صفحة 1
الكتاب: السبق الإباضي في المنهج والفكر والتطبيق لمصطفى شريفي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رَبِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله
السبق الإباضي في الفكر والمنهج والتطبيق
مصطفى بن محمد شريفي
مدخل:
في إطار الأَيَّام الثَّقَافِيَّة المباركة التي ينظمها الطلبة الكرام تحت شعار: «الإِبَاضِيَّة .. حضارة عريقة .. وفكر راسخ .. ومستقبل واعد .. »، تأتي هَذِهِ المحاضرة محاوِلة الإفادةَ قدر المستطاع في كُلِّ هَذِهِ الجوانب الثلاثة، والتي وفِّق الطلبة فيها إلى اختيار هَذَا الموضوع بالتحديد، لِمَا له من أَهَمِّيَّة في وعي الذات، وتقويمها، والسير قدُما نحو مستقبل زاهر بإذن الله.
لماذا المذهب الإباضي بالذات؟
لم نختر المذهب الإباضي تعصبا؛ لأن التعصُّب هوى. وإنما: بحكم البيئة التي نشأنا فيها، والأَولى من ذلك أن نقول: بحكم الخصائص المميزة للفكر الإباضي، في النشأة السابقة، وبحكم التمسُّك بما تركنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم من المحجة البيضاء.
والهدف: غرس الثقة في النفس، في وقت تعالت فيه أصوات بالتشكيك في أصالة المذهب، ومتانة أصوله، ومرونة فروعه. بفهم الماضي لوعي الحاضر، والاستلهام منه بعد تقويم نزيه له، بإيجابياته وسلبياته؛ لأجل لاستشراف المستقبل.
ما المقصود بالسبق؟
المقصود هو ما سبق به علماء الإباضية علماء الإسلام اللاحقين ـ لاسيما المعاصرين منهم ـ في كثير من الجوانب العلمية والاجتماعية.
السبق التاريخي:
من حيث النشأة: برزت أهم أفكار الإباضية منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري، على يد علماء أجلاء، لاسيما الإمام جابر بن زيد (ت: 93هـ)، وهو من كبار التابعين، وفي نفس السنة ولد الإمام مالك بن أنس (ت: 179هـ). وعلى يد أعلام كان لهم دور بارز في السياسة، منهم: عبد الله بن إباض التميمي (ت: 86هـ)، أبو بلال مرداس بن أدية (ت: 61هـ)، وأبو حمزة المختار بن عوف (ت: 130هـ). (1/1)
صفحة 2
أولا - نماذج من السبق في المنهج
أ- منهج التعامل مع القرآن:
1 - القرآن هو الأصل الأول:
• الفكرة: القرآن هو الأصل الأول الذي يجب التحاكم إليه، ابتداءً أو عند الاختلاف؛ لقوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً اَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمُ ءَامَنُوا بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَّتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدُ امِرُوا أَنْ يَّكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُّضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوِا اِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} (النساء: 59 ـ 61)، ولا يختلف مسلمان في هذا الشأن، فهذه آية محكمة.
• التطبيق: تطبيق الإِبَاضِيَّة لهذا المبدأ يَتَمَثَّلُ في جعل القرآن الكريم معيارا لِكُلِّ ما سواه، سواء ما نسب إلى الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - من روايات، وما أثر عن العلماء من أقوال، هَذَا عَلَى العموم، ولا نزكِّي عَلَى الله أحدا. وَلَعَلَّ هَذَا من أبرز ما انتُقد عَلَيْهِ الإِبَاضِيَّة، ووصمهم بإنكار السُّنَّة، وسحب ذَلِكَ عَلَى كُلِّ فئات الخوارج (حسب تَصَوُّر أهل السُّنَّة بصفة خَاصَّة). وسنضرب لهذا أمثلة عند تناولنا لمعيار عرض السُّنَّة عَلَى القرآن.
• وجه السبق: رغم أَنَّ قَضِيَّة تقديم القرآن واضحة قَطْعِيَّة، إِلاَّ أَنَّنَا نجد من غلاة المحدِّثين من زعم أَنَّ السُّنَّة قاضية عَلَى القرآن، وَأَنَّ الكتاب أحوج إلى السُّنَّة من السُّنَّة إلى الكتاب (1). وإن حاول بعض العلماء تأويل هَذَا الكلام بِأَنَّ السُّنَّة مبيِّنة لِلكِتَابِ فهي بالتالي أوضح منه (2)، إِلاَّ أَنَّهُ كلام موهم بِأَنَّ السُّنَّة أعلى من القرآن. فنتجت عن ذَلِكَ آراء مخالفة لصريح القرآن بناء عَلَى أَنَّهَا صادرة من مشكاة النبوَّة، وَأَنَّهَا وحي من الله كالقرآن، بينما هي آحادية، لا تقارن بتاتا بالمتواتر من القرآن الكريم، ومن مبادئ الشريعة الإِسلاَمِيَّة السمحة الغرَّاء.
وقد أصبح من المسلَّم به اليوم لدى جلِّ الباحثين المتحرِّرين من أسر التقليد والتعصُّب، أن كثيرا من آيات القرآن الكريم لم يكن دوما هو المرجع الأول، وإنما كان يؤخَّر لصالح روايات آحادية، تخدم بعض الأهواء، لاسيما السياسية منها، فنُحِّيت قيم العدل والشورى والوفاء والقسط ... التي جاء بها القرآن صراحة لصالح الطغيان والتجبر والقهر والتسلط.
• العبرة: نظرا لِهَذِهِ الجذور الفِكرِيَّة نستطيع أن نُفَسِّرَ مواقف بعض العلماء مما اصطلح بـ «الربيع العربي»؛ فبدا منهم المرتمي في أحضان السلطة الجائرة، والمتحفِّظ من الثورات.
2 - التأويل:
لقد بدا التأويل بارزا في ما يَخُصُّ ما يُتوهم منه تشبيه الله تَعَالىَ بخلقه، وَلَكِنَّ للتأويل مجالات أخرى، كما سيَتَّضِحُ
__________
(1) نَسَبَ المروزيُّ إِلىَ يحيى بن أبي كثير قوله: «السُّنَّة قاضية على الكتاب وليس الكتاب قاضيا على السُّنَّة»، وإلى مكحول قوله: «القرآن أحوج إلى السُّنَّة من السُّنَّة إلى القرآن». المروزي محَمَّد بن نصر: السُّنَّة، رقم: 103، 104، ص33.
(2) ينظر: السيوطي: مفتاح الجنَّة، ص43. (1/2)
صفحة 3
لنا في ما يأتي:
- تأويل ما يتَوَهَّمُ منه تشبيه الله بخلقه:
• الفكرة: إِنَّ الله تَعَالىَ يَنُصُّ بصراحة أَنَّ الله تَعَالىَ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (سورة الشورى: 11).
• التطبيق: بناء عَلَى هَذِهِ القاعدة فَإِنَّ كُلَّ ما قد يُتَوَهَّمُ منه تشبيه الله تَعَالىَ بخلقه يجب أن يُردَّ إلى هَذِهِ الآية المحكمة.
• أوجه السبق: ادَّعَى بعض العلماء والباحثين أن منهج السلف (التفويض) أسلم، ومنهج الخلف (التأويل) أحزم (1). وكان الإباضية والمعتزلة من أوائل من عمل بالتأويل، وسار عَلَى النهج كُلُّ الإِبَاضِيَّة سلفا وخلفا. وتبعهم في ذلك الأشاعرة (يشمل المالكية والشافعية) والماتريدية (وقد نشأتا حوالي 330هـ).
وجاء عِدَّة مفكرين معاصرين لينادوا بضرورة التأويل، منها ما ألفه سعد رستم بعنوان: الذات الإِلهِيَّة والمجازات القُرآنِيَّة وَالنَّبَوِيَّة وإزالة شبهة التشبيه والتجسيم من أساسها (بحث في أنواع التعبير المجازي في العَرَبِيَّة والحديث والقرآن، ثُمَّ تفسير الأحاديث الشريفة والآيات الكريمة التي تسيء الحشوية المجسِّمة فهمها) (2).
