صفحة 1
الكتاب: الرد على نصراني تهجم على الإسلام
المؤلف: أحمد بن حمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] محاضرة لسماحة الشيح / أحمد بن حمد الحليلي بقاعة النشاط الثقافي بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد بعنوان
الرد على نصراني تهجم على الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الذي أرسل فينا رسولاً كريما ، فهدانا به صراطاً مستقيماً ، وأنزل عليه ذكراً حكيماً ، جعله معجزاً بيانه ، خالداً تبيانه ، قاهراً سلطانه ، ظاهراً برهانه ، هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلال مبين ، أحمد تعالى بما هو أهل له من الحمد وأثني عليه ، واستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه ، وأؤمن به وأتوكل عليه ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يظلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا غله إلا الله وحده لا شريك له ، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله ، وصفيه من خلقه وخليله ، أرسله على حين فترة من الرسل ، وانقطاع من الوحي ، وضلالة من الأمم وفساد من الأخلاق وانحطاط من القيم ، فبلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وكشف الله به الغنة ، حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى ، وحجته دامغة ومعجزته ساطعة صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان على يوم الدين ، أما بعد ،،، فالسلام عليكم أيها المشايخ والطلبة الأعزة ورحمة الله وبركاته ، أحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة ونحن نلتقي في هذا الصرح العلمي في ظل العلم والإيمان متآخين في ذات الله تعالى ، متناظرين من أجل إعلاء كلمة الله ، ومن أجل دحر كلمة الشيطان والباطل ، حتى يسير هذا الدين بمشيئة الله تعالى ، قدماً ، ويظهره الله في هذا الزمان المتأخر كما أظهره في الزمان المتقدم , فإن ذلك هو وعد الله الذي وعد به المؤمنين يقول سبحانه : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) ، وقد قال من قبل (1/1)
صفحة 2
ذلك : ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ) فالباطل زهوق ، والحق ثابت ، ومهما هبت أعاصير الباطل
الباطل فإن طود الحق لا يتزلزل ولا يتزعزع ، وبمشيئة الله سبحانه وتعالى ستعلو منارة دين الإسلام في العصر الأخير كما علت من قبل ، فإن الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها تتطلع إلى هذا الدين وعطائه وتتطلع إلى دورة تاريخية يقوم بها أبناء هذا الدين تكون امتداداً لتلك الدورة والتي قادها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما استحكمت الجاهلية حتى ظهر الدين على الدين كله وحتى طوى نوره سجاف ظلمات الجاهلية ، فعلت كلمة الله في مشارق الأرض ومغاربها ، ورغم تحدي المتحدي ورغم تآمر المبطلين ورغم كذب الدجالين ظهر هذا الدين وعلت حجته وقهر برهانه وتجلى للعالمين سلطانه ، فالحمد لله على ذلك ، هذا ومما لا ريب فيه أن وعد الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بأن يظهر هذا الدين لا يعني أن على المؤمنين أن يتواكلوا ، وألا يقوموا بالجهاد من أجل مواجهة أعداء هذا الحق الذي منّ الله سبحانه وتعالى عليهم به ، وأن يتخاذلوا أمام خصومه ، لا بل هم مسئولون عن هذا الدين ، لأنه أمانة في أعناقهم ، والله سبحانه وتعالى هو قادر على أن يظهر هذا الدين بدون داع ولكن اقتضت ذلك حكمته فلذلك أرسل رسله مبشرين ومنذرين ، واختتم الله سبحانه وتعالى رسا لاتهم جميعاً برسالة سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم التي جاءت على فترة من الرسل ، وقد كانت الرسالات السابقة تمهيداً لها ، لأن كل نبي جاء أخذ الله سبحانه ميثاقه بأن يؤمن به ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمه ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) والله تعالى عليم بأن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يكون بعد انتقال أولئك الرسل إليه إلا أن هذا الميثاق (1/2)
صفحة 3
المأخوذ عليه وفي حقيقته مأخوذ على أممهم ، فكل أمة من أمم أولئك المرسلين مطالبة بأن تؤمن بهذا الرسول الحق وأن تتبع النور الذي جاء به ولا يعذر أي أحد يتلكأ عن ذلك .
وكما هي سنة الله في خلقه فمنذ أن بعث الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ، ظل الصراع محتدماً بين الحق والباطل ، ومهما بدأ الباطل قوياً مدججاً بالسلاح وله كثرة أنصار إلا أنه سرعان ما تتلاشى قوته أمام الحق فإن الحق يقوى بالحق وهو الله سبحانه وتعالى ، وقد وعد الله سبحانه عباده بأن يظهر الحق على الباطل وهذه هي سنته في الأرض منذ خلق هذا الوجود ( بل تقذف بالحق على الباطل فيدفعه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ) ، ( وقل جاء الحق وزهق الباطل عن الباطل كان زهوقا ) ومن المعلوم أن الباطل كثيراً ما يتوارى وراء مظاهر تخدع الناظرين فلربما كان صاحب دعاية الباطل يتظاهر أمام الناس بأنه يدعوا إلى خير وانه يدعو على خدمة للإنسانية ولكن مهما قدم من خدمة إنما وراء ذلك إتلاف كرامة الإنسانية ووراء ذلك تظليل هذه الجموع من البشرية كما هو الشأن عند فئات المنصرين الذين يسعون في الأرض فساداً ويحرصون على أن يطفئوا نور الله ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ، فإنهم منذ قاموا بحركاتهم التنصيرية يحاولون تدمير هذه العقيد وتشكيك الناس فيها وهم لا يشتغلون بالناس الذين هم من أبناء هذه الأمة سواء اتبعوا النصرانية أم لم يتبعوها بقدر ما يشتغلون بإخراجهم من الإسلام وقطع صلتهم بمعاقل عزتهم و مناط كرامتهم ، وهذا أمر عبرت عنه ألسنتهم ، فعندما اجتمع القساوسة في مؤتمر القدس في عام (1935) بعد مؤتمرات تقدمت في عام (1906) ، (1910) ، (1911) من أجل القضاء على الإسلام ، ثم توالت بعد ذلك المؤتمرات زويمر المشهور ، الذي كان يقود الحملة ضد الإسلام ، فعندما اجتمعوا في القدس وتحدث بعض المؤتمرين عن فشلهم في القضاء على الإسلام وفشلهم في تنصير المسلمين ، أجاب زويمر (1/3)
صفحة 4
بقوله : " إن مهمة التبشير التي ندبتكم من أجلها الدول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست في تنصير المسلمين فإن في ذلك هداية لهم وتكريماً وإنما هي في إخراج المسلم من الإسلام ، وجعله مخلوقاً لا صلة له بالله ، وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها ، وبهذا تكونون بعلمكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية " – إلى أن قال – " إنكم نجحتم لأنكم أخرجتم جيلاً لا هم له إلا الشهوات ، فإن ترقى إلى أعلى المناصب ففي سبيل الشهوات ، وإن جمع المال فمن أجل الشهوات وهذه هي الغاية التي ندبتم من أجل القيام بها " ولئن كانت الحركات التنصيرية تتظاهر دائماً لخدمة الإنسانية فإن وراء لك هذه الغاية وهي تحطيم الأمم والقضاء على معنوياتها وإخراجها عن سبيل الفطرة وطريق الحق ، وقد دأب كل الذين ينهلون من مناهلهم على هذا المسلك نفسه ، وبهذا يتبين الفرق الكبير الواضح بين دعوة الإسلام ودعاية التنصير ، فشتان بين الحق والباطل ، والهدى والظلال ، والرشد والغي ، والنفع والضر ، فدعوة الإسلام إنما هي لأجل إنقاذ الإنسانية ، فعندما سأل رستم القائد الفارسي ربعي بن عامر ( رضي الله عنه ) الذي كان على رأس وفد إسلامي ، بعدما جاءوا إليه : ما الذي جاء بكم ؟ أجابه ربعي : " عن الله وقد ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة " فشتان بين هذه الكلمات والكلمات التي تحدث بها زويمر ، والتي تعرب عن طوايا نفوسهم ، وما تشتمل عليه حنايا ضمائرهم ، وفي أواخر شهر رمضان المبارك المنصرم وصلتني رسالة من بعض الطلبة المسلمين من هذا البلد الإسلامي وهم يدرسون في المملكة المتحدة عما يلاقونه من بعض نصارى العرب من محاولة التشكيك في الإسلام ، وقد أرادوا مني الجواب على ذلك غلا أنني بسبب كثر الأعمال مع الكسل أيضاً لم أتمكن من (1/4)
صفحة 5
المسارعة في جوابهم فأرجو أن يكون في هذا اللقاء جواباً لهم عبر التسجيل بالأشرطة – إن شاء الله :- جاء في هذه الرسالة :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد ، نحن طلبة من سلطنة عمان ، ندرس في بريطانيا ، تعرفنا بأحد نصارى العرب وهو لبناني الأصل ، والتقينا به في منزل صديق له ودار الحديث عن الديانات ثم تمركز عن الإسلام والنصرانية ، وأخذ يدعي أن الإسلام ليس هو الدين الحق , والقرآن ليس من الوحي ، وأن محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) ليس بنبي و لا رسول ، فقلنا له : كيف تثبت لنا ذلك ؟ فأخذ يأتي بما عنده ، ورددنا عليه بما عندنا من المعرفة من إيماننا بأن الإسلام هو الدين الحق ، وأن محمد صلى الله عليه وسلم هو الرسول الخاتم ، والقرآن هو كتاب الله المعجز غير متناقض فنرجوا منكم أن تردوا على هذه النقاط التي ادعاها هذا النصراني المشرك والتي لا نعرف الإجابة عليها لجهلنا وقلة إطلاعنا حتى نكون على بينة من أمرنا ، وردّاً على هذا النصراني المشرك نرجو أن تكون الإجابة في شريط مسموع وذلك في أسرع وقت ممكن :
النقطة الأولى : لقد تزوج محمد صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة على طريقة أهل الكتاب ، وزوجه إياها ورقة بن نوفل ، ولم يجمع معها زوجة أخرى حتى ماتت – كما هو عند النصارى .
النقطة الثانية : عن محمداً كان يتعبد في الغار مع ورقة بن نوفل وتعلم منه بحيث أن استطاع أن يؤلف القرآن موافقاً للكتب السماوية السابقة ، ولما مات ورقة أكمل تأليف القرآن وخرج عما تعلمه من ورقة بحيث أخذ يعارض الكتب السماوية السابقة .
