صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الدين - العقيدة
------------------------------------------
العنوان: الشفاعة الأخروية دراسة عقائدية
المؤلف: سلطان بن محمد بن زهران الحراصي
تقديم: أحمد بن حمد الخليلي
الناشر: مطابع النهضة
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1423ه/ 2002م
الطبعة: 1
أصله: رسالة ماجستير
الإيداع القانوني: 2002/70
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1730&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/69
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 03 ذو القعدة 1446ه/ 01 - شهر 05 - 2025م. «رسالة ماجستير»
الشفاعة الأخروية
"دراسة عقائدية"
سلطان بن محمد بن زهران الحراصي (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
الشفاعة الأخروية
(دراسة عقائدية)
سلطان بن محمد بن زهران الحراصي
أصل هذا هذا الكتاب رسالة قدمت استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في أصول الدين في كلية الدراسات الفقهية والقانونية في جامعة آل البيت، وقد نوقشت وأوصي بإجازاتها بتاريخ 2001/ 6/10 م
الطبعة الأولى 1423 هـ / 2002 م (1/3)
صفحة 4
الاهداء
إلى الوالد العزيز - رحمه الله - والأم الحنون - أبقاها الله -
وأم سيف - وفقها الله –
أُهدي هذا العمل المتواضع اعترافا
بالفضل والجميل والإحسان
رقم الإيداع: 2002/ 70 (1/4)
صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله أهل الفضل والحمد والصلاة والسلام على عبده المجتبى ورسول المصطفى وعلى أثر ومحبة أما بعد فقد طال خلا ف الا على قضية الشفاعة الأخروية وتحديد من يسجد بها فمن قائل عى لكل مُوجد ولو غرق في آثامه، وآخر يرى أنه لا يسعد بها إلا التائبون دون المعدين فانها ليست بالأماني تنال ولكنها لمن ارتضى فان عدل الله في أحكامه جلي وهو القائل وليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا .. وقد خاطب عباده المؤمنين بقوله يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن ياتي يوم الأبيع فيه ولا خلة ولا شفاعة وما مكان لهذا التحذير معنى لولا أنهم دا في لهذا المحارم كبير لهم من أهل الملك
ولكن أصيبت هذه الأمة بما أصيب به غيرها من الأمم فركبت معن الأماني وتشبثت بخيوط الرؤقال الأمن رحم ربار، وهذه هي نتيجة التقليد الأعمى والتعامي عن القرآن والسنة النبوية الثابقة المحلية، وعندما حاول أحد الكتاب المنصفين أن عيط عن عينيه صحاب التقليد ويستمر بنور القرآن ومعه أكف الحاقدين عن منهم فأتهم بالضلال وبير بالخارجية والاعتزال وعد فى الذين جاؤ شيئًا إذا، وهكذا يكون الأمر عند ما تنقلب الموازين وتحتل
المعايير. وقد اعتنى بكشف اللبس عن هذه القضية المهمة وإماطة اللثام عن وجه حقيقتها ولدنا العزيز الشيخ اللبيب الأريب سلطان بن محمد بن زهران الحراصي وفقه الله للخير فجاءت دراسته فريدة في بابها وحيدة في أسلوبها تستهوي قارئها بجمال الأسلوب وقوة الدليل وعمق البحث وهي كما ترونها بعنوان: الشفاعة الأخروية. ودراسية عقائدية، وقد نال بها درجة الماجستير في جامعة آل البيت بالمملكة الأردنية الهاشمية و ماهي درو تبرز لطلاء المعارف و رواد الحقيقة في حلتها القشيبية ونورها الوضاء
أسأل الله أن يبارك في متاجها ويوفقه للمزيد من العطاء
احمد بن محمد الخليالي من
مسقط و المحرم (1/5)
صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم (1/6)
صفحة 7
الشفاعة
الأخروية
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
بعد ...
الحمد لله الذي أعز الحق بقوة أدلته، وأردى الباطل بضآلة شبهته .... سبحانه وعد وتوعد وحذر وبشر، وهو الصادق في وعده ووعيده، لا راد لحكمه، ولا تبديل لكلماته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم إلى يوم الدين أما فإن موضوع الشفاعة الأخروية من الموضوعات المهمة التي ينبغي أن تبحث في كتاب مستقل، لأن كتب العقيدة تناولتها من جوانب متفرقة، وكذلك كتب التفسير والحديث، فكان لا بد من جمع المادة العلمية المتعلقة بهذا الموضوع، ليظهر إلى الوجود في كتاب مستقل، يحاول الباحث من خلاله جمع الآراء المختلفة، والأقوال المتباينة، والأدلة العقلية والنقلية، ومحاولة التقريب بين الآراء إن اقتضى الأمر، وبيان وجهتها وأدلتها بشكل موضوعي، لاسيما وأن هذا الموضوع جد خطير، والخلاف فيه وارد في الفرق الاسلامية بين مضيق وموسع منذ زمن بعيد ولماله من علاقة كبرى بحياة الإنسان الإجتماعية والعملية، وذلك من حيث إنه يبحث في جزئية خطيرة في حياة الأمة في الدنيا، ومصيرها في الأخرى، فكان لا بد من طرحه في رسالة أكاديمية تتناول أبعاده المختلفة وجوانبه
المتعددة.
ولذلك فإن المشكلة في هذا الموضوع تكمن في الشفاعة المختلف فيها، وذلك لأن الآيات القرآنيه ذكرت الشفاعة بشكل عام .. فهل هناك شفاعة للعصاة المصرين على الكبائر؟ وكيف توجه الآيات القرآنية النافية والمقيدة للشفاعة والشفعاء؟ وكيف تجمع أحاديث الشفاعة المختلفة، وهل القول بالشفاعة لأهل الكبائر من أهل التوحيد يؤدي إلى التواكل والوقوع في المعاصي، والانهماك في الملذات؟ وهل يتناقض مع المشيئة الالهية، أم أنه مظهر من مظاهر رحمة الله تعالى، ويؤدي الى التوبة والعمل الصالح؟ ... هذه التساؤلات وغيرها تمثل مشكلة البحث، كما تنبني عليها الفرضيات لاحقا.
هذا ومن المؤسف أن بعض الفرق الاسلامية التي تنفي الشفاعة لمرتكب الكبائر (1/7)
صفحة 8
?
الشفاعة الأخروية
والذنوب، الغارق في المعاصي والآثام المتمرغ في أوحال الرذيلة والفساد، قد نظر إليهم من قبل بعض العلماء بأنهم قوم غلاظ الأكباد قساة القلوب قد حجروا رحمة الله الواسعة، ونفوا نصوص الكتاب والسنة القاضية بشفاعة سيد البرية، وقد تكون تلك الدعوى وذلك الاتهام ظلما وبهتانا، بسبب أن قولهم بالخلود للعصاة يعتمد على الدليل
والبرهان، والحجة والبيان.
على أن هذا الكتاب لا يقتصر على هذا النوع المختلف فيه بل يتناول الحديث عن الشفاعة في يوم القيامة بأنواعها المختلفة، وأدلة إثباتها من الكتاب والسنة، وما قيل في ذلك .... ولن يتعرض إلى الشفاعة الدنيوية المتمثلة في الحقوق لأنه موضوع مستقل، كما أن موضوع الكتاب م محدد ولا يمكن الخروج عنه، ولذلك فهذه الدراسة تتمحور حول ثلاث
قضايا هي:
- تعريف الشفاعة والشافع والشفيع لغة واصطلاحا.
- توضيح الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتحدثة عن الشفاعة بأنواعها.
- توضيح آراء الفرق الاسلامية، وأدلتها في شفاعة العصاة من أهل التوحيد والرأي المختار، وعليه فقد قسمت هذا الكتاب إلى ثلاثة فصول تحتوي على عدة مباحث ومطالب إذ تحدثت في الفصل الأول عن تعريف الشفاعة لغة واصطلاحا وحاولت ذكر أقوال العلماء، وتوضيح الفرق بينها ثم تحدثت عن أنواع الشفاعة المتعلقة بالشفعاء وذلك كشفاعة الملائكة والعبادات والأشخاص ..... مع ذكر الدليل لكل نوع، والحكمة من الشفاعة
وأثرها.
ويأتي الفصل الثاني لبيان الشفاعة في القرآن والسنة، حيث تحدثت عن الآيات المثبتة والنافية للشفاعة والشفيع، مع ذكر أقوال كثير من العلماء في بيان معناها، ومحاولة توضيح تلك الأقوال ... وتحدثت عن كيفية الجمع بين الآيات المثبتة والنافية للشفاعة، وشروط الشفاعة في القرآن الكريم، ذاكرا الدليل لكل ذلك.
ثم ذكرت بعد ذلك أنواع الشفاعة بحسب ما جاء في السنة النبوية، سواء المتفق عليها أو المختلف فيها، مع ذكر الدليل لكل نوع منها. (1/8)
صفحة 9
الشفاعة
الأخروية
ويأتي الفصل الثالث الذي تحدثت فيه عن الشفاعة للعصاة الموحدين، ذاكرا الخلاف في ذلك، مبرزا مفهوم الكبيرة والاصرار، وأدلة كل فريق من القرآن والسنة والعقل مع مناقشة تلك الأدلة من الجهتين، ثم بيان رأي الباحث وأدلته، والخاتمة التي أجملت فيها النتائج بشكل مختصر وبسيط.
ومن الجدير بالذكر أن هذا الموضوع قد كتب فيه بعض العلماء المحدثين، إلا أن كتاباتهم لا تخلو من النقص، إذ البعض منهم لم يستوف أقوال الفرق الاسلامية وأدلتها، وذلك مثل كتاب «الشفاعة» لأبي عبد الرحمن مقبل الوادعي، إذ تحدث عن الشفاعة من خلال النظر في كثير من الأحاديث النبوية، ومعرفة مدى صحتها، وكالردود التي صدرت عن بعض علماء الأزهر الشريف على الدكتور مصطفى محمود الذي أنكر الشفاعة لأهل الكبائر حيث كانت ردودهم منصبة حول إثبات الشفاعة الأخروية بالأدلة النصية من غير تطرق إلى أدلة من ينكرها على أن الدكتور مصطفى محمود نفسه لم يتحدث عن الشفاعة بذكر أدلة الطرفين والرد عليها، وإنما أجمل بعض أدلة النافين لشفاعة العصاة
من غير مناقشة.
هذا، ولا ريب أن كتب العقيدة والتفسير والحديث قد تطرقت إلى هذا الموضوع كل في مجال اختصاصه، فهو بحاجة الى جمع وتحقيق وبيان وجهة نظر كل فريق على حدة، وعليه فإن هذا البحث لن يكون تكرارا لما سبق، وإنما هو جمع وتحليل ومقارنة بصورة موسعة قدر الإمكان، فالمنهج المستخدم في هذه الدراسة، هو المنهج الإستقرائي التحليلي المقارن المعتمد على الدليل والبرهان، وذلك على النحو التالي: استقراء وتحليل الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وتوضيح أقوال كثير من
العلماء في تفسيرها.
- مقارنة آراء العلماء في الموضوع - محل الدراسة - ومحاولة معرفة وجهة نظر كل
فرقة، ودليلها.
- تحليل أكثر أقوال العلماء، ومحاولة التقريب بينها، مع ذكر الرأي المختار وأدلته
غالبا. (1/9)
صفحة 10
الشفاعة!
الأخروية
- دراسة أكثر الأحاديث النبوية، وبيان مدى صحتها أو ضعفها، قدر الإمكان. وأخيرا أسأل الله تعالى أن أكون قد وفقت في اختيار الموضوع ومعالجته بشكل موضوعي ذاكرا الأقوال وأدلتها، وما جاء من الردود عليها من غير تحيز إلا للدليل الأقوى، والقول الفصل ... كما أرجو من القاريء الكريم توضيح ما يراه غير مناسب للبحث، وتوسيع صدره لما قد يختلف مع ما اعتمده، لأن الكل يبحث عن الحق، وسنة الاختلاف سنة جارية الى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مع أننا وإن اختلفنا في بعض الامور فإننا – والحمد لله - نتفق في الكثير الكثير منها، على أن الباحث لا يزال من طلبة العلم في مراحله الأولى، وقد بذل جهده، ولذلك يهمه - غاية الأهمية التوجيه السديد، والتوضيح المفيد لاسيما من أساتذته الكرام هذا فإن أصبت فبتوفيق من الله، وان أخطأت فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله. (1/10)
صفحة 11
الشفاعة
الأخروية
الفصل الأول
مفهوم الشفاعة وأنواعها
V (1/11)
صفحة 12
[صفحة فارغة] (1/12)
صفحة 13
الشفاعة
الأخروية
المبحث الأول
تعريف الشفاعة لغة واصطلاحا
المبحث الثاني أنواع الشفاعة
المبحث الثالث
الحكمة من الشفاعة وأثرها (1/13)
صفحة 14
[صفحة فارغة] (1/14)
صفحة 15
الشخلعة
الأخروية
المبحث الأول
تعريف الشفاعة لغة واصطلاحا
- الشفاعة في اللغة:
1
الشفاعة لغةً من شَفَعَ يَشْفَع وتشفع أي طَلَبَ واسْتَشفَع بِفُلان على فلان وَتَشفَع لَهُ إليه فَشَفَعَهُ فِيه واسْتَشفَعَهُ طلب منه الشفاعة، أي قال له: كن لي شافعاً. واستَشْفَعْته إلى فلان أي سألته أن يَشْفَعَ لي إليه، وَ تَشَفَعْتُ إِليه في فلان فَشَفَعَنِي
فيه تشفيعا (1) وَتَشَفَعَ صار شافعي المذهب).
ومن معاني كلمة الشفع ما يلي:
1) خلاف الوتر وهو الزوج تقول: كان وتراً فَشَفَعْتهُ شَفْعاً، أَي صَيِّره زوجاً، وهكذا قيل في تفسير قوله تعالى: وَ الشَّفْع والوتر (3) بأن الشفع يوم الأضحى من حيث
(r),
الله
إن له نظيراً يليه والوتر يوم عرفه، وهذا قول الأسود بن يزيد، وقال عطاء الوتر هوا تعالى، والشفع الخلق، وقال الراغب الوتر هو الله من حيث ما له وهو الوحدة من كل وجه والشفع المخلوقات من حيث إنها مركبات، وقيل الوتر آدم – عليه السلام -، والشفع شفع بزوجه، وهو قول ابن عباس، وقيل الشفع: يومان بعد الأضحى، والوتر اليوم الثالث، وقيل الشفع والوتر الصلوات منها شفع ومنها وتر، وقيل في الشفع والوتر: إن الأعداد كلها شفع ووتر).
1) محمد بن منظور، لسان العرب، ط 3، ج 7، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، 1413 هـ - 1993 م، ص 151، محمود بن عمر الزمخشري أساس البلاغة، ط 1 مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1996،ص 232
2) محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس، طبع على مطابع دار صادر، المجلد الخامس دار ليبيا للنشر والتوزيع، بن غازي. 1386 هـ - 1966 م ص 401.
) سورة الفجر، الآية: 3.
4) ابن منظور، لسان العرب، ج 7، ص 153 أحمد بن يوسف الحلبي، عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، تحقيق الدكتور محمد التونجي، ج 2، علم الكتب، بيروت، ص 320، الزبيدي، تاج العروس، المجلد الخامس، ص 399 - 400، مجد الدين الفيروز أبادي، قاموس المحيط، ج 3 دار الحديث، القاهرة، ص 45. (1/15)
صفحة 16
12
الشفاعة
الأخروية
2) الزيادة، كما في قوله تعالى: مَنْ يَشْفَع شَفَاعَة حَسَنَةً يَكُن لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَع شَفَاعَة سَبِئَةِ يَكُن لَهُ كِفْلٌ مِنها) أي من يزد عملا إلى عمل، وقال الراغب: أي من انضم إلى غيره وعاونه وصار شفعا له أو شفيعا في فعل الخير والشر فعاونه أو شاركه في نفعه وضره، وسُئل أبو العباس عن اشتقاق الشفعة في اللغة فقال: «الشفعة الزيادة وهو أن يُشفعك فيما تطلب حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده وتشفعه بها، أي أن تزيده بها أي أنه كان وتراً واحداً فضم إليه ما زاده وشفعه به).
3) الإعانة، وذلك نحو: إن فلاناً شفع لي بالعداوة أي أعان علي، كأنه يُصيّر من
يعاديه شفعا).
من خلال ما تقدم يظهر لنا بأن كلمة الشفاعة ومشتقاتها تحتوي على معنى الطلب والسؤال والضم والزيادة والإعانة والوسيلة فالطلب يكون في الغالب عن طريق السؤال، وتكون نتيجته بضم شيء إلى آخر، وفيه زيادة وإعانة وتوسل.
هذا، ونجد كثيرا من علماء اللغة ذكروا التعريف الاصطلاحي للشفاعة في سياق ذكر التعريف اللغوي؛ إذ غلب في كثير من الأحيان المعنى الاصطلاحي على اللغوي ويظهر ذلك
(4)
(10)
(8)
في تعريف صاحب اللسان للشفاعة إذ يقول: «السؤال في التجاوز عن الذنوب والمعاصي (8) وزاد الجرجاني": «من الذي وقع الجناية في حقه» (1)، وفي هذا التعريف حدد الشفيع ما أراده من الشفاعة، في حين ذكر الإمام الزبيدي تعريفاً أعم للشفاعة وهو: «كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، وشفع إليه في معنى طلب إليه)، وهذا يشمل الشفاعة
(5) سورة النساء، الآية: 85.
(6) ابن منظور، لسان العرب، ج 7، ص 153، الزبيدي، التاج، ج 5، ص 399 أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، الطبعة الأولى، ج 3، دار الجيل، بيروت/ 1411 هـ -
1991 م، ص 201.
ابن منظور، لسان العرب، ج 7، ص 153.
(9) علي بن محمد بن علي أبو الحسن الحسيني الجرجاني الحنفي، ولد سنة 740 هـ، وصار إماماً في العلوم العقلية وغيرها، وطار صيته في الآفاق، وله تصانيف يقال إنها تزيد عن الخمسين منها رسالة في الوجود، والتعريفات، وحاشية على المطالع، والتحفة 00000 توفي في يوم الأربعاء سنة 816 هـ بشيراز ودفن فيها. انظر: محمد بن على الشوكاني، البدر الطالع لمحاسن من بعد القرن السابع، ط 1، ج 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1418 هـ، 1998 م، ص 331.
10) علي بن محمد بن علي الجرجاني، التعريفات، وضع فهارسه محمد باسل، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1420 هـ، 2000 م،
ص 131.
11) الزبيدي، تاج العروس، ج 5، ص 401، وابن منظور، لسان العرب، ج 7، ص 151. (1/16)
صفحة 17
الشفاعة الأخروية
13
الأخروية التي لا تكون إلا بإذن الله ورضاه ولمن ارتضى من عباده، والدنيوية التي يكون مدارها الإنسان سواء أكانت شفاعة حسنة أم سيئة.
وقال الراغب (1): «الشفع ضم الشيء إلى مثله، والشفاعة الإنضمام إلى آخر ناصراً له، وسائلاً عنه، وأكثر ما يُستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى، ومنه في القيامة» (13)، وعرفها أبو البقاء أيوب الكفوي: «سؤال فعل الخير وترك الضر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضراعة، ولا تستعمل لغةً إلا بضم الناجي إلى نفسه من
الشفاعة
(14)
هو خائف من سطوة الغير، و الشفاعة قد تكون بمعنى الدعاء، فقد عن المبرد روي وثعلب أنهما قالا في قوله تعالى: {وَمَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ (10) أن الشفاعة هنا بمعنى الدعاء (17) وهذه التعاريف الأخيرة أقرب إلى الإصطلاح منها إلى التعريف
اللغوي.
أما الشفيع والشافع - والجمع شفعاء - هو الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب، يقال: تَشَفَّعْتُ بفلان إلى فلان فَشَفَّعَنِي فيه، واسم الطالب: شفيع، قال الأعشى:
واسْتَشْفَعَتْ مِنْ سَرَاةِ الحَيِّ ذَا ثِقَةٍ
فَقَد عَصَاهَا
أبُوهَا وَ الذي.
شفَعًا
والشفيع صاحب الشفعة، وصاحب الشفاعة (17).
(1 A).
قال صاحب كتاب العين) والشافع الطالب لغيره، وتقول استشفعت بفلان
(12) الحسين بن علي الأصفهاني أبو القاسم المعروف بالراغب، أديب لغوي مفسر، ذو التصانيف البارعة، مات سنة 502 هـ. انظر خير الدين الزركلي، الأعلام، 10، ج 2، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1992، ص 255.
13) الزبيدي، تاج العروس، ج 5، ص 401، ابن منظور، لسان العرب، ج 7، ص 151، الدكتورة سميرة فراحات، معجم الباقلاني في كتبه الثلاث، ط 1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1411 هـ - 1991 م، ص 252.
14) أيوب بن موسى الكفوي، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أعده للطبع الدكتور عدنان درويش ومحمد المصري. منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق 1974 م، القسم الثالث، ص 75. (15) سورة البقرة الآية: 255 (16) ابن منظور، لسان العرب، ج 7، ص 151، الزبيدي، التاج، ج 5، ص 401 (17) ابن منظور، لسان العرب، ج 7، ص 151 - 152، الزبيدي، التاج، ج 5، ص 400، محمد الرازي، مختار الصحاح، تحقيق يحيى خالد توفيق، مكتبة الآداب، ص 341، الكفوي، الكليات، القسم الثالث، ص 76 إسماعيل بن حماد الجوهري، تاج اللغة وصحاح العربية تحقيق الدكتور إميل بديع يعقوب، والدكتور محمد نبيل الطريفي، ج 3، دار الكتب العلمية، منشورات محمد على بيضون، بيروت،
ص 514
(18) الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي العماني ولد بعمان ثم رحل إلى البصرة، وتوفي بها سنة 170 هـ، له كتاب زالعينس وغيره، إمام اللغة على الإطلاق من عباقرة الدنيا. انظر أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، ج 2، دار الثقافة، بيروت، ص 244. (1/17)
صفحة 18
14
الشفاعة |
ة الأخروية
فَتَشَفَّعَ لي إليه فَشَفَعه، في، والاسم الشفاعة، واسم الطالب الشفيع، قال: زعَمَت مَعَاشِرُ أنني مُسْتَفِعُ لِمَا خَرَجْتُ أَزُورُهُ أَقلامها
أي: زعموا أني أستشفع «بأقلامهم» أي بكتبهم إلى الممدوح. لا: بل استغني عن كتب المعاشر بنفسي عند الملك» (20).
وناقة أو شاة شافع: أي التي في بطنها ولد، أو يتبعها ولد يَشْفَعُها قال الشاعر:
وَشافِع في بطنها لها ولد
ومعها من خلفها لها ولد
وشاةٌ مُشْفَع: ترضع كل بَهْمَة، والشَّفُوعُ من الإبل: التي تجمع بين محلبين في حلبة
احدة (21)
يتبين لنا أن الشفيع والشافع والمُشَفّع بمعنى واحد وهو من يطلب لغيره الشفاعة،
وبيان ذلك:
إن الطالب لنفسه يكون وتراً، وإذا لم ينل طلبه كان الطالب الثاني شافعاً وشفيعاً، لأنه يطلب نفس الطلب له وليس لنفسه .. ولذلك تحدّث بعض العلماء عن عناصر الشفاعة
وهي
:
(22)
(1) المُشفّعُ: «وهو الذي يقبل الشفاعة» (3)، أي المطلوب منه.
المُشفَعُ: وهو الذي تقبل شفاعته، أي الشافع أو الشفيع.
3) المُشفَعُ فيه: وهو الطالب الأول، أي صاحب الحاجة المطلوبة. 4) المُشفَعُ من أجله: وهو الشيء المطلوب المراد تحقيقه للطالب الأول (24).
19) غير معزو، إلا أن الإمام الزبيدي عزاه إلى أبي ليلى في التاج، ص 401.
(20) الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي، والدكتور إبراهيم السامرائي، ج 1، وزارة الثقافة
والإعلام الجمهورية العراقية، دار الرشيد سنة 1980، ص 261.
(21) ابن منظور، لسان العرب، ج 7، ص 151.
(22) من هؤلاء العلماء القاضي عبد الجبار في كتاب شرح الأصول الخمسة»، ص 688 فقد قال بعد أن عرف الشفاعة اصطلاحاً: «ولا الشفاعة بد من شافع ومشفوع فيه، ومشفوع إليه 000، ومن المحدثين فاروق الدسوقي في كتابه: «الشفاعة، أدله الإسلامية، وبيان خطورة الشفاعة الشركية فقد ذكر أن عناصر الشفاعة هي: المشفع عنده والمشفع فيه، والشافع، المشفع من
أجله. (23) ابن منظور، لسان العرب، ج 7، ص 152. (24) بعض هذه العناصر مقتبسة من كتاب الشفاعة «للدكتور فاروق الدسوقي بتصرف شديد، ص 9.
وجوب (1/18)
صفحة 19
الشفاعة الأخروية
الشفاعة في الاصطلاح:
10
تحدث كثير من العلماء عن الشفاعة وبينوا معناها وقد اختلفوا في تعريفها
الإصطلاحي
لفظاً. مع اتفاقهم على وقوعها يوم القيامة، واتفاقهم على معناها الإجمالي، اللهم إلا ما ورد من خلاف في إطلاقها لسائر الموحدين أو تحديدها للتائبين منهم. ومما لا ريب فيه أن الشفاعة الأخروية تقع للمؤمنين بلا خلاف وهي غير واقعة للمشركين الكفار، وإنما الخلاف في وقوعها للموحدين المصرين على كبائر الذنوب والمعاصي، ولذلك يظهر في بعض التعاريف الإصطلاحية للشفاعة تحديدها بنوع معين من أنواع الشفاعات، ومن تلك التعاريف:
1 - تعريف الإمام السالمي (25): طلب تعجيل دخول الجنة أو زيادة درجة فيها من الرب عز وجل لعباده المؤمنين (3)،: فيظهر لنا من هذا التعريف أن الإمام السالمي - رحمة الله - يحصر الشفاعة في تعجيل دخول الجنة، ورفع درجة المؤمنين فيها، إذ إنه لا يرى جواز الشفاعة للموحدين من أهل الكبائر إلا بعد أن يتوبوا من غيهم، ويعودوا إلى رشدهم، وما ذكره من الشفاعة في دخول الجنة ورفع الدرجات فيها لم يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بدليل أحاديث الشفاعة العامة الدالة على ذلك كما سيأتي، بإذن الله
تعالي (27)
2 - تعريف العلامة الخليلي (28) ـ حفظه الله -: «توسط أحد بين ذي حق ومن عليه
25) عبد الله بن حميد السالمي العماني نور الدين، ولد بالحوقين من أعمال الرستاق سنة 1286 هـ، كان ضرير البصر فاتح البصيرة، حاد الذكاء قوي الحفظ، من الأئمة المجددين، أحيى الإمامة على منهاج الخلفاء الراشدين، ذو التصانيف الكثيرة المفيدة، توفي - رحمه الله- بتنوف قرب نزوى سنة 1332 هـ. انظر: مقدمة جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، علق عليه أبو اسحاق اطفيش، وإبراهيم العبري، ط 12، المطابع الذهبيه، روي سلطنة عمان 51413 - 1993 م. 26) عبد الله بن حميد السالمي، مشارق أنوار العقول، تحقيق عبد المنعم العاني وتعليق سماحة مفتي سلطنة عمان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، دار الحكمة 1416 هـ - 1995 م ص 373. (27) وقد اتفق العلامة عمرو الثلاثي مع العلامة السالمي حيث عرف الشفاعة بقوله: «سؤال النبي - - من الله بالإذن للمؤمنين في دخول منازلهم في الجنة بعد الفراغ من الحساب، وبعد سؤال المؤمنين النبي أن يرسل لهم من الله ذلك الإذن» انظر: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، ص 654. (28) هو أحمد بن حمد بن سليمان بن ناصر الخليلي علامة معاصر مفتي سلطنة عمان شخصية علمية بارزة من ولاية بهلا بعمان ولد في زنجبار يوم الاثنين سنة 1361 هـ، ثم عاد إلى وطنه الأصلي عمان سنة 1384 هـ. يتميز سماحته بتواضع جم وخلق رفيع وزهد عظيم وذكاء حاد، وهمة عالية لا تعرف الملل ولا يقربها السام، نشأ عصامياً إذ لم يلتحق سماحته بمدرسة نظامية فتفجرت ينابيع الحكمة في صدره، وانطلق بيان الحجة من لسانه، ووعى صدره معظم فنون المعرفة في وقتنا الحاضر، يجمع بين الأصالة والمعاصرة بلا إفراط ولا تفريط، ولذلك كتب الله تعالى له القبول عند العامة والخاصة، والموافق والمخالف، لأنه لا ينشد إلا الحق، ولا يبتغي إلا وجه الله تعالى له محاضرات وندوات ولقاءات ومشاركات يصعب عدها ويتعذر حصرها، وله = (1/19)
صفحة 20
16
الشفاعة الأخروية
الحق لعفو ذي الحق عن حقه سواء أكان الحق عينياً أم اعتبارياً، وهي تنبئ عن مكانة الشافع لدى المشفوع إليه، وتعود ثمرتها إلى المشفوع له (39).
ولا
وهذا التعريف يصلح للشفاعة الدنيوية (30) والأخروية إذ لم يحدد فيه الزمان والمكان،
أن الشفاعة الدنيوية منها الحسنه ومنها السئية كما بينتها آي القرآن الكريم، ريب تختلف عن الأخروية اختلافاً كبيراً، إذ إن متعلق الأولى الإنسان الضعيف المحدود وهي:
المتغير، أما متعلق الثانية فهو الرب القوى المطلق الثابت.
- تعريف العلامة سعيد بن خلفان الخليلي (3) - رحمه الله -: «الإعانة بالتوسل الى الله في موقف الحساب، في طلب الإذن منه للمؤمنين بالمصير الى دار الثواب (32) ويظهر من هذا التعريف أنه يختص بالشفاعة في دخول المؤمنين الجنة وهو نوع من أنواع
الشفاعة الأخروية.
- مؤلفات كثيرة في الفقه والدعوة والتفسير والعقيدة منها: جواهر التفسير والحق الدامغ وشرح غاية المراد، ووحي السنة 00000 يقوم بدور الإفتاء في السلطنة وهو عضو لجنة التظلمات وخطيب بجامع السلطان قابوس بروي، كما أنه عضو في مجلس
أمناء الجامعة الإسلامية في إسلام آباد في باكستان وعضو في مجمع الفقه الإسلامي بجده.
(29) سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل، مكتبة الاستقامة، ج 3، ص 255. (30) الشفاعة الدنيوية هي طلب إسقاط أو ترك حق من الحقوق الواجبة لله تعالى أو للعباد، تخفيفاً ورحمة للمشفوع له، وإظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع، وعرفها البعض توسل أصحاب الحاجات الدنيوية الذين يعجزون عن إنجازها بمن يقدرون على مساعدتهم في إنجاز حاجاتهم عند أصحاب السلطان. وهي تنقسم بحسب ما جاء في كتاب الله تعالى إلى شفاعة حسنه، وشفاعة سيئة، يقول الله تعالى: «من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها». (النساء:85)، يقول الإمام الزمخشري في تفسيره، ج 1، ص 543، في بيان معنى الشفاعتين: «الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم يؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود الله، ولا في حق من الحقوق، والسيئة: ما كان بخلاف ذلك .... وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم، لأنها في معنى الشفاعة إلى الله، ولا ريب أن في الشفاعة الحسنة نصر للحق، وتأييد له وينال الشفيع بعمله هذا الفوز والشرف والغنيمة في الدنياء عندما ينتصر الحق على الباطل. وقد فسرت الشفاعة الحسنة بإعانة المؤمنين على الجهاد، وشفاعة الإنسان للإنسان ليجلب له نفعاً أو يخلصه من بلاء، أي إعانته على خير يحبه الله ورسوله، فالضابط العام لها هي ما كانت فيما استحسنه الشرع. أما الشفاعة السيئة: فهي أن يشفع في إسقاط حد.، أو هضم حق، أو إعطاء حق لغير مستحق أو محاباة في عمل بما يجر إلى الخلل و الزلل، وإلى ما فيه كراهه وحرمة، ولا شك أن فيها إعانة على فعل السيئات وتضييع الحقوق، فيحل الظلم محل العدل، ويسري الفساد في أوصال الأمة و ويصبح الفساد عاماً، ومن أمثلتها الوساطة في نظير رشوة أو عرض من أعراض الدنيا، أو السعي في إثم، أو إسقاط حد بعد وجوبه، أو الشفاعة في تتميم باطل، أو إبطال حق أو تأخيره وتقديم غيره 00000 إلخ. لمزيد بيان انظر: كتاب الإيمان لابن تيميه ص 78، وأحكام الشفاعة أثرها في الحقوق، لخلدون محمد عقله حماشة، رسالة ماجستير، إشراف الدكتور محمد حسن أبو يحيى، الجامعة الأردنية 1412 هـ - 1992 م، والشفاعة الدنيوية والأخروية للأستاذ الدكتور نشأت عبد الجواد، دار الكتب، جامعة الأزهر، 1416 هـ 31) سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح ولد ببوشر بعمان عام 1231 ه، يتصف بالتواضع والكرم والشخصية القياديه توفي عام 1287 ه. يتمتع بمكانه عاليه و سلطه سياسيه و اجتماعيه ودينيه، عرف عنه التدريس والتأليف ومحاربة البدع له مؤلفات في الفقه والعقيدة والتجويد واللغه أنظر السالمي تحفة الأعيان المطابع الذهبيه، ج 2، ص 247، ومحمد بن عبدالله السالمي نهضة الأعيان، دار الكتاب العربي القاهرة، ص 377 32) سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي تمهيد قواعد الايمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان، ج 2، وزارة التراث القومي سلطنة
عمان، 1407 - 1986 م ص 141. (1/20)
صفحة 21
الشفاعة الأخروية
17
4 - تعريف العلامة محمد رشيد رضا (33): «أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل
أو ترك كان أراد غيره – حكم به أو لا - فلا يتحقق إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل
الشفيع
(34)
(35)
علمه،
وفيما يظهر من كلام صاحب المنار أن هذا التعريف يصلح للشفاعة الدنيوية التي يتأثر فيها الإنسان بمؤثرات نفسية وعاطفية من جهة أو بمؤثرات معرفية يتغير عن طريقها الحكم، إذ يقول: «وهذا محال على الله تعالى، لأن إرادته تعالى على حسب. وعلمه أزلي لا يتغير (39)، ويقول: «لأن الشفاعة المعروفة عند الملوك والحكام – وهي أكبر الشبهات في هذا المقام - مما يستحيل على الله عز وجل، لأن الشفيع هنا يُحْدِثُ في ذهن المشفوع عنده من الرأي والعلم بالمصلحة، وفي قلبه من الميل والأثر ما لم يكن فيهما، فيعفو ويصفح أو يهب ويمنح إما بهذه العاطفة وإما بتلك المعرفة، لأن عمل الإنسان في الدنيا يصدر عن أحد هذين المصدرين في النفس أو عن كليهما، وأما أفعال الله تعالى فهي تابعة لعلمه وحكمته وسائر صفاته القديمة التي يستحيل أن يطرأ عليها تغيير ما، الشفاعة التي يتعلق بها السفهاء المغرورون، وقد نفاها الله تعالى في هذه الآية، وغيرها من الآيات وبيّن فيها وفي آيات أخرى كثيرة جداً أن سعادة الآخرة إنما تنال بالأعمال الصالحة. مع الإيمان الصحيح المؤثر في الوجدان المصرف للإرادة في
وهذه هي
(36)
الأعمال» (1)
وعليه، فقد حمل صاحب المنار الشفاعة الواردة في الآيات القرآنية على أنها دعاء يستجيبه الله تعالى، بدليل أن النبي - - يسجد يوم القيامة ويثني على الله تعالى بثناء يلهمه يومئذ فيقال له: ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع (3)، وليس في الشفاعة
(33) محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن علي خليفة البغدادي الأصل، الحسني النسب أحد رجال الإصلاح الإسلامي، من العلماء بالحديث والأدب والتاريخ والتفسير، ولد في القلمون من طرابلس ورحل إلى مصر سنة 1315 هـ. واتصل بالشيخ محمد عبده وتتلمذ له، وأصدر مجلة المنار، وتفسير القرآن والوحي المحمدي، والوهابيون والحجاز، توفي بمصر ودفن فيها، سنة 1354 هـ - 1935 م. انظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، ط 2، ج 6، مطبعة كوستا توماس وشركائه، 1374 هـ -
1955 م، ص 361.
(34) محمد رشيد رضا، تفسير القرآن العظيم المشهور بتفسير المنار، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 1، ص 253. (35) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 1 ص 253
(36) المرجع السابق، ج 3، ص 16.
37) أخرجه مسلم، الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ج 1، ص 124. (1/21)
صفحة 22
18
الشفاعة الأخروية
بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع، وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه، وليس فيها أيضاً ما يقوي غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتماداً على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله لله، وأنه لا ينفع أحداً في الآخرة إلا طاعته ورضاه {فَمَا تَنْفَعُهُم شَفَاعَة
(TA)
الشَّافِعِينِ، فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} (38) {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى (30 - 40).
وقد سبقه إلى هذا المعنى الإمام الرباني العلامة سعيد بن خلفان الخليلي – رحمه الله - وذلك عندما ذكر النصوص الدالة على دعاء الملائكة والمؤمنين بالصلاة والتسليم على نبينا الكريم ودعاء حملة العرش بالغفران للتائبين، واستغفار النبي - - وغيره من الأنبياء للمؤمنين والمؤمنات، ودعاء أهل الجنة فيها لبعضهم، ودعاء الملائكة هم 0000 حيث قال بعد ذلك: «وما شفاعة الرسول إلا نوع دعاء بخير من جنس هذا الدعاء المنقول، فكيف. يصح العدول بها عن أشباهها عند من له أدنى مسكة من أهل العقول (4).
(EN)
وبهذا يتضح أن العلامة محمد رشيد رضا أقرب إلى القول بعدم جواز الشفاعة لمن أصر على كبائر الذنوب، فيقول: «فالشفاعة المعروفة التي يغتر بها الكافرون والفاسقون ويظنون أن الله تعالى يرجع عن تعذيب من استحق العذاب منهم لأجل أشخاص ينتظرون شفاعتهم هي مما يستحيل على الله تعالى لأنها - وهي من شأن أهل الظلم والبغي- تستلزم الجهل وهو ذو العلم المحيط» (42).
وقد وافقه على هذا المعنى شيخنا العلامة الخليلي - حفظه الله حيث يقول: «ولا إشكال في ثبوت الشفاعة المشار إليها لرسول الله - - فإنها لا تنافي كون الله تعالى لا تبديل لكلماته ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وإنما هي كما قيل دعاء من النبي - - في الموقف العظيم الذي تتقطع فيه الألسن عن ذكر ما يعني الغير، ولا تشتغل فيه القلوب إلا بما يهم أصحابها، وفي استجابة الله تعالى لدعائه - دلالة على مكانته عنده،
(38) سورة المدثر، الآية: 48 (39) سورة الأنبياء، الآية:28.
40) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 3، ص 15 - 16
41) سعيد بن خلفان الخليلي تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة
عمان، 1407 هـ - 1986 م، ح 2، ص 144. (1/22)
صفحة 23
بالشفاعة الأخروية
19
وعنوان على قدره بين الناس (3)).
والذي حمل صاحب المنار إلى هذه الحقيقة، حيث فسر الشفاعة بذلك المعني هو أن اليهود كانوا كغيرهم من أمم الجاهلية وأهل الملل الوثنية كقدماء المصريين واليونان يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا، فيتوهمون أنه يمكن تخلص المجرمين من العقاب بغداء يدفع بدلاً وجزاء عنه كما يستبدل بعض حكامهم منفعة مالية بعقوبة بدنية أو بشفاعة من بعض المقربين إلى الحاكم يُغيّر بها رأيه ويفسخ إرادته، ولقد اكتسح الإسلام هذه العقائد وآثارها العملية بالتوحيد الخالص، وأتى بنيانها من القواعد، ولكن المسلمين لم يسلموا منها فقد دخل في الإسلام أقوام يحملون أوزاراً مما كانوا عليه من الوثنية، ولم يلقنوا الدين من القرآن ولا كما أرشد القرآن، ولكنهم تقلدوه ممن لا يعرفه حق المعرفة ولقنوه - كما ترشد إليه كتب التقليد - من مصطلحات مبتدعة، فكانوا على بقية مما كان عندهم وعلى جهل بالإسلام، وجاء قوم آخرون تعمدوا الإفساد فجعلوا بالتأويل الباطل حقاً، والكذب صدقا).
ومن الظاهر لمن تدبر كلامه أنه يرى أن اعتقاد الشفاعة لمن مات مصراً على الكبيرة غير تائب منها من المعتقدات التي سرت إلى هذه الأمة من معتقدات الأمم الأخرى الذين كانوا يسوغون لأنفسهم ارتكاب الموبقات، والإنغماس في أنواع الخطايا ويمنون أنفسهم الفوز والسعادة بشفاعة الشفعاء غير ملتفتين إلى وعيد الله تعالى (45).
(17)
(47)
ه - تعريف العلامة السفاريني (46): «سؤال الخير للغير)، وزاد الشوكاني (48): طلب
43) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 263. 44) محمد رشيد رضا تفسير المنار، ج 1، ص 252. 45 الخليلي، جواهر التفسير، ح 3، ص 265.
46) محمد بن احمد بن سالم السفاريني، عالم بالحديث والأصول والأدب، محقق، ولد في سفارين ورحل إلى دمشق، فأخذ عن علمائها، من كتبه «الدرر المصنوعات من الأحاديث الموضوعات»، «لوائح الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية» 0000 إلخ، توفي بنابلس سنة 1188 هـ - 1774 م. أنظر خير الدين الزركلي، الأعلام، ط 2، 6، مطبعة كوستا توماس وشركانه،1372 هـ - 1955 م ص 240. (47) محمد بن أحمد السفاريني لوائح الأنوار السينية ولواقح الأفكار السنية، ط 1، ج 2، مكتبة الرشيد بالرياض 1415 هـ - 1994 م، ص 246.
(48) محمد بن على محمد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني، ولد يوم الاثنين سنة 1173 هـ، في بلده هجرة شوكان نشأ بصنعاء، وأخذ في طلب العلم، وفرغ نفسه للطلب وجد واجتهد، وتوفي ليلة الأربعاء سنة 1250 هـ، أنظر: محمد بن على الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الدراية والرواية في علم التفسير، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ج 1، ص 4. (1/23)
صفحة 24
وسؤال الخير للغير
(49)
الشفاعة
الأخروية
6 - تعريف ابن الأثير (0): «السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم» (1).
(OT)
(or)
- تعريف النسفي (2): «اسم لطلب التجاوز عن أمور مخوفة، وشدائد موبقة (53).
(01).
- تعريف التهانوي (4) سؤال فعل الخير، وترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل التضرع» (50). 9 - تعريف ابن عاشور (1): «السعي والوساطة في حصول نفع أو دفع ضر سواء كانت الوساطة بطلب من المنتفع بها، أم كانت مجرد سعيا المتوسط (57).
(07)
10 - تعريف محمد جواد مغنية: «العفو والغفران للمذنب، ولن تكون الشفاعة عند الله إلا بإذن من الله (8).
يلاحظ أن هذه التعاريف تعم كل الموحدين ممن شهدوا الشهادة، إذ يتجاوز الله تعالى- بشفاعة الشفيع - عن ذنوبهم وجرائمهم، وعن الأمور المخوفة والشدائد الموبقة، وكل ذلك فيه خير للغير، وجلب لمنفعة ودفع المضرة ... وذلك على عكس التعاريف
(49) الشوكاني فتح القدير، ج 1، ص 82
50) علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، ولد ونشأ في جزيرة أم عمر، وسكن الموصل وتجول في البلدان، من تصانيفه: «الكامل»، و «أسد الغابة في معرفة الصحابة»، و «اللباب»، و «الجامع الكبير في البلاغة، توفي في الموصل سنة 630 هـ - 1233 م. أنظر الزركلي، الأعلام، ط 10، ح 4 دار العلم للملايين، بيروت، 1992، ص 331. 51) علي محمد الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق محمود محمد الكناجي وظاهر احمد الزاوي، ط 2، ح 2، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، مادة شفع، ص 485. (52) ميمون بن محمد بن محمد معبد مكحول، أبو المعين النسفي الحنفي، عالم بالأصول والكلام، كان بسمرقند وسكن بخارى، من كتبه: «بحر الكلام»، «تبصرة الأدلة»، و «العالم والمتعلم» ... إلخ، توفي سنة 508 هـ - 1115 م. انظر: الزركلي، الأعلام، 2، ج 8، مطبعة كوستا توماس وشركاه 1376 هـ - 1956 م ص 301.
(53) ميمون بن محمد النسفي تبصرة الأدلة تحقيق كلود سلامة، ط 1، ج 2، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق،
1993 م ص 795
54) محمد بن علي بن الشيخ علي بن القاضي محمد حامد بن محمد صابر الفاروقي السني الحنفي التهانوي، من مؤلفاته: «كشاف اصطلاحات الفنون»، «سبق الآيات في نسق الآيات كانت وفاته بعد سنة 1158. أنظر: مقدمة كشاف اصطلاحات الفنون، ط 1، ج 1، ص 4
55) محمد علي بن علي التهانوي كشاف اصطلاحات الفنون، ط 1، ج 2، دار الكتب العلميه، بيروت، 199851418 م، ص 504. 56) محمد الطاهر بن محمد الشاذلي بن القادر بن محمد بن عاشور نقيب أشراف تونس وكبير علمائها محمد الصادق، «باشا»، له كتب منها هدية الأريب، شفاء القلب الجريح، حاشية على القطر لابن هشام، توفي بتونس سنة 1284 هـ - 1868 م. انظر: الزركلي، الأعلام، ط 2، ج 7، ص 43
57) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 1، الدار التونسية للنشر، ص 486.
58 محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، ط ا، دار العلم للملايين بيروت، ص 9 (1/24)
صفحة 25
الشفاعة،
الأخروية
21
الأولى ()، فإنها تختص بالشفاعة الأخروية على من بقي على عهد الإيمان، ومات تائبا
للرحمن.
هذا وقد توسط العلامة محمد الطباطبائي في تعريف الشفاعة اذ عرفها بقوله: «التوسط في ايصال نفع أو دفع شر بنحو الحكومة دون المضادة، فهي من مصاديق السببية، لأنها توسط السبب المتوسط القريب بين السبب الأول البعيد ومسببه (10).
(1.)
ويظهر أن العلامة الطباطبائي حاول أن يتوسط في كلامه حيث جعل الشفاعة الأخروية كسبب من الأسباب المؤثرة في نشر رحمته تعالى ونعمته مؤكداً أن الشفيع لا يُبطل قانون المجازاة، وإنما تكون شفاعته بإذنه تعالى ورضاه.
وقد تبين أن الشفيع لا يطلب من المولى أن يُبطل مولوية نفسه، وعبودية عبده فلا يعاقبه، ولا أن يُبطل قانون المجازاة عموماً أو خصوصاً، بل يتمسك الشفيع إما بصفات
(71)
في المولى الحاكم توجب العفو والصفح كسؤدده وكرمه وسخائه وشرافة محتده، وإما صفات في العبد تستدعي الرأفة والحنان، وتثير عوامل المغفرة كمذلته ومسكنته وحقارته وسوء حاله، وإما بصفات في نفسه كقربه إلى المولى وكرامته وعلو منزلته عنده فهو يثبت الشفاعة بمعنى التوسط في السببية والتأثير، لأنه تعالى يبتدئ منه التأثير وينتهي إليه السبب، فهو المالك للخلق والإيجاد على الإطلاق، وجميع العلل والأسباب أمور متخللة متوسطة بينه وبين غيره لنشر رحمته التي لا تنفذ، ونعمته التي لا تُحصى إلى خلقه، كما أنه تفضل علينا بالدنو في حين علوه فشرع الدين ووضع فيه أحكاماً وتبعات من الثواب والعقاب، وأرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، وقامت بذلك الحجة ... فالشفاعة ثابتة بمعنى الشافعية لأن كلا من صفاته متوسطة بينه وبين خلقه في إفاضة الجود وبذل الوجود فهو الشفيع في الحقيقة على الإطلاق، وغيره تعالى لو كان شفيعاً فإنما هو بإذنه وتمليكه (12).
(62)
59) أي تعاريف من قيد الشفاعة للتائبين غير المصرين كالتعريف رقم 4.3.2.1.
60) محمد حسين الطباطبائي الميزان في تفسير القرآن، الطبعة الثالثة، ج 1، الأعلمي للمطبوعات، بيروت،1397 - 1973 م، ص 159.
61) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ط 3، ج 1، ص 159.
(62) المرجع السابق، جـ 1، ص 160. (1/25)
صفحة 26
22
فالشفاعة
الشفاعة الأخروية
مع العلامة الطباطبائي ثابتة.، ومع ثبوتها فإنه يتحفظ إذ يقول: «فقد ثبت بما مر صحة تحقق الشفاعة عنده تعالى في الجملة فيما لا يوجب محذورا لا يليق
(63)
بساحة كبريائه تعالى (()
ويقول كذلك: «ولا معنى للإطلاق في السببية والتأثير فلا السبب يكون سبباً لكل مسبب من غير شرط، ولا مسبب واحد يكون مسبباً لكل سبب على الإطلاق، فإن ذلك يؤدي إلى بطلان السببية وهو باطل بالضرورة (64). وكأنه يشير بهذه العبارات إلى أن السبب قد لا يصلح لكل مسبب والعكس، إذ تختلف قلوب البشر ونفسياتهم، كما تختلف جرائمهم وأفعالهم، ومن هنا شرط الله تعالى لشفاعة الشافعين الإذن والارتضاء، فمن كان مرضياً عند الله تعالى، أذن سبحانه بالشفاعة له بعكس من لم يكن مرضياً، وذلك على الخلاف الوارد فيمن هو المرضي؟ كما سيأتي بيانه في محله.
وأقول: بأن نظام السببية والتأثير إنما يعود في الحقيقة إلى الله تعالى، فما من شيء يحدث في الكون بأسره إلا بحسب إرادة الله تعالى، والأسباب ما هي إلا عوامل ظاهرية مؤثرة لتنفيذ إرادة الله الأزلية. وقد حكم الله تعالى منذ الأزل وقدر الأقدار، وسبب الأسباب بعلمه وعدله وحكمته، وبيّن للناس الحق والباطل والخير والشر، والصواب والخطأ، كما وعد وتوعد، وبشر وأنذر وجعل فريقا في الجنة وفريقا في السعير لا ثالث لهما، كل ذلك ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَينَةِ وَيَحْيِي مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهُ لَسَمِيعٌ
(10)
-
عَلِيمٌ، فلا واسطة بين الله وعباده، ولا شفاعة لتغير مراده، والإنسان - بجانب ذلك - مطالب بالأخذ بأسباب النجاة ولا يجوز له أن يتواكل، فيكون وسطا بين إيمانه بقضاء الله وقدره وبين الأخذ بالأسباب إذ الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية صريحة وواضحة ومبينة لما يطلبه الله من عباده وهو الاستسلام التام المطلق للواحد الديان، فلا ينفع الإنسان تعلقه بخيوط من الأوهام، بل عليه أن يكون مؤمناً حق الإيمان، يتصف بصفات المؤمنين، ويسلك المسلك الصحيح الأسلم، وأن لا يترك لشياطين الإنس والجن مجالا في
(63) المرجع السابق، جـ 1، ص 161. 64) المرجع السابق، جـ 1، ص 162. (65) سورة الأنفال، الآية: 42. (1/26)
صفحة 27
الشفاعة الأخروية
23
(11)
نفسه وإلا ندم حين لات مندم، وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) هذا وقد قسم العلامة السبحاني الشفاعة إلى ثلاثة أقسام هي:: الشفاعة التكوينية
والشفاعة القيادية، والشفاعة المصطلحة، وشرح كلا منها على النحو التالي: أما الشفاعة التكوينية: فإن تأثير كل ظاهرة كونية في أثرها ومعلولها بإذنه سبحانه، ولا يتحقق إلا مقترناً به، ولأجل ذلك سمى سبحانه السبب الكوني شفيعاً، لأن تأثيره مشروط بأن يكون إذنه سبحانه منضماً إليه فيؤثران معاً، يقول سبحانه: إن رَبِّكُمُ اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي سَنةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُم اللهُ رَبِّكُمْ فَاعْبُدُهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) والمراد من الشفيع هو الأسباب والعلل المادية الواقعة في طريق وجود الأشياء وتحققها (18) وهو بهذا التعريف يتفق. مع العلامة الطباطبائي
(79)
(17)
(70)
أما الشفاعة القيادية: فهو قيام الأنبياء والأولياء والأئمة والعلماء والكتب السماوية مقام الشفيع والشفاعة للبشر، لتخليصهم من عواقب أعمالهم وسيئات أفعالهم، فهذه الشفاعة توجب أن لا يقع العبد في عداد العصاة، فالله تعالى يقول: {وَأَنْذِر بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِم لَيْسَ لَهُم مَنْ دُونِهِ وَلِي وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ} والضمير المجرور في «به» يرجع إلى القرآن، ومن المعلوم أن ظرف شفاعة القرآن هو الحياة الدنيوية فإن هدايته تتحقق فيها، وإن كانت نتائجها تظهر في الحياة الأخروية، فمن عمل بالقرآن قاده إلى الجنة (21).
أما الشفاعة المصطلحة: فهي وصول رحمته سبحانه ومغفرته وفيضه إلى عباده عن طريق أوليائه وصفوة عباده، فإنه سبحانه قد جعل دعاءهم في الحياة الدنيوية سببا لذلك حيث قال: {وَلَوْ أَنَّهُم إذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُم
(66) سورة الزمر، الآية 47. 67) سورة يونس، الآية: 30.
68) محاضرات السبحاني، بقلم حسن محمد العاملي، الإلهيات، ط 2، الدار الإسلامية، ص 840. (69) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، جـ 1، ص 160.
70) سورة الأنعام، الآية: 51. (71) محاضرات السبحاني، بقلم حسن محمد مكي العاملي، الإلهيات، جـ 2، الدار الإسلامية، ص 841. (1/27)
صفحة 28
24
الشفاعة
الأخروية
الرَّسُول لَوَجَدُوا اللهَ تَوَاباً رَحِيماً) (3)، لا سيما وأن دعاء الصالحين من المؤثرات الواقعة نظام العلة والمعلول ... وبذلك تقدر على إرجاع الشفاعة المصطلحة إلى قسم
سلسلة في
من الشفاعة التكوينية بمعنى تأثير دعاء النبي - ه - في جلب المغفرة (73). والحق: أن هذا التقسيم الذي جاء به السبحاني لم ينص عليه دليل شرعي واضح، كما أنه لم يقله أحد من العلماء حسب اطلاعي، بل هو من الاستنتاجات التي يوافق عليها أو يُخالف، وقوله تعالى ما مِنْ شَفِيعِ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ (بيان لاستبداده تعالى في التدبير والتقدير، ونفي للشفاعة على أبلغ وجه، فإن نفي جميع أفراد الشفيع بمن الإستغراقية يستلزم نفي الشفاعة على أتم الوجوه ... وفي ذلك تقرير لعظمته سبحانه (25) دليل على العزة والكبرياء.
الله
وأما قوله تعالى: {وَأَنْذِر بِهِ الذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا ... فلا تتحدث الآية عن شفاعة القرآن، وإنما مفادها: وأنذر يا محمد بالقرآن الذي أنزلناه إليك، القوم الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم، علماً منهم بأن ذلك كائن فهم مصدقون بوعد ا عاملون بما يرضي الله، دائبون في السعي، فيما ينقذهم من عذاب الله، {لَيْسَ لَهُم مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلي أي ليس لهم من عذاب الله إن عذبهم وولي له ينصرهم فيستنقذهم منه
ووعيده
وَلا شَفِيع الله يشفع لهم عند الله تعالى ذكره فيخلصهم من عقابه لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أنذرهم كي يتقوا الله في أنفسهم فيطيعوا ربهم، ويعملوا لميعادهم، ويحذروا سخطه باجتناب معاصيه، على أن القرآن الكريم لا يشفع إلا لمن عمل به، فطبق أوامره، وابتعد عن نواهيه، ورغب في وعده، وخاف من وعيده، وصدق الله العظيم إذ يقول: فذكر بالقُرْآن مَنْ يَخافُ وعبد).
وأما قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُم إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُم الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَاباً رَحِيماً) فقد بين الله تعالى أن استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم – لهم،
(72) سورة النساء، الآية 46. (73) المرجع السابق، ج 2، ص 843.
74) سورة يونس، الآية.
75) الألوسي، روح المعاني، ج 11، ص 65.
(6) سورة ق. الآية: 45.
77) سورة النساء، الآية 46. (1/28)
صفحة 29
الشفاعة الأخروية
25
إنما هو مشروط في الآية باستغفارهم لأنفسهم، ولا ريب أن استغفارهم هو رجوعهم إلى الله تعالى، وإقلاعهم عن ظلم أنفسهم وتلك هي التوبة الحقة التي دعا إليها الله ورسوله. ذلك التفصيل لأقسام الشفاعة، إلا أن العلامة السبحاني يرفض الإعتقاد ومع
بالشفاعة المطلقة، إذ يقول: «الاعتقاد بالشفاعة المطلقة المحررة من كل قيد، مرفوض في منطق العقل والقرآن، والمراد من المطلقة هو أن الأنبياء يشفعون للإنسان يوم القيامة وإن فعل ما فعل، إذ عند ذلك يستمر ويتمادى في أعماله الإجرامية، وأما الشفاعة ذلك» المحددة بشرائط في المشفوع له والشافع، فلا توجب.
مَسَهُم
(78)
وهذا هو عينه الذي قرره من لم ير الشفاعة للمصرين على الكبائر، إذ الإصرار ينافي الإيمان ويحبط الأعمال، فمن شروط الشفاعة المقبولة عندهم عدم الإصرار على المعاصي والذنوب، لأن في ذلك مداومة للمعصية، وتحديا لله تعالى القائل: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقُوا إِذا طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانُ تَذَكَرُوا فَإِذا هُم مُبْصِرونَ) فكيف يكون الله تعالى شافعاً لمن ضيع حدوده، وانتهك حرماته، وظلم نفسه فانحط في الرذيلة، وتمرغ في أوحال الفاحشة وتعدى على عباد الله بالقتل والنهب والسرقة والسلب والغش والخيانة فلم يكن له من الدين إلا اسمه، ولم يلتزم بحقيقته ولم يعمل بأمره، فهيهات هيهات أن يشفع له أحد، إلا أن يتوب إلى ربه، ثم يُشفع له في قبول توبته أَفَحَسِبْتُم أَنَّمَا خَلَقْنَاكُم عَبَثًا وَانَكُم إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (8).
