا عند الغرغرة، وذلك عندما تبلغ الروح الحلقوم، وكذلك عندما تطلع الشمس من مغربها، لأن هذه الحالة تؤذن بانتهاء الدنيا وإقبال الآخرة). (1/69)
صفحة 70
وتَعَالَى - يقبل هذه التوبة قبولاً واسعاً فكأنه يمد يده إلى هذا الذي جاء إليه تائباً كمد الحاكم يده إلى من جاء إليه مبايعاً ليتقبل منه بيعته ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - منزه من مشابهة المخلوقات ، وإنما هذه كناية كسائر الكنايات المعهودة في اللسان العربي، شأنها شأن قوله تعالى : " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء "(1) ، وجاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من عدة طرق ، عن ابن مسعود وأنس والبراء وغيرهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شبّه قبول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لتوبة عباده التائبين بحالة عبدٍ كان في فلاة ومعه راحلته عليها ماؤه وزاده ، فنام فاستيقظ فلم يجدها ، فلما أضلها ذهب ليبحث عنها حتى إذا ما أرهقه التعب والحر وأيس منها رجع إلى مكانه وقال: أنام حتى أموت. فتوسد ساعده منتظراً الموت ، فاستيقظ فوجدها أمامه ، عليها زاده وماؤه ، وقال "الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة "(2) ، ومعنى فرحه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بتوبة عبده المؤمن إكرامه له ، وقبوله لهذه التوبة ، واستقباله إياه باللطف ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بلغ لطفه بعباده أنه يتقبل التوبة منهم بمثل ما يستقبل الإنسان راحلته التي عليها أسباب نجاته من الهلكة في موضع هو مظنة الهلكة ، وجاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"، ومعنى ذلك أن باب التوبة لا يسد إلا عند الغرغرة ، وذلك عندما تبلغ الروح الحلقوم، وكذلك عندما تطلع الشمس من مغربها ، لأن هذه الحالة تؤذن بانتهاء الدنيا وإقبال الآخرة ، فهذه التوبة تكون توبة اضطرار أيضاً، وحمل على ذلك قول الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : "يوم يأتي
__________
(1) الآية رقم ( 64 ) من سورة ( المائدة ) .
(2) البخاري ( 5950 ) ، مسلم ( 2744 ) . (1/70)
صفحة 71
بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا"(1).
2- وقت التوبة:
ولئن كان الإنسان أنسئ له وأُعطي فرصة إلى حالة الغرغرة في قبول توبته ، فإن ذلك لا يعني أن يسوف التوبة من حال إلى حال ، فإن ساعة نهاية عمره وحضور غرغرته وبلوغ روحه حنجرته لا يحيط بها علماً ، فقد يفاجئه ريب المنون وهو في ريعان شبابه وزهرة عمره وأوج قوته وفتوته ، ومنتهى غروره وغفلته بحيث يظن أنه ينطح الجوزاء بفوديه(2)، ويطأ السماء بنعليه ، ولا يبالي بأي شيء ، فإذا بريب المنون يقطع حبال آماله ويطيح به من علياء جاه الحياة ووجاهتها إلى قعر سحيق لا يعلم مداه إلا الله ، لذلك كان من أحزم الحزم أن يبادر إلى التوبة عندما يقع في معصية من المعاصي ، والله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يبيّن لمن تكون توبته حيث يقول : " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً "(3) ، ثم يتبع ذلك قوله : "وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ، ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذاباً عظيماً "(4) ، فالله بيّن أن التوبة إنما هي عليه للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ، ما هي التوبة من قريب، وكيف تكون؟ نجد أن جمهور المفسرين بناءً على فهمهم لقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يقبل الله توبة العبد ما لم يغرغر"(5) قالوا : إن المراد بالتوبة من قريب أن
__________
(1) الأنعام/158، وقد روي هذا التفسير عن الإمام جابر بن زيد رحمه الله تعالى؛ انظر؛ أشراط الساعة، خالد بن مبارك الوهيبي، ص ، ط1، مكتبة الغبيراء، 1426هـ-2005م.
(2) الجوز وسط الشيء، والجوزاء برج يتوسط السماء، الفود: جانب الرأس.
(3) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( النساء ) .
(4) الآية رقم ( 18 ) من سورة ( النساء ) .
(5) الترمذي ( 3537 ) ، ابن ماجه ( 4253 ) . (1/71)
صفحة 72
يتوب قبل الغرغرة ، واستدلوا لذلك أيضاً بأن الآية التي تليها جاء فيها ما يدل على أن التوبة للمسوفين(1) إلى أن تنقضي أعمارهم ويحضر أحدهم الموت.
وللإمام مُحَمَّد عبده تحرير جيد جداً في تفسيره لهاتين الآيتين الكريمتين ، وتابعه على ذلك تلميذه السيد مُحَمَّد رشيد رضا في المنار، وهو من التحقيق بمكان ، جاء فيه أن المراد بالتوبة من قريب أن يتعجل الإنسان التوبة إثر وقوعه في الخطيئة عندما يستيقظ ويتفطن لما حدث منه ، ذلك لأن شأن المؤمن أن يكون رجاعاً إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، والمعصية تكون غالباً بباعث من الشهوة أو الغضب ، ولكن عندما تنكسر شهوة العبد وتنتهي حدة غضبه يفيق من غيه ، فيأتيه الندم ، وهذه الساعة هي ساعة التوبة ، يدرك الإنسان فيها خطر ما وقع فيه فيحرص على أن يتدارك نفسه، فيقلب صفحته من الشر إلى الخير ، ومن المعصية إلى الطاعة، ويعود إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ليطهر نفسه من رجس ما وقع فيه ، وهنا ملحظٌ دقيقٌ جداً لم أجد أحداً من المفسرين تنبه له قبل الإمام مُحَمَّد عبده، وهو من الدقة بمكان، وهو حريٌ أن يُتفطن له، وذلك يكمن في دقة التعبير القرآني وهو أن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عندما ذكر حال الذين يقبل توبتهم قال : " الذين يعملون السوء بجهالةٍ"(2)، فأفرد السوء، أما المسوفون الذين لا تقبل توبتهم لأنها لا تكون إلا اضطرار فقد قال فيهم: "وليست التوبة للذين يعملون السيئات "(3)، فأتى بكلمة السيئات بصيغة الجمع، ومعنى ذلك بناءً على ما توجه إليه فكر الإمام مُحَمَّد عبده أن الذي يقبل الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - توبته هو الذي يُحدث التوبة إثر المعصية، فإن إحداثه للتوبة إثر المعصية يمحو آثارها من نفسه ويجعلها كأنها لم
__________
(1) التسويف: التأجيل من حين لآخر، أخذاً من قوله: سوف أفعل، سوف أفعل.
(2) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( النساء ) .
(3) الآية رقم ( 18 ) من سورة ( النساء ) . (1/72)
صفحة 73
تكن، وأما الذي يسترسل في المعاصي فهو يتبع السيئة أختها حتى تترادف سيئاته وتتراكم عليه، فيصبح بعدها أسيراً لها، ويصعب عليه أن يقلع عنها(1)، وهذا مثله فيما ذكر الإمام مُحَمَّد عبده كمثل الثوب الذي يُصاب بالدنس، فإنه عندما يغسله صاحبه فوراً ينظف كأنه لم يصبه شيء ، لأنه لا يبقى شيء من أثر ذلك الدنس ، أما عندما تتراكم عليه الأدناس ويتقادم الزمن ، فإنه من الصعوبة بمكان إزالة آثارها ، وهناك مثل آخر قريب من هذا المثل الذي ضربه الأستاذ الإمام مُحَمَّد عبده ، وهو أن المرآة عندما تصدأ ويصقلها صاحبها فوراً تنجلي وتعود كما كانت ، ولكن عندما يتراكم عليها الصدأ ويتقادم بها الزمن فإن ذلك يجعل انجلاءها أمراً صعباً، والنفس كالمرآة(2)، والإنسان يشاهد الحقائق من نفسه عندما يطالعها من هذه المرآة ، ولكن عندما تتراكم المعاصي تحجب عنه الرؤية الصحيحة.
__________
(1) قلت: هذا الملحظ وإن لم يسبق إليه مُحَمَّد عبده في استنباطه، إلا أنه نابع من القواعد الحقة للدين الحنيف والتي سار عليها أهل الحق والاستقامة من قبله، وهي وجوب مسارعة العاصي إلى التوبة حتى لا يموت فيلقى الله هخاسراً، فمُحَمَّد عبده إن كان لم يسبق في الاستنباط من الآية تفريعاً، إلا أنه مسبوق من قبل أهل الحق والاستقامة تأصيلاً وتقعيداً بأزمنة متطاولة، والله يفتح فيوض علمه على من يشاء من عباده، ولا راد لفضله.
(2) هذا المثال ذكره العلامة سعيد بن خلفان الخليلي، انظر تمهيد قواعد الإيمان، ج، ص، ط وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان. (1/73)
صفحة 74
ويؤيد هذا التفسير الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجة والترمذي وصححه ، والبيهقي والحاكم وصححه أيضاً ، وابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم ، من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإن هو نزع واستغفر وتاب صُقلت ، وإن عاد زيدت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكره الله في قوله: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون "(1) ، فهكذا القلب يصفه الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأنه عندما يذنب العبد الذنب تنكت فيه نكتة سوداء ، والقلب كما ذكرت كالمرآة يُشاهد الإنسان منه الحقائق النافعة والضارة ، ولكن عندما يقع في المعصية ، فإنها تحجب عنه المشاهدة بسبب النكت السوداء التي تعلو القلب حتى يظلم منها ، إلا أنه عندما يتوب وينزع عن معصيته تلك ، ويستغفر الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يصقل قلبه وتعود إليه الشفافية فتنكشف له الحقائق ، ولكن عندما يعود تعود، وعندما يستمر تعلو هذه النكتة القلب فتنتشر فيه حتى تغطيه وتحجب عنه النور، وعندئذٍ يكون الران ، وذلك الذي ذكره الله تعالى في قوله : " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون "(2) ، فإذن على الإنسان أن يتدارك نفسه قبل لات حين مناص، قبل أن يعلو الران قلبه وتُحجب الحقيقة عنه فتصبح في موازينه السيئة حسنة والحسنة سيئة ، وهذا لا يتنافى مع كون التوبة مقبولة عندما يتوب الإنسان إلى ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، ولو ارتكب ما ارتكب من المعاصي عندما تكون توبته صادقة وتكون قبل الغرغرة، فإن ذلك مما لا خلاف فيه، بل هو مما أُجمع عليه، وهو مما نص عليه، فإن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يدعو عباده الذين أسرفوا على أنفسهم ألا يقنطوا من رحمته ، ويعدهم بأنه يغفر
__________
(1) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( المطففين ) .
(2) الآية رقم ( 18 ) من سورة ( النساء ) . (1/74)
صفحة 75
لهم الذنوب جميعاً ، عندما يتوبون توبةً صادقةً نصوحاً من أعماق قلوبهم، وهذا وعد قطعه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - على نفسه ، إلا أنه بجانب ذلك هل يأمن الإنسان نفسه وهي غدارة مكارة ؟ ولئن كان يوسف الصديق عليه السلام يقول فيما يحكيه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عنه " وما أُبرئ نفسي إن النفس لأمارةٌ بالسوء إلا ما رحم رب"(1)، مع أنه برأه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بالأدلة التي قامت شاهدة أنه كان مثالاً للورع والنزاهة، ولكن مع ذلك كله كان هكذا يقول ، فما بالنا نغتر بنفوسنا ونستمر على معاصي الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -.
__________
(1) الآية رقم ( 53 ) من سورة ( يوسف ) . (1/75)
صفحة 76
ويؤيد هذا التفسير أيضاً ما ذكره الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من صفة المتقين ، حيث يقول: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون "(1) ، فشأن المتقي أنه عندما يلم به شيطان ويزين له الوقوع في شيء من معاصي الله ، بدافع من حب لذة أو حب انتقام ، سرعان ما يتراجع ويدكر لمجرد ما تنجلي عنه الحالة التي كان عليها ، ويرعوي ويثوب إليه رشده ، ويرجع إليه وعيه ، ويطرق باب الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - مستغفراً ، وبهذا وصف الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - المتقين الذين وعدهم جنةً عرضها السموات والأرض ، حيث قال : " وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ، والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا الله ، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون "(2) ، ترون أن الله تعالى وصفهم هنا بأنهم عندما يقعون في فعل فاحشة أو في ظلم أنفسهم ، سرعان ما يتراجعون ويتوبون إليه سبحانه، ويستغفرونه فهم دائماً يدكرون بعد غفلتهم ، ويصلحون بعدما وقعوا في الفساد، ولا يصرون على ما فعلوا من المعصية وهم يعلمون.
__________
(1) الآية رقم ( 201 ) من سورة ( الأعراف ) .
(2) الآية رقم ( 134 ) من سورة ( آل عمران ) . (1/76)
صفحة 77
إن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وعد التائبين الصادقين قبول توبتهم بحيث جعلها كالشيء اللازم عليه سبحانه ، مع أنه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يجب عليه شيء لخلقه ، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولأنه عدل في كل ما يفعل ، ولكن لتحقيق هذا الوعد قال : " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة "(1) ، ومعنى ذلك أن هؤلاء عندما يرتكبون المعصية فإنهم يفعلون ذلك إما بسبب عدم معرفتهم بالأحكام ، وإما بسبب ما يطغى على نفوسهم من أثر الشهوة أو الغضب وحب الانتقام ، حتى ينسيهم حكم الله تعالى في الذي يرتكبونه ، هؤلاء هم الذين أعطاهم الله تعالى العهد بأنه يتقبل منهم توبتهم، لأنهم عندما يقعون في المعصية لا يقعون فيها وهم مصرون ، ولكن يقعون فيها لنزوة طارئة أو لجهل ملم ، وعندما ينجلي هذا الجهل أو تزول هذه النزوة ، شهوة كانت أو غضباً ، سرعان ما يتراجعون ويثوبون إلى رشدهم ، ويتوبون إلى ربهم ، فلذلك جعل الله توبتهم كالأمر الواجب عليه سبحانه ، لأنه لا تبديل لكلماته ، أما الذين يستمرون على المعصية فإنهم عندما يتوبون إلى الله توبةً صادقةً ولو كانت في آخر العمر تقبل منهم ، ولكن أنى للإنسان أن يمني نفسه أنه سيجد هذه الفرصة في آخر عمره ، مع أن الآجال صوارم تقطع حبال الآمال ؟ فكم من مغرور يسوف التوبة من حالٍ إلى حال ، بسبب ما يمني به نفسه من الأمل أنه سينسأ له في أجله الخادع حتى تختم حياته بتوبة؛ أتاه ريب المنون بين عشية وضحاها، فتحول من الدنيا إلى الآخرة وهو مثقل بالأوزار ، وكيف يسوغ للإنسان أن يخدع نفسه بهذا الأمل الخادع مع إسلاس قياده للشيطان وإمعانه في المعاصي ، بحيث يتراكم على نفسه آثارها المشئومة ، وكيف يمني نفسه بأنه سيعقد رغداً على ما يعجز عنه اليوم؟.
جسر المنون أمام وجهك عابر
ولسوف تعبره مع السُّفار
شمِّر لتعبره مخفاً سالماً
من ثقل ما أوقرت من أوزار
__________
(1) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( النساء ) . (1/77)
صفحة 78
ليس العظات بما يقول مذكر
مثل العظات بمصرع الأعمار
كم للمنون لو اعتبرنا من يدٍ
في سلبها الأرواح بالتذكار
فالعاقل اللبيب هو الذي يتراجع بسرعة ، فيحط عن نفسه أثقال أوزارها ، ولا يصر على معصية ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -.
3- خطر الإرجاء على التوبة:
إن تسويف التوبة كثيراً ما يعود إلى عدم رسوخ العقيدة في النفس ، فالعقيدة هي التي تدفع الإنسان إلى التوبة النصوح والإقلاع عما وقع فيه من معصية الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وزعزعة العقيدة إنما تكون بسبب ما يبث في النفس من الأماني الفارغة، التي جاء القرآن الكريم بما يقطع حبالها ويجتث جذورها ، فالله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يقول: "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ، ومن يعمل من الصالحات من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا "(1) ، وهو يفيد أن كل أحد إنما هو رهين عمله خيراً كان أو شراً ، وعقيدة عدم مؤاخذة المسيء بما ارتكب من المعاصي، هي التي تهون شأن المعصية في نفوس معتقديها ، وهم في هذا يتجاهلون نصوص القرآن الدالة على أن كل أحد مجزىً بما يأتي به من الأعمال كقوله تعالى : " من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذٍ آمنون ، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ، هل تجزون إلا ما كنتم تعملون"(2) ، وقوله : " من جاء بالحسنة فله خير منها ، ومن جاء بالسيئة فلا يجز الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون"(3) ، وقوله : " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، ومن جاء بالسيئة فلا يُجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون"(4)، وقد سوغ هؤلاء لأنفسهم ارتكاب الكثير من الموبقات بدعوى أن هنالك شفاعات تخلص الإنسان
__________
(1) الآية رقم ( 123 ) من سورة ( النساء ) .
(2) الآية رقم ( 89 ) من سورة ( النمل ) .
(3) الآية رقم ( 84 ) من سورة ( القصص ) .
(4) الآية رقم ( 160 ) من سورة ( الأنعام ) . (1/78)
صفحة 79
المرتكب للخطايا من العقاب ، أو أن الحق - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما يعد ويفي بما وعد، وعندما يُوعد يخلف ما أوعد، حتى أنهم يقولون في دعائهم : ( اللهم يا من إذا وعد وفى وإذا أوعد عفا ) ، والواقع أن القرآن الكريم جاء بما يجتث هذه الأماني ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول : " لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد"(1)، ودل القرآن الكريم أن هذه المعتقدات كانت في الأمم السابقة ، وأنها هي التي جرأتهم على ارتكاب الموبقات والوقوع في المخالفات ، فالله تعالى يقول في بني إسرائيل : " فخلفٌ من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق "(2) ، ويخاطبهم بقوله : " واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون"(3)، وبقوله : " واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون "(4) ، ويخاطب بمثل ذلك هذه الأمة فيقول : " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خُلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون"(5) ، ويبّين - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن مثل هذه الأفكار عندما تسود النفس تدفع الإنسان إلى الكثير من المخالفات ، حتى ينبذ ما أوتيه من الكتاب ، فالله تعالى يقول: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريقٌ منهم وهم معرضون ، ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم
__________
(1) الآية رقم ( 25 ) من سورة ( آل عمران ) .
(2) الآية رقم ( 169 ) من سورة ( الأعراف ) .
(3) الآية رقم ( 48 ) من سورة ( البقرة ) .
(4) الآية رقم ( 123 ) من سورة ( البقرة ) .
(5) الآية رقم ( 254 ) من سورة ( البقرة ) . (1/79)
صفحة 80
ما كانوا يفترون ، فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون "(1) ، وسمعت أحد الذين تأثروا تأثراً بالغاً بمثل هذا المعتقد الإرجائي يجعل كل معصية من معاصي الله صغيرة إلا الشرك بالله، ويقول: من وقع في أي معصية فإنه إما أن يشمله العفو الإلهي ، وإما أن تشمله شفاعة النبيين، وإما أن يشفع له الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو أحد الصالحين من أمته ، وإما أن يكفّر ذلك بما يأتيه من الأعمال الصالحات ، وإما أن يُدخل النار قليلاً ، وهي نار خفيفة يسيرة لطيفة ، ثم يُخرج منها ، وكان ذلك في تسجيل حتى أن المخرج سخر منه ، وقال له : هل حرارتها كحرارة هذا الأستوديو؟ قال له : بل أشدّ قليلاً . وكان ذلك في معرض حديث له يتعلق بإباحته السفور لامرأة دخلت الإسلام ، ولكن شق عليها أن تلبس الحجاب الشرعي ، وتريد أن تستمر على ما كانت عليه ، فرد عليها بقوله : لا بأس فإن هذه سيئة تكفرها حسنتها الكبرى وهي الدخول في الإسلام. وهو يتجاهل النصوص القاطعة من كتاب الله وسنة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ففي القرآن جاءت آيات الوعيد على اتباع هوى النفس وعدم التزامها واجبات الدين ، وفي الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نص في هذا حيث يقول الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما بعد، رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساءٌ كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا"(2).
__________
(1) الآية رقم ( 25 ) من سورة ( آل عمران ) .
(2) مسلم ( 2128 ) . (1/80)
صفحة 81
ودل القرآن الكريم أن النجاة منوطة بنهي النفس عن الهوى ، فالله تعالى يقول: " فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى ، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى "(1) ، ولا ريب أن الذي وقع في أي معصية من المعاصي إنما آثر الدنيا على الآخرة ، فالزاني آثر اللذة العاجلة على المثوبة الآجلة، وكذلك السارق آثر المطمع العاجل على الثواب الآجل ، وكل من وقع في أي معصية وأصر عليها من غير إقلاع عنها مؤثر لهذه الحياة الدنيا ، فالفوز بالجنة إنما هو معقود بالخوف من مقام الله سبحانه وردع النفس عن هواها " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى "(2)، ذلك لأن الخوف هو الذي يدفع الإنسان إلى أن يكبح جماح نفسه ويصدها عن هواها حتى لا تقع في شيء من محارم الله، والله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يقول : " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحورا ، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا "(3) ، ذكر أن من أراد العاجلة وآثرها على الآجلة فإن مأواه جهنم ، ومن المعلوم أن آكل الربا آثر العاجلة على الآجلة ، وقاتل النفس المحرمة قصد بذلك شفاء غيظه ، أو قصد ما يتوصل إليه من مكاسب الدنيا ، فهو مؤثر للعاجلة على الآجلة ، وكذلك الذي يرتكب أي خطيئة من الخطايا، فهذا الصنف من الناس إنما هذه عاقبته وهذا منتهاه " ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحورا"(4) ، ومن أراد الآخرة بحيث ينهنه نفسه عن معصية الله ، ويسعى السعي الصحيح إلى الدار الآخرة فيعمل الصالحات ويتجنب الخطايا والزلات ، وهو مؤمن إيماناً راسخاً بحيث سلمت عقيدته وصفت من لوثات
__________
(1) الآية رقم ( 40 ) من سورة ( النازعات ) .
(2) الآية رقم ( 40 ) من سورة ( النازعات ) .
(3) الآية رقم ( 18 ) من سورة ( الإسراء ) .
(4) الآية رقم ( 18 ) من سورة ( الإسراء ) . (1/81)
صفحة 82
الشرك والضلال ، فإن ذلك من الذين يشكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - سعيهم " فأولئك كان سعيهم مشكورا".
إن التوبة من المعصية تزكية للنفس ، وأنتم تدرون أن النفس التي تتدنس بالمعاصي ويدعها صاحبها تستمر في تلك الحالة ، تحتاج بعد التوبة إلى جهد جهيد حتى تتزكى من آثار تلك المعاصي ، وتتطهر من تلك الأرجاس التي لابستها ، وهذا –كما ذكرنا– من شأن الثوب الذي يتدنس عندما يترك وشأنه فإن الدنس يتراكم عليه، ومن الصعب أن تزول آثاره عنه فيما بعد إلا بجهدٍ كبير ، وكذلك شأن المرآة عندما تصدأ وتهمل بحيث لا يهتم بتجليتها ، يكون من العسير أن يعود إليها صفاؤها، بخلاف ما إذا تعجل في تصفيتها وإزالة آثار ما وقع عليها ، وهذا يعني ذلك أن الإنسان عندما يقع في معصية الله تعالى ويستمر عليها يُصبح أسيراً لها ، وهو مشاهد في حياة كثير من الذين يستهينون بالمعاصي ، حتى أن أحدهم قد كان في حالة يأس من العافية بسبب مرض خطير قاتل ألم به ، وهو لا يزال يُعاني منه، وقد أشار إليه أحد أقربائه بأن يتوب من معصية وقع فيها ، فقال : إنني أستحي أن أتوب . نعم يستحي من التوبة ولا يستحي أن يلقى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بمعصيته تلك، ولا ريب إنما هذا كله نتيجة عدم رسوخ الإيمان بسبب تراكم المعاصي ، فإن الإنسان عندما تتراكم معاصيه على قلبه تعمي بصيرته ويختم على قلبه والعياذ بالله، بسبب الران الذي يطغى عليه ، حتى يعود لا يميز بين حق وباطل ، ولا بين هدى وضلالة ، ذلك كله من شؤم هذه المعاصي التي تقلب الموازين في نفس صاحبها رأساً على عقب ، فالقضية ليست قضية هينة إنما هي قضية خطيرة ؛ لأنها قضية مصير دائم ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن مصير الناس يوم القيامة بقوله : " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ، والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من (1/82)
صفحة 83
عاصم ، كأنما أُغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلمة أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "(1) ، وقوله : " إن الأبرار لفي نعيم ، وإن الفجار لفي جحيم ، يصلونها يوم الدين ، وما هم عنها بغائبين "(2) ، فلينظر الإنسان أي المصيرين يريد لنفسه ، أيريد أن يكون مصيره مصير الفجار الذين يصلون الجحيم، وما هم عنها بغائبين ؟ أو يختار لنفسه أن يكون مصيره مصير الأبرار الذين ينقلبون إلى النعيم ، يتبوأونه أبد الآبدين ؟ فالمصير معقود بالمسير ، فإن الجزاء مرتبط بالعمل ، والإنسان عليه ألا يغتر بما وجده في هذه الحياة الدنيا من فضل الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عليه ، ونعمه التي يغدقها عليه ، إذ ذلك كله قد يكون استدراجاً له، والآخرة عند ربك للمتقين " ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين"(3).
__________
(1) الآية رقم ( 27 ) من سورة ( يونس ) .
(2) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( الانفطار ) .
(3) الآية رقم ( 36 ) من سورة ( الزخرف ) . (1/83)
صفحة 84
وذكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يستوجب التوبة والرجوع والأوبة إليه ، والإقلاع من معاصيه ، والمسارعة إلى طاعاته ، وإيثار طاعته على طاعة أي أحد من الناس، فإن جميع الناس لن يغنوا عن أحد من الله شيئاً إن أعرض عن طاعته ، إنني لأعلم أحداً ممن آتاهم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - حظاً من العلم وكان له شأن وجاه عند الناس ، أراد أن يغطي الحقيقة في أمر ما دفاعاً عن الذين ظلموا ، وتودد إليهم بتزيينه ما هم عليه من الباطل ، فلم تمض إلا أيام قليلة على فعله هذا حتى نبذه أولئك الظالمون الذين تقرب إليهم ، وقطعوا حبالهم التي تصله بهم ، فتذكرت قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من اتقى الله كفاه الله مؤونة الناس ، ومن اتقى الناس ولم يتق الله سلط الله عليه الناس وخذله "(1) ، إن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - على كل شيءٍ قدير ، وهو يمهل ولا يهمل ، فعلى العبد ألا يغتر بما يجده في دنياه من بسط الله تعالى نعمته عليه، والعاقل يحرص على أن يعتبر بغيره ، والجاهل يترك نفسه معتبراً لغيره ، ومن دعاء بعض الصالحين: اللهم اجعل لي عبرة ولا تجعلني عبرة.
4- شروط التوبة:
__________
(1) الربيع ( 704 ) . (1/84)
صفحة 85
التوبة تختلف باختلاف المعاصي التي يقع فيها الإنسان ، وقد جاء : أحدث لكل معصية توبة ، السر بالسر والعلانية بالعلانية . إن على الإنسان أن يتوب إلى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - من كل معاصيه توبةً نصوحاً ، وهي وإن كانت واجبة بين العبد وربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، إلا أن العاصي عندما تكون معصيته شاهرة ظاهرة يُطالب أيضاً بأن يعلن توبته حتى يمحو آثار خطيئته فيما بينه وبين الناس ، فإن الحب والبغض في الله من أوثق عُرى الإيمان ، والإنسان عندما ينحرف عن السبيل الأمثل تنقطع صلة الولاية بينه وبين إخوانه المؤمنين ، فلذلك يُطالب –عندما يثوب إلى الحق ، ويعود إلى ربه، وينقلب عن غيه إلى رشده– بأن يعلن ذلك لتعود الصلة القائمة على الحب في الله بينه وبين إخوانه المؤمنين ، وبهذا تكون الجماعة المؤمنة متلاحمة كالنفس الواحدة في اتحاد أحاسيسها ومشاعرها كما جاء في حديث " ترى المؤمنين في توادهم وتراجمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"(1).
__________
(1) البخاري ( 5665 ) ، مسلم ( 2585 ) . (1/85)
صفحة 86
أما التوبة مما خفي من المعاصي فإنها يؤمر أن تكون خفية أيضاً ؛ لأن الإنسان مطالب بأن يستر سوءته ، وألا يظهر للناس ما توارى عنهم من خطيئته ، لذلك كان عليه أن يتوب بينه وبين ربه ، ومن أرخى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عليه ستراً من عنده فلا يهتكه، ولذلك رد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من جاء إليه طالباً منه أن يقيم عليه الحد الشرعي، وهذا هو منهج السلف الصالح ، فإن من يأتيهم بمثل هذا الغرض يأمرونه أولاً أن يتوب بينه وبين ربه سبحانه ، وهناك أيضاً فرق بين المعاصي التي تكون بين العبد وربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وبين العبد وإخوانه من البشر، فإن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - وإن غفر للتائب إليه ما يكون من حقه تعالى فلا يغفر ما يكون بينه وبين عباد الله حتى يتخلص إليهم من الحقوق لهم ، كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام الربيع رحمه الله تعالى عن أبي عبيدة(1)
__________
(1) أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، أوتي المقدرة والكفاءة في التنظير وحسن التدبير، عرفت الإباضية على يديه أكبر إنجازاتها في المشرق والمغرب، أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد، وروى عن الكثير من الصحابة، تولى إمامة الإباضية بعد الإمام جابر بن زيد الذي توفي سنة 93هـ/711م، تخرج على يديه مشاهير أئمة الإباضية ودعاتها، أمثال: الربيع بن حبيب وأبي سفيان محبوب بن الرحيل، وأبي يزيد الخوارزمي، وأبي حمزة المختار بن عوف، وعبدالله بن يحيىطالب الحق، والجلندى بن مسعود، وسلمة بن سعد، وأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، وكل هؤلاء مشارقة، ومن المغاربة عبد الرحمن بن رستم، وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود القبلي النفزاوي، وعاصم السدراتي، ترك آثاراً علمية منها: مجموعة أحاديث، كان يرويها عن الإمام جابر بن زيد وجعفر بن السماك وصحار العبدي، كتاب "مسائل أبي عبيدة" وهو مجموعة من الفتاوى وبعض المحاورات، "كتاب في الزكاة" ورسائل تعرف بـ"رسائل أبي عبيدة" وفتاوي في الفروع والأصول، وهي متناثرة في الكتب، توفي حوالي 145هـ. (1/86)
صفحة 87
رحمه الله أنه قال : سمعت جماعة من الصحابة يروون عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " الذنب على وجهين ، ذنب بين العبد وربه ، وذنب بين العبد وصاحبه ، فالذنب الذي بين العبد وربه من تاب منه كان كمن لا ذنب له ، والذنب الذي بين العبد وصاحبه لا توبة منه حتى يرد المظالم"، فالذنب الذي بين العبد وربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما يتوب توبة نصوحاً من أعماق نفسه ، يمحوه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - أثره كما وعد.
على أن التوبة حتى فيما بين العبد وبين ربه لابد من أن تكون توبة محققة بشروطها، فهناك بعض الأعمال التي يأتيها الإنسان لابد من أن يأتي على أثرها بأعمال أخرى تكفرها ، فتارك الصلاة مثلاً لابد من أن يقضي صلاته ، وتارك الصيام لابد له أن يقضي ما أضاع من صيامه ، وأن يكفر كفارة الصوم التي دل عليها الحديث الصحيح عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي عتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ، والحنث في اليمين كفارته مشروعة في القرآن ، وذلك في قوله سبحانه : " فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام"(1)، وهكذا.
__________
(1) الآية رقم ( 89 ) من سورة ( المائدة ) . (1/87)
صفحة 88
أما عندما يقع الإنسان في معصية بارتكاب شيء من محظورات الله سبحانه، ولا يتعلق بتلك المعصية حق لأحد من العباد، فإن الله - عَزَّ وَجَلَّ - يقبل توبته عندما يتوب صادقاً من قلبه، وأما حقوق العباد فالله تعالى لا يكفرها عندما تتعلق تبعاتها بذمة أحد حتى يتخلص إلى صاحبها أو يكون بنيتهما التحالل، سواء كان هذا الحق مالياً أو بدنياً، فمن قتل أحداً من الناس ، أو قطع شيئاً من أعضائه أو جرحه ، أو أصاب جسمه بأذى ، فعليه قبل كل شيء أن يسلم نفسه إليه ليقتص منه ، فإن نزل عما له من حق في القصاص إلى ما دونه من الدية أو الأرش فذلك ، وإن عفا عن كل حق له سواء كان حقاً معنوياً أو حقاً مادياً فذلك ، فإن منع هذا الحق ممن يستحقه مع دعواه التوبة فإنها تكون توبة منقوصة ، وكذلك عندما يعتدي أحد على مال غيره أو ينتهك عرضه كما لو زنى أحد بامرأة جبراً وهي كارهة ، أو أنه زنى بها وهي صبية ولو كانت راضية ، أو كانت أَمة مملوكة ، أو كانت مجنونة ، فإنه يُطالب في هذه الحالة بما لها عليه من حق ، فلابد من أن يؤدي لها حقها وهو العقر المعروف عند الفقهاء إن كانت غير مملوكة وإلى مالكها إن كانت مملوكة ، وكذلك من فعل نحو ذلك بصبي أو بالغ من الرجال يلزمه أداء هذا الحق إليه بنفسه إن كان غير مملوك وإلى مالكه إن كان مملوكاً على نحو ما تقدم في النساء ، ومقداره بالنسبة إلى المرأة كصداق مثيلاتها ، وقيل هو في البكر بمقدار عشر ديتها، وفي الثيب بمقدار نصف عشر ديتها، وإن كان ذلك في جنس الرجال فإن حكمهم كحكم الثيبات من النساء ، وبهذا يكون تائباً حقاً مع استيفاء توبته سائر أركانها وشروطها.
والتوبة لها أربعة أركان لا تتحقق إلا بها:
الركن الأول: الندم؛ فإن من لم يندم على معصيته فليس هو بتائب، وهذا هو الركن الأعظم، ولذلك قيل: (التوبة الندم) فمن كان مسروراً بما وقع فيه من المعصية، فإن معصيته باقية ولو ادعى أنه تاب. (1/88)
صفحة 89
والركن الثاني: الإقلاع عن المعصية؛ فإن من لم يقلع عنها واستمر عليها ، لو استغفر الله آلاف المرات هو غير تائب ، وإنما يخادع نفسه في حين يظن أنه يخادع ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -.
والركن الثالث: عقد العزم على عدم العودة إلى المعصية؛ وذلك بأن ينوي في قرارة نفسه أنه لا يعود إلى معصيته تلك التي وقع فيها ، ولا إلى غيرها من معاصي الله ، كما أن الألبان لا تعود إلى الضروع بعد انفصالها عنها.
والركن الرابع: الاستغفار؛ وهو أن يطلب من الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - المغفرة ، وذلك لأن طلبه من ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن يغفر خطيئته اعتراف منه بهذه الخطيئة التي ارتكبها، واعتراف بما لله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - من حق عليه، واعتراف بافتقاره إلى ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - مع غنى الله - عَزَّ وَجَلَّ - عنه.
التربية الصالحة
أسس التربية الصالحة
1- قيمة الوجود الإنساني:
إن وجود الإنسان في الحياة ليس كوجود غيره بحيث ينشره الميلاد ويطويه العدم من غير أن يتحمل مسئولية وينوء بتبعات ، وإنما يتحمل مسؤوليات جمة ، ذلك لأن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - اختاره من بين سائر الكائنات لأن يكون خليفة في الأرض ، كما جعله تعالى سيداً في الكون ، ومن أجل ذلك خلق له ما في الأرض جميعاً وسخّر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه ، فقد امتن تعالى بذلك عليه في قوله : "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً "(1) ، وقوله : " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه "(2) ، فإذن على الإنسان أن يعرف مسؤوليته التي يتحملها، وواجباته التي نيطت به حتى يقطع مسافة العمر بسلامة وينتهي إلى الدار الآخرة التي أعد الله تعالى نعيمها للمتقين بسعادة.
__________
(1) الآية رقم ( 29 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 13 ) من سورة ( الجاثية ) . (1/89)
صفحة 90
ومن المعلوم أن هذا الكائن البشري جعله الله تعالى كائناً اجتماعياً ، فهو يترابط ببني جنسه ، وليس ذلك فحسب بل الحلقات المتواصلة في سلسلة أجياله المتتابعة يرتبط بعضها ببعض ، ولذلك ينتمي المتأخر إلى المتقدم ، ويفخر الخلف بالسلف ، وينظر الإنسان إلى عقبه فيرى وجوده ممتداً في وجوده ، فإن وجود الفرد الإنساني في هذه الأرض وجود محدود جداً ، فهو متوعد بالعدم بعد الوجود ، على أنه لا يعرف أحد ما متى ينتهي به سير الحياة ويقف به قطارها ، فإن قافلة البشرية تسير سيراً حثيثاً في مضمار الحياة إلى الغاية التي جعل الله وصول كل أحد إليها أمراً محتوماً ، وهي نهاية العمر ، ومن أجل أن وجود الفرد الإنساني نسبي في هذه الحياة ، محدود بهذه الرحلة القصيرة التي تبدأ بالميلاد وتنتهي بالوفاة ، فإن كل أحد ينظر إلى عقبه وأولاده فيرى أن وجوده يمتد في وجودهم ، وحياته تتجدد في حياتهم ، لذلك كانت حياة الأولاد أغلى شيء في نفوس آبائهم وأمهاتهم ، ومن أجل ذلك كان في نفوس الآباء والأمهات من الشفقة والرحمة تجاه الأولاد ما ليس له نظير ، وعندما يتقدم الإنسان في العمر ويطوي مرحلة الشباب الغالية العزيزة وينظر إلى ولده فيجده شاباً يافعاً يتدفق حيوية ويمتلئ فتوة ؛ تغمره الفرحة لأنه يرى أن شباب ولده هو شبابه يتجدد في خلفه ، كما يقول الشاعر التهامي:
وقلت شباب ابني شبابي وإنما
تحول شطر العمر مني إلى شطري (1/90)
صفحة 91
لذلك نجد أن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يحكي عن الصالحين أنهم يضرعون إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ - بأن تكون ذريتهم صالحة مستقيمة على نهج الحق ، لأنهم يقيسون الحياة وسراءها بقدر ما يكون فيها من هدى ورشد وصلاح واستقامة ، فالله تعالى عندما ذكر عباد الرحمن حكى قولهم : " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً "(1) ، وحكى عن عبده وخليله إبراهيم عليه السلام أنه قال: " رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء "(2) ، وقال فيمن صلح من عباده : " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه " ، كل ذلك من أجل أن الإنسان تغمره السعادة عندما يرى أفلاذ كبده على الاستقامة والصلاح والخير.
2- صلاح الأبناء بحسن اختيار الأم:
__________
(1) الآية رقم ( 74 ) من سورة ( الفرقان ) .
(2) الآية رقم ( 40 ) من سورة ( إبراهيم ) . (1/91)
صفحة 92
عني الإسلام عنايةً بالغة بتربية الأولاد ، وهذه العناية لا تبدأ بخروج المولود إلى فضاء هذه الحياة فحسب ، بل تبدأ قبل وجوده رأساً ، فيؤمر الرجل أولاً أن يختار المحضن الصالح لأولاده ، بحيث يختار المرأة الصالحة التي تكون شريكة عمره وأم أولاده والقائمة على توجيههم –في بداية تنشئتهم– إلى طريق الخير والسداد ، فقد روي عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قوله: "اختاروا لنطفكم فإن العرق دساس"(1)، يؤمر الإنسان أن يختار لفلذة كبده الأم الصالحة التي تتقي الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، والتي تنتمي إلى الأعراق الصالحة فتستمد منها الاستقامة والصلاح والخير، لأن العرق –كما جاء في الحديث– دساس ، وجاء في رواية تروى عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيضاً: "إياكم وخضراء الدمن"، ولما سئل الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن مراده بخضراء الدمن قال : " المرأة الحسناء في منبت السوء"(2)، وعندما وجه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرجال إلى اختيار المرأة وجههم إلى اختيار ذات الدين، لأن دين المرأة –كالرجل– هو مقياس صلاحها وفسادها ومناط خيرها وشرها، فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام : " تنكح المرأة لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك"(3)، وما ذلك إلا لأن المرأة تكون أمينة للرجل وشريكة له في حياته والمحضن لأولاده ، تغذيهم بدينها ، وتربيهم على استقامتها وأخلاقها ، ومما لا ريب فيه أن تأثير الأمهات في الأولاد
__________
(1) مسند الشهاب ( 638 ) ، وهو متكلم فيه من حيث طرق الإسناد التقليدي، ولكن منهج سماحته يقبله، لاستقامة معناه عنده.
(2) مسند الشهاب (638)، ويقال فيه قلنا في سابقه، وقد علق سماحته عليهما في موضع آخر من هذا الكتاب بقوله: (ومهما قيل من ضعف هذين الحديثين فإن معناهما صحيح والأخذ بهما مناط الحيطة والحذر).
(3) البخاري ( 4802 ) ، مسلم ( 1466 ) . (1/92)
صفحة 93
تأثير بالغ ، وهذا أمر معهود في تاريخ الإنسانية، فلربما كان الولد ينتمي إلى آباء غير صالحين ، ولكن عندما تكون أمه امرأة صالحة تأخذ في تربيته على الاستقامة والخير والصلاح والرشد حتى تسلخ عنه ثوب آبائه وتلبسه ثوباً من نسيج آخر سداه ولحمته(1) الإيمان والتقوى فتخرجه مما كانوا عليه من الانحراف عن طريق الحق.
وأقرب مثال لذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه(2)، الذي كانت أمه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ، وكان لأمها شأن عند جدها عمر رضي الله تعالى عنه، فإنه كان من عادته أن يخرج بالليل ليتفقد أحوال الرعية ولينظر استتباب الأمن في البلاد ، وذلك لاهتمامه برعيته وحفاظه على سلامة مدينة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعاصمة الإسلام من كل خطر يهددها ، فبينما هو في إحدى الليالي يتجول في سكك المدينة إذ سمع صوت امرأة تقول لابنتها : قومي امذقي اللبن . أي اخلطيه بالماء ليكثر وتزداد قيمته عندما يباع ، فقالت لها الفتاة : إن أمير المؤمنين نهى عن ذلك . فقالت الأم : ومن أين لأمير المؤمنين أن يعلم بما تفعلينه؟! فأجابتها : بأن الله هو العليم إن لم يطلع عليه أمير المؤمنين . فأعجب عمر رضي الله تعالى عنه بهذه الفتاة وإيمانها ، فوضع علامة على ذلك البيت ، ثم سأل عنها هل هي متزوجة أو فارغة ، فتبين له أنها فارغة ، فأمر ولده عاصماً أن يتزوجها ، وقال : ( أرجو أن تلد من يملأ الأرض عدلاً بعد أن تملأ جوراً ) ، فشاء الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لهذه الفتاة أن تلد بنتاً لعاصم، وأن يتزوجها عبد العزيز بن مروان أخو عبد الملك بن مروان فولدت له عمر ، ولكنها كانت تربيه من أول الأمر على سيرة جده العظيم عمر بن الخطاب رضي
__________
(1) السداة: نسيج الثوب، واللحمة اختلاطه وتداخل خيطه.
(2) الخليفة العادل الفقيه أبو حفص عمر بن عبد العزيز الأموي، ولي الخلافة سنة 99هـ فسار في الناس سيرة حسنة إلى أن توفي سنة 101هـ 720م. (1/93)
صفحة 94
الله عنه، وتغرس فيه القيم التي تجسدت في شخصه وأخلاقه ، فتشبع بهذه الروح ، ولذلك عندما أفضت الخلافة إليه حرص على أن يسير سيرته وأن يعدل عن سيرة آبائه الذين انحرفوا بالحكم عن منهج الإسلام الذي كان عليه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخلفاء الراشدون ، فكان مثالاً للعدالة ، وبدأ بأقرب الناس إليه ، إذ بدأ بأسرته من بني أمية وحواشيهم فانتزع منهم ما كان بأيديهم من أموال الله وأموال المؤمنين، وردها إلى مكانها الشرعي ، حتى أن بني أمية ضاقوا ذرعاً بهذا الأمر ، وحاولوا أن يؤثروا عليه بكل سبيل ولكنه لم يتأثر ، ثم استعانوا بعمته فاطمة بنت مروان التي حاولت أن تقنعه بأن يتراجع عن هذا المسلك فأبى عن التراجع ، وعندما ذكرته بأن لبني عمه يوماً، أي لعلهم ينتقمون منه بسبب ما فعله فيهم ، أجابها بأن اليوم الذي يقفه بين يدي الله هو أشد من اليوم الذي تذكره به من قبل بني عمه، فما كان منها إلا أن عادت إليهم وقالت لهم : لا تلوموا إلا أنفسكم فقد نكحتم في آل الخطاب فجاءتكم بعمر بن الخطاب ملفوفاً في ثيابه . هكذا يكون تأثير الأم ، فمن هنا تبدأ العناية في الإسلام باختيار الأم الصالحة للأولاد.
3- خطوات في طريق التربية: (1/94)
صفحة 95
عندما يولد الولد يوجه الإسلام إلى أن يُسمع كلمة الحق ، فيؤذن في أذنه اليمنى، وتقام الصلاة في أذنه اليسرى ؛ ليسمع بكلتا أذنيه صوت الحق ، المتمثلة جملتي (الله أكبر ولا إله إلا الله)، حتى تنغرس في نفسه معاني هذه الكلمات من أول وهلة ويظل متعلقاً بها ، وعندما ينشأ يجب أن ينشأ من أول الأمر من قبل والديه على معرفة الحق وإعظامه واتباعه ، وكراهة الباطل واحتقاره ومجانبته ، فعندما يعي يؤمران بأن يعرفاه بأن له إلهاً معبوداً خالقاً رزّاقاً واحداً أحداً فرداً صمداً ، يدير هذا الكون بأسره ، منه الخلق وإليه مرجعه ، لا إله إلا هو ، وكذلك يعرف برسل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وفي مقدمتهم سيدنا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لينشأ على التعلق بسيرة أولئك الرسل الكرام ، ثم يعرف بسير الصالحين من الصحابة والتابعين وقادة المسلمين المستقيمين ليتعلق بسيرهم وليحذوا حذوهم ، كما يؤمران أن يغرسا فيه القيم والفضائل ، ومن بينها الصدق والأمانة والإخلاص ، وعليهما أن يكونا قدوة له في ذلك.
ومعنى ذلك يجب على كل واحد من الوالدين أن يحترز من الكذب كل الاحتراز ، فلا يتعاملان به مع الولد ولا مع غيره ، ومن ذلك ألا يطمعاه في شيء لا ينيلانه إياه، كأن يقولا له : دونك هذا الشيء . وليس هنالك شيء يعطيانه ، لينشأ وهو يحب الصدق ويعاف الكذب.
وكذلك الأمانة، فيجب عليهما أن يعظّما شأنها وأن يكونا قدوة له في ذلك حتى لا يعثر على خيانة منهما في جميع معاملاتهما. (1/95)
صفحة 96
وكذلك المحافظة على العبادات جميعها وفي مقدمتها الصلاة ، فإنهما مطالبان بأن يكونا قدوة للولد في المحافظة على إقام الصلاة في أوقاتها وبحسب شروطها وأحكامها ، بحيث يفتح عينيه أول ما يفتحهما وهو يرى أباه يتردد على المسجد ملبياً داعي الله، وينبغي أن يذكر له بأنني ذاهب إلى المسجد لأصلي لله تعالى ، حتى يتعلق قلبه بالمسجد منذ بداية فهمه ، وكذلك الأم عندما تقوم إلى الصلاة تؤمر بهذا أيضاً، فإذا نما وتهيأ للتعليم كان عليهما أن يعلماه من كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بقدر استطاعته ويحفظاه إياه ، فإن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : "علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يُتعلم من علم الله هو "(1) ، ويقول : " خيركم من تعلم القرآن وعلمه "(2) ، وعندما يبلغ سبع سنوات يؤمران بأن يعلماه الصلاة ويحثاه على إقامتها، وعندما يتوانى عن ذلك يزجرانه من غير ضرب حتى يبلغ عشر سنوات ، فإذا بلغهن وقصّر في الصلاة يؤمران بضربه ، ففي الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم وهم أبناء عشر سنين ، وفرّقوا بينهم في المضاجع "(3) ، ونلحظ هنا في هذا الحديث الشريف أمر الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتربية الأولاد على العبادة ، فعندما يبلغ الولد سبع سنوات يؤمر والداه بأن يعلِّماه الصلاة ، وعندما يبلغ عشر سنوات يؤمران بأن يضرباه على تركها.
__________
(1) الربيع ( 3 ) .
(2) البخاري ( 4739 ) ، أبو داود ( 1452 ) ، الترمذي ( 2908 ) .
(3) أبو داود ( 495 ) ، المستدرك ( 708 ) . (1/96)
صفحة 97
كما يؤمران بأن يفرقا بينه وبين الآخرين من إخوته في المضاجع ، وهذا التفريق على نوعين ، أما بالنسبة إلى الجنس الواحد ؛ أي إلى الذكور وحدهم ، أو إلى الإناث وحدهن ، فإن التفرقة بينهم كافية بأن تكون في فراش النوم بحيث لا يترك الذكر مع الذكر في فراش واحد ، ولا الأنثى مع الأنثى ، وأما بالنسبة إلى مجموعة الذكور والإناث فإنهم يفرق بينهم في الغرف التي ينامون فيها ، فلا ينام الذكر والأنثى معاً في غرفة واحدة بعد بلوغ عشر سنوات ، وما ذلك إلا لحكمة بالغة ، فإن هذه المرحلة هي مرحلة استيقاظ الغرائز في الإنسان ، وهي مرحلة صعبة جداً، فقد تدفع الشهوة كلاً من الذكر والأنثى إلى ارتكاب ما لا تحمد عاقبته ، وهذا أمر كثيراً ما يحصل نتيجة استهانة الناس بأوامر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وعدم عنايتهم بأصول التربية التي جاء بها الإسلام ، وهناك مثال قريب لحدث وقع يندى له الجبين ، وهو أن أسرة لها ولدان ذكر وأنثى ، بلغت الأنثى خمسة عشر عاماً والذكر ثلاثة عشر عاماً ونصف العام ، وكانت الأسرة من الجهالة بمكان ، فما كانت تعتني بالأخلاق وبتربية أولادها وتنشئتهم على الترفع عن الدنايا والتقزز من قبائح الأعمال ومساوئ الخصال، وكان أفراد الأسرة صغارهم وكبارهم يشاهدون المسلسلات الخليعة والأفلام الهابطة، وهذا أدى إلى تأجج غريزة كل من الولدين ، فما كان من الابن إلا أن اعتدى على أخته وحملت منه ، وشاهدت بعيني رأسي الطفل الذي ولد من سفاح أخ بأخته، ولعمر الحق إن هذا أمر يدعو إلى الحسرة والأسى ، وما هو إلا بسبب الانحراف عن المنهج المستقيم الذي يحض رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على تربية الأولاد على هديه، فإنه ما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحيٌ يوحى ، وما كان حضه عليه أفضل الصلاة والسلام على التفريق بين الأولاد في المضاجع في هذه المرحلة إلا لما يعلمه صلوات الله وسلامه عليه من سوء العاقبة (1/97)
صفحة 98
الذي يترتب على اجتماعهم في المكان الواحد، ولئن كانت هذه هي التربية السليمة في الأولاد بأن يبعدوا عن تأجيج الغرائز بأي سببٍ من الأسباب فكيف تكون حالة الآباء والأمهات الذين لا يبالون بوقوع الخلوة بينهم وبين الأجانب، والإتيان ببعض التصرفات والأعمال مع الأجانب التي لا يقرها الإسلام.
4- ضرورة توجيه الغرائز:
إن الإسلام دين الفطرة يأمر بالمحافظة عليها سليمةً نقية ، وتوجيهها الوجهة المرضية التي تؤدي إلى التعمير لا إلى التدمير ، ولذلك نجده يحذر كل تحذير من كل ما يؤدي إلى فساد في النفس أو المجتمع ، فهو يوصد على الشيطان جميع الأبواب ويقطع عليه جميع السبل ، ويسد جميع ذرائع الشر والفساد ، ومن ذلك تلكم الأخلاق الاجتماعية العالية التي جاء بها ، وتلك القيم الإسلامية السامية التي نجدها في كتاب الله وسنة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فالله سبحانه لم يترك العباد وشأنهم بل وجههم في كل ما يأتون وما يذرون إلى ما هو أسلم لهم في عاجلهم وآجلهم ، وقد قال: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى إن الله خبير بما تصنعون"(1)، هكذا يؤدب الله تعالى عباده المؤمنين بألا تتطاول أنظارهم إلى محاسن النساء ، فعليهم أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ، ومما هو بدهي أن الإسلام بعيد عن المفارقات والتناقضات، ولذلك لا يكتفي بأن يؤدب المؤمنين بهذا الأدب الرباني فحسب مع إهماله جانب النساء ، كيف وللمرأة تأثير بالغ على الرجل بكل شيء منها ، بنبرة صوتها ، وبنفحة طيبها ، وبجرس حليها ، وبإبداء أي شيء من زينتها ، لذلك أتبع الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ذلك قوله : " وقل للمؤمنات يغضضن أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن
__________
(1) الآية رقم ( 30 ) من سورة ( النور ) . (1/98)
صفحة 99
أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنين لعلكم تفلحون "(1) ، وعندما بدأ الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بهذا الأدب الرباني يطهر به نفوس الأسر بدأ بأعظم أسرة ، وهي أسرة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيت النبوة ومنبع الطهر وذلك قوله تعالى : " يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن ولا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً "(2) ، وكثيراً ما نسمع في هذا العصر من يقولون بأن العبرة بما في القلوب ، ومع طهارتها لا معنى للتحرج من إبداء المرأة زينتها ومفاتنها للرجل الأجنبي ، لأن العبرة بنقاوة قلبي الرجل والمرأة، متجاهلين أن الله سبحانه بدأ بهذا التأديب ببيت النبوة الطاهر، ومع كون أمهات المؤمنين هن أنظف النساء قلباً وأكثرهن عفة وأطهرهن جيباً وهن في بيت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وبين ظهراني المهاجرين والأنصار في أسمى مجتمع وأطهره ، ومع ذلك كله يوجههن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ذلك التوجيه الحازم الصارم عندما يقول : " يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيخضع الذي في قلبه مرضٌ"(3)، فلئن كانت أمهات المؤمنين يحذرن هذا التحذير ، وهن بين المهاجرين والأنصار الذين أثنى الله عليهم في كتابه بما تعجز عن مثله ألسنة خلقه، فكيف بسائر الرجال والنساء ؟ ومَنْ مِنَ الرجال في عفة المهاجرين والأنصار؟ ومَنْ مِنَ النساء في عفة وطهارة وسمو أمهات المؤمنين؟.
__________
(1) الآية رقم ( 31 ) من سورة ( النور ) .
(2) الآية رقم ( 59 ) من سورة ( الأحزاب ) .
(3) الآية رقم ( 32 ) من سورة ( الأحزاب ) . (1/99)
صفحة 100
هذا وكما نجد الآيات القرآنية توجه الأمة بهذا التوجيه الرباني الذي يسمو بهم إلى أوج الفضيلة والخير ، نجد كذلك ما في حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاء امتداداً لما في القرآن، فإن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول : " لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم"(1) ، ويقول : " من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا مع ذي محرم "(2) ، ويقول : " إياكم والدخول على النساء . فقال له رجل من الأنصار : أرأيت الحمو يا رسول الله ؟ فقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الحمو الموت"(3)، ولئن كان الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يشبه حما المرأة وهو أخو زوجها بالموت عندما يختلط بها فما بالكم بسائر الرجال ؟! مع أن من شأن الأخ أن يكون غيوراً على حرم أخيه ، ولكن داعي الغريزة قد يكون أقوى حتى يجرف بهذه الغيرة.
__________
(1) البخاري ( 4934 ) ، مسلم ( 1341 ) .
(2) أحمد ( 14692 ) ، الطبراني ( 11462 ) .
(3) البخاري ( 4934 ) ، مسلم ( 2172 ) . (1/100)
صفحة 101
ومما يجب على الأبوين أيضاً في تربية الأولاد أن يحرصا دائماً على طهارة اللسان، حتى لا يعثر في كلامهما على هجر من القول ، وأن ينأيا في كلامهما عن التعرض لأعراض الناس والوقوع فيها غيبة أو نميمة ، فإن ذلك مما يجعل الأولاد متأثرين بهذا السلوك عندما يسمعونهما دائماً يتعرضان لمساوئ الناس ويهتكان أعراضهم فلا يبالون بأن يقلدوهما في ذلك ، بخلاف ما إذا اعتادوا ألا يجدوا منهما إلا صون ألسنتهما عن تناول الأعراض فإن ذلك مما يجعلهم يمقتون الاغتياب ، وكذلك النميمة وكل ما يؤدي إلى فساد من القول ، ومثل ذلك احتقار الناس والتنقيص من شأنهم فإن ذلك ليس من شأن المؤمنين ، إذ الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يحذر من ذلك المؤمنين والمؤمنات بقوله : " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون"(1).
ثم على الأبوين أن يحرصا دائماً على الغذاء الحلال والكسب الحلال ، ليعتاد ذلك ولدهما فلا تستسيغ نفسه الحرام اقتياتاً ولا اكتساباً ، وعليهما أن يغرسا في نفسه كره كل أنواع المحارم والاشمئزاز منها حتى لا تتطلع إلى شيء من المحرمات.
هذا ومن الأمور التي يجب الحرص عليها القناعة وعدم الطمع فيما بأيدي الناس، فإن ذلك مما يُعوّده الرضى بالقليل والاكتفاء باليسير وهو من مقومات النشأة الصالحة(2).
__________
(1) الآية رقم ( 11 ) من سورة ( الحجرات ) .
(2) قلت: هذا المبدأ الإنساني العظيم مما هو مضاع في برامجنا التربوية، وأصبح للأسف الشديد أقرب للنظرية منه إلى التطبيق، وما أصيب به كثير من الناس ليس الطمع المالي فحسب بل الأنانية في جوانب متعددة من أوجه الحياة، ولذلك نؤكد على ضرورة تربية الأجيال على هذا المبدأ. (1/101)
صفحة 102
هذا وعندما يكون الولد متهيئاً لأداء العبادات الأخرى كالصيام ونحوه فإن على أبويه أن يعوداه على الصيام إن كان قادراً على ذلك ، سواء قدر على ذلك في سن السابعة أو الثامنة أو التاسعة وهكذا حتى يعتاد الصيام قبل البلوغ ، فلا يشق عليه إذا بلغ سن التكليف.
من الأمور التي يجب على الآباء والأمهات أن يعوّدوا عليها الأولاد الرحمة بالمساكين والرفق بهم وبكل المستضعفين ، ولذلك وسائل متعددة ؛ أهمها التعويد على الصدقات، وتحبيبها إليهم ، وطرح أمثلة عليهم ترسخ في نفوسهم حب إنفاق المال في البر ، ومما يؤسف له أن نجد مناهج التعليم ووسائل الإعلام تغفل هذه الناحية، بل لربما وجدنا فيها خلاف ذلك ، فقبل عقود من السنين عندما كان منهج التدريس عندنا جيء به من دولة مجاورة ، اطلعت على سؤالين في كتاب الحساب المقرر في المرحلة الإعدادية فيما أحسب ، أولهما عن رجل وامرأته وابنهما دخلوا السينما، وكانت قيمة تذاكرهم أربعة وعشرين ديناراً ، وعلى كلٍّ من الابن والابنة نصف تذكرة، فكم تكون قيمة التذكرة الواحدة ؟ ثانيهما رجل اجتمع مبلغ قدره ثمانون ألفاً أودعه بنكاً بفائدة قدرها 5% فكم دخله منه في كل عام ؟ ولعمر الحق إن مثل هذه الأسئلة ما لها من أثر في نفوس الناشئة إلا عدم المبالاة بمحارم الله ، وقد كان المفروض بدلاً من ذلك أن يقال في المثال الأول رجل وزوجته وابنهما وابنتهما خرجوا ووجدوا عدد كذا من المساكين فتصدقوا عليهم بعدد كذا من الدراهم أو الدنانير أو الريالات ، فكم نصيب مسكين من هذه الصدقة ؟ وبدلاً من المثال الثاني كان الواجب أن يقال : رجل اجتمع له مبلغ قدره ثمانون ألفاً أو أقل أو أكثر، وعليه في ذلك زكاة ، وهي اثنان ونصف في المائة ، فكم تكون زكاة هذا المال في كل عام ؟ هذا هو السؤال البناء الذي يجب طرحه بدلاً من تلك الأسئلة المفسدة للأخلاق والدين. (1/102)
صفحة 103
أما الإعلام فكم تطالعنا الصحافة باستمرار بدعايات تدفع بالصغار –كما تدفع بالكبار– إلى دخول أسواق الربا والقمار، وذلك من خلال تزيين الدخول في المسابقات المالية التي لم يأذن بها الشرع ، وكم تزدحم حواف الطرق بلافتات تدعوا إلى ذلك وتزينه في نفوسهم.
هذا ويجب على الأبوين دائماً أن ينصب حديثهما في جانب الدين والأخلاق ، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالصدقات أو بعون المساكين وإغاثة الملهوفين ونصرة المظلومين أو بإقامة شعائر الإسلام ، هذه هي التربية التي يجب علينا أن نربي عليها أولادنا؛ لتنغرس في نفوسهم القيم والفضائل ، وليشاد بهم صرح الأمة ، ويقوم بهم قائم الحق. (1/103)
صفحة 104
هذا وعندما يصل الولد إلى سن الدراسة ينبغي أن يوجه إليها ويرغب فيها ، ويكون أول ما يعلم –كما ذكرت– القرآن الكريم كما يدل على ذلك حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " علموا أولادكم القرآن فإن أول ما ينبغي أن يتعلم من كتاب الله هو"، كما يجب غرس العقيدة الإسلامية في نفسه وتعريفه بالله تعالى من خلال آياته في الأنفس والآفاق ، ويعرف باليوم الآخر وما للناس فيه من ثواب أو عقاب حسبما عملوا ، وبملائكة الله وكتبه ورسله ، لا سيما كتاب الله القرآن وسنة رسوله مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام ، وكذا الإيمان بقضاء الله وقدره ، وكذلك أحكام العبادات وما يتسع له ذهنه من الفقه في الدين ، ثم يوجه إلى التخصص الذي يتلاءم مع ملكاته ورغباته ، ومع ذلك لا يهمل الجانب الفقهي ، فإن كل إنسان مهما كان تخصصه العلمي أو اختصاصه العملي عليه أن يعبد الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - على بصيرة، ولا تكون العبادة مستقيمة إلا بفقه في دين الله، وهذا يعني أن كل أحد مطالب بأن يتفقه في الدين بقدر ما يعبد الله على بصيرة ، ولذلك يقول رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين "(1) ، وعندما يكون الولد أنثى تتولاها الأم بالتربية السليمة ، وتربيها على الحياء والعفة والطهارة والنزاهة ، كما يجب أن يعوّد الولد الذكر على الحياء، فإن الحياء من الإيمان كما جاء في حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار"(2)، وجاء أيضاً: "ومن لا حياء له لا إيمان له "(3) ، فالكل مطالب بأن يستحي من ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فلا يعصيه ، ومن حرمات الناس فلا ينتهكها ، ولا يأتي شيئاً من المعايب ،
__________
(1) الربيع ( 26 ) .
(2) الربيع (967).
(3) ذكره ابن عبد البر في " الاستذكار " ( 1676 ) بلفظ ( من لا حياء له لا دين له ) . (1/104)
صفحة 105
وبمثل هذه التربية عندما تكون على الاستقامة والصلاح والعفة والطهارة يكون الأولاد ثمرة طيبة لآبائهم وأمهاتهم ، ويكونون فيما بعدهم امتداداً لأعمالهم الصالحة كما جاء في حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة ؛ علم نافع أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له "(1) ، بل يجني المجتمع بأسره طيب ثمار غرس هذه التربية الصالحة.
__________
(1) الترمذي (1376)، النسائي (3651) . (1/105)
صفحة 106
إن الآباء والأمهات ، بل المجتمع كله مطالب بأن يكيف نفسه وفق الأخلاق الفاضلة لتتعاقب الأجيال على حمله رسَالة الأخلاق ، فإن الدين الأخلاق ، إذ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عندما تحدث عن رسالته قال : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "(1) ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما وصف عبده ورسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " إنك لعلى خلقٍ عظيم"(2) ، فمن هنا يجب على كل أحد أن يطبع نفسه بطابع الأخلاق الفاضلة التي كان عليها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ولم يكن خلق رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا القرآن ، فعندما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عن خلق النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت: (كان خلقه القرآن)(3) ، وقد انعكس هذا الخلق العظيم منه عليه أفضل الصلاة والسلام على صحابته رضي الله تعالى عنهم ، فكانوا مثالاً للأخلاق الفاضلة ، والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعرب عن محبته للأخلاق الفاضلة وللمتخلقين بها فيقول : " إن أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون "(4) ، ولئن كان القرآن هو خلقه عليه أفضل الصلاة والسلام ، وقد تطبع بهذا الخلق العظيم صحابته رضي الله تعالى عنهم الذين تربوا على يديه ، فإنه يجب على الخلف أن يتطبع بما كان عليه السلف الصالح ، وأن ينهجوا هذا النهج ، وعلى كل الآباء والأمهات أن يغرسوا هذه الأخلاق في الأولاد، وأن يورثها كُلّ جيل من بعده من الأجيال ، لتكون كلها حلقات في
__________
(1) البيهقي ( 20571 ) ، مسند الشهاب ( 1165 ) .
(2) الآية رقم ( 4 ) من سورة ( القلم ) .
(3) مدونة أبي غانم الخراساني المعجم الأوسط للطبراني ( 72 ) ، أحمد ( 24645 ) .
(4) الترمذي ( 2018 ) ، أحمد ( 17778 ) ، ابن حبان ( 482 ) . (1/106)
صفحة 107
سلسلة الخير والصلاح.
القرآن وأثره على التربية
1- القرآن مفتاح الوجود:
إن الأمة لا يمكن أن تنهض إلا ببينة من ربها سبحانه ، وبصيرة مما أنزل في كتابه الكريم ، فإن الأمم جميعاً مهما كانت نهضاتها المادية ، إن لم تكن موصولة بحبل الله تعالى ، مستمسكة بالعروة الوثقى مما أنزل ، تكون أمة ضائعة في حياتها، شاردة الفكر ، خاوية الروح ، مظلمة الجوانب ، فمن هنا كانت الضرورة ملحة إلى الرجوع إلى كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - والاستبصار به، فإنه ينبوع العرفان(1) ومصدر الهداية ومشرق نور الحياة، يقول الله سبحانه : " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً "(2) ، ويقول : " وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين "(3) ، ويقول : " يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين "(4) ، ويقول: "ونزلنا عليك الكتاب بياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين "(5) ، ذلك لأن الحياة بدونه تكون مظلمة الجوانب مندرسة المعالم منطمسة الصوى ، لا يعرف الإنسان فيها من أين جاء ، ولا إلى أين يذهب ، ولا ماذا عليه أن يعمل في حياته التي تنحصر بين المبدأ والمعاد ، أما عندما يكون على بصيرة من ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، بحيث يتملى كتابه ليستجلي منه الحقيقة ، وليتبين من خلال دراسته سر هذه
__________
(1) استخدم سماحته كلمة "العرفان" في أكثر من موضع، واستخدامه لها بحسب المعنى اللغوي، وهو المعرفة، يقصد بها المعرفة الحقة النابعة من كتاب الله ودينه، وليس بالمعنى الفلسفي الإشراقي الذي يعني الهرمسيات والغنوصيات الخرافية التي تسربت باسم الفلسفة العرفانية إلى بعض مدارس المسلمين وخاصة المتصوفة منهم.
(2) الآية رقم ( 9 ) من سورة ( الإسراء ) .
(3) الآية رقم ( 82 ) من سورة ( الإسراء ) .
(4) الآية رقم ( 57 ) من سورة يونس .
(5) الآية رقم ( 89 ) من سورة النحل . (1/107)
صفحة 108
الحياة ، وحكمة وجوده فيها ، فإنه تنحل عنده ألغازها ، نعم إن القرآن الكريم هو الذي حل لغز هذه الحياة ، فعرّف الإنسان من أين جاء ، وإلى أين يذهب، عرّفه بربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الذي خلقه فسواه، وعند تعريفه به ربطه بنظام هذا الكون، وأطلعه على آيات الله تعالى البينات التي تتجلى على صفحات الوجود، فقد قال الله سبحانه : " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ، الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون "(1) ، وعندما عرّفه بنفسه أنه إله واحد كما تدل هذه الآيات الكريمة ، ويدل على ذلك أيضاً قوله سبحانه : "قل هو الله أحد ، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد "(2) ، وقوله : " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " أتبع ذلك ما يدل على وحدانيته سبحانه من خلال ما يتأمله الإنسان في نظام هذا الكون وتصريف هذا الوجود ، فإن كل مشاهداته دلائل على وحدانية الله ، إذ كل ذرة من ذرات هذا الوجود كلمة من كلمات الله ، ناطقة بأن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - إله واحد ، وأنه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يفتقر إلى غيره ، فليس هو بحاجة إلى شريك أو معين أو مشير أو وزير ، وليس هو بحاجة إلى أي أحد من خلقه ، كل ما في هذا الكون يعرب لسان حاله عن افتقاره هو إلى واجب الوجود لذاته ، الذي تفتقر إليه جميع مخلوقاته ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أتبع ذلك قوله: " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون"(3)
__________
(1) الآية رقم ( 22 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) سورة الإخلاص .
(3) الآية رقم ( 164 ) من سورة ( البقرة ) . (1/108)
صفحة 109
.
إن كل هذه الحقائق التي يشاهدها الإنسان وهو يقلب ناظريه في صفحات هذا الوجود لتدل دلالة قاطعة على وحدانية الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وخلقه السموات والأرض، والنظام العجيب الذي يربط بين أجزائها ، بحيث يشد هذا النظام كل ذرة من الذرات إلى أخواتها ، فتتكون منها الجزيئات ، ثم تتكون منها المركبات ، ثم تتكون منها الأجرام إلى ما وراء ذلك ، كل ذلك دليل على وحدانية الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، وناهيكم بالرباط العجيب الذي يربط بين هذه الأجرام المترامية الأطراف، فإن سنة الجاذبية التي تشد بعضها إلى بعض دليل على أن المكون إله واحد ، على أن هذا النظام هو نظام وحدة يتجلى في كل شيء في هذا الوجود ، من أدق الذرات إلى أوسع المجرات ، فكل ذرة فيه تنادي بلسان حالها أن هذا الكون كله ما هو إلا وحدة متكاملة ، كل جزء منه مكمل لبقية الأجزاء ، وهو دليل قاطع على أنه لا يمكن إلا أن يكون صادراً إلا عن مكوّن واحد ، إذ لو كان هناك أكثر من مكوّن لكان لكل واحد منهم إرادة مستقلة ، وذلك مما يؤدي إلى أن يختلفوا في المراد ، فيكون بينهم التنازع والتدافع ، وذلك مما يؤدي إلى فساد الكون بلا ريب ، وهو ما يشير إليه قوله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا "(1) ، فإذن القرآن عرّف الإنسان من أين جاء وكيف تكوّن ، وأنه مخلوق كان بعد أن لم يكن ، خلقه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فسواه ، وقد جاء القرآن الكريم بما يبهر العقول من بيان آيات الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - البينات في خلق هذا الإنسان ، فانظر إلى قوله تعالى : " ولقد خلقنا الإنسان سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين "(2)
__________
(1) الآية رقم ( 22 ) من سورة ( الأنبياء ) .