• العبرة: إن موقف الإباضية في الموضوع يدلُّ على متانة مبادئهم، كما يعترف بذلك بعض من مخالفيهم.
- التأويل في آيات الخلود:
• الفكرة: في القرآن الكريم آيات صريحة في خلود أهل الكبائر في النار. فأخذ بها الإِبَاضِيَّة، وقالوا: إِنَّ الخلود عامٌّ لِكُلِّ مرتكبي الكبائر سواء أكانوا مشركين أم مُوَحِّدين، وَإِنَّمَا الفرق في الدركات.
• التطبيق: نظرا لِمَا سبق، فهم لم يحتاجوا إلى أيِّ تأويل لأيِّ آية فيها التصريح بالخلود، لأجل أن توافق روايات أحاديث تَدَّعِي خروج الْمُوَحِّدِينَ منها، بشفاعة النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -. وسيأتي مزيد كلام عند تعرضنا لعرض الروايات الآحادية عَلَى القرآن الكريم.
• وجه السبق: أهل السُّنَّة القدامى ـ لا نكاد نجد استثناء فيما نعلم ـ سعوا بِكُلِّ ما في وسعهم لتأويل ما يَنُصُّ عَلَى خلود أهل الكبائر من الْمُوَحِّدِينَ في النار، إِمَّا بالمكث الطويل، أو بِأَنَّ المقصود بالعصاة فيها المنكرون للأوامر والمناهي الْقَطْعِيَّة الجاحدون لها، وبالتالي هم مشركون. وَهَذَا لأجل أن توافق الروايات الأحاديث التي تَدَّعِي خروجهم منها. وَأَمَّا المعاصرون من أهل السُّنَّة فمنهم من رفض تلك الروايات، لنفس الاعتبارات التي نادى بها الإِبَاضِيَّة والمعتزلة منذ يوم نشأتهم. ومن هَؤُلاَءِ المعاصرين: مصطفى محمود، عدنان الرفاعي، عدنان إبراهيم، حسني الأطير ... وسيأتي مزيد كلام أكثر في الموضوع.
- التأويل في السياسة:
امتدَّ التأويل ليشمل المجال السياسي بصفة خَاصَّة، نذكر من ذَلِكَ ما يأتي:
__________
(1) في الواقع هَذِهِ فكرة خاطئة، لأَنَّ في السلف من كان يؤول. ينظر: القرضاوي: فصول في العقيدة بين السلف والخلف.
(2) دار الأوائل، دمشق، 2002م. 272ص. (1/3)
صفحة 4
• الفكرة: الحكم بما أنزل الله، والعدل، والشورى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجبات شَرعِيَّة، يجب عَلَى الجميع الالتزام بها.
• التطبيق: لم يحتج الإِبَاضِيَّة في معتقدهم ذَلِكَ إلى تأويل أيِّ آية من تلك الآيات الواردة في الأمر بتلك الواجبات المذكورة، ولم يفرقوا في تطبيقها بين الراعي والرعية، ولا بين جيل الصحابة ولا من بعدهم، ولا بين آل البيت أو غيرهم، ولا بين قريش وسواهم. فخطَّؤوا عثمان وعليا وأبا موسى الأشعري، بسبب مواقفهم المعروفة، حَتَّى اشتطَّ بعض علماء الإِبَاضِيَّة في حق أولئك الصحابة الكرام. كما انتقدوا الإِبَاضِيَّة كُلَّ الحكَّام الجورة في الدول المتعاقبة عَلَى الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، ابتداء بمعاوية وعمرو بن العاص، وواجهوهم باللسان حينا، وبالسنان في أحيان أخرى، مِمَّا سبَّب لهم عنتا كبيرا، ومن أبرزها: تصنيفهم من فرق الخوارج، وتطبيق حديث المروق في حق الإِبَاضِيَّة، وهم من ذَلِكَ برءاء.
• وجه السبق: برز التأويل السياسي للنصوص القُرآنِيَّة في أوضح صوره لدى الشيعة، الذين أوَّلوا عِدَّة نصوص قُرآنِيَّة، لتوافق ما يعتقدونه من أحقية الإمام علي في الخلافة قبل سابقيه من الخلفاء الراشدين. كما كان أهل السُّنَّة يؤولون نصوصا أخرى تأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليُفسح المجال واسعا أمام الروايات الآحادية التي تدعو إلى الخنوع والاستسلام للطغاة، مهما تجبَّروا وانحرفوا عن طريق الإِسلاَمِ. واليوم ـ لاسيما بعد الثورات العَرَبِيَّة ـ يكاد مثل هَذَا التأويل السياسي لا يجد له مكانا في عقول كثير من المنصفين المتحررين من أسر التقليد.
• العبرة: نظرا لمثل هَذِهِ الانحرافات في التأويل فقد اشترط الإِبَاضِيَّة للتأويل عِدَّةِ ضوابط، أهمُّها: الاعتماد عَلَى ما ثبت استخدامه لدى العرب الأصلاء. وبالتالي لا تقبل التأويلات التي تلوي أعناق النصوص لتلائم معتقد المذهب واجتهادات علمائه، أو أهواء الساسة والحكام والسلاطين الطغاة منهم. ومنها: أن لا يناقض التأويل مبادئ الشرع، والآيات المحكمات.
ب- منهج التعامل مع السنة:
1 - العرض على القرآن:
• الفكرة: القرآن هو المصدر الأَوَّل من مصادر التشريع، وهو الذي يجب التحاكم إِلَيْهِ، اعتمادا عَلَى قوله تَعَالىَ: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً} (سورة النساء: 59)، وَعَلَى ما رواه الربيع بن حبيب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «إِنَّكُمْ سَتَخْتَلِفُونَ مِنْ بَعْدِي، فَمَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَهُ فَعَنِّي وَمَا خَالَفَهُ فَلَيْسَ عَنِّي» (1).
• التطبيق: التزم الإباضية بهذا المنهج في أغلب تآليفهم، لاسيما العقدية منها، فلم يقعوا فيما يناقض صريح القرآن الكريم اتباعا لروايات اعتبرها المحدثون صحيحة، نظرًا لأنها مروية في البخاري ومسلم أو غيرهما، فقدَّموها على القرآن الكريم، فوقعوا في تناقضات، وإشكالات عويصة. في حين قد عَدَّ بعض المحدِّثين حديث العرض على القرآن بأنه من وضع الزنادقة، وردَّد بعض معاصريهم (2) هَذَا الكلام دون وعي لخطورة عدم الالتزام بمنهج العرض
__________
(1) الحديث صحيح عند الإِبَاضِيَّة. رواه الربيع بن حبيب، بَاب [6] فِي الأُمَّةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، حديث رقم: 40، ص36
(2) نقل الألباني مقولة: إِنَّهُ باطل من وضع الزنادقة. ينظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة، رقم: 6302، 13/ 657 - 664. (1/4)
صفحة 5
عَلَى القرآن.
ومن أمثلة ذلك ما يأتي:
1 - حديث أم حرام، والذي جاء فيه أَنَّ النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -، رواية دخوله - صلى الله عليه وسلم - على أمِّ حرام زوج عبادة بن الصامت لتطعمه، وينام عندها، فتفلي رأسه، فيبشِّرها بغزوها مع أَوَّل جيش يركب البحر (1)، بقيادة معاوية، هذا مع أنَّ المرأة أجنبيَّة عنه، فهي رواية مناقضة لتعاليم القرآن وَالسُّنَّة مناقضة صريحة. وهذه الروايات ـ كما نلاحظ ـ لا تخلو من غرض سياسيٍّ، وهو إضفاء الشَّرعِيَّة على حكم الأمويِّين المطعون فيه. وقال عبد الجواد ياسين وقال ياسين معلقا على هذه الرواية: «فلا شك في أن ذلك مخالِفٌ لتعاليم القرآن التي لم يخالفها النبي - صلى الله عليه وسلم - قط، كما تشهد بذلك سنته العملية التي أثبتها البخاري نفسه وسائر أصحاب السنن، والتي تقطع بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يمس امرأة لا تحل له، وأنه كان يأخذ بيعة النساء شفاهية بغير مصافحة» (2).