ولئن كان زمننا هذا هو زمن النظريات والاتجاهات والعقائد والديانات، والكل يدعي السلامة لمنهجه، والعصمة لطريقته، والإستقامة لدعوته، كان على الإنسان أن يختار الأسلم من السالم، حتى يُروّض نفسه الأمارة بالسوء من كل شبهة، وهي: تتقلب في هذه الحياة بين منعطفات كثيرة، ومزالق عديدة، إذ لا يحميها من شرها إلا الأساس القوي المتين، المعتمد على الخضوع التام، والإستسلام المطلق لواجب الوجود، القائل مخاطبا
78) السبحاني، الإلهيات، ج 2، ص 844.
79) سورة الأعراف الآية: 201. 80 سورة المؤمنون، الآية: 115. (1/29)
صفحة 30
26
الشفاعة
الأخرمية
المؤمنين خاصة {أَلَمْ يَأْنِ لِلدِّينَ آمَنُوا أَنْ تُخَشعَ قُلُوبُهُم لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ
الحق
وبالجملة فإن المتأمل في هذه التعاريف يلمس بوضوح مدى اتصال القضية بموضوع الوعد والوعيد، فالقائلون بإنفاذ الوعيد مثل الإباضية لا يعتبرون أن في الشفاعة دفعا للضر إلا في مستوى الدُّنيا، أما في. مستوى الآخرة فهي زيادة في جلب النفع، ومثل هذا الإتجاه واضح غاية الوضوح في تعريف الإمام السالمي والتلاتي الذي
جاء معبرا عن موقف الإباضية.
علمه
أما التعاريف الأخرى: فقد عكست فكرة أصحابها في خلف الوعيد، واعتبرت أن الشفاعة تتمثل في جلب النفع ودفع الضر، والضر هنا هو الكبائر، إلا أن صاحب المنار سلك مسلكا آخر في التعريف اعتمد فيه على التمثيل، وانتهى إلى أن إرادة الله حسب. وعلمه أزلي، فلا سبيل إذن للشافع حيث توافق شفاعته علم الله الأزلي، أما محمد مغنيه فقد أكد على أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا بإذنه وهي بهذا تختلف عن الشفاعة لدى المخلوقين لأنها قد تكون بإذنهم، وقد تكون بدون إذن منهم، أما العلامة الطباطبائي والسبحاني فقد حاولا التوسط، وذلك عندما أثبتا الشفاعة كسبب من الأسباب المؤدية إلى تحقق إرادة الله تعالى من غير إلغاء نظام العقوبة القرآني ويبقى الرأي الصحيح في الدليل القوي، والحجة الساطعة كما سيأتي لاحقا عند توضيح الآراء ومناقشة الأدلة.
(81) سورة الحديد، الآية: 16.
82) الدكتور فرحات الجعبري، البعد الحضاري للعقيدة الاباضية، مطبعة الألوان الحديثة، ص 655 - 656 بتصرف (1/30)
صفحة 31
الشفاعة
/
الأخروية
المبحث الثاني
27
أنواع الشفاعة
بعد أن تحدثنا عن معنى الشفاعة في اللغة والإصطلاح، وذلك بحسب الإختلاف الوارد فيمن يستحقها من أهل التوحيد، فإن هناك شفاعات بعضها متعلق بالملائكة، وبعضها بالعبادات والبعض الآخر بالأشخاص 000 إلخ، إلا أن هذه الشفاعات مضبوطة بشروط تصح بها الشفاعة، كإذن المولى سبحانه للشفيع ورضاه عن المشفوع له 000 ومعظم هذه الشفاعات إنما دل عليها الحديث الشريف، وهي تبين مكانة المُشفَع من الملائكة والعبادات 000 إلى المُتَّفِع سبحانه وتعالى على أن هذه المكانة لا تكون إلا بحسن العقيدة وصحتها، وصدق العمل وإحسانه، لأن الشفاعة الحقيقية المطلقة إنما هي للواحد الأحد، فهو الذي يملك الشفاعة أصالةً، وَيُملِكُها غيره بإذنه ورضاه، إذ هو العليم باستحقاق المستحق لها ممن التزم شريعته وطبق أوامره، وقام بوظيفة الخلافة خير قيام، وهو القائل سبحانه: {قُلْ
للهِ الشَّفاعَةَ جَمِيعاً (3) وعليه فمن أنواع الشفاعة:
المطلب الأول: الشفاعة المتعلقة بالملائكة ودليلها:
(AE)
لقد بين الله تبارك وتعالى شفاعة الملائكة في كتابه العزيز في الآيات التالية: 1 - قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بالقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم وَمَا خَلْفَهُم وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (4) فبعد أن بيّن الله تعالى مقولة الكافرين الشنعاء، وَنَزّه نفسه من اتخاذ الولد ذكر بعض صفات الملائكة كقربهم منه تعالى بسبب. تعالى به من صفات وأحوال، كما أنهم يتبعون قوله إذ لا يسبق قولهم قوله، وعملهم مبني على أمره 000 ومن تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهله
ما خصهم
الله
83) سورة الزمر، الآية 44. 84) سورة الأنبياء، الآية.28 (1/31)
صفحة 32
28
الشخلعة
الأخروي
(10)
للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم (8).
(AT)
يقول الإمام الرازي (86): «وحقيقة المعنى أنهم يتقلبون تحت قدرته في ملكوته، وهو
الله
محيط بهم، وإذا كانت هذه حالتهم فكيف يستحقون العبادة، وكيف يتقدمون بين يديا تعالى فيشفعون لمن لم يأذن الله تعالى له، ثم كشف عن هذا المعنى فقال: {وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى أي لمن هو عند الله مرضي: {وَهُم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} «أي من خشيتهم منه خائفون، ولا يأمنون مكره» (87).
هذا، وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أن الملائكة كسائر مخلوقاته لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله، كما أنهم لا يمكن لهم أن يتعدوا الحدود فيشفعون للكفرة والفجرة، فالله تعالى يقول وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيِّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعِ غَيرَ سَبِيلِ المُؤمِنِينَ نُوَلِهِ ما تولى ونصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (88)، كما يقول سبحانه:
(89)
يحلفون لكم لترضوا عَنْهُم فَإِن تَرْضَوا عَنْهُم فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضَى عَنِ القَومِ الفَاسِقِينَ (8) ولا ريب أن عدم مرضاة الله تعالى عن هؤلاء فيه الطرد من رحمته والبعد عن دار كرامته، ومن هنا كان الواجب على الإنسان أن يستغفر ربه، ويعود إلى خالقه، ويطهر نفسه بالتوبة الصادقة النصوح ليلقى الله وهو راض عنه، فإذا كان لا يسمح للملائكة مع علو قدرهم وطهارة أنفسهم وكثرة عبادتهم، وقربهم من المولى سبحانه بالشفاعة لمن لم يكن مرضياً، فما بالكم بغيرهم من البشر ..
(4.)
2 - قوله تعالى: {وَكَم مِن مَلَكِ في السَماواتِ لا تُعْنِي شَفاعَتْهُم شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى (10)، في هذه الآية دليل آخر على عدم نفع شفاعة الملائكة إلا بعد إذن الله تعالى ورضاه، وهذه الآية تحمل دلائل كلها تشير إلى عظم الأمر، فـ «كم»
85) محمود بن عمر الزمخشري الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيوين الأقاويل في وجوه التأويل، ط 3، ج 3 دار الريان للتراث، القاهرة، ودار الكتاب العربي، بيروت، 1407 هـ - 1987، ص 112.
86) هو العالم المتبحر أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل الشافعي المذهب، المفسر المتكلم الأصولي المتطبب صاحب التصانيف المشهورة، ولد سنة 545 هـ وتوفي سنة 606 هـ انظر: محمد بن عمر الرازي، التفسير الكبير ط 2، ج 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص 10 - 19.
87) محمد بن عمر الرازي، مفاتيح الغيب، ط 1، ج 22، دار الفكر، بيروت، 1401 هـ - 1981 م ص 160.
88) سورة النساء الآية: 115 89) سورة التوبة، الآية: 96. 90 سورة النجم الآية: 26. (1/32)
صفحة 33
البيض اعملة الأسطورية
29
في الآية تشير إلى التكثير، ولفظ «المَلَك» هو أشرف أجناس المخلوقات، و «في السماوات» إشارة إلى علو منزلهم ودنو مرتبتهم من مقر السعادة واجتماعهم على الأمر في قوله:
«شفاعتهم»
لا
(91)
ينفعهم شيئا، ولا يجديهم، وكل ذلك فيه دليل واضح على عدم جدوى
شفاعة الملائكة إلا بإذن الله تعالى ورضاه.
يقول الإمام الطبري (13): «كثير من ملائكة الله لا تنفع شفاعتهم عند الله لمن شفعوا له شيئاً، إلا أن يشفعوا له من بعد أن يأذن الله لهم بالشفاعة لمن يشاء منهم أن يشفعوا له ويرضى .. (93).
فأمر الشفاعة ضيّق، وذلك أن الملائكة مع قربهم وزلفاهم وكثرتهم، واغتصاص السماوات بجموعهم لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئاً قط ولم تنفع، إلا إذا شفعوا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة له ويرضاه، ويراه أهلا
(94)
لأن يُشفع له (1).
ويذكر بعض العلماء أن أول من يشفع من الملائكة جبريل -عليه السلام- وآخرهم
(15)
التسعة عشر الذين على النار، يقول البيجوري (99): «وشفاعة الملائكة على الترتيب فأولهم في الشفاعة جبريل، وآخرهم التسعة عشر التي على النار» (1).
(96)
(97)
ولعل ما يدل على ذلك ما ذكره الإمام القرطبي) عن عبد الله بن مسعود قوله: «يشفع نبيكم رابع أربعة جبريل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم-صلى الله عليه وسلم- ثم الملائكة ثم النبيون ثم الصديقون ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم فيقال لهم: ما
91) محمد بن عمر الرازي، تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب، ط 1، ج 28، دار الفكر، بيروت، 1401 هـ - 1981 م ص 306. 92) محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر الإمام صاحب التصانيف المشهورة، وهو من أهل طبرستان، ولد بها سنة 224 هـ، طوف الأقاليم في طلب العلم، فسمع بمصر والشام والعراق واستمر ببغداد وتوفي بها سنة 310 هـ انظر: أبو عبيد الله محمد الذهبي، تذكرة الحفاظ، ط 3، ج 2، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، بحيدر أباد الدكن، الهند، 1376 هـ - 1956 م، ص 710. 93) محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج 11، دار الكتب العلمية بيروت، ص 524. 94) الزمخشري، الكشاف، ط 3، ج 4، دار الريان للتراث، القاهرة، ص 424. 95) البيجوري: إبراهيم بن محمد أحمد البيجوري، شيخ الجامع الأزهر من فقهاء الشافعية ولد ونشأ بمصر وتعلم في الأزهر، من مؤلفاته: التحفة الخيرية، وتحفة المريد، وتحقيق المقام والدرر الحسان تقلد مشيخة الأزهر سنة 1263 هـ، واستمر إلى أن توفي بالقاهرة سنة 1277 هـ انظر: الزركلي، الأعلام، ط 2، ج 1، ص 66.
96) إبراهيم البيجوري، شرح البيجوري على الجوهرة، القسم الثاني، دار ومطابع الشعب، 1965 م / 1385 هـ، ص 123. 97) محمد بن احمد بن أبي بكر الأنصاري القرطبي، أبو عبد الله المفسر الفقيه المالكي، صاحب الجامع لأحكام القرآن»، توفي سنة
671 هـ (1/33)
صفحة 34
الشفاعة
ة الأخروية
سَلَكَكُم فِي سَقَرِ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ وَلَم نَكَ نُطْعِمُ المِسْكِينَ إِلى قوله: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِين) قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه-: «فهؤلاء الذين
(98)
(100)
يبقون في جهنم» (1). وظاهر هذا الخبر أنه يخالف الحديث المروي عن انس بن مالك أن النبي - - قال: «أنا أول شفيع في الجنة». اللهم إلا إذا كان النبي - ل - أول شفيع في زمرة الأنبياء لا الملائكة، حيث يتراجع كل الأنبياء عليهم السلام فيشفع النبي – صلى الله عليه وسلم - لفصل القضاء بين الناس وذلك في يوم القيامة، و بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا أول الناس يشفع في الجنة، و أنا أكثر الأنبياء تبعاً (101).
'"
-
(102)
على أن حديث عبد الله بن مسعود موقوف مخالف للحديث الصحيح) السابق الذي رواه الإمام مسلم، وذكر المناوي أن الإمام البخاري قد ضعفه (103).
المطلب الثاني: الشفاعة المتعلقة بالعبادات ودليلها
1
لقد شرع الله سبحانه وتعالى للناس العبادات المتنوعة السنوية واليومية، ليصل الإنسان من خلالها إلى أصفى درجات النقاء الروحي، فهي تطهر نفس الإنسان، وتنقي قلبه، وتذكره بخالقه المبديء والمعيد وهي - بلا ريب - تصل به في النهاية إلى التقوى بدليل قوله سبحانه يَا أَيُّها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم الذي خَلَقُكُم وَالذِينَ مِن قَبْلَكُم لَعَلَّكُم تنقُون والتقوى ملاك كُلِّ خَيْرٍ، ويَنْبوع كُل فَضيلة، وأساس كل نعمة، و مصدر كل رحمة، و منبع كل سعادة في الدنيا والآخرة، وحسب المتقي لربه، العامل بأمره، الخائف
(1.1)
98) سورة المدثر، الآية: 42 - 48
(99) محمد بن أحمد القرطبي التذكرة، دار الحديث، ط 1، ص 298 (100) أخرجه مسلم في صحيحه بزيادة ونصه: «أنا أول شفيع في الجنة لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد .. كتاب الإيمان، باب قوله صلى الله عليه وسلم أنا أول الناس يشفع في الجنه، ج 1، ص 130، وأخرجه، أحمد في مسنده برقم (12359)، ج 10، ص 451، وأبو يعلى في مسنده برقم (396)، ج 7، ص 51. 101) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أول الناس يشفع في الجنة»، ج 1، ص 130، و أبو يعلى في مسنده برقم (3967)، ج 7، ص 51، و رقم 3959، ج 7، ص 46، وذكره القاضي عياص اليحصبي في إكمال المعلم بفوائد مسلم كتاب الإيمان، باب: (85)، ح: (196)، ج 1، ص 586.
102) انظر علي بن أبي بكر الهيثمي، مجمع الزوائد و منبع الفوائد، ج 10، مكتبة القدسي، القاهرة، ص 330 103) محمد عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، ج 3، دار الفكر للطباعة والنشر
والتوزيع، ص 42.
104 سورة البقرة الآية: 21 (1/34)
صفحة 35
الشغلعة
الأخروية
31
"
من بطشه و عقابه وغضبه، أن معيته تعالى لا تفارقه، ولطفه سبحانه لا يغادره ونصرته دائماً معه، إذ يقول جل وعلا: إن اللهَ مَعَ الذين اتَّقُوا وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ (1) وقوله: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَاد، وقوله: وكان حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (10) والمؤمنون في الآية هم الذين وصفهم المولى في كتابه العزيز في سورة «المؤمنون» و حصرهم في قوله: إنما المؤمنون الذينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُم إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُون. الذين يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُم يُنْفِقُون • أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُم درَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِم وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَريم (1) و هم لم يصلوا إلى هذه المرتبة العليا، والدرجة الكبرى إلا بعد أداء كل العبادات المفروضة، فان كل عبادة تروض روح الإنسان، وترقق إحساسه، وترهف مشاعره ووجدانه، لما فيها من المعاني النبيلة، و الفوائد الجليلة، التي لا تعد ولا تحصى، بل لا تدرك ولا تستقصى .... و من هنا تواردت الأحاديث الدالة على شفاعة العبادات للإنسان العابد، وكل ذلك يدفع الإنسان إلى الإكثار من العبادة، وإخلاص النية للمعبود سبحانه، حتى ينال تلك الشفاعة فتنفعه القيامة: يوم
(1.4)
يوم لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبِ سَلِيمٍ (10) ومن تلك الشفاعات التي
ورد النص الشرعي بها:
شفاعة الصيام:
الصيام عبادة اختصها الله تعالى بقوله في الحديث القدسي: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَم لَهُ إلا الصِّيامِ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أُجْزِي بِهِ (10).
105) سورة النحل الآية:128 107) سورة الروم الآية: 47.
109) سورة الشعراء، الآية: 89
106) سورة غافر، الآية: 51
108) سورة الأنفال الآية 2 - 4
110) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب فضائل الصوم، ج 3، ص 295، والطبراني في المعجم الكبير عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ «قال الله عز وجل الصوم لي وأنا أجزي به وللصائم فرحتان، فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، رقم ح: (10078)، ج 10، ص 120، وفي المعجم الأوسط كذلك عن أبي هريرة رقم ح: (9042)، ج 9، ص 30، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ: «إن الله عز و جل جعل حسنة ابن آدم بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم، فالصوم لي وأنا أجزي به و للصائم فرحتان، فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم القيامة ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ثم قال الهيثمي: «رواه أحمد والبزار باختصار والطبراني في الكبير وله أسانيد عند الطبراني، وبعض طرقه رجالها رجال الصحيح، و في إسناد احمد عمرو بن مجمع و هو ضعيف» انظر مجمع الزوائد للهيثمي، ج 3، ص 179، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب كتاب الصوم، ترهيب الصائم من الغيبة والفحش والكذب، رقم ح: 2، ج 2، ص 147، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، باب الصائم ينزه صيامه عن اللغط والمشاتمة، رقم ح: (8310)
ج 4، ص 449. (1/35)
صفحة 36
32
الشفاعة.
الأخروية
فالصائم يمتنع في حال صومه عن كل المحرمات، فيحفظ جوارحه عن هجر المقال و قبيح الفعال، ممتثلا في ذلك قول النبي - -: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (11)
ولا ريب أن الصائم الممتثل لحقيقة الصوم يجدد الولاء لمولاه سبحانه وتعالى، ويعقد العزم والنية الصادقة على ذلك طول محياه فهو جدير بشفاعة هذه العبادة، وفي ذلك تكريم له من المولى سبحانه بأن جعل صومه شفيعاً له يوم القيامة يرقى به إلى أعلى الدرجات في الجنات، ويُخلصه من هول ما يلاقيه غيره من عذاب وشدائد وويلات، بدليل ما جاء عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام أي ربي منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: «فيشفعان (12).
شفاعة القرآن:
لقد وردت أحاديث كثيرة تدل على شفاعة القرآن بالإضافة للحديث السابق، وكل تلك الأحاديث تبين أن القرآن الكريم سيشفع لمن أحل حلاله، وحرم حرامه، أي عمل به، إذ القرآن دستور أمة ومنهج حياة، لا بد من تطبيقه في واقع الحياة البشرية بكل ما يحمل من هداية ... ولا يجوز لهذه الأمة، التي أكرمها الله تعالى بهذه الرسالة، وجعلها خير أمة أخرجت للناس أن تستبدل النظريات البشرية، والقوانين الأجنبية لتحل محل القرآن، وإلا فقد حل عليها الخسران المبين، وغضب رب العالمين يقول سبحانه: {أَفَتُؤْمِنُونَ
111) رواه البخاري في صحيحه كتاب الصوم، باب: من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم رقم، ب (8)، و رقم ح: (1903) ص 306، والترمذي في سننه، باب: ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم، رقم ب: (16)، رقم ح: 707، ج 3، ص 87، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح. والبيهقي في شعب الإيمان، بلفظ مشابه، باب تنزيه الصيام عن اللغط والمشاتمة، ج 3، ص 315. وأبو داود في كتاب الصوم، باب الغيبة للصائم، رقم الحديث: (2362)، ج 2، ص 307، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب كتاب الصوم، ترهيب الصائم من الغيبة والفحش والكذب، رقم: 1، ج 2، ص 146، وابن ماجة في سننه في كتاب الصوم، رقم الباب: 21، باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم، رقم ح (1689)، ج 3، ص 182، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصيام باب الصائم يُنزه صيامه عن اللغط، ح (8311)، ج 4، ص 449. 112) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، كتاب فضائل القرآن ج 1، ص 554، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، والبيهقي في شعب الإيمان، باب تعظيم القرآن، ج 2، ص 346، وأحمد في مسنده، ح: 6626، ج 1، ص 188 وأورده الهيثمي في مجمع الروائد باب في فضل الصوم، ج 3، ص 181، ج 10، ص 381، وقال عنه: رواه أحمد والطبراني، في الكبير ورجال الطبراني رجال الصحيح، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب في كتاب الصوم، ما جاء في فضل الصوم ح: 15، ج 2، ص 84. (1/36)
صفحة 37
الشجاعة
الأخروية
33
ببعض الكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعض فَما جَزاءُ مَن يَفْعَل ذَلكَ مِنْكُم إِلَّا خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ العَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَا تَعْمَلُونَ (11) فيظهر من هذا أن شفاعة القرآن إنما هي ا للعامل به، بدليل الأحاديث التالية:
- ما روي عن معقل بن يسار - رضي الله عنه- أ أنه قال: قال رسول الله -: إعملوا بالقرآن أحلوا حلاله، وحرموا حرامه واقتدوا به ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله وإلى أولي الأمر من بعدي، كيما يخبروكم، وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور، وما أوتي النبيون من ربهم، وليسعكم القرآن، وما فيه من البيان فإنه الشافع مشفع، وماحل مصدق، ألا ولكل آية نور يوم القيامة، وأني أُعطيت سورة البقرة من الذكر الأول وأُعطيت طه وطواسين والحواميم من ألواح موسى وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش (114)
(NNE)
- ما روي عن وائل بن عبد الله رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: «القرآن شافع مشفع، وَمَاحِلٌ مُصَدِق من جعله أمامه، قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار» (115).
- ما روي عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله - يقول: «اقروا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غياتيان أو كأنهما فرقان-من طير صواف تحجان عن أصحابهما، اقروا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها إلا البطلة (11).
يوم
113) سورة البقرة الآية: 85.
114) أخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب فضائل القرآن، باب ذكر فضائل سورة وأي متفرقة، ج 1، ص 568، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الضحايا، باب ما حرم على بني إسرائيل، رقم ب: (112)، رقم ح (19706)، ج 10، ص 15، وفي سند هذا الحديث عبيد الله بن أبي حميد وهو ضعيف، حيث قال البخاري عنه: منكر الحديث، وقال أبو داود: ضعيف، ومتروك الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال الدار قطني: ضعيف الحديث وقال أحمد: ترك الناس حديثه. انظر المزي في تهذيب الكمال في أ
أسماء
الرجال، ط 1، ج 19، ص 30 - 31 115) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم ح (10450)، ج 10، ص 244، وانظر الهيثمي في مجمع الزوائد، ج 7، ص 164، وقال عنه: «رواه الطبراني وفيه الربيع بن بدر وهو متروك».
116) أخرجه مسلم في كتاب فضائل القرآن، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، ج 2، ص 197، والبيهقي في شعب الإيمان، باب تعظيم القرآن ج 2، ص 451، و أحمد في مسنده، رقم: (22046)، ج 16، ص 216، رقم ح: 22114، ج 16، ص 237، والحاكم في المستدرك بلفظ مشابه في كتاب فضائل القرآن، ج 1، ص 560، ص 564، والطبراني في المعجم الأوسط، رقم ح: (468)، ج 1، ص 15، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد بلفظ مشابه، ج 7، ص 159 وذكره المنذري في الترغيب والترهيب، كتاب قراءة القرآن الترغيب في قراءة سورة البقرة وآل عمران، رقم: ((4)، ج 2، ص 370,369 والغياتيان: مثنى وهي كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحاب، وفرقان أي قطعتان أنظر الترغيب والترهيب للمنذري، ج 2، ص 370. (1/37)
صفحة 38
34
الشفاعة
الأخروي
- ما روي عن أبي هريرة عن النبي - - قال: «إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي سورة: {تَبارَكَ الذِي بِيَدِهِ المُلْك (17 - 118).
«
القيامة، يوم
إن هذه الأحاديث تدل على أن القرآن الكريم سبب من أسباب الشفاعة لمن قرأه وتدبر معانيه وعمل بأوامره 000 فإن قيل: كيف يشفع القرآن والصيام وهما
>>
عمل العاملين؟ قيل له: قال رسول الله -: (يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب، فيقول: أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك» (11) فقوله يجيء، القرآن، أي ثواب قاريء القرآن، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله - - يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تتقدمه سورة البقرة وآل عمران» وضرب لهما رسول الله - - ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: «كأنهما غمامتان أو ظلتان سود أو أن بينهما شرق أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما 1000 (120) أي خلق الله من يجادل عنه بثوابهما ملائكة، وكذلك يخلق من ثواب القرآن والصيام ملكين كَريمين فيشفعان له، وكذلك إن شاء الله سائر الأعمال الصالحة (12).
(IT)
شفاعة الصلاة على النبي وسؤال الوسيلة له وزيارة قبره
:
-
من أسباب الشفاعة التي بينتها الأحاديث الشريفة الصلاة على النبي - - وهي بمعنى الدعاء والإستغفار لرسولنا الكريم، وهذه الصلاة من المؤمنين لرسولهم الكريم
-- تذكرهم بجهاده واستقامته على منهج الله رغم الأذى إلى أن نصره المولى وأعلى كلمته وأعز جنده، ونشر دعوته في أرجاء المعمورة فدخل الناس في دين الله أفواجاً 000 والمؤمن الحق لابد أن تجيش في نفسه هذه الخواطر الإيمانية، والمعاني
117) سورة تبارك، الآية: 1
الإسناد.
118) أخرجه الترمذي في سننه باب رقم (9)، ما جاء في فضل سورة الملك، ح رقم: (2891)، ج 5، ص 164 وقال: «هذا حديث حسن»، والحاكم في المستدرك على الصحيحين، كتاب فضائل القرآن، ج 1، ص 565، وقال عنه: «هذا حديث صحيح 119) أخرجه أحمد في مسنده برقم (22872)، ج 16، ص 486، وأخرجه الحاكم في المستدرك كتاب فضائل القرآن، ج 1، ص 556، وقال عنه: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وانظر الهيثمي في المجمع، ج 7، ص 160.
120) أخرجه مسلم في كتاب فضائل القرآن، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، ج 2، ص 197، ص 198، وأحمد في مسنده، رقم ح (17569)، ج 13، ص 446. 121) القرطبي التذكرة دار الحديث، ص 306. (1/38)
صفحة 39
الشفاعة الأخروية
35
الجهادية، وهو يذكر النبي ويصلي عليه ويدعو له، وبناء عليه يُكرم الله تعالى ذلك المؤمن الذي سأل الله الوسيلة لرسوله - - فتحل له الشفاعة، كما جاء في الأحاديث الشريفة
ومنها:
- ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي - - يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنه لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة (122).
- ما روي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوما القيامة
(123)
- قوله - -: «: «من صلى على محمد وقال: اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم
القيامة وجبت له شفاعتي
(124)
أما زيارة قبر النبي - - فالخلاف فيها بين العلماء ظاهر، وذلك من حيث الجواز أو الوجوب أو الكراهة أو الندب 000، وليس هذا موضوع بحثنا، وإنما هو في ثبوت الشفاعة لمن زار قبره - -
هذا، وبما أن زيارة قبره - - هي مما يذكر المؤمن برسول هذه الأمة وسلفه المجاهدين، فإن ثبوت تلك الشفاعة يعتمد كذلك على الدليل من أحاديث المصطفى -
-
على أن بعض العلماء قد ضعفها، إلا أن زيارة القبر وحدها لا تكفي لثبوت شفاعة
122) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعة، ج 2، ص 4. وأبو داود في كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا سمع المؤذن، رقم ح: (522)، ج 1، ص 144.
123) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)، رقم ب: (11)، رقم: 4719، ص 817، والترمذي في سننه باب رقم (43)، بعنوان: ما يقول الرجل إذا أذن المؤذن من الدعاء، رقم: ح (211)، ج 1، ص 413، وابن أبي عاصم في كتاب السنه، رقم ح: (826)، ج 2، ص 395، وأبو داود في سننه في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الدعاء عند الأذان، رقم: ح (529)، ص 146، وابن ماجة كتاب الأذان والسنه فيها باب ما يقال إذا أذن المؤذن، رقم ب: (17)، رقم: (722)، ج 2، ص 49.
124) أخرجة الطبراني في المعجم الكبير، برقم (4480)، ج 5، ص 26، وفي المعجم الأوسط، برقم (3285)، ج 3، ص 321، وابن أبي عاصم في كتاب السنة، برقم (827)، ج 2، ص 395، وأورده الألباني في نفس الكتاب ثم قال: «إسناده ضعيف، ورجاله ثقات غير وفاء بن شريح الخضر مي فهو مجهول الحال وابن لهيعة سيء الحفظ»، ج 2، ص 395، وانظر الهيثمي في المجمع، ج 10، ص 163. (1/39)
صفحة 40
36
الشفاعة،
الأخروية
النبي - - ما لم يتمسك الزائر بتعاليم الإسلام وواجبات الدين، فالنبي- - يرد على حوضه أناس يعرفهم ويعرفونه إلا أنهم بدلوا وغيروا من بعده، فيبعدهم ويطردهم، ومن هنا كانت زيارة القبر من أسباب الشفاعة لمن صدق في زيارته، بتطبيق أوامر
المزور والعض بالنواجذ على سنته، ومن الأحاديث الدالة على هذه الشفاعة ما يلي: - ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاءني
زائراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً على أن أكون له شفيعاً يوم القيامة» (125). - ما روي عن عمر أنه قال: سمعت رسول الله - يقول: «من زار قبري أو قال: من زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من
قيامة (126).
- ما
روي
(127)
شفاعتي (17).
الآمنين يوم
عن ابن عمر قال: قال رسول الله - -: «من زار قبري وجبت له
والأحاديث في الزيارة كثيرة إلا أننا لسنا في إطار جمع تلك الأحاديث بل في إطار التمثيل لكل شفاعة بنقل أقوال من أثبتها من العلماء، بغض النظر عن رأي الباحث فيها في هذا الموضع، حتى يتضح للقارئ أنواع الشفاعة بصورة مجملة (128).
الشفاعة بسبب كثرة السجود:
السجود لله رمز العبودية، وهو عبادة يبرهن الإنسان من خلالها عن خضوعه لأمر
125) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن ابن عمر، رقم: ح: (4546)، ج 5، ص 16، وفي المعجم الكبير برقم (13149)، ج 12، ص 291، وانظر الهيثمي في المجمع، ج 4، ص 2، وقال عنه: «رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه مسلمة بن سالم وهو ضعيف، وقال الحافظ بن عبد الهادي في الصارم المنكي ص:38: «حديث ضعيف الإسناد منكر المتن لا يصلح الاحتجاج به ولا يجوز الإعتماد على مثله ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا رواه الإمام أحمد في مسنده ولا أحد من الأئمة، ولا
صححة إمام يعتمد على تصحيحه».
126) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب في المناسك فضل الحج والعمرة، ج 3، ص 489، وكذلك في السنن الكبرى كتاب الحج، باب زيارة قبر النبي - رقم ب: (339)، رقم: ح (10273)، ج 5، ص 403، وقال: «هذا إسناد مجهول». 127) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب في المناسك فضل الحج والعمرة، ج 3، ص 490، وانظر الهيثمي في المجمع، ج 4.
ص 2، وقال: «رواه البزار وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري وهو ضعيف.
128) لقد أورد الإمام السبكي طرق أحاديث الزيارة ورواتها، وقوى تلك الطرق بالجمع بينها، إلا أن العلامة محمد بن أحمد الهادي رد عليه بما يفيد تضعيف تلك الأحاديث ونكارتها، كما ضعف محمد الألباني أحاديث الزيارة جامعاً أقوال العلماء في ذلك في كتابه إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل»، ط 2، ج،4، المكتب الإسلامي، بيروت، 1405 هـ - 1985 م ص 333 - 341، وانظر: تقي الدين السبكي، شفاء السقام في زيارة خير الأنام» لجنة التراث العربي، بيروت، ص 2 - 20، ومحمد بن أحمد بن عبد الهادي الصارم المنكي في الرد على السبكي، مطبعة الإمام، مصر، ص 11 - 83. (1/40)
صفحة 41
الشفاعة الأخروية
37
الله، واستسلامه لحكمه، وقد أمر الله تعالى عباده بالسجود له في آيات كثيرة، ونعى أولئك الذين يقرؤون القرآن ولا يسجدون، رغم ما في القرآن من آيات بينات وحكم وأمثال، وقصص ومواعظ زاجرات، فلا غرو أن تكون هناك شفاعة للذاكرين الساجدين العابدين تحط من هفواتهم، وترفع من درجاتهم، ومن أدلة ذلك:
- ما روي عن زياد بن أبي زياد مولى بن مخزوم عن خادم للنبي - - رجل أو امرأة قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يقول للخادم: «ألك حاجة؟» قال: حتى كان ذات يوم، فقال: يا رسول الله حاجتي، قال: «وما حاجتك؟ قال: حاجتي أن تشفع لي يوما
القيامة.
قال: «ومن دلك على هذا؟ قال ربي. قال: «أما لا فأعني بكثرة السجود (129). - ماروي عن مصعب الأسلمي قال: انطلق غلام لنا فأتى النبي - - فقال: «أسألك ان تجعلني ممن تشفع له يوم القيامة. فقال: «من علمك أو أمرك أو دلك؟ فقال «ما أمرني إلا نفسي»، فقال: «إني أشفع لك»، ثم رده فقال: «أعني على نفسك بكثرة السجود (130).
شفاعة فعل المعروف
أمر الله تعالى عباده بفعل المعروف، وحث على ذلك، وجعل من علامات الإيمان ومنارات الإحسان ما يصدر من الإنسان من قول وعمل، وهو القائل سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البُرِ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان (121)
ومن هنا كان للفعل الطيب الصادق، الذي يخرج من الإنسان بحسن نية أثره الإيجابي على البشر أفراداً وجماعات، فكان فعل المعروف على اختلاف أنواعه وأصنافه مما يشفع للمؤمن المتصف به يوم القيامة بدليل:
- ما روي عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله - - في قوله: فيوفيهم أُجُورِهُم ويزيدهُم مِنْ فَضْلِهِ (13) قال: أجورهم يدخلهم الجنة، ويزيدهم من فضله:
تر
129) أخرجه الطبراني بلفظ مقارب في المعجم الكبير، رقم الحديث (851)، ج 20، ص 365، وانظر الهيثمي في مجمع الزوائد بلفظ مقارب باب ما جاء في الشفاعة ج 10، ص 369، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح»، وأورده كذلك بنفس
اللفظ في المجمع باب فضل الصلاة، ج 2، ص 249، وقال: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح».
130) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم: ح: (851)، ج 20، ص 365.
131) سورة المائدة الآية: 2 132) سورة النساء الآية: 173 (1/41)
صفحة 42
38
الشطاعة الأخروية
الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا) (133)، وهذا لا يثبت كما سيأتي إن شاء الله.
المطلب الثالث: الشفاعة المتعلقة بالأشخاص ودليلها:
لقد ثبتت شفاعة الأشخاص من الأنبياء والشهداء والعلماء 000 بنص حديث
عن رسول الله -:
النبي وهي تدل دلالة واضحة على مكانة الشافع، ففي الحديث عن أبي أمامة - أنه قال: «يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي مثل أحد الحيين ربيعة وقال: أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره (135) ومن
ومضر (134)
رب
هؤلاء الفقراء والصالحون فإن لهم جاهاً كبيراً في الدنيا والآخرة تدفع بدعائهم الشدائد، ربهم ينصر الخلق ويمطرون، ومن دعوا له في الدنيا أفلح، ومن شفعوا له في الآخرة شُفعوا فيه، وكذلك العلماء المذكرون، والداعون إلى الله الأمرون بالمعروف والناهون عن ومن أنواع الشفاعة المتعلقة بالأشخاص:
المنكر (126)
شفاعة الأنبياء - عليهم السلام -:
لا خلاف بين الأمة في ثبوت شفاعة الأنبياء إجمالاً، فهي ثابتة بنص الحديث الشريف (27 (1)، إلا أن بعض العلماء خص النبي - - ببعض الشفاعات التي لا يشاركه فيها أحد.
133) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، رقم ح (5770)، ج 6، ص 53، وابن أبي عاصم في كتاب السنة، رقم ح: (846)، ج 2، ص 408، وقال الألباني في تخريجه: إسناده ضعيف رجاله موثقون غير اسماعيل بن عبد الله الكندي»، أورده الذهبي فقال: «عن الأعمش وعنه بقية بخبر عجيب منكر»، والحديث رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وابن مردويه من هذا الوجه. وقال ابن كثير في تفسيره، ج 1، دار المعرفة، ص 591: «هذا إسناد لا يثبت»، وانظر الهيثمي في المجمع، ج 7، ص 13، وقال عنه: «رواه الطبراني في الأوسط والكبيره، وفيه إسماعيل بن عبدالله الكندي ضعفه الذهبي من عند نفسه، فقال: «أتي بخبر منكر»، وإذا كان هذا الدليل بهذا الضعف فلا أرى صحة هذا النوع من الشفاعة المتعلقة بالعبادات، اللهم إلا إذا ثبت لها دليل آخر، وكان صحيحا. 134) أخرجه الحاكم في المستدرك بلفظ مقارب في كتاب الإيمان، ج 1، ص 71 وبنفس اللفظ في كتاب معرفة الصحابة ج 3، ص 408، من حديث عبد الله بن أبي الجدعاء، وقال: «صحيح الإسناد»، وأحمد برقم (15801)، ج 12، ص 347، ورقم (22116)، ج 16، ص 238، ورقم (22198)، ج 16، ص 263، ورقم (22151)، ج 16، ص 248، والهيثمي في مجمع الزوائد، باب شفاعة الصالحين، ج 10، ص 381، وقال: «رواه أحمد ورجاله ثقاة والمنذري في الترغيب والترهيب في كتاب البعث وأهوال يوم القيامة، فصل في الشفاعة وغيرها، رقم: (106)، ج 4، ص 445، والهيثمي في موارد الظمآن بلفظ مشابه، باب في شفاعة الصالحين، رقم: ب: (16)، ورقم: ح: (2598)، ج 8، ص 301. 135) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب في الزهد وقصر الأمل، ج 7، ص 331، والترمذي في سننه بلفظ مقارب ونصه: «كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك»، باب رقم (55)، بعنوان: مناقب البراء بن مالك، رقم الحديث: (3854)، ج 5،ص 692، الطبراني في المعجم الأوسط، رقم الحديث: (861)، ج 1، ص 264، وانظر الهيثمي في مجمع الزوائد، ج 10، ص 264، والمنذري في الترغيب والترهيب، كتاب التوبة والزهد، الترغيب في الفقر وقلة ذات اليد، رقم ح: (46) ج 4، ص 151.
136) أبو محمد عبد الجليل بن موسى الأندلسي القصري، شعب الإيمان، ط 1، دار الكتب العلمية، 1995 م - 1416 هـ، ص 609. 137) سيأتي ذكر تلك الأحاديث بالتفصيل في المباحث اللاحقة. (1/42)
صفحة 43
الشفاعة
الأخروية
39
فقد ذكر العلامة ابن تيمية (138) ثلاث شفاعات أما الأولى فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء - آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم - حتى تنتهي الشفاعة إليه - عليه وعليهم الصلاة والسلام.
الشفاعة الثانية: يشفع في أهل الجنة أن يدخلوها، والشفاعة الثالثة: يشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، ثم قال: «والشفاعتان الأولى والثانية خاصتان بالرسول - - أما الثالثة فعامة له، ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم (13)
وهي
هذا، وذكر كثير من العلماء بأن هنالك شفاعة خاصة بالنبي - - لا تكون لغيره الشفاعة في عمه أبي طالب، فقد أذن الله لرسوله - - أن يشفع فيه مع أنه كافر، ولكنها شفاعة لم تخرجه من النار، بل كان في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه، قال الرسول - - «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار (140) وليس هذا من أجل شخصية أبي طالب لكن من أجل ما حصل من دفاعه عن النبي -- وعن أصحابه (14).
شفاعة الشهداء والصديقين:
للشهداء والصديقين مرتبة كبرى، ومزية عظمى يوم القيامة فقد ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز مع النبيين عندما قال سبحانه أولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النبيين والصديقين والشهداء (142).
ومن أجل هذه المرتبة وتلك المزية جعل الله تبارك وتعالى لهم شفاعة، بدليل
138) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (أبو العباس الحراني الدمشقي الحنبلي، آية في كثير من العلوم، وصاحب التصانيف، ولد سنة 661 هـ، ومات سنة 728 هـ أنظر الذهبي: تذكرة الحفاظ، ط 3، ج 4، ص 1496، الزركلي: الأعلام، ط 10، ج 1، ص 144.
139) محمد صالح العثيمين شرح العقيدة الواسطية للعلامة ابن تيمية، ط 1415.2 هـ، ج 2، دار ابن الجوزي ص 169 - 177. 140) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي - - لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، ج 1 ص 135، ونص الحديث مروي عن العباس بن عبد المطلب، قال يا رسول الله: هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: نعم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»، وأحمد في مسنده، برقم (1768)، (1763)، (1789)، ج 2، ص 375 قال ابن الأثير: «الضحضاح في الأصل مارق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين فاستعاره للنار»، الدرك الأسفل من النار: «أقصى قعرها جمعه أدراك ودركات وهي منازل أهل النار، والنار دركات والجنة درجات». انظر: مسند أحمد، ج 2، ص 375، وعياص بن موسى اليحصبي، في إكمال المعلم بفوائد مسلم، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي - - لأبي طالب برقم (90)، رقم: (209)، ح 1، ص 596.
141) محمد الصالح العثيمين شرح العقيدة الواسطية، ط 1415.2 هـ، ج 2، ص 175 142) سورة النساء، الآية: 69. (1/43)
صفحة 44
40
الشفاعة الأخروية
الأحاديث عن النبي -- ومن ذلك:
ما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه - عن النبي - قال: «يشفع يوم القيامة.
(ver)
ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء (43).
- ما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه - عن النبي - - قال: «يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته (14).
(VEL)
- ما روي عن عبادة بن الصامت، عن النبي - - قال: «للشهيد عند الله عز وجل تسع خصال 000 إلى قوله: «ويشفع في سبعين من أقاربه» (14)، وأرى أن شفاعة الشهيد اسبعين من أقاربه وأهل بيته لا تصح إذا كانوا من أصحاب الكبائر للآتي:
- الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة الدالة على عدم الجواز كما سيأتي. - ان الإسلام لا يقيم للنسب، وزنا، وإنما الميزان في الإيمان الصادق والعمل الصالح وهذا مبدأ إسلامي وأساس من أسس الدين، ولذلك ندد الله تعالى بمقولة اليهود في قوله: وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن کنتم صادقين (147).
(146)
يبين الله تعالى لنا أن ذلك اليوم لا تنفع فيه القرابة ولا تجدي فيه الصحبة، إلا ما كان قائما منها على التقوى في آيات كثيرة يفهم منها التحذير من التعلق بمثل هذه الأماني فالله تعالى يقول: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا
143) أخرجة ابن ماجة في سننه كتاب الزهد (38)، رقم: (4313)، باب: 37، ج 5، ص 683، وأحمد البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة عن عثمان بن عفان، باب ذكر الشفاعة، رقم: ح: (4317)، ج 3، ص 321، ثم قال: «هذا إسناد ضعيف لضعف علاق بن أبي مسلم»، وفي اسناده عنبسه بن عبد الرحمن وهو متروك عن علاق بن أبي مسلم وهو مجهول، وقال العراقي في الإحياء، ج 1 ص 14 «ضعيف، وقال البخاري في عنبسه «تركوه»، وقال أبو حاتم: كان يضع الحديث»، وأورد هذا الحديث العقيلي في كتاب الضعفاء في ترجمة عنبسه هذا، وقال: «لا يُتابع عليه». وقال المزي عن علاق بن أبي مسلم: «شيخ مجهول لا يروي عنه غير عنبسه بن عبد الرحمن وهو من الضعفاء المتروكين». ولمزيد بيان انظر: جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، ط 1، ج 22، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1413 هـ - 1992 م، وانظر: محمد الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، ط 1، جه، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، 1417 هـ - 1996 م، ص 129، ج 4، ص 445 446، وانظر: محمد بن عمر بن موسى العقيلي في كتاب الضعفاء، تحقيق حمدي السلفي، ا، دار الصميعي الرياض، 1420 هـ - 2000 م، ج 3، ص 1070، انظر: عبد الرحيم بن الحسن العراقي المغني عن حمل الأسفار، ط 1. مكتبة دار، طبرية، الرياض، 1415 هـ - 1995 م. 144) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب في الشهيد يشفع، ح رقم: (2522)، ج 3، ص 15، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب
السير باب «الشهيد يشفع»، رقم: ب: (152)، رقم: ح: (18527)، ج 9، ص 277.
145) أنظر الهيثمي في مجمع الزوائد، ج 5،ص 293. 146) سورة البقرة، الآيه: 111 (1/44)
صفحة 45
الشفاعة
الأخروية
41
ت (148)
يتساءلون (147) ويقول: و الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (8) ويقول: ويوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل أمرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) وغيرها الكثير من الآيات الدالة على هذا المعنى والمحذرة من الوقوع في هـ
المسلك.
(149))
هذا
- لو كانت هذه الشفاعة صحيحة لكان النبي - - هو الأولى بأن يشفع لقرابته، وقد ثبت في الصحيح أنه حذر بني عبد مناف وبني عبد المطلب وفاطمة وأم الزبير بن العوام ... من الإغترار بدعوى الشفاعة ومرتبة النبي - - أعلى المراتب، فلو صحت هذه الشفاعة لكانت في حق قرابة الرسول - - أولى من الغير.
شفاعة العلماء العاملين:
(10.)
إن العلماء العاملين هم ورثة الأنبياء كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنهم أكثر الناس خشية ومخافة من الله تبارك وتعالى، يقول سبحانه: إنما يَخشَى الله مِنْ عبادهِ العلماء و (100)، كما أنهم يعرفون شرع الله تعالى، ويطبقون أمره، ويقيمون حدوده على الأرض، ولذلك كانت مسئوليتهم عظيمة في الدنيا والآخرة، لعظم قدرهم ... وعليه فقد أكرمهم الله تعالى إذ أذن لهم بالشفاعة للمؤمنين، بدليل:
- ما روي عن عثمان بن عفان، أن النبي - - قال: «يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء (101).
(101)
- ما روي عن أبي أمامة رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجاء
(152)
بالعالم والعابد فيقال للعابد أدخل الجنة، ويقال للعالم قف حتى تشفع للناس (2)
وشفاعتهم لا تكون الا باذن الله، ولمن صدق مع
الله في إيمانه وعمله.
147) سورة المومنون الأيه: 23.
148) سورة الزخرف الآيه: 67
149) سورة عبس الآيه: 37
150) سورة فاطر، الآية: 28 151) سبق تخريجه، وهو ضعيف.
152) ينظر المنذري في الترغيب والترهيب في كتاب العلم، الترغيب في العلم وطلبه، رقم ح: (133)، ج 1، ص 80. (1/45)
صفحة 46
42
الشفاعة
الأخروية
شفاعة الأولاد:
الأولاد نعمة من نعم المولى جل وعلا، وهم زينة الحياة الدنيا والمَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا (10)، ولذلك كان الولد الصالح أنفع لوالديه مما قد يخلفانه من زينة الحياة الدنيا، وكنوزها، فَرُب دعوة يدعو بها لوالديه في جوف الليل مع إخلاص نية، وحسن طوية، وتوجه صادق يقبلها الله تعالى منه، وهذا ما دلت عليه الأحاديث ومنها:
- ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -: «إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: «يا رب أنى لي هذه؟ فيقال: باستغفار ولدك لك» (154)، ورفع الدرجة من أنواع الشفاعة.
- ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول - -: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله وإياهم بفضل رحمته الجنة، وقال: يقال لهم أدخلوا الجنة، قال: فيقولوا حتى يجيء أبوانا. قال: ثلاث مرات، فيقولون: مثل ذلك، فيقال لهم: أدخلوا الجنة أنتم وأبواكم (109).
(100)
ورغم ما قيل من ضعف في بعض الأحاديث الدالة على بعض هذه الأنواع من الشفاعة المتعلقة بالعبادات؛ فقد تكون هنالك أحاديث صحيحة جاءت من طرق أخرى، إلا أنني لست في إطار جمع تلك الأحاديث ودراسة أسانيدها، وبيان صحتها من ضعفها، وإنما أردت التمثيل لكل نوع من أنواع هذه الشفاعات المتعلقة بالعبادات التي كثيرا ما ذكرها العلماء في كتبهم بذكر حديثين أو ثلاثة مع بيان ما قيل فيه، وقد جعلت الفيصل في كل ذلك هو أن العبادة أيا كانت إنما تشفع لمن صدق في عبادته بأدائها على أكمل وجه مع اخلاص النية وحسن الطوية ..... إذ كيف يشفع القرآن لمن لم يقرأ حرفا واحدا
153) سورة الكهف الآية: 46.
154) أنظر الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 10، ص 210، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب النكاح، باب الرغبة في النكاح، رقم: (59) ورقم (13459)، ج 7، ص 126.
155) الطبراني في المعجم الكبير ولم يكمله من طريق أم سليم بنت ملحان، رقم ح (305)، (306)، ج 25، ص 126 وأنظر الهيثمي في مجمع الزوائد، ج 3، ص 6، وذكر حديثاً آخر يحمل هذا المفهوم عن حبيبه أنها كانت عند عائشة، فجاء النبي - - حتى دخل عليها. فقال: «ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا جيء بهم يوم القيامة حتى يوقفوا على باب الجنة فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا، ثم قال الهيثمي بعد أن أورد هذا الحديث. «رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح خلا يزيد بن أبي بكرة ولم أجد من ترجم له»، مجمع الزوائد، ج 3، ص 7، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجنائز، باب ما يرجى في المصيبة بالأولاد إذا احتسبهم، رقم: ح: (7144)، ج 4، ص 113. (1/46)
صفحة 47
الشفاعة الأخروية
43
منه، ولم يطبق حكما من أحكامه، بل كيف يشفع لمن سعى إلى مخالفته عن عمد وقصد، غير متذكر لما فيه من الآيات البينات والعبر والعظات والقصص والأخبار ..... وكذلك الحال في بقية العبادات إذ هي تشفع لمن صدق في عبادته وليس فيمن جعلها عادة فقط، فخالف ما تدعوه إليه العبادة. (1/47)
صفحة 48
44
الشفاعة
الأخروية
المبحث الثالث
الحكمة من الشفاعة وأثرها
للشفاعة حكم كثيرة، ومزايا عديدة، فما من شيء أثبته المولى جل وعلا إلا ويحمل في طياته الخير للإنسانية في أجلها وعاجلها، لأن الله تبارك وتعالى هو خالق الكون وما فيه، وهو العليم بمصالحه، والبصير بشوؤنه، والخبير بمجرياته، ولذلك كانت تشريعات القرآن الكريم والسنة النبوية تحمل حكماً تعود بالنفع للبشر أفراداً وجماعات، منها ما يمكن للإنسان إدراكه بحسب قدرته العقلية، وفطرته الطبيعية، ومنها ما لا يمكن له إدراكه مع إيمانه التام بأن ذلك الأمر فيه مصلحة لا محاله، ومنفعة عاجلة أم آجلة، دنيوية أم أُخْرَويّة، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولَهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُم
الخيرَةُ مِن أَمْرِهِم وَمَن يَعْصِ الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (107).
المطلب الأول: الحكمة من الشفاعة:
إذا علمنا أن الشفاعة مما ثبت بالدليل الشرعي، فلا بد من أن تكون لها حكم وآثار، وسوف نتحدث في هذا المبحث عن بعضها (107) كما يلي:
الحاجة إلى رحمة الله:
إن الإنسان وهو يعبر هذه الحياة الدنيا بما فيها من الأفراح والأحزان، لا بد له من استشعار عظمة المولى جل وعلا، تلك العظمة التي تضعه بين الخوف والرجاء فلا يُغلب جانباً على آخر، لأنه إذا غلب جانب الخوف قنط من رحمة الله الواسعة، وإذا غلب جانب الرجاء أمن مكر الله، ولم يخف عقوبته.
والإنسان بحاجة إلى رحمة الله سواء كان في حياته الدنيا أم في حياته الآخرة، لأنه المفتقر إلى مولاه المحتاج إلى عطفه، والله تعالى لطيف بعباده، يريد بهم الخير ولا يريد
156) سورة الأحزاب الآيه: 63.
157) إقتبست هذه الحكم من كتاب الالهيات للسبحاني الدار الإسلامية، ج 2، ص 844 (1/48)
صفحة 49
الشفاعة
الأخروية
(10 A),
بهم الشر، ويُريدُ اللهُ بِكُم اليُسرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسر (8)
45
وقد فتح الله لعباده أبواب رحمته، وحذرهم من بطشه ونقمته: {قلْ يَا عِبادِي الذينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِم لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُور الرحيم (1)، ولقد فتح المولى لعباده باب التوبة و يُريدُ اللهِ لِيُبِينَ لَكُم وَيَهْدِيَكُم سُنَنَ الذينَ مِن قَبْلَكُم وَيَتُوبَ عَلَيْكُم وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَاللهُ يُريدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُم وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً، يُريدُ اللهُ أَنْ يُخَفِفَ عَنْكُم وخَلَقَ الْإِنْسَانِ ضعيفا (16)، وذلك لأن الإنسان - مهما كان لا يخلو من ذنب مهما بلغ من المرتبة والمكانة والفضل إلا الأنبياء والمرسلين: {وَلا تُزَكُوا أَنْفُسَكُم هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (16).
ومع
تلك التوبة التي كتبها الله تعالى لعباده، وهي واجبة على الإجمال، فإن الإنسان بحاجة إلى تلك الرحمة الإلهية، إذ قبول التوبة منوط به سبحانه، ومتوقف عليه، فإن شاء قبلها وإلا ردها، لا سيما وأن للتوبة شروطاً ذكرها العلماء حتى تقبل، وعليه تظهر لنا أهمية الشفاعة، على أن الفوز بالسعادة في الدار الآخرة، وإن كان يعتمد على العمل أساساً، إلا أن هذا العمل لا يكفي ولا ينفع ما لم تنضم إليه رحمة الله تعالى الواسعة، قال تعالى: وَلَو يُؤَاخِذ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَةٍ وَلَكَنَ يُؤَخِرِهُم إِلَى أَجَلٍ مسمي (112)، وقال تعالى: ولو يؤاخذ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن
(162)
داية (13).
ففي الشفاعة تكريم للشافعين ورفع شؤونهم على رؤوس الأشهاد، وإفاضة الكرم الإلهي على المشفوع له.
هذا، ومع ثبوت الشفاعة. القيامة كسبب من أسباب رحمة الله الواسعة، ومع وجود يوم الخلاف في شمولها لمن مات مصراً على كبيرته ولم يتب، فإن الإنسان لا ينبغي له أن يعطي نفسه هواها، ويتمنى على الله الأماني، فيتواكل، ويعتمد على شفاعة الشافعين، لأن
(158) سورة البقرة، الآية 185 159) سورة الزمر الآية: 53 160) سورة الروم، الآية: 9 161) سورة النجم، الآية: 35 162) سورة النحل، الآية: 61 163) سورة فاطر، الآية: 45. (1/49)
صفحة 50
???
الشفاعة الأخروية
مناط السعادة بالأعمال الصالحة النابعة عن عقيدة راسخة مستحكمة في القلب، مهيمنة على الفكر والعقل، مسيطرة على المشاعر والأحاسيس والوجدان، بحيث يعمل الإنسان بمقتضاها، إذ هي المؤثر في نفسه والموجه لسلوكه، والمنبه لقلبه وضميره، فإذا زاغ بصره، وانحرف فكره، وغلبته نفسه، عاد إلى مولاه راجياً، رحمته، عاملاً بأسباب الفلاح والنجاة، مبتعداً عن أسباب الهلكة:
{وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فَاحِشَةَ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم وَمَن يَغْفِر الذنوب إلا اللهَ وَلَمْ يُصِرُوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُم يَعْلَمُون (1)، إلا أن قبول دعوته وتحقق تويته، وصحة إنابته لا يعلمها إلا الله، فكان بحاجة إلى شفاعة الشافعين حتى يرحم برحمة الله تعالى مع توبته وإنابته.
الحكم التربوية والسلوكية:
لقد مرسابقاً أن جمهور الأمة يثبتون الشفاعة للموحدين إجمالاً، وينفونها عن المشركين، والخلاف في ثبوتها لأصحاب الكبائر المصرين عليها، ولذلك اختلفت وجهة نظرهم فيما يؤول إليه ذلك الإعتقاد من آثار تربوية وسلوكية.
فمن لم ير جواز الشفاعة للعصاة، نظروا إلى أن القول بجواز الشفاعة لهم يوجب الجرأة، ويُحيي روح التمرد في العصاة والمجرمين، وتقييد الشفاعة بالتوبة يتسبب في إصلاح سلوك المجرم وإنابته والتخلي عن التمادي في الطغيان، لأن الإنسان إذا علم أن النبي - - سيشفع له بمجرد انتمائه للإسلام ونطقه للشهادتين وفعله لما يستطيعه من الفرائض والواجبات وإن قصر في كثير منها يكون كافياً لدخوله الجنة وتنعمه فيها مع غيره من المؤمنين سوف يتمادى في تطبيق الأمور الشرعية كاملة، ولن يستقيم تلك الإستقامة التي يريدها الله ورسوله -- ذلك لأن الجنة أصبحت مضمونة عنده، وإن مسه لفح النار فإنما هو لأيام معدودات، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين إلى جنة الخلد، طالما أنه شهد شهادة التوحيد، وإن ارتكب الكبائر ووقع في الجرائم والموبقات،
فظلم الأبرياء، واعتدى على الشرفاء، وغش الأمة، وتسلط على الضعفاء 0000 إلخ.
164) سورة آل عمران الآية: 135 (1/50)
صفحة 51
الشكاعة.
الأخروية.
??