(2) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( المؤمنين ) . (1/109)
صفحة 110
، تجد أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - كشف منشأ خلق الإنسان وأطوار تكوينه، إذ بيّن بأنه بدأ خلق الإنسان من طين ، وهذه حقيقة لا يجادل فيها عاقل ، فإن جميع الأدلة تدل على ذلك ، إذ جميع العناصر التي يتكون منها التراب موجودة فيه بنسب متفاوتة ، وهذا كله يدل على صدق هذا النبأ الإلهي الذي أخبر به - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - قبل اكتشاف الإنسان لهذه الحقيقة العلمية بقرون ، ثم بين أنه جعله نطفة في قرار مكين، والقرار مكان الاستقرار ، والمكين من المكانة وهي القوة ، وهو ما اكتشفه العلم الحديث من خلال اكتشافه أن الرحم يُحاط بسياج من العظام المتشابكة التي تقي الجنين ما يصيب الأم من اللكمات والهزات، وأن الله تعالى جعل على بابه إفرازات تقضي على كل الجراثيم التي لولاها لتسربت إلى الجنين ولفتكت به، ثم إن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ذكر الأطوار بعد ذلك طوراً بعد طور، وفرّق بين المضغة والعلقة تفريقاً دقيقاً في التعبير، حيث عبّر عن العلقة بما يدل على العلوق، وعبر عن المضغة بأنها مضغة على وزن فُعلة، وفُعلة هنا بمعنى مفعول، وذلك دليل على أن العلقة كما ذكرنا في هذه المرحلة تكون لاصقة بجدار الرحم عالقةً به، لأن باب الرحم يكون مفتوحاً، فلولا هذا العلوق لخرج الجنين من باب الرحم، ثم بعد ذلك ينسد هذا الباب بمشيئة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، وعندئذٍ ينفصل عن الجدار، ويبقى متردداً بين جوانب الرحم كما تتردد اللقمة التي يمضغها الآكل بين جوانب فيه، وهذا من أسرار التعبير الإلهي في كتاب الله العزيز، ثم ذكر - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن هذه المضغة تتكون منها العظام، ثم يكسو سبحانه هذه العظام باللحم، وجاءت العبارة بما يفيد الترتيب حيث عطف بالفاء في قوله: "فكسونا العظام لحما" وقد ثبت أن جميع خلايا اللحم تتكون بعد أن يستكمل الهيكل العظمي خلاياه، فهذا أيضاً من أسرار التعبير القرآني المعجز في دلالته مع أن الله (1/110)
صفحة 111
أنزله على نبي أمي، لم يكن يقرأ من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، ولم يكن يتتبع ما يجري في هذا الكون من ابتكار الصناعات، أو من استنتاج المعلومات، وإنما كان منطوياً على نفسه، حتى أنزل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عليه كتابه الكريم.
وبيّن - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن الشك في وجوده لا يمكن أن يسري إلى نفس عاقلة تتدبر ما يجري في هذا الوجود ، إذ يقول : " أفي الله شك فاطر السموات والأرض "(1) ، فمن الذي أوجد هذا الوجود ؟ فهذه السموات والأرض جعلها الله تعالى منتظمة مترتبة متناسقة ، كل جزء منها مكمل لبقية الأجزاء ، وكل جانب من جوانبها آخذ بحجزة الجانب الآخر ، ليتم التواؤم والتلاؤم بين جميع هذه الأجزاء ، فهل يمكن أن يكون هذا النظام والترتيب العجيب حدث تلقائياً من غير أن تتدخل إرادة مريد وقدرة قادر؟ كلا وألف كلا ، فإنه يتعذر في جميع العقول أن يتصور عاقل بأن مادة من المواد تتخلق تلقائياً بنفسها من غير أن يتدخل فيها صُنع صانع ، فالبناء الذي نأوي إليه ليس من المقبول في أي عقل من العقول بأن مواده من إسمنت وحديد وغيرها جاءت من تلقاء نفسها ، واختلطت بنفسها تلقائياً حتى تكون البناء من غير أن يصنعه صانع ، فبمجرد ما ينظر أحدنا إلى أي بناء يدرك أن صانعاً صنعه ، وعندما ينظر أحدنا إلى أي جهاز يدرك من أول وهلة أيضاً أن صانعاً صنعه ، فكيف يقال بأن هذا الكون الذي لم يكن موجوداً من قبل قط خرج بنفسه من العدم إلى الوجود ، ثم تخلق حتى تصنع هكذا ، فكان آية باهرة في الترتيب والتنسيق والإبداع ، ومثل هذا الأسلوب في الإقناع اتّبعه بعض الفلاسفة الذين بدأ نور الإيمان يشرق على نفوسهم فانقشعت عنها ظلمات الإلحاد ، وذلك في حوار لمن كان منهم لا يزال على إلحاده، فقد روي عن سقراط أنه كان من بين الفلاسفة الذين كانوا يعتقدون أن هذا الكون لابد له من مكوّن ، وأن مكوّنه هو الله
__________
(1) الآية رقم ( 10 ) من سورة ( إبراهيم ) . (1/111)
صفحة 112
الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وقد حصل في ذلك حوار بينه وبين أستاذه فقال لأستاذه : أما أعجبت بأحد من الناس؟ قال : بلى . فقاله له : بمن أعجبت ؟ قال له : بفلان وفلان وفلان ، قال له: ما الذي أعجبك منهم ؟ قال له : أعجبني من فلان أنه صنع كذا ، وأعجبني من فلان أنه صنع كذا ، وأعجبني من فلان أنه صنع كذا. فقال له : لئن كنت أُعجبت بمن صنع الجمادات التي لا تتحرك ولا تعي ولا تتصرف ، أليس أولى بك أن تعجب بمن صنع الإنسان وأخرجه خلقاً عجيباً ، ووهبه هذه المواهب الحسية والمعنوية ، الذاتية والخارجية ؟ قال له : بلى لو قام الدليل عندي على أن صانعاً صنعه . قال له: كيف يمكن أن تصدق بأن هذا الإنسان وجد تلقائياً هكذا من غير أن يصنعه صانع؟ انظر إلى الدقة في جسم الإنسان ، وفي تركيب ما فيه من الآلات ، انظر إلى العينين مع صغرهما لا تشتبه عليهما الأشباح المرئية مع كثرتها الكاثرة ، وانظر إلى الأذنين مع صغرهما لا تمتلئان بالأصوات المسموعة ، وانظر إلى الأسنان كيف تقطع الطعام ثم تلقيه إلى الأضراس لتطحنه ، ليلج إلى المعدة مريئاً مريعاً(1) ، وغير ذلك مما هو ظاهر في صنع الإنسان ، شاهد على بديع صنعه ، كيف يستساغ عقلاً مع ذلك أن يقال إن هذا الإنسان كوّن نفسه بنفسه ، وقد كان هذا الحوار سبباً لاعتراف ذلك الأستاذ بأن الإنسان مصنوع لصانع قادر على كل شيء لم يسبق وجوده عدم.
2- القرآن يدل على الحقائق الكونية:
__________
(1) مريء مريع: سائغ سهل. (1/112)
صفحة 113
إن القرآن الكريم يشد انتباه الناس إلى حقائق الوجود لينفذ ببصيرته منها إلى تجليات الوجود الحق ، فانظر كيف يفتح الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بصيرة هذا المخلوق على ذلك حيث يقول : " أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون، ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ، لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون ، أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ، لو نشأ جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون "(1) ، فإن الله تعالى يذكر من خلال هذا عباده بما هم عنه غافلون من آياته التي تتراءى لهم في هذا الوجود ليدركوا سر وجوده ، فهو يذكرهم أولاً بابتداء خلقهم ، من مني يمنى، وتطوير النطفة التي هي نواة وجود الإنسان من هذا المني طوراً بعد طور ، على أن هذا المني الدفقة الواحدة منه تشتمل على مئات الملايين من الحيوانات المنوية ، ويتم اللقاح بحيوان واحد فقط ، وهو في دقته وصغره يحمل جميع الخصائص البشرية العامة والخصائص الأسرية الخاصة ، فتنتقل الخصائص الوراثية من الآباء والأجداد إلى الحفدة والأولاد بمشيئة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، أليس ذلك شاهداً على عظمة المعبود الذي خلق فسوى وقدر فهدى.
ثم يذكرهم بالزرع ونموه وثمره فإنه هو الذي يطور البذرة طوراً بعد طور ؟ حتى تخرج منها شجرة باسقة تعطي ثمارها بإذن ربها ، وما للإنسان على ذلك من سلطان ، وإنما تلك هي قدرة الله تعالى تتجلى في كل غرس ينمو وفي كل زرع ينبت.
__________
(1) الآية رقم ( 72 ) من سورة ( الواقعة ) . (1/113)
صفحة 114
ثم يذكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عباده بنعمة إنشاء السحاب ، وما يعقبه من نزول الغيث، الذي به حياة الناس وجميع الأحياء في هذه الأرض ، وأنه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - قادر لو شاء أن يجعل هذا الماء ملحاً أجاجاً(1) ، ولكن الله بفضله جعله عذباً فارتاً(2) يروي الغلة(3) ويذهب بالظمأ، ذلك كله من آيات الله التي تدعو كل نفس إلى الإيمان بالله تعالى ، ويفتح الله للناس في خطابه منافذ التفكير في كيفية خلقهم ؛ نعمه الجلى التي تترتب على نزول الغيث، وما هم بقادرين على إيجاد أدنى خلقة في سلسلتها وذلك في قوله : " قتل الإنسان ما أكفره ، من أي شيء خلقه ، من نطفةٍ خلقه فقدره، ثم السبيل يسره ، ثم أماته فأقبره ، ثم إذا شاء أنشره ، كلا لما يقض ما أمره، فلينظر الإنسان إلى طعامه ، أنا صببنا الماء صبا ، ثم شققنا الأرض شقا، فأنبتنا فيها حبا وعنباً وقضبا ، وزيتوناً ونخلا ، وحدائق غلبا وفاكهةً وأبا ، متاعاً لكم ولأنعامكم"(4)، هذه الآيات ترينا كيف أن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - هيأ الأسباب ، وجعل بعضها آخذاً بحجزة بعض حتى يتم التكامل فيما بينها ، وتحصل نتائجها للعباد ، وهي سبب لاستمرار حياتهم في الأرض إلى أن يشاء الله - عَزَّ وَجَلَّ - انتهاء هذا الكون ، كل ذلك من حجج الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وبراهينه التي يقيمها على خلقه ليؤمن من آمن ويكفر من كفر.
__________
(1) الأجاج: شديد الملوحة.
(2) الفرات: الماء شديد العذوبة.
(3) الغلة: شدة العطش وحرارته.
(4) الآية رقم ( 3 ) من سورة ( عبس ) . (1/114)
صفحة 115
وقد جاء القرآن الكريم مبصراً للإنسان بأمر المعاد ، فإنه كما عرف الناس بأن مبدأهم من الله عرفهم أن معادهم إليه ، وأن هذه الحياة ليست كل شيء في الوجود البشري ، فهي مرحلة يعبرها الإنسان إلى ما بعدها ، إذ الموت الذي هو حقيقة مسلّمة عند الجميع ما هو إلا جسر عبور إلى الدار الآخرة لأن الله تعالى يبعثه بعد موته كما أنشأه النشأة الأولى ، وقد أقام الحجج الدامغة لشبه كل من تسول له نفسه بأن يلبس الحق بالباطل في هذه القضية ، يقول الله تعالى : " يا أيها الناس إن كنتم في ريبٍ من البعث فإنا خلقناكم من ترابٍ ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة أو غير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علمٍ شيئاً ، وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج ، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيءٍ قدير، وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور "(1)، فالذي خلق الإنسان من تراب ، ثم حوله إلى نطفة ماء ، ودرجه في مختلف المدارج حتى صار بشراً سوياً، ثم أفاض عليه من هباته ، ومنحه العقل والعلم والفكر والوجدان والتصور ، قادر على أن ينشئه النشأة الأخرى ، ويتجلى ذلك في مشاهدات الإنسان في الحياة نفسها، حيث يرى الأرض هامدةً فإذا أنزل عليها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوجٍ بهيج "(2) ، وهو مما يجلو عن بصيرة الإنسان ظلمات اللبس في أمر المعاد وقد تكرر ذلك في آيات شتى أراد الله بها تبديد شبه مُنكري البعث ، منها قوله: "أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبين ، وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم ، قل يحييها الذي
__________
(1) الآية رقم ( 7 ) من سورة ( الحج ) .
(2) الآية رقم ( 5 ) من سورة ( الحج ) . (1/115)
صفحة 116
أنشأها أول مرة وهو بكل خلقٍ عليم ، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون ، أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادرٍ على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون "(1) ، يقيم الله في هذه الآيات حجج الحق على عباده المنكرين للبعث بتشخيص دلائل كثيرة ، منها خلقهم من نطفة مهينة ، إذ لا يتصور ممن قدر على خلق إنسان سوي عاقل من هذه النطفة أن يكون عاجزاً عن بعثه بعد موته ونفوق أشلائه؛ ولو تحولت خلايا جسمه إلى ذرات متطايرة في الفضاء ، متناثرة في أجزاء الأرض، فليست هذه النشأة أعجب من النشأة الأولى ، ومنها خلق السموات والأرض من العدم المحض، وإخراج النار من الشجر الأخضر ، إلى ما وراء ذلك من الآيات البينات القاضية باستحالة عجز من هذا شأنه عن بعث مخلوقاته ، ليتبينوا أنهم مبعوثون بعد موتهم ومجزيون بأعمالهم كما أخبرهم الله تعالى ، فمن خلق الإنسان من عدم قادر على أن يعيده مرة أخرى ، بل ذلك أهون عليه ، والكل هيّن في حقه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، إذ هو يفعل ما يشاء ويخلق ما يريد ، من أقوى الأدلة عليه خلق السموات والأرض، وما أدراك ما السموات والأرض في أبعادها التي لا تتصورها العقول ولا تحيط بها الأرقام ، ومع ذلك فإن بينها من الترابط الذي يشد بعضها إلى بعض ما جعلها متناسقة منسجمة في حركات أجرامها واتحاد نظامها وتلاؤم طبائعها كالشيء الواحد.
__________
(1) الآية رقم ( 77-83 ) من سورة ( يس ) . (1/116)
صفحة 117
وكما أن القرآن حلَّ اللغز الذي حيّر الإنسان فيما يتعلق بالمبدأ والمعاد ، حل أيضاً لغز الإنسان في سر حياته ، فإن القرآن في خطابه له وتوجيهه إياه يعرفه أنه خُلق ليكون سيداً كريماً في هذا الكون ، وليكون عبداً مطيعاً لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - مكون هذا الوجود ، ولذلك أمره بعبادته ، وفي معرض الأمر بالعبادة ذكّره بآلائه التي تبدأ من خلقه وخلق أصوله ، ثم ما يتبع ذلك من إيجاد هذا الكون الذي سخره له تسخيراً، بحيث جعل منافعه في متناول يده ، وجعل الرباط بين الأرض وأجزاء الكون الأخرى رباطاً وثيقاً ، ليتم استقراره عليها حتى يؤدي واجباته ويمارس أعماله مستشعراً عبوديته لله وربوبية الله له ولغيره من جميع الكائنات ، فيقبل على عبادة ربه بنفسٍ راضية مطمئنة لا ترى سعادتها إلا في هذه العبادة على النحو الأمثل الذي يرضي الله تعالى.
3- القرآن رحمة للعالمين:
جاء القرآن الكريم بالعبادات التي تهذب النفس البشرية وتصلها بالله ، وتورثها التقوى ، والتقوى كما أنها صلة بين العباد وربهم هي أيضاً صلة حسنة بين العباد أنفسهم لأنها ضمان لحسن التعامل بين الناس ، وهم أحوج ما يكونون إلى حسن التعامل ، لأن الله تعالى جعل منافعهم مشتركة ومصالحهم متداخلة ، فلابد من أن تكون حياتهم مبنية على تعارف وتآلف ، وأن يكون بينهم الترابط والانسجام ، وأن تسودهم المودة والوئام ، وقد جعل الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - التقوى حاجزاً منيعاً يمنع كل أحد من المتقين أن يندفع وراء رغباته في التوفير لنفسه على حساب حقوق الآخرين. (1/117)
صفحة 118
جاء القرآن الكريم بالشريعة السمحة التي لا يمكن أن تصدر إلا عمن يعلم السر وأخفى ، الذي أحاط علماً بالإنسان وطبعه ومساربه ومداخله ، وما تنطوي عليه فطرته ، وضرورة انسجامه مع بني جنسه ، وضرورة تواؤمه مع هذا الكون المترامي الأطراف الواسع الأرجاء، فجاءت شريعته الغراء مراعية هذه الجوانب كلها ، وقد جرب البشر الكثير من الشرائع والأنظمة البشرية، فلم يعودوا منها بشيء إلا الوبال والدمار ، وها هي الإنسانية تعاني ما تعانيه اليوم من هذه الأنظمة البشرية الفاشلة عن الفطرة التي فطر الله تعالى البشر عليها والشاذة عن سنة طبيعة هذا الكون ، لأنها صدرت عن فكر قاصر ونظر محدود، فمهما كانت التجارب والدراسات النفسية والاجتماعية التي نشأت عنها تشريعات البشر فإنها تبقى عاجزة عن حل مشكلات البشر ؛ ولا يمكن أن يُتوصل إلى ما يحل هذه المشكلات إلا بالرجوع إلى ما أنزله الله تعالى في كتابه ، وقد تجلى ذلك للناس ، وانطلقت ألسنة الجاحدين الملحدين لتعرب عن هذه الحقيقة التي أصبحت عند الكثير منهم من المسلمات ، حتى أن كاسترو وهو من كبار الملاحدة المعاندين ، وفي مقدمة الشيوعيين المتعصبين قال : لم يبق أمام البشرية إلا المنهج القرآني . فالمنهج القرآني وحده هو الذي سيحل بمشيئة الله مشكلات الإنسانية عندما تحتكم إليه ، فقد جاء القرآن بما يشفي الصدور ، وأخذت آيات الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - تتكشف للناس من خلال تجارب حياتهم ، بأن أي نظام آخر لا يصلح لهذه الإنسانية ، إذ لا يلبي مطالبها الفطرية وينسق بين ضروراتها الروحية والمادية إلا هذا النظام الإلهي الذي بهر الألباب بدقته وشموله ، وجاءت آيات الله تعالى في نظام هذا الكون تتكشف أيضاً يوماً بعد يوم لتثبت أن القرآن الكريم هو المرآة العاكسة لحقائق الوجود والسجل الحافل لأسرار الله في خليقته ، فإن نظام هذا الوجود بأسره يتراءى للناس من خلال دراستهم للقرآن ، ونظرهم إليه وفهمهم له (1/118)
صفحة 119
وما من اكتشاف عِلميّ لحقيقة كونية إلا وينخرط في سلك جواهر تجليات إعجازه، وصدق الله تعالى حين يقول وهو أصدق القائلين : " قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكن بربك أنه على كل شيء شهيد ألا أنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط"(1)، والقرآن الكريم هو لحمة نسيج الوحدة الإيمانية التي تنتظم قلوب المؤمنين، فإنه يصل بين قلوب العباد كما أنه بين العباد وبين ربهم - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، ذلك لأنه يربط على قلوب أتباعه، ويعطف بعضها على بعض، وقد تجسد ذلك في سيرة الصدر الأول من هذه الأمة عندما استمسك الناس بالقرآن المنزل على نبي الرحمة عليه أفضل الصلاة والسلام ، فلم تلبث القلوب المتنافرة أن اجتمعت وتوادت وتراحمت وتلاحمت حتى غدت كالقلب الواحد ، ولم تلبث الفئات المتدابرة المتناحرة أن تآخت وتعاضدت كأنها تحيى بروح واحدة وتفكر بعقل واحد حتى تكونت منهم خير أمة أخرجت للناس ، وقد امتن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بذلك على عباده بما أسبغه عليهم من هذه النعمة حيث قال : " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ، وكنتم على شفا حفرةً من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون "(2) ، وامتن بذلك على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام إذ قال له : " هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم"(3)، قد جمع الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بهذا القرآن بين فئات من البشر استحكمت من قبل فيها العداوات ، وتغلغلت فيها آثار التّرات والثارات ، حتى صار
__________
(1) الآية رقم ( 54 ) من سورة ( فصلت ) .
(2) الآية رقم ( 103 ) من سورة ( آل عمران ) .
(3) الآية رقم ( 63 ) من سورة ( الأنفال ) . (1/119)
صفحة 120
التعادي بينها جزءاً من طبيعة حياتها يتوارثه الأولاد عن الآباء والأجداد جيلاً بعد جيل ، فإذا بالقلوب تتعاطف بعد تباعدها والنفوس تتآلف بعد تنافرها، جمع شملها حب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وحب رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فالتفت على نصرة الحق والوقوف صفاً في وجه الباطل الكريه، وما كان لها أن تتطهر من تلك الرواسب الجاهلية لولا أن تدفق عليها معين القرآن الطهور المدرار فاجتاح أرجاسها واقتلع جذور الحمية الجاهلية منها، فعادت وكأنما أنشئت من جديد من طينة عجنت بسلسبيل القرآن والإيمان.
4- وجوب تعلم القرآن وتعليمه: (1/120)
صفحة 121
إن القرآن تعلمه وتعليمه رحمة للعباد ، فإن الناس لا يزالون بخير ما استمسكوا بكتاب الله تعالى تلاوةً ودرساً وتأملاً وعملاً وتطبيقاً ، ذلك لأن ما في القرآن من شفاء ورحمة وهدى للناس يتوصل إلى كنوزه إلا بتبين ما فيه من دواء للأدواء وأنوار تبدد الظلمات وإرشاد يرد الضالين إلى مهيع الحق ، ولن يكون ذلك إلا عندما يأخذ الإنسان نفسه بالتربية القرآنية حتى يتكيف مع هذا القرآن أخذاً وعطاء ، قبولاً ورفضاً ، في المكره والمنشط ، وفي السراء والضراء ، وفي السلم والحرب، بل في كل حالٍ من الأحوال ، وقد دعا نبي الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - إلى تعلم كتاب الله وتعليمه ، فقد حضَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أن يكون القرآن فاتحة التعليم حيث يقول: "علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو "(1) ويقول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه "(2)، ومن تلا القرآن الكريم مع إمعان النظر فيه وتدبر آياته البينات يجد أن الله تعالى ينعى على أولئك الذين لا يتدبرونه حيث يقول : " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها "(3) ، فالقلوب التي لا تتدبر القرآن الكريم هي قلوب مقفلة ، أما القلوب التي تنفتح على نور الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فإنها تتأمل القرآن وتتدبره ، وجاء في كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ما يدل على أن القرآن بلغ من عمق العظة وقوة الحجة ونصوع البرهان؛ أنه لو نزل على جبلٍ لتفتت " لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله"(4)، فكيف بقلوب العباد ؟ تكون أقسى من صخور الجبال الصلاد ؟ فلابد من وقفة تأمل وتذكر حتى يستطيع الإنسان أن يرقق قلبه ، ليخشع
__________
(1) الربيع ( 3 ) .
(2) البخاري ( 4739 ) ، أبو داود ( 1452 ) ، الترمذي ( 2907 ) .
(3) الآية رقم ( 24 ) من سورة ( مُحَمَّد ) .
(4) الآية رقم ( 21 ) من سورة ( الحشر ) . (1/121)
صفحة 122
بما يرد عليه من عظات آيات الله تعالى في كتابه ، ويتكيف وفق ما تقتضيه من توجيه وإرشاد ، والعمل بكتاب الله سبحانه هو سبيل النجاح للإنسان في حياته وبعد مماته، فقد جاء في حديث أخرجه أحمد والترمذي ، من رواية الإمام علي كرم الله وجهه أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "ستكون فتن كقطع الليل المظلم ، قيل له : وما المخلص يا رسول الله ؟ قال: كتاب الله ، فيه نبأ من قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ، ونوره المبين ، والذكر الحكيم ، والصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تتشعب معه الآراء ، ولا يشبع منه العلماء ، لا يخلق على كثرة الرد ، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا : " إنا سمعنا قرآناً عجباً " ، من قال قوله صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أُجر ، ومن اعتصم به فقد هُدي إلى صراط مستقيم"، والحديث وإن كان ضعيف السند إلا أن إشعاع عباراته يدل على أنه متألق من مشكاة النبوة(1)
__________
(1) قلت من قبل: إن من يتتبع منهج شيخنا الخليلي في التعامل مع الحديث، نجده يعتمد على عرض الراوية على الكتاب العزيز وعلى السنة المجتمع عليها وعلى أصول الشريعة فما وافقها أخذ، وما عارضها رفضه. وهو بذلك قد تجاوز مشكلة السند إلى النظر في حقيقة المتن، وهو ما يعاني فيه "أهل الحديث" قصوراً بيناً، نتيجة الخلل العقدي والفكري الذي أصيبوا به، وخاصة فيما يتعلق بالمفارقة بين القوق والعمل، يقول سماحته في "إعادة صياغة الأمة": (لو جئنا إلى علم الحديث مثلاً؛ نرى أن مما يقوله المحدثون جميعاً بأن الحديث لا يرقى إلى درجة الصحة، حتى يكون غير متصادم مع القرآن الكريم والمتواتر من السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ولكن هل طبق ذلك تطبيقاً دقيقاً؟ بحيث أخذ بالحديث الذي يتفق مع مدلول القرآن، وترك الأخذ بالحديث الآحادي الذي يتعارض معه؟ لا، بل نجد تناقضاً عجيباً عند علماء الحديث؛ بين ما يؤصلونه وما يسيرون عليه). (1/122)
صفحة 123
.
وقد كان السلف الصالح حريصاً على التكيف وفق تعاليم القرآن ، لذلك عندما كانوا يتعلمون القرآن الكريم ما كانوا يتعلمونه تلاوةً وفهماً من الناحية الفطرية فحسب، بل كانوا يتعلمون تطبيقه أيضاً ، كما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه : أنهم كانوا يتعلمون القرآن عشر آيات عشر آيات ، لا يغادرونها إلى ما بعدها حتى يتقنوا ما فيها من العلم والعمل ، فقد كانوا يكيفون حياتهم وفق تعاليم القرآن الكريم، يتعلمون العمل به كما يتعلمون علمه ليتجسد في سلوكهم كما يتجسد في تصورهم، من أجل ذلك وصفوا بما وصفوا به إذ قرن الله به عليه الصلاة والسلام وقال فيهم أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مُحَمَّد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار "(1) ، وأثنى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - على المهاجرين والأنصار الذين جسدوا القرآن في تضحياتهم العظيمة التي قام بها قائم الدين وشمخ بها صرح الحق العتيد تعاليم القرآن ، عندما ضحوا بهذه الدنيا كلها من أجل الوصول إلى الغاية المثلى التي يسعون إليها ، وهي السعادة العظمى بالفوز بنصر الله في الدنيا ورضوانه في الأخرى ، وذلك في قوله : " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ، والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، ومن يوق شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون "(2) ، وقد مشى على هذا الدرب السلف الصالح أهل الاستقامة في
__________
(1) الآية رقم ( 29 ) من سورة ( الفتح ) .
(2) الآية رقم ( 9 ) من سورة ( الحشر ) . (1/123)
صفحة 124
دين الله ، الذين يصفهم أبو حمزة(1) رحمه الله تعالى بقوله : " لقد نظر الله إليهم في جوف الليل ، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن ، إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مر بآيةٍ فيها ذكر النار شهق شهقةً كأن زفير جهنم في أذنيه " ، هؤلاء هم الذين فهموا القرآن حقاً ، فلذلك لانت قلوبهم ، ورقت مشاعرهم ، وأرهفت أحاسيسهم ، فكانوا بهذا المستوى من الإدراك الدقيق لما يشتمل عليه القرآن ، حتى أنهم عندما يتلو أحدهم آية رحمة كأنما يبصر الجنة بكل نعيمها أمام عينيه ، وعندما يتلو آية عذاب يتصور النار بكل عذابها كأنها بين يديه ، ومن هنا تفاعلوا مع القرآن تفاعلاً تاماً ، ويقول في وصف هذا الصنف من الناس العلامة شاعر الإسلام أبو مسلم البهلاني(2)
__________
(1) أبو حمزة المختار بن عوف السليمي، من أعلام تابعي التابعين، ولد بقرية مجز بعمان، وانتقل إلى البصرة، فأخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ونبغ في البلاغة، ويعده الباحثون من أعلام الأدباء في عصره، لا تزال خطبة شاهدة على ذلك، أرسله أبو عبيدة مدداً لثورة عبد الله بن يحيى طالب الحق بحضرموت واليمن، و من اليمن أرسله طالب الحق لمواجهة الأمويين في عقر دارهم بالشام، ولقتال مروان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أمية، ومر بمكة فدخلها يوم عرفة سنة 129هـ، ثم دخل المدينة فقاتله جند بني أمية في قديد، فقاتلهم ودخلها، وهرب منها عاملها الأموي عبدالواحد بن سليمان، أحسن أبو حمزة السيرة في كل من مكة والمدينة، استشهد أبو حمزة الشاري سنة 130هـ.
(2) العلامة ناصر بن سالم بن عديم بن صالح الرواحي البهلاني، ولد سنة 1273هـ في بلدة محرم من وادي محرم المعروف بها، كان نابغة في العلم والأدب حتى لقب بعالم الشعراء وشاعر العلماء، انتقل إلى زنجبار أيام دولة آل بو سعيد فيها، وتسنم منصب القضاء فيها، له كتاب موسوعي في الفقه لم يتمه هو "نثار الجوهر" وله العديد من المؤلفات منها: "النشأة المُحَمَّدية" و"النور المُحَمَّدي" و"النفس الرحماني" و"كتاب السؤالات" و"العقيدة الوهبية" ومن أهم أعماله في زنجبار إصدار جريدة النجاح التي تعد من أوائل الصحف العربية ظهوراً، توفي في اليوم الثاني عشر من شهر صفر سنة 1339هـ في زنجبار. (1/124)
صفحة 125
رحمه الله تعالى:
تراهم في ضمير الليل صيرهم
مثل الخيالات تسبيح وقرآن
لذلك يدعو سالك طريق الحق إلى استصحاب القرآن في طريقه وإسلاس القياد له حيث يقول :
وخذ بكتاب الله حسبك إنه
دليل مبين للطريق خفير
فما خاب من كان القرآن دليله
وما ضل من سير القرآن يسير
تمسك به في حالة السخط والرضا
وطهّر به الآفات فهو طهور
وحارب به الشيطان والنفس تنتصر
فكافيك منه عاصم ونصير
إن تنشئة الناشئة على كتاب الله حفظاً وتلاوةً وفهماً وتطبيقات واتباع هدي رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأقوال والأعمال والأخلاق، وغرس مفاهيم الحق المستوحاة من القرآن والسنة في نفوسهم مما يبشر الأمة بمستقبل سعيد بمشيئة الله ، ومن هنا كان الإنفاق في هذا السبيل من أعظم القربات إلى الله لما في ذلك من إقامة دعائم الدين والمحافظة على نظامه ، فإن الإنسان عليه أن يصدر في كل شيء عن القرآن سواء ما يتعلق بشئون النفس أو المال. (1/125)
صفحة 126
إن القرآن الكريم يدلنا على أن المال مال الله ، وأن الإنسان مستخلف فيه ومؤتمن عليه، والخليفة لا يحق له أن يتصرف فيما استخلف فيه إلا بما يقتضيه أمر مستخلفه، والمؤتمن إنما عليه أن يكون أميناً فيما هو تحت يده ، يحافظ عليها حسب أوامر من ائتمنه ، وذلك واضح مما جاء في القرآن الكريم في بيان نظام المال، فالله تعالى يقول: "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم "(1) ، فنص على أن المال ماله سبحانه ، ويقول: "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه "(2) ، والحديث عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدل على أن الإنسان يسأل سؤالين يوم القيامة عن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ إذ ليس للإنسان أن يكتسب المال من أي وجه ، وإنما عليه أن يتحرى الوجوه المشروعة في الكسب ، وألا يتجاوزها ، لأن الكسب الحلال فيه البركة والخير لأن فيه رضى الله ، وفيه بركة العمر والعمل لأن الحرص على التغذي به من أسباب التوفيق للاستقامة على أمر الله سبحانه ، بخلاف الكسب الحرام ، فإنه يجر إلى الحرام ، ومن اعتاد أكل الحرام كانت الظلمات متراكمة على قلبه ومستحكمة في عقله وفكره، وتكون معصية الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قد رانت على قلبه ، وقد جاء في الحديث: "كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به"(3) ، والإنسان عليه أن لا يغتر بالمكاسب ، فإن حب المال أمر خطير فقد يؤدي بالإنسان إلى أن ينسى كل شيء ، ولله در من قال:
النار آخر دينار نطقت به
والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما إن لم يكن ورعا
ماذا يكابد بين الهم والنار
__________
(1) الآية رقم ( 33 ) من سورة ( النور ) .
(2) الآية رقم ( 7 ) من سورة ( الحديد ) .
(3) الربيع (941). (1/126)
صفحة 127
والسؤال الثاني يتعلق بالإنفاق ، فالإنفاق يجب أن يكون في سبيل الخير ، ويجب أن يكون إنفاق الإنسان على نفسه وعياله بالمعروف ؛ لأجل إعفاف نفسه وعياله ، وأن يكون الإنفاق في سبيل الله، وسبيل الله وعاء عام يشمل كل بر، ومن جملة أعمال البر التي تدخل في هذا الوعاء العام الكبير الإنفاق في المدارس التي تنشئ الناشئة على التعلق بكتاب الله وحب الله ورسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودينه ، وعلى التكيف وفق تعاليم القرآن ، لتكون بمشيئة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ناشئة يقوم عليها أساس هذا الدين الحنيف.
أمراض القلب وعلاجها
1- مفهوم القلب وأمراضه:
القلب يطلق على العضو الصنوبري المعروف بين حنايا الجسم ، الذي ينبض بالحياة ويتأثر بالانفعالات ، ويطلق على القوة الإدراكية التي هي ملاك حياة الإنسان، وبهذا جاء مصطلح القرآن الكريم عندما يتحدث عن القلوب، فإنه غالباً ما يقصد بها القوة الإدراكية في نفس الإنسان، وعندما يتحدث عن مرض القلوب فإنما يعني به المرض المعنوي، كما يقول تعالى في المنافقين : " في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً ولهم عذابٌ أليم "(1) ، ويقول في التحذير من موالاة اليهود والنصارى : "فترى الذين في قلوبهم مرضٌ يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين"(2).
__________
(1) الآية رقم ( 10 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 52 ) من سورة ( المائدة ) . (1/127)
صفحة 128
وأمراض القلوب كثيرة متنوعة ، وأسبابها متعددة ، فكل معصية من معاصي الله سبب لإصابة الإنسان بهذا المرض الفتاك ، فقد جاء في الحديث عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب صقل منها ، فإن عاد زادت حتى يعلق بها قلبه ، فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه"(1) ، ثم تلا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قول الله سبحانه : " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون"(2)، فالمعاصي هي بريد الكفر وسبب الوقوع في المهالك ، والاستخفاف بأمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ليس بالأمر الهين ، فهو داءٌ عضال يجتث ما في النفس من خير فطرت عليه، ذلك لأن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أمر ونهى ، وأرسل رسله مبشرين ومنذرين ، وأنزل كتبه تتلى على الناس ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حيي عن بينة ، ولم يأت أمر من أوامر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ليبقى مجرد مثال عالق بالذهن ، وإنما لتصلح به القلوب وتهذب النفوس وتنتظم به الحياة في سلك الخير والمرحمة ، فالله تعالى يقول : "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبينا "(3) ، ويقول : " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ، ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهن ، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، من لم يتب فأولئك هم الظالمون ، يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكلوا لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم ، يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى
__________
(1) المستدرك للحاكم ( 3908 ) ، ابن حبان ( 930 ) .
(2) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( المطففين ) .
(3) الآية رقم ( 13 ) من سورة ( الحجرات ) . (1/128)
صفحة 129
وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"(1).
هذه الآيات تتحدث عن جانب من أمراض القلوب ، وقد تكون هذه الأمراض في أعماق النفس من غير أن يشارك عضو ظاهر من أعضاء الإنسان في إيجادها ، وقد تكون مسببة لأعمال ظاهرة يعملها الإنسان قولاً أو إشارةً ، فلذلك حذر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - هنا من تحقير الإنسان للإنسان ، ولا سيما المؤمن ، فإن المؤمن ليس من شأنه أن ينظر إلى المؤمن نظرة احتقار ، وإنما ينظر إليه نظر إكبار وتقدير ، ففي الحديث عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من حقر مسلماً فليس بمسلم"(2)، وجاء أيضاً: "المسلم أخو المسلم لا يقتله ولا يظلمه ولا يحقره، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه "(3) ، وحذر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من السخرية فقال : " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهن "(4) ، ثم أتبع ذلك ما ينتجه هذا التحقير ، وينشأ عنه من الحديث المنحرف عن سواء السبيل ، إذ قال - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون "(5) ، ثم حذر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من الظن السيئ ، إذ قال : " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم"(6)، وفي الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"(7)، وروى أبو عبيدة قال: بلغني عن ابن
__________
(1) الآيات رقم ( 11 - 13 ) من سورة ( الحجرات ) .
(2) الربيع (973).
(3) مسلم ( 2564 ) ، الترمذي ( 1927 ) .
(4) الآية رقم ( 11 ) من سورة ( الحجرات ) .
(5) الآية رقم ( 11 ) من سورة ( الحجرات ) .
(6) الآية رقم ( 12 ) من سورة ( الحجرات ) .
(7) الربيع (698) . (1/129)
صفحة 130
مسعود قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إياكم والحسد والظن والبغي، فإنه لا حظ في الإسلام لمن فعل ذلك، ولا حظ في الإسلام لمن فيه إحدى هذه الخصال"(1)، يُنهى الإنسان أن يظن بأخيه ظناً سيئاً ، وإنما عليه أن يظن به الظن الحسن وهذا شأن المؤمن مع المؤمن ، فالمؤمنون كما يقول الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر "(2) ، والحق - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عبّر عن ذلك بالأخوة إذ قال : " إنما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم "(3) ، وحذر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من أي عمل ظاهر ينتج عن هذا الظن الخفي بين حنايا النفس، وهو التجسس " ولا تجسسوا "(4)، وترى أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما حذر من التجسس أطلق التحذير ولم يقيّده بالإيمان بحيث لا يتجسس مؤمن على مؤمن، كما هو الشأن في الاغتياب عندما قال : " ولا يغتب بعضكم بعضا "(5) ، إذ الكافر والفاجر لا غيبة لهما(6)
__________
(1) الربيع (699).
(2) سبق تخريجه.
(3) الآية رقم ( 10 ) من سورة ( الحجرات ) .
(4) الآية رقم ( 12 ) من سورة ( الحجرات ) .
(5) الآية رقم ( 12 ) من سورة ( الحجرات ) .
(6) المقصود هنا الكافر والفاجر اللذان يجاهران بكفرهما وفجورهما، تحذيراً للناس من أفعالهما، وإلا فإن المسلم ليس من شأنه الحديث في حرمات الناس والإيغال في خصوصياتهم، فهو دائماً عفيفة النفس مصون اللسان، يقول سماحته في موضع آخر: (اللهم إلا الذي لا يبالي بما يأتي وما يذر، وهو الذي انتهك حرمته وأهدر كرامته بنفسه، وذلك بأن لا يبالي بالمجاهرة بمعاصي الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، فإنه لا غيبة له، فيُذكر الفاسق المجاهر بما فيه لا لأجل التلذذ بذكر عورات الناس؛ ولكن من أجل التحذير من فسوقه حتى لا يغر الناس بما يظهره من القول الكاذب والمظهر الخادع مع أن حقيقته بخلاف ذلك). (1/130)
صفحة 131
، بخلاف التجسس ، فإنه ليس من شأن المؤمن أن يتجسس على أي أحد كان وإن كان غير مؤمن ، وعندما حذر الله من الغيبة صورها تصويراً يجعل النفس تشمئز وتتقزز منها حيث قال : " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ، واتقوا الله إن الله تواب رحيم "(1) ، ثم إنه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - اتبع ذلك بما يحذر الناس من استعلاء الناس بعضهم على بعض ، إذ هم جميعاً ينحدرون من أصل واحد، فليس أحد منهم أصله ذهب والآخر أصله تراب ، إنما الكل ينحدرون من آدم وحواء : " يا أيها الناي إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير "(2) ، فميزان التفاضل بين الناس تقوى الله ، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه قال تعالى : " فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون"(3).
هذا وإن من أخطر الأمراض التي تفتك بالأمم وتعصف بالمجتمعات الحسد، وهو تمني الإنسان زوال نعمة الغير وانتقالها إليه، بل ولو لم يتمن أن تنتقل إليه، فإن مجرد تمني زوال هذه النعمة هو أمر مذموم جداً، ولذلك حذر منه الله تعالى فقال: "وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ"(4) وقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً"(5).
__________
(1) الآية رقم ( 12 ) من سورة ( الحجرات ) .
(2) الآية رقم ( 13 ) من سورة ( الحجرات ) .
(3) الآية رقم ( 101 ) من سورة ( المؤمنين ) .
(4) الفلق/5.
(5) الربيع (696). (1/131)
صفحة 132
وكذلك من أخطر الأمراض النفسية الفتاكة التي تحول رياض الأعمال النضرة إلى جرداء مقفرة الرياء ، لذلك تجد في كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الحض على تحصين الأعمال بسور متين من الإخلاص ليجنبها آفة الرياء القاتلة ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول : " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا"(1)، والشرك هنا هو الرياء ؛ لأنه شرك خفي ، إذ المرائي يظهر للناس أنه يعبد الله ، وهو في الحقيقة يعبد هواه بتقربه إلى الناس بأعماله الصالحة التي يجب أن تكون خالصة لربه ، ومن أجل ذلك كان السلف يسمون الرياء الشرك الأصغر ، ويسمونه الخفي ، كما قال العلامة أبو مسلم البهلاني:
وزن صالح الأعمال بالخوف والرجاء
هما جُنة للصالحات وسور
إلى أن قال:
وراقب وصايا الله سراً وجهرة
ففي كل نفس غفلة وفتور
وجرد على الإخلاص جدك في التقى
ففوقك بالشرك الخفي خبير
وحسب الإنسان أن يشعر أن وراءه رقيباً يعلم خفايا نفسه وطوايا ضميره فلا يغرب عنه ما ينطوي عليه من هذا الشرك الخفي ، ليحرص على أن يزن أعماله بموازين الإخلاص لله تعالى.
2- علاج أمراض القلب:
__________
(1) الكهف/110. (1/132)
صفحة 133
إن القلب هو ملاك الإنسان لأنه مصدر التأثير عليه والقوة الموجهة لحياته المصرفة لملكاته وطاقاته ، فصلاحه صلاح الجسد كله وفساده فساده جميعاً ، لأنه منقاد له في حركاته ، تابع له في استقامته واعوجاجه ، كما دل عليه قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " ، لأن الجسد هو الصورة الظاهرة والقلب هو الحقيقة الباطنة ، ولئن كانت تلك هي أداؤه فما هو دواؤه ؟ إن دواء القلب مركب من أربعة عناصر بها صلاحه واستقامته وهي العقيدة الصحيحة والعمل الصالح والكلم الطيب والأخلاق الفاضلة، أما العقيدة الصحيحة فهي الإيمان الراسخ بأصول الاعتقاد الصحيحة، وذلك يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ، مع ضرورة الإيمان بكل ذلك ، وما لكل واحد من هذه الأركان الستة من أثر بيّن على حياة المؤمن في فكره وسلوكه ، إلا أننا نجد التركيز على الربط بين الاستقامة على سواء الصراط وبين الإيمان بالله واليوم الآخر ، وذلك لأهميتهما وعمق تأثيرهما على فكر المؤمن وسلوكه ، فكأنما الذي آمن بالله واليوم الآخر أمسك بحبل الإيمان من طرفيه ، واكتنفه من قطريه ، لذلك يتكرر في كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - التنويه بهما وتعليق امتثال الأوامر والنواهي إليهما سواء في معرض الترغيب أو الترهيب ، فعندما يحض القرآن على أمر مهم يقرن هذه الدعوة بالإيمان بالله واليوم الآخر ، كقوله سبحانه : " لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر"(1)، وقوله : " قد كانت لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا "(2) ، وكذلك في معرض التحذير كما في قول الله - عَزَّ وَجَلَّ - : " فلا تعضلوهن أن ينكحن
__________
(1) الآية رقم ( 6 ) من سورة ( الممتحنة ) .
(2) الآية رقم ( 21 ) من سورة ( الأحزاب ) . (1/133)
صفحة 134
أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر "(1) ، وقوله : " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر"(2)، وكما نجد حفز الهمم للخير وتثبيطها عن الشر في القرآن يقترنان بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ، نجد مثل ذلك في سنة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وذلك نحو قوله صلوات الله وسلامه عليه : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ولا يؤذي جاره أبداً"(3)، وقوله: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"(4) ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية هذين العنصرين في بناء العقيدة الإسلامية ، وهذا يعني أن النجاح في إصلاح القلب موقوف على شحنه بطاقات فاعلة من الإيمان بالله واليوم الآخر ، ذلك لأن الإيمان بالله يعني الإيمان بالخالق الواحد ، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وهو الذي خلق فسوى ، وقدر فهدى ، وله الآخرة والأولى، سبحانه أمر ونهى ، ووعد وتوعد ، وقوله الحق فلا تبديل لكلماته في وعده ولا في وعيده ، ليس له أول ولا آخر قد كان قبل كل شيء ويبقى بعد كل شيء ، مصدر كل شيء منه، ومرده إليه ، هو الذي أبدع هذا الوجود بحكمته وصرفه بقدرته ووسعه بعلمه وتدبيره، فتناغمت أصوات الكائنات مسبحة بحمده وتفاعلت حركات المخلوقات ساجدة لكبريائه "تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحه إنه كان حليماً غفورا "(5) ، وكل ما يسبح فيه الإنسان من آلاء ويحيط به من نعم فهو من فيض كرمه المدرار ، ولئن كان الكون بأسره ؛ سماؤه وأرضه ، علويه وسفليه ، ظاهره وباطنه ، ملكه وملكوته ، يسبح بحمد الله ، ويسجد خاضعاً
__________
(1) الآية رقم ( 232 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 88 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الربيع (683).
(4) الربيع (681) .
(5) الآية رقم ( 44 ) من سورة ( الإسراء ) . (1/134)
صفحة 135
لجلاله ، فما لهذا الإنسان يشذ عن نظامه ، فلا يستجيب لداعي الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ولا ينقاد لأمره ، مع عظم افتقاره إليه وعدم استغنائه في أي لحظة من لحظاته عن أقل جزئية من أجزاء ألطافه ، إن هذا الإيمان عندما يتغلغل في أعماق النفاس ويستحكم في سويداء القلب(1) يسمو بإرادة الإنسان فيجردها من أسرِ الشهوات والنزغات.
وأما الإيمان باليوم الآخر فهو الإيمان بالمنقلب الذي لا مناص لأحدٍ منه ، فكما أن الحق - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أنشأ الوجود من عدم يعيده من جديد كما بدأه أول مرة بعد أن يفنيه بقدرته ، كذلك منقلب كل شيء إليه ، فما لأحد مفر عن أن يرجع إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وفي منقلبه هذا يحاسب على ما قدم وأخر وأعطى ومنع ، وعلى كل تصرف تصرفه في حياته ، ذلك لأن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أمره ونهاه ، وهو سائله عن فعل ما أمره به وترك ما نهاه عنه ، ولا ريب أن هذا الإيمان يؤدي إلى تقوية إرادة النفس في مقابل شهواتها ونزغاتها ، فإن الإنسان بإيمانه بالله يحس بدافع من نفسه يدفعه إلى الانقياد لأمره ، والإذعان لحكمه ، والوقوف عند حدوده ، وعدم تجاوز شيء منها ، ولكن مع دخوله في معترك الحياة يضعف عن مقاومة رغباته الجامحة ونزغاته الطائشة ، فتتضائل إرادته أمام تياراتها حتى تتلاشى ، إلا أنه عندما يؤمن بالمنقلب ، وأنه يحاسب فيه على ما قدم وأخر، ويلقى جزاء عمله كله كاملاً " يوم توفى كل نفسٍ ما عملت وهم لا يظلمون "(2) ، فإن نفسه تتطامن مع هذا ، ويتمكن من إصلاح قلبه والسيطرة على نزغات نفسه ونزعاتها وكبح جماح شهواتها ورغباتها ، حتى يكون متفاعلاً مع أمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في سره وجهره، منقاداً لحكمه مذعناً لطاعته ، واقفاً عند حدوده ، لأن في هذا الإيمان وصلاً بين المخلوق وخالقه ، لأنه يملأ نفس
__________
(1) سويداء القلب: حبتة القلب، أي عمقه.
(2) الآية رقم ( 111 ) من سورة ( النحل ) . (1/135)
صفحة 136
المخلوق إحساساً أن مبدأه من الله الذي خلقه فسواه ، وأن منقلبه إليه ، وفيه وصل بين العمل وجزائه عندما يوقن أنه مجزي بكل ما قدم وما أخر ، وربط بين الدنيا والآخرة ، مع الاستيقان أن الدنيا بجانب الآخرة لا تساوي شيئاً ، فلذلك يحرص على أن يؤثر مصلحته في آخرته على ما عسى أن يتخيله من مصلحته في دنياه ، حتى يتحرر من ربقة شهواته ورغباته ومن أسر نزعاته ونزغاته، ليكون حراً يعمل بمشيئة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وفق منهج الحق الذي أنزله - عَزَّ وَجَلَّ -، على أن الإيمان باليوم الآخر كالإيمان بالله لا يعد إيماناً صحيحاً يسعد به المرء بالاستقامة في دنياه والسعادة في عقباه حتى يكون كما جاء في كتاب الله ، فالله تعالى يخبرنا بشأن ذلك اليوم حيث يقول : " وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذٍ لله "(1) ، ويقول سبحانه في وصفه: "يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، كل امرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يغنيه"(2)، ويقول: "يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذٍ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ، ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه "(3) ، ويقول : " واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون "(4) ، ويقول: "من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذٍ آمنون ، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون "(5) ، ويقول عز من قائل : " من جاء بالحسنة فله خير منها ، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون"(6)، ويقول : " واتقوا يوماً لا تجزي
__________
(1) الآية رقم ( 19 ) من سورة ( الانفطار ) .
(2) الآية رقم ( 34 ) من سورة ( عبسى ) .
(3) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( المعارج ) .
(4) الآية رقم ( 281 ) من سورة ( البقرة ) .
(5) الآية رقم ( 90 ) من سورة ( النمل ) .
(6) الآية رقم ( 84 ) من سورة ( القصص ) . (1/136)
صفحة 137
نفسٌ عن نفسٍ شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون "(1) ، ويقول : " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون "(2) ، ويقول - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - في عاقبة الناس في ذلك اليوم ، بحسب ما كانوا عليه في حياتهم الدنيا : " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا ، من يعمل الصالحات من ذكرٍ وأنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا "(3) ، ويقول : " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ، والذين كسبوا السيئات جزاء سيئةٌ بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أُغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلمة أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"(4)، ويقول : " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ، يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين "(5) ، ذلك كله يدل على أن الإنسان مجزي بعمله في الدار الآخرة ، فلا مجال للتشبث بالأماني والأوهام ، بحيث يظن ظان أن نجاته تكون بغير تقوى الله وعمل صالح ، أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لا يُخلف شيئاً مما أخبر به من وعيده ، فإنه تعالى أصدق القائلين، ولا ريب أنه منجز ما وعد به أو توعد ، يقول الله تعالى : " لا تختصموا لديَّ وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد"(6)، ويقول ناعياً هذا الغرور على أهله ومبيناً أنه من عقائد اليهود الذين انحرفوا عن سواء الصراط : " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض
__________
(1) الآية رقم ( 48 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 254 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الآية رقم ( 123 ) من سورة ( النساء ) .
(4) الآية رقم ( 27 ) من سورة ( يونس ) .
(5) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( الانفطار ) .
(6) الآية رقم ( 28 ) من سورة ( ق ) . (1/137)
صفحة 138
هذا الأدنى ، ويقولون سيغفر لنا، وإذ يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق "(1) ويقول سبحانه فيهم بأسلوب التعجيب من أحوالهم وأفعالهم : " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريقٌ منهم وهم معرضون ، ذلك لأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون "(2) ، وفي هذا ما يكفي دليلاً للعاقل أن اعتقاد غير الحق في اليوم الآخر هو الذي يدفع بالناس إلى الانزلاق في مهاوي الردى.
3- التوازن بين الخوف والرجاء:
__________
(1) الآية رقم ( 169 ) من سورة ( الأعراف ) .
(2) الآية رقم ( 24 ) من سورة ( آل عمران ) . (1/138)
صفحة 139
إن الإيمان الحق الذي يجعل الإنسان يستعلي على رغباته ونزواته ، ويتحكم في شهواته ونزغاته ، هو الإيمان القرآني الذي يصف الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ويصف اليوم الآخر الوصف اللائق بجلال الله ، واللائق بعدله في الدار الآخرة ، وهذا الإيمان هو الذي يجعل الإنسان يربط نفسه بعجلة خوف الله تعالى ورجائه ويعدل بينهما ، فلا يطغى الرجاء على الخوف حتى يأمن مكر الله ، ولا الخوف على الرجاء حتى ييأس من رحمته ، وإنما ينظر إلى فضل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وإحسانه ، فيفيض على نفسه فيض من الرجاء أن يختم الله له بخواتم الصالحين ، وأن يبوئه مبوأ صدق في الدار الآخرة ، وأن يخلصه من أثر شهواته ورغباته ليكون عبداً مخلصاً له سبحانه، فهو لا ييأس من ألطاف الله في دنياه ليحوله من الفساد إلى الصلاح ومن الضلال إلى الهدى ومن الاعوجاج إلى الاستقامة ، كما أنه لا ييأس من رحمة الله في الدار الآخرة مع الحرص إلى السعي إليها بالتوبة النصوح والعمل الصالح عملاً بقول الله سبحانه : " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون، واتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ، أن تقول نفس يا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول لو أن لي كرة فأكون من المحسنين "(1) ، وينظر إلى عظيم حق الله تعالى وقصوره في أدائه مع إحساسه بالخوف فتشتعل في أحشائه نار الخوف من الله ، ذلك لأنه كما لا ييأس من رحمته - عَزَّ وَجَلَّ - لا يأمن مكره ، يجعل نصب عينيه قوله تعالى : " لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون "(2) ، وقوله : "
__________
(1) الآية رقم ( 56 ) من سورة ( الزمر ) .
(2) الآية رقم ( 99 ) من سورة ( الأعراف ) . (1/139)
صفحة 140
فإنه لا ييأس من روح الله القوم الكافرون "(1) ، فيزدحم في قلبه الخوف والرجاء ، ومن شأن الخوف أن يحجزه عن معصية الله ، ومن شأن الرجاء أن يحفزه لطاعة الله ، فهو يراقب نفسه وما يختلج بقلبه لعلمه بأن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - مطلع على أمره ، وأنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء " ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ما ينطق من قول إلا لديه رقيب عتيد"، لأن من شأن الخائف أن يكون حذراً من زلات النفس ، وأن تدفعه شهواته إلى مغبة السوء، ففي كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ما يدل على أن النجاة إنما هي لمن خاف الله سبحانه ، وأن الانتفاع بكل ما في القرآن الكريم من خير ورحمة وبر وصلاح إنما مصدره ومناطه خشية الله ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول : " إن في ذلك لعبرة لمن يخشى"(2) ، وذلك عندما ذكر مصير القوم الظالمين أتبعه بهذه الجملة تذكيراً للعباد بضرورة الخوف من بطشه سبحانه وعقابه ، ويقول تعالى : " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى "(3) ، ويقول: " إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرةٍ وأجرٍ كريم " ، ويقول : " فذكر بالقرآن من يخاف وعيد "(4) ، ويقول: " إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير"(5)، فإذن كل الخير بوفرة الخوف والرجاء في نفس العبد ، وقد جاء في أحاديث الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يدل على مكانة الخوف في الإسلام، فالرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول كما أخرج الترمذي من طريق أبي هريرة رضي الله عنه:
__________
(1) الآية رقم ( 87 ) من سورة ( يوسف ) .
(2) الآية رقم ( 26 ) من سورة ( النازعات ) .
(3) الآية رقم ( 40 ) من سورة ( النازعات ) .
(4) الآية رقم ( 45 ) من سورة ( ق ) .
(5) الآية رقم ( 12 ) من سورة ( الملك ) . (1/140)
صفحة 141
"من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا أن سلعة الله غالية ألا أن سلعة الله الجنة "(1) ، فشأن من خاف أن يدلج أي يسرع السير ، ذلك لأن الإنسان عندما يخشى عدواً من خلفه يتبعه يسرع السير لأجل أن يصل إلى مأمن من عدوه ، فكذلك الذي يخشى من ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - - وليس الله تعالى هو العدو تعالى الله وإنما الشيطان هو العدو المبين - فهو يفر منه إلى الله ، وذلك لا يتحقق له إلا بمخالفة الشيطان وطاعة الله ، ثم إن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : " ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة"، فالجنة لا تُنال بالأماني ، وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح ، وأنتم ترون أن - عَزَّ وَجَلَّ - حكم على جميع الجنس البشري بالخسران إلا الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ، يقول تعالى : " والعصر إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"(2)، والإنسان وإن كان واجباً عليه أن يطمع في مغفرة الله له فإن عليه أن يتعرض لمغفرته بالسعي إليها وممارسة أسبابها ، فالله تعالى بيّن لمن تكون مغفرته عندما قال: "وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى "(3) والجنة ما وعدها الله تعالى إلا المتقين كما في قوله : " وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ، الذين ينفقون في السراء والضراء ، والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ، والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون"(4)، وقوله: "قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جناتٍ
__________
(1) الترمذي ( 2450 ) ، ابن حبان ( 7851 ) .
(2) الآية رقم ( 3 ) من سورة ( العصر ) .
(3) الآية رقم ( 82 ) من سورة ( طه ) .
(4) الآية رقم ( 134 ) من سورة ( آل عمران ) . (1/141)
صفحة 142
تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ، الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ، الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار"(1) ، وقوله : " وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون "(2) ، وقوله : "ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون"(3).
4- أثر الأعمال والأخلاق في القلب :
إن الأعمال الصالحة هي ترياق القلب ووقايته من كل ما يفسده ويضر به ، بخلاف الأعمال السيئة داؤه الفتاك وهي سبب خرابه وفساده ، وفي مقدمة هذه الأعمال الصالحة العبادات التي شرعها الله ، فالصلاة تصلح القلب ، لأنها تورثه الخشية والخشوع والإنابة إلى الله ، قال تعالى : " وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر "(4) ، وهي طهارة له من الأخلاق الذميمة والسجايا الفاسدة ، كما قال تعالى: "إن الإنسان خلق هلوعا ، إذا مسه الشر جذوعا ، وإذا مسه الخير منوعا ، إلا المصلين الذين هم في صلاتهم دائمون "(5) وقد وصف الله تعالى هؤلاء بمحاسن الأوصاف واختتمها بالمحافظة على الصلاة كما ابتدأها بالمداومة عليها ، فقال: "والذين هم على صلاتهم يحافظون "(6) ، وهذا الأثر للصلاة إنما هو عندما يؤديها العبد على النحو المشروع ، بحيث يشعر أنه ماثل بين يدي الله ، وأنه يتشرف بمناجاته فيجد لكل كلمة ينطقها في صلاته مذاقاً إيمانياً بحيث تفيض في نفسه شعوراً بعظمة خالقه تعالى ، فيجدد إيمانه بالله وباليوم الآخر بكل كلمة ينطقها وكل حركة يتحركها.
__________
(1) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( آل عمرنا ) .
(2) الآية رقم ( 32 ) من سورة ( الأنعام ) .
(3) الآية رقم ( 111 ) من سورة ( يونس ) .
(4) الآية رقم ( 45 ) من سورة ( العنكبوت ) .
(5) الآية رقم ( 19 ) من سورة ( المعارج ) .
(6) الآية رقم ( 34 ) من سورة ( المعارج ) . (1/142)
صفحة 143
وكذلك الزكاة هي مطهرة للنفس من آثار الشح المذموم ، يقول الله تعالى : " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها "(1) ، والنفس البشرية مجبولة على حب المال، وهو حب جارف قد يذهب بجميع خصال الخير عندما يستولي على جوانب النفس فيصبح داء عضالاً يستعصي علاجه ، ويتعذر استئصاله ، ولكن جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - للنفس وقاية منه وعلاجاً، وهو الزكاة التي يدفعها الإنسان طاعة لله وتعبداً، والإنفاق الذي ينفقه في سبيل الخير، فإنفاقه المال في وجوه الخير يفجر في نفسه مشاعر الرحمة، ويرقق وجدانه، ويرهف حسه، فيشعر بضرورة التعاطف مع بني جنسه والتلاحم مع إخوانه المؤمنين، فيتألم لآلام غيره ويفرح لفرحه، ويفك عن نفسه إسار شهوة المال الجامحة، ويخلصها من أسر الحرص المذموم، لأن الحرص على الدنيا من أخطر الأخطار التي تذهب بخصال الخير ، فيظل قلب الإنسان في عمى وحيرة، فإن حب الدنيا –كما جاء– رأس كل خطيئة.
والصيام يذكر الإنسان بالبؤساء والمحرومين الكادحين ، الذين يقضون سحابة نهارهم وهم يكابدون مشاق العمل من أجل الوصول إلى لقمة العيش التي يسدون بها مسغبتهم ، أو تحصيل مبلغ لابتياع طمر يسترون به سوءتهم ، فتفيض نفسه رحمة بهم ورفقاً بحالهم ، وهذا مما يجعله يتعامل معهم بالسماحة والإحسان.
والحج يربط بينه وبين إخوانه المؤمنين ، ويصل بين نفسه ونفوسهم ، فيتألم لآلامهم، ويحب لهم ما يحبه لنفسه.
__________
(1) الآية رقم ( 103 ) من سورة ( التوبة ) . (1/143)
صفحة 144
وكذلك جميع الأعمال التي شرعت في الإسلام تؤدي إلى هذه الغاية المثلى في تربية النفس على الفضائل وتعويدها على المكارم ، فقد شرع فيه عون الضعيف وحمل الكل، والجهاد في سبيل الله من أجل تحرير نفوس العباد من ربقة الاستعباد والاستبداد ، وهكذا جميع جزئيات الأعمال في الإسلام تدور في هذا الفلك بمشيئة الله ، فهي تؤدي إلى إصلاح النفس وتنمية خصالها المحمودة ، ويدخل في ذلك ترك المعاصي على اختلاف أنواعها، فإن للمعصية –أياً كانت– أثراً سلبياً على النفس كما أن للطاعة أثراً إيجابياً عليها ، أما الأقوال فإنها تصلح النفس البشرية عندما لا تكون إلا حقاً ، فإن كلمة الحق نور يشع في قلب ناطقها ، فالنطق بالحق سبب من أسباب وصول الإنسان إلى إصلاح نفسه ثم غيره ، لذلك قرن الله تعالى بين الأمر بالتقوى والقول السديد حيث قال : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً"(1)، ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام : " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً "(2) ، ويقول : " يُطبع المؤمن على كل شيء إلا الخيانة والكذب "(3) ، فلا يمكن أن يكون المؤمن كذاباً، إذ الكذب ليس من شيمته بل هو من صفات المنافقين ، وقد توعدهم الله تعالى عليه بالعذاب الأليم عندما قال : " ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون "(4) ، وبين - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن الذي يفتري الكذب ليس هو من الإيمان في شيء ، عندما قال : "إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآياتنا "(5) ، فإذن تحري الصدق في الكلام من
__________
(1) الأحزاب/70.
(2) البخاري ( 5743 ) ، مسلم ( 2607 ) .
(3) البيهقي ( 20617 ) .
(4) الآية رقم ( 10 ) من سورة ( البقرة ) .
(5) الآية رقم ( 105 ) من سورة ( النمل ) . (1/144)
صفحة 145
جملة إصلاح القلب الذي يؤدي إلى صلاح العلانية ، وكل ما يقوله الإنسان من خير ، ومن أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، أو تنبيه لغافل ، أو تعليم لجاهل ، أو إرشاد لحائر ، كل ذلك وسيلة من وسائل إصلاح النفس ، وهذا يعني أن يحذر الإنسان فلتات لسانه، ففي الحديث: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم –أو قال على مناخرهم– إلا حصائد ألسنتهم " ، ومن جملة ذلك الغيبة والنميمة، فالغيبة كنهش الإنسان لحم أخيه الميت كما قال تعالى : " ولا يغتب بعضكم بعضا أيود أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه "(1) ، والنميمة تؤدي إلى القطيعة والفتنة بين الناس ولربما أدت إلى حرب ضروس تأكل الأخضر واليابس ، ومن نم ففي قلبه مرض عظيم ، لأنه يؤلمه أن يرى الناس على وفاق وصلح وخير وصلة ، فهو يسعى إلى تقاطعهم وتدابرهم ، ولذلك ينم الحديث بينهم من أجل الإفساد ، فتجنب الغيبة والنميمة من جملة أسباب صلاح القلب ، وكذلك تجنب كلمات السخرية التي فيها تحقير الغير ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب"(2).
__________
(1) الحجرات/12.
(2) الحجرات/11. (1/145)
صفحة 146
أما الجانب الخلقي فهو الجانب المهم في إصلاح النفس وتربية الضمير واستقامة السريرة والعلانية ، فعلى الإنسان أولاً أن يكون مخلصاً لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في جميع أعماله وأقواله ، والإخلاص إنما ينشأ عن معرفة الإنسان الحقة بربه - عَزَّ وَجَلَّ - ، بحيث يعلم أن الله وحده هو الذي بيده ناصيته ومنه مبدؤه وإليه مرده ، كل ما به من نعمة فمنه ، ولا يكشف عنه الضراء غيره ، فلو اجتمع أهل السموات والأرض على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بما كتبه الله له ، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء كتبه الله تعالى عليه ، وهذا يقتضي ألا يراعي جانب أحد من خلق الله في عمل يعمله مما يتقرب به إلى الله ، فلا يُرائي في أقواله ولا أعماله ولا أحواله، كيف والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن لنا أن الرياء محبط للأعمال حيث يقول : " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رياء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين "(1)، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن أن اليهود يراءون بأعمالهم ، ويبتغون بها وجوه الناس ، وهذا مما يجعل المؤمن الحق يربأ بنفسه عن هذه الخصلة الدنيئة، ويصون صالحات أعماله حتى لا تتلوث بدنسها فليس من شأن المؤمن المراءاة ، لأنه يعلم علم اليقين أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عليم بخفايا نفسه وطوايا ضميره ، فيحرص على إخلاص سريرته له ، على أنه تعالى هو الذي سخر له ما في الوجود ، وأسبغ عليه صنوف النعم ، وبسط له بساط الكرم ، وفيأه ظلال النعيم الخير ، ومنّ عليه بعظيم الفضل ووافر النعيم ، وهذا يجعل العاقل حريصاً على أن يكون في أعماله كلها مخلصاً لوجه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فالإخلاص عامل مهم في إصلاح
__________
(1) الآية رقم ( 264 ) من سورة ( البقرة ) . (1/146)
صفحة 147
القلب ، بخلاف المراءاة فإنها آفة القلب ، والإخلاص سر بين العبد وربه ، كما جاء في بعض الأحاديث القدسية الربانية " أن الإخلاص سر بين العبد وربه ، لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده "(1)
__________
(1) الحديث جاء بألفاظ عديدة كلها تتراوح نسبتها بين الجنيد الصوفي وبين الله تعالى عن طريق النبي مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن جبريل عليه السلام، ولا تبعد نسبته أن تكون للجنيد، وقد صرح سماحته في موضع آخر من هذا الكتاب بهذه النسبة فقال: (وقال الجُنّيد: الإخلاص سر بين العبد وربه، لا يطّلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا يناله هوى فيميله)، ولكن تم رفعه إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد ذلك، وهذا يحصل كثيراً في الروايات، ولكن على كل حال معناه قائم في كتاب الله تعالى، وكما قلنا أن منهج سماحته في التعامل مع الحديث يقبله، وقد جاء مثل ذلك في الرواية عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقد روى الربيع (224) في سر الصلاة: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((يقول الله - عَزَّ وَجَلَّ -: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ نصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل))، وقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((إذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) فيقول الله: حمدني عبدي. فإذا قال العبد: (الرحمن الرحيم) فيقول الله: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قال العبد: (ملك يوم الدين) فيقول الله: مجدني عبدي. فيقول العبد: (إياك نعبد وإياك نستعين) فيقول الله: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فيقول العبد: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فيقول الله: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل))، وروى الربيع أيضاً (328) في سر الصيام: ومن طريقه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي، فالصيام لي وأنا أجازي به)). (1/147)
صفحة 148
نعم تظهر آثاره وآثار ضده عندما تنعكس على ما يبدو من أخلاق الإنسان ، أما نفس الإخلاص فهو سر بين العبد وربه ، وعلى الإنسان في كل حركة يخطوها وعمل يمارسه أن يبتغي بفعله وتركه وجه الله سبحانه، ولا يريد به شيئاً من زينة الحياة الدنيا، ولا التقرب إلى وجوه الناس ، فإن هؤلاء الناس لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ، فكيف ينوط بهم أعماله أو يعلق عليهم آماله؟.
ومن الأخلاق التي يتوقف عليها صلاح القلب التواضع ، فإن الإنسان يجب عليه أن يتواضع أولاً لربه ، فإنه نهاه عن الاستكبار ، واستكباره تطاول منه على ربه ، لأن الكبرياء من خصائص الربوبية التي لا تليق بالمخلوق ، يقول الله تعالى في الحديث القدسي : " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قذفته في النار"(1)، فليس للإنسان أن يتطاول على الله فينازعه ما هو من خصائصه - عَزَّ وَجَلَّ - ، وقوله سبحانه في هذا الحديث : " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري " يعني اختصاصه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بالكبرياء والعظمة كاختصاص أحدنا بما يتزر به ويرتدي من ثيابه ، فإنه ليس من المقبول عقلاً ولا من المتسامح به عادة أن يجرد أحد من الناس غيره من هذين الثوبين المختصين به ، فكذلك ليس لأحد من خلق الله سبحانه أن ينازع الله - عَزَّ وَجَلَّ - في هاتين الصفتين الجليلتين.