2 - حديث رضاع الكبير الذي رواه مسلم (3): ونصه كالآتي: «جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ حَلِيفُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أَرْضِعِيهِ، قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟! فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ. زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -». ونلاحظ وكأن شهود غزوة بدر يعفيه من الأحكام الشرعية!. كما نلاحظ أيضا أن أحد الرواة - وهو عمرو بن محمد الناقد - إمعانا منه في ادعاء الدقة والحرص على نقل الحديث بحرفيته أشار إلى رواية «فضحك ... » بدل: «فتبسم»، وَكَأَنَّ هذه أَوَّل مَرَّة يُروى فيها الحديث بالمعنى!. وقد تكلف علماء الحديث (منهم ابن قتيبة) في تأويلاته واحتمالاته البعيدة، والتي من المكن أن لا تنتهي؛ لأنها لا تحتكم إلى ضوابط محددة، مما يفتح الباب أمام الإباحيين لتفسيره بما يأباه الإسلام بتعاليمه السامية. كل ذلك فرارا من القول بعدم صحته، بدعوى أنه صحيح بالمنهج الإسنادي التقليدي، رغم مناقضته الصريحة للقرآن الكريم وللأخلاق الإسلامية. وقد ناقشه عبد الجواد مناقشة علمية بينت ما فيه من خلل ومناقضة للعقل والمبادئ الإسلامية العالية، وما يؤدي إليه من «التشكيك في نصاعة هذا الدين، وبراءته مما يناقض الحق والخير والأخلاق» (4). وقال بعد إيراده تخبطات شراح الحديث في تأويلاتهم المتكلفة لنصوص من الصحيحين: «فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن بالبخاري ومسلم أحاديث لا يمكن التسليم بصحة صدورها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا مع التضحية بسمعة هذا الدين»
__________
(1) رواه الشيخان، ونصُّه عند البخاري: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -[يَوْمًا] فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ ـ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ شَكَّ إِسْحَاقُ ـ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ـ كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ ـ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنْ الأَوَّلِينَ. فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ». البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء، رقم: 2636، 3/ 1027. ومسلم: كتاب الإمارة، باب فضل الغزو في البحر، رقم: 1912، 3/ 1518.
(2) عبد الجواد: السلطة، 1/ 269.
(3) مسلم: كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير، رقم: 1453، 2/ 1076.
(4) عبد الجواد: السلطة، 1/ 285. (1/5)
صفحة 6
2 - منهج نقد المتن إلى جانب نقد السند:
• الفكرة: لا يكفي للأخذ بالأحاديث الآحادية صِحَّة سندها، بل يجب النظر في متنها، ومدى موافقته لمبادئ الإسلام، ولحقائق العلم (لاسيما العلم الحديث)، ولحقائق التاريخ، فإذا خالفها فلا عبرة بِصِحَّةِ السند، كائنا من كان راويه.
• التطبيق: طبَّق الإِبَاضِيَّة هَذِهِ الْمَنهَجِيَّة (نقد المتن) عَلَى كثير من الأحاديث، لاسيما ما يَتَعلَّقُ منها بالعقيدة؛ حَتَّى اتُّهموا بإنكار السُّنَّة، وعدم اعتماد الكتب الصحاح كالبخاري ومسلم أو غيرهما، وَهَذَا غير صحيح بطبيعة الحال؛ لأَنَّ الإِبَاضِيَّة يعتمدون عَلَيْهَا كُلِّهَا، إِلاَّ إذا كانت ضعيفة السند، أو كان متنها منافيا لتعاليم الدين ومبادئه ...
• وجه السبق: اهتم علماء الأحاديث أساسا بنقد السند، رغم اعترافهم بضرورة نقد المتن أَيضًا، إِلاَّ أَنَّ إعمالهم للعقل وللمبادئ الكُلِّيَّة في المتن كان ضعيفا. ثُمَّ جاء كثير من الباحثين المعاصرين يدعون إلى ضرورة الاهتمام بنقد المتن، وهم كثيرون، منهم د. طه جابر العلواني، الذي يقول: «لقد اعتُبِرت منهجية الإسناد قمة لا تعلو عَلَيْهَا مَنْهَجِيَّة أخرى فيما يَتَعلَّقُ بتصحيح السُّنَّة النَّبَوِيَّة ... وبالتالي فإذا صَحَّ السند فينبغي أن ينقطع كُلُّ حديث عَمَّا عدا ذَلِكَ. وكان الأمر يقتضي أن تعطى لمقاييس نقد المتون ـ وهي مقاييس مَعْرِفِيَّة دقيقة، أسسها علماء الحديث أنفسهم ـ فرصة التكامل مع مَنْهَجِيَّة الإسناد، لتنفتح آفاق التفكير عَلَى السُّنَّة النَّبَوِيَّة لا باعتبارها نصوصا مجزَّأة» (1). هَذَا نموذج واحد من الدعوات المتكررة إلى نقد المتن.
والأمثلة عَلَى نقص الاهتمام بنقد المتن كثيرة:
- منها روايات مخالفة لحقائق التاريخ، منها ما جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ وسلم - قَالَ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ [قرب حَلَب]، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ، فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لاَ وَاللَّهِ، لاَ نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لاَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لاَ يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ [أي: الدجال] قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ [الشيطان أم الدجال؟!] ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لاَنْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ [الدجال أم الشيطان؟!]، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ» (2). وهذه الرواية تفترض بقاء الروم عدوا أبديا للمسلمين، وأنهم موجودون بالمدينة وما حولها. هذا فضلا عن أنها تناقض الواقع التاريخي، ففيها تصريح بأن المسيح الدجال وعيسى بن مريم الذي يقتله، يأتيان قبل فتح القسطنطينية، فها قد فتحت القسطنطينية منذ قرون، ولم يحدث قبلها ولا أثناءها شيء مما ذكر إطلاقا! ولم يكن الفتح على يد جيش من المدينة، ولم ينقسم على ثلاثة، ولم يعلقوا سيوفهم على الزيتون، و «لم يصرخ فيهم الشيطان، ولم يظهر الدجال، ولم ينزل المسيح، وبالتالي فهو لم يؤمهم في الصلاة، ولم يقتل الدجال بيده، ولم يرهم حربة ملوثة أو غير ملوثة بالدماء» (3). والعجيب أن شراح الحديث لم يتطرقوا إلى هذه
__________
(1) طه جابر العلواني: نحو مَنْهَجِيَّة مَعْرِفِيَّة قُرآنِيَّة، ص195.
(2) مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، بَاب فِي فَتْحِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، رقم: 2897، 4/ 2221.
(3) عبد الجواد: السلطة، 1/ 311 - 312. (1/6)
صفحة 7
المناقضات الصارخة، واكتفى بعضهم بضبط ألفاظ الأماكن ومواقعها (1).
- ومنها: أحاديث إثبات الشفاعة لأهل الكبائر الْمُوَحِّدِينَ وخروجهم من النار. وسيأتي تفصيلها ضمن مسائل العقيدة، والتي سبق فيها الإِبَاضِيَّة بعض الباحثين المعاصرين، أمثال: مصطفى محمود، وعدنان الرفاعي، والقرآنيِّين وَعَلَى رأسهم اليوم: أحمد صبحي منصور (2).
وفي هَذِهِ الآونة الأخيرة اعترف كثير من الباحثون باستحالة صدور مثل تلك الروايات عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتوصل إلى الخلاصة الآتية: إنَّ البخاريَّ ومسلمًا بَشَرَانِ، يعتريهما ما يعتري الاجتهاد البشريَّ من النقص، فلا يمكن أن يقال: إنَّ كتابيهما أصح شيء بعد كتاب الله، بل يقال: إنهما أصح ما أنجز في هذا العلم، ولا يمنع من أن يُظهر العلماء ضعف بعض أحاديثهما، وإن كثرت (3). ونذكر من أولئك المفكِّرين الأحرار من أَسْر التقليد يدعون إلى هذا منهج نقد المتن: مصطفى محمود، وصافي لؤي، عبد الجواد ياسين، عدنان الرفاعي، عدنان إبراهيم ...