والحق: أن هذا هو ما نشاهده اليوم في عالمنا المعاصر، إذ لم يُعرف من الإسلام إلا الإنتماء والإسم، ولم يُعرف من الدين إلا رسمه، فابتعد كثير من الناس عن جوهره وحقيقته، فكم نرى من أُناس يؤدون صلاة الجمعة فقط كل أسبوع وإذا نصحتهم وبينت لهم أهمية الصلاة المفروضة، قالوا: الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، وكم من أُناس
أمة محمد -
يُصرون على كبائر الذنوب والمعاصي كالزنى وعقوق الوالدين والربا، والرشوة والغش، واللواط .... إلخ، ثم يقولون: نعلم أنها محرمة في دين الله إلا أننا من المسلمين، ومن وهي مرحومة ونشهد الشهادتين وببركة نبينا لن ندخل النار، وإن دخلناها سنخرج منها حتماً بشفاعة الحبيب المصطفى، وفي هذا من الجرأة على الله سبحانه ورسوله ما لا يخفى، وكأن مناط السعادة، ومعقل الفلاح في النطق بكلمة التوحيد ولو كان الواقع لا يُصدقها، والناطق لا يعمل بها، وهذا هو الغرور الذي حذرنا منه النبي -- عندما قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني (16)، مع أن الله تعالى حذرنا أيما تحذير من الإغترار بالأماني والتعلق بخيوط من الأوهام، عندما قال سبحانه: {وَلَيْسَ بِأَمَانِيْكُم وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَل سَوْءَ يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجد لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيَا وَلَا نَصِيرًا (166) يقول السيد محمد رشيد رضا في القواعد الكلية التي شملتها سورة البقرة: «القاعدة
(170)
السادسة: إن الجزاء على الإيمان والعمل معاً لأن الدين إيمان وعمل، ومن الغرور أن يظن المنتمي إلى دين من الأديان أنه ينجو من الخلود في النار بمجرد الانتماء، والشاهد عليه ما حكاه الله عن بني اسرائيل، وما رد به عليهم حتى لا نتبع سنتهم فيه وهو: و ذلك بأنهم قَالُوا لَن تَمَسَنَّا النَّارُ إلا أياماً معدودوات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (177). وما حكاه عن اليهود والنصارى جميعاً من قولهم لن يدخل الجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَو نَصَارَى (16) ولكننا قد اتبعنا سنتهم شبراً بشبر، وذرعاً بذراع مصداقاً لما ورد في
(167)
165) أخرجه ابن ماجة كتاب الزهد، ج 2، ص 1423. والحاكم في المستدرك في كتاب الإيمان ج 1، ص 57، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه». ومحمد القضاعي في مسند الشهاب، رقم: ح (185)، ج 1 ص 141، وذكره الدكتور على محمد جمار في مسند الشاميين عن شداد بن أوس برقم (307)، ج 1، ص 313، وضعفه بسبب وجود أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف ومتروك، مع أن باقي رواته ثقات، ثم ذكر أن الحاكم صححه في المستدرك، ووافقه الذهبي على التصحيح.
166) سورة النساء الآية: 123 167) سورة آل عمران الآية: 24 168) سورة البقرة الآية: 111. (1/51)
صفحة 52
48
الشفاعة الأخروية
الحديث الصحيح، وإنما نمتاز عليهم بأن المتبعين لهم منا الأمة لا كل الأمة، بعض ويحفظ نص كتابنا كله، وضبط سنة نبينا في بيانه، وبأن حجة أهل العلم والهدى منا قائمة إلى يوم القيامة (16).
(179)
وجاء في دائرة المعارف: «إن عقيدة الشفاعة أضرت بأكثر الأديان، وما هي إلا تحريف تقصده الكهان ليكون لهم شأن عند الناس، وقد جاء الإسلام فقوم عقائد الأمم من
(170)
هذه الجهة، فذكر الشفاعة ثم قال: {مَنْ ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ (1)، وقال تعالى
(IVI),
وَكَم مِن مَلَكِ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُم شَيئاً إلا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرضَى (17) فمتى علم المسلم أن الشافع والمشفع هو الله، وأن لا أحد يمكنه أن يغني فتيلاً رفع وجهه من الإستشفاع بمثله إلى الإستشفاع بربه، وناهيك بهذا بعداً عن الوثنية وقريباً من الديانة الإلهية) (172).
أما من رأي جواز الشفاعة للعصاة، وإن لم يتوبوا فإنهم يرون أن الشفاعة في الآخرة بصيص من الرجاء، ونافذة من الأمل، فتحتها الشريعة الإسلامية في وجه العصاة حتى لا ييأسوا من روح الله ورحمته، ولا يغلبهم الشعور بالحرمان من عفوه فيتمادوا في العصيان، فالسبب في تشريع الشفاعة هو عينة السبب في تشريع التوبة في الحياة
الدنيوية ..
وتظهر حقيقة الحال إذا لاحظنا مسألة التوبة التي اتفقت الأمة على صحتها، فإنه لو كان باب التوبة موصداً في وجه العصاة والمذنبين، واعتقد المجرم بان عصيانه مرة واحدة يُخلده في عذاب الله، فلا شك أنه يتمادى في اقتراف السيئات باعتقاد أن تغييره للوضع الذي هو عليه لن يكون مفيداً في إنقاذه من عذاب الله، فلا وجه لأن يترك لذات المعاصي، وهذا بخلاف ما إذا وجد الجو مشرقاً، والطريق مفتوحاً وأيقن أن رجوعهُ يُغيّر مصيره في الآخرة فيترك العصيان ويرجع إلى الطاعة ومثل التوبة الإعتقاد بالشفاعة المحدودة) أي مع شروط خاصة في المشفوع له فإذا اعتقد العاصي بأن أولياء الله قد
169) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 1، ص 112
170) سورة البقرة، الآية: 255. 171) سورة النجم، الآية: 26
(172) محمد فريد وجدي دائرة معارف القرن الرابع عشر، ط 2، ج 5، طبع بمطبعة دائرة معارف القرن العشرين، 1342 هـ -
1924 م، ص 402. (1/52)
صفحة 53
الشغلعة
الأخروية
49
الله
يشفعون في حقه إذا لم يهتك الستر، ولم يبلغ إلى الحد الذي لا تكون فيه الشفاعة نافعة، فعند ذلك ربما يُعيد النظر في مسيره، ويحاول تطبيق حياته على شرائط الشفاعة حتى لا يحرمها 0000 ومجمل هذه الشروط أن لا يقطع الإنسان. جميع علاقاته العبودية مع ووشائجه الروحية مع الشافعين، ولا يصل تمرده إلى حد نسف جسور الارتباط (172). وأقول: يختلف الوضع بين التوبة والشفاعة للعصاة اختلافاً كبيراً، فالأول: فيه إنابة ورجوع وخضوع وندم وصدق مع ا الله، وكل هذه المعاني تنعكس على التائب فتظهر في سلوكه الفردي والإجتماعي، إذ هو يعاهد ربه على التمسك بالدين والإستقامة عليه، وعدم الخروج والاعوجاج عنه قيد أنملة، أما الثاني: ففي الغالب أنه لا يؤدي إلى آثار تربوية، ذلك لأن العاصي يعلم أن معصيته لن تكون السبب في دخوله النار بفضل تلك الشفاعة، وإن أدخلته النار سيخرج منها أجلاً أم عاجلاً، فالجنة بفضل توحيده وإن لم يعمل بمقتضاه مضمونة، ومن يرجع عن معصيته وهو يعتقد الشفاعة للعصاة، فإن رجوعه ذلك إنما هو بسبب خوفه من ربه، إذ تكون التوبة سبيله إلى ذلك، ومن لم يعتقد الشفاعة للعصاة كان ذلك من باب أولى على أن هتك الستر إنما يتحقق بالإصرار على كبيرة من كبائر الذنوب، حذر منها المولى سبحانه، وبذلك يبلغ الإنسان إلى الحد الذي لا تكون فيه الشفاعة نافعة إلا بتوبته منها، بيد أن الإنسان مطالب بحفظ جميع علاقاته العبودية مع الله فلا يجوز له أن يُفرط في واحدة منها، وهذا ما بينته آي القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى يقول: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَل ذَلِكَ مِنْكُم إلا خِزْي في الحياة الدُّنْيا وَيَومَ القِيامَةِ يُرَدُونَ إِلى أَشَّدِ العَذَابِ، وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَا تَعْمَلُونَ (17)، ويقول سبحانه: يا أيها الذين آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السّلمِ كَافَةَ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُم عدو مبين (10).
(174)
(175)
المطلب الثاني: أثر الشفاعة:
الأثر هو ما ينتج عن الشيء بسببه، وللشفاعة. من هذه الناحية – آثار كثيرة فبفضلها يعجل الله فصل القضاء بين الخلائق، وترفع درجات المؤمنين، وتقبل توبة
173) السبحاني، الإلهيات بقلم محمد العاملي، الدار الإسلامية، ج 2،ص 844.
(174) سورة البقرة الآية: 85 175) سورة البقرة، الآية: 208 (1/53)
صفحة 54
الشفاعة
الأخروية
المخطئين ويتجاوز الله عن هفواتهم .... إلخ، وخلاصة القول: هل تؤثر الشفاعة في رفع الثواب أم في إسقاط العقاب؟ هذا ما سنتحدث عنه – باختصار – في هذا المطلب مع ذكر ما تيسر من آثار الشفاعة كما يلي:-
تخفيف أهوال القيامة بفصل القضاء بين الناس:
لا ريب أن يوم القيامة يوم عصيب، يشتد فيه الهول ويعظم الخطب، حيث تنشق السماء، وتتهاوى الأجرام، وتزلزل الأرض، وتتفجر البحار، ويتخلخل نظام الكون بأسره بأمر الواحد الأحد ... فيموج الناس بعضهم فوق بعض، لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم، ولا غنيهم وفقيرهم، ولا رجالهم ونسائهم، فيذوق الناس جميعهم هول المحشر، وعظم الموقف يقول سبحانه يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم إِن زَلزَلَةَ السَّاعَةَ شَيْءٌ عَظِيمٍ يَومَ ترونها تذهلُ كُل مُرضعة عما أَرضَعتُ،
وتَضْع كُل ذاتِ حَمل حملها، وتَرَى النَّاسَ سُكارى
وَمَا هُمْ بِسَكَارَى وَلَكِنْ عَذاب الله شديد (17)، ويقول سبحانه: إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرتْ، وإذا القبور بعثرت عَلِمتُ نَفْسٌ مَا قَدمت وأخرت (13) وأنشدوا).
مثل وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا إقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا لما قرأت ولم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادي الجليل: خُذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنارِ عطشانا المشركون غدا في النَّارِ يلتهبوا والمؤمنونَ بِدارِ الخُلدِ سُكانا
ويوم القيامة يمتاز بكثرة أهواله، وشدة طوله، وما يلقاه فيه الناس من الخوف والقلق والاضطراب والنصب والهلع وذلك إلى أن يحاسب كل أحد منهم بما قدم في هذه الحياة الدنيا إن خيراً فخير، وأن شراً فشر ... وبذلك تتجلى رحمة الله تعالى الواسعة في
176) سورة الحج، الآية: 1.
177) سورة الانفطار، الآية: 1 - 4.
178) ذكره القرطبي في التذكرة ص 223، ولم يعزه لأحد. (1/54)
صفحة 55
الشفاعة الأخروية
51
هذا الموقف، إذ يأذن بالشفاعة لفصل القضاء بين الناس في ذلك الموقف العظيم، وهي شفاعة لأهل الموقف جميعاً لتقريب ساعة الحساب، وتُعرف بالمقام المحمود على أرجح الأقوال (179). الشفاعة التي خص بها نبينا - صلى الله عليه وسلم – فهو وحده الذي يشفع لجميع
وهي
الخلائق، وتكون بإراحتهم من هول الموقف، وتعجيل الحساب
كثيرة تدل على ذلك سنذكرها في محلها - إن شاء الله.
فتح أبواب الجنة وزيادة ثواب المؤمنين
وقد وردت أحاديث
هذا أثر من آثار الشفاعة باعتبار ما تؤدي إليه وينتج عنها، وذلك لما.
روي
عن أنس
بن مالك قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: «آتي باب الجنة يوم القيامة، فاستفتح، فيقول الخازن:: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول «بك أُمرت لا أفتح لأحد قبلك (180).
"
وهذا يظهر لنا مكانة النبي - - كما أن الشفاعة أياً كانت لا تكون إلا بأمر الله
تعالى وإذنه.
إسقاط العقاب بتوقيت عذاب العصاة:
لقد وقع الخلاف في هذه المسألة بين الفرق الاسلامية، وذلك من حيث أثر الشفاعة هل هو إسقاط العقاب أو زيادة الثواب؟
من القرآن
فمن قيد الشفاعة بالتوبة، قال: بأن أثرها في زيادة الثواب، ولا يسقط العقاب عن المجرم العاصي المُصر على كبيرته إلا التوبة والإنابة، ولهم في ذلك أدلة والسنة وهذا قول الإباضية والمعتزلة والزيدية، ونحن نرى بأن هذا القول يتفق مع أُصول
179) اختلف الناس في المقام المحمود على خمسة أقوال: الأول: أنه الشفاعة يوم القيامة، قاله حذيفة بن اليمان وابن عمر - رضي الله عنهم -
الثاني: أنه إعطاؤه عليه السلام لواء الحمد يوم القيامة، وهذا لا تنافي بينه والأول، فإنه يكون معه لواء الحمد ويشفع. الثالث: ما حكاه الطبري عن فرقة منها مجاهد، أنها قالت: المقام المحمود هو أن يجلس الله محمدا - معه على كرسيه
وروت في ذلك حديثا، وهذا قول مرفوض، وإن صح الحديث فيتأول على أنه يجلسه مع أ أنبيائه وملائكته. الرابع: إخراج طائفة من النار.
الخامس: ما روي أنه مقامه المحمود شفاعته رابع أربعة، انظر التذكرة للإمام القرطبي، ص 216. 180) أخرجه مسلم، في كتاب الإيمان، باب في قوله: «أنا أول شفيع في الجنة»، ج 1، ص 130، وأحمد في مسنده، رقم ح: (12337)، ج 10، ص 442، وذكره عياض بن موسى اليحصبي في إكمال المعلم لفوائد مسلم، كتاب الإيمان، باب رقم: (85) ح: (197)، ج 1، ص 586. (1/55)
صفحة 56
52
الشفاعة.
ة الأخروية
هذه المذاهب العقدية كخلود مرتكب الكبيرة إن لم يتب وعدم إخلاف الله لوعده ووعيده
إلخ.
أما من أطلق الشفاعة لسائر الموحدين عامة فهم جمهور أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، وبعض الشيعة (188)، فأثر الشفاعة عندهم بالإضافة الى زيادة الثواب هو إسقاط العقاب عن الموحد إما إبتداء، أو بتوقيت عذابه إذ من أصولهم العقدية أن الموحد لا يخلد في النار أبداً، كما أنه داخل في إطار المؤمنين بتوحيده، والعمل شرط كمال، وقد يُخلف الله وعيده، وهذا هو شأن الكرماء، ولهم أدلة من القرآن والسنة، وسنتطرق الى أهم ما استدل به الفريقان مما يتصل بموضوعنا، ذلك لأن موضوع الرسالة محدد، ولا يمكن أن يدخل فيه غيره.
181) سيأتي الحديث بإستفاضة عن أدلة وأقوال هذه المذاهب في الفصل الثالث - إن شاء الله - (1/56)
صفحة 57
الشفاعة الأخروية
الفصل الثاني
الشفاعة في القرآن الكريم والسنة النبوية
53 (1/57)
صفحة 58
[صفحة فارغة] (1/58)
صفحة 59
الشغلعة،
الأخروية.
المبحث الأول الشفاعة في القرآن الكريم
المبحث الثاني
شروط الشفاعة في القرآن الكريم
المبحث الثالث
الشفاعة في السنة النبوية
55 (1/59)
صفحة 60
[صفحة فارغة] (1/60)
صفحة 61
الشفاعة!
الأخروية
57
المبحث الأول
الشفاعة في القرآن الكريم
ذكرت الشفاعة في آيات متفرقة من القرآن الكريم، منها ما ينفي الشفاعة والشفيع، وأخرى تثبت ذلك بنسبة الشفاعة لله كلها، وعن طريق تقييدها بإذنه ورضاه ... إلخ، وعليه لم يختلف علماء الأمة في ثبوت الشفاعة على الإجمال وإنما خلافهم في جوازها للعصاة المصرين على كبائر الذنوب والمعاصي، ونتيجة لذلك حاول كل فريق منهم توجيه آيات الشفاعة. بحسب، ما يراه موافقا لعقيدته وملائما لمنهجه، مستندين لذلك على آيات أخرى، وأحاديث نبوية تدعم أقوالهم وتساند آراءهم وسوف نتحدث عن آيات ذكر ما جمعناه من أقوال العلماء - لا سيما علماء التفسير – وكيف فسروا
الشفاعة
مع
تلك الآيات وجمعوا بينها.
المطلب الأول: الآيات المثبتة وأقوال العلماء:
ما تثبت الشفاعة:
1 - قوله تعالى: قُل لله الشَّفَاعَة جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُم إليه ترجعون (182) لقد أثبت الله تعالى في هذه الآية أن الشفاعة له جميعا، فلا يشاركه فيها غيره، وأساس هذا الإعتقاد هو تفرده سبحانه بالأمر كتفرده بالخلق سواء بسواء، فتفرده
بالأمر يقتضي ويستلزم عقلا تفرده بالشفاعة كلها لأن الشفاعة من الأمر، كما أن الشافع والمشفع له والمشفع لأجله من الخلق، والجميع ملك له سبحانه، وكل شيء عنده بمقدار وأفعال الجميع بإذنه سبحانه وقدره بما في ذلك شفاعة الشافعين (3)
(183)
يقول الإمام الزمخشري في تفسير هذه الآية: «أي هو مالكها، فلا يستطيع أحد شفاعة إلا بشرطين: أن يكون المشفوع له مرتضى، وأن يكون الشفيع مأذونا له (184).
182) سورة الزمر، الآيه:44 183) فاروق الدسوقي، الشفاعة، سلسة كتب التصوف الاسلامي، الكتاب السابع عشر، ص 10 بتصرف. 184) الزمخشري، الكشاف، دار الريان، ج 4، ص 131. (1/61)
صفحة 62
58
الشفاعة
الأخروية.
2 - قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ. فَقُل يَنْسفها رَبِي نَسْفاً. فَيَذَرُهَا قَاعَاً صَفْصَفاً. لا تَرَى فِيهَا عِوَجَا وَلا أَمْتاً. يَومَئِذٍ يَتَبعون الداعي لا عِوَجَ لَه. وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فلا تَسْمَعُ إلا هَمْسَاً. يومئذٍ لا تنفع الشَّفَاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (185).
(140)
فهذه الآية الكريمة أثبتت الشفاعة. مع تقييدها بالإذن والرضا، فهي شفاعة مقيدة وليست مطلقة، ذلك لأن أمر الشفاعة - أولا وآخرا – إنما هو لله تبارك وتعالى، اذ هو العليم بمدى استحقاقهم، والبصير بكل أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم، ويدل على ذلك ما بعدها حيث يقول تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم وَمَا خَلْفَهُم وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (186) أي:: «يعلم ما تقدمهم من الأحوال، وما يستقبلونه، ولا يحيطون به علما (187). قال الإمام الألوسي: «والمراد لا تنفع الشفاعة من الشفعاء أحداً إلا من أذن) في الشفاعة (له الرحمن) فالاستثناء من أعم المفاعيل و (من) مفعول (تنفع) وهي عبارة عن المشفوع له و (له) متعلق بمقدر متعلق بإذن، وفي البحر أن اللام للتعليل، وكذا في قوله تعالى: ورضي له قولا أي ورضي لأجله قول الشافع وفي شأنه أو رضي قول الشافع لأجله وفي شأنه فالمراد بالقول على التقديرين قول الشافع، وجوز فيه أيضا أن
لا يكون للتعليل، والمعنى ورضى قولا كائنا له فالمراد بالقول قول المشفوع، وهو - على ما روي عن ابن عباس - لا إله إلا الله، وحاصل المعنى عليه لا تنفع الشفاعة أحدا إلا من أذن الرحمن في أن يشفع له وكان مؤمنا، والمراد على كل تقدير أنه لا تنفع الشفاعة أحدا إلا من ذكر، وأما من عداه فلا تكاد تنفعه وان فرض صدورها عن الشفعاء المتصدين
للشفاعة للناس
القرطبي"
(19 - )
(188)
ونحو هذا الكلام ذكره الإمام الزمخشري (189) مختصرا في كشافه والإمام
(141)
، في جامعه، والإمام الرازي (111) في مفاتيح الغيب، وذهب الإمام هود
185) سورة طه، الآية: 105 - 109
186) سورة طه، الآيه: 110.
187) الزمخشري، الكشاف، دار الريان، ج 3، ص 89 188) الألوسي، روح المعاني، ج 16، ص 264 - 265. 189) الزمخشري، الكشاف، ج 3، دار الريان، ص 89. 190) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 11، دار الكتاب العربي، ص 7 191) الرازي، مفاتيح الغيب، ح 22، ص 118، 119. (1/62)
صفحة 63
الشفاعة
الأخروية.
(192)
59
الهواري الى أن المقصود من قوله ورضي له قولا (19) أي التوحيد والعمل
بالفرائض
(193)
3 - قوله تعالى: {وَلا يَمْلك الذين يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةِ إِلَّا مَنْ شَهِد بالحَقِ وهم يعلمون (1).
هذه الآية الكريمة تثبت الشفاعة يوم القيامة لمن شهد بالحق، وهو يعلمه، وقد تحدث المفسرون عن المقصود بـ «الذين يدعون من دونه الشفاعة» فقيل بأن معنى ذلك:
ولا يملك عيسى وعزير والملائكة الذين يعبدهم هؤلاء المشركون بالساعة الشفاعة عند الله لأحد إلا من شهد بالحق، فوحد الله وأطاعه، وآمن على علم وبصيرة، لأن الشهادة عن غير علم بالمشهود به لا يعول عليها قاله سعيد بن جبير ومجاهد وقيل: لا تملك
....
الآلهة التي يدعوها المشركون ويعبدونها من دون الله الشفاعة إلا عيسى وعزير وذووهما والملائكة الذين شهدوا بالحق، فأقروا به وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به، إذ هم يشهدون بالحق والوحدانية لله قاله قتادة (19).
يقول الامام الزمخشري: «ولا يملك آلهتهم الذين يدعون من دون الله الشفاعة كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله ولكن من «شهد بالحق» وهو توحيد الله، وهو يعلم ما يشهد به عن بصيرة وايقان واخلاص هو الذي يملك الشفاعة. استثناء منقطع، ويجوز أن وهو يكون متصلا، لأن في جملة الذين يدعون من دون الله الملائكة (16).
هذا، ثم إننا نجد أن الإمام الطبري يرى أن أولى الأقوال بالصواب هو: أن الآية تعم جميع من كانت تعبد قريش من دون الله يوم نزلت، وقد كان فيهم من يعبد من دون الله الآلهة، وكان فيهم من يعبد من دونه الملائكة، فجميع أولئك داخلون في الآية، ثم استثنى الذين يشهدون شهادة الحق فيوحدون الله، ويخلصون له الوحدانية على علم منهم ويقين
192) سورة طه، الآية: 110.
193) هود بن محكم الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، ط ا، ج 3، دار الغرب الاسلامي،، 1990 م،، ص 53 194) سورة الزخرف، الآية: 86.
195) ينظر الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن: ج 11، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 218، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن دار الكتاب الغربي، ط 2، ج 16، ص 122، والألوسي، روح المعاني، ج 25، ص 107.
196) الزمخشري، الكشاف، ج 4، دار الريان،، ص 268. (1/63)
صفحة 64
الشفاعة
الأخروية
بذلك، فهم يملكون الشفاعة عنده بإذنه لهم بها، فأثبت للملائكة وعيسى وعزير ملكهم من الشفاعة ما نفاه عن الآلهة والأوثان باستثنائه الذي استثناه
(19 V)
وخلاصة الأمر أن الآية الكريمة تنفي الشفاعة عن الآلهة المعبودة من دون الله
....
وتثبتها بإذنه تعالى لمن شهد بالحق وهم الملائكة والأنبياء. ففيها إثبات للشفاعة
لمن شهد بالحق وهو يعلم بمقتضى شهادته وما يتبعها من خضوع واستسلام وانقياد مطلق تام لأمر المشهود له .... يقول الإمام هود الهواري في تفسير الآية: «أي: وقلوبهم مخلصة بشهادة لا إله إلا الله يعلمون أنها الحق ويعملون بما يعلمون (198).
«
4 - قوله تعالى: {وَكَم مِن مَلَكَ في السَّمَواتِ لا تُغني شَفَاعَتُهم شَيْئًا إلا من بعد أن يأذن اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى (199).
(199) ,
هذه الآية الكريمة كسابقتها تثبت الشفاعة لمن أذن الله له ورضي عنه، يقول الامام: «هذا توبيخ من الله تعالى لمن عبد الملائكة والأصنام، وزعم أن ذلك يقربه القرطبي: الى الله تعالى، فاعلم أن الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على الله لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له (200).
3 - قوله تعالى: {ونسوق المُجْرِمِين الى جَهَنَّمَ وِردا. لا يَمْلِكُون الشَّفَاعَة إِلَّا مَن اتَّخَذَ عَنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَا (201).
أي هؤلاء الكفار لا يملكون الشفاعة لأحد) إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) وهم المسلمون فيملكون الشفاعة، فهو استثناء الشيء من غير جنسه، أي لكن (من اتخذ عند الرحمن عهدا) يشفع، فـ (من) في موضع نصب على هذا. وقيل: هو في موضع رفع على البدل من الواو في (يملكون)، أي لا يملك أحد عند الله الشفاعة (إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) فإنه يملك وعلى هذا يكون الاستثناء متصلا، وقيل: أي نحشر المتقين والمجرمين
197) الطبري، جامع البيان، ج 11، دار الكتب العلمية، ص 219 بتصرف. 198) هود بن محكم الهواري، تفسير كتاب الله، ط 1، ج 3، دار الغرب الاسلامي، ص 397.
199) سورة النجم، الآية: 36.
200) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ط 2، ج 17، دار الكتاب العربي،، ص 104، ولمزيد بيان أنظر الرازي، مفاتيح الغيب،
ص 306، والزمخشري، الكشاف، ح 4، ص 424.
201) سورة مريم، الآية: 87. (1/64)
صفحة 65
الشفاعة الأخروية
61
ولا يملك أحد شفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا الله أي إذا أذن له الله في الشفاعة (20). والمعنى لا يملك العباد أن يشفعوا لغيرهم الا من اتصف منهم بما يستأهل معه أن يشفع وهو المراد بالعهد وفسرها ابن عباس بشهادة أن لا إله الا الله، والتبرئ من الحول والقوة لا يرجو الا الله، وأخرج ابن أبي شيبة عن مقاتل أنه قال: العهد الصلاح، وروى نحوه عن السدي وقيل: المراد بالعهد الأمر والإذن من قولهم: عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يملك العباد أن يشفعوا إلا من أذن الله عز وجل له بالشفاعة وأمره بها (203)،
وروي عن ابن جريج أن العهد هو العمل الصالح، وروى عن قتادة أنه الطاعة (20). فالآية الكريمة وإن أثبتت الشفاعة إلا أنها شفاعة مقيدة لذلك المؤمن الذي خاف الله
تعالى، وحافظ على عهد الإستقامة والصلاح. فلا يملك العباد الشفاعة إلا من اتخذ عهداً عند الله، بأن أعد لها عدتها فكان في الدنيا هادياً مصلحاً فيكون في الآخرة شافعاً مشفعاً، لا جرم أن ينالها في الآخرة على مقدار هدايته في الدنيا (200).
(206)
واتخاذ العهد عند الإمام الزمخشري: هو الإستظهار بالإيمان والعمل، وعند الإمام القرطبي: لفظ جامع للإيمان وجميع الأعمال الصالحة التي يصل بها صاحبها
(207)
إلى حيز من يشفع وعليه ينبغي للمؤمن أن يكون محافظا على عهده الذي عاهد به مولاه، فالله يقول: وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلال (208) لأن من ضيع العهد لم يأمن العقوبة، ناهيك بأن هذه الآيات الكريمة لم تثبت الشفاعة بإطلاق، وإنما قيدتها بقيود، وحددتها بشروط سيأتي تفصيلها في المبحث القادم - إن شاء الله تعالى -
202) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 11، دار الكتاب الغربي،، ص 153. 203) الألوسي، روح المعاني، ج 16، ص 137
204) الطبري، جامع البيان، ج 8، دار الكتب العلميه، ص 382.
205) أحمد مصطفى المراغي، تفسير المراغي، ط 1، ج 6، دار الكتب العلمية، بيروت، منشورات محمد علي، 1418 - 1998 م ص 71
206) الزمخشري، الكشاف، دار الريان، ج 3، ص 43. 207) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 154.
208) سورة الأحزاب الآيه: 15 (1/65)
صفحة 66
62
الشفاعة.
الأخروية
6 - قوله تعالى: {وَلا تَنْفِعِ الشَّفَاعَة عِنْدَهُ إِلا لِمَن أَذِنَ لَهُ. حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِم قالُوا مَاذَا قَالَ رِيكُم. قالوا الحَق وَهُو العلي الكبير (209).
فهذه الآية الكريمة تبين لنا أن الشفاعة لا تنفع في حال من الأحوال إلا لشافع أذن له فيها من النبيين والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة ويكون المشفوع له يستحق الشفاعة.
فلا تنفع شفاعة شافع كائنا من كان الشافع لمن شفع له، إلا أن يشفع لمن أذن الله في الشفاعة له. والله لا يأذن لأحد من أوليائه في الشفاعة لأحد من الكفرة به (10).
..
يقول الإمام القرطبي: «أي ان الشفاعة لا تكون من أحد هؤلاء المعبودين من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام إلا أن الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة في وهم على غاية الفزع من الله والمعنى: أنه إذا أذن لهم في الشفاعة وورد
الشفاعة
.
عليهم كلام الله فزعوا، لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل والخوف أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير (31).
يظهر لنا من خلال ما تقدم من آيات الشفاعة، أن الله تعالى ينفي الشفاعة بداية بـ (لا) النافية. مع فعل المضارع الذي يفيد الحال والاستقبال، ثم يقيد ذلك النفي بأداة الإستثناء (إلا)، ليثبت الشفاعة لنفسه عز وجل دون غيره.
فنفي الشفاعة عن المعبودات الباطلة إبطال لربوبيتها، ونقص لكونها شركاء لله تعالى في الأمر بعد أن أثبت تفرده سبحانه بالربوبية والألوهية والملك، فنفي ملكيتهم الشفاعة كنفي الشركاء عنه سبحانه وتعالى، وهذا كله موجه لجميع أصحاب العقائد الباطلة المخالفة للتوحيد الإسلامي سواء أكانوا أصحاب وحدة وجود أم حلولا أم مشركين من عبدة الكواكب والأفلاك والأوثان إذ الجميع يثبتون شفعاء عند الله بلا إذن منه وبلا علم وبلا أمر منه فالسياق ينفي ملكية الشفاعة لمن زعموا أنهم أنداد الله تعالى،
.
ويثبتها لبعض عبيده المؤمنين بالود الذي سيجعله لهم الرحمن عز وجل
209) سورة سبأ، الآية: 23.
210) الطبري، جامع البيان، ج 10 دار الكتب العملية، ص 372 211) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ط 2، ج 14، دار الكتاب العربي، ص 295.
(212)
212) الدكتور فاروق الدسوقي، الشفاعة، أدلة وجوب الشفاعة الاسلامية وبيان خطورة الشفاعة الشركية، سلسلة كتب التصوف
الاسلامي، الكتاب السابع عشر، ص 17، 24. (1/66)
صفحة 67
الشفاعة.
الأخروية
ما تثبت الشفيع
:
63
إن من نظر إلى الآيات القرآنية التي تثبت الشفيع، يجد أنها مقيدة بإذنه ورضاه، والنفي فيها أعم والإثبات أخص، وذلك لأن كثيرا من الناس يتعلقون بدعوى الشفاعات منذ القدم، فكأن الله تعالى يحذرهم من ذلك التعلق، ويدعوهم الى العمل الخالص بما يقتضيه إيمانهم ويدعو إليه دينهم. فيبدأ الآيات بنفي الشفيع، ثم يستثني ذلك بإذنه، وهذا الإستثناء معهود في لغة العرب للدلالة على النفي القطعي، وأن كل شيء في الوجود لا يتم إلا بإذنه سبحانه، إذ هو مالك الملك فلا ينبغي للإنسان التعلق بمثل هذا الإستثناء، ويترك العمل الصالح الذي جعله الله تعالى أساس النجاة، ومصدر الفلاح، وعنوان الرقي في الدنيا والآخرة ... ومن تلك الآيات:
1 - قوله تعالى: {مَنْ ذَا الذي يَشْفَع عِندَهُ إِلا بِإِذنِهِ (23).
تدل هذه الآية الكريمة على ثبوت شفاعة الشفيع بإذنه تعالى، وفيها بيان لملكوته وكبريائه وأن أحدا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام.
يقول الإمام الألوسي عند حديثه عن الإستفهام في هذه الآية: «والمقصود منه بيان كبرياء شأنه تعالى، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع فضلا عن أن يستقل بدفعه عنادا أو مناصبة وعداوة، وفي ذلك تأييس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله تعالى
(110)
المعنى ذكره الإمام النسفي، والإمام الزمخشري "
(216)
(214)
ونظير هذا
هذا، وقد سبق سلفا أن صاحب المنار قد فسر الشفاعة الواردة في القرآن بمعنى الدعاء المحض الذي يليق بجلال الله وعظمته وذلك حتى لا يتعلق المسلمون بماتعلق به أهل الكتاب وغيرهم، من الإتكال على الشفاعات وترك ما جعله الله تعالى سببا لفلاحهم
213) سورة البقرة، الآية: 255 214) الألوسي، روح المعاني، ج 3، ص 9
215) عبدالله بن أحمد بن محمود النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، 1، ج 3، دار الكلم الطيب، 1419 هـ - 1998 م، ص
209
216) الزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 301. (1/67)
صفحة 68
64
الشفاعة الأخروية
من التوبة الصادقة، والعمل الصالح ... نراه يتحدث عن الاستثناء الوارد في هذه الآية فيقول: «وليس هذا الاستثناء نصا في أن الإذن سيقع، وإنما هو كقوله: {يَوْمَ يَأْتِ لا تكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذنِهِ (217) فهو تمثيل لانفراده بالسلطان والملك في ذلك اليوم، ويوم لا تَمْلِكُ نَفْسٍ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لله} (218 9)
(219 - 218)
ثم نقل عن إمامه الأستاذ محمد عبده قوله: «إن في هذا الاستثناء قطعا لأمل الشافعين والمتكلين على الشفاعة المعروفة التي كان يقول بها المشركون، وأهل الكتاب عامة ببيان انفراده تعالى بالسلطان والملك، وعدم جراءة أحد من عبيده على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه، وإذنه غير معروف لأحد من خلقه، ثم قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيديهِم وَمَا خَلْفَهُم (20)، أي ما قبلهم وما بعدهم أو بالعكس أو أمور الدنيا التي خلفوها وأمور الآخرة التي يستقبلونها أو ما يدركون وما يجهلون. وهذا دليل على نفي الشفاعة بالمعنى المعروف، وبيان ذلك أنه لما كان عالما بكل شيء فعله العباد في ا الماضي، وما هو حاضر بين أيديهم وما يستقبلهم وكان ما يجازيهم به مبنيا على هذا العلم كانت الشفاعة المعهودة مما يستحيل عليه تعالى، لأنها لا تتحقق إلا بإعلام الشفيع المشفوع عنده من أمر المشفوع له، وما يستحقه ما لم يكن يعلم (32).
وخلاصة الأمر: أن الآية الكريمة تحذر المسلم من اعتقاد الشفاعة بغير إذنه تعالى لأن إعتقاد ذلك شرك أكبر وكفر بواح، إن الشافع تتحدد صلته بالمشفع عنده بعلمه من
خلال ثلاثة احتمالات:
الأول: أن يكون الطالب أو الشافع أعلى درجة من المشفع عنه المطلوب منه وفي هذه الحالة لا يكون الطلب من قبيل الشفاعة بل من قبيل الأمر الملزم للمطلوب منه وليست هذه شفاعة، لأن الشفاعة للمؤمنين تفضلا منه تعالى وكرامه لا أمرا ملزما يتعين على الله
تعالى لعباده.
217) سورة هود، الآية: 105.
218) سورة التكوير، الآية: 19.
219) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 3، ص 26.
220) سورة البقرة الآيه: 256.
221) محمد رضا، تفسير المنار، ج 3، ص 27.26. (1/68)
صفحة 69
الشفاعة |
الأخروية.
الثاني: أن يكون الشافع أو الشفيع ندا للمشفع عنده كالخليل أو الصديق مثلا وفي هذه الحالة لا يستأذن قبل أن يتشفع بل هو بمقتضى الندية أو الصداقة أو الخلة، له أن يطلب ويلح ويصر على طلبه بما يشبه إلزام المشفع عنده، وهذا محال في حق لله تعالى، لأن الشفيع عبد الله، وهو ذليل مفتقر لمولاه، ولا يجسر على الشفاعة إلا بإذنه
تعالى.
الثالث: أن يكون الشافع دون المشفع عنده، وفي هذه الحالة لا يمكنه أن يتقدم عنده للشفاعة لأحد، ولأي طلب إلا إذا علم أنه سيقبل، وإلا إذا استأذن وأذن له، وذلك الاستئذان المسبق للشافع من المشفع عنده إقرار بالخضوع للمشفع عنده، وبسيادته عليه وهذه هي حالة الشفاعة الجائزة في حق الله تعالى لأنها بين عبد ورب، وعليه يكون شرط الاذن للشافع قبل أن يتشفع لازم من لوازم عبوديته وخضوعه للمشفوع عنده، وهذا الأمر
ينطبق في الشفاعة الأخروية.
(222)
فالمعنى أن الله سبحانه يعلم من عباده ما كان ويكون من خير وشر، ويعلم الشافع والمشفوع له، ومن يستحق العفو والثواب أو العذاب والعقاب، وما دام الأمر كذلك فلا يبقى مجال للشفاعة إلا بأمره تعالى ضمن الحدود التي يرتضيها (223).
يقول سيد قطب في تفسير هذه الآية: «وهذه صفة أخرى من صفات الله توضح مقام الألوهية ومقام العبودية فالعبيد جميعا يقفون في حضرة الألوهيه موقف العبوديه لا يتعدونه ولا يتجاوزونه يقفون في مقام العبد الخاشع، الذي لا يقدم بين يدي ربه، ولا يجرؤ على الشفاعة عنده الا بعد أن يؤذن له فيخضع للاذن ويشفع في حدوده ..... لا وهم يتفاضلون فيما بينهم، ويتفاضلون في ميزان الله، ولكنهم يقفون عند الحد الذي يتجاوزه عبد .... إنه الإيحاء بالجلال والرهبة في ظل الألوهية العلية، يزيد هذا الإيحاء عمقا صيغة الإستفهام الإستنكارية، التي توحي بأن هذا أمر لا يكون وانه مستنكر أن يكون فمن هو هذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ وفي ظل هذه الحقيقه تبدو سائر التصورات المنحرفة للذين جاؤا من بعد الرسل فخلطوا بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية،
(222) فاروق الدسوقي، الشفاعة، سلسلة كتب التصوف الاسلامي، الكتاب السابع عشر، ص 23 بتصرف وزيادة. 223) ينظر محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، ج 3، دار العلم للملايين، بيروت، ص 394. (1/69)
صفحة 70
الشفاعة الأخروية
فزعموا لله سبحانه خليطا يمازجه أويشاركه بالبنوة أو بغيرها من الصور في أي شكل وفي أي تصور، أو زعموا له سبحانه أندادا يشفعون عنده فيستجيب لهم حتما، أو زعموا له سبحانه من البشر حلفاء يستمدون سلطانهم من قرابتهم له .... في ظل هذه الحقيقه تبدو تلك التصورات كلها مستنكره مستبعده لا تخطر على الذهن ولا تجول في الخاطر، ولا تلوح بظلها في خيال» (224).
2 - قوله تعالى: إن رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ فِي سِتَةِ أَيَّامٍ ثُمَ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُدَبِرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعِ الا مِنْ بَعْدِ إذنه. ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّكُم فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذكرون (22).
في هذه الآية الكريمة «بيان لاستبداده تعالى في التدبير والتقدير ونفي للشفاعة على أبلغ وجه، فان نفي جميع أفراد الشفيع بمن الاستغراقيه يستلزم نفي الشفاعة على أتم الوجوه فلا حاجة إلى أن يقال: التقدير ما من شفاعة لشفيع، وفي ذلك أيضا تقرير لعظمته سبحانه إثر تقرير، والإستثناء مفرغ من أعم الأوقات، أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأوقات إلا بعد إذنه تعالى المبني على الحكمة الباهرة، وذلك عند كون الشفيع من المصطفين الأخيار، والمشفوع له ممن يليق بالشفاعة (226).
فهذا النص يقصر الشفاعة، ويحصرها على المأذون له بها بأداتي القصر والحصر «ما» و «الا» فهو إثبات للشفيع المأذون له بها، وفي نفس الوقت هو نفي لوجود أي شفيع لم يأذن له الله تعالى، وهذا النفي هو كنفي الشريك تماما (227).
•
لا
3 - قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا. سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادُ مُكْرَمُونَ يسبقونه بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيدِيهُمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ الا
(228)
لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (38).
لقد أثبتت هذه الآية الكريمة شفاعة الملائكة إلا أن شفاعتهم لاتكون الا للمرضي،
224) سيد قطب في ظلال القرآن، ط 7، ج 1، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1391 ه - 1971 م، ص 421.
225) سورة يونس الآيه:3.
226) الألوسي، روح المعاني، ج 11، ص 65.
227) فاروق الدسوقي الشفاعة سلسلة كتب التصوف الكتاب السابع عشر، ص 31.
228) سورة الأنبياء، الآيه: 26 - 28. (1/70)
صفحة 71
الشفاعة الأخروية
67
ويرى الإمام الألوسي وغيره من المفسرين (22)، أن المرضي هو كما أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث وابن أبي حاتم عن ابن عباس من قال لا اله إلا الله، وشفاعتهم الإستغفار، وهي كما في الصحيح تكون في الدنيا والاخرة (330).
ثم يقول بعد ذلك: «ولا متمسك للمعتزلة في الآية على أن الشفاعة لا تكون لأصحاب الكبائر، فانها لاتدل على أكثر من أن لا يشفعوا لمن لا ترتضي الشفاعة له، مع أن عدم
شفاعة الملائكة لا تدل على عدم
شفاعة غيرهم.
(221)
في حين ذهب صاحب الكشاف الى تفسير الشفاعة برفع ثواب المؤمنين، لأن الله تعالى لا يرضى عن أصحاب الكبائر، فيقول الزمخشري: «ومن تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا الا لمن ارتضاه الله وأهله للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم» (33)، وقد وافقه في هذا الإمام هود الهواري.
والخلاف بين من أطلق الشفاعة لسائر الموحدين وبين من قيدها هو فيمن يرتضيه الله فيأذن له بشفاعة الشفعاء إذ يرى البعض (333) أن توحيد الموحد كاف للإذن بالشفاعة ولو قصر في العمل فارتكب بعض المحرمات، ويرى الآخرون أن التوحيد لا يكفي مالم يأت الموحد بحق هذه الكلمة من مقتضيات التوحيد، فهي ليست شعارا يرفعه الموحد، بل لا بد أن يظهر في سلوكه اليومي، وحياته البشرية، من واقع الإلتزام الكلي، والتقيد المطلق التام بأوامر الموحد سبحانه وتعالى، وسوف يكون الحديث عن وجهة نظر الفريقين في الفصل القادم الذي تظهر فيه الأدلة - إن شاء الله.
وعلى كل فان هذه الآية الكريمة ترد على عقيدة المشركين العرب في الملائكة خاصة، وعلى كل من ينسب لله ولدا ويعتقد وجود شفيع بغير إذنه يشفع لمن لا يرتضي الله الشفاعة له حيث اعتقد العرب الجاهليون أن الملائكة بنات الله عز وجل، واعتقد 229) أحمد المراغي تفسير المراغي ط 1، ج 6، دار الكتب العلمية، بيروت، ص. الجامع لأحكام القرآن، ج 11، دار الكتاب العربي، ص 281.
230) الألوسي، روح المعاني، ج 17،ص 33. 231) الألوسي روح المعاني، ج 17، ص 33.
232) الزمخشري الكشاف، ج 3، ص 112، وقال الشيخ هود بن محكم الهواري في قوله تعالى: «ولا يشفعون الا لمن ارتضي، أي: «لمن رضي عنه» وهو بذلك يوافق الامام الزمخشري في تحديد الشفاعه للتائبين من امة محمد - -، أنظر: هود بن محكم
الهواري، تفسير كتاب الله العزيز، ط 1، ج 3، ص 68.
233) سيأتي تفصيل أقوال الفرق في الفصل الأخير بعون الله تعالى-. (1/71)
صفحة 72
الشفاعة الأخروية
الشفاعة
النصارى أن المسيح ابن الله، واعتقد اليهود أن عزيرا ابن الله ...... وهكذا هذا الاعتقاد يعادل في الشركية القول بوجود شفيع يشفع بغير اذن الله لمن لم يرتض الله الشفاعة له، من أجل تحقيق أي مطلب له لم يشأ الله تعالى تحقيقه حتى ولولم يعلم بتحقيقه، وهذه الشفاعة لا تكون إلا بتفويض من الله للشفيع بالتصرف حسب ما يريد وتلك هي الشركية التي لا يؤمن بها إلا الذي اتخذ. مع الله إلها آخر هو هذا الشفيع الذي جعله المشرك ندا لله عز وجل، فعبده، كما عبد العرب الملائكة، إذ اعتقدوا أنهم بنات الله، ولم تتمثل هذه العبادة الا في اتخاذهم شفعاء بالمنهج الشركي، فأبطل الله عقيدتهم في الشفاعة الشركية هذه، وبين حقيقة الملائكة بأنهم عباد مكرمون لا يعصون ربهم ويخشونه سبحانه، ولا يسبقونه بالقول تعظيما وتقديسا وتنزيها، فلا يشفعون الا لمن ارتضى الله تعالى أن يشفعوا له من بعد أن يأذن الله سبحانه لهم، لأن منهم من ليس مأذونا له بالشفاعة، ومنهم مأذون له (234). من هو
المطلب الثاني: الآيات النافية، وأقوال العلماء
لقد كانت بعض الآيات النافية للشفاعة محل خلاف بين الأمة، وذلك بسبب. ما ينطلق منه كل فريق من أصول عقدية، وأدلة نقلية تدعم أقوالهم وتساند مذهبهم على أن النفي يظهر في كل آيات الشفاعة حتى تلك التي تثبتها بقيد الاذن والرضى فإنها مسبوقة بالنفي وكأن الله تعالى يريد أن يفرق بين الشفاعة الدنيوية التي يعهدها الناس فيما بينهم وبين الشفاعة الأخروية التي لا تتعارض مع الآيات القرآنية الدالة على أن الجزاء من جنس العمل .... لا سيما وأن معظم آيات الشفاعة قد جاءت في سياق دعوى المشركين أن الآلهة والملائكة ستشفع لهم عند الله إذ يقيسون أحوال الحياة الدنيا بالحياة الآخرة وشتان بين شفاعة العبد الضعيف المحدود وشفاعة الرب القوي المطلق، الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن كيف يكون كما يعلم استحقاق المحق بما يستحق من الثواب أو العقاب وهو القائل جل ذكره في كتابه العزيز: {وَمَا كَانَ رَبِّكَ بِظَامٍ لِلْعَبِيدِ (35) ومن تلك الآيات النافية ما تنفي الشفاعة ومنها ما تنفي الشفيع، وقد حاولت جهدي جمع
234) فاروق الدسوقي الشفاعة سلسلة كتب التصوف الاسلامي الكتاب السابع عشر، ص 38.37 235) سورة فصلت الآية: 46. (1/72)
صفحة 73
69
الشفاعة
الأخروية.
تلك الآيات الدالة على ذلك، مع بيان معانيها بالتحليل كما ذكر علماء التفسير على النحو
التالي:
ما تنفي الشفاعة:
1 - قوله تعالى: {واتقوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نفس شَيْئاً ولا يُقْبَلَ منها شفاعة
ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون
(236)
وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يوماً لا تَجْزي نَفس عن نَفْسٍ شَيئا ولا يُقْبَلَ مِنْهَا عَدَلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعة ولا هُمْ يُنْصَرُون)
(237)
إن من أمعن النظر في هاتين الآيتين الكريمتين يجد أن فيهما تحذيرا لبني إسرائيل بعد أن ذكرهم سبحانه بنعمه الكثيرة وآلائه العظيمة التي كانت مصدر غرورهم، وسبب استهتارهم، فبدلا من أن يكونوا لها شاكرين، كانوا بها كافرين، فلقد تلونت ضلالاتهم، وتنوعت مفاسدهم وأصروا على غيهم، واستكبروا استكبارا وزعموا انهم أبناء الله وأحباؤه فلن يمسهم عذابه لأن شفقة الأبوة على البنوة ستقيهم شر الوعيد، ولئن مسهم العذاب فلن يكون ذلك إلا أياما معدودات، لأن آباءهم من النبيين الطاهرين لن يقر لهم قرار حتى يشفعوا لهم عند الله فيجيرهم مما هم فيه من العذاب، ولن يسكتوا عن أ أفلان أكبادهم وهم يصطلون السعير الدائم، إلى غير ذلك مما نسجته أخيلتهم المريضة من الهراء الذي ليس له حظ من الصدق، وقد جاءت هذه الآية قاطعة حبال هذه الأمنيات الباطلة، والمطامع الفارغة (238).
وقد ذكر هذا المعنى كثير من المفسرين (231)، ويظهر ذلك جليا لمن تتبع تفسير هاتين الآيتين في سورة البقرة.
هذا وقد وقع الخلاف بين الأمة في النفي الوارد هنا حيث ذهب من أطلق الشفاعة
236) سورة البقرة، الآيه: 48. 237) سورة البقرة، الآية: 123
238) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، مكتبة الاستقامة، 1409 هـ 1988 م،، ص 253 بتصرف قليل. 239) منهم الرازي في مفاتيح الغيب، ج 2، ص 57 - 59، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن، ج 1، دار الكتاب العربي، ص 376، ص 379، والطبري في جامع البيان، ج 1، دار الكتب العلمية،، ص 306، والنسفي في تفسير النسفي، ج 1، دار الكلم الطيب.
ص 87. (1/73)
صفحة 74
V.
الشفاعة
الأخروية.
لسائر الموحدين الى أن الخطاب في الآية لليهود كما أنه قد يخصص بما ثبت في السنة
من أحاديث تدل على جواز الشفاعة لأهل الكبائر.
يقول الإمام الطبري: «وهذه الآية وإن كان مخرجها عاما في التلاوة، فإن المراد بها خاص في التأويل، لتظاهر الأخبار عن رسول الله - - أنه قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي (34)، وأنه قال: «ليس من نبي الا وقد أعطي دعوة، وإني اختبأت
(241)
دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئا» فقد تبين
بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين بشفاعة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم – عن كثير من عقوبة إجرامهم بينهم وبينه، وأن قوله: و ولا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَة (42). إنما هي لمن مات على كفره غير تائب الى الله عز وجل» (243).
بينما يرى من قيد الشفاعة للتائبين من أهل التوحيد دون المصرين، أن هذه الآية وإن نزلت في بني اسرائيل، إلا أنها تشمل غيرهم ممن سلك مسلكهم، وتعلق بما تعلقوا به من أبناء أمة. محمد - صلى الله عليه وسلم - ففيها من التقريع البالغ، والتحذير النافع حتى يكون المسلم بمنأى عن عقيدة أولئك اليهود، وما ذكر من الأحاديث يجب أن تأول حتى تتفق مع آيات القرآن الناصة على نفي الشفاعة للكافرين والظالمين، وذلك بعد معرفة مدى صحتها، إذ لا عمل بالحديث إذا صادم نص القرآن القطعي.
(244)
يقول الإمام القطب (4) في هميانه: «ولا يخفى أن النفس التي ذكر الله عز وجل أنها لا تجزي عنها نفس ولا يقبل شفاعة شافع لها ولا فداء، ولا تنصر هي التي أوبقتها معاصيها، وماتت مصرة عن حق لزمها، فكل نفس بهذه الصفة لا شفاعة فيها مشركة أو فاسقة، فلا شفاعة لأهل الكبائر المصرين، والخطاب في قوله: لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ
240) أخرج هذا الحديث الترمذي والحاكم، وجاء من طرق عديدة كلها ضعيفه كما سيأتي لاحقا. 241) أخرجه ابن ماجة في كتاب الزهد (37)، باب ذكر الشفاعة (37)، رقم الحديث (4307). 242) سورة البقرة، الآيه: 48. 243) الامام الطبري، جامع البيان، ج 1، دار الكتب العلمية، ص 306.
244) هو محمد بن يوسف إطفيش المصعبي الجزائري، ولد ببني يسجن من وادي ميزاب سنة 1236 هـ، وكان حاد الذكاء واسع المعرفة، تزيد مؤلفاته على ثلاثمائة واستفاد من علمه خلق كثير، يلقب بـ (قطب الأئمة (جاهد ضد الاستعمار الفرنسي، مات سنة 1332 هـ، أنظر: مقدمة شرح النيل، 2، ج 1، مكتبة الارشاد، جدة، ص 6 - 8، ومعجم أعلام الإباضية من القرن الواحد الهجري الى الخامس عشر، ط 1، ج 4، قسم المغرب، جمعية التراث، المطبعة العربية، غراديه، ص 835. (1/74)
صفحة 75
الشفاعة
الأخروية.
شَيْئًا (24) عام، ولا يمكن أن يقال خاص (24).
71
ويقول الإمام الزمخشري: «فان قلت: هل فيه دليل على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ قلت: نعم، لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع، فعلم أنها لا تقبل للعصاة. فان قلت: الضمير في (ولا يقبل منها) إلى أي النفسين يرجع:؟ قلت: إلى الثانية العاصية غير المجزي عنها، وهي التي لا يؤخذ منها عدل، ومعنى لا يقبل منها شفاعة: إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزي عنها شيئا، ولو أعطت عدلا عنها لم يؤخذ منها» (
(247)
ويقول الإمام الخليلي -رحمه الله - فيما تفيده هذه الآية: «وإن كان فيه عموم يحتمل التخصيص في التأويل فالعموم يجري على حكمه المفهوم من ظاهره المعلوم، حيث لا يقوم على التخصيص دليل، وما إليه ها هنا قط من سبيل، لأن الدليل قائم بمنطوقه ومفهومه على إجراء هذا الحكم على عمومه في جميع الفجار من المشركين وعصاة أهل الإقرار (248).
ويمكننا القول: إن سياق الآية يدل على أن ذلك اليوم يوم تنقطع فيه الأسباب، وتبطل منفعة الأنساب، وتتحول فيه سنة هذه الحياة من انطلاق الإنسان في اختياره يدفع عن نفسه بالعدل والفداء، ويستعين على المدافعة بالشفاعة عند السلاطين والأمراء، وقد يوجد له فيها أنصار ينصرونه بالحق وبالباطل على سواء بل يكون له في ذلك اليوم شأن آخر مع ربه تضمحل فيه جميع الوسائل إلا ما كان من إخلاصه في عمله، قبل حلول أجله، ورحمة الله العلي الكبير له، لضعف حوله وضيق طوله، وأنه يوم لا يتحرك فيه عضو إلا بإذن الله، ولا يقدر أحد أن ينبس بكلمة إلا بإذن الله) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله) (249 - 250).
245) سورة البقرة الآيه: 48
246) محمد بن يوسف اطفيش، هميان الزاد الى دار المعاد، ج 2، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، 1401 هـ 1981 م
ص 23.
247) الزمخشري، الكشاف، ج 1، ص 136، ص 137.
248) سعيد بن خلفان بن احمد الخليلي، تمهيد قواعد الايمان، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، 1407 هـ - 1986 م،
ج 2، ص 151. 249) سورة الانفطار، الآية: 19.
250) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 1، ص 252. (1/75)
صفحة 76
72
الشفاعة الأخروية
يقول سيد قطب في هذه الآية: «فلا شفاعة تنفع يومئذ من لم يقدم إيمانا وعملا صالحا، ولا فدية تؤخذ منه للتجاوز عن كفره ومعصيته، فما من ناصر يعصمهم من الله وينجيهم من عذابه وقد عبر هنا بالجمع باعتبار مجموع النفوس التي لا تجزي نفس منها عن نفس ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل وانصرف عن الخطاب في أول الآية إلى صيغة الغيبة في آخرها للتعميم، فهذا مبدأ كلي ينال المخاطبين وغير المخاطبين من الناس أجمعين (25).
وقد ذكر الإمام الرازي الحكمة من تقد يم الشفاعة على أخذ الفدية في الآية الأولى، مع تقديم قبول الفدية على الشفاعة في الآية الثانية، اذ يقول: «إن من كان ميله الى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فانه يقدم التمسك بالشافعين على اعطاء الفدية، ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغير الترتيب الإشارة إلى هذين الصنفين (202).
وعليه فإنني أرى بأن الخطاب في الآية الكريمة يعم الناس أجمعين، وإن كان خاصا لبني إسرائيل، إذ لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، وما ذكرته الآية من التحذير والانذار مبدأ كلي جاءت آيات الكتاب العزيز مؤكدة له وداعمة.
2 - قوله تعالى: يا أيها الذين آمَنُوا انفقوا ممَّا رَزَقْنَاكُم مِن قَبْلُ أَن يَأْتِيَ يَوْمٍ لَا بيع فِيهِ وَلا خُلَّة وَلا شفاعة، والكافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ (203).
(ror)
يخاطب الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين في هذه الآية، ويأمرهم بالانفاق من
رزقه، ويحذرهم من مجي يوم القيامة الذي لا ينفع فيه البيع والخلة ولا الشفاعة والخطاب في هذه الآية للمؤمنين، إلا أن من أطلق الشفاعة لسائر الموحدين، قيدوا نفي الشفاعة في الآية بالكفار أو بمن لم يؤذن له بها، بدليل ما جاء في نهاية الآية الكريمة، حيث إنه تعالى لما قال: (ولا خلة ولا شفاعة)، أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقا، فذكر تعالى عقيبه والكافرون هم الظالمون (20) ليدل على أن ذلك النفي مختص
(254)
251) سيد قطب، في ظلال القرآن، ط ل، ج 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1392 ه - 1971 م، ص 87
252) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 2، ص 58.
253) سورة البقرة، الآية: 254. 254) سورة البقرة الآيه: 254. (1/76)
صفحة 77
ة الأخروية
الشجاعة)
73
بالكافرين، وهذا ما روي عن مجاهد (200).
يقول الإمام الطبري: «وهذه الآية مخرجها في الشفاعة عام، والمراد بها خاص، وإنما معناه: (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) لأهل الكفر بالله، لأن أهل ولاية الله والإيمان به، يشفع بعضهم لبعض (256).
ثم يقول: «وأما قوله: (والكافرون هم الظالمون (فانه يعني تعالى ذكره بذلك: والجاحدون لله المكذبون به وبرسله (هم الظالمون)، يقول: هم الواضعون جحودهم في غير موضعه والفاعلون غير ما لهم فعله والقائلون ما ليس لهم قوله (207).