النقطة الثالثة : أن القرآن ليس بمعجز ، وأن هناك من كتب العرب وأشعارهم ما هو أبلغ من القرآن ، مثل : المعلقات ومقامات الحريري . (1/5)
صفحة 6
ويقول : أن فاتحة سورة القمر ( اقتربت الساعة وانشق القمر ... ) مأخوذة من قصيدة للشاعر امرئ القيس ، وقد أعطانا هذا النصراني كتاباً بعنوان : " ميزان الحق " الجزء الثاني الدكتور فاندرو ... ، وفيه عدة نقاط نذكر بعضاً منها :-
أولاً : أن في القرآن كلمات معدلة عن لغات أخرى ، منها كلمة (فرعون) من اللسان المصري القديم ، وكلمتا (آدم ، عدن ) مأخوذتان من لغة قديمة تدعى أكادين ، وإبراهيم من لغة الآشوريين ، وهاروت وماروت والصراط والحور والجن والفردوس مأخوذ من لغة قدماء الفرس ، وتابوت وطالوت وزكاة وملكوت من لغة السريان ، والحواريين من اللغة الأيدوميّة ، وحبر وسكينة وماعون وتوارة وجهنم من ألفاظ اليهود ، والإنجيل من لغة اليونان .
ثانياً : يحتوي القرآن على أغلاط نحويّة ، مثل : ما جاء في سورة آل عمران : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) والصواب : ( قال له كن فكان )
ثالثاً : يحتوي القرآن على أغلاط كتابية ن مثل : ( سلام على إلياسيت ) والصواب : ( على إلياس ) ، ( وطور سينين ) والصواب (سيناء) .
رابعاً : إن جميع الحقائق التي ذكرها القرآن من قبل في الكتاب المقدس مفصلة تفصيلاً ، من ورائه مزيد أن القرآن لا يعد وكونه محتوياً على ما جاءت به هذه الكتب وأنه ما من أحد يجهل أم وحدانية الله مبثوثه في فصول العهد القديم والجديد ، والكل يعلم أن هذه العقيدة هي أساس الإيمان عند النصارى واليهود .
خامساً : أن قصة أصحاب الكهف ليست حقيقية ، إنما هي حكاية مكذوبة صنفها أصحاب البدع من طوائف النصارى ، وقد ورد في كتاب اللاتيني اسمه (مجد الشهداء) كما أثبت ذلك صاحب كتاب (مصادر الإسلام) .
سادساً : أن نبي الإسلام قد تزوج بأكثر من أربع ، وأصحابه يجاهدون لكسب النساء والملذات ، وأن القرآن وعد المسلمين بالملذات والحور العين والخمر رغم حرمتها ، وذلك في الجنة . (1/6)
صفحة 7
هذه بعض النقاط الواردة في بعض الكتاب ، ونحن نود معرفة الفترة التي تم فيها تحريف التوراة والإنجيل ، والنصارى لا يعترفون بتحريف كتبهم ، ويحتجون بوجود نسخة تعود إلى القرن الرابع بعد الميلاد ، وموجودة حالياً في المتحف البريطاني ، وهي مطابقة للكتاب الذي بن أيديهم اليوم ، ويتساءل الكثير منهم عما يأتي :
هل تنبأ الكتاب المقدس عن محمد صلى الله عليه وسلم ؟ وأين ذلك ؟
هل يمكن أن تكون فصاحة القرآن معجزة إلهية ؟
لماذا لم تكن الأحداث الواردة في القرآن متسلسلة تاريخياً ؟
لماذا ورد ذكر المسيح عليه السلام اكثر من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ؟
وما سبب تكرار القصص ، مثل : قصة فرعون وقصة عاد وثمود .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ؟
ونحن في هذه الجلسة وإن كانت لا تستوعب الأجوبة على كل ما سبق بالتفصيل ، إلا أننا نحاول أن نضع بعض اللمسات على ما جاء من كلام هؤلاء من هذا الهراء .
أولاً : ادعاؤهم أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج السيدة خديجة على طريقة أهل الكتاب , النبي صلى الله عليه وسلم تزوج السيدة خديجة رضي الله عنها على الطريقة الحنيفية السمحة التي كان عليها إبراهيم عليه السلام ن وتزوج غيرها أيضاً بعدما نبئ عليه الصلاة والسلام وشرف بالرسالة بهذه الطريقة نفسها ، فالزواج الذي كان بينه وبين السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها استكمل جميع الشرائط الشرعية ، لأنه كان زواجاً شرعياً بإذنها ورضاها وبإذن أوليائها وبصداق شرعي وببينة ، وهذه هي الطريقة الإسلامية التي ظل الزواج في الشريعة الإسلامية مستمسكاً بها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . (1/7)
صفحة 8
أما دعوى أن النبي (عليه الصلاة والسلام ) تعلم ما أتى به في القرآن من ورقة بن نوفل فهذه فرية فاضحة لمن إفتراها ، لأنها تدل على جهله ، إذ المشركون الذين كانوا يتحدون القرآن ما أشاروا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك من قريب ولا من بعيد ، وإنما كانوا يتهمون رجلاً أجنبياً وهو غلام رومي كان بمكة المكرمة قيناً – كما يقال – فهم ألصقوا الاتهام (اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه كان يتعلم ما جاء به في القرآن من ذلك الغلام ) ، لأنهم وجدوه يجلس إليه في بعض الأحيان ، والقرآن الكريم أشار إلى ذلك عندما يقول الله سبحانه وتعالى :" ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي هذا لسان عربي مبين " ، رد عليهم بأن ذلك الذي يتهمونه بتعليم النبي(صلى الله عليه وسلم) هو رجل أعجمي والقرآن نزل بلسان عربي مبين ، فكيف يمكن لهذا الأعجمي أن يتقن هذا اللسان العربي ؟ وكيف يمكن للنبي (صلى الله عليه وسلم) بمجرد جلسات خفيفة مع رجل أعجمي لا يتقن ( عليه الصلاة والسلام) لسانه أن ينقل هذه المعلومات الكثيرة ؟ على أن القرآن الكريم معجز بشتى وجوه ، فهو معجز من حيث بيانه الذي حارت به ألباب العرب ، والذي نطق القرآن بأنه لا يمكن للعرب أن يأتوا بمثله قط أي بمثل هذا البيان ، فإن الله سبحانه وتعالى تحدى المشركين أن يأتوا بمثل القرآن فعجزوا وتحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا ، وتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا ، وقال : ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ... ) قطع بأنهم لن يفعلوا ولم يفعلوا – كما أخبر القرآن – ثم بجانب ذلك أرخى العنان لهم أن يستظهروا بالعالمين قاطبة وأنبأهم بأنهم لو استظهروا بالإنس والجن فهم عاجزون عن الإتيان بمثله ، وقد وقفوا فعلاً عاجزين ، وإعجاز القرآن الكريم أمر اعترف به غير المسلمين ، فقد اعترف به المشركون أنفسهم الذين كانوا يواجهون الرسول (صلى الله عليه وسلم) بتكذيبهم (1/8)
صفحة 9
وتحدياتهم ، فالوليد بن المغيرة عندما جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ناصحاً له عن القيام بهذه الدعوة ، وتلا عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) شيئاً من القرآن ، حار مما سمع ورجع إلى قومه وهو متأثر بما سمع ، وأراد أبو جهل أن يستفزه ، وقال له : إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً لأنك جئت إلى محمد لتعرض له ، فقال له : إن قريشاً يعلمون أنني من أكثرهم مالاً ، فقال له : قل فيما سمعته منه قولاً يرضى قومك ؟ قال له : ماذا عسى أن أقول ؟ إنكم لتعلمون أني من أعلمكم بالشعر ، رجزه وقصيده وشعر الجن ، والله ما يشبه هذا شيئاً مما يقوله محمد ، وغن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمغدق أسفله مثمر أعلاه ، فأبى أبو جهل عليه إلا أن يقول فيه قولاً ، فقال ك عن هو إلا سحر يؤثر ، يأثره عن غيره ، فأنزل الله سبحانه وتعالى فيه ما أنزل ، وكذلك كان الشان مع عتبة بن ربيعة إذ حار لبه مما سمع من كتاب الله تبارك وتعالى ، ووقفت همم أولئك العقلاء أي الذين كان فيهم شيء من العقل الذي يمكنهم به أن يسوسوا أنفسهم وقفت بهم عن الاندفاع إلى تحدي القرآن , لأنهم علموا أنهم لو حاولوا أن يأتوا بمثله لما كان منهم غلا الإسفاف الذي يربئون بأنفسهم عنه ، ومن أجل ذلك ما حاول أبو جهل مع عتوه وكبريائه أن يقلد القرآن وأن يزعم أنه جاء بشيء من القرآن ولم يحاول ذلك عتبه بن ربيعة ولم يحاول ذلك شيبي بن ريعة ولم يحاول ذلك الوليد بن المغيرة ، ولم يحاول ذلك أي من هؤلاء الذين كانوا أعتى الناس في مواجهة القرآن الكريم ، بل وقفوا أمام هذا الأمر حائرين وإنما كانوا في تكذيبهم يكابرون أنفسهم وإلا فقد امتلأ وجدانهم باعتراف بأن القرآن الكريم معجز ولذلك كانوا يتعاهدون فيما بينهم ألا يحضروا مجلساً يتلوا فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) القرآن ولكنهم ينقضون هذا العهد فيما بينهم ، فإذا بهم يرجعون ويستمعون إليه مرة أخرى ليمتعوا أذواقهم بما يسمعونه من (1/9)
