صفحة 1
الكتاب: الشفاعة بيْن المذاهب الإسلامية
المؤلف: مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) الشفاعة بين المذاهب الإسلامية
(أنجز البحث في يوم واحد، فهو في حاجة إلى إسناد بعض الأقوال، وتثبيت قائمة المصادر)
لغة: جاء في لسان العرب: 8/ 184 «شفع لي، يشفع، شفاعة، وتشفع: طلب.
والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره.
والمشفّْع الذي يَقبل الشفاعة، والمشفَّع الذي تُقبل شفاعته».
فالشفاعة هي الطلب والوسيلة.
وشرعا: اختلف علماء المذاهب الإسلامية في تعريفها حسب الأدلة التي ركنوا إليها، وحسب مستحقي الشفاعة في الآخرة، فمنهم من يضيقها على المتقيين فقط مثل الإباضية، ومنهم من يوسعها كل من لفظ بالشهادتين، مثل أهل السنة (المحدثون والأشاعرة)، والشيعة.
واتفقوا في معناها الذي ينطبق على مستحقها من المتقين، والذي هو: طلب تعجيل دخول الجنة، وزيادة الدرجات فيها.
والشفاعة –بمفهومها العام- حقٌّ، ويجب الإيمان بها، ومن أنكرها أو كذَّب بها فيعتبره الإمام جابر بن زيد بمنزلة من كذَّب القرآن (1).
الشفعاء
يتفق مجموع علماء أهل السنة والإباضية أن الشفاعة تكون للملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا تفصيل أقوالهم.
أولا: الإباضية:
1 - يسند الإباضية الشفاعة إلى الملائكة والنبيئين (2) والصحابة أيضا، بدليل ما ذكره ابن سلام في كتابه شرائع الدين: عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: «أوصيكما أن تقروا مني أويس القرني [صحابي] السلام، يقدم المدينة بعدي، ينزل ناحية الأنصار، يدخل في شفاعته يوم القيامة عدد ربيعة ومضر» (3).
2 - يقول الإمام جابر بن زيد: «والله ما شفاعة الملائكة والنبيئين إِلاَّ للتائبين» (4).
__________
(1) أبو ستة: حاشية الترتيب: 3/ 25؛ بولرواح: من فقه جابر بن زيد: 40.
(2) أبو ستة: حاشية الترتيب: 3/ 26.
(3) شرائع الدين: 79؛ لم أجد تخريجه في برنامج المكتبة الألفية.
(4) أبو ستة: حاشية الترتيب: 3/ 26. (1/1)
صفحة 2
- يذهب هود بن محكم في تفسير قوله تعالى: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} (سورة المدثر: 48) إلى أن الملائكة والنبيئين لا يشفعون للمنافقين، إِنَّمَا يشفعون لمن ارتضى الله من المؤمنين (1).
3 - ويفسر هود قوله تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَنْ يَّأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَّشَاءُ وَيَرْضَى} (سورة النجم: 26) بمعنى لا تنفع شفاعة الملائكة للمشركين والمنافقين شيئا، إِلاَّ لمن قال: لا إله إِلاَّ الله، وعمل بالفرائض (2).
4 - يذهب الشيخ اطفيش إلى أن الشفعاء يكونون من «الملائكة، والأنبياء، والعلماء، والشهداء» (3).
تفاسير النصوص التي بين أيدينا تثبت الشفاعة للملائكة والنبيئين والصحابة، أما أقوال علماء الإباضية فإنها تتوسع في الشفعاء إلى العلماء والشهداء.
ثانيا: أهل السنة:
من خلال الأدلة التي جمعتها نجد ما يأتي:
1 - في قوله تعالى: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ... يقول القرطبي: «الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على الله لا تشفع إلا من أذن أن يشفع له»
2 - يقول تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَى}، يرى القرطبي أن الحديث عن شفاعة الملائكة.
__________
(1) هود بن محكَّم: المصدر نفسه: 3/ 397.
(2) هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 4/ 241.
(3) شرح نونية المديح: و 400، نقلا عن مصطفى وينتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية: 422. (1/2)
صفحة 3
3 - في حديث طويل وعجيب لأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يثبت فيه رؤية الله يوم القيامة، وتلؤلؤ وجوه الخارجين من النار، وجاء فيه أيضا: « ... يَقُولُ [الله تعالى] اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ [من النار] فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ ...