م
والحق: أن النفي على عمومه فهو يشمل الكفار والعصاة وبيان ذلك: أن الكفر والظلم في القرآن يتواردان على المعنى الواحد فيطلقان تارة على ما يتعلق بالإعتقاد، وتارة على ما يتعلق بالعمل ... ومن استعمال الظلم بمعنى الإعتقاد الباطل قوله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم (208) وقوله تعالى: والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم. الأمن وهم مهتدون (20) ومن استعمال الكفر بمعنى كفر النعم بعمل السوء قوله تعالى: {وان تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (30) ثم إن الله تعالى توعد على الظلم بالهلاك والعذاب كما توعد على الكفر سواء كانا بالمعنى الأول أو الثاني، قال تعالى: ألم تر الى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم يصلونها وبئس القرار، وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فان مصيركم الى النار (1) فالوعيد الأول على كفر النعمة بعمل السيئات وترك الأعمال النافعة الصالحة، والوعيد الثاني على الشرك وكلاهما فيه وعيد الآخرة، وقال تعالى: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب
255) الرازي، مفاتيح الغيب، المجلد الثالث، ج 6، ص 223، وسعيد حوى، الأساس في التفسير، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع ط 1405,1 هـ - 1985 م، ج 2، ص 592، الألوسي، روح المعاني، ج 3، ص 4، ص 5.
256) الطبري، جامع البيان، ج 3، ص 5.
257) الطبري، جامع البيان، دار الكتب العلمية، ج 3، ص 5، ص 6.
(258) سورة لقمان، الآية: 13.
259) سورة الأنعام، الآية: 83.
260) سورة ابراهيم، الآية: 7.
261) سورة ابراهيم، الآية: 27 - 30. (1/77)
صفحة 78
74
الشفاعة الأخروية.
وهم ظالمون، فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله ان كنتم اياه تعبدون).
فالوعيد الأول دنيوي وهو على كفر النعمة، والثاني مثله وهو على الظلم في الإعتقاد، والآية الثالثة صريحة في أن الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص يقتضي شكر النعم وحسن العمل. فإذا تدبرت هذه الآيات علمت أن الكافرين والظالمين في كتاب الله وفي حكمه سواء، وأن الكفر والظلم في العمل أثر الكفر والظلم في الإعتقاد إلا ما لا يسلم منه البشر من اللمم
..
(263)
3 - قوله تعالى حكاية عن بعض الصالحين: الْتَخِذ مِنْ دُونِهِ آلِهَةٌ إِن يُرِدْنَ الرَّحْمنُ بِضُرٍ لا تُعْنِ عَني شَفَاعَتُهُم شَيْئاً وَلا يُنْفِذون (36).
....
رجل وهو حبيب
لقد بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشفاعة لا تنفع من غيره، فقد نفاها عن غيره، إذ لا يملكها إلا الإله الحق. وهذه الآية الكريمة تحكي قصة (265) و بن إسرائيل النجار، وكان ينحت الأصنام، وهو ممن آمن برسول الله، يقول الإمام الزمخشري في مقولة هذا الرجل: «فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه: إن العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتدؤكم وإليه مرجعكم، وما أدفع العقول وأنكرها لأن تستحبوا على عبادته عبادة أشياء إن أرادكم هو بضر وشفع لكم هؤلاء لم تنفع شفاعتهم ولم يمكنوا من أن يكونوا شفعاء عنده، ولم يقدروا على إنقاذكم منه بوجه من الوجوه، إنكم في هذا الاستحباب الواقعون في ضلال ظاهر بين لا يخفى على ذي عقل وتمييز، وقيل: لما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل، فقال لهم: اني آمنت بربكم فاسمعون (26) أي اسمعوا إيماني تشهدوا لي به (217).
262) سورة النحل، الآية: 112 - 114.
263) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 3، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 17 - 18، بتصرف بسيط.
264) سورة يس. الآية: 23.
265) لقد خرج هذه القصة الامام الطبري عن ابن عباس وعن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه اليماني أن هذا الرجل كان رجلا من أهل إنطاكية وكان اسمه حبيبا، وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام، وكان منزله عند باب من أبواب المدينه قاصيا، وكان مؤمنا ذا صدقه يجمع كسبه إذا أمسى فيما يذكرون فيقسمه نصفين، فيطعم نصفا عياله، ويتصدق بنصف فلم يهمه سقمه، ولا عمله ولا ضعفه عن عمل ربه قال فلما أجمع قومه على قتل الرسل بلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم بالله، ويدعوهم إلى اتباع المرسلين أنظر. محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ط 4، ج 12،دار
المعرفة بيروت، 1400 - 1980 م ص 102.
266) سورة يس، الآية: 25. 267) الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 10، ص 11. (1/78)
صفحة 79
الشفاعة
الأخروية
Yo
فهذا النفي في هذه الآية الكريمة متوجه صراحة إلى الآلهة المعبودة من دون الله تعالى، فهي لا تملك نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.
ما تنفي الشفيع
:
لقد وجدت من خلال استقصاء آيات الشفاعة في الكتاب العزيز أن ما تنفي الشفيع هي أكثر تلك الآيات، ويدل هذا على أن الأصل نفي شفاعة الشفيع وما أثبتت الشفاعة فهي مقيدة في نطاق ضيق، وتدل على أن الأمر لله الواحد الأحد.
وإنما يُعرف إذنه تعالى بما حدده من الأحكام في كتابه، فمن بين أنه مستحق لعقابه فهو مستحق له لا يجرأ أحد أن يدعو له بالنجاة، ومن بين أنه مستحق لرضوانه على هفوات ألم بها لم تحول وجهه عن الله تعالى إلى الباطل والفساد الذي يطبع على الروح فتسترسل في الخطايا حتى تحيط بها، وتملك عليها أمرها فذلك مستحق له منته إليه بوعد الله في كتابه وفضله على عباده، كما سبق في علمه الأزلي (268)، ومن آيات الشفاعة النافية للشفيع ما يلي:
1 - قوله تعالى: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا الى ربهم ليس لهم من دونه
(269)
ولي ولا شفيع لعلهم يتقون)
لقد نفى الله تبارك وتعالى شفاعة شفيع في هذه الآية الكريمة، وأمر نبيه - - أن ينذرهم بالقرآن العظيم، ولكن من هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا الى ربهم؟.
لقد ذكر الإمام الرازي في هؤلاء ثلاثة أقوال هي:
الأول: أنهم الكافرون، وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخوفهم من عذاب الآخرة، وكان بعضهم يتأثر من ذلك التخويف.
الثاني: أنهم المؤمنون، لأنهم هم الذين يقرون بصحة الحشر والنشر والبعث والقيامة، فهم الذين يخافون من عذاب ذلك اليوم.
268) محمد رشيد، تفسير المنار، ج 3، ص 27، ص 28.
269) سورة الأنعام، الآية: 51. (1/79)
صفحة 80
76
الشفاعة الأخروية
الثالث: أنه يتناول الكل، لأنه لا عاقل إلا وهو يخاف الحشر سواء قطع بحصوله أو
كان شاكا فيه .... فعلى القول الأول يكون الأمر ظاهرا، إذ لا شفاعة للكفار والقول الثاني لا ينافي إثبات الشفاعة لأنها تكون بإذن الله تعالى
(270)
هذا، وقد أثبت صاحب المنار أن الآية نزلت في إنذار المؤمنين الذين يخافون الله
ويرجونه، فقد. أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وغيرهم، عن عبدالله بن
روي
مسعود أنها نزلت هي وما بعدها في صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين السابقين الأولين ومعناها: «وأنذر بما يوحى إليك جماعة المؤمنين بك الذين يخافون أن يحشروا الى ربهم أي يخافون شدة وطأة الحشر، والقدوم على الله عز وجل وما فيه من شدة الحساب، وما يتبعه من الجزاء على الأعمال، وكل يأتيه فردا ليس له من دونه ولي ينصره، ولا شفيع يدفع عنه، إذ أمر النجاة متوقف على مرضاته عز وجل، فإن هؤلاء أن يتقوا الله تعالى اهتداء بإنذارك ويتحروا ما يؤدي إلى هم الذين يرجى مرضاته، لا يصدهم عن تقواه الاتكال على الأولياء، ولا الاعتماد على الشفعاء لصحة توحيدهم وعلمهم أن الشفاعة لله جميعا، وأن نجاتهم وسعادتهم إنما تكون بإيمانهم وأعمالهم، وتزكيتهم لأنفسهم، لا بانتفاعهم بصلاح غيرهم، أو اعتمادهم على شفاعة الشفعاء لهم، كالمشركين وغيرهم من الكافرين الذين جهلوا أن مدار سعادة الدنيا والآخرة على تزكي النفس وطهارتها بالإيمان الصحيح والأخلاق الكريمة، وما يلزمها من الأعمال الصالحة، التي يترتب عليها رضا الله عنها، لا على أمر خارج عن النفس لا تأثير له فيها (271).
ولا يمكن أن يوجه الإنذار في الآية إلى الكفار من أهل الكتاب وشذاذ المشركين، إذ لا يكاد في مكة أحد منهم عند نزول السورة ولا يعقل أن تكون الآية نزلت في إنذار هذا الشاذ النادر ولا حاجة في حال توجيه الإنذار إلى المؤمنين إلى تخصيصه بالمفرطين منهم، ولم يكن في المؤمنين يومئذ مفرط ولا مقصر، بل كلهم سابق بالخيرات مشمر، فهم السابقون الأولون الذين شهد الله تعالى لهم، وأثبت في كتابه رضاءه عنهم، والمأثور أن
270) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 1، ص 245.244، بتصرف، والزمخشري، الكشاف، ج 2، ص 26، والقرطبي، الجامع لأحكام
القرآن، ج 6، دار الكتاب العربي، ص 431.
271) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 7، دار الكتب العلمية، بيروت،، ص 355. (1/80)
صفحة 81
الشفاع
الأخرومية
77
هؤلاء الذين أمر الله بإنذارهم هم الذين نهى عن طردهم بقوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه
(273 - 272)
فهؤلاء الخائفون من مغبة ذلك اليوم العظيم، ينفي عنهم الله عز وجل الشفيع لهم عنده، فكيف بغيرهم؟ ثم بين سبحانه أنه رحيم بعباده إن ارتكب أحدهم جرما، أو اقترف إثما بشرط أن يتوب إلى الله عز وجل، فهؤلاء الذين يستحقون تلك الرحمة دون أولئك المصرين الظالمين لأنفسهم، يقول جل وعلا: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم الله (4) وبعدها أعلن المولى – عز وجل أن هذا هو الفرق بين المؤمنين والمجرمين، عندما قال: وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (27).
(TV),
(274)
2 - قوله تعالى: وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (171).
لقد نفت هذه الآية القرآنية الشفيع، وفيها أن الله سبحانه أمر نبيه – صلى الله عليه وسلم - أن يترك من اتخذ دينه لهوا ولعبا أي من يسخر ويستهزيء به، أو من جعل عبادة الأصنام دينا له، فذلك من اللعب واللهو، والأقرب كما ذكر الإمام الرازي - في تفسير اللعب واللهو، أن المحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه قام الدليل على أنه حق وصدق وصواب، فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به الى أخذ المناصب والرئاسة وغلبة الخصم وجمع الأموال، فهم نصروا الدين للدنيا، وقد حكم الله على الدنيا في سائر الآيات بأنها لعب، ثم يقول في بيان ما تؤول إليه هذه النفس التي قدمت حب الدنيا:
ولهو
(277)
.
272) سورة الأنعام، الآية:52
273) لمزيد بيان أنظر رشيد رضا، تفسير المنار، ج 7، ص 357.
274) سورة الأنعام، الآية: 54.
275) سورة الأنعام، الآية: 55
(276 سورة الأنعام، الآية: 70.
277) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 7، ص 29,28، بتصرف. (1/81)
صفحة 82
78
الشفاعة الأخروية
«والمقصود من هذه الآية: بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة، فلا ولي يتولى دفع ذلك المحذور، ولا شفيع يشفع فيها ولا فدية تقبل ليحصل الخلاص بسبب قبولها، حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع. فإذا كانت وجوه الخلاص هي هذه الثلاثة في الدنيا، وثبت أنها لا تفيد في الآخرة، البتة، وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو الإرتهان، والإنغلاق والإستسلام، فليس لها البتة دافع من عذاب الله تعالى، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصي الله تعالى ثم
إنه تعالى بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين، فقال: لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرونه وذلك هو النهاية في صفة الإيلام)
(278)
(279)
ولئن كان الخطاب في الآية عاماً، يعم الكافرين والمنافقين من المستهزئين الساخرين بتعاليم الدين ومبادئه، فإنه مما ينبغي للمؤمن الحق أن يكون بعيدا عن كل ذلك بضبط نفسه، وتقييد جوارحه وحفظ لسانه وطهارة قلبه، وتلك هي ثمار عقيدة الإسلام حيث إن من استولى حب الدنيا على قلبه، أعرض عن حقيقة الدين، واقتصر على تزيين الظاهر ليتوصل به إلى حطام الدنيا، وهذا المعنى هو الذي ركز عليه الإمام الرازي في بيان هذه الآية إذ يقول: «فالمراد من قوله: وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه، وإذا تأملت في حال أكثر الخلق
د (280)
والهوان ..
وجدتهم موصوفين بهذه الصفة، وداخلين تحت هذه الحالة (28).
يوم
ومن المعلوم أن هذا الصنف هو ممن نفى الله تعالى عنه الشفاعة القيامة بمدلول ومفهوم هذه الآية الكريمة وغيرها الكثير
- قوله تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبنون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه
،
وتعالى عما يشركون
(282)
(278) سورة الأنعام، الآيه: 70.
279) الرازي مفاتيح الغيب، ح 7، ص 30.
280) سورة الأنعام، الآية: 70. 281) الرازي، مفاتيح الغيب، ح 7، ص 29. (282) سورة يونس، الآية: 18. (1/82)
صفحة 83
الشفاعة |
الأخروية
79
لقد نزلت هذه الآية الكريمة في النضر بن الحرث، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة
قال: كان النضر بن الحرث يقول: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى)
فان قيل: إنهم ينكرون البعث، والشفاعة تكون غالبا يوم القيامة؟
(283)
أجيب: لعل ذلك منهم على سبيل الفرض والتقدير أي إن كان بعث كما زعمتم فهؤلاء يشفعون لنا، وقال الحسن: إنهم أرادوا من هذه الشفاعة الشفاعة في الدنيا لإصلاح المعاش
والجمهور على الأول، ومن سبر حال القوم رآهم مترددين، ولذلك اختلفت كلماتهم.)
(285)
(TAE)
ولقد توهم أولئك الكفار أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم الله من عبادة الله سبحانه وتعالى، فقالوا ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى بل نحن نشتغل بعبادة هذه الأصنام، وأنها تكون شفعاء لنا عند الله تعالى، ثم يجيبهم. الله تعالى بأن ذلك ليس بمعلوم عند الله، وإذا لم يكن معلوما له لم يكن شيئا لأن الشي ما يعلم ويخبر عنه، وهذا تهكم بهم وبما ادعوه من المحال الذي هو شفاعة الأصنام (28).
(286)
ولا ريب أن هذه الآية الكريمة تخاطب الكفار، الذين يعبدون الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وتبين ما يعتقدونه من شفاعتهم عند الله بلا دليل ولا برهان.
والقول بأن هذه الأصنام أو هؤلاء الأشخاص الذين تمثلهم هذه الأصنام سواء أكانوا في حياتهم أولياء أم غير أولياء يشفعون عند الله تعالى بهذا المعنى المطلق هو كمن يزعم أنه يعلم ما لا يعلمه الله تعالى، فهو يتضمن نفي العلم عن الله سبحانه كما أنه يتضمن
تقييد مشيئته وقدرته سبحانه، وهو عز وجل لا يحد مشيئته حد، ولا يعجز قدرته شي، فمن تشفع بهذا المعنى فقد أشرك (387).
4 - قوله تعالى: فما لنا من شافعين. ولا صديق حميم. فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (288).
283) الزمخشري الكشاف، ج 2،ص 336، الألوسي، روح المعاني، ج 11، ص 88.
284) المرجع السابق، ج 11، ص 88.
285) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 9، ص 63. 286) الزمخشري، الكشاف، ج 2، ص 336.
287) فاروق الدسوقي، الشفاعة، سلسلة كتب التصوف الاسلامي، الكتاب السابع عشر.
288) سورة الشعراء، الآية: 100 - 102. (1/83)
صفحة 84
80
الشفاعة
الأخروية
يقول الإمام الألوسي: «والمراد التلهف والتأسف على فقد شفيع يشفع لهم مما هم فيه، أو صديق شفيق يهمه ذلك، وقد ترقوا لمزيد انحطاط حالهم في التأسف، حيث نفوا أولا أن يكون لهم من ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعته، ونفوا ثانيا أن يكون لهم من يهمه أمرهم ويشفق عليهم ويتوجع لهم وان لم يخلصهم، وأتى بالشافع في سياق النفي» (389) أو أرادوا أنهم وقعوا في مهلكة علموا أن الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، فقصدوا بنفيهم نفي ما يتعلق بهم من النفع، لأن ما لا ينفع حكمه حكم المعدوم، أو من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله، وكان لهم الأصدقاء من شياطين الإنس (29)، أو أنهم عنوا بالشافعين هنا ما عنوا بالمجرمين من كبرائهم وساداتهم، وفرعوا النفي على قولهم: {وما أضلنا لا المجرمون (29) فكأنهم قالوا سادتنا وكبراؤنا الذين أضلونا مجرمون معذبون مثلنا لم يقدروا على السعي في نفعنا والشفاعة لنا (212).
(191)
ومن خلال ما تقدم من كلام الامام الألوسي يظهر لنا أن الله تبارك وتعالى حكى في هذه الآية الكريمة ما يقوله الكافرون وهم يصطلون نار جهنم، حيث تتقطع بهم الأسباب وتنحل بينهم الروابط والعلاقات، التي كثيرا ما جمعت بينهم في الحياة الدنيا، فلا ينفع الشفيع، ولا يدفع الصديق ما آلوا إليه، وحكم عليهم.
ه - قوله تعالى: الله الذي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَةَ أَيامٍ ثُم استَوَى عَلَى العرش مَا لَكُم مِن دُونه مِن وَلي وَلا شَفِيعَ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} (293). يبين الله تعالى أن الولاية والشفاعة له جل وعلا، فهي لا تجوز لغيره، وهذه الآية
على معنيين:
أحدهما: أنكم إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم وليا، أي ناصرا ينصركم ولا
شفيعا يشفع لكم.
289) الألوسي، روح المعاني، ج 19، ص 104، 105.
290) الزمخشري، الكشاف، ج 3، ص 322، والرازي مفاتيح الغيب، ج 12، ص 152، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 13،
ص 116.
291) سورة الشعراء. الآية: 99.
292) الألوسي، روح المعاني، ج 19، ص 105.
293) سورة السجدة، الآية: 4. (1/84)
صفحة 85
الشفاعة الأخروية
81
والثاني: أن الله وليكم الذي يتولى مصالحكم، وشفيعكم أي ناصركم على سبيل المجاز، لأن الشفيع ينصر المشفوع له (24).
يقول الإمام الألوسي: «أي ما لكم مجاوزين الله عز وجل أي رضاه سبحانه وطاعته تعالى (ولي ولا شفيع (أي لا ينفعكم هذان من الخلق عنده سبحانه دون رضاه جل
(295)
جلاله (219).
6 - قوله تعالى أم اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاء قُل أَوَلَو كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا
(ra)
يعْقِلُون (26).
يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «أم اتخذ هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهتهم التي يعبدونها شفعاء تشفع لهم عند الله في حاجاتهم، قل يا محمد لهم أتتخذون هذه الآلهة شفعاء كما تزعمون ولو كانوا لا يملكون لكم نفعا ولا ضرا ولا يعقلون
شيئا (297)
وبالجملة فهذه الآية تخاطب المشركين الذين اتخذوا من دون الله تعالى شفعاء من الأصنام ثم تبين أن تلك الأصنام لا تملك ولا تعقل شيئا، إذ الأمر لله من قبل ومن بعد. وهذه الآية الكريمة كسابقاتها تندد بمقولة الكافرين الشنعاء في شفاعة الآلهة، ثم ترد عليهم بما يقتضيه العقل، ويقبله المنطق من عدم جدوى تلك الشفاعات، وأن الشفاعة في الواقع والحقيقة لا تكون إلا لله الواحد الأحد مالك الملك، وخالق الخلق، ومدبر الكون، ومسير الحياة، إذ يقول بعد هذه الآية: قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون.
7 - قوله تعالى: {وَانَذِرْهُم يَوْمَ الآزِفَة إن القُلوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ، مَا للظالمين من حَمِيمٍ وَلا شَفيع يُطَاع
294) الزمخشري، الكشاف، ج 3، ص 507. 295) الألوسي، روح المعاني، ج 21، ص 119. 296) سورة الزمر، الآية: 43.
(799)
297) الطبري، جامع البيان، ج 11، دار الكتب العلمية، ص 10.
298) سورة الزمر، الآية: 44.
299) سورة غافر، الآية: 18. (1/85)
صفحة 86
82
الشفاعة الأخروية.
لقد نصت هذه الآية الشريفة على نفي الشفيع عن الظالمين، ولكن من المراد
بالظالمين هنا؟
ذهب الإمام الطبري
(200)، والرازي "
(201)، والألوسي (303) وغيرهم ممن أطلق الشفاعة لسائر الموحدين الى أن المراد بالظالمين هنا هم الكاملون في الظلم وهم الكافرون. يقول الإمام الطبري في تفسيره: «ما للكافرين بالله يومئذ من حميم يحم لهم فيدفع عنهم عظيم ما نزل بهم من عذاب الله، ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم فيطاع فيما شفع ويجاب فيما سأل» (303)
إلا أن من قيد الشفاعة بالتوبة، يرى أن هذه الآية الكريمة من النصوص الدالة على نفي الشفاعة عن الظالمين من المشركين وغيرهم، لأن وصف الظالم يصدق على المشرك والفاسق، فالله تعالى سمى القتال في الأشهر الحرم ظلما حيث قال: فلا تظلموا فيهن أنفسكم، وحكى عن آدم وحواء قولهما: ربنا ظلمنا أنفسنا وهم لم يقعوا في الشرك ولم يريدوه في هذا الاعتراف (304).
يقول الإمام الزمخشري: «إن الشفعاء هم أولياء الله، وأولياء الله لا يحبون ولا يرضون إلا من أحبه الله ورضيه، وأن الله لا يحب الظالمين، فلا يحبونهم، وإذا لم يحبوهم لم ينصروهم ولم يشفعوا لهم قال الله تعالى وما للظالمين من أنصار (200)، لأن الشفاعة لا تكون إلا في زيادة التفضل، وأهل التفضل وزيادته إنما هم أهل الثواب، بدليل قوله تعالى: ويزيدهم من فضله الله (206)، وعن الحسن – رضي الله عنه - ما يكون لهم شفيع البته (30).
—
والله
على أن الله تبارك وتعالى أراد بهذه الآية الكريمة التهديد والوعيد، والزجر والتأنيب، فإن لم تعم جميع الظالمين، ما كان لها من وقع في نفوس الموحدين من
300) الطبري، جامع البيان، ج 11، ص 49. 301) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 27، ص 51. 302) الألوسي، روح المعاني، ج 24، ص 59.
303) الطبري، جامع البيان، ج 11، ص 50. 304) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 269، 270. 305) سورة البقرة، الآية:270
306) سورة الشورى الآية: 26
307) الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 158. (1/86)
صفحة 87
الشفاعة
ة الأخروية.
83
الفسقة الفاجرين المتعدين لحدود لله رب العالمين، ولساغ بحسب منهجهم في الدين تخصيص كثير من الآيات بالكافرين بيد أن الله تعالى أراد بها تهديد الناس أجمعين ليحذروا بطشه الأليم، وليرتقوا الى سلم جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.
8 - قوله تعالى وكنا نكذب بيوم الدين، حتى أتانا اليقين، فما تنفعهم شفاعة الشافعين (208).
يحكي الله تعالى في هذه الآية الكريمة حال المكذبين بيوم الدين من المشركين والمنافقين، حيث لا تنفعهم شفاعة الشافعين ولاهم عن النار بمبعدين، وذلك لأن المنافق نفاقا عقديا قد يكذب بيوم الدين في الباطن، مع إظهاره الإسلام.
وقد جعل الإمام الرازي هذه الآية الكريمة دليلا على ثبوت الشفاعة للفساق حيث يقول: «واحتج أصحابنا على ثبوت الشفاعة للفساق بمفهوم هذه الآية، وقالوا إن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة
الشافعين»
(209)
«إلا أن هذا الاستدلال إنما هو بمفهوم المخالفة، وهو مختلف في الاستدلال به في الأمور العملية، فما بالكم بالقضايا العقدية التي تثمر في النفس اليقين. وقد عارض
...
هذا الاستدلال المفهوم كثير من آيات الكتاب العزيز الناطقة بنفي الشفاعة والدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال، فلا حجة فيه، ولا عبرة به (((210).
يقول الإمام الزمخشري في هذه الآية: «أي لو شفع لهم الشافعون جميعا من الملائكة والنبيين وغيرهم لم تنفعهم شفاعتهم، لأن الشفاعة لمن ارتضاه الله وهم مسخوط عليهم، وفيه دليل على أن الشفاعة تنفع يومئذ، لأنها تزيد في درجات
المرتضين (311)
308) سورة المدثر، الآية: 46 - 48
309) الرازي، مفاتيح الغيب، ح 15، ص 211.
310) الخليلي، جواهر التفسير، مكتبة الاستقامة، ج 3، ص 270. 311) الزمخشري، الكشاف، ح 4، ص 655. (1/87)
صفحة 88
??
الشفاعة
الأخروية.
المطلب الثالث: الجمع بين الإثبات والنفي
من خلال ما تقدم من آيات بينات، تحدثت عن الشفاعة إثباتا ونفيا، ومن أقوال العلماء في شرحها وتفسيرها لتتضح أكثر للقارئ .... لا بد لنا قبل أن نجمع بين الإثبات والنفي، أن نضع هذه النقاط لتتضح الصورة، فيسهل الجمع:
جميع فرق الأمة متفقة على ثبوت الشفاعة الأخروية بدليل ما جاء في القرآن
الكريم والحديث النبوي الشريف)
(414)
- أكثر الآيات التي أثبتت الشفاعة تبدأ بنفيها أولا، ثم تستثني منها ما كان بإذنه
تعالى ورضاه، ولمن ارتضى وكذلك الحال في الآيات التي تثبت الشفيع. - في أكثر آيات نفي الشفاعة، دلالة واضحة على التحذير والإنذار، منها ما. بني إسرائيل، ومنها ما هو موجه إلى هذه الأمة.
لا
- بعض آيات نفي الشفاعة أو الشفيع يخاطب الله تعالى بها أولئك الذي يعتقدون النفع والشفاعة من آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، ويعظمونها أكبر تعظيم، وهي تنفع نفسها فضلا عن أن تفيد غيرها.
- نستطيع معرفة الجمع بين الإثبات والنفي في آيات الشفاعة من خلال وجهة نظر الفريقين، وبيان ذلك:
إن من قيد الشفاعة الأخروية بالتوبة، حددها للمرتضين الأخيار من عباد الله الأطهار، وتكون بتعجيل فصل القضاء يوم القيامة، ودخول الجنة (الشفاعة العظمى)، ويرفع الدرجات والثواب فيها. . قالوا: لا منافاة بين الإثبات والنفي، لأن الآيات التي أثبتت الشفاعة، حددتها بشروط لا تنطبق إلا على التائبين المتقين من أهل التوحيد دون سواهم، والآيات النافية للشفاعة إنما كان معظمها في سياق التهديد والوعيد لكل من ابتعد عن نهج الإسلام عقيدة وسلوكا، من الكافرين المشركين، والفاسقين المجرمين فلا شفاعة لهؤلاء وأمثالهم، ممن ظلم نفسه بالكفر بربه أو الإصرار على معصيته، بل هي
312) أجمعت الأمة علي أصل الشفاعة، قال القاضي عبد الجبار: «لا خلاف بين الأمة في أن شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثابتة للأمة، وإنما الخلاف في أنها تثبت لمن؟» أنظر عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة، ص 688، وإبن حجر، فتح الباري، ج 11، ص 426 (1/88)
صفحة 89
الشفاعة الأخروية
85
ثابتة لمن تاب وصدق في إيمانه بإذنه تعالى ورضاه.
يقول العلامة الخليلي - حفظه الله -: «أما الشفاعة فقد ذكرت تارة بالنفي المطلق، كما في قوله تعالى: يا أيها الذين أمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لابيع فيه ولا خلة ولا شفاعة (213) والخطاب للمؤمنين كما ترون، وتارة ينفي قبولها ونفعها كما في هذه الآية ونظيرتها المشار إليها من قبل (314)، وتارة مقيدة بإذنه تعالى كما في قوله: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وتارة مخصوصة بالرضى وذلك قوله عز من قائل: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى لها (316)، وتارة منفية عن الظالمين والمجرمين
(014)
كما في قوله: ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (17) وقوله حكاية عن أهل النار:
(318)
فما لنا من شافعين ولا تنافي بين هذه الآيات فإنها عندما تنفي الشفاعة أو
تنفي منفعتها أو قبولها لا تكون إلا واردة مورد التحذير من فعل محظور أو التقصير في واجب، وهو لا ينافي أن ينفع الله بالشفاعة عباده المرتضين التائبين مما قارفوا من
السيئات)
(319)
ويقول محمد رشيد رضا: «في القرآن آيات ناطقة بنفي الشفاعة مطلقا، كقوله تعالى: {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة له (32) وأخرى ناطقة بنفي منفعة الشفاعة كقوله عز وجل: فما تنفعهم شفاعة الشافعين (321) وآيات تقيد النفي بمثل قوله إلا بإذنه (22) وقوله: إلا لمن ارتضى (222) فمن الناس من يحكم الثاني بالأول، ومنهم من يرى أنه لا منافاة بينهما فنحتاج الى حمل أحدهما على الآخر، لأن مثل هذا الإستثناء (أي الإست ستثناء بالإذن والمشيئة) معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطي للإشعار
313) سورة البقرة، الآية: 254
314) أي قوله تعالى: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون.
البقرة: 48. 315) سورة البقرة، الآية: 255. 316) سورة الأنبياء، الآية: 28. 317) سورة غافر، الآية: 18. 318) سورة الشعراء، الآية: 100
319) الخليلي، جواهر التفسير، مكتبة الاستقامة، 3، ص 260، ص 261.
320) سورة البقرة الآية: 254.
321) سورة المدثر، الآية: 48.
322) سورة البقرة، الآية: 255 323) سورة الأنبياء، الآية: 28. (1/89)
صفحة 90
86
الشفاعة الأخروية
بأن ذلك بإذنه ومشيئته عز وجل كقوله تعالى: سنقرئك فلا تنسى، إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (22) وقوله: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك له (220) فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها فما معناها؟ (326).
ثم فسر الشفاعة المقصودة بمعنى الدعاء كما مر سابقا، وعليه فإن من تتبع آيات الشفاعة في القرآن – المثبتة والنافية - فإنه يرى أنها إما أن تنفي الشفاعة مطلقا، أو تنفي قبولها أو منفعتها أو تنفيها عن الظالمين والمجرمين، أو تقيدها بإذنه، وإذن الله تعالى – كما قيل - أنه معهود في مقام النفي القطعي، إذ ان كل شيء في هذا الوجود لا تم ولا يتحقق إلا بإذنه وإذنه - كما حكاه محمد رشيد رضا عن استاذه (327) أنه مما استأثر الله بعلمه فلا يعلمه غيره إلا إذا شاء إعلامه به، فهو غير معروف لأحد من خلقه، ولذلك ذكر محمد رشيد رضا عن استاذه محمد عبده أن ما ورد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات، وفيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم، وأنها مزية يختص الله بها من يشاء يوم القيامة عبر عنها بهذه العبارة «الشفاعة» ولا نحيط بحقيقتها مع تنزيه الله جل جلاله عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب، إلا أنه ليس هنالك شيء من المتشابه في موضوع الشفاعة، إذ الآيات القرآنية صريحة في نفيها عن الظالمين، وتثبتها أحيانا عن طريق الاستثناء لمن ارتضى وأذن الله له، ويُحمل هذا الاستثناء على الشفاعة العظمى التي اتفقت عليها الأمة، أما أحاديث الشفاعة لأهل الكبائر فلا يمكن الاعتماد عليها البته، لضعفها ولأحاديتها كما سيأتي وعليه فآيات الشفاعة في القرآن تدل على النفي أكثر، وهو نفي عام، وأما المثبتة فهي بإذنه تعالى لمن رضي عنه، وكان من أهل الولاية. فلا منافاة – على هذا - بين الإثبات والنفي في آيات الشفاعة، إذ لكل آية توجيه معين ومعنى قائم بذاته. أما من أطلق الشفاعة لسائر الموحدين من المؤمنين والفاجرين، وإن لم يتوبوا
العرفي
(228)
324) سورة الأعلى، الآية: 6 - 7.
325) سورة هود الآية: 107.
326) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 1، دار الكتب العلمية،، ص 253
327) المرجع السابق، ج 3، ص 26، 27. 328) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، دار الكتب العلمية، ج 1، ص 254.
.... (1/90)
صفحة 91
الشفاعة الأخروية
87
دون الله
.
ويعودوا لرب العالمين، فإنهم يرون أن آيات نفي الشفاعة والشفيع إنما تتوجه للكافرين من عبدة الملائكة والأوثان والأجرام، أولئك الذين كانوا يعتقدون منفعتها وشفاعتها من أو تلك الشفاعة التي تكون بدون إذنه، فهي لا يمكن أن تتحقق إلا بإذنه ورضاه، وهي عامة لكل الموحدين، إما بدخول الجنة ابتداء، أو بالخروج من النار كما دلت الأحاديث، ولذلك تحمل آيات الإثبات على هذه الشفاعة التي يخص الله تعالى بها عباده الموحدين، إذ يكون من بينها شفاعته - - لأصحاب الكبائر حتى يدخلوا الجنة أو يخرجوا من النار.
يعبد
فحقيقة الشفاعة المأذون فيها: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافعين، الذين أذن لهم في المشفوع له ليكرمهم على حسب مراتبهم. ..... أما الشفاعة المنفية: فالمقصود من نفيها نفي الشرك، وهو أن لا إلا الله، ولا يُسأل غيره، ولا يتوكل عليه لا في شفاعة ولا في غيرها، فالشفاعة التي نفاها القرآن مطلقا كما في قوله تعالى: ليس لهم من دونه ولي ولا شفيعه كان فيها شرك وتلك منفية مطلقا، والشفاعة المثبتة ما تكون بعد الإذن يوم القيامة، ولا تكون الشفاعة إلا لمن ارتضى، فهذه الشفاعة من التوحيد، ومستحقها أهل التوحيد، ممن كان موحدا مخلصا قطع رجاءه عن غير الله تعالى، ولم يجعل له ولياً ولا شفيعاً من دون
الله سبحانه (320).
(329) ما
فالشفاعة بهذا تنقسم الى شفاعة باطلة، وأخرى صحيحة، أما الباطلة: فهي ما يتعلق به المشركون في أصنامهم حيث يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاء لهم عند الله كما قال تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله الله، ويقولون: ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى (22).
(331)
وأما الصحيحة: فهي التي جمعت شروطا كالرضى عن الشافع والمشفوع له، والإذن
(329) سورة الأنعام الآية: 51.
330) نعمان خير الدين الشهير بابن الألوسي البغدادي، جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، مطبعة المدني، المؤسسة السعودية
بمصر، ص 444، ص 445.
331) سورة يونس، الآية: 18. 332) سورة الزمر، الآية: 3. (1/91)
صفحة 92
88
بالشفاعة
(222)
الشفاعة
ة الأخروية
، قلت: هذا متفق عليه تقريبا، والخلاف قد وقع في شروط الشفاعة
الصحيحة، كما سيأتي في المبحث القادم - ان شاء الله تعالى.
وخلاصة قولهم: إن آيات النفي خاصة بالمشركين الكافرين وآيات الإثبات إنما هي للموحدين من المؤمنين، لأن الله تعالى ارتضى إيمانهم وما يدينون به، فمن وفى منهم ما عليه من حقوق وواجبات دخل الجنة بإذن الله، ومن لم يوف ما عليه كان في مشيئة الله، إن شاء أدخله الجنة بإذنه لمن يشفع له، وإلا دخل النار ثم يخرج منها إما بشفاعة الأنبياء أو برحمة رب السماء، إذ لا يخلد في النار موحد ..... وبذلك يمكن الجمع بين الإثبات والنفي في آيات الشفاعة إلا أن هذا ترده أدلة القرآن والسنة والعقل كما
سيأتي.
333) محمد الصالح العثيمين، شرح العقيدة الواسطية للعلامة ابن تيمية، الطبعة الثانية، دار ابن الجوزي، ح 2، 1415 هـ، ص 168، لمزيد بيان أنظر: عبد العزيز المحمد السلمان، الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، الطبعة الرابعة، 1391 هـ - 1971 م، ص 228. (1/92)
صفحة 93
الشفاعة الأخروية
89
المبحث الثاني
شروط الشفاعة في القرآن الكريم
لقد ذكرنا فيما سبق أن أصل الشفاعة ثابتة في القرآن والسنة وإجماع الأمة، إلا أن دلائل النفي فيها أكثر من دلائل الإثبات، ذلك لأن الله تعالى أراد أن يثبت المالكية له سبحانه، كما أراد أن يشحذ همم الناس للعمل الصالح، وعدم الإتكال على الشفاعات والتعلق بالأماني، لا سيما في ذلك الوقت الذي اتخذ فيه المشركون أندادا من دون الله، ليقربوهم الى الله زلفى، ولذلك غرس الله تعالى في نفوسهم التوحيد ليتخلصوا من تلك العقائد الزائفة، والأفكار الباطلة التي أوصلتهم إلى الإشراك بالله.
"
وإذا سمعنا أو تلونا آيات الشفاعة لطالعتنا للوهلة الأولى غلبة نفي الشفاعة ونفي الشفيع ونفي الخليل ونفي الولي ونفي قبول العوض عن المظالم، ونفي كل أسباب النجاة الحساب باعتبار أن هذه جميعا أسباب للنجاة في الدنيا من المخاطر، لكنها لا تصلح أن تكون أسبابا للنجاة من أهوال يوم القيامة وعذاب الآخرة، هذه النتيجة نصل إليها من أول وهلة لسماع كثير من آيات الشفاعة لبروز أدوات النفي أو الإستفهام الإستنكاري الذي
يوم
(334)
إجابته النفي (وعليه، فإن للشفاعة المثبتة شروطا ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، إذ لا يمكن أن تتحقق الشفاعة إلا بها وبعض تلك الشروط مما اختلفت فيه الأمة، وذلك من حيث التفسير والتأويل، وسوف نتحدث عنها بشيء من الاختصار بعدا عن الاطالة والتكرار كما
يلي:
أولا
: القدرة على الشفاعة:
لا أحد يملك القدرة على الشفاعة يوم القيامة إلا الله سبحانه وتعالى، ولذلك فقد نعى الله تعالى أولئك الذين اتخذوا من دونه شفعاء من الأوثان يريدون منفعتهم ونصرتهم، وأثبت الشفاعة له سبحانه إذ هو القادر عليها عندما قال جل جلاله:
334) الدكتور فاروق الدسوقي، الشفاعة، سلسلة كتب التصوف الاسلامي، الكتاب السابع عشر، ص 11. (1/93)
صفحة 94
الشفاعة الأخروية
أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولوا كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون، قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون (30).
وجميعهم يعللون عبادتهم لهذه الآلهة أو الأرباب المتعددة بأنها تقربهم إلى الله زلفي، وأنها شفعاء لهم لجلب النفع ودفع الضر، وفي الآخرة لمن يؤمن منهم بالآخرة هي أيضا شفعاء لدفع العذاب عنهم وتحقيق سعادتهم فيها بعد الموت، ويؤمنون بأن الإله فوضها لتصريف الكون وشؤون الخلائق كل واحد منها في تخصصه، فيثبتون لها فاعليات مستقلة في الأمر والفعل عن الإله (336).
وقد أبطل الله تعالى دعواهم، وبيَّن سبحانه أنهم كاذبون فيما يقولونه، لأن تلك الآلهة المعبودة من دون الله لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، فهي من باب أولى لا تملك
الشفاعة.
وكثيرا ما ندد الله تبارك وتعالى بمزاعمهم في كتابه العزيز، وأوضح أن الشفاعة لا تكون إلا ممن يقدر عليها، إذ القدرة من شروطها ولا تكون القدرة يوم القيامة إلا لمالك الملك لمن الملك اليوم، لله الواحد القهار (27) ولا أدل على ذلك من الآيات القرآنية التي تحوي هذا المعنى صراحة أو تعريضا كقوله تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون (38) وقوله: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون)، وقوله: والذين تدعون من دونه لا يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبيره (340)، وقوله: قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ومالهم فيهما من
(335) سورة الزمر، الآية: 43 - 44
(339)
336) فاروق الدسوقي، الشفاعة، سلسلة كتب التصوف الاسلامي، الكتاب السابع عشر، ص 16.
(337) سورة غافر الآية: 16 338) سورة يونس، الآية: 18. 339) سورة الزخرف، الآية: 86. 340) سورة الزمر، الآية: 13 - 14 (1/94)
صفحة 95
91
الشفاعة!
الأخروية
(341) وغيرها من
شرك وماله منهم من ظهير، ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له الآيات الدالة على أن القدرة من شروط الشفاعة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى أصالة، أو بتمليكه من يشاء من ملائكته ورسله وعباده الصالحين بعد إذنه لهم بها.
وهي
ثانيا: الدخول في الاسلام:
1
أي أن يكون المشفوع له مسلما، وأعني بالإسلام هنا ما يضاد الشرك، لأن المشركين والكافرين في نار جهنم بلا خلاف بين الأمة.
والإسلام يطلق كثيرا ويكون متضمنا، للإيمان فيشمل الظاهر من أعمال الجوارح كالصلاة والصوم والحج ... كما يشمل الباطن من أعمال القلب كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله بدليل قوله تعالى: إن الدين عند الله الاسلام (24) وقوله: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه (343)، فالإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره هو الإسلام الذي يتضمن الإيمان والأعمال القلبية والأعمال الظاهرة)، وهذا هو الإسلام المطلوب-حقيقة - لثبوت الشفاعة، وذلك لارتباط الإيمان بالعمل في أكثر آي القرآن، فالعمل ركن أساسي فيه.
(344)
وعلى ذلك فلا شفاعة للمشركين والكافرين من عبدة الأوثان وغيرهم، لأن الوعيد بالنار لهم واضح في القرآن الكريم في آيات كثيرة، ولكن ما هو مصير العصاة من الموحدين الذين دخلوا الإسلام إلا أنهم قصروا في تطبيق تعاليمه أو أخلوا بمبادئه؟ هذه المسألة مما وقع فيها الخلاف بين من أطلق الشفاعة لسائر الموحدين ومن قيدها بالتائبين منهم - كما سيأتي في الفصل الثالث إن شاء الله -، إلا أن الكل متفق بان المشركين لا شفاعة لهم، ويستثنى من المشركين عم النبي صلى الله عليه وسلم – إذ يشفع تخفيف العذاب حتى يصير في ضحضاح من نار.
341) سورة سبأ، الآية: 22. 342 سورة آل عمران، الآية: 19. 343) سورة آل عمران، الآية: 85.
(245) له في
344) لمزيد بيان أنظر عبد المنعم مصطفى حليمة، تهذيب شرح العقيدة الطحاوية، الطبعة الأولى، دار البيارق للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1418 هـ - 1997 م، ص 283 - 284. 345) يطلق على هذا الأمر شفاعة تجاوزا، وإلا فهي ليست شفاعة – حقيقة – وإنما هي تخفيف العذاب، بدليل أن معظم الأحاديث الدالة على ذلك لم تذكر لفظ الشفاعة صراحة اللهم إلا حديث: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامه، فيجعل في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه»، وهذا الحديث رواه عبد الله بن حباب عن أبي سعيد الخدري، وعبد الله هذا يشبه المجهول روى عنه عبدالله بن يزيد. أنظر: ابن عدي الكامل، ح 4، ص 1551، وذخيرة الحفاظ، ج 3، ص 1350. (1/95)
صفحة 96
92
ثالثا: الإذن بالشفاعة
1
الشطاعة الأخومية
لا تكون الشفاعة. القيامة إلا بأمر الله، ولمن أذن له الرحمن ورضي له قولا، يوم
وهذا محل اتفاق بين الأمة، إذ نص على ذلك القرآن الكريم في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ومن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه
(346)
هذا وقد وقع الخلاف بين الأمة في المأذون لهم بالشفاعة ... فبينما نجد بعض العلماء يرى أن الاستثناء بالإذن يدل على النفي القطعي، وذلك من باب أن كل شيء في الوجود لا يتم ولا يتحقق إلا بإذنه تعالى، نرى أن من أطلق الشفاعة لسائر الموحدين يدخل العصاة منهم في المأذون لهم، وذلك بحسب مشيئة الله تعالى، بينما من قيد الشفاعة للتائبين منهم يرى أنهم لا يدخلون ضمن المأذون لهم، لأن الشفاعة لا تتم من الله إلا لعبادة الصالحين الذين جمعوا بين صفاء العقيدة وصدقها، وحسن العمل واتقانه لا سيما وأن من كليات العقيدة الاسلامية أن الإنسان مجزي بعمله، والعبرة بخاتمة الإنسان ... على أن الإذن يتعلق بالشافع والمشفوع فيه وبوقت الشفاعة، فليس يشفع إلا من أذن الله له في الشفاعة، وليس له أن يشفع إلا بعد أن يأذن الله له، وليس له أن يشفع إلا فيمن أذن الله له أن يشفع فيه.
رابعا: الرضا عن المشفوع له:
من شروط الشفاعة الأخروية في القرآن الكريم الرضا عن المشفوع له، ذلك لأن الله تبارك وتعالى إنما يشفع لمن ارتضاه ورضى عنه، ومن تتبع آيات الكتاب العزيز يجد أن ولاية الله تعالى إنما هي لعباده المؤمنين الذين صدق إيمانهم فظهر في أقوالهم وأفعالهم، يقول سبحانه: ذلك أن الله مولى الذين آمنوا) (347) وهذه الولاية هي رمز الرضا، وعنوان القبول، وعلى ذلك لا تكون الشفاعة يوم القيامة إلا للمرضي من أهل التوحيد بدليل قوله تعالى في وصف ملائكته ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (38) ثم بين سبحانه وتعالى من هؤلاء الذين ارتضاهم وما هي شفاعة
(346 سورة البقرة، الآية: 255
(347 سورة محمد، الآيه: 11 348) سورة الأنبياء، الآية: 28. (1/96)
صفحة 97
93
الشفاعة
الأخروية
الملائكة في قوله تعالى: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما، فاغفر للذين تابوا واتبعوا
سبيلك وقهم عذاب الجحيم
(349)
فهي
للذين اتبعوا السبيل المستقيم دون الذين أعرضوا
عنه، كما أنها للتائبين دون المصرين، إلا أن الإمام الرازي جعل هذه الآية الكريمة من أقوى الدلائل في إثبات الشفاعة للعصاة – كما سيأتي لاحقا - لأنهم لا يُخلدون في النار، مع أن الآية واضحة، وخير ما يفسر القرآن القرآن.
(349 سورة غافر، الآية: 7. (1/97)
صفحة 98
94
المبحث الثالث
الشفاعة الأخروية
لقد
الشفاعة في السنة النبوية
وردت الشفاعة في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فتعرفنا من خلال النصوص إلى أنواعها المتعددة، ثم إن العلماء اتفقوا في أنواع منها واختلفوا في أخرى، فمنهم من أثبتها ومنهم من نفاها .... والشفاعة وصلت عند البعض إلى ثمان، وعند البعض الآخر إلى خمس وذلك يعود إلى استطراد بعض العلماء في ذكر الأنواع وقصر البعض الآخر الشفاعة في أنواع محدودة قد تدخل فيها الأنواع الأخرى.
هذا، وإن الناظر في كلام من يُقيد الشفاعة بالتوبة يجد أنهم يوافقون الفريق الآخر في إثبات الشفاعة الكبرى يوم القيامة، وهذه الشفاعة تتضمن فتح أبواب الجنة، وزيادة الثواب، ورفع الدرجات .... فهم لا يعارضون في هذه الشفاعات التي دل عليها الدليل، إلا أن الشفاعة العظمى أو شفاعة المحشر تشملها، بحيث يستمر حكمها إلى الشفاعة في زيادة الثواب وتشريف المنازل، ولذلك لا نجد في كتبهم ذكر عدد الشفاعات أو حصرها بعدد معين، وإنما يركزون على الشفاعة العظمى التي تكون في المحشر لإراحة الناس من هول الموقف وشدته فلا منافاة بين كونها في المحشر للإراحة من الموقف، وكونها لزيادة الثواب ورفع المنازل، فإن الشفاعة واحدة لكنها تتضمن ذلك كله، بعكس الأشاعرة مثلا ممن يطلقون الشفاعة للموحدين، فقد أوصل بعضهم الشفاعة الى ثمانية أنواع، واختصرها بعض العلماء الى أقل من ذلك، وإن كانت تتضمن تلك الأنواع أو بعضها في كثير من الاحيان.
وقد ذكر ابن تيمية – كما مر سلفا - أن الشفاعة ثلاثة أنواع هي: الشفاعة العظمى، والشفاعة في دخول أهل الجنة، والشفاعة فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ومن دخلها أن يخرج منها (300)، بينما ذهب تلميذه ابن القيم الى أن الثابت خمسة أنواع من الشفاعة
350) محمد الصالح العثيمين، شرح العقيدة الواسطية لشيخ الاسلام ابن تيمية، ط 2، ج 2، دار ابن الجوزي، 5 1415 هـ، ص 169 -
177 (1/98)
صفحة 99
الشفاعة
الأخروية
95
الشفاعة العامة التي يرغب فيها الناس الى الأنبياء نبيا بعد نبي حتى يريحهم الله من مقامهم، والشفاعة في فتح باب الجنة لأهلها، والشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة، والشفاعة في إخراج قوم من أهل التوحيد من النار، والشفاعة في تخفيف العذاب عن بعض أهل النار)، وكذلك ذهب الإمام النووي والقاضي عياض (352)
(101)
(101)
والمباركفوري (354) الى أن الشفاعة خمسة أقسام: الشفاعة للإراحة من هول الموقف
هي
وتعجيل الحساب، الشفاعة في ادخال قوم الجنة بغير حساب، والشفاعة لقوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبينا - صلى الله عليه وسلم - والشفاعة فيمن دخل النار من المذنبين أن يخرج منها، والشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، ولم يتطرقوا الى الشفاعة في تخفيف العذاب عن بعض أهل النار كأبي طالب ولا يعني ذلك أنهم لا يرون جوازها، بل ربما أرادوا الاقتصار على بعض الشفاعات، وعدم الاستطراد بذكر الكل، وقد ذكر ابن حجر أن القاضي عياض استدرك هذا النوع من الشفاعة بعد ذلك (300)، بينما نجد أن العلامة ابن القيم لم يتطرق الى الشفاعة فيمن استوجب النار أن لا يدخلها، إذ يقول بعد أن ذكر أكثر أحاديث الشفاعة وأنواعها: «لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه، وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر، إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون فلم يظفر فيه بنص»
(356)
وقد أورد الإمام ابن حجر ما ذكره الإمام النووي، والقاضي عياض في الفتح، وبين أن بعض العلماء قد زاد شفاعة سابعة وهي الشفاعة لأهل المدينة، وذلك لحديث أبي هريرة عن النبي - -: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل فإني أشفع لمن مات بها (357)، ثم قال: «وهذه غير واردة لأن متعلقها لا يخرج عن واحدة من الخمس الأول (20).
351) محمد بن اسحاق بن خزيمة هامش كتاب التوحيد واثبات صفات الرب عز وجل، تحقيق الدكتور عبد العزيز ابراهيم الشهوان، 6، ح 2، مكتبة الرشد، الرياض: 1418 هـ - 1997 م، ص 590.
352) النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، الطبعة الثالثة، 3، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1404 هـ - 1984 م، ص 35 353) القاضي عياض، شرح الشفا، شرحه الملا علي القارئ، ج 1، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 472. 354) محمد عبد الرحمن بن عبد الرحمن المباركفوري، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ط 2، ح 7 مكتبة ابن تيمية، القاهرة،
1385 هـ - 1965، ص 128.
355) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ح 11، المكتبة السلفية، ص 428. (356) عون المعبود، ص 77، ح 13.
357) أخرجه البيهقي في شعب الايمان، باب في المناسك، رقم الحديث (4282)، ج 3، ص 497.
358) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج 11 المكتبه السلفية، ص 428. (1/99)
صفحة 100
وهي
96
الشفاعة
الأخروية
هذا وقد ظهر لابن حجر شفاعة أخرى حيث يقول: «وظهرلي بالتتبع شفاعة أخرى الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة، ومستندها ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: السابق يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي - - (30)، وقد تقدم قريبا أن أرجح الأقوال في أصحاب الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وشفاعة أخرى
(260)
شفاعته فيمن قال لا إله إلا الله ولم يعمل خيرا قط» ا، والدليل على هذه الشفاعة
الأخيرة حديث أبي سعيد مرفوعا، قال فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المسلمون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط (31)، على أن المراد بقوله: لم يعملوا خيرا قط أي الخير الزائد عن شروط صحة الإيمان ومتطلباته، التي لا يدخل المرء الجنة إلا بها وبعد استيفائها، وليس المراد نفي مطلق الخير المتضمن للتوحيد والإيمان، هذا ما يقتضيه العمل بمجموع النصوص ذات العلاقة بالمسألة (367).
ومما تقدم يتضح لنا أن الأمة قد اتفقت على شفاعات معينة وإن اختلف في عددها فهو. خلاف لفظي، إذ قد يذكر بعض العلماء شفاعة واحدة إلا أنها تتضمن شفاعتان، أو أنه يستدرك بعض الشفاعات في مؤلف آخر ... كما أن بعض العلماء يركزون على الشفاعة العظمى في الموقف باعتبار إجماع الأمة عليها، ثم يذكرون غيرها بإختصار لأن
الشفاعة العظمى تتضمن ما عداها من شفاعة فتح أبواب الجنة، وزيادة الدرجة فيها. وعليه، فإن هنالك شفاعة متفق عليها، وأخرى مختلف فيها، فالأولى: كالشفاعة الكبرى وشفاعة فتح أبواب الجنة ودخول أهلها، وشفاعة زيادة الثواب ورفع الدرجات، والشفاعة فيمن تساوت حسناته وسيئاته عند من ذكرها.
أما الثانية: فالشفاعة في تخفيف العذاب عن بعض الكفار والشفاعة للمصرين على
359) ذكره الهيثمي في المجمع باب في الشفاعة، ج 10، ص 378، وقال: سفيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وهو وضاعس والطبراني في الكبير برقم (11454)، ج 11 ص 189.
360) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري، ح 11، المكبة السلفية، ص 429428. 361) أخرجه البيهقي في شعب الايمان، باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم، رقم الحديث (317)، ج 1، ص 291، والطيالسي في مسنده، ج 1، ص 289 362) عبد المنعم مصطفى حليمه، تهذيب شرح العقيدة الطحاوية، ط 1، دار البيارق للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، 1418 هـ -
1997 م، ص 151. (1/100)
صفحة 101
الشفاعة الأخروية
97
الكبائر، سواء في خروج العصاة من النار أو دخولهم الجنة، وسوف تتضح هذه الشفاعات
بذكر الدليل في المطالب التالية كما يلي:
المطلب الأول: الشفاعة المتفق عليها:
الشفاعة الكبرى أو العظمى:
1
تعريفها: هي شفاعته - صلى الله عليه وسلم - لأهل الموقف حتى يقضى بينهم بتعجيل الحساب،
-
حين يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام، ولا تكون إلا لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - يسأل الله سبحانه أن يقضي بين الخلق، ليستريحوا من هول الموقف، فيستجيب الله له فيغبطه الأولون والآخرون فيظهر فضله على العالمين. هذا، وقد ذكر ابن حجر أن الأحاديث قد جاءت متواترة في إثبات الشفاعة المحمدية ودل عليها قوله تعالى: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودالله (363) والجمهور على أن المراد به الشفاعة، وبالغ الواحدي فنقل فيه الإجماع، وقال الطبري: قال أكثر أهل التأويل المقام المحمود هو الذي يقومه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليريحهم من كرب الموقف ثم أخرج عدة أحاديث في بعضها التصريح بذلك، وفي بعضها مطلق الشفاعة (364).
وذهب ابن حجر الى أن الراجح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة لكن، الشفاعة التي وردت في الأحاديث المذكورة في المقام المحمود نوعان، الأول: العامة في فصل
(110)
القضاء، والثاني: الشفاعة في إخراج المذنبين من النار (65)، وهذا لا يسلم لابن حجر، إذ لا يمكن أن تعتبر هذه الآية دليلا على الشفاعة لأصحاب الكبائر، إذ يمكن أن تأول بغير الشفاعة (366) عند الخصم، كما يرى البعض أن المقام المحمود عام لجميع الشفاعات التي، لكن جمهور المفسرين فسروه بشفاعة الإراحة من هول
-
أوتيها نبينا محمد – الموقف، ودخول الجنة لاختصاصه بهما دون غيره
363) سورة الاسراء الآيه: 79
(367)
364) أحمد بن علي بن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ح 11، المكتبة السلفية، ص 426. (365) المرجع السابق، ص 427، وقد ذكر في المقام المحمود غير هذه من الأقوال كما سبق في حاشية البحث إلا أن الحافظ ابن حجر انتهى الى ترجيح ما رجحه الجمهور قائلا: س ويمكن رد الأقوال كلها الى الشفاعة العامة، فإن اعطاءه لواء الحمد وثناءه على ربه، وكلامه بين يديه وجلوسه على كرسيه، وقيامه اقرب من جبريل، كل ذلك صفات للمقام المحمود الذي يشفع فيه،
ليقضي بين الخلقس، ح 11، ص 427. (366) أنظر السالمي، المشارق، ط 1، ص 376.
367) حافظ بن أحمد بن حكمي معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، ج 2، دار الكتب العلمية، بيروت، ص
261 (1/101)
صفحة 102
98
الشفاعة
الأخروية
دليلها: لقد دلت على الشفاعة العظمى عدة أحاديث سنقتصر على بعضها، لأن ذكر الجميع يحتاج الى بحث مستقل، على أن أكثر الأحاديث قد جاء بلفظ متقارب وطرق مختلفة، ومن تلك الأحاديث الدالة على ثبوت الشفاعة العظمى ما يلي:
1 - ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه – فنهس منها نهسة – ثم قال: «أنا سيد الناس يوم يجمع الله الناس يوم القيامة: الأولين والآخرين في صعيد
القيامة، وهل تدرون بم ذلك؟ واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ومالا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض ألاترون ما أنتم فيه، ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم الى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم - عليه السلام - فيقولون يا آدم: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى الى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وأنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي اذهبوا الى غيري اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا: فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل الى الأرض، سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم - -، فيأتون ابراهيم فيقولون: أنت، نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى الى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا الى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى - - فيقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألاترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أُومر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى - صلى الله عليه وسلم، فيأتون فيقولون: يا أنت رسول الله وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه، وكلمت
عيسي
عيسى
الناس في المهد صبيا، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى الى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول عيسى - عليه السلام - إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب (1/102)
صفحة 103
بعده
الشفاعة.