صفحة 10
بلاغة القرآن ، أما الذين انزلقت أقدامهم فحاولوا أن يقلدوا القرآن فإنهم لم يأتوا إلا بالإسعاف الذي ربا الذين عندهم شيء من العقل بأنفسهم عن الإتيان بمثله ، ولذلك خلد ذكر أولئك في الأوغاد والسفلة الذين لا عقول لهم كمسيلمة الكذاب وسجاح وأمثالهما فإن ما جاء به بقي ضحكة عند جميع الناس ، وكما أن المتقدمين من الكفرة الجاحدين وقفوا أمام معجزة القرآن حيارى ، واعترف من اعترف منهم بإعجاز القرآن وأنه لا يشبه شيئاً من كلام العرب شعره ونثره ، سجعه ومرسله ، رجزه وقصيده ، كذلك نجد البلغاء من غير المسلمين في العصور الأخيرة وقفوا حائرين أمام معجزة القرآن الكريم ولذلك كانوا يحرصون على أن يتعلموا القرآن من أجل أن يدربوا أنفسهم حسن البلاغ في تأديتهم للكلام شعره ونثره ، كما ذلك من خليل مطران , فقد اعترف بإعجاز القرآن ، وكذلك الأديب النصراني جبر طومط ، وكذلك الشيخ إبراهيم اليازدي ووالدة نصيف اليازدي ومن بين هؤلاء أحد الثلاثة من النصارى الذين بثوا الآحاد في البلاد العربية وما بين العرب ، وهو الدكتور شبلي شميّل ، إذ الإلحاد بثه النصارى فيما بين العرب , نصارى العرب هم الذين بثوا الإلحاد ، وكان الذين يتولوا هنا كبر هذا الأمر ثلاثة : شبلي شميل هذا ، وسلامة موسى وفرج أنطون ، شبلي شميل هذا كتب رسالة على العلامة السيد محمد رشيد رضا وبعدها أبيات ، بعد أن قرأ مقالات كتبها السيد رشيد رضا في مجلة المنار عن مناقب صاحب الرسالة (صلى الله عليه وسلم) , ماذا كتب إليه ، كتب إليه يقول : " إلى غزالي عصره ن السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار " ، أن تنظر إلى محمد كنبي وتجعله عظيماً وأنا انظر غليه كرجل وأجعله أعظم ، ونحن وإن كنا في الاعتقاد الدين أو المبدأ الديني على طرفي نقيض فإننا يجمع بيننا العقل الواسع وافخلاص في القول ، وذلك أوثق عرى المودة بيننا ، والحق أولى أن يقال ، تحت هذا العنوان جاء بهذه الأبيات ، يقول : (1/10)
صفحة 11
دع من محمد في سدى قرآنه………ما قد نحاه للحمة الغايان
إني وإن أك قد كفرن بدينه………هل أكفرن بمحكم الآيات
أو ما حوت في ناصع الألفاظ من ……حكم روادع للهوى وعظات
وشرائع لو أنهم عقدوا بها………ما قيدوا العمران بالعادات
نعم المدبر والحكيم وإنه ……رب الفصاحة مصطفى الكلمات
رجل الحجا رجل السياسة والدهى ……بطل حليف النصر في الغارات
ببلاغة القرآن قد غلب النهى ……وبسيفه أنحى على الهامان
من دونه الأبطال في كل الورى……من سابق أو حاضر أو آت (1/11)
صفحة 12
هكذا يعترف رجل نشأ على النصرانية الكاثوليكية ، ثم انتقل بعد ذلك إلى الإلحاد بعظم القرآن ، وبعظم الرسول الذي جاء بهذا القرآن ، ويعترف بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) يفوق جميع العالمين من سابق أو حاضر أو آت ، لا يعدل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) أحداً من خلق الله ، ونجد ما يشبه هذا في كلام الشاعر الخوري اللبناني النصراني الذي كاد يعتنق الإسلام ، ولكن الأمر لله سبحانه وتعالى ، وله كثير من الأشعار في القرآن وفي الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وسنذكر فيما بعد وصيته التي كتبها بعدما بلغ من الكبر عتيا ، بعدما بلغ من العمر تسعين عاماً – إن شاء الله - ، هؤلاء يعترفون بعظم القرآن بل نجد من غير العرب من المستشرقين الذين درسوا القرآن من وقف حائراً أمام معجزة القرآن سواء إعجازه من حيث المحتوى أو إعجازه من حيث البيان ، وقد وصل إلى قبل فترة كلام عشرات من هؤلاء إلا أنني مع الأسف الشديد – افتقدته في هذه الفترة التي كنت فيها بحاجة ملحة على هذا الكلام ، أعترف اعترافاً صريحاً بعظم القرآن وأن القرآن لا يمكن أن يدانيه أي كلام على أنه سبق قبل أكثر من ثلثي قرن أن كلفت وزارة الخارجية ووزارة التربية والتعليم في فرنسا أحد المستشرقين بترجمة اثنتي وستين سورة من سور القرآن ، فكتب تقديماً لهذه الترجمة جاء فيها: " ... إن القرآن لا يمكن أن تفي بمعناه لغة إلا لغته الخاصة ، ولا أسلوب إلا أسلوبه الخاص ، فإنه أسلوب إلاهي ولذلك أعجز البشر بسحر بيانه ... " كما المستشرق الفرنسي المسيومير منغان تحدث عن عظمة القرآن وعظمة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في كتابه "حياة محمد " وقال فيما وصف به الرسول ( عليه الصلاة والسلام ) : " إن محمداً كان أصدق البشر لهجة ، وأحسنهم سريرة ، وأوفرهم عقلاً ، وهو صادق بأنه يوحى إليه " إلا أنه حاول أن يفسر هذا الوحي تفسير لا يتفق مع عقائدنا ولكنه مع ذلك اعترف بأنه أصدق البشرية ، وأوفرهم عقلاً (1/12)
صفحة 13
فكيف – مع ذلك – يدعي مدع في هذا الوقت من الأنذال والأوغاد أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ما جاء بشيء معجز ، وأن القرآن ليس هو من عند الله ، وأن الإسلام ليس هو بالدين الحق ، هذا ومما يدل دلالة واضحة على كذب هذا المفتري أن القرآن الكريم أنزله الله تعالى على نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) في أكثر من عقدين من السنين ، نزل ما نزل عليه في السفر وفي الحضر ، في السلم وفي الحرب ، في الفرح وفي الحزن ، في الشدة وفي الرخاء ، ومع ذلك لم يوجد تناقض بين شيء وشيء مما في القرآن قط ، وقد تجلى إعجاز القرآن الكريم فيما أنزله الله سبحانه وتعالى على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) ن وتحدث القرآن الكريم عن بعض الأحداث التي حصلت بعدما مات ورقة بن نوفل ، فقد تحدث القرآن عن الغلبة التي صارت للفرس على الروم ، وأن المعايير ستنقلب ، والمقاييس ستتبدل ، والنتيجة تختلف ، فالغالب سيتحول إلى مغلوب ، والمغلوب سيتحول إلى غالب بل حدد زمان لك بصريح العبارة مع إشارة إلى ما يتحقق للمسلمين من نصر يتزامن مع نصر الروم على الفرس فإن الله سبحانه وتعالى أنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم) بعدما أصبح الجيش الروماني جيشاً ضعيفاً مقهوراً وأصبحت الإمبراطورية الرومانية تلفظ أنفاسها الأخيرة وهي محصورة في عاصمتها القسطنطينية ، وقد احتل الفرس جميع ممالكه واستولوا على جميع الشعوب التي كانت خاضعة لها ، أنزل الله تعالى - في ذلك الوقت – على النبي (صلى الله عليه وسلم) : ( ... غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ، لله المر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ... ) الله سبحانه وتعالى آذن النبي (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين هذا بانقلاب المعايير رأساً على عقب ، وأن الذي يبدوا الآن غالباً سيتحول على مغلوب ، ومن بدا الآن مغلوباً سيتحول إلى غالب ، وذلك لا يتجاوز بضع سنين ، والبضع بين الثلاثة (1/13)
صفحة 14
والعشرة ، وهذا الذي وقع فعلاً والآية الكريمة نزلت على النبي (صلى الله عليه وسلم) في العام الخامس من بعثته (صلى الله عليه وسلم) وذلك يوافق عام (616) للميلاد وما جاء عام (625) للميلاد إلا وقد تحقق وعد الله سبحانه وتعالى بانتصار الروم المغلوبين على الفرس الغالبين ، كما أن هذا الانتصار تزامن مع فرحة المؤمنين الكبرى بأول انتصار كاسح لهم عندما استطاعوا ان يمرغوا بأنف الشرك في التراب في غزوة بدر الكبرى ، ( وعندئذٍ يفرح المؤمنين بنصر الله ) فهل تعلم النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا من ورقة بن نوفل بعدما مات وتحول إلى الدار الآخرة ، ومثل هذا الهراء ما قاله أحد الكاتبين من أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما رحل في شبابه إلى طلائع بلاد الشام في تجارة للسيدة خديجة رضي الله عنها والتقى بالراهب نسطورا تعلم منه النبي (صلى الله عليه وسلم) ما تعلم ، والقرآن جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم) من عند نسطورا ، مع أن النسطورا الراهب عندما حدث الذي حث من انقلاب هذه الموازين التي أشار إليها القرآن وتحول الغالب إلى مغلوب والمغلوب إلى غالب ، بل عندما كانت غلبة الفرس على الروم كان متحولاً إلى الوفاة ولعله كان رميماً في التراب ، فكيف يمكن أن يتنبأ بذلك ؟ وهل يمكن – مع هذا – إلا أن يكون القرآن من عند الله سبحانه وتعالى ؟ على أننا نوقن بان الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يصل إلى الممالك الرومانية وإلى الممالك الفارسية من أجل دراسة الأوضاع العسكرية والوضاع الاجتماعية والأوضاع السياسية ليتنبأ بالمستقبل فهو (صلى الله عليه وسلم) ما وصل إلا إلى مشارف بلاد الشام في صباه وفي شبابه قبل أن ينبأ ثم بجانب لك ما كان (صلى الله عليه وسلم) على اطلاع بأحوال الجيوش الفارسية والجيوش الرومانية ، فكيف – مع هذا – يمكنه بأن يتنبأ بهذه الحقائق لولا أنه أوحى إليه من قبل الله ؟ ونحن نشاهد في وقتنا هذا الدول الكبرى – مع الدراسات (1/14)