- فهَذَا صافي لؤي يعرض المنهج البديل عن النظرة التجزيئية للحديث فيقول: «إن الغاية التي نرمي إليها من بحثنا هذا: إظهار خطل تحديد سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأحاديث متفرقة اجتزئت من سياقها الخطابي، واستلت من سياقها الحالي ... ؛ ولذلك فإننا نشدد في الفقرات التالية على ضرورة فهم الحديث، وتحديد موقعه في بناء المفاهيم والأحكام الإسلامية بردِّه إلى الرؤية القرآنية التي ولدته، أي إلى جملة المبادئ العَامَّة والقواعد الكُلِّيَّة المستمدَّة من كتاب الله العظيم، والمنتظمة وفق نسق يربط الفروع بالأصول، ويقدم الأولي على الثانوي؛ كما نؤكد أن اتباع السنة لا يتحقق بمجاراة أفعال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه دون فقه دواعيها ومقاصدها، بل يتطلب استلهام مبادئ الكتاب، وإعمال الرؤية القرآنية التي وجهت سلوكه، ولو أدى ذلك إلى مخالفة ظاهر فعله (4)» (5).
• العبرة: علينا أن نستفيد من كُلِّ أعمال تنقية السُّنَّة، سواء ما قام به المحدِّثون من جهود جبارة، وفق منهجهم الإسنادي التقليدي، أو ما يقوم به هَؤُلاَءِ الباحثون المعاصرون، دون إقصاء أيٍّ منهم، بصرف النظر عن توجُّهاتهم ولو كانت لا تلائم قناعاتنا (6)، وبصرف النظر تخصُّصاتهم (7)؛ إذ العبرة بما قيل لا بمن قال، والحكمة ضالة المؤمن أَنَّى وجدها فهو أحقُّ بها.
د- منهج التعامل مع فكر السلف:
• الفكرة: لا عصمة لأحد غير الأنبياء، لا قدسية لقول أحد غير كلام الله وما ثبت قطعا من أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم -. إذا كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - قد عاتبه الله تعالى على بعض اجتهاداته فما بالك بغيره؟.
__________
(1) ينظر: النووي، شرح صحيح مسلم، 18/ 21 - 22. السيوطي: الديباج، 6/ 224. العظيم آبادي: عون المعبود، 11/ 310.
(2) وإن كُنَّا لا نوافقه مطلقا في توجُّهه المنكر للسنَّة. والذي صَرَّحَ به في كِتَابه: «القرآن وكفى مصدرا للتشريع». وكذا في عِدَّة مقالاته في موقعه: أهل القرآن.
(3) إسلام البحيري: البخاري ومسلم من أعظم العلماء في إخراج الأحاديث، لكنهما بشر يصيب ويخطئ، اليوم السابع، العدد السادس، الثلاثاء 18 نوفمبر 2008.
(4) وفي هذا لا بد من ضوابط، وَإِلاَّ أَدَّى فتح الباب أمام كُلِّ تأويل، وهذا نجده ضمن ما قرره علماء المقاصد ضمن ضوابط المصلحة أساسا.
(5) صافي لؤي: إعمال العقل، ص119.
(6) نشير إلى منهج القرآنيِّين الذي يُهمل السُّنَّة النَّبَوِيَّة.
(7) نشير إلى الزوبعة التي أثيرت ضِدَّ مصطفى محمود، بِأَنَّهُ ليس متخصصا في الشريعة عُمُومًا، والحديث خُصُوصًا. وكذا زكريا بن خليفة المحرمي. (1/7)
صفحة 8
لا يجوز سبُّ الصحابة مطلقا، وبأي مبرر من المبررات (1)، ولكن لا يعني هَذَا أن نعرض عن اتباع المنهج القرآني في تقويم مواقف أولئك البشر غير المعصومين. وفرق بين أن نبحث في استلهام العبر مما وقع بينهم وبين أن نرفعهم فوق البشرية، وننزههم عن كل نقيصة. فهذا صحابي يقر بأنه زنى فيقيم عَلَيْهِ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الحدَّ، والآخر يقر بأنه بات مع امرأة يقبلها ثم صلى الفجر مع النبيء لينزل بعد ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} (سورة هود: 114). وهذا خالد لما قال له بعض الأقوام: صبأنا فجعل يقتلهم، حتى قال الله: اللَّهُمَّ إِنِّي أبرأ إليك مِمَّا فعل خالد ... وهلم جرا.
• التطبيق: طبَّق الإِبَاضِيَّة مبدأ الولاية والبراءة في حقِّ كُلِّ الناس، ولم يفرِّقوا بين صحابيٍّ وغيره، وكتبوا في ذَلِكَ عِدَّة كتب، من أبرزها: كِتَاب التخصيص في الولاية والبراءة لأبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي (ت: 557هـ). وَهَذِهِ المواقف النابعة من تطبيق أحكام الله المنصوص عَلَيْهَا في الكِتَاب وَالسُّنَّة كَذَلِكَ جرَّت عَلَى الإِبَاضِيَّة انتقادات لاذعة بدعوى أَنَّ الإِبَاضِيَّة يبغضون الصحابة، وهي دعوى باطلة لا توافق الواقع؛ لأَنَّهُم إِنَّمَا تَكَلَّموا فيمن تعمَّق في الفتنة، كما قال النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ وَرَدَ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ»، وفيه زيادة: «إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي» (2).
• وجه السبق: يدعو اليوم عِدَّة باحثين لخلع ثوب القداسة عن الصحابة، وضرورة إعادة النظر في مواقفهم، ووزنها بموازين الشريعة، وموازين السياسة، دون سبٍّ ولا شتم، وَإِنَّمَا لأخذ العبر. فَهَذَا الدكتور عدنان إبراهيم يخصص محاضرات مطوَّلة لبحث مواقفهم، منها حوالي 30 حلقة حول معاوية فقط (3). وَهَذَا أبو بلال عبد الله الحامد يخصِّص للموضوع عِدَّة كتب، منها كِتَاب بعنوان: «هل نكف علم السياسة عَمَّا شجر بين الصحابة؟». ومنها: «السلفية الوسطى: سلفية العدل عديل الصلاة، لا سلفيات الاستسلام للطغاة ما أقاموا الصلاة، مقاربة لتصفية المقياس السلفي من غبار الصياغات العَبَّاسِيَّة والمملوكية والعثمانية» (4). ومنها عِدَّة تصريحات من الباحث الدكتور عبد الجواد ياسين في الجزء الأَوَّل من كِتَابه القيم: «السلطة في الإِسلاَمِ، العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ». ومحمَّد هاني ساعي في كِتَابه القيم: «القانون في العقائد» (5)
• العبرة: أن لا أحد يعلو عَلَى النقد، فإذا كان الصحابة لم يسلموا من النقد فَإِنَّ عَلَى كُلِّ من يَتَوَلىَّ مسؤوليَّة مهما تكن، وفي أي منصب من المناصب أن لا يستنكف عن قبول الحق مِمَّا جاءه به، وانتقده عَلَيْهِ. وَأَنَّ عَلَيْهِ أن يعتقد بِأَنَّ التاريخ لا يرحم، فهو يسجل المواقف السَّيِّئَة والحسنة، وَأَنَّ عَلَى المرء أن يترك لنفسه ذكرا حسنا، ينال به صالح دعواتهم، ويستلهمون منها قدوة حسنة، كما دعا سَيِّدنَا إبراهيم - عليه السلام -، بِذَلِكَ حين قال: {رَبِّ هَبْ لِي
__________
(1) إذا كان الله تَعَالىَ ينهى عن سبِّ المشركين، في قَوله تَعَالىَ: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (سورة الأنعام: 108)، فكيف بمن سواهم من المؤمنين مِمَّن صحب النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم -؟.
(2) رواه الربيع والشيخان، واللفظ لمسلم. الربيع: بَابٌ فِي الأُمَّةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حديث رقم: 42، ص36. البخاري: كِتَاب الفتن، باب ما جاء في قَول الله تَعَالىَ: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً} (سورة الأنفال: 25)، رقم: 6643. مسلم: كِتَاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا وصفاته، رقم: 2291.