الأخروية
99
مثله، ولم يذكر له ذنبا نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا محمد - فيأتوني، فيقولون: يا. محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، و غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا الى ربك، ألا ترى الى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا، فأنطلق فآتي تحت العرش فاقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم قال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع. فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي أمتي. فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصري (368).
هذا الحديث أورده مسلم عن طريق أبي هريرة، وللبخاري رواية أخرى تحمل نفس المعنى عن أبي هريرة: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوة فرفعت إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، وقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون بمن يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويُسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس. فيقول بعض الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس: أبوكم آدم، فيأتونه، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا الى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيت: نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا: فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل الى أهل الأرض، وسماك الله عبدا شكورا، أما ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى الى ما بلغنا، ألا تشفع لنا الى ربك؟ فيقول: ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، نفسي نفسي، ائتوا النبي - فيأتوني، فأسجد تحت العرش. فيقال: يا محمد ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعطه»
(369)
على أن الكثير من الأئمة يُوردون هذا الحديث وما قبله من أكثر طرقه ولا يذكرون أمر الشفاعة العظمى لفصل القضاء، فإنه المقصود في هذا المقام، ومقتضى سياق أول (368) أخرجه البخاري في كتاب التفسير (65)، باب: سذرية من حملنا مع نوحس، رقم الحديث (4712)، ص 815 مع بعض الاختلاف والزيادة في اللفظ الذي لا يؤثر في المعنى الاجمالي، ومسلم في كتاب الايمان باب دعاء النبي - لأمته وبكائه شفقة
عليهم، ج 1، ص 127.
369) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: «ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ... رقم الحديث (3340)، ص 555. (1/103)
صفحة 104
الشفاعة
الأخروية
الحديث، فإن الناس إنما يستشفعون الى آدم فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس ويستريحوا من مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه.
يقول الامام القرطبي في شرح قوله - -: (فأقول يا رب أمتي أمتي، يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه)، يقول في شرح هذه العبارة: «هذا يدل على أنه شفع فيما طلبه من تعجيل حساب أهل الموقف، فإنه لما أُمر بإدخال من لا حساب عليه من أمته فقد شرع في حساب من عليه حساب من أمته وغيرهم، ولذلك قال في الرواية الأخرى: «فيأتون محمدا - - فيقوم ويؤذن له وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا ..
(371 - 370)
( ...
يقول القاضي عياض: «وبهذا يتصل الحديث لأن هذه هي الشفاعة التي لجأ الناس اليه فيها، وهي الإراحة من الموقف والفصل بين العباد ثم بعد ذلك حلت الشفاعة في أمته - (324).
2 - ما روي عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُجمع المؤمنون يوم القيامة كذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم، فيقولون يا آدم أما ترى الناس؟ خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى برك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناك، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فيأتون نوحا فيقول: لست هناك، ويذكر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطاياه التي أصاب، ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة، وكلمه تكليما، فيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن انتوا عيسى عبدالله ورسوله وكلمته وروحه، فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم - عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتونني فأنطلق
370) أخرجه مسلم، كتاب الايمان، باب دعاء النبي - لأمنه، ج 1، ص 129. 371) أحمد بن عمر بن ابراهيم القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ط 1، ج 1، دار ابن كثير، دمشق، دار الكلم الطيب 1417 هـ - 1996 م، ص 437.
(372) يحيى بن شرف النووي، شرح مسلم، ج 3، ص 57 - 58. (1/104)
صفحة 105
الشفاعة
الأخروية.
فاستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله
ربي
أن يدعني، ثم يقال لي: إرفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه واشفع تشفع فأحمد بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي (373) وقعت
ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، وقل يسمع، و، وسل تعطه، واشفع تشفع فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود (37). وهناك رواية عن معبد بن هلال العنزى بنفس المعنى السابق مع اختلاف يسير في
اللفظ (275)
وهذا النوع من الشفاعة (شفاعة تعجيل الحساب للناس) لم أجد من خالف في ثبوتها، وكذلك لكثرة الأحاديث الواردة في هذا السياق، وهي تتفق مع آي القرآن، كما تبين المكانة الرفيعة التي يحضاها النبي – صلى الله عليه وسلم – في ذلك الموقف الرهيب.
الشفاعة بفتح أبواب الجنة ودخولها:
يظهر لنا من خلال الأحاديث النبوية أن هذا النوع من الشفاعة ينقسم إلى نوعين: النوع الأول: الشفاعة في أقوام ليدخلوا الجنة بغير حساب، وهؤلاء يدخلون الجنة مباشرة، وقد حددهم الحديث الشريف بالسبعين ألفا، حيث يشفع لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيدخلون الجنة بأمر الله بلا حساب.
شفاعة
: الشفاعة النوع الثاني في أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة، وهي. عامة تشمل كل المؤمنين الذين كتب الله تعالى لهم النجاة في يوم القيامة بعد محاسبتهم، لأن دخولهم الجنة إنما تكون بشفاعة النبي - - وبرحمة الله تعالى أولا
وأخيرا.
(373) رؤية الوؤمنين لربهم يوم القيامة باطل باطل جملة وتفصيلا، ومن أراد معرفة أدلة بطلانه فليرجع إلى كتاب «الحق الدامغ» لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي.
374) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: «لما خلقت بيدي» (19) رقم الحديث (7410)، ص 1274. 375) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب كلام الرب تعالي يوم القيامه مع الأنبياء، رقم الحديث (7510)،ص 1293. (1/105)
صفحة 106
الشفاعة الأخروية
دليلها: دليل النوع الأول: حديث عكاشة بن محصن، حيث دعاله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب والحديث مخرج في
الصحيحين ونصه:
عن حصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبر فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: إما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، فقال: فماذا صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. فقال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة ابن حصيب الأسلمي أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. ة. فقال: قد أحسن انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس، عن النبي - أنه قال: «عُرضت على الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد. إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي. فقيل لي: هذا موسى وقومه. ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم. فقيل لي: أنظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الاسلام ولم يشركوا بالله. وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه. فقال: «هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون «فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «أنت منهم» ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عكاشة (376).
وعن عمران بن حصين، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون (377).
أما النوع الثاني من هذه الشفاعة فدليلها: ما جاء في نهاية الحديث السابق في (276) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق (81) باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، رقم الحديث (6541)،ص 1133، ومسلم في کتاب الايمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، ج 1، ص 136.
(377) أخرجه مسلم في كتاب الايمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، ج 1، ص 137. (1/106)
صفحة 107
الشفاعة الأخروية
'" ....
الشفاعة العظمى، وهو قوله تعالى في جواب قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمتي، أمتي: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة. (278)، ويستدل البعض (37) على هذا النوع من الشفاعة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا أول شفيع في الجنة»، بينما ذهب ابن حجر الى غير ذلك حيث يقول في بيان دليل هذا النوع من الشفاعة: ويظهر لي أن دليله سؤاله - - الزيادة على السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فأجيب» (38)، وأرى أن هذا الأخير وجيه.
الشفاعة في أهل الجنة لزيادة ثوابهم ورفع درجاتهم:
تعريفها:
2
لا ريب أن أهل الجنة يتنعمون فيها بما يلقونه من إكرام الله تعالى لهم .... ثم تأتي الشفاعة التي ترفعهم الى درجات العلا في الجنة، إكراما لهم من المولى وفضلا، إذ تُرفع درجاتهم في الجنة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم، فهذه شفاعة في الجنة للمؤمنين لزيادة ثوابهم ورفع درجاتهم فوق ما تقتضيه أعمالهم الدنيوية.
دليلها:
1
- قوله - - في حديث أبي موسى: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر واجعله يوم
القيامة فوق كثير من خلقك (381).
<<
- قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم سلمة:- «) اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في
المهديين:
(FAT)
الشفاعة فيمن تساوت حسناته وسيئاته:
تعريفها: لقد ذكر هذا النوع من الشفاعة بعض العلماء منهم ابن حجر وغيره وبين
378) أخرجه مسلم في كتاب الايمان، باب دعاء النبي لأمته وبكائه عليهم، ج 1، ص 127.
(379) كالامام علي بن أبي العز الحنفي في تهذيب شرح الطحاوية، ط 2، دار الصحابة، لبنان، ص 292. 380) أحمد بن علي بن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ح 11، المكتبة السلفية، ص 428. 381) أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب غزوة أوطاس، رقم الحديث (4323)، ص 731. (382) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر، ج 3، ص 38. (1/107)
صفحة 108
الشفاعة
الأخروية
أن أرجح الأقوال في أصحاب الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم
ليدخلوا الجنة (3)
(383)
دليلها: ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس، ولفظه: «السابق بالخبرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد)
(384)
قلت: في سنده موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، قال الذهبي في الميزان: «معروف ليس بثقة فإن ابن حبان قال فيه: دجال، وقال ابن عدي: منكر الحديث، وعد هذا الخبر من منكراته (389)، وقال الهيثمي في المجمع، بعد أن نسبه للطبراني في الكبير والأوسط: «وفيه موسى بن عبد الرحمن الصنعائي وهو وضاع)
(386)
هذا، وإذا لم يثبت دليل هذه الشفاعة، فالأولى أن لا يثبت هذا النوع من الشفاعة، لا سيما وأن الكثير الكثير من العلماء لم يتطرق إليها - لا من قريب ولا من بعيد – أثناء تعداد أنواع الشفاعات.
المطلب الثاني: الشفاعة المختلف فيها:
لقد اختلفت هذه الأمة في ثبوت شفاعة النبي - - في تخفيف العذاب عن بعض الكفار الذين ماتوا على ملة الكفر وكذلك في أصحاب الكبائر من الموحدين الذين أصروا على معاصيهم وجرائمهم مع علمهم بها، ومعرفتهم بحرمتها وهذا الأخير سوف نذكره الآن بشيء من الاختصار وذلك من باب بيان أنواع الشفاعة المختلف فيها، وسوف يذكر بالتفصيل في الفصل القادم مع ذكر الأقوال وبيان الأدلة.
الشفاعة في تخفيف العذاب عن بعض الكفار
تعريفها: هذه الشفاعة خاصة لعم النبي - - فقد كان أبو طالب قد علم صدق
(383) ابن حجر فتح الباري، ج 11، المكتبه السلفية، ص 429,438. 384) الطبراني في المعجم الكبير، ط 1، ج 11، ص 189.
385) الذهبي ميزان الاعتدال، ج 5 ص 336.
386 ينظر الهيثمي، المجمع، ج 10، ص 378. (1/108)
صفحة 109
الشفاعة الأخروية
النبي – صلى الله عليه وسلم – في جميع حالاته، ولم يخف عليه شيء من أموره من مولده الى حين
اكتماله، ولذلك كان يقول لعلي ابنه: اتبعه فإنه لا يرشدك إلا الى خير أو حق (387). كما كان أبو طالب يحوطه - - وينصره ويحبه حبا طبيعيا لا شرعيا فسبق القدر
فيه واستمر على كفره ولله الحجة السامية، وقد نهي النبي - - عن الاستغفار له، حيث قال تعالى: {وما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي ن قربي من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (38)، أي من بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك، فهو كالعلة للمنع من الاستغفار لهم، وقيل أنزل الله تعالى فيه قوله: إنك لا تهدي من أحببت (8)، أي أحببت هدايته أو أحببته لقرابته، أي ليس ذلك إليك إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، ولا تنافي بين هذه الآية وقوله تعالى: وإنك لتهدي الى صراط مستقيم (290)، لأن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة والذي نفى عنه هداية التوفيق وشرح الصدر
(391)
دليلها: عن العباس، قال: قلت: يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك؟ قال: «نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته الى ضحضاح (32). وفي رواية أخرى عن العباس بن عبد المطلب - أيضا - أنه قال: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: «نعم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (393).
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - - ذكر عنده عمه أبو طالب. فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار بيلغ كعبيه، يغلي منه
دماغه (294)
387) أحمد بن عمر القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ط 1، دار ابن كثير، بيروت، 1417 - 1996 م، ص 456
(388) سورة التوبة، الآية: 113. (389) سورة القصص، الآية: 56. 390) سورة الشورى، الآية: 52.
391) أحمد بن محمد القسطلاني، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ط 1، ح 8، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 351. 392) أخرجه مسلم في كتاب الايمان، باب شفاعة النبي - - لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، ج 1،ص 134. 393) أخرجه مسلم في كتاب الايمان باب شفاعة النبي - - لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، ج 1، ص 134،وأنظر: القرطبي المفهم، ط 1، ج 1، ص 457. 394) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار (63)، باب قصة أبي طالب (40)، رقم الحديث (3885)، ص 652، ومسلم في كتاب الايمان، باب شفاعة النبي - - لأبي طالب والتخفيف عنه، ج 1، ص 134. (1/109)
صفحة 110
المقطعة الأخروية
- وعن ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه (389).
(296)
«<
هذا وقد خالف البعض في ثبوت هذه الشفاعة مستدلين بأن هذه الأحاديث الشريفة تنافي الآيات القرآنية التي تنفي الشفاعة للكافر كقوله تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين (3)، وقوله: لا يشفعون إلا لمن ارتضى (38) والجواب على ذلك من
أوجه:
(397)
الأول: أن الشفاعة المنفية إنما هي. شفاعة خاصة، وهي التي تخلص من العذاب غاية ما ذكر من المعارضة إنما هي بين خصوص وعموم، ولا تعارض بينها، إذ البناء
الجمع ممكن.
الثاني: أن ابا طالب لما بالغ في إكرام النبي - صلى الله عليه وسلم - والذب عنه خفف عنه بسبب ذلك ما كان يستحقه بسبب كفره، مع ما حصل عنده من معرفته صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - ولما كان ذلك بسبب وجود النبي - - وببركة الحنو عليه نسبه النبي صلى الله عليه وسلم - الى نفسه، ولا يستبعد إطلاق الشفاعة على مثل هذا المعنى (399).
يقول القاضي عياض: «ليس فيه نص على أن النبي - صلى الله عليه وسلم – شفع فيه، وإنما أخبر أنه نفعه قربه منه وذبه عنه كما سقى أبو لهب بعتقه ثويبة مرضعته - صلى الله عليه وسلم - بركة منه فاضت عليهم فخفف بذلك من عذابهم، وكانت هذه الحالة هي الشافعة لهم لا رغبته
وسؤاله - - كما قال:
في وجهه شافع يمحو إساءته
الى القلوب وجيه حيثما شفعا
ومع هذا فما يرى أن أحداً أشد منه عذابا لشدة ما يلقاه، وعلى هذا يحمل قوله: «هل
395) أخرجه مسلم في كتاب الايمان، باب شفاعة النبي - لأبي طالب، ج 3، ص 134. 396) تحدث عن هذا الخلاف اليحصبي في اكمال المعلم وابن حجر في الفتح والقرطبي في المفهم، ولم ينسبوه لأحد. أنظر: اليحصبي اكمال المعلم، ج 1، ص 596، وابن حجر الفتح، ج 11، ص 431، والقرطبي المفهم، ط 1، ج 1، ص 457، والبيهقي شعب
الايمان، ط 1، ج 1 ص 259.
(397) سورة المدثر، الآية: 48. (398) سورة الأنبياء، الآية: 28.
(399) أحمد بن عمر القرطبي المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، ط 1، ج 1، دار ابن كثير، بيروت، 51417 - 1996 م ص 457. (1/110)
صفحة 111
الشغلعة الأخروية. نفعه ذلك» يعني ذبه ونصره للنبي - -، إلا أنه جوزي على ذلك وعوض عنه بتخفيف العذاب (400).
يقول الإمام القرطبي: «فإن قيل: فقد قال تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين له (40) قيل له: لا تنفعه في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحدين، الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة (402).
فإن قيل: هذا إثبات نفع الكافر في الآخرة بما عمله في الدنيا، وقد نفاه النبي - في حديث ابن جدعان، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويُطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا ينفعه إنه لم يقل يوما:
«
رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين (40)، والجواب على هذا من وجهين هما:
الأول: ما تقدم في بناء العام على الخاص.
الثاني: أن المخفف عنه لما لم يجد أثر لما خفف عنه فكأنه لم ينتفع بذلك، ألا تراه يعتقد أنه ليس في النار اشد عذابا منه؟! مع أن عذابه جمرة من جهنم في أخمصه وسببه، أن القليل من عذاب جهنم لا تطيقه الجبال، وخصوصا عذاب الكافر، وإنما تظهر فائدة التخفيف لغير المعذب، وأما المعذب فمشتغل بما حل به إذ لا يحلى ولا بغيره يتسلى، فيصدق عليه أنه لم ينتفع ولم يحصل له نفع البته
(404)
...
كما أن بعض الكفرة بإضافة بعضهم للكفر كبائر المعاصي وأعمال الشر، وأذى المؤمنين، وقتل الأنبياء والصالحين، يزدادون عذابا. فالكافر يعذب بكفره ثم يزداد إجرامه وإفساده في الأرض وعتوه، وكثير إحداثه في العباد والبلاد، فذاك يعذب أشد العذاب كما قيل في فرعون، ومن لم يكن بهذه السبيل عذب بقدر كفره، فكان أخف عذابا ممن عذب أشد العذاب، فليس عذاب أبي طالب كعذاب أبي جهل وإن اجتمعا في الكفر، ولا عذاب عاقر الناقة من قوم ثمود كعذاب غيره من قومه، ولا عذاب قتلة الأنبياء كغيرهم من
400) عياض بن موسى بن عياض اليحصبي إكمال المعلم بفوائد مسلم، ط 1، ج 1، دار الوفاء للطباعة والنشر، مصر، ص 597,596.
401) سورة المدثر، الآية: 48. 402 القرطبي، التذكرة، ص 287. 403) أخرجه البيهقي في شعب الايمان، باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم، رقم الحديث (279)،ج 1،ص 259. 404) أحمد بن عمر القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ط 1، ح 1، دار ابن كثير، بيروت، ص 458. (1/111)
صفحة 112
الشفاعة الأخروية
الكفار، فبهذا تتوجه خفة العذاب، ولا أنه على المجازاة على أفعال الخير
(405)
ويري
البعض أن الحكمة من وراء ما حل بأبي طالب، هو أنه كان تابعا لرسول الله بجملته، إلا أنه استمر ثابت القدم على دين قومه، فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على دين قومه، وإنما عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه أن يقول لا إله إلا الله ولم يقل فيها محمد رسول الله، لأن الكلمتين صارتا كالكلمة الواحدة، ويحتمل أن يكون أبو طالب كان يتحقق أنه رسول الله ولكن لا يقر بتوحيد الله ولهذا قال في الأبيات النونية: ودعوتني وعلمت أنك صادق ولقد صدقت وكنت قبل أمينا
ومن عجائب الاتفاق أن الذين أدركهم الاسلام من أعمام النبي – صلى الله عليه وسلم - أربعة: لم يسلم منهم اثنان واسلم اثنان. وكان اسم من لم يسلم ينافي أسامي المسلمين وهما أبو طالب واسمه عبد مناف، وأبو لهب واسمه عبد العزى، بخلاف من أسلم وهما حمزة والعباس (40). وبالجملة، فإن أبا طالب من الكفرة الذين حكم الله تعالى عليهم بالنار في الآخرة، ومنع الاستغفار لهم في الدنيا، إلا أن وقوفه مع ابن أخيه محمد - - ونصرته له ودفاعه عنه قد خفف بعض الشيء من عذابه، وذلك ببركة النبي - صلى الله عليه وسلم – وهي خصوصية لا ترقى الى مرتبة الشفاعة ولا يقاس عليها غيرها، لا سيما وأن النار دركات كما أن ذلك لا الجنة درجات وهو مع يرى أن أحدا أشد عذابا منه، إذ أن عذاب النار قليله وكثيره لا يطاق ولا يحتمل - أعاذنا الله من النار - وقد ثبتت بذلك الأحاديث في الصحيح والله
أعلم
الشفاعة للمصريين على الكبائر:
تعريفها: هذا النوع من الشفاعة وقع فيه خلاف كبير وواسع بين الفرق الاسلامية، ويعود الخلاف فيه الى أصول كل فرقة، وما تستدل به من القرآن والسنة والعقل، وسيكون تفصيل هذا النوع من الشفاعة في الفصل الثالث - إن شاء الله-.
405 عياض بن موسى اليحصبي، شرح صحيح مسلم للقاضي عياض المسمى إكمال المعلم بفوائد مسلم، تحقيق الدكتور يحيى اسماعيل، ط 1، دار الوفاء للطباعة والنشر المنصورة، 1419 هـ - 1998 م، ص 597 المزيد بيان أنظر: ابن حجر فتح الباري، ج 11، ص 431.
406) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري، ح 7، المكتبة السلفية، ص 195 1960. (1/112)
صفحة 113
الشفاعة.
الأخروية
ولا ريب أن الأصول العقدية لكل مذهب لها دور كبير في تباين المواقف، واختلاف الأحكام. .. فالإيمان مثلا هل هو إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان؟ أم أن العمل شرط كمال لا شرط صحة؟ أم يكفي التصديق بدون العمل أصلا؟ كل هذا وغيره مما كان له أبلغ الأثر في مواقف الفرق الاسلامية مما يصعب علينا شرحه في هذا المبحث
المحدود.
وهذا النوع من الشفاعة يشمل الشفاعة للمصريين على الكبائر في دخولهم الجنة، وكذلك في خروجهم من النار، ولذلك يفصل بعض العلماء في الحديث عن هذا النوع بذكر النوعين بينما يجمله البعض الآخر.
هذا ولم أقف على نص صريح صحيح يدل على الشفاعة لمن استوجب النار فيشفع له في أن لا يدخلها، لأن أكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أصحاب الكبائر، إنما تكون بعد دخول النار، اللهم إلا ما أورده ابن حجر في الفتح وهو بعيد، وحديث آخر وهو ضعيف كما سيأتي.
دليلها: أما دليل الشفاعة فيمن استوجب النار من عصاة الموحدين فقد ذكر ابن حجر
(E-A)
قوله - - في حديث حذيفة عند مسلم: «ونبيكم على الصراط يقول: رب سلم (408).
(407)
والدليل الثاني: ما روي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله --: «للأنبياء منابر من ذهب، فيجلسون عليها، قال: ويبقى منبري،، لا أجلس عليه ولا أقعد عليه، قائم بين يدي ربي. مخافة أن يبعث. بي الى الجنة وتبقى أمتي بعدي، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقول الله عز وجل: يا محمد ما تريد أن نصنع بأمتك؟ فأقول: يا رب عجل حسابهم فيدعا بهم، فيحاسبهم، فمنهم من يدخل الجنة برحمة الله، ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي، فما أزال أشفع حتى أعطي صكاكا برجال، قد بعث بهم الى النار، وحتى أن مالكا - خازن النار - يقول: يا محمد ما تركت للنار، لغضب ربك في أمتك من نقمة (400).
407) أحمد بن حجر العسقلاني، فتح الباري، ح 11، المكتبة السلفية، ص 428. 408) أخرجه مسلم، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ج 1، ص 187.
409) أخرجه الحاكم في المستدرك، ج 1، ص 65، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد غير أن الشيخين لم يحتجا بمحمد بن ثابت البناتي، وهو قليل الحديث يجمع حديثه، والحديث غريب في أخبار الشفاعة ولم يخرجاه، ولمزيد بيان أنظر أحمد بن أحمد العيسوي، الاحاديث القدسية الضعيفة والموضوعة الطبعة الأولى دار الصحابه للتراث، طنطا 1423 - 1993 م، ص 65. (1/113)
صفحة 114
11.
الشفاعة الأخروية
وهذا الحديث ضعيف، وذلك لضعف محمد بن ثابت البناتي، قال الذهبي: «ضعفه غير واحد والحديث منكر (10)، وقال الهيثمي في المجمع بعد ذكر هذا الحديث: «وفيه محمد بن ثابت البناتي وهو ضعيف (41).
وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف وقال ابن حجر: ضعيف، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال أبو زرعة: لين، وقال الدار قطني: ضعيف، وقال ابن حيان: روى عن ابيه ما ليس من حديثه، ولا يجوز الاحتجاج (12).
- قوله - صلى الله عليه وسلم -: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ((13) وهذا حديث يشمل دخولهم الجنة أو خروجهم من النار، إلا أن الكثير من العلماء يذكرونه في خروج الموحدين من
النار.
أما دليل الشفاعة في خروج الموحدين من النار فأحاديث كثيرة منها:
-
- ما روي عن عمران بن حصين - رضي الله عنه. عن النبي - - قال: «يخرج
قوم من النار بشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - فيدخلون الجنة يسمون بالجهنميين (414). - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - -: «إذا خلص الله المؤمنين من النار وآمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه في لاحق يكون له في الدنيا أشد مجادلة من المؤمنين في إخوانهم الذين دخلوا النار، قال: يقول: ربنا إخواننا كانوا فذكره بمعناه يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويجمعون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذته النار الى نصف ساقه والى ركبتيه، يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، ثم يقول الله عز وجل: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير، فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول: إرجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير
410) محمد بن أحمد الذهبي ميزان الاعتدال في نقد الرجال تحقيق، علي محمد البجاوي، ج 4، دار الفكر العربي ص 415. 411) الهيثمي، المجمع، ح 10، ص 380. 412) الذهبي الميزان، ج 4، ص 415، و أحمد بن حجر العسقلاني تهذيب التهذيب تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ط 1، ج 9، دار الكتب العلمية، ص 69.
413) هذا الحديث ضعيف لم يثبت بمجموع طرقه كما سيأتي.
414) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق (81)، باب صفة الجنة والنار، (51)، رقم الحديث (6566)، ص 1136. (1/114)
صفحة 115
الشفاعة الأخروية
111
فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا». وكان أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما (1) فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين .... فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط عادوا حمما قيلقيهم في نهر على أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا يرونها تكون الى الحجر أو الى الشجر ما يكون إلى الشمس أصفر وأخضر وما يكون منها الى الظل يكون أبيض، قالوا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية، قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضائي فلا أسخط عليكم أبدا (416).
- ما روي عن أنس بن مالك في حديث الشفاعة الكبرى السابق، وفيه:: « ..... فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة» (17). يقول الرازي بعد أن أثبت أن هذا الحديث من الأخبار: «وإن كان مرويا بالآحاد، إلا أنها (الأخبار) كثيرة جدا وبينها قدر مشترك واحد، وهو خروج أهل العقاب من النار الشفاعة، فيصير هذا المعنى مرويا على سبيل التواتر فيكون حجة، والله أعلم (18). وأقول: بأن الحكم بتواتر هذه الأخبار يحتاج أولا إلى إثبات صحتها، وجمع طرقها، وعدم معارضتها لغيرها.
بسبب
(EVA)
وهذه المسألة فيها خلاف واسع كما سيأتي في الفصل القادم، إلا أنني أردت الإشارة
(415 سورة النساء، الآية: 40.
416) القرطبي: التذكرة، ح 2، ص 419، والبخاري كتاب التوحيد (97)، باب قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة (24)، رقم الحديث (7439)، ص 1280.
417) أخرجه مسلم في كتاب الايمان باب اثبات الشفاعة واخراج الموحدين من النار، ج 1، ص 124، وابن ماجة في سننه، كتاب الزهد (37)، باب ذكر الشفاعة (37)، رقم الحديث (4312)، ج 681.5
418) الرازي، التفسير، ط 3، ص 61. (1/115)
صفحة 116
112
الشفاعة)
الأخروية
هنا إلى أنواع الشفاعة المختلف فيها باختصار، وذلك لبيان أنواع الشفاعة
النبوية، ولتوضيح ما اتفق عليه منها، مما اختلف فيه.
00000
في
السنة (1/116)
صفحة 117
المقطاعة الأخروية
الفصل الثالث
الشفاعة للمصرين على الكبائر بين النفى والإثبات
113 (1/117)
صفحة 118
[صفحة فارغة] (1/118)
صفحة 119
المقلعة الأخروية
المبحث الأول
مفهوم الكبيرة، والإصرار المبحث الثاني
إثبات الشفاعة للعصاة الموحدين المبحث الثالث
نفي الشفاعة عن العصاة المصرين المبحث الرابع
الرأي المختار، وأدلته
115 (1/119)
صفحة 120
[صفحة فارغة] (1/120)
صفحة 121
الشفاعة الأخر
117
الفصل الثالث
الشفاعة للمصرين على الكبائر بين النفي والاثبات
لقد اختلف علماء هذه الأمة في ثبوت الشفاعة للموحدين المصرين على المعاصي، فأثبتها بعضهم ونفاها آخرون، وقد خصصت هذا الفصل للحديث عن هذه القضية المهمة، ولذلك فإنني أتحدث في المبحث الأول عن مفهوم الكبيرة والاصرار، ثم حكم مرتكبها في الفرق الاسلامية، ثم أدلة الفرق في ثبوت الشفاعة للعصاة أو نفيها، مبرزا أقوالهم وأدلتهم في هذه المسألة، وما كان بينهم من مناقشات وردود. (1/121)
صفحة 122
118
الشفاعة
الأخروية
المبحث الأول
مفهوم الكبيرة والاصرار
لقد وردت النصوص الشرعية في الكتاب العزيز والسنة النبوية تفيد أن الذنوب والمعاصي تنقسم الى كبائر وصغائر.
أما الكبائر: فيغفرها الله تعالى بالتوبة الصادقة، والانابة المسرعة، اذ الاصرار عليها ليس من صفات المؤمن الحق فالله تعالى يقول: {وَلَمْ يُصِرُوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ تعْلَمُون (19).
فمن شأن المؤمن الرجوع إلى مولاه إذا وقع في معصيته، وهذا الرجوع يكون من قريب، لأن ذلك الوقوع إنما كان في لحظة جهالة وغضب ..... الخ، بحكم طبيعة الإنسان البشرية، إذ هو يتكون من عقل وقلب، وشهوة وغرائز ... وكل منها ينازعه حتى ينتقل من هذه الدنيا إلى الآخرة ... الا أن جانب الايمان والعقيدة في المؤمن يكون-غالبا-هو الأقوى بعون الله تعالى وتوفيقه مع إخلاص العبد لمولاه.
واما الصغائر: فيكفرها الله تعالى بالاستغفار، شريطة الاصرار، لأن الإصرار عدم عليها يُحولها الى كبيرة.
هذا، ومما يدل على أن الذنوب تنقسم الى هاذين القسمين ما يلي:
- قوله تعالى أن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلُكُمْ مدخلا كريما).
- قوله تعالى: والذين يجتنبونَ كَبائر الاثم وَالفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ
يغْفِرُون).
419 سورة آل عمران، الآية: 135.
420 سورة النساء الآيه: 31. 421 سورة الشورى الآيه: 37 (1/122)
صفحة 123
119
اپ
الشغلعة،
الأخروية
- قوله تعالى: الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِش الا اللهم ان رَبِّكَ وَاسِعُ
(422)
المغفرة (2).
- قوله تعالى: {وَكُلِّ صَغِيرِ وَكَبيرِ مُسْتَطِر، (22)، وغيرها الكثير من الآيات.
أما الاحاديث النبويه فكثيرة ومنها:
عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثا) الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وكان رسول الله - متكئا فجلس. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (424)
عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس (425).
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قيل: يارسول الله، وما هن: قال: «الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (2)، ومن رحمة الله تعالى بعبادة أن جعل لهم وسائل لتكفير ذنوبهم ومحو خطاياهم، بحيث لا تظل المعصية شبحا تميت الإنسان، وتعوق حركته ونشاطه .... فالتوبة الصادقه والحزن والغم وتمني عدم اقتراف المعصية يطهر قلب الانسان من المعصية، فالله يقول: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَانَ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ} (427)، كذلك الاستغفار، فالله تعالى يقول: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَو يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُورًا رَحِيمَا (28)، وفعل الحسنات، يكفر الله بها الخطايا إذ يقول سبحانه: إن الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات (42)، كذلك مصائب الدنيا التي يتلقاها المسلم بالصبر الجميل، فالنبي -- يقول: «ما يصيب
422) سورة النجم الآيه:32
423) سورة القمر، الآيه: 53
(424) أخرجه مسلم في كتاب الايمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، ج 1، ص 64.
(ETA),
425) أخرجه البخاري في كتاب الايمان والنذور، باب اليمين الغموس، رقم الحديث (6675)، ص 1152. 426) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب رمي المحصنات، رقم الحديث (6857)، ص 1182.
(427 سورة المائدة الآيه: 33 428 سورة النساء الآيه: 110 (429 سورة هود الآيه: 114. (1/123)
صفحة 124
120
الشفاعة
الأخروية
المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه الا كفر به سيئاته (430) وكل هذا يدل على سعة رحمة الله وعظم فضله على عباده ... وهذا بطبيعه الحال- يجعل المسلم مسارعا الى ربه، ذاكرا فضله وكرمه بعيدا عن معصيته متقربا اليه بأنواع العبادات وصنوف الطاعات ومختلف القربات ... لا أن يبارزه بمعصيته ويتعدى حدوده
بارتكاب مناهيه والاصرار على الذنوب، والمداومة على الخطايا.
المطلب الأول: تعريف العلماء للكبيرة:
الكبيرة لغة: الإثم، وجمعها كبائر، والكبر العظمه والكبرياء (431).
أما في الاصطلاح فقد تحدث كثير من العلماء عن الكبيرة، وقد اختلفت آراؤهم في ريفها، ومن تلك التعاريف
- كل ما نهى الله عنه فهو كبير " (432)، الا أن النصوص الشرعية من قرآن وسنة قد قسمت الذنوب الى كبائر وصغائر كما. سلفا
مر
- كل ما فيه حد شرعي " (43)، إلا أن بعض الذنوب الكبيرة ليس فيها حد شرعي كعقوق الوالدين وقول الزور، والنميمة ... ولذلك احترز البعض لذلك فقال: «كل ما أوجب الله عليه
النار في الآخرة، والحد في الدنيا (34).
الكبائر سبع وهي المذكورة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا تعريف غير جامع، لأنه قد نصت أحاديث أخرى على كبائر غير المذكورة في الحديث السابق، وكان الرسول - - يقتصر على ذكر بعض الكبائر مراعاة لحال السائل، أولظروف السامعين،
430) أخرجه البخاري في كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، رقم الحديث (5642)، ص 999. 431) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ج 2، ص 124. 432) ذهب كثير من العلماء الى أن معاصي الله كلها كبائر ومنهم الاسفراييني، والباقلاني والمحاسبي وبعض علماء الاباضيه والشيعه، ولهم أدله على ذلك يطول ذكرها، يقول الامام الكدمي في بيان هذا القول: .... لأنك لا تنظر الى صغير الذنب ولكن أنظر الى من عصيت، فجميع، معصيته عظيم كبير لأنه لا يشبهه شيء كذلك معصيته لا يشبهها شيء من المعاصي ..... أنظر: محمد بن سعيد الكدمي، المعتبر، ج 2، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي، ص 205، أنظر: المحاسبي، التوية، ص 57، الدكتور قحطان الدوري الشورى، ص 1، والطوسي، الإقتصاد، ص 232
433) محمد ربيع جوهري، عقيدتنا، ط ا، دار الطباعة المحمديه 014050 - 1985 م، ص 64.
434) الطبري، التفسير، ج 4، ص 45، ابن النحاس الموازين، ص 70. (1/124)
صفحة 125
الشفاعة الأخروية
121
ثم يذكر أنواعا أخرى في مقام آخر، وقد أوصلها الذهبي الى سبعين كبيرة في كتابه:
«الكبائر»
(435)
وقال البيجوري: «الكبائر هي | الذنوب العظيمة من حيث المؤاخذة» (436). وقيل: كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن فهو من الكبائر، وكل ذنب علم أن مفسدته
كمفسدة ما قرن به الوعيد أو اللعن أو الحد أو أكبر من مفسدته فهو كبيرة (437).
وقيل: كل ما أوعد الله به على ركوبه حدا في الدنيا، ووعيدا أو عقابا في الآخرة أو لعن عليه الله تبارك وتعالى أولعن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو برئ الله من أهله عليه أوبريء منهم رسول الله - على ذلك، وما أشبه ذلك، وما أجمع عليه أهل العلم أنه من
الكبائر، وما أشبه ذلك، وما أشبه الكبير فهو كبير في دين الله تبارك وتعالى (438). وقيل: الكبيرة هي. كل معصية ورد النص بكونها كبيرة، أو ورد التوعد بالنار عليه في الكتاب أو السنة صريحا أو ضمنا، أو ورد في الكتاب أو السنة كونه أعظم من أحدى الكبائر المنصوصة أو الموعود عليها بالنار (43).
ومن الظاهر من خلال ما تقدم أن الكل يجمع تقريبا - على أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو توعد بالنار أو الغضب أو اللعنة.
المطلب الثاني: معنى الإصرار لغة واصطلاحا:
يقول الراغب: «الإصرار التعقد في الذنب، والتشدد فيه والامتناع من الإقلاع عنه،
وأصله من الصر أي الشد (440).
فالإصرار على الشيء الإقامة والملازمة والمداومة عليه، وعدم الاقلاع عنه ومعظم كتب اللغه قد غلب عليها المعنى الإصطلاحي على المعنى اللغوي بحيث أصبحت كلمة الإصرار أكثر ارتباطا بالذنب والعصيان.
435) محمد بن أحمد الذهبي الكبائر تحقيق سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، 01411 - 1991 م، ص 13 - 70.
436) البيجوري، شرح جوهرة التوحيد، ص 382. 437) العز بن عبد السلام قواعد الأحكام، ج 1، ص 21
438) الكدمي الاستقامة، ج 3، ص 239.
439) العاملي تفصيل وسائل الشيعة، ج 15، ص 318. 440) الأصفهاني، المفردات، ص 282. (1/125)
صفحة 126
122
الشفاعة الأجروبية
والجدير بالذكر أن هذا المصر يكون مصرا، إذا لم يبادر بالتوبة إلى الله من ذنبه، بدليل أن الله تعالى قد قرن ذكره والإستغفار من الذنب بمجرد وقوعه من صاحبه عندما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةَ أو ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ الا الله وَلَمْ يُصِرُوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُم يَعْلَمُونَ (441) كما بين عز وجل للذين يتوبون من قريب، وهذا الأمر ينافي الاصرار، إذ يقول سبحانه:
أن توبته إنما هي ا إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الله للذينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةِ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ (44)
(LET),
هذا، وقد اختلف في صفة الاصرار فقيل: ما لم يتب من ذنبه فهو مصر، وما لم يتب الراكب من حين ما ارتكب الصغير، فهو مصر بالإقامة على الذنب حتى يتوب، وقيل: إنه ليس بمصرحتى يعزم على ترك التوبة من ذلك أو يتهاون، ويستخف بالعقوبة على ذلك من الله ويستصغر المعصيه لله بذلك، أو يدين بحلال أنه حرام ذلك، فما لم يكن منه شيء من هذا أو ما أشبهه، فلا يلزمه حكم الإصرار (3).
(443)
ولذلك فقد يكون هنالك فرقا بين المصر والمتمادي، فالأول: هو الناوي لعدم التوبة من عصيانه، أما الثاني فهو الناوي للتوبة في وقت ما (4)، ولا ريب أن الاثنين في خطر كبير، الا أن الثاني - أخف بعض الشيء عن الأول، إلا أنه غافل يرجى أن ينتبه من غفلته
ليرتقي في مدارج التوية، إذ من صفات المؤمنين أنهم يتوبون من قريب. والإصرار على المعاصي من أكبر الكبائر، وذلك لما فيه من عدم المبالاة بعقوبة الله
تعالى وسخطه.
يقول الإمام.
محمد
أطفيش في قوله تعالى: {وَالذِينَ اذَا فَعَلُوا فَاحِشَةِ أَوْ ظَلَمُوا
أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله فاستغفرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ الا الله وَلَمْ يُصِرُوا عَلَى مَا فَعَلُوا
(110)
وَهُمْ يَعْلَمُون).
«أي: يعلمون أني أعاقب على الإصرار، والإصرار على الذنب كبيرة في حق من علمه
441 سورة آل عمران الآيه: 135.
442 سورة النساء، الآية: 17.
443) محمد بن سعيد الكدمي المعتبر، ج 2، وزارة التراث القومي سلطنة عمان، 01405 - 1984 م ص 185.
444) فرحات الجعبيري البعد الحضاري للعقيدة الاباضية، مطبعة الألوان، ص 575.
445) سورة آل عمران الآيه: 135. (1/126)
صفحة 127
الشفاعة
الأخروية
123
ذنبا ومن لم يعلمه، لكنه في حق من علم أقبح وأكبر، فقد يُعذر الجاهل في أمر ولا يعذر العالم)، ثم يقول بعد ذلك: «وذكر الأجر للعاملين ولم يبق للمصرين إلا العقاب، ولا يخفى أن كلا الفريقين في الآية عامل وله أجر عمله، لكن خص الثاني بلفظ الأجر للاشارة إلى أنه أدنى ولا واجب على الله ولا طمع في الجنة بلا عمل أوحى الله عز وجل إلى موسى - عليه السلام - ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، كيف أجود برحمتي على من بخل بطاعتي، وعن شهر بن حوشب طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة ... وكانت رابعه العدويه تنشد
(447)
ترجوا النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس هذا وإن من ينظر إلى أحوال المصرين يجد أنهم قد أعرضوا عن التوبة عن عمدٍ وقصد، ولم يتوجهوا إليها، بل تمادوا في طغيانهم حتى تراكمت عليهم المعاصي، وجرفتهم الذنوب، فأوبقتهم الخطايا وحبستهم الآثام، وصدق الله العظيم إذ يقول: بلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَة وأحاطت به خطيئته فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (48)، وهنا يظهر الفرق جليا بين المصر وهو الذي يعقد النية والعزم على مواصلة طريق الفجور والضلال غير متذكر لوعد الله ووعيده، ولا لجنته أو ناره، ولا لموته ونشوره، بل يزداد عنادا وكبرا وبطشا واستهزاء وسخرية كلما ذكر الله وعظمته ... والمتمادي أو الغافل أو المتقلب الذي قد يعقد العزم وتكون نيته صادقة في التوبة والإنابة، إلا أن النفس الأمارة بالسوء قد تغلبه تارة فيعود الى معصيته وقد يتغلب عليها فيظل في صراع مع نفسه وبين عقله وشهوته، وتكون العبرة بما يختم له من العمل ... فلا شك أن الأخير يختلف عن الأول، لأن تحقق التوبة منه أقرب - هذا إذا لم يظهر منه الاصرار - ولذلك ينبغي أن يطلق عليه المتمادي أو الغافل، إذ لم يتحقق منه الإصرار كالأول الذي ايف طبعه، وانطمست بصيرته، وتعفنت فطرته والعياذ بالله، على أن الانسان يُطلب منه أن يحكم العقيدة لا الهوى، والشرع لا الطاغوت، وهذا لايتم الا اذا كانت العقيدة قد استحكمت في قلبه
446) محمد اطفيش هيميان الزادالى دار المعاد، ج 4، وزارة التراث، سلطنة عمان، ص 283. 447) المرجع السابق، ج 4، ص 285.
448 سورة البقرة الآيه: 81 (1/127)
صفحة 128
(124
الشفاعة الأخروية
وسيطرة على فكره وعقله، وتمكنت من مشاعره وأحاسيسه ووجدانه، عندها يسيطر على نفسه، ويتغلب على هواه، ويطرد شيطانه، ويجعل الله تعالى له فرقانا يرى من خلاله الحق والباطل، والخير والشر، فيجاهد نفسه، ويهديه الله السبيل، ويوفقه للخير، ويهيء له الأسباب التي تعينه على الطاعة وتبعده عن المعصية، وملاك ذلك التقوى والإخلاص الذي هو سر بين العبد وربه.
(400)
اختير
(449)، فهذا تهديد
ونجد الإصرار مذكورا في القرآن الكريم في مقام الذم والتقريع، أو في صفات القوم الظالمين أو التهديد والوعيد كما في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَاكِ أَثِيمٍ. يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَ يُصِرُ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ووعيد، ويقول جل وعلا- عند حديثه عن قوم نوح وما كان من مقابلتهم لنبيهم - عليه اسلام: وأَصَرُوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارَا هذا اللفظ للدلالة على الاستمرار على المعصية من التكذيب والعناد والاستهتار، فهو فعل ممقوت عند الله سبحانه وتعالى، وعندما ذكر الله عزوجل أصحاب الشمال - والعياذ بالله - وبين حقيقة ما هم فيه من العذاب، أظهر أسباب تبوئهم ذلك الجحيم، فقال: انهم كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مترفين. وكانوا يصرون على الحنث العظيم له (40)، فقرن الله تعالى بين الاصرار وبين الترف الذي لا يأتي بخير، ولا يكون في أمة الا أسقط كيانها وأفسد رجالها ونساءها، فما عسى أن ينتج عن هذين الشرين العظيمين إلا الوقوع في سخط الله ووراثة نار الجحيم
(201)
(452)
ومن خلال ما تقدم يتضح أن الإصرار من الكبائر، ولعله من أكبرها لأن المصر على المعصية لا سبيل له الى النجاة، ولذلك ألحت المصادر الاباضية -مثلا-على أن المصر حتى على الصغيرة يعتبر كافرا كفر نعمة، حكمه أن يُنفذ فيه الوعيد فيُخلد في النار كما على جماعة المسلمين أن يبروا منه إن ثبت وتحقق لديهم إصراره وعناده، فالأمر على ذلك
جد خطير.
449 سورة الجاثية الآيه: 7 - 8
450 سورة نوح الآيه: 7.
451 سورة الواقعة الآيه: 45 - 46
452) عبدالله بن سعيد المعمري، جزاء العمل في القرآن، ص 168. (1/128)
صفحة 129
الشفاعة
الأخروية.
125
يقول الإمام الكدمي .... لأن المسلم مأمون على أنه لا يصر، وأنه لا يعتقد الإصرار، لأن الإصرار من كبائر الذنوب، ومن أكبر الكبائر، فالمسلم مأمون على ارتكاب الكبائر، وهو على ولايته قبل أن يستتاب فان علم منه الإصرار واستتيب فلم يتب لحقه حكم الإصرار وبرى منه (453).
جميع
ويقول العلامة سلمة بن مسلم العوتبي: «إن كل من عصى الله بما أكفره أو بصغير من الذنوب احتقره، وهو بالغ صحيح عقله عالم بتحريم ما أتى، أو حمله عليه جهله، ثم أصر على شيء من ذلك وهو يعلم، فقد وجبت له نار جهنم خالدا فيها بما قدمت يداه واعتدى، وبطل عنه احسانه، ولم ينتفع بسالف إيمانه، وما دام مقيما أو مصرا، ولو ذاب بدنه في طاعة الله وأتعبه وأنفق ماله في سبيل الله أو وهبه لم يقبل من ذلك العمل مثقال حبة حتى يقلع عن تلك الذنوب والمعاصي السالفة، ويتوب منها ثم عند التوبة يقبل الله احسانه ويشكره ويتجاوز عن سالف سيئاته ويغفرها، لأن الله قال: انما يَتَقَبَلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِين (404)، وأما الذين حقت عليهم كلمة العذاب، ووجبت لهم بما قدمت أيديهم وكسبت فاولئك لا يقبل الله منهم»
(207)
(100)
ويقول الإمام البسيوي في جامعه في بيان قوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَن حَمَلَ ظلمام (0)، يقول: «قال المسلمون: من مات مصرا فقد أوجب على المصر العقاب، وأثبت لأهل التوبة النجاة مما وقع فيه أهل الإصرار، وقال تعالى: {وَلَمْ يُصِرُوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةً مِنْ رَبهِم له (40) فأوجب المغفرة لمن لم يصر، وأوجب بذلك تمام الوعد على المصر، وقال النبي -: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (458) فأوجب لمن تاب أنه كمن لا ذنب عليه وألزم الهلاك للمصرين، وفي بعض هذا كفاية في الوعيد، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقد قال تعالى: {وَانَ الله يَغْفِرُ الذُنُوبَ جميعانه (1) وهو لمن أسلم وتاب (60).
(459)
453) محمد بن سعيد الكدمي المعتبر، ج 2، وزارة التراث، ص 187.
(454 سورة المائدة، الآية: 27.
455) سلمة بن مسلم العوتبي الضياء، ط 1، ج 4، وزارة التراث سلطنة عمان، 01411 - 1991 م، ص 36,35.
456) سورة طه الآيه: 111. (457 سورة آل عمران الآيه: 136.
458) رواه الربيع في المسند. 459 سورة الزمر، الآيه: 53
460) علي بن محمد بن علي البسيوي جامع أبي الحسن البسيوي، ج 1، وزارة التراث القومي والثقافه 51404 - 1984 م، ص 202. (1/129)
صفحة 130
الشغلعة |
الأخروية
المطلب الثالث: حكم مرتكب الكبيرة:
لقد تحدث كثير من علماء المذاهب الإسلامية عن مرتكب الكبيرة، وحكمه الدنيوي والأخروي، واختلفوا أولا في تسميته التي يظهر أثرها في حكمه ..... فهل هو كافر كفرشرك، أم كفر نعمة، أم منافق أم مؤمن ناقص الايمان ... إلخ.
يقول ابن تيميه في الفتاوى: «الفاسق مما تنازع الناس في حكمه، والخلاف فيه أول خلاف ظهر في الاسلام في مسائل أصول الدين)))
(461)
وأرى أن اختلافهم في التسمية يرجع إلى الإختلاف في تحديد مفهوم الإيمان (46)، فاذا كانت المنطلقات مختلفه، فلا شك أن النتائج تكون كذلك، وسوف أتحدث باختصار عن آراء المذاهب الاسلامية في ذلك، لتعلق هذا الأمر بموضوع الشفاعه، إذ من قال بأنه ؤمن أو ناقص الايمان قالوا بجواز الشفاعة له بخلاف من قال بكفره والتبريء منه، مع التلميح بذكر أدلة بعضهم، وذلك حتى لا أطيل الحديث في غير موضوع الرسالة. يرى معظم الخوارج أن مرتكب الكبيرة كافر كفر شرك، وهو في الآخرة مخلد في النار، ولذلك يسفك دمه، وتسبى ذريته، وتؤخذ أمواله.
يقول الإمام الأشعري عنهم أجمعوا على أن كل كبيرة كفر الا النجدات فانها لا تقول
ذلك (463).
ومن المعلوم أن مرتكب الكبيرة عند الخوارج حكمه كحكم المشرك سواء في الدنيا أو الآخره، ففي الدنيا لايناكح ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويستحل دمه وأمواله ... وفي الآخرة جزاؤه النار خالدا فيها مع المشركين، ولا ريب في أنهم أفرطوا من هذه الناحيه،
461 ابن تيميه مجموع الفتاوى، ج 7، ص 479.
462) الايمان لغة التصديق، ومنه قوله تعالى: سوما أنت بمؤمن لناس (يوسف: 17)،وفي الاصطلاح مختلف فيه بين الفرق الاسلاميه على النحو التالي:
تصديق بالقلب واقرار باللسان، نقله الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه، وقال به جماعه من الأشاعرة والشيعة.
تصديق بالقلب واقرار باللسان، وعمل بالأركان قاله مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي، وأهل الظاهر وأهل الحديث والإباضية والزيدية، والمعتزلة، والخوارج، إلا أن بعضهم يقول بأن العمل شرط صحة وآخرون إنه شرط كمال.
تصديق بالقلب فقط والإقرار باللسان ركن زائد قاله أبو منصور الماتريدي، وروي عن جماعه من الأشاعرة.
اقرار باللسان فقط، وهو قول الكرامية.
المعرفة بالقلب، قاله الجهمية. لمزيد بيان أنظر: النسفي، تبصرة الأدلة، ط 1، ج 2، ص 798، السالمي، المشارق، ج 2، ص 197، الدكتور قحطان الدوري أصول الدين الإسلامي، ط 1، دار الفکر، عمان، ص 22. 463) الأشعري، مقالات الإسلاميين، ط 1، ج 1، المكتبه العصريه،، ص 168. (1/130)
صفحة 131
الشفاعة الأخروية
127
ذلك لأن المعصية قد تخرج صاحبها عن دائرة الإسلام إذا أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة أو مستهينا به ومعتقدا أنه غير واجب التطبيق بعد أن تحققت له معرفته والعلم به فهذا كفر أكبر، وقد تكون معصية كبيرة أو صغيرة لا تخرجه عن دائرة الإسلام، فالكفر العملي -مثلا- لا يُخرج صاحبه عن دائرة الإسلام، إذ هو ينطق بالشهادتين وإن كان قد كفر بنعمة من نعم الله، ولذلك يُعامل معاملة المسلمين في الدنيا.
(467
وذهب الكثير إلى أن مرتكب الكبيرة منافق، وهذا مروي عن الحسن البصري (6)، وقال به الإباضية (465) وابن تيمية (466)، وغيرهم، لأن النفاق إما أن يكون اعتقاديا، عندما يُظهر الانسان الإيمان ويُبطن الشرك، أو عمليا إذا صدرت منه الكبائر مع أنه يشهد الشهادتين، ودليل الأول قوله تعالى: إن المُنَافِقِينَ فِي الدَرْكِ الاسْفَلِ مِنَ النَّار (7)، ودليل الثاني قوله: مذبذبينَ بَينَ ذَلِكَ لَا الى هؤلاء وَلا الى هؤلاء (468)، وعليه يحرم قتلهم وسبيهم والغنيمة منهم ولا تقبل شهادتهم إذ تبطل عدالتهم، وتحل ذبائحهم ومناكحتهم وموارثتهم (46)، لأنهم في حكم المسلمين ظاهرا.
(ETA),
في حين يرى الأشاعرة (47) والماتريديه (471) والشيعة الامامية (472) أن مر تكب الكبيرة مؤمن، إذ العمل ليس ركنا من الإيمان، ولا يعني هذا إهمال العمل، بل به يتفاضل الناس بدليل استحقاق الفاسق للوعيد، الا أن العمل لا تأثير له في أصل الإيمان (73).
بينما ذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي، ومعظم أهل الحديث، وأهل الظاهر إلى أن مرتكب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان، فالعمل عندهم جزء من الإيمان، وصاحب الكبيرة يحمل أصل الإيمان ولا يحمل الإيمان الكامل، فخروجه من الإيمان الكامل وليس من أصله، فهو ناقص الإيمان، أو أنه مؤمن بايمانه وفاسق بكبيرته (474).
464) المرجع ذاته، ج 1، ص 17 - 300.
465) الوارجلاني، حاشية الترتيب، ج 7، ص 42 466) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 7، ص 523 467 سورة النساء، الآيه: 145.
468 سورة النساء، الآيه: 143.
469) أبو عمار، الموجز، ج 2، ص 95. 470) الباقلاني، تمهيد الأوائل، ص 397. 471) النسفي، تبصرة الأدله، ج 2، ص 766. 472) الطوسي، الاعتقاد، ص 233.
473) الباقلاني، تمهيد الأوائل، ص 397، النسفي، تبصرة الأدله، ج 2، ص 766، والطوسي، الاقتصاد، ص 233. 474) ابن حجر، فتح الباري، ج 1، ص 62، النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، ج 2، ص 36، ابن حزم، الفصل في الملل والنحل، ج 3، ص 274، وابن تيميه، مجموع الفتاوى، ج 3، ص 151. (1/131)
صفحة 132
128
الشطلعة
الأخروية
وعليه فانهم يعاملون مرتكب الكبيرة في الدنيا كغيره من المؤمنين لا فرق بينه وبينهم، وفي الآخرة فان مصيره إلى الله - إن أصر على معصيته إما أن يُعفى عنه بمحض عفو الله ورحمته وإما أن يعذب على قدر ذنبه، ثم يدخل الجنه بشفاعة الشافعين أو برحمة رب العالمين، وهذا ما اتفق عليه أهل السنة من متكلمين (أشاعرة وماتريديه)
وفقهاء ومحدثين.
يقول الإمام أبو حنيفة: «ولا نقول: إن حسناتنا مقبولة وسيئتنا مغفورة كقول المرجئة، ولكن نقول: المسألة مبينة مفصلة من عمل حسنة بشرائطها، خالية عن العيوب المفسدة والمعاني المبطلة، ولم يبطلها حتى خرج من الدنيا، فإن الله تعالى لا يضيعها بل يقبلها منه، ويثيبه عليها، وما كان من السيئات دون الشرك والكفر ولم يتب عنها حتى ات مؤمنا، فإنه في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء عفى عنه ولم يعذبه بالنار ابد (47).
(476)
ويقول الإمام البغدادي (7)، وهو يذكر الاصول التي أجمع عليها أهل السنه: «وقالوا: ان
اسم الإيمان لا يزول بذنب دون الكفر، ومن كان ذنبه دون الكفر، فهو مؤمن وان فسق
بمعصيته»
(477)
أما المعتزلة: فقد جعلوا الفاسق في منزلة بين المنزلتين (الإيمان والكفر)، إذ يقولون: بأن مرتكب الكبيرة يعامل في الدنيا معاملة المسلمين، بينما يخلد في النار في الآخرة مثل المشركين، فهو لم يأخذ حكم الفريق الأول على الإطلاق، ولا حكم الفريق الثاني كذلك على الإطلاق، فمن هنا قالوا: إنه في منزلة بين المنزلتين.
يقول القاضي عبد الجبار: «صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، ولا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقا، وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن بل يفرد له حكم ثالث وهذا الحكم الذي ذكرناه هو 475) علي بن سلطان بن محمد القاريء، منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر، ومعه التعليق الميسر على شرح الفقه الأكبر، لوهبي سليمان غاوجي، ط 1، دار البشائر الاسلامي، بيروت، 01419 - 1998 م، ص 232 233 476) أبو منصور عبد القاهر بن محمد البغدادي الفقيه الشافعي الأصولي الأديب، كان ماهرا في علوم عديده، خصوصا علم الحساب، له تصانيف منها كتاب «التكمله»، توفي سنة 429 بمدينة إسفراين. أنظر ابن خلكان وفيات الأعيان تحقيق إحسان عباس، ج 3، دار الثقافة، بيروت، ص 203.
477) البغدادي، الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم تحقيق محمد عثمان الخشب مكتبة ابن سينا، القاهرة، ص 303. (1/132)
صفحة 133
الشفاعة
الأخروية
129
سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، فان صاحب الكبيره له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزله الكافر، ولا منزلة المؤمن، بل له منزلة بينهما (478).