صفحة 15
الوافية التي تقوم بها فيما يتعلق بشؤون الدول الأخرى من حيث النواحي العسكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها – يتنبأ قادة هذه الدول بنتائج ولا يلبث الزمن أن يأتي بنتائج معاكسة تماماً ، فإنني أحفظ أنه عندما اشتدت المعارضة في إيران ضد الشاه المخلوع أدلى بتصريح الرئيس الأمريكي كارتر بأنه يرى أن الشاه سيتغلب على المعارضة ، ولم يكد يمضي على هذا التصريح شهر واحد حتى خرج الشاه وهو يحمل صندوقاً من تراب إيران ليتشممه في منفاه ، هذا مع أن كارتر عنده البتاجون الأمريكي وعنده المخابرات الأمريكية وعنده التقديرات العسكرية والدراسات السياسية وغيرها ولكن – مع ذلك – لم يغنه ذلك كله شيئاً حتى يعرف الحقيقة كيف ستكون ، فكيف للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن يدرك ذلك ؟ كذلك عندما كان المسلمون أنفسهم مقهورين من النتيجة التي حصلت بعدما ما خرجوا معتمرين في عمرة الحديبية ، وتم الصلح على ما تم عله ونزل ما نزل من كتاب الله سبحانه وتعالى مما يدل على حسن العاقبة ( إن فتحنا لك فتحاً مبينا ) تعجب المسلمون من لك حتى قالوا لرسول الله : أو فتح هو يا رسول الله ؟ عجبوا من هذا الأمر ، ولكن لم يمضي على ذلك سنتان حتى تحقق الفتح المبين والحمد لله ، وكم من حقائق اخبر بها القرآن فتجلت للناس رأي العين . (1/15)
صفحة 16
كذلك النقطة التي أثارها هذا الأفاك الكذاب وهي أن القرآن ليس بمعجز ، وأن هناك من كتب العرب وأشعارهم ما هو ابلغ من القرآن ، مثل المعلقات ومقامات الحريري ... الخ ، نحن نتحداه للمناظرة في هذا ونستعد أن نثبت له علناً أن القرآن الكريم لا يمكن أن يرقى إليه أي كلام من كلام العرب وعليه أن يستظهر بمن ورائه إن كان يستطيع إثبات ذلك ، فأنى له أن يأتي بذلك ، ليأت بهذه المعلقات السبع ولتقارن بينها وبين آيات الله تبارك وتعالى البينات وليأت بما يدعيه إنه من شعر امرئ القيس ، أي قصيدة جاء فيها هذا المطلع الذي في سورة القمر من قصائد امرئ القيس نتحداه بذلك ، وكذلك إن أراد المقارنة بين مقامات الحريري والقرآن الكريم ، أنّى له أن يأتي بمثل القرآن ، يكفي شاهداً على ذلك عن من كلام العرب الذي كان يعتبر مثلاً في البلاغة قولهم : " القتل أنفى للقتل " فجاء القرآن بما تتضاءل معه هذه الجملة بحيث أصبح مثلها مع مثل جملة القرآن كمثل الذبالة أما الغزالة أي الفتيلة أمام الشمس ، والله سبحانه وتعالى قال : " ولكم في القصاص حياة " وقد تميزت الجملة القرآنية على الجملة التي كانت مثلاً عند العرب في البلاغة بأربعة عشرة ميزة ، منها : أن الجملة المأثورة عند العرب تتكون من أربع عشر حرفاً ، وهذه تتكون من عشرة أحرف ، ومنها أن القتل لا يكون – في كل حالة القتل أنفى للقتل فقتل العدوان ليس له هذا الحكم بينما القرآن قال ( ولكم في القصاص ... ) حدد ذلك بقتل القصاص يشمل القتل وغيره ... إلى آخر ذلك ، نعم أربعة عشر ميزة تميزت بها الجملة القرآنية على الجملة المأثورة عند العرب . (1/16)
صفحة 17
أما ما جاء في ذلك الكتاب الذي يسمى "ميزان الحق " وفي حقيقة الأمر "تظليل الباطل " من الدعايات ضد القرآن ومن بينها أن في القرآن كلمات مأخوذة من لغات أخرى ، نحن لو سلمنا ذلك فإننا نعتبر هذا من إعجاز القرآن إذا النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يدخل مدرسة حتى يتعلم هذه اللغات الكثيرة من ألسنة متعددة ، فيها ما هو من اللغات القديمة وفيها ما هو من اللغات المستجدة ، لو سُلّم ذلك فذلك من إعجاز القرآن ، النبي (صلى الله عليه وسلم) ما كان يتلو من قبل القرآن من كتاب ولا يخطه بيمينه ، فأنّى له أن يحيط بهذه اللغات مع أننا نقول بأن القرآن عربي ، وما فيه من الكلمات التي هي عند غير العرب استعملت من قبل نزول القرآن في اللسان العربي فأصبحت معربة ، ومع هذا هناك دراسة قام بها أحد الأردنيين في وقت متأخر تثبت هذه الدراسة أن اللغة العربية هي أم جميع اللغات , وأن الله سبحانه وتعالى علم آدم الأسماء باللغة العربية ، فهذه اللغة هي أم اللغات الأخرى واللغات الأخرى منبثقة منها .
أما الزعم الكاذب بأن القرآن يشتمل على أغلاط نحوية مثل ما جاء في سورة آل عمران ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) وأن الصواب : " قال له كن فكان " هذا دليل جهل هذا القائل وأنه لم يدرس العربية نفسها حتى يعرف كيف يعبر عن الماضي بالعبارة بالعبارة التي توحي بالاستحضار في الوقت الحاضر ؟ وهذا مما ورد في أشعار العرب ، فالشاعر العربي يقول :
وإذا مررت بقبره فاعقر به ……كوم الهجان وكل طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها ……فلقد يكون أخا دم و ذبائح (1/17)
صفحة 18
مع أن المتحدث عنه هو ميت ، ما هو يكون في الحاضر وإنما كان في الماضي ولكن عبر عن هذه الحالة الماضية بهذا التعبير الذي يوحي بالاستحضار من أجل كرمه الذي كان عليه ، على إن من المفسرين من قال بأن المراد بقوله تعالى : ( ثم قال له فيكون ) الأخبار عن كلمة التكوين ، وكلمة تكوين تشمل الكلمتين جميعاً " كن ، فيكون " هذا هو الذي ذهب إليه العلامة السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار مع أن جمهور المفسرين ذهبوا إلى إن ما ذكر إنما هو لأجل أن يستحضر السامع مكان عيسى (عليه السلام ) بمجرد كلمة (كن) إن قول الله سبحانه وتعالى : ( سلام على إلياسين ) خطأ مردود فإن (إلياسين ) لغة في إلياس ، ومن المفسرين من قال : بأن (إلياسين ) هنا جمع لإلياس والمراد بذلك إلياس واتباعه ، كما يقال (المهلبين) للمهلب وأتباعه ، أو أن الأصل (إلياسين ) فيكون المراد بذلك الأتباع بطريقة النسبة إلى إلياس ولكن مع حذف الياء (1/18)
صفحة 19
" ياء النسب " كما وقع ذلك في قول الله تعالى تبارك وتعالى : ( ولو أنزلناه على بعض الأعجمين ) والأصل ( على بعض الأعجميين ) ومثل ذلك : ( طور سينين ) فإن سينين لغة في سيناء ، وأما احتواء الكتاب المقدس – الذي عندهم – على الحقائق القرآنية فنحن نتحداهم بأن يأتوا في الكتاب المقدس بما يدل على أن الروم سيهزمون فارس بعد ما تهزمهم فارس ، ونتحداهم أن يأتوا ببيان هذا الفتح الذي أشار إليه القرآن الكريم للمسلمين ، ونتحداهم أن يأتوا ببيان يكشف على أن الأمة الإسلامية ستقع فيها فتنة كما حدث بذلك القرآن قبل وقوع هذه الفتنة في قوله سبحانه : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) نتحداهم أن يأتوا بلك , على أنه لو كان لك كذلك فإنه هذا مما يدل على أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنزل عليه هذا القرآن من قبل الله ، إذ هو ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) رجل أمي ، ما كان يقرا من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه أنى له أن يتطلع على ما في الكتاب المقدس ويحتوي على ذلك كله حتى يعبر عنه بهذا اللسان – لسان عربي مبين – بهذا الأسلوب الإلهي المعجز .