__________
(1) أبو داود (4090)، ابن حبان (328). (1/148)
صفحة 149
كذلك من الأخلاق التي تؤدي إلى صلاح القلب أن يحرص الإنسان دائماً على حب الخير لغيره –ولا سيما إخوانه المؤمنين– كما يحبه لنفسه ، ففي الحديث الصحيح عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه"(1)، فالإنسان المؤمن بطبيعته يشعر بالراحة والاطمئنان وبسلامة باله عندما يشعر بأن إخوانه المؤمنين شملتهم عناية الله وغمرهم فضله ووسعهم بره ، ويشعر بخلاف ذلك عندما يصاب أحدهم بما يكره فضلاً عما ينزل به من المصيبة عندما يرزأ أحدهم بأمر جلل ، فهو يتألم لآلامهم ، ويفرح لأفراحهم ، هكذا شأن المؤمن في علاقته بإخوانه المؤمنين ، وهذا مما ينافي الحسد ، فالحسد داء قتّال ومرض متأصل في نفس صاحبه يؤدي إلى فساد الظاهر والباطن ، فإنه يؤدي بصاحبه إلى أن يسعى دائماً في محاولة الحيلولة بين الناس والخير ، وهذا داء يظهر أثره على كثير ممن بعدوا عن الإيمان ، فهم يسعون دائماً إلى منع الخير عن الناس لما جبلت عليه نفوسهم من الرغبة فيما يسوء الآخرين وكراهة ما يسرهم منهم ، يتألمون عندما يرونهم يتقلبون في أعطاف النعيم، ويسرهم عندما يرون البلاء ينزل بهم ، فإن أكبر أمنياتهم أن يظل من عداهم يكابد لأواء(2) المشقة وعنت الحرمان ، فهؤلاء في نفوسهم مرض ، لذلك وصف الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - اليهود بأنهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضل ، فليس من شيمة المؤمن أن يكون حسوداً، على أن الحسود عليه أن يفكر بأنه لا يضر إلا نفسه، فإن الحسد نار تأكل قلبه، وتسري في أحشائه كلما وجد أحداً من الناس في نعمة وطمأنينة وراحة بال، وقد أحسن الشاعر التهامي عندما صور الحسود وما يلقاه من نكد ويقاسيه من عذاب بما يراه من نعمة الله التي يشتار غيره أريها وما له فيها من نصيب إلا النكد ، وذلك في قوله:
إني لأرحم حاسديّ لحر ما
__________
(1) البخاري ( 13 ) ، السنن الكبرى للنسائي ( 11747 ) .
(2) اللأواء: الشدة. (1/149)
صفحة 150
ضمنت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم
في جنة وقلوبهم في نار
لا ذنب لي قد رُمت كتم فضائلي
فكأنما برقعت وجه نهار
وسترتها بتواضعي فتطلعت
أعناقها تعلو على الأستار
وبالجملة فإن شأن المؤمن الذي يحرص على سلامة قلبه أن يحرص دائماً على تجنب هذه الآفات والتخلي عن هذه السجا، وبهذا يضمن بمشيئة الله طهارة قلبه ، فتكون أعماله الظاهرة ترجمة حية وانعكاساً صادقاً لصفاء سريرته ونقاء طويته.
فضل البيان وآفة اللسان
1- البيان ميزة الإنسان: (1/150)
صفحة 151
شرَّف الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - الإنسان بأن سخر له الكون واختاره من بين مخلوقاته لأن يكون خليفة في الأرض ، وأهّله للقيام بمقتضيات هذه الخلافة ، ومن جملة ما يتميز به من مؤهلات الخلافة ، ما جعله الله سبحانه في طبعه من القدرة على أداء المعاني التي تجيش في ضميره ، فهو في تعامله مع نظام الكون لابد له من أن تخطر بنفسه خواطر متنوعة يمليها عليه اضطراره إلى التفاعل مع هذا النظام ، وإلى التعامل مع كل جنس من أجناس الموجودات ، بحسب طبائعها وما أودع الله في تضاعيف تكوينها من خصائص لا يستغنى عن فهمها وتدبيرها وفق ما جعل الله له فيها من مصالح ، وبحكم ضرورته إلى هذا كله جعل الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - طبعه طبع من يفهم ويدرك ويميز بين الأشياء ، وقد تجلى ذلك في تعليم الله آدم الأسماء كلها كما أخبر سبحانه ، وبذلك أظهر الله ميزته على الملائكة ، يقول - عَزَّ وَجَلَّ - : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون "(1) ، ولا يمكن لهذا الإنسان أن يدرك أسماء هذه المسميات ليميز بينها ويتفاعل مع كل واحدٍ منها بحسب طبعه وخصائصه إلا بما جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فيه من قدرة على البيان ، وقد امتن - عَزَّ وَجَلَّ - على الإنسان بهذه النعمة العظيمة والميزة الكبرى عندما قال : "الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان"(2).
__________
(1) الآية رقم ( 30 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 1 – 3 ) من سورة ( الرحمن ) . (1/151)
صفحة 152
فنجد أن الله - عَزَّ وَجَلَّ - في فاتحة هذه السورة الكريمة ذكر اسماً من أسمائه الحسنى تتشوق النفس البشرية إلى مدلوله ، لأن مدلوله يتدفق بفياض الرحمة الكبرى التي تعم جميع الخلق ؛ سواء من كان أهلاً للخير أو من لم يكن له أهلاً ، لذلك شملت البرّ والفاجر والمؤمن والكافر ، وهي الرحمة الدنيوية التي بموجبها يعيش الناس في دنياهم بالخير ، فنال كل منهم نصيبه من الأرزاق والعافية والسلامة من الآفات والعاهات والأخطار والبلاوي ، ولولاها لما ذاق أحدهم في طعم الحياة لذة ولا لامس من لبوسها نعيماً ، وذلك لا ينافي كونهم محاسبين على هذه الرحمة مجزيين على التقصير في شكرها.
ثم ذكر تعليم القرآن ، لأنه في مقدمة نعم الله - عَزَّ وَجَلَّ - التي غمر بها البشري ، إذ هو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى طريق الحق ويفتح بصيرته على جلية الأمر ، حيث يوقفه على ما في هذا الكون من حقائق ، ويميز له بين الحقيقة والوهم ، وبين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال ، وهو الترجمة الصادقة لنواميس الوجود ، والمرآة المصورة لنظام الحياة ، فتعليم الله - عَزَّ وَجَلَّ - عباده القرآن من أجل نعمه التي أفاضها عليهم.
ثم ذكر خلق الإنسان بعد ذلك لأنه أساس النعم ، إذ كل نعمة تترتب على وجود المنعم عليه ، ووجود الإنسان مترتب على خلق الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - له ، فلولا أن الله منّ عليه بخلقه لم يكن شيئاً مذكوراً ولم تلامسه أي نعمة. (1/152)
صفحة 153
ثم أتبع ذلك تعليم البيان امتناناً بهذه النعمة الكبرى التي تتوقف عليها وظيفة الإنسان فرداً ومجتمعاً ، لأنه كما قلنا هو الخليفة في الأرض ، فهو بحاجة إلى أن يتفاعل مع هذا الكون ، وأن يتعامل مع كل جنس من الكائنات التي تشاركه الوجود في هذه الأرض أو فيما حولها ، ولا يمكنه ذلك إلا بعد تمكنه من تشخيصها والمعرفة بخصائصها ، فإنه بمعرفته بها يمكنه أن يضع أي شيء موضعه ، وكل ذلك متعذر إلا بعد معرفته بأسمائها التي تميز بعضها عن بعض ، وبجانب ذلك أيضاً فإن الإنسان كائن اجتماعي محتاج إلى كل فرد من بني جنسه ، إذ لا يستغني أحدٌ عن أحد ، وهذه سنة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - في هذا الجنس من مخلوقاته ، إذ جعل مصالحهم متشابكة ومنافعهم متداخلة ، لأجل أن تكون حياتهم اجتماعية ، بحيث لا يستغني قوي عن ضعيف ، ولا حاكم عن محكوم ، ولا غني عن فقير ، ولا أبيض عن أسود ، ولا قريب عن بعيد ، بل كل منهم مفتقِر ومفتَقر إليه ، وذلك لأجل أن يضطلعوا جميعاً بالأمانة الملقاة على عاتقهم، وهي أمانة الخلافة في الأرض، ولا يمكنهم –مع تشابك مصالحهم وتداخل شئون حياتهم– إلا أن يتعارفوا ، ولا يمكنهم أن يتعارفوا إلا بما جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لهم من ملكة في البيان ، فبالبيان يعبِّر الإنسان عما في ضميره، ويعرّف غيره ما لم يعرف ، ويستلهم الحقائق التي لم يكن عارفاً بها من خلال سؤاله الآخرين عما هو جاهل به. (1/153)
صفحة 154
ونعمة البيان معقدة لولا أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يسّرها ، لكثرة مزاولة الإنسان للنطق صار لا يعبأ بهذه النعمة كثيراً ، لأنه ألِف هذا الأمر وصار جزءاً من حياته ، لذلك لا يشعر عندما يتحدث أن بيانه يمر بمراحل فيها كثير من التعقيد لولا تيسير الله له، وإن شئت فانظر في آلات النطق التي تتفاعل في أدائه وتتناسق حركاتها منتظمة لتؤدي كل حركة عنها دورها المطلوب ، هناك من العوامل الكثيرة التي تشترك في أداء هذا البيان ، والناس مع ما وصلوا إليه من الاكتشافات ؛ لم يكتشفوا في سلسلة البيان وأدواته التي تمكن الإنسان من أدائه إلا حلقة واحدة ، وهي كافية لأن تكون أكبر عبرة لأولي الألباب ، فإن البيان يمر بكثير من المراحل ، فهو يبدأ بخواطر من الدماغ ، ولكن من أين يستلهمها الدماغ ؟ الله أعلم بذلك ، هل يستلهم الدماغ هذا البيان من الروح ؟ أم يستلهمه من شيء آخر ؟ ذلك أمرٌ لا ندركه وإنما نكله إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، ولكن عندما تأتي خواطر البيان للإنسان ويريد أن يعبِّر عنها فإنه تتفاعل في جسمه عوامل عديدة ، فتشترك في أدائه الرئتان والشعب والقصبة الهوائية والحنجرة واللسان والشفتان والهواء ، فالرئتان تدفعان بالهواء ليمر بالشعب ثم بالقصبة الهوائية وينتهي إلى الحنجرة ، ثم يمكن للإنسان أن ينوع الصوت الذي يخرج منه كما يريد ، فيمكن أن يجعله مديداً أو منقطعاً ، جهورياً أو مهموساً، ويستطيع أن ينوّع كيفية أدائه أنواعاً متعددة بمشيئة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وتشترك الأضراس والحلق واللسان والشفتان في أداء ذلك كله على الكيفية المطلوبة، وهذه الحلقة هي الحلقة الأخيرة من سلسلة حلقات البيان. (1/154)
صفحة 155
جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الناس في هذه الموهبة متفاوتين تفاوتاً كبيراً ، كما أنهم متفاوتون في سائر المواهب ؛ إذ لا يُعرف جنس من الأجناس التي خلقها الله تعالى على ظهر هذه الأرض متفاوتة أفراده كتفاوت أفراد جنس البشر ، فإنهم في كل الأحوال متفاوتون ، ففي الأعمار منهم من لا يعيش إلا لحظات ومنهم من يعيش قرناً أو أكثر من قرن ، ومنهم من يعيش معسراً لا يأتيه رزقه إلا بجهد جهيد ومنهم من يكون موسراً يأتيه روقه مدراراً ، ومنهم ضعيف البنية ومنهم قويها ، ومنهم من يكون حاد النظر ومنهم من يكون ضعيفه ، ومنهم من يكون ضعيف السمع ومنهم من يكون قويه ، وهكذا في جميع المواهب الذاتية والخارجية ، وكذلك هم أيضاً متفاوتون في نعمة هذا البيان ، فمن الناس من يتدفق بيانه بأبلغ العبارات وأعمق المعاني، بحيث تحار الألباب من انسجام عباراتها وعمق معانيها وعذوبة ألفاظها حتى تأخذ بمجامع القلوب وتأسر النهى وتمتلك المشاعر ، ومنهم من يكون بخلاف ذلك ، بل منهم من تجده يعييه الخطاب حتى في أبسط الأمور وأتفهها ، والبيان ذو أثرٍ نفسيٍ بالغ، ولذلك يقول علماء البلاغة بأن علم البلاغة جزء من علم النفس ؛ إذ البليغ يتحرى التأثير على سامعيه أو على قرائه حتى يستطيع أن يحوّل أحداً من عداوة بالغة إلى ضدها بتأثير بيانه ، ويجعل الشيء الذي تعافه النفس وتأباه الطبيعة أمراً محبباً إلى القلب، كما روي بأن معركة دارت بين اثنين من الحكام البويهيين وكانا ابني عم وهما عضد الدولة وعز الدولة ، وكان أبو طاهر بن بقية وزيراً لأحدهما فظفر به الآخر فألقاه إلى الفيلة فقتلته، ثم نصب له جذعاً وصلبه عليه، وهذه الحالة –بطبيعة الحال– تشمئز منها طباع البشر وتكرهها نفوسهم فلا يحب أحد أن يُقتل ويُصلب ؛ لأن النفس جُبلت على حب الحياة، مع ما في الصلب من الإهانة ، ولا يحب أحد لنفسه أن يهان سواء كان حياً أم ميتاً ، ولكن بقوة بيان الراثي لابن بقية (1/155)
صفحة 156
المصلوب وهو أبو الحسن الأنباري استطاع أن يؤثر على الصالب فتمنى أن يكون هو المصلوب ، ويفوز بهذا الرثاء الذي منه هذه الأبيات:
عُلُوٌّ في الحياة وفي الممات
لحقٌ تلك إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا
وفود نداك أيام الصلات
كأنك قائم فيهم خطيباً
وكلهم قيام للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاءً
كمدها إليهم بالهبات
ولما ضاق بطن الأرض عن أن
يضم عُلاك من بعد الوفاة
أصاروا الجو قبرك واستعاضوا
عن الأكفان ثوب السافيات
لعظمك في النفوس تبيت تُرعى
بحراس وحفاظ ثقات
وتوقد حولك النيران ليلاً
كذلك كنت أيام الحياة
ركبت مطيةً من قبلُ زيدٌ(1)
عَلاَها في السنين الماضيات
وتلك فضيلة فيها تأسٍ
تُباعد عنك تعيير العداة
ولم أر قبل جذعك جذعاً
تمكن من عناق المكرمات
فما كان للقاتل الصالب أن يتمنى بأن يكون في مكان خصمه المقتول المصلوب مع فوزه بهذا الرثاء لولا ما فيه من عمق الأثر وقوة التأثير حتى زين للنفس أقبح مكروهاتها.
__________
(1) هو زيد بن علي إمام المذهب الزيدي، لأن القاتل الصالب والمقتول المصلوب من الزيدية. (1/156)
صفحة 157
ومن أجل ذلك جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في مقدمة أنواع إعجاز كتابه الكريم الذي خاطب به البشر جميعاً الإعجاز البياني ، فإن اللسان العربي في مقدمة ألسن البشر من حيث البيان ، وقد جعل الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - في هذا اللسان من أساليب التعبير ما لم يجعله لأي لسان آخر ، لأن الله تعالى هيأه لأن يكون وعاء لكتابه الذي يوحيه إلى خاتم رسله سيدنا ونبينا مُحَمَّد عليه أفضل الصلاة والسلام ، وقد أُنزل هذا الكتاب على النبي العربي الأمي صلوات الله وسلامه عليه بعدما تهذب اللسان العربي عبر أطوار مرّ بها إلى أن وصل هذه الذروة السامقة في البيان؛ لأن الله تعالى أراد لهذا اللسان أن يكون لسان الوحي الخاتم إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذي شرّفه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بأن جعل رسالته مهيمنة على جميع الرسالات السابقة وجعلها رحمةً للعالمين ، فجعل الله تعالى من ضمن وجوه إعجاز القرآن الكريم هذا الإعجاز البياني ، بل جعله في مقدمة ضروب إعجازه ، ولذلك وقفت العرب حيارى عندما خاطبهم الله - عَزَّ وَجَلَّ - بهذا اللسان الذي ألفوه ، وجاء هذا الخطاب مركباً من نفس الكلمات التي تألف منها بيانهم ، ومن نفس الحروف التي ينتظم بها كلامهم ، غير أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - جعل فيه نفحةً من روحه ، فلذلك أعيى مداركهم فلم يستطيعوا بحالٍ من الأحوال أن يأتوا بمثله. (1/157)
صفحة 158
ولئن كان الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - أنعم على الإنسان بنعمة البيان فإن من حق النعمة القيام بشكرها، لأن شكرها اعتراف بحق من أنعم بها وسبب لبركتها وخيرها، أما عندما يكفرها المنعَم عليه بها ولا يضعها موضعها فإنها تنقلب نقمة ووبالاً عليه، وهذا واضح الدلالة في القرآن حيث يقول سبحانه: "وإذ نأذن ربكم لإن شكرتم لأزيدنكم ولإن كفرتم إن عذابي لشديد"(1)، فنعمة البيان من النعم التي يجب على الإنسان أن يشكرها بحيث يضعها موضعها الذي يرضى من أنعم بها، ولذلك كان البيان إما سبباً لسعادة الإنسان وإما سبباً لشقاوته، فالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد أن وجّه نصائحه إلى معاذ بن جبل رضي الله عنه قال له: "ألا أدلك على ملاك ذلك كله، كف عليك هذا –وأشار إلى لسانه– فقال له: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم؟ فقاله له: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم –أو قال على مناخرهم– إلا حصائد ألسنتهم"(2).
2- آفات اللسان:
إن حصائد ألسنة الناس تجرهم إلى الوبال وإلى شر الدنيا والآخرة ، وقد قال أحد علماء العربية وهو ابن السكيت بيتين ، أجاد فيهما ، ولكن شاء الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن ينطبق معناهما عليه ، والبيتان هما:
يصاب الفتى من عثرة بلسانه
وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته بالقول تذهب رأسه
وعثرته بالرجل تُبرا على مهل
__________
(1) الآية رقم ( 7 ) من سورة ( إبراهيم ) .
(2) السنن الكبرى للنسائي ( 11394 ) ، الترمذي ( 2616 ) . (1/158)
صفحة 159
وقد أنشد هذين البيتين لابني أحد خلفاء بني العباس كان مربياً لهما ، ثم بعد الانتهاء من إلقاء درسه إليهما ذهب إلى مجلس أبيهما ، فأقبل الابنان فقال له أبوهما: من أفضل عندك ابناي هذان أم الحسن والحسين ؟ فقال له : والله إن قنبراً خادم علي خيرٌ عندي منك ومن ابنيك . فقال للأتراك الذين كانوا معه : سُلّوا لسانه من قفاه . ففعلوا به فمات ، ولا ريب أنه لم يقل إلا حقاً فأين منزلة ذلك الطاغية العباسي من منزلة ابن عم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويعسوب المؤمنين وأين درجة ابنيه من درجة السبطين الكريمين؟ ولكن كان له في واسع القول مندوحة عما أوقع فيه نفسه وجرّ إليها من البلاء. (1/159)
صفحة 160
ولئن كانت هذه العاقبة تحصد رأس الإنسان بسبب عثرته بالقول في الحياة الدنيا فإن سوء العاقبة في الدار الآخرة أشد إن لم يبال المرء بما يتساقط من لسانه من هفوات القول وقبائح الكلام ، الكلام الذي يسخط الله تعالى ، إذ الإنسان مسئول عن كل ما يلفظ به ، يقول الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : " ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما ينفق من قول إلا لديه رقيب عتيد "(1) ، فكل كلمة تخرج من لسانه لا تفوت الكرام الكاتبين الذين يحصون أقواله وأفعاله لتعرض عليه يوم القيامة ، يوم يوفى كل إنسان جزاءه ، ونجد أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يذكر لنا في كتابه الكريم كيف تشهد الجوارح على الإنسان بما قارفته فقد قال تعالى : " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون "(2) ، ولكن عندما يكون هذا الوزر ناشئاً من اللسان فإن اللسان نفسه هو الذي يشهد على صاحبه بإثمه الذي قارفه ، فقد ذكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - قذف المحصنات ، وذكر أن الذين يقذفون المحصنات تشهد عليهم ألسنتهم ، يقول سبحانه : " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين"(3)، فذكر هنا شاهداً عليهم من نفس تلك الألسنة بخلاف الأعمال التي تكون من سائر الجوارح فإنها تشهد بها عليهم تلك الجوارح ، ويختم الألسن كما سبق بيانه.
الكذب:
__________
(1) الآية رقم ( 18 ) من سورة ( ق ) .
(2) الآية رقم ( 65 ) من سورة ( يس ) .
(3) الآية رقم ( 23 ) من سورة ( النور ) . (1/160)
صفحة 161
اللسان أخطاره التي تحيق بصاحبه كثيرة ليس بإمكاننا أن نحصيها وإنما نذكر بعضها على سبيل الاختصار ؛ من بينها الكذب ، فإنه آفة نفسية اجتماعية يظهر أثرها على الفرد والمجتمع ، لذلك أمرنا الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن نكون مع الصادقين، ومعنى ذلك أن علينا أن نجتنب الكون مع الكاذبين ، يقول تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين "(1) ، ويقول : " قُتل الخراصون "(2) أي الكذابون، وقد بيّن سبحانه صفات المنافقين وبيّن أن من صفاتهم الكذب وتوعدهم عليهم ، فعندما ذكرهم في سورة البقرة قال : " ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون "(3) ، وبيّن أن من شأنهم الكذب ، إذ قال : " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين"(4)، فهم يقولون بألسنتهم ما ليس بلقوبهم ، ويقول - عَزَّ وَجَلَّ - أيضاً : " إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن النافقين لكاذبون"(5) ، فقد شهد - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - على المنافقين بالكذب ، وقد جاء في الأحاديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يدل على أن الكذب من صفات المنافقين، وذلك في قوله : " آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن خان "(6)، فترون أنه ذكر أولاً أن من شأن المنافق أن يكذب حينما يحدث ، وهذه خيانة سيئة لأن من استمع إليك أعارك سمعه وألقى إليك لُبّه فهو واثق بك عندما يتلقى عنك ، فإذا ما ألقيت إليه حديثاً كذباً كانت تلك خيانة كبيرة ، ولذلك كانت هذه الصفة من صفات المنافقين وليست من صفات المؤمنين ، وجاء في حديث آخر عن النبي - صَلَّى
__________
(1) الآية رقم ( 119 ) من سورة ( التوبة ) .
(2) الآية رقم ( 10 ) من سورة ( الذاريات ) .
(3) الآية رقم ( 10 ) من سورة ( البقرة ) .
(4) الآية رقم ( 8 ) من سورة ( البقرة ) .
(5) الآية رقم ( 1 ) من سورة ( المنافقون ) .
(6) سبق تخريجه. (1/161)
صفحة 162
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أربع من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا خاصم فجر، وإذا أؤتمن خان ، وإذا عاهد غدر "(1) ، تلكم هي صفات المنافقين ، وقد جاء أيضاً في حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يدل على أن الكذب عندما يتعوده الإنسان يصبح سجية من سجاياه التي لا يمكنه الخلاص منها ولا الانفكاك عنها ، لأن الكذّاب يرى في الكذب راحةً لنفسه وأنساً لقلبه ، فقد جاء في الحديث أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّاباً "(2) ، فالمؤمن من شأنه أن يتحرى الصدق ، لأنه يهدي إلى البر إذ يدفع بالصدوق إلى الاستقامة ، فيكون صادقاً مع نفسه ناصحاً لها ، ويرى أنه إن انحرف عن الطريق الحق كان غاشاً لنفسه خارجاً عن طاعة ربه ، فلذلك يلزم طريق البر ، والبر يقوده إلى الجنة بمشيئة الله ، أما المنافق فهو بخلاف ذلك ، فهو من شأنه أن يتحرى الكذب لأنه يريد أن يخادع الناس ويرى في ذلك كياسة ونبلاً ، ولكنه في الحقيقة لا يخدع إلا نفسه ، فإن عاقبة نفاقه وكذبه تنقلب عليه ، وحسبه أن يكون عند الناس غير موثوق به ، إذ من شأن الكذّاب ألا يوثق به ولو صدق ، فإن الناس عندما يألفون الكذب من أحد لا يعيرونه بالاً ولا يصدقونه فيما يقول ، مهما حاول تأكيد قوله ونفى تهمة الكذب عنه ، أو يعزب عن بالهم ما عودهم إياه من الإفك وما رماهم به من الدواهي.
__________
(1) سبق تخريجه .
(2) سبق تخريجه. (1/162)
صفحة 163
ولقبح الكذب واستقباح الفطرة له ، كان عقلاء العرب في جاهليتهم يأنفون منه ويربأون بأنفسهم عن أن ينسبوا إليه ، فهذا أبو سفيان استنطقه هرقل عن أوصاف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وكان شديد الرغبة في كتم محاسنه ونسبة المساوئ إليه، إلا أنه خشي أن يتحدث أصحابه عنه بأنه كذب في قوله ، وكان هرقل أوقفهم خلفه وقال لهم :إن كَذَبني فكذبوه . وقد أخبر بنفسه أنه كان واثقاً منهم أنهم لن يكذبوه لو كذب عليه ، وإنما اتقى سوء الأحدوثة عنه لو أخبر بخلاف الواقع ، ولذلك قال عنه هرقل بعدما سمع منه الذي سمع ، لئن كنت صادقاً فيما تقول ليملكن موضع قدمي هاتين، ولو كنت أعلم أنني أخلُص إليه لتجشمت إليه حتى أغسل قدميه .. إلى آخر ما قال. وهذا ناشئ عن احترام النفس ، فإن الكذاب غير محترم لنفسه، ولذلك نفى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن المؤمن صفة الكذب ، فقد قال : " يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب "(1) ، أي ليس من شأن المؤمن أن يكون كذاباً إنما من شأنه أن يكون يتحرى الصدق في كل ما يقوله ، لأن المؤمن يقف عند حدود الحق ولا يتجاوزها ، والكذب يخرج بالإنسان عن حدود الحق إلى حدود الباطل ، وعندما سُئل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أيكون المؤمن جباناً ؟ قال : نعم "(2) فإن الجبن جبَّلة في نفس صاحبها ، ولا يمكن للإنسان أن يتخلص من جبلته التي جُبل عليها، فالناس مفطورون فطراً متنوعة بحسب طباعهم ، فمنهم من فطر على الإقدام ، ومنهم من فُطر على الجبن ، وسُئل أيكون المؤمن بخيلاً ؟ قال : نعم ، ولكن معنى ذلك أن هذه سجية في نفسها يغالبها حتى يغلبها فلا تمنعه من أداء الحقوق الواجبة عليه كالزكاة المفروضة ، وإنما معنى بخله أن نفسه تحب المال وتشح به لولا الإيمان الرادع عن منع الحق ، وعندما سُئل - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أيكون
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) الموطأ ( 1795 ) . (1/163)
صفحة 164
المؤمن كذّاباً ؟ قال: لا"(1)، فالمؤمن لا يكون كذاباً بحالٍ من الأحوال ، فإن الذي يكذب في حديثه ولا يتحرى الصدق فيه ليس من شأنه الترفع عن الدنايا ولا التعلق بالمكارم ، فلذلك يعدم ثقة الناس وطمأنينتهم إليه.
وهناك عادات سيئة تكون في الإنسان منشؤها أيضاً عثرات اللسان وسقطات القول التي لا يعبأ الإنسان بها ولا يتفطن لمعاقبتها إلا المؤمنون ، وهذا ما نص عليه الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة"(2) ، ويقول أيضاً النبي صلوات الله وسلامه عليه : "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها بلغت ما بلغت فيهوى بها في النار سبعين خريفاً"(3)، فقد يرى الإنسان الكلمة التي يقولها أمراً هيناً لا يبالي به، ولكن الله تعالى يكتب عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه فتهوى به في النار وبئس القرار.
__________
(1) البخاري ( 6112 ) ، مسلم ( 2988 ) .
(2) الربيع (724).
(3) الربيع (969). (1/164)
صفحة 165
ومن بين العادات السيئة التي تنشأ عن أُلفة الكذب اليمين الفاجرة ، فإن يمين الزور هي التي تغمس صاحبها في النار ، ولذلك سميت اليمين الغموس ، وعندما ذكر الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الكبائر ذكر من بينها هذه اليمين الماحقة التي لا يبالي بها غير المؤمن لانطماس بصيرته ، لذلك لا يفكر في مآله ولا ينظر فيما يأتي وما يذر، فحسب الإنسان وزراً أن يكون كاذباً ، فكيف إذا ذكر اسم الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لتأكيد صحة ما يقوله وهو يعلم علم اليقين أنه كاذب ، فكفى بذلك إثماً مبيناً ، ومن استساغ يمين الزور هانت عليه حتى تكون ديدنه(1) في جميع أحواله لا يبالي بها ولو لم يطالب بها ، لذلك حذّر الله تعالى من طاعة من كان شأنه الحلف ، حيث قال : "ولا تطع كل حلاّفٍ مهين "(2) ، وهذا يعني أن من شأن الحلاّف أن يكون مهيناً كما وصفه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بذلك ، فإن الإنسان لا يعمد إلى الحلف وهو كاذب إلا وهو يشعر أن الناس غير واثقين به ، وهو دليل مهانته وخسته بينهم.
__________
(1) الديدن: العادة.
(2) الآية رقم ( 10 ) من سورة ( القلم ) . (1/165)
صفحة 166
وقد جاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيضاً ما يدل على أن الذي يصل به الأمر إلى أن يقتطع حق مسلم بيمينه ، فيجمع بين الكذب والظلم ويمين الزور ، هو طريد من رحمة الله ، بعيد كل البعد عن استحقاق الجنة ، وإنما هو حقيق بعذاب النار، يقول الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "من اقتطع حق مسلم بيمينه حرّم الله عليه الجنة ، وأوجب له النار . قيل له : وإن كان شيئاً قليلاً يسيراً يا رسول الله ؟ فقال: وإن كان قضيباً من أراك "(1) وشاهد ذلك من القرآن فإن - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول : "إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم "(2) ، هكذا بيّن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن هؤلاء الذين يشترون بأيمانهم ثمناً قليلاً ؛ وهو ما يكسبون من المال أو أي منفعة في هذه الدنيا فلا خلاق لهم عند الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، أي لا نصيب لهم في الدار الآخرة ونعيمها وإنما نصيبهم النار التي يصلونها.
القذف:
__________
(1) سبق تخريجه .
(2) الآية رقم ( 77 ) من سورة ( آل عمران ) . (1/166)
صفحة 167
ومن آفات اللسان الوقوع في أعراض الناس وكشف مساوئهم وإشاعة الفحشاء فيهم بنسبة ارتكابها إليهم ، وذلك من أخطر ما يدمر الأخلاق ويستأصل الفضيلة وينشر الرذيلة ، لذلك توعد الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الذين يرمون المحصنات حيث قال : " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخر ولهم عذابٌ عظيم، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين "(1) ، أي يوفون يومئذٍ جزاءهم الحق وهو ما أعد الله لهم من العذاب ، وناهيكم هذا الوعيد رادعاً عن الحوم حول هذا الباطل والتخلق بهذا الخلق ، وقد جعل الله - عَزَّ وَجَلَّ - مع هذه العقوبة الأخروية التي أعدها لهؤلاء الفجرة عقوبتين دنيويتين رادعتين ، يقول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا "(2) ، فقد جعل جزاءهم في الدنيا عقوبتين ، عقوبة جسدية وهي أن يجلدوا ثمانين جلدة ردعاً لهم عن تناول أعراض الناس بسوء ، وعقوبة أدبية معنوية وهي أن يحرموا من الثقة فلا تقبل لهم شهادة أبداً ، وقد اختُلف فيما إذا تاب القاذف أو شاهد الزور ، هل تقبل شهادته من بعد أو لا تقبل؟ بناءً على الاختلاف فيما إذا جاءت جمل متعددة معطوف بعضها على بعض ثم وليها استثناء، هل يعود على جميع تلك الجمل أو يعود على الجملة الأخيرة فقط ، وهي مسألة أصولية معروفة ، فبناءً على هذا التأصيل اختُلف في قوله : " إلا الذين تابوا " هل يعود الاستثناء على مدلول تلك الجملتين السابقتين أو يعود على الجملة الأخيرة فقط ، والإمام السالمي رحمه الله كما في جوهره يميل إلى عدم قبول شهادتهم ، حيث يقول:
وشاهد الزور ولو قد تابا
__________
(1) النور/23.
(2) الآية رقم ( 4 ) من سورة ( النور ) . (1/167)
صفحة 168
لا يقبلن فافهم الخطابا
لأنه سبحانه قد منعا
ذاك بمنع أبدي شرعا
في سورة النور أتى لا تقبل
لهم شهادة فكيف تقبل
أما في شرحه على "شمس الأصول" فإنه يميل إلى رأي من يقول بقبولها بناءً على أن الاستثناء يعود إلى جميع الجمل، كما أصل ذلك بنفسه في شمس الأصول حيث قال:
واحكم به للكل إن تلا جمل
معطوفة إلا لمانع حصل
كاكرم بني مخزوم واعط السائلا
إلا فتىً رأيته مجادلا
وقال قوم هو للأخيرة
ههنا مذاهب كثيرة
أصحّ ذين أول القولين
وسائر الأقوال دون ذين
اللمز والغيبة: (1/168)
صفحة 169
كذلك من آفات اللسان التي تنشأ عن الكذب ، والاستخفاف بسقطات القول ، وعدم المبالاة بما تؤول إليه ؛ اللمز ، ويراد به الطعن باللسان ، فالله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - توعّد على ذلك بالويل وهو أشد الوعيد حيث قال : " ويلٌ لكل همزةٍ لمزة "(1) وكذلك جاء التحذير منه في سورة الحجرات ، في قوله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم "(2) ، ونجد من لطافة التعبير أنه قال : " ولا تلمزوا أنفسكم " تنبيهاً بأن الذي يلمز أخاه إنما يلمز نفسه ، لما يشدّ الناس بعضهم إلى بعض من علائق اجتماعية ، على أن الأمة المسلمة أمة واحدة في آلامها وآمالها ، في عقيدتها وعباداتها ، في مبادئها وغاياتها ، فمن شأن المسلم أن يشعر بكل أذى يصيب أخاه أنه هو المصاب به ، فجدير بهذا اللامز الذي يلمز أخاه أن يشعر أنه لا يلمز إلا نفسه ، وقد جاءت الإشارة إلى ذلك بقوله : " ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإثم الفسوق بعد الإيمان ، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون"(3) وتضمنت الآية الكريمة كما ترون أن هذا الذي يقع فيما بين الناس من السخرية واللمز والتنابز بالألقاب كله مناف للإيمان ، وأنه من صفات الفسوق لذلك قال : " بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان "(4)، ثم قال : " ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون " حثّاً للمسارعة إلى التوبة من ذلك كله.
__________
(1) الآية رقم ( 1 ) من سورة ( الهمزة ) .
(2) الآية رقم ( 11 ) من سورة ( الحجرات ) .
(3) الآية رقم ( 11 ) من سورة ( الحجرات ) .
(4) الآية رقم ( 11 ) من سورة ( الحجرات ) . (1/169)
صفحة 170
ثم أتبع ذلك التحذير من الظنون السيئة والغيبة إذ قال : "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله توّابٌ رحيم "(1) ، وقد قرن بينهما كما ترون ؛ لأن سوء الظن باعث على مقالة السوء وهي الاغتياب ، وهاتان الآفتان من شأنهما قطع العلائق وإفساد ذات البين ، نعم حذّر - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من الاغتياب ، وهو كما جاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أن تذكر أخاك بما يكره . قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال : إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه "(2) ، فالاغتياب أن يذكر الإنسان أخاه في غيبته بما يكره ، إذ لا يسوغ لأحد أن يذكر أحداً من المسلمين بما يكره وإن كانت الصفة التي يكره ذكرها وإشاعتها موجودة فيه، فإن الله تعالى يحب الستر على عباده، اللهم إلا الذي لا يبالي بما يأتي وما يذر ، وهو الذي انتهك حرمته وأهدر كرامته بنفسه ، وذلك بأن لا يبالي بالمجاهرة بمعاصي الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فإنه لا غيبة له، فيُذكر الفاسق المجاهر بما فيه لا لأجل التلذذ بذكر عورات الناس؛ ولكن من أجل التحذير من فسوقه حتى لا يغر الناس بما يظهره من القول الكاذب والمظهر الخادع مع أن حقيقته بخلاف ذلك ، وكما أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - حذّر من الغيبة كذلك حذّر من النميمة بل حذر من طاعة صاحبها ، وقد قال لرسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ولا تطع كل حلاّف مهين ، همازٍ مشاءٍ بنميم ، مناعٍ للخير معتدٍ أثيم ، عتلٍ بعد ذلك زنيم"(3)، منع الله عبده ورسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من طاعة هؤلاء ، ومن بينهم
__________
(1) الآية رقم ( 12 ) من سورة ( الحجرات ) .
(2) مسلم ( 2589 ) ، الترمذي ( 1934 ) .
(3) الآيات رقم ( 8-13 ) من سورة ( القلم ) . (1/170)
صفحة 171
الذين يمشون بالنميمة ، فإن المشي بها من خسيس الطباع ، إذ من شأن المؤمن أن يحب رتق الفتق وجمع الشمل ورأب الصدع وتوحيد الصف ورصّه ، وليس من شأنه أن يسعى بين الناس بما يفرق جمعهم ويمزق شملهم بالوشاية الخبيثة المفسدة لعلاقاتهم ، بحيث ينقل إلى كل فريق ما يقوله الآخر فيه ، وقد يضيف من تلقاء نفسه ما يراه أبلغ في التأثير عليهم وأقطع لوشائجهم وأسرع في إشعال نار الفتنة بينهم، فلا ريب أن هذه الصفة من أخسّ الصفات ، وليست هي من شأن العاقل اللبيب الذي يكون باقياً على سلامة الفطرة فضلاً عن كونه مستمسكاً بحبل الإيمان بالله واليوم الآخر ، وكيف تسول للإنسان نفسه بأن يقوم بهذه المهمة الرديئة وهذا العمل المشؤوم ؟ فلا يبالي بأن يشتت الشمل ويمزّق الصف ، ويحرص على أن يجعل القلوب متنافرة بين من يحب تراصهم في المجتمع الواحد بسبب الإيقاع بين أفرادهم، وهذا من شأن المفسدين في الأرض ، وتلك من صفات المنافقين ، أما المؤمنون فإنهم يبعدون كل البعد عن ذلك ، ولكلٍ من المغتاب والنمّام إن لم يتب توبة نصوحاً عقوبة شديدة يوم القيامة ، لأن هذه من كبريات المعاصي.
الدعوة إلى الباطل: (1/171)
صفحة 172
كذلك الدعوة إلى الباطل وتزيين السوء من آفات اللسان ، فإن من آتاه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فصاحة في لسانه وملكة في بيانه عليه أن يستغل هذه الموهبة في الخير والدعوة إلى الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أما تزيين الباطل وتسفيه الحق ومحاولة الحيلولة بين الناس واتّباع الحق فهو من شأن أولئك الذين يسحرون الناس بألسنتهم ويخدعونهم بأقوالهم وهم لا يضمرون إلا السوء ولا ينطوون إلا على الفساد ، وأما المؤمن فإن من شأنه –إن وُهب ملكة في بيانه ودربة في لسانه– أن يحرص على أن يستغل ذلك في إبلاغ الحق وتوعية الناس به ، فهو يسعى إلى نصرة الحق وتأييده ودفع الباطل وتعريته بكل ما أوتي من ملكات وطاقات ومواهب ، إذ هذه هي صفة المؤمنين ، كما وصفهم الله تعالى بقوله : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله "(1) ، أما المنافقون والمنافقات فقد وصفهم بأنهم "يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"(2)، فإذن هذا هو الفارق ما بين صفة المؤمنين وصفة المنافقين، وكثيرٌ من أهل الباطل يزينون باطلهم بفصاحة قولهم ، ويدعون إليه بدُربة ألسنتهم وقوة بيانهم ، وذلك من استعمال موهبة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - –التي هي البيان– في غير موضعها ، واستعمال النعمة في غير ما خلقت لأجله من كفران النعم ، فإذن من شأن المسلم أن يستغل لسانه دائماً في الخير، وأن يكون داعياً إليه ، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، متعلماً معلماً ، حاضّاً على اتباع الحق بعيداً عن الفحشاء محذّراً من الباطل ، ساعياً إلى رأب الصدع وجمع الكلمة وتأليف القلوب ، ومن شأن المؤمن أن
__________
(1) الآية رقم ( 71 ) من سورة ( التوبة ) .
(2) التوبة:67. (1/172)
صفحة 173
يراقب نفسه في كل كلمة يقولها ، فلا يقول إلا الصدق ، ولا ينطق إلا بالحق ، ومن شأن المؤمن أن يشكر الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - على هذه النعمة وغيرها من النعم ؛ بوضع كل شيء موضعه ، فإن الإنسان إن لم يكن شاكراً كان كافراً ، يقول الله تعالى : " إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً "(1) ، ويحكي عن عبده ونبيه سليمان عليه السلام أنه قال : " ليبلوني أأشكر أم أكفر "(2) ، وشكر النعمة لا يكون إلا باستخدامها في مرضاة من أنعم بها ، وكفرانها بخلاف ذلك ، فجدير بالمؤمن أن يزن كلماته ، وألاّ يطلق للسانه العنان.
الشباب
أضرار الخمر والتدخين
1- الخمر أم الخبائث:
__________
(1) الآية رقم ( 3 ) من سورة ( الإنسان ) .
(2) النمل/40. (1/173)
صفحة 174
الخمر هي أم الخبائث ومجمع الآثام ومصدر المضار ورأس كل مفسدة تُحول الإنسان العاقل إلى حيوان حائر أو سبع ضار ، وقد أخذت تتفشى من خلال الحانات التي تفتتح هنا وهناك من قبل المفسدين ، الذين لا يبالون أبداً بما يقع على أنفسهم وذريتهم ومجتمعهم من فساد ، كل ذلك من أجل كسب شيء من المال سحقت منه كل بركة ، وترتب عليه لعن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وإن علينا أن ننظر في حكم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الذي أنزله في كتابه عندما قال : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون"(1)، نجد أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - –بسبب رحمته بعباده– اختار لهم ديناً سوياً وصراطاً مستقيماً، يتلاءم مع الفطرة التي فطرهم عليها، ويحافظ على جميع منافعهم، ويباعدهم من جميع مضارهم، وقد كرم الإنسان وجعل العقل هو مناط تشريفه ومعقد تكليفه، إذ هو أسمى ما وهبه تعالى من هباته في هذه الدنيا، فبه يتميز عن غيره وبسلطانه يتمكن من تحقيق منافعه واتقاء مضاره، ولذلك كان فاقد العقل غير مكلف، لأنه فقد أعظم خصيصة من خصائص الإنسانية، وهي الخصيصة التي يترتب عليها تكليف الله إياه بفعل مأموراته واتقاء منهياته، ومن أجل المحافظة على سلامته حرم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - كل ما يضر بدينه وعقله وجسمه وماله وعرضه، ويدخل النسب في العرض، وذلك من مقاصد الشريعة الإسلامية، بل المحافظة على هذه الأصول الخمسة تعني المحافظة على الدين الحنيف، ومن أجل ذلك حرم الله تعالى كل ما يؤدي إلى الضرر بأي واحدٍ منها.
__________
(1) الآية رقم ( 90 ) من سورة ( المائدة ) . (1/174)
صفحة 175
والخمر مصدر هذه المضار جميعاً ، فإنها إن لم تضر مباشرةً بالنسب والمال إلا أنها تؤدي إلى الضرر بهما ، وهذا واضح جلي فإنها بسبب كونها جماع الإثم تغري بالفحشاء المفسدة للأنساب والتبذير المتلف للأموال ، والإنسان مسئول عن صحة جسمه وعن المحافظة على ماله لأنه مؤتمن عليه ، إذ هو في الحقيقة مال الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، كما أنه مسئول عن عرضه ، ومن باب أولى مسئول هو عن عقله ؛ لأن العقل –كما قلنا– هو معقد التشريف ومناط التكليف، فلا يجوز للإنسان أن يستخف بأي شيء من ذلك، ومن هنا جاء هذا الأمر الرباني في حال كانت الإنسانية تودع عهد الجاهلية وتستقبل عهد الإسلام ، نعم جاء في ذلك الوقت التوجيه الرباني بأن تجتنب الإنسانية المؤمنة ما حرم الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عليها من الخمر والميسر وسائر مظاهر الجاهلية.
2- التدرج في تحريم الخمر:
ومن حكمة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن كان تحريم الخمر تحريماً تدريجياً ، لأن الناس ألفوها في جاهليتهم ، فالعرب كانوا يعدون الإنفاق في السكر من كبريات مفاخرهم، ولذلك كان الذي لا يشرب الخمر بنفسه لا يأنف أن يسخو بها على غيره ، ويرى من العار ألا ينفق فيها ، فقد روي أن أحد العرب كان كغيره من فتيانهم مولعاً بشرب الخمر إلا أنه تزوج امرأة كانت على شيء من الوعي الفطري الذي جعلها تكره الخمر، فاشترطت عليه ألا يشربها قط ، فحرص على الوفاء بهذا الشرط ، ولكنه في يوم مر بجماعة من المدمنين حول خمارة فسقاهم ببرديه ، ونحر لهم ناقته ، وعندما رجع إلى امرأته عاتبته عتاباً شديداً وقرعته على ما عدته نكثاً لعهده، فرد عليها بقوله:
ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشوا
ثياب الندامى عندهم كالمغانم
ولكننا يا أم عمرو نديمنا
بمنزلة الربان ليس بعائم
أسرّك إذ ما صرع الناس نشوة
خروجي منها سالماً غير غارم
بريئاً كأني قبل لم أك منهم
وليس الخداع مرتضى في التنادم (1/175)
صفحة 176
هكذا كانت العقلية العربية ، وما كان أحدهم يبالي أن ينفق كل ثروته في سبيل الخمر ، بل يعدون ذلك من أحسن السخاء الذي يجاهرون بالافتخار به، كما هو مدون في شعرهم ونثرهم ، والإسلام دين الفطرة ، جاء لينتشل الإنسانية من الضياع، وليرتقي بها من حضيض العادات السيئة إلى قمم القيم السامقة ، ولذلك أخذ يعودهم شيئاً فشيئاً البعد عن الخمر ، فقد نزل أولاً في سورة النحل ما يشير إلى أن الخمر ليست مما يستحسن ، وذلك في قوله تعالى : " ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً"(1) ، ذكر السكر من غير أن يصفه بالحسن ، إنما وصف الرزق بأنه حسن ، وفي هذا ما يدل على أن السكر ليس مما تستحسنه العقول السليمة، وكان هذا بمكة المكرمة قبل الهجرة فإن سورة النحل مكية ، ثم بعد ذلك أنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ - في سورة البقرة –وهي مما نزل بعد الهجرة– "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"(2)، فبسبب أُلفة العرب للخمر أصر قوم منهم على الاستمرار على شربها، وقالوا نكتسب من منافعها، وتركها آخرون اتقاءً لإثمها ، ثم بعد ذلك أنزل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في سورة النساء: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون "(3) ، فضيّق عليهم في شربها، لأن أوقات الصلاة متعاقبة، ففي خلال أربع وعشرين ساعة عليهم أن يصلوا خمس مرات ، وهذه الأوقات متقاربة ، فمن الصعب على من شرب الخمر أن يشربها بين صلاة وأخرى ، ولا يصل إلى ميقات الصلاة الثانية إلا وهو قد تخلص من جميع آثارها ، وكان في هذا تهيئة للنفوس أن تتقبل تحريمها القاطع، ثم بعدما تهيأت النفوس لتلقي أمره - عَزَّ وَجَلَّ - بغير تردد نزل قوله سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب
__________
(1) الآية رقم ( 67 ) من سورة ( النمل ) .
(2) الآية رقم ( 219 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الآية رقم ( 43 ) من سورة ( النساء ) . (1/176)
صفحة 177
والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد بكم الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون "(1) فلم يدع لهم مجالاً للتردد ، وهنا تسارع الناس إلى امتثال هذا الأمر الرباني ، وودعوا مألوفهم الذي كان أحب عادة إليهم ، فقد وصل إليهم هذا الأمر وبعضهم كانت الكأس على راحته ، ومنهم من كان يمتصها بين شفتيه ، فما كان منهم إلا أن رموا الكؤوس التي في أيديهم ، ومجوا ما في أفواههم ، وحالوا دون وصولها إلى الأكباد التي كانت صادئة إليها والشفاه التي كانت تتلمظها ، حرصاً منهم على امتثال أمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -.
بل لم يقف الأمر عند هذا الحد ، وإنما عبروا عن طاعتهم الناشئة عما وقر في نفوسهم من الإيمان ، والاستسلام لأمر الله والإذعان لحكمه ، حيث أراقوها في الأرض من دنانها وحطموا الدنان بالمهاريس(2)، فإن جماعة كانت تشرب الخمر في بيت أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه فأتاهم نبأ تحريمها فما كان منهم إلا أن أراقوها وحطموا دنانها كما جاء ذلك عند الربيع رحمه الله(3) وغيره من طريق أنس رضي الله عنه، وكأنما رأوا بقاء أوعيتهم مما يحرك ما في نفوسهم من الرغبة فيها ، فاختاروا أن يتخلصوا منها.
__________
(1) الآية رقم ( 91 ) من سورة ( المائدة ) .
(2) الدنان: القلال وهي أواني فخارية، وتسمى عندنا في عمان الخروس، (الخروس عربية قاموسية)، المهراس: آلة الهرس، وعندنا في عمان تسمى السَفَن (السَفَن عربية قاموسية).
(3) جاء في مسند الربيع بن حبيب: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: كنت أسقي أبا دجانة وأبا طلحة وأبي بن كعب شراباً من فضيخ التمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس، قم إلى هذه الجرار فاكسرها. قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله حتى انكسرت. (الربيع: 628). (1/177)
صفحة 178
وعندما ننظر إلى هاتين الآيتين الكريمتين في سورة المائدة نجد أن حرمة الخمر فيهما قاطعة من وجوه شتى ، فقد جمع الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بينها وبين الميسر ، والميسر هو أكل أموال الناس بغير حق ، وقد شدد القرآن الكريم في أكل أموال الناس بغير حق فعلم تحريمه بالقطع ، ثم إن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - جمع بينها وبين الأنصاب ، وبينها وبين الأزلام ، وأخبر عن كل ذلك بأنه رجس ، وأنه من عمل الشيطان ، ثم أمر باجتناب ذلك كله بقوله: "فاجتنبوه"، ثم ناط الفلاح بهذا الاجتناب حيث قال : " لعلكم تفلحون"، ثم بيّن ما يؤدي إليه الخمر والميسر ، وهو الذي يريده الشيطان منهما بالناس ، إذ قال " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون"(1)، إذ بيّن سبحانه وتعالى هنا أن الغاية من تحبيب الخمر والميسر إلى نفوس الناس من قبل الشيطان الرجيم لأجل أن يوقع العداوة والبغضاء بينهم ، وأن يصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وكل من ذلك أمر محرم ، ثم قال " فهل أنتم منتهون "(2) ولذلك تسارع الناس إلى قولهم: انتهينا انتهينا. فهل بعد هذا النص القاطع يبقى أي مجال للشك في حرمة الخمر؟ ونجد الأحاديث النبوية عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تؤكد هذا المعنى الذي دلت عليه الآيتان الكريمتان ، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه الجماعة –إلا البخاري– من طريق ابن عمر رضي الله عنهما ، وأخرجه الإمام الربيع رحمه الله من طريق ابن عباس رضي الله عنهما "من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها، حرمها في الآخرة"(3)، مع أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أخبر عن الجنة بأن فيها أنهاراً من خمر، والحيلولة بين شاربها الذي لم يتب منها في هذه وبين شربها في الآخرة دليل
__________
(1) الآية رقم ( 91 ) من سورة ( المائدة ) .
(2) الآية رقم ( 91 ) من سورة ( المائدة ) .
(3) الربيع (627). (1/178)
صفحة 179
على أنه يحال بينه وبين الجنة ، ومعنى ذلك أنه خالد في النار ، وكفى به داعياً إلى منتهى الحذر من الاقتراب من ذلك.
ولا يمكن أن يقبل تفسير من يقول بأن من كان يشرب الخمر في الدنيا لا يشتهيها في الدار الآخرة ، فإن تلك الدار فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وكل ذلك مهيأ للمؤمنين ، فلا يباعد الإنسان بينه وبين ما يشتهي هناك ، ولكن ذلك دليل حرمانه من الجنة ، ويؤكد ذلك ما جاء في بعض الروايات الصحيحة عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " مدمن الخمر كعابد الوثن "(1) ، وكفى بهذا تنفيراً لكل ذي لب عن شرب الخمر والاقتراب حولها ، فكيف يرضى المسلم لنفسه أن يسوى بينه وبين عابد الوثن؟ وجاء أيضاً في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "إن على الله عهداً لمن شرب الخمر أن يسقيه من طينة الخبال ، فسئل - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وما طينة الخبال؟ فقال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار"(2)، وجاء في بعض الروايات: "أن من شرب الخمر في الدنيا كان شرابه في النار ما يخرج من فروج المومسات"(3).
3- ما أسكر كثيره فقليله حرام :
الخمر المحرمة ليست شراباً دون شراب ، بل كل مسكر خمر ، فكلمة الخمر نفسها من حيث الدلالة اللغوية دالة على ذلك ، لأن الخمر مأخوذة من خمر يخمر بمعني غطى يغطي ، ومنه اشتقاق الخمار ، وهو ما تغطى به المرأة رأسها ، وأخذ من ذلك خمر الطريق أي الشجر الملتف الذي يستر ما كان داخله ، ومن شواهد ذلك قول الشاعر:
ألا يا زيد والضحاك سيرا
فقد جاوزتما خمَر الطريق
أي جاوزتما الشجر الملتف في الطريق الذي هو وهدة يكمن فيها الذئب .
__________
(1) ابن ماجه ( 3375 ) .
(2) مسلم ( 2002 ) ، السنن الكبرى للنسائي ( 5218 ) ، ابن حبان ( 5357 ) .
(3) جاء بمعناه عند أهل الحديث؛ انظر المستدرك (7312). (1/179)
صفحة 180
فإذن كل ما غطى العقل هو خمر ، سواء كان معصوراً من التمر أو الزبيب ، أو كان من الحنطة أو الذرة ، أو من الحلويات كالعسل ، فكل ذلك خمر ، فقد جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن الخمر حرمت وهي يومئذٍ من خمس وليس منها العنب، أي كان العرب قليلاً ما يستعملون العنب ، وإنما معظم شرابهم كان من فطيخ التمر والبسر ، كما دل على ذلك أيضاً حديث أنس رضي الله تعالى عنه، وجاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه خطب على المنبر ، وأخبرهم أن الخمر حرمت ، وهي من التمر والزبيب والعسل والحنطة والذرة ، ومثل ذلك جاء في الحديث المرفوع الذي رواه النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : "إن من الحنطة خمراً ، ومن الذرة خمراً ، ومن التمر خمراً ، ومن الزبيب خمراً ، ومن العسل خمراً "(1) ، وجاءت روايات أخرى تؤكد أن الخمر لا تنحصر في هذه الأشياء، فالرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : " كل مسكر خمر وكل خمر حرام "(2) ، وفي رواية " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام"(3)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل عن شرب البتع(4)؟. فقال: "أكل شراب أسكر فهو حرام"(5) ، هذا يعني حرمة كل ما يؤدي إلى الإسكار.
__________
(1) السنن الكبرى للنسائي ( 6787 ) ، أبو داود ( 3676 ) .
(2) مسلم في ترجمة باب بيان كل مسكر خمر وكل خمر حرام.
(3) مسلم ( 2004 ) ، ابن ماجه ( 3390 ) ، الترمذي ( 1861 ) .
(4) البتع: نبيذ العسل.
(5) الربيع (629). (1/180)
صفحة 181
ولا يقتصر الحكم الإسلامي على ذلك فحسب ، بل يحرم على الإنسان أن يتناول الشيء اليسير مما لا يسكر إلا كثيره ، فالقليل مما يسكر كثيره حرام ، كما ثبت ذلك في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " ما أسكر كثيره فقليله حرام"(1)، وفي رواية أخرى " حرام قليل ما أسكر كثيره "(2) ، " ما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام "(3) ، والفرق هو ستة عشر رطلاً ، فما كان لا يسكر منه إلا هذا المقدار لو شرب الإنسان منه ملء الكف فذلك حرام ، لأن حكمة الإسلام في هذا التحريم بالغة ، إذ الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يريد لعباده أن يحافظوا على سلامة عقولهم وصحة أجسامهم وعلى جميع مصالحهم ، وأن يتجنبوا جميع مضارهم.
وحرمة الخمر لا تنحصر في شربها فحسب، بل كل تلبسٍ بها هو حرام، ففي الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لعن الله الخمر، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وآكل ثمنها"(4)، كل هؤلاء مشتركون في اللعن، فالذي يفتح حانة خمر أو يتولى بيعها أو يحملها إلى غيره أو يعصرها أو يطالب بعصرها كل أولئك ملعونون بنص حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
4- آثار الخمر:
__________
(1) السنن الكبرى للنسائي ( 5117 ) ، أبو داود ( 3681 ) .
(2) الدارقطني ( 60 ) .
(3) أبو داود ( 3687 ) ، الترمذي ( 1866 ) .
(4) سبق تخريجه . (1/181)
صفحة 182
دلّ القرآن عندما تحدث عن الخمر أن الشيطان يريد أن يوقع بين الناس العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، وهذا أمر لا مرية فيه ، فإن الخمر تحدث الشجار بين الناس وتضرم سعير الفتنة فيه ، إذ شاربها يفقد ما يضبط توازنه وهو العقل ، وماذا عسى أن تكون حالة الإنسان وقد فقد العقل ؟! إن الإنسان وهو فاقد عقله أعظم خطراً من السبع الفتاك ، فإن السباع الفتاكة لا تعتدي على أولادها بينما شارب الخمر لا يبالي بأن يعتدي على أولاده ، وقد قرأت كتابة معاصرة أن أحداً شرب الخمر حتى ثمل ، وإذا به يأخذ سكيناً ويعتدي على زوجته التي كانت حاملاً، فيفتح بطنها ويقضي عليها وعلى جنينها ، ثم قضى على طفل له في المهد ، ثم قضى على طفلة أكبر من ذلك الطفل ، ولما سمع الناس الصراخ وثبوا إليه ، ودخلوا البيت فوجدوه عارياً والسكين في يده ، وقد قضى على حياة أسرته ، فسألوه فقال : ذبحت هذه الدجاج لأجل الغداء.
واطلعت أنه في شتاء عام ألف وتسعمائة وستة وسبعين دخل رجل كان مخموراً بيته، فخيل إليه أن امرأته خائنة ، وكانت نائمة في الفراش ، فقام إليها وذبحها وذبح أربعة من أولاده من حولها ، ونحن وقفنا على مأساة من أخطر المآسي ، وإن كنا لم نشاهدها بأبصارنا إلا أننا عايشناها وآلمتنا أشد الألم ، وقد شاهدت بعيني رأسي بطل قصتها، فقد اعتدى رجل على أمه ، وذبحها بتأثير الخمر عليه ، ثم جرها في الوادي وهي عارية، وقد حضر هذا الرجل أمامي إبان محاكمته ، وهيئته تدل على الوقار ، ومنطقه يدل على الحكمة ، ولكن الخمر ذهب بوقاره وحكمته. (1/182)
صفحة 183
ومضرة الخمر من حيث العدوان لا تنحصر في مثل هذا ، فإن شارب الخمر عندما يقود سيارة يعرض نفسه ومن في سيارته والسيارات الأخرى والمشاة في الطريق للهلاك، وقبل سنين اطلعت في بعض الصحف أن أكثر من تسعين في المائة من حوادث السير ناتج عن شرب الخمور ، ولئن كان الأمر هكذا ، فإن من فتح خمارة يبوء بوزر شُرّاب الخمر وبما أحدثوا من هذه الأعمال المهلكة كلها ، ويبوء بوزر كل ما يترتب على شرب الخمر من مفاسد وعداوات تكون بين الناس ومن سفك للدماء وإزهاق للأرواح ، وهذا يعني أن على ولاة أمر المسلمين أن يقفوا في وجوه هؤلاء المفسدين ، وأن يضربوا على أيديهم ، وألا يسمحوا لهم بهذا الفساد ، ولئن كان كثير من هؤلاء يتعللون بأن السياحة تقتضي ذلك ، فالجواب عن هذا ؛ لئن كانت هنالك مصلحة في هذه السياحة ؛ فإنها لا توازي شيئاً من المفاسد التي تترتب على شرب الخمور ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما أنزل في كتابه تحريم دخول المشركين المسجد الحرام ، بيّن للمسلمين بأنهم إن كانوا يتعللون في السماح لهم بالدخول بأنهم يخشون الفقر ، فالله تعالى هو المغني " يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ، وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله"(1).
__________
(1) الآية رقم ( 28 ) من سورة ( التوبة ) . (1/183)
صفحة 184
والخمر مضارها الجسيمة كثيرة جداً ، بل هي سبب للكثير من الأمراض ، فهي ليست كالأغذية التي تتحول إلى دم يجري في العروق وإنما تزاحم الدم في مجاريه، وبهذا هي تعرقل الدورة الدموية ، ومن المعلوم أن الخمر على اختلاف أنواعها تتكون من العديد من المواد الكيماوية مع التفاوت بين نوع وآخر ، وهذه المواد في مقدمتها الغول ، وهو الذي حُرف إلى الكحول ، وقد نفى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الغول عن خمر الجنة ، فقال: "لا فيها غول "(1) ، والغول من أخطر المواد ، فإنه بمجرد ارتشاف الإنسان للجرعة من الخمر يصل إلى كل خلية من خلايا الجسم فيفسدها ، فلذلك تترتب عليه الأمراض الكثيرة ، فهو يفسد المعدة ، ويؤدي إلى تصلب الشرايين ، وإلى أنواع من أمراض القلب وانسدادها ، وإلى أمراض الكبد ، من بينها التشبع الغولي للكبد ، وقد اطلعت أن هذا المرض يسبب في فرنسا وحدها في وفاة اثنين وعشرين ألفاً وخمسمائة شخص في كل عام ، ويسبب في وفاة ستة عشر ألف شخص في ألمانيا وحدها ، فضلاً عما يجتاح الأرواح في بقية أنحاء العالم ، وفضلاً عن بقية الأمراض الناشئة عنه ، ويؤدي الغول كذلك إلى أمراض في اللسان والحنجرة والقصبة الهوائية، بل –كما قلت– يفسد كل خلية من خلايا الجسم ، فما للإنسان الذي ائتمنه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - على هذا الجسم، وجعل حياته من كبريات نعمه ، وجعل صحته سبباً لنجاحه في سعيه في الحياة ، ما للإنسان وإتلاف هذا الجسم بهذه الأوباء المردية؟!.
__________
(1) الآية رقم ( 47 ) من سورة الصافات . (1/184)
صفحة 185
ثم بجانب ذلك ؛ تعرض الخمر الإنسان للمهانة التي ليست بعدها مهانة، فقد يصل به الأمر أن يكون مزدرى إزدراءاً لا مثيل له ، بحيث يحتقره كل صغير وكبير من تصرفاته الرعناء التي يسببها سكره ، وماذا عسى أن تكون حالة هذا الإنسان وقد فقد العقل الذي يصدر عنه توازنه وانضباطه ، ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر بسكران وهو يبول في كفه ، ويغسل ببوله وجهه ، وهو يقول : الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً ، والوضوء طهوراً . وذكر بعض المفسرين أنهم شاهدوا أحداً في حالة ثمل من الخمر ، يبول أيضاً في كفه ويغسل به وجهه ويقول : اللهم اجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك التوابين . وآخر يدني وجهه للكلب ، والكلب يلحس وجهه ، وهو يقول للكلب: أكرمك الله . كل هذه التصرفات من جراء فقدان التوازن عند الإنسان بسبب فقدانه أهم خصائص الإنسانية وهو العقل ، ويذكر أن أحد أطباء ألمانيا كتب مقالاً جاء فيه : أغلقوا نصف الحانات أضمن لكم إغلاق نصف المستشفيات ، ونصف الملاجئ ، ونصف السجون. وذكر أحد الأطباء الألمان أيضاً أن آثار الخمر تبدو على الإنسان حتى لغير الأطباء ، فإن نسيج جلد شارب الخمر إن بلغ من العمر أربعين عاماً يكون أسوأ من نسيج غيره وقد بلغ الستين ، والخمر تؤدي إلى أن تجحظ عينا شاربها وينتفخ بطنه ويتهرى لحمه ، وهذا كله بعض مفاسدها التي لا تُحصى.
وهنالك مفاسد اجتماعية وخلقية لا يستهان بها منشؤها الخمر ، فشارب الخمر تنبعث في نفسه شهوة الجنس ، وهي شهوة موقوتة ، لأن شرب الخمر يؤدي إلى الضعف الجنسي فيما بعد ، ولكن تثور شهوته ثوراناً مزعجاً بادئ ذي بدء فيدفعه ذلك إلى إتيان الفواحش كالزنا أو عمل قوم لواط ، ولا يبالي في هذه الحالة أن يفجر بابنته أو بأخته أو بأي ذات محرم منه ، فينتهك بذلك عرضه بنفسه. (1/185)
صفحة 186
والصد عن ذكر الله معلوم ، فكيف تكون حالة شارب الخمر ؟ هل من الممكن أن يكون ذاكراً لله وقد فقد عقله ؟! وكيف تكون قيمة هذا الذكر ؟! إنما ذكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يتغلغل في أعماق النفس ، ويلج إلى سويداء القلب ، ويؤثر على كل خلية من خلايا الجسم ، حتى ينساق بكل ما فيه إلى طاعة ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وأنى ذلك ونفسه لمن شرب الخمر وقد استولى الشيطان على عقله وقلبه وتغلغل في روحه؟! وأما الصلاة فإنها لابد فيها من الخشوع وهو الاستحضار حتى تكون ذات أثر على المصلي وتكون صحيحة متقبلة ، وأنى لشارب الخمر أن يخشع لله سبحانه وقد فقد وعيه وتوازنه ؟! وكل هذه المضار ما هي إلا نتائج طبيعية لشرب الخمر ، وهي محسوبة على شاربها ، ومحسوبة من باب أولى على من كان السبب في شربها ، كتجار الخمر وصناعها ، والمفاسد الاجتماعية من تقطع العلاقات بين الناس بسبب الخمور لا تحتاج إلى شرح ، فالعداوات تستحكم في النفوس ، والصلات تتقطع ، وحركة الحياة تتوقف، بتأثير هذه الآفة المردية والداء العضال.
إن هذه الأمة مطالبة بأن تكون أمة قوية عزيزة منيعة مؤثرة وليست متأثرة، والإنسانية اليوم تتطلع بأسرها إلى القيادة الصالحة المنتظرة من هذه الأمة، فكيف يمكن أن تقوم بقيادة هذه الإنسانية بأسرها، وأن تعيد الدورة التاريخية التي قام بها سلفها الصالح مع تفشي حانات الخمور وما يترتب على ذلك من تعطيل المواهب والملكات وأمانة المدارك والطاقات بما يشيع من الفساد في الأرض؟! لا ريب أن تفشي هذه الحانات أعمل المعاول في هدم صرح الأمة وتحطيم قواها وهي من مخططات أعداء الإسلام من أجل إزهاق حياة هذه الأمة ؛ حتى تكون أمة مهينة ذليلة لا زنة لها في موازين الأمم ، والذين ينساقون وراء شهوات المال ويفتحون المخامر –سواء كانوا على دراية بذلك أم لا– هم منفذون لمخططات أعداء الإسلام.
5- الدخان يجتاح البشرية وثرواتها: (1/186)
صفحة 187
أما التدخين فإن ضرره أصبح أمراً معلوماً ، ولقد كان بعض الناس من قبل يماري في حرمة التدخين ، ومنهم من يعتبر أصحابنا رحمهم الله الذين شددوا في حكمه فقالوا بتحريمه مبالغين في ذلك ، ولكن وضح الصبح لذي عينين ، فقد تكشفت مضاره بما لا يدع مجالاً للشك ، حسبكم أنه يموت في كل عام بسببه أكثر من خمسة ملايين، ومع هذا الانتشار السريع لداء التدخين في أوساط الناس هنالك توقع أن يرتفع الرقم ليصل بعد بضع سنوات إلى عشرة ملايين ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - حرم على الإنسان أن يقتل نفسه ، يقول الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرا"(1)، وجاء في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومن رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا ، ومن شرب سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا " ، وقد ثبت أن التدخين يشتمل على أربعة آلاف من المركبات السامة ، التي تردي حياة المدخن وتتسبب في الإضرار بالناس والبيئة من حوله.
__________
(1) الآية رقم ( 30 ) من سورة ( النساء ) . (1/187)
صفحة 188
ومع ذلك فإن التدخين يجتاح الثروات اجتياحاً فهو ضرر محض من كل ناحية وليست فيه نسبة ولو قليلة من المنفعة ، فكم يستهلك المدخن من مال في عمره ؟! وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أن الإنسان يسأل عن ماله يوم القيامة من أين اكتسبه وفيم أنفقه " ، لأنه أمانة بيده ، إذ هو مال الله وإنما هو مستخلف فيه ومؤتمن عليه ، وليس للإنسان أن يتصرف في أمانته إلا وفق أمر من ائتمنه واستخلفه ، فكيف يبذر هذا المال تبذيراً فيما لا فائدة فيه قط ؟! على أننا لو أصغينا إلى هؤلاء الذين يمارون في حرمة التدخين ، وحاولنا أن نجادلهم بالحسنى، فإننا نسألهم عن حكم من يحرق في كل عام من ثروته نحو مائة ريال عماني من غير أن يضر بها نفسه أو غيره من الناس ؟! هل يعد من العقلاء ؟! وهل يعد تصرفه هذا جائزاً مع أنه لا يضر بنفسه ولا بغيره ؟ اللهم إلا من حيث إتلاف هذه الثروة ، والثروة هي ثروة الجميع وليس له أن يفسد شيئاً منها ، والمدخنون القليل منهم من يكفيه أن ينفق في عامه على نحو مائة ريال عماني ، بل منهم من ينفق أكثر من ذلك بكثير بل بعضهم ينفق في كل يوم ريالاً ، ومعنى ذلك أنه ينفق في كل عام أكثر من ثلاثمائة ريال، هذه الثروة كلها يتلفها مع الإضرار بنفسه وتعريضها للقتل، ومع الإضرار بغيره، لأن الدخان الذي ينفره من فيه يضر بمن حوله، فهو يفسد البيئة ويهلك البشر. (1/188)
صفحة 189
نحن نسمع الآن صيحات تتعالى من هنا وهناك عن المحافظة على البيئة ، وكيف يمكن أن تكون المحافظة عليها مع انتشار التدخين وتكاثر المدخنين ؟! كل واحد منهم كأنما فوه فوهة دخان مصنع ، ينفث السموم المردية في صفاء البيئة ، إن ظاهرة التدخين ظاهرة غير حضارية ، ذلك لأن المدخن يضر بالآخرين ضرراً بالغاً ويزعجهم أثناء التدخين وبعده بما يصدر من فيه من رائحة كريهة ، وهذا مما يتنافى مع الأخلاق ، أنا بنفسي عندما أشم رائحة التدخين ولو من بعيد يكاد يتصدع رأسي ، ومثلي في هذا كثير من الناس ، وهذا يعني أن كل واحد من هؤلاء المدخنين يؤذي ما لا يحصى عدداً من الناس ، وهذا الإيذاء متواصل لأنه لا يفتر عن التدخين ، إذ من الصعب عليه أن يتخلص من هذه العادة السيئة بعدما ألفها ، كما يقول الزهاوي في السيجارة:
اتخذتها أمةً فصرت لها عبداً (1/189)
صفحة 190
أي أراد أن يستمتع بها ولكنها استعبدته وصار أسيرها ، وهكذا جميع أسارى هذه العادة السيئة الشائنة ، على أننا نجد النص القرآني في وصف الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام ، أنه يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم(1)، أيستطيع أحد من العقلاء أن يصف الدخان الذي يقتل خمسة ملايين من البشر في كل عام بأنه طيب ؟! ومع ذلك كله فيه من المفاسد ما هو غني عن الشرح ، فهو ينتن الأضراس، ويسبب ضعف الجسم ، وحنجرة المدخن تختلف عن حناجر غيره من الناس ، فبمجرد ما يتنحنح يعرف أنه يدخن، كذلك يضر بما لا يحصى عدداً من الناس برائحته الكريهة ، فمن الذي يمكنه أن يقول إنه ليس من الخبائث . إلا من إيف عقله(2) ، وأظلم تفكيره ، وانقلبت عنده المقاييس رأساً على عقب؟.