هذا، وقد ذهب الإباضية (47)، وبعض الزيدية (480)، وغيرهم م (48) الى أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة، وقد أخذ هذا القول بعدا كبيرا عند الإباضية أكثر من غيرهم، إذ نجده مصرحا به في مختلف كتبهم العقدية، ومن ذلك ما جمعه الإمام الربيع بن حبيب في جامعه من أحاديث عنونها بقوله: «الحجة على من قال إن أهل الكبائر ليسوا بكافرين» (483) ومن المعلوم أنه يقصد كفر النعمة لاكفر الشرك.
(483)
ومن هنا إتهم الإباضية من قبل الكثير من الناس بالتكفير، بسبب عدم معرفتهم لتمييز الإباضية بين المصطلحين (كفر النعمة، وكفر الشرك)، على أن الإباضية قد استدلوا بأدلة كثيرة من القرآن والسنة تبين صحة مذهبهم وسلامة مسلكهم واذا أخذنا من تلك الأدلة قوله - - في الحديث المروي عن ابن عمر - رضي الله عنه -: «أيما رجل قال لأخيه ياكافر فقد باء بها أحدهما (18) نجد أن الإمام السالمي يقول فيه: «فان حملنا الحديث على كفر النعمة كان وجهه ظاهرا، لأن المسلم بالكفر رمي كفر نعمة وسباب المسلم فسوق ولهذا قال الربيع - رحمه الله-استحق اسم
كبيرة، وهي
478) القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص 697.
479) السالمي، المشارق، ط 1، ص 374. 480) المنصور بالله، الأساس، ص 184.
481) يقول الشيخ سعيد بن مبروك القنويي في بيان القائلين بهذا القول من غير الاباضيه: «منهم البيهقي، وابن الأثير، وابن العربي، والحافظ ابن حجر، والعيني، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وابن عاشور وغيرهم وهو الذي يقتضيه صنيع كل من الامام البخاري والامام مسلم، وابن حبان في صحاحهم» أنظر القنوبي، الامام الربيع، الطبعة الأولى، مكتبة الضامري، ص 184، ويقول الدكتور فرحات الجعبيري: «وهو مذهب الحسن البصري، وروى ذلك عن سعيد بن جبير، ونافع بن الحكم، وهي روايه عن أحمد اختارها طائفه من أصحابه، وهو قول ابن حبيب من المالكيه» أنظر الجعبيري البعد الحضاري،
ص 523.
482) الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، ط 1، دار الحكمة، دمشق، الأحاديث: 767,743. 483) من تلك الأدله قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع عليه سبيل ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (آل عمران: 97)، وقوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فالئك هم الكافرون) (المائده: 44)، وقوله تعالى: هذا من فضل ربي ليبلوني أشكر أم أكفر (النمل: 40)، وقوله انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا الانسان:3)، ومن الأحاديث قوله - سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ففي هذا الحديث الأخير -مثلا- تحذير عن قتل المسلمين بعضهم بعضا، وبين في الحديث علة كونهم كفارا، وهو أنهم يضرب بعضهم رقاب بعض، أي يتقاتلون عمدا وعدوانا، وهي كبيرة توجب الحكم بالكفر، ولا شك أنهم لا يخرجون بذلك من المله ما داموا لم يستحلوا ولا دليل هنا على الاستحلال فالحديث واضح.
484) رواه البخاري، كتاب الأدب (78) باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، رقم الحديث (6103)، ص 1064. (1/133)
صفحة 134
الشفاعة
الأخروية
(485)
الكفر لقوله: ياكافر، وان حملناه على معنى الشرك كان مشكلا جدا) ()
في حين تأول كثير من العلماء أمثال هذه الأحاديث بتأويلات كثيرة، وهي بعيدة عن
الحقيقه منها:
- تحمل على المستحل لتلك الأفعال (487).
- تحمل على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهم الأزارقه والصفرية، وقد ضعفه الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم
(487)
وأرى: أن هذه التأويلات بعيده عن الصحة، لاسيما وأن كثرة الدليل تمنع التأويل، يقول الامام السالمي في بيان تلك التأويلات: «وكلها ناشئة من مخالفة الحديث لمذهبهم
واصطلاحهم في تخصيص الكفر بالشرك، ولو حملوه على كفر النعمة كما حملناه عليه، لهان الخطب واتضح المعنى وانتهى التكلف
(EAA)
هي
وعليه فان الفاسق أو المنافق أو الكافر كفر نعمة. مصطلحات لمعنى واحد وهو لمن أصر على كبيره، ولم يتب منها فيعامل في الدنيا معاملة المسلمين، إذ هو منهم ولا يجوز إخراجه من الملة، إلا أن مصيره في الآخرة - إن هو أصر على معصيته النار وبئس
المصير.
485) السالمي، شرح الجامع الصحيح مسند الامام الربيع بن حبيب، ج 1، مكتبة الاستقامه، سلطنة عمان، ص 114
486) النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، ج 2، ص 43.
487) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 2، ص 237 488) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 1، ص 114. (1/134)
صفحة 135
الشفاعة
131
المبحث الثاني
إثبات الشفاعة للعصاة الموحدين
لقد ثبت سلفا أن الكثير من الفرق الإسلامية ترى الإيمان في مرتكب الكبيرة طالما أنه يدين لله تعالى بالوحدانية، ولرسوله - ع - بالرسالة وإن أصر على معصيته، ومات من غير توبة ... وعليه تثبت له الشفاعة الأخروية التي يدخل بسببها الجنة أو يخرج من النار، بينما يرى الآخرون أن الله عز وجل توعد صاحب الكبيرة بالعذاب في نار جهنم، وباللعن والغضب في الدنيا والآخرة في كثير من آيات الكتاب العزيز، كما أوجب عليه التوبة إشارة منه سبحانه الى أنها المكفرة لكبيرته فحسب.
المطلب الأول: أصحاب هذا الرأي:
لقد ذهب إلى إثبات الشفاعة الأخروية لأهل الكبائر الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، والشيعة الإمامية، والمرجئة، وإليك بعض ما قالوه في كتبهم:
يقول الإمام الباقلاني (8): «إعلم أن أهل السنة والجماعة أجمعوا على صحة الشفاعة منه - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكبائر من هذه الأمة (49).
(491)
(492)
ويقول الجويني": «إذا ثبت جواز الغفران، وقد شهدت له شواهد من الكتاب والسنة لم نذكرها الشهرتها فيترتب على ذلك تشفيع الشفعاء وحط أوزار المجرمين بشفاعتهم» ويقول الإمام النسفي: «وإذا ثبت جواز المغفرة لصاحب الكبيرة جاز أن يغفر بشفاعة
489) أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر كان من أفضل المتكلمين المنتسبين الى الأشعري، من مؤلفاته: هداية المسترشدين. مناقب الأئمة .... توفي سنة 403 ببغداد أنظر إبن خلكان وفيات الأعيان، ج 4،ص 608. 490) ابو بكر الطيب الباقلاني، الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، تحقيق محمد زاهد الكوثري، ط 2، مؤسسة الخاجي للطباعة، 1382 هـ - 1963 م، ص 168. 491) المتكلم البليغ عبد الملك بن عبدالله بن يوسف النيسابوري الشافعي الأشعري أعلم المتأخرين من أصحاب الامام الشافعي المجمع على إمامته المتفق على غزارة مادته، ولد سنة 419 للهجرة من مؤلفاته الارشاد في الكلام، تفسير إمام الحرمين، والتلخيص، توفي سنة 478، ودفن في داره، بنيسابور. أنظر: ابن خلكان، الوفيات، ج 3،ص 167. 492) عبد الملك الجويني، كتاب الارشاد الى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق أسعد تميم، طا، مؤسسة الكتب الثقافية، 1405 هـ - 1985 م، ص 330 (1/135)
صفحة 136
132
الأنبياء والرسل - عليهم السلام - وبشفاعة الأخيار) (3)
(493)
الشفاعة الأخروية
ويقول كذلك: «فإن عندنا لما جاز أن يغفر الله تعالى لصاحب الكبيرة بفضله ورحمته، وكانت المغفرة تحت الحكمة، جاز أن يغفر له بشفاعة الرسل والأنبياء – عليهم السلام – وبشفاعة الأخيار من الآباء والأبناء والأقارب (99)).
ويقول الإمام أبو منصور الماتريدي: «والشفاعة من أعظم ما أحتج بها، وقد جاء القرآن بها والآثار عن رسول الله، والشفاعة في المعهود والمتعالم من الأمر تكون عند زلات يستوجب بها المقت والعقوبة، فيعفى عن مرتكبها بشفاعة الأخيار وأهل الرضا (49)
(140)
هذا وقد تحدث ابن تيمية عن الشفاعة في مجموع الفتاوي، وذكر أن الله تعالى يشفع في أهل الكبائر من أمته ويشفع في بعض من يستحق النار أن لا يدخلها، كما يشفع في بعض من دخلها أن يخرج منها، ثم قال: «ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع
(496)
(497)
(498) عدة
، كما ذكر الإمام البيهقي (4) والسفاريني لأهل الطاعة المستحقين للثواب «أحاديث أثبتوا من خلالها صحة الشفاعة لأصحاب الكبائر.
وذهب إلى هذا الشيخ المفيد محمد النعمان، إذ يقول: «واتفقت الإمامية على أن رسول الله - - يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمته، وأن أمير المؤمنين يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته، وأن آل محمد - - يشفعون كذلك وينجي الله بشفاعتهم كثيرا من الخاطئين) ثم ذكر هذا الرأي عن المرجئة كذلك (500).
(499)
493) ابن المعين النسفي، التمهيد لقواعد التوحيد، تحقيق حبيب الله حسن أحمد، ط 1، دار الطباعة المحمدية، 1406 هـ، ص 373. 494) ميمون بن محمد النسفي، تبصرة الأدلة، تحقيق كلود سلامة، ط 1، ج 2، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق.
ص 792.
495) ابو منصور الماتريدي، كتاب التوحيد، تحقيق الدكتور فتح الله خليف دار الجامعات المصرية، ص 365. 496) أحمد بن تيمية، مجموع الفتاوي، ط 1، ج 1، مطابع الرياض، ص 318.
(497 أحمد بن الحسن البيهقي، الاعتقاد، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1406 هـ - 1986 م، ص 104 - 115. 498) محمد بن أحمد السفاريني، لوائح الأنوار السنية، تحقيق عبدالله محمد البصري، ط، ج 2، مكتبة الرياض، 1415 هـ - 1994 م، ص 270.245.
499) المفيد محمد بن محمد بن النعمان، أوائل المقالات في المذاهب المختارات، دار الكتاب الاسلامي، بيروت، 1403 هـ - 1983،
ص 50.
500) المرجع السابق، ص 50. (1/136)
صفحة 137
الشفاعة |
الأخروية
(1.0)
133
ووافقه الشيخ محمد الحسن الطوسي، إذ يقول: «فلا خلاف بين الأمة أن للنبي - - شفاعة وأنه يشفع والشفاعة حقيقتها في إسقاط المضار المستحقة فوجب من ذلك القطع على جواز العفو عن مستحق العقاب من أهل الضلالة، بل على وقوع ذلك بجماعة غير معنيين، من حيث علمنا وقوع شفاعته وأنها حقيقة في اسقاط المضار دون زيادة المنافع (50) هذه نصوص من أقوال بعض علماء المذاهب الإسلامية، وهي واضحة في جواز الشفاعة لمرتكبي الكبائر من الموحدين، وقد استندوا لصحة ما ذهبوا اليه على أدلة من القرآن والسنة والعقل أثبتوا من خلالها صحة معتقدهم.
"
المطلب الثاني أدلة المثبتين من القرآن الكريم:
لقد استدل القائلون بالشفاعة لأصحاب الكبائر على أدلة من القرآن الكريم. وقد أجاد الإمام الفخر الرازي في جمعها في تفسيره، وكتابه «الشفاعة العظمى يوم القيامة» وقد اعتمد عليه كثير من العلماء، على أن معظم تلك الآيات القرآنية قد اعتمد عليها الفريق الآخر، فاختلافهم في التأويل، حيث يذهب كل فريق الى فهم النصوص فهما يختلف عن الآخر، ومن تلك الأدلة القرآنية التي استدل بها القائلون بالشفاعة لأصحاب الكبائر ما
يلي:
-
عليه
1 - قوله تعالى حكاية عن عيسى - عليه السلام: إن تُعَذِبْهُم فَإِنَّهُم عِبَادَكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُم فَإِنَّكَ أنتَ العَزيزُ الحكيم (50). وقوله تعالى حكاية عن ابراهيم السلام: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنّي وَمَن عَصَاني فانك غفور رحيم الله
(504)
ووجه الدلالة: أن هذه الشفاعة من النبيين الكريمين لا تكون للكفار لعدم أهليتهم لها، ولا للمسلم المطيع أو التائب لحصول المغفرة لهما، فكانت لصاحب الكبيرة، ويكون مثلها لصاحب الرسالة العظمى من باب أولى في أمته.
501) أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي، ولد سنة 385 للهجرة، هاجر إلى بغداد ولازم الشيخ محمد بن محمد النعمان واستفاد منه من مؤلفاته: التبيان في تفسير القرآن والأمالي في الحديث توفي سنة 460 أنظر الطوسي، تفسير
القرآن، ج 1، المقدمه. 502) محمد بن الحسن الطوسي، الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد، بطبعة الآداب في النجف الأشرف، منشورات جمعية منتدى النشر
1399 هـ - 1979 م، ص 206. 503) سورة المائدة، الآية: 118.
504) سورة ابراهيم الآيه: 36. (1/137)
صفحة 138
134
التقفاعة الأخروية
يقول الامام الفخر: «إن هذه الشفاعة من عيسى - عليه السلام- إما أن يقال: انها كانت في حق الكفار، او في حق المسلم المطيع، أو في حق المسلم صاحب الصغيرة، أو المسلم صاحب الكبيرة بعد التوبة، أو المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة، والقسم الأول باطل، لأن قوله تعالى: {وإنْ تَغْفر لهم فَإِنكَ أنتَ العَزيز الحكيم لا يليق بالكفار، والقسم الثاني والثالث والرابع باطل، لأن المسلم المطيع والمسلم صاحب الصغيرة والمسلم صاحب الكبيرة، لا يجوز بعد التوبة تعذيبه عقلا عند الخصم (500)، واذا كان كذلك لم يكن قوله: إِنْ تُعَذِبْهُم فَإِنَّهُم عِبَادُك لائقا بهم، وإذا بطل ذلك لم يبق الا أن يقال: إن هذه الشفاعة إنما وردت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة، وإذا صح القول بهذه الشفاعة في حق عيسى - عليه السلام - صح القول بها في حق محمد -صلى الله عليه وسلم- ضرورة أنه لا قائل بالفرق (56).
2 - قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَن وَقْدًا، وَنَسُوقَ الْمُجْرِمِينَ الى جَهَنَّم وردا، لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلا مَن اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَا (0)
ووجه الدلالة: أن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا اتخذوا عند الرحمن عهدا، وكل من اتخذ عند الرحمن عهدا، وجب دخوله فيه وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهدا وهو التوحيد والاسلام - فوجب أن يكون داخلا تحته (506).
3 - قوله تعالى في صفة الملائكة: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضى) (500).
ووجه الدلالة: أن الآية الكريمة بينت أن الشفاعة لا تكون إلا للمرتضى وصاحب الكبيرة مرتضى بحسب إيمانه وتوحيده، وإذا دخل صاحب الكبيرة في شفاعة الملائكة فهو داخل في شفاعة محمد - إذ لا فرق بينهما.
يقول الباقلاني: «ولا يشفعون إلا لمن رضي الله سبحانه أن يشفعوا وأذن فيه ولم يرد بذلك أنهم لا يشفعون إلا لمن رضي عمله، لأن من رضي الله سائر عمله لا يحتاج إلى
505) يعني المعتزلة الذين يقولون التحسين والتقبيح العقليين.
506) الرازي، الشفاعة العظمى يوم القيامة، تحقيق أحمد حجازي أحمد السقا، ط 1، مطبعة دار التضامن، القاهرة، 1988، ص 45
507 سورة مريم، الآية: 85 - 87
508) محمد بن عمر الرازي، مفاتيح الغيب (تفسير الرازي)، المجلد الثاني، ج 3، ص 63.
509) سورة الأنبياء، الآية: 28. (1/138)
صفحة 139
الشفاعة الأخروية
135
الشفاعة، ويحتمل أيضا أن يكون أراد أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى عمله الذي هو غير ذنبه الذي يستوجب به العقاب. فكأنه قال: لا يشفعون إلا لمن معه عمل مرتضى، والفاسق معه طاعات وبر وقرب وتصديق وتوحيد، وذلك أجمع مرتضى منه، وإنما تدل هذه الآية على أنه لا شفاعة لكافر لأن الكافر لا طاعة معه (510).
ويقول الإمام النسفي في هذه الآية الكريمة: «وقلنا: وكل مؤمن هو ممن ارتضاه الله. ومن معه من الإيمان والطاعات والحسنات المرضية عند الله لا يخرج من كونه مرضيا عند الله وقيل: لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله أن يشفعوا له، فَلِمَ زعمتم أن الله تعالى لا يرضى بشفاعة صاحب الكبيرة، وفيه الخلاف (51).
(512)
وقد ذكر نحو هذا الكلام الإمام أبو منصور الماتريدي"، ومحمد بن الحسن
الطوسي
(513)
4 - قوله تعالى: الذينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِحُونَ بَحَمْدِ رَبِهِم وَيُؤْمِنُونَ بهِ وَيسْتغْفَرُونَ لِلذين آمَنُوا (4).
(514)
يقول الفخر الرازي في الاستدلال بهذه الآية الكريمة: «وصاحب الكبيرة من جملة المؤمنين، فوجب دخوله في جملة من تستغفر الملائكة لهم، أقصى ما في الباب: أنه ورد بعد ذلك قوله: {فَاغْفِرْ لَلذِينَ تَابُوا وَاتَّبعوا سَبِيلك إلا أن هذا لا يقتضي تخصيص ذلك العام، لما ثبت في أصول الفقه: أن اللفظ العام اذا ذكر بعض أقسامه، فإن ذلك لا يوجب تخصيص ذلك العام بذلك الخاص»
(010)
ه - قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِر لَذَنْبِكَ وَلِلمُؤمِنين (16).
510) الباقلاني، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، تحقيق الشيخ عماد الدين احمد حيدر، ط، مؤسسة الكتب الثقافية، 1414 هـ - 511) النسفي، تبصرة الأدلة، تحقيق كلود سلامة، ط 1، ج 2، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، 1993 م، ص 794،
1993، ص 423
وأنظر كذلك: التمهيد لقواعد التوحيد، ط 1، دار الطباعة المحمدية، 1406 هـ - 1986 م، ص 375 512) أبو منصور الما اتريدي، كتاب التوحيد، تحقيق الدكتور فتح الله خليف، دار الجامعات المصرية، 366. 513) الطوسي، الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد، مطبعة الآداب في النجف الأشرف، منشورات جمعية منتدى النشر، 1399 هـ -
1979 م، ص 21. (514) سورة غافر، الآيه: 7.
515) محمد الرازي، الشفاعة العظمى، ط 1، ص 50 - 51.
516 سورة محمد، الآية: 19. (1/139)
صفحة 140
136
الشفاعة |
الأخروية
وجه الاستدلال: ان الله تبارك وتعالى أمر محمدا بأن يستغفر لكل المؤمنين والمؤمنات، وصاحب الكبيرة مؤمن، واذا كان كذلك ثبت أن محمدا - - استغفر لهم، وثبت أن الله قد غفر لهم، وإلا فقد أمره بالدعاء ليرد دعاءه، فيصير ذلك محض التحقير والايذاء وذلك غير لائق بالله تعالى ولا برسوله - صلى الله عليه وسلم - فثبت استجابة دعاء النبي – - وذلك يتم بمغفرة الله لهم، وهذا هو معنى الشفاعة (17).
6 - قوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُم شَفَاعَة الشَافِعِين
(01 A)
وجه الدلالة: ان الله تبارك وتعالى قد خصم الكفار بعدم نفع الشفاعة في حقهم والمسلم بخلاف ذلك بناء على مسألة دليل الخطاب، إذ المفهوم يقتضي ثبوتها لغيرهم من أمة محمد - (19).
(019)
7 - قوله تعالى: {وَلَو أنَّهم إذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم جَاءَوَكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفِر لَهُم الرسُول لَوَجَدُوا الله تواباً رحيما (
(520)
وجه الدلالة: دلت الآية الكريمة على أن الرسول -- متى استغفر للعصاة والظالمين، فإن الله يغفر لهم، إذ ليس في الآية ذكر التوبة، وفيه دلالة على قبول شفاعته لهم في الدنيا والآخرة لعدم الفرق (021).
قوله تعالى: وَإِذا حَيِّيتُم بِتَحيَّة. فَحَيُوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَوْ رُدُوهَا
(522)
وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر المؤمنين أن يحيوا رسوله - - بالصلاة والتسليم في قوله: يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (23)، فلم يكن بد من الرد، وما هذا الرد إلا دعاؤه - - لهم بالرحمة، ودعاؤه مستجاب، فثبت بذلك
شفاعته لهم
(524)
(517 محمد الرازي الشفاعة العظمى، ص 48، الايجي. المواقف، ص 380.
(518 سورة المدثر، الآية: 48.
519) يقول النسفي في هذه الآية: «ولو كان لا شفاعة لغير الكافرين لم يكن لتخصيص الكافرين بالذكر في حال تقبيح أمرهم معنى»
520 سورة النساء، الآية: 64.
521) محمد الرازي، الشفاعة العظمى، ط 1، ص 49.
522 سورة النساء، الآية: 86.
523) سورة الأحزاب، الآية: 56.
524) محمد الرازي، الشفاعة العظمى، ط 1، ص 49. (1/140)
صفحة 141
الشفاعة
الأخروية
السنة النبوية
1
137
لقد استدل القائلون بثبوت الشفاعة لأصحاب الكبائر بأحاديث شريفة تدل على ذلك، وهي كثيرة ومتناثرة في كتبهم ويصعب جمعها إلا بعد عناء شاق وجهد كبير، وقد جمع
(526)
بعضها الإمام البيهقي في كتابيه «الإعتقاد» (20)، و: «البعث والنشور» (2) والسفاريني في «لوائح الأنوار السنية: ومن تلك الأحاديث التي تيسر لي جمعها ما يلي:
(orv) «<
1 - ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: «يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك وقال ابن عبيد: ليلهمون لذلك) فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال فيأتون آدم عليه السلام فيقولون: أنت آدم أبو الخلق خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول لست هناكم فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحى ربه منها ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله، قال: فيأتون نوحا-عليه السلام- فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا ابراهيم عليه السلام - الذي اتخذه الله خليلا فيأتون ابراهيم-عليه السلام- فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه مها، ولكن ائتوا موسى-عليه السلام- فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا عيسي روح الله وكلمته. فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: قال رسول الله - فيأتوني وأستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله فيقال: يا محمد ارفع رأسك، قل تسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد بتحميد يعلمنيه ربي ثم اشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع رأسك يا محمد قل تسمع. سل تعط. اشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم اشفع فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة (قال) فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال)، فأقول:
ربي
525) أحمد بن الحسن، الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، ط 2، دار الكتب العملية، بيروت، 1406 - 1986 م، ص
110 - 1.1
526) البيهقي، البعث والنشور، تحقيق عامر أحمد حيدر، ط 1، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية، ص 55 - 109. 527) السفاريني، لوائح الأنوار السنية، ط 1، ج 2، ص 245 - 260. (1/141)
صفحة 142
138
الشخلعة
الأخروية
يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب له الخلود)
(28)
جاءت هذه الرواية عند الامام البخاري (27) في روايتين مطلع الأولى: «يحبس المؤمنون ....... في نهاية الرواية زيادة عن قتادة نصها «فأخرجهم من النار وأدخلهم
الجنة (520)
(521)
وبداية الرواية الثانية: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا .. ... إلخ وليس فيها جملة: «فأخرجهم من النار وهاتان الروايتان عن أنس بن مالك رضي الله عنه وهذه الرواية الأخيرة ذكرها الإمام الربيع بن حبيب في مسنده (532). هذا، وقد ذكر الامام الرازي بأن هذا الخبر أحادي.، ومن المعلوم أن الخبر الآحادي لا يفيد العلم، إلا أنه قال بعد ذلك: «وإن كان مرويا بالآحاد، إلا أنه (تعني الأخبار) كثيرة جدا وبينها قدر مشترك واحد، وهو خروج أهل العقاب من النار.
فيصير
<<
هذا المعنى مرويا على سبيل التواتر فيكون حجة والله أعلم (32).
بسبب
الشفاعة
- عن أبي عمر قال: قال رسول الله - -: «خيرت بين الشفاعة أو يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة، لأنها أعم واكفى أترونها للمتقين؟ لا، ولكنها للمتلوثين الخطائين (534).
((
ووجه الدلالة: واضح في متن الحديث، وهو أن الشفاعة أكثر ما تكون للخطائين المتلوثين بالمعاصي.
3 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه قال: قال رسول الله-: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي
528) أخرجه مسلم في كتاب الايمان باب اثبات الشفاعة واخراج الموحدين من النار، ج 1، ص 124، وابن ماجه في سننه كتاب الزهد (37)، باب ذكر الشفاعة (37)، رقم الحديث (4312)، ج 5، ص 681. 529) لمزيد بيان أنظر جامع البيان لما اتفق عليه الشيخان، محمد زكي الدين محمد أ. أبو القاسم، ط 1، ج 3، دار الصفوة للطباعة، ص
362 - 400
530) أخرجه البخاري كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {وجوة يومئذ ناضرة الى ربها ناضرة، رقم الحديث (744)، ص 1284. 531) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قول الله تعالى و علم آدم الأسماء كلها، رقم الحديث (4476)، ص 760. 532) الربيع بن حبيب. الأزدي الجامع الصحيح، ط ا، دار الحكمة، ح (1004)، ص 381. 533) الرازي، الشفاعة العظمى، ط 1، ص 55.
534) أخرجه الهيثمي في المجمع باب الشفاعة، ج 10، ص 378، وابن ماجه من طريق أبي موسى الأشعري، باب ذكر الشفاعة، برقم
(37)، رقم الحديث (4311)، ج 5، ص 680. (1/142)
صفحة 143
الشفاعة
ة الأخروية
نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا (535).
139
فالحديث صريح في أن شفاعة النبي -- تنال كل من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا، وصاحب الكبيرة كذلك، فوجب أن تناله الشفاعة)
(526)
- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي (37)، فالاضافة بمعنى أل العهدية، أي الشفاعة التي وعدني الله بها ادخرتها (لأهل الكبائر من أمتي (أي لوضع السيئات والعفو عن الكبائر)
<<
(58)
ه - عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - - «نِعمَ الرجل أنا لشرار أمتي» فقالوا: فكيف أنت لخيارهم؟ قال: «أما خيارهم فيدخلون الجنة لصلاحهم وأما شرارهم فيدخلون الجنة بشفاعتي (39).
-7
عن أم سلمة قالت: قال لي رسول الله - -: «يا أم سلمة اعملي ولا تتكلي فإن
(02)
شفاعتي للهالكين من أمتي (40).
عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد - - فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين)
(021)
عن ابن عباس قال: كنا نمسك عن الإستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا نبينا يقول: «إني ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة» فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ورجونا لهم» (4).
(542)
535) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب لكل نبي دعوة مستجابة، رقم الحديث (6304)، ص 1096، من غير زيادة «فهي نائلة ان شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا، وأخرجه بهذه الزياده ابن ماجة كتاب الزهد (37)، باب ذكر الشفاعة (37)، رقم
الحديث (4307).
536) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 3، ص 97.
537) أخرجه الحاكم في المستدرك، ج 1، ص 69، والترمذي في سننه، ص 539
538) محمد عبد الرحمن المباركفوري، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ط 2، ج 7، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ص 127. 539) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم الحديث (7483)، ج 8، ص 115.
540) ذكره الهيثمي في المجمع باب الشفاعة، ج 10، ص 378، وقال: «رواه الطبراني وفيه عمرو بن مخرم وهو ضعيف». 541) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم الحديث (6566)،ص 1136، وابن ماجة بلفظ «ليخرجن قوم من النار بشفاعتي، يسمون الجهنميين» في كتاب الزهد (37)، باب ذكر الشفاعة (37)، رقم الحديث (4315)، ص 683.
542) ذكره الهيثمي في المجمع باب الشفاعة، ج 9، ص 378. (1/143)
صفحة 144
14
العقل
الشفاعة الأخروية
1 - العقل يدل أن الشفاعة إنما تكون خاصة لمرتكبي الكبائر، إذ المؤمن غير
المرتكب لكبيرة ليس بحاجة إليها فهو ناج من العذاب بعمله وتقواه (43).
2 - شفاعة الرسول - - واجبة، وتأثيرها إما بزيادة المنافع أو اسقاط المضار، والأول باطل، وإلا لكنا شافعين للرسول -- إذا طلبنا من الله تعالى أن يزيد في فضله، وإذا بطل هذا، تعين الثاني وهو المطلوب فتكون شفاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في إسقاط المضار
(544)
- إن الشفاعة في أقل الدارين من أقل الشفعاء تكون في الذنوب وغيرها، فما ظنك الشفاعة في أعلى الدارين من أعلى الشفعاء عند الله عز وجل (40).
4 - إن العقل يجوز على الله تعالى أن يعفو عن الصغائر مطلقا، وعن الكبائر بعد التوبة قطعا وبدونها إن شاء، ولا يعفو عن الكفر مطلقا، كما أن العقاب حقه تعالى فيحسن اسقاطه مع أن فيه نفعا للعبد من غير ضرر.
(017)
المطلب الثالث: مناقشة أدلة المثبتين:
أولا: القرآن الكريم:
(OLV)
1 - أجيب عن الآيتين الكريمتين (47): بأن ما قاله النبيان الكريمان – صلوات الله
وسلامه عليهما
-
لا
يعدو أن يكون تسليما منهما لأمر الله، ووقوفا عند حدهما، فالمخلوق وإن ارتقى إلى أوج الإصطفاء الإلهي ليس له من الأمر شيء، ولو سلمنا أن هذه شفاعة منهما فمن أين لهم أنه تقبلت عند الله؟ وأنه عفى بسببها عن صاحب كبيرة لم يتب منها، ثم من أين لهم خصوصية هذه الشفاعة المرغوبة بمن قارف ما دون الشرك من الكبائر؟ مع أن سياق حكاية ما قاله النبيان - عليهما السلام- في القرآن تدل على
543) النسفي، تبصرة الأدلة، ج 2، ص 795، الطوسي، الاقتصاد، ص 208.
544) الرازي، الشفاعة العظمى، ط 1، ص 46.
545) الباقلاني الانصاف، ط 2، ص 170.
546) محمد بن يوسف الشيخ التعليقات على شارح الجوهرة، ط 1، دار احياء الكتب العربيه، 1373 - 1954 م، ص 172. 547) قوله تعالى: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وقوله: فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني
فإنك غفور رحيم. (1/144)
صفحة 145
الشجاعة!
الأخروية
141
خلاف هذا الزعم، فالآيتان السابقتان على ما حكي عن عيسى في سورة المائدة صريحتان في كون الذين يعنيهم المسيح - عليه السلام - في هذا القول، هم الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، والآيتان هما قوله عزو وجل وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله. قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (8) وأما المحكي عن الخليل ابراهيم - عليه السلام - فإنما هو في عبدة الأصنام بدليل ما سبقه وهو قوله عز من قائل: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنَا وَاجْنُبْنِي وَبَني أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مَنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيم الله
(014)
ومع
ذلك
فلو كان في الآيتين موضع للاستدلال لما قالوه كانتا أدل على الشفاعة لمن اتخذ مع الله الها آخر، على أنهما لو كانتا نصا في الدعاء بالمغفرة لما كان في ذلك دليل على قبول الشفاعة، كيف وقد حكى الله عن الخليل - عليه السلام-أنه استغفر لأبيه لم يغفر له، وقد بين سبحانه هذا الإستغفار في قوله: وما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه. فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. إن ابراهيم لأواه حليم (2010).
2 - أجيب عن الدليل الثاني (502): بأن ذلك العهد قد نقضه صاحبه بمعصيته لله فإن من مقتضيات التوحيد والإسلام الإستسلام التام لأمره، والإنقياد المطلق لحكمه، وذلك لا يجتمع مع الاصرار على معصيته، فكلمة التوحيد ليست نظرية تحشى بها الأدمغة، أمة ومنهج حياة، ولا تقوم الأمم والشعوب إلا بالعمل بمقتضاها،
وإنما هي
دستور
548 سورة المائدة، الآية: 116 - 117،
549 سورة ابراهيم، الآية: 35 - 36.
550 سورة التوبة، الآية: 114.
(100)
551) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 273 - 274.
552) أي قوله تعالى لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدام (مريم:87).
553) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 275 (1/145)
صفحة 146
(142
الشفاعة الأخروية
والسير على نهجها، وهكذا كان حال السلف الصالح من الرعيل الأول، إذ لم يفرطوا في جزئية من جزيئات الدين فضلا عن كلياته، وتلك هي تعاليم المصطفى -- لهم، ويفضل العقيدة الراسخة فتحوا مشارق الأرض ومغاربها في فترة وجيزة، ولم يعرف العالم فاتحا أرحم منهم.
- أجيب عن الدليل الثالث (554): بأن صاحب الكبيرة لا يمكن أن يكون مرتضى عند الله، إذ ما هي قيمة ذلك الايمان المزعوم مع تلك الأفعال الشنيعة، وقد ثبت أن الله تعالى قد لعن وغضب ونقم على أصحاب الكبائر في آيات كثيرة، وأحاديث عديدة.
(000)
يقول العلامة الخليلي في الرد على هذا الدليل: «كيف يكون مرتكب الكبيرة مرتضى عند الله وهو ممقوت عند الله وملعون - إن لم يتب - بنصوص الكتاب والسنة، فالله تعالى يقول: ألا لعنة الله على الظالمين، وقد علمتم أن مرتكب الكبيرة ظالم لنفسه، ويقول تعالى في قاتل النفس المؤمنة: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنم خَالِداً فيها وغَضِبَ الله عليهِ وَلَعَنَهُ وأعد لهم عَذَاباً عَظيما (006)، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله - -4 صلى الله عليه وسلم: «لعن الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهده.، وفي حديث آخر:
هذا
(007)
(557)
<<
«من حلف على يمين ليقتطع بها مال امريء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان (008) ونحو في الكتاب والسنة كثير يدركه من تأمله، فكيف يسوع مع ذلك القول بأن هذا الذي باء بلعنة الله وغضبه مرضي عند الله؟ وهل هذا إلا من باب التشجيع على انتهاك الحرمات وارتكاب الموبقات ما دام مرتكبها واثقا أنه سيؤول الى رضوان الله تعالى، وسيحطى بشفاعة ملائكته، وسيتبوأ مقعد صدق في بحبوحة جنته؟ (5).
أجيب عن الدليل الرابع (560): بأن المؤمنين الذين تستغفر لهم الملائكة هم الذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم (11) لأن
554) أي قوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضي (الأنبياء: 28).
(555 سورة هود، الآية: 18. (556 سورة النساء، الآية: 93
557) ذكره الهيثمي في المجمع، باب ما جاء في الريا، ج 4، ص 118.
558) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب: يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين، رقم الحديث (2673)، ص 435. 559) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 272.271. 560) أي قوله تعالى: والذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا (غافر:7). 561 سورة آل عمران، الآية: 135. (1/146)
صفحة 147
الشفاعة الأخروية
الإيمان الصحيح لا يجامع الإصرار على المعصية، على أن في تتمة نفس الآية التي استدلوا بها بيان وصف المؤمنين الذين تستغفر لهم الملائكة، وذلك قوله تعالى ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك (562) وهل من اتباع سبيل الله الإصرار على الكبائر، وعدم المبالاة بحرمات الله تعالى؟
أما قول الرازي: «إن هذا لا يقتضي تخصيص ذلك العام لما ثبت ..... فهو مردود: بأنه ليس في هذا تخصيص لعموم، وإنما هو حكاية لنص استفغار الملائكة ويستفاد منه كما يستفاد من سائر الأدلة - أن المؤمنين حقا هم الذين لا يحالفون المعاصي، فإذا وقعت من أحدهم هفوة بادر إلى التوبة والإستغفار (563).
يضاف إلى ذلك أن الله تعالى نص على الذين تستغفر لهم الملائكة فأين الدليل على أنهم يستغفرون لغيرهم من أهل الفجور والظلم، ثم إن ما ورد في الآية من باب الإجمال الذي أعقبه بيان، ولا يجوز التمسك بالمجمل بعد ورود المبين لأن المبين يقضي على المجمل، وقد يقال ما قيمة الدعاء من الملائكة للتائب، وقد وعد الله التائب بقبول توبته
وغفرانه لذنبه، ويجاب بأن التائب بعد توبته بحاجة الى قبولها، فمن أين له أنها قبلت؟ لاسيما وأن للتوبة شروطا حتى تصح.
10
- أجيب عن الدليل الخامس (564): أن الإيمان المعتد به عند الله هو الإيمان الخالص الذي لا يشوبه إصرار على العصيان، ولو كان الإيمان المفهوم هنا هو مجرد التصديق ولو لم يقترن به عمل لما عذب الله أحدا بكبيرة غير الشرك، وذلك ينافي ما جاء من الوعيد
على أنواع مختلفة من المعاصي)
(070)
(077)
6 - أجيب عن الدليل السادس (566): إن مفهوم المخالفة مختلف في الاستدلال به في الأمور العملية فكيف يكون حجة في القضايا الإعتقادية، وهي لا تنبني إلا على اليقين فلا تستفاد إلا من قواطع الأدلة دون ظنياتها، ومع ثبوت الإستدلال به فلا بد من استيفائه شروطا معينة، منها: أن لا يكون المنطوق جاريا مجرى الأغلب المعتاد وأن لا تكون
562 سورة غافر، الآية: 7.
563) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 277 - 278. 564) أي قوله تعالى واستغفر لذنبك وللمؤمنين (محمد: 19). 565) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 276.
566) أي قوله تعالى: فما تنفعهم شفاعة الشافعين (المدثر: 48). (1/147)
صفحة 148
144
الشفاعة الأخرون
جوابا لسائل أو تعليما لجاهل، ولو كان مثل هذا المفهوم حجة في مثل هذا الباب لكان الوعيد على أي كبيرة حجة في انتقاء الوعيد عما عداها، فيكون نحو قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمدا فجزاؤه جهنم (17) حجة على أن غير القاتل لا يصلى جهنم ولو أشرك بالله، وهكذا (568).
(07 A)
(567)
(079),
أجيب عن الدليل السابع (56): ان استغفار الرسول - - مشروط في الآية
باستغفارهم لأنفسهم واستغفارهم هو عين التوبة، فمن أين أنه يغفر لهم مع معصيتهم وظلمهم من غير أن يتوبوا؟ (70).
- أجيب عن الدليل الثامن (71): ان دعاءه -- أعم من أن يكون بالرحمة فحسب، فقد يكون بها أو بالهداية، والرحمة لا يلزم أن تكون أخروية على أن القضايا الإعتقادية تثبت بالإستنباط، وإنما تثبت بالأدلة القطعية وأين النص القطعي هنا؟ (572).
ثم إنه يلزم على ذلك أن تنال الشفاعة المنافقين الذين يبطنون الكفر والعياذ بالله - لأن النبي-- كان يعاملهم معاملة المسلمين أخذا بظاهر أمرهم، وأبسط حقوق المسلم رد السلام عليه، وقد يقرن في كثير من الأحيان بالرحمة.
ثانيا: السنة النبوية
I
يمكننا الرد على تلك الأحاديث التي اعتمد عليها مثبتوا الشفاعة لأهل الكبائر ردا
عاما يتناول تلك الأخبار بمجموعها، وآخر خاصا يتناول كلا منها على حده.
أما العام: فهو أن جميع تلك الأحاديث أحادية، ومن المعلوم عند الجمهور أن الأحاديث الآحادية لا تفيد العلم، لأن العلم ثمرة اليقين، وهي تفيد الظن لا اليقين، لذلك لا يعمل بها إلا في الأمور العملية، والمسألة من مسائل العقيدة، ولا بد فيها من القطع متنا
567 سورة النساء، الآية: 93
(568) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 275.
569) أي قوله تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (النساء: 64).
570) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 277.
571) أي قوله تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها (النساء:86).
572) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 276. (1/148)
صفحة 149
الشفاعة الأخروية
145
وسندا، فلا يمكن الإستدلال إلا بالحديث المتواتر الذي رواه جماعة عن جماعة من أماكن
متباعدة بحيث لا يمكن اجتماعهم على الكذب عادة.
هذا، وأما ما ذكره كثير من العلماء من تواتر أحاديث الشفاعة كالرازي، والقاضي
(573)
عياض، وابن عبد البر، والسبكي وغيرهم، فمما لا يسلم له البتة، اللهم إلا إذا كان مقصودهم من ذلك تواتر أحاديث الشفاعة على إطلاقها، إذ هذا لا خلاف فيه، بل نقل الواحدي فيه الإجماع (574)، ودل عليها القرآن في قوله تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا (70) | إذ يقول ابن حجر: (والجمهور على أن المراد به الشفاعة (576) وذلك التواتر إنما هو تواتر معنوي، والتواتر اللفظي يحتاج إلى تحقق أكبر من حيث جمع الطرق، ومعرفة الرواة، وأماكنهم وعدالتهم .. إلى غير ذلك مما هو معلوم لثبوت تواتر الحديث. أما الأحاديث التي تثبت الشفاعة لمرتكبي الكبائر من المجرمين الفاجرين المصرين، فهي إما أن تكون ثابتة سندا أو غير ثابتة.
مع نصوص
فإن كان سندها ثابتا (577)، ينظر إلى متنها فهو إما أن يكون متفقا القرآن الكريم أو مخالفا ومعارضا لها، فإن كان متفقا معها أخذ به، أما إن كان معارضا ولم يمكن الجمع بينه وبين تلك النصوص القرآنية بوجه من وجوه الجمع حكم عليه بالرد
بل بالوضع.
وهكذا العمل بتلك الروايات التي تثبت الشفاعة لأهل الكبائر، فهي- ولاريب- تخالف الآيات القرآنية الناصة على نفي الشفاعة للظالمين والمجرمين، بل ولكثير من أحاديث النبي - - التي تدل على خلود مرتكب الكبيرة وأنه ملعون ومغضوب عليه كما سيأتي بيانه، أما مع ثبوت بعض تلك الروايات فلا بد من تأويلها، وذلك حتى لا تعارض النصوص الأخرى من قرآن وسنة، على أن النبي - - لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فمن المحال قطعا أن يروي الأخبار المتناقضة، وأكثر ما يروى في
573) لمزيد بيان أنظر محمد بن جعفر الكتاني، نظم المتناثر من الحديث المتواتر، ط 2، دار الكتب السلفية للطباعة والنشر، مصر.
ص 235.234.
574) ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج 11، المكتبة السلفية، ص 426. 575 سورة الاسراء، الآية:79
576) ابن حجر، فتح الباري، ج 11، المكتبة السلفية، ص 426.
577) على أن تلك الأحاديث لم يثبت سندها كما سيأتي. (1/149)
صفحة 150
146
الشفاعة الأخروية
الشفاعة كما قلت سلفا - يراد به الشفاعة العظمى وهو متفق عليه، على أنه لو ثبت تواترها – وهو بعيد لا بد من أن يُؤول لتتفق مع نصوص القرآن القاضية بخلود مرتكبي الكبائر. يقول العلامة الخليلي. ي - حفظه الله - في بيان كيفية العمل مع تلك الأحاديث: «إن هذه الأحاديث رواياتها أحادية لا تفيد إلا الظن في مدلولها، والإعتقاد ينبني على اليقين دون الظن، لذلك لا يكون إلا ثمرة النصوص المتواترة دون الظواهر القابلة للتأويل ولو تواترت، ودون ما كان طريق روايته أحاديا وإن يكن نصا على أن ظاهر هذه الروايات الذي استندوا إليها متعارض مع النصوص القاطعة من الكتاب، وهي لا تقوى-لا من حيث المتن ولا من حيث الدلالة على معارضة هذه النصوص فيجب إما اسقاطها، وإما تأويلها بما يتفق معها وذلك أن يحمل المراد من قوله: «شفاعتي لأهل الكبائر من
أمتي» على التائبين ممن قارف الكبائر دون المصرين)
أما اذا جئنا الى تلك الروايات خاصة فنقول:
1
-
(OVA)
1 - أجيب عن حديث شفاعة الموقف الطويل: بأن فيه الكثير من المحاذير التي تؤدي
(ova).
إلى عدم اعتماده ومنها) - مصادمة النصوص القطعية النافية عن الله تعالى التميز في جهة والتشبه
بالعباد.
- مصادمة نصوص الكتاب العزيز النافية لإخلاف وعيد الله عز وجل في حق حد (580) العصاة كقوله تعالى: ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (080)، وقوله: إن الله لا يخلف الميعاد (8)، وقوله: ألا إن وعد الله حق (82)، وقوله: {لاتبديل لكلمات لله (8)، وقوله: ومن أصدق من الله حديثا (84)، وغيرها الكثير الكثير من الآيات.
الله
578) الخليلي. جواهر التفسير، ج 3، ص 278.
579) بعض هذه النقاط ذكرها الامام الرازي نقلا عن المعتزلة في كتابة الشفاعة العظمى، ط 1، ص 55.
580) سورة ق الآيه: 23 - 24. 581) سورة آل عمران الآيه: ه.
582 سورة يونس الآيه: 55 583) سورة يونس الآيه: 64.
(584 سورة النساء الآيه: 87 (1/150)
صفحة 151
الشغلعة
الأخروية
(147
- نسبة المعاصي إلى الأنبياء والرسل - عليهم السلام - وهم معصومون على
الصحيح"
(010)
- انها خبر عن واقعة عظيمة تتوافر الدواعي على نقلها، فلو كان صحيحا لوجب بلوغه إلى حد التواتر اللفظي، وحيث لم يكن كذلك تطرق التهمة إليها. - إن هذه الأخبار طويلة فلا يمكن ضبطها بلفظ الرسول - فالظاهر أن الراوي
(587) عن
قد رواها بلفظه فهي لا تعتبر حجة، ومما فيها من الإشكال ما ذكره ابن حجر الداودي من أن راوي الحديث قد ركب شيئا على غير أصله، وذلك أن في أول الحديث ذكر الشفاعة في الإراحة من كرب الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النار، وذلك إنما يكون بعد التحول من الموقف والمرور على الصراط، وسقوط من يسقط في تلك الحالة في النار ثم تقع بعد ذلك الشفاعة في الاخراج وهو إشكال قوي، وإن حاول القاضي عياض والنووي وصل هذه الرواية بغيرها، لجمع متون الأحاديث، وترتيب معانيها، إلا أن هذا يدل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، ولذلك لا يمكن الإعتماد على هذه الروايات في مسألة من مسائل العقيدة، وقد يقول البعض: بأن هذه تعتبر من المتابعات والشواهد، لما ثبت أصلا من خروج الموحدين من النار بالشفاعة، ولكن لا يثبت الشاهد إلا بعد ثبوت الأصل، والأخير غير ثابت.
على أن الإمام الربيع روى هذا الحديث في مسنده بغير تلك الزيادات والتفاصيل التي تتضمن إخراج الناس بالشفاعة من النار، وفيه إثبات الشفاعة على إطلاقها وهذا لم يخالف فيه أحد.
585) لقد اختلف العلماء في عصمة الأنبياء، وقد استدل من قال بعصمتهم بأدلة منها:
- لو صدر منهم الذنب لحرم اتباعهم فيما يصدر عنهم مع أن اتباعهم فرض لقوله تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله (آل عمران:31).
- لو أذنبوا لردت شهادتهم، ولوجب زجرهم وتعنيفهم، وفي ذلك ايذاء لهم وهو حرام لقوله تعالى: وإن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا (الأحزاب: 57).
- لو أذنبوا لاستحقوا العذاب واللوم والطعن لدخولهم تحت قوله تعالى يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا إلا أن هنالك نصوص قرآنية تشعر بمعاصي الأنبياء منها ما ورد في قصة آدم - عليه السلام - قوله تعالى: وعصى آدم ريه فغوي (طه:121)، وما ورد في قصة موسى عليه السلام - من قتله المصري فوکــه موسـي فقضـي عليه (القصص: 15) وما ورد في حق نبينا كقوله تعالى: ولقد تاب الله على النبي (التوبه: 117)، وقوله: ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (الفتح:2)، وقد أجيب بأن ذلك قبل البعثه، أو محمول على ما فرط منهم من الزله، وترك الأفضل لمزيد بيان
أنظر: قحطان الدوري أصول الدين الاسلامي، ط 1، ص 222. 586) ابن حجر، فتح الباري، ج 11، المكتبة السلفية، ص 438,437. (1/151)
صفحة 152
(148
الشفاعة الأخروية
وهذه الرواية التي ذكرها الامام الربيع، جاءت كذلك عند الامام البخاري من غير
الزيادة الدالة على الخروج من النار، وهي عن أنس بن مالك ومطلعها: «يجتمع المؤمنون القيامة فيقولون: لو استشفعنا ...... يوم
(587)
2 - أما حديث «خيرت بين الشفاعة ..... فإن متنه يدل على أن الشفاعة لا تكون البته إلا للمتلوثين وللخطائين إذ نفى أن تكون للمتقين، والنفي الأخير لم يقله أحد من علماء الأمة، إذ يعتقد الكل أن هناك شفاعة للمتقين تتمثل في رفع درجاتهم وزيادة منازلهم ... إلخ، ويدل على ذلك أحاديث كثيرة منها دعاء النبي -- لأبي سلمة برفع الدرجة كما مر سابقا. على أن في سند هذا الحديث النعمان بن قراد وهو مجهول، قال الهيثمي عن هذا الحديث: «رواه أحمد الطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير النعمان بن قراد (88).
3 - أما
«<
...
حديث: «لكل نبي دعوة مستجابة .. ....... فليس فيه ما يدل على الشفاعة
لصاحب الكبيرة، وبيان ذلك:
ورد فيه ان الشفاعة تنال من مات لا يشرك بالله شيئا، وهذا فيه عموم، إذ هو يشمل صاحب الكبيرة وغيره، إلا أن هذا العموم يخصص بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تنفي الشفاعة للمصريين على المعاصي، فالعموم يحمل على الخصوص كما يحمل المطلق على المقيد .... على أن الامام الربيع قد روى (8) هذا الحديث من غير تلك الزيادة «فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا»، وكذلك الامام البخاري ومسلم، فالأولى الأخذ بما ثبت في الصحيح. - أما حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فقد جاء من عدة طرق عن ا عن أنس:
وجابر، وابن عباس، وكلها ضعيفة، وإليك بيان ذاك
- عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس ... وهذه الرواية من هذا الطريق جاءت
587) سبق تخريجه 588) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 10، ص 378. 589) رواه الربيع في الزيادات على المسندص 380 (1/152)
صفحة 153
الشفاعة الأخروية
149
أن معمر
عند الترمذي، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه ()، ومن المعلوم ثقة، إلا أن ابن معين قد ضعف روايته عن ثابت إذ يقول: «ومعمر عن ثابت ضعيف»، ويقول: «وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن عروة، وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام» (91).
(592)
(091)
- عن عمر بن سعيد عن سعيد بن أبي عروبه عن قتادة عن أنس ..... وهذه الرواية أوردها الحاكم (2) في المستدرك، وفي سندها ضعف، لأن عمر بن سعيد قال عنه البخاري: «منكر الحديث (93)، ويقول ابن عدي عنه: «هو بصري يروي عنه جماعة من البصريين، وفي بعض ما يرويه عن سعيد بن أبي عروبة إنكار»، كما ذكر أن ابن حماد سمع عن البخاري بأن روايته عن ابن أبي عروبة منكرة (4).
- عن حجاج بن نضير عن حريث بن السائب الهلالي عن أسيد عن يزيد الرقاشي عن
أنس .....
(090)
وهي ضعيفة، لأن في سندها يزيد الرقاشي قال عنه النسائي: «متروك»، وقال الدارقطني: «ضعيف» وقال أحمد: «كان يزيد منكر الحديث»، وقال ابن الدورقي عن ابن
(097)
(598)
(597)
معين: «في حديثه ضعف وفيها كذلك حريث بن السائب، وقد ضعفه الساجي" - عن زهير بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ......... وقد أورد هذه الرواية من هذا الطريق الحاكم (8)، إلا أن في سند هذه الرواية زهير بن محمد الخراساني، وقد ضعفه يحيى بن معين، وذكر البخاري بأن أهل الشام قد رووا عنه أحاديث مناكير، وقال النسائي زهير ليس بالقوي
(049)
590) محمد بن عيسى، سنن الترمذي، تحقيق كمال يوسف الحوت، ط 1، ج 4، دار الكتب العلمية، ص 539. 591) أحمد بن حجر العسقلاني تهذيب التهذيب، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ط 1، ج 10، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 221.220. 592) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 69.
593) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق علي محمد البجاوي، ج 4، دار الفكر العربي، ص 12.
594) ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال، ط 3، ج 5،ص 48.
595 أوردها ابن عدي في الكامل، ج 2، ص 201.
596) الذهبي، الميزان، ج 6، ص 92.
597) الذهبي، الميزان، ج 1، ص 475.
598) الحاكم، المستدرك، ج 2، ص 69. 599) ابن عدي الكامل، ج 3، ص 217 218 (1/153)
صفحة 154
150
الشاطباعة الأخروية
- أبو داود الطيالسي عن محمد بن ثابت، عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبدالله .... وقد أورد هذه الرواية الترمذي، وقال: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه،
(7.1)
يستغرب من حديث جعفر بن محمد (100)، وأورده من هذا الطريق كذلك الحاكم (10)، إلا أن
هذا السند لم يثبت كذلك لأن فيه محمد بن ثابت البناني، وقد قال فيه البخاري فيه نظر، وقال ابن معين ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف، وساق له ابن عدي أحاديث وقال: لا يتابع عليها (602).
- عن موسى بن عبد الرحمن الصنعاني عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ..... وقد
(603)
(604)
بل
جاءت هذه الروايه من هذا الطريق في المعجم الكبير للطبراني (103)، إلا أن في سندها موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، وقد قال فيه الإمام الذهبي: معروف ليس بثقة، فإن ابن حبان قال فيه: دجال، وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتابا في التفسير ذكر الإمام الذهبي عن ابن عدي بأن حديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» من هذا الطريق ليس بصحيح بل باطل عندما قال: «وقال ابن عدي: منكر الحديث (أي عبد الرحمن الصنعاني) يُعرف بأبي محمد المفسر، روى عنه أبو الطاهر ابن السرج، أن ابن جريج حدثه عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا من أحب الله أحبني، ومن أحبني أحب قرابتي وأصحابي، ومن أحب قرابتي وأصحابي أحب المساجد .... الحديث، وبه: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ثم قال بعد ذلك: «وهذه الأحاديث بواطيل» (105).
(7.0)
هذا وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في عدة تراجم من كتابه «الكامل»، وقد حكم عليها بالضعف، ومن تلك التراجم ما يلي:
أورده في ذكر صالح بن بشير المري، عن يزيد الرقاشي عن أنس ....... قال ابن معين: صالح المري ضعيف، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث (107). - أورده في ذكر بقية بن الوليد عن سويد بن سعيد عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن
600 سنن الترمذي، ج 4. ص 540. 601) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 69.
602) ابن عدي الكامل، ج 6، ص 136، والذهبي، ميزان الاعتدال، ج 4، ص 415. 60) الطبراني. المعجم الكبير، ط 1، ج 11، ص 189.
604) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 5، ص 336، وابن عدي الكامل، ج 6، ص 349. 605) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 5، ص 337.336.
606) ابن عدي الكامل، ج 4، ص 60 (1/154)
صفحة 155
الشفاعة الأخروية
حميد عن أنس ....... إلا أن بقية إذا روى عن الشاميين أجمل، وإذا حدث عن غيرهم خلط (60). أورده في ذكر أبي أمية أيوب بن خوط الحبطي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس ..... وأيوب متروك الحديث، قال عنه البخاري: أيوب بن خوط أبوأمية البصري تركه ابن المبارك وغيره، وقال ابن معين: أيوب بن خوط لا يكتب حديثه، ليس بشيء، وقال عمر بن علي: كان كثير الغلط، كثير الوهم متروك الحديث (108)، وقد أشار ابن عدي الى أن رواية غير أهل الشام عن زهير أجود من رواية أهل الشام، فإما أن يكون منهم أو يكون من زهير حدثهم
(7.9)
بالشام".
أورده في ذكر روح بن المسيب الكلبي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس ...... وقال عنه: يروي عن ثابت ويزيد الرقاشي أحاديث غير محفوظة، وقال ابن معين: صويلح، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات لا تحل الرواية عنه (110).
وقد أجيب عن هذا الحديث بأدلة أخرى بالاضافة الى أنه خبر واحد، ويُخالف الأدلة القرآنية القاضية بخلود مرتكب الكبيرة، والنافية للشفاعة منها:
أمتي:
- أن يكون المراد منه الاستفهام بمعنى الإنكار، يعنى أشفاعتي لأهل الكبائر من
(111)
؟ وذلك كما في قوله تعالى: وهذا ربي (21) أي أهذا،
ربي
(117)
- أنه يدل على أن شفاعته ليست إلا لأهل الكبائر، وهذا غير جائز، لأن شفاعته منصب عظيم، فتخصيصه بأهل الكبائر فقط يقتضي حرمان أهل الثواب عنه، وذلك غير جائز، لأنه لا أقل من التسويه (13)، وقد روي حديث آخر بأداة الحصر «إنما»، ونصه: «إنما الشفاعة لأهل الكبائر (14).
- إن لفظ الكبيرة غير مختص لا في أصل اللغة ولا في عُرف الشرع بالمعصية بل كما
607) المرجع ذاته، ج 80.2 608) المرجع ذاته، ج 1، ص 348.
609) المرجع ذاته، ج 3، ص 218 610) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 8، ص 251 611) سورة الأنعام، الآية: 77
612) الرازي، الشفاعة العظمى، ط 1، ص 51، عندما ذكر رد المعتزلة على أدلة أهل السنة.
613) المرجع السابق، ص 51.
614) أورده محمد بن الحسين الآجري في الشريعة، باب ما روي أن الشفاعة إنما هي لأهل الكبائر (65)، رقم الحديث (795)، ص 347 (1/155)
صفحة 156
152
الشفاعة الأخروية
(615)
يتناول المعصية يتناول الطاعة قال تعالى في صفة الصلاة: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (10)، وإذا كان كذلك فقوله لأهل الكبائر لا يجب أن يكون المراد منه أهل المعاصي الكبيرة بل لعل المراد منه أهل الطاعات الكبيرة)
(616):
- ينبغي تأويل هذا الحديث فيكون المراد اثبات الشفاعة لأهل الكبائر إذا تابوا قبل الموت، كما أن هذه الرواية معارضة برواية أخرى عند الربيع ونصها: «ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي (1).