أما الزعم بأن قصة أصحاب الكهف ليست حقيقة فهو زعم باطل ، وكفى حجة على أنها قصة واقعة عن كتباً من كتب أهل الكتاب أثبتتها ، وهي وإن لم تكن شائعة عندهم إلا أن اطلاع النبي (صلى الله عليه وسلم) ومعرفته بها لا يمكن أن يكون إلا بوحي يوحى إليه من عند الله سبحانه وتعالى . (1/19)
صفحة 20
وما قالوه من أن النبي (صلى الله عليه وسلم) حاول أن يتميز على أصحابه بزواجه بأكثر من أربع وأن هذا دليل شهوانيته ... ( إلى آخر ما وصفوه به ) حاشاه عن ذلك ( صلى الله عليه وسلم ) فهو مردود ، لأن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام لو كان همه في الشهوات لحرص على تزوج الأبكار ، ومن الذي كان يأنف أن يزوج النبي (صلى الله عليه وسلم) ؟ وأي امرأة كانت لا تتشرف بأن تكون في كنف بيت النبوة على صاحبه ( افضل الصلاة والسلام ) ، أي رجل لا يرى تزويج النبي (صلى الله عليه وسلم) شرفاً له وهو يؤمن به (صلى الله عليه وسلم) ويعتبره قائداً له ، ولئن كان أبو سفيان في حال شدة عدائه له عندما سمع بأن ابنته تزوجها النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : ذلك الفحل لا يقذع أنفه ، فكيف بالمؤمنين ؟ وهو (صلى الله عليه وسلم) ما تزوج هذه النساء إلا بعدما جاوز مرحلة الشباب ، أما في مرحلة الشباب فقد تزوج السيدة خديجة رضي الله عنها التي تتقدمه بخمسة عشر عاماً ، ومع ذلك كله ظل النبي (صلى الله عليه وسلم) حريصاً على الاستمساك بها وحدها في تلك المرحلة ، أما زواجه فيما بعد فقد كان لحكم بالغة ، منها : أنه كان يتألف البيوتات بالإصهار إليها ، ومنها أنه (صلى الله عليه وسلم) أراد أن تكون في بيوت نسائه مدارس للنساء المسلمين بحيث تتلقى أزواجه (صلى الله عليه وسلم) منه تعاليم الدين وتبثها في نساء المؤمنين ، وهذا ما لا يمكن أن يقوم به العدد القليل لو كانت عنده زوجة أو زوجتان أو ثلاث زوجات ، ولم يكن هم الصحابة رضي الله عنهم الشهوات وإنما كان همهم في إعلاء كلمة الله ، ولو كان همهم في الشهوات لما كان يخرج أحدهم عن نسائه لينازل المشركين في ميادين المعركة وهو يحرص على الاستشهاد في سبيل الله ، فإن من همه شهواته لا يمكن أن يفوت هذه الملذات (ملذات الحياة) حرصاً على لقاء الله عز وجل . (1/20)
صفحة 21
أما تحريف التوراة والإنجيل وذلك أمر لا يشك فيه ، لما نجده من الأباطيل في هذين الكتابين بسبب ما لحقهما من التحريف والتبديل وقد اعترف بذلك الدارسون من غير المسلمين مع اعترافهم بأن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي لم تمتد غليه يد التحريف والتبديل ، وقد كان من بين هؤلاء الدارسين الدكتور موريس بوكاي وهو طبيب فرنسي جراح ، أراد أن يتعلم اللغة العربية من أجل أن يتعامل مع العرب فأراد أولاً أن يدرس المعلقات السبع ولكنه آثر دراسة القرآن ، فلما اخذ يقرأ القرآن وجاء إلى قول الله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة وخلقنا العلقة مضغة وخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين حار عندما قرأ هذه الآية الكريمة وعلم أن هذا القرآن من عند الله إذ لا يمكن أن يطلع على هذه الحقائق إلا الله تبارك وتعالى وحده ولا يمكن للبشر الذين كانوا متقدمين في العلوم الطبية في تلك العصور السابقة أن يكتشفوا هذه الحقائق التي كشف عنها العلم الآن ، فكيف برجل أمي كان ناشئاً في بيئة أمية ، بيئة بدائية ، وكان – بجانب ذلك – غير متصل بالأطباء وغير متصل بأصحاب المعارف من أهل عصره ، وهذا دعاه إلى استقصاء ما يمكن أن يصل إليه من المعارف الطبية التي يشير إليها القرآن ، وكلما اكتشف أي حقيقة من هذه الحقائق ثبت له إعجاز القرآن الكريم ، ثم بعد ذلك حاول أن ينظر إلى العهدين ، العهد القديم العهد الجديد لهما الميزة الموجودة في القرآن ؟ فإذا به يرى الحديث عن الحقائق العلمية في العهدين ( القديم والجديد ) قليلةً جداً , ومع قلة ما ورد فيه من الحديث عن الحقائق العلمية يجده متصادماً مع هذه الحقائق بينما ما في القرآن متفق واستعان على ذلك بعلماء الفلك وعلماء طبقات الأرض وجميع أصحاب التخصصات العلمية ، وإذا به يكتشف هذا السر العجيب في القرآن ، (1/21)
صفحة 22
فخرج بهذه النتيجة التي لا شك فيها هي أن الكتاب الوحيد الذي ظل على ما هو عليه لم تمتد إليه يد التحريف والتبديل هو القرآن وألف في ذلك كتاباً سماه ( العلم في التوراة والإنجيل والقرآن ) وقد ترجم هذا الكتاب في اللغة العربية وإلى اللغة الإنجليزية ، وهو كتاب متداول ، كما أن ما يعترف به النصارى أنفسهم من التطورات التي حصلت لمعتقداتهم ودياناتهم نتيجة اجتماع أحبارهم وقساوستهم وأساقفتهم في مجامعهم الدينية شاهد على تبديل ما في العهدين الجديد والحديث ، ومن بين هؤلاء الذين اعترفوا بهذه الحقيقة الشاعر الذي أشرنا إليه ، الشاعر الخوري وهو المعروف بالشاعر القروي ، وعندما بلغ تسعين عاماً من العمر كتلك وصيته التي جاء فيها : " ... لقد أثبتت المصادر التاريخية أن يسوع المسيح عليه السلام كان يعبد الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، وظل على ذلك أتباعه في القرن الثالث ، عندما تنصر قسطنطين ( عاهل الروم ) فأدخل في النصرانية بدعة التثليث ، ومالأه على ذلك بعض الأساقفة وفي مقدمتهم مكاريوس الذي لقب نفسه ( أرثوذكس ) أي مستقيم الرأي , وعارضة جماعة من الأساقفة في مقدمتهم ( آريوس ) وعقدت بينهما مجامع للحوار ، فاز فيها آريوس بالحجة القاطعة والحق اليقين ، ولكن السلطة التي هي مصدر البلاء وضعت ثقلها في الميزان فأسكتت صوت الحق ، وظل الحق يتململ في قيده منتظراً آريوساً جديداً ثم قال وكم أتمنى وأنا الآرثوذكسي المولد أن يكون هذا الآريوس بطريكاً بطلاً ينفس عن ديننا وصمة ألصقها به غرباء غربيون ، وكثير ما كان الغرب مصدر بلائنا الديني والسياسي معاً ... " ثم أتبع ذلك بقوله : " وإيماناً مني بنبوة نبينا العربي وتصديقاً مني بمعجزته القرآن أردت أن أكون قدوة لإخواني أدباء النصرانية فأدخل في دين الله ، ولكن رأيت إصلاح دين الأول خيراً من الانتقال عنه إلى دين جديد ، وكخطوة في هذا السبيل أعلن (1/22)
صفحة 23
عن عزوفي عن أرثوذكسيتي المكاريوسية على آرثوذكسيتي الآريوسية ... " إلى آخر ما جاء في هذه الوصية ، فالشواهد هنا متعددة :- أولاً : أن النصرانية جاءت ببدعة التثليث وهي ناتجة عما ظل عالقاً بأذهان الرومانيين من العقائد الرومانية الوثنية السابقة ، ثم بجانب ذلك يقول بأن الحوار كان ساخناً ما بين الحق والباطل ، ولكن السلطة هي التي أسكتت صوت الحق وهي التي أطلقت لسان الباطل ، وهي التي حرصت على إطفاء جذوة الإيمان بترسيخ هذه العقيدة الضالة ، ومع هذا كله أيضاً يعترف بان الدين الحق هو دين الله (الإسلام ) يعترف للإسلام بأنه دين الله ، ومعنى هذا أن ما عداه ليس هو بدين الله ، ويعترف بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو رسول الله ، ويعترف بأن القرآن هو معجز لنبوة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) فإذن هذه اعترافات واضحة ، شهد شاهد من أهلهم بما يثبت أن ما عندهم مبدل ومحرف ، وأن الحق هو ما في هذا القرآن وما كان عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) ، بجانب ذلك أيضاً هم يعترفون بما حصل من الأمور المخالفة للعقل والنقل في معتقداتهم ، وأن هذه المعتقدات جدد فيها في المجامع التي كانوا يعقدونها فالمجامع كانت تقدم وتؤخر ، وتخفي وتعلن ، وتبدل ما شاءت ،وتفعل ما تشاء ، كأنما هذه المجامع وكل إليها أمر الدين ، فالدين راجع غليها لا إلى الوحي ، هذا دليل التبديل والتغيير ، على أننا نجد الأناجيل الأربعة التي يعترفون بها بالإجماع مختلفة في طبيعة المسيح (عليه السلام) اختلافاً عجيباً ، هي ( إنجيل مرقس ، وإنجيل يوحنّا ، وإنجيل متّى ، وإنجيل لوقا ) مختلفة اختلافاً عجيباً في طبيعة المسيح ، نجد في أحدها أن المسيح هو عبد ، وفي الثاني هو إنسان وفي الثالث هو أبن الله وفي الرابع هو الله ، ثم نجد في تقديم هذه الأناجيل – تقديم ترجمتها – بالعربية بأنه لا فارق ، هذا العبد هو المعنى بأنه إنسان ، وهو المعنى بأنه ابن الله ، وهو المعنى بأنه (1/23)
صفحة 24