__________
(1) قال تعالى: ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) الأعراف:157.
(2) إيف عقله: اصابته آفة أفسدته. (1/190)
صفحة 191
والدخان يظهر أثره على الوجوه ، فإن وجه المدخن مشوه ، ترى عينيه تتميزان بقبح المنظر ، وشفتيه مسودتين، وأضراسه منتنة ، وترى حالاته خارجة عن سنن الفطرة، فهو من كل النواحي يتميز بسوء الحالة ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن لنا أن النعمة يجب أن يحافظ عليها، وأن من لم يحافظ عليها فإن عقابه شديد، إذ يقول تعالى: "ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب "(1) ، والصحة نعمة ، فلا يجوز لأي أحد أن يضر بصحته كما قلنا من قبل ، فكيف يسوغ للمدخن أن يضر بصحته هذا الضرر البالغ ؟! أليس هو من الذين يبدّلون نعمة الله بالإضرار بأنفسهم ؟ ثم بجانب ذلك يضر بماله ، والمال نعمة من الله ، والعبد مسؤول عنه كما علمتم ، فالمدخن إذن هو مبدل لنعمة المال كما أنه مبدل لنعمة العافية.
وسلامة التفكير نعمة من الله ، والمدخن لا يكون فكره سليماً ، لأن التدخين مضر بالعقل كما أنه مضر بالجسم ، وهذا ما تحدث عنه الذين جربوه ، فأحدهم يقول بأنه جرب سيجارة واحدة في يوم من الأيام ، وإذا بنفسه يحس أنه في دوار وحيرة ؛ لأنه لأول مرة يجرب ذلك ، ولكن المدخنين –بسبب الإدمان– لا يحسون بهذا الأثر.
والتدخين أيضاً مضر بالعلاقات بين الناس؛ بما ينشأ عن التدخين من الإيذاء الذي يزعج غير المدخنين، فقلوب الناس تتنكر لهم بسبب هذا الإيذاء، وهذا من الإضرار بنعمة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وتبديلها، لأن حسن الصلات بين الناس من نعم الله، إذ جعل الله الجنس البشري جنساً اجتماعياً يترابط فيما بينه بعلاقات الود وروابط الإحسان.
__________
(1) الآية رقم ( 211 ) من سورة ( البقرة ) . (1/191)
صفحة 192
والمدخن يتأثر من الناحية الجنسية أيضاً ، وهذا مما سبق إليه علماؤنا ، وذكروه من قبل أن يقرره الأطباء ، فإمامنا السالمي(1) رحمه الله يقول:
يفتّر الشهوة في الجماع
وقد قالوا بأن نطف المدخنين ومدمني الخمور تختلف عن نطف الآخرين لتأثير المواد السامة في التبغ والكحول عليها، والأجنة الذين يتكونون من هذه النطف قد يكونون أيضاً أجنة مصابين بالضعف، والتدخين يؤثر على الحوامل أثراً يتبعه التأثير على المواليد أيضاً ، وقد قالوا بأن شرب الخمر قد يؤدي إلى أن تتأثر الذرية ، ثم يتسلسل التأثير في ذريتها من بعد ، وقد يفضي بعد ذلك إلى العقم ، وهذا من تبديل نعمة الله - عَزَّ وَجَلَّ - ، فكل ذلك مما يجب أن يتنبه له ، لأنه داخل في وعيد قوله تعالى: "ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب"(2).
__________
(1) هو عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، ولد في قرية الحوقين (من أعمال الرستاق بعمان) سنة 1286هـ 1869م، علامة زمانه ومرجع الناس في الفتوى، له تصانيف كثيرة في العلوم الشرعية واللغة العربية، منها "معارج الآمال" و"شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع" و"طلعة الشمس" في الأصول و"تحفة الأعيان" في التاريخ وغيرها، توفي سنة 1332هـ 1914م.
(2) الآية رقم ( 211 ) من سورة ( البقرة ) . (1/192)
صفحة 193
والذين يروجون للدخان من خلال الإعلانات ، أو يعرضون هذه الآفة للبيع في متاجرهم ومعارضهم ما هم إلا متسببون في قتل الناس ، فهم يبيعون السم الزعاف أو يروجون له لأجل أن يتدافع الناس إلى ابتياعه لقتل أنفسهم ، فهم يبوءون بوزر كل من شرب الدخان وكل ضرر يترتب على شربه ، ونجد من المفارقات العجيبة والتناقضات الفاضحة في هذا العالم الذي نعايشه ، أن جميع أنظمة العالم اليوم متفقة على محاربة المخدرات ، بينما لا ترى في التدخين وشرب الخمور حرجاً ، بل يعدون شرب الخمور ظاهرة حضارية ، حتى أن الحفلات الراقية –في أعرافهم– هي الحفلات التي تدار فيها كؤوس الخمر ، ويعتقدون أن ذلك من مظاهر المدنية والتقدم ، ولا يدرون أن هذا التقدم إنما هو تقدم إلى الهاوية والجحيم، فهذه من التناقضات العجيبة التي تدفع بهذا العالم المعاصر إلى حافة الهاوية ، كيف يسكت عن التدخين وشرب الخمور ، مع أن ضحايا الخمور في العالم أضعاف ضحايا المخدرات ، وكذلك ضحايا الدخان ، بل قرأت فيما اطلعت عليه من قبل سنين أن ضحايا التدخين عشرة أضعاف ضحايا مرض فقدان المناعة المكتسبة " الإيدز "، وهو أحرى به أن يسمى مرض الفاحشة ، إذ لا ينشأ إلا عن الفاحشة ، ولئن كان هذا العالم يتوجه إلى التوقي من المضار ، ويحافظ على سلامة الأنفس ، ويحرص على التنمية البشرية ؛ فعليه أن تتكاتف جهوده وتتضافر على القضاء على هاتين الظاهرتين الخطيرتين ، ظاهرة الإدمان على الخمر وظاهرة الإدمان على التدخين ، كسعيه إلى القضاء على ظاهرة استعمال المخدرات، فإن خطر الخمر والتدخين لا يقل عن خطر الإدمان على المخدرات، وواعجباً كيف يحكم على تاجر المخدرات بالإعدام ، ويسكت عن فتح المخامر في كل مكان ، وعن استيراد الدخان وبيعه والاتجار فيه واستعماله، فإن هذه المضار يجب على جميع المؤسسات الرسمية بحسب اختلاف تخصصاتها واختصاصاتها أن تحاربها محاربةً لا هوادة فيها ، كما يجب التعاون بين الشعوب (1/193)
صفحة 194
والحكومات على محاربة الفحشاء بجميع صورها والقضاء على جميع المغريات المشجعة عليها.
الشباب والوقت
1- الاعتبار بالوقت:
الحديث في موضوع الشباب ذو شجون ، بسبب ما لهذا القطاع البشري من أهمية كبرى في جميع المجتمعات الإنسانية ، ولذلك كان الشباب مستهدفاً من قبل أصحاب الدعوات المختلفة ، سواءً أكانت دعوات خير أم دعوات شر ، ومما يدركه كل إنسان أن العمر نعمة كبرى أنعم الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بها على الإنسان، بل هذه النعمة في حقيقة الأمر هي وعاء بقية النعم، لأن كل نعمة يفيضها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - على عبده تنصب في هذا الوعاء الكبير وهو عمره ، فلذلك كان الإنسان مسئولاً عن عمره ، وكان من باب أولى مسئولاً عن شبابه ، كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أنه صلوات الله وسلامه عليه قال: "لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة عند ربه حتى يسأل عن خمس، عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وماذا عمل فيما علم"(1) ، فالعمر يسأل عنه الإنسان لأنه نعمة محدودة الأمد سرعان ما تنتهي، فالإنسان مهما طال عمره يعدّ قصيراً بالنظر إلى سرعان انطوائه ، فلو قدرنا أن أحداً عمر مائة عام –وهو أمر قليل ما يحصل بالنسبة لحياة الإنسان– فإن هذه المائة لا تكاد تسوى شيئاً إذا ما نظر الإنسان إلى سرعة انطواء السنين ، فبين العام والعام لحظة ، بل هذه السنون وإن طالت ما هي في حقيقتها إلا لحظات.
على لحظات ينقص العمر مَرُّها
تؤكد آمال البقا وتزيد
ولو أملاً أدركته لم تجد له
وفاءً ولم تصبحك فيه عهود
__________
(1) الترمذي ( 2416 ) . (1/194)
صفحة 195
فلو فكر الإنسان في المناسبات الدورية وسرعة انقضائها لرآها لحظات خاطفة ، فانظر إلى ما بين شهر رمضان في عام وبينه في عام يليه تجد ما بينهما الزمن لا يعدو أن يكون لحظة تمر بالإنسان مراً سريعاً كخيال عابر وحلمٍ سريع ، كذلك عندما ينظر الإنسان إلى مناسبة استقبال عام هجري وإطلال تلك المناسبة من قابل يجد أن الفترة الزمنية التي مرت بين المناسبتين لا تعدو أن تكون لحظة لم يكد يشعر بمرورها ، فكم هي هذه اللحظات وسرعة مرورها ؟ بهذا يتبين ما هو مقدار مائة عام يعيشها الإنسان في هذه الحياة ؟ على أنه لا يدري فقد يفجؤه ريب المنون وهو في ريعان شبابه وزهرة عمره ، فيجفف عوده النضير ، وينقلب إلى خبر كان، لذلك كان على الإنسان أن ينتهز هذه الفرصة ، وأن لا يغتر بهذا العمر فما هو إلا فرصة قصيرة الأمد محدودة اللحظات ، والإنسان لا يمكن أن يتدارك شيئاً من العمر الذي فات ، فإن كل لحظة تمر به تقربه من لقاء الله سبحانه ، فهو في كل لحظة أقرب إلى لقائه منه في اللحظة التي سبقتها ؛ وهذا يعني أنه يكون أقرب إلى القبر وإلى الدار الآخرة منه في أي لحظة مرت به ، ولذلك كان جديراً به أن يحاسب نفسه في كل لحظة ، وأن يستغل كل فرصة، ليكون في كل لحظة أقرب إلى الله سبحانه بحسن العبادة وتمام الطاعة منه في اللحظة التي تقدمتها ، وهذه مظنة الخير للإنسان كما قال الشاعر:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته
على السن خيراً لا يزال يزيد (1/195)
صفحة 196
فإذا كان الإنسان مع تقدم عمره يزداد من الخير والعمل الصالح ؛ ترجى له خاتمة الخير ، أما إن كان يرتكس في الفساد(1) كلما تقدم به العمر ، فإن ذلك أدعى إلى التشاؤم في عاقبة أمره ، وحسب كل أحد أن يرى كيف تتساقط منه هذه الأنفاس المتتابعة ، فهي بمثابة قطرات السقاء الذي حل وكاؤه ، فلا يزال ما فيه يتقاطر حتى ينفد ، ومعنى هذا أن الأنفاس التي يتنفسها الإنسان وهو يجتاز مرحلة هذه الحياة؛ إنما كل نفس منها هو خطوة من خطواته السريعة إلى الدار الآخرة.
ولئن كان العمر مهما طال خيالاً عابراً وطيفاً زائلاً فإن الشباب هو أكثر سرعة وأدنى إلى الزوال لأنه جزء من هذا العمر، والمرء وهو معجب بشبابه لا يكاد يغمض عينيه ويفتحها إلا على شباب ولّى ومشيب مقبل، لذلك كان الناس يبكون شبابهم بعد ما تنطوي صفحته ويذبل عوده، ويتمنون أن لو يعود إليهم مرة أخرى لطيب ذكرياته وغزارة عطائه، ولكن أنى لهم ذلك ولن يعود أمس الدابر؟ وقد أجاد التهامي حيث قال:
شيئان ينقشعان أول وهلةٍ
ظل الشباب وخلة الأشرار
لا حبذا الشيب الوفي وحبذا
ظل الشباب الخائن الغدار
وطرى من الدنيا الشباب وردمه
فإذا مضى فقد انقضت أوطاري
قصرت مسافته وما حسناته
عندي ولا آلاؤه بقصار
__________
(1) يرتكس في الفساد: يقع ويتردد فيه. (1/196)
صفحة 197
وقد اقتضت حكمة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن تكون حياة الإنسان متنقلة ، ما بين الطفولة واليفاع والشباب والكهولة والشيخوخة والهرم ، ومعنى ذلك أنها تنقلب من ضعف إلى قوة ثم إلى ضعف مرة أخرى ، وذلك لحكمة أرادها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لتكون رحمة بالإنسان لئلا يغتر بما يراه في نفسه من قوة وفتوة ، فإن هذه القوة سرعان ما تضمحل ، ولو بقي الإنسان على حالة واحدة لنسي أن له منقلباً يتحول إليه من هذه الدار ، ولكن ما يراه في نفسه وهي تتقلب من حالٍ إلى حال داع له إلى الاعتبار والادكار والإيقان بالمصير المحتوم ، إذ تقلب الأحوال من دواعي الزوال ، وحسب الإنسان أن يفكر في حاله كيف نشأ ضعيفاً ، لا يستطيع أن يدفع أي أذى عن نفسه، لو وقع على عينيه ذباب لما أمكنه ذبه ، أو لحقه أذىً لما استطاع التحايل على التخلص منه ، ثم تتدرج القوة فيه شيئاً فشيئاً حتى تتكامل مع تكامل الشباب ، ثم يأخذ في الانحدار وتلاشي ما أوتي من قوة شيئاً فشيئاً إلى أن يعود كما كان ضعيفاً إن أمهل له في عمره وأنسئ له في أجله ، بل يغدو أضعف مما كان ، لأنه لا ينتقل إلا إلى الأسوأ، فحياته صعود وهبوط كما قال تعالى : "ومن نعمره ننكسه في الخلق " ، وهو مما يدعو الإنسان إلى الاعتبار والاستعبار ، فإن ذلك يدفع به إلى أن يفكر في يومه وغده ، وفي حاضره ومستقبله، وفي حياته ومماته ، وفي دنياه وآخرته ليغتنم الفرص كما جاء في حديث : " اغتنم خمساً قبل خمس .. الخ " ، وليتزود العمل الصالح الذي يقربه إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - زلفى ، وعندما يكون في مرحلة الشباب ، وهي مرحلة القوة والفتوة وهو يفكر كيف يسير به قطار الزمن ، تنبعث همم الخير وعزائم التقوى في نفسه فيحرص على انتهاز فرصة شبابه لعمل الخير والإكثار منه ، وعدم تفويت هذه الفرص فتمر هدراً ، ويدرك الإنسان من خلال النظر في أحوال الشعوب والأمم والمجتمعات قيمة الشباب ، فإنها جميعاً (1/197)
صفحة 198
تقاس بشبابها في رقيها وانحطاطها، وتقدمها وتأخرها ، وصلاحها وفسادها ، واستقامتها واعوجاجها ، فبقدر ما يكون شباب الأمة شباباً صالحاً قوياً موصولاً بالله تعالى تكون تلك الأمة قوية عزيزة منيعة فخورة بما تستمتع به من هذه الطاقات الشبابية ، وبقدر ما يكون بخلاف هذا تكون أمة هزيلة لا وزن لها ولا اعتداد بحياتها.
2- الشباب وقود الدعوات:
ولئن كانت هذه هي ميزة مرحلة الشباب إذ ينضح بهذه الفتوة ويتدفق بهذه القوة، فلا غرو أن يطمع في الشباب كل صاحب مبدأ ، فأصحاب مبادئ الخير يطمعون في الشباب واجتذابهم إلى صفوفهم لأنهم يسعون إلى الخير ، ويريدون أن تكون الأمة التي ينتمون إليها أمة قوية عزيزة كريمة ، فلذلك يؤسسون فيها الخير بإصلاح شبابها ودعوتهم إلى الخير والاستقامة والرشد ، أما أصحاب مبادئ السوء فبما أنهم يسعون دائماً إلى التدمير والإفساد وقتل الأمم وإبادة معنوياتها لذلك يستهدفون الشباب، لتمييعهم وإذابتهم بالشهوات وأنواع المفاسد ؛ ليحققوا من وراء ذلك تمييع الأمة، ونجد أن الشباب أيضاً سرعان ما يتفاعل مع الدعوات التي يستجيب لها ؛ بسبب ما يطفح به من الحماس ، فعندما يهتدي يكون حماسه حماس خير ، وعندما يضل يكون حماسه حماس شر ، ذلك لأنه أسرع انفعالاً بسبب قوة عاطفته فلا يلبث أن يستجيب بسرعة عندما يدعى إلى شيء ، سواء كان ما يدعى إليه خيراً أو شراً ، أما الشيوخ فبسبب برود عاطفتهم وصلابة عودهم ، قلما يتفاعلون مع الدعوات ، إلا بعد أن يكون هنالك تأثير بالغ بقوة إقناع ، وقلما يقلع الإنسان في شيخوخته عن حالة ألفها في شبابه ، وعندما نتأمل ما في كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من أوصاف أهل الخير والصلاح ، كثيراً ما نجدهم يوصفون بالفتوة، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لما ذكر أصحاب الكهف –وقد كانوا متنكرين لما وجدوا عليه قومهم من عبادة غير الله، والانقياد لغير أمره والخضوع لغير عزته - سُبْحَانَهُ (1/198)
صفحة 199
وتَعَالَى -– وصفهم بالفتوة ، فقد قال: "إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى "(1) ، وكذلك حكى الله جل اسمه ما قال قوم إبراهيم وهم يتداولون الحديث في تحطيمه أصنامهم فقال عنهم : " إنا سمعنا فتى بذكرهم يقال له إبراهيم"(2)، وكذلك قال الله - عَزَّ وَجَلَّ - في عبده يحيى بن زكريا عليهما السلام : "وآتيناه الحكم صبيا "(3) ، وهذا يعني أن الذين تفاعلوا مع الخير، وقاموا بواجبهم في ذلك ، كان أكثرهم في مرحلة الشباب في بداية قيامهم بهذا الأمر.
__________
(1) الآية رقم ( 13 ) من سورة ( الكهف ) .
(2) الآية رقم ( 60 ) من سورة ( الأنبياء ) .
(3) الآية رقم ( 12 ) من سورة ( مريم ) . (1/199)
صفحة 200
وكذلك كان الأمر في عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقد استجاب له الشباب أكثر مما استجاب له الشيب ، وكان الشاب يتعرض لأذى أبويه أحياناً ، ولتنكر مجتمعه، ولسخط بيئته عليه ، ولكنه لا يبالي بذلك في سبيل الحق الذي آمن به واتبعه ، وأخذ الناس يدخلون في دين الله أرسالاً ، وكان معظمهم من جيل الشباب، والرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُني بأولئك عناية بالغة ، فكان يربيهم على العقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة والسلوك القويم ، ولذلك كانوا خير أمة أُخرجت للناس، ناهيكم ما وصفوا به في كتاب الله في آيات كثيرة ، منها قوله - عَزَّ وَجَلَّ - : " مُحَمَّد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطئه فآرزه فاستغلظ على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيما"(1)، ومثل هذا وصف الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لهم بقوله : " للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ، والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون "(2) ، ويقول سبحانه فيهم : " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه "(3)، وفي هذا ما يدل على أن ذلك الجيل من الشباب الذي تربى في مهاد الوحي ، وعلى يدي نبي هذه الأمة عليه أفضل الصلاة والسلام ؛ كان جيلاً
__________
(1) الآية رقم ( 29 ) من سورة ( الفتح ) .
(2) الآية رقم ( 9 ) من سورة ( الحشر ) .
(3) الآية رقم ( 100 ) من سورة ( التوبة ) . (1/200)
صفحة 201
قوياً في إيمانه ، صالحاً في عبادته وأعماله ، مستمسكاً بحبل الله القوي ، فهم أسوة لشباب هذه الأمة إذ لم يكونوا شباباً يسعى وراء الشهوات ، ولا ينقاد للرغبات ، وإنما كان شباباً طموحاً إلى الخير ازدحم في قلبه الخوف والرجاء من الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فلذلك صلحت نيته وعمله ، وصفت سريرته واستقامت علانيته ، فكان في جميع أحواله نسخة من كتاب الله سبحانه ، الذي هو هدى للمتقين ، وهدى ورحمةً للمحسنين ، وهدى وبشرى للمؤمنين ، وما هذا إلا لأن هذه الفئة من الشباب انعكست عليها أخلاق القرآن ومُثله وقيمه ، فكان كل واحد منهم تجسيداً لمبادئ القرآن الكريم ، وعندما انطلقوا في أرجاء الأرض كانوا كأنما كل واحدٍ منهم رسول إلى أمة يدعوها إلى الخير، ويأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر ، ولم يكن له همّ بهذه الدنيا وما فيها ، وإنما كان كل همّه إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد تساوى في موازينهم التبر والتراب ، وتعادل في نفوسهم العذب والعذاب ، ولذلك استهانوا بكل ما كانوا يلقونه من شدائد في سبيل نشر دعوة الحق ، إذ كانوا مستميتين في سبيل ذلك ؛ لا يبالي أحدهم أن تذهب روحه فداء الحق رخيصة من أجل إعلاء كلمة الله سبحانه ، غير مبال بأن يخسر شبابه وعمره كله في سبيل الله ، إذ كل الرغبة أن تقام موازين القسط في الأرض فتقام الصلاة وتؤدى الزكاة ، ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وكانوا كل مطمحهم أن يفوزوا برضوان الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وينقلبوا إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض. (1/201)
صفحة 202
ولقد أعجب الناس حتى أعداؤهم بهذا السلوك القويم الذي كانوا متمسكين به في نهج الحياة ، فانطلقت ألسنة الأعداء تكيل لهم الثناء والمدح ، وذلك مما بهرهم من صفاتهم وأخلاقهم ومثلهم ، حتى أن هرقل عاهل الروم عندما اجتمع بقادة جيشه لدراسة أسباب الهزيمة التي مُني بها هذا الجيش ، وهو جيش كان قد انتصر عما قريب على أكبر إمبراطورية في الدنيا وهي إمبراطورية فارس ، وقد أخذ يتقهقر إلى الخلف أمام هذا الزحف الشبابي الصالح من جيل الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الذي رباه على الإيمان والهدى ، سأل هرقل قادة جيشه عن صفات هؤلاء الناس الذين جعلوهم يتقهقرون في ميادين المعركة مدحورين مقهورين مع تفوقهم في التدريبات العسكرية وقوة عتادهم وسلاحهم وكثرتهم الكاثرة ، فقال أحد أولئك القادة: هم رهبان بالليل وفرسان بالنهار ، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ، ولا يدخلون إلا بسلام ، يقضون على من حاربوا حتى يأتوا عليه(1). وقال آخر: أما الليل فرهبان وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويروونها ويثقفون القنا ، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر(2).
__________
(1) البداية والنهاية لابن كثير ج4 ص52، الجامع الأكبر، العريس للكمبيوتر.
(2) البداية والنهاية لابن كثير ج4 ص4، الجامع الأكبر، العريس للكمبيوتر. (1/202)
صفحة 203
وهذا يعني أن ذلك الشباب قد تحرر من العبودية للدنيا وخلصت عبوديته لربه سبحانه فانقادت له شهواته ولم ينقد لها واستسلمت له رغباته ولم يستسلم لها فما كان من الدنيا إلا أن انقادت لهم خاضعة ذليلة فأخضعوها لحكم الله لا لهوى نفوسهم، إذ كل رغبتهم في الحياة إنما هي نصرة دين الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وأن يصدع بأمر الله في هذه الأرض، لذلك لم يقفوا حتى وضعوا أقدامهم على هامات الجبارين وتيجان المستكبرين، فاستولوا على ممالك كسرى وقيصر ، وعندما فتحت هذه الممالك ، ورأوا ما رأوا من متاع الحياة الدنيا ، لم يسل لعابهم على شيء من ذلك ، وإنما كل ما كان يسعون إليه هو أن تعلو كلمة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في الأرض ، وأن تسفل كلمة الكفر حتى يكون الدين لله وحده ، وحاول أعداء الإسلام أن يساوموهم ليتراجعوا عن شيء مما هم فيه ، ولكن أنّى ذلك وقد رسخ الإيمان في قلوبهم ؟ فقد حاولوا أن يغروهم بما يتمتعون به من متع الحياة الدنيا وأن يساوموهم على مبادئهم ، ولكنهم باؤا بالفشل وأخفقوا في محاولاتهم ، فقد حاول رستم قائد جيش فارس أن يساوم الجيش الإسلامي ، وطلب من القائد سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن يرسل إليه من يفاوضه ، فأرسل إليه ربعي بن عامر ومعه عشرون راكباً من المسلمين ، وكانت عليهم أسمال بالية ، ولما وصلوا إلى رستم القائد الفارسي وجدوا ما يخيل إليه أنهم تستطير ألبابهم منه ، فقد استقبلهم في مظاهر الفخر والخيلاء ، إذ بسط البسط المطرزة بخيوط الذهب ، وصفف الكراسي الذهبية المنمقة بالأحجار الكريمة ، وصفف النمارق المطرزة بالذهب ، وكل ذلك لم يسل لعابهم من أجله ولم يمتد نظرهم إليه، بل كان جواب ربعي بن عامر لرستم ينم عن احتقاره للحالة التي وجدها عند رستم واستهجانه لما فعل وذلك عندما سأله : ما الذي جاء بكم ؟ فقال له : إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن جور الأديان (1/203)
صفحة 204
إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة(1).
وهكذا مضى ذلك الجيل الذي تربى في عهد الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على القرآن الكريم والطريق المستقيم والعقيدة الراسخة والعبادة الخالصة لوجه الله ، وقد قدم أغلى ما يملك في سبيل نشر هذه الدعوة ، إذ قدم ضريبة الدمع والدم والنفس والنفيس من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا ، والذين استمروا على طريقتهم ونهجوا نهجهم من بعد ؛ ما كان شبابهم أيضاً إلا من جنس أولئك الشباب الصالحين ، فعندما استولت الشهوات على هذه الأمة –شيبها وشبابها وتهافتوا عليها تهافت الفراش على لهيب النار– كان أهل الحق والاستقامة على نفس ذلك النهج الذي كان عليه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه رضي الله تعالى عنهم ، لم تستفزهم الدنيا ببريقها ولم تختلبهم بزهرتها ، وإنما كانوا ينظرون إليها كما ينظر أحدنا إلى الجيفة الملقاة المنتنة المتعفنة وقد اجتمع حولها الذباب ، فهذا أبو حمزة الشاري(2) رحمه الله يدافع عن أصحابه ، عندما عُيّر بهم أنهم من جنس الشباب ، وقد هزأ بهم الهازئون وسخر منهم الساخرون ، فقال : ( يا أهل المدينة تعيرونني بأصحابي، تزعمون أنهم شباب ، وهل كان أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا شباباً؟ نعم شباب والله مكتهلون في شبابهم ، غضيضة عن الحرام أعينهم، بطيئة عن الشر أقدامهم ، أنضاء(3) عبادة وأطلاح(4) سهر، موصول كلالهم بكلالهم(5)، وقيام ليلهم بصيام نهارهم ، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وأرجلهم من طول السجود، مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من كثرة القيام وطول
__________
(1) البداية والنهاية لابن كثير ج4 ص37، الجامع الأكبر، العريس للكمبيوتر.
(2) أبو حمزة الشاري:
(3) النِّضو: المهزول، والمقصود هنا أن اجسادهم هزلت من كثرة العبادة.
(4) أطلاح: منهكون، والمقصود أن السهر في العبادة أنهكهم وأهزلهم.
(5) الكلال: الإعياء والتعب. (1/204)
صفحة 205
الصيام ، لقد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن ، إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها ، وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقةً كأن زفير جهنم في أذنيه، مستقلون ذلك في جنب الله ، مستنجزون لوعد الله ، حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوقت ورماحه قد أشرعت وسيوفه قد انتضيت ، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت ، استهانوا بوعيد الكتيبة لوعد الله ، فلقوا شائك الأسنة وحد السيوف بوجوههم وصدورهم ونحورهم ، ومضى الشاب هنالك قدماً حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه فخر صريعاً في الثرى ، ورملت(1) محاسن وجهه بالدماء، فأسرعت إليه سباع الأرض ، وانحط إليه طير السماء ، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله ، وكم من يد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده لله ، وكم من خد عتيق(2) قد فلق بالحديد ، فرحم الله تلك الأبدان، وأدخل أرواحهم الجنان)(3)، هذا هو منهج السلف الصالح وهذه هي سيرة شبابهم الذين عضوا بنواجذهم على ما ورثوه من نبيهم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ومن أسلافهم السابقين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
3- تربية الشباب على المعالي:
__________
(1) ترمل: تضرج وتلطخ.
(2) العتيق: الجميل الحسن.
(3) خطبة مشهورة جداً، ذكرها المؤرخون وأهل الأدب من مختلف فرق الأمة، انظر الجامع الأكبر للتراث الإسلامي، العريس للكمبيوتر. (1/205)
صفحة 206
يجدر بهذه الأمة –وهي تحرص على استقامة أمورها وانتظام شملها وتألقها بين الأمم– أن تحرص على تربية شبابها على المنهج الذي كان عليه السلف الصالح ، وألا تفرط في شيء من ذلك ، ويجدر بالشباب أنفسهم أن يسعوا السعي الحثيث إلى هذا الخير، وما ذلك إلا بأن يحرصوا أن يكونوا شباب القرآن لا شباب الموسيقى ، وشباب المسجد لا شباب المسرح والسينما ، وشباب عبادة لا شباب شهوات، عليهم أن يكونوا مندفعين في هذا المنهج الرشيد، وأن يستغلوا هذه الفرصة الثمينة ؛ فرصة العمر، وفرصة الشباب الذي هو ريعان العمر وزهرته ونضرته ، والمرحلة الذهبية منه، عليهم أن يستغلوا هذه الفرصة وأن يصححوا عقيدتهم ؛ بحيث يكون اتجاههم إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وحده، وخوفهم ورجاؤهم منه تعالى وحده ، وثقتهم به وحده، ورغبتهم في الدار الآخرة التي أعدها للمتقين ، فقد قال عز من قائل : "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين"(1)، وقال: "وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السرءا والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين، والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون "(2) ، وقال فيهم : " فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون "(3) ، وعليهم أن يمدوا هذه العقيدة بمدد يذكي جذوتها ويزيد من طاقتها وذلك بحسن العبادة لربهم سبحانه؛ فيحرصوا على أداء العبادات المفروضة عليهم وعلى التقرب إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بأنواع الطاعات وأصناف القربات ؛ ليكون في ذلك ما يزيدهم قرباً من الله - سُبْحَانَهُ
__________
(1) الآية رقم ( 83 ) من سورة ( القصص ) .
(2) الآية رقم ( 134 ) من سورة ( آل عمران ) .
(3) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( السجدة ) . (1/206)
صفحة 207
وتَعَالَى -، كما أن عليهم أن يكونوا مجسدين لما في القرآن الكريم من الأخلاق الفاضلة، فإنها هي موازين الناس التي تعرف بها قيمهم، وبقدر ما يتحلى الإنسان من هذه الأخلاق الكريمة يكون أقرب إلى الله وإلى قلوب عباده، فالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ميزه الله تعالى إذ وصفه بقوله: "وإنك لعلى خلقٍ عظيم"(1)، لهذا كانت مكارم الأخلاق محور رسالته عليه الصلاة والسلام كما أعلن ذلك بنفسه حيث قال: "بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"(2) ، ومما يجب على الشباب المسلم أن يكون طموحاً إلى الخير؛ وذلك بأن يسعى دائماً إلى هداية الناس إلى الخير ، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتحلي بجميع الفضائل ، والابتعاد عن جميع الرذائل ، وعليه أن يضحي في هذا السبيل بكل ما يملك من قوة وثروة وفكر ، لأجل أن يكون شاكراً لنعمة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - التي أسبغها عليه.
__________
(1) الآية رقم ( 4 ) من سورة ( القلم ) .
(2) البيهقي ( 20571 ) . (1/207)
صفحة 208
وكذلك على جيل الشباب أن يسعى دائماً إلى تحصيل العلم، فالعلم كله خير، والجهل كله شر، وعلمك بالشيء خيرٌ من جهلك به، فلأن تعلم الشيء خير من أن تجهله، حتى الشر ينبغي للإنسان أن يعلم أنه شر فيتقيه، فالعلوم الإنسانية على اختلافها فيها خير كثير لمن أحسن استغلالها، ذلك لأن أود الحياة لا يستقيم إلا بالعلم، وهي تتفاوت بقدر عطائها، فبقدر ما يكون العلم أغزر فائدة يكون أوفر قيمة وأعظم قدراً، ومن أجل ذلك كانت العلوم التي تصلح النفس البشرية، بتعريفها بالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وحقه على عباده، وكيف يتعامل الفرد مع بني جنسه، هي أعظم نفعاً وأرفع قيمةً وأكبر قدراً، فيجب على الشباب أن يتزودوا من كل علم بما ينفع، وأن يكونوا أكثر حرصاً على التفقه في دين الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، وألا يضيعوا الوقت في اللهو والقيل والقال ، وفي الجدال فيما لا يجدي ولا ينفع ، بل علي الشباب أن يسعى دائماً إلى المكرمات ، وأن يستغل فرصة الوقت لأجل تحقيقها ، وأن يكون مخلصاً لربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فلا قيمة للعمل مهما كان إلا بالإخلاص فهو روح العمل وحياته ، ولذلك قال - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين "(1) ، وقال: "فاعبدوا الله مخلصين له الدين ألا لله الدين الخالص "(2) ، وقال : " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً "(3) ، فعلى كل أحد سواء كان من الشباب أو غيرهم أن يتحرى الإخلاص لله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، وأن يزن الأمور كلها بموازين العقل ، ثم لابد من البعد عن سفاسف الأمور ، كالخمر والتدخين وأنواع الفسوق والفجور وجميع المهلكات ، فإن كل أحد مسئول عن نفسه وليس بأمين عليها إن أرادها بأمثال هذه المعاطب.
__________
(1) الآية رقم ( 5 ) من سورة ( البينة ) .
(2) الآية رقم ( 3 ) من سورة ( الزمر ) .
(3) الآية رقم ( 110 ) من سورة ( الكهف ) . (1/208)
صفحة 209
هذا وإن من أخطر المعاطب والمهلكات الغرور فإنه يعمي البصيرة ويذهب بالعقل، وكم من خسارة فادحة رزئى بها المرء بسبب غروره، فقد يخسر كلا حياتيه؛ دنياه وآخرته، كالذي نسمعه ونشاهده من كثير من الشباب الذين امتلكهم الغرور حتى لم يعرفوا قيمة لهذه الحياة ، فارتكبوا حماقات في قيادة المركبات أودت بحياتهم ، فكم هي حوادث السير التي تقع هنا وهناك تحصد الأرواح حصداً وتزهق أرواح الرجال والنساء والصغار والكبار ، مع أن الإنسان مسئول عن نفسه كما جاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يسأل عن عمره فيم أفناه "(1) والعمر –كما قلت– هو الوعاء لجميع نعم الله تعالى على العبد إذ هو النعمة الكبرى ، فإذا قضى الإنسان على عمره قضى على هذه النعم كلها، واستحق بذلك العذاب الشديد يوم القيامة ، فقد قال الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : " لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ، ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرا "(2) ، وقال : " ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب "(3) ، وجاء الحديث الصحيح عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مشدداً في هذا الأمر ، فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام : " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا ، ومن رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومن شرب سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه يوم القيامة في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً "(4) ، وقد جمع هذا الذي لا يبالي إن كان على المقود إن أصيب أو أصاب بين نحره لغيره وانتحاره بنفسه ، فيستحق هذا العقاب الشديد الذي توعد الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) الآية رقم ( 30 ) من سورة ( النساء ) .
(3) الآية رقم ( 211 ) من سورة ( البقرة ) .
(4) البخاري ( 5442 ) ، مسلم ( 109 ) . (1/209)
صفحة 210
به الذين يقتلون أنفسهم ، كما يستحق العقاب الذي توعده الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من قتل مؤمناً بغير حق ، فقد قال - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً "(1) ، فأي أمر أعظم وأخطر من أمر يجمع بين هذين الوعيدين الشديدين؟ أن يسرع الإنسان في السير بالمركبة سرعةً مذهلة ، بحيث لا يملك وقفها إن اقتضى الأمر ذلك عندما يطرأ طارئ ، فهو متعمد في هذه الحالة لقتل غيره وقتل نفسه ، فهو هالك بكلا الأمرين ، وليس سباقه هذا إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض إنما سباقه إلى النار وبئس القرار ، فعلى الشباب أن يتفطن لذلك ، وأن يحافظ على حياته لئلا يخسر حياته الدنيا والآخرة ، فيخسر شبابه ، ويخسر عمره كله ، ثم بجانب ذلك يخسر الدار الآخرة فيكون خالداً مخلداً في النار ، إنما على الشباب أن يتقي الله في نفسه وغيره ، وعلى كل من يمسك بمقود السيارة أن يتقي الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فيما ائتمنه عليه ، وألا يبدل نعمة الله التي أسبغها عليه.
هذا وتعاطي الخمور والدخان والمخدرات من أخطر ما يهدد حياة الشباب، وضحاياها بلغت أرقاماً هائلة ، بل ضحايا التدخين في العالم بلغت في كل عام خمسة ملايين، وهو يؤدي إلى خسران المال مع خسران الأعمار والصحة ، فالذي ينفق على الدخان في كل عام بلغ مقداره مائتين وخمسين ألف مليار ، فلننظر إلى هذه النفقات كم كانت تغني من الفقراء لو أطعم بها الجياع ؟ فعلى الناس أن يتقوا ربهم فيما ائتمنهم عليه من مال وصحة وعمر ، وعلى الشباب أن يحذر مكائد السوء من قبل أعداء الإسلام، الذين يسعون دائماً إلى تدمير هذا القطاع من البشر، ويسعون إلى جعل الشباب شباباً شهوانياً لا هم لهم إلا في شهواتهم ، فلا يسعى إلى معالي الأمور ولا يترفع عن سفاسفها.
الحقوق في الإسلام
__________
(1) النساء/93. (1/210)
صفحة 211
حقوق الإنسان(1)
1- حق الله انسجام مع الفطرة:
إن الإسلام الحق هو دين الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الذي اختاره منذ خلق السموات والأرض؛ ليكون صلة بينه وبين عباده ، وصلة بين العباد أنفسهم ، وصلة بين الإنسان والكون الذي أسلم أمره لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فالإسلام هو استجابة ممن أسلم لداعي الفطرة الذي ينبعث من أعماق نفسه ، وهو يشعر بحاجته إلى مبدئ الوجود، وإلى التفاعل مع نظام هذا الكون الذي أسلم لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، إن الإسلام الحنيف أعطى كل ذي حقٍ حقه، فهو يرعى الحقوق الشرعية التي جعلها الله تعالى معقد الارتباط بين الناس لذلك ينوء بها الإنسان وقد حملها على كاهله ، وهذه الحقوق متنوعة ومتفاوتة بتفاوت ما لأهلها من شأن ، وأعظم حق يجب على الإنسان هو حق الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، فإن لله تعالى على عبده حقوقاً عظيمة تربو على جميع الحقوق ، لأنه خلقه فسواه ، وأفاض عليه فيوضاً من صنوف النعم ، ومنَّ عليه بأن فضله على غيره من مخلوقاته ، ورفع قدره وأعلى شأنه ، ووهبه التمكين في الأرض ، فالله سبحانه اختار الإنسان من بين سائر الكائنات لأن يكون خليفة في الأرض ، يقول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " وهو الذي جعلكم خلائف الأرض"(2)، ويقول : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ، وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون"(3)
__________
(1) لسماحة الشيخ المفتي رسالة بعنوان "الحقوق في الإسلام" نشر مؤسسة الأجيال.
(2) الآية رقم ( 39 ) من سورة ( فاطر ) .
(3) الآية رقم ( 30 ) من سورة ( البقرة ) . (1/211)
صفحة 212
وقد أمر الله تعالى عباده أن يعبدوه ، فقد قال سبحانه : " يا أيها الناس اعبدوا ربكم "(1) ، وأتبع ذلك تذكيرهم بعظيم نعمه التي تستوجب منهم حسن عبادته حيث قال : " الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ، الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون "(2) ، وأثار عجبهم من حالهم عندما يكفرون وهم يسبحون في خضم نعمه " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ، هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم"(3).
__________
(1) الآية رقم ( 21 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 21 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الآية رقم ( 28 ) من سورة ( البقرة ) . (1/212)
صفحة 213
إن مشاهدة الإنسان لهذه النعمة العظيمة التي يسبح في عبابها المتلاطم ، وتحيط به من كل جوانبه ، فهي تملأ وجوده وتملأ ما حوله ، تفرض عليه أن يطيع الله ولا يعصيه، ويوحده ولا يشرك به ، ويعبده ولا يجحده ، ويتقيه ولا يتجرأ على محارمه ، فحق الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الطاعة المطلقة من هذا العبد في كل تصرفاته وأعماله ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لم يخلق الإنسان هملاً ، ولم يتركه سدى ، بل ناط به أمانة الخلافة في الأرض، والخلافة هي تكليف وتشريف معاً ، فكما أنها هبة من الله اختص بها الإنسان ، هي أيضاً مسئولية يتحمل أوزارها ، ولا يمكن أن يقوم بواجباتها إلا عندما يكون على صلة بربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ؛ لذلك شرع الله - عَزَّ وَجَلَّ - العبادات إذكاءً لجذوة العقيدة في نفس الإنسان ، وتمتيناً لحبال الصلة بينه وبين ربه، وتقوية للعلاقات بينه وبين الناس وسائر الخلق ، هذه الصلة جعلها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أمراً ضرورياً ، من حيث إن لكل عبادة من العبادات أثراً بالغاً في نفس الإنسان وفي تعامله مع غيره ، وفي الانسجام التام بين جوانب الحقيقة الإنسانية نفسها ، فإن الإنسان تتفاعل حركاته الاختيارية والاضطرارية ؛ أي الكسبية والفطرية ، تفاعلاً منسجماً عندما يقوم بالعبادة على وجهها المشروع ، كما أنها أيضاً تؤدي إلى تفاعل حركته مع نظام الكون الذي يسبح كل شيء منه بحمد الله ، ويسجد كل ما فيه لجلاله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فالعبادة أمر ضروري بالنسبة إلى هذا الإنسان ، وكذلك الطاعة في سائر الأعمال والتصرفات ، على أن هذه الطاعة التي يعبر عنها بالتقوى –لأن بها اتقاء سخط الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بفعل أوامره واجتناب نواهيه– هي ميزان التفاضل بين الناس ، فإن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ليس بينه وبين أحدٍ من خلقه نسب أو سبب ، إلا هذا السبب الوحيد وهو التقوى، وهو ما بيّنه قوله سبحانه (1/213)
صفحة 214
: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليمٌ خبير "(1) ، فلا وزن للأنساب والأحساب والمناصب والمراتب والسمات والألوان والمزايا الحسية والمعنوية التي تفرق بين الناس ، وإنما الوزن للتقوى ، فبقدر ما يكون الإنسان متقياً لربه مطيعاً له في أمره ونهيه يكون أثقل وزناً وأعظم قدراً وأرفع مكانة ، وبقدر ما يكون أقل تقى وأفسد عملاً يكون طائش الكفة في الميزان مبخوس القدر وضيع الرتبة.
2- الحقوق الأولية للإنسان:
__________
(1) الآية رقم ( 13 ) من سورة ( الحجرات ) . (1/214)
صفحة 215
الإنسان أحوج الكائنات إلى الرعاية البالغة من قبل جنسه ، فلذلك تتضاعف حقوق الإنسان على الإنسان بقدر ما تكون هذه الحاجة ، وتتنوع بتنوع الصلات التي تشد الناس بعضهم إلى بعض ، فالإنسان كما ذكرنا هو كائن اصطفاه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لأن يكون خليفة في الأرض ، وجعله مع ذلك قطباً في الكون يدور عليه نظامه، فكل ما في الكون جعله الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - منسجماً مع ضرورات الإنسان ومتطلبات حياته، فللأرض التي هي قراره طبع ينسجم مع طبعه ، والأجرام الكونية على اختلافها وتنوعها منسجمة تمام الانسجام في طبيعتها وحركاتها مع طبيعة الإنسان، وهذا الذي يذكرنا الله - عَزَّ وَجَلَّ - به عندما يقول : " الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم "(1) ، فالكون كله متفاعل مع هذا الإنسان في حاجاته وضروراته وحركاته الفطرية ، وهذا تكريم بالغ من الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لهذا الكائن الضعيف ، ثم بجانب ذلك هنالك الكثير من الصفات التي اختص بها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - هذا الكائن دون غيره ، فقد آتاه من الملكات الظاهرة والباطنة الفطرية والكسبية ما يهيئه لأن يقود الحياة في الأرض ، وأن يسود الكائنات الموجودة فيها فيسير بها سيراً يتفق مع ضرورته وحاجاته ، ويلبي طلباته ورغباته، ذلك كله من فضل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عليه ، وقد جاء التذكير بذلك والامتنان عليه في قوله - عَزَّ وَجَلَّ - : " هو الذي خلق لكم الأرض جميعاً "(2) ، وقوله: "وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه"(3).
__________
(1) الآية رقم ( 22 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 29 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الآية رقم ( 13 ) من سورة ( الجاثية ) . (1/215)
صفحة 216
وفي المقابل أيضاً جعله الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - متصفاً بصفات شتى تدل على نقصه وتشي(1) بضعفه وعجزه ، فضرورة الإنسان أشد من ضرورات غيره ، إذ كل كائن آخر من هذه الكائنات التي نراها لا يضطر بقدر ما يضطر الإنسان إلى الرعاية وإلى ضرورات الحياة الأخرى ، فقد جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - حياة الإنسان حياة عجيبة من نوعها ، فهو محتاج إلى كل ما في هذا الكون ، كما أنه محتاج الحاجة البالغة من بني جنسه ، وإن كانت هذه الحاجة أمراً مشتركاً بينه وبين غيره ، إلا أن نصيبه منها أوفر، فنجد أن الكائنات الحية الأخرى حاجتها إلى الرعاية لا تعدو حاجة نسبية محدودة، أما حاجة الإنسان إليها فهي حاجة مطلقة لا تقف عند حد معين ، فلا يكاد الإنسان يستغني في أي حال عن بني جنسه ، وأما الحيوان فيمكنه أن يعيش بعيداً عن بني جنسه ، فكم تجد فرداً من جنس الحيوانات منقطعاً عن غيره ، أو يعيش مع الإنسان مسخراً له ، ومع ذلك تكون عيشته طبيعية ليس فيها شيء من النكد والتعب كما لو انقطع الإنسان عن بني جنسه ، ويبرز الفرق بين الإنسان والحيوان في هذا أنك تجد الإنسان في مرحلة الطفولة أحوج ما يكون إلى الرعاية ، فهو بحاجة بالغة إلى رعاية فائقة من قبل أمه وأبيه وأسرته ، ذلك لأن الطفل البشري يكون عندما يولد أكثر جهلاً وأعظم عجزاً عن القيام بمصالحه وضروراته ، فهو لا يفقه شيئاً قط كما يقول - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -: " والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً "(2) ، ولا يدرك كيف يتصرف ، لو لم تكن أمه ترعاه وتُلقمه ثديها لما أمكنه أن يلتقم الثدي بنفسه ليحيى نفسه بما جعل الله فيه من اللبن ، بخلاف المولود من جنس الحيوانات الأخرى فإنه يهتدي إلى التقام الثدي بنفسه ، والطفل يعيش أيضاً فترة أطول عاجزاً عن الحركة ، وإنما قصارى ما يستطيعه هو أن يحرك يديه ورجليه تحريكاً
__________
(1) تشي: تظهر وتكشف.
(2) الآية رقم ( 78 ) من سورة ( النحل ) . (1/216)
صفحة 217
محدوداً ، فلا يمكنه أن ينقلب من جنب إلى جنب أو من بطن إلى ظهر بنفسه ، والصغير من الحيوانات لا يكون بحاجة إلى مثل هذه الرعاية ، فهو يستطيع الحركة بنفسه ويلهم منذ بداية نموه أن يتقي المضار ويجتلب المنافع بنفسه.
ثم إن الطفل يبقى فترة من الوقت عاجزاً عن الجلوس حتى يشتد عوده ولابد عندئذٍ من تدريبه عليه ، ثم يتدرج في حركاته حتى يقوى على الحبو ، ثم الوقوف ، ثم المشي ، وهكذا تتنامى قدرات الإنسان شيئاً فشيئاً على مهل ، بخلاف قدرات الحيوانات فإنها تتنامى بسرعة ، كل ذلك من مظاهر الضعف والحاجة في الإنسان، ثم يبقى دائماً بحاجة إلى الرعاية الصحية ، فهو منذ أن يولد إلى أن يغادر الحياة لا ينفك بحاجة إلى هذه الرعاية ، والحيوانات بخلاف ذلك ؛ فإن مرضها أقل من مرض الإنسان، وشفاءها أسرع وأيسر من شفائه، ومع هذا كله فإنه أشد تأثراً بكل طارئ يطرأ عليه، فعندما يصطدم بموجة حرارية يكون أشد تأثراً بالحر ، وعندما يصاب بنوبة برد يكون أشد تأثراً بها ، فهو أقل صبراً على الحر والبرد وأضعف مقاومة لهما ، كما أن مقاومته لجميع الأحوال الطبيعية أضعف ، فلا يحتمل التعرض للمطر والرياح كما يتحمل الحيوان ، ومن مظاهر الضعف في الإنسان انزعاجه بكل أذى يأتيه حتى من أدق الكائنات ، فهو بحاجة إلى أن يتقي الأذى من الزواحف والحشرات ، ناهيك أنه تؤرقه لسعة البعوض فضلاً عما فوقها من العقارب والحيات ، وهو دائماً محتاج إلى الدثار واللباس وإلى ما يقيه لفح الحر.
كما أنه بحاجة إلى الإستياك والطيب والزينة كل ذلك من أجل تكميل نواقصه وسد خلله وستر سوآته. (1/217)
صفحة 218
وقد جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - قدرات الناس متفاوتة تفاوتاً لا نظير له في أجناس الكائنات الأخرى بأسرها ، إذ لا يقف عند حدّ في الإنسان سواء كانت هذه القدرات ظاهرة أو باطنة ، ولذلك كان الجنس البشري بحاجة إلى أن يتكامل بسد كل أحد ما في غيره من النواقص ، فالملكات الحسية والمعنوية نجد التباين فيها بين الناس تبايناً مطلقاً، وكذلك المواهب الكسبية والفطرية ، فالصحة والطاقات البدنية والذهنية؛ تفاوتهم فيها تفاوتاً بيّناً، وأيضاً هذه الطاقات قد يمنح أحد ما فيها تفوقاً في ناحية مع إخفاقه في النواحي الأخرى ، فنجد الإنسان قد تتفتح قدراته الذهنية في أمر ما ، مع انغلاقها في الأمور الأخرى ، هذا كله من أجل إثبات عجز الإنسان ، حتى لا يغتر بما أوتيه من هذه المواهب ، ولأجل أن يكون دائماً منسجماً مع غيره ، شاعراً أنه محتاج إلى أن يتعايش مع بني جنسه ، وأنه لا يستقل بمصالحه دونهم، فلا يمكن لأي إنسان كان أن يستقل بمصالحه، لأن الله تعالى طبع البشر على الاجتماع في شئون الحياة ليعيشوا عيشة مدنية، وقد حمل بعض المفسرين على هذا المعنى قول الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : " كان الناس أمة واحدة "(1) فالناس أمة واحدة من حيث التكامل بينهم في مصالح الحياة، إذ إن كل واحد منهم يشعر أنه محتاج إلى غيره مهما كانت مواهبه وقدراته(2).
3- الحقوق الاجتماعية:
__________
(1) الآية رقم ( 213 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) قلت: وعلى هذا المبدأ يجب أن يركب المسلمون حياتهم، فيتجاوزوا الفردية إلى المؤسسة في كل شيء، سواء في أمور حياتهم العملية أو التنظيرية، وسواء تعلق الأمر بالسياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو التعليم أو الافتاء وغير ذلك، وقد وقفت كثيراً على دعوات سماحته إلى التكامل في البناء المؤسسي للمسلمين، وإنما علينا أن ننزل بذلك إلى أرض الواقع. (1/218)
صفحة 219
ضرورة الإنسان إلى الحياة الاجتماعية جعلت نوعي الجنس ينجذب كل واحد منهما إلى الآخر انجذاباً فطرياً يفوق ما يكون بين أنواع الأجناس الحية الأخرى ، لذلك كان ميل الذكر من جنس البشر إلى الأنثى والأنثى إلى الذكر أكثر بكثير مما أودع في طبعهما من قدرة على قضاء وطر الاتصال بينهما ، بينما جعل شهوات الحيوانات بقدر طاقاتها ، وهذا من أجل أن تكون حياته حياة مدنية ، لا أن تكون وحشية بحيث يكتفي كل واحد من الجنسين بمجرد ما يقضي وطره من الجنس الآخر ولا يلتفت بعد ذلك إليه. (1/219)
صفحة 220
وقد ذكرنا؛ أن الذكر من الأجناس الحيوانية قليلاً ما يكون معنياً برعاية الأولاد، بخلاف الجنس البشري فإن الأم تجد نفسها مضطرة اضطراراً بالغاً إلى عون الأب لها في رعاية الأولاد والوقوف بجانبها في تربيتهم ، حتى ينشأوا نشأة طبيعية ، فالأم تشتغل بالرعاية التي تنسجم مع فطرتها ، فهي مكلفة بحضانة الأولاد وإرضاعهم وتربيتهم ، أما توفير ما يحتاجون إليه من النفقة فهو من مسئولية الأب، لأن ذلك هو الذي ينسجم مع فطرته وقدراته، فكل واحد منهما مطالب بما هو أهل له وجدير بأن يقوم به من مصالح الطفل، كذلك الرباط الذي يشد الفرد إلى الأسرة، ويشد الأسرة إلى الفرد ، جعله الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - رباطاً فطرياً ، فإن التلاحم والتراحم بين ذوي القربى أمر فطري ، فتشد كل قريب إلى قريبه علاقته به شداً عجيباً بتأثير وشيجة(1) القربى بينهما ، حتى تمتزج مشاعرهما وتتوحد أحاسيسهما كأنما كل واحد منهما نسخة من الآخر ، وهو مما يدفع بالأسر إلى التعاون على الخير والتفاني في عمل ذلك ، وذلك من عوامل الترابط بين المجتمع، فالأسرة هي مجتمع صغير، والمجتمع هو أسرة كبيرة، والترابط الأسري هو اللبنة التي تؤدي إلى الترابط الاجتماعي، أو ما يسمى بالترابط القومي بين الناس ، فإنها عندما تكون مترابطة متلاحمة ينعكس ترابطها على مجتمعها فيغد مجتمعاً متلاحماً متراحماً قوياً.
والمعاملات على اختلافها ؛ جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الناس متفاضلين في قدراتهم عليها ، والإنسان لا يستقل بمصالحه ، بل جعلها الله متشابكة متداخلة مترابطة، فالغني محتاج إلى الفقير والفقير محتاج إلى الغني ، والحاكم محتاج إلى المحكوم والمحكوم محتاج إلى الحاكم ، والقوي محتاج إلى الضعيف والضعيف محتاج إلى القوي، والعالم محتاج إلى الجاهل والجاهل محتاج إلى العالم ، كما يقول الشاعر التهامي:
ولربما اعتضد الحليم بجاهل
__________
(1) الوشج: التداخل والاختلاط. (1/220)
صفحة 221
لا خير في يمنى بغير يسار
لا يستغني أحد عن أحد، هذه هي سنة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - في الحياة ، وهذا لأن القدرات قد تكون في الإنسان الذي يبدو حقيراً أو جاهلاً أو ضعيفاً ولا تكون في القوي أو العالم أو المحنك، هناك قدرات يتميز بها الضعيف والجاهل والغبي لا تكون في أضدادهم، حتى لا يكون وجود الإنسان في هذه الحياة أمراً عبثاً ، فالقدرات الذهنية والجسمية لا تكون في الناس على قدر واحد ذلك ليتم بينهم التكامل، وينعكس ذلك على المهارات الفنية فإن أرباب الصناعات كل منهم بحاجة إلى الآخر، فالنجار محتاج إلى السباك والنساج وصاحب الصناعات الأخرى المتنوعة، كما أن أولي القدر والجاه والسلطان هم بحاجة إلى جميع طبقات الناس ، فالحاكم هو بحاجة إلى صاحب كل صناعة وإلى الجند والإداريين وأصحاب التخصصات المتنوعة والاختصاصات العملية المتباينة ، فما من أحدٍ يمكنه أن يستقل بمصالحه عن بني جنسه قط ، فمع هذا التشابك والتداخل في المنافع والمصالح بين الناس لابد أن يكون هنالك نظام يربط بين الإنسان وأخيه، يوقف كل واحد من الجنس البشري عند حدوده ، فيسلم كل حق واجب عليه لغيره عن طواعية. (1/221)
صفحة 222
ذلك لأن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - طبع النفوس البشرية على الشح " وأُحضرت الأنفس الشح "(1) ، فالنفوس مجبولة على الرغبة من الاستكثار من كل خير في الدنيا ؛ من مال وغيره " وإنه لحب الخير لشديد "(2) ، " وتحبون المال حباً جما "(3) ، وهذا ما جعل الناس يحرصون على الاستئثار ويشق عليهم الإيثار ، ولكن الله تعالى جعل لكل شيء علاجاً ، فهذا الطبع وإن كان راسخاً في الإنسان إلا أن فيما شرع الله علاج حكيم له يكبح جماحه ويستأصل جذوره ، فالعبادات على تنوعها ذات أثر بالغ في تهذيب النفس البشرية وانتزاع جراثيم(4) السوء منها ، على أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أنزل في كتبه وعلى ألسنة رسله ، ثم في كتابه المنزل وعلى لسان الرسول الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام ما يضع كل شيء موضعه ، وقد أمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عند الاختلاف بين الناس أن يُحتكم إليه ، حيث قال : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا "(5)، فعندما يحدث شقاق بين الحكام والمحكومين ، أو بين الأقوياء والضعفاء، أو بين سائر الناس سواء الأقربون أو الأبعدون ، أو بين الأصول والفروع ، أو بين الأزواج ، يجب أن يكون الاحتكام إلى الله تعالى ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام : " ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالاً مبيناً"(6).
__________
(1) الآية رقم ( 128 ) من سورة ( النساء ) .
(2) الآية رقم ( 8 ) من سورة ( العاديات ) .
(3) الآية رقم ( 20 ) من سورة ( الفجر ) .
(4) جراثيم الشيء: أصوله.
(5) الآية رقم ( 59 ) من سورة ( النساء ) .
(6) الآية رقم ( 36 ) من سورة ( الأحزاب ) . (1/222)
صفحة 223
فإن شريعة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - جاءت بما يشفي الغليل، ويروي الصدى، ويكشف الغمة، ويزيل اللبس، ويرفع عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، وهي تتسع لكل دقيقة وجليلة، وقد شرعت فيها الحقوق الواجبة بين الناس على اختلاف أنواعها ، بل فرض الله على الإنسان لكل كائن من الكائنات المتنوعة في هذا الوجود حقوقاً متنوعة ، نجد أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فرض عبادته وطاعته والاحتكام إليه ، وحذَّر من الاحتكام إلى غيره، فقد قال - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون "(1) ، وفرض علينا أن نحكم بما أنزل - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لا بما لم ينزل ، فقد قال خطاباً لرسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله "(2) ، ويقول مبيناً حكم الذين يحكمون بغير ما أنزل: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون "(3)، ويقول : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون "(4) ، ويقول : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون"(5).
__________
(1) الآية رقم ( 50 ) من سورة ( المائدة ) .
(2) الآية رقم ( 49 ) من سورة ( المائدة ) .
(3) الآية رقم ( 44 ) من سورة ( المائدة ) .
(4) الآية رقم ( 45 ) من سورة ( المائدة ) .
(5) الآية رقم ( 47 ) من سورة ( المائدة ) . (1/223)
صفحة 224
ثم بجانب ما شرع الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من حقه شرع الحقوق لعباده على اختلاف مراتبهم ، يقول - عَزَّ وَجَلَّ - : " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً ، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما ، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، ربك أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإن كان للأوابين غفورا ، وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ، وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسورا ، ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا ، إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر له إنه كان بعباده خبيراً بصيرا ، ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئاً كبيرا ، ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ، ولا تقربوا مال اليتيم لا بالتي أحسن حتى يبلغ أشده ، وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا ، وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ، ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ، ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ، كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروهاً ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحورا "(1) ، جاءت هذه الآيات أولاً بالأمر بعبادة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لأنها أقدس فرض وأعظم حق على العبد، والقيام بأداء حقوق العباد مبنيٌّ على القيام بهذا الحق ، ثم أمر سبحانه بإيتاء أصحاب
__________
(1) الآية رقم ( 23 – 39 ) من سورة ( الإسراء ) . (1/224)
صفحة 225
الحقوق من عباده حقوقهم ، ثم اُختتمت الآيات بالتحذير من أن يجعل الإنسان مع الله إلهاً آخر ، ذلك كله مما يوحي أن التزام أداء هذه الحقوق مرهون بالعقيدة الصحيحة والعبادة الخالصة لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، كما يقول سبحانه: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت إيمانكم "(1)، ومعنى ذلك أن حقوق العباد المشروعة بين البشر أنفسهم مقرونة بحقوق الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - الواجبة له على عباده، كما نجد أن الله تبارك اسمه يأمر عباده بطاعته وطاعة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثم بطاعة أولياء أمورهم ، ثم يأمرهم بالاحتكام إليه سبحانه وإلى رسوله عندما يقع التشاجر والتنازع بينهم وبين أولياء أمورهم ، وذلك في قوله : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا"(2).
4- العدل حق بشري عام:
__________
(1) الآية رقم ( 36 ) من سورة ( النساء ) .
(2) الآية رقم ( 59 ) من سورة ( النساء ) . (1/225)
صفحة 226
الحقوق التي تجب على الناس من بعضهم لبعضهم منها ما هو حق عام ومنها ما هو حق خاص، فمن الحقوق العامة العدل فقد فرضه الله لجميع الناس، فلا يختص به مؤمن دون كافر، أو بر دون فاجر، وإنما هو حق مشروع لجميع العباد، وهذا ما صرح به القرآن في آيات منها: قوله تعالى : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " إذ جعل الحكم بالعدل مشروعاً بين الناس جميعاً فهو حق لكل أحد منهم، وقوله: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى"(1)، فما في النفس من شنآن(2) لأناس بسبب انحرافهم الديني ، أو مواقف دنيوية ، لا يؤدي ذلك إلى جواز حرمانهم من العدل الذي جعله الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أمراً مفروضاً على العباد لجميعهم، ويقول الله تعالى أيضاً: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا"(3)، ونجد في القرآن آيات محكمات بينات نزلت خطاباً للرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه تحذره من كيد الكائدين، الذين يريدون لبس الحقيقة وإيهامه عليه أفضل الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين خلافها، ويسعون إلى تحميل وزر أمر من لم يتسبب له ، وغاية ذلك كله تبرئة ساحة يهودي أُلصقت به تهمة هو منها براء، عندما سرق بعض الناس درعاً فخشي أن ينكشف أمره، فتعاون معه جماعة من المتآمرين وألقوا الدرع في بيت اليهودي لإلصاق جريمة السرقة به ليبوء بعقوبتها، فكشف الله مؤامرتهم(4) بقوله : " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين
__________
(1) الآية رقم ( 8 ) من سورة ( المائدة ) .
(2) شنآن: بغض.
(3) الآية رقم ( 135 ) من سورة ( النساء ) .
(4) تفسير الطبري؛ ج16، ص251، الجامع الأكبر، العريس للكمبوتر. (1/226)
صفحة 227
خصيما ، واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا ، هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أمن يكون عليهم وكيلاً ، ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ، ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً حكيماً ، ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً، ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفةٌ منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما "(1) ، فإذا كان هذا أُنزل في حق يهودي ليكون قرآناً متلواً في الصلوات وفي غيرها ما بقي الدهر تبرئة لساحته –مع أن اليهود كما ينص القرآن الكريم هم أشد الناس عداوةً للذين آمنوا– فكيف بالعدالة مع سائر الناس؟!.
5- شمولية الحقوق في الإسلام :
__________
(1) الآية رقم ( 105 - 113 ) من سورة ( النساء ) . (1/227)
صفحة 228
راعى الإسلام النواحي الفطرية بين الناس، فجعل الحقوق التي بين الأصول والفروع أعظم الحقوق، فحقوق الأبوين تفوق جميع الحقوق لقيامهم بتربية أولادهم وتضحياتهم الجسيمة من أجل مصالحهم، كما هو واضح لمن تدبر القرآن الكريم ، إذ الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يقول : " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً"(1)، ويقول : "ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كُرهاً ووضعته كُرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا "(2)، ويقول : " ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير"(3) ، كل ذلك لأجل تقوية داعي الارتباط بين الأولاد والآباء والأمهات.
ولئن كان القرآن الكريم أكد حقوق الوالدين ووصى بهما الأولاد في مواقف متعددة، فإنه وَكِلَ مراعاة حقوق الأولاد إلى الفطرة كذلك، نجد أنه لم يوص بها صراحةً مثلما أوصى بحقوق الآباء والأمهات، لأن الفطرة تدفع الإنسان السوي إلى أن يرعى حقوق أولاده، إذ يرى وجودهم امتداداً لوجوده، فهو يحس دائماً بالميل إليهم(4)، لأن من شأن الإنسان أن ينظر إلى الأمام ولا ينظر إلى الخلف ، فلذلك يحتاج إلى أن يُلفت نحو والديه بقوارع الزواجر عن الإخلال بحقهما ، إذ لو لم يُلفت إليهما لم يلتفت بنفسه ، وذلك بخلاف الأولاد فهو لا يحتاج إلى التوصية بهم إذ هاجس الفطرة في نفسه يوقظ فيها مشاعر الأبوة الحانية أو الأمومة الدائمة تجاههم.
__________
(1) الآية رقم ( 23 ) من سورة ( الإسراء ) .
(2) الآية رقم ( 15 ) من سورة ( الأحقاف ) .
(3) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( لقمان ) .
(4) وهذا ما يؤكد نظرية التكامل بين الوحي والفطرة التي صرح بها سماحته في مواضع عدة من دروسه المسموعة والمكتوبة. (1/228)
صفحة 229
وبما أن العلاقة الزوجية –وإن كانت تقتضي امتزاج المشاعر وانسجام الأحاسيس– قد تمر بفترات فتور جاء التأكيد على حقوق الزوجية بين الزوجين ، سواء حق الرجل أو المرأة ، ونجد أن الإسلام وضع كل شيء من ذلك موضعه ووفاه حقه.
كذلك الحقوق التي بين الأقربين وهي حقوق الأرحام ، نبّه عليها القرآن كثيراً وحضّ على أدائها ، وحذّر من التهاون بها.
وحذر من التفريط في الحقوق التي بين الجيران عندما أوصى بالجار خيراً وإحساناً سواء كان ذا قربى أو جنباً.
وكذلك الحقوق الواجبة بين الأغنياء والفقراء ، فقد فرض الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - للفقراء واليتامى والمساكين على القادرين حقوقاً مالية وغير مالية بحيث جعل المسلم أخا المسلم ؛ يشعر بكل مشاعره ويشاركه في آلامه وآماله ، كما يدل على ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ - : " إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون"(1)، وقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"(2).
ومن الحقوق العامة الرأفة بغير البشر كما تدل على ذلك الأحاديث التي دلت على الرفق بالحيوانات العجماء حتى في حال الذبح أو القتل.
وتجب على الإنسان أيضاً حقوق تجاه هذا الكون الذي تشده إليه روابط شتى ، وقد جاء في الإسلام ما يدل على رعايتها ، ومنها أن يحسن الإنسان صلته بربه ، لأن في إحسانه الصلة بينه وبين ربه إحساناً للصلة بينه وبين هذا الكون المسخر بأمر الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، ومنها أن يضع كل شيء موضعه وألا يتعدى على حرمة من الحُرم.
وأن يستعمل كل نعمة من نعم الله تعالى في مرضاته - عَزَّ وَجَلَّ -.
__________
(1) الآية رقم ( 10 ) من سورة ( الحجرات ) .
(2) البخاري ( 5665 ) . (1/229)
صفحة 230
أما المعاملات فقد فرض الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فيها من الحقوق والواجبات ما يعود على المصالح البشرية ، وفرض النزاهة في كل معاملة من المعاملات ، فرض - عَزَّ وَجَلَّ - النزاهة في البيوع والمعاوضات التي تكون بين الناس ، فحرّم الربا والغش والتحايل والغرر بجميع أنواعه ، والآيات القرآنية والسنة النبوية صريحة في ذلك ، وبهذا يتضح أن الحقوق الواجبة على الإنسان حقوق جمة ، والإسلام الحنيف يضع كل شيء في موضعه ، والإنسان –كما قلنا– أكثر ما يكون حاجةً إلى الرعاية والانسجام مع بني جنسه ، فلذلك كانت حقوق الناس متنوعة بحسب تعدد مراتبهم وتنوع العلاقات التي تكون بينهم واختلاف حاجة بعضهم إلى بعض.