3 - وروى الحافظ أبو يعلى عن عثمان رضي الله عنه قال قال رسول الله: «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء».
4 - بعد أن أورد صاحب كتاب أولي الاعتبار: 1/ 135 - 137 مجموعة من آيات الشفاعة، ذكر قول الخازن «إن المشركين زعموا أن الأصنام يشفعون لهم فأخبر أنه لاشفاعة لأحد عنده إلا ما استثناه بقوله إلا بإذنه يريد بذلك شفاعة النبى وشفاعة الأنبياء والملائكة وشفاعة المؤمنين بعضهم لبعض».
فأهل السنة يوسعون في الشفعاء، بعد الملائكة والنبيين إلى المؤمنين المقربين؛ من العلماء والشهداء.
الشفاعة العظمى:
ويصطلح أهل السنة والإباضية على شفاعة الرسول محمد ص بأنها الشفاعة العظمى، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ، رواه البخاري. (1/3)
صفحة 4
ويعتبرونها المقام المحمود الذي ورد في قَوله تَعَالىَ: {عَسَى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} (الإسراء: 79)، أي: مقاما يحمدك فيه الأَوَّلُونَ والآخرون، وأطلقوا هذه تسمية الأخيرة من خلال حديث ورد في البخاري و في الربيع بن حبيب -مع اختلاف طفيف في الصياغة-: «قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ لِتَشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا قَالَ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ قَالَ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ أَكْلَهُ مِنْ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا وَلَكِنْ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَكِنْ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ قَالَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ كَذَبَهُنَّ وَلَكِنْ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا قَالَ فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ قَتْلَهُ النَّفْسَ وَلَكِنْ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ قَالَ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَلَكِنْ (1/4)
صفحة 5
ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي فَيَقُولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ.
قَالَ قتادة: وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. اللفظ للبخاري.
ويخصص الإباضية (1) والمعتزلة (2) فائدة هذه الشفاعة لدخول الجنة وزيادة درجات المؤمنين، بينما يعتبرها الشيخ اطفيش (3) وأهل السنة عامة للمسلمين، وذلك لبدء الحساب، وإراحتهم من طول الموقف و أهواله (4).
الشفاعة الحقيقية:
من خلال حديثين وردا في مسند أحمد نجد أن الشفيع الحقيقي هو الله وحده، وكل شفيع بعده يكون بعد إرادة الله تعالى، ولا تعارض بينهما، لقوله تعالى: {مَا مِن شَفِيعٍ اِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} (سورة يونس: 03)، لذلك اصطلحنا على شفاعة الله بالشفاعة الحقيقية.
مستحق الشفاعة
__________
(1) أبو ستة: حاشية الترتيب: 8/ 139.
(2) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 688.
(3) جامع الوضع والحاشية: 25؛ نقلا عن مصطفى وينتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية: 422.
(4) البوطي: كرى اليقينيات الكونية. 356. (1/5)
صفحة 6
اختلفت المذاهب الإسلامية في تحديد مستحق الشفاعة بين موسع على كل المسلمين دون استثناء، وبين من خصها بالمتقين العاملين بالمعروف، ولكل دليله من الكتاب والسنة، ولكل منهجه في التعامل مع هذه النصوص، وسنسعى إلى استعراض الأدلة، وبيان طريق استدلال كل على مذهبه، والقاعدة التي وظفها في الترجيح والتأويل.