<<
يقول الإمام السالمي في رد هذا الخبر: «وثالثها: أنه عارضته رواية قبلها ونصها: «لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي، فهذه بتلك على أن هذه قد عضدها الكتاب، وتلك قد خالفته فوجب إما القول بوضع تلك الرواية كما ذهب إليه المحقق الخليلي – رحمه الله - قائلا انه لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر لتقرب إليه المتقربون بالكبائر، وأما القول بأنها معلقة بشرط دل عليه الكتاب وهو ما اذا تابوا، فإن من فعل كبيرة وتاب منها كان مستحقا لأن يشفع له غيره، ولا يلزم من هذا تخصيص الشفاعة بمن أتى الكبيرة ثم تاب منها دون من أوفى في طول عمره لتغليب من عصى فتاب على من لم يعص قط، الفائدة في تخصيصهم بالذكر دفع إياسهم من رحمة الله وتسهيل الطريق لهم»
(71 A)
وقريب من هذا الكلام ما قاله العلامة الخليلي - حفظه الله - في توضيح معنى هذا الحديث اذ يقول: «فهو - - يشفع لهم عند الله لأجل قبول توبتهم وحط أوزارهم وعليه فيتضمن قوله -- ذلك حضهم على التوبة وإطماعهم في المغفرة، وإبعاد القنوط عنهم ومثل هذا قوله تعالى: و قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة
(119) ,
الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم، فإن المراد به التوجيه في المغفرة مع التوبة لا مع الإصرار على الذنوب بدليل ما وليه من حض على الإنابة، وتحذير من الإصرار في قوله وأنيبوا الى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون. واتبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة
615) سورة البقرة، الآية: 45.
616) الرازي، الشفاعة العظمى، ص 51.
(617) الربيع، الجامع الصحيح، ج 3، ص 379.
618) عبدالله بن حميد السالمي، مشارق أنوار العقول، ط 1، ص 375.
619) سورة الزمر، الآية: 53. (1/156)
صفحة 157
الشفاعة الأخروية
153
وأنتم لا تشعرون. أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين
(620)
وإطلاق اللفظ مع قصد تقييد معناه معهود عند العرب مع القرائن الدالة على المراد وفي القرآن والحديث نصيب وافر منه، ولو كان المراد من حديث «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ما فهموه منه لكان في ذلك إغراء منه - صلى الله عليه وسلم - وأي إغراء على المعصية – حاشا وكلا – كيف وهو الذي أمر فلذة كبده فاطمة - رضي الله عنها أن تشتري نفسها من الله وأخبرها أنها لا يغني عنها من الله شيئا (627).
ه - أما الحديث الخامس: ففي سنده جميع بن ثوب الرجبي، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: رواياته تدل على انه
ضعيف)
(622)
6 - أما الحديث السادس: فقد أخرجه ابن عدي في الكامل ثم قال: «وهذا الإسناد عن
«
ابن عيينه عن يونس بن عبيد باطل لا يرويه إلا عمرو بن المحرم هذا (622).
- أما الحديث السابع: فهو مخالف لنصوص القرآن التي تدل على خلود أصحاب الكبائر وهي كثيرة جدا، بالإضافة إلى أنه خبر آحاد .... إلخ، وقد أورد ابن عدي في ترجمة زيد أبو عمر رواية أخرى عن أنس، وقال: «زيد يعرف بهذا الحديث» (24)، وقال البخاري عن زيد سكتوا عنه (625).، وهي من أقوى عبارات التضعيف.
- أما الحديث الثامن ففي سنده حرب بن سريج وهو ضعيف، يقول الهيثمي في هذا الحديث: «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حرب بن سريج، وقد وثقه غير واحد، وفيه
ضعف (626).
620) سورة الزمر، الآية: 54 - 58
621) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 279. 622) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 10، ص 377.
(623) ابن عدي.
الكامل، ج 5، ص 1801.
(624) ابن عدي، الكامل، ج 3، ص 209. 625) الذهبي، ميزان الاعتدال، ج 2، ص 298
626) الهيثمي، المجمع، ج 9، ص 378. (1/157)
صفحة 158
154
ثالثا: أدلة العقل:
الشفاعة
الأخروية
يجاب عن أدلة العقل بالآتي:
- أجيب عن الأول: المؤمن مهما بلغ من العمل الخالص لله، ومن التقوى التي تصل
به الى رضوان الله، يظل بحاجة ماسة الى رحمة الله.
يقول العلامة.
سعيد بن خلفان الخليلي - رحمه الله: «الا إن العمل الصالح والشفاعة كلاهما من رحمة الله، فإذن لا يدخل الجنة أحد الا برحمة الله، لأن أعمال العاملين وإن كادت أعمارهم الى آلاف الأعوام، لا يفترون من الصلاة والصيام وغيرها من سائر
(127)
" .....
العبادات، وأنواع القيام، لا يوازي واحدة من النعم إلى أن يقول متحدثا عن الأنبياء وخوفهم رغم بشارة الله تعالى لهم: «فهم على جلالة اقدارهم، وتيقنهم بالسلامة من أخطارهم، مدارون بين الخوف والرجاء ويكثرون لربهم الدعاء، والتضرع واللجاء، فلم يكن ذلك معدودا منهم من باب تحصيل الحاصل، كما كانت الشفاعة للأبرار معدومة منه في المذهب الباطل وما هي في الحقيقة إلا نوع من الدعاء بالخير، فتكون لأهل الصلاح لا غير، إلا أنها لا تكون إلا من الأعلى للأدنى» (128).
- وأجيب عن الثاني: لا بد أن يكون الشفيع أعلى رتبة من المشفوع له، ونحن أدنى رتبة منه - - فلا يصح أن نوصف بكوننا شافعين له كما أن سؤال المنافع للغير انما يكون شفاعة اذا كان فعل تلك المنافع لأجل سؤاله ولولاه لم تفعل، أو كان لسؤاله تأثير في فعلها، أما اذا كانت تفعل، سواء سألها أو لم يسألها، وكان غرض السائل التقرب بذلك الى المسؤول، فإن ذلك لا يكون شفاعة له (129).
- وأجيب عن الثالث: لا يجوز القياس ولا المقارنة بين الخلق والخالق، لاسيما في الامور العقديه فشفاعة الانسان -مثلا- لغيره من البشر في الحياة الدنيوية قد تكون من باب الجور والظلم والبهتان، وتلك هيا الشفاعة السيئه التي حذر الله تعالى منها في كتابه العزيز، كما أن متعلق الشفاعة المنسوبة إلى الإنسان هو التغير والتبدل في الأفكار والميول
627) سعيد بن خلفان الخليلي، تمهيد قواعد الايمان، ج 2، ص 146.
628) المرجع السابق، ج 2، ص 150.
629) الرازي، الشفاعة العظمى، ط 1، ص 49 - 50. (1/158)
صفحة 159
الشفاعة الأخروية
155
والأهواء والنفسيات، وذلك هو الضعف بعينه، إذ قد يعفو الانسان عن المجرم القاتل الذي تحققت ادانته، وثبتت جريمته الشنعاء، فهل يعد هذا منه جورا أم عدلا، وهذا مالا يجوزفي حق الله تعالى الذي قوله فصل، وحكمه عدل، وجزاؤه حق لا مرية فيه. - أجيب عن الرابع: إذا كان العقل يجيز العفو عن الكبائر، وفي ذلك نفع للعبد من غير ضرر لأحد، فلماذا الأوامر والنواهي في القرآن الكريم؟ ولماذا الوعد بالجنة والوعيد بالنار؟ وإذا لم يجز - عقلا - العفو عن المشرك، وبأدلة نقليه، فكذلك العمل مع صاحب الكبيرة، وإلا فإن العقل يجيز أيضا العفو عن عقوبة المشرك، وفيه من الكرم الالهي ما ليس
بعده، فهل هذا جائز؟؟!!. (1/159)
صفحة 160
156
الشفاعة
الأخروية
المبحث الثالث
نفي الشفاعة عن العصاة المصرين
لقد جاءت آيات الكتاب العزيز تحذر الناس من التفكير في المعاصي والآثام، كما جاءت تدعوهم الى التوحيد والاذعان، وقد أوضح الله عز وجل لعباده أن الجزاء من جنس العمل، وأن العمل لا يقبل إلا باخلاص النية لله، كما أن ميزان التفاضل بين الناس التقوى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَانْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِير
(630)
هذا، وقد أمر الله تعالى عباده بالمسارعة إليه، عن طريق التوبة والإستغفار، والفرار
إلى جنبه بالدعاء والاستذكار، وحذرهم من الإصرار على معصيته، والقنوط من رحمته، وكل ذلك حتى يتذكروا عظمته، ويرغبوا في جنته إذ من أصر على معصيته لم يعرفه حق معرفته، فهو يستحق وعيده في قوله وَمَنْ يَعْصِ اللهِ وَرَسُولَهُ فَإِن له نار جهنم خالدِينَ فِيهَا أَبَدا (13)، كما أنه لا ينال شفاعته يوم القيامة، إذ هي لمن ارتضاه ورضي عنه كما جاء في آيات الكتاب العزيز.
(131)
المطلب الأول: أصحاب هذا الرأي:
(632)
لقد ذهب الإباضية (132)، والزيدية (133)، والمعتزلة (634) والخوارج (630) وبعض
المحدثين
(636)
الى نفي الشفاعة عن مرتكبي الكبائر، واثبتوها في الموقف «الشفاعة
630) سورة الأحزاب، الآية: 13
631) سورة الجن الآية: 23. 232) السالمي، المشارق، ط 1، ص 374.
633) القاسم بن محمد بن علي الزيدي الأساس لعقائد الأكياس، تحقيق ألبير نصري، ط 1، دار الطليعة للطباعة، 1980 م، ص 199. (634) ذهب أبو هاشم من المعتزلة الى جواز الشفاعة بلا توبة اذ يقول: «وقد تصح بلا توية، وان كان المتعارف خلافه، والرجوع في ذلك يجب ان يكون الى السمع الوارد فيه» أنظر: فضل الاعتزال، عبد الجبار، ط 1، ص 207 635) البيهقي، الاعتقاد، ص 156، السفاريني، لوائح الانوار، ج 2، ص 242 (636) من هؤلاء: محمد رشيد رضا، ومحمد عبده، محمد الغزالي، حسن حنفي، والدكتور مصطفى محمود .. وهذا يظهر في كتاباتهم كتفسير المنار» لمحمد رشيد رضا، «وعقيدة المسلم» لمحمد الغزالي، «ومن العقيدة الى الثورة لحسن حنفي. (1/160)
صفحة 161
الشفاعة الأخروية
157
العظمى»، ولرفع درجات المؤمنين في جنات النعيم، وهذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة، كما أنه ينسجم مع أصولهم العقدية، كخلود مرتكب الكبيرة، وإنفاذ الله تعالى لوعده ووعيده، وتعريفهم للايمان، وإليك نص أقوال بعض علمائهم ليتضح المقال:
يقول الامام نور الدين السالمي:
شفاعة الرسول للتقي ومن يقل بغير ذا فقد كفر وان يكن بغير ما تأول
من الورى وليس للشق كفر نعيم ان تأول ظهر فذاك شرك أي أشد منزل
لأنه مخالف الكتاب
وسنة الرسول والألباب
كليس للظالم من حميم
ولا شفيع من لظى الجحيم.
(637)
وجاء في قاموس الشريعة: الشفاعة حق لا تكذيب فيها، ولكنها للمؤمنين
-
المطيعين، دون أهل الكبائر من العاصين والفاسقين، وهكذا حكي عن جابر بن زيد – رحمه الله - أنه قال: الشفاعة حق، فمن كذب بها فقد كذب بالقرآن، لأن الله - تعالى - أخبر في كتابه إن أهل الكبائر يخلدون لقوله تعالى: وإن الفجار لفي جحيم (13)
(11.-179)
وقوله: وما هم عنها بغائبين (3)
(781)
وهذا ما ذهب إليه القاسم بن محمد الزيدي (641) إذ يقول: «وشفاعة النبي - -
لأهل الجنة من أمته يرقيهم الله تعالى بها من درجة إلى اعلا منها، ومن نعيم إلى أسنى منه، ومن أدخله الله النار فهو خالد فيها أبدا (643).
(643)
«
ويقول القاضي عبد الجبار: «فاما قولنا في إثبات الشفاعة فهو معروف،
637) السالمي، مشارق أنوار العقول، ط 1، ص 374. 638) سورة الانفطار، الآيه: 14 639) سورة الانفطار الآية: 16
640) جميل بن خميس السعدي، قاموس الشريعة، ج 5. وزارة التراث القومي سلطنة عمان، 1403 - 1983 م، ص 506. 641) القاسم بن محمد بن علي الزيدي العلوي آخر مؤسس بيوت الأسرة الزيدية، كان مخلصا وعادلا من مؤلفاته كتاب الأساس، ومرقاة الوصول الى علم الأصول الارشاد إلى سبيل الرشاد، توفي سنة.1029 ه. ينظر: مقدمة كتاب الأساس لعقائد الأكياس، ط 1، دار الطليعة. 642) القاسم بن محمد بن علي الزيدي، كتاب الأساس لعقائد الأكياس، تحقيق الدكتور ألبير نصري نادر، ط 1، دار الطليعة للطباعة
والنشر، بيروت، 1980 م، ص 199 643) عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني أبو الحسين قاض أصولي كان شيخ المعتزله في عصره، يلقب بقاضي القضاة، ولي القضاء بالري ومات فيها سنة 405 له من التصانيف شرح الأصول الخمسة، والمغني ... أنظر الزركلي، الأعلام، ج 3، ص 273. (1/161)
صفحة 162
158
الشفاعة الأخروية
ونزعم أن من أنكره فقد أخطأ الخطأ العظيم، لكنا نقول لأهل الثواب دون أهل العقاب ولأولياء الله دون أعدائه، ويشفع - صلى الله عليه وسلم - في أن يزيدهم تفضيلا عظيما (644).
المطلب الثاني: أدلتهم على ذلك (640)
لقد استدل من نفى الشفاعة عن عصاة الموحدين بأدلة واضحة وكثيرة من
الكتاب والسنة والعقل، وذلك على النحو التالي:
القرآن الكريم:
1 - قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَومَا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ
وَلَا يَؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ.
(646)
ووجه الدلاله: أن الله تعالى نفى قبول الشفاعة من أحد لأحد، ولو قبلت شفاعة النبي - - أو غيره لذي كبيرة انتقض هذا المدلول المستفاد من هذا النص، ويؤيد ذلك ما تقدمه من نفي جزاء نفس عن نفس شيئا، وما تبعه من قوله ولا هم ينصرون)، إذ لو شفع النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد منهم لكانت نفس جازية عن نفس، وناصرة لها (647).
يقول القاضي عبد الجبار في هذه الآية: «يدل على أن من استحق العذاب لا يشفع النبي - - له ولا ينصره، لأن الآية وردت في صفة اليوم، ولا تخصيص فيها، فلا يمكن صرفها إلى الكفار دون أهل الثواب وهي واردة فيمن يستحق العذاب في ذلك اليوم، لأن هذا الخطاب لا يليق إلا بهم، فليس لأحد أن يطعن على ما قلناه بأنه يمنع الشفاعة للمؤمنين أيضا، ولو كان النبي - - يشفع لهم لكان قد أغنى عنهم وأجزى ... ولأن قبول الشفاعة واسقاط العقاب الى المغفرة، أعظم من كل فداء يسقط به ما قد استحقوه من المضرة، ولما صح أن يقول: {وَلا هُمْ يُنْصَرُون له وأعظم النصرة تخليصهم من العذاب الدائم بالشفاعة، فالآية دالة على ما نقوله من جميع هذه الوجوه
(644) عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيد، ط 1، الدار التونسية للنشر، ص 207
645 أي على نفي الشفاعة عن عصاة الموحدين. 646) سورة البقرة، الآية: 48.
647) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 265.
(TEA),
648) عبد الجبار بن أحمد الهمداني، متشابه القرآن، تحقيق الدكتور عدنان محمد زرزور، القسم الأول، دار التراث، القاهرة، ص 90 (1/162)
صفحة 163
الشفاعة)
الأخروية
159
(129)
2 - قوله تعالى: و لا يملكونَ الشَفَاعَةَ إلا مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدا} (146) ووجه الدلالة منها: أن الله تعالى قد أخبر في هذه الآية أن الشفاعة لا تكون إلا لمن اتخذ عند الله تعالى عهدا والعهد المراد هو كلمة التوحيد والإصرار على المعاصي والذنوب ينافي حقيقة هذه الكلمة من الخضوع والإستسلام والإذعان المطلق لله تعالى، وقد قيل كما مر سابقا - بأن العهد: هو المحافظة على الصلوات، وقيل: بأنه
العمل الصالح، وقيل: الإيمان والعمل الصالح، وقيل: الوفاء بالدين ... والإصرار على الكبائر ينافي كل ما قيل في معنى العهد.
(70.) ,
3 - قوله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى (100).
وجه الاستدلال: أن الله تعالى نفى شفاعة الملائكة إلا لمن ارتضى من عباده،
(701)
وكذا الأنبياء لعدم الفارق بينهم، والله لا يرتضى إلا الأبرار دون الفجار (1)
- قوله تعالى: ما للظالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاع (10). وجه الدلالة: أن الله تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع يطاع في
شفاعته، والظالم اسم يعم الكافر والفاسق (63).
كما أن من كان من أهل النار فهو يستحق اللعن والغضب والسخط، فكيف يجوز للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يشفع لهم، ومن حق الشافع أن يكون محبا لمن يشفع له راضيا عنه، وهذا يوجب ان كان - صلى الله عليه وسلم - يشفع لهم، أن يكون راضيا عمن سخط عليه ولعنه، وذلك
لا
يصح
(101)
(700) ,
- قوله تعالى: فما تنفعهمْ شَفَاعَةُ الشَافِعِين (100)
وجه الدلالة: نفي الله تعالى الشافع في هذه الآية الكريمة، فضلا عن أن
649) سورة مريم، الآية: 87. 650) سورة الانبياء، الآية: 28
651) عبد الجبار، فضل الاعتزال، ط 1، ص 207، والسالمي، المشارق، ط 1، ص 374
652) سورة غافر، الآية: 18
653) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 269
654) عبد الجبار فضل الاعتزال، ط 1، ص 208.
655) سورة المدثر، الآية: 48 (1/163)
صفحة 164
الشفاعة الأخروية.
يشفع، وذلك من نفي اللازم بانتفاء الملزم، والسبب بانتفاء المسبب) (707)
6 - الآيات القرآنية الكثيرة الدالة على تحذير المولى جل وعلا عبادة من الإغترار بالأماني، وتدل بمفهومها على نفي الشفاعة حتى لا يتعلق بها المتعلقون، ومن تلك الآيات:
- قوله تعالى: {يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم وَاخْشَوا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازِ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغْرَنَكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغْرَنَكُمْ بالله الغرور (0).
(657)
- قوله تعالى: {يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلى عَنْ مَوْلى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)
(10 A)
(709),
- قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَفَاعَةُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا (100).
- قوله تعالى: ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ)
(11.)
(771).
قوله تعالى: {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله (16).
- قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ في النار
(117)
- قوله تعالى: فما لنا من شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقِ حَمِيمٍ)
قوله تعالى: ولا ينال عهدي الظالمين (15).
(663)
(665)
- قوله تعالى في الزاني: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ في دين الله (170)، هذا في حدود الدنيا التي يتراحم فيها العباد بالترك والعفو والإعراض عنها، فكيف بالآخرة التي لا تواصل فيها ولا تراحم.
656) اطفيش، تيسير التفسير، ج 1، ص 415.
(657) سورة لقمان، الآية: 33.
(658) سورة الدخان، الآية: 41
(659) سورة طه، الآية: 9. 660) سورة يونس، الآية: 27. 661) سورة الانفطار، الآية: 19
662) سورة الزمر، الآية: 19. (663) سورة الشعراء، الآية: 100
664) سورة البقرة الآيه: 124.
665) سورة النور، الآيه: 1. (1/164)
صفحة 165
الشفاعة الأخروية
161
(111)
وبالجملة فهذه الآيات وغيرها الكثير (666)، يدل دلالة واضحة على أن الأمر خطير، فان الله تعالى قد وعد وتوعد، وحذر وأنذر، فلا ينبغي الاغترار بالأماني، والتسويف في
التوبة النصوح، فالله تعالى لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، وهو القائل: وَمَنْ أَصْدَقُ من الله قيلا
(667)
السنة النبوية
:
لقد وردت عن النبي - صلى الله عليه وسلم – أحاديث كثيرة تدل على نفي الشفاعة لمرتكبي الكبائر غير التائبين، تلك الدلالة قد تفهم صراحة أو ضمنا، وهي – كما ترى – منسجمة غاية الانسجام مع آيات الكتاب العزيز، ومن تلك الأحاديث ما يلي:
-1
- ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه – أن النبي - - قال: «يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، ياأم الزبير بن العوام عمة رسول الله - - يافاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله لا أملك لكما من الله شيئا، سلاني من مالي ما شئتما (668).
- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - - قال: «لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو شاة لها ثغاء أو رقاق تخفق، فيقول أغثني، فأقول: قد أبلغتك لا أملك لك من الله من شيء» (11).
عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - -: «أنا فرطكم
على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم.
(670)
(666) منها آيات خلود المذنبين في النار وهي كثيرة. أنظر: أحمد بن حمد الخليلي، الحق الدامغ، 2، مكتبة الضامري، سلطنة
عمان 1412 - 1992 م، ص 202 - 225. 667) سورة النساء، الآية: 122.
668) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب من انتسب الى آبائه في الاسلام والجاهليه، رقم الحديث (3527)، ص 594، وجاءت رواية أخرى تفيد نفس المعنى في كتاب الوصايا، باب: هل يدخل النساء والولد في الأقارب، رقم الباب (11)، رقم
الحديث (2753)، ص 455
669) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير (56)، باب الغلول (189)، برقم (3073)،ص 508 670) أخرجه البخاري في كتاب الفتن برقم (92)، باب ما جاء في قوله تعالى: (وتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة).
برقم (1). رقم الحديث (7050)، ص 1216. (1/165)
صفحة 166
162
الشفاعة
الأخروية
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرض أن ينال هؤلاء شربة ماء فكيف يشفع لهم؟، مع أنه يعرفهم ويغرفونه، بل جاء في رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه- أن النبي- - يقول:
(171)
«إنهم مني فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول: سحقا لمن بدل بعدي وفي رواية
"
أخرى عن أسماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا على حوضي أنتظر من يرد علي، فيؤخذ بناس من دوني، فأقول: أمتي، فيقول: لا تدري مشوا على القهقرى (172)، وكل هذه الروايات في البخاري، وهي تدل على طرد هؤلاء من رحمة الله تعالى وليس في الحديث دلالة على توقيت الغضب واللعنة عليهم، فينبغي علينا الحذر كل الحذر.
4 - ما روي عن كعب بن عجرة قال: خرج علينا رسول الله - - فقال: «اسمعوا انه سيكون من بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على كذبهم فليس مني ولست منه، وليس بوارد علي الحوض»
(672)
فهذا نص صريح في أهل الكبائر، اذ لا شك أن معاونة الظالمين لا تخرج من المله وانما هي كبيرة، وقد تبرأ النبي - - ممن يفعل ذلك، ونفى وروده على الحوض، فمن لم يظفر بشريه من حوض النبي - من أمته فهو الشقي الخاسر، ومأواه جهنم وبئس المصير.
(674)
ه ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: لما نزل قوله تعالى: وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين (3) قام النبي - - على الصفا فقال: «يا فاطمة بنت محمد، و يا صفية بنت عبد المطلب، ويا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني
من مالي ما شئتم،
(TVO) (
ووجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حذر قرابته من الإغترار بنسبهم، والإتكال على صلتهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولئن كان هذا التحذير لقرابته - صلى الله عليه وسلم - فما بالكم بغيرهم من أبناء هذه الأمة.
671) أخرجه البخاري في كتاب الفتن (92) باب ما جاء في قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة برقم (1)، ورقم الحديث (7051)، ص 1217 672) أخرجه البخاري في كتاب الفتن (92)، باب ما جاء في قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة برقم (1)، ورقم الحديث (7048)، ص 1216
673) أخرجه النسائي في كتاب البيعه (39)، باب من لم يعن أميرا على الظلم (36)، رقم الحديث (4219)، ج 7، ص 180، والترمذي في كتاب الفتن (34)، باب التحذير من موافقة أمراء السوء (72)، رقم الحديث (2259)، ج 3، ص 260. 674) سورة الشعراء، الآية: 214 675) رواه مسلم، كتاب الايمان، باب في قوله تعالي وأنذر عشيرتك | برتك الأقربين)، ج 1، ص 133. (1/166)
صفحة 167
6 - ما
الشيطاعة الأطروية
163
روي عن جابر بن زيد عن النبي - -: «لا تنال شفاعتي الغالي في
الدين، ولا الجافي عنه (177).
وقوله - - كذلك: «لاتنال شفاعتي سلطانا غشوما للناس، ورجلا لا يراقب الله
في اليتيم»
(677)
ما روي عن جابر بن زيد - رضي الله عنه - عن النبي - -: «ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي (178)، يحلف جابر عند ذلك مالأهل الكبائر شفاعة لأن الله قد أوعد أهل الكبائر النار في كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأهل الكبائر فوالله ما عنى القتل والزنى والسحر، وما أوعد الله عليه النار، وذكر أن أنس بن مالك أدق في أعينكم من الشعر، ما كنا نعدها على عهد رسول
يقول: إنكم لتعملون أعمالا.
هي
الله - إلا من الكبائر) (19)).
فهذا الحديث صريح غاية الصراحة في نفي الشفاعة عن أصحاب الكبائر غير التائبين، وغير هذه الأحاديث الكثير لا سيما تلك التي تتحدث عن خلود عصاة الموحدين، فاذا ثبت خلودهم انتفت الشفاعة في حقهم.
العقل (680)
1
1 - إن رفع العقاب عن المجرم يوم القيامة بعدما أثبته الله تعالى بالوعيد، اما أن يكون عدلا أو ظلما، فان كان عدلا كان أصل الحكم المستتبع للعقاب ظلما لا يليق بساحته تعالى وان كان ظلما كانت شفاعة الأنبياء مثلا سؤالا للظلم منه وهو جهل لا يجوز نسبته اليهم - -.
2 - إن سنة الله تعالى جرت على صون أفعاله من التخلف والاختلاف فما قضي
676) الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، ط 1، ح (1003)، ص 379
677) الربيع، ح (1002)، ص 379.
678) الربيع، ح (1004)، ص 379
(679) المرجع ذاته، ص 379.
680) هذه الأدلة العقلية تحدث عنها الطباطبائي في تفسيره، وأطلق عليها اسم اشكالات الشفاعة»، ولذلك فقد لا يدخل بعضها في مدلول الدليل العقلي بالمعنى المفهوم الا أنني أوردت بعضها للفائدة، وقد رد المؤلف على كل اشكالية في نفس المرجع. أنظر:
الطباطبائي الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص 162 - 168. (1/167)
صفحة 168
164
الشفاعة الأخروية
وحكم به يجريه على وتيرة واحدة وتحقق الشفاعة موجب للاختلاف في الفعل، فان رفع العقاب بالشفاعة عن جميع المجرمين في جميع جرائمهم موجب لنقض الفرض، ولعب ينافي الحكمة، ورفعه عن بعض المجرمين أو في بعض جرائمهم وذنوبهم اختلاف في فعله تعالى، وتغير وتبدل في سنته الجارية وطريقته الدائمة، إذ لا فرق بين المجرمين في أن كل واحد منهم مجرم ولابين الذنوب في أن كلا منها ذنب.
3 - إن الشفاعة المعروفة عند الناس هيا، أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك أراد غيره حكم به أو لا فلا تتحقق الشفاعة الا بترك الارادة وفسخها لأجل الشفيع، فأما الحاكم العادل فانه لا يقبل الشفاعة الا اذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به كأن أخطأ ثم عرف الصواب، ورأى أن المصلحة أو العمل في خلاف ما كان يريده أو حكم به وأما الحاكم المستبد الظالم فانه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشيء، وهو عالم بأنه ظلم، وأن العدل في خلافه، ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب عنده على العدالة وكل من النوعين محال على الله تعالى، لأن ارادته على. علمه حسب وعلمه أزلي لا
يتغير
(141)
4 - إن وعد الشفاعة منه تعالى أو تبليغها من الأنبياء - عليهم السلام - مستلزم لتجري الناس على المعصية واغراء لهم على هتك محارم الله تعالى، وهو مناف للغرض الوحيد من الدين من سوق الناس الى العبودية والطاعة فلا بد من تأويل مايدل عليه من الكتاب والسنة.
ه - إن العقل لو دل فانما يدل على امكان وقوع الشفاعة لا على فعلية وقوعها، على أن أصل دلالته ممنوع، وأما النقل فما يتضمنه القرآن لا دلالة فيه على وقوعها، فان فيها آيات دالة على نفي الشفاعة مطلقا كقوله: و لا بيع فِيهِ وَلَا خَلَةٌ وَلَا شَفَاعَة واخرى ناطقه بنفي منفعة الشفاعة كقوله تعالى: فما تنفعهمْ شَفَاعَةُ الشَافِعِين (83)
681) هذا الكلام لمحمد رشيد رضا في تفسيره المنار كما مر سابقا.
(182)
(682) سورة البقرة، الآية: 254 683) سورة المدثر، الآية: 48 (1/168)
صفحة 169
الشفاعة
الأخروية
(140)
وأخرى تقيد النفي كمثل قوله تعالى: الا باذنه (8)، وقوله الله الا لِمَنِ ارْتَضَى الله ومثل هذا الإستثناء بالإذن والمشيئة معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للاشعار بان ذلك باذنه ومشيئته سبحانه كقوله تعالى: سنقرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ
(686)
الله له (18)، وقوله تعالى: خالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبِّكَ (187)، فليس في القرآن نص قطعي على وقوع الشفاعة، وأما السنة فما دلت عليه من
الخصوصيات لا تعويل عليه، وأما المتيقن منها فلا يزيد على ما في الكتاب دلالة (88).
6 - إن الآيات غير صريحة في رفع العقاب الثابت على المجرمين يوم القيامة، بعد ثبوت الجرم ولزوم العقاب بل المراد بها شفاعة الأنبياء بمعنى توسطهم بما هم أنبياء بين الناس وبين ربهم بأخذ الأحكام بالوحي وتبليغها الناس وهدايتهم، وهذا المقدار كالبذر ينمو وينشأ منه ما يستقبله من الأقدار والأوصاف والأحوال فهم – عليهم السلام - شفعاء المؤمنين في الدنيا وشفعائهم في الآخرة.
لو كان المستحق للشفاعة هو الذي خرج من الدنيا مصرا على الكبائر لرغب
الناس في أن يختم لهم وهم مصرين على الكبائر.
يقول القاضي عبد الجبار .... أليس أن الأمة اتفقت على قولهم: «اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة، فلو كان الأمر على ما ذكرتموه لكان يجب أن يكون هذا الدعاء دعاء لأن يجعلهم
الله تعالى من الفساق
(189)
- يقول القاضي عبد الجبار: «ما قولكم فيمن حلف ليفعل ما يستحق به الشفاعة؟ أليس يلزمه أن يرتكب الكبيرة ويصير من أهل الفسوق والعصيان (10).
684) سورة البقرة، الآية: 255 685) سورة الأنبياء، الآية: 28.
(686) سورة الاعلى، الآية: 6 687) سورة هود، الآية: 107
688) ذكر هذا الوجه العلامة محمد رضا في تفسير كما مر سابقا. 689 عبد الجبار، شرح الأصول الخمسه، ط 3، مكتبة وهبه، ص 692. 690) المرجع السابق، ص 693. (1/169)
صفحة 170
166
الشفاعة الأخروية
المطلب الثالث: مناقشة الأدلة:
لقد ناقن المثبتون للشفاعة أدلة النافين من القرآن والسنة والعقل، وذلك على النحو
التالي:
أولا: القرآن الكريم:
1 - الخطاب في آية البقرة لليهود فلا يدخل فيه المسلمون، يقول الامام الطبري: «إن الله عز وجل خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها، لأنهم كانوا من يهود بني اسرائيل وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه وسيشفع لنا عنده آباؤنا (19)، فالشفاعة المنفية في الآية انما.
هي
للكافرين.
ويقول الطبرسي: «قال المفسرون حكم هذه الآية مختص باليهود لأنهم قالوا نحن أولاد الأنبياء وآباؤنا يشفعون لنا فايسهم الله عن ذلك فخرج الكلام مخرج العموم والمراد به الخصوص ويدل على ذلك أن الأمة أجمعت أن للنبي شفاعة مقبولة وان اختلفوا في كيفيتها (192).
كما أن قوله «يومًا» في الآية جاءت نكرة، ولا شك أن في القيامة مواطن، ويومها معدود بخمسين ألف سنة، فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة وبعضها هو الوقت الموعود، وفيه المقام المحمود لسيد البشر - صلى الله عليه وسلم - وقد وردت آي كثيرة ترشد الى تعدد
(147)
أيامها، واختلاف أوقاتها، كقوله تعالى فلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُون) مع قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} (664)، فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين: الأول محل للتساؤل والثاني: ليس محلا له، وكذلك الشفاعة (65).
691) الطبري، تفسير الطبري، ج 1، ص 306.
692) الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ط 1، ج 1، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 151
(693) سورة المؤمنون، الآية: 101 694) سورة الصافات، الآية: 27.
695) الاسكندري، حاشية الانتصاف على الكشاف، ج 1 دار الريان للتراث، ص 136. (1/170)
صفحة 171
الشفاعة!
الأخروية
167
وقد رد على هذا بالآتي:
إن كون الخطاب في الآية لليهود لا يقضي بأن ما ذكر فيها من صفة ذلك اليوم لا يشمل غيرهم، فإنهم حذروا يوما ذلك شأنه عندهم وعند غيرهم، ولو خُصص ما جاء في وصفه بهم لم يدخل في وعيده المشركون والملاحدة، وهو مما أجمع على خلافه، واذا كان التحذير من شر ذلك اليوم في هذه الآية موجها إلى اليهود، فقد وجه نظيره إلى المؤمنين في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مما رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمَ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خَلَةٌ وَلَا شَفَاعَة له (16)، فلو كان تحذير أحد من أمر يعني خصوصيته بذلك، المحذر منه لكانت هذه الآية دليلا على خصوصية عدم البيع والخلة والشفاعة في ذلك اليوم بالمؤمنين (17).
ومع أن الفخر الرازي يقول: إن الآية خاصة بالنفس الكافرة، نجده يقول كذلك: «إن في هذه الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة، ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة فاذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذرا خائفا في كل حال، والآية وان كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل، لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم، وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم (18).
أما القول بأن هناك يوما خاصا بالشفاعة من أيام يوم الحساب، فالجواب عليه: إن يوم القيامة يوم واحد إذ لا يعقب نهاره ليل، ولم يأت أبدا في الكتاب والسنة ما يدل على أنه أيام متعددة، ولو كان هناك أيام منها تقبل فيه الشفاعة، ومنها لا تقبل لما كان لهذا التحذير في هذه الآية وأمثالها معنى لطمأنينة كل أحد أنه إذا لم يدرك الشفاعة في يوم أدركها في آخر، فلم القلق والحذر؟ ونحن نسلم أن ذلك اليوم تتعدد فيه المواقف،
696) سورة البقرة، الآية: 254.
697) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 266
698) الرازي، مفاتيح الغيب، المجلد الثاني، ج 3، ص 59 (1/171)
صفحة 172
168
المقلعة الأخروية
ولكن لا نسلم أن موقفا من تلك المواقف يكون فيه ما نفاه الله عنه من جدوى الشفاعة لمن لم يعمل صالحا، ولو كان الأمر كما قال لزم أيضا جزاء نفس عن نفس، وقبول العدل عنها، ونصرتها على باطلها في بعض تلك المواقف كما جاز حصول الشفاعة المنفية هذه الأمور وجدواها للفساق في بعض مواقف ذلك اليوم، وأما ما استدل به من نفي مع التساؤل واثباته، فهو لا يدل بحال على مدعاه إن التساؤل المنفي في آية: فلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} (هو تساؤل التواد والتراحم، والتساؤل المثبت في آية:
(199)
(700)
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} هو تساؤل التلاوم والتشاقق والتلاعن وأين هذا من ذاك؟ (701).
2 - قالوا: إن معنى العهد الوارد في قوله: إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَا التوحيد والإسلام ففي | الآية دليل على إثبات الشفاعة لا نفيها
(703)
(V.T)
هو
أجيب: بأن عهد التوحيد والإسلام قد انتقض بالإصرار والمداومة على المعصية، إذ الإسلام هو الإستسلام التام لله، والتوحيد هو الإنقياد المطلق لحكمه لا الإقامة على معصيته (704).
- قالوا في معنى قوله تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى (200): الرد على من أنكر أصل الشفاعة، فأخبر تعالى أن ثم شفاعة، لكن لمن أراد تعالى أن يشفع له، وأذن في ذلك، ولم يرد إلا لمن رضي سائر عمله، لأن من رضي سائر عمله لا يحتاج إلى شفاعه، ويحتمل أن يكون معناه: لمن كان معه عمل مرتضى، والمؤمن معه أفضل الأعمال التي ترضى، وإن كان عاصيا فاسقا، وهو التوحيد والتصديق، وقوله: لا اله الا الله، والذي لا يرضى عمله أجمع هو الكافر (201) لأن الفاسق معه طاعات وبر وقرب، وتصديق وتوحيد
699) سورة المؤمنون، الآية: 101
700 سورة الصافات، الآية: 27
(706)
701) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 274. 702) سورة مريم، الآية: 87
703 الرازي، الشفاعة العظمى، ط 1، ص 704 الخليلي جواهر التفسير، ج 3، ص، بتصرف. 705 سورة الأنبياء، الآية: 28.
706) أبو بكر محمد الباقلاني، الانصاف، ط 2، ص 173. (1/172)
صفحة 173
الشجاعة الأخروية
169
وذلك أجمع مرتضى منه، أما الكافر فلا طاعة معه (207).
نصوص
ويمكن الرد على هذا بأن الفاسق المصر على كبيرته لا يمكن بحال أن يكون من الذين ارتضاهم الله تعالى لأن آيات الكتاب العزيز لعنت الفسقه والمجرمين، وكذلك السنه على صاحبها، على أن الإيمان إيمانان، إيمان شكلي وآخر جوهري فالأول: هو الذي لا تظهر حقيقته في واقع الحياة الانسانية، بل ولافي واقع الشخص الذي يعتنقه، فتجد-مثلا-البون الشاسع، والفرق الكبير بين المعتقد والعمل، أما الثاني: فهو المطلوب إذ يتجسد حقيقة في كل مناحي حياته، فتجد الإتزان والإتفاق واضحا بين. المعتقد والعمل، وهذا الإيمان هو الذي ينفع صاحبه في الدار الآخرة، بدليل آيات الكتاب العزيز الدالة على ربط الإيمان مع العمل الصالح الناتج عنه، وهي أكثر من أن تحصى، وبدليل أحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وهي كثيرة، فكيف يشفع الرسول-صلى الله عليه وسلم- فيمن ليس بمؤمن حقيقة (708).
على أن الله تعالى قد بين من أولئك الذين ارتضاهم، وما هي شفاعة الملائكة عندما قال سبحانه في سورة غافر: والذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةَ وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سبيلكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ) (0)، فطلب المغفرة إنما تكون للتائبين دون المصرين، وللذين اتبعوا السبيل المستقيم دون من أعرض عنه وحاد.
(v.)
4 - أجيب عن قوله تعالى: {ما للظالمين مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعِ يُطَاع بأن الظالمين في الآية هم المشركون فيكون نفي الشفاعه عن المشركين.
يقول الإمام الباقلاني: «معناه: فالظلم بالشرك والكفر الذي لا ينفع معه طاعه كما قال تعالى: وانَ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم (1) ولهذا عندما نزل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ
(710)
707) أبو بكر محمد الباقلاني، التمهيد، ط 3، ص 423، وأنظر كذلك: النسفي تبصرة الأدله، ج 2، ص 794. 708) فهمت هذا التقسيم للايمان من كتابات علماء المذهب الاباضي، ويوجد كذلك في تفسير المنار لمحمد رشيد رضا لاسيما في
تفسير آيات الريا من سورة البقرة.
709) سورة غافر الآيه: 7 710) سورة لقمان الآيه: 13 (1/173)
صفحة 174
170
الشفاعة،
الأخروية
يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) حزن الصحابة -رضي الله عنهم-حتى قال الصديق-رضي الله عنه- يا رسول الله وأينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال النبي - - «ليس هذا يا أبا بكر، انما الظلم الشرك ها هنا، ألا ترى إلى قول لقمان: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم فدل أن لا شفاعة تنفع الكافر ولا حميم يدفع عنه، والمؤمن بخلاف ذلك بحمد لله، وإن كانت له سيئات (713).
(712)
كما أن الآيه محمولة على سلب العموم لا على عموم السلب، والمراد بسلب العموم نفي العموم، بحيث يراد أنه ليس لجميع الظالمين حميم أو شفيع يطاع وهولا ينافي أن يكون لبعضهم ذلك، وأما. السلب فهو إجراء حكم نفي الشفيع على جميع أفراد الظالمين (714)
عموم
وأجيب بأن وصف الظالم يصدق على المشرك والفاسق، فإن الله سمى القتال في الأشهر الحرم ظلما حيث قال: فلا تظلموا فيهنَ أَنْفُسَكُمْ (10)، وحكى عن آدم وحواء
(V 11)
(VIA)
قولهما: وربنا ظلمنا أنفسنام، وعن يونس قوله ولا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين (17)، وعن موسى قوله: {رَب إني ظَلَمْتُ نَفْسِي (18) وهم قطعا - لم يقعوا في الشرك ولم يريدوه في هذا الإعتراف، كما أن الآيه نزلت تهديدا للظالمين لا نفيا لأن يكونوا جميعا ناجين بشفاعة شفيع أو نصرة حميم، ولو كانت لسلب العموم لما كان للتهديد موضع إذ لكل ظالم أن يمني نفسه بأنه غير داخل في هذا السلب، وأن الشفيع والحميم المطاعين غير منفيين بالنسبة إليه شخصيا، ولو جاز حمل هذه الآيه على هذا التأويل لم يبق تعلق بالأحكام العمومية المستفادة من النفي الداخل على المجموع ولكان
711) سورة الأنعام، الآيه: 82
(712) سورة الزخرف الآيه: 43.
713) الباقلاني، الانصاف، ط 2،ص 174.
714) الرازي التفسير، المجلد الثاني، ج 3، ص 69.
715 سورة التوبه الآيه: 36.
(716) سورة الأعراف: 23.
717) سورة الأنبياء: 87.
(718) سورة القصص الآيه: 16 (1/174)
صفحة 175
الشفاعة
الأخروية
(219)
171
نحو قوله تعالى: {وَلا تَكُنْ مَعَ الكافرين (1) لا يدل إلا على النهي عن الكون مع جميع الكافرين، وعدم المنع من الكون مع بعضهم، ولاستفيد من قوله تعالى: {وَلا تَكُن محمد لِلْخَائِنِينَ خَصِيما (220) النهي عن مخاصمته - صلى الله عليه وسلم - عن جميع الخائنين دون بعضهم وهكذا في سائر الآيات المماثلة لهذه، ومثل هذه الآية في الدلالة على نفي الشفاعة
T-VTI),
للظالمين، وفي الإيراد المذكور والرد عليه قوله تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ} (72 - 22)
ويقول الإمام السالمي في بيان معنى الظالم: «والظالم لغة من وضع الشيء في
غير موضعه كمن وضع العبادة لغير مستحقها، أو استعمل جوارحه التي جعلها الله له في غيرما خلقت لأجله، أو أنفذ عمره الذي أمده الله به ليقدم فيه لآخرته في غير طاعة الله تعالى، وشرعا هو المتعدي عن الحق إلى الباطل، وعلى كلا الإصطلاحين فهو شامل للمشرك والفاسق (223).
ويقول كذلك: «وهو اسم لكل من ظلم نفسه أو ظلم غيره فلا تخص المشركين كما زعموا، فإنها وإن كان سبب نزولها فيهم فلا عبرة بخصوص السبب مع عموم |
اللفظ (724)
ه - إعتبر مثبتوا الشفاعة لأهل الكبائر قوله تعالى: فما تنفعهم شفاعة الشافعين (72) دليلا لهم، وقد رد عليه النافون، كما سبق.
-7
(725)
- أجيب عن تلك الآيات بأن معظمها في أهل الكفر والضلال، وليست في أهل التوحيد والايمان، وصاحب الكبيرة ليس بمشرك فيبطل الإستدلال، كما أن بعضها في الترغيب والنبي - - لا ينقذ أحدا بنفسه وبدون مشيئة الله وإذنه، وقد دلت الكثير من النصوص بالوعد بالمغفرة لمن مات لا يشرك بالله شيئا (726).
719) سورة هود الآيه:42 720) سورة النساء الآيه: 105.
721) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 270.
722) الخليلي، جواهر التفسير، ج 3، ص 270. 723) السالمي، المشارق، ط 1، ص 378. 724) المرجع السابق، ص 374.
(725) سورة المدثر الآيه: 48
(726 الباقلاني، التمهيد، ط 3، ص 424. (1/175)
صفحة 176
172
الشفاعة الأخروية
ورد: لا دليل على تخصيصها بالمشركين (727)، وعليه تظل دليلا على نفي الشفاعة لمن أصر على معصية الله تعالى.
727) كما أن حصر الظلم في قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون في الشرك وحده دون غيره من المعاصي، وتفسير الآية بذلك لهو أخطر على الإسلام من كل خطر، فإنه المعول الهدام لجميع أسسه المجتث لجميع فضائله، الملغي لجميع أدلته، إذ ليس معناه إلا أن من كان محسوبا على أهل الايمان لا يضيره ما صنع ما لم يتلبس بشيء من الشرك ولو أضاع الصلاة والصيام ومنع الزكاة وعطل الحج، وانساق وراء شهواته فلم يدع كبيرة إلا أتاها، ولا رذيلة إلا اعتنقها، ولا فريضة إلا أهملها ولا حرمة إلا انتهكها فما عليه أن لقي الله معطلا لجميع شعائر الإسلام، ومهملا لجميع واجبات الدين، ومرتكبا كل فحشاء من زنا ولواط وقتل النفس المحرمه بغير الحق، وعقوق الوالدين وقطع الأرحام .... إلخ، فإنه ان لم يشب إيمانه بشائبة الإشراك فهو من الذين لهم الأمن وهم مهتدون ..... وهذا الإعتقاد يلغي كل آيات الوعيد القاطعة في كتاب الله التي انصب وعيدها على كبائر الفعل والترك مما هو دون الإشراك. فإن قيل: بأن هذا التفسير إنما أخذ من رواية أخرجها الشيخان من طريق ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعة إلى النبي هل هو التفسير الأسلم بالإتباع هو ما كان عن رسول الله الله بنفسه لأنه أدرى بما أنزل إليه، فالجواب ليس كل مرفوع إليه حجة ولو أخرجه الشيخان، فإن المعيار لصحة الرواية ولزوم قبولها وضعه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه عندما قال: «إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فأعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني» (رواه الربيع بإسناده الصحيح إلى ابن عباس)، ولا عبرة بتضعيف من ضعفه من قومنا مع ثبوته عندنا بهذا السند العالي وعمل الصحابة - رضي الله عنهم بلا خلاف بينهم بمقتضاه، فكم كان منهم من رد رواية سمعها بعضهم من بعض يعزوها الى النبي بمجرد تصوره مخالفتها لدلالة القرآن كما فعل ذلك عمر رضي الله عنه - بحديث فاطمة بنت قيس ومثله صنيع عائشة - رضي الله عنها، برواية عمر وابنه في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وصنيع ابن عباس - رضي الله عنهما. إذ رد رواية الحكم بن عمرو الغفاري في تحريم الحمر الأهلية، ولئن كان ذلك في تلكم الأجواء الإيمانية، الصافية من شوائب الأهواء والبدع ولوثات الزيغ والإنحراف مع قرب العهد بالمنبع والأساس، فكيف بعدما تقادم الزمن وتعفنت الأجواء بضروب من الضلالات، وصنوف من البدع والزيغ حتى اختلط الحابل بالنابل، والتبس الحق بالباطل، أليس الأولى والأسلم أن يتبع هذا المنهج نفسه، على أننا نجد علماء الحديث أنفسهم لا يختلفون في أن من شرائط صحة الحديث عدم تصادمه مع القرآن، فكيف يضرب بعرض الحائط مئات الآيات ومئات الروايات من أجل هذه الرواية وحدها على أنها لو لم تكن معارضة لشيء فتكفي أحاديتها لعدم الأخذ بها في مجال العقيدة كما هو مقرر عندنا وعند المحققين من غيرنا، على أن من تدبر دلالة الآية نفسها مستبصرا بمنهج اللسان العربي الذي نزل به القرآن ومسترشدا بالقواعد الأصولية المجمع عليها في الاستدلال على معاني النصوص، يجدها بعيدة كل البعد عما تقتضيه تلكم الرواية من حصر الظلم في الشرك، فإن كلمة «ظلم» فيها نكرة في سياق النفي تفيد العموم بلا خلاف، وإلا فماذا عسى أن يقال في قوله تعالى وما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله له أيقال بجواز حمل المنفي في الآية من الولد والإله المنكرين على غير العموم؟ كلا، والله لا يقول هذا من في نفسه ذرة من إيمان ولا بصيص من عقل، فإنه يؤدي إلى نقض التوحيد وجواز أن يكون الله متخذا أولادا لحمل المنفي في الآية من الولد والالهه على بعض الأولاد وبعض الآلهه دون بعض ولو جاز ذلك لما كانت جملة «لا إله إلا الله» توحيدا مع أنها توحيد بالإجماع ..... كما أن الظلم لغة واصطلاحا لا ينحصر في الشرك فهو يصدق على وضع الشيء في غير موضعه، ولذلك اعترف به الأنبياء عليهم السلام. وهم مبرؤون من الشرك فقد قال موسى - عليه السلام ورب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، وهو يعني بذلك قتله القبطي، وقال يونس: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقال آدم وحواء: وربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، وهما يعنيان بذلك الأكل من الشجرة، وقال تعالى في وصف المتقين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله .... وقال بعد أن ذكر حد السارق والسارقة فمن تاب بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه، وهو يريد بالظلم هذا السرقة، وقال سبحانه: وإن عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم له وهو يعني به القتال في الأشهر الحرم، وقال بعد ذكر شيء من أحكام المطلقات وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه)، وقال في المطلقات أيضا: ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه، وقال بعد ذكره بعض أحكام الفدية والطلاق وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون. وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أ خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون، وقد جاء في روايات وأحاديث كثيرة ناصة على دخول المعاصي في الظلم، منها قوله صلى الله عليه وسلم «مطل الغني ظلم» رواه الربيع من طريق ابن عباس،
أن يكن
ورواه الشيخان وأصحاب السنن) (نقل هذا من جواب لسماحة الشيخ الخليلي بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية). (1/176)
صفحة 177
الشفاعة،
الأخروية
ثانيا: السنة النبوية
أجاب المثبتون للشفاعة عن أدلة النافين لها بما يلي:
173
إن معظم تلك الأحاديث التي استند عليها النافون محمولة على أنهم إذا لم يسلموا، كما قيل: بأنها منسوخة (728)، وقد خرجت على مذهب التغليظ، والمبالغة في الزجر، وقد تحمل على المستحلين لمعاصي الله تعالى، والمكذبين لتحريمها (29).
أما حديث: «لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي» فهو لم يصح ولم يرد في خبر صحيح ولا في سقيم، وإنما هو اختلاق وكذب، ولا يُعارض الآثار الصحاح المتفق على صحتها، ثم لو جاز أن يكون قد رُوي فلم يسقط الصحيح المجمع على صحته بالضعيف السقيم الذي لا أصل له مع إمكان الجمع بين الكل، واستعمال الجميع، فتحمل صحاح الأخبار على ما قلنا، ويحمل هذا الخبر على أنه أراد به الكبائر التي تخرج من الإسلام نحو الكفر بعد الإيمان، أو استحلال ما حرم الله، أو تكذيب بعض الرسل (30).
أجيب: بأن حمل تلك الأحاديث على أنهم إذا لم يسلموا لا دليل عليه من نص الحديث، إذ لم يخص حالا دون حال، كما أن الخطاب في الحديث موجه إلى فاطمة-رضي الله عنها- (الحديث الخامس) وذلك بعد نزول قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عِشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ومعلوم أن فاطمة - رضي الله عنها - لم تكن حينها مصرة على الكفر بل كانت من
المؤمنين.
ولا يمكن أن يقال بالنسخ إذ لا دليل عليه، على أن ما أثبتته الأحاديث مبدأ كلي عام تعضده نصوص شرعية أخرى جاءت في الكتاب والسنة تدل على أن الإنسان مجزي بعمله، والنسخ إنما يكون في الأحكام العملية.
728) علي الفارسي الاحسان في تقريب صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرناؤوط، ج 2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1408 5 -
1998 م، ص 414
729) الباقلاني، التمهيد، ط 3، ص 422.
730) الباقلاني، الانصاف، ج 2، ص 171 (1/177)
صفحة 178
174
الشفاعة
الأخروية
هذا، ولا يمكن أن تحمل تلك الروايات على الإستحلال أو التكذيب، لأنها في حق زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم – وقرابته، وصحابته وحاشاهم أن يستحلوا ما حرم |
الله تعالى.
أما ما قالوه في حديث: «لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي» فلو سلم لهم ما قالوه ينبغي علينا جميعا الرجوع إلى القرآن الكريم، ومن المعلوم أن آياته تنفي الشفاعة نفيا قطعيا، ولا تثبتها إلا للمتقين الأبرار، والمرتضين الأخيار، كيف وقد ثبت عندنا – بما لا يدع مجالا للشك – صحت الحديث السابق، وهو متفق تماما مع آيات الشفاعة القرآنيه (37).
ثالثا: العقل
(722).
أجاب المثبتون للشفاعة عن أدلة النافين العقلية بما يلي:
1 - إن رفع العقاب عن المجرم يوم القيامة هو من العدل لا الظلم، لأن الحكمة فيها اختبار سريرة المكلف أو إظهار باطن أمره أو اخراج ما في قوته إلى الفعل، فالمسيئون ينالون بالشفاعة النجاة المكتوبة لهم ولو بالنسبة إلى بعض أنواع العذاب أو أفراده فيكون بذلك أصل وضع الحكم وعقابه أولا عدلا، ورفع عقابه ثانيا عدلا.
ويرد: بأن الله تعالى -كذلك- إذا عذب أهل الكبائر من العصاة، فإن ذلك من العدل، فقد حذرهم من معصيته وهداهم الطريق، وبين لهم المعالم والحدود، وتوعدهم النار، وحاشاه أن يظلم أحدا منهم: {وَمَا رَبِّكَ بِظَلام للعبيد (33) على أن اختبار السرائر والبواطن إنما هو في دار الإبتلاء لا الجزاء، والله يفعل ما يريد ولا يسأل عن فعله لأنه الإله العدل.
2 - أجيب عن الثاني: بأن سنة الله تعالى الواحدة التي لا تختلف ليست قائمة على أصل صفة واحدة من صفاته تعالى، بل هي: قائمه على ما يستوجبه جميع. المربوطه علت صفاته ... فلو كان هناك سبب الحكم المجعول فقط لم يتغير ولم يختلف في
صفاته
731) ضعف البيروني حديث: «لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي الا أنه لم يبين العلة، وإنما اكتفى بقوله: «لم يصح، وهومن أكاذيب المعتزله» أنظر: محمد بن السيد درويش الشهير بالحوت البيروني، أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب طبع
بمطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1346 ه، ص 122.
732) معظم تلك الاجابات ذكرها الطباطبائي في تفسيره الميزان في تفسير القرآن»، ج 1، ص 162 - 163. (733) سورة فصلت الآيه: 46 (1/178)
صفحة 179
الشفاعة
الأخروية
175
بر ولا فاجر، ولا مؤمن ولا كافر لكن الأسباب كثيرة ربما استدعى توافق عدة منها غير ما يقتضيه بعضها، فارتفاع العقاب هو أثر عدة من الأسباب كالرحمة والمغفرة والحكم
والقضاء، واعطاء كل ذي حق حقه .... وهذا لا يوجب اختلافا في السنة الجارية.
ويُرد بأن على الإنسان أن لا يتعلق بالأسباب، وإنما بمسبب ا الأسباب، وذلك لا يكون إلا باتباع نهجه، والبعد عن معصيته ... على أن مما يوجب وقوع الغضب والنقمة أسباب منها: الفجور، والمعاصي، والنفاق والذنوب والآثام، والإصرار عليها ... كما أن سنة الله تعالى واحدة لا تبديل فيها ولا تغيير وهي تتمثل في قوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سعى) وقوله: ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (30) وهذه بمثابة القاعدة الكلية التي لا تبديل
ولا تغيير فيها.
وأجيب عن الثالث بأن ذلك منه تعالى ليس من تغيير الإرادة والعلم في
شيء، وإنما التغيير في المراد والمعلوم.
وعد
الله
ويُرد بأن المراد والمعلوم لم يتغير إلا عن طريق تغيير الإرادة، على أن تعالى ووعيده في كتابه العزيز لا يمكن أن يتغير البته فما وعد الله به وأوعد لا بد أن يتحقق لا محاله، ولا يجوز أن يعتقد فيه التغيير أو التبديل.
4 - وأجيب عن الرابع: أن الآيات دالة على شمول المغفرة وسعة رحمة الله كقوله تعالى: إن اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء (3)، وهذه الآية في غير مورد التوبة بدليل استثنائه الشرك المغفور بالتوبة.
كما أن تجري الناس على المعصية، وإغرائهم على التمرد إنما يتم بتعيين المجرم
بنفسه، ونعته أو تعيين الذنب الذي تقع فيه الشفاعه.
734 سورة النجم الآيه: 39 735 سورة الأنعام، الآيه: 164 (736 سورة النساء الآيه: 51. (1/179)
صفحة 180
176
الشغلعة،
الأخروية.
ويُرد بأن الله تعالى في هذه الآية لم يطلق المغفرة لما دون الشرك وإنما قيدها بقوله: لمن يشاء على تقدير الرجوع الى المتأخر المذكور وكون ذلك قيدا، فالآية على هذا مجملة تحتاج الى بيان، لأنه لم يفصح فيها من شاء الله تعالى له المغفرة وخير ما يفسر القرآن القرآن، فقد. صرح الله تعالى في كتابه من شاء له المغفرة في قوله: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (737)
كما أن الشفاعة بدون تعيين المجرم أو الذنب أدعى الى تجري الناس على معاصي الله تعالى، لأنها تكون بذلك عامة، تشمل كل الموحدين وفي كل ما يقترفونه من الذنوب والآثام، ومن هنا تمنع عقلا.