حقوق الوالدين
1- حق الوالدين على كل حال:
الحقوق عندما تحفظ وتراعى تشد الإنسان إلى أخيه الإنسان ، وقد جعلها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - مناطاً لقيام الأوضاع البشرية في الحياة الدنيا على نمط الاجتماع والتعاون والوئام ، فالإسلام الحنيف لا يبخس أحداً حقه بل يحض على إعطاء كل ذي حقٍ حقه، وإنزال كل أحد منزلته ، ويرعى ترتيب هذه الحقوق بموجب الفطرة ، لأنه هو دين الفطرة. (1/230)
صفحة 231
ومن أجل ذلك كانت حقوق الآباء والأمهات في مقدمة الحقوق الواجبة بين الناس ، إذ الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قرن حق الوالدين بحقه في كتابه ، وذلك عندما قال: ?وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا?(1) ، وقال : ?وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ( رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا? (2).
__________
(1) الآية رقم ( 36 ) من سورة ( النساء ) .
(2) الآية رقم ( 23 – 25 ) من سورة ( الإسراء ) . (1/231)
صفحة 232
وقال عز من قائل : ?وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ?(1) ، وقال: ?وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا?(2) ، وقال مبيناً أن هذه الوصية لم تكن محصورة في هذه الأمة وحدها ، بل هي وصيته لجميع الأمم: ?وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً?(3) .
ففي هذه الآيات الكريمة ما يدل على أن حقوق الوالدين سابقة على جميع حقوق البشر ، ناهيكم أن الله تعالى قرن حقهما بحقه ، فعندما وصى عباده بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً أتبع ذلك وصيته لهم بأن يحسنوا إلى والديهم ، وألا يسيئوا إليهم.
__________
(1) الآية رقم ( 14 – 15 ) من سورة ( لقمان ) .
(2) الآية رقم ( 15 ) من سورة ( الأحقاف ) .
(3) الآية رقم ( 83 ) من سورة ( البقرة ) . (1/232)
صفحة 233
بل نجد في كتاب الله العزيز ما يدل على أن هذه الوصية لا يقطعها شيء، فحق الوالدين لا يسقط بسبب خساستهما وسوء صنيعهما، فلو أنهما أشركا بالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لما كان شركهما قاطعاً لحقهما مع أن الشرك بالله أعظم ما جناه الإنسان، ومع ذلك يجب الإحسان إليهما مع ما هما فيه من الإشراك ، وإنما عليه أن يحذر من الانزلاق معهما عندما يدعوانه إلى الإشراك فليس له أن يطيعهما ، بل عليه أن يستمسك بالعروة الوثقى من الإسلام ، ويحرص على اتباع ما أمره الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - به اتباع هداه وعدم الزيغ عن نهجه.
وذلك واضح في قوله : ?وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ?(1)، نهى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عبده أن يطيع والديه عندما يأمرانه بالإشراك بالله ، وأمره أن يتبع سبيل من أناب إليه مع ما أمره به من صحبتهما بالمعروف ، وفي هذا ما يدل على أن حقهما لا يسقط بالإشراك.
__________
(1) الآية رقم ( 14 – 15 ) من سورة ( لقمان ) . (1/233)
صفحة 234
ونجد في رقة أسلوب القرآن الكريم ودقة تعبيره ما يدل على عظم حق الوالدين ولزوم اليقظة في معاملتهما بالرفق والإحسان كيفما كان تصرفهما الناشئ عن تأثير الكبر عليهما ، وذلك فيما وصى الله تعالى به في سورة الإسراء ، حيث قال : ?وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ( رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا? (1) .
وذلك أن الله سبحانه نبه بلطيف إشارته إلى ما عسى أن يصدر من الوالدين عندما يبلغان الكبر عتياً، فقد يلقى منهما ولدهما جفوة وحدة ؛ فعليه ألا يقابله بشيء من التضجر والامتعاض ، بل عليه أن يكون موطأ الأكناف لطيفاً في معاملتهما ، فإن بلوغ الكبر مظنة صدور الجفوة ؛ لأن من شأن الكبير أن يتبرم لأدنى شيء وأن يتضجر من كل ما يلقاه.
فلربما كانا في هذه الحالة لا يرضيهما ما يعاملهما به من بر ، ولا يقنعهما ما يجدانه منه من معروف ، فعليه أن يصبر لذلك كله ، وألا يقابل ما يصدر منهما من جفاء بجفاء ، وإنما عليه أن يقابله بالصبر والاحتمال ، ولا أدل على ذلك من نهيه عن كلمة (أف)، فإنها كلمة تدل على التضجر عندما يلقى قائلها ما يكره ، فعلى الولد ألا يتضجر بما يلقى من والديه وهما قد بلغا من الكبر عتياً، بل وإن لم يكون كذلك فإن عليه احتمال ما يصدر منهما من غير أن يتضجر أو يتأفف.
__________
(1) الآية رقم ( 23 – 24 ) من سورة ( الإسراء ) . (1/234)
صفحة 235
إلا أن الكبر كما قلت مظنة مثل هذه المعاملة التي تؤدي دائماً إلى التضجر وعدم الاقتناع بكل ما يقدمه الولد من خدمة وما يسدي من بر وإحسان؛ لأن الإنسان عندما يتقدم به العمر ينتكس في الخَلق كما قال تعالى: ?وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ?(1) ، وانتكاسه في الخَلقِ مظنة انتكاسه في الخُلُق عندما يضعف جسمه وتتبلد أحاسيسه وتتجمد طاقاته ، فلذلك كثيراً ما يكون الإنسان في هذه الحالة غير قنوع بما يصل إليه من بر وإحسان ممن هما واجبان عليه.
ففي هذه الحالة على الولد ألا يقابل ما يصدر من والديه من جفاء وسوء طبع وغلظة بأي شيء من التأفف، وكلمة (أف) هي أقل ما يدل على التضجر، وناهيك بذلك دليلاً قاطعاً على أن ما زاد عليها أبلغ في النهي والتحريم.
وذكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في هذا المقام الولد لحال ضعفه عندما كان صغيراً ، أو كان أشد حاجة إلى عناية والديه ورحمتهما به ولطفهما ، وذلك عندما أمره بهذا الدعاء عندما قال : ?وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا?(2) ، فهو جدير أن يتخيل ما كان عليه ويدعو الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن يرحم والديه كما ربياه صغيراً ، ففي حال تربيته لقيا منه الأذى ، واحتملا منه المكروه ، وحرصا على سلامته ، وكانا يتطلعان إلى مستقبله ، ويريان أن حياته ذخر لهما وامتداد لحياتهما فما كان يجدر به إلا استفراغ الوسع في برهما.
2- الغاية من حقوق الوالدين:
من الملاحظ أن القرآن الكريم لم يعتن بمثل هذه العناية البالغة في وصية الولد بوالديه في وصية الوالدين بالأولاد ، فلا تجد في القرآن الكريم مثل هذه الوصايا للآباء والأمهات في حق أولادهم ؛ ذلك لأن الإنسان مجبول بفطرته على رعاية ولده ، إذ نظرته دائماً تكون إلى المستقبل ، فهو لا يصرف نظره نحو الوراء.
__________
(1) الآية رقم ( 24 ) من سورة ( الإسراء ) .
(2) الآية رقم ( 68 ) من سورة ( يس ) . (1/235)
صفحة 236
ولما كانت نظرته كذلك فإنه كثيراً ما يكون مشغولاً بفروعه عن أصوله ، لأنه يرى أن حياة أولاده امتداد لحياته عندما ينتقل إلى الدار الآخرة ، إذ يبقى له الذكر ببقائهم، فلذلك يحرص على استمرار الذرية ويكدح دائماً من أجل إسعادها ، ويجبن ويبخل من أجلها، فليس هو بحاجة إلى أن يوصى بالإحسان إلى هؤلاء ، وإنما هو بحاجة إلى أن يعطف عنقه ويلفت نظره نحو أصوله.
فإن من طبعه أن لا يلتفت بنفسه ، لينظر في منبته وأصله، فإنه يرى أن حياة الآباء والأمهات ليست امتداداً لحياته المحدودة وإنما حياة أولاده هي امتداد حياته ، إذ الآباء والأمهات حلقة مضت في هذه الحياة ، فعيشتهم عيشة شيخوخة وضعف وهرم وحياتهم حياة إدبار، بخلاف حية الأولاد التي هي معقد الآمال، لذلك يتسلى الوالد في حال شيخوخته وضعفه بما يراه في ولده من القوة والفتوة ، ويرى أن ذلك امتداد لقوته وفتوته، كما قال الشاعر التهامي:
وقلت شباب ابني شبابي وإنما
تحول شطر العمر مني إلى شطري
وكما جاء في كتاب الله المجيد الحض على القيام بحقوق الآباء والأمهات ، كذلك جاء ذلك في سنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، فهناك الجم الغفير من الأحاديث المروية عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التي توصي بحسن معاملة الأبوين، ويكفينا أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام عندما ذكر الموبقات السبع التي ترمي صاحبها إن لم يتب منها في النار ؛ ذكر من بينها عقوق الوالدين(1) ، هذا دليل على خطورة العقوق.
وجاء في الحديث عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من أدرك والديه ولم يدخل بهما الجنة فلا أدركهما"(2)، وقال عليه السلام: "من هاجر أحد والديه ساعة من نهار كان من أهل النار إلا أن يتوب"(3)، وقال: "لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر"(4).
__________
(1) البخاري ( 2615 ) ، مسلم ( 89) .
(2) الربيع (725).
(3) البريع (726).
(4) ابن حبان ( 3384 ) ، السنن الكبرى للنسائي ( 5182 ) . (1/236)
صفحة 237
ونجد أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما ذكرنا نعمة الخلق ذكرنا نعمة خلق أنفسنا وخلق أصولنا، لأننا إنما خلقنا بعد خلق أصولنا، وذلك في قوله : ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ?(1) ، فإن المراد من قوله: ?وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ? هم الآباء والأمهات الذين خرجنا منهم ، ويقول أحد المفسرين: إن هذه الوصية التي نجدها في القرآن بالوالدين فيها إصلاح نفساني وإصلاح عمراني للإنسان.
فالإنسان مطالب لأن يشكر من أحسن إليه ، إذ من لم يشكر المحسن كانت حياته فاسدة ، وقد جاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من لم يشكر الناس لم يشكر الله "(2) ، ومن أولى من الناس بالشكر الحسن من الوالدين؟! فإن إحسانهما بلغ ذروته بالنسبة إلى إحسان العباد إلى العباد ، إذ لا إحسان يفوق إحسان الوالدين ، لأنهما كانا السبب لوجود ولدهما مع حسن رعايتهما له، وقيامهما بواجب التربية الحسنة تجاهه، فبهذا كله صارا هما أولى بالشكر من غيرهما.
ومن لم يعتد على شكر المنعم عليه أدى ذلك إلى فساد أحواله وارتكاسه فيما يضره وانتكاسه في معاملة الناس له ، لأن الناس الذين لا يجازَوْنَ بإحسانهم إحساناً لا يحسنون إلى هذا الذي يسيء معاملتهم في مقابل إحسانهم ، ومن لم يحسن معاملة والديه لم يكن محسناً إلى غيره من الناس.
__________
(1) الآية رقم ( 21 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الترمذي ( 1955 ) ، أحمد ( 7495 ) . (1/237)
صفحة 238
أما الغاية العمرانية من خلال الوصية البالغة بالإحسان إلى الوالدين ؛ فإنها تتمثل في كون الناس خلقهم الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بطبيعة الاجتماع ، إذ صفة البشرية البارزة هي الصفة الاجتماعية التي تشد الإنسان إلى الإنسان ، فبدون اجتماع الناس وتعاونهم لا يمكن أن ينمو العمران في حياتهم ، لأن كل واحد يكون مشغولاً بنفسه غير مكترث بغيره وغير ملتفت إلى ذي حق فيوفيه حقه.
أما عندما يتعاون الناس فإن ذلك التعاون يثمر في حياتهم العمرانية الثمرة المطلوبة ، وبداية تكوين المجتمع تكوين الأسرة ، فإنها هي نواة المجتمع ، وهي مجتمع أصغر والمجتمع هو أسرة كبرى، فبسبب هذا يكون قيام الإنسان بحق والديه منشأً لقيامه بحق أسرته ، والتفاته إلى ما لهم عليه من حقوق.
3- الآراء في حقوق الوالدين :
حقوق الوالدين كما يتضح لنا من خلال نظرنا إلى القرآن الكريم وسنة نبينا مُحَمَّد عليه أفضل الصلاة والسلام تفوق حقوق الناس أجمعين، وحق الأم أعظمها وهو متقدم على حق الأب، أما القرآن فلم يأت صريحاً بذلك ولكن جاء منبهاً عليه ومشيراً إليه ، فإنه عندما جمع الوالدين كليهما في الوصية بحقهما ؛ نبه على ما قدمته الأم من تضحيات جسام ?وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا?(1) ، فالحمل الذي حملته الأم كان كرهاً.
ولكن قد يتبادر إلى الذهن بأن الحمل لم يكن من أول الأمر كرهاً إذ كان في بدايته خفاً، فكيف وصفه القرآن بأنه كره ؟ والجواب عن ذلك بأن الحمل حتى في بداية مراحله يضعف الأم فهو على حساب صحتها ، ذلك لأن الاكتشافات العلمية دلت بأن الحيوان المنوي عندما يلتقي بالبييضة ويتم اللقاح ، تعود البييضة إلى جدار الرحم ولها خاصية حادة فتجرحه وينهمر منه دم غزير ليسبح في خضمه هذا الكائن من أول تكونه، وليمتص غذاءه منه.
__________
(1) الأحقاف/15. (1/238)
صفحة 239
ولا يخفى ما في ذلك من مشقة عليها فإن دمها هو أغلى ما في جسمها إذ هو مناط قوته ومنبع صحته ، ومعنى ذلك أن هذا الذي ينتفع به الحمل إنما يكون على حساب صحتها ، فخالص دمها تغذي به جنينها من أول اللقاح، فينمو على حساب هذا الدم ويقوى على حساب صحتها ، فهي تضعف ويصح هو بهذا التغذي المستمر إلى أن تضع ، ثم مع ذلك كثيراً ما تلقى المشقة من معاناتها بآلام الحمل والوحم ، ولربما تستمر في معاناتها طوال أيامه ؛ فتتقيأ وتسعل ويصيبها الغثاء والدوران والألم.
ثم من بعد ذلك وضع الحمل هو ليس بالأمر الهين ، فعندما لقي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلاً يطوف بالكعبة وهو حامل أمه على ظهره، وقال له الرجل : يا رسول الله أتراني أديت حقها ؟ قال له : "لا ولا بزفرة واحدة"(1)، أي لم تقم بحق زفرة واحدة من زفرات الطلق عندما كانت تضعك ، فهكذا عظم حق الأم يتجلى من خلال هذا التنبيه الذي في القرآن الكريم على تضحياتها.
ومثل ذلك قوله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : ?وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ? (2) ، أي كانت تهن وتضعف ويتوالى هذا الوهن حال حمله ?وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ? (3).
__________
(1) على كثرة بحثي وجدت أن الذي رأى هذا الرجل هو ابن عمر وليس النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، انظر؛ تفسير الكشاف للزمخشري، آية 23 من سورة الإسراء، وتفسير السرج المنير للشربيني، آية 21 من سورة الإسراء، ومكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا، ج1 ص171، الجامع الأكبر، العريس للكمبيوتر.
(2) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( لقمان ) .
(3) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( لقمان ) . (1/239)
صفحة 240
وحديث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاء صريحاً في التنبيه على عظم حق الأم ، وذلك عندما جاء إليه رجل ؛ كما جاء في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم وقال له: "يا رسول الله ؛ أي الناس أحق بحسن صحابتي ؟ قال له : أمك . قال له : ثم من؟ قال له : أمك . قال له : ثم من ؟ ، قال له : أمك . قال له : ثم من ؟ ، قال له : أبوك ثم الأقرب فالأقرب "(1) .
فذكر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حق الأم ثلاث مرات، ثم عطف عليه حق الأب بثم التي تقتضي المهلة والترتيب ، وذكره مرة واحدة ، ثم عطف عليه حق الأقرب فالأقرب من الناس ، أي الأجداد والجدات من قبل الأب والأم ، ثم الأعمام والعمات والأخوال والخالات ، وكذلك الأخوة ، وهكذا الأقرب فالأقرب من الناس تجب لهم الحقوق والرعاية وحسن الصحبة.
فذكر حق الأم ثلاث مرات، وعطف حق الأب عليه مع ذكره مرة واحدة بثم التي تقتضي المهلة والترتيب ؛ دليل على أن حقها هو أعظم من حق الأب لما قامت به من رعاية فائقة وتربية لا يمكن لأحد أن يتصور أتعابها ومشاقها إلا من كابد مثلها ، فلذلك كان حقها مضاعفاً على حق الأب.
وقد اختلف العلماء في أصل هذا التفاوت ، فأكثرهم ذهب إلى أن حق الأم أعظم ، كما قلنا ، إلا أنهم أيضاً اختلفوا ، منهم من قال : حق الأب ربع مجموع حقوقهما معاً. وحق الأم الثلاثة الأرباع ، دليل ذلك أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر حق الأم ثلاث مرات وحق الأب مرة واحدة ، وهذا قول ظاهر دليله.
وقيل : بل للأم ثلثا الحق وللأب الثلث ، ومنهم من قال : بل هما متساويان في الحقوق ، لأن الله تعالى وصى بحقيهما جميعاً ، وهؤلاء لم يلتفتوا إلى ما جاء من تمييز الأم في القرآن بذكر تضحياتها التي قدمتها من غير ذكر تضحيات الأب ، ولم يلتفتوا أيضاً إلى ما جاء في هذه الرواية.
__________
(1) سبق تخريجه . (1/240)
صفحة 241
ومنهم من قال : بأن حق الأب يفوق حق الأم ، وهذا قول أشبه بالشاذ إذ لا دليل عليه ، وكل ما استدل به هؤلاء يدور حول ما للأب من حقوق الرعاية للولد ، فهو الذي يرعاه ، ويقوم بمصلحته ، ويردعه عن الفساد ، ويتحمل تبعاته، ويلي تزويج الأنثى ، إلى غير ذلك.
فهذه الأشياء هي التي استدل بها القائلون بهذا الرأي، لكن ذلك لا دليل فيه، إذ لا يصار إلى النظر مع الأثر، كما قيل: لا حظ للنظر مع الأثر(1)، وقد جاء الحديث واضحاً صريحاً بتفوق حق الأم، بل جاءت الإشارة في القرآن الكريم دالة على ذلك، وما ذكروه ليس فيه مشقة على الأب كمشقة الأم التي تتحملها في حملها للولد ووضعها له، فإذن يتبين لنا رجحان قول من قال بأن حق الأم هو أعظم من حق الأب.
وإذا ما أردنا القياس وتقدير ما لكل منهما من حق في مجموع حقوقهما ، نجد أن قول الذي يقول بأن حق الأم ثلاثة أرباع مجموع هذه الحقوق وحق الأب الربع هو أولى بالاعتبار؛ لأجل دلالة القرآن الكريم على ما لها من مزايا مع نص الحديث بأنها أحق بحسن الصحبة.
ومن العلماء من قال بأن تقدير الحقوق ليس مرده إلينا ، إلا أن حق الأم أولى بأن يرعى مع عدم التفريط في حق الأب ، فعلى الإنسان أن يُرضي كلا والديه ، وعندما يكون رضاهما جميعاً متعسراً ، فإيثار رضى الأم أولى ، وقد أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عندما يدعو الولد أبوه وأمه بأن يلبي نداء أمه، "إذا ناداك أبوك وأمك فأجب أمك "(2) ، هكذا جاء في بعض الروايات عنه صلوات الله وسلامه عليه ، وهو أيضاً دليل على تفوق الأم في الحقوق.
4- شمول حقوق الوالدين وحدودهما:
__________
(1) قلت: بل في الحقيقة أن النظر والأثر هنا متساوقان في تعظيم حق الأم على حق الأب، ومن يرى العكس فنظره مرجوح بالنظر الأقوى المجرد فضلاً عن ورود الأثر المدعم لهذا النظر الأقوى، وهذا ما يدل عليه تعقيب سماحة شيخنا بعد ذلك.
(2) جامع المسانيد والمراسيل للسيوطي (2553). (1/241)
صفحة 242
حقوق الوالدين حقوق كثيرة ، وإنما القرآن الكريم جاء بمجملها في قوله تعالى : ?إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا?(1) ، فمعنى ذلك أن الولد ليس له أن يقابل ما يصدر من قبل أبويه مما يدل على الجفاء بشيء من التأفف قط ، وإنما عليه أن يقابله بلين القول وسعة الصدر.
فعليه أن يصبر على جفائهما ، وأن يقول لهما قولاً كريماً ، وأن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة ، ومعنى ذلك أن يتخلل الذل في معاملتهما مع مزيد من التواضع كأنما هو حيوان يخفض جناحه ، وذلك يعني أن يبالغ في تذليل نفسه لأبويه ، وأن يذكر ما قدما من تضحيات له في حال صغره ، ولذلك يسأل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن يرحمهما كما ربياه صغيراً.
وذلك كله يدل على أنه مطالب بألا يقول لهما أي كلمة تثير غضبهما وتؤدي إلى انفعالهما وعدم رضاهما ، وأن يحرص دائماً على ألا يحزنهما لو صدرت منهما إساءة في حق الله تعالى أو في حق عباده أو في حق نفسه ، فعليه أن يتلطف في إخبارهما بما عليهما من حق لله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - وحق عباده ، ويرشدهما إلى ما ينبغي لهما من رعايته هو لحاجته إليهما.
وشاهد ذلك ما ذكره الله تعالى من قصة إبراهيم عليه السلام ، وهو أمر فيه أسوة حسنة للأولاد الذين يُنكبون بآباء قساة القلوب غلاظ الأكباد مصرين على الباطل مخلدين إلى الهوى ، فقد حكى الله تعالى جفوة أبي إبراهيم لإبراهيم ، وتلطف إبراهيم به عندما كان يدعوه إلى الحق.
__________
(1) الآية رقم ( 24 ) من سورة ( الإسراء ) . (1/242)
صفحة 243
وذلك في قوله : ?وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ( يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ( يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ( يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ( قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا? (1).
هكذا كان تلطف الولد بأبيه وهو يدعوه لعبادة الله وإلى ترك الشرك الذي يؤدي به إلى العاقبة السيئة التي يخشاها عليه، ومع هذا كله كان الأب غليظاً في معاملته قاسياً في تصرفه ، إلا أن الابن لم يغلظ القول لأبيه رغم ذلك كله ، فإذن هكذا يجب أن يتصرف الولد عندما يكون أبوه عاصياً لله ، فهو مطالب بأن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ، وأن يقيم عليه الحجة، وأن يحرص أن يهتدي إلى سواء الصراط ولكن بلطف ورفق.
__________
(1) الآية رقم ( 41 – 48 ) من سورة ( مريم ) . (1/243)
صفحة 244
وهو مطالب بالعدل بين أبويه وغيرهما ، كما أمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، إذ لا يؤدي ما للأب والأم من حق على ولدهما إلى الحيف(1) على الآخرين ؛ لأجل التوفير لهما، فقد قال تعالى : ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ?(2) لأن العدل حق عام لجميع عباد الله لا يؤثر به أثير على بغيض ولا قريب على بعيد.
__________
(1) الحيف: الظلم والميل عن العدل.
(2) الآية رقم ( 135 ) من سورة ( النساء ) . (1/244)
صفحة 245
وقال العلماء بأن من حق الوالدين على ولدهما ألا يخاطبهما بأسمائهما أو كناهما كما يخاطب سائر الناس ، وإنما يخاطبهما بصفة الأبوة والأمومة ، وأما من فعل خلاف ذلك أو نهرهما أو أغلظ لهما القول أو جفاهما بأي شيء كان ذلك عقوقاً لهما، وكذلك عندما يكون الإنسان في حالة مشي يؤمر ألا يمشي أمام والده إلا إذا كان لدرء المضرة ، ولذلك كانوا يقولون بأن من بر الولد أن يمشي في النهار خلف والده وبالليل أمامه ، وهذا عندما يكون الليل مخوفاً منه بشيء من المحذور ، أما مع الأمن فالنهار والليل سواء إذ لا فرق فلا يسوغ له المشي بين يديه ، وكذلك عندما يخشى في حالة النهار محذوراً يؤمر الولد أن يقي والده المحذور بنفسه ، كذلك عندما يأمره والداه بفعل مباح فإنه لا مناص له عن فعله وعليه أن يطيعهما، كما أن عليه أن يطيعهما في الواجب والمندوب إليه ، أما المكروه فله أن يطيعهما فيه وألا يطيعهما، والمحرم ليس له أن يطيعهما فيه ؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وهذا لأن حق الله تعالى هو أعظم الحقوق ، وفي معصيته تعالى انتهاك لحرمة حقوقه ، فلو أن إنساناً دعاه والداه إلى ترك فريضة واجبة عليه أو ارتكاب شيء من محارم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لما كان له أن يطيعهما في ذلك ، فلا طاعة لأي أحد في معصية الله، والأصل في ذلك قوله : ?وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ?(1) ، فإن المعاصي في ذلك ملحقة بالإشراك ، فقد فقامت الأدلة الكثيرة على عدم جواز طاعة أي أحد في معصية الله، ومن أجل ذلك قال العلماء بأن الولد عندما يريد جهاداً غير متعين عليه أن يستأذن أبويه ، فإن أذنا له جاهد ، وإن لم يأذنا بقي عندهما ، هذا رأي أكثر العلماء ، ومنهم من قال : إن كان الجهاد لا يضرهما فلا عليه في أن يجاهد وإن لم يأذنا ، وإنما عليه أن يستأذن ويتلطف في
__________
(1) الآية رقم ( 15 ) من سورة ( لقمان ) . (1/245)
صفحة 246
محاولة إقناعهما بإذنهما له ، ولا ريب أنه إن كان متعيناً عليه كأن يكون العدو قد غزا بلاد الإسلام وهو متمكن من الدفاع عنها ، أو يكون هو المسئول عن المسلمين ، أو يكون هو القائد الذي ينتظم به أمر الجهاد، فعليه أن يمضي قدماً في الجهاد ولا يلتفت إلى عدم رضاهما وإنما عليه أن يحرص على إقناعهما قدر مستطاعه ، وذلك أيضاً مقيد بعدم الإضرار بهما ، وقد جاء في الحديث " أن رجلاً جاء إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : جئت أبايعك على الهجرة ، وتركت أبوي يبكيان . فقال : أرجع عليهما فاضحكهما كما أبكيتهما"(1).
كذلك عندما يمنعانه عن طلب العلم يؤمر بأن يتلطف في محاولة إقناعهما بضرورة التعلم ، وأن هذا أمراً فيه مصلحة له ولأمته ودينه ، ولو كان يؤدي إلى الهجرة إن كان الطلب يتوقف عليها ؛ لعدم وجود من يعلمه في الأرض التي هما فيها ، أو عندما يكون بقاؤه فيها عائقاً له من طلب العلم ، بسبب اشتغاله بما تحول بينه وبين ذلك ، في هذه الحالة يؤمر بأن يحرص على التلطف بهما في الإقناع حتى يأذنا له، وألا يظهر لهما الجفوة ، وإن كان مأموراً مع إصرارهما على ترك الطلب أن لا ينثني عنه، خصوصاً عندما تكون الحركة العلمية متوقفة عليه ، بحيث يكون المجتمع بحاجة إلى تعليمه وتذكيره وإرشاده ، أو يكون هو بنفسه بحاجة إلى أن يتعلم ما يبصره بأمر دينه الذي لابد له منه ، وكذلك إن كان يتعلم أمور حياته التي تتوقف عليها مصالحه الضرورية كالحرف التي يكتسب منها رزقه ، فإن إخلاده إلى رأي والديه في هذه الحالة قد يؤدي إلى تأخر الحركة العلمية وتلاشي المصالح الدنيوية ، وهذا أمر غير مطلوب ولا مستحسن.
__________
(1) المستدرك للحاكم ( 7250 ) ، أبو داود ( 2528 ) . (1/246)
صفحة 247
وعندما يطلبان من الولد شيئاً من ماله فإن عليه أن يعطيهما بقدر ما يسد ضرورتهما ، سواء كان عليهما دين لله أو للناس ، أو كان لأجل معاشهما أو من أجل أي ضرورة أخرى من ضروريات الحياة ، كأن يكون الأب قائماً بمصالح الناس ، ومن عادته أن يطرقه الضيوف من أنحاء البلاد ، فعندما يكون متصدياً لذلك؛ ويكون الولد في سعة من رزقه عنده من فضل المال ما يمكنه أن يواسي به أباه ، فعليه أن يواسيه، وهذا الذي يشير إليه حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عندما قال للرجل الذي خاصم أباه في ماله : " أنت ومالك لأبيك "(1) ، ولا يعني عليه أفضل الصلاة والسلام كما يتصور البعض أن مال الولد ملك للأب ؟ فكل أحق بماله حتى الوالد وولده ، ولكن له الانتفاع بمال ولده ، ويدل على ذلك العطف هنا ، فإنه قال له : " أنت ومالك لأبيك"، والأب إنما له المنفعة من الولد ولكن من غير أن يملك رقبته ، فليس له أن يتصرف فيه بالبيع والهبة كما يتصرف في ملكه ، وإنما له حق المنفعة من شخصه ، فكذلك حكم ما له إذ العطف يقتضي التشارك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم ، فإذن إنما له الانتفاع بمال ولده كما أن له الانتفاع بذات ولده ، أما أن يبيع مال ولده من غير ضرورة داعية إلى ذلك فذلك حيف لا يقر عليه ، وإنما يأخذ من فضل ماله بقدر ما يسد به حاجته.
كذلك بقاء الولد في دار الأبوين عندما تكون رغبتهما ومصلحتهما في ذلك ، ولم تكن مضرة عليه مضرة منه في دينه ولا في دنياه ، فإنه يؤمر بألا يخرج من دارهما.
__________
(1) ابن حبان ( 410 ) ، ابن ماجه ( 2291 ) . (1/247)
صفحة 248
وهذه الأمور كلها تقاس بحسب المصالح التي تقدر بأقدارها ، فإن عاطفة الوالدين قد تكون أحياناً بالغة في الجيشان والقوة بحيث تجعلهما يضران بولدهما من حيث لا يدريان ؛ فقد يمنعانه من السعي والكسب رغبة في بقائه بجوارهما ؛ فلا يسمحان له بالخروج مع أنه قد يكون ركبه الدين ، أو أنه قائم بالنفقة على عياله أو هو بحاجة أن يبني مسكناً ، أو أن يتزوج ليعف نفسه ، ولكنهما لا يفكران في ذلك حرصاً منهما على أن لا يبرحهما حتى يظل تحت سمعهما وبصرهما ، فليس للوالدين ذلك وإنما عليهما أن يحكما عقلهما دون عاطفتهما ، فإن هذه العاطفة قد تضر بالولد وقد تكون في الجهلة الذين لا يفكرون في المستقبل. (1/248)
صفحة 249
كذلك إن كان الولد محتاجاً إلى العلم وقد فتحت له أبوابه ، ولكن الوالدين يمنعانه من ذلك بحجة رغبتهما في بقائه بجنبهما مع إمكان استغنائهما عنه ، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون عائقاً له عن طلب العلم ، ومثل ذلك القيام بالمصالح الدينية والدنيوية التي تؤول إلى مصالح الدين عندما يُحكم توجيههما، فعندما يريد الولد القيام بذلك ويمنعه من ذلك والداه لا يلتفت إلى هذا المنع ، وإنما عليه أن يقنعهما بحسب ما يتسنى له من وسائل الإقناع ، فقد تكون الدعوة محتاجة إلى قيامه بها وهما يعارضان ذلك ، وأمثال هذه التصرفات التي كثيراً ما تكون من الجهلة الذين لا يفرقون بين النافع والضار ، بل ولا يفرقون بين الحق والباطل والهدى والضلال وإنما يؤثرون الهوى ويخلدون إلى ما يتصورونه راحة لهم في الحال ، لذلك يؤمر الولد ألا يلتفت إلى معارضة والديه للقيام بالحق ، فإن المصالح المطلوب القيام بها شرعاً يجب تقديمها على رغبة الآباء والأمهات في التقاعس عنها ، وقد قيل إن خير الآباء والأمهات من أعانوا أولادهم على برهم ، فالأب والأم كل منهما مطالب بأن يعين أولاده على بره ، فإنهما عندما يتعنتان يدفعان ولدهما إلى جفائهما وعقوقهما بسبب حماقتهما ، وهذا كثيراً ما يحصل لأسباب كما ذكر ذلك صاحب المنار في تفسيره لسورة النساء في قوله تعالى : ?وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا?(1) ، إذ ذكر بأن كثيراً من الآباء والأمهات بسبب حماقتهم يحملون أولادهم على ركوب الشطط والتعرض للعقوق ، فلربما كان الأب يحرص على أن يفرض هيمنته على ولده في اختيار شريكة حياته ، فيكلفه بأن يتزوج ممن لا يريدها لنفسه ، وهذا أمر فيه كثير من الحرج ، ولربما كلفه أن يطلق امرأته من غير داع إلى ذلك ، مع ما بينهما من الأُلفة والمودة والانسجام ، ولربما فرض على ابنته الزوج الذي يريده لها ،
__________
(1) الآية رقم ( 36 ) من سورة ( النساء ) . (1/249)
صفحة 250
ولو كانت لا ترضى به ، وذلك بسبب رغبته وهواه ، إما لأجل إيثار قرابته ، وإما لأجل المنفعة المادية التي يكتسبها من وراء ذلك ، ولربما تحكمت الأم أيضاً في مصير ابنتها في الزواج فأرادت أن تفرض عليها الزوج الذي تريده لها من غير أن تقدر شعورها، وربما حرصت أيضاً على أن تجفو ولدها بسبب زوجته مع أن الولد وزوجته غير مقصرين فيها ، ولكن تريد التحكم في حياة ولدها ، وقد تجبره على تطليقها ، وربما تجبره على أن يتزوج ممن لا يريدها ، وهذا كله من الأمور التي تؤدي إلى عدم استقرار أحوال العائلات، وهكذا فمثل هذه التصرفات يجب أن تراعى فيها المصالح ، وألا يكلف الولد بأن يتحمل الأذى والعنت ، نعم عاطفة الأبوة عاطفة لا تقدر بقدر، وعاطفة الأمومة أعظم منها فإنها تزيد على عاطفة الأبوة وغيرها ، ولكن ربما غارت هذه العواطف ونضب معينها لسبب أو آخر.
من جملة هذه الأسباب أن الرجل قد يتزوج امرأة تملك عليه قلبه فتدفعه إلى الإساءة إلى أولاده من غيرها فينساق وراء هواها ، فالأب في مثل هذه الحالة يكون غير معذور، لأنه بتصرفه الأخرق يلز بولده إلى عقوقه وقد يكون ذلك أيضاً من الأم، فقد يسيطر عليها حب زوجها - الذي هو غير أب للولد - مع كرهه لأولادها من غيره، ويؤدي بها ذلك إلى أن تجفوهم ، ولا تبالي بعاقبة ذلك من عقوقهم لها فأمثال هذه التصرفات لا يقر الآباء والأمهات عليها ، فرعاية المصالح في مثل هذه الأمور أمر ضروري ، ويجب أن يعطى كل ذي حقٍ حقه من غير إفراط ولا تفريط ، ومع الحرص على تقدير عواطف ومصالح الجميع ، وعلى عدم جرح شعور أحد من الأولاد ، وبهذا تستقر الأحوال وينعم الجميع بالطمأنينة وراحة البال، واستقرار الحياة بأسرها.
حقوق الأولاد
1- اختيار الأم الصالحة: (1/250)
صفحة 251
إن رعاية الآباء والأمهات لحقوق أولادهم هي رعاية لحقوق أنفسهم ، لأن حياة الأولاد امتداد لحياة أصولهم ، فهم ثمرات قلوب آبائهم وأمهاتهم وفلذات أكبادهم ، وكل منهم يعدّ فرعاً من أصله ، قال الشاعر:
وقلت شباب ابني شبابي وإنما
تحول شطر العمر مني إلى شطري
فالولد شطر أصله ، إذ هو جزء من أبيه وأمه كما قال عليه الصلاة والسلام: "إنما فاطمة بضعة مني"(1)، فلذلك كان ميل الآباء والأمهات إلى أولادهم ميلاً فطرياً ، ولا يعدم هذا الميل إلا ممن انطفأت جذوة الفطرة منه ، إن العناية بالحقوق المفروضة على الأصول للفروع هي عناية بمستقبل الأمة ، لأنه معقود بحالة ناشئتها ، فبقدر ما تكون هذه الناشئة على خير وصلاح واستقامة وبر وإيمان يكون المستقبل سعيداً ، وبقدر ما تكون هذه الناشئة على عكس ذلك يكون أيضاً مستقبل الأمة مستقبل شقاء ودمار، والأمم تقاس بشبيبتها ، فبقدر ما يكون عليه الشباب تكون النظرة إلى مستقبلها، فهم معيار رقيها وانحطاطها ، ومقياس تقدمها وتأخرها، لأنهم رجال المستقبل وأمل الغد وعُدة آبائهم وأمهاتهم، فمن هنا كانت العناية بتنشئة الناشئة على الخير والاستقامة من أهم الواجبات التي تُناط بالجميع ، وللآباء والأمهات النصيب الأوفر من هذا الواجب المحتوم، فإن هذا النشء أول ما ينشأ ينشأ في حضن أمه وكنف أبيه، فلذلك تنعكس عليه أخلاقهما وأفكارهما، فبقدر ما يكون عليه الوالدان من صلاح وبر وسلامة في الفكر واستقامة في السلوك يكون هذا الناشئ صورة إيجابية تعكس هذه الحالة التي هما عليها، وبقدر ما يكونان على خلاف ذلك؛ أيضاً ينعكس ذلك الأثر السلبي على هذا الناشئ أيضاً.
__________
(1) مسلم (6261). (1/251)
صفحة 252
والإسلام دعا إلى حسن الرعاية للأولاد سواءً الذكور أو الإناث ، فقبل كل شيء يُؤمر كلٌ من الأبوين أن يختار له شريكاً لحياته متصفاً بكل صفات الخير من صلاح واستقامة وبر ووفاء وإيمان وصلة بالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فالرجل يؤمر أن يختار المرأة الصالحة لتكون أماً لأولاده ومحضناً لهم ، كما روي في الحديث عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اختاروا لنطفكم فإن العرق دساس "(1) ، وجاء في الحديث أيضاً: "إياكم وخضراء الدمن. فقيل له : وما خضراء الدمن يا رسول الله ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء "(2) ومهما قيل من ضعف هذين الحديثين فإن معناهما صحيح والأخذ بهما مناط الحيطة والحذر، وفي المقابل أيضاً تؤمر المرأة بأن تختار أباً لأولادها صالحاً براً تقياً ، ويدل على ذلك حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عندما قال : " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفساد عريض "(3) ، وجاء عن أهل العلم أن من حق الأولاد على آبائهم أن يختاروا لهم أخوالاً صالحين لا يُعيّرون بشيء ، فإن المرأة كما قيل تلد أباها وأخاها، فكثيراً ما يكون الولد متأثراً بأخلاق أخواله ، وبأحوالهم الإيجابية أو السلبية.
__________
(1) مسند الشهاب ( 638 ) بلفظ " وانظر في أي نصاب تضع ولدك ، فإن العرق دساس " .
(2) مسند الشهاب ( 957 ) .
(3) الترمذي ( 1084 ) ، سنن البيهقي الكبرى ( 13259 ) . (1/252)
صفحة 253
إن المرأة الصالحة التي تنبت في المنبت الصالح كثيراً ما تؤثر على أولادها تأثيراً إيجابياً يدفعهم إلى مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، وتحب دائماً أن تعتز بأصولها الطيبة الكريمة ، فلذلك كثيراً ما تحرص على تذكير أولادها بمنبتها الصالح ومحتدها الطيب ، كما حصل للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه الذي ولدته أم صالحة نشأت في بيت صالح ، وترعرعت في بيئة صالحة ، فإنه –مع كون آبائه من بني مروان الذين عُرفوا بالجبر والظلم والانحراف عما كان عليه الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام والخلفاء الراشدون– كان لأمه تأثير بالغ في تربيته وإخراجه من سلوك آبائه إلى سلوك آبائها ، فقد تحول بعناية الله أولاً ثم بفضل تربيتها إلى مسلك الإسلام القويم ، هكذا شأن المرأة الصالحة عند الأولاد ، كما أن الأب الصالح يحرص أيضاً على أن يغرس في أولاده الصلاح والاستقامة والبر ، لأنه يرى الأولاد ثمرة هؤلاء ، فحياتهم –كما قلنا– امتداد لحياته ، ويرجو أن يناله من الأجر بعد وفاته من قبلهم ما لا يرجوه عندما يكونون على غير صلاح واستقامة وبر ، فمن هنا كانت عناية الإسلام باختيار الأم الصالحة للأولاد من قبل أبيهم ، واختيار الأب الصالح لهم من قبل أمهم أساساً لحسن تربيتهم، فإذا اجتمع الأب الصالح والأم الصالحة حصل الخير كله.
2- التربية من الخطوة الأولى: (1/253)
صفحة 254
الإسلام يأمر بأن يكتنف الولد بالرعاية الإيمانية من أول الأمر ، فالولد عندما يولد يؤمر بأن يُسمَع صوت الحق ونداء الإيمان وكلمة الإخلاص ، إذ يؤمر بأن يؤذن على أُذنه ليسمع قول الله أكبر ، أشهد ألا إله إلا الله ، أشهد أن مُحَمَّداً رسول الله ، ثم بعد ذلك يؤمر بأن يحاط بالرعاية ، وقد جاء في بعض الروايات –لا أعلم صحتها إلا أن الفطرة تقتضي العمل بها– أن يمطر الأولاد بالقُبل من قبل آبائهم وأمهاتهم(1) ليحسوا بالحنان والعطف من قبلهم ، ومن حق الولد على والديه أن يراعى ويبعد عنه الأذى ويجنب الأخطار ، ويوقى كل ما يُخشى عليه ، فإن الإنسان ينشأ أولاً ضعيفاً لا يملك أن يسوس نفسه ولا أن يجلب لها مصلحة ويدفع عنها ضراً ?اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ?(2) ، ومن ضعفه أنه أحوج من كل الكائنات إلى الرعاية ، فالطفل البشري يحتاج إلى الرعاية التي لا يحتاج إليها الصغير من أي جنس آخر ، وهذا من أجل ترسيخ مبادئ المدنية والاجتماع بين البشر ، فإن الجنس البشري خلق ليكون جنساً اجتماعياً يرتبط أفراده بعضهم ببعض ، ليتعاونوا فيما بينهم ، وليتكاملوا بحسب مواهبهم ، وإن من الحقوق الواجبة على الآباء تجاه أولادهم أن يقوموا بما يحتاجون إليه ، فالأب هو الكفيل بتغذية ولده وتوفير ما يحتاج إليه من ملبس وغيره ، أما الأم بحسب الفطرة تقوم بإرضاعه وحضانته ، وذلك الذي أرشد إليه الحق سبحانه في القرآن الكريم حيث قال: ?وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
__________
(1) جامع المسانيد والمراسيل للسيوطي (6908)، الجامع الأكبر، العريس للكمبيوتر.
(2) الآية رقم ( 54 ) من سورة الروم . (1/254)
صفحة 255
بِالْمَعْرُوفِ?(1) ، فهكذا يرشد القرآن إلى ما تقتضيه الفطرة وهو أن تقوم الأم بالإرضاع والحضانة ، على أن يقوم الأب برزق الولد وأمه وكسوتهما بالمعروف ، وبما يحتاجان إليه من مسكن ودثار ، ولا خيار للأب عن ذلك إذ ليس قيامه بذلك تبرعاً منه وإنما هو من وظيفته في حياة الأسر ، ومن الحقوق الواجبة عليه.
هذا ومن الحقوق التي تجب للأولاد أن يكون الآباء والأمهات قدوة صالحة لهم في الخير، لأن الولد –كما قيل– هو جوهرة صافية غير منقوشة ، فبقدر ما يكون عليه الوالدان من صلاح واستقامة يكون صلاح الولد ، أما عندما يكونان فاجرين والعياذ بالله ؛ فإن أثر فجورهما ينعكس عليه ، فمن هنا كان عليهما أن يعرّفاه بأنه جاء من غيب إلى شهادة ، وأن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - هو الذي أخرجه من العدم إلى الوجود ، وأن يذكّراه دائماً بنعمة الله تعالى التي أسبغها عليه وذلك بمجرد ما يصل إلى وعي وإدراك لأمثال هذه الحقائق ، وذلك يعني أن عليهما أن يعرّفاه قبل كل شيء بأن الله هو الذي خلقه وخلق هذا الوجود ، وأنه هو الذي يرزقه ويرزق كل موجود ، وأن منه المبدأ وإليه الرجعى ، وهو الذي يفيض النعم على الكائنات بأسرها ، فما من شيء في الكون إلا وهو مسخر بأمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، لينشأ الطفل من أول الأمر متعلقاً بالله ، وينبغي للأبوين عند قيامهما للصلاة أن يلفتا انتباه الطفل إلى أنهما يقومان إلى عبادة الله ومناجاته ، وأن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فرض هذه العبادة على عباده ، وأن من أداها على الوجه المشروع فاز بالسعادة يوم القيامة ، ومن قصر فيها فهو يبوء بالشقا والعياذ بالله إن لم يتدارك نفسه بالتوبة ، كذلك الواجبات الأخرى ؛ كالزكاة والصيام.
__________
(1) الآية رقم ( 233 ) من سورة ( البقرة ) . (1/255)
صفحة 256
ومن أساسيات التربية الحسنة تعويد الطفل على البر والإحسان، والعطف على الضعفاء، والرحمة بكل شيء حتى بالحيوان الأعجم، فعندما يعذب شيئاً من الحيوانات الصغيرة يزجر ويقال له بأن هذا لا يجوز، لأن الحيوان يتألم كما يتألم الإنسان، وأن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - خلق الحيوان للانتفاع به لا لتعذيبه، وتعذيبه يتنافى مع الرحمة التي تطلب من الإنسان، وأن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يرحم من عباده الرحماء.
ومما يجب اجتنابه في تربية الأولاد الكلام القبيح ، فالولد يجب أن يعامل من قبل أبيه وأمه بالحسنى ، ويعوّد سماع الحسن من الكلام لا القبيح ، فما يصدر من كثير من الآباء والأمهات من تقبيح أولادهم وندائهم بأقبح الكلمات ؛ كحمار وكلب وأمثال ذلك ، أمر يتنافى مع ما يجب أن يربى عليه الولد من الصلاح والاستقامة ، لأنه عندما يسمع هذه الكلمات من أبويه يعتادها ويألفها ويتعامل بها مع غيره لأن أبويه هما أقرب مثال يحتذيه ، مع أنه يطلب منهما أن يعوّداه البر والإحسان لا الإساءة ، ومن الإساءة أن يبادل غيره الشتائم وهجر الكلام.
ويجب على الأبوين أن يغرسا في ولدهما عادة الصدق في الحديث واجتناب الكذب في تعاملهما معه ، فإنه لا يجوز لهما في محاولة إلهائه عن شيء أن يعداه بما لا يفيان له به ، فلا يجوز لامرأة أن تقول لولدها : دونك كذا . كأنما تعطيه شيئاً من أجل أن تلهيه عن شيء آخر وهي لا تعطيه ، ولا يجوز أيضاً ذلك للأب ، فعليهما أن يتجنبا الكذب ، لأنهما عندما يكذبان على ولدهما ينشأ أيضاً هو على الكذب ، ويحسب ذلك شطارة ، ويحاول أيضاً أن يتفنن في معاملته للآخرين في الأكاذيب التي يمليها عليهم وهي من أسوأ العادات ، فإن المؤمن يطبع على الخلال كلها ليس الخيانة والكذب ، كما جاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومن شأن المؤمن أنه إذا حدث صدق ، بخلاف المنافق فإن من شيمته أن يكذب عندما يحدث. (1/256)
صفحة 257
كذلك مما يجب أن يعود عليه الولد الحرص على الحلال من الغذاء والملبس وغيرهما ورفض الحرام على أي حال ، ويبيّن له بأن الحرام يفضي إلى النار ، وأن اللحم الذي ينبت من السحت(1) فالنار أولى به ، ذلك ليعتاد الابتعاد عن محارم الله تعالى.
وعندما يصل عمره إلى أن تتفتح مداركه للتعليم يؤمر والداه أن يعلماه القرآن الكريم؛ كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ويعوّد تعظيمه، ويعرّف بأن هذا الكتاب هو كلام الله ، أنزله هدى للناس ، وهو نور الله المبين، والذكر الحكيم ، والصراط المستقيم ، وأنه يقود من اتبعه إلى الجنة ، ويدفع بمن خالفه وخرج عن سبيله إلى النار ، وتعليم القرآن في مقدمة الأشياء التي يؤمر الآباء والأمهات بأن يعلّموها أولادهم ، فقد جاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "علّموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يُتعلّم من علم الله هو"(2)، وجاء عنهما أيضاً: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه "(3) ، ويعرض على الولد من معاني القرآن بقدر ما يحتمله ذهنه وإدراكه وتستعد له مواهبه وطاقاته حتى يكون متهيئاً لأن يتلقى في مستقبله تفسير كتاب الله ، ويتعلم معارفه ويُعلم أيضاً ما يمكن أن يحتمله من العلوم النافعة التي تقربه إلى الله زُلفى ، هذا بجانب تعليمه ما يحتاج إليه من شئون دنياه، فإن الإسلام لا يعتني بجانب ويهمل ما عداه ، فلا يوفر للجانب الأخروي على حساب هذه الدنيا حتى لا تفسد على الإنسان دنياه ، فإنه عندما تفسد دنياه تفسد آخرته أيضاً ، وفي نفس الوقت لا يسمح الإسلام بأن يوفر للدنيا على حساب الآخرة، بحيث يعلم الإنسان ما يحتاج إليه لدنياه مع إهمال الجانب الأخروي في حياته، إذ الدنيا وسيلة للوصول إلى الآخرة ، والدار الآخرة هي الغاية التي يجب على الكل أن يحرص
__________
(1) السحت: القبيح الخبيث.
(2) الربيع ( 3 ) .
(3) البخاري ( 4739 ) ، أبو داود ( 1452 ) ، الترمذي ( 2908 ) . (1/257)
صفحة 258
عليها ، وقد جاء في بعض الآثار أن رجلاً اشتغل بتعليم ولده شئون الزراعة وأهمل تعليمه القرآن والأدب والعبادات والواجبات والمحرمات ، فلما كبر الولد واشتغل بالزراعة انقلب إلى أبيه في يوم من الأيام وأوجعه ضرباً ، فذهب الأب إلى أحد العلماء وشكا إليه ما صدر من ابنه، فقال له : إنما ذلك بما كسبت يداك ، فأنت علمته شئون الزراعة وأهملت تعليمه القرآن والأدب وما ينفعه ، وقد حسبك بعض بقر الزرع التي اعتاد ضربها . وهكذا تكون عاقبة إهمال التربية والتعليم ، أما عندما يبر الأب ولده في تعليمه وتنشئته وتعويده على الخير يعود عليه أثر ذلك في حياته وبعد مماته ، أما في حياته فيعوضه الولد البر والإحسان ، والقيام بما فرض الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عليه من حقوق تجاهه ، وأما بعد مماته فإنه يكون لسان دعاء له بالخير.
3- التربية على العبادة والأخلاق الفاضلة: (1/258)
صفحة 259
من الواجبات تعليم الولد العبادات عندما ينشأ ، فإنها هي الحبل الذي يجعل العبد موصول بالله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، وهي وقود العقيدة الحقة التي أمرنا الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن نعتقدها ليشع لنا من نورها دليل على معرفة أسرار الوجود ، لأنها عقيدة الحق الجامعة التي تتعلق بالله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - وتتعلق بالكون الذي خلقه الله وما يجري في هذا الكون في الآخرة والأولى ، فإن هذه العقيدة تستمد مددها من هذه العبادات التي شرعها الله، وفي مقدمتها جميعاً الصلاة ، فيؤمر إذا بلغ الصبي سبع سنوات أن يُعلم الصلاة، وأن يعوّد عليها ، وأن يحمل إلى المسجد مع ضبطه عن الفوضى والضجيج الذي قد يسبب إزعاجاً للمصلين في المسجد ، ولا يضرب على تركه إياها حتى يصل عمر عشر سنوات ، ففي الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أأمروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ، وفرّقوا بينهم في المضاجع"(1)، يأمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الحديث الشريف بأن يعلم الولد الصلاة عندما يبلغ سبع سنين ، وأن يضرب على تركها عندما يبلغ عشر سنين ، وإن كانت في هذه المرحلة أي عندما يكون ابن عشر سنوات غير واجبة عليه ، وإنما يضرب تعويداً لأدائها وحذراً من اعتياد إهمالها ؛ لأنه إن لم يحتمل أداء الصلاة قبل بلوغه الحلم فلا ريب أنه سيشق عليه ذلك عندما يبلغه ، ولذلك كان تعويد الولد على الصلاة من أهم الواجبات التي يؤمر بها الآباء ، ويضرب عندما يتركها بعد بلوغه عشر سنوات لئلا يعتاد التمادي في تركها إذا بلغ الحلم فيكون في عداد الكافرين، لأنه ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة.
__________
(1) أبو داود ( 495 ) ، المستدرك ( 708 ) . (1/259)
صفحة 260
ثم عندما يطيق الولد الصيام يجب على أهله أن يعوّدوه إياه بقدر استطاعته لينشأ معتاداً له ، لأجل ألاّ يشغله النهم بالطعام فيما بعد عما يفرضه الله عليه من الصيام.
ومن الأمور المهمة جداً في تربية الأولاد تجنيبهم رفقاء السوء ، فإن الرفقاء كثيراً ما يؤثرون على رفقائهم ، وللشيء على الشيء مقاييس وأشباه:
يقاس المرء بالمرء
إذا ما المرء ماشاه
فعندما يخالط الإنسان غيره كثيراً ما يتأثر بأخلاقه وسلوكه ، وكما يقول أهل العلم بأن رفيق السوء أخطر من إبليس ، فإنه يغري إغراءاً ظاهراً ، ويحاول أن يزين لرفيقه كل سوء يمكن أن يتلبس به ، وكثيراً ما يؤدي بالأولاد إلى أن يكونوا ضحايا لهذه الرفقة السيئة ، فإبعادهم عن الأشرار من أهم الواجبات التي تفرض على الآباء، لأن الآباء في هذه المرحلة هم الذين يشرفون إشرافاً مباشراً على تربية أولادهم ، وهم القادرون على توجيه الولد إلى اختيار الرفقة التي يرتضونها ، وكذلك سائر أوليائهم الذين يقومون حال عدم وجود الأب بتربيتهم ، أما الأم فإن عليها أن تحذر دائماً ولدها من رفقاء السوء ، ولكن تشق عليها المراقبة والمتابعة لأن إشرافها عليه محصور بداخل البيت ، وإنما عليها أن تكون رقيبة على بناتها لئلا ينحرفن مع رفيقات السوء، ومن رفقاء السوء من ينشأون في الترف ، فإن الترف من أخطر العوامل التي تهدد الأمة ، فالذي ينشأ مترفاً بين أبوين مترفين ؛ لا ينبغي للإنسان بأن يرضاه رفيقاً لولده ، بل عليه أن يحذره من صحبة هؤلاء ، وقد قال العلماء : إن من حق الولد على أبيه عندما يربيه أن يعوده الخشونة والصلابة لا الميوعة والترف . ومن ذلك قالوا: أن يعوّده الخشونة في الطعام واللباس والمركب لئلا يعتاد الترف . فالترف يؤدي إلى شر الدنيا والآخرة ، وقد سبق لي أن قلت بأن التقارب اللفظي بين كلمتي "الترف" و"التلف" يوحي بما بينهما من التآخي المعنوي والترابط السببي فإن غاية الترف التلف عاجلاً أو آجلاً ، (1/260)
صفحة 261
فإن الترف سبب لعذاب الدنيا والآخرة ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما ذكر عذاب الآخرة بعدما ذكر أصحاب الشمال قال فيهم : ?إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ?(1) ، وقال في عذاب الدنيا : ?حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ?(2) ، وقال : ?وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ( فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ( لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ? ذلك لأن المترفين يخلدون إلى الهوى ويركنون إلى الباطل لذلك كانوا في مقدمة المكذبين للمرسلين والمعارضين للمصلحين كما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: ?وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ?(3) ، وقال: ?وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ? ، وقال : ?وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ? ، وقال في معارضة المترفين للمصلحين : ?فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ
__________
(1) الآية رقم ( 56 ) من سورة ( الواقعة ) .
(2) الآية رقم ( 64 ) من سورة ( المؤمنون ) .
(3) الآية رقم ( 34 ) من سورة ( سبأ ) . (1/261)
صفحة 262
وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ ?(1)، فالذين ظلموا هم الذين ينهون عن اتباع الذين ينهون عن السوء، وهم من فريق المترفين ومن شأنهم أن يؤثروا على جلسائهم وقُرنائهم تأثيراً سيئاً، فعندما يقترن الطفل بالأطفال المترفين كثيراً ما يتأثر بهم ويطمح دائماً إلى أن يكون مثلهم ، ويغدو ويمسي وهو يتطلع إلى اليوم الذي يلبس فيه ما يلبسون ، ويأكل فيه ما يأكلون ، ويلهو فيه كما يلهون ، ويأتي فيه من الأعمال ما يأتون ، وهذا يؤثر آثاراً سلبية جداً.
إن الغزو المعاصر مما تبثه وسائل الإعلام المختلفة سواء المقروء منه والمسموع والمرئي لا سيما تلكم المحطات الفضائية المخصصة للترفيه بعرض أقبح صور الفحشاء والرذيلة مما يجب أن يحذر أثره السلبي على الأولاد ، وقد أصبحت وسائل الإعلام تتخطى جميع الحدود وتتجاوز جميع السدود وتحطم جميع القيود ، وتدخل على الناس في منازلهم بدون استئذان ، مع ما يبث فيها من خير أو شر ، ولعل الشر أكثر بكثير من الخير ، فالخير ربما يكون ضائعاً في خضم الشر، وهذا ما يجب أن يحذر في تنشئة الأولاد ، حتى ينشأوا على صلاح وبر واستقامة وتعلق بمعالي الأمور وتطلع إلى ما يعود بالمنفعة عليهم في دنياهم وأُخراهم.
__________
(1) الآية رقم ( 116 ) من سورة ( هود ) . (1/262)
صفحة 263
ومن البر بالأولاد أن يعَفٌّوا عندما يبلغون الحلم بالزواج الشرعي ، فمما ينبغي للأب أن يسارع إليه أن يقوم بتزويج أبنائه وبناته عندما يبلغون الحلم وتراودهم شهوات النفس ، ومما يؤسف له أن كثيراً من الآباء يرفضون جهلاً وعناداً تزويج بناتهم وولياتهم عندما يتطلعن إلى الأزواج ويرغبن في ذلك ، إما لأجل عصبية ؛ بحيث لا يريد الوليّ أن يزوجهن إلا الأقربين منه وهن لا يرغبن فيهم ، ولا يبالي بمشاعرهن وأحاسيسهن ، وإما لأجل الطمع فيما يناله من ورائهن من ثروة تأتيه من جهدهن وعملهن ، وهذا من أخطر عوامل الفساد والإفساد وأعمل المعاول في هدم الأخلاق ونقض الفضائل وتدمير الأسر والمجتمعات ، فإن في التزويج تلبية لداعي الفطرة بالطريق السليم الذي يفضي إلى حسن العاقبة ، لأنه طريق الفطرة والفضيلة ، وإذا لم يلب هذا الداعي على هذا النحو فإن الأمر إما أن يؤدي إلى ضغوط نفسية تؤدي إلى أمراض عصبية ونفسية لا تطاق ، وإما أن يؤدي إلى انفجار ليست له عاقبة إلا تحطيم جميع الفضائل والأخلاق ، وأول ما يتلطخ بعار ذلك ويكتوي بناره هم الآباء أنفسهم، فعليهم أن يتقوا الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - في أنفسهم وأولادهم ، وكما يجب عليهم أن يحذروا عاقبة فساد الإناث عليهم أن يحذروا عاقبة فساد الذكور أيضاً بالمسارعة إلى تزويجهم لأجل معونتهم على الإعفاف ، فهو مطلب مهم ينبغي أن يسارع إليه الآباء ، فإن فساد الذكور مصحوب بفساد الإناث ، فإن الذكر عندما يفجر إنما يفجر بأُنثى، ولئن كان كثير من الآباء الجهلة لا يرون في فجور أبنائهم عاراً عليهم ، فماذا عسى أن يقولوا عندما يفجر أبناؤهم ببنات غيرهم ، ويفجر أبناء الغير ببناتهم؟! فإن كل من خالف أمر الله لابد له أن يدفع ضريبة مخالفته التي يحس بفداحتها فيما بعد، ومن أخذ أعطى وكما تدين تدان ، والمغالاة في المهور مما يقف عائقاً أمام الشباب من الجنسين وما يتطلعون إليه من الإعفاف ، لذلك يجب على الكل (1/263)
صفحة 264
أن يتعاونوا على التقليل من المهور حتى لا يكون غلاء المهر حاجزاً بين الأولاد من الذكران والإناث وما تتطلع إليه نفوسهم من عفة وارتباط بمصيرٍ سعيد يجد فيه كل واحد منهم مناه ورغبته في الحلال الطيب الذي يغنيه عن الحرام.
ومن الفروض الواجبة على الآباء تجاه أولادهم العدل بينهم ، فإنه مطلب ضروري، بل قيل : إن على الآباء أن يعدلوا بين أولادهم الأطفال حتى في القُبل ، والرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بالعدل بين الأولاد، جاء عند الإمام الربيع بن حبيب: أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني أن رجلاً يسمى بشيراً أتى بابنه النعمان إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي. فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟" فقال: لا. فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تشهدنا إلا على الحق"(1)، وذلك يدل على أن العدل أمرٌ لابد منه، وهذا من دقة الإسلام في مراعاة مشاعر الأولاد ، فإن من شأنهم عندما يرون آباءهم يميلون إلى بعضهم ويؤثرون بعضهم على بعض أن تتأجج فيهم نار الحسد والبغضاء، وأن يحرص المحرومون منهم على التشفي من الموجدين ، وهذا أمر تشهد له أحداث التاريخ في حياة الإنسانية ، فأولاد يعقوب عليه السلام مع كونهم نشأوا في كنف بيت النبوة ، وكان أبوهم عبداً صالحاً ونبياً كريماً أخذهم الحسد لإحساسهم أن أباهم يؤثر عليهم في المحبة أخاهم يوسف ، وما كان إيثاره عليهم إلا لما يعلم من نجابته، ومن إعداد الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - له بأن يكون نبياً كريماً ، فهو رأى فيه من مخائل الخير ما لم يره فيهم ، فلذلك كان أثيراً عنده بحيث تبوأ في قلبه منزلة تفوق منازلهم ، وقد وجدت في نفوسهم البغضاء بسبب ذلك فكادوا له كيداً كما قص الله ذلك في القرآن، على أن العلماء صرحوا بأنه لا مانع
__________
(1) الربيع (595). (1/264)
صفحة 265
من أن يجزي الوالد بعض أولاده على مزيد بره به دون الآخرين ، فإن اختصاصه بشيء من المال أو الرعاية إنما هو لمكافأته على بره ولا يعد حيفاً ، ولا إيثاراً له على غيره ، وقد اختلف أهل العلم في الأم ، هل يلزمها ما يلزم الأب من العدل بين الأولاد أو أن لها أن تؤثر بعضاً على بعض؟ وبما أن العدالة المطلوبة بين الأولاد هي من أجل استئصال شأفة الحسد والقضاء على البغضاء وجمع الشمل واستلال السخائم والأحقاد من نفوسهم، فلا ريب أن أقل ما في الأمر أن تكون العدالة في حق الأم مندوباً إليها إن لم تكن واجبة بل يترجح الوجوب بقياس الأم على الأب، لأنهما مشتركان في الوالدية كما أن كلاًّ منهما يجب عليه تفادي ما يؤدي إلى الشقاق والبغضاء بينهم، فإيجاب العدالة عليها كإيجابها عليه لأن العلة واحدة، أما الذين لم يروا وجوبها عليها فقد اقتصروا في هذا الحكم على مورد النص لذلك رأوها في حقها أمراً مندوباً إليه ، وعلى أي حال فهي مطالبة بأن تعدل بين الأولاد. (1/265)
صفحة 266
ويؤمر الوالدان بأن يعينا أولادهما على برهما ، فلا يكلفوهم ما لا يطيقون ، ولا يلجئونهم إلى ما لا يودون ، ولا يحولوا بينهم وبين ما يريدون ، اللهم إلا لمصلحة دينية واضحة ، إن بعض أهل الجفاء والغلظة من الآباء والأمهات يكلفون أولادهم ما لا يطيقونه ، ولا يرضيهم منهم شيء ، ولو حاولوا برهم والإحسان إليهم ، فلا يزالون يشتكون منهم التقصير ، ويتضجرون من كل فعل يأتونه ولو كان حسناً ، بل ربما عدوا حسنتهم سيئة ، وهذا يعدّ إساءة من قبل هؤلاء إلى أنفسهم ، فإن الولد عندما ينشأ بهذه الحالة ويرى أن والديه لا يقنعهما منه شيء ، كثيراً ما يؤدي به ذلك إلى ردة فعل معاكسة وإلى عدم الاكتراث بهما وعدم القيام بشيء من حقوقهما، بل ربما أدى به ذلك إلى هجرانهما ، وهذه عاقبة سيئة يجني غلاظ القلوب من الآباء والأمهات ثمارها، وهذا أمر كثيراً ما يكون بسبب سوء التربية من الآباء والأمهات تجاه أولادهم، فالولد كما يقال هو مدل على أبيه بسبب حدبه عليه ، وهو في نفس الوقت يشعر بحاجته إلى عطف الأب عليه ، فإن كان عطوفاً تجاهه كان الولد عادة وفياً كريماً تجاهه ، قائماً بما يجب له من حسن الرعاية وأداء الحقوق اللازمة ، أما عندما يكون جافياً فإن الولد يكون أيضاً عاقاً معادياً ، فالأب والأم مطالبان أن يكونا عطوفين على ولدهما ، وهذا وإن كان أمراً فطرياً مركوزاً في طبيعة نفس كل واحد منهما إلا أن الانحراف الفطري كثيراً ما يؤدي بهما إلى الانحراف عن هذا الطبع السوي وان لا يباليا بالولد ومشاعره ، فرعاية الأولاد وحسن تربيتهم من جميع النواحي تؤدي إلى أن يكون هؤلاء الأولاد لبنات صالحة في بناء المجتمع الصالح والأمة الصالحة القوية، ولذلك كان ما يدعو إليه الإسلام من ذلك كله من الأسباب التي تضفي على الناس الاستقرار والأمن والطمأنينة ، فإن الولد عندما ينشأ منحرفاً عن الطريق السوي ينعكس انحرافه على مجتمعه لأنه جزء من هذا المجتمع ، فعندما (1/266)
صفحة 267
ينشأ لصاً أو قاطع سبيل أو سفّاكاً للدماء أو مفسداً متعلقاً بالرذائل ؛ ينعكس ذلك على أمته وخاصة على مجتمعه ، وعندما يكون بخلاف ذلك يكون المجتمع صالحاً وتكون الأمة التي ينتمي إليها قوية تزدان به مجداً وشرفاً وعزاً وسودداً ، لأن أمجاد الأمم بقدر ما يكون عليه أبناؤها من صلاح واستقامة وبر وإيمان وطموح وسعي وترابط بينهم، فالحرص على حسن تربية الأولاد مما ينعكس ظلاله الإيجابية على الأمة بأسرها ، فمن هنا كان الواجب على الجميع أن يتعاونوا على إصلاح الناشئة والأمة.
فإن هذا الواجب مفروض على الآباء والأمهات ، ثم هو مفروض على المدرسة ؛ بكل من فيها من المدرسين أو المدرسات والقائمين بشئون التربية جميعاً ، وهو مفروض على المجتمع بأسره ، كما أن وسائل الإعلام يجب تطهيرها من كل ما علق بها مما هو عكس الغاية التي ينشدها الإسلام في أبنائه ، وكذلك على المجتمع بجميع فئاته أن يتعاون على ذلك ، فيحرص دائماً على تطهير جميع أبنائه من الرذائل ، وتسوية كل ما عسى يكون بينهم من الخلافات ، والقضاء على كل ما يؤدي إلى التفكك وعدم التكافل فيما بين أفراده وأعضائه ، هذه هي غاية التربية الصالحة لجميع الناشئة تعود آثارها الإيجابية على جميع الأمة.
حقوق ذوي القربى
1- صلة القربى مطلب فطري وتشريعي: (1/267)
صفحة 268
الإسلام هو الحل الوحيد للإنسانية في مشكلتها التي ترزح تحت نيرها ، والتي تعقدت في هذا العصر إلى حد أن أصبح الإنسان هائماً في متاهات هذه الحياة لا يدري ما هي مهمته فيها ، ولا من أين جاء وإلى أين ينتهي ؟ وإنما يسير مع السائرين في دربه هائماً على وجهه ، اللهم إلا الذين استناروا بنور الله تعالى واستبصروا بهداه، وبما أن الأمة الإسلامية هي التي عندها الحل الوحيد لهذه المشكلة عليها أن تقدمه إلى الإنسانية الحائرة الضالة، والإسلام الحنيف هو دين الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - الحق الذي اصطفاه جعله سبحانه جامعاً للشتات البشري لأنه ملبٍ لحاجات الفطرة البشرية، لأنه في الحقيقة استجابة إلهية لداعي الفطرة، وذلك لأن الفطرة فطرة الله والدين نظامه، وقد صدق سبحانه حيث قال : ?فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ?(1)، وقد سبق غير مرة أن قلت : إن الإنسان خلقه الله تعالى اجتماعياً بفطرته ، مدنياً بطبعه، فلذلك كان كل فرد من أفراد هذا الجنس بحاجة إلى الآخرين على اختلاف طبقاتهم ومواهبهم التي يتمتعون بها ، سواء كانت كسبية أو وهبية ، وبما أن الإسلام يرعى دائماً الجانب الاجتماعي كما يرعى سائر الجوانب في الكائن البشري ، أمر الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بإيتاء ذوي القربى حقهم ، فإن الحقوق الواجبة لهم كثيرة متنوعة ، فقد رعى الإسلام جانب القرابة ، وأكد على المحافظة على هذه الوشيجة التي تشد الإنسان إلى أخيه الإنسان ، فإن علاقة القرابة هي علاقة تكوينية جعلها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - سبباً لجيشان العاطفة في كل فرد لتشده إلى ذوي قرباه ، وقد أكد الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - في أكثر من موضع في كتابه العزيز على هذا
__________
(1) الآية رقم ( 30 ) من سورة ( الروم ) . (1/268)
صفحة 269
الحق الواجب ، ومن ذلك قوله : ?وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ?(1)، وقوله : ?لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ?(2) ، فترون أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ذكر من أركان البر العملية أول ما ذكر بعد الإيمان إيتاء ذوي القربى حقوقهم من الأموال ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يأمر بأن تتقى الأرحام كما أمر بأن يتقى هو حيث قال : ?وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا?(3) ، كما بيّن - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن التولي عما أمر به مدعاة لتقطيع صلة الرحم التي تشد القريب إلى قريبه، وتصل بين نفسيهما وتمزج بين مشاعرهما، وذلك في قوله: ?فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ?(4)، ثم بيّن عاقبة هؤلاء وعقوبتهم التي يستحقونها عنده حيث قال: ?أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ?، ثم أتبع ذلك قوله: ?أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا?(5) ، وكذلك نجد في كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ما يدل على أن هذه هي وصية الله - عَزَّ وَجَلَّ - للأمم السابقة عبر الرسالات التي جاءت من
__________
(1) الآية رقم ( 26 ) من سورة ( الإسراء ) .