الله ، فإذن كيف يكون هذا العبد هو الله ؟ وهذا أمر ناقشت فيه أساقفتهم وقساوستهم وما استطاعوا أن يجيبوا إلا بقولهم : هذه حقائق غامضة علينا أن نسلم بها ، لا يمكن لعقولنا أن تصل على هذه الحقائق ، قلنا لهم : كيف تسلمون بأمور متناقضة يدل العقل على أنها متناقضة , ومن ضمن ما ذكروه سألتهم عن المسيح عليه السلام : هل ولد أم لم يولد ؟ قالوا : مولود ، حملت به مريم وولدت ، قالوا : نعم ، طيب ولدت رباً أو إنساناً ؟ قالوا : ولدت إنساناً ، كيف صار من بعد رباً ؟ كيف صار هو الله ؟ قالوا : هكذا ، التحم الناسوت باللاهوت فصار هو الله ، كيف لهذا الإنسان من الذي خلقه ؟ ألم يخلقه الله ؟ قالوا هو كان في الأزل مسيح لكنه خلقه من بعد ، سبحان الله ، هل الله تعالى خلق نفسه ؟ ما هذا العجب ؟ ما هذا الهراء بعدها قلت : أين أنتم من عقيدة القرآن وعرض القرآن للعقيدة ؟ فإن الله تبارك وتعالى لم يكبت عقول البشر بل أمر البشر أن يطلقوا عقولهم ليستلهموا الحقائق من وراء ذلك ، والله سبحانه وتعالى يقول : ( وإلهكم إله واحد لا آله إلا هو الرحمن الرحيم ) ثم يقول بعد ذلك : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينقع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) ، أنبأنا الله سبحانه هنا بأنه إله واحد ثم أحالنا على هذا الملكوت الواسع لننظر آيات الله تعالى الكبرى فيه في خلق السماء والأرض وما بين هذه السماوات وما بين هذه الأرض من الترابط الجاذبية وكون كل جزء من هذا الكون مشدود إلى بقية الأجزاء بحيث يمثل الكون كله وحدة متكاملة لا يمكن بحال من الأحوال أن يستقل جزء منه عن بقية الأجزاء دليل على وحدانية الخالق ، وانه لو كان هناك عدد من الخالقين لكانت لك واحد منهم إرادة مستقلة ، ومع تعدد (1/24)
صفحة 25
الإرادات لا بد من أن يكون اختلاف بينهم في المراد , وبجانب هذا أيضاً ما نراه في هذا الكون من كون الطبيعة متلائمة ، فالله سبحانه وتعالى أنزل من السماء ماءاً من أجل الإنبات ( إنبات ما ينفع الناس والأنعام في هذه الأرض ) ، وجعل الرياح تسير بسنن تعود منفعتها على الناس ، وسخر الفلك في البحر ... على غير ذلك من هذه الآيات ن وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى : ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الله خيراً أم ما يشركون ، أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءاً فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإلاه مع الله بل هم قوم يعدلون ، أم من جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهارا وجعل بين البحرين حاجزاً أإلاه مع الله بل أكثرهم لا يعلمون ، أم من يجيب المضطر إذا دعاه وكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإلاه مع الله قليلاً ما تذكرون ، أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته أإلاه مع الله تعالى عما يشركون ، أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإلاه مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) فقالوا ونحن نؤمن أيضاً الإله الواحد ، طيّب ، ما معنى –إذن- كون هذا الإله واحد أخرج بعضه فجعله مخلوقاً ثم جعله محمولاً منه ثم بعد ذلك أعاده إلى نفسه ثم التحم به فصار هو عينه ، كيف هذا يمكن أن يصدقه عقل أحد من الناس ؟ سبحان الله ، وهكذا نجد هذه العقول تتقبل هذه الأفكار السقيمة ، أين العقول ؟ أين التفكير أين الإحالة على الفكر والعقل والفهم والإدارك في القرآن الكريم ؟ وهم من عجائب ما يأتون به يقولون بأن الله ثالث ثلاثة ، هناك أب وابن وروح قدس ، ثم يقولون بأن الثلاثة واحد ، كيف يكون الثلاثة واحداً والواحد ثلاثة ؟ هذا أمر مرفوض رياضياً ، مرفوض عقلياً ، مرفوض بكل مقاييس البشر ، كيف يمكن أن يكون ذلك ؟ وكيف للعقل أن يصدق بهذه السخافات ؟ فوجود كتاب (1/25)
صفحة 26
منذ القرن الرابع الهجري لا يستنكر ، لأن الضلالة بدأت عندهم منذ القرن الثالث لم تنصر قسطنطين وأدخل ما أدخل من عقائد الوثنية الرومية القديمة في الديانه النصرانية فأصبحت هذه النصرانية كما نراها الآن على أنه مما يدل بأن هناك الكثير الكثير من التخريفات في العهد القديم و العهد الجديد ، بالنسبة إلى العهد الجديد نفسه بغض النظر عن العهد القيم مما يدل على ذلك حركة لوثر التي قام بها ، فلوثر هذا هل كان نبياً يوحى إليه ؟ لا . إنما هو رجل حسب ما يقولون مصلح ، ولكنه كان ناقماً على البابا ، وقال بأن الباب ملعون ، ووصف البابا بالكفر ، ووصف البابا بالكذب ، ووصف البابا بالأباطيل كلها ، وفي المقابل أصدر البابا بحقه قرار الحرمان وجعله مطروداً من الرحمة .... إلى غير ذلك ، والبروتستانت يقولون بأن لوثر أنكر على الكنيسة الفاتيكانية أكثر من تسعين نقطة اعتبرها ضلالة ، واعتبرها خروجاً عن الدين ، فإذا كان لوثر هذا أنكر هذه الأشياء ، ألا يدل ذلك على أن الكنيسة الكاثوليكية هي قامت بتحريف التعاليم التي جاء بها المسيح عليه السلام ، ثم في المقابل أيضاً الكاثوليك ينددون بالبروتستانت ويكفرون اللوثريين ، هذا دليل على أن التحريف مستمر عندهم ، ومع آخر مناقشة حصلت بيني وبين بعضهم ذكرت لهم بناءاً على ما تقدم ن يجب أن تنظروا إلى نفس معتقدات الحركة الإصلاحية هذه ، فقالوا : نعم ، وهناك من ينادي بأن الإصلاح هو بحاجة إلى إصلاح ، وبالنسبة على العهد القديم كذلك مع ما قام به اليهود من تحريف التوراة وتغييرها وتقديم ما قدموا فيها وتأخير ما أخروا ، مع تحريفهم الكلم عن مواضعه فإن التوراة تشتمل – إلى الآن – على التبشير بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ، ونحن في هذه الجلسة لا يمكننا أن نلم بهذه البشائر لأنها تحتاج إلى جلسات متعددة ، ولكننا نشير إليها بعض الإشارات . (1/26)
صفحة 27
أولاً : في الباب الثامن عشر من سفر التثنية ( التوراة ) جاء : " فقال الرب لي نعم جميع ما قال ، وسوف أقيم لهم نبياً مثلك – أي الله تبارك وتعالى يخاطب بهذا موسى (عليه السلام) من بين اخوتهم ، واجعل كلامي في فمه ويكلمهم بكل شيء أمرهم به ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي فأنا أكون المنتقم من ذلك .
هذه بشارة بأن الله سبحانه وتعالى يبعث نبياً من أخوتهم أي أخوة الإسرائيليين ، من هم أخوتهم ؟ بنو إسماعيل لأن إسرائيل بن اسحق وهو يعقوب بن اسحق ، واسحق بن إبراهيم ن وإسماعيل ابن إبراهيم ، فإذن هذا النبي من ولد إسماعيل وهو سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا غبار على ذلك ، ولو حاول المتأخر ون من اليهود بأن يجعلوا هذه البشارة هي بشارة يوشع بن نون ، وكذلك بروتستانت من النصارى – زعموا أن هذه البشارة المسيح (عليه السلام) ، ولكن ذلك مردود ، وقد تحدث العلامة المحقق الشيخ رحمه الله العثماني الهندي في كتابه " إظهار الحق " بما يرد هذه الشبهة من شتى الوجوه ، ونحن نختصر بعض هذه الوجوه التي ذكرها . (1/27)
صفحة 28
فأولها : أن اليهود المعاصرين لعيسى كانوا ينتظرون نبياً آخر بشر به في هذا الباب ، ذلك لنه جاء في الباب الأول من إنجيل يوحنّا هكذا : " وهذه شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم الكهنة واللاويين ليسألوه من أنت ؟ فاعترف ولم ينكر ، وأقر أني لست أنا المسيح ، فسألوه ؟ إذن ماذا ؟ أنت إيليا ؟ قال : أنا لست إيليا فسألوه أنت النبي ؟ فأجاب : لا ، ومن المعلوم أن مرادهم بالنبي هو النبي المعهود الذي بشر به موسى هنا لأن تعريفه للعهد ، والكهنة واللاويين كانوا من علماء اليهود ، وكانوا واقفين على كتبهم فعرفوا على أن يحيي نبي ولكنهم شكوا في كونه المسيح أو إيليا أو النبي المعهود الذي بشر به على لسان موسى ولا يمكن أن يكون هو يوشع ، لأن زمانه متقدم ، فقد كان في عهد موسى (عليه السلام) وقد تقدم على يحيى بكثير من القرون ، فلا يمكن أن يكون هو المقصود ، فكيف يجهلونه لو كان هو المراد . (1/28)
صفحة 29
ثانيها : إن من نصوص هذه البشارة (مثلك) ( أقيم لهم نبياً مثلك ) مع العلم أن كلاً من يوشع وعيسى لا يمكن كونهما مثل موسى ، لأنهما من بني اسرائيل و ليس من الممكن أن يكون في بني إسرائيل مثل موسى من انبيائهم ، فقد جاء في الآية العاشرة من الباب الرابع و الثلاثين من سفر التثنية " و لم يقم بعد ذلك نبي في بني إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه ، و للفارق المعهود بين يوشع و موسى لأن موسى صاحب كتاب و يوشع ليس كذلك و إنما هو تابع لشريعته ، و بناء على معتقد النصارى في المسيح (عليه السلام )لا يكون مثل موسى ، لأنهم يعتقدون ألوهية موسى ، و لأنهم يعتقدون انه صار ملعونا لشفاعة الخلق و لا يعتقدون ذلك في موسى ، كما صرح به بولص في رسالته إلى أهل غلاطيه في الباب الثالث ، و يعتقدون فيه أنه دخل الجحيم بعد موته كما صرح به في عقائد أهل التثليث و لا يعتقدون ذلك في موسى ، و انه صلب من أجل كفارة خطيئة البشر و موسى لم يكن كذلك ، ثم أن شريعة موسى فيها الحدود و التعزيرات و أحكام الغسل و الطهارات و المحرمات من المأكولات و المشروبات بخلاف شريعة عيسى حسب ما يشهد به الإنجيل المتداول عندهم ، و موسى كان رئيسا مطاعا في قومه تنفذ أوامره و نواهيه و لم يكن عيسى كذلك .