وقبل البدء في عرض الأدلة يجمل بنا أن نعرف رأي الإباضية، وأهل السنة، وغيرهما –حسب المستطاع- في مستحق الشفاعة؛ فأما مذهب الإِبَاضِيَّة في الشفاعة فيرى أَنَّهَا مقصورة عَلَى الأتقياء من الْمُكَلَّفِينَ، وهم من جانَب الْمُحَرَّمَات وأدى الواجبات، فلا شفاعة لغيره من الأشقياء والعصاة من الموحِّدين إن ماتوا عَلَى غير توبة، ولا المشركين. بينما يراها أهل السنة شاملة للمؤمنين، وأهل الكبائر، ولكل من تلفظ بشهادة أن لا إله إلا الله. وسنعرض الأدلة في الجدول التالي، مبتدئين بآيات الله في كتابه الحكيم، ثم أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
أدلة القرآن الكريم
اللآية ... الإباضية ... أهل السنة ... النتيجة ... النقد (1/6)
صفحة 7
1 - وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (48) البقرة ... ذهب هود بن محكم إلى أن الشفاعة لا تكون إِلاَّ للمؤمنين (1). ... ابن تيمية: ... عمم الإباضية الآية على المشرك وصاحب الكبيرة. ... كل حمل الآية على حسب معتقد سابق في الشفاعة، وهي تحتمل الوجهين. ... هذه آية في شأن المشركين، إلا أنها تصف يوما من شأنه أنه لا شفاعة فيه بدفع العذاب عن مستحقه. ... يقال الشفاعة المنفية هى الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق وهى أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته، فأما إذا أذن له فى أن يشفع فشفع لم يكن مستقلا بالشفاعة بل يكون مطيعا له ... وخصصها أهل السنة بالكافر المشرك لوجود أدلة أخرى. وفرقوا بين الشفاعة المعهودة في الدنيا، وبين التي يأذن فيها الله بالتشفيع. ... تيسير التفسير: 1/ 71.، وينتن: 428. ... ... وفى الدنيا يشفع الشافع عند غيره وينتفع بشفاعته وإن لم يكن أذن له فى الشفاعة، ويكون خليله فيعينه ويفتدى نفسه من الشر فقد ينتفع بالنفوس والأموال فى الدنيا ... العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا شفاعة للنفس التي أوبقتها المعاصي وماتت مصرة. ... فتاوى ابن تيمية. ... هميان الزاد: 2/ 23، الجعبيري: 671. ... هذه آية عامة خصصت بأدلة دالة على الشفاعة، فوجب المصير إلى تخصيصها. التفسير الكبير: 1/ 65. ... وفي تفسير أبو السعود: 1/ 121، أنها خاصة بالكفار.
__________
(1) هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 103. (1/7)
صفحة 8
2 - يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ (254) البقرة ... ومعلوم أنه إنما نفى الخلة المعروفة ونفعها المعروف كما ينفع الصديق الصديق في الدنيا. (ومثل ذلك يقال للشفاعة). ... يفرق أهل السنة بين شفاعة مرخصة وغير مرخصة. ... كل وجه الآية حسب مذهبه في الشفاعة، والآية تحتملها. ... فتوى ابن تيمية. ... بخلاف الإباضية لا يفرقون بينهما. (1/8)
صفحة 9
3 - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) الأنبياء ... يعتقد الشيخ اطفيش أن المرتضى هو المؤمن دون غيره، وينتن: 426. ... ذهب الأشعري إلى أن المقصد إِلاَّ من ارتضى لمن يشفعون له (1). وقيل الفاسق مرتضى بإيمانه، وهذا يُستنتج من قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} (سورة فاطر: 32) فمن المعلوم أن الاصطفاء والارتضاء لهما معنى واحد، وأن من المصطفين منهم ظالم لنفسه {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ}، وهذا يستلزم أن من المرتضى من هو ظالم لنفسه، والظلم هو الفسق (2)، وعليه فالفساق تشملهم الشفاعة بعد تأويل النص. ابن ادريسو ... خصص الإباضية المرتضى بالمؤمن الموفي. ... تعامل الإباضية مع الآية مباشرة، بخلاف أهل السنة أخذوا المعنى من آيات أخر وبتأويل. ... وتماثلها آية الكرسي، وبداية سورة يونس، وسبأ، من بعد إذنه. ... ويرى المصعبي أن الآية بظاهرها ناعية على بطلان ما ذهبوا إليه. ... يرى الباقلاني أنه لا يشفع إلا من رضي الله عمله الصالح، ولو كان معه ذنب يستوجب العقاب، لأن له إيمان وبر. التمهيد: 371. ... وعممه أهل السنة على كل مسلم، ولو كان فاسقا، لأن له إيمان وبر. ... حاشية على تفسير الجلالين: 580، الجعبيري: 672. ... يصرح الرازي أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله، فوجب أن يكون من أهل الشفاعة، وذلك بحسب إيمانه وتوحيده. ومن دخل في شفاعة ملك دخل في شفاعة الأنبياء والرسول محمد ص، فلا قائل بالفرق. التفسير الكبير: 22/ 60. ... ويقول السالمي: في الآية تصريح بأن الشفاعة مقصورة على من ارتضاه الله تعالى.