(2) الآية رقم ( 77 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الآية رقم ( 1 ) من سورة ( النساء ) .
(4) الآية رقم ( 22 ) من سورة ( مُحَمَّد ) .
(5) الآية رقم ( 24 ) من سورة ( مُحَمَّد ) . (1/269)
صفحة 270
عنده - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - إليهم ، فيقول: ?وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً? (1)، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ذكر الإحسان إلى ذوي القربى من ضمن ما ذكره مما أخذ عليه ميثاق بني إسرائيل من قبل ، كل ذلك يدل على أهمية رعاية ذلك الجانب.
إن الإسلام الحنيف عندما يعطي هذا الجانب هذه الأهمية الكبرى، ويؤكد التأكيد تلو التأكيد على وجوب المحافظة على حقه، إنما يرعى بذلك المصالح البشرية، لأن امتزاج حياة الناس وتشابك مصالحهم يستلزم رعاية هذه الحقوق لاستيفاء علاقات الود بينهم ، وعندما تكون الصلة بين الأقربين مشتتة ، فمن بدهيات الأمور أن تكون بينهم وبين غيرهم أشد تفككاً ، كما هو واقع الأمم البعيدة عن الإسلام ، التي نضبت فيها العواطف وغارت ينابيع الرحمة في نفوسهم ، فلم يعد الإنسان تجاه الإنسان إلا سبعاً فاتكاً ضارياً يتربص به الدوائر في كل وقت ، أما مع وجود هذه الصلة وجيشان هذه العاطفة وتدفق معين الرحمة التي تشد القريب إلى القريب، وتغمر بدافق سيبها(2) المدرار جميع ذوي القربى ، فإن ثمرة ذلك أن تكون الصلة بين الناس صلة مرحمة ووفاق وتعاون وتلاحم ، فيعم ذلك الخير شرائح المجتمع والأمة وتجني الإنسانية ثماره الطيبة ، هذا الذي حصل في العهود الإسلامية الغابرة ، عندما كان المسلمون آخذين بحجزة هذا الدين ، مستمسكين بحبله المتين ، غير مفرطين في شيء من أوامر الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ونواهيه.
__________
(1) الآية رقم ( 12 ) من سورة ( المائدة ) .
(2) السَيْب: العطاء والمطر، والمقصود هنا العاطفة الجياشة. (1/270)
صفحة 271
ولئن كان القرآن الكريم يؤكد على وجوب مراعاة هذه الصلة بين الناس، فإن حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذي هو في حقيقته امتداد لنور القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام جاء بما فيه تأكيد الحض عليها والتحذير من التفريط فيها ، فقد روى الإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر قال: بلغنا عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "قال الله تعالى: من وصل رحمه فقد وصلني، ومن قطع رحمه فقد قطعني"(1) وروى جابر بن زيد عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "قال ربكم خلقت الجنة عرضها السموات والأرض وأقسم ربنا لا يدخلها قاطع لرحمه ولا مدمن خمر ولا ديوث"(2)، وقال الربيع: قال أبو عبيدة: رغب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في زيارة القرابة وعيادة المرضى، وقال: "لو علمتم ما فيهما من الأجر ما تخلفتم عنهما، والله يكتب بكل خطوة من ذلك عشر حسنات"(3)، وأخرج الترمذي وأبو داود عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "قال الله تعالى : أنا الله الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته " ، وليس مفاد ذلك إلا أن مكانة عالية للرحم عند الله ، فلأهميتها ولعظم شأنها في موازينه ، شق لها اسماً من اسمه ، فاسم الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - الرحمن يؤذن برحمته تعالى بعباده ، وسمى هذه العلاقة التي بين عباده رحماً من أجل أن تكون مصدر رحمة فيما بينهم ، بحيث يرعى كل واحد جانب الحق فيها ، فيؤديه طواعية غير مبال بما يترتب على ذلك من التكاليف البدنية والمالية ، ومن حيث إن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - رفع شأن الرحم إلى هذه المنزلة الرفيعة العالية ، بحيث شق لها اسماً من اسمه، فإن من وصل الرحم
__________
(1) الربيع (735).
(2) الربيع (962).
(3) الربيع (653). (1/271)
صفحة 272
حقيق بأن يكون موصولاً به ، ومن قطعه فحقه أن يقطعه - عَزَّ وَجَلَّ - ، وقد أخرج البخاري من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن الرحم شُجنة من الرحمن معلقة بالعرش ، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله"، والشجنة فسرها علماء اللغة بالصلة ، ويفسرونها بالقطعة ، والمراد بكونها شجنة أنها اشتقت من اسم الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - الرحمن كما دل على ذلك الحديث الآخر الذي ذكرناه من قبل من رواية عبد الرحمن بن عوف ، فإذن من رعى هذه القطعة التي اشتقت من اسم الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يكون راعياً لأمر الله، ومن كان معرضاً عن رعايتها فهو فيما عداها معرض أيضاً عن أمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فلذلك كان الواصل لها موصولاً من قبل الله ، والقاطع لها مقطوعاً منه تعالى ، وجاء في رواية البخاري ومسلم من طريق أبي هريرة أيضاً أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " إن الله خلق الخلق فلما فرغ منهم تعلقت الرحم بحقو الرحمن، قال : مه؟ قالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال : ألا ترضين أن أصل من وصلك ، وأن أقطع من قطعك ؟ قالت : بلى، ثم تلا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قول الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : ?فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا?(1).
__________
(1) الآية رقم ( 24 ) من سورة ( مُحَمَّد ) . (1/272)
صفحة 273
والحديث جاء بأسلوب الاستعارة التمثيلية، فإن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - منزه عن مشابهة خلقه في أي شيء، وليس هو موصولاً بشيء، ولا منقطعاً حسياً عن شيء، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وإنما المراد بذلك ما دلت عليه الروايات الأخرى من أن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - جعل الرحم موصولة باسمه الرحمن، فذلك معنى تعلقها بحقو الرحمن، أي هي متعلقة بهذا الاسم، لأنها موصولة بهذا الاسم العظيم من أسمائه تعالى، والعرب كثيراً ما تقول في كلامها أخذت بحجزة هذا الأمر، والأمر ليست له حجزة حقيقية، فإن الحجزة هي معقد الإزار، كما يقال فيمن استمسك بدين الله أخذ بحجزة دينه، هذا هو معنى هذا الحديث الشريف. (1/273)
صفحة 274
وجاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند البخاري ومسلم أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " الرحم معلقة بالعرش ، تقول من وصلني وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله " ، وفي حديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود من طريق أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " من شاء أن يبسط عليه في رزقه وينسأ عليه في أثره فليصل رحمه " ، والحديث أخرجه البخاري من طريق أبي هريرة أيضاً بلفظ : " من شاء أن يبسط الله في رزقه ، وينسأ له في أثره فليصل رحمه"، وهو واضح أن صلة الرحم كما أنها سبب الفوز بخير الآخرة ، من حيث إن الله تعالى يتغمد فيها واصليها برحمته ومرضاته ، هي أيضاً سبب للوصول إلى خير الدنيا، فإن الله تعالى ببركة هذه الصلة التي تكون بين الأرحام ، ورعاية بعضهم لحق بعض ؛ ينسئ لهم في آثارهم ، بما يجعله من البركة في أعمارهم ، وما يمنّ عليهم به ذرية طيبة يخلد بها ذكرهم وتمتد بها أعمالهم ، لأن أعمالهم الصالحة تعود أيضاً بالخير إلى آبائهم ، بسبب كونهم سبباً في صلاحهم واستقامتهم ، ومع ذلك أيضاً يبسط الله تعالى لهؤلاء في أرزاقهم ، فتنمو ببركة هذه الصلة التي تكون بين الأرحام والأقارب. (1/274)
صفحة 275
وفي حديث أخرجه الترمذي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، فإن صلة الرحم مجنة في الأهل ، ومسراة للمال ، ومنسأة في الأثر " ، ومعنى كون صلة الرحم مجنة في الأهل أن الإنسان عندما يصل رحمه يأمن غائلته(1)، لأن قلب ذلك الرحم الموصول يبقى مشدوداً إليه ، فتتعاطف القلوب وينبجس(2) منها التراحم فينشأ عنه التلاحم فيما بينهم ، فتزول أسباب القطيعة وتتلاشى بواعث الإظغان ، فيكون كل واحد منهم حامياً حمى الآخر ، ولا ريب أن ذلك جُنة لهم من الفتنة التي تقع بين الأهلين والأقارب، وتمتد ألسنة ضرامها إلى المجتمع كله عندما تستوقد نارها ، كذلك جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - صلة الرحم مسراة في المال فإنه تعالى ينميه ببركة ما يكون بين الأرحام من عطف بعضهم على بعض ، وصلة بعضهم لبعض ، ويجعل الله تعالى أيضاً ذلك منسأة في الأثر ، وذلك بما يجعله من بركة في أعمارهم وأعمالهم وذريتهم، فتمتد بذلك آثارهم، ذلك كله ببركة الصلة التي تكون بين الأرحام ، بل جاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يدل على أن الصدقة التي يتصدقها الإنسان على ذي رحمه يكون أجرها مضاعفاً ضعفين ، إذ تجمع بين ثواب الصدقة على المسكين والصلة لذي القربى ، فقد أخرج النسائي من رواية سلمان بن عامر رضي الله عنه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : "الصدقة على المسكين صدقة ، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة" ، كما يدل على ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود من رواية أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها أنها أعتقت وليدة لها ، ولم تستأذن في ذلك رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فلما كان اليوم الذي فيه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معها قالت له: يا
__________
(1) الغائلة: الداهية.
(2) ينبجس: ينبع بشدة. (1/275)
صفحة 276
رسول الله أشعرت أنني أعتقت وليدتي ؟ قال لها - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أفعلت ؟ قالت : نعم ، فقال لها عليه أفضل الصلاة والسلام : " لو وهبتها أخوالك لكان ذلك أعظم لأجرك"، هذا مع أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحض على العتق ، لأن عتق الرقاب من أعظم القربات إلى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، لذلك شرع في شتى الملابسات ، وجعله كفارة للكثير من الخطايا ، وقُدمت هذه الكفارة على سائر الكفارات في العديد من الأحوال ، إلا أن صلة الرحم مع ذلك أعظم أجراً ، فلذلك قال لها النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لو وهبتها لأخوالك لكان ذلك أعظم لأجرك ، كل ذلك يؤذن بعظم حق هذه الصلة ، وبما لها من أثر حميد عندما تراعى ، وبأنها رابطة مقدسة عند الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يجب الحرص على رعايتها وعدم التفريط فيها في أي حالٍ من الأحوال.
2- حدود صلة الرحم: (1/276)
صفحة 277
اختلف الفقهاء في الحدود التي تجب فيها الصلة بين الأرحام ، بين موسع ومضيق ، ونحن نجد أن أحاديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم تنص على حد معين تقف عنده هذه الصلة أو ينتهي إليه وجوبها فيما بين الأقارب ، إذ لم يذكر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنها تجب إلى عدد كذا من الجدود ، وإنما نظر العلماء ذلك وبنوا آراءهم على ما انقدح في أذهانهم من الاستحسان ، وقد اختلفوا إلى أقوال متعددة ، كل أحد ذهب إلى قول منها بحسب ما تراءى له من استحسان ، وقد وقع الخلاف بين أهل العلم ؛ هل تكون هذه الصلة ذات أثر عندما يختلف الدينان ، أي عندما يكون ذو الرحم على غير ملة الإسلام ، هل على المسلم القريب منه أن يصله أو لا، ونرى أكثر فقهائنا يقولون بأن الشرك قاطع ما بين ذي الرحم ورحمه فلا تجب الصلة لذي الرحم المشرك ، وهناك قول آخر قاله آخرون وهو أن الشرك لا يقطع ما بينهما من حق الصلة الواجبة ، فلو كان أحد الاثنين على ملة الإسلام والآخر على ملة أخرى من ملل الشرك فإن على المسلم أن يصل قريبه غير المسلم ، وهذا القول أجدني أأنس إليه كثيراً لكثرة ما يؤديه من الأدلة، وهي وإن لم تكن ناصة عليه إلا أنها كافية لترجيح هذا الرأي.
أولها : أن الآيات التي نصت على حقوق الأرحام ليس فيها تقييد وجوب هذه الحقوق في الإسلام وإنما هي مطلقة لم تفرق بين مسلم وغيره. (1/277)
صفحة 278
ثانيها : قياس حقوق الأرحام على حقوق الوالدين وإن تفاوت قدرها بجامع أن كلاً منهما يجب مراعاة للحمة النسب وذلك أن الشرك لم يقطع وجوب الحق على الولد لوالديه ، فيجب عليه أن يرعى ما لهما من حق ولو في حالة شركهما ؛ لأن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - نص على ذلك في قوله : "وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إليّ "(1) ، فقد أمر الإنسان بمبرة والديه ولو كانا يدعوانه إلى الإشراك بالله وإنما مبرتهما بأن يصحبهما في الدنيا بالمعروف ، وصحبتهما بالمعروف تعني أن يؤدي لهما حق الأبوة والأمومة من حيث البر وحسن الرعاية والتلطف من غير أن يكون شيء على حساب العقيدة والدين ، بحيث لا يواليهما على شركهما ، وإنما يبرأ إلى الله منهما لإصرارهما على الشرك به وذلك لقوله تعالى : " لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم "(2) ، فإن الشرك بالله أعظم محادة له ، ولقوله تعالى : " قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله" إلى أن قال "لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله غني حميد"، وذلك لا ينافي أن يصحبهما في الدنيا بالمعروف لقوله تعالى : " وصاحبهما في الدنيا معروفا " ، ولئن كانت الصلة بين الوالدين والولد لم يقطعها الشرك بالله ، فكذلك الصلة بين المسلم وذوي الأرحام من أهل الشرك لأنها قائمة على العلاقة النسبية.
__________
(1) الآية رقم ( 15 ) من سورة ( لقمان ) .
(2) الآية رقم ( 22 ) من سورة ( المجادلة ) . (1/278)
صفحة 279
ثالثها : أنه يُستأنس لذلك بأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمر في حالة مواجهته للمشركين أن يذكرهم بما بينه وبينهم من القرابة وذلك في قوله تعالى : " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى"(1).
رابعها : ما أخرجه البخاري ومسلم من طريق عمرو بن العاص أنه قال : " سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول جهاراً : " غير أن آل أبي –يعني فلاناً– ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين " ، وجاء في رواية البخاري عن عنيسة بن عبدالواحد عن بيان عن قيس عن عمرو بن العاص أنه زاد على ذلك أنه عليه أفضل الصلاة والسلام قال : " لكن لهم رحم أبُلها ببلالها"، وهذا مما يدل على أن هؤلاء مع كون النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبرأ إلى الله تعالى منهم ومن ولايتهم لعداوتهم لله كان لا يزال يرعى رحمهم ، ولا ريب أنهم كانوا إما مشركين وإما منافقين، وعلى كلا الحالين هم ليسوا من الإسلام في شيء ، ولكن مع ذلك أخبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأن الرحم التي بينه وبينهم يبلها ببلالها ، أي يحرص أن يصلها مراعياً لحرمتها.
__________
(1) الآية رقم ( 23 ) من سورة ( الشورى ) . (1/279)
صفحة 280
خامسها : أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال كما جاء في حديث أخرجه مسلم من طريق أبي ذر رضي الله تعالى عنه : " إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط " ، وفي رواية " إنكم ستفتحون مصر وهي يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم رحماً وذمة "(1) ، ولم يكونوا عندما وصى بهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ملة الإسلام ، وعندما فتحها المسلمون كذلك لم يدخلوا جميعاً في الإسلام ، ومع ذلك نبه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ما لهم من رحم عنده ، وذلك بسبب كونه عليه السلام من ذرية إسماعيل ، وأم إسماعيل هاجر عليها السلام من مصر ، والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عندما وصى المسلمين برعاية هذه العلاقة لم يقيد وصيته بالإسلام ، إذا لم يقل لهم استوصوا بمن أسلم منهم خيراً ؛ وإنما أمر بأن يحسنوا إليهم جميعاً وفي بعض الروايات " فإن فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمةً ورحماً"، ذلك يدل على أن الرحم تُراعى ولو مع اختلاف الملة ، هذا ومما يعز ذلك أنني وجدت رواية أن أم المؤمنين صفية رضي الله تعالى عنها أوصت بشيء من مالها لابن أخ لها يهودي(2) ، وهو يدل على أن الصحابة رضوان الله تعالى عنهم كانوا يرعون حق الرحم ، وإن كان الرحم على غير ملة الإسلام ولم أجد ما يدل على أن أحداً منهم أنكر ذلك أو خالفه.
هذا ومن أقوى الأدلة وجوب صلة الرحم غير المسلم قياس حقه على حق الجار غير المسلم فكما أن الكفر والإشراك لا يسقطان حق الجار فكذلك حق الرحم لأن القرابة منشأ هذا الحق كما أن الجوار منشأ حق الجوار.
__________
(1) مسلم ( 2543 ) .
(2) سنن البيهقي الكبرى ( 12431 ) . (1/280)
صفحة 281
هذا وقد اختلفوا اختلافاً كثيراً في حدود الأرحام الذين تجب صلتهم فمن العلماء من قال : يجب وصل الرحم ولو كان اجتماع نسب ذوي الأرحام بعد جدود بعيدة ما لم يكن هنالك قاطع من الشرك . وهذا مبني على رأي الأكثرين أن الشرك يعتبر قاطعاً، ومنهم من قال : تجب صلة الرحم إلى عشرة جدود . ومنهم من قال : بأنها تجب إلى سبعة جدود . ومنهم من قال : إلى خمسة . ومنهم من قال : إلى أربعة . وهو الذي اختاره صاحب النيل رحمه الله تعالى ولم يذكر دليلاً يرجحه ، ومنهم من قال : إلى ثلاثة . ومنهم من قال : تجب الصلة بين المتوارثين . وهذا قول من يضيّق هذا الواجب، وهو قول بعيد عن الدليل ، فإن الأدلة تدل على أن صلة الرحم لا تكون بين المتوارثين فحسب ، ولعل هؤلاء يستدلون بقول الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : " وعلى الوارث مثل ذلك"(1)، ولكن ليس في ذلك دليل على أن صلة الرحم تنحصر بين الوارثين ، وإنما غاية ما تدل عليه الآية الكريمة أن الوارث عندما يعجز عن القيام بموؤنته ؛ عليه أن يكفله ، ولا تدل بحالٍ على أن الصلة لا تنحصر فيما تشير إليه الآية من كفالة العاجز عن النفقة وإنما هي أعم من ذلك بحيث تشمل التواصل بالأموال والأبدان والمشاركة في الأفراح والأتراح إلا بين المتوارثين من الأقارب.
__________
(1) الدارمي ( 3298 ) . (1/281)
صفحة 282
والأحاديث التي ذكرناها من بينها قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لميمونة رضي الله تعالى عنها : " لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك "(1) دليل على أن هذه الصلة لا تنحصر بين الوارثين فقط ، فإن الأخوال لا يرثون كما لا يرثهم أولاد الأخوات، وكذلك قول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أولئك الذين قال عنهم أنهم ليسوا له بآل: "ولكن لهم رحم أبلها ببلالها "(2) هو دليل أيضاً على أن هذه الصلة تتعدى الوارثين إلى غيرهم ، وأكثر من ذلك وصيته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأهل مصر ، مع أن الرحم التي بينه وبينهم بعيدة المدى ، فإنه دليل على أن حق الرحم يتجاوز الوارثين إلى حدود أبعد منهم ، ولكن يتفاوت هذا الحق بتفاوت مدى القرابة ، فكل من كان أقرب كان أعظم حقاً.
__________
(1) البخاري ( 2452 ) ، مسلم ( 999 ) .
(2) سبق تخريجه . (1/282)
صفحة 283
هذا ونجد في كتاب الله العزيز الدليل الواضح على أن هذه الصلة لا تنحصر بين الوارثين فقط ، بل تتجاوزهم إلى من عداهم ، وذلك أن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قال : " كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين "(1) ، وذلك حيث أمر بالوصية للوالدين والأقربين ، عندما كانت أحكام المواريث غير مفصلة في الكتاب ، ولكن بعدما فُصلت وأُعطي الوالدان وكل ذي نصيب في الإرث ما يستحقون مع ثبوت الحديث وانعقاد الإجماع أنه لا وصية لوارث ؛ بقيت الوصية للأقربين الذين لا يرثون مشروعاً لهم غير منسوخ بشيء ، ولئن كانت هذه الصلة بين القريب وأقربائه واجبة عندما يموت الميت وبيده شيء من الخير أي المال، بحيث يجب عليه أن يوصي لهم بشيء من ماله قبل موته ، فكيف بالصلة في الحياة؟!، لا ريب أنها أعظم وأجدر بأن تراعى ، ذلك لأنه ما جعل الله تعالى هذه الصلة موصولة بين القريب وأقربيه الذين لا يرثونه حتى عند احتضاره إلا لأجل عمق وجوبها في الحياة بحيث تستمر إلى آخر لحظة فيها.
3- صلة القربى شاملة:
__________
(1) الآية رقم ( 180 ) من سورة ( البقرة ) . (1/283)
صفحة 284
هذه الصلة واجبة للكل من الأرحام من واصل وقاطع، لا تجب على القريب لمن يصله فقط بل تجب على كل قريب لكل قريب وليست مكافأة على المواصلة وإنما هي حق مشروع لذات القرابة نفسها، ودليل ذلك ما أخرجه البخاري من طريق عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : " ليس الرحم بالمكافئ ولكن من إذا قطعت رحمه وصلها " وأخرجه أبو داود والترمذي بلفظ "ولكن من إذا قطعت رحمه وصلها " ، فالإنسان يؤمر بأن يكافئ من لم يصله لا بمثل صنيعه ولكن بعكسه، أي أن يكافئه على القطيعة بالصلة ، ولا يعني ذلك أن من وصل واصله لا ثواب له على صلته وإنما المراد أنه يجب على ذي الرحم أن لا يحصر صلته في واصله فحسب ، وقد شدد العلماء في ذلك وقالوا بأن على الإنسان أن يصل رحمه ولو هدده بالقتل، ولكن لا على أن يعرض نفسه للموت أو الأذى وإنما بطريق الملاطفة ، بأن يرسل إليهم الهدايا والسلام والرسائل حتى يتلطف بهم ، فإن عادوا إلى الرفق وزالت الشحناء من قلوبهم وصلهم بنفسه ، هكذا نص أهل العلم ، كذلك نجد في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يدل على أن من فعل ذلك كان له على أولئك الذين قطعوه ظهير من الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فمن وصل قرابة تقطعه يكون له معين من الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، أي يسخر له - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ما يعينه وينصره عليهم ، أو أن الله تعالى نفسه يكون نصيراً له عليهم بسبب إحسانه وبره ، فقد جاء في حديث أخرجه مسلم من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلاً قال لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني ، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ ، وأحلم عليهم ويجهلون عليّ، فقال له رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لئن كنت كما قلت فكأنك تسفهم الملّ(1)
__________
(1) الملّ: الرماد الحار، وتسفهم الملً: أي تَجعل وجُوههم كلوْن الرماد، وذلك كناية عن تغلبه عليهم. (1/284)
صفحة 285
، ولئن بقيت على ذلك فلا يزال لك عليهم من الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ظهير"، وهذا معناه أن الإنسان يؤمر بأن يتوكل على الله في مواصلة رحمه ، ولو كان رحمه قاطعاً له.
وهذه الصلة لا تتقيد بزمان ، وإنما هي بحسب ما يمكن أن يكون بين الأقربين من التواصل ، على أن الإنسان دائماً يؤمر بأن يكون قلبه موصولاً بأقربيه بحيث ينوي في قرارة نفسه عدم قطيعتهم ، وإن هنالك من العلماء من توسع فيها ، وقال بأنه يكفيه أن ينوي عدم القطيعة ، والصحيح أن الصلة المطلوبة صلة عملية وهي التي تشد القريب إلى القريب ، ويدل على ذلك ما أمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في كتابه من إيتاء المال ذوي القربى ، وتقديمه لهم على المساكين وابن السبيل واليتامى ، وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أن الصلة لا تنحصر في النية وحدها ، وإنما هي صلة عملية، فالصلة العملية مطلوبة بقدر الإمكان. (1/285)
صفحة 286
وقد قال العلماء بأن الصلة تكون في الفرح والترح ، والمسرة والحزن ، فعندما يفرح القريب لمناسبة سارة ، سواء كانت عامة تشمل الجميع كالأعياد ، ينبغي للقريب القادر أن يصله ويذهب إليه ، أو كانت خاصة كالأعراس وقدوم غائب ، يؤمر القريب في هذه الحالة إن استطاع أن يذهب إلى قريبه ويظهر له المسرة ، وكذلك في المصائب ، كأن يصاب في حميم له كولد أو أخ أو زوجة أو نحو أولئك، يؤمر القريب أن يصله ويعزيه ويظهر له المواساة ، وذلك أيضاً بقدر الاستطاعة ، مع كونه في قرارة نفسه ينوي أن تكون الصلة مستمرة ، وكذلك عندما يصاب قريبه أو أحد أولاده أو سائر أحبائه بمرض ، يؤمر أن يصله عائداً للمريض ، فإن المسلمين يجب عليهم أن يترابطوا بينهم ، وأن يشد بعضهم أزر بعض ، لا أن يفت بعضهم في عضد بعض، وأن يفرحوا جميعاً بنصر الله تعالى للمؤمنين ، وقطع دابر القوم الكافرين ، فإن ذلك من مقتضيات الولاية بين المؤمنين ومستلزمات عداوة الكافرين حسبما يقتضيه قول الله تعالى : "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" ، وقوله : " لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله". (1/286)
صفحة 287
والصلة كما تجب للرجال وعليهم كذلك تجب للنساء وعليهن، وقد قال العلماء بأن الرجل يؤمر أن لا يمنع زوجته وابنته من أن تصل رحمها، لأن ذلك حق واجب عليها، فيؤمر أن يسمح لزوجته وابنته بصلة رحمهما مع أمن الفتنة لا مع خوفها، وإن منع الرجل امرأته أو ابنته من وصلهما لرحمهما فإنهما ينويان الوصل في قرارة نفسيهما، وعليهما أن يصلا بما يمكنهما من السلام أو الهدية، وكذلك الرجل يؤمر بأن يصل قريبته ولو بالوقوف على باب بيتها والسؤال عنها، أو بإرسال امرأة أو طفل إليها، كما نص على ذلك العلماء، ومن تشديد بعض العلماء في ذلك أن منهم من قال: من مر بمنزل فيه قريبته فلم يصلها فقد قطع. أي مر بقرية أو بمكان فيه قريبة له، واستعجل في المرور ولم يصلها، ولو بالوقوف على باب بيتها والسؤال عنها، فإنه يعد في هذه الحالة قاطعاً لرحمه، والمبالغة في هذا القول ظاهره ، فقد تكون الظروف غير مواتية للمرور ، وإنما تختلف أحوال الناس في ذلك باختلاف ظروفهم وملابساتهم، فقد يتسنى لأحد ما لا يتسنى للآخر ، على أن المرور الآن قد يكون بسيارة لغيره وقيادتها ليست بيده فكيف يتسنى له أن يوقفها على باب قريبته ويسأل عنها، فلذلك ينبغي أن تراعى الأحوال والظروف في مثل هذا ، وقد يمر وهو مستعجل لسبب من الأسباب ، وينوي مع ذلك عندما تتهيأ له الظروف أن يصل قريبته تلك ، فلا عليه في مثل هذه الحالة من حرج ، ولا يعد قاطعاً ، وقد جاء في أحاديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يدل على خطر القطيعة ، وعلى حسن عاقبة الصلة ، فقد سبق الحديث الذي يقول فيه الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "قال ربكم خلقت الجنة عرضها السموات والأرض وأقسم ربنا لا يدخلها قاطع لرحمه"، والحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن طريق جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يدخل الجنة قاطع"، أي قاطع رحم كما قال ذلك (1/287)
صفحة 288
سفيان(1)، فقاطع الرحم محروم من دخول الجنة بنص هذين الحديثين، وهو دليل على أن قطيعة الرحم من الكبائر ، فلذلك ينبغي للمسلم أن يحذر من القطيعة ، وأن يسارع إلى الصلة.
هذا والأسرة مجتمع صغير ، وبقدر ما تكون من التماسك والتعاون والتلاحم يكون المجتمع كذلك ، فعندما تتلاحم الأسر يشد بعضها بعضا فيكون المجتمع المتكون منها متلاحماً ، أما عندما تكون مفككة فلا ريب أن المجتمع يكون أعظم تفككاً ، ولذلك كانت صلة الرحم من أسباب الترابط والتواد والتلاحم بين المسلمين ، وذلك هو مصدر قوتهم وعزهم ومناط فخرهم ومجدهم وتلك هي سمة الإيمان كما يدل على ذلك حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ترى المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، فمن هنا ينبغي للمسلم أن يسابق إلى هذا الخير ، وأن يغرس في أولاده وذريته مودة أقربيهم ، حتى يحرصوا على صلتهم بهم ، كما أنه يؤمر أن يتعلم من نسبه ما يعرف به قرابته ، ومما يؤسف له كثيراً أن الجيل الناشئ الآن أصبح جيلاً مشغولاً بهمومه عن معرفة قرابته ، فكثير من الشباب الناشئ لا يعرفون صلتهم بأقربائهم ، وإن عرفوا قرابتهم لا يعرفون الصلة التي تربطهم بهم والنسب الذي يصلهم بهم، وحديث النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمرنا بأن نتعلم من الأنساب ما يعرفنا بهذه القرابة ، حتى نصلها ونؤدي حقوقها إليها.
حقوق الجار
1- الوصية بالجار:
__________
(1) سفيان بن عيينة. (1/288)
صفحة 289
شرع الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في النظام الاجتماعي للإسلام من الحقوق ما هو غير معهود في أي نظام آخر ولا في أي فلسفة أخرى، مما أضفى عليه الصبغة العالمية، وجعل الإسلام مهيأ لقيادة الإنسانية بأسرها، هذه الحقوق تشد المسلم إلى المسلم، وتجعل غير المسلم يجد في المناخ الإسلامي الاستقرار النفسي وطمأنينة القلب وراحة الضمير، ومن بين هذه الحقوق حق الجوار ، وهو حق عظيم نبه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عليه في كتابه العزيز، إذ ذكره في معرض الحقوق التي ذكرها بعد الأمر بعبادته حيث قال: "والجار ذي القربى والجار الجنب "(1) ، جاء ذلك إثر الأمر بعبادته - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - والإحسان إلى الوالدين وذوي القربى ، وفي هذا ما يدل على أن الجوار آصرة تشد الجار إلى الجار ، وتجعل بينهما من الحقوق ما يكون بين الأقربين ، وقد جاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام مؤكدةً ضرورة أداء هذا الحق ، ومبينةً أهميته في الإسلام، حيث يقول الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ولا يؤذي جاره أبداً"(2)، وذكر الإيمان بالله واليوم الآخر في معرض الأمر بالشيء أو النهي عنه يدل على تأكيد الحكم الذي تضمنه الأمر أو النهي، ذلك لأن من آمن بالله واليوم الآخر كان كأنما أمسك حبل الإيمان من طرفيه وأحاط به من قطريه، فإن الإيمان بالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - هو إيمان بمبدئ هذا الوجود الذي خلق فسوى وقدر فهدى، والذي له الخلق والأمر والحكم والقهر، وهو الذي أنعم على الإنسان بصنوف النعم التي لا يستطيع لها حصراً، ولا ريب أن في ذلك ما يحفز همته على امتثال أوامره، فعندما يذكر أمر من أوامر الله أو أوامر رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مقروناً بالإيمان به فإنما يدل ذلك على أهميته، ومثل ذلك عندما
__________
(1) الآية رقم ( 36 ) من سورة ( النساء ) .
(2) الربيع (683). (1/289)
صفحة 290
يأتي نهي عن شيء مقروناً بذكر الإيمان بالله، ومن ناحية أخرى فإن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بكل ما أخبر به - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وما شرع، وأما الإيمان باليوم الآخر فإنه إيمان بالمعاد، والإنسان عندما يكون مؤمناً بالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقتضي ذلك طاعته - عَزَّ وَجَلَّ - وعدم التفريط في أمره ونهيه، ولكن هنالك العوارض الكثيرة التي تعرض له بسبب اتصاله بالحياة وملابساتها، وهو مما يؤدي إلى أن يستكين كثيراً لمطالب الحياة ولو كان ذلك على حساب مقتضيات إيمانه بربه تعالى، ولكن عندما يؤمن باليوم الآخر إيماناً راسخاً في النفس مستحكماً في العقل والقلب فإن إيمانه يغطي جوانب الضعف التي في نفسه فيستجيب لداعي ربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، ولا يتردد في تحامله على نفسه ليكون موفياً لأمره - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، وذلك مما نجده كثيراً في الكتاب والسنة، فإن الحق - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما يؤكد أمراً أو نهياً في كتابه كثيراً ما يقرنه بالإيمان بالله واليوم الآخر ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر "(1)، فإن ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر جاء لأجل تأكيد هذا الحكم لئلا تكون هناك مصلحة تقتضي حسب نظرهن تمديد مدة العدة فوق ما هي عليه ، أو تقصيرها دون ما هي عليه، وكذلك نجد أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما يشدد النهي عن عضل النساء عن الزواج عندما يتفقن مع مطلقيهن يقرنه بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ، فيقول تعالى: "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلك أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون "(2)
__________
(1) الآية رقم ( 228 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 232 ) من سورة ( البقرة ) . (1/290)
صفحة 291
، وكذلك في حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نجد ذلك يتكرر كثيراً في مقامات التأكيد ، ومن ذلك قوله : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو فليصمت "(1) ، ويقول : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره "(2)، ويقول : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"(3) ، هكذا في معرض تأكيد الأوامر والنواهي تقرن بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ، فإذن هذا الحديث الشريف يدل على أهمية الجوار ، ووجوب مراعاة حق الجار.
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) البخاري (5672)، مسلم (47) .
(3) الربيع (681). (1/291)
صفحة 292
وجاء في حديث أبي شريح الخزاعي عند البخاري أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن . قيل : من يا رسول الله ؟ قال : من لا يأمن جاره بوائقه"، أي من كان جاره لا يأمن غوائله فليس هو من الإيمان في شيء ، لأن عمله منافٍ للإيمان ، فإن الإيمان يترجمه ويصدقه الواقع ، وفي رواية عن الإمام جابر بن زيد عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة إلا من يأمن جاره بوائقه"(1)، وجاء في حديث أخرجه الإمام الربيع رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " ما زال حبيبي جبريل عليه السلام يوصيني بالمملوك حتى ظننت أن ابن آدم لا يُستخدم أبداً ، وما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه لا يخفى عليه شيء " ، وفي بعض الروايات " ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه "(2) ، وهو مما يدل على أهمية علاقة الجوار بين الجيران فهي كعلاقة الوالد بولده أو الأخ بأخيه حتى يكاد يكون بينهما التوارث، وفي رواية الربيع " حتى ظننت أنه لا يخفى عليه شيء "، أي لا يخفي جار عن جاره شيئاً مما عنده بل يعرض كل شيء عليه حتى يطلب منه في أي وقت ما تدعوه إليه حاجته فلا تكون بينهما كلفة ، وهذا مما يدل على أهمية الجوار، ووجوب المحافظة على حقه، ولا ريب أن في ذلك استجابة لداعي الفطرة ، فإن الجيران بتلاصق بعضهم ببعض هم أحوج ما يكونون إلى التعاون والتلاحم فيما بينهم، ومن المعلوم أن الإسلام يرعى ناحية الأسرة ولذلك أوصى بذوي القربى ، ولكن بجانب ذلك كله فإن القريب عندما يكون بعيداً عن قريبه ربما كان لا تيسير له أن يخدمه ويقضي له حاجته في كل وقت لأنه ليس بمقدوره في كل مرة يكون قريبه في ضائقة أن يأتيه ويحسن إليه ويرعى أحواله لبعد الشقة بينهما ، وإنما
__________
(1) الربيع (959).
(2) البخاري ( 5668 ) ، مسلم ( 2624 ) . (1/292)
صفحة 293
الجار أكثر إطلاعاً على أحوال جاره ، وأقدر على قضاء حاجاته وعونه في شدائده سواء كان ذلك في حالات عسره أو في حال مرضه أو احتياجه إلى ما لم يكن عنده مما يقضي به مصلحته ، فلذلك حريّاً بأن يرعى حقه ويقضي حاجته.
2- تباين حقوق الجيران:
الجوار تتباين حقوقه بتباين أحوال الجيران، فلكل جار حق من غير أن يقف أي أمر من الأمور حاجزاً دون توفية هذا الحق، فإن كل ما يمكن أن يعان به الجار عند حاجته وأن يقدم إليه في حال هو مطلوب شرعاً مهما كانت حالة هذا الجار، فحق الجار لا يتوقف على الإيمان والبر والإحسان، أو القرب في النسب أو الدار، وإنما يجب على أي حال، فقد جاء في حديث أخرجه البزار وأبو نعيم بإسناد فيه ضعف من طريق جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " الجار ثلاثة ، جار له ثلاثة حقوق : حق القرابة وحق الجوار وحق الإسلام ، وجار له حقان : حق الإسلام وحق الجوار ، وجار له حق وهو حق الجوار " ، وهو مما يدل على تفاوت الجيران في الحقوق مع اشتراكهم جميعاً فيها، فإن الحديث يدل على أن لكل حقه ، فلو كان الجار كافراً فإن كفره لا يسقط حقه ، بل على جاره المسلم أن يرعاه ويؤديه إليه ، وهذا ما كان من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفسه ، فإنه سعى إلى عيادة ابن جار له يهودي، وروى البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه ذبحت في بيته شاة فكان يقول لغلامه : أهديت لجارنا اليهودي ؟ أهديت لجارنا اليهودي ؟ وليس لهذا من معنى إلا أنه يرى أنه من الحق الواجب عليه أن يرسل من تلك الشاة إلى جارهم اليهودي مع يهوديته ، فإن يهوديته لا تحول بينه وبين حقه في حسن الجوار ، ثم إن ابن عمر رضي الله عنهما يتبع ذلك قوله سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"، وهذا يدل على أن الجار الفاجر (1/293)
صفحة 294
أيضاً لا يقف فجوره حائلاً دون حقه ، فإن حقه في حسن المعاملة واجب على جيرانه مهما كان فجوره ، كذلك الجار البعيد ، وإنما تتفاوت هذه الحقوق في قدرها، فمن كان جاراً فقط أي لم يكن مسلماً ولا قريباً فله حق الجوار وحده ، أما إن كان مسلماً فله حقان ، حق الجوار وحق الإسلام ، وإن كان جاراً قريباً مسلماً فقد اجتمعت له الحقوق الثلاثة ، فله حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة، كل حق من هذه الحقوق يجب أن يراعى وألا يفرط فيه ، والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أشار إلى نوعين من الجيران في قوله : " والجار ذي القربى والجار الجنب"(1) ، الجار ذو القربى هو الجار الذي تشده إلى جاره علاقة القرابة مع علاقة الجوار ، بحيث يكون بينهما نسب أو صهر ، فإن تلك آصرة أخرى تشد الجار إلى جاره أكثر فأكثر ، فإن المصاهرة من أسباب المراحمة بين المتصاهرين ، والجار الجنب هو الجار المطلق غير القريب، فبكلا الجارين يوصي الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، وقيل : المراد بالجار ذي القربى هو الجار الأقرب من حيث المسكن ، والجار الجنب هو الجار الأبعد من حيث المسكن ، واستدل هؤلاء بما روي عن عائشة رضي الله عنها –كما جاء عند البخاري– أنها سألت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت له : لي جاران إلى أيهما أُهدي فقال لها: "إلى أقربهما منك باباً " فقد استدل بالحديث بعض المفسرين على أن المراد بالجار ذي القربى هو الجار الأقرب من حيث السكنى ، وأن المراد بالجار الجنب الجار الأبعد من حيث السكنى ، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالجار ذي القربى هو الجار المسلم ، الذي تشده إلى جاره عقيدة الإسلام ، فإن العقيدة هي آصرة بين أهلها ، وأن المراد بالجار الجنب هو الجار البعيد من حيث العقيدة أي الذي على غير عقيدة الإسلام ، هذا وقد أخذ العلماء من حديث جابر –وهو وإن كان ضعيف السند فإن الروايات الأخرى
__________
(1) الآية رقم ( 36 ) من سورة ( النساء ) . (1/294)
صفحة 295
تعضده– ومن غيره من الروايات ، أن الحق واجب لكل جار ، للجار القريب والجار البعيد من حيث النسب ، والجار القريب والجار البعيد من حيث السكنى ، والجار البلدي والجار النازل من مكان آخر إن جاور ولو لمدة قصيرة فإن حق الجوار ، والجار المؤمن والجار الكافر ، والجار البر والجار الفاجر ، والجار المحسن والجار المسيء ، لكل واحد من هؤلاء حق ، ولكنهم يتفاوتون في الحقوق، وأهمهم الذين يجمعون بين الصفات الأولى ، أي الجار القريب من حيث النسب والسكنى ، والجار الأصيل ؛ في نفس البلد من قديم ، والمؤمن البر المحسن ، فإن هؤلاء أولى بحسن الرعاية لكثرة حقوقهم من غير تفريط في حقوق الآخرين ، والآخرون هم أقل حقوقاً من هؤلاء، فمن اجتمعت فيه الصفات الأولى كان أكثر حقاً ، ومن وجدت فيه الصفات الأخرى كان أقل حقاً ، وهكذا تكون حقوق الجيران متفاوتة بحسب تفاوت العلاقات التي بينهم ، ومع ذلك لا يكون جار غير ذي حق.
3- شمول حقوق الجار: (1/295)
صفحة 296
حقوق الجيران حقوق جمة، وما دل عليه الحديث أن الجار لا يطالب بأن يكفَّ أذاه عن جاره فحسب ، بل يطالب أن يتحمل أذى جاره ، فمن كان له جار يؤذيه فلا يعامله بالمثل ، بل يطالب بأن يتحمل أذاه ، وذلك من حسن الجوار ، كما كان من الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفسه عندما كان يحسن معاملة جيرانه اليهود مع ما هو معلوم من شأن اليهود من الإساءة إليه ، فقد كانوا يتربصون به الدوائر ، ويكيدون له المكائد ويضمرون له السوء ويبطنون الشر للإسلام وللمسلمين معاً ، ومع ذلك عاملهم الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من حيث الجوار بحسن المعاملة ، وقد جاءت روايات عن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإن كانت لا تخلو من مقال إلا أن المسلمين تلقوها بالقبول وعملوا بها(1)، تفيد أن للجيران حقوقاً متعددة ، من ذلك أن جارك إن مرض عليك أن تعوده ، وإن مات أن تشيع جنازته ، وإن استقرضك أن تقرضه إن كان ذلك في وسعك ، وإن طلب منك حاجة أن تقضيها له ، وأن تواسيه في مصيبته وتشاركه في مسرته ، إلا أن العلماء استثنوا من هذين الأمرين الأخيرين ما إذا كان الجار كافراً وكانت مصيبته بسبب انتصار الإسلام وظهور الحق فإنه لا يواسى في مصيبته هذه إذ في المواساة توهين لأمر الإسلام ، فالجار إن كان كافراً أو فاجراً يساء بانتصار الحق وظهور كلمة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فلا تجوز مواساته ، وكذلك إن كانت مسرته بسبب انتصار الباطل على الحق وظهور الكفر على الإسلام فإنه لا يشارك في هذه المسرة ، لما فيها من الشماتة بالإسلام والمسلمين ، وإنما على المسلم أن يقف الموقف الواجب عليه
__________
(1) تلقوها وعملوا بها بناء على أن كليات الشرع وعموم نصوصه تدل عليها، وهذا منهج محققي الأمة، وهو منهج يتجاوز مشكلة الإسناد التقليدية التي مني بها أهل الحديث إلى عرض الرواية على نصوص الشرع الثابتة وقواعده الكلية، وقد نبهنا على ذلك فيما سبق. (1/296)
صفحة 297
الذي يجسد نصرة الحق ورفض الباطل وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه.
ومن حقه ألا يؤذى ببخار القدر بحيث لا يطبخ جاره طعاماً تنتقل إليه رائحته إلا أن يغرف له من قدره ويعطيه من طعامه ، وكذلك إن أتى بفاكهة غير منتشرةٍ بين الجيران فإنه يؤمر أن يعطيه منها إلا أن أخفاها بحيث لم يطلع عليها ولم يخرج بها ولده ليؤذي بها ولد جاره ، فلا بأس في مثل هذه الحالة إن لم يعطه ، خصوصاً إن كانت الفاكهة يسيرة لا تكفي لتوزيعها بين الجيران.
ومع هذا كله فإن الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يرشد إلى التهادي بين الجيران بحيث لا يحقر جار لجاره شيئاً ، يقول عليه أفضل الصلاة والسلام : " يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرق "(1)، ومعنى هذا أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر ألا تحتقر جارة لجارتها هدية ولو كانت قليلة يسيرة بمقدار كراع شاة محرق ، أي مقدار ظلف الشاة الذي يحرق ، والنهي لكلا الجانبين؛ المُهدي والمُهدى إليه، فالمهدي يُنهى عن الاحتقار لأن ذلك معروف ، والمعروف لا يحتقر مهما كان يسيراً ، والمهدى إليه يؤمر أيضاً أن يتقبل هذه الهدية من غير شعور بأنها ليس لها شأن ولا قدر.
__________
(1) الربيع (682). (1/297)
صفحة 298
ومن تعمق الإسلام في مراعاة حقوق الجيران أن الجار يؤمر أن يقضي مصلحة جاره ولو كان ذلك مما يسبب له شيئاً من الإحراج بحيث يتبادر له أن في هذا القضاء مضرة عليه ، وذلك واضح في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره، فإن ذلك حق واجب عليه"(1) ، أي إن كان أحد الجيران يريد أن يقيم بناءً يتوقف على غرز خشبته في جدار أخيه فليس للجار صاحب الجدار أن يمنعه من ذلك ، وهذه المسألة مما اختلف فيها أهل العلم ، فذهبت طائفة إلى أن ذلك حق واجب ، وأنه يُقضى به، وهذا القول مروى عن الإمام الشافعي في أحد قوليه وعن أحمد بن حنبل وجماعة أهل الحديث، بل روي ما يدل عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما اعترض مُحَمَّد بن مسلمة أن يجري جاره ربيعاً في أرضه ، فقال له عمر رضي الله عنه: والله ليجرينه ولو على بطنك. ومعنى ذلك أنه أراد أن يجري ساقية في أرضه فمنعه ، ولكن عمر رضي الله عنه اشتد عليه في ذلك ، وهناك قول آخر هو أن هذا من باب المرافقة بين الجيران ، وأنه لو امتنع لا يُلزم ، وهذا القول مروي عن الإمام مالك بن أنس والإمام أبي حنيفة ، وقد عجب الإمام الشافعي من رأي الإمام مالك مع أنه هو الذي أخرج في الموطأ قصة مُحَمَّد بن مسلمة وجاره وما كان من تشدد عمر رضي الله عنه عليه في ذلك ، وهذا يدل على أن العمل بذلك قد استقر بين أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكيف عدل مالك عن الأخذ بذلك ، وأجاب ابن عبد البر عن هذا بأن الإمام مالكاً له سلف في ذلك وهو مُحَمَّد بن مسلمة ، فرأي عمر رضي الله عنه لم يجمع عليه، وما حصل من خلاف بين الجارين يدل على اختلاف الصحابة في حكم هذه المسألة.
__________
(1) الربيع (366). (1/298)
صفحة 299
وذهب أصحابنا رضي الله عنهم إلى أنه حق واجب ولكن لا يحكم به قضاء ، وأنا أعجب من هذا الرأي، كيف هو حق واجب ولا يقضى به؟ والحديث حسب رواية الإمام الربيع رحمه الله يدل على الوجوب "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فإن ذلك حق واجب عليه"، هذا فإن الحديث صريح كما نراه بأنه ليس هذا من باب المرافقة فقط بل هو حق واجب على الجار للجار ، وبما أنه كذلك فعندما يمتنع الجار من موافقة جاره على حقه الشرعي ينتزع منه كرهاً ويحكم به لجاره ، فهل شرعت الأحكام وسن القضاء إلا لإيتاء كل ذي حقٍ حقه؟.
ونجد أن الفقهاء عوّلوا على هذا الحديث واستطردوا في كثير من الأحكام القريبة من هذا الباب ، وذلك من باب القياس الجلي ، فمن ذلك قول جماعة من الفقهاء أن الجار إن بنى واستفرغ أرضه التي له بحيث لم يترك حريماً منها بينه وبين جاره فإن لجاره أن يلصق جداره بجداره ، وليس عليه أن يترك حريماً بينهما ، ومن ذلك أيضاً ما قالوه من إقامة السجال للنخيل في أرض الجار عندما تكون نخلة مائلة ويخشى أن تسقط، فلا مانع أن تسند بعمود خشبي أو بأي شيء كان ؛ من جذوع النخل أو غيرها ، ويغرز ذلك في أرض الجار إن دعت الحاجة إليه حتى لا تسقط ، هذا من باب الأخذ بما دلت عليه هذه الرواية ، وهذا كله من القياس الجلي كما قلت ، فإن جميع هذه الأحكام روعي فيها ضرورة التوسع بين الجيران في مصالحهم ولو بدا لبعضهم أنه يتضرر بذلك، على أن هذا الذي ذكروه ليس بأشد من غرز خشبة في جدار ، وكذلك ما قالوه من أن الجار إن كان مضطراً إلى طريق في أرض جاره ولم يجد مناصاً من ذلك فله الحق في التطرق في أرضه ، وإن كانت محصنة فيخرج له بمقدار حاجته على أن يكون ذلك بثمن ، وهذا كله يدل على أن العلماء عولوا على هذا الحديث كثيراً في أحكام المصالح بين الجيران.
4- حدود الجوار: (1/299)
صفحة 300
اختلف في مقدار الجوار اختلافاً كثيراً ، فمن الناس من ضيق حكمه ، ومنهم من وسعه، منهم من قال : بأن الجيران الذين لهم الحقوق هم بمقدار أربعين بيتاً في كل ناحية من النواحي الأربع ، وقد جاءت روايات تدل على ذلك ولكنها فيها ضعف من حيث السند ، ومنهم من قال : بأن الجار مقدار سبعة بيوت من كل جهة من الجهات، ومنهم من قال : الجوار لا يكون إلا بمقدار بيتين ، ومنهم من قال : بمقدار ثلاثة في كل جهة من الجهات ، ومنهم من قال : بأن الجار من واجهك في دخولك وخروجك في دارك ، وهناك قول أوسع من هذه الأقوال كلها وهو أن أهل القرية أو المدينة كلهم جيران وبينهم حقوق الجوار ، وأصحاب هذا الرأي استندوا إلى قول الله تعالى لنبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا "(1)، لأن معنى " ثم لا يجاورونك" لا يبقون معك في المدينة ، ويستفاد من ذلك أن من كان يعيش في نفس المدينة فهو جار ، وهذا القول وإن كان فيه تشدد إلا أنه من حيث إطلاق الجوار نفهم منه أن جار الإنسان من ساكنه في الحارة أو المدينة أو القرية ، بناءً على ما تدل عليه هذه الآية الكريمة ، والجار كما قلنا هو أقدر على نفع جاره أو الإضرار به ، فلذلك شرع الإسلام ما شرع من هذه الحقوق.
__________
(1) الآية رقم ( 60 ) من سورة ( الأحزاب ) . (1/300)
صفحة 301
والناس عندما كانوا قائمين بها موفين بما يمكنهم أن يوفوا به منها كانت حياتهم حياة هناء واستقرار ، وكان غير المسلم يجد في بلاد الإسلام الرعاية وحسن الجوار ، ولكن المدنية الحديثة غزت هذه الأمة وشغلتهم بالماديات عن المعنويات ، فتشاغلوا عن كثير من هذه الحقوق ، وهذه مصيبة مشتركة بين الأمة خصوصاً في المدن حيث تزخر الحياة بالماديات ويعنى أهلها بمظاهرها ، وتحضرني كلمات قالها أستاذ الأدب أحمد أمين في كتابه " حياتي " عندما وصف بداية حياته ونشأته ، فقد ذكر أنه نشأ في حارة من حارات القاهرة بها سور له باب ، فيه فتحة تغلق وقت المخاوف وتفتح للداخل والخارج من أهلها ، وكانت الحارة تشتمل على ثلاثين بيتاً سكانها متفاوتون، فيهم من يعد من الطبقة العليا وذلك في بيت واحد ، وكان صاحب هذا البيت شيخاً تركياً له وفرة في المال ، وعنده الكثير من الخدم ، والطبقة الوسطى تتمثل في تسعة بيوت من بينها البيت الذي نشأ فيه الكاتب ؛ أي بيت أبيه وأسرته، وطبقة دنيا تتمثل في عشرين بيتاً من سائر البيوت ، ويذكر أنه مع هذا التفاوت من حيث نمط المعيشة والطبقية بين هذه البيوت إلا أن سكان هذه الحارة كانوا بأسرهم كأسرة واحدة ، فعندما يمرض طفل في أي بيت من هذه البيوت يعرف مرضه جميع أهل الحارة ، فيتسابقون إلى عيادته ، منهم من يحمل إليه هدية، ومنهم من يحمل إليه دواء ، كلٌ بحسب قدراته وما عنده من الوفر ، ثم قال بعد ذلك : ولقد شاء الله تعالى أن يستمر بي العمر حتى وجدت أهل عمارة واحدة يسكنون في شقق متجاورة ولا يعرف بعضهم بعضاً. (1/301)
صفحة 302
هذا الواقع المر الذي يشكوه كلنا نعاني منه ونشتكيه ، فالجيران الآن في المدن لا يهمهم من أمر جيرانهم شيء فهم يعيشون على نمط الحياة الأوربية ، وأنا بنفسي مرت علي فترة سكنت فيها في شقة بعمارة فيها ست شقق ، وما عرفت واحداً من أولئك الجيران ما عدا جاراً مقابلاً لباب الشقة التي أسكنها ، وقد ذهبت لزيارته في يوم عيد فوجدته على غير وعي من السكر ، فكيف يتعامل الإنسان مع هؤلاء الجيران؟! هذه مشكلة لأن الحياة الدنيا ألهت كل واحد عن واجباته ، والمادة طفحت حتى اجتاحت جميع الفضائل وخصال الخير ، ولذلك تشاغل الناس عن هذه الحقوق ولم يعبأوا بها ، لو طالبت جاراً أن يزورك لشق عليه ذلك لأنه مشغول بما هو فيه من شغل الحياة الدنيا ، ولو أردت أن تزوره لم تجد عنده الفرصة لاستقبالك ، فالمسألة في المدن عويصة جداً ، وهي بحاجة إلى نظرة واعية ، وإلى مراجعة كل أحد حسابه حتى يعود بين الجيران التعارف أولاً ، فإن التعارف هو الذي يفضي إلى التآلف والتراحم والتلاحم ، وكيف يكون ذلك والجيران منبثون من أمامنا وخلفنا وعن أيماننا وشمائلنا ولا نعرف عنهم شيئاً ، وما هذه إلا ضريبة الحضارة المعاصرة كما يقال " لكل شيء ضريبة " ولكن جاءت هذه الضريبة غالية لأنها على حساب قيم الحياة الاجتماعية.
العبادة وأثر في الحياة
أهمية التقوى وأثرها
1- التزكية تربية للنفس: (1/302)
صفحة 303
إن لوضع الإنسان تأثيراً على ما يقع له ، فعندما يكون موصولاً بربه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، مستمسكاً بأمره، واقفاً عند حدوده، تتفاعل له الأسباب بمشيئة الله حتى يحقق الله تعالى على يديه ما لم يكن بحسبانه، وهذا يعود إلى أن صلاح النفس البشرية يترتب عليه الخير كله ، وانعدام صلاحها يترتب عليه كل شر ، كيف والله تعالى إنما وعد بالفلاح من زكى نفسه وتوعد بالخيبة من دسَّاها حيث قال : " قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها "(1) ، والتزكية إنما تكون بالإيمان والعمل الصالح ، والإخلاص لله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، والتكيف في كل جزئية وكلية وفق متطلبات دين الله ، حتى تكون حياة الإنسان صورة لهداية الله تعالى التي منحها عباده المؤمنين ، أما التدسية فإنها بخلاف ذلك ، فهي أن يطلق الإنسان لنفسه العنان، فترعى في المراعي الوبيئة التي تعود عليها بالشر.
__________
(1) الآية رقم ( 9 ) من سورة ( الشمس ) . (1/303)
صفحة 304
إن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ما بعث المرسلين لمجرد الإبلاغ ، بل كانوا مع تعليمهم لعباد الله يحرصون على تزكيتهم بالتربية الحسنة التي تغرس فيهم معاني الإيمان والأخلاق الفاضلة ، والتي تجعل من تربى بها يتكيف وفق أمر الله ، فإن الله سبحانه عندما امتن على عباده المؤمنين قال في امتنانه عليهم : " لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل ذلك لفي ضلالٍ مبين "(1) ، فهو تعالى ذكر أولاً تلاوة الآيات على هؤلاء المؤمنين الذين انتفعوا بهذه الرسالة التي بُعث بها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم اتبع ذلك بذكر التزكية ، ثم ذكر إثرها تعليمهم الكتاب والحكمة ، وفي هذا ما يدل على مكانة التزكية في هذه الرسالة ، فإنها سابقة في الترتيب على تعليم العباد الكتاب والحكمة ، ذلك لأن هذه التزكية هي الأثر الذي حصل من تلاوة آيات الله تعالى من قبل الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام على أولئك الذين آمنوا ، وكانت السبب لأن يفهموا حقائق الكتاب والحكمة التي بعث بها صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك عندما امتن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - على العرب الأميين بهذا الخير العظيم قال : "هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين "(2) ، فذكر التزكية كما ذكرها في آية آل عمران التي فيها الامتنان على المؤمنين بين تلاوة آيات الله سبحانه وتعليمهم الكتاب والحكمة ، وكذلك جاء في دعاء إبراهيم وإسماعيل " ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم"(3) ، وإنما ذكرت التزكية هنا آخر بعد تعليم
__________
(1) الآية رقم ( 2 ) من سورة ( الجمعة ) .
(2) الآية رقم ( 2 ) من سورة ( الجمعة ) .
(3) الآية رقم ( 164 ) من سورة آل عمران . (1/304)
صفحة 305
الكتاب والحكمة للتنبيه بأنها ثمرة هذه الرسالة المرجوة ، فإن تلاوة آيات الله وتعليم الكتاب والحكمة أعظم ثمراتهما تلك التزكية.
ومعنى ذلك أن التزكية هي الغاية من هذه الرسالة التي تضمنها دعاء النبيين الصالحين الكريمين ، وهي تقتضي تكييف الحياة وفق أمر الله تعالى ورسوله صلوات الله وسلامه عليه ، وذلك لا يكون إلا بإيمان صادق يجسده عمل صالح ووصية بالحق ووصية بالصبر ، ومن أمعن في قوله تعالى : " والعصر إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"(1) ظهر له ذلك ، فمن أراد لنفسه السلامة فعليه أن يسلك هذا السبيل ، ويحرص على الإيمان الصادق الذي ينبعث منه العمل الصالح ، وعلى التواصي بدعوة الحق ، والتواصي بدعوة الصبر ، لأن جميع أعمال البر تقتضي المصابرة ، فإن أمر الدين وإن كان يسراً إلا أن الإنسان يواجه تحديات عدة ، ومن أعظمها التحديات التي من قبل نفسه ، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله، ومن شأنها أن تقود صاحبها إلى أنواع من الشر ، ومن سلك طريق الحق إنما يكابر شهواته ورغباته وطموحاته ومطامعه ، كما يقاوم مكائد الشيطان ووساوسه ، ويقاوم تيارات البيئة الفاسدة عندما يكون في بيئة فاسدة تروج فيها تجارة الفساد وتكسد فيها سوق الصلاح ، فالتغلب على هذه الأمور جميعاً يقتضي أن يكون الإنسان شديد الصبر في مواجهة هذه التحديات المتعددة ، ليستطيع اقتحام الصعاب والتوصل إلى الغاية المطلوبة لنجاته وسعادته.
__________
(1) سورة العصر . (1/305)
صفحة 306
والخسر الذي حكم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - به على الجنس الإنساني إلا من استثناه هو خسر الدنيا وخسر الآخرة ، أما الخسران في الدنيا فبسبب أن أحوال الناس فيها الكثير من التباين والنشاز والافتراق والاضطراب ، مع ما يربط بين البشر من العلاقات الاجتماعية والمصالح المشتركة التي كثيراً ما تدفع إلى التجاذب والتدافع، فإن لم يسد المجتمعات البشرية الإيمان والتقوى والاستعلاء على رغبات النفس الجامحة كانت عاقبة هذه المجتمعات الويل والخسران ، وإنما المجتمع الرابح هو الذي يستمسك بحبل الإيمان ، ويحكم إيمانه في حياته بتجسيده في أعماله حتى تكون حياته كلها ترجمة لما آمن به ، وهو مما يدل على أنه لابد من وجود دعوة حق تسري في أوساط الناس كما يسري الضوء في الفضاء فيطوي منه سجاف الظلام ليتعاونوا جميعاً على البر والتقوى ، على أن تكون هذه الدعوة مقرونة بالدعوة إلى الصبر.
أما في الآخرة فإن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بيّن أن مغفرته للذين يستمسكون بذلك كله، حيث قال : " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى "(1) ، ومعنى ذلك أنه لابد من اجتماع هذه الأربع الخصال جميعاً ؛ وهي التوبة والإيمان والعمل الصالح والهداية ، والهداية تقتضي الاستمرار على الإيمان والعمل الصالح وهي رهينة الدعوة إلى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - على بصيرة حتى تكون حياة الناس قائمة على الصلاح والرشد.
التقوى خصيصة التشريع الإلهي:
__________
(1) الآية رقم ( 82 ) من سورة ( طه ) . (1/306)
صفحة 307
عندما نقلب صفحات الكتاب العزيز ، ونطالع أحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، نجد ما يدل على أن ملاك الأمر كله شيء واحد ، تجمعه كلمة واحدة ذات مدلول واسع ، فمن استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى ، لأنه مناط الخير ومعقد السلامة في الدنيا والآخرة ، ذلكم الأمر هو تقوى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، فالتقوى كلمة ذات مدلول واسع، فهي كما يعبِّر المناطقة كلمة جامعة مانعة يندرج ضمنها كل خير وتنفي عن حيزها كل شر، وهذا واضح لكل من يتأمل الآيات القرآنية ، فإنه يجد فيها عقد الخير كله على التقوى ، فمن استمسك بحجزتها فقد استجمع أسباب الخير، ومن فرط فيها فقد فرط في الخير كله ، ذلك لأنا نجد أن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يعد عباده المؤمنين خير الآخرة التي هي مطمع كل عاقل ومطمح كل لبيب ينوط ذلك بالتقوى، إذ يقول : " وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين "(1) ، ويقول سبحانه : " ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون"(2)، ويقول : " ولنعم دار المتقين جناتٍ تجري من تحتها الأنهار "(3) ، ويقول: "قل ءأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد "(4) ، أما خير الدنيا فإنه منوط أيضاً بالتقوى ، فإن الإنسان موعود بأن تنجح أموره ويصل إلى مطالبه وييسر الله تعالى له مخارج من كل شدائده عندما يكون مستمسكاً بحبل التقوى سالكاً سبيلها، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن أن معيته للمتقين حيث قال : " واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين "(5) ، وحسبكم بمعية الله تعالى خيراً وفوزاً
__________
(1) الآية رقم ( 133 ) من سورة ( آل عمران ) .
(2) الآية رقم ( 109 ) من سورة ( يوسف ) .
(3) الآية رقم ( 100 ) من سورة ( التوبة ) .
(4) الآية رقم ( 15 ) من سورة ( آل عمران ) .
(5) الآية رقم ( 194 ) من سورة ( البقرة ) . (1/307)
صفحة 308
ونجاحاً ، فما الذي يبغي الإنسان في يسره وعسره وأمنه وخوفه وراحته وتعبه أعظم من معية الله ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما شكا إليه موسى الوحشة من فرعون عندما أمره الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن يبلغه رسالة ربه ، قال له ولأخيه هارون : " لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى "(1) ، فجعل معيته لهما سبحانه مصدر اطمئنان لنفسيهما ، وكذلك يقول الله تعالى : " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون "(2) ، ونجد أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يعد أهل القرى أن يفتح لهم أبواب الخير عندما يتقون ، وعند عدم التقوى يصرف عنهم هذا الخير "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ، ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون".
__________
(1) الآية رقم ( 46 ) من سورة ( طه ) .
(2) الآية رقم ( 128 ) من سورة ( النحل ) . (1/308)
صفحة 309
فعندما يجمع الناس بين الإيمان والتقوى تفتح لهم البركات من السماء والأرض، وعندما يكونون بخلاف ذلك يؤخذون بجرائرهم المنافية للتقوى ، كذلك يقول الله سبحانه : " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً "(1) ، ناط - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الخير هنا بالتقوى ، حيث يجعل للمتقي مخرجاً من الشدائد التي يكابدها، ومن العنت الذي يلاقيه ، ومن اللأواء التي يواجهها في حياته ، ويرزقه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من حيث لا يحتسب ، أي يفتح له أبواب الرزق فيأتيه الخير من حيث لا يدري، ومن أجل أهمية التقوى وضرورة الاستمساك بها نجد أن الأمر بها يتكرر في القرآن الكريم ، مصاحباً لجميع التشريعات والعظات والعبر والتوجيهات والقصص والأمثال، لأن سلامة الحياة إنما هي في السير في درب التقوى، ففي مقام التشريع تجدون الآيات المشتملة على الأحكام يتخللها الأمر بالتقوى، حتى تتهيأ النفوس للاستمساك بكل جزئية من جزيئات هذه التشريعات الربانية، وحتى لا يفرط الإنسان في أي ناحية من نواحي هذا الدين، لأن مدلول التقوى ينطوي على كل خير ويتنافى مع كل شر، وإن شئتم فانظروا إلى الآيات القرآنية المتعلقة بممارسات الإنسان الاجتماعية والاقتصادية وغيرها ، تجدوا في ثناياها الأمر بالتقوى ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يأمر الإنسان أن يستجمع التقوى حتى عند مباشرته لأهله ، يقول تعالى: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه"(2)، كذلك عندما يشرع الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الأحكام المتعلقة بفسخ العلاقة الزوجية بين الزوجين يأمر بالتقوى ، وذلك حيث يقول : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا
__________
(1) الآية رقم ( 3 ) من سورة ( الطلاق ) .
(2) الآية رقم ( 223 ) من سورة ( البقرة ) . (1/309)
صفحة 310
الله ربكم "(1)، كذلك عندما يذكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - المطلقين ما يجب عليهم للنساء المطلقات من المتعة الشرعية ينص أنه حق على المتقين لأنهم هم الذين يؤدونه بغير تردد ويحرصون على امتثال أمر الله فيه ، وإلا فهو حق يتعلق بذمة كل مطلق ، ولكن ينص أنه الاقتصار على ذكر المتقين إنما أراد الله به حفز النفوس على امتثال هذا الأمر ، فإن كل عاقل يحرص على أن يكون منهم، يقول سبحانه : " وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين "(2) ومثله قوله في الوصية: "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حق على المتقين" ، كذلك في أحكام البيوع وغيرها نجد الأمر بالتقوى ، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في آيتي الدَّين يكرر الأمر بالتقوى بقوله : " واتقوا الله ويعلمكم الله"(3) ، وقوله : "وليتق الله ربه "(4) ، ونجد أيضاً في التحذير من الربا أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول : "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين "(5) ، أمر أولاً بتقواه ثم أتبع ذلك بالتحذير من الربا فيما بعد ، وهكذا في جميع التشريعات نجد أن تقوى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - تأتي إما مأموراً بها ، وإما موعوداً عليها الخير لمن اتقى.
__________
(1) الآية رقم ( 1 ) من سورة ( الطلاق ) .
(2) الآية رقم ( 241 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الآية رقم ( 282 ) من سورة ( البقرة ) .
(4) الآية رقم ( 282 ) من سورة ( البقرة ) .
(5) الآية رقم ( 278 ) من سورة ( البقرة ) . (1/310)
صفحة 311
ونجد في معرض بيان أحكام الجهاد يأمر الله تعالى عباده بالتقوى ، فيقول : "واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين "(1) وهو مما يدل على أن النصر مرهون بتقوى الله سبحانه ، وكذلك عندما يأتي الامتنان في كتاب الله يكون مصحوباً بالأمر بها ، ومن ذلك قوله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تتساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا "(2) ، فأنتم ترون كيف أن الله تعالى يأمر بالتقوى هنا في معرض الامتنان بخلق البشر من نفس واحدة مع خلقه زوجها منها، وما تبع ذلك من التوصية بحق الأرحام ، والتذكير برقابته ، على جميع العباد ، فهو مطلع على كل دقيقة وجليلة مما يأتون ، ويحصي ذلك كله عليهم ، وكذلك في معرض التذكير بقيام الساعة يأمر سبحانه بالتقوى ، فيقول : " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ، يوم ترونها تذهل كل مرضعةٍ عما أرضعت وتضع كل ذات حملٍ حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد"(3)، كذلك في مقام التذكير بيوم القيامة وأهواله وبأن الله تعالى خبير بأحوال عباده، والتذكير بتباين الناس في مصيرهم في ذلك اليوم بحسب تباينهم في الدنيا في الأعمال ، بحيث تنقلب طائفةٌ إلى السعادة وأخرى إلى الشقاوة والعياذ بالله ، يأمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عباده في معرض ذلك بالتقوى، فيقول: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون"(4)،
__________
(1) الآية رقم ( 194 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 11 ) من سورة ( النساء ) .
(3) الآية رقم ( 2 ) من سورة ( الحج ) .
(4) الآية رقم ( 19 ) من سورة ( الحشر ) . (1/311)
صفحة 312
وكذلك يحكي الله سبحانه عن رسله أنهم في مقام الدعوة والتذكير بنعم الله يأمرون أقوامهم بالتقوى ، فقد حكي عن هود عليه السلام قوله لقومه: "اتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعام وبنين وجناتٍ وعيون"(1).
ونجد كذلك في حديث الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما يدل على أن تقوى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - سبب لكفاية الإنسان وحمايته من الفتن وشر الأشرار من الناس ، فالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول : "من اتقى الله كفاه الله مؤونة الناس ، ومن اتقى الناس ولم يتق الله سلط الله عليه الناس وخذله "(2) ، فتقوى الله تعالى هي عصمة ونجاة لمن احتمى بحصنها الحصين.