ثالثها : انه جاء بهذه البشارة النص على أن المبشر به يبعث من بين اخوتهم ، و لا ريب أن الأسباط الاثنا عشر كانوا في ذلك الوقت موجودين مع موسى (عليه السلام) فول كان ذلك النبي منهم لقال بأنه منهم لا من بين أخوتهم ، لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ يقتضي بأن لا يكون المبشر به له علاقة الصلبية و البطنية لبني إسرائيل ، و يدل عليه استعماله لهذا المدلون في مواضع من سفر التكوين في حق إسماعيل (عليه السلام) . كما جاء في الباب السادس عشر بلفظ : "و قبله جميع أخوته ينصب المضارب" و في الباب الخامس و العشرين بلفظ " أقام بحضرة جميع أخوته " . (1/29)
صفحة 30
و كذلك في سفر التثنية في الباب الثاني جاء" ستجيزون في تخوم اخوتكم بنى عيسى والذين في سعير وسيخشونكم فلما جزنا اخوتنا الذين يسكنون سعير 000" وهؤلاء اخوة بني إسرائيل وليسوا منهم وكذلك النبي وهو من ذرية إسماعيل وليس من ذرية إسرائيل وما ورد بخلاف ذلك فهو من المجاز الذي لا يصار إليه إلا مع القرينة0
رابعها: أنه جاء في هذه البشارة لفظ " سوف أقيم " ويوشع يومئذ كان موجودا حاضرا عند موسى داخلا في بني إسرائيل نبيا في ذلك الوقت فلا يصدق عليه هذا الوصف0
خامسها : أنه جاء في هذه البشارة لفظ" اجعل كلامي في فمه " وهو إشارة إلى أنه ذلك النبي ينزل عليه الكتاب والى أنه يكون أميا حافظا لما ينزل عليه ، ولا يصدق شيء من هذين الوصفين على يوشع0
سادسها: أن من نصوصها " ومن لم يطع كلامه فأنا سأكون المنتقم منه " وهو وعيد لما يصيب الكفار من هلاك على أيدي المؤمنين ، وهذا مالا ينطق على عيسي (علية السلام) لأن شريعته خالية من أحكام الجهاد والتعزير والحدود أو ما عدا ما ذكر من العقاب الدنيوي ، لأنهما لا يختصان بإنكاره نبوة نبي دون آخر، فكل من أنكر نبوة نبي يصاب بهذين العقابين0 (1/30)
صفحة 31
سابعها: أن في كتاب الأعمال هكذا : فتوبوا وارجعوا كي تمحى خطاياكم حتى إذا تأتي أزمنة راح من قدام وجه الرب ويرسل المنادي لكم وهو يسوع المسيح الذي إياه ينبغي للسماء أن تقبله إلى الزمان الذي يسترد فيه كل شيء تكلم به الله على أفواه أنبيائه القديسين منذ الدهر ، أن موسى قال : " أن الرب إلهكم ، يقيم لكم نبيا من اخوتكم مثلي ، له تسمعون في كل ما يكلمكم به ، ويكون كل نفس لا تسمع النبي تهلك من الشعب "، وقد كل اتبع ذلك العلامة رحمة الله العثماني قولة هذه العبارة حسب التراجم الفارسية تدل صراحة على أن هذا النبي غير المسيح ( عليه السلام) وأن المسيح لابد أن تقبله السماء إلى زمان ظهور هذا النبي ، ومن ترك التعصب الباطني من النصارى وتأمل في عبارة بطرس ظهر له أن هذا القول من بطرس يكفي لإبطال ادعاء علماء البرتستانت وهذه البشارة في حق عيسي (عليه السلام) وهذه الوجوه السبعة – التي ذكرها – تصدق في حق محمد (صلي الله عليه وسلم ) لأنه غير المسيح (عليه السلام) ويماثل موسى (عليه السلام) في أمور تظهر إذا تؤمل في شريعتها ولذلك قال الله تعالي في كلامه المجيد ( أنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ) وكان أميا جعل كلام الله في فمه وكان ينطق بالوحي كما قال الله تعالي( وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحي ) ، وكان مأمورا بالجهاد ، وقد انتقم الله لأجله من صناديد قريش والأكاسره والقياصره وغيرهم ، وظهر قبل نزول المسيح من السماء وكان للسماء أن تقبل الشرك والتثليث وعبادة الأوثان " هذا ومن البشائر أيضا ما جاء في الباب الثالث والثلاثين من سفر التثنية ونص ترجمته إلى العربية " وقال جاء الرب من سيناء ، وأشرق لنا من سعير واستعلل من فاران " ولا ريب أن مجي الرب يقصد به هنا مجيء أمره سبحانه وتعالي الذي هو وحي ، ومجيئه من سيناء إعطاءه التوراه لموسى ( عليه السلام) واستغلاله من فاران إنزاله القرآن من (1/31)
صفحة 32
جبل حراء على نبينا ( عليه الصلاة والسلام) ، فان فارانهي مكة بدليل ما جاء من بيان حال إسماعيل ( عليه السلام) من سفر التكوين ونص ترجمته "وكان الله معه ونما وسكن في البرية وصار شابا يرمى بالسهام ، وسكن برية فاران" فإذن فاران هي مكة ، ولاشك أن إسماعيل ( علية السلام ) كان سكناه بمكة ، ولا يجوز أن يكون المراد أن النار لما ظهرت بطور سيناء وظهرت من ساعير ومن فاران أيضا فانتشر في هذه المواضع ، لأن لو خلق النار في موضع لا يقال جاء الله من ذلك الموضع ألا إذا أتبع تلك الواقعة وحيا نزل بذلك الموضع أو عقوبة أو نحوهما ، وقد اعترفوا بأن الوحي تبع النار التي رآها موسى بطور سيناء فلا بد أن يكون في ساعير وفارانمثله0 هذا وفي الآية العشرين من باب السابع والعشرين من سفر التكوين بشارة أخرى نص ترجمتها إلى العربية " وعلى إسماعيل استجيب لك ، هو ذا أباركه وأكبره وأكثره جدا ، وسيلد اثني عشر رئيسا ، وأجعله لشعب كبير " ولا ريب في إشارة الجملة الأخيرة إلى نبينا ( عليه الصلاة والسلام ) لأنه لم يكن ولد في ولد إسماعيل من كان له أتباع مثله ، وقد حكى الله تعالي دعاء إبراهيم وإسماعيل ( عليهما السلام) ببعثه في قوله (1/32)
صفحة 33
حكاية عنهما –( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم ) ، ومما جاء من البشائر في سفر التكوين ما ترجمته إلى العربية " فلا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من فخذه حتى يجيء الذي له الكل وإياه تنتظر الأمم " ولا ريب أن الإشارة بقضيب يهوذا إلى حكم موسى ( عليه السلام) وخلفائه والمدبر الذي من فخذه هو المسيح ( عليه السلام ) لأنه – أيضا – من ذرية إسرائيل ، والذي له الكل وإياه تنتظر الأمم هو نبينا ( عليه الصلاة والسلام ) والله سبحانه وتعالى بشر به جميع النبيين ولأخذ مواثيقهم بأن يؤمنوا به ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) هذا والنصوص في الأناجيل الأربعة كلها موجودة التي تدل على هذا ولكن نقتصر على الشيْ الذي يمكن أن يسمح به الوقت0
في الباب الثالث من إنجيل متّى ما ترجمته :" وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في بريه اليهودية قائلا : توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات " (1/33)
صفحة 34
وفي الباب الرابع من إنجيل متّى ما ترجمته :" ولما سمع يسوع أن يوحنا أسلم انصرف إلى الجليل من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول : توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات ، وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز بشارق الملكوت ولما أرسل الحواريين إلى البلاد الإسرائيلية للدعوة والوعظ وصاهم بوصايا مثل هذه الوصية أيضا و فيم انتم ذاهبون؟ اكرزوا قائلين : انه قد اقترب ملكوت السماوات ، ونحو ذلك مما جاء في وصايا التلاميذ السبعين كما في إنجيل لوقا ، وهو يعنى ان كلا من المسيح ويحي ( عليهما السلام) والحواريين وتلاميذهم السبعين بشروا بمجيء الملكوت وهذا يعني الملكوت لم يكن في عهدهم وإنما يبشرون بشيْ سيأتي ، فهو أمر منتظر ، وما هو إلا ظهور نبينا الخاتم ( صلى الله عليه وسلم ) وذلك يعتضد لما جاء في الباب الحادي والعشرين من إنجيل متّى لذلك أقول :" إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره" وما هذه الأمة إلا أمة نبينا ( صلى الله عليه سلم ) ، ويعتضد ذلك بما جاء من وصف هذا الملكوت في الباب الثالث عشر من إنجيل متّى ، والباب العشرين – مما تركت ذكره اختصارا0 (1/34)
صفحة 35
أما إنجيل برنابا ففيه التصريح بالتبشير به ( صلى الله عليه وسلم ) من غير غموض ومن تحريف ، وهم يكابرون في كون هذا الانجيل كتابا مقدّسا ، بل ينفون عنه صفة القدسية ، وهو مما كان محجورا تداوله حسب القرارات التي صدرت من البابا الفاتيكان منذ قرون كثيرة لأجل أنهم حرصوا – بعدما طمسوا الحقائق – وراحوا يلصقون بدينهم ما ألصقوا به من وثنيات الرومان إلى غير ذلك فخافوا أن يظهر هذا الحق حق التوحيد – من خلال هذا الإنجيل وقد حرصوا كل الحرص على إخفائة ، وعندما ناقشت أحد أساقفتهم قال : لا نعترف بقدسية هذا الإنجيل ، فسألته متى كتب ؟ واعترف أنها بعد عقود من السنين ، فإذن هذا الإنجيل هو أسبق من الأناجيل الأربعة التي يزعمون أنها كتبت بعد مضي عقود من السنين من رفع المسيح ( عليه السلام ) ، وبجانب ذلك هم ألصقوا بهذه الأناجيل ما الصقوا من تحريفات بسبب نفس ما أشرنا به سابقا من دخول معتقدات وثنية عندهم ، ومن جملة ما جاء في إنجيل برنابا " وأنا – أي المسيح ( عليه السلام )- وان كنت بريئا – أي ما يقوله الآخرون من كونه إلها وانه هو ابن الله – لكن بعض الناس لما قالوا انه الله أو ابن الله كره الله هذا القول ، فاقتضت مشيئته إلا نضحك الشياطين يوم القيامة مني ، ولا يستهزؤون مني ، فأراد بمقتضى لطفه ورحمته أن يكون الاستهزاء ليبقيان إلى أن يجىء محمد رسول الله – بصريح العبارة – فإذا جاء في الدنيا ينبه كل مؤمن على هذا الغلط ، وترتفع هذا الإنجيل " أن المسيح ( عليه السلام ) أخبر الحواريين أنه سينصرف عن هذا العالم 000" ثم قال " فبكى حينئذ الرسل قائلين : يا معلم ، لماذا تتركنا ، لأن الأحرى بنا أن نموت من أن تتركنا ، أجاب يسوع : لا تضطرب قلوبكم ولا تخافوا ، لأني لست أنا لأهي الطريق لرسول الله الذي سيأتي بخلاص العالم ولكن احذروا أن تغشوا فانه سيأتي أنبياء كذبة كثيرون يأخذون كلامي وينجسون إنجيلي ، حينئذ قال اندراوس : يا (1/35)