(3) يمكن تحميلها من موقعه وغيره.
(4) سلسلة: إصدارات مكتبة ثقافة الدستور والمجتمع المدني الإِسلاَمِيِّ، الطبعة الأولى، 1430هـ/2009م، 232ص.
(5) خصص لهذا الموضوع الصفحات: 66 - 74. (1/8)
صفحة 9
حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الاَخِرِينَ} (سورة الشعراء: 83 - 84). وللآخرة خير وأبقى.
ثانيا - نماذج من السبق في الفكر
أ- في العقيدة:
1 - ارتباط العمل بالإيمان:
• الفكرة: الإيمان: اعتقاد وقول وعمل. ومن ضيع أحدها فليس بمؤمن، وَإِنَّمَا يخرج إِمَّا إلى دائرة كفر النعمة إن كان منتهكا، أو إلى دائرة كفر الشرك إن كان مستحلاًّ.
• التطبيق: إِنَّ الإباضية منذ نشأتهم أخذوا بهذا الاعتقاد، ولم يفرقوا بين شتى مجالات الحياة، فلا فرق بين العبادات والمعاملات، فليس التدين علاقة بين العبد وربه فقط، بل هي ممارسة يومية في كل علاقات البشر، بينهم وبين الله، وبينهم وبين البشر، بل وسائر الكائنات. بناء على قوله تعالى: {قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 162)، فلا فرق بين ممارسة الشعائر الدينية، وبين الممارسة السياسية، والالتزام بالمبادئ والقيم الأخلاقية، ولا فرق في ذلك بين القوي والضعيف، ولا بين الحاكم والمحكوم ... فالكل يجب أن يخضع لقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة: 44)، {فَأُوْلئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (المائدة: 45)، {فَأُوْلئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (المائدة: 47)، غير أن هذه الأحكام (الكفر، الفسق، الظلم ... ) تحتاج إلى ضوابط لا يتسع المقام لذكرها، ولكن من أهمها: أن هذه الأحكام دركات، منها ما يُخرج من الملة، وهو في حال الإنكار، ومنها ما لا يخرج من الملة، وهو الأغلب، وهو في حال الانتهاك دون إنكار.
• وجه السبق: لقد جرَّ هذا الموقف على الإباضية ـ منذ أول تاريخها (عهد الدولة الأموية والعباسية)، إلى ما تلاها من سياسات جائرة عبر العصور ـ متاعب جمَّة، من أهمها: اتهامهم بالخارجية.
هذا في حين كانت تآليف بعض المذاهب الإسلامية لا تركِّز كثيرا على مسألة ارتباط الإيمان بالعمل. إلا أنه صار اليوم من المسلَّم به اليوم لدى جميع الفرق والمذاهب أهمية العمل ووجوبه وعلاقته الوثيقة بالإيمان، وأنه لا يسوغ الاكتفاء بالاعتقاد والقول دون العمل (1).
وكمثال عَلَى ذَلِكَ خصص الشيخ الغزالي فصلا خَاصًّا لِهَذِهِ القَضِيَّة بعنوان: «العمل أساس الإيمان» امتدَّ 21 صفحة، وَمِمَّا قاله: «وكلمة الإيمان والإِسلاَمِ في نظر الشرع مترادفتان، أو متلازمتان» (2). وَهَذَا هو عين ما يعتقده الإِبَاضِيَّة ويركزون ويؤكدون عَلَيْهِ منذ أَوَّل نشأتهم إلى اليوم. ويضيف الشيخ: «بيد أَنَّ أعداء الإِسلاَمِ ... دسُّوا عَلَى المسلمين من يصوِّر لهم الإِسلاَمَ كلمة لا تكليف لها، وأماني لا عمل معها.
وفي ظلِّ هَذَا الفهم المعوجِّ ترى المسلم واليهوديَّ والقبطيَّ يتعاشرون سنين عددا، فلا تستطيع أن تميز أحدهم من الآخر في شَيْء.
__________
(1) ينظر على سبيل المثال مؤلفات أغلب الدعاة المعاصرين ومحاضراتهم، أمثال الشيخ الغزالي، والشيخ الشعراوي، والشيخ الزنداني والشيخ القرضاوي ...
(2) الغزالي: عقيدة المسلم، دار الدعوة، الإسكندرية، مصر، الطبعة الرابعة، د. ت. ص122. (1/9)
صفحة 10
الكلُّ لا يدخل مسجدا، ولا يقيم فريضة، ولا يحترم لله شعيرة. والكلُّ يشرب الخمر، ويأكل الربا، ويفجر بالأعراض ...
فالمرء إذا غمغم بين شفتيه بكلمة التوحيد، تحصَّن وراءها، فأصبح يسيرا عَلَيْهِ ألاَّ يقوم إلى واجب، وألاَّ ينتهي عن مُحَرَّم.
وقد زعم هَؤُلاَءِ المغفَّلون أَنَّ الدين يَنُصُّ عَلَى ذَلِكَ! ألا ساء ما يصنعون!» (1).
وإذا كان هَذَا هو وضع المسلمين إبَّان تأليف الشيخ الغزالي لكتبه التصحيحية لمثل هَذِهِ المفاهيم الخاطئة، فَإِنَّنا اليوم نشهد ـ بحمد الله ـ صدى كبيرا لِهَذِهِ النداءات التصحيحية. وَالإِبَاضِيَّة قد سبقوا إلى المفهوم الصحيح للإيمان منذ نشأتهم.
ويقول محَمَّد قطب: « ... أَنَّ معرفة الحقِّ المنزَّل من عند الله لاَ بُدَّ أن يكون لها مقتضى واقعيٌّ في حياة البشر، فهي ليست معرفة تُختزن في الذهن، إِنَّمَا ينبغي أن تتحوَّل إلى سلوك واقعيٍّ» (2).
2 - مسألتا الخلود والشفاعة:
• الفكرة والتطبيق: يعتقد الإِبَاضِيَّة والمعتزلة أن لا فرق في الخلود في النار بين الْمُوَحِّدِينَ والمشركين (من حيث الخلود لا من حيث دركات العذاب). بناء عَلَى الآيات الصريحة في الموضوع، والتي لا تفرِّق بين الصنفين، فَكُلُّ من دخل النار خالد مخلَّد فيها أبدًا.
• وجه السبق: كان أهل السُّنَّة يُعَدُّون هَذَا الاعتقاد من مثالب الإِبَاضِيَّة «الخوارج» وبدعهم المنكرة. ولكن لم يلبث أن قيَّض الله لِهَذِهِ الأُمَّة علماء وباحثين منصفين يعترفون بِأَنَّ القول بالشفاعة لأهل الكبائر مِمَّا يناقض تعاليم الإِسلاَمِ، ويلغي فائدة الحلال والحرام. ولنضرب لِذَلِكَ بأمثلة:
1 - الشيخ الغزالي: لم يستطع أن ينفكَّ بصورة نهائية عن معتقد أهل السُّنَّة، إِلاَّ أَنَّهُ اقترب من اعتقاد الإِبَاضِيَّة بنفي الشفاعة، إذ يرى الشيخ أَنَّهَا لا تَصِحُّ فيمن هو مثقل بالخطايا، وَإِنَّمَا هي في شأن من كان قريبا من النجاح، كما يقع في بعض الامتحانات، إذ يقول:
«يلغط عوام المسلمين بأحاديث واردة في شفاعة النَّبِيء - صلى الله عليه وسلم - لبعض العصاة.
وتعلُّق أولئك العوامِّ بأحاديث الشفاعة يخيِّلُ إليك أَن قوانين الجزاء بطلت، وَأَنَّ نيران الجحيم توشك أن تتحوَّل بردا وسلاما عَلَى عصاة المؤمنين.
وكثيرا ما يفرِّط هَؤُلاَءِ الجهال في الفروض، ويقعون في أوخم الذنوب، ثُمَّ يقولون: أُمَّة محَمَّد بخير!.
وَهَذَا مسلك ساقط.