ويبين لنا - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن التقوى هي مصدر الفرقان الذي يخص الله به صفوته من عباده ، والفرقان يطلق على البرهان الذي يميز بين الحق والباطل ، وعلى النصر الذي يؤيد الله تعالى به عباده المؤمنين ، فالله تعالى يقول : " يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم"(3)، ويبين لنا - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن ولايته إنما يختص بها الذين يجمعون بين الإيمان والتقوى فيقول : " ألا إن أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون ، الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة "(4) ، وهم الذين يعدهم الله بالبشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
3- التقوى تشمل الأوامر والنواهي:
__________
(1) الآية رقم ( 134 ) من سورة ( الشعراء ) .
(2) الإمام الربيع ( 704 )
(3) الآية رقم ( 29 ) من سورة ( الأنفال ) .
(4) الآية رقم ( 64 ) من سورة ( يونس ) . (1/312)
صفحة 313
مدلول التقوى مدلول واسع يتناول جوانب الحياة الإنسانية الاعتقادية والعملية والخلقية، ويتناول جانبي الفعل والترك من حياة الإنسان، فكلمة التقوى من حيث المدلول اللغوي تدل على التجنب والتخلي ، يقال: اتقى هذا الشيء بمعنى تجنبه، ويقال: توقاه أيضاً بمعنى تجنبه ، والأصل لذلك مطاوع لوقى يقال وقيته أقيه فاتقاه أو توقاه ، أي جنبته أُجنبه فتجنبه ، وعلماء اللغة قالوا بأن التقوى من حيث المدلول اللغوي هي بمعنى فرط الصيانة ، أي الاجتهاد الزائد في الصيانة ، وفي الاصطلاح الشرعي أخذ معنى التقوى الشرعي من هذا المعنى اللغوي نفسه ، لذلك قال علماء الشريعة بأن تقوى الله تعالى تعني فرط صيانة الإنسان نفسه من عقاب الله بفعل ما فرضه عليه، ترك ما نهاه عنه. (1/313)
صفحة 314
وعليه فإن التقوى في المصطلح الشرعي تشمل الجانب الفعلي والجانب التركي، والدلائل على ذلك واضحة في كتاب الله ، فإن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول في بيان صفات المتقين الذين ينتفعون بما أنزل في كتابه " هدى للمتقين "(1) ، ثم أتبع ذلك وصف هؤلاء المتقين بقوله : " الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون "(2) ، ومعنى ذلك أن المتقين هم الذين يجمعون بين الإيمان بما أُنزل على الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والإيمان بما أُنزل من قبل، وهم بحسب هذا المعنى يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، وفي هذا ما يشير إلى جوانب متعددة ، فالإيمان بالغيب يشمل الإيمان بكل ما جاء به الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عند الله تعالى، وإقام الصلاة رمز إلى العبادات البدنية ، والإنفاق من رزق الله رمز إلى العبادات المالية ، ومن أقام الصلاة حق الإقامة كان من الذين يمتثلون أوامر الله ويجتنبون نواهيهه ، لأن الصلاة كما أخبر الله تعالى عنها بقوله : " وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"(3) ، على أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لم يصفهم هنا بمجرد أداء الصلاة ، إذ لم يقل "يصلون" وإنما قال : يقيمون الصلاة ، وإقامة الشيء بمعنى الإتيان به كأنه جسم قائم متكامل ليس فيه نقص في ذاته ولا في صورته.
__________
(1) الآية رقم ( 2 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 5 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الآية رقم ( 45 ) من سورة ( العنكبوت ) . (1/314)
صفحة 315
وكذلك نجد وصف هؤلاء المتقين في سورة البقرة أيضاً عندما يقول - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - مبيناً معاني البر وصفات الأبرار : " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون "(1) ، هذه الآية جمعت أركان البر الاعتقادية والعملية والخلقية ، ثم وصف الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الذين استجمعوا ذلك كله بقوله: "أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون " ، فتقوى الله تتوقف على استجماع هذه الأركان كلها ، وكذلك تأتي صفات المتقين في موضعين من سورة آل عمران ، فالله تعالى بعدما قال : " قل ءأنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا عند ربهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد"(2)، وصف الذين اتقوا بقوله : " الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ، الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار"(3)، وصفهم أولاً بالإيمان حيث قال : " الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار "(4) فهم مؤمنون يلجأون إلى الله سبحانه ويجأرون إليه بالدعاء ويرجونه ويخشونه ، ومع هذا أيضاً هم مستجمعون لصفاتٍ أخرى ، في مقدمتها صفة الصبر "الصابرين " ، فهم صابرون لأنهم يصبرون على طاعة الله ، وعن معاصيه ، وعلى ما يلقون من قدر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، فهم موطنون أنفسهم بالتكيف وفق أمر الله، بفعل
__________
(1) الآية رقم ( 177 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 15 ) من سورة ( آل عمران ) .
(3) الآية رقم ( 17 ) من سورة ( آل عمران ) .
(4) الآية رقم ( 16 ) من سورة ( آل عمران ) . (1/315)
صفحة 316
ما أمر به والازدجار عما نهى عنه مع رضاهم بما قدر ، وهم أيضاً قانتون ومنفقون ويستغفرون بالأسحار ، هؤلاء الذين وعدهم الله تعالى ذلك الوعد العظيم، وعدهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواجاً مطهرة ورضواناً من لدنه، ويصف الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أيضاً المتقين في هذه السورة نفسها عندما وعدهم جنة عرضها السموات والأرض ، بقوله : " الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون "(1) ، هؤلاء دائماً يكونون مع الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لأنهم يوطنون نفوسهم لطاعته، فهم ينفقون في السراء والضراء ، ويكظمون الغيظ مهما لقوا إيذاء من الناس مع قدرتهم على الانتقام ، نعم يكظمون غيظهم بتجاوزهم عن المسيء إليهم وعدم مؤاخذته بجريرته لأنهم إن غضبوا فغضبهم لله لا لأنفسهم ، وعندما يقع أحدهم في شيء من المخالفات لأمر الله يذكرون الله فيستغفرون لذنوبهم، ولا يصرون على معصيته ، إذ المصر هالك.
__________
(1) الآية رقم ( 134 ) من سورة ( آل عمران ) . (1/316)
صفحة 317
والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن أن نزغات الشيطان يواجهها المتقي بذكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، ولذلك سرعان ما يرجع إلى الله ، ويصحو من سكرته سواء كانت هذه السكرة بدافع من شهوة أو غضب أو تأثير وقع على النفس ، وذلك حيث يقول : "وإن ما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ، إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم يبصرون "(1) ، فهم عندما يمسهم طائف من الشيطان أي يوسوس لهم شيئاً من مكروهات الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - سرعان ما يتذكرون فيرجعون ، بحيث يثوب إليهم رشدهم ويفيقون من سكرتهم وينقلبون من الضلال إلى الهدى ، ومن الغي إلى الرشد ، ومن الغفلة إلى الذكر.
__________
(1) الآية رقم ( 201 ) من سورة ( الأعراف ) . (1/317)
صفحة 318
وحديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدل على أن المتقين دائماً على حذر ، فالمتقي لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يتجنب كل ما عسى أن يكون سبباً في زلته وعثرته ، ولذلك يدع ما لا بأس به خشية الوقوع فيما به بأس ، فقد جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد بن حنبل وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه ، والترمذي وحسّنه ، والحاكم وصحّحه، وابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان ، وابن أبي حاتم عن عطية السعدي قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يبلغ امرؤ أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس " ، فحقيقة التقوى لا يصلها إنسان إلا عندما يتصف بهذه الصفة ، حيث يبلغ به حذره أن يترك بعض الأشياء التي لا بأس بها حذراً من الوقوع فيما به بأس لا سيما ما يلابسه فيه الاشتباه ، ذلك لأن على الإنسان دائماً أن يتقي الشبهات ، فإن النفس جذابة إلى الهوى ، فلو أرخى لها العنان حتى دخلت في الشبهات لم تلبث أن تدفع به إلى حدود المحارم ، فيقع في محارم الله ، كما يدل على ذلك حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه البخاري ومسلم ، أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب " ، فإذن تقوى الله تعالى إنما تحصل لمن ضبط جميع جوارحه عن معصية الله ؛ بحيث يضبط لسانه ويديه وأذنيه وعينيه ومنخريه ، وكل جوارحه الظاهرة والباطنة حتى لا تقع في مقارفة شيء من معاصي الله سبحانه ، ويدل على أن التقوى تنبعث من القلوب قول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -: (1/318)
صفحة 319
"أولئك الذين امتحن الله قلوبهم بالتقوى "(1) ، ويدل على ذلك أيضاً قول رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "التقوى هاهنا ، التقوى هاهنا ، التقوى هاهنا "(2)، وهو في كل ذلك يشير إلى قلبه صلوات الله وسلامه عليه ، وليست هذه الإشارة كما يتصور كثير من عوام الناس أن المراد أن يطهر الإنسان نفسه من رجس سريرتها وأنه لا بأس عليه إن قارف بجوارحه محارم الله ، فهذا –حسب تصورهم– لا ينافي الاتصاف بالتقوى ، لأن التقوى في القلوب ، ولذلك يقولون المعول على ما في القلوب ، فلا يتورع أحدهم أن يقع في المحاذير الشرعية كالنظر إلى المحرمات والاستماع إلى الممنوعات بدعوى أن قلبه طاهر ، وأن الله تعالى لا ينظر إلى الأعمال وإنما ينظر إلى القلوب ، وهؤلاء كاذبون ، فإنهم لو صلحت قلوبهم لصلحت أعمالهم ، ولو استقامت سريرتهم لاستقامت علانيتهم ، ولو صفت بواطنهم لما تكدرت ظواهرهم ، وإنما ساءت أعمالهم لخراب طواياهم ، فلو كانت قلوبهم عامرة بالإيمان لازدانت جوارحهم بالأعمال الصالحة وألسنتهم بالأقوال الطيبة ، ويدل على هذا أن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " ، فصلاح الجسد بصلاح القلب ، وفساده بفساده، ولذلك قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "التقوى هاهنا ، التقوى هاهنا "، ومما يدل على أن الأقوال أيضاً تدخل في مفهوم التقوى ومدلولها
__________
(1) الآية رقم ( 3 ) من سورة ( الحجرات ) .
(2) مسلم (6493)، وجاء عند مسند الإمام الربيع بألفاظ أخرى منها: (774) وسئل النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوماً عن الإيمان، وكان متقنعاً بردائه فطرح رداءه عن رأسه، ثم ضرب بيده على صدره، وقال: "الإيمان هاهنا، الإيمان في القلب"، (775) وقال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ما آمن من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه). (1/319)
صفحة 320
قول الله تعالى : "وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها"(1).
4- مفهوم التقوى عند السلف:
عندما نعود إلى ما قاله السلف في معنى التقوى نجد أن ما ذهبوا إليه لا يختلف عن هذا الذي ذكرناه ، فهم يصدرون عن هذا المنبع نفسه ، ويقتبسون من هذا النور ؛ ولذلك كان كلامهم متوائماً مع ما جاءت به دلالات القرآن وسنة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على حقيقة التقوى ، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن إسحق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن وصف المتقين في قول الله تعالى : "هدى للمتقين"(2) فقال: يعني الذين يخشون عقابه بفعل ما نهاهم عنه ويرجون ثوابه بفعل ما أمرهم به. وجاء عن أبي الدرداء بأن معنى التقوى أن يتجنب الإنسان كل ما يؤدي به إلى سخط الله، حتى يتجنب مثقال ذرة ، فيترك ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً، فيجعل بينه وبين الحرام حاجزاً ، كذلك روى ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سئل عن التقوى فقال لسائله: " هل رأيت طريقاً ذا شوك ؟ قال له : نعم . قال له : ماذا فعلت ؟ قال : اتقيت الشوك ، قصّرت عنه ، أو تجاوزته ، أو مشيت جانباً عنه . فقاله له أبو هريرة : ذاك التقوى " ، وكذلك جاء نحو هذا فيما ذكر القرطبي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سأل أبياً رضي الله عنه عن معنى التقوى فقال له أبي : "هل سلكت طريقاً ذا شوك ؟ قال له : نعم . فقاله له : ماذا فعلت ؟ فقاله له : تشمرت وحذرت. قال له : فذاك التقوى " . وقد نظم هذا المعنى ابن المعتز عندما قال:
خلّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
وافعل كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
__________
(1) الآية رقم ( 26 ) من سورة ( الفتح ) .
(2) الآية رقم ( 2 ) من سورة ( البقرة ) . (1/320)
صفحة 321
وجاء عن عمر بن عبد العزيز في بعض الروايات أنه قال : معنى التقوى أن يتجنب الإنسان ما حرّم الله عليه ، وأن يفعل ما أمره به . وجاء عن بعض السلف أن معنى التقوى أن تترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس ، وهذا يتفق مع حديث عطية السعدي رضي الله عنه، وقال بعضهم : لا يصل الإنسان إلى سنام التقوى حتى يكون ما في قرارة نفسه لو أخرج في طبق وطيف به في السوق لما استحيا منه ، وسئل بعضهم عن معنى التقوى فقال : أن تزيّن سريرتك للحق كما تزين علانيتك للخلق.
وهكذا نجد تفاسير السلف لحقيقة التقوى تدل على أن المراد بها استجماع كل خير، وترك كل شر ، والحذر من كل ما ينتهي بالإنسان إلى سخط الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، ولكن اختلفت عباراتهم مع اتحاد المعنى الذي تؤدي إليه لاختلاف اعتباراتهم، وذلك أن منهم من نظر إلى سنام التقوى وذروته ، ومنهم من نظر إلى أصله وحقيقته، ومنهم من نظر إلى قاعدته التي تستجمع جميع جزئياته ، ومدلول التقوى يفيد ذلك كله.
والعلماء قالوا بأن مراتب التقوى تنقسم إلى ثلاث:
المرتبة الأولى : هي تقوى العوام ، وهذه المرتبة تقتصر على اتقاء الشرك ، فكثير من العوام يرون أنهم حسبهم من التقوى أن يتقوا الإشراك بالله ، ولا ضير عليهم أن يقعوا في معاصيه بعد ذلك ، وفي الحقيقة هذه المرتبة ليست من مراتب التقوى في شيء، ولا يترتب عليها ما وعد الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - به المتقين من الفوز والنعيم، فإن صاحبها لا ينجو من سخط الله وعذابه وإنما ينجو من وصف الشرك وحكمه.
المرتبة الثانية : هي مرتبة الخواص ، وهي أن يتقي الإنسان كل ما حرّم الله تعالى عليه من فعل أو ترك ، بحيث يستجمع كل ما أمره الله به ويزدجر عن كل ما نهاه عنه. (1/321)
صفحة 322
المرتبة الثالثة : هي مرتبة خواص الخواص ، وهي أن يبلغ بالإنسان في حذره ، أن يترك ما أبيح له من أجل ألا يقع في شيء مما حرم الله تعالى عليه ، وهذه المرتبة هي التي أشار إليها حديث عطية السعدي ، ونحو ذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه من قوله : (كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة الوقوع في الحرام) وعبّر آخرون عن هذه المرتبة بأنها اتقاء كل ما يشغل عن الله تعالى.
5- التقوى أساس النصر والتأييد:
إن تقوى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عندما تكون على هذا النحو، وتجتمع عليها النفوس بصدق وإخلاص لله تعالى، تكون جديرة بأن يصدقها الله تعالى ما وعدها من النصر والتمكين بقوله : " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ، الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور"(1)، وقوله : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنّن لهم دينهم الذي ارتضى وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون"(2)، فهذا وعد أنجزه الله سبحانه للسلف الصالح عندما كان مستمسكاً به ، وهو لابد من أن ينجزه للخلف عندما يسير في هذا الطريق نفسه ، ويستمسك بهذه العروة، ويستبصر بهذا النور ، ويستهدي بهذه الهداية التي أنزلها الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، ومن أجل هذا نجد أن السلف الصالح رحمهم الله تعالى ورضي عنهم كانوا حراصاً –وهم يواجهون ما يواجهون من التحدي من أعدائهم– على الاستمساك بالتقوى ، وكانوا أحذر من المعاصي منهم من أعدائهم ، فكانوا يحاسبون أنفسهم محاسبة دقيقة على ما يصدر منها من الأعمال ، لتكون هذه الأعمال كلها وفق أمر الله، كما جاء عن بعض السلف في وصف حقيقة التقوى عندما قال : ( لا يصل
__________
(1) الآية رقم ( 41 ) من سورة ( الحج ) .
(2) الآية رقم ( 55 ) من سورة ( النور ) . (1/322)
صفحة 323
أحد إلى درجة المتقين حتى يكون أكثر محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح والسلطان الجائر ) ، فالأمر يقتضي أن يكون الإنسان شديد المحاسبة لنفسه حتى يكون مثله كمثل الشريك الشحيح في محاسبته لشريكه ، أو السلطان الجائر في محاسبته لرعاياه، ومن هذه المحاسبة الدقيقة من قبل السلف رضي الله عنهم لأنفسهم وحرصهم على حملهم لنفوسهم على تقوى الله جاءت تلك الوصية التاريخية البالغة من عمر رضي الله عنه عندما جنّد الأجناد لمواجهة دولة الفرس وقوتها وعتادها وكبريائها وغلوائها، فإنه وجّه وصيته إلى الجند وقائدهم سعد رضي الله عنه قائلاً : (أما بعد؛ فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب ، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا ، واعلموا أن عليكم في مسيركم حفظة من الله، يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا وإن أسأنا. فرب قوم قد سلط عليهم شر منهم؛ كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً ، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم ، أسأل الله ذلك لنا ولكم )(1)، هكذا كانت وصية الخليفة العادل الراشد عمر رضي الله عنه لقائد جند المسلمين ، وقد تفاعل الجند والقائد مع هذه الوصية ، لأن الموصي بها متفاعل معها قبلهم ، فقد انبعثت من أعماق نفسه تعبيراً عن مشاعرها وترجمة عن مكنونات
__________
(1) العقد الفريد؛ لابن عبد ربه، الجامع الأكبر، العريس للكمبيوتر. (1/323)
صفحة 324
ضميرها ، وكان الإخلاص يزكيها والعمل يصدقها، فلذلك ما لبثت أن حلت في سويداء قلوبهم وأعماق نفوسهم فلم يلبثوا حتى جسدوا هذه الوصية تجسيداً تاماً في سريرتهم وعلانيتهم.
وكان هذا هو السبب في انتصارهم حتى تقهقر جيش العدو أمامهم ، وظل يكابد الهزائم تلو الهزائم ، ويحاول أن يستنصر بما يثبت مواقفه ويدرأ عنه الخطر الزاحف، ولكن أنّى له النصر وقد أتاه ما لا قبل له به ؟! فقد بلغ الأمر بيزدجرد الإمبراطور الفارسي أن ضاق ذرعاً بالمأزق الذي وقع فيه جنده ، فلم يجد إلا أن يرسل رسولاً إلى إمبراطور الصين يستنجده على هؤلاء المؤمنين ، مع قلة المؤمنين الذين نازلوا جنده في ميادين المعركة وضآلة عدتهم ، وعندما وصل الرسول إلى الإمبراطور الصيني وسلمه رسالة الإمبراطور الفارسي وقرأها ، سأل هذا الرسول عن الكثير من أوصاف المسلمين، وكان مما سأله عنه : هل هؤلاء القوم الذين خرجوا عليكم هم أكثر منكم عدداً أو أقل عدداً ؟ قال له : هم أقل عدداً. قال له : هل هم أكثر عدة أو أقل عدة؟ قال له : هم أقل عدة . قال له : أخبرني عن حالهم . قال له : هم رهبان بالليل وفرسان بالنهار . قال له : أخبرني عن طعامهم . قال له : يأكلون بقدر ما يعيشون . قال له: أخبرني عن لباسهم . قال له : يلبسون بقدر ما يستترون ، ويقولون " ولباس التقوى ذلك خير " . قال له : أخبرني عن حالهم فيما بينهم . قال له : قلوبهم كقلب رجل واحد . فقال له : إنهم لم ينتصروا عليكم مع قلتهم وكثرتكم إلا بما ذكرته من أوصافهم هذه . ثم كتب رسالة جوابية إلى إمبراطور فارس ، جاء فيها : ( قد وصلني كتابك وفهمت ما عند رسولك ، ولا يمنعني من إرسال جيش أوله بمرو وآخره بالصين إلا أن أولئك القوم الذين خرجوا عليكم لا يقاومهم شيء ، فلو عارضتهم الجبال لاقتلعوها ، ولو أرادوني لانتزعوني من مكاني هذا ، فإن شئت أن تسلم فاستسلم لهم)(1)
__________
(1) البداية والنهاية؛ ج4 ص127، الجامع الأكبر؛ العريس للكمبيوتر. (1/324)
صفحة 325
، وما كان المؤمنون بهذا القدر من الهيبة بهذا المستوى والتمكين والنصر والاستخلاف في الأرض إلا بسبب صدقهم فيما بينهم وبين ربهم ، فقد كانوا مؤمنين حقاً ، متقين صدقاً ، محاسبين لنفوسهم ، كانوا كما أمرهم عمر رضي الله عنه أشد احتراساً من المعاصي منهم من عدوهم فكانت معية الله تكتنفهم وعنايته تحوطهم، كيف وقد قال الله تعالى في ذكر أحكام الجهاد : " واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين" ، والآن المسلمون وهم مستهدفون جميعاً عليهم أن يشعروا بأنهم جند للإسلام ، وأن كل واحد منهم واقف بسلاحه على ثغرة من ثغوره يخشى كل الخشية أن يؤتى من قبله، ولابد أن يصدقهم الله فيما وعدهم إياه من النصر والتمكين ، فإن الله تعالى أصدق الواعدين، وهو سبحانه خير الناصرين.
العبادة وأثرها في الوحدة الإسلامية
1- الإسلام ينظم الاجتماع الإنساني: (1/325)
صفحة 326
اقتضت إرادة الله تعالى أن تقوم حياة النوع الإنساني في الأرض من بين سائر الخلق على أسس من النظم الاجتماعية، وتحت مظلة الأوضاع المدنية، لأن الإنسان بتكوينه الخلقي أعدَّ ليكون اجتماعياً بفطرته، مدنياً بطبعه، ولذلك كان الناس متداخلين في معايشهم، متشابكين في مصالحهم، لا يستغني صنف منهم عن غيره، فالرجل والمرأة، والقوي والضعيف، والحاكم والمحكوم، والغني والفقير، لا تجد أحداً منهم يستقل في حياته بنفسه مستغنياً عن بني جنسه، فالملك مثلاً أو السلطان أو الرئيس هو في منتهى الحاجة إلى جميع طبقات الناس المختلفة، فهو بحاجة إلى الوزير والمستشار، والقاضي والكاتب، والطبيب والمهندس، والجندي والشرطي، والتاجر والفلاح، والبناء والنجار، والقين والسباك(1)، والخدام والطباخ، والحارس والسائق، وغيرهم من ذوي الخبرات الفنية، والمهارات العلمية، والاختصاصات العملية، وقل مثل ذلك في جميع طبقات الناس مهما رقوا إلى مدارج الكمال، وتبوأوا مقاعد العز والشرف.
__________
(1) القين: الحداد، السباك: في السبك في اللغة إذابة الذهب والفضة، والمشتغل بذلك سباك، ولكن تطلق في اللغة المعاصرة على المشتغل بالحديد، وخاصة على من يشتغل بتمديد الأنابيب. (1/326)
صفحة 327
وهل من أحد أكرم على الله من عبده ورسوله مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذي رفع قدره فوق النبيين ، وفضّله على خلقه أجمعين ؟ وقد كانت حياته –من هذه الناحية– كحياة سائر البشر ، فكان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، ويتزوج النساء، ويتداوى من الأمراض ، ويستعين بذوي الاختصاص في مختلف الأعمال ، وقد أمره الله تعالى أن لا يستغني برأيه عن مشورة أصحابه رضي الله عنهم ، حيث قال له: "وشاورهم في الأمر "(1) مع أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحصف منهم رأياً ، وأعمق نظراً، وأعظم اقتداراً ، وأقوى فهماً ، وبجانب هذه المزايا التي كان يتمتع بها فقد كان مختصاً من بينهم بتنزل الوحي عليه بأمر الله ، ينير له السبيل ، وينصب له الدليل، ويبين له ما يأتي وما يذر ، وما يقول وما يعمل، فلو استغنى أحد من البشر عن بني جنسه لكان أول الناس بذلك هذا النبي المجتبى والرسول المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، ثم سائر النبيين الذين اصطفاهم الله من سائر خلقه لأن يكونوا وعاء لنوره وحملة لرسالته، ولكن أنى ذلك، وقد اقتضت مشيئة الله أن تكون حياة البشر أجمعين متشابهة من هذه الناحية، فتلك سنتها التي لا تتبدل حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وتلك نواميسها التي لا تتحول حتى يتحول الوجود كله إلى نشأة أخرى "ولن تجد لسنة الله تبديلا"(2).
وإذا كانت هذه هي سنة الحياة التي أرادها الله لهذا الصنف من خلقه فإن التفاهم والترابط والتآلف والتعاون بين الناس ضرورة ملحة من ضرورات حياتهم ، ومطلب مهم من مطالب فطرتهم ، سواء كان ذلك في محيط ضيق كالأسرة والعشيرة ، أو محيط أوسع كالمجتمع والأمة.
__________
(1) الآية رقم ( 159 ) من سورة ( آل عمران ) .
(2) الآية رقم ( 62 ) من سورة ( الأحزاب ) ، الآية رقم ( 23 ) من سورة ( الفتح ) . (1/327)
صفحة 328
وبما أن الإسلام دين الفطرة الذي يأتلف معها ولا يختلف ، وينسجم مع مطالبها ولا يصطدم ، كما هو صريح في قوله تعالى : " وأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون"(1) فإنه جاء بما يقوي هذه الروابط ويمتن هذه الصلات في تعاليمه السمحة ، ففرض حقوق الوالدين ، وحقوق الزوجين ، وحقوق ذوي القربى ، وحقوق الجوار ، وحقوق المسلمين عامة ، وحقوق البشر بصفة أعم ، مراعياً في ذلك مطالب الفطرة وضرورات الحياة واضعاً كل شيء في موضعه في نظام رتيب تعجز عن مثله قدرات البشر.
__________
(1) الآية رقم ( 30 ) من سورة ( الروم ) . (1/328)
صفحة 329
ومن تفقد أحوال البشر وأمعن في تعاليم الإسلام أيقن أن شؤونهم لا تصلح إلا به، وأوضاعهم لا تستقر إلا عليه ، وأن الإسلام في كل ما يشرع من حكم بين الناس وما يفرضه من العبادات وما يحذر منه من المحظورات يهدف إلى إصلاح الإنسان، ويراعي ما يجمع شمله، ويلملم شتاته، ويؤلف بين قلوب أفراده، ويستأصل ما يورث بينهم البغضاء والأحقاد والكراهية، ومن نظر في تضاعيف الكتاب والسنة وجد أن الاتحاد مطلب أساسي من مطالب الإسلام ، فالإسلام كما يأمر بالإيمان والتقوى يأمر بالألفة والوفاق ، وكما يحذر من الكفر والفجور يحذر من الفرقة والشقاق ، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حرفة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون "(1) ، وقال " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم "(2) ، وقال : " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء "(3) ، وقال : " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"(4)، وقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وشبك بين أصابعه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -(5) وقال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"(6) ، وقال : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم "(7)، وقال:
__________
(1) الآية رقم ( 102 – 103 ) من سورة ( آل عمران ) .
(2) الآية رقم ( 105 ) من سورة ( آل عمران ) .
(3) الآية رقم ( 159 ) من سورة ( الأنعام ) .
(4) الآية رقم ( 46 ) من سورة ( الأنفال ) .
(5) البخاري (475).
(6) سبق تخريجه.
(7) سبق تخريجه. (1/329)
صفحة 330
"المسلمون تتكافأ دماؤهم، وأموالهم بينهم حرام، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم"(1).
ولأجل المحافظة على وحدة الأمة والمجتمع شدد الإسلام الحكم في كل ما يؤدي إلى تفككهما، فحرم السخرية واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن، والتجسس والغيبة، والتعالي بالأنساب والأحساب، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون . يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم . يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير "(2) ، ومثل ذلك تحريم السباب والقتال بين المسلمين وإلحاقهما بالفسوق والكفر، قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر "(3) ، وقال : "لا ترجعوا من بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"(4).
__________
(1) رواه الربيع (664).
(2) الآية رقم ( 11 – 13 ) من سورة ( الحجرات ) .
(3) البخاري(48)، مسلم (183)، والحديث في أصله صحيح من حيث إن السباب والقتال مفضيان إلى الفسوق والكفر بمعنى كفر النعمة، ولكن بهذه الصيغة الواردة هنا فيها تنصيص على التفرقة بين الفسوق والكفر، وهي محل نظر، ومن المعلوم أن الصياغة النهائية لألفاظ كثير من الأحاديث جاء متأثرة بالبنية العقدية والفكرية والفقهية للرواة، أو الرواية قد أصابها شيء من حذف السياق أو بتره، والله أعلم.
(4) الربيع (756). (1/330)
صفحة 331
وعوامل الوحدة بين الأمة الإسلامية متوفرة في تضاعيف تعاليم الإسلام، لا تنحصر في جانب دون آخر ، فعقيدة الإسلام نفسها هي من أعظم أسباب ترابط الأمة واتحادها، وهكذا شريعته وعباداته وآدابه ومثله.
ولعل من نافلة القول التأكيد بأن الشعائر الدينية في الإسلام من أبرز العوامل وأقوى الوسائل للتآلف والترابط والتواد والتعاطف بين أفراد الأمة المسلمة الذين يدينون بهذه الشعائر ويمارسونها بأمانة وإخلاص نابعين من الشعور بالمسؤولية أمام الله سبحانه ، ومما يؤكد ذلك الصيغة التعليمية التي جاءت في القرآن لإرشادنا وتوجيهنا في توجيه العبادة إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ - ، فقد جاءت هذه الصيغة في سورة تتكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة التي هي أم العبادات وأقدسها ، تلكم الصيغة هي قوله تعالى: "إياك نعبد وإياك نستعين "(1) ، فإن ضمير الجمع فيها يبعث في نفس العابد المستعين شعوراً باندماجه مع سائر العابدين الذين يشتركون معه في هذه العبادة(2)، وليس بخافٍ ما يترتب على هذا الشعور من التآلف والتراحم، وما ينبعث منه من روح الإخاء الديني.
2- الشعائر لغةً وإصلاحاً:
__________
(1) الآية رقم ( 4 – 5 ) من سورة ( الفاتحة ) .
(2) انظر الألوسي ، روح المعاني ، ج1 ، ص88 ، ط, دار إحياء التراث العربي ( بيروت – لبنان ) . ومُحَمَّد رشيد رضا ، المنار ، ج1 ، ص81 ط4 . (1/331)
صفحة 332
الشعائر جمع شعيرة وشعارة ، وهي لغة بمعنى العلامة لأنها مأخوذة من أشعر بمعنى أعلم(1) ، واصطلاحاً ما جعل علامة على أداء عمل من أعمال الحج والعمرة، وهي المواضع المعظمة مثل المواقيت التي يقع عندها الإحرام ، ومنها الكعبة والمسجد الحرام والمقام والصفا والمروة وعرفة والمشعر الحرام بمزدلفة ومنى والجمار(2) ، وتوسع فيها فأطلقت على كل شيء جعل علماً من أعلام طاعة الله(3) ، وأطلقت على نفس العبادات(4) وذلك لأنها أدل دليل على طاعة الله سبحانه ، فهي من علائم الانقياد لعزته والخضوع لجبروته ، وحصرها بعضهم في العبادات الاجتماعية كالأذان وصلاة الجمعة والعيدين(5).
__________
(1) انظر لسان العرب ، ج4 ، ص2276/2277 ، ط . دار المعارف ، وانظر كذلك تاج العروس ، المجلد الثالث ، ص303/304 ، دار مكتبة الحياة ، بيروت ، لبنان .
(2) ابن عاشور ، التحرير والتنوير ، ج2 ، ص61 ، الدار التونسية للنشر ، والقرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج2 ص180 ، ط. دار إحياء التراث العربي ( بيروت - لبنان ) والألوسي ، روح المعاني ، ج2 ص25 ، ط . دار إحياء التراث العربي ( بيروت – لبنان ) .
(3) الرازي : مفاتيح الغيب ، ج4 ، ص156 ، ط2 – طهران .
(4) المرجع السابق ص158 .
(5) السيد مُحَمَّد رشيد رضا : المنار ج2 ، ص44 ، ط4 . (1/332)
صفحة 333
وقد شاع في عصرنا إطلاق الشعائر على أمهات العبادات المعروفة ، وهي الصلاة والزكاة والصيام والحج ؛ بكل ما اشتملت عليه من شروط وأركان ، وهو الذي يفهم من قول الإمام مُحَمَّد عبده : ( في الأحكام التي شرعها الله تعالى نوع يسمى بالشعائر ، ومنها ما لا يسمى بذلك كأحكام المعاملات كافة ، لأنها شرعت لمصالح البشر فلها علل وأسباب يسهل على كل إنسان أن يفهمها ، فهذا أحد أقسام الشرائع ، والقسم الثاني هو ما تعبدنا الله تعالى به كالصلاة على وجه مخصوص، وكالتوجه فيها إلى مكان مخصوص سماه الله بيته مع أنه من خلقه كسائر العالم، فهذا شيء شرعه الله وتعبدنا به لعلمه بأنه فيه مصلحة لنا ، ولكننا نحن لا نفهم سر ذلك تمام الفهم من كل وجه )(1) ، وما قاله في الصلاة يصدق على سائر أركان الإسلام العملية فإنها جميعاً شرعت لتحقيق العبودية لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، ولذلك كانت منطوية على أشياء غامضة بالنسبة إلى العباد ، كتحديد نصاب الزكاة في كل صنف تجب فيه ، وكتحديد مواقيت الصوم ، ومشروعية مناسك الحج ، وكون هذه الأعمال تعبدية محضة لا ينافي انطواءها على مصالح للعباد قد تظهر منها جوانب لهم وتخفي جوانب أخرى ، ومن بين هذه المصالح ما ينتج عن هذه العبادات من ألفة وتواد بين الناس ، وهذا هو موضوع بحثنا هذا.
3- الصلاة:
__________
(1) المرجع السابق ، ص44 . (1/333)
صفحة 334
الصلاة هي أساس العبادات ومجمع الطاعات ، حض الله عليها في كثير من آيات الكتاب ، فكم نجد فيها تكرر قوله : " وأقيموا الصلاة " ، وقال تعالى : " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى "(1) ، وصدر بإقامتها والمحافظة عليها أوصاف المؤمنين ونعوت المتقين والمحسنين ، كما هو واضح في قوله : " هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة "(2) ، وقوله : " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون "(3) ، وقوله : " إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون "(4) ، وقوله : " هدىً وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون "(5) ، وقال : " هدىً ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون "(6) ، وقال في الذين يستوجبون نصر الله بسبب نصرتهم له: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة"(7).
__________
(1) الآية رقم ( 238 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 2 – 3 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الآية رقم ( 1 – 2 ) من سورة ( المؤمنون ) .
(4) الآية رقم ( 2 – 3 ) من سورة ( الأنفال ) .
(5) الآية رقم ( 2 ) من سورة ( النمل ) .
(6) الآية رقم ( 3 – 4 ) من سورة ( لقمان ) .
(7) الآية رقم ( 41 ) من سورة ( الحج ) . (1/334)
صفحة 335
وإذا كانت صفات البررة الأخيار تصدر بالمحافظة على الصلاة كما في هذه الآيات وغيرها ، فإن صفات أضدادهم الفجرة الأشرار يُذكر أيضاً في طليعتها إهمال الصلاة وعدم المبالاة بها كما هو واضح في قوله تعالى : " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً "(1) ، وقوله فيما يحكيه من إجابة الكفار بعدما يصلون النار : " لم نكُ من المصلين ، ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين"(2).
وقد عُنيت السنة النبوية بالحض عليها عناية بالغة ، ومما جاء في ذلك قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لكل شيء عمود وعمود الدين الصلاة وعمود الصلاة الخشوع"(3)، وقوله : " لا إيمان لمن لا صلاة له "(4) ، وقوله : " ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة "(5)، وقوله: "العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة فمن تركها فقد كفر"(6)، وذكر - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصلاة يوماً فقال : " ومن حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة ، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي ابن خلف"(7).
وإذا كانت العبادات في الإسلام على اختلافها في الكيفية والأداء ذات أثر عميق وتأثير بالغ في سلوك العابد الشخصي ونظامه الاجتماعي ، فإن الصلاة أبلغها أثراً، وأقواها تأثيراً ، فهي تجتث رذائل النفس ، وتغرس فيها روح الفضيلة ، وتبعث فيها عزائم الخير ، وتنهنِهها عن دواعي الشر ، وتفجر فيها عواطف الرحمة والإحسان، ولذلك كانت أكثر هذه العبادات تكراراً في عمل الإنسان.
__________
(1) الآية رقم ( 59 ) من سورة ( مريم ) .
(2) الآية رقم ( 43 – 46 ) من سورة ( المدثر ) .
(3) الربيع (285).
(4) الربيع (91).
(5) الربيع (303).
(6) الترمذي (2689) وغيره.
(7) أحمد (6560). (1/335)
صفحة 336
وقد تحدث القرآن الكريم عن أثر الصلاة في آيات متعددة ، منها قوله تعالى : "وأقم الصلاة لذكري "(1) ، وقوله : " وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"(2)، وقوله : " إن الإنسان خُلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون "(3) ، فقد جعل الله في هذه الآيات الصلاة أقوى العوامل في تطهير النفس من أدران الأخلاق المذمومة التي تُعد من الطبائع التي جبل عليها الإنسان ، وهذا إذا أداها العبد محافظاً عليها ومخلصاً فيها لا يرجو بها إلا وجه الله ، ولا يستشعر فيها إلا عظمته ، أما إذا أداها على غير هذا الوجه فلن تعدو أن تكون كالجسم المتعفن الهامد بعدما ما انتزعت منه الروح ، وهذا واضح في قوله تعالى : " أرأيت الذي يكذب بالدين . فذلك الذي يدع اليتيم . ولا يحض على طعام المسكين . فويلٌ للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون "(4) ، إذ ترون كيف ربط الله سبحانه بين هذه الموبقات التي نعاها على القوم الظالمين –وهي التكذيب بالدين ، ودع اليتيم ، وعدم الحض على طعام المسكين– وبين السهو عن الصلاة بالفاء الرابطة لما بعدها بما قبلها ، وما هو إلا تنبيه على أن ما ذكر إنما نشأ من عدم المحافظة على الصلاة المشروعة ، وهو بالتالي تنبيه على أن الذين يؤدون الصلاة كما شرعها الله كاملة غير منقوصة شكلاً وروحاً مبرأون من هذه الخصال.
__________
(1) الآية رقم ( 14 ) من سورة ( طه ) .
(2) الآية رقم ( 45 ) من سورة ( العنكبوت ) .
(3) الآية رقم ( 19 – 23 ) من سورة ( المعارج ) .
(4) الآية رقم ( 1 – 5 ) من سورة ( الماعون ) . (1/336)
صفحة 337
وقد صور لنا النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أثر الصلاة في النفس بما هو أقرب إلى الحس من الأمور المشاهدة المألوفة حيث قال : " أرأيتم لو أن على باب أحدكم نهراً جارياً غمراً ينغمس فيه كل يوم وليلة خمس مرات ، أيبقى من درنه شيء ؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : فذلك مثل الصلوات الخمس"(1).
ذلك لأن المطلوب في الصلاة أن يقف المصلي بين يدي ربه مستشعراً ذله وصغاره أمام العزة المطلقة والكبرياء المطلق ، خاشعاً وجلاً تاركاً وراءه هموم الدنيا وأشغالها ، لا يستحضر إلا ما يتلوه ويردده من ذكر الله في قيامه وقعوده ، وركوعه وسجوده، وفي تنقلاته بينها ، وأكثر ما يتردد من الذكر على لسانه تكبير الله تعالى الذي يفتتح به الصلاة ويردده في انتقاله من حال إلى حال فيها وهو كافٍ لإيقاظه من غفلته، وإفاضة شعور يملأ منه شعاب النفس ويبلغ في أعماق العقل والوجدان بأن الكبرياء لله تعالى وحده ، والناس وإن تباينت طبقاتهم حسب أعرافهم المصطنعة ما هم إلا عبيد أذلاء بين يديه ، نافذة فيهم مشيئته ، ماضٍ فيه قضاؤه ، لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، لا فرق في ذلك بين قوي وضعيف ، ولا بين كبير وصغير ، ولا بين غني وفقير ، ولا بين جنس وآخر ، فقد قال - عَزَّ وَجَلَّ - : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "(2) ، فليس من الحكمة والعقل ولا من المصلحة للإنسان أن يتعالى على أحد من خلق الله لمنافاة ذلك للتقوى التي هي ميزان التفاضل بين الناس، ولأن أثر ذلك يعود على النفس بما تكره في الدنيا والآخرة ، وهكذا كل ما يتلوه المصلي في صلاته من قرآن أو تسبيح أو أي ذكر كان، تفتح كل كلمة منه آفاقاً من الفكر النير ، فتستنير بصيرته وتصفو سريرته وتستقيم في الناس سيرته.
__________
(1) مسلم (1472).
(2) الآية رقم ( 13 ) من سورة ( الحجرات ) . (1/337)
صفحة 338
واشتراك جميع المصلين من الأمة –وكلهم مطالبون بالصلاة ومخاطبون بأدائها على وجهها الشرعي– في التحلي بهذه القيم والتخلق بهذه الفضائل يؤدي إلى تفاعل جميع أفراد الأمة في أسرهم ومجتمعاتهم ، وبهذا تتماسك جميع أجزاء الأمة ، فتكون متحدة في مبادئها وغاياتها ، وفي مسيرها ومصيرها ، وفي سلوكها وعاداتها، وفي أحاسيسها ومشاعرها ، وفي آمالها وآلامها ، يشد قويها أزر ضعيفها ، ويسد غنيها حاجة فقيرها ، ويوقر صغيرها كبيرها ، ويرحم كبيرها صغيرها ، وفي ذلك تجسيد لما يدعو إليه قوله تعالى : " إنما المؤمنون إخوة "(1) ، وقوله : " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون "(2) ، وقوله : " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون"(3).
ولئن كانت الصلاة تنبع منها هذه القيم ، وتنبعث منها هذه الفضائل ، فإن أداءها في الجماعات يضاعف من رسوخ هذه المعاني في النفس ، وتمكنها من العقل والقلب ، فما أروع ذلك المشهد الذي يجمع شتات الناس في ظل العبودية لله سبحانه ، فتصطف صفوفهم بين يديه متراصين في وقفتهم ، منتظمين في حركاتهم ، قد تحطمت بينهم جميع الفوارق المصطنعة ، وتطايرت عنهم جميع النعرات المختلفة ، يقف الغني والفقير، والقوي والضعيف ، والحاكم والمحكوم ، جنباً إلى جنب لا يعظمون غير الله، ولا يبتغون إلا وجهه ، تخر له جباههم ساجدة ، وتنحني له ظهورهم راكعة ، وتذل له رقابهم صاغرة ، لا يستجيبون إلا لداعي الله ، ولا يلتفون إلا على مائدة عبادته، يداوون بها نفوسهم من غرورها ، ومن سائر عيوبها وشرورها.
__________
(1) الآية رقم ( 10 ) من سورة ( الحجرات ) .
(2) الآية رقم ( 92 ) من سورة ( المؤمنون ) .
(3) الآية رقم ( 52 ) من سورة ( المؤمنون ) . (1/338)
صفحة 339
إن مثل هذا اللقاء الروحاني لجدير بأن تلتحم فيه الأرواح قبل أن تلتقي الأجساد، وأن تمتزج فيه المشاعر ، وتتعاطف فيه القلوب ، فيتبخر –بحرارة الإيمان– ما فيها من سخائم وأحقاد ، ويتلاشى بسيل المودة ما يغشاها من بغض وكراهية.
وللصلاة في الجماعة فضل عظيم بيّنه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله : "صلاة الجماعة تفضل على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة"(1)، وفي رواية أخرى: "الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"(2).
ولم تختلف الأمة في مشروعية الجماعة في الصلوات الخمس وفي فضلها، وإنما اختلفت في حكمها ، فعدها بعضهم واجبة على الأعيان ، وغيرهم واجبة على الكفاية، وآخرون سنة مرغباً فيها ؛ والقول الأول هو الصحيح للأدلة المتضافرة الدالة عليه، وليس هذا المقام محلاً لبحثها(3).
إذا كانت الصلوات الخمس في الجماعات تجمع عدداً محدوداً من الناس في كل يوم وليلة خمس مرات ، لتطهرهم من أرجاس الإثم ، وتصفيهم من أكدار البغضاء والأحقاد ، فإن صلاة الجمعة تجمع عدداً أكبر في كل يوم جمعة من كل أسبوع، ليزدادوا صفاء ونقاء ونوراً وبهاء ، وليكون في ذلك تذكيرهم بأكثر من معنى، ليشكروا نعم الله عليهم وليقووا صلتهم به ، معتصمين بحبله المتين ، ومتمسكين بعروته الوثقى ، ففي يوم الجمعة خلق الله آدم أبا البشر ، وفيه تاب عليه ، وفيه أهبط من السماء إلى الأرض ، وفيه تقوم الساعة ، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه(4).
__________
(1) الربيع (216).
(2) الربيع (215).
(3) تراجع من (جواهر التفسير) لسماحته ، الجزء الثالث ، ص169 – 214 ط1، وكذلك تطرق إلى بعضها في المباحث السابقة.
(4) الربيع (279). (1/339)
صفحة 340
وفي صلاة الجمعة ما في غيرها من الصلوات من التذكير والتبصير ، وإنما اختصت بمشروعية الخطبة التي تبصر السالكين ، وتذكر الغافلين ، وتهدي إلى الصراط المستقيم، وفي هذا كله شد للأواصر الاجتماعية ، وربط للفرد بأسرته ومجتمعه وأمته ، وهي فرض بنص القرآن وسنة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإجماع الأمة.
3- الزكاة:
الزكاة –وإن كانت نظاماً مالياً اجتماعياً– معدودة في ضمن شعائر الدين ، لأنها من أمهات العبادات التي تغرس روح التقوى في نفس العابد ، وتهيئه لأن يكون عبداً مخلصاً لربه ، وفرداً صالحاً في مجتمعه.
وفي معناها الشرعي يتحقق كلا أصليها اللغويين ، فإن قلنا إنها من زكا يزكو بمعنى طهر يطهر ، فلا ريب أنها طهارة للنفس من الشح وآثاره الذميمة ، وللمال المزكى من الأقذار ، وإلى هذا يومي قوله تعالى : " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها "(1) ، وإن قلنا إنها من زكا بمعنى نما ، فهي أيضاً نماء للنفس بما يجعل الله فيها بسببها من الخير ، وبما ينغرس من الأخلاق الفاضلة والخصال المحمودة التي لا تؤدي إلا إلى صالحات الأعمال ، كما أنها نماء للمال بما يجعل الله فيه من البركة فيؤتي ثماره هنيئة طيبة ، وإلى ذلك يومي قوله تعالى : " ويربي الصدقات"(2).
__________
(1) الآية رقم ( 103 ) من سورة ( التوبة ) .
(2) الآية رقم ( 276 ) من سورة ( البقرة ) . (1/340)
صفحة 341
وإيتاء الزكاة –كإقام الصلاة– من خصائص المؤمنين والمحسنين ، فقد وصف الله به المؤمنين في قوله : " والذين هم للزكاة فاعلون "(1) ، وقوله : " هدىً وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة "(2) ، كما وصف به المحسنين بقوله : " هدىً ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة "(3) ، ولأجل تأكيد فرضيتها وبيان مكانتها في الإسلام قرنت بأهم ركن عملي من أركانه وهو الصلاة في كثير من الآيات والأحاديث ، وكفى زجراً وتحذيراً من إضاعتها أو التهاون بها أن الله سبحانه جعل عدم إيتائها من صفات المشركين ومن أسباب وعيدهم في قوله: " وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة"(4).
ومزايا الزكاة وفضائلها أكثر من أن تحصى ، وحسبكم ما في الكتاب والسنة من الإشادة بذكرها ، والحض عليها ، والثناء على مؤتيها ، والوعد على الوفاء بحقوقها، والوعيد على التفريط فيها.
وهي من عوامل الوحدة بين الأمة المسلمة إن حافظت عليها، لأنها تصل بين طبقتي الأغنياء والفقراء، وتردم الهوة الفاصلة بينهما، فهي تعطف قلوب الأغنياء على الفقراء بما ينشأ بسببها من الرحمة الباعثة على الإحسان، كما أنها تعطف قلوب الفقراء على الأغنياء بما يجعل الله فيها بسببها من المودة لهم والتقدير لإحسانهم .
والزكاة بحق هي أهم علاج لمرض نفسي اجتماعي يفتك بالأخلاق فتكاً ويقطع الأواصر قطعاً ، ويستعصي على العلاج إذا استحكم في النفس واستولى على العقل والقلب ، فكان جبلة لا تتحول ، وجرثومة لا تستأصل ، ذلكم المرض الفتاك هو شهوة المال التي قلما تسلم منها نفس ، وإنما يتفاوت الناس فيها بقدر اختلافهم في العناية بمعالجتها.
__________
(1) الآية رقم ( 4 ) من سورة ( المؤمنون ) .
(2) الآية رقم ( 2 – 3 ) من سورة ( النمل ) .
(3) الآية رقم ( 3 – 4 ) من سورة ( لقمان ) .
(4) الآية رقم ( 6 – 7 ) من سورة ( فصلت ) . (1/341)
صفحة 342
وما أعظم الجرائم التي ترتكب بدافع من هذه الشهوة الخفية ، فما السرقة والغش والربا ، وأنواع التحايل على جمع المال بغير وجهه الشرعي إلا من آثارها ، بل كثيراً ما تؤدي إلى القتل والقطيعة ، وضروب من الفتن بين الأقربين والأصدقاء المتآخين، فكم غني جنى عليه ماله فتعرض للقتل أو الضرب من أقرب المقربين عنده وأخلص المخلصين في ظنه ؛ وقد عالج الإسلام بحكمته البالغة هذا الداء العضال ، ففرض ضروباً من النفقات –وعلى رأسها الزكاة– لكف النفس عن غلوائها وشططها في حب المال.
وأهم أساس بنى عليه الإسلام نظامه المالي جعل كل ما بيد الإنسان ملكاً لله تعالى الذي له ما في السموات وما في الأرض ، وجعل الإنسان مستخلفاً فيه ومؤتمناً عليه كما هو صريح في قوله تعالى : " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم"(1)، وقوله: "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه "(2) ، وبنى على ذلك حكمه في الكسب والإنفاق ، فلم يطلق يد الإنسان فيهما كما تسول له نفسه ، بل بيّن له فيهما ما يأتي وما يذر، فليس له أن يتجاوز الوسائل المباحة في الكسب ، كما أنه ليس له أن يتجاوز الحدود المشروعة في الإنفاق فيضع مال الله الذي ائتمنه عليه واستخلفه فيه في غير محله، ولذلك كان العبد يوم القيامة مسؤولاً عن الأمرين معاً ( الكسب والإنفاق ) ، كما جاء في حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس .. إلى أن قال : وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟"(3)، وهو يعني وجوب التقيد بإذن الله تعالى في الكسب والإنفاق.
__________
(1) الآية رقم ( 33 ) من سورة ( النور ) .
(2) الآية رقم ( 7 ) من سورة ( الحديد ) .
(3) سبق تخريجه . (1/342)
صفحة 343
ومن الإنفاق ما يعد من الفروض اللازمة التي لا خيار فيها للإنسان ، ولذلك نرى في آية البر إنفاق المال مقترناً بالعقيدة مقدماً على سائر أعمال البر حتى الصلاة نفسها، وذلك في قوله تعالى : " ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب "(1) ، وليس ذلك مقيداً بالزكاة فحسب بدليل قوله من بعد : " وأقام الصلاة وآتى الزكاة " وفي هذا ما يدل على أن الإنفاق الواجب من المال لا ينحصر في الزكاة وحدها ، ومهما يكن فإن الإنفاق سواء كان من الزكاة أو من غيرها يربي الضمير الإنساني ، ويجعل الفرد يحس بأحاسيس مجتمعه ، يتألم بآلامه ويسر بسروره ، فيتجسد في المجتمع معنى حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " ، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "(2) ، وما أعظم سرور الأغنياء عندما يرون إخوانهم الفقراء ينعمون برغد العيش، ويرفلون في حلل النعيم بما أجراه الله لهم على أيديهم من رزق فيما آتاهم الله من مال ، فكانوا بذلك سبباً لسد حاجة إخوانهم بما يوصلهم إلى رضوان الله في الدار الآخرة ، وما ينالونه من مودة الناس في الحياة الدنيا ، وما أسعد أولئك الفقراء الذين يرون حاجتهم تقضى وخلتهم تسد على أيدي إخوانهم الذين استخلفهم الله في ماله ، ووسع عليهم من رزقه من غير منٍ ولا أذى ، ولا تعال ولا استكبار ، ومن غير أن يشعروهم بذل ولا صغار.
إن مجتمعاً هذا شأنه حقيق بأن يسوده التواؤم بين أفراده ، والتلاحم بين طبقاته، وإن أمة هذا دينها وهذه مبادئها لجديرة بأن تسود العالم وأن تقود الإنسانية ، وأن تكون رسالتها رحمة للعالمين.
__________
(1) الآية رقم ( 177 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) سبق تخريجه. (1/343)
صفحة 344
4- الصيام:
الصيام وإن كان عبادة تركية لأنه ترك للطعام والشراب وقضاء الوطر من الحاجة الجنسية وسائر المفطرات على اختلاف العلماء فيها ، فإنه ذو أثر إيجابي في سلوك الصائمين ، بل هو من عوامل وحدة الأمة وترابطها ، وأسباب تعاونها وتكافلها ، فإن أحاسيس البشر هي مبعث تفاعل بعضهم مع بعض، وإن الأخلاق الحميدة هي الجسر الذي يعبر عليه التعاطف بينهم، فيتلاحم أفرادهم ومجتمعاتهم فتندمج فئاتهم وطبقاتهم.
ومن شأن الصيام أن يرهف الحس ويرقق الشعور ، ويذكي في النفس مشاعر الرحمة والإحسان ، وهو بجانب ذلك مدرسة خلقية يتربى فيها الضمير الإنساني ، وتتهذب بإيحاءاتها النفس البشرية ، وينجلي عنها صدأ طبائعها المذمومة ، وأكدار عاداتها السيئة ، وقبل الدخول في تفصيل ذلك أود أن أشير إلى أن استقامة أحوال البشر لا تتم إلا باستعلائهم على الأنانيات الفردية والمصالح الشخصية التي هي أكبر عائق في طريق وحدة الأمة وتآزرها ، وتعاطفها وتآلفها ، وذلك لا يتحقق إلا بتقوى الله سبحانه ، ولذلك نجد الأمر بالتقوى والإشادة بالمتقين والثناء عليهم ووعدهم بحسن العقبى يتخلل آيات الكتاب في معرض الأمر والنهي ، والتبشير والإنذار ، والقصص والأمثال ، والتذكير والامتنان ، والتشريع والبيان ، إلى غير ذلك من الأغراض التي نزل من أجلها القرآن ، ولا نجد في القرآن تكرار الأمر بشيء كما تكرر الأمر بالتقوى، وما ذلك إلا لأن التقوى إطار واسع يشتمل على كل خير فتدخل ضمنه فضائل الأقوال والأعمال ، ومحاسن السجايا والأخلاق ، كما تدخل فيه العقيدة الصافية القائمة على دعائم النقل الصحيح والعقل الصريح ، وتخرج عن هذا الإطار وتنأى عن حماه جميع الأفعال المنكرة والخصال المذمومة والأقوال القبيحة. (1/344)
صفحة 345
وكما ربط الله سبحانه بين التقوى ومطلق العبادة في قوله : " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذي من قبلكم لعلكم تتقون "(1) ، خص الصوم بهذا الربط حيث قال : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون "(2) ، وهذا الصوم ليس هو مجرد الكف عن المفطرات الثلاث المشهورة فحسب، ولكنه مع ذلك كف الجوارح واللسان عن قبائح الأعمال والأقوال، والتجرد التام من مذام الأخلاق والخصال، كما يقتضيه الحديث الشريف عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا صوم إلا بالكف عن محارم الله"(3)، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(4)، وقوله: "الصوم جنة، فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم"(5) ، وفي هذه الأحاديث جميعاً تأكيد بأن الصوم المشروع هو الصوم الخالص من شوائب المعصية الصافي من أكدار القبائح ، ومما لا شك فيه أن تعويد النفس على هذا الالتزام بواجبات الإسلام وآدابه، ومراقبة الله في أحكامه وحدوده أثناء الصوم في شهر رمضان المبارك يجعل النفس تتعود هذه الفضائل والقيم ، وتستمر على هذه الخصال والأعمال في سائر العام حتى تكون كأنها من سجاياها التي جبلت عليها ، وبهذا يتحقق المراد من التقوى، وفي الحديث الأخير من الأدب الرفيع ما لا يقدر قدره ، ولا يحصر خيره، وكفى بما فيه من مطالبة الصائم باحتمال الأذى من الغير ، وعدم مقابلة الإساءة بمثلها ، فإذا تعرض لمكروه من أحد من الناس فليس له أن يثأر لنفسه ويطلق عليه يده ولسانه ، بل عليه أن يقول إني صائم ، ليؤدب بهذه القولة نفسه عن التطلع إلى ما تشتهيه من الانتقام ، وليذكر غيره بأسلوب غير
__________
(1) الآية رقم ( 21 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 183 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الربيع (91).
(4) البخاري (1882).
(5) الربيع (330). (1/345)
صفحة 346
مباشر أن ما جاء به من الأذى ينافي قدسية الصيام ، فما أعظم هذا الأدب الذي لا يقف في حدود الكف عن أذى الغير فحسب ، بل يتجاوز ذلك إلى احتمال أنواع الأذى الذي يأتي من الغير ، وما أبلغ هذا التسامح الذي يطبع عليه الصائم إذا هو أدى صيامه على هذا النحو من الالتزام ، وإذا كان التسامح ضرورة من ضرورات الوحدة بين الناس فإن الصيام أهم مصدر لهذا العنصر من عوامل هذه الوحدة، على أن جميع خصال التقوى التي تقوى بالصيام هي من أعمل العوامل في اجتذاب النفوس بعضها إلى بعض ، ومزج مشاعرها وأحاسيسها ، وهدم حواجز الأنانيات بينها ، كيف والله تعالى ينبئنا عن أمة الإيمان أنها أمة واحدة ، وأن اتحادها يجب أن يكون في ظل العبادة والتقوى كما هو واضح من قوله تعالى : " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون "(1) ، وقوله : " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون"(2).
__________
(1) الآية رقم ( 92 ) من سورة ( الأنبياء ) .
(2) الآية رقم ( 52 ) من سورة ( المؤمنون ) . (1/346)
صفحة 347
وقد أجاد الإمام مُحَمَّد عبده في شرحه إعداد الصيام نفوس الصائمين للتقوى حيث قال : ( وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله تعالى يظهر من وجوه كثيرة ، أعظمها شأناً وأنصعها برهاناً ، وأظهرها أثراً ، وأعلاها خطراً " شرفاً " أنه أمر موكول إلى نفس الصائم ، لا رقيب عليه فيه إلا الله تعالى ، وسر بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه ، فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرض له في عامة الأوقات بمجرد الامتثال لأمر ربه ، والخضوع لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة ملاحظاً عند عروض كل رغيبة له من أكل نفيس ، وشراب عذب، وفاكهة يانعة، وغير ذلك ، كزينة زوجة أو جمالها الداعي إلى ملابستها ، أنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها ، لا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى ، والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه ، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان لله تعالى ، والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لضبط النفس ونزاهتها في الدنيا ، ولسعادتها في الآخرة. (1/347)
صفحة 348
كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضاً ، انظر هل يقدم من تلابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم ؟ هل يسهل عليه أن يراه الله آكلاً لأموالهم بالباطل ؟ هل يحتال على الله تعالى في منع الزكاة وهدم هذا الركن الركين من أركان دينه ؟ هل يحتال على أكل الربا ؟ هل يقترف المنكرات جهاراً ؟ هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبين الله ستاراً ؟ كلا ، إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي إذ لا يطول أمد غفلته عن الله تعالى ، وإذا نسي وألم بشيء منها يكون سريع التذكر ، قريب الفيء والرجوع بالتوبة الصحيحة " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون "(1) ، فالصيام أعظم مرب للإرادة وكابح لجماح الأهواء ، فأجدر بالصائم أن يكون حراً يعمل ما يعتقد أنه خير ، لا عبداً للشهوات ، إنما روح الصوم وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة وهذا هو معنى كون العمل لوجه الله تعالى).
__________
(1) تفسير المنارج2 ، ص145-146 . (1/348)
صفحة 349
ويقول في هذا الإمام مُحَمَّد الطاهر بن عاشور: (وإنما كان الصيام موجباً لاتقاء المعاصي لأن المعاصي قسمان ، قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغضب ، فتركه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله ، والموعظة بأحوال الغير، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب، وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر ، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها ، لأنه يعدل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي ، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني ، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية ، وفي الحديث الصحيح : " الصوم جُنة " أي وقاية ، ولما ترك ذكر متعلق " جُنة " تعين حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة ، وفي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم ، ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة ، ووقاية من العلل والأدواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات)(1).
وإذا كان الصوم يضبط غرائز الإنسان الغضبية والشهوانية ، وهذه الغرائز هي أخطر العوامل في تفتيت وحدة البشر وتقطيع الحبال الواصلة بين الناس ؛ عندما يستجيب كل أحد لداعي غريزته غير مبال بعاقبة أمره وأمر أسرته ومجتمعه وأمته فالصوم إذاً من أقوى الضمانات لحفظ كيان الوحدة وإبعادها عما يهددها من مخاطر الأنانيات، ومعاول الغرائز والشهوات.
__________
(1) التحرير والتنوير2 ص158 ، الدار التونسية للنشر . (1/349)
صفحة 350
وبجانب كل ما تقدم فإن الصيام سبب لإحساس ذوي اليسار بشدة المعسرين الذين تعوزهم لقمة العيش التي يسدون بها مسغبتهم ، فإن استمرار الموسر على شبعه وريه في كل أوقاته وحالاته ينسيه آلام الأمعاء الجائعة والأكباد الصادئة التي يعاني أهلها من مشكلة الفقر ، ويكابدون لأواء الحياة ، يقضون سحابة نهارهم كادحين تحت وهج الشمس ولفح القيظ لينقلبوا إلى أهلهم بشيء من الرزق ، يقسمونه على حواصل طالما عانت من السغب وكابدت المشقة ، أما إذا شارك الأغنياء الفقراء في جوعهم وعطشهم ، وكابدوا بعض ما يكابدون من شدتهم فإن ذلك يرهف من حسهم ويرقق من شعورهم فيتألمون لآلامهم ويواسونهم بما آتاهم الله ، وفي هذا يقول الإمام مُحَمَّد عبده : ( ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتاً فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة ، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوف رحيم ، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ولذلك أمرهم بالتأسي به ووصفهم بقوله : "رحماء بينهم " ، وبهذا التعاطف بين الأغنياء والفقراء والاشتراك في الأحاسيس والمشاعر يحصل الانسجام وتتحقق الوحدة المنشودة)(1).
ومن صور الاتحاد التي تتحقق بالصيام ما نبه عليه الإمام مُحَمَّد عبده بقوله:
(ومن فوائد عبادة الصيام الاجتماعية المساواة فيه بين الأغنياء والفقراء والملوك والسوقة ، ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة ، فجميع المسلمين يفطرون في وقت واحد لا يتقدم أحد على آخر دقيقة واحدة ، وقلما يتأخر عنه دقيقة واحدة)(2).
5- الحج:
__________
(1) المنارج2 ص147 ، الدار التونسية للنشر .
(2) المرجع السابق ص147/148 . (1/350)
صفحة 351
الحج أجمع الشعائر الدينية لشمل الأمة الإسلامية ، إذ يلتقي في رحابه ضيوف الله - عَزَّ وَجَلَّ - الوافدون إليه من أصقاع العالم ، وما من بلد فيه جماعة من المسلمين إلا ويفد منه وافد لأداء هذه الشعيرة ملبياً نداء الله تعالى الذي أطلقه على لسانه عبده وخليله إبراهيم عليه السلام : " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍ عميق "(1) ، وفي هذا اللقاء يجتمع القاصي والداني ، والأبيض والأسود ، والعربي والأعجمي ، والحاكم والمحكوم ، والقوي والضعيف، والغني والفقير في صعيد واحد ، مؤدين عملاً مشتركاً ، مرددين بلسان واحد (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) ، خالعين جميع ما اعتادوه من أثواب ذات سمات متميزة ، متجرداً كل منهم في ثوبين فقط ، قد نحوا عن أنفسهم جميع الفوارق والمميزات ، لا يستعلي أحد على آخر بنسب أو حسب أو سلطان أو جاه أو منصب أو مال أو لون أو لغة ، وكفى بهذا اللقاء على هذه الكيفية تجسيداً لوحدة الأمة ، وتصويراً لما يجب أن تكون عليه من التواد والوئام ، والتعاطف والانسجام ، فإن وحدة المظهر تشي بوحدة المخبر.
__________
(1) الآية رقم ( 27 ) من سورة ( الحج ) . (1/351)
صفحة 352
وإذا كان صرح الوحدة بين الأمة لا يشاد إلا على دعائم التقوى كما سبق ، فإن الحج المبرور من بين الشعائر ذات الأثر في غرس شجرة التقوى في النفس ، وبسط ظلالها على المجتمع ، فإنا نجد في كتاب الله من اقتران أعمال الحج بالتقوى أكثر مما نجد في ذكر غيره من أعمال البر ، فقد قال تعالى : " وأتموا الحج والعمرة لله.. " إلى أن قال: "واتقوا الله إن الله شديد العقاب "(1) ، ثم قال : " الحج اشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب "(2)، وقال: " واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليهم لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون "(3) ، وقال : " ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب"(4).
__________
(1) الآية رقم ( 196 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 197 ) من سورة ( الحج ) .
(3) الآية رقم ( 203 ) من سورة ( البقرة ) .
(4) الآية رقم ( 32 ) من سورة ( الحج ) . (1/352)
صفحة 353
وفي الحج فرصة سانحة للأمة الإسلامية لالتقاء وفودهم في كل عام وتدارس مشكلاتهم في رحاب بيت الله، حيث تصفو النفوس وتسمو الأرواح وتستنير البصائر، وتتفاعل النفوس مع ذكريات الماضي العريق من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، اللذين رفعا بأمر الله قواعد البيت العتيق ، ليكون رمزاً للتوحيد وعلماً للموحدين وقبلة للمهتدين إلى عهد خاتم النبيين وسيد المرسلين مُحَمَّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع أنبياء الله المصطفين الأخيار ، الذي صدع في تلك العراص بالحق ونادى به ، وصبر على الأذى وتحمل ما تحمل من الشدائد حتى فتح الله على يديه قلوباً كانت غلفاً ، وبصّر الله بهداه عيوناً كانت عمياً، وأسمع الله بدعوته آذاناً كانت صماً ، فتكونت من حوله عصابة ما شهد لها التاريخ مثيلاً أمسكت بزمام الدعوة بعده - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وصبرت على المكروه ، وتحملت الشدائد في سبيل الله وابتغاء مرضاته ، فاستحقت حسن الثناء الذي خلده الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لها في محكم تنزيله ، وعلى ألسنة عباده ، قال عز من قائل : " مُحَمَّد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما"(1)، وبتجدد هذه الذكريات في الأنفس يستلهم الرشد ، ويستبان المنهج ، وتتوقد الهمم الخاملة ، وتثور العزائم الخائرة ، كما أن في تجددها وصلاً لحاضر أمة الإيمان بماضيها، وربطاً بين سلفها وخلفها حتى تكون كحلقات سلسلة يشد بعضها بعضا ، وبما أن الحج يجمع أصحاب الاختصاصات المتنوعة من جميع أقطار الأرض من رجال الفقه والفكر والسياسة والأدب
__________
(1) الآية رقم ( 29 ) من سورة ( الفتح ) . (1/353)
صفحة 354
وغيرهم ، ففيه فرصة اللقاء بين أفراد كل طبقة من هؤلاء لتدارس مشكلاتهم في مهبط الوحي ومطلع النور ، ومنطلق الدعوة على ضوء تعاليم الإسلام ، واستنتاج الحلول الناجعة من كتاب الله الخالد وسنة نبيه المطهرة ومنهاج السلف الصالح ، وبهذا تتحقق حكمة الحج المشار إليها بقوله تعالى : " ليشهدوا منافع لهم " ، وما أحوج أمتنا في مثل هذا العصر إلى هذه اللقاءات التي تمسح الخلاف، وترأب الصدع ، وترتق الفتق ، وتقيم الناس على سواء الصراط ، وإنما الأمر يفتقر إلى شيء من التنظيم لإتاحة مثل هذه الفرص.
الإخلاص روح العبادة
مفهوم الإخلاص:
إن الإخلاص هو روح العبادات والعمل، ولئن كانت الجثث بدون أرواحها تكون هامدة متعفنة فاسدة، فإن العمل إن تجرد من الإخلاص كان نتناً قذراً بل كان أشد نتناً وأقبح مظهراً من الجثة التي تفقد الروح، ذلك لأن قيمة العمل إخلاصه.
والإخلاص في اللغة هو مصدر: أخلص؛ يخلص: بمعنى جعل الشيء خالصاً، وحقيقته الشرعية ليست بعيدة من حقيقته اللغوية، ومن أجل ذلك عرّفه من العلماء من عرّفه؛ بأنه تصفية الأعمال من شوائب قُصِد بها غير وجه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أي من أن يقصد الإنسان بعمل من أعماله أي غرض من الأغراض الدنيوية. (1/354)
صفحة 355
بل جاوز ذلك بعض الصوفية(1)؛ إلى جعل إخلاص العمل ألاّ يبتغي به صاحبه أجراً حتى في الآخرة؛ كما روي عن رُوَيم(2) –وهو أحد الصوفية– أنه قال: (الإخلاص ألا تبتغي بالعمل نفعاً في الدارين، ولا حظاً عند المَلَكين).