__________
(1) الإبانة: 1/ 243.
(2) البيهقي: شعب الإيمان: 1/ 280. (1/9)
صفحة 10
4 - مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) ... لفظة الظالمين عَامَّة (مؤمن أو كافر). مقرر اشريفي ... الظالمون المحرومون من الشفاعة هم الكافرون، بدليل مفتَتَح الآية {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِر} (1). ... عمم الإباضية الظلم على الكافر والمؤمن العاصي، وخصصه أهل السنة بالمشرك فقط. ... كل تعامل مع الآية حسب فهمه لمصطلح الظلم من خلال الآيات المختلفة. ... فيها نفي الشفاعة للظالمين، وصاحب الكبيرة من الظالمين. شرح أصول تبغورين: 577، وينتن: 429. ... بمعنى، ليس لبعض الظالمين حميم ولا شفيع يجاب وهو الكفار. ... يرى السالمي أنها لا تخص المشركين كما زعموا، وإن كان سبب نزولها فيهم، لكن العبرة بعموم اللفظ. ... الرازي: تفسير الكبير: 1/ 65. ... المشارق: 287.
5 - وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) النجم ... بمعنى لا تنفع شفاعة الملائكة للمشركين والمنافقين شيئا، إِلاَّ لمن قال: لا إله إِلاَّ الله، وعمل بالفرائض (2). ... يقول القرطبي: «الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على الله لا تشفع إلا من أذن أن يشفع له». ... يعتقد الإباضية أن إذن الله بالشفاعة لا ينطبق إلا على المتقي العامل بالحسنى، بينما أهل السنة يعممونه على كل من يشاء الله، وقد يكون صاحب كبيرة. فاسقا. ... الآية علقت مشيئة الله بمن يشاء في أن يأذن له بالشفاعة، من الملائكة وغيرهم، بينما الإباضية وأهل السنة استنبطوا منها حكم من يستحق هذه الشفاعة.
__________
(1) البيهقي: المصدر نفسه: 1/ 280.
(2) هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 4/ 241. (1/10)
صفحة 11
6 - فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) المدثر ... الملائكة والنبيئون لا يشفعون للمنافقين، إِنَّمَا يشفعون لمن ارتضى الله من المؤمنين (1). ... قال القرطبي في التذكرة: «قيل له لا تنفعه في الخروج من النار كما تنفع عصاه الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة». ... يرى الإباضية أن أن الشفاعة لا تنفع العاصي، بينما أهل السنة يرون أنها ستنفعه للخروج من النار. ... استنبط الإباضية الحكم مع الآية مباشرة. أما أهل السنة فحموها بنصوص أخرى، وبالخصوص الأحاديث. ... يسقط الشيخ اطفيش الآية على المجرمين الذين في النار، فلا تنفع أن يشفع فيهم. ... شرح الطحاوية. ... شرح نونية المديح: ظ399، وينتن: 429.
7 - {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (سورة الزخرف: 86) ... فالمستحق للشفاعة يجب أن يشهد أن لا إله إِلاَّ الله، شهادة مخلصة بالقلب، وهو متيقن أَنَّهَا الحقُّ، ويعمل بما يعلم (2).
أدلة الحديث النبوي الشريف
الحديث ... الإباضية ... أهل السنة ... النتيجة ... النقد
__________
(1) هود بن محكَّم: المصدر نفسه: 3/ 397.