ومحمَّد - صلى الله عليه وسلم - أَوَّل من يستنكره، ويحارب أصحابه، وينذرهم بِأَنَّهُم أصحاب الجحيم ...
__________
(1) عقيدة المسلم، ص131 - 132.
(2) ركائز الإيمان، الطبعة الثانية، دار الشروق، القاهرة، مصر، 1426هـ/2005م، ص94. (1/10)
صفحة 11
والقول بِأَنَّ قوانين الجزاء توقف بالنسبة لأتباع نبي ما سخفٌ فارغ، وقد كذَّب القرآن الكريم في مواضع شَتَّى مزاعم الأَوَّلِينَ والآخرين لَمَّا جمحت بهم أمانيُّهم إلى هَذَا الوهم الباطل ... » (1).
إلى أن يقول: «فليس للشفاعة هَذَا النطاق الواسع الذي يبرِّر به الخطَّاؤون إصرارهم، وما تفيدهم أمانيُّهم فيها شَيْئًا.
وقد بَيَّنَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالىَ أَنَّ الشفاعة لا تجدي عَلَى كافر، ولا عَلَى فاسق مثقل بالخطايا. قال الله تَعَالىَ: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} (سورة البقرة: 123)، وقال كَذَلِكَ: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ اِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (سورة فاطر: 18)» (2).
2 - الباحث: عدنان الرفاعي، يعتقد بخلود أهل الكبائر في النار، لا فرق بين مُوَحِّد ومشرك (3).
3 - الباحث: حسني يوسف الأطير، ألف كتابا بعنوان: الشفاعة وأصول الوثنية العَرَبِيَّة (4). والكاتب في كامل الكِتَاب ينفي الشفاعة بأسلوب لاذع، ومتهكِّم أحيانا، وإن كُنَّا نوافقه في نفي الشفاعة، وفي التناقضات العجيبة التي تحويه، فَإِنَّنَا لا نوافقه عَلَى تلك الطريقة، كما لا نوافقه عَلَى اتِّهَام عدد من الصحابة في اختلاق تلك أحاديث الشفاعة، وهم: أبو هريرة وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر بن الخطاب. ومن السهل أن ننسب الخطأ والاختلاق إلى أجيال ما بعد الصحابة بِالأَدِلَّة، خير من أن ننسب إلى هَؤُلاَءِ الصحابة الأجلاَّء الكذب عَلَى رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
ب- في الفقه:
1 - الطهارات:
يُؤَكِّدُ علماء الإِبَاضِيَّة ـ لاسيما المغاربة ـ على مسألة الجمع بين الاستجمار والاستنجاء. ولا يشك اليوم منصف في أَنَّ هَذِهِ الطريقة هي الأنسب بالقواعد الطِّبِّيَّة والصِّحِّيَّة؛ لِذَلِكَ لا تجد فندقا خاليا من الورق الصِّحِّيِّ في دورات مياهه، في كُلِّ البلدان الإِسلاَمِيَّة غير الإِبَاضِيَّة، فضلا عن البلدان الْمُتَقَدِّمَة.
2 - التدخين:
• الفكرة: لا تجد كِتَابا للإباضية لا يحكم بتحريم التدخين، منذ أن بدأ انتشار هَذِهِ الشجرة الخبيثة. بينما كان غيرهم ينتقدونهم عَلَى ذَلِكَ ويعتبرونه تشدُّدا في الدين.
• التطبيق: يُعَدُّ التدخين من الكبائر، لِمَا له من آثار وأضرار جسدية بالمدخِّن وبمن حوله، لاسيما ألصق الناس به، وهم أسرته؛ لِذَلِكَ وضع الميزابيون من شروط الزوجة عَلَى زوجها أن لا يرتكب هَذِهِ الكبيرة.
__________
(1) عقيدة المسلم، ص221.
(2) عقيدة المسلم، ص222.
(3) ينظر: محاضراتهما المنشورة في الإنترنت، لا سيما في موقعيهما الخاصَّين بِكُلٍّ منهما.
(4) مكتبة الزهراء، الجيزة، مصر، 2002م. (442ص). (1/11)
صفحة 12
• وجه السبق: لا يوجد اليوم عالم مسلم ملتزم يَدَّعِي جواز التدخين أو كراهيته، بل الكلُّ مُتَّفَق عَلَى تحريمه، ولا يحتاج الأمر إلى استدلال أو استقراء. مثال ذَلِكَ: آخر حصَّة من حصص محَمَّد العريفي: «ضع بصمتك» (1) تتمحور كُلُّهَا حول بيان حرمة التدخين.
• العبرة: مع الإجماع العالمي (مسلمين وغير مسلمين) عَلَى تحريم التدخين بسبب أضراره الوخيمة، لا يزال بعض الشباب يرتمون في أحضان هَذِهِ الآفة الخطيرة.
3 - التأليف الموسوعي:
• الفكرة وتطبيقها: اتجه العمانيُّون بدءًا من القرن الخامس الهجري فما بعده إلى التأليف الموسوعي، فكان من الْمُؤَلَّفَات البارزة في هَذَا الشأن:
- «بيان الشرع» لمحمد بن إبراهيم الكندي (ت: 508هـ) يقع في 73 جزءًا.
- «الْمُصَنَّف» لأبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي (557هـ)، في 42 جزءًا.
- «قاموس الشريعة» لخميس بن جميل السعدي (ق12هـ)، في 90 جزءًا.
وتتميز هَذِهِ الكتب بحشد المعلومات، بمختلف مجالاتها: عَقَدِيَّة، فِقهِيَّة، تَارِيخِيَّة، شواهد لُغَوِيَّة، أشعار مفيدة، حكم، مواعظ ... وتكمن أَهَمِّيَّة هَذَا النوع من التأليف في حفظ نصوص اندثرت أصولها.
• وجه السبق: اتجه اليوم عِدَّة مؤلفين إلى إعداد دوائر معارف، تجمع بين عِدَّة تخصُّصات.
• العبرة: إِنَّ تلك التآليف العمانية مرتبة حسب الأبواب الفِقْهِيَّة، فهي تحتاج مِنَّا إلى إعادة ترتيبها وفق دوائر المعارف المعاصرة، ووفق الموسوعة الفِقْهِيَّة الكويتية عَلَى سبيل المثال.
كما أَنَّ عَلَى الباحثين اليوم أن يستخرجوا منها ما يَتَعلَّقُ بِكُلِّ علم عَلَى حدة: معارف مَنْهَجِيَّة، معارف عَقَدِيَّة، معارف فِقهِيَّة، معارف تَارِيخِيَّة، معارف لُغَوِيَّة، دواوين أدبيَّة وشعريَّة ... قصد تسهيل الاستفادة منها.
4 - التأليف الجماعي:
• الفكرة والتطبيق: تأليف ديوانين تأليفا جماعيًّا تخصُّصيا، هما: ديوان العَزَّابَة بغار أمجماع، وديوان الأشياخ بوادي أريغ، قال الوسياني عن ديوان غار أمجماج: «وذكر أنَّ سبب تأليف الكتب المنسوبة إلى أبي عمران وهي اثنا عشرَ كتابا في الفقه، إنَّما وضعها عُزَّابُ أَمَجْمَاجْ رحمهم الله، وهم سبعة: أبو عمران [موسى بن زكرياء المزاتي الدمري]، وجابر بن سدرمام (2)، وكباب بن مصلح [المزاتي] (3)، وأبو مجبر [توزين] (4)، هؤلاء مزاتية. وأبو عمرو
__________
(1) قناة «اقرأ»، يوم السبت 21 جمادى الثانية 1433هـ / 12 ماي 2012م. وأعيد يوم الثلاثاء 24 جمادى الثانية 1433هـ/ 15 ماي 2012م.
(2) جابر بن سدرمام المزاتي الجربي من الطبقة التاسعة (400 - 450هـ/ 1009 - 1058م) من فقهاء جربة، ومن مُؤَلِّفي ديوان العَزَّابَة في اثني عشر جزءا، أخطأ إسماعيل العربي في طبقته، وكذا المعجم تبعا له. ينظر: الدرجيني: طبقات، 2/ 409 - 411. الشَّمَّاخِي: السير، ص401.