__________
(1) التصوف: تيار برز في العالم الإسلامي كان يبتغى منه تصفية النفس من أكدارها الحاجبة لها عن التزكية بالعمل الصالح، ولكنه شطح نحو الخرافة والأسطورة وتأثر بالتصوف عند غير المسلمين، لا سيما التصوف الشرقي الهندوسي، وللتصوف فرق عديدة منتشرة في العالم الإسلامي تتخذ كل فرقة شيخاً تنتسب إليه، وتغالي في تعظيمه وتقديسه، حتى بعضها تزعم له انخراق النظام الكوني، وأنه ينفع ويضر حتى بعد وفاته، ولذلك تراهم يسمونه الولي، ويطوفون حول قبره، وأغلب ممارساتهم العبادية عبارة عن طقوس؛ مثل حلقات الرقص والإنشاد ولبس المرقع من الثياب وإرسال الشعور والهيام ببعض الشعوذات، والتصوف من الغلو في الدين لم يؤثر عن صحابة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(2) هو رويم بن أحمد بن يزيد بن رويم، صوفي شهير من بغداد، من كلامه: "الصبر ترك الشكوى ، والرضى استلذاذ بالبلوى"، توفي عام 330هـ. (1/355)
صفحة 356
ونحن لا نستطيع أن نتجاسر على مثل هذا القول، كيف؛ ونحن نرى الحض في كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - على ابتغاء الدار الآخرة؟ فإن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - وعد خير خلقه أجمعين، وبشّره بحسن المآل في الدار الآخرة، حيث قال له: { وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى } (1)، ووصف - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عبده زكريا وأهله عليهم السلام بأنهم يدعونه رغباً ورهباً فقال: "فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ"(2)، وهذا بطبيعة الحال يعني أن يتعلق العبد بالله تعالى خوفاً من عقابه، وطمعاً في ثوابه، وهذا لا ينافي أن يكون الإنسان معظماً لجلال الله تعالى بعبادته، ومستشعراً عظم نعمة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عليه، وأنه يريد بهذه العبادة شكر ما أنعم الله تعالى به، ولكن حظوظ الآخرة هي نعمة معروضة من قبل الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - على عباده المخلصين، فجدير إذاً بالإنسان أن يرغب فيما عند الله { وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى } (3) على أن خير حظ يناله الإنسان في الآخرة هو رضوان الله - عَزَّ وَجَلَّ -، كما يقول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -: { وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أكبَر } (4).
__________
(1) الضحى/4.
(2) الأنبياء:90.
(3) القصص 60.
(4) التوبة 72. (1/356)
صفحة 357
وقال الجُنّيد(1): (الإخلاص سر بين العبد وربه، لا يطّلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا يناله هوى فيميله)(2). ولعلّ هذا مأخوذ من رواية عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "سألت جبريل عن الإخلاص ما هو؟. فقال: سألت رَبّ العزّة عن الإخلاص؛ ما هو؟. قال: سِرٌّ من سِرِّي استودعته قلب من أحببته من عبادي"(3).
ولعل المحقق الخليلي(4) يشير إلى ذلك عندما قال:
بخلوةِ لي عبدٌ وسرّيَ بينه ... وبيني عن الأملاك والرسل كُتّما
ومعنى ذلك؛ أن الإخلاص صلة بين العبد وربه لا يطّلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل.
__________
(1) هو الجنيد بن مُحَمَّد بن الجنيد البغدادي، ولد ببغداد وتوفي بها عام 297هـ، له رسالة اسمها "دواء الأرواح" وله رسائل أخرى في التوحيد والألوهية والإنشاد ونحوها.
(2) سبق التعليق عليه.
(3) تفسير القرطبي؛ ج2 ص145، الجامع الأكبر، العريس للكمبيوتر. وهو حديث ورد بسند واه جداً حسب منهج أهل الحديث التقليدي، ولكن معناه صحيح كما هو واضح.
(4) هو العلامة سعيد بن خلفان الخليلي، ولد ببوشر عام 1236هـ، وهو أحد تلاميذ العلامة ناصر بن أبي نبهان الخروصي، وينتمي إلى مدرسة أبي نبهان، له تحقيقات معمقة في أصول الدين والفقه وأصوله، وله مصنفات وقصائد في السلوك، من أشهر مصنفاته "تمهيد قواعد الإيمان" و"مقاليد التصريف" و"مظهر الخافي المضمن الكافي في علمي العروض والقوافي"، توفي سنة 1288هـ. (1/357)
صفحة 358
وقد جاء في كتاب الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ما يدل على أن الإخلاص هو روح هذا الدين، ذلك لأن الله - عَزَّ وَجَلَّ - جاء داعياً إلى ملة الإسلام، وهي استسلام العبد لله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ؛ قلباً وعقلاً وجسماً وروحاً وضميراً وغرائز، وقد عبّر الحق - عَزَّ وَجَلَّ - عن ذلك بقوله: { وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ } (1)، وإن كان الضمير عائداً إلى أهل الكتاب؛ إلا في أنه حقيقته يشمل جميع الناس، إذ هو أمر رباني لا يختص به أحد دون أحد، والله سبحانه يخاطب نبيه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله: { قل إني أُمِرتُ أن أعبدَ اللهَ مُخِلصاً لَهُ الدِّينَ } (2)، ويقول: { قلِ اللهَ أعبدُ مُخلصاً له دِينِي } (3)، فإذاً الأمر بالإخلاص وجّه إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الذي هو أرقى الناس ذروة في الخير، ولا يطاوله أحد من عباد الله تعالى.
الإخلاص في العمل والعبادة:
__________
(1) البينة/59.
(2) الزمر/11.
(3) الزمر/14. (1/358)
صفحة 359
الإخلاص في العمل هو حقيقة الإسلام وجوهره وسره، وذلك بألاّ يتعلّق العبد في عمله بأي غرض من أغراض الدنيا، وإنما يريد به وجه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، ولا يعمل أي عمل مراعياً فيه أي أحد من خلق الله مهما علا شأنه وعظم قدره، ذلك لأن الناس جميعاً لا يملكون نفع أحد ولا ضره، ولا يملكون لأي أحد شروى نقير(1) في هذا الوجود ، وإنما الملك لله سبحانه يصرّف هذا الكون بما يشاء، فالعبد هو عبد الله، ويجب عليه أن يخلص هذه العبودية له سبحانه، والعبادة(2) إنما هي ضريبة العبودية، فيجب أن تكون هذه الضريبة لله الخالق وحده.
وقد روي عن أبي العالية(3) أنه فسّر قول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -: { شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ وَلاََ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } (4)، بالإخلاص، وهذا ليس ببعيد؛ فإن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - شرع للناس جميعاً ديناً واحداً، هذا الدين الواحد هو الاستسلام التام لأمر الله، والانقياد لحكمه، والإذعان لطاعته.
__________
(1) في الكلام: (ولا يملك شروى نقير) أي معدم.
(2) يتصور البعض أن العبودية هي أمر ضروري للإنسان، والحقيقة أن العبودية هي صفة حتمية في الإنسان كالحياة والموت إن لم يتجه بها إلى خالقه جل وعلا فإنه سيتوجه بها إلى غيره كالبشر أو الحجر أو النفس والهوى، وعلى سبيل المثال؛ فإن ملاحدة الشيوعية قد تنكروا للأديان المختلفة، لكنهم لم يستطيعوا الفرار من دائرة العبودية، فقدسوا ماركس ولينين وستالين ونحوهم، وساقتهم أنفسهم إلى الاعتقاد بما كتب ماركس وماو وغيرهما.
(3) أبو العالية رفيع الرياحي؛ بصري من كبار التابعين، مفسر ومحدث.
(4) الشورى/13. (1/359)
صفحة 360
وحقيقة الإسلام –كما قلت– هي استسلام الروح والجسم والعقل والقلب والفكر والوجدان والضمير والغرائز بحيث تكون لله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، ذلك لأن الله - عَزَّ وَجَلَّ - يقول: { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَمَاً مِلَةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ - قُل إِنَّ صَلَاتي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي ِللهِ رَبِ الْعَالَمِينَ - لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأنَا أوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } (1).
إن جميع الرسالات التي جاءت من عند الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لتحقيق منهجه في الأرض، ولوصل العباد بالله - عَزَّ وَجَلَّ - من خلال أوامره وفرائضه، هذه الرسالات جميعاً التقت على إخلاص العبادة لله، فالله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يقول: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِ أُمَةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } (2)، ويقول: { وَمَا أرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ } (3)، فالعبادة الخالصة لله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - تعني أن يكون العبد مخلصاً لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - سرّه وجهره، لا يبتغي بأي عمل من الأعمال إلا وجه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - .
__________
(1) الأنعام/161-163.
(2) النحل/36.
(3) الأنبياء/25. (1/360)
صفحة 361
وإذا كان العبد يقف في اليوم والليلة خمس مرات على الأقل بين يدي الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، يكرر –في كل مرة يقفها– عدة مرات قوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } (1)، فإن عليه أن يكون صادقاً في قوله، فإنه يخاطب من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؛ الذي يعلم السرائر كالعلانية؛ ويعلم ما يختلج بين حنايا ضميره، ويحيط بكل ما يكتنفه سره، وعليه أن يدرك بأن هذا الخطاب إنما هو موجه لله، فإن كان في أي عمل من الأعمال التي يعملها يبتغي غير وجه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فإن ذلك ينافي هذا القول، إذ هو يقول: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وهذا حصر للعبادة في ذات الحق - عَزَّ وَجَلَّ -، إذ تقديم المعمول على العامل يفيد الحصر، فمعنى ذلك؛ لا نعبد إلا إياك، ولئن كان يبتغي بهذه العبادة غير وجه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -؛ فماذا عسى أن يكون أمره؟.
الرياء والشرك:
إن الله - عَزَّ وَجَلَّ - بيّن في محكم كتابه العزيز أن عدم إخلاص العبادة لله –أي الرياء– هو ضرب من الإشراك، فالله تعالى يقول: { فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً } (2).
المفسرون الذين يعتنون بالروايات؛ ويربطون في تفسيرهم بين الآيات وأسباب نزولها، ذكروا أسباباً متعددة لنزول هذه الآية الكريمة، فمنهم من ذكر بأنها نزلت في الرجل الذي يعمل العمل لوجه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، فإذا اطّلع عليه الناس سره ذلك، ومنهم من يقول: بأنها نزلت في الذي يجاهد في سبيل الله، ولكن إذا سمع ثناء الناس عليه وشكرهم له على الجهاد انشرح صدره لذلك، ومنهم من قال: بأنها نزلت فيمن يبر والديه ويصل أرحامه وهو يقصد بذلك وجه الله؛ ولكن عندما يثنى عليه بسبب ذلك يعجبه هذا الثناء.
__________
(1) الفاتحة/5.
(2) الكهف/110. (1/361)
صفحة 362
والآية –في الحقيقة– هي أعم من هذه الأسباب بأسرها، وإنما من شأن المفسرين –كما هو معروف في مصطلح المتقدمين منهم– أن يقولوا بأن الآية نزلت في كذا؛ إن كان حكمها يشمل ذلك الأمر، وقد نبه على هذا بعض حذاق المفسرين من المتقدمين أنفسهم.
فالآية الكريمة تدل على أن عبادة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يجب أن تكون خالصة لا تشوبها شائبة من رياء أو ابتغاء غرض من أغراض هذه الحياة الدنيا.
ومفهوم العبادة هو مفهوم عام، لأنها –كما قلت– هي ضريبة العبودية، فهي الطاعة المطلقة لله - عَزَّ وَجَلَّ -، فكل أمرٍ أًمَرَ الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - به يجب أن يمتثل طاعة له، وكل أمر حذّر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - منه يجب أن يجتنب ابتغاء مرضاة الله - عَزَّ وَجَلَّ - أيضاً، وهذا هو معنى إخلاص الدين؛ فالدين الطاعة، والطاعة تكون في الأوامر والنواهي { وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ } (1)، أي مخلصين له الطاعة، فالأوامر والنواهي كلها تدخل في الدين، لأنها تدخل في باب طاعة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - .
فالمقصود بقوله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -: { فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً } (2)، ألا يقصد بأي عمل من الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ -؛ سواء كان هذا العمل فيما بينه وبين ربه؛ كالصلوات والصيام والحج، أو كانت فيه منفعة للعباد؛ كالزكوات والصدقات وعون الضعيف وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وبر الوالدين وصلة الرحم، وكذلك اجتناب المنهيات، أن لا يقصد ذلك كله إلا لأجل وجه الله - عَزَّ وَجَلَّ -.
__________
(1) البينة/5.
(2) الكهف/110. (1/362)
صفحة 363
جاء عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "إن أمتي سيكفرون من بعدي أما أنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤن بأعمالهم"(1)، وعن الإمام أفلح بن عبدالوهاب الرستمي الإمام قال: جاء حديث مشهور مستفاض عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكره العلماء عن شداد بن أوس: "أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: أخوف ما أخاف على أمتي الشهوة الخفية. قال: قلنا: يا رسول الله؛ وما الشهوة الخفية؟ قال: يصبح أحدكم صائماً فتعرض له شهوة فيواقعها فيدع صومه"(2).
وفي رواية أخرجها الترمذي الحكيم في "نوادر الأصول" من طريق أوس بن شدّاد: "أنه كان يبكي؛ فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكاني أمر رأيته على وجه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت له: يا رسول الله؛ ما هذا الذي على وجهك؟ قال: أمر أتخوفه على أمتي من بعدي. فقلت له: يا رسول الله؛ وما هو؟ فقال: الشرك والشهوة الخفية. فقلت له: يا رسول الله؛ أو تشرك أمتك؟ فقال: نعم؛ أما إني لا أقول لك بأنهم يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً، ولكنهم يراؤون في أعمالهم. فقلت: يا رسول الله؛ هل الرياء شرك؟ فقال: نعم. فقلت له: يا رسول الله؛ وما الشهوة الخفية؟ فقال: يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهوات الدنيا فيدع صيامه"(3).
__________
(1) الربيع (984).
(2) الربيع (919).
(3) هناك ترابط عجيب ودقيق بين الصوم والإخلاص؛ كما نرى هنا، حيث قرن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ترك الصوم بالرياء، وكما في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" مما يعني أن إكثار المسلم من الصوم يربي لديه التقوى، ويتصفى سلوكه وقلبه بالإخلاص، ومنه قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } . (1/363)
صفحة 364
يقول عبد الواحد بن زيد(1): (بأنه رأى الحسن البصري(2) فسأله: هل الرياء شرك؟ فقال له: نعم؛ أما تقرأ قول الله تعالى: { فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً } (3)، وروى الإمام الربيع بن حبيب عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "من صلى وصام وتصدق رياء فقد أشرك"، وكان يسمى الرياء الشرك الأصغر(4)، وقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك"(5).
وقد جاء في العديد من الروايات تسمية الرياء عند رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعند السلف الصالح بـ"الشرك الخفي" وسماه بعضهم "الشرك الأصغر" وهو معنى قول العلامة أبي مسلم عندما يقول:
وراقب وصايا الله سراً وجهرةً
وجرِّد على الإخلاص جِدّكَ في التُقى ... ففي كل نفسٍ غفلةٌ وفتورُ
ففوقَكَ بالشركِ الخفي خبيرُ
__________
(1) عبد الواحد بن زيد كنيته أبو عبيدة البصري، محدث صوفي، مات بعد المائة والخمسين.
(2) الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، ولد سنة 21للهجرة ، كان أبوه مولى لزيد بن ثابت صاحب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكاتب وحيه، وأمه خيرة مولاة لأم سلمة زوج النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، نشأ في بيتها ولقي جماعة كثيرة من الصحابة وسمع منهم، كان صاحب الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه، قاما معاً بأعباء الدعوة إلى الله تعالى تحت جور بني أمية، وقد اشتاق إليه الإمام جابر بن زيد عند وفاته فجاءه متخفياً عن عيون الأمويين، توفي عام 110هـ ودفن بعد صلاة الجمعة.
(3) الكهف/110.
(4) الربيع (760).
(5) الربيع (66). (1/364)
صفحة 365
يعني؛ أن اجتهادك في تقوى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - جرّده على الإخلاص، بحيث تجعل هذا الاجتهاد خالصاً لوجه الله تعالى الكريم، ذلك لأن أعلاك من هو خبير بالشرك الخفي، وخبير بما في حنايا نفسك وما ينطوي عليه ضميرك ويكتنفه سرّك، فأنت إن أردت بأي عمل من الأعمال غير وجهه الكريم، ف- سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - به خبير.
وقد جاء في حديث روى الإمام الربيع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "يقول الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو له كله، وأنا أغنى الشركاء عن الشرك"(1) ومعنى ذلك؛ أن العمل الذي عمله العبد لوجه الله تعالى، كصلاة أو صوم أو حج أو صيام أو زكاة أو جهاد أو بر الوالدين أو صلة الرحم أو عون الضعيف أو إغاثة الملهوف أو الإنفاق في سبيل الله أو تعلم العلم أو تعليمه أو أي شيء من هذا القبيل، وأشرك فيه غير الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، فإن ذلك العمل –والعياذ بالله– لا يتقبل عند الله، ذلك لأن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عزيز؛ والعزيز من شأنه ألا يريد مساهمة غيره، والله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - غنيّ، ومن شأن الغني أن يستغني عن مشاركة غيره.
وقد جاء أيضاً في حديث أخرجه الدارقطني أن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يقول الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : "أنا خير شريك، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو لغيري، يا أيها الناس أخلصوا لله تعالى أعمالكم، ولا تقولوا هذا لله والرحم، فإنها للرحم وليس لله فيها شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى فيها شيء".
__________
(1) الربيع (60). (1/365)
صفحة 366
وجاء أيضاً في حديث أخرجه ابن ماجة عن أبي سعيد بن أبي فضالة أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا كان يوم القيامة يقوم الناس لله رب العالمين، نادى منادٍ: من عمل عملاً لله تعالى أشرك فيه غير الله فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله لا يقبل إلا ما كان خالصاً له".
وجاء أيضاً في رواية أخرى أخرجها الدارقطني أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر: "بأنه يؤتى يوم القيامة بالصحف المختمة فتنصب بين يدي الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، فيقول الله تعالى لملائكته وهو أعلم: يقبل هذا ويردّ هذا. فيقولون له: يا ربنا لم نر إلا خيراً، فيقول الله - عَزَّ وَجَلَّ -: هذا ابتغي به غير وجهي، وما ابتغي به غير وجهي فلا أقبله".
هذه الأحاديث كلها تدل على أن ابتغاء غير وجه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ؛ بأي عمل من الأعمال؛ إنما هو ضرب من ضروب الشرك الجزئي(1) أو كما يسمى الشرك الخفي أو الشرك الأصغر ، ولكنه لا يصل بصاحبه إلى أن يُخرج من ملة الإسلام ، بحيث لا تحل مناكحته ولا موارثته؛ إلى غير ذلك من أحكام ، وإنما ذلك أمر فيما بينه وبين ربه، فالله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لا يقبل أعماله ، لأنه ابتغى بأعماله غير وجه الله - عَزَّ وَجَلَّ -.
الرياء يحبط الأعمال:
__________
(1) هذا الاصطلاح معروف بصورة أوضح لدى علمائنا المغاربة رحمهم الله تعالى، وحجتهم في ذلك الأدلة السابقة، وهم بذلك لا يعاملون مرتكبه إلا معاملة كافر كفر النعمة، ويدخل في هذا الرياء والتقرب إلى قبور الأموات والطيرة ونحوها من كبائر الاعتقاد، ومنه أيضاً الشاك فيمن أحدث في الجملة شيئاً من الأحداث الشركية. وهذه الأمور –كما قال سماحته- لا تصل بصاحبها إلى الخروج من ملة الإسلام، وبالتالي فهو باقٍ على حرمة دمه بغير حق وحرمة سبيه وماله وعلى حلية مناكحته وموارثته. (1/366)
صفحة 367
قد جاء في كتاب الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - التحذير الشديد من الرياء فالله - عَزَّ وَجَلَّ - يقول: { أَرَءيتَ الَّذِي يُكَذِبُ بِالدِّينِ - فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ - ولا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ - فَوَيْلٌ للمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ - الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } (1)، فترون أن الله - عَزَّ وَجَلَّ - توعّد المرائين هنا بالويل، والويل هو العذاب الشديد.
والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن أنّ الرياء يُحبط الأعمال وينسفها نسفاً ، بحيث لا تكون لها قيمة عند الله - عَزَّ وَجَلَّ - يوم القيامة ، يقول الله - عَزَّ وَجَلَّ -: { يَا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُواْ لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرابٌ فَأصَابَهُ وَابِلٌ فَترَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُوَن عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الْكَافِرِينَ } (2)، إن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بيّن بأن هؤلاء لا يكون لهم ربح مما عملوا، ذلك لأنهم ابتغوا بهذا العمل غير وجه الله، فيكون مثلهم { كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً } كمثل الصخرة التي عليها طبقة خفيفة من تراب، لا تكاد تُنبت شيئاً، ثم يأتي المطر ويقضي على وجودها، فإذا بالمنظر الكالح البغيض القبيح من هذه الصخرة باد، ثم يبيّن بعد ذلك أنهم لا يقدرون على شيء مما كسبوا، هؤلاء المراؤون لا ينتفعون بشيء مما كسبوا، إذ المنتفعون بأعمالهم إنما هم الذين يقصدون بهذه الأعمال وجه الله.
__________
(1) سورة الماعون.
(2) البقرة/264. (1/367)
صفحة 368
وقد الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بيّن الصورة الصحيحة للإنفاق؛ التي يكون فيها المنفق مخلصاً لله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ؛ لا يبتغي على إنفاقه جزاءً في الدنيا، ولا شكراً من العباد، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: { وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَةٍ بِرَبْوَةٍ أصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَينِ فَإِن لَّم يُصِبْها وَابِلٌ فَطَلٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (1)، هذه الصورة تقابل تلك الصورة، مثل إنفاق هؤلاء في سبيل الله { كمثل جنة بربوة } ، والجنة عندما تكون على ربوة مرتفعة يكون لها منظر رائق بهيج، هذه الجنة أصابها وابل أي غيث من عند الله { فآتت أكلها ضعفين } تضاعف ما تُؤتيه من الثمار { وإن لم يصبها وابل فطلّ } من حيث إن الأرض مخصبة طيبّة قابلة للإنبات يكفيها الطلّ عن الوابل، فتؤتي أكلها ضعفين بمشيئة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، هذا هو الإنفاق في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله وخلوص النية لوجه - عَزَّ وَجَلَّ -.
وهناك الكثير من الأحاديث الصحيحة والحسنة الثابتة عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تفيد التحذير من الرياء، فقد جاء في رواية عند البخاري ومسلم عن أسامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه، ويدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع عليه أهل النار ويقولون له: ما بالك يا فلان؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه".
__________
(1) البقرة/265. (1/368)
صفحة 369
إن الذي يدعو الناس إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ - من غير أن يكون مخلصاً في عمله ومحاسباً لنفسه، حاملاً لها على ذلك العمل الصالح الذي يدعو إليه، وعلى اجتناب العمل الطالح الذي يحذّر منه، من كان هذا شأنه فإنه يوم القيامة –والعياذ بالله– يكون دركه في النار أنزل من أولئك الذين كان يأمرهم، وإن كانوا عصوا أمره، ومن الذين كان يحذرهم وإن كانوا –أيضاً– عصوا تحذيره، لأنه عرف فأدرك وقامت به الحجة على غيره، ولأن تقوم الحجة عليه من خلال أمره إياهم ونهيه إياهم أولى، فلذلك كان أشدّ عذاباً منهم والعياذ بالله.
وجاء في حديث أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "يكون في آخر الزمان أناس ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم كقلوب الذئاب، يلبسون جلود الضأن من اللين، يقول الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - : أبي يغتّرون أم إياي يخادعون، فوعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران". (1/369)
صفحة 370
وقد جاء أيضاً في الحديث الذي أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر أول من يحاسب يوم القيامة، فذكر ثلاثة: ذكر رجلاً علّمه الله تعالى القرآن، فتعلّمه وعلّمه، فيؤتى به يوم القيامة فيذكّره الله تعالى نِعَمَهُ، ويعرّفه بها نِعمةً نعمة، فيعرفها فيقول له: فماذا عملت؟ فيقول له: يا رب قرأت كتابك؛ فقمت به آناء الليل وآناء النهار. فيقول له الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -: كذبت؛ وإنما فعلت ما فعلت ليُقال إنك قارئ. فيؤمر به فيُسحب على وجهه إلى النار يوم القيامة؛ والعياذ بالله، ورجل استشهد في سبيل الله فيُؤتى به فيعرّفه الله نِعَمَهُ؛ نِعمةً نِعمة، ثم يقول له: ماذا عملت؟ فيقول له: قاتلتُ في سبيلك حتى استشهدت، فيقول له: كذبت؛ وإنما قاتلتَ ليُقال إنك جرئ وقد قيل ذلك. فيؤمر به فيُسحب على وجهه إلى النار؛ والعياذ بالله، ويؤتى برجل آتاه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - من صنوف المال، فيعرّفه الله تعالى نِعَمَهُ؛ نعمة نعمة، ثم يقول له: ماذا عملت؟ فيقول له: ما تركت سبيلاً تُحب أن ينفق فيها إلا أنفقتُ فيها، فيقول له: كذبت، وإنما فعلتَ ما فعلتَ ليُقال إنك جواد وقد قيل ذلك. فيؤمر به فيُسحب على وجهه إلى النار؛ والعياذ بالله".
وقد جاء في بعض الروايات أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأبي هريرة: "يا أبا هريرة إن أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة" هذا كله يدعو الإنسان إلى الاستبصار والاعتبار، وأن يحرص على مجاهدة نفسه، وحملها على الإخلاص لله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - .
الإخلاص في العلم: (1/370)
صفحة 371
كما يُطلب من الإنسان أن يكون مخلصاً في عمله، يُطلب منه أيضاً أن يكون مخلصاً في علمه، ومخلصاً في تعليمه هذا العلم، ذلك لأن العلم أمانة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، وهذه الأمانة تستوجب الإخلاص، وقد رأيتم ما يدل عليه حديث أبي هريرة من أن صاحب القرآن إن ابتغ به غير وجه الله، ولو قام به آناء الليل وآناء النهار، إنما هو من أوائل الذين تُسعّر بهم النار يوم القيامة، فعلى الإنسان أن يطلب العلم لوجه الله تعالى، وأن يحرص على ألاّ يُريد بهذا العلم الذي يطلبه مناصب دنيوية، ولا منافع عند الناس، ولا سمعة وشهرة بينهم، وإنما يحرص كل الحرص على أن يتعلم العلم لوجه الله تعالى، بحيث يكون تعلّمه لأجل أن يعبد الله - عَزَّ وَجَلَّ - على بصيرة، وأن يفيد الناس ممّا يتعلمه، وأن يدعو إلى الله - عَزَّ وَجَلَّ - على بصيرة، لأن العبادة أمانة في الأعناق، وَلَئِنْ كان الإنسان عندما يعمل عملاً دنيوياً يتعلم كيفية أدائه أولاً ليُحسن هذا العمل، فكيف بالعمل إن كان أخروياً؟ كيف إذا كان الأمر عبادة الله التي نيطت بها رسالات السماء؟ فجميع الرسالات توافدت على هذا المحيط الأرضي لأجل تطويع الناس لله بحيث يُخلصون له عبادتهم.
جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "من تعلّم العلم ليُباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لَقِيَ الله وهو خائب من الحسنات" وجاء هذا الحديث في رواية الترمذي من طريق كعب بن مالك ومن طريق أبي هريرة ومن طريق ابن عمر رضي الله عنهم بألفاظ مختلفة، وهي تتفق في المعنى مع رواية أنس عند الربيع. (1/371)
صفحة 372
كل هذه الروايات تفيد على أن طلب العلم عبادة، فيجب على طالب العلم أن يُخلص هذه العبادة لله، وإلا دخل في الشرك الخفي، لابد من أن تكون هذه العبادة خالصة لوجه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، فلا يبتغي بطلب العلم ثناءً ولا نيل مرتبة دنيوية.
نعم إن يسّر الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - له الرزق، وآتاه إياه بسبب ما آتاه من العلم، فقد ضاعف الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - له الخير، وتضاعف عليه الواجب؛ أن يشكر هذا الخير الذي آتاه الله، وَلَئِنْ أراد الإنسان وجه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فابتغى بطلبه العلم أو بأي عمل من أعماله وجه الله؛ جمع الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - له خير الدنيا والآخرة { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَالَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ } (1)، فإن ابتغى بطلبه العلم وجه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فالله كفيل برزقه، ولكن عليه أن لا يسعَ لأجل نيل المراتب في هذه الحياة الدنيا، ولأجل التوصل إلى أن يَخْتِل الدنيا بالدين –كما جاء في الحديث– وإنما عليه أن يقصد ابتغاء ما عند الله { وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى } .
__________
(1) الشورى/20. (1/372)
صفحة 373
هناك آفة في طلب العلم ظهرت في هذا العصر، وهي آفة الشهادة، وقد أصبحت في حياة الناس المعاصرة من الضرورات، فعلى الإنسان الذي يطلب العلم أن لا يريد هذه الشهادة من أجل الشهرة والرقي بها إلى المراتب العالية، ولكن عليه أن يطلب العلم لأجل عبادة الله، ثم يعتبر هذه الشهادة وسيلة للدعوة إلى الله ولنشر العلم بين عباده - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - وتوصيل الحق إلى أفهام الناس، لا أن يجعل هذه الشهادة غاية(1)، فإن جَعْلها غاية إنما هو –في الحقيقة– داخل في مفهوم الشرك الخفي الذي حذرت منه الآية القرآنية { فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحَاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِهِ أَحَداً } .
__________
(1) قد يخطئ بعض طلبة العلم في فهم هذا الأمر، فبينما نجد بعضهم يقدس الشهادة حتى يجعلها غاية يباهي بها العلماء ويماري بها السفهاء، نجد غيرهم يعتبرونها رجساً من عمل الشيطان، وأن التسيب من الدراسة والحصول على الدرجات المتدنية بحجة التفرغ لقراءة المتون والشروح وحفظها سمة للمقدرة العلمية وصفة للزهد في الدنيا، وهذا فهم خاطئ وتصور قاصر، فإن الإنسان المسلم مطالب أن يثبت جدارته العلمية حتى يستطيع مواصلة دراسته العليا ويكون على ثغرة من ثغور الإسلام، فيكون لدينا عالم الشريعة وعالم القانون وعالم الاقتصاد وعالم الاجتماع ونحوهم، وبعد ذلك لا نحتاج إلى غير المسلمين في هذا المجال. (1/373)
صفحة 374
وأنتم ترون التحذير في كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - من أن يريد الإنسان بعمله غير وجه الله - عَزَّ وَجَلَّ - وغير الدار الآخرة، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول: { مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيها مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً } (1)، فمن كان يريد العاجلة بطلبه العلم، بحيث يريد أن يرقى إلى المناصب أو يتبوأ مكانة بين الناس، ويشار إليه بالبنان، ويُعطى الشهادات العالية، فهو طالب بهذا العلم غير وجه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، وهو ممّن طلب به العاجلة، فكانت له هذه العاقبة؛ والعياذ بالله { ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً } .
وأما الفريق الآخر؛ وهو من طلب العلم لوجه الله تعالى، وأراد به الفوز برضوانه تعالى يوم القيامة، وأن يطوع نفسه لله، ثم يحمل عباد الله على طاعته سبحانه، كان من الفريق الثاني؛ الذي قال الله تعالى فيه: { وَمَنْ أرَادَ الآخِرةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهو مُؤْمِنٌ فَأُوْلئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُوراً } (2)، فكما أن الله - عَزَّ وَجَلَّ - يُعبد بالأعمال الصالحة المختلفة يُعبد أيضاً بطلب العلم، وعلى طلبة العلم أن يُخلصوا هذه العبادة لوجه الله - عَزَّ وَجَلَّ -، وأن لا يبتغوا بها جزاءً ولا شكوراً من غيره تعالى.
علاج الرياء:
__________
(1) الإسراء/18.
(2) الإسراء/19. (1/374)
صفحة 375
جاء فيما رُوي عن لقمان كيفية علاج آفة الرياء، بحيث لا يبتغي بعمله إلا وجه الله، ويتجرد في جميع أعماله من شوائب الرياء وطلب أغراض الدنيا، وذلك أنّ لقمان أوصى ابنه بأن يُخلص لله جميع أعماله، فسأله ابنه عن طريق ذلك، فقال له: كتمان العمل. فقال: وإن كان إظهاره واجباً؟ فقال له: إن كان إظهاره واجباً فاجتهد في إخلاص هذا العمل لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، وإن كان إظهاره غير واجب فاستعن على إخلاصه لله تعالى بكتمانه.
ولذلك كان السلف الصالح حريصين كل الحرص على كتمان أعمالهم التي يتقربون بها إلى الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - –من غير الفروض– عن الناس، أما الفروض فإنها تُظهر، إذ كتمانها يُؤدي إلى سوء الظن بالناس، فالنوافل ينبغي أن تكون مكتومة، وقد كان السلف يحرصون على كتمان النوافل، وإخفائها عن أبصار الناس، وإبعادها عن مسامعهم، فكانوا يتهجدون في الخفاء، ويتصدقون في السر، ويحرصون على كتمان ذلك حتى عن أولئك الذين يُتصدق عليهم، لئلا ينالوا منهم جزاءً أو يُسمع لهم ذكر بين الناس، والعاقل يحرص كل الحرص على منفعته، ومنفعة الإنسان إنما تتوقف على الإخلاص. (1/375)
صفحة 376
بهذا يتبين أن الرياء في الأعمال إنما يرجع إلى فساد الفطرة وانطماس البصيرة ، ذلك لأن العاقل يرى أن هذا الكون مسخر بأمر الله، فالله وحده هو المقدم والمؤخر فيه، وهو وحده الذي يوجد المعدوم ويُعدم الموجود فيه، ويبسط النعماء ويدفع الضراء، والله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - وحده هو الذي يحقق للإنسان مطالبه ويستجب دعاءه ويعطيه سؤله، فلماذا يتعلق بعمله عندما يعمله لغير الله تعالى؟ ولو اجتمع أهل السموات والأرض على أن ينفعوا أحداً من الناس لم ينفعوه إلا بشيء كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء كتبه الله عليه، ولو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على الثناء على أحد من الناس وهو عند الله تعالى مرفوض لما أفاده ذلك شيئاً، ولو أنهم اجتمعوا على ذمّه والقدح فيه والحطّ من شأنه، فإن ذلك لا يضره عند الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - إن كان مقبولاً عنده سبحانه، وعلى هذا فعلى العبد أن يبتغي بعمله وجه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لأجل مصلحة نفسه، إذ مصلحة نفسه إنما تُناط بالإخلاص لله تعالى.
فلو أن أحداً من الناس أراد بصلاته أو صومه، أو حجه أو زكاته أو جهاده، أو بره لوالديه أو صلته لأرحامه، أو تعلمه العلم أو تعليمه، أو الدعوة إلى الله، أو نفقاته في سبيل الله، أو بأي عمل من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله عز و جل، غرضاً من أغراض هذه الدنيا، فإن ذلك الغرض لا يمكن أن يتحقق إلا بإرادة الله، ولا يمكن أن يتحقق إلا بقدر من الله، فلماذا يطلب الشيء من غير بابه؟ إنما عليه أن يعمل العمل الخالص لله، ويطلب من الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - قضاء حاجاته، ويجعل ذلك العمل طاعة لربه سبحانه لا يبتغي عليها من عند غيره جزاءً ولا شكوراً، وإنما يحرص كل الحرص على مرضاة الله، ثم يتعرض لنفحاته، ويطلب منه - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن يبسط له في رزقه ويفيء عليه من فضله. (1/376)
صفحة 377
والإنسان يدرك أن الذي خلقه فسوّاه هو الله سبحانه وهو القادر عليه، فلماذا يتعلق بغيره فيبتغي بعمله غير وجه الله؟ { قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أكْفَرَه - مِن أيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ - مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقدَرَهُ - ثُمَّ السَّبيلَ يَسَّرَهُ - ثُمَّ أمَاتَهُ فَأقْبَرَهُ - ثُمَّ إذا شَاءَ أنْشَرَهُ - كَلاَّ لماّ يَقْضِ مَا أمَرَهُ - فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعَامِهِ - أَنَّا صَبَبْنَا الماءَ صَبَّا - ثُمَّ شَقَقْنَا الأْرضَ شَقَّا - فَأنْبَتْنَا فِيْهَا حَبَّاً - وَعِنَبَاً وَقَضْبَاً - وَزَيْنُوناً وَنَخْلاً - وَحَدَائِقَ غُلْبَاً - وَفَاكِهَةً وَأَبَّاً - مَتَاعَاً لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ } (1)، فإذا كان يُدرك أن الله تعالى هو الذي بسط له هذا الخير كله، وهو الذي خلقه وطوره من طور إلى طور، حتى اكتمل خلقه وصار على ما هو عليه، وهو الذي نمّى مواهبه، وبسط له في الرزق وهيأ له هذه الأسباب، وسخّر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً، فكيف يبتغي الثناء والمثوبة من الناس، ويترك إخلاص العمل لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -؟! { يا أيُّها الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِكَ الكَرِيمِ - الذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاك فَعَدَلَكَ - فِي أيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } (2)، فالإنسان خلقه الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - هذا الخلق، وأبدعه هذا الإبداع، وصنعه هذه الصنعة، وصوره هذا التصوير، ومع ذلك يريد بهذا العمل غير وجه الله.
__________
(1) عبس/17-32.
(2) الانفطار/6-8. (1/377)
صفحة 378
إن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - عندما أمر عباده بعبادته ذكّرهم نعمه عليهم فقال: { يا أيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم وَالذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون - الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشَاً وَالسَّماءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقَاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا ِللهِ أنْدَادَاً وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (1)، فالذي يُرائي في عمله؛ إنما جعل لله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أنداداً، لأنه رأى غير الله تعالى أهلاً لأن يُتقرب إليه بذلك العمل، مع أن الله لا يرضى أن يكون ذلك العمل إلا خالصاً لوجهه الكريم، ففي هذا ما ينفع العباد في تطهير سرائرهم، وجعلها خالصة لله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، وتزكية أعمالهم بالإخلاص.
الإنفاق في الإسلام
1- الإحسان سنة إلهية:
إن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - جعل البر والإحسان بين الناس سنة من سنن حياتهم وسبباً لترابطهم وتآلفهم وتراحمهم وتلاحمهم، وميّز الجنس البشري فجعله كائناً اجتماعياً، وجعل البشر متفاوتين في مواهبهم الحسية والمعنوية، والذاتية والكسبية، حتى يتم بذلك نظامهم الاجتماعي عندما يتكاملون فيكون بينهم التعاون، والتكامل هو أن يؤدي كل أحد ما هيأه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - له من دور في هذه الحياة، ليكون كل واحد متمماً للآخر، وهذه سنة من سنن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - اختارها للإنسان الذي ميزه من بين سائر الكائنات لتحمل أمانة الخلافة في الأرض، والقيام بعمارتها على هدى من الله وبصيرة مما يأتيه ويدعه.
__________
(1) البقرة/21-22. (1/378)
صفحة 379
هذا ومن الأمور التي يتفاوت فيها الناس المال مع أن كل أحد بحاجة إليه ، فإن الله - عَزَّ وَجَلَّ - جعله قواماً للحال ، لذلك النفوس جبلت على حبه ، كما يدل عليه قوله سبحانه: ?وَتُحِبُّونَ المالَ حُبّاً جَمّاً? "(1) ، وقوله : ?وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيد?(2) ، فالمال بما أنه قوام الحال تشرئب إليه الأعناق ، وتهفو إليه النفوس ، وتعشقه القلوب ، فهو أمر يتنافس فيه المتنافسون ، وهذا الحب عندما يتملك النفس ويسيطر عليها يعود داءاً وبيلاً قد يصل إلى حد أن يتعذر استئصاله ، ويصعب علاجه ، وقد جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - فيما أمر به من البر والإحسان بين الناس علاجاً لهذا الداء العضال ، ويتجلى كل التجلي خطر هذا الحب عندما ينظر الإنسان إلى أحوال الناس الذين يحرصون على اقتناء المال بأي طريق كان ، فإن هؤلاء بسبب الدافع العميق في نفوسهم إلى جمع المال ؛ لا يبالون أن يطؤوا على جميع الفضائل ، ويدوسوا على جميع القيم ، ويقطعوا جميع الصلات ، وقد يصل الأمر بهم أن يسفكوا الدماء ويزهقوا الأرواح ، ويقلقوا المجتمع بما يثيرون من الاضطراب ويشيعون من الخوف بين الناس في سبيل جمع المال، بل قد يصل ذلك بهم إلى أن يقطعوا الصلات التي تربطهم بأقرب الأقربين ، فقد يعتدي الولد على والده والأخ على أخيه في حياتهما من أجل التوصل إلى بغيتهما من ماله ، ولكن الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - جعل الإسلام ديناً فطرياً يعالج المشكلات الإنسانية علاجاً جذرياً ، فلذلك شرع الإنفاق وجعله طهارةً للنفس وتنمية لفضائلها.
__________
(1) الآية رقم ( 20 ) من سورة ( الفجر ) .
(2) الآية رقم ( 8 ) من سورة ( العاديات ) . (1/379)
صفحة 380
يقول الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها"(1)، والتزكية في العربية تأتي بمعنيين ، بمعنى التطهير ، كما يقال : زكا الشيء بمعنى طهر، وعليه فالزكاة بمعنى الطهارة ، وبمعنى النماء ، فيقال زكّاه إذا نمّاه ، ولا ريب أن الصدقات تطهر النفس من آثار الشح وحب المال ، وتخلصها من أثر الشهوة المالية الجامحة المستولية على النفس حتى تكون منقادة للخير ، وفي نفس الوقت تربي الفضائل فيها ، فتعوّدها على البر والإحسان ، وتفجر فيها مشاعر الرحمة ، حتى يكون الذي اعتاد الصدقة والإنفاق في سبيل الله يتألم ألماً شديداً عندما يجد أحداً يتضور جوعاً ويتقلب في رمضاء البأساء واللأواء في هذه الحياة، ولا يقر لصاحب هذا الطبع قرار حتى يواسي ذلك المحروم ، ويمد إليه يده بالخير، وهذا أمر يقوم عليه نظام الاجتماع البشري الذي يجمع شتاتهم ، ويقف بالفقير إلى جانب الغني، وبالضعيف إلى جانب القوي ، ليشكل الجميع وحدة متكاملة ، فالإسلام حض أيما حض على الإنفاق ، بل من أجل خطورة هذا الأمر وأثره في حياة الناس ذكره الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - مقروناً بالتصديق، بل قدمه عليه ، فقال عز من قائل: "بسم الله الرحمن الرحيم، والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى، إن سعيكم لشتى، فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فنيسره لليسرى"(2) وفي المقابل " وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى"(3)، فذكر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - الإعطاء قبل التصديق والبخل قبل التكذيب، ووعد الذي يعطي ويصدق بأعظم خير وهو التيسير للحسنى، وتوعد الذي يمنع ويبخل ويكذب بأسوء شر وهو التيسير للعسرى.
__________
(1) الآية رقم ( 103 ) من سورة ( التوبة ) .
(2) الآية رقم ( 4 – 10 ) من سورة ( الليل ) .
(3) الآية رقم ( 8 – 10 ) من سورة ( الليل ) . (1/380)
صفحة 381
وقد حض الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - على الإنفاق في كتابه في مواضع متعددة ، فقد حض عليه في معرض التذكير بأهوال يوم القيامة ، عندما يأتي الإنسان وقد فاته كل ما أوتيه في الحياة الدنيا وتخلى عنه كل قريب وحميم ، كما قال تعالى : " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ، لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون "(1) ، فقد حث الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في مقام التذكير بهذا الخطر العظيم والهول الجسيم على الإنفاق ، ليكون وسيلةً للإنسان للتخلص من شر ذلك اليوم المهول ، يقول تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون"(2).
وكذلك حض الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عليه في معرض التذكير بالموت ، وما يصيب الإنسان من ندم وحسرة عند احتضاره ، فقال - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -: ?يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ، وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ، ولئن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون? (3).
2- ضوابط الشرع في الإنفاق:
__________
(1) الآية رقم ( 94 ) من سورة ( الأنعام ) .
(2) الآية رقم ( 254 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الآية رقم ( 9 ) من سورة ( المنافقون ) . (1/381)
صفحة 382
إن الإنفاق في الإسلام مضبوط بضوابط الشرع ، لأن الإسلام دلنا على أن هذا المال الذي بيد الإنسان إنما هو في الحقيقة مال الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، والإنسان مؤتمن عليه ومستخلف فيه ، فعليه أن يتصرف فيه وفق أمر مالكه الذي استخلفه ، فقد جاء في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي عن أبي برزة الأسلمي عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وماذا عمل فيما علم " ، فقد نص الحديث على أن مما يسأل عنه العبد ، يسأل عنه سؤالين : من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ لأنه مال الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، لا يحل لأحد أن يكتسبه أو ينفقه إلا حسب طرقه المشروعة ، يقول الله تعالى : " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم "(1) ، والإنسان مستخلف فيه بنص قوله تعالى : "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه "(2) ، ولذلك أمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بالقصد في الإنفاق بدون تبذير أو تقتير ، بل حتى في البر يؤمر الإنسان أن ينفق بطريقة وسطى، فالله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يقول: " وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا "(3) ، وقبل ذلك يقول: "ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيراً بصيراً"(4).
__________
(1) الآية رقم ( 33 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 7 ) من سورة ( الحديد ) .
(3) الآية رقم ( 27 ) من سورة ( الإسراء ) .
(4) الآية رقم ( 29 ) من سورة ( الإسراء ) . (1/382)
صفحة 383
والله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يبيّن لنا في كتابه العزيز أن الإنفاق الذي ينفقه العبد لا يكون خسارة عليه بل هو ربح يعود عليه بالأضعاف المضاعفة ، حسبنا أن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - عندما وعد المؤمنين جنةً عرضها السموات والأرض ، وذكر أوصافهم ، كان أول ما وصفهم به أنهم ينفقون في السراء والضراء حيث قال : " الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"(1)، وضرب الله - عَزَّ وَجَلَّ - مثلاً لهذا الإنفاق عندما قال : " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم "(2) ، فبيّن من خلاله الأضعاف المضاعفة التي تعود على المنفق، فهو كمن يلقي حبةً في الأرض وإذا بها تخرج منها سبع سنابل ، في كل سنبلةٍ مائة حبة، ومعنى ذلك أن هذه الحبة الواحدة جاءت بسبعمائة حبة ، فكذلك الإنفاق يضاعفه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - إلى سبعمائة ضعف ، ثم يضاعفه مضاعفة لا يعلمها إلا هو - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، ذلك لأنه واسع عليم.
__________
(1) الآية رقم ( 261 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 12 ) من سورة ( الصف ) . (1/383)
صفحة 384
ويجب أن يكون الإنفاق على شروط أولها أن يكون في سبيل الله، وهو الإنفاق في كل خير، فالذي ينفق على أهله بنية صادقة وعزيمة خالصة هو منفق في سبيل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى -، لأنه يقصد من وراء ذلك أن يعُف أهله ويسد حاجتهم ويؤدي ما عليه تجاههم، وكذلك إيتاء الفقراء والمساكين وذوي القربى، والإنفاق في سائر وجوه البر كبناء المساجد وإقامة المؤسسات الخيرية من مدارس ومستشفيات وغيرها مما يعود بالمصلحة على الناس، وعون المجاهدين، والمرابطين في سبيل الله، قال عز من قائل: "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليم ، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدنٍ ، ذلك الفوز العظيم"(1).
ثانيها : ألاّ يشوبه شائب من شوائب المن والأذى ، فإنهما يبطلان الصدقة ويحبطان ثوابها ، فالله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - يقول بعدما ذكر الأضعاف المضاعفة التي يربحها المنفق في سبيل الله : " الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون"(2) ، فاشترط ألا يتبعوا ما أنفقوا مناً ولا أذى ، وبيّن - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - أن الصدقة التي تشاب بالمن والأذى فإن الإمساك عنها مع القول الحسن خيرٌ منها " قولٌ معروفٌ ومغفرةٌ خيرٌ من صدقةٍ يتبعها أذى ، والله غني حليم "(3) ، ثم حذّر من إحباط أجور الصدقات بالمن والأذى عندما قال - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - : " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى"(4).
__________
(1) الآية رقم ( 262 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 263 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الآية رقم ( 264 ) من سورة ( البقرة ) .
(4) الآية رقم ( 267 ) من سورة ( البقرة ) . (1/384)
صفحة 385
ثالثها : أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى الكريم بحيث لا يريد المنفق شهرةً بين الناس ولا كسب ثناء منهم ، ولا أن يعود هذا الإنفاق عليه بأي مكسب مادي أو معنوي في هذه الحياة ، وإنما ينفق ابتغاء مرضاة الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، فقد بيّن سبحانه أن الذي ينفق ماله رياء الناس ليس إنفاقه من الله تعالى في شيء ، وذلك في قوله : " كالذي ينفق ماله رياء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب، فأصابه وابلٌ فتركه صلداً لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين " وهذا مثل ضربه الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في أولئك الذين ينفقون أموالهم من أجل كسب المُحَمَّدة والثناء في الدنيا بحيث يريدون بالإنفاق صرف وجوه الناس إليهم ، ولا يريدون به وجه الله - عَزَّ وَجَلَّ -. (1/385)
صفحة 386
رابعها : أن يكون من المال الطيب بحيث ينتقي العبد ما ينفقه ، لأنه إنما ينفقه تقرباً إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، ولئن كان الإنسان عندما يريد أن يهدي عظيماً من عظماء الدنيا شيئاً فإنه ينتقيه ولا يهديه أي شيء كان ، فكيف بما يتقرب به إلى الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ؟! أليس أحرى به أن أدق في انتقائه ، وهذا واضح في كتاب الله ، فإنه - عَزَّ وَجَلَّ - يقول : " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ، واعلموا أن الله غني حميد "(1) ، فالذي يريد أن يتقرب إلى الله إنما عليه أن يتقرب بما هو أطيب وأحسن بحيث يليق بهذا المقام ، بل نجد في كتاب الله ما يدل على أن الإنسان لا يصل إلى درجة البر ولا يرقى إلى مراتب الأبرار إلا عندما ينفق المال الطيب الحسن الذي تميل إليه نفسه ، وذلك في قوله تعالى: ? لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ?(2) ، وعندما ذكر سبحانه البر وصفات الأبرار قال : ?وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ?(3) ، فترون أنه قال: ?وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ? بحيث جعل هذا المال الذي ينفقه من المال المحبوب إلى النفس الذي تميل إليه بطبعها ، ولكنها تؤثر مرضاة الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - على هواها فلذلك تنفقه.
الإنفاق سبيل إلى التسامح:
__________
(1) الآية رقم ( 92 ) من سورة ( آل عمران ) .
(2) الآية رقم ( 177 ) من سورة ( البقرة ) .
(3) الآية رقم ( 177 ) من سورة ( البقرة ) . (1/386)
صفحة 387
والإنفاق يعود على الإنسان بالثواب الجزيل، سواء كان إنفاقاً على قريب أو بعيد، وعلى بر أو فاجر، وعلى مؤمن أو كافر، فقد يؤجر الإنسان على النفقة التي ينفقها على الكفرة المحتاجين المعوزين، على أن تكون من غير فريضة الزكاة، وقد تحرج المسلمون من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أن ينفقوا على الكفرة في عهد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بسبب ما في نفوس الكفار من عقيدة الكفر والعداوة للمسلمين، وكان أهل قرابتهم من الكفار قد يزورونهم وهم محتاجون معوزون، وما يمنعهم أن يبسطوا إليهم أيديهم بالإحسان إلا ما هم عليه من الكفر، خشية أن يكون في الإنفاق عليهم عون لهم على باطلهم، فأنزل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - في ذلك قوله: ? لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ?(1)، وهذا من التسامح البالغ في الإسلام(2)، فإن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بما
__________
(1) الآية رقم ( 2 ) من سورة ( المائدة ) .
(2) قلت: لا ريب إن الإسلام كل متكامل، ولكنه ذو جوانب متعددة؛ عقدية وسننية وفكرية واقتصادية واجتماعية وخلقية وسياسية ونحوها، وإن كان يجب أن نبشر الناس بالإسلام ككل متكامل، وخاصة في دعوتنا لأوبة المسلمين إلى حقائقه، لكن لا يمنع في ظل الصراع العالمي القائم أن نضخ جانب منه دون آخر بحسب مقتضيات الحال والمقام، فندعو في جوانب إلى المبادئ الأخلاقية التي جاء بها الإسلام، وفي جوانب أخرى إلى مراعاة السنن الإلهية في الكون، وفي مقامات نطرح النظرية السياسية له، وفي أخرى النظرية الاقتصادية، وهكذا، بمعنى آخر أننا يجب علينا أن نتوغل بالإسلام في البشرية من عدة نواح ولو كانت متفرقة، وهذا خير من لا شيء، أو من الهيمنة الغربية على أوضاع الإنسانية. (1/387)
صفحة 388
أنزله حثّ أولئك أن ينفقوا على قرابتهم الذين يأتون لزيارتهم ولو كانوا على غير ملتهم ودينهم مراعاة لهذه القرابة، ونظراً إلى حاجتهم وعسرهم ، وهذا مشروط بألا يستعينوا بهذه النفقة على محاربة الإسلام، أما إن كانوا يتقوون بها على محاربة الإسلام فإن ذلك يعد من التعاون على الإثم ، والله تعالى يقول : ? وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ?(1).
وقد وصل الأمر في عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه عندما عمَّ الخير وكثر الثراء ولم يجد الأغنياء لزكاتهم من يستحقها من المسلمين لاستغنائهم أنه أمر بأن يُعطى منها فقراء أهل الذمة ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تسامح الإسلام.
ومن تسامح الإسلام في الإنفاق تلكم القصة المحكية عن عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، عندما خرج من بيته فوجد شيخاً من اليهود يتسول فسأله عن شأنه، أجابه أن الشيخوخة والحاجة لزتا به إلى ذلك، فقال له: ما أنصفناك إذ أخذنا منك الجزية وأنت شاب قوي، وأضعناك وأنت شيخ ضعيف. فأخرج له من بيته عشاءاً ثم أمر له بمدد من بيت مال المسلمين(2).
__________
(1) الآية رقم ( 268 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) كنز العمال (11477)، الجامع الأكبر، العريس للكمبوتر. (1/388)
صفحة 389
والإنفاق في الإسلام يفجر مشاعر الرحمة ، يقي النفس شر تلك الشهوة المالية الجامحة ، ويحرر الإنسان من وساوس الشيطان التي يلقيها في نفسه إذ يخوفه الفقر ويدعوه إلى الإمساك ، فالله تعالى بين لنا في كتابه العزيز أن الشيطان شأنه أن يثير هذه الوسوسة في النفوس ، ويأمر بالفحشاء والبخل والإمساك الناتج عن الخشية بأن يقع صاحب المال في الفقر ، بينما الحق سبحانه يأمر بخلاف ذلك ، فقد قال تعالى: ?الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ?(1) ، فالشيطان دأبه أن يوسوس في النفوس بما يصدها عن الخير ويكره إليها الإنفاق في سبيل الله ويتوعدها بأنها ستخسر هذا الذي تنفقه ، حتى يؤدي بها ذلك إلى الفقر والحاجة ، ولكن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - يعد عباده المنفقين بخلاف ما يعدهم به الشيطان ، فهو يعد عباده مغفرةً وفضلاً ، ويأمرهم بالبر والإحسان فيما بينهم.
__________
(1) الآية رقم ( 177 ) من سورة ( البقرة ) . (1/389)
صفحة 390
والإنفاق قد يجب في الإسلام على الإنسان الواجد ، ولو لغير أسرته التي يتحمل مسئولية عولها شرعاً وعرفاً ، بل ومن غير الزكاة المفروضة ، فإن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ذكر في كتابه البر وصفات الأبرار ، فقال : ?لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ?(1)، ثم أردف ذلك قوله : ?وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ?(2) ، فأنتم ترون أنه ذكر أولاً العقيدة ، لأنها هي دعامة الدين الكبرى التي يقوم عليها الخير كله ، فهي مصدر كل فضيلة وأساس كل خير وينبوع كل مرحمة ، ثم أردفها بذكر الإنفاق ، فذكر إيتاء المال ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ، وقد بدأ بذوي القربى ، لأن الإسلام جاء بشد الأواصر وتقريب الناس بعضهم من بعض ، فهو يرعى آصرة القربى ، لأن الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع ، لذلك عندما تكون الأسرة قوية متماسكة يكون المجتمع أيضاً قوياً متماسكاً ، وعندما تشيع المرحمة ويكون التلاحم بين الأسر يسري ذلك إلى المجتمع بأسره ، بحيث تترابط الأسر التي ينشأ عنها المجتمع برباط التراحم والتلاحم حتى تكون كأنها أسرة واحدة فيما بينها، وثنى بعدهم بذكر اليتامى، لأنهم فقدوا العائل الذي يرعى مصالحهم ويقوم بشئونهم، فهم أولى بأن يرعوا وتسد خلتهم ، فإنهم إن
__________
(1) الآية رقم ( 177 ) من سورة ( البقرة ) .
(2) الآية رقم ( 177 ) من سورة ( البقرة ) . (1/390)
صفحة 391
فقدوا الرعاية من مجتمعهم كان ذلك سبباً لردة فعل في نفوسهم قد تؤدي بهم إلى أن يكونوا مجرمين ، لحقدهم على المجتمع ، فيتنكرون له كما تنكر لهم ، وهذا مما يجعل الإجرام يتفشى بين الناس وتنتقل عدواه من مجتمع إلى آخر ، وقد جعل الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - رعاية اليتامى ومواساتهم من كل قادر بحر ماله قاطعة لدابر هذا الإجرام ، ومستأصلة لهذا المحذور، ولذلك حض الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - على إيتائهم المال ، ثم عطف عليهم المساكين لأنهم وإن كان بإمكانهم أن يسعوا لمصالحهم ، إلا أن المال الذي هو دعامة الحركة والسعي مفقود عندهم ، فهم بحاجة إلى أن يعانوا من المال بقدر ما يقضون مآربهم ويتمكنون من السعي والكسب ، فلابد من إيتائهم ذلك ، ثم ذكر?ابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ? فإن كل هؤلاء أمر الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - بأن يُعطوا من المال، وجعل ذلك من علامات البر ودلائل الصدق وشارات التقوى، إذ قال في خاتمة الآية الكريمة: ?أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ?(1).
وقد عطف على إنفاق المال إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، والعطف يدل على التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه ، وهو دليل واضح على ما قلته من أن في المال حقاً سوى الزكاة ، كما دلت على ذلك رواية أخرجها الدارمي عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : "إن في المال حقاً سوى الزكاة "، وهي وإن ضعف سندها إلا أن متنها يعتضد بما دلت عليه هذه الآية الكريمة.
4- الإنفاق بين الإسلام والأنظمة الوضعية:
__________
(1) البقرة/177. (1/391)
صفحة 392
إنفاق المال في الإسلام هو أداء لحق الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ، وهو من دواعي التراحم والتلاحم ، فالزكاة التي يدفعها الثري من ماله إلى الفقراء والمساكين ، تؤدي إلى التلاحم والتعاطف بين طبقات الناس ، فهي تردم الهوة بينها وتقرب بعضها من بعض، فالغني الذي يؤدي الزكاة يشعر بالرحمة تجاه الفقراء بما يتعوده من الإحسان إليهم، والمسكين يشعر أيضاً بأنه قد ناله من رفد الغني ما يعينه على حمل ما يؤوده، والنفوس جبلت على حب من أحسن إليها ، وهذا مما يعطف القلوب بعضها على بعض، فالفقراء يحسون من خلال ذلك بالسعادة تغمر قلوبهم لما شعروا به من رعاية الأغنياء لهم وإيتائهم من أموالهم ، بخلاف ما إذا شح الأغنياء وأمسكوا عليهم مالهم، فإن ذلك يؤجج الأحقاد والسخائم في نفوس الفقراء، وقد يصل الأمر إلى الانفجار ، وهذا الذي وقع فعلاً في العالم الغربي عندما تولد النظام الرأسمالي بانفجار الثورة الصناعية الكبرى في العالم الغربي ، وتجاهل هذا النظام حقوق المحاويج والمساكين، وأعطى الحرية للفرد بأن يستكثر من المال ولو كان ذلك على حساب غيره من غير مراعاة للأخلاق والروابط والأواصر التي تشد الناس بعضهم إلى بعض ، فوجدت الفجوة ما بين طبقتي الأغنياء والفقراء ، وأدى الحال إلى أن تتأجج قلوب الفقراء المحرومين بسعير الحقد والحسد، فانفجروا في ثورةٍ معاكسة أكلت الأخضر واليابس وأتت على الطارف والتليد ، إذ غدت جهنم حمراء لم تبق للناس باقية ، اكتووا بنارها أكثر من سبعين عاماً إلى أن فشلت فشلها الذريع الذي عاد خزياً على الشيوعية وأهلها ، ولئن كان هذا النظام ، وهو النظام الشيوعي الثائر ما كان إلا ردة فعل للظلم الرأسمالي ، فإن النظام الرأسمالي لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن يكون هو الملاذ الذي يلجأ إليه الناس لحل مشكلتهم الاقتصادية ، ولا يمكن أن يتمخض عن بديل يجد فيه الناس مبتغاهم لأن فلسفته فلسفة عقيمة ، فإنه نظام قائم على (1/392)
صفحة 393
الاستبداد وتجاهل حقوق المجتمع ، ولئن كانت الشيوعية تتجاهل الفرد بحيث تذوبه في بوتقة المجتمع فإن النظام الرأسمالي لا يحسب للمجتمع أي حساب ، ولذلك تجد في المجتمعات الرأسمالية الأفراد القلائل الذين يشكلون جبهة واحدة من الأغنياء في مجتمع حاشد بالفقراء المحرومين ، فلا يمكن أن يكون هذا النظام الظالم الجائر هو الذي يسد الخلل الذي نشأ من النظام الذي فشل وانهار ، لأنه نفسه فاشل قبل مجيء ذلك النظام الآخر، ولأن ذلك النظام الذي جاء من بعده ما كان إلا محاولة لإصلاح ما أفسده النظام الرأسمالي ، وأنى يكون الإصلاح إلا بنظام رباني من عند الله الذي يعلم ما في طوايا نفوس عباده وما تفتقر إليه طبيعتهم ، وما تنطوي عليه فطرتهم ، فالنظام الإسلامي وحده هو الكفيل بأن يسد حاجة كل محتاج وأن يصلح كل فساد. (1/393)
صفحة 394
في يوم من الأيام كان عندي أحد الأساقفة ، وكنت طرحت عليه سؤالاً في لقاءٍ آخر قبل هذا اللقاء بنحو خمس سنوات ، يتعلق ببعض معتقداتهم المتناقضة ، فلم يحر جواباً ، وبعد حوار بيننا فيما يتعلق بسؤالي الأول أراد أن يحول الحديث إلى موضوع آخر ، فسألني عن رأيي في مؤتمر السكان الذي كان على وشك الانعقاد في مصر، وذلك قبل انعقاده بأيام يسيرة قلت له : قبل أن أقول رأيي فيه قد صرح البابا برأيه وعدّه مؤتمراً هداماً ، فقال : وكيف تحل مشكلة السكان في العالم ؟ قلت له : حلها في الإسلام دين الله تعالى الحق ، فلو أن الناس عملوا بآية واحدة من كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - لأغنتهم وهي: ?لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ? (1) فلو طبقت تعاليم هذه الآية بحذافيرها لانحلت مشكلة الناس جميعاً ولما بقي محتاج على الأرض ، ثم قلت له : لئن كنت تريد أن تتبين الصورة الواضحة في ذلك فأنا أنقل إليك صوراً حية من واقع البشر الذي يشهد بصحة ما أقول.
__________
(1) الآية رقم ( 177 ) من سورة ( البقرة ) . (1/394)
صفحة 395
الصورة الأولى : ما يجري في هذا العالم من السباق المحموم في مجال التسلح وإنتاج الأسلحة المدمرة التي لا تبقي ولا تذر ، أترى لو أن هذه الأموال التي تنفق في هذا المجال أنفقت في استصلاح الأرض وزرعها وغرسها واستخراج خيراتها ؛ هل يبقى على ظهر الأرض جائع ؟ قال : لا.
قلت له : الصورة الثانية : ما يجري في الغرب من إحراق آلاف ملايين الأطنان من الحبوب في كل عام من أجل المحافظة على سعرها ، أرأيت لو وزعت على الجياع في العالم هل يبقى على ظهر الأرض جائع ؟ قال : لا . ثم أضاف هو قائلاً : وكذلك تراق في العالم بحيرات من الألبان في كل عام من أجل المحافظة على سعر اللبن.
قلت له : الصورة الثالثة : أنه قبل عقدين من السنين أي في ذلك التاريخ اطلعت في إحدى الصحف أن امرأة في الولايات المتحدة الأمريكية تملك ثلاثمائة مليون دولار أودعتها البنوك ، وأوصت بها لكلابها ، ليت شعري هذه المبالغ كم كانت تشبع من الجياع في الأرض لو وزعت عليهم؟. (1/395)
صفحة 396
الصورة الرابعة : أني قرأت في صحيفة محلية قبل فترة من الزمن خبرين عجيبين نشرا في صفحة واحدة في عمودين متجاورين ، أحدهما : أن باحثاً اجتماعياً إنجليزياً يرى أن انفجار السكان في العالم أمر ينذر بخطر كبير قد يقضي على أرزاق الناس ، فلذلك اقترح أن يحد من النسل وألا يسمح للأسرة الواحدة أن تلد إلا مولوداً واحداً . قلت له : لو طبق هذا ، وقدرنا أن الجيل الحاضر هو نحو أربعة مليارات من أفراد البشر ، وقدرنا أن جميع الناس مهيؤون للولادة بحيث لا يوجد بينهم عقيم ، فإن الأسرة التي تتكون من اثنين إن لم تلد إلا واحداً لا يخلفها إلا واحد ، فالجيل المقبل سيكون على النصف من هذا الجيل ، بحيث لا يتجاوز مليارين ، والجيل الذي يليه سيكون ملياراً واحداً فحسب ، والجيل الذي يليه سيغدو خمسمائة مليون ، وهكذا يتناقص عدد البشر حتى يضمحلوا ، أما الخبر الثاني فإنه يتضمن نبأ عن أغنى كلب في العالم ، يملك العمارات الكثيرة والأرصدة الهائلة ، ويتقلب في أعطاف النعيم والبذخ ، فهو عنده جيش من الخدم ، من بينهم من لا عمل له إلا تنظيف أسنانه ، ومنهم من لا عمل له إلا تغسيله، ومنهم من لا عمل له إلا أن يقوم بإعداد الفراش الوثير له ، ومنهم السواقون الذين يحملونه في السيارات الفارهة يجولوه بين المدن الراقية والمنتزهات الواسعة والأحياء المتقدمة ، هذا كله من أجل كلب ما كان أغناه عن كل ما قدم إليه إذ لم يحوله عن طبيعة الكلاب ، فهو يغنيه أن يفترس ويأكل من خشاش الأرض ، فما كان أغناه عن هذا كله لو أطلق له العنان وفسح له المجال ، فما الداعي لهذا الإنفاق الهائل عليه ؟وهذه الأموال لو وزعت على الفقراء ، كم كانت تشبع من جياع وتغني من محتاجين وتنعم من بؤساء؟. (1/396)
صفحة 397
وما هذه إلا صور مما تعانيه الإنسانية اليوم من ضلال التصور وغياب المنهج الراشد وفقدان الضبط المحكم لحياة الناس الفكرية والعملية ، وذلك ما لا يمكن أن يوجد إلا في النظام الإسلامي العادل .
5- الزكاة ضريبة العبودية لله تعالى:
نجد في كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ما يدل على عظم أمر الزكاة ، فقد قرنت بالصلاة وجعلت ركناً من أركان الإسلام ، بل جاء في كتاب الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ما يدل على أن المسلم يربأ بنفسه عن ترك الزكاة ، وأن عدم إيتائها إنما هو من صفة المشركين، وذلك في قوله تعالى : ?وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ( الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ? (1) ، وهو يعني أن المسلم بطبعه يحرص على إيتاء الزكاة ، ومن منع زكاته فهو حري ألا يكون معدوداً من المسلمين ، لأنه هدم ركناً من أركان الدين الذي ينتسب إليه .
__________
(1) الآية رقم ( 7 ) من سورة ( فصلت ) . (1/397)
صفحة 398
والزكاة بما أنها ركن من أركان الإسلام هي صلة بين العباد وربهم ، فهي ضريبة تؤديها العبودية الخاضعة إلى الربوبية القاهرة ، فرضها الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - على عباده ولا يجوز لأحدٍ أن يعدل عنها ، فلو أن الفقراء تنازلوا عن حقهم فيها فإن حق الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ثابت لا يمكن أن يسمح منه أي أحد ، فالزكاة فريضة محتومة بنص الكتاب العزيز ، وإيتاء المال من غير هذه الزكاة وإن كان قد يجب أحياناً عندما تدعو إليه الحاجة فهو غير مقدر بمقدار معين ، وإنما يرجع إلى نظر الواجد وضميره، فالإنسان عندما يرى حاجة الفقراء والمساكين أكثر مما يعطون من الزكاة وعنده سعة في رزقه ، عليه أن يبسط يده إليهم لقضاء حاجتهم والقضاء على عوزهم ، ولأجل ذلك قال بعض العلماء : إن في المال حقين ، حقاً مفروضاً بمقدار معين يجب في أصناف معينة من المال بمرور زمن معين عليه وبنسبة معينة ، وحقاً آخر لا يتقيد بمقدار، لا في أصل المال المنفق منه ولا في عين ما ينفق ، وإنما يعود إلى ضمير الإنسان الذي ينفقه ، حتى أن من العلماء من قال : من كان يملك رغيف خبز وكان في غنى عنه فوجد جائعاً مضطراً إليه لزمه أن يعطيه الرغيف أو بقدر ما يسد رمقه منه ، وذلك من إيتاء المال للمحتاجين ، وهو من علامات البر كما دل عليه القرآن. (1/398)
صفحة 399
وكما جاء كتاب الله تعالى حاضاً على الإنفاق فإن حديث الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عزز ذلك بما يدل على ضرورة الإنفاق وفضله ، وأن الإنفاق يترتب عليه الخير الكثير، فالرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبر أن الصدقة تقع في يد الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - قبل أن تقع في يد المسكين(1)، ومعنى وقوعها في يد الله أنه يتقبلها فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه ، حتى تكون مثل الجبل العظيم ، وجاء في الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه " ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وملكان يناديان ، أحدهما يقول: اللهم اعط منفقاً خلفاً ، والآخر يقول : اللهم أعط ممسكاً تلفاً "(2) . وهذا الفضل الكبير إنما هو فيما إذا أنفق الإنسان ماله –كما قلت– في سبيل الله ، متحرياً مرضاة الله تعالى ، مبتغياً وجهه ومتقرباً إليه ، فإن هذه هي النفقة التي تكون في موازين العبد يوم القيامة ، على أن تكون من الحلال الطيب ، فإن الحرام لا يتقبله الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - ، ففي الحديث عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لا يقبل الله صدقةً من غلول "(3) ، وهكذا أي صدقة من حرام هي مردودة على صاحبها ، فإن الله - سُبْحَانَهُ وتَعَالَى - طيب لا يقبل إلا طيباً.
__________
(1) تفسير الطبري؛ ج11 ص14، الجامع الأكبر؛ العريس للكمبيوتر.
(2) البخاري ( 1374 ) ، مسلم ( 1010 ) .
(3) مسلم ( 224 ) ، السنن الكبرى للنسائي ( 172 ) . (1/399)