(2) هود بن محكَّم: المصدر نفسه: 3/ 397. (1/11)
صفحة 12
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». ... - آحاديٌّ ظنِّيٌّ فلا يعارض القطعي ... يقول فيه الأشعري: «إن قالوا [الشفاعة] للمؤمنين المبشَّرين بالجنة الموعودين بها قيل لهم: فإذا كانوا موعودين بالجنة وبها مبشرين والله لا يخلف وعده. ... سعى الإباضية إلى توجيه الحديث، لأنه يتعارض مع أحاديث أخرى تناقضه تماما، وردت في مسند الربيع وهو معتمدهم. ... أحمد ... - هناك أَدِلَّة الخلود الثابتة، فإذا ثبت تخليدهم انتفت الشفاعة ضرورةً. ... فما معنى الشفاعة لقوم لا يجوز عندكم أن لا يدخلهم الله جناته» (1) ويقول أيضا: «الشفاعة المعقولة فيمن استحق عقابا أن يوضع عنه عقابه أو فيمن لم يَعِدْه شيئا أن يتفضل عليه» (2). ... بينما أهل السنة أثبتوا رأيهم بهذا الحديث الذي لم يبلغ درجة صحة أحاديث التي رواها الشيخان. ... - يتعارض مع حديث الربيع «لاَ تَنَالُ شَفَاعَتِي سُلْطَانًا غَشُومًا لِلنَّاسِ، وَرَجُلاً لاَ يُرَاقِبُ اللَّهَ فِي الْيَتِيمِ» (3). ... - يخالف القرآن الكريم. ... - إِمَّا أَن الشفاعة معلَّقة بشرط دَلَّ عَلَيْهِ الكِتَاب، وهو إذا ماتوا تائبين منها. والفائدة من تخصيصهم بالذكر في سياق الشفاعة دفع إياسهم من رحمة الله عَزَّ وَجَلَّ، وتسهيل الطريق لهم إِلىَ التوبة، عملا بِقَولِهِ تَعَالىَ: {قُلْ يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} إلخ الآيات (الزمر: 53 - 55).
__________
(1) الأشعري: الإبانة: 2/ 214.
(2) الأشعري: المصدر نفسه: 2/ 243.
(3) رواه الربيع في الأَخْبَار الْمَقَاطِيع عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ، رقم 1002. (1/12)
صفحة 13
«ليست شفاعتي لأهل الكبائر» (1). ... - يعتبره الإباضية حديث صحيح لأنه ورد في مسند الربيع. ... لا يعتدُّون به، لعدم اعترافهم بمسند الربيع. ... هذا الحديث معتمد المسألة عند الإباضية، بينما أهل السنة يرفضونه تماما. ... - يؤولون الأحاديث التي تثبت الشفاعة للعصاة (2). ... - يحلف الإمام جابر بن زيد: ما لأهل الكبائر من شفاعة (3)، ويقول: «والله ما شفاعة الملائكة والنبيئين إِلاَّ للتائبين» (4). ... - ومن المأثور عنه أيضا: «ما نالت دعوة مؤمن منافقا قط» (5).
من الحديثين المتعارضين، يظهر لنا إشكال جوهري، كيف نعقل صدوره من مشكاة واحدة.
- إذا صحت إحدى الروايتين، وهما صريحتان في الموضوع، وتقريريتان بأسلوب مباشر، فلماذا ظهرت الرواية الثانية؟
- كلا الروايتين ليستا من الحديث الصحيح، بدليل أن المثبتة للشفاعة وردت في مسند أحمد، وهو أقل كتب السنن والصحاح اعتمادا عند أهل السنة. والرواية النافية للشفاعة وردت في مقاطيع جابر بن زيد وهي مرسلة، فضلا عن أن الجزء الرابع من المسند ليس من جمع الربيع بن حبيب (انظر: بحث الفكر العقدي عند الإباضية).
وفي الأخير نصل إلى أن الإِبَاضِيَّة يثبتون الشفاعة للمؤمن التقي، وينفونها عن العصاة وأصحاب الكبائر، بأَدِلَّة من القرآن صريحة، وبأَدِلَّة من السنة وردت في ترتيب المسند، أَمَّا ما ورد في كتب السنة الأخرى فإنهم يؤوِّلونها. بينما أهل السنة يثبتون الشفاعة بأَدِلَّة من السنة -خلاف ترتيب المسند- صريحة، وبتأويل نصوص القرآن.
__________
(1) ترتيب المسند: ح: 1004، وهو مثال لأحاديث لها نفس المعنى في الكتاب. ولم أجد تخريجه في الكتب التسعة.
(2) وينتن: آراء الشيخ اطْفِيَّشْ العقَدية: 434.
(3) بولرواح: من فقه جابر بن زيد: 41 نقلا عن الجيطالي: قناطر الخيرات: 1/ 163.
(4) أبو ستة: حاشية الترتيب: 3/ 26.
(5) أيو ستة: المصدر نفسه: 3/ 26. (1/13)