ه أجيب عن الدليل الخامس: بأن الآيات لا تنفي مطلق الشفاعة، وإنما بغير اذن الله وارتضائه، وأما الآيات النافيه لمنفعة الشفاعة فهي تثبت الشفاعة ولا تنفيها بل تنفي الإنتفاع عن طائفة خاصة من المجرمين لا عن جميعهم.
ويرد بأن الله تعالى لم يأذن في الشفاعة للظالمين والفاجرين والمنافقين بدليل آيات الكتاب كما سلفا كما أنه لا يرضى إلا عن المتقين، والآيات النافيه لمنفعة
الشفاعة
مر
الشفاعة تنفي
عن طائفة من المجرمين ومنهم من أصر على العصيان، وتثبتها
بالمفهوم لأهل الرضوان.
737) سورة طه، الآية: 82. (1/180)
صفحة 181
الشفاعة الأخروية
177
المبحث الرابع: الرَأْيُّ المُخْتَارِ وَأَدلَتهُ
بعد أن نظرنا إلى أدلة الفريقين من القرآن والسنة والعقل، نجد أن الإستدلالات القرآنية تتمثل في الإعتماد الكلي على التأويل عند الطرفين ... فقد يستدل الفريق الأول بنفس الآية التي استدل بها الفريق الثاني، وإنما الخلاف في تأويلها وتوجيهها، من ذلك موقف الإمام الرازي في آيات الشفاعة فقد نفى الله تعالى الشفاعة عن الظالمين، وقد خصها الرازي وغيره بالمشركين، في حين اعتبرها منكروا الشفاعة عامة تشمل المشركين والعصاة من أهل التوحيد.
ويظهر لي - والله أعلم - أن هذه القضية متصلة إتصالا كبيرا بقضية الوعد والوعيد، والخلود لمرتكبي الكبائر غير التائبين، كما أن لها صلة كبرى بموضوع الإيمان ومعناه وشموليته للعمل الصالح.
فالإباضية والمعتزلة قالوا بإنفاذ وعد الله ووعيده بخلود مرتكب الكبيرة غير التائب منها، كما أن الإيمان عندهم اسم لأفعال القلوب والجوارح والإقرار باللسان فلا يكفي مجرد الإنتساب إلى الإسلام بل لا بد من تغلغل الإيمان في النفس، وتمكنه من الفكر والعقل وسريانه في الجسد والدم، بحيث يظهر في سلوك الإنسان وتصرفاته وأفعاله وأقواله، إذ لكل قول حقيقة ... ولو كان الهدف من كلمة التوحيد هو النطق بها لما حورب الإسلام في كل مكان وزمان، وهذا يظهر جليا في آي القرآن الكريم التي تربط بين الإيمان والعمل الصالح، وفي أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الدالة بأن الإسلام قول وعمل فهو كل لا يتجزأ ... والحقيقة أن آيات النفي في الشفاعة أكثر من آيات الإثبات، فقد ذُكرت الشفاعة ومشتقاتها في القرآن واحد وثلاثون مرة ليس منها للرسول - صلى الله عليه وسلم - استعمال واحد بلفظ صريح، وهي وإن ذكرت فعلا خمس مرات إلا أنها لا تكون إلا للمتقين الأبرار الصادقين الأخيار، المجاهدين والمضحين في سبيل لله لرفع درجاتهم وتعجيل دخولهم الجنة ومسامحة ما صدر من هفواتهم، إذ الكمال لله والعصمة لرسول لله - صلى الله عليه وسلم - وهذا ما دلت عليه نصوص القرآن والسنة، ودل عليه العقل وناسب روح الشريعة الإسلامية التي تدعو دائما – إلى أخذ الحيطة والحذر لا سيما وأننا اليوم في زمن كثرت فيه النظريات (1/181)
صفحة 182
178
الشفاعة الأخروية
والإتجاهات وتعددت فيه المذاهب والفرق ... والكل منها يدعي الصواب وأنه الأولى من غيره، وطريقه هو الطريق الأنزه والأسلم ... وبما أن العقيدة هي الأساس الذي تقوم عليه قواعد وأركان الدين بل الدين كله، لزم أن تظهر في الحياة الإجتماعية والواقع البشري بقوة عزم أصحابها على تطبيق كل أمر من أوامر الله وفرائضه، حتى تتروض هذه النفوس على طاعة لله، وتذعن لحكمه وأمره.
ولذلك يظهر الفرق جليا بين من يعتقد أن من ارتكب كبيرة الزني أو السرقة أو عقوق الوالدين أو الخيانة والكذب ... إلخ مخلد في نار جهنم إن أصر عليها وداوم على فعلها، فهو يجاهد نفسه ويسأل الله أن لا يفكرفي أي كبيرة، فضلا عن أن يقع فيها، ولذلك كان النبي - - يُحذر أصحابه من الوقوع في أي معصية من المعاصي كبيرها وصغيرها، كيف وقد حذر ابنته فاطمة، وعمه العباس، وبني عبد المطلب.
فلا ريب أن من تمسك بهذا المنهج وهذه الطريقة يكون بمأمن من أهواء النفس ونزعات الشيطان، وهكذا كان الرعيل الأول، فحاشا لله أن يكون من أصحاب النبي- من أصر على معصية من المعاصي بل كانوا كما وصفهم الله تعالى: {تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا (38)، و كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (3) ولذلك نشروا الإسلام في فترة وجيزة بأعمالهم وأخلاقهم وسلوكهم وتصرفاتهم قبل أقوالهم.
أما من اعتقد أن من ارتكب كبيرة وأصر عليها وداوم على فعلها، فلم يستطع التخلص من شرها، والهروب من قبضتها فإنه لا بد من أن ينجو من الخلود في النار إما بمحض عفو لله عنه، أو بشفاعة النبي - - أو باستحقاق ما كتبه الله له من العذاب في النار، فهذا عنده ضمان مؤكد بدخوله الجنة بحسب الإحتمالات الثلاث فليفعل ما بوسعه واستطاعته فعله، وإن لم يفعل فثقته كبيرة بالله تعالى ورسوله وإن أصر على معصيتها لأن الجنة مضمونة على كل الإعتبارات ولا خلود إلا للمشرك الكافر .... فشتان – لعمر الحق -
(738) سورة الفتح، الآية: 29. 739 سورة الذاريات الآيه: 18,17 (1/182)
صفحة 183
الشفاعة
الأخروية
(740)
(741)
179
، حيث قال: «لعل المراد بعبارة
بين من يقول لا أقرب هذه المعصية البتة لأن مرتكبها يخلد في نار جهنم، وآخر يعتقد أن مرتكبها له الجنة لا محالة وإن دخل النار فأياما معدودات ... وهذا فهم كثير من المسلمين اليوم، إذ لا تظهر عليهم علامات الإيمان، ولا منارات الإسلام إلا من حيث الإنتساب ... وهذا ما ذكره صاحب المنار عند تفسير قوله تعالى: و ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون) الآية أنهم كانوا يعتقدون أن الإسرائيلي إذا عوقب فإن عقوبته لا تكون إلا قليله، كما هو اعتقاد أكثر المسلمين اليوم، إذ يقولون إن المسلم المرتكب لكبائر الإثم والفواحش إما أن تدركه الشفاعات، وإما أن تنجيه الكفارات وإما أن يمنح العفو والمغفرة بمحض الفضل والإحسان فإن فاته كل ذلك عذب على قدر خطيئته ثم يخرج من النار ويدخل الجنة، وأما المنتسبون إلى سائر الأديان فهم خالدون في النار كيفما كانت حالهم، ومهما كانت أعمالهم ... والقرآن لا يقيم للإنتساب إلى دين ما وزنا، وإنما ينوط أمر النجاة من النار والفوز بالنعيم الدائم في دار القرار بالإيمان الذي وصفه وذكر علامات أهله وصفاتهم، وبالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، مع التقوى وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن ... وأما المغفرة فهي خاصة في حكم القرآن بمن لم تحط به خطيئته، وأما من أحاطت به حتى استغرقت شعوره ورانت على قلبه فصار همه محصورا في إرضاء شهوته، ولم يبق للدين سلطان على نفسه فاولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (7)».
ويقول في موضع آخر: «أما نحن فنقول ما كل ما يسمى إيمانا يعصم. صاحبه من الخلود في النار، الايمان إيمانان إيمان لا يعدو التسليم الإجمالي بالدين الذي نشأ فيه المرء أو نسب إليه ومجاراة أهله، ولو بعدم معارضتهم فيما هم عليه، وإيمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين على يقين بالإيمان متمكنة في العقل بالبرهان مؤثرة في النفس بمقتضى الإذعان حاكمة على الإرادة المصرفة للجوارح في الأعمال، بحيث يكون
740) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 3، ص 367، 368. 741 سورة آل عمران الآيه: 24
742 سورة البقرة الآيه 82 (1/183)
صفحة 184
180
الشفاعة الأخروية
صاحبها خاضعا لسلطانها في كل حال إلا ما لا يخلو عنه الإنسان من غلبة جهالة أو نسيان، وليس الربا من المعاصي التي تنسى، أو تغلب النفس عليها خفة الجهالة والطيش كالحدة وثورة الشهوة، أو يقع صاحبها منها في غمرة النسيان كالغيبة والنظرة، فهذا هو الإيمان الذي يعصم صاحبه بإذن الله من الخلود في سخط الله، ولكنه لا يجتمع مع الإقدام على كبائر الإثم والفواحش عمدا ايثارا لحب المال واللذة على دين الله وما فيه من الحكم والمصالح، وأما الإيمان الأول فهو. صوري فقط، فلا قيمة له عند الله تعالى لأنه تعالى لا ينظر الى الصور والأقوال ولكن ينظر الى القلوب والأعمال كما ورد في الحديث، والشواهد على هذا الذي قررناه في كتاب الله تعالى كثيرة جدا، وهو مذهب السلف الصالح وإن جهله كثير ممن يدعون اتباع السنة، حتى جرأوا الناس على هدم الدين بناء على أن مدار السعادة على الإعتراف بالدين وإن لم يعمل به، حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات مع الإعتراف بأنها من كبائر ما كما بلغنا عن بعض كبرائنا أنه قال: حرم إنني لا أنكر أنني آكل الربا ولكنني مسلم أعترف بأنه حرام، وقد فاته بأنه يلزمه بهذا القول الإعتراف بأنه من أهل هذا الوعيد، وبأنه يرضى أن يكون محاربا لله ولرسوله وظالما لنفسه وللناس، فهل يعترف بالملزوم أم ينكر الوعيد المنصوص فيؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؟ نعوذ بالله من الخذلان (743)
وكان مع
وعليه فأقول: بأن. من اعتقد عدم الشفاعة لمرتكب الكبيرة إن لم يتب أخذ بالأحوط القرآن، إذ لم ترد آية تقول بالعفو لمرتكب المعاصي والجرائم المصر عليها المنتهك لحدود لله وحرماته، بل جاء ما يبين بأن ذلك من دعاوى اليهود التي لم تقم على دليل وبرهان فاعتقدوا أنهم شعب الله المختار، ووصفهم الله بقوله: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلا أَيامَا مَعْدُودَة قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ. بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَة وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتَهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خالدون (44)، ففيه من البيان الصريح بأن مصير كل من ارتكب سيئة وأحاطت به
743) محمد رشيد، تفسير المنار، 4، ج 3، ص 98 - 99 .. 744 سورة البقرة، الآية: 81080 (1/184)
صفحة 185
الشفاعة الأخروية
181
خطيئته لعدم تخلصه منها بالتوبة النصوح أنه خالد في النار مع الخالدين، وهو رد على هذه الدعوى يستأصل أطماع الطامعين في النجاة مع الإصرار على الإثم ... وما أجدر العاقل بأخذ الحيطة وعدم الإغترار بهذه الأماني التي تشبث بها أهل الكتاب، وحذر الله هذه الأمة من التشبث بها كما تشبثوا حيث قال: وليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب
•
من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (45)
يقول ابن كثير: «والمعنى في هذه الآية، أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال انه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان ... أي ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام (246).
فآي القرآن الكريم صريحة على هذا المعنى، وقد اعترف بذلك غير واحد من مثبتي الشفاعة لأهل الكبائر، وأرى أن من أقوى تلك الآيات
:
1 - قوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعِ.
فالجمع في الآية معرف، فيدخل فيه أنواع الظلم المختلفة سواء كان شركا بالله، كقوله تعالى: إن الشرك لظلم عظيم (18)، أو شركا دون ذلك كقوله تعالى: فلا تظلموا فيهن أنفسكم (4)، ويؤكد ذلك ورود كلمة شفيع نكره، وهي في سياق النفي.
2 - قوله تعالى: يا أيها الذين ءامنوا انفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم
لا
بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة (100)، فالخطاب في الآية صريح للمؤمنين، ولئن كانوا
745 سورة النساء، الآية: 123، 124
746) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 1، ص 729.
(747 سورة غافر، الآية: 18.
748 سورة لقمان، الآية: 13
749 سورة التوبة، الآية: 36. 750 سورة البقرة الآية: 254. (1/185)
صفحة 186
182
الشفاعة
الأخروية
يرجون الشفاعة مع وقوعهم في المعصية من غير توبة، فما هي الفائدة من هذا التحذير؟ وما هي الشفاعة المنفية في الآية؟ هل هي للمشركين أو اليهود رغم أن الآية تتحدث عن المؤمنين وتخاطبهم.
- إن الله تعالى قد بين الذين لا ينالون عفوه ورحمته بسبب تأخيرهم التوبة في قوله تعالى: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا اليما (20)، فيظهر من النص الكريم أن أولئك هم أصحاب الكبائر من الموحدين، والكافرين من المشركين، وعلى هؤلاء يجب أن يحمل قوله تعالى: فما تنفعهم شفاعة الشافعين. فما لهم عن التذكرة
معرضين (202)
- حرم
الله تعالى الشفاعة في الحدود، وجعلها من الشفاعة السيئة، عندما قال سبحانه: ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا (0) فكيف يجوز للنبي – صلى الله عليه وسلم – أن يشفع للمجرمين والخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، وأشد هؤلاء من استرعاه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه، أو ولى عليها من ليس كفؤا فنهب مالها، وهتك حرمتها وأفسد في الارض، ومنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وكيف ينسب للنبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاعة لأهل الكبائر، وهو أشد الناس غيره على حدود الله، وأبغضهم لأعداء الله، وقد أسامة بن زيد – رضي الله عنه
تلون وجهه غضبا عندما جاءه حبه
-
متشفعا للمرأة
المخزومية التي سرقت، وقال له مستنكرا وموبخا: «أتشفع في حد من حدود الله» ثم قال للناس: «إنما أهلك من كان قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا سرق فيهم
الضعيف أقاموا عليه الحد».
751 سورة النساء، الآية: 17. 752 سورة المدثر، الآية: 4948.
753 سورة النساء، الآبة: 85. (1/186)
صفحة 187
الشفاعة الأخروية
183
ثم أعلنها نبي الحق - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يخشى في الله لومة لائم ولا يحابي أحدا على حساب المبدأ ولا يجامل عند إقامة الأحكام «وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها (704) فهل يمكن أن تتبدل هذه القاعدة مع أنها من أمهات القواعد التي لا نسخ
فيها، بل يتفق العقلاء عليها.
ه - قوله تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه
(755)
ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (0) أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن يحذر أصحابه المؤمنين الخائفين الخاشعين من أن يتكلوا على الأماني أو على مجرد الصحبه، فإذا كان الله تعالى ينفي عن هؤلاء الشفيع، فكيف بغيرهم؟ ثم بين سبحانه أنه رحيم بعباده إن ارتكب أحدهم جرما، أو اقترف إثما بشرط أن يتوب إلى الله عز وجل، فهؤلاء الذين يستحقون تلك الرحمة دون أولئك المصرين الظالمين لأنفسهم، إذ يقول سبحانه: واذا جاءك الذين يؤمنون بأياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فانه غفور رحيم (70).
(756)
وهذا هو الفرق بين المجرمين والمؤمنين (757) حيث يقول سبحانه – بعد هذه الآية- وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (708).
وقد تشبث البعض بروايات يمكن الرد -عليها- كما تبين بالآتي:
- بأنها أحادية لم يثبت تواترها، وإن ادعاه من ادعى إذ لابد من الدليل والبرهان
في اثبات التواتر.
كثير من تلك الروايات تحمل على شفاعة النبي - - للمؤمنين برفع درجاتهم.
وإراحتهم من هول القيامة بدخول الجنة ومعرفة منازلهم كما قاله غير واحد من المحققين.
754) رواه البخاري في كتاب الحدود باب 12، رقم 6406، ومسلم في كتاب الحدود، باب 13، رقم 8.
755) سورة الأنعام، الآيه: 51 (756 سورة الانعام، الآية: 54.
757 عبدالله بن سعيد المعمري، جزاء العمل في القرآن، رسالة ماجستير
(758 سورة الانعام، الآية: 55.
" (1/187)
صفحة 188
184
الشفاعة الأخروية
- مخالفة تلك الروايات القاضية بخروج أهل النار منها لنصوص القرآن الكريم القاضية بخلودهم فيها كقوله تعالى في أكلة الربا المصرين على هذه المعصية ... فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ولا يمكن أن يُحمل هذا الوعيد لأكلة محمد (759) الربا على الإستحلال، لأن ذلك يُهون من وقع أوامر الله ونواهيه في نفوس العباد، ويقلل من أهمية حكم الحرمة في المحظورات، على أن سياق ما قبل وما بعد هذه الآية إنما هو خطر الربا وتغليظ أمره على الناس، وليس ذكر ما يقوله مستحلوه مخرجا لهذا الوعيد عما يقتضيه السياق، وإلا لما كانت فائدة في شيء مما ذكر قبلها أو بعدها ... وكقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (760)
(V 1.),
وقوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه
(V 71)
(vir)
ولعنه وأعدله عذابا عظيما (6) وكقوله تعالى: ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا (62) وكقوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين (63)، فلا يقال بأن هذا الوعيد ينصرف على المعصية الكبرى وهي الإشراك بالله، لأن الكل يعلم بأن الإصرار على الكبيرة معصية لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - كما أن ورود الحكم العام في بعض أفراد مدلولاته لا يخصص عمومه، وكما توعد الله المشركين بهذا الجزاء فإنه توعد سائر أصحاب الكبائر به في نصوص أخرى كما سبق بيانه. وكقوله تعالى: وفريق في الجنة وفريق في السعير (764) فلم يذكر فريقا ثالثا يجمع بين النار والجنة، والمسألة جد خطيرة تتعلق بمآل الإنسان ومصيره، وما تثمره في واقعه البشري وحياته اليوميه وعلاقاته الإجتماعية ... كما أن تلك الروايات الناصة بخروج مرتكبي المعاصي والذنوب من النار، تخالفها وتعارضها روايات أخرى تقضي بخلودهم في نار جهنم إن لم يتوبوا عن غيهم ويثوبوا الى رشدهم
759 سورة البقرة، الآية: 275
760 سورة النساء، الآية: 14.
761 سورة النساء، الآية: 93.
762 سورة الجن، الآية: 23.
763 سورة الانفطار، الآية: 13 - 16.
764 سورة الشورى، الآية: 7. (1/188)
صفحة 189
الشفاعة الأخروية
110
منها قوله - -
حرم
(765)
: «لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر» وفي رواية: «ثلاثة قد
الله عليهم الجنة، مدمن الخمر والعاق لوالديه والديوث، وهو الذي يقر السوء في
(767)
أهله (266) كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من شرب الخمر في الدنيا يحرمها في الآخرة (7) وهو كناية عن حرمانه من دخول الجنة، لأن أهل الجنة لهم فيها ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم فلا يحرمون من شيء، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة قتات» (6)، وقال النبي - -: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام (6)، والروايات في ذلك كثيرة، تارة تدل على الخلود بالنص عليه، وتارة بالجمع بينه وبين التأبيد، وأخرى بالتوعد بحرمان الجنة أو حرمان شم ريحها، ومحصلها واحد وإن اختلفت ألفاظها، فإن حرمان الجنة ينافي دخولها في أي وقت من الأوقات، كما أن نفي دخولها يعم جميع الأزمنة (7)، فكيف يمكن الجمع بين هذه الأحاديث الشريفة الدالة دلالة صريحة على خلود مرتكب الكبيرة المصر عليها غير التائب منها المداوم على فعلها ... والأحاديث الأخرى الدالة على شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم – إلا بحمل الأخيرة على الشفاعة التي هي بمعنى تخفيف هول يوم القيامة ودخول الجنة ورفع الدرجات إذ إن هذا النوع من الشفاعة ثابت عند الجميع ... أما ما ورد من أحاديث تنص على خروج مرتكب الكبيرة من النار فهي أحادية، ومعارضة بروايات أقوى منها تثبت الخلود لمن لم يتب، كما وأنها معارضة بنصوص القرآن كما تقدم.
أما الآيات التي تثبت الشفاعة بإذنه ورضاه، فهي نصوص صريحة تدل على نفي الشفاعة لأهل الكبائر بدلالة آيات النفي الأخرى، كما أن الإستثناء بالإذن والمشيئة معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للإشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته كقوله
(765) أخرجه البيهقي في شعب للايمان، باب في المطاعم والمشارب، رقم الحديث (5594)، ج 5،ص 12. 766) ذكره الهيثمي في المجمع فيمن يرضى لأهله بالخبث، ج 4، ص 327. ثم قال: سرواه أحمد وفيه راو لم يسم وبقية رجاله ثقاتز. 767) أخرجه البخاري، كتاب الأشربه (74)، باب قول الله تعالى: سإنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام .... (1)، برقم (5575).
ص 990
768) أخرجه البخاري في كتاب الأدب (78)، باب ما يكره من النميمه (50)، رقم الحديث (6056)، ص 1057. 769) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (64)، باب غزوة الطائف (57)، رقم الحديث (4325)،ص 732. 770) الخليلي، الحق الدامغ، ص 224 - 225. (1/189)
صفحة 190
186
الشفاعة الأخروية
تعالى: سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله) وقوله في أهل الجنة والنار: خالدين
محمد (772)
فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك (2) فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث باثباتها في معناها الصحيح، وهذا ما أثبته صاحب المنار في تفسيره (72) .... أما قوله تعالى: لمن ارتضى فقد بالغ الفخر الرازي في تأويلها عندما اعتبر أن مرتكب الكبيرة المصر عليها المداوم على فعلها الذي مات مصرا عليها هو مرتضى عند الله تعالى على أساس أنه تلفظ بكلمة الايمان - كما سبق بيانه - ولعمر الحق إذا كان مرتكب الكبيرة مرتضى عند الله فما الحكمة من تحريمها؟ ولماذا
التشديد على الناس في أمور حياتهم فليفعلوا ما بدى لهم، لأنهم مرتضون عند الله، بفضل الإنتساب إلى هذا الدين، وبركة شفاعة النبي الكريم للعاصي اللئيم.
يقول العلامة الخليلي (24) في بيان عدم جدوى الشفاعات، وأن الإنسان محاسب بعمله لا بعمل غيره: «وهذه كلية من كليات العقيدة الاسلامية الحقه جاء بها القرآن في آيات متعددة ليثنت أن الانسان يومئذ رهين عمله ولن يجني إلا ما زرع، وهو بذلك يقطع حبال الآمال على الكسالى الذين يمنون أنفسهم الجني من غير غرس، والراحة من غير نصب، فيعطون أنفسهم هواها، فلا يصدونها عن حرمة ولا يكلفونها واجبا، آملين السعادة بشفاعة الشافعين بمجرد الإنتماء إلى الدين وإن لم يكن لهم شيء مما يصدقه مما يعملون وعقيدة الإسلام التي جاء بها القرآن والسنة الصحيحة الثابتة، إنما تقوم على استقلال كل فرد في التكليف فلا ينفع فاسدا صلاح غيره، كما لا يضر صالحا فساد سواه، ومن هنا كان كل أحد مطالبا بإصلاح نفسه وتقويم انحرافها، وحملها على الخير والنأي بها عن الشر، وإلا فلا يلومن غيره فإنه هو الذي جنى عليها، وبمجرد نظرة يلقيها اللبيب على آي القرآن الكريم يجد هذه الكلية الإعتقادية السليمة جلية بارزة، ومن أمثلة الآيات التي جاءت بها قوله تعالى و ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به
(771) سورة الأعلى، الآية: 7 (772) سورة هود، الآية: 11.
(773) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 1، ص 307. 774) الخليلي جواهر التفسير، ج 3، مكتبة الاستقامة، ص 260,259. (1/190)
صفحة 191
الشفاعة
الأخروية
187
ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (0) وهذا خطاب لهذه الأمة، والسوء على إطلاقه فإنه نكرة في معرض الشرط، وقوله سبحانه من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (37)، وقوله: ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى
<<
(777)
إلا مثلها).
(775 سورة النساء الآيه: 123
(776 سورة النمل الآيه: 90 (777) سورة الأنعام الآيه: 160. (1/191)
صفحة 192
188
الخاتمة
الشفاعة الأخروية
أحمدك اللهم على ما أوليت، وأشكرك على ما هديت، فلك الحمد، أولا وآخرا، ولك الشكر على الدوام، لا التجاء إلا لكنفك، ولا راحة إلا بالخضوع لك.
في نهاية بحث هذا الموضوع ومن خلال المصادر والمراجع، تظهر لنا النتائج التاليه:
- الشفاعة لغة تأتي بمعنى الطلب والسؤال والضم والزيادة والإعانة والوسيلة، وكلها معان مترادفة تقريبا لتتفق مع المعنى الإصطلاحي المتمثل في زيادة المنافع واسقاط المضار، أو زيادة المنافع دون إسقاط المضار عند البعض.
- لابد للشفاعة من عناصر كالمُشَفِع «المطلوب منه»، والمُشَفَع «الشافع أو الشفيع» والمشفع فيه «الطالب الأول»، والمشفع من أجله «الشيء المطلوب
«
للشفاعة أنواع متعددة، منها ما ثبت بالقرآن ومنها ما ثبت بالسنة، فالأول: كشفاعة الملائكة، والثاني: كالشفاعة المتعلقة بالعبادات مثل شفاعة الصيام والقرآن، وشفاعة كثرة السجود والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعل المعروف، وهناك شفاعة الأشخاص كشفاعة الأنبياء، والشهداء والصديقين والعلماء، وعلى الرغم مما قيل من ضعف بعض الأحاديث الدالة على هذه الأنواع، إلا أن ذلك لا يؤثر فيها إذا ما فهم أن المقصود منها العمل الصالح المتمثل في القرآن والصيام والصلاة وفعل المعروف ....... إلخ، لا التواكل والإغترار بالأماني والتعلق بالأوهام.
- للشفاعة حكم كثيرة، كالحاجة الى رحمة الله تعالى مهما بلغ الإنسان من التقوى والعمل إذ لا يدخل الجنة إلا برحمة الله والشفاعة، وكالحكم التربوية والسلوكية، أما أثر الشفاعة فتتمثل في إسقاط العقاب أو زيادة الثواب بحسب الخلاف الوارد في ذلك، بين من أطلق الشفاعة لسائر الموحدين، ومن قيدها للتائبين.
- ثبتت الشفاعة بالقرآن والسنة، أما القرآن فهناك آيات صريحة تدل عليها، منها ما يفيد النفي، ومنها ما يفيد الإثبات، حيث يوجه النفي في الشفاعة، إلى الشفاعة غير (1/192)
صفحة 193
الشجاعة الأخروية
189
المأذون فيها أو إلى الكفار والمشركين، ويرى البعض أنها توجه – بالإضافة لذلك – إلى العصاة من الموحدين الذين ماتوا مصرين على كبائر الذنوب والمعاصي، بينما يوجه الإثبات إلى الشفاعة العامة المتفق عليها، ويرى البعض أنها توجه-بالاضافة لذلك-الى الموحدين من عصاة الأمة الذين يدينون بالوحدانية لله، إلا أن آيات نفي الشفاعة أكثر بكثير من آيات الاثبات، وكثيرا ما تأتي في سياق التحذير من الإغترار بالأماني، والحث على العمل الصالح.
أما الأحاديث فهي كثيرة، ولذلك أثبت كثير من العلماء تواترها تواترا معنويا، أما التواتر اللفظي فأرى أنه عزيز، كما أن الآيات صريحة في ثبوت الشفاعة بعمومها، وهذا ما قاله الجمهور، أما الشفاعة لعصاة الموحدين فقد اختلف فيه بين موافق ومخالف، ولكل دليله من القرآن والسنة والعقل ومناقشاته، وقد ظهر لي من خلال هذه الدراسة ضعف أحاديث هذا النوع من الشفاعة، فلا يصلح للإستدلال به، وقد أدرك هذا كثير من العلماء إلا انه جعل تلك الأحاديث من باب المتابعات والشواهد لما ثبت أصلا من خروج الموحدين من النار، إلا أن هذا الأصل غير ثابت عند الكثير من الفرق، وقد يقال بأن تلك الطرق الضعيفة في أحاديث الشفاعة للمصرين على الكبائر تصل بالحديث الى مرتبة الحسن لغيره، ويرد بأن الحديث الحسن لغيره إما أن يؤول ليتفق مع نصوص القرآن والسنة الصحيحة، وإما أن يرفض إذا عارضهما ولم يمكن الجمع بينهما بحال من الأحوال.
من الشفاعة المختلف فيها الشفاعة لتخفيف العذاب عن بعض الكفار، وهذه الشفاعة خاصة لأبي طالب، ويطلق عليها شفاعة تجاوزا، لأنها في الحقيقة تخفيف من دفاعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم – إذ يظل أبو طالب في النار، كغيره من الكفار، بل
العذاب، بسبب
لا يرى أن في ذلك تخفيفا له. (1/193)
صفحة 194
190
الشماعة الأخروية
-1
قائمة المصادر والمراجع
إبراهيم البيجوري (ت: 1277 هـ - 1860 م)، شرح البيجوري على الجوهرة، القسم الثاني، دار ومطابع الشعب، 1385 هـ – 1965
2 - أبو بكر. محمد الطيب الباقلاني (ت: 403 هـ – 1012 م)، الانصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، تحقيق محمد زاهد الكوثري، مؤسسة الخاجي للطباعة 1382 هـ - 1963 م.
، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، تحقيق الشيخ
عماد الدين أحمد حيدر، الطبعة الثالثة، مؤسسة الكتب الثقافية، 1414 هـ - 1993 م أحمد بن أحمد العيسوي، أبو عبدالله، الأحاديث القدسية الضعيفة والموضوعة الطبعة الأولى، دار الصحابة للتراث، طنطا، 1413 هـ - 1993 م.
أحمد بن أبي بكر البوصيري (840 هـ)، مصباح الزجاجة، تحقيق موسى محمد علي، وعزت علي عطية، مطبعة حسان، دار الكتب الاسلامية، القاهرة.
أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت: 458 هـ - 1065 م)، السنن الكبرى: تحقيق محمد عبد القادر عطا، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1414
هـ - 1994 م.
،
شعب الايمان تحقيق محمد السعيد بن
بسيوني زغلول، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1410 هـ - 1990
"
م.
البعث والنشور، تحقيق عامر أحمد حيدر
الطبعة الأولى، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية.
.. الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة
والجماعة، دار الكتب العلمية، بيروت،1406 هـ - 1986 م.
10 - أحمد بن حمد الخليلي، الحق الدامغ، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة
-11
عمان، السيب، الطبعة الثانية، 1412 هـ – 1992
م
جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل،
مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان. (1/194)
صفحة 195
الشفاعة الأخروية
191
12 - أحمد بن عبد الحليم إبن تيميه، (ت: 728 هـ - 1323 م)، كتاب الايمان، تحقيق الزبيدي، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 1411 هـ - 1993 م.
13
محمد
تيميه، الطبعة الأولى، مطابع الرياض.
، مجموع فتاوي شيخ الاسلام أحمد إبن
14 - أحمد بن عبدالله بن عدي الجرجاني، الكامل في ضعفاء الرجال، الطبعة الثالثة،
دار الفكر للطباعة والنشر.
15 - أحمد بن حجر العسقلاني (852 هـ - 1448 م)، تهذيب التهذيب، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.
16 - أحمد بن علي المثنى التميمي (307 هـ)، مسند أبي يعلى الموصلي، تحقيق حسين سليم أسد، الطبعة الأولى، دار المأمون للتراث، دمشق،1406 هـ - 1986 م.
17 - أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي (671 هـ - 1271 م)، المفهم لما أشكل من تلخيص کتاب مسلم، الطبعة الأولى، دار ابن كثير، دمشق، دار الكلم الطيب،1417 هـ - 1996 م.
18 - أحمد بن المنير الأسكندري (683 هـ)، حاشية الانتصاف على الكشاف، دار الريان للتراث. 19 - أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين ابن فارس، (ت: 395 هـ - 1004 م)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام. محمد هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
20 - أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خالكان (681 هـ - 1282 م) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس دار الثقافة بـ بيروت.
21 - أحمد مصطفى المراغي، تفسير المراغي، الطبعة الأولى، دار الكتب العلميه، بيروت، منشورات محمد علي،1418 هـ - 1998 م.
22 - أحمد بن محمد القسطلاني، ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري، الطبعة الأولى،
دار الكتب العمية، بيروت.
«معجم
23 - أحمد بن يوسف الحلبي (ت: 756 هـ)، عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ. لألفاظ القرآن الكريم، تحقيق الدكتور محمد التونجي، عالم الكتب، بيروت.
لغوي (1/195)
صفحة 196
192
الشيطاعة الأخروية
24 - إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر (ت: 393 هـ)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق الدكتور إميل بديع يعقوب، والدكتور محمد نبيل طريفي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
25 - إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (701 هـ-1373 م)،تفسير القرآن العظيم، تحقيق سامي محمد السلامه، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، 51420
1999 م. 26 - أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، أبو البقاء (ت: 1094 هـ - 1683 م)، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، قابلة على نسخة خطية وأعده للطبع ووضع فهارسه الدكتور عدنان درويش، ومحمد المصري، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق، 1974 م، القسم الثالث. م،
27 - جعفر السبحاني، الالهيات على هدي الكتاب والسنة والعقل، بقلم حسن محمد العاملي، الطبعة الثانية، الدار الاسلامية.
28 - جمعية التراث، معجم أعلام الاباضية من القرن الواحد الهجري إلى الخامس عشر، الطبعة الأولى، قسم المغرب، المطبعة العربية، غرداية.
م.
29 - جميل بن خميس السعدي (ت ق 13 هـ - 19 م)، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعه، وزارة التراث القومي، سلطنة عمان، 1403 هـ - 1983 30 - الحارث بن أسد، المحاسبي (ت: 243 هـ - 857 م)، التوبة، تحقيق عبد القادر أحمد عطا، دار الفضيلة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1991 م.
31 - حافظ بن أحمد مكي، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى الأصول في التوحيد، دار الكتب العلمية، بيروت.
32 - الحسين بن محمد أبو القاسم، الراغب الأصفهاني (ت: 502 هـ - 1108)، المفردات في غريب القرآن، تحقيق محمد سيد كيلاني، مطبعة البابي الحلبي واولاده بمصر، 1381 هـ - 1961 م.
33 - الخليل بن أحمد أبو عبد الرحمن الفراهيدي (ت: 175 هـ)، كتاب العين، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، وزارة الثقافة والاعلام، الجمهورية العراقية، 1980 م، دار الرشيد للنشر، سلسلة المعاجم والفهارس. (1/196)
صفحة 197
الشفاعة
الأخروية
193
34 - خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي (ق 11 هـ - 17 م) منهج الطالبين، وبلاغ الراغبين تحقيق سالم بن حمد الحارثي، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 51411 - 1991 م.
35 - خير الدين الزركلي (51396 - 1976 م)، الأعلام قاموس ترجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستغربين والمستشرقين، دار العلم للملايين، الطبعة
العاشرة، بيروت، لبنان، 1992 م.
-36
الطبعة الثانية، مطبعة كوستا توماس وشركائه، 1374 هـ -
1955 م.
37 - الربيع بن حبيب الأزدي (ت: مابين 175 هـ - 1085 م،791 هـ - 801 م)، الجامع الصحيح مسند الامام الربيع بن حبيب راجعه وقدم له: عاشور بن يوسف، دار الحكمة، دمشق، الطبعة الأولى، 1415 هـ - 19 م.
38 - سعيد حوى، الأساس في التفسير، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،، 1405 هـ - 1985
م.
39 - سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي (ت: 1288 هـ - 1871 م)، مسائل الأحكام والأديان، وزارة التراث القومي، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 1407 هـ - 1986 م.
40 - سعيد بن مبروك القنوبي، الامام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده، مكتبة الضامري:، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 1416 هـ - 1995 م
41 - سليمان بن أحمد الطبراني (360 هـ)، المعجم الأوسط، تحقيق طارق عوض الله بن محمد، وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين للطباعة والنشر، القاهرة، 1416 هـ - 1995 م.
42 - سميره فرحات «دكتوره»، معجم الباقلاني في كتبه الثلاث (التمهيد، والانصاف، والبيان)، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1411
هـ - 1991
م.
43 - سيد قطب (ت: 1387 هـ - 1966 م)، في ظلال القرآن، الطبعة السابعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1391 هـ – 1971 م. (1/197)
صفحة 198
194
الشفاعة
الأخروية
44 - سيف بن حمود البطاشي، إتحاف الاعيان في تاريخ بعض علماء عمان، الطبعة الأولى، سلطنة عمان، 1413 هـ – 1992 م.
45 - الطاهر بن عاشور (ت: 1393 هـ - 1973 م)، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، الطبعة الثانية، 1404 5 - 1984 م.
46 - عبد الجبار بن أحمد الهمداني، القاضي (ت: 405 هـ - 1014 م)، شرح الأصول الخمسة، مكتبة وهبه، القاهرة، الطبعة الثانية، 1408 هـ - 1988 م.
-47
- EA
، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد
سيد، الطبعة الأولى، الدار التونسية للنشر.
، متشابه القرآن، تحقيق الدكتور عدنان محمد
زرزور دار التراث القاهرة
49 - عبد الجليل بن موسى الأندلسي، أبو محمد القصري، شعب الايمان، الطبعة الاولى، دار الكتب العلميه، 1416 هـ - 1995 م.
50 - عبد الرحيم بن الحسن العراقي (ت: 806 هـ)، المغني عن حمل الأسفار، الطبعة الأولى، مكتبة دار، طبري، الرياض، 1415 هـ - 1995 م.
100
عبد العزيز المحمد السلمان الأسئلة والأجوبه الأصولية على العقيدة الواسطيه، الطبعة الرابعة، 1391 هـ - 1971 م.
52 - عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (656 هـ)، الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الثالثة، دار الفكر للطباعة
والنشر، 1399 هـ
53
، الترغيب والترهيب من الحديث الشريف
تحقيق مصطفى محمد عماره الطبعة الثانيه مكتبة ومطبعة مصطفى
البابي، 1373 هـ - 1954 م.
54 - عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي (429 هـ - 1037 م)، الفرق بين الفرق، وبيان
الفرقة الناجيه منهم تحقيق، محمد عثمان الخشت، مكتبة ابن سينا القاهرة. (1/198)
صفحة 199
الشفاعة الأخروية
195
50 - عبد الكافي أبو عمار (ت: 600 هـ - 1203 م)، الموجز، تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار
الجيل بيروت.
56 - علي بن عبد الكافي، تقي الدين السبكي (756 هـ - 1369 م)،شفاء السقام في زيارة الأنام لجنة التراث العربي، بيروت.
خير
57 - عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي مدارك التنزيل وحقائق التأويل، الطبعة الأولى، دار الكلم الطيب، 1419 هـ - 19989.
58 - عبدالله بن حميد السالمي (ت: 1332 هـ - 1914 م)، تحفة الأعيان، المطابع
-
-7.
الذهبية، مسقط.
مشارق أنوار العقول، تحقيق عبد المنعم
العاني، وتعليق سماحة مفتي سلطنة عمان، دار الحكمة، 1416 هـ - 1995 م.
.. جوهر النظام في علمي الأحكام والأديان،
علق عليه أبو إسحاق اطفيش، وابراهيم العبري، المطابع الذهبيه، روي، سلطنة عمان، الطبعة الثانية عشر، 1413 هـ - 1993 م.
61 - عبد الملك الجويني، أبو المعالي (ت: 478 هـ - 1085 م)، كتاب الارشاد الى الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق تميم، الطبعة الأولى، مؤسسة الكتب
قواطع
الثقافية، 1405 هـ - 1985 م.
62 - العز بن عبد السلام، أبو محمد السلمي (ت: 660 هـ - 1261 م)، قواعد الاحكام في مصالح الأنام، دار المعرفة، بيروت.
63 - علي بن أبي بكر الهيثمي (ت: 307 هـ)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، مكتبة القدسي، القاهرة، درب. سعاده.
موارد الظمآن الى زوائد ابن حبان، تحقيق
حسن سليم الداراني، وعبده علي كوشك، الطبعة الأولى، دار الثقافة العربية،
-
دمشق، 1412 هـ – 1992 م.
65 عمر بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (ت: 287 هـ)، كتاب السنه، الطبعة الأولى، المكتب الاسلامي، دمشق، 1400 هـ. . - 1980 م. (1/199)
صفحة 200
196
66 - علي بن أحمد أبو.
محمد
الشفاعة الأخروية
الظاهري، ابن حزم (456) هـ - 1063 م)، الفصل في
الملل والاهواء والنحل، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم نصر، والدكتور عبد الرحمن
عميره، دار الجيل، بيروت.
67 - علي بن اسماعيل أبو الحسن، الأشعري (ت: 324 هـ - 935 م)، مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة
العصرية بيروت، الطبعة الأولى، 1411 هـ -
1990 م.
ومعه
68 - علي بن سلطان محمد القاريء، منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر،. التعليق الميسر على شرح الفقه الأكبر لوهبي سليمان غاوجي، الطبعة الأولى، دار
البشائر الاسلامي، بيروت، 1419 هـ - 1980 م. 69 - علي محمد جماز «دكتور»، مسند الشاميين من مسند الامام أحمد بن حنبل، الطبعة الأولى، دار الثقافة، الدوحة، قطر، 1410 هـ - 1990 م.
-
70 - علي محمد الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق محمود محمد الكناجي الزاوي، وظاهر أحمد الزاوي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان،
مادة شفع. 71 - علي بن محمد بن علي الحسيني أبو الحسن الجرجاني الحنفي (ت: 316 هـ – 1413 م)، التعريفات، منشورات محمد علي بيضون، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، وضع فهارسه محمد باسل لحسن علي بن محمد بن علي الحسيني الجرجاني الحنفي (ت: 816 هـ - 1413 م)، بيروت، لبنان، (1420 هـ - 2000 م).
72 - عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، إكمال المعلم بفوائد مسلم، دار الوفاء للطباعة والنشر، الطبعة الأولى،
73
الكتب العلمية، بيروت.
، مصر.
، شرح الشفا، شرحه الملا علي القاريء، دار
74 - فاروق الدسوقي، اشفاعة، سلسلة كتب التصوف الاسلامي، الكتاب السابع عشر، الشفاعة الاسلامية وبيان خطورة الشفاعة الشركية.
أدلة وجوب
75 - فرحات الجعبيري «دكتور»، البعد الحضاري للعقيدة الاباضية، مطبعة الألوان الحديثة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 1401 هـ - 1989 م. (1/200)
صفحة 201
الشفاعة الأخروية
197
76 - الفضل بن الحسن الطبرسي) من علماء القرن السادس)، مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت.
77 القاسم بن محمد بن علي الزيدي، المنصور بالله) ت: 1029 هـ – 1620 م)، الأساس لعقائد الأكياس، تحقيق الدكتور ألبير نصري نادر، الطبعة الأولى، دار
الطليعة للطباعة والنشر.
78 - قحطان الدوري «دكتور»، الشورى بين النظرية والتطبيق، مطبعة الأمة، بغداد،
الطبعة الأولى، 1394 هـ –
1974
م.
79 - قحطان الدوري، ورشدي محمد عليان، أصول الدين الاسلامي، دار الفكر، عمان،
-^•
الطبعة الأولى.
، صفوة الاحكام من نيل الأوطار وسبل
السلام، دار الفرقان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى.
1 - مجموعة مؤلفين، دليل أعلام عمان، المطابع العالميه، الطبعة الأولى سلطنة عمان،
1412 هـ - 1991 م.
82 - الامام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (ت: 666 هـ)، مختار الصحاح، خالد توفيق، مكتبة الآداب، القاهرة.
تحقيق يحي.
83 - محمد بن أحمد الذهبي (ت: 748 هـ - 1348 م)، الكبائر، تحقيق سيد ابراهيم الطبعة الأولى، دار الحديث، القاهرة، 1411 هـ - 1991 م.
-^?
، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق
علي بن محمد البيجاوي، دار الفكر العربي.
85 - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني (ت: 1188 هـ - 1774 م)، لوائح الأنوار السينية ولواقح الأفكار السنية، تحقيق عبدالله محمد البصري، الطبعة الأولى،
مكتبة الرشيد بالرياض، 1415 هـ - 1994 م.
86 - محمد بن أحمد بن عبد الهادي، الصارم المنكي في الرد على السبكي، مطبعة
الامام، مصر قرقول الملشيه. (1/201)
صفحة 202
198
الشفاعة الأخروية
87 - محمد بن أحمد القرطبي (ت: 671 ه – 1271 م)، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، تحقيق عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، الطبعة الأولى.
-^^
، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتاب العربي.
محمد بن اسحاق بن خزيمة (311 هـ)، كتاب التوحيد واثبات صفات الرب عز وجل، تحقيق الدكتور عبد العزيز ابراهيم الشهوان، الطبعة السادسة، مكتبة الرشد الرياض، 1418 هـ - 1997 م.
90 - محمد بن اسماعيل البخاري (256 هـ)، صحيح البخاري، الطبعة الثانية، دار السلام، الرياض دار الفيحاء، دمشق، 1419 هـ - 1999 م
91 - محمد
92
الألباني، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل المكتب الاسلامي، الطبعة الثانية، بيروت، 1405 هـ - 1985 م.
، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة، الطبعة الأولى مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، 1417 هـ - 1996 م.
93 - محمد بن جرير الطبري (ت: 310 هـ - 922 م)، جامع البيان في تأويل القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت.
94 - محمد بن جعفر الكتاني، نظم المتناثر من الحديث المتواتر، دار الكتب السلفية للطباعة والنشر، مصر.
95 - محمد بن جواد مغنية، التفسير الكاشف، الطبعة الأولى، دار العلم للملايين، بيروت. 96 - محمد بن حبان، أبو حاتم) ت: 354 هـ - 965 م)، الاحسان في تقريب صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1408 هـ - 1988
م.
97 - محمد الحسن العاملي (ت: 814 هـ - 1411 م)، الموازين مختصر تنبيه الغافلين، جمع وترتيب: رجائي بن محمد المكي الفاروق الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى، 1409 هـ - 1989 م.
98 - محمد بن الحسن الطوسي) ت: 460 هـ - 1067، الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد، مطبعة الآداب في النجف الأشرف، منشورات جمعية منتدى النشر،
1399 هـ - 1979
م. (1/202)
صفحة 203
الشفاعة
ة الأخروية
199
99 - محمد حسين الطباطبائي (ت: 1401 هـ - 1981 م)، الميزان في تفسير القرآن، الطبعة الثالثة، الأعلى للمطبوعات، بيروت، 1397 هـ – 1973 م.
100 - محمد ربيع جوهري، عقيدتنا، دار الطباعة المحمدية، الطبعة الأولى، 1405 هـ
1985 -
م.
101 - محمد رشيد رضا (ت: 1354 هـ – 1935 م)، تفسير القرآن العظيم المشهور بتفسير المنار، دار الكتب العلمية، بيروت.
102 - محمد زكي الدين محمد، أبو القاسم، جامع البيان لما اتفق عليه الشيخان، الطبعة الأولى، دار الصفوة للطباعة، 1412 هـ - 1991 م.
103 - محمد بن سعيد الكدمي (ت ق 4 هـ - ق 11 م)، المعتبر، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 1405 5 - 1984 م.
?1·8
سلطنة عمان.
، الاستقامة، وزارة التراث القومي والثقافة،
105 - محمد سلامه القضاعي (ت: 454 هـ)، مسند الشهاب، تحقيق حمدي عبد المحسن السلفي، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة،، بيروت، 1405 هـ - 1985
?
106 - محمد بن السيد درويش الشهير بالحوت البيروني، اسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب، طبع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1346 هـ
107 - محمد شمس الحق العظيم أبادي، عون المعبود شرح سنن أبي داود، مع شرح ابن القيم، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، الطبعة الثالثة، دار الفكر، بيروت، 1399 هـ - - 1979 م. 108 - محمد الصالح العثيمين، شرح العقيدة الواسطية، لشيخ الاسلام ابن تيميه، الطبعة الثانية، 1415 هـ، دار ابن الجوزي.
109 - محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، الطبعة الثانية، مكتبة ابن تيميه، القاهرة، 1385 هـ – 1965
م.
1100 - محمد عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. (1/203)
صفحة 204
الشفاعة الأخروية
111 - محمد بن عبدالله السالمي، نهضة الأعيان، دار الكتاب العربي، القاهرة. 112 - محمد بن عبدالله المعروف بالحاكم النيسابوري (ت: 405 هـ)، المستدرك على الصحيحين، مكتبة ومطابع النصر الحديثة، الرياض.
113 - محمد بن عثمان شمس الدين، الذهبي (ت: 748 هـ - 1348 م)، تذكرة الحفاظ، الطبعة الثالثة، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، بحيدر أباد، الدكن، الهند،
1376 هـ - 1956
م.
114 - محمد بن علاء الدين ابن أبي العز الحنفي (ت: 792 هـ - 1389 م)، تهذيب شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق عبد المنعم مصطفى حليمه، الطبعة الأولى، دار البيارق للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1418 هـ – 1997 م.
115 - محمد بن علي التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية،، بيروت، 1418 هـ - 1998 م.
116 - محمد بن علي الشوكاني (ت: 1250 هـ)، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت، 1418 هـ - 199 م.
117
، فتح القدير الجامع بين الدراية والرواية في
علم التفسير، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
)
118 - محمد بن عمر الرازي (ت: 606 هـ - 1207 م)، تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب، الطبعة الأولى، دار الفكر، بيروت، 1401 هـ -
-119
1981 م.
، الشفاعة العظمى يوم القيامة، تحقيق
أحمد حجازي أحمد السقا، الطبعة الأولى، مطبعة دار التضامن، القاهرة، 1988 م
120 - محمد بن عمر بن موسى العقيلي (ت: 322 هـ)، كتاب الضعفاء، تحقيق حمدي السلفي، الطبعة الأولى، دار الصميعي، الرياض، 1420 هـ - 00 2000 م.
121 - محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، دار الحديث، أمام جامعة الأزهر. 122 - محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن الرابع عشر، الطبعة الثانية، طبع بمطبعة دائرة معارف القرن العشرين، 1342 هـ - هـ – 192 م (1/204)
صفحة 205
الشغلعة!
الأخروية
م.
123 - المفيد محمد بن محمد النعمان (ت: 413 هـ - 1022 م)، أوائل المقالات في المذاهب المختارات، دار الكتاب الاسلامي، بيروت، 1403 هـ - 1983 124 - محمد مرتضى الزبيدي (ت: 816 هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس، دار ليبيا للنشر والتوزيع، بنغازي.
125 - محمد بن منظور (ت: 711 هـ - 1369 م)، لسان العرب، مكتب تحقيق التراث، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، لبنان، (19931413 م).
126 - محمد بن يزيد القزويني (ت: 275 هـ)، سنن ابن ماجه، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، الطبعة الأولى، دار الجيل، بيروت، 1418 هـ -. 1 هـ - 1998 م
127 - مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت: 817 هـ - 1414 م)، القاموس
المحيط، دار الحديث، القاهرة.
128 - محمود بن عمر الزمخشري (ت: 538 هـ - 1143 م)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل الطبعة الثالثة، دار الران
للتراث، القاهرة، ودار الكتاب العربي، بيروت، 1407 هـ - 1987 م.
مكتبة لبنان، 1406 هـ - 1996 م.
، أساس البلاغة معجم في اللغة والبلاغة
130 - مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري (ت: 261 هـ)، الجامع الصحيح، منشورات المكتب البخاري للنشر والطباعة والتوزيع، بيروت.
131 - محمد يوسف الشيخ التعليقات على شارح الجوهرة، الطبعة الأولى، دار إحياء الكتب العربية، 1373 هـ - 1954 م.
132 - مسلمة بن مسلم العوتبي، الضياء، الطبعة الأولى وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1411 هـ - 1991 م.
:-
133 - ميمون بن محمد النسفي، أبو المعين (ت: 508 هـ - 1114 م)،التمهيد لقواعد التوحيد، الله حسن أحمد، الطبعة الأولى، دار الطباعة المحمدية، 1406 هـ
تحقيق حبيب
تبصرة الأدلة، تحقيق كلود سلامه، الطبعة
الأولى، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق،199 م. (1/205)
صفحة 206
الشفاعة الأخروية
135 - ابن النحاس (ت: 814 هـ - 1411 م)، الموازين مختصر تنبيه الغافلين جمع وترتيب رجائي بن محمد المكي الفاروق الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى، 1409 هـ - 1989 م.
>>
دكتور» الشفاعة الدنيوية والأخروية، دار الكتب، جامعة
136 - نشأت عبدالجواد الأزهر، 1416 هـ - 1996. م.
137 - نعمان خير الدين الشهير بابن الألوسي البغدادي، جلاء العينين في محاكمة الاحمدين، مطبعة المدني، مؤسسة السعودية بمصر.
138 - هود بن محكم الهواري تفسير كتاب الله العزيز، دار الغرب الاسلامي، الطبعة الأولى 1990 م. 139 - يحيى بن شرف النووي (677 هـ - 1278 م)، صحيح مسلم بشرح النووي، الطبعة الثالثة، دار احياء التراث العربي، بيروت، 1404 هـ -198 م.
140 - يوسف ابراهيم، أبو يعقوب الوارجلاني (570 هـ - 1174 م)،حاشية الترتيب، محشى بحاشية العلامة أبي عبدالله محمد بن عمر، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، الطبعة الأولى 1404 هـ - 1984 م.
141 - يوسف جمال الدين أبو الحجاج المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت،1413 هـ - 1992 م.
- الدوريات:
-1
الأستاذ الدكتور عبد الهادي بن عبد القادر بن عبد الهادي، «الرد على الدكتور مصطفى محمود في إنكار الشفاعة، وعلى اللواء محمد شبل في انكار يوم عرفة»، هدية مجلة الأزهر، 1420 هـ.
- رسائل الجامعات
-1
-2
خلدون محمد عقله حماشه أحكام الشفاعة وأثرها في الحقوق، رسالة ماجستير، كلية الشريعة الجامعة الأردنيه، عمان،1412 هـ - 1992 م.
عبدالله بن سعيد المعمري، جزاء العمل في القرآن، رسالة ماجستير كلية الشريعة والقانون جامعة آل البيت المفرق، 1999 م.
مسلم بن سالم الوهيبي، الكبيرة مفهومها وعقوبتها، رسالة ماجستير، كلية الدراسات الفقهية والقانونيه، جامعة آل البيت المفرق،1997 م. (1/206)
صفحة 207
203
الأخروية
قائمة المحتويات
الموضوع
الصفحة
الشفاعة
الإهداء
المقدمة
الفصل الأول: الشفاعة وأنواعها
المبحث الأول: تعريف الشفاعة لغة واصطلاحا
- الشفاعة في اللغة
- الشفاعة في الاصطلاح
المبحث الثاني: أنواع الشفاعة
المطلب الأول: الشفاعة المتعلقة بالملائكة ودليلها
المطلب الثاني: الشفاعة المتعلقة بالعبادات، دليلها
- شفاعة الصيام
- شفاعة القرآن
- شفاعة الصلاة على النبي وزيارة قبره - - ....
- شفاعة كثرة السجود
شفاعة فعل المعروف
-
المطلب الثالث: الشفاعة المتعلقة بالأشخاص، ودليلها
- شفاعة الانبياء عليهم السلام
- شفاعة الشهداء والصديقين
- شفاعة العلماء العاملين
-
شفاعة الأولاد
المبحث الثالث: الحكمة من الشفاعة وأثرها
المطلب الأول: الحكمة من الشفاعة
المطلب الثاني: أثر الشفاعة (1/207)
صفحة 208
الشجاعة الأخروية
الفصل الثاني: الشفاعة في القرآن الكريم والسنة النبوية
المبحث الأول: الشفاعة في القرآن الكريم
المطلب الأول: الآيات المثبتة، وأقوال العلماء
- ما تثبت الشفاعة
- ما تثبت الشفيع
المطلب الثاني: الآيات النافية، وأقوال العلماء
- ما تنفي الشفاعة
- ما تنفي الشفيع
المطلب الثالث: الجمع بين الإثبات والنفي
المبحث الثاني: شروط الشفاعة في القرآن الكريم أولا: القدرة على الشفاعة
ثانيا: إسلام المشفوع له
ثالثا: الإذن بالشفاعة.
رابعا: الرضى عن المشفوع له
المبحث الثالث: الشفاعة في السنة النبوية
المطلب الأول: الشفاعة المتفق عليها
الشفاعة الكبرى، تعريفها، دليلها
الشفاعة بفتح أبواب الجنة ودخولها
-
الشفاعة في أهل الجنة لزيادة ثوابهم ورفع درجاتهم، تعريفها، دليلها .... 103 الشفاعة فيمن تساوت حسناته وسيئاته تعريفها، دليلها ...... 103
المطلب الثاني: الشفاعة المختلف فيها
-
الشفاعة في تخفيف العذاب عن بعض الكفار تعريفها، دليلها. 10400
الشفاعة للمصرين على الكبائر، تعريفها، دليلها (1/208)
صفحة 209
الشفاعة الأخروية
الفصل الثالث: الشفاعة للمصرين على الكبائر بين النفي والإثبات .. 117
المبحث الأول: مفهوم الكبيرة، والإصرار المطلب الأول: تعريف العلماء للكبيرة
المطلب الثاني: معنى الإصرار لغة واصطلاحا
المطلب الثالث: حكم مرتكب الكبيرة
المبحث الثاني: إثبات الشفاعة للعصاة الموحدين
المطلب الأول: أصحاب هذا الرأي
المطلب الثاني:: أد لتهم على ذلك من
- القرآن الكريم
- السنة النبوية
- العقل
المطلب الثالث: مناقشة الأدلة
المبحث الثالث: نفي الشفاعة عن العصاة المصرين
المطلب الأول: أصحاب هذا الرأي
المطلب الثاني: أد لتهم على ذلك من
- القرآن الكريم
- السنة النبوية
- العقل
المطلب الثالث: مناقشة الأدلة
المبحث الرابع: الرأي المختار، وأد لتة
الخاتمة
قائمة المصادر والمراجع (1/209)
صفحة 210
تم بحمد الله
حقوق الطبع محفوظة
طبع بمطابع النهضة (هاتف: 563104) (1/210)