(3) كباب بن مصلح: من الطبقة التاسعة (400 - 450هـ/ 1009 - 1058م) من مُؤَلِّفي ديوان العَزَّابَة. الدرجيني: طبقات، 2/ 409. مزهودي: جبل نفوسة منذ الفتح الإِسلاَمي، ص293 (مرقون).
(4) أبو مجبر توزين من الطبقة التاسعة (400 - 450هـ/ 1009 - 1058م) من مُؤَلِّفي ديوان العَزَّابَة، روى عنه أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر في كِتَابه السيرة، وأبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي في كِتَابه السؤالات. أبو زكرياء: السيرة، 2/ 284. البغطوري: سيرة أهل نفوسة، (مخ)، 118. الدرجيني: طبقات، 2/ 482. (1/12)
صفحة 13
النميلي [الزواغي]، وأبو محمّد عبد الله بن مانوج الهواري اللمائي (1)، وأبو زكرياء يحيى بن جرنان النفوسي (2) رحمة الله عليهم. قال: وكتبها أبو عمران فنُسبت إليه، فوضعها فوق غارهم، فأكل الكلب واحدا منها، وبقي أحد عشر» (3).
والذين ألفوا ديوان الأشياخ، وهو يقع في خمسة وعشرين كِتَابًا، بوادي أريغ، وعددهم ثمانية، وهم:
1 - أبو سعيد يخلفتن بن أيُّوب الزنزفي المسناني، من نفوسة أمسنَّان، «ألَّف كتاب النكاح ومسائل الخالات».
2 - إسماعيل بن الشيخ ييدير «هو واضع كتاب الصلاة».
3 - «الشيخ أبو العبّاس هو المؤلف لكتاب الحيض غير البابين الأوَّليْن».
4 - «محمّد بن صالح واضع كتابي الوصايا». من نفوسة أمسنَّان.
5 - يوسف بن موسى الدرجيني، من قنطنار.
6 - يوسف بن عمران بن أبي عمران موسى بن زكرياء المزاتي، من تيجديت.
7 - عبد الله بن أبي سلام الرمولي، من أريغ.
8 - إبراهيم بن أبي إبراهيم الدجمي.
وعرضت هَذِهِ الكتب على الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت: 471هـ)، وأبي العبّاس أحمد بن محَمَّد بن بكر (ت: 504هـ)، وأبي محمّد ماكسن بن الخير (ت: 491هـ) (4).
• وجه السبق: الآن صارت في أغلب الجامعات ومراكز البحث تشكَّل فرق بحث لتآليف الموسوعات العلمية، وتعطى الأولوية لأهل التخصص، وهو الذي راعاه أهل ديوان الأشياخ، منذ حوالي ألف عام.
• العبرة: ما أحوجنا اليوم إلى إيجاد مجامع فِقهِيَّة، سواء عَلَى المستوى الوطني (الجزائر) أو المستوى المحلي (وادي مزاب)، يجمع التخصصات المختلفة لدراسة القضايا المستجدة، وتتفرَّغ للبحث، لا تشغلها ارتباطات اجتِمَاعِيَّة وشواغل هامشية، وأعمال يمكن أن يقوم بها غيرهم.
ج- في السياسة:
1 - الموقف من السلطة الحاكمة الجائرة:
• الفكرة: الإِبَاضِيَّة منذ نشأتهم يدعون إلى تحكيم شرع الله (5)، والالتزام بالشورى، وتولية أهل الكفاءة، لا وراثة ولا ولاية عهد، ولا سطو بالقوة على الكرسي ولو على جماجم الأبرياء.
__________
(1) مَرَّت ترجمته في هامش فقرة: ج3/ 13. وانظر: رواياته عند الوسياني، في فقرات: ج7.
(2) أبو زكرياء يحيى بن كرنان (جرنان) النفوسي من الطبقة التاسعة (400 - 450هـ/ 1009 - 1058م) من مُؤَلِّفي ديوان العَزَّابَة سنة 405هـ/1014م. معاصر لأبي الربيع سليمان بن زرقون. أبو زكرياء: السيرة، 2/ 343 - 344. الدرجيني: طبقات، 2/ 393، 409.
(3) سير الوسياني، فقرة رقم: ق3/ 2.
(4) سير الوسياني، فقرتي رقم: ث37/ 20 - ث37/ 21.
(5) () ... لِذَلِكَ كان أوائلهم يُسَمَّون: المحكِّمة. وهو المصطلح الأنسب بهم، لا مصطلح الخوارج، كما سَمَّاهُم بِذَلِكَ الأمويون. (1/13)
صفحة 14
• التطبيق: بناء لم يتلوَّ مع السلطة مهما كان شكلها.
• وجه السبق: يرى أبو بلال عبد الله الحامد أَنَّ «ضعف الثقافة السياسية حرّف رواية الأحاديث وحرّف دلالاتها ... من ذلك: الجمع بين النصوص التي توجب على المسلمين، الأمر بالمعروف والنهي المنكر، والأخذ على يد الظالم، وأطره على الحقِّ أطرًا، وقسره على الحقِّ قسرًا. فقد عارضتها أحاديث أخرى كحديث الأمر بطاعة الحاكم ولو سلب المال وجلد الظهر، وحديث: «أعطوهم ما لهم وسلوا الله الذي لكم»، وحديث: «إمام ظلوم خير من فتنة تدوم».
وعند تضارب المفاهيم، جاء الجمع بين النصوص السياسية هشًّا، يزيد الاضطراب اضطرابًا والبلبلة اتساعا ... » (1).
فأحاديث الأمر بالطاعة إنما وردت عند الحكم العادل، وإلا كانت مخالفة لصريح القرآن، ومخالفة لما تواتر في حجة الوداع من حرمة الدماء والأموال والأعراض (2).
وواضح الآن بعد الثورات العَرَبِيَّة أَنَّهُ لم يعد هَذَا الخطاب الانبطاحي أمام الظلم والقهر صالحا، وَكُلُّ من بقي متمسِّكا به تطأه الأقدام والأقلام، ولو كان من أكبر العلماء المشهورين!.
• العبرة: إِنَّ عَلَى المسلم المخلص أن يتمسَّك بِالْحَقِّ، وإن قلَّ مناصروه في فترة ما، وأن يثبت ويصبر عَلَيْهِ، وسيأتي لا محالة اليوم الذي سيظهر فيه واضحا، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَّنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الاَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ} (سورة الحجِّ: 40 - 41).
2 - الموقف من الفتن السياسية بين الصحابة:
• الفكرة: يعتقد الإِبَاضِيَّة أَنَّ العصمة لا تكون إِلاَّ للأنبياء والملائكة الأطهار. أَمَّا من سواهم فهم عرضة للخطأ والعصيان.
• التطبيق: بناء عَلَى تلك القاعدة فَإِنَّ الإِبَاضِيَّة لم ينظروا إلى الصحابة كُلِّهِم نظرة تقديسية ترفعهم إلى ما فوق الطبيعة البَشَرِيَّة. وقد جرَّ موقفهم هَذَا من الصحابة ـ ولا يزال يجرُّ عليهم ـ انتقادات لاذعة، تتَّهمهم ببغض الصحابة.
• وجه السبق: كان أهل السُّنَّة لا يرتضون أن يقال في حقِّ أحد من الصحابة: إِنَّهُ أخطأ في تصرف أو في موقف، فاعتبروهم وكَأَنَّهُم معصومون من أي خطأ. وفي هَذَا العصر جاء عِدَّة مفكرين يدعون إلى إعادة النظر في مواقف أهل السُّنَّة من الصحابة:
- قال أبو بلال عبد الله الحامد: «صار الناس لا يطيقون أن يقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر؛ لأن فلانا ورد في فضله حديث كذا وكذا، وكأن هذا الحديث أو ذاك تنزيه له عن الخطأ، الذي لم يعصم منه الأنبياء، وكأن الشهادة لإنسان في الدار الآخرة، تعني أنه لا يمكن أن يخطئ في الحياة الدنيا خطأَ زللٍ أو خطأَ اجتهادٍ، ونسوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) أبو بلال الحامد: هل نكف علم السياسة عَمَّا شجر بين الصحابة؟ ص15.