صفحة 36
معلم ، أذكر لنا علامة لنعرفه ؟ أجاب يسوع : انه لا يأتي في زمانكم بل بعدكم بعدة سنين ، حينما يبطل إنجيلي ولا يكاد يوجد ثلاثون مؤمنا في ذلك الوقت يريح الله العالم ويرسل رسوله الذي تستقر على رأسه غمامة بيضاء " هذه بشارة صريحة بالرسول الأعظم ( صلي الله عليه وسلم ) ، وفي الفصل السابع والتسعين من إنجيل برنابا – أيضا 0 " ولكن تعزيتي هي مجيء الرسول الذي سيبيد كل رأي كاذب فيّ وسيمتد دينه ، ويعم العالم بأسره ، لأنه هكذا وعد الله أبانا إبراهيم ، وأن الكثير من النصوص الصريحة التي تدل على نبوة النبي ( صلي الله عليه وسلم ) ، وذكر صاحب المنار العلامة السيد رشيد رضا في تفسيره بأن العلامة الشيخ محمد بيرن وهو أحد علماء الحنفية بتونس الإنجليزي بأنه أطلع على نسخة من الإنجيل مكتوبة بالقلم الحميري في دار الكتب في وقت التي كان محجورا تداولها ، وكذلك ذكر صاحب المنار ، أن إنجيل برنابا ذكر في الكتب التي ذكرت في القرن الثاني والقرن الثالث الميلاديين ، وهو ما يدل على أنه كان موجودا منذ عقود متقدمة ، هذا كله مما يدل على أن البشارة بنبينا محمد ( صلي الله عليه وسلم بشارة واضحة وصريحة ، ونحن نقدر الكلمات التي يقولها المعترفون بالحقيقة وان لم يأخذوا بمقتضى هذه الحقيقة إلا أن كلمة الحق والاعتراف بالحق فضيلة من أي أحد كان ، فكثير ممن اعترفوا بالحقائق يقدر هذه الاعترافات التي تصدر عنهم فيما يتعلق بنبينا الأعظم ( صلي الله عليه وسلم ) ودينه الإسلام ومعتقداتنا الصحيحة ، من ضمن هؤلاء الذين اعترفوا بهذه الحقيقة الرحالة وندل فليبس الذي زار هذه السلطنة قبل نحو أربعين عاما وكتب كتابا بعنوان " رحلة إلى عمان " ترجمه إلى العربية محمد أمين عبد الله ، وطبعته وزارة التراث القومي والثقافة بالسلطنة في عام ( 1401هـ (1981م) وقد قارن هنالك مابين أنصاف المسلمين وإجحاف النصارى ، ونقدر لهذه الكلمات التي اعترف فيها بالحقيقة ، فكان (1/36)
صفحة 37
مما جاء في هذه الترجمة في صفحة (24-25) :" ويري العربي أن المسيحية هي شكل من أشكال الديانات نقية في الأصل- أي في روحها – ثم تم تحريفها بعد ذلك ، بينما القرآن الذي لا يضاهي هو الكلمة الخالدة لله ، وبمقارنة عيسي ابن مريم بالرسول الكريم محمد ( صلي الله عليه وسلم )ذلك الاسم الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بالله سبحانه وتعالي ، نجد أنه بينما أعطى القرآن سيدنا عيسي وضعا مميزا وذكر أنه كلمة الله وروح من الله ، وذكر أنه وليد العذراء مريم بلا خطيئة ، نجد أن الإنجيل لا يشير بشيء إلى النبي محمد بعد أن حرفوه " ويعترف أن أنه حرف ، ويقصد بذلك طمس المعالم الواضحة البينة وإلا فالإشارات موجودة كما ذكروها 0 (1/37)
صفحة 38
يعني هم حاولوا أن يطمسوا حتى الإشارة نجد أن الانجيل لايشير إلى النبي محمد بعد أن حرفوه طمسا لمعالم النبي محمد ( صلي الله عليه وسلم ) الذي كانت رسالته الإسلام ، والقرآن هو المعجزة التي قامت عليها رسالته ، والواقع أن الرسول الكريم قد تميز بأنه كان لديه كل المؤهلات المطلوبة لقيادة الدعوة الموحي بها إليه من ربه جل وعلا ، وقد أصبح كذلك بالفعل في المدينة ، هذا إلى جانب درايته الكافية بالتقاليد السائدة ، وقدم كنبي عنصرا جديدا للمجتمع القبلي ولغيره من المجتمعات ولم يقم بالغاء القانون التقليدي فقط ولكنه قدم أيضا قانونا إلهيا وهو القانون الأعلى والأعظم وخلق مجتمعا سياسيا أكبر والأمة أو الدولة الإسلامية ومع أنه لم يخلع على نفسه أي ألقاب لإبراز شخصيته فان الملايين من اتباعه قد أعطوه ألقابا كثيرة وعالية كتكريم له ، وأثناء معركة مع اليهود أصيب الرسول ( عليه السلام ) في وجهه فجذبه أبو عبيده فلاحظ نزيف الدم من وجهه الكريم فمص أبو عبيده الدم وحينئذ قال الرسول ما معناه : من لمس دمي لم تمسه النار في الآخرة أبدا ، وقد كانت هناك محاولات للارتداد د عن الدين وخاصة بعض محاولات التنصير ولكنها لم تنجح ، لأن الإسلام قد بني على عقيدة راسخة ، و إيمان غير مزعزع ليكون الديانة الوحيدة الحقيقية ، لذلك فان الارتداد عنها هو حماقة واضحة "
…
…هذا ثم يقول في صفحة (30 ، 31) " و هو يعني الكثير في حياة المسلم اليومية أكثر مما يعنيه الدين المسيحي في حياة المسيحيين اليومية ، و يمكن لمسيحيي الغرب أن يتعلموا من مسلمي الشرق ، فالمسيحي ذو القلب الضعيف لا بد أن يتأنى و هو يسير في الوضاعة و المذلة فينظر لاحترام المسلمين نفسه حيث الروح و الكرامة و المساواة المطلقة للإنسان تجاه الله و يجب علينا أن نشهد لهؤلاء الرجال بلا خوف أو تردد انهم هم المؤمنون " . (1/38)
صفحة 39
…فقد كتب جوزيف بيت دارس اللغة العربية يقول : هل كان المسيحيون على استعداد للاعتراف بالمسيح و الإخلاص له بشدة على النحو الذي يخلص به أتباع محمد (صلى الله عليه و سلم ) له ؟ و هل كانوا على استعداد للسير كما سار المسلمون في طريق الإسلام الحنيف ؟ إن الحقيقة كلما كانت أقوى كان الإنسان أشد حكمة و إيمانا و لهذا فللمسلم دور سليم يعرفه ، فإذا كان له قدرة على تغيير الشيء بالباطل كان عليه أن يغيره و إن لم يكن له تأثير فلينكره و ليس هذا بالدرجة الأفضل و في هذا يشير إلى الحديث " إذا رأى أحدكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه و إن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان " و هذا و هناك أحد المستشرقين الفرنسيين و هو لمارتين في القرن التاسع عشر الميلادي ، ولد في القرن الثامن عشر و عاش في القرن التاسع عشر ، يقول لامارتين ان الإنسان لم ينهض أبدا متطوعا أو غير متطوع لهذا الهدف الأسمى ، يعني ما قضى به الرسول الأعظم (صلى الله عليه و سلم ) لأن هذا الهدف كان فوق طاقة البشر ، لقد كان تحطيم تلك الحواجز و الأوهام و الأحلام التي حالت بين الإنسان و خالقه و الأخذ بالإنسان إلى عتبة ربه ، و تحقيق عقيدة التوحيد التقية العقلية المعقولة الساطعة في ضباب هذه الوثنية السائدة ، و الآلهة المادية هو ذلك الهدف الأسمى و الأعلى ، انه لم يحمل الإنسان مثل هذه المسؤولية الضخمة و المهمة العظيمة الجليلة التي تخرج عن طرق البشر بمثل هذه الوسائل الحقيرة الضئيلة " إلى أن قال " و الأروع من ذلك انه هز تلك الأصنام و الآلهة و الأديان والتطورات و العقائد و النفوس الإنسانية هزة عنيفة ، انه بني على أساس ذلك الكتاب الذي تعتبر كل كلمة منه مصدر التشريع قومية ربانية ألفت بين أفراد كل جيل و سلالة و لغة ، أن الميزة الخالدة لهذه الأمة التي كونها لنا محمد ( صلى الله عليه و سلم ) إنها شديدة المقت و التقزز من الآلهة الباطلة ، شديدة الحب لله (1/39)
صفحة 40
الذي ينزه عم المادة و شوائبها ، و هذا هو الحب الذي يدفعه إلى الثأر و الانتصار بكل إهانة توجه إلى الذات الإلهية ، و هذا الحب الذي يعتبر أساس سائر الفضائل لهذه الأمة ، لقد كان إخضاع ثلث العالم لهذه العقيدة الجديدة من مأثرتهم بلا ريب ، لكن الأصح انه كان معجزة العقل لا معجزة فرد واحد ، لأن الإعلان بعقيدة التوحيد في زمن كانت تئن فيه الدنيا تحت وطأة أصنام لا حصر لها ، كان معجزة مستقلة بذاتها ، و ما لبث محمد ( صلى الله عليه و سلم ) أن أعلن هذه العقيدة أمام هذا الملأ حتى أقفرت المعابد القديمة من عبادها ، لا داعي فيها و لا مجيب و تكهرب ثلث العالم بحرارة الإيمان " .
…هذه هي الاعترافات التي تصدر من العقلاء ، و من أهل العقل فإذا هذا الأفاك الذي يحاول أن يجترئ على مقام النبوة و يجترئ على مقام القرآن الكريم لم يرحم نفسه و لم يشفق على نفسه من ظهوره من مظهر الهزء و السخرية عند الناس و إلا لصان نفسه عن ابتذالها بمثل هذه الكلمات التي يقولها و هي لا تؤدي به إلا إلى أن يصبح محتقرا أمام الكل ن و أنها تدل على سخافته و تدل على انهه لا يبالي بما يزري به من أجل تحقيق الحقد الكامن الذي امتلأ به صدره ، و هو يقول :
كناطح صخرة يوما ليوهنها ……فلم يضرها و أوهى قرنه الوعل (1/40)
صفحة 41
و نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الحق ، و أن يديم لنا ديننا اللهم أعز الإسلام و المسلمين ، و أذل الشرك و المشركين و اقطع دابر أعداء الدين و استأصل شأفتهم و اجعلنا من عبادك المخلصين و من حزبك المفلحين و من جندك الغالبين ومن أوليائك المتقين ، و اجعلنا من ورثة جنة النعيم و احفظ لنا كتابك الكريم و وفقنا للعمل به و الذب عنه و نشره في بقاع الأرض ، و وفقنا لنشر دينك الذي ارتضيته لنا في مشارق الأرض و مغاربها ، انك ربنا على كل شيء قدير و بالإجابة جدير نعم المولى و نعم النصير و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين و أشكركم و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته . (1/41)