(2) ينظر: أبو بلال الحامد: هل نكف علم السياسة، ص16. (1/14)
صفحة 15
عاتبه الله علانية، من فوق سبع سماوات، في نحو من هذا وذاك، في بيانٍ خالد على مرِّ الزمان. وهكذا صار الناس يبررون الخطأ الاجتماعي والسياسي، ما دام قد ورد في فضل مرتكبه حديث صحيح، ونسي الناس أن الحديث عندما يذكر فضل فاضل لا يلزم منه تبرئته من الأخطاء الاجتهادية أو العمدية» (1).
- وقال د. محَمَّد هاني ساعي: «لا عصمة لغير (الأنبياء) ... أَمَّا غيرهم من الصحابة والأولياء والأصفياء وغيرهم من عباد الله الصالحين، فلا عصمة واجبة لهم لا عقلا ولا شرعا، وسواء كانوا من أهل البيت أو من غيرهم، بل إِنَّ أَدِلَّة العقل والشرع تَدُلُّ على خلاف ذَلِكَ» (2).
• العبرة: نَحْنُ لا ننكر أَنَّ في الإِبَاضِيَّة متشدِّدين كثيرا في موقفهم من بعض الصحابة، بسبب الفتن التي نشبت بينهم، ونعتقد أَنَّهُ لا يجوز لأحد أن يسبَّهم، وَلَكِن ينبغي من جهة أخرى أن لا ننساق وراء من يعتقد فيهم العصمة، فَإِنَّ خيريتهم كجيلٍ لا تمنع صدور بعض الآثام من بعضهم (3)، وإن كُنَّا نرى ـ وَالله أعلم ـ أَنَّ الله تَعَالىَ لا يذرهم يموتون عليها، وَإِنَّمَا يوفقهم إلى التوبة؛ فعلينا أن نقتدي بهم في ما أصابوا فيه، وأن نجتنب ما أخطؤوا فيه ونأخذ العبر منه.
3 - مسالك الدين:
• الفكرة: قديما قيل: «البس لكل حالة لبوسها»، فكان للإباضية ما يسمى بمسالك الدين، لكيفية التعامل مع كل الظروف التي تعترضهم. فكانت أهمَّ وسائل المحافظة عَلَى كيانهم.
• وجه السبق: إِنَّ التدرج في العمل السياسي صار اليوم السمة الغالبة لكثير من الأحزاب الإِسلاَمِيَّة، والتي تسعى (مثلما كان يسعى سلف الإِبَاضِيَّة بصفة خَاصَّة) إلى إقامة دولة إِسْلاَمِيَّة بِحَقٍّ. وإذا ما قارنَّاه بمسالك الدين فلا شَكَّ أَنَّنَا سنجد أوجها للتشابه بينها.
• العبرة: إِنَّ مسالك الدين اجتهاد لعلمائنا وفق ما توفر لديهم من أدلة من القرآن والسنة، ومراعاة مقاصد الشارع. واليوم على علمائنا أن يجتهدوا في إبداع مسالك جديدة، ولسنا ملزمين بالاكتفاء بما وصلوا إليه. وكمثال على ذلك فنحن اليوم لسنا في كتمان ولا دفاع ولا شراء ولا ظهور. فماذا نسمي هذه المرحلة؟ وما هي خصائصها؟ وما التخطيط الاستراتيجي المناسب لهذه المرحلة؟ ... أسئلة يجب عَلَى أهل التخطيط والاستشراف أن يدرسوها ويخططوا للفترة القادمة. ولكن أين هي جماعة التخطيط والاستشراف؟؟ ..
د- في الجانب التربوي:
نظام العَزَّابَة كان في أصله نظاما تربويا محضا، وتنظيمه الهرمي ...
هـ- في الجانب الاجتماعي:
- تطبيق مبدأ البراءة الاجتماعية (الخطة والإبعاد والهجران).
__________
(1) أبو بلال الحامد: هل نكف علم السياسة، ص11.
(2) محمد نعيم محمد هاني ساعي: القانون في عقائد الفرق والمذاهب الإسلامية، منهاج وحدة ومنهاج عمل، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، مصر، 1428هـ/2007م، ص83.
(3) ينظر: أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي: التخصيص في الولاية والبراءة، الكِتَاب كُلُّهُ. (1/15)
صفحة 16
- نموذج الأعراس الجماعية.
العبرة العامة:
أولا: علينا أن نكثر من قراءة الدراسات الحديثة التي تهتم بتقويم الفكر وتخصيبه؛ حتى نكتشف جوانب القوة والضعف في تراثنا الإسلامي عموما، والإباضي خصوصا (1).
ثانيا: إِنَّ في تراثنا وتاريخنا عِدَّة جوانب إيجابية سبق بها أجدادنا، ولا ندعي السبق في كل شيء؛ لأن الكمال لله وحده. وما من مدرسة إلا ولها جوانب سبقت بها غيرها، وعلى كل مدرسة أن تبرز جوانبها الرائدة، لتفيد غيرها، وعليها أن تتواضع لتستفيد من جوانب القوة لدى غيرها.
والسؤال المطروح: هَذَا ما فعله أجدادنا، وَهَذَا هو نتاج ما غرسوه، فماذا نحن زارعون ليأكل أحفادنا ما غرسنا؟ وهل نحن الآن سابقون لسائر المسلمين؟ وما هي الجوانب التي نحن فيها سابقون؟ وما هي الجوانب التي نحن فيها لاحقون تابعون إن لم نقل: متأخرون؟ وَالله تَعَالىَ يقول: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُوتِيهِ مَنْ يَّشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (سورة الحديد: 21)، {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} (سورة البقرة: 148)، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (سورة المطفّفين: 26).
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (سورة العنكبوت: 69)، والله الموفق والمعين، والحمد لله رَبِّ العالمين.
مصطفى بن محمد شريفي
القرارة: عشية الثلاثاء 24 جمادى الثانية 1433هـ / 15 ماي 2012م
(الذكرى الأولى لوفاة الشيخ الناصر المرموري بالتقويم الشمسي)
__________
(1) علينا أن لا نلتفت إلى من يدعو إلى فكرة: كل علم سوى القرآن هو ثقافة، ويصفه بالنتن (الْخَمْرَانْ) - بالميزابية-؛ لأن هذه المؤلفات ذاتها ـ التي وصفت بهذا الوصف الشنيع ـ هي التي تقربنا إلى الفهم الصحيح الصائب، وتجنبنا الوقوع فيما نسمعه من حين لآخر من تأويلات تخالف أحكام الشرع بسبب الجهل، وجرأة العوامِّ على تفسير كلام الله بغير علم!. (1/16)
صفحة 17
المحتويات
مدخل: 1
لماذا المذهب الإباضي بالذات؟ 1
ما المقصود بالسبق؟ 1
السبق التاريخي: 1
أولا - نماذج من السبق في المنهج 2
أ- منهج التعامل مع القرآن: 2
1 - القرآن هو الأصل الأول: 2
2 - التأويل: 2
- تأويل ما يتَوَهَّمُ منه تشبيه الله بخلقه: 3
- التأويل في آيات الخلود: 3
- التأويل في السياسة: 3
ب- منهج التعامل مع السنة: 4
1 - العرض على القرآن: 4
2 - منهج نقد المتن إلى جانب نقد السند: 6
د- منهج التعامل مع فكر السلف: 7
ثانيا - نماذج من السبق في الفكر 9
أ- في العقيدة: 9
1 - ارتباط العمل بالإيمان: 9
2 - مسألتا الخلود والشفاعة: 10
ب- في الفقه: 11
1 - الطهارات: 11
2 - التدخين: 11
3 - التأليف الموسوعي: 12
4 - التأليف الجماعي: 12
ج- في السياسة: 13
1 - الموقف من السلطة الحاكمة الجائرة: 13
2 - الموقف من الفتن السياسية بين الصحابة: 14
3 - مسالك الدين: 15
د- في الجانب التربوي: 15
هـ- في الجانب الاجتماعي: 15
العبرة العامة: 16
المحتويات 17 (